{"pages":[{"id":1,"text":"{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، وإنما كتبت للفصل والتبرك للابتداء بها ، وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه رحمهم الله ، ولذا لا يجهر بها عندهم في الصلاة . وقراء مكة والكوفة على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله ، ولذا يجهرون بها في الصلاة وقالوا : قد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن عما ليس منه . وعن ابن عباس Bهما : من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله . ولنا حديث أبي هريرة قال : سمعت النبي عليه السلام يقول : \" قال الله تعالى قسمت الصلاة أي الفاتحة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } قال الله تعالى : حمدني عبدي . وإذا قال { الرحمن الرحيم } قال الله تعالى : أثنى عليّ عبدي . وإذا قال { مالك يَوْمِ الدين } قال : مجدني عبدي . وإذا قال { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال { اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل \" فالابتداء بقوله { الحمد للَّهِ } دليل على أن التسمية ليست من الفاتحة ، وإذا لم تكن من الفاتحة لا تكون من غيرها إجماعاً ، والحديث مذكور في صحاح المصابيح . وما ذكروا لا يضرنا لأن التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور عندنا ذكره فخر الإسلام في المبسوط . وإنما يرد علينا أن لو لم نجعلها آية في القرآن وتمام تقريره في «الكافي» .\rوتعلقت الباء بمحذوف تقديره : باسم الله أقرأ أو أتلو ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال باسم الله والبركات كان المعنى باسم الله أحل وباسم الله أرتحل ، وكذا الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله باسم الله كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له . وإنما قدر المحذوف متأخراً لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به ، وكانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات وباسم العزى ، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله D بالابتداء وذا بتقديمه وتأخير الفعل . وإنما قدم الفعل في { اقرأ باسم رَبّكَ } [ العلق : 1 ] لأنها أول سورة نزلت في قول ، وكان الأمر بالقراءة أهم فكان تقديم الفعل أوقع . ويجوز أن يحمل { اقرأ } على معنى افعل القراءة وحققها كقولهم فلان يعطي ويمنع غير متعدٍ إلى مقروء به ، وأن يكون { باسم رَبّكَ } مفعول { اقرأ } الذي بعده .","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"واسم الله يتعلق بالقراءة تعلق الدهن بالإنبات في قوله { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] على معنى متبركاً باسم الله أقرأ ففيه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه . وبنيت الباء على الكسر لأنها تلازم الحرفية والجر فكسرت لتشابه حركتها عملها ، والاسم من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون كالابن والابنة وغيرهما؛ فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة تفادياً عن الابتداء بالساكن تعذراً ، وإذا وقعت في الدرج لم يفتقر إلى زيادة شيء . ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال «سم» و«سم» وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز كيد ودم وأصله «سمو» بدليل تصريفه كأسماء وسمي وسميت . واشتقاقه من السمو وهو الرفعة لأن التسمية تنويه بالمسمّى وإشادة بذكره ، وحذفت الألف في الخط هنا وأثبتت في قوله : { اقرأ باسم رَبّكَ } لأنه اجتمع فيها أي في التسمية مع أنها تسقط في اللفظ لكثرة الاستعمال ، وطولت الباء عوضاً عن حذفها ، وقال عمر بن عبد العزيز لكاتبه : طول الباء وأظهر السينات ودور الميم ، والله أصله الإله ونظيره الناس أصله الأناس ، حذفت الهمزة وعوض منها حرف التعريف . والإله من أسماء الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بالحق ، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا . وأما الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره ، وهو اسم غير صفة لأنك تصفه ولا تصف به ، لا تقول شيء إله كما لا تقول شيء رجل ، وتقول الله واحد صمد ، ولأن صفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجري عليه فلو جعلتها كلها صفات لبقيت صفات غير جارية على اسم موصوف بها وذا لا يجوز . ولا اشتقاق لهذا الاسم عند الخليل والزجاج ومحمد ابن الحسن والحسين بن الفضل . وقيل : معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم «أله» إذا تحير ينتظمهما معنى التحير والدهشة ، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن ولذا كثر الضلال وفشا الباطل وقل النظر الصحيح . وقيل : هو من قولهم أله يأله إلاهاً إذا عبد فهو مصدر بمعنى مألوه أي معبود كقوله { هذا خَلْقُ الله } [ لقمان : 11 ] أي مخلوقه . وتفخم لامه إذا كان قبلها فتحة أو ضمة ، وترقق إذا كان قبلها كسرة . ومنهم من يرققها بكل حال ، ومنهم من يفخم بكل حال والجمهور على الأول . والرحمن فعلان من رحم وهو الذي وسعت رحمته كل شيء كغضبان من غضب وهو الممتلىء غضباً ، وكذا الرحيم فعيل منه كمريض من مرض . وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم لأن في الرحيم زيادة واحدة وفي الرحمن زيادتين ، وزيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى ، ولذا جاء في الدعاء يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن .","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وقالوا : الرحمن خاص تسمية لأنه لا يوصف به غيره ، وعام معنى لما بينا . والرحيم بعكسه لأنه يوصف به غيره ويخص المؤمنين ولذا قدم الرحمن وإن كان أبلغ والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى . يقال : فلان عالم ذو فنون نحرير لأنه كالعلم لما لم يوصف به غير الله ، ورحمة الله إنعامه على عباده وأصلها العطف وأما قول الشاعر في مسيلمة :\rوأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ... فباب من تعنتهم في كفرهم . ورحمن غير منصرف عند من زعم أن الشرط انتفاء فعلانة إذ ليس له فعلانة ، ومن زعم أن الشرط وجود فعلي صرفه إذ ليس له فعلى ، والأول أوجه .\r{ الحمد } الوصف بالجميل على جهة التفضيل ، وهو رفع بالابتداء وأصله النصب . وقد قرىء بإضمار فعله على أنه من المصادر المنصوبة بأفعال مضمرة في معنى الإخبار كقولهم شكراً وكفراً . والعدول عن النصب إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره والخبر . { لِلَّهِ } واللام متعلق بمحذوف أي واجب أو ثابت . وقيل : الحمد والمدح أخوان وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها . تقول : حمدت الرجل على إنعامه وحمدته على شجاعته وحسبه ، وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال :\rأفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا\rأي القلب ، والحمد باللسان وحده وهو إحدى شعب الشكر ومنه الحديث « الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده » وجعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان أشيع لها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال ، ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الكفران . وقيل : المدح ثناء على ما هو له من أوصاف الكمال ككونه باقياً قادراً عالماً أبدياً أزلياً ، والشكر ثناء على ما هو منه من أوصاف الإفضال والحمد يشملهما . والألف واللام فيه للإستغراق عندنا خلافاً للمعتزلة ، ولذا قرن باسم الله لأنه اسم ذات فيستجمع صفات الكمال وهو بناء على مسألة خلق الأفعال وقد حققته في مواضع . { رَبّ العالمين } الرب المالك ومنه قول صفوان لأبي سفيان : لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن . تقول ربه يربه رباً فهو رب ، ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل . ولم يطلقوا الرب إلاّ في الله وحده وهو في العبيد مع التقييد { إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوَايَّ } [ يوسف : 23 ] { قَالَ ارجع إلى رَبّكَ } [ يوسف : 50 ] ، وقال الواسطي : هو الخالق ابتداء ، والمربي غذاء ، والغافر انتهاء . وهو اسم الله الأعظم والعالم كل ما علم به الخالق من الأجسام والجواهر والأعراض ، أو كل موجود سوى الله تعالى سمي به لأنه علم على وجوده . وإنما جمع بالواو والنون مع أنه يختص بصفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"{ الرحمن الرحيم } ذكرهما قد مر وهو دليل على أن التسمية ليست من الفاتحة إذ لو كانت منها لما أعادهما لخلو الإعادة عن الإفادة .\r{ مالك } : عاصم وعليّ ملك : غيرهما وهو الاختيار عند البعض لاستغنائه عن الإضافة ولقوله : { لّمَنِ الملك اليوم } [ غافر : 16 ] ولأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكاً ، ولأن أمر الملك ينفذ على المالك دون عكسه . وقيل : المالك أكثر ثواباً لأنه أكثر حروفاً . وقرأ أبو حنيفة والحسن Bهما «ملك» { يَوْمِ الدين } أي يوم الجزاء ويقال كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى ، وهذه إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع كقولهم :\rيا سارق الليلة أهل الدار ... أي مالك الأمر كله في يوم الدين . والتخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله وحده ، وإنما ساغ وقوعه صفة للمعرفة مع أن إضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية لأنه أريد به الاستمرار فكانت الإضافة حقيقية ، فساغ أن يكون صفة للمعرفة ، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه رباً أي مالكاً للعالمين ومنعماً بالنعم كلها ومالكاً للأمر كله يوم الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله : { الحمد للَّهِ } دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه . { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } «إيا» عند الخليل وسيبويه اسم مضمر ، والكاف حرف خطاب عند سيبويه ولا محل له من الإعراب . وعند الخليل هو اسم مضمر أضيف «إيا» إليه لأنه يشبه المظهر لتقدمه على الفعل والفاعل . وقال للكوفيون : إياك بكمالها اسم وتقديم المفعول لقصد الاختصاص ، والمعنى نخصك بالعبادة وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ونخصك بطلب المعونة ، وعدل عن الغيبة إلى الخطاب للالتفات ، وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } [ يونس : 22 ] ، وقوله : { والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ } [ فاطر : 9 ] ، وقول امريء القيس :\rتطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلي ولم ترقد\rوبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد\rوذلك من نبإٍ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود\rفالتفت في الأبيات الثلاثة حيث لم يقل ليلي وبت وجاءك ، والعرب يستكثرون منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبوب عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه وأملأ لاستلذاذ إصغائه ، وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة والعلماء النحارير وقليل ما هم . ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء ، وأجرى عليه تلك الصفات العظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة ، أو لنظم الآي كما قدم الرحمن ، وإن كان الأبلغ لا يقدم . وأطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان ، فيه ، ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادات ويكون قوله : «اهدنا» بياناً للمطلوب من المعونة كأنه قيل : كيف أعينكم؟ فقالوا : { اهدنا الصراط المستقيم } أي ثبتنا على المنهاج الواضح كقولك للقائم : قم حتى أعود إليك أي أثبت على ما أنت عليه . أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال . وهدى يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد ، فأما تعديه إلى مفعول آخر فقد جاء متعدياً إليه بنفسه كهذه الآية ، وقد جاء متعدياً باللام وبإلى كقوله تعالى : { هَدَانَا لهذا } [ الأعراف : 43 ] وقوله : { هَدَانِي رَبّي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ الأنعام : 161 ] . والسراط : الجادة من سرط الشيء إذا ابتلعه كأنه يسرط السابلة إذا سلكوه . والصراط من قلب السين صاداً لتجانس الطاء في الإطباق لأن الصاد والضاد والطاء والظاء من حروف الإطباق ، وقد تشم الصاد صوت الزاي لأن الزاي إلى الطاء أقرب لأنهما مجهورتان وهي قراءة حمزة ، والسين قراءة ابن كثير في كل القرآن وهي الأصل في الكلمة ، والباقون بالصاد الخالصة وهي لغة قريش وهي الثابتة في المصحف الإمام ، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل ، والمراد به طريق الحق وهو ملة الإسلام .\r{ صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط وهو في حكم تكرير العامل ، وفائدته التأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم تفسيره صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده وهم المؤمنون و الأنبياء عليهم السلام أو قوم موسى A قبل أن يغيروا { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } بدل من الذين أنعمت عليهم ، يعني أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال أو صفة للذين ، يعني أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال . وإنما ساغ وقوعه صفة للذين وهو معرفة و «غير» لا يتعرف بالإضافة لأنه إذا وقع بين متضادين وكانا معرفتين تعرف بالإضافة نحو »عجبت من الحركة غير السكون« . والمنعم عليهم والمغضوب عليهم متضادان ، ولأن الذين قريب من النكرة لأنه لم يرد به قوم بأعيانهم »وغير المغضوب عليهم« قريب من المعرفة للتخصيص الحاصل له بإضافته ، فكل واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه فاستويا . »وعليهم« الأولى محلها النصب على المفعولية ، ومحل الثانية الرفع على الفاعلية . وغضب الله إرادة الانتقام من المكذبين وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على ما تحت يده . وقيل : المغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى : { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [ المائدة : 60 ] والضالون هم النصارى لقوله تعالى","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"{ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } [ المائدة : 77 ] ، »ولا« زائدة عند البصريين للتوكيد ، وعند الكوفيين هي بمعنى غير . آمين صوت سمي به الفعل الذي هو استجب كما أن رويد اسم لأمهل . وعن ابن عباس Bهما سألت رسول الله A عن معنى آمين فقال : «افعل» وهو مبني وفيه لغتان : مد ألفه وقصرها وهو الأصل والمد بإشباع الهمزة قال :\rيا رب لا تسلبّني حبها أبدا ... ويرحم الله عبداً قال آمينا\rوقال : آمين فزاد الله ما بيننا بعداً . قال عليه السلام : \" لقنني جبريل آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب \" وقال : إنه كالختم على الكتاب . وليس من القرآن بدليل أنه لم يثبت في المصاحف .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الم } ونظائرها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم ، فالقاف تدل على أول حروف قال ، والألف تدل على أوسط حروف قال ، واللام تدل على الحرف الأخير منه وكذلك ما أشبهها . والدليل على أنها أسماء أن كلاً منها يدل على معنى في نفسه ويتصرف فيها بالإمالة والتفخيم وبالتعريف والتنكير و الجمع والتصغير وهي معربة ، وإنما سكنت سكون زيد وغيره من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه . وقيل : إنها مبنية كالأصوات نحو «غاق» في حكاية صوت الغراب ، ثم الجمهور على أنها أسماء السورة ، وقال ابن عباس Bهما : أقسم الله بهذه الحروف . وقال ابن مسعود Bه : إنها اسم الله الأعظم . وقيل : إنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله . وما سميت معجمة إلا لإعجامها وإبهامها . وقيل : ورود هذه الأسماء على نمط التعديد كالإيقاظ لمن تحدى بالقران . وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا إن لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة وهم أمراء الكلام إلا لأنه ليس من كلام البشر وأنه كلام خالق القوى والقدر ، وهذا القول من الخلافة بالقبول بمنزل . وقيل : إنما وردت السور مصدرة بذلك ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بوجه من الإغراب وتقدمة من دلائل الإعجاز ، وذلك أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام الأميّون منهم وأهل الكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم ، وكان مستبعداً من الأمي التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة ، فكان حكم النطق بذلك من اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئاً من أهله حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن التي لم تكن قريش ومن يضاهيهم في شيء من الإحاطة بها في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي وشاهد لصحة نبوته .\rواعلم أن المذكور في الفواتح نصف أسامي حروف المعجم وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم . وهي مشتملة على أنصاف أجناس الحروف ، فمن المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء ، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون ، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف ، ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون ، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء ، ومن المنفتحة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون ، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء ، ومن المنخفضة نصفها واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون ، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء وغير المذكورة من هذه الأجناس مكثورة بالمذكورة منها .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"وقد علمت أن معظم الشيء ينزل منزلة كله ، فكأن الله تعالى عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما مر من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم . وإنما جاءت مفرقة على السور لأن إعادة التنبيه على المتحدى به مؤلفاً منها لا غير أوصل إلى الغرض ، وكذا كل تكرير ورد في القرآن فالمطلوب منه تمكين المكرر في النفوس وتقريره . ولم تجىء على وتيرة واحدة بل اختلفت أعداد حروفها مثل : ص و ق و ن وطه وطس ويس وحم والم والر وطسم والمص والمر وكهيعص وحم عسق . فوردت على حرف وحرفين وثلاثة وأربعة وخمسة كعادة افتنانهم في الكلام . وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فسلك في الفواتح هذا المسلك . «والم» آية حيث وقعت ، وكذا { المص } آية و { المر } لم تعد آية وكذا { الر } لم تعد آية في سورها الخمس و { طسم } آية في سورتيها و { طه } و { يس } آيتان و { وطس } ليست بآية و { حم } آية في سورها كلها و { حم عسق } آيتان و { كهيعص } آية و { ص } و { ن } و { ق } ثلاثتها لم تعد آية وهذا عند الكوفيين ومن عداهم لم يعد شيئاً منها آية ، وهذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور .\rويوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده ، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات ، أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله { الم الله } [ آل عمران : 1 ] أي هذه الم ثم ابتدأ فقال : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } [ آل عمران : 1 ] ولهذه الفواتح محل من الإعراب فيمن جعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام وهو الرفع على الابتداء ، أو النصب أو الجر لصحة القسم بها وكونها بمنزلة الله والله على اللغتين ، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل في مذهبه كما لا محل للجملة المبتدأة وللمفردات المعدودة .\r{ ذلك الكتاب } أي ذلك الكتاب الذي وعد به على لسان موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، أو «ذلك» إشارة إلى «الم» ، وإنما ذكّر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة ، لأن الكتاب إن كان خبره كان ذلك في معناه ومسماه مسماه فجاز إجراء حكمه عليه بالتذكير والتأنيث ، وإن كان صفته فالإشارة به إلى الكتاب صريحاً لأن اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له ، تقول : هند ذلك الإنسان أو ذلك الشخص فعل كذا ، ووجه تأليف ذلك الكتاب مع «الم» إن جعلت «الم» إسماً للسورة أن يكون «الم» مبتدأ و«ذلك» مبتدأ ثانياً و«الكتاب» خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول ، ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص كما تقول : هو الرجل أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال ، وأن يكون «الم» خبر مبتدأ محذوف أي هذه «الم» جملة «وذلك الكتاب» جملة أخرى ، وإن جعلت «الم» بمنزلة الصوت كان «ذلك» مبتدأ خبره «الكتاب» أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"{ لاَ رَيْبَ } لا شك وهو مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة . وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها ومنه قوله عليه السلام : \" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة \" أي فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر ، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له وتسكن ، ومنه ريب الزمان وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه . وإنما نفى الريب على سبيل الاستغراق وقد ارتاب فيه كثير لأن المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه لا أن أحداً لا يرتاب ، وإنما لم يقل «لا فيه ريب» كما قال { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [ الصافات : 47 ] لأن والمراد في إيلاء الريب حرف النفي نفي الريب عنه وإثبات أنه حق لا باطل كما يزعم الكفار ، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتاباً آخر فيه ريب لا فيه كما قصد في قوله تعالى : { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [ الصافات : 47 ] ، تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي . والوقف على «فيه» هو المشهور . وعن نافع وعاصم أنهما وقفاً على «ريب» . ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً والتقدير : لا ريب فيه .\r{ فِيهِ هُدًى } فيه بإشباع كل هاء مكي ووافقه حفص في { فيه مهاناً } [ الفرقان : 69 ] وهو الأصل كقولك مررت به ومن عنده وفي داره . وكما لا يقال في داره ومن عنده وجب أن لا يقال فيه . وقال سيبويه ما قاله مؤد إلى الجمع بين ثلاثة أحرف سواكن : الياء قبل الهاء ، والهاء إذاً الهاء المتحركة في كلامهم بمنزلة الساكنة لأنها الهاء خفية والخفي قريب من الساكن ، والياء بعدها . والهدى مصدر على فعل كالبكي وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلالة في مقابلته في قوله : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة : 16 ] وإنما قيل هدى { لّلْمُتَّقِينَ } والمتقون مهتدون لأنه كقولك للعزيز المكرم : أعزك الله وأكرمك ، تريد طلب الزيادة على ما هو ثابت فيه واستدامته كقوله : { اهدنا الصراط المستقيم } ، أو لأنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين كقوله عليه السلام","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"\" من قتل قتيلاً فله سلبه \" وقول ابن عباس Bهما : إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض ، فسمى المشارف للقتل والمرض قتيلاً ومريضاً . ولم يقل : هدى للضالين . لأنهم فريقان فريق علم بقاءهم على الضلالة ، وفريق علم أن مصيرهم إلى الهدى وهو هدى لهؤلاء فحسب ، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا فقيل «هدى للمتقين» مع أن فيه تصديراً للسورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن بذكر أولياء الله . والمتقى في اللغة اسم فاعل من قولهم : وقاه فاتقى ، ففاؤها واو ولامها ياء ، وإذا بنيت من ذلك افتعل قلبت الواو تاء وأدغمتها في التاء الأخرى فقلت اتقى . والوقاية فرط الصيانة ، وفي الشريعة من يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك . ومحل «هدى» الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، أو خبر مع «لا ريب فيه» لذلك ، أو النصب على الحال من الهاء في «فيه» والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أن يقال : إن قوله «الم» جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، «وذلك الكتاب» جملة ثانية ، «ولا ريب فيه» ثالثة ، و«هدى للمتقين» رابعة . وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف عطف وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض ، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة ، بيان ذلك أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة وتسجيلاً بكماله لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة . وقيل لعالم : فيم لذتك؟ قال : في حجة تتبختر اتضاحاً وفي شبهة تتضاءل افتضاهاً . ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله ، وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ونظمت هذا النظم الرشيق من نكتة ذات جزالة . ففي الأولى الحذف والرمز إن المطلوب بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ، ووضع المصدر الذي هو «هدى» موضع الوصف الذي هو «هاد» كأن نفسه هداية وإيراده منكراً ففيه إشعار بأنه هدى لا يكتنه كنهه . والإيجاز في ذكر المتقين كما مر .\r{ الذين } في موضع رفع أو نصب على المدح أي هم الذين يؤمنون أو أعني الذين يؤمنون ، أو هو مبتدأ وخبره «أولئك على هدى» ، أو جر على أنه صفة للمتقين ، وهي صفة واردة بياناً وكشفاً للمتقين كقولك «زيد الفقيه» المحقق لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من الإيمان الذي هو أساس الحسنات ، والصلاة والصدقة فهما العبادات البدنية والمالية وهما العيار على غيرهما ، ألا ترى أن النبي عليه السلام سمى الصلاة عماد الدين ، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة ، وسمى الزكاة قنطرة الإسلام فكان من شأنهما استتباع سائر العبادات ، ولذلك اختصر الكلام بأن استغنى عن عد الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين ، أو صفة مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها كقولك : زيد الفقيه المتكلم الطبيب ، ويكون المراد بالمتقين الذين يجتنبون السيئات { يُؤْمِنُونَ } يصدقون وهو إفعال من الأمن وقولهم : آمنه أي صدقه وحقيقته أمنه التكذيب والمخالفة ، وتعديته بالباء لتضمنه معنى أقر واعترف .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"{ بالغيب } بما غاب عنهم مما أنبأهم به النبي عليه السلام من أمر البعث والنشور والحساب وغير ذلك ، فهو بمعنى الغائب تسمية بالمصدر من قولك «غاب الشيء غيباً» . هذا إن جعلته صلة للإيمان ، وإن جعلته حالاً كان بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيبة ، والإيمان الصحيح أن يقر باللسان ويصدق بالجنان والعمل ليس بداخل في الإيمان . { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } أي يؤدونها فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت وهو القيام وبالركوع والسجود والتسبيح لوجودها فيها ، أو أريد بإقامة الصلاة تعديل أركانها من أقام العود إذا قومه ، أو الدوام عليها والمحافظة من قامت السوق إذا نفقت لأنه إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ، وإذا أضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه ، والصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى ، وكتابتها بالواو على لفظ المفخم . وحقيقة صلى حرك الصلوين أي الأليتين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده . وقيل للداعي مصل تشبيهاً له في تخشعه بالراكع والساجد { وَمِمَّا َرَزَقْنَاهُمْ } أعطيناهم . و «ما» بمعنى «الذي» { يُنفِقُونَ } يتصدقون . أدخل «من» التبعيضية صيانة لهم عن التبذير المنهي عنه وقدم المفعول دلالة على كونه أهم والمراد به الزكاة لاقترانه بالصلاة التي هي أختها أو هي غيرها من النفقات في سبل الخير لمجيئه مطلقاً ، وأنفق الشيء وأنفده أخوان كنفق الشيء ونفد ، وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء فدال على معنى الخروج والذهاب . ودلت الآية على أن الأعمال ليست من الإيمان حيث عطف الصلاة والزكاة على الإيمان والعطف يتقضي المغايرة .\r{ والذين يُؤْمِنُونَ } هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا بكل وحي أنزل من عند الله وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات ، ثم إن عطفتهم على الذين يؤمنون بالغيب دخلوا في جملة المتقين ، وإن عطفتهم على المتقين لم يدخلوا فكأنه قيل : هدى للمتقين ، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك ، أو المراد به وصف الأولين ووسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك : هو الشجاع والجواد ، وقوله :","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم\rوالمعنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه { بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ } يعني القرآن المراد جميع القرآن لا القدر الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم ، لأنه الإيمان بالجميع واجب . وإنما عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه مترقباً تغليباً للموجود على ما لم يوجد ، ولأنه إذا كان بعضه نازلاً وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل . { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يعني سائرالكتب المنزلة على النبيين عليهم الصلاة والسلام { وبالآخرة } وهي تأنيث الآخر الذي هو ضد الأول وهي صفة والموصوف محذوف وهو الدار بدليل قوله : { تِلْكَ الدار الآخرة } [ القصص : 83 ] وهي من الصفات الغالبة وكذلك الدنيا . وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام . { هُمْ يُوقِنُونَ } الإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه . { أولئك على هُدًى } الجملة في موضع الرفع إن كان «الذين يؤمنون بالغيب» مبتدأ وإلا فلا محمل لها ، ويجوز أن يجري الموصول الأول على «المتقين» وأن يرتفع الثاني على الإبتداء و«أولئك» خبره ، ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله A وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله . ومعنى الاستعلاء في «على هدى» مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونحوه «هو على الحق وعلى الباطل» وقد صرحوا بذلك في قولهم : جعل الغواية مركباً ، وامتطى الجهل ، واقتعد غارب الهوى . ومعنى هدى { مّن رَّبّهِمُ } أي أوتوه من عنده . ونكر «هدى» ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه كأنه قيل على أي هدى ونحوه «لقد وقعت على لحم» أي على لحم عظيم .\r{ وأولئك هُمْ المفلحون } أي الظافرون بما طلبوا الناجون عما هربوا؛ فالفلاح درك البغية والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته في الفاء والعين نحو «فلق وفلز وفلى» ، وجاء العطف هنا بخلاف قوله : { أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون } [ الأعراف : 179 ] لاختلاف الخبرين المقتضيين للعطف هنا واتحاد الغفلة والتشبيه بالبهائم ثمّ ، فكانت الثانية مقررة للأولى فهي من العطف بمعزل ، وهم فصل .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة والتوكيد وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره ، أو هو مبتدأ و«المفلحون» خبره ، والجملة خبر «أولئك» فانظر كيف قرر الله D التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره ، ففيه تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح . وتعريف المفلحون ففيه دلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟ فقيل : زيد التائب أي هو الذي أخبرت بتوبته . وتوسيط الفصل بينه وبين «أولئك» ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا . اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة [ الآيتان : 6 ، 7 ] .\rلما قدم ذكر أوليائه بصفاتهم المقربة إليه ، وبيَّن أن الكتاب هدى لهم قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى بقوله :","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } الكفر ستر الحق بالجحود ، والتركيب دال على الستر ولذا سمي الزراع كافراً وكذا الليل . ولم يأت بالعاطف هنا كما في قوله : { إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } [ الأنفطار : 13 ، 14 ] لأن الجملة الأولى هنا مسوقة بياناً لذكر الكتاب لا خبراً عن المؤمنين وسيقت الثانية للإخبار عن الكفار بكذا ، فبين الجملتين تفاوت في المراد وهما على حد لا مجال للعطف فيه ، ولئن كان مبتدأ على تقرير فهو كالجاري عليه ، والمراد بالذين كفروا أناس بأعيانهم علم الله أنهم لا يؤمنون كأبي جهل وأبي لهب وأضرابهما . { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } بهمزتين كوفي ، وسواء بمعنى الاستواء ، وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى : { إلى كَلِمَةٍ سَوَاء } [ آل عمران : 64 ] ، أي مستوية ، وارتفاعه على أنه خبر لإن و«أأنذرتهم أم لم تنذرهم» مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل : إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه . أو يكون «سواء» خبراً مقدماً و«أأنذرتهم أم لم تنذرهم» في موضع الابتداء أي سواء عليهم إنذارك وعدمه ، والجملة خبر ل «إن» وإنما جاز الإخبار عن الفعل مع أنه خبر أبداً لأنه من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى . والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً . قال سيبويه : جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك «اللهم اغفر لنا أيتها العصابة» يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام كما جرى ذلك على صورة النداء ولا نداء . والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر على المعاصي { لاَ يُؤْمِنُونَ } جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبر ل «إن» ، والجملة قبلها اعتراض أو خبر بعد خبر . والحكمة في الإنذار مع العلم بالإصرار إقامة الحجة وليكون الإرسال عاماً وليثاب الرسول A .\r{ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } قال الزجاج : الختم التغطية لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلع عليه . وقال ابن عباس : طبع الله على قلوبهم فلا يعقلون الخير . يعني أن الله طبع عليها فجعلها بحيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان . وحاصل الختم والطبع خلق الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه . وعند المعتزلة أعلام محض على القلوب بما يظهر للملائكة أنهم كفار فيلعنونهم ولا يدعون لهم بخير . وقال بعضهم : إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز والخاتم في الحقيقة الكافر ، إلا أنه تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب فيقال : بنى الأمير المدينة ، لأن للفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له ، فإسناده إلى الفاعل حقيقة .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وقد يسند إلى هذه الأشياء مجازاً لمضاهاتها الفاعل في ملابسة الفعل كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته فيستعار له إسمه وهذا فرع مسألة خلق الأفعال { وعلى سَمْعِهِمْ } وحد السمع كما وحد البطن في قوله :\rكلوا من بعض بطنكم تعفوا\rلأمن اللبس ولأن السمع مصدر في أصله يقال : سمعت الشيء سمعاً وسماعاً ، والمصدر لا يجمع لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير فلا يحتاج فيه إلى التثنية والجمع فلمح الأصل . وقيل : المضاف محذوف أي وعلى مواضع سمعهم وقرىء «وعلى أسماعهم» . { وعلى أبصارهم غشاوة } بالرفع خبر ومبتدأ ، والبصر : نور العين وهو ما يبصر به الرائي ، كما أن البصيرة نور القلب وهي ما به يستبصر ويتأمل وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار . والغشاوة : الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه ، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة والقلادة . والأسماع داخلة في حكم الختم لا في حكم التغشية لقوله : { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } [ الجاثية : 23 ] ، ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم . ونصب المفضل وحده غشاوة بإضمار «جعل» وتكرير الجار في قوله «وعلى سمعهم» دليل على شدة الختم في الموضعين . قال الشيخ الإمام أبو منصور بن علي C : الكافر لما لم يسمع قول الحق ولم ينظر في نفسه وفي غيره من المخلوقات ليرى آثار الحدوث فيعلم أن لا بد من صانع ، جعل كأن على بصره وسمعه غشاوة ، وإن لم يكن ذلك حقيقة وهذا دليل على أن الأسماع عنده داخلة في حكم التغشية . والآية حجة لنا على المعتزلة في الأصلح فإنه أخبر أنه ختم على قلوبهم ولا شك أن ترك الختم أصلح لهم . { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } العذاب مثل النكال بناء ومعنى لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول نكل عنه ، والفرق بين العظيم والكبير أن العظيم يقابل الحقير والكبير يقابل الصغير فكأن العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير . ويستعملان في الجثة والأحداث جميعاً تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره . ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من التغطية غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب لا يعلم كنهه إلا الله .\r{ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الأخر } افتتح سبحانه وتعالى بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ، ثم ثنى بالكافرين قلوباً وألسنة ، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاءً وخداعاً ولذا نزل فيهم","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"{ إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء : 145 ] وقال مجاهد : أربع آيات من أول السورة في نعت المؤمنين ، وآيتان في ذكر الكافرين ، وثلاث عشرة آية في المنافقين ، نعى عليهم فيها نكرهم وخبثهم وسفههم ، واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً ، وضرب لهم الأمثال الشنيعة . وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة . وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفاً وحذفها كاللازم مع لام التعريف لا يكاد يقال الأناس ويشهد لأصله إنسان وأناسي وإنس ، وسموا به لظهروهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم . ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول فإنك تقول وزن قه افعل وليس معك إلا العين ، وهو من أسماء الجمع ولام التعريف فيه للجنس ومن موصوفة ويقول صفة لها كأنه قيل ومن الناس ناس يقولون كذا . وإنما خصوا الإيمان بالله وباليوم الآخر وهو الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع ، وإنما سمي بالآخر لتأخره عن الأوقات المنقضية أو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لأنهم أوهموا في هذا المقال أنهم أحاطوا بجانبي الإيمان أوله وآخره ، وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل المبدأ وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه ، ومسائل المعاد وهي العلم بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة . وفي تكرير الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام . وإنما طابق قوله { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } وهو في ذكر شأن الفاعل لا الفعل ، قولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر ، وهو في ذكر شأن الفعل لا الفاعل لأن المراد إنكار ما ادعوه ونفيه على أبلغ وجه وآكده وهو إخراج ذواتهم من أن تكون طائفة من المؤمنين ، ونحوه قوله تعالى : { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } [ المائدة : 37 ] ، فهو أبلغ من قولك «وما يخرجون منها» . وأطلق الإيمان في الثاني بعد تقييده في الأول لأنه يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه ، ويحتمل أن يراد نفي أصل الإيمان وفي ضمنه نفي المذكور أولاً . والآية تنفي قول الكرامية : إن الإيمان هو الإقرار باللسان لا غير لأنه نفى عنهم اسم الإيمان مع وجود الإقرار منهم ، وتؤيد قول أهل السنة إنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان . ودخلت الباء في خبر «ما» مؤكدة للنفي لأنه يستدل به السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام ، ومن موحد اللفظ فلذا قيل يقول وجمع «وما هم بمؤمنين» نظراً إلى معناه .\r{ يخادعون الله } أي رسول الله A فحذف المضاف كقوله { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] كذا قاله أبو علي C وغيره ، أي يظهرون غير ما في أنفسهم .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"فالخداع إظهار غير ما في النفس ، وقد رفع الله منزلة النبي A حيث جعل خداعه خداعه وهو كقوله : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] وقيل : معناه يخادعون الله في زعمهم لأنهم يظنون أن الله ممن يصح خداعه ، وهذا المثال يقع كثيراً لغير اثنين نحو قولك «عاقبت اللص» . وقد قرىء «يخدعون الله» وهو بيان ليقول أو مستأنف كأنه قيل : ولم يدعون الإيمان كاذبين وما منفعتهم في ذلك؟ قيل : يخادعون الله ، ومنفعتهم في ذلك متاركتهم عن المحاربة التي كانت مع من سواهم من الكفار وإجراء أحكام المؤمنين عليهم ونيلهم من الغنائم وغير ذلك . قال صاحب الوقوف : الوقف لازم على «بمؤمنين» لأنه لو وصل لصار التقدير وما هم بمؤمنين مخادعين فينتفي الوصل كقولك «ما هو برجل كاذب» والمراد نفي الإيمان عنهم وإثبات الخداع لهم . ومن جعل «يخادعون» حالاً من الضمير في يقول والعامل فيها «يقول» والتقدير يقول آمنا بالله مخادعين أو حالاً من الضمير في «بمؤمنين» والعامل فيها اسم الفاعل والتقدير وما هم بمؤمنين في حال خداعهم لا يقف والوجه الأول : { والذين ءامَنُواْ } أي يخادعون رسول الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإضمار الكفر . { وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم ، لأن ضررها يلحقهم . وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم خدعوا أنفسهم وما يخادعون . أبو عمرو ونافع ومكي للمطابقة وعذر الأولين أن خدع وخادع هنا بمعنى واحد ، والنفس ذات الشيء وحقيقته . ثم قيل للقلب والروح النفس لأن النفس بهما ، وللدم نفس لأن قوامها بالدم ، وللماء نفس لفرط حاجتها إليه ، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم ، والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم . { وَمَا يَشْعُرُونَ } أن حاصل خداعهم يرجع إليهم والشعور علم الشيء علم حس من الشعار وهو ثوب يلي الجسد ، ومشاعر الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور ، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس وهم ، لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له .\r{ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي شك ونفاق لأن الشك تردد بين الأمرين والمنافق متردد . في الحديث \" مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين \" والمريض متردد بين الحياة والموت ، ولأن المرض ضد الصحة والفساد يقابل الصحة فصار المرض اسماً لكل فساد والشك والنفاق فساد في القلب . { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } أي ضعفاً عن الانتصار وعجزاً عن الاقتدار . وقيل : المراد به خلق النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله كما عرف في زيادة الإيمان . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } كوفي . أي بكذبهم في قولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر ، فما مع الفعل بمعنى المصدر ، والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به يكذبون غيرهم أي بتكذيبهم النبي عليه السلام فيما جاء به . وقيل : هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل صدق ونظيرهما بان الشيء وبين .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } معطوف على «يكذبون» ويجوز أن يعطف على «يقول آمنا» لأنك لو قلت ومن الناس من إذا قيل لهم { لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض } لكان صحيحاً ، والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به ، وضده الصلاح وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة . والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية ، وكان فساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم . { قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } بين المؤمنين والكافرين بالمداراة يعني أن صفة المصلحين خلصت لنا وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد ، لأن «إنما» لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك «إنما ينطلق زيد وإنما زيد كاتب» و «ما» كافة لأنها تكفها عن العمل . { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } أنهم مفسدون فحذف المفعول للعمل به . «ألا» مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها ، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحققاً كقوله تعالى : { أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر } [ القيامة : 40 ] ، ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم ، وقد رد الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ رد وأدله على سخط عظيم والمبالغة فيه من جهة الاستئناف ، وما في «ألا» و «إن» من التأكيد وتعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله «لا يشعرون» .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَا ءَامَنَ الناس قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء } نصحوهم من وجهين : أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده عن الصواب وجره إلى الفساد ، وثانيهما تبصيرهم الطريق الأسَدَََّ من اتباع ذوي الأحلام ، فكان من جوابهم أن سفهوهم لتمادي جهلهم ، وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة . وإنما صح إسناد «قيل» إلى «لا تفسدوا» و«آمنوا» مع أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يصح ، لأنه إسناد إلى لفظ الفعل والممتنع إسناد الفعل إلى معنى الفعل فكأنه قيل : وإذا قيل لهم هذا القول ومنه زعموا مطية الكذب . و «ما» في كما كافة في «ربما» ، أو مصدرية كما في { بِمَا رَحُبَتْ } [ التوبة : 25 ] واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول A ومن معه وهم ناس معهودون ، أو عبد الله بن سلام وأشياعه أي كما آمن أصحابكم وإخوانكم ، أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية ، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم ، والكاف في «كما» في موضع النصب لأنه صفة مصدر محذوف أي إيماناً مثل إيمان الناس ومثله كما آمن السفهاء .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"والاستفهام في «أنؤمن» للإنكار ، في «السفهاء» مشار بها إلى الناس ، وإنما سفهوهم وهم العقلاء المراجيح لأنهم لجهلهم اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل ، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً والسفه سخافة العقل وخفة الحلم . { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ } أنهم هم السفهاء . وإنما ذكر هنا «لا يعلمون» وفيما تقدم «لا يشعرون» لأنه قد ذكر السفه وهوجهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له ، ولأن الإيمان يحتاج فيه إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة ، أما الفساد في الأرض فأمر مبني على العادات فهو كالمحسوس . والسفهاء خبر «إن» و «هم» فصل أو مبتدأ والسفهاء خبرهم والجملة خبر «إن» .\r{ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا } وقرأ أبو حنيفة C «وإذا لاقوا» يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه . الآية الأولى في بيان مذهب المنافقين والترجمة عن نفاقهم ، وهذه في بيان ما كانوا يعملون مع المؤمنين من الاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم . { وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم } خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه ، وبإلى أبلغ لأن فيه دلالة الابتداء والانتهاء أي إذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ، ويجوز أن يكون من خلا بمعنى مضى . وشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وهم اليهود . وعن سيبويه أن نون الشياطين أصلية بدليل قولهم «تشيطن» ، وعنه أنها زائدة واشتقاقه من «شطن» إذا بعد لبعده من الصلاح والخير ، أو من شاط إذا بطل ومن أسمائه الباطل . { قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم . وإنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالاسمية محققة ب «إن» لأنهم في خطابهم مع المؤمنين في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان ، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك ، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التأكيد والمبالغة ، وكيف يطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار . وأما خطابهم مع إخوانهم فقد كان عن رغبة وقد كان متقبلاً منهم رائجاً عنهم فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتأكيد . وقوله { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } تأكيد لقوله «إنا معكم» لأن معناه الثبات على اليهودية ، وقوله «إنما نحن مستهزئون» رد للإسلام ودفع لهم منهم لأن المستهزىء بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به ، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو استنئاف كأنهم اعترضوا عليهم بقولهم حين قالوا إنا معكم إن كنتم معنا فلم توافقون المؤمنين فقالوا إنما نحن مستهزئون . والاستهزاء السخرية والاستخفاف وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع ، وهزأ يهزأ مات على المكان .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"{ الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمُ } أي يجازيهم على استهزائهم فسمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] . { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ } [ البقرة : 194 ] فسمى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن الجزاء سيئة واعتداء ، وهذا لأن الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى من حيث الحقيقة لأنه من باب العبث وتعالى عنه . قال الزجاج : هو الوجه المختار . واستئناف قوله تعالى «الله يستهزىء بهم» من غير عطف في غاية الجزالة والفخامة ، وفيه أن الله هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال والذل والهوان . ولما كانت نكايات الله وبلاياه تنزل عليهم ساعة فساعة قيل «الله يستهزىء بهم» ولم يقل الله مستهزىء بهم ليكون طبقاً لقوله «إنما نحن مستهزؤون» { وَيَمُدُّهُمْ } أي يمهلهم عن الزجاج { فِي طغيانهم } في غلوهم في كفرهم { يَعْمَهُونَ } حال أي يتحيرون ويترددون وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح . { أولئك } مبتدأ خبره . { الذين اشتروا الضلالة بالهدى } أي استبدلوها به واختاروها عليه . وإنما قال اشتروا الضلالة بالهدى ولم يكونوا على هدى لأنها في قوم آمنوا ثم كفروا ، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد A فلما جاءهم كفروا به ، أو جعلوا لتمكنهم منه كأن الهدى قائم فيهم فتركوه بالضلالة ، وفيه دليل على جواز البيع تعاطياً لأنهم لم يتلفظوا الشراء ولكن تركوا الهدى بالضلالة عن اختيارهم ، وسمي ذلك شراء فصار دليلاً لنا على أن من أخذ شيئاً من غيره ترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم به . والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء ، يقال ضل منزله فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين . { فَمَا رَبِحَت تجارتهم } الربح الفضل على رأس المال ، والتجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح ، وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد المجازي ، ومعناه فما ربحوا في تجارتهم إذ التجارة لا تربح ، ولما وقع شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ذكر الربح والتجارة ترشيحاً له كقوله :\rولما رأيت النسر عز ابن دأية ... وعشش في وكريه جاش له صدري\rلما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر . { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر . والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح وهؤلاء قد أضاعوهما ، فرأس مالهم الهدى ولم يبق لهم مع الضلالة ، وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر ، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح . وقيل : «الذين» صفة «أولئك» و«فما ربحت تجارتهم» إلى آخر الآية في محل رفع خبر «أولئك» .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"{ مّثْلُهُمْ كَمِثْلِِ الذي استوقد نَاراً } لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان ، ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر ، ولقد كثر ذلك في الكتب السماوية ومن سور الإنجيل سورة الأمثال . والمثل في أصل كلامهم هو المثل وهو النظير . يقال : مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ولم يضربوا مثلاً إلا قولاً فيه غرابة ولذا حوفظ عليه فلا يغير . وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قيل : حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً ، وكذلك قوله { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } [ الرعد : 35 ] أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة الشأن ، ثم أخذ في بيان عجائبها ولله المثل الأعلى أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة ووضع «الذي» موضع الذين كقوله { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة : 69 ] فلا يكون تمثيل الجماعة بالواحدة ، أو قصد جنس المستوقدين ، أو أريد الفوج الذي استوقد ناراً على أن ذوات المنافقين لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد . ومعنى استوقد أوقد ، ووقود ووقود النار سطوعها ، والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق ، واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً . { فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } الإضاءة فرط الإنارة ومصداقه قوله { هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ] وهي في الآية متعدية ، ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله ، والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء . وجواب فلما { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } وهو ظرف زمان والعامل فيه جوابه مثل «إذا» . و«ما» موصولة و«حوله» نصب على الظرف أو نكرة موصوفة والتقدير : فلما أضاءت شيئاً ثابتاً حوله . وجمع الضمير وتوحيده للحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى . والنور ضوء النار وضوء كل نير ، ومعنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً ، ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به . والمعنى أخذ بنورهم وأمسكه وما يمسك فلا مرسل له فكان أبلغ من الإذهاب . ولم يقل ذهب الله بضوئهم لقوله «فلما أضاءت» لأن ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة والمراد إزالة النور عنهم رأساً ، ولو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً ، ألا ترى كيف ذكر عقيبه { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات } والظلمة عرض ينافي النور . وكيف جمعها وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله { لاَّ يُبْصِرُونَ } وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد ، فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه «وتركهم في ظلمات» أصله «هم في ظلمات» ثم دخل «ترك» فنصب الجزأين والمفعول الساقط من «لا يبصرون» من قبيل المتروك المطروح لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً .","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وإنما شبهت حالهم بحال المستوقد لأنهم غب الإضاءة وقعوا في ظلمة وحيرة ، نعم المنافق خابط في ظلمات الكفر أبداً ولكن المواد ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم ، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق المفضية بهم إلى ظلمة العقاب السرمدي . وللآية تفسير آخر وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات وتنكير النار للتعظيم . { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } أي هم صم ، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم ، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم وأن ينظروا أو يتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أنفت مشارعهم . وطريقته عند علماء البيان طريقة قولهم : هم ليوث للشجعان وبحور للأَسخياء إلا أن هذا في الصفات وذلك في الأسماء ، وما في الآية تشبيه بليغ في الأصح لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون ، والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام { فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها لتنوع الرجوع إلى الشيء . وعنه أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون .\r{ أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } ثنى الله سبحانه وتعالى في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف والإيضاح . وشبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد ناراً وإظهاره الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار ، وهنا شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق ، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة أهل الإسلام بالصواعق . والمعنى أو كمثل ذوي صيب فحذف «مثل» لدلالة العطف عليه «وذوي» لدلالة «يجعلون» عليه . والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء بهذه الصفة فلقوا منها ما لقوا ، فهذا تشبيه أشياء بأشياء إلا أنه لم يصرح بذكر المشبهات كما صرح في قوله : { وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسيء } [ غافر : 58 ] ، وقول امرىء القيس :\rكأن قلوب الطير رطباً ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي\rبل جاء به مطوياً ذكره على سنن الاستعارة . والصحيح أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به .","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولاً بعضها من بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما فعل امرؤ القيس ، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئاً واحداً بأخرى مثلها كقوله تعالى : { مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } [ الجمعة : 5 ] الآية . فالمراد تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوارة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة ، وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب . وكقوله : { واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء أنزلناه مِنَ السماء } [ الكهف : 45 ] ، فالمراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر فهو تشبيه كيفية بكيفة ، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحداً فلا . فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة ، شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد أيقادها في ظلمة الليل ، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق ، والتمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخر ، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ . وعطف أحد التمثيلين على الآخر ب «أو» لأنها في أصلها لتساوي شيئين فصاعداً في الشك عند البعض ، ثم استعيرت لمجرد التساوي كقولك «جالس الحسن أو ابن سيرين» تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا ، وقوله تعالى : { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً } [ الدهر : 24 ] ، أي الآثم والكفور سيان في وجوب العصيان فكذا هنا معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين وأن الكيفيتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك . والصيب : المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع يقال للسحاب صيب أيضاً . وتنكير «صيب» لأنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول ، والسماء هذه المظلة . وعن الحسن أنها موج مكفوف . والفائدة في ذكر السماء . والصيب لا يكون إلا من السماء أنه جاء بالسماء معرفة فأفاد أنه غمام أخذ بآفاق السماء ونفى أن يكون من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق ، لأن كل أفق من آفاقها سماء ، ففي التعريف مبالغة كما في تنكير صيب وتركيبه وبنائه ، وفيه دليل على أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه ، وقيل : إنه يأخذ من البحر ويرتفع .\r«ظلمات» مرفوع بالجار والمجرور لأنه قد قوي لكونه صفة لصيب بخلاف ما لو قلت ابتداء «فيه ظلمات» ففيه خلاف بين الأخفش وسيبويه .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"والرعد : الصوت الذي يسمع من السحاب لاصطكاك أجرامه ، أو ملك يسوق السحاب . والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقاً إذا لمع ، والضمير في «فيه» يعود إلى الصيب فقد جعل الصيب مكاناً للظلمات ، فإن أريد به السحاب فظلماته إذا كان أسحم مطبقاً ، ظلمتا سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل . وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه بتتابع القطر وظلمة أظلال غمامه مع ظلمة الليل . وجعل الصيب مكاناً للرعد والبرق على إرادة السحاب به ظاهر ، وكذا إن أريد به المطر لأنهما ملتبسان به في الجملة . ولم يجمع الرعد والبرق لأنهما مصدران في الأصل ، يقال رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً فروعي حكم الأصل بأن ترك جمعهما . ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف . { يَجْعَلُونَ أصابعهم فِي ءَاذَانِهِم } الضمير لأصحاب الصيب وإن كان محذوفاً كما في قوله : { أو هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف : 4 ] لأن المحذوف باقٍ معناه وإن سقط لفظه . ولا محل ل «يجعلون» لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال : فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل : يجعلون أصابعهم في آذانهم . ثم قال : فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقال : يكاد البرق يخطف أبصارهم . وإنما ذكر الأصابع ولم يذكر الأنامل ورؤوس الأصابع هي التي تجعل في الأذان اتساعاً كقوله : { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } [ المائدة : 38 ] والمراد إلى الرسغ ، ولأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل . وإنما لم يذكر الأصبع الخاص الذي تسدّ به الأذن لأن السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن ، ولم يذكر المسبحة لأنها مستحدثة غير مشهورة . { مّنَ الصواعق } متعلق ب «يجعلون» أي من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم . والصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار . قالوا : تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه ، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلاَّ أتت عليه ، إلاَّ أنها مع حدتها سريعة الخمود . يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو نصفها ثم طفئت . ويقال : صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي : مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق { حَذَرَ الموت } مفعول له ، والموت فساد بنية الحيوان أو عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة { والله مُحِيطٌ بالكافرين } يعني : أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط فهو مجاز وهذه الجملة اعتراض لا محل لها .","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"{ يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم } الخطف الأخذ بسرعة ، و «كاد» يستعمل لتقريب الفعل جداً ، وموضع يخطف نصب لأنه خبر «كاد» . { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم } «كل» ظرف و «ما» نكرة موصوفة معناها الوقت ، والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه ، والعامل فيه جوابها وهو { مَّشَوْاْ فِيهِ } أي في ضوئه وهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول : كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة ، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين . و «أضاء» متعدٍ كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه ، والمفعول محذوف . أو غير متعدٍ أي كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره . والمشي جنس الحركة المخصوصة فإذا اشتد فهو سعي فإذا ازداد فهو عدوٌ . { وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ } «أظلم» غير متعدٍ وذكر مع «أضاء» «كلما» ومع «أظلم» «إذا» لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف . { قَامُواْ } وقفوا وثبتوا في مكانهم ومنه قام الماء إذا جمد . { وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ } بقصيف الرعد { وأبصارهم } بوميض البرق . ومفعول «شاء» محذوف لدلالة الجواب عليه أي ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» وأراد لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله :\rفلو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع\rوقوله تعالى : { لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } [ الأنبياء : 17 ] . { وَلَوْ أَرَاد الله أن يتخذْ وَلَدًا } { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي إن الله قادر على كل شيء .\rلما عدد الله فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند الله ويرديها أقبل عليهم بالخطاب وهو من الالتفات المذكور فقال : { يا أَيُّهَا الناس } قال علقمة : ما في القرآن «يا أيها الناس» فهو خطاب لأهل مكة ، وما فيه «يا أيها الذين آمنوا» فهو خطاب لأهل المدينة ، وهذا خطاب لمشركي مكة ، و «يا» حرف وضع لنداء البعيد ، وأي والهمزة للقريب ، ثم استعمل في مناداة من غفا وسها وإن قرب ودنا تنزيلاً له منزلة من بعد ونأى ، فإذا نودي به القريب المقاطن فذاك للتوكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معتنى به جداً . وقول الداعي «يا رب» وهو أقرب إليه من حبل الوريد استقصار منه لنفسه واستبعاد لها عن مظان الزلفى هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتفريط مع فرط التهالك على استجابة دعوته .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"و «أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن «ذو» و «الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل ، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يتضح المقصود بالنداء . فالذي يعمل فيه «يا أي» ، أي والتابع له صفته نحو «يا زيد الظريف» إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة ، وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لتأكيد معنى النداء وللعوض عما يستحقه أي من الإضافة . وكثر النداء في القرآن على هذه الطريقة لأن ما نادى الله به عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده أمور عظام وخطوب جسام ، يجب عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم إليها وهم عنها غافلون ، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ . { اعبدوا رَبَّكُمُ } وحدوه . قال ابن عباس Bهما : كل عبادة في القرآن فهي توحيد { الذي خَلَقَكُمْ } صفة موضحة مميزة لأنهم كانوا يسمون الآلهة أرباباً . والخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء ، وعند المعتزلة إيجاد الشيء على تقدير واستواء ، وهذا بناء على أن المعدوم شيء عندهم لأن الشيء ما صح أن يعلم ويخبر عنه عندهم ، وعندنا هو اسم للموجود . خلقكم بالإدغام : أو عمرو . { والذين مِن قَبْلِكُمْ } احتج عليهم بأنه خالقهم وخالق من قبلهم لأنهم كانوا مقرين بذلك فقيل لهم : إن كنتم مقرين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي اعبدوا على رجاء أن تتقوا فتنجوا بسببه من العذاب . و «لعل» للترجي والإطماع ولكنه إطماع من كريم فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه ، وبه قال سيبويه . وقال قطرب : هو بمعنى «كي» أي لكي تتقوا . { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض } أي صير ومحل «الذي» نصب على المدح أو رفع بإضمار هو «فراشاً» بساطاً تقعدون عليها وتنامون وتتقلبون وهو مفعول ثانٍ لجعل ، وليس فيه دليل على أن الأرض مسطحة أو كرية إذ الافتراش ممكن على التقديرين . { والسماء بِنَاءً } سقفاً كقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً } [ الأنبياء : 32 ] ، وهو مصدر سمي به المبنى . { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً } مطراً { فَأَخْرَجَ بِهِ } بالماء ، نعم خروج الثمرات بقدرته ومشيئته وإيجاده ولكن جعل الماء سبباً في خروجها كماء الفحل في خلق الولد وهو قادر على إنشاء الكل بلا سبب كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجاً لها من حال إلى حال وناقلاً من مرتبة إلى مرتبة ، حكماً وعبراً للنظار بعيون الاستبصار . و «من» في { مِنَ الثمرات } للتبعيض أو للبيان { رِزْقاً } مفعول له إن كانت «من» للتبعيض ، ومفعول به ل «أخرج» إن كانت للبيان .","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"وإنما قيل الثمرات دون الثمر والثمار وإن كان الثمر المخرج بماء السماء كثيراً ، لأن المراد جماعة الثمرة ، ولأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية . { لَكُمْ } صفة جارية على الرزق إن أريد به العين ، وإن جعل اسماً للمعنى فهو مفعول به كأنه قيل رزقاً وإياكم . { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } هو متعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أنداداً لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد ، وأن لا يجعل له ند ولا شريك . ويجوز أن يكون الذي «رفعاً» على الابتداء وخبره «فلا تجعلوا» . ودخول الفاء لأن الكلام يتضمن الجزاء أي الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء . المثل والند ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوىء ، ومعنى قولهم ليس لله ند ولا ضد نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنها لا تخلق شيئاً ولا ترزق والله الخالق الرازق ، أو مفعول «تعلمون» متروك أي وأنتم من أهل العلم . وجعل الأصنام لله أنداداً غاية الجهل ، والجملة حال من الضمير في «فلا تجعلوا» .\rولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك لخلقهم أحياء قادرين وخلق الأرض التي هي مثواهم ومستقرهم ، وخلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار وما سوّاه D من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الثمار رزقاً لبني آدم ، فهذا كله دليل موصل إلى التوحيد مبطل للإشراك ، لأن شيئاً من المخلوقات لا يقدر على إيجاد شيء منها ، عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد A وما يقرر إعجاز القرآن فقال :\r{ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا } «ما» نكرة موصوفة أو بمعنى الذي { على عَبْدِنَا } محمد عليه السلام ، والعبد اسم لمملوك من جنس العقلاء ، والمملوك موجود قهر بالاستيلاء . وقيل : نزلنا دون أنزلنا لأن المراد به النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان هذا من عند الله لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة وآيات غب آيات على حسب النوازل وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً ، شيئاً فشيئاً لا يلقي الناظم ديوان شعره دفعة ، ولا يرمي الناثر بخطبه ضربة ، فلو أنزله الله لأنزله جملة قال الله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } [ الفرقان : 32 ] ، فقيل : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على تدريج { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ } أي فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه ، وهلموا نجماً فرداً من نجومه سورة من أصغر السور .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات . وواوها إن كانت أصلاً فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزة على حيالها كالبلد المسور ، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سور المدينة على ما فيها ، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارىء ، وهي أيضاً في نفسها مرتبة طوال وأوساط وقصار ، أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين . وإن كانت منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسؤرة التي هي البقية من الشيء . وأما الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً فهي كثيرة ، ولذا أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السورة ، وبوب المصنفون في كل فن كتبهم أبواباً موشحة الصدور بالتراجم . منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتمل على أصناف كان أحسن من أن يكون بياناً واحداً ، ومنها أن القارىء إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ، ومن ثم جزّأ القراء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً ، ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة فيعظم عنده ما حفظه ويجل في نفسه ، ومنه حديث أنس Bه كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل فينا . ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل . { مِّن مِّثْلِهِ } متعلق ب «سورة» صفة لها والضمير لما نزلنا أي بسورة كائنة من مثله يعني فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم ، أو لعبدنا أي فأتوا بمن هو على حاله من كونه أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء . ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك . ورد الضمير إلى المنزل أولى لقوله تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } [ يونس : 38 ] . { فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } [ هود : 13 ] . { على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } [ الإسراء : 88 ] . ولأن الكلام مع رد الضمير إلى المنزل أحسن ترتيباً . وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه وهو مسوق إليه فإن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم نبذاً مما يماثله . وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله A أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمداً منزل عليه فهاتوا قرآناً من مثله ، ولأن هذا التفسير يلائم قوله { وادعوا شُهَدَاءَكُم } جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة { مِن دُونِ الله } أي غير الله وهو متعلق ب «شهداءَكم أي ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق أو من يشهد لكم بأنه مثل القرآن { إِن كُنتُمْ صادقين } إن ذلك مختلق وأنه من كلام محمد عليه السلام .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا أنتم بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك .\r{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة } لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرفون صدق النبي عليه السلام ، قال لهم : فإذا لم تعارضوه وبان عجزكم ووجب تصديقه فآمنوا وخافوا العذاب المعَدَّ لمن كذب وعاند . وفيه دليلان على إثبات النبوة صحة كون المتحدى به معجزاً ، والإخبار بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله . ولما كان العجز عن المعارضة قبل التأمل كالشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واعتمادهم على بلاغتهم ، سيق الكلام معهم على حسب حسبانهم فجيء ب «إن» الذي للشك دون «إذا» الذي للوجوب ، وعبَّر عن الإتيان بالفعل لأنه فعل من الأفعال . والفائدة فيه أنه جارٍ مجرى الكتابة التي تعطيك اختصاراً إذ لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل لاستطيل أن يقال «فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله» . ولا محل لقوله «ولن تفعلوا» لأنها جملة اعتراضية ، وحسّن هذا الاعتراض أن لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله «ولن تفعلوا» و «لا» و «لن» أختان في نفي المستقبل إلا أن في «لن» تأكيداً . وعن الخليل أصلها «لا أن» ، وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نوناً ، وعند سيبويه حرف موضوع لتأكيد نفي المستقبل ، وإنما علم أنه إخبار عن الغيب على ما هو به حتى صار معجزة لأنهم لو عارضوه بشيء لاشتهر فكيف والطاعنون فيه أكثر عدداً من الذابين عنه؟ وشرط في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله لأنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق الرسول ، وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد استوجبوا النار فقيل لهم : إن استبنتم العجز فاتركوا العناد ، فوضع «فاتقوا النار» موضعه لأن اتقاء النار سبب ترك العناد وهو من باب الكناية وهي من شعب البلاغة ، وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن . والوقود ما ترفع به النار يعني الحطب ، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح . وصلة الذي والتي تجب أن تكون معلوماً للمخاطب فيحتمل أن يكونوا سمعوا من أهل الكتاب أو من رسول الله ، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى : { نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] . وإنما جاءت النار منكرة ثم ومعرفة هنا لأن تلك الآية نزلت بمكة ثم نزلت هذه الآية بالمدينة مشاراً بها إلى ما عرفوه أولاً .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"ومعنى قوله تعالى : «وقودها الناس والحجارة» أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنها تتقد بالناس والحجارة وهي حجارة الكبريت ، فهي أشد توقداً وأبطأ خموداً وأنتن رائحة وألصق بالبدن أو الأصنام المعبودة فهي أشد تحسيراً . وإنما قرن الناس بالحجارة لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث عبدوها وجعلوها لله أنداداً ونحوه قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] أي حطبها ، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في إيلامهم . { أُعِدَّتْ للكافرين } هيئت لهم . وفيه دليل على أن النار مخلوقة خلافاً لما يقوله جهم سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطاً لاكتساب ما يزلف وتثبيطاً عن اقتراف ما يتلف ، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله :","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"{ وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } والمأمور بقوله «وبشر» الرسول عليه السلام أو كل أحد ، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به . وهو معطوف على «فاتقوا» كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . أو جملة وصف ثواب المؤمنين معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كقولك «زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمراً بالعفو والإطلاق» . والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ومن ثم قال العلماء : إذا قال لعبيده : أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر . فبشروه فرادى عتق أولهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين . ولو قال : «أخبرني» مكان «بشرني» عتقوا جميعاً ، لأنهم أخبروه ، ومنه البشرة لظاهر الجلد ، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه . وأما { فبشرهم بعذاب أليم } [ آل عمران : 21 ] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك . والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم . والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة واللام للجنس . والآية حجة على من جعل الأعمال إيماناً لأنه عطف الأعمال الصالحة على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه . ولا يقال إنكم تقولون يجوز أن يدخل المؤمن الجنة بدون الأعمال الصالحة والله تعالى بشر بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً ، لأن البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان ، ولا نجعل لصاحب الكبيرة البشارة المطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة . { أَنَّ لَهُمْ جنات } أي بأن لهم جنات . وموضع «أن» وما عملت فيه النصب ب «بشِّر» عند سيبويه خلافاً للخليل وهو كثير في التنزيل . والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف ، والتركيب دائر على معنى الستر ومنه الجن والجنون والجنين والجنة والجان والجنان ، وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان . والجنة مخلوقة لقوله تعالى : { اسكن أَنتَ وزَوْجُكَ الجنة } [ البقرة : 35 ] خلافاً لبعض المعتزلة . ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان . { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } الجملة في موضع النصب صفة لجنات ، والمراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجار النابتة على شواطىء الأنهار الجارية . وأنهار الجنة تجري في غير أخدود . وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة والجري الأطراد . والنهر المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر يقال للنيل : نهر مصر ، واللغة الغالة نهر ومدار التركيب على السعة ، وإسناد الجري إلى الأنهار مجازي .","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وإنما عرف الأنهار لأنه يحتمل أن يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله تعالى : { واشتعل الرأس شَيْباً } [ مريم : 4 ] ، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى : { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءَاسِنٍ } [ محمد : 15 ] ، الآية والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها .\r{ كُلَّمَا رُزِقُواْ } صفة ثانية ل «جنات» أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس فقيل : إن ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله . { مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي } أي «كلما رزقوا» من الجنات ، من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ذلك ، «رزقاً» قالوا ذلك . ف «من» الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأن الرزق قد ابتدىء من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدىء من ثمرة ، ونظيره أن تقول : رزقني فلان فيقال لك : من أين؟ فتقول : من بستانه . فيقال : من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول : من الرمان . وليس المراد من الثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة وإنما المراد نوع من أنواع الثمار . { رُزِقْنَا } أي رزقناه فحذف العائد { مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا ، فلما قطع عن الإضافة بنى ، والمعنى هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه بدليل قوله { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } وهذا كقولك «أبو يوسف أبو حنيفة» تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته . والضمير في «به» يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأن قوله «هذا الذي رزقنا من قبل» انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين ، وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن أجناساً أخر ، لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل ، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه ، ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتاً بيناً كان استعجابه به أكثر واستغرابه أوفر . وتكريرهم هذا القول عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية ، وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم في كل أوان أو إلى الرزق كما أن هذا إشارة إليه ، والمعنى أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه كما يحكى عن الحسن : يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول : هذا الذي أتينا به من قبل فيقول الملك : كل ، فاللون واحد والطعم مختلف . وعنه عليه السلام :","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"\" والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدلها الله مكانها مثلها فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك \" وقوله : «وأتوا به متشابهاً» جملة معترضة للتقرير كقولك «فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل» ورأى من الرأي كذا وكان صواباً ، ومنه { وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكذلك يَفْعَلُونَ } [ النمل : 34 ] . { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج } «أزواج» مبتدأ و«لهم» الخبر و«فيها» ظرف للإستقرار . { مُّطَهَّرَةٌ } من مساوي الأخلاق ، لا طمحات ولا مرحات ، أو مما يختص بالنساء بالحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس . ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان ، ولم يقل طاهرة لأن { مُّطَهَّرَةٌ } أبلغ لأنها تكون للتكثير ، وفيها إشعار بأن مطهّراً طهرهن وما ذلك إلا الله D . { وَهُمْ فِيهَا خالدون } الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع ، وفيه بطلان قول الجهمية فإنهم يقولون بفناء الجنة وأهلها لأنه تعالى وصف بأنه الأول الآخر ، وتحقيق وصف الأولية بسبقه على الخلق أجمع فيجب تحقيق وصف الآخرية بالتأخر عن سائر المخلوقات ، وذا إنما يتحقق بعد فناء الكل فوجب القول به ضرورة ، ولأنه تعالى باقٍ وأوصافه باقية فلو كانت الجنة باقية مع أهلها لوقع التشابه بين الخالق والمخلوق وذا محال . قلنا : الأول في حقه هو الذي لا ابتداء لوجوده ، والآخر هو الذي لا انتهاء له ، وفي حقنا الأول هو الفرد السابق والآخر هو الفرد اللاحق ، واتصافه بهما لبيان صفة الكمال ونفي النقيصة والزوال ، وذا في تنزيهه عن احتمال الحدوث والفناء لا فيما قالوه ، وأنى يقع التشابه في البقاء وهو تعالى باقٍ لذاته وبقاؤه واجب الوجود وبقاء الخلق به وهو جائز الوجود .\rلما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب به مثلاً ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله فنزل .\r{ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْيِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها لحقارتها . وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم ، ولا يجوز على القديم التغير خوف والذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه به ، ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا : أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت ، فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال ، وهو فن من كلامهم بديع وفيه لغتان : التعدي بنفسه وبالجار . يقال : استحييته واستحييت منه وهما محتملتان هنا ، وضرب المثل صنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم . و «ما» هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته عموماً كقولك : «أعطني كتاباً ما» تريد أي كتاب كان ، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله تعالى :","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } [ النساء : 155 ] ، كأنه قال : لا يستحي أن يضرب مثلاً ألبتة . وبعوضة عطف بيان ل «مثلاً» أو مفعول ل «يضرب» و«مثلاً» حال من النكرة مقدمة عليه ، أو انتصبا مفعولين على أن «ضرب» بمعنى «جعل» واشتقاقها من البعض وهو القطع كالبضع والعضب . يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه ، والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت . { فَمَا فَوْقَهَا } فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً وهو القلة والحقارة ، أو فما زاد عليها في الحجم كأنه أراد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة . ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر لأن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات وقد ضربه رسول الله A مثلاً للدنيا . { فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَهُ الحق } الضمير للمثل أو لأن يضرب والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب { مّن رَّبِّهِمْ } في موضع النصب على الحال والعامل معنى الحق وذو الحال الضمير المستتر فيه { وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } ويوقف عليه إذ لو وصل لصار ما بعده صفة له وليس كذلك . وفي قولهم «ماذا أراد الله بهذا مثلاً» استحقار كما قالت عائشة Bها في عبد الله ابن عمرو : يا عجباً لابن عمرو هذا محقرة له . و«مثلاً» نصب على التمييز أو على الحال كقوله { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءَايَةً } [ الأعراف : 73 ] وأما حرف فيه معنى الشرط ولذا يجاب بالفاء ، وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد . تقول : زيد ذاهب . فإذا قصدت توكيده وأنه لا محالة ذاهب قلت : أما زيد فذاهب ، ولذا قال سيبويه في تفسيره : مهما يكن من شيء فزيد ذاهب ، وهذا التفسير يفيد كونه تأكيداً وأنه في معنى الشرط . وفي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون ، إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بليغ بعلمهم أنه الحق ، ونعي على الكافرين إغفالهم حظهم ورميهم بالكلمة الحمقاء . و«ماذا» فيه وجهان : أن يكون «ذا» اسماً موصولاً بمعنى الذي و«ما» استفهاماً فيكون كلمتين ، وأن تكون «ذا» مركبة مع «ما» مجعولتين اسماً واحداً للاستفهام فيكون كلمة واحدة ، ف «ما» على الأول رفع بالابتداء وخبره «ذا» مع صلته أي أراد ، والعائد محذوف . وعلى الثاني منصوب المحل ب «أراد» والتقدير : أي شيء أراد الله . والإرادة مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك ، وهي عند المتكلمين معنى يقتضي تخصيص المفعولات بوجه دون وجه ، والله تعالى موصوف بالإرادة على الحقيقة عند أهل السنة . وقال معتزلة بغداد : إنه تعالى لا يوصف بالإرادة على الحقيقة .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"فإذا قيل أراد الله كذا فإن كان فعله فمعناه أنه فعل وهو غير ساهٍ ولا مكره عليه ، وإن كان فعل غيره فمعناه أنه أمر به . { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين ب «أما» ، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة ، وأن العلم بكونه حقاً من باب الهدى ، وأن الجهل بحسن مورده من باب الضلالة . وأهل الهدى كثير في أنفسهم وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال ، ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة .\rإن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا\rوالإضلال : خلق فعل الضلال في العبد ، والهداية خلق فعل الاهتداء ، هذا هو الحقيقة عند أهل السنة ، وسياق الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروباً بها المثل ليس بموضع الاستنكار والاستغراب لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وإدناء المتوهم من المشاهد . فإن كان المتمثل له عظيماً كان المتمثل به كذلك ، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك ، ألا ترى أن الحق لما كان واضحاً جلياً تمثل له بالضياء والنور ، وأن الباطل لما كان بضد صفته تمثل له بالظلمة ، ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله لا حال أحقر منها وأقل ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن ، وجعلت أقل من الذباب وضربت لها البعوضة؟ فالذي دونها مثلاً لم يستنكر ولم يستبدع ولم يقل للمتمثل استحى من تمثيلها بالبعوضة لأنه مصيب في تمثيله ، محق في قوله ، سائق للمثل على قضية مضربه ، ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور يناظر العقل إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أن الحق ، وأن الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار ، وأن ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الفاسقين . والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وخشاش الأرض فقالوا : أجمع من ذرة ، وأجرأ من الذباب ، وأسمع من قراد ، وأضعف من فراشة ، وآكل من السوس ، وأضعف من البعوضة ، وأعز من مخ البعوض ، ولكن ديدن المحجوج والمبهوت أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح وإنكار اللائح . { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } هو مفعول «يضل» وليس بمنصوب على الاستثناء لأن «يضل» لم يستوف مفعوله . والفسق : الخروج عن القصد . والفاسق في الشريعة : الخارج عن الأمر بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر عند المعتزلة وسيمر عليك ما يبطله إن شاء الله .\r{ الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله } النقض : الفسخ وفك التركيب . والعهد : الموثق . والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار اليهود المتعنتون أو منافقوهم أو الكفار جميعاً .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وعهد الله ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم ، أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ذكره ، أو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم . وقيل : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود : العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم عليه السلام بأن يقروا بربوبيته وهو قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدم } [ الأعراف : 172 ] الآية ، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين وهو قوله تعالى : { وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } [ الأحزاب : 7 ] وعهد خص به العلماء وهو قوله تعالى : { وَإِذَا أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } [ آل عمران : 187 ] ، { مِن بَعْدِ ميثاقه } أصله من الوثاقة وهي إحكام الشيء ، والضمير للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم ، ويجوز أن يكون بمعنى توثقته كما أن الميعاد بمعنى الوعد أو لله تعالى أي من بعد توثقته عليهم و «من» لابتداء الغاية { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } هو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين ، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض . والأمر طلب الفعل بقول مخصوص على سبيل الاستعلاء ، و «ما» نكرة موصوفة أو بمعنى الذي و «أن يوصل» في موضع جر بدل من الهاء أي بوصله ، أو في موضع رفع أي هو أن يوصل { وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض } بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان { أولئك } مبتدأ { هُمْ } فصل والخبر { الخاسرون } أي المغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } معنى الهمزة التي في «كيف» مثله في قولك : أتكفرون بالله ومعكم وما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الإنكار والتعجب ، ونظيره قولك : أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح؟ والواو في { وَكُنتُمْ أمواتا } نطفاً في أصلاب آبائكم للحال و «قد» مضمرة . والأموات جمع ميت كالأقوال جمع قيل ، ويقال لعادم الحياة أصلاً ميت أيضاً كقوله تعالى : { بلدة مَّيْتاً } [ الفرقان : 49 ] { فأحياكم } في الأرحام { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } للبعث { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تصيرون إلى الجزاء ، أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور . وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن أريد النشور ، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه ، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن النشور . وإنما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم على الكفر ، ولأنها تشتمل على نعمٍ جسام حقها أن تشكر ولا تكفر .\r{ هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض } أي لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم . أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم ، وما فيه من التذكير بالآخرة لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها . وقد استدل الكرخي وأبو بكر الرازي والمعتزلة بقوله «خلق لكم» على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل . { جَمِيعاً } نصب على الحال من «ما» { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } الاستواء : الاعتدال والاستقامة . يقال : استوى العود أي قام واعتدل ، ثم قيل : استوى إليه كالسهم المرسل أي قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } [ فصلت : 11 ] ، أي أقبل وعمد إلى خلق السموات بعد ما خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر . والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل : ثم استوى إلى فوق . والضمير في { فسوّاهنّ } مبهم يفسره { سَبْعَ سماوات } كقولهم «ربه رجلاً» . وقيل : الضمير راجع إلى السماء ولفظها واحد ومعناها الجمع لأنها في معنى الجنس . ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور ، أو إتمام خلقهن . «وثم» هنا لبيان فضل خلق السموات على خلق الأرض ، ولا يناقض هذا قوله { والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 30 ] لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء وأما دحوها فمتأخر . وعن الحسن : خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ، ثم أصعد الدخان وخلق منها السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض فذلك قوله تعالى :","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"{ كَانَتَا رَتْقاً } [ الأنبياء : 30 ] ، وهو الالتزاق { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت من خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم . وهو وأخواته مدني غير ورش ، «وَهُوَ» هو وأبو عمرو وعلي ، جعلوا الواو كأنها في نفس الكلمة فصار بمنزلة عضد وهم يقولون في عضد عضد بالسكون .\rولما خلق الله تعالى الأرض أسكن فيها الجن وأسكن في السماء الملائكة فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال وأقاموا مكانهم فأمر نبيه عليه السلام أن يذكر قصتهم فقال :\r{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } «إذ» نصب بإضمار «اذكر» . والملائكة جمع ملأك كالشمائل جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع . { إِنّي جَاعِلٌ } أي مصير من جعل الذي له مفعولان وهما { فِي الأرض خَلِيفَةً } وهو من يخلف غيره «فعيلة» بمعنى «فاعلة» وزيدت الهاء للمبالغة والمعنى : خليفة منكم لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته . ولم يقل خلائف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم . واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك «مضر وهاشم» ، أو أريد من يخلفكم أوخلقاً يخلفكم فوحد لذلك ، أو خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه وكذلك كل نبي ، قال الله تعالى : { يا دَاوُودُ إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض } [ ص : 26 ] ، وإنما أخبرهم بذلك ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم ، أو ليعلِّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة . { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يجهل ، وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى ، أو من جهة اللوح أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر . { وَيَسْفِكُ الدماء } أي يصب . والواو في { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ } للحال كما تقول : أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان؟ { بِحَمْدِكَ } في موضع الحال أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك كقوله تعالى : { وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر } [ المائدة : 61 ] ، أي دخلوا كافرين . { وَنُقَدِّسُ لَكَ } ونطهر أنفسنا لك . وقيل : التسبيح والتقديس تبعيد الله من السوء من سبح في الأرض وقدس فيها إذا ذهب فيها وأبعد . { قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من الحكم في ذلك ما هو خفي عليكم يعني يكون فيهم الأنبياء والأولياء والعلماء . و «ما» بمعنى «الذي» وهو مفعول أعلم والعائد محذوف أي ما لا تعلمونه . «إنى» حجازي وأبو عمرو .\r{ وَعَلَّمَ ءَادَمَ } هو اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزو واشتقاقهم آدم من أديم الأرض أو من الأدمة كاشتقاقهم يعقوب من العقب وإدريس من الدرس وإبليس من الإبلاس .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"{ الأسماء كُلَّهَا } أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء إذ الإسم يدل على المسمى وعوض منه اللام كقوله تعالى : { واشتعل الرأس شَيْباً } [ مريم : 4 ] ، ولا يصح أن يقدر وعلم آدم مسميات الأسماء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، لأن التعليم تعلق بالأسماء لا بالمسميات لقوله تعالى : «أنبئوني بأسماء هؤلاء» - و- «أنبئهم بأسمائهم» ، ولم يقل «أنبئوني بهؤلاء وأنبئهم بهم» . ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا . وعن ابن عباس Bهما : علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة . { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة } أي عرض المسميات ، وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم . وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت { فَقَالَ أَنبِئُونِي } أخبروني { بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين } في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء ، وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا . { قَالُواْ سبحانك } تنزيهاً لك أن يخفى عليك شيء أو عن الاعتراض عليك في تدبيرك . وأفادتنا الآية أن علم الأسماء فوق التخلي للعبادة فكيف بعلم الشريعة؟! وانتصابه على المصدر تقديره سبحت الله تسبيحاً { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } وليس فيه علم الأسماء ، و «ما» بمعنى «الذي» ، والعلم بمعنى المعلوم أي لا معلوم لنا ، إلا الذي علمتنا . { إِنَّكَ أَنتَ العليم } غير المعلم { الحكيم } فيما قضيت وقدرت . والكاف اسم «إن» و «أنت» مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر «إن» ، أو «أنت» فصل والخبر «العليم» . و«الحكيم» خبر ثانٍ .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"{ قَالَ يَاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } سمى كل شيء باسمه . { قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض } أي أعلم ما غاب فيهما عنكم مما كان ومما يكون . { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } تظهرون . { وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } تسرون .\r{ وَإِذَا قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ } أي اخضعوا له وأقروا بالفضل له . عن أبي بن كعب ، وعن ابن عباس Bهما : كان ذلك انحناء ولم يكن خروراً على الذقن . والجمهور على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض . وكان السجود تحية لآدم عليه السلام في الصحيح إذ لو كان لله تعالى لما امتنع عنه إبليس . وكان سجود التحية جائزاً فيما مضى ثم نسخ بقوله عليه السلام لسلمان حين أراد أن يسجد له \" لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا لله تعالى» \" .\r{ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } الاستثناء متصل لأنه كان من الملائكة كذا قاله علي وابن عباس وابن مسعود Bهم ، ولأن الأصل أن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه ، ولهذا قال : { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } [ الأعراف : 12 ] ، وقوله : { كَانَ مِنَ الجن } [ الكهف : 50 ] معناه صار من الجن كقوله { فَكَانَ مِنَ المغرقين } [ هود : 43 ] . وقيل : الاستثناء منقطع لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص وهو قول الحسن وقتادة ، ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من النور ، ولأنه أبى وعصى واستكبر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ولا يستكبرون عن عبادته . ولأنه قال : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي } [ الكهف : 50 ] ، ولا نسل للملائكة . وعن الجاحظ أن الجن والملائكة جنس واحد ، فمن طهر منهم فهو ملك ، ومن خبث فهو شيطان ، ومن كان بين بين فهو جن . { أبى } امتنع مما أمر به { واستكبر } تكبر عنه . { وَكَانَ مِنَ الكافرين } وصار من الكافرين بإبائه واستكباره ورده الأمر لا بترك العمل بالأمر ، لأن ترك السجود لا يخرج من الإيمان ولا يكون كفراً عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة والخوارج ، أو كان من الكافرين في علم الله أي وكان في علم الله أنه يكفر بعد إيمانه لأنه كان كافراً أبداً في علم الله وهي مسألة الموافاة .\r{ وَقُلْنَا يائادم اسكن } أمر من سكن الدار يسكنها سكنى إذا أقام فيها ويقال سكن المتحرك سكوناً { أَنتَ } تأكيد للمستكن في «اسكن» ليصح عطف { وَزَوْجُكَ } عليه { الجنة } هي جنة الخلد التي وعدت للمتقين للنقل المشهور واللام للتعريف . وقالت المعتزلة : كانت بستاناً باليمن لأن الجنة لا تكليف فيها ولا خروج عنها . قلنا : إنما لا يخرج منها من دخلها جزاء . وقد دخل النبي عليه السلام ليلة المعراج ثم خرج منها ، وأهل الجنة يكلفون المعرفة والتوحيد .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"{ وَكُلاَ مِنْهَا } من ثمارها فحذف المضاف . { رَغَدًا } وصف للمصدر أي أكلاً رغداً واسعاً { حَيْثُ شِئْتُمَا } شئتما وبابه بغير همز : أبو عمرو . وحيث للمكان المبهم أي أيَّ مكان من الجنة شئتما { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } أي الحنطة . ولذا قيل : كيف لا يعصي الإنسان وقوته من شجرة العصيان ، أو الكرمة لأنها أصل كل فتنة ، أو التينة . { فَتَكُونَا } جزم عطف على «تقربا» أو نصب جواب للنهي . { مِنَ الظالمين } من الذين ظلموا أنفسهم أو من الضارين أنفسهم . { فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } أي عن الشجرة ، أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها . وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها أو فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما . «فأزالهما» حمزة . وزلة آدم بالخطأ في التأويل إما بحمل النهي على التنزيه دون التحريم ، أو بحمل اللام على تعريف العهد وكأن الله تعالى أراد الجنس والأول الوجه . وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم الزلة على الأنبياء عليهم السلام كما قال مشايخ بخارى . فإنه اسم الفعل يقع على خلاف الأمر من غير قصد إلى الخلاف كزلة الماشي في الطين . وقال مشايخ سمرقند : لا يطلق اسم الزلة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية . وإنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه . { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } من النعيم والكرامة ، أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في «عنها» . وقد توصل إلى إزلالهما بعدما قيل له { فاخرج منها فإنك رجيم } لأنه منع عن دخولها على جهة التكرمة كدخول الملائكة لا عن دخولها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء . وروي أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية حتى دخلت به . وقيل : قام عند الباب فنادى . { وَقُلْنَا اهبطوا } الهبوط النزول إلى الأرض . والخطاب لآدم وحواء وإبليس وقيل والحية والصحيح لآدم وحواء . والمراد هما وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم ويدل عليه قوله تعالى : { قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً } [ طه : 123 ] { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } المراد به ما عليه الناس من التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض . والجملة في موضع الحال من الواو في «اهبطوا» أي اهبطوا متعادين . { وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ } موضع استقرار أو استقرار . { ومتاع } وتمتع بالعيش . { إلى حِينٍ } إلى يوم القيامة أو إلى الموت . قال إبراهيم بن أدهم : أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً .\r{ فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها . وبنصب «آدم» ورفع «كلمات» : مكي على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به وهنا قوله تعالى : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الأعراف : 23 ] . وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"وعن ابن مسعود Bه أن أحب الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . وعن ابن عباس Bهما قال : يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ ألم تسكنى جنتك؟ وهو تعالى يقول : بلى بلى . قال : فلم أخرجتني من الجنة؟ قال : بشؤم معصيتك . قال : فلو تبت أراجعي أنت إليها؟ قال : نعم { فَتَابَ عَلَيْهِ } فرجع عليه بالرحمة والقبول . واكتفى بذكر توبة آدم لأن حواء كانت تبعاً له ، وقد طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك . { إِنَّهُ هُوَ التواب } الكثير القبول للتوبة . { الرحيم } على عباده . { قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا } حال أي مجتمعين . وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد ، أو لأن الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض ، أو لما نيط به من زيادة قوله . { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى } أي رسول أبعثه إليكم ، أو كتاب أنزله عليكم بدليل قوله تعالى : { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا } في مقابلة قوله { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } أي بالقبول والإيمان به . { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في المستقبل { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا . والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول كقولك «إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك» . «فلا خوفَ» بالفتح في كل القرآن : يعقوب .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أولئك } مبتدأ والخبر { أصحاب النار } أي أهلها ومستحقوها . والجملة في موضع الرفع خبر المبتدأ أعني والذين { هُمْ فِيهَا خالدون } { يا بَنِي إسراءيل } هو يعقوب عليه السلام وهو لقب له ومعناه في لسانهم صفوة الله أو عبد الله . فإسرا هو العبد أو الصفوة ، وإيل هو الله بالعبرية ، وهو غير منصرف لوجود العلمية والعجمة . { اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } ذكرهم النعمة أن لا يخلوا بشكرها ويطيعوا مانحها . وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل والتوبة عليهم ، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد A المبشر به في التوراة والإنجيل . { وَأَوْفُوا } أدوا وافياً تاماً ، يقال وفيت له بالعهد فأنا وافٍ به وأوفيت له بالعهد فأنا موف به ، والاختيار أوفيت ، وعليه نزل التنزيل . { بِعَهْدِي } بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي ، أو من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز . { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم . والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعاً . وعن قتادة : هما لئن أقمتم { ولأكفرن } وقال أهل الإشارة : أوفوا في دار محنتي ، على بساط خدمتي ، بحفظ حرمتي ، أوف في دار نعمتي ، على بساط كرامتي ، بسرور رؤيتي . { وإياى فارهبون } فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك «زيدا رهبته» وهو أوكد في إفادة الاختصاص من { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } [ الفاتحة : 4 ] «وإيّايَ» منصوب بفعل مضمر دل عليه ما بعده وتقديره فارهبوا إياي فارهبون ، وحذف الأول لأن الثاني يدل عليه . وإنما لم ينتصب بقوله «فارهبون» لأنه أخذ مفعوله وهو الياء المحذوفة وكسرة النون دليل الياء كما لا يجوز نصب زيد في «زيدا فاضربه» ب «اضرب» الذي هو ظاهر .\r{ وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ } يعني القرآن { مُصَدِّقاً } حال مؤكدة من الهاء المحذوفة كأنه قيل أنزلته مصدقاً { لِّمَا مَعَكُمْ } من التوراة يعني في العبادة والتوحيد والنبوة وأمر محمد عليه السلام { وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أي أول من كفر به أو أول حزب أو فوج كافر به ، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به . وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ، والضمير في به يعود إلى القرآن . { وَلاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا . { بآياتي } بتغييرها وتحريفها . { ثَمَناً قَلِيلاً } قال الحسن : هو الدنيا بحذافيرها . وقيل : هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو اتبعوا رسول الله . { وإياى فاتقون } فخافوني «فارهبوني» «فاتقوني» بالياء في الحالين وكذلك كل ياء محذوفة في الخط : يعقوب .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"{ وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل } لبس الحق بالباطل خلطه . والباء ، إن كانت صلة مثلها في قولك «لبست الشيء بالشيء» خلطته به ، كان المعنى ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بين حقها وباطلكم . وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك «كتبت بالقلم» ، كان المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه . { وَتَكْتُمُواْ الحق } هو مجزوم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا ، أو منصوب بإضمار «أن» ، والواو بمعنى الجمع ، أي ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كقولك «لا تأكل السمك وتشرب اللبن» . وهما أمران متميزان ، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منها ، وكتمانهم الحق أن يقولوا لا نجد في التوراة صفة محمد أو حكم كذا { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } في حال علمكم أنكم لابسون وكاتمون وهو أقبح لهم لأن الجهل بالقبيح ربما عذر مرتكبه . { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة } أي صلاة المسلمين وزكاتهم . { واركعوا مَعَ الراكعين } منهم لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم أي أسلموا واعملوا عمل أهل الإسلام . وجاز أن يراد بالركوع الصلاة كما يعبر عنها بالسجود ، وأن يكون أمراً بالصلاة مع المصلين يعني في الجماعة ، أي صلوها مع المصلين لا منفردين .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"والهمزة في { أَتَأْمُرُونَ الناس } للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم . { بالبر } أي سعة الخير والمعروف ومنه البر لسعته ، ويتناول كل خير ومنه قولهم «صدقت وبررت» . وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد عليه السلام ولا يتبعونه . وقيل : كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وإذا أتوا بالصدقات ليفرقوها خانوا فيها . { وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } وتتركونها من البر كالمنسيات . { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب } تبكيت أن تتلون التوراة وفيها نعت محمد عليه السلام أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وهو توبيخ عظيم . { واستعينوا } على حوائجكم إلى الله { بالصبر والصلاة } أي بالجمع بينهما وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض ، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها ، وكان رسول الله A إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . وعن ابن عباس Bهما أنه نعى إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع وصلى ركعتين ثم قال : \" واستعينوا بالصبر والصلاة \" وقيل : الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات ومنه قيل لشهر رمضان شهر الصبر . وقيل : الصلاة الدعاء أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال إلى الله في دفعه . { وَإِنَّهَا } الضمير للصلاة أو للاستعانة . { لَكَبِيرَةٌ } لشاقة ثقيلة من قولك «كبر عَلَيَّ هذا الأمر» { إِلاَّ عَلَى الخاشعين } لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم ، ألا ترى إلى قوله : { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه . وفسر «يظنون» ب «يتيقنون» لقراءة عبد الله «يعلمون» ، أي يعلمون أنه لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك ، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة . والخشوع الإخبات والتطامن وأما الخضوع فاللين والانقياد . وفسر اللقاء بالرؤية وملاقو ربهم بمعاينوه بلا كيف . { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون } لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه .\r{ خالدون يابني إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } التكرير للتأكيد { وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ } نصب عطف على «نعمتي» أي اذكروا نعمتي وتفضيلي . { عَلَى العالمين } على الجم الغفير من الناس يقال «رأيت عالماً من الناس» والمراد الكثرة . { واتقوا يَوْمًا } أي يوم القيامة وهو مفعول به لا ظرف . { لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ } مؤمنة .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"{ عَن نَّفْسٍ } كافرة { شَيْئاً } أي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق التي لزمتها . و«شيئاً» مفعول به أو مصدر أي قليلاً من الجزاء ، والجملة منصوبة المحل صفة ويوماً والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره لا تجزى فيه و { ولا يقبل منها شفاعةٌ } «ولا تقبل» بالتاء : مكي وبصري ، والضمير في «منها» يرجع إلى النفس المؤمنة أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة ، وقيل : كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا فهو كقوله : { فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين } وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة للعصاة مردود لأن المنفي شفاعة الكفار وقد قال عليه السلام \" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي من كذب بها لم ينلها \" { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي فدية لأنها معادلة للمفدي . { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يعاونون وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة ، وذكّر لمعنى العباد أو الأناسي .\r{ وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ } أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً وخص استعماله بأولى الخطر كالملوك وأشباههم فلا يقال آل الإسكاف والحجام ، وفرعون علم لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس . { يَسُومُونَكُمْ } حال من «آل فرعون» أي يولونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً ، وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنها بمعنى يبغونكم { سُوءَ العذاب } ويريدونكم عليه ومساومة البيع مزيدة أو مطالبة ، وسوء مفعول ثانٍ ل «يسومونكم» وهو مصدر سيىء . يقال : أعوذ بالله من سوء الخلق و«سوء» الفعل يراد قبحهما ، ومعنى سوء العذاب ، والعذاب كله سيىء أشده وأفظعه . { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } بيان لقوله «يسومونكم» ولذا ترك العاطف { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } يتركون بناتكم أحياء للخدمة ، وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يزول ملكه بسببه كما أنذروا نمرود فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ وكان ما شاء الله { وَفِي ذلكم بَلاءٌ } محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون ، ونعمة إن أشير به إلى الانتجاء . { مّن رَّبّكُمْ } ، صفة ل «بلاء» { عظِيمٌ } صفة ثانية .\r{ وَإِذْ فَرَقْنَا } فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم . وقرىء «فرّقنا» أي فصلنا يقال : فرق بين الشيئين وفَرَّقَ بين الأشياء لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط . { بِكُمُ البحر } كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم ، أو فرقناه بسببكم ، أو فرقناه ملتبساً بكم فيكون في موضع الحال . رُوي أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام : أين أصحابنا فنحن لا نرضى حتى نراهم ، فأوحى الله إليه أن قل بعصاك هكذا ، فقال بها على الحيطان فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم . { فأنجيناكم وَأَغْرَقْنَا آل فِرْعَونَ وَأَنتُم تَنظُرونَ } إلى ذلك وتشاهدونه ولا تشكون فيه . وإنما قال { وَإِذْ واعدنا موسى } لأن الله تعالى وعده الوحي ووعده هو المجيء للميقات إلى الطور .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"«وعدنا» حيث كان بصري . لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه ، وعد الله تعالى موسى أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة ، وقال { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } لأن الشهور غررها بالليالي و«أربعين» مفعول ثانٍ ل «واعدنا» لا ظرف لأنه ليس معناه واعدناه في أربعين ليلة { ثُمَّ اتخذتم العجل } أي إلها فحذف المفعول الثاني ل «اتخذتم» ، وبابه بالإظهار مكي وحفص { مِن بَعْدِهِ } من بعد ذهابه إلى الطور ، { وَأَنتُمْ ظالمون } أي بوضعكم العبادة غير موضعها والجملة حال أي عبدتموه ظالمين . { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ } محونا ذنوبكم عنكم . { مِن بَعْدِ ذلك } من بعد اتخاذكم العجل . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لكي تشكروا النعمة في العفو عنكم .\r{ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان } يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة ونظيره «رأيت الغيث والليث» تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة . أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات ، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام . وقيل : الفرقان انفلاق البحر أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } للذين عبدوا العجل . { ياقوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل } معبوداً { فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ } هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت . وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم إبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } قيل : هو على الظاهر وهو البخع . وقيل : معناه قتل بعضهم بعضاً . وقيل : أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة فقتل سبعون ألفاً . { ذلكم } التوبة والقتل { خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } من الإصرار على المعصية . { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب } المفضال بقبول التوبة وإن كثرت { الرحيم } يعفو الحوبة وإن كبرت . والفاء الأولى للتسبيب لأن الظلم سبب التوبة ، والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم إذ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم ، والثالثة متعلقة بشرط محذوف كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم . { وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } عياناً وانتصابها على المصدر كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس ، أو على الحال من «نرى» أي ذوي جهرة . { فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة } أي الموت . قيل : هي نار جاءت من السماء فأحرقتهم . روي أن السبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الانطلاق إلى الجبل قالوا له : نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة . فقال موسى : سألته ذلك فأباه عليّ . فقالوا : إنك رأيت الله تعالى فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم . وتعلقت المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت . قلنا : إنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم : إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كفر منهم . ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يروا ربهم جهرة ، والإيمان بالانبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم . ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد . { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } إليها حين نزلت . { ثُمَّ بعثناكم } أحييناكم وأصله الإثارة { مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة البعث بعد الموت . { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن } الترنجبين وكان ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع . { والسلوى } كان يبعث الله عليهم الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"وقلنا لهم { كُلُواْ مِن طيبات } لذيذات أو حلالات { مَا رزقناكم وَمَا ظَلَمُونَا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أنفسهم مفعول «يظلمون» وهو خبر «كان» . { وَإِذْ قُلْنَا } لهم بعدما خرجوا من التيه . { ادخلوا هذه القرية } أي بيت المقدس أو أريحاء . والقرية المجتمع من قريت لأنها تجمع الخلق ، أمروا بدخولها بعد التيه . { فَكُلُواْ مِنْهَا } من طعام القرية وثمارها . { حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } واسعاً { وادخلوا الباب } باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها ، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام وإنما دخلوا الباب في حياته ودخلوا بيت المقدس بعده . { سُجَّدًا } .\rحال وهو جمع ساجد ، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً له . { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } فعلة من الحط كالجلسة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة ، والأصل النصب وقد قرىء به بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات . وقيل : أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها . وعن عليّ Bه : وهو بسم الله الرحمن الرحيم . وعن عكرمة : هو لا إله إلا الله . { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } جمع خطيئة وهي الذنب . «يغفر» : مدني «تغفر» : شامي . { وَسَنَزِيدُ المحسنين } أي من كان محسناً منكم . كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة . { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } فيه حذف وتقديره فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم ، ف «بدل» يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى آخر بالباء ، فالذي مع الباء متروك والذي بغير باء موجود ، يعني وضعوا مكان حطة قولاً غيرها أي أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله . وقيل : قالوا مكان حطة حنطة . وقيل : قالوا بالنبطية حطا سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا . { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا } عذاباً . وفي تكرير «الذين ظلموا» زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بإنزال الرجز عليهم لظلمهم . { مِّنَ السماء } صفة لرجز { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم . روي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً وقيل سبعون ألفاً .","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"{ وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ } موضع إذ نصب كأنه قيل : واذكروا إذا استسقى أي استدعي أن يسقي قومه . { فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر } عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر . واللام للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر إثنا عشر ميلاً ، أو للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة . { فانفجرت } الفاء متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أي سالت بكثرة ، أو فإن ضربت فقد انفجرت وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ . { مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } على عدد الأسباط وقرىء بكسر الشين وفتحها وهما لغتان ، وعيناً تمييز . { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط { مَّشْرَبَهُمْ } عينهم التي يشربون منها . وقلنا لهم { كُلُواْ } من المن والسلوى . { واشربوا } من ماء العيون . { مِن رّزْقِ الله } أي الكل مما رزقكم الله . { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض } لا تفسدوا فيها . والعيث أشد الفساد { مُفْسِدِينَ } حال مؤكدة أي لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه . { وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } هو ما رزقوا في التيه من المن والسلوى . وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها يقال لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً ويراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف . أو أرادوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترف وكانوا من أهل الزراعات فأرادوا ما ألفوا من البقول والحبوب وغير ذلك { فادع لَنَا رَبَّكَ } سله وقل له أخرج لنا { يُخْرِجْ لَنَا } يظهر لنا ويوجد { مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا } هو ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايب البقول كالنعناع والكرفس والكراث ونحوهما مما يأكل الناس . { وَقِثَّآئِهَا } يعني الخيار { وَفُومِهَا } هو الحنطة أو الثوم لقراءة ابن مسعود و«ثومها» { وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى } أقرب منزلة وأدون مقداراً والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار { بالذي هُوَ خَيْرٌ } أرفع وأجل . { اهبطوا مِصْرًا } من الأمصار أي انحدروا إليه من التيه . وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين وهي اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ ، أو مصر فرعون . وإنما صرفه من وجود السببين وهما التأنيث والتعريف لإرادة البلد ، أو لسكون وسطه كنوح ولوط وفيهما العجمة والتعريف { فَإِنَّ لَكُم } فيها { مَّا سَأَلْتُمْ } أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في التيه .","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } أي الهوان والفقر يعني جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه ، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه . فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة وفقر إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية . «عليهم الذلة» : حمزة وعلي وكذا كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة وبكسر الهاء والميم : أبو عمرو . وبكسر الهاء وضم الميم : غيرهم . { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله } من قولك «باء فلان بفلان» إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له . أي صاروا أحقاء بغضبه . وعن الكسائي حفوا { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب . { بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين } بالهمزة : نافع وكذا بابه . أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء . وقد قتلت اليهود شعياء وزكريا ويحيى صلوات الله عليهم . والنبي من النبإ لأنه يخبر عن الله تعالى «فعيل» بمعنى «مفِعل» أو بمعنى «مفعَل» . أو من نبا أي ارتفع ، والنبوة المكان المرتفع . { بِغَيْرِ الحق } عندهم أيضاً فإنهم لو أنصفوا لم يذكروا شيئاً يستحقون به القتل عندهم في التوراة . وهو في محل النصب على الحال من الضمير في «يقتلون» أي يقتلونهم مبطلين { ذلك } تكرار للإشارة . { بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء . وقيل : هو اعتداؤهم في السبت . ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتلهم الأنبياء ، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا .","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ } بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون . { والذين هَادُواْ } تهودوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية وهو هائد والجمع هود . { والنصارى } جمع نصران كندمان وندامى يقال رجل نصران وامرأة نصرانة . والياء في نصراني للمبالغة كالتي في «أحمري» سموا نصارى لأنهم نصروا المسيح . { والصابئين } الخارجين من دين مشهور إلى غيره من صبأ إذا خرج من الدين ، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة . وقيل : هم يقرؤون الزبور . { مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الآخر } من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً { وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } ثوابهم { عِندَ رَبِّهِمْ } في الآخرة { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ومحل «من آمن» الرفع إن جعلته مبتدأ خبره فلهم أجرهم ، والنصب إن جعلته بدلاً من اسم إن والمعطوف عليه . فخبر إن في الوجه الأول الجملة كما هي ، وفي الثاني «فلهم» والفاء لتضمن «من» معنى الشرط .\r{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } بقبول ما في التوراة . { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } أي الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق . وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها ، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى : إن قبلتم وإلا ألقي عليكم حتى قبلوا وقلنا لكم . { خُذُواْ مَا ءاتيناكم } من الكتاب أي التوراة { بِقُوَّةٍ } بجدٍ وعزيمة { واذكروا مَا فِيهِ } واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } رجاء منكم أن تكونوا متقين . { ثمّ تولّيتم } ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به . { مِن بَعْدِ ذلك } من بعد القبول { فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بتأخير العذاب عنكم أو بتوفيقكم للتوبة . { لَكُنتُم مّنَ الخاسرين } الهالكين في العذاب .\r{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } عرفتم فيتعدى إلى مفعول واحد { الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت } هو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت . وقد اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد . وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت ، فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول ، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد فكانوا يسدون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد ، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم . { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ } بتكويننا إياكم { قِرَدَةً خاسئين } خبر كان أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغاروالطرد . يعني المسخة { نكالا } عبرة تنكل من اعتبر بها أن تمنعه .","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"{ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } لما قبلها . { وَمَا خَلْفَهَا } وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين . { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متقٍ سمعها .\r{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } أي واذكروا إذ قال موسى ، وهو معطوف على نعمتي في قوله { اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 40 ] كأنه قال : اذكروا ذاك واذكروا إذ قال موسى . وكذلك هذا في الظروف التي مضت أي اذكروا نعمتي ، واذكروا وقت إنجائنا إياكم ، واذكروا وقت فرقنا ، واذكروا نعمتي ، واذكروا وقت استسقاء موسى ربه لقومه . والظروف التي تأتي إلى قوله { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ } [ البقرة : 124 ] . { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن } أي بأن { تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } قال المفسرون : أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى «وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها» . وذلك أن رجلاً موسراً اسمه «عاميل» قتله بنو عمه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون بديته فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله . { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء . «هزأً» بسكون الزاي والهمزة : حمزة ، وبضمتين والواو : حفص . غيرهما بالتثقيل والهمزة . { قَالَ أَعُوذُ بالله } العياذ واللياذ من وادٍ واحد . { أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه ، وفيه تعريض بهم أي أنتم جاهلون حيث نسبتموني إلى الاستهزاء .","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } سؤال عن حالها وصفتها لأنهم كانوا عالمين بماهيتها ، لأن «ما» وإن كانت سؤالاً عن الجنس ، و «كيف» عن الوصف ولكن قد تقع «ما» موقع «كيف» ، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشان ، و«ما هي» خبر ومبتدأ . { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ } مسنة ، وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها . وارتفع «فارض» لأنه صفة ل «بقرة» ، وقوله : { وَلاَ بِكْرٌ } فتية عطف عليه . { عَوَانٌ } نصف . { بَيْنَ ذلك } بين الفارض والبكر ، ولم يقل بين ذينك مع أن «بين» يقتضي شيئين فصاعداً لأنه أراد بين هذا المذكور ، وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا ، قال أبو عبيدة : قلت لرؤبة في قوله :\rفيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق\rإن أردت الخطوط فقل كأنها . وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما ، فقال : أردت كأن ذاك . { فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } أي تؤمرونه بمعنى تؤمرون به ، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير .\r{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا } موضع «ما» رفع لأن معناه الاستفهام تقديره : ادع لنا ربك يبين لنا أي شيء لونها . { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه يقال في التوكيد أصفر فاقع ، وهو توكيد لصفراء وليس خبراً عن اللون إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل ، ولا فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها ، وفي ذكر اللون فائدة التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك جد جده { تَسُرُّ الناظرين } لحسنها . والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه . عن علي Bه : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى : «تسر الناظرين» ، { قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بياناً لوصفها ، وعن النبي عليه السلام \" لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم \" والاستقصاء شؤم { إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا { وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ } إلى البقرة المراد ذبحها أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل ، و«إن شاء الله» اعتراض بين اسم «إن» وخبرها . وفي الحديث \" لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد \" أي لو لم يقولوا إن شاء الله { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض } لا ذلول صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول ، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض { وَلاَ تَسْقِي الحرث } ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروق ، و «لا» الأولى نافية والثانية مزيدة لتوكيد الأولى لأن المعنى لا ذلول تثير الأرض أي تقلبها للزراعة وتسقي الحرث على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية { مُّسَلَّمَةٌ } عن العيوب وآثار العمل .","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"{ لاَّ شِيَةَ فِيهَا } لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها ، وهي في الأصل مصدر وشاه وشياً وشية إذا خلط بلونه لون آخر . { قَالُواْ الئان جِئْتَ بالحق } أي بحقيقة وصف البقرة وما بقي إشكال في أمرها ، «جئت» وبابه بغير همز : أبو عمرو { فَذَبَحُوهَا } فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة في ظهور القاتل ، روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر وكان براً بوالديه . فشبت البقرة وكانت من أحسن البقر وأسمنه ، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير ، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة ، وهذا البيان من قبيل تقييد المطلق فكان نسخاً والنسخ قبل الفعل جائز وكذا قبل التمكن منه عندنا خلافاً للمعتزلة . { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } بتقدير «واذكروا» ، خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم . { فادرأتم فِيهَا } فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفع ، أو تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فيدفع المطروح عليه الطارح ، أو لأن الطرح في نفسه دفع ، وأصاله تدارأتم ثم أرادوا التخفيف فقلبوا التاء دالاً لتصير من جنس الدال التي هي فاء الكلمة ليمكن الإدغام ، ثم سكنوا الدال إذ شرط الإدغام أن يكون الأول ساكناً وزيدت همزة الوصل لأنه لا يمكن الابتداء بالساكن ، «فاداراتم» بغير همز : أبو عمر . { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً ، وأعمل مخرج على حكاية ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ ، وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ادارأتم .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"و { فَقُلْنَا } والضمير في { اضربوه } يرجع إلى النفس ، والتذكير بتأويل الشخص والإنسان ، أو إلى القتيل لما دل عليه ما كنتم تكتمون . { بِبَعْضِهَا } ببعض البقرة وهو لسانها أو فخذها اليمنى أو عجبها ، والمعنى فضربوه فحيى فحذف ذلك لدلالة { كذلك يُحْيىِِ الله الموتى } عليه . روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله تعالى وقال قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً فأُخذا وقُتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ، وقوله «كذلك يحيي الله الموتى» إما أن يكون خطاباً للمنكرين في زمن النبي عليه السلام ، وإما أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة . { وَيُرِيكُمْ ءاياته } دلائله على أنه قادر على كل شيء { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فتعملون على قضية عقولكم وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم الاختصاص ، والحكمة في ذبح البقرة وضربه ببعضها وإن قدر على إحيائه بلا واسطة التقرب به ، الإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب والتعليم لعباده ترك التشديد في الأمور والمسارعة إلى امتثال أوامر الله من غير تفتيش وتكثير سؤال وغير ذلك . وقيل : إنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها من البهائم لأنها أفضل قرابينهم ، ولعبادتهم العجل فأراد الله تعالى أن يهون معبودهم عندهم ، وكان ينبغي أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال : وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها ، ولكنه تعالى إنما قص قصص بني إسرائيل تعديداً لما وجد منهم من الجنايات وتقريعاً لهم عليها ، وهاتان القصتان وإن كانتا متصلتين فتستقل كل واحدة منهما بنوع من التقريع . فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك ، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة . وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب المراد في تثنية التقريع ، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها إن وصلت بالأولى بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله «اضربوه ببعضها» ليعلم أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وقصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة . وقيل : هذه القصة تشير إلى أن من أراد إحياء قلبه بالمشاهدات فليمت نفسه بأنواع المجاهدات . ومعنى { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } استبعاد القسوة { مِن بَعْدِ } ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها . وصفة القلوب بالقسوة مثل لنبوها عن الاعتبار والاتعاظ . من بعد { ذلك } إشارة إلى إحياء القتيل أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة { فَهِىَ كالحجارة } فهي في قسوتها مثل الحجارة { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } منها .","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وأشد معطوف على الكاف تقديره أو مثل أشد قسوة ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . أو هي في أنفسها أشد قسوة . يعني أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً ، أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة . وإنما لم يقل أقسى لكونه أبين وأدل على فرط القسوة . وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس كقولك «زيد كريم وعمرو أكرم» . { وَإِنَّ مِنَ الحجارة } بيان لزيادة قسوة قلوبهم على الحجارة { لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار } «ما» بمعنى «الذي» في موضع النصب وهو اسم «إن» واللام للتوكيد . والتفجر التفتح بالسعة والكثرة . { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ } أصله يتشقق وبه قرأ الأعمش فقلبت التاء شيناً وأدغمت { فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء } يعني أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير ، ومنها ما ينشق انشقاقاً بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضاً وقلوبهم لا تندى . { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ } يتردى من أعلى الجبل { مّنْ خَشْيَةِ الله } قيل : هو مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها ، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به . وقيل : المراد به حقيقة الخشية على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز . وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة وعلى هذا قوله : { لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ } [ الحشر : 21 ] ، الآية . يعني وقلوبهم لا تخشى . { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وبالياء مكي وهو وعيد .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"{ أَفَتَطْمَعُونَ } الخطاب لرسول الله والمؤمنين . { أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } أن يؤمنوا لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم كقوله تعالى : { فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } [ العنكبوت : 26 ] ، يعني اليهود . { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } طائفة فيمن سلف منهم . { يَسْمَعُونَ كلام الله } أي التوراة . { ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } كما حرفوا صفة رسول الله A وآية الرجم . { مِن بَعْدِِ مَا عَقَلُوهُ } من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم . { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون مفترون . والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك . { وَإِذَا لَقُواْ } أي المنافقون أو اليهود . { الذين آمنواْ } أي المخلصون من أصحاب محمد عليه السلام . { قَالُواْ } أي المنافقون { آمنَا } بأنكم على الحق وأن محمداً هو الرسول المبشر به . { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ } الذين لم ينافقوا { إلى بَعْضِ } إلى الذين نافقوا { قَالُواْ } عاتبين عليهم { أَتُحَدِّثُونَهُم } أتخبرون أصحاب محمد عليه السلام { بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ } بما بين الله لكم في التوراة من صفة محمد عليه السلام { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ } ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه ، جعلوا محاجتهم به وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ، ألا تراك تقول هو في كتاب الله تعالى هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد؟ وقيل : هذا على إضمار المضاف أي عند كتاب ربكم . وقيل : ليجادلوكم ويخاصموكم به بما قلتم لهم عند ربكم في الآخرة يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن هذه حجة عليكم حيث تعترفون به ثم لا تتابعونه { أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ } جميع { مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان .\r{ وَمِنْهُمُ } ومن اليهود { أُمِّيُّونَ } لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها { لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب } التوراة { إِلاَّ أَمَانِىَّ } إلا ما هم عليه من أمانيهم وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا تمسهم النار إلا أياماً معدودة ، أو إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد ومنه قول عثمان Bه : ما تمنيت منذ أسلمت ، أو إلا ما يقرؤون من قوله :\rتمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لا في حمام المقادر\rأي لا يعلمون هؤلاء حقيقة المنزل وإنما يقرؤون أشياء أخذوها من أحبارهم . والاستثناء منقطع . { وَإِنْ هُمْ } وما هم { إِلاَّ يَظُنُّونَ } لا يدرون ما فيه فيجحدون نبوتك بالظن . ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم ثم العوام الذين قلدوهم { فَوَيْلٌ } في الحديث « ويل واد في جهنم » { لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب } المحرف { بِأَيْدِيهِمْ } من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون منزلاً .","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"وذكر الأيدي للتأكيد وهو من مجاز التأكيد { ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } عوضاً يسيراً . { فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } من الرشا . { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل . وعن مجاهد Bه : كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً . { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا } أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار { فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ } متعلق بمحذوف تقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } «أم» إما أن تكون معادلة أي أتقولون على الله ما تعلمون أم تقولون عليه ما لا تعلمون ، أو منقطعة أي بل أتقولون على الله ما لا تعلمون . { بلى } إثبات لما بعد النفي وهو لن تمسنا النار أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله «هم فيها خالدون» { مَن كَسَبَ سَيّئَةً } شركاً عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما Bهم { وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ } وسدت عليه مسالك النجاة بأن مات على شركه ، فأما إذا مات مؤمناً فأعظم الطاعات وهو الإيمان معه فلا يكون الذنب محيطاً به فلا يتناوله النص ، وبهذا التأويل يبطل تشبث المعتزلة والخوارج . وقيل : استولت عليه كما يحيط العدو ولم ينفضّ عنها بالتوبة ، «خطياته» مدني . { فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } .","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"{ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون * وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إسراءيل } الميثاق العهد المؤكد غاية التأكيد { لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله } إخبار في معنى النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا تريد الأمر . وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء وهو يخبر عنه ، وتنصره قراءة أبيّ «لا تعبدوا» ، وقوله «وقولوا» والقول مضمر . «لا يعبدون» : مكي وحمزة وعلي لأن بني إسرائيل اسم ظاهر والأسماء الظاهرة كلها غيب . ومعناه أن لا يعبدوا فلما حذفت «أن» رفع . { وبالوالدين إحسانا } أي وأحسنوا ليلتئم عطف الأمر وهو قوله «وقولوا» عليه . { وَذِي القربى } القرابة { واليتامى } جمع يتيم وهو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم لقوله عليه السلام \" لا يتم بعد البلوغ \" { والمساكين } جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة . { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } قولاً هو حسن في نفسه لإفراط حسنه . «حسناً» : حمزة وعلي . { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } عن الميثاق ورفضتموه { إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ } قيل : هم الذين أسلموا منهم { وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولية ، عن المواثيق .\r{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم } أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض . جعل غير الرجل نفسه إذ اتصل به أصلاً أو ديناً . وقيل : إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } عليها كما تقول : فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها . أو وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم . «أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» بمعنى «الذين» { تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } صلة «»«هؤلاء» . و«هؤلاء» مع صلته خبراً «أنتم» { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم } غير مراقبين ميثاق الله { تظاهرون علَيْهِم } بالتخفيف كوفي أي تتعاونون . وبالتشديد غيرهم . فمن خفف فقد حذف إحدى التائين . ثم قيل : هي الثانية لأن الثقل بها . وقيل : الأولى . ومن شدد قلب التاء الثانية ظاء وأدغم . { بالإثم والعدوان } بالمعصية والظلم . { وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم } «تفدوهم» : أبو عمرو . «أسرى تفدوهم» مكي وشامي . «أسرى تفدوهم» : حمزة «أسارى تفادوهم» : علي . فدى وفادى بمعنى . و«أسارى» حال وهو جمع أسير وكذلك أسرى . والضمير في { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ } للشأن أو هو ضمير مبهم تفسيره { إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب } بفداء الأسرى . { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } بالقتال والإجلاء . قال السدي : أخذ الله عليكم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء . { فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك } هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض { مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ } فضيحة وهوان { فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب } وهو الذي لا روح فيه ولا فرح أو إلى أشد من عذاب الدنيا { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } بالياء مكي ونافع وأبو بكر .","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"{ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة } اختاروها على الآخرة اختيار المشتري { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم . { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب } التوراة . أتاه جملة { وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل } يقال : قفاه إذا اتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب وقفاه به إذا أتبعه إياه . يعني وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل وهم يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم . صلوات الله عليهم { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } هي بمعنى الخادم ، ووزن مريم عند النحويين «مفعل» لأن «فعيلاً» لم يثبت في الأبنية ، البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات . { وأيدناه بِرُوحِ القدس } أي الطهارة وبالسكون حيث كان : مكي . أي بالروح المقدسة كما يقال «حاتم الجود» ووصفها بالقدس للاختصاص والتقريب . أو بجبريل عليه السلام لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب ، وذلك لأنه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله . أو بالإنجيل كما قال في القرآن { رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] ، أو باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره . { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى } تحب { أَنفُسُكُم استكبرتم } تعظمتم عن قبوله { فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ } كعيسى ومحمد عليهما السلام { وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } كزكريا ويحيى عليهما السلام . ولم يقل قتلتم لوفاق الفواصل ، أو لأن المراد وفريقاً تقتلونه بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد عليه السلام لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . والمعنى ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول منهم بالحق استكبرتم عن الإيمان به ، فوسط ما بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجب من شأنهم . { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع أغلف أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد عليه السلام ولا تفقهه ، مستعار من الأغلف الذي لا يختن { بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم . { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } ف «قليلاً» صفة مصدر محذوف أي فإيماناً قليلاً يؤمنون . و«ما» مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب . وقيل : القلة بمعنى العدم . غلف تخفيف غلف وقرىء به جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره ، أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقاً لقبلنا .\r{ وَلَمَّا جَاءَهُمُ } أي اليهود { كتاب مّنْ عِندِ الله } أي القرآن { مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من كتابهم لا يخالفه { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ } يعني القرآن { يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم قالوا : اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ، ويقولون لأعدائهم المشركين : قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم .","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"{ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ } «ما» موصولة أي ما عرفوه وهو فاعل «جاء» . { كَفَرُواْ بِهِ } بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة . { فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم . واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فيه دخولاً أولياً ، وجواب «لما» الأولى مضمر وهو نحو كذبوا به أو أنكروه ، أو كفروا جواب الأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد . و «ما» في { بِئْسَمَا } نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أي بئس شيئاً { اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي باعوه والمخصوص بالذم . { أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله } يعني القرآن . { بَغِيّاً } مفعول له أي حسداً وطلباً لما ليس لهم ، وهو علة اشتروا { أَن يُنَزِّلَ الله } لأن ينزل . أو على أن ينزل أي حسدوه على أن ينزل الله . { مِن فَضْلِهِ } الذي هو الوحي { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهو محمد عليه السلام . { فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ } فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه أو كفروا بمحمد بعد عيسى عليهما السلام ، أو بعد قولهم عزيز ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك . { وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } مذل . «بئسما» وبابه غير مهموز : أبو عمرو . و«ينزل» بالتخفيف : مكي وبصري . { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } لهؤلاء اليهود . { آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } يعني القرآن ، أو مطلق يتناول كل كتاب { قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أي التوراة . { وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة . { وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا لّمَا مَعَهُمْ } غير مخالف له وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ، و«مصدقاً» حال مؤكدة . { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ الله } أي فلم قتلتم فوضع المستقبل موضع الماضي ويدل عليه قوله { مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي من قبل محمد عليه السلام ، اعتراض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء . قيل : قتلوا في يوم واحد ثلثمائة نبي في بيت المقدس .","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"{ وَلَقَدْ جَاءَكُم موسى بالبينات } بالآيات التسع وأدغم الدال في الجيم حيث كان أبو عمرو وحمزة وعلي . { ثُمَّ اتخذتم العجل } إلهاً { مِن بَعْدِهِ } من بعد خروج موسى عليه السلام إلى الطور . { وَأَنتُمْ ظالمون } هو حال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها ، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم . { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ ما آتيناكُمْ بِقُوَّةٍ } كرر ذكر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى . { واسمعوا } ما أمرتم به في التوراة . { قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك { وَعَصَيْنَا } أمرك وطابق قوله جوابهم من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة . { وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل } أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله : «في قلوبهم» ، بيان لمكان الإشراب والمضاف وهو الحب محذوف . { بِكُفْرِهِمْ } بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه . { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم } بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل ، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم وكذا إضافة الإيمان اليهم . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له . { قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة } أي الجنة . { عَندَ الله } ظرف ، و «لكم» خبر «كان» { خَالِصَةً } حال من الدار الآخرة أي سالمة لكم ليس لأحد سواكم فيها حق يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً { مّن دُونِ الناس } هو للجنس . { فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين } فيما تقولون لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصاً من الدار ذات الشوائب كما نقل عن العشرة المبشرين بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه . { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } هو نصب على الظرف أي لن يتمنوه ما عاشوا { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بما أسلفوا من الكفر بمحمد عليه السلام وتحريف كتاب الله وغير ذلك وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله { وَلَن تَفْعَلُواْ } [ البقرة : 24 ] ، ولو تمنوه لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث . { والله عَلِيمٌ بالظالمين } تهديد لهم .\r{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس } مفعولاً وجد - «هم» - و «أحرص» - { على حياة } التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وعلى الحياة المتطاولة ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة «أبي» على الحياة { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } هو محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس ، نعم قد دخل الذين أشركوا تحت الناس ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد كما أن جبريل وميكائيل خصا بالذكر وإن دخلا تحت الملائكة ، أو أريد وأحرص من الذين أشركوا فحذف لدلالة أحرص الناس عليه ، وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ ، وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لعلمهم بحالهم والمشركون لا يعلمون ذلك .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وقوله : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف . وقيل : أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز . وعن ابن عباس Bهما : هو قول الأعاجم زي هزارسال . وقيل : «ومن الذين أشركوا» كلام مبتدأ أي ومنهم ناسٌ يود أحدهم على حذف الموصوف ، والذين أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود لأنهم قالوا عزيز ابن الله . والضمير في { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب } لأحدهم . وقوله { أَن يُعَمَّرَ } فاعل «بمزحزحه» أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره ، ويجوز أن يكون «هو» مبهماً و«أن يعمر» موضحه . والزحزحة التبعيد والإنحاء . قال في جامع العلوم وغيره : «لو يعمر» بمعنى «أن يعمر» ، ف «لو» هنا نائبة عن «أن» و «أن» مع الفعل في تأويل المصدر وهو مفعول «يود» أي يود أحدهم تعمير ألف سنة . { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بعمل هؤلاء الكفار فيجازيهم عليه . وبالتاء : يعقوب .\r{ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } بفتح الجيم وكسر الراء بلا همز : مكي . وبفتح الراء والجيم والهمز مشبعاً : كوفي غير حفص . وبكسر الراء والجيم بلا همز : غيرهم . ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة ومعناه عبد الله لأن «جبر» هو العبد بالسريانية و «إيل» اسم الله . روي أَن ابن صوريا من أحبار اليهود حاجّ النبي A وسأله عمن يهبط عليه بالوحي فقال : جبريل . فقال : ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا بك وقد عادانا مراراً ، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريل وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه ، وإن لم يكن إياه فعلى أي ذنب تقتلونه . { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } فإن جبريل نزل القرآن ، ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته . { على قَلْبِكَ } أي حفظه إياك . وخص القلب لأنه محل الحفظ كقوله : { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ } [ الشعراء : 193-194 ] ، وكان حق الكلام أن يقال على قلبي ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به ، وإنما استقام أن يقع فإنه «نزله» جزاء للشرط لأن تقديره إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه ، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم . وقيل : جواب الشرط محذوف تقديره من كان عدواً لجبريل فليمت غيظاً فإنه نزل الوحي على قلبك { بِإِذْنِ الله } بأمره { مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ } رد على اليهود حين قالوا إن جبريل ينزل بالحرب والشدة فقيل : فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضاً .","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"{ مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } بصري وحفص . و «ميكائل» باختلاس الهمزة ك «ميكاعل» : مدني . و«ميكائيل» بالمد وكسر الهمزة مشبعة : غيرهم . وخص الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر إذ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات . { فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين } أي لهم فجاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء ومن عاداهم عاداه الله { وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون } المتمردون من الكفرة واللام للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب . وعن ابن عباس Bهما قال ابن صوريا لرسول الله A : ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك بها فنزلت الواو في { أَوَكُلَّمَا } الواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات البينات . وكلما { عاهدوا عَهْدًا نَّبَذَهُ } نقضه ورفضه وقال { فَرِيقٌ مّنْهُمُ } لأن منهم من لم ينقض { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالتوراة وليسوا من الدين في شيء فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به . { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله } محمد A { مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } أي التوراة والذين أوتوا الكتاب اليهود { كتاب الله } يعني التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله A المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها ، أو كتاب الله القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول . { وَرَاء ظُهُورِهِمْ } مثل لتركهم وإعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه { كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه كتاب الله .\r{ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين } أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها { على مُلْكِ سليمان } أي على عهد ملكه في زمانه ، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما يسمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها في كتب يقرأونها ويعلمونها الناس ، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والريح . { وَمَا كَفَرَ سليمان } تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به { ولكن الشياطين } هم الذين { كَفَرُواْ } باستعمال السحر وتدوينه . و«لكن» بالتخفيف «الشياطين» بالرفع : شامي وحمزة وعلي .\r{ يُعَلِّمُونَ الناس السحر } في موضع الحال أي كفروا معلمين الناس السحر قاصدين به إغواءهم وإضلالهم { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين } الجمهور على أن «ما» بمعنى «الذي» هو نصب عطف على «السحر» أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أو على «ما تتلوا» أي واتبعوا ما أنزل على الملكين { بِبَابِلَ هاروت وماروت } علمان لهما وهما عطف بيان للملكين ، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً إن كان فيه رد ما لزم في شرط الإيمان ، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه لئلا يغتر به كان مؤمناً ، قال الشيخ أبو منصور الماتريدي C : القول بأن السحر على الإطلاق كفر خطأ بل يجب البحث عن حقيقته ، فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث ، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، وتقبل توبته إذا تاب . ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم . وقيل : أنزل أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل . قيل : إنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم فكانا يحكمان في الأرض ويصعدان بالليل ، فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرآهما إنسان فقتلاه فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة ، فهما يعذبان منكوسين في جب ببابل وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها . { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } وما يعلم الملكان أحداً { حتى يَقُولاَ } حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } ابتلاء واختبار من الله . { فَلاَ تَكْفُرْ } بتعلمه والعمل به على وجه يكون كفراً { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } الفاء عطف على قوله «يعلمون الناس السحر» أي يعلمونهم فيتعلمون من السحر والكفر اللذين دل عليهما قوله «كفروا» - و - «يعلمون الناس السحر» أو على مضمر والتقدير : فيأتون فيتعلمون . والضمير لما دل عليه «من أحد» أي فيتعلم الناس من الملكين ما { يفرِّقون به بين المرء وزوجه } أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه . وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله وعنده المعتزلة هو تخييل وتمويه . { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ } بالسحر { مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } بعلمه ومشيئته { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } في الآخرة وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية . { وَلَقَدْ عَلِمُواْ } أي اليهود { لَمَنِ اشتراه } أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله { مَالَهُ فِي الآخرة مِنْ خلاق } من نصيب { وَلَبِئْسَ ما شَرواْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } باعوها وإنما نفى العلم عنهم بقوله { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } مع إثباته لهم بقوله «ولقد علموا» على سبيل التوكيد القسمي لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم جعلهم حين لم يعلموا به كأنهم لا يعلمون .","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"{ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ } برسول الله والقرآن { واتقوا } الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين { لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا ، لكنه جهلهم لما تركوا العمل بالعلم والمعنى : لأثيب من عند الله ما هو خير ، وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب «لو» لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها . ولم يقل لمثوبة الله خير لأن المعنى لشيء من الثواب خير لهم . وقيل : «لو» بمعنى التمني كأنه قيل : وليتهم آمنوا ثم ابتدأ «لمثوبة من عند الله خير» .\r{ يَعْلَمُونَ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا } كان المسلمون يقولون لرسول الله A إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم : راعنا يا رسول الله أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه ، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي «راعينا» ، فلما سمعوا بقول المؤمنين «راعنا» افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو «انظرنا» من نظره إذا انتطره . { واسمعوا } وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله A ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة ، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا . { وللكافرين } ولليهود الذين سبوا رسول الله A { عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم . { مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم } وبالتخفيف : مكي وأبو عمرو . { مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبِّكُمْ } «من» الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب والمشركون ، والثانية مزيدة لاستغراق الخير ، والثالثة لابتداء الغاية . والخير الوحي وكذلك الرحمة . { والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي والله يختص بالنبوبة من يشاء { والله ذُو الفضل العظيم } فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم ولما طعنوا في النسخ فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً نزل :","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"{ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا } تفسير النسخ لغة التبديل ، وشريعة بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي فكان تبديلاً في حقنا بياناً محضاً في حق صاحب الشرع . وفيه جواب عن البداء الذي يدعيه منكروه أعني اليهود ومحله حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه لم يلحق به ما ينافي النسخ من توقيت أو تأبيد ، ثبت نصاً أو دلالة . وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل خلافاً للمعتزلة . وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقاً ومختلفاً ويجوز نسخ التلاوة والحكم ، والحكم دون التلاوة ، والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص فإنه نسخ عندنا خلافاً للشافعي C . والإنساء أن يذهب بحفظها عن القلوب «أو ننسأها» مكي وأبو عمرو أي نؤخرها من نسأت أي أخرت { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } أي نأت بآية خير منها للعباد أي بآية العمل بها أكثر للثواب . { أَوْ مِثْلِهَا } في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض } فهو يملك أموركم ويدبرها وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ . { وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ } يلي أمركم { وَلاَ نَصِيرٍ } ناصر يمنعكم من العذاب { أَمْ تُرِيدُونَ } «أم» منقطعة وتقديره بل أتريدون { أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ } روي أن قريشاً قالوا : يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً ووسع لنا أرض مكة فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا اجعل لنا إلهاً . { وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان } ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } قصده ووسطه .\r{ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم } أن يردوكم { مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا } حال من «كم» أي يردونكم عن دينكم كافرين ، نزلت حين قالت اليهود للمسلمين بعد واقعة أحد : ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق لما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم . { حَسَدًا } مفعول له أي لأجل الحسد وهو الأسف على الخير عند الغير { مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } يتعلق ب «ودّ» أي ودوا من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق لأنهم ودوا ذلك { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } أي من بعد علمهم بأنكم على الحق ، أو ب «حسداً» أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"{ فاعفوا واصفحوا } فاسلك بهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } بالقتال { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فهو يقدر على الانتقام منهم . { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما { تَجِدُوهُ عِندَ الله } تجدوا ثوابه عنده { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فلا يضيع عنده عمل عامل . والضمير في { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أي وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، فلفّ بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله ، وأمناً من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما صاحبه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء } ؟ وهود جمع هائد كعائذ وعوذ وواحد اسم كان للفظ «من» ، وجمع الخبر لمعناه . { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } أشير بها إلى الأماني المذكورة وهي أمنيتهم ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم . والأمنية أفعولة من التمني مثل الأضحوكة . { قُلْ هَاتُواْ برهانكم } هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة . وهات بمنزلة هاء بمعنى أحضر وهو متصل بقولهم«لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى» و«تلك أمانيهم» اعتراض . { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعواكم . { بلى } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة . { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره . { وَهُوَ مُحْسِنٌ } مصدق بالقرآن . { فَلَهُ أَجْرُهُ } جواب «من أسلم» . و«هو» كلام مبتدأ متضمن لمعنى الشرط و«بلى» رد لقولهم . { عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"{ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء } أي على شيء يصح ويعتد به . والواو في { وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب ، وحق من حمل التوراة والإنجيل وآمن به ألا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر . { كذلك } مثل ذلك القول الذي سمعت به { قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة ، قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء ، وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم { فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب اللائق به .\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه } موضع «من» رفع على الابتداء وهو استفهام و«أظلم» خبره والمعنى : أي أحد أظلم؟ و«أن يذكر» ثاني مفعولي «منع» لأنك تقول منعته كذا { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات } [ الإسراء : 59 ] . { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } [ الكهف : 55 ] [ الإسراء : 94 ] . ويجوز أن يحذف حرف الجر مع «أن» أي من أن يذكر وأن تنصبه مفعولاً له بمعنى منعها كراهة أن يذكر وهو حكم عام لجنس مساجد الله وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم . والسبب فيه طرح النصارى في بيت المقدس الأذى ، ومنعهم الناس أن يصلوا فيه ، أو منع المشركين رسول الله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية . وإنما قيل مساجد الله وكان المنع على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم ورد عاماً وإن كان السبب خاصاً كقوله تعالى : { وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ } [ الهمزة : 1 ] والمنزول فيه الأخنس بن شريق . { وسعى فِى خَرَابِهَا } بانقطاع الذكر والمراد ب «من» العموم كما أريد العموم بمساجد الله . { أولئك } المانعون { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا } أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله { إِلاَّ خَائِفِينَ } حال من الضمير في «يدخلوها» أي على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها . والمعنى : ما كان الحق إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم . رُوي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً خيفة أن يقتل . وقال قتادة : لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا بولغ ضرباً . ونادى رسول الله A \" ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك \" وقيل : معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى :","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"{ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } [ الأحزاب : 53 ] { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } قتل وسبي للحربي وذلة بضرب الجزية للذمي { وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي النار .\r{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب كلها له وهو مالكها ومتوليها { فَأَيْنَمَا } شرط { تَوَلُّوْاْ } مجزوم به أي ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى : { فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } [ البقرة : 144 ] ، والجواب { فَثَمَّ وَجْهُ الله } أي جهته التي أمر بها ورضيها . والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها ، فإن التولية ممكنة في كل مكان . { إِنَّ الله واسع عَلِيمٌ } أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم بمصالحهم . وعن ابن عمر Bهما : نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت . وقيل : عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة ، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا . هو حجة على الشافعي C فيما إذا استدبر . وقيل : فأينما تولوا للدعاء والذكر . { وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزيز ابن الله . «قالوا» : شامي فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها ، وحذفه باعتبار أنه استئناف قصة أخرى . { سبحانه } تنزيه له عن ذلك وتبعيد { بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض } أي هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزيز والولادة تنافي الملك . { كُلٌّ لَّهُ قانتون } منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره . والتنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه أي كل ما في السموات والأرض ، أو كل من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم . وجاء ب «ما» الذي لغير أولي العلم مع قوله «قانتون» كقوله \" سبحان ما سخركن لنا \" { بَدِيعُ السماوات والأرض } أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق . وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدعت ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة مبتدع لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون Bهم . { وَإِذَا قضى أَمْرًا } أي حكم أو قدر { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } هو من «كان» التامة أي أحدث فيحدث وهذا مجاز عن سرعة التكوين وتمثيل ولا قول ثُمَّ . وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ، ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه إباء .","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وأكد بهذا استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثمّ . والوجه الرفع في «فيكون» وهو قراءة العامة على الاستئناف أي فهو يكون ، أو على العطف على «يقول» . ونصبه ابن عامر على لفظ «كن» لأنه أمر وجواب الأمر بالفاء نصب . وقلنا : إن «كن» ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذ قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون ، وإذا كان كذلك فلا معنى للنصب . وهذا لأنه لو كان أمراً فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب ب «كن» أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب .\r{ وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } من المشركين أو من أهل الكتاب ، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به { لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله } هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى استكباراً منهم وعتواً { أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ } جحوداً لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات واستهانه بها { كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تشابهت قُلُوبُهُمْ } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى { قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها { إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا } للمؤمنين بالثواب { وَنَذِيرًا } للكافرين بالعقاب { وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم } ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت وبلغت جهدك في دعوتهم وهو حال ك «نذيراً» وبشيراً و«بالحق» أي وغير مسؤول أو مستأنف . قراءة نافع و«لا تسأل» على النهي ومعناه ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول : كيف فلان سائلاً عن الواقع في بلية فيقال لك : لا تسأل عنه . وقيل : نهى الله نبيه عن السؤال عن أحوال الكفرة حين قال ليت شعري ما فعل أبواي .\r{ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام ، فذكر الله D كلامهم . { قُلْ إِنَّ هُدَى الله } الذي رضي لعباده { هُوَ الهدى } أي الإسلام . وهو الهدى كله ليس وراءه هدى والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى إنما هو هوى . ألا ترى إلى قوله { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع { بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة { مالك مِنَ الله } من عذاب الله { مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } ناصر .","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"{ الذين } مبتدأ { ءاتيناهمالكتاب } صلته وهم مؤمنو أهل الكتاب وهو التوراة والإنجيل ، أو أصحاب النبي عليه السلام والكتاب القرآن . { يَتْلُونَهُ } حال مقدرة من «هم» لأنهم لم يكونوا تالين له وقت إيتائه ، ونصب على المصدر . { حَقَّ تِلاَوَتِهِ } أي يقرأونه حق قراءته في الترتيل وأداء الحروف والتدبر والتفكر ، أو يعملون به ويؤمنون بما فيه مضمونه ولا يغيرون ما فيه من نعت النبي A . { أولئك } مبتدأ خبره { يُؤْمِنُونَ بِهِ } والجملة خبر «الذين» ويجوز أن يكون «يتلونه» خبراً ، والجملة خبر آخر . { وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } حيث اشتروا الضلالة بالهدى { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي أنعمتها عليكم { وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } وتفضيلي إياكم على عالمي زمانكم { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } «هم» رفع بالابتداء والخبر «ينصرون» . والجمل الأربع وصف ل «يوماً» أي واتقوا يوماً لا تجزى فيه ولا يقبل فيه ولا تنفعها فيه ولا هم ينصرون فيه . وتكرير هاتين الآيتين لتكرار المعاصي منهم ، وختم قصة بني إسرائيل بما بدأ به .\r{ وَإِذْ } أي واذكر إذ { ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } اختبره بأوامر ونواه . والاختبار منا لظهور ما لم نعلم ، ومن الله لإظهار ما قد علم ، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعاً فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى . وقيل : اختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك . وقرأ أبو حنيفة Bه : «إبراهيمُ ربه» ، يرفع إبراهيم وهي قراءة ابن عباس Bهما ، أي دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا . { فَأَتَمَّهُنَّ } أي قام بهن حق القيام وأدّاهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ ونحوه { وإبراهيم الذى وفى } [ النجم : 37 ] ومعناه في قراءة أبي حنيفة C فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً . والكلمات على هذا ما سأل إبراهيم ربه في قوله : { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } [ البقرة : 126 ] . { واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } [ البقرة : 128 ] . { وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } [ البقرة : 129 ] . { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } [ البقرة : 127 ] . والكلمات على القراءة المشهورة خمس في الرأس : الفرق وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق . وخمس في الجسد : الختان وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء . وعن ابن عباس Bهما : هي ثلاثون سهماً من الشرائع : عشر في براءة { التائبون } [ الآية : 12 ] ، الآية وعشر في الأحزاب { إِنَّ المسلمين والمسلمات } [ الأحزاب : 35 ] الآية ، وعشر في «المؤمنين» و«المعارج» إلى قوله { يُحَافِظُونَ } وقيل : هي مناسك الحج { قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } هو اسم من يؤتم به أي يأتمون بك في دينهم .","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"{ قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى } أي واجعل من ذريتي إماماً يقتدى به . ذرية الرجل أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء . فعيلة من الذرء أي الخلق فأبدلت الهمزة ياء . { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } بسكون الياء : حمزة وحفص أي لا تصيب الإمامة أهل الظلم من ولدك أي أهل الكفر . أخبر أن إمامة المسلمين لا تثبت لأهل الكفر وأن من أولاده المسلمين والكافرين قال الله تعالى : { وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ مُبِينٌ } [ الصافات : 113 ] . والمحسن المؤمن والظالم الكافر . قالت المعتزلة : هذا دليل على أن الفاسق ليس بأهل للإمامة قالوا : وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر «من استرعى الذئب ظلم» . ولكنا نقول : المراد بالظالم الكافر هنا إذ هو الظالم المطلق . وقيل : إنه سأل أن يكون ولده نبياً كما كان هو فأخبر أن الظالم لا يكون نبيا .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"{ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت } أي الكعبة وهو اسم غالب لها كالنجم للثريا { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه { وَأَمْناً } وموضع أمن فإن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج وهو دليل لنا في الملتجىء إلى الحرم . { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } وقلنا أتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه . وعنه عليه السلام أنه أخذ بيد عمر فقال \" هذا مقام إبراهيم \" فقال عمر أفلا نتخذه مصلى فقال عليه السلام \" لم أومر بذلك \" فلم تغب الشمس حتى نزلت . وقيل : مصلى مدعى ، ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه . وقيل : الحرم كله مقام إبراهيم . «واتخذوا» شامي ونافع بلفظ الماضي عطفاً على «جعلنا» أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها { وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } أمرناهما { أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } بفتح الياء : مدني وحفص أي بأن طهرا أو أي طهرا والمعنى طهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها { لِلطَّائِفِينَ } للدائرين حوله { والعاكفين } المجاورين الذين عكفوا عنده أي أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين . وقيل : للطائفين للنزّاع إليه من البلاد والعاكفين والمقيمين من أهل مكة . { والركع السجود } والمصلحين جمعاً راكع وساجد .\r{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِ اجعل هذا } أي اجعل هذا البلد أو هذا المكان { بَلَدًا آمِنًا } ذا أمن كعيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك «ليل نائم» فهذا مفعول أول . و«بلداً» مفعول ثانٍ و«آمناً» صفة له . { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } لأنه لم يكن لهم ثمرة . ثم أبدل { مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الأخر } من أهله بدل البعض من الكل أي وارزق المؤمنين من أهله خاصة . قاس الرزق على الإمامة فخص المؤمنين به . قال الله تعالى جواباً له { وَمَن كَفَرَ } أي وارزق من كفر { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً إلى حين أجله . «فأمتعه» : شامي { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } ألجئه { إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير } المرجع الذي يصير إليه النار فالمخصوص بالذم محذوف .\r{ وَإِذْ يَرْفَعُ } حكاية حال ماضية { إبراهيم القواعد } هي جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة ومعناها الثابتة . ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر . { مِنَ البيت } بيت الله وهو الكعبة { وإسماعيل } هو عطف على إبراهيم وكان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة { رَبَّنَا } أي يقولان ربنا . وهذا الفعل في محل النصب على الحال وقد أظهره عبد الله في قراءته ومعناه يرفعانها قائلين ربنا { تَقَبَّلْ مِنَّا } تقربنا إليك ببناء هذا البيت { إِنَّكَ أَنتَ السميع } لدعائنا { العليم } بضمائرنا ونياتنا .","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وفي إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام تفخيم لشأن المبين . { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } مخلصين لك أوجهنا من قوله { أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } [ البقرة : 112 ] أو مستسلمين يقال أسلم له واستسلم إذا خضع وأذعن ، والمعنى زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك . { وَمِن ذُرّيَّتِنَا } واجعل من ذريتنا { أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } و«من» للتبعيض أو للتبيين . وقيل : أراد بالأمة أمة محمد عليه السلام وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة كقوله تعالى : { قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } [ التحريم : 6 ] . { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } منقول من «رأى» بمعنى أبصر أو عرف ولذا لم يتجاوز مفعولين أي وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها . وواحد المناسك منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ناسك . «وأرنا» : مكي قاسه على فخذ في فخذ ، وأبو عمرو يشم الكسرة . { وَتُبْ عَلَيْنَا } ما فرط منا من التقصير أو استتاباً لذريتهما { إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم * رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ } في الأمة المسلمة { رَسُولاً مِّنْهُمْ } من أنفسهم فبعث الله فيهم محمداً عليه السلام ، قال عليه السلام \" أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي \" { يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك } يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ورسلك { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } القرآن { والحكمة } السنة وفهم القرآن { وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس { إِنَّكَ أَنتَ العزيز } الغالب الذي لا يغلب { الحكيم } فيما أوليت .\r{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم } استفهام بمعنى الجحد وإنكار أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم . والملة السنة والطريقة كذا عن الزجاج { إِلاَّ مَنْ } في محل الرفع على البدل من الضمير في «يرغب» ، وصح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك «هل جاءك أحد إلا زيد» والمعنى وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من { سَفِهَ نَفْسَهُ } أي جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه . فوضع سفه موضع جهل وعدي كما عدي ، أو معناه سفه في نفسه فحذف في كما حذف «من» في قوله { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] أي من قومه ، وعلى في قوله : { وَلا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } [ البقرة : 235 ] . أي على عقدة النكاح والوجهان عن الزجاج . وقال الفراء : هو منصوب على التمييز وهو ضعيف لكونه معرفة . { وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين } بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملته لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة من طريقته منه { إِذْ قَالَ } ظرف لاصطفيناه ، أو انتصب بإضمار «اذكر» كأنه قيل : اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"{ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } أذعن أو أطع أو أخلص دينك لله { قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين } أي أخلصت أو انقدت .\r{ ووصى } «وأوصى» مدني وشامي . { بِهَا } بالملة أو بالكلمة وهي أسلمت لرب العالمين { إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } هو معطوف على إبراهيم داخل في حكمه والمعنى ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً { يَا بَنِىَّ } على إضمار القول { إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين } أي أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام ووفقكم للأخذ به { فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام ، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك «لا تصلّ إلا وأنت خاشع» فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته .\r{ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت } أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار . والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين يعقوب عليه السلام إذ حضره الموت أي حين احتضر ، والخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي . أو متصله ويقدر قبلها محذوف والخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على اليهودية كأنه قيل : أتدّعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت { إِذْ قَالَ } بدل من «إذ» الأولى والعامل فيهما شهداء أو ظرف ل «حضر» { لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ } ما استفهام في محل النصب ب «تعبدون» أي أيّ شيء تبعدون؟ و «ما» عام في كل شيء أو هو سؤال عن صفة المعبود كما تقول «ما زيد» تريد أفقيه أم طبيب . { مِن بَعْدِى } من بعد موتي . { قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ } أعيد ذكر الإله لئلا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار . { إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } عطف بيان لآبائك ، وجعل إسماعيل من جملة آبائه وهو عمه لأن العم أب قال عليه السلام في العباس \" هذا بقية آبائي \" . { إلها واحدا } بدل من إله آبائك كقوله : { بالناصية * نَاصِيَةٍ كاذبة } [ العلق : 15 ، 16 ] أو نصب على الاختصاص أي نريد بإله آبائك إلهاً واحداً . { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } حال من فاعل «نعبد» أو جملة معطوفة على «نعبد» أو جملة اعتراضية مؤكدة . { تِلْكَ } إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون { أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } مضت { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم } أي إن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً ، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم { وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ولا تؤاخذون بسيئاتهم .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى } أي قالت اليهود كونوا هوداً وقالت النصارى كونوا نصارى . وجزم { تَهْتَدُواْ } لأنه جواب الأمر . { قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم } بل نتبع ملة إبراهيم { حَنِيفاً } حال من المضاف إليه نحو «رأيت وجه هند قائمة» . والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق . { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } تعريض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كلاًّ منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك . { قُولُواْ } هذا خطاب للمؤمنين أو للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل { آمَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } أي القرآن { وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط } السبط الحافد وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله A ، والأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر . ويعدى «أنزل» ب «إلى» و «على» فلذا ورد هنا ب «إلى» وفي آل عمران ب« على» { وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ } أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى . وأحد في معنى الجماعة ولذا صح دخول بين عليه . { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } لله مخلصون { فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا } ظاهر الآية مشكل لأنه يوجب أن يكون لله تعالى مثل وتعالى عن ذلك . فقيل : الباء زائدة و«مثل» صفة مصدر محذوف تقديره فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم والهاء يعود إلى الله D ، وزيادة الباء غير عزيز قال الله تعالى : { والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } [ يونس : 27 ] والتقدير جزاء سيئة مثلها كقوله في الآية الأخرى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] وقيل : المثل زيادة أي فإن آمنوا بما آمنتم به يؤيده قراءة ابن مسعود Bه بما آمنتم به . و«ما» بمعنى «الذي» بدليل قراءة أبي «بالذي آمنتم به» . وقيل : الباء للاستعانة كقولك «كتبت بالقلم» أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها { وإن تَوَلَّوْا } عما تقولون لهم ولم ينصفوا أو إن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها { فإنّما هم في شقاقٍ } أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم وقد أنجز وعده بقتل بعضهم وإجلاء بعضهم ، ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين . { وَهُوَ السميع } لما ينطقون به { العليم } بما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه فهو وعيد لهم ، أو وعد لرسول الله A أي يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك .","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"{ صِبْغَةَ الله } دين الله وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله : «آمنا بالله» . وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس . والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقاً ، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم : آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم . وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة كقولك لمن يغرس الأشجار إغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرم . { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً } تمييز أي لا صبغة أحسن من صبغته يريد الدين أو التطهير . { وَنَحْنُ لَهُ عابدون } عطف على «آمنا بالله» وهذا العطف يدل على أن قوله : «صبغة الله» داخل في مفعول «قولوا آمنا» أي قولوا هذا وهذا «ونحن له عابدون» ويردّ قول من زعم أن صبغة الله بدل من «ملة إبراهيم» أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه . وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول ما قالت حذام .\r{ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ } أي أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } نشرك جميعاً في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده { وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالاً فلنا كذلك { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } أي نحن له موحدون نخصه بالإيمان وأنتم به مشركون ، والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره . { أَمْ تَقُولُونَ } بالتاء شامي وكوفي غير أبي بكر . و«أم» على هذا معادلة للهمزة في «أتحاجوننا» يعني أي الأمرين تأتون : المحاجة في حكم الله أم إدعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ أو منقطعة أي بل أتقولون . «يقولون» : غيرهم بالياء ، وعلى هذا لا تكون الهمزة إلا منقطعة . { إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى } ثم أمر نبيه عليه السلام أن يقول مستفهماً راداً عليهم بقوله : { قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله } يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن حَنِيفًا مُّسْلِمًا } [ آل عمران : 67 ] . { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله } أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادة الله لإبراهيم بالحنيفية . والمعنى أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها ، أو أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها .","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه السلام بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته . و«من» في قوله «من الله» مثلها في قولك «هذه شهادة مني لفلان» إذا شهدت له في أنها صفة لها . { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة . { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } كررت للتأكيد أو لأن المراد بالأول الأنبياء عليهم السلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى .\r{ سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس } الخفاف الأحلام فأصل السفه الخفة ، وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ ، أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء ، أو المشركون لقولهم «رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم» . وفائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد ، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم فقبل الرمي يراش السهم . { مَا ولاهم } ما صرفهم { عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا } يعنون بيت المقدس . والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأن المصلي يقابلها { قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها له { يَهْدِى مَن يَشَآءُ } من أهلها { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } طريق مستوٍ . أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها ، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطوراً إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده . { وكذلك جعلناكم } ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم فالكاف للتشبيه و «ذا» جر بالكاف واللام للفرق بين الإشارة إلى القريب والإشارة إلى البعيد والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب . { أُمَّةً وَسَطًا } خياراً . وقيل : للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم ، أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض . أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية ، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا { لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ } غير منصرف لمكان ألف التأنيث { عَلَى الناس } صلة شهداء { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } عطف على «لتكونوا» . روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد عليه السلام فيشهدون فتقول الأمم : من أين عرفتم؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد عليه السلام فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم .","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة . ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى : { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 17 ] . وقيل : لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار ، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم . واستدل الشيخ أبو منصور C بالآية على أن الإجماع حجة لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة ، والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله . وأخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم . { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة ، فالتي كنت عليها ليست بصفة للقبلة بل هي ثاني مفعولي جعل . روي أن رسول الله A كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود ثم حول إلى الكعبة . { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } أي وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولاً بمكة إلا امتحاناً للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه يرجع فيرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة . قال الشيخ أبو منصور C : معنى قوله «لنعلم» أي لنعلم كائناً أو موجوداً ما قد علمناه أنه يكون ويوجد ، فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجوداً ، فإذا صار موجوداً يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوماً له موجوداً كائناً ، والتغير على المعلوم لا على العلم . أو لنميز التابع من الناكص كما قال تعالى : { لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } [ الأنفال : 37 ] فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز ، أو ليعلم رسول الله E والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ذوب الذهب «فلنلقه في النار لنعلم أيذوب» . { وَإِن كَانَتْ } أي التحويلة أو الجعلة أو القبلة . و«إن» هي المخففة ، واللام في { لَكَبِيرَةً } أي ثقيلة شاقة وهي خبر «كان» واللام فارقة { إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله } أي هداهم الله فحذف العائد أي إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول . { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ سمى الصلاة إيماناً لأن وجوبها على أهل الإيمان وقبولها من أهل الإيمان وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان . ولما توجه رسول الله A إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت . ثم علل ذلك فقال { إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ } مهموز مشبع : حجازي وشامي وحفص . «رؤوف» غيرهم بوزن «فَعُل» وهما للمبالغة . { رَّحِيمٌ } لا يضيع أجورهم ، والرأفة أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم .","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"{ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء . وكان رسول الله A يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود ، ولأنها ادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم . { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا جعلته والياً له ، أو فلنجعلك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس . { قِبْلَةً تَرْضَاهَا } تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها وواقفت مشيئة الله وحكمته . { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام } أي نحوه . و«شطر» نصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي . وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين . روي أنه عليه السلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة . { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ } من الأرض وأردتم الصلاة { فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق } أي التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله A أنه يصلي إلى القبلتين . { مِن رَّبّهِمْ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } بالياء مكي وأبو عمرو ونافع وعاصم ، وبالتاء غيرهم . فالأول وعيد للكافرين بالعقاب على الجحود والإباء ، والثاني وعد للمؤمنين بالثواب على القبول . والأداء .\r{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب } أراد ذوي العناد منهم { بِكُلِّ ءَايَةٍ } برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق { مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق . وجواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط .\r{ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } حسم لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا في ذلك قولوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ووحدت القبلة ، وإن كان لهم قبلتان فلليهود قبلة وللنصارى قبلة لاتحادهم في البطلان . { وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك ، فاليهود تستقبل بيت المقدس ، والنصارى مطلع الشمس . { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم } أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأن القبلة هي الكعبة وأن دين الله هو الإسلام { إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين } لمن المرتكبين الظلم الفاحش . وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج للثبات على الحق وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"وقيل : الخطاب في الظاهر للنبي عليه السلام والمراد أمته ، ولزم الوقف على «الظالمين» إذ لو وصل لصار { الذين ءاتيناهم الكتاب } صفة للظالمين . وهو مبتدأ والخبر { يَعْرِفُونَهُ } أي محمداً عليه السلام أو القرآن أو تحويل القبلة . والأول أظهر لقوله { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } قال عبد الله بن سلام : أنا أعلم به مني بابني فقال له عمر : ولم؟ قال : لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته خانت فقبل عمر رأسه . { وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ } أي الذين لم يسلموا { لَيَكْتُمُونَ الحق } حسداً وعناداً { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } لأن الله تعالى بينه في كتابهم . { الحق } مبتدأ خبره { مِن رَبَِكَ } واللام للجنس أي الحق من الله لا من غيره . يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه ، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل ، أو للعهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله A ، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ومن ربك خبر بعد خبر أو حال . { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } الشاكين في أنه من ربك .","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"{ وَلِكُلٍّ } من أهل الأديان المختلفة . { وِجْهَةٌ } قبلة . وقرىء بها . والضمير في { هُوَ } لكل . وفي { مُوَلِّيهَا } للوجهة . أي هو موليها وجهة فحذف أحد المفعولين أو هو لله تعالى . أي الله موليها إياه . «هو مولاها» : شامي أي هو مولى تلك الجهة قد وليها . والمعنى ولكل أمة قبلة يتوجه إليها منكم ومن غيركم . { فَاسْتَبِقُوا } أنتم { الخَيْرَاتِ } فاستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره . { أَيْنَ مَا تَكُونُواْ } أنتم وأعداؤكم { يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا } يوم القيامة فيفصل بين المحقق والمبطل ، أو ولكل منكم يا أمة محمد وجهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية ، فاستقبلوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً ويجمعكم ويجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام . { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } ومن أي بلد خرجت للسفر { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام } إذا صليت .\r{ وَإِنَّهُ } وإن هذا المأمور به { لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وبالياء : أبو عمرو .\r{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة فكرر عليهم ليثبتوا على أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوائدها { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } أي قد عرّفكم الله جل ذكره أمر الاحتجاج في القبلة بما قد بين في قوله : { ولكل وجهة هو موليها } لئلا يكون للناس لليهود عليكم حجة في خلاف ما في التوراة من تحويل القبلة . وأطلق اسم الحجة على قول المعاندين لأنهم يسوقونه سياق الحجة . { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } استثناء من «الناس» أي لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده ، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء عليهم السلام . أو معناه لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة حين يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم . ثم استأنف منبهاً بقوله : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم { واخشونى } فلا تخالفوا أمري { وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } أي عرفتكم لئلا يكون عليكم حجة ولأتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى الكعبة . { وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ولكي تهتدوا إلى قبلة إبراهيم .\rالكاف في { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ } إما أن يتعلق بما قبله أي ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول ، أو بما بعده أي كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب ، فعلى هذا يوقف على «تهتدون» وعلى الأول لا . { رَسُولاً مِّنْكُمْ } من العرب { يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ } يقرأ عليكم { ءاياتنا } القرآن { وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب } القرآن { والحكمة } السنة والفقه { وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي .","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"«فاذكروني» بالمعذرة { أَذْكُرْكُمْ } بالمغفرة أو بالثناء والعطاء ، أو بالسؤال والنوال ، أو بالتوبة وعفو الحوبة ، أو بالإخلاص والخلاص ، أو بالمناجاة والنجاة . { واشكروا لِي } ما أنعمت به عليكم { وَلاَ تَكْفُرُونِ } ولا تجحدوا نعمائي .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ استعينوا بالصبر } فبه تنال كل فضيلة { والصلاة } فإنها تنهى عن كل رذيلة { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } بالنصر والمعونة { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله } نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً . { أَمْوَاتٌ } أي هم أمواتٍ { بَلْ أَحْيَاء } أي هم أحياء { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حساً . عن الحسن Bه أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الوجع . وعن مجاهد : يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها . { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا . { بِشَىْءٍ } بقليل من كل واحدة من هذه البلايا وطرف منه . وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليهم ، ويريهم أن رحمته معهم في كل حال ، وأعلمهم بوقوع البلوى قبل وقوعها ليوطنوا نفوسهم عليها . { مِّنَ الخوف } خوف الله والعدو { والجوع } أي القحط أو صوم شهر رمضان { وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال } بموت المواشي أو الزكاة ، وهو عطف على شيء ، أو على الخوف أي وشيء من نقص الأموال . { والأنفس } بالقتل والموت . أو بالمرض والشيب { والثمرات } ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ثمرة الفؤاد { وَبَشِّرِ الصابرين } على هذه البلايا أو المسترجعين عند البلايا لأن الاسترجاع تسليم وإذعان وفي الحديث من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه . وطفىء سراج رسول الله A فقال : \" إنا لله وإنا إليه راجعون \" فقيل : أمصيبة هي؟ قال . \" نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة \" . والخطاب لرسول الله A أو لكل من يتأتى منه البشارة . { الذين } نصب صفة للصابرين . ولا وقف عليه بل يوقف على «راجعون» . ومن ابتدأ ب «الذين» وجعل الخبر «أولئك» يقف على «الصابرين» لا على «راجعون» . والأول الوجه لأن الذين وما بعده بيان للصابرين . { إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ } مكروه . اسم فاعل من أصابته شدة أي لحقته . ولا وقف على «مصيبة» لأن { قَالُواْ } جواب «إذا» و«إذا» وجوابها صلة «الذين» . { إِنَّا لِلَّهِ } إقرار له بالملك . { وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } إقرار على نفوسنا بالهلك . { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } الصلاة : الحنو والتعطف فوضعت موضع الرأفة ، وجمع بينها وبين الرحمة كقوله { رَأْفَةً وَرَحْمَةً } [ الحديد : 27 ] { رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 117 ] . والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة بعد رحمة . { وأولئك هُمُ المهتدون } لطريق الصواب حيث استرجعوا وأذعنوا لأمر الله . قال عمر Bه : نعم العدلان ونعم العلاوة أي الصلاة والرحمة والاهتداء .","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"{ إِنَّ الصفا والمروة } هما علمان للجبلين . { مِن شَعَائِرِ الله } من أعلام مناسكه ومتعبداته جمع شعيرة وهي العلامة { فَمَنْ حَجَّ البيت } قصد الكعبة { أَوِ اعتمر } زار الكعبة ، فالحج : القصد ، والاعتمار : الزيارة ، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } فلا إثم عليه { أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } ، أي يتطوف فأدغم التاء في الطاء . وأصل الطوف المشي حول الشيء والمراد هنا السعي بينهما . قيل : كان على الصفا «إساف» وعلى المروة «نائلة» وهما صنمان يروى أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما ، فلما طالت المدة عبدا من دون الله . وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية فرفع عنهم الجناح بقوله «فلا جناح» . وهو دليل على أنه ليس بركن كما قال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى . وكذا قوله { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } أي بالطواف بهما مشعر بأنه ليس بركن . «ومن يطوع» : حمزة وعلي أي يتطوع فأدغم التاء في الطاء { فَإِنَّ الله شَاكِرٌ } مجاز على القليل كثيراً { عَلِيمٌ } بالأشياء صغيراً أو كبيراً . { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } من أحبار اليهود { مَا أَنَزَلْنَا } في التوراة { مِنَ البينات } من الآيات الشاهدة على أمر محمد عليه السلام { والهدى } الهداية إلى الإسلام بوصفه عليه السلام { مِن بَعْدِ مَا بيناه } أوضحناه { لِلنَّاسِ فِي الكتاب } في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين فكتموه { أولئك يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون } الذين يتأتى منهم اللعن وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين { إِلاَّ الذين تَابُواْ } عن الكتمان وترك الإيمان { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم { وَبَيَّنُواْ } وأظهروا ما كتموا { فأولئك أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أقبل توبتهم { وَأَنَا التواب الرحيم * إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا { أولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ } ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً . والمراد بالناس المؤمنون أو المؤمنون والكافرون إذ بعضهم يلعن بعضاً يوم القيامة قال الله تعالى : { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [ الأعراف : 38 ] . { خالدين } حال من هم في «عليهم» { فِيهَا } في اللعنة أو في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } من الإنظار أي لا يمهلون أو لا ينتظرون ليعتذروا أو لا ينظر إليهم نظر رحمة { وإلهكم إله واحد } فرد في ألوهيته لا شريك له فيها ولا يصح أن يسمى غير إلها { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } تقرير للوحدانية ينفي غيره وإثباته .","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"وموضع «هو» رفع لأنه بدل من موضع «لا إله» ولا يجوز النصب هنا لأن البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني ، والمعنى في الآية على ذلك والنصب يدل على أن الاعتماد على الأول . ورفع «الرحمن الرّحيم» أي المولى لجميع النعم أصولها وفروعها ولا شيء سواه بهذه الصفة فما سواه إما نعمة وإما منعم عليه على أنه خبر مبتدأ ، أو على البدل من «هو» لا على الوصف لأن المضمر لا يوصف . ولما عجب المشركون من إله واحد وطلبوا آية على ذلك نزل { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } في اللون والطول والقصر وتعاقبهما في الذهاب والمجيء { والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنفَعُ الناس } بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو بنفع الناس و«من» في { وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء } لابتداء الغاية وفي { مِن مَّاءٍ } مطر لبيان الجنس لأن ما ينزل من السماء مطر وغيره . ثم عطف على «أنزل» { فَأَحْيَا بِهِ } بالماء { الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها ثم عطف على «فأحيا» { وَبَثَّ } وفرق { فِيهَا } في الأرض { مِن كُلِّ دَابَّةٍ } هي كل ما يدب { وَتَصْرِيفِ الرياح } «الريح» : حمزة وعلي . أي وتقليبها في مهابها قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً ، وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقماً ولواقح . وقيل : تارة بالرحمة وطوراً بالعذاب . { والسحاب المسخر } المذلل المنقاد لمشيئة الله تعالى فيمطر حيث شاء { بَيْنَ السماء والأرض } في الهواء { لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها . وفي الحديث ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها .","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"ومن النّاس أي ومع هذا البرهان النير من الناس { من يتّخذ من دون اللّه أنداداً } أمثالاً من الأصنام { يُحِبُّونَهُمْ } يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب { كَحُبّ الله } كتعظيم الله والخضوع له أي يحبون الأصنام كما يحبون الله يعني يسوون بينهم وبينه في محبتهم لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه . وقيل : يحبونهم كحب المؤمنين الله { والذين ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } من المشركين لآلهتهم لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال ، والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون { وَلَوْ يَرَى } «ترى» : نافع وشامي على خطاب الرسول أو كل مخاطب ، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً { الذين ظَلَمُواْ } إشارة إلى متخذي الأنداد { إِذْ يَرَوْنَ } «يرون» : شامي { العذاب أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا } حال { وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب } شديد عذابه أي ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم ، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ، فحذف الجواب لأن «لو» إذا جاء فيما يشوق إليه أو يخوف منه قلما يوصل بجواب ليذهب القلب فيه كل مذهب . و «لو» يليها الماضي . وكذا «إذا» وضعها لتدل على الماضي ، وإنما دخلتا على المستقبل هنا لأن إخبار الله تعالى عن المستقبل باعتبار صدقه كالماضي { إِذْ تَبَرَّأَ } مدغمة الذال في التاء حيث وقعت : عراقي غير عاصم . وهو بدل من «إذ يرون العذاب» . { الذين اتبعوا } أي المتبعون وهم الرؤساء { مِنَ الذين اتبعوا } من الأتباع { وَرَأَوُاْ العذاب } الواو فيه للحال أي تبرأوا في حال رؤيتهم العذاب { وَتَقَطَّعَتْ } عطف على «تبرأ» { بِهِمُ الأسباب } الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب .\r{ وَقَالَ الذين اتبعوا } أي الاتباع { لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } رجعة إلى الدنيا { فَنَتَبَرَّأَ } نصب على جواب التمني لأن لو في معنى التمني والمعنى ليت لنا كرة فنتبرأ { مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا } الآن { كذلك } مثل ذلك الإراء الفظيع { يُرِيهِمُ الله أعمالهم } أي عبادتهم الأوثان { حسرات عَلَيْهِمْ } ندامات . وهي مفعول ثالث ل «يريهم» ومعناه أن أعمالهم تنقلب عليهم حسرات فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم . { وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار } بل هم فيها دائمون . ونزل فيمن حرموا على أنفسهم البحائر ونحوها . { يأَيُّهَا الناس كُلُواْ } أمر إباحة { مِمَّا فِى الأرض } «من» للتبعيض لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول { حلالا } مفعول «كلوا» أو حال مما في الأرض { طَيِّباً } طاهراً من كل شبهة { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } طرقه التي يدعوكم إليها بسكون الطاء : أبو عمر غير عباس ونافع وحمزة وأبو بكر .","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"والخطوة في الأصل ما بين قدمي الخاطي . يقال اتبع خطواته إذا اقتدى به واستن بسنته . { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة لاخفاءه به . وأبان متعدٍ ولازم . ولا يناقض هذه الآية قوله تعالى : { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } [ البقرة : 257 ] أي الشيطان لأنه عدو للناس حقيقة ووليهم ظاهراً فإنه يريهم في الظاهر الموالاة ويزين لهم أعمالهم ويريد بذلك هلاكهم في الباطن . { إِنَّمَا يَأْمُرُكُم } بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم { بالسوء } بالقبيح { والفحشاء } وما يتجاوز الحد في القبح من العظائم . وقيل : السوء ما لاحد فيه والفحشاء ما فيه حد { وَأَن تَقُولُواْ } في موضع الجر بالعطف على «بالسوء» أي وبأن تقولوا { عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } هو قولكم هذا حلال وهذا حرام بغير علم ، ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله } الضمير للناس . وعدل بالخطاب عنهم على طريق الالتفاف . قيل : هم المشركون . وقيل : طائفة من اليهود لما دعاهم رسول الله A إلى الإيمان واتباع القرآن ، { قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا } وجدنا { عَلَيْهِ ءابَاءَنَا } فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم فرد الله عليهم بقوله { أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهُمْ } الواو للحال والهمزة بمعنى الرد والتعجب معناه أيتبعونهم ولو كان آباؤهم { لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا } من الذين { وَلاَ يَهْتَدُونَ } للصواب . ثم ضرب لهم مثلاً فقال { وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ } المضاف محذوف أي ومثل داعي الذين كفروا { كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ } يصيح والمراد { بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً } البهائم . والمعنى مثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها ولا تفقه شيئاً آخر كما يفهم العقلاء . والنعقيق : التصويت ، يقال نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن والنداء ما يسمع والدعاء قد يسمع وقد لا يسمع . { صُمٌّ } خبر مبتدأ مضمر أي هم صم { بِكُمٌ } خبر ثانٍ { عُمْىٌ } عن الحق خبر ثالث { فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } الموعظة ، ثم بين أن ما حرمه المشركون حلال فقال :\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } من مستلذاته أو من حلالاته { واشكروا لِلَّهِ } الذي رزقكموها { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } إن صح أنكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنه معطي النعم . ثم بين المحرم فقال { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة } وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح وإنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه ، أي ما حرم عليكم إلا الميتة { والدم } يعني السائل لقوله في موضع آخر :","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"{ أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } [ الأنعام : 145 ] . قد حلت الميتتان والدمان بالحديث \" أحلت لنا ميتتان ودمان : السمك والجراد والكبد والطحال \" { وَلَحْمَ الخنزير } يعني الخنزير بجميع أجزائه ، وخص اللحم لأنه المقصود بالأكل . { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } أي ذبح للأصنام فذكر عليه غير اسم الله ، وأصل الإهلال رفع الصوت أي رفع به الصوت للصنم ، وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى . { فَمَنِ اضطر } أي ألجىء بكسر النون : بصري وحمزة وعاصم لالتقاء الساكنين أعني النون والضاد وبضمها غيرهم لضمة الطاء . { غَيْرَ } حال أي أكل غير { بَاغٍ } للذة وشهوة { وَلاَ عَادٍ } متعد مقدار الحاجة . وقول من قال غير باغ على الإمام ولا عادٍ في سفر حرام ضعيف لأن سفر الطاعة لا يبيح بلا ضرورة ، والحبس بالحضر يبيح بلا سفر ، ولأن بغيه لا يخرج عن الإيمان فلا يستحق الحرمان . والمضطر يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع ، لأن الإباحة للاضطرار فتقدر بقدر ما تندفع الضرورة { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في الأكل { أَنَّ الله غَفُورٌ } للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار { رَّحِيمٌ } حيث رخص .\rونزل في رؤساء اليهود وتغييرهم نعت النبي عليه السلام وأخذهم على ذلك الرشا { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب } في صفة محمد عليه السلام { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } أي عوضاً أو ذا ثمن { أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم تقول : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه { إِلاَّ النار } لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار . ومنه قولهم «أكل فلان الدم» إذا أكل الدية التي هي بدل منه قال :\rيأكلن كل ليلة إكافاً\rأي ثمن إكاف فسماه إكافاً لتلبسه به بكونه ثمناً له . { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة } كلاماً يسرهم ولكن بنحو قوله : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] . { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم أو لا يثني عليهم { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم فحرف النفي مع الفعل خبر «أولئك» و«أولئك» مع خبره خبر «إن» والجمل الثلاث معطوفة على خبر «إن» فقد صار ل «إن» أربعة أخبار من الجمل . { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة } بكتمان نعت محمد عليه السلام { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } فأي شيء أصبرهم على عمل يؤدي إلى النار؟ وهذا استفهام معناه التوبيخ . { ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق } أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل ما نزل من الكتب بالحق . { وَإِنَّ الذين اختلفوا } أي أهل الكتاب { فِى الكتاب } هو للجنس أي في كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل { لَفِى شِقَاقٍ } خلاف { بَعِيدٍ } عن الحق أو كفرهم ذلك بسبب أن الله نزل القرآن بالحق كما يعلمون ، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شقاق بعيد عن الهدى .","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"{ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ } أي ليس البر توليتكم { وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب } والخطاب لأهل الكتاب لأن قبلة النصارى مشرق بيت المقدس ، وقبلة اليهود مغربه ، وكل واحد من الفريقين يزعم أن البر التوجه إلى قبلته ، فرد عليهم بأن البر ليس فيما أنتم عليه فإنه منسوخ { ولكن البر } بر { مَنْ ءَامَنَ بالله } أو ذا البر من آمن والقولان على حذف المضاف والأول أجود . والبر اسم للخير ولكل فعل مرضي . وقيل : كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل : ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة ، ولكن البر الذي يجب الاهتمام به بر من آمن وقام بهذه الأعمال . «ليس البر» بالنصب على أنه خبر «ليس» واسمه «أن تولوا» : حمزة وحفص . «ولكن البر» : نافع وشامي . وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت «ولكن البر» وقرىء «ولكن البار» . { واليوم الآخر } أي يوم البعث { والملائكة والكتاب } أي جنس كتب الله أو القرآن { والنبيين وَءَاتَى المال على حُبِّهِ } أي على حب الله أو حب المال أو حب الإيتاء يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه { ذَوِى القربى } أي القرابة وقدمهم لأنهم أحق . قال E : \" صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك صدقة وصلة \" . { واليتامى } والمراد الفقراء من ذوي القربى واليتامى ، وإنما أطلق لعدم الإلباس . { والمساكين } المسكين الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له كالسكير للدائم السكر { وابن السبيل } المسافر المنقطع وهو جنس وإن كان مفرداً لفظاً ، وجعل ابناً للسبيل لملازمته له أو الضيف { والسائلين } المستطعمين { وَفِي الرقاب } وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم أو في الأسارى { وَأَقَامَ الصلاة } المكتوبة { وَءَاتَى الزكواة } المفروضة . قيل : هو تأكيد للأول . وقيل : المراد بالأول نوافل الصدقات والمبار . { والموفون } عطف على من آمن { بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا } الله والناس { والصابرين } نصب على المدح والاختصاص إظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال . { فِى البأساء } الفقر والشدة { والضراء } المرض والزمانة { وَحِينَ البأس } وقت القتال { أولئك الذين صَدَقُوا } أي أهل هذه الصفة هم الذين صدقوا في الدين { وأولئك هُمُ المتقون } . روي أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا إلى رسول الله A حين جاء الله بالإسلام فنزل . { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ } أي فرض { عَلَيْكُمُ القصاص } وهو عبارة عن المساواة وأصله من قص أثره واقتصه إذا اتبعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار { فِي القتلى } جمع قتيل .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى { الحر بِالْحُرِّ } مبتدأ وخبر أي الحر مأخوذ أو مقتول بالحر { والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } وقال الشافعي C : لا يقتل الحر بالعبد لهذا النص وعندنا يجزي القصاص بين الحر والعبد بقوله تعالى : { أَنَّ النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] . كما بين الذكر والأنثى وبقوله عليه السلام \" المسلمون تتكافأ دماؤهم \" وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به ، وبأن تخصيص الحكم بنوع لا ينفيه عن نوع آخر بل يبقى الحكم فيه موقوفاً على ورود دليل آخر وقد ورد كما بينا . { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان } قالوا : العفو ضد العقوبة . يقال : عفوت عن فلان إذا صفحت عنه وأعرضت عن أن تعاقبه وهو يتعدى ب «عن» إلى الجاني وإلى الجناية { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ } ( البقرة؛ 52 ) { وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } [ الشورى : 25 ] وإذا اجتمعا عدي إلى الأول باللام فتقول \" عفوت له عن ذنبه \" ومنه الحديث عفوت لكم عن صدقه الخيل والرقيق وقال الزجاج : من عفي له أي من ترك له القتل بالدية . وقال الأزهري : العفو في اللغة الفضل ومنه : { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ * العفو } [ البقرة : 219 ] . ويقال : عفوت لفلان بمال إذا أفضلت له وأعطيته ، وعفوت له عما لي عليه إذا تركته . ومعنى الآية عند الجمهور : فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو على أن الفعل مسند إلى المصدر كما في سير بزيد بعض السير والأخ ولي المقتول . وذكر بلفظ الأخوّة بعثاً له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام ، ومن هو القاتل المعفو له عما جنى وترك المفعول الآخر استغناء عنه . وقيل : أقيم «له» مقام «عنه» والضمير في «له» و«أخيه» ل من ، وفي «إليه» للأخ أو للمتبع الدال عليه فاتباع لأن المعنى فليتبع الطالب القاتل بالمعروف بأن يطالبه مطالبة جميلة ، وليؤد إليه المطلوب أي القاتل بدل الدم أداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه . وإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفا عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص . ومن فسر «عُفى» بترك جعل «شيء» مفعولاً به ، وكذا من فسره ب «أعطى» يعني أن الولي إذا أعطى له شيء من مال أخيه يعني القاتل بطريق الصلح فليأخذه بمعروف من غير تعنيف ، وليؤده القاتل إليه بلا تسويف . وارتفاع اتباع بأنه خبر مبتدأ مضمر أي فالواجب «اتباع» { ذلك } الحكم المذكور من العفو وأخذ الدية { تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } فإنه كان في التوراة القتل لا غير ، وفي الإنجيل العفو بغير بدل لا غير ، وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيراً .","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"والآية تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن للوصف بالإيمان بعد وجود القتل ولبقاء الأخوّة الثابتة بالإيمان ولاستحقاق التخفيف والرحمة { فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك } التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدية { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة { وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } كلام فصيح لما فيه من الغرابة ، إذ القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل ظرفاً للحياة . وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بينة لأن المعنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا فكان القصاص حياة وأي حياة . أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالقصاص من القاتل ، لأنه إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص ارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو من القود فكان شرع القصاص سبب حياة نفسين . { يأُوْلِي الألباب } يا ذوي العقول { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } القتل حذراً من القصاص .\r{ كتاب } فرض { عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } أي إذا دنا منه فظهرت أمارته { إِن تَرَكَ خَيْرًا } مالاً كثيراً لما روي عن علي Bه إن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه وقال : قال الله تعالى : «إن ترك خيراً» . والخير هو المال الكثير وليس لك مال وفاعل كتب { الوصية للوالدين والأقربين } وكانت الوصية للوارث في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث كما بيناه في شرح المنار . وقيل : هي غير منسوخة لأنها نزلت في حق من ليس بوارث بسبب الكفر لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام ، يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقرائبه ، والإسلام قطع الإرث فشرعت الوصية فيما بينهم قضاء لحق القرابة ندباً وعلى هذا لا يراد بكتب فرض { بالمعروف } بالعدل وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث { حَقّاً } مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً { عَلَى المتقين } على الذين يتقون الشرك { فَمَن بَدَّلَهُ } فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود { بَعْدَ مَا * سَمِعَهُ } أي الإيصاء { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ } فما إثم التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي والموصى له لأنهما بريئان من الحيف { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لقول الموصي { عَلِيمٌ } بجور المبدل { فَمَنْ خَافَ } علم وهذا شائع في كلامهم يقولون أخاف أن ترسل السماء ويريدون الظن الغالب الجاري مجرى العلم { مِن مُّوصٍ } «موصّ» : كوفي غير حفص . { جَنَفًا } ميلاً عن الحق بالخطإ في الوصية { أَوْ إِثْماً } تعمداً للحيف { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } حينئذ لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل ، ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"وقيل : هذا في حال حياة الموصي أي فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع فنهاه عن ذلك وحمله على الصلاح فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولاً { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } . { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ } أي فرض { عَلَيْكُمُ الصيام } هو مصدر صام والمراد صيام شهر رمضان { كَمَا كُتِبَ } أي كتابة مثل ما كتب فهو صفة مصدر محذوف { عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } على الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام إلى عهدكم فهو عبادة قديمة ، والتشبيه باعتبار أن كل أحد له صوم أيام أي أنتم متعبدون بالصيام في أيام كما تعبد من كان قبلكم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصي بالصيام لأن الصيام أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء ، أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين إذ الصوم شعارهم .\rوانتصاب { أَيَّامًا } بالصيام أي كتب عليكم أن تصوموا أياماً { معدودات } موقتات بعدد معلوم أي قلائل وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد لا الكثير { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } يخاف من الصوم زيادة المرض { أَوْ على سَفَرٍ } أو راكب سفر { فَعِدَّةٌ } فعليه عدة أي فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره ، والعدة بمعنى المعدود أي أمر أن يصوم أياماً معدودة مكانها { مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } سوى أيام مرضه وسفره . وأخر لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام لأن الأصل في «فعلى» صفة أن تستعمل في الجمع بالألف واللام كالكبرى والكبر والصغرى والصغر { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر لهم إن أفطروا { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } نصف صاع من بر أو صاع من غيره ، ف «طعام» بدل من «فدية» . «فدية طعام مساكين» . مدني وابن ذكوان . وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية ، ثم نسخ التخيير بقوله : «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» . ولهذا كرر قوله : «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر» . لأنه لما كان مذكوراً مع المنسوخ ذكر مع الناسخ ليدل على بقاء هذا الحكم . وقيل : معناه لا يطيقونه فأضمر «لا» لقراءة حفصة كذلك وعلى هذا لا يكون منسوخاً . { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فزاد على مقدار الفدية { فهو خيرٌ لّه } فالتطوع أو الخير خير له يطوع بمعنى يتطوع : حمزة وعلي { وَأَن تَصُومُواْ } أيها المطيقون { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الفدية وتطوع الخير وهذا في الابتداء . وقيل : وأن تصوموا في السفر والمرض خير لكم لأنه أشق عليكم { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } شرط محذوف الجواب .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"{ شَهْرُ رَمَضَانَ } مبتدأ خبره { الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن } أي ابتدىء فيه إنزاله وكان في ليلة القدر أو أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى : «كتب عليكم الصيام» وهو بدل من الصيام أو خبر مبتدأ محذوف أي هو شهر . والرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون ، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته ، ولأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر . فإن قلت : ما وجه ما جاء في الحديث «من صام رمضان إيماناً واحتساباً» مع أن التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً؟ قلت : هو من باب الحذف لأمن الإلباس . «القران» حيث كان غير مهموز : مكي . وانتصب { هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان } على الحال أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل ، ذكر أولاً أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال . { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فمن كان شاهداً أي حاضراً مقيماً غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر . و«الشهر» منصوب على الظرف وكذا الهاء في «ليصمه» ولا يكون مفعولاً به لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } «فعدة» مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه عدة أي صوم عدة { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر } حيث أباح الفطر بالسفر والمرض { وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } ومن فرض الفطر على المريض والمسافر حتى لو صاما تجب عليهما الإعادة فقد عدل عن موجب هذا { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } عدة ما أفطرتم بالقضاء إذا زال المرض والسفر ، والفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره لتعلموا ولتكملوا العدة { وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر ، وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر . فقوله : « لتكملوا» علة الأمر بمراعاة العدة و«لتكبروا» علة ما علم من كيفية القضاء والخروج من عهدة الفطر «ولعلكم تشكرون» علة الترخيص وهذا نوع من اللف اللطيف المسلك . وعدي التكبير ب «على» لتضمنه معنى الحمد كأنه قيل : لتكبروا الله أي لتعظموه حامدين على ما هداكم إليه . و«لتكمّلوا» بالتشديد : أبو بكر . ولما قال إعرابي لرسول الله A : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ نزل { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } علماً وإجابة لتعاليه عن القرب مكاناً { أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ } «الداعي» «دعاني» في الحالين : سهل ويعقوب ، ووافقهما أبو عمرو ونافع غير قالون في الوصل .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"غيرهم بغير ياء في الحالين . ثم إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه ، غير أن إجابة الدعوة تخالف قضاء الحاجة فإجابة الدعوة أن يقول العبد يا رب فيقول الله لبيك عبدي ، وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن وقضاء الحاجة إعطاء المراد وذا قد يكون ناجزاً وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد تكون الخيرة له في غيره { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم { وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } واللام فيهما للأمر { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد وهو ضد الغي . كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد ، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة . ثم إن عمر Bه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة ، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي عليه السلام وأخبره بما فعل فقال عليه السلام ما كنت جديراً بذلك فنزل { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث } إي الجماع { إلى نِسَائِكُمْ } عدى ب «إلى» لتضمنه معنى الإفضاء وإنما كنى عنه بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يقل الإفضاء إلى نسائكم استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختياناً لأنفسهم ، ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه بقوله تعالى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وقيل : لباس أي ستر عن الحرام ، و«هن لباس لكم» استئناف كالبيان لسبب الإحلال وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن فلذا رخص لكم في مباشرتهن { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير . والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور { وَعَفَا عَنكُمْ } ما فعلتم قبل الرخصة { فالئان باشروهن } جامعوهن في ليالي الصوم وهو أمر إباحة وسميت المجامعة مباشرة لالتصاق بشرتيهما { وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل ، أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم { وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض } هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود { مِنَ الخيط الأسود } وهو ما يمتد من سواد الليل شبهاً بخيطين أبيض وأسود لامتدادهما { مِنَ الفجر } بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره ، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر ، أو «من» للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وقوله «من الفجر» أخرجه من باب الاستعارة وصيره تشبيهاً بليغاً كما أن قولك «رأيت أسداً» مجاز فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيهاً . وعن عدي ابن حاتم قال : عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فنظرت إليهما فلم يتبين لي الأبيض من الأسود ، فأخبرت النبي عليه السلام بذلك فقال : إنك لعريض القفا أي سليم القلب لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل . وفي قوله { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } أي الكف عن هذه الأشياء دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان ، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر ، وعلى نفي الوصال ، وعلى وجوب الكفارة في الأكل والشرب ، وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم { وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } معتكفون فيها ، بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف . والجملة في موضع الحال ، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد { تِلْكَ } الأحكام التي ذكرت { حُدُودُ الله } أحكامه المحدودة { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } بالمخالفة والتغيير { كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ } شرائعه { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المحارم .\r{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم } أي لا يأكل بعضكم مال بعض { بالباطل } بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه { وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام } ولا تدلوا بها فهو مجزوم داخل في حكم النهي يعني ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام { لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم { فَرِيقاً } طائفة { مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم } بشهادة الزور أو بالأيمان الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم . وقال عليه السلام للخصمين \" إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذون منه شيئاً فإن ما أقضى له قطعة من نار \" فبكيا وقال كل واحد منهما حقي لصاحبي . وقيل : وتدلوا بها وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة . يقال أدلى دلوه أي ألقاه في البئر للاستقاء . { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق .","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"قال معاذ بن جبل : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزل { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة } جمع هلال سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته { قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } أي معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك ، ومعالم للحج يعرف بها وقته . كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب ، فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل { وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا } أي ليس البر بتحرجكم من دخول الباب ، ولا خلاف في رفع البر هنا لأن الآية ثمة تحتمل الوجهين كما بينا فجاز الرفع والنصب ثمة ، وهذه لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو الرفع إذ الباء لا تدخل إلا على خبر «ليس» { ولكن البر } بر { مَنِ اتقى } ما حرم الله . «البيوت» وبابه مدني وبصري وحفص وهو الأصل مثل كعب وكعوب ، ومن كسر الباء فلمكان الياء بعدها ولكن هي توجب الخروج من كسر إلى ضم وكأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها . معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا حكمة فدعوا السؤال عنه وانظروا في خصلة واحدة تفعلونها مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها براً ، فهذا وجه اتصاله بما قبله . ويحتمل أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت الحج لأنه كان من أفعالهم في الحج ، ويحتمل أن يكون هذا تمثيلاً لتعكيسهم في سؤالهم وإن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخل من ظهره ، والمعنى ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ، ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله .\r{ وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها } وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا ، أو المراد وجوب الاعتقاد بأن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارنة الشك { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] { واتقوا الله } فيم أمركم به ونهاكم عنه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لتفوزوا بالنعيم السرمدي .\r{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } المقاتلة في سبيل الله الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين { الذين يقاتلونكم } يناجزونكم القتال دون المحاجزين وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله تعالى :","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"{ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً } [ التوبة : 36 ] وقيل : هي أول آية نزلت في القتال فكان رسول الله A يقاتل من قاتل ويكف عمن كف ، أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء ، أو الكفرة كلهم لأنهم قاصدون لمقاتلة المسلمين فهم في حكم المقاتلة { وَلاَ تَعْتَدُواْ } في ابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عنه من النساء والشيوخ ونحوهما أو بالمثلة { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين * واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } وجدتموهم . والثقف الوجود على وجه الأخذ والغلبة { وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي من مكة وعدهم الله تعالى فتح مكة بهذه الآية وقد فعل رسول الله A بمن لم يسلم منهم يوم الفتح { والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل } أي شركهم بالله أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم . وقيل : الفتنة عذاب الآخرة . وقيل : المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان فيعذب به أشد عليه من القتل . وقيل لحكيم : ما أشد من الموت؟ قال : الذي يتمنى فيه الموت . فقد جعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت . { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ } أي ولا تبدأوا بقتالهم في الحرم حتى يبدأوا فعندنا المسجد الحرم يقع على الحرم كله { فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم } في الحرم فعندنا يقتلون في الأشهر الحرم لا في الحرم إلا أن يبدأوا بالقتال معنا فحينئذ نقتلهم وإن كان ظاهر قوله «واقتلوهم حيث ثقفتموهم» يبيح القتل في الأمكنة كلها لكن لقوله «ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه» خص الحرم إلا عند البداءة منهم كذا في شرح التأويلات { كذلك جَزَاءُ الكافرين } مبتدأ وخبر . «ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم» : حمزة وعلي { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الشرك والقتال { فَإِنَّ الله غَفُورٌ } لما سلف من طغيانهم { رَّحِيمٌ } بقبول توبتهم وإيمانهم . { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } شرك و«كان» تامة و«حتى» بمعنى «كي» أو «إلى أن» { وَيَكُونَ الدين للَّهِ } خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب أي لا يعبد دونه شيء { فَإِنِ انتهوا فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين } فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنه لا عدوان إلا على الظالمين ولم يبقوا ظالمين ، أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين ، سمى جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة كقوله { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ } . قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة { الشهر الحرام } مبتدأ خبره { بالشهر الحرام } أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم { والحرمات قِصَاصٌ } أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أي حرمة كانت اقتص منه بأن تهتك له حرمه ، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا وأكد ذلك بقوله { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } من شرطية والباء غير زائدة والتقدير بعقوبة مماثلة لعدوانهم ، أو زائدة وتقديره عدواناً مثل عدوانهم { واتقوا الله } في حال كونكم منتصرين فمن اعتدى عليك فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"{ واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } بالنصر { وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } تصدقوا في رضا الله وهو عام في الجهاد وغيره { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } أي أنفسكم والباء زائدة ، أو ولا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال «أهلك فلان نفسه بيده» إذا تسبب لهلاكها . والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك ، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله ، أو عن الإخطار بالنفس ، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو والتهلكة والهلاك والهلك واحدة { وَأَحْسِنُواْ } الظن بالله في الإخلاف { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } إلى المحتاجين .\r{ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } وأدوهما تأمين بشرائطهما وفرائضهما لوجه الله تعالى بلا توان ولا نقصان . وقيل : الإتمام يكون بعد الشروع فهو دليل على أن من شرع فيهما لزمه إتمامهما وبه نقول : إن العمرة تلزم بالشروع . ولا تمسك للشافعي C بالآية على لزوم العمرة لأنه أمر بإتمامها ، وقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع أو إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك أو أن تفرد لكل واحد منهما سفراً أو أن تنفق فيهما حلالاً أو أن لا تتجر معهما { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } يقال أحصر فلان إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز ، وحصر إذا حبسه عدو عن المضي . وعندنا الإحصار يثبت بكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما لظاهر النص ، وقد جاء في الحديث من كسر أو عرج فقد حل أي جاز له أن يحل وعليه الحج من قابل . وعند الشافعي C : الإحصار بالعدو وحده . وظاهر النص يدل على أن الإحصار يتحقق في العمرة أيضاً لأنه ذكر عقبهما { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } فما تيسر منه . يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب واستصعب . والهدي جمع هدية يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدى من بعير أو بقرة أو شاة «فما» رفع بالابتداء أي فعليكم ما استيسر ، أو نصب أي فأهدوا له ما استيسر { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ } الخطاب للمحصرين أي لا تحلوا بحلق الرأس حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب نحره فيه وهو الحرم ، وهو حجة لنا في أن دم الإحصار لا يذبح إلا في الحرم على الشافعي C إذ عنده يجوز في غير الحرم { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى الحلق { أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ } وهو القمل أو الجراحة { فَفِدْيَةٌ } فعليه إذا حلق فدية { مِّن صِيَامٍ } ثلاثة أيام { أَوْ صَدَقَةٍ } على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر { أَوْ نُسُكٍ } شاة وهو مصدر أو جمع نسيكة { فَإِذَا أَمِنتُمْ } الإحصار أي فإذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة { فَمَن تَمَتَّعَ } استمتع { بالعمرة إِلَى الحج } واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل انتفاعه بالتقرب بالحج .","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"وقيل : إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرماً عليه إلى أن يحرم بالحج { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } هو هدي المتعة ، وهو نسك يؤكل منه ويذبح يوم النحر .\r{ فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الهدي { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج } فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت الحج وهو أشهره ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } في وقوعها بدلاً من الهدي أو في الثواب ، أو المراد رفع الإبهام فلا يتوهم في الواو أنها بمعنى الإباحة كما في «جالس الحسن وابن سيرين» ، ألا ترى أنه لو جالسهما أو واحداً منهما كان ممتثلاً { ذلك } إشارة إلى التمتع عندنا إذ لا تمتع ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندنا ، وعند الشافعي C إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئاً { لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام } هم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن لم يتقه .\r{ الحج } أي وقت الحج كقولك «البرد شهران» { أَشْهُرٌ معلومات } معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم وهي شوال وذو القعدة وعشر ذو الحجة . وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر أن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلا فيها وكذا الإحرام عند الشافعي C ، وعندنا وإن انعقد لكنه مكروه ، وجمعت أي الأشهر لبعض الثالث ، أو لأن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] { فَمَن فَرَضَ } ألزم نفسه بالإحرام { فِيهِنَّ الحج } في هذه الأشهر { فَلاَ رَفَثَ } هو الجماع أو ذكره عند النساء أو الكلام الفاحش { وَلاَ فُسُوقَ } هو المعاصي أو السباب لقوله عليه السلام","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"\" سباب المؤمن فسوق \" أو التنابز بالألقاب لقوله تعالى : { بِئْسَ الاسم الفسوق } [ الحجرات : 11 ] { وَلاَ جِدَالَ فِي الحج } ولامراء مع الرفقاء والخدم والمكارين . وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن . والمراد بالنفي وجوب انتفائها وأنها حقيقة بأن لاتكون . وقرأ أبو عمرو ومكي الأولين بالرفع فحملاهما على معنى النهي كأنه قيل : فلا يكونن رفث ولا فسوق ، والثالث بالنصب على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل : ولا شك ولا خلاف في الحج . ثم حث على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن ، ومكان الفسوق البر والتقوى ، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة بقوله تعالى : { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله } اعلم بأنه عالم به يجازيكم عليه ورد قول من نفى علمه بالجزئيات . كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيكونون كلاً على الناس فنزل فيهم { وَتَزَوَّدُواْ } أي تزودوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم { فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } أي الإتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم ، أو تزودوا للمعاد باتقاء المحظورات فإن خير الزاد اتقاؤها { واتقون } وخافوا عقابي وهو مثل { دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] { يأُوْلِي الالباب } يا ذوي العقول يعني أن قضية اللب تقوى الله ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له .\rونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر وقالوا هؤلاء الداجّ وليسوا بالحاج { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ } في أن تبتغوا في مواسم الحج { فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ } عطاء وتفضلاً وهو النفع والربح بالتجارة والكراء { فَإِذَا أَفَضْتُم } دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة ، وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول { مّنْ عرفات } هي علم للموقف سمي بجمع كأذرعات . وإنما صرفت لأن التاء فيها ليست للتأنيث بل هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث ، وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما رآها عرفها . وقيل : التقى فيها آدم وحواء فتعارفا ، وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاصة لا تكون إلا بعده { فاذكروا الله } بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات أو بصلاة المغرب والعشاء { عِندَ المشعر الحرام } هو قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة . والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة ، ووصف بالحرام لحرمته . وقيل : المشعر الحرام مزدلفة ، وسميت المزدلفة جمعاً لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها ، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين ، أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } «ما» مصدرية أوكافة اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة ، أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه { وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ } من قبل الهدى { لَمِنَ الضالين } الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه و«إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"قالوا : هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع وكانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفات ويقولون : نحن قطان حرمه فلا نخرج منه . وقيل : الإفاضة من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى . والمراد بالناس على هذا الجنس ويكون الخطاب للمؤمنين { واستغفروا الله } من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم أو من تقصيركم في أعمال الحج { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بكم { فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم } فإذا فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ونفرتم { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ } أي فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم . والمعنى فأكثروا من ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم . وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعددون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } أي أكثر . وهو في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله «كذكركم» كما تقولون كذكر قريش آباءَهم أو قوم أشد منهم ذكراً و«ذكراً» تمييز .\r{ فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ } فمن الذين يشهدون الحج من يسأل الله حظوظ الدنيا فيقول { رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا } اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة يعني الجاه والغنى { وَمَا لَهُ فِى الآخرة مِنْ خلاق } نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لكفره بالآخرة . والمعنى أكثروا ذكر الله ودعاءه لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا ، ومكثر يطلب خير الدارين فكونوا من المكثرين أي من الذين قيل فيهم { وَمِنْهُمُ } ومن الذين يشهدون الحج { مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً } نعمة وعافية ، أو علماً وعبادة . { وَفِي الآخرة حَسَنَةً } عفواً ومغفرة ، أو المال والجنة ، أو ثناء الخلق ورضا الحق ، أو الإيمان والأمان ، أو الإخلاص والخلاص ، أو السنة والجنة ، أو القناعة والشفاعة ، أو المرأة الصالحة والحور العين ، أو العيش على سعادة والبعث من القبور على بشارة . { وَقِنَا عَذَابَ النار } احفظنا من عذاب جهنم ، أو عذاب النار امرأة السوء . { أولئك } أي الداعون بالحسنتين { لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة ، أو من أجل ما كسبوا ، أو سمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ، ويجوز أن يكون أولئك للفريقين وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا { والله سَرِيعُ الحساب } يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر من نقمته . وروي أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة وروي في مقدار لمحة .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"{ واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات } هي أيام التشريق وذكر الله فيها التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار { فَمَن تَعَجَّلَ } فمن عجل في النفر أو استعجل النفر . وتعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل . يقال تعجل في الأمر واستعجل ومتعديين يقال تعجل الذهاب واستعجله والمطاوعة أوفق لقوله و«من تأخر» { فِى يَوْمَيْنِ } من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } فلا يأثم بهذا التعجل { وَمَن تَأَخَّرَ } حتى رمى في اليوم الثالث { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى } الصيد أو الرفث والفسوق أو هو مخير في التعجل . والتأخر وإن كان التأخر أفضل فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل . وقيل : كان أهل الجاهلية فريقين منهم من جعل المتعجل آثماً ومنهم من جعل المتأخر آثماً فورد القرآن بنفي المأثم عنهما { واتقوا الله } في جميع الأمور { واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } حين يبعثكم من القبور . كان الأخنس بن شريق حلو المنطق إذا لقي رسول الله A ألان له القول وادعى أنه يحبه وأنه مسلم وقال يعلم الله أني صادق فنزل فيه .\r{ وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس { فِي الحياة الدنيا } «في» يتعلق بالقول أي يعجبك ما يقول في معنى الدنيا لأنه يطلب بادعاء المحبة حظ الدنيا ولا يريد به الآخرة ، أو ب «يعجبك» أي يعجبك حلو كلامه في الدنيا لا في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة { وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ } أي يحلف ويقول الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام { وَهُوَ أَلَدُّ الخصام } شديد الجدال والعداوة للمسلمين ، والخصام والمخاصمة والإضافة بمعنى في لأن «أفعل» يضاف إلى ما هو بعضه تقول : زيد أفضل القوم ولا يكون الشخص بعض الحدث فتقديره ألد في الخصومة ، أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب والتقدير : وهو أشد الخصوم خصومة . { وَإِذَا تولى } عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق { سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ } كما فعل بثقيف فإنه كان بينه وبينهم خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم { فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } أي الزرع والحيوان ، أو إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل . وقيل : يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الخرث والنسل . { والله لاَ يُحِبُّ الفساد * وَإِذَا قِيلَ لَهُ } للأخنس { اتق الله } في الإفساد والإهلاك { أَخَذَتْهُ العزة بالإثم } حملته النخوة وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه وألزمته ارتكابه ، أو الباء للسبب أي أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه وهو الكفر { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } أي كافيه { وَلَبِئْسَ المهاد } أي الفراش جهنم .","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"ونزل في صهيب حين أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفراً كانوا معه فاشترى نفسه بماله منهم وأتى المدينة ، أو فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل { وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ } يبيعها { ابتغاء } لابتغاء { مَرْضَاتِ الله والله رَءُوفٌ بالعباد } حيث أثابهم على ذلك { يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ ادخلوا فِي السلم } وبفتح السين حجازي وعلي ، وهو الاستسلام والطاعة أي استسلموا لله وأطيعوه أو الإسلام ، والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم ، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم { كَافَّةً } لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته حال من الضمير في «ادخلوا» أي جميعاً ، أو من السلم لأنها تؤنث كأنهم أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها ، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها ، وكافة من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } وساوسه { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة { فَإِن زَلَلْتُمْ } ملتم عن الدخول في السلم { مّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البينات } أي الحجج الواضحة والشواهد اللائحة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق { فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالب لا يمنعه شيء من عذابكم { حَكِيمٌ } لا يعذب إلا بحق . ورُوي أن قارئاً قرأ «غفور رحيم» فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال ليس هذا من كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان لأنه إغراء عليه .\r{ هَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظرون { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } أي أمر الله وبأسه كقوله : { أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } [ النحل : 33 ] . { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } [ الأعراف : 4 ] أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله : «فاعلموا أن الله عزيز» { فِي ظُلَلٍ } جمع ظلة وهي ما أظلك { مِّنَ الغمام } الحساب . وهو للتهويل إذ الغمام مظنة الرحمة أنزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول { والملائكة } أي وتأتي الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم أو المراد حضورهم يوم القيامة { وَقُضِىَ الأمر } أي وتم أمر إهلاكهم وفرغ منه { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } أي أنه ملّك العباد بعض الأمور فترجع إليه الأمور يوم النشور . «ترجع الأمور» حيث كان : شامي وحمزة وعلي . { سَلْ } أصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار «سل» . وهو أمر للرسول أو لكل أحد وهو سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"{ بَنِى إسراءيل كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام . و«كم» استفهامية أو خبرية { وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله } هي آياته وهي أجل نعمة من الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم إياها ، إن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد عليه السلام { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ } من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها فكأنها غائبة عنه { فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن استحقه .\r{ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } المزين هو الشيطان زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها ، أو الله تعالى يخلق الشهوات فيهم ولأن جميع الكائنات منه ويدل عليه قراءة من قرأ «زين للذين كفروا الحياة الدنيا» { وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ } كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود وعمار وصهيب ونحوهم أي لا يريدون غير الدنيا وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها أو ممن يطلب غيرها { والذين اتقوا } عن الشرك وهم هؤلاء الفقراء { فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } لأنهم في جنة عالية وهم في نار هاوية { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقتير يعني أنه يوسع على من أراد التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره ، وهذه التوسعة عليكم من الله لحكمة وهي استدارجكم بالنعمة ولو كانت كرامة لكان المؤمنون أحق بها منكم { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } متفقين على دين الإسلام من آدم إلى نوح عليهما السلام ، أو هم نوح ومن كان معه في السفينة فاختلفوا { فَبَعَثَ الله النبيين } ويدل على حذفه قوله تعالى : { لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ } [ البقرة : 213 ] وقراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا» وقوله تعالى : { وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا } [ يونس : 19 ] أو كان الناس أمة واحدة كفاراً فبعث الله النبيين فاختلفوا عليهم والأول الأوجه { مُبَشّرِينَ } بالثواب للمؤمنين { وَمُنذِرِينَ } بالعقاب للكافرين وهما حالان { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب } أي مع كل واحد منهم كتابه { بالحق } بتبيان الحق { لِيَحْكُمَ } الله أو الكتاب أو النبي المنزل عليه { بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ } في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق . { وَمَا اختلف فِيهِ } في الحق { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } على صدقه { بَغْياً بَيْنَهُمْ } مفعول له أي حسداً بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم { فَهَدَى الله الذين ءَامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ } أي هدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف فيه { مِنَ الحق } بيان لما اختلفوا فيه { بِإِذْنِهِ } بعلمه { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } { أَمْ حَسِبْتُمْ } أم منقطعة لا متصلة لأن شرطها أن يكون قبلها همزة الاستفهام كقولك «أعندك زيد أم عمرو» أي أيهما عندك؟ وجوابه زيد إن كان عنده زيد ، أوعمرو إن كان عنده عمرو .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"وأما «أم» المنقطعة فتقع بعد الاستفهام وبعد الخبر وتكون بمعنى بل والهمزة ، والتقدير : بل أحسبتم ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده . لما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات تشجيعاً لرسول الله A والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له ، قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ أم حسبتم { أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم } أي ولم يأتكم وفي «لما» معنى التوقع يعني أن إتيان ذلك متوقع منتظر . { مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ } مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدة { مِن قَبْلِكُمْ } من النبيين والمؤمنين { مَسَّتْهُمْ } بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال : كيف كان ذلك المثل فقيل : مستهم { البأساء } أي البؤس { والضراء } المرض والجوع { وَزُلْزِلُواْ } وحركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة { حتى يَقُولَ الرسول والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ } إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين فيها { متى نَصْرُ الله } أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك ، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة فقيل لهم { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } إجابة لهم إلى طلبهم من عاجل النصر . «يقول» بالرفع : نافع على حكاية حال ماضية نحو «شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه» . وغيره بالنصب على إضمار «أن» ومعنى الاستقبال لأن «أن» علم له . ولما قال عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير وله مال عظيم : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ نزل .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } فقد تضمن قوله ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو كل خير ، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها عن الحسن هي في التطوع { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } فيجزى عليه { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال } فرض عليكم جهاد الكفار { وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } من الكراهة فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقولها :\rفإنما هي إقبال وإدبار ... كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له أوهو فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز أي وهو مكروه لكم { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فأنتم تكرهون الغزو وفيه إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا } وهو القعود عن الغزو { وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر { والله يَعْلَمُ } ما هو خير لكم { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم ، ونزل في سرية بعثها رسول الله A فقاتلوا المشركين وقد أهل هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك فقالت قريش : قد استحل محمد عليه السلام الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف .\r{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام } أي يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام .\r{ قِتَالٍ فِيهِ } بدل الاشتمال من «الشهر» . وقرىء «عن قتال فيه» على تكرير العامل كقوله : { للذين استضعفوا لمن آمن منهم } [ الأعراف : 75 ] .\r{ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أي إثم كبير . «قتال» مبتدأ و«كبير» خبره وجاز الابتداء بالنكرة لأنها قد وصفت ب «فيه» وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] . { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } أي منع المشركين رسول الله A وأصحابه عن البيت عام الحديبية وهو مبتدأ { وَكُفْرٌ بِهِ } أي بالله عطف على صد { والمسجد الحرام } «عطف على سبيل الله» أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام . وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في به أي كفر به وبالمسجد الحرام ، ولا يجوز عند البصريين العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فلا تقول : مررت به وزيد ولكن تقول وبزيد ، ولو كان معطوفاً على الهاء هنا لقيل وكفر به وبالمسجد الحرام . { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } أي أهل المسجد الحرام وهم رسول الله A والمؤمنون وهو عطف على «صد» أيضاً { مِنْهُ } من المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة { أَكْبَرُ عِندَ الله } أي مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن { والفتنة } الإخراج أو الشرك { أَكْبَرُ مِنَ القتل } في الشهر الحرام ، أو تعذيب الكفار المسلمين أشد قبحاً من قتل هؤلاء المسلمين في الشهر الحرام { وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } أي إلى الكفر وهو إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم .","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"«حتى» معناها التعليل نحو «فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة» أي يقاتلونكم كي يردوكم . وقوله تعالى : { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } استبعاد لاستطاعتهم كقولك لعدوك «إن ظفرت بي فلا تبق علي» وأنت واثق بأنه لا يظفر بك { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } ومن يرجع عن دينه إلى دينهم { فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } أي يمت على الردة { فأولئك حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة } لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام وفي الآخرة من الثواب وحسن المآب { وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } وبها احتج الشافعي C على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت عليها . وقلنا : قد علق الحبط بنفس الردة بقوله تعالى : { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [ المائدة : 5 ] والأصل عندنا أن المطلق لا يحمل على المقيد ، وعنده يحمل عليه فهو بناء على هذا .\rولما قالت السرية أيكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله نزل { إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ } تركوا مكة وعشائرهم { وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله } المشركين ولا وقف عليه لأن { أولئك يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله } خبر «إن» . قيل : من رجا طلب ومن خاف هرب { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } نزل في الخمر أربع آيات نزل بمكة : { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } [ النحل : 67 ] . فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال ، ثم إن عمر ونفراً من الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل :","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } فشربها قوم وتركها آخرون ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف جماعة فشربوا وسكروا فأم بعضهم فقرأ «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون» فنزل { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 43 ] فقل من يشربها ، ثم دعا عتبان بن مالك جماعة فلما سكروا منها تخاصموا وتضاربوا فقال عمر : اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 91 ] فقال عمر : انتهينا يا رب . وعن علي Bه : لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ، ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه . والخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب ، وسميت بمصدر خمره خمراً إذا ستره لتغطيتها العقل . والميسر القمار مصدر من يسر كالوعد من فعله يقال يسرته إذا أقمرته ، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة بلا كد وتعب ، أو من اليسار كأنه سلب يساره . وصفة الميسر أنه كانت لهم عشرة أقداح سبعة منها عليها خطوط وهو الفذ وله سهم ، والتوأم وله سهمان ، والرقيب وله ثلاثة ، والحلس وله أربعة ، والنافس وله خمسة ، والمسبل وله ستة ، والمعلى وله سبعة ، وثلاثة أغفال لا نصيب لها وهي المنيح والسفيح والوغد ، فيجعلون الأقداح في خريطة ويضعونها على يد عدل ثم يجلجلها ويدخل يده ويخرج باسم رجل قدحاً قدحاً منها ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح ما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ، وفي حكم الميسر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما ، والمعنى يسألونك عما في تعاطيهما بدليل { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } بسبب التخاصم والتشاتم وقول الفحش والزور «كثير» : حمزة وعلي . { ومنافع لِلنَّاسِ } بالتجارة في الخمر والتلذذ بشربها ، وفي الميسر بارتقاق الفقراء أو نيل المال بلا كد { وَإِثْمُهُمَا } وعقاب الإثم في تعاطيهما { أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيها الآثام من وجوه كثيرة .\r{ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } أي الفضل أي أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة ، وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضاً فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل ، وإذا كان صانعاً أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل فنسخت بآية الزكاة . «العفو» : أبو عمرو؛ فمن نصبه جعل «ماذا» اسماً واحداً في موضع النصب ب « ينفقون» والتقدير : قل ينفقون العفو ، ومن رفعه جعل «ما» مبتدأ وخبره «ذا» مع صلته ف «ذا» بمعنى «الذين»و«ينفقون» صلته أي ما الذي ينفقون فجاء الجواب «العفو» أي هو العفو فإعراب الجواب كإعراب السؤال ليطابق الجواب السؤال .","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"{ كذلك } الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين { يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى الدنيا } أي في أمر الدنيا { والآخرة } و «وفي» يتعلق بتتفكرون أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما أصلح لكم ، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع ، ويجوز أن يتعلق ب «يبين» أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون . ولما نزل { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] اعتزلوا اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم وذكروا ذلك لرسول الله A فنزل .\r{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } وتعاشروهم ولم تجانبوهم { فَإِخوَانُكُمْ } فهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه { والله يَعْلَمُ المفسد } لأموالهم { مِنَ المصلح } لها فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح { وَلَوْ شَاءَ الله } إعناتكم { لأَعْنَتَكُمْ } لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم { إِنَّ الله عَزِيزٌ } غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم { حَكِيمٌ } لا يكلف إلا وسعهم وطاقتهم .\rولما سأل مرثد النبي A عن أن يتزوج عناق وكانت مشركة نزل { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } أي لا تتزوجوهن . يقال نكح إذا تزوج وأنكح غيره زوجه { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها { وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين } ولا تزوجوهم بمسلمة كذا قاله الزجاج . وقال جامع العلوم : حذف أحد المفعولين والتقدير ولا تنكحوهن المشركين { حتى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } . ثم بين علة ذلك فقال { أولئك } وهو إشارة إلى المشركات والمشركين { يَدْعُونَ إِلَى النار } إلى الكفر الذي هو عمل أهل النار فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا { والله يَدْعُواْ إِلَى الجنة والمغفرة } أي وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم { بِإِذْنِهِ } بعلمه أو بأمره { وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون .\rكانت العرب لم يؤاكلوا الحائض ولم يشاربوها ولم يساكنوها كفعل اليهود والمجوس ، فسأل أبو الدحداح رسول الله A عن ذلك وقال : يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزل { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } هو مصدر يقال حاضت محيضاً كقولك «جاء مجيئاً» { قُلْ هُوَ أَذًى } أي المحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه { فاعتزلوا النساء فِي المحيض } فاجتنبوهن أي فاجتنبوا مجامعتهن .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"وقيل : إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض ، واليهود كانوا يعتزلونهن في كل شيء ، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين . ثم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يجتنب ما اشتمل عليه الإزار ، ومحمد C لا يوجب إلا اعتزال الفرج . وقالت عائشة Bها : يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك . { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } مجامعين أو ولا تقربوا مجامعتهن { حتى يَطْهُرْنَ } بالتشديد كوفي غير حفص أي يغتسلن وأصله «يتطهرون» فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجيهما . غيرهم «يطهرن» أي ينقطع دمهن ، والقراءتان كآيتين فعملنا بهما وقلنا له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل عملاً بقراءة التخفيف ، وفي أقل منه لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة عملاً بقراءة التشديد ، والحمل على هذا أولى من العكس لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عرف ، وعند الشافعي C لا يقربها حتى تطهر وتتطهر دليله قوله تعالى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } فجامعوهن فجمع بينهما { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل { إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين } من ارتكاب ما نهوا عنه أو العوادين إلى الله تعالى وإن زلوا فزلوا والمحبة لمعرفته بعظم عفو الله حيث لا ييأس { وَيُحِبُّ المتطهرين } بالماء أو المتنزهين من أدبار النساء أو من الجماع في الحيض أو من الفواحش .\rكان اليهود يقولون إذا أتى الرجل أهله باركة أتى الولد أحول فنزل { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } مواضع حرث لكم وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور والولد بالنبات ، ووقع قوله «نساؤكم حرث لكم» بياناً وتوضيحاً لقوله : «فأتوهن من حيث أمركم الله» . أي إن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان الفرث تنبيهاً على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لإقضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتي الذي نيط به هذا المطلوب { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ } جامعوهن متى شئتم أو كيف شئتم باركة أو مستلقية أو مضطجعة بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث وهو تمثيل ، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة . وقوله : «هو أذى فاعتزلوا النساء» ، «من حيث أمركم الله فأتوا حرثكم أنى شئتم» . من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة ، فعلى كل مسلم أن يتأدب بها ويتكلف مثلها في المحاورات والمكاتبات { وَقَدّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ } ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتم عنه ، أو هو طلب الولد أو التسمية على الوطء { واتقوا الله } فلا تجترئوا على المناهي { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } صائرون إليه فاستعدوا للقائه { وَبَشِّرِ المؤمنين } بالثواب يا محمد . وإنما جاء «يسألونك» ثلاث مرات بلا واو ثم مع الواو ثلاثاً لأن سؤالهم عن تلك الحوارث الأول كأنه وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ ، وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع . لذلك .","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"{ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم } العرضة فعلة بمعنى مفعول كالقبضة وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيتعرض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه . تقول فلان عرضة دون الخير ، وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحد أوعبادة ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البرّ إرادة البر في يمينه فقيل لهم ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي حاجزاً لما حلفتم عليه ، وسمي المحلوف عليه يميناً بتلبسه باليمين كقوله عليه السلام \" من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه \" وقوله { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس . واللام تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً ، ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق «أن تبروا» بالفعل أو بالعرضة أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا «واللّه سميعٌ» لأيمانكم «عليمٌ» بنياتكم .\r{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ، ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان وهو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه والأمر بخلافه ، والمعنى لا يعاقبكم «بلغو» اليمين الذي يحلفه أحدكم ، وعند الشافعي C هو ما يجري على لسانه من غير قصد للحلف نحو «لا والله» و «بلى والله» . { ولكن يُؤَاخِذُكُم } ولكن يعاقبكم { بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } بما اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس ، وتعلق الشافعي بهذا النص على وجوب الكفارة في الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد ، والمؤاخذة غير مبينة هنا وبينت في المائدة فكان البيان ثمة بياناً هنا ، وقلنا : المؤاخذة هنا مطلقة . وهي في دار الجزاء والمؤاخذة ثم مقيدة بدار الابتلاء فلا يصح حمل البعض على البعض { والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } حيث لم يؤاخذكم باللغو في «أيمانكم» .\r{ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ } يقسمون وهي قراءة ابن عباس Bه و«من» في { مِن نّسَائِهِمْ } يتعلق بالجار والمجرور أي للذين كما تقول لك مني نصرة ولك مني معونة أي للمؤلين من نسائهم { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } أي استقر للمؤلين ترقب أربعة أشهر لا ب «يؤلون» لأن آلى يعدّى ب «على» يقال آلى فلان على امرأته ، وقول القائل «آلى فلان من امرأته» وهم توهمه من هذه الآية . ولك أن تقول عدّي ب «من» لما في هذا القسم من معنى البعد فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم { فَإِن فَآءُوا } في الأشهر لقراءة عبد الله فإن فاءوا فيهن أي رجعوا إلى الوطء عن الإصرار بتركه { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } حيث شرع الكفارة { وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } بترك الفيء فتربصوا إلى مضي المدة { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ } لإِيلائه { عَلِيمٌ } بنيته وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة ، وعند الشافعي C معناه فإن فاءوا وإن عزموا بعد مضي المدة لأن الفاء للتعقيب .","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وقلنا قوله : «فإن فاءوا» . «وإن عزموا» تفصيل لقوله «للذين يؤلون» من نسائهم والتفصيل يعقب المفصل كما تقول : أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول . { والمطلقات } أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء . { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } خبر في معنى الأمر وأصل الكلام ولتتربص المطلقات ، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً ، ونحوه قولهم في الدعاء «رحمك الله» أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها . وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات بخلاف الفعلية . وفي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص .\r{ ثلاثة قُرُوءٍ } جمع قرء أو قرء وهو الحيض لقوله عليه السلام \" دعي الصلاة أيام أقرائك \" وقوله \" طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان \" ولم يقل طهران . وقوله تعالى : { واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ } [ الطلاق : 4 ] . فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار ، ولأن المطلوب من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة ، ولأنه لو كان طهراً كما قال الشافعي لانقضت العدة بقرأين وبعض الثالث فانتقص العدد عن الثلاثة ، لأنه إذا طلقها لآخر الطهر فذا محسوب من العدة عنده ، وإذا طلقها في آخر الحيض فذا غير محسوب من العدة عندنا ، والثلاث اسم خاص لعدد مخصوص لا يقع على ما دونه . ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت وامرأة مقرىء . وانتصاب «ثلاثة» على أنه مفعول به أي يتربصن مضي ثلاثة قروء أو على الظرف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء ، وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء لاشتراكهما في الجمعية اتساعاً ، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل .\r{ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } من الولد أو من دم الحيض أو منهما ، وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع ، ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها ، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض قد طهرت استعجالاً للطلاق ، ثم عظم فعلهن فقال { إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر } لأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترىء على مثله من العظائم { وَبُعُولَتُهُنَّ } البعول جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع { أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ } أي أزواجهن أولى برجعتهن ، وفيه دليل أن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء حيث سماه زوجاً بعد الطلاق { فِي ذلك } في مدة ذلك التربص ، والمعنى أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها لا أن لها حقاً في الرجعة { إِنْ أَرَادُواْ } { إصلاحا } لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارتهن { وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ } ويجب لهن من الحق على الرجال من المهر والنفقة وحسن العشرة وترك المضارة مثل الذي يجب لهم عليهن من الأمر والنهي { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس ، فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس له .","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال { وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } زيادة في الحق وفضيلة بالقيام بأمرها وإن اشتركا في اللذة والاستمتاع أو بالإنفاق وملك النكاح { والله عَزِيزٌ } لا يعترض عليه في أموره { حَكِيمٌ } لا يأمر إلا بما هو صواب وحسن .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"{ الطلاق مَرَّتَانِ } الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع ، والإرسال دفعة واحدة . ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين وهو دليل لنا في أن الجمع بين الطلقتين والثلاثة بدعة في طهر واحد ، لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق لأنه وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر وإلا يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى ، لأن الطلاق على وجه الجمع قد يوجد . وقيل : قالت أنصارية : إن زوجي قال : لا أزال أطلقك ثم أراجعك فنزلت «الطلاق مرتان» أي الطلاق الرجعي مرتان لأنه لا رجعة بعد الثالث { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } برجعة ، والمعنى فالواجب عليكم إمساك بمعروف { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة . وقيل : بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث . ونزل في جميلة وزوجها ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها وقد أعطاها حديقة فاختلعت منه بها وهو أول خلع كان في الإسلام { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ } أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون { أن تَأخُذُواْ مِمَّآ آتَيتُمُوهُنَّ شَيْئاً } مما أعطيتموهن من المهور { إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها { فَإِنْ خِفْتُمْ } أيها الولاة ، وجاز أن يكون أول خطاب للأزواج وآخره للحكام { أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت { فِيمَا افتدت بِهِ } فيما افتدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر . «إلا أن يخافا» حمزة على البناء للمفعول وإبدال «ألا يقيما» من ألف الضمير وهو من بدل الاشتمال نحو «خيف زيد تركه إقامة حدود الله» . { تِلْكَ حُدُودَ الله } أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء والطلاق والخلع وغير ذلك { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } فلا تجاوزوها بالمخالفة { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون } الضارون أنفسهم . { فَإِن طَلَّقَهَا } مرة ثالثة بعد المرتين ، فإن قلت الخلع طلاق عندنا وكذا عند الشافعي C في قول ، فكأن هذه تطليقة رابعة . قلت : الخلع طلاق ببدل فيكون طلقة ثالثة ، وهذه بيان لتلك أي فإن طلقها الثالثة ببدل فحكم التحليل كذا { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } من بعد التطليقة الثالثة { حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } حتى تتزوج غيره . والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج ، وفيه دليل على أن النكاح ينعقد بعبارتها ، والإصابة شرطت بحديث العسيلة كما عرف في أصول الفقه ، والفقه فيه أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلصاً لم تحل له إلا بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه { فَإِن طَلَّقَهَا } الزوج الثاني بعد الوطء { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } على الزوج الأول وعليها { أَن يَتَرَاجَعَا } أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج { إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله { وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيّنُهَا } وبالنون : المفضل { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يفهمون ما بين لهم .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها ، والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها . يقال لعمر الإنسان أجل ، وللموت الذي ينتهى به أجل . { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة ، وإما أن يخليها حتى تنقضي عدتها وتبين من غير ضرار { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } مفعول له أو حال أي مضارين ، وكان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجة ولكن ليطوّل العدة عليها فهو الإمساك ضراراً { لّتَعْتَدُواْ } لتظلموهن أو لتلجئوهن إلى الافتداء { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } يعني الإمساك للضرار { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بتعريضها لعقاب الله { وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا } أي جدوا بالأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزواً . يقال لمن لم يجد في الأمر إنما أنت لاعب وهازىء { واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ } بالإسلام وبنبوة محمد عليه السلام { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة } من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها { يَعِظُكُمْ بِهِ } بما أنزل عليكم وهو حال { واتقوا الله } فيما امتحنكم به { واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } من الذكر والاتقاء والاتعاظ وغير ذلك وهو أبلغ وعد ووعيد . { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتهن فدل سياق الكلامين على افتراق البلوغين لأن النكاح يعقبه هنا وذا يكون بعد العدة ، وفي الأولى الرجعة وذا يكون في العدة { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } فلا تمنعوهن . العضل : المنع والتضييق { أَن يَنكِحْنَ } من أن ينكحن { أزواجهن } الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن ، وفيه إشارة إلى انعقاد النكاح بعبارة النساء ، والخطاب للأزواج الذي يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً ولا يتركونهن يتزوجن من شئن من الأزواج ، سموا أزواجاً باسم ما يؤول إليه . أو للأولياء في عضلهن أن يرجعن إلى أزواجهن الذين كانوا أزواجاً لهن ، سموا أزواجاً باعتبار ما كان . نزلت في معقل ابن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأول .","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"أو للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين { إِذَا تراضوا بَيْنَهُم } إذا تراضى الخطاب والنساء { بالمعروف } بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط ، أو بمهر المثل والكفء لأن عند عدم أحدهما للأولياء أن يتعرضوا . والخطاب في { ذلك } للنبي A أو لكل واحد { يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر } فالموعظة إنما تنجع فيهم { ذلكم } أي ترك العضل والضرار { أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ } أي لكم من أدناس الآثام أو أزكى وأطهر وأفضل وأطيب { والله يَعْلَمُ } ما في ذلك من الزكاء والطهر { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك .","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"{ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } خبر في معنى الأمر المؤكد ك { يَتَرَبَّصْنَ } وهذا الأمر على وجه الندب أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه ، أو لم توجد له ظئر ، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار ، أو أراد الوالدات المطلقات وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع { حَوْلَيْنِ } ظرف { كَامِلَيْنِ } تأمين وهو تأكيد لأنه مما يتسامح فيه فإنك تقول : أقمت عند فلان حولين ولم تستكملهما { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } بيان لمن توجه إليه الحكم أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة . والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم ، وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه ، ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة { وَعلَى المولود لَهُ } الهاء يعود إلى اللام الذي بمعنى «الذي» ، والتقدير : وعلى الذي يولد له وهو الوالد ، و«له» في محل الرفع على الفاعلية ك «عليهم» في { المغضوب عَلَيْهِمْ } [ الفاتحة : 7 ] وإنما قيل «على المولود له» دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم إذ الأولاد للآباء والنسب إليهم لا إليهن فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظار ، ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله : { واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } [ لقمان : 33 ] { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف } بلا إسراف ولا تقتير ، وتفسيره ما يعقبه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارا { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } وجدها أو قدر إمكانها . والتكليف إلزام ما يؤثره في الكلفة . وانتصاب «وسعها» على أنه مفعول ثانٍ ل «تكلف» لا على الاستثناء ودخلت إلا بين المفعولين .\r{ لاَ تُضَارَّ } مكي وبصري بالرفع على الإخبار ومعناه النهي وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول وأن يكون الأصل «تضارر» بكسر الراء أو «تضارر» بفتحها . الباقون «لا تضار» على النهي والأصل «تضارر» أسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية فالتقى الساكنان ففتحت الثانية لالتقاء الساكنين { والدة بِوَلَدِهَا } أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة ، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد ، وأن تقول بعدما ألفها الصبي أطلب له ظئر أو ما أشبه ذلك { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } أي ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من رزقها وكسوتها أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه . وإذا كان مبنياً للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج ، وعن أن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد ، أو تضار بمعنى تضر والباء من صلته أي لا تضر والدة ولدها فلا تسيء غذاءه وتعهده ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها ، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"وإنما قيل «بولدها» و«بولده» لأنه لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وذلك الوالد { وَعَلَى الوارث } عطف على قوله «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن» وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وعلى وارث الصبي عند عدم الأب «مثل ذلك» أي مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة . واختلف فيه؛ فعند ابن أبي ليلى : كل من ورثه ، وعندنا : من كان ذا رحم محرم منه لقراءة ابن مسعود Bه «وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك» ، وعند الشافعي C : لا نفقة فيما عدا الولاد . { فَإِنْ أَرَادَا } يعني الأبوين { فِصَالاً } فطاماً صادراً { عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } بينهما { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك زادا على الحولين أو نقصا ، وهذه توسعة بعد التحديد ، والتشاور استخراج الرأي من شرت العسل إذا استخرجته ، وذكره ليكون التراضي عن تفكر فلا يضر الرضيع ، فسبحان الذي أدب الكبير ولم يهمل الصغير واعتبر اتفاقهما ، لأن للأب النسبة والولاية وللأم الشفقة والعناية . { وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم } أي لأولادكم عن الزجاج . وقيل : استرضع منقول من أرضع ، يقال أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي معدّى إلى مفعولين أي أن تسترضعوا المراضع أولادكم فحذف أحد المفعولين يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم } إلى المراضع { مَّا ءاتَيْتُم } ما أردتم إيتاءه من الأجرة . أتيتم مكي من أتى إليه إحساناً إذا فعله ومنه قوله { كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [ مريم : 61 ] أي مفعولاً ، والتسليم ندب لا شرط للجواز { بالمعروف } متعلق ب «سلمتم» أي سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور { واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها .\r{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } تقول توفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته وافياً تاماً أي تستوفى أرواحهم { وَيَذَرُونَ } ويتركون { أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } أي وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن أي يعتددن ، أو معناه يتربصن بعدهم بأنفسهن فحذف بعدهم للعلم به . وإنما احتيج إلى تقديره لأنه لا بد من عائد يرجع إلى المبتدأ في الجملة التي وقعت خبراً . «يتوفون» : المفضل أي يستوفون آجالهم { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } أي وعشر ليال والأيام داخلة معها ولا يستعمل التذكير فيه ذهاباً إلى الأيام تقول صمت عشراً ولو ذكرت لخرجت من كلامهم { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } فإذا انقضت عدتهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأئمة والحكام { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التعرض للخاطب { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكره الشرع { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم بالبواطن .","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء } الخطبة الاستنكاح ، والتعريض أن تقول لها إنك لجميلة أو صالحة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه ، ولا يصرح بالنكاح فلا يقول إني أريد أن أتزوجك . والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له ، والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك : لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ، ولذلك قالوا :\rوحسبك بالتسليم مني تقاضيا\rفكأنه إمالة الكلام إلى غرض يدل على الغرض { أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فاذكروهن { ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } جماعة لأنه مما يسر أي لا تقولوا في العدة إني قادر على هذا العمل { إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا . و«إلا» متعلق ب «لا تواعدوهن» أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة { وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } من عزم الأمر وعزم عليه . وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح لأن العزم على الفعل يتقدمه فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى ، ومعناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح ، أو ولا تقطعوا عقدة النكاح لأن حقيقة العزم القطع ومنه الحديث \" لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل \" وروي لمن لم يبيت الصيام أي ولا تعزموا على عقدة النكاح { حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ } حتى تنقضي عدتها . وسميت العدة كتاباً لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته { واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ } من العزم على ما لا يجوز { فاحذروه } ولا تعزموا عليه { واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاجلكم بالعقوبة .\rونزل فيمن طلق امرأته ولم يكن سمى لها مهراً ولا جامعها { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } لا تبعة عليكم من إيجاب مهر { إِن طَلَّقْتُمُ النساء } شرط ، ويدل على جوابه «لا جناح عليكم» والتقدير : إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم { مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ما لم تجامعوهن ، و«ما» شرطية أي إن لم تمسوهن «تماسوهن» : حمزة وعلي حيث وقع لأن الفعل واقع بين اثنين { أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } إلا أن تفرضوا لهن فريضة أو حتى تفرضوا ، وفرض الفريضة تسمية المهر وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف المسمى إن سمى لها مهر ، وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصف مهر المثل بل تجب المتعة ، والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله «وإن طلقتموهن» إلى قوله «فنصف ما فرضتم» فقوله «فنصف ما فرضتم» إثبات للجناح المنفي ثمة { وَمَتِّعُوهُنَّ } معطوف على فعل محذوف تقديره فطلقوهن ومتعوهن .","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"والمتعة درع وملحفة وخمار { عَلَى الموسع } الذي له سعة { قَدَرُهُ } مقداره الذي يطيقه . قدره فيهما : كوفي غير أبي بكر وهما لغتان { وَعَلَى المقتر } الضيق الحال . { قَدَرُهُ } ولا تجب المتعة عندها إلا لهذه وتستحب لسائر المطلقات { متاعا } تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً { بالمعروف } بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة { حَقّاً } صفة ل «متاعاً» أي متاعاً واجباً عليهم أو حق ذلك حقاً { عَلَى المحسنين } على المسلمين ، أو على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع . وسماهم قبل الفعل محسنين كقوله عليه السلام «من قتل قتيلاً فله سلبه» وليس هذا الإحسان هو التبرع بما ليس عليه إذ هذه المتعة واجبة .\rثم بين حكم التي سمى لها مهراً في الطلاق قبل المس فقال { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } «أن» مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الحر أي من قبل مسكم إياهن { وَقَدْ فَرَضْتُمْ } في موضع الحال { لَهُنَّ فَرِيضَةً } مهراً { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ } يريد المطلقات . و «أن» مع الفعل في موضع النصب على الاستثناء كأنه قيل : فعليكم نصف ما فرضتم في جميع الأوقات إلا وقت عفوهن عنكم من المهر . والفرق بين الرجال «يعفون» «والنساء «يعفون» أن الواو في الأول ضميرهم والنون علم الرفع ، والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهن ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل { أَوْ يَعْفُوَاْ } عطف على محله { الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } هو الزوج كذا فسره علي Bه وهو قول سعيد ابن جبير وشريح ومجاهد وأبي حنيفة والشافعي على الجديد Bهم ، وهذا لأن الطلاق بيده فكان بقاء العقد بيده ، والمعنى أن الواجب شرعاً هو النصف إلا أن تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل تفضلاً ، وعند مالك والشافعي في القديم هو الولي . قلنا : هو لا يملك التبرع بحق الصغيرة فكيف يجوز حمله عليه؟ { وَأَن تَعْفُواْ } مبتدأ خبره { أَقْرَبُ للتقوى } والخطاب للأزواج والزوجات على سبيل التغليب ذكره الزجاج أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له ، وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج { وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل } التفضل { بَيْنِكُمْ } أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على تفضلكم .","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"{ حافظوا عَلَى الصلوات } داوموا عليها بمواقيتها وأركانها وشرائطها { والصلاة الوسطى } بين الصلوات أي الفضلى من قولهم للأفضل الأوسط . وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل . وهي صلاة العصر عند أبي حنيفة C وعليه الجمهور لقوله عليه السلام يوم الأحزاب \" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً \" وقال عليه السلام \" إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان حتى توارت بالحجاب \" وفي مصحف حفصة «والصلاة الوسطى صلاة العصر» ولأنها بين صلاتي الليل وصلاتي النهار ، وفضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم . وقيل : صلاة الظهر لأنها في وسط النهار ، أو صلاة الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل ، أو صلاة الغرب لأنها بين الأربع والمثنى ، ولأنها بين صلاتي مخافتة وصلاتي جهر ، أو صلاة العشاء لأنها بين وترين ، أو هي غير معينة كليلة القدر ليحفظوا الكل . { وَقُومُواْ لِلَّهِ } في الصلاة { قانتين } حال أي مطيعين خاشعين أو ذاكرين الله في قيامكم . والقنوت أن تذكر الله قائماً أو مطيلين القيام { فَإِنْ خِفْتُمْ } فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره { فَرِجَالاً } حال أي فصلوا راجلين وهو جمع راجل كقائم وقيام { أَوْ رُكْبَانًا } وحداناً بإيماء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة { فَإِذَا أَمِنتُمْ } فإذا زال خوفكم { فاذكروا الله } فصلوا صلاة الأمن { كَمَا عَلَّمَكُم } أي ذكراً مثل ما علمكم { مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } من صلاة الأمن .\r{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم } بالنصب شامي وأبو عمرو وحمزة وحفص أي فليوصوا وصية عن الزجاج . غيرهم بالرفع أي فعليهم وصيةٌ { متاعا } نصب بالوصية لأنها مصدر أو تقديره متعوهن متاعاً { إِلَى الحول } صفة ل «متاعاً» { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } مصدر مؤكد كقولك «هذا القول غير ما تقول» ، أو بدل من «متاعاً» والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن ، وكان ذلك مشروعاً في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا } إلى قوله { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } والناسخ متقدم عليه تلاوة ومتأخر نزولاً كقوله تعالى : { سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس } [ البقرة : 142 ] . مع قوله تعالى : { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } [ البقرة : 144 ] . { فَإِنْ خَرَجْنَ } بعد الحول { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التزين والتعرض للخطاب { مِن مَّعْرُوفٍ } مما ليس بمنكر شرعاً { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } فيما حكم .","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"{ وللمطلقات متاع } أي نفقة العدة { بالمعروف حَقّا } نصب على المصدر { عَلَى المتقين * كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } هو في موضع الرفع لأنه خبر «لعل» ، وإن أريد به المتعة فالمراد غير المطلقة المذكورة وهي على سبيل الندب\r{ أَلَمْ تَرَ } تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين وتعجيب من شأنهم ، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب { إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } من قرية قيل : واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم بدعاء حزقيل عليه السلام . وقيل : هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم { وَهُمْ أُلُوفٌ } في موضع النصب على الحال ، وفيه دليل على الألوف الكثيرة لأنها جمع كثرة وهي جمع ألف لا آلف { حَذَرَ الموت } مفعول له { فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ } أي فأماتهم الله ، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة ، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد ، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله { ثُمَّ أحياهم } ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وفضائه ، وهو معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم أحياهم ، ولما كان معنى قوله «فقال لهم الله موتوا» فأماتهم كان عطفاً عليه معنى { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم ، أو لذو فضل على الناس حيث أحيا أولئك ليعتبروا فيفوزوا ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } ذلك . والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله وهو قوله .\r{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } فحرض على الجهاد بعد الإعلام لأن الفرار من الموت لا يغني ، وهذا الخطاب لأمة محمد عليه السلام أو لمن أحياهم { واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ } يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون { عَلِيمٌ } بما يضمرونه { مِنْ } استفهام في موضع رفع بالابتداء { ذَا } خبره { الذى } نعت ل «ذا» أو بدل منه { يُقْرِضُ الله } صلة الذي سمى ما ينفق في سبيل الله قرضاً لأن القرض ما يقبض ببدل مثله من بعد ، سمى به لأن المقرض يقطعه من ماله فيدفعه إليه . والقرض القطع ومنه المقراض ، وقرض الفأر والانقراض فنبههم بذلك على أنه لا يضيع عنده وأنه يجزيهم عليه لا محالة { قَرْضًا حَسَنًا } بطيبة النفس من المال الطيب ، والمراد النفقة في الجهاد لأنه لما أمر بالقتال في سبيل الله ويحتاج فيه إلى المال حيث على الصدقة ليتهيأ أسباب الجهاد { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } بالنصب : عاصم على جواب الاستفهام .","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"وبالرفع : أبو عمر ونافع وحمزة وعلي عطفاً على «يقرض» ، أو هو مستأنف أي فهو يضاعفه . «فيضعفه» : شامي . «فيضعفه» : مكي . { أَضْعَافًا } في موضع المصدر { كَثِيرَةٍ } لا يعلم كنهها إلا الله . وقيل : الواحد بسبعمائة . { والله يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ } يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة . و«يبصط» حجازي وعاصم وعلي { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على ما قدمتم .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ } الأشراف لأنهم يملأون القلوب جلالة والعيون مهابة { مِن بَنِى إسراءيل } «من» للتبعيض { مِن بَعْدِ موسى } من بعد موته و«من» لابتداء الغاية { إِذْ قَالُواْ } حين قالوا { لِنَبِىّ لَّهُمُ } هم شمعون أو يوشع أو اشمويل { ابعث لَنَا مَلِكًا } أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره { نقاتل } بالنون والجزم على الجواب { فِى سَبِيلِ الله } صلة نقاتل { قَالَ } النبي { هَلْ عَسَيْتُمْ } «عسيتم» حيث كان : نافع . { إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال } شرط فاصل بين اسم «عسى» وخبره وهو { أَلاَّ تقاتلوا } والمعنى : هل قاربتم أن لا تقاتلوا يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون ، فأدخل «هل» مستفهماً عما هو متوقع عنده ، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه { قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل فِى سَبِيلِ الله } وأي داعٍ لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه { وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا } الواو في «وقد» للحال وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين يعنون إذا بلغ الأمر منا هذا المبلغ فلا بد من الجهاد { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } أي أجيبوا إلى ملتمسهم { تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عنه { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر { والله عَلِيمٌ بالظالمين } وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد . { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ } هو اسم أعجمي كجالوت وداود ، ومنع من الصرف للتعريف والعجمة { مَلِكًا } حال { قَالُواْ أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا } أي كيف ومن أين وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له { وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ } الواو للحال { وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال } أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك وأنه فقير لا بد للملك من مال يعتضد به ، وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام ، والملك في سبط يهوذا وهو كان من سبط بنيامين ، وكان رجلاً سقاء أو دباغاً فقيراً .","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت { قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ } الطاء في «اصطفاه» بدل من التاء لمكان الصاد الساكنة أي اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه . ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة فقال { وَزَادَهُ بَسْطَةً } مفعول ثانٍ { فِي العلم والجسم } قالوا : كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته ، وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه . والبسطة السعة والامتداد ، والملك لا بد أن يكون من أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدري غير منتفع به ، وأن يكون جسيماً لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب . { والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } أي الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك بالوراثة { والله واسع } أي واسع الفضل والعطاء على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر { عَلِيمٌ } بمن يصطفيه للملك فثمة طلبوا من نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت .\r{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت } أي صندوق التوراة ، وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون . { فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } سكون وطمأنينة { وَبَقِيَّةٌ } هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة ونعلا موسى وعمامة هارون عليهما السلام { مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى وَءالُ هارون } أي مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما { تَحْمِلُهُ الملائكة } يعني التابوت وكان رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه ، والجملة في موضع الحال وكذا «فيه سكينة» . «ومن ربكم» نعت ل «سكينة» و«مما ترك» نعت ل «بقية» { إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين .\r{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ } خرج { بالجنود } عن بلده إلى جهاد العدو و«بالجنود» في موضع الحال أي مختلطاً بالجنود وهم ثمانون ألفاً ، وكان الوقت قيظاً وسألوا أن يجري الله لهم نهراً { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم } مختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر { بِنَهَرٍ } وهو نهر فلسطين ليتميز المحقق في الجهاد من المعذر { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } كرعاً { فَلَيْسَ مِنّي } فليس من أتباعي وأشياعي { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه { فَإِنَّهُ مِنّى } وبفتح الياء : مدني وأبو عمرو .","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"واستثنى { إِلا مَنِ اغترف } من قوله «فمن شرب منه فليس مني» والجملة الثانية في حكم المتأخرة عن الاستثناء إلا أنها قدمت للعناية { غُرْفَةً بِيَدِهِ } «غرفة» : حجازي وأبو عمرو بمعنى المصدر ، وبالضم بمعنى المغروف ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع ، والدليل عليه { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } أي فكرعوا { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً { فَلَمَّا جَاوَزَهُ } أي النهر { هُوَ } طالوت { والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } أي القليل { قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم } أي لا قوة لنا { بِجَالُوتَ } هو جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد وكان في بيضته ثلثمائة رطل من الحديد { وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } يوقنون بالشهادة . قيل : الضمير في «قالوا» للكثير الذين انخذلوا والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه . وروي أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ } «كم» خبرية وموضعها رفع بالابتداء { غَلبَت } خبرها { فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله } بنصره { والله مَعَ الصابرين } بالنصر .\r{ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } خرجوا لقتالهم { قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ } أصبب { عَلَيْنَا صَبْرًا } على القتال { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أعنا عليهم { فَهَزَمُوهُم } أي طالوت والمؤمنون جالوت وجنوده { بِإِذُنِ الله } بقضائه { وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } كان بيشا أو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم ، فأوحى الله إلى نبيهم أن داود هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد مر في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له : إنك تقتل بنا جالوت فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله وزوجه طالوت بنته ، ثم حسده وأراد قتله ثم مات تائباً { وآتاه الله الملك } في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود { والحكمة } والنبوة { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } من صنعة الدروع وكلام الطيور والدواب وغير ذلك . { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس } هو مفعول به { بَعْضُهُمْ } بدل من «الناس» «دفاع» : مدني مصدر دفع أو دافع { بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض } أي ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها من الحرث والنسل ، أو ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بغلبة الكفار وقتل الأبرار وتخريب البلاد وتعذيب العباد { ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين } بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح { تِلْكَ } مبتدأ خبره { آيَاتُ الله } يعني القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره على الجبابرة على يد صبي { نَتْلُوهَا } حال من آيات الله ، والعامل فيه معنى الإشارة ، أو آيات الله بدل من «تلك» «ونتلوها» الخبر . { عَلَيْكَ بالحق } باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب أو سماع من أهله .","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"{ تِلْكَ الرسل } إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة من آدم إلى داود أو التي ثبت علمها عند رسول الله عليه السلام { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم فيها كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان . ثم بين ذلك بقوله { مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } أي كلمه الله حذف العائد من الصلة يعني منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ } مفعول أول { درجات } مفعول ثانٍ أي بدرجات أو إلى درجات يعني ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة وهو محمد A ، لأنه هو المفضل عليهم بإرساله إلى الكافة ، وبأنه أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف أو أكثر ، وأكبرها القرآن لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر . وفي هذا الإبهام تفخيم وبيان أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد ، والمتميز الذي لا يلتبس . وقيل : أريد به محمد وإبراهيم وغيرهما من أولي العزم من الرسل { وَءَاتَيْنَا عِسَى ابن مَرْيَمَ البينات } كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك { وأيدناه بِرُوحِ القدس } قويناه بجبريل أو بالإنجيل { وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتل } أي ما اختلف لأنه سببه { الذين مِن بَعْدِهِم } من بعد الرسل { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } المعجزات الظاهرات { ولكن اختلفوا } بمشيئتي . ثم بين الاختلاف فقال { فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } بمشيئتي . يقول الله أجريت أمور رسلي على هذا ، أي لم يجتمع لأحد منهم طاعة جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته بل اختلفوا عليه فمنهم من آمن ومنهم من كفر { وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتلوا } كرره للتأكيد أي لو شئت أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكي إلا ما يوافق مشيئتي ، وهذا يبطل قول المعتزلة لأنه أخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا وهم يقولون شاء أن لا يقتتلوا فاقتتلوا { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } أثبت الإرادة لنفسه كما هو مذهب أهل السنة . { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } في الجهاد في سبيل الله ، أو هو عام في كل صدقة واجبة { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } أي من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه { وَلاَ خُلَّةٌ } حتى يسامحكم أخلاؤكم به { وَلاَ شفاعة } أي للكافرين ، فأما المؤمنون فلهم شفاعة أو إلا بإذنه { والكافرون هُمُ الظالمون } أنفسهم بتركهم التقديم ليوم حاجاتهم ، أو الكافرون بهذا اليوم هم الظالمون .","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"«لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة» : مكي وبصري { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } «لا» مع اسمه وخبره وما أبدل من موضعه في موضع الرفع خبر المبتدأ وهو «الله» { الحى } الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء { القيوم } الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } نعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور { وَلاَ نَوْمٌ } عن المفضل : السنة ثقل في الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم في القلب وهو تأكيد للقيوم ، لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً ، وقد أوحى إلى موسى عليه السلام : قل لهؤلاء إني أمسك السموات والأرض بقدرتي فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا . { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } ملكاً وملكاً { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ليس لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه وهو بيان لملكوته وكبريائه ، وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام ، وفيه رد لزعم الكفار أن الأصنام تشفع لهم { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ما كان قبلهم وما يكون بعدهم والضمير لما في السماوات والأرض لأن فيهم العقلاء { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ } من معلومه يقال في الدعاء «اللهم اغفر علمك فينا» أي معلومك { إِلاَّ بِمَا شَاءَ } إلا بما علم { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض } أي علمه ومنه الكراسة لتضمنها العلم والكراسي العلماء ، وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم وهو كقوله تعالى : { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } [ غافر : 7 ] أو ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك أو عرشه كذا عن الحسن ، أو هو سرير دون العرش في الحديث \" ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بفلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة \" أو قدرته بدليل قوله { وَلاَ يَئُودُهُ } ولا يثقله ولا يشق عليه { حِفْظُهُمَا } حفظ السموات والأرض { وَهُوَ العلى } في ملكه وسلطانه { العظيم } في عزه وجلاله أو العلي المتعالي عن الصفات التي لا تليق به العظيم ، المتصف بالصفات التي تليق به ، فهما جامعان لكمال التوحيد . وإنما ترتبت الجمل في آية الكرسي بلا حرف عطف لأنها وردت على سبيل البيان؛ فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه ، والثانية لكونه مالكاً لما يدبره ، والثالثة لكبرياء شأنه ، والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق ، والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره . وإنما فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد ، منه ما روي عن علي Bه عن النبي A","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"\" من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله \" وقال عليه السلام \" سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الفرس سلمان ، وسيد الروم صهيب ، وسيد الحبشة بلال ، وسيد الجبال الطور ، وسيد الأيام يوم الجمعة ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي \" وقال \" ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة \" وقال \" من قرأ آية الكرسي عند منامه بعث إليه ملك يحرسه حتى يصبح \" وقال \" من قرأ هاتين الآيتين حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ، وإن قرأهما حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي : آية الكرسي وأول «حم المؤمن» إلى { إِلَيْهِ المصير } \" لاشتمالهما على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذاكراً له كان أفضل من سائر الأذكار وبه يعلم أن أشرف العلوم علم التوحيد .\r{ لا إِكْرَاهَ فِى الدين } أي لا إجبار على الدين الحق وهو دين الإسلام . وقيل : هو إخبار في معنى ، النهي ، ورُوي أنه كان لأنصاري ابنان فتنصرا فلزمهما أبوهما وقال : والله لا أدعكما حتى تسلما ، فأبيا فاختصما إلى رسول الله A فقال الأنصاري : يا رسول الله أيدخل بعضي في النار وأنا أنظر؟ فنزلت فخلاهما . قال ابن مسعود وجماعة : كان هذا في الابتداء ثم نسخ بالأمر بالقتال { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } بالشيطان أو الأصنام { وَيُؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك } تمسك { بالعروة } أي المعتصم والمتعلق { الوثقى } تأنيث الأوثق أي الأشد من الحبل الوثيق المحكم المأمون { لاَ انفصام لَهَا } لا انقطاع للعروة ، وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده ، والمعنى فقد عقد لنفسه من الدين عقداً وثيقاً لا تحله شبهة { والله سَمِيعٌ } لإقراره { عَلِيمٌ } باعتقاده .\r{ الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ } أرادوا أن يؤمنوا أي ناصرهم ومتولي أمورهم { يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات } من ظلمات الكفر والضلالة وجمعت لاختلافها { إِلَى النور } إلى الإيمان والهداية ووحد لاتحاد الإيمان { والذين كَفَرُواْ } مبتدأ والجملة وهي { أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت } خبره { يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات } وجمع لأن الطاغوت في معنى الجمع يعني والذين صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك ، أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين ، والذين كفروا أولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور البينات الذي يظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة { أولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } . ثم عجب نبيه عليه السلام وسلاه بمجادلة إبراهيم عليه السلام نمرود الذي كان يدعي الربوبية بقوله .","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ } في معارضته ربوبية ربه . والهاء في «ربه» يرجع إلى إبراهيم أو إلى الذي حاج فهو ربهما { أَنْ آتاه الله الملك }\rلأنّ آتاه الله يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر فحاج لذلك ، وهو دليل على المعتزلة في الأصلح أوحاج وقت أن أتاه الله الملك { إِذْ قَالَ } نصب ب «حاج» أو بدل من «أن آتاه» إذا جعل بمعنى الوقت { إبراهيم رَبّيَ } «رب» : حمزة { الذى يُحِْيى وَيُمِيتُ } كأنه قال له : من ربك؟ قال : ربي الذي يحيي ويميت { قَالَ } نمرود { أَنَاْ أُحْيِى وَأُمِيتُ } يريد أعفو عن القتل وأقتل فانقطع اللعين بهذا عند المخاصمة فزاد إبراهيم عليه السلام ما لا يتأتى فيه التلبيس على الضعفة حيث { قَالَ إبراهيم } عليه السلام { فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } وهذا ليس بانتقال من حجة إلى حجة كما زعم البعض لأن الحجة الأولى كانت لازمة ، ولكن لما عاند اللعين حجة الإحياء بتخلية واحد وقتل آخر ، كلمه من وجه لا يعاند ، وكانوا أهل تنجيم ، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم ، والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل فقال : إن ربي يحرك الشمس قسراً على غير حركتها ، فإن كنت رباً فحركها بحركتها فهو أهون { فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } تحير ودهش { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } أي لا يوفقهم وقالوا : إنما لم يقل نمرود فليأت ربك بالشمس من المغرب لأن الله تعالى صرفه عنه . وقيل : إنه كان يدعي الربوبية لنفسه وما كان يعترف بالربوبية لغيره . ومعنى قوله «أنا أحيي وأميت» أن الذي ينسب إليه الإحياء والإماتة أنا لا غيري ، والآية تدل على إباحة التكلم في علم الكلام والمناظرة فيه لأنه قال : «ألم ترى إلى الذي حاج إبراهيم في ربه» . والمحاجة تكون بين اثنين فدل على أن إبراهيم حاجه أيضاً ، ولو لم يكن مباحاً لما باشرها إبراهيم عليه السلام لكون الأنبياء عليهم السلام معصومين عن ارتكاب الحرام ، ولأنا أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإيمان بالله وتوحيده وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا منا الدليل على ذلك ، وذا لا يكون إلا بعد المنظارة كذا في شرح التأويلات .\r{ أَوْ كالذى مَرَّ } معناه أو أرأيت مثل الذي فحذف لدلالة «لم تر» عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب ، أو هو محمول على المعنى دون اللفظ تقديره : أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر . وقال صاحب الكشف : فيه الكاف زائدة و«الذي» عطف على قوله «إلى الذي حاج» عن الحسن أن المار كان كافراً بالبعث لانتظامه مع نمرود في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي «أنى يحيي» والأكثر أنه عزير أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام و«أنى يحيي» اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياة واستعظام لقدرة المحيي { على قَرْيَةٍ } هي بيت المقدس حين خربه بختنصر وهي التي خرج منها الألوف { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } ساقطة مع سقوفها أو سقطت السقوف ثم سقطت عليها الحيطان وكل مرتفع عرش { قَالَ أنى يُحْىِ } أي كيف { هذه } أي أهل هذه { الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } أي أحياه { قَالَ } له ملك { كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } بناء على الظن ، وفيه دليل جواز الاجتهاد روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس فقال قبل النظر إلى الشمس «يوماً» ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال «أو بعض يوم» { قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ } روي أن طعامه كان تيناً وعنباً وشرابه عصيراً ولبناً فوجد التين والعنب كما جنيا والشراب على حاله { لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم يتغير والهاء أصلية أو هاء سكت واشتقاقه من السنة على الوجهين ، لأن لامها هاء لأن الأصل سنهة والفعل سانهت .","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"يقال سانهت فلاناً أي عاملته سنة أو واو لأن الأصل سنوة والفعل سانيت ومعناه لم تغيره السنون . «لم يتسن» بحذف الهاء في الوصل وبإثباتها في الوقف : حمزة وعلي { وانظر إلى حِمَارِكَ } كيف تفرقت عظامه ونخرت وكان له حمار قد ربطه فمات وتفتتت عظامه ، أو وانظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه . وقيل : الواو عطف على محذوف أي لتعتبر ولنجعلك . قيل : أتى قومه راكباً حماراً وقال : أنا عزير فكذبوه فقال : هاتوا التوراة فأخذ يقرؤها عن ظهر قلبه ولم يقرأ التوراة ظاهر أحد قبل عزير فذلك كونه آية . وقيل : رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب { وانظر إِلَى العظام } أي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم { كَيْفَ نُنشِزُهَا } نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب . «ننشرها» بالراء : حجازي وبصري نحييها «ثمّ نكسوها» أي العظام «لحماً» جعل اللحم كاللباس مجازاً «فلمّا تبيّن له» فاعله مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير { قال أعلم أنّ اللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقولهم «ضربني وضربت زيداً» ويجوز فلما تبين له ما أشكل عليه يعني أمر إحياء الموتى .","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"«قال اعلم» على لفظ الأمر : حمزة وعلي أي قال الله له اعلم أو هو خاطب نفسه .\r{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِى } بصرني { كَيْفَ تُحْىِ الموتى } موضع «كيف» نصب ب « تحيي» { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } وإنما قال له «أو لم تؤمن» وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين . و«بلى» إيجاب لما بعد النفي معناه بلى آمنت ولكن لأزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال ، وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف الضروري . واللام تتعلق بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك أراد طمأنينة القلب { قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير } طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } وبكسر الصاد : حمزة أي أملهن واضممهن إليك { ثُمَّ اجعل على كُلِ ّجَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك وفي أرضك وكانت أربعة أجبل أو سبعة . «جزأ» بضمتين وهمز : أبو بكر { ثُمَّ ادعهن } قل لهن تعالين بإذن الله { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } مصدر في موضع الحال أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن . وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئآتها وحلاّها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك ، وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها ، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال عل كل جبل ربعاً من كل طائر ، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله تعالى فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يمتنع عليه ما يريده { حَكِيمٌ } فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه الحكمة ، ولما برهن على قدرته على الإحياء حث على الإنفاق في سبيل الله ، وأعلم أن من أنفق في سبيله فله في نفقته أجر عظيم وهو قادر عليه فقال :\r{ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } لا بد من حذف مضاف أي مثل نفقتهم { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } أو مثلهم كمثل باذر حبة { أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } المنبت هو الله ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء . ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منه سبع شعب لكل واحد سنبلة ، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر والممثل به موجود في الدخن والذرة وربما فرخت ساق البرة في الأرض القوية المغلة فيبلغ حبها هذا المبلغ ، على أن التمثيل يصح وإن لم يوجد على سبيل الفرض ، والتقدير ووضع سنابل موضع سنبلات كوضع قروء موضع أقراء { والله يضاعف لِمَن يَشَاء } أي يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين ، أو يزيد على سبعمائة لمن يشاء .","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"«يضعّف» : شامي و«يضعّف» : مكي { والله واسع } واسع الفضل والجود { عَلِيمٌ } بنيات المنفقين . { الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا } هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاً له وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها { وَلا أَذًى } هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه . ومعنى «ثم» إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وأن تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله { ثُمَّ استقاموا } [ فصلت : 30 ] { لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ثواب إنفاقهم { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من بخس الأجر { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } من فوته ، أو لا خوف من العذاب ولا حزن بفوت الثواب . وإنما قال هنا : «لهم أجرهم» وفيما بعد «فلهم أجرهم» لأن الموصول هنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة .\r{ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } رد جميل { وَمَغْفِرَةٌ } وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول ، أو ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل { خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه بالصفة { والله غَنِىٌّ } لا حاجة له إلى منفق يمن ويؤذي { حَلِيمٌ } عن معاجلته بالعقوبة وهذا وعيد له .\rثم أكد ذلك بقوله { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى } الكاف نصب صفة مصدر محذوف والتقدير إبطالاً مثل إبطال الذي { يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر } أي لا تبطلوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يريد بإنفاقه رضا الله ولا ثواب الآخرة ، ورئاء مفعول له { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ } مثّله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بحجر أملس عليه تراب { فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } مطر عظيم القطر { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه { لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا ، أو الكاف في محل النصب على الحال أي لا تطلبوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق . وإنما قال «لا يقدرون» بعد قوله «كالذي ينفق» لأنه أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } ما داموا مختارين الكفر .\r{ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي وتصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم ، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه .","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"و«من» لابتداء الغاية وهو معطوف على المفعول له أي للإبتغاء والتثبيت ، والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله { كَمَثَلِ جَنَّةٍ } بستان { بِرَبْوَةٍ } مكان مرتفع ، وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً «بربوة» : عاصم وشامي { أَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتْ أُكُلُهَا } ثمرتها «أكلها» : نافع ومكي وأبو عمرو { ضِعْفَيْنِ } مثلي ما كانت تثمر قبل بسبب الوابل { فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها ، أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل ، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضا الله تعالى زاكية عند الله زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يرى أعمالكم على إكثار وإقلال ويعلم نياتكم فيهما من رياء وإخلاص . الهمزة في { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } للإنكار { أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } بستان { مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُ } لصاحب البستان { فِيهَا } في الجنة { مِن كُلّ الثمرات } يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها ، أو أن النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليباً لهما على غيرهما ثم أردفهما ذكر كل الثمرات . { وَأَصَابَهُ الكبر } الواو للحال ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر ، والواو في { وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } أولاد صغار للحال أيضاً ، والجملة في موضع الحال من الهاء في «أصابه» { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ } ريح تستدير في الأرض ثم تستطع نحو السماء كالعمود { فِيهِ } في الإعصار وارتفع { نَّارٌ } بالظرف إذ جرى الظرف وصفاً لإعصار { فاحترقت } الجنة ، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة رياء فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم فهلكت بالصاعقة { كذلك } كهذا البيان الذي بين فيما تقدم { يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } في التوحيد والدين { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } فتنتبهوا .\r{ تَتَفَكَّرُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ } من جياد مكسوباتكم ، وفيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض } من الحب والثمر والمعادن وغيرها والتقدير : ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } ولا تقصدوا المال الرديء { مِنْهُ تُنفِقُونَ } تخصونه بالإنفاق وهو في محل الحال أي ولا تيمموا الخبيث منفقين أي مقدرين النفقة { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم { إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك «أغمض فلان عن بعض حقه» إذا غض بصره ، ويقال للبائع «أغمض» أي لا تستقص كأنك لا تبصر .","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"وعن ابن عباس Bهما : كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه . { واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ } عن صدقاتكم { حَمِيدٌ } مستحق للحمد أو محمود .\r{ الشيطان يَعِدُكُمُ } في الإنفاق { الفقر } ويقول لكم إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا ، والوعد يستعمل في الخير والشر { وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء } ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل { والله يَعِدُكُم } في الإنفاق { مَّغْفِرَةً مّنْهُ } لذنوبكم وكفارة لها { وَفَضْلاً } وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم ، أو وثواباً عليه في الآخرة { والله واسع } يوسع على من يشاء { عَلِيمٌ } بأفعالكم ونياتكم . { يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } علم القرآن والسنة ، أو العلم النافع الموصل إلى رضا الله والعمل به ، والحكيم عند الله هو العالم العامل { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } «ومن يؤت» : يعقوب أي ومن يؤته الله الحكمة { فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تنكير تعظيم أي أوتي خيراً أيّ خير كثير . { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } وما يتعظ بمواعظ الله إلا ذوو العقول السليمة أو العلماء العمال ، والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق . { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } في سبيل الله أو في سبيل الشيطان { أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ } في طاعة الله أو في معصيته { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه { وَمَا للظالمين } الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي أو ينذرون في المعاصي أو لا يفون بالنذور { مِنْ أَنصَارٍ } ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه . { إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِىَ } فنعم شيئاً إبداؤها و «ما» نكرة غير موصولة ولا موصوفة ، والمخصوص بالمدح «هي» . فنعما «هي» بكسر النون وإسكان العين : أبوعمرو ومدني غير ورش . وبفتح النون وكسر العين : شامي وحمزة وعلي . وبكسر النون والعين : غيرهم . { وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء } وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فالإخفاء خير لكم . قالوا : المراد صدقات التطوع والجهر في الفرائض أفضل لنفي التهمة حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل ، والمتطوع إن أراد أن يقتدي به كان إظهاره أفضل . { وَيُكَفّرْ } بالنون وجزم الراء : مدني وحمزة وعلي . بالياء ورفع الراء : شامي وحفص . وبالنون والرفع : غيرهم . فمن جزم فقد عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط ، ومن رفع فعلى الاستئناف والياء على معنى يكفر الله . { عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } والنون على معنى نحن نكفر { والله بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإبداء والإخفاء { خَبِيرٌ } عالم .","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك ، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } أو ليس عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك إلى الله { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } من مال { فَلأَِنفُسِكُمْ } فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله } وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله ، أو هذا نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ثوابه أضعافاً مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } ولا تنقصون كقوله : { وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } [ الكهف : 33 ] . أي لم تنقص .\rالجار في { لِلْفُقَرَاء } متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء ، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الصدقات للفقراء { الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } لاشتغالهم به { ضَرْبًا فِى الأرض } للكسب . وقيل : هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر ، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار ، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله A فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى . { يَحْسَبُهُمُ الجاهل } بحالهم . «يحسبهم» وبابه : شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة . والباقون بكسر السين . { أَغْنِيَاء مِنَ التعفف } مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة { تَعْرِفُهُم بسيماهم } من صفرة الوجوه ورثاثة الحال { لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافًا } إلحاحاً . قيل : هو نفي السؤال والإلحاح جميعاً كقوله :\rعلى لا حب لا يهتدي بمناره\rيريد نفي المنار والاهتداء به . والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه وفي الحديث \" «إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف \" وقيل : معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } لا يضيع عنده .\r{ الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً } هما حالان أي مسرين ومعلنين يعني يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير ، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال .","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق Bه حين تصدق بأربعين ألف دينار : عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة في السر ، وعشرة في العلانية . أو في علي Bه لم يملك إلا أربعة دراهم ، تصدق بدرهم ليلاً ، وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سراً ، وبدرهم علانية . { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الذين يَأْكُلُونَ الربا } هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال . وكتب «الربوا» بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكواة ، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع . { لاَ يَقُومُونَ } إذا بعثوا من قبورهم { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان } أي المصروع لأنه تخبط في المعاملة فجوزي على المقابلة . والخبط : الضرب على غير استواء كخبط العشواء { مِنَ المس } من الجنون وهو يتعلق ب «لا يقومون» أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع ، أو ب «يقوم» أي كما يقوم المصروع من جنونه ، والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف . وقيل : الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين ، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض { ذلك } العقاب { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } ولم يقل «إنما الربا مثل البيع» مع أن الكلام في الربا لا في البيع ، لأنه جيء به على طريقة المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع . { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا { فانتهى } فتبع النهي وامتنع { فَلَهُ مَا سَلَفَ } فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم { وَأَمْرُهُ إِلَى الله } يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به { وَمَنْ عَادَ } إلى استحلال الربا عن الزجاج أو إلى الربا مستحلاً { فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما حرم الله D فهو كافر فلذا استحق الخلود ، وبهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق .\r{ يَمْحَقُ الله الربا } يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه { وَيُرْبِى الصدقات } ينميها ويزيدها أي يزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه ، وفي الحديث ما نقصت زكاة من مال قط .","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"{ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ } عظيم الكفر باستحلال الربا { أَثِيمٍ } متمادٍ في الإثم بأكله . { إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } قيل : المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا } أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها . روي أنها نزلت في ثقيف . وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } كاملي الإيمان فإن دليل كماله امتثال المأمور به . { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } فاعلموا بها من أذن بالشيء إذا علم ، يؤيده قراءة الحسن فأيقنوا . «فآذنوا» : حمزة وأبو بكر غير ابن غالب . فأعلموا بها غيركم ولم يقل بحرب الله ورسوله لأن هذا أبلغ ، لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله . وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف : لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله { وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء { فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ } المديونين بطلب الزيادة عليها { وَلاَ تُظْلَمُونَ } بالنقصان منها .\r{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة ذو إعسار { فَنَظِرَةٌ } فالحكم أوفى لأمر نظرة أي إنظار { إلى مَيْسَرَةٍ } يسار . «ميسرة» : نافع وهما لغتان { وَأَن تَصَدَّقُواْ } بالتخفيف : عاصم ، أي تتصدقوا برؤوس أموالكم أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم . وبالتشديد : غيره . فالتخفيف على حذف إحدى التاءين ، والتشديد على الإدغام { خَيْرٌ لَّكُمْ } في القيامة ، وقيل : أريد بالتصديق الإنظار لقوله عليه السلام \" لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة \" { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه . { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } «ترجعون» : أبو عمرو فرجع لازم ومتعدٍ . قيل : هي آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال : ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة وعاش رسول الله A بعدها أحداً وعشرين يوماً أو أحداً وثمانين أو سبعة أيام أو ثلاث ساعات { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي جزاء ما كسبت { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقصان الحسنات وزيادة السيئات .\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } أي إذا داين بعضكم بعضاً . يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } مدة معلومة كالحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج ، وإنما احتيج إلى ذكر الدين ولم يقل إذا تداينتم إلى أجل مسمى ليرجع الضمير إليه في قوله { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال .","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود ، والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه والأمر للندب . وعن ابن عباس Bهما أن المراد به السلم وقال : لما حرم الله الربا أباح السلف . وعنه : أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية ، وفيه دليل على اشتراط الأجل في السلم { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم } بين المتداينين { كَاتِبٌ بالعدل } هو متعلق ب «كاتب» صفة له أي كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص ، وفيه دليل على أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع ، وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً ديناً حتى يكتب ما هو متفق عليه { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } ولا يمتنع واحد من الكتاب { أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله } مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير وكما متعلق بأن يكتب { فَلْيَكْتُبْ } تلك الكتابة لا يعدل عنها { وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق } ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به فيكون ذلك إقراراً على نفسه بلسانه . والإملال والإملاء لغتان { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } وليتق الله الذي عليه الدين ربه فلا يمتنع عن الإملاء فيكون جحوداً لكل حقه { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء فيكون جحوداً لبعض حقه { فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا } أي مجنوناً لأن السفه خفة في العقل أو محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف { أَوْ ضَعِيفًا } صبياً { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } لعي به أو خرس أو جهل باللغة { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } الذي يلي أمره ويقوم به { بالعدل } بالصدق والحق { واستشهدوا شَهِيدَيْنِ } واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين { مِّن رِّجَالِكُمْ } من رجال المؤمنين . والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام وشهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة عندنا { فَإِن لَّمْ يَكُونَا } فإن لم يكن الشهيدان { رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان } فليشهد رجل وامرأتان وشهادة الرجال مع النساء تقبل فيما عدا الحدود والقصاص { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء } ممن تعرفون عدالتهم ، وفيه دليل على أن غير المرضي شاهد { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى } لأجل أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى { إن تضل إحداهما } على الشرط «فتذكر» بالرفع والتشديد : حمزة كقوله : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة : 95 ] . «فَتُذْكِر» بالنصب : مكي وبصري من الذّكرُ لا من الذَّكر { وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو للتحمل لئلا تتوى حقوقهم ، وسماهم شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن ، فالأوّل للفرض والثاني للندب { وَلاَ تَسْئَمُواْ } ولا تملوا قال الشاعر :","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم\rوالضمير في { أَن تَكْتُبُوهُ } للدين أو الحق { صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } على أي حال كان الحق من صغر أو كبر ، وفيه دلالة جواز السلم في الثياب لأن ما يكال أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال في الذرعي ، ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً أو { إِلَى أَجَلِهِ } إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته { ذلكم } إشارة إلى أن تكتبوه لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب { أَقْسَطُ } أعدل من القسط وهو العدل { عَندَ الله } ظرف لأقسط { وَأَقْوَمُ للشهادة } وأعون على إقامة الشهادة وبنى أفعلا التفضيل أي «أقسط» و «أقوم» من أقسط وأقام مذهب سيبويه { وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } وأقرب من انتفاء الريب للشاهد والحاكم وصاحب الحق فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك ، وألف «أدنى» منقلبة من واو لأنه من الدنو { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً } عاصم أي إلا أن تكون التجارة تجارة أو إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة غيره تجارة حاضرة على «كان» التامة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة ، أو هي ناقصة والاسم تجارة حاضرة والخبر { تُدِيرُونَهَا } وقوله { بَيْنِكُمْ } ظرف ل «تديرونها» ومعنى إدارتها بينهم تعاطيها يداً بيد { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } يعني إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوها لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً ناجزاً أو كالئاً لأنه أحوط وأبعد من وقوع الاختلاف ، أو أريد به وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة والأمر للندب { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } يحتمل البناء للفاعل لقراءة عمر Bه «ولا يضارر» وللمفعول لقراءة ابن عباس Bهما «ولا يضارر» والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما ، وعن التحريف والزيادة والنقصان ، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويلزّا ، أولاً يعطي الكاتب حقه من الجعل ، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد { وَإِن تَفْعَلُواْ } وإن تضاروا { فَإِنَّهُ } فإن الضرار { فُسُوقٌ بِكُمْ } مأثم { واتقوا الله } في مخالفة أوامره { وَيُعَلّمُكُمُ الله } شرائع دينه { والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يلحقه سهو ولا قصور .","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"{ وَإِن كُنتُمْ } أيها المتداينون { على سَفَرٍ } مسافرين { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان } «فرهان» : مكي وأبو عمرو أي فالذي يستوثق به رهن وكلاهما جمع رهن كسقف وسقف وبغل وبغال ، ورهن في الأصل مصدر سمي به ثم كسر تكسير الأسماء . ولما كان السفر مظنة لأعواز الكتب والإشهاد ، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد لا أن السفر شرط تجويز الارتهان . وقوله { مَّقْبُوضَةٌ } يدل على اشتراط القبض لا كما زعم مالك أن الرهن يصح بالإيجاب والقبول بدون القبض { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن { فَلْيُؤَدِّ الذى اؤتمن أمانته } دينه . وائتمن افتعل من الأمن وهو حث للمديون على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه منه وائتمانه له ، وأن يؤدي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه . وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } في إنكار حقه { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة } هذا خطاب للشهود { وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ } ارتفع «قلبه» ب «آثم» على الفاعلية كأنه قيل : فإنه يأثم قلبه ، أو بالابتداء و«آثم» خبره مقدم والجملة خبر «إن» . وإنما أسند إلى القلب وحده والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ، لأن كتمان الشهادة أن يضمرها في القلب ولا يتكلم بها ، فلما كان إثماً مقترفاً مكتسباً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما تقول «هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي» ، ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله ، وإن فسدت فسد الجسد كله ، فكأنه قيل : فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه ، ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح ، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب ، وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب . وعن ابن عباس Bهما : أكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة { والله بِمَا تَعْمَلُونَ } من كتمان الشهادة وإظهارها { عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء . { للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وملكاً { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } يعني من السوء { يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } يكافئكم ويجازيكم ولا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان ، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه ، والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة ، وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور .","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا ، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا؟ قيل : لا لقوله عليه السلام : \" إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به \" والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم وأن المؤاخذة في العزم ثابتة وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله ، والدليل عليه قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة } [ النور : 19 ] . الآية . وعن عائشة Bها : ما هم العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا . وفي أكثر التفاسير أنه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة Bهم وقالوا : أنؤاخذ بكل ما حدثت به أنفسنا فنزل قوله «آمن الرسول» إلى قوله «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» فتعلق ذلك بالكسب دون العزم . وفي بعضها أنها نسخت بهذه الآية ، والمحققون على أن النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } برفعهما : شامي وعاصم أي فهو يغفر ويعذب ، ويجزمهما : غيرهم عطفاً على جواب الشرط ، وبالإدغام : أبو عمرو ، وكذا في الإشارة والبشارة . وقال صاحب الكشاف : مدغم الراء في اللام لاحن مخطىء ، لأن الراء حرف مكرر فيصير بمنزلة المضاعف ، ولا يجوز إدغام المضاعف ، ورواية عن أبي عمر مخطىء مرتين لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم { والله على كُلِّ شَىْءٍ } من المغفرة والتعذيب وغيرهما { قَدِيرٌ } قادر . { ءَامَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون } إن عطف «المؤمنون» على «الرسول» كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في { كُلٌّ } راجعاً إلى «الرسول» «والمؤمنون» أي كلهم { ءَامَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } ووقف عليه ، وإن كان مبتدأ كان عليه «كل» مبتدأ ثانياً والتقدير كل منهم و«آمن» خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول ، وكان الضمير للمؤمنين ووحد ضمير «كل» في «آمن» على معنى كل واحد منهم آمن . و«كتابه» : حمزة وعلي يعني القرآن أو الجنس { لاَ نُفَرِّقُ } أي يقولون لا نفرق بل نؤمن بالكل { بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } «أحد» في معنى الجمع ولذا دخل عليه «بين» وهو لا يدخل إلا على اسم يدل على أكثر من واحد . تقول المال بين القوم ولا تقول المال بين زيد . { وَقَالُواْ سَمِعْنَا } أجبنا قولك { وَأَطَعْنَا } أمرك { غُفْرَانَكَ } أي اغفر لنا غفرانك فهو منصوب بفعل مضمر { رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } المرجع ، وفيه إقرار بالبعث والجزاء .","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"والآية تدل على بطلان الاستثناء في الإيمان وعلى بقاء الإيمان لمرتكب الكبائر .\r{ لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا } محكي عنهم أو مستأنف { إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا طاقتها وقدرتها لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر عليه المكلف ، كذا في شرح التأويلات . وقال صاحب الكشاف : الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود ، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر ، وخص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الافتعال للانكماش والنفس تنكمش في الشر وتتكلف للخير { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا } تركنا أمراً من أوامرك سهواً { أَوْ أَخْطَأْنَا } ودل هذا على جواز المؤاخذة في النسيان والخطأ خلافاً للمعتزلة لإمكان التحرز عنهما في الجملة ولولا جواز المؤاخذة بهما لم يكن للسؤال معنى { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } عبأ يأصر حامله أي يحبسه مكانه لثقله استعير للتكليف الشاق من نحو قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } كاليهود { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } من العقوبات النازلة بمن قبلنا { واعف عَنَّا } امح سيئاتنا { واغفر لَنَا } واستر ذنوبنا وليس بتكرار فالأول للكبائر والثاني للصغائر { وارحمنا } بتثقيل ميزاننا مع إفلاسنا ، والأول من المسخ والثاني من الخسف والثالث من الغرق { أَنتَ مولانا } سيدنا ونحن عبيدك أو ناصرنا أو متولي أمورنا { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } فمن حق المولى أن ينصر عبيده في الحديث « من قرأ آمن الرسول إلى آخره في ليلة كفتاه » وفيه « من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل » ويجوز أن يقال : قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة لما روي عن علي Bه : خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش . وقال بعضهم : يكره ذلك بل يقال قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة ، والله أعلم .","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"{ الم * الله } حركت الميم لالتقاء الساكنين أعني سكونها وسكون لام «الله» وفتحت لخفة الفتحة ، ولم تكسر للياء وكسر الميم قبلها تحامياً عن توالي الكسرات ، وليس فتح الميم لسكونها وسكون ياء قبلها إذ لو كان كذلك لوجب فتحها في «حم» . ولا يصح أن يقال : إن فتح الميم هو فتحة همزة «الله» نقلت إلى الميم لأن تلك الهمزة همزة وصل تسقط في الدرج وتسقط معها حركتها ، ولو جاز نقل حركتها لجاز إثباتها وإثباتها غير جائز . وأسكن يزيد والأعشى الميم وقطعا الألف ، والباقون بوصل الألف وفتح الميم و«الله» مبتدأ { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } خبره وخبر «لا» مضمر والتقدير : لا إله في الوجود إلا هو ، «وهو» في موضع الرفع بدل من موضع «لا» ، واسمه { الحي القيوم } خبر مبتدأ محذوف أي هو الحي ، أو بدل من «هو» و«القيوم» فيعول من قام وهو القائم بالقسط والقائم على كل نفس بما كسبت { نَزَّلَ } أي هو نزل { عَلَيْكَ الكتاب } القرآن { بالحق } حال أي نزله حقاً ثابتاً { مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } لما قبله { وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل } هما اسمان أعجميان وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ، ووزنهما بتفعلة وافعيل إنما يصح بعد كونهما عربيين . وإنما قيل «نزل الكتاب» و«أنزل التوراة والإنجيل» لأن القرآن نزل منجماً ونزل الكتابان جملة { مِن قَبْلُ } من قبل القرآن { هُدًى لّلنَّاسِ } لقوم موسى وعيسى أو لجميع الناس { وَأَنزَلَ الفرقان } أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل ، أو الزبور ، أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له تفخيماً لشأنه { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله } من كتبه المنزلة وغيرها { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام } ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها منتقم { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء } أي في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه { هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاءُ } من الصور المختلفة { لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره . روي أنه لما قدم وفد بني نجران وهم ستون راكباً . أميرهم العاقب وعمدتهم السيد وأسقفهم وحبرهم أبو حارثة خاصموا في أن عيسى إن لم يكن ولداً لله فمن أبوه؟ فقال عليه السلام : \" ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ \" قالوا : بلى . قال : \" ألم تعلموا أن الله تعالى حي لا يموت وعيسى يموت ، وأن ربنا قيم على العباد يحفظهم ويرزقهم وعيسى لا يقدر على ذلك ، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وعيسى لا يعلم إلا ما علم ، وإنه صور عيسى في الرحم كيف شاء فحملته أمه ووضعته وأرضعته ، وكان يأكل ويحدث وربنا منزه عن ذلك كله \"","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"فانقطعوا فنزل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية .\r{ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } القرآن { مِنْهُ } من الكتاب { آيات محكمات } أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه { هُنَّ أُمُّ الكتاب } أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها { وَأُخَّرُ } وآيات أخر { متشابهات } مشتبهات محتملات . مثال ذلك { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء ، ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } [ الشورى : 11 ] أو المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله نحو قوله : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } [ الأنعام : 151 ] الآيات ، { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } [ الأسراء : 23 ] . الآيات . والمتشابه ما وراءه أو ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً ، وما احتمل أوجهاً ، أو ما يعلم تأويله وما لا يعلم تأويله ، أو الناسخ الذي يعمل به والمنسوخ الذي لا يعمل به . وإنما لم يكن كل القرآن محكماً لما في المتشابه من الابتلاء به والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم والقرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله تعالى . { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } ميل عن الحق وهم أهل البدع { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه } فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق { مِنْهُ ابتغاء الفتنة } طلب أن يفتتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله } أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله { والراسخون فِي العلم } والذين رسخوا أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع مستأنف عند الجمهور ، والوقف عندهم على قوله «إلا الله» وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه ، وهو مبتدأ عندهم والخبر يقولون «آمنّا به» وهو ثناء منه تعالى عليهم بالإيمان على التسليم واعتقاد الحقية بلا تكييف ، وفائدة إنزال المتشابه الإيمان به ، واعتقاد حقية ما أراد الله به ، ومعرفة قصور أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يجعل لهم إليه سبيلاً ، ويعضده قراءة أبي «ويقول الراسخون» وعبد الله «إن تأويله إلا عند الله» . ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه و«يقولون» كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب { كُلٌّ } من متشابهه ومحكمه { مِّنْ عِندِ رَبّنَا } من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه { وَمَا يَذَّكَّرُ } وما يتعظ وأصله يتذكر { إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } أصحاب العقول ، وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل . وقيل : «يقولون» حال من الراسخين .","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } لا تملها عن الحق بخلق الميل في القلوب { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } للعمل بالمحكم والتسليم للمتشابه { وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } من عندك نعمة بالتوفيق والتثبيت { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } كثير الهبة ، والآية من مقول الراسخين ويحتمل الاستئناف أي قولوها وكذلك التي بعدها وهي { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ } أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم { لاَ رَيْبَ فِيهِ } لا شك في وقوعه { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } الموعد . والمعنى أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك «إن الجواد لا يخيب سائله» أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } برسول الله { لَن تُغْنِيَ } تنفع أو تدفع { عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله } من عذابه { شَيْئاً } من الأشياء { وأولئك هُمْ وَقُودُ النار } حطبها { كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ } الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله . والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم ، أو منصوب المحل ب « لن تغني أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك . «كداب» بلا همز حيث كان : أبو عمرو . { كَذَّبُواْ بئاياتنا } تفسير لدأبهم مما فعلوا ، أو فعل بهم على أنه جواب سؤال مقدر عن حالهم ، ويجوز أن يكون حالاً أي قد كذبوا { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } بسبب ذنوبهم يقال أخذته بكذا أي جازيته عليه { والله شَدِيدُ العقاب } شديد عقابه فالإضافة غير محضة { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } هم مشركو مكة { سَتُغْلَبُونَ } يوم بدر { وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ } من الجهنام وهي بئر عميقة . وبالياء فيهما : حمزة وعلي { وَبِئْسَ المهاد } المستقر جهنم .\r{ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ } الخطاب لمشركي قريش { فِي فِئَتَيْنِ التقتا } يوم بدر { فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله } وهم المؤمنون { وأخرى } وفئة أخرى { كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين ، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم . «ترونهم» نافع أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة ، أو مثلي أنفسهم . ولا يناقض هذا ما قال في سورة الأنفال { وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ } [ الأنفال : 44 ] لأنهم قللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم ، فلما اجتمعوا كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ }","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"[ الرحمن : 39 ] . { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْؤولُونَ } [ الصافات : 24 ] . وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية . و«مثليهم» نصب على الحال لأنه من رؤية العين بدليل قوله { رَأْيَ العين } يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ } كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في أعين العدو { إِنَّ فِي ذَلِكَ } في تكثير القليل { لَعِبْرَةً } لعظة { لأُوْلِي الأبصار } لذوي البصائر .\r{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ } المزين هو الله عند الجمهور للابتلاء كقوله : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } [ الكهف : 7 ] . دليله قراءة مجاهد «زين للناس» على تسمية الفاعل . وعن الحسن : الشيطان { حُبُّ الشهوات } الشهوة توقان النفس إلى الشيء ، جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة ، أو كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء ، مذموم من اتبعها ، شاهد على نفسه بالبهيمية { مِّنَ النساء } والإماء داخلة فيها { والبنين } جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث ، وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع { والقناطير } جمع قنطار وهو المال الكثير . قيل : ملء مسك ثور أو مائة ألف دينار ، ولقد جاء الإسلام وبمكة مائة رجل قد قنطروا { المقنطرة } المنضدة أو المدفونة { مِنَ الذهب والفضة } سمي ذهباً لسرعة ذهابه بالإنفاق ، وفضة لأنها تتفرق بالإنفاق والفض التفريق { والخيل } سميت به لاختيالها في مشيها { المسومة } المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها { والأنعام } هي الأزواج الثمانية { والحرث } الزرع { ذلك } المذكور { مَّتَاعُ الحياة الدنيا } يتمتع به في الدنيا { والله عِندَهُ حُسْنُ المأب } المرجع .\rثم زهدهم في الدنيا فقال { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } من الذي تقدم { لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات } كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم ، ف «جَنات» مبتدأ «لَلذين اتقوا» خبره { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } صفة ل «جنات» ، ويجوز أن يتعلق اللام ب «خير» واختص المتقين لأنهم هم المنتفعون به . ويرتفع «جنات» على هو جنات وتنصره قراءة من قرأ «جناتٍ» بالجر على البدل من «خير» { خالدين فِيهَا وأزواج مُّطَهَّرَةٌ ورضوان مّنَ الله } أي رضا الله { والله بَصِيرٌ بالعباد } عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذا أعد لهم الجنات .\r{ الذين يَقُولُونَ } نصب على المدح أو رفع أو جر صفة للمتقين أو للعباد { رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا } إجابة لدعوتك { فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } إنجازاً لوعدك { وَقِنَا عَذَابَ النار } بفضلك { الصابرين } على الطاعات والمصائب وهو نصب على المدح { والصادقين } قولاً بإخبار الحق ، وفعلاً بإحكام العمل ، ونية بإمضاء العزم { والقانتين } الداعين أو المطيعين { والمنفقين } المتصدقين { والمستغفرين بالأسحار } المصلين أو طالبين المغفرة ، وخص الأسحار لأنه وقت إجابة الدعاء ، ولأنه وقت الخلوة .","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"قال لقمان لابنه : يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم . والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها ، وللإشعار بأن كل صفة مستقلة بالمدح .\r{ شَهِدَ الله } أي حكم أو قال { أَنَّهُ } أي بأنه { لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة } بما عاينوا من عظيم قدرته { وَأُوْلُواْ العلم } أي الأنبياء والعلماء { قَائِمَاً بالقسط } مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ويثيب ويعاقب ، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم . وانتصابه على أنه حال مؤكدة من اسم الله تعالى أو من «هو» ، وإنما جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه ولو قلت «جاء زيد وعمرو راكباً» لم يجز لعدم الإلباس فإنك لو قلت «جاءني زيد وهند راكبا» جاز لتميزه بالذكورة أو على المدح . وكرر { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } للتأكيد { العزيز الحكيم } رفع على الاستئناف أي هو العزيز وليس بوصف ل «هو» لأن الضمير لا يوصف يعني أنه العزيز الذي لا يغالب ، الحكيم الذي لا يعدل عن الحق { إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } جملة مستأنفة . وقرىء أن الدين على البدل من قوله أنه لا إله إلا هو أي شهد الله أن الدين عند الله الإسلام . قال عليه السلام \" من قرأ الآية عند منامه خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة ، ومن قال بعدها : وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة يقول الله تعالى يوم القيامة : إن لعبدي عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة \" { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب } أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد فثلثت النصارى وقالت اليهود عزير بن الله { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } أنه الحق الذي لا محيد عنه { بَغْياً بَيْنَهُمْ } أي ما كان ذلك الاختلاف إلا حسداً بينهم وطلباً منهم للرياسة وحظوظ الدنيا واستتباع كل فريق ناساً لا شبهة في الإسلام . وقيل : هو اختلافهم في نبوة محمد E حيث آمن به بعض وكفر به بعض . وقيل : هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله { وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله } بحججه ودلائله { فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } سريع المجازاة { فَإنْ حَاجُّوكَ } فإن جادلوك في أن دين الله الإسلام والمراد بهم وفد بني نجران عند الجمهور { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ } أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعو إلهاً معه ، يعني أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه ونحوه :","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"{ قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } [ آل عمران : 64 ] . فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو اليقين الذي لا شك فيه فما معنى المحاجة فيه! { وَمَنِ اتبعن } عطف على التاء في «أسلمت» أي أسلمت أنا ومن أتبعني وحسن للفاصل ، ويجوز أن يكون الواو بمعنى «مع» فيكون مفعولاً معه . «ومن اتبعني» في الحالين : سهل ويعقوب وافق أبو عمرو في الوصل . «وجهي» : مدني وشامي وحفص والأعشى والبرجمي . { وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب } من اليهود والنصارى { والأميين } والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب { ءَأَسْلَمْتُمْ } بهمزتين : كوفي ، يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يقتضي حصول الإسلام فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وقيل : لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الأمر أي أسلموا كقوله { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 91 ] أي انتهوا { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا } فقد أصابوا الرشد حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى { وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } أي لم يضروك فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى { والله بَصِيرٌ بالعباد } فيجازيهم على إسلامهم وكفرهم .","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"{ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين } هم أهل الكتاب رضوا بقتل آبائهم الأنبياء { بِغَيْرِ حَقّ } حال مؤكدة لأن قتل النبي لا يكون حقاً { وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ } «ويقاتلون» : حمزة { بالقسط } بالعدل { مِنَ الناس } أي سوى الأنبياء . قال عليه السلام \" قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم \" { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } دخلت الفاء في خبر «إن» لتضمن اسمها معنى الجزاء كأنه قيل : الذين يكفرون فبشرهم بعذاب أليم بمعنى من يكفر فبشرهم ، وهذا لأن «إن» لا تغير معنى الابتداء فهي للتحقيق فكأن دخولها كلا دخول ولو كان مكانها «ليت» أو «لعل» لامتنع دخول الفاء { أولئك الذين حَبِطَتْ أعمالهم } أي ضاعت { فِي الدنيا والآخرة } فلهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } جمع لوقف رؤوس الآي وإلا فالواحد النكرة في النفي يعم .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة . «ومن» للتبعيض أو للبيان { يُدْعُونَ } حال من «الذين» { إلى كتاب الله } أي التوراة أو القرآن { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } جعل حاكماً حيث كان سبباً للحكم أو ليحكم النبي . روي أنه عليه السلام دخل مدراسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت؟ قال النبي عليه السلام : \" على ملة إبراهيم \" قالا : إن إبراهيم كان يهودياً . قال لهما : إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها فأبيا { ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ } استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب { وَهُم مُّعْرِضُونَ } وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات } أي ذلك التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل وهي أربعون يوماً أو سبعة أيام و«ذلك» مبتدأ «وبأنهم» خبره { وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي غرهم افتراؤهم على الله وهو قولهم «نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا بذنوبنا إلا مدة يسيرة» .\r{ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ } فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت { لاَ رَيْبَ فِيهِ } لا شك فيه { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } جزاء ما كسبت { وَهُمْ } يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس { لاَ يُظْلَمُونَ } بزيادة في سيئاتهم ونقصان في حسناتهم .","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"{ قُلِ اللهم } الميم عوض من «يا» ولذا لا يجتمعان ، وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه ، وفيه لام التعريف وبقطع همزته في «يا الله» وبالتفخيم { مالك الملك } تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون وهو نداء ثانٍ أي يا مالك الملك { تُؤْتِي الملك مَن تَشَاءُ } تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك { وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ } أي تنزعه فالملك الأول عام والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل . \" روي أنه عليه السلام حين فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقالت اليهود والمنافقون : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك \" فنزلت { وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ } بالملك { وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } بنزعه منه { بِيَدِكَ الخير } أي الخير والشر فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر ، أو لأن الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال : بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعداءك { إِنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك . وقيل : المراد بالملك ملك العافية أو ملك القناعة . قال عليه السلام \" ملوك الجنة من أمتي القانعون بالقوت يوماً فيوماً \" أو ملك قيام الليل . وعن الشبلي : الاستغناء بالمكون عن الكونين تعز بالمعرفة أو بالاستغناء بالمكون أو بالقناعة وتذل بأضدادها . ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما ، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر ، وعطف عليه رزقه بغير حساب بقوله { تُولِجُ اليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي اليل } فالإيلاج إدخال الشيء في الشيء وهو مجاز هنا أي تنقص من ساعات الليل وتزيد في النهار ، وتنقص من ساعات النهار وتزيد في الليل { وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } الحيوان من النطفة ، أو الفرخ من البيضة ، أو المؤمن من الكافر { وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } النطفة من الإنسان ، أو البيض من الدجاج ، أو الكافر من المؤمن { وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } لا يعرف الخلق عدده ومقداره وإن كان معلوماً عنده ، ليدل على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم . وفي بعض الكتب : أنا الله ملك الملوك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة ، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم . وهو معنى قولهم عليه السلام \" كما تكونوا يولى عليكم الحي من الميت والميت من الحي \"","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"بالتشديد حيث كان : مدني وكوفي غير أبي بكر .\r{ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاءَ } نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو لصداقة قبل الإسلام أو غير ذلك ، وقد كرر ذلك في القرآن والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان . { مِن دُونِ المؤمنين } يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ } أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة } إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة { وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } أي ذاته فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد { وإلى الله المصير } أي مصيركم إليه والعذاب معد لديه وهو وعيد آخر .\r{ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله { يَعْلَمْهُ الله } ولم يخف عليه وهو أبلغ وعيد { وَيَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } استئناف وليس بمعطوف على جواب الشرط أي هو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض فلا يخفى عليه سركم وعلنكم { والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيكون قادراً على عقوبتكم { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بعيداً } «يوم» منصوب ب «تود» والضمير في «بينه» لليوم أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين ، تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً أي مسافة بعيدة ، أو ب «اذكر» ويقع «تجد» على «ما عملت» وحده ويرتفع «وما عملت» على الابتداء و«تود» خبره أي والذي عملته من سوء تود هي لو تباعد ما بينها وبينه ، ولا يصح أن تكون «ما» شرطية لارتفاع «تود» ، نعم الرفع جائز إذا كان الشرط ماضياً لكن الجزم هو الكثير . وعن المبرد أن الرفع شاذ . وكرر قوله { وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه { والله رَءُوفٌ بالعباد } ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه حتى لا يتعرضوا لسخطه ، ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لكمال قدرته مرجو لسعة رحمته كقوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } [ فصلت : 43 ] . ونزل حين قال اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه . { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله } محبة العبد لله إيثار طاعته على غير ذلك ، ومحبة الله العبد أن يرضى عنه ويحمد فعله . وعن الحسن : زعم أقوام على عهد رسول الله A أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل ، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه .","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"وقيل : محبة الله معرفته ودوام خشيته ودوام اشتغال القلب به وبذكره ودوام الأنس به . وقيل : هي اتباع النبي عليه السلام في أقواله وأفعاله وأحواله إلا ما خص به . وقيل : علامة المحبة أن يكون دائم التفكير ، كثير الخلوة ، دائم الصمت ، لا يبصر إذا نظر ، ولا يسمع إذا نودي ، ولا يحزن إذا أصيب ، ولا يفرح إذا أصاب ، ولا يخشى أحداً ولا يرجوه { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } قيل : هي علامة المحبة { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن قبول الطاعة ، ويحتمل أن يكون مضارعاً أي فإن تتولوا { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } أي لا يحبهم .\r{ إِنَّ الله اصطفى } اختار { ءَادَمَ } أبا البشر { وَنُوحاً } شيخ المرسلين { وآلَ إبراهيم } إسماعيل وإسحاق وأولادهما { وآل عمران } موسى وهارون هما ابنا عمران بن يصهر . وقيل : عيسى ومريم بنت عمران ابن ماثان وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة { عَلَى العالمين } على عالمي زمانهم { ذُرِّيَّةَ } بدل من «آل إبراهيم وآل عمران» { بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } مبتدأ وخبره في موضع النصب صفة ل «ذرية» يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض : موسى وهارون من عمران ، وعمران من يصهر ، ويصهر من قاهث ، وقاهث من لاوي ، ولاوي من يعقوب ، ويعقوب من إسحاق ، وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان وهو يتصل بيهودا بن يعقوب بن إسحاق ، وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله A . وقيل : بعضها من بعض في الدين { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعلم من يصلح للإصطفاء ، أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها { إِذْ قَالَتِ } «وإذ» منصوب به أو بإضمار «اذكر» . { امرأت عمران } هي امرأة عمران بن ماثان أم مريم جدة عيسى وهي حنة بنت فاقوذا { رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ } أوجبت { مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } هو حال من «ما» وهي بمعنى الذي أي معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه ، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم أو مخلصاً للعبادة يقال «طين حر» أي خالص { فَتَقَبَّلْ مِنّي } «منّي» مدني وأبو عمر ، والتقبل : أخذ الشيء على الرضا به { إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } الضمير ل «ما في بطني» وإنما أنّث على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة { قَالَتْ رَبِّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى } «أنثى» حال من الضمير في «وضعتها» أي وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى ، وإنما قالت هذا القول لأن التحرير لم يكن إلا للغلمان فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربها ولتكلمها بذلك على وجه التحزن والتحسر قال الله { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } تعظيماً لموضوعها أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عزائم الأمور .","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"«وضعتُ» : شامي وأبو بكر بمعنى ولعل لله فيه سراً وحكمة ، وعلى هذا يكون داخلاً في القول . وعلى الأول يوقف عند قوله «أنثى» وقوله : «والله أعلم بما وضعت» . ابتداء إخبار من الله تعالى { وَلَيْسَ الذكر } الذي طلبت { كالأنثى } التي وهبت لها واللام فيهما للعهد { وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } معطوف على «إني وضعتها أنثى» وما بينهما جملتان معترضتان . وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة ، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها وأن يصدق فيها ظنها بها ، ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان بقوله { وَإِنّي } «وإنّي» مدني { أُعِيذُهَا بِكَ } أجيرها { وَذُرِّيَّتَهَا } أولادها { مِنَ الشيطان الرجيم } الملعون في الحديث \" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها \" { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا } قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر { بِقَبُولٍ حَسَنٍ } قيل : القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط لما يسعط به وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل قبلها أنثى في ذلك ، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة . روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم فقال لهم زكريا : أنا أحق بها ، عندي أختها . فقالوا : لا حتى نقترع عليها . فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها . وقيل : هو مصدر على تقدير حذف المضاف أي فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } مجاز عن التربية الحسنة ، قال ابن عطاء : ما كانت ثمرته مثل عيسى فذاك أحسن النبات . «ونباتاً» مصدر على خلاف الصدر أو التصدير فنبتت نباتاً { وَكَفَّلَهَا } «وكفلها» : قبلها أو ضمن القيام بأمرها . وكفّلها : كوفي أي كفلها الله زكريا يعني جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها { زَكَرِيَّا } بالقصر : كوفي غير أبي بكر في كل القرآن . وقرأ أبو بكر بالمد والنصب هنا . غيرهم بالمد والرفع كالثانية والثالثة ومعناه في العبري : دائم الذكر والتسبيح { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب } قيل : بنى لها زكريا محراباً في المسجد أي غرفة تصعد إليها بسلم .","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وقيل : المحراب أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس . وقيل : كانت مساجدهم تسمى المحاريب وكان لا يدخل عليها إلا هو وحده { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثدياً قط فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء { قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا } من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه؟ { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } فلا تستبعد . قيل : تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد { إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ } من جملة كلام مريم أو من كلام رب العالمين { بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير لكثرته أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل .\r{ هُنَالِكَ } في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت فقد يستعار «هنا» و «حيث» و «ثم» للزمان . لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمها حنة في الكرامة على الله ، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أمها كذلك . وقيل : لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر { دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً } ولداً والذرية يقع على الواحد والجمع { طَيِّبَةً } مباركة والتأنيث للفظ الذرية { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء } مجيبه { فَنَادَتْهُ الملئكة } قيل : ناداه جبريل عليه السلام . وإنما قيل «الملائكة» لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس كقولهم «فلان يركب الخيل» . «فناديه» بالياء والإمالة : حمزة وعلي { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي المحراب } وفيه دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات ، وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات . وقال ابن عطاء : ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب { إِنَّ الله } بكسر الألف : شامي وحمزة وعلى إضمار القول ، أو لأن النداء قول . الباقون : بالفتح أي بأن الله { يُبَشّرُكَ } «يبشرك» وما بعده : حمزة وعلي من بشره والتخفيف والتشديد لغتان { بيحيى } هو غير منصرف إن كان عجمياً وهو الظاهر فللتعريف والعجمة كموسى وعيسى ، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل ك «يعمر» { مُصَدِّقاً } حال منه { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } أي مصدقاً بعيسى مؤمناً به فهو أول من آمن به . وسمي عيسى كلمة الله لأن تكون ب «كن» بلا أب ، أو مصدقاً بكلمة من الله مؤمناً بكتاب منه { وَسَيّدًا } هو الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف ، وكان يحيى فائقاً على قومه لأنه لم يركب سيئة قط ويا لها من سيادة . وقال الجنيد : هو الذي جاد بالكونين عوضاً عن المكون { وَحَصُورًا } هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات { وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين } ناشئاً من الصالحين لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين { قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غلام } استبعاد من حيث العادة واستعظام للقدرة لا تشكك { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } كقولهم «أدركته السن العالية» أي أثر فيَّ الكبر وأضعفني وكان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون { وامرأتي عَاقِرٌ } لم تلد { قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الأفعال العجيبة .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"{ قَالَ رَبِّ اجعل لِّي } «لِي» مدني وأبو عمرو { ءَايَةً } علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة بالشكر إذا جاءت { قَالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ الناس } أي لا تقدر على تكليم الناس { ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } إلا إشارة بيد أو رأس أوعين أو حاجب وأصله التحرك ، يقال ارتمز إذا تحرك . واستثنى الرمز وهو ليس من جنس الكلام لأنه لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً ، أو هو استثناء منقطع . وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة عن تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذا قال { واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشي والإبكار } أي في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة والأدلة الظاهرة ، وإنما حبس لسانه عن كلام الناس ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر ، وأحسن الجواب ما كان منتزعاً من السؤال . والعشي من حين الزوال إلى الغروب ، والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى .\r{ وَإِذْ } عطف على «إذ قالت امرأة عمران» أو التقدير واذكر إذا { قَالَتِ الملئكة يامريم } روي أنهم كلموها شفاها { إِنَّ الله اصطفاك } أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية { وَطَهَّرَكِ } مما يستقذر من الأفعال { واصطفاك } آخراً { على نِسَاء العالمين } بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء { يامريم اقنتي لِرَبِّكِ } أديمي الطاعة أو أطيلي قيام الصلاة { واسجدي } وقيل : أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة ، ثم قيل لها { واركعي مَعَ الركعين } أي ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة ، أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم { ذلك } إشارة إلى ما سبق من قصة حنة وزكريا ويحيى ومريم { مِنْ أَنبَاءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ } يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم } أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين ، أو هي الأقلام التي كانوا يكتبون التوراة بها اختاروها للقرعة تبركاً بها { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف دل عليه «يلقون» كأنه قيل : يلقونها ينظرون أيهم يَكفل مريم أو ليعلموا أو يقولون { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً في التكفل بها { إِذْ قَالَتِ الملائكة } أي اذكر { يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ } أي بعيسى { مِّنْهُ } في موضع جر صفة لكلمة { اسمه } مبتدأ وذكر ضمير الكلمة لأن المسمى بها مذكر { المسيح } خبره والجملة في موضع جر صفة ل «كلمة» .","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله «مشيحاً» بالعبرانية ومعناه المبارك كقوله : { وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ } [ مريم : 31 ] . وقيل : سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ ، أو لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة لا يستوطن مكاناً { عِيسَى } بدل من المسيح { ابن مَرْيَمَ } خبر مبتدأ محذوف أي هو ابن مريم ، ولا يجوز أن يكون صفة لعيسى لأن اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى ابن مريم . وإنما قال «ابن مريم» إعلاماً لها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه «وَجِيهاً» ذا جاه وقدر «في الدُّنيا» بالنبوة والطاعة { والآخرة } بعلو الدرجة والشفاعة { وَمِنَ المقربين } برفعه إلى السماء ، وقوله «وجيهاً» حال من «كلمة» لكونها موصوفة وكذا «ومن المقربين» أي وثابتاً من المقربين ، وكذا «ويكَلِّمُ النّاسَ» أي ومكلماً الناس في المهد حال من الضمير في «يكلم» أي ثابتاً في المهد وهو ما يمهد للصبي من مضجعه سمي بالمصدر { وَكَهْلاً } عطف عليه أي ويكلم الناس طفلاً وكهلاً أي يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحالة الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء { وَمِنَ الصالحين } حال أيضاً والتقدير يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات .\r{ قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يقول له كن فيكون } أي إذا قدر تكون شيء كونه من غير تأخير لكنه عبر بقوله «كن» إخباراً عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه { وَيُعَلِّمُهُ } مدني وعاصم وموضعه حال معطوفة على «وجيهاً» . الباقون : بالنون على أنه كلام مبتدأ { الكتابَ } أي الكتابة وكان أحسن الناس خطاً في زمانه . وقيل : كتب الله { والحكمَةَ } بيان الحلال والحرام أو الكتاب الخط باليد . والحكمة : البيان باللسان { والتوراة والإنجيل * وَرَسُولاً } أي ونجعله رسولاً أو يكون في موضع الحال أي وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولاً { إلى بَنِي إسراءيل أَنّي } بأني { قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } بدلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة { أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ } نصب بدل من «أني قد جئتكم» أو جر بدل من «آية» أو رفع على «هي أني أخلق لكم» . «ِإنِّيَ» : نافع على الاستئناف { مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير { فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير { فَيَكُونُ طَيْرًا } فيصير طيراً كسائر الطيور . «طائراً» : مدني { بِإِذُنِ الله } بأمره . قيل : لم يخلق شيئاً غير الخفاش { وَأُبْرِىءُ الأكمه } الذي ولد أعمى { والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله } كرر «بإذن الله» دفعاً لو هم من يتوهم فيه اللاهوتية .","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"روي أنه أحيا سام بن نوح عليه السلام وهم ينظرون إليه فقالوا : هذا سحر مبين فأرنا آية فقال : يا فلان أكلت كذا ويا فلان خبىء لك كذا وهو قوله { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } و«ما» فيهما بمعنى «الذي» ، أو مصدرية { إِنَّ فِي ذَلِكَ } فيما سبق { لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } أي قد جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } رد على قوله «بآية من ربكم» أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم . وما حرم الله عليهم في شريعة موسى عليه السلام الشحوم ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر فأحل لهم عيسى بعض ذلك { وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } كرر للتأكيد { فاتقوا الله } في تكذيبي وخلافي { وَأَطِيعُونِ } في أمري { إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى { فاعبدوه } دوني { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم .\r{ فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } علم من اليهود كفراً علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس { قَالَ مَنْ أَنصَارِي } «أنصاري» مدني وهو جمع ناصر كأصحاب أو جمع نصير كأشراف { إِلَى الله } يتعلق بمحذوف حال من الياء أي من أنصاري ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه { قَالَ الحواريون } حواريّ الرجل صفوته وخاصته { نَحْنُ أَنْصَارُ الله } أعوان دينه { آمنا بالله واشهد } يا عيسى { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم ، وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد { رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ واتبعنا الرسول } أي رسولك عيسى { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم ، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية ، أو مع أمة محمد عليه السلام لأنهم شهداء على الناس { وَمَكَرُواْ } أي كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه { وَمَكَرَ الله } أي جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل ، ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء ، لأنه مذموم عند الخلق وعلى هذا الخداع والاستهزاء كذا في شرح التأويلات . { والله خَيْرُ الماكرين } أقوى المجازين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب { إِذْ قَالَ الله } ظرف لمكر الله { ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي مستوفي أجلك ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم { وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } إلى سمائي ومقر ملائكتي { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } من سوء جوارهم وخبث صحبتهم .","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"وقيل : متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته ، أو مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن ، إذ الواو لا توجب الترتيب . قال النبي عليه السلام « ينزل عيسى خليفة على أمتي يدق الصليب ويقتل الخنازير ويلبث أربعين سنة ، ويتزوج ويولد له ثم يتوفى وكيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي وفي وسطها » أو متوفي نفسك بالنوم ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب { وَجَاعِلُ الذين اتبعوك } أي المسلمين لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى { فَوْقَ الذين كَفَرُواْ } بك { إلى يَوْمِ القيامة } يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } في الآخرة { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين * وَأَمَّا الذين ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } وتفسير الحكم هاتان الآيتان فيوفيهم حفص .","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"{ ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ { نَتْلُوهُ عَلَيْكَ } خبره { مِنَ الأيات } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف { والذكر الحكيم } القرآن يعني المحكم ، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه . ونزل لما قال وفد بني نجران هل رأيت ولداً بلا أب . { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ } أي إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم عليه السلام { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } قدره جسداً من طين وهي جملة مفسرة لحالة شبه عيسى بآدم ولا موضع لها أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم ، فكذلك حال عيسى مع أن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب ، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه ، وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم : لم تعبدون عيسى؟ قالوا : لأنه لا أب له قال : فآدم أولى لأنه لا أبوين له . قالوا : كان يحيي الموتى . قال : فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وحزقيل ثمانية آلاف . فقالوا : كان يبرىء الأكمه والأبرص . قال : فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } أي أنشأه بشراً { فَيَكُونُ } أي فكان وهو حكاية حال ماضية ، و «ثم» لترتيب الخبر على الخبر لا لترتيب المخبر عنه { الحق مِن رَّبّكَ } خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق { فَلاَ تَكُن } أيها السامع { مِنَ الممترين } الشاكين . ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي A ويكون من باب التهييج لزيادة الثبات لأنه عليه السلام معصوم من الامتراء { فَمَنْ حَاجَّكَ } من النصارى { فِيهِ } في عيسى { مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } من البينات الموجبة للعلم و«ما» بمعنى «الذي» { فَقُلْ تَعَالَوْاْ } هلموا والمراد المجيء بالعزم والرأي كما تقول : تعالى نفكر في هذه المسألة { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } ثم نتباهل بأن نقول «بهلة الله على الكاذب منا ومنكم» . والبهلة بالفتح والضم اللعنة ، وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته ، وأصل الابتهال هذا ثم يستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً . روي أنه عليه السلام لما دعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى ننظر . فقال العاقب . وكان ذا رأيهم - والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل وما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لتهلكن ، فإن أبيتم إلا ألف دينكم فودعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم .","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"فأتوا رسول الله A وقد غدا محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول : \" إذا أنا دعوت فأمنوا \" فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك فصالحهم النبي على ألفي حلة كل سنة فقال عليه السلام \" والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير \" وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه لأن ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة . وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم ، وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي A لأنه لم يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك { فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين } منا ومنكم في شأن عيسى ونبتهل ونجعل معطوفان على «ندع» .\r{ إِنَّ هَذَا } الذي قص عليك من نبأ عيسى { لَهُوَ القصص الحق } هو فصل بين اسم «إن» وخبرها ، أو مبتدأ و«القصص الحق» خبره ، والجملة خبر «إن» وجاز دخول اللام على الفصل لأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ . و«من» في { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } بمنزلة البناء على الفتح في «لا إله إلا الله» في إفادة معنى الاستغراق ، والمراد الرد على النصارى في تثليثهم { وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز } في الانتقام { الحكيم } في تدبير الأحكام { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا ولم يقبلوا { فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله : { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } [ النحل : 88 ] .\r{ قُلْ ياأهل الكتاب } هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود المدينة { تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء } أي مستوية { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل . وتفسير الكلمة قوله { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } يعني تعالوا إليها حتى لا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا ، ولا نطيع أحبارنا فميا أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله .","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"وعن عدي بن حاتم : ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال \" أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم \" قال : نعم . قال : \" هو ذاك \" { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد { فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع : اعترف بأني أنا الغالب وسلم إليّ الغلبة . { ياأهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول الله A والمؤمنين فيه فقيل لهم : إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة والنصرانية بعد نزول الإنجيل وبين إبراهيم وموسى ألف سنة وبينه وبين عيسى ألفان ، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة .\r{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال .\r{ هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء } «ها» للتنبيه و«أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» خبره { حاججتم } جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى . وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم { فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } مما نطق به التوراة والإنجيل { فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم . وقيل : هؤلاء بمعنى «الذين» و«حاججتم» صلته . «ها أنتم» بالمد وغير الهمز حيث كان : مدني وأبو عمرو . { والله يَعْلَمُ } علم ما حاججتم فيه { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وأنتم جاهلون به .\rثم أعلمهم بأنه بريء من دينهم فقال { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح ، أو ما كان من المشركين كما لم يكن منهم { إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم } إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب { لَلَّذِينَ اتبعوه } في زمانه وبعده { وهذا النبي } خصوصاً خص بالذكر لخصوصيته بالفضل والمراد محمد عليه السلام { والذين ءَامَنُواْ } من أمته { والله وَلِيُّ المؤمنين } ناصرهم . { وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } هم اليهود دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهود { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم { وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك .","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"{ يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله } بالتوراة والإنجيل ، وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوة رسول الله A وغيرها { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } تعترفون بأنها آيات الله أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوة الرسول وأنتم تشهدون نعته في الكتابين ، أو تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق { ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } تخلطون الإيمان بموسى وعيسى بالكفر بمحمد A { وَتَكْتُمُونَ الحق } نعت محمد عليه السلام { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه حق { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } فيم بينهم { ءامِنُواْ بالذى أُنزِلَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ } أي القرآن { وَجْهَ النهار } ظرف أي أوله يعني أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار { واكفروا ءاخِرَهُ } واكفروا به آخره { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل المسلمين يقولون ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم .\r{ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } «ولا تؤمنوا» متعلق بقوله { أن يؤتى أحدٌ مّثل ما أوتيتم } وما بينهما اعتراض أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم ، أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } عطف على «أن يؤتى» والضمير في «يحاجوكم» لأحد لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير اتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة . ومعنى الاعتراض أن الهدى هدى الله من شاء هداه حتى أسلم أو ثبت على الإسلام كان ذلك ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين ، وكذلك قوله { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } يريد الهداية والتوفيق ، أو يتم الكلام عند قوله «إلا لمن تبع دينكم» أي ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم ، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم . ومعنى قوله «أن يؤتى» لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه لا لشيء آخر يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يأتي أحد مثل ما أوتيتم من العلم ، والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم ، ويدل عليه قراءة ابن كثير «آن» بالمد والاستفهام يعني الآن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب تحسدونهم . وقوله «أو يحاجوكم» على هذا معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أو لما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم { والله واسع } أي واسع الرحمة { عَلِيمٌ } بالمصلحة { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } بالنبوة أو بالإسلام { مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم * وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } هو عبد الله بن سلام ، استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه { وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } هو فنحاص بن عازوراء ، استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"وقال : المأمونون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم ، والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم { إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه ملازماً له . «يؤده» و«لا يؤده» بكسر الهاء مشبعة : مكي وشامي ونافع وعلي وحفص ، واختلس أبو عمرو في رواية . غيرهم : بسكون الهاء .\r{ ذلك } إشارة إلى ترك الأداء الذي دل عليه «لا يؤده» { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ } أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم «ليس علينا من الأميين سبيل» أي لا يتطرق علينا إثم وذم في شأن الأميين يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب ، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم لأنهم ليسوا على ديننا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم وكانوا يقولون لم يجعل لهم في كتابنا حرمة . وقيل : بايع اليهود رجالاً من قريش ، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا : ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } بادعائهم أن ذلك في كتابهم { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون { بلى } إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين أي بلى عليهم سبيل فيهم . وقوله { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى } جملة مسأنفة مقررة للجملة التي سدت «بلى» مسدها ، والضمير في «بعده» يرجع إلى الله تعالى أي كل من أوفى بعهد الله واتقاه { فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } أي يحبهم فوضع الظاهر موضع الضمير وعموم المتقين قام مقام الضمير الراجع من الجزاء إلى «من» ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء . قيل : نزلت في عبد الله بن سلام ونحوه من مسلمي أهل الكتاب ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى «من أوفى» أي كل من أوفى بما عاهد الله عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه . ونزل فيمن حرّف التوراة وبدل نعته عليه السلام من اليهود وأخذ الرشوة على ذلك { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ } يستبدلون { بِعَهْدِ الله } بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم { وأيمانهم } وبما حلفوا به من قولهم «والله لنؤمنن به ولننصرنه» { ثَمَناً قَلِيلاً } متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك ، وقوله «بعهد الله» يقوي رجوع الضمير في «بعهده» إلى الله { أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الآخرة } أي لا نصيب { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } بما يسرهم { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } نظر رحمة { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ولا يثني عليهم { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم .","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"{ وَإِنَّ مِنْهُمْ } من أهل الكتاب { لَفَرِيقًا } هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وغيرهم { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب } يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف ، واللّيُ الفتل وهو الصرف والمراد تحريفهم كآبة الرجم ونعت محمد A ونحو ذلك . والضمير في { لِتَحْسَبُوهُ } يرجع إلى ما دل عليه «يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب » وهو المحرف ، ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه { مّنَ الكتاب } أي التوراة { وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } وليس هو من التوراة { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } تأكيد لقوله «وما هو من الكتاب» وزيادة تشنيع عليهم { وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الكتاب } تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام . وقيل : قال رجل : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال : \" لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله \" { والحكم } والحكمة وهي السنة أو فصل القضاء { والنبوة ثُمَّ يَقُولَ } عطف على «يؤتيه» { لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ولكن كُونُواْ ربانيين } ولكن يقول : كونوا ربانيين . والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون وهو شديد التمسك بدين الله وطاعته . وحين مات ابن عباس قال ابن الحنفية : مات رباني هذه الأمة . وعن الحسن : ربانيين علماء فقهاء . وقيل : علماء معلمين . وقالوا : الرباني العالم العامل { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب } كوفي وشامي أي غيركم غيرهم بالتخفيف { وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } أي تقرأون ، والمعنى بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة ، وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل ، فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها . وقيل : معنى «تدرسون» تدرسونه على الناس كقوله { لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس } [ الإسراء : 106 ] فيكون معناه معنى تدرسون من التدريس كقراءة ابن جبير .\r{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بالنصب عطفاً على «ثم يقول» ووجهه أن تجعل «لا» مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله «ما كان لبشر» والمعنى ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم { أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } كما تقول «ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي»وبالرفع حجازي وأبو عمرو وعليّ على ابتداء الكلام ، والهمزة في { أَيَأْمُرُكُم بالكفر } للإنكار والضمير في «لا يأمركم» و«أيأمركم» للبشر أو لله .","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وقوله { بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } يدل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له .\r{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } هو على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك ، أو المراد ميثاق الأولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف . واللام في { لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ } لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف ، وفي «لتؤمنن» لام جواب القسم ، وما يجوز أن تكون متضمنة لمعنى الشرط و«لتؤمنن» ساد مسد جواب القسم والشرط جميعاً ، وأن تكون موصولة بمعنى للذي آتيتكموه لتؤمنن به { ثُمَّ جَاءكُمْ } معطوف على الصلة والعائد منه إلى ما محذوف والتقدير ثم جاءكم به { رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } للكتاب الذي معكم { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } بالرسول { وَلَتَنصُرُنَّهُ } أي الرسول وهو محمد A «لما آتيتكم» حمزة و «ما» بمعنى الذي ، أو مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم . واللام للتعليل أي أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أني آتيتكم الحكمة ، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف . «آتيناكم» : مدني { قَالَ } أي الله { أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى } أي قبلتم عهدي ، وسمي إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد { قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا } فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } وأنا معكم على ذلك من إقراركم وتشاهدكم من الشاهدين ، وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض . وقيل : قال الله للملائكة اشهدوا { فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك } الميثاق والتوكيد ونقض العهد بعد قبوله وأعرض عن الإيمان بالنبيّ الجائي { فأولئك هُمُ الفاسقون } المتمردون من الكفار .","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"{ أَفَغَيْرَ دِينِ الله } دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة ، والمعنى فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون ، ثم توسطت الهمزة بينهما . ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره : أيتولون فغير دين الله يبغون . وقدم المفعول وهو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل { يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات } الملائكة { والأرض } الإنس والجن { طَوْعاً } بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه { وَكَرْهًا } بالسيف أو بمعاينة العذاب كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون والإشفاء على الموت ، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده . وانتصب { طَوْعًا وَكَرْهًا } على الحال أي طائعين ومكرهين { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } فيجازيكم على الأعمال «يبغون» و«يرجعون» بالياء فيهما : حفص ، وبالتاء في الثاني وفتح الجيم أبو عمرو لأن الباغين هم المتولون والراجعون جميع الناس ، وبالتاء فيهما وفتح الجيم : غيرهما .\r{ قُلْ ءَامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أمر رسول الله A بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذا وحد الضمير في «قل» وجمع في «آمنا» أو أمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالاً من الله لقدر نبيه . وعدي «أنزل» هنا بحرف الاستعلاء وفي البقرة بحرف الانتهاء لوجود المعنيين ، إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر . وقال صاحب اللباب : الخطاب في البقرة للأمة لقوله { قُولُواْ } فلم يصح إلا «إلى» لأن الكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أمتهم جميعاً ، وهنا قال «قل» وهو خطاب للنبي عليه السلام دون أمته فكان اللائق به «علي» لأن الكتب منزلة عليه لا شركة للأمة فيه ، وفيه نظر لقوله تعالى : { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذى أُنزِلَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ } [ آل عمران : 72 ] { وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط } أولاد يعقوب وكان فيهم أنبياء { وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى والنبيون } كرر في البقرة و«ما أوتي» ولم يكرر هنا لتقدم ذكر الإيتاء حيث قال «لما آتيتكم» { مّن رَّبّهِمُ } من عند ربهم { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } في الإيمان كما فعلت اليهود والنصارى { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكاً في عبادتنا { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام } يعني التوحيد وإسلام الوجه لله أو غير دين محمد عليه السلام { دِينًا } تمييز { فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخرة مِنَ الخاسرين } من الذين وقعوا في الخسران ونزل في رهط أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة .\r{ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم } والواو في { وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ } للحال و «قد» مضمرة أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول أي محمداً حق ، أو للعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأن معناه بعد أن آمنوا { وَجَاءهُمُ البينات } أي الشواهد كالقرآن وسائر المعجزات { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } أي ما داموا مختارين الكفر ، أو لا يهديهم طريق الجنة إذا ماتوا كفاراً { أولئك } مبتدأ { جَزَآؤُهُمْ } مبتدأ ثانٍ خبره { أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله } وهما خبر «أولئك» أو «جزاؤهم» بدل الاشتمال من «أولئك» { والملائكة والناس أَجْمَعِينَ خالدين } حال من الهاء والميم في «عليهم» { فِيهَا } في اللعنة { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك } الكفر العظيم والارتداد { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح { فَإِنَّ الله غَفُورٌ } لكفرهم { رَّحِيمٌ } بهم .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"ونزل في اليهود { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } بعيسى والإنجيل { بَعْدَ إيمانهم } بموسى والتوراة { ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } بمحمد A والقرآن ، أو كفروا برسول الله A بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطعنهم فيه في كل وقت أو نزل في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة . وازديادهم الكفر أن قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } أي إيمانهم عند البأس لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت قال الله تعالى : { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 85 ] { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون * إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرض } الفاء في «فلن يقبل» يؤذن بأن الكلام بني على الشرط والجزاء ، وأن بسبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر ، وترك الفاء فيما تقدم يشعر بأن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب { ذَهَبًا } تمييز { وَلَوِ افتدى بِهِ } أي فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً قال عليه السلام \" يقال للكافر يوم القيامة لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول : نعم . فيقال له : لقد سئلت أيسر من ذلك \" قيل : الواو لتأكيد النفي { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } معينين دافعين للعذاب .\r{ لَن تَنَالُواْ البر } لن تبلغوا حقيقة البر أو لن تكونوا أبراراً أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه { حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثروها . وعن الحسن : كل من تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو تمرة فهو داخل في هذه الآية . قال الواسطي : الوصول إلى البر بإنفاق بعض المحاب وإلى الرب بالتخلي عن الكونين ، وقال أبو بكر الوراق : لن تناولوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم .","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب . وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها فقيل له : لم لا تتصدق بثمنها؟ قال : لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحب . { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } أي هو عليكم بكل شيء تنفقونه فيجازيكم بحسبه . و«من» الأولى للتبعيض لقراءة عبد الله «حتى تنفقوا بعض ما تحبون» والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه . ولما قالت اليهود للنبي عليه السلام : إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال عليه السلام \" كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحله \" فقالت اليهود : إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام نزل تكذيباً لهم .\r{ كُلُّ الطعام } أي المطعومات التي فيها النزاع فإن منها ما هو حرام قبل ذلك كالميتة والدم { كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } أي حلالاً وهو مصدر . يقال حل الشيء حلاً ولذا استوى في صفة المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال الله تعالى : { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ } [ الممتحنة : 10 ] { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل } أي يعقوب { على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة } وبالتخفيف مكي وبصري وهو لحوم الإبل وألبانها ، وكانا أحب الطعام إليه . والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه ، فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه { قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين } أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ماحرم عليهم تحريم حادث سبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه ، فلم يجرؤوا على إخراج التوراة وبهتوا . وفيه دليل بيّن على صدق النبي عليه السلام وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه { فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب } بزعمه أن ذلك كان محرماً في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام { مِن بَعْدِ ذلك } من بعدما لزمهم من الحجة القاطعة { فأولئك هُمُ الظالمون } المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات { قُلْ صَدَقَ الله } في إخباره أنه لم يحرم وفيه تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون { فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم } وهي ملة الإسلام التي عليها محمد عليه السلام ومن آمن معه حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم ، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه { حَنِيفاً } حال من إبراهيم أي مائلاً من الأديان الباطلة { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } .","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"ولما قالت اليهود للمسلمين : قبلتنا قبل قبلتكم نزل { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } والواضع هو الله D . ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال : إن أول متعبد للناس الكعبة وفي الحديث \" إن المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة \" قيل : أول من بناه إبراهيم . وقيل : هو أول بيت حج بعد الطوفان . وقيل : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض . وقيل : هو أول بيت بناه آدم عليه السلام في الأرض . وقوله «وضع للناس» في موضع جر صفة ل «بيت» والخبر { لَلَّذِى بِبَكَّةَ } أي للبيت الذي ببكة وهي علم للبلد الحرام . ومكة وبكة لغتان فيه . وقيل : مكة البلد وبكة موضع المسجد . وقيل : اشتقاقها من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها ، أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله . { مُبَارَكاً } كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيئات { وَهُدًى للعالمين } لأنه قبلتهم ومتعبدهم ، و«مباركاً وهدى» حالان من الضمير في وضع { فِيهِ ءايات بينات } علامات واضحات لا تلتبس على أحد { مَّقَامُ إبراهيم } عطف بيان لقوله «آيات بينات» . وصح بيان الجماعة بالواحد لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى ، ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد ، أو لاشتماله على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية ، وغوصه فيها إلى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية ، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة على أن { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً } عطف بيان ل «آيات» وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية من حيث المعنى لأنه يدل على أمن داخله فكأنه قيل : فيه آيات بينات مقام لإبراهيم وأمن داخله ، والاثنان في معنى الجمع . ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله وكثير سواهما نحو انمحاق الأحجار مع كثرة الرماة ، وامتناع الطير من العلو عليه وغير ذلك ، ونحوه في طي الذكر قوله عليه السلام \" حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة \" فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا ، والثالث مطوي وكأنه عليه السلام ترك ذكر الثالث تنبيهاً على أنه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئاً من الدنيا فذكر شيئاً هو من الدين . وقيل في سبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عليه السلام عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه .","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"وقيل : إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السلام : إِنزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل ، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه ، وأمان من دخله بدعوة إبراهيم عليه السلام { رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا } [ إبراهيم : 35 ] وكان الرجل لو جنى كل جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب . وعن عمر Bه : لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه . ومن لزمه القتل في الحل بقود أو ردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج . وقيل : آمنا من النار لقوله عليه السلام من \" من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا من النار \" وعنه عليه السلام \" الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة \" وهما مقبرتا مكة والمدينة . وعنه عليه السلام \" من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام \" { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } أي استقر له عليهم فرض الحج «حج البيت» : كوفي غير أبي بكر وهو اسم وبالفتح مصدر . وقيل : هما لغتان في مصدر حج { منْ } في موضع جر على أنه بدل البعض من الكل { استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } فسرها النبي عليه السلام بالزاد والراحلة . والضمير في «إليه» للبيت أو للحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيل إليه . ولما نزل قوله تعالى : «ولله على الناس حج البيت» . جمع رسول الله A أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال : \" إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا \" فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون ، وكفرت به خمس ملل قالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل { وَمَن كَفَرَ } أي جحد فرضية الحج وهو قول ابن عباس والحسن وعطاء ، ويجوز أن يكون من الكفران أي ومن لم يشكر ما أنعمت عليه من صحة الجسم وسعة الرزق ولم يحج { فإنّ اللّه غنيٌّ عن العالمين } مستغنٍ عنهم وعن طاعتهم . وفي هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد : منها اللام و «على» أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس ، ومنها الإبدال ففيه تثنية للمراد وتكرير له ، ولأن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ، ومنها قوله «ومن كفر» مكان ومن لم يحج تغليظاً على تاركي الحج ، ومنها ذكر الاستغناء وذلك دليل على المقت والسخط ، ومنها قوله «عن العالمين» وإن لم يقل عنه وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة ، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه .","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"{ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بئايات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } الواو للحال والمعنى لم تكفرون بآيات الله الدالة على صدق محمد عليه السلام والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها؟! { قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ } الصد المنع { عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ } عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام ، وكانوا يمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ومحل { تَبْغُونَهَا } تطلبون لها نصب على الحال { عِوَجَا } اعوجاجاً وميلاً عن القصد والاستقامة بتغييركم صفة رسول الله A عن وجهها ونحو ذلك { وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ } أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلاّ ضال مضل { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } من الصد عن سبيله وهو وعيد شديد . ثم نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين عن سبيله بقوله { ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين } قيل : مرّ شاس ابن قيس اليهودي على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون ، فغاظه تحدثهم وتألفهم فأمر شاباً من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث لعلهم يغضبون ، وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ، ففعل فتنازع القوم عند ذلك وقالوا : السلاح السلاح . فبلغ النبي عليه السلام فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال « أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم » بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بينكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً باكين فنزلت الآية { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجب أي من أين يتطرق إليكم الكفر { وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله } والحال أن آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية { وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } وبين أظهركم رسول الله عليه السلام ينبهكم ويعظكم ويزيح عنكم شبهكم { وَمَن يَعْتَصِم بالله } ومن يتمسك بدينه أو بكتابه ، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم { فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ } أرشد إلى الدين الحق ، أو ومن يجعل ربه ملجأ ومفزعاً عند الشبه يحفظه عن الشبه . { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم . وعن عبد الله هو أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى . أو هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو بنيه أو أبيه . وقيل : لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه .","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت { واعتصموا بِحَبْلِ الله } تمكسوا بالقرآن لقوله عليه السلام \" القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ، من قال به صدق ، ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم \" { جَمِيعاً } حال من ضمير المخاطبين . وقيل : تمكسوا بإجماع الأمة دليله { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أي ولا تتفرقوا يعني ولا تفعلوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع ، أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى ، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضاً { واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحروب فألف بين قلوبهم بالإسلام وقذف في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخواناً { وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار } وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر { فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } بالإسلام وهو رد على المعتزلة ، فعندهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا الله تعالى . والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا ، وأنث لإضافته إلى الحفرة . وشفا الحفرة : حرفها ، ولامها واو فلهذا يثنى شفوان { كذلك } مثل ذلك البيان البليغ { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } أي القرآن الذي فيه أمر ونهي ووعد ووعيد { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لتكونوا على رجاء الهداية أو لتهتدوا به إلى الصواب وما ينال به الثواب .\r{ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بالمعروف } بما استحسنه الشرع والعقل { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } عما استقبحه الشرع والعقل ، أو المعروف ما وافق الكتاب والسنة . والمنكر ما خالفهما ، أو المعروف الطاعة والمنكر المعاصي . والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك وما عطف عليه خاص . و«من» للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية ، ولأنه لا يصلح له إلا من علم بالمعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته فإنه يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب قال الله تعالى : { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } . ثم قال : { فقاتلوا } [ الحجرات : 9 ] . أو للتبيين أي وكونوا أمة تأمرون كقوله تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف } { وأولئك هُمُ المفلحون } أي هم الأخصاء بالفلاح الكامل قال عليه السلام \" من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه \" وعن علي Bه : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .\r{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ } بالعداوة { واختلفوا } في الديانة وهم اليهود والنصارى فإنهم اختلفوا وكفر بعضهم بعضاً { مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات } الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق { وأولئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ونصب { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } أي وجوه المؤمنين بالظرف وهو لهم أو بعظيم أو باذكروا { وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } أي وجوه الكافرين .","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"والبياض من النور والسواد من الظلمة { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ } فيقال لهم { أَكْفَرْتُمْ } فحذف الفاء ، والقول جميعاً للعلم به والهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم { بَعْدَ إيمانكم } يوم الميثاق فيكون المراد به جميع الكفار وهو قول أبي وهو الظاهر ، أو هم المرتدون أو المنافقون أي أكفرتم باطناً بعد إيمانكم ظاهراً ، أو أهل الكتاب ، وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول الله A بعد اعترافهم به قبل مجيئه { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله } ففي نعمته وهي الثواب المخلد . ثم استأنف فقال { هُمْ فِيهَا خالدون } لا يظعنون عنها ولا يموتون . { تِلْكَ آيات الله } الواردة في الوعد والوعيد وغير ذلك { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } ملتبسة { بالحق } والعدل من جزاء المحسن والمسيء { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين } أي لا يشاء أن يظلم هو عباده فيأخذ أحداً بغير جرم ، أو يزيد في عقاب مجرم ، أو ينقص من ثواب محسن { وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وإلى الله تُرْجَعُ الأمور } فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته . «ترجع» . شامي وحمزة وعلي . كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام ، ولا دليل فيه على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء ومنه قوله .\r{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } كأنه قيل : وجدتم خير أمة أو كنتم في علم الله أو في اللوح خير أمة ، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به { أُخْرِجَتْ } أظهرت { لِلنَّاسِ } اللام يتعلق ب «أخرجت» { تَأْمُرُونَ } كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما تقول «زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم» بينت بالإطعام والإلباس وجه الكرم فيه { بالمعروف } بالإيمان وطاعة الرسول { وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } عن الكفر وكل محظور { وَتُؤْمِنُونَ بالله } وتدومون على الإيمان به أو لأن الواو لا تقتضي الترتيب { وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكتاب } بمحمد عليه السلام { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لكان الإيمان خيراً لهم مما هم فيه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام ، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله ، مع الفوز بما وعدوا على الإيمان به من إيتاء الأجر مرتين { مّنْهُمُ المؤمنون } كعبد الله بن سلام وأصحابه { وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } المتمردون في الكفر .\r{ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } إلا ضرراً مقتصراً على أذى بقول من طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك { وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار } منهزمين ولا يضروكم بقتلٍ أو أسر { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم ، وفيه تثبيت لمن أسلم منهم لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم وهو ابتداء إخبار معطوف على جملة الشرط والجزاء وليس بمعطوف على «يولوكم» إذ لو كان معطوفاً عليه لقيل ثم لا ينصروا ، وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أم لم يقاتلوا ، وتقدير الكلام : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم لا ينصرون .","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"و«ثم» للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار .\r{ ضُرِبَتْ } ألزمت { عَلَيْهِمُ الذلة } أي على اليهود { أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ } وجدوا { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله } في محل النصب على الحال ، والباء متعلق بمحذوف تقديره إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من الله { وَحَبْلٍ مّنَ الناس } والحبل العهد والذمة ، والمعنى ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عزّ لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية { وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله } استوجبوه { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } الفقر عقوبة لهم على قولهم { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] أو خوف الفقر مع قيام اليسار { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بئايات الله وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ } ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق . ثم قال { ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي ذلك الكفر وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده .","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"{ لَيْسُواْ سَوَاءً } ليس أهل الكتاب مستوين { مِّنْ أَهْلِ الكتاب } كلام مستأنف لبيان قوله «ليسوا سواء» كما وقع قوله { تَأْمُرُونَ بالمعروف } بياناً لقوله «كنتم خير أمة» { أمّةٌ قائمةٌ } جماعة مستقيمة عادلة من قولك «أقمت العود فقام» أي استقام وهم الذين أسلموا منهم { يَتْلُونَ ءايات الله } القرآن { ءَانَآءَ اليل } ساعاته واحدها «إنى» كمعي أو «إنو» كقنو أو «إنى» ك «نحى» .\r{ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يصلون . قيل : يريد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها . وقيل : عبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود { يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَيَأْمُرُونَ بالمعروف } بالإيمان وسائر أبواب البر { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } عن الكفر ومنهيات الشرع { ويسارعون فِى الخيرات } يبادرون إليها خشية الفوت . وقوله : «يتلون» و«يؤمنون» في محل الرفع صفتان لأمة أي أمة قائمة تالون مؤمنون . وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ومن الإيمان بالله ، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيراً وكفرهم ببعض الكتب والرسل ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته ، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين ، ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها ، والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به { وأولئك } الموصوفون بما وصفوا به { مّنَ الصالحين } من المسلمين أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ } بالياء فيهما كوفي غير أبي بكر وأبو عمرو . مخير غيرهم بالتاء . وعدي «يكفروه» إلى مفعولين وإن كان شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول شكر النعمة وكفرها لتضمنه معنى الحرمان كأنه قيل : فلن تحرموه أي فلن تحرموا جزاءه { والله عَلِيمٌ بالمتقين } بشارة للمتقين بجزيل الثواب .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مِّنَ الله شَيْئًا } أي من عذاب الله { وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون *مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياة الدنيا } في المفاخر والمكارم وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس أو ما يتقربون به إلى الله مع كفرهم { كَمَثَلِ رِيحٍ } كمثل مهلك ريح وهو الحرث أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح { فِيهَا صِرٌّ } برد شديد عن ابن عباس Bهما وهو مبتدأ وخبر في موضع جر صفة ل «ريح» مثل { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر { فَأَهْلَكَتْهُ } عقوبة على كفرهم { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله } بإهلاك حرثهم { ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بارتكاب ما استحقوا به العقوبة ، أو يكون الضمير للمنفقين أي وما ظلمهم الله بأن لم يقبل نفقاتهم ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها لائقة للقبول .","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"ونزل نهياً للمؤمنين عن مصافات المنافقين { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } بطانة الرجل ووليجته خصيصه وصفيه شبه ببطانة الثوب كما يقال «فلان شعاري» وفي الحديث \" الأنصار شعار والناس دثار \" { مّن دُونِكُمْ } من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون وهو صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } في موضع النصب صفة لبطانة يعني لا يقصرون في فساد دينكم يقال «ألا في الأمر يألو» إذا قصر فيه ، والخبال الفساد . وانتصب «خبالاً» على التمييز أوعلى حذف في أي في خبالكم { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } أي عنتكم ف «ما» مصدرية . والعنت شدة الضرر والمشقة أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر وأبلغه ، وهو مستأنف على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة كقوله { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضه للمسلمين { وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ } مع البغض لكم { أَكْبَرُ } مما بدا { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات } الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ما بين لكم .\r{ هَاأَنتُمْ أُوْلاءِ } «ها» للتنبيه و«أنتم» مبتدأ و«أولاء» خبره أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافي أهل الكتاب { تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء ، أو أولاء موصول صلته «تحبونهم» . والواو في { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ } للحال وانتصابها من «لا يحبونكم» أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله وهم مع ذلك يبغضونكم ، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم . وقيل : الكتاب للجنس . { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا } أظهروا كلمة التوحيد { وَإِذَا خَلَوْاْ } فارقوكم أو خلا بعضهم ببعض { عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ } يوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل والبنان والإبهام { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به ، والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله ومالهم في ذلك من الذل والخزي { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء وما يكون منهم في حال خلو بعضهم ببعض ، وهو داخل في جملة المقول أي أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور ، فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه أو خارج عن المقول ، أي قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم بما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ } رخاء وخصب وغنيمة ونصرة { تَسُؤْهُمْ } تحزنهم إصابتها { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ } أضداد ما ذكرنا .","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"والمس مستعار من الإصابة فكأن المعنى واحد ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } [ التوبة : 50 ] { يَفْرَحُواْ بِهَا } بإصابتها { وَإِن تَصْبِرُواْ } على عداوتهم { وَتَتَّقُواْ } ما نهيتم عنه من موالاتهم ، أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتتقوا الله في اجتنابكم محارمه { لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } مكرهم وكنتم في حفظ الله ، وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى . وقال الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك . { لاَ يَضُرُّكُمْ } : مكي وبصري ونافع من ضاره يضيره بمعنى ضره وهو واضح . والمشكل قراءة غيرهم لأنه جواب الشرط وجواب الشرط مجزوم فكان ينبغي أن يكون بفتح الراء كقراءة المفضل عن عاصم ، إلا أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد نحو «مد يا هذا» { إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ } بالتاء : سهل أي من الصبر والتقوى وغيرهما { مُحِيطٌ } ففاعل بكم ما أنتم أهله . وبالياء : غيره أي أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه .\r{ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } واذكر يا محمد إذ خرجت غدوة من أهلك بالمدينة ، والمراد غدوة من حجرة عائشة Bها إلى أحد { تُبَوّىءُ المؤمنين } تنزلهم وهو حال { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } مواطن ومواقف من الميمنة والميسرة والقلب والجناحين والساقة . و«للقتال» يتعلق ب «تبوىء» { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم . رُوي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله A أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ فاستشاره فقال : أقم بالمدينة فما خرجنا على عدو قط إلا أصاب منا ، وما دخلوا علينا إلا أصبنا منهم . فقال عليه السلام : \" إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأولتها خيراً ، ورأيت في ذباب سيفي ثلمة فأولتها هزيمة ، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فلم يزل به قوم ينشطون في الشهادة حتى لبس لأمته ثم ندموا \" فقالوا : الأمر إليك يا رسول الله فقال عليه السلام \" لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل \" فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال { إِذْ هَمَّتْ } بدل من «إذ غدوت» أو عمل فيه معنى «عليم» { طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } خيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس . وكان عليه السلام خرج إلى أحد في ألف ، والمشركون في ثلاثة آلاف ، ووعدهم الفتح إن صبروا فانخذل عبد الله بن أبيّ بثلث الناس وقال : علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله { أَن تَفْشَلاَ } أي بأن تفشلا أي بأن تجبنا وتضعفا والفشل الجبن والخور { والله وَلِيُّهُمَا } محبهما أو ناصرهما أو متولي أمرهما فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على الله { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أمرهم بأن لا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوضوا أمورهم إلا إليه .","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"قال جابر : والله ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ولينا . ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حال قلة وذلة فقال :","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } وهو اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به ، أو ذكر بدراً بعد أحد للجمع بين الصبر والشكر . { وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } لقلة العدد فإنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر ، وكان عدوهم زهاء ألف مقاتل والعدد ، فإنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد ، ومع عدوهم مائة فرس والشكة والشوكة . وجاء بجمع القلة وهو «أذلة» ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً «فاتّقوا اللّه» في الثبات مع رسوله { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من النصر { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ظرف ل «نصركم» على أن يقول لهم ذلك يوم بدر أي نصركم الله وقت مقالتكم هذه ، أو بدل ثانٍ من «إذ غدوت» على أن تقول لهم ذلك يوم أحد { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ } «منزّلين» شامي . «مُنزلِين» أبو حيوة أي للنصرة . ومعنى «ألن يكفيكم» إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة ، وجيء ب «لن» الذي هو لتأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر { بلى } إيجاب لما بعد« لن» أي يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية . ثم قال { إِن تَصْبِرُواْ } على القتال { وَتَتَّقُواْ } خلاف الرسول عليه السلام { وَيَأْتُوكُمْ } يعني المشركين { مّن فَوْرِهِمْ هذا } هو من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم سميت بها الحالة التي لا ريث بها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل «خرج من فوره» كما تقول «من ساعته لم يلبث» ومنه قول الكرخي «الأمر المطلق على الفور لا على التراخي» والمعنى إن يأتوكم من ساعتهم هذه { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مِّنَ الملائكة } في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم يعني أن الله تعالى يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم { مُسَوِّمِينَ } بكسر الواو : مكي وأبو عمر وعاصم وسهل أي معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامة يعون بها في الحرب . والسومة العلامة . عن الضحاك : معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها . غيرهم : بفتح الواو أي معلمين . قال الكلبي : معلين بعمائم صفر مرخاة على اكتافهم ، وكانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك . قال قتادة : نزلت ألفاً فصاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف { وَمَا جَعَلَهُ الله } الضمير يرجع إلى الإمداد الذي دل عليه «أن يمدكم» { إِلاَّ بشرى لَكُمْ } أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } لا من عند المقاتلة ولا من عند الملائكة ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة { العزيز } الذي لا يغالب في أحكامه { الحكيم } الذي يعطي النصر لأوليائه ويبتليهم بجهاد أعدائه .","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"واللام في { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ } ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش متعلقه بقوله : «ولقد نصركم الله» . أو بقوله : «وما النصر إلا من عند الله» . أو ب «يمددكم ربكم» { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة ، وحقيقة الكبت شدَّة وهن تقع في القلب فيصرع في الوجه لأجله { فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } فيرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْءٌ } اسم ليس «شيء» والخبر «لك» و«من الأمر» حال من «شيء» لأنها صفة مقدمة { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } عطف على «ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم» و«وليس لك من الأمر شيء» اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ } إن أصروا على الكفر وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم . وعن الفراء «أو» بمعنى «حتى» . وعن ابن عيسى بمعنى إلا أن كقولك لألزمنك أو تعطيني حقي أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم . وقيل : أراد أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه أن فيهم من يؤمن { فَإِنَّهُمْ ظالمون } مستحقون للتعذيب .\r{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } أي الأمر له لا لك لأن ما في السموات وما في الأرض ملكه { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } للمؤمنين { وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } الكافرين { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ * ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } «مضعفَّة» مكي وشامي . هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله يقول : إما أن تقضي حقي أو تربي وتزيد في الأجل { واتقوا الله } في أكله { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } كان أبو حنيفة Bه يقول : هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه ، وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله { وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وفيه رد على المرجئة في قولهم «لا يضر مع الإيمان ذنب ولا يعذب بالنار أصلاً» وعندنا غير الكافرين من العصاة قد يدخلها ولكن عاقبة أمره الجنة . وفي ذكره تعالى «لعل» و «عسى» في نحو هذه المواضع وإن قال أهل التفسير إن «لعل» و «عسى» من الله للتحقيق ، ما لا يخفى على العارف من دقة مسلك التقوى وصعوبة إصابة رضا الله تعالى وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه .","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"{ وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } «سَارَعوا» : مدني وشامي . فمن أثبت الواو عطفها على ما قبلها ، ومن حذفها استأنفها . ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يوصل إليهما . ثم قيل : هي الصلوات الخمس أو التكبيرة الأولى ، أو الطاعة ، أو الإخلاص ، أو التوبة ، أو الجمعة والجماعات . { عَرْضُهَا السموات والأرض } أي عرضها عرض السماوات والأرض كقوله : { عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض } [ الحديد : 21 ] . والمراد وصفها بالسعة والبسط فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه . وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة . وعن ابن عباس Bهما كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض . وما روي أن الجنة في السماء السابعة أو في السماء الرابعة فمعناه انها في جهتها لا أنها فيها أو في بعضها كما يقال في الدار بستان وإن كان يزيد عليها لأن المراد أن بابه إليها { أُعِدَّتْ } في موضع جر صفة ل «جنة» أيضاً أي جنة واسعة معدة { لّلْمُتَّقِينَ } ودلت الآيتان على أن الجنة والنار مخلوقتان . ثم المتقي من يتقي الشرك كما قال { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } [ الحديد : 21 ] أو من يتقي المعاصي فإن كان المراد الثاني فهي لهم بغير عقوبة ، وإن كان الأول فهي لهم أيضاً في العاقبة ، ويوقف عليه إن جعل { الذين يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ والضراء } في حال اليسر والعسر مبتدأ وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» وجعل الخبر «أولئك» . وإن جعل وصفاً للمتقين وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» أي أعدت للمتقين والتائبين فلا وقف . فإن قلت : الآية تدل على أن الجنة معدة للمتقين والتائبين دون المصرين . قلت : جاز أن تكون معدة لهما ثم يدخلها بفضل الله وعفوه غيرهما كما يقال «أعدت هذه المائدة للأمير» ثم قد يأكلها أتباعه . ألا ترى أنه قال { واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } [ آل عمران : 131 ] ثم قد يدخلها غير الكافرين بالاتفاق ، وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص ، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين . وقيل : المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة { والكاظمين الغيظ } والممسكين الغيظ عن الإمضاء يقال كظم القربة إذا امتلأها وشد فاها ، ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً . والغيظ : توقد حرارة القلب من الغضب ، وعن النبي عليه السلام \" من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً \"","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"{ والعافين عَنِ الناس } أي إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي \" ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا \" وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه { والله يُحِبُّ المحسنين } اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، أو للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء . عن الثوري : الإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة .\r{ والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } فعلة متزايدة القبح ، ويجوز أن يكون و«والذين» مبتدأ خبره «أولئك» { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } قيل : الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ، أو الفاحشة الزنا وظلم النفس القبلة واللمسة ونحوهما { ذَكَرُواْ الله } بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة { فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ } فتابوا عنها لقبحهما نادمين . قيل : بكى إبليس حين نزلت هذه الآية { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } «من» مبتدأ و«يغفر» خبره ، وفيه ضمير يعود إلى «من» و«إلا الله» بدل من الضمير في «يغفر» والتقدير : ولا أحد يغفر الذنوب إلا الله ، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وفيه تطييب لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة ، وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط ، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب ، وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم . { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } ولم يقيموا على قبيح فعلهم والإصرار الإقامة قال عليه السلام \" ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة \" وروي \" لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار \" { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } حال من الضمير في «ولم يصروا» أي وهم يعلمون أنهم أساؤوا ، أو وهم يعلمون أنه لا يغفر ذنوبهم إلا الله { أولئك } الموصوفون { جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } بتوبته { وجنات } برحمته { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات ، نزلت في تمار قال لامرأة تريد التمر : في بيتي تمر أجود ، فأدخلها بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فندم . أو في أنصاري استخلفه ثقفي وقد آخى بينهما النبي عليه السلام في غيبة غزوة فأتى أهله لكفاية حاجة فرآها فقبلها فندم فساح في الأرض صارخاً فاستعتبه الله تعالى . { قَدْ خَلَتْ } مضت { مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } يريد ما سنه الله تعالى في الأمم المكذبين من وقائعه { فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } فتعتبروا بها هذا أي القرآن أو ما تقدم ذكره { بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى } أي إرشاد { وَمَوْعِظَةٌ } ترغيب وترهيب { لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك { وَلاَ تَهِنُواْ } ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة { وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح ، وهو تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية لقلوبهم { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد ، أو وأنتم الأعلون بالنصر والظفر في العاقبة وهي بشارة لهم بالعلو والغلبة وإن جندنا لهم الغالبون ، أو وأنتم الأعلون شأناً لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته وقتاً لهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر ، أو لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } متعلق بالنهي أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم يعني أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وقلة المبالاة بأعدائه ، أو ب «الأعلون» أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله به ويبشركم به من الغلبة .","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"{ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } بضم القاف حيث كان : كوفي غير حفص . ويفتح القاف : غيرهم . وهما لغتان كالضعف والضعف . وقيل : بالفتح الجراحة وبالضم ألمها { فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } أي إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا { وَتِلْكَ } مبتدأ { الأيام } صفته والخبر { نُدَاوِلُهَا } نصرفها { بَيْنَ الناس } أي نصرف ما فيها من النعم والنقم نعطي لهؤلاء تارة وطوراً لهؤلاء كبيت الكتاب :\rفيوماً علينا ويوماً لنا ... ويوماً نساء ويوماً نسر\r{ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ } أي نداولها لضروب من التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ } وليكرم ناساً منكم بالشهادة يريد المستشهدين يوم أحد ، أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة : 143 ] { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، ومعناه والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون { وَلِيُمَحِّصَ الله الذين ءَامَنُواْ } التمحيص : التطهير والتصفية { وَيَمْحَقَ الكافرين } ويهلكهم يعني إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص ، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم }\r{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } أي ولما تجاهدون لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة لأنه منتف بانتفائه ، تقول : ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه . و«لما» بمعنى «لم» إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل { وَيَعْلَمَ الصابرين } نصب بإضمار «أن» والواو بمعنى الجمع نحو «لا تأكل السمك وتشرب اللبن» ، أو جزم للعطف على «يعلم الله» ، وإنما حركت الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"{ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } خوطب به الذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله A لينالوا كرامة الشهادة ، وهم الذين ألحوا على رسول الله في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة ، يعني وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا ، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله A بإلحاحهم عليه ، ثم انهزامهم عنه . وإنما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ما يتضمنه من غلبة الكفار كمن شرب الدواء من طبيب نصراني فإن قصده حصول الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو الله وتنفيقاً لصناعته . لما رمى ابن قميئة رسول الله A بحجر فكسر رباعيته أقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه رسول الله A فقال : قتلت محمداً وخرج صارخ قيل هو الشيطان ألا إن محمداً قد قتل . ففشا في الناس خبر قتله فانكفئوا وجعل رسول الله A يدعو : « إليّ عباد الله » حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فولينا مدبرين فنزل { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ } مضت { مِن قَبْلِهِ الرسل } فسيخلو كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه ، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم } الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبيب ، والهمزة لأنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد عليه السلام لا للانقلاب عنه ، والانقلاب على العقبين مجاز عن الارتداد أو عن الانهزام { وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً } وإنما ضر نفسه { وَسَيَجْزِى الله الشاكرين } الذين لم ينقلبوا ، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا .\r{ وَمَا كَانَ } وما جاز { لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بعلمه أو بأن يأذن ملك الموت في قبض روحه ، والمعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله ، وفيه تحريض على الجهاد ، وتشجيع على لقاء العدو ، وإعلام بأن الحذر لا ينفع ، وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك { كتابا } مصدر مؤكد لأن المعنى كتب الموت كتاباً { مُّؤَجَّلاً } مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر { وَمَن يُرِدْ } بقتاله { ثَوَابَ الدنيا } أي الغنيمة وهو تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد { نُؤْتِهِ مِنْهَا } من ثوابها { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة } أي إعلاء كلمة الله والدرجة في الآخر { نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين } وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد .","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"{ وَكَأَيّن } أصله أي دخل عليه كاف التشبيه وصارا في معنى «كم» التي للتكثير . وكائن بوزن كاع حيث كان : مكي { مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ } «قتل» : مكي وبصري ونافع . { مَعَهُ } حال من الضمير في قتل أي قتل كائناً معه { رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } والربيون الربانيون . وعن الحسن بضم الراء وعن البعض بفتحها ، فالفتح على القياس لأنه منسوب إلى الرب ، والضم والكسر من تغييرات النسب { فَمَا وَهَنُواْ } فما فتروا عند قتل نبيهم { لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ } عن الجهاد بعده { وَمَا استكانوا } وما خضعوا لعدوهم ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله عليه السلام واستكانتهم لهم حيث أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان { والله يُحِبُّ الصابرين } على جهاد الكافرين .\r{ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } أي وما كان قولهم إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضماً لها { وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } تجاوزنا حد العبودية { وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } في القتال { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } بالغلبة . وقدم الدعاء بالاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء ، لأنه أقرب إلى الإجابة لما فيه من الخضوع والاستكانة .","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"{ فئاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا } أي النصرة والظفر والغنيمة { وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة } المغفرة والجنة . وخص بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عنده { والله يُحِبُّ المحسنين } أي هم محسنون والله يحبهم . { ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم } يرجعوكم إلى الشرك { فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } قيل : هو عام في جميع الكفار وعلى المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم . وعن السدي : إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم . وقال علي Bه : نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم { بَلِ الله مولاكم } ناصركم فاستغنوا عن نصرة غيره { وَهُوَ خَيْرُ الناصرين * سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } «الرعب» شامي وعلي وهما لغتان . قيل : قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة { بِمَا أَشْرَكُواْ بالله } بسبب إشراكهم أي كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة ، ولم يرد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم لأن الشرك لا يستقيم أن تقوم عليه حجة ، وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله :\rولا ترى الضب بها ينجحر ... أي ليس بها ضب فينجحر ، ولم يعن أن بها ضباً ولا ينجحر { وَمَأْوَاهُمُ } مرجعهم { النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين } النار فالمخصوص بالذم محذوف .\rولما رجع رسول الله A مع أصحابه إلى المدينة قال ناس من أصحابه ، من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } أي حقق { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } تقتلونهم قتلاً ذريعاً . وعن ابن عيسى : حسه أبطل حسه بالقتل { بِإِذْنِهِ } بأمره وعلمه { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } جبنتم { وتنازعتم فِى الأمر } أي اختلفتم { وَعَصَيْتُمْ } أمر نبيكم بترككم المركز واشتغالكم بالغنيمة { مِن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الظفر وقهر الكفار . ومتعلق «إذا» محذوف تقديره حتى إذا فشلتم منعكم نصره ، وجاز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } أي الغنيمة وهم الذين تركوا المركز لطلب الغنيمة . روي أن رسول الله A جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا ، والمسلمون على آثارهم يقتلونهم .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"حتى إذا فشلوا وتنازعوا فقال بعضهم : قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا ، فادخلوا عسكر المسلمين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم ، وقال بعضهم : لا تخالفوا أمر رسول الله A . فمن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأخرة } فكر المشركون على الرماة وقتلوا عبد الله ابن جبير وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو قوله { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي كف معونته عنكم فغلبوكم { لِيَبْتَلِيَكُمْ } ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر لأنه يجازي على ما يعمله العبد لا على ما يعلمه منه { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله A { والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } بالعفو عنهم وقبول توبتهم ، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم ، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة . وانتصب .\r{ إِذْ تُصْعِدُونَ } تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض ، والإصعاد الذهاب في صعيد الأرض أو الإبعاد فيه بصرفكم ، أو بقوله «ليبتليكم» أو بإضمار «اذكروا» { وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ } ولا تلتفون وهو عبارة عن غاية انهزامهم وخوف عدوهم { والرسول يَدْعُوكُمْ } يقول \" إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة \" والجملة في موضع الحال { فِى أُخْرَاكُمْ } في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة . يقال جئت في آخر الناس وأخرهم كما تقول في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى { فأثابكم } عطف على «صرفكم» أي فجازاكم الله { غَمّاً } حين صرفكم عنهم وابتلاكم { بِغَمّ } بسبب غم أذقتموه رسول الله A بعصيانكم أمره أو غماً مضاعفاً ، غماً بعد غم وغماً متصلاً بغم ، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله عليه السلام والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ } لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع { وَلاَ مَا أصابكم } ولا على مصيب من المضار { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } عالم بعملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية . { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً } ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم . عن أبي طلحة : غشينا النعاس ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه . والأمنة الأمن ، و«نعاساً» بدل من «أمنة» أو هو مفعول و«أمنة» حال منه مقدمة عليه نحو «رأيت راكباً رجلاً» والأصل أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة إذ النعاس ليس هو الأمن ، ويجوز أن يكون «أمنة» مفعولاً له أو حالاً من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة { يغشى } يعني النعاس .","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"«تغشى» بالتاء والإمالة : حمزة وعلي أي الأمنة { طَائِفَةٌ مّنكُمْ } هم أهل الصدق واليقين { وَطَائِفَةٌ } هم المنافقون { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } ما يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها لا همّ الدين ولا همّ رسول الله A والمسلمين رضوان الله عليهم { يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق } في حكم المصدر أي يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به وهو أن لا ينصر محمداً A { ظَنَّ الجاهلية } بدل منه والمراد الظن المختص بالملة الجاهلية ، أو ظن أهل الجاهلية أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله { يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء } هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط يعنون النصر والغلبة على العدو { قُلْ إِنَّ الأمر } أي النصر والغلبة { كُلُّهُ لِلهِ } ولأوليائه المؤمنين { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } [ الصافات : 173 ] «كله» تأكيد للأمر و«لله» خبر «أن» «كله» بصري وهو مبتدأ و«لله» خبره والجملة خبر «إن» { يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } خوفاً من السيف { يَقُولُونَ } في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم «إن الأمر كله لله» { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَىْء مَّا قُتِلْنَا هاهنا } أي لو كان الأمر كما قال محمد \" إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون \" لما غلبنا قط ، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة . «قد أهمتهم» صفة ل «طائفة» و«يظنون» خبر ل «طائفة» أو صفة أخرى ، أو حال أي قد أهمتهم أنفسهم ظانين . و«يقولون» بدل من «يظنون» و«يخفون» حال من «يقولون» و«قل إن الأمر كله لله» اعتراض بين الحال وذي الحال و«يقولون» بدل من «يخفون» أو استئناف { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ } أي من علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة وكتب ذلك في اللوح لم يكن به من وجوده ، فلو قعدتم في بيوتكم { لَبَرَزَ } من بينكم { الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ } مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون ، والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين وكتب مع ذلك أنهم الغالبون لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم ، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله ، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم { وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان فعل ذلك .","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بخفياتها .\r{ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ } انهزموا { يَوْمَ التقى الجمعان } جمع محمد عليه السلام وجمع أبي سفيان للقتال بأحد { إِنَّمَا استزلهم الشيطان } دعاهم إلى الزلة وحملهم عليها { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } بتركهم المركز الذي أمرهم رسول الله A بالثبات فيه فالإضافة إلى الشيطان لطف وتقريب والتعليل بكسبهم وعظ وتأديب . وكان أصحاب محمد عليه السلام تولوا عنه يوم أحد إلا ثلاثة عشر رجلاً منهم أبو بكر وعلي وطلحة وابن عوف وسعد بن أبي وقاص والباقون من الأنصار { وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ } تجاوز عنهم { إِنَّ الله غَفُورٌ } للذنوب { حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ } كابن أبيّ وأصحابه { وَقَالُواْ لإخوانهم } أي في حق إخوانهم في النسب أو في النفاق { إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض } سافروا فيها للتجارة أو غيرها { أَوْ كَانُواْ غُزًّى } جمع غازٍ كعافٍ وعفّى وأصابهم موت أو قتل { لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } اللام يتعلق ب «لا تكونوا» أي لا تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم ، أو ب «قالوا» أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون ذلك حسرة في قلوبهم والحسرة الندامة على فوت المحبوب { والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ } رد لقولهم «إن القتال يقطع الآجال» أي الأمر بيده قد يحيي المسافر والمقاتل . ويميت المقيم والقاعد { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على أعمالكم . «يعملون» مكي وحمزة وعلي أي الذين كفروا .","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"{ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ } متم وبابه بالكسر : نافع وكوفي غير عاصم ، تابعهم حفص إلا في هذه السورة كأنه أراد الوفاق بينه وبين قتلتم . غيرهم : بضم الميم في جميع القرآن ، فالضم من مات يموت ، والكسر من مات يمات كخاف يخاف فكما تقول خفت تقول مت { لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } «ما» بمعنى «الذي» والعائد محذوف وبالياء : حفص { وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون . ولوقوع اسم الله في هذا الموضع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به شأن غني عن البرهان . «لمغفرة» جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط ، وكذلك «لالى الله تحشرون» كذب الكافرين أولاً في زعمهم أن من سافر من إخوانهم أو غزا لو كان بالمدينة لما مات ، ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب التقاعد عن الجهاد ثم قال لهم : ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ، فإن الدنيا زاد المعاد فإذا وصل العبد إلى المراد لم يحتج إلى الزاد .\r{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } «ما» مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله . ومعنى الرحمة ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } جافياً { غَلِيظَ القلب } قاسيه { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم { فاعف عَنْهُمْ } ما كان منهم يوم أحد مما يختص بك { واستغفر لَهُمُ } فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم { وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } أي في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي تطييباً لنفوسهم وترويحاً لقلوبهم ورفعاً لأقدارهم ، ولتقتدي بك أمتك فيها . في الحديث \" ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم \" وعن أبي هريرة Bه : ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله A . ومعنى شاورت فلاناً أظهرت ما عندي وما عنده من الرأي . وشرت الدابة استخرجب جريها ، وشرت العسل أخذته من مآخذه ، وفيه دلالة جواز الاجتهاد وبيانا أن القياس حجة { فَإِذَا عَزَمْتَ } فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى { فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } في إمضاء أمرك على الأرشد لا على المشورة { إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } عليه والتوكل الاعتماد على الله والتفويض في الأمور إليه . وقال ذو النون : خلع الأرباب وقطع الأسباب { إِن يَنصُرْكُمُ الله } كما نصركم يوم بدر { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } فلا أحد يغلبكم وإنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه وقدرته { وَإِن يَخْذُلْكُمْ } كما خذلكم يوم أحد { فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ } من بعد خذلانه وهو ترك المعونة ، أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان تريد إذا جاوزته ، وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه ، ولأن إيمانهم يقتضي ذلك .","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"{ وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } مكي وأبو عمرو وحفص وعاصم أي يخون ، وبضم الياء وفتح الغين : غيرهم . يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً إذا أخذه في خفية ، ويقال أغله إذا وجده غالاً ، والمعنى ما صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول ، وكذا من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى هذا لأن معناه : وما صح له أن يوجد غالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً . روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض المنافقين : لعل رسول الله A أخذها فنزلت الآية { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } أي يأت بالشيء الذي غله بعينه حاملاً له على ظهره كما جاء في الحديث \" أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه \" { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } تعطي جزاءها وافياً ولم يقل «ثم يوفى ما كسب» ليتصل بقوله «ومن يغلل» بل جيء بعام ليدخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى وهو أبلغ ، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي جزاء كل على قدر كسبه { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } أي رضا الله قيل هم المهاجرون والأنصار { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ الله } وهم المنافقون والكفار { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } المرجع { هُمْ درجات عِندَ الله } هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات أو ذوو درجات ، والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين أو التفاوت بين الثواب والعاقب { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها .\r{ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين } .\rعلى من آمن مع رسول الله عليه السلام من قومه ، وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه { إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } من جنسهم عربياً مثلهم أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده ، والمنة في ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحد فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه ، وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه ، وكان لهم شرف بكونه منهم .","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"وفي قراءة رسول الله «من أنفسهم» أي من أشرفهم { يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياته } أي القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي { وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم بالإيمان من دنس الكفر والطغيان أو يأخذ منهم الزكاة { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } القرآن والسنة { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ } من قبل بعثة الرسول A { لَفِى ضلال } عمى وجهالة { مُّبِينٍ } ظاهر لا شبهة فيه «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والتقدير : وإن الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال مبين .\r{ أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ } يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم { قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين وهو في موضع رفع صفة ل «مصيبة» { قُلْتُمْ أنى هذا } من أين هذا { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } لاختياركم الخروج من المدينة أو لترككم المركز . لما نصب ب «قلتم» و«أصابتكم» في محل الجر بإضافة «لما» إليه وتقديره : أقلتم حين أصابتكم . «وأنى هذا» نصب لأنه مقول والهمزة للتقرير والتقريع ، وعطفت الواو هذه الجملة على ما مضى من قصة أحد من قوله : «ولقد صدقكم الله وعده» . أو على محذوف كأنه قيل : أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } يقدر على النصر وعلى منعه .\rوَمَا أصابكم } «ما» بمعنى «الذي» وهو مبتدأ { يَوْمَ التقى الجمعان } جمعكم وجمع المشركين بأحد والخبر { فَبِإِذْنِ الله } فكائن بأذن الله أي بعلمه وقضائه { وَلِيَعْلَمَ المؤمنين * وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء { وَقِيلَ لَهُمْ } للمنافقين وهو كلام مبتدأ { تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله } أي جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون { أَوِ ادفعوا } أي قاتلوا دفعاً على أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة . وقيل : أو ادفعوا العدو بتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا لأن كثرة السواد مما تروع العدو { قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم } أي لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لاتبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم ليس بشيء ، ولا يقال لمثله قتال إنما هو إلقاء النفس في التهلكة { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان } يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم ، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر ، أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } أي يظهرون خلاف ما يضمرون من الإيمان وغيره والتقييد بالأفواه للتأكيد ونفي المجاز { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من النفاق { الذين قَالُواْ } أي ابن أبيّ وأصحابه وهو في موضع رفع على «هم الذين قالوا» أو على الإبدال من واو «يكتمون» أو نصب بإضمار «أعني» ، أو على البدل من «الذين نافقوا» أو جر على البدل من الضمير «في أفواههم» أو «قلوبهم» { لإخوانهم } لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد { وَقَعَدُواْ } أي قالوا وقد قعدوا عن القتال { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله A والقعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل { قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين } بأن الحذر ينفع من القدر فخذوا حذركم من الموت ، أو معناه قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً .","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً .\rونزل في قتلى أحد { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } شامي وحمزة وعلي وعاصم ، وبكسر السين غيرهم : والخطاب لرسول الله A أو لكل أحد { الذين قَتَلُواْ } «قتلوا» : شامي { فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء } بل هم أحياء { عِندَ رَبّهِمْ } مقربون عنده ذوو زلفى { يُرْزَقُونَ } مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون ، وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله «فرحين» حال من الضمير في «يرزقون» { بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين معجلاً لهم رزق الجنة ونعيمها . وقال النبي عليه السلام \" لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش \" وقيل : هذا الرزق في الجنة يوم القيامة وهو ضعيف لأنه لا يبقى للتخصيص فائدة { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين } بإخوانهم المجاهدين الذين { لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } لم يقتلوا فيلحقوا بهم { مّنْ خَلْفِهِمْ } يريد الذين من خلفهم قد بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم أو لم يلحقوا بهم لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } بدل من «الذين» والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة ، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به . وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم ، بعثٌ للباقين بعدهم على الجد في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"{ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ } يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة { وَأَنَّ الله } عطف على النعمة والفضل . «وإن الله» : عليٌّ بالكسر على الاستئناف وعلى أن الجملة اعتراض { لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين } بل يوفر عليهم . { الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول } مبتدأ خبره «للذين أحسنوا» ، أو صفة للمؤمنين ، أو نصب على المدح { مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح } الجرح . روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله A فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فندب النبيّ أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان ، فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال ، وكان بأصحابه القرح فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا } «من» للتبيين . مثلها في قوله : { وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً } [ الفتح : 29 ] . لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم { أَجْرٌ عَظِيمٌ } في الآخرة .\r{ الذين قَالَ لَهُمُ الناس } بدل من الذين استجابوا { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد : يا محمد موعدنا موسم بدر القابل . فقال عليه السلام \" إن شاء الله \" فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال : يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر وقد بدا لي أن أرجع فالحق بالمدينة ، فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل ، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فوالله لا يفلت منكم أحد فقال عليه السلام \" والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد \" فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون «حسبنا الله ونعم الوكيل» حتى وافوا بدراً وأقاموا بها ثماني ليال وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيراً ، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ولم يكن قتال ، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا : إنما خرجتم لتأكلوا السويق . فالناس الأول نعيم وهو جمع أريد به الواحد أو كان له أتباع يثبطون مثل تثبيطه ، والثاني أبو سفيان وأصحابه . { فاخشوهم } فخافوهم { فَزَادَهُمُ } أي المقول الذي هو «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» أو القول ، أو نعيم { إيمانا } بصيرة وإيقاناً { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله } كافينا الله أي الذي يكفينا الله .","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"يقال أحسبه الشيء إذا كفاه وهو بمعنى المحسب بدليل أنك تقول «هذا رجل حسبك» فتصف به النكرة لأن إضافته غير حقيقية لكونه في معنى اسم الفاعل { وَنِعْمَ الوكيل } ونعم الموكول إليه هو { فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله } وهي السلامة وحذر العدو منهم { وَفَضْلٍ } وهو الربح في التجارة فأصابوا بالدرهم درهمين { لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدو وهو حال من الضمير في «انقلبوا» ، وكذا «بنعمة» والتقدير : فرجعوا من بدر منعمين بريئين من سوء { واتبعوا رضوان الله } بجرأتهم وخروجهم إلى وجه العدو على أثر تثبيطه وهو معطوف على «انقلبوا» { والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا . { إِنَّمَا ذلكم الشيطان } هو خبر «ذلكم» أي إنما ذلك المثبط هو الشيطان وهو نعيم { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } أي المنافقين وهو جملة مستأنفة بيان لشيطنته ، أو الشيطان صفة لاسم الإشارة و«يخوف» الخبر { فَلاَ تَخَافُوهُمْ } أي أولياءه { وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } لأن الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره . و«خافوني» في الوصل والوقف : سهل ويعقوب ، وافقهما أبو عمرو في الوصل .\r{ وَلاَ يَحْزُنكَ } «يحزنك» في كل القرآن : نافع إلا في سورة الأنبياء { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } [ الأنبياء : 103 ] { الذين يسارعون فِى الكفر } يعني لا يحزنوك لخوف أن يضروك ألا ترى إلى قوله { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } أي أولياء الله يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم وما وبال ذلك عائداً على غيرهم . ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخرة } أي نصيباً من الثواب { وَلَهُمْ } بدل الثواب { عَذَابٌ عظِيمٌ } وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه ، والآية تدل على إرادة الكفر والمعاصي لأن إرادته أن لا يكون لهم ثواب في الآخرة لا تكون بدون إرادة كفرهم ومعاصيهم .\r{ إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان } أي استبدلوه به { لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } هو نصب على المصدر أي شيئاً من الضرر . الآية الأولى فيمن نافق من المتخلفين أو ارتد عن الإسلام ، والثانية في جميع الكفار أو على العكس { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ } وثلاثة بعدها مع ضم الباء في «يحسبنهم» بالياء : مكي وأبو عمرو ، وكلها بالتاء : حمزة ، وكلها بالياء : مدني وشامي إلا «فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ» فإنها بالتاء . الباقون : الأوليان بالياء والأخريان بالتاء . { الذين كَفَرُواْ } فيمن قرأ بالياء رفع أي ولا يحسبن الكافرون . و «أن» مع اسمه وخبره في قوله { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ } في موضع المفعولين ل «يحسبن» والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيراً لأنفسهم . و«ما» مصدرية وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف .","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"وفيمن قرأ بالتاء نصب أي ولا تحسبن الكافرين وأنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الكافرين ، أي ولا تحسبن أن ما نملي للكافرين خير لهم ، و«أن» مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين ، والإملاء لهم إمهمالهم وإطالة عمرهم . { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } «ما» هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون الأولى ، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها كأنه قيل : ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم؟ فقيل : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً . والآية حجة لنا على المعتزلة في مسألتي الأصلح وإرادة المعاصي { وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .\rاللام في { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين لتأكيد النفي { حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } حتى يعزل المنافق عن المخلص . «يميز» : حمزة وعلي . والخطاب في «أنتم» للمصدقين من أهل الإخلاص والنفاق كأنه قيل : ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } وما كان الله ليؤتي أحد منكم علم الغيوب فلا تتوهموا عند إخبار الرسل بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب إطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها { وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } أي ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في الغيب كذا وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص ، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لا من جهة نفسه . والآية حجة على الباطنية فإنهم يدعون ذلك العلم لإمامهم فإن لم يثبتوا النبوة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرسول ، وإن أثبتوا النبوة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله { وَخَاتَمَ النبيين } [ الأحزاب : 40 ] { فَئَامِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } بصفة الإخلاص { وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ } النفاق { فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } في الآخرة .\rونزل في مانعي الزكاة { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } من قرأ بالتاء قدر مضافاً محذوفاً أي ولا تحسبن بخل الباخلين و«هو» فصل و«خيراً لهم» مفعول ثانٍ ، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعل «يحسبن» ضمير رسول الله أو ضمير أحد ، ومن جعل فاعله «الذين يبخلون» كان التقدير : ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خير لهم و«هو» فصل و«خيراً لهم» مفعول ثانٍ { بَلْ هُوَ } أي البخل { شَرٌّ لَّهُمْ } لأن أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبال البخل { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } تفسير لقوله «بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ» أي سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحق طوقاً في أعناقهم كما جاء في الحديث \" من منع زكاة ماله يصير حية ذكراً أقرع له نابان فيطوق في عنقه فينهشه ويدفعه إلى النار \" { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره ، فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيل الله؟ والأصل في ميراث موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وبالياء مكي وأبو عمرو ، فالتاء على طريقة الالتفات وهو أبلغ في الوعيد ، والياء على الظاهر .","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"{ لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } قال ذلك اليهود حين سمعوا قوله تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } [ البقرة : 245 ] . وقالوا : إن إله محمد يستقرض منا فنحن إذاً أغنياء وهو فقير . ومعنى سماع الله له أنه لم يخف عليه وأنه أعد له كفاء من العقاب { سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوا في الصحائف ، أو سنحفظه إذ الكتاب من الخلق ليحفظ ما فيه فسمي به مجازاً . و«ما» مصدرية أو بمعنى «الذي» { وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ } معطوف على «ما» . جعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذاناً له بأنهما في العظم أخوان ، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول { وَنَقُولُ } لهم يوم القيامة { ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } أي عذاب النار كما أذقتم المسلمين الغصص . قال الضحاك : يقول لهم ذلك خزنة جهنم ، وإنما أضيف إلى الله تعالى لأنه بأمره كما في قوله «سنكتب» «سيكتب» و«قتلهم» و«يقول» : حمزة . { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من عقابهم { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي ذلك العذاب بما قدمتم من الكفر والمعاصي ، والإضافة إلى اليد لأن أكثر الأعمال يكون بالأيدي فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب ، ولأنه يقال للآمر بالشيء فاعله فذكر الأيدي للتحقيق يعني أنه فعل نفسه لا غيره بأمره { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } وبأن الله لا يظلم عباده فلا يعاقبهم بغير جرم { الذين قَالُواْ } في موضع جر على البدل من «الذين قالوا» أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم .\r{ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } أمرنا في التوراة وأوصانا { أَلاَّ نُؤْمِنَ } بأن لا نؤمن { لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار } أي يقرب قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله فإن جئتنا به صدقناك ، وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله لأن أكل النار القربان سبب الإيمان للرسول الآتي به لكونه معجزة فهو إذاً وسائر المعجزات سواء { قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات } بالمعجزات سوى القربان { وبالذى قُلْتُمْ } أي بالقربان يعني قد جاء أسلافكم الذين أنتم على ملتهم ورضوان بفعلهم { فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } أي إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا فلم لم تؤمنوا بالذين أتوابه ولم قتلتموهم { إِن كُنتُمْ صادقين } في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } فإن كذبك اليهود فلا يهولنك فقد فعلت الأمم بأنبيائها كذلك { جَاءُو بالبينات } بالمعجزات الظاهرات { والزبر } الكتب جمع زبور من الزبر وهو الكتابة . «وبالزبر» : شامي { والكتاب } جنسه { المنير } المضيء . قيل : هما واحد في الأصل وإنما ذكرا لاختلاف الوصفين ، فالزبور كتاب فيه حكم زاجرة ، والكتاب المنير هو الكتاب الهادي .","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"{ كُلُّ نَفْسٍ } مبتدأ والخبر { ذَائِقَةُ الموت } وجاز الابتداء بالنكرة لما فيه من العموم ، والمعنى لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر وذلك قوله { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة } أي تعطون ثواب أعمالكم على الكمال يوم القيامة فإن الدنيا ليست بدار الجزاء { فَمَن زُحْزِحَ } بعد ، والزحزحة : الإبعاد { عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } ظفر بالخير . وقيل : فقد حصل له الفوز المطلق . وقيل : الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه { وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته ، والشيطان هو المدلس الغرور . وعن سعيد بن جبير : إنما هذا لمن آثرها على الآخرة ، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ . وعن الحسن : كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها { لَتُبْلَوُنَّ } والله لتبلون أي لتختبرن { فِى أموالكم } بالإنفاق في سبيل الله وبما يقع فيها من الآفات { وأَنفُسِكُمْ } بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليه من أنواع المخاوف والمصائب ، وهذه الآية دليل على أن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطن كما قال بعض أهل الكلام والفلاسفة ، كذا في شرح التأويلات { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } يعني اليهود والنصارى { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } كالطعن في الدين وصد من أراد الإيمان وتخطئة من آمن ونحو ذلك { وَأَن تَصْبِرُواْ } على أذاهم { وَتَتَّقُواْ } مخالفة أمر الله { فَإِنَّ ذلك } فإن الصبر والتقوى { مِنْ عَزْمِ الأمور } من معزومات الأمور أي مما يجب العزم عليه من الأمور ، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه .\r{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب { لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } عن الناس بالتاء على حكاية مخاطبتهم كقوله { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب لَتُفْسِدُنَّ } [ الإسراء : 4 ] وبالياء : مكي وأبو عمرو وأبو بكر ، لأنهم غيب والضمير للكتاب ، أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه { فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم أي لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه ، والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد ، وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم ، أو لجر منفعة أو دفع أذية ، أو لبخل بالعلم ، وفي الحديث","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"\" من كتم علماً عن أهله ألجمه الله بلجام من نار \" { واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً يسيراً { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } .\rوالخطاب في { لاَ تَحْسَبَنَّ } لرسول الله وأحد المفعولين { الذين يَفْرَحُونَ } والثاني بمفازة ، وقوله «فلا تحسبنهم» تأكيد تقديره : لا تحسبنهم فائزين { بِمَا أَتَوْاْ } بما فعلوا وهي قراءة أبيّ و «جاء» و «أتى» يستعملان بمعنى فعل { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [ مريم : 61 ] . { لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } [ مريم : 27 ] . وقرأ النخعي «بما آتوا» أي أعطوا { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب } بمنجاة منه { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم . روي أن رسول الله A سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا من تدليسهم ، فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ، ناجين من العذاب . وقيل : هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم ، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة . وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه . { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض } فهو يملك أمرهما ، وفيه تكذيب لمن قال «إن الله فقير» { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فهو يقدر على عقابهم .\r{ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف اليل والنهار لاَيَاتٍ } لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر { لأُوْلِى الألباب } لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر ، فيرى أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر ، لأن جوهراً ما لا ينفك عن عرض حادث وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ، ثم حدوثها يدل على محدثها وذا قديم وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى ما لا يتناهى ، وحسن صنعه يدل على علمه ، وإتقانه يدل على حكمته ، وبقاؤه يدل على قدرته ، قال عليه السلام \" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها \" وحكي أنه كان في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة ، فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه : لعل فرطة فرطت منك في مدتك . قال : ما أذكر . قالت : لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر . قال : لعل . قالت : فما أوتيت إلا من ذاك { الذين } في موضع جر نعت ل «أولي» أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم { يَذْكُرُونَ الله } يصلون { قِيَاماً } قائمين عند القدرة { وَقُعُوداً } قاعدين «وعلى جُنُوبِهِمْ» أي مضطجعين عند العجز وقياماً وقعوداً حالان من ضمير الفاعل في «يذكرون» .","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"و«وعلى جنوبهم» حال أيضاً ، أو المراد الذكر على كل حال لأن الإنسان لا يخلو عن هذه الأحوال ، وفي الحديث \" من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله \" { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض } وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه من عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه ، وعن النبي عليه السلام \" بينا رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال : أشهد أن لك رباً وخالقاً ، اللهم اغفر لي ، فنظر الله إليه فغفر له \" وقال عليه السلام \" لا عبادة كالتفكر \" وقيل؛ الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية ، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر . { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } أي يقولون ذلك وهو في محل الحال أي يتفكرون قائلين ، والمعنى ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة بل خلقته لحكمة عظيمة وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ، و«هذا» إشارة إلى الخلق على أن المراد به المخلوق ، أو إلى السماوات والأرض لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل : ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً { سبحانك } تنزيهاً لك عن الوصف بخلق الباطل وهو اعتراض { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } الفاء دخلت لمعنى الجزاء تقديره إذا نزهناك فقنا .","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أهنته أو أهلكته أو فضحته ، واحتج أهل الوعيد بالآية مع قوله : { يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ } [ التحريم : 8 ] . في أن من يدخل النار لا يكون مؤمناً ويخلد . قلنا : قال جابر : إخزاء المؤمن تأديبه وإن فوق ذلك لخزياً { وَمَا للظالمين } اللام إشارة إلى من يدخل النار والمراد الكفار { مِنْ أَنصَارٍ } من أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً } تقول : سمعت رجلاً يقول كذا ، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع فأغناك عن ذكره ، ولولا الوصف لم يكن منه بد وأن يقال سمعت كلام فلان . والمنادي هو الرسول عليه السلام أو القرآن { يُنَادِى للإيمان } لأجل الإيمان بالله ، وفيه تفخيم لشأن المنادي إذ لا منادي أعظم من منادٍ ينادي للإيمان { أَنْ ءَامِنُواْ } بأن آمنوا أو أي آمنوا { بِرَبّكُمْ فَئَامَنَّا } قال الشيخ أبو منصور C : فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان { رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } كبائرنا { وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا } صغائرنا { وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم ، والأبرار والمتمسكون بالسنة جمع «بر» أو «بار» ك «رب» وأرباب وصاحب وأصحاب { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } أي على تصديق رسلك ، أو ما وعدتنا منزلاً على رسلك ، أو على ألسنة رسلك ، و «على» متعلق ب «وعدتنا» والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء . وإنما طلبوا إنجاز ما وعد الله والله لا يخلف الميعاد لأن معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد ، أو المراد اجعلنا ممن لهم الوعد إذ الوعد غير مبين لمن هو ، أو المراد ثبتنا على ما يوصلنا إلى عدتك يؤيده قوله { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } أو هو إظهار للخضوع والضراعة { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } هو مصدر بمعنى الوعد .\r{ فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } أي أجاب يقال استجاب له واستجابه { أَنّى } بأني { لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } «منكم» صفة ل عامل { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } بيان ل «عامل» { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر كلكم بنو آدم ، أو بعضكم من بعض في النصرة والدين ، وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده العاملين . عن جعفر الصادق Bه : من حزبه أمر فقال خمس مرات : «ربنا» ، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ الآيات . { فالذين هاجروا } مبتدأ وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له كأنه قال : فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم إلى حيث يأمنون عليه ، فالهجرة كائنة في آخر الزمان كما كانت في أول الإسلام { وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم } التي ولدوا فيها ونشأوا { وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } بالشتم والضرب ونهب المال يريد سبيل الدين { وقاتلوا وَقُتِلُواْ } وغزوا المشركين واستشهدوا ، «وقتّلوا» : مكي وشامي ، «وقتلوا وقاتلوا» على التقديم والتأخير : حمزة وعلي .","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"وفيه دليل على أن الواو لا توجب الترتيب والخبر . { لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } وهو جواب قسم محذوف { ثَوَاباً } في موضع المصدر المؤكد يعني إثابة أو تثويباً { مِنْ عِندِ الله } لأن قوله «لأكفرن عنهم ولأدخلنهم» في معنى لأثيبنهم { والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } أي يختص به ولا يقدر عليه غيره .\rوروي أن طائفة من المؤمنين قالوا : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع ، فنزل { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد } والخطاب لكل أحد أو للنبي عليه السلام والمراد به غيره ، أو لأن مدره القوم ومقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً فكأنه قيل : لا يغرنكم . أو لأن رسول الله A كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه كقوله { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين } [ القصص : 86 ] { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة : 7 ] { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ } ( النساء 136 ) .\r{ متاع قَلِيلٌ } خبر مبتدإ محذوف أي تقلبهم في البلاد متاع قليل ، وأراد قتله في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب ، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد } وساء ما مهدوا لأنفسهم { لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ } عن الشرك { لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ } النزل والنزل ما يقام للنازل وهو حال من «جنات» لتخصصها بالصفة ، والعامل اللام في «لهم» أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقاً أو عطاء { مّن عند اللّه } صفة له { وَمَا عِندَ الله } من الكثير الدائم { خَيْرٌ لّلابْرَارِ } مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل . «لكن» بالتشديد : يزيد وهو للاستدراك أي لإبقاء لتمتعهم لكن ذلك للذين اتقوا . ونزلت في ابن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب ، أو في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا .\r{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله } دخلت لام الابتداء على اسم «إن» لفصل الظرف بينهما { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الكتابين { خاشعين للَّهِ } حال من فاعل «يؤمن» لأن من يؤمن في معنى الجمع { لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً } كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم وهو حال بعد حال أي غير مشترين { أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعده في قوله","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين } [ القصص : 54 ] { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } لنفوذ علمه في كل شيء . { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا } على الدين وتكاليفه . قال الجنيد Bه : الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع { وَصَابِرُواْ } أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً { وَرَابِطُواْ } وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } الفلاح : البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه ، و «لعل» لتغييب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال . وقيل : اصبروا في محبتي ، وصابروا في نعمتي ، ورابطوا أنفسكم في خدمتي لعلكم تفلحون تظفرون بقربتي . قال النبي A \" اقرأوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما \" والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"نزلت بالمدينة آياتها مائة وست وسبعون آية\r{ يَا أَيُّهَا الناس } يا بني آدم { اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } معطوف على محذوف كأنه قيل : من نفس واحدة أنشأها وخلق منها زوجها ، والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء من ضلع من أضلاعه { وَبَثَّ مِنْهُمَا } ونشر من آدم وحواء { رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } كثيرة أي وبث منهما نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث ، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقهم منها ، أو على خلقكم والخطاب في «يا أيها الناس» للذين بعث إليهم رسول الله A ، والمعنى خلقكم من نفس آدم وخلق منها أمكم حواء وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء غيركم من الأمم الفائتة للحصر . فإن قلت : الذي تقتضيه جزالة النظم أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يعدو إليها ، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره داعياً إليها؟ قلت : لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة ، ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء ، ومن المقدورات عقاب الكفار والفجار فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه ، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها . قال عليه السلام عند نزول الآية \" خلقت المرأة من الرجل فهمّها في الرجل وخلق الرجل من التراب فهمّه في التراب \" { واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ } والأصل «تتساءلون» فأدغمت التاء في السين بعد إبدالها سيناً لقرب التاء من السين للهمس . «تساءلون به» بالتخفيف : كوفي على حذف التاء الثانية استثقالاً لاجتماع التاءين أي يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم فيقول بالله وبالرحم : افعل كذا على سبيل الاستعطاف { والأرحام } بالنصب على أنه معطوف على اسم الله تعالى أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، أو على موضع الجار والمجرور كقولك «مررت بزيد وعمراً» ، وبالجر : حمزة على عطف الظاهر على الضمير وهو ضعيف ، لأن الضمير المتصل كاسمه متصل والجار والمجرور كشيء واحد فأشبه العطف على بعض الكلمة { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } حافظاً أو عالماً .\r{ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } يعني الذين ماتت آباؤهم فانفردوا عنهم . واليتم : الانفراد ومنه الدرة اليتيمة ، وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء ، وفي البهائم من قبل الأمهات ، وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال ، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم .","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"وقوله عليه السلام \" لا يتم بعد الحلم \" تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار . والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ ، وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر ، وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ أن أونس منهم الرشد ، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب } ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم ، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها . والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } «إلى» متعلقة بمحذوف وهي في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم . والمعنى ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم وتسوية بينه وبين الحلال { إنّهُ } إن أكلها { كَانَ حُوباً كَبِيراً } ذنباً عظيماً { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ } أي لا تعدلوا . أقسط أي عدل { فِى اليتامى } يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة ويتيم ، وأما أيتام فجمع يتيم لا غير { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ } ما حل لكم { مّنَ النساء } لأن منهن ماحرم الله كاللاتي في آية التحريم . وقيل : «ما» ذهاباً إلى الصفة لأن ما يجيء في صفات من يعقل فكأنه قيل : الطيبات من النساء ، ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ومنه قوله تعالى { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } قيل : كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات ، أو كانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ولا يتحرجون من الاستكثار من النساء مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن فكأنه قيل : إذا تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذلك . وقيل : وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا من البالغات . يقال طابت الثمرة أي أدركت { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } نكرات . وإنما منعت الصرف للعدل والوصف ، وعليه دل كلام سيبويه ومحلهن النصب على الحال «من النساء» أو «مما طاب» تقديره : فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً . فإن قلت : الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع ، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت : الخطاب للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، ولو أفردت لم يكن له معنى .","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"وجيء بالواو لتدل على تجويز الجمع بين الفرق ، ولو جيء ب «أو» مكانها لذهب معنى التجويز { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين هذه الأعداد { فواحدة } فالزموا أو فاختاروا واحدة { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } سوّى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر { ذلك } إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري { أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } أقرب من أن لا تميلوا ولا تجوروا ، يقال عال الميزان عولاً إذا مال ، وعال الحاكم في حكمه إذا جار . ويحكى عن الشافعي C أنه فسر « أن لا تعولوا» أن لا تكثر عيالكم واعترضوا عليه بأنه يقال : أعال يعيل إذا كثر عياله . وأجيب بأن يجعل من قولك «عال الرجل عياله يعولهم» كقولك «مانهم يمونهم» إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال . وكلام مثله من أعلام العلم حقيق بالحمل على السداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا كأنه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات { وَءاتُواْ النساء صدقاتهن } مهورهن { نِحْلَةً } من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً ، وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قال : وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم ، أو على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء ، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس . وقيل : نحلة من الله تعالى عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن . وقيل : النحلة الملة وفلان ينتحل كذا أي يدين به يعني وآتوهن مهورهن ديانة على أنها مفعول لها . والخطاب للأزواج ، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } للأزواج { عَن شَىْء مّنْهُ } أي من الصداق إذ هو في معنى الصدقات { نَفْساً } تمييز وتوحيدها لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه ، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصدقات وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقهم وسوء معاشرتكم . وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل« فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً» ولم يقل «فإن وهبن لكم» إعلاماً بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة { فَكُلُوهُ } الهاء يعود على «شيء» { هَنِيئَاً } لا إثم فيه { مَّرِيئاً } لا داء فيه ، فسرهما النبي عليه السلام أو هنيئاً في الدنيا بلا مطالبة ، مريئاً في العقبى بلا تبعة ، وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه ، وهما وصف مصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً ، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة . هنياً مرياً بغير همز : يزيد ، وكذا حمزة في الوقف ، وهمزهما الباقون . وعن علي Bه : إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها عسلاً فليشربه بماء السماء فيجمع الله له هنيئاً ومريئاً وشفاء ومباركاً .","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"{ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء } المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا قدرة لهم على إصلاحها وتثميرها والتصرف فيها ، والخطاب للأولياء . وأضاف إلى الأولياء أموال السفهاء بقوله { أموالكم } لأنهم يلونها ويمسكونها { التي جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } أي قواماً لأبدانكم ومعاشاً لأهلكم وأولادكم . قيما بمعنى قياماً : نافع وشامي كما جاء «عوذا» بمعنى «عياذا» . وأصل قيام قوام فجعلت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن ، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس ، وعن سفيان وكان له بضاعة يقلبها لولاها لتمندل بي بنو العباس { وارزقوهم فِيهَا } واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الإنفاق { واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال ابن جريج : عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم ، وكل ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف ، وما أنكرته لقبحه فهو منكر . { وابتلوا اليتامى } واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ ، فالابتلاء عندنا أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى تتبين حاله فيما يجيء منه ، وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة { حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } أي الحلم لأنه يصلح للنكاح عنده ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد { فَإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ } تبينتم { رَشَدًا } هداية في التصرفات وصلاحاً في المعاملات { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } من غير تأخير عن حد البلوغ ، ونظم هذا الكلام أن ما بعد «حتى» إلى { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } جعل غاية للابتلاء وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله :\rحتى ماء دجلة أشكل\rوالواقعة بعدها جملة شرطية لأن «إذا» متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط «بلغوا النكاح»وقوله : «فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم» جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو «إذا بلغوا النكاح»فكأنه قيل : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم . وتنكير الرشد يفيد أن المراد رشد مخصوص وهو الرشد في التصرف والتجارة ، أو يفيد التقليل أي طرفاً من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد وهو دليل لأبي حنيفة C في دفع المال عند بلوغ خمس وعشرين سنة . { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم ف «إسرافاً» و«بداراً» } مصدران في موضع الحال و«أن يكبروا» في موضع المصدر منصوب الموضع ب «بداراً» ، ويجوز أن يكونا مفعولاً لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيراً ، فالغني يستعف من أكلها أي يحترز من أكل مال اليتيم ، واستعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في أكله .","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"عن إبراهيم . ما سد الجوعة ووارى العورة { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } بأنهم تسلموها وقبضوها دفعاً للتجاحد وتفادياً عن توجه اليمين عليكم عند التخاصم والتناكر { وكفى بالله حَسِيباً } محاسباً فعليكم بالتصادق وإياكم والتكاذب ، أو هو راجع إلى قوله «فليأكل بالمعروف» أي ولا يسرف فإن الله يحاسبه عليه ويجازيه به . وفاعل«كفى» لفظة «الله» والباء زائدة و «كفى» يتعدى إلى مفعولين دليله { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } [ البقرة : 137 ] .\r{ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } بدل «مما ترك» بتكرير العامل والضمير في «منه» يعود إلى ما ترك «نصيباً» نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيباً { مّفروضاً } مقطوعاً لا بد لهم من أن يحوزوه . روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن ، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون : لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة . فجاءت أم كحة إلى رسول الله A فشكت فقال : إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله فنزلت الآية ، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم وإذا حضر القسمة أي قسمة التركة أولوا القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين من الأجانب فارزقوهم فأعطوهم مّنه مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باقٍ لم ينسخ . وقيل : كان واجباً في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث { *** } مقطوعاً لا بد لهم من أن يجوزوه . روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن ، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون : لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة . فجاءت أم كحة إلى رسول الله A فشكت فقال : \" إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله \" فنزلت الآية ، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت «يوصيكم الله» فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم { وإذا حضر القسمة } أي قسمة التركة { أولوا القربى } ممن لا يرث { واليتامى والمساكين } من الأجانب { فارزقوهم } فأعطوهم { مّنه } مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باقٍ لم ينسخ .","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"وقيل : كان واجباً في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } عذراً جميلاً وعدة حسنة ، وقيل : القول المعروف أن يقولوا لهم : خذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم .\r{ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } المراد بهم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً ، وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوره حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة . «ولو» مع ما في حيزه صلة ل «الذين» أي وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم . وجواب «لو» : «خافوا» ، والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم ب يا بني ويا ولدي . { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } ظالمين فهو مصدر في موضع الحال { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم { نَارًا } أي يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار . روي أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل من مال اليتيم في الدنيا { وَسَيَصْلَوْنَ } «وسَيُصلون» شامي وأبو بكر { سَعِيراً } ناراً من النيران مبهمة الوصف .\r{ يُوصِيكُمُ الله } يعهد إليكم ويأمركم { فِى أولادكم } في شأن ميراثهم وهذا إجمال تفصيله { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } أي للذكر منهم أي من أولادكم فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم كقولهم «السمن منوان بدرهم» وبدأ بحظ الذكر ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك ، ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية فقيل : كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به . والمراد حال الاجتماع أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان كما أن لهما سهمين ، وأما في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كله ، والبنتان تأخذان الثلثين ، والدليل عليه أنه أتبعه حكم الانفراد بقوله { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } أي فإن كانت الأولاد نساء خلصاً يعني بناتاً ليس معهن ابن { فَوْقَ اثنتين } خبر ثانٍ لكان أو صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } أي الميت لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت { وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف } أي وإن كانت المولودة منفردةٌ .","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"«واحدة » : مدني على «كان» التامة والنصب أوفق لقوله «فإن كن نساء» . فإن قلت : قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد ، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما؟ قلت : حكمهما مختلف فيه؛ فابن عباس Bهما نزلهما منزلة الواحدة لا منزلة الجماعة ، وغيره من الصحابة Bهم أعطوهما حكم الجماعة بمقتضى قوله { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } وذلك لأن من مات وخلف بنتاً وابناً فالثلث للبنت والثلثان للابن ، فإذا كان الثلث لبنت واحدة كان الثلثان للبنتين ، ولأنه قال في آخر السورة { إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } . والبنتان أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين ، ولم ينقصوا حظهما عن حظ من هو أبعد منهما ، ولأن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كان أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه فوجب لهما الثلثان . وفي الآية دلالة على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى ، لأنه جعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وقد جعل للأنثى النصف إذا كانت منفردة فعلم أن للذكر في حال الانفراد ضعف النصف وهو الكل .\rوالضمير في { وَلأَبَوَيْهِ } للميت والمراد الأب والأم إلا أنه غلب الذكر { لِكُلِّ واحد مّنْهُمَا السدس } بدل من لأبويه بتكرير العامل وفائدة هذا البدل أنه لو قيل «ولأبويه السدس» لكان ظاهره اشتراكهما فيه ، ولو قيل «ولأبويه السدسان» لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها ، ولو قيل «ولكل واحد من أبويه السدس» لذهبت فائدة التأكيد وهو التفصيل بعد الإجمال . والسدس مبتدأ خبره لأبويه والبدل متوسط بينهما للبيان ، وقرأ الحسن السدس والربع والثمن والثلث بالتخفيف { مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } هو يقع على الذكر والأنثى { فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ الثلث } أي مما ترك والمعنى وورثه أبواه فحسب ، لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين كان للأم ثلث ما يبقى بعد إخراج نصيب الزوج لا ثلث ما ترك ، لأن الأب أقوى من الأم في الإرث بدليل أن له ضعف حظها إذا خلصا . فلو ضرب لها الثلث كاملاً لأدى إلى حظ نصيبه عن نصيبها؛ فإن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب ، حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين . «فلأمه» بكسر الهمزة : حمزة وعلي لمجاورة كسر اللام { فَإِن كَانَ لَهُ } أي للميت { إِخْوَةٌ فَلأِمِهِ السدس } إذا كان للميت اثنان من الإخوة والأخوات فصاعداً ، فلأمه السدس .","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"والأخ الواحد لا يحجب ، والأعيان والعلات والأخياف في حجب الأم سواء { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما يليه وحده كأنه قيل : قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية { يُوصِى بِهَا } هو وما بعده بفتح الصاد : مكي وشامي وحماد ويحيى وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية لمجاورة «يورث» ، وكسر الأولى لمجاورة «يوصيكم الله » . الباقون : بكسر الصادين أي يوصى بها الميت . { أَوْ دَيْنٍ } والإشكال أن الدّين مقدم على الوصية في الشرع ، وقدمت الوصية على الدين في التلاوة . والجواب إن «أو» لا تدل على الترتيب ، ألا ترى أنك إذا قلت «جاءني زيد أو عمرو» كان المعنى جاءني أحد الرجلين فكان التقدير في قوله «من بعد وصية يوصى بها» أو دين من بعد أحد هذين الشيئين : الوصية أو الدين . ولو قيل بهذا اللفظ لم يدر فيه الترتيب ، بل يجوز تقديم المؤخر وتأخير المقدم كذا هنا . وإنما قدمنا الدين على الوصية بقوله عليه السلام \" ألا إن الدّين قبل الوصية \" ولأنها تشبه الميراث من حيث إنها صلة بلا عوض فكان إخراجها مما يشق على الورثة ، وكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فقدمت على الدين ليسارعوا إلى إخراجها مع الدين { ءابَاؤُكُمْ } مبتدأ { وَأَبناؤُكُمْ } عطف عليه والخبر { لاَ تَدْرُونَ } وقوله { أَيُّهُم } مبتدأ خبره { أَقْرَبُ لَكُمْ } والجملة في موضع نصب ب « تدرون» { نَفْعاً } تمييز والمعنى : فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة ، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة ، والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع وأنتم لا تدرون تفاوتها فتولى الله ذلك فضلاً منه ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير . وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لا موضع لها من الإعراب { فَرِيضَةً } نصبت نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضاً { مّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بالأشياء قبل خلقها { حَكِيماً } في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها .","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم } أي زوجاتكم { إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ } أي ابن أو بنت { فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ } منكم أو من غيركم { فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُم وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ْ } والواحد والجماعة سواء في الربع والثمن ، جعل ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجة لدلالة قوله : «للذكر مثل حظ الأُنثيين» . { وَإِن كَانَ رَجُلٌ } يعني للميت وهو اسم «كان» { يُورَثُ } من ورث أي يورث منه وهو صفة ل «رجل» { كلالة } خبر «كان» أي وإن كان رجل موروث منه كلالة أو يورث خبر «كان» وكلالة حال من الضمير في يورث . والكلالة تطلق على من لم يخلف ولداً ولا ولداً وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين ، وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء { أَو امرأة } عطف على رجل { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي لأم فإن قلت : قد تقدم ذكر الرجل والمرأة فلم أفرد الضمير وذكره؟ قلت : أما إفراده فلأن «أو» لأحد الشيئين ، وأما تذكيره فلأنه يرجع إلى رجل لأنه مذكر مبدوء به ، أو يرجع إلى أحدهما وهو مذكر { فَلِكُلِّ واحد مّنْهُمَا السدس فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك } من واحد { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثلث } لأنهم يستحقون بقرابة الأم وهي لا ترث أكثر من الثلث ولهذا لا يفضل الذكر منهم على الأنثى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } إنما كررت الوصية لاختلاف الموصين ، فالأول الوالدان والأولاد ، والثاني الزوجة ، والثالث الزوج ، والرابع الكلالة . { غَيْرَ مُضَارٍّ } حال أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته وذلك بأن يوصي بزيادة على الثلث أو لوارث { وَصِيَّةً مّنَ الله } مصدر مؤكد أي يوصيكم بذلك وصية { والله عَلِيمٌ } بمن جار أو عدل في وصيته { حَلِيمٌ } على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد . فإن قلت : فأين ذو الحال فيمن قرأ «يوصي بها»؟ قلت : يضمر «يوصي» فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل «يوصي بها» علم أن ثمّ موصياً كما كان { رِجَالٌ } فاعل ما يدل عليه { يُسَبّحُ } ) النور : 36 ) لأنه لما قيل { يُسَبّحُ لَهُ } علم أن ثم مسبحاً فأضمر «يسبح» .\rواعلم أن الورثة أصناف أصحاب الفرائض وهم الذين لهم سهام مقدرة كالبنت ولها النصف ، وللأكثر الثلثان ، وبنت الابن وإن سفلت وهي عند عدم الولد كالبنت ولها مع البنت الصلبية السدس ، وتسقط بالابن وبنتي الصلب إلا أن يكون معها أو أسفل منها غلام فيعصبها ، والأخوات لأب وأم وهن عند عدم الولد وولد الابن كالبنات والأخوات لأب ، وهن كالأخوات لأب وأم عند عدمهن ، ويصير الفريقان عصبة مع البنت أو بنت الابن ، ويسقطن بالابن وابنه وإن سفل ، والأب وبالجد عند أبي حنيفة C وولد الأم فللواحد السدس وللأكثر الثلث ، وذكرهم كأنثاهم ويسقطون بالولد وولد الابن وإن سفل والأب والجد .","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"والأب وله السدس مع الابن أو ابن الابن وإن سفل ، ومع البنت أو بنت الابن وإن سفلت السدس والباقي . والجد وهو أبو الأب وهو كالأب عند عدمه إلا في رد الأم إلى ثلث ما يبقى ، والأم ولها السدس مع الولد أو ولد الابن وإن سفل ، أو الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً من أي جهة كانا ، وثلث الكل عند عدمهم وثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين . والجدة ولها السدس وإن كثرت لأم كانت أو لأب ، والبعدى تحجب بالقربى ، والكل بالأم والأبويات بالأب ، والزوج وله الربع مع الولد أو ولد الابن وإن سفل ، وعند عدمه النصف . والزوجة ولها الثمن مع الولد أو ولد الابن وإن سفل وعند عدمه الربع . والعصبات وهم الذين يرثون ما بقي من الفرض وأولاهم . الابن ثم ابنه وإن سفل ، ثم الأب ثم أبوه وإن علا ، ثم الأخ لأب وأم ، ثم الأخ لأب ، ثم ابن الأخ لأب وأم ، ثم ابن الأخ لأب ، ثم الأعمام ، ثم أعمام الأب ، ثم أعمام الجد ، ثم المعتق ، ثم عصبته على الترتيب . واللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بأخواتهن لا غيرهن . وذوو الأرحام وهم الأقارب الذين ليسوا من العصبات ولا من أصحاب الفرائض وترتيبهم كترتيب العصبات .\r{ تِلْكَ } إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث { حُدُودُ الله } سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزها { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهر خالدين فِيهَا وذلك الفوز العظيم * وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا } انتصب «خالدين» و«خالداً» على الحال ، وجمع مرة وأفرد أخرى نظراً إلى معنى «من» ولفظها . «ندخله» فيهما : مدني وشامي { وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } لهوانه عند الله . ولا تعلق للمعتزلة بالآية فإنها في حق الكفار إذ الكافر هو الذي تعدى الحدود كلها ، وأما المؤمن العاصي فهو مطيع بالإيمان غير متعدٍ حد التوحيد ولهذا فسر الضحاك المعصية هنا بالشرك . وقال الكلبي : ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالاً ثم خاطب الحكام فقال :\r{ واللفاتى } هي جمع «التي» وموضعها رفع بالابتداء { يَأْتِينَ الفاحشة } أي الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح . يقال أتى الفاحشة وجاءها ورهقها وغشيها بمعنى { مِّن نِّسَائِكُمُ } « من» للتبعيض والخبر { فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ } فاطلبوا الشهادة { أَرْبَعةً مّنْكُمْ } من المؤمنين { فَإِن شَهِدُواْ } بالزنا { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت } فاحبسوهن { حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت } أي ملائكة الموت كقوله","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"{ الذين تتوفاهم الملائكة } [ النحل : 28 ] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن { أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ } قيل «أو» بمعنى «إلا أن» { سَبِيلاً } غير هذه . عن ابن عباس Bهما : السبيل للبكر جلد مائة وتغريب عام وللثيب الرجم لقوله عليه السلام \" خذوا عني ، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة \" والّذان } يريد الزاني والزانية . وبتشديد النون : مكي { يأتيانها مِنكُمْ } أي الفاحشة { فَئَاذُوهُمَا } بالتوبيخ والتعيير وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله { فَإِن تَابَا } عن الفاحشة { وَأَصْلَحَا } وغير الحال { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } فاقطعوا التوبيخ والمذمة { إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً } يقبل توبة التائب ويرحمه . قال الحسن : أول ما نزل من حد الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم ، فكان ترتيب النزول على خلاف ترتيب التلاوة . والحاصل أنهما إذا كانا محصنين فحدهما الرجم لا غير ، وإذا كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير ، وإن كان أحدهما محصناً والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد ، وقال ابن بحر : الآية الأولى في السحّاقات ، والثانية في اللواطين ، والتي في سورة النور في الزاني والزانية وهو دليل ظاهر لأبي حنيفة C في أنه يعزر في اللواطة ولا يحد . وقال مجاهد : آية الأذى في اللواطة { إِنَّمَا التوبة } هي من تاب الله عليه إذا قبل توبته أي إنما قبولها { عَلَى الله } وليس المراد به الوجوب إذ لا يجب على الله شيء ولكنه تأكيد للوعد يعني أنه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء } الذنب لسوء عقابه { بِجَهَالَةٍ } في موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه . وعن مجاهد : من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته . وقيل : جهالته اختياره اللذة الفانية على الباقية . وقيل : لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل كنه عقوبته . { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } من زمان قريب وهو ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله : «حتى إذا حضر أحدهم الموت» . فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة . وعن الضحاك : كل توبة قبل الموت فهو قريب . وعن ابن عباس Bهما : قبل أن ينظر إلى ملك الموت . وعنه A \" إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر \" و«من» للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً { فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ } عدة بأنه يفي بذلك وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة { وَكَانَ الله عَلِيماً } بعزمهم على التوبة { حَكِيماً } حكم بكون الندم توبة .","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"{ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّي تُبْتُ الآن } أي ولا توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال التكليف بحضور أسباب الموت ومعاينة ملك الموت ، فإن توبة هؤلاء غير مقبولة لأنها حالة اضطرار لا حالة اختيار ، وقبول التوبة ثواب ولا وعد به إلا لمختار { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ } في موضع جر بالعطف على «للذين يعملون السيئات» أي ليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا للذين يموتون { وَهُمْ كُفَّارٌ } قال سعيد بن جبير : الآية الأولى في المؤمنين ، والوسطى في المنافقين ، والآخرى في الكافرين . وفي بعض المصاحف بلامين وهو مبتدأ خبره . { أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أي هيأنا من العتيد وهو الحاضر أو الأصل أعددنا فقلبت الدال تاء . كان الرجل يرث امرأة مورثه بأن يلقي عليها ثوبه فيتزوجها بلا مهر فنزلت { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً } أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات « كرهاً » بالفتح من الكراهة وبالضم : حمزة وعلي من الإكراه مصدر في موضع الحال من المفعول . والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه ، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه كما في قوله : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء : 31 ] . وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة لتفتدي منه بمالها وتختلع فقيل { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } وهو منصوب عطفاً على «أن ترثوا» و«لا» لتأكيد النفي أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن ، أو مجزوم بالنهي على الاستئناف فيجوز الوقف حينئذ على « كرها» . والعضل : الحبس والتضييق { لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } من المهر واللام متعلقة ب «تعضلوا» { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } هي النشوز وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع . وعن الحسن : الفاحشة الزنا فإن فعلت حل لزوجها أن يسألها الخلع { مُّبَيِّنَةٍ } وبفتح الياء : مكي وأبو بكر ، والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له كأنه قيل : ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة ، أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة . وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم : { وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } لقبحهن أو سوء خلقهن { فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ } في ذلك الشيء أو في الكره { خَيْراً كَثِيراً } ثواباً جزيلاً أو ولداً صالحاً . والمعنى فإن كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين ، وأدنى إلى الخير ، وأحبت ما هو بضد ذلك ولكن للنظر في أسباب الصلاح .","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"وإنما صح قوله { فعسى أَن تَكْرَهُواْ } جزاء للشرط لأن المعنى : فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه .\rوكان الرجل إذا رأى امرأة فأعجبته بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها فقيل : { وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } أي تطليق امرأة وتزوج أخرى { وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ } وأعطيتم إحدى الزوجات ، فالمراد بالزوج الجمع لأن الخطاب لجماعة الرجال { قِنْطَاراً } مالاً عظيماً كما في «آل عمران» . وقال عمر Bه على المنبر : لا تغالوا بصدقات النساء . فقالت امرأة : أنتبع قولك أم قول الله : { وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنطَاراً } . فقال عمر : كل أحد أعلم من عمر ، تزوجوا على ما شئتم { فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ } من القنطار { شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً } أي بيناً ، والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير . وانتصب بهتاناً على الحال أي باهتين وآثمين . ثم أنكر أخذ المهر بعد الإفضاء فقال { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ } أي خلا بلا حائل ومنه الفضاء ، والآية حجة لنا في الخلوة الصحيحة أنها تؤكد المهر حيث أنكر الأخذ وعلل بذلك { وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً } عهداً وثيقاً وهو قول الله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } [ البقرة : 229 ] . والله تعالى أخذ هذا الميثاق عى عباده لأجلهن فهو كأخذهن ، أو قول النبي عليه السلام \" استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله \" ولما نزل «لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً» قالوا : تركنا هذا لا نرثهن كرهاً ولكن نخطبهن فننكحهن برضاهن فقيل لهم :\r{ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء } وقيل : المراد بالنكاح الوطء أي لا تطئوا ما وطيء آباؤكم ، وفيه تحريم وطء موطوءة الأب بنكاح أو بملك يمين أو بزنا كما هو مذهبنا وعليه كثير من المفسرين . ولما قالوا : كنا نفعل ذلك فكيف حال ما كان منا؟ قال : { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } أي لكن ما قد سلف فإنكم لا تؤاخذون به ، والاستثناء منقطع عن سيبويه . ثم بين صفة هذا العقد في الحال فقال { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } بالغة في القبح { وَمَقْتاً } وبغضاً عند الله وعند المؤمنين وناس منهم يمقتونه من ذوي مروآتهم ويسمونه نكاح المقت وكان المولود عليه يقال له المقتى { وَسَاءَ سَبِيلاً } وبئس الطريق طريقاً ذلك .\rولما ذكر في أول السورة نكاح ما طاب أي حل من النساء وذكر بعض ما حرم قبل هذا وهو نساء الآباء ذكر المحرمات الباقيات وهن سبع من النسب وسبع من السبب ، وبدأ بالنسب فقال :\r{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } والمراد تحريم نكاحهن عند البعض ، وقد ذكرنا المختار في شرح المنار .","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"والجدة من قبل الأم أو الأب ملحقة بهن { وبناتكم } وبنات الابن وبنات البنت ملحقات بهن ، والأصل أن الجمع إذا قوبل بالجمع ينقسم الآحاد على الآحاد فتحرم على كل واحد أمه وبنته { وأخواتكم } لأب وأم أو لأب أو لأم { وعماتكم } من الأوجه الثلاثة { وخالاتكم } كذلك { وَبَنَاتُ الأخ } كذلك { وَبَنَاتُ الأخت } كذلك . ثم شرع في السبب فقال { وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة } الله تعالى نزل الرضاعة منزلة النسب فسمى المرضعة ، أما للرضيع والمراضعة أختاً وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير الرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها خالته ، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم ، وأصله قوله عليه السلام \" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب \" { وأمهات نِسَائِكُمْ } وهن محرمات بمجرد العقد { وَرَبَائِبُكُمُ } سمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة لأنه يربّهما كما يرب ولده في غالب الأمر ، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما { الاتى فِي حُجُورِكُمْ } قال داود : إذ لم تكن في حجره لا تحرم . قلنا : ذكر الحجر على غلبة الحال دون الشرط ، وفائدته التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم { مّن نِّسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } متعلق ب «ربائبكم» أي الربيبة من المرأة المدخول بها حرام على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها . والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم «بنى عليها وضرب عليها الحجاب» أي أدخلتموهن الستر والباء للتعدية . واللمس ونحوه يقوم مقام الدخول ، وقد جعل بعض العلماء « اللاتي دخلتم بهن» وصفاً للنساء المتقدمة والمتأخرة وليس كذلك ، لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل ، وهذا لأن النساء الأولى مجرورة بالإضافة ، والثانية ب «من» ، ولا يجوز أن تقول «مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات» على أن تكون الظريفات نعتاً لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء كذا قال الزجاج وغيره ، وهذا أولى مما قاله صاحب الكشاف فيه . { فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذا فارقتموهن أو متن { وحلائل أَبْنَائِكُمُ } جمع حليلة وهي الزوجة لأن كل واحد منهما يحل للآخر ، أو يحل فراش الآخر من الحل ، أو من الحلول { الذين مِنْ أصلابكم } دون من تبنيتم فقد تزوج رسول الله A زينب حين فارقها زيد وقال الله تعالى :","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"{ لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } [ الأحزاب : 37 ] . وليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن من الرضاع { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين } أي في النكاح وهو في موضع الرفع عطف على المحرمات أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } وعن محمد بن الحسن C أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون هذه المحرمات إلا نكاح امرأة الأب ونكاح الأختين فلذا قال فيهما : .\r«إلا ما قد سلف»","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"{ والمحصنات مِنَ النساء } أي ذوات الأزواج لأنهن أحصنّ فروجهن بالتزوج . قرأ الكسائي بفتح الصاد هنا وفي سائر القرآن بكسرها وغيره بفتحها في جميع القرآن { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } بالسبي وزوجها في دار الحرب . والمعنى وحرم عليكم نكاح المنكوحات أي اللاتي لهن أزواج إلا ما ملكتموهن بسبيهن وإخراجهن بدون أزواجهن لوقوع الفرقة بتباين الدارين لا بالسبي ، فتحل الغنائم بملك اليمين بعد الاستبراء { كتاب الله عَلَيْكُمْ } مصدر مؤكد أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فريضة وهو تحريم ما حرم وعطف { وَأُحِلَّ لَكُمْ } على الفعل المضر الذي نصب كتاب الله أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحل لكم { مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ما سوى الحرمات المذكورة . «وأحل» : كوفي غير أبي بكر عطف على «حرمت» { أَن تَبْتَغُواْ } مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم لأن تبتغوا ، أو بدل مما «وراء ذلكم» ومفعول «تبتغوا» مقدر وهو النساء ، والأجود أن لا يقدر { بأموالكم } يعني المهور ، وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر ، وأنه يجب وإن لم يسم ، وأن غير المال لا يصلح مهراً ، وأن القليل لا يصلح مهراً إذ الحبة لا تعد مالاً عادة { مُّحْصِنِينَ } في حال كونكم محصنين { غَيْرَ مسافحين } لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم ، ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين . والإحصان العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام ، والمسافح الزاني من السفح وهو صب المني { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } فما نكحتموه منهن { فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهن لأن المهر ثواب على البضع ف «ما» في معنى النساء و«من» للتبعيض أو للبيان ويرجع الضمير إليه على اللفظ في «به» وعلى المعنى في «فآتوهن» { فَرِيضَةً } حال من الأجور أي مفروضة ، أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة . { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة } فيما تحط عنه من المهر ، أو تهب له من كله ، أو يزيد لها على مقداره ، أو فيما تراضيا به من مقام أو فراق { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بالأشياء قبل خلقها { حَكِيماً } فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب . وقيل : إن قوله «فما استمتعتم» نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله ثم نسخت .\r{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } فضلاً . يقال «لفلان عليّ طول» أي فضل وزيادة وهو مفعول «يستطع» { أَن يَنكِحَ } مفعول الطول فإنه مصدر فيعمل عمل فعله أو بدل من «طولاً» { المحصنات المؤمنات } الحرائر المسلمات { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات } أي فلينكحن مملوكة من الإماء المسلمات .","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"وقوله : «من فتياتكم» . أي من فتيات المسلمين والمعنى : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة ، ونكاح الأمة الكتابية يجوز عندنا والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط في الحرائر اتفاقاً مع التقييد به . وقال ابن عباس : ومما وسّع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً ، وفيه دليل لنا في مسألة الطول { والله أَعْلَمُ بإيمانكم } فيه تنبيه على قبول ظاهر إيمانهن ، ودليل على أن الإيمان هو التصديق دون عمل اللسان لأن العلم بالإيمان المسموع لا يختلف { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي لا تستنكفوا من نكاح الإماء فكلكم بنو آدم ، وهو تحذير عن التعيير بالأنساب والتفاخر بالأحساب { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } سادتهن وهو حجة لنا في أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم ، وأنه ليس للعبد أو للأمة أن يتزوج إلا بإذن المولى { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وإضرار وملاّك مهورهن مواليهن ، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي لأنهن وما في أيديهن مال الموالي ، أو التقدير : وآتوا مواليهن فحذف المضاف { محصنات } عفائف حال من المفعول في و«آتوهن» { غَيْرَ مسافحات } زوانٍ علانية { وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } زوانٍ : سراً والأخدان : الأخلاء في السر { أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ } بالتزويج . «أحصن» : كوفي غير حفص { فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة } زنا { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } أي الحرائر { مّنَ العذاب } من الحد يعني خمسين جلدة ، وقوله : «نصف ما على المحصنات » . يدل على أنه الجلد لا الرجم لأن الرجم لا يتنصف ، وأن المحصنات هنا الحرائر اللاتي لم يزوجن { ذلك } أي نكاح الإماء { لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ } لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة . وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر ، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم . وعن ابن عباس Bهما هو الزنا لأنه سبب الهلاك . { وَأَن تَصْبِرُواْ } في محل الرفع على الابتداء أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين { خَيْرٌ لَّكُمْ } لأن فيه إرقاق الولد ، ولأنها خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة وذلك كله نقصان يرجع إلى الناكح ومهانة والعزة من صفات المؤمنين ، وفي الحديث \" الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت \" { والله غَفُورٌ } يستر المحظور { رَّحِيمٌ } يكشف المحظور { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في «لا أبالك» لتأكيد إضافة الأب . والمعنى : يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ } وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف { والله عَلِيمٌ } بمصالح عباده { حَكِيمٌ } فيما شرع لهم { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } التكرير للتأكيد والتقرير والتقابل { وَيُرِيدُ } الفجرة { الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } وهو الميل عن القصد والحق ، ولا ميل أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات .","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"وقيل : هم اليهود لاستحلالهم الأخوات لأب وبنات الأخ وبنات الأخت ، فلما حرمهن الله قالوا : فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام ، فانكحوا بنات الأخت والأخ فنزلت . يقول : يريدون أن تكونوا زناة مثلهم { يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات . { يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا { إِلا أَن تَكُونَ تجارة } إلا أن تقع تجارة . « تجارة» : كوفي أي إلا أن تكون التجارة تجارة { عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } صفة ل «تجارة» أي تجارة صادرة عن تراض بالعقد أو بالتعاطي . والاستثناء منقطع معناه ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراضٍ ، أو ولكن كون تجارة عن تراضٍ غير منهي عنه . وخص التجارة بالذكر لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها ، والآية تدل على جواز البيع بالتعاطي وعلى جواز البيع الموقوف إذا وجدت الإجازة لوجود الرضا ، وعلى نفي خيار المجلس لأن فيها إباحة الاكل بالتجارة عن تراض من غير تقييد بالتفرق عن مكان العقد والتقييد به زيادة عن النص { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } من كان من جنسكم من المؤمنين لأن المؤمنين كنفس واحدة ، أو ولا يقتل الرجل نفسه كما يفعله الجهلة ، أو معنى القتل أكل الأموال بالباطل فظالم غيره كمهلك نفسه ، أو لا تتبعوا أهواءها فتقتلوها أو تركبوا ما يوجب القتل { إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } ولرحمته بكم نبهكم على ما فيه صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم . وقيل : معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم ، وكان بكم يا أمة محمد رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة .\r{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي القتل أي ومن يقدم على قتل الأنفس { عدوانا وَظُلْماً } لا خطأ ولا قصاصاً وهما مصدران في موضع الحال أو مفعول لهما { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } ندخله ناراً مخصوصة شديدة العذاب { وَكَانَ ذلك } أي إصلاؤه النار { عَلَى الله يَسِيراً } سهلاً وهذا الوعيد في حق المستحيل للتخليد ، وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته .","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم } عن ابن مسعود Bهما : الكبائر كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه» . وعنه أيضاً : الكبائر ثلاث : الإشراك بالله ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله . وقيل : المراد بها أنواع الكفر بدليل قراءة عبد الله «كبير ما تنهون عنه» وهو الكفر { وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً } «مدخلا» : مدني وكلاهما بمعنى المكان والمصدر كريما «حسناً» . وعن ابن عباس Bهما : ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت . « يريد الله ليبين لكم» . «والله يريد أن يتوب عليكم» . «يريد الله أن يخفف عنكم» . « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم » . «إن الله لا يغفر أن يشرك به» . «إن الله لا يظلم مثقال ذرة» . «ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه» . «ما يفعل الله بعذابكم» . وتشبث المعتزلة بالآية على أن الصغائر واجبة المغفرة باجتناب الكبائر ، وعلى أن الكبائر غير مغفورة باطل ، لأن الكبائر والصغائر في مشيئته تعالى سواء إن شاء عذب عليهما وإن شاء عفا عنهما لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فقد وعد المغفرة لما دون الشرك وقرنها بمشيئته تعالى . وقوله : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } [ هود : 114 ] . فهذه الآية تدل على أن الصغائر والكبائر يجوز أن يذهبا بالحسنات لأن لفظ السيئات ينطبق عليهما .\rولما كان أخذ مال الغير بالباطل وقتل النفس بغير حق بتمني مال الغير وجاهه نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال بقوله { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض ، فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له ولا يحسد أخاه على حظه ، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه ، والغبطة أن يتمنى مثل ما لغيره وهو مرخص فيه ، والأول منهي عنه . ولما قال الرجال : نرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كالميراث ، قالت النساء : يكون وزرنا على نصف وزر الرجال كالميراث نزل { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن } أي ليس ذلك على حسب الميراث { واسألوا الله مِن فَضْلِهِ } فإن خزائنه لا تنفد ولا تتمنوا ما للناس من الفضل { إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً } فالتفضيل منه عن علم بمواضع الاستحقاق . قال ابن عيينة : لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي وفي الحديث \" من لم يسأل الله من فضله غضب عليه \"","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"وفيه \" إن الله تعالى ليمسك الخير الكثير عن عبده ويقول : لا أعطي عبدي حتى يسألني \" « وسلوا» : مكي وعلي { وَلِكُلٍّ } المضاف إليه محذوف تقديره ولكل أحد أو ولكل مال { جَعَلْنَا مَوَالِيَ } ورّاثاً يلونه ويحرزونه { مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } هو صفة مال محذوف أي لكل مال مما تركه الوالدان ، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه الموالي تقديره : يرثون مما ترك { والذين عَقَدَتْ أيمانكم } عاقدتهم أيديكم وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره وهو { فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } مع الفاء . «عقدت» : كوفي أي عقدت عهودهم أيمانكم والمراد به عقد الموالاة وهي مشروعة . والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة Bهم وهو قولنا . وتفسيره إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول لآخر : واليتك على أن تعقلني إذا جنيت وترث مني إذا مت . ويقول الآخر : قبلت . انعقد ذلك ويرث الأعلى من الأسفل { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً } أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد .\r{ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } يقومون عليهن آمرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا وسموا قواماً لذلك { بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } الضمير في «بعضهم» للرجال والنساء يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن لسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال على بعض وهم النساء بالعقل والعزم والحزم والرأي والقوة والغزو وكمال الصوم والصلاة والنبوة والخلافة والإمامة والأذان والخطبة والجماعة والجمعة وتكبير التشريق عند أبي حنيفة C والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف الميراث والتعصيب فيه وملك النكاح والطلاق وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم . { وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم } وبأن نفقتهن عليهم وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم . ثم قسمهن على نوعين . النوع الأول { فالصالحات قانتات } مطيعات قائمات بما عليهن للأزواج { حفظات لّلْغَيْبِ } لمواجب الغيب وهو خلاف الشهادة أي إذ كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والبيوت والأموال . وقيل : للغيب لأسرارهم { بِمَا حَفِظَ الله } بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج بقوله : { وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } [ النساء : 19 ] . أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب ، أو بحفظ الله إياهن حيث صيرهن كذلك . والثاني { والاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج . والنشز : المكان المرتفع والنبوة . عن ابن عباس Bهما : هو أن تستخف بحقوق زوجها ولا تطيع أمره { فَعِظُوهُنَّ } خوفوهن عقوبة الله تعالى . والضرب والعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة { واهجروهن فِي المضاجع } في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف وهو كناية عن الجماع ، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع { واضربوهن } ضرباً غير مبرح .","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"أمر بوعظهن أولاً ثم بهجرانهن في المضاجع ، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } بترك النشوز { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى و«سبيلاً» مفعول «تبغوا» وهو من بغيت الأمر أي طلبته { إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } أي إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا ظلمهن ، أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع .\rثم خاطب الولاة بقوله { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أصله «شقاقاً بينهما» فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله : { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } [ سبأ : 33 ] . وأصله بل مكر في الليل والنهار . والشقاق : العداوة والخلاف ، لأن كلاًّ منهما يفعل ما يشق على صاحبه ، أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء { فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ } رجلاً يصلح للحكومة والإصلاح بينها { وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة . والضمير في { إِن يُرِيدَا إصلاحا } للحكمين ، وفي { يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا } للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما ، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق ، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق . أو الضميران للحكمين أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين ، يوفق الله بينهما فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد . أو الضميران للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير وأن يزول عنهما الشقاق ، يلق الله بينهما الألفة وأبدلهما بالشقاق الوفاق وبالبغضاء المودة { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بإرادة الحكمين { خَبِيراً } بالظالم من الزوجين وليس لهما ولاية التفريق عندنا خلافاً لمالك C .","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"{ واعبدوا الله } قيل : العبودية أربعة : الوفاء بالعهود ، والرضا بالموجود ، والحفظ للحدود ، والصبر على المفقود { وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } صنماً وغيره ويحتمل المصدر أي إشراكاً { وبالوالدين إحسانا } وأحسنوا بهما إحساناً بالقول والفعل والإنفاق عليهما عند الاحتياج { وَبِذِى القربى } وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما { واليتامى والمساكين والجار ذِي القربى } الذي قرب جواره { والجار الجنب } أي الذي جواره بعيد أو الجار القريب النسيب ، والجار الجنب الأجنبي { والصاحب بالجنب } أي الزوجة : عن عليّ Bه . أو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر أو شريكاً في تعلم علم أو غيره أو قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجد { وابن السبيل } الغريب أو الضعيف { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } العبيد والإماء { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } متكبراً يأنف عن قرابته وجيرانه فلا يلتفت إليهم { فَخُوراً } يعدد مناقبه كبراً فإن عدها اعترافاً كان شكوراً { الذين يَبْخَلُونَ } نصب على البدل من «مَنْ كان مختالاً فخوراً» وجمع على معنى «من» أو على الذم ، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره «هم الذين يبخلون» { وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } «بالبَخَل» : حمزة وعلي وهما لغتان كالرشد والرشد أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء . قيل : البخل أن يأكل بنفسه ولا يؤكل غيره ، والشح أن لا يأكل ولا يؤكل ، والسخاء أن يأكل ويؤكل ، والجود أن يؤكل ولا يأكل . { وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهمالله مِن فَضْلِهِ } ويخفون ما أنعم الله عليهم به من المال وسعة الحال ، وفي الحديث \" إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يرى نعمته على عبده \" وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به فقال الرجل : يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته ، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه . وقيل : نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السلام . { وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } أي يهانون به في الآخرة . { والذين يُنْفِقُونَ أموالهم } معطوف على «الذين يبخلون» أو على «الكافرين» { رِئَاء الناس } مفعول له أي للفخار وليقال ما أجودهم لا لابتغاء وجه الله وهم المنافقون أو مشركو مكة { وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً } حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر ، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله } وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة في ذلك ، وهذا كما يقال للعاق «ما ضرك لو كنت باراً» وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ { وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً } وعيد .","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } هي النملة الصغيرة . وعن ابن عباس Bهما أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال : كل واحدة من هؤلاء ذرة . وقيل : كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة . { وَإِن تَكُ حَسَنَةً } وإن يك مثقال الذرة حسنة . وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث . «حسنةٌ» : حجازي على «كان» التامة ، وحذفت النون من «تكن» تخفيفاً لكثرة الاستعمال { يضاعفها } يضاعف ثوابها . «يضعفّها» : مكي وشامي { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } ويعط صاحبها من عنده ثواباً عظيماً ، وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع أنه سمى متاع الدنيا قليلاً . وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة مع أن له حسنات كثيرة . { فَكَيْفَ } يصنع هؤلاء الكفرة من الهيود وغيرهم { إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد { على هؤلاء } أي أمتك { شَهِيداً } حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق . وعن ابن مسعود Bه أنه قرأ سورة النساء على رسول الله A حتى بلغ قوله : « وجئنا بك على هؤلاء شهيداً» . فبكى رسول الله A وقال : \" حسبنا\r. \" { يَوْمَئِذٍ } ظرف لقوله { يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ } بالله { وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض } لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى ، أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء ، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها . « تسوى» بفتح التاء وتخفيف السين والإمالة وحذف إحدى التاءين من «تتسوى» : حمزة وعلي . «تسوى» بإدغام التاء في السين : مدني وشامي { وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } مستأنف أي ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم . ولما صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً وشراباً ودعا نفراً من الصحابة Bهم حين كانت الخمر مباحة ، فأكلوا وشربوا فقدموا أحدهم ليصلي بهم المغرب فقرأ «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد» ونزل : { يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } أي لا تقربوها في هذه الحالة { حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } أي تقرأون ، وفيه دليل على أن ردة السكران ليست بردة ، لأن قراءة سورة «الكافرين» بطرح اللامات كفر ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان ، وما أمر النبي عليه السلام بالتفريق بينه وبين امرأته ولا بتجديد الإيمان ، ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئاً لا يحكم بكفره { وَلاَ جُنُباً } عطف على «وأنتم سكارى» لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال كأنه قيل : لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً أي ولا تصلوا جنباً .","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب { إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ } صفة لقوله «جنباً» أي لا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين غير مسافرين ، والمراد بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل : لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين { حتى تَغْتَسِلُواْ } إلا أن تكونوا مسافرين عادمين الماء متيممين ، عبّر عن المتيمم بالمسافر لأن غالب حاله عدم الماء وهذا مذهب أبي حنيفة C ، وهو مروي عن علي Bه . وقال الشافعي C : لا تقربوا الصلاة أي مواضع الصلاة وهي المساجد ، ولا جنباً أي ولا تقربوا المسجد جنباً إلا عابري سبيل إلا مجتازين فيه ، فيجوز للجنب العبور في المسجد عند الحاجة . { وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغآئط } أي المطمئن من الأرض وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة فكنى بن عن الحدث { أَوْ لامستم النساء } جامعتموهن كذا عن علي Bه وابن عباس { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً } فلم تقدروا على استعماله لعدمه أو بعده أو فقد آلة الوصول إليه أو لمانع من حية أو سبع أو عدو { فتيمّموا } أدخل في حكم الشرط أربعة وهم : المرضى والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة . والجزاء الذي هو الأمر بالتيمم متعلق بهم جميعاً؛ فالمرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه ، والمسافرون إذا عدموه لبعده ، والمحدثون وأهل الجنابة إذا لم يجدوه لبعض الأسباب فلهم أن يتيمموا . «لمستم» : حمزة وعلي { صَعِيداً } قال الزجاج : هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره ، وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده ومسح لكان ذلك طهوره . و «من» في سورة المائدة لابتداء الغاية لا للتبعيض { طَيّباً } طاهراً { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } قيل : الباء زائدة { إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً } بالترخيص والتيسير { غَفُوراً } عن الخطأ والتقصير .\r{ أَلَمْ تَرَ } من رؤية القلب وعدي «بإلى» على معنى «ألم ينته علمك إليهم» أو بمعنى «ألم تنظر إليهم» { إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود { يَشْتَرُونَ الضلالة } يستبدلونها بالهدى وهوالبقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله A ، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل { وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ } أنتم أيها المؤمنون { السبيل } أي سبيل الحق كما ضلوه { والله أَعْلَمُ } منكم { بِأَعْدَائِكُمْ } وقد أخبركم بعداوة هؤلاء فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم { وكفى بالله وَلِيّاً } في النفع { وكفى بالله نَصِيراً } في الدفع فثقوا بولايته ونصرته دونهم ، أو لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم .","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"و «ولياً» و «نصيراً» منصوبان على التمييز أو على الحال .\r{ مّنَ الذين هَادُواْ } بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، أو بيان لأعدائكم ، وما بينهما اعتراض ، أن يتعلق بقوله «نصيراً» أي ينصركم من الذين هادوا كقوله { ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } [ الأنبياء : 77 ] أو يتعلق بمحذوف تقديره : من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، فقوم مبتدأ و«يحرفون» صفة له ، والخبر « من الذين هادوا»مقدم عليه ، وحذف الموصوف وهو قوم وأقيم صفته ، وهو { يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مواضعه } يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها وأزالوه عنها مقامه وذلك نحو تحريفهم «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طوال» مكانه . ثم ذكر هنا «عن مواضعه» وفي المائدة { مِن بَعْدِ مواضعه } [ المائدة : 41 ] فمعنى «عن مواضعه» على ما بينا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه ، ومعنى { مِن بَعْدِ مواضعه } أنه كانت له مواضع هو جدير بأن يكون فيها ، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره والمعنيان متقاربان { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا } قولك { وَعَصَيْنَا } أمرك قيل أسرّوا به { واسمع } قولنا { غَيْرَ مُسْمَعٍ } حال من المخاطب أي اسمع وأنت غير مسمع وهو قول ذو وجهين يحتمل الذم أي اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت ، لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئاً فكان أصم غير مسمع ، قالوا ذلك اتكالاً على أن قولهم «لا سمعت» دعوة مستجابة ، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعوه إليه ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك فكأنك لم تسمع شيئاً ، أو إسمع غير مسمع كلاماً ترضاه فسمعك عنه ناب . ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروهاً من قولك «أسمع فلان فلاناً» إذا سبه . وكذلك قوله { وراعنا } يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا ، ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي «راعينا» فكانوا سخرية بالدين وهزؤوا برسول الله A يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام { لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } فتلا بها وتحريفاً أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون «راعنا» موضع «انظرنا» و«غير مسمع» موضع «لا أسمعت مكروهاً» ، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً { وَطَعْناً فِي الدين } هو قولهم : «لو كان نبياً حقاً لأخبر بما نعتقد فيه» { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ولم يقولوا وعصينا { واسمع } ولم يلحقوا به غير مسمع { وانظرنا } مكان «راعنا» { لَكَانَ } قولهم ذاك { خَيْراً لَّهُمْ } عند الله { وَأَقْوَمَ } وأعدل وأسد { وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم قد آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه ، أو إلا إيماناً قليلاً ضعيفاً لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره .","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"ولما لم يؤمنوا نزل { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا } يعني القرآن { مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ } يعني التوراة { مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم { فَنَرُدَّهَا على أدبارها } فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها . والفاء للتسبيب ، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم تُوُعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر ، ردها على أدبارها بعد طمسها فالمعنى : أن نطمس وجوهاً فننكس الوجوه إلى خلف والأقفاء إلى قدام . وقيل : المراد بالطمس القلب والتغيير كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة ، وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت } أي نخزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت . والضمير يرجع إلى الوجوه إن أريد الوجهاء ، أو إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات . والوعيد كان معلقاً بأن لا يؤمن كلهم وقد آمن بعضهم فإن ابن سلام قد سمع الآية قافلاً من الشام فأتى النبي A مسلماً قبل أن يأتي أهله وقال : ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي . أو أن الله تعالى أوعدهم بأحد الأمرين : بطمس الوجوه أو بلعنهم ، فإن كان الطمس تبدل أحوال رؤسائهم فقد كان أحد الأمرين ، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان . وقيل : هو منتظر في اليهود { وَكَانَ أَمْرُ الله } أي المأمور به وهو العذاب الذي أوعدوا به { مَفْعُولاً } كائناً لا محالة فلا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا .\r{ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } إن مات عليه { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } أي ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم التوبة ، والحاصل أن الشرك مغفور عنه بالتوبة ، وأن وعد غفران ما دونه لمن لم يتب أي لا يغفر لمن يشرك وهو مشرك ويغفر لمن يذنب وهو مذنب . قال النبي عليه السلام « من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ولم تضره خطيئته » وتقييده بقوله { لِمَن يَشَاءُ } لا يخرجه عن عمومه كقوله : { الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء } [ الشورى : 19 ] . قال علي Bه : ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية . وحمل المعتزلة على التائب باطل لأن الكفر مغفور عنه بالتوبة لقوله تعالى : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [ الأنفال : 38 ] . فما دونه أولى من أن يغفر بالتوبة . والآية سيقت لبيان التفرقة بينهما وذا فيما ذكرنا { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً } كذب كذباً عظيماً استحق به عذاباً أليماً .","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] . { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة : 111 ] . { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى { بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَاءُ } إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية ونحوه : { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } [ النجم : 32 ] . { وَلاَ يُظْلَمُونَ } أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكية أنفسهم حق جزائهم ، أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم { فَتِيلاً } قدر فتيل وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ . { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } في زعمهم أنهم عند الله أزكياءٌ { وكفى بِهِ } بزعمهم هذا { إِثْماً مُّبِيناً } من بين سائر آثامهم .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } يعني اليهود { يُؤْمِنُونَ بالجبت } أي الأصنام وكل ما عبدوه من دون الله { والطاغوت } الشيطان { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين ءَامَنُواْ سَبِيلاً } وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله A فقالوا : أنتم أهل الكتاب وأنتم إلى محمد أقرب منا وهو أقرب منكم إلينا فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا ، فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس عليه اللعنة فيما فعلوا . فقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلاً أم محمد؟ فقال كعب : أنتم أهدى سبيلاً . { أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله } أبعدهم من رحمته { وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } يعتد بنصره . ثم وصف اليهود بالبخل والحسد وهما من شر الخصال ، يمنعون ما لهم ويتمنون ما لغيرهم فقال { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك } ف «أم» منقطعة ومعنى الهمزة الإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك { فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً } أي لو كان لهم نصيب من الملك أي ملك أهل الدينا أو ملك الله فإذا لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم ، والنقير : النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة كالفتيل .\r{ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس عَلَى مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } بل أيحسدون رسول الله A والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه ، وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم { فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب } أي التوراة { والحكمة } الموعظة والفقه { وءتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً } يعني ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام ، وهذا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد عليه السلام ، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه { فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ } فمن اليهود من آمن بما ذكر من حديث آل إبراهيم { وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ } وأنكره مع علمه بصحته ، أو من اليهود من آمن برسول الله A ومنهم من أنكر نبوته وأعرض عنه { وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } للصادين .","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ } ندخلهم { نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } أحرقت { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } أعدنا تلك الجلود غير محترقة ، فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق خلافاً للكرامية . وعن فضيل : يجعل النضيج غير نضيج { لِيَذُوقُواْ العذاب } ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز : «أعزك الله» أي أدامك على عزك { إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً } غالباً بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين { حَكِيماً } فيما يفعل بالكافرين { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } من الأنجاس والحيض والنفاس { وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً } هو صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال : «ليل أليل» وهو ماكان طويلاً فيناناً لا وجوب فيه ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا برد ، وليس ذلك إلا ظل الجنة .\rثم خاطب الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل بقوله :\r{ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } وقيل : قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان ، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس } قضيتم { أَن تَحْكُمُواْ بالعدل } بالسوية والإنصاف . وقيل : إن عثمان بن طلحة بن عبد الدار كان سادن الكعبة وقد أخذ رسول الله A منه مفتاح الكعبة ، فلما نزلت الآية أمر علياً Bه بأن يرده إليه وقال رسول الله A \" لقد أنزل الله في شأنك قرآناً \" وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فهبط جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله A أن السدانة في أولاد عثمان أبداً { إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } «ما» نكرة منصوبة موصوفة ب «يعظكم به» كأنه قيل : نعم شيئاً يعظكم به ، أو موصولة مرفوعة المحل صلتها ما بعدها أي نعم الشيء الذي يعظكم به . والمخصوص بالمدح محذوف أي نعّما يعظكم به ذلك وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم . وبكسر النون وسكون العين : مدني وأبو عمرو ، وبفتح النون وكسر العين : شامي وحمزة وعلي .","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"{ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً } لأقوالكم { بَصِيراً } بأعمالكم .\rولما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم بقوله { ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ } أي الولاة أو العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمر { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ } فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من أمور الدين { فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول } أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة { إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان ، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلا طاعة لهم لقوله عليه السلام \" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق \" . وحكي أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم : ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله : و«أولي الأمر منكم»؟ فقال أبو حازم : أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق . بقوله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله» أي القرآن و«الرسول» في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته { ذلك } إشارة إلى الرد أي الرد إلى الكتاب والسنة { خَيْرٌ } عاجلاً { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } عاقبة كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة ، فدعاه اليهودي إلى النبي A لعلمه أنه لا يرتشي ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ليرشوه ، فاحتكما إلى النبي عليه السلام فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال : تعال نتحاكم إلى عمر . فقال اليهودي لعمر Bه : قضى لي رسول الله A فلم يرض بقضائه . فقال عمر للمنافق : أكذلك؟ قال : نعم . فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق فقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزل .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } وقال جبريل عليه السلام : إن عمر فرق بين الحق والباطل ، فقال له رسول الله A \" أنت الفاروق \" { يُرِيدُونَ } حال من الضمير في« يزعمون» { أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت } أي كعب بن الأشرف سماه الله طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله عليه السلام ، أو على التشبيه بالشيطان ، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله A على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان بدليل قوله { وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ } عن الحق { ضلالا بَعِيداً } مستمراً إلى الموت { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } للمنافقين { تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول } للتحاكم { رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } يعرضون عنك إلى غيرك ليغروه بالرشوة فيقضي لهم { فَكَيْفَ } تكون حالهم وكيف يصنعون { إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ } من قتل عمر بشرا { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم { ثُمَّ جَاءُوكَ } أي أصحاب القتيل من المنافقين { يَحْلِفُونَ بالله } حال { إِنْ أَرَدْنَا } ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك { إِلاَّ إِحْسَاناً } لا إساءة { وَتَوْفِيقاً } بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك ، وهذا وعيد لهم على فعلهم وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغني عنهم الاعتذار .","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"وقيل : جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا : ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به .","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"{ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من النفاق . { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } فأعرض عن قبول الأعذار وعظ بالزجر والإنكار وبالغ في وعظهم بالتخويف والإنذار ، أو أعرض عن عقابهم وعظهم في عتابهم وبلغ كنه ما في ضميرك من الوعظ بارتكابهم . والبلاغة أن يبلغ بلسانه كنه ما في جنانه . و«في أنفسهم» يتعلق ب «قل لهم» أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً منهم ويؤثر فيهم .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ } أي رسولاً قط { إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله } بتوفيقه في طاعته وتيسيره ، أو بسبب إذن الله في طاعته وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه لأنه مؤد عن الله فطاعته طاعة الله { وَمَن يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالتحاكم إلى الطاغوت { جَاءُوكَ } تائبين من النفاق معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق { فاستغفروا الله } من النفاق والشقاق { واستغفر لَهُمُ الرسول } بالشفاعة لهم . والعامل في «إذ ظلموا» خبر «أنّ» وهو «جاؤوك» والمعنى : ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم واستغفار الرسول { لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً } لعلموه تواباً أي لتاب عليهم . ولم يقل «واستغفرت لهم» وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيماً لشأنه A وتعظيماً لاستغفاره وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان { رَّحِيماً } بهم . قيل : جاء أعرابي بعد دفنه عليه السلام فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه وقال : يا رسول الله ، قلت فسمعنا وكان فيما أنزل عليك : « ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم» الآية . وقد ظلمت نفسي وجئتك أستغفر الله من ذنبي فاستغفر لي من ربي ، فنودي من قبره قد غفر لك .\r{ فَلاَ وَرَبّكَ } أي فوربك كقوله { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ } [ الحجر : 92 ] «ولا» مزيدة لتأكيد معنى القسم وجواب القسم { لاَ يُؤْمِنُونَ } أو التقدير : فلا أي ليس الأمر كما يقولون ثم قال « وربك لا يؤمنون» { حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً } ضيقاً { مّمَّا قَضَيْتَ } أي لا تضيق صدورهم من حكمك أو شكًّا ، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } وينقادوا لقضائك انقياداً وحقيقته . سلم نفسه له وأسلمها أي جعلها سالمة له أي خاصة . وتسليماً مصدر مؤكد للفعل بمنزلة تكريره كأنه قيل : وينقادوا لحكمك انقياداً لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم ، والمعنى لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } على المنافقين أي ولو وقع كتبنا عليهم { أَنِ اقتلوا } «أن» هي المفسرة { أَنفُسَكُمْ } أي تعرضوا للقتل بالجهاد .","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"أو ولو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم { أَوِ اخرجوا مِن دياركم } بالهجرة { مَّا فَعَلُوهُ } لنفاقهم . والهاء ضمير أحد مصدري الفعلين وهو القتل أو الخروج أو ضمير المكتوب لدلالة كتبنا «عليه» { إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } «قليلاً» : شامي على الاستثناء والرفع على البدل من واو «فعلوه» { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } من اتباع رسول الله عليه السلام والانقياد لحكمه { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } في الدارين { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لإيمانهم وأبعد عن الاضطراب فيه { وَإِذَاً } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل : وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل : وإذا لو ثبتوا { لاتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً } أي ثواباً كثيراً لا ينقطع .\r{ ولهديناهم صراطا } مفعول ثانٍ { مُّسْتَقِيماً } أي لثبتناهم على الدين الحق { وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين } كأفاضل صحابة الأنبياء . والصديق : المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة وباطنه بالمراقبة ، أو الذي يصدق قوله بفعله { والشهداء } والذين استشهدوا في سبيل الله { والصالحين } ومن صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } أي وما أحسن أولئك رفيقاً وهو كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه { ذلك } مبتدأ خبره { الفضل مِنَ الله } أو« الفضل» صفته و«من الله» خبره والمعنى : أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم ، أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله . { وكفى بالله عَلِيماً } بِعِبَادِهِ وَبِمَن هُوَ أَهْلُ الفضل ودلت الآية على أن ما يفعل الله بعباده فهو فضل منه بخلاف ما يقوله المعتزلة { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } الحذر والحذر بمعنى وهو التحرز وهما كالإثر والأثر . يقال : أخذ حذره إذا تيقظ ، واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه ، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو { فانفروا ثُبَاتٍ } فاخرجوا إلى العدو جماعات متفرقة سرية بعد سرية ، فالثباب الجماعات واحدها ثبة . { أَوِ انفروا جَمِيعاً } أي مجتمعين أو مع النبي عليه السلام ، لأن الجمع بدون السمع لا يتم ، والعقد بدون الواسطة لا ينتظم . أو انفروا ثباتٍ إذا لم يعم النفير ، أو انفروا جميعاً إذا عم النفير . وثبات «حال» وكذا «جميعاً» . واللام في { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن } للابتداء بمنزلتها في { إِنَّ الله لَغَفُورٌ } [ النحل : 18 ] و «من» موصولة . وفي { لَّيُبَطّئَنَّ } جواب قسم محذوف تقديره : وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن والقسم وجوابه صلة من ، والضمير الراجع منها إليه ما استكنّ في { لَّيُبَطّئَنَّ } أي ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد ، وبطؤ بمعنى أبطأ أي تأخر ويقال : «ما بطؤ بك» فيتعدى بالباء .","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"والخطاب لعسكر رسول الله A ، وقوله «منكم »أي في الظاهر دون الباطن يعني المنافقين يقولون لم تقتلون أنفسكم تأنوا حتى يظهر الأمر { فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ } قتل أو هزيمة { قَالَ } المبطىء { قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } «حاضر» فيصيبني مثل ما أصابهم { وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله } فتح أو غنيمة { لَّيَقُولَنَّ } هذا المبطىء متلهفاً على ما فاته من الغنمية لا طلباً للمثوبة { كَأنَ } مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي كأنه { لََّمْ تَكُنْ } وبالتاء مكي وحفص { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } وهي اعتراض بين الفعل وهو« ليقولن» وبين مفعوله وهو { ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ } والمعنى : كأن لم يتقدم له معكم موادة لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن { فَأَفُوزَ } بالنصب لأنه جواب التمني { فَوْزاً عَظِيماً } فآخذ من الغنيمة حظاً وافراً .\r{ فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ } يبيعون { الحياة الدنيا بالأخرة } والمراد المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها ، أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون ، والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة ، وعطفوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده { وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله . { وَمَا لَكُمْ } مبتدأ وخبر ، وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على الاستبطاء ، وفي الإثبات للإنكار { لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله } حال والعامل فيها الاستقرار كما تقول «مالك قائماً» والمعنى وأي شيء لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه { والمستضعفين } مجرور بالعطف «على سبيل الله» أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين ، أو منصوب على الاختصاص منه أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعَفين من المستضعِفين ، لأن سبيل الله عام في كل خير ، وخلاص المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه . والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد { مِنَ الرجال والنساء والولدان } ذكر الولدان تسجيلاً بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم ، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس عليه السلام . وعن ابن عباس Bهما : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان { الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية } يعني مكة { الظالم أَهْلُهَا } « الظالم» وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول «من هذه القرية التي ظلم أهلها» { واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا { واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } ينصرنا عليهم .","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد عليه السلام ، فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر . ولما خرج محمد A استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا . قال ابن عباس Bهما : كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة\rثم رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم ، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان بقوله { الذين ءامَنُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الطاغوت } أي الشيطان { فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان } أي الكفار { إِنَّ كَيْدَ الشيطان } أي وساوسه . وقيل : الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال { كَانَ ضَعِيفاً } لأنه غرور لا يؤول إلى محصول ، أو كيده في مقابلة نصر الله ضعيف . كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل .","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } أي عن القتال { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } أي فرض بالمدينة { إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله } يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه ، لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت . قال الشيخ أبو منصور C : هذه خشية طبع لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره اعتقاداً ، فالمرء مجبول على كراهة مافيه خوف هلاكه غالباً ، وخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول ومحله النصب على الحال من الضمير في «يخشون» أي يخشون الناس مثل خشية أهل الله أي مشبهين لأهل خشية الله { أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } هو معطوف على الحال أي أو أشد خشية من أهل خشية الله وأو للتخيير أي إن قلت؛ خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب ، وإن قلت : إنها أشد فأنت مصيب لأنه حصل لهم مثلها وزيادة .\r{ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على الفرش ، وهو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والأخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى } متاع الدنيا قليل زائل ومتاع الآخرة كثير دائم ، والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل فكيف القليل الزائل! { وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه . وبالياء : مكي وحمزة وعلي . ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله :\r{ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت } «ما» زائدة لتوكيد معنى الشرط في «أين» { وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ } حصون أو قصور { مُّشَيَّدَةٍ } مرفعة { وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } نعمة من خصب ورخاء { يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله } نسبوها إلى الله { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } بلية من قحط وشدة { يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ } أضافوها إليك وقالوا . هذه من عندك وما كانت إلا بشؤمك ، وذلك أن المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله تعالى ، وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد A فكذبهم الله تعالى بقوله { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } والمضاف إليه محذوف أي كل ذلك فهو يبسط الأرزاق ويقبضها { فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ } يفهمون { حَدِيثاً } فيعلمون أن الله هو الباسط القابض وكل ذلك صادر عن حكمة . ثم قال { مَا أَصَابَكَ } يا إنسان خطاباً عاماً . وقال الزجاج : المخاطب به النبي عليه السلام والمراد غيره { مِنْ حَسَنَةٍ } من نعمة وإحسان { فَمِنَ الله } تفضلاً منه وامتناناً { وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ } من بلية ومصيبة { فَمِن نَّفْسِكَ } فمن عندك أي فبما كسبت يداك .","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"{ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فِيمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى : 30 ] . { وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً } لا مقدراً حتى نسبوا إليك الشدة ، أو أرسلناك للناس رسولاً فإليك تبليغ الرسالة وليس إليك الحسنة والسيئة { وكفى بالله شَهِيداً } بأنك رسوله ، وقيل : هذا متصل بالأول أي يكادون يفقهون حديثاً يقولون ما أصابك . وحمل المعتزلة الحسنة والسيئة في الآية الثانية على الطاعة والمعصية تعسف بيّن وقد نادى عليه ما أصابك إذ يقال في الأفعال «ما أصبت» ولأنهم لا يقولون الحسنات من الله خلقاً وإيجاداً فأنى يكون لهم حجة في ذلك؟ «وشهيداً» تمييز .\r{ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } لأنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله به ونهى عنه ، فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة لله { وَمَن تولى } عن الطاعة فأعرض عنه { فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } تحفط عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم .\r{ وَيَقُولُونَ } ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشيء { طَاعَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا وشأننا طاعة { فَإِذَا بَرَزُواْ } خرجوا { مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ } زور وسوّى فهو من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل ، أو من أبيات الشعر لأن الشاعر يدبرها ويسويها . وبالإدغام : حمزة وأبو عمرو . { غَيْرَ الذى تَقُولُ } خلاف ما قلت وما أمرت به أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة ، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون . { والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ } يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } في شأنهم فإن الله يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام { وكفى بالله وَكِيلاً } كافياً لمن توكل عليه { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان } أفلا يتأملون معانيه ومبانيه . والتدبر : التأمل والنظر في أدبار الأمر وما يؤول إليه في عاقبته ثم استعمل في كل تأمل . والتفكر : تصرف القلب بالنظر في الدلائل وهذا يرد قول من زعم من الروافض أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول A والإمام المعصوم ، ويدل على صحة القياس وعلى بطلان التقليد . { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله } كما زعم الكفار { لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } أي تناقضاً من حيث التوحيد والتشريك والتحليل والتحريم ، أو تفاوتاً من حيث البلاغة فكان بعضه بالغاً حد الإعجاز وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته ، أو من حيث المعاني فكان بعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه ، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه ، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني ، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم .","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"وأما تعلق الملحدة بآيات يدعون فيها اختلافاً كثيراً من نحو قوله : { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [ الأعراف : 107 ] { كَأَنَّهَا جَانٌّ } [ النمل : 10 ] { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 92 ] . { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] . فقد تفصى عنها أهل الحق وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في مظانها إن شاء الله تعالى :\r{ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف } هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال ، أو المنافقون كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله A من أمن وسلامة أو خوف وخلل { أَذَاعُواْ بِهِ } أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة . يقال : أذاع السرع وأذاع به ، والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف لأن «أو» تقتضي أحدهما { وَلَوْ رَدُّوهُ } أي ذلك الخبر { إِلَى الرسول } أي رسول الله A { وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ } يعني كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمِّرون منهم { لَعَلِمَهُ } لعلم تدبير ما أخبروا به { الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكائدها ، وقيل : كانوا يقفون من رسول الله A وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء ، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا ، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه . والنَبط : الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر ، واستنباطه استخراجه فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ } بإرسال الرسول { وَرَحْمَتُهُ } بإنزال الكتاب { لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان } لبقيتم على الكفر { إِلاَّ قَلِيلاً } لم يتبعوه ولكن آمنوا بالعقل كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهما .\rلما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال { فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله } إن أفردوك وتركوك وحدك { لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود ، وقيل : دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله A اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت ، فخرج وما معه إلا سبعون ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده { وَحَرّضِ المؤمنين } وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب لا التعنيف بهم { عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ } أي بطشهم وشدتهم وهم قريش وقد كف بأسهم بالرعب فلم يخرجوا . و «عسى» كلمة مطمعة غير أن أطماع الكريم أعود من إنجاز اللئيم { والله أَشَدُّ بَأْساً } من قريش { وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } تعذيباً وهو تمييز ك«بأساً» .","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"{ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً } هي الشفاعة في دفع شر أو جلب نفع من جوازها شرعاً { يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا } من ثواب الشفاعة { وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً } هي خلاف الشفاعة الحسنة . قال ابن عباس Bهما : ما لها مفسر غيري معناه من أمر بالتوحيد وقاتل أهل الكفر وضده السيئة . وقال الحسن : هو المشي بالصلح وضده النميمة { يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } نصيب { وَكَانَ الله على كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً } مقتدراً من أقات على الشيء اقتدر عليه ، أو حفيظاً من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها .\r{ وَإِذَا حُيّيتُم } أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين { فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله } [ النور : 61 ] . { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام } [ الأحزاب : 44 ] . وكانت العرب تقول عند اللقاء : حياك الله أي أطال الله حياتك فأبدل ذلك بعد الإسلام بالسلام { بِتَحِيَّةٍ } هي تفعله من حيّا يحيّي تحية { فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا } أي قولوا : وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال السلام عليكم . وزيدوا «وبركاته» إذا قال «ورحمة الله» . ويقال لكل شيء منتهى ومنتهى السلام «وبركاته» . { أَوْ رُدُّوهَا } أي أجيبوها بمثلها ، ورد السلام جوابه بمثله لأن المجيب يرد قول المسلّم ، وفيه حذف مضاف أي ردوا مثلها . والتسليم سنة والرد فريضة والأحسن فضل . وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة . ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً ورواية الحديث وعند مذاكرة العلم والأذان والإقامة . وعند أبي يوسف C : لا يسلم على لاعب الشطرنج والنرد والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري من غير عذر في حمام أو غيره . ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته ، والماشي على القاعد ، والراكب على الماشي ، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصغير على الكبير ، والأقل على الأكثر ، وإذا التقيا ابتدرا . وقيل : «بأحسن منها» لأهل الملة «أو ردوها» لأهل الذمة . وعن النبي A \" إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم \" أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون «السام عليكم» . وقوله عليه السلام \" لاغرار في تسليم \" أي لا يقال «عليك» بل «عليكم» لأن كاتبيه معه { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً } أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها .\r{ الله } مبتدأ { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } خبره أو اعتراض والخبر { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } ومعناه : الله والله ليجمعنكم { إلى يَوْمِ القيامة } أي ليحشرنكم إليه . والقيامة القيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور ، أو قيامهم للحساب { يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } [ المطففين : 6 ] { لاَ رَيْبَ فِيهِ } هو حال من يوم القيامة والهاء يعود إلى اليوم ، أو صفة لمصدر محذوف أي جمعاً لا ريب فيه ، والهاء يعود إلى الجمع { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً } تمييز وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب عليه لقبحه لكونه إخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه .","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"{ فما لكم } مبتدأ وخبر { فِي المنافقين فِئَتَيْنِ } أي مالكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا نفاقاً ظاهراً وتفرقتم فيهم فرقتين ، وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم؟ وذلك أن قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله A في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة ، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين . فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم : هم كفار ، وقال بعضهم : هم مسلمون . و«فئتين » حال كقولك «مالك قائماً» ، قال سيبويه : إذا قلت «مالك قائماً» فمعناه لم قمت؟ ونصبه على تأويل أي شيء يستقر لك في هذه الحال؟ { والله أَرْكَسَهُمْ } ردهم إلى حكم الكفار { بِمَا كَسَبُواْ } من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين فردوهم أيضاً ولا تختلفوا في كفرهم { أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ } أن تجعلوا من جملة المهتدين { مَنْ أَضَلَّ الله } من جعله الله ضالاً ، أو أتريدون أن تسموهم مهتدين وقد أظهر الله ضلالهم فيكون تعييراً لمن سماهم مهتدين . والآية تدل على مذهبنا في إثبات الكسب للعبد والخلق للرب جلت قدرته { وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } طريقاً إلى الهداية .\r{ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ } الكاف نعت لمصدر محذوف و «ما» مصدرية أي ودوا لو تكفرون كفراً مثل كفرهم { فَتَكُونُونَ } عطف على «تكفرون» «سَوَآء» أي مستوين أنتم وهم في الكفر { فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } فلا توالوهم حتى يؤمنوا لأن الهجرة في سبيل الله بالإسلام { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإيمان { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } كما كان حكم سائر المشركين { وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم { إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ } أي ينتهون إليهم ويتصلون بهم . والاستثناء من قوله { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم } دون الموالاة { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق } القوم هم الأسلميون كان بينهم وبين رسول الله A عهد ، وذلك أنه وادع قبل خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، وعلى أن من وصل إلى هلال والتجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال ، أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق { أَوْ جَآءُوكُمْ } عطف على صفة «قوم» أي إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين ، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم أو على صفة الذين أي إلا الذين يتصلون بالمعاهدين ، أو الذين لا يقاتلونكم { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } حال بإضمار «قد» . والحصر : الضيق والانقباض { أن يقاتلوكم } عن أن يقاتلوكم أي عن قتالكم { أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ } معكم { وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } بتقوية قلوبهم وإزالة الحصر عنها { فلقاتلوكم } عطف على { لَسَلَّطَهُمْ } ودخول اللام للتأكيد { فَإِنِ اعتزلوكم } فإن لم يتعرضوا لكم { فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم } أي الانقياد والاستسلام { فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } طريقاً إلى القتال .","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"{ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ } بالنفاق { وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } بالوفاق هم قوم من أسد وغطفان ، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين ، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم { كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة } كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين { أُرْكِسُواْ فِيِهَا } قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا شراً فيها من كل عدو { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } فإن لم يعتزلوا قتالكم { وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم } عطف على «لم يعتزلوكم» أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح { وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } عطف عليه أيضاً أي ولم يمسكوا عن قتالكم { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ } حيث تمكنتم منهم وظفرتم بهم { وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً } حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بالمسلمين ، أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتله\r{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله { أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } ابتداء من غير قصاص أي ليس المؤمن كالكافر الذي تقدم إباحة دمه { إِلاَّ خَطَئاً } إلا على وجه الخطأ وهو استثناء منقطع بمعنى «لكن» أي لكن إن وقع خطأ ، ويحتمل أن يكون صفة لمصدر أي إلا قتلاً خطأ والمعنى : من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً } صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه تحرير رقبة . والتحرير : الإعتاق ، والحر والعتيق الكريم لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد ، ومنه عتاق الطير وعتاق الخيل لكرامها . والرقبة : النسمة ويعبر عنها بالرأس في قولهم : «فلان يملك كذا رأساً من الرقيق { مُؤْمِنَةٍ } قيل : لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار ، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات ، إذ الرق أثر من آثار الكفر والكفر موت حكماً . { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] . ولهذا منع من تصرف الأحرار وهذا مشكل إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضاً ، لكن يحتمل أن يقال : إنما وجب عليه ذلك لأن الله تعالى أبقى للقتال نفساً مؤمنة حيث لم يوجب القصاص فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة . { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } مؤادة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء فيقضي منها الدين وتنفذ الوصية ، وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال .","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"وقد ورّث رسول الله A امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم ، لكن الدية على العاقلة والكفارة على القاتل . { إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } إلا أن يتصدقوا عليه بالدية أي يعفوا عنه ، والتقدير : فعليه دية في كل حال إلا في حال التصدق عليه بها .\r{ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } فإن كان المقتول خطأ من قوم أعداء لكم أي كفرة فالعدو يطلق على الجمع { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي المقتول مؤمن { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } يعني إذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم خطأ تجب الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة وهي الإسلام ، ولا تجب الدية لأن العصمة المقومة بالدار ولم توجد { وَإِن كَانَ } أي المقتول { مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ } بين المسلمين { وَبَيْنَهُمْ ميثاق } عهد { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } أي وإن كان المقتول ذمياً فحكمه حكم المسلم ، وفيه دليل على أن دية الذمي كدية المسلم وهو قولنا { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة أي لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } فعليه صيام شهرين { مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله } قبولاً من الله ورحمة منه ، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه ، أو فليتب توبة فهي نصب على المصدر { وَكَانَ الله عَلِيماً } بما أمر { حَكِيماً } فيما قدّر . { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } حال من ضمير القاتل أي قاصداً قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلاً لقتله وهو كفر أيضاً { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا } أي إن جازاه . قال عليه السلام \" هي جزاؤه إن جازاه \" والخلود قد يراد به طول المقام . وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى : { ا يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة : 178 ] : { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ } أي انتقم منه وطرده من رحمته { وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } لارتكابه أمراً عظيماً وخطباً جسيماً . في الحديث \" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم \" { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله } سرتم في طريق الغزو { فَتَبَيَّنُواْ } «فتثبتوا» : حمزة وعلي وهما من التفعل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام } «السلم» : مدني وشامي وحمزة وهما الاستسلام . وقيل : الإسلام . وقيل : التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام . { لَسْتَ مُؤْمِناً } في موضع النصب بالقول . وروي أن مرداس بن نهيك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فغزتهم سرية لرسول الله A فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى منعرج من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه فأخبروا رسول الله A فوجد وجداً شديداً وقال","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"\" قتلتموه إرادة ما معه \" ثم قرأ الآية على أسامة . { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه . والعرض : المال ، سمي به لسرعة فنائه . و «تبتغون» حال من ضمير الفاعل في «تقولوا» { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } يغنّمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ } أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ، والكاف في «كذلك» خبر «كان» وقد تقدم عليها وعلى اسمها { فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم { فَتَبَيَّنُواْ } كرر الأمر بالتبين ليؤكد عليهم { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك .\r{ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون } عن الجهاد { مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر } بالنصب : مدني وشامي وعلي لأنه استثناء من القاعدين ، أو حال منهم . وبالجر عن حمزة صفة للمؤمنين ، وبالرفع غيرهم صفة للقاعدين . والضرر المرض أو العاهة من أعمى أعرج أو زمانة أو نحوها { والمجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } عطف على «القاعدون» . » ونفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان معلوماً ، توبيخاً للقاعد عن الجهاد وتحريكاً له عليه ونحوه { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] فهو تحريك لطلب العلم وتوبيخ على الرضا بالجهل { فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين } ذكر هذه الجملة بياناً للجملة الأولى وموضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل : ما لهم لا يستوون؟ فأجيب بذلك { دَرَجَةً } نصب على المصدر لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل؛ فضلهم تفضلة كقولك «ضربه سوطاً» . ونصب { وَكُلاًّ } أي وكل فريق من القاعدين والمجاهدين لأنه مفعول أول لقوله { وَعَدَ الله } والثاني { الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين } بغير عذر { أَجْراً عَظِيماً * درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } قيل : انتصب «أجراً» بفضل لأنه في معنى أجرهم أجراً و «درجات ومغفرة ورحمة» بدل من «أجراً» ، أو انتصب «درجات» نصب «درجة» كأنه قيل : فضلهم تفضيلات كقولك «ضربه أسواطاً» أي ضربات ، و «أجراً عظيماً» . على أنه حال من النكرة التي هي «درجات» مقدمة عليها . و«ومغفرة ورحمة» .","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"بإضمار فعلهما أي وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة . وحاصله أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة وعلى القاعدين بغير عذر بأمر النبي عليه السلام اكتفاء بغيرهم درجات لأن الجهاد فرض كفاية { وَكَانَ الله غَفُوراً } بتكفير العذر { رَّحِيماً } بتوفير الأجر .\rونزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتداً فقتل كافراً { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة } يجوز أن يكون ماضياً لقراءة من قرء «توفتهم» ومضارعاً بمعنى تتوفاهم ، وحذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين . والتوفي : قبض الروح ، والملائكة : ملك الموت وأعوانه { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } حال من ضمير المفعول في «توفاهم» أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة { قَالُواْ } أي الملائكة للمتوفّين { فِيمَ كُنتُمْ } أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟ ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين . { قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ } عاجزين عن الهجرة { فِى الأرض } أرض مكة فأخرجونا كارهين { قَالُواْ } أي الملائكة موبخين لهم { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا } أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، ومن الهجرة إلى رسول الله A . ونصب «فتهاجروا» على جواب الاستفهام { فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً } خبر «إن» «فأولئك» ودخول الفاء لما في «الذين» من الإبهام المشابه بالشرط ، أو «قالوا فيم كنتم» والعائد محذوف أي قالوا لهم ، والآية تدل على أن لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت عليه المهاجرة . وفي الحديث \" من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة \" وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد A { إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان } استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين { لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } في الخروج منها لفقرهم وعجزهم { وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } ولا معرفة لهم بالمسالك . «ولا يستطيعون» صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان . وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس بشيء بعينه كقوله\rولقد أمر على اللئيم يسبني ... .","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"{ فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } و «عسى» وإن كان للإطماع فهو من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع أنجز . { وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً } لعباده قبل أن يخلقهم .\r{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الأرض مُرَاغَماً } مهاجراً وطريقاً يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم ، والرغم : الذل والهوان ، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب . يقال راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك { كَثِيراً وَسَعَةً } في الرزق أو في إظهار الدين أو في الصدر لتبدل الخوف بالأمن { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا } حال من الضمير في «يخرج» { إِلَى الله وَرَسُولِهِ } إلى حيث أمر الله ورسوله { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } قبل بلوغه مهاجره وهو عطف على «يخرج» { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } أي حصل له الأجر بوعد الله وهو تأكيد للوعد فلا شيء يجب على الله لأحد من خلقه . { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } قالوا : كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهداً أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ، ورسوله ، وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله .\r{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض } سافرتم فيها ، فالضرب في الأرض هو السفر { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } حرج { أَن تَقْصُرُواْ } في أن تقصروا { مِنَ الصلاة } من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين ، وظاهر الآية يقتضي أن القصر رخصة في السفر والإكمال عزيمة كما قال الشافعي C ، لأن «لا جناح» يستعمل في موضع التخفيف والرخصة لا في موضع العزيمة وقلنا : القصر عزيمة غير رخصة ولا يجوز الإكمال لقول عمر Bه : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم A . وأما الآية فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } إن خشيتم أن يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ ، والخوف شرط جواز القصر عند الخوارج بظاهر النص ، وعند الجمهور ليس بشرط لما روي عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر : ما بالنا نقصر وقد أمنّا؟ فقال : عجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله A عن ذلك فقال \" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته \" وفيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد ، وإن كان المتصدق ممن لا تلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فمن تلزم طاعته أولى ، ، ولأن حالهم حين نزول الآية كذلك فنزلت على وفق الحال وهو كقوله :","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"{ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } [ النور : 33 ] . دليله قراءة عبد الله «من الصلاة أن يفتنكم» أي لئلا يفتنكم على أن المراد بالآية قصر الأحوال وهو أن يومىء على الدابة عند الخوف ، أو يخفف القراءة والركوع والسجود والتسبيح كما روي عن ابن عباس Bهما . { إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } فتحرزوا عنهم .\r{ وَإِذَا كُنتَ } يا محمد { فِيهِمْ } في أصحابك { فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } فأردت أن تقيم الصلاة بهم وبظاهره تعلق أبو يوسف C فلا يرى صلاة الخوف بعده عليه السلام وقال : الأئمة نواب عن رسول الله A في كل عصر فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام كقوله تعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } [ التوبة : 103 ] . دليله فعل الصحابة Bهم بعده عليه السلام { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم وتقوم طائفة تجاه العدو { وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } أي الذين تجاه العدو . عن ابن عباس Bهما : وإن كان المراد به المصلين فقالوا : يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما { فَإِذَا سَجَدُواْ } أي قيدوا ركعتهم بسجدتين فالسجود على ظاهره عندنا وعند مالك بمعنى الصلاة { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ } في موضع رفع صفة ل «طائفة» { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } أي ولتحضر الطائفة الواقفة بإزاء العدو فليصلوا معك الركعة الثانية { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ } ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه { وَأَسْلِحَتَهُمْ } جمع سلاح وهو ما يقاتل به . وأخذ السلاح شرط عند الشافعي C ، وعندنا مستحب ، وكيفية صلاة الخوف معروفة { وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ } أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم { فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } فيشدون عليكم شدة واحدة { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ } في أن تضعوا { أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض ، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم ، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله تعالى .\r{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة } فرغتم منها { فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ } أي دوموا على ذكر الله في جميع الأحوال ، أو فإذا أردتم أداء الصلاة فصلوا قياماً إن قدرتم عليه ، وقعوداً إن عجزتم عن القيام ، ومضطجعين إن عجزتم عن القعود { فَإِذَا اطمأننتم } سكنتم بزوال الخوف { فَأَقِيمُواْ الصلاة } فأتموها بطائفة واحدة أو إذا أقمتم فأتموا ولا تقصروا ، أو إذا اطمأننتم بالصحة فأتموا القيام والركوع والسجود { إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا مَّوْقُوتاً } مكتوباً محدوداً بأوقات معلومة .","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"{ وَلاَ تَهِنُواْ } ولا تضعفوا ولا تتوانوا { فِى ابتغاء القوم } في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم . ثم ألزمهم الحجة بقوله { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } أي ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ، يصيبهم كما يصيبكم ، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أجدر منهم بالصبر لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان ، ومن الثواب العظيم في الآخرة { وَكَانَ الله عَلِيماً } بما يجد المؤمنون من الألم { حَكِيماً } في تدبير أمورهم .\rروي أن طعمة بن أبريق أحد بني ظفر سرق درعاً من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق ، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال : دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود . فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله A فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا : إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله A أن يفعل فنزل :","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أي محقاً { لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله } بما عرفك وأوحى به إليك . وقال الشيخ أبو منصور C : بما ألهمك بالنظر في أصوله المنزلة ، وفيه دلالة جواز الاجتهاد في حقه { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ } لأجل الخائنين { خَصِيماً } مخاصماً أي ولا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر { واستغفر الله } مما هممت به { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يخونونها بالمعصية جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم لأن الضرر راجع إليهم ، والمراد به طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق ، أو ذكر بلفظ الجمع ليتناول طعمه وكل من خان خيانته { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً } وإنما قيل بلفظ المبالغة لأنه تعالى عالم من طعمة أنه مُفْرط في الخيانة وركوب المآثم . ورُوي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله . وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . وعن عمر Bه أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول : هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال : كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة .\r{ يَسْتَخْفُونَ } يستترون { مِنَ الناس } حياء منهم وخوفاً من ضررهم { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } ولا يستحيون منه { وَهُوَ مَعَهُمْ } وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خافٍ من سرهم ، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياة والخشية من ربهم مع علمهم أنهم في حضرته لا سترة ولا غيبة { إِذْ يُبَيِّتُونَ } يدبرون وأصله أن يكون ليلاً { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دونه ويحلف أنه لم يسرقها ، وهو دليل على أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس حيث سمى التدبير قولاً { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } عالماً علم إحاطة .\r{ هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء } «ها» للتنبيه في «أنتم» و «أولاء»» وهما مبتدأ وخبر { جادلتم } خاصمتم وهي جملة مبينة لوقوع «أولاء» خبراً كقولك لبعض الاسخياء «أنت حاتم تجود بمالك» . أو «أولاء» اسم موصول بمعنى «الذين» و «جادلتم» صلته والمعنى : هبوا أنكم خاصمتم { عَنْهُمْ } عن طعمة وقومه { فِي الحياة الدنيا فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة } فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه؟ وقرىء «عنه» أي عن طعمة { أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } حافظاً ومحامياً من بأس الله وعذابه . { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً } ذنباً دون الشرك { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } بالشرك أو سوءاً قبيحاً يتعدى ضرره إلى الغير كما فعل طعمة بقتادة واليهودي ، أو يظلم نفسه بما يختص به كالحلف الكاذب { ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله } يسأل مغفرته { يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً } له وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة { وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ } لأن وباله عليها { وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } فلا يعاقب بالذنب غير فاعله { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً } صغيرة { أَوْ إِثْماً } أو كبيرة ، أو الأول ذنب بينه وبين ربه ، والثاني ذنب في مظالم العباد { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } كما رمى طعمة زيداً { فَقَدِ احتمل بهتانا } كذباً عظيماً { وَإِثْماً مُّبِيناً } ذنباً ظاهراً ، وهذا لأنه بكسب الإثم آثم ويرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين ، والبهتان كذب يبهت من قيل عليه ما لا علم له به { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } أي عصمته ولطفه من الإطلاع على سرهم { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } من بني ظفر ، أو المراد بالطائفة بنو ظفر الضمير في «منهم» يعود إلى الناس { أَن يُضِلُّوكَ } عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل مع علمهم بأن الجاني صاحبهم { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } لأن وباله عليهم { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ } لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب } القرآن { والحكمة } والسنة { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من أمور الدين والشرائع أو من خفيات الأمور وضمائر القلوب { وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } فيما علمك وأنعم عليك .","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"{ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } من تناجي الناس { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } إلا نجوى من أمر ، وهو مجرور بدل من «كثير» أو من «نجواهم» أو منصوب على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير { أَوْ مَعْرُوفٍ } أي قرض أو إغاثة ملهوف أو كل جميل ، أو المراد بالصدقة الزكاة وبالمعروف التطوع { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } أي إصلاح ذات البين { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } المذكور { ابتغاء مرضات الله } طلب رضا الله وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤساً وهو مفعول له . والإشكال أنه قال «إلا من أمر» ثم قال و «من يفعل ذلك» والجواب أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل ، ثم قال و «ومن يفعل ذلك» فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم . أو المراد ومن يأمر بذلك فعبر عن الأمر بالفعل { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } «يؤتيه» : أبو عمرو وحمزة . { وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى } ومن يخالف الرسول من بعد وضوح الدليل وظهور الرشد { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } أي السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي ، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة ، لأن الله تعالى جمع بين أتباع غير سبيل المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط ، وجعل جزاءه الوعيد الشديد فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول { نُوَلِّهِ مَا تولى } نجعله والياً لما تولى من الضلال وندعه وما اختاره في الدنيا { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } في العقبي { وَسَاءَتْ مَصِيراً } قيل : هي في طعمة وارتداده .","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"{ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } مر تفسيره في هذه السورة { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } عن الصواب { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } ما يعبدون من دون الله { إِلاَّ إناثا } جمع أنثى وهي اللات والعزى ومناة ، ولم يكن حي من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان . وقيل : كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله { وَإِن يَدْعُونَ } يعبدون { إِلاَّ شيطانا } لأنه هو الذي أغراهم على عبادة الأصنام فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة { مَّرِيداً } خارجاً عن الطاعة عارياً عن الخير ومنه الأمرد { لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ } صفتان يعني شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع { مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } مقطوعاً واجباً لي في كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد لله .\r{ وَلأُضِلَّنَّهُمْ } بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل { وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ } ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال { وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام } البتك : القطع . والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام ، وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها { وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } بفقء عين الحامي وإعفائه عن الركوب ، أو بالخصاء وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم ، أو بالوشم أو بنفي الأنساب واستلحاقها ، أو بتغيير الشيب بالسواد ، أو بالتحريم والتحليل ، أو بالتخنث ، أو بتبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام لقوله : { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } [ الروم : 30 ] . { وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله } وأجاب إلى ما دعاه إليه { فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } في الدارين { يَعِدُهُمْ } يوسوس إليهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب { وَيُمَنِّيهِمْ } ما لا ينالون { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } هو أن يرى شيئاً يظهر خلافه { أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } معدلاً ومفراً .\r{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر { سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَدًا } وقرأ النخعي «سيدخلهم» { وَعْدَ الله حَقّا } مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } قولاً وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه وهو تأكيد ثالث ، وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه .","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"{ لَّيْسَ بأمانيكم } ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام { وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب } ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] . { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] . { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } أي من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله { وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } فقوله «وهو مؤمن» حال و «من» الأولى للتبعيض ، والثانية لبيان الإبهام في «من يعمل» ، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان { فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة } «يدخلون» : مكي وأبو عمرو وأبو بكر { وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة والراجع في { وَلاَ يُظْلَمُونَ } لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً . وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلاً على ذكره عند الآخر . وقوله : { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } . وقوله : « وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات» . بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } وقوله : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } عقيب قوله : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } { ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله } أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها رباً ولا معبوداً سواء { وَهُوَ مُحْسِنٌ } عامل للحسنات { واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً } مائلاً عن الأديان الباطلة وهو حال من المتبع أو من إبراهيم { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } هو في الأصل المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك ، أو يداخلك خلال منزلك ، أو يسد خللك كما يسد خلله ، فالخلة صفاء مودة توجب الاختصاص بتخلل الأسرار ، والمحبة أصفى لأنها من حبة القلب وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب كقوله «والحوادث جمة» . وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته وطريقته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته ، ولو جعلتها معطوفة على الجمل قبلها ولم يكن لها معنى وفي الحديث \" اتخذ الله إبراهيم خليلاً لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام \" وقيل : أوحي إليه إنما اتخذتك خليلاً لأنك تحب أن تعطي ولا تعطى . وفي رواية «لأنك تعطي الناس ولا تسألهم» .\rوفي قوله { وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } دليل على أن اتخاذه خليلاً لاحتياج الخليل إليه لا لاحتياجه تعالى إليه لأنه منزه عن ذلك { وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءً مُّحِيطاً } عالماً .\r{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء } ويسألونك الإفتاء في النساء والإفتاء تبيين المبهم { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء } أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب أي القرآن في معنى اليتامى يعني قوله :","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي اليتامى } [ النساء : 3 ] . وهو من قولك «أعجبني زيد وكرمه» و «ما يتلى» في محل الرفع بالعطف على الضمير في «يفتيكم» أو على لفظ «الله» و «في يتامى النساء» صلة «يتلى» أي يتلى عليكم في معناهن . ويجوز أن يكون «في يتامى النساء» بدلاً من «فيهن» والإضافة بمعنى «من» { الاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } ما فرض لهن من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه ومالها ، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال ، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها { وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } أي في أن تنكحوهن لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن { والمستضعفين مِنَ الولدان } أي اليتامى وهو مجرور معطوف على «يتامى النساء» ، وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء { وَأَن تَقُومُواْ لليتامى } مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ، أو منصوب بمعنى ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم { بالقسط } بالعدل في ميراثهم ومالهم { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } شرط وجوابه { فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً } أي فيجازيكم عليه .\r{ وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً } توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأمارته . والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته وأن يؤذيها بسب أو ضرب { أَوْ إِعْرَاضاً } عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها بسبب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق أو ملال أو طموح عين إلى أخرى أو غير ذلك { فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا } كوفي . «يصّالحا» : غيرهم أي يتصالحا وهو أصله فأبدلت التاء صاداً وأدغمت . { صُلحاً } في معنى مصدر كل واحد من الفعلين . ومعنى الصلح أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة { والصلح خَيْرٌ } من الفرقة أو من النشوز أو من الخصومة في كل شيء ، أو والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور ، وهذه الجملة اعتراض كقوله { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } أي جعل الشح حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه . والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمح بأن يقسم لها إذا رغب عنها ، فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته . «وأحضرت» يتعدى إلى مفعولين والأول «الأنفس» . ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرط بقوله { وَإِن تُحْسِنُواْ } بالإقامة على نسائكم ، وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة { وَتَتَّقُواْ } النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإحسان والتقوى { خَبِيراً } فيثيبكم عليه .","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"وكان عمران الخارجي من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم فنظرت إليه وقالت : الحمد لله على أني وإياك من أهل الجنة . قال : كيف؟ فقالت : لأنك رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت والجنة موعودة للشاكرين والصابرين { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء } ولن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ، فتمام العدل أن يسوى بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والمحالمة والمفاكهة وغيرها . وقيل : معناه أن تعدلوا في المحبة وكان عليه السلام يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : \" هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك \" يعني المحبة لأن عائشة Bها كانت أحب إليه . { وَلَوْ حَرَصْتُمْ } بالغتم في تجري ذلك { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل } فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمها من غير رضا منها يعني أن اجتناب كل الميل في حد اليسر فلا تُفْرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله ، وفيه ضرب من التوبيخ . و «كل» نصب على المصدر لأن له حكم ما يضاف إليه { فَتَذَرُوهَا كالمعلقة } وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلقة { وَإِن تُصْلِحُواْ } بينهن { وَتَتَّقُواْ } الجور { فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر لكم ميل قلوبكم ويرحمكم فلا يعاقبكم .","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"{ وَإِن يَتَفَرَّقَا } أي إن لم يصطلح الزوجان على شيء وتفرقا بالخلع أو بتطليقه إياها وإيفائه مهرها ونفقة عدتها { يُغْنِ الله كُلاًّ } كل واحد منهما { مِّن سَعَتِهِ } من غناه أي يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه { وَكَانَ الله واسعا } بتحليل النكاح { حَكِيماً } بالإذن في السراح ، فالسعة الغنى والقدرة والواسع الغني المقتدر . ثم بين غناه وقدرته بقوله { وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً والمتملكون عبيده رقا . { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب } هو اسم للجنس فيتناول الكتب السماوية { مِن قَبْلِكُم } مّن الأمم السالفة وهو متعلق ب « وصينا»أو ب «أتوا» { وإياكم } عطف على «الذين أوتوا» { أَنِ اتقوا الله } بأن اتقوا أو تكون «أن» المفسرة لأن التوصية في معنى القول ، والمعنى أن هذه وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده ولستم بها مخصوصين لأنهم بالتقوى يسعدون عنده { وَإِن تَكْفُرُواْ } عطف على «اتقوا» لأن المعنى أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا { فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله غَنِيّاً } عن خلقه وعن عبادتهم { حَمِيداً } مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحَمده أحد . وتكرير قوله : «لله ما في السماوات وما في الأرض» . تقرير لما هو موجب تقواه لأن الخلق لما كان كله له وهو خالقهم ومالكهم فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصي . وفيه دليل على أن التقوى أصل الخير كله ، وقوله : «وإن تكفروا» . عقيب التقوى دليل على أن المراد الاتقاء عن الشرك { وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً } فاتخذوه وكيلاً ولا تتكلوا على غيره .\rثم خوفهم وبين قدرته بقوله { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يعدمكم { أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِاخَرِينَ } ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس { وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً } بليغ القدرة { مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا } كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة { فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة } فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما { وَكَانَ الله سَمِيعاً } للأقوال { بَصِيراً } بالأفعال وهو وعد ووعيد .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط } مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا { شُهَدَاءَ } خبر بعد خبر { لِلَّهِ } أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } ولو كانت الشهادة على أنفسكم والشهادة على نفسه هي الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق ، وهذا لأن الدعوى والشهادة والإقرار يشترك جميعها في الإخبار عن حق لأحد على أحد غير أن الدعوى إخبار عن حق لنفسه على الغير ، والإقرار للغير على نفسه ، والشهادة للغير على الغير { أَوِ الوالدين والأقربين } أي ولو كانت الشهادة على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم { إِن يَكُنْ } المشهود عليه { غَنِيّاً } فلا يمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه { أَوْ فَقَيراً } فلا يمنعها ترحماً عليه { فالله أولى بِهِمَا } بالغني والفقير أي بالنظر لهما والرحمة .","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"وإنما ثنى الضمير في «بهما» وكان حقه أن يوحد ، لأن المعنى إن يكن أحد هذين لأنه يرجع إلى ما دل عليه قوله : «غنياً أو فقيراً» . وهو جنس الغني والفقير كأنه قيل : فالله أولى بجنسي الغني والفقير أي بالأغنياء والفقراء { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى } إرادة { أن تعدلوا } عن الحق من العدول أو كراهة أن تعدلوا بين الناس من العدل { وَإِن تَلُوُاْ } بواو واحدة وضم اللام : شامي وحمزة من الولاية { أَوْ تُعْرِضُواْ } أي وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها . غيرهما : «تلووا» بواوين وسكون اللام من اللي أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيجازيكم عليه .\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ } خطاب للمسلمين { ءَامَنُواْ } اثبتوا على الإيمان ودوموا عليه ، ولأهل الكتاب لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض ، أو للمنافقين أي يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً { بالله وَرَسُولِهِ } أي محمد A { والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ } أي الفرقان { والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } أي جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب ويدل عليه قوله و «كتبه» . نزل وأنزل بالبناء للمفعول : مكي وشامي وأبو عمرو ، وعلى البناء للفاعل فيهما : غيرهم . وإنما قيل «نزل على رسوله» و «أنزل من قبل» لأن الفرقان نزل مفرقاً منجماً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله { وَمَن يَكْفُرْ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر } أي ومن يكفر بشيء من ذلك { فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } لأن الكفر ببعضه كفر بكله .\r{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ } بموسى عليه السلام { ثُمَّ كَفَرُواْ } حين عبدوا العجل { ثُمَّ ءَامَنُواْ } بموسى بعد عوده { ثُمَّ كَفَرُواْ } بعيسى عليه السلام { ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } بكفرهم بمحمد A { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } إلى النجاة أو إلى الجنة ، أو هم المنافقون آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى ، وازدياد الكفر منهم ثباتهم عليه إلى الموت يؤيده قوله { بَشِّرِ المنافقين } أي أخبرهم ووضع بشر مكانه تهكماً بهم { بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً { الذين } نصب على الذم أو رفع بمعنى أريد الذين أو هم الذين { يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } كان المنافقون يوالون الكفرة يطلبون منهم المنعة والنصرة ويقولون : لا يتم أمر محمد عليه السلام { فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } ولمن أعزه كالنبي عليه السلام والمؤمنين كما قال","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"{ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [ المنافقون : 8 ] .\r{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ } بفتح النون : عاصم . وبضمها : غيره { فِي الكتاب } القرآن { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايات الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } حتى يشرعوا في كلام غير الكفر والاستهزاء بالقرآن ، والخوض : الشروع و «أن» مخففة من الثقيلة أي أنه إذا سمعتم أي نزل عليكم أن الشأن كذا . والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها و «أن» مع ما في حيزها في موضع الرفع ب «نُزل» أو في موضع النصب ب «نَزل» والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة من قوله : { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [ الأنعام : 68 ] . وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به ، فنهى المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه ، وكان المنافقون بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين بمكة فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أي في الوزر إذا مكثتم معهم ، ولم يرد به التمثيل من كل وجه فإن خوض المنافقين فيه كفر ومكث هؤلاء معهم معصية { إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لاجتماعهم في الكفر والاستهزاء { الذين } بدل من «الذين يتخذون» أو صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم { يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله } نصرة وغنيمة { قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } مظاهرين فأشركونا في الغنيمة { وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ } سمى ظفر المسلمين فتحاً تعظيماً لشأنهم لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء ، وظفر الكافرين نصيباً تخسيساً لحظهم لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها .\r{ قَالُواْ } للكافرين { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم ، والاستحواذ الاستيلاء والغلبة { وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين } بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم { فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } أيها المؤمنون والمنافقون { يَوْمَ القيامة } فيدخل المنافقين النار والمؤمنين الجنة { وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً } أي في القيامة بدليل أول الآية كذا عن علي Bه ، أو حجة كذا عن ابن عباس Bهما .","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"{ إِنَّ المنافقين يخادعون الله } أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر . والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر ، أو أولياء الله وهم المؤمنون فأضاف خداعهم إلى نفسه تشريفاً لهم { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا ، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى . والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه . وقيل : يجزيهم جزاء خداعهم . { وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى } متثاقلين كراهة ، أما الغفلة فقد يبتلى بها المؤمن وهو جمع كسلان كسكارى في سكران { يُرَاءَونَ الناس } حال أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة . والمرأة مفاعلة من الرؤية لأن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحساناً { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس ، أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكراً قليلاً نادراً . قال الحسن : لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيراً { مُّذَبْذَبِينَ } نصب على الذم أي مردّدين يعني ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون ، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يدفع فلا يقر في جانب واحد إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب { بَيْنَ ذلك } بين الكفر والإيمان { لآَ إلى هؤلاءآء } لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين { وَلآَ إِلَى هؤلاءآء } ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا مشركين { وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } طريقاً إلى الهدى .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } حجة بينه في تعذيبكم { إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار } أي في الطبق الذي في قعر جنهم ، والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض . وإنما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في العقبى تعديلاً ، ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله . والدرك بسكون الراء : كوفي غير الأعشى ، وبفتح الراء : غيرهم . وهما لغتان ، وذكر الزجاج أن الاختيار فتح الراء . { وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } يمنعهم من العذاب { إِلاَّ الذين تَابُواْ } من النفاق وهو استثناء من الضمير المجرور في «ولن تجد لهم نصير» { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق { واعتصموا بالله } ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه { فأولئك مَعَ المؤمنين } فهم أصحاب المؤمنين ورفاقهم في الدارين { وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً } فيشاركونهم فيه .","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"وحذفت الياء في الخط هنا إتباعاً للفظ . ثم استفهم مقرراً أنه لا يعذب المؤمن الشاكر فقال { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ } لله { وَءَامَنتُمْ } به ف «ما» منصوبة ب «يفعل» أي أي شيء يفعل بعذابكم؟ فالإيمان معرفة المنعم ، والشكر الاعتراف بالنعمة ، والكفر بالمنعم والنعمة عناد ، فلذا استحق الكافر العذاب . وقدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً ، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً فكان الشكر متقدماً على الإيمان { وَكَانَ الله شاكرا } يجزيكم على شكركم أو يقبل اليسير من العمل ويعطي الجزيل من الثواب { عَلِيماً } عالماً بما تصنعون .\r{ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول } ولا غير الجهر ولكن الجهر أفحش { إَلاَّ مَن ظُلِمَ } إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء . وقيل : الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلا من ظلم فإنه إن رد عليه مثله فلا حرج عليه { وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ } [ الشورى : 41 ] { وَكَانَ الله سَمِيعاً } لشكوى المظلوم { عَلِيماً } بظلم الظالم . ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثاً على الأفضل ، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيباً للعفو فقال { إِن تُبْدُواْ خَيْراً } مكان جهر السوء { أَوْ تُخْفُوهُ } فتعملوه سراً ثم عطف العفو عليهما فقال { أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } أي تمحوه عن قلوبكم والدليل على أن العفو هو المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله { فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } أي إنه لم يزل عفواً عن الآثام مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنته .\r{ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } كاليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام والإنجيل والقرآن ، وكالنصارى كفروا بمحمد A والقرآن { وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً } أي ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر ولا واسطة بينهما { أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } هم الكاملون في الكفر لأن الكفر بواحد كفر بالكل { حَقّاً } تأكيد لمضمون الجملة كقولك «هذا عبد الله حقاً» أي حق ذلك حقاً وهو كونهم كاملين في الكفر ، أو هو صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه { وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } في الآخرة { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } وإنما جاز دخول «بين» على «أحد» لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما { أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ } وبالياء : حفص { أُجُورَهُمْ } أي الثواب الموعود لهم { وَكَانَ الله غَفُوراً } يستر السيئات { رَّحِيماً } يقبل الحسنات ، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد المرتكب الكبيرة لأنه أخبر أن من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد منهم يؤتيه أجره ، ومرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد فيدخل تحت الوعد ، وعلى بطلان قول من لا يقول بقدم صفات الفعل من المغفرة والرحمة لأنه قال : «وكان الله غفوراً رحيماً» وهم يقولون : ما كان الله غفوراً رحيماً في الأزل ثم صار غفوراً رحيماً .","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"ولما قال فنحاص وأصحابه للنبي A : إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام نزل { يَسْئَلُكَ * أَهْلِ الكتاب أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } وبالتخفيف : مكي وأبو عمرو { كتابا مّنَ السماء } أي جملة كما نزلت التوراة جملة ، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت . وقال الحسن : ولو سألوه مسترشدين لأعطاهم لأن إنزال القرآن جملة ممكن { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك } هذا جواب شرط مقدر معناه : إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك . وإنما أسند السؤال إليهم وقد وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم { فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً } عياناً أي أرنا نره جهرة { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } العذاب الهائل أو النار المحرقة { بِظُلْمِهِمْ } على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه ، أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم في سؤال الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كإنزال القرآن جملة ، ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] وما أخذته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم { ثُمَّ اتخذوا العجل } إلهاً { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } التوراة والمعجزات التسع { فَعَفَوْنَا عَن ذلك } تفضلاً ولم نستأصلهم { وَءَاتَيِْنَا مُوسَى سلطانا مُّبِيناً } حجة ظاهرة على من خالفه .","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"{ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه { وَقُلْنَا لَهُمُ } والطور مطل عليهم { ادخلوا الباب سُجَّداً } أي ادخلوا باب إيلياء مطأطئين عند الدخول رؤوسكم { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ } لا تجاوزوا الحد «تَعدّوُا» : ورش «تعدوا» بإسكان العين وتشديد الدال : مدني غير ورش وهما مدغماً «تعتدوا» وهي قراءة أبي إلا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية ، وفي رواية نقل فتح التاء إلى العين { فِى السبت } بأخذ السمك { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } عهداً مؤكداً .\r{ فَبِمَا نَقْضِهِم } أي فبنقضهم و «ما» مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بقوله «حرمنا عليهم طيبات» تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم ، وقوله «فبظلم من الذين هادوا» بدل من قوله «فبما نقضهم» { ميثاقهم } ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك { وَكُفْرِهِم بئايات الله } أي معجزات موسى عليه السلام { وَقَتْلِهِمُ الأنبياء } كزكريا ويحيى وغيرهما { بِغَيْرِ حَقٍّ } بغير سبب يستحقون به القتل { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } هو رد وإنكار لقولهم «قلوبنا غلف» { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } كعبد الله بن سلام وأصحابه { وَبِكُفْرِهِمْ } معطوف على «فبما نقضهم» أو على ما يليه من قوله : «بكفرهم» . ولما تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد A عطف بعض كفرهم على بعض : { وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً } هو النسبة إلى الزنا { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح } سمي مسيحاً لأن جبريل عليه السلام مسحه بالبركة فهو ممسوح ، أو لأنه كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ فسمي مسيحاً بمعنى الماسح { عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } هم لم يعتقدوه رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول الكفار لرسولنا { يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } [ الحجر : 6 ] ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك .\r{ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ } روي أن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم : اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني ، اللهم العن من سبني وسب والدتي ، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير . فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود ، فقال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم : أنا ، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب . وقيل : كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال : أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى .","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"وجاز هذا على قوم متعنتين حكم الله بأنهم لا يؤمنون ، «وشبه» مسند إلى الجار والمجرور وهو «لهم» كقولك «خيل إليه» كأنه قيل : ولكن وقع لهم التشبيه . أو مسند إلى ضمير المقتول لدلالة «إنا قتلنا» عليه كأنه قيل : ولكن شبه لهم من قتلوه { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ } في عيسى يعني اليهود قالوا : إن الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ، أو اختلف النصارى قالوا : إله وابن إله وثالث ثلاثة { لَفِى شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم يعني ولكنهم يتبعون الظن . وإنما وصفوا بالشك وهو أن لا يترجح أحد الجانبين ، ثم وصفوا بالظن وهو أن يترجح أحدهما ، لأن المراد أنهم شاكون مالهم به من علم ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا فذاك . وقيل : وإن الذين اختلفوا فيه أي في قتله لفي شك منه أي من قتله لأنهم كانوا يقولون إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى! { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } أي قتلاً يقيناً ، أو ما قتلوه متيقنين ، أو ما قتلوه حقاً فيجعل «يقيناً» تأكيداً لقوله «وما قتلوه» أي حق انتفاء قتله حقاً { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } إلى حيث لا حكم فيه لغير الله أو إلى السماء { وَكَانَ الله عَزِيزاً } في انتقامه من اليهود { حَكِيماً } فيما دبر من رفعه إليه .","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"{ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } «ليؤمنن به» جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ونحوه { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] والمعنى : وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى عليه السلام وبأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف . أو بالكتاب الضميران لعيسى يعني وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله . رُوي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام ، أو الضمير «في به» يرجع إلى الله أو إلى محمد A والثاني إلى الكتابي { وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } وهي ما ذكر في سورة الأنعام { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } [ الأنعام : 146 ] الآية . والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه وهو ما عدد قبل هذا { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله } وبمنعهم عن الإيمان { كَثِيراً } أي خلقاً كثيراً أو صداً كثيراً { وَأَخْذِهِمُ * الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } كان الربا محرماً عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل } بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة { وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ } دون من آمن { عَذَاباً أَلِيماً } في الآخرة { لكن الراسخون فِى العلم } أي الثابتون فيه المتقون كابن سلام وأضرابه { مِنْهُمْ } من أهل الكتاب { والمؤمنون } أي المؤمنون منهم والمؤمنون من المهاجرين والأنصار . وارتفع «الراسخون» على الابتداء { يُؤْمِنُونَ } خبره { بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ } أي القرآن { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } أي سائر الكتب { والمقيمين الصلاة } منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة ، وفي مصحف عبد الله «والمقيمون» وهي قراءة مالك بن دينار وغيره { والمؤتون الزكواة } مبتدأ { والمؤمنون بالله واليوم الآخر } عطف عليه والخبر { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } وبالياء : حمزة .\r{ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله A أن ينزل عليهم كتاباً من السماء ، واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا { كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ } كهود وصالح وشعيب وغيرهم .\r{ وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ } أي أولاد يعقوب { وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } «زُبوراً» : حمزة مصدر بمعنى مفعول سمي به الكتاب المنزل على داود عليه السلام { وَرُسُلاً } نصب بمضمر في معنى أوحينا إليك وهو أرسلنا ونبأنا { قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } من قبل هذه السورة { وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } سأل أبو ذر رسول الله A عن الأنبياء قال","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"\" مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً \" قال : كم الرسل منهم؟ قال : \" ثلثمائة وثلاثة عشر أول الرسل آدم وآخرهم نبيكم محمد عليه السلام وأربعة مِن العرب هود وصالح وشعيب ومحمد عليه السلام \" والآية تدل على أن معرفة الرسل بأعيانهم ليست بشرط لصحة الإيمان بل من شرطه أن يؤمن بهم جميعاً إذ لو كان معرفة كل واحد منهم شرطاً لقص علينا كل ذلك { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً } أي بلا واسطة .\r{ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } الأوجه أن ينتصب على المدح أي أعني رسلاً ، ويجوز أن يكون بدلاً من الأول ، وأن يكون مفعولاً أي وأرسلنا رسلاً . واللام في { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } يتعلق ب «مبشرين» ومنذرين والمعنى أن إرسالهم إزاحة للعلة وتتميم لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة ، وينبهنا بما وجب الانتباه له ، ويعلمنا ما سبيل معرفته السمع كالعبادات والشرائع أعني في حق مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها دون أصولها فإنها مما يعرف بالعقل { وَكَانَ الله عَزِيزاً } في العقاب على الإنكار { حَكِيماً } في بعث الرسل للإنذار .\rولما نزل «إنا أوحينا إليك» قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل { لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } أي أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه ، أو أنزله بما علم من مصالح العباد ، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم { والملئكة يَشْهَدُونَ } لك بالنبوة { وكفى بالله شَهِيداً } شاهداً وإن لم يشهد غيره { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } بتكذيب محمد A وهم اليهود { وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } ومنعوا الناس عن سبيل الحق بقولهم للعرب «إنا لا نجده في كتابنا» { قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً } عن الرشد { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } بالله { وَظَلَمُواْ } محمداً عليهم السلام بتغيير نعته وإنكار نبوته { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } ما داموا على الكفر { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } وكان تخليدهم في جهنم سهلاً عليه ، والتقدير يعاقبهم خالدين فهوحال مقدرة والآيتان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ويموتون على الكفر .","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"{ يأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ } أي بالإسلام أو هو حال أي محقاً { فَئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ } وكذلك { انتهوا خَيْراً لَّكُمْ } انتصابه بمضمر ، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال «خيراً لكم» أي اقصدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان به والتوحيد { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض } فلا يضره كفركم { وَكَانَ الله عَلِيماً } بمن يؤمن وبمن يكفر { حَكِيماً } لا يسوي بينهما في الجزاء .\r{ يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } لا تجاوزوا الحد فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا إنه ابن الزنا ، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } وهو تنزيهه عن الشريك والولد { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } لا ابن الله { رَسُولُ الله } خبر المبتدأ وهو «المسيح» و «عيسى» عطف بيان أو بدل { وَكَلِمَتُهُ } عطف على «رسول الله» . وقيل له «كلمة» لأنه يهتدي به كما يهتدي بالكلام { ألقاها إلى مَرْيَمَ } حال «وقد» معه مرادة أي أوصلها إليها وحصلها فيها { وَرُوحٌ } معطوف على الخبر أيضاً . وقيل له «روح» لأنه كان يحيي الموتى كما سمي القرآن روحاً بقوله { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] لما أنه يحيي القلوب { مِّنْهُ } أي بتخليقه وتكوينه كقوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات وَمَا فِي الارض جَمِيعاً مّنْهُ } [ الجاثية : 13 ] وبه أجاب عليّ بن الحسين بن واقد غلاماً نصرانياً كان للرشيد في مجلسه حيث زعم أن في كتابكم حجة على أن عيسى من الله { فَئَامِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف أي ولا تقولوا الآلهة ثلاثة { انتهوا } عن التثليث { خَيْراً لَّكُمْ } . والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله من مريم ألا ترى إلى قوله : { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة : 116 ] . { وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } [ التوبة : 30 ] . { إِنَّمَا الله } مبتدأ { إِلَهٌ } خبرة { واحد } توكيد { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد { لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِى الأرض } بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزءًا منه . إذ البنوة والملك لا يجتمعان ، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو يتعالى عن أن يكون جسماً { وكفى بالله وَكِيلاً } حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما ، ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه .\rولما قال وفد نجران لرسول الله A : لم تعيب صاحبنا عيسى؟ قال : \" وأي شيء أقول؟ \" قالوا : تقول إنه عبد الله ورسوله . قال : \" إنه ليس بعار أن يكون عبد الله \" قالوا : بلى ، نزل قوله تعالى :","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } أي لن يأنف { أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } هو رد على النصارى { وَلاَ الملئكة } رد على من يعبدهم من العرب وهو عطف على «المسيح» { المقربون } أي الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم . والمعنى : ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباداً لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه إيجازاً . وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية وقالوا : الارتقاء إنما يكون إلى الأعلى . يقال : فلان لا يستنكف عن خدمتي ولا أبوه ، ولو قال «ولا عبده» لم يحسن وكان معنى قوله «ولا الملائكة المقربون» ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً ، ويدل عليه تخصيص المقربين . والجواب أنا نسلم تفضيل الثاني على الأول ولكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه ، لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى ، ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر . إلى هذا ذهب بعض أهل السنة ، ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأساً لا يستنكفون عن عبادته ، فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا يعلم ما يعلمون! وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التكون هي التي تورث الحمقى أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد من غير أب وهو يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وينبىء بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم ، فبرءوه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها في المسيح ، ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح! والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم السلام أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم ، كجبريل وميكائيل وعزرائيل ونحوهم ، وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر ، وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة ، ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء عليهم السلام الملائكة عليهم السلام في العصمة وتفضلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدانية ، فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثواباً بالحديث { وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ } يترفع ويطلب الكبرياء { فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم .\rثم فصل فقال :\r{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } فإن قلت : التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد ، قلت : هو مثل قولك «جمع الإمام الخوارج» فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ، ومن خرج عليه نكل به .","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"وصحة ذلك لوجهين : أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا : «فأما الذين آمنوا باللّه واعتصموا به» . والثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله : { يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } أي رسول يبهر المنكر بالإعجاز { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } قرآناً يستضاء به في ظلمات الحيرة { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ } بالله أو بالقرآن { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } أي جنة { وَفَضَّلَ } زيادة النعمة { وَيَهْدِيهِمْ } ويرشدهم { إِلَيْهِ } إلى الله أو إلى الفضل أو إلى صراطه { صراطا مُّسْتَقِيماً } ف «صراطاً» حال من المضاف المحذوف .\r{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة } كان جابر بن عبد الله مريضاً فعاده رسول الله A فقال : إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت { إِنِ امرؤا هَلَكَ } ارتفع «امرؤ» بمضمر يفسره الظاهر ومحل { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد ، والمراد بالولد الابن وهو مشترك يقع على الذكر والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت { وَلَهُ أُخْتٌ } أي لأب وأم أو لأب { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } أي الميت { وَهُوَ يَرِثُهَا } أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها { إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت . فإن قلت : الابن لا يسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط ، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت : بين حكم انتفاء الولد ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة وهو قوله عليه السلام \" ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر \" والأب أولى من الأخ { فَإِن كَانَتَا اثنتين } أي فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك وله أخت { فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً } أي وإن كان من يرث بالإخوة . والمراد بالإخوة الإخوة والأخوات تغليباً لحكم الذكورة { رّجَالاً وَنِسَاء } ذكوراً وإناثاً { فَلِلذَّكَرِ } منهم { مِثْلُ حَظّ الأنثيين يُبَيّنُ الله لَكُمْ } الحق فهو مفعول «يبين» { أَن تَضِلُّواْ } كراهة أن تضلوا { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده .","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } يقال وفى بالعهد وأوفى به ، والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف ، أو ما عقد الله عليكم ، أو ما تعاقدتم بينكم . والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه ، وأنه كلام قدم مجملاً ثم عقب بالتفصيل وهو قوله { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام } والبهيمة كل ذات أربع قوائم في البر والبحر ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان وهي بمعنى «من» كخاتم فضة ومعناه ، البهيمة من الأنعام وهي الأزواج الثمانية . وقيل : بهيمة الأنعام : الظباء وبقر الوحش ونحوهما { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } آية تحريمه وهو قوله «حرمت عليكم الميتة» الآية { غَيْرَ مُحِلّي الصيد } حال من الضمير في «لكم» أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال من «محلى الصيد» كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يضيق عليكم ، والحرم جمع حرام وهو المحرم { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام أو من التحليل والتحريم ونزل نهياً عن تحليل ما حرم { يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً وعلماً للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر { وَلاَ الشهر الحرام } أي أشهر الحج { وَلاَ الهدى } وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية { وَلاَ القلائد } جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر أو غيره { وَلا ءَامّينَ البيت الحرام } ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام وهم الحجاج والعمار ، وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها ، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله . وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى للاختصاص لأنها أشرف الهدى كقوله : { وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة : 98 ] . كأنه قيل : والقلائد منها خصوصاً ، وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } [ النور : 31 ] فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها { يَبْتَغُونَ } حال من الضمير في «آمين» { فَضْلاً مّن رَّبِّهِمْ } أي ثواباً { ورضوانا } وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم { وَإِذَا حَلَلْتُمْ } خرجتم من الإحرام { فاصطادوا } إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله «غير محلي الصيد وأنتم حرم» .","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"{ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ } جرم مثل كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين ، تقول جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه ، وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني «أن تعتدوا» «وأن صدوكم» متعلق بالشنآن بمنعى العلة وهو شدة البغض ، وبسكون النون شامي وأبو بكر ، والمعنى : ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه . «إن صدوكم» على الشرط : مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو «لا يجرمنكم» ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله A والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ، ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } على العفو والإغضاء { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } على الانتقام والتشفي ، أو البر فعل المأمور ، والتقوى ترك المحظور ، والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور ، ويحوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى ، ولكل إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار { واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ } لمن عصاه وما اتقاه .\rثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } أي البهيمة التي تموت حتف أنفها { والدم } أي المسفوح وهو السائل { وَلَحْمَ الخنزير } وكله نجس . وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } أي رفع الصوت به لغير الله وهو قولهم «باسم اللات والعزى» عند ذبحه { والمنخنقة } التي خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بالشبكة أو غيرها { والموقوذة } التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت { والمتردية } التي تردت من جبل أو في بئر فماتت { والنطيحة } المنطوحة وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح { وَمَا أَكَلَ السبع } بعضه ومات بجرحه { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح ، والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها ، فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمى عليها حلت { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب واحدها نصب ، أو هو جمع والواحد نصاب { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام } في موضع الرفع بالعطف على الميتة أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا والاستقسام بالأزلام وهي القداح المعلمة واحدها زلم وزلم ، كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب «أمرني ربي» وعلى الآخر «نهاني» والثالث «غُفْلٌ» . فإن خرج الآمر مضى لحاجته ، وإن خرج الناهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاده ، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام .","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"قال الزجاج : لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين «لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا» . وفي شرح التأويلات رد هذا وقال : لا يقول المنجم «إن نجم كذا يأمر بكذا ونجم كذا ينهى عن كذا» كما كان فعل أولئك ، ولكن المنجم جعل النجوم دلالات وعلامات على أحكام الله تعالى . ويجوز أن يجعل الله في النجوم معاني وأعلاماً يدرك بها الأحكام ويستخرج بها الأشياء ولا لائمة في ذلك إنما اللائمة عليه فيما يحكم على الله ويشهد عليه . وقيل : هو الميسر وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة { ذلكم فِسْقٌ } الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة ، ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في الآية .\r{ اليوم } ظرف ل «يئس» ولم يرد به يوم بعينه وإنما معناه الآن ، وهذا كما تقول «أنا اليوم قد كبرت» تريد الآن . وقيل : أريد يوم نزولها وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين بعدما كانوا غالبين { واخشون } بغير ياء في الوصل والوقف أي أخلصوا لي الخشية .\r{ اليوم } ظرف لقوله { أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } بأن كفيتم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم كما يقول الملوك «اليوم كمل لنا الملك» أي كفينا من كنا نخافه ، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } حال . اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران : 85 ] { فَمَنِ اضطر } متصل بذكر المحرمات ، وقوله «ذلكم فسق» اعتراض أكد به معنى التحريم ، وكذا ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل ومعناه ، فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها { فِي مَخْمَصَةٍ } مجاعة { غَيْرَ } حال { مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } مائل إلى إثم أي غير متجاوز سد الرمق { فَإِنَّ الله غَفُورٌ } لا يؤاخذه بذلك { رَّحِيمٌ } بإباحة المحظور للمعذور .","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ } في السؤال معنى القول فلذا وقع بعده { مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } كأنه قيل : يقولون لك ماذا أحل لهم . وإنما لم يقل «ماذا أحل لنا» حكاية لما قالوا ، لأن «يسألونك» بلفظ الغيبة كقولك «أقسم زيد ليفعلن» ولو قيل «لأفعلن» وأحل لنا لكان صواباً . و«ماذا» مبتدأ و «أحل لهم» خبره كقولك «أي شيء أحل لهم» ومعناه ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلى عليهم ما حرم عليه من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها فقال : { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } أي ما ليس بخبيث منها أو هو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس { وَمَا عَلَّمْتُمْ } عطف على «الطيبات» أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف ، أو تجعل «ما» شرطية وجوابها «فكلوا» { مّنَ الجوارح } أي الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي والشاهين ، وقيل : هي من الجراحة فيشترط للحل الجرح { مُكَلِّبِينَ } حال من «علمتم» . وفائدة هذه الحال مع أنه استغنى عنها ب «علمتم» أن يكون من يعلم الجوارح موصوفاً بالتكليب ، والمكلب مؤدب الجوارح ومعلمها مشتق من الكلب ، لأن التأديب في الكلاب أكثر فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه ، أو لأن السبع يسمى كلباً ومنه الحديث \" اللهم سلط عليه كلباً من كلابك \" فأكله الأسد . { تُعَلِّمُونَهُنَّ } حال أو استئناف ولا موضع له . وفيه دليل على أن على كل آخذ علماً أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية ، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله . { مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من التكليب { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } الإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه ، فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا يحرمه وقد عرف في موضعه .\rوالضمير في { واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، أو إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا عليه عند إرساله { واتقوا الله } واحذروا مخالفة أمره في هذا كله { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } إنه محاسبكم على أفعالكم ولا يلحقه فيه لبث . { اليوم } الآن { أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } كرره تأكيداً للمنة { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملة { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لوكان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم { والمحصنات مِنَ المؤمنات } هن الحرائر أو العفائف ، وليس هذا بشرط لصحة النكاح بل هو للاستحباب لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات ونكاح غير العفائف .","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم وهو معطوف على «الطيبات» أو مبتدأ والخبر محذوف أي والمحصنات من المؤمنات حل لكم { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } هن الحرائر الكتابيات أو العفائف الكتابيات { إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أعطيتموهن مهورهن { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } متزوجين غير زانين { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } صدائق والخدن يقع على الذكر والأنثى { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم { فَقَدْ حَبِطَ } بطل { عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين } .","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان } [ النحل : 98 ] أي إذا أردت أن تقرأ القرآن ، فعبر عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة فأقيم المسبب مقام السبب لملابسة بينهما طلباً للإيجاز ، ونحوه «كما تدين تدان» عبر عن الفعل الابتدائي الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه ، وتقديره : وأنتم محدثون . عن ابن عباس Bهما : أو من النوم لأنه دليل الحدث : وكان رسول الله A والصحابة يتوضأون لكل صلاة . وقيل : كان الوضوء لكل صلاة واجباً أول ما فرض ثم نسخ { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } «إلى» تفيد معنى الغاية مطلقاً ، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل فما فيه دليل على الخروج { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } [ البقرة : 280 ] لأن الإعسار علة الإنظار وبوجود الميسرة تزول العلة ، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظراً في الحالتين معسراً وموسراً . وكذلك { أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : 187 ] لو دخل الليل لوجب الوصال . ومما فيه دليل على الدخول قولك «حفظت القرآن من أوله إلى آخره» لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله ، ومنه قوله تعالى : { مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } [ الإسراء : 1 ] لوقوع العلم بأنه عليه السلام لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله ، وقوله «إلى المرافق» لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ الجمهور بالاحتياط ، فحكموا بدخولها في الغسل ، وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها . وعن النبي A أنه كان يدير الماء على مرفقيه { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } المراد إلصاق المسح بالرأس ، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه؛ فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب ، والشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح ، وأخذنا ببيان النبي عليه السلام وهو ما روي أنه مسح على ناصيته وقدرت الناصية بربع الرأس { وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين } بالنصب : شامي ونافع وعلي وحفص . والمعنى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم على التقديم والتأخير . غيرهم بالجر بالعطف على الرؤوس لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة ، تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه فعطفت على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها . وقيل : «إلى الكعبين» فجيء بالغاية إماطة لظن ظانٍ يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة ، وقال في جامع العلوم إنها مجرورة للجوار وقد صح أن النبي عليه السلام رأى قوماً يمسحون على أرجلهم فقال : \" ويل للأعقاب من النار \" وعن عطاء : والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله A مسح على القدمين وإنما أمر بغسل هذه الأعضاء ليطهرها من الأوساخ التي تتصل بها لأنها تبدو كثيرا ، والصلاة خدمة الله تعالى ، والقيام بين يديه متطهراً من الأوساخ أقرب إلى التعظيم فكان أكمل في الخدمة كما في الشاهد إذا أراد أن يقوم بين يدي الملك ، ولهذا قيل : إن الأولى أن يصلي الرجل في أحسن ثيابه ، وإن الصلاة متعمماً أفضل من الصلاة مكشوف الرأس لما أن ذلك أبلغ في التعظيم { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا } فاغسلوا أبدانكم .","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"{ وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ } قال الرازي معناه وجاء حتى لا يلزم المريض والمسافر التيمم بلا حدث { مّن الغآئط } المكان المطمئن وهو كناية عن قضاء الحاجة { أَوْ لامستم النساء } جامعتم { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ } في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته فيثيبكم { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } بالإسلام { وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي عاقدكم به عقداً وثيقاً وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله A على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا سمعنا وأطعناه . وقيل Y هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان { واتقوا الله } في نقض الميثاق { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بسرائر الصدور من الخير والشر وهو وعد ووعيد .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط } بالعدل { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } عدي «يجرمنكم» بحرف الاستعلاء مضمناً معنى فعل يتعدى به كأنه قيل Y ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } أي العدل أقرب إلى التقوى . نهاهم أوّلاً أن تحملهم البغضاء على ترك العدل ، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله تعالى Y «هو أقرب للتقوى» تعالى وإذا كان وجوب العدل مع الكفار بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه { واتقوا الله } فيما أمر ونهى { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وعد ووعيد ولذا ذكر بعدها آية الوعد وهو قوله تعالى { وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } «وعد» يتعدى إلى مفعولين Y فالأول «الذين آمنوا» ، والثاني محذوف استغني عنه بالجملة التي هي قوله { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } والوعيد وهو قوله { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتِنَا أولئك أَصْحَابُ الجحيم } أي لا يفارقونها .","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } روي أن رسول الله A أتى بني قريظة ومعه الشيخان أبو بكر وعمر - والختنان يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين فقالوا : نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك ، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به ، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره بذلك فخرج النبي A ونزلت الآية . «إذ» ظرف للنعمة { أَن يَبْسُطُواْ } بأن يبسطوا { إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل يقال بسط لسانه إليه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به { وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء } [ الممتحنة : 2 ] ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } فمنعها أن تمد إليكم { واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } فإنه الكافي والدافع والمانع .","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"{ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِي إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً } هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها . ولما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحا أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقال لهم : إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم ، وأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم ، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل لهم به النقباء وسار بهم ، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا أجراماً عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم وقد نهاهم أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوقنا ويوشع بن نون وكانا من النقباء { وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ } أي ناصركم ومعينكم . وتقف هنا لابتدائك بالشرط الداخل عليه اللام الموطئة للقسم وهو { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءَاتَيْتُمُ الزكواة } وكانتا فريضتين عليهم { وَآمَنتُم بِرُسُلِي } من غير تفريق بين أحد منهم { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } وعظمتموهم أو نصرتموهم بأن تردّوا عنهم أعداءهم ، والعزر في اللغة الردّ ويقال عزرت فلاناً أي أدّبته يعني فعلت به ما يردعه عن القبيح كذا قاله الزجاج { وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً } بلا مَنٍّ وقيل : هو كل خير . واللام في { لأُِّّكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم } جواب للقسم وهذا الجواب سادّ مسد جواب القسم والشرط جميعاً { وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ } أي بعد ذلك الشرط المؤكد المتعلق بالوعد العظيم { فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل } أخطأ طريق الحق ، نعم من كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل أيضاً ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم .\r{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } «ما» مزيد لإفادة تفخيم الأمر { لعناهم } طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } يابسة لا رحمة فيها ولا لين . «قسيّة» : حمزة وعلي أي رديئة من قولهم : «درهم قسي» أي رديء { يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مواضعه } يفسرونه على غير ما أنزل وهو بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه { وَنَسُواْ حَظَّا } وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً { مّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ } من التوراة يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم ، أو قست قلوبهم وفسدت فحرفوا التوراة وزلت أشياء منها عن حفظهم . عن ابن مسعود Bه : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية . وقيل : تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد A وبيان نعته { وَلاَ تَزَالُ } يا محمد { تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ } أي هذه عادتهم وكان عليها أسلافهم ، كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ويهمون بالفتك بك ، وقوله «على خائنة» أي على خيانة أو على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة ، ويقال : «رجل خائنة» كقولهم «رجل راوية للشعر» للمبالغة .","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"{ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ } وهم الذين آمنوا منهم { فاعف عَنْهُمْ } بعث على مخالفتهم ، أو فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم { واصفح إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } و« من» في قوله :\r{ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم } وهو الإيمان بالله والرسل وأفعال الخير يتعلق بأخذنا أي وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم ، فقدم على الفعل الجار والمجرور وفصل بين الفعل والواو بالجار والمجرور . وإنما لم يقل «من النصارى» لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله وهم الذين قالوا لعيسى : نحن أنصار الله . ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصاراً للشيطان { فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا } فألصقنا وألزمنا من غرى بالشيء إذا لزمه ولصق به ومنه الغراء الذي يلصق به { بَيْنَهُمْ } بين فرق النصارى المختلفين { العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة } بالأهواء المختلفة { وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } أي في القيامة بالجزاء والعقاب .\r{ ياأهل الكتاب } خطاب لليهود والنصارى ، والكتاب للجنس { قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا } محمد عليه السلام { يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } من نحو صفة رسول الله A ومن نحو الرجم { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } مما تخفونه لا يبينه أو يعفو عن كثير منكم لان يؤاخذه { قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك ولإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق ، أو لأنه ظاهر الإعجاز ، أو النور محمد عليه السلام لأنه يهتدى به كما سمي سراجاً { يَهْدِي بِهِ الله } أي بالقرآن { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } من آمن منهم { سُبُلَ السلام } طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله فالسلام السلامة أو الله { وَيُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام { بِإِذْنِهِ } بإرادته وتوفيقه { وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ * لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ } معناه بت القول على أن الله هو المسيح لا غير . قيل : كان في النصارى قوم يقولون ذلك ، أو لأن مذهبهم يؤدي إليه حيث إنهم اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً } فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً { إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً } أي إن أراد أن يهلك من دعوه إلهاً من المسيح وأمه يعني أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد .","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"وعطف «من في الأرض جميعاً» على «المسيح وأمه» إبانة أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم ، والمعنى أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه نقص البشرية ، ومن لاحت عليه شواهد الحدثية أنى يليق به نعت الربوبية ، ولو قطع البقاء عن جميع ما أوجد لم يعد نقص إلى الصمدية .\r{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى بلا ذكر كما خلق عيسى ، ويخلق من ذكر من غير أنثى كما خلق حواء من آدم ، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم ، أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له فلا اعتراض عليه لأنه الفعال لما يريد { والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ } أي أعزة عليه كالابن على الأب ، أو أشياع ابني الله عزير والمسيح كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون ، وكما كان يقول رهط مسيلمة نحن أبناء الله ويقول أقرباء الملك وحشمه نحن أبناء الملوك أو نحن أبناء رسل الله { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } أي فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أياماً معدودة على زعمكم ، وهل يمسخ الأب ولده وهل يعذب الولد ولده بالنار؟ ثم قال رداً عليهم { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } أي أنتم خلق من خلقه لا بنوه { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } لمن تاب عن الكفر فضلاً { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ } من مات عليه عدلاً { وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير } فيه تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والبنوة متنافيان .\r{ ياأهل الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا } محمد عليه السلام { يُبَيِّنُ لَكُمْ } أي الشرائع وحذف لظهوره ، أو ما كنتم تخفون وحذف لتقدم ذكره أو لا يقدر المبين ويكون المعنى يبذل لكم البيان وهو حال أي مبيناً لكم { على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } متعلق ب «جاءكم» أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي ، وكان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو خمسمائة سنة وستون سنة { أَن تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا { مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } والفاء في { فَقَدْ جَاءَكُمْ } متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا فقد جاءكم { بَشِيرٌ } للمؤمنين { وَنَذِيرٌ } للكافرين ، والمعنى الامتنان عليهم بأن الرسول بعث إليهم حتى انطمست آثار الوحي أحوج ما يكونون إليه ليهشوا إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فكان قادراً على إرسال محمد عليه السلام ضرورة .","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه وبعد الجبابرة ملكهم ، ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء . وقيل : الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار وكانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية . وقيل : من له بيت وخدم ، أو لأنهم كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله فسمي إنقاذهم ملكاً { وءاتاكم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين } من فلق البحر وإغراق العدو وإنزال المن والسلوى وتظليل الغمام ونحو ذلك من الأمور العظام أو أراد عالمي زمانهم { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } أي المطهرة أو المباركة وهي أرض بيت المقدس أو الشام { الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } قسمها لكم أو سماها أو كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } ولا ترجعوا على أعقابكم مدبرين منهزمين من خوف الجبابرة جبناً أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم { فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة .\r{ قَالُوا ياموسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد { وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا } بالقتال { حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا } بغير قتال { فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } بلا قتال { فَإِنَّا داخلون } بلادهم حينئذ { قَالَ رَجُلاَنِ } كالب ويوشع { من الّذين يخافونَ } الله ويخشونه كأنه قيل رجلان من المتقين وهو في محل الرفع صفة ل «رجلان» وكذا { أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا } بالخوف منه { ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب } أي باب المدينة { فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالبون } أي انهزموا وكانت الغلبة لكم ، وإنما علما ذلك بإخبار موسى عليه السلام { وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه وهو قطع العلائق وترك التملق للخلائق { قَالُواْ ياموسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا } هذا نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد { أَبَدًا } تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول { مَّا دَامُواْ فِيهَا } بيان للأبد { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ } من العلماء من حمله على الظاهر . وقال : إنه كفر منهم وليس كذلك إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً وكفروا به لحاربهم موسى ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء ، ولكن الوجه فيه أن يقال : فاذهب أنت وربك يعينك على قتالك ، أو وربك أي وسيدك وهو أخوك الأكبر هارون ، أو لم يرد به حقيقة الذهاب ولكن كما تقول «كلمته فذهب يجيبني» تريد معنى الإرادة كأنهم قالوا أريدا قتالهم : { فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون } ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم فلما عصوه وخالفوه { قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ } لنصرة دينك { إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } وهو منصوب بالعطف على «نفسي» أو على اسم «إن» أي إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه ، أو مرفوع بالعطف على محل «إن» واسمها ، أو على الضمير في «لا أملك» وجاز للفصل أي ولا يملك أخي إلا نفسه ، أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي وأخي كذلك ، وهذا من البث والشكوى إلى الله ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة وكأنه لم يثق بالرجلين المذكورين كل الوثوق فلم يذكر إلا النبي المعصوم ، أو أراد ومن يؤاخيني على ديني { فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين } فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله وهو في معنى الدعاء عليهم ، أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله :","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"{ وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } [ التحريم : 11 ] .\r{ قَالَ فَإِنَّهَا } أي الأرض المقدسة { مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } لا يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبد كقوله { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع } [ القصص : 12 ] . والمراد بقوله «كتب الله لكم» أي بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل : فإنها محرمة عليهم ، أو المراد فإنها محرمة عليهم : { أَرْبَعِينَ سَنَةً } فإذا مضى الأربعون كان ما كتب فقد سار موسى عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتحها وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض . و «أربعين» ظرف التحريم والوقف على سنة أو ظرف { يَتِيهُونَ فِى الأرض } أي يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً أربعين سنة والوقف على «عليهم» . وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم المكث فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ . ولما ندم على الدعاء عليهم قيل له : { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين } فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون . قيل : لم يكن موسى وهارون معهم في التيه لأنه كان عقاباً وقد سأل موسى ربه أنه يفرق بينهما وبينهم . وقيل : كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وسلاماً لا عقوبة . ومات هارون في التيه ، وموسى فيه بعده بسنة ، ومات النقباء في التيه إلا كالب ويوشع .\rثم أمر الله تعالى محمداً A أن يقص على حاسديه ما جرى بسبب الحسد ليتركوه ويؤمنوا بقوله :","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"{ واتل عَلَيْهِمْ } على أهل الكتاب { نَبَأَ ابنى ءَادَم } من صلبه هابيل وقابيل ، أو هما رجلان من بني إسرائيل { بالحق } نبأ ملتبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأولين ، أو تلاوة ملتبسة بالصدق والصحة ، أو واتل عليهم وأنت محق صادق { إِذْ قَرَّبَا } نصب بالنبأ أي قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت ، أو بدل من النبأ أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف { قُرْبَاناً } ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة . يقال : قرب صدقة وتقرب بها لأن تقرب مطاوع قرب ، والمعنى إذ قرب كل واحد منهما قربانه دليله { فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا } قربانه وهو هابيل { وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر } قربانه وهو قابيل . رُوي أنه أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر ، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسده عليها أخوه وسخط فقال لهما آدم : قربا قرباناً فمن أيكما قبل يتزوجها فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل حسداً وسخطاً وتوعده بالقتل وهو قوله { قَالَ لأقْتُلَنَّكَ } أي قال لهابيل { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } وتقديره : قال لم تقتلني : ؟ قال : لأن الله قبل قربانك ولم يقبل قرباني . فقال : إنما يتقبل الله من المتقين وأنت غير متق فإنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي . وعن عامر ابن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له : ما يبكيك وقد كنت وكنت؟ قال : إني أسمع الله يقول : «إنما يتقبل الله من المتقين» .\r{ لَئِن بَسَطتَ } مددت { إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } بماد { يَدَىِ } مدني وأبو عمرو وحفص { إِلَيْكَ لأِقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين } قيل : كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكن تحرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله تعالى لأن الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت ، وقيل : بل كان ذلك واجباً فإن فيه إهلاك نفسه ومشاركة للقاتل في إثمه ، وإنما معناه ما أنا بباسط يدي إليك مبتدئاً كقصدك ذلك مني ، وكان هابيل عازماً على مدافعته إذا قصد قتله وإنما قتله فتكاً على غفلة منه . «إنّي أخاف» : حجازي وأبو عمرو { إِنّى أُرِيدُ } «إنّي» مدني { أَن تَبُوءَ } أن تحتمل أو ترجع { بِإِثْمِى } بإثم قتلي إذا قتلتني { وَإِثْمِكَ } الذي لأجله لم يتقبل قربانك وهو عقوق الأب والحسد والحقد ، وإنما أراد ذلك لكفره برده قضية الله تعالى أو كان ظالماً وجزاء الظالم جائز أن يراد { فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } فوسعته ويسرته من طاع له المرتع إذا اتسع { فَقَتَلَهُ } عند عقبة حراء أو بالبصرة والمقتول ابن عشرين سنة { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين * فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الأرض لِيُرِيَهُ } أي الله أو الغراب { كَيْفَ يُوَارِى سَوْءةَ أَخِيهِ } عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده .","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"رُوي أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم ، ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع ، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فحينئذ { قَالَ ياويلتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ } عطف على «أكون» { سَوْءةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره ولم يندم ندم التائبين ، أو كان الندم توبة لنا خاصة أو على حمله لا على قتله . ورُوي أنه لما قتله أسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلاً . فقال : بل قتلته ولذا اسود جسدك . فالسودان من ولده . وما رُوي أن آدم رثاه بشعر فلا يصح لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر .\r{ مِنْ أَجْلِ ذلك } بسبب ذلك وبعلته «وذلك» إشارة إلى القتل المذكور . قيل : هو متصل بالآية الأولى فيوقف على «ذلك» أي فأصبح من النادمين لأجل حمله ولأجل قتله . وقيل : هو مستأنف والوقف على «النادمين» و «من» يتعلق ب «كتبنا» لا ب «النادمين» { كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل } خصهم بالذكر وإن اشترك الكل في ذلك لأن التوراة أول كتاب فيه الأحكام { أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً } الضمير للشأن و «من» شرطية { بِغَيْرِ نَفْسٍ } بغير قتل نفس { أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض } عطف على «نفس» أي بغير فساد في الأرض وهو الشرك ، أو قطع الطريق وكل فساد يوجب القتل { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } أي في الذنب . عن الحسن : لأن قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله عليه والعذاب العظيم ، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك { وَمَنْ أحياها } ومن استنقذها من أسباب الهلكة من قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك { فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } جعل قتل الواحد كقتل الجميع ، وكذلك الإحياء ترغيباً وترهيباً لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور أن قتلها كقتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه ، وكذا الذي أراد إحياءها إذا تصور أن حكمه حكم جميع الناس رغب في إحيائها { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ } أي بني إسرائيل { رُسُلُنَا } «رُسلنا» : أبو عمرو { بالبينات } بالآيات الواضحات { ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك } بعدما كتبنا عليهم أو بعد مجيء الرسل بالآيات { فِى الأرض لَمُسْرِفُونَ } في القتل لا يبالون بعظمته .","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"{ إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } أي أولياء الله في الحديث «يقول الله تعالى : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة» { وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً } مفسدين ، ويجوز أن يكون مفعولاً له أي للفساد وخبر «جزاء» { أَن يُقَتَّلُواْ } وما عطف عليه وأفاد التشديد الواحد بعد الواحد ومعناه أن يقتلوا من غير صلب إن أفردوا القتل { أَوْ يُصَلَّبُواْ } مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم } إن أخذوا المال { مّنْ خلاف } حال من الأيدي والأرجل أي مختلفة { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض } بالحبس إذا لم يزيدوا على الإخافة { ذلك } المذكور { لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا } ذل وفضيحة { وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } فتسقط عنهم هذه الحدود لا ما هو حق العباد { فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } فلا تؤذوا عباد الله { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } هي كل ما يتوسل به أي يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك ، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك السيئات { وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } من صنوف الأموال { وَمِثْلَهُ مَعَهُ } وأنفقوه { لِيَفْتَدُواْ بِهِ } ليجعلوه فدية لأنفسهم . و «لو» مع ما في حيزه خبر «إن» ، ووحد الراجع في «ليفتدوا به» وقد ذكر شيئان لأنه أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قيل : لِيَفْتَدُواْ بِذَلِكَ { مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فلا سبيل لهم إلى النجاة بوجه { يُرِيدُونَ } يطلبون أو يتمنون { أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم .","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"{ والسارق والسارقة } ارتفعا بالابتداء والخبر محذوف تقديره : وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة أو الخبر { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } أي يديهما والمراد اليمينان بدليل قراءة عبد الله بن مسعود ، ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأن المعنى : والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما . والاسم الموصول يضمن معنى الشرط ، وبدأ بالرجل لأن السرقة من الجراءة وهي في الرجال أكثر ، وأخر الزاني لأن الزنا ينبعث من الشهوة وهي في النساء أوفر . وقطعت اليد لأنها آلة السرقة ولم تقطع آلة الزنا تفادياً عن قطع النسل . { جَزَاء بِمَا كَسَبَا } مفعول له { نكالا مّنَ الله } أي عقوبة منه وهو بدل من «جزاء» { والله عَزِيزٌ } غالب لا يعارض في حكمه { حَكِيمٌ } فيما حكم من قطع يد السارق والسارقة { فَمَن تَابَ } من السرقة { مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } سرقته { وَأَصْلَحَ } برد المسروق { فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ } يقبل توبته { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر ذنبه ويرحمه { أَلَمْ تَعْلَمْ } يا محمد أو يا مخاطب { أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُعَذّبُ مَن يَشَاء } من مات على الكفر { وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } لمن تاب عن الكفر { والله على كُلّ شَىْء } من التعذيب والمغفرة وغيرهما { قَدِيرٌ } قادر . وقدم التعذيب على المغفرة هنا لتقدم السرقة على التوبة .\r{ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر } أي لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين ، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم . يقال أسرع فيه الشيب أي وقع سريعاً فكذلك مسارعتهم في الكفر وقوعهم فيه أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئووها { مِنَ الذين قَالُواْ } تبيين لقوله : «الذين يسارعون في الكفر» { ءَامَنَّا } مفعول «قالوا» { بأفواههم } متعلق ب «قالوا» أي قالوا بأفواههم آمنا { وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } في محل النصب على الحال { وَمِنَ الذين هَادُواْ } معطوف على «من الذين قالوا» أي من المنافقين واليهود . ويرتفع { سماعون لِلْكَذِبِ } على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم سماعون والضمير للفريقين ، أو سماعون مبتدأ وخبره «من الذين هادوا» ، وعلى هذا يوقف «على قلوبهم» ، وعلى الأول «على هادوا» . ومعنى سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك بأن يمسخوا ما سمعوا منك بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير { سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لم يَأتُوك } أي سماعون منك لأجل قوم آخرين من اليهود وجّهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منك { يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه } أي يزيلونه ويميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا موضع .","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"«يحرفون» صفة لقوم كقوله «لم يأتوك» ، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم يحرفون ، والضمير مردود على لفظ الكلم { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا } المحرف المزال عن مواضعه ويقولون مثل يحرفون . وجاز أن يكون حالاً من الضمير في «يحرفون» { فَخُذُوهُ } واعلموا أنه الحق واعملوا به { وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ } وأفتاكم محمد بخلافه { فاحذروا } فإياكم وإياه فهو الباطل . رُوي أن شريفاً زنى بشريفة بخيبر وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم ليسألوا رسول الله A عن ذلك وقالوا : إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا ، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به { وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ } ضلالته وهو حجة على من يقول : يريد الله الإيمان ولا يريد الكفر { فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً } قطع رجاء محمد A عن إيمان هؤلاء { أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } عن الكفر لعلمه منهم اختيار الكفر وهو حجة لنا عليهم أيضاً { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } للمنافقين فضيحة ولليهود جزية { وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي التخليد في النار .","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"{ سماعون لِلْكَذِبِ } كرر للتأكيد أي هم سماعون ومثله { أكالون لِلسُّحْتِ } وهو كل ما لا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة ، وفي الحديث \" هو الرشوة في الحكم \" وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام . وبالتثقيل مكي وبصري وعلي { فَإِن جَاءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } قيل : كان رسول الله A مخيراً إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم . وقيل : نسخ التخيير بقوله : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } { وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } فلن يقدروا على الإضرار بك لأن الله تعالى يعصمك من الناس { وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط } بالعدل { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } العادلين .\r{ وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله } تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به . «فيها حكم الله» حال من التوراة وهي مبتدأ وخبره «عندهم» { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك } عطف على «يحكمونك» أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به { وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين } بك أو بكتابهم كما يدعون .\r{ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى } يهدي للحق { وَنُورٌ } يبين ما استبهم من الأحكام { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ } انقادوا لحكم الله في التوراة وهو صفة أجريت للنبيين على سبيل المدح ، وأريد بإجرائها التعريض باليهود لأنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم { لِلَّذِينَ هَادُواْ } تابوا من الكفر ، واللام يتعلق ب «يحكم» { والربانيون والأحبار } معطوفان على «النبيون» أي الزهاد والعلماء { بِمَا استحفظوا } استودعوا ، قيل : ويجوز أن يكون بدلاً من «بها» في «يحكم بها» { مِن كتاب الله } «من» للتبيين والضمير في «استحفظوا» للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه ، أو ل «الربانيون والأحبار» ويكون الاستحفاظ من الأنبياء { وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } رقباء لئلا يبدل { فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس } نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل خشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد { واخشون } في مخالفة أمري وبالياء فيهما : سهل وافقه أبو عَمرو في الوصل { وَلاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا بآيات الله وأحكامه { ثَمَناً قَلِيلاً } وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } مستهيناً به { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } قال ابن عباس Bهما : من لم يحكم جاحداً فهو كافر ، وإن لم يكن جاحداً فهو فاسق ظالم .","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"وقال ابن مسعود Bه : هو عام في اليهود وغيرهم .\r{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } وفرضنا على اليهود في التوراة { أَنَّ النفس } مأخوذة { بالنفس } مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق { والعين } مفقوءة { بالعين والأنف } مجدوع { بالأنف والأذن } مقطوعة { بالأذن والسن } مقلوعة { بالسن والجروح قِصَاصٌ } أي ذات قصاص وهو المقاصة ومعناه ما يمكن فيه القصاص وإلا فحكومة عدل . وعن ابن عباس Bهما : كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت . وقوله «أن النفس بالنفس» يدل عى أن المسلم يقتل بالذمي والرجل بالمرأة والحر بالعبد . نصب نافع وعاصم وحمزة المعطوفات كلها للعطف على ما عملت فيه «أن» . ورفعها عليٌّ للعطف على محل «أن النفس» لأن المعنى : وكتبنا عليهم النفس بالنفس إجراء ل «كتبنا» مجرى «قلنا» ، ونصب الباقون الكل ورفعوا الجروح . والأذن بسكون الذال حيث كان : نافع . والباقون : بضمها وهما لغتان كالسحت والسحت { فَمَن تَصَدَّقَ } من أصحاب الحق { به } بالقصاص وعفا عنه { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه قال عليه السلام \" من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولدته أمه \" { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } بالامتناع عن ذلك .\r{ وَقَفَّيْنَا } معنى قفيت الشيء بالشيء جعلته في أثره كأنه جعل في قفاه يقال قفاه بقفوه إذا تبعه { على ءاثارهم } عى آثار النبيين الذين أسلموا { بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ مُصَدّقاً } هوحال من «عيسى» { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وآتيناه الإِنجيل فيه هُدىً ونورٌ ومُصَدَّقاً لَّما بين يديه من التوراة } أي وآتيناه الإنجيل ثابتاً فيه هدى ونور ومصدقاً ، فنصب «مصدقاً» بالعطف على ثابتاً الذي تعلق به فيه وقام مقامه فيه . وارتفع «هدى ونور» بثابتاً الذي قام مقامه فيه { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } انتصبا على الحال أي هادياً وواعظاً { لّلْمُتَّقِينَ } لأنهم ينتفعون به { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } وقلنا لهم احكموا بموجبه ، فاللام لام الأمر وأصله الكسر ، وإنما سكن استثقالاً لفتحة وكسرة وفتحة . «وليحكم» بكسر اللام وفتح الميم : حمزة على أنها لام كي أي وقفينا ليؤمنوا وليحكم . { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } الخارجون عن الطاعة . قال الشيخ أبو منصور C : يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافراً ظالماً فاسقاً ، لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر . وقيل : ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله .\r{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } أي القرآن فحرف التعريف فيه للعهد { بالحق } بسبب الحق وإثباته وتبيين الصواب من الخطأ { مُصَدّقاً } حال من «الكتاب» { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } لما تقدمه نزولاً .","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"وإنما قيل لما قبل الشيء هو بين يديه لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه { مّنَ الكتاب } المراد به جنس الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه للجنس ، ومعنى تصديقه الكتب موافقتها في التوحيد والعبادة { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } [ الأنبياء : 25 ] { وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } وشاهداً لأنه يشهد له بالصحة والثبات { فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله } أي بما في القرآن { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } نهى أن يحكم بما حرفوه وبدلوه اعتماداً على قولهم . ضمّن ولا تتبع معنى ولا تنحرف فلذا عدي ب «من» فكأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم ، أو التقدير عادلاً عما جاءك { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ } أيها الناس { شِرْعَةً } شريعة { ومنهاجا } وطريقاً واضحاً . واستدل به من قال إن شريعة من قبلنا لا تلزمنا . ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليه السلام ، ثم إنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام ، ثم إنزال القرآن على محمد A ، وبين أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به فقال في الأول «يحكم به النبيون» وفي الثاني «وليحكم أهل الإنجيل» وفي الثالث «فاحكم بينهم بما أنزل الله» { وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } جماعة متفقة على شريعة واحدة { ولكن } أراد { لِيَبْلُوَكُمْ } ليعاملكم معاملة المختبر { فِى مآءتاكم } من الشرائع المختلفة فتعبّد كل أمة بما اقتضته الحكمة { فاستبقوا الخيرات } فابتدروها وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة . والمراد بالخيرات كل ما أمر الله تعالى به { إلى الله مَرْجِعُكُمْ } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات { جَمِيعاً } حال من الضمير المجرور والعامل المصدر المضاف لأنه في تقدير : إليه ترجعون { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل .\r{ وَأَنِ احكم } معطوف على «بالحق» أي وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم { بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ } أي يصرفوك وهو مفعول له أي مخافة أن يفتنوك . وإنما حذره وهو رسول مأمون لقطع أطماع القوم { عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره { فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } أي بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه فوضع «ببعض ذنوبهم» موضع ذلك وهذا الإبهام لتعظيم التولي ، وفيه تعظيم الذنوب فإن الذنوب بعضها مهلك فكيف بكلها! { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون } لخارجون عن أمر الله { أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } يطلبون .","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"وبالتاء شامي يخاطب بني النضير في تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم رسول الله A : \" القتلى سواء \" فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت . وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية . وناصب «أفحكم الجاهلية يبغون» { وَمَنْ أَحْسَنُ } مبتدأ وخبره وهو استفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن { مِنَ الله حُكْماً } هو تمييز . واللام في { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } للبيان كاللام في { هَيْتَ لَكَ } [ يوسف : 23 ] أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام «لقوم يوقنون» فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه . وقال أبو علي : معنى لقوم عند قوم لأن اللام و«عند» يتقاربان في المعنى .\rونزل نهياً عن موالاة أعداء الدين .","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاءَ } أي لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين . ثم علل النهي بقوله { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وكلهم أعداء المؤمنين ، وفيه دليل على أن الكفر كله ملة واحدة { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } من جملتهم وحكمه حكمهم ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة { فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } نفاق { يسارعون } حال أو مفعول ثانٍ لاحتمال أن يكون «فترى» من رؤية العين أو القلب { فِيهِمْ } في معاونتهم على المسلمين وموالاتهم { يَقُولُونَ } أي في أنفسهم لقوله على «ما أسروا» { نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } أي حادثة تدور بالحال التي يكونون عليها { فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح } لرسول الله A على أعدائه وإظهار المسلمين { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } أي يؤمر النبي عليه السلام بإظهار إسرار المنافقين وقتلهم { فَيُصْبِحُواْ } أي المنافقون { على مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ } من النفاق { نادمين } خبر «فيصبحوا» { وَيَقُولُ الذين ءَامَنُواْ } أي يقول بعضهم لبعض عند ذلك . «ويقول» بصري عطفاً على «أن يأتي» «يقول» بغير واو : شامي وحجازي على أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا { أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } أي أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار وجهد أيمانهم مصدر في تقدير الحال أي مجتهدين في توكيد أيمانهم { حَبِطَتْ أعمالهم } ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة لا إيماناً وعقيدة ، وهذا من قول الله D شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجيباً من سوء حالهم { فَأَصْبَحُواْ خاسرين } في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر . «يرتدد» مدني وشامي { فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } يرضى أعمالهم ويثني عليهم بها ويطيعونه ويؤثرون رضاه ، وفيه دليل نبوته عليه السلام حيث أخبرهم بما لم يكن فكان ، وإثبات خلافة الصديق لأنه جاهد المرتدين ، وفي صحة خلافته وخلافة عمر Bهما . وسئل النبي A عنهم فضرب على عاتق سلمان وقال «هذا وذووه لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم { أَذِلَّةٍ } جمع ذليل ، وأما ذلول فجمعه ذلل . ومن زعم أنه من الذُّلِ الذي هو ضد الصعوبة فقد سها لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة .","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"قال الجوهري : الذل ضد العز ، ورجل ذليل بيّن الذل ، وقوم أذلاء وأذلة ، والذل بالكسر اللين وهو ضد الصعوبة يقال : دابة ذلول ودواب ذلل { عَلَى المؤمنين } ولم يقل للمؤمنين لتضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل : عاكفين عليهم على وجه التذلل والتواضع { أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } أشداء عليهم والعزاز الأرض الصلبة فهم مع المؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده ومع الكافرين كالسبع على فريسته { يجاهدون فِي سَبِيلِ الله } يقاتلون الكفار وهو صفة ل «قوم» ك «يحبهم» و «أعزة» و «أذلة» { وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } الواو يحتمل أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود ، فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم ، وأما المؤمنون فمجاهدتهم لله لا يخافون لومة لائم . وأن تكون للعطف أي من صفتهم المجاهدة في سبيل الله وهم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين لا تزعهم لومة لائم : واللومة المرة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل : لا يخافون شيئاً قط من لوم واحد من اللوام { ذلك } إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة { فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع } كثير الفواضل { عَلِيمٌ } بمن هو من أهلها .\rعقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءَامَنُواْ } وإنما يفيد اختصاصهم بالموالاة ولم يجمع الولي وإن كان المذكور جماعة تنبيهاً على أن الولاية لله أصل ولغيره تبع ، ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع . ومحل { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } الرفع على البدل من «الذين آمنوا» ، أو على هم الذين ، أو النصب على المدح { وَيُؤْتُونَ الزكواة } . والواو في { وَهُمْ راكعون } للحال أي يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة . قيل : إنها نزلت في علي Bه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مرجاً في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل يفسد صلاته . وورد بلفظ الجمع وإن كان السبب فيه واحداً ترغيباً للناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه . والآية تدل على جواز الصدقة في الصلاة ، وعلى أن الفعل القليل لا يفسد الصلاة .","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"{ وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين ءَامَنُواْ } يتخذه ولياً أو يكن ولياً { فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون } من إقامة الظاهر مقام الضمير أي فإنهم هم الغالبون ، أو المراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله ، واعتضد بمن لا يغالب . وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمرٍ حزبهم أي أصابهم .\rوروي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما فنزل { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً } يعني اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء بل يقابل ذلك بالبغضاء والمنابذة { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } «من» للبيان { مِن قَبْلِكُمْ والكفار } أي المشركين وهو عطف على «الذين» المنصوبة . و«الكفار» بصري وعلي عطف على الذين المجرورة أي من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار { أَوْلِيَاءَ واتقوا الله } في موالاة الكفار { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } حقاً لأن الإيمان حقاً يأبى موالاة أعداء الدين { وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها } أي الصلاة أو المناداة { هُزُواً وَلَعِباً ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } لأن لعبهم وهزوهم من أفعال السفهاء والجهلة فكأنهم لا عقل لهم ، وفيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده { قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ } يعني هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالله وبالكتب المنزلة كلها { وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون } وهو عطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وما أنزل وبأن أكثركم فاسقون ، والمعنى أعاديتمونا لأنا اعتقدنا توحيد الله وصدق أنبيائه وفسقكم لمخالفتكم لنا في ذلك؟ ويجوز أن يكون الواو بمعنى «مع» أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أنكم فاسقون . { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله } أي ثواباً وهو نصب على التمييز والمثوبة وإن كانت مختصة بالإحسان ولكنها وضعت موضع العقوبة كقوله { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] وكان اليهود يزعمون أن المسلمين مستوجبون للعقوبة فقيل لهم { مَن لَّعَنَهُ الله } شر عقوبة في الحقيقة من أهل الإسلام في زعمكم وذلك إشارة إلى المتقدم أي الإيمان أي بشر مما نقمتم من إيماننا ثواباً أي جزاء ، ولا بد من حذف مضاف قبله أو قبل «من» تقديره : بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله { وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة } يعني أصحاب السبت { والخنازير } أي كفار أهل مائدة عيسى عليه السلام ، أو كلا المسخين من أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير { وَعَبَدَ الطاغوت } أي العجل أو الشيطان لأن عبادتهم العجل بتزيين الشيطان وهو عطف على صلة «من» كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت .","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"«وعبد الطاغوتِ» حمزة جعله اسماً موضوعاً للمبالغة كقولهم «رجل حذر وفطن» للبليغ في الحذر والفطنة ، وهو معطوف على «القردة والخنازير» أي جعل الله منهم عبد الطاغوت { أولئك } الممسوخون الملعونون { شَرٌّ مَّكَاناً } جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله للمبالغة { وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل } عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة .\rونزل في ناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي A ويظهرون له الإيمان نفاقاً .\r{ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } الباء للحال أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين وتقديره ملتبسين بالكفر ، وكذلك قد دخلوا وهم قد خرجوا ولذا دخلت «قد» تقريباً للماضي من الحال وهو متعلق ب «قالوا آمنا» أي قالوا ذلك وهذه حالهم { والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } من النفاق { وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ } من اليهود { يسارعون فِي الإثم } الكذب { والعدوان } الظلم . أو الإثم ما يختص بهم ، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم ، والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة { وَأَكْلِهِمُ السحت } الحرام { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لبئس شيئاً عملوه { لَوْلاَ } هلا وهو تحضيض { ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } هذا ذم للعلماء والأول للعامة . وعن ابن عباس Bهما : هي أشد آية في القرآن حيث أنزل تارك النهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر في الوعيد .\r{ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } روي أن اليهود لعنهم الله لما كذبوا محمداً عليه السلام كف الله ما بسط عليهم من السعة وكانوا من أكثر الناس مالاً ، فعند ذلك قال فنحاص : يد الله مغلولة ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه . وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء : 29 ] . ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى إنه يستعمل في ملك يعطي ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد ، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزلاً لقالوا ما أبسط يده بالنوال . وقد استعمل حيث لا تصح اليد يقال : بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني كفان ، ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية . وقوله «غلت أيديهم» دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله ، أو تغل في جهنم فهي كأنها غلت وإنما ثنيت اليد في «بل يداه مبسوطتان» وهي مفردة في «يد الله مغلولة» ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه ، فغاية ما يبذله السخي أن يعطيه بيديه { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } تأكيد للوصف بالسخاء ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم } من اليهود { مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً } أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفراً بآيات الله ، وهذا من إضافة الفعل إلى السبب كما قال «فزادتهم رجساً إلى رجسهم» .","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة } فكلمهم أبداً مختلف وقلوبهم شتى لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم نصر من الله على أحد قط ، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس . وقيل : كلما حاربوا رسول الله A نصر عليهم . عن قتادة : لا تلقي يهودياً في بلد إلا وقد وجدته من أذل الناس { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } ويجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي عليه السلام من كتبهم { والله لاَ يُحِبُّ المفسدين * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب ءَامَنُواْ } برسول الله عليه السلام وبما جاء به مع ما عددنا من سيئآتهم { واتقوا } أي وقرنوا إيمانهم بالتقوى { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيئاتهم } ولم نؤاخذهم بها { ولأدخلناهم جنات النعيم } مع المسلمين .","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل } أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله A { وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبِّهِمْ } من سائر كتب الله لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم . وقيل : هو القرآن . { لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ } يعني الثمار من فوق رؤوسهم { وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } يعني الزروع وهذه عبارة عن التوسعة كقولهم «فلان في النعمة من فرقه إلى قدمه» . ودلت الآية على أن العمل بطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق وهو كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مِّنَ السماء والأرض } [ الأعراف : 96 ] . { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } [ الطلاق : 3 ] . { فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } [ نوح : 10 ] الآيات . { وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً } [ الجن : 16 ] { مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } طائفة حالها أُمَمٌ في عداوة رسول الله عليه السلام . وقيل : هي الطائفة المؤمنة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } فيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم . وقيل : هم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم .\r{ ياأيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من رّبِّكَ } جميع ما أنزل إليك ، وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه { وإن لّم تفعل } وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك { فما بَلَّغْتَ رسالته } «رسالاته» : مدني وشامي وأبو بكر . أي فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالة ولم تؤد منها شيئاً قط ، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض ، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لكونها في حكم شيء واحد لدخولها تحت خطاب واحد ، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ مؤمناً به غير مؤمن . قالت الملحدة لعنهم الله تعالى : هذا كلام لا يفيد وهو كقولك لغلامك : «كل هذا الطعام فإن لم تأكله فإنك ما أكلته» ، قلنا : هذا أمر بتبليغ الرسالة في المستقبل أي بلغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل فإن لم تفعل أي إن لم تبلغ الرسالة في المستقبل فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً ، أو بلغ ما أنزل إليك من ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعدة ، فإن لم تبلغ كنت كمن لم يبلغ أصلاً ، أو بلغ ذلك غير خائف أحداً فإن لم تبلغ على هذا الوصف فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً . ثم قال مشجعاً له في التبليغ { واللّهُ يعصمك من النّاسِ } يحفظك منهم قتلاً فلم يقدر عليه وإن شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته أو نزلت بعدما أصابه ما أصابه .","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"والناس الكفار بدليل قوله { إنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين } لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك .\r{ قل ياأهل الكتاب لستم على شيءٍ } على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لبطلانه { حتّى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم مّن رَّبِّكمْ } يعني القرآن { وليزيدنّ كثيراً مّنهم مّآ أنزل إليك من رّبّك طغياناً وكفراً } إضافة زيادة الكفر والطغيان إلى القرآن بطريق التسبيب { فلا تأس على القوم الكافرين } فلا تتأسف عليهم فإن ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك .\r{ إنَّ الّذين آمَنُوا } بألسنتهم وهم المنافقون ودل عليه قوله : { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } [ آل عمران : 76 ] { والّذين هادوا والصّبئون والنّصارى } قال سيبويه وجميع البصريين : ارتفع «الصابئون» بالابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز «إن» من اسمها وخبرها كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى { من آمن باللّهِ واليومِ الآخر وعمل صالحاً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون } والصابئون كذلك أي من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم فقدم وحذف الخبر كقوله\rفمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب\rأي فإني لغريب وقيار كذلك ، ودل اللام على أنه خبر «إن» ولا يرتفع بالعطف على محل «إن» واسمها لأن ذا لا يصح قبل الفراغ من الخبر . لا تقول «إن زيداً وعمرو منطلقان» وإنما يجوز «إن زيداً منطلق وعمرو» ، والصابئون مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله «إن الذين آمنوا» إلى آخره ، ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها . وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غياً يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان فما الظن بغيرهم! ومحل «من آمن» الرفع على الابتداء وخبره «فلا خوف عليهم» والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط . ثم الجملة كما هي خبر «إن» والراجح إلى اسم «إن» محذوف تقديره : من آمن منهم .\r{ لقد أخذنا ميثاق بني إسرآءِيل } بالتوحيد { وأرسلنا إليهم رسلاً } ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم { كلّما جآءَهُم رسولٌ } جملة شرطية وقعت صفة ل «رسلاً» والراجع محذوف أي رسول منهم { بما لا تهوى أنفسهم } بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع ، وجواب الشرط محذوف دل عليه { فريقاً كذَّبُوا وفريقاً يقتلون } كأنه يقول : كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه . وقوله «فريقاً كذبوا» جواب مستأنف لقائل كأنه يقول : كيف فعلوا برسلهم! وقال «يقتلون» بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل ، وتنبيهاً على أن القتل من شأنهم ، وانتصب «فريقاً» و«فريقاً» على أنه مفعول «كذبوا» و«يقتلون» . وقيل : التكذيب مشترك بين اليهود والنصارى ، والقتل مختص باليهود فهم قتلوا زكريا ويحيى .","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"{ وحسبوا ألا تكون } «أن لا تكون» : حمزة وعلي وأبو عمرو على «أن» مخففة من الثقيلة أصله أنه لا تكون فخففت «إن» وحذف ضمير الشأن ، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم فلذا دخل فعل الحسبان على «أن» التي هي للتحقيق { فتنةٌ } بلاء وعذاب أي وحسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل . وسد ما يشتمل عليه صلة «أن» وأن من المسند والمسند إليه مسد مفعولي «حسب» { فَعَمُوا وصَمُّوا } فلم يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا ، أو فعموا عن الرشد وصموا عن الوعظ { ثمّ تابَ اللَّهُ عليهم } رزقهم التوبة { ثمّ عَمُوا وصَمُّوا كثيرٌ مِّنهم } هو بدل من الضمير أي الواو وهو بدل البعض من الكل ، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم { واللّه بصيرٌ بما يعملون } فيجازيهم بحسب أعمالهم .\r{ لقد كفر الّذين قالوآ إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسراءيل اعبدوا اللّه ربّي وربّكم } لم يفرق عيسى عليه السلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب ليكون حجة على النصارى { إنّه من يشرك باللّه } في عبادته غير الله { فقد حَرَّمَ اللَُّه عليهِ الجنّةَ } التي هي دار الموحدين أي حرمه دخولها ومنعه { ومأواه النَّارُ } أي مرجعه { وما للظّالمين } أي الكافرين { من أنصَارٍ } وهو من كلام الله تعالى أو من كلام عيسى عليه السلام .\r{ لقد كفر الّذين قالوآ إنّ اللّه ثَالِثُ ثلاثةٍ } أي ثالث ثلاثة آلهة ، والإشكال أنه تعالى قال في الآية الأولى «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» وقال في الثانية «لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة» والجواب أن بعض النصارى كانوا يقولون : كان المسيح بعينه هو الله لأن الله ربما يتجلى في بعض الأزمان في شخص فتجلى في ذلك الوقت في شخص عيسى ، ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال لا يقدر عليها إلا الله ، وبعضهم ذهبوا إلى آلهة ثلاثة : الله ومريم والمسيح وأنه ولد الله من مريم . و «من» في قوله { وما من إلهٍ إلاّ إلهٌ واحد } للاستغراق أي وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله وحده لا شريك له . وفي قوله { وإن لّم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّ الّذين كفروا منهم } للبيان كالتي في { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } [ الحج : 30 ] ولم يقل «ليمسنهم» لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ، أو للتبعيض أي ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية { عذابٌ أليمٌ } نوع شديد الألم من العذاب . { أفلا يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه } ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه وفيه تعجيب من إصرارهم { واللّه غفورٌ رّحيمٌ } يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم .","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"{ مّا المسيح ابن مريم إلاّ رسولٌ } فيه نفي الألوهية عنه { قد خلت من قبله الرّسل } صفة لرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله ، وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه لأنه ليس إلها بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى ، وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر وأنثى { وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ } أي وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم . ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى : { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } [ التحريم : 12 ] . ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله { كانا يأكلان الطّعام } لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنقض لم يكن إلا جسماً مركباً من لحم وعظم وعروق وأعصاب وغير ذلك ما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام { انظر كيف نبيّن لهم الآيات } أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم { ثمّ انظر أنى يؤفكون } كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان ، وهذا تعجيب من الله تعالى في ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب .\r{ قل أتعبدون من دون اللّه ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعاً } هو عيسى عليه السلام أي شيئاً لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلاء والمصائب في الأنفس والأموال ، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب ، لأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبتخليقه تعالى فكأنه لا يملك منه شيئاً ، وهذا دليل قاطع على أن أمره منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً ، وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته { واللّه هو السّميعُ العليمُ } متعلق ب «أتعبدون» أي أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه ويعلم ما تعتقدونه { قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } الغلو مجاوزة الحد ، فغلو النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية ، وغلو اليهود وضعه عن استحقاق النبوة { غير الحقِّ } صفة لمصدر محذوف أي غلوا غير الحق يعني غلواً باطلاً { ولا تتّبعوآ أهوآءَ قومٍ قد ضلُّوا من قبلُ } أي أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل مبعث النبي A { وأضلُّوا كثيراً } ممن تابعهم { وضلُّوا } لما بعث رسول الله A { عن سوآءِ السَّبِيلِ } حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه .","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"{ لعن الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم } قيل : إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود : اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة . ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى : اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل { ذلك بما عصوا وّكانوا يعتدون } ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله { كانوا لا يتناهون } لا ينهي بعضهم بعضاً { عن مّنكرٍ فعلوه } عن قبيح فعلوه . ومعنى وصف المنكر ب «فعلوه» ولا يكون النهي بعد الفعل أنهم لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله ، أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه . يقال : تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه . ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم بقوله { لبئس ما كانوا يفعلون } وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عنه { ترى كثيراً مِّنهم يتوّلّون الّذين كفروا } هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون المشركين ويصافونهم { لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سَخِطَ اللّه عليهم } لبئس شيئاً قدموه لأنفسهم سخط الله عليهم أي موجب سخط الله { وفي العذاب هم خالدون } أي في جهنم { ولو كانوا يؤمنون باللّهِ } إيماناً خالصاً بلا نفاق { والنّبيِّ } أي محمد A { ومآ أنزل إليه } يعني القرآن { ما اتّخذوهم أوليآء } ما اتخذوا المشركين أولياء يعني أن موالاة المشركين تدل على نفاقهم { ولكن كثيراً مّنهم فاسقون } مستمرون في كفرهم ونفاقهم ، أو معناه ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله وبموسى وما أنزل إليه يعني التوراة ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون ولكن كثيراً منهم فاسقون خارجون عن دينهم فلا دين لهم أصلاً .\r{ لَتَجِدَنَّ أشدّ النّاس عداوة لّلّذين آمنوا اليهودَ } هو مفعول ثان ل «تجدن» . و«عداوة» تمييز { والّذين أشركوا } عطف عليهم { ولتجدنّ أقربهم مّودّةً لّلّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى } اللام تتعلق ب «عداوة» و «مودة» . وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة ، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين ، ونبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين { ذلك بأنّ منهم قِسّيسينَ ورهباناً } أي علماء وعباداً { وأنّهم لا يستكبرونَ } علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهباناً وأن فيهم تواضعاً واستكانة ، واليهود على خلاف ذلك ، وفيه دليل على أن العلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وإن كان علم القسيسين ، وكذا علم الآخرة وإن كان في راهب ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرّسول تراى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ } وصفهم برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن كما روي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون وهم يقرأونه عليهم : هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر : فيه سورة تنسب إلى مريم .","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"فقرأها إلى قوله : { ذلك عيسى ابن مريم } [ طه : 34 ] وقرأ سورة طه إلى قوله : { وهل أتاك حديث موسى } [ الآية : 9 ] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله A وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم سورة «يس» فبكوا . «تفيض من الدمع» تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء ، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من أجل البكاء . و«من» في «مما عرفوا» لابتداءالغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله ، «ومن» في «من الحق» لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا ، أو للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنَة { يقولون } حال من ضمير الفاعل في «عرفوا» { ربّنآ آمنّا } بمحمد A والمراد إنشاء الإيمان والدخول فيه { فاكتبنا مع الشّاهدين } مع أمة محمد عليه السلام الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة لتكونوا شهداء على الناس ، وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك .\r{ وما لنا لا نؤمن باللّه } إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين . وقيل : لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك . «وما لنا» مبتدأ وخبر و «لا نؤمن» حال أي غير مؤمنين كقولك «مالك قائماً» { وما جآءنا } وبما جاءنا { من الحقِّ } يعني محمداً عليه السلام والقرآن { ونطمع } حال من ضمير الفاعل في «نؤمن» والتقدير : ونحن نطمع { أن يدخلنا ربّنا } الجنة { مع القوم الصّالحين } الأنبياء والمؤمنين { فأثابهم اللّه بما قالوا } أي بقولهم ربنا آمنا وتصديقهم لذلك { جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء المحسنين } وفيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان كما هومذهب الفقهاء . وتعلقت الكرامية في أن الإيمان مجرد القول بقوله «بما قالوا» لكن الثناء بفيض الدمع في السباق وبالإحسان في السياق يدفع ذلك ، وأنى يكون مجرد القول إيماناً وقد قال الله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } [ البقرة : 8 ] . نفى الإيمان عنهم مع قولهم «آمنا بالله» لعدم التصديق بالقلب . وقال أهل المعرفة : الموجود منهم ثلاثة أشياء : البكاء على الجفاء ، والدعاء على العطاء ، والرضا بالقضاء ، فمن ادعى المعرفة ولم يكن فيه هذه الثلاثة فليس بصادق في دعواه { والّذين كفروا وكذّبوا بأياتنا أولئك أصحاب الجحيم } هذا أثر الرد في حق الأعداء ، والأول أثر القبول للأولياء ، ونزل في جماعة من الصحابة Bهم حلفوا أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويقوموا الليل ويصوموا النهار ويسيحوا في الأرض ويجبّوا مذاكيرهم ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب .","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"{ ياأيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّباتِ مآ أحلّ اللّه لكم } ما طاب ولذ من الحلال . ومعنى «لا تحرموا» لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم ، أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً . روي أن رسول الله A كان يأكل الدجاج والفالوذ وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال \" إن المؤمن حلو يحب الحلاوة \" وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك ، فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن : أهو صائم؟ قالوا : لا ولكنه يكره هذه الألوان ، فأقبل الحسن عليه وقال : يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم؟ وعنه أنه قيل له : فلان لا يأكل الفالوذ ويقول لا أؤدي شكره . فقال : أفيشرب الماء البارد؟ قالوا : نعم . قال : إنه جاهل أن نعمة الله عليه في الماء البارد أكبر من نعمته عليه في الفالوذ . { ولا تعتدوا } ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم ، أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات { إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين } حدوده .\r{ وكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالاً طيّباً } «حلالاً» حال «مما رزقكم الله» { واتّقوا اللّه } توكيد للتوصية بما أمر به وزاده توكيداً بقوله { الّذي أنتم به مؤمنون } لأن الإيمان به يوجب التقوى فيما أمر به ونهى .\r{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم } اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم ، وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن ، وكانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة فلما نزلت تلك الآية قالوا : فكيف أيماننا؟ فنزلت . وعند الشافعي C ما يجري على اللسان بلا قصد { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } أي بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها . وبالتخفيف : كوفي غير حفص . والعقد : العزم على الوطء ، وذا لا يتصور في الماضي فلا كفارة في الغموس . وعند الشافعي C القصد بالقلب ويمين الغموس مقصودة فكانت معقودة فكانت الكفارة فيها مشروعة . والمعنى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم ، فخذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوماً عندهم ، أو بنكث ما عقدتم فحذف المضاف { فَكَفَّارَتُهُ } أي فكفارة نكثه أو فكفارة معقود الأيمان . والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين } هو أن يغديهم ويعشيهم ، ويجوز أن يعطيهم بطريق التمليك وهو لكل أحد نصف صاع من بر أوصاع من شعير أو صاع من تمر . وعند الشافعي C مد لكل مسكين { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } أي غداء وعشاء من بر إذ الأوسع ثلاث مرات مع الإدام والأدنى مرة من تمر أو شعير { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف على «إطعام» أو على محل «من أوسط» ، ووجهه أن «من أوسط» بدل من «إطعام» والبدل هو المقصود في الكلام وهو ثوب يغطي العورة .","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"وعن ابن عمر Bه : إزار وقميص ورداء { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } مؤمنة أو كافرة لإطلاق النص ، وشرط الشافعي C الإيمان حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل . ومعنى «أو» التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } إحداها { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ } «متتابعة» لقراءة أبيّ وابن مسعود كذلك { ذلك } المذكور { كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأن الكفارة لا تجب بنفس الحلف ولذا لم يجز التكفير قبل الحنث { واحفظوا أيمانكم } فبروا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيراً أو ولا تحلفوا أصلاً { كذلك } مثل ذلك البيان { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } أعلام شريعته وأحكامه { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر } أي القمار { والأنصاب } الأصنام لأنها تنصب فتعبد { والأزلام } وهي القداح التي مرت { رِجْسٌ } نجس أو خبيث مستقذر { مِّنْ عَمَلِ الشيطان } لأنه يحمل عليه فكأنه عمله . والضمير في { فاجتنبوه } يرجع إلى الرجس ، أو إلى عمل الشيطان ، أو إلى المذكور ، أو إلى المضاف المحذوف كأنه قيل : إنما تعاطى الخمر والميسر ولذا قال «رجس» . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أكد تحريم الخمر والميسر من وجوه حيث صدر الجملة بإنما وقرنهما بعبادة الأصنام ومنه الحديث \" شارب الخمر كعابد الوثن \" وجعلهما رجساً من عمل الشيطان ولا يأتي منه إلا الشر البحت ، وأمر بالاجتناب ، وجعل الاجتناب من الفلاح وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خساراً { إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة } ذكر ما يتولد منهما من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر ، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة ، وخص الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال : وعن الصلاة خصوصاً . وإنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً ، لأن الخطاب مع المؤمنين وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر ، وذكر الأنصاب والألزام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعاً من أعمال أهل الشرك فكأنه لا مباينة بين عابد الصنم وشارب الخمر والمقامر ، ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل : قد تُلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا { وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا } وكونوا حذرين خاشعين لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن ذلك { فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين } أي فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات ، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه .","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"ونزل فيمن تعاطى شيئاً من الخمر والميسر قبل التحريم .\r{ لَيْسَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } أي شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل تحريمهما { إِذَا مَا اتقوا } الشرك { وَءامَنُواْ } بالله { وَعَمِلُواْ الصالحات } بعد الإيمان { ثُمَّ اتَّقَواْ } الخمر والميسر بعد التحريم { وَءَامَنُواْ } بتحريمهما { ثُمَّ اتَّقَواْ } سائر المحرمات ، أو الأول عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن الشبهات { وَأَحْسَنُواْ } إلى الناس { والله يُحِبُّ المحسنين } .\rولما ابتلاهم الله بالصيد عام الحديبية وهم محرمون وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في زحالهم فيستمكنون من صيده أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم نزل :\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم } ومعنى يبلو يختبر وهو من الله لإظهار ما علم من العبد على ما علم لا لعلم ما لم يعلم ، و«من» للتبعيض إذ لا يحرم كل صيد أو لبيان الجنس { لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب } ليعلم الله خوف الخائف منه بالامتناع عن الاصطياد موجوداً كما كان يعلم قبل وجوده أنه يوجد ليثيبه على عمله لا على علمه فيه { فَمَنِ اعتدى } فصاد { بَعْدَ ذَلِكَ } الابتلاء { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قلل في قوله «بشيء» من الصيد ليعلم أنه ليس من الفتن العظام «وتناله» صفة ل «شيء» { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد } أي المصيد إذ القتل إنما يكون فيه { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي محرمون جمع حرام كردح في جمع رداح في محل النصب على الحال من ضمير الفاعل في «تقتلوا» { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } حال من ضمير الفاعل أي ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه ، فإن قتله ناسياً لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطىء . وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ ، لأن مورد الآية فيمن تعمد ، فقد رُوي أنه عَنَّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فقتله فقيل له : إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت . ولأن الأصل فعل المتعمد والخطأ ملحق به للتغليظ .","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"وعن الزهري : نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ . { فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ } كوفي أي فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد وهو قيمة الصيد يقوّم حيث صيد ، فإن بلغت قيمته ثمن هدي خيّر بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد ، وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره ، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً . وعند محمد والشافعي رحمهما الله تعالى مثله نظيره من النعم ، فإن لم يوجد له نظير من النعم فكما مر .\r«فجزاء مثل» على الإضافة : غيرهم . وأصله فجزاء مثل ما قتل أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل ، ثم أضيف كما تقول «عجبت من ضرب زيداً ثم من ضرب زيد» . { مِنَ النعم } حال من الضمير في «قتل» إذ المقتول يكون من النعم أو صفة ل «جزاء» { يَحْكُمُ بِهِ } بمثل ما قتل { ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ } حكمان عادلان من المسلمين ، وفيه دليل على أن المثل القيمة لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة ، ولأن المثل المطلق في الكتاب والسنة والإجماع مقيد بالصورة والمعنى ، أو بالمعنى لا بالصورة ، أو بالصورة بلا معنى ، ولأن القيمة أريدت فيما لا مثل له صورة إجماعاً فلم يبق غيرها مراداً إذ لا عموم للمشترك . فإن قلت : قوله «من النعم» ينافي تفسير المثل بالقيمة . قلت : من أوجب القيمة خُير بين أن يشتري بها هدياً أو طعاماً أو يصوم كما خير الله تعالى في الآية ، فكان من النعم بياناً للهدي المشتري بالقيمة في أحد وجوه التخيير ، لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النعم ، على أن التخيير الذي في الآية بين أن يُجزي بالهدي أو يكفر بالطعام أو الصوم ، إنما يستقيم إذا قوم ونظر بعد التقويم أي الثلاثة يختار ، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير ، فإذا كان شيئاً لا نظير له قُوِّم حينئذ ثم يخير بين الطعام والصيام ، ففيه نبّو عما في الآية ألا ترى إلى قوله { أوكَفَّارَةٌ طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً } كيف خير بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم { هَدْياً } حال من الهاء في «به» أي يحكم به في حال الهدي { بالغ الكعبة } صفة ل «هدياً» لأن إضافته غير حقيقية . ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم ، فأما التصدق به فحيث شئت . وعند الشافعي C : في الحرم { أَوْ كَفَّارَةٌ } معطوف على «جزاء» { طَعَامٌ } بدل من «كفارة» أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام . «أو كفارة طعام» على الإضافة : مدني وشامي . وهذه الإضافة لتبيين المضاف كأنه قيل : أو كفارة من طعام { مساكين } كما تقول «خاتم فضة» أي خاتم من فضة { أَو عَدْلُ } وقرىء بكسر العين .","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"قال الفراء : العدل ما عادل الشيء من غير جنسه كالصوم والإطعام ، والعدل مثله من جنسه ومنه «عدلا الحمل» . يقال «عندي غلام عدل غلامك» بالكسر إذا كان من جنسه ، فإن أريد أن قيمته كقيمته ولم يكن من جنسه قيل «هو عَدل غلامك» بالفتح { ذلك } إشارة إلى الطعام { صِيَاماً } تمييز نحو «لي مثله رجلاً» والخيار في ذلك إلى القاتل ، وعند محمد C إلى الحكمين { لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } متعلق بقوله «فجزاء» أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام . والوبال المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى : { فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً } [ المزمل : 16 ] أي ثقيلاً شديداً . والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ . { عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ } لكم من الصيد قبل التحريم { وَمَنْ عَادَ } إلى قتل الصيد بعد التحريم أو في ذلك الإحرام { فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } بالجزاء وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه { والله عَزِيزٌ } بإلزام الأحكام { ذُو انتقام } لمن جاوز حدود الإسلام .","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"{ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر } مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل { وَطَعَامُهُ } وما يطعم من صيده . والمعنى : أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر ، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده { متاعا لَّكُمْ } مفعول له أي أحل لكم تمتيعاً لكم { وَلِلسَّيَّارَةِ } وللمسافرين . والمعنى : أحل لكم طعامه تمتيعاً لتُنّائكم يأكلونه طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر . { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر } ما صيد فيه وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كالبط فإنه بري لأنه يتولد في البر والبحر له مرعى كما للناس متجر { مَا دُمْتُمْ حُرُماً } محرمين { واتقوا الله } في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام { الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }\rتبعثون فيجزيكم على أعمالكم .\r{ جَعَلَ الله الكعبة } أي صير { البيت الحرام } بدل أو عطف بيان { قِيَاماً } مفعول ثانٍ أو «جعل» بمعنى «خلق» و«قياماً» حال { لِلنَّاسِ } أي انتعاشاً لهم في أمر دينهم ونهوضاً إلى أغراضهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وأنواع منافعهم . قيل : لو تركوه عاماً لم ينظروا ولم يؤخروا { والشهر الحرام } والشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد علمه الله ، أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم . { والهدى } ما يهدى إلى مكة { والقلائد } والمقلد منه خصوصاً وهو البدن فالثواب فيه أكثر وبهاء الحج معه أظهر { ذلك } إشارة إلى جعل الكعبة قياماً أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره { لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض وَأَنَّ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض وكيف لا يعلم وهو بكل شيء عليم { اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن استخف بالحرم والإحرام { وَأَنَّ الله غَفُورٌ } لآثام من عظم المشاعر العظام { رَّحِيمٌ } بالجاني الملتجىء إلى البلد الحرام { مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ } تشديد في إيجاب القيام بما أمر به ، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط { والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم .\r{ قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب } لما أخبر أنه يعلم ما يبدون وما يكتمون ذكر أنه لا يستوي خبيثهم وطيبهم بل يميز بينهما ، فيعاقب الخبيث أي الكافر ويثيب الطيب أي المسلم { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث فاتقوا الله } وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر .","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"وقيل : هو عام في حلال المال وحرامه وصالح العمل وطالحه وجيد الناس ورديئهم .\r{ ياأولي الألباب } أي العقول الخالصة { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } كانوا يسألون النبي A عن أشياء امتحاناً فنزل :\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ } قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين : أصله «شيئاء» بهمزتين بينهما ألف وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف ك «حمراء» وهي مفردة لفظاً جمع معنى ، ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدمت الأولى التي هي لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها «لفعاء» ، والجملة الشرطية والمعطوفة عليها أي قوله { إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان تُبْدَ لَكُمْ } صفة ل «أشياء» أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم «تبد لكم» تلك التكاليف التي تسوؤكم أي تغمكم وتشق عليكم وتؤمرون بتحملها فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها { عَفَا الله عَنْهَا } عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها { والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار . والضمير في { قَدْ سَأَلَهَا } لا يرجع إلى «أشياء» حتى يعدى ب «عن» بل يرجع إلى المسألة التي دلت عليها «لا تسألوا» أي قد سأل هذه المسألة { قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ } من الأولين { ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا } صاروا بسببها { كافرين } كما عرف في بني إسرائيل .\r{ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } كان أهل الجاهلية إذا انتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا إذنها أي شقوها وامتنعوا من ركوبها وذبحها ، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى واسمها البحيرة . وكان يقول الرجل : إذا قدمت من سفري أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها . وقيل : كان الرجل إذا أعتق عبداً قال : هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث . وكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع ذكراً أكله الرجال ، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم ، وكذا إن كان ذكراً وأنثى وقالوا : أوصلت أخاها فالوصيلة بمعنى الواصلة . وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى . ومعنى «ما جعل» ما شرع ذلك ولا أمر به { ولكن الذين كَفَرُواْ } بتحريمهم ما حرموا { يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } في نسبتهم هذا التحريم إليه { وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أن الله لم يحرم ذلك وهم عوامهم { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول } أي هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة { قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا } أي كافينا ذلك ، «حسبنا» مبتدأ والخبر «ما وجدنا» «وما» بمعنى «الذي» والواو في { أَوَ لَّوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ } للحال قد دخلت عليها همزة الإنكار وتقديره : أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم { لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } أي الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } انتصب «أنفسكم» ب «عليكم» وهو من أسماء الأفعال أي الزموا إصلاح أنفسكم .","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"والكاف والميم في «عليكم» في موضع جر لأن اسم الفعل هو الجار والمجرور لا على وحدها { لاَ يَضُرُّكُمْ } رفع على الاستئناف ، أو جزم على جواب الأمر ، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد { مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم } كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم : عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها لا يضركم الضّلاّل عن دينكم إذا كنتم مهتدين ، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركهما مع القدرة عليهما لا يجوز . { إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } رجوعكم { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ثم يجزيكم على أعمالكم .\rروي أنه خرج بديل مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين مع عدي وتميم وكانا نصرانيين إلى الشام ، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه ، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله . ومات ففتشا متاعه ، فأخذا إناء من فضة فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله A فنزل :\r{ يِأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان } ارتفع «اثنان» لأنه خبر المبتدأ وهو «شهادة» بتقدير شهادة بينكم شهادة اثنين ، أو لأنه فاعل «شهادة بينكم» أي فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان . واتسع في «بين» فأضيف إليه المصدر . «وإذا حضر» ظرف للشهادة و«حين الوصية» بدل منه ، وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية لأن حضور الموت من الأمور الكائنة ، «وحين الوصية» بدل منه فيدل على وجوب الوصية ولو وجدت بدون الاختيار لسقط الابتلاء فنقل إلى الوجوب ، وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل { ذَوَا عَدْلٍ } صفة ل «اثنان» { مِّنكُمْ } من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت { أو آخران } عطف على «اثنان» { مِنْ غَيْرِكُمْ } من الأجانب { إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض } سافرتم فيها . «وأنتم» فاعل فعل يفسره الظاهر { فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت } أو منكم من المسلمين ومن غيركم من أهل الذمة . وقيل : منسوخ إذ لا يجوز شهادة الذمي على المسلم ، وإنما جازت في أول الإسلام لقلة المسلمين { تَحْبِسُونَهُمَا } تقفونهما للحلف هو استئناف كلام أو صفة لقوله «أو آخران من غيركم» أي أو آخران من غيركم محبوسان ، «وإن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت» اعتراض بين الصفة والموصوف { مِن بَعْدِ الصلاة } من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس .","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"وعن الحسن C : بعد العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما . وفي حديث بديل أنها لما نزلت صلى رسول الله A صلاة العصر ودعا بعديِّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر فحلفا ثم وجد الإناء بمكة فقالوا : إنا اشتريناه من تميم وعدي . { فَيُقْسِمَانِ بالله } فيحلفان به { إِنِ ارتبتم } شككتم في أمانتهما وهو اعتراض بين «يقسمان» وجوابه وهو { لاَ نَشْتَرِي } وجواب الشرط محذوف أغنى عنه معنى الكلام والتقدير : إن ارتبتم في شأنهما فحلفوهما { بِهِ } بالله أو بالقسم { ثَمَناً } عوضاً من الدنيا { وَلَوْ كَانَ } أي المقسم له { ذَا قربى } أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم له قريباً منا { وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله } أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها { إنّآ إذاً } إن كتمنا { لَّمِنَ الآثمين } . وقيل : إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين ، وإن أريد الوصيان فلم ينسخ تحليفهما .","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"{ فَإِنْ عُثِرَ } فإن اطلع { على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً } فعل ما أوجب إثماً واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين { فئاخران } فشاهدان آخران { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ } أي من الذين استحق عليهم الإثم ، ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته ، وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين حلف رجلان من ورثته إنه إناء صاحبهما وإن شهادتهما أحق من شهادتهما { الأولاين } الأحقان بالشهادة لقرابتهما أو معرفتهما . وارتفاعهما على «هما الأوليان» كأنه قيل : ومن هما؟ فقيل : الأوليان . أو هما بدل من الضمير في «يقومان» أو من ««آخران» . «استحق عليهم الأوليان» . حفص أي من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين . «الأوَّلين» : حمزة وأبو بكر على أنه وصف للذين استحق عليهم مجرور أو منصوب على المدح . وسموا أولين لأنهم كانوا أولين في الذكر في قوله «شهادة بينكم» { فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما } أي ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين { وَمَا اعتدينا } وما تجاوزنا الحق في يميننا { إِنَّآ إِذاً لَّمِنَ الظالمين } أي إن حلفنا كاذبين { ذلك } الذي مر ذكره من بيان الحكم { أدنى } أقرب { أَن يَأْتُواْ } أي الشهداء على نحو تلك الحادثة { بالشهادة على وَجْهِهَا } كما حملوها بلا خيانة فيها { أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم } أي تكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم { واتقوا الله } في الخيانة واليمين الكاذبة { واسمعوا } سمع قبول وإجابة { والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين } الخارجين عن الطاعة . فإن قلت : ما معنى «أو» هنا؟ قلت : معناه ذلك أقرب من أن يؤدّوا الشهادة بالحق والصدق ، إما لله أو لخوف العار والافتضاح برد الأيمان ، وقد احتج به من يرى ردّ اليمين على المدعي ، والجواب أن الورثة قد ادّعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا ، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما فأنكرت الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهما الشراء .\r{ يَوْمَ } منصوب ب «اذكروا» أو احذروا { يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان؟ وهذا السؤال توبيخ لمن أنكرهم . «وماذا» منصوب ب «أجبتم» نصب المصدر على معنى أيَّ إجابة أجبتم { قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا } بإخلاص قومنا دليله { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } أو بما أحدثوا بعدنا دليله «كنت أنت الرقيب عليهم» أو قالوا ذلك تأدباً أي علمنا ساقط مع علمك ومغمور به فكأنه لا علم لنا { إِذْ قَالَ الله } بدل من «يوم يجمع» { ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى والدتك } حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين .","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"والعامل في { إِذْ أَيَّدتُّكَ } أي قويتك «نعمتي» { بِرُوحِ القدس } جبريل عليه السلام أيد به لتثبت الحجة عليهم ، أو بالكلام الذي يحيا به الدين ، وأضافه إلى القدس لأنه سبب الطهر من أو ضارم الآثام دليله { تُكَلّمُ الناس فِى المهد } حال أي تكلمهم طفلاً إعجازاً { وَكَهْلاً } تبليغاً { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } معطوف على «إذ أيدتك» ونحوه «وإذ تخلق» . «وإذ تخرج» . «وإذ كففت» . «وإذ أوحيت» { الكتاب } الخط { والحكمة } الكلام المحكم الصواب { والتوراة والإنجيل وَإِذْ تَخْلُقُ } تقدر { مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } هيئة مثل هيئة الطير { بِإِذْنِى } بتسهيلي { فَتَنفُخُ فِيهَا } الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ، وكذا الضمير في { فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي } وعطف { وَتُبْرِىءُ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي } على «تخلق» { وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى } من القبور أحياء { بِإِذْنِي } قيل : أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية .\r{ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إسراءيل عَنكَ } أي اليهود حين هموا بقتله { إِذْ جِئْتَهُمْ } ظرف ل «كففت» { بالبينات فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ساحر حمزة وعلي { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ألهمت { إِلَى الحواريين } الخواص أو الأصفياء { أن آمنوا } أي آمنوا { بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون } أي اشهد بأننا مخلصون من أسلم وجهه { إِذْ قَالَ الحواريون } أي اذكروا إذ { ياعيسى ابن مَرْيَمَ } «عيسى» نصب على اتباع حركته حركة الابن نحو «يا زيد بن عمرو» { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل أو هل يطيعك ربك إن سألته ، فاستطاع وأطاع بمعنى كاستجاب وأجاب . هل تستطيع ربك على أي هل تستطيع سؤال ربك فحذف المضاف ، والمعنى : هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله { أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا } «ينزول» : مكي وبصري { مَآئِدَةً مِّنَ السمآء } هي الخوان إذا كان عليه الطعام من مادَه إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليها { قَالَ اتقوا الله } في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إذ الإيمان يوجب التقوى .\r{ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } تبركاً { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } ونزداد يقيناً كقول إبراهيم عليه السلام { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ البقرة : 260 ] { وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } أي نعلم صدقك عياناً كما علمناه استدلالاً { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين } بما عاينا لمن بعدنا . ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت { قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم } أصله «يا الله» فحذف «يَا» وعوض منه «الميم» { رَبَّنَا } نداء ثانٍ { أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء تَكُونُ لَنَا عِيداً } أي يكون يوم نزولها عيداً .","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"قيل : هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيداً ، والعيد : السرور العائد ولذا يقال «يوم عيد» فكان معناه : تكون لنا سروراً وفرحاً { لأَِوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا } بدل من «لنا» بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ، ولمن يأتي بعدنا ، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم ، أو للمتقدمين منا والأتباع { وآيةً مِنكَ } على صحة نبوّتي ثم أكد ذلك بقوله { وارزقنا وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين } وأعطنا ما سألناك وأنت خير المعطين { قَالَ الله إِنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } بالتشديد : مدني وشامي وعاصم . وعد الإنزال وشرط عليهم شرطاً بقوله { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } بعد إنزالها منكم { فَإِنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً } أي تعذيباً كالسلام بمعنى التسليم . والضمير في { لآَّ أُعَذِّبُهُ } للمصدر ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء { أَحَداً مِّنَ العالمين } عن الحسن أن المائدة لم تنزل ولو نزلت لكانت عيداً إلى يوم القيامة لقوله : «وآخرنا» . والصحيح أنها نزلت . فعن وهب نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة عليها كل طعام إلا اللحم . وقيل : كانوا يجدون عليها ما شاءُوا . وقيل : كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشياً .","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"{ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله } الجمهور على أن هذا السؤال يكون في يوم القيامة دليله سياق الآية وسباقها . وقيل : خاطبه به حين رفعه إلى السماء دليله لفظ «إذ» { قَالَ سبحانك } من أن يكون لك شريك { مَا يَكُونُ لِي } ما ينبغي لي { أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته ، والمعنى : أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقله ولو قلته لعلمته لأنك { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي } ذاتي { وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } ذاتك . فنفس الشيء ذاته وهويته والمعنى : تعلم معلومي ولا أعلم معلومك { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } تقرير للجملتين معاً لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلم علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد .\r{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ } أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به . ثم فسر ما أمر به فقال : { أَنِ اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ } ف «أن» مفسرة بمعنى «أي» { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } رقيباً { مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } مدة كوني فيهم { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } الحفيظ { وَأَنتَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } قال الزجاج : علم عيسى عليه السلام أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر فقال في جملتهم «إن تعذبهم» أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك وأنت العادل في ذلك فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم ، وإن تغفر لهم أي لمن أقلع منهم وآمن فذلك تفضل منك ، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد ، حكيم في ذلك ، أو عزيز قوي قادر على الثواب ، حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب .\r{ قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } برفع اليوم والإضافة على أنه خبر هذا أي يقول الله تعالى «هذا يوم ينفع الصادقين» فيه صدقهم المستمر في دنياهم وآخرتهم . والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب على المفعولية كما تقول «قال زيد عمرو منطلق» ، وبالنصب : نافع . على الظرف أي قال الله هذا لعيسى عليه السلام يوم ينفع الصادقين صدقهم وهو يوم القيامة { لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ الله عَنْهُمْ } بالسعي المشكور { وَرَضُواْ عَنْهُ } بالجزاء الموفور { ذلك الفوز العظيم } لأنه باقٍ بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باقٍ { للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ } عظم نفسه عما قالت النصارى إن معه إلهاً آخر { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء ، نسأله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"مكية وهي مائة وخمس وستون آية كوفي أربع وستون بصرى\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الحمد للَّهِ } تعليم اللفظ والمعنى مع تعريض الاستغناء أي الحمد له وإن لم تحمدوه { الذى خَلَقَ السماوات والأرض } جمع السموات لأنها طباق بعضها فوق بعض . والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض . «جعل» يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله { وَجَعَلَ الظلمات والنور } وإلى مفعولين إن كان بمعنى «صير» كقوله { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف : 19 ] وفيه رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة ، وأفرد النور لإرادة الجنس ولأن ظلمة كل شيء تختلف باختلاف ذلك الشيء ، نظيره ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منها صاحبها ، والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات ، وقدم الظلمات لقوله عليه السلام : \" خلق اللّه خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل \" { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ } بعد هذا البيان { بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } يساوون به الاوثان ، تقول عدلت بذا أي ساويته به ، والباء في { بِرَبِّهِمْ } لا للكفر ، أو ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه أي يعرضرن عنه فتكون الباء صلة للكفر وصلة { يَعْدِلُونَ } أي عنه محذوفة ، وعطف { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ } على { الحمد للَّهِ } على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلق إلا نعمة ، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ، أو على خلق السماوات على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . ومعنى «ثم» استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته . { هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ } «من» لابتداء الغاية أي ابتداء خلق أصلكم يعنى آدم منه { ثُمَّ قضى أَجَلاً } أي حكم أجل الموت { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ } أجل القيامة ، أو الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت ، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ . أو الأول ، والثاني الموت ، أو الثاني هو الأول وتقديره : وهو أجل مسمى أي معلوم ، و { أَجَلٍ مُّسَمًّى } مبتدأ والخبر { عِندَهُ } وقدم المبتدأ وإن كان نكرة والخبر ظرفاً وحقه التأخير لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } تشكون من المرية أو تجادلون من المراء . ومعنى «ثم» استبعاد أن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم { وَهُوَ الله } مبتدأ وخبر { السماوات وَفِي الأرض } متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل : وهو المعبود فيهما كقوله { وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِي الأرض إله }","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"[ الزخرف : 84 ] أو المعروف بالإلهية فيهما ، أو هو الذي يقال له الله فيهما ، والأول تفريع على أنه مشتق وغيره على أنه غير مشتق { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } خبر بعد خبر أو كلام مبتدأ أي هو يعلم سركم وجهركم { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } من الخير والشر ويثيب عليه ويعاقب ، و «من» في { وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ } للاستغراق وفي { مِّنْ ءايات رَبِّهِمْ } للتبعيض أي وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار { إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } تاركين للنظر لا يلتفتون إليه لقلة خوفهم وتدبرهم في العواقب { فَقَدْ كَذَّبُواْ } مردود على كلام محذوف كأنه قيل : إن كانوا معرضين على الآيات فقد كذبوا { بالحق لَمَّا جَاءَهُمْ } أي بما هو أعظم آية وأكبرها وهو القرآن الذي تُحدوا به فعجزوا عنه { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنباؤا مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } إي أنباء الشيء الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن أي أخباره وأحواله يعني سيعلمون بأي شيء استهزؤوا وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا ، أو يوم القيامة ، أو عند ظهور الإسلام وعلو كلمته .\r{ أَلَمْ يَرَوْاْ } يعني المكذبين { كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } هو مدة انقضاء أهل كل عصر وهو ثمانون سنة أو سبعون { مكناهم } في موضع جر صفة ل «قرن» وجمع على المعنى { فِي الأرض ما لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } التمكين في البلاد إعطاء المكنة والمعنى : لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا { وَأَرْسَلْنَا السماء } المطر { عَلَيْهِم مِّدْرَاراً } كثيراً وهو حال من السماء { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ } من تحت أشجارهم والمعنى عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المدرار { فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ } ولم يغن ذلك عنهم شيئاً { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ } بدلاً منهم { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا } مكتوباً { فِي قِرْطَاسٍ } في ورق { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } هو للتأكيد لئلا يقولوا سكرت أبصارنا ومن المحتج عليهم العمى { لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره { وَقَالُواْ لَوْلآ } هلا { أُنزِلَ عَلَيْهِ } على النبي A { مَلَكٌ } يكلمنا أنه نبي فقال الله { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر } لقضي أمر هلاكهم { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين لأنهم إذا شاهدوا ملكاً في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون . ومعنى «ثم» بعدما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار ، جعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأه الشدة أشد من نفس الشدة { وَلَوْ جعلناه مَلَكاً } ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك ، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة { لجعلناه رَجُلاً } لأرسلناه في صورة رجل كما كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله A في أعم الأحوال في صورة دحية ، لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } ولخلطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذا كان سبيله كسبيلك يا محمد ، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الإنسان هذا إنسان وليس بملك .","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"يقال لبست الأمر على القوم وألبسته إذا أشبهته وأشكلته عليهم .\rثم سلى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه بقوله { وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو الحق حيث أهلكوا من أجل استهزائهم به و «منهم» متعلق ب «سخروا» كقوله { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } [ التوبة : 79 ] والضمير للرسل والدال مكسورة عند أبي عمرو وعاصم لا لتقاء الساكنين ، وضمها غيرهما إتباعاً لضم التاء { قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } والفرق بين فانظروا وبين { ثُمَّ انظروا } إن النظر جعل مسبباً عن السير في «فانظروا» فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين . ومعنى { سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا } إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين على ذلك ب «ثم» لتباعد ما بين الواجب والمباح { قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض } «من» استفهام و «ما» معنى الذي في موضع الرفع على الابتداء و «لمن» خبره { قُل لِلَّهِ } تقرير لهم أي هو لله لا خلاف بيني وبينكم ، ولا تقدرون أن تضيفوا منه شيئاً إلى غيره { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } أصل كتب أوجب ولكن لا يجوز الإجراء على ظاهره إذ لا يجب على الله شيء للعبد ، فالمراد به أنه وعد ذلك وعداً مؤكداً وهو منجزه لا محالة . وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط ، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر و إشراكهم به من لا يقدر على خلق شيء بقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } فيجازيكم على إشراككم { لاَ رَيْبَ فِيهِ } في اليوم أو في الجمع { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } نصب على الذم أي أريد الذين خسروا أنفسهم باختيارهم الكفر { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وقال الأخفش : «الذين» بدل من «كم» في { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } أي ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم و الوجه هو الأول لأن سيبويه قال : لا يجوز «مررت بي المسكين ولا بك المسكين» فتجعل «المسكين» بدلاً من الياء أو الكاف لأنهما في غاية الوضوح فلا يحتاجان إلى البدل والتفسير .","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"{ وَلَهُ } عطف على { لِلَّهِ } { مَا سَكَنَ فِي اليل والنهار } من السكنى حتى يتناول الساكن والمتحرك أو من السكون ومعناه ما سكن وتحرك فيهما فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر كقوله { تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 82 ] أي الحر والبرد ، و ذكر السكون لأنه أكثر من الحركة وهو احتجاج على المشركين لأنهم لم ينكروا أنه خالق الكون و مدبره { وَهُوَ السميع العليم } يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان .\r{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً } ناصراً ومعبوداً وهو مفعول ثان ل { اتخذ } والأول { غَيْرَ } وإنما أدخل همزة الاستفهام على مفعول { اتخذ } لا عليه لأن الإنكار في اتخاذ غير الله ولياً لا في اتخاذ الولي فكان أحق بالتقديم { فَاطِرَ السماوات والأرض } بالجر صفة لله أي مخترعهما . وعن ابن عباس Bهما : ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدأتها { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } وهو يرزق ولا يرزق أي المنافع كلها من عنده ولا يجوز عليه الانتفاع { قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } لأن النبي سابق أمته في الإسلام كقوله : { وبذلك أُمِرْتُ وَأَنتَ أَوَّلُ المسلمين } [ الأنعام : 163 ] { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } وقيل لي لا تكونن من المشركين ولو عطف على ما قبله لفظاً لقيل : وأن لا أكون ، والمعنى : أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك { قُلْ إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي إني أخاف عذاب يوم عظيم وهو القيامة إن عصيت ربي فالشرط معترض بين الفاعل والمفعول به محذوف الجواب { مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ } العذاب { يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } الله الرحمة العظمى وهي النجاة .\r{ مَّن يُصْرَفْ } حمزة وعلي و أبو بكر . أي من يصرف الله عنه العذاب { وَذَلِكَ الفوز المبين } النجاة الظاهرة { وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ } من مرض أو فقر أوغير ذلك من بلاياه { فَلاَ كاشف لَهُ إلا هُوَ } فلا قادر على كشفه إلا هو { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } من غنى أو صحة { فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } فهو قادر على إدامته وإزالته { وَهُوَ القاهر } مبتدأ وخبر أي الغالب المقتدر { فَوْقَ عِبَادِهِ } خبر بعد خبر أي عال عليهم بالقدرة . والقهر بلوغ المراد بمنع غيره من بلوغه { وَهُوَ الحكيم } في تنفيذ مراده { الخبير } بأهل القهر من عباده .\r{ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة } { أَيُّ شَيْء } مبتدأ و { أَكْبَرُ } خبره و { شَهَادَةً } تمييز و «أي» كلمة يراد بها بعض ما تضاف إليه ، فإذا كانت استفهاماً كان جوابها مسمى باسم ما أضيفت إليه .","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"وقوله { قُلِ الله } جواب أي الله أكبر شهادة ف { الله } مبتدأ والخبر محذوف فيكون دليلاً على أنه يجوز إطلاق اسم الشيء على الله تعالى ، وهذا لأن الشيء اسم للموجود ولا يطلق على المعدوم والله تعالى موجود فيكون شيئاً ولذا نقول الله تعالى شيء لا كالأشياء . ثم ابتدأ { شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } أي هو شهيد بيني وبينكم ، ويجوز أن يكون الجواب { الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } لإنه إذا كان الله شهيداً بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرءان لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ } أي ومن بلغه القرآن إلى قيام الساعة في الحديث \" من بلغه القرآن فكأنما رأى محمد \" A و «من» في محل النصب بالعطف على «كم» والمراد به أهل مكة والعائد إليه محذوف أي ومن بلغه ، وفاعل { بَلَغَ } ضمير القرآن { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله ءَالِهَةً أخرى } استفهام إنكار وتبكيت { قُلْ لا أشهد } بما تشهدون وكرر { قُلْ } توكيداً { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } «ما» كافة «أن» عن العمل وهو مبتدأ و { إله } خبره و { واحد } صفة أو بمعنى الذي في محل النصب «إن» وهو مبتدأ وإله خبره والجملة صلة «الذي» و { واحد } خبر «إن» وهذا الوجه أوقع { وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } به .\r{ الذين ءاتيناهم الكتاب } يعنى اليهود والنصارى . والكتاب : التوراة والإنجيل { يَعْرِفُونَهُ } أي رسول الله A بحليته ونعته الثابت في الكتابين { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } بحلاهم ونعوتهم وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوته ثم قال { الذين خسروا أنفسهم } من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } به { وَمَنْ أَظْلَمُ } استفهام يتضمن معنى النفي أي لا أحد أظلم لنفسه ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وأشنعه اتخاذ المخلوق معبوداً { مِمَّنِ افترى } اختلق { عَلَى الله كَذِبًا } فيصفه بما لا يليق به { أَوْ كَذَّبَ بئاياته } بالقرآن والمعجزات { إِنَّهُ } إن الأمر والشأن { لاَ يُفْلِحُ الظالمون } جمعوا بين أمرين باطلين ، فكذبوا على الله مالا حجة عليه وكذبوا بما ثبت بالحجة حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، وسموا القرآن والمعجزات سحراً .\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } هو مفعول به والتقدير : واذكر يوم نحشرهم { جَمِيعاً } حال من ضمير المفعول { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } مع الله غيره توبيخاً ، وبالياء فيهما : يعقوب { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ } آلهتكم التي جعلتموها شركاء الله { الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أي تزعمونهم شركاء فحذف المفعولان { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ } وبالياء : حمزة وعلي { فِتْنَتُهُمْ } كفرهم { إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } يعني ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه إلا جحوده والتبرؤ منه والحلف على الانتفاء من التدين به ، أو ثم لم يكم جوابهم إلا أن قالوا : فسمي فتنة لأنه كذب .","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"وبرفع الفتنة مكي وشامي وحفص؛ فمن قرأ { تَكُنْ } بالتاء ورفع الفتنة فقد جعل الفتنة اسم { تَكُنْ } و { أَن قَالُواْ } الخبر أي لم تكن فتنتهم إلا قولهم ، ومن قرأ بالياء ونصب الفتنة جعل { أَن قَالُواْ } اسم { يَكُنِ } أي لم يكن فتنتهم إلا قولهم ، ومن قرأ بالتاء ونصب الفتنة حمل على المقالة : { رَبَّنَا } حمزة وعلي ، على النداء أي ياربنا وغيرهما بالجر على النعت من اسم الله { انظُرْ } يامحمد { كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } بقولهم { مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } قال مجاهد : إذا جمع الله الخلائق ورأى المشركون سعة رحمة الله وشفاعة رسول الله A للمؤمنين قال بعضهم لبعض : تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد فإذا قال لهم الله : أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين ، فيختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم { وَضَلَّ عَنْهُم } وغاب عنهم { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } إلهيته وشفاعته { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } حين تتلو القرآن . روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله A فقالوا للنضر : ما يقول محمد؟ فقال : والله ما أدري ما يقول محمد ألا إنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية . فقال أبو سفيان : إني لأراه حقاً فقال أبو جهل : كلا فنزلت { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية جمع كنان وهو الغطاء مثل عنان وأعنة أن يفقهوه } كراهة أن يفقهوه { وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا } ثقلا يمنع من السمع ، ووحد الوقر لأنه مصدر وهو عطف على { أَكِنَّةً } وهو حجة لنا في الأصلح على المعتزلة { وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حتى إِذَا جَاءُوكَ يجادلونك يَقُولُ الذين كَفَرُواْ } «حتى» هي التي تقع بعدها الجمل ، والجملة قوله { إذا جاؤك يقول الذين كفروا } و { يجادلونك } في موضع الحال ، ويجوز أن تكون جارة ويكون { إذا جاءوك } في موضع الجر بمعنى حتى وقت مجيئهم و { يجادلونك } حال و { يقول الذين كفروا } تفسير له ، والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك ، وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون { إِنْ هَذَآ } ما القرآن { إِلاَّ أساطير الأولين } فيجعلون كلام الله أكاذيب ، وواحد الأساطير أسطورة .\r{ وَهُمْ } أي المشركون { يَنْهَوْنَ عَنْهُ } ينهون الناس عن القرآن أو عن الرسول واتباعه والإيمان به { ويَنْئَوْنَ عَنْهُ } ويبعدون عنه بأنفسهم فيضلون ويضلون { وَإِن يُهْلِكُونَ } بذلك { إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } أي لا يتعداهم الضرر إلى غيرهم وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله وقيل : عنى به أبو طالب لأنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله A وينأى عنه فلا يؤمن به والأول أشبه .","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"{ وَلَوْ ترى } حذف جوابه أي ولو ترى لشاهدت أمراً عظيماً { إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار } أروها حتى يعاينوها أو حبسوا على الصراط فوق النار { فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ } إلى الدنيا تمنوا الرد الدنيا ليؤمنوا وتم تمنيهم ثم ابتدأوا بقوله { وَلاَ نُكَذِّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } واعدين الإيمان كأنهم قالوا : ونحن لا نكذب ونؤمن . { وَلاَ نُكَذِّبَ } { وَنَكُونَ } حمزة وعلي وحفص على جواب التمني بالواو وبإضمار «أن» ومعناه أن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين ، وافقهما في { وَنَكُونَ } شامي { بَلْ } للإضراب عن الوفاء بما تمنوا { بَدَا لَهُمْ } ظهر لهم { مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ } من الناس { مِن قَبْلُ } في الدنيا من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم . وقيل : هو في المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه ، أو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله A { وَلَوْ رُدُّواْ } إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار { لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } من الكفر { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } فيما وعدوا من أنفسهم لا يوفون به { وَقَالُواْ } عطف على { لعادوا } أي ولو ردوا لكفروا ولقالوا { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة ، أو على قوله { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } أي وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا إن إلا حياتنا الدنيا وهي كناية عن الحياة ، أو هو ضمير القصة { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } .\r{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ } مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه ، أو وقفوا على جزاء ربهم { قَالَ } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل : ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ فقيل : قال { أَلَيْسَ هذا } أي البعث { بالحق } بالكائن الموجود وهذا تعيير لهم على التكذيب للبعث . وقولهم لما كانوا يسمعون من حديث البعث ما هو بحق { قَالُواْ بلى وَرَبِّنَا } أقروا و أكدوا الإقرار باليمين { قَالَ } الله تعالى { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بكفركم .\r{ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } ببلوغ الآخرة وما يتصل بها ، أو هو مجرى على ظاهره لأن منكر البعث منكر للرؤية { حتى } غاية ل { كَذَّبُواْ } لا ل { خسر } لأن خسرانهم لا غاية له { إِذَا جَاءتْهُمُ الساعة } أي القيامة لأن مدة تأخرها مع تابد ما بعدها كساعة واحدة { بَغْتَةً } فجأة وانتصابها على الحال يعني باغتة ، أو على المصدر كأنه قيل : بغتتهم الساعة بغتة وهي ورود الشيء على صاحبه من غير علمه بوقته { قَالُواْ ياحسرتنا } نداء تفجع معناه ياحسرة احضري فهذا أوانك { على مَا فَرَّطْنَا } قصرنا { فِيهَا } في الحياة الدنيا أو في الساعة أي قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ } آثامهم { على ظُهُورِهِمْ } خص الظهر لأن المعهود حمل الأثقال على الظهور كما عهد الكسب بالأيدي ، وهو مجاز عن اللزوم على وجه لا يفارقهم .","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"وقيل : إن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحاً فيقول : أنا عملك السيء فطالما ركبتني في الدنيا وأنا أركبك اليوم { أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ } بئس شيئاً يحملونه ، وأفاد «ألا» تعظيم ما يذكر بعده { وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } جواب لقولهم { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } واللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع ، واللهو الميل عن الجد إلى الهزل . قيل : ما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو . وقيل : ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة { وَلَلدَّارُ } مبتدأ { الآخرة } صفتها : { وَلَدَارُ الآخرة } بالإضافة : شامي . أي ولدار الساعة الآخرة لأن الشيء لا يضاف إلى صفته . وخبر المبتدأ على القراءتين { خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } وفيه دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالتاء : مدني وحفص .\rولما قال أبو جهل : ما نكذبك يا محمد وإنك عندنا لمصدق وإنما نكذب ما جئتنا به نزل { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ } الهاء ضمير الشأن { لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ } لا ينسبونك إلى الكذب . وبالتخفيف : نافع وعلى من أكذبه إذا وجده كاذباً { ولكن الظالمين بآيات الله يَجْحَدُونَ } من أقامة الظاهر مقام المضمر ، وفيه دلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والتاء يتعلق ب { يَجْحَدُونَ } أو ب { الظالمين } كقوله { فَظَلَمُواْ بِهَا } [ الاعراف : 103 ] والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله ، لأن تكذيب الرسول تكذيب المرسل . { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله A وهو دليل على أن قوله { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } ليس بنفي لتكذيبه وإنما هو من قولك لغلامك إذا أهانه بعض الناس «إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني» { فَصَبَرُواْ } والصبر حبس النفس على المكروه { على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ } على تكذيبهم وإيذائهم { حتى أتاهم نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله } لمواعيده من قوله { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } [ الصافات : 171 ، 172 ] { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] { وَلَقدْ جَآءكَ مِن نَّبَإِىْ المرسلين } بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين ، وأجاز الأخفش أن تكون «من» زائدة والفاعل { نَّبَإِ المرسلين } وسيبويه لا يجيز زيادتها في الواجب كان يكبر على النبي A كفر قومه وإعراضهم ويحب مجيء الآيات ليسلموا فنزل { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ } عظم وشق { إِعْرَاضُهُمْ } عن الإسلام { فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً } منفذاً تنفيذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها { فِى الأرض } صفة ل { نَفَقاً } { أَوْ سُلَّماً فِي السماء فَتَأْتِيَهُمْ } منها { بِئَايَةٍ } فافعل ، وهو جواب { فَإِن استطعت } و { إِنِ استطعتم } وجوابها جواب { وَإِن كَانَ كَبُرَ } والمعنى إنك لا تستطيع ذلك ، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم { وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى } لجعلهم بحيث يختارون الهدى ، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك كذا قاله الشيخ أبو منصور C { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } من الذين يجهلون ذلك .","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"ثم أخبر أن حرصه على هدايتهم لا ينفع لعدم سمعهم كالموتى بقوله :","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } أي إنما يجيب دعاءك الذين يسمعون دعاءك بقلوبهم { والموتى } مبتدأ إي الكفار { يَبْعَثُهُمُ الله ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } فحينئذ يسمعون وأما قبل ذلك فلا { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ } هلا أنزل عليه { ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } كما نقترح من جعل الصفا ذهباً وتوسيع أرض مكة وتفجير الأنهار خلالها { قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً } كما اقترحوا { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إن الله قادر على أن ينزل تلك الآية ، أو لا يعلمون ما عليهم في الآية من البلاء لو أنزلت { وَمَا مِن دَابَّةٍ } هي اسم لما يدب وتقع على المذكر والمؤنث { فِي الأرض } في موضع جر صفة ل { دَابَّةٍ } { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } قيد الطيران بالجناحين لنفي المجاز لأن غير الطائر قد يقال فيه طار إذا أسرع { إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } في الخلق والموت والبعث والاحتياج إلى مدبر يدبر أمرها { مَّا فَرَّطْنَا } ما تركنا { فِي الكتاب } في اللوح المحفوظ { مِن شَيْءٍ } من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت ، أو الكتاب القرآن . وقوله { مِن شَيْءٍ } أي من شيء يحتاجون إليه فهو مشتمل على ما تعبدنا به عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } يعني الأمم كلها من الدواب والطيور فينصف بعضها من بعض كما رُوي أنه يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : كوني تراباً . وإنما قال { إِلاَّ أُمَمٌ } مع إفراد الدابة والطائر لمعنى الاستغراق فيهما . ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته قال { والذين كَذَّبُواْ باياتنا صُمٌّ } لا يسمعون كلام المنبه { وَبُكْمٌ } لا ينطقون بالحق خابطون { فِي الظلمات } أي ظلمة الجهل والحيرة والكفر ، غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه . { صُمٌّ وَبُكْمٌ } خبر { الذين } ودخول الواو لا يمنع من ذلك ، و { فِي الظلمات } خبر آخر . ثم قال إيذاناً بأنه فعال لما يريد { مَن يَشَأْ الله يُضْلِلْهُ } أي من يشأ الله ضلاله يضلله { وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } وفيه دلالة خلق الأفعال وإرادة المعاصي ونفي الأصلح .\r{ قُلْ أَرَءَيتَكُم } وبتليين الهمزة : مدني ، وبتركه : علي ، ومعناه هل علمتم أن الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم ، والضمير الثاني لا محل له من الإعراب والتاء ضمير الفاعل ومتعلق الاستخبار محذوف تقديره أرأيتكم { إِنْ أتاكم عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة } من تدعون . ثم بكتهم بقوله { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } أي أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أم تدعون الله دونها { إِن كُنتُمْ صادقين } في أن الأصنام آلهة فادعوها لتخلصكم { بَلْ إياه تَدْعُونَ } بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي ما تدعونه إلى كشفه { إِن شَاءَ } إن أراد أن يتفضل عليكم { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } وتتركون آلهتكم ، أو لا تذكرون آلهتكم في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر ربكم وحده إذ هو القادر على كشف الضر دون غيره ، ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } كأنه قيل : أرأيتكم أغير اللّه تدعون إن أتاكم عذاب اللّه .","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } رسلاً فالمفعول محذوف فكذبوهم { فأخذناهم بالبأساء والضراء } بالبؤس والضر ، والأول القحط والجوع والثاني المرض ونقصان الأنفس والأموال { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد .\r{ فَلَوْلا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } أي هلا تضرعوا بالتوبة ومعناه نفي التضرع كأنه قيل : يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء ب «لولا» ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم { ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } فلم يزجروا بما ابتلوا به { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } وصاروا معجبين بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } من البأساء والضراء أي تركوا الاتعاظ به ولم يزجرهم { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبواب كُلِّ شَيْءٍ } من الصحة والسعة وصنوف النعمة { فَتَحْنَا } شامي { حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } من الخير والنعمة { أخذناهم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } آيسون متحسرون وأصله الإطراق حزناً لما أصابه أو ندماً على مافاته و «إذا» للمفاجأة { فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ } أي أهلكوا عن آخرهم ولم يترك منهم أحد { والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم وأجزل القسم ، أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله .\rثم دل على قدرته وتوحيده بقوله { قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم } بأن أصمكم وأعماكم { وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ } فسلب العقول والتمييز { مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ } بما أخذ وختم عليه . { مِنْ } رفع بالابتداء و { إِلَهٌ } خبره و { غَيْرِ } صفة ل { إله } وكذا { يَأْتِيَكُمُ } والجملة في موضع مفعولي { أَرَءيْتُمْ } وجواب الشرط محذوف { انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ } لهم { الآيات } نكررها { ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } يعرضون عن الآيات بعد ظهورها ، والصدوف الإعراض عن الشيء { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً } بأن لم تظهر أماراته { أَوْ جَهْرَةً } بأن ظهرت أماراته . وعن الحسن : ليلاً أو نهاراً { هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون } ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم { وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } بالجنان والنيران للمؤمنين والكفار ، ولن نرسلهم ليقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم بالبراهين القاطعة والأدلة الساطعة { فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ } أي داوم على إيمانه { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فلا خوف يعقوب .\r{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا يَمَسُّهُمُ العذاب } جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى بالكفر { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله } أي قسمه بين الخلق وأرزاقه ، ومحل { وَلا أَعْلَمُ الغيب } النصب عطفاً على محل { عِندِي خَزَائِنُ الله } لأنه من جملة المقول كأنه قال : لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول { وَلآ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ } أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله وعلم الغيب ودعوى الملكية ، وإنما أدعي ما كان لكثير من البشر وهو النبوة { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } أي ما أخبركم إلا بما أنزل الله علي { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير } مثل للضال والمهتدي ، أو لمن اتبع ما يوحى إليه ومن لم يتبع ، أو لمن يدعي المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } فلا تكونوا ضالين أشباه العميان أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر ، أو فتعلموا أن اتباع ما يوحى إلي مما لا بد لي منه ، { وَأَنذِرْ بِهِ } بما يوحى { الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } هم المسلمون المقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه ، أو أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث { لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } في موضع الحال من { يُحْشَرُواْ } أي يخافون أن يحشروا غير منصورين و لا مشفوعاً لهم { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يدخلون في زمرة أهل التقوى .","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"ولما أمر النبي عليه السلام بإنذار غير المتقين ليتقوا ، أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهى عن طردهم بقوله :\r{ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي } وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون عليها . والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام ، أو معناه يصلون صلاة الصبح والعصر أو الصلوات الخمس . { بالغُدوة } شامي . ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فالوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته ، نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين : لو طردت هؤلاء السقاط لجالسناك . فقال عليه السلام : « ما أنا بطارد المؤمنين » فقالوا : اجعل لنا يوماً ولهم يوماً وطلبوا بذلك كتاباً فدعا علياً Bه ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية فنزلت ، فرمى E بالصحيفة وأتى الفقراء فعانقهم { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } كقوله { إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّي } [ الشعراء : 113 ] { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْءٍ } وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم فقال : حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم { فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي وهو { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم } { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } جواب النهي وهو { وَلاَ تَطْرُدِ } ويجوز أن يكون عطفاً على { فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبيب لأن كونه ظالماً مسبب عن طردهم { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } ومثل ذلك الفتن العظيم ابتليتا الأغنياء بالفقراء { لِّيَقُولُواْ } أي الأغنياء { أهؤلاءآء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا } أي أنعم الله عليهم بالإيمان ونحن المقدمون والرؤساء وهم الفقراء إنكاراً لأن يكون أمثالهم على الحق وممنوناً عليهم من بينهم بالخير ونحوه","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"{ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } [ الأحقاف : 11 ] { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } بمن يشكر نعمته .\r{ وَإِذَا جَاءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ } إِما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم ، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم . وكذا قوله { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } من جملة ما يقول لهم ليبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم ومعناه وعدكم بالرحمة وعداً مؤكداً { أَنَّهُ } الضمير للشأن { مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا } ذنباً { بِجَهَالَةٍ } في موضع الحال أي عمله وهو جاهل بما يتعلق به من المضرة ، أو جعل جاهلاً لإيثاره المعصية على الطاعة { ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ } من بعد السوء أو العمل { وَأَصْلَحَ } أخلص توبته { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } { أَنَّهُ } { فَإِنَّهُ } شامي وعاصم . الأول بدل الرحمة ، والثاني خبر مبتدأ محذوف أي فشأنه أنه غفور رحيم . { أَنَّهُ } { فَإِنَّهُ } مدني الأول بدل الرحمة ، والثاني مبتدأ . { إِنَّهُ } { فَإِنَّهُ } غيرهم على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل : إنه من عمل منكم { وكذلك نُفَصَّلُ الآياتِ وَلتستبينَ } وبالياء : حمزة وعلي وأبو بكر { سَبِيلُ المجرمين } بالنصب : مدني . غيره : بالرفع . فرفع السبيل مع التاء والياء لأنها تذكر وتؤنث ، ونصب السبيل مع التاء على خطاب الرسول A يقال استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته ، والمعنى ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين من هو مطبوع على قلبه ومن يرجى إسلامه ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يجب أن يعامل به فصلنا ذلك التفصيل .","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"{ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله { قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ } أي لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل ، وهو بيان سبب الذي منه وقعوا في الضلال { قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال { وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين } وما أنا من المهتدين في شيء يعني أنكم كذلك ولما نفي أن يكون الهوى متبعاً نبه على ما يجب اتباعه بقوله { قُلْ إِنّي على بَيّنَةٍ مِّن رَّبّي } أي إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة { وَكَذَّبْتُم بِهِ } حيث أشركتم به غيره . وقيل : على بينة من ربي على حجة من جهة ربي وهو القرآن وكذبتم به بالبينة ، وذكر الضمير على تأويل البرهان أو البيان أو القرآن . ثم عقبه بما دل على أنهم أحقاء بأن يعاقبوا بالعذاب فقال { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 32 ] { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } في تأخير عذابكم { يَقُصُّ الحق } حجازي وعاصم أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره من قص أثره . الباقون { يَقْضِ الحق } في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل ، والحق صفة لمصدر يقضي وقوله { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } أي القاضين بالقضاء الحق إذ الفصل هو القضاء ، وسقوط الياء من الخط لاتباع اللفظ لالتقاء الساكنين { قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى } أي في قدرتي وإمكاني { مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب { لَقُضِيَ الأمر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي { والله أَعْلَمُ بالظالمين } فهو ينزل عليكم العذاب في وقت يعلم أنه أردع .\r{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } المفاتح جمع مفتح وهو المفتاح ، أو هي خزائن العذاب والرزق ، أو ما غاب عن العباد من الثواب والعقاب والآجال والأحوال . جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال ، ومن علم مفاتحها وكيفية فتحها توصل إليها فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها فهو المتوصل إلى ما في المخازن . قيل : عنده مفاتح الغيب وعندك مفاتح الغيب ، فمن آمن بغيبه أسبل الله الستر على عيبه { وَيَعْلَمُ مَا فِي البر } من النبات والدواب { والبحر } من الحيوان والجواهر وغيرهما { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } «ما» للنفي و «من» للاستغراق أي يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده { وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظلمات الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } عطف على { وَرَقَةٍ } وداخل في حكمها وقوله { إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ } كالتكرير لقوله { إِلاَّ يَعْلَمُهَا } لأن معنى { إِلاَّ يَعْلَمُهَا } ومعنى { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } واحد وهو علم الله أو اللوح .","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"ثم خاطب الكفرة بقوله { وَهُوَ الذي يتوفاكم باليل } أي يقبض أنفسكم عن التصرف بالتمام في المنام { وَيَعْلَمَ مَا جَرَحْتُم بالنهار } كسبتم فيه من الآثام { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } ثم يوقظكم في النهار ، أو التقدير ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه فقدم الكسب لأنه أهم ، وليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا بالنهار فدل أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه { ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى } لتوفى الآجال على الاستكمال { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم بالبعث بعد الموت { ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في ليلكم ونهاركم . قال بعض أهل الكلام : أن لكل حاسة من هذه الحواس روحاً تقبض عند النوم ثم ترد إليها إذا ذهب النوم ، فأما الروح التي تحيا بها النفس فإنها لا تقبض إلا عند انقضاء الأجل . والمراد بالأرواح المعاني والقوى التي تقوم بالحواس ويكون بها السمع والبصر والأخذ والمشي والشم . ومعنى { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي يوقظم ويرد إليكم أرواح الحواس فيستدل به على منكري البعث لأنه بالنوم يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها فكذا يحيي الأنفس بعد موتها .\r{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً } ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون ليكون ذلك أزجر للعباد عن ارتكاب الفساد إذا تفكروا أن صحائفهم تقرأ على رؤوس الأشهاد { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت } «حتى» لغاية حفظ الأعمال أي وذلك دأب الملائكة مع المكلف مدة الحياة إلى أن يأتيه الممات { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } أي استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه { توفيه } و { استوفيه } بالإمالة : حمزة { رُسُلُنَا } أبو عمرو { وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } لا يتوانون ولا يؤخرون { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله } إلى حكمه وجزائه أي رد المتوفون برد الملائكة { مولاهم } مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم { الحق } العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وهما صفتان لله { أَلاَ لَهُ الحكم } يومئذ لا حكم فيه لغيره { وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين } لا يشغله حساب عن حساب يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة وقيل : الرد إلى من رباك خير من البقاء مع من آذاك .\r{ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ } { يُنَجِّيكُمْ } ابن عباس { مِّن ظلمات البر والبحر } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما ، أو ظلمات البر الصواعق والبحر الأمواج وكلاهما في الغيم والليل { تَدْعُونَهُ } حال من ضمير المفعول في { يُنَجِّيكُمْ } { تَضَرُّعًا } معلنين الضراعة وهو مصدر في موضع الحال ، وكذا { وَخُفْيَةً } أي مسرين في أنفسكم { خفية } حيث كان : أبو بكر وهما لغتان { وَخُفْيَةً لَّئِنْ أنجانا } عاصم وبالإمالة حمزة وعلي .","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"الباقون { أَنْجَيْتَنَا } والمعنى يقولون لئن خلصنا { مِنْ هذه } الظلمات { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } لله تعالى { قُلِ الله يُنَجّيكُمْ } بالتشديد كوفي { مِّنْهَا } من الظلمات { وَمِن كُلِّ كَرْبٍ } وغم وحزن { ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } ولا تشكرون .\r{ قُلْ هُوَ القادر } هو الذي عرفتموه قادراً أو هو الكامل القدرة فاللام يحتمل العهد والجنس { على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } كما غرّق فرعون وخسف بقارون ، أو من قبل سلاطينكم وسفلتكم ، أو هو حبس المطر والنبات { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى ، كل فرقة منكم مشايعة لإمام . ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } يقتل بعضكم بعضاً . والبأس السيف وعنه E « سألت الله تعالى أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف » { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات } بالوعد والوعيد { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ } بالقرآن أو بالعذاب { قَوْمُكَ } قريش { وَهُوَ الحق } أي الصدق أو لا بد أن ينزل بهم { قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ وكل إليّ أمركم إنما أنا منذر { لِكُلِّ نَبَاءٍ } لكل شيء ينبأ به يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به { مُّسْتَقَرٌّ } وقت استقرار وحصول لا بد منه { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } تهديد .","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"{ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا } أي القرآن يعني يخوضون فى الاستهزاء بها والطعن فيها ، وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تجالسهم وقم عنهم { حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } غير القرآن مما يحل فحينئذ يجوز أن تجالسهم { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان } ما نهيت عنه { يُنسِيَنَّكَ } شامي نسّي وأنسى واحد { فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى } بعد أن تذكر { مَعَ القوم الظالمين * وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم } من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيباً واستهزاء { مِّن شَيْءٍ } أي وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم { ولكن } عليهم أن يذكروهم { ذِكْرِى } إذا سمعوهم يخوضون بالقيام عنهم وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم . ومحل { ذِكْرِى } نصب أي ولكن يذكرونهم ذكرى أي تذكيراً ، أورفع والتقدير ولكن عليهم ذكرى؛ { ذِكْرِى } مبتدأ والخبر محذوف .\r{ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم { وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ } الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام { لَعِباً وَلَهْواً } سخروا به واستهزءوا . ومعنى { ذَرْهُمْ } أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ، واللهو ما يشغل الإنسان من هوى أو طرب { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَذَكّرْ بِهِ } وعظ بالقرآن { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها ، وأصل الإبسال المنع { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ } ينصرها بالقوة { وَلاَ شَفِيعٌ } يدفع عنها بالمسألة . ولا وقف على { كَسَبَتْ } في الصحيح لأن قوله { لَيْسَ لَهَا } صفة لنفس والمعنى وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة ولياً وشفيعاً بكسبها { وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } نصب على المصدر وإن تفد كل فداء ، والعدل الفدية لأن الفادي يعدل المفدي بمثله ، وفاعل { لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } لا ضمير العدل لأن العدل هنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ ، وأما في قوله { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [ البقرة : 48 ] فبمعنى المفدى به فصح إسناده إليه { أولئك } إشارة إلى المتخذين من دينهم لعباً ولهواً وهو مبتدأ والخبر { الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } وقوله { لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ } أي ماء سخين حار خبر ثان ل { أولئك } والتقدير : أولئك المبسلون ثابت لهم شراب من حميم أو مستأنف . { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } بكفرهم .\r{ قُلْ } لأبي بكر يقل لابنه عبد الرحمن وكان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان { أَنَدْعُواْ } أنعبد { مِن دُونِ الله } الضار النافع { مَا لاَ يَنفَعُنَا } ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه { وَلاَ يَضُرُّنَا } إن تركنا { وَنُرَدُّ } وأنرد { على أعقابنا } راجعين إلى الشرك { بَعْدَ إِذْ هدانا الله } للإسلام وأنقذنا من عبادة الأصنام { كالذي استهوته الشياطين } كالذي ذهبت به الغيلان ومردة الجن .","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"والكاف في محل النصب على الحال من الضمير في { نُرَدُّ على أعقابنا } أي أننكص مشبهين من استهوته الشياطين وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه { فِي الأرض } في المهمه { حَيْرَانَ } حال من مفعول { استهوته } أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري كيف يصنع { لَهُ } لهذا المستهوي { أصحاب } رفقة { يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى } إلى أن يهدوه الطريق . سمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له { ائتنا } وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم ، وهذا مبني على ما يقال إن الجن تستهوي الإنسان ، والغيلان تستولي عليه ، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان ، والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم { قُلْ إِنَّ هُدَى الله } وهو الإسلام { هُوَ الهدى } وحده وما وراءه ضلال { وَأُمِرْنَا } محله النصب بالعطف على محل { إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } على أنهما مقولان كأنه قيل : قل هذا القول وقل أمرنا { لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين * وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة } والتقدير : وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإسلام ولإقامة الصلاة { واتقوه وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يوم القيامة { وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق } بالحكمة أو محقاً { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } على الخبر دون الجواب { قَوْلُهُ الحق } مبتدأ و { يَوْمَ يَقُولُ } خبره مقدماً عليه كما تقول «يوم الجمعة قولك الصدق» أي قولك الصدق كائن يوم الجمعة واليوم بمعنى الحين . والمعنى أنه خلق السماوات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء ، قوله الحق والحكمة أي لا يكوَّن شيئاً من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب { وَلَهُ الملك } مبتدأ وخبر { يَوْمَ يُنفَخُ } ظرف لقوله { وَلَهُ الملك } { فِي الصور } هو القرن بلغة اليمن أو جمع صورة { عالم الغيب } هو عالم الغيب { والشهادة } أي السر والعلانية { وَهُوَ الحكيم } في الإفناء والإحياء { الخبير } بالحساب والجزاء .\r{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءَازَرَ } هو اسم أبيه أو لقبه لأنه لا خلاف بين النسابين أن اسم أبيه تارخ ، وهو عطف بيان لأبيه وزنه فاعل { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً } استفهام توبيخ أي أتتخذها آلهة وهي لا تستحق الإلهية { إِنّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ * وكذلك } أي وكما أريناه قبح الشرك { نُرِي إبراهيم مَلَكُوتَ السماوات والأرض } أي نري بصيرته لطائف خلق السماوات والأرض ، ونرى حكاية حال ماضية . والملكوت أبلغ من الملك لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة .","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"قال مجاهد : فرجت له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى نظره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى ما فيهن { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } فعلنا ذلك أو ليستدل ، وليكون من الموقنين عياناً كما أيقن بياناً { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } أي أظلم وهو عطف على { قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ } وقوله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إبراهيم } جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه { رَءاَ كَوْكَباً } أي الزهرة أو المشتري ، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب ، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئاً منها ليس بإله لقيام دليل الحدوث فيها ، ولأن لها محدثاً أحدثها ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها . فلما رأى الكوكب الذي كانوا يعبدونه { قَالَ هذا رَبّي } أي قال لهم هذا ربي في زعمكم ، أو المراد أهذا استهزاء بهم وإنكاراً عليهم ، والعرب تكتفي عن حرب الاستفهام بنغمة الصوت . والصحيح أن هذا قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأنه أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب ، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة { فَلَمَّا أَفَلَ } غاب { قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين } أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال لأن ذلك من صفات الأجسام { فَلَمَّا رَءَا القمر بَازِغاً } مبتدئاً في الطلوع { قَالَ هذا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضآلين } نبه قومه على أن من اتخذ القمر إلها فهو ضال ، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال لأن الاحتجاج به أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب { فَلَمَّا رَءا الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّي } وإنما ذكره لأنه أراد الطالع ، أو لأنه جعل المبتدأ مثل الخبر لأنهما شيء واحد معنى ، وفيه صيانة الرب عن شبهة التأنيث ولهذا قالوا في صفات الله تعالى علام ولم يقولوا علامة وإن كان الثاني أبلغ تفادياً من علامة التأنيث { هذا أَكْبَرُ } من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه { فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها . وقيل : هذا كان نظره واستدلاله في نفسه فحكاه الله تعالى ، والأول أظهر لقوله { ياقوم إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والأرض } أي للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها { حَنِيفاً } حال أي مائلاً عن الأديان كلها إلى الإسلام { وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } بالله شيئاً من خلقه .\r{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } في توحيد الله تعالى ونفى الشركاء عنه { قَالَ أَتُحَآجُّونّي فِي الله } في توحيده .","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"{ أَتُحَاجُّونّي } مدني وابن ذكوان { وَقَدْ هدان } إلى التوحيد ، وبالياء في الوصل : أبو عمرو . ولما خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء قال { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبّي شَيْئاً } أي لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا إذا شاء ربي أن يصيبني منها بضر ، فهو قادر على أن يجعل فيما شاء نفعاً وفيما شاء ضراً لا الأصنام { وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } فلا يصيب عبداً شيء من ضر أو نفع إلا بعلمه { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } فتميزوا بين القادر والعاجز { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } معبوداتكم وهي مأمونة الخوف { وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ } بإشراكه { عَلَيْكُمْ سلطانا } حجة إذ\rالإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة ، والمعنى وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف { فَأَيُّ الفريقين } أي فريقي الموحدين والمشركين { أَحَقُّ بالأمن } من العذاب { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ولم يقل «فأينا» احترازاً من تزكية نفسه ، ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله { الذين ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } بشرك عن الصديق Bه { أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } تم كلام إبراهيم عليه السلام .","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"{ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } إلى قوله { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } { ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ } وهو خبر بعد خبر { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاءُ } في العلم والحكمة وبالتنوين كوفي وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } بالرفع { عَلِيمٌ } بالأهل .\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ } لإبراهيم { إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا } أي كلهم وانتصب { كَلاَّ } ب { هَدَيْنَا } { وَنُوحاً هَدَيْنَا } أي وهدينا نوحاً { مِن قَبْلُ } من قبل إبراهيم { وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير لنوح أو لإبراهيم ، والأوّل أظهر لأن يونس ولوطاً لم يكونا من ذرية إبراهيم { دَاوُدَ وسليمان وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وموسى وهارون } والتقدير : وهدينا من ذريته هؤلاء { وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين } ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك ، فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف { وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ } أي كلهم { مِّنَ الصالحين } وذكر عيسى معهم دليل على أن النسب يثبت من قبل الأم أيضاً لأنه جعله من ذرية نوح عليه السلام وهو لا يتصل به إلا بالأم ، وبذا أجيب الحجاج حين أنكر أن يكون بنو فاطمة أولاد النبي عليه السلام { وإسماعيل واليسع } { والليسع } حيث كان بلامين : حمزة وعلي { واليسع وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } بالنبوة والرسالة { وَمِنْ ءَابَائِهِمْ } في موضع النصب عطفاً على { كُلاَّ } أي وفضلنا بعض آبائهم { وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ * ذلك } أي ما دان به هؤلاء المذكورون { هُدَى الله } دين الله { يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فيه نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون إن الله شاء هداية الخلق كلهم لكنهم لم يهتدوا { وَلَوْ أَشْرَكُواْ } مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات العلى { لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لبطلت أعمالهم كما قال { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ]\rأولئك الذين ءاتيناهم الكتاب } يريد الجنس { والحكم } والحكمة أو فهم الكتاب { والنبوة } وهي أعلى مراتب البشر { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } بالكتاب والحكم والنبوة أو بآيات القرآن { هؤلاءآء } أي أهل مكة { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً } هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله : { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } أو أصحاب النبي عليه السلام ، أوكل من آمن به أو العجم . ومعنى توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه . والباء في { لَّيْسُواْ بِهَا } صلة { كافرين } وفي { بكافرين } لتأكيد النفي { أولئك الذين هَدَى الله } أي الأنبياء الذين مر ذكرهم { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد إلا بهم ، وهذا معنى تقديم المفعول .","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع فهي مختلفة ، والهاء في { اقتده } للوقف تسقط في الوصل ، واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف ويحذفها حمزة . وعلى في الوصل ويختلسها : شامي . { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على الوحي أو على تبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد { أَجْراً } جعلاً . وفيه دليل على أن أخذ الأجر على تعليم القرآن ورواية الحديث لا يجوز { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالمين } ما القرآن إلا عظة للجن والإنس { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيْءٍ } أي ما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم ، وذلك من أعظم رحمته { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] رُوي أن جماعة من اليهود منهم مالك بن الصيف كانوا يجادلون النبي عليه السلام فقال النبي عليه السلام له « أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين » قال : نعم . قال : « فأنت الحبر السمين » فغضب وقال : ما أنزل الله على بشر من شيء . و { حَقَّ قَدْرِهِ } منصوب نصب المصدر .\r{ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى نُوراً } حال من الضمير في { بِهِ } أو { مِّنَ الكتاب } { وَهُدًى لّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قراطيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } مما فيه نعت رسول الله A أي بعضوه وجعلوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء . وبالياء في الثلاثة : مكي وأبو عمرو { وَعُلِّمْتُمْ } يا أهل الكتاب بالكتاب { مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ } من أمور دينكم ودنياكم { قُلِ الله } جواب أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون أن يناكروك { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ } في باطلهم الذي يخوضون فيه { يَلْعَبُونَ } حال من { ذَرْهُمْ } أو { مِنْ خَوْضِهِمْ } { وهذا كتاب أنزلناه } على نبينا عليه السلام { مُّبَارَكٌ } كثير المنافع والفوائد { مُّصَدِّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب { وَلِتُنذِرَ } وبالياء : أبو بكر ، أي الكتاب وهو معطوف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل : أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار { أُمَّ القرى } مكة ، وسميت أم القرى لأنها سرة الأرض وقبلة أهل القرى وأعظمها شأناً ولأن الناس يؤمونها { وَمَنْ حَوْلَهَا } أهل الشرق والغرب { والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة } يصدقون بالعاقبة ويخافونها { يُؤْمِنُونَ بِهِ } بهذا الكتاب فأصل الدين خوف العاقبة فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } خصت الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها ظاهراً .","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } هو مالك بن الصيف { أَوْ قَالَ أُوْحِي إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } هو مسيلمة الكذاب { وَمَن قَالَ } في موضع جر عطف على { مَنِ افترى } أي وممن قال { سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله } أي سأقول وأملي هو عبد الله بن سعد ابن أبي سرح كاتب الوحي ، وقد أملى النبي عليه السلام عليه { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } إلى { خَلْقاً ءاخَرَ } [ المؤمنون : 14 ] فجرى على لسانه { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] . فقال عليه السلام : \" اكتبها فكذلك نزلت \" فشك وقال : إن كان محمد صادقاً فقد أوحي إلي كما أوحي إليه ، وإن كان كاذباً فقد قلت كما قال ، فارتد ولحق بمكة . أو النضر ابن الحرث كان يقول : والطاحنات طحناً فالعاجنات عجناً فالخابزات خبزاً كأنه يعارض { وَلَوْ ترى } جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً { إِذِ الظالمون } يريد الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة فتكون اللام للعهد ، ويجوز أن تكون للجنس فيدخل هؤلاء لاشتماله { فِي غَمْرَاتِ الموت } شدائده وسكراته { والملائكة بَاسِطُوآ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي يبسطون إليهم أيديهم يقولون : هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم ، وهذه عبارة عن التشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال { اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أرادوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع . والهون : الهوان الشديد وإضافة العذاب إليه كقولك «رجل سوء» يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه { بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق } من أن له شريكاً وصاحبة وولداً . { غَيْرَ الحق } مفعول { تَقُولُونَ } أو وصف لمصدر محذوف أي قولاً غير الحق { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } فلا تؤمنون بها { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا } للحساب والجزاء { فرادى } منفردين بلا مال ولا معين وهو جمع فريد كأسير وأسارى { كَمَا خلقناكم } في محل النصب صفة لمصدر { جِئْتُمُونَا } أي مجيئاً مثل ما خلقناكم { أَوَّلَ مَرَّةٍ } على الهيئات التي ولدتم عليها في الانفراد { وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم } ملكناكم { وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } ولم تحتملوا منه نقيراً { وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شركاوءا } في استعبادكم { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } بينكم وصلكم عن الزجاج والبين : الوصل والهجر قال\rفوالله لولا البين لم يكن الهوى ... ولولا الهوى ما حن للبين الف\rبَيْنِكُمْ } مدني وعلي وحفص أي وقع التقطع بينكم { وَضَلَّ عَنكُم } وضاع وبطل { مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها شفعاؤكم عند الله .\r{ إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } بالنبات والشجر أي فلق الحب عن السنبلة والنواة عن النخلة ، والفلق : الشق ، وعن مجاهد : أراد الشقين اللذين في النواة والحنطة { يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } النبات الغض النامي من الحب اليابس { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } الحب اليابس من النبات النامي ، أو الإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان ، أو المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، فاحتج الله عليهم بما يشاهدونه من خلقه لأنهم أنكروا البعث فأعلمهم أنه الذي خلق هذه الأشياء فهو يقدر على بعثهم .","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"وإنما قال { وَمُخْرِجُ الميت } بلفظ اسم الفاعل لأنه معطوف على فالق الحب لا على الفعل { وَيُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } موقعه موقع الجملة المبينة لقوله { فَالِقُ الحب والنوى } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي في حكم الحيوان دليله قوله : { ويحيي الأرض بعد موتها } [ الروم : 19 ] . { ذلكم الله } ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية لا الأصنام { فأنى تُؤْفَكُونَ } فكيف تصرفون عنه وعن تواليه إلى غيره بعد وضوح الأمر بما ذكرنا { فَالِقُ الإصباح } هو مصدر سمي به الصبح أي شاق عمود الصبح عن سواد الليل أو خالق نور النهار { وَجَعَلَ اليل } { وَجَعَلَ اليل } كوفي لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى المضي ، فلما كان فالق بمعنى فلق عطف عليه { جَعَلَ } لتوافقهما معنى { سَكَناً } مسكوناً فيه من قوله { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } [ يونس : 67 ] أي ليسكن فيه الخلق عن كد المعيشة إلى نوم الغفلة ، أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق { والشمس والقمر } انتصبا بإضمار فعل يدل عليه جاعل الليل أي وجعل الشمس والقمر { حُسْبَاناً } أي جعلهما على حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما . والحسبان بالضم مصدر حسب كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب { ذلك } إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم { تَقْدِيرُ العزيز } الذي قهرهما وسخرهما { العليم } بتدبيرهما وتدويرهما { وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم } خلقها { لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظلمات البر والبحر } أي في ظلمات الليل بالبر وبالبحر ، وأضافها إليهما لملابستها لهما أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قد بينا الآيات الدالة على التوحيد لقوم يعلمون .\r{ وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة } هي آدم عليه السلام { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } { فَمُسْتَقَر } بالكسر : مكي وبصري . فمن فتح القاف كان المستودع اسم مكان مثله ، ومن كسرها كان اسم فاعل والمستودع اسم مفعول يعني فلكم مستقر في الرحم ومستودع في الصلب ، أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها ، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } وإنما قيل { يَعْلَمُونَ } ثم { يَفْقَهُونَ } هنا لأن الدلالة ثمّ أظهر وهنا أدق ، لأن إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة أدق فكان ذكر الفقه الدال على تدقيق النظر أوفق { وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً } من السحاب مطراً { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بالماء { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } نبت كل صنف من أصناف النامي أي السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف مختلفة { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } من النبات { خَضِْرًا } أي شيئاً غضاً أخضر .","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"يقال أخضر وخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة { نُّخْرِجُ مِنْهُ } من الخضر { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } وهو السنبل الذي تراكب حبه { وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قنوان } هو رفع بالابتداء { وَمِنَ النخل } خبره و { مِن طَلْعِهَا } بدل منه كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو وهو العذق نظيره «صنو» و «صنوان» . { دَانِيَةٌ } من المجتني لانحنائها بثقل حملها أو لقصر ساقها ، وفيه اكتفاء أي وغير دانية لطولها كقوله { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] { وجنات } بالنصب عطفاً على { نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ } أي وأخرجنا به جنات { مِّنْ أعناب } أي مع النخل وكذا { والزيتون والرمان } { وجنات } بالرفع : الأعشى أي وثم جنات من أعناب أي مع النخل { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه } يقال اشتبه الشيئان وتشابها نحو استويا وتساويا ، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً وتقديره : والزيتون متشابهاً وغير متشابه ، والرمان كذلك يعني بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ } إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفاً لا ينتفع به { وَيَنْعِهِ } ونضجه أي انظروا إلى حال نضجه كيف يعود شيئاً جامعاً لمنافع ، نظر اعتبار واستدلال على قدرة مقدره ومدبره وناقله من حال إلى حال .\r{ إِنَّ فِي ذلكم لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } { ثَمَرِهِ } وكذا ما بعده : حمزة وعلي جمع ثمار فهو جمع الجمع يقال : ثمرة وثمر وثمار وثمر .\r{ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ الجن } إن جعلت { لِلَّهِ شُرَكَاءَ } مفعولي { جَعَلُواْ } كان { الجن } بدلاً من { شُرَكَاء } وإلا كان { شُرَكَاء الجن } مفعولين قدم ثانيهما على الأوّل ، وفائدة التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك من كان ملكاً أو جنياً أو غير ذلك ، والمعنى أنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله { وَخَلَقَهُمْ } أي وقد خلق الجن فكيف يكون المخلوق شريكاً لخالقه؟ والجملة حال ، أو وخلق الجاعلين لله شركاء فكيف يعبدون غيره؟ { وَخَرَقُواْ لَهُ } أي اختلقوا يقال : خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى ، أو هو من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له { بَنْيَنَ } كقول أهل الكتابين في المسيح وعزير { وَبَنَاتٍ } كقول بعض العرب في الملائكة . { وَخَرَقُواْ } بالتشديد للتكثير : مدني لقوله { بَنِينَ وَبَنَاتٍ } { بِغَيْرِ عِلْمٍ } من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوا من خطأ أو صواب ولكن رمياً بقول عن جهالة ، وهو حال من فاعل { خرقوا } أي جاهلين بما قالوا { سبحانه وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ } من الشريك والولد { بَدِيعُ السماوات والأرض } يقال بدُع الشيء فهو بديع وهو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها يعني بديع سمواته وأرضه ، أو هو بمعنى المبدع أي مبدعها وهو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } أو هو فاعل { تَعَالَى } { وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } أي من أين يكون له ولد والولد لا يكون إلا من صاحبة ولا صاحبة له ، ولأن الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسماً حتى يكون له ولد { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي ما من شيء إلا وهو خالقه وعالمه ومن كان كذلك كان غنياً عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج { ذلكم } إشارة إلى الوصوف بما تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة وهي { الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلِّ شَيْءٍ } وقوله { فاعبدوه } مسبب عن مضمون الجملة أي من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه { وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أي هو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأَرزاق والآجال رقيب على الأعمال { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } لا تحيط به أو أبصار من سبق ذكرهم .","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"وتشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية ، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده ، وما يستحيل عليه الحدود والجهات يستحيل إدراكه لا رؤيته ، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة من العلم ، ونفى الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود لا يقتضي نفي العلم به فهكذا هذا ، على أن مورد الآية وهو التمدح يوجب ثبوت الرؤية إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه لأن كل ما لا يرى لا يدرك ، وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية إذ انتفاؤه مع تحقق الرؤية دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات ، فكانت الآية حجة لنا عليهم . ولو أمعنوا النظر فيها لاغتنموا التقصي عن عهدتها ، ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي أنه معلوم موجود وإلا فكما يعلم موجوداً بلا كيفية وجهة بخلاف كل موجود لم يجز أن يرى بلا كيفية وجهة بخلاف كل مرئي ، وهذا لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو ، فإن كان المرئي في الجهة يرى فيها وإن كان لا في الجهة يرى لا فيها { وَهُوَ } للطف إدراكه { يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف } أي العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها { الخبير } العليم بظواهر الأشياء وخفياتها وهو من قبيل اللف والنشر .","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"{ قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } البصيرة نور القلب الذي به يستبصر القلب كما أن البصر نور العين الذي به تبصر أي جاءكم من الوحي والتنبيه ما هو للقلوب كالبصائر { فَمَنْ أَبْصَرَ } الحق وآمن { فَلِنَفْسِهِ } أبصر وإياها نفع { وَمَنْ عَمِيَ } عنه وضل { فَعَلَيْهَا } فعلى نفسه عمى وإياها ضر بالعمى { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم . الكاف في { وكذلك نُصَرّفُ الآيات } في موضع نصب صفة المصدر المحذوف أي نصرف الآيات تصريفاً مثل ما تلونا عليك { وَلِيَقُولُواْ } جوابه محذوف أي وليقولوا { دَرَسْتَ } نصرفها ومعنى { دَرَسْتَ } قرأت كتب أهل الكتاب . { دارست } مكي وأبو عمرو أي دارست أهل الكتاب . { دَرَسْتَ } شامي أي قدمت هذه الآية ومضت كما { قالوا أساطير الأولين } { وَلِنُبَيِّنَهُ } أي القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوماً أو الآيات لأنها في معنى القرآن . قيل : اللام الثانية حقيقة ، والأولى لام العاقبة والصيرورة أي لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا درست وهو كقوله { فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] وهم لم يلتقطوه للعداوة وإنما التقطوه ليصير لهم قرة عين ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة ، فكذلك الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا درست ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين فشبه به . وقيل : ليقولوا كما قيل لنبينه وعندنا ليس كذلك لما عرف { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } الحق من الباطل { اتبع مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } ولا تتبع أهواءهم { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي لا محل له من الإعراب أو حال { مِن رَبِّكَ } مؤكدة { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } في الحال إلى أن يرد الأمر بالقتال { وَلَوْ شَاءَ الله } أي إيمانهم فالمفعول محذوف { مَا أَشْرَكُواْ } بيّن أنهم لا يشركون على خلاف مشيئة الله ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه ولكن علم منهم اختيار الشرك فشاء شركهم فأشركوا بمشيئته { وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } مراعياً لأعمالهم مأخوذاً بإجرامهم { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بمسلط .\rوكان المسلمون يسبون آلهتهم فنهوا عنه لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله بقوله :\r{ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله } منصوب على جواب النهي { عَدْوَاً } ظلماً وعدواناً { بِغَيْرِ عِلْمٍ } على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به { كذلك } مثل ذلك التزيين { زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ } من أمم الكفار { عَمَلَهُمْ } وهو كقوله { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء }","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"[ فاطر : 8 ] وهو حجة لنا في الأصلح { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ } مصيرهم { فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فيخبرهم بما عملوا ويجزيهم عليه { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } جهد مصدر وقع موقع الحال أي جاهدين في الإتيان بأوكد الأيمان { لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } من مقترحاتهم { لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله } وهو قادر عليها لا عندي فكيف آتيكم بها { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } وما يدريكم { إنَّهَا } أن الآية المقترحة { إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بها يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تعلمون ذلك ، وكان المؤمنون يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله تعالى : وما يدريكم أنهم لا يؤمنون على معنى إنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون { أَنَّهَا } بالكسر : مكي وبصري وأبو بكر على أن الكلام تم قبله أي وما يشعركم ما يكون منهم ، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال : إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة . ومنهم من جعل «لا» مزيدة في قراءة الفتح كقوله { وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [ الأنبياء : 95 ] . { لاَ تُؤْمِنُونَ } شامي وحمزة . { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ } عن قبول الحق { وأبصارهم } عن رؤية الحق عند نزول الآية التي اقترحوها فلا يؤمنون بها . قيل : هو عطف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } داخل في حكم { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } أي وما يشعركم أنهم لا يؤمنون وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } كما كانوا عند نزول آياتنا أولا لا يؤمنون بها { وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } قيل : وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم يعمهون يتحيرون .\r{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة } كما قالوا : لولا أنزل علينا الملائكة { وَكَلَّمَهُمُ الموتى } كما قالوا فأتوا بآبائنا { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ } جمعنا { كُلَّ شَيْء قُبُلاً } كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا جمع قبيل وهو الكفيل { قُبُلاً } مدني وشامي أي عياناً وكلاهما نصب على الحال { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } إيمانهم فيؤمنوا وهذا جواب لقول المؤمنين لعلهم يؤمنون بنزول الآية { ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } أي هؤلاء لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية المقترحة .\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً } وكما جعلنا لك أعداء من المشركين جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء أعداء لما فيه من الابتلاء الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر وانتصب { شياطين الإنس والجن } على البدل من { عَدُوّا } أو على أنه من المفعول الأول و { عَدُوّا } مفعول ثانٍ { يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس ، وكذلك بعض الجن إلى بعض ، وبعض الإنس إلى بعض ، وعن مالك بن دينار : إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً .","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"وقال عليه السلام « قرناء السوء شر من شياطين الجن » { زُخْرُفَ القول } ما زينوه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي { غُرُوراً } خدعاً وأخذاً على غرة وهو مفعول له { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } أي الإيحاء يعني ولو شاء الله لمنع الشياطين من الوسوسة ولكنه امتحن بما يعلم أنه أجزل في الثواب { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } عليك وعلى الله فإن الله يخزيهم وينصرك ويجزيهم { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } ولتميل إلى زخرف القول قلوب الكفار وهي معطوفة على { غُرُوراً } أي ليغروا ولتصغي إليه { وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم { وَلِيَقْتَرِفُواْ مَاهُم مُّقْتَرِفُونَ } من الآثام { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً } أي قل يا محمد أفغير الله أطلب حاكماً يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل { وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب } المعجز { مُفَصَّلاً } حال من الكتاب أي مبيناً فيه الفصل بين الحق والباطل والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء . ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنه حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له بقوله { والذين ءاتيناهم الكتاب } أي عبد الله بن سلام وأصحابه { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ } شامي وحفص { مِّن رَّبِّكَ بالحق فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } الشاكين فيه أيها السامع ، أو فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق ولا يَرِبْكَ جحود أكثرهم وكفرهم به .","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ } أي ما تكلم به . { كلمات رَبّكَ } حجازي وشامي وأبو عمرو أي تم كل ما أخبر به وأمر ونهي ووعد وأوعد { صِدْقاً } في وعده ووعيده { وَعَدْلاً } في أمره ونهيه . وانتصبا على التمييز أو على الحال { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } لا أحد يبدل شيئاً من ذلك { وَهُوَ السميع } لإقرار من أقر { العليم } بإصرار من أصر أو السميع لما يقولون العليم بما يضمرون .\r{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض } أي الكفار لأنهم الأكثرون { يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } دينه { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق فهم يقلدونهم { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يكذبون في أن الله حرم عليهم كذا وأحل لهم كذا { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } أي هو يعلم الكفار والمؤمنين . من رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام والخبر { يَضِلُّ } وموضع الجملة نصب ب «يعلم» المقدر لا ب { أَعْلَمُ } لأن أفعل لا يعمل في الاسم الظاهر النصب ويعمل الجر . وقيل : تقديره أعلم بمن يضل بدليل ظهور الباء بعده في بالمهتدين { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ إِن كُنتُم بئاياته مُّؤْمِنِينَ } هو مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم . فقيل للمسلمين : إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه خاصة أي على ذبحه دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم أو مات حتف أنفه { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ } «ما» استفهام في موضع رفع بالابتداء و { لَكُمْ } الخبر أي وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا { مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم } بين لكم { مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } مما لم يحرم بقوله { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } [ المائدة : 3 ] { فَصْلٌ } و { حَرَّمَ } كوفي غير حفص وبفتحهما مدني وحفص وبضمهما غيرهم { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } مما حرم عليكم فإنه حلال لكم في حال الضرورة أي شدة المجاعة إلى أكله { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ } { ليضلون } كوفي { بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة { إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين } بالمتجاوزين من الحق إلى الباطل .\r{ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } علانيته وسره أو الزنا في الحوانيت والصديقة في السر أو الشرك الجلي والخفي { إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ } يوم القيامة { بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } يكتسبون في الدنيا { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } عند الذبح { وَأَنَّهُ } وإن أكله { لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ } ليوسوسون { إلى أَوْلِيَائِهِمْ } من المشركين { ليجادلوكم } بقولهم لا تأكلون مما قتله الله وتأكلون مما تذبحون بأيديكم ، والآية تحرم متروك التسمية وخصت حالة النسيان بالحديث أو بجعل الناسي ذاكراً تقديراً { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في استحلال ما حرمه الله { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به ، ومن حق المتدين أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لما في الآية من التشديد العظيم .","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"ومن أوّل الآية بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه لقوله { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } وقال : إن الواو في { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } للحال لأن عطف الجملة الاسمية على الفعلية لا يحسن فيكون التقدير : ولا تأكلوا منه حال كونه فسقاً والفسق مجمل فبين بقوله { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } فصار التقدير ولا تأكلوا منه حال كونه مهلاً لغير الله به فيكون ما سواه حلالاً بالعمومات المحلة منها قوله { قُل لا أَجِدُ } أي كافراً فهديناه لأن الإيمان حياة القلوب { مَيْتًا } مدني { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس } مستضيئاً به والمراد به اليقين { كَمَن مَّثَلُهُ } أي صفته { فِي الظلمات } أي خابط فيها { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } لا يفارقها ولا يتخلص منها وهو حال . قيل : المراد بهما حمزة وأبو جهل . والأصح أن الآية عامة لكل من هداه الله ولكل من أضله الله ، فبين أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل مستضيّئاً يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان ، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات التي لا يتخلص منها { كذلك } أي كما زين للمؤمن إيمانه { زُيّنَ للكافرين } بتزيين الله تعالى كقوله { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } [ النمل : 4 ] { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي أعمالهم .\r{ وكذلك } أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا الناس فيها { جَعَلْنَا } صيرنا { فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي . واللام على ظاهرها عند أهل السنة وليست بلام العاقبة ، وخص الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم ، دليله { وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض } [ الشورى : 27 ] ثم سلى رسوله عليه السلام ووعد له النصرة بقوله { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } لأن مكرهم يحيق بهم { وَمَا يَشْعُرُونَ } أنه يحيق بهم { أكابر } مفعول أول والثاني { فِي كُلِّ قَرْيَةٍ } و { مُجْرِمِيهَا } بدل من { أكابر } أو الأول { مُجْرِمِيهَا } والثاني { أكابر } والتقدير : مجرميها أكابر .","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"ولما قال أبو جهل : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، نزل { وَإِذَا جَآءَتْهُمْ } أي الأكابر { ءَايَةً } معجزة أو آية من القرآن بالإيمان { قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله } أي نعطي من الآيات مثل ما أعطي الأنبياء فأعلم الله تعالى أنه أعلم بمن يصلح للنبوة فقال تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } مكي وحفص { رسالاته } : غيرهما { حَيْثُ } مفعول به والعامل محذوف والتقدير يعلم موضع رسالته .\r{ سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ } من أكابرها { صَغَارٌ } ذل وهو إن { عَندَ الله } في القيامة { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار { بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } في الدنيا { فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } يوسعه وينور قلبه . قال عليه السلام « إذا دخل النور في القلب انشرح وانفتح » قيل وما علامة ذلك قال « الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت » { وَمَن يُرِدِ } أي الله { أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً } { ضَيقاً } مكي { حَرَجاً } { حَرِجاً } صفة ل { ضَيّقاً } مدني وأبو بكر بالغافي الضيق { حَرَجاً } غيرهما وصفاً بالمصدر { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء } كأنه كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه إذا ضاقت عليه الأرض ، فطلب مصعداً في السماء أو كعازب الرأي طائر القلب في الهواء { يَصْعَدُ } مكي { يصّاعد } أبو بكر وأصله يتصاعد الباقون { إِلَيْهِ يَصّعّد } وأصله يتصعد { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس } العذاب في الآخرة واللعنة في الدنيا { عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } والآية حجة لنا على المعتزلة في إرادة المعاصي { وهذا صراط رَبِّكَ } أي طريقه الذي اقتضته الحكمة وسنته في شرح صدر من أراد هدايته وجعله ضيقاً لمن أراد ضلاله { مُّسْتَقِيماً } عادلاً مطرداً وهو حال مؤكدة { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يتعظون .\r{ لَهُمْ } أي لقوم يذكرون { دَارُ السلام } دار الله يعني الجنة أضافها إلى نفسه تعظيماً لها ، أو دار السلامة من كل آفة وكدر ، أو السلام التحية سميت دار السلام لقوله : { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } [ يونس : 10 ] . { إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما } [ الواقعة : 26 ] { عِندَ رَبِّهِمْ } في ضمانة { وَهُوَ وَلِيُّهُم } محبهم أو ناصرهم على أعدائهم { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بأعمالهم أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون أو هو ولينا في الدنيا بتوفيق الأعمال وفي العقبى بتحقيق الآمال .","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } وبالياء حفص أي واذكر يوم نحشرهم أو ويوم نحشرهم قلنا { جَمِيعًا يامعشر الجن قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } أضللتم منهم كثيراً وجعلتموهم أتباعكم كما تقول استكثر الأمير من الجنود { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس } الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها ، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في أغوائهم { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا } يعنون يوم البعث وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى ، والتكذيب بالبعث وتحسر على حالهم { قَالَ النار مَثْوَاكُمْ } منزلكم { خالدين فِيهَا } حال والعامل معنى الاضافة كقوله تعالى { أَنَّ دَابِرَ هؤلاءآء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } [ الحجر : 66 ] ف { مُّصْبِحِينَ } حال من هؤلاء والعامل في الحال معنى الاضافة إذ معناه الممازجة والمضامّة والمثوى ليس بعامل لأن المكان لا يعمل في شيء { إِلاَّ مَا شَاءَ الله } أي يخلّدون في عذاب النار الأبد كله إلا ما شاء اللّه إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب السعير إلى عذاب الزمهرير { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } فيما يفعل بأوليائه وأعدائه { عَلِيمٌ } بأعمالهم فيجزي كلاً على وفق عمله { وكذلك نُوَلّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً } نتبع بعضهم بعضاً في النار ، أو نسلط بعضهم على بعض أو نجعل بعضهم أولياء بعض { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي ، ثم يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ { يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ } عن الضحاك : بعث إلى الجن رسلا منهم كما بعث إلى الإنس رسلاً منهم لأنهم بهم آنس وعليه ظاهر النص ، وقال آخرون : الرسل من الإنس خاصة وإنما قيل { رُسُلٌ مّنكُمْ } لأنه لما جمع الثقلين في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما كقوله : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن : 22 ] أو رسلهم رسل نبينا كقوله { وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } [ الأحقاف : 29 ] { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتي } يقرءون كتبي { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا } يعني يوم القيامة { قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } بوجوب الحجة علينا وتبليغ الرسل إلينا { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } بالرسل .\r{ ذلك } إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك { أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون } تعليل أي الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم على أن «أن» مصدرية ، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، والمعنى لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم بسبب ظلم أقدموا عليه أو ظالماً ، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب لكان ظالماً وهو متعال عنه { وَلِكُلٍّ } من المكلفين { درجات } منازل { مّمَّا عَمِلُواْ } من جزاء أعمالهم ، وبه استدل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على أن للجن الثواب بالطاعة لأنه ذكر عقيب ذكر الثقلين { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } بساه عنه وبالتاء شامي .","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"{ وَرَبُّكَ الغني } عن عباده وعن عبادتهم { ذُو الرحمة } عليهم بالتكليف ليعرِّضهم للمنافع الدائمة { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أيها الظلمة { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ } من الخلق المطيع { كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ } من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام { إِنَّ مَا } ما بمعنى الذي { تُوعَدُونَ } من البعث والحساب والثواب والعقاب { لآتٍ } خبر «إن» أي لكائن { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بفائتين رد لقولهم من مات فقد فات . المكانة تكون مصدراً يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وقوله { قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، واعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ، ويقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله : على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه { إِنّي عامل } على مكانتي التي أنا عليها أي اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم وهو أمر تهديد ووعيد ، دليله قوله { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة ، وهذا طريق لطيف في الإنذار { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أي الكافرون { مكاناتكم } حيث كان : أبو بكر { يَكُونَ } حمزة وعلي . وموضع { منْ } رفع إذا كان بمعنى «أي» وعلق عنه فعل العلم ، أو نصب إذا كان بمعنى الذي { وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً } أي وللأصنام نصيباً فاكتفى بدلالة قوله تعالى { فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا } { يزعمهم } علي . وكذا ما بعده أي زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة { لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله } أي لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين { وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ } من إنفاقهم عليها والإجراء على سدنتها . رُوي أنهم كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله وأشياء منهما لآلهتهم ، فإذا رأوا ما جعلوا لله زاكياً نامياً رجعوا فجعلوه للأصنام ، وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها وقالوا : إن الله غني ، وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها . وفي قوله { مِمَّا ذَرَأَ } إشارة إلى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه .","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"ثم ذم صنيعهم بقوله { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } في إيثار آلهتهم على الله وعملهم على ما لم يشرع لهم . وموضع «ما» رفع أي ساء الحكم . حكمهم بأو نصب أي ساء حكماً حكمهم .\r{ وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين } أي كما زين لهم تجزئة المال زين وأد البنات { قَتْلَ } هو مفعول زين { أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ } هو فاعل زين ، { زُيِّنَ } بالضم { قَتْلَ } بالرفع { أولادهم } بالنصب { شُرَكَائِهِمْ } بالجر : شامي على إضافة القتل إلى الشركاء أي الشياطين والفصل بينهما بغير الظرف وهو المفعول وتقديره : زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم { لِيُرْدُوهُمْ } ليهلكوهم بالإغواء { وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } وليخلطوا عليهم ويشوبوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل حتى زلوا عنه إلى الشرك { وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ } وفيه دليل على أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } وما يفترونه من الإفك ، أو وافتراءهم لأن ضرر ذلك الافتراء عليهم لا عليك ولا علينا { وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ } للأوثان { حِجْرٍ } حرام فعل بمعنى المفعول كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات ، وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا { لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ } يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ، والزعم قول بالظن يشوبه الكذب { وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا } هي البحائر والسوائب والحوامي { وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا } حالة الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام { افتراء عَلَيْهِ } هو مفعول له أو حال أي قسموا أنعامهم قسم حجر ، وقسم لا يركب ، وقسم لا يذكر اسم الله عليها ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه { سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } وعيد { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب : ما ولد منها حياً فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإناث ، وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث . وأنث { خَالِصَةٌ } وهو خبر «ما» للحمل على المعنى لأن «ما» في معنى الأجنة ، وذكر { وَمُحَرَّمٌ } حملاً على اللفظ أو التاء للمبالغة كنسابة { وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } أي وإن يكن ما في بطونها ميتة . { وَأَنْ تَكُنْ مَيْتَةً } أبو بكر أي وإن تكن الأجنة ميتة ، { وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَةً } شامي على «كان» التامة ، { يَكُن مَّيْتَةً } مكي لتقدم الفعل . وتذكير الضمير في { فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ } لأن الميتة اسم لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل : وإن يكن ميت فهم فيه شركاء { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } جزاء وصفهم الكذب على الله في التحريم { إِنَّهُ حَكِيمٌ } في جزائهم { عَلِيمٌ } باعتقادهم { قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم } كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر { قَتَّلُواْ } مكي وشامي { سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ } لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم لاهم { وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله } من البحائر والسوائب وغيرها { افتراء عَلَى الله } مفعول له { قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } إلى الصواب .","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"{ وَهُوَ الذي أَنشَأَ } خلق { جنات } من الكروم { معروشات } مسموكات مرفوعات { وَغَيْرَ معروشات } متروكات على وجه الأرض لم تعرش ، يقال عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القضبان { والنخل والزرع مُخْتَلِفًا } في اللون والطعم والحجم والرائحة ، وهو حال مقدرة لأن النخل وقت خروجه لا أكل فيه حتى يكون مختلفاً وهو كقوله { فادخلوها خالدين } [ الزمر : 73 ] { أَكُلُهُ } { أَكْله } حجازي وهو ثمره الذي يؤكل ، والضمير للنخل ، والزرع داخل في حكمه لأنه معطوف عليه ، أو لكل واحد { والزيتون والرمان متشابها } في اللون { وَغَيْرَ متشابه } في الطعم { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } من ثمر كل واحد ، وفائدة { إِذَا أَثْمَرَ } أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك { وَءَاتُواْ حَقَّهُ } عشره وهو حجة أبي حنيفة C في تعميم العشر { يَوْمَ حَصَادِهِ } بصري وشامي وعاصم ، وبكسر الحاء غيرهم . وهما لغتان { وَلاَ تُسْرِفُواْ } بإعطاء الكل وتضييع العيال . وقوله { كُلُواْ } إلى { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } اعتراض { وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشًا } عطف على { جنات } أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح ، أو الحمولة الكبار التي تصلح للحمل والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي ما أحل الله لكم منها ولا تحرموها كما في الجاهلية } { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } طرقه في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } فاتهموه على دينكم { ثمانية أزواج } بدل من { حَمُولَةً وَفَرْشًا } { مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين } زوجين اثنين يريد الذكر والأنثى ، والواحد إذا كان وحده فهو فرد ، وإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان بدليل قوله { خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى } [ النجم : 45 ] ويدل عليه قوله { ثمانية أزواج } ثم فسرها بقوله { مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين } { وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين } والضأن والمعز جمع ضائن وماعز كتاجر وتجر . وفتح عين المعز : مكي وشامي وأبو عمرو وهما لغتان .\rوالهمزة في { قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين } للإنكار . والمراد بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز ، وبالأنثيين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز والمعنى إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما تحمل الإناث ، وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة وإناثها طوراً وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً أو مختلطة تارة ، وكانوا يقولون : قد حرمها الله فأنكر ذلك عليهم .","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"وانتصب { آلذكرين } ب { حَرَّمَ } وكذا { أَمِ الأنثيين } أي أم حرم الأنثيين وكذا «ما» في { أَمَّا اشتملت } { نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم { إِن كُنتُمْ صادقين } في أن الله حرمه .\r{ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ } منهما { حَرَّمَ أَمِ الأنثيين } منهما { أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين } أم ما تحمل إناثها { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ } «أم» منقطعة أي بل أكنتم شهداء { إِذْ وصاكم الله بهذا } يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم . ولما كانوا لا يؤمنون برسول الله وهم يقولون الله حرم هذا الذي نحرمه تهكم بهم في قوله { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ } على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم { لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } أي الذين في علمه أنهم يختمون على الكفر . ووقع الفاصل بين بعض المعدود وبعضه اعتراضاً غير أجنبي من المعدود ، وذلك أن الله تعالى مَنَّ على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم ، فالاعتراض بالاحتجاج على من حرمها يكون تأكيداً للتحليل ، والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد .\r{ قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ } أي في ذلك الوقت أو في وحي القرآن لأن وحي السنة قد حرم غيره ، أو من الأنعام لأن الآية في رد البحيرة وأخواتها . وأما الموقوذة والمتردية والنطيحة فمن الميتة ، وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا يهوى الأنفس { مُحَرَّمًا } حيواناً حرم أكله { على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } على آكل يأكله { إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة { أَن تَكُونَ } مكي وشامي وحمزة { مَيْتَةً } شامي { أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } مصبوباً سائلاً فلا يحرم الدم الذي في اللحم والكبد والطحال { أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } نجس { أَوْ فِسْقًا } عطف على المنصوب قبله . وقوله { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه { أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } منصوب المحل صفة ل { فِسْقًا } أي رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله ، وسمي بالفسق لتوغله في باب الفسق { فَمَنِ اضطر } فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات { غَيْرَ بَاغٍ } على مضطر مثله تارك لمواساته { وَلاَ عَادٍ } متجاوز قدر حاجته من تناوله { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذه { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } أي ماله أصبع من دابة أو طائر ويدخل فيه الإبل والنعام { وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } أي حرمنا عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه ، ولم يحرم من البقر والغنم إلا الشحوم وهي الثروب وشحوم الكلى { إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السَّحفة { أَوِ الحوايا } أو ما اشتمل على الأمعاء واحدها حاوياء أو حوية { أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ } وهو الألية أو المخ { ذلك } مفعول ثان لقوله { جزيناهم } والتقدير جزيناهم ذلك { بِبَغْيِهِمْ } بسبب ظلمهم { وِإِنَّا لصادقون } فيما أخبرنا به وكيف نشكر من سبب معصيتهم لتحريم الحلال ومعصية سالفنا لتحليل الحرام حيث قال :","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"{ وعفا عنكم فالآن باشروهن { } [ البقرة : 187 ] { فَإِن كَذَّبُوكَ } فيما أوحيت إليك من هذا { فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة } بها يمهل المكذبين ولا يعاجلهم بالعقوبة { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ } عذابه مع سعة رحمته { عَنِ القوم المجرمين } إذا جاء فلا تغتر بسعة رحمته عن خوف نقمته .","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"{ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } إخبار بما سوف يقولونه { لَوْ شَآءَ الله } أن لا نشرك { مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ } ولكن شاء فهذا عذرنا ، يعنون أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي كتكذيبهم إياك . كان تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء ، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود لا الإقرار بالمشيئة ، أو معنى المشيئة هنا الرضا كما قال الحسن : أي رضي الله منا ومن آبائنا الشرك والشرك مراد لكنه غير مرضي ، ألا ترى أنه قال { فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أخبر أنه لو شاء منهم الهدى لآمن كلهم ولكن لم يشأ من الكل الإيمان بل شاء من البعض الإيمان ومن البعض الكفر ، فيجب حمل المشيئة هنا على ما ذكرناه دفعاً للتناقض { حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } حتى أنزلنا عليهم العذاب { قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ } من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم { فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } فتظهروه { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تكذبون { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } عليكم بأوامره ونواهيه ولا حجة لكم على الله بمشيئته { فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أي فلو شاء هدايتكم وبه تبطل صولة المعتزلة { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ } هاتوا شهداءكم وقربوهم ، ويستوي في هذه الكلمة الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين ، وبنو تميم تؤنث وتجمع { الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } أي ما زعموه محرماً { فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم فكان واحداً منهم { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا } من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات الله فهو متبع للهوى إذ لو تبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } هم المشركون { وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } يسوون الأصنام .\r{ قُلْ } للذين حرموا الحرث والأنعام { تَعَالَوْاْ } هو من الخاص الذي صار عاماً وأصله أن يقول : من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر حتى عم { أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } الذي حرمه ربكم { عَلَيْكُمْ } من صلة حرم { أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } «أن» مفسرة لفعل التلاوة و «لا» للنهي { وبالوالدين إِحْسَانًا } وأحسنوا بالوالدين إحساناً . ولما كان إيجاب الإحسان تحريماً لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر { وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مِّنْ إملاق } من أجل فقر ومن خشيته كقوله","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"{ خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء : 31 ] { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } لأن رزق العبيد على مولاهم { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا } ما بينك وبين الخلق { وَمَا بَطَنَ } ما بينك وبين الله ، ما ظهر بدل من الفواحش { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } كالقصاص والقتل على الردة والرجم { ذلكم وصاكم بِهِ } أي المذكور مفصلاً أمركم ربكم بحفظه { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لتعقلوا عظمها عند الله { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ } إلا بالخصلة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } أشده مبلغ حلمه فادفعوه إليه وواحده شد كفلس وأفلس { وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط } بالسوية والعدل { لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا تعجز عنه ، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما فيه حرج فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا } فاصدقوا { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل كقوله { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين } [ النساء : 135 ] { وَبِعَهْدِ الله } يوم الميثاق أو في الأمر والنهي والوعد والوعيد والنذر واليمين { أَوْفُواْ ذلكم } أي ما مر { وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف حيث كان : حمزة وعلي وحفص على حذف إحدى التاءين . غيرهم بالتشديد أصله «تتذكرون» فأدغم التاء الثانية في الذال أي أمركم به لتتعظوا .\r{ وَأَنَّ هذا صراطي } ولأن هذا صراطي فهو علة الاتباع بتقدير اللام ، { وَأَنْ } بالتخفيف شامي ، وأصله وأنه على أن الهاء ضمير الشأن والحديث . { وَإنْ } على الابتداء : حمزة وعلي { مُّسْتَقِيماً } حال { فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فتفرقكم أيادي سبأ عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام . رُوي أن رسول الله A خط خطاً مستوياً ثم قال \" هذا سبيل الرشد وصراط الله فاتبعوه \" ثم خط على كل جانب ستة خطوط ممالة ثم قال \" هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها \" وتلا هذه الآية . ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقاً ستة طرق فتكون اثنين وسبعين ، وعن ابن عباس Bهما : هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب . وعن كعب : إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة { ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لتكونوا على رجاء إصابة التقوى .","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"ذكر أولاً { تَعْقِلُونَ } ثم { تَذَكَّرُونَ } ثم { تَتَّقُونَ } لأنهم إذا عقلوا تفكروا ثم تذكروا أي اتعظوا فاتقوا المحارم { ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَامًا } أي ثم أخبركم إنا آتينا أو هو عطف على { قُلْ } أي ثم قل آتينا ، و «ثم» مع الجملة تأتي بمعنى الواو كقوله { ثُمَّ الله شَهِيدٌ } [ يونس : 46 ] { عَلَى الذي أَحْسَنَ } على من كان محسناً صالحاً يريد جنس المحسنين دليله قراءة عبد الله { عَلَى الذين أَحْسَنُواْ } أو أراد به موسى عليه السلام أي تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ في كل ما أمر به { وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَيْءٍ } وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاجون إليه في دينهم { وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم } أي بني إسرائيل { بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ } يصدقون أي بالبعث والحساب وبالرؤية .\r{ وهذا } أي القرآن { كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ } كثير الخير { فاتبعوه واتقوا } مخالفته { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لترحموا { أَن تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا { إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } أي أهل التوراة وأهل الإنجيل ، وهذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب { وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ } عن تلاوة كتبهم { لغافلين } لا علم لنا بشيء من ذلك «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والأصل : وإنه كنا عن دراستهم غافلين على أن الهاء ضمير الشأن ، والخطاب لأهل مكة والمراد إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد A كيلا يقولوا يوم القيامة : إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما { أَوْ تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا { لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا وغزارة حفظنا لأيام العرب { فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبِّكُمْ } أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم فقد جاءكم ما فيه البيان الساطع والبرهان القاطع ، فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله } بعدما عرف صحتها وصدقها { وَصَدَفَ عَنْهَا } أعرض { سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنَا سُوءَ العذاب } وهو النهاية في النكاية { بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } بإعراضهم .","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"{ هَلْ يَنظُرُونَ } أي أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما يعتقدون من الضلالة فما ينتظرون في ترك الضلالة بعدها { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم { يَأْتِيهِمُ } حمزة وعلي { أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } أي أمر ربك وهو العذاب أو القيامة ، وهذا لأن الإتيان متشابه وإتيان أمره منصوص عليه محكم فيرد إليه { أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايات رَبِّكَ } أي أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءايات رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } لأنه ليس بإيمان اختياري بل هو إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم { لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ } صفة { نَفْساً } { أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا } أي إخلاصاً كما لا يقبل إيمان الكافر بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل إخلاص المنافق أيضاً أو توبته وتقديره : لا ينفع إيمان من لم يؤمن ولا توبة من لم يتب قبل { قُلِ انتظروا } إحدى الآيات الثلاث { إِنَّا مُنتَظِرُونَ } بكم إحداها .\r{ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } اختلفوا فيه وساروا فرقاً كما اختلفت اليهود والنصارى وفي الحديث \" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية ، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية وإلا واحدة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي السواد الأعظم \" وفي رواية \" وهي ما أنا عليه وأصحابي \" وقيل : فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض . { فارقوا دِينَهُمُ } حمزة وعلي أي تركوا { وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم أو من عقابهم { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } فيجازيهم على ذلك { مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تقديره عشر حسنات أمثالها إلا أنه أقيم صفة الجنس المميزة مقام الموصوف { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبّي } { رَبّي } أبو عمرو ومدني { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ دِينًا } نصب على البدل من محل { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } لأن معناه هداني صراطاً بدليل قوله { وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 20 ] ( قِيِّماً ) «قيما» فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم { قَيِّماً } كوفي وشامي وهو مصدر بمعنى القيام وصف به { مِلَّةِ إبراهيم } عطف بيان { حَنِيفاً } حال من { إِبْرَاهِيمَ } { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } بالله يا معشر قريش .\r{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي } أي عبادتي ، والناسك العابد أو ذبحي أو حجي { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } وما أتيته في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل { للَّهِ رَبِّ العالمين } خالصة لوجهه .","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"{ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } بسكون الياء الأول وفتح الثاني : مدني . وبعكسه غيره { لاَ شَرِيكَ لَهُ } في شيء من ذلك { وبذلك } الإخلاص { أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } لأن إسلام كل نبيٍ متقدم على إسلام أمته .\r{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً } جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم . والهمزة للإنكار أي منكر أن أطلب رباً غيره ، وتقديم المفعول للإشعار بأنه أهم { وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } وكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } جواب عن قولهم { اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } [ العنكبوت : 12 ] { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } أي لا تأخذ نفس آثمة بذنب نفس أخرى { ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الأديان التي فرقتموها { وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض } لأن محمداً A خاتم النبيين فأمته قد خلفت سائر الأمم ، أو لأن بعضهم يخلف بعضاً أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ } في الشرف والرزق وغير ذلك { درجات } مفعول ثانٍ ، أو التقدير إلى درجات ، أو هي واقعة موضع المصدر كأنه قيل رفعة بعد رفعة { لّيَبْلُوَكُمْ فِى ما آتاكم } فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال كيف تشكرون تلك النعمة وكيف يصنع الشريف بالوضيع والغني بالفقير والمالك بالمملوك { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لمن كفر { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن قام بشكرها ، ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آتٍ قريب { وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [ النحل : 77 ] عن النبي A « من قرأ ثلاث آيات من أول الأنعام حين يصبح وكل الله تعالى به سبعين ألف ملك يحفظونه وكتب له مثل أعمالهم إلى يوم القيامة » .","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"{ المص } قال الزجاج : المختار في تفسيره ما قال ابن عباس Bهما : أنا الله أعلم وأفصل { كِتَابٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب { أُنزِلَ إِلَيْكَ } صفته والمراد بالكتاب السورة { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } شك فيه ، وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه أي لا شك في أنه منزل من الله أو حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم ، فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم ، والنهي متوجه إلى الحرج وفيه من المبالغة ما فيه ، والفاء للعطف أي هذا الكتاب أنزلناه إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك . واللام في { لِتُنذِرَ بِهِ } متعلق ب { أُنزِلَ } أي أنزل إليك لإنذارك به ، أو بالنهي ولأنه إذا لم يخفهم أنذرهم ، وكذا إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه { وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } في محل النصب بإضمار فعلها أي لتنذر به وتذكر تذكيراً ، فالذكرى اسم بمعنى التذكير ، أو الرفع بالعطف على { كِتَابٌ } أي هو كتاب وذكرى للمؤمنين ، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف ، أو الجر بالعطف على محل { لّتُنذِرَ } أي للإنذار وللذكرى { اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } أي القرآن والسنة { وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ } من دون الله { أَوْلِيَاء } أي ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره و { قَلِيلاً } نصب ب { تَذَكَّرُونَ } أي تذكرون تذكراً قليلاً . و «ما» مزيدة لتوكيد القلة { تَتَذَكَّرُونَ } شامي .\r{ وَكَمْ } مبتدأ { مِن قَرْيَةٍ } تبيين والخبر { أهلكناها } أي أردنا إهلاكها كقوله { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } [ المائدة : 6 ] { فَجَاءهَا } جاء أهلها { بَأْسَنَا } عذابنا { بَيَاتًا } مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين ، يقال بات بياتاً حسناً { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } حال معطوفة على { بَيَاتًا } كأنه قيل : فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين . وإنما قيل { هُمْ قَائِلُونَ } بلا «واو» ولا يقال «جاءني زيد هو فارس» بغير واو ، لأنه لما عطف على حال قبلها حذفت الواو استثقالاً لاجتماع حرفي عطف ، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل . وخص هذان الوقتان لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع . وقوم لوط عليه السلام أهلكوا بالليل وقت السحر ، وقوم شعيب عليه السلام وقت القيلولة . وقيل { بَيَاتًا } ليلاً أي ليلاً وهم نائمون أو نهاراً وهم قائلون { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } دعاؤهم وتضرعهم { إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا } لما جاءهم أوائل العذاب { إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين } اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك .","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"و { دَعْوَاهُمْ } اسم «كان» و { أَن قَالُواْ } الخبر ويجوز العكس { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } أرسل مسند إلى إليهم أي فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم { وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } عما أجيبوا به { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم } على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم { بِعِلْمِ } عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عنهم وعما وجد منهم ومعنى السؤال التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم { والوزن } أي وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها وهو مبتدأ وخبره { يَوْمَئِذٍ } أي يوم يسأل الله الأمم ورسلهم فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين { الحق } أي العدل صفته ثم قيل توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان إظهاراً للنصفة وقطعاً للمعذرة . وقيل : هو عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل ، والله أعلم بكيفيته { فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } جمع ميزان أو موزون أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات أو ما توزن به حسناتهم { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } الفائزون { وَمَنْ خَفَّتْ موازينه } هم الكفار فإنه لا إيمان لهم ليعتبر معه عمل فلا يكون في ميزانهم خير فتخف موازينهم { فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ } يجحدون فالآيات الحجج والظلم بها وضعها في غير موضعها أي جحودها وترك الانقياد لها .","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"{ وَلَقَدْ مكناكم فِى الأرض } جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً ، أو مكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما . والوجه تصريح الياء لأنها أصلية بخلاف صحائف فالياء فيها زائدة ، وعن نافع أنه همز تشبيهاً بصحائف { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } مثل { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [ الحاقة : 42 ] .\r{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } أي خلقنا أباكم آدم عليه السلام طيناً غير مصور ثم صورناه بعد ذلك دليله { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } ممن سجد لآدم عليه السلام { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } «ما» رفع أيْ أيّ شيء منعك من السجود؟ «ولا» زائدة بدليل { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } [ ص : 75 ] ومثلها { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } [ الحديد : 29 ] أي ليعلم { إِذْ أَمَرْتُكَ } فيه دليل على أن الأمر للوجوب ، والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } وهي جوهر نوراني { وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } وهو ظلماني وقد أخطأ الخبيث بل الطين أفضل لرزانته ووقاره ومنه الحلم والحياء والصبر وذلك دعاه إلى التوبة والاستغفار ، وفي النار الطيش والحدة والترفع وذلك دعاه إلى الاستكبار . والتراب عمدة الممالك ، والنار عدة المهالك . والنار مظنة الخيانة والإفناء ، والتراب مئنة الأمانة والإنماء ، والطين يطفيء النار ويتلفها ، والنار لا تتلفه . وهذه فضائل غفل عنها إبليس حتى زل بفاسد من المقاييس . وقولنا في القياس أول من قاس إبليس قياس . على أن القياس عند مثبته مردود عند وجود النصوص وقياس إبليس عناد للأمر المنصوص . وكان الجواب ل { مَا مَنَعَكَ } أن يقول «منعني كذا» وإنما قال { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } لأنه قد استأنف قصة وأخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم عليه السلام وبعلة فضله عليه فعلم منها الجواب كأنه قال : منعني من السجود فضلي عليه ، وزيادة عليه وهي إنكار الأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله ، إذ سجود الفاضل للمفضول خارج عن الصواب { قَالَ فاهبط مِنْهَا } من الجنة أو من السماء لأنه كان فيها وهي مكان المطيعين والمتواضعين . والفاء في { فاهبط } جواب لقوله { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } أي إن كنت تتكبر فاهبط { فَمَا يَكُونُ لَكَ } فما يصح لك { أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } وتعصي { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه ، يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك ، وبه علم أن الصغار لازم للاستكبار { قَالَ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أمهلني إلى يوم البعث وهو وقت النفخة الأخيرة { قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين } إلى النفخة الأولى .","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"وإنما أجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء ، وفيه تقريب لقلوب الأحباب أي هذا بريء بمن يسيئني فكيف بمن يحبني وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال .\r{ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } أضللتني أي فبسبب إغوائك إياي . والباء تتعلق بفعل القسم المحذوف تقديره فسبب إغوائك أقسم ، أو تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } لأعترضن لهم على طريق الإسلام مترصداً للرد متعرضاً للصد كما يتعرض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة . وانتصابه على الظرف كقولك «ضرب زيد الظهر» أي على الظهر . وعن طاوس أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل قدري فقال له طاوس : تقوم أو تقام . فقام الرجل فقيل له : أتقول هذا لرجل فقيه؟ فقال : إبليس أفقه منه { قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي } وهو يقول أنا أغوي نفسي .\r{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } أشككهم في الآخرة { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أرغبهم في الدنيا { وَعَنْ أيمانهم } من قبل الحسنات { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من قبل السيئات وهو جمع شمال يعني ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الأغلب . وعن شقيق : ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد : من بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم فاقرأ { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صالحا } [ طه : 82 ] . ومن خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي فاقرأ { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } [ هود : 6 ] وعن يميني فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ القصص : 83 ] وعن شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } [ سبأ : 54 ] ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم لمكان الرحمة والسجدة ، وقال في الأولين «من» لابتداء الغاية وفي الأخيرين «عن» لأن «عن» تدل على الانحراف { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } مؤمنين قاله ظناً فأصاب لقوله { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } [ سبأ : 20 ] أو سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى إياهم .\r{ قَالَ اخرج مِنْهَا } من الجنة أو من السماء { مَذْءومًا } معيباً من ذأمه إذا ذمه والذأم والذم العيب { مَّدْحُورًا } مطروداً مبعداً من رحمة الله . واللام في { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } موطئة للقسم وجوابه { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ } وهو ساد مسد جواب الشرط { مّنكُمْ } منك ومنهم فغلب ضمير المخاطب { أَجْمَعِينَ وَيا ءَادَمَ } وقلنا يا آدم بعد إخراج إبليس من الجنة { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } اتخذها مسكناً { فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا } فتصيرا { مِنَ الظالمين فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان } وسوس إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره وهو غير متئد ، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح ولكن موسوس له وموسوس إليه وهو الذي يلقي إليه الوسوسة .","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه { لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءاتِهِمَا } ليكشف لهما ما ستر عنهما من عوراتهما . وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور ، وأنه لم يزل مستقبحاً في الطباع والعقول . فإن قلت : ما للواو المضمومة في { ووري } لم تقلب همزة كما في «أو يصل» تصغير واصل وأصله «وويصل» فقلبت الواو همزة كراهة لاجتماع الواوين؟ قلت : لأن الثانية مدة كألف «وارى» فكما لم يجب همزها في «واعد» لم يجب في { وورى } وهذا لأن الواوين إذا تحركتا ظهر فيهما من الثقل ما لا يكون فيهما إذا كانت الثانية ساكنة ، وهذا مدرك بالضرورة فالتزموا إبدالها في موضع الثقل لا في غيره . وقرأ عبد الله { أورى } بالقلب { وَقَالَ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } إلا كراهة أن تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء . وقرىء { مَلَكَيْنِ } لقوله { وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } [ طه : 120 ] { أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين { وَقَاسَمَهُمَا } وأقسم لهما { إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } وأخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه لما كان منه القسم ومنهما التصديق فكأنهما من اثنين .","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"{ فدلاهما } فنزلهما إلى الأكل من الشجرة { بِغُرُورٍ } بما غرهما به من القسم بالله وإنما يخدع المؤمن بالله . وعن ابن عمر Bهما : من خدعنا بالله انخدعنا له { فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة } وجدا طعمها آخذين في الأكل منها وهي السنبلة أو الكرم { بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا } ظهرت لهما عوراتهما لتهافت اللباس عنهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر . وقيل : كان لباسهما من جنس الأظفار أي كالظفر بياضاً في غاية اللطف واللين فبقي عند الأظفار تذكيراً للنعم وتجديداً للندم { وَطَفِقَا } وجعلا يقال طفق يفعل كذا أي جعل { يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } يجعلان على عورتهما من ورق التين أو الموز ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل .\r{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة } هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطأ . وروي أنه قال لآدم عليه السلام : ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال : بلى ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال : فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا بكد يمين وعرق جبين ، فأهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد ودرس وذرى وطحن وعجن وخبز { وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } فيه دليل لنا على المعتزلة لأن الصغائر عندهم مغفورة { قَالَ اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل ، ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعاً إلى الأرض { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } في موضع الحال أي متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه { وَلَكُمْ فِى الأرض مُسْتَقَرٌّ } استقرار أو موضع استقرار { ومتاع } وانتفاع بعيش { إلى حِينٍ } إلى انقضاء آجالكم . وعن ثابت البناني : لما أهبط آدم عليه السلام وحضرته الوفاة وأحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها : خلي ملائكة ربي فإنما أصابني ما أصابني فيك . فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له قبراً ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه : هذه سنتكم بعده { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ } في الأرض { وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } للثواب والعقاب { تُخْرَجُونَ } حمزة وعلي { يابَنِي ءادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } جعل ما في الأرض منزلاً من السماء لأن أصله من الماء وهو منها { يوارى سَوْءاتِكُمْ } يستر عوراتكم { وَرِيشًا } لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين : لباساً يواري سوءاتكم ولباساً يزينكم { وَلِبَاسُ التقوى } ولباس الورع الذي يقي العقاب وهو مبتدأ وخبره الجملة وهي { ذلك خَيْرٌ } كأنه قيل : ولباس التقوى هو خير لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر ، أو { ذلك } صفة للمبتدأ و { خَيْرٌ } خبر المبتدأ كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير ، أو { لِبَاسَ التقوى } خبر مبتدأ محذوف أي وهو لباس التقوى أي ستر العورة لباس المتقين ، ثم قال { ذلك خَيْرٌ } وقيل : ولباس أهل التقوى من الصوف والخشن .","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"{ وَلِبَاسُ التقوى } مدني وشامي وعلي عطفا على { لِبَاساً } أي وأنزلنا عليكم لباس التقوى { ذلك مِنْ ءايَاتِ الله } الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيعرفوا عظيم النعمة فيه ، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري من الفضيحة وإشعاراً بأن التستر من التقوى .\r{ يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة } لا يخدعنكم ولا يضلنكم بأن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها { يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } حال أي أخرجهما نازعاً لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما . والنهي في الظاهر للشيطان وفي المعنى لبني آدم أي لا تتبعوا الشيطان فيفتنكم { لِيُرِيَهُمَا سَوْءتِهِمَا } عوراتهما { إِنَّهُ } الضمير للشأن والحديث { يَرَاكُمْ هُوَ } تعديل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي يكيدكم من حيث لا تشعرون { وَقَبِيلُهُ } وذريته أو وجنوده من الشياطين وهو عطف على الضمير في { يَرَاكُمْ } المؤكد ب { هُوَ } ، ولم يعطف عليه لأن معمول الفعل هو المستكن دون هذا البارز وإنما يعطف على ما هو معمول الفعل { مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } قال ذو النون : إن كان هو يراك من حيث لا تراه فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه وهو الله الكريم الستار الرحيم الغفار .\r{ إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فيه دلالة خلق الأفعال { وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة } ما يبالغ في قبحه من الذنوب وهو طوافهم بالبيت عراة وشركهم { قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آبائهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم ، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها حيث أقرنا عليها إذا لو كرهها لنقلنا عنها وهما باطلان ، لأن أحدهما تقليد للجهال والثاني افتراء على ذي الجلال { قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } إذ المأمور به لا بد أن يكون حسناً وإن كان فيه على مراتب على ما عرف في أصول الفقه { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } استفهام إنكار وتوبيخ { قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط } بالعدل وبما هو حسن عند كل عاقل فكيف يأمر بالفحشاء { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } وقل أقيموا وجوهكم أي اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود أو في كل مكان سجود { وادعوه } واعبدوه { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } أي الطاعة مبتغين بها وجهه خالصاً { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } كما أنشأكم ابتداء يعيدكم ، احتج عليه في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق ، والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة { فَرِيقًا هدى } وهم المسلمون { وَفَرِيقًا } أي أضل فريقاً { حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } وهم الكافرون { إِنَّهُمُ } إن الفريق الذين حق عليهم الضلالة { اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله } أي أنصاراً { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } والآية حجة لنا على أهل الاعتزال في الهداية والإضلال .","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"{ يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ } لباس زينتكم { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } كلما صليتم . وقيل : الزينة المشط والطيب ، والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئاته للصلاة لأن الصلاة مناجاة الرب فيستحب لها التزين والتعطر كما يجب التستر والتطهر { وَكُلُواْ } من اللحم والدسم { واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } بالشروع في الحرام أو في مجاوزة الشبع { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } وعن ابن عباس Bهما : كل ما شئت ، واشرب ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة . وكان للرشيد طبيب حاذق فقال لعليّ بن الحسين بن واقد : ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان : علم الأبدان وعلم الأديان . فقال له عليّ : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } فقال النصراني : ولم يرو عن رسولكم شيء في الطب فقال : قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة وهي قوله عليه السلام « المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته » فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً . ثم استفهم إنكاراً على محرم الحلال بقوله .\r{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله } من الثياب وكل ما يتجمل به { التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } أي أصلها يعني القطن من الأرض والقز من الدود { والطيبات مِنَ الرزق } والمستلذات من المآكل والمشارب . وقيل : كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها { قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فيالحياة الدنيا } غير خالصة لهم لأن المشركين شركاؤهم فيها { خَالِصَةً يَوْمَ القيامة } لا يشركهم فيها أحد . ولم يقل للذين آمنوا ولغيرهم لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة والكفار تبع لهم . { خَالِصَةٌ } بالرفع : نافع ف { هِىَ } مبتدأ خبره { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } و { فيالحياة الدنيا } ظرف للخبر ، أو { خَالِصَةٌ } خبر ثانٍ أو خبر مبتدأ محذوف أي هي خالصة ، وغيره نصبها على الحال من الضمير الذي في الظرف الذي هو الخبر أي هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيامة { كذلك نُفَصّلُ الآيات } نميز الحلال من الحرام { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أنه لا شريك له .","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش } { رَبّي } حمزة { الفواحش } ما تفاحش قبحه أي تزايد { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } سرها وعلانيتها { والإثم } أي شرب الخمر أو كل ذنب { والبغي } والظلم والكبر { بِغَيْرِ الحق } متعلق بالبغي . ومحل { وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } حجة النصب كأنه قال حرم الفواحش وحرم الشرك { يُنَزّلٍ } بالتخفيف : مكي وبصري ، وفيه تهكم إذ لا يجوز أن ينزل برهاناً على أن يشرك به غيره { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره { وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا ، وهو وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } قيد بساعة لأنها أقل ما يستعمل في الإمهال { يابنى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } هي «إن» الشرطية ضمت إليها «ما» مؤكدة لمعنى الشرط ، لأن «ما» للشرط ولذا لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة { رُسُلٌ مّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى } يقرءون عليكم كتبي وهو في موضع رفع صفة ل { رُسُلُ } وجواب الشرط { فَمَنِ اتقى } الشرك { وَأَصْلَحَ } العمل منكم { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أصلاً { فَلاَ خَوْفٌ } يعقوب { والذين كَذَّبُواْ } منكم { بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا } تعظموا عن الايمان بها { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } .","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"{ فَمَنْ أَظْلَمُ } فمن أشنع ظلماً { مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بئاياته } ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله { أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب } ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } ملك الموت وأعوانه . و «حتى» غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له وهي «حتى» التي يبتدأ بعدها الكلام ، والكلام هنا الجملة الشرطية وهي { إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } { يَتَوَفَّوْنَهُمْ } يقبضون أرواحهم وهو حال من الرسل أي متوفيهم و «ما» في { قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ } في خط المصحف موصولة ب { أَيْنَ } وحقها أن تكتب مفصولة لأنها موصولة ، والمعنى أين الآلهة الذين تعبدون { مِن دُونِ الله } ليذبوا عنكم { قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا } غابوا عنا فلا نراهم { وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } اعترفوا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي لتحقيق الخبر .\r{ قَالَ ادخلوا } أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار : ادخلوا { فِى أُمَمٍ } في موضع الحال أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم { قَدْ خَلَتْ } مضت { مِن قَبْلِكُم مّن الجن والإنس } من كفار الجن والإنس { فِى النار } متعلق ب { أَدْخِلُواْ } { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } النار { لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } شكلها في الدين أي التي ضلت بالاقتداء بها { حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا } أصله تداركوا أي تلاحقوا واجتمعوا في النار ، فأبدلت التاء دالاً وسكنت للإدغام ثم أدخلت همزة الوصل { جَمِيعاً } حال { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } منزلة وهي الأتباع والسفلة { لأولاهم } منزلة وهي القادة والرءوس . ومعنى { لأولاهم } لأجل أولاهم لأن خطابهم مع الله لا معهم { رَبَّنَا } يا ربنا { هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } مضاعفاً { مّنَ النار قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } للقادة بالغواية والإغواء وللأتباع بالكفر والاقتداء { ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ } ما لكل فريق منكم من العذاب . { لاَّ يَعْلَمُونَ } أبو بكر أي لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر .\r{ وَقَالَتْ أولاهم لأُِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة { لِكُلّ ضِعْفٌ } أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا متساوون في استحقاق الضعف { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } بكسبكم وكفركم وهو من قول القادة للسفلة . ولا وقف على { فَضَّلَ } أو من قول الله لهم جميعاً والوقف على { فَضَّلَ } { إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } أي لا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة إذ هي في السماء ، أو لا يصعد لهم عمل صالح ولا تنزل عليهم البركة ، أو لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء ، وبالتاء مع التخفيف : أبو عمرو وبالياء معه : حمزة وعلي .","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"{ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة أي لا يدخلون الجنة أبداً لأنه علقه بما لا يكون . والخياط والمخيط ما يخاط به وهو الإبرة { وكذلك } ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا { نَجْزِي المجرمين } أي الكافرين بدلالة التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها { لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } فراش { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أغطية جمع غاشية { وكذلك نَجْزِى الظالمين } أنفسهم بالكفر .\r{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } طاقتها والتكليف إلزام ما فيه كلفة أي مشقة { أولئك } مبتدأ والخبر { أصحاب الجنة } والجملة خبر { الذين } ، و { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } اعتراض بين المبتدأ والخبر { هُمْ فِيهَا خالدون * وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } حقد كان بينهم في الدنيا فلم يبق بينهم إلا التواد والتعاطف ، وعن علي Bه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأضنهار } حال من «هم» في { صُدُورُهُمْ } والعامل فيها معنى الإضافة { وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم وهو الإيمان { وَمَا كُنَّا } { مَا كُنَّا } بغير «واو» : شامي على أنها جملة موضحة للأولى { لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله } اللام لتوكيد النفي أي وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية الله ، وجواب «لولا» محذوف دل عليه ما قبله { لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } فكان لطفاً لنا وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا ، يقولون ذلك سروراً بما نالوا وإظهاراً لما اعتقدوا { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة } «أن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ، والجملة بعدها خبرها تقديره ونودوا بأنه تلكم الجنة . والهاء ضمير الشأن ، أو بمعنى أي كأنه قيل ، لهم تلكم الجنة { أُورِثْتُمُوهَا } أعطيتموها وهو حال من { الجنة } والعامل فيها ما في { تِلْكَ } من معنى الإشارة { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } سماها ميراثاً لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة . وقال الشيخ أبو منصور C : إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبر ونوحاً عليه السلام وأهل الجنة والنار وإبليس ، لأنه قال الله تعالى { يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء } [ النحل : 93 ] وقال نوح عليه السلام : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } [ هود : 34 ] وقال أهل الجنة : { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله } وقال أهل النار : { لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ } [ ابراهيم : 21 ] وقال إبليس { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى }","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"{ وناداى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا } «أن» مخففة من الثقيلة أو مفسرة وكذلك { أن لعنة اللّه على الظالمين } { ما وعدنا ربّنا } من الثواب { حقًّا } حال { فهل وجدّتم مّا وعد ربّكم } من العذاب { حقًّا } وتقديره وعدكم ربكم فحذف «كم» لدلالة { وعدنا ربنا } عليه . وإنما قالوا لهم ذلك شماتة بأصحاب النار واعترافاً بنعم الله تعالى { قالوا نعم } وبكسر العين حيث كان : عليٌّ { فأذّن مؤذّنٌ بينهم } نادى مناد وهو ملك يسمع أهل الجنة والنار { أن لّعنة اللّه على الظّالمين } { أن لعنة } مكي وشامي وحمزة وعلي { الّذين يصدّون } يمنعون { عن سبيل اللّه } دينه { ويبغونها عوجاً } مفعول ثان ل «يبغون» أي ويطلبون لها الاعوجاج والتناقض { وهم بالآخرة } بالدار الآخرة { كافرون وبينهما } وبين الجنة والنار أو بين الفريقين { حجابٌ } وهو السور المذكور في قوله : { فضرب بينهم بسور } [ الحديد : 13 ] { وعلى الأعراف } على أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه جمع عرف ، استعير من عرف الفرس وعرف الديك { رجالٌ } من أفاضل المسلمين أو من آخرهم دخولاً في الجنة لاستواء حسناتهم وسيآتهم ، أو من لم يرض عنه أحد أبويه أو أطفال المشركين { يعرفون كلاًّ } من زمرة السعداء والأشقياء { بسيماهم } بعلامتهم . قيل : سيما المؤمنين بياض الوجوه ونضارتها ، وسيما الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون { ونادوا } أي أصحاب الأعراف { أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم } أنه سلام أو أي سلام وهو تهنئة منهم لأهل الجنة { لم يدخلوها } أي أصحاب الأعراف ولا محل له لأنه استئناف كأن سائلاً سأل أصحاب الأعراف فقيل { لم يدخلوها } { وهم يطمعون } في دخولها أوله محل وهو صفة ل { رجال } .\r{ وإذا صرفت أبصارهم } أبصار أصحاب الأعراف ، وفيه أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا { تلقآء } ظرف أي ناحية { أصحاب النّار } ورأوا ما هم فيه من العذاب { قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين } فاستعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم { ونادى أصحاب الأعراف رجالاً } من رءوس الكفرة { يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم } المال أو كثرتكم واجتماعكم و «ما» نافية { وما كنتم تستكبرون } واستكباركم على الحق وعلى الناس ثم يقولون لهم :\r{ أهؤلاء } مبتدأ { الّذين } خبر مبتدأ مضمر تقديره أهؤلاء هم الذين { أقسمتم } حلفتم في الدنيا ، والمشار إليهم فقراء المؤمنين كصهيب وسليمان ونحوهما { لا ينالهم اللّه برحمةٍ } جواب { أقسمتم } وهو داخل في صلة { الذين } تقديره أقسمتم عليهم بأن لا ينالهم الله برحمة أي لا يدخلهم الجنة يحتقرونهم لفقرهم . فيقال لأصحاب الأعراف : { ادخلوا الجنّة } وذلك بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسيماهم وقالوا ما قالوا { لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون وناداى أصحاب النّار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من المآء } أن مفسرة .","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"وفيه دليل على أن الجنة فوق النار { أو ممّا رزقكم اللّه } من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة ، أو أريد أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله :\rعلفتها تبناً وماءاً بارداً\rأي وسقيتها وإنما سألوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة لأن المتحير ينطق بما يفيد وما لا يفيد { قالوآ إنّ اللّه حرّمهما على الكافرين } هو تحريم منع كما في { وحرمنا عليه المراضع } [ القصص : 12 ] وتقف هنا إن رفعت أو نصبت ما بعده ذماً ، وإن جررته وصفاً للكافرين فلا . { الّذين اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً } فحرموا وأحلوا ما شاءوا أو دينهم عيدهم { وغرّتهم الحياة الدّنيا } اغتروا بطول البقاء { فاليوم ننساهم } نتركهم في العذاب { كما نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا بئاياتنا يجحدون } أي كنسيانهم وجحودهم .\r{ ولقد جئناهم بكتابٍ فصّلناه } ميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه { على علمٍ } عالمين بكيفية تفصيل أحكامه { هدًى ورحمةً } حال من منصوب { فصلناه } كما أن { على علم } حال من مرفوعة { لّقومٍ يؤمنون هل ينظرون } ينتظرون { إلاّ تأويله } إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد { يوم يأتي تأويله يقول الّذين نسوه من قبل } تركوه وأعرضوا عنه { قد جآءت رسل ربّنا بالحقّ } أي تبين وصح أنهم جاءوا بالحق فأقروا حين لا ينفعهم { فهل لّنا من شفعآء فيشفعوا لنآ } جواب الاستفهام { أو نردّ } جملة معطوفة على الجملة قبلها داخلة معها في حكم الاستفهام كأنه قيل : فهل لنا من شفعاء ، أو هل نرد؟ ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم كقولك ابتداء «هل يضرب زيد» ، أو عطف على تقدير : هل يشفع لنا شافع أو هل نرد { فنعمل } جواب الاستفهام أيضاً { غير الّذي كنّا نعمل قد خسروآ أنفسهم وضلّ عنهم مّا كانوا يفترون } ما كانوا يعبدونه من الأصنام .\r{ إنّ ربّكم اللّه الّذي خلق السّماوت والأرض في ستّة أيّامٍ } أراد السموات والأرض وما بينهما وقد فصلها في «حم السجدة» أي من الأحد إلى الجمعة لاعتبار الملائكة شيئاً فشيئاً ، وللإعلام بالتأني في الأمور ، ولأن لكل عمل يوماً ، ولأن إنشاء شيء بعد شيء أدل على عالم مدبر مريد يصرّفه على اختياره ويجريه على مشيئته { ثمّ استوى } استولى { على العرش } أضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه وتعالى مستولياً على جميع المخلوقات ، لأن العرش أعظمها وأعلاها . وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار كما تقوله المشبهة باطل ، لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان وهو الآن كما كان ، لأن التغير من صفات الأكوان . والمنقول عن الصادق والحسن وأبي حنيفة ومالك Bهم ، أن الاستواء معلوم ، والتكييف فيه مجهول ، والإيمان به واجب ، والجحود له كفر ، والسؤال عنه بدعة . { يغشى الّيل النّهار } { يغشى } حمزة وعلي وأبو بكر .","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"أي يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل { يطلبه حثيثاً } حال من الليل أي سريعاً . والطالب هو الليل كأنه لسرعة مضيه يطلب النهار { والشّمس والقمر والنّجوم } أي وخلق الشمس والقمر والنجوم { مسخّراتٍ } حال أي مذللات { والشمس والقمر والنجوم مسخراتٌ } شامي { والشمس } مبتدأ والبقية معطوفة عليها والخبر { مسخرات } { بأمره } هو أمر تكوين . ولما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال { ألا له الخلق والأمر } أي هو الذي خلق الأشياء وله الأمر { تبارك اللّه } كثر خيره أو دام بره من البركة النماء أو من البروك الثبات ومنه البركة { ربّ العالمين } .\r{ ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفيةً } نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية ، والتضرع تفعل من الضراعة وهي الذل أي تذللاً وتملقاً . قال عليه السلام \" إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً إنه معكم أينما كنتم \" عن الحسن : بين دعوة السر والعلانية سبعون ضعفاً . { إنّه لا يحبّ المعتدين } المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره . وعن ابن جريج : الرافعين أصواتهم بالدعاء . وعنه : الصياح في الدعاء مكروه وبدعة . وقيل : هو الإسهاب في الدعاء . وعن النبي A \" سيكون قوم يعتدون في الدعاء ، وحسب المرء أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل \" ثم قرأ { إنه لا يحب المعتدين } { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أي بالمعصية بعد الطاعة ، أو بالشرك بعد التوحيد ، أو بالظلم بعد العدل { وادعوه خوفاً وطمعاً } حالان أي خائفين من الرد طامعين في الإجابة ، أو من النيران وفي الجنان ، أو من الفراق وفي التلاق ، أو من غيب العاقبة وفي ظاهر الهداية ، أو من العدل وفي الفضل { إنّ رحمت اللّه قريبٌ مّن المحسنين } ذكر قريب على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم ، أو لأنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب ، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول ، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ، أو للإضافة إلى المذكر .\r{ وهو الّذي يرسل الرّياح } { الريح } مكي وحمزة وعلي { بُشرا } { نشرا } حمزة وعلي . مصدر نشر ، وانتصابه إما لأن أرسل ونشر متقاربان فكأنه قيل نشرها نشراً ، وإما على الحال أي منشورات { بشرا } عاصم تخفيف «بشرا» جمع «بشير» ، لأن الرياح تبشر بالمطر { نشراً } شامي تخفيف «نشر» كرسل ورسل وهو قراءة الباقين جمع «نشور» أي ناشرة للمطر { بين يدي رحمته } أمام نعمته وهو الغيث الذي هو من أجلّ النعم { حتى إذآ أقلّت } حملت ورفعت ، واشتقاق الإقلال من القلة لأن الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلاً { سحاباً ثقالاً } بالماء جمع سحابة { سقناه } الضمير للسحاب على اللفظ ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلاً { لبلدٍ مّيّتٍ } - ميت - لأجل بلد ليس فيه مطر ولسقيه { ميّت } مدني وحمزة وعلي وحفص { فأنزلنا به المآء } بالسحاب أو بالسوق وكذلك { فأخرجنا به من كلّ الثّمرات كذلك } مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات { نخرج الموتى لعلّكم تذكّرون } فيؤديكم التذكر إلى الإيمان بالبعث إذ لا فرق بين الإخراجين ، لأن كل واحد منهما إعادة الشيء بعد إنشائه { والبلد الطّيّب } الأرض الطيبة الترب { يخرج نباته بإذن ربّه } بتيسيره وهو موضع الحال كأنه قيل : يخرج نباتة حسناً وافياً لأنه واقع في مقابلة { نكدا } { والّذي خبث } صفة للبلد أي والبلد الخبيث { لا يخرجُ } أي نباته فحذف للاكتفاء { إلاّ نكداً } هو الذي لا خير فيه وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ وهو المؤمن ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك وهو الكافر ، وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر مثل المطر وإنزاله بالبلد الميت وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد { كذلك } مثل ذلك التصريف { نُصرّف الآيات } نرددها ونكررها { لقومٍ يشكرون } نعمة الله وهم المؤمنون ليتفكروا فيها ويعتبروا بها .","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"{ لقد أرسلنا } جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا { نوحاً إلى قومه } أرسل وهو ابن خمسين سنة وكان نجاراً ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو اسم إدريس عليه السلام { فقال ياقوم اعبدوا اللّه ما لكم مّن إله غيره } { غيره } علي . فالرفع على المحل كأنه قيل : ما لكم إله غيره فلا تعبدوا معه غيره ، والجر على اللفظ { إنى أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ } يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان .\r{ قال الملأ } أي الأشراف والسادة { من قومه إنّا لنراك في ضلالٍ مّبينٍ } أي بين في ذهاب عن طريق الصواب ، والرؤية رؤية القلب { قال يا قوم ليس بي ضلالةٌ } ولم يقل ضلال كما قالوا لأن الضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كأنه قال : ليس بي شيء من الضلال . ثم استدرك لتأكيد نفي الضلالة فقال { ولكنّي رسولٌ مّن رّبّ العالمين } لأن كونه رسولاً من الله مبلغاً لرسالاته في معنى كونه على الصراط المستقيم فكان في الغاية القصوى من الهدى { أبلّغكم رسالات ربّي } ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والبشائر والنظائر . { أبلغكم } أبو عمرو . وهو كلام مستأنف بيان لكونه رسول رب العالمين { وأنصح لكم } وأقصد صلاحكم بإخلاص . يقال نصحته ونصحت له ، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة . وحقيقة النصح إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك أو النهاية في صدق العناية { وأعلم من اللّه ما لا تعلمون } أي من صفاته يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين { أو عجبتم } الهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف كأنه قيل : أكذبتم وعجبتم { أن جآءكم } من أن جاءكم { ذكرٌ } موعظة { مّن رّبّكم على رجلٍ مّنكم } على لسان رجل منكم أي من جنسكم ، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ويقولون { ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } يعنون إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة { لينذركم } ليحذركم عاقبة الكفر { ولتتّقوا } ولتوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار { ولعلّكم ترحمون } ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم { فكذّبوه } فنسبوه إلى الكذب { فأنجيناه والّذين معه } وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة وقيل تسعة : بنوه سام وحام ويافث ، وستة ممن آمن به { في الفلك } يتعلق بمعه كأنه قيل : والذين صحبوه في الفلك { وأغرقنا الّذين كذّبوا بأياتنا إنّهم كانوا قوماً عمين } عن الحق . يقال أعمى في البصر وعمٍ في البصيرة .\r{ وإلى عادٍ } وأرسلنا إلى عاد وهو عطف على { نوحا } { أخاهم } واحداً منهم من قولك «يا أخا العرب» للواحد منهم .","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"وإنما جعل واحداً منهم لأنهم عن رجل منهم أفهم فكانت الحجة عليهم ألزم { هوداً } عطف بيان ل { أخاهم } وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح { قال ياقوم اعبدوا اللّه ما لكم مّن إله غيره أفلا تتّقون } وإنما لم يقل { فقال } كما في قصة نوح عليه السلام لأنه على تقدير سؤال سائل قال : فما قال لهم هود؟ فقيل : { قال يا قوم اعبدوا اللّه } وكذلك { قال الملأ الّذين كفروا من قومه } وإنما وصف الملأ بالذين كفروا دون الملأ من قوم نوح لأن في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد فأريدت التفرقة بالوصف ، ولم يكن في أشراف قوم نوح عليه السلام مؤمن { إنّا لنراك في سفاهةٍ } في خفة حلم وسخافة عقل حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر . وجعلت السفاهة ظرفاً مجازاً يعني أنه متمكن فيها غير منفك عنها { وإنّا لنظنّك من الكاذبين } في ادعائك الرسالة .\r{ قال يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكنّي رسولٌ مّن رّبّ العالمين أبلّغكم رسالات ربّي وأنا لكم ناصحٌ } فيما أدعوكم إليه { أمينٌ } على ما أقول لكم . وإنما قال هنا { وأنا لكم ناصح أمين } لقولهم { وإنا لنظنك من الكاذبين } أي ليقابل الاسم الاسم ، وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام من ينسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم ، أدب حسن وخلق عظيم ، وإخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم { أو عجبتم أن جآءكم ذكرٌ مّن رّبّكم على رجلٍ مّنكم لينذركم واذكروآ إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوحٍ } أي خلفتموهم في الأرض أو في مساكنهم . و «إذ» مفعول به وليس بظرف أي اذكروا وقت استخلافكم { وزادكم في الخلق بصطةً } طولاً وامتداداً فكان أقصرهم ستين ذراعاً وأطولهم مائة ذراع { بصطة } : حجازي وعاصم وعلي { فاذكروا ءالاء اللّه } في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه . وواحد الآلاء «إلى» نحو «إنى» و «آناء» { لعلّكم تفلحون } .\rومعنى المجيء في { قالوا أجئتنا } أن يكون لهود عليه السلام مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل رسول الله A بحراء قبل المبعث ، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم { لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ءابآؤنا } أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه حباً لما نشئوا عليه { فأتنا بما تعدنآ } من العذاب { إن كنت من الصّادقين } أن العذاب نازل بنا { قال قد وقع } أي قد نزل { عليكم } جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب إليك بعض المطالب «قد كان» { مّن رّبّكم رجسٌ } عذاب { وغضبٌ } سخط { أتجادلونني في أسمآء سمّيتموهآ } في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم تسمون الأصنام آلهة وهي خالية عن معنى الألوهية { أنتم وءابآؤكم مّا نزّل الله بها من سلطانٍ } حجة { فانتظروآ } نزول العذاب { إنّي معكم مّن المنتظرين } ذلك .","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"{ فأنجيناه والذين مَعَهُ } أي من آمن به { بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } الدابر الأصل أو الكائن خلف الشيء ، وقطع دابرهم استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم { وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } فائدة نفي الإيمان عنهم مع إثبات التكذيب بآيات الله الإشعار بأن الهلاك خص المكذبين . وقصتهم أن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت ، وكانت لهم أصنام يعبدونها صداء وصمود والهباء ، فبعث الله إليهم هوداً فكذبوه فأمسك القطر عنهم ثلاث سنين . وكانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج منه عند بيته الحرام فأوفدوا إليه قيل ابن عنز ونعيم بن هزال ومرثد بن سعد وكان يكتم إيمانه بهود عليه السلام وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوز بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر ، فنزلوا عليه بظاهر مكة فقال لهم مرثد : لن تسقوا حتى تؤمنوا بهود فخلفوا مرثداً وخرجوا فقال قيل : اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه منادٍ من السماء : يا قيل اختر لنفسك ولقومك ، فاختار السوداء على ظن أنها أكثر ماء فخرجت على عاد من وادٍ لهم فاستبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا ، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا .\r{ وإلى ثَمُودَ } وأرسلنا إلى ثمود . وقريء { وإلى ثمودٍ } بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر ، ومنع الصرف بتأويل القبيلة ، وقيل : سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام { أَخَاهُمْ صالحا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي فكأنه قيل : ما هذه البينة؟ فقال : { هذه نَاقَةُ الله } وهذه إضافة تخصيص وتعظيم لأنها بتكوينه تعالى بلا صلب ولا رحم { لَكُمْ ءايَةً } حال من الناقة والعامل معنى الإشارة في { هذه } كأنه قيل : أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية وهي ثمود لأنهم عاينوها { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فذروها تأكل في أرض ربها من نبات ربها فليس عليكم مؤنتها { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } ولا تضربوها ولا تعقروها ولا تطردوها إكراماً لآية الله { فَيَأْخُذَكُمْ } جواب النهي { عَذَابٌ أَلِيمٌ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ } ونزلكم ، والمباءة المنزل { فِى الأرض } في أرض الحجر بين الحجاز والشام { تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا } غرفاً للصيف { وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتًا } للشتاء ، و { بُيُوتًا } حال مقدرة نحو «خط هذا الثوب قميصاً» إذ الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ولا الثوب قميصاً في حال الخياطة { فاذكروا ءالآء الله وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوها في الأرض وعمروا أعماراً طوالاً ، فنحتوا البيوت من الجبال خشية الانهدام قبل الممات ، وكانوا في سعة من العيش فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان ، فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وصالح من أوسطهم نسباً ، فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فأنذرهم ، فسألوه أن يخرج من صخرة بعينها ناقة عشراء فصلى ودعا ربه فتمخضت تمخض النتوج بولدها فخرجت منها ناقة كما شاؤوا فآمن به جندع ورهط من قومه .","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"{ قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ } { وَقَالَ } شامي { لِلَّذِينَ استضعفوا } للذين استضعفهم رؤساء الكفار { لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } بدل من { الذين استضعفوا } بإعادة الجار ، وفيه دليل على أن البدل حيث جاء كان في تقدير إعادة العامل ، والضمير في { مِنْهُمْ } راجع إلى قومه وهو يدل على أن استضعافهم كان مقصوراً على المؤمنين ، أو إلى { الذين استضعفوا } وهو يدل على أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين { أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ } قالوه على سبيل السخرية { قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } وإنما صار هذا جواباً لهم لأنهم سألوهم عن العلم بإرساله أمراً معلوماً مسلماً كأنهم قالوا : العلم بإرساله وبما أرسل به لا شبهة فيه ، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنابه مؤمنون { قَالَ الذين استكبروا إِنَّا بالذى ءامَنتُمْ بِهِ كافرون } فوضعوا { آمنتم به } موضع أرسل به رداً لما جعله المؤمنون معلوماً مسلماً { فَعَقَرُواْ الناقة } أسند العقر إلى جميعهم وإن كان العاقر قدار بن سالف لأنه كان برضاهم . وكان قدار أحمر أزرق قصيراً كما كان فرعون كذلك . وقال عليه السلام : « يا علي ، أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك » { وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } وتولوا عنه واستكبروا وأمر ربهم ما أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } أو شأن ربهم وهو دينه { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا } من العذاب { إِن كُنتَ مِنَ المرسلين فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } في بلادهم أو مساكنهم { جاثمين } ميتين قعوداً . يقال : الناس جثم أي قعود لا حراك بهم ولا يتكلمون { فتولى عَنْهُمْ } لما عقروا الناقة { وَقَالَ يا قَوْمِ } عند فراقه إياهم { لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين } الآمرين بالهدى لاستحلاء الهوى والنصيحة منيحة تدرأ الفضيحة ، ولكنها وخيمة تورث السخيمة .","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"روي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء فقال صالح : تعيشون بعده ثلاثة أيام ، تصفر وجوهكم أول يوم ، وتحمر في الثاني ، وتسود في الثالث ، ويصيبكم العذاب في الرابع وكان كذلك . روي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي ، فلما علم أنهم هلكوا رجع بمن معه فسكنوا ديارهم . { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } أي واذكر لوطاً «وإذ» بدل منه { أَتَأْتُونَ الفاحشة } أتفعلون السيئة المتمادية في القبح { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا } ما عملها قبلكم والباء للتعدية ومنه قوله عليه السلام \" سبقك بها عكاشة \" { مّنْ أَحَدٍ } «من» زائدة لتأكيد المنفي وإفادة معنى الاستغراق { مّن العالمين } «من» للتبعيض وهذه جملة مستأنفة أنكر عليهم أولاً بقوله { أَتَأْتُونَ الفاحشة } ثم وبخهم عليها فقال أنتم أول من عملها . وقوله تعالى { إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال } -أئنكم لتأتون الرجال - بيان لقوله { أَتَأْتُونَ الفاحشة } والهمزة مثلها في { أَتَأْتُونَ } للإنكار . { إِنَّكُمْ } على الإخبار : مدني وحفص . يقال : أتى المرأة إذا غشيها { شَهْوَةً } مفعول له أي للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة ، ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمية { مّن دُونِ النساء } أي لا من النساء { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء فمن ثمّ أسرفوا في باب قضاء الشهوة حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد .\r{ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ } أي لوطاً ومن آمن معه يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط من إنكار الفاحشة ، ووصفهم بصفة الإسراف الذي هو أصل الشر ، ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم { إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } يدّعون الطهارة ويدعون فعلنا الخبيث عن ابن عباس Bهما : عابوهم بما يتمدح به { فأنجيناه وَأَهْلَهُ } ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين { إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين } من الباقين في العذاب ، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث وكانت كافرة موالية لأهل سدوم ، وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } وأرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً قالوا : أمطر الله عليهم الكبريت والنار . وقيل : خسف بالمقيمين منهم وأمطرت حجارة على مسافريهم . وقال أبو عبيدة : أمطر في العذاب ومطر في الرحمة { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } الكافرين .\r{ وإلى مَدْيَنَ } وأرسلنا إلى مدين وهو اسم قبيلة { أخاهم شُعَيْباً } يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين { قَالَ يَا قَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي معجزة وإن لم تذكر في القرآن { فَأَوْفُواْ الكيل والميزان } أتموهما والمراد فأوفوا الكيل ووزن الميزان ، أو يكون الميزان كالميعاد بمعنى المصدر { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } ولا تنقصوا حقوقهم بتطفيف الكيل ونقصان الوزن ، وكانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعتهم .","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"«وبخس» يتعدى إلى مفعولين وهما الناس وأشياءهم تقول : بخست زيداً حقه أي نقصته إياه { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها } بعد الإصلاح فيها أي لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء والأولياء . وإضافته كإضافة { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } [ سبأ : 33 ] أي بل مكركم في الليل والنهار { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض { خَيْرٌ لَّكُمْ } في الإنسانية وحسن الأحدوثة { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } مصدقين لي في قولي { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط } بكل طريق { تُوعَدُونَ } من آمن بشعيب بالعذاب { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } عن العبادة { مَنْ ءامَنَ بِهِ } بالله وقيل : كانوا يقطعون الطرق . وقيل : كانوا عشارين { وَتَبْغُونَهَا } وتطلبون لسبيل الله { عِوَجَا } أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتمنعوهم عن سلوكها . ومحل { تُوعَدُونَ } وما عطف عليه النصب على الحال أي لا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله وباغين عوجاً { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } «إذ» مفعول به غير ظرف أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم { فَكَثَّرَكُمْ } الله ووفر عددكم . وقيل : إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وهود ولوط عليهم السلام { وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا } فانتظروا { حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا } أي بين الفريقين بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم ، وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله تعالى منهم ، أو هو حث للمؤمنين على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم ، أو هو خطاب للفريقين أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار ، والكافرون على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب . { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } لأن حكمه حق وعدل لا يخاف فيه الجور .","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"{ قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم وإما عودكم في الكفر { قَالَ } شعيب { أَوَلَوْ كُنَّا كارهين } الهمزة للاستفهام والواو للحال تقديره أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ومع كوننا كارهين قالوا : نعم . ثم قال شعيب { قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } وهو قسم على تقدير حذف اللام أي والله لقد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } خلصنا الله . فإن قلت : كيف قال شعيب { إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } والكفر على الأنبياء عليهم السلام محال؟ قلت : أراد عود قومه إلا أنه يضم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب { وَمَا يَكُونُ لَنَا } وما ينبغي لنا وما يصح { أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا } إلا أن يكون سبق في مشيئته أن نعود فيها إذ الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى خيرها وشرها { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } تمييز أي هو عالم بكل شيء فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } أي الحكم والفتاحة الحكومة والقضاء بالحق بفتح الأمر المغلق فلذا سمي فتحاً ، ويسمي أهل عمان القاضي فتاحاً { وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين } كقوله { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } { وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } مغبونون لفوات فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية . وجواب القسم الذي وطأته اللام في { لَئِنِ اتبعتم } وجواب الشرط { إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } فهو ساد مسد الجوابين { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } الزلزلة { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين } ميتين { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } مبتدأ خبره { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } لم يقيموا فيها . غني بالمكان أقام { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } مبتدأ خبره { كَانُواْ هُمُ الخاسرين } لا من قالوا لهم إنكم إذاً لخاسرون وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل : الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا كأن لم يقيموا في دارهم ، لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله ، الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه فهم الرابحون ، وفي التكرار مبالغة واستعظام لتكذيبهم ولما جرى عليهم .\r{ فتولى عَنْهُمْ } بعد أن نزل بهم العذاب { وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءاسى } أحزن { على قَوْمٍ كافرين } اشتد حزنه على قومه ، ثم أنكر على نفسه فقال : كيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم ، أو أراد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والتحذير مما حل بكم فلم تصدقوني فكيف آسى عليكم { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } يقال لكل مدينة قرية ، وفيه حذف أي فكذبوه { إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء } بالبؤس والفقر { والضراء } الضر والمرض لاستكبارهم عن اتباع نبيهم ، أو هما نقصان النفس والمال { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة } أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء ، والمحنة : الرخاء والسعة والصحة { حتى عَفَواْ } كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم «عفا النباب» إذا كثر ، ومنه قوله عليه السلام","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"\" واعفوا اللحى \" .\rوَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء } أي قالوا هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا نحو ذلك وما هو بعقوبة الذنب فكونوا على ما أنتم عليه { فأخذناهم بَغْتَةً } فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بنزول العذاب .\rواللام في { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى } إشارة إلى أهل القرى التي دل عليها { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } كأنه قال : ولو أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا { ءامَنُواْ } بدل كفرهم { واتقوا } الشرك مكان ارتكابه { لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم } { لَفَتَحْنَا } شامي { بركات مّنَ السماء والأرض } أراد المطر والنبات أو لآتيناهم بالخير من كل وجه { ولكن كَذَّبُواْ } الأنبياء { فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بكفرهم وسوء كسبهم ، ويجوز أن تكون اللام للجنس { أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } يريد الكفار منهم { أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا } عذابنا { بَيَاتًا } ليلاً أي وقت بيات ، يقال بات بياتاً { وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } نهاراً . والضحى في الأصل ضوء الشمس إذا أشرقت . والفاء والواو في { أَفَأَمِنَ } و { أَوَ أَمِنَ } حرفا عطف دخل عليهما همزة الإنكار ، والمعطوف عليه { فأخذناهم بَغْتَةً } وقوله { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى } إلى { يَكْسِبُونَ } اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه . وإنما عطفت بالفاء لأن المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة ، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى { أَوَ أَمِنَ } شامي وحجازي على العطف ب «أو» والمعنى إنكار الأمن من أحد هذين الوجهين من إتيان العذاب ليلاً أو ضحى ، فإن قلت : كيف دخل همزة الاستفهام على حرف العطف وهو ينافي الاستفهام؟ قلت : التنافي في المفرد لا في عطف جملة على جملة لأنه على استئناف جملة بعد جملة { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يشتغلون بما لا يجدي عليهم .\r{ أَفَأَمِنُواْ } تكرير لقوله { أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } { مَكْرَ الله } أخذه العبد من حيث لا يشعر .","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"وعن الشبلي قدس الله روحه العزيز : مكره بهم تركه إياهم على ما هم عليه . وقالت ابنة الربيع بن خيثم لأبيها : مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال : يا بنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله { أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا } { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } إلا الكافرون الذين خسروا أنفسهم حتى صاروا إلى النار .\r{ أَوَلَمْ يَهْدِ } يبين { لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ } { أَن لَّوْ نَشَاء } مرفوع بأنه فاعل { يَهْدِ } «وأن» مخففة من الثقيلة أي أولم يهدِ للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثونهم أرضهم هذا الشأن ، وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم فأهكلنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين ، وإنما عدي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين { وَنَطْبَعُ } مسأنف أي ونحن نختم { على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } الوعظ { تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } كقوله { هذا بَعْلِى شَيْخًا } [ هود : 72 ] في أنه مبتدأ وخبر وحال ، أو تكون { القرى } صفة { تِلْكَ } و { نَقُصُّ } خبراً والمعنى : تلك القرى المذكورة من قوم نوح إلى قوم شعيب نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عند مجيء الرسل بالبينات { بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } بما كذبوا من آيات الله من قبل مجيء الرسل ، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولاً حين جاءتهم الرسل أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين مع تتابع الآيات ، واللام لتأكيد النفي . { كذلك } مثل ذلك الطبع الشديد { يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } لما علم منهم أنهم يختارون الثبات على الكفر { وَمَا وَجَدْنَا لأَِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } الضمير للناس على الإطلاق يعني أن أكثر الناس نقضوا عهد الله وميثاقه في الإيمان ، والآية اعتراض ، أو للأمم المذكورين فإنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن ثم أنجاهم نكثوا { وإن } وإن الشأن والحديث { وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لفاسقين } لخارجين عن الطاعة ، والوجود بمعنى العلم بدليل دخول «إن» المخففة واللام الفارقة ، ولا يجوز ذلك إلا في المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما .","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم } الضمير للرسل في قوله { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } أو للأمم { موسى بئاياتنا } بالمعجزات الواضحات { إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا } فكفروا بآياتنا ، أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] أو فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن ، أو لأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلماً حيث وضعوا الكفر غير موضعه وهو موضع الإيمان { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } حيث صاروا مغرقين { وَقَالَ موسى يافرعون } يقال لملوك مصر «الفراعنة» كما يقال لملوك فارس «الأكاسرة» ، وكأنه قال : يا ملك مصر واسمه قابوس أو الوليد بن مصعب بن الريان { إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ العالمين } إليك . قال فرعون : كذبت . فقال موسى : { حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق } أي أنا حقيق على قول الحق أي واجب على قول الحق أن أكون قائله والقائم به . { حَقِيقٌ عَلَىَّ } نافع أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا الحق أي الصدق ، وعلى هذه القراءة تقف على { العالمين } وعلى الأول يجوز الوصل على جعل { حَقِيقٌ } وصف الرسول ، و«علي» بمعنى الباء كقراءة أبي أي إني رسول خليق بأن لا أقول ، أو يعلق «على» بمعنى الفعل في الرسول أي إني رسول حقيق جدير بالرسالة أرسلت على أن لا أقول على الله إلا الحق { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مِّن رَبُّكُمْ } بما يبين رسالتي { فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسراءيل } فخلهم يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم . وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي غلب فرعون على نسل الأسباط واستعبدهم فأنقذهم الله بموسى عليه السلام ، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف عليه السلام مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام { مَعِىَ } حفص { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ } من عند من أرسلك { فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } فأتني بها لتصح دعواك ويثبت صدقك فيها { فَأُلْقِىَ } موسى عليه السلام { عصاه } من يده { فَإِذَا هِىَ } { إِذَا } هذه للمفاجأة وهي من ظروف المكان بمنزلة «ثمة» و«هناك» { ثُعْبَانٌ } حية عظيمة { مُّبِينٌ } ظاهر أمره . روي أنه كان ذكراً فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً ، وضع لحيه الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ، ثم توجه نحو فرعون فهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك ، وحمل على الناس فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً ، فصاح فرعون : يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه موسى فعاد عصاً { وَنَزَعَ يَدَهُ } من جيبه { فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } أي فإذا هي بيضاء للنظارة ، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضاً عجيباً خارجاً عن العادة يجمع الناس للنظر إليه .","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"روي أنه أرى فرعون يده وقال : ما هذه؟ فقال : يدك ثم أدخلها في جيبه ونزعها فإذا هي بيضاء غلب شعاعها شعاع الشمس ، وكان موسى عليه السلام آدم شديد الأدمة .\r{ قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } عالم بالسحر ماهر فيه قد خيل إلى الناس العصاحية والآدم أبيض . وهذا الكلام قد عزي إلى فرعون في سورة «الشعراء» وأنه قال للملأ ، وهنا عزي إليهم فيحتمل أنه قد قاله هو وقالوه هم فحكي قوله ثمّة وقولهم هنا ، أو قاله ابتداء فتلقنه منه الملأ فقالوه لأعقابهم { يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } يعني مصر { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } تشيرون من آمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ، وهو من كلام فرعون قاله للملأ لما قالوا له { إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم } { قَالُواْ أَرْجِهْ } بسكون الهاء : عاصم وحمزة أي أخر واحبس أي أخر أمره ولا تعجل ، أو كأنه هم بقتله فقالوا : أخر قتله واحبسه ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق { وَأَخَاهُ } هرون { وَأَرْسِلْ فِى المدائن حاشرين } جامعين .\r{ يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } { سَحَّارٍ } : حمزة وعلي . أي يأتوك بكل ساحر عليم مثله في المهارة أو بخير منه { وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ } يريد فأرسل إليهم فحضروا { قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } على الخبر وإثبات الأجر العظيم حجازي وحفص . ولم يقل «فقالوا» لأنه على تقدير سؤال سائل ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب بقوله { قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } لجعلاً على الغلبة . والتنكير للتعظيم كأنهم قالوا لا بد لنا من أجر عظيم { إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ } إن لكم لأجراً { وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين } عندي فتكونون أول من يدخل وآخر من يخرج ، وكانوا ثمانين ألفاً أو سبعين ألفاً أو بضعة وثلاثين ألفاً { قَالُواْ يا موسى إَمَا أَن تُلْقِىَ } عصاك { وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } لما معنا ، وفيه دلالة على أن رغبتهم في أن يلقوا قبله حيث أكد ضميرهم المتصل بالمنفصل وعرف الخبر { قَالَ } لهم موسى عليه السلام { أَلْقَوْاْ } تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه كما يفعل المتناظرون قبل أن يتحاوروا الجدال ، وقد سوغ لهم موسى ما رغبوا فيه ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم واعتماداً على أن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه . روي أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا هي أمثال الحيات قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضاً { واسترهبوهم } وأرهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم استدعوا رهوبتهم بالحيلة { وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في باب السحر أو في عين من رآه .","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"{ وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } - تلقف - تبتلع { تَلْقَفْ } حفص { مَا يَأْفِكُونَ } «ما» موصولة أو مصدرية يعني ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه ، أو إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك . روي أنها لما تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال ورفعها موسى فرجعت عصاً كما كانت ، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة ، أو فرقها أجزاء لطيفة قالت السحرة : لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا { فَوَقَعَ الحق } فحصل وثبت { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْلَمُونَ } من السحر { فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ } أي فرعون وجنوده والسحرة { وانقلبوا صاغرين } وصاروا أذلاء مبهوتين { وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } وخروا سجداً لله كأنما ألقاهم ملقٍ لشدة خرورهم ، أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا فكانوا أول النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة { قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين رَبّ موسى وهارون } هو بدل مما قبله { قَالَ فِرْعَوْنُ ءامَنتُمْ بِهِ } على الخبر : حفص . وهذا توبيخ منه لهم . وبهمزتين : كوفي غير حفص . فالأولى همزة الاستفهام ومعناه الإنكار والاستبعاد { قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } قبل إذني لكم { إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى المدينة لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا } إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الصحراء لغرض لكم وهو { أن تَخْرُجُواْ مِن مّصْرَ القبط وتسكنوا بني إسرائيل } { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وعيد أجمله ثم فصله بقوله :\r{ لأَقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } من كل شق طرفاً { ثُمَّ لأَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } هو أول من قطع من خلاف وصلب { قَالُواْ إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } فلا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته ، أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون نقلب إلى الله فيحكم بيننا { وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بئايات رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله ، أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر وهو الإيمان ومنه قوله\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\r{ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي اصبب صباً ذريعاً . والمعنى هب لنا صبراً واسعاً وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا كما يفرغ الماء إفراغاً { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } ثابتين على الإسلام { وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض } أرض مصر بالاستعلاء فيها وتغيير دين أهلها لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفر { ويذرك وءالهتك } عطف على { لِيُفْسِدُواْ } قيل : صنع فرعون لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه كما يعبد عبدة الأصنام الأصنام ويقولون ليقربونا إلى الله زلفى ، ولذلك","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"{ قَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى } [ النازعات : 24 ] { قَالَ } فرعون مجيباً للملإ { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } { سَنُقَتّلُ } حجازي أي سنعيد عليهم قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا ، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي تحدث المنجمون بذهاب ملكنا على يده فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه { قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا } قال لهم ذلك حين جزعوا من قول فرعون سنقتل أبناءهم تسلية لهم ووعداً بالنصر عليهم { إِنَّ الأرض } اللام للعهد أي أرض مصر أو للجنس فيتناول أرض مصر تناولاً أولياً { للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } فيه تنميته إياهم أرض مصر { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط . وأخليت هذه الجملة عن الواو لأنها جملة مستأنفة بخلاف قوله { وَقَالَ الملأ } لأنها معطوفة على ما سبقها من قوله { قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ } { قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى إلى أن استنبىء وإعادته عليهم بعد لك ، وذلك اشتكاء من فرعون واستبطاء لوعد النصر { قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض } تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل وكشف عنه وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم . وعن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان ، وطلب المنصور زيادة لعمرو فلم توجد فقرأ عمرو هذه الآية ، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال : قد بقي { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } .","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين } سني القحط وهن سبع سنين ، والسنة من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم { وَنَقْصٍ مّن الثمرات } قيل : السنون لأهل البوادي ونقص الثمرات للأمصار { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } ليتعظوا فينتبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر ، ولأن الناس في حال الشدة أضرع حدوداً وأرق أفئدة . وقيل : عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة ، ولو أصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية { فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة } الصحة والخصب { قَالُواْ لَنَا هذه } أي هذه التي نستحقها { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } جدب ومرض { يَطَّيَّرُواْ } أصله «يّتطيروا» فأدغمت التاء في الطاء لأنها من طرف اللسان وأصول الثنايا { بموسى وَمَن مَّعَهُ } تشاءموا بهم وقالوا هذه بشؤمهم ولولا مكانهم لما أصابتنا . وإنما دخل «إذا» في الحسنة وعرفت الحسنة و «إن» في السيئة ونكرت السيئة ، لأن جنس الحسنة وقوعه كالكائن لكثرته ، وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ } سبب خيرهم وشرهم { عَندَ الله } في حكمه ومشيئته والله هو الذي قدر ما يصيبهم من الحسنة والسيئة { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } [ النساء : 78 ] { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك { وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ لّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أصل «مهما» ما ما ، فما الأولى للجزاء ضمت إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء في قوك «متى» ما تخرج أخرج { أَيْنَمَا تَكُونُواْ } [ النساء : 78 ] { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } [ الزخرف : 41 ] إلا أن الألف قلبت هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصري ، وهو في موضع النصب ب { تَأْتِنَا } أي أيما شيء تحضرنا تأتنا به ، و { مّنْ ءايَةٍ } تبيين ل { مَهْمَا } والضمير في { بِهِ } و { بِهَا } راجع إلى { مَهْمَا } إلا أن الأول ذكر على اللفظ والثاني أنث على المعنى لأنها في معنى الآية ، وإنما سموها آية اعتباراً لتسمية موسى أو قصدوا بذلك الاستهزاء { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان } ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل . قيل : طفا الماء فوق حروثهم وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ولا يقدر أحد أن يخرج من داره . وقيل : دخل الماء في بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، فمن جلس غرق ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة ، أو هو الجدري أو الطاعون { والجراد } فأكلت زروعهم وثمارهم وسقوف بيوتهم وثيابهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء { والقمل } وهي الدباء وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها ، أو البراغيث ، أو كبار القردان { والضفادع } وكانت تقع في طعامهم وشرابهم حتى إذا تكلم الرجل تقع في فيه { والدم } أي الرعاف .","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"وقيل : مياههم انقلبت دماً حتى إن القبطي والإسرائيلي إذا اجتمعا على إناء فيكون ما يلي القبطي دماً . وقيل : سال عليهم النيل دماً { ءايات } حال من الأشياء المذكورة { مّفَصَّلاَتٍ } مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله أو مفرقات بين كل آيتين شهر { فاستكبروا } عن الإيمان بموسى { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } .\r{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز } العذاب الأخير وهو الدم ، أو العذاب المذكور واحداً بعد واحد { قَالُواْ يا موسى ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } «ما» مصدرية أي بعهده عندك وهو النبوة ، والباء تتعلق ب { ادع } أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك { لئن كشفت عنّا الرّجز لنؤمننّ لك ولنرسلنّ معك بني إسرائيل .\rفلمّا كشفنا عنهم الرّجز إلى أجلٍ } إلى حد من الزمان { هُم بالغوه } لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله { إذا هم ينكثون } جواب { لَّمّاً } أي فلما كشفنا عنهم فاجأوا النكث ولم يؤخروه { فانتقمنا مِنْهُمْ } هو ضد الإنعام كما أن العقاب هو ضد الثواب { فأغرقناهم فِي اليم } هو البحر الذي لا يدرك قعره ، أو هو لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأن المنتفعين به يقصدونه { بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين } أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه بالقتل والاستخدام { مشارق الأرض ومغاربها } يعني أرض مصر والشام { التى بَارَكْنَا فِيهَا } بالخصب وسعة الأرزاق وكثرة الأنهار والأشجار { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إِسْرءيلَ } هو قوله : { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض } [ الأعراف : 129 ] أو { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض } إلى { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } [ القصص : 5 ] . والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة و«على» صلة { تَمُتْ } أي مضت عليهم واستمرت من قولك تم علي الأمر إذا مضى عليه { بِمَا صَبَرُواْ } بسبب صبرهم وحسبك به حاثاً على الصبر ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه ، ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج { وَدَمَّرْنَا } أهلكنا { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } من العمارات وبناء القصور { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } من الجنات ، أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره . وبضم الراء : شامي وأبو بكر . وهذا آخر قصة فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله .\rثم أتبعه قصة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون ومعاينتهم الآيات العظام ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر وغير ذلك ، ليتسلى رسول الله A مما رآه من بني إسرائيل بالمدينة { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } روي أنهم عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعدما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله { فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ } فمروا عليهم { يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } يواظبون على عبادتها وكانت تماثيل بقر .","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"وبكسر الكاف : حمزة وعلي . { قَالُواْ يا موسى اجعل لَّنَا إلها } صنماً نعكف عليه { كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } أصنام يعكفون عليها . و «ما» كافة للكاف ولذلك وقعت الجملة بعدها . قال يهودي لعلي Bه : اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه . فقال : قلتم { اجعل لَّنَا إلها } ولم تجف أقدامكم { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده { إِنَّ هَؤُلآء } يعني عبدة تلك التماثيل { مُتَبَّرٌ } مهلك من التبار { مَّا هُمْ فِيهِ } أي يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي . وفي إيقاع { هَؤُلاء } اسماً ل «إن» وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها واسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم ألبتة .\r{ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ما عملوا من عبادة الأصنام باطل مضمحل .","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"{ قال أغير الله أبغيكم إلهاً } أي أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبوداً { وهو فضّلكم على العالمين } حال أي على عالمي زمانكم { وإذ أنجيناكم مّن ءال فرعون } { أنجاكم } شامي { يسومونكم سوء العذاب } يبغونكم شدة العذاب من سام السلعة إذا طلبها ، وهو استئناف لا محل له ، أو حال من المخاطبين ، أو من { آل فرعون } { يقتّلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } { يقتلون } نافع { وفي ذلكم } أي في الإنجاء أو في العذاب { بلآءٌ } نعمة أو محنة { مّن رّبّكم عظيمٌ وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً } لإعطاء التوراة { وأتممناها بعشرٍ } روي أن موسى E وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهي شهر ذي القعدة ، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك ، فأوحى الله إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك فأمره أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك { فتمّ ميقات ربّه } ما وقت له من الوقت وضربه له { أربعين ليلةً } نصب على الحال أي تم بالغاً هذا العدد ، ولقد أجمل ذكر الأربعين في «البقرة» وفصلها هنا { وقال موسى لأخيه هارون } هو عطف بيان { لأخيه } { اخلفني في قومي } كن خليفتي فيهم { وأصلح } ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل { ولا تتّبع سبيل المفسدين } ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه .\r{ ولمّا جآء موسى لميقاتنا } لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا . ومعنى اللام الاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا { وكلّمه ربّه } بلا واسطة ولا كيفية . وروي أنه كان يسمع الكلام من كل جهة . وذكر الشيخ في التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتاً دالاً على كلام الله تعالى ، وكان اختصاصه باعتبار أنه أسمعه صوتاً تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسباً لأحد من الخلق ، وغيره يسمع صوتاً مكتسباً للعباد فيفهم منه كلام الله تعالى ، فلما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية بقوله { قال ربّ أرني أنظر إليك } ثاني مفعولي { أرني } محذوف أي أرني ذاتك أنظر إليك يعني مكني من رؤيتك بأن تتجلى لي حتى أراك { أرني } مكي . وبكسر الراء مختلسة : أبو عمرو ، وبكسر الراء مشبعة : غيرهما وهو دليل لأهل السنة على جواز الرؤية ، فإن موسى عليه السلام اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله واعتقاد جواز ما لا يجوز على الله كفر { قال لن تراني } بالسؤال بعين فانية بل بالعطاء والنوال بعين باقية ، وهو دليل لنا أيضر لأنه لم يقل لن أرى ليكون نفياً للجواز ، ولو لم يكن مرئياً لأخبر به بأنه ليس بمرئي إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه } بقي على حاله { فسوف ترياني } وهو دليل لنا أيضاً لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن ، وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه ، والدليل على أنه ممكن قوله { جعله دكاً } ولم يقل «اندك» وما أوجده تعالى كان جائزاً أن لا يوجد لو لم يوجده لأنه مختار في فعله ، ولأنه تعالى ما أيأسه عن ذلك ولا عاتبه عليه ولو كان ذلك محالاً لعاتبه كما عاتب نوحاً عليه السلام بقوله :","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"{ إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [ هود : 46 ] حيث سأل إنجاء ابنه من الغرق .\r{ فلمّا تجلى ربّه للجبل } أي ظهر وبان ظهوراً بلا كيف . قال الشيخ أبو منصور C : معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري إنه تعالى خلق في الجبل حياة وعلماً ورؤية حتى رأى ربه ، وهذا نص في إثبات كونه مرئياً ، وبهذه الوجزة يتبين جهل منكري الرؤية وقولهم بأن موسى عليه السلام كان عالماً بأنه لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهره } [ البقرة : 55 ] فلطلب الرؤية ليبين الله تعالى أنه ليس بمرئي باطل إذ لو كان كما زعموا لقال أرهم ينظروا إليك ثم يقول له : لن يروني . ولأنها لو لم تكن جائزة لما أخر موسى عليه السلام الرد عليهم بل كان يرد عليهم وقت قرع كلامهم سماعه لما فيه من التقرير على الكفر ، وهو عليه السلام بعث لتغييره لا لتقريره ، ألا ترى أنهم لما قالوا له { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله { إنكم قوم تجهلون } { جعله دكًّا } مدكوكاً مصدر بمصدر بمعنى المفعول كضرب الأمير والدق والدك أخوان . { دكاء } : حمزة وعلي . أي مستوية بالأرض لا أكمة فيها وناقة دكاء لا سنام لها { وخرّ موسى صعقاً } حال أي سقط مغشياً عليه { فلمّآ أفاق } من صعقته { قال سبحانك تبت إليك } من السؤال في الدنيا { وأنا أوّل المؤمنين } بعظمتك وجلالك ، وبأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع جوازها . وقال الكعبي والأصم : معنى قوله { أرني أنظر إليك } أرني آية أعلمك بها بطريق الضرورة كأني أنظر إليك { لن تراني } لن تطيق معرفتي بهذه الصفة { ولكن انظر إلى الجبل } فإني أظهر له آية ، فإن ثبت الجبل لتجليها و { استقر مكانه } فسوف تثبت لها وتطيقها . وهذا فاسد لأنه قال { أرني أنظر إليك } ولم يقل «إليها» وقال { لن تراني } ولم يقل لن ترى آيتي وكيف يكون معناه لن ترى آيتي وقد أراه أعظم الآيات حيث جعل الجبل دكاً .\r{ قَالَ ياموسى إِنَّي اصْطَفيْتُكَ عَلَى النَّاس } اخترتك على أهل زمانك { برسالتي } هي أسفار التوراة { برسالتي } : حجازي { وبكلامي } وبتكليمي إياك { فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ } أعطيتك من شرف النبوة والحكمة { وَكُن مِّنَ الشاكرين } على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم .","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"قيل : خر موسى صعقاً يوم عرفة ، وأعطي التوراة يوم النحر . ولما كان هارون وزيراً وتابعاً لموسى تخصص الاصطفاء بموسى عليه السلام .\r{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح } الألواح التوراة جمع لوح وكانت عشرة ألواح . وقيل : سبعة وكانت من زمرد . وقيل : من خشب نزلت من السماء فيها التوراة { مِن كُلَّ شَيْءٍ } في محل النصب على أنه مفعول { كتبنا } { مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } بدل منه والمعنى كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام . وقيل : أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعبر لم يقرأها كلها إلا أربعة نفر : موسى ويوشع وعزير وعيسى { فَخُذْهَا } فقلنا له خذها عطفاً على { كتبنا } والضمير للألواح أو { لكل شيء } لأنه في معنى الأشياء { بِقُوَّةٍ } بجد وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } أي فيها ما هو حسن وأحسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر ، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } [ الزمر : 55 ]\r{ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } دَارَ فرعون وقومه وهي مصر ، ومنازل عاد وثمود والقرون المهلكة كيف أقفرت منهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكّل بكم مثل نكالهم أو جهنم { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي } عن فهمها . قال ذو النون قدس الله روحه : أبى الله أن يكرم قلوب الباطلين بمكنون حكمة القرآن { الَّذِينَ يَتكَبَّرُونَ } يتطاولون على الخلق ويأنفون عن قبول الحق . وحقيقته التكلف للكبرياء التي اختصت بالباري عزت قدرته { فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } هو حال أي يتكبرون غير محقين لأن التكبر بالحق لله وحده { وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ } من الآيات المنزلة عليهم { لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ } طريق صلاح الأمر وطريق الهدى . { الرَّشد } : حمزة وعلي . وهما كالسقم والسقم { لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ } الضلال { يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } ومحل { ذلك } الرفع أي ذلك الصرف { بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بآياتنا } بسب تكذيبهم { وَكَانُوا عَنْهَا غافلين } غفلة عناد واعراض لا غفلة سهو وجهل { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بئاياتنا وَلِقَآءِ الآخِرةِ } هو من إضافة المصدر إلى المفعول به أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها { حَبِطَتْ أعمالهم } خبر { والذين } { هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وهو تكذيب الأحوال بتكذيب الإرسال .\r{ واتّخذ قوم موسى من بعده } من بعد ذهابه إلى الطور { من حليّهم } وإنما نسبت إليهم مع أنها كانت عواري في أيديهم لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة ، وفيه دليل على أن من حلف أن لا يدخل دار فلان فدخل داراً استعارها يحنث ، على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم .","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"وفيه دليل على أن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها ، نعم المتخذ هو السامري ولكنهم رضوا به فأسند الفعل إليهم . والحلي جمع «حلى» وهو اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة { حليهم } : حمزة وعلي للإتباع { عجلاً } مفعول { اتخذ } { جسداً } بدل منه أي بدناً ذا لحم ودم كسائر الأجساد { لّه خوارٌ } هو صورت البقر والمفعول الثاني محذوف أي إلهاً . ثم عجب من عقولهم السخيفة فقال { ألم يروا } حين اتخذوه إلهاً { أنّه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلاً } لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى لا يختاروه على من { لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته } [ الكهف : 109 ] . وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل في الكتب . ثم ابتدأ فقال { اتّخذوه } إلهاً فأقدموا على هذا الأمر المنكر { وكانوا ظالمين ولمّا سقط في أيديهم } ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل . وأصله أن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها وسقط مسند إلى في أيديهم وهو من باب الكناية . وقال الزجاج : معناه سقط الندم في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال «حصل في يده مكروه» وإن استحال أن يكون في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين { ورأوا أنّهم قد ضلّوا } وتبينوا ضلالهم تبيناً كأنهم أبصروه بعيونهم { قالوا لئن لّم يرحمنا ربّنا ويغفر لنا } { لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا } حمزة وعلي . وانتصاب { ربّنا } على النداء { لنكوننّ من الخاسرين } المغبونين في الدنيا والآخرة .\r{ ولمّا رجع موسى } من الطور { إلى قومه } بني إسرائيل { غضبان } حال من { موسى } { أسفاً } حال أيضاً أي حزيناً { قال بئسما خلفتموني } قمتم مقامي وكنتم خلفائي { من بعدي } والخطاب لعبدة العجل من السامري وأشياعه ، أو لهارون ومن معه من المؤمنين ، ويدل عليه قوله { اخلفني في قومي } والمعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله ، أو حيث لم تكفوا من عبد غير الله ، وفاعل { بئس } مضمر يفسره { ما خلفتموني } والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم . ومعنى { من بعدي } بعد قوله { خلفتموني } من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الشركاء عنه ، أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأكفهم عن عبادة البقرة حين قالوا { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف { أعجلتم } أسبقتم بعبادة العجل { أمر ربّكم } وهو إتياني لكم بالتوراة بعد أربعين ليلة . وأصل العجلة طلب الشيء قبل حينه . وقيل : عجلتم بمعنى تركتم { وألقى الألواح } ضجراً عند استماعه حديث العجل غضباً لله ، وكان في نفسه شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى ، فتكسرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع واحد ، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي هدى ورحمة { وأخذ برأس أخيه } بشعر رأسه غضباً عليه حيث لم يمنعهم من عبادة العجل { يجرّه إليه } عتاباً عليه لا هواناً به وهو حال من موسى { قال ابن أمّ } بني الابن مع الأم على الفتح ك «خمسة عشر» وبكسر الميم : حمزة وعلي وشامي ، لأنه أصله أمي فحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة ، وكان ابن أمه وأبيه .","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"وإنما ذكر الأم لأنها كانت مؤمنة ولأن ذكرها أدعى إلى العطف { إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } أي إني لم آل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار ولكنهم استضعفوني وهموا بقتلي { فلا تشمت بي الأعدآء } الذين عبدوا العجل أي لا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إلي { ولا تجعلني مع القوم الظّالمين } أي قريناً لهم بغضبك علي . فلما اتضح له عذر أخيه .","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"{ قال ربّ اغفر لي ولأخي } ليرضي أخاه وينفي الشماتة عنه بإشراكه معه في الدعاء ، والمعنى اغفر لي ما فرط مني في حق أخي ولأخي إن كان فرط في حسن الخلافة { وأدخلنا في رحمتك } عصمتك في الدنيا وجنتك في الآخرة { وأنت أرحم الراحمين إنّ الّذين اتّخذوا العجل } إلهاً { سينالهم غضبٌ مّن رّبّهم } هو ما أمروا به من قتل أنفسهم توبة { وذلّةٌ في الحياة الدّنيا } خروجهم من ديارهم فالغربة تذل الأعناق أو ضرب الجزية عليهم { وكذلك نجزي المفترين } الكاذبين على الله ولا فرية أعظم من قول السامري «هذا إلهكم وإله موسى» { والّذين عملوا السّيّئات } من الكفر والمعاصي { ثم تابوا } رجعوا إلى الله { من بعدها وءامنوآ } وأخلصوا الإيمان { إنّ ربّك من بعدها } أي السيئات أو التوبة { لغفورٌ } لستور عليهم محاء لما كان منهم { رّحيمٌ } منعم عليهم بالجنة . و «إن» مع اسمها وخبرها خبر { الذين } وهذا حكم عام يدخل تحته متخذو العجل وغيرهم عظم جنايتهم أولاً ، ثم أردفها بعظم رحمته ليعلم أن الذنوب وإن عظمت فعفوه أعظم . ولما كان الغضب لشدته كأنه هو الآمر لموسى بما فعل قيل :\r{ ولمّا سكت عن مّوسى الغضب } وقال الزجاج : معناه سكن وقريء به { أخذ الألواح } التي ألقاها { وفي نسختها } وفيما نسخ منها أي كتب فعلة بمعنى مفعول كالخطبة { هدًى وّرحمةٌ لّلّذين هم لربّهم يرهبون } دخلت اللام لتقدم المفعول وضعف عمل الفعل فيه باعتباره { واختار موسى قومه } أي من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل { سبعين رجلاً } قيل : اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فبلغوا اثنين وسبعين رجلاً فقال : ليتخلف منكم رجلان فقعد كالب ويوشع { لّميقاتنا } لاعتذارهم عن عبادة العجل { فلمّآ أخذتهم الرّجفة } الزلزلة الشديدة { قال ربّ لو شئت أهلكتهم مّن قبل } بما كان منهم من عبادة العجل { وإيّاى } لقتلي القبطي { أتهلكنا بما فعل السّفهآء منّا } أتهلكنا عقوبة بما فعل الجهال منا وهم أصحاب العجل { إن هي إلاّ فتنتك } ابتلاؤك وهو راجع إلى قوله { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } [ طه : 85 ] فقال موسى : هي تلك الفتنة التي أخبرتني بها أو هي ابتلاء الله تعالى عباده بما شاء ، { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [ الأنبياء : 35 ] { تضلّ بها } بالفتنة { من تشآء } من علمت منهم اختيار الضلالة { وتهدي } بها { من تشآء } من علمت منهم اختيار الهدى { أنت وليّنا } مولانا القائم بأمورنا { فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا } وأثبت لنا واقسم { في هذاه الدّنيا حسنةً } عاقبة وحياة طيبة وتوفيقا في الطاعة { وفي الآخرة } الجنة { إنّا هدنآ إليك } تبنا إليك وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب والهود جمع هائد وهو التائب .\r{ قال عذابي } من صفته أني { أصيب به من أشآء } أي لا أعفو عنه { ورحمتي وسعت كلّ شيءٍ } أي من صفة رحمتي أنها واسعة تبلغ كل شيء ، ما من مسلم ولا كافر إلا وعليه أثر رحمتي في الدنيا { فسأكتبها } أي هذه الرحمة { للّذين يتّقون } الشرك من أمة محمد A { ويؤتون الزكواة } المفروضة { والّذين هم بآياتنا } بجميع كتبنا { يؤمنون } لا يكفرون بشيء منها { الّذين يتّبعون الرّسول } الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به وهو القرآن { النّبيّ } صاحب المعجزات { الأمّيّ الّذي يجدونه } أي يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل { مكتوباً عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف } بخلع الأنداد وإنصاف العباد { وينهاهم عن المنكر } عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام { ويحلّ لهم الطّيّبات } ما حرم عليهم من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها ، أو ما طاب في الشريعة مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح وما خلا كسبه من السحت { ويحرّم عليهم الخبائث } ما يستخبث كالدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، أو ما خبث في الحكم كالربا والرشوة ونحوهما من المكاسب الخبيثة { ويضع عنهم إصرهم } هو الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحراك لثقله ، والمراد التكاليف الصعبة كقتل النفس في توبتهم وقطع الأعضاء الخاطئة .","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"{ آصارهم } شامي على الجمع { والأغلال الّتي كانت عليهم } هي الأحكام الشاقة نحو : بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية ، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب ، وإحراق الغنائم وظهور الذنوب على أبواب البيوت ، وشبهت بالغل للزومها لزوم الغل { فالّذين ءامنوا به } بمحمد A { وعزّروه } وعظموه أو منعوه من العدو حتى لا يقوي عليه عدو وأصل العزر المنع ومنه التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح كالحد فهو المنع { ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه } أي القرآن «ومع» متعلق ب { اتبعوا } أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته { أولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير والناجون من كل شر .\r{ قل يا أيّها النّاس إنّي رسول الله إليكم } بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث محمد A إلى كافة الإنس وكافة الجن { جميعاً } حال من { إليكم } { الّذي له ملك السموات والأرض } في محل النصب بإضمار أعني وهو نصب على المدح { لآ إله إلاّ هو } بدل من الصلة وهي { له ملك السماوات والأرض } وكذلك { يحيي ويميت } وفي { لا إله إلا هو } بيان للجملة قبلها لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة ، وفي { يحيي ويميت } بيان لاختصاصه بالإلهية إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره { فئامنوا بالله ورسوله النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن بالله وكلماته } أي الكتب المنزلة { واتّبعوه لعلّكم تهتدون } ولم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قوله { إني رسول الله إليكم } لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه ، ولما في الالتفات من مزية البلاغة ، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان أنا أو غيري إظهاراً للنصفة وتفادياً من العصبية لنفسه { ومن قوم موسى أمّةٌ يهدون بالحقّ } أي يهدون الناس محقين أو بسبب الحق الذي هم عليه { وبه يعدلون } وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون .","part":1,"page":396},{"id":397,"text":"قيل : هم قوم وراء الصين آمنوا بمحمد E ليلة المعراج ، أو هم عبد الله بن سلام وأضرابه .\r{ وقطعناهم } وصيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم من بعض { اثنتي عشرة أسباطاً } كقولك اثنتي عشرة قبيلة ، والأسباط أولاد الولد جمع سبط وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب عليه السلام . نعم مميز ما عدا العشرة مفرد فكان ينبغي أن يقال اثني عشر سبطاً ، لكن المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وكل قبيلة أسباط لا سبط فوضع «أسباط» موضع «قبيلة» { أمماً } بدل من { اثنتي عشرة } أي وقطعناهم أمماً لأن كل أسباط كانت أمة عظيمة وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بّعصاك الحجر } فضرب { فانبجست } فانفجرت { منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كلّ أناسٍ مّشربهم } هو اسم جمع غير تكسير { وظلّلنا عليهم الغمام } وجعلناه ظليلاً عليهم في التيه { وأنزلنا عليهم المنّ والسلوى } وقلنا لهم { كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا } أي وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم { ولكن كانوآ أنفسهم يظلمون } ولكن كانوا يضرون أنفسهم ويرجع وبال ظلمهم إليهم .","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } واذكر إذ قيل لهم { اسكنوا هذه القرية } بيت المقدس { وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم } { تَغْفِر لَكُمْ } مدني وشامي { خطيئاتكم } مدني { خطاياكم } أبو عمرو { خَطِئتكم } شامي { سَنَزِيدُ المحسنين فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } ولا تناقض بين قوله { اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ مِنْهَا } في هذه السورة وبين قوله في سورة«البقرة» { ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ } [ البقرة : 85 ] لوجود الدخول والسكنى . وسواء قدموا الحطة على دخول الباب أو أخروها فهم جامعون بينهما . وترك ذكر الرغد لا يناقض إثباته ، وقوله { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم سَنَزِيدُ المحسنين } موعد بشيئين بالغفران وبالزيادة ، وطرح الواو لا يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على قول القائل : وماذا بعد الغفران؟ فقيل له : { سَنَزِيدُ المحسنين } وكذلك زيادة { مِنْهُمْ } زيادة بيان و { أَرْسَلْنَا } و { أَنزَلْنَا } و { يَظْلِمُونَ } و { يَفْسُقُونَ } من وادٍ واحد .\r{ وَسْئَلْهُمْ } واسأل اليهود { عَنِ القرية } أيلة أو مدين وهذا السؤال للتقريع بقديم كفرهم { التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } قريبة منه { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } إذ يتجاورون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه { إِذْ يَعْدُونَ } في محل الجر بدل من { القرية } والمراد بالقرية أهلها كأنه قيل : واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت وهو من بدل الاشتمال { إِذْ تَأْتِيهِمْ } منصوب ب { يَعْدُونَ } أو بدل بعد بدل { حِيتَانُهُمْ } جمع حوت أبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها { يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } ظاهرة على وجه الماء جمع شارع حال من الحيتان ، والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد ، والمعنى إذ يعدون في تعظيم اليوم وكذا قوله { يَوْمَ سَبْتِهِمْ } معناه يوم تعظيمهم أمر السبت ويدل عليه { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } و { يَوْمٍ } ظرف { لاَ تَأْتِيهِمْ } { كذلك نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بفسقهم { وَإِذْ قَالَتِ } معطوف على { إِذْ يَعْدُونَ } وحكمه كحكمه في الإعراب { أُمَّةٌ مّنْهُمْ } جماعة من صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم بعدما ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم لآخرين لا يقلعون عن وعظهم { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم { قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ } - معذرة - أي موعظتنا إبلاء عذر إلى الله لئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى التفريط { مَعْذِرَةً } حفص على أنه مفعول له أي وعظناهم للمعذرة { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ولطمعنا في أن يتقوا .","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"{ فَلَمَّا نَسُواْ } أي أهل القرية لما تركوا { مَا ذُكّرُواْ بِهِ } ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء } من العذاب الشديد { وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ } الراكبين للمنكر والذين قالوا لم تعظون من الناجين ، فعن الحسن : نجت فرقتان وهلكت فرقة وهم الذين أخذوا الحيتان { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } شديد . يقال : بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد فهو بئيس . { بِئْسَ } : شامي { بيس } مدني { بيئس } على وزن فيعل : أبو بكر غير حماد { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } أي جعلناهم قردة أذلاء مبعدين . وقيل : فلما عتوا تكرير لقوله { فَلَمَّا نَسُواْ } والعذاب البئيس : هو المسخ . قيل : صار الشبان قردة والشيوخ خنازير وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يتكلمون ، والجمهور على أنها ماتت بعد ثلاث . وقيل : بقيت وتناسلت .\r{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } أي أعلم وأجرى مجرى فعل القسم ، ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } أي كتب على نفسه ليسلطن على اليهود { إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ } من يوليهم { سُوء العذاب } فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن بعث محمد A فضربها عليهم فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب } للكفار { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } للمؤمنين { وقطعناهم فِي الأرض } وفرقناهم فيها فلا تخلو بلد عن فرقة { أُمَمًا مّنْهُمُ الصالحون } الذين آمنوا منهم بالمدينة أو الذين وراء الصين { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه وهم الفسقة ومحل { دُونِ ذَلِكَ } الرفع وهو صفة لموصوف محذوف أي ومنهم ناس منحطون عن الصلاح { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } بالنعم والنقم والخصب والجدب { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ينتهون فينيبون { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ } من بعد المذكورين { خَلْفٌ } وهم الذين كانوا في زمن رسول الله A ، والخلف بدل السوء بخلاف الخلف فهو الصالح { وَرِثُواْ الكتاب } التوراة ووقفوا على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم ولم يعملوا بها { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى } هو حال من الضمير في { وَرِثُواْ } والعرض : المتاع أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها وهو من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم . وفي قوله { هذا الأدنى } تخسيس وتحقير { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } لا يؤاخذنا الله بما أخذنا ، والفعل مسند إلى الأخذ أو إلى الجار والمجرور أي لنا { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } الواو للحال أي يرجعون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب } أي الميثاق المذكور في الكتاب { أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } أي أخذ عليهم الميثاق في كتابهم أن لا يقولوا على الله إلا الصدق ، وهو عطف ل { مّيثَاقُ الكتاب } { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } وقرءوا ما في الكتاب وهو عطف على { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم } لأنه تقرير فكأنه قيل : أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه { والدار الآخرة خَيْرٌ } من ذلك العرض الخسيس { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الرشا والمحارم { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أنه كذلك وبالتاء : مدني وحفص .","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"{ والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب } { يُمَسّكُونَ } أبو بكر والإمساك والتمسيك والتمسك الاعتصام والتعلق بشيء { وَأَقَامُواْ الصلاة } خص الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة لأنها عماد الدين و { الذين } مبتدأ والخبر { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين } أي إنا لا نضيع أجرهم . وجاز أن يكون مجروراً عطفاً على { الذين يَتَّقُونَ } و { إِنَّا لاَ نُضِيعُ } اعتراض { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ } واذكروا إذا قلعناه ورفعناه كقوله { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } [ البقرة : 63 ] { كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } هي كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب { وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } وعلموا أنه ساقط عليهم ، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ . وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم . فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد على حاجبه الأيسر ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة ، وقلنا لهم { خُذُواْ مَا ءاتيناكم } من الكتاب { بِقُوَّةٍ } وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه { واذكروا مَا فِيهِ } من الأوامر والنواهي ولا تنسوه { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ما أنتم عليه .\r{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } أي واذكروا إذ أخذ { مِن ظُهُورِهِمْ } بدل من { بَنِى ءادَمَ } والتقدير : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم { ذُرّيَّتُهُم } ومعنى أخذ ذرياتهم من ظهورهم إخراجهم من أصلاب آبائهم { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا } هذا من باب التمثيل ، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الهدى والضلالة ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك { أَن تَقُولُواْ } مفعول له أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول كراهة أن يقولوا { يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } لم ننبه عليه { أَوْ تَقُولُواْ } أو كراهة أن يقولوا { إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ } فاقتدينا بهم لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم فلا عذر لهم في الإعراض عنه والاقتداء بالآباء ، كما لا عذر لآبائهم في الشرك وأدلة التوحيد منصوبة لهم { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون } أي كانوا السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك وتركه سنة لنا { وكذلك } ومثل ذلك التفصيل البليغ { نُفَصّلُ الآيات } لهم { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن شركهم نفصلها .","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"إلى هذا ذهب المحققون من أهل التفسير ، منهم الشيخ أبو منصور والزجاج والزمخشري ، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهر آدم مثل الذر وأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم بقوله { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } فأجابوه ب { بلى } . قالوا : وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها . وقال ابن عباس Bهما : أخرج الله من ظهر آدم ذريته وأراه أياهم كهيئة الذر وأعطاهم العقل وقال : هؤلاء ولدك آخذ عليهم الميثاق أن يعبدوني . قيل : كان ذلك قبل دخول الجنة بين مكة والطائف . وقيل : بعد النزول من الجنة . وقيل : في الجنة . والحجة للأولين أنه قال { مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } ولم يقل من ظهر آدم ، ولأنا لا نتذكر ذلك فأنى يصير حجة . { ذرياتهم } مدني وبصري وشامي { أَن تَقُولُواْ } { أَوْ تَقُولُواْ } : أبو عمرو .\r{ واتل عَلَيْهِمْ } على اليهود { نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا } هو عالم من علماء بني إسرائيل وقيل : هو بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب الله { فانسلخ مِنْهَا } فخرج من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } فلحقه الشيطان وأدركه وصار قريناً له { فَكَانَ مِنَ الغاوين } فصار من الضالين الكافرين . روي أن قومه طلبوا منه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى فلم يزالوا به حتى فعل وكان عنده اسم الله الأعظم .\r{ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه } إلى منازل الأبرار من العلماء { بِهَا } بتلك الآيات { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض } مال إلى الدنيا ورغب فيها { واتبع هَوَاهُ } في إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة ونعيمها { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ } أي تزجره وتطرده { يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ } غير مطرود { يَلْهَثْ } والمعنى فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به ، سواء حمل عليه أي شد عليه وهيج فطرد ، أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه ، وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا حرك ، أما الكلب فيلهث في الحالين فكان مقتضى الكلام أن يقال : ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعناه منزلته ، فوضع هذا التمثيل موضع فحططناه أبلغ حط . ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال كأنه قيل : كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين . وقيل : لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب . وقيل : معناه هو ضال وعظ أو ترك . وعن عطاء : من علم ولم يعمل فهو كالكلب ينبح إن طرد أو ترك { ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } من اليهود بعد أن قرءوا نعت رسول الله A في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه { فاقصص القصص } أي قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فيحذرون مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته { سَاء مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } هي مثل القوم فحذف المضاف ، وفاعل { سَاء } مضمر أي ساء المثل مثلاً .","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"وانتصاب { مَثَلاً } على التمييز { وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } معطوف على { كَذَّبُواْ } فيدخل في حيز الصلة أي الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم ، أو منقطع عن الصلة أي وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب ، وتقديم المفعول به للاختصاص أي وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعد إلى غيرها { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى } حمل على اللفظ { وَمَن يُضْلِلِ } أي ومن يضلله { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } حمل على المعنى ، ولو كان الهدي من الله البيان كما قالت المعتزلة ، لاستوى الكافر والمؤمن إذ البيان ثابت في حق الفريقين فدل أنه من الله تعالى التوفيق والعصمة والمعونة ، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن .\r{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } هم الكفار من الفريقين المعروضون عن تدبر آيات الله ، والله تعالى علم منهم اختيار الكفر فشاء منهم الكفر وخلق فيهم ذلك وجعل مصيرهم جهنم لذلك . ولا تنافي بين هذا وبين قوله { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] لأنه إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده ، وأما من علم أنه يكفر به فإنما خلقه لما علم أنه يكون منه . فالحاصل أن من علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة ، ومن علم منه أن يكون منه الكفر خلقه لذلك ، وكم من عامٍ يراد به الخصوص وقول المعتزلة بأن هذه لام العاقبة أي لما كان عاقبتهم جهنم جعل كأنهم خلقوا لها فراراً عن إرادة المعاصي عدول عن الظاهر { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } الحق ولا يتفكرون فيه { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } الرشد { وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا } الوعظ { أُوْلَئِكَ كالأنعام } في عدم الفقه والنظر الاعتبار والاستماع للتفكر { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من الأنعام لأنهم كابروا العقول وعاندوا الرسول وارتكبوا الفضول ، فالأنعام تطلب منافعها وتهرب عن مضارها وهم لا يعلمون مضارهم حيث اختاروا النار ، وكيف يستوي المكلف المأمور والمخلى المعذور؟ فالآدمي روحاني شهواني سماوي أرضي ، فإن غلب روحه هواه فاق ملائكة السماوات ، وإن غلب هواه روحه فاقته بهائم الأرض { أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } الكاملون في الغفلة .","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"{ وَللَّهِ الأسماء الحسنى } التي هي أحسن الأسماء لأنها تدل على معانٍ حسنة؛ فمنها ما يستحقه بحقائقه كالقديم قبل كل شيء ، والباقي بعد كل شيء ، والقادر على كل شيء ، والعالم بكل شيء ، والواحد الذي ليس كمثله شيء ، ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها كالغفور والرحيم والشكور والحليم ، ومنها ما يوجب التخلق به كالفضل والعفو ، ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال كالسميع والبصير والمقتدر ، ومنها ما يوجب الإجلال كالعظيم والجبار والمتكبر { فادعوه بِهَا } فسموه بتلك الأسماء { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَئِهِ } واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى ، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه نحو أن يقولون : يا سخي يا رفيق ، لأنه لم يسم نفسه بذلك . ومن الإلحاد تسميته بالجسم والجوهر والعقل والعلة { يُلْحِدُونَ } حمزة لحد وألحد مال { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .\r{ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا } للجنة لأنه في مقابلة { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } { أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } في أحكامهم . قيل : هم العلماء والدعاة إلى الدين ، وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم } سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } ما يراد بهم وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع إنهماكهم في الغي ، فكلما جدد الله عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ظانين أن ترادف النعم أثره من الله تعالى وتقريب وإنما هو خذلان منه وتبعيد ، وهو استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة { وَأُمْلِى لَهُمْ } عطف على { سَنَسْتَدْرِجُهُم } وهو غير داخل في حكم السين أي أمهلهم { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } أخذي شديد . سماه كيداً لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان . ولما نسبوا النبي A إلى الجنون نزل { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم } محمد عليه السلام و «ما» نافية بعد وقف أي أولم يتفكروا في قولهم ، ثم نفى عنه الجنون بقوله ما بصاحبهم { مّن جِنَّةٍ } جنون { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } منذر من الله موضع إنذاره { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ } نظر استدلال { فِى مَلَكُوتِ السماوات والأرض } الملكوت الملك العظيم { وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد { وَأَنْ عسى } «أن» مخففة من الثقيلة وأصله «وأنه عسى» ، والضمير ضمير الشأن وهو في موضع الجر بالعطف على { مَلَكُوتَ } ، والمعنى أولم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى { أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } بعد القرآن { يُؤْمِنُونَ } إذا لم يؤمنوا به ، وهو متعلق ب { عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا؟ { مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ } أي يضلله الله { وَيَذَرُهُمْ } بالياء : عراقي ، وبالجزم : حمزة وعلي عطفاً على محل { فَلاَ هَادِيَ لَهُ } كأنه قيل : من يضلل الله لا يهده أحد { وَيَذَرُهُمْ } والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم .","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"الباقون : بالنون { فِي طغيانهم } كفرهم { يَعْمَهُونَ } يتحيرون . ولما سألت اليهود أو قريش عن الساعة متى تكون نزل .\r{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة } وهي من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا . وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها ، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق { أَيَّانَ } متى واشتقاقه من «أي» فعلان منه لأن معناه أي وقت { مرساها } إرساؤها مصدر مثل المدخل بمعنى الإدخال ، أو وقت إرسائها أي إثباتها ، والمعنى متى يرسيها الله { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } أي علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك { لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } لا يظهر أمرها لا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده { ثَقُلَتْ فِى السماوات واللأرض } أي كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة ، ويتمنى أن يتجلى له علمها وشق عليه خفاؤها ، وثقل عليه أو ثقلت فيها لأن أهلها يخافون شدائدها وأهوالها { لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } فجأة على غفلة منكم { يسئلونك كأنّك خفيٌّ عنها } كأنك عالم بها وحقيقته كأنك بليغ في السؤال عنها ، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه استحكم علمه فيه . وأصل هذا التركيب المبالغة ، ومنه إحفاء الشارب ، أو { عَنْهَا } متعلق ب { يَسْأَلُونَكَ } أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } وكرر { يَسْأَلُونَكَ } و { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } للتأكيد ولزيادة { كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } وعلى هذا تكرير العلماء في كتبهم لا يخلون المكرر من فائدة ، منهم محمد بن الحسن C { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أنه المختص بالعلم بها { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله } هو إظهار للعبودية وبراءة عما يختص بالربوبية من علم الغيب أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرر كالمماليك إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عني { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِىَ السوء } أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها ، ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً أخرى في الحروب .","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"وقيل : الغيب الأجل ، والخير العمل ، والسوء الوجل . وقيل : لاستكثرت لاعتددت من الخصب للجدب . والسوء الفقر وقد رد . { إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } إن أنا إلا عبد أرسلت نذيراً وبشيراً ، وما من شأني أن أعلم الغيب . والسلام في { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يتعلق بالنذير والبشير لأن النذارة والبشارة إنما ينفعان فيهم ، أو بالبشير وحده والمتعلق بالنذير محذوف أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون .\r{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } هي نفس آدم عليه السلام { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } حواء خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ليطمئن ويميل لأن الجنس إلى الجنس أميل خصوصاً إذا كان بعضاً منه ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه . وذكر { لِيَسْكُنَ } بعدما أنث في قوله { واحدة } منها زوجها ذهاباً إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } جامعها { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } خف عليها ولم تلق منه ما يلقي بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ولم تستثقله كما يستثقلنه { فَمَرَّتْ بِهِ } فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق ، أو حملت حملاً خفيفاً يعني النطفة فمرت به فقامت به وقعدت .\r{ فَلَمَّا أَثْقَلَت } حان وقت ثقل حملها { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا } دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعي ويلتجأ إليه فقالا { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا } لئن وهبت لنا ولداً سوياً قد صلح بدنه أو ولداً ذكراً لأن الذكورة من الصلاح { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } لك . والضمير في { ءاتَيْتَنَا } و { لَنَكُونَنَّ } لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما .\r{ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا } أعطاهما ما طلباه من الولد الصالح السوي { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } أي آتى أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك { فِيمَا ءاتاهما } أي آتى أولادهما دليله { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } حيث جمع الضمير ، وآدم وحواء بريئان من الشرك ، ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله تسميتهم أولادهم بعبد العزي وعبد مناف وعبد شمس ونحو ذلك ، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم ، أو يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله A وهم آل قصي أي هو الذي خلقكم من نفس واحدة قصي ، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها ، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار .","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"والضمير في { أَيُشْرِكُونَ } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك . { شركاً } مدني وأبو بكر أي ذوي شرك وهم الشركاء . { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً } يعني الأصنام { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أجريت الأصنام مجرى أولي العلم بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة ، والمعنى أيشركون مالاً يقدر على خلق شيء وهم يخلقون لأن الله خالقهم ، أو الضمير في { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } للعابدين أي أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم مخلوقو الله فليعبدوا خالقهم ، أو للعابدين والمعبودين وجمعهم كأولي العلم تغليباً للعابدين { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ } لعبدتهم { نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث كالكسر وغيره بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم { وَإِن تَدْعُوهُمْ } وإن تدعوا هذه الأصنام { إِلَى الهدى } إلى ما هو هدى ورشاد أو إلى أن يهدوكم أي وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى { لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله . { لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } نافع { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } عن دعائهم في أنه لا فلاح معهم ولا يجيبونكم ، والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية لرؤوس الآي { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة { عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } أي مخلوقون مملوكون أمثالكم { فادعوهم } لجلب نفع أو دفع ضر { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } فليجيبوا { إِن كُنتُمْ صادقين } في أنهم آلهة . ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالهم فقال { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } مشيكم { أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } يتناولون بها { أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أي فلم تعبدون ما هو دونكم { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ } واستعينوا بهم في عدواتي { ثُمَّ كِيدُونِ } جميعاً أنتم وشركاؤكم . وبالياء : يعقوب وافقه أبو عمرو في الوصل { فَلاَ تُنظِرُونِ } فإني لا أبالي بكم وكانوا قد خافوه آلهتهم فأمر أن يخاطبهم بذلك . وبالياء يعقوب { إِنَّ وَلِيّىَ } ناصري عليكم { الله الذى نَزَّلَ الكتاب } أوحى إليّ وأعزني برسالته { وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين } ومن سنته أن ينصر الصالحين من عباده ولا يخذلهم .","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"{ والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } من دون الله { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ } يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه { وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } المرئي .\r{ خُذِ العفو } هو ضد الجهد أي ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا كقوله عليه السلام \" يسروا ولا تعسروا \" { وَأْمُرْ بالعرف } بالمعروف والجميل من الأفعال ، أو هو كل خصلة يرتضيها العقل ويقبلها الشرع { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } ولا تكافيء السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عليهم ، وفسرها جبريل عليه السلام بقوله : صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك . وعن الصادق أمر الله نبيه عليه السلام بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ } وإما ينخسنك منه نخس أي بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به { فاستعذ بالله } ولا تطعه . والنزغ : والنخس كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي . وجعل النزع نازغاً كما قيل جد جده ، أو أريد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب كقول أبي بكر Bه : إن لي شيطاناً يعتريني { إنّه سميعٌ } لنزغه { عَلِيمٌ } بدفعه { إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان } { طيف } مكي وبصري وعليّ أي لمة منه مصدر من قولهم «طاف به الخيال يطيف طيفاً» . وعن أبي عمرو : هما واحد وهي الوسوسة . وهذا تأكيد لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان ، وأن عادة المتقين إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته { تَذَكَّرُواْ } ما أمر الله به ونهى عنه { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } فأبصروا السداد ودفعوا وسوسته . وحقيقته أن يفروا منه إلى الله فيزدادوا بصيرة من الله بالله { وإخوانهم } وأما إخوان الشياطين من شياطين الإنس فإن الشياطين { يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } أي يكونون مدداً لهم فيه ويعضدونهم { يَمُدُّونَهُمْ } من الإمداد : مدني { ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا ، وجاز أن يراد بالإخوان الشياطين ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين والأول أوجه ، لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا . وإنما جمع الضمير في { إخوانهم } والشيطان مفرد لأن المراد به الجنس .\r{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِئَايَةٍ } مقترحة { قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها } هلا اخترتها أي اختلقتها كما اختلقت ما قبلها { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى } ولست بمقترح لها { هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } هذا القرآن دلائل تبصركم وجوه الحق { وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } به .","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"{ وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في الصلاة وغيرها . وقيل : معناه إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له . وجمهور الصحابة Bهم على أنه في استماع المؤتم . وقيل : في استماع الخطبة . وقيل : فيهما وهو الأصح { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } متضرعاً وخائفاً { وَدُونَ الجهر مِنَ القول } ومتكلماً كلاماً دون الجهر لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر { بالغدو والأصال } لفضل هذين الوقتين . وقيل : المراد إدامة الذكر باستقامة الفكر . ومعنى بالغدو بأوقات الغدو وهي الغدوات ، والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل وهو العشي { وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين } من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه { إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ } مكانة ومنزلة لا مكاناً ومنزلاً يعني الملائكة { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } لا يتعظمون عنها { وَيُسَبّحُونَهُ } وينزهونه عما لا يليق به { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره ، والله أعلم .","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"مدنية وهي خمس أو ست أو سبع وسبعون آية\r{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول } النفل الغنيمة لأنها من فضل الله وعطائه ، والأنفال الغنائم . ولقد وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله كيف تقسم ولمن الحكم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعاً؟ فقيل له : قل لهم هي لرسول الله وهو الحاكم فيها خاصة يحكم ما يشاء ليس لأحد غيره فيها حكم . ومعنى الجمع بين ذكر الله والرسول أن حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، ويمتثل الرسول أمر الله فيها ، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد { فاتقوا الله } في الاختلاف والتخاصم وكونوا متآخين في الله { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال التي تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق ، وقال الزجاج : معنى { ذَاتَ بِيْنِكُمْ } حقيقة وصلكم . والبين الوصل أي فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله به . قال عبادة بن الصامت Bه : نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله A فقسمه بين المسلمين على السواء { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } فيما أمرتم به في الغنائم وغيرها { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } كاملي الإيمان { إِنَّمَا المؤمنون } إنما الكاملو الإيمان { الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فزعت لذكره استعظاماً له وتهيباً من جلاله وعزه وسلطانه { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءاياته } أي القرآن { زَادَتْهُمْ إيمانا } ازدادوا بها يقيناً وطمأنينة ، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه ، أو زادتهم إيماناً بتلك الآيات لأنهم لم يؤمنوا بأحكامها قبل { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يعتمدون ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم لا يخشون ولا يرجون إلا إياه { الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } جمع بين أعمال القلوب من الوجل والإخلاص والتوكل ، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } هو صفة لمصدر محذوف أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً ، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون } كقولك «هو عبد الله حقاً» أي حق ذلك حقاً . وعن الحسن C أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟ قال : إن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله : { إِنَّمَا المؤمنون } الآية . فلا أدري أنا منهم أم لا . وعن الثوري : من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ، أي كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً ، وبهذا يتشبث من يقول أنا مؤمن إن شاء الله .","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"وكان أبو حنيفة C لا يقول ذلك . وقال لقتادة : لم تستثني في إيمانك؟ قال : اتباعاً لإبراهيم في قوله { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] فقال له : هلا اقتديت به في قوله { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى } [ البقرة : 260 ] ، وعن إبراهيم التيمي : قل أنا مؤمن حقاً فإن صدقت أثبت عليه ، وإن كذبت فكفرك أشد من كذبك . وعن ابن عباس Bهما : من لم يكن منافقاً فهو مؤمن حقاً . وقد احتج عبد الله على أحمد فقال : إيش اسمك؟ فقال : أحمد ، فقال : أتقول أنا أحمد حقاً أو أنا أحمد إن شاء الله؟ فقال : أنا أحمد حقاً . فقال : حيث سماك والداك لا تستثني وقد سماك الله في القرآن مؤمناً تستثني . { لَّهُمْ درجات } مراتب بعضها فوق بعض على قدر الأعمال { عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ } وتجاوز لسيئاتهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } صافٍ عن كد الاكتساب وخوف الحساب .\rالكاف في { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } في محل النصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر ، والتقدير : قل الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون { مِن بَيْتِكَ } يريد بيته بالمدينة ، أو المدينة نفسها لأنها مهاجرة ومسكنة فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه { بالحق } إخراجاً متلبساً بالحكمة والصواب { وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ } في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهتهم . وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان ، فأخبر جبريل النبي عليه السلام فأخبر أصحابه فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم ، فلما خرجوا علمت قريش بذلك فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهو النفير في المثل السائر : لا في العير ولا في النفير . فقيل له : إن العير أخذت طريق الساحل ونجت ، فأبى وسار بمن معه إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة ونزل جبريل عليه السلام فقال : يا محمد ، إن الله وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما قريشاً . فاستشار النبي A أصحابه وقال : « العير أحب إليكم أم النفير » قالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو . فتغير وجه رسول الله A ثم ردّد عليهم فقال : « إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل » فقالوا : يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو . فقام عند غضب النبي A أبو بكر وعمر Bهما فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة فقال انظر أمرك فامض ، فوالله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار .","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"ثم قال المقداد بن عمرو : امض لما أمرك الله فإنا معك حيث أحببت ، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : { اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . ما دامت عين منا تطرف ، فضحك رسول الله A ، وقال سعد بن معاذ : امض يا رسول الله لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، فسر بنا على بركة الله . ففرح رسول الله A ونشطه قول سعد ثم قال : «سيروا على بركة الله أبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» وكانت الكراهة من بعضهم لقوله { وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ } قال الشيخ أبومنصور C : يحتمل أنهم منافقون كرهوا ذلك اعتقاداً ، ويحتمل أن يكونوا مخلصين ، وأن يكون ذلك كراهة طبع لأنهم غير متأهبين له .","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"{ يجادلونك فِي الحق } الحق الذي جادلوا فيه رسول الله A تلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير { بَعْدَمَا تَبَيَّنَ } بعد إعلام رسول الله A بأنهم ينصرون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير ، وهلا قلت لنا لنستعد وذلك لكراهتهم القتال { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ } شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بحال من يعتل إلى القتل ويساق على الصغار إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها . وقيل : كان خوفهم لقلة العدد وإنهم كانوا رجالة وماكان فيهم إلا فارسان { وإذ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين } «إذ» منصوب ب «اذكر» و { إِحْدَى } مفعول ثانٍ { أَنَّهَا لَكُمْ } بدل من { إِحْدَى الطائفتين } وهما العير والنفير والتقدير : وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ } أي العير وذات الشوكة ذات السلاح ، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم أي تتمنون أن تكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا سلاح لها ولا تريدون الطائفة الأخرى { وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ } أي يثبته ويعليه { بكلماته } بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة ، وبما قضى من قتلهم وطرحهم في قليب بدر { وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين } آخرهم والدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر . وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة ، وسفساف الأمور ، والله تعالى يريد معالي الأمور ، ونصرة الحق ، وعلو الكلمة ، وشتان ما بين المرادين ، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة وكسر قوتهم بضعفكم وأعزكم وأذلهم { لِيُحِقَّ الحق } متعلق ب { يقطع } أو بمحذوف تقديره ليحق الحق { وَيُبْطِلَ الباطل } فعل ذلك والمقدر متأخر ليفيد الاختصاص أي ما فعله إلا لهما ، وهو إثبات الإسلام وإظهاره ، وإبطال الكفر ، ومحقه ، وليس هذا بتكرار لأن الأول تمييز بين الإرادتين ، وهذا بيان لمراده فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها { وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } المشركون ذلك\r{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } بدل من { إِذْ يَعِدُكُمُ } أو متعلق بقوله { لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل } واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون أي ربنا انصرنا على عدوك ، يا غياث المستغيثين أغثنا . وهي طلب الغوث وهو التخليص من المكروه { فاستجاب لَكُمْ } فأجاب . وأصل { أَنّي مُمِدُّكُمْ } «بأني ممدكم» فحذف الجار وسلط عليه { استجاب } فنصب محله { بِأَلْفٍ مّنَ الملئكة مُرْدِفِينَ } { مُردفِينَ } مدني . غيره بكسر الدال . فالكسر على أنهم أردفوا غيرهم ، والفتح على أنه أردف كل ملك ملكاً آخر .","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"يقال : ردفه إذا تبعه ، وأردفته إياه إذا اتبعه { وَمَا جَعَلَهُ الله } أي الإمداد الذي دل عليه ممدكم { إِلاَّ بشرى } إلا بشارة لكم بالنصر { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } يعني أنكم استغثتم وتضرعتم لقلتكم فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر وتسكيناً منكم وربطاً على قلوبكم { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } أي ولا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة ، أو وما النصر من الملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله ، والمنصور من نصره الله . واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل : نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر Bه ، وميكائل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي Bه في صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت حتى قال أبو جهل لابن مسعود : من أين كان يأتينا الضرب ، ولا نرى الشخص ، قال : من قبل الملائكة . قال : فهم غلبونا لا أنتم . وقيل : لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا . { أَنَّ الله عَزِيزٌ } بنصر أوليائه { حَكِيمٌ } بقهر أعدائه .\r{ إِذْ يُغَشّيكُمُ } بدل ثانٍ من { إِذْ يَعِدُكُمُ } أو منصوب بالنصر أو بإضمار اذكر . { يُغَشّيكُمُ } مدني { النعاس } النوم والفاعل هو الله على القراءتين . { يُغَشّيكُمُ النعاس } مكي ، وأبو عمرو { ءامِنَةً } مفعول له أي إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً أي لأمنكم ، أو مصدر أي فأمنتم أمنة فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس { مِنْهُ } صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من الله { وَيُنَزّلُ } بالتخفيف : مكي وبصري ، وبالتشديد : وغيرهم { عَلَيْكُم مّن السماء مَاء } مطراً { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } بالماء من الحدث والجنابة { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } وسوسته إليهم وتخويفه إياهم من العطش ، أو الجنابة من الاحتلام ، لأنه من الشيطان وقد وسوس إليهم أن لا نصرة مع الجنابة { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } بالصبر { وَيُثَبّتَ بِهِ الأقدام } أي بالماء إذ الأقدام كانت تسوخ في الرمل ، أو بالربط لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر يثبت القدم في مواطن القتال { إِذْ يُوحِى } بدل ثالث من { إِذْ يَعِدُكُمُ } أو منصوب ب { يُثَبّتُ } { رَبُّكَ إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ } بالنصر { فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ } بالبشرى وكان الملك يسير أمام الصف في صورة رجل ويقول : أبشروا فإن الله ناصركم { سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } هو امتلاء القلب من الخوف و { الرعب } شامي وعلي { فاضربوا } أمر للمؤمنين أو الملائكة ، وفيه دليل على أنهم قاتلوا { فَوْقَ الأعناق } أي أعالي الأعناق التي هي المذابح تطييراً للرؤوس ، أو أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق يعني ضرب الهام { واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } هي الأصابع يريد الأطراف ، والمعنى فاضربوا المقاتل والشوي لأن الضرب إما أن يقع على مقتل أو غير مقتل ، فأمرهم أن يجمعوا عليهم النوعين { ذلك } إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل وهو مبتدأ خبره { بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ } أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم وهي مشتقة من الشق لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه ، وكذا المعاداة والمخاصمة لأن هذا في عدوة وخُصم أي جانب وذاك في عدوة وخصم { وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } والكاف في ذلك لخطاب الرسول أو لكل أحد ، وفي { ذلكم } للكفرة على طريقة الالتفات ، ومحله الرفع على «ذلكم العقاب أو العقاب» { ذلكم فَذُوقُوهُ } .","part":1,"page":413},{"id":414,"text":"والواو في { وَأَنَّ للكافرين عَذَابَ النار } بمعنى «مع» أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة فوضع الظاهر موضع الضمير .\r{ ا يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً } حال من { الذين كَفَرُواْ } . والزحف الجيش الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً من زحف الصبي إذا دب على استه قليلاً قليلاً سمي بالمصدر { فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار } فلا تنصرفوا عنهم منهزمين أي إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل ، فلا تفروا فضلاً أن تدانوهم في العدد أو تساووهم ، أو حال من المؤمنين أو من الفريقين أي إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم .\r{ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً } مائلاً { لّقِتَالٍ } هو الكر بعد الفر يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو من خدع الحرب { أَوْ مُتَحَيّزاً } منضماً { إلى فِئَةٍ } إلى جماعة من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها وهما حالان من ضمير الفاعل في { يُوَلّهِمْ } { فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } ووزن متحيز «متفيعل» لا «متفعل» ، لأنه من حاز يحوز ، فبناء متفعل منه متحوز . ولما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا وكان القاتل منهم يقول تفاخراً قتلت وأسرت قيل لهم { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ } والفاء جواب لشرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم . ولما قال جبريل للنبي A : خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرمى بها في وجوههم وقال \" شاهت الوجوه \" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا قيل { وَمَا رَمَيْتَ } يا محمد { إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها أنت على الحقيقة ، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر ، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم ، وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسباً وإلى الله تعالى خلقاً لا كما تقول الجبرية والمعتزلة ، لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله { إِذْ رَمَيْتَ } ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله { ولكن الله رمى } ، { ولكن الله قَتَلَهُمْ } ، { ولكن الله رمى } بتخفيف { لَكِنِ } شامي وحمزة وعلي { وَلِيُبْلِيَ المؤمنين } وليعطيهم { مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا } عطاء جميلاً ، والمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل وما فعل إلا لذلك { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لدعائهم { عَلِيمٌ } بأحوالهم { ذلكم } إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفع أي الأمر ذلكم { وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين } معطوف على { ذلكم } أي المراد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين .","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"{ مُوهِنُ كَيْدِ } شامي وكوفي غير حفص . { مُوهِنُ كَيْدِ } حفص ، { مُوهِنُ } غيرهم .\r{ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم وهو خطاب لأهل مكة ، لأنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة قالوا : اللهم إن كان محمد على حق فانصره ، وإن كنا على الحق فانصرنا . وقيل : { إِن تَسْتَفْتِحُواْ } خطاب للمؤمنين { وإن } للكافرين أي { وإن تنتهوا } عن عداوة رسول الله A { فهو } أي الانتهاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } وأسلم { وَإِن تَعُودُواْ } لمحاربته { نَعُدْ } لنصرته عليكم { وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } جمعكم { شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ } عدداً { وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين } بالفتح مدني وشامي وحفص أي ولأن الله مع المؤمنين بالنصر كان ذلك ، وبالكسر غيرهم ويؤيده قراءة عبد الله { والله مَعَ المؤمنين } { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } عن رسول الله A ، لأن المعنى أطيعوا رسول الله كقوله : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة : 62 ] ولأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله «الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان» أو يرجع الضمير إلى الأمر بالطاعة أي ولا تولوا عن هذا الأمر وأمثاله ، وأصله ولا تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفاً { وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } أي وأنتم تسمعونه ، أو ولا تتولوا عن رسول الله A ولا تخالفوه وأنتم تسمعون أي تصدقون لأنكم مؤمنون لستم كالصم المكذبين من الكفرة .","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين قَالُواْ سَمِعْنَا } أي ادعوا السماع وهم المنافقون وأهل الكتاب { وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } لأنهم ليسوا بمصدقين فكأنهم غير سامعين ، والمعنى أنكم تصدقون بالقرآن والنبوة فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من قسمة الغنائم وغيرها أشبه سماعكم سماع من لا يؤمن . ثم قال { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم الذين لاَ يَعْقِلُونَ } أي إن شر من يدب على وجه الأرض البهائم ، وإن شر البهائم الذين هم صم عن الحق لا يعقلونه ، جعلهم من جنس البهائم ثم جعلهم شرها لأنهم عاندوا بعد الفهم وكابروا بعد العقل { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ } في هؤلاء الصم والبكم { خَيْرًا } صدقاً ورغبة { لأسْمَعَهُمْ } لجعلهم سامعين حتى يسمعوا سماع المصدقين { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ } عنه أي ولو أسمعهم وصدقوا لارتدوا بعد ذلك ولم يستقيموا { وَهُم مُّعْرِضُونَ } عن الإيمان . { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ } وحد الضمير أيضاً كما وحده فيما قبله ، لأن استجابة رسول الله A كاستجابته ، والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال وبالدعوة البعث والتحريض { لِمَا يُحْيِيكُمْ } من علوم الديانات والشرائع لأن العلم حياة كما أن الجهل موت قال الشاعر\rلا تعجبنّ الجهول حلته ... فذاك ميت وثوبه كفن\rأو لمجاهدة الكفار لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم ، أو للشهادة لقوله تعالى { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ } [ آل عمران : 169 ] { واعلموا أَنَّ الله يحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } أي يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله ، أو بينه وبين ما تمناه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } واعلموا أنكم إليه تحشرون فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة { واتقوا فِتْنَةً } عذاباً { لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } هو جواب للأمر أي إن أصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم ، وجاز أن تدخل النون المؤكدة في جواب الأمر لأن فيه معنى النهي كما إذا قلت «انزل عن الدابة لا تطرحك» وجاز «لا تطرحنك» . و «من» في { مّنكُمْ } للتبعيض { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } إذا عاقب .\r{ واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ } «إذ» مفعول به لا ظرف أي واذكروا وقت كونكم أقلة أذلة { مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الأرض } أرض مكة قبل الهجرة : يستضعفكم قريش { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس } لأن الناس كانوا لهم أعداء مضادين { فأواكم } إلى المدينة { وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } بمظاهرة الأنصار وبإمداد الملائكة يوم بدر { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } من الغنائم ولم تحل لأحد قبلكم { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذه النعم .","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله } بأن تعطلوا فرائضه { والرسول } بأن لا تستنوا به { وَتَخُونُواْ } جزم عطف على { لاَ تَخُونُواْ } أي ولا تخونوا { أماناتكم } فيما بينكم بأن لا تحفظوها { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } تبعه ذلك ووباله ، أو وأنتم تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو ، أو وأنتم علماء تعلمون حسن الحسن وقبح القبيح ، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الإيفاء التمام ، ومنه تخوّنه إذا انتقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء ، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه { واعلموا أَنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } أي سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم والعذاب ، أو محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده { وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } فعليكم أن تحرصوا على طلب ذلك وتزهدوا في الدنيا ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد { ياأيها الذين ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } نصراً لأنه يفرق بين الحق والباطل ، وبين الكفر بإذلال حزبه والإسلام بإعزاز أهله ، أو بياناً وظهوراً يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض من قولهم «سطع الفرقان» أي طلع الفجر ، أو مخرجاً من الشبهات وشرحاً للصدور ، أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان وفضلاً ومزية في الدنيا والآخرة { وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ } أي الصغائر { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم أي الكبائر { والله ذُو الفضل العظيم } على عباده .\r{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ } لما فتح الله عليه ذكّره مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم . والمعنى واذكر إذ يمكرون بك ، وذلك أن قريشاً لما أسلمت الأنصار فرقوا أن يتفاقم أمره فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره ، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال : أنا شيخ من نجد دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً . فقال أبو البختري : رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون . فقال إبليس : بئس الرأي ، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم . فقال هشام بن عمرو : رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم . فقال إبليس : بئس الرأي ، يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم . فقال أبو جهل لعنه الله : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا . فقال اللعين : صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً ، فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله ، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله A وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن له الله في الهجرة ، فأمر علياً فنام في مضجعه وقال له : اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه .","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"وباتوا مترصدين ، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتفوا أثره فأبطل الله مكرهم { لِيُثْبِتُوكَ } ليحبسوك ويوثقوك { أَوْ يَقْتُلُوكَ } بسيوفهم { أَوْ يُخْرِجُوكَ } من مكة { وَيَمْكُرُونَ } ويخفون المكايد له { وَيَمْكُرُ الله } ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة { والله خَيْرُ الماكرين } أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيراً .\rكان عليه السلام يقرأ القرآن ويذكر أخبار القرون الماضي في قراءته فقال النضر بن الحارث : لو شئت لقلت مثل هذا . وهو الذي جاء من بلاد فارس بنسخة حديث رستم وأحاديث العجم فنزل { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا } أي القرآن { قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } وهذا صلف منهم ووقاحة ، لأنهم دعوا إلى أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن فلم يأتوا به .","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"{ وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا } أي القرآن { هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ } هذا اسم «كان» و «هو» فصل و { الحق } خبر «كان» . رُوي أن النضر لما قال { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } قال له النبي E \" ويلك هذا كلام الله \" فرفع النضر رأسه إلى السماء وقال { إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ } { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } أي إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل { أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } بنوع آخر من جنس العذاب الأليم فقتل يوم بدر صبراً . وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال : أجهل من قومي قومك ، قالوا لرسول الله عليه السلام حين دعاهم إلى الحق { إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } ولم يقولوا : إن كان هذا هو الحق فاهدنا له { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } اللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم لأنك بعثت رحمة للعالمين وسنته أن لا يعذب قوماً عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم ، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم { وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } هو في موضع الحال ومعناه نفي الاستغفار عنهم أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم ، أو معناه وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله A من المستضعفين . { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله } أي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم ، وما لهم ألا يعذبهم الله { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام } وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله A عام الحديبية ، وإخراجهم رسول الله والمؤمنين من الصد وكانوا يقولون : نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء فقيل { وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ } وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمر الحرم { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون } من المسلمين . وقيل : الضميران راجعان إلى الله { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند أو أردا بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاءً } صفيراً كصوت المكاء وهو طائر مليح الصوت ، وهو فعال من مكا يمكوا إذا صفر { وَتَصْدِيَةً } وتصفيقاً تفعلة من الصدى ، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم ويصفرون فيها ويصفقون ، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله A في صلاته يخلطون عليه { فَذُوقُواْ العذاب } عذاب القتل والأسر يوم بدر { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بسبب كفركم .","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"ونزل في المطعين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً وكلهم من قريش ، وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر { إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد A وهو سبيل الله { فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة ، فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة { ثُمَّ يُغْلَبُونَ } آخر الأمر وهو من دلائل النبوة لأنه أخبر عنه قبل وقوعه فكان كما أخبر { والذين كَفَرُواْ } والكافرون منهم { إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه .\rواللام في { لِيَمِيزَ الله الخبيث } الفريق الخبيث من الكفار { مِنَ الطيب } أي من الفريق الطيب من المؤمنين ، متعلقة ب { يُحْشَرُونَ } { ليميّز } حمزة وعلي { وَيَجْعَلَ الخبيث } الفريق الخبيث { بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } فيجمعه { فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ } أي الفريق الخبيث { أولئك } إشارة إلى الفريق الخبيث { هُمُ الخاسرون } أنفسهم وأموالهم .\r{ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي أبي سفيان وأصحابه { إِن يَنتَهُواْ } عما هم عليه من عداوة رسول الله A وقتاله بالدخول في الإسلام { يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } لهم من العداوة { وَإِن يَعُودُواْ } لقتاله { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين } بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى ، أو معناه أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي ، وبه احتج أبو حنيفة C في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } ويضمحل عنهم كل دين باطل ويبقى فيهم دين الإسلام وحده { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الكفر وأسلموا { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يثيبهم على إسلامهم { وَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا { فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ } ناصركم ومعينكم فثقوا بولايته ونصرته { نِعْمَ المولى } لا يضيع من تولاه { وَنِعْمَ النصير } لا يغلب من نصره . والمخصوص بالمدح محذوف .\r{ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم } «ما» بمعنى «الذي» ، ولا يجوز أن يكتب إلا مفصولاً إذ لو كتب موصولاً لوجب أن تكون «ما» كافة و { غَنِمْتُمْ } صلته والعائد محذوف والتقدير : الذي غنمتموه { مِّن شَىْء } بيانه قيل حتى الخيط والمخيط { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } والفاء إنما دخلت لما في «الذي» من معنى المجازاة و «أن» وما عملت فيه في موضع رفع على أنه خبر مبدأ تقديره : فالحكم أن لله خمسة { وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } فالخمس كان في عهد رسول الله A يقسم على خمسة أسهم : سهم لرسول الله ، وسهم لذي قرابته من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل استحقوه حينئذ بالنصرة لقصة عثمان وجبير بن مطعم ، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وأما بعد رسول الله A فسهمه ساقط بموته ، وكذلك سهم ذوي القربى ، وإنما يعطون لفقرهم ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل .","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"وعن ابن عباس Bهما أنه كان على ستة : لله والرسول سهمان ، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر Bه الخمس على ثلاثة ، وكذا عمر ومن بعده من الخلفاء Bهم ، ومعنى { لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } لرسول الله كقوله { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة : 62 ] { إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله } فاعملوا به وارضوا بهذه القسمة فالإيمان يوجب الرضا بالحكم والعمل بالعلم { وَمَا أَنزَلْنَا } معطوف على { بالله } أي إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل { على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان } يوم بدر { يَوْمَ التقى الجمعان } الفريقان من المسلمين والكافرين ، والمراد ما أنزل عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ وهو بدل من { يَوْمَ الفرقان } { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يقدر على أن ينصر القليل على الكثير كما فعل بكم يوم بدر . { إِذْ أَنتُم } بدل من { يَوْمَ الفرقان } والتقدير : اذكروا إذ أنتم { بِالْعُدْوَةِ } شط الوادي ، وبالكسر فيهما : مكي وأبو عمرو { الدنيا } القربى إلى جهة المدينة تأنيث الأدنى { وَهُم بالعدوة القصوى } البعدى عن المدينة تأنيث الأقصى ، وكلتاهما فعلى من بنات الواو ، والقياس قلب الواو ياء كالعليا تأنيث الأعلى ، وأما القصوى فكالقود في مجيئه على الأصل { والركب } أي العير وهو جمع راكب في المعنى { أَسْفَلَ مِنكُمْ } نصب على الظرف أي مكاناً أسفل من مكانكم يعني في أسفل الوادي بثلاثة أميال ، وهو مرفوع المحل لأنه خبر المبتدأ { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال { لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد } لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد ، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله A والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له { ولكن } جمع بينكم بلا ميعاد { لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } من إعزاز دينه وإعلاء كلمته ، أو اللام تتعلق بمحذوف أي ليقضي الله أمراً كان ينبغي أن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك . قال الشيخ أبو منصور C : القضاء يحتمل الحكم أي ليحكم ما قد علم أنه يكون كائناً ، أو ليتم أمراً كان قد أراده ، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة وهو عز الإسلام وأهله وذل الكفر وحزبه ويتعلق ب { يَقْضِى } { لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } { حيي } نافع وأبو عمرو ، فالإدغام لالتقاء المثلين ، والإظهار لأن حركة الثاني غير لازمة ، لأنك تقول في المستقبل «يحيا» والإدغام أكثر .","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"استعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة ، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به ، وذلك أن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها ، ولهذا ذكر فيها مراكز الفريقين ، وأن العير كانت أسفل منهم مع أنهم قد علموا ذلك كله مشاهدة ليعلم الخلق أن النصر والغلبة لا تكون بالكثرة والأسباب بل بالله تعالى ، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضاً لا بأس بها ، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة ، وكان العيروراء ظهور العدو مع كثرة عددهم وعدتهم وقلة المسلمين وضعفهم ثم كان ما كان { بَيّنَةٍ وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ } لأقوالهم { عَلِيمٌ } بكفر من كفر وعقابه وبإيمان من آمن وثوابه .","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"{ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله } نصب بإضمار «اذكر» ، أو هو متعلق بقوله { لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي بعلم المصالح إذ يقللهم في عينك { فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً } أي في رؤياك ، وذلك أن الله تعالى أراه إياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان ذلك تشجيعاً لهم على عدوهم { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } لجبنتم وهبتم الإقدام { ولتنازعتم فِي الأمر } أمر القتال وترددتم بين الثبات والفرار { ولكن الله سَلَّمَ } عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع .\r{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ } الضميران مفعولان أي وإذ يبصركم إياهم { إِذِ التقيتم } وقت اللقاء { فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً } هو نصب على الحال . وإنما قللهم في أعينهم تصديقاً لرؤيا رسول الله A ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا . قال ابن مسعود Bه : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة وكانوا ألفاً { وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ } حتى قال قائل منهم : إنما هم أكلة جزور . قيل : قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء ثم كثرهم فيما بعده ليجترئوا عليه قلة مبالاة بهم ثم تفجأهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا ، ويجوز أن يبصروا الكثير قليلاً بأن يستر الله بعضهم بساتر ، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين ، قيل لبعضهم : إن الأحول يرى الواحد اثنين وكان بين يديه ديك واحد فقال : مالي لا أرى هذين الديكين أربعة : { لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مفعولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } فيحكم فيها بما يريد { تَرْجَعُ } شامي وحمزة وعلي .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } إذا حاربتم جماعة من الكفار وترك وصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار ، واللقاء اسم غالب للقتال { فاثبتوا } لقتالهم ولا تفروا { واذكروا الله كَثِيراً } في مواطن الحرب مستظهرين بذكره مستنصرين به داعين له على عدوكم : اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة ، وفيه إشعار بأن على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هماً ، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك وإن كانت متوزعة عن غيره { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في الأمر بالجهاد والثبات مع العدو وغيرهما { وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ } فتجبنوا وهو منصوب بإضمار «أن» ويدل عليه { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي دولتكم يقال : «هبت رياح فلان» إذا دالت له الدولة ونفذ أمره ، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته بالريح وهبوبها .","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"وقيل : لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله ، وفي الحديث \" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور \" { واصبروا } في القتال مع العدو وغيره { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } أي معينهم وحافظهم { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم بَطَراً وَرِئَاءَ الناس } هم أهل مكة حين نفروا لحماية العير فأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فأبى أبو جهل وقال : حتى نقدم بدراً ونشرب بها الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان ونطعم بها العرب ، فذلك بطرهم ورياؤهم الناس بإطعامهم فوافوها فسقوا كأس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيام ، فنهاهم أن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين بأعمالهم ، وأن يكونوا من أهل التقوى والكآبة والحزن من خشية الله مخلصين أعمالهم لله . والبطر أن تشغله كثرة النعمة عن شكرها . { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } دين الله { والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } عالم وهو وعيد .\r{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس } واذكر إذ زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله A ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون . وغالب مبني نحو «لا رجل» و { لَكُمْ } في موضع رفع خبر «لا» . تقديره : لا غالب كائن لكم { وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } أي مجير لكم أوهمهم أن طاعة الشيطان مما يجيرهم { فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان } فلما تلاقى الفريقان { نَكَصَ } الشيطان هارباً { على عَقِبَيْهِ } أي رجع القهقرى { وَقَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِّنْكُمْ } أي رجعت عما ضمنت لكم من الأمان . روي أن إبليس تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم في جند من الشياطين معه راية ، فلما رأى الملائكة تنزل نكص فقال له الحارث بن هشام : أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال : { إِنّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ } أي الملائكة وانهزموا فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة . فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم ، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان { إِنّي أَخَافُ الله } أي عقوبته { والله شَدِيدُ العقاب } اذكروا { إِذْ يَقُولُ المنافقون } بالمدينة { والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } هو من صفة المنافقين ، أو أريد والذين هم على حرف ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام { غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ } يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف . ثم قال جواباً لهم { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله } يكل إليه أمره { فَإِنَّ الله عَزِيزٌ } غالب يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي { حَكِيمٌ } لا يسوي بين وليه عدوه .\r{ وَلَوْ تَرَى } ولو عاينت وشاهدت لأن «لو» ترد المضارع إلى معنى الماضي كما ترد «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال { إِذْ } نصب على الظرف { يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ } بقبض أرواحهم { الملائكة } فاعل { يَضْرِبُونَ } حال منهم { وُجُوهُهُمْ } إذا أقبلوا { وأدبارهم } ظهورهم وأستاههم إذا أدبروا ، أو وجوههم عند الإقدام وأدبارهم عند الانهزام .","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"وقيل : في { يَتَوَفَّى } ضمير الله تعالى ، و { الملائكة } مرفوعة بالابتداء و { يَضْرِبُونَ } خبر والأول الوجه ، لأن الكفار لا يستحقون أن يكون الله متوفيهم بلا واسطة دليله قراءة ابن عامر { تتوفى } بالتاء { وَذُوقُواْ } ويقولون لهم ذوقوا معطوف على { يَضْرِبُونَ } { عَذَابَ الحريق } أي مقدمة عذاب النار ، أو ذوقوا عذاب الآخرة بشارة لهم به ، أو يقال لهم يوم القيامة : ذوقوا . وجواب «لو» محذوف أي لرأيت أمراً فظيعاً .\r{ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي كسبت وهو رد على الجبرية ، وهو من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة . و { ذلك } رفع بالابتداء و { بِمَا قَدَّمَتْ } خبره { وَأَنَّ الله } عطف عليه أي ذلك العذاب بسببين : بسبب كفركم ومعاصيكم ، وبأن الله { لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } لأن تعذيب الكفار من العدل . وقيل : ظلام للتكثير لأجل العبيد ، أو لنفي أنواع الظلم . الكاف في { كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ } في محل الرفع أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون ، ودأبهم عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه أي داوموا عليه { والذين مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قريش أو من قبل آل فرعون { كَفَرُواْ } تفسير لدأب آل فرعون { بئايات الله فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب } والمعنى جروا على عادتهم في التكذيب فأجرى عليه مثل ما فعل بهم في التعذيب { ذلك } العذاب أو الانتقام { بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بسبب أن الله لم يصح في حكمته أن يغير نعمته عند قوم حتى يغيروا مابهم من الحال ، نعم لم يكن لآل فرعون ومشركي مكة حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة ، لكن لما تغيرت الحال المرضية إلى المسخوطة تغيرت الحال المسخوطة إلى أسخط منها ، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام ، فلما بعث إليهم بالآيات فكذبوه وسعوا في إراقة دمه ، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ } لما يقولوا مكذبو الرسل { عَلِيمٌ } بما يفعلون { كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ } تكرير للتأكيد ، أو لأن في الأولى الأخذ بالذنوب بلا بيان ذلك ، وهنا بين أن ذلك هو الإهلاك والاستئصال { والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بئايات رَبِّهِمْ } وفي قوله { بآيات رَبِّهِمْ } زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق { فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَونَ } بماء البحر { وَكُلٌّ } وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش { كَانُواْ ظالمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي .\r{ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي أصروا على الكفر فلا يتوقع منهم الإيمان { الذين عاهدت مِنْهُمْ } بدل من { الذين كَفَرُواْ } أي الذين عاهدتهم من الذين كفروا وجعلهم شر الدواب ، لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون وشر المصرين الناكثون للعهود { ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ } في كل معاهدة { وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } لا يخافون عاقبة الغدر ولا يبالون بما فيه من العار والنار .","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"{ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب } فإما تصادفنهم وتظفرن بهم { فَشَرّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } ففرق من محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم من وراءهم من الكفرة حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد اعتباراً بهم واتعاظاً بحالهم . وقال الزجاج : افعل بهم ما تفرق به جمعهم وتطرد به من عداهم { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } لعل المشردين من ورائهم يتعظون { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ } معاهدين { خِيَانَةً } نكثاً بأمارات تلوح لك { فانبذ إِلَيْهِمْ } فاطرح إليهم العهد { على سَوَاءٍ } على استواء منك ومنهم في العلم بنقض العهد وهو حال من النابذ والمنبوذ إليهم أي حاصلين على استواء في العلم { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين } الناقضين للعهود { وَلاَ يَحْسَبَنَّ } بالياء وفتح السين : شامي وحمزة ويزيد وحفص ، وبالتاء وفتح السين : أبو كبر ، وبالتاء وكسر السين : غيرهم { الذين كَفَرُواْ سَبَقُواْ } فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم { أَنَّهُمْ } شامي أي لأنهم ، وكل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل غير أن المكسورة على طريقة الاستئناف ، والمفتوحة تعليل صريح؛ فمن قرأ بالتاء ف { الذين كَفَرُواْ } مفعول أول والثاني { سَبَقُواْ } ومن قرأ بالياء ف { الذين كَفَرُواْ } فاعل و { سَبَقُواْ } مفعول تقديره أن سبقوا فحذف «أن» ، و «أن» مخففة من الثقيلة أي أنهم سبقوا فسد مسد المفعولين ، أو يكون الفاعل مضمراً أي ولا يحسبن محمد الكافرين سابقين ومن ادعى . تفرد حمزة بالقراءة ، ففيه نظر لما بيناه من عدم تفرده بها . وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين .\r{ وَأَعِدُّواْ } أيها المؤمنون { لَهُمْ } لناقضي العهد أو لجميع الكفار { مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها وفي الحديث \" ألا إن القوة الرمي \" قالها ثلاثاً على المنبر . وقيل : هي الحصون { وَمِن رِّبَاطِ الخيل } هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال ، وخص الخيل من بين ما يتقوى به كقوله { وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة : 98 ] { تُرْهِبُونَ بِهِ } بما استطعتم { عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } أي أهل مكة { وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ } غيرهم وهم اليهود ، أو المنافقون ، أو أهل فارس ، أو كفرة الجن . في الحديث \" إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق \" وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن { لاَ تَعْلَمُونَهُمُ } لا تعرفونهم بأعيانهم { الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } يوفر عليكم جزاؤه { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } في الجزاء بل تعطون على التمام { وَإِن جَنَحُواْ } ما لوا جنح له وإليه مال { لِلسَّلْمِ } للصلح وبكسر السين : أبو بكر وهو مؤنث تأنيث ضدها وهو الحرب { فاجنح لَهَا } فمل إليها { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم { إِنَّهُ هُوَ السميع } لأقوالك { العليم } بأحوالك { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ } يمكروا ويغدروا { فَإِنَّ حَسْبَكَ الله } كافيك الله { هُوَ الذي أَيَّدَكَ } قواك { بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين } جميعاً أو بالأنصار .","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"{ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } قلوب الأوس والخزرج بعد تعاديهم مائة وعشرين سنة { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } أي بلغت عداوتهم مبلغاً لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه { ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته ، فأحدث بينهم التوادّ والتحابّ وأماط عنهم التباغض والتماقت { إِنَّهُ عَزَيْرٌ } يقهر من يخدعونك { حَكِيمٌ } ينصر من يتبعونك . { ياأيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } الواو بمعنى «مع» وما بعده منصوب ، والمعنى كفاك وكفى أتباعك المؤمنين الله ناصراً . ويجوز أن يكون في محل الرفع أي كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين . قيل : أسلم مع النبي A ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت { ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال } التحريض المبالغة في الحث على الأمر من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي على الموت { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الذين كَفَرُواْ } هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ، بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله . قيل : كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة ، ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين بقوله { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } { ضعفاً } عاصم وحمزة { فَإِن يَكُن مِّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ } بالياء فيهما : كوفي ، وافقه البصري في الأولى والمراد الضعف في البدن { يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين } وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده ، للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت ، إذ الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف ، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين .","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"{ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ } ما صح له ولا استقام { أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } { أَن تَكُونَ } : بصري { حتى يُثْخِنَ فِي الأرض } الإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه من الثخانة وهي الغلظ والكثافة حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله ، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر ، ثم الأسر بعد ذلك . رُوي أن رسول الله A أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل فاستشار النبي عليه السلام أبا بكر فيهم فقال : قومك وأهلك ، استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك . وقال عمر Bه : كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر ، وإن الله أغناك عن الفداء ، مكن علياً من عقيل ، وحمزة من العباس ، ومكني من فلان لنسيب له ، فلنضرب أعناقهم . فقال عليه السلام : \" مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم حيث قال : { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ) إبراهيم : 36 ) ومثلك يا عمر كمثل نوح حيث قال : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } ) نوح : 26 ) \" ثم قال رسول الله A لهم : \" إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم \" فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد فلما أخذوا الفداء نزلت الآية { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا } متاعها يعني الفداء سماه عرضاً لقلة بقائه وسرعة فنائه { والله يُرِيدُ الآخرة } أي ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل { والله عَزِيزٌ } يقهر الأعداء { حَكِيمٌ } في عتاب الأولياء .\r{ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله } لولا حكم من الله { سَبَقَ } أن لا يعذب أحداً على العمل بالاجتهاد وكان هذا اجتهاداً منهم لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم ، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد ، وخفي عليهم إن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم ، أو ما كتب الله في اللوح أن لا يعذب أهل بدر ، أو ألا يؤاخذ قبل البيان والإعذار . وفيما ذكر من الاستشارة دلالة على جواز الاجتهاد فيكون حجة على منكري القياس . { كِتَابٌ } مبتدأ و { مِنَ الله } صفته أي لولا كتاب ثابت من الله و { سَبَقَ } صفة أخرى له ، وخبر المبتدأ محذوف أي لولا كتاب بهذه الصفة في الوجود ، و { سَبَقَ } لا يجوز أن يكون خبراً لأن «لولا» أبداً { لَمَسَّكُمْ } لنالكم وأصابكم { فِيمَا أَخَذْتُمْ } من فداء الأسرى { عَذَابٌ عظِيمٌ } روي أن عمر Bه دخل على رسول الله A فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت .","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"فقال : « أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة » لشجرة قريبة منه . وروي أنه عليه السلام قال : « لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ » لقوله كان الإثخان في القتل أحب إليّ { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ } رُوي أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها فنزلت . وقيل : هو إباحة للفداء لأنه من جملة الغنائم . والفاء للتسبيب والسبب محذوف ، ومعناه قد أحللت لكم الغنائم فكلوا { حلالا } مطلقاً عن العتاب والعقاب من حل العقال وهو نصب على الحال من المغنوم ، أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً { طَيِّباً } لذيذاً هنيئاً أو حلالاً بالشرع طيباً بالطبع { واتقوا الله } فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه { إِنَّ الله غَفُورٌ } لما فعلتم من قبل { رَّحِيمٌ } بإحلال ما غنمتم . { ياأيها النبي قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم } في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم { مِّنَ الاسرى } جمع أسير من الأسارى أبو عمرو جمع أسرى { إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } خلوص إيمان وصحة نية { يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } من الفداء ، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه أو يثيبكم في الآخرة { وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } رُوي أنه قدم على رسول الله A مال البحرين ثمانون ألفاً ، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة ، وكان له عشرون عبداً وإن أدناهم ليتجر في عشرين ألفاً وكان يقول : أنجز الله أحد الوعدين وأنا على ثقة من الآخر { وَإِن يُرِيدُواْ } أي الأسرى { خِيَانَتَكَ } نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة أو منع ما ضمنوه من الفداء { فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ } في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه { فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } فأمكنك منهم أي أظفرك بهم كما رأيتم يوم بدر فسيمكن منهم إن أعادوالخيانة { والله عَلِيمٌ } بالمال { حَكِيمٌ } فيما أمر في الحال .\r{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ } من مكة حباً لله ورسوله { وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله } هم المهاجرون { والذين ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ } أي آووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار { أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } أي يتولى بعضهم بعضاً في الميراث ، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة وبالنصرة دون ذوي القرابات حتى نسخ ذلك بقوله { وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } وقيل : أراد به النصرة والمعاونة { والذين ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ } من مكة { مَا لَكُم مّن ولايتهم } من توليهم في الميراث { ولايتهم } حمزة .","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"وقيل : هما واحد { مّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ } فكان لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ممن آمن وهاجر ، ولما أبقى للذين لم يهاجروا اسم الإيمان وكانت الهجرة فريضة فصاروا بتركها مرتكبين كبيرة ، دل على أن صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان { وَإِنِ استنصروكم } أي من أسلم ولم يهاجر { فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر } أي إن وقع بينهم وبين الكفار قتال وطلبوا معونة فواجب عليكم أن تنصروهم على الكافرين { إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يبتدئون بالقتال ، إذ الميثاق مانع من ذلك { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } تحذير عن تعدي حد الشرع .\r{ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } ظاهره إثبات الموالاة بينهم ، ومعناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار وموارثتهم وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم وإن كانوا أقارب وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضاً . ثم قال { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولى بعضهم بعضاً حتى في التوارث تفضيلاً لنسبة الإسلام على نسبة القرابة ، ولم تجعلوا قرابة الكفار كلا قرابة { تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة ، لأن المسلمين ما لم يصيروا يداً واحدة على الشرك كان الشرك ظاهراً والفساد زائداً { والذين ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً } لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى { لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لا منة فيه ولا تنغيص ولا تكرار ، لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الوعد الكريم والأولى للأمر بالتواصل { والذين ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ } يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة { وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ } جعلهم منهم تفضلاً وترغيباً { وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } وأولوا القرابات أولى بالتوارث وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة { فِي كتاب الله } في حكمه وقسمته أوفى اللوح ، أو في القرآن وهو آية المواريث وهو دليل لنا على توريث ذوي الأرحام { أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه . قسم الناس أربعة أقسام : قسم آمنوا وهاجروا ، وقسم آمنوا ونصروا ، وقسم آمنوا ولم يهاجروا ، وقسم كفروا ولم يؤمنوا .","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية كوفي ومائة وثلاثون غيره\rلها أسماء : براءة ، التوبة ، المقشقشة ، المبعثرة ، المشردة ، المخزية ، الفاضحة ، المثيرة ، الحافرة ، المنكلة ، المدمدمة ، لأن فيها التوبة على المؤمنين وهي تقشقش من النفاق أي تبرىء منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين وتبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها ، وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم وتخزيهم وتدمدم عليهم . وفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال؛ فعن علي وابن عباس Bهم ، أن بسم الله أمان وبراءة نزلت لرفع الأمان . وعن عثمان Bه أن رسول الله A كان إذا نزلت عليه سورة أو آية قال : \" اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا \" وتوفي رسول الله A ولم يبين لنا أين نضعها ، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال لأن فيها ذكر العهود وفي براءة نبذ العهود ، فلذلك قرنت بينهما وكانتا تدعيان القرينتين وتعدان السابعة من الطوال وهي سبع . وقيل : اختلف أصحاب رسول الله A فقال بعضهم : الأنفال وبراءة سورة واحدة نزلت في القتال ، وقال بعضهم : هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان ، وتركت بسم الله لقول من قال هما سورة واحدة .\r{ بَرَاءةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة { مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين } من لابتداء الغاية متعلق بمحذوف ، وليس بصلة كما في قولك « برئت من الذين»أي هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم كما تقول «كتاب من فلان إلى فلان» ، أو مبتدأ لتخصيصها بصفتها والخبر { إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ } كقولك «رجل من بني تميم في الدار» والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم { فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } فسيروا في الأرض كيف شئتم . والسيح : السير على مهل . روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم ، وهي الأشهر الحرم في قوله { فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها . وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان ، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد ، وأمّر رسول الله A أبا بكر على موسم سنة تسع ، ثم أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له : لو بعثت بها إلى أبي بكر . فقال : لا يؤدّي عني إلا رجل مني . فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله A .","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"فلما لحقه قال : أمير أو مأمور؟ قال : مأمور . فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحثهم على مناسكهم وقال عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : يا أيها الناس ، إني رسول رسول الله إليكم فقالوا : بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ، ثم قال : أمرت بأربع : أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده ، فقالوا عند ذلك : يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا ، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف؛ والأشهر الأربعة : شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، أو عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر ، وكانت حرماً لأنهم أمنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم ، أو على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها . والجمهور على إباحة القتال في الأشهر الحرم وأن ذلك قد نسخ { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } لا تفوتونه وإن أمهلكم { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } مذلهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب .\r{ وَأَذّان مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس } ارتفاعه كارتفاع { بَرَاءةٌ } على الوجهين ، ثم الجملة معطوفة على مثلها ، والأذان بمعنى الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ، والفرق بين الجملة الأولى والثانية أن الأولى إخبار بثبوت البراءة ، والثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت . وإنما علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين ، وعلق الأذان بالناس ، لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم ، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد ، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث { يَوْمَ الحج الأكبر } يوم عرفة لأن الوقوف بعرفة معظم أفعال الحج ، أو يوم النحر لأن فيه تمام الحج من الطواف ، والنحر ، والحلق ، والرمي ، ووصف الحج بالأكبر ، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } أي بأن الله حذفت صلة الأذان تخفيفاً { وَرَسُولُهُ } عطف على المنوي في { بَرِيء } أو على الابتداء وحذف الخبر أي ورسوله بريء ، وقرىء بالنصب عطفاً على إسم «إن» ، وبالجر على الجوار ، أو على القسم كقولك «لعمرك» . وحكي أن أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال : إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء ، فلببه الرجل إلى عمر فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعلم العربية { فَإِن تُبْتُمْ } من الكفر والغدر { فَهُوَ } أي التوبة { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الأصرار على الكفر { وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن التوبة أو تبتم على التولي والإعراض عن الإسلام { فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله } غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه { وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } مكان بشارة المؤمنين بنعيم مقيم { إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين } استثناء من قوله","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"{ فَسِيحُواْ فِى الأرض } والمعنى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم { ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } من شروط العهد أي وفوا بالعهد ولم ينقضوه . وقرىء { لَمْ ينقضوكم } أي عهدكم وهو أليق لكن المشهورة أبلغ لأنه في مقابلة التمام { وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً } ولم يعاونوا عليكم عدواً { فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } فأدوه إليهم تاماً كاملاً { إلى مُدَّتِهِمْ } إلى تمام مدتهم ، والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين : لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } يعني أن قضية التقوى ألا يسوّي بين الفريقين فاتقوا الله في ذلك .\r{ فَإِذَا انسلخ } مضى أو خرج { الأشهر الحرم } التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا { فاقتلوا المشركين } الذين نقضوكم وظاهروا عليكم { حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } من حل أو حرم { وَخُذُوهُمْ } وأسروهم ، والأخذ : الأسر { واحصروهم } وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد { واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } كل ممر ومجتاز ترصدونهم به ، وانتصابه على الظرف . { فَإِن تَابُواْ } عن الكفر { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر ، أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم { أَنَّ الله غَفُورٌ } بستر الكفر والغدر بالإسلام { رَّحِيمٌ } برفع القتل قبل الأداء بالإلتزام { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ } { أَحَدٌ } مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر أي وإن استجارك أحد استجارك ، والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمّنه { حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله } ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر على أن المستأمن لا يؤذي وليس له الإقامة في دارنا ويمكن من العود { ذلك } أي الأمر بالإجارة في قوله { فَأَجِرْهُ } { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه ، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } { كَيْفَ } استفهام في معنى الاستنكار أي مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم . ثم استدرك ذلك بقوله { إِلاَّ الذين عاهدتم } أي ولكن الذين عاهدتم منهم { عِندَ المسجد الحرام } ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم { فَمَا استقاموا لَكُمْ } ولم يظهر منهم نكث أي فما أقاموا على وفاء العهد { فاستقيموا لَهُمْ } على الوفاء .","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"و «ما» شرطية أي فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين .\r{ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يظفروا بكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق { لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ } لا يراعوا حلفاً ولا قرابة { وَلاَ ذِمَّةً } عهداً { يُرْضُونَكُم بأفواههم } بالوعد بالإيمان والوفاء بالعهد وهو كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد { وتأبى قُلُوبُهُمْ } الإيمان والوفاء بالعهد { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } ناقضون العهد أو متمردون في الكفر ، لا مروءة تمنعهم عن الكذب ، ولا شمائل تردعهم عن النكث كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادي عنهما .","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"{ اشتروا } استبدلوا { بئايات الله } بالقرآن { ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً يسيراً وهو إتباع الأهواء والشهوات { فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بئس الصنيع صنيعهم { لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } ولا تكرار ، لأن الأول على الخصوص حيث قال { فيكُمْ } والثاني على العموم لأنه قال { فِى مُؤْمِنٍ } { وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون } المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة { فَإِن تَابُواْ } عن الكفر { وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة فإخوانكم } فهم إخوانكم على حذف المبتدأ { فِى الدين } لا في النسب { وَنُفَصّلُ الأيات } ونبينها { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يفهمون فيتفكرون فيها وهذا اعتراض ، كأنه قيل : وإن من تأمل تفصيلها فهو العالم تحريضاً على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها { وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } أي نقضوا العهود المؤكد بالأيمان { وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } وعابوه { فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر } فقاتلوهم ، فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم وهم رؤساء الشرك ، أو زعماء قريش الذين هموا بإخراج الرسول وقالوا : إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة . { أَئِمَّةَ } بهمزتين : كوفي وشامي ، الباقون : بهمزة واحدة غير ممدودة بعدها ياء مكسرورة ، أصلها «أأممة» لأنها جمع إمام كعماد وأعمدة ، فنقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة وأدغمت في الميم الأخرى . فمن حقق الهمزتين أخرجهما على الأصل ، ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها { إنهم لا أيمان لهم } وإنما أثبت لهم الإيمان في قوله { وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم } لأنه أراد أيمانهم التي أظهروها ثم قال { لا إيمان لَهُمْ } على الحقيقة وهو دليل لنا على أن يمين الكافر لا تكون يميناً ، ومعناه عند الشافعي C أنهم لا يوفون بها لأن يمينهم يمين عنده حيث وصفها بالنكث . { لا أيمان } شامي أي لا إسلام { لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } متعلق ب { فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر } وما بينها اعتراض أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم انتهاءهم عما هم عليه بعدما وجد منهم من العظائم ، وهذا من غاية كرمه على المسيء . ثم حرض على القتال فقال :\r{ أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم } التي حلفوها في المعاهدة { وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول } من مكة { وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } بالقتال والبادىء أظلم فما يمنعكم من أن تقاتلوهم ، وبخهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ، ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب { أَتَخْشَوْنَهُمْ } توبيخ على الخشية منهم { فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } بأن تخشوه فقاتلوا أعداءه { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فاخشوه أي إن قضية الإيمان الكامل أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه .","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"ولما وبخهم الله على ترك القتال جرد لهم الأمر به بقوله :\r{ قاتلوهم } ووعدهم النصر ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم بقوله { يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ } قتلاً { وَيُخْزِهِمْ } أسراً { وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } يغلّبكم عليهم { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } طائفة منهم وهم خزاعة عيبة رسول الله A { وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } لما لقوا منهم من المكروه وقد حصل الله هذه المواعيد كلها فكان دليلاً على صحة نبوته { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء } ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وكان ذلك أيضاً ، فقد أسلم ناس منهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ، وهي ترد على المعتزلة قولهم «إن الله تعالى شاء أن يتوب على جميع الكفرة لكنهم لا يتوبون باختيارهم» . { والله عَلِيمٌ } يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان { حَكِيمٌ } في قبول التوبة { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } «أم» منقطعة والهمزة فيها للتوبيخ على وجود الحسبان أي لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلص منكم وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله { وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً } أي بطانة من الذين يضادون رسول الله A والمؤمنين ولما معناها التوقع ، وقد دلت على أن تبين ذلك متوقع كائن ، وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين . { وَلَمْ يَتَّخِذُواْ } معطوف على { جاهدوا } داخل في حيز الصلة كأنه قيل : ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كقولك «ما علم الله مني ما قيل فيّ» . تريد ما وجد ذلك مني ، والمعنى أحسبتم أن تتركوا بلا مجاهدة ولا براءة من المشركين { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من خير أو شر فيجازيكم عليه .\r{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ } ما صح لهم وما استقام { أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله } { مساجد الله } مكي وبصري يعني المسجد الحرام ، وإنما جمع في القراءة بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد ، ولأن كل بقعة منه مسجد ، أو أريد جنس المساجد وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ، وهو آكد إذ طريقه طريق الكناية كما تقول : «فلان لا يقرأ كتب الله» فإنه أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } باعترافهم بعبادة الأصنام وهو حال من الواو في { يَعْمُرُواْ } والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم وَفِى النار هُمْ خالدون } دائمون { إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله } عمارتها رمُّ ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا ، لأنها بنيت للعبادة والذكر ومن الذكر درس العلم { مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الأخر } ولم يذكر الإيمان بالرسول عليه السلام لما علم أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول لاقترانهما في الأذان والإقامة وكلمة الشهادة وغيرها ، أو دل عليه بقوله { وَأَقَامَ الصلاة وَءاتَى الزكواة } وفي قوله { وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله } تنبيه على الإخلاص ، والمراد الخشية في أبواب الدين بأن لا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف ، إذ المؤمن قد يخشى المحاذير ولا يتمالك أن لا يخشاها .","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"وقيل : كانوا يخشون الأصنام ويرجونها : فأريد نفي تلك الخشية عنهم { فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين } تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم لأن { عَسَى } كلمة إطماع ، والمعنى إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتداً بها عند الله دون من سواهم .","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ ءامَنَ بالله واليوم الأخر وجاهد فِى سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية ، ولا بد من مضاف محذوف تقديره : أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله . وقيل : المصدر بمعنى الفاعل يصدقه قراءة ابن الزبير { سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام } والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوي بينهم ، وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر لأنهم وضعوا المدح والفخر في غير موضعهما . نزلت جواباً لقول العباس حين أسر فطفق علي Bه يوبخه بقتال رسول الله A وقطيعة الرحم تذكر مساوينا وتدع محاسننا . فقيل : أولكم محاسن؟ فقال : نعمر المسجد ونسقي الحاج ونفك العاني . وقيل : افتخر العباس بالسقاية وشيبة بالعمارة ، وعلي Bه بالإسلام والجهاد ، فصدق الله تعالى علياً { الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } أولئك { أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله } من أهل السقاية والعمارة { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون } لا أنتم والمختصون بالفوز دونهم { يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم } { يُبْشُرهم } حمزة { بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان وجنات } تنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرف { لَّهُمْ فِيهَا } في الجنات { نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } دائم { خالدين فِيهَا أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا ينقطع . لما أمر الله النبي عليه السلام بالهجرة جعل الرجل يقول لابنه ولأخيه ولقرابته : إنا قد أمرنا بالهجرة ، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه ، ومنهم من تتعلق به زوجته أو ولده فيقول تدعنا بلا شيء فنضيع فيجلس معهم ويدع الهجرة فنزل { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وإخوانكم أَوْلِيَاء إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان } أي آثروه واختاروه { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ } أي ومن يتولى الكافرين { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } .\r{ قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وإخوانكم وأزواجكم وَعَشِيرَتُكُمْ } أقاربكم وعشيراتكم أبو بكر { وأموال اقترفتموها } اكتسبتموها { وتجارة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } فوات وقت نفاقها { ومساكن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } وهو عذاب عاجل أو عقاب آجل أو فتح مكة { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } والآية تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين ، إذ لا تجد عند أورع الناس ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والأموال والحظوظ .\r{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } كوقعة بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة . وقيل : إن المواطن التي نصر الله فيها النبي عليه السلام والمؤمنين ثمانون موطناً ، ومواطن الحرب مقاماتها ومواقفها { وَيَوْمَ } أي واذكروا يوم { حُنَيْنٍ } وادٍ بين مكة والطائف كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفاً ، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، فساءت رسول الله E { إِذْ } بدل من { يَوْمٍ } { أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } فأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود ، فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله A وحده وهو ثابت في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجام دابته ، وأبو سفيان ابن الحارث بن عمه آخذاً بركابه فقال للعباس : «صح بالناس» وكان صيَّتاً ، فنادى : يا أصحاب الشجرة فاجتمعوا وهم يقولون : لبيك ، لبيك نزلت الملائكة عليهم الثياب البيض على خيول بلق ، فأخذ رسول الله A كفأ من تراب فرماهم به ثم قال :","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"\" انهزموا ورب الكعبة \" فانهزموا وكان من دعائه عليه السلام يومئذ \" اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان \" وهذا دعاء موسى عليه السلام يوم انفلاق البحر { فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ } «ما» مصدرية والباء بمعنى «مع» أي مع رُحبها وحقيقته ملتبسة برحبها على أن الجار والمجرور في موضع الحال كقولك «دخلت عليه بثياب السفر» أي متلبساً بها ، والمعنى لم تجدوا موضعاً لفراركم عن أعدائكم فكأنها ضاقت عليكم { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } ثم انهزمتم { ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } رحمته التي سكنوا بها وأمنوا { على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } يعني الملائكة وكانوا ثمانية آلاف أو خمسة أو ستة عشر ألفاً { وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ } بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري . { وذلك جَزَاء الكافرين } .","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"{ ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاءُ } وهم الذين أسلموا منهم { والله غَفُورٌ } بستر كفر العدو بالإسلام { رَّحِيمٌ } بنصر الولي بعد الانهزام . { ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } أي ذوو نجس وهو مصدر ، يقال نجس نجساً وقذر قذراً لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم ، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام } فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية { بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } وهو عام تسع من الهجرة حين أمّر أبو بكر Bه على الموسم ، ويكون المراد من نهي القربان النهي عن الحج والعمرة وهو مذهبنا ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندنا ، وعند الشافعي C يمنعون من المسجد الحرام خاصة وعند مالك يمنعون منه ومن غيره . وقيل : نهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } أي فقراً بسبب منع المشركين من الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } من الغنائم أو المطر والنبات أو من متاجر حجيج الإسلام { إِن شَاءَ } هو تعليم لتعليق الأمور بمشيئة الله تعالى لتنقطع الآمال إليه { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بأحوالكم { حَكِيمٌ } في تحقيق آمالكم ، أو عليم بمصالح العباد حكيم فيما حكم وأراد ونزل في أهل الكتاب { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } لأن اليهود مثنيّة والنصارى مثلثة { وَلاَ باليوم الأخر } لأنهم فيه على خلاف ما يجب حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب { وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ } لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة ، أو لا يعملون بما في التوراة والإنجيل { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } ولا يعتقدون دين الإسلام الذي هو الحق . يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } بيان للذين قبله ، وأما المجوس فملحقون بأهل الكتاب في قبول الجزية ، وكذا الترك والهنود وغيرهما بخلاف مشركي العرب لما رُوي الزهري أن النبي عليه السلام صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب { حتى يُعْطُواْ الجزية } إلى أن يقبلوها ، وسميت جزية لأنه مما يجب على أهلها أن يجزوه أي يقضوه ، أو هي جزاء على الكفر على التحميل في تذليل { عَن يَدٍ } أي عن يدٍ مواتية غير ممتنعة ولذا قالوا : أعطى بيده إذا انقاد ، وقالوا : نزع يده عن الطاعة . أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة لا مبعوثاً على يدٍ أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ { وَهُمْ صاغرون } أي تؤخذ منهم على الصغار والذل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب ، ويسلمها وهو قائم ، والمتسلم جالس ، وأن يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلبيبه ويقال له أدِّ الجزية يا ذمي وإن كان يؤديها ويزخ في قفاه وتسقط بالإسلام .","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"{ وَقَالَتِ اليهود } كلهم أو بعضهم { عُزَيْرٌ ابن الله } مبتدأ وخبر كقوله { المسيح ابن الله } وعزير اسم أعجمي ، ولعجمته وتعريفه امتنع صرفه ، ومن نون . وهم عاصم وعلي فقد جعله عربياً { وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم } أي قول لا يعضده برهان ولا يستند إلى بيان ، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ عن معنى تحته كالألفاظ المهملة { يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } لا بد فيه من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قولهم ، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً يعني أن الذين كانوا في عهد رسول الله A من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم ، يعني أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث ، أو الضمير للنصارى أي يضاهي قولهم { المسيح ابن الله } قول اليهود { عُزَيْرٌ ابن الله } لأنهم أقدم منهم { يضاهئون } عاصم . وأصل المضاهاة المشابهة ، والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم «امرأة ضهياء» وهي التي أشبهت الرجال بأنها لا تحيض كذا قاله الزجاج ، { قاتلهم الله } أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا { أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان .\r{ اتخذوا } أي أهل الكتاب { أحبارهم } علماءهم { ورهبانهم } نساكهم { أَرْبَابًا } آلهة { مِّن دُونِ الله } حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما يطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم { والمسيح ابن مَرْيَمَ } عطف على { أحبارهم } أي اتخذوه رباً حيث جعلوه ابن الله { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا } يجوز الوقف عليه لأن ما بعده يصلح ابتداء يصلح وصفاً لواحداً { لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له عن الإشراك { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد A بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق ، يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإشراق ليطفئه بنفخه . أجرى { ويأبى الله } مجرى { لاَ يُرِيدُ الله } ولذا وقع في مقابله { يُرِيدُونَ } وإلا فلا يقال : كرهت أو أبغضت إلا زيداً .\r{ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } محمداً عليه السلام { بالهدى } بالقرآن { وَدِينِ الحق } الإسلام { لِيُظْهِرَهُ } ليعليه { عَلَى الدين كُلِّهِ } على أهل الأديان كلهم ، أو ليظهر دين الحق على كل دين { وَلَوْ كَرِهَ المشركون * يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس } استعار الأكل للأخذ { بالباطل } أي بالرشا في الأحكام { وَيَصُدُّونَ } سفلتهم { عَن سَبِيلِ الله } دينه { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة } يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على اجتماع خصلتين ذميمتين فيهم : أخذ الرشا وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير .","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين ، ويقرن بينهم وبين المرتشين من أهل الكتاب تغليظاً . وعن النبي A « ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً ، وما بلغ أن يزكي فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً » ولقد كان كثير من الصحابة Bهم كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية ، لأن الإعراض اختيار للأفضل والاقتناء مباح لا يذم صاحبه { وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } الضمير راجع إلى المعنى لأن كل واحد منهما دنانير ودراهم ، فهو كقوله : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات : 9 ] . أو أريد الكنوز ولأموال ، أو معناه ولا ينفقونها والذهب كما أن معنى قوله :\rفإني وقيار بها لغريب ... وقيار كذلك . وخصا بالذكر من بين سائر الأموال لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء . وذكر كنزهما دليل على ما سواهما { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"ومعنى قوله { يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ } أن النار تحمي عليها أي توقد ، وإنما ذكر الفعل لأنه مسند إلى الجار والمجرور ، أصله يوم تحمى النار عليها ، فلما حذفت النار قيل { يحمى } لانتقاد الإسناد عن النار إلى عليها كما تقول «رفعت القصة إلى الأمير» فإن لم تذكر القصة قلت «رفع إلى الأمير» { فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } وخصت هذه الأعضاء لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا ، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم ، أو معناه يكوون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم { هذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ } يقال لهم هذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم وهو توبيخ { فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه ، أو وبال كونكم كانزين .\r{ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً } من غير زيادة ، والمراد بيان أن أحكام الشرع تبتني على الشهور القمري المحسوبة بالأهلة دون الشمسية { فِي كتاب الله } فيما أثبته وأوجبه من حكمته أو في اللوح { يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } ثلاثة سرد : ذو القعدة للقعود عن القتال ، وذو الحجة للحج ، والمحرم لتحريم القتال فيه ، وواحد فرد وهو رجب لترجيب العرب إياه أي لتعظيمه { ذلك الدين القيم } أي الدين المستقيم لا ما يفعله أهل الجاهلية يعني أن تحريم الأربعة الأشهر هو الدين المستقيم ودين إبراهيم وإسماعيل ، وكانت العرب تمسكت به فكانوا يعظمونها ويحرمون القتال فيها حتى أحدثت النسيء فغيروا { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ } في الحرم أو في الاثني عشر { أَنفُسَكُمْ } بارتكاب المعاصي { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً } حال من الفاعل أو المفعول { كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً } جميعاً { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } أي ناصر لهم حثهم على التقوى بضمان النصرة لأهلها { إِنَّمَا النسيء } بالهمزة مصدر نسأه إذا أخره ، وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر . وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات ، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون مكانه شهراً آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم ، فكانوا يحرمون من بين شهور العام أربعة أشهر { زِيَادَةٌ فِي الكفر } أي هذا الفعل منهم زيادة في كفرهم { يُضَلُّ } كوفي غير أبي بكر { بِهِ الذين كَفَرُواْ } بالنسيء . والضمير في { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } للنسيء أي إذا أحلوا شهراً من الأشهر الحرم عاماً رجعوا فحرموه في العام القابل { لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله } ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين .","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"واللام تتعلق ب { يُحِلُّونَهُ } و { يحرمونه } أو ب { يحرمونه } فحسب وهو الظاهر { فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله } أي فيحلوا بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال ، أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعمالهم } زين الشيطان لهم ذلك فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } حال اختيارهم الثبات على الباطل .\rا { ياأيها الذين ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا } اخرجوا { فِى سَبِيلِ الله اثاقلتم } تثاقلتم وهو أصله إلا أن التاء أدغمت في الثاء فصارت ثاء ساكنة ، فدخلت ألف الوصل لئلا يبتدأ بالساكن أي تباطأتم { إِلَى الأرض } ضمن معنى الميل والإخلاد فعدي ب «إلى» أي ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ، أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم ، وكان ذلك في غزوة تبوك استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليهم ذلك . وقيل : ماخرج رسول الله A في غزوة إلاّ ورّي عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة { أَرَضِيتُم بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة } بدل الآخرة { فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة } في جنب الآخر { إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ } إلى الحرب { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين ، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع ، وأنه غني عنهم في نصرة دينه لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً . وقيل : الضمير في { وَلاَ تَضُرُّوهُ } للرسول عليه السلام لأن الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره ووعده كائن لا محالة { والله على كُلّ شَيْءٍ } من التبديل والتعذيب وغيرهما { قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله } إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد ، فدل بقوله { فَقَدْ نَصَرَهُ الله } على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت { إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ } أسند الإخراج إلى الكفار لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه { ثَانِيَ اثنين } أحد اثنين كقوله { ثالث ثلاثة } وهما رسول الله وأبو بكر ، وانتصابه على الحال { إِذْ هُمَا } بدل من { إِذْ أَخْرَجَهُ } { فِي الغار } هو نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثاً فيه ثلاثاً { إِذْ يَقُولُ } بدل ثانٍ { لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } بالنصرة والحفظ . قيل : طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله A فقال : إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال عليه السلام :","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"« ما ظنك باثنين الله ثالثهما » وقيل : لما دخل الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله A : « اللهم أعم أبصارهم » فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه وقالوا : من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله وليس ذلك لسائر الصحابة { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه { عَلَيْهِ } على النبي A أو على أبي بكر لأنه كان يخاف وكان عليه السلام ساكن القلب { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } هم الملائكة صرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه ، أو أيده بالملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ } أي دعوتهم إلى الكفر { السفلى وَكَلِمَةُ الله } دعوته إلى الإسلام { هِىَ } فصل { العليا } { وَكَلِمَةُ الله } بالنصب : يعقوب بالعطف ، والرفع على الاستئناف أوجه إذ هي كانت ولم تزل عالية { والله عَزِيزٌ } يعز بنصره أهل كلمته { حَكِيمٌ } يذل أهل الشرك بحكمته .","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"{ انفروا خِفَافًا } في النفور لنشاطكم له { وَثِقَالاً } عنه لمشقته عليكم ، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتها ، أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه ، أو ركباناً ومشاة أو شباباً وشيوخاً ، أو مهازيل وسماناً ، أو صحاحاً ومراضاً { وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ } إيجاب للجهاد بهما إن إمكن ، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة { فِي سَبِيلِ الله ذلكم } الجهاد { خَيْرٌ لَّكُمْ } من تركه { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } كون ذلك خيراً فبادروا إليه . ونزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين { لَوْ كَانَ عَرَضًا } هو ما عرض لك من منافع الدنيا ، يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر أي لو كان ما دعوا إليه مغنماً { قَرِيبًا } سهل المأخذ { وَسَفَرًا قَاصِدًا } وسطاً مقارباً ، والقاصد والقصد المعتدل { لاَّتَّبَعُوكَ } لوافقوك في الخروج { ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة } المسافة الشاطة الشاقة { وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } . من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما أخبر ، و { بالله } متعلق ب { سَيَحْلِفُونَ } ، أو هو من جملة كلامهم ، والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون يعني المتخلفين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ، أو سيحلفون بالله يقولون لو استطعنا . وقوله { لخرجنا } سد مسد جوابي القسم و { لَوْ } جميعاً . ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا { يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بدل من { سَيَحْلِفُونَ } أو حال منه أي مهلكين ، والمعنى أنهم يهلكونها بالحلف الكاذب ، أو حال من { لَخَرَجْنَا } أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها على المسير في تلك الشقة { والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون } فيما يقولون . { عَفَا الله عَنكَ } كناية عن الزلة لأن العفو رادف لها وهو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب ، وفيه دلالة فضله على سائر الأنبياء عليهم السلام حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء عليهم السلام { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } بيان لما كنى عنه بالعفو ، ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلّوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن! { حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه . وقيل : شيئان فعلهما رسول الله A ولم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين ، وأخذه الفدية من الأسارى ، فعاتبه الله . وفيه دليل جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام لأنه عليه السلام إنما فعل ذلك بالاجتهاد ، وإنما عوتب مع أن له ذلك لتركه الأفضل وهم يعاتبون على ترك الأفضل { لا يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر أَن يجاهدوا } ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا { بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ والله عَلِيمٌ بالمتقين } عدة لهم بأجزل الثواب .","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"{ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً { وارتابت قُلُوبُهُمْ } شكوا في دينهم واضطربوا في عقيدتهم { فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } يتحيرون لأن التردد ديدن المتحير كما أن الثبات ديدن المتبصر { وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ } للخروج أو للجهاد { عُدَّةً } أهبة لأنهم كانوا مياسير ، ولما كان { وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج } معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو قيل : { ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم } نهوضهم للخروج كأنه قيل : ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم { فَثَبَّطَهُمْ } فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه { وَقِيلَ اقعدوا } أي قال بعضهم لبعض ، أو قاله الرسول عليه السلام غضباً عليهم ، أو قاله الشيطان بالوسوسة { مَعَ القاعدين } هو ذم لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود في البيوت .\r{ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ } بخروجهم معكم { إِلاَّ خَبَالاً } إلا فساداً وشراً ، والاستثناء متصل لأن المعنى ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً ، والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك «ما زداوكم خيراً إلا خبالاً» والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور ، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلاً لأن الخبال بعضه { ولأَوْضَعُواْ خلالكم } ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين . يقال : وضع البعير وضعاً إذا أسرع . وأوضعته أنا . والمعنى ولأوضعوا ركائبهم بينكم ، والمراد الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي . وخط في المصحف { وَلاَ أوضعوا } بزيادة الألف لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي ، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحها ألفاً أخرى ونحوه { أَوْ لاَ أذبحنه } [ النمل : 21 ] { يَبْغُونَكُمُ } حال من الضمير في { أوضعوا } { إِلَى الفتنة } أي يطلبون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم { وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ } أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم { والله عَلِيمٌ بالظالمين } بالمنافقين { لَقَدِ ابتغوا الفتنة } بصد الناس أو بأن يفتكوا به عليه السلام ليلة العقبة ، أو بالرجوع يوم أحد { مِن قَبْلُ } من قبل غزوة تبوك { وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور } ودبروا لك الحيل والمكايد ودوّروا الآراء في إبطال أمرك { حتى جَاءَ الحق } وهو تأييدك ونصرك { وَظَهَرَ أَمْرُ الله } وغلب دينه وعلا شرعه { وَهُمْ كارهون } أي على رغم منهم .","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّي } ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت ، أولا تلقني في الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي . وقيل : قال الجد بن قيس المنافق : قد علمت الأنصار إني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم ولكني أعينك بمالي فاتركني { أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ } يعني أن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } الآن لأن أسباب الإحاطة معهم أو هي تحيط بهم يوم القيامة { إِن تُصِبْكَ } في بعض الغزوات { حَسَنَةٌ } ظفر وغنيمة { تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } نكبة وشدة في بعضها نحو ما جرى يوم أحد { يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا } الذي نحن متسمون به من الحذ والتيقط والعمل بالحزم { مِن قَبْلُ } من قبل ما وقع { وَيَتَوَلَّواْ } عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم { وَّهُمْ فَرِحُونَ } مسرورون { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا } أي قضى من خير أو شر { هُوَ مولانا } أي الذي يتولانا ونتولاه { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا } تنتظرون بنا { إِلا إِحْدَى الحسنيين } وهما النصرة والشهادة { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ } إحدى السوءيين إما { أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود { أَوْ } بعذاب { بِأَيْدِينَا } وهو القتل على الكفر { فَتَرَبَّصُواْ } بنا ما ذكرنا { إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ } ما هو عاقبتكم { قُلْ أَنفِقُواْ } في وجوه البر { طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } طائعين أو مكرهين نصب على الحال . { كَرْهاً } حمزة وعلي وهو أمر في معنى الخبر ومعناه { لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } أنفقتم طوعاً أو كرهاً ونحوه { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [ التوبة : 80 ] وقوله\rأسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت\rأي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، ولا نلومك أسأت إلينا أو أحسنت ، وقد جاز عكسه في قولك «رحم الله زيداً» ، ومعنى عدم القبول أنه عليه السلام يردها عليهم ولا يقبلها أو لا يثيبها الله . وقوله { طَوْعاً } أي من غير إلزام من الله ورسوله و { كَرْهاً } أي ملزمين ، وسمي الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه { إِنَّكُمْ } تعليل لرد إنفاقهم { كُنتُمْ قَوْماً فاسقين } متمردين عاتين .\r{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم } وبالياء : حمزة وعلي { إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ } أنهم فاعل «منع» وهم و { أَن تُقْبَلَ } مفعولاه أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم { بالله وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى } جمع كسلان { وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارهون } لأنهم لا يريدون بهما وجه الله تعالى ، وصفهم بالطوع في قوله { طَوْعاً } وسلبه عنهم ههنا لأن المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله A ، أو من رؤسائهم ، وما طوعهم ذلك إلا عن كراهة واضطرار لا عن رغبة واختبار .","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"{ فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا } الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راضٍ به متعجب من حسنه ، والمعنى فلا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب فيها ، أو بالإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له ، أو بنهب أموالهم وسبي أولادهم ، أو بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها وكل هذا عذاب { وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون } وتخرج أرواحهم ، وأصل الزهوق الخروج بصعوبة ، ودلت الآية على بطلان القول بالأصلح لأنه أخبر أن إعطاء الأموال والأولاد لهم للتعذيب والأماتة على الكفر وعلى إرادة الله تعالى المعاصي ، لأن إرادة العذاب بإرادة ما يعذب عليه ، وكذا إرادة الإماتة على الكفر { وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } لمن جملة المسلمين { وَمَا هُم مّنكُمْ ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون بالإسلام تقية { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً } مكاناً يلجئون إليه متحصنين من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة { أَوْ مغارات } أو غيراناً { أَوْ مُدَّخَلاً } أو نفقاً يندسون فيه وهو مفتعل من الدخول { لَّوَلَّوَاْ إِلَيْهِ } لأقبلوا نحوه { وَهُمْ يَجْمَحُونَ } يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء من الفرس الجموح { وَمِنْهُمُ } ومن المنافقين { مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات } يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك { فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } «إذا» للمفاجأة أي وإن لم يعطوا منها فاجئوا السخط ، وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله ، لأنه عليه السلام استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه .\r{ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتاهم الله وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى الله راغبون } جواب «لو» محذوف تقديره : ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم ، والمعنى ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا : كفانا فضل الله وصنعه ، وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا غنيمة أخرى فيؤتينا رسول الله A أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله في أن يغنمنا ويخولنا فضله لراغبون .","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"ثم بين مواضعها التي توضع فيها فقال :\r{ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء والمساكين } قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل : إنما هي لهم لا لغيرهم كقولك «إنما الخلافة لقريش» تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم ، فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها ، وأن تصرف إلى بعضها كما هو مذهبنا ، وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا : في أي صنف منها وضعتها أجزأك . وعند الشافعي C : لا بد من صرفها إلى الأصناف وهو المروي عن عكرمة . ثم الفقير الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئاً فهو أضعف حالاً منه ، وعند الشافعي C على العكس { والعاملين عَلَيْهَا } هم السعادة الذين يقبضونها { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } على الإسلام أشراف من العرب ، كان رسول الله A يتألفهم على أن يسلموا وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريراً لهم على الإسلام { وَفِي الرقاب } هم المكاتبون يعانون منها { والغارمين } الذين ركبتهم الديون { وَفِي سَبِيلِ الله } فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم { وابن السبيل } المسافر المنقطع عن ماله ، وعدل عن اللام إلى «في» في الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره ، لأن «في» للوعاء ، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها . وتكرير «في» في قوله { وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل } فيه فضل وترجيح لهذين على الرقاب والغارمين . وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات حاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم ، حسماً لأطماعهم وإشعاراً بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها ، فما لهم وما لها ، وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها! وسهم المؤلفة قلوبهم سقط بإجماع الصحابة في صدر خلافة أبي بكر Bه لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم ، والحكم متى ثبت معقولاً لمعنى خاص يرتفع وينتهي بذهاب ذلك المعنى { فَرِيضَةً مّنَ الله } في معنى المصدر المؤكد لأن قوله { إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ } معناه فرض الله الصدقات لهم { والله عَلِيمٌ } بالمصلحة { حَكِيمٌ } في القسمة .\r{ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد ، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة ، وإيذاؤهم له هو قولهم فيه { هُوَ أُذُنٌ } قصدوا به المذمة وأنه من أهل سلامة القلوب والعزة ، ففسره الله تعالى بما هو مدح له وثناء عليه فقال { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } كقولك «رجل صدق» تريد الجودة والصلاح كأنه قيل : نعم هو أذن ولكن نعم الأذن ، ويجوز أن يريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذن في غير ذلك .","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"ثم فسر كونه أذن خير بأنه { يُؤْمِنُ بالله } أي يصدق بالله لما قام عنده من الأدلة { وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار ، وعدي فعل الإيمان بالباء إلى الله ، لأنه قصد به التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به ، وإلى المؤمنين باللام لأنه قصد السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده ، ألا ترى إلى قوله { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } [ يوسف : 17 ] كيف ينبو عن الباء { وَرَحْمَةٌ } بالعطف على { أذن } { وَرَحْمَةٌ } : حمزة عطف على { خَيْرٍ } أي هو أذن خير وأذن رحمة لا يسمع غيرها ولا يقبله { لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ } أي وهو رحمة الذين آمنوا منكم أي أظهروا الإيمان أيها المنافقون حيث يقبل إيمانكم الظاهر ولا يكشف أسراركم ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين ، أو هو رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم من الكفر إلى الإيمان ويشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا { والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدارين .","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"{ يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } الخطاب للمسلمين ، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم فقيل لهم { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } أي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون ، فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق . وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسول الله فكانا في حكم شيء واحد كقولك «إحسان زيد وإجماله نعشني» أو والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك .\r{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ } أن الأمر والشأن { مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ } يجاوز الحد بالخلاف وهي مفاعلة من الحد كالمشاقة من الشق { فَأَنَّ لَهُ } على حذف الخبر أي فحق أن له { نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذلك الخزي العظيم * يَحْذَرُ المنافقون } خبر بمعنى الأمر أي ليحذر المنافقون { أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ } { تُنَزَّلَ } بالتخفيف : مكي وبصري { تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } من الكفر والنفاق ، والضمائر للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم دليله { قُلِ استهزءوا } ، أو الأولان للمؤمنين ، والثالث للمنافقين ، وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه { قُلِ استهزءوا } أمر تهديد { إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } مظهر ما كنتم تحذرونه أي تحذرون إظهاره من نفاقكم ، وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم وفي استهزائهم بالإسلام وأهله حتى قال بعضهم : وددت أني قدّمت فجلدت مائة وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } بينا رسول الله يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا : انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونها ، هيهات هيهات . فأطلع الله نبيه على ذلك فقال : احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال : قلتم كذا وكذا . فقالوا : يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك ، ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر ، أي ولئن سألتهم وقلت لهم لم قلتم ذلك؟ لقالوا : إنما كنا نخوض ونلعب { قُلْ } يا محمد { قُلْ أبالله وءاياته وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ } لم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه ، فجعلوا كأنهم معترفون ، باستهزائهم وبأنه موجود فيهم حتى وبخوا بإخطائهم موقع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير ، وذلك إنما يستقيم بعد ثبوت الاستهزاء { لاَ تَعْتَذِرُواْ } لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم { قَدْ كَفَرْتُمْ } قد أظهرتم كفركم باستهزائكم { بَعْدَ إيمانكم } بعد إظهاركم الإيمان { إن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ } بتوبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق { نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } مصرين على النفاق غير تائبين منه { أَن يُعفَ تُعَذّبَ طَائِفَةٌ } غير عاصم .","part":1,"page":452},{"id":453,"text":"{ المنافقون والمنافقات } الرجال المنافقون كانوا ثلثمائة والنساء المنافقات مائة وسبعين { بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } أي كأنهم نفس واحدة ، وفيه نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم { وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } [ التوبة : 56 ] وتقرير لقوله { وَمَا هُم مّنكُمْ } [ التوبة : 56 ] ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال { يَأْمُرُونَ بالمنكر } بالكفر والعصيان { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف } عن الطاعة والإيمان { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } شحاً بالمبارّ والصدقات والإنفاق في سبيل الله { نَسُواْ الله } تركوا أمره أو أغفلوا ذكره { فَنَسِيَهُمْ } فتركهم من رحمته وفضله { إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير ، وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف به المنافقون حين بالغ في ذمهم { وَعَدَ الله المنافقين والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } مقدرين الخلود فيها { هِىَ } أي النار { حَسْبُهُمْ } فيه دلالة على عظم عذابها وأنه بحيث لا يزاد عليه { وَلَعَنَهُمُ الله } وأهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم معهم في العاجل لا ينفكون عنه وهو ما يقاسونه من تعب النفاق ، والظاهر المخالف للباطن خوفاً من المسلمين وما يحذرونه أبداً من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم . الكاف في { كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بخلاقهم } محلها رفع أي أنتم مثل الذين من قبلكم ، أو نصب على فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم وهو أنكم استمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم أي تلذذوا بملاذ الدنيا . والخلاق النصيب مشتق من الخلق وهو التقدير أي ما خلق للإنسان بمعنى قدر من خير { وَخُضْتُمْ } في الباطل { كالذي خَاضُواْ } كالفوج الذي خاضوا ، أو كالخوض الذي خاضوا . والخوض الدخول في الباطل واللهو ، وإنما قدم { فاستمتعوا بخلاقهم } وقوله ( كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } مغن عنه ليذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة ، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة } في مقابلة قوله { وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [ العنكبوت : 27 ] { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون }\rثم ذكر نبأ من قبلهم فقال :\r{ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ } هو بدل من { الذين } { وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبراهيم وأصحاب مَدْيَنَ } وأهل مدين وهم قوم شعيب { والمؤتفكات } مدائن قوم لوط ، وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } فما صح منه أن يظلمهم بإهلاكهم لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر وتكذيب الرسل { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } في التناصر والتراحم { يَأْمُرُونَ بالمعروف } بالطاعة والإيمان { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } عن الشرك والعصيان { وَيُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله } السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في «سأنتقم منك يوماً» { إِنَّ الله عزيزٌ } غالب على كل شيء قادر عليه فهو يقدر على الثواب والعقاب { حَكِيمٌ } واضع كلا موضعه { وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً } يطيب فيها العيش وعن الحسن C : قصوراً من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد { فِى جنات عَدْنٍ } هو علم بدليل قوله","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"{ جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن } [ مريم : 61 ] وقد عرفت أن «الذي» و «التي» وضعا لوصف المعارف بالجمل وهي مدينة في الجنة { ورضوان مّنَ الله } وشيء من رضوان الله { أَكْبَرُ } من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة { ذلك } إشارة إلى ما وعد أو إلى الرضوان { هُوَ الفوز العظيم } وحده دون ما يعده الناس فوزاً .","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"{ ياأيها النبى جاهد الكفار } بالسيف { والمنافقين } بالحجة { واغلظ عَلَيْهِمْ } في الجهادين جميعاً ولا تحابهم ، وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه يجاهد بالحجة وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } جهنم . أقام رسول الله A في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه . منهم الجلاس بن سويد فقال : والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لأخواننا الذين خلّفناهم وهم سادتنا فنحن شر من الحمير . فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس : أجل والله إن محمداً صادق وأنت شر من الحمار . وبلغ ذلك رسول الله A فاستحضر فحلف بالله ما قال ، فرفع عامر يده فقال : اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فنزل { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر } يعني إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير ، أو هي استهزاؤهم فقال الجلاس : يا رسول الله والله لقد قلته وصدق عامر فتاب الجلاس وحسنت توبته { وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم } وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام ، وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد لأنه قال { وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم } { وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } من قتل محمد عليه السلام أو قتل عامر لرده على الجلاس . وقيل : أرادوا أن يتوجوا ابن أبي وإن لم يرض رسول الله A { وَمَا نَقَمُواْ } وما أنكروا وما عابوا { إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله A المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، فآثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله A بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى { فَإِن يَتُوبُواْ } عن النفاق { يَكُ } التوب { خَيْراً لَّهُمْ } وهي الآية التي تاب عندها الجلاس { وَإِن يَتَوَلَّوْا } يصروا على النفاق { يُعَذّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا والأخرة } بالقتل والنار { وَمَا لَهُمْ فِى الأرض مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } ينجيهم من العذاب . { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله } روي أن ثعلبة بن حاطب قال : يا رسول الله ادع الله يرزقني مالاً فقال عليه السلام : « يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه » فراجعه وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه . فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل وادياً وانقطع عن الجمعة والجماعة ، فسأل عنه رسول الله A فقيل : كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال :","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"\" يا ويح ثعلبة \" فبعث رسول الله A مصدّقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ، ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال : ما هذه إلا جزية وقال : ارجعا حتى أرى رأيي ، فلما رجعا قال لهما رسول الله A قبل أن يكلماه : «يا ويح ثعلبة» مرتين ، فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال : إن الله منعني أن أقبل منك فجعل التراب على رأسه ، فقبض رسول الله A فجاء بها إلى أبي بكر Bه فلم يقبلها ، وجاء بها إلى عمر Bه في خلافته فلم يقبلها ، وهلك في زمان عثمان Bه { لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ } أي المال { لَنَصَّدَّقَنَّ } لنخرجن الصدقة والأصل «لنتصدقن» ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها { وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين } بإخراج الصدقة { فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ } أعطاهم الله المال ونالوا مناهم { بَخِلُواْ بِهِ } منعوا حق الله ولم يفوا بالعهد { وَتَوَلَّواْ } عن طاعة الله { وَّهُم مُّعْرِضُونَ } مصرون على الإعراض .\r{ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ } فأورثهم البخل نفاقاً متمكناً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه { إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي جزاء فعلهم وهو يوم القيامة { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح وكونهم كاذبين ، ومنه جعل خلف الوعد ثلث النفاق . { أَلَمْ يَعْلَمُواْ } يعني المنافقين { أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ } ما أسروه من النفاق بالعزم على إخلاف ما وعدوه { ونجواهم } وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها { وَأَنَّ الله علام الغيوب } فلا يخفى عليه شيء { الذين } محله النصب أو الرفع على الذم ، أو الجر على البدل من الضمير في { سِرَّهُمْ ونجواهم } { يَلْمِزُونَ المطوعين } يعيبون المطوعين المتبرعين { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصدقات } متعلق ب { يَلْمِزُونَ } . رُوي أن رسول الله A حث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال : كان لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أربعة وأمسكت أربعة لعيالي فقال عليه السلام : \" بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت \" فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً ، وتصدق عاصم بمائة وسق من تمر { والذين } عطف على { المطوعين } { لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } طاقتهم . وعن نافع { جَهْدَهُمْ } وهما واحد . وقيل : الجهد الطاقة والجهد المشقة وجاء أبو عقيل بصاعٍ من تمر فقال : بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي ، وجئت بصاع فلمزهم المنافقون وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ، وأما صاع أبي عقيل فالله غني عنه { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } فيهزءون { سَخِرَ الله مِنْهُمْ } جازاهم على سخريتهم وهو خبر غير دعاء { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم .","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"ولما سأل عبد الله بن عبد الله بن أبي رسول الله A أن يستغفر لأبيه في مرضه نزل { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وقد مر أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل : لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } والسبعون جارٍ مجرى المثل في كلامهم للتكثير وليس على التحديد والغاية ، إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن يغفر لهم لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به ، والمعنى وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم . وقد وردت الأخبار بذكر السبعين وكلها تدل على الكثرة لا على التحديد والغاية ، ووجه تخصيص السبعين من بين سائر الأعداد أن العدد قليل وكثير ، فالقليل ما دون الثلاث ، والكثير الثلاث فما فوقها ، وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية . والعدد أيضاً نوعان : شفع ووتر ، وأول الإشفاع اثنان ، وأول الأوتار ثلاثة ، والواحد ليس بعدد ، والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين لأن فيها أوتاراً ثلاثة وأشفاعاً ثلاثة ، والعشرة كمال الحساب لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى العشرة كقولك «اثنا عشر وثلاثة عشرة» إلى «عشرين» ، والعشرون تكرير العشرة مرتين ، والثلاثون تكريرها ثلاث مرات وكذلك إلى مائة ، فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه ، وكمال الحساب والكثرة منه ، فصار السبعون أدنى الكثير من العدد من كل وجه ولا غاية لأقصاه فجاز أن يكون تخصيص السبعين لهذا المعنى والله أعلم { ذلك } إشارة إلى اليأس من المغفرة { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ } ولا غفران لكافرين { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } الخارجين عن الإيمان ما داموا مختارين للكفر والطغيان { فَرِحَ المخلفون } المنافقون الذين استأذنوا رسول الله A فأذن لهم وخلّفهم بالمدينة في غزوة تبوك ، أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان { بِمَقْعَدِهِمْ } بقعودهم عن الغزو { خلاف رَسُولِ الله } مخالفة له وهو مفعول له ، أو حال أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له { وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } أي لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله ، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان { وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى الحر } قال بعضهم لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطاً { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } استجهال لهم لأن من تصوّن من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل .","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"{ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } أي فيضحكون قليلاً على فرحهم بتخلفهم في الدنيا ويبكون كثيراً جزاء في العقبى ، إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيرهُ . يروي أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من النفاق { فَإِن رَّجَعَكَ الله } أي ردك من تبوك . وإنما قال { إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } لأن منهم من تاب من النفاق ومنهم من هلك { فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ } إلى غزوة بدر غزوة تبوك { فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } وبسكون الياء : حمزة وعلي وأبو بكر { وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا } { مَعِىَ } حفص { إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ } أول ما دعيتم إلى غزوة تبوك { فاقعدوا مَعَ الخالفين } مع من تخلف بعد . وسأل ابن عبد الله بن أبي وكان مؤمناً أن يكفن النبي A أباه في قميصه ويصلي عليه فقبل ، فاعترض عمر Bه في ذلك فقال عليه السلام : \" ذلك لا ينفعه وإني أرجو أن يؤمن به ألف من قومه \" فنزل { وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم } من المنافقين يعني صلاة الجنازة . روي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب التبرك بثوب النبي A { مَّاتَ } صفة ل { أَحَدٌ } { أَبَدًا } ظرف ل { تَصِلُ } وكان عليه السلام إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فقيل : { وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون } تعليل للنهي أي أنهم ليسوا بأهل للصلاة عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله { وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون } التكرير للمبالغة والتأكيد وأن يكون على بال من المخاطب لا ينساه وأن يعتقد أنه مهم ، ولأن كل آية في فرقة غير الفرقة الأخرى .\r{ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } يجوز أن يراد سورة بتمامها وأن يراد بعضها كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه { أَنْ ءامِنُواْ بالله } بأن آمنوا أو هي «أن» المفسرة { وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ } ذوو الفضل والسعة { وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين } مع الذين لهم عذر في التخلف كالمرضى والزمنى { رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف } أي النساء جمع «خالفة» { وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق { فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الهلاك والشقاوة { لكن الرسول والذين ءامَنُواْ جاهدوا *** بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } أي إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو من هو خير منهم { وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات } تناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ .","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"وقيل : الحور لقوله { فِيهِنَّ خيرات } [ الرحمن : 70 ] { وأولئك هُمُ المفلحون } الفائزون بكل مطلوب { أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا ذلك الفوز العظيم } قوله { أَعَدَّ } دليل على أنها مخلوقة .\r{ وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } هو من عذّر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ، وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما فعل ولا عذر له ، أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين وهم الذين يعتذرون بالباطل قيل : هم أسد وغطفان قالوا : إن لنا عيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف { وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان { سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } من الأعراب { عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء } الهرمى والزمنى { وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } هم الفقراء من مزينة وجهينة وبني عذرة { حَرَجٌ } إثم وضيق في التأخر { إِذَا نَصَحُواْ الله وَرَسُولُهِ } بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا كما يفعل الناصح بصاحبه { مَا عَلَى المحسنين } المعذورين النّاصحين { مّن سَبِيلٍ } أي لا جناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم { والله غَفُورٌ } يغفر تخلفهم { رَّحِيمٌ } بهم { وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } لتعطيهم الحمولة { قُلْتَ } حال من الكاف في { أَتَوْكَ } و «قد» قبله مضمرة أي إذا ما أتوك قائلاً { لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا } هو جواب «إذا» { وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع } أي تسيل كقولك «تفيض دمعاً» وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض و «من» للبيان كقولك «أفديك من رجل» ، ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز ، ويجوز أن يكون { قُلْتَ لاَ أَجِدُ } استئنافاً كأنه قيل : إذا ما أتوك لتحملهم تولوا فقيل : ما لهم تولوا باكين؟ فقيل : { قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض { حَزَناً } مفعول له { أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ } لئلا يجدوا ما ينفقون ومحله نصب على أنه مفعول له ، وناصبة { حَزَناً } والمستحملون أبو موسى الأشعري وأصحابه ، أو البكاؤون وهم ستة نفر من الأنصار .","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"{ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَئْذِنُونَكَ } في التخلف { وَهُمْ أَغْنِيَاءُ } وقوله { رَضُواْ } استئناف كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل : رضوا { بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف } أي بالانتظام في جملة الخوالف { وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ } يقيمون لأنفسهم عذراً باطلاً { إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } من هذه السفرة { قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ } بالباطل { لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } لن نصدقكم وهو علة للنهي عن الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به { قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ } علة لانتفاء تصديقهم لأنه تعالى إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } أتنيبون أم تثبتون على كفركم { ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } أي تردون إليه وهو عالم كل سر وعلانية { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم على حسب ذلك .\r{ سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } لتتركوهم ولا توبخوهم { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } فأعطوهم طلبتهم { إِنَّهُمْ رِجْسٌ } تعليل لترك معاتبتهم أي أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم لأنهم أرجاسٍ لا سبيل إلى تطهيرهم { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمَ } ومصيرهم النار يعني وكفتهم النار عتاباً وتوبيخاً فلا تتكلفوا عتابهم { جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي يجزون جزاء كسبهم { يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } أي غرضهم بالحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم { فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين } أي فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطاً عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها ، وإنما قيل ذلك لئلا يتوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضا الله عنهم .\r{ الأعراب } أهل البدو { أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } من أهل الحضر لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن العلم والعلماء { وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ } وأحق بأن لا يعلموا { حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ } يعني حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام ومنه قوله عليه السلام : « إن الجفاء والقسوة في الفدادين » يعني الأكرة لأنهم يفدون أي يصيحون في حروثهم والفديد الصياح { والله عَلِيمٌ } بأحوالهم { حَكِيمٌ } في إمهالهم { وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } أي يتصدق { مَغْرَمًا } غرامة وخسراناً لأنه لا ينفق إلا تقيّة من المسلمين ورياء لا لوجه الله وابتاء المثوبة عنده { وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوآئر } أي دوائر الزمان وتبدل الأحوال بدور الأيام لتذهب غلبتكم عليه فيتخلص من إعطاء الصدقة { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } أي عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين .","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"{ السوء } مكي وأبو عمرو وهو العذاب ، و { السوء } بالفتح ذم للدائرة كقولك «رجل سوء» في مقابلة قولك «رجل صدق» { والله سَمِيعٌ } لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة { عَلِيمٌ } بما يضمرونه . { وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } في الجهاد والصدقات { قربات } أسباباً للقربة { عَندَ الله } وهو مفعول ثان ل { يَتَّخِذُ } { وصلوات الرسول } أي دعاءه لأنه عليه السلام كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله «اللهم صل على آل أبي أوفى» { أَلا إِنَّهَا } أي النفقة أو صلوات الرسول { قُرْبَةٌ لَّهُمْ } { قُرْبَةٌ } نافع . وهذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه ، والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك { سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ } أي جنته وما في السين من تحقيق الوعد ، وما أدل هذا الكلام على رضا الله من المتصدقين ، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها { إِنَّ الله غَفُورٌ } يستر عيب المخل { رَّحِيمٌ } يقبل جهد المقل { والسابقون } مبتدأ { الأولون } صفة لهم { مِنَ المهاجرين } تبيين لهم وهم الذين صلوا إلى القبلتين ، أو الذين شهدوا بدراً أو بيعة الرضوان { والأنصار } عطف على { المهاجرين } أي ومن الأنصار وهم أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر ، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } من المهاجرين والأنصار فكانوا سائر الصحابة . وقيل : هم الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة والخبر { رَّضِيَ الله عَنْهُمْ } بأعمالهم الحسنة { وَرَضُواْ عَنْهُ } بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية { وَأَعَدَّ لَهُمْ } عطف على { رَضِيَ } { جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار } { مِن تَحْتِهَا } : مكي { خالدين فِيهَا أَبَداً ذلك الفوز العظيم } .","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم } يعني حول بلدتكم وهي المدينة { مّنَ الأعراب منافقون } وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانوا نازلين حولها { وَمِنْ أَهْلِ المدينة } عطف على خبر المبتدأ الذي هو { مِمَّنْ حَوْلَكُم } والمبتدأ { منافقون } ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت «ومن أهل المدينة قوم» { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } أي تمهروا فيه على أن مردوا صفة موصوف محذوف ، وعلى الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاماً مبتدأ ، أو صفة ل { منافقون } فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره ، ودل على مهارتهم فيه بقوله { لاَ تَعْلَمُهُمْ } أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوقهم في تحامي ما يشككك في أمرهم . ثم قال { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } أي لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على سرهم غيره ، لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين { سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } هما القتل وعذاب القبر ، أو الفضيحة وعذاب القبر ، أو أخذ الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم { ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } أي عذاب النار .\r{ وَءَاخَرُونَ } أي قوم آخرون سوى المذكورين { اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين وكانوا عشرة ، فسبعة منهم لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله A فدخل المسجد فصلى ركعتين ، وكانت عادته كلما قدم من سفر فرآهم موثقين فسأل عنهم ، ففذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله A هو الذي يحلهم فقال« : \" وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم» \" فنزلت ، فأطلقهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا فقال : \" «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً» \" فنزل { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا } خروجاً إلى الجهاد { وَءاخَرَ سَيِّئاً } تخلفاً عنه ، أو التوبة والإثم وهو من قولهم «بعت الشاء شاة ودرهما» أي شاة بدرهم ، فالواو بمعنى الباء لأن الواو للجمع والباء للإلصاق فيتناسبان ، أو المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر فكل واحد منهما مخلوط ومخلوط به كقولك «خلطت الماء واللبن» تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه بخلاف قولك «خلطت الماء باللبن» لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به . وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت «خلطت الماء باللبن واللبن بالماء» { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } ولم يذكر توبتهم لأنه ذكر اعترافهم بذنوبهم وهو دليل على التوبة { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } كفارة لذنوبهم .","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"وقيل : هي الزكاة { تُطَهِّرُهُمْ } عن الذنوب وهو صفة ل { صَدَقَة } والتاء للخطاب أو لغيبة المؤنث . والتاء في { وَتُزَكِّيهِمْ } للخطاب لا محالة { بِهَا } بالصدقة والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه ، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم ، والسنة أن يدعو المصدق لصاحب الصدقة إذا أخدها { إِنَّ صلواتك } { صلاتك } كوفي غير أبي بكر . قيل : الصلاة أكثر من الصلوات لأنها للجنس { صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ } يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم { والله سَمِيعٌ } لدعائك أو سميع لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم { عَلِيمٌ } بما في ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم .\r{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } المراد المتوب عليهم أي ألم يعلموا قيل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم { أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } إذا صحت { وَيَأْخُذُ الصدقات } ويقبلها إذا صدرت على خلوص النية وهو للتخصيص أي إن ذلك ليس إلى رسول الله A إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها ووجهوها إليها { وَأَنَّ الله هُوَ التواب } كثير قبول التوبة { الرحيم } يعفو الحوبة .\r{ وَقُلِ } لهؤلاء التائبين { اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون } أي فإن عملكم لا يخفى خيراً كان أو شراً على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم ، أو غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ، فقد رُوي أنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا : هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت . وقوله تعالى { فَسَيَرَى الله } . وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب } ما يغيب عن الناس { والشهادة } ما يشاهدونه { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تنبئة تذكير ومجازاة عليه { وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله } بغير همز : مدني وكوفي غير أبي بكر . { مرجئون } غيرهم من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ، ومنه المرجئة أي وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم { إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ } إن أصروا ولم يتوبوا { وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } إن تابوا وهم ثلاثة : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ، تخلفوا عن غزوة تبوك وهم الذين ذكروا في قوله : { وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ } { والله عَلِيمٌ } برجائهم { حَكِيمٌ } في إرجائهم ، وإما للشك وهو راجع إلى العباد أي خافوا عليهم العذاب وارجو لهم الرحمة . ورُوي أنه عليه السلام أمر أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل ذلك الفريق من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم ، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم ونصحت توبتهم فرحمهم الله .","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"{ والذين اتخذوا مَسْجِدًا } تقديره : ومنهم الذين اتخذوا . { الذين } بغير واو . مدني وشامي ، وهو مبتدأ خبره محذوف أي جازيناهم . رُوي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله A أن يأتيهم ، فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا : نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام وهو الذي قال لرسول الله عليه السلام يوم أحد : لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء وقالوا للنبي A : بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه فقال : \" إني على جناح سفر وإذا قدمنا من تبوك إن شاء الله صلينا فيه \" فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت عليه فقال لوحشي قاتل حمزة ومعن بن عدي وغيرهما : «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه» ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة ، ومات أبو عامر بالشام { ضِرَارًا } مفعول له وكذا ما بعد أي مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء { وَكُفْراً } وتقوية للنفاق { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين } لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم { وَإِرْصَادًا لِّمَنْ } وإعداداً لأجل من { حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ } وهو الراهب أعدوه له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله A . وقيل : كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله ، أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار { مِن قَبْلُ } متعلق ب { حَارَبَ } أي من قبل بناء هذا المسجد يعني يوم الخندق { وَلَيَحْلِفُنَّ } كاذبين { إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى } ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين { والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } في حلفهم { لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } للصلاة { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى } اللام للابتداء و { أُسِّسَ } نعت له وهو مسجد قباء أسسه رسول الله A وصلى فيه أيام مقامه بقباء أو وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة ، مسجد رسول الله A بالمدينة { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } من أيام وجوده . قيل : القياس فيه مذ ، لأنه لابتداء الغاية في الزمان ، و «من» لابتداء الغاية في المكان ، والجواب إن من عام في الزمان والمكان { أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } مصلياً { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين } قيل : لما نزلت مشى رسول الله A ومعه المهاجرون حتى وقفوا على باب مسجد قباء ، فإذا لأنصار جلوس فقال :","part":1,"page":464},{"id":465,"text":"« أمؤمنون أنتم؟ » فسكت القوم . ثم أعادها فقال عمر : يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم ، فقال عليه السلام : « أترضون بالقضاء » قالوا : نعم . قال : « أتصبرون على البلاء؟ » قالوا : نعم . قال : « أتشكرون في الرخاء؟ » قالوا : نعم . قال عليه السلام : « مؤمنون أنتم ورب الكعبة » فجلس ثم قال : « يا معشر الأنصار إن الله D قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟ » فقالوا : يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبي عليه السلام : { رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } قيل : هو عام في التطهر عن النجاسات كلها . وقيل : هو التطهر من الذنوب بالتوبة . ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب للشيء ، ومعنى محبة الله إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه .","part":1,"page":465},{"id":466,"text":"{ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } وضع أساس ما يبنيه { على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } هذا سؤال تقرير وجوابه مسكوت عنه لوضوحه ، والمعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ، خير أم من أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك ، وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى . والشفا : الحرف والشفير ، وجرف الوادي : جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهياً ، والهار الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط ، ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف ، وألفه ليس فاعل إنما هي عينه وأصله «هور» فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره { أَفَمَنْ أُسَّسَ بُنْيَانَهُ } شامي ونافع { جرْف } شامي وحمزة ويحيى { هارِ } بالإمالة : أبو عمرو وحمزة في رواية ويحيى { فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } فطاح به الباطل في نار جهنم . ولما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف ، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها . قال جابر : رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم { لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم { إِلاَّ أَن تَقَطَّع قُلُوبُهُمْ } شامي وحمزة وحفص أي تتقطع . غيرهم { تُقطّع } أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه ، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة ، ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة عنها ، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار ، أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم { والله عَلِيمٌ } بعزائمهم { حَكِيمٌ } في جزاء جرائمهم .\r{ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء . ورُوي : تاجرهم ، فأغلى لهم الثمن . وعن الحسن : أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها . ومر برسول الله A أعرابي وهو يقرؤها فقال : بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو واستشهد { يقاتلون فِى سَبِيلِ الله } بيان محل التسليم { فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } أي تارة يقتلون العدو وطوراً يقتلهم العدو .","part":1,"page":466},{"id":467,"text":"{ فَيُقتلون وَيَقْتلون } حمزة وعلي { وَعْدًا عَلَيْهِ } مصدر أي وعدهم بذلك وعداً { حَقّاً } صفته ، أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته { فِي التوراة والإنجيل والقرءان } وهو دليل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه . ثم قال { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين ، ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ { فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ } فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانياً بباقٍ { وذلك هُوَ الفوز العظيم } قال الصادق : ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها .\r{ التائبون } رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين ، أو هو مبتدأ خبره { العابدون } أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة ، وما بعده خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال . وعن الحسن : هم الذين تابوا من الشرك وتبرءوا من النفاق { الحامدون } على نعمة الإسلام { السائحون } الصائمون لقوله عليه السلام « سياحة أمتي الصيام » أو طلبة العلم لأنهم يسيحيون في الأرض يطلبونه في مظانه ، أو السائرون في الأرض للاعتبار { الركعون الساجدون } المحافظون على الصلوات { الآمرون بالمعروف } بالإيمان والمعرفة والطاعة { والناهون عَنِ المنكر } عن الشرك والمعاصي ودخلت الواو للإشعار بأن السبعة عقد تام ، أو للتضاد بين الأمر والنهي كما في قوله : { ثيبات وَأَبْكَاراً } [ التحريم : 5 ] { والحافظون لِحُدُودِ الله } أوامره ونواهيه ، أو معالم الشرع { وَبَشّرِ المؤمنين } المتصفين بهذه الصفات .\rوهمّ عليه السلام أن يستغفر لأبي طالب فنزل { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى } أي ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم } من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك ، ثم ذكر عذر إبراهيم فقال { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } أي وعد أبوه إياه أن يسلم أو هو وعد أباه أن يستغفر وهو قوله { لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة : 4 ] دليله قراءة الحسن { وَعَدَهَا أَبَاهُ } ومعنى استغفاره سؤاله المغفرة له بعد ما أسلم أو سؤاله إعطاء الإسلام الذي به يغفر له { فَلَمَّا تَبَيَّنَ } من جهة الوحي { لَهُ } لإبرهيم { أَنَّهُ } أن أباه { عَدُوٌّ لِلَّهِ } بأن يموت كافراً وانقطع رجاؤه عنه { تَبَرَّأَ مِنْهُ } وقطع استغفاره { إِنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ } هو المتأوه شفقاً وفرقاً ، ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته كان يتعطف على أبيه الكافر { حَلِيمٌ } هو الصبور على البلاء الصفوح عن الأذى ، لأنه كان يستغفر لأبيه وهو يقول لأرجمنك { وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } أي ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه وبين أنه محظور ، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام ، ولا يخذلهم إلا إذا قدموا عليه بعد بيان حظره وعلمهم بأنه واجب الاجتناب ، وأما قبل العلم والبيان فلا ، وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين ، والمراد ب { مَّا يَتَّقُونَ } ما يجب اتقاؤه للنهي ، فأما ما يعلم بالعقل فغير موقوف على التوقيف { أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } .","part":1,"page":467},{"id":468,"text":"{ إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }","part":1,"page":468},{"id":469,"text":"{ لَقَدْ تَابَ الله على النبى } أي تاب عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه كقوله { عَفَا الله عَنكَ } [ التوبة : 43 ] { والمهاجرين والأنصار } فيه بعث للمؤمنين على التوبة ، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي A والمهاجرين والأنصار { الذين اتبعوه فِى سَاعَةِ العسرة } في غزوة تبوك ومعناه في وقتها . والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق وكانوا في عسرة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد ، ومن الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة ، وبلغت بهم الشدة حتى اقتسم التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء ، ومن الماء حتى نحروا الإبل وعصروا كرشها وشربوه ، وفي شدة زمان من حرارة القيظ ومن الجدب والقحط { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } عن الثبات على الإيمان أو عن اتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه . وفي { كَادَ } ضمير الشأن والجملة بعده في موضع النصب وهو كقولهم «ليس خلق الله مثله» أي ليس الشأن خلق الله مثله { يزيغ } حمزة وحفص { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } تكرير للتوكيد { إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثلاثة } أي وتاب على الثلاثة وهم : كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية ، وهو عطف على { النبى } { الذين خُلّفُواْ } عن الغزو { حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ } برحبها أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيه قلقاً وجزعاً { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور لأنها حرجت من فرط الوحشة والغم { وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ } وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } بعد خمسين يوماً { لِيَتُوبُواْ } ليكونوا من جملة التوابين { إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } عن أبي بكر الوراق أنه قال : التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة .\r{ ا ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } في إيمانهم دون المنافقين ، أو مع الذين لم يتخلفوا ، أو مع الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً . والآية تدل على أن الاجماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم { مَا كَانَ لأهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله } المراد بهذا النفي النهي وخص هؤلاء بالذكر وإن استوى كل الناس في ذلك ، لقربهم منه ولا يخفى عليه خروجه { وَلاَ يَرْغَبُواْ } ولا أن يضنوا { بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } عما يصيب نفسه أي لا يختاروا إبقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة { ذلك } النهي عن التخلف { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } عطش { وَلاَ نَصَبٌ } تعب { وَلاَ مَخْمَصَةٌ } مجاعة { فِى سَبِيلِ الله } في الجهاد { وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا } ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم { يَغِيظُ الكفار } يغضبهم ويضيق صدورهم { وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } عن ابن عباس Bهما : لكل روعة سبعون ألف حسنة .","part":1,"page":469},{"id":470,"text":"يقال : نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوؤهم . وفيه دليل على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك ، وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم ، وقد أسهم النبي A لابني عامر وقد قدما بعد تقضي الحرب . والموطىء إما مصدر كالمورد ، وإما مكان . فإن كان مكاناً فمعنى { يَغِيظُ الكفار } يغيظهم وطؤه { إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } أي أنهم محسنون والله لا يبطل ثوابهم { وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً } في سبيل الله { صَغِيرَةً } ولو تمرة { وَلاَ كَبِيرَةً } مثل ما أنفق عثمان Bه في جيش العسرة { وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا } أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل ، وهو في الأصل فاعل من «ودى» إذا سال ومنه الودْيُ ، وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } من الإنفاق وقطع الوادي { لِيَجْزِيَهُمُ الله } متعلق ب { كتَبَ } أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء { أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيراً لأجرهم .\r{ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } اللام لتأكيد النفي أي أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح للإفضاء إلى المفسدة { فَلَوْلاَ نَفَرَ } فحين لم يكن نفير الكافة فهلا نفر { مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ } أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير { لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين } ليتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا المشاق في تحصيلها { وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } وليجعلوا مرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم { إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ } دون الأغراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس { لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ما يجب اجتنابه . وقيل : إن رسول الله A كان إذا بعث بعثاً بعد غزوة تبوك بعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعاً عن التفقه في الدين ، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ، ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر ، إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثراً من الجهاد بالنصال .","part":1,"page":470},{"id":471,"text":"والضمير في { لّيَتَفَقَّهُواْ } للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم { وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصّلوا في أيام غيبتهم من العلوم . وعلى الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه { ياأيها الذين ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ } يقربون منكم { مِّنَ الكفار } . القتال واجب مع جميع الكفرة قريبهم وبعيدهم ، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب . وقد حارب النبي A قومه ، ثم غيرهم من عرب الحجاز ، ثم الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره ، وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } شدة وعنفاً في المقال قبل القتال { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } بالنصرة والغلبة .\r{ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } «ما» صلة مؤكدة { فَمِنْهُمْ } فمن المنافقين { مَن يِقُولُ } بعضهم لبعض { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه } السورة { إيمانا } إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين و { أَيُّكُمْ } مرفوع بالابتداء وقيل : هو قول المؤمنين للحث والتنبيه { فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إيمانا } يقيناً وثباتاً أو خشية أ و إيماناً بالسورة لأنهم لم يكونوا آمنوا بها تفصيلاً { وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يعدون زيادة التكليف بشارة التشريف .\r{ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك ونفاق فهو فساد يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } كفراً مضموماً إلى كفرهم { وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون } هو إخبار عن إصرارهم عليه إلى الموت { أَوْ لاَ يَرَوْنَ } يعني المنافقين وبالتاء : حمزة خطاب للمؤمنين { أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ } يبتلون بالقحط والمرض وغيرهما { فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } عن نفاقهم { وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } لا يعتبرون . أو بالجهاد مع رسول الله A لا يتوبون بما يرون من دولة الإسلام ، ولا هم يذكرون بما يقع بهم من الاصطدام { وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به قائلين { هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ } من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم ، أو إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته عليه السلام { ثُمَّ انصرفوا } عن حضرة النبي عليه السلام مخافة الفضيحة { صَرَفَ الله قُلُوبَهُم } عن فهم القرآن { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لا يتدبرون حتى يفقهوا { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ } محمد عليه السلام { مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } شديد عليه شاق لكونه بعضاً منكم عنتكم ولقاؤكم المكروه ، فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } على إيمانكم { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } قيل : لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله A { فَإِن تَوَلَّوْاْ } فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك { فَقُلْ حَسْبِيَ الله } فاستعن بالله وفوض إليه أمورك فهو كافيك معرتهم وناصرك عليهم { لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فوضت أمري إليه { وَهُوَ رَبُّ العرش } هوأعظم خلق الله ، خلق مطافاً لأهل السماء وقبلة للدعاء { العظيم } بالجر وقرىء بالرفع على نعت الرب جل وعز .","part":1,"page":471},{"id":472,"text":"عن أبيّ : آخر آية نزلت { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } الآية .","part":1,"page":472},{"id":473,"text":"مئة وتسعة آيات مكية ، وكذا ما بعدها إلى سورة النور\r{ الر } ونحوه ممال : حمزة وعلي وأبو عمرو ، وهو تعديد للحروف على طريق التحدي { تِلْكَ ءايات الكتاب } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات ، والكتاب السورة { الحكيم } ذي الحكمة لاشتماله عليها ، أو المحكم عن الكذب والافتراء والهمزة { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } لإنكار التعجب والتعجب منه { أَنْ أَوْحَيْنَا } اسم « كان » و { عجباً } خبره ، واللام في { للناس } متعلق بمحذوف هو صفة ل { عجباً } فلما تقدم صار حالاً { إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس } بأن أنذر أو هي مفسرة إذ الإيحاء فيه معنى القول { وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ } بأن لهم . ومعنى اللام في { للناس } أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منه ، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر وأن يكون رجلاً من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم ، فقد كانوا يقولون : العجب أن الله لم يجد رسولاً إلى الناس إلا يتيم أبي طالب : وأن يذكر لهم البعث وينذر بالنيران ويبشر بالجنان ، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلاَّ بشراً مثلهم ، وإرسال اليتيم أو الفقير ليس بعجب أيضاً ، لأن الله تعالى إنما يختار للنبوة من جمع أسبابها ، والغنى والتقدم في الدنيا ليس من أسبابها . والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى ، فكيف يكون عجباً ، إنما العجب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء { قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ } أي : سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة . ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد ، وباعاً لأن صاحبها يبوع بها ، فقيل « لفلان : قدم في الخير » وإضافتها إلى { صدق } دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة ، أو مقام صدق ، أو سبق السعادة { قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ } { إن هذا } الكتاب { لسحر } مدني وبصري وشامي ، ومن قرأ { لساحر } فهذه إشارة إلى رسول الله A وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كذابين في تسميته سحراً .","part":1,"page":473},{"id":474,"text":"{ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش } أي استولى فقد يقدس الديان عن المكان والمعبود عن الحدود { يُدَبّرُ } يقضي ويقدر على مقتضى المحكمة { الأمر } أي أمر الخلق كله وأمر ملكوت السماوات والأرض والعرش . ولما ذكر ما يدل على عظمته وملكه من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش ، أتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة عل العظمة وأنه لا يخرج أمر من الأمور عن قضائه وتقديره وكذلك قوله : { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } دليل على عزته وكبريائه { ذلكم } العظيم الموصوف بما وصف به { الله رَبُّكُمُ } وهو الذي يستحق العبادة { فاعبدوه } وحدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من إنسان أو ملك فضلاً عن جماد لا يضر ولا ينفع { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أفلا تتدبرون فتستدلون بوجوب المصالح والمنافع على وجود المصلح النافع { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } حال أي لا ترجعون لي العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه والمرجع الرجوع أو مكان الرجوع { وَعَدَ الله } مصدر مؤكد لقوله إليه مرجعكم { حَقّاً } مصدر مؤكد لقوله : { وعد الله } { إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه { ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي الحكمة بإبداء الخلق وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم { بالقسط } بالعدل وهو متعلق ب { يجزي } أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم أو بقسطهم أي بما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا إذ الشرك ظلم { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] وهذا أوجه لمقابلة قوله : { والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } ولوجه كلامي","part":1,"page":474},{"id":475,"text":"{ هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء } الياء فيه منقلبة عن واو «ضواء» لكثرة ما قبلها وقلبها قنبل همزة لأنها للحركة أجمل { والقمر نُوراً } والضياء أقوى من النور فلذا جعله للشمس { وَقَدَّرَهُ } وقدر القمر أي وقدر مسيره { مَنَازِلَ } أو وقدره ذا منازل كقوله { والقمر قدرناه منازل } [ ياس : 39 ] { لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين } أي عدد السنين والشهور فاكتفى بالسنين لاشتمالها على الشهور { والحساب } وحساب الآجال والمواقيت المقدرة بالسنين والشهور { مَا خَلَقَ الله ذلك } المذكور { إِلاّ } ملتبساً { بالحق } الذي هو الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثاً { يُفَصّلُ الآيات } مكي وبصري وحفص وبالنون غيرهم { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فينتفعون بالتأمل فيها .\r{ إِنَّ فِى اختلاف اليل والنهار } في مجيء كل واحد منهما خلف الآخر أو في اختلاف لونيهما { وَمَا خَلَقَ الله فِى السماوات والأرض } من الخلائق { لآيات لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } خصهم بالذكر لأنهم يحذرون الآخر فيدعوهم الحذر إلى النظر .","part":1,"page":475},{"id":476,"text":"{ إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } لا يتوقعونه أصلاً ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم عن التفطن للحقائق أو لا يأملون حسن لقائنا كما يأمله السعداء أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف { وَرَضُواْ بالحياة الدنيا } من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي { واطمأنوا بِهَا } وسكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها فبنوا شديداً وأملوا بعيداً { والذين هُمْ عَنْ ءاياتنا غافلون } لا يتفكرون فيها ، ولا وقف عليه لأن خبر «إن» { أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النار } ف { أولئك } مبتدأ و«مأواهم» مبتدأ ثان و«النار» خبره والجملة خبر أولئك والباء في { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يتعلق بمحذوف دل عليه الكلام وهو جوزوا { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السديد المؤدي إلى الثواب ولذا جعل { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } بياناً له وتفسيراً ، إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها ، أو يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة ، ومنه الحديث \" إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له : أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة ، والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له : أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار \" وهذا دليل على أن الإيمان المجرد منج حيث قال : { بإيمانهم } ولم يضم إليه العمل الصالح { فِي جنات النعيم } متعلق ب { تجري } أو حال من { الأنهار } { دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم } أي دعاؤهم لأن { اللهم } نداء لله ومعناه : اللهم إنا نسبحك أي يدعون الله بقولهم { سبحانك اللهم } تلذذا بذكره لا عبادة { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } أي يحيي بعضهم بعضاً بالسلام أو هي تحية الملائكة إياهم ، وأضيف المصدر إلى المفعول أو تحية الله لهم { وَءَاخِرُ دعواهم } وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح { أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } أن يقولوا الحمد الله رب العالمين { أن } مخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد لله رب العالمين ، والضمير للشأن . قيل : أو كلامهم التسبيح وآخره التحميد فيبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بالشكر والثناء عليه ويتكلمون بينهما بما أرادوا","part":1,"page":476},{"id":477,"text":"{ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير } أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير ، فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم ، والمراد أهل مكة وقولهم { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 32 ] أي ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه { لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } لأميتوا وأهلكوا . { لقضى إليهم أجلهم } شامي على البناء للفاعل وهو الله D { فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ } شركهم وضلالهم { يَعْمَهُونَ } يترددون ، ووجه اتصاله بما قبله أن قوله { ولو يعجل الله } متضمن معنى نفي التعجيل كأنه قيل . ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم في طغيانهم أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم إلزاماً للحجة عليهم { وَإِذَا مَسَّ الإنسان } أصابه والمراد به الكافر { الضر دَعَانَا } أي دعا الله لإزالته { لِجَنبِهِ } في موضع الحال بدليل عطف الحالين أي { أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } عليه أي دعانا مضطجعاً . وفائدة ذكر هذه الأحوال أن معناه أن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر ، فهو يدعونا في حالاته كلها سواء كان مضطجعاً عاجزاً عن النهوض ، أو قاعداً لا يقدر على القيام ، أو قائماً لا يطيق المشي { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ } أزلنا ما به { مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ } أي مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد ، أو مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به ، والأصل «كأنه لم يدعنا» فخفف وحذف ضمير الشأن { كذلك } مثل ذلك التزيين { زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } للمجاوزين الحد في الكفر زين الشيطان بوسوسته { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الإعراض عن الذكر واتباع الكفر .","part":1,"page":477},{"id":478,"text":"{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ } يا أهل مكة { لَمَّا ظَلَمُواْ } أشركوا وهو ظرف { أهلكنا } والواو في { وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم { بالبينات } بالمعجزات { وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } إن بقوا ولم يهلكوا لأن الله علم منهم أنهم يصرون على كفرهم ، وهو عطف على { ظلموا } أو اعتراض ، واللام لتأكيد النفي يعني أن السبب في إِهلاكهم تكذيبهم للرسل ، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل { كذلك } مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك { نَجْزِي القوم المجرمين } وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله A { ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الأرض مِن بَعْدِهِم } الخطاب للذين بعث إليهم محمد A أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناها { لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } أي لننظر أتعملون خيراً أو شراً فنعاملكم على حسب عملكم . و { كيف } في محل النصب ب { تعملون } لا ب { ننظر } ، لأن معنى الاستفهام فيه يمنع أن يتقدم عليه عامله ، والمعنى أنتم بمنظر منا فانظروا كيف تعملون ، أبالاعتبار بماضيكم أم الاغترار بما فيكم؟ قال عليه السلام : « الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون » {\rوَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } حال { قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد لأهل الطغيان { ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا } ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك { أَوْ بَدّلْهُ } بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها ، فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه داخل تحت قدرة الإنسان وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة وأن يسقط ذكر الآلهة بقوله : { قُلْ مَا يَكُونُ لِي } ما يحل لي { أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَائي نَفْسِي } من قبل نفسي { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ } لا أتبع إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل ، لأن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله { إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } بالتبديل من عند نفسي { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي يوم القيامة . وأما الإتيان بقرآن آخر فلا يقدر عليه الإنسان ، وقد ظهر لهم العجز عنه إلا أنهم كانوا لا يعترفون بالعجز ويقولون لو نشاء لقلنا مثل هذا . ولا يحتمل أن يريدوا بقوله { أئت بقرآن غير هذا أو بدله } من جهة الوحي لقوله : { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } وغرضهم في هذا الاقتراح الكيد ، أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله فأبدل مكانه آخر ، وأما اقتراح التبديل فلاختبار الحال ، وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن يهلكه الله فينجوا منه أولا يهلكه فيسخروا منه ، فيجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لإفترائه على الله","part":1,"page":478},{"id":479,"text":"{ قُل لَّوْ شَاء الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } يعني أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإظهاره أمراً عجيباً خارجاً عن العادات ، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء فيقرأ عليكم كتاباً فصيحاً يغلب كل كلام فصيح ويعلو على كل منثور ومنظوم ، مشحوناً بعلوم الأصول والفروع والإخبار عن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني { فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ } من قبل نزول القرآن أي فقد أقمت فيما بينكم أربعين سنة ولم تعرفوني متعاطياً شيئاً من نحوه ولا قدرت عليه ، ولا كنت موصوفاً بعلم وبيان فتتهموني بإختراعه { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله لا من مثلي ، وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم أئت بقرآن غير هذا من إضافة الافتراء إليه .\r{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في أنه ذو شريك وذو ولد ، وأن يكون تفادياً مما أضافوه إليه من الافتراء { أو كذّب بآياته } بالقرآن ، فيه بيان أن الكاذب على الله والمكذب بآياته في الكفر سواء { إِنَّهُ لا يُفْلَحُ الْمُجرِمُون }","part":1,"page":479},{"id":480,"text":"وَيَعَبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَالا يَضُرُّهُمْ } إن تركوا عبادتها { وَلاَ يَنفَعُهُمْ } إن عبدوها { وَيَقُولُونَ هَؤُلاء } أي الأصنام { شفعاؤنا عِندَ الله } أي في أمر الدنيا ومعيشتها لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } [ النحل : 38 ] أو يوم القيامة أن يكن بعث ونشور { قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ } أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله ، وإذا لم يكن معلوماً له وهو عالم بجميع المعلومات لم يكن شيئاً . وقوله { فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض } تأكيد لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو معدوم { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } نزَّه ذاته عن أن يكون له شريك . وبالتاء : حمزة وعلي وما موصولة أو مصدرية ، أي عن الشركاء الذين يشركونهم به ، أو عن إشراكهم { وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم ، وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيل هابيل ، أو بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً { فاختلفوا } فصاروا مللاً { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } عاجلاً { فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيما اختلفوا فيه وليميز المحق من المبطل وسبق كلمته لحكمة ، وهي أن هذه الدار دار تكليف وتلك الدار دار ثواب وعقاب .\r{ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } أي آية من الآيات التي اقترحوها { فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ } أي هو المختص بعلم الغيب فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة لا غير { فانتظروا } نزول ما اقترحتموه { إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنتَظِرينَ } لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات","part":1,"page":480},{"id":481,"text":"{ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس } أهل مكة { رَحْمَةً } خصباً وسعة { مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } يعني القحط والجوع { إذا لهم مَّكْرٌ في ءاياتنا } أي مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها . رُوي أنه تعالى سلط القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحياة ، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله A ويكيدونه ف { إذا } الأولى للشرط ، والثانية جوابها وهي للمفاجأة وهو كقوله { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } [ الروم : 36 ] أي وإن تصبهم سيئة قنطوا ، وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا . والمكر إخفاء الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق ، ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم . وإنما قال : { قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا } ولم يصفهم بسرعة المكر لأن كلمة المفاجأة دلت على ذلك كأنه قال : وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء { إِنَّ رُسُلَنَا } يعني الحفظة { يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } إعلام بأن ما تظنونه خافياً لا يخفى على الله وهو منتقم منكم . وبالياء : سهل .\r{ هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ فِى البر والبحر } يجعلكم قادرين على قطع المسافات بالأرجل والدواب والفلك الجارية في البحار ، أو يخلق فيكم السير { ينشرُكم } شامي { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } أي السفن { وَجَرَيْنَ } أي السفن { بِهِمُ } بمن فيها رجوع من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة { بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } لينة الهبوب لا عاصفة ولا ضعيفة { وَفَرِحُواْ بِهَا } بتلك الريح للينها واستقامتها { جَاءتْهَا } أي الفلك أو الريح الطيبة أي تلقتها { رِيحٌ عَاصِفٌ } ذات عصف أي شديدة الهبوب { وَجَاءهُمُ الموج } هو ما علا على الماء { مّن كُلّ مَكَانٍ } من البحر أو من جميع أمكنة الموج { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أهلكوا جعل إحاطة العدو بالحي مثلاً في الإهلاك { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } من غير إشراك به لأنهم لا يدعون حينئذ معه غيره يقولون : { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه } الأهوال أو من هذه الريح { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } لنعمتك مؤمنين بك متمسكين بطاعتك ، ولم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد { حتى } بما في حيزها كأنه قيل : يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن بالهلاك والدعاء بالإنجاء ، وجواب : { إذا } { جاءتها } و { دعوا } بدل من { ظنوا } لأن دعاءهم من لوازم ظنهم للهلاك فهو ملتبس به","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"{ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُم يَبْغُونَ فِى الأرض } يفسدون فيها { بِغَيْرِ الحق } باطلاً أي مبطلين { ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ } أي ظلمكم يرجع إليكم كقوله { مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } [ فصلت : 46 ] { مَّتَاعَ الحياة الدنيا } حفص أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا { وعلى أنفسكم } خبر ل { بغيكم } . غيره بالرفع على أنه خبر { بغيكم } و { على أنفسكم } صلته كقوله { فبغى عليهم } ) القصص : 76 ) ومعناه إنما بغيكم على أمثالكم ، أو هو خبر و { متاع } خبر بعد خبر أو { متاع } خبر مبتدأ مضمر أي هو متاع الحياة الدنيا ، وفي الحديث « أسرع الخير ثواباً صلة الرحم ، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة » ورُوي « ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين » وعن ابن عباس Bهما : لو بغى جبل على جبل لدك الباغي وعن محمد بن كعب : ثلاث من كن فيه كن عليه : البغي والنكث والمكر . قال الله تعالى : { إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ وَمِنْ نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } [ الفتح : 10 ] { ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فنخبركم به ونجازيكم عليه\r{ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء } من السحاب { فاختلط بِهِ } بالماء { نَبَاتُ الأرض } أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً { مِمَّا يَأْكُلُ الناس } يعني الحبوبِ والثمار والبقول { والأنعام } يعني الحشيش { حتى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا } زينتها بالنبات واختلاف ألوانه { وازينت } وتزينت به وهو أصله وأدغمت التاء في الزاي وهو كلام فصيح ، جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين { وَظَنَّ أَهْلُهَا } أهل الأرض { أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها { أَتَاهَا أَمْرُنَا } عذابنا وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم { لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا } فجعلناها زرعاً { حَصِيداً } شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله { كَأَن لَّمْ تَغْنَ } كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث ، حذف المضاف في هذه المواضع لا بد منه ليستقيم المعنى { بالأمس } هو مقل في الوقت القريب كأنه قيل { كأن لم تغن } آنفاً { كذلك نُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فينتفعون بضرب الأمثال ، وهذا من التشبيه المركب شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال ، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه . وحكمة التشبيه ، التنبيه على أن الحياة صفوها شبيبتها وكدرها شيبتها كما أن صفو الماء في أعلى الإناء قال","part":1,"page":482},{"id":483,"text":"ألم تر أن العمر كأس سلافة ... فأوله صفو وآخره كدْر\rوحقيقته تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التلوين ، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس ، ورياحين الروح ، وزهرة الزهد ، وكروم الكرم ، وحبوب الحب ، وحدائق الحقيقة ، وشقائق الطريقة ، والخبيثة تخرج خلاف الخلف ، وثمام الاسم ، وشوك الشرك ، وشيح الشح ، وحطب العطب ، ولعاع اللعب ، ثم يدعوه معاده كما يحين للحرث حصاده فتزايله الحياة مغتراً كما يهيج النبات مصفراً فتغيب جثة في الرمس كأن لم تغن بالأمس إلى أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث ، وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله ويهلك كثيره ، ولا بد من ترك ما زاد كما لا بد من أخذ الزاد ، وآخذ المال لايخلو من زلة ، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة ، وجمعه وإمساكه تلف صاحبه ، وإهلاكه فما دون النصاب كضحضاح ماء يجاوز بلا احتماء ، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز . والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة ، وعمارتها بذل الصلات ، فمتى اختلت القنطرة غرّقته أمواج القناطير المقنطرة ، وعن هذا قال عليه السلام : « الزكاة قنطرة الإسلام » وكذا المال يساعد الأوغاد دون الأمجاد كما أن الماء يجتمع في الوهاد دون النجاد ، وكذلك الماء لا يجتمع إلا بكد البخيل كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل ، ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف .","part":1,"page":483},{"id":484,"text":"{ والله يَدْعُواْ إِلَى دَارُ السلام } هي الجنة أضافها إلى اسمه تعظيماً لها ، أو السلام السلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه . وقيل : لفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم { إلا قيلا سلاماً سلاماً } [ الواقعة : 26 ] { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } ويوفق من يشاء { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } إلى الإسلام أو طريق السنة ، فالدعوة عامة على لسان رسول الله بالدلالة ، والهداية خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية ، والمعنى يدعو العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون","part":1,"page":484},{"id":485,"text":"{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } آمنوا بالله ورسله { الحسنى } المثوبة الحسنى وهي الجنة { وَزِيَادَةٌ } رؤية الرب D كذا عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعبادة بن الصامت Bهم ، وفي بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى . وعن صهيب أن النبي A قال : « إذا دخل أهل الجنة يقول الله تبارك وتعالى : أتريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال : فنرفع الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم » ثم تلا { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } والعجب من صاحب الكشاف أنه ذكر هذا الحديث لا بهذه العبارة وقال : إنه حديث مدفوع مع أنه مرفوع قد أورده صاحب المصابيح في الصحاح . وقيل : الزيادة المحبة في قلوب العباد . وقيل : الزيادة مغفرة من الله ورضوان { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ } ولا يغشى وجوههم { قَتَرٌ } غبرة فيها سواد { وَلاَ ذِلَّةٌ } ولا أثر هوان ، والمعنى ولا يرهقهم ما يرهق أهل النار { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } { والذين كَسَبُواْ } عطف على { للذين أحسنوا } أي وللذين كسبوا { السيئات } فنون الشرك { جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } الباء زائدة كقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [ الشورى : 40 ] أو التقدير جزاء سيئة مقدر بمثلها { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } ذل وهوان { مَا لَهُم مِنَ الله } من عقابه { مِنْ عَاصِمٍ } أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه { كأنما أُغشيت وجوهُهم قِطعاً من الليل مظلماً } أي جعل عليها غطاء من سواد الليل أي هم سود الوجوه . و { قطعاً } جمع قطعة وهو مفعول ثان { أُغشيت } . قِطْعاً مكي وعلي من قوله { بِقِطْعٍ مّنَ اليل } [ هود : 81 ] وعلى هذه القراءة { مظلماً } صفة لقطع ، وعلى الأول حال من { الليل } والعامل فيه { أغشيت } لأن { من الليل } صفة ل { قطعاً } فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة ، أو معنى الفعل في { من الليل } { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون . }","part":1,"page":485},{"id":486,"text":"{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } أي الكفار وغيرهم { جَمِيعاً } حال { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ } أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم { أَنتُمْ } أكد به الضمير في { مكانكم } لسده مسد قوله الزموا { وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطف عليه { فَزَيَّلْنَا } ففرَّقنا { بَيْنَهُمْ } وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } من عبدوه من دون الله من أولي العقل أو الأصنام ينطقها الله D { مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا الله أنداداً فأطعتموهم وهو قوله : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ } إلى قوله : { بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن ) } سبأ : 41 ) { فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } أي كفى الله شهيداً وهو تمييز { إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين } { إن } مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية { هُنَالِكَ } في ذلك المكان أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان { تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ } تختبر وتذوق { مَّا أَسْلَفَتْ } من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن ، أنافع أم ضار ، أمقبول أم مردود ، وقال الزجاج : تعلم كل نفس ما قدمت . { تتلو } حمزة وعلي ، أي تتبع ما أسلفت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو النار ، أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر ، كذا على الأخفش { وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق } ربهم الصادق في ربوبيته لأنهم كانوا يتلون ما ليس لربوبيته حقيقة ، أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم العدل الذي لا يظلم أحداً { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } وضاع عنهم ما كانوا يدّعون أنهم شركاء لله ، أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة .","part":1,"page":486},{"id":487,"text":"{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء } بالمطر { والأرض } بالنبات { أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار } من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة ، أومن يحميهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء { وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } أي الحيوان والفرخ والزرع ، والمؤمن والعالم من النطفة ، والبيضة والحب والكافر والجاهل وعكسها { وَمَن يُدَبّرُ الأمر } ومن يلي تدبير أمر العالم كله جاء بالعموم بعد الخصوص { فَسَيَقُولُونَ الله } فسيجيبونك عند سؤالك إن القادر على هذه هو الله { فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } الشرك في العبودية إذ اعترفتم بالربوبية { فَذَلِكُمُ الله } أي من هذه قدرته هو الله { رَبُّكُمُ الحق } الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } أي لا واسطة بين الحق والضلال ، فمن تخطى الحق وقع في الضلال { فأنى تُصْرَفُونَ } عن الحق إلى الضلال وعن التوحيد إلى الشرك { كذلك } مثل ذلك الحق { حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } { كلمات } شامي ومدني ، أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال ، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك حقت كلمة ربك { عَلَى الذين فَسَقُواْ } تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه { أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدل من «الكلمة» أي حق عليهم انتفاء الإيمان ، أو حق عليهم كلمة الله أن إيمانهم غير كائن ، أو أراد بالكلمة العدة بالعذاب أنهم لا يؤمنون تعليل أي لأنهم لا يؤمنون","part":1,"page":487},{"id":488,"text":"{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَؤُا الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } إنما ذكر { ثم يعيده } وهم غير مقرين بالإعادة ، لأنه لظهور برهانها جعل أمراً مسلماً على أن فيهم من يقر بالإعادة أو يحتمل إعادة غير البشر كإعادة الليل والنهار وإعادة الإنزال والنبات { قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } أمر نبيه بأن ينوب عنهم في الجواب يعني أنهم لا تدعهم مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلهم عنهم { فأنى تُؤْفَكُونَ } فكيف تصرفون عن قصد السبيل .\r{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق } يرشد إليه { قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يهدى } يقال هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين ويقال هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ، ومنه قراءة حمزة وعلي { أمن لا يهدي } بمعنى يهتدي { لا يَهّدىِ } بفتح الياء والهاء وتشديد الدال : مكي وشامي وورش ، وبإشمام الهاء فتحة : أبو عمرو ، وبكسر الهاء وفتح الياء : عاصم غير يحيى ، والأصل { يهتدي } وهي قراءة عبد الله فأدغمت التاء في الدال وفتحت الهاء بحركة التاء وكسرت لالتقاء الساكنين ، وبكسر الياء والهاء وتشديد الدال : يحيى لاتباع ما بعدها وبسكون الهاء وتشديد الدال مدني غير ورش ، والمعنى أن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم ، وبما وفقهم وألهمهم ووقفهم على الشرائع بإرسال الرسل ، فهل من شركائكم - الذين جعلتم أنداداً لله - أحد يهدي إلى الحق مثل هداية الله؟ ثم قال : { أفمن يهدي إلى الحق أحق } بالاتباع أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه أولا يهدي غيره إلا أن يهديه الله . وقيل : معناه أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن يهدي إلا أن ينقل ، أولا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حياً ناطقاً فيهديه { فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد الله","part":1,"page":488},{"id":489,"text":"{ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ } في قولهم للأصنام إنها آلهة وإنها شفعاء عند الله والمراد بالأكثر الجميع { إِلاَّ ظَنّا } بغير دليل وهو اقتداؤهم بأسلافهم ظناً منهم إنهم مصيبون { إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق } وهو العلم { شَيْئاً } في موضع المصدر أي إغناء { إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } من اتباع الظن وترك الحق .\r{ وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى مِن دُونِ الله } أي افتراء من دون الله ، والمعنى وما صح وما استقام أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى { ولكن } كان { تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة { وَتَفْصِيلَ الكتاب } وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع من قوله { كتاب الله عليكم { } [ النساء : 24 ] { لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين } داخل في حيز الاستدراك كأنه قال : ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين ، ويجوز أن يراد : ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك ، فيكون { من رب العالمين } متعلقاً ب { تصديق } و { تفصيل } ويكون { لا ريب فيه } اعتراضًاً كما تقول «زيد لا شك فيه كريم» { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } بل أيقولون اختلقه { قُلْ } إن كان الأمر كما تزعمون { فَأتُواْ } أنتم على وجه الافتراء { بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية { وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله } أي وادعوا من دون الله من استطعتم من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله { إِن كُنتُمْ صادقين } أنه افتراء { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره ، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه ، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم . ومعنى التوقع في { ولما يأتهم تأويله } أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء ، وكذبوه بعد التدبر تمرداً وعناداً ، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به ، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرر عليهم التحدي وجربوا قواهم في المعارضة وعرفوا عجزهم عن مثله فكذبوا به بغياً وحسداً .\r{ كذلك } مثل ذلك التكذيب { كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني كفار الأمم الماضية كذبوا رسلهم قبل النظر في معجزاتهم وقبل تدبرها عناداً وتقليداً للآباء ، ويجوز أن يكون معنى { ولما يأتهم تأويله } ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق ، يعني أنه كتاب معجز من جهتين من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز وقبل أن يجربوا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين }","part":1,"page":489},{"id":490,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ } بالنبي أو بالقرآن أي يصدق به فيه نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند بالتكذيب { وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } لا يصدق به ويشك فيه ، أو يكون للاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصر { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين } بالمعاندين أو المصرين { وَإِن كَذَّبُوكَ } وإن تمّوا على تكذيبك ويئست من إجابتهم { فَقُل لّي عَمَلِي } جزاء عملي { وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } جزاء أعمالكم { أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } فكل مؤاخد بعمله { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعملت الشرائع ولكنهم لا يعون ولا يقبلون فهم كالصم { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم ، لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت ، فإذا اجتمع سلب العقل والسمع فقد تم الأمر .","part":1,"page":490},{"id":491,"text":"{ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ } ومنهم ناس ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يصدقون { أَفَأَنْتَ تَهْدِى العمى وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } أتحسب أنك تقدر على هداية العمي ولو انضم إلىّ فقد البصر فقد البصيرة ، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدس ، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء يعني أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } { ولكنِ الناس } حمزة وعلي . أي لم يظلمهم بسلب آلة الاستدلال ولكنهم ظلموا أنفسهم بترك الاستدلال حيث عبدوا جماداً وهم أحياء { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } وبالياء : حفص { كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار } استقصروا مدة لبثهم في الدنيا أو في قبورهم لهول ما يرون { يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً وذلك عند خروجهم من القبور ، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم { كأن لم يلبثوا } حال من «هم» أي نحشرهم مشبهين بمن لم يلبثوا إلا ساعة . و«كأن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي كأنهم . و { يتعارفون بينهم } حال بعد حال ، أو مستأنف على تقديرهم يتعارفون بينهم { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك ، أو هي شهادة من الله على خسرانهم ، والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } للتجارة عارفين بها وهو استئناف فهي معنى التعجب كأنه قيل ما أخسرهم { وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ } من العذاب { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل عذابهم { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } جواب { نتوفينك } وجواب { نرينك } محذوف أي وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك ، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة { ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ } ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو العقاب كأنه قيل : ثم الله معاقب على ما يفعلون . وقيل : «ثم» هنا بمعنى «الواو» .","part":1,"page":491},{"id":492,"text":"{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ } يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ويدعوهم إلى دين الحق { فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ } بالبينات فكذبوه ولم يتبعوه { قُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين النبي ومكذبيه { بالقسط } بالعدل فأنجى الرسول وعذب المكذبين ، أو لكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بالقسط { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا يعذب أحد بغير ذنبه . ولما قال { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } أي من العذاب استعجلوا لما وعدوا من العذاب نزل { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } أي وعد العذاب { إِن كُنتُمْ صادقين } أن العذاب نازل وهو خطاب منهم للنبي والمؤمنين { قُلْ } يا محمد { لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّا } من مرض أو فقر { وَلاَ نَفْعاً } من صحة أو غنى { إِلاَّ مَا شَاء الله } استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب { لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } لكل أمة وقت معلوم للعذاب مكتوب في اللوح فإذا جاء وقت عذابهم لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون فلا تستعجلوا { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ } الذي تستعجلونه { بَيَاتًا } نصب على الظرف أي وقت بيات وهو الليل وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون { أَوْ نَهَارًا } وأنتم مشتغلون بطلب المعاش والكسب { مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون } أي من العذاب ، والمعنى أن العذاب كله مكروه موجب للنفور فأي شيء تستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟ والاستفهام في { ماذا } يتعلق ب { أرأيتم } لأن المعنى أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون . وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال ، أو تعرفوا الخطأ فيه . ولم يقل «ماذا يستعجلون منه» لأنه أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام ، أو { ماذا يستعجل منه المجرمون } جواب الشرط نحو «إن أتيتك ماذا تطعمني» ثم تتعلق الجملة ب { أرأيتم } أو","part":1,"page":492},{"id":493,"text":"{ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ } العذاب { ءَامنتُم بِهِ } جواب الشرط و { ماذا يستعجل منه المجرمون } اعتراض . والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان . ودخول حرف الاستفهام على « ثم» كدخوله على «الواو» و«الفاء» في { أفأمن أهل القرى } { أو أمن أهل القرى } { الئان } على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به { وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } َأي بالعذاب تكذيباً واستهزاء . { آلان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام : نافع { ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } عطف على «قيل» المضمر قبل { الآن } { ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد } أي الدوام { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } من الشرك والتكذيب .\r{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } ويستخبرونك فيقولون { أَحَقٌّ هُوَ } وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء والضمير للعذاب الموعود { قُلْ } يا محمد { إِى وَرَبّي } نعم والله { إِنَّهُ لَحَقٌّ } إن العذاب كائن لا محالة { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بفائتين العذاب وهو لاحق بكم لا محالة { وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } كفرت وأشركت وهو صفة ل { نفس } أي ولو أن لكل نفس ظالمة { مَّا فِى الأرض } في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها { لاَفْتَدَتْ بِهِ } لجعلته فدية لها . يقال فداه فافتدى ، ويقال افتداه أيضاً بمعنى فداه { وَأَسرُّوا الندامةَ لما رأؤا العذاب } وأظهروها من قولهم «أسر الشيء» إذا أظهره ، أو أخفوها عجزاً عن النطق لشدة الأمر فأسر من الأضداد { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط } بين الظالمين والمظلومين دل عل ذلك ذكر الظلم { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ثم أتبع ذلك الإعلام بأن له الملك كله بقوله","part":1,"page":493},{"id":494,"text":"{ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض } فكيف يقبل الفداء ، وأنه المثيب المعاقب وما وعده من الثواب أو العقاب فهو حق لقوله : { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله } بالثواب أو بالعذاب { حَقّ } كائن { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ } هو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وإلى حسابه وجزائه المرجع فيخاف ويرجى { ياأيها الناس قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ، والموعظة التي تدعو إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب ، فما في القرآن من الأوامر والنواهي داع إلى كل مرغوب وزاجر عن كل مرهوب إذ الأمر يقتضي حسن المأمور به فيكون مرغوباً هو يقتضي النهي عن ضده وهو قبيح وعلى هذا النهي { وَشِفَاء لِمَا فِى الصدور } أي صدوركم من العقائد الفاسدة { وهدى } من الضلالة { وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } لمن آمن به منكم .\r{ قُلْ } يا محمد { بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك فليفرحوا ، والتكرير للتأكيد ، والتقدير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا ، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه ، والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح ، أو بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا وهما كتاب الله والإسلام . في الحديث « من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه » وقرأ الآية { هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } وبالتاء شامي ، { فلتفرحوا } يعقوب","part":1,"page":494},{"id":495,"text":"{ قُلْ أَرَءيْتُمْ } أخبروني { مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ } «ما» منصوب ب { أنزل } أو ب { أرأيتم } أي أخبرونيه { فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } فبعضتموه وقلتم هذا حلال وهذا حرام كقوله { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] نعم الأرزاق تخرج من الأرض ولكن لما نيطت أسبابها بالسماء نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات ، والشمس التي بها النضج وينع الثمار ، أضيف إنزالها إلى السماء { قُلِ الله أَذِنَ لَكُمْ } متعلق ب { أرأيتم } و { قل } تكرير للتوكيد ، والمعنى أخبروني الله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه { أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ } أم أنتم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه ، أو الهمزة للإنكار و«أم» منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله تقريراً للإفتراء . والآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام ، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه ، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان وإلا فهو مفتر على الديان { وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } ينسبون ذلك إليه { يَوْمُ القيامة } منصوب بالظن وهو ظن واقع فيه أي أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } حيث أنعم عليهم بالعمل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه .","part":1,"page":495},{"id":496,"text":"{ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } «ما» نافية والخطاب للنيي A والشأن الأمر { وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ } من التنزيل كأنه قيل : وما تتلو من التنزيل { مِن قُرْءانٍ } لأن كل جزء منه قرآن ، والإضمار قبل الذكر تفخيم له أو من الله D { وَلاَ تَعْمَلُونَ } أنتم جميعاً { مِنْ عَمَلٍ } أي عمل { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } شاهدين رقباء نحصي عليكم { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } تخوضون من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ } وما يبعد وما يغيب ، وبكسر الزاي : على حيث كان { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } وزن نملة صغيرة { فِي الأرض وَلاَ فِى السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ } رفعهما حمزة على الابتداء والخبر { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } يعني اللوح المحفوظ ، ونصبهما غيره على نفي الجنس ، وقدمت الأرض على السماء هنا وفي «سبأ» قدمت السماوات ، لأن العطف بالواو وحكمه حكم التثنية { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله } هم الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة ، أو هم الذين تولى الله هداهم بالبرهان الذي آتاهم فتولوا القيام بحقه والرحمة لخلقه ، أو هم المتحابون في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، أوهم المؤمنون المتقون بدليل الآية الثانية { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } إذا خاف الناس { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } إذا حزن الناس { الذين ءَامَنُواْ } منصوب بإضمار أعني أو لأنه صفة لأولياء ، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الشرك والمعاصي { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا } ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير موضع من كتابه ، وعن النبي A : \" هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له \" وعنه عليه السلام : \" ذهبت النبوة وبقيت المبشرات والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة \" وهذا لأن مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة ، وكان في ستة أشهر منها يؤمر في النوم بالإنذار ، وستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءاً ، أو هي محبة الناس له والذكر الحسن ، أولهم البشرى عند النزع بأن يرى مكانه في الجنة { وَفِي الآخرة } هي الجنة { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده { ذلك } إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين { هُوَ الفوز العظيم } وكلتا الجملتين اعتراض ، ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام كما تقول «فلان ينطق بالحق والحق أبلج»وتسكت .","part":1,"page":496},{"id":497,"text":"{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } تكذيبهم وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك { إِنَّ العزة } استئناف بمعنى التعليل كأنه قيل : مالي لا أحزن؟ فقيل : إن العزة { لِلَّهِ } إن الغلبة والقهر في ملكة الله جميعاً لا يملك أحد شيئاً منهما ، لا هم ولا غيرهم ، فهو يغلبهم وينصرك عليهم { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة : 21 ] { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] أو به يتعزز كل عزيز فهو يعزك ودينك وأهلك ، والوقف لازم على { قولهم } لئلا يصير { إن العزة } مقول الكفار { جَمِيعاً } حال { هُوَ السميع } لما يقولون { العليم } بما يدبرون ويعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك { أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى السماوات وَمَنْ فِى الأرض } يعني العقلاء وهم الملائكة والثقلان ، وخصهم ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفي مَلكَته ولا يصلح أحد منهم للربوبية ولا أن يكون شريكاً له فيها ، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له نداً وشريكاً { وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاء } «ما» نافية أي وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء لأن شركة الله في الربوبية محال { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } إلا ظنهم أنهم شركاء الله { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يحزرون ويقدّرون أن تكون شركاء تقديراً باطلاً ، أو استفهامية أي وأي شيء يتبعون و { شركاء } على هذا نصب ب { يدعون } وعلى الأول ب { يتبع } وكان حقه وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء ، فاقتصر على أحدهما للدلالة والمحذوف مفعول { يدعون } أو موصولة معطوفة على { من } كأنه قيل : ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم .\rثم نبه على عظيم قدرته وشمول نعمته على عباده بقوله","part":1,"page":497},{"id":498,"text":"{ هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } أي جعل لكم الليل مظلماً لتستريحوا فيه من تعب التردد في النهار { والنهار مُبْصِراً } مضيئاً لتبصروا فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع مذكر معتبر { قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه } تنزيه له عن اتخاذ الولد وتعجب من كلمتهم الحمقاء { هُوَ الغني } علة لنفي الولد لأنه إنما يطلب الولد ضعيف ليتقوى به ، أو فقير ليستعين به ، أو ذليل ليتشرف به ، والكل أمارة الحاجة فمن كان غنياً غير محتاج كان الولد عنه منفياً ، ولأن الولد بعض الوالد فيستدعي أن يكون مركباً ، وكل مركب ممكن ، وكل ممكن يحتاج إلى الغير فكان حادثاً فاستحال القديم أن يكون له ولد { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } ملكاً ولا تجتمع النبوة معه { إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا } ما عندكم من حجة بهذا القول ، والباء حقها أن تتعلق بقوله { إن عندكم } على أن يجعل القول مكانا ل { سلطان } كقولك «ما عندكم بأرضكم موز» كأنه قيل : إن عندكم فيما تقولون سلطان ، ولما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين فقال : { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } بإضافة الولد إليه { لاَ يُفْلِحُونَ } لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة .","part":1,"page":498},{"id":499,"text":"{ متاع فِى الدنيا } أي افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا حيث يقيمون به رياستهم في الكفر ومناصبة النبي A بالتظاهر به { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد } المخلد\r{ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } بكفرهم .\r{ واتل عَلَيْهِمْ } واقرأ عليهم { نَبَأَ نُوحٍ } خبره مع قومه والوقف عليه لازم إذ لو وصل لصار «إذ» ظرفا لقوله { واتل } بل التقدير واذكر { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياقوم إن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ } عظم وثقل كقوله { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين { } [ البقرة : 45 ] { مَّقَامِى } مكاني يعني نفسه كقوله { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] أي خاف ربه ، أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، أو مقامي { وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله } هم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بينًا وكلامهم مسموعاً { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } أي فوضت أمري إليه { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه { وَشُرَكَاءكُمْ } الواو بمعنى «مع» أي فأجمعوا أمركم مع شركائكم { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } أي غماً عليكم وهما والغم والغمة كالكرب والكربة ، أو ملتبساً في خفية . والغمة السترة من غمه إذا ستره ومنه الحديث \" لاغمة في فرائض الله \" أي لا تستر ولكن يجاهر بها ، والمعنى ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستوراً عليكم ولكن مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به { ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ } ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إلى ما هو حق عندكم من هلاكي كما يقضي الرجل غريمه ، أو اصنعوا ما أمكنكم { وَلاَ تُنظِرُونَ } ولا تمهلوني { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } فإن أعرضتم عن تذكيري ونصحي { فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } فأوجب التولي ، أو فما سألتكم من أجر ففاتني ذلك بتوليكم { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي ما نصحتكم إلا لله لا لغرض من أغراض ، الدنيا وفيه دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم الديني { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } من المستسلمين لأوامره ونواهيه { إن أجري } بالفتح : مدني وشامي وأبو عمرو وحفص .","part":1,"page":499},{"id":500,"text":"{ فَكَذَّبُوهُ } فداموا على تكذيبه { فنجيناه } من الغرق { وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك } في السفينة { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } يخلفون الهالكين بالغرق { وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بآياتنا فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } هو تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله A عن مثله وتسلية له .\r{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ } من بعد نوح عليه السلام { رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ } أي هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعباً { فَجَآءُوهُم بالبينات } بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } فأصروا على الكفر بعد المجيء { بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } من قبل مجيئهم ، يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد { كَذَلِكَ نَطْبَعُ } من ذلك الطبع نختم { على قُلوبِ المعتدين } المجاوزين الحد في التكذيب { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم } من بعد الرسل { موسى وهارون إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ بئاياتنا } بالآيات التسع { فاستكبروا } عن قبولها وأعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها ويتعظموا عن قبولها { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } كفاراً ذوي آثام عظام فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا على ردها { فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا } فلما عرفوا أنه هو الحق وأنه من عند الله { قَالُواْ } لحبهم الشهوات { إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من السحر .","part":1,"page":500},{"id":501,"text":"{ قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ } هو إنكار ومقولهم محذوف أي هذا سحر ، ثم استأنف إنكاراً آخر فقال : { أَسِحْرٌ هذا } خبر ومبتدأ { وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون } أي لا يظفر .\r{ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا } لتصرفنا { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } من عبادة الأصنام أو عبادة فرعون { وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء } أي الملك لأن الملوك موصوفون بالكبرياء والعظمة والعلو { فِى الأرض } أرض مصر { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين فيما جئتما به { ويكن } حماد ويحيى { وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتونى بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } { سحار } حمزة وعلي { فَلَمَّا جَاء السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقُواْ قَالَ موسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر } «ما» موصولة واقعة مبتدأ ، أو { جئتم به } صلتها و { السحر } خبر أي الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله . { آلسحر } بعد وقف : أبو عمرو على الاستفهام ، فعلى هذه القراءة «ما» استفهامية أيْ أيّ شيء جئتم به أهو السحر { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } يظهر بطلانه { إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين } لايثبته بل يدمره { وَيُحِقُّ الله الحق } ويثبّته { بكلماته } بأوامره وقضاياه أو يظهر الإسلام بعداته بالنصرة { وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } ذلك { فَمَا ءامَنَ لموسى } في أول أوامره { إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ } إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل كأنه قيل : إلا أولاد من أولاد قومه ، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون ، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف ، أو الضمير في { قومه } لفرعون والذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنة وماشطته والضمير في { وَملإيهِمْ } يرجع إلى فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر ، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له ، أو إلى الذرية أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم دليله قوله { أَن يَفْتِنَهُمْ } يريد أن يعذبهم فرعون { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض } لغالب فيها قاهر { وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين } في الظلم والفساد وفي الكبر والعتو بادعائه الربوبية .","part":2,"page":1},{"id":502,"text":"{ وَقَالَ موسى ياقوم إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله } صدقتم به وبآياته { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ } فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون { إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ } شرط في التوكل الإسلام وهو أن يسلموا نفوسهم لله أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظ للشيطان فيها ، لأن التوكل لا يكون مع التخليط { فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا } إنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين ، لاجرم أن الله قبل توكلهم وأجاب دعاءهم ونجاهم ، وأهلك من كانوا يخافونه وجعلهم خلفاء في أرضه ، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين } موضع فتنة لهم أي عذاب يعذبوننا أو يفتنوننا عن ديننا أي يضلوننا والفاتن المضل عن الحق { وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين } أي من تعذيبهم وتسخيرهم { وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } تبوأ المكان اتخذه مباءة كقوله «توطنه» إذا اتخذه وطناً ، والمعنى اجعلا بمصر بيوتاً من بيوته مباءة لقومكما ومرجعاً يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه { واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } أي مساجد متوجهة نحو القبلة وهي الكعبة ، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة وكانوا في أول الأمر مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة { وَأَقِيمُواْ الصلاوة } في بيوتكم حتى تأمنوا { وَبَشّرِ المؤمنين } يا موسى ، ثنى الخطاب أولاً ثم جمع ثم وحد آخراً لأن اختيار مواضع العبادة مما يفوض إلى الأنبياء ، ثم جمع لأن اتخاذ المساجد والصلاة فيها واجب على الجمهور ، وخص موسى عليه السلام بالبشارة تعظيماً لها وللمبشر بها .","part":2,"page":2},{"id":503,"text":"{ وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً } هو ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك { وَأَمْوَالاً } أي نقداً ونعماً وضيعة { في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك } ليضلوا الناس عن طاعتك كوفي ولا وقف على { الدنيا } لأن قوله { ليضلوا } متعلق ب { آتيت } و { ربنا } تكرار . الأول للإلحاح في التضرع . قال الشيخ أبو منصور C : إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا عن سبيله وهو كقوله { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } [ آل عمران : 178 ] فتكون الآية حجة على المعتزلة { رَبَّنَا اطمس على أموالهم } أي أهلكها وأذهب آثارها لأنهم يستعينون بنعمتك على معصيتك ، والطمس المحو والهلاك . قيل : صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة كهيئاتها منقوشة . وقيل وسائر أموالهم كذلك { واشدد على قُلُوبِهِمْ } اطبع على قلوبهم واجعلها قاسية { فَلاَ يُؤْمِنُواْ } جواب الدعاء الذي هو اشدد { حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } إلى أن يروا العذاب الأليم وكان كذلك ، فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرق ، وكان ذلك إيمان يأس فلم يقبل . وإنما دعا عليهم بهذا لما أيس من إيمانهم وعلم بالوحي أنهم لا يؤمنون ، فأما قبل أن يعلم بأنهم لا يؤمنون فلا يسع له أن يدعو بهذا الدعاء لأنه أرسل إليهم ليدعوهم إلى الإيمان ، وهو يدل على أن الدعاء على الغير بالموت على الكفر لا يكون كفراً { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } قيل كان موسى عليه السلام يدعو وهارون يؤمّن فثبت أن التأمين دعاء فكان إخفاؤه أولى ، والمعنى أن كلمة واحدة مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته { فاستقيما } فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والتبليغ { وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } ولا تتبعان طريق الجهلة الذين لا يعلمون صدق الإجابة وحكمة الإمهال فقد كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة . { ولا تتبعان } بتخفيف النون وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيها بنون التثنية : شامي ، وخطأه بعضهم لأن النون الخفيفة واجبة السكون . وقيل : هو إخبار عما يكونان عليه وليس بنهي ، أو هو حال وتقديره فاستقيما غير متبعين .","part":2,"page":3},{"id":504,"text":"{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } هو دليل لنا على خلف الأفعال { فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } فلحقهم . يقال : تبعته حتى أتبعته { بَغِيّاً } تطاولاً { وَعَدْوًا } ظلماً وانتصباً على الحال أو على المفعول له { حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق } ولا وقف عليه لأن { قَالَ ءامَنتُ } جواب { إذا } - { أَنَّهُ } - إنه حمزة وعلي على الاستئناف بدل من { آمنت } وبالفتح غيرهما على حذف الباء التي هي صلة الإيمان { لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل وَأَنَاْ مِنَ المسلمين } وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد حيث قال : { آمنت } ثم قال : { وأنا من المسلمين } كرر فرعون المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصاً على القبول ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته وكانت المرة الواحدة تكفي في حالة الاختيار { الئان } أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك . قيل : قال ذلك حين ألجمه الغرق والعامل فيه أتؤمن { وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين } من الضالين المضلين عن الإيمان . روي أن جبريل عليه السلام أتاه بفتيا : ما قول الأميرفي عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه ، فكتب فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب : جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه .","part":2,"page":4},{"id":505,"text":"{ فاليوم نُنَجّيكَ } نلقيك بنجوة من الأرض فرماه الماء إلى الساحل كأنه ثور { بِبَدَنِكَ } في موضع الحال أي الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن أو ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير ، أو عرياناً لست إلا بدنا من غير لباس ، أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها . وقرأ أبو حنيفة Bه { بأبدانك } وهو مثل قولهم هو«بأجرامه» أي ببدنك كله وافياً بأجزائه ، أو بدروعك لأنه ظاهر بينها { لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } لمن وراءك من الناس علامة وهم بنو إسرائيل ، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأناً من أن يغرق . وقيل : أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدقوه فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه . وقيل : { لمن خلفك } لمن يأتي بعدك من القرون ومعنى كونه آية أن يظهر للناس عبوديته وأن ما كان يدعيه من الربوبية محال ، وأنه مع ما كان عليه من عظم الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ربه فما الظن بغيره { وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق } منزلاً صالحاً مرضياً وهو مصر والشام { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات فَمَا اختلفوا } في دينهم { حتى جَاءهُمُ العلم } أي التوراة وهم اختلفوا في تأويلها كما اختلف أمة محمد A في تأويل الآيات من القرآن أو المراد العلم بمحمد واختلاف بني إسرائيل وهم أهل الكتاب اختلافهم في صفته أنه هو أم ليس هو بعد ما جاءهم العلم أنه هو { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } يميز الحق من المبطل ويجزي كلا جزاءه .\r{ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ } لما قدم ذكر بني إسرائيل - وهم قراء الكتاب - ووصفهم بأن العلم قد جاءهم لأن أمر رسول الله A مكتوب في التوراة والإنجيل وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، أراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن وبصحة نبوته A ويبالغ في ذلك فقال : فإن وقع لك شك فرضاً وتقديراً ، وسبيل من خالجته شبهة أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته أو بمباحثة العلماء فسل علماء أهل الكتاب فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك . فالمراد وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله A لا وصف رسول الله A بالشك فيه ثم قال : { لَقَدْ جَاءكَ الحق مِن رَّبّكَ } أي ثبت عندك بالآيات الواضحة والبراهين اللائحة أن ما أتاك هو الحق الذي لا مجال فيه للشك { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } الشاكين ولا وقف عليه للعطف .","part":2,"page":5},{"id":506,"text":"{ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين } أي فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله أو هو على طريقة التهييج والإلهاب كقوله { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين } [ القصص : 86 ] { وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } [ القصص : 87 ] ولزيادة التثبيت والعصمة ولذلك قال عليه السلام عند نزوله : \" لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق \" أوخوطب رسول الله A والمراد أمته أي وإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم كقوله { وأنزلنا إليكم نوراً مبينا } [ النساء : 174 ] أو الخطاب لكل سامع يجوز عليه الشك كقول العرب «إذا عز أخوك فهن» أو «إن» للنفي أي فما كنت في شك فاسأل أي لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقينا كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى . فإن قلت : إنما يجيء «إن» للنفي إذا كان بعده «إلا» كقوله : { إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ } [ الملك : 20 ] قلت : ذاك غير لازم ألا ترى إلى قوله { إن أمسكهما من أحد من بعده } [ فاطر : 41 ] فإن للنفي وليس بعده «إلا»\r{ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبّكَ } ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفاراً أو قوله { لأملأن جهنم } الآية ولا وقف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } لأن","part":2,"page":6},{"id":507,"text":"وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ } تتعلق بما قبلها { حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } أي عند اليأس فيؤمنون ولا ينفعهم ، أو عند القيامة ولا يقبل منهم { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ } فهلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة ولم تؤخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بختفه { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } بأن يقبل الله منها بوقوعه في وقت الاختيار { إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس ، أو متصل والجملة في معنى النفي كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس ، وانتصابه على أصل الاستثناء { لَمَّا ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ } إلى آجالهم . رُوي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً ، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح كلهم وعجوا أربعين ليلة وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، وفرّقوا بين النساء والصبيان والدواب وأولادها ، فحن بعضهم إلى بعض وأظهروا الإيمان والتوبة ، فرحمهم وكشف عنهم - وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة - وبلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل كان يقلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنيايه فيرده . وقيل : خرجوا لما نزل بهم العذاب إلى شيخ من بقية علمائهم فقال لهم : قولوا ياحي حين لا حي ، وياحي محيي الموتى ، وياحي لا إله إلا أنت . فقالوها فكشف الله عنهم . وعن الفضيل قدس الله روحه قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل ، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله .","part":2,"page":7},{"id":508,"text":"{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ } على وجه الإحاطة والشمول { جَمِيعاً } مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه لا يختلفون فيه ، أخبر عن كمال قدرته ونفوذ مشيئته أنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم ولكنه شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان به ، وشاء الكفر ممن علم أنه يحتار الكفر ولا يؤمن به . وقول المعتزلة : المراد بالمشيئة مشيئة القسر والإلجاء أي لو خلق فيهم الإيمان جبراً لآمنوا لكن قد شاء أن يؤمنوا اختياراً فلم يؤمنوا دليله { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } - أي ليس إليك مشيئة الإكراه والجبر في الإيمان إنما ذلك إليّ - فاسد لأن الإيمان فعل العبد وفعله ما يحصل بقدرته ولا يتحقق ذلك بدون الاختيار . وتأويله عندنا أن الله تعالى لطفاً لو أعطاهم لآمنوا كلهم عن اختيار ولكن علم منهم أنهم لا يؤمنون فلم يعطهم ذلك وهو التوفيق . والاستفهام في { أفأنت } بمعنى النفي أي لا تملك أنت يا محمد أن تكرههم على الإيمان لأنه يكون بالتصديق والإقرار ولا يمكن الإكراه على التصديق .\r{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } بمشيئته أو بقضائه أو بتوفيقه وتسهيله أو بعلمه { وَيَجْعَلُ الرجس } أي العذاب أو السخط أو الشيطان أي ويسلط الشيطان { عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } لا ينتفعون بعقولهم ، { ونجعل } حماد ويحيى { قُلِ انظروا } نظر استدلال واعتبار { مَاذَا فِى السماوات والأرض } من الآيات والعبر باختلاف الليل والنهار وخروج الزروع والثمار { وَمَا تُغْنِى الآيات } «ما» نافيه { والنذر } والرسل المنذورون أو الانذارات { عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } لا يتوقع إيمانهم وهم الذين لا يعقلون .","part":2,"page":8},{"id":509,"text":"{ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } يعني وقائع الله فيهم كما يقال أيام العرب لوقائعها { قُلْ فانتظروا إِنَّى مَعَكُمْ مّنَ المنتظرين ثُمَّ نُنَجّى رُسُلُنَا } معطوف على كلام محذوف يدل عليه { إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } كأنه قيل : نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا على حكاية الأحوال الماضية { والذين ءامَنُواْ } ومن آمن معهم { كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين } أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين و { حقاً علينا } اعتراض أي حق ذلك علينا حقاً . { ننجي } بالتخفيف : علي وحفص .\r{ قُلْ ياأيها الناس } يا أهل مكة { إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } وصحته وسداده فهذا ديني فاستمعوا وصفه ، ثم وصف دينه قال : { فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } أي الأصنام { ولكن أَعْبُدُ الله الذى يَتَوَفَّاكُمْ } يميتكم ، وصفه بالتوفي ليريهم أنه الحقيق بأن يخاف ويتقي ويعبدون دون ما لا يقدر على شيء { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين } أي بأن أكون يعني أن الله أمرني بذلك بما ركب فيّ من العقل وبما أوحى إليّ في كتابه { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ } أي وأوحى إليّ أن أقم ليشاكل قوله أي استقم مقبلا بوجهك على ما أمرك الله ، أو استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالا { حَنِيفاً } حال من الدين أو الوجه { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين }","part":2,"page":9},{"id":510,"text":"{ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَالاً يَنفَعُكَ } إن دعوته { وَلاَ يَضُرُّكَ } إن خذلته { فَإِن فَعَلْتَ } فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فكنى عنه بالفعل إيجازاً { فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين } «إذا» جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان ، وجعل { من الظالمين } لأنه لا ظلم أعظم من الشرك .\r{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله } يصبك { بِضُرّ } مرض { فَلاَ كاشف لَهُ } لذلك الضر { إِلاَّ هُوَ } إلاَّ الله { وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } عافية { فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } فلا رادَّ لمراده { يُصَيبُ بِهِ } بالخير { مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } قطع بهذه الآية على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه والاعتماد إلا عليه { وَهُوَ الغفور } المكفر بالبلاء { الرحيم } المعافي بالعطاء ، أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر أن الله هو الضار النافع الذي إن أصابك بضر لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد ، فكيف بالجماد الذي لا شعور به؟ وكذا إن أرادك بخير لم يرد أحد ما يريده بك من الفضل والإحسان فكيف بالأوثان؟ وهو الحقيق إذاً بأن توجه إليه العبادة دونها وهو أبلغ من قوله { إِنْ أَرَادَنِىَ الله بِضُرّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ } [ الزمر : 38 ] وإنما ذكر المس في أحدهما والإرادة في الآخر كأنه أراد أن يذكر الأمرين : الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير ، وأنه لاراد لما يريد منهما ولا مزيل لما يصيب به منهما ، فأوجز الكلام بأن ذكر المس وهو الإصابة في أحدهما والإرادة في الآخر ليدل بما ذكر على ما ترك على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله { يصيب به من يشاء من عباده } { قُلْ يا أَيُّهَا الناس } يا أهل مكة { قَدْ جَاءكُمُ الحق } القرآن أو الرسول { مِن رَّبّكُمْ فَمَنُ اهتدى } اختار الهدى واتبع الحق { فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } فما نفع باختياره إلا لنفسه { وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ومن آثر الضلال فما ضر إلا نفسه ودل اللام و«على» على معنى النفع والضرر { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ موكول إلى أمركم إنما أنا بشير ونذير .","part":2,"page":10},{"id":511,"text":"{ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر } على تكذيبهم وإيذائهم { حتى يَحْكُمَ الله } لك بالنصر عليهم والغلبة { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } لأنه المطلع على السرائر فلا يحتاج إلى بينة وشهود .","part":2,"page":11},{"id":512,"text":"{ الر كِتَابٌ } أي هذا كتاب فهو خبر مبتدأ محذوف { أُحكمت ءاياته } صفة له أي نظمت نظماً رصيناً محكماً لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم { ثُمَّ فُصّلَتْ } كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة ، أو فصل فيها ما يحتاج إليه العباد أي بين ولخص . وليس معنى « ثم» التراخي في الوقت ولكن في الحال { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة أخرى ل { كتاب } أو خبر بعد خبر أوصلة ل { أحكمت } و { فصلت } أي من عنده أحكامها وتفصيلها { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } مفعول له أي لئلا تعبدوا أو «أن» مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل قال : لا تعبدوا إلا الله أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله { إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } أي من الله { وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ } أي أمركم بالتوحيد والاستغفار { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } أي استغفروه من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة { يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من عيشة واسعة ونعمة متتابعة { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى أن يتوفاكم { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه شيئاً { وَإِن تَوَلَّوْاْ } وإن تتولوا { فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } هو يوم القيامة .","part":2,"page":12},{"id":513,"text":"{ إلى الله مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فكان قادراً على إعادتكم { أَلآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يزورّون عن الحق وينحرفون عنه لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره ومن أزورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه { لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } ليطلبوا الخفاء من الله فلا يطلع رسوله والمؤمنون على ازورارهم { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } يتغطون بها أي يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم كراهة لاستماع كلام الله كقول نوح عليه السلام { جَعَلُواْ أصابعهم فِى ءاذانهم واستغشوا ثِيَابَهُمْ } { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أي لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم فلا وجه لتوصلهم لي ما يريدون من الاستخفاء والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم ونفاقهم غير نافق عنده قيل نزلت في المنافقين { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بما فيها .\r{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } تفضلاً لا وجوباً { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا } مكانه من الأرض ومسكنه { وَمُسْتَوْدَعَهَا } حيث كان مودعاً قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة { كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في اللوح يعني ذكرها مكتوب فيه مبين { وَهُوَ الذى خَلَقَ السماوات والأرض } وما بينهما { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } من الأحد إلى الجمعة تعليماً للتأني { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } أي فوقه يعني ما كان تحته خلق قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء ، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض . قيل بدأه بخلق يا قوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء ثم خلق ريحاً فأقر الماء على متنه ثم وضع عرشه على الماء وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبار لأهل الأفكار { لِيَبْلُوَكُمْ } أي خلق السماوات والأرض وما بينهما للمتحن فيهما ولم يخلق هذه الأشياء لأنفسها { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أكثر شكراً وعنه عليه السلام « أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله فمن شكر وأطاع أثابه ومن كفر وعصى عاقبه » ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال : { ليبلوكم } أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أشار بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق بالبعث فإذا جعلوا سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره { ساحر } حمزة وعلي يريدون الرسول والساحر كاذب مبطل { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب } عذاب الآخرة أو عذاب يوم بدر { إلى أُمَّةٍ } إلى جماعة من الأوقات { مَّعْدُودَةً } معلومة أو قلائل والمعنى إلى حين معلوم { لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ } ما يمنعه من النزول استعجالاً له على وجه التكذيب والاستهزاء { أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ } العذاب { لَّيْسَ } العذاب { مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } ويوم منصوب ب { مصروفاً } أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم { وَحَاقَ بِهِم } وأحاط بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } العذاب الذي كانوا به يستعجلون وإنما وضع يستهزئون موضع يستعجلون لأن استعجالهم كان على وجه الاستهزاء\r.","part":2,"page":13},{"id":514,"text":"{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان } هو للجنس { مِنَّا رَحْمَةً } نعمة من صحة وأمن وجدة . واللام في { لئن } لتوطئة القسم { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } ثم سلبناه تلك النعمة وجواب القسم { إِنَّهُ لَيَئُوسٌ } شديد اليأس من أن يعود إلى مثل تلك النعمة المسلوبة قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه { كَفُورٌ } عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله نسّاء له { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ } وسعنا عليه النعمة بعد الفقر الذي ناله { لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عَنّي } أي المصائب التي ساءتني { إِنَّهُ لَفَرِحٌ } أشر بطر { فَخُورٌ } على الناس بما أذاقه الله من نعمائه قد شغله الفرح والفخر عن الشكر { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } في المحنة والبلاء { وَعَمِلُواْ الصالحات } وشكروا في النعمة والرخاء { أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } يعني الجنة كانوا يقترحون عليه آيات تعنتا لا استرشاداً لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم . ومن اقتراحاتهم { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك } [ الفرقان : 7 ] وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به فكان يضيق صدر رسول A أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } بأن تتلوه عليهم ولم يقل ضيق ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت لأنه عليه السلام كان أفسح الناس صدراً ولأنه أشكل ب { تارك } { أَن يَقُولُواْ } مخافة أن يقولوا { لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز لننفقه والملائكة لنصدقه ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه ، ولا عليك أن ردوا أو تهاونوا { والله على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } يحفظ ما يقولون وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل ، فتوكل عليه وكل أمرك إليه وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح غير ملتفت إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم .","part":2,"page":14},{"id":515,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ } «أم» منقطعة { افتراه } الضمير لما يوحى إليك { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ } تحداهم أولا بعشر سور ثم بسورة واحدة كما يقول المخابر في الخط لصاحبه : اكتب عشر أسطر نحو ما أكتب فإذا تبين له العجز عن ذلك قال : اقتصرت منك على سطر واحد { مّثْلِهِ } في الحسن والجزالة . ومعنى { مثله } أمثاله ذهاباً إلى مماثلة كل واحدة منها له { مُفْتَرَيَاتٍ } صفة ل { عشر سور } . لما قالوا افتريت القرآن واختلقته من عندك وليس من عند الله ، أرضى معهم العنان وقال : هبوا أني اختلقته من عند نفسي فأتوا أنتم أيضاً بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم فأنتم عرب فصحاء مثلي { وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله } إلى المعاونة على المعارضة { إِن كُنتُمْ صادقين } أنه مفترى { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } أي أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا الله وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم ، وإنما جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله { لكم فاعلموا } بعد قوله { قل } لأن الجمع لتعظيم رسول الله A ، أو لأن رسول الله A والمؤمنين كانوا يحدثونهم أو لأن الخطاب للمشركين . والضمير في { فإن لم يستجيبوا } لمن استطعتم أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنما أنزل بعلم الله أي بإذنه أو بأمره { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } متبعون للإسلام بعد هذه الحجة القاطعة . ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقيناً على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد فهل أنتم مسلمون مخلصون .","part":2,"page":15},{"id":516,"text":"{ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } نوصل إليهم أجور أعمالهم وافيه كاملة من غير بخس في الدنيا ، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق ، وهم الكفار أو المنافقون { أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الأخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } وحبط في الآخرة ما صنعوه أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يزيدوا به الآخرة إنما أرادوا به الدنيا وقد وفى إليهم ما أرادوا { وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي كان عملهم في نفسه باطلاً لأنه لم يعمل لغرض صحيح والعمل الباطل لا ثواب له { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة من ربه أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم يعني أن بين الفريقين تبايناً بينا وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كان على بينة من ربه أي على برهان من الله وبيان أن دين الإسلام وهو دليل العقل { وَيَتْلُوهُ } ويتبع ذلك البرهان { شَاهِدٌ } يشهد بصحته وهو القرآن { مِنْهُ } من الله أو من القرآن فقد مر ذكره آنفاً { وَمِن قَبْلِهِ } ومن قبل القرآن { كِتَابُ موسى } وهو التوراة أي ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى عليه السلام { إِمَاماً } كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه { وَرَحْمَةً } ونعمة عظيمة على المنزل إليهم وهما حالان { أولئك } أي من كان على بينة { يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالقرآن { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } بالقرآن { مّن الأحزاب } يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله A { فالنار مَوْعِدُهُ } مصيره ومورده { فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } شك { مِنْهُ } من القرآن أو من الموعد { إِنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم { وَيَقُولُ الأشهاد هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ } ويشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولداً وشريكاً { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } الكاذبين على ربهم والأشهاد جمع شاهد كأصحاب وصاحب أو شهيد كشريف وأشراف { الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } يصرفون الناس عن دينه { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد { وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون } «هم» الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ } أي ما كانوا { مُعْجِزِينَ فِى الأرض } بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم { وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم وهو من كلام الأشهاد { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } لأنهم أضلوا الناس عن دين الله يضعّف مكي وشامي { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } أي استماع الحق { وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } الحق { أُوْلَئِكَ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله { وَضَلَّ عَنْهُم } وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الآلهة وشفاعتها .","part":2,"page":16},{"id":517,"text":"{ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الأخرة هُمُ الأخسرون } بالصد والصدود وفي لا جرم أقوال أحدها أن لا رد لكلام سابق أي ليس الأمر كما زعموا ومعنى { جرم } كسب وفاعله مضمر و { أنهم في الآخرة } في محل النصب والتقدير كسب قولهم خسرانهم في الآخرة وثانيها أن { لا جرم } كلمتان ركبتا فصار معناهما حقاً و«أن» في موضع رفع بأنه فاعل لحق أي حق خسرانهم ، وثالثها أن معناه لا محالة . { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَخْبَتُواْ إلى رَبّهِمْ } واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } { مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع } شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم وفريق المؤمنين بالبصير والسميع { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } يعني الفريقين { مَثَلاً } تشبيها وهو نصب على التمييز { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتنتفعون بضرب المثل .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي بأني والمعنى أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام وهو قوله { إني لكم نذير مبين } بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في «كأن» والمعنى على الكسر وبكسر الألف شامي ونافع وعاصم وحمزة على إرادة القول { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } أن مفسرة متعلقة ب { أرسلنا } أو ب { نذير } { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه { فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } يريد الأشراف لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكاً أو ملكاً { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } أخساؤنا جمع الأرذل { بَادِىَ } وبالهمزة : أبو عمرو { الرأى } وبغير همز : أبو عمرو أي اتبعوك ظاهر الرأي ، أو أول الرأي من بدا يبدو إذا أظهر أو بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولاً ، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث ظاهر رأيهم أو أول رأيهم ، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه ، أرادوا أن اتباعهم لك شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر ولو تفكروا ما اتبعوك . وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمّين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده ولا يرفعه بل يضعه { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } في مال ورأي يعنون نوحاً وأتباعه { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } أي نوحاً في الدعوة ومتبعيه في الإجابة والتصديق يعني تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيباً للرياسة .","part":2,"page":17},{"id":518,"text":"{ قَالَ يَا قَوْمٌ أَرَءيْتُمْ } أخبروني { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ } برهان { مّن رَّبّى } وشاهد منه يشهد بصحة دعواي { وآتني رحمةً من عنده } يعني النبوة { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } -أي خفيت . { فعميت } : حمزة وعلي وحفص أي أخفيت أي فعميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها ، وحقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي الرحمة { وَأَنتُمْ لَهَا كارهون } لا تريدونها ، والواو دخلت هنا تتمة للميم . وعن أبي عمرو إسكان الميم ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكوناً وهو لحن ، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر .","part":2,"page":18},{"id":519,"text":"{ وياقوم لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الرسالة لأنه مدلول قوله { إني لكم نذير } { مَالاً } أجراً يثقل عليكم إن أديتم أو عليّ أن أبيتم { إِنْ أَجْرِىَ } مدني وشامي وأبو عمرو وحفص { إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنو } جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به أنفة من المجالسة معهم { أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } فيشكونني إليه إن طردتهم { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل ، أو تجهلون لقاء ربكم أو أنهم خير منكم { وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } من يمنعني من انتقامه { إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } تتعظون { وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } فأدعي فضلاً عليكم بالغنى حتى تجحدوا فضلي بقولكم { وما نرى لكم علينا من فضل } { وَلا أَعْلَمُ الغيب } حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم وهو معطوف على { عندي خزائن الله } أي لا أقول عندي خزائن الله ولا أقول أنا أعلم الغيب { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى تقولوا إلى { ما أنت إلا بشر مثلنا } { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ } ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم { لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا } في الدنيا والآخرة لهوانه عليه مساعدة لكم ونزولاً على هواكم { الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } من صدق الاعتقاد وإنما على قبول ظاهر إقرارهم إذ لا أطلع على خفي أسرارهم { إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين } إن قلت شيئاً من ذلك . والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه وأصله تزتري فأبدلت التاء دالاً .\r{ قَالُواْ يَا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا } خاصمتنا { فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في وعدك\r.","part":2,"page":19},{"id":520,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء } أي ليس الإتيان بالعذاب إليّ وإنما هو إلى من كفرتم به { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي لم تقدروا على الهرب منه { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } هو إعلام موضع الغي ليتقي والرشد ليقتفي { ولكني } { إني } { نصحَي } مدني وأبو عمرو { إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } أي يضلكم وهذا شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدماً في الحكم لما عرف . تقديره : إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ، وهو دليل بين لنا في إرادة المعاصي { هُوَ رَبُّكُمْ } فيتصرف فيكم على قضية إرادته { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على أعمالكم { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } بل أيقولون افتراه { قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } أي إن صح أني افتريته فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي يقال أجرم الرجل إذا أذنب { وَأَنَاْ بَرِىء } أي ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه . ومعنى { مّمَّا تُجْرَمُونَ } من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم\r{ وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَم يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ }\rإقناط من إيمانهم وأنه غير متوقع ، وفيه دليل على أن للإيمان حكم التجدد كأنه قال : إن الذي آمن يؤمن في حادث الوقت ، وعلى ذلك يخرج الزيادة التي ذكرت في الإيمان بالقرآن { فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } فلا تحزن حزن بائس مستكين والابتئاس افتعال من البؤس وهو الحزن والفقر ، والمعنى فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام من أعدائك .","part":2,"page":20},{"id":521,"text":"{ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } هو في موضع الحال أي اصنعها محفوظاً وحقيقته ملتبساً بأعيننا كأن لله معه أعينا تكلؤه من أن يزيغ في صنعته عن الصواب { وَوَحينَا } وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع . عن ابن عباس Bهما : لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطير { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ } ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } محكوم عليهم بالإغراق وقد قضى به وجف القلم فلا سبيل إلى كفه { وَيَصْنَعُ الفلك } حكاية حال ماضية { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } من عمله السفينة وكان يعملها في برية في أبعد موضع من الماء فكانوا يتضاحكون منه ويقولون له يا نوح صرت بحاراً بعدما كنت نبياً { قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } عند رؤية الهلاك { كَمَا تَسْخَرُونَ } منا عند رؤية الفلك . روي أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة من خشب الساج في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع أو ألفاً ومائتي ذراع وعرضها خمسون ذراعاً ، أو ستمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وركب نوح ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله حاجزاً بين الرجال والنساء { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ } «من» في محل النصب ب «تعلمون» أي فسوف تعلمون الذي يأتيه { عَذَابٌ يُخْزِيهِ } ويعني به إياهم ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو الغرق { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } وينزل عليه { عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وهو عذاب الآخرة .","part":2,"page":21},{"id":522,"text":"{ حتى } هي التي يبدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء وهي غاية لقوله { ويصنع الفلك } أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد ، وما بينهما من الكلام حال من { يصنع } أي يصنعها والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ، وجواب { كلما } { سخروا } { وقال } استئناف على تقدير سؤال سائل ، أو { قال } جواب و { سخروا } بدل من { مر } أو صفة ل { ملأ } { إِذَا جَاء أَمْرُنَا } عذابنا { وَفَارَ التنور } هو كناية عن اشتداء الأمر وصعوبته . وقيل : معناه جاش الماء من تنور الخبز ، وكان من حجر لحواء فصار إلى نوح عليه السلام . وقيل : التنور وجه الأرض { قُلْنَا احمل فِيهَا } في السفينة { مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين } تفسيره في سورة المؤمنين { وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } عطف على { اثنين } وكذا { وَمَنْ ءامَنَ } أي واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم ، واستثنى من أهله من سبق عليه القول إنه من أهل النار وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر بتقديره وإرادته جل خالق العباد عن أن يقع في الكون خلاف ما أراد { وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } قال عليه السلام : \" كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم \" وقيل : كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة . وقيل : كانوا اثنين وسبعين رجالاً ونساء وأولاد نوح : سام وحام ويافث ونساؤهم ، فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء { وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } { بسم الله } متصل ب { اركبوا } حالاً من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها ، إما لأن المجرى والمرسى للوقت ، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف كقولهم «خفوق النجم» ويجوز أن يكون { بسم الله مجرها ومرساها } جملة برأسها غير متعلقة بما قبلها وهي مبتدأ وخبر يعني أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها ، وكان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت ، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست : { مجريها } بفتح الميم وكسر الراء من جرى إما مصدر أو وقت : حمزة وعلي وحفص ، وبضم الله الميم وكسر الراء : أبو عمرو ، والباقون : بضم الميم وفتح الراء { إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ } لمن آمن منهم { رَّحِيمٌ } حيث خلصهم\r.","part":2,"page":22},{"id":523,"text":"{ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } متصل بمحذوف دل عليه { اركبوا فيها بسم الله } كأنه قيل : فركبوا فيها يقولون بسم الله وهي تجري بهم أي السفينة تجري وهم فيها { فِى مَوْجٍ كالجبال } يريد موج الطوفان وهو جمع موجة كتمر وتمرة وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في خلاله ، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها { ونادى نُوحٌ ابنه } كنعان . وقيل : يام . والجمهور على أنه ابنه الصلبي . وقيل : كان ابن امرأته { وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } عن أبيه السفينة «مفعل» من عزله عنه إذ نجاه وأبعده أو في معزل عن دين أبيه { يابنيى } بفتح الياء : عاصم ، اقتصاراً عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة من قولك «يا بنيا» . غيره بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة { اركب مَّعَنَا } في السفينة أي أسلم واركب { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين * قَالَ سَاوِى } ألجأ { إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } يمنعني من الغرق { قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } إلا الراحم وهو الله تعالى ، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين ، وذلك أنه لما جعل الجبل عاصماً من الماء قال له لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحم الله ونجاهم يعني السفينة ، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل : ولكن من C فهو المعصوم كقوله { مالهم به من علم إلا اتباع الظن } [ النساء : 157 ] { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج } بين ابنه والجبل أو بين نوح وابنه { فَكَانَ مِنَ المغرقين } فصار أو فكان في علم الله","part":2,"page":23},{"id":524,"text":"{ وَقِيلَ ياأرض ابلعى مَاءكِ } انشفي وتشربي ، والبلع : النشف { وياسمآء أَقْلِعِى } أمسكي { وَغِيضَ الماء } نقص من غاضه إذا نقصه وهو لازم ومتعد { وَقُضِىَ الامر } وأنجز ما وعد الله نوحاً من إهلاك قومه { واستوت } واستقرت السفينة بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر { عَلَى الجودى } وهو جبل بالموصل { وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ للظالمين } أي سحقاً لقوم نوح الذين غرقوا . يقال : بعد بعداً وبَعَداً إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ولذلك اختص بدعاء السوء\rوالنظر في هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول : إن الله تعالى لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد ، وأن نقطع طوفان المساء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض ، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضي ، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت ، وأبقينا الظلمة غرقى ، بني الكلام على تشبيه المراد بالأمر الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان ، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويراً لاقتداره العظيم ، وأن السماوات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته فيها تغييراً وتبديلاً كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته ، وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده . ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام فقال D { وَقِيلَ } على سبيل المجاز على الإرادة الواقع بسببها قول القائل ، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو { يا أرض } { ويا سماء } ثم قال مخاطباً لهما { يا أرض } { ويا سماء } على سبيل الاستعارة للشبه المذكور ، ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ، ثم استعار الماء للغذاء تشبيهاً له بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام ، ثم قال { ماءك } بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك ، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم التأني ، ثم قال { وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا } ولم يصرح بمن أغاض الماء ، ولا بمن قضى الأمر ، وسوى السفينة وقال بعداً ، كما لم يصرح بقائل { يا أرض } { ويا سماء } سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وتكوين مكون قاهر ، وأن فاعلها واحد لا يشارك في فعله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ، ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره .","part":2,"page":24},{"id":525,"text":"ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم ، إظهاراً لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا لظلمهم .\rومن جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها ، وذلك أنه اختير «يا» دون أخواتها لكونها أكثر استعمالاً ، ولدلالتها على بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت وإبداء العزة والجبروت ، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به ، ولم يقل «يا أرضي» لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب ، ولم يقل «يا أيتها الأرض» للاختصار . واختير لفظ الأرض والسماء لكونهما أخف وأدور ، واختير { ابلعي } على «ابتلعي» لكونه أخصر وللتجانس بينه وبين { أقلعي } وقيل { أقلعي } ولم يقل «عن المطر»! وكذا لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعي فأقلعت اختصاراً ، واختير { غيض } على «غيّض» وقيل «الماء» دون أن يقول «ماء الطوفان» و { الأمر } ولم يقل« أمر نوح وقومه» لقصد الاختصار والاستغناء بحرف العهد عن ذلك ، ولم يقل «وسويت على الجودي» أي أقرت على نحو { قيل } { وغيض } اعتباراً لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله { وهي تجري بهم } إرادة للمطابقة ، ثم قيل { بعداً للقوم } ولم يقل «ليبعد القوم» طلباً للتأكيد مع الاختصار . هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم ، وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل ، فذلك أنه قدم النداء على الأمر : ف { قيل يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي } ولم يقل «ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء» جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصداً بذلك لمعنى الترسيخ ، ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء وابتدأ به لابتداء الطوفان منها ، ثم اتبع { وغيض الماء } لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها ، ثم ذكر ما هو المقصود القصة وهو قوله { وقضي الأمر } أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في الفلك وعلى هذا فاعتبر .\rومن جهة الفصاحة المعنوية وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف ، وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيّك الطريق إلى المرتاد ومن جهة الفصاحة اللفظية ، فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة ، سليمة عن التنافر ، بعيدة عن البشاعة ، عذبة على العذبات ، سلسة على الأسَلات ، كل منها كالماء في السلاسة ، وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة ، ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية ، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر ، ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور .","part":2,"page":25},{"id":526,"text":"{ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ } نداؤه ربه دعاؤه له وهو قوله { رب } مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله { إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } أي بعض أهلي لأنه كان ابنه من صلبه أو كان ربيباً له فهو بعض أهله { وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } وإن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به ، وقد وعدتني أن تنجي أهلي فما بال ولدي { وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين } أي أعلم الحكام وأعدلهم إذ لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل . ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة ، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر { قَالَ يَا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } ثم علل لانتفاء كونه من أهله بقوله { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب وأن نسيبك في دينك وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك ، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمسّ أقاربك رحماً فهو أبعد بعيد منك ، وجعلت ذاته عملاً غير صالح مبالغة في ذمه كقولها : فإنما هي إقبال وإدبار\rأو التقدير : إنه ذو عمل ، وفيه إشعار بأنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم لا لأنهم أهله ، وهذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوته . { عمِل غير صالح } علي قال الشيخ أبو منصور C : كان عند نوح عليه السلام أن ابنه كان على دينه لأنه كان ينافق وإلا لا يحتمل أن يقول { ابني من أهلي } ويسأله نجاته ، وقد سبق منه النهي عن سؤال مثله بقوله { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } فكان يسأله على الظاهر الذي عنده كما كان أهل النفاق يظهرون الموافقة لنبينا عليه السلام ويضمرون الخلاف له ولم يعلم بذلك حتى أطلعه الله عليه ، وقوله { ليس من أهلك } أي من الذين وعدت النجاة لهم وهم المؤمنون حقيقة في السر والظاهر { فَلاَ تَسْأَلْنى } اجتزاء بالكسر عن الياء : كوفي { تسألْني } بصري { تسألّني } مدني { تسألَن } ِّ شامي فحذف الياء واجتزأ بالكسرة والنون نون التأكيد { تسألن } َّ مكي { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } بجواز مسألته { إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } هو كما نهى رسولنا بقوله { فلا تكونن من الجاهلين } { [ الأنعام : 35 ] قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } أي من أن أطلب منك من المستقبل ما لا علم لي بصحته تأدباً بأدبك واتعاظاً بموعظتك { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى } ما فرط مني { وَتَرْحَمْنِى } بالعصمة عن العود إلى مثله { أَكُن مّنَ الخاسرين قِيلَ يانوح اهبط بسلام مّنَّا } بتحية منا أو بسلامة من الغرق { وبركات عَلَيْكَ } هي الخيرات النامية وهي في حقه بكثرة ذريته وأتباعه ، فقد جعل أكثر الأنبياء من ذريته وأئمة الدين في القرون الباقية من نسله { وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } «من» للبيان ، فتراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات أو قيل لهم أمم لأن الأمم تتشعب منهم ، أو لابتداء الغاية أي على أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه { وَأُمَمٌ } رفع بالابتداء { سَنُمَتّعُهُمْ } في الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش صفة والخبر محذوف تقديره ، وممن معك أمم سنمتعهم ، وإنما حذف لأن ممن معك يدل عليه { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي في الآخرة ، والمعنى أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك .","part":2,"page":26},{"id":527,"text":"وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار وكان نوح عليه السلام أبا الأنبياء ، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة ، وعن محمد بن كعب : دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إِلى يوم القيامة وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر .","part":2,"page":27},{"id":528,"text":"{ تِلْكَ } إشارة إلى قصة نوح عليه السلام ومحلها الرفع على الابتداء والجمل بعدها وهي { مِنْ أَنْبَاء الغيب نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } أخبار أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك { مّن قَبْلِ هذا } الوقت أو من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها { فاصبر } على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح ، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح وقومه { إِنَّ العاقبة } في الفوز والنصر والغلبة { لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك .\r{ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ } واحداً منهم ، وانتصابه للعطف على { أرسلنا نوحاً } أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم { هُودًا } عطف بيان { قَالَ يَا قََوْم اعبدوا الله } وحدوه { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } بالرفع : نافع صفة على محل الجار والمجرور ، وبالجر : عليّ على اللفظ { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء { ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الذى فَطَرَنِى } ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن شأنهم النصيحة والنصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إذ تردون نصيحة من لا يطلب عليها أجراً إلا من الله وهو ثواب الآخرة ، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك .","part":2,"page":28},{"id":529,"text":"{ ويَا قَوْمِ استغفروا رَبَّكُمْ } آمنوا به { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } من عبادة غيره { يُرْسِلِ السماء } أي المطر { عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } حال أي كثير الدرر { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } إنما قصد استمالتهم إلى الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين فكانوا أحوج شيء إلى الماء . وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة البطش والقوة . وقيل : أراد القوة بالمال أو على النكاح . وقيل حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم فوعدهم هود عليه السلام المطر والأولاد على الإيمان والاستغفار . وعن الحسن بن علي Bهما أنه وفد على معاوية ، فلما خرج قال له بعض حجابه : إني رجل ذو مال ولا يولد لي علمني شيئاً لعل الله يرزقني ولدا . فقال الحسن : عليك بالاستغفار ، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة ، فولد له عشرة بنين ، فبلغ ذلك معاوية فقال : هلا سألته مم قال ذلك؟ فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال : ألم تسمع قول هود : { ويزدكم قوة إلى قوتكم } وقول نوح : { ويمددكم بأموال وبنين } [ نوح : 12 ] { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } ولا تعرضوا عني وعما أدعو إليه { مُّجْرِمِينَ } مصرين على إجرامكم وآثامكم\r{ قَالُواْ يَا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ } كذب منهم وجحود كما قالت قريش لرسول الله A { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ الرعد : 27 ] مع فوت آياته الحصر { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } هو حال من من الضمير في { تاركي آلهتنا } كأنه قيل : وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما يدعوهم إليه أقناطاً له من الإجابة { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } «إن» حرف نفي فنفى جميع القول إلا قولاً واحداً وهو قولهم { اعتراك } أصابك { بعض آلهتنا بسوء } بجنون وخبل وتقدير ما نقول قولًا إل هذه المقالة أي قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء { قَالَ إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ }","part":2,"page":29},{"id":530,"text":"أي من إشراككم آلهة من دونه ، والمعنى إني أشهد الله أني برىء مما تشركون واشهدوا أنتم أيضاً إني برىء من ذلك . وجىء به على لفظ الأمر بالشهادة كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه : أشهد على أني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله { فَكِيدُونِى جَمِيعًا } أنتم وآلهتكم { ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } لا تمهلون فإني لا أبالي بكم وبكيدكم ولا أخاف معرتكم وإن تعاونتم علي ، وكيف تضرني آلهتكم وما هي إلا جماد لا يضر ولا ينفع؟ وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها بأن تخبلني وتذهب بعقلي؟ { إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّى وَرَبّكُمْ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أي مالكها ، ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم ، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم ، ومن كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه والأخذ بالناصية تمثيل لذلك { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } إن ربي على الحق لا يعدل عنه ، أو إن ربي يدل على صراط مستقيم { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } هو في موضع فقد ثبتت الحجة عليكم { وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ } كلام مستأنف أي ويهلككم الله ويجىء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم { وَلاَ تَضُرُّونَهُ } بتوليكم { شَيْئاً } من ضرر قط إذ لا يجوز علي المضار وإنما تضرون أنفسكم { إِنَّ رَبّى على كُلّ شَىْء حَفِيظٌ } رقيب عليه مهيمن فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم ، أو من كان رقيباً على الأشياء كلها حافظاً لها وكانت الأشياء مفتقرة إلى حفظه عن المضار لم يضر مثله مثلكم .","part":2,"page":30},{"id":531,"text":"{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } وكانوا أربعة آلاف { بِرَحْمَةٍ مّنَّا } أي بفضل منا لا بعملهم أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وتكرار { نجينا } للتأكيد أو الثانية من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه { تِلْكَ عَادٌ } إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال : سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا ، ثم استأنف وصف أحوالهم فقال : { جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله لا نفرق بين أحد من رسله { واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل لأنهم الذين يجبرون الناس على الأمور ويعاندون ربهم ومعنى اتباع أمرهم طاعتهم { وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة } لما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين { أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ } تكرار «ألا» مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم تهويل لأمرهم وبعث على الاعتبار ، بهم والحذر من مثل حالهم ، والدعاء ب { بعدا } ً بعد هلاكهم وهو دعاء بالهلاك للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له { قَوْمِ هُودٍ } عطف بيان { لعاد } وفيه فائدة لأن عادا عادان : الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم ، والأخرى إرم .\r{ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض } لم ينشئكم منها إلا هو وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ثم خلقهم من آدم { واستعمركم فِيهَا } وجعلكم عمارها وأراد منكم عمارتها ، أو استعمركم من العمر أي أطال أعماركم فيها وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف ، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا الأعمار الطوال مع ما فيهم من الظلم فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم ، فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي { فاستغفروه } فاسألوا مغفرته بالإيمان { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ } داني الرحمة { مُّجِيبٌ } لمن دعاه .","part":2,"page":31},{"id":532,"text":"{ قَالُواْ يَا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا } فيما بيننا { مَرْجُوّا قَبْلَ هذا } للسيادة والمشاورة في الأمور أو كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } حكاية حال ماضية { وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد { مُرِيبٍ } موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة { قَالَ ياقوم أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةً مّن رَّبّى وءاتانى مِنْهُ رَحْمَةً } نبوة ، أتى بحرف الشك مع أنه على يقين أنه على بينة لأن خطابه للجاحدين فكأنه قال قدروا أني على بينة من ربي ، وأنني نبي على الحقيقة وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } فمن يمنعني من عذاب الله { إِنْ عَصَيْتُهُ } في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان { فَمَا تَزِيدُونَنِى } بقولكم : { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } { غَيْرَ تَخْسِيرٍ } بنسبتكم إياي إلى الخسار أو بنسبتي إياكم إلى الخسران .\r{ ياقوم هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } نصب على الحال قد عمل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل و { لكم } متعلق { بآية } حالاً منها متقدمة ، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدمت انتصبت على الحال { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } أي ليس عليكم رزقها مع أن لكم نفعها { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } عقر أو نحر { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } عاجل { فَعَقَرُوهَا } يوم الأربعاء { فَقَالَ } صالح { تَمَتَّعُواْ } استمتعوا بالعيش { فِى دَارِكُمْ } في بلدكم وتسمى البلاد الديار لأنه يدار فيها أي يتصرف أو في دار الدنيا { ثلاثة أَيَّامٍ } ثم تهلكون فهلكوا يوم السبت { ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي غير مكذوب فيه فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به ، أو وعد غير كذب على أن المكذوب مصدر كالمعقول .","part":2,"page":32},{"id":533,"text":"{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } بالعذاب أو عذابنا { نَجَّيْنَا صالحا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } قال الشيخ C : هذا يدل على أن من نجى إنما نجى برحمة الله تعالى لا بعمله كما قال عليه السلام : \" لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله \" { وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } بإضافة الخزي إلى اليوم وانجرار اليوم بالإضافة . وبفتحها مدني وعلي ، لأنه مضاف إلى «إذ» وهو مبني ، وظروف الزمان إذا أضيفت إلى الأسماء المبهمة والأفعال الماضية بنيت واكتسبت البناء من المضاف إليه كقوله : على حين عاتبت المشيب على الصبا\rوالواو للعطف وتقديره : ونجيناهم من خزي يومئذ أي من ذله وفضيحته ، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه . وجاز أن يريد ب { يومئذ } يوم القيامة كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوى } القادر على تنجية أوليائه { العزيز } الغالب بإهلاك أعدائه { وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة } أي صيحة جبريل عليه السلام { فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ } منازلهم { جاثمين } ميتين { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } لم يقيموا فيها { ألا إن ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ } { ثمودَ } حمزة وحفص { أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ } { لِثَمُودٍ } علي : فالصرف للذهاب إلى الحي أو الأب الأكبر ، ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة","part":2,"page":33},{"id":534,"text":"{ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا } جبريل وميكائيل وإسرافيل أو جبريل مع أحد عشر ملكاً { إبراهيم بالبشرى } هي البشارة بالولد أو بهلاك قوم لوط والأول أظهر { قَالُواْ سَلاَماً } سلمنا عليك سلاماً { قَالَ سلام } أمركم سلام { سِلم } حمزة وعلي بمعنى السلام { فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ } فما لبث في المجيء به بل عجل فيه ، أو فما لبث مجيئه ، والعجل ولد البقرة : وكان مال إبراهيم البقر { حَنِيئذٍ } مشوي بالحجارة المحماة { فَلَمَّا رَءا أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ } نكر وأنكر بمعنى وكانت عادتهم أنه إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه . والظاهرة أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه دليله قوله { وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } أي أضمر منم خوفاً { قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } بالعذاب ، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا ، وإنما قالوا { لا تخف } لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه { وامرأته قَائِمَةٌ } وراء الستر تسمع تحاورهم أو على رؤوسهم تخدمهم { فَضَحِكَتْ } سروراً بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث ، أو من غفلة قوم لوط مع قرب العذاب ، أو فحاضت { فبشرناها بإسحاق } وخصت بالبشارة لأن النساء أعظم سروراً بالولد من الرجال ، ولأنه لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل { وَمِن وَرَاء إسحاق } ومن بعده { يَعْقُوبَ } بالنصب : شامي وحمزة وحفص ، بفعل مضمر دل عليه فبشرناها أي فبشرناها بإسحاق ووهبنا لها يعقوب من وراء إسحاق . وبالرفع : غيرهم على الابتداء والظرف قبله خبر كما تقول «في الدار زيد» .\r{ قَالَتْ ياويلتاى } الألف مبدلة من ياء الإضافة وقرأ الحسن يا ويلتي بالياء على الأصل { ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ } ابنة تسعين سنة { وهذا بَعْلِى شَيْخًا } ابن مائة وعشرين سنة ، { هذا } مبتدأ و { بعلي } خبره و { شيخا } ً حال ، والعامل معنى الإشارة التي دلت عليه ذا أو معنى التنبيه الذي دل عليه «هذا» { إِنَّ هذا لَشَىْء عَجِيبٌ } أن يولد ولد من هرمين وهو استبعاد من حيث العادة .","part":2,"page":34},{"id":535,"text":"{ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } قدرته وحكمته . وإنما أنكرت الملائكة تعجبها لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة ، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب وإلى ذلك أشارت الملائكة حيث قالوا { رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت } أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة فليست بمكان عجيب ، وهو كلام مستأنف علل به إنكار التعجب كأنه قيل : إياك والتعجب لأن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم . وقيل : الرحمة : النبوة ، والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم وأهل البيت نصب على النداء أو على الاختصاص { إِنَّهُ حَمِيدٌ } محمود بتعجيل النعم { مَّجِيدٌ } ظاهر الكرم بتأجيل النقم\r{ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع } الفزع وهو ما أوجس من الخيفة حين نكر أضيافه { وَجَاءتْهُ البشرى } بالولد { يجادلنا فِى قَوْمِ لُوطٍ } أي لما اطمأن قلبه بعد الخوف وملىء سروراً بسبب البشرى فرغ للمجادلة . وجواب { لما } محذوف تقديره أقبل يجادلنا ، أو { يجادلنا } جواب { لما } وإنما جيء به مضارعاً لحكاية الحال ، والمعنى يجادل رسلنا . ومجادلته إياهم أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال : أرأيتم لو كان فيها خمسون مؤمناً أتهلكونها؟ قالوا : لا ، قال : فأربعون؟ قالوا : لا ، قال : فثلاثون؟ قالوا : لا حتى بلغ العشرة قالوا : لا قال : أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا : لا فعند ذلك قال { إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله } العنكبوت : 32 ) { إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ } غير عجول على كل من أساء إليه أو كثير الاحتمال ممن آذاه ، صفوح عمن عصاه { أَوَّاهٌ } كثير التأوه من خوف الله { مُّنِيبٌ } تائب راجع إلى الله ، وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة كما حمله على الاستغفار لأبيه فقالت الملائكة .","part":2,"page":35},{"id":536,"text":"{ يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا } الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك { إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ } قضاؤه وحكمه { وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } لا يرد بجدال وغير ذلك عذاب مرتفع باسم الفاعل وهو { آتيهم } تقديره وإنهم يأتيهم . ثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط وكان بين قرية إبراهيم وقوم لوط أربعة فراسخ .\r{ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً } لما أتوه ورأى هيئاتهم وجمالهم { سِىء بِهِمْ } أحزن لأنه حسب أنهم إِنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } تمييز أي وضاق بمكانهم صدره { وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ } شديد . روي أن الله تعالى قال لهم : لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم : أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا : وما أمرهم؟ قال . أشهد الله إنها لشر قرية في الأرض عملاً . قال ذلك أربع مرات فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها . { وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يسرعون كأنما يدفعون دفعاً { وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات } ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش حتى مرنوا عليها وقل عندهم استقباحها فلذلك جاؤوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء { قَالَ يَا قَوْمٌ هؤلاءآء بَنَاتِى } فتزوجوهن أراد أن يقي أضيافه ببناته وذلك غاية الكرم ، وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزاً في ذلك الوقت كما جاز في الابتداء في هذه الأمة ، فقد زوج رسول الله A ابنتيه من عتبه بن أبي لهب وأبي العاص وهما كافران . وقيل كان لهم سيدان مطاعان فأراد لوط أن يزوجهما ابنتيه { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أحل { هؤلاء } مبتدأ { وبناتي } عطف بيان و { هن } فصل و { أطهر } خبر المبتدأ أو { بناتي } خبر و { هن أطهر } مبتدأ وخبر { فاتقوا الله } بإيثارهن عليهم { وَلاَ تُخْزُونِ } ولا تهينوني ولا تفضحوني من الخزي ، أو ولا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء ، وبالياء : أبو عمرو في الوصل { فِى ضَيْفِى } في حق ضيوفي فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } أي رجل واحد يهتدي إلى طريق الحق وفعل الجميل والكف عن السوء .","part":2,"page":36},{"id":537,"text":"{ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } حاجة لأن نكاح الإناث أمر خارج عن فمذهبنا إتيان الذكران { وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة { قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } جواب« لو» محذوف أي لفعلت بكم ولصنعت . والمعنى لو قويت عليكم بنفسي أو أويت إلى قوي أستند إليه وأتمنع به فيحميني منكم ، فشبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته . روي أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل ترادّهم ما حكى الله عنه وتجادلهم . فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب .","part":2,"page":37},{"id":538,"text":"{ قَالُواْ يا لُوطٍ } إن ركنك لشديد { إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ } فافتح الباب ودعنا وإياهم ، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم فأذن له ، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم كما قال الله تعالى { فطمسنا أعينهم } [ القمر : 37 ] فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون : النجاء ، النجاء فإن في بيت لوط قوماً سحرة { لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره { فَأَسْرِ } { فاسر } بالوصل : حجازي من سرى { بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ الليْلِ } طائفة منه أو نصفه { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } بقلبه إلى ما خلف أو لا ينظر إلى ما وراءه أو لا يتخلف منكم أحد { إِلاَّ امرأتك } مستثنى من { فأسر بأهلك } . وبالرفع : مكي وأبو عمرو على البدل من أحد ، وفي إخراجها مع أهله روايتان . روي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي ، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت : يا قوماه . فأدركها حجر فقتلها . وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها فإنّ هواها إليهم فلم يسر بها ، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين\r{ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } أي إن الأمر . وروي أنه قال لهم متى موعد هلاكهم؟ قالوا : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } فقال : أريد أسرع من ذلك فقالوا : { أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا } جعل جبريل عليه السلام جناحه في أسفلها أي أسفل قراها ، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم وذلك قوله : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } هي كلمة معربة من سنك كل بدليل قوله { حجارة من طين } ) الذاريات : 33 ) { مَّنْضُودٍ } نعت لسجيل أي متتابع أو مجموع معه للعذاب .","part":2,"page":38},{"id":539,"text":"{ مُّسَوَّمَةً } نعت ل { حجارة { أي معلمة للعذاب . قيل : مكتوب على كل واحد اسم من يرمي به { عِندَ رَبّكَ } في خزائنه أو في حكمه { وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ } بشيء بعيد ، وفيه وعيد لأهل مكة فإن جبريل عليه السلام قال لرسول الله A يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرَض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ، أو الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم .\r{ وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } هو اسم مدينتهم أو اسم جدهم مدين بن إبراهيم أي وأرسلنا شعيباً إلى ساكني مدين أو إلى بني مدين { قَالَ يَا قَوْمٌ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال } أي المكيل بالمكيال { والميزان } والموزون بالميزان { إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف ، أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون { وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } مهلك من قوله { وأحيط بثمره } [ الكهف : 42 ] وأصله من إحاطة العدو والمراد عذاب الاستئصال في الدنيا أو عذاب الآخرة { وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان } أتموهما { بالقسط } بالعدل . نهوا أولاً عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول لزيادة الترغيب فيه ، وجيء به مقيداً بالقسط أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } البخس : النقص ، كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء فنهوا عن ذلك { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } العشى والعيث أشد الفساد نحو السرقة والغارة وقطع السبيل ، ويجوز أن يجعل البخس والتطفيف عثيا منهم في الأرض { بَقِيَّتُ الله } ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم { خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } بشرط أن تؤمنوا . نعم بقية الله خير للكفرة أيضاً لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف إلا أن فائدتها تظهر مع الإيمان من حصول الثواب مع النجاة من العقاب ولا تظهر مع عدمه لانغماس صاحبها في غمرات الكفر وفي ذلك تعظيم للإيمان وتنبيه على جلالة شأنه ، أو المراد إن كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم وأنصح به إياكم { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } لنعمه عليكم فاحفظوها بترك البخس .","part":2,"page":39},{"id":540,"text":"{ قَالُواْ يا شُعَيْبٌ أصلواتك } وبالتوحيد . كوفي غير أبي بكر { تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أموالنا مَا نشاؤا } كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات وكان قومه يقولون له ما تستفيد بهذا؟ فكان يقول : إنها تأمر بالمحاسن وتنهى عن القبائح . فقالوا على وجه الاستهزاء أصلواتك تأمرك أن تأمرنا بترك عبادة ما كان يعبد آباؤنا ، أو أن نترك التبسط في أموالنا ما نشاء من إيفاء ونقص . وجاز أن تكون الصلوات آمرة مجازاً كما سماها الله تعالى ناهية مجازاً { إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد } أي السفية الضال وهذه تسمية على القلب استهزاء ، أو إنك حليم رشيد عندنا ولست تفعل بنا ما يقتضيه حالك { قَالَ ياقوم أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ } من لدنه { رِزْقًا حَسَنًا } يعني النبوة والرسالة أو مالاً حلالاً من غير بخس وتطفيف . وجواب أرأيتم محذوف أي أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي وكنت نبياً على الحقيقة ، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي ، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ يقال : خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده . ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول : خالفني إلى الماء يريد ، أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً ، ومنه قوله : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَلِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم { إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح } ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر { مَا استطعت } ظرف أي مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكناً منه لا آلو فيه جهداً { وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله } وما كوني موفقاً لإصابة الحق فيما آتى وآذر إلا بمعونته وتأييده { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } اعتمدت { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أرجع في السراء والضرآء . «جرم» مثل «كسب» في تعديه إلى مفعول واحد وإلى مفعولين ومنه قوله :","part":2,"page":40},{"id":541,"text":"{ وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم } أي لا يكسبنكم خلافي إصابة العذاب { مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالح } وهو الغرق والريح والرجفة { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } في الزمان فهم أقرب الهالكين منكم ، أو في المكان فمنازلهم قريبة منكم أو فيما يستحق به الهلاك وهو الكفر والمساوىء . وسُوِّي في قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما { واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ } يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين { وَدُودٌ } يحب أهل الوفاء من الصالحين { قَالُواْ يا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } أي لا نفهم صحة ما تقول وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء { وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك } ولولا عشيرتك لقتلناك بالرجم وهو شر قتلة وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم { وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } أي لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم ، وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا . وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل : وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ولذلك","part":2,"page":41},{"id":542,"text":"{ قَالَ } في جوابهم { ياقوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله } ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب . وإنما قال : { أرهطي أعز عليكم من الله } والكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه ، لأن تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله ، وحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى إلى قوله تعالى { من يطع الرسول فقد أطاع الله { } [ النساء : 80 ] } واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المبنوذ وراء الظهر لا يعبأ به والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب كقولهم في النسبة إلى الأمس أمسى { إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } قد أحاط بأعمالكم علماً فلا يخفى عليه شيء منها .\r{ وَيَا قَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } هي بمعنى المكان يقال : مكان ومكانة ومقام ومقامة ، أو مصدر من مكن مكانة فهومكين إذا تمكن من الشيء يعني اعملوا فارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك ، والشنآن لي ، أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها { إِنّى عامل } على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني { سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } «من» استفهامية معلقة لفعل العلم من عمله فيها كأنه قيل : سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه أي يفضحه ، وأينا هو كاذب . أو موصولة قد عمل فيها كأنه قيل : سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب في زعمكم ودعواكم . وإدخال الفاء في { سوف } وصل ظاهر بحرف وضع للوصل ، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا : فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال : سوف تعلمون . والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة وأبلغهما الاستئناف { وارتقبوا } وانتظروا العاقبة وما أقول لكم { إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } منتظر ، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب بمعنى الضارب ، أو بمعنى المراقب كالعشير بمعنى المعاشر ، أو بمعنى المرتقب كالرفيع بمعنى المرتفع .","part":2,"page":42},{"id":543,"text":"{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا . وإنما ذكر في آخر قصة عاد ومدين { ولما جاء } وفي آخر قصة ثمود ولوط { فلما جاء } لأنهما وقعا بعد ذكر الموعد وذلك قوله : { إن موعدهم الصبح } { ذلك وعد غير مكذوب } فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب كقولك«وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت» . وأما الأخريان فقد وقعتا مبتدأتين فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة { فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين } الجاثم اللازم لمكانه لا يريم يعني أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو بغتة { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين { أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ } البعد بمعنى البعد وهو الهلاك كالرشد بمعنى الرشد ألا ترى إلى قوله : { كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } وَقرىء { كما بعُدت } والمعنى في البناءين واحد وهو نقيض القرب إلا أنهم فرقوا بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره ، فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا : وعد وأوعد .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا وسلطان مُّبِينٍ } المراد به العصا لأنها أبهرها { إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فاتبعوا } أي الملأ { أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } هو تجهيل لمتبعيه حيث تابعوه على أمره وهو ضلال مبين ، وذلك أنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم ، وجاهر بالظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان ومثله بمعزل عن الألوهية . وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين وعلموا أن مع موسى الرشد والحق ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط ، أو المراد وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله :","part":2,"page":43},{"id":544,"text":"{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة } أي يتقدمهم وهم على عقبه تفسيراً له وإيضاحاً أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته والرشد يستعمل في كل ما يحمد ويرتضى كما استعمل الغي في كل ما يذم ويقال قدَمه بمعنى تقدمه { فَأَوْرَدَهُمُ النار } أدخلهم . وجيء بلفظ الماضي لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به فكأنه قيل : يقدمهم فيوردهم النار لا محالة يعني كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه { وَبِئْسَ الورد } المورد و { المورود } الذي وردوه شبه بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردة ثم قال : وبئس الورد المورود الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش والنار ضده { وَأُتْبِعُواْ فِى هذه } أي الدنيا { لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة } أي يلعنون في الدنيا ويلعنون في الآخرة { بِئْسَ الرفد المرفود } رفدهم أي بئس العون المعان أو بئس العطاء المعطى { ذلك } مبتدأ { مِنْ أَنْبَاء القرى } خبر { نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } خبر بعد خبر أي ذلك النبأ بعض أبناء القرى المهلكة مقصوص عليك { مِنْهَا } من القرى { قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } أي بعضها باق وبعضها عافي الأثر كالزرع القائم على ساقه والذي حصد والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب { وَمَا ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم { ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بارتكاب ما به أهلكوا { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ } فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله { التى يَدْعُونَ } يعبدون وهي حكاية حال ماضية { مِن دُونِ الله مِن شَىْء لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ } عذابه و { لما } منصوب ب { ما أغنت } { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } تخسير . يقال : تب إذا خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران يعني وما أفادتهم عبادة غير الله شيئاً بل أهلكتهم .","part":2,"page":44},{"id":545,"text":"{ وكذلك } محل الكاف الرفع أي ومثل ذلك الأخذ { أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ القرى } أي أهلها { وَهِىَ ظالمة } حال من { القرى } { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } مؤلم شديد صعب على المأخوذ وهذا تحذير لكل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها فعلى كل ظالم أن يبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال { إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما قص الله من قصص الأمم الهالكة { لآيَةً } لعبرة { لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة } أي اعتقد صحته ووجوده { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة لأن عذاب الآخرة دل عليه { يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس } وهو مرفوع بمجموع كما يرفع فعله إذا قلت يجمع له الناس . وإنما آثر اسم المفعول على فعله لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم . وإنه أثبت أيضاً لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه يجمعون للحساب والثواب والعقاب { وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهود فيه فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد\r{ وَمَا نُؤَخّرُهُ } أي اليوم المذكور . الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها ، والعد إنما هو للمدة لا لغايتها ومنتهاها ، فمعنى قوله { وما نؤخره } { إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ } إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف ، أو ما نؤخر هذا اليوم إلا لتنتهي المدة التي ضربناها لبقاء الدنيا { يَوْمَ يَأْتِ } وبالياء مكي ، وافقه أبو عمرو ونافع وعلي في الوصل ، وإثبات الياء هو الأصل إذ لا علة توجب حذفها ، وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل ونظيره { مَا كُنَّا نَبْغِ } [ الكهف : 64 ] وفاعل { يأت } ضمير يرجع إلى قوله { يوم مجموع له الناس } لا اليوم المضاف إلى { يأت } و { يوم } منصوب باذكر أو بقوله { لاَ تَكَلَّمُ } أي لا تتكلم { نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } أي لا يشفع أحد إلا بإذن الله ، { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة : 255 ] { فَمِنْهُمْ } الضمير لأهل الموقف لدلالة { لا تكلم نفس } عليه وقد مر ذكر الناس في قوله { مجموع له الناس } { شَقِيٌّ } معذب { وَسَعِيدٌ } أي ومنهم سعيد أي منعم .","part":2,"page":45},{"id":546,"text":"{ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } هو أول نهيق الحمار { وَشَهِيقٌ } هو آخره ، أو هما إخراج النفس ورده ، والجملة في موضع الحال والعامل فيها الاستقرار الذي في النار { خالدين فِيهَا } حال مقدرة { مَا دَامَتِ السماوات والأرض } في موضع النصب أي مدة دوام السماوات والأرض ، والمراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد . والدليل على أن لها سماوات وأرضاً قوله { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات } [ إبراهيم : 48 ] وقيل : ما دام فوق وتحت ولأنه لا بد لأهله الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء أو عرش وكل ما أظلك فهو سماء ، أو هو عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع كقول العرب : ما لاح كوكب ، وغير ذلك من كلمات التأبيد { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } هو استثناء من الخلود في عذاب النار ، وذلك لأن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وأنواع من العذاب سوى عذاب النار ، أو ب { ما شاء } بمعنى من شاء وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم الجهنميون وهم المستثنون من أهل الجنة أيضاً لمفارقتهم إياها بكونهم في النار أياماً ، فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد ، ولا سعدوا سعادة من لا تمسه النار ، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك وقتادة Bهم { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } بالشقي والسعيد { وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ } { سُعدوا } حمزة وعلي وحفص . سَعد لازم وسعَده يسعَده متعد { فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } هو استثناء من الخلود في نعيم الجنة وذلك أن لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وهو رؤية الله تعالى ورضوانه ، أو معناه إلا من شاء أن يعذبه بقدر ذنبه قبل أن يدخله الجنة . وعن أبي هريرة Bه عن النبي A أنه قال : « الاستثناء في الآيتين لأهل الجنة » ومعناه ما ذكرنا أنه لا يكون للمسلم العاصي الذي دخل النار خلود في النار حيث يخرج منها ، ولا يكون له أيضاً خلود في الجنة لأنه لم يدخل الجنة ابتداء ، والمعتزلة لما لم يروا خروج العصاة من النار ردوا الأحاديث المروية في هذا الباب { وكفى به إثماً مبيناً } [ النساء : 50 ] { عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير نهاية كقوله : { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } [ الإنشقاق : 25 ] وهو نصب على المصدر أي أعطوا عطاء . قيل : كفرت الجهمية بأربع آيات { عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } . { أُكُلُهَا دَائِمٌ } [ الرعد : 35 ] { وَمَا عِندَ الله بَاقٍ } [ النحل : 96 ] { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة : 33 ] لما قص الله قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحل بهم من نقمه وما أعد لهم من عذابه قال :","part":2,"page":46},{"id":547,"text":"{ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء } أي فلا تشك بعدما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله A وعدة بالانتقام منهم ووعيداً . لهم ثم قال : { ما يعبدون إلاّ كَما يَعبدُ ءَابآؤهم من قَبلُ } يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم ، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلن بهم مثله ، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية و«ما» في { مما } و { كما } مصدرية أو موصولة أي من عبادتهم وكعبادتهم ، أو مما يعبدون من الأوثان ومثل ما يعبدون منها { وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ } حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم { غَيْرَ مَنقُوصٍ } حال من { نصيبهم } أي كاملاً\r.","part":2,"page":47},{"id":548,"text":"{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } التوراة { فاختلف فِيهِ } آمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف في القرآن وهو تسلية لرسول الله A { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } إنه لا يعاجلهم بالعذاب { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين قوم موسى أو قومك بالعذاب المستأصل { وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ } من القرآن أو من العذاب { مُرِيبٍ } من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي { وَإِنَّ كُلاًّ } التنوين عوض عن المضاف إليه يعني وإن كلهم أي وإن جميع المختلفين فيه «وإن» مشددة { لَّمّاً } مخفف : بصري وعلي ، «ما» مزيدة جيء بها ليفصل بها بين لام «إن» ولام { لَيُوَفّيَنَّهُمْ } وهو جواب قسم محذوف ، واللام في { لما } موطئة للقسم والمعنى وإن جميعهم والله ليوفينهم { رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي جزاء أعمالهم من إيمان وجحود وحسن وقبيح . بعكس الأولى : أبو بكر ، مخففان : مكي ونافع على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل ، ولأن «إن» تشبه الفعل والفعل يعمل قبل الحذف وبعده نحو«لم يكن» «ولم يك» فكذا المشبه به مشددتان غيرهم وهو مشكل . وأحسن ما قيل فيه أنه من لممت الشيء جمعته لمَّا ، ثم وقف فصار «لما» ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ، وجاز أن يكون مثل الدعوى والثروى وما نفيه ألف التأنيث من المصادر . وقرأ الزهري { وإن كلا لما } بالتنوين كقوله : { أَكْلاً لَّمّاً } [ الفجر : 19 ] وهو يؤيد ما ذكرنا والمعنى ، وإن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل : وإن كلاً جميعاً كقوله { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [ الحجر : 30 ] وقال صاحب الإيجاز : «لما» فيه معنى الظرف وقد دخل في الكلام اختصار كأنه قيل : وإن كلاً لما بعثوا ليوفينهم ربك أعمالهم . وقال الكسائي : ليس لي بتشديد «لما» علم . { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .","part":2,"page":48},{"id":549,"text":"{ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها غير عادل عنها { وَمَن تَابَ مَعَكَ } معطوف على المستتر في { استقم } وجاز للفاصل يعني فاستقم أنت وليستقم من تاب عن الكفر ورجع إلى الله مخلصاً { وَلاَ تَطْغَوْاْ } ولا تخرجوا عن حدود الله { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فهو مجازيكم فاتقوه . قيل : ما نزلت على رسول الله A آية كانت أشق عليه من هذه الآية ولهذا قال : \" شيبتني هود \" { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ } ولا تميلوا . قال الشيخ C : هذا خطاب لأتباع الكفرة أي لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه { فَتَمَسَّكُمُ النار } وقيل : الركون إليهم الرضا بكفرهم . وقال قتادة : ولا تلحقوا بالمشركين . وعن الموفق أنه صلى خلف الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه فلما أفاق قيل له فقال : هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم! وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءين { ولا تطغوا } { ولا تركنوا } وقال سفيان : في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك . وعن الأوزاعي : ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً . وقال رسول الله A : \" من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه \" ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برّية هل يسقى شربة ماء فقال : لا ، فقيل له : يموت قال : دعه يموت { وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } حال من قوله { فتمسكم النار } أي فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة ، ومعناه وما لكم من دون الله من أولياء يقدرون على منعكم من عذابه ولا يقدر على منعكم منه غيره { ثم لا تنصرون } ثم لا ينصركم هو لأنه حكم بتعذيبكم . ومعنى «ثم» الاستبعاد أي النصرة من الله مستبعدة .","part":2,"page":49},{"id":550,"text":"{ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار } غدوة وعشية { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } وساعات من الليل جمع زلفة وهي ساعاته القريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه . وصلاة الغدوة الفجر ، وصلاة العشية الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي ، وصلاة الزلف المغرب والعشاء ، وانتصاب { طرفي النهار } على الظرف لأنهما مضافان إلى الوقت كقولك «أقمت عنده جميع النهار وأتيته نصف النهار وأوله وآخره» . تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه { إِنَّ الحسنات يُذْهِبنَ السيئات } إن الصلوات الخمس يذهبن الذنوب وفي الحديث \" إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب \" أو الطاعات . قال عليه السلام : \" أتبع السيئة الحسنة تمحها \" أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر { ذلك } إشارة إلى { فاستقم } فما بعده أو القرآن { ذكرى لِلذكِرِينَ } عظة للمتعظين . نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري بائع التمر قال لامرأة : في البيت تمر أجود فدخلت فقبلها فندم فجاءه حاكياً باكياً فنزلت فقال عليه السلام : \" هل شهدت معنا العصر \" قال : نعم . قال : \" هي كفارة لك \" فقيل : أله خاصة؟ قال : \" بل للناس عامة \" { واصبر } على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه فلا يتم شيء منه إلا به { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } جاء بما هو مشتمل على جميع الأوامر والنواهي من قوله { فاستقم } إلى قوله { واصبر } وغير ذلك من الحسنات .","part":2,"page":50},{"id":551,"text":"{ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ } فهلا كان وهو موضوع للتحضيض ومخصوص بالفعل { أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } أولوا فضل وخير ، وسمي الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلاً في الجودة والفضل . ويقال : فلان من بقية القوم أي من خيارهم ، ومنه قولهم : «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا» { يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الأرض } عجب محمداً عليه السلام وأمته أن لم يكن في الأمم التي ذكر الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولىِ العقل والدين ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } استثناء منقطع أي ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي . و«من» في { ممن أنجينا } للبيان لا للتبعيض لأن النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله : { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ } [ الأعراف : 165 ] { واتبع الذين ظَلَمُواْ } أي التاركون للنهي عن المنكر ، وهو عطف على مضمر أي قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على « نهوا» { مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } أي أتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء ، ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذوه وراء ظهورهم { وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } اعتراض وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى } اللام لتأكيد النفي { بِظُلْمٍ } حال من الفاعل أي لا يصح أن يهلك الله القرى ظالماً لها { وَأَهْلُهَا } قوم { مُصْلِحُونَ } تنزيهًا لذاته عن الظلم . وقيل : الظلم الشرك أي لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون في المعاملات فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فساداً آخر { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً } أي متفقين على الإيمان والطاعات عن اختيار ولكن لم يشأ ذلك . وقالت المعتزلة : وهي مشيئة قسر ، وذلك رافع للابتداء فلا يجوز { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } في الكفر والإيمان أي ولكن شاء أن يكونوا مختلفين لما علم منهم اختيار ذلك .","part":2,"page":51},{"id":552,"text":"{ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } إلا ناساً عصمهم الله عن الاختلاف فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه { ولذلك خَلَقَهُمْ } أي ولما هم عليه من الاختلاف فعندنا خلقهم للذي علم أنهم سيصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق ولم يخلقهم لغير الذي علم أنهم سيصيرون إليه ، كذا في شرح التأويلات { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } وهي قوله للملائكة لأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } لعلمه بكثرة من يختار الباطل .\r{ وَكُلاًّ } التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل : وكل نبأ وهو منصوب بقوله { نَقُصُّ عَلَيْكَ } وقوله : { مِنْ أَنْبَاء الرسل } بيان لكل وقوله : { مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } بدل من { كلا } { وَجَاءكَ فِى هذه الحق } أي في هذه السورة أو في هذه الأنباء المقتصة ما هو حق { وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } ومعنى تثبيت فؤاده زيادة يقينه لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب { وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } من أهل مكة وغيرهم { اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها { إِنَّا عَامِلُونَ } على مكانتنا { وانتظروا } بنا الدوائر { إِنَّا مُنتَظِرُونَ } أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله تعالى من النقم النازلة بأشباهكم { وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض } لا تخفى عليه خافية مما يجري فيهما فلا تخفى عليه أعمالكم { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ } فلا بد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك فينتقم لك منهم . { يُرجع } نافع وحفص { فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } فإنه كافيك وكافلك { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وبالتاء : مدني وشامي وحفص ، أي أنت وهم على تغليب المخاطب . قيل : خاتمة التوراة هذه الآية وفي الحديث « من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى » .","part":2,"page":52},{"id":553,"text":"{ الر تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين } { تلك } إشارة إلى آيات هذه السورة ، و { الكتاب المبين } السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب ، أو التي تبين لمن تدبَّرها أنها من عند الله لا من عند البشر ، أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم ، أو قد أبيِّن فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف عليه السلام ، فقد رُوي أن علماء اليهود قالوا للمشركين : سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا } أي أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام في حال كونه قرآناً عربياً ، وسمي بعض القرآن قرآنا لأنه اسم جنس يقع على كله وبعضه { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا معانيه { ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته } [ فصلت : 44 ] { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص } نبين لك أحسن البيان . والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها عن الزجاج ، وقيل : القصص يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص نقول : قص الحديث يقصه قصصاً ، ويكون فعلاً بمعنى مفعول كالنفض والحسب ، فعلى الأول معناه نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص { بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان } أي بإيحائنا إليك هذه السورة على أن يكون { أحسن } منصوباً نصب المصدر لإضافته إليه والمقصوص محذوف لأن { بما أوحينا إليك هذا القرآن } مغن عنه . والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب فإنك لا ترى اقتصاصه في كتب الأولين مقارباً لاقتصاصه في القرآن . وإن أريد بالقصص المقصوص فمعناه نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث ، وإنما كان أحسن لما يتضمن من العبر والحكم والعجائب التي ليس في غيره . والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه كما يقال «فلان أعلم الناس» أي في فنه ، واشتقاق القصص من قص أثره إذا تبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ } الضمير يرجع إلى { ما أوحينا } { لَمِنَ الغافلين } عنه «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية يعني وإن الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الجاهلين به\r.","part":2,"page":53},{"id":554,"text":"{ إِذْ قَالَ } بدل اشتمال من { أحسن القصص } لأن الوقت مشتمل على القصص أو التقدير : أذكر إذ قال { يُوسُفَ } اسم عبراني لا عربي إذ لو كان عربياً لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف { لأَبِيهِ } يعقوب { يَاأبَتِي } { أبتَ } شامي وهي تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة لتناسبهما ، لأن كل واحدة منهما زائدة في آخر الاسم ولهذا قلبت هاء في الوقف . وجاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر كما في رجل ربعة ، وكسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة . ومن فتح التاء فقد حذف الألف من «يا أبتا» واستبقى الفتحة قبلها كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» { إِنّى رَأَيْتُ } من الرؤيا لا من الرؤية { أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } أسماؤها ببيان النبي عليه السلام : جريان والذيال والطارق وقابس وعمودان والفليق والمصبح والصروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين { والشمس والقمر } هما أبواه أو أبوه وخالته والكواكب إخوته . قيل : الواو بمعنى «مع» أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر . وأجريت مجرى العقلاء في { رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود وكررت الرؤيا لأن الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال ، أو الثانية كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جواباً له كأن أباه قال له : كيف رأيتها؟ فقال : رأيتهم لي ساجدين أي متواضعين وهو حال ، وكان ابن ثنتي عشرة سنة يومئذ وكان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة أو ثمانون .","part":2,"page":54},{"id":555,"text":"{ قَالَ يَا بَنِي } بالفتح حيث كان . حفص { لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ } هي بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة ، وفرق بينهما بحر في التأنيث كما في القربة والقربى { على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ } جواب النهي أي إن قصصتها عليهم كادوك . عرف يعقوب عليه السلام أن الله يصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد الإخوة . وإنما لم يقل فيكيدوك كما قال { فيكدوني } [ هود : 55 ] لأنه ضمن معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمن فيكون آكد وأبلغ في التخويف وذلك نحو «فيحتالوا لك» ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر وهو { كَيْدًا إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد والكيد .\r{ وكذلك } ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك { يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } يصطفيك ، والاجتباء الاصطفاء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك ، وجبيت الماء في الحوض جمعته { وَيُعَلّمُكَ } كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل : وهو يعلمك { مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } أي تأويل الرؤيا ، وتأويلها عبارتها وتفسيرها وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا ، أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب الله وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى ءالِ يَعْقُوبَ } بأن وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة أي جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكاً ، ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة . وآل يعقوب أهله وهم نسله وغيرهم ، وأصل آل أهل بدليل تصغيره على« أهيل» إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر ، يقال آل النبي وآل الملك ولا يقال آل الحجام ، ولكن أهله ، وإنما علم يعقوب أن يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب فلذا قال { وعلى آل يعقوب } { كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ } أراد الجد وأبا الجد { إبراهيم وإسحاق } عطف بيان ل { أبويك } { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ } يعلم من يحق له الاجتباء { حَكِيمٌ } يضع الأشياء في مواضعها .","part":2,"page":55},{"id":556,"text":"{ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } أي في قصتهم وحديثهم { ءايات } علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء . { آية } مكي { لّلسَّائِلِينَ } لمن سأل عن قصتهم وعرفها ، أو آيات على نبوة محمد A للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب ، وأسماؤهم : يهوذا وروبين وشمعون ولاوي وزبولون ويشجر وأمهم ليا ليان ، ودان ونفتالي وجاد وآشر من سريتين زلفة وبلهة ، فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف .\r{ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىَّ أَبِينَا مِنَّا } اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة ، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لاشبهة فيه . وإنما قالوا { وأخوه } وهم إخوته أيضاً لأن أمهما كانت واحدة ، وإنما قيل { أحب } في الاثنين لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ولا بين المذكر والمؤنث ، ولا بد من الفرق مع لام التعريف وإذا أضيف ساغ الأمران . والواو في { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } للحال أي أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما صغيران لا كفاية فيهما ونحن عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقه ، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما { إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ } غلط في تدبير أمر الدنيا ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا . والعصبة العشرة فصاعدا { اقتلوا يُوسُفَ } من جملة ما حكى بعد قوله { إذ قالوا } كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال : لا تقتلوا يوسف وقيل : الآمر بالقتل شمعون والباقون كانوا راضين فجعلوا آمرين { أَوِ اطرحوه أَرْضًا } منكورة مجهولة بعيدة عن العمران وهو معنى تنكيرها وإخلائها عن الوصف ولهذا الإبهام نصبت نصب الظروف المبهمة { يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم ، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه ، وجاز أن يراد بالوجه الذات كما قال { ويبقى وجه ربك } [ الرحمن : 27 ] { وَتَكُونُواْ } مجزوم عطفاً على { يخل لكم } { مِن بَعْدِهِ } من بعد يوسف أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب ، أو من بعد قتله أو طرحه فيرجع الضمير إلى مصدر «اقتلوا» أو «اطرحوا» { قَوْمًا صالحين } تائبين إلى الله مما جنيتم عليه أو يصلح حالكم عند أبيكم .","part":2,"page":56},{"id":557,"text":"{ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } فإن القتل عظيم { وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب } في قعر البئر وما غاب منه عن عين الناظر . غيابات وكذا ما بعده : مدني { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة } بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق { إِن كُنتُمْ فاعلين } به شيئاً { قَالُواْ يأَبَانَا مالك لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لناصحون } أي لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونشفق ، عليه وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم وفيه دليل على أنه أحسن منهم ، بما أوجب أن لا يأمنهم عليه { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ } نرتع نتسع في أكل الفواكه وغيرها والرتعة السعة { وَيَلْعَبْ } ونلعب نتفرج بما يباح كالصيد والرمي والركض . بالياء فيهما مدني وكوفي ، وبالنون فيهما : مكي وشامي وأبو عمرو ، وبكسر العين : حجازي من ارتعى يرتعي افتعال من الرعي { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من أن يناله مكروه .","part":2,"page":57},{"id":558,"text":"{ قَالَ إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ } أي يحزنني ذهابكم به واللام لام الابتداء { وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون } اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة وأنه يخاف عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم { قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب } اللام موطئة للقسم والقسم محذوف تقديره والله لئن أكله الذئب . والواو في { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } أي فرقة مجتمعة مقتدرة على الدفع للحال { إِنَّا إِذَا لخاسرون } جواب للقسم مجزىء عن جزاء الشرط أي إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها ، وأجابوا عن عذره الثاني دون الأول لأن ذلك كان يغيظهم .\r{ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب } أي عزموا على إلقائه في البئر وهي بئر على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام ، وجواب «لما» محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى ، فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وضربوه وكادوا يقتلونه فمنعهم يهوذا ، أرداوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم فيحتالوا به على أبيهم ودلوه في البئر ، وكان فيها ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي وكان يهوذا يأتيه بالطعام . ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فأخرجه جبريل وألبسه إياه { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } قيل : أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهما السلام . وقيل : كان إذ ذاك مدركاً { لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا } أي لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنك يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك ، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون ، دعا بالصواع فوضعه على يديه ثم نقره فطن فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وأنكم ألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس ، أو يتعلق { وهم لا يشعرون } ب { أوحينا } أي آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة ولا يشعرون بذلك . }","part":2,"page":58},{"id":559,"text":"{ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاء } للاستتار والتجسر على الاعتذار { يَبْكُونَ } حال عن الأعمش لا تصدق باكية بعد إخوة يوسف ، فلما سمع صوتهم فزع وقال ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا : لا . قال : فما بالكم وأين يوسف؟ { قَالُواْ يا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } أي نتسابق في العدو أو في الرمي . والافتعال والتفاعل يشتركان كالإرتماء والترامي وغير ذلك { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } بمصدق لنا { وَلَوْ كُنَّا صادقين } ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا؟! { وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته . رُوي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوا القميص بدمها وزل عنهم أن يمزقوه ، ورُوي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال : أين القيمص ، فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم ، من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه . وقيل : كان في قميص يوسف ثلاث آيات كان دليلاً ليعقوب على كذبهم { وألقاه على وجهه فارتد بصيراً } ودليلاً على براءة يوسف حين قد من دبره . ومحل { على قميصه } النصب على الظرف كأنه قيل : وجاؤا فوق قميصه بدم { قَالَ } يعقوب عليه السلام { بَلْ سَوَّلَتْ } زينت أو سهلت { لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } عظيماً ارتكبتموه { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً أي فأمري صبر جميل ، أو فصبر جميل أجمل وهو ما لا شكوى فيه إلى الخلق { والله المستعان } أي استعينه { على } احتمال { مَا تَصِفُونَ } من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه .","part":2,"page":59},{"id":560,"text":"{ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ } رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب ، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريباً منه ، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف { فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعي { فأدلى دَلْوَهُ } أرسل الدلو ليملأَها فتشبث يوسف بالدلو فنزعوه { قَالَ بُشْرىً } كوفي نادى البشرى كأنه يقول : تعالى فهذا أوانك . غيرهم { بشراي } على إضافتها لنفسه أو هو اسم غلامه فناداه مضافاً إلى نفسه { هذا غُلاَمٌ } قيل : ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به { وَأَسَرُّوهُ } الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة ، أو لأخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة : هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا ، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه { بضاعة } حال أي أخفوه متاعاً للتجارة ، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي قطع { والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } بما يعمل أخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع { وَشَرَوْهُ } وباعوه { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } مبخوس ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً أو زيف { دراهم } بدل من { ثمن } { مَّعْدُودَةً } قليلة تعد عداً ولا توزن لأنهم كانوا يعدون ما دون الأربعين ويزنون الأربعين وما فوقها وكانت عشرين درهماً { وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين } ممن يرغب عما في يده فيبيعه بالثمن الطفيف ، أو معنى { وشروه } واشتروه يعني الرفقة من إخوته { وكانوا فيه من الزاهدين } أي غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه آبق . ويُروى أن إخوته اتبعوهم وقالوا : استوثقوا منه لا يأبق . و { فيه } ليس من صلة { الزاهدين } أي غير راغبين لأن الصلة لا تتقدم على الموصول ، وإنما هو بيان كأنه قيل : في أي شيء زهدوا؟ فقال : زهدوا فيه .","part":2,"page":60},{"id":561,"text":"{ وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ } هو قطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد وقد آمن بيوسف ومات في حياته واشتراه العزيز برَنته ورقاً وحريراً ومسكاً وهو ابن سبع عشرة سنة ، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة ، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة ، وآتاه الله الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة { لاِمْرَأَتِهِ } راعيل أو زليخا واللام متعلقة ب { قال } لا ب { اشتراه } { أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسنا مرضياً بدليل قوله { إنه ربي أحسن مثواي } وعن الضحاك : بطيب معاشه ولين لباسه ووطىء فراشه { عسى أَن يَنفَعَنَا } لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أو نتبناه ونقيمه مقام الولد ، وكان قطفير عقيماً وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك { وكذلك } إشارة إلى ما تقدم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه . والكاف منصوب تقديره ومثل ذلك الإنجاء والعطف { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } أي كما أنجيناه وعطَّفنا عليه العزيز كذلك مكنا له { فِي الأرض } أي أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه { وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } كان ذلك الإنجاء والتمكين { والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ } لا يمنع عما شاء أو على أمر يوسف بتبليغه ما أراد له دون ما أراد إخوته { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } منتهى استعداد قوته وهو ثمان عشرة سنة أو إحدى وعشرون { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } حكمة وهو العلم مع العمل واجتناب ما يجهل فيه أو حكماً بين الناس وفقهاً { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره .","part":2,"page":61},{"id":562,"text":"{ وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ } أي طلبت يوسف أن يواقعها والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهي عبارة عن التحمل لمواقعته إياها { وَغَلَّقَتِ الأبواب } وكانت سبعة { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } هو اسم لتعال وأقبل وهو مبني على الفتح { هيتُ } مكي بناه على الضم ، { هِيتَ } مدني وشامي واللام للبيان كأنه قيل لك أقول هذا كما تقول هلم لك { قَالَ مَعَاذَ الله } أعوذ بالله معاذاً { إنَّهُ } أي إن الشأن والحديث { رَبّي } سيدي ومالكي يريد قطفير { أَحْسَنَ مَثْوَايَّ } حين قال لك { أكرمي مثواه } فما جزاؤه أن إخوته في أهله { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } الخائبون أو الزناة ، أو أراد بقوله { إنه ربي } الله تعالى لأنه مسبب الأسباب { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } هم عزم { وَهَمَّ بِهَا } هم الطباع مع الامتناع قاله الحسن . وقال الشيخ أبو منصور C : وهم بها هم خطرة ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه ، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين . وقيل : همَّ بها وشارف أن يهم بها ، يقال : هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه . وجواب { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } محذوف أي لكان ما كان . وقيل : { وهمّ بها } جوابه ولا يصح ، لأن جواب « لولا» لا يتقدم عليها لأنه في حكم الشرط وله صدر الكلام والبرهان الحجة . ويجوز أن يكون { وهم بها } داخلاً في حكم القسم في قوله { ولقد همت به } ويجوز أن يكون خارجاً . ومن حق القارىء إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على { به } ويبتدىء بقوله { وهم بها } وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين . وفسر همَّ يوسف بأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها ، وفسر البرهان بأنه سمع صوتاً إياك وإياها مرتين فسمع ثالثاً أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته ، وهو باطل ، ويدل على بطلانه قوله { هي روادتني عن نفسي } ولو كان ذلك منه أيضاً لما برأ نفسه من ذلك ، وقوله { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفاً عنه وقوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ولو كان كذلك لخانه بالغيب ، وقوله { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } { الآن حصص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } ولأنه لو وجد منه ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ونوح وذي النون وداود عليهم السلام ، وقد سماه الله مخلصاً فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظراً في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء . ومحل الكاف في { كذلك } نصب أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه ، أو رفع أي الأمر مثل ذلك { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء } خيانة السيد\r{ والفحشاء } الزنا { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } بفتح اللام حيث كان : مدني وكوفي أي الذين أخلصهم الله لطاعته ، وبكسرها غيرهم أي الذين أخلصوا دينهم لله . ومعنى { من عبادنا } بعض عبادنا أي هومخلص من جملة المخلصين .","part":2,"page":62},{"id":563,"text":"{ واستبقا الباب } وتسابقا إلى الباب ، هي للطلب وهو للهرب ، على حذف الجار وإيصال الفعل كقوله { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] أو على تضمين { استبقا } معنى ابتدارا ففر منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج ووحد الباب وإن كان جمعه في قوله { وغلقت الأبواب } لأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار ولما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لُّدّاً الباب } وصادفا بعلها قطفير مقبلاً يريد أن يدخل ، فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة ولتخويف يوسف طمعاً في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها حيث { قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } «ما» نافيه أي ليس جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم وهو الضرب بالسياط ، ولم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءً لأنها قصدت العموم أي كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب ، لأن ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف . ولما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه .","part":2,"page":63},{"id":564,"text":"{ قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } لولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } هو ابن عم لها ، وإنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف . وقيل : كان ابن خال لها وكان صبياً في المهد . وسمي قوله شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها { إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذبين وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصادقين } والتقدير : وشهد شاهد فقال : إن كان قميصه : وإنما دل قدّ قميص من قبل على أنها صادقة لأنه يسرع خلفها ليلحقها فيعثر في مقادم قميصه فيشقه ، ولأنه يقبل عليها وهي تدفعه عن نفسه فيتخرق قميصه من قبل . وأما تنكير { قبل } و { دبر } فمعناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر ، وإنما جمع بين «إن» التي للاستقبال وبين «كان» لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قد .\r{ فَلَماَّ رَأَى } قطفير { قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ } وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها\r{ قَالَ إِنَّهُ } إن قولك { ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً } أو إن هذا الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال { مِن كَيْدِكُنَّ } الخطاب لها ولأمتها { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } لأنهن ألطف كيداً وأعظم حيلة وبذلك يغلبن الرجال ، والقصريات منهن معهن ما ليس مع غيرهن من البوائق . وعن بعض العلماء : إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان ، لأن الله تعالى قال : { إِنَّ كَيْدَ الشيطان ضَعِيفاً } [ النساء : 76 ] وقال لهن { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } { يُوسُفَ } حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث ، وفيه تقريب له وتلطيف لمحله { أَعْرِضْ عَنْ هذا } الأمر واكتمه ولا تتحدث به . ثم قال لراعيل { واستغفرى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين } من جملة القوم المتعمدين للذنب . يقال : خطىء إذا أذنب متعمداً ، وإنما قال بلفظ التذكير تغليباً للذكر على الإناث ، وكان العزيز رجلاً حليماً قليل الغيرة حيث اقتصر على هذا القول .\r{ وَقَالَ نِسْوَةٌ } جماعة من النساء وكن خمساً : امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب . والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثها غير حقيقي ولذا لم يقل قالت وفيه لغتان كسر النون وضمها { فِى المدينة } في مصر { امرأت العزيز } يردن قطفير ، والعزيز الملك بلسان العرب { تُرَاوِدُ فتاها } غلامها يقال فتاي وفتاتي أي غلامي وجاريتي { عَن نَّفْسِهِ } لتنال شهوتها منه { قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } تمييز أي قد شغفها حبه يعني خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد ، والشغاف حجاب القلب أو جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب { إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضلال مُّبِينٍ } في خطأ وبعد عن طريق الصواب { فَلَمَّا سَمِعَتْ } راعيل { بِمَكْرِهِنَّ } باغتيابهن وقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها .","part":2,"page":64},{"id":565,"text":"وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره . وقيل كانت استكتمتهن سرها فأفشينه عليها { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } دعتهن . قيل : دعت أربعين امرأة منهن الخمس المذكورات { وَأَعْتَدَتْ } وهيأت افتعلت من العتاد { لَهُنَّ مُتَّكَئاً } ما يتكئن عليه من نمارق قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها . لأن المتكىء إذا بهت لشيء وقعت يده على يده { وآتت كل واحدة منهن سكيناً } وكانوا لا يأكلون في ذلك الزمان إلا بالسكاكين كفعل الأعاجم { وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ } بكسر التاء : بصري وعاصم وحمزة ، وبضمها غيرهم .\r{ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق ، وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء ، وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران ، وكان يشبه آدم يوم خلقه ربه . وقيل : ورث الجمال من جدته سارة . وقيل { أكبرن } بمعنى حضن والهاء للسكت ، إذ لا يقال النساء قد حضنه لأنه لا يتعدى إلى مفعول ، يقال : أكبرت المرأة حاضت ، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله :\rخف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق\r{ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } وجرحنها كما تقول : كنت أقطع اللحم فقطعت يدي تريد جرحتها أي أردن أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهشن لما رأينه فخدشن أيديهن { وَقُلْنَ حاش لِلَّهِ } «حاشا» كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء تقول : أساء القوم حاشا زيد . وهي حرف من حروف الجر فوضعت موضع التنزيه والبراءة ، فمعنى حاشا لله براءة الله وتنزيه الله . وقراءة أبي عمرو «حاشا لله» نحو قولك سقيا لك ، كأنه قال براءة ، ثم قال : الله ، لبيان من يبرأ وينزه ، وغيره { حاش لله } بحذف الألف الأخيرة والمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله { مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } نفين عنه البشرية لغرابة جماله وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان .","part":2,"page":65},{"id":566,"text":"{ قَالَتْ فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } تقول هو ذلك العبد الكنعناني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه ، تعني إنكن لم تصوّرنه حتى صورته وإلا لتعذرنني في الافتتان به { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم } والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها ، وهذا بيان جلي على أن يوسف عليه السلام بريء مما فسر به أولئك الفريق الهم والبرهان . ثم قلن له : أطع مولاتك ، فقالت راعيل : { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ } الضمير راجع إلى «ما» هي موصولة ، والمعنى ما آمره به . فحذف الجار كما في قوله «أمرتك الخير» أو «ما» مصدرية والضمير يرجع إلى يوسف أي ولئن لم يفعل أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه { لَيُسْجَنَنَّ } ليحبسن والألف في { وَلَيَكُونًا } بدل من النون التأكيد الخفيفة { مِنَ الصاغرين } مع السراق والسفاك والأباق كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق ، فلا يهنأ ليوسف الطعام والشراب والنوم هنالك كما منعني هنا كل ذلك ، ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميراً حصل في الحصير على الحصير حسيراً . فلما سمع يوسف تهديدها .\r{ قَالَ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } أسند الدعوة إليهن لأنهن قلن له ما عليك لو أجبت مولاتك ، أو افتتنت كل واحدة به فدعته إلى نفسها سراً فالتجأ إلى ربه ، قال رب السجن أحب إلي من ركوب المعصية { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ } فزع منه إلى الله في طلب العصمة { أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } أمل إليهن . والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها { وَأَكُن مّنَ الجاهلين } من الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لم يعلم سواء ، أو من السفهاء ، فلما كان في قوله { وإلا تصرف عني كيدهن } معنى طلب الصرف والدعاء قال .","part":2,"page":66},{"id":567,"text":"{ فاستجاب لَهُ رَبُّهُ } أي أجاب الله دعاءه { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السميع } لدعوات الملتجئين إليه { العليم } بحاله وحالهن { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ } فاعله مضمر لدلالة ما يفسر عليه وهو { ليسجننه } والمعنى بدا لهم بداء أي ظهر لهم رأي ، والضمير في { لهم } للعزيز وأهله { مِنْ بَعْدَمَا رَأَوُاْ الآيات } وهي الشواهد على براءته كقد القميص وقطع الأيدي وشهادة الصبي وغير ذلك { لَيَسْجُنُنَّهُ } لإبداء عذر الحال وإرخاء الستر على القيل والقال ، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها وكان مطواعاً لها وحميلاً ذلولاً ، زمامه في يديها وقد طمعت أن يذلله السجن ويسخره لها ، أو خافت عليه العيون وظنت فيه الظنون فألجأها الخجل من الناس ، والوجل من اليأس ، إلى أن رضيت بالحجاب ، مكان خوف الذهاب ، لتشتفي بخبره ، إذا منعت من نظره { حتى حِينٍ } إلى زمان كأنها اقترحت أن يسجن زماناً حتى تبصر ما يكون منه .\r{ وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ } عبدان للملك خبازه وشرابيه بتهمة السم ، فأدخلا السجن ساعة أدخل يوسف لأن «مع» يدل على معنى الصحبة تقول : خرجت مع الأمير تريد مصاحباً له فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له { قَالَ أَحَدُهُمَا } أي شرابيه { إِنّى أَرَانِى } أي في المنام وهي حكاية حال ماضية { أَعْصِرُ خَمْرًا } أي عنباً تسمية للعنب بما يؤول إليه أو الخمر بلغة عمان اسم للعنب { وَقَالَ الآخر } أي خبازه { إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } بتأويل ما رأيناه { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } من الذين يحسنون عبارة الرؤيا أو من المحسنين إلى أهل السجن فإنك تداوي المريض وتعزي الحزين وتوسع على الفقير ، فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا . وقيل : إنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي : إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطفتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته ، وقال الخباز : إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة ، فإذا سباع الطير تنهش منها .","part":2,"page":67},{"id":568,"text":"{ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } أي لبيان ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل { قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا } ولما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب ، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول : يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك . وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده ، وغرضه أن يقتبس منه ، لم يكن من باب التزكية { ذلكما } إشارة لهما إلى التأويل أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات { مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } وأوحى به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم { إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون } يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ وأن يكون تعليلاً لما قبله أي علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت ملة أولئك وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم { واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ } وهي الملة الحنيفية . وتكرير «هم» للتوكيد وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله ، والمراد به ترك الابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه { مَا كَانَ لَنَا } ما صح لنا معشر الأنبياء { أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } أي شيء كان صنماً أو غيره . ثم قال : { ذلك } التوحيد { مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } فضل الله فيشركون به ولا ينتهون .","part":2,"page":68},{"id":569,"text":"{ ياصاحبى السجن } يا ساكني السجن كقوله { أصحاب النار } [ البقرة : 39 ] و { أصحاب الجنة } [ البقرة : 82 ] { أأرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار } يريد التفرق في العدد والتكاثر أي أن تكون أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما أم يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية؟ وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام { مَا تَعْبُدُونَ } خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر { مِن دُونِهِ } من دون الله { إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي سميتم مالا يستحق الإلهية آلهة ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء لا مسميات لها ، ومعنى { سميتموها } سميتم بها يقال : سميته زيداً وسميته يزيد { مَّا أَنزَلَ الله بِهَا } بتسميتها { مّن سلطان } حجة { إِنِ الحكم } في أمر العبادة والدين { إلاَ لِلَّهِ } ثم بين ما حكم به فقال { أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلك الدين القيم } الثابت الذي دلت عليه البراهين { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } وهذا يدل على أن العقوبة تلزم العبد وإن جهل إذا أمكن له العلم بطريقه .\rثم عبر الرؤيا فقال { ياصاحبى السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا } يريد الشرابي { فَيَسْقِى رَبَّهُ } سيده { خَمْرًا } أي يعود إلى عمله { وَأَمَّا الآخر } أي الخباز { فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ } روي أنه قال للأول : ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده ، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه . وقال للثاني : ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل . ولما سمع الخباز صلبه قال : ما رأيت شيئاً فقال يوسف { قُضِىَ الأمر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر .","part":2,"page":69},{"id":570,"text":"{ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } الظان هو يوسف عليه السلام إن كان تأويله بطريق الاجتهاد ، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي أو يكون الظن بمعنى اليقين { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } صفني عند الملك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة { فَأَنْسَاهُ الشيطان } فأنسى الشرابي { ذِكْرَ رَبّهِ } أن يذكره لربه أو عند ربه ، أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره ، وفي الحديث \" رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً \" { فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ } أي سبعاً عند الجمهور والبضع ما بين الثلاث إلى التسع .\r{ وَقَالَ الملك إِنّى أرى سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات } لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته ، رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها . فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها . وقيل : كان ابتداء بلاء يوسف في الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضاً الرؤيا . سمان جمع سمين وسمينة ، والعجاف : المهازيل والعجف الهزال الذي ليس بعده سمانة ، والسبب في وقوع عجاف جمعاً لعجفاء وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال حمله على نقيضه وهو سمان ، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض . وفي الآية دلالة على أن السنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر لأن الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ويكون قوله { وآخر يابسات } بمعنى وسبعاً أخر { ياأيها الملأ } كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء\r{ أَفْتُونِى فِى رؤياى إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } اللام في { للرؤيا } للبيان ، كقوله { وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين } أو لأن المفعول به إذا تقدم على الفعل لم يكن في قوته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه فعضد بها ، تقول : عبرت الرؤيا وللرؤيا عبرت ، أو يكون { للرؤيا } خبر «كان» كقولك «كان فلان لهذا الأمر» إذا كان مستقلاً به متمكناً منه ، و { تعبرون } خبر آخر أو حال . وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول «عبرت النهر» إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه «أولت الرؤيا» إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها . وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير والمعبر .","part":2,"page":70},{"id":571,"text":"{ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ } أي هي أضغاث أحلام أي تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان . وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش ، الواحد ضغث فاستعيرت لذلك ، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام . وإنما جمع وهو حلم واحد تزايداً في وصف الحلم بالبطلان ، وجاز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين } أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة ، فقالوا : ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين .\r{ وَقَالَ الذى نَجَا } من القتل { مِنْهُمَا } من صاحبي السجن { وادكر } بالدال هو الفصيح وأصله «اذتكر» فأبدلت الذال دالاً والتاء دالاً وأدغمت الأولى في الثانية ليتقارب الحرفين . وعن الحسن : «واذكر» ووجهه أنه قلب التاء ذالاً وأدغم أي تذكر يوسف وما شاهد منه { بَعْدَ أُمَّةٍ } بعد مدة طويلة وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه وأعضل على الملك تأويلها تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه وطلبه إليه أن يذكره عندالملك { أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ } أنا أخبركم به عمن عنده علمه { فَأَرْسِلُونِ } وبالياء يعقوب أي فابعثوني إليه لأسأله فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال :","part":2,"page":71},{"id":572,"text":"{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أوَّل { أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس } إلى الملك وأتباعه { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فضلك ومكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ } هو خبر في معنى الأمر كقوله : { تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر وتجاهدون } الصف : 11 ) دليله قوله { فذروه في سنبله } وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في وجود المأمور به فيجعل كأنه موجود فهو يخبر عنه { دَأَبًا } بسكون الهمزة وحفص يحركه وهما مصدرا دأب في العمل ، وهو حال من المأمورين أي دائبين { فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } كي لا يأكله السوس { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ } في تلك السنين { ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ } هو من إسناد المجاز جعل كل أهلهن مسنداً إليهن { مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } أي في السنين المخصبة { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } تحرزون وتخبئون .","part":2,"page":72},{"id":573,"text":"{ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ } أي من بعد أربع عشرة سنة عام { فِيهِ يُغَاثُ الناس } من الغوث أي يجاب مستغيثهم ، أو من الغيث أي يمطرون يقال : غيثت البلاد إذا مطرت { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } العنب والزيتون والسمسم فيتخذون الأشربة والأدهان . { تعصرون } حمزة فأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب . والعجاف واليابسات بسنين مجدبة . ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركاً كثير الخير غزير النعم ، وذلك من جهة الوحي .\r{ وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول } ليخرجه من السجن { قَالَ ارجع إلى رَبّكَ } أي الملك { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة } أي حال النسوة { التاى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } إنما تثبت يوسف وتأنى في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما رمي به وسجن فيه لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده ويجعلوه سلماً إلى حط منزلته لديه ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها ، وقال عليه السلام « لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرت الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة » ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } أي إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه . فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة المقطعات أيديهن ودعا امرأة العزيز ثم .","part":2,"page":73},{"id":574,"text":"{ قَالَ } لهن { مَا خَطْبُكُنَّ } ما شأنكن { إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } هل وجدتن منه ميلاً إليكن { قُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } من ذنب { قَالَتِ امرأت العزيز الئن حَصْحَصَ الحق } ظهر واستقر { أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } في قوله { هي روادتني عن نفسي } ولا مزيد على شهادتهم له للبراءة والنزاهة واعترافهن على أنفسهن إنه لم يتعلق بشيء مما قذف به .\rثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها فقال يوسف { ذلك } أي امتناعي من الخروج والتثبت لظهور البراءة { لِيَعْلَمَ } العزيز { أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } بظهر الغيب في حرمته ، و { بالغيب } حال من الفاعل أو المفعول على معنى وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني ، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز { وَأَنَّ الله } أي وليعلم أن الله { لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } لا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها . ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكياً وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال ، أو في هذه الحادثة لما ذكرنا من الهم الذي هو الخطرة البشرية لا عن طريق القصد والعزم { إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء } أراد الجنس أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت العصمة ، أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة ، وقيل : هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه ، وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت { ما جزاء من أراد بأهلك سوءأً إلا أن يسجن } وأودعته السجن ، تريد الاعتذار مما كان منها إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إلا نفسها رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأن المعنى يقود إليه . وقيل : هذا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله { ذلك ليعلم } متصل بقوله { فاسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } .","part":2,"page":74},{"id":575,"text":"{ وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } أجعله خالصاً لنفسي { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } وشاهد منه ما لم يحتسب { قَالَ } الملك ليوسف { إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } ذو مكانة ومنزلة ، أمين مؤتمن على كل شيء . روي أن الرسول جاءه ومعه سبعون حاجباً وسبعون مركباً وبعث إليه لباس الملوك فقال : أجب الملك ، فخرج من السجن ودعا لأهله : اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات . وكتب على باب السجن : هذه منازل البلواء وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء . ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً ، فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال : ما هذا اللسان قال : لسان آبائي ، وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال : أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك . قال : رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن ، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك وقال له : من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك . قال الملك : ومن لي بهذا ومن يجمعه؟","part":2,"page":75},{"id":576,"text":"{ قَالَ } يوسف { اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض } ولني على خزائن أرضك يعني مصر { إِنّى حَفِيظٌ } أمين أحفظ ما تستحفظنيه { عَلِيمٌ } عالم بوجوه التصرف . وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما طلبة الملوك ممن يولونه . وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك فطلبه ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا ، وفي الحديث « رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة » قالوا : وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر ، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة . وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به . وقيل : كان الملك يصدر عن رأيه ولا يتعرض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع له .\r{ وكذلك } ومثل ذلك التمكين الظاهر { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأرض } أرض مصر وكان أربعين فرسخاً في أربعين ، والتمكين الإقدار وإعطاء المكنة { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } أي كل مكان أراد أن يتخذه منزلاً لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخولها تحت سلطانه . { نشاء } مكي { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا } بعطائنا في الدنيا من الملك والغني وغيرهما من النعم { مَّن نَّشَاء } من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } في الدنيا { وَلأَجْرُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } يريد يوسف وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الشرك والفواحش . قال سفيان بن عيينة : المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة ، والفاجر يعجل له الخير في ا لدنيا وماله في الآخرة من خلاق ، وتلا الآية . روي أن الملك توج يوسف وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر الياقوت ، فقال : أما السرير فأشد به ملكك ، وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي فجلس على السرير ، ودانت له الملوك وفوض الملك إليه أمره وعزل قطفير ثم مات بعد فزوجه الملك امرأته ، فلما دخل عليها قال أليس هذا خيراً مما طلبت! فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفراثيم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء ، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدارهم والدنانير في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها ، ثم بالحلي والجواهر في الثانية ، ثم بالدواب في الثالثة ، ثم بالعبيد والإماء في الرابعة ، ثم بالدور والعقار في الخامسة ، ثم بأولادهم في السادسة ، ثم برقابهم في السابعة ، حتى استرقهم جميعاً ، ثم أعتق أهل مصر عن آخرهم ، ورد عليهم أملاكهم ، وكان لايبيع لأحد من الممتارين أكثر من حمل بعير ، وأصاب أرض كنعان نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا وذلك قوله .","part":2,"page":76},{"id":577,"text":"{ وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ } بلا تعريف { وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } لتبدل الزي ولأنه كان من وراء الحجاب ولطول المدة وهو أربعون سنة ، وروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم : أخبروني من أنتم وما شأنكم؟ قالوا : نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار ، فقال : لعلكم جئتم عيوناً تنظرون عورة بلادي . فقالوا : معاذ الله نحن بنو نبي حزين لفقد ابن كان أحبنا إليه وقد أمسك أخاً له من أمه يستأنس به فقال : ائتوني به إن صدقتم .\r{ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ } أعطى كل واحد منهم حمل بعير ، وقرىء بكسر الجيم شاذاً { ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل } أتمه { وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين } كان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم رغبهم بهذا الكلام على الرجوع إليه .","part":2,"page":77},{"id":578,"text":"{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } فلا أبيعكم طعاماً { وَلاَ تَقْرَبُونِ } أي فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا فهو داخل في حكم الجزاء مجزوم معطوف على محل قوله { فلا كيل لكم } أو هو بمعنى النهي { قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ } سنخادعه عنه ونحتال حتى ننزعه من يده { وَإِنَّا لفاعلون } ذلك لا محالة لانفرط فيه ولا نتوانى . قال : فدعوا بعضكم رهناً ، فتركوا عنده شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ } كوفي غير أبي بكر { لفتيته } غيرهم ، وهما جمع فتى كإخوة وإخوان في أخ ، وفعلة للقلة ، وفعلان للكثرة أي لغلمانه الكيالين { اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ } أوعيتهم وكانت نعالاً أو أدما أو ورقا وهو أليق بالدس في الرحال { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } يعرفون حق ردها وحق التكرم بإعطاء البدلين { إِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ } وفرغوا ظروفهم { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا ، أو ربما لا يجدون بضاعة بها يرجعون أو ما فيهم من الديانة يعيدهم لرد الأمانة ، أو لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً { فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ } بالطعام وأخبروه بما فعل { قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكيل } يريدون قول يوسف { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي } لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ } نرفع المانع من الكيل ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه . { يكتل } حمزة وعلي أي يكتل أخوناً فينضم اكتياله إلى اكتيالنا { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } عن أن يناله مكروه\r{ قَالَ هَلْ امَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ } يعني أنكم قلتم في يوسف { أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإناله لحافظون } كما تقولونه في أخيه ثم خنتم بضمانكم فما يأمنني من مثل ذلك؟ ثم قال { فالله خَيْرٌ حافظا } كوفي غير أبي بكر . فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وهو حال أو تمييز ، ومن قرأ { حِفظا } ً فهو تمييز لا غير . { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه ولا يجمع عليّ مصيبتين قال كعب : لما قال { فالله خير حفظاً } قال الله تعالى وعزتي وجلالي لأردن عليك كليهما .","part":2,"page":78},{"id":579,"text":"{ وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ ياأبانا مَا نَبْغِى } «ما» للنفي أي ما نبغي في القول ولا تتجاوز الحق أو ما نبغي شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان ، أو ما نريد منك بضاعة أخرى ، أو للاستفهام أيْ أيّ شيء نطلب وراء هذا؟ { هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا } جملة مستأنفة موضحة لقوله { ما نبغي } والجمل بعدها معطوفة عليها أي أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } في رجوعنا إلى الملك أي نجلب لهم ميرة وهي طعام يحمل من غير بلدك { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } في ذهابنا ومجيئنا فما يصيبه شيء مما تخافه { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } نزداد وسق بعير باستصحاب أخينا { ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ } سهل عليه متيسر لا يتعاظمه { قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ } وبالياء : مكي { مَوْثِقًا } عهداً { مِنَ الله } والمعنى حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي أراد أن يحلفوا له بالله . وإنما جعل الحلف بالله موثقاً منه لأن الحلف به مما يؤكد به العهود وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب اليمين لأن المعنى حتى تحلفوا لتأتنني به { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به فهو مفعول له ، والكلام المثبت وهو قوله { لتأتنني به } في تأويل النفي أي لا تمتنعوا من الإتيان به إلا للإحاطة بكم يعني لا تمتنعوا منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة وهي أن يحاط بكم ، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له ، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي فلا بد من تأويله بالنفي { فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } قيل : حلفوا بالله رب محمد عليه السلام { قَالَ } بعضهم يسكت عليه لأن المعنى قال يعقوب { الله على مَا نَقُولُ } من طلب الموثق وإعطائه { وَكِيلٌ } رقيب مطلع غير أن السكتة تفصل بين القول والمقول وذا لا يجوز ، فالأولى يأن يفرق بينهما بالصوت فيقصد بقوة النغمة اسم الله .\r{ وَقَالَ يا بَنِى لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } الجمهور على أنه خاف عليهم العين لجمالهم وجلالة أمرهم ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرة الأولى ، فالعين حق عندنا وجه بأن يحدث الله تعالى عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصاناً فيه وخللاه وكان النبي A يعوّذ الحسن والحسين Bهما فيقول : \" أعيذكما بكلمات الله التامة من كل هامة ومن كل عين لامة \" وأنكر الجبائي العين وهو مردود بما ذكرنا . وقيل : إنه أحب أن لا يفطن بهم أعداؤهم فيحتالوا لإهلاكهم { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } أي إن كان الله أراد بكم سوءاً لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أسرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه { وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } أي متفرقين { مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ } دخولهم من أبواب متفرقة { مّنَ الله مِن شَىْء } أي شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم { إِلاَّ حَاجَةً } استثناء منقطع أي ولكن حاجة { فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } وهي شفقته عليهم { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } يعني قوله وما أغنى عنكم وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر { لّمَا عَلَّمْنَاهُ } لتعليمنا إياه { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك .","part":2,"page":79},{"id":580,"text":"{ وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } ضم إليه بنيامين . وروي أنهم قالوا له هذا أخونا قد جئناك به فقال لهم : أحسنتم فأنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه فقال يوسف : بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله وقال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال : ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وعانقه ثم { قَالَ } له { إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } يُوسُف { فَلاَ تَبْتَئِسْ } فلا تحزن { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير ولا تعلمهم بما أعلمتك وروي أنه قال له فأنا لا أفارقك . قال لقد علمت اغتمام والدي بي فإن حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك ألا أن أنسبك إلا ما لا يحمد . قال : لا أبالي فافعل ما بدا لك . قال : فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم فقال : افعل { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } هيأ أسبابهم وأوفى الكيل لهم { جَعَلَ السقاية فِى رَحْلِ أَخِيهِ } السقاية هي مشربة يُسقى بها وهي الصواع . قيل : كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعاً يكال به لعزة الطعام وكان يشبه الطاس من فضة أو ذهب { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } ثم نادى مناد آذنه أي أعلمه ، وأذن أكثر الأعلام ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه . روي أنهم ارتلحوا وأمهلهم يوسف عليه السلام حتى انطلقوا ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا ثم قيل لهم { أَيَّتُهَا العير } هي الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء والمراد أصحاب العير { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } كناية عن سرقتهم إياه من أبيه .","part":2,"page":80},{"id":581,"text":"{ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك } هو الصاع { وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } يقوله المؤذن يريد وأنا بحمل البعير كفيل أؤديه إلى من جاء به وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله { قَالُواْ تالله } قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم { لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الأرض } استشهدوا بعلمهم لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم حيث دخلوا وأفواه رواحلهم مشدودة لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد من أهل السوق ، ولأنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم { وَمَا كُنَّا سارقين } وما كنا نوصف قط بالسرقة { قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ } الضمير للصواع أي فما جزاء سرقته { إِن كُنتُمْ كاذبين } في جحودكم وادعائكم البراءة منه { قَالُواْ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ } أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله ، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في جزائه . وقولهم { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } تقرير للحكم أي فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير ، أو { جزاؤه } مبتدأ والجملة الشرطية كما هي خبره { كذلك نَجْزِى الظالمين } أي السراق بالاسترقاق { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ } فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفي التهمة حتى بلغ وعاءه فقال : ما أظن هذا أخذ شيئاً فقالوا : والله لا نتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا { ثُمَّ استخرجها } أي الصواع { مِن وِعَاء أَخِيهِ } ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه لأن التأنيث يرجع إلى السقاية ، أو لأن الصواع يذكر ويؤنث .\rالكاف في { كذلك } في محل النصب أي مثل ذلك الكيد العظيم { كِدْنَا لِيُوسُفَ } يعني علمناه إياه { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك } تفسير للكيد وبيان له لأن الحكم في دين الملك أي في سيرته للسارق أن يغرم مثلي ما أخذ لا أن يستعبد { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } أي ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه { نَرْفَعُ درجات } بالتنوين : كوفي { مَّن نَّشَاء } أي في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } فوقه أرفع درجة منه في علمه أو فوق العلماء كلهم عليهم هم دونه في العلم وهو الله D\r.","part":2,"page":81},{"id":582,"text":"{ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَه مِن قَبْلُ } أرادوا يوسف . قيل : دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه . وقيل : كان في المنزل دجاجة فأعطاها السائل . وقيل : كانت منطقة لإبراهيم عليه السلام يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ، ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده فحضنت يوسف وهي عمته بعد وفاة أمه وكانت لا تصبر ، عنه فلما شب أراد يعقوب أن ينزعه منها فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت : فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها . فوجدوها محزومة على يوسف فقالت : إنه لي سَلَم أفعل به ما شئت فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت . وروي أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له : فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل ، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذ هذا الصاع . فقال بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم { فَأَسَرَّهَا } أي مقالتهم إنه سرق كأنه لم يسمعها { يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } تمييز أي أنتم شر منزلة في السرق لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من أبيه { والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } تقولون أو تكذبون . { قَالُواْ يا أَيُّهَا العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } في السن وفي القدر { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } أبدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد فإن أباه يتسلى به عن أخيه المفقود { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } إِلينا فأتمم إحسانك أو من عادتك الإحسان فاجر على عادتك ولا تغيرها .","part":2,"page":82},{"id":583,"text":"{ قَالَ مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } أي نعوذ بالله معاذاً من أن نأخذ فأضيف المصدر إلى المفعول به وحذف من { إِنَّا إِذًا لظالمون } «إذاً» جواب لهم وجزاء لأن المعنى إن أخذنا بدله ظلمنا ، وهذا لأنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصاع في رحله واستبعاده فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلماً في مذهبكم فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم { فَلَمَّا استيأسوا } يئسوا وزيادة السين والتاء للمبالغة كما مر في { استعصم } { مِنْهُ } من يوسف وإجابته إياهم { خَلَصُواْ } انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم { نَجِيّاً } ذوي نجوى أو فوجاً نجيا أي مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً ، أو تمحضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك وإفاضتهم فيه بجد واهتمام كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته . فالنجيُّ يكون بمعنى المناجي كالسمير بمعنى المسامر ، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي وكان تناجيهم في تدبير أمرهم على أي صفة يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم { قَالَ كَبِيرُهُمْ } في السن وهو روبيل ، أو في العقل والرأي وهو يهوذا ، أو رئيسهم وهو شمعون { أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } «ما» صلة أي ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم ، أو مصدرية ومحل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف وهو من قبل ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف { فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض } فلن أفارق أرض مصر { حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى } في الانصراف إليه { أَوْ يَحْكُمَ الله لِى } بالخروج منها أو بالموت أو بقتالهم { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } لأنه لا يحكم إلا بالعدل .\r{ ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يا أَبَانَا إِنَّ ابنك سَرَقَ } وقرىء { سرِّق } أي نسب إلى السرقة { وَمَا شَهِدْنَا } عليه بالسرقة { إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } من سرقته وتيقنا إذ الصواع استخرج من وعائه { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين } وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق .","part":2,"page":83},{"id":584,"text":"{ واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا } يعني مصر أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة { والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا } وأصحاب العير وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام { وِإِنَّا لصادقون } في قولنا فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أردتموه وإلا فمن أدرى ذلك الرجل أن السارق يسترق لولا فتواكم وتعليمكم { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } بيوسف وأخيه وكبيرهم { إِنَّهُ هُوَ العليم } بحالي في الحزن والأسف { الحكيم } الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة { وتولى عَنْهُمْ } وأعرض عنهم كراهة لما جاؤوا به { وَقَالَ ياأسفا عَلَى يُوسُفَ } أضاف الأسف وهو أشد الحزن والحسرة إلى نفسه . والألف بدل من ياء الإضافة ، والتجانس بين الأسف ويوسف غير متكلف ونحوه { اثاقلتم إِلَى الأرض أَرَضِيتُم } [ التوبة : 38 ] { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } [ الأنعام : 26 ] { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [ الكهف : 104 ] { مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ } ) النحل : 22 ) وإنما تأسف دون أخيه وكبيرهم لتمادي أسفه على يوسف دون الآخرين ، وفيه دليل على أن الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضاً عنده طرياً { وابيضت عَيْنَاهُ } إذ أكثر الاستعبار ومحقت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر . وقيل : قد عمي بصره . وقيل : كان قد يدرك إدراكاً ضعيفاً { مِنَ الحزن } لأن الحزن سبب البكاء الذي حدث منه البياض فكأنه حدث من الحزن . قيل : ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب ويجوز للنبي عليه السلام أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن فلذلك حمد صبره ، ولقد بكى رسول الله A على ولده إبراهيم ، وقال : « القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون » وإنما المذموم الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب { فَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله { إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ } [ القلم : 48 ] من كظم السقاء إذا شده على ملئه .","part":2,"page":84},{"id":585,"text":"{ قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ } أي لا تفتأ فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون . ومعنى لا تفتأ لا تزال { تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً } مشفياً على الهلاك مرضاً { أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله } البث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس ، أي بنشره أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم إنما أشكو إلى ربي داعياً له وملتجئاً إليه فخلوني وشكايتي . وروي أنه أوحى إلى يعقوب . إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فوقف ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين . وقيل : اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وأعلم من رحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ، وروي أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله : هل قبضت روح يوسف؟ فقال : لا والله هو حي فاطلبه وعلمه هذا الدعاء«ياذا المعروف الدائم الذي لا ينقطع معروفه أبداً ولا يحصيه غيرك فرج عني» .","part":2,"page":85},{"id":586,"text":"{ يبَنِيَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما وهو تفعل من الإحساس وهو المعرفة { وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } ولا تقنطوا من رحمة الله وفرجه { إِنَّهُ } إن الأمر والشأن { لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون } لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته ، وأما الكافر فلا يعرف رحمة الله ولا تقلبه في نعمته فييأس من رحمته ، فخرجوا من عند أبيهم راجعين إلى مصر { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ } على يوسف { قَالُواْ يا أَيُّهَا العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } الهزال من الشدة والجوع { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها من أزجيته إذا دفعته وطردته . قيل : كان دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة . وقيل : كانت صوفاً وسمناً { فَأَوْفِ لَنَا الكيل } الذي هو حقنا { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة أوزدنا على حقنا أوهب لنا أخانا { إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين } ولما قالوا مسنا وأهلنا الضر وتضرعوا إليه وطلبوا منه أن يتصدق عليهم ارفضت عيناه ولم يتمالك أن عرفهم نفسه حيث قال : { قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ } أي هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف { وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون } لا تعلمون قبحه أو إذ أنتم في حد السفه والطيش وفعلهم بأخيه تعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بأنواع الأذى { قَالُواْ أَءنَّكَ } بهمزتين : كوفي وشامي { لأَنتَ يُوسُفُ } اللام لام الابتداء و { أنت } مبتدأ و { يوسف } خبره ، والجملة خبر «إن» { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِى } وإنما ذكر أخاه وهم قد سألوه عن نفسه لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه { قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا } بالألفة بعد الفرقة وذكر نعمة الله بالسلامة والكرامة ولم يبدأ بالملامة { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ } الفحشاء { وَيِصْبِرْ } عن المعاصي وعلى الطاعة { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } أي أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين . وقيل : من يتق مولاه ويصبر على بلواه لا يضيع أجره في دنياه وعقباه .","part":2,"page":86},{"id":587,"text":"{ قَالُواْ تالله لَقَدْ اثَرَكَ الله عَلَيْنَا } اختارك وفضلك علينا بالعلم والحلم والتقوى والصبر والحسن { وَإِن كُنَّا لخاطئين } وإن شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم لم نتق ولم نصبر لا جرم أن الله أعزك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك { قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ } لا تعيير عليكم { اليوم } متعلق بالتثريب أو ب { يغفر } والمعنى لا أثر بكم اليوم وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره من الأيام! ثم ابتدأ فقال { يَغْفِرَ الله لَكُمْ } فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم . يقال : غفر الله لك ويغفر لك على لفظ الماضي والمضارع ، أو اليوم يغفر الله لكم بشارة بعاجل غفران الله . وروي أن رسول الله A أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح فقال لقريش : « ما ترونني فاعلاً بكم » قالوا : نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم ، وقد قدرت . فقال : « أقول ما قال أخي يوسف لا تثريب عليك اليوم » ورُوي أن أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس : إذا أتيت رسول الله فاتلُ عليه { قال لا تثريب عليكم اليوم } ففعل فقال رسول الله A : « غفر الله لك ولمن علمك » ويُروى أن أخوته لما عرفوه أرسلوا إليه أنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك ، فقال يوسف : إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليَّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم حيث علم الناس أني من حفدة إبراهيم { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } أي إذا رحمتكم وأنا الفقير القتور فما ظنكم بالغني الغفور؟ ثم سألهم عن حال أبيه فقالوا : إنه عمي من كثرة البكاء قال :","part":2,"page":87},{"id":588,"text":"{ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا } قيل : هو القميص المتواراث الذي كان في تعويذ يوسف ، وكان من الجنة أمره جبريل أن يرسله إليه فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلي ولا سقيم إلا عوفي { فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } يصر بصيراً . تقول : جاء البناء محكماً أي صار ، أو يأت إلي وهو بصير . قال يهوذا : أنا أحمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص الجفاء . وقيل : حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً { وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكي .\r{ وَلَمَّا فَصَلَتِ العير } خرجت من عريش مصر . يقال : فصل من البلد فصولاً إذا انفصل منه وجاوز حيطانه { قَالَ أَبُوهُمْ } لولد ولده ومن حوله من قومه { إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } أوجده الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمانية أيام { لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } التفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل من هرم . يقال : شيخ مفند . والمعنى لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني .","part":2,"page":88},{"id":589,"text":"{ قَالُواْ } أي أسباطه { تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم } لفي ذهابك عن الصواب قديماً في إفراط محبتك ليوسف أو في خطئك القديم من حب يوسف وكان عندهم أنه قد مات { فَلَمَّا أَن جَاء البشير } أي يهوذا { أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ } طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو ألقاه يعقوب { فارتد } فرجع { بَصِيراً } يقال : رده فارتد وارتده إذا ارتجعه { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ } يعني قوله { إني لأجد ريح يوسف } أو قوله { ولا تيأسوا من روح الله } وقوله { إِنّى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } كلام مبتدأ لم يقع عليه القول أو وقع عليه والمراد قوله { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } ورُوي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ قال : هو ملك مصر . فقال : ما أصنع بالملك ، على أي دين تركته؟ قال : على دين الإسلام . قال : الآن تمت النعمة { قَالُواْ يأَبَانَا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطئين } أي سل الله مغفرة ما ارتكبنا في حقك وحق ابنك إنا تبنا واعترفنا بخطايانا { قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } أخر الاستغفار إلى وقت السحر ، أو إلى ليلة الجمعة ، أو ليتعرف حالهم في صدق التوبة ، أو إلى أن يسأل يوسف هل عفا عنهم . ثم إن يوسف وجه إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه ، فلما بلغ قريباً من مصر خرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على يهوذا .\r{ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ءاوى إِلَيْهِ } ضم إليه { أَبَوَيْهِ } واعتنقهما . قيل : كانت أمه باقية . وقيل : ماتت وتزوج أبوه خالته والخالة أم كما أن العم أب ومنه قوله { وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ] ومعنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر أنه حين استقبلهم أنزلهم في مضرب خيمة أو قصر كان له ثمة فدخلوا عليه وضم إليه أبويه { وَقَالَ } لهم بعد ذلك { ادخُلُوا مِصرَ إن شآء الله ءامنين } من ملوكها وكانوا لا يدخلونها إلا بجواز أو من القحط . ورُوي أنه لما لقيه قال يعقوب عليه السلام : السلام عليك يا مذهب الأحزان ، وقال له يوسف : يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال : بلى ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك . وقيل : إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجال ونساء ، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلاً سوى الذرية والهرمى ، وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف","part":2,"page":89},{"id":590,"text":"{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } قيل : لما دخلوا مصر وجلس في مجلسه مستوياً على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه فرفعهما على السرير وخروا له يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين سجداً ، وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد وقال الزجاج سنة التعظيم في ذلك الوقت أن يسجد للمعظم وقيل ما كانت لا انحناء دون تعفير الجباه وخرورهم سجداً يأباه وقيل وخروا لأجل يوسف سجداً لله شكراً وفيه نبوة أيضاً واختلف في استنبائهم { وَقَالَ يأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رؤياى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا } أي الرؤيا { رَبّي حَقّاً } أي صادقة وكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعين سنة أو ثمانون أو ست وثلاثون أو ثنتان وعشرون { وَقَدْ أَحْسَنَ بَى } يقال : أحسن إليه وبه وكذلك أساء إليه وبه { إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن } ولم يذكر الجب لقوله { لا تثريب عليكم اليوم } { وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو } من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواشٍ ينتقلون في المياه والمناجع { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أي أفسد بيننا وأغرى { إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } أي لطيف التدبير { إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم } بتأخير الآمال إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف .","part":2,"page":90},{"id":591,"text":"{ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك } ملك مصر { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } تفسير كتب الله أو تعبير الرؤيا و«من» فيهما للتبعيض إذ لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا وبعض التأويل { فَاطِرَ السماوات والأرض } انتصابه على النداء { أَنتَ وَلِيِّي فِى الدنيا والآخرة } أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين وتوصل الملك الفاني بالملك الباقي { تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } طلب الوفاة على حال الإسلام كقول يعقوب لولده { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [ آل عمران : 102 ] وعن الضحاك : مخلصاً . وعن التستري : مسلِّماً إليك أمري وفي عصمة الأنبياء إنما دعا به يوسف ليقتدي به قومه ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة ، لأن ظواهر الأنبياء لنظر الأمم إليهم { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } من آبائي أو على العموم . رُوي أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الثياب وخزائن السلاح حتى أدخله خزانة القراطيس قال : يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل . فقال : أمرني جبريل . : قال أو ما تسأله؟ قال : أنت أبسط إليه مني فاسأله . فقال جبريل : الله أمرني بذلك لقولك { وأخاف أن يأكله الذئب } فهلا خفتني . ورُوي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق ، فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة ، فلما تم أمره طلبت نفسه الملك الدائم فتمنى الموت . وقيل : ما تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيباً طاهراً ، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كلٌ يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يعملوا له صندوقاً من مرمر وجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعاً حتى نقل موسى عليه السلام بعد أربعمائة سنة تابوته إلى بيت المقدس . وولد له أفراثيم وميشا ، وولد لإفراثيم نون ، ولنون يوشع فتى موسى ، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه .","part":2,"page":91},{"id":592,"text":"{ ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف ، والخطاب لرسول الله A وهو مبتدأ { مِنْ أَنبَاء الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبر إن { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } لدى بني يعقوب { إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف في البئر { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } بيوسف ويبغون له الغوائل ، والمعنى أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي لأنك لم تحضر بني يعقوب حين اتفقوا على إلقاء أخيهم في البئر { وَمَا أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } أراد العموم أو أهل مكة أي وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ } على التبليغ أو على القرآن { مِنْ أَجْرٍ } جعل { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } ما هو إلا موعظة { للعالمين } وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله { وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ } من علامة ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده { فِى السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } على الآيات أو على الأرض ويشاهدونها { وَهُمْ عَنْهَا } عن الآيات { مُّعْرِضُونَ } لا يعتبرون بها والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } أي وما يؤمن أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن الجمهور على أنها نزلت في المشركين لأنهم مقرون بالله خالقهم ورازقهم ، وإذا حزبهم أمر شديد دعوا الله ومع ذلك يشركون به غيره . ومن جملة الشرك ما يقوله القدرية من إثبات قدرة التخليق للعبد ، والتوحيد المحض ما يقوله أهل السنة وهو أنه لا خالق إلا الله .","part":2,"page":92},{"id":593,"text":"{ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ } عقوبة تغشاهم وتشملهم { مّنْ عَذَابِ الله أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة } القيامة { بَغْتَةً } حال أي فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانها .\r{ قُلْ هذه سَبِيلِى } هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي ، والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان . ثم فسر سبيله بقوله { ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ } أي أدعو إلى دينه مع حجة واضحة غير عمياء { أَنَاْ } تأكيد للمستتر في { أدعو } { وَمَنِ اتبعنى } عطف عليه أي أدعو إلى سبيل الله أنا ويدعو إليه من اتبعني ، أو { أنا } مبتدأ و { على بصيرة } خبر مقدم و { من اتبعني } عطف على { أنا } يخبر ابتداء بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى { وسبحان الله } وأنزهه عن الشركاء { وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } مع الله غيره { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } لا ملائكة لأنهم كانوا يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ، أو ليست فيهم امرأة { نُوحِى } بالنون حفص { إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى } لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخرة } أي ولدار الساعة الآخرة { خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا } الشرك وآمنوا به { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } وبالياء : مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي .","part":2,"page":93},{"id":594,"text":"{ حتى إِذَا استيئس الرسل } يئسوا من إيمان القوم { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } كذَّبوا وأيقن الرسل أن قومهم كذبوهم . وبالتخفيف : كوفي أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا أي أخلفوا ، أو وظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرفون عليهم ولم يصدقوهم فيه { جَاءهُمْ نَصْرُنَا } للأنبياء والمؤمنين بهم فجأة من غير احتساب { فَنُجّىَ } بنونٍ واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء : شامي وعاصم على لفظ الماضي المبني للمفعول والقائم مقام الفاعل من . الباقون { فننجي } بنونين ثانيتهما ساكنة مخفاة للجيم بعدها وإسكان الياء { مَّن نَّشَاء } أي النبي ومن آمن به { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا } عذابنا { عَنِ القوم المجرمين } الكافرين .\r{ لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } أي في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة يوسف وإخوته { عِبْرَةٌ لأَوْلِى الألباب } حيث نقل من غاية الحب ، إلى غيابة الجب ، ومن الحصير ، إلى السرير ، فصارت عاقبة الصبر سلامة وكرامة ، ونهاية المكر وخامة وندامة { مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى } ما كان القرآن حديثاً مفترى كما زعم الكفار { ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } ولكن تصديق الكتب التي تقدمته { وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس { وهدى } من الضلال { وَرَحْمَةً } من العذاب { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بالله وأنبيائه وما نصب بعد «لكن» معطوف على خبر «كان» * عن رسول الله A \" علموا أرقاءكم سورة يوسف فأيما عبد تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلماً \" قال الشيخ أبو منصور C : في ذكر قصة يوسف عليه السلام وإخوته تصبير لرسول الله A على أذى قريش كأنه يقول : إن إخوة يوسف مع موافقتهم إياه في الدين ومع الأخوّة عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر وصبر على ذلك ، فأنت مع مخالفتهم إياك في الدين أحرى أن تصبر على أذاهم . وقال وهب : إن الله تعالى لم ينزل كتاباً إلا وفيه سورة يوسف عليه السلام تامة كما هي في القرآن العظيم ، والله أعلم . .","part":2,"page":94},{"id":595,"text":"مكية ، وهي ثلاث وأربعون آية كوفي ، وخمس وأربعون آية شامي\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ المر } أنا الله أعلم وأرى عن ابن عباس Bهما { تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة { آياتالكتاب } أريد بالكتاب السورة أي تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها { والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أي القرآن كله { الحق } خبر { والذي } { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } فيقولون تقوَّله محمد ثم ذكر ما يوجب الإيمان فقال { الله الذي رَفَعَ السماوات } أي خلقها مرفوعة لا أن تكون موضوعة فرفعها و { الله } مبتدأ والخبر { الذي رفع السماوات } { بِغَيْرِ عَمَدٍ } حال وهو جمع عماد أو عمود { تَرَوْنَهَا } الضمير يعود إلى السماوات أي ترونها كذلك فلا حاجة إلى البيان أو إلى عمد فيكون في موضع جر على أنه صفة ل { عمد } أي بغير عمد مرئية { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } استولى بالاقتدار ونفوذ السلطان { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } لمنافع عباده ومصالح بلاده { كُلٌّ يَجْرِي لأَِجَلٍ مُّسَمًّى } وهو انقضاء الدنيا { يُدَبِّرُ الأمر } أمر ملكوته وربوبيته { يُفَصّلُ الآيات } يبين آياته في كتبه المنزلة { لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع اليه .","part":2,"page":95},{"id":596,"text":"{ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض } بسطها { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالاً ثوابت { وأنهارا } جارية { وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين } أي الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك { يُغْشِي الَّيلَ النَّهارَ } يلبسه مكانه فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً . يغشِّي حمزة وعلي وأبو بكر { إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيعلمون أن لها صانعاً عليماً حكيماً قادراً { وَفِي الأرض قِطَعٌ متجاورات } بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة إلى سبخة وكريمة إلى زهيدة وصلبة إلى رخوة وذلك دليل على قادر مدبر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه { وجنات } معطوفة على قطع { مِّنْ أعناب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صنوان وَغَيْرُ صنوان } بالرفع مكي وبصري وحفص عطف على { قطع } غيرهم بالجر بالعطف على { أعناب } ، والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد وعن حفص بضم الصاد وهما لغتان { يسقى بِمَاءٍ واحد } وبالياء عاصم وشامي { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ } وبالياء حمزة وعلي { فِي الأكل } في الثمر . وبسكون الكاف نافع ومكي { إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } عن الحسن مثل اختلاف القلوب في آثارها وأنوارها وأسرارها باختلاف القطع في أنهارها وأزهارها وثمارها { وَإِن تَعْجَبْ } يا محمد من قولهم في إنكار البعث { فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } خبر ومبتدأ أي فقولهم حقيق بأن يتعجب منه لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك كان الإعادة أهون شيء عليه وأيسره فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب { أءِذا كنا تراباً أءِنا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } في محل الرفع بدل من { قولهم } . قرأ عاصم وحمزة كل واحد بهمزتين { أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } أولئك الكافرون المتمادون في كفرهم { وأولئك الأغلال فِي أعناقهم } وصف لهم بالإصرار أو من جملة الوعيد { وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } دل تكرار أولئك على تعظيم الأمر .","part":2,"page":96},{"id":597,"text":"َويسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } بالنقمة قبل العافية وذلك أنهم سألوا رسول الله A أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فمالهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا والمثلة العقوبة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة . { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب ومحله الحال أي ظالمين لأنفسهم قال السدي يعني المؤمنين وهي أرجى آية في كتاب الله حيث ذكر المغفرة مع الظلم وهو بدون التوبة فإن التوبة تزيلها وترفعها { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } على الكافرين أو هما جميعاً في المؤمنين لكنه معلق بالمشيئة فيهما أي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ ايَةٌ مّن رَّبِّهِ } لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله A عناداً فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى فقيل لرسول الله A { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } إنما أنت رجل أرسلت منذراً مخوفاً لهم من سوء العاقبة وناصحاً كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر وصحة ذلك حاصلة بأي آية كانت والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوى بها { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها لا بما يريدون ويتحكمون .\r{ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ } «ما» في هذه المواضع الثلاثة موصولة أي يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج وحسن وقبح وطول وقصر وغيره ذلك وما تغيضه الأرحام أي ويعلم ما تنقصه يقال غاض الماء وغضته أنا وما تزداده والمراد عدد الولد فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة أوجسد الولد فإنه يكون تاماً ومخدجاً أو مدة الولادة فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عندنا وإلى أربع عند الشافعي وإلى خمس عند مالك أو مصدرية أي يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } بقدر واحد لا يجازوه ولا ينقص عنه لقوله : { إِنَّا كُلَّ شَيْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر : 49 ]","part":2,"page":97},{"id":598,"text":"{ عالم الغيب } ما غاب عن الخلق { والشهادة } ما شاهدوه { الكبير } العظيم الشأن الذي كل شيء دونه { المتعال } المستعلي على كل شيء بقدرته أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها . وبالياء في الحالين مكي { سَوَاء مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } أي في علمه { وَمَنْ هو مستخفٍ بالَّيْل } متوارٍ { وَسَارِبٌ بالنهار } ذاهب في سربه أي في طريقه ووجهه يقال سرب في الأرض سروباً . و { سارب } عطف على { من هو مستخف } لا على { مستخف } أو على { مستخف } غير أن { من } في معنى الاثنين والضمير في { لَهُ } مردود على { من } كأنه قيل لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب { معقبات } جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه والأصل معتقبات فأدغمت التاء في القاف أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه { مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي قدامه ووراءه { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } هما صفتان جميعاً وليس من أمر الله بصلة للحفظ كأنه قيل له معقبات من أمر الله أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب بدعائهم له { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من العافية والنعمة { حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } من الحال الجميلة بكثرة المعاصي { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً } عذاباً { فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } فلا يدفعه شيء { وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } من دون الله ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم .","part":2,"page":98},{"id":599,"text":"{ هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا وَطَمَعًا } انتصبا على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع أو على ذا خوف وذا طمع أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين والمعنى يخاف من وقوع الصواعق عند لمع البرق ويطمع في الغيث قال أبوالطيب\rفتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجي ... يرجّى الحيا ومنه وتخشى الصواعق\rأو يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر ومن له بيت يكف ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له نفع فيه { وَيُنْشِيءُ السحاب } هو اسم جنس والواحدة سحابة { الثقال } بالماء وهو جميع ثقيلة ، تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال { وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ } قيل يسبح سامعو الرعد من العباد الراجين للمطر أي يصيحون بسبحان الله والحمد لله وعن النبي A أنه قال : « \" الرعد ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب» \" والصوت الذي يسمع زجره السحاب حتى ينتهي إلى حيث أمر { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله { وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء } الصاعقة : نار تسقط من السماء لما ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده وما دل على قدرته الباهرة ووحدانيته قال : { وَهُمْ يجادلون فِي الله } يعني الذين كذبوا رسول الله A يجادلون في الله حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم : { مِنْ يحييا العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس : 78 ] ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم الملائكة بنات الله . أو الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم وذلك أن أربد أخا لبيد بن ربيعة العامري قال لرسول الله A حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين لقتله فرمى الله عامراً بغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية وأرسل على أربد صاعقة فقتله أخبرني عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد\r{ وَهُوَ شَدِيدُ المحال } أي المماحلة وهي شدة المماكرة والمكايدة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف لاستعماله الحيلة واجتهد فيه ، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتيهم بالهلكة من يحث لا يحتسبون .","part":2,"page":99},{"id":600,"text":"{ لَهُ دَعْوَةُ الحق } أضيفت إلى الحق الذي هو ضد الباطل للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق وأنها بمعزل من الباطل والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه حقيقاً بأنه يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه واتصال { شديد المحال } وله دعوة الحق بما قبله على قصة أربد ظاهر لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر وقد دعا رسول الله عليه وعلى صاحبه بقوله : « اللهم اخسفهما بما شئت » فأجيب فيهما فكانت الدعوة دعوة حق وعلى الأول وعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله A بحلول محاله بهم وإجابة دعوة رسول الله A فيهم إن دعا عليهم { والذين يَدْعُونَ } والآلهة الذين يدعوهم الكفار { مِن دُونِهِ } من دون الله { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } من طلباتهم { إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ إِلَى الماء لِيَبْلُغَ فَاهُ } الاستثناء من المصدر أي من الاستجابة التي دل عليها لا يستجيبون لأن الفعل بحروفه يدل على المصدر وبصيغته على الزمان وبالضرورة على المكان والحال فجاز استثناء كل منها من الفعل فصار التقدير : لا يستجيبون استجابة إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم . واللام في ليبلغ متعلق ب { باسط كفيه } { وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } وما الماء ببالغ فاه { وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضلال } في ضياع لا منفعة فيه لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الأصنام لم تستطع إجابتهم\r{ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض } سجود تعبد وانقياد { طَوْعاً } حال يعني الملائكة والمؤمنين { وَكَرْهًا } يعني المنافقين والكافرين في حال الشدة والضيق { وظلالهم } معطوف على { من } جمع ظل { بالغدو } جمع غداة كقنىً وقناة { والآصال } جمع أصل أصيل . قيل ظل كل شيء يسجد لله بالغدو والآصال ، وظل الكافر يسجد كرهاً وهو كاره ، وظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع { قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض قُلِ الله } حكاية لاعترافهم لأنه إذا قال : لهم من رب السموات والأرض لم يكن لهم بد من أن يقولوا : الله ، دليله قراءة ابن مسعود وأبي { قالوا الله } أو هو تلقين أي فإن لم يجيبوا فلقنهم فإنه لا جواب إلا هذا { قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أبعد أن علمتموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه آلهة { لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً } لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا ضرراً عنها فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب فما أبين ضلالتكم .","part":2,"page":100},{"id":601,"text":"{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير } أي الكافر والمؤمن أو من لا يبصر شيئاً ومن لا يخفى عليه شيء { أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور } ملل الكفر والإيمان . { يستوي } كوفي غير حفص { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ } بل أجلعوا ومعنى الهمزة الإنكار { خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } خلقوا مثل خلقه وهو صفة ل { شركاء } أي أنهم لم يتخذوا الله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله { فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ } فاشتبه عليهم مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلاً أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق { قُلِ الله خالق كُلّ شَيْءٍ } أي خالق الأجسام والأعراض لا خالق غير الله ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق فلا يكون له شريك في العبادة ، ومن قال إن الله لم يخلق أفعال الخلق وهم خلقوها فتشابه الخلق على قولهم { وَهُوَ الواحد } المتوحد بالربوبية { القهار } لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور","part":2,"page":101},{"id":602,"text":"{ أَنَزلَ } أي الواحد القهار وهو الله سبحانه { مِّنَ السماء } من السحاب { مَآءً } مطراً { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } جمع واد وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة وإنما نكر لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض { بِقَدَرِهَا } بمقدارها الذي علم الله أنه نافع للممطور عليهم ضار { فاحتمل السيل } أي رفع { زَبَدًا } هو ما علا على وجه الماء من الرغوة والمعنى علاه زبد { رَّابِيًا } منتفخاً مرتفعاً على وجه السيل { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ } بالياء كوفي غير أبي بكر و«من» لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء أو للتبعيض أي وبعضه زبد { فِي النار } حال من الضمير في عليه أي ومما توقدون عليه ثابتاً في النار { ابتغاء حِلْيَةٍ } مبتغين حلية فهو مصدر في موضع الحال من الضمير في توقدون { أَوْ متاع } من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر وهو معطوف على { حلية } أي زينة من الذهب والفضة { زَبَدٌ } خبث وهو مبتدأ { مّثْلُهُ } نعت له و { مما توقدون } خبر له أي لهذه الفلزّات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء .\r{ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل } أي مثل الحق والباطل { فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاءً } حال أي متلاشياً وهو ما تقذفه القدر عند الغليان والبحر عند الطغيان والجفء الرمي وجفأت الرجل صرعته { وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس } من الماء والحلي والأواني { فَيَمْكُثُ فِي الأرض } فيثبت الماء في العيون والآبار والحبوب والثمار وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة { كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال } ليظهر الحق من الباطل وقيل هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم بأنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفات وإن ذلك ماكث في الأرض باقٍ بقاء ظاهراً يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة . وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمي به . وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب . قال الجمهور وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل فالماء القرآن نزل لحياة الجنان كالماء للأبدان والأدوية للقلوب . ومعنى { بقدرها } بقدر سعة القلب وضيقه ، والزبد هواجش النفس ووساوس الشيطان ، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق فكما يذهب الزبد باطلاً ويبقى صفو الماء كذلك تذهب هواجس النفس ووساوس الشيطان ويبقى الحق كما هو وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة بالإخلاص المعدة للخلاص فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع في الكسب وبعضها آلة الدفع في الحرب وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل .","part":2,"page":102},{"id":603,"text":"واللام في { لِلَّذِينَ استجابوا } أي أجابوا متعلقة ب { يضرب } أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا { لِرَبِّهِمُ الحسنى } وهي صفة لمصدر { استجابوا } أي استجابوا الاستجابة الحسنى { وَالَّذِينَ لَمْ يَستَجِيبُوا لَهُ } أي للكافرين الذين لم يستجيبوا أي هما مثلاً الفريقين . وقوله { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } كلام مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله والوجه أن الكلام قد تم على الأمثال وما بعده كلام مستأنف والحسنى مبتدأ خبره { للذين استجابوا } والمعنى لهم المثوبة الحسنى وهي الجنة { والذين لم يستجيبوا } مبتدأ خبره «لو» مع ما في حيزه { أولئك لَهُمْ سُوءُ الحساب } المناقشة فيه في الحديث « \" من نوقش الحساب عذب» \" { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } ومرجعهم بعد المحاسبة الناس { وَبِئْسَ المهاد } المكان الممهد والمذموم محذوف أي جهنم ، دخلت همزة الإنكار على الفاء في { أَفَمَن يَعْلَمُ } لإنكار أن تقع شبهة ما بعد ما ضرب من المثل في أن حال من علم { أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق } فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب وهو المراد بقوله : { كَمَنْ هُوَ أعمى } كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب } أي الذين عملوا على قضايا عقولهم فنظروا واستبصروا .\r{ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله } متبدأ والخبر { أولئك لهم عقبى الدار } كقوله { والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة } [ الرعد : 25 ] وقيل هو صفة لأولي الألباب والأول أوجه وعهد الله ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته وأشهدهم على أنفسهم من الشهادة بربوبيته ألست بربكم قالوا بلى { وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق } ما أوثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد تعميم بعد تخصيص","part":2,"page":103},{"id":604,"text":"{ والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } من الأَرحام والقرابات ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله A وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان { إنما المؤمنون إخوة } بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ونصرتهم والذب عنهم والشفقة عليهم وإفشاء السلام عليهم وعيادة مرضاهم ومنه مراعاة حق الأَصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي وعيده كله { وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } خصوصاً فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ } مطلق فيهما يصير عليه من المصائب في النفوس والأَموال ومشاق التكاليف { ابتغاء وَجْهِ رَبّهِمْ } لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل وأوقره عند الزلازل ولا لئلا يعاب في الجزع { وأقاموا الصلاة } داوموا على إقامتها { وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } أي من الحلال وإن كان الحرام رزقاً عندنا { سِرّا وَعَلاَنِيَةً } يتناول النوافل لأَنها في السر أفضل والفرائض لأَن المجاهرة بها أفضل نفياً للتهمة { وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة } ويدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرهم أو إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا وإذا أذنبوا تابوا وإذا هربوا أنابوا وإذا رأوا منكراً أمروا بتغييره فهذه ثمانية أعمال تشير إلى ثمانية أبواب الجنة { أولئك لَهُمْ عقبى الدار } عاقبة الدنيا وهي الجنة لأَنها التي أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها .\r{ جنات عَدْنٍ } بدل من عقبى الدار { يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ } أي آمن { مِنْ ءَابَائِهِمْ وأزواجهم وذرياتهم } وقرىء صلُح والفتح أفصح و { من } في محل الرفع بالعطف على الضمير في { يدخلونها } وساغ ذلك وإن لم يؤكد لأَن ضمير المفعول صار فاصلاً وأجاز الزجاج أن يكون مفعولاً معه ووصفهم بالصلاح ليعلم أن الأَنساب لا تنفع بنفسها والمراد أبو كل واحد منهم فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلِّ بَابٍ } في قدر كل يوم وليلة ثلاث مرات بالهدايا وبشارات الرضا","part":2,"page":104},{"id":605,"text":"{ سلام عَلَيْكُمُ } في موضع الحال إذ المعنى قائلين سلام عليكم أو مسلمين { بِمَا صَبَرْتُمْ } متعلق بمحذوف تقديره هذا بما صبرتم أي هذا الثواب بسبب صبركم عن الشهوات أو على أمر الله أو بسلام أي نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم والأَول أوجه { فَنِعْمَ عقبى الدار } الجنات { والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض } بالكفر والظلم { أولئك لَهُمُ اللعنة } الإبعاد من الرحمة { وَلَهُمْ سُوءُ الدار } يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة عقبى الدار وأن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها { الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ } أي ويضيق لمن يشاء والمعنى الله وحده وهو يبسط الرزق ويقدر دون غيره { وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا } بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم ولم يقابلوه بالشكر حتى يؤجروا بنعيم الآخرة { وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ متاع } وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئاً نزراً يتمتع به كعجلة الراكب وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق .\r{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبّهِ } أي الآية المقترحة { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } ويرشد إلى دينه من رجع إليه بقلبه","part":2,"page":105},{"id":606,"text":"{ الذين آمنوا } هم الذين أو محله النصب بدل مِن { مِن } { وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ } تسكن { بِذِكْرِ الله } على الدوام أو بالقرآن أو بوعده { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } بسبب ذكره تطمئن قلوب المؤمنين { الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } مبتدأ\r{ طوبى لَهُمْ } خبره وهو مصدر من طاب كبشرى ومعنى طوبى لك أصبت خيراً وطيباً ومحلها النصب أو الرفع كقولك طيباً لك وطيب لك وسلاماً لك وسلام لك . واللام في { لهم } للبيان مثلها في سقيا لك والواو في { طوبى } منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها كموقن والقراءة في { وَحُسْنُ مَئَابٍ } مرجع . بالرفع والنصب تدل على محليها { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ } مثل ذلك الإرسال أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات ثم فسر كيف أرسله فقال { فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء { لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك { وَهُمْ يَكْفُرُونَ } وحال هؤلاء أنهم يكفرون { بالرحمن } بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء { قُلْ هُوَ رَبّي } ورب كل شيء { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } أي هو ربي الواحد المتعالي عن الشركاء { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في نصرتي عليكم { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } مرجعي فيثيبني على مصابرتكم . { متابي } و { عقابي } و { مآبي } في الحالين : يعقوب .\r{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال } عن مقارِّها { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض } حتى تتصدع وتتزايل قطعاً { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى } فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف فجواب «لو» محذوف . أو معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأَرض وتكليم الموتى وتنبيهم لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة } [ الأنعام : 111 ] الآية { بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا } بل لله القدرة على كل شيء وهو قادر على الآيات التي اقترحوها { أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ الذين ءَامَنُواْ } أفلم يعلم وهي لغة قوم من النخع وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لأَن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون كما استعمل النسيان في معنى الترك لتضمن ذلك ، دليله قراءة علي Bه { أفلم يتبين } وقيل إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوي السنات وهذه والله فرية ما فيها مرية { أَن لَّوْ يَشَاءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ } من كفرهم وسوء أعمالهم { قَارِعَةٌ } داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم { أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ } أو تحل القارعة قريباً منهم فيفزعون ويتطاير عليهم شررها ويتعدى إليهم شرورها { حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله } أي موتهم أو القيامة أو ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله من العداوة والتكذيب قارعة لأن جيش رسول الله يغير حول مكة ويختطف منهم أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله أي فتح مكة { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } أي لا خلف في موعده .","part":2,"page":106},{"id":607,"text":"{ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } الإملاء الإمهال وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله استهزاءً به وتسلية له","part":2,"page":107},{"id":608,"text":"{ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } احتجاج عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو رقيب { على كُلّ نَفْسٍ } صالحة أو طالحة { بِمَا كَسَبَتْ } يعلم خيره وشره ويعد لكل جزاءه كمن ليس كذلك . ثم استأنف فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } أي الأصنام { قُلْ سَمُّوهُمْ } أي سموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم ثم قال : { أَمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى الأرض } على «أم» المنقطعة أي بل أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السماوات والأرض فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء والمراد نفي أن يكون له شركاء { أَم بظاهر مّنَ القول } بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله { ذلك قَوْلُهُم بأفواههم } [ التوبه : 30 ] { مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَآ } [ يوسف : 40 ] { بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ } كيدهم للإسلام بشركهم { وَصُدُّواْ عَنِ السبيل } عن سبيل الله بضم الصاد كوفي وبفتحها غيرهم ومعناه وصدوا المسلمين عن سبيل الله { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } من أحد يقدر على هدايته { لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الحياة الدنيا } بالقتل والأسر وأنواع المحن { وَلَعَذَابُ الأخرة أَشَقُّ } أشد لدوامه { وَمَا لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ } من حافظ من عذابه .\r{ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } صفتها التي هي في غرابة المثل وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم مثل الجنة أو الخبر { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } كما تقول صفة زيد أسمر { أُكُلُهَا دَائِمٌ } ثمرها دائم الوجود لا ينقطع { وِظِلُّهَا } دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس { تِلْكَ عقبى الذين اتقوا } أي الجنة الموصوفة عقبى تقواهم يعني منتهى أمرهم { وَّعُقْبَى الكافرين النار }","part":2,"page":108},{"id":609,"text":"{ والذين ءاتيناهم الكتاب } يريد من أسلم من اليهود كابن سلام ونحوه ومن النصارى بأرض الحبشة { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحزاب } أي ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله A بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما { مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم وكانوا ينكرون نبوة محمد E وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ } هو جواب للمنكرين أي قل إنما أمرت فيما أنزل إلى بأن أعبد الله ولا أشرك به فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به { إِلَيْهِ ادعوا } خصوصاً لا أدعو إلى غيره { وَإِلَيْهِ } لا إلى غيره { مَئَابٍ } مرجعي وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم { وكذلك أنزلناه } ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء { حُكْمًا عَرَبِيّا } حكمة عربية مترجمة بلسان العرب وانتصابه على الحال كانوا يدعون رسول الله A إلى أمور يشاركهم فيها فقيل { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } أي بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة { مَالَكَ مِنَ الله مِن وَلِىّ وَلاَ وَاقٍ } أي لا ينصرك ناصر ولا يقيك منه واق وهذا من باب التهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين وأن لا يزال زال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة وإلا فكان رسول الله A من شدة الثبات بمكان . وكانوا يعيبونه بالزواج والولاد ويقترحون عليه الآيات وينكرون النسخ فنزل { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً } نساءاً وأولاداً { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي ليس في وسعه إتيان الآيات على ما يقترحه قومه وإنما ذلك إلى الله { لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } لكل وقت حكم يكتب على العباد أي يفرض عليهم على ما تقتضيه حكمته","part":2,"page":109},{"id":610,"text":"{ يَمْحُو الله مَا يَشَاء } ينسخ ما يشاء نسخه { وَيُثَبِّتُ } بدله ما يشاء أو يتركه غير منسوخ أو يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء ويثبت غيره أو يمحو كفر التائبين ويثبت إيمانهم أو يميت من حان أجله وعكسه { ويثبّت } مدني وشامي وحمزة وعلي { وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب } أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه { وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم أو توفيناك قبل ذلك { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } فيما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب { وَعَلَيْنَا الحساب } وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض } أرض الكفرة { نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بما نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام وذلك من آيات النصرة والغلبة ، والمعنى عليك البلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من النصرة والظفر { والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } لا راد لحكمه والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقبه أي يقفيه أي بالرد والإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب والمعنى أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس ، ومحل { لا معقب لحكمه } النصب على الحال كأنه قيل : والله يحكم نافذاً حكمه كما تقول : جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة له تريد حاسراً { وَهُوَ سَرِيعُ الحساب } فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا","part":2,"page":110},{"id":611,"text":"{ وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي كفار الأمم الخالية بأنبيائهم والمكر إرادة المكروه في خفية ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال { فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا } ثم فسر ذلك بقوله { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار } يعني العاقبة المحمودة لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة عما يراد بهم الكافر . على إرادة الجنس حجازي وأبو عمرو\r{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً } المراد بهم كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود قالوا : لست مرسلاً ولهذا قال عطاء هي مكية إلا هذه الآية { قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } بما أظهر من الأدلة على رسالتي والباء دخلت على الفاعل و { شهيداً } تمييز { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } قيل هو الله D ، والكتاب : اللوح المحفوظ دليله قراءة من قرأ { ومن عنده علم الكتاب } أي ومن لدنه علم الكتاب لأن علم من علمه من فضله ولطفه ، وقيل ومن هو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم وقال ابن سلام : فيّ نزلت هذه الآية وقيل هو جبريل عليه السلام و { من } في موضع الجر بالعطف على لفظ { الله } أو في موضع الرفع بالعطف على محل الجار والمجرور إذ التقدير كفى الله وعلم الكتاب يرتفع بالمقدر في الظرف فيكون فاعلاً لأن الظرف صلة ل «من» و«من» هنا بمعنى الذي والتقدير من ثبت عنده علم الكتاب وهذا لأن الظرف إذا وقع صلة يعمل عمل الفعل «نحو مررت بالذي في الدار أخوه» فأخوه فاعل كما تقول «بالذي استقر في الدار أخوه» وفي القراءة بكسر ميم «من» يرتفع العلم بالابتداء .","part":2,"page":111},{"id":612,"text":"مكية : اثنتان وخمسون آيه\r{ آلر كِتَابٌ } هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب يعني السورة ، والجملة التي هي { أنزلناه إِلَيْكَ } في موضع الرفع صفة للنكرة { لِتُخْرِجَ الناس } بدعائك إياهم { مِنَ الظلمات إِلَى النور } من الضلالة إلى الهدى { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } بتيسيره وتسهيله مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب وذلك ما يمنحهم من التوفيق { إلى صراط } بدل من { النور } بتكرير العامل { العزيز } الغالب بالانتقام { الحميد } المحمود على الإنعام { الله } بالرفع مدني وشامي على هو «الله» وبالجر غيرهما على أنه عطف بيان للعزيز الحميد { الذى لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض } خلقاً وملكاً . ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل وهو نقيض الوأل وهو النجاة وهو اسم معنى كالهلاك فقال : { وَوَيْلٌ للكافرين مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وهو مبتدأ وخبر ، وصفة { الذين يَسْتَحِبُّونَ } يختارون ويؤثرون { الحياة الدنيا عَلَى الأخرة وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } عن دينه { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجاً والأصل ويبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل . { الذين } مبتدأ خبره { أُوْلَئِكَ فِى ضلال بَعِيدٍ } عن الحق . ووصف الضلال بالبعد من الإسناد والمجازي والبعد في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن طريق الحق فوصف به فعله كما تقول جد جده ، أو مجرور صفة للكافرين ، أو منصوب على الذم أو مرفوع على أعني الذين أوهم الذين .","part":2,"page":112},{"id":613,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } إلا متكلماً بلغتهم { لِيُبَيّنَ لَهُمْ } ما هو مبعوث به وله فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولون له : لم نفهم ما خوطبنا به . فإن قلت : إن رسولنا A بعث إلى الناس جميعاً بقوله { قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } [ الأعراف : 158 ] بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة قلت : لا يخلو ما إن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا\rحاجة إلى نزوله بجميع الألسنة ، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فتعين أن ينزل بلسان واحد ، وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه ولأنه أبعد من التحريف والتبديل { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء } من آثر سبب الضلالة { وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } من آثر سبب الاهتداء { وَهُوَ العزيز } فلا يغالب على مشيئته { الحكيم } فلا يخذل إلا أهل الخذلان { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا } التسع { أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ } بأن أخرج أو أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول كأنه قيل : أرسلناه وقلنا له أخرج قومك { مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ، ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها أو بأيام الإنعام حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وفلق لهم البحر { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ } على البلايا { شَكُورٍ } على العطايا كأنه قال لكل مؤمن إذ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر\r.","part":2,"page":113},{"id":614,"text":"{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } «إذ» ظرف للنعمة بمعنى الإنعام أي إنعامه عليكم ذلك الوقت ، أو بدل اشتمال من نعمة الله أي اذكروا وقت إنجائكم { وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } ذكر في البقرة { يذبحون } [ البقرة : 49 ] وفي الأعراف { يقتلون } [ الأعراف : 141 ] بلا واو ، وهنا مع الواو . والحاصل أن التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيراً للعذاب وبياناً له ، وحيث أثبت الواو جعل التذبيح من حيث إنه زاد على جنس العذاب كأنه جنس آخر { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } الإشارة إلى العذاب والبلاء المحنة أو إلى الإنجاء والبلاء النعمة . { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً { } [ الأنبياء : 35 ] { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } أي آذن ونظير «تأذن» و«آذن» توعد وأوعد . ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل : وإذ آذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك والشبه وهو من جملة ما قال موسى لقومه ، وانتصابه للعطف على { نعمة الله عليكم } كأنه قيل : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال : { لَئِن شَكَرْتُمْ } يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها { لأَزِيدَنَّكُمْ } نعمة إلى نعمة فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقيل : إذا سمعت النعمة نغمة الشكر تأهبت للمزيد . وقال ابن عباس Bهما : لئن شكرتم بالجد في الطاعة لأزيدنكم بالجد في المثوبة { وَلَئِن كَفَرْتُمْ } ما أنعمت به عليكم { إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ } لمن كفر نعمتي ، أما في الدنيا فسلب النعم وأما في العقبى فتوالى النقم .","part":2,"page":114},{"id":615,"text":"{ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ } يا بني إسرائيل { وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً } والناس كلهم { فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ } عن شكركم { حَمِيدٌ } وإن لم يحمده الحامدون وأنتم ضررتم أنفسكم حيث حرمتموها الخير الذي لا بد لكم منه { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } من كلام موسى لقومه أو ابتداء خطاب لأهل عصر محمد عليه السلام { والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً ، أو عطف { الذين من بعدهم } على { قوم نوح } و { لا يعلمهم إلا الله } اعتراض ، والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله . وعن ابن عباس Bهما : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون . ورُوى أنه عليه السلام قال عند نزول هذه الآية : كذب النسابون { جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات { فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } الضميران يعودان إلى الكفرة أي أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجباً أو عضوا عليها تغيظاً ، أو الثاني يعود إلى الأنبياء أي رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كيلا يتكلموا بما أرسلوا به { وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } من الإيمان بالله والتوحيد { مُرِيبٍ } موقع في الريبة { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الله شَكٌّ } أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه ، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وهو جواب قولهم { وإنا لفي شك } { فَاطِرِ السموات والأرض يَدْعُوكُمْ } إِلَى الإيمان { لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } إِذا آمنتم ولم تجيء مع «من» إلا في خطاب الكافرين كقوله : { واتقوه وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } [ نوح : 4 ، 3 ] { ياقومنا أَجِيبُواْ دَاعِىَ الله وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } [ الاحقاف : 31 ] وقال في خطاب المؤمنين : { هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة } إلى أن قال : { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } [ الصف : 11 ، 10 ] وغير ذلك مما يعرف بالاستقراء ، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد { وَيُؤَخّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت قد سماه وبين مقداره .\r{ قَالُواْ } أي القوم { إِنْ أَنتُمْ } ما أنتم { إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا { تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } يعني الأصنام { فَأْتُونَا بسلطان مُّبِينٍ } بحجة بينة وقد جاءتهم رسلهم بالبينات ، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتاً ولجاجا","part":2,"page":115},{"id":616,"text":"{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تسليم قولهم إنهم بشر مثلهم { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } بالإيمان والنبوة كما منّ علينا { وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بسلطان إِلاَّ بِإِذْنِ الله } جواب لقولهم : { فأتونا بسلطان مبين } والمعنى أن الإتيان بالآية التي قد اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً كأنهم قالوا : ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم ألا ترى إلى قوله : { وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله } معناه وأي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه { وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين قال أبو تراب : التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والشكر عند العطاء والصبر عند البلاء { وَلَنَصْبِرَنَّ على مَا آذَيْتُمُونَا } جواب قسم مضمر أي حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يمسكوا عن دعائهم { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } أي فليثبت المتوكلون على توكلهم حتى لا يكون تكرارا .","part":2,"page":116},{"id":617,"text":"{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ } { سبْلنا } { لرسْلهم } أبو عمرو { لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا } من ديارنا { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } أي ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم وحلفوا على ذلك والعود بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن معه فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد { فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين } القول مضمر أو أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ } أي أرض الظالمين وديارهم . في الحديث : « من آذى جاره ورثه الله داره » { ذلك } الإهلاك والإسكان أي ذلك الأمر حق { لِمَنْ خَافَ مَقَامِي } موقفي وهو موقف الحساب أو المقام مقحم أو خاف قيامي عليه بالعلم كقوله : { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد : 33 ] والمعنى أن ذلك حق للمتقين { وَخَافَ وَعِيدِ } { عذابي } وبالياء يعقوب { واستفتحوا } واستنصروا الله على أعدائهم وهو معطوف على أوحى إليهم { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ } وخسر كل متكبر بطر { عَنِيدٍ } مجانب للحق . معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم وقيل : الضمير للكفار ومعناه واستفتح الكفار على الرسل ظناً منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه { مِّن وَرَآئِهِ } من بين يديه { جَهَنَّمُ } وهذا وصف حاله وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث ويوقف { ويسقى } معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى { مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ } ما يسيل من جلود أهل النار ، و { صديد } عطف بيان لماء لأنه مبهم فبين بقوله { صديد }","part":2,"page":117},{"id":618,"text":"{ يَتَجَرَّعُهُ } يشربه جرعة جرعة { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة كقوله : { لم يكد يراها } [ النور : 40 ] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ } أي أسباب الموت من كل جهة أو من كل مكان من جسده وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكاً { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } لأنه لو مات لاستراح { وَمِن وَرَائِهِ } ومن بين يديه { عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله وأغلظ . وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد .\r{ مَثَلُ الذين } مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليكم مثل الذين { كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله { أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم فقيل أعمالهم كرماد { اشتدت بِهِ الريح } { الرياح } مدني { فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح كقولك : «يوم ماطر» ، وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيرته الريح العاصف { لاَّ يَقْدِرُونَ } يوم القيامة { مِمَّا كَسَبُواْ } من أعمالهم { على شَيْءٍ } أي لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء { ذلك هُوَ الضلال البعيد } إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب { أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم الخطاب لكل أحد { أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض } { خالق } مضافاً حمزة وعلي { بالحق } بالحكمة والأمر العظيم ولم يخلقها عبثاً { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلاماً بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم","part":2,"page":118},{"id":619,"text":"{ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } بمتعذر .\r{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } ويبرزون يوم القيامة وإنما جيء به بلفظ الماضي لأن ما أخبر به D لصدقه كأنه قد كان ووجد . ونحوه { وَنَادَى أصحاب الجنة } [ الأعراف : 44 ] { ونادى أصحاب النار } [ الأعراف : 50 ] وغير ذلك ، ومعنى بروزهم لله والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز لهم أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا تخفى عليه خافية ، أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه { فَقَالَ الضعفاء } في الرأي وهم السفلة والأتباع وكتب الضعفاء بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو { لِلَّذِينَ استكبروا } وهم السادة والرؤساء الذين استغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } تابعين . جمع تابع على تبع كخادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع والتبع الأتباع يقال : تبعه تبعاً { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ } فهل تقدرون على دفع شيء مما نحن فيه . و«من» الأولى للتبيين والثانية للتبعيض كأنه قيل فهل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو هما للتبعيض أي فهل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ولما كان قول الضعفاء توبيخاً لهم وعتاباً على استغوائهم لأنهم علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم { قَالُواْ } لهم مجيبين معتذرين { لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ } أي لو هدانا الله إلى الإيمان في الدنيا لهديناكم إليه أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } مستويان علينا الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية . روى أنهم يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر ثم يقولون { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } واتصاله بما قبله من حيث إن عتابهم لهم كان جزعاً مما هم فيه فقالوا لهم : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها يقولون : ما هذا الجزع والتوبيخ ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر { مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا ، ويجوز أن يكون هذا من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً .","part":2,"page":119},{"id":620,"text":"{ وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر } حكم بالجنة والنار لأهليهما وفرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ورُوي أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً . على منبر من نار فيقول لأهل النار { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق } وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم { وَوَعَدتُّكُمْ } بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء { فَأَخْلَفْتُكُمْ } كذبتكم { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان } من تسلط واقتدار { إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني والاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السلطان { فاستجبتم } فأسرعتم إجابتي { فَلاَ تَلُومُونِي } لأن من تجرد للعداوة لا يلام إذا دعا إلى أمر قبيح مع أن الرحمن قد قال لكم : { لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة } { [ الأعراف : 27 ] { وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان وقول المعتزلة هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين باطل لقوله : لو هدانا الله أي إلى الإيمان { لهديناكم } [ إبراهيم : 21 ] كما مر { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه . والإصراخ الإغاثة { بمصرخيِّ } حمزة اتباعاً للخاء غيره بفتح الياء لئلا تجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين وهو جمع مصرخ فالياء الأولى يا الجمع والثانية ضمير المتكلم { إِنّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ } وبالياء بصري و«ما» مصدرية { مِن قَبْلُ } متعلق ب { أشركتموني } أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا كقوله { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } [ فاطر : 14 ] ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له كقوله : { أَنَاْ بَرَاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ } [ الممتحنة : 4 ] أو من قبل متعلق { بكفرت } و«ما» موصولة أي كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله D . تقول : أشركني فلان أي جعلني له شريكاً ، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وهذا آخر قول الشيطان وقوله : { إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قول الله D . وقيل : هو من تمام إبليس وإنما حكى الله D ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفاً للسامعين .","part":2,"page":120},{"id":621,"text":"{ وَأُدْخِلَ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } عطف على { برزوا } { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلق ب { أدخل } أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة أو تسليم الملائكة عليهم { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً } أي وصفه وبينه { كَلِمَةً طَيّبَةً } نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة { كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } وهو تفسير لقوله : { ضرب الله مثلاً } نحو شرف الأمير زيداً كساه حلة وحمله على فرس ، أو انتصب { مثلا } ً و { كلمة } ب { ضرب } أي ضرب كلمة طيبة مثلاً يعني جعلها مثلاً ثم قال { كشجرة طيبة } على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة طيبة { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } أي في الأرض ضارب بعروقه فيها { وَفَرْعُهَا } وأعلاها ورأسها { فِي السماء } والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أصلها تصديق بالجنان ، وفرعها إقرار باللسان ، وأكلها عمل الأركان ، وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملاً فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملاً ولكن الأشجار لا تراد إلا للثمار فما أقوات النار إلا من الأشجار إذا اعتادت الإخفار في عهد الأثمار . والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين ونحو ذلك والجمهور على أنها النخلة ، فعن ابن عمر أن رسول الله A قال ذات يوم : « إن الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ » فوقع الناس في شجر البوادي ، وكنت صبياً فوقع في قلبي أنها النخلة فهبت رسول الله A أن أقولها وأنا أصغر القوم فقال رسول الله A : « ألا إنها النخلة » فقال عمر : يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم","part":2,"page":121},{"id":622,"text":"{ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } تعطي ثمرها كل وقت وقتها الله لإثمارها { بِإِذْنِ رَبّهَا } بتيسير خالقها وتكوينه { وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني .\r{ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } هي كلمة الكفر { كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } هي كل شجرة لا يطيب ثمرها وفي الحديث : أنها شجرة الحنظل { اجتثت مِن فَوْقِ الأرض } استؤصلت جثتها وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها وهو في مقابلة { أصلها ثابت } { مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } أي استقرار يقال قر الشيء قراراً كقولك ثبت ثبوتاً ، شبه بها القول الذي لا يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت { يُثَبِّتُ الله الذين ءَامَنُواْ } أي يديمهم عليه { بالقول الثابت } هو قول «لا إله إلا الله محمد رسول الله» { في الحياة الدنيا } حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود وغير ذلك { وَفِي الآخرة } الجمهور على أن المراد به في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب ، فعن البراء أن رسول الله A ذكر قبض روح المؤمن فقال : \" ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد A ، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } ثم يقول الملكان : عشت سعيداً ومت حميداً نم نومة العروس \" { وَيُضِلُّ الله الظالمين } فلا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأزل { وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء } فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين","part":2,"page":122},{"id":623,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله } أي شكر نعمة الله { كُفْراً } لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفراً ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً وهم أهل مكة ، كرمهم بمحمد عليه السلام فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } الذين تابعوهم على الكفر { دَارَ البوار } دار الهلاك { جَهَنَّمَ } عطف بيان { يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها { وَبِئْسَ القرار } وبئس المقر جهنم { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا } أمثالا في العبادة أو في التسمية { لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } وبفتح الياء : مكي وأبو عمرو { قُلْ تَمَتَّعُواْ } في الدنيا والمراد به الخذلان والتخلية . وقال ذو النون : التمتع أن يقضي العبد ما استطاع من شهوته { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } مرجعكم إليها .\r{ قُل لّعِبَادِيَ الذين ءَامَنُواْ } خصهم بالإضافة إليه تشريفاً . وبسكون الياء شامي وحمزة وعلي والأعشى { يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } المقول محذوف لأن { قل } تقتضي مقولاً وهو أقيموا وتقديره : قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا . وقيل إنه أمر وهو المقول والتقدير ليقيموا ولينفقوا ، فحذف اللام لدلالة قل عليه ، ولو قيل يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز { سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } انتصبا على الحال أي ذوي سر وعلانية يعني مسرين ومعلنين ، أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية ، أو على المصدر أي إنفاق سر وإنفاق علانية ، والمعنى إخفاء التطوع وإعلان الواجب { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال } أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة والخلال المخالة ، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله . بفتحهما : مكي وبصري ، والباقون بالرفع والتنوين","part":2,"page":123},{"id":624,"text":"{ الله } مبتدأ { الذي خَلَقَ السماوات والأرض } خبره { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً } من السحاب مطراً { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به رزقاً هو ثمرات أو { من الثمرات } مفعول { أخرج } و { رزقاً } حال من المفعول { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِيَ فِى البحر بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار * وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينِ } دائمين وهو حال من الشمس والقمر أي يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات { وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار } يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } «من» للتبعيض أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه ، أو وآتاكم من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه ف { ما } موصولة والجملة صفة لها ، وحذفت الجملة الثانية لأن الباقي يدل على المحذوف كقوله { سرابيل تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] { من كلّ } ٍ عن أبي عمرو { وما سألتموه } نفي ومحله النصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه أو «ما» موصولة أي وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } لا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال وأما التفصيل فلا يعلمه إلا الله { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ } بظلم النعمة بإغفال شكرها { كَفَّارٌ } شديد الكفران لها أو ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع والإنسان للجنس فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه .","part":2,"page":124},{"id":625,"text":"{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } واذكر إذ قال إبراهيم { رَبِّ اجعل هذا البلد } أي البلد الحرام { آمِناً } ذا أمن والفرق بين هذه وبين ما في البقرة أنه قد سأل فيها أن يجعله من جملة البلدان التي يأمن أهلها ، وفي الثاني أن يخرجه من صفة الخوف إلى الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمناً { واجنبني } وبعدني أي ثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها كما قال { واجعلنا مسلمين لك } [ البقرة : 128 ] أي ثبتنا على الإسلام { وَبَنِيَّ } أراد بنيه من صلبه { أَن نَّعْبُدَ الأصنام } من أن نعبد الأصنام { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } جعلن مضلات على طريق التسبيب لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهم أضللنهم { فَمَن تَبِعَنِي } على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي { فَإِنَّهُ مِنّي } أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي { وَمَنْ عَصَانِى } فيما دون الشرك { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أو ومن عصاني عصيان شرك فإنك غفور رحيم إن تاب وآمن { رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِي } بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه { بِوَادٍ } هو واد مكة { غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } لا يكون فيه شيء من زرع قط { عِندَ بَيْتِكَ المحرم } هو بيت الله سمي به لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لمكانه ، أو لأنه لم يزل ممنعاً يهابه كل جبار ، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها ، أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه { رَّبَّنَا لِيِقُيمُواْ الصلاة } اللام متعلقة ب { أسكنت } أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك { فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس } أفئدة من أفئدة الناس و«من» للتبعيض لما روي عن مجاهد : لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند . أو للابتداء كقولك : «القلب مني سقيم» تريد قلبي فكأنه قيل أفئدة ناس ، ونكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة { تَهْوِي إِلَيْهِمْ } تسرع إليهم من البلاد الشاسعة وتطير نحوهم شوقاً { وارزقهم مّنَ الثمرات } مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها بأن تجلب إليهم من البلاد الشاسعة { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء .","part":2,"page":125},{"id":626,"text":"{ رَبَّنَا } النداء المكرر دليل التضرع واللجإ إلى الله { إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ } تعلم السر كما تعلم العلن { وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَى الأرض وَلاَ فِي السماء } من كلام الله D تصديقاً لإبراهيم عليه السلام ، أو من كلام إبراهيم و«من» للاستغراق كأنه قيل : وما يخفى على الله شيء ما { الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر } «على» بمعنى «مع» وهو في موضع الحال أي وهب لي وأنا كبير { إسماعيل وإسحاق } روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة . ورُوي أنه ولد له إسمعيل لأربع وستين ، وإسحاق لتسعين ، وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم لأنها حال وقوع اليأس من الولادة ، والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجل النعم ، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم { إِنَّ رَبّي لَسَمِيعُ الدعاء } مجيب الدعاء من قولك «سمع الملك كلام فلان» إذا تلقاه بالإجابة والقبول ، ومنه سمع الله لمن حمده وكان قد دعا ربه وسأله الولد فقال : { رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين } فشكر الله ما أكرمه به من إجابته . وإضافة السميع إلى الدعاء من إضافة الصفة إلى مفعولها وأصله «لسميع الدعاء» وقد ذكر سيبويه فعيلاً في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل كقولك«هذا رحيم أباه»","part":2,"page":126},{"id":627,"text":"{ رَبّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِي } وبعض ذريتي عطفاً على المنصوب في اجعلني وإنما بعض لأنه علم بأعلام الله أنه يكون في ذريته كفار ، عن ابن عباس Bهما : لا يزال من ولد إبراهيم ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ } بالياء في الوصل والوقف : مكي ، وافقه أبو عمرو وحمزة في الوصل . الباقون بلا ياء أي استجب دعائي أو عبادتي { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } [ مريم : 48 ] { رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ } أي آدم وحواء أو قاله قبل النهي واليأس عن إيمان أبويه { وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب } أي يثبت أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً مثل { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون } تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، والخطاب لغير الرسول عليه السلام وإن كان للرسول فالمراد تثبيته عليه السلام على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً كقوله : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ } [ القصص : 88 ] وكما جاء في الأمر { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } [ النساء : 136 ] وقيل : المراد به الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه منه شيء ، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [ البقرة : 283 ] { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ } أي عقوبتهم { لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } أي أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ما ترى { مُهْطِعِينَ } مسرعين إلى الداعي { مُقْنِعِي رُؤُوسُِِمْ } رافعيها { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } صفر من الخير لا تعي شيئاً من الخوف ، والهواء الذي لم تشغله الأجرام فوصف به فقيل : قلب فلان هواء إذا كان جباناً لا قوة في قلبه ولا جراءة . وقيل : جُوف لا عقول لهم","part":2,"page":127},{"id":628,"text":"{ وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } أي يوم القيامة . و { يوم } مفعول ثان ل { أنذر } لا ظرف إذ الإنذار لا يكون في ذلك اليوم { فَيَقُولُ الذين ظَلَمُواْ } أي الكفار { رَبَّنَا أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل } أي ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك فيقال لهم : { أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } أي حلفتم في الدنيا أنكم إذا متم لا تزالون عن تلك الحالة ولا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرتم بالبعث كقوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } [ النحل : 38 ] و { ما لكم } جواب القسم . وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله : { أقسمتم } ولو حكى لفظ المقسمين لقيل ما لنا من زوال ، أو أريد باليوم يوم هلاكهم بالعذاب العاجل ، أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى فإنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب .\rيقال : سكن الدار وسكن فيها ومنه { وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر لأن السكنى من السكون وهو اللبث والأصل تعديته ب «في» نحو «قر في الدار وأقام فيها» ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل : «سكن الدار» كما قيل «تبوأها» ، ويجوز أن يكون سكنوا من السكون أي قروا فيها واطمأنوا طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد لا يحدثونها بما لقي الأولون من أيام الله ، وكيف كان عاقبة ظلمهم فيعتبروا ويرتدعوا { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ } بالأخبار أو المشاهدة وفاعل { تبين } مضمر دل عليه الكلام أي تبين لكم حالهم و { كَيْفَ } ليس بفاعل لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وإنما نصب { كيف } بقوله { فَعَلْنَا بِهِمْ } أي أهلكناهم وانتقمنا منهم { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال } أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم { وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وبطلان الإسلام { وَعِندَ الله مَكْرهُمْ } وهو مضاف إلى الفاعل كالأول والمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو إلى المفعول أي عند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون { وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } بكسر اللام الأولى ونصب الثانية والتقدير : وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي A فعبر عن النبي عليه السلام بالجبال لعظم شأنه ، و«كان تامة» و«إن» نافية واللام مؤكدة لها كقوله { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ } [ الأنفال : 33 ] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً دليله قراءة ابن مسعود { وما كان مكرهم } وبفتح اللام الأولى ورفع الثانية عليُّ ، أي وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقطع عن أماكنها ف «إن» مخففة من «إن» واللام مؤكدة .","part":2,"page":128},{"id":629,"text":"{ فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } يعني قوله { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي } [ المجادلة : 21 ] { مخلف } مفعول ثانٍ ل { تحسبن } وأضاف { مخلف } إلى { وعده } وهو المفعول الثاني له والأول { رسله } والتقدير مخلف رسله وعده وإنما قدم المفعول الثاني على الأول ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله : { إن الله لا يخلف الميعاد } [ آل عمران : 9 ] ثم قال { رسله } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته { إِنَّ الله عَزِيزٌ } غالب لا يماكر { ذُو انتقام } لأوليائه من أعدائه وانتصاب { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات } على الظرف للانتقام أو على إضمار اذكر والمعنى يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة وتبدل السماوات غير السماوات وإنما حذف لدلالة ما قبله عليه والتبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك «بدلت الدراهم دنانير» وفي الأوصاف كقولك «بدلت الحلقة خاتماً» إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل واختلف في تبديل الأرض والسماوات فقيل تبدل أوصافها وتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً وعن ابن عباس Bهما : هي تلك الأرض وإنما تغير . وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً . وقيل : تخلق بدلها أرض وسماوات أخر . وعن ابن مسعود Bه : يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة . وعن علي Bه : تبدل أرضاً من فضة وسماوات من ذهب { وَبَرَزُواْ } وخرجوا من قبورهم { للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } هو كقوله : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره كان الأمر في غاية الشدة","part":2,"page":129},{"id":630,"text":"{ وَتَرَى المجرمين } الكافرين { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { مُقْرَِّنِينَ } قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين { فِي الأصفاد } متعلق ب { مقرنين } أي يقرنون في الأصفاد أو غير متعلق به والمعنى مقرنين مصفدين ، والأصفاد القيود أو الأغلال { سَرَابِيلُهُم } قمصهم { مّن قَطِرَانٍ } هو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته وحره ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين ، وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره ، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة نعوذ بالله من سخطه وعذابه من «قِطرٍ آن» زيد عن يعقوب نحاس مذاب بلغ حره إناه { وتغشى وُجُوهَهُمُ النار } تعلوها باشتعالها وخص الوجه لأنه أعز موضع في ظاهر البدن كالقلب في باطنه ولذا قال { تطلع على الأفئدة } [ الهمزة : 7 ]","part":2,"page":130},{"id":631,"text":"{ لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي كل نفس مجرمة ما كسبت أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المؤمنين بطاعتهم { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } يحاسب جميع العباد في أسرع من لمح البصر { هذا } أي ما وصفه في قوله : { ولا تحسبن } إلى قوله : { سريع الحساب } { بلاغ لّلنَّاسِ } كفاية في التذكير والموعظة { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } بهذا البلاغ وهو معطوف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا { وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد لأن الخشية أم الخير كله { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب } ذوو العقول .","part":2,"page":131},{"id":632,"text":"{ الر تِلْكَ ءايات الكتاب وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ } { تلك } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب ، والقرآن المبين السورة ، وتنكير القرآن للتفخيم ، والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً وأي قرآن مبين كأنه قيل : الكتاب الجامع للكمال وللغرابة في البيان { رُّبَمَا } بالتخفيف : مدني وعاصم ، وبالتشديد غيرهما ، و«ما» هي الكافة لأنها حرف يجر ما بعده ، ويختص الاسم النكرة فإذا كفت وقع بعدها الفعل الماضي والاسم . وإنما جاز { يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ } لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل : ربما ود ، ووداتهم تكون عند النزع أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين ، وإذا رأوا المسلمين يخرجون من النار فيتمنى الكافر لو كان مسلماً ، كذا رُوى عن ابن عباس Bهما { لَوْ كَانُواْ مَسْلِمِينَ } حكاية ودادتهم . وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم كقولك : «حلف بالله ليفعلن» ولو قيل : «حلف يالله لأفعلن» و«لو كنا مسلمين» لكان حسناً وإنما قلل ب «رب» لأن أهوال القيامة تشغلهم عن التمني فإذا أفاقوا من سكرات العذاب ودوا لو كانوا مسلمين . وقول من قال : إن «رب» يعني بها الكثرة سهو لأنه ضد ما يعرفه أهل اللغة لأنها وضعت للتقليل","part":2,"page":132},{"id":633,"text":"{ ذَرْهُمْ } أمر إهانة أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودعهم عن النهي عما هم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة وخلهم { يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } بدنياهم { وَيُلْهِهِمُ الأمل } ويشغلهم أملهم وأمانيهم عن الإيمان { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } سوء صنيعهم ، وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين . { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ } ولها كتاب جملة واقعة صفة ل { قرية } والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } [ الشعراء : 208 ] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف إذ الصفة ملتصقة بالموصوف بلا واو فجيء بالواو تأكيداً لذلك . والوجه أن تكون هذه الجملة حالاً ل { قرية } لكونها في حكم الموصوفة كأنه قيل : وما أهلكنا قرية من القرى لا وصفاً . وقوله : { كتاب معلوم } أي مكتوب معلوم وهو أجلها الذي كتب في اللوح المحفوظ وبين ألا ترى إلى قوله : { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } في موضع كتابها { وَمَا يَسْتَئَخِرُونَ } أي عنه وحذف لأنه معلوم ، وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً حملاً على اللفظ والمعنى . { وَقَالُواْ } أي الكفار { ياأيها الذى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر } أي القرآن { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } يعنون محمداً عليه السلام ، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء كما قال فرعون { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء : 27 ] وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم سائغ ومنه { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] { إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد } [ هود : 87 ] والمعنى إنك لتقول قول المجانين حيث تدعى أن الله نزل عليك الذكر","part":2,"page":133},{"id":634,"text":"{ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } «لو» ركبت مع «لا» و«ما» لامتناع الشيء لوجود غيره أو للتحضيض ، و«هل» ركبت مع «لا» للتحضيض فحسب ، والمعنى هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ، أو هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقاً { مَا نُنَزِّلُ الملائكة } كوفي غير أبي بكر ، { تُنَزَّل الملائكة } أبو بكر { تَنَزَّل الملائكة } أي تتنزل : غيرهم { إِلاَّ بالحق } إلا تنزيلاً ملتبساً بالحكمة { وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } { إذا } جواب لهم وجزاء الشرط مقدر تقديره : ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين إذاً وما أخر عذابهم { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } للقرآن { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } وهو رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم : { يا أيها الذي نزل عليه الذكر } ولذلك قال : { إنا نحن } فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو الذي نزله محفوظاً من الشياطين وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغياً فوقع التحريف ، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه وقد جعل قوله : { وإنا له لحافظون } دليلاً على أنه منزل من عنده آية إذ لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه ، أو الضمير في { له } لرسول الله A كقوله : { والله يَعْصِمُكَ } { [ المائدة : 67 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الأولين } أي ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً في الفرق الأولين ، والشيعة : الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة { وَمَا يَأْتِيهِم } حكاية حال ماضية لأن ما لا تدخل على المضارع إلا وهو في معنى الحال وعلى ماضٍ إلا وهو قريب من الحال { مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } يعزي نبيه عليه السلام","part":2,"page":134},{"id":635,"text":"{ كذلك نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } أي كما سلكنا الكفر أو الاستهزاء في شيع الأولين نسلكه أي الكفر أو الاستهزاء في قلوب المجرمين من أمتك من اختار ذلك . يقال : سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته إذا أدخلته فيها وهو حجة على المعتزلة في الأصلح وخلق الأفعال { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالله أو بالذكر وهو حال { وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين } مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسله وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِنَ السمآء } ولو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء { فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } يصعدون { لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أبصارنا } حيرت أو حبست من الإبصار أو من السكر ، { سكِرت } مكي أي حبست كما يحبس النهر من الجري ، والمعنى أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها ورأوا من العيان ما رأوا لقالوا هو شيء نتخايله لا حقيقة له ولقالوا { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } قد سحرنا محمد بذلك ، أو الضمير للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك . وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون وقال : إنما ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السمآء } خلقنا فيها { بُرُوجاً } نجوماً أو قصوراً فيها الحرس أو منازل للنجوم { وزيناها } أي السماء { للناظرين وحفظناها } أي السماء { مِن كُلِّ شيطان رَّجِيمٍ } ملعون أو مرمي بالنجوم { إِلاَّ مَنِ استرق السمع } أي المسموع و«من» في محل النص على الاستثناء { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ } نجم ينقض فيعود { مُّبِينٌ } ظاهر للمبصرين . قيل : كانوا لا يحجبون عن السماوات كلها فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد A منعوا من السماوات كلها","part":2,"page":135},{"id":636,"text":"{ والأرض مددناها } بسطناها من تحت الكعبة ، والجمهور على أنه تعالى مدها على وجه الماء { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } في الأرض جبالاً ثوابت { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } وزن بميزان الحكمة وقدر بمقدار تقتضيه لا تصلح فيه زيادة ولا نقصان ، أوله وزن وقدر في أبواب المنفعة والنعمة ، أو ما يوزن كالزعفران والذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها ، وخص ما يوزن لانتهاء الكيل إلى الوزن { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا } في الأرض { معايش } ما يعاش به من المطاعم جمع معيشة وهي بياء صريحة بخلاف الخبائث ونحوها فإن تصريح الياء فيها خطأ { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين } { من } في محل النصب بالعطف على { معايش } أو على محل { لكم } كأنه قيل وجعلنا لكم فيها معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين ، أو جعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له برازقين وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين يظنون أنهم يرزقونهم ويخطئون فإن الله هو الرزاق يرزقهم وإياهم ، ويدخل فيه الأنعام والدواب ونحو ذلك . ولا يجوز أن يكون محل { من } جراً بالعطف على الضمير المجرور في { لكم } لأنه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار { وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } ذكر الخزائن تمثيل والمعنى وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به ، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره على كل مقدور { وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ } جمع لاقحة أي وأرسلنا الرياح حوامل بالسحاب لأنها تحمل السحاب في جوفها كأنها لاقحة بها من لقحت الناقة حملت وضدها العقيم . { الريح } حمزة { فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } فجعلناه لكم سقياً { وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين } نفى عنهم ما اثبته لنفسه في قوله : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } كأنه قال : نحن الخازنون للماء على معنى نحن القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها ، وما أنتم عليه بقادرين دلالة عظيمة على قدرته وعجزهم","part":2,"page":136},{"id":637,"text":"وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيي وَنُمِيتُ } أي نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء ، أو نميت عند انقضاء الآجال ونحيي لجزاء الأعمال على التقديم والتأخير إذ الواو للجمع المطلق { وَنَحْنُ الوارثون } الباقون بعد هلاك الخلق كلهم . وقيل : للباقي وارث استعارة من وارث الميت لأنه يبقى بعد فنائه { وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستخرين } من تقدم ولادة وموتاً ومن تأخر ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من تقدم في الإسلام أو في الطاعة أو في صف الجماعة أو في صف الحرب ومن تأخر ، { وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } أي هو وحده يقدر على حشرهم ويحيط بحصرهم { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } باهر الحكمة واسع العلم . { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } أي آدم { مِن صلصال } طين يابس غير مطبوخ { مِّنْ حَمَإٍ } صفة { لصلصال } أي خلقه من صلصال كائن من حمإ أي طين أسود متغير { مَّسْنُونٍ } مصور\rوفي الأول كان تراباً فعجن بالماء فصار طيناً فمكث فصار حمأ فخلص فصار سلالة فصوِّر ويبس فصار صلصالاً فلا تناقض { والجآن } أبا الجن كآدم للناس أو هو إبليس وهو منصوب بفعل مضمر يفسره { خلقناه مِن قَبْلُ } من قبل آدم { مِن نَّارِ السموم } من نار الحر الشديد النافذ في المسام . قيل : هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق الله منها الجان { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } واذكر وقت قوله { للملائكة إِنّى خالق بَشَرًا مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أتممت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } وجعلت فيه الروح وأحييته وليس ثمة نفخ وإنما هو تمثيل والإضافة للتخصيص { فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } هو أمر من وقع يقع أي اسقطوا على الأرض يعني اسجدوا له ، ودخل الفاء لأنه جواب «إذا» وهو دليل على أنه يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل","part":2,"page":137},{"id":638,"text":"{ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } فالملائكة جمع عام محتمل للتخصيص فقطع باب التخصيص بقوله { كلهم } وذكر الكل احتمل تأويل التفرق فقطعه بقوله { أجمعون } { إِلاَّ إِبْلِيسَ } ظاهر الإستثناء يدل على أنه كان من الملائكة لأن المستثنى يكون من جنس المستثنى منه . وعن الحسن أن الاستثناء منقطع ولم يكن هو من الملائكة . قلنا : غير المأمور لا يصير بالترك ملعوناً . و في الكشاف كان بينهم مأموراً معهم بالسجود فغلب اسم الملائكة ثم استثنى بعد التغليب كقولك «رأيتهم إلا هنداً» { أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين } امتنع أن يكون معهم و { أبى } استئناف على تقدير قول قائل يقول : هلا سجد؟ فقيل : أبى ذلك واستكبر عنه . وقيل : معناه ولكن إبليس أبى . { قَالَ يا بْلِيسُ مَالَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين } حرف الجر مع أن محذوف تقديره مالك في أن لا تكون مع الساجدين أي أي غرض لك في إبائك السجود { قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ } اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني أن أسجد { لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ قَالَ فاخرج مِنْهَا } من السماء أو من الجنة أو من جملة الملائكة { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مطرود من رحمة الله ومعناه ملعون لأن اللعنة هي الطرد من الرحمة والإبعاد منها { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين } ضرب يوم الدين حداً للعنة لأنه أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم ، والمراد به إنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين من غير أن تعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما ينسى اللعن معه","part":2,"page":138},{"id":639,"text":"{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى } فأخرني { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } { يوم الدين } و { يوم يبعثون } و { يوم الوقت المعلوم } في معنى واحد ، ولكن خولف بين العبارات سلوكاً بالكلام طريقة البلاغة . وقيل : إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت لأنه لا يموت يوم البعث أحد فلم يجب إلى ذلك وانظر إلى آخر أَيام التكليف { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } الباء للقسم و«ما» مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم ومعنى أقسم بإغوائك إياي { لازَيِّنَنَّ لَهُمْ } المعاصي ونحو قوله { بما أغويتني لأزينن لهم } { فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ } [ ص : 82 ] في أنه إقسام إلا أن أحدهما إقسام بصفه الذات والثاني بصفة الفعل ، وقد فرق الفقهاء بينهما فقال العراقيون : الحلف بصفة الذات كالقدرة والعظمة والعزة يمين ، والحلف بصفة الفعل كالرحمة والسخط ليس بيمين . والأصح أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يميناً ومالاً فلا ، والآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال . وحملهم على التسبيب عدول عن الظاهر { فِى الأرض } في الدنيا التي هي دار الغرور ، وأراد إني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر . { وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } وبكسر اللام : بصري ومكي وشامي استثنى المخلص لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلونه منه . { قَالَ هَذَا صراط عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } أي هذا طريق حق عليَّ أن أراعيه وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته . وقيل : معنى { على } إلي . { على } يعقوب من علو الشرف والفضل","part":2,"page":139},{"id":640,"text":"{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } الضمير للغاوين { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ } من أتباع إبليس { جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } نصيب معلوم مفرز . قيل : أبواب النار أطباقها وأدراكها ، فأعلاها للموحدين يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون ، والثاني لليهود ، والثالث للنصارى ، والرابع للصابئين ، والخامس للمجوس ، والسادس للمشركين ، والسابع للمنافقين { إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ } وبضم العين : مدني وبصري وحفص . المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه . وقال في الشرح : إن دخل أهل الكبائر في قوله { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } فالمراد بالمتقين الذين اتقوا الكبائر وإلا فالمراد به الذين اتقوا الشرك { ادخلوها } أي يقال لهم ادخلوها { بِسَلامٍ } حال أي سالمين أو مسلماً عليكم تسلم عليكم الملائكة { ءَامِنِينَ } من الخروج منهما والآفات فيها وهو حال أخرى { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } وهو الحقد الكامن في القلب أي إن كان لأحدهم غل في الدنيا على آخر نزع الله ذلك في الجنة من قلوبهم وطيب نفوسهم . وعن علي Bه : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم . وقيل : معناه طهر الله قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع منها كل غل وألقى فيها التوادد والتحابب { إِخْوَانًا } حال { على سُرُرٍ متقابلين } كذلك قيل تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين يرى بعضهم بعضاً { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } في الجنة تعب { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } فتمام النعمة بالخلود ، ولما أتم ذكر الوعد والوعيد أتبعه .","part":2,"page":140},{"id":641,"text":"{ نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم } تقريراً لما ذكر وتمكيناً له في النفوس . قال عليه السلام : \" لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه في العبادة ولما أقدم على ذنب \" وعطف { وَنَبِّئْهُمْ } وأخبر أمتك . عطفه على { نبىء عبادي } ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم { عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي أضيافه وهو جبريل عليه السلام مع أحد عشر ملكاً ، والضيف يجىء واحداً وجمعاً لأنه مصدر ضافه { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا } أي نسلم عليك سلاماً أو سلمنا سلاماً { قَالَ } أي إبراهيم { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } خائفون لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وبغير وقت { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } لا تخف { إِنَّا نُبَشِّرُكَ } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل أي إنك مبشر آمن فلا توجل . وبالتخفيف وفتح النون : حمزة { بغلام عَلِيمٍ } هو إسحاق لقوله في سورة هود { فبشرناها بإسحاق { } [ هود : 71 ] { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى على أَن مَّسَّنِىَ الكبر } أي أبشرتموني مع مس الكبر بأن يولد لي أي إن الولادة أمر مستنكر عادة مع الكبر { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } هي «ما» الاستفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قيل : فبأي أعجوبة تبشرون ، وبكسر النون والتشديد : مكي ، والأصل «تبشرونني» فأدغم نون الجمع في نون العماد ثم حذفت الياء وبقيت الكسرة دليلاً عليها . { تبشرون } بالتخفيف : نافع ، والأصل «تبشرونني» فحذفت الياء اجتزاء بالكسرة وحذف نون الجمع لاجتماع النونين ، والباقون : بفتح النون ، وحذف المفعول والنون نون الجمع","part":2,"page":141},{"id":642,"text":"{ قَالُواْ بشرناك بالحق } باليقين الذي لا لبس فيه { فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين } من الآيسين من ذلك { قَالَ } أي إبراهيم { وَمَن يَقْنَطُ } وبكسر النون : بصري وعلي { مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون } إلا المخطئون طريق الصواب أو إلا الكافرون كقوله : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } [ يوسف : 87 ] أي لم أستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها . { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ } فما شأنكم { أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } أي قوم لوط { إِلآ ءَالَ لُوطٍ } يريد أهله المؤمنين ، والاستثناء منقطع لأن القوم موصوفون بالإجرام والمستثني ليس كذلك ، أو متصل فيكون استثناء من الضمير في { مجرمين } كأنه قيل : إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم ، والمعنى يختلف باختلاف الاستثناءين لأن آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال يعنى أنهم ارسلوا إلى القوم المجرمين خاصة ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً ، ومعنى ارسالهم إلى القوم المجرمين كإرسال السهم إلى المرمى في أنه في معنى التعذيب والإهلاك كأنه قيل : إنا أهلكنا قوماً مجرمين ولكن آل لوط أنجيناهم . وأما في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال يعني أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء . وإذا انقطع الاستثناء جرى { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } مجرى خبر لكن في الاتصال بآل لوط لأن المعنى . لكن آل لوط منجون ، وإذا اتصل كان كلاماً مستأنفاً كأن إبراهيم عليه السلام قال لهم : فما حال آل لوط؟ فقالوا : إنا لمنجوهم { إِلاَّ امرأته } مستثنى من الضمير المجرور في { لمنجوهم } وليس باستثناء من الاستثناء ، لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه بأن يقول «أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته» وهنا قد اختلف الحكمان لأن إلا آل لوط متعلق ب { أرسلنا } أو ب { مجرمين } و { إلا امرأته } متعلق ب { منجوهم } فكيف يكون استثناء من استثناء . { لمنجوهم } بالتخفيف : حمزة وعلي { قَدَّرْنَآ } وبالتخفيف : أبو بكر { إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } الباقين في العذاب . قيل : لو لم تكن اللام في خبرها لوجب فتح «إن» لأنه مع اسمه وخبره مفعول { قدرنا } ولكنه كقوله { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } { الصافات : 158 ) وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم ولم يقولوا قدر الله لقربهم كما يقول خاصة الملك أمرنا بكذا والآمر هو الملك .","part":2,"page":142},{"id":643,"text":"{ فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ المرسلون قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي لا أعرفكم أي ليس عليكم زي السفر ولا أنتم من أهل الحضر فأخاف أن تطرقوني بشر { قَالُواْ بَلْ جئناك بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما فيه سرورك وتشفيك من أعدائك وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله فيمترون فيه أي يشكون ويكذبونك { وأتيناك بالحق } باليقين من عذابهم { وِإِنَّا لصادقون } في الإخبار بنزوله بهم { فَأْسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ } في آخر الليل أو بعد ما يمضي شيء صالح من الليل { واتبع أدبارهم } وسر خلفهم لتكون مطلعاً عليهم وعلى أحوالهم { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم ، أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة { وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } حيث أمركم الله بالمضي إليه وهو الشام أو مصر { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر } عدى { قضينا } ب «إلى» لأنه ضمن معنى أوحينا كأنه قيل : وأوحينا إليه مقضياً مبتوتاً ، وفسر ذلك الأمر بقوله { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ } وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر ودابرهم آخرهم أي يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد { مُّصْبِحِينَ } وقت دخولهم في الصبح وهو حال من { هؤلاء }","part":2,"page":143},{"id":644,"text":"{ وَجَآءَ أَهْلُ المدينة } سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور { يَسْتَبْشِرُونَ } بالملائكة طمعاً منهم في ركوب الفاحشة { قَالَ } لوط { إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ } بفضيحة ضيفي لأن من أساء إلى ضيفي فقد أساء إليّ { واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ } أي ولا تذلوني بإذلال ضيفي من الخزي وهو الهوان . وبالياء فيهما : بعقوب { قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين } عن أن تجير منهم أحداً أو تدفع عنهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد ، وكان عليه السلام يقوم بالنهي عن المنكر والحجز بينهم وبين المتعرض له فأوعدوه وقالوا { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين } [ الشعراء : 167 ] أو عن ضيافة الغرباء { قَالَ هؤلاءآء بَنَاتِى } فانكحوهن وكان نكاح المؤمنات من الكفار جائزاً ولا تتعرضوا لهم { إِن كُنتُمْ فاعلين } إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم فقالت الملائكة للوط عليه السلام { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ } أي في غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطإ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم من ترك البنين إلى البنات { يَعْمَهُونَ } يتحيرون فيكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك ، أو الخطاب لرسول الله A وهو قسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط تعظيماً له . والعُمر والعَمر واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح إيثاراً للأخف لكثرة دور الحلف على ألسنتهم ولذا حذفوا الخبر وتقديره لعمرك قسمي","part":2,"page":144},{"id":645,"text":"{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } صيحة جبريل عليه السلام { مُشْرِقِينَ } داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس { فَجَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا } رفعها جبريل عليه السلام إلى السماء ثم قلبها والضمير لقرى قوم لوط { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجِّيلٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيات لِلْمُتَوَسِّمِينَ } للمتفرسين المتأملين كأنهم يعرفون باطن الشيء بسمة ظاهرة { وَإِنَّهَا } وإن هذه القرى يعني آثارها { لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد . وهم يبصرون تلك الآثار وهو تنبيه لقريش كقوله { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل } { [ الصافات : 137 ] إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } لأنهم المنتفعون بذلك . { وَإِن كَانَ أصحاب الأيكة } وإن الأمر والشأن كان أصحاب الأيكة أي الغيضة { لظالمين } لكافرين وهم قوم شعيب عليه السلام { فانتقمنا مِنْهُمْ } فأهلكناهم لما كذبوا شعيباً { وَإِنَّهُمَا } يعني قرى قوم لوط والأيكة { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } لبطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به فسمى به الطريق ومِطمر البناء لأنهما مما يؤتم به { وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحاب الحجر المرسلين } هم ثمود ، والحجر واديهم وهو بين المدينة والشام المرسلين يعني بتكذيبهم صالحاً لأن كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعاً ، فمن كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً ، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين كما قيل «الخبيبون» في ابن الزبير وأصحابه { وءاتيناهم ءاياتنا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } أي أعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها { وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا } أي ينقبون في الجبال بيوتاً أو يبنون من الحجارة { ءَامِنِينَ } لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تنهدم ومن نقب اللصوص والأعداء ، أو آمنين من عذاب الله يحسبون أن الجبال تحميهم منه { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } العذاب { مُّصْبِحِينَ } في اليوم الرابع وقت الصبح { فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من بناء البيوت الوثيقة واقتناء الأموال النفيسة . { وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق } إلا خلقاً ملتبساً بالحق لا باطلاً وعبثا أو بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال { وَإِنَّ الساعة } أي القيامة لتوقعها كل ساعة { لآتِيَةٌ } وإن الله ينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأَرض وما بينهم ، إلا لذلك\r{ فاصفح الصفح الجميل } فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء . قيل : هو منسوخ بآية السيف ، وإن أريد به المخالفة فلا يكون منسوخاً { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق } الذي خلقك وخلقهم { العليم } بحالك وحالهم فلا يخفي عليه ما يجري بينكم وهو يحكم بينكم { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا } أي سبع آيات وهي الفاتحة أو سبع سور وهي الطوال ، واختلف في السابعة فقيل الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة بدليل عدم التسمية بينهما ، وقيل سورة يونس أو أسباع القرآن { مِّنَ المثاني } هي من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة مما يتكرر في الصلاة ، أو من الثناء لاشتمالهما على ما هو ثناء على الله ، والواحدة مثناة أو مثنية صفة للآية .","part":2,"page":145},{"id":646,"text":"وأما السور أو الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد ولما فيها من الثناء كأنها تثني على الله ، وإذا جعلت السبع مثاني فمن للتبيين ، وإذا جعلت القرآن مثاني ف «من» للتبعيض { والقرءان العظيم } هذا ليس بعطف الشيء على نفسه لأنه إذا أريد بالسبع الفاتحة أو الطوال فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل دليله قوله { بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان } [ يوسف : 3 ] يعني سورة يوسف ، وإذا أريد به الأَسباع فالمعنى ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي الجامع لهذين النعتين وهو التثنية أو الثناء والعظم . ثم قال لرسوله","part":2,"page":146},{"id":647,"text":"{ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ } أصنافاً من الكفار كاليهود والنصارى والمجوس يعني قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة وهي القرآن العظيم فعليك أن تستغني به ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا . وفي الحديث « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » وحديث أبي بكر « من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظم صغيراً » { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي لا تتمن أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام والمسلمون { واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وطب نفساً عن إيمان الأغنياء { وَقُلْ } لهم { إِنِّى أَنَا النذير المبين } أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم","part":2,"page":147},{"id":648,"text":"{ كَمَآ أَنْزَلْنَا } متعلق بقوله { ولقد آتيناك } أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا { عَلَى المقتسمين } وهم أهل الكتاب { الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ } أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء حيث قالوا بعنادهم : بعضه . حق موافق للتوراة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه . وقيل كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم سورة البقرة لي ، ويقول الآخر سورة آل عمران لي . أو أريد بالقرآن ما يقرؤونه من كتبهم وقد اقتسموه؛ فاليهود أقرت ببعض التوراة وكذبت ببعض ، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض ، ويجوز أن يكون { الذين جعلوا القرآن عضين } منصوباً ب { النذير } أي أنذر المعضين الذين يجزّئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله A يقول بعضهم : لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر ، ويقول الآخر : كذاب ، والآخر : شاعر فأهلكهم الله . { لا تمدن عينيك } على الوجه الأول اعتراض بينهما ، لأنه لما كان ذلك تسلية لرسول الله A عن تكذيبهم وعداوتهم اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الإلتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الأمر بأن يقبل بكليته على المؤمنين . { فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أقسم بذاته وربوبيته ليسألن يوم القيامة واحداً واحداً من هؤلاء المقتسمين عما قالوه في رسول الله A أو في القرآن أو في كتب الله { فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } فاجهر به وأظهره . يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً من الصديع وهو الفجر ، أو فاصدع فافرق بين الحق والباطل من الصدع في الزجاجة وهو الإبانة بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجار كقوله : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به\r{ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } هو أمر استهانة بهم","part":2,"page":148},{"id":649,"text":"{ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمسْتَهْزِئينَ } الجمهور على أنها نزلت في خمسة نفر كانوا يبالغون في إيذاء رسول الله A والاستهزاء به فأهلكهم الله وهم : الوليد بن المغيرة مر بنبّال فتعلق بثوبه سهم فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات ، والعاص بن وائل دخل في أخمصه شوكة فانفتخت رجله فمات ، والأسود بن عبد المطلب عمي ، والأسود ابن عبد يغوث جعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات ، والحارث بن قيس امتخط قيحاً ومات { الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلها ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } عاقبة أمرهم يوم القيامة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } فيك أو في القرآن أو في الله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين } فافزع فيما نابك إلى الله ، والفزع إلى الله هو الذكر الدائم وكثرة السجود يكفك ويكشف عنك الغم { واعبد رَبَّكَ } ودم على عبادة ربك { حتى يَأْتِيَكَ اليقين } أي الموت يعني ما دمت حياً فاشتغل بالعبادة وكان رسول الله A إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .","part":2,"page":149},{"id":650,"text":"كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة ونزول العذاب بهم يوم بدر استهزاء وتكذيباً بالوعد فقيل لهم : { أتى أَمْرُ الله } أي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظراً لقرب وقوعه { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } تبرأ جل وعز عن أن يكون له شريك وعن إشراكهم ، ف { ما } موصولة أو مصدرية ، واتصال هذا باستعجالهم من حيث إن استعجالهم استهزاء وتكذيب وذلك من الشرك { يُنَزِّلُ الملائكة } وبالتخفيف مكي وأبو عمرو { بالروح } بالوحي أو بالقرآن لأن كلاً منهما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد أو يحيي القلوب الميتة بالجهل { مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ } أن مفسرة لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول ومعنى أنذروا { أَنَّهُ لآ إله إِلا أَنَاْ فاتقون } أعلموا بأن الأمر ذلك من نذرت بكذا إذا علمته ، والمعنى أعلموا الناس قولي لا إله إلَّا أنا فاتقون فخافون . وبالياء : يعقوب ، ثم دل على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض وهو قوله","part":2,"page":150},{"id":651,"text":"{ خَلَقَ السماوات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وبالتاء في الموضعين : حمزة وعلي . وخلق الإنسان وما يكون منه وهو قوله { خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } أي فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح لخصومه مبين لحجته بعدما كان نطفة لا حس به ولا حركة ، أو فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيى العظام وهي رميم . وهو وصف للإنسان بالوقاحة والتمادي في كفران النعمة وخلق ما لا بد منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وحمل أثقاله وسائر حاجاته وهو قوله { والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ } وهي الأزواج الثمانية وأكثر ما يقع على الإبل ، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله { والقمر قدرناه مَنَازِلَ } [ ياس : 39 ] أو بالعطف على الإنسان أي خلق الإنسان والأنعام ثم قال خلقها لكم أي ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان { فِيهَا دِفْءٌ } هو اسم ما يدفأ به من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر { ومنافع } وهي نسلها ودرها { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } قدم الظرف وهو يؤذن بالاحتصاص ، وقد يؤكل من غيرها لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به وكالجاري مجرى التفكه { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } ترسلونها بالغداة إلى مسارحها . منّ الله تعالى بالتجمل بها كما منّ بالاتنفاع بها لأَنه من أغراض أصحاب المواشي لأَن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها بالغداة تزينت بإراحتها وتسريحها الأَفنية ، وفرحت أربابها وكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس . وإنما قدمت الإراحة على التسريح لأَن الجمال في الإِراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع","part":2,"page":151},{"id":652,"text":"{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } أحمالكم { إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس } وبفتح الشين : أبو جعفر وهما لغتان في معنى المشقة . وقيل : المفتوح مصدر شق الأمر عليه وشقا وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع ، وأما الشق فالنصف كأنه يذهب نصف قوته لما ينال من الجهد . والمعنى وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه لو لم تخلق الإبل إلا بجهد ومشقة فضلاً أن تحملوا أثقالكم على ظهوركم ، أو معناه لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس . وقيل : أثقالكم أبدانكم ومنه الثقلان للجن والإنس ومنه { وأخرجت الأرض أثقالها } [ الزلزلة : 2 ] أي بني آدم { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } عطف على الأنعام أي وخلق هذه للركوب والزينة ، وقد احتج أبو حنيفة C على حرمة أكل لحم الخيل بأنه علل خلقها للركوب والزينة ولم يذكر الأكل بعدما ذكره في الأنعام ، ومنفعة الأكل أقوى ، والآية سيقت لبيان النعمة ولا يليق بالحكيم أن يذكر في مواضع المنة أدنى النعمتين ويترك أعلاهما . وانتصاب { زينة } على المفعول له عطفاً على محل { لتركبوها } وخلق مالا تعلمون من أصناف خلائقه وهو قوله { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ومنْ هذا وصفه يتعالى عن أن يشرك به غيره { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } المراد به الجنس ولذا قال { وَمِنْهَا جَائِرٌ } والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد . يقال : سبيل قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه ، ومعناه أن هداية الطريق الموصل إلى الحق عليه كقوله { إِنَّ عَلَيْنَا للهدى } [ الليل : 12 ] وليس ذلك للوجوب إذ لا يجب على الله شيء ولكن يفعل ذلك تفضلاً . وقيل : معناه وإلى الله . وقال الزجاج : معناه وعلى الله تبيين الطريق الواضح المستقيم والدعاء إليه بالحجج { ومنها جائر } أي من السبيل مائل عن الاستقامة { وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أراد هداية اللطف بالتوفيق والإنعام بعدالهدى العام .","part":2,"page":152},{"id":653,"text":"{ هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } { لكم } متعلق ب «أنزل» أو خبر ل «شراب» وهو ما يشرب { وَمِنْهُ شَجَرٌ } يعني الشجر الذي ترعاه المواشي { فِيهِ تُسِيمُونَ } من سامت الماشية إذا رعت فهي سائمة وأسامها صاحبها وهي من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض { يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والاعناب وَمِن كُلِّ الثمرات } ولم يقل كل الثمرات لأن كلها لا تكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض بعض من كل للتذكرة { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته والآية الدلالة الواضحة { وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ } بنصب الكل : عليّ وجعل النجوم مسخرات والنجوم مسخرات فقط : حفص { والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخرات } شامي على الابتداء والخبر { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } جمع الآية . وذكر العقل لأن الآثار العلوية أطهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الأرض } معطوف على { الليل والنهار } أي ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك { مُخْتَلِفًا } حال { أَلْوَانُهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يتعظون","part":2,"page":153},{"id":654,"text":"{ وَهُوَ الذى سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً } هو السمك ، ووصفه بالطراوة لأن الفساد ، يسرع إليه فيؤكل سريعاً طرياً خيفة الفساد وإنما لا يحنث بأكله إذا حلف لا يأكل لحماً لأن مبني الإيمان على العرف . ومن قال لغلامه : اشتر بهذه الدراهم لحماً ، فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار { وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً } هي اللؤلؤ والمرجان { تَلْبَسُونَهَا } المراد بلبسهم لبس نسائهم ولكنهن إنما يتزين بها من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم . { وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ } جواري تجري جرياً وتشق الماء شقاً والمخرشق الماء بحيزومها { فِيهِ } في البحر { وَلِتَبْتَغوُا مِن فَضْلِهِ } هو عطف على محذوف أي لتعتبروا ولتبتغوا وابتغاء الفضل التجارة { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ما أنعم عليكم به { وألقى فِى الأرض رَوَاسِيَ } جبالاً ثوابت { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } كراهية أن تميل بكم وتضطرب أو لئلا تميد بكم لكن حذف المضاف أكثر . قيل : خلق الله الأرض فجعلت تميد فقالت الملائكة : ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت { وأنهارا } وجعل فيها أنهاراً لأن ألقى فيه معنى جعل { وَسُبُلاً } طرقاً { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إلى مقاصدكم أو إلى توحيد ربكم { وعلامات } هي معالم الطرق وكل ما يستدل به السابلة من جبل وغير ذلك { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } المراد بالنجم الجنس أو هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدى . فإن قلت : { وبالنجم هم يهتدون } مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه النجم مقحم فيه هم كأنه قيل : وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون فمن المراد بهم؟ قلت : كأنه أراد قريشاً فلهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم ولهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم ، فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا","part":2,"page":154},{"id":655,"text":"{ أَفَمَن يَخْلُقُ } أي الله تعالى { كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } أي الأصنام وجيء ب { من } الذي هو لأولي العلم لزعمهم حيث سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ، أو لأن المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده . وإنما لم يقل أفمن لا يخلق كمن يخلق مع اقتضاء المقام بظاهره إياه لكونه إلزاماً للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله لأنهم حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهاً بها فأنكر عليهم ذلك بقوله { أفمن يخلق كمن لا يخلق } وهو حجة على المعتزلة في خلق الأفعال { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتعرفون فساد ما أنتم عليه { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم فضلاً أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر ، وإنما اتبع ذلك ما عدد من نعمه تنبيهاً على أن ما رواءها لا ينحصر ولا يعد { إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها عنكم لتفريطكم . { والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } من أقوالكم وأفعالكم وهو وعيد { والذين يَدْعُونَ } والآلهة الذين يدعوهم الكفار { مِن دُونِ الله } وبالتاء : غير عاصم { لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ } أي هم أموات { غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث ، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون أموات جاهلون بالبعث ، ومعنى { أموات غير أحياء } أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات أي غير جائز عليها الموت وأمرهم بالعكس من ذلك . والضمير في { يبعثون } للداعين أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم ، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء أعمالهم منهم على عبادتهم ، وفيه دلالة على أنه لا بد من البعث","part":2,"page":155},{"id":656,"text":"{ إلهكم إله واحد } أي ثبت بما مر أن الإلهية لا تكون لغير الله وأن معبودكم واحد { فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ } للوحدانية { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عنها وعن الإقرار بها { لاَ جَرَمَ } حقا { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أي سرهم وعلانيتهم فيجازيهم وهو وعيد { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين } عن التوحيد يعني المشركين . { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } لِهؤلاء الكفار { مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أساطير الأولين } { ماذا } منصوب ب { أَنزل } أي أيَّ شيء أنزل ربكم ، أو مرفوع على الابتداء أي أيُّ شيء أنزله ربكم و { أساطير } خبر مبتدأ محذوف . قيل : هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفّرون عن رسول الله A إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله A قالوا : أساطير الأولين أي أحاديث الأولين وأباطيلهم واحدتها أسطورة ، وإذا رأوا أصحاب رسول الله A يخبرونهم بصدقه وأنه نبي فهم الذين قالوا خيراً { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ } أي قالوا ذلك إضلالاً للناس فحملوا أوزار ضلالهم كاملة وبعض أوزار من ضل بضلالهم وهو وزر الإضلال لأن المضل والضال شريكان واللام للتعليل { بِغَيْرِ عِلْمٍ } حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال { أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } محل «ما» رفع { قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد } أي من جهة القواعد وهي الأساطين ، وهذا تمثيل يعني أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها رسل الله فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين ، فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا ، والجمهور على أن المراد به نمرود بن كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع وقيل فرسخان فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا فأتى الله أي أمره بالاستئصال { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون .","part":2,"page":156},{"id":657,"text":"{ ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ } يذلهم بعذاب الخزي سوى ما عذبوا به في الدنيا { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم { الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ } تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم { تشاقون } نافع أي تشاقونني فيهم لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله { قَالَ الذين أُوتُواْ العلم } أي الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم ويشاقونهم يقولون ذلك شماتة بهم أو هم الملائكة { إِنَّ الخزى اليوم } الفضيحة { والسوء }\rالعذاب { عَلَى الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة } وبالياء : حمزة وكذا ما بعده { ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } بالكفر بالله { فَأَلْقَوُاْ السلم } أي الصلح والاستسلام أي أخبتوا وجاؤوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق وقالوا { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ } وجحدوا ما وجد منهم من الكفران والعداوة فرد عليهم أولو العلم وقالوا { بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فهو يجازيكم عليه وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك { فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } جهنم .","part":2,"page":157},{"id":658,"text":"{ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا } الشرك { مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } وإنما نصب هذا ورفع { أساطير } لأن التقدير هنا أنزل خيراً فأطبقوا الجواب على السؤال وثمة التقدير هو أساطير الأولين فعدلوا بالجواب عن السؤال { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا } أي آمنوا وعملوا الصالحات أو قالوا : لا إله إلا الله { حَسَنَةٌ } بالرفع أي ثواب وأمن وغنيمة وهو بدل من { خيراً } حكاية لقول { الذين اتقوا } أي قالوا هذا القول فقدم عليه تسميته خيراً . ثم حكاه ، أو هو كلام مستأنف عدة للقائلين وجعل قولهم من جملة إحسانهم { وَلَدَارُ الاخرة خَيْرٌ } أي لهم في الآخرة ما هو خير منها كقوله { فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة } [ آل عمران : 148 ] { وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين } دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره { جنات عَدْنٍ } خبر لمبتدأ محذوف أو هي المخصوص بالمدح { يَدْخُلُونَهَا } حال { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طَيِّبِينَ } طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم { يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ } قيل : إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك ، فقال : السلام عليك يا ولي الله ، الله يقرأ عليك السلام ، ويبشره بالجنة ويقال لهم في الآخرة { ادخلوا الجنة بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بعملكم { هَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظر هؤلاء الكفار { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } لقبض أرواحهم . وبالياء : علي وحمزة { أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ } أي العذاب المستأصل أو القيامة { كذلك } مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب { فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله } بتدميرهم { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فعلوا ما استحقوا به التدمير","part":2,"page":158},{"id":659,"text":"{ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } جزاء سيئات أعمالهم { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } وأحاط بهم جزاء استهزائهم : { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلآ ءابَآؤُنَا } هذا كلام صدر منهم استهزاء ولو قالوه اعتقاداً لكان صواباً { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ } يعني البحيرة والسائبة ونحوهما { كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي كذبوا الرسل وحرموا الحلال وقالوا مثل قولهم استهزاء { فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين } إلا أن يبلغوا الحق ويطّلعوا على بطلان الشرك وقبحه { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله } بأن وحدوه { واجتنبوا الطاغوت } الشيطان يعني طاعته { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله } لاختيارهم الهدى { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } أي لزمته لاختياره إياها { فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } حيث أهلكهم الله وأخلى ديارهم عنهم . ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله A على إيمانهم وأعلمه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة فقال { إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } بفتح الياء وكسر الدال : كوفي . الباقون : بضم الياء وفتح الدال ، والوجه فيه أن { من يضل } مبتدأ و { لا يهدي } خبره { وَمَا لَهُم مِّن ناصرين } يمنعونهم من جريان حكم الله عليهم ويدفعون عنهم عذابه الذي أعد لهم . { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } معطوف على { وقال الذي أشركوا } { لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بلى } هو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } وهو مصدر مؤكد لما دل عليه { بلى } لأن { يبعث } موعد من الله وبين أن الوفاء بهذا الوعد حق { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أن وعده حق أو أنهم يبعثون","part":2,"page":159},{"id":660,"text":"{ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } متعلق بما دل عليه { بلى } أي يبعثهم ليبين لهم ، والضمير ل { من يموت } وهو يشمل المؤمنين والكافرين { الذى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } هو الحق { وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين } في قولهم { لا يبعث الله من يموت } { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي فهو يكون ، وبالنصب : شامي وعلي ، على جواب . كن { قولنا } مبتدأ و { أن نقول } خبره و { كن فيكون } من «كان» التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث بلا توقف ، وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد تبين أن مراداً لا يمتنع عليه ، وأن وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع المتمثل ولا قول ثَم . والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات؟ { والذين هاجروا فِى الله } في حقه ولوجهة { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } هم رسول الله وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله ، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين ، ومنهم من هاجر إلى المدينة { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدنيا حَسَنَة } صفة للمصدر أي تبوئة حسنة أو لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم { وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ } الوقف لازم عليه لأن جواب { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } محذوف والضمير للكفار أي لو علموا ذلك لرغبوا في الدين أو للمهاجرين أي لو كانوا يعلمون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم { الذين صَبَرُواْ } أي هم الذين صبروا أو أعني الذين صبروا ، وكلاهما مدح أي صبروا على مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤوسهم ، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله { وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي يفوضون الأمر إلى ربهم ويرضون بما أصابهم في دين الله . ولما قالت قريش : الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً نزل","part":2,"page":160},{"id":661,"text":"{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } يوحى اليهم على ألسنة الملائكة . { نوحي } حفص { فاسألوا أَهْلَ الذكر } أهل الكتاب ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً . وقيل للكتاب الذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين { إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ } أي بالمعجزات والكتب والباء يتعلق ب { رجالاً } صفة له أي رجالاً ملتبسين بالبينات ، أو بأرسلنا مضمراً كأنه قيل : بم أرسل الرسل؟ فقيل : بالبينات ، أو ب { يوحي } أي يوحي إليهم بالبينات أو ب { لا تعلمون } ، وقوله : { فاسألوا أهل الذكر } اعتراض على الوجوه المتقدمة وقوله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر } القرآن { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا به وأوعدوا { وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في تنبيهاته فينتبهوا { أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات } أي المكرات السيئات ، وهم أهل مكة وما مكروا به رسول الله عليه السلام { أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض } كما فعل بمن تقدمهم { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } أي بغتة { أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ } متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم { فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ } متخوفين وهو أن يهلك قوماً قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم العذاب وهم متخوفون متوقعون وهو خلاف قوله { من حيث لا يشعرون } [ الزمر : 25 ] { فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث يحلم عنكم ولا يعاجلكم مع استحقاقكم ، والمعنى أنه إذا لم يأخذكم مع ما فيكم فإنما رأفته تقيكم ورحمته تحميكم .","part":2,"page":161},{"id":662,"text":"{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ } وبالتاء : حمزة وعلي وأبو بكر { إلى مَا خَلَقَ الله } «ما» موصولة ب { خلق الله } وهو مبهم بيانه { مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظلاله } أي يرجع من موضع إلى موضع . وبالتاء : بصري { عَنِ اليمين } أي الأيمان { والشمآئل } جمع شمال { سُجَّدًا لِلَّهِ } حال من الظلال . عن مجاهد : إذا زالت الشمس سجد كل شيء { وَهُمْ داخرون } صاغرون وهو حال من الضمير في { ظلاله } لأنه في معنى الجمع وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل . وجمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء ، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب . والمعنى أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب ، منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ والأجرام في أنفسها ، داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها غير ممتنعة { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض مِن دَآبَّةٍ } «من» بيان لما في السماوات وما في الأرض جميعاً على أن في السماوات خلقاً يدبون فيها كما تدب الأناسي في الأرض ، أو بيان لما في الأرض وحده والمراد بما في السماوات ملائكتهن ، وبقوله { والملئكة } ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم . قيل : المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم ، وبسجود غيرهم انقيادهم لإرادة الله . ومعنى الانقياد يجمعهما فلم يختلفا فلذا جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد . وجيء ب «ما» إذ هو صالح للعقلاء وغيرهم ولو جيء ب «من» لتناول العقلاء خاصة { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يخافون رَبَّهُمْ } هو حال من الضمير في { لا يستكبرون } أي لا يستكبرون خائفين { مِّن فَوْقِهِمْ } إن علقته ب { يخافون } فمعناه يخافونه أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم ، وإن علقته ب { ربهم } حالاً منه فمعناه يخافون ربهم غالباً لهم قاهراً كقوله { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } { [ الانعام : 61 ، 18 ] وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي وأنهم بين الخوف والرجاء .","part":2,"page":162},{"id":663,"text":"{ وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } فإن قلت : إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا عندي رجال ثلاثة ، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص ، فأما رجل ورجلان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال «رجل واحد ورجلان اثنان» . قلت : الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين : على الجنسية والعدد المخصوص . فإذا أريدت الدلالة على أن المعنيّ به منهما هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به ، ألا ترى أنك لو قلت «إنما هو إله» ولم تؤكده بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية { فإياي فارهبون } نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم وهو من طريقة الالتفات وهو أبلغ في الترغيب من قوله «فإياي فارهبوه» . { فارهبوني } يعقوب { وَلَهُ مَا فِى السموات والأرض وَلَهُ الدين } أي الطاعة { وَاصِبًا } واجباً ثابتاً لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه ، وهو حال عمل فيه الظرف ، أو وله الجزاء دائماً يعني الثواب والعقاب { أفغيرالله تَتَّقُونَ وَمَا بِكُم مّن نِّعْمَةٍ } وأي شيء اتصل بكم من نعمة عافية وغنى وخصب { فَمِنَ الله } فهو من الله { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر } المرض والفقر والجدب { فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ } فما تتضرعون إلا إليه ، والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } الخطاب في و { ما بكم من نعمة } إن كان عاماً فالمراد بالفريق الكفرة ، وإن كان الخطاب للمشركين فقوله { منكم } للبيان لا للتبعيض كأنه قال : فإذا فريق كافر وهم أنتم ، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله { فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } [ لقمان : 32 ] { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة ، ثم أوعدهم فقال { فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } هو عدول إلى الخطاب على التهديد { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رزقناهم } أي لآلهتهم ، ومعنى { لا يعلمون } أنهم يسمونها آلهة ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله وليس كذلك لأنها جماد لا تضر ولا تنفع ، أو الضمير في { لا يعلمون } للآلهة أي لأشياء غير موصوفة بالعلم ولا تشعر أجعلوا لها نصيباً في أنعامهم وزروعهم أم لا ، وكانوا يجعلون لهم ذلك تقرباً إليهم { تالله لَتُسْئَلُنَّ } وعيد { عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } من أنها آلهة وأنها أهل للتقرب إليها { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات } كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله { سبحانه } تنزيه لذاته من نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم { وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني البنين .","part":2,"page":163},{"id":664,"text":"ويجوز في «ما» الرفع على الابتداء و { لهم } الخبر ، والنصب على العطف على { البنات } ، و { سبحانه } اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّا } أي صار فظل وأمسى وأصبح وبات تستعمل بمعنى الصيرورة لأن أكثر الوضع يتفق بالليل فيظل نهاره مغتماً مسود الوجه من الكآبة والحياء من الناس { وَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء حنقاً على المرأة { يتوارى مِنَ القوم مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ } يستخفى منهم من أجل سوء المبشر به ومن أجل تعييرهم ويحدث نفسه وينظر { أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ } أيمسك ما بشر به على هون وذل { أَمْ يَدُسُّهُ فِى التراب } أم يئده { أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف .","part":2,"page":164},{"id":665,"text":"{ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء } صفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ، ووأدهن خشية الإملاق { وَلِلَّهِ المثل الأعلى } وهو الغني عن العالمين والنزاهة عن صفات المخلوقين { وَهُوَ العزيز } الغالب في تنفيذ ما أراد { الحكيم } في إمهال العباد { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ } بكفرهم ومعاصيهم { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } على الأرض { مِن دَآبَّةٍ } قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين . عن أبي هريرة Bه : إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم . وعن ابن مسعود Bه : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم . وعن ابن عباس Bهما . { من دابة } من مشرك يدب { ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } أي أجل كل أحد أو وقت تقتضيه الحكمة أو القيامة { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } ما يكرهونه لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم ومن الاستخفاف برسلهم ، ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } مع ذلك أي ويقولون الكذب { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } عند الله وهي الجنة إن كان البعث حقاً كقوله { وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى } [ فصلت : 50 ] و { أن لهم الحسنى } بدل من { الكذب } { لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } { مفرِطون } نافع { مفرِّطون } أبو جعفر . فالمفتوح بمعنى مقدمون إلى النار معجلون إليها من أفرطت فلاناً وفرطته في طلب الماء إذا قدمته ، أو منسيون متروكون من أفرطت فلاناً خلفي إذا خلفته ونسيته . والمكسور المخفف من الإفراط في المعاصي ، والمشدد من التفريط في الطاعات أي التقصير فيها .","part":2,"page":165},{"id":666,"text":"{ تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ } أي أرسلنا رسلاً إلى من تقدمك من الأمم { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن أَعْمَالَهُمْ } من الكفر والتكذيب بالرسل { فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم } أي قرينهم في الدنيا تولى إضلالهم بالغرور ، أو الضمير لمشركي قريش أي زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم ، أو هو على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في القيامة { وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } القرآن { إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ } للناس { الذى اختلفوا فِيهِ } هو البعث لأنه كان فيهم من يؤمن به { وَهُدًى وَرَحْمَةً } معطوفان على محل { لتبين } إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب . ودخلت اللام على { لتبيين } لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ والله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لا يسمع . { وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهِ } وبفتح النون : نافع وشامي وأبو بكر . فال الزجاج : سقيته وأسقيته بمعنى واحد . ذكر سيبويه الأنعام في الأسماء المفردة الواردة على أفعال ولذا رجع الضمير إليه مفرداً ، وأما في بطونها في سورة «المؤمنين» فلأن معناه الجمع وهو استئناف كأنه قيل : كيف العبرة؟ فقال { نسقيكم مما في بطونه } { مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا } أي يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله . قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً ، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر ، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر . وسئل شقيق عن الإخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم { سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهل المرور في الحلق ، ويقال : لم يغص أحد باللبن قط . و«من» الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها ، والثانية لابتداء الغاية .","part":2,"page":166},{"id":667,"text":"ويتعلق { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب } بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما وحذف لدلالة { نسقيكم } قبله عليه وقوله { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء ، أو تتخذون ومنه من تكرير الظرف للتوكيد ، والضمير في { منه } يرجع إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير ، والسكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً . ثم فيه وجهان : أحدهما أن الآية سابقة على تحريم الخمر فتكون منسوخة ، وثانيهما أن يجمع بين العتاب والمنة . وقيل : السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ، ثم يترك حتى يشتد ، وهو حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إلى حد السكر ، ويحتجان بهذه الآية وبقوله عليه السلام : \" الخمر حرام لعينها والسكر من كل شراب \" وبأخبار جمة { وَرِزْقًا حَسَنًا } هو الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك { إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } وألهم { أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا } هي «أن» المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول . قال الزجاج : واحد النحل نحلة كنخل ونخلة والتأنيث باعتبار هذا ، و«من» في { من الجبال } { وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } يرفعون من سقوف البيت أو ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تعسل فيها للتبعيض لأنها لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش والضمير في { يعرشون } للناس ، وبضم الراء : شامي وأبو بكر","part":2,"page":167},{"id":668,"text":"{ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات } أي ابني البيوت ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها { فاسلكى سُبُلَ رَبِّكِ } فادخلي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها { ذُلُلاً } جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله تعالى ذللها وسهلها ، أو من الضمير في { فاسلكي } أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ } يريد العسل لأنه مما يشرب تلقيه من فيها { مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } منه أبيض وأصفر وأحمر من الشباب والكهول والشيب أو على ألوان أغذيتها { فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } لأنه من جملة الأدوية النافعة ، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل . وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض كما أن كل دواء كذلك ، وتنكيره لتعظيم الشفاء الذي فيه ، أو لأن فيه بعض الشفاء لأن النكرة في الإثبات تخص ، وشكا رجل استطلاق بطن أخيه فقال عليه السلام : « اسقه عسلاً » فجاءه وقال : زاده شراً فقال عليه السلام : « صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلاً » فسقاه فصح . وعن ابن مسعود Bه : « العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور ، فعليكم بالشفاءين : القرآن والعسل » ومن بدع الروافض أن المراد بالنحل عليّ وقومه . وعن بعضهم أن رجلاً قال عند المهدي : إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم . فقال له رجل : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي ، وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في عجيب أمرها فيعلمون أن الله أودعها علماً بذلك وفطنها كما أعطى أولي العقول عقولهم .","part":2,"page":168},{"id":669,"text":"{ والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يتوفاكم } بقبض أرواحكم من أبدانكم { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } إلى أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة أو ثمانون أو تسعون { لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } لينسى ما يعلم أو لئلا يعلم زيادة علم على علمه { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل أو إلى الإفناء من الإحياء { قَدِيرٌ } على تبديل ما يشاء كما يشاء من الأشياء { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِى الرزق } أي جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم { فَمَا الذين فُضِّلُواْ } في الرزق يعني الملاك { بِرَآدِّي } بمعطي { رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أيمانهم } فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس والمطعم { فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ } جملة اسمية وقعت في موضع جملة فعلية في موضع النصب لأنه جواب النفي بالفاء وتقديره : فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم في الرزق ، وهو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم : أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ، ولا تجعلونهم فيه شركاء ، ولا ترضون ذلك لأنفسكم ، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟ { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } وبالتاء : أبو بكر ، فجعل ذلك من جملة جحود النعمة .","part":2,"page":169},{"id":670,"text":"{ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } أي من جنسكم { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم بَنِينَ وَحَفَدَةً } جمع حافد وهو الذي يحفد أي يسرع في الطاعة والخدمة ومنه قول القانت\rوإليك نسعى ونحفد ... واختلف فيه فقيل : هم الأختان على البنات وقيل : أولاد الأولاد . والمعنى وجعل لكم حفدة أي خدماً يحفدون في مصالحكم ويعينونكم { وَرَزَقَكُم مِّنَ الطيبات } أي بعضها لأن كل الطيبات في الجنة وطيبات الدنيا أنموذج منها { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } هو ما يعتقدونه من منفعة الأصنام وشفاعتها { وَبِنعْمَتِ اللهِ } أي الإسلام { هُمْ يَكْفُرُونَ } أو الباطل الشيطان والنعمة محمد A أو الباطل ما يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ السماوات والأرض شَيْئًا } أي الصنم وهو جماد لا يملك أن يرزق شيئاً ، فالرزق يكون بمعنى المصدر وبمعنى ما يرزق ، فإن أردت المصدر نصبت به { شيئاً } أي لا يملك أن يرزق شيئاً ، وإن أردت المرزوق كان { شيئا } ً بدلاً منه أي قليلاً ، و { من السماوات والأرض } صلة للرزق إن كان مصدراً أي لا يرزق من السماوات مطراً ولا من الأرض نباتاً ، وصفة إن كان اسماً لما يرزق ، والضمير في { ولاَ يَسْتَطِيعُونَ } لما لأنه في معنى الآلهة بعدما قال لا يملك على اللفظ ، والمعنى لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه ولا يتأتى ذلك منهم { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال } فلا تجعلوا لله مثلًا فإنه لا مثل له أي فلا تجعلوا له شركاء { أَنَّ الله يَعْلَمُ } أنه لا مثل له من الخلق { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك أو إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك والوجه الأول . ثم ضرب المثل فقال : { ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا } هو بدل من { مثلاً } { مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّا وَجَهْرًا } مصدران في موضع الحال أي مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر مالك قد رزقه الله مالاً فهو يتصرف فيه وينفق منه ما شاء . وقيد بالمملوك ليميزه من الحر لأن اسم العبد يقع عليهما جميعاً إذ هما من عباد الله وب { لا يقدر على شيء } ليمتاز من المكاتب والمأذون فيهما يقدران على التصرف . و«من» موصوفة أي وحراً رزقناه ليطابق عبداً ، أو موصولة { هَلْ يَسْتَوُونَ } جمع الضمير لإرادة الجمع أي لا يستوي القبيلان { الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } بأن الحمد والعبادة لله ثم زاد في البيان فقال :","part":2,"page":170},{"id":671,"text":"{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ على شَىْءٍ } الأبكم الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم { وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ } أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله { أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح { هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } أي ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة فهو يأمر الناس بالعدل والخير { وَهُوَ } في نفسه { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } على سيرة صالحة ودين قويم ، وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمته وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع { وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض } أي يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه ، أو أراد بغيب السماوات والأرض يوم القيامة على أن علمه غائب عن أهل السماوات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم { وَمَآ أَمْرُ الساعة } في قرب كونها وسرعة قيامها { إِلاَّ كَلَمْحِ البصر } كرجع طرف ، وإنما ضرب به المثل لأنه لا يعرف زمان أقل منه { أَوْ هُوَ } أي الأمر { أَقْرَبُ } وليس هذا لشك المخاطب ولكن المعنى ، كونوا في كونها على هذا الاعتبار . وقيل : بل هو أقرب { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق لأنه بعض المقدورات ثم دل على قدرته بما بعده فقال :","part":2,"page":171},{"id":672,"text":"{ والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أمهاتكم } وبكسر الألف وفتح الميم : عليّ اتباعاً لكسرة النون وبكسرهما : حمزة ، والهاء مزيدة في أمهات للتوكيد كما زيدت في «أراق» فقيل «أهراق» وشذت زيادتها في الواحدة { لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } حال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه ، واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه . والأفئدة في فؤاد كالأغربة في غراب وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة لعدم السماع في غيرها { أَلَمْ يَرَوْاْ } وبالتاء : شامي وحمزة { إلى الطير مسخرات } مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك { فِى جَوِّ السمآء } هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو { مَا يُمْسِكُهُنَّ } في قبضهن وبسطهن ووقوفهن { إِلاَّ الله } بقدرته ، وفيه نفي لما يصوره الوهم من خاصية القوى الطبيعية { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بأن الخلق لا غنى به عن الخالق { والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } هو فعل بمعنى مفعول أي ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف { وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا } هي قباب الأدم { تَسْتَخِفُّونَهَا } ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } بسكون العين : كوفي وشامي ، وبفتح العين : غيرهم . والظعن بفتح العين وسكونها الارتحال { وَيَوْمَ إقامتكم } قراركم في منازلكم ، والمعنى أنها خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر على أن اليوم بمعنى الوقت { وَمِنْ أَصْوَافِهَا } أي أصواف الضأن { وَأَوْبَارِهَا } وأوبار الإبل { وَأَشْعَارِهَآ } وأشعار المعز { أَثَاثاً } متاع البيت { ومتاعا } وشيئاً ينتفع به { إلى حِينٍ } مدة من الزمان","part":2,"page":172},{"id":673,"text":"{ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظلالا } كالأشجار والسقوف { وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أكنانا } جمع كن وهو ما سترك من كهف أو غار { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } هي القمصان والثياب من الصوف والكتاب والقطن { تَقِيكُمُ الْحَرَّ } وهي تقي البرد أيضاً إلا أنه اكتفى بأحد الضدين ، ولأن الوقاية من الحر أهم عندهم لكون البرد يسيراً محتملاً { وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } ودروعاً من الحديد ترد عنكم سلاح عدوكم في قتالكم ، والبأس : شدة الحرب والسربال عام يقع على ما كان من حديد أو غيره { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } أي تنظرون في نعمته الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن الإسلام { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين } أي فلا تبعة عليك في ذلك لأن الذي عليك هو التبليغ الظاهر وقد فعلت { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله } التي عددناها بأقوالهم فإنهم يقولون إنها من الله { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بأفعالهم حيث عبدوا غير المنعم أو في الشدة ثم في الرخاء { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } أي الجاحدون غير المعترفين ، أو نعمة الله نبوة محمد A كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عناداً وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم ، و«ثم» يدل على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر","part":2,"page":173},{"id":674,"text":"{ وَيَوْمَ } انتصابه ب «اذكر» { نَبْعَثُ } نحشر { مِْن كُلِّ أُمَةٍ شَهِيداً } نبياً يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب والإيمان والكفر { ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلِّذِيِنَ كَفَرُوا } في الاعتذار ، والمعنى لا حجة لهم ولا عذر { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } ولا هم يسترضون ، أي : لا يقال لهم ارضوا اربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل . ومعنى «ثم» أنهم يمنون أي : يبتلون بعد شهادة الأنبياء عليهم السلام بما هو اطم وأغلب منها ، وهو أنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة { وَإِذَا رَءَا الذين ظَلَمُواْ } كفروا { العذاب فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ } أي العذاب بعد الدخول { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يمهلون قبله { وَإِذَا رَءَا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ } أوثانهم التي عبدوها { قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا } أي آلهتنا التي جعلناها شركاء { الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ } أي نعبد { فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون } أي أجابوهم بالتكذيب لأنها كانت جماداً لا تعرف من عبدها ، ويحتمل أنهم كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيهاً لله عن الشرك { وَأَلْقَوْاْ } يعني الذين ظلموا { إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم } إلقاء السلم الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا { وَضَلَّ عَنْهُم } وبطل عنهم { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن لله شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم { الذين كَفَرُواْ } في أنفسهم { وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } وحملوا غيرهم على الكفر { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } أي عذاباً بكفرهم وعذاباً بصدهم عن سبيل الله { بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } بكونهم مفسدين الناس بالصد","part":2,"page":174},{"id":675,"text":"{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ } يعني نبيهم لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد { شَهِيدًا على هَؤُلآءِ } على أمتك { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا } بليغاً { لّكُلِّ شَىْءٍ } من أمور الدين . أما في الأحكام المنصوصة فظاهر ، وكذا فيما ثبت بالسنة أو بالإجماع أو بقول الصحابة أو بالقياس ، لأن مرجع الكل إلى الكتاب حيث أمرنا فيه باتباع رسوله عليه السلام وطاعته بقوله : { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } [ المائدة : 92 ] وحثنا على الإجماع فيه بقوله : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } [ النساء : 115 ] وقد رضي رسول الله A لأمته باتباع أصحابه بقوله : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » وقد اجتهدوا وقاسوا ووطّئوا طرق الاجتهاد والقياس مع أنه أمرنا به بقوله { فاعتبروا يا أولي الأبصار } [ الحشر : 2 ] فكانت السنة والإجماع وقول الصحابي والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب فتبين أنه كان تبياناً لكل شيء { وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم بالجنة .","part":2,"page":175},{"id":676,"text":"{ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل } بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل ذي حق إلى حقه { والإحسان } إلى من أساء إليكم أو هما الفرض والندب لأن الفرض لا بد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب { وَإِيتَآءِ ذِى القربى } وإعطاء ذي القرابة وهو صلة الرحم { وينهى عَنِ الفحشآء } عن الذنوب المفرطة في القبح { والمنكر } ما تنكره العقول { والبغي } طلب التطاول بالظلم والكبر { يَعِظُكُمُ } حال أو مستأنف { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون بمواعظ الله . وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون فإنه قال : ما كنت أسلمت إلا حياء منه عليه السلام لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ، ولم يستقر الإيمان في قلبي حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر . وقال أبو جهل : إن إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق وهي أجمع آية في القرآن للخير والشر ، ولهذا يقرءُها كل خطيب على المنبر في آخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل مأمور ومنهي . { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم } هي البيعة لرسول الله A على الإسلام { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } { [ الفتح : 10 ] وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان } أيمان البيعة { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } بعد توثيقها باسم الله . و«أكد» و«وكد» لغتان فصيحتان والأصل الواو والهمزة بدل منها { وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من البر والحنث فيجازيكم به","part":2,"page":176},{"id":677,"text":"{ وَلاَ تَكُونُواْ } في نقض الأيمان { كالتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته { أنكاثا } جمع نكث وهو ما ينكث فتله . قيل : هي ريطة وكانت حمقاء تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن { تَتَّخِذُونَ أيمانكم } حال ك { أنكاثا } ً { دَخَلاً } أحد مفعولي { تتخذ } أي ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً { بَيْنِكُمْ } أي مفسدة وخيانة { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ } بسبب أن تكون أمة يعني جماعة قريش { هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } هي أزيد عدداً وأوفر مالاً من أمة من جماعة المؤمنين . { هي أربى } مبتدأ وخبر ، في موضع الرفع صفة ل { أمة } و { أمة } فاعل { تكون } وهي تامة و { هي } ليست بفصل لوقوعها بين نكرتين { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ } الضمير للمصدر أي إنما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما وكدتم من أيمان البيعة لرسول الله A ، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقلة المؤمنين وفقرهم { وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } إِذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب ، وفيه تحذير عن مخالفة ملة الإسلام { وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } حنيفة مسلمة { ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } من علم منه اختيار الضلالة { وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } من علم منه اختيار الهداية { وَلَتُسُئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يوم القيامة فتجزون به . { وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ } كرر النهي عن اتخاذ الإيمان دخلاً بينهم تأكيداً عليهم وإظهاراً لعظمه { فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها . وإنما وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن تثبت عليه فكيف بأقدام كثيرة { وَتَذُوقُواْ السوء } في الدنيا { بِمَا صَدَدتُّمْ } بصدودكم { عَن سَبِيلِ الله }\rوخروجكم عن الدين ، أو بصدكم غيركم لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الآخرة","part":2,"page":177},{"id":678,"text":"{ وَلاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا { بِعَهْدِ الله } وبيعة رسول الله A { ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً من الدنيا يسيراً كأن قوماً ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين ، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله A فثبتهم الله { إِنَّمَا عِنْدَ الله } من ثواب الآخرة { هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِندَكُمْ } من أعراض الدنيا { يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله } من خزائن رحمته { بَاقٍ } لا ينفد { وَلَنَجْزِيَنَّ } وبالنون : مكي وعاصم { الذين صَبَرُواْ } على أذى المشركين ومشاق الإسلام { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ مَنْ عَمِلَ صالحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } «من» مبهم يتناول النوعين إلا أن ظاهره للذكور فبين بقوله { من ذكر أو أنثى } ليعم الموعد النوعين { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } شرط الإيمان لأن أعمال الكفار غير معتد بها وهو يدل على أن العمل ليس من الإيمان { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيِّبَةً } أي في الدنيا لقوله { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وعده الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله { فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة } [ آل عمران : 148 ] وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً إن كان موسراً فظاهر ، وإن كان معسراً فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى . وأما الفاجر فأمره بالعكس ، إن كان معسراً فظاهر ، وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه . وقيل : الحياة الطيبة القناعة أو حلاوة الطاعة أو المعرفة بالله ، وصدق المقام مع الله ، وصدق الوقوف على أمر الله ، والإعراض عما سوى الله","part":2,"page":178},{"id":679,"text":"{ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان } فإذا أردت قراءة القرآن { فاستعذ بالله } فعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأنها سبب له ، والفاء للتعقيب إذ القراءة المصدرة بالاستعاذة من العمل الصالح المذكور { مِنَ الشيطان } يعني إبليس { الرجيم } المطرود أو الملعون . قال ابن مسعود Bه : قرأت على رسول الله A فقلت : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي : «قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام» { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ } لإبليس { سلطان } تسلط وولاية { على الذين ءَامَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه { إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ } يتخذونه ولياً ويتبعون وساوسه { والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } الضمير يعود إلى ربهم أو إلى الشيطان أي بسببه { وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ } تبديل الآية مكان الآية هو النسخ ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة رآها وهو معنى قوله { والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } وبالتخفيف : مكي وأبو عمرو { قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } هو جواب { إذا } ً . وقوله : { والله أعلم بما ينزل } اعتراض ، كانوا يقولون إن محمداً يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً فيأتيهم بما هو أهون ، ولقد افتروا فقد كان ينسخ الأشق بالأهون والأهون بالأشق { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } الحكمة في ذلك","part":2,"page":179},{"id":680,"text":"{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس } أي جبريل عليه السلام أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال «حاتم الجود»؛ والمراد الروح المقدس وحاتم الجواد والمقدس المطهر من المآثم { مِن رَبِّكَ } من عنده وأمره { بالحق } حال أي نزله ملتبساً بالحكمة { لِيُثَبِّتَ الذين ءَامَنُواْ } ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا ، والحكمة لأنه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب ، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب { وَهُدًى وبشرى } مفعول لهما معطوفان على محل { ليثبت } والتقدير تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة { لِلْمُسْلِمِينَ } وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم . { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } أرادوا به غلاماً كان لحويطب قد أسلم وحسن إسلامه ، اسمه عائش أو يعيش وكان صاحب كتب ، أو هو جبر غلام رومي لعامر بن الحضرمي ، أو عبدان : جبر ، ويسار ، كانا يقرآن التوراة والإنجيل ، فكان رسول الله A يسمع ما يقرآن ، أو سلمان الفارسي { لِّسَانُ الذى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ } وبفتح الياء والحاء : حمزة وعلي { أَعْجَمِىٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } أي لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان أعجمي غير بيّن ، وهذا القرآن لسان عربي مبين ذو بيان وفصاحة رداً لقولهم وإبطالاً لطعنهم ، وهذه الجملة أعني { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } لا محل لها لأنها مستأنفة جواب لقولهم . واللسان اللغة . ويقال : ألحد القبر ولحده وهو ملحد وملحود إذا أمال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه ، ثم استعير لكل إمالة عن الاستقامة فقالوا : ألحد فلان في قوله ، وألحد في دينه ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها","part":2,"page":180},{"id":681,"text":"{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله } أي القرآن { لاَ يَهْدِيهِمُ الله } ما داموا مختارين الكفر { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة على كفرهم { إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب } على الله { الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله } أي إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقاباً عليه وهو رد لقولهم { إنما أنت مفتر } { وَأُوْلئِكَ } إشارة إلى { الذين لايؤمنون } أي وأولئك { هُمُ الكاذبون } على الحقيقة الكاملون في الكذب ، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب أو وأولئك هم الكاذبون في قولهم { إنما أنت مفتر } جوزوا أن يكون { مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه } شرطاً مبتدأ وحذف جوابه لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل : من كفر بالله فعليهم غضب { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } ساكن به . { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي طاب به نفساً واعتقده { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وأن يكون بدلاً من { الذين لا يؤمنون بآيات الله } على أن يجعل { وأولئك هم الكاذبون } اعتراضاً بين البدل والمبدل منه . والمعنى : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الإفتراء ثم قال : { ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله } وأن يكون بدلاً من المبتدأ الذي هو { أولئك } أي ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون ، أو من خبر الذي هو { الكاذبون } أي وأولئك هم من كفر بالله من بعد ايمانه وأن ينتصب على الذم . رُوى أنَّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا ، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان منهم عمار ، وأما أبواه ياسر وسمية فقد قتلا وهما أول قتيلين في الإسلام فقيل لرسول الله A : إن عماراً كفر فقال : « كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنة إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه » فأتى عمار رسول الله A وهو يبكي فجعل رسول الله A يمسح عينيه وقال : « مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت » وما فعل أبو عمار أفضل لأن في الصبر على القتل إعزازاً للإسلام","part":2,"page":181},{"id":682,"text":"{ ذلك } إشارة إلى الوعيد وهو لحوق الغضب والعذاب العظيم { بِأَنَّهُمُ استحبوا } آثروا { الحياة الدُّنْيَا علىوا الآخِرَةِ } أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } ما داموا مختارين للكفر { أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم } فلا يتدبرون ولا يصغون إلى المواعظ ولا يبصرون طريق الرشاد { وَأُولَئِكَ هُمُ الغافلون } أي الكاملون في الغفلة لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخرة هُمُ الخاسرون } . { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ } «يدل» على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك { لِلَّذِينَ هاجروا } من مكة أي أنه لهم لا عليهم يعني أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم كما يكون الملك للرجل لا عليه فيكون محمياً منفوعاً غير مضرور { مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } بالعذاب والإكراه على الكفر { فَتِنوا } : شامي أي بعد ما عذبوا المؤمنين ثم أسلموا { ثُمَّ جاهدوا } المشركين بعد الهجرة { وَصَبَرُوآ } على الجهاد { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد هذه الأفعال وهي الهجرة والجهاد والصبر { لَغَفُورٌ } لهم لما كان منهم من التكلم بكلمة الكفر تقية { رَّحِيمٌ } لا يعذبهم على ما قالوا في حالة الإكراه","part":2,"page":182},{"id":683,"text":"{ يَوْمَ تَأْتِى } منصوب ب { رحيم } أو ب «اذكر» { كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا } وإنما أضيفت النفس إلى النفس لأنه يقال لعين الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره والنفس الجملة كما هي ، فالنفس الأولى هي الجملة ، والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كلٌّ يقول : نفسي نفسي . ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم : { هَؤُلاء أَضَلُّونَا } [ الأعراف : 38 ] { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } [ الأحزاب : 67 ] الآية { والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] { وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } تعطى جزاء عملها وافياً { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } في ذلك . { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً } أي جعل القرية التي هذه حالها مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته ، فيجوز أن يراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلاً لمكة إنذراً من مثل عاقبتها { كَانَتْ ءَامِنَةً } من القتل والسبى { مُّطْمَئِنَّةً } لا يزعجها خوف لأن الطمأنينة مع الأمن ، والانزعاج والقلق مع الخوف { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا } واسعاً { مِّن كُلِّ مَكَانٍ } من كل بلد { فَكَفَرَتْ } أهلها { بِأَنْعُمِ الله } جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع ، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس { فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } الإذاقة واللباس استعارتان والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار ، ووجه صحة ذلك أن الإذاقة جارية عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع . وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل : فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف .","part":2,"page":183},{"id":684,"text":"{ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ } أي محمد A { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب وَهُمْ ظالمون } أي في حال التباسهم بالظلم قالوا : إنه القتل بالسيف يوم بدر . رُوى أن رسول الله A وجه إلى أهل مكة في سني القحط بطعام ففرق فيهم فقال : \" الله لهم بعد أن أذاقهم الجوع \" { فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } على يدي محمد A { حلالا طَيِّباً } بدلاً عما كنتم تأكلونه حراماً خبيثاً من الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب { واشكروا نِعْمَتَ الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة لأنها شفعاؤكم عنده . ثم عدد عليهم محرمات الله ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم فقال : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } «إنما» للحصر أي المحرم هذا دون البحيرة وأخواتها وباقي الآية قد مر تفسيره { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب } هو منصوب ب { لا تقولوا } أي ولا وتقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم : { مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي أو إلى القياس المستنبط منه . واللام مثلها في قولك لا تقولوا لما أحل الله هو حرام . وقوله { هذا حلال وهذا حَرَامٌ } بدل من الكذب ولك أن تنصب { الكذب } ب { تصف } وتجعل «ما» مصدرية وتعلق { هذا حلال وهذا حرام } . ب { لا تقولوا } أي و لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام وهذا لوصف ألسنتكم الكذب ، أي ولا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم لا لأجل حجة وبينة ولكن قول ساذج ودعوى بلا برهان . وقوله { تصف ألسنتكم الكذب } من فصيح الكلام جعل قولهم كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته كقولك «وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر» واللام في { لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } من التعليل الذي لا يتضمن معنى الفرض { إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ }","part":2,"page":184},{"id":685,"text":"{ متاع قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } هو خبر مبتدأ محذوف أي منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعذابها عظيم . { وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } في سورة الأنعام يعني { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } [ الأنعام : 146 ] الآية { وَمَا ظلمناهم } بالتحريم { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فحرمنا عليهم عقوبة على معاصيهم { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بجهالة } في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم ، ومرادهم لذة الهوى لا عصيان المولى { ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد التوبة { لَغَفُورٌ } بتكفير ما كثروا قبل من الجرائم { رَّحِيمٌ } بتوثيق ما وثقوا بعد من العزائم .","part":2,"page":185},{"id":686,"text":"{ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } إنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير كقوله\rليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\rوعن مجاهد : كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار ، أو كان أمة بمعنى مأموم يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير { قَانِتاً لِلَّهِ } هو القائم بما أمره الله . وقال ابن مسعود Bه : إن معاذاً كان أمة قانتاً لله فقيل له : إنما هو إبراهيم عليه السلام . فقال : الأمة الذي يعلم الخير والقانت المطيع لله ورسوله ، وكان معاذ كذلك . وقال عمر Bه : لو كان معاذ حياً لاستخلفته فإني سمعت رسول الله A يقول : \" أبو عبيدة أمين هذه الأمة ، ومعاذ أمة لله قانت لله ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون \" { حَنِيفاً } مائلاً عن الأديان إلى ملة الإسلام { وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } نفى عنه الشرك تكذيباً لكفار قريش لزعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم ، وحذف النون للتشبيه بحروف اللين { شَاكِراً لأَنْعُمِهِ } رُوى أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه ، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال : الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم { اجْتَبَاهُ } اختصه واصطفاه للنبوة { وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } إلى ملة الإسلام { وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } نبوة وأموالاً وأولاداً ، أو تنويه الله بذكره فكل أهل دين يتولونه ، أو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } لمن أهل الجنة . { ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكين } في «ثم» تعظيم منزلة نبينا عليه السلام وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع رسولنا ملته","part":2,"page":186},{"id":687,"text":"{ إنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ } أي فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } رُوى أن موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا : نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت ، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة ، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد ، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون ، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله { ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ } إلى الإسلام { بِالْحِكْمَةِ } بالمقالة الصحيحة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة { وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها ، أو بالقرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة ، أو الحكمة المعرفة بمراتب الأفعال والموعظة الحسنة أن يخلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة { وَجَادِلُهُم بِالِّتِي هِيَ أَحْسَنُ } بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ، أو بما يوقظ القلوب ويعظ النفوس ويجلو العقول وهو رد على من يأبى المناظرة في الدين { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } أي هو أعلم بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل . { وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ } سمى الفعل الأول عقوبة والعقوبة هي الثانية لازدواج الكلام كقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [ الشورى : 40 ] فالثانية ليست بسيئة ، والمعنى إن صنع بكم صنيع سوء من قتل أونحوه فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه . رُوى أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد ، وبقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم ، فرأى النبي عليه السلام حمزة مبقور البطن فقال : « أما والذي أحلف به لأمثلن بسبعين مكانك » فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده . ولا خلاف في تحريم المثلة لورود الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } الضمير في { لهو } يرجع إلى مصدر { صبرتم } والمراد بالصابرين المخاطبون أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم ، فوضع { الصابرين } موضع الضمير ثناء من الله عليهم لأنهم صابرون على الشدائد ، ثم قال لرسول الله A","part":2,"page":187},{"id":688,"text":"{ وَاصْبِرْ } أنت فعزم عليه بالصبر { وَمَا صبَرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ } أي بتوفيقه وتثبيته { وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } على الكفار أن لم يؤمنوا وعلى المؤمنين وما فعل بهم الكفار فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم { وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } { ضِيق } مكي . والضيق تخفيف الضيق أي في أمر ضيق ويجوز أن يكونا مصدرين كالقيل والقول ، والمعنى ولا يضيقن صدرك من مكرهم فإنه لا ينفذ عليك { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا والَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } أي هو ولي الذين اجتنبوا السيئات وولي العاملين بالطاعات . قيل : من اتقى في أفعاله وأحسن في أعماله كان الله معه في أحواله . ومعيته نصرته في المأمور وعصمته في المحظور .","part":2,"page":188},{"id":689,"text":"{ سُبْحَانَ } تنزيه الله عن السوء وهو علم للتسبيح كعثمان للرجل ، وانتصابه بفعل مضمر متروك إِظهاره تقديره أسبح الله سبحان ، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسده ودل على التنزيه البليغ { الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ } محمد A وسرى وأسرى لغتان { لَيْلاً } نصب على الظرف وقيده بالليل والإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد ، أو ليدل بلفظ التنكير على تقرير مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة { مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } قيل : أسري به من دار أم هانىء بنت أبي طالب . والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به . وعن ابن عباس Bهما : الحرم كله مسجد . وقيل : هو المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر ، فقد قال عليه السلام : « بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق وقد عرج بي إلى السماء في تلك الليلة » وكان العروج به من بيت المقدس وقد أخبر قريشاً عن عيرهم وعدد جمالها وأحوالها ، وأخبرهم أيضاً بما رأى في السماء من العجائب ، وأنه لقي الأنبياء عليهم السلام وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى ، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة وكان في اليقظة ، وعن عائشة Bها أنها قالت : والله ما فقد جسد رسول الله A ولكن عرج بروحه . وعن معاوية مثله . وعلى الأول الجمهور إذ لا فضيلة للحالم ولا مزية للنائم { إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَا } هو بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } يريد بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء عليهم السلام ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة { لِنُرِيَهُ } أي محمداً عليه السلام { مِنْ آيَاتِنَا } الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته برؤيته السماوات وما فيها من الآيات { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } للأقوال { الْبَصِيرُ } بالأفعال ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم فقيل { أسرى } ثم { باركنا } ثم { إنه هو } وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة .","part":2,"page":189},{"id":690,"text":"{ وَآتَيْنَا مُوَسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ } أي الكتاب وهو التوراة { هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا } أي لا تتخذوا . وبالياء : أبو عمرو أي لئلا يتخذوا { مِن دُونِي وَكِيلاً } رباً تكلون إليه أموركم { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } نصب على الاختصاص أو على النداء فيمن قرأ { لا تتخذوا } بالتاء على النهي أي قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلاً يا ذرية من حملنا مع نوح { إِنَّهُ } إن نوحاً عليه السلام { كَانَ عَبْداً شَكُوراً } في السراء والضراء ، والشكر مقابلة النعمة بالثناء على المنعم ، وروي أنه كان لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس إلا قال الحمد لله ، وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم ، وآية رشد الأبناء صحة الاقتداء بسنة الآباء وقد عرفتم حال الآباء هنالك فكونوا أيها الأبناء كذلك .\r{ وقضينا إلى بني إِسْرَآءِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ } وأوحينا إليهم وحياً مقضياً أي مقطوعاً مبتوتاً بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة . والكتاب التوراة ، ولتفسدن جواب محذوف أو جرى القضاء المبتوت مجرى القسم فيكون { لتفسدن } جواباً له كأنه قال وأقسمنا لتفسدن في الأرض { مَرَّتَيْنِ } أولاهما قتل زكرياء عليه السلام وحبس أرمياء عليه السلام حين أنذرهم سخط الله ، والأخرى قتل يحيى بن زكرياء عليهما السلام وقصد قتل عيسى عليه السلام { وَلَتَعْلُنَّ عُلُوَّاً كَبِيراً } ولتستكبرن عن طاعة الله من قوله { إِن فرعون علا في الأَرض } [ القصص : 4 ] والمراد به البغي والظلم وغلبة المفسدين على المصلحين .","part":2,"page":190},{"id":691,"text":"{ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا } أي وعد الله عقاب أولاهما { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } سلطنا عليكم { عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدِ } أشداء في القتال يعني سنجاريب وجنوده أو بختنصر أو جالوت ، قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد وسبوا منهم سبعين ألفاً { فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ } ترددوا للغارة فيها . قال الزجاج : الجوس طلب الشيء بالاستقصاء { وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً } وكان وعد العقاب وعداً لا بد أن يفعل { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ } أي الدولة والغلبة { عَلَيْهِمْ } على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو . قيل : هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم . وقيل أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود جالوت { وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } مما كنتم وهو تمييز جمع نفر وهو من ينفر مع الرجل من قومه .\r{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } قيل اللام بمعنى «على» كقوله : { وعليها ما اكتسبت } [ البقرة : 286 ] والصحيح أنها على بابها لأن اللام للاختصاص والعامل مختص بجزاء عمله ، حسنة كانت أو سيئة يعني أن الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم . وعن علي Bه : ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ } وعد المرة الآخرة بعثناهم { لِيَسوؤوا } أي هؤلاء { وُجُوهَكُمْ } وحذف لدلالة ذكره أولاً عليه أي ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها كقوله { سيئت وجوه الذين كفروا } [ الملك : 27 ] { ليسوء } شامي وحمزة وأبو بكر ، والضمير لله D أو للوعد أو للبعث . { لنسوء } علي . { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ } بيت المقدس { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً } { ما علوا } مفعول ل { يتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ، أو بمعنى مدة علوهم\r.","part":2,"page":191},{"id":692,"text":"{ عسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي { وَإِنْ عُدتُّمُ } مرة ثالثة { عُدْنَا } إلى عقوبتكم وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم . وعن ابن عباس Bهما : سلط عليهم المؤمنون إلى يوم القيامة { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } محبساً . يقال : للسجن محصر وحصير .\r{ إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها وهي توحيد الله والإيمان برسله والعمل بطاعته أو للملة أو للطريقة { ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ } ويَبْشر حمزة وعلي { أَنَّ لَهُمْ } بأن لهم { أَجْراً كَبِيراً } أي الجنة { وَأَنَّ الَّذِينَ } وبأن الذين { لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا } أي أعددنا قلبت تاء { لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يعني النار . والآية ترد القول بالمنزلة بين المنزلتين حيث ذكر المؤمنين وجزاءهم ، والكافرين وجزاءهم ، ولم يذكر الفسقة { وَيَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ } أي ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله وولده كما يدعو لهم بالخير ، أو يطلب النفع العاجل وإن قل بالضرر الآجل وإن جل { وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولاً } يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يتأنى فيه تأني المتبصر ، أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة ، { وكان الإنسان عجولاً } يعني أن العذاب آتيه لا محالة فما هذا الاستعجال؟ وعن ابن عباس Bهما : هو النضر بن الحارث قال : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } [ الأنفال : 32 ] الآية . فأجيب فضربت عنقه صبراً . وسقوط الواو من { يدع } في الخط على موافقة اللفظ { وَجَعَلْنَا الَّليْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّليْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } أي الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود أي فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة أو جعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر . فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم نخلق له شعاعاً كشعاع الشمس فترى الأشياء به رؤية بينة ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء { لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم { وَلِتَعْلَمُوا } باختلاف الجديدين { عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } يعني حساب الآجال ومواسم الأعمال ، ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح حراص المكتسبين والتجار { وَكُلَّ شَيْءٍ } مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم { فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } بيناه بياناً غير ملتبس فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا .\r{ وَكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ } عمله { فِي عُنُقِهِ } يعني أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل للعنق لا يفك عنه { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ } هو صفة ل { كتابا } ً .","part":2,"page":192},{"id":693,"text":"يُلقَّاه شامي { مَنْشوراً } حال من { يلقاه } يعني غير مطوي ليمكنه قراءته أو هما صفتان للكتاب ونقول له { اقْرَأْ كِتَابَكَ } أي كتاب أعمالك وكلٌّ يُبعث قارئاً { كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ } الباء زائدة أي كفى نفسك { حَسِيباً } تمييز وهو بمعنى حاسب وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي . وضع موضع الشهيد فعدي« بعلى» لأن الشاهد يكفي المدعى ما أهمه ، وإنما ذكر حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير إذا الغالب أن يتولى هذه الأمور الرجال فكأنه قيل : كفى نفسك رجلاً حسيباً ، أو تؤوّل النفس بالشخص .","part":2,"page":193},{"id":694,"text":"{ مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي فلها ثواب الاهتداء وعليها وبال الضلال { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } أي كل نفس حاملة وزراً فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى { وَمَا وَكُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } وما صح منا أن نعذب قوماً عذاب استئصال في الدنيا إلا بعد أن نرسل إليهم رسولاً يلزمهم الحجة { وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً } أي أهل قرية { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } متنعميها وجبابرتها بالطاعة عن أبي عمرو والزجاج { فَفَسَقُوا فِيهَا } أي خرجوا عن الأمر كقولك «أمرته فعصى» أو { أمرنا } كثرنا ، دليله قراءة يعقوب أمرنا ومنه الحديث \" خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة \" أي كثيرة النسل { فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ } فوجب عليها الوعيد { فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } فأهلكناها إهلاكاً { وَكَمْ } مفعول { أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ } بيان لكم { مِن بَعْدِ نُوحٍ } يعني عاداً وثموداً وغيرهما { وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خِبِيراً } وإن أخفوها في الصدور { بَصِيراً } وإن أرخوا عليها الستور .\r{ مَن كَانَ يُريدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشآءُ } لا ما يشاء { لِمَن نُّرِيدُ } بدل من { له } بإعادة الجار وهو بدل البعض من الكل إذ الضمير يرجع إلى { من } أي من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها كالكفرة تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد ، فقيد المعجل بمشيئته والمعجل له بإرادته وهكذا الحال ، ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه ، وكثيراً منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة ، وأما المؤمن التقي فقد اختار غنى الآخرة فإن أوتي حظاً من الدنيا فبها ، وإلا فربما كان الفقر خيراً له { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ } في الآخرة { يَصْلاهَا } يدخلها { مَذْمُوماً } ممقوتاً { مَّدْحُوراً } مطروداً من رحمة الله .","part":2,"page":194},{"id":695,"text":"{ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وسعى لَهَا سَعْيَهَا } هو مفعول به أو حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } مصدق لله في وعده ووعيده { فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً } مقبولاً عند الله مثاباً عليه . عن بعض السلف : من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله : إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب وتلا الآية : فإنه شرط فيها ثلاث شرائط في كون السعي مشكوراً : إرادة الآخرة والسعي فيما كلف والإيمان الثابت { كُلاً } كل واحد من الفريقين والتنوين عوض عن المضاف إليه وهو منصوب بقوله { نُّمِدُّ هَؤُلآءِ } بدل من { كلاً } أي نمد هؤلاء { وهؤلاءآء } أي من أراد العاجلة ومن أراد الآخرة { مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ } رزقه و«من» تتعلق «بنمد» والعطاء اسم للمعطي أي نزيدهم من عطائنا ونجعل الآنف منه مدداً للسالف لا نقطعه فنرزق المطيع والعاصي جميعاً على وجه التفضل { وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً } ممنوعاً عن عباده وإن عصوا { انظُرْ } بعين الاعتبار { كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } في المال والجاه والسعة والكمال { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } روي أن قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر Bه فخرج الإذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو : إنما أتينا من قبلنا . إنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا ، وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر .\r{ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ } الخطاب للنبي A والمراد به أمته { فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً } فتصير جامعاً على نفسك الذم والخذلان . وقيل : مشتوماً بالإهانة محروماً عن الإعانة ، إذ الخذلان ضد النصر والعون . دليله قوله تعالى : { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده } [ آل عمران : 160 ] حيث ذكر الخذلان بمقابلة النصر .\r{ وقضى رَبُّكَ } وأمر أمراً مقطوعاً به { أَلاَّ تَعْبُدُوآ إِلاَّ إِيَّاهُ } «أن» مفسرة و { لا تعبدوا } نهي أو بأن لا تعبدوا { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } وأحسنوا بالوالدين إحساناً أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ } «إما» هي «أن» الشرطية زيد عليها «ما» تأكيداً لها ولذا دخلت النون المؤكدة في الفعل ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها لا تقول . «إن تكرمن زيداً يكرمك» ولكن «إما تكرمنه» { أَحَدُهُمَآ } فاعل { يبلغن } وهو في قراءة حمزة وعليّ { يبلغان } بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين { أَوْ كِلاهُمَا } عطف على { أحدهما } فاعلاً وبدلاً { فَلا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } مدني وحفص . { أفّ } َ مكي وشامي . { أفّ } ُ غيرهم . وهو صوت يدل على تضجر فالكسر على أصل التقاء الساكنين والفتح للتخفيف ، والتنوين لإرادة التنكير أي أتضجر تضجراً ، وتركه لقصد التعريف أي أتضجر التضجر المعلوم { وَلا تَنْهَرْهُمَا } ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك والنهي والنهر أخوان { وَقُل لَّهُمَا } بدل التأفيف والنهر { قَوْلاً كَرِيماً } جميلاً ليناً كما يقتضيه حسنِ الأدب أو هو أن يقول : يا أبتاه يا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء ولا بأس به في غير وجهه ، كما قالت عائشة Bها : نحلني أبو بكر كذا ، وفائدة { عندك } إنهما إذا صارا كلاً على ولدهما ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه وذلك أشق عليه ، فهو مأمور بأن يستعمل معهما لين الخلق حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما «أف» فضلاً عما يزيد عليه ، ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يصبر الإنسان معها .","part":2,"page":195},{"id":696,"text":"{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ } أي اخفض لهما جناحك كما قال { واخفض جناحك للمؤمنين } [ الحجر : 88 ] فأضافه إلى الذل كما أضيف حاتم إلى الجود والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل { مِنَ الرَّحْمَةِ } من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس . وقال الزجاج : وألن جانبك متذللاً لهما من مبالغتك في الرحمة لهما { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء ، لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك . والمراد بالخطاب غيره عليه السلام ، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين ، وقيل : إذا كانا كافرين له أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية . وعن النبي A : « رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما » وروي « يفعل البار ما شاء أن يفعل فلن يدخل النار ويفعل العاق ما شاء أن يفعل فلن يدخل الجنة » وعنه عليه السلام : « إياكم وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء إن الكبرياء لله رب العالمين » { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفِوسِكُمْ } بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين ومن النشاط والكرامة في خدمتهما { إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ } قاصدين الصلاح والبر ثم فرطت منكم في حال الغضب وعند حرج الصدر هنة تؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى الله واستغفرتم منها { فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً } الأواب الذي إذا أذنب بادر إلى التوبة فجاز أن يكون هذا عاماً لكل من فرطت منه جناية ، ثم تاب منها ويندرج تحت الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره .","part":2,"page":196},{"id":697,"text":"{ وَآتِ ذَا القربى } منك { حَقَّهُ } أي النفقة إذا كانوا محارم فقراء { وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } أي وآت هؤلاء حقهم من الزكاة { وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } ولا تسرف إسرافاً . قيل : التبذير تفريق المال في غير الحل والمحل ، فعن مجاهد : لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً . وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه : لا خير في السرف فقال : لا سرف في الخير { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوآ إِخوَانَ الشَّيَاطِينِ } أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان ، أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً } فما ينبغي أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله .\r{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ } إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد { ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم رداً جميلاً ، فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسبباً عنه ، فوضع المسبب موضع السبب ، يقال : يسر الأمر وعسر مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول . وقيل : معناه : فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم كأن معناه قولاً ذا ميسور وهو اليسر أي دعاء فيه يسر . و { ابتغاء } مفعول له أو مصدر في موضع الحال و { ترجوها } حال { وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنْقِكَ وَلا تُبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } { كل } نصب على المصدر لإضافته إليه . وهذا تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف أمر باقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير { فَتَقْعُدَ مَلُوماً } فتصير ملوماً عند الله لأن المسرف غير مرضي عنده وعند الناس يقول الفقير : أعطى فلاناً وحرمني ، ويقول الغني : ما يحسن تدبير أمر المعيشة ، وعند نفسك إذا احتجت فندمت على ما فعلت { مَّحْسُوراً } منقطعاً بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا أثر فيه أثراً بليغاً أو عارياً من حسر رأسه . وقد خاطرت مسلمة ضرتها اليهودية في أنه يعني محمداً عليه السلام أجود من موسى عليه السلام فبعثت ابنتها تسأله قميصه الذي عليه فدفعه وقعد عرياناً فأقيمت الصلاة فلم يخرج للصلاة فنزلت . ثم سلى رسول الله A عما كان يرهقه من الإضافة بأَن ذلك ليس لهوان منك عليه ولا لبخل به عليك ، ولكن لأن بسط الأرزاق وقدرها مفوض إلى الله تعالى فقال :","part":2,"page":197},{"id":698,"text":"{ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءَ } فليس البسط إليك { وَيَقْدِرُ } أي هو يضيق فلا لوم عليك { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً } بمصالحهم فيمضيها { بَصِيراً } بحوائجهم فيقضيها .\r{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ } قتلهم أولادهم وأدهم بناتهم { خَشْيَةَ إِمْلاقٍ } فقر { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ } نهاهم عن ذلك وضمن أرزاقهم { إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } إثماً عظيماً . يقال : خطىء خطأ كأثم إثماً . { خطأ } شامي وهو ضد الصواب اسم من أخطأ . وقيل : والخطء كالحذر والحذر { خطاء } بالمد والكسر : مكي { وَلا تَقْرَبُوا الزنى } القصر فيه أكثر والمدلغة وقد قرئ به وهو نهي عن دواعي الزنا كالمس والقبلة ونحوهما ، ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال «ولا تزنوا» { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } معصية مجاوزة حد الشرع والعقل { وَسَآءَ سَبِيلاً } وبئس طريقاً طريقه { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ } أي بارتكاب ما يبيح الدم { وَمَن قُتِلَ مَظْلوماً } غير مرتكب ما يبيح الدم { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً } تسلطاً على القاتل في الاقتصاص منه { فَلا يسْرِف فِّي الْقَتْلِ } الضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة أهل الجاهلية ، أو الإسراف المثلة ، أو الضمير للقاتل الأول { فلا تسرف } حمزة وعلي على خطاب الولي أو قاتل المظلوم { إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً } الضمير للولي أي حسبه أن الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك ، أو للمظلوم أي الله ناصره حيث أوجب القصاص بقتله وينصره في الآخرة بالثواب ، أو للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه كان منصوراً بإيجاب القصاص على المسرف . وظاهر الآية يدل على أن القصاص يجري بين الحر والعبد وبين المسلم والذمي لأن أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في الآية لكونها محرمة .","part":2,"page":198},{"id":699,"text":"{ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } بالخصلة والطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } أي ثماني عشرة سنة { وَأَوْفُوا بِالْعَهْد } بأوامر الله تعالى ونواهيه { إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً } مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به ، أو أن صاحب العهد كان مسؤولاً { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ } بكسر القاف : حمزة وعلي وحفص وهو كل ميزان صغير أو كبير من موازين الدراهم وغيرها . وقيل هو القرسطون أي القبان { الْمُسْتَقِيمِ } المعتدل { ذَلِكَ خَيْرٌ } في الدنيا { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } عاقبة وهو تفعيل من آل إذا رجع وهو ما يؤول إليه .\r{ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } ولا تتبع ما لم تعلم أي لا تقل رأيت وما رأيت وسمعت وما سمعت . وعن ابن الحنفية : لا تشهد بالزور . وعن ابن عباس . لا ترم أحداً بما لا تعلم . ولا يصح التثبت به لمبطل الاجتهاد لأن ذلك نوع من العلم فإن علمتموهن مؤمنات ، وأقام الشارع غالب الظن مقام العلم وأمر بالعمل به كما في الشهادات ولنا في العمل بخبر الواحد لما ذكرنا { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } { أولئك } إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد لأن { أولئك } كما يكون إشارة إلى العقلاء يكون إشارة إلى غيرهم كقول جرير\rذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام\rو { عنه } في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولاً عنه ، فمسؤول مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } [ الفاتحة : 7 ]\rيقال للإنسان . لم سمعت ما لم يحل لك سماعه ، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه ، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ كذا في الكشاف ، وفيه نظر لبعضهم لأن الجار والمجرور إنما يقومان مقام الفاعل إذا تأخرا عن الفعل ، فأما إذا تقدما فلا { وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا } هو حال أي ذا مرح { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض } لن تجعل فيها خرقاً بدوسك لها وشدة وطئتك { وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً } بتطاولك وهو تهكم بالمختال أو لن تحاذيها قوة وهو حال من الفاعل أو المفعول { كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ } كوفي وشامي على إضافة سيء إلى ضمير «كل» . { سيئة } غيرهم { عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } ذكر { مكروهاً } لأن السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ألا تراك تقول : «الزنا سيئة» ، كما تقول : «السرقة سيئة» ، فإن قلت : الخصال المذكورة بعضها سييء وبعضها حسن ولذلك قرأ من قرأ { سيئة } بالإضافة أي ما كان من المذكور سيئاً كان عند الله مكروهاً فما وجه قراءة من قرأ { سيئة } قلت : كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة .","part":2,"page":199},{"id":700,"text":"{ ذلك } إشارة إلى ما تقدم من قوله : { لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ } إلى هذه الغاية { مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة } مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً من الرحمة . عن ابن عباس Bهما : هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها : { لا تجعل مع الله إلها آخر } وآخرها { مدحوراً } ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه حكمة وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم . ثم خاطب الذين قالوا الملائكة بنات الله بقوله :","part":2,"page":200},{"id":701,"text":"َ { أَفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين } الهمزة للإنكار يعني أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون { واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا } واتخذ أدونهم وهي البنات وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم ، فالعبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها ويكون أردؤها وأدونها للسادات { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا } حيث أضفتم إليه الأولاد وهي من خواص الأجسام ، ثم فضلتم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذا القرءان } أي التنزيل والمراد ولقد صرفناه أي هذا المعنى في مواضع من التنزيل فترك الضمير لأنه معلوم { لّيَذْكُرُواْ } وبالتخفيف : حمزة وعلي ، أي كررناه ليتعظوا { وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } عن الحق . وكان الثوري إذ قرأها يقول : زادني لك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ } مع الله { أألِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ } وبالياء مكي وحفص . { إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً } يعني لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلاً بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض ، أو لتقربوا إليه كقوله : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } { وإذاً } دالة على أن ما بعدها وهو { لابتغوا } جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل «لو»","part":2,"page":201},{"id":702,"text":"{ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ } وبالتاء : حمزة وعلي { عَلَوْاْ } أي تعاليا والمراد البراءة من ذلك والنزاهة { كَبِيراً } وصف العلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به .\r{ تُسَبّحُ } وبالتاء : عراقي غير أبي بكر { لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } أي يقول سبحان الله وبحمده . عن السدي قال عليه السلام : « ما اصطيد حوت في البحر ولا طائر يطير لا بما يضيع من تسبيح الله تعالى » { ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } لاختلاف اللغات أو لتعسر الإدراك أو سبب لتسبيح الناظر إليه ، والدال على الخير كفاعله . والوجه الأول { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } عن جهل العباد { غَفُوراً } لذنوب المؤمنين .\r{ وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا } ذا ستر أو حجاباً لا يرى فهو مستور { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } جمع كنان وهو الذي يستر الشيء { أَن يَفْقَهُوهُ } كراهة أن يفقهوه { وفي ءاذانهم وقراً } ثقلاً يمنع عن الاستماع { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } يقال : وحد يحد وحداً وحدة نحو وعد يعد وعداً وعدة فهو مصدر سد مسد الحال أصله يحد وحده بمعنى واحداً { وَلَّوْاْ على أدبارهم } رجعوا على أعقابهم { نُفُورًا } مصدر بمعنى التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود أي يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا .","part":2,"page":202},{"id":703,"text":"{ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } أي نحن أعلم بالحال أو الطريقة التي يستمعون القرآن بها ، فالقرآن هو المستمع وهو محذوف و { به } حال وبيان ل «ما» أي يستمعون القرآن هازئين لا جادين والواجب عليهم أن يستمعوه جادين { إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } نصب ب { أعلم } أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون { وَإِذْ هُمْ نجوى } وبما يتناجون به إذ هم ذوو نجوى { إِذْ يَقُولُ الظالمون } بدل من { إذ هم } { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } سحر فجن { انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال } مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون ، { فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } أي فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه فهو متحير في أمره لا يدري ما يصنع .\r{ وَقَالُواْ } أي منكرو البعث { أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } أي مجدداً و { خلقاً } حال أي مخلوقين { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } أي السماوات والأرض فإنها تكبر عندكم عن قبول الحياة { فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ } يعيدكم { الذى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم ويرده إلى حال الحياة بعدما كنتم عظاماً يابسة مع أن العظام بعض أجزاء الحي بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى الحالة الأولى ، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة وهو أن تكونوا حجارة أو حديداً لكان قادراً على أن يردكم إلى حال الحياة { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ } فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاءً { وَيَقُولُونَ متى هُوَ } أي البعث استبعاداً له ونفياً { قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا } أي هو قريب و«عسى» للوجوب\r.","part":2,"page":203},{"id":704,"text":"{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } إلى المحاسبة وهو يوم القيامة { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } أي تجيبون حامدين والباء للحال . عن سعيد بن جبير : ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك { وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لبثاً قليلاً أو زماناً قليلاً في الدنيا أو في القبر .\r{ وَقُل لّعِبَادِى } وقل للمؤمنين { يَقُولُواْ } للمشركين الكلمة { التى هِىَ أَحْسَنُ } وألين ولا يخاشنوهم وهي أن يقولوا يهديكم الله { إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ } يلقي بينهم الفساد ويغري بعضهم على بعض ليوقع بينهم المشاقة . والنزغ : إيقاع الشر وإفساد ذات البين . وقرأ طلحة : { ينزغ } بالكسر وهما لغتان { إِنَّ الشيطان كَانَ للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا } ظاهر العداوة أو فسر { التي هي أحسن } بقوله : { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ } بالهداية والتوفيق { أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } بالخذلان أي يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا يقولوا لهم إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر . قوله : { إن الشيطان ينزع بينهم } . اعتراض { وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } حافظاً لأعمالهم وموكولاً إليك أمرهم وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بالمداراة { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السماوات والأرض } وبأحوالهم وبكل ما يستأهل كل واحد منهم .\r{ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ } فيه إشارة إلى تفضيل رسول الله A وقوله : { وءاتينا داوُود زَبوراً } دلالة على وجه تفضيله وأنه خاتم الأنبياء ، وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في زبور داود قال الله تعالى : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون } [ الأنبياء : 105 ] وهم محمد وأمته . ولم يعرف الزبور هنا وعرفه في قوله : { ولقد كتبنا في الزبور } لأنه كالعباس وعباس والفضل وفضل","part":2,"page":204},{"id":705,"text":"{ قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم } إنها آلهتكم { مِن دُونِهِ } من دون الله وهم الملائكة ، أو عيسى وعزير ، أو نفر من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } أي ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب ، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر { أولئك } مبتدأ { الذين يَدْعُونَ } صفة أي يدعونهم آلهة أو يعبدونهم والخبر { يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله D { أَيُّهُم } بدل من واو يبتغون و«أي» موصولة أي يبتغي من هو { أَقْرَبُ } منهم الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل : يحرصون أيهم يكون أقرب إِلى الله وذلك بالطاعة وازدياد الخير { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ } كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم { وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } قبل الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة { كَانَ ذلك فِى الكتاب } في اللوح المحفوظ { مَسْطُورًا } مكتوباً . وعن مقاتل : وجدت في كتب الضحاك في تفسيرها : أما مكة فيخربها الحبشة ، وتهلك المدينة بالجوع ، والبصرة بالغرق ، والكوفة بالترك ، والجبال بالصواعق والرواجف . أما خراسان فعذابها ضروب ، وأما بلخ فتصيبهم هدَّة فيهلك أهلها ، وأما بدخشان فيخربها أقوام ، وأما ترمذ فأهلها يموتون بالطاعون ، وأما صغانيان إلى ولشجرد فيقتلون بقتل ذريع ، وأما سمرقند فيغلب عليها بنو قنطوراء فيقتلون أهلها قتلاً ذريعاً ، وكذا فرغانة والشاش واسبيجاب وخوارزم ، وأما بخارى فهي أرض الجبابرة فيموتون قحطاً وجوعاً ، وأما مرو فيغلب عليها الرمل ويهلك بها العلماء والعباد ، وأما هراة فيمطرون بالحيات فتأكلهم أكلاً ، وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلمة فيهلك أكثرهم ، وأما الري فيغلب عليها الطبرية والديلم فيقتلونهم ، وأما أرمينية وأذربيجان فيهلكها سنابك الخيول والجيوش والصواعق والرواجف ، وأما همذان فالديلم يدلخها ويخربها ، وأما حلوان فتمر بها ريح ساكنة وهم نيام فيصبح أهلها قردة وخنازير ثم يخرج رجل من جهينة فيدخل مصر ، فويل لأهلها ولأهل دمشق ، وويل لأهل إفريقية وويل لأهل الرملة ، ولا يدخل بيت المقدس ، وأما سجستان فيصيبهم ريح عاصف أياماً ثم هدة تأتيهم ويموت فيها العلماء وأما كرمان وأصبهان وفارس فيأتيهم عدو وصاحوا صيحة تنخلع القلوب وتموت الأبدان .","part":2,"page":205},{"id":706,"text":"{ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون } استعير المنع لترك إرسال الآيات . و«أن» الأولى مع صلتها في موضع النصب لأنها مفعول ثان ل { منعنا } و«أن» الثانية مع صلتها في موضع الرفع لأنها فاعل { منعنا } والتقدير : وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين . والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً ومن إحياء الموتى وغير ذلك وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال . والمعنى : وما منعنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وعذبوا العذاب المستأصل ، وقد حكمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة . ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح عليه السلام ، لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال : { وءَاتينا ثمود الناقة } باقتراحهم { مُبْصِرَةً } آية بينة { فَظَلَمُواْ بِهَا } فكفروا بها { وَمَا نُرْسِلُ بالآيات } إن أراد بها الآيات فالمعنى لا نرسلها { إِلاَّ تَخْوِيفًا } من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له ، فإن لم يخافوا وقع عليهم ، وإن أراد غيرها فالمعنى وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفاً وإنذاراً بعذاب الآخرة وهو مفعول له .","part":2,"page":206},{"id":707,"text":"{ وَإذا قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش علماً وقدرة فكلهم في قبضته ، فلا تبال بهم وامض لأمرك وبلغ ما أرسلت به ، أو بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك قوله : { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد } [ آل عمران : 12 ] فجعله كأن قد كان ووجد فقال : أحاط بالناس على سنته في إخباره ، ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر : « والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم » وهو يومىء إلى الأرض ويقول : « هذا مصرع فلان » فتسامعت قريشاً بما أوحي إلى رسول الله A من أمر بدر وما أري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون ويستعجلون به استهزاء . { والشجرة الملعونة فِى القرءان } أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس ، فإنهم حين سمعوا بقوله : { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } [ الدخان : 43 ] جعلوها سخرية وقالوا : إن محمداً يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ، ثم يقول : تنبت فيها الشجرة وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار فوبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار ، فذهب الوسخ وبقي المنديل سالماً لا تعمل فيه النار وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها ، وخلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها ، فجاز أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها . والمعنى أن الآيات إنما ترسل تخويفاً للعباد ، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وخوفوا بعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم فما أثر فيهم . ثم قال : { وَنُخَوّفُهُمْ } أي بمخاوف الدنيا والآخرة { فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف { إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات؟ وقيل : الرؤيا هي الإسراء ، والفتنة ارتداد من استعظم ذلك وبه تعلق من يقول : كان الإسراء في المنام ، ومن قال : كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية . وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها استبعاداً منهم كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة كقوله { فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ } [ الصافات : 91 ] { أَيْنَ شُرَكَائِىَ } [ النحل : 27 ] أو هي رؤيا أنه سيدخل مكة ، والفتنة الصد بالحديبية . فإن قلت : ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم . قلت : معناه : والشجرة الملعون آكلها وهم الكفرة لأنه قال { ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون * لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون } [ الواقعة : 53 ، 52 ] فوصفت بلعن أهلها على المجاز ، ولأن العرب تقول : لكل طعام مكروه ضار ملعون ، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة .","part":2,"page":207},{"id":708,"text":"{ وَإِذا قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُد لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } هو تمييز أو حال من الموصول ، والعامل فيه { أأسجد } على أأسجد له وهو طين أي أصله طين { قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى } الكاف لا موضع لها لأنها ذكرت للخطاب تأكيداً هذا مفعول به والمعنى أخبرني عن هذا الذي { كَرَّمْتَ عَلَيَّ } أي فضلته ، لم كرمته علي وأنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، فحذف ذلك اختصاراً لدلالة ما تقدم عليه . ثم ابتدأ فقال : { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ } وبلا ياء : كوفي وشامي . واللام موطئة للقسم المحذوف { إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } لأستأصلنهم بإغوائهم { إِلاَّ قَلِيلاً } وهم المخلصون . قيل : من كل ألف واحد . وإنما علم الملعون ذلك بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني .","part":2,"page":208},{"id":709,"text":"{ قَالَ اذهب } ليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخلية . ثم عقبه بذكر ما جره سوء اختياره فقال : { فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } والتقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل { جزاؤكم } وانتصب { جَزَاء مَّوفُورًا } أي موفراً بإضمار تجازون { واستفزز } استزل أو استخف استفزه أي استخفه والفز الخفيف . { مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } بالوسوسة أو بالغناء أو بالمزمار { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم } اجمع وصح بهم من الجلبة وهو الصياح { بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } بكل راكب وماش من أهل العيث ، فالخيل الخيالة ، والرجل اسم جمع للراجل ونظيره الركب والصحب { ورجلك } حفص على أن فعلاً بمعنى فاعل كتعب وتاعب ، ومعناه وجمعك الرِجل وهذا لأن أقصى ما يستطاع في طلب الأمور الخيل والرجل . وقيل : يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال { وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال والأولاد } قال الزجاج : كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها كالربا والمكاسب المحرمة والبحيرة والسائبة والإنفاق في الفسوق والإسراف ومنع الزكاة والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام والتسمية بعبد العزى وعبد شمس { وَعِدْهم } المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب { أَن عِبَادِى } الصالحين { لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } يد بتبديل الإيمان ولكن بتسويل العصيان { وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً } لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك أو حافظاً لهم عنك ، والكل أمر تهديد فيعاقب به أو إهانة أي لا يخل ذلك بملكي .\r{ رَّبُّكُمُ الذى يُزْجِى } يجري ويسير { لَكُمُ الفلك فِى البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني الربح في التجارة { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا . }","part":2,"page":209},{"id":710,"text":"{ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر } أي خوف الغرق { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده فإنكم لا تذكرون سواه ، أو ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع { فَلَمَّا نجاكم إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ } عن الإخلاص بعد الخلاص { وَكَانَ الإنسان } أي الكافر { كَفُورًا } للنعم { أَفَأَمِنتُمْ } الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تفديره : أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض { أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر } انتصب { جانب } ب { يخسف } مفعولاً به كالأرض في قوله : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض } [ القصص : 81 ] و { بكم } حال ، والمعنى أن يخسف جانب البر أي يقلبه وأنتم عليه ، والحاصل أن الجوابب كلها في قدرته سواء وله في كل جانب أو براً كان أو بحراً ، من أسباب الهلاك ليس جانب البحر وحده مختصاً به ، بل إن كان الغرق في جانب البحر ففي جانب البر الخسف ، وهو تغييب تحت التراب والغرق تغييب تحت الماء ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان { أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } هي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء يعني أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } يصرف ذلك عنكم { أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أخرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ } أي أم أمنتم أن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم فينتقم منكم بأن يرسل عليكم { قَاصِفًا مّنَ الريح } وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد أو هو الكاسر للفلك { فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ } بكفرانكم النعمة هو إعراضكم حين نجاكم { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } مطالباً من قوله : { فاتباع بالمعروف } [ البقرة : 178 ] أي مطالبة ، والمعنى إنا نفعل ما نفعل بهم ثم لا تجدوا أحداً يطالبنا بما فعلنا انتصاراً منا ودركاً للنار من جهتنا وهذا نحو قوله : { وَلاَ يَخَافُ عقباها } [ الشمس : 16 ] { أن نخسف } { أو نرسل } { أن نعيدكم } { فنرسل } { فنغرقكم } بالنون : مكي وأبو عمرو .","part":2,"page":210},{"id":711,"text":"{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } بالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد والاستيلاء وتسخير الأشياء وتناول الطعام بالأيدي . وعن الرشيد أنه أحضر طعاماً فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف C تعالى فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس Bهما قوله تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه { وحملناهم فِى البر } على الدواب { والبحر } على السفن { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } باللذيذات أو بما كسبت أيديهم { وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } أي على الكل كقوله { وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } [ الشعراء : 223 ] قال الحسن : أي كلهم وقوله : { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا } [ يونس : 36 ] ذكر في الكشاف أن المراد بالأكثر الجميع . وعنه عليه السلام : \" المؤمن أكرم على الله من الملائكة \" وهذا لأنهم مجبولون على الطاعة ففيهم عقل بلا شهوة . وفي البهائم شهوة بلا عقل ، وفي الآدمي كلاهما ، فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم ، ولأنه خلق الكل لهم وخلقهم لنفسه { يَوْمَ نَدْعُواْ } منصوب ب «اذكر» { كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } الباء للحال والتقدير مختلطين بإمامهم أي بمن ائتموا به من نبي ، أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين فيقال : يا أتباع فلان ، يا أهل دين كذا أو كتاب كذا . وقيل : بكتاب أعمالهم فيقال : يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب الشر { فَمَنْ أُوتِىَ } من هؤلاء المدعوين { كتابه بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم } وإنما قيل أولئك لأن «من» في معنى الجمع { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء . ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله :","part":2,"page":211},{"id":712,"text":"{ وَمَن كَانَ فِى هذه } الدنيا { أعمى فَهُوَ فِى الآخرة أعمى } كذلك { وَأَضَلُّ سَبِيلاً } من الأعمى أي أضل طريقاً ، والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة ، أما في الدنيا فلفقد النظر وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه . وقد جوّزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل بدليل عطف { وأضل } ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالاً والثاني مفخماً ، لأن أفعل التفضيل تمامه ب «من» فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلمة فلا يقبل الإمالة وأما الأول فلم يتعلق به شيء فكانت ألفه واقعة في الطرف فقبلت الإمالة ، وأمالهما حمزة وعلي وفخمهما الباقون .\rولما قالت قريش اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك نزل { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية ، والمعنى إن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين { عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا { لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } لتتقول علينا ما لم نقل يعني ما اقترحوه من تبديل الوعد وعيداً والوعيد وعداً { وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلا ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي { وَلَوْلاَ أَن ثبتناك } ولولا تثبيتنا وعصمتنا { لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ } لقاربت أن تميل إلى مكرهم { شَيْئًا قَلِيلاً } ركوناً ، قليلاً وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت .","part":2,"page":212},{"id":713,"text":"{ إِذَا } لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة { إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات } لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوتك كما قال : { يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة } [ الأحزاب : 30 ] الآية . وأصل الكلام لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات لأن العذاب عذابان : عذاب في الممات وهو عذاب القبر ، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار . والعذاب يوصف بالضعف كقوله : { فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار } [ الأعراف : 38 ] أي مضاعفاً فكأن أصل الكلام لأذقناك عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات ، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف ، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات . ويجوز أن يراد بضعف الحياة عذاب الحياة الدنيا ، وبضعف الممات ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار . وفي ذكر الكيدودة وتقليلها مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين دليل على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله ، ولما نزلت كان عليه السلام يقول : \" اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين \" { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } معيناً لك يمنع عذابنا عنك .\r{ وَإِن كَادُواْ } أي أهل مكة { لَيَسْتَفِزُّونَكَ } ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم { مّنَ الأرض } من أرض مكة { لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ } لا يبقون { خلافك } بعدك أي بعد إخراجك { خلافك } كوفي غير أبي بكر وشامي بمعناه { إِلاَّ قَلِيلاً } زماناً قليلاً فإن الله مهلكهم وكان كما قال : فقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل ، أو معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم ولم يخرجوه بل هاجر بأمر ربه . وقيل : من أرض العرب أو من أرض المدينة { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم ، ونصبت نصب المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } تبديلاً .\r{ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } لزوالها . على هذه الآية جامعة للصلوات الخمس ، أو لغروبها وعلى هذا يخرج الظهر والعصر { إلى غَسقِ الليل } هو الظلمة وهو وقت صلاة العشاء { وقرءان الفجر } صلاة الفجر سميت قرآناً وهو القراءة لكونها ركناً كما سميت ركوعاً وسجوداً ، وهو حجة على الأَصم حيث زعم أن القراءة ليست بركن ، أو سميت قرآناً لطول قراءتها وهو عطف على { الصلاة } { إن قرءان الفجر كان مشهوداً } يشهده ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار ، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة { وَمِنَ اليل } وعليك بعض الليل { فَتَهَجَّدْ } والتهجد ترك الهجود للصلاة ويقال في النوم أيضاً تهجد { بِهِ } بالقرآن { نَافِلَةً لَّكَ } عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس ، وضع { نافلة } موضع «تهجداً» لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد ، والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة غنيمة لك أو فريضة عليك خاصة دون غيرك لأنه تطوع لهم { عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } نصب على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً ، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك وهو مقام الشفاعة عند الجمهور ، ويدل عليه الأخبار أو هو مقام يعطى فيه لواء الحمد .","part":2,"page":213},{"id":714,"text":"{ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ } هو مصدر أي أدخلني القبر إدخالاً مرضياً على طهارة من الزلات { وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } أي أخرجني منه عند البعث إخراجاً مرضياً ملقى بالكرامة آمناً من الملامة ، دليله ذكره على أثر ذكر البعث . وقيل : نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة ، أو هو عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه من أمر ومكان { واجعل لّي مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا } حجة تنصرني على من خالفني أو ملكاً وعزاً قوياً ناصراً للإسلام على الكفر مظهراً له عليه { وَقُلْ جَاء الحق } الإسلام { وَزَهَقَ } وذهب وهلك { الباطل } الشرك أو جاء القرآن وهلك الشيطان { إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } كان مضمحلاً في كل أوان .","part":2,"page":214},{"id":715,"text":"{ وَنُنَزّلُ } وبالتخفيف : أبو عمرو { مِن القرآن } «من» للتبيين { مَا هُوَ شِفَاء } من أمراض القلوب { وَرَحْمَةً } وتفريج للكروب وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب { لِلْمُؤْمِنِينَ } وفي الحديث : \" من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله \" { وَلاَ يَزِيدُ الظالمين } الكافرين { إَلاَّ خَسَارًا } ضلالاً لتكذيبهم به وكفرهم { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان } بالصحة والسعة { أَعْرَضَ } عن ذكر الله أو أنعمنا بالقرآن أعرض { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أي يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره ، أو أراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين { نأى } بالأمالة : حمزة وبكسرها عليَّ { وَإِذَا مَسَّهُ الشر } الفقر والمرض أو نازلة من النوازل { كَانَ يَئُوساً } شديد اليأس من روح الله { قُلْ كُلٌّ } أي كل أحد { يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ } على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال { فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً } أسد مذهباً وطريقة .\r{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } أي من أمر يعلمه ربي ، الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان ، سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر بعلمه . وعن أبي هريرة : لقد مضى النبي A وما يعلم الروح ، وقد عجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه . والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز ، ولذا رد ما قيل في حده أنه جسم دقيق هوائي في كل جزء من الحيوان . وقيل : هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك . وعن ابن عباس Bهما هو جبريل عليه السلام : { نزل به الروح الأمين على قلبك } [ الشعراء : 193 ] وعن الحسن : القرآن دليله : { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [ الشورى : 52 ] ولأن به حياة القلوب و { من أمر ربي } أي من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر . ورُوي أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عن الكل أو سكت عن الكل فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم . وقيل : كان السؤال عن خلق الروح يعني أهو مخلوق أم لا . وقوله : { من أمر ربي } دليل خلق الروح فكان هذا جواباً { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } الخطاب عام\rفقد رُويَّ أن رسول الله A لما قال لهم ذلك قالوا : نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال : \" بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً \" وقيل : هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي A : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } [ البقرة : 269 ] فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم الله . فالقلة والكثرة من الأمور الإضافية ، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة . ثم نبه على نعمة الوحي وعزاه بالصبر على أذى الجدال في السؤال بقوله :","part":2,"page":215},{"id":716,"text":"{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } { لنذهبن } جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط ، واللام الداخلة على «إن» توطئة للقسم ، والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثراً { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظاً مسطوراً .","part":2,"page":216},{"id":717,"text":"{ إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } أي إلا إن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد ، أو يكون على الاستثناء المنقطع أي ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه ونزل جواباً لقول النضر : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } [ الأنفال : 21 ]\r{ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } معيناً و { لا يأتون } جواب قسم محذوف ، ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون جواباً للشرط كقوله :\rيقول لا غائب مالي ولا حرم ... لأن الشرط وقع ماضياً أي لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه لعجزوا عن الإتيان بمثله { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } رددنا وكررنا { لِلنَّاسِ فِي هذا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ } من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه { فأبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } جحوداً . وإنما جاز { فأبى أكثر الناس إلا كفوراً } ولم يجز «ضربت إلا زيداً» لأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل : فلم يرضوا إلا كفوراً . ولما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر ولزمتهم بالحجة وغلبوا اقترحوا الآيات فعل المبهوت المحجوج المتحير .\r{ وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تفْجُرَ لَنَا } وبالتخفيف : كوفي { مِنَ الأرْضِ } أي مكة { يَنبُوعاً } عيناً غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع ، يفعول من نبع الماء { أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ } والتشديد هنا مجمع عليه { الأنْهَارَ خَلالَهَا } وسطها { تَفْجيراً } .","part":2,"page":217},{"id":718,"text":"{ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً } بفتح السين : مدني وعاصم . أي قطعاً يقال : أعطني كسفة من هذا الثوب . وبسكون السين : غيرهما جمع كسفة كسدرة وسدر يعنون قوله { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء } { [ سبأ : 9 ] } أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً } كفيلاً بما تقول شاهداً بصحته ، والمعنى أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبلاً كقوله : «كنت منه ووالدي برياً» أو مقابلاً كالعشير بمعنى المعاشر ونحوه : { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } [ الفرقان : 21 ] أو جماعة حالاً من الملائكة { أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ } ذهب { أَوْ ترقى في السَّمَآءِ } تصعد إليها { وَلَنْ نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ } لأجل رقيك { حتى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا } وبالتخفيف : أبو عمرو { كِتاباً } أي من السماء فيه تصديقك { تقرؤُه } صفة كتاب { قُلْ } { قال } مكي وشامي أي قال الرسول { سُبْحَانَ رَبِّي } تعجب من اقتراحاتهم عليه { هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً } أي أنا رسول كسائر الرسل بشر مثلهم ، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات فليس أمر الآيات إلى إنما هو إلى الله ، فما بالكم تتخيرونها علي { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ } يعني أهل مكة ، ومحل { أَن يُؤْمِنُوا } نصب بأنه مفعول ثان ل { منع } { إِذْ جَآءَهُمُ الهدى } النبي والقرآن { إِلاَّ أَن قَالُوا } فاعل { منع } والتقدير : وما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد A إلا قولهم { أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً } أي إلا شبهة تمكنت في صدورهم وهي إنكارهم أن يرسل الله البشر ، والهمزة في { أبعث الله } للإنكار وما أنكروه ففي قضية حكمته منكر .\rثم رد الله عليهم بقوله :","part":2,"page":218},{"id":719,"text":"{ قُل لَّوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ } على أقدامهم كما يمشي الإنس ، ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه { مُطْمَئِنِّينَ } حال أي ساكنين في الأرض قارين { لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً } يعلمهم الخير ويهديهم المراشد ، فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى مختار منهم للنبوة فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم و { بشراً } و { ملكاً } حالان من { رسولاً } { قُلْ كفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم كذبتك وعاندتم . { شهيداً } تمييز أو حال { إِنَّهُ كَان بِعِبَادِهِ } المنذرين والمنذرين { خَبِيراً } عالماً بأحوالهم { بَصِيراً } بأفعالهم فهو مجازيهم وهذه تسلية لرسول الله عليه السلام ووعيد للكفرة { وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ } وبالياء : يعقوب وسهل ، وافقهما أبو عمرو ، ومدني في الوصل أي من وفقه الله لقبول ما كان من الهدى فهو المهتدي عند الله { وَمَنْ يُضْلِلْ } أي ومن يخذله ولم يعصمه حتى قبل وساوس الشيطان { فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ } أي أنصاراً { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على وُجُوهِهِمْ } أي يسحبون عليها كقوله { يوم يسحبون في النار على وجوههم } [ القمر : 48 ] وقيل لرسول الله E كيف يمشون على وجوههم؟ قال : « إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم » { عُمْياً وَبُكْماً وَصُمَّاً } كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه ، فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم { مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ } طفئ لهبها { زِدْنَاهُمْ سَعِيراً } توقدا .","part":2,"page":219},{"id":720,"text":"{ ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوآ أَئذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } أي ذلك العذاب بسبب أنهم كذبوا بالإعادة بعد الإفناء فجعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها ثم يعيدها ، لا يزالون على ذلك ليزيد في تحسرهم على تكذيبهم البعث .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْا } أو لم يعلموا { أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } من الإنس { وَجَعَلَ لَهُمْ أَجلاً لاَّ رَيْبَ فِيه } وهو الموت أو القيامة { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كَفُوراً } جحوداً مع وضوح الدليل { قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ } تقديره : لو تملكون أنتم لأن «لو» تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها فأضمر تملك على شريطة التفسير وأبدل من الضمير المتصل وهو الواو ضمير منفصل وهو أنتم لسقوط ما يتصل به من اللفظ ف { أنتم } فاعل الفعل المضمر و { تملكون } تفسيره ، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب . وأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن { أنتم تملكون } فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ { خَزَآئِنَ رَحْمَةِ ربي } رزقه وسائر نعمه على خلقه { إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفَاقِ } أي لبخلتم خشية أن يفنيه الإنفاق { وَكَانَ الإنْسانُ قَتُوراً } بخيلاً .\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } عن ابن عباس Bهما : هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل . وعن الحسن : الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الحجر والبحر والطور { فَاسْألْ بني إِسْرَاءِيلَ } فقلنا له اسأل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل . وقوله { إِذْ جاءهم } متعلق بقوله المحذوف أي فقلنا له سلهم حين جاءهم { فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً } سحرت فخولط عقلك\r.","part":2,"page":220},{"id":721,"text":"{ قَالَ } أي موسى { لَقَدْ عَلِمْتَ } يا فرعون { مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ } الآيات { إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } خالقهما { بَصَآئِرَ } حال أي بينات مكشوفات إلا أنك معاند ونحوه { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً } [ النمل : 14 ] { علمت } بالضم : عليّ أي إني لست بمسحور كما وصفتني بل أنا عالم بصحة الأمر ، وأن هذه الآيات منزلها رب السماوات والأرض . ثم قارع ظنه بظنه بقوله : { وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَافرِعَوْنُ مَثْبُوراً } كأنه قال : إن ظننتني مسحوراً فأنَا أظنك مثبوراً هالكاً وظني أصح من ظنك لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها ، وأما ظنك فكذب بحت ، لأن قولك مع علمك بصحة أمري { إني لأظنك مسحوراً } قول كذب . وقال الفراء : مثبوراً مصروفاً عن الخير من قولهم «ما ثبرك عن هذا» أي ما منعك وصرفك؟ { فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم } يخرجهم أي موسى وقومه { مِّنَ الأرْضِ } أي أرض مصر أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال { فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً } فحاق به مكره بأن استفزه الله بإغراقه مع قبطه { وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ } من بعد فرعون { لبني إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ } التي أراد فرعون أن يستفزكم منها . { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرَةِ } أي القيامة { جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً } جمعاً مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينكم ونميز بين سعدائكم وأشقيائكم ، واللفيف الجماعات من قبائل شتى .\r{ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ } وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير ، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظاً بالرصد من الملائكة ، وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين . قال الراوي : اشتكى محمد بن السماك فأخذنا ماءه وذهبنا به إلى طبيب نصراني ، فاستقبلنا رجل حسن الوجه طيب الرائحة نقي الثوب فقال لنا : إلى أين؟ فقلنا له : إلى فلان الطبيب نريه ماء ابن السماك . فقال : سبحان الله تستعينون على ولي الله بعدو الله! اضربوه على الأرض وارجعوا إلى ابن السماك وقولوا له : ضع يدك على موضع الوجع وقل : { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } ثم غاب عنا فلم نره فرجعنا إلى ابن السماك فأخبرناه بذلك فوضع يده على موضع الوجع وقال ما قال الرجل وعوفي في الوقت وقال : كان ذلك الخضر عليه السلام { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً } بالجنة { وَنَذِيراً } من النار .","part":2,"page":221},{"id":722,"text":"{ وَقُرْآناً } منصوب بفعل يفسره { فَرَقْنَاهُ } أي فصلناه أو فرقنا فيه الحق من الباطل { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ على مُكْثٍ } على تؤدة وتثبت { وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } على حسب الحوادث { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا } أي اختاروا لأنفسكم النعيم المقيم أو العذاب الأليم . ثم علل بقوله : { إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ } أي التوراة من قبل القرآن { إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ } القرآن { يُخِرُّونَ للأذْقَانِ سُجَّداً } حال { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } لقوله { آمنوا به أو لا تؤمنوا } أي أعرض عنهم فإنهم إن لم يؤمنوا به ولم يصدقوا بالقرآن فإن خيراً منهم وهم العلماء الذين قرءوا الكتب قد آمنوا به وصدقوه ، فإذا تلي عليهم خروا سجداً وسبحوا الله تعظيماً لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد A وإنزال القرآن عليه وهو المراد بالوعد المذكور . «إن» بمعنى «إنه» وهي تؤكد الفعل كما أن «إن» تؤكد الاسم ، وكما أكدت «إن» باللام في { إنهم لمحضرون } [ الصافات : 158 ] أكدت «إن» باللام في { لمفعولا }","part":2,"page":222},{"id":723,"text":"{ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ } ومعنى الخرور للذقن السقوط على الوجه ، وإنما خص الذقن لأن أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض عند السجود الذقن . يقال : خر على وجهه وعلى ذقنه ، وخر لوجهه ولذقنه . أما معنى «على» فظاهر ، وأما معنى اللام فكأنه جعل ذقنه ووجهه للخرور ، واختصه به إذ اللام للاختصاص . وكرر { يخرون للأذقان } لاختلاف الحالين وهما خرورهم في حال كونهم ساجدين وخرورهم في حال كونهم باكين { وَيَزِيدُهُمْ } القرآن { خُشُوعاً } لين قلب ورطوبة عين .\r{ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرحمن } لما سمعه أبو جهل يقول يا الله يا رحمن قال : إنه نهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر فنزلت . وقيل : إن أهل الكتاب قالوا : إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت . والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء ، وأو للتخيير أي سموا بهذا الاسم ، أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا ، والتنوين في { أَيَّا مَّا تَدْعُوا } عوض من المضاف إليه و«ما» زيدت للتوكيد و«أياً» نصب ب { تدعوا } وهو مجزوم بأي أي أي هذين الاسمين ذكرتم وسميتم { فَلَهُ الأسْمَآءُ الحسنى } والضمير في { فله } يرجع إلى ذات الله تعالى ، والفاء لأنه جواب الشرط أي أيَّاماً تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله : { فله الأسماء الحسنى } لأنه إذا حسنت أسماؤه حسن هذان الاسمان لأنهما منها ، ومعنى كونها أحسن الأسماء إنها مستقلة بمعاني التمجيد والتقديس والتعظيم { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } بقراءة صلاتك على حذف المضاف لأنه لا يلبس ، إذ الجهر والمخافتة تعتقبان على الصوت لا غير ، والصلاة أفعال وأذكار وكان رسول الله A يرفع صوته بقراءته فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا فأمر بأن يخفض من صوته ، والمعنى ولا تجهر حتى تسمع المشركين { وَلا تُخَافِتْ بِهَا } حتى لا تسمع من خلفك { وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ } بين الجهر والمخافتة { سَبِيلاً } وسطاً ، أو معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار أو بصلاتك بدعائك { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } كما زعمت اليهود والنصارى وبنو مليح { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ } كما زعم المشركون { وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ } أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر أو لم يوال أحداً من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } وعظمه وصفه بأنه أكبر من أن يكون له ولد أو شريك وسمى النبي عليه السلام الآية آية العز وكان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية .","part":2,"page":223},{"id":724,"text":"{ الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ } محمد A { الكتاب } القرآن ، لقن الله عباده ووفقهم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام ، وما أنزل على محمد A من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } أي شيئاً من العرج والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان ، يقال في رأيه عوج وفي عصاه عوج ، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه وخروج شيء منه من الحكمة { قَيِّماً } مستقيماً وانتصابه بمضمر وتقديره ، جعله قيماً لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة ، وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر التأكيد ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند التصفح ، أو قيماً على سائر الكتب مصدقا لها شاهداً بصحتها { لّيُنذِرَ } «أنذر» متعدٍ إلى مفعولين كقوله : { إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً } [ النبأ : 40 ] فاقتصر على أحدهما ، وأصله لينذر الذين كفروا { بَأْسًا } عذاباً { شَدِيداً } وإنما اقتصر على أحد مفعولي «أنذر» لأن المنذر به هو المسوق إليه فاقتصر عليه { مِن لَّدُنْهُ } صادراً من عنده { وَيُبَشّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم { أَجْرًا حَسَنًا } أي الجنة ، { ويبشر } حمزة وعليَّ .","part":2,"page":224},{"id":725,"text":"{ مَّاكِثِينَ } حال من «هم» في { لهم } { فِيهِ } في الأجر وهو الجنة { أَبَدًا وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } ذكر المنذرين دون المنذر به بعكس الأول استغناء بتقديم ذكره .\r{ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بالولد أو باتخاذه يعني أن قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط فإن قلت : إتخاذ الله ولداً في نفسه محال فكيف قيل { ما لهم به من علم } قلت : معناه ما لهم به من علم لأنه ليس مما يعلم لاستحالته وانتفاء العلم بالشيء إما للجهل بالطريق الموصل إليه ، أو لأنه في نفسه محال . { وَلاَ لائَبَائِهِمْ } المقلدين { كَبُرَتْ كَلِمَةً } نصب على التمييز وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أكبرها كلمة! والضمير في { كبرت } يرجع إلى قولهم { اتخذ الله ولداً } وسميت كلمة كما يسمعون القصيدة بها { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة ل { كلمة } تفيد استعظاماً لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم ، فإن كثيراً مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوهوا به بل يكظمون عليه فكيف بمثل هذا المنكر { إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا } ما يقولون ذلك إلا كذباً هو صفة لمصدر محذوف أي قولاً كذباً { فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ } قاتل نفسك { على ءاثارهم } أي آثار الكفار ، شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الأسف على توليهم برجل فارقه أحبته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم وتلهفا على فراقهم { إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث } بالقرآن { أَسَفاً } مفعول لهُ أي لفرط الحزن ، والأسف المبالغة في الحزن والغضب { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا } أي ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } وحسن العمل الزهد فيها وترك الاغترار بها . ثم زهد في الميل إليها بقوله :","part":2,"page":225},{"id":726,"text":"{ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا } من هذه الزينة { صَعِيداً } أرضاً ملساء { جُرُزاً } يابساً لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة ، والمعنى نعيدها بعد عمارتها خراباً بإماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك .\rولما ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن قال : { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم } يعني أن ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدة طويلة ، والكهف : الغار الواسع في الجبل والرقيم اسم كلبهم أو قريتهم أو اسم كتاب كتب في شأنهم أو اسم الجبل الذي فيه الكهف { كَانُواْ مِنْ ءاياتنا عَجَبًا } أي كانوا آية عجباً من آياتنا وصفاً بالمصدر أو على ذات عجب { إِذْ } أي اذكر إذ { أَوَى الفتية إِلَى الكهف فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رحمةً } أي رحمة من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء { وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا } أي الذي نحن عليه من مفارقة الكفار { رَشَدًا } حتى نكون بسببه راشدين مهتدين ، أو اجعل أمرنا رشداً كله كقولك «رأيت منك أسداً»أو يسر لنا طريق رضاك { فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ فِى الكهف } أي ضربنا عليها حجاباً من النوم يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأَصوات فحذف المفعول الذي هو الحجاب { سِنِينَ عَدَدًا } ذوات عدد فهو صفة لسنين . قال الزجاج : أي تعد عدداً لكثرتها لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد فإذا كثر عُدَّ فأما { دراهم معدودة } [ يوسف : 20 ] فهي على القلة لأنهم كانوا يعدون القليل ويزنون الكثير { ثُمَّ بعثناهم } أيقظناهم من النوم { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ } المختلفين منهم في مدة لبثهم لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك وذلك قوله { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } وكان الذين قالوا { ربكم أعلم بما لبثتم } هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول ، أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم { أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } غاية . و { أحصى } فعل ماض و { أمدا } ظرف ل { أحصى } أو مفعول له ، والفعل الماضي خبر المبتدأ وهو أي والمتبدأ مع خبره سد مسد مفعولي «نعلم» . والمعنى أيهم ضبط أمداً لأوقات لبثهم وأحاط علماً بأمد لبثهم؟ ومن قال : «أحصى» أفعل من الإحصاء وهو العد فقد زل لأن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس . وإنما قال : { لنعلم } مع أنه تعالى لم يزل عالماً بذلك ، لأن المراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيماناً واعتباراً ، وليكون لطفاً لمؤمني زمانهم ، وآية بينة لكفاره . أو المراد لنعلم اختلافهما موجوداً كما علمناه قبل وجوده .","part":2,"page":226},{"id":727,"text":"{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق } بالصدق { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } جمع فتى والفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى واجتناب المحارم واستعمال المكارم . وقيل : الفتى من لا يدعي قبل الفعل ولا يزكي نفسه بعد الفعل { ءَامَنُواْ بِرَبّهِمْ وزدناهم هُدًى } يقينا ، وكانوا من خواص دقيانوس قد قذف الله في قلوبهم الإيمان وخاف بعضهم بعضاً وقالوا : ليخل اثنان اثنان منا فيظهر كلاهما ما يضمر لصاحبه ففعلوا فحصل اتفاقهم على الإيمان { وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ } وقويناها بالصبر على هجران الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام { إِذْ قَامُواْ } بين يدي الجبار وهو دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام { فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض } مفتخرين { لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها } ولئن سميناهم آلهة { لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } قولاً ذا شطط وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط يشط ويشط إذا بعد .","part":2,"page":227},{"id":728,"text":"{ هَؤُلاء } مبتدأ { قَوْمُنَا } عطف بيان { اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً } خبر وهو إخبار في معنى الإنكار { لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم } هلا يأتون على عبادتهم فحذف المضاف { بسلطان بَيّنٍ } بحجة ظاهرة وهو تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } بنسبة الشريك إليه .\r{ وَإِذِ اعتزلتموهم } خطاب من بعضهم لبعض حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم { وَمَا يَعْبُدُونَ } نصب عطف على الضمير أي وإذ اعتزلتموهم وإذ اعتزلتم معبوديهم { إِلاَّ الله } استثناء متصل لأنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه غيره كأهل مكة ، أو منقطع أي وإذ اعتزلتم الكفار والأصنام التي يعبدونها من دون الله ، أو هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله { فَأْوُواْ إِلَى الكهف } صيروا إليه أو اجعلوا الكهف مأواكم { يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ } من رزقه { وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا } { مَرفقاً } مدني وشامي وهو ما يرتفق به أي ينتفع . وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم ، أو أخبرهم به نبي في عصرهم { وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ } بتخفيت الزاي : كوفي ، { تزَّور } شامي ، { تزَّاور } غيرهم وأصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها والكل من الزور وهو الميل ، ومنه زاره إذا مال إليه ، والزور الميل عن الصدق { عَن كَهْفِهِمْ } أي تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم { ذَاتَ اليمين } جهة اليمين وحقيقتها الجهة المسماة باليمين { وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ } تقطعهم أي تتركهم وتعدل عنهم { ذَاتَ الشمال وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } في متسع من الكهف . والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض لإصابة الشمس لولا أن الله يحجبها عنهم . وقيل : منفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسون كرب الغار { ذلك مِنْ آيات الله } أي ما صنعه الله بهم من إزورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة آية من آيات الله يعني أن ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم اختصاصاً لهم بالكرامة . وقيل : باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش فهم في مقنأة أبداً ، ومعنى ذلك من آيات الله أن شأنهم وحديثهم من آيات الله { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد } مثل ما مر في «سبحان» وهو ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم فأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية { وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا } أي من أضله فلا هادي له .","part":2,"page":228},{"id":729,"text":"{ وَتَحْسَبُهُمْ } بفتح السين : شامي وحمزة وعاصم غير الأعشى ، وهو خطاب لكل أحد { أَيْقَاظًا } جمع يقظ { وَهُمْ رُقُودٌ } نيام . قيل : عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً { وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال } قيل : لهم تقلّبتان في السنة . وقيل : تقلبة واحدة في يوم عاشوراء { وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ } حكاية حال ماضية لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي { بالوصيد } بالفناء أو بالعتبة { لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ } لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم { لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ } لأعرضت عنهم وهربت منهم { فِرَاراً } منصوب على المصدر لأن معنى { وليت منهم } فررت منهم { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ } ويتشديد اللام : حجازي للمبالغة { رُعْبًا } تمييز . وبضم العين : شامي وعلي ، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة أو لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم . وعن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال : أريد أن أدخل فقال ابن عباس Bهما : لقد قيل لمن هو خير منك { لوليت منهم فراراً } فدخلت جماعة بأمره فأحرقتهم ريح .","part":2,"page":229},{"id":730,"text":"{ وكذلك بعثناهم } وكان أنمناهم تلك النومة كذلك أيقظناهم إظهاراً للقدرة على الإنامة والبعث جميعاً { لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ } ليسأل بعضهم بعضاً ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله ويزدادوا يقيناً ويشكروا ما أنعم الله به عليهم { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } رئيسهم { كَمْ لَبِثْتُمْ } كم مدة لبثكم؟ { قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } جواب مبني على غالب الظن ، وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب { قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } بمدة لبثكم إنكار عليهم من بعضهم كأنهم قد علموا بالأدلة أو بإلهام أن المدة متطاولة وأن مقدارها لا يعلمه إلا الله . ورُوي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال فظنوا أنهم في يومهم ، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك : وقد استدل ابن عباس Bهما على أن الصحيح عددهم سبعة لأنه قد قال في الآية : { قال قائل منهم كم لبثتم } وهذا واحد ، وقالوا في جوابه { لبثنا يوماً أو بعض يوم } وهو جمع وأقله ثلاثة ، ثم قال { ربكم أعلم بما لبثتم } وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة { فابعثوا أَحَدَكُمْ } كأنهم قالوا ربكم أعلم بذلك لا طريق لكم إلى علمه فخذوا في شيء آخر مما يهمكم فابعثوا أحدكم أي يمليخا { بِوَرِقِكُمْ } هي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة ، وبسكون الراء : أبو عمرو وحمزة وأبو بكر { هذه إلى المدينة } هي طرسوس وحملهم الورق عند فرارهم دليل على أن حمل النفقة وما يصلح للمسافر هو رأي المتوكلين على الله دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات . وعن بعض العلماء أنه كان شديد الحنين إلى بيت الله ويقول : ما لهذا السفر إلا شيئان شد الهميان والتوكل على الرحمن { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا } أي أهلها فخذف كما في { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] و«أي» مبتدأ وخبره { أزكى } أحل وأطيب أو أكثر وأرخص { طَعَامًا } تمييز { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن أو في أمر التخفي حتى لا يعرف { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور بنا من غير قصد منه فسمى ذلك إشعاراً منه بهم لأنه سبب فيه .","part":2,"page":230},{"id":731,"text":"والضمير في { أَنَّهُمْ } راجع إلى الأهل المقدر في { أيها } { إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } يطلعوا عليكم { يَرْجُمُوكُمْ } يقتلوكم أخبث القتلة { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ } بالإكراه ، والعود بمعنى الصيرورة كثير في كلامهم { وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا } { إذاً } يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن دخلتم في دينهم أبداً .\r{ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } وكما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم { لِيَعْلَمُواْ } أي الذين أطلعناهم على حالهم { أَنَّ وَعْدَ الله } وهو البعث { حَقّ } كائن لأن حالهم في نومهم وانتباههم بعدها كحال من يموت ثم يبعث { وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا } فإنهم يستدلون بأمرهم على صحة البعث { إِذْ يتنازعون } متعلق ب { أعثرنا } أي أعثرناهم عليهم حين يتنازع أهل ذلك الزمان { بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول : تبعث الأرواح دون الأجساد ، وبعضهم يقول : تبعث الأجساد مع الأرواح ليرتفع الخلاف وليتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت { فَقَالُواْ } حين توفى الله أصحاب الكهف { ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا } أي على باب كهفهم لئلا يتطرق إليهم الناس ضناً بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله A بالحظيرة { رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم ، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا { ربهم أعلم بهم } أو من كلام الله D رداً لقول الخائضين في حديثهم { قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ } من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ } على باب الكهف { مَّسْجِدًا } يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم .\rرُوي أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها وممن شدد في ذلك دقيانوس ، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه ، ثم هربوا إلى الكهف ومروا بكلب فتبعهم فطردوه . فأنطقه الله تعالى فقال : ما تريدون مني إني أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم . وقيل : مرواً براعٍ معه كلب فتبعهم على دينهم ودخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم ، وقبل أن يبعثهم الله مَلِكَ مدينتهم رجل صالح مؤمن ، وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين ، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحاً وجلس على رماد وسأل ربه أن يبين لهم الحق ، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سد به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه . ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقص عليه القصة ، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث . ثم قالت الفتية للملك : نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجدا .","part":2,"page":231},{"id":732,"text":"{ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيب وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } الضمير في { سيقولون } لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله A من المؤمنين ، وأهل الكتاب سألوا رسول الله A عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم فنزلت إخباراً بما سيجري بينهم من اختلافهم في عددهم ، وأن المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم . ويُروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي A فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد : وكان يعقوبيا كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم . وقال العاقب : وكان نسطوريا كانوا خمسة سادسهم كلبهم . وقال المسلمون : كانوا سبعة وثامنهم كلبهم . فحقق الله قول المسلمين . وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله A وبما ذكرنا من قبل . وعن علي Bه : هم سبعة نفر أسماؤهم : يمليخا ومكشلينا ومشليينار هؤلاء أصحاب يمين الملك وكان عن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره والسابع الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس ، واسم مدينتهم أفسوس واسم كلبهم قطمير . وسين الاستقبال وإن دخل في الأول دون الآخرين فهما داخلان في حكم السين كقولك «قد أكرم وأنعم» تريد معنى التوقع في الفعلين جميعاً ، أو أريد ب { يفعل } معنى الاستقبال الذي هو صالح له { ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف أي هم ثلاثة ، وكذلك { خمسة } و { سبعة } و { رابعهم كلبهم } جملة من مبتدأ وخبر واقعة صفة ل { ثلاثة } وكذلك { سادسهم كلبهم } و { ثامنهم كلبهم رجماً بالغيب } رمياً بالخبر الخفي وإتيانا به كقوله { ويقذفون بالغيب } [ سبأ : 53 ] أي يأتون به ، أو وضع الرجم موضع الظن فكأنه قيل : «ظنا» بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظن مكان قولهم ظن حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين . والواو الداخلة على الجملة الثالثة هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة النكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك «جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف» وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف . والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر ، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا { سبعة وثامنهم كلبهم } قالوه عن ثبات علم ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم دليله أن الله تعالى أتبع القولين الأولين قوله { رجماً بالغيب } وأتبع القول الثالث قوله { قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم } أي قل ربي أعلم بعدّتهم وقد أخبركم بها بقوله { سبعة وثامنهم كلبهم } { مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } قال ابن عباس Bهما : أنا من ذلك القليل .","part":2,"page":232},{"id":733,"text":"وقيل : إلا قليل من أهل الكتاب ، والضمير في { سيقولون } على هذا لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وأكثرهم على ظن وتخمين { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ } فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف { إِلاَّ مِرَآء ظاهرا } إلا جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل لهم أو بمشهد من الناس ليظهر صدقك { وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً } ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال متعنت له حتى يقول شيئاً فترده عليه وتزيف ما عنده ولا سؤال مسترشد لأن الله تعالى قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم .","part":2,"page":233},{"id":734,"text":"{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } لأجل شيء تعزم عليه { إِنّى فَاعِلٌ ذلك } الشيء { غَداً } أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } أن تقوله بأن يأذن ذلك لك فيه ، أو ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله أي إلا بمشيئته ، وهو في موضع الحال أي إلا ملتبساً بمشيئة الله قائلاً إن شاء الله . وقال الزجاج : معناه : ولا تقولن إني أفعل ذلك إلا بمشيئة الله تعالى ، لأن قول القائل «أنا أفعل ذلك إن شاء الله» معناه : لا أفعله إلا بمشيئة الله ، وهذا نهي تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش : سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال : ائتوني غداً أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه { واذكر رَّبَّكَ } أي مشيئة ربك وقل إن شاء الله { إِذَا نَسِيتَ } إذا فرط منك نسيان لذلك ، والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر ، عن الحسن : مادام في مجلس الذكر . وعن ابن عباس Bهما : ولو بعد سنة . وهذا محمول على تدارك التبرك بالاستثناء ، فأما الاستثناء المغير حكماً فلا يصح إلا متصلاً ، وحُكي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة C خالف ابن عباس Bهما في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة : هذا يرجع عليك إنك تأخذ البيعة بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده . أو معناه واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء تشديداً في البعث على الاهتمام بها ، أو صل صلاة نسيتها إذا ذكرتها ، أو إذا نسيت شيئاً فاذكره ليذكرك المنسي { وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِى رَبّى لأَِقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا } يعني إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك ، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول : عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رشداً وأدنى خيراً ومنفعه . { أن يهدين } ، { إن ترن } ، { أن يؤتين } ، { أن تعلمن } . مكى في الحالين ، ووافقه أبو عمرو ومدني في الوصل .","part":2,"page":234},{"id":735,"text":"{ وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةِ سِنِينَ } يريد لبثهم فيه أحياء مضروباً على آذانهم هذه المدة وهو بيان لما أجمل في قوله : { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً } وسنين عطف بيان لثلثمائة . ثلثمائة سنين بالإضافة : حمزة وعليّ ، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله { بالأخسرين أعمالاً } [ الكهف : 103 ] { وازدادوا تِسْعًا } أي تسع سنين لدلالة ما قبله عليه { تسعاً } مفعول به لأن «زاد» تقتضي مفعولين ف «ازداد» يقتضي مفعولاً واحداً { قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } أي هو أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم والحق ما أخبرك به ، أو هو حكاية لكلام أهل الكتاب و { قل الله أعلم } رد عليهم ، والجمهور على أن هذا إخبار من الله سبحانه وتعالى أنهم لبثوا في كهفهم كذا مدة { لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض } ذكر اختصاصه بعلم ما غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } أي وأسمع به والمعنى ما أبصره بكل موجود وما أسمعه لكل مسموع { مَالَهُم } لأهل السموات والأرض { مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ } من متول لأمورهم { وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ } في قضائه { أَحَدًا } منهم ، ولا تشرك على النهي : شامي . كانوا يقولون له ائت بقرآن غير هذا أو بدله فقيل له : { واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ } أي من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل فإنه { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } أي لا يقدر أحد على تبديلها أو تغييرها إنما يقدر على ذلك هو وحده { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك . ولما قال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله A : نحِّ هؤلاء الموالي وهم صهيب وعمار وخباب وسلمان وغيرهم من فقراء المسلمين حتى نجالسك نزل :","part":2,"page":235},{"id":736,"text":"{ واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم } واحبسها معهم وثبتها { بالغداة والعشى } دائبين على الدعاء في كل وقت ، أو بالغداة لطلب التوفيق والتيسير ، والعشي لطلب عفو التقصير ، أوهما صلاة الفجر والعصر . { بالغُدوة } شامي { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } رضا الله { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } ولا تجاوز ، عداه إذا جاوزه وعدى ب «عن» لتضمن «عدا» معنى «نبا» في قولك «نبت عنه عينه» ، وفائدة التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى قد { تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا } في موضع الحال { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر وهو دليل لنا على أنه تعالى خالق أفعال العباد { واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } مجاوزاً عن الحق { وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ } أي الإسلام أو القرآن ، و { الحق } خبر مبتدأ محذوف أي هو { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } أي جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك . وجيء بلفظ الأمر والتخيير لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ماشاء من النجدين . ثم ذكر جزاء من اختار الكفر فقال : { إِنَّا أَعْتَدْنَا } هيأنا { للظالمين } للكافرين فقيد بالسياق كما تركت حقيقة الأمر والتخيير بالسياق وهو قوله { إنا أعتدنا للظالمين } { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق وهي الحجرة التي تكون حول الفسطاط ، أو هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار ، أو هو حائط من نار يطيف بهم { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ } من العطش { يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل } هو دردى الزيت أو ما أذيب من جواهر الأرض وفيه تهكم بهم { يَشْوِى الوجوه } إذا قدم ليشرب انشوى الوجوه من حرارته { بِئْسَ الشراب } ذلك { وَسَاءتْ } النار { مُرْتَفَقًا } متكأ من الرفق وهذه لمشاكلة قوله : { وحسنت مرتفقا } وإلا فلا ارتفاق لأهل النار .\rوبين جزاء من اختار الإيمان فقال :","part":2,"page":236},{"id":737,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } كلام مستأنف بيان للأجر المبهم ، ولك أن تجعل { إنَّا لا نضيع } و { أولئك } خبرين معاً . والمراد من أحسن منهم عملاً كقولك «السمن منوان بدرهم» ، أو لأن { من أحسن عملاً } و { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ينتظمهما معنى واحد فأقام من «أحسن» مقام الضمير { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } «من» للإبتداء ، وتنكير أساور وهي جمع أسورة التي هي جمع سوار لإبهام أمرها في الحسن { مّن ذَهَبٍ } «من» للتبيين { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ } ما رَقَّ من الديباج { وَإِسْتَبْرَقٍ } ما غلظ منه أي يجمعون بين النوعين { مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك } خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم { نِعْمَ الثواب } الجنة { وَحَسُنَتْ } الجنة والأرائك { مُرْتَفَقًا } متكأ .\r{ واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ } ومثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل ، أحدهما كافر اسمه قطروس ، والآخر مؤمن اسمه يهوذا . وقيل : هما المذكوران في«والصافات» في قوله : { قال قائل منهم إني كان لي قرين } [ الصافات : 51 ] ورثاً من أبيهما ثمانية آلاف دينار فجعلاها شطرين ، فاشترى الكافر أرضاً بألف دينار فقال المؤمن : اللهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ، ثم بنى أخوه داراً بألف فقال : اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به ، ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال : اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور ، ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال : اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق ، به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله { جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب } بساتين من كروم { وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة . يقال حفوه إذا أطافوا به ، وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيد الباء مفعولاً ثانياً { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه ، ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق","part":2,"page":237},{"id":738,"text":"{ كِلْتَا الجنتين اتَتْ } أعطت حمل على اللفظ لأن اللفظ «كلتا» مفرد ولو قيل «آتتا» على المعنى لجاز { أُكُلُهَا } ثمرها { وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ } ولم تنقص من أكلها { شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً } نعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص ثم بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به وهو النهر الجاري فيها .\r{ وَكَانَ لَهُ } لصاحب الجنتين { ثَمَرٌ } أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثره أي كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الكثيرة من الذهب والفضة وغيرهما له ثمر . { وأحيط بثمره } بفتح الميم والثاء : عاصم ، وبضم الثاء وسكون الميم : أبو عمرو ، وبضمهما : غيرهما { فَقَالَ لصاحبه وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } يراجعه الكلام من حار يحور إذا رجع ، يعني قطروس أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه { أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } أنصاراً وحشماً ، أو أولاداً ذكوراً لأنهم ينفرون معه دون الإناث .","part":2,"page":238},{"id":739,"text":"{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } إحدى جنتيه أو سماها جنة لاتحاد الحائط ، وجنتين للنهر الجاري بينهما { وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } ضار لها بالكفر { قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً } أي أن تهلك هذه الجنة ، شك في بيدودة جنته لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة ، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك { وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } كائنة { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً } إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض كما يزعم صاحبه ليجدن في الآخرة خيراً من جنته في الدنيا إدعاء لكرامته عليه ومكانته عنده { منقلباً } تمييز أي مرجعاً وعاقبة { قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } أي خلق أُصلك لأن خلق أصله سبب في خلقه وكان خلقه خلقاً له { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } أي خلقك من نطفة { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } عدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال جعله كافراً بالله لشكه في البعث .\r{ لَكُنَّا } بالألف في الوصل : شامي ، الباقون بغير ألف ، وبالألف في الوقف اتفاق ، وأصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فتلاقت النونان فأدغمت الأولى في الثانية بعد أن سكنت { هُوَ الله رَبّى } هو ضمير الشأن والشأن الله ربي والجملة خبر «أنا» والراجع منها إليه ياء الضمير ، وهو استدراك لقوله { أكفرت } قال لأخيه أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد كما تقول : زيد غائب لكن عمراً حاضر ، وفيه حذف أي أقول هو الله بدليل عطف { وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا وَلَوْلاَ } وهلا { إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله } «ما»موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره : الأمر ما شاء الله ، أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف يعني أي شيء شاء الله كان والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله ، اعترافا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئة الله ، وأن أمرها بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها ، { لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله } إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده . من قرأ { إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً } بنصب { أقل } فقد جعل { أنا } فصلاً ومن رفع وهو الكسائي جعله مبتدأ و { أقل } خبره والجملة مفعولاً ثانياً ل «ترني» وفي قوله : { وَوَلَدًا } نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله : { وأعز نفرا } .","part":2,"page":239},{"id":740,"text":"{ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ } في الدنيا أو في العقبي { وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا } عذاباً { مِّنَ السماء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } أرضاً بيضاء يزلق عليها لملاستها { أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } غائراً أي ذاهباً في الأرض { فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } فلا يتأتى منك طلبه فضلاً عن الوجود ، والمعنى إن ترن أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي ومابك من الفقر والغنى فيرزقني لإيماني جنة خيراً من جنتك ، ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب بساتينك .\r{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } هو عبارة عن إهلاكه وأصله من أحاط به العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك { فَأَصْبَحَ } أي الكافر { يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } يضرب إحداهما على الآخر ندماً وتحسراً وإنما صار تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهراً لبطن كما كنى عن ذلك بِعَضِّ الكف والسقوط في اليد ، ولأنه في معنى الندم عُدي تعديته ب «على» كأنه قيل : فأصبح يندم { عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } أي في عمارتها { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } يعني أن المعرشة سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم { وَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتي من جهة كفره وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركاً حتى لا يهلك الله بستانه حين لم ينفعه التمني ، ويجوز أن يكون توبة من الشرك وندماً على ما كان منه ودخولاً في الإيمان\r.","part":2,"page":240},{"id":741,"text":"{ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ } يقدرون على نصرته { مِن دُونِ الله } أي هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لحكمة { وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } وما كان ممتنعاً بقوته عن انتقام الله { هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق } { يكن } بالياء و { الولاية } بكسر الواو : حمزة وعلي فهي بالفتح النصرة والتولي ، وبالكسر السلطان والملك ، والمعنى هنالك أي في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه تقريراً لقوله { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } أو هنالك السلطان والملك A لا يغلب ، أو في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر يعني أن قوله { ياليتني لم أشرك بربي أحداً } كلمة ألجيء إليها فقالها جزعاً مما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها . أو هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم يعني أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله { فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء } ويؤيده قوله : { هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقباً } أي لأوليائه ، أو { هنالك } إشارة إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله كقوله : { لمن الملك اليوم } [ غافر : 16 ] { الحق } بالرفع : أبو عمرو وعلي صفة ل { الولاية } أو خبر مبتدأ محذوف أي هي الحق أو هو الحق . غيرهما بالجر صفة لله . و { عقبا } ً بسكون القاف : عاصم وحمزة ، وبضمها : غيرهما ، وفي الشواذ «عقبى» على وزن «فعلى» وكلها بمعنى العاقبة .\r{ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء أنزلناه مِنَ السماء } أي هي كماء أنزلناه { فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض } فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً أو أثر في النبات الماء فاختلط به حتى روى { فَأَصْبَحَ هَشِيمًا } يابساً متكسراً الواحدة هشيمة { تَذْرُوهُ الرياح } تنسفه وتطيره . { الريح } حمزة وعلي { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء } من الإنشاء والإفناء { مُّقْتَدِرًا } قادراً ، شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والإفناء بحال النبات يكون أخضر ثم يهيج فتطيره الريح كأن لم يكن .","part":2,"page":241},{"id":742,"text":"{ المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا } لا زاد القبر وعدة العقبى { والباقيات الصالحات } أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان ، أو الصلوات الخمس ، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر { خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } جزاء { وَخَيْرٌ أَمَلاً } لأنه وعد صادق وأكثر الآمال كاذبه يعني أن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ويصيبه في الآخرة { وَيَوْمَ } واذكر يوم { نُسَيّرُ الجبال } { تُسيَّر الجبال } مكي وشامي وأبو عمرو أي تسير في الجو ، أو يذهب بها بأن تجعل هباء منثوراً منبثاً { وَتَرَى الأرض بَارِزَةً } ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار { وحشرناهم } أي الموتى { فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } أي فلم نترك . غادره أي تركه ومنه الغدر ترك الوفاء والغدير ما غادره السيل { وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا } مصطفين ظاهرين ترى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً ، شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا } أي قلنا لهم لقد جئتمونا ، وهذا المضمر يجوز أن يكون عامل النصب في { يوم نسير } { كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة ، أو جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أولاً . وإنما قال : { وحشرناهم } ماضياً بعد { نسير } و { ترى } للدلالة على حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال . كأنه قيل : وحشرناهم قبل ذلك { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } وقتاً لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور أو مكان وعد للمحاسبة .\r{ وَوُضِعَ الكتاب } أي صحف الأعمال { فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ } خائفين { مِمَّا فِيهِ } من الذنوب { وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَّالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } أي لا يترك شيئاً من المعاصي { إِلاَّ أَحْصَاهَا } حصرها وضبطها { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا } في الصحف عتيداً أو جزاء ما عملوا { وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } فيكتب عليه ما لم يعمل أو يزيد في عقابه أو يعذبه بغير جرم .","part":2,"page":242},{"id":743,"text":"{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ } فسجود تحية أو سجود انقياد { فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن } وهو مستأنف كأن قائلاً قال : ما له لم يسجد؟ فقيل : كان من الجن { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } خرج عما أمره ربه به من السجود وهو دليل على أنه كان مأموراً بالسجود مع الملائكة { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ } الهمزة للإنكار والتعجب كأنه قيل : أعقيب ما وجد منه تتخذونه وذريته { أَوْلِيَاء مِن دُونِى } وتستبدلونهم بي؟ ومن ذريته «لا قيس» موسوس الصلاة و«الأعور» صاحب الزنا و«بتر» صاحب المصائب ومطوس صاحب الأراجيف و«داسم» يدخل ويأكل مع من لم يسم الله تعالى { وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } أعداء { بِئْسَ للظالمين بَدَلاً } بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله { مَّا أَشْهَدتُّهُمْ } أي إبليس وذريته { خَلَقَ السماوات والأرض } يعني أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة وإنما يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية فنفى مشاركتهم الإلهية بقوله { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض } لأعتضد بهم في خلقها أو أشاورهم فيه أي تفردت بخلق الأشياء فأفردوني في العبادة { وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 29 ] { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين } أي وما كنت متخذهم { عَضُداً } أي أعواناً فوضع { المضلين } موضع الضمير ذمًّا لهم بالإضلال ، فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق فمالكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة؟","part":2,"page":243},{"id":744,"text":"{ وَيَوْمَ يَقُولُ } الله للكفار ، وبالنون : حمزة { نَادُواْ } ادعوا بصوت عالٍ { شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ } أنهم فيكم شركائي ليمنعوكم من عذابي ، وأراد الجن وأضاف الشركاء إليه على زعمهم توبيخاً لهم { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً } مهلكا من وبق يبق وبوقاً إذا هلك ، أو مصدر كالموعد أي وجعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم وهو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركاً يهلكون فيه جميعاً ، أو الملائكة وعزيراً وعيسى . والموبق البرزخ البعيد أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان { وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ } فَأيقنوا { أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } مخالطوها واقعون فيها { وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا } عن النار { مَصْرِفًا } معدلاً { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذا القرءان لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ } يحتاجون إليه { وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً } تمييز أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحداً بعد واحد خصومة ومماراة بالباطل يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى } أي سببه وهو الكتاب والرسول { وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب } «أن» الأولى نصب ، والثانية رفع ، وقبلها مضاف محذوف تقديره : وما منع الناس الإيمان والاستغفار إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك ، أو انتظار أن يأتيهم العذاب أي عذاب الآخرة { قُبُلاً } كوفي أي أنواعاً جمع قبيل . الباقون { قِبلا } أي عياناً .\r{ وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } يوقف عليه ويستأنف بقوله : { ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل } هو قولهم للرسل { ما أنتم إلا بشر مثلنا } [ يس : 15 ] و { لو شاء الله لأنزل ملائكة } [ المؤمنون : 24 ] ونحو ذلك { لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق } ليزيلوا ويبطلوا بالجدال النبوة { واتخذوا ءاياتى } القرآن { وَمَا أُنْذِرُواْ } «ما» موصولة والراجع من الصلة محذوف أي وما أنذروه من العقاب ، أو مصدرية أي وإنذارهم { هُزُواً } موضع استهزاء بسكون الزاي والهمزة : حمزة ، وبإبدال الهمزة واوا : حفص ، وبضم الزاي والهمزة : غيرهما .","part":2,"page":244},{"id":745,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ } بالقرآن ولذلك رجع الضمير إليها مذكراً في قوله أن { يفقهوه } { فَأَعْرَضَ عَنْهَا } فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر { وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } عاقبة ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي غير متفكر فيها ولا ناظر في أن المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء . ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم بقوله : { إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية جمع كنان وهو الغطاء { أن يفقهوهُ وفي ءاذانهم وَقراً } ثقلاً عن استماع الحق وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ من ومعناه { وَإِن تَدْعُهُمْ } يا محمد { إِلَى الهدى } إلى الإيمان { فَلَنْ يَهْتَدُواْ } فلا يكون منهم اهتداء ألبتة { إِذَا } جزاء وجواب فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سبباً في انتفائه ، وعلى أنه جواب للرسول على تقدير قوله مالي لا أدعوهم حرصاً على إسلامهم؟ فقيل { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً } { أَبَدًا } مدة التكليف كلها .\r{ وَرَبُّكَ الغفور } البليغ المغفرة { ذُو الرحمة } الموصوف بالرحمة { لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب } أي ومن رحمته ترك مؤاخذته أهل مكة عاجلاً مع فرط عداوتهم لرسول الله A { بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } وهم يوم بدر { لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منجى ولا ملجأ يقال : وآل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه { وَتِلْكَ } مبتدأ { القرى } صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر { أهلكناهم } أو { تلك القرى } نصب بإضمار «أهلكنا» على شريطة التفسير ، والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم والمراد قوم نوح وعاد وثمود { لَمَّا ظَلَمُواْ } مثل ظلم أهل مكة { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا } وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ووقته . وبفتح الميم وكسر اللام : حفص ، وبفتحهما : أبو بكر أي لوقت هلاكهم أو لهلاكهم والموعد وقت أو مصدر .","part":2,"page":245},{"id":746,"text":"{ وَإِذْ } واذكر إذ { قَالَ موسى لفتاه } هو يوشع بن نون . وإنما قيل { فتاه } لأنه كان يخدمه ويتبعه ويأخذ منه العلم { لا أَبْرَحُ } لا أزال وقد حذف الخبر لدلالة الحال والكلام عليه ، أما الأولى فلأنها كانت حال سفر وأما الثاني فلأن قوله : { حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين } غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له فلا بد أن يكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحر فارس والروم . وسمي خضراً لأنه أينما يصلي يخضر ما حوله { أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً } أو أسير زماناً طويلاً قيل ثمانون سنة . رُوي أنه لما ظهر موسى عليه السلام على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط سأل ربه : أي عبادك أحب إليك؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني . قال : فأي عبادك أقضى؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى ، قال : فأي عبادك أعلم؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ، فقال : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه . قال : أعلم منك الخضر . قال : أين أطلبه؟ قال : على الساحل عند الصخرة قال : يا رب كيف لي به؟ قال : تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك . فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني ، فذهبا يمشيان فرقد موسى فاضطرب الحوت ووقع في البحر ، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى فقال : وإني بأرضنا السلام : فعرفه نفسه فقال : يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا .","part":2,"page":246},{"id":747,"text":"{ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } مجمع البحرين { نَسِيَا حُوتَهُمَا } أي نسي أحدهما وهو يوشع لأنه كان صاحب الزاد دليله { فإني نسيت الحوت } وهو كقولهم«نسوا زادهم» وإنما ينساه متعهد الزاد . قيل : كان الحوت سمكة مملوحة فنزلا ليلة على شاطئ عين الحياة ونام موسى . فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت ووقعت في الماء { فاتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر } أي اتخذ طريقاً له من البر إلى البحر { سَرَباً } نصب على المصدر أي سرب فيه سرباً يعني دخل فيه واستر به { فَلَمَّا جَاوَزَا } مجمع البحرين ثم نزلا وقد سارا ما شاء الله { قَالَ } موسى { لفتاه ءاتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً } تعبا ولم يتعب ولا جاع قبل ذلك { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصخرة } هي موضع الموعد { فَإِنّى نَسِيتُ الحوت } ثم اعتذر فقال : { وَمَا أَنْسَانِيهُ } وبضم الهاء : حفص { إِلاَّ الشيطان } بإلقاء الخواطر في القلب { أَنْ أَذْكُرَهُ } بدل من الهاء في { أنسانيه } أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان { واتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر عَجَبًا } وهو أن أثره بقي إلى حيث سار { قَالَ ذلك مَا كُنَّا نَبْغِ } نطلب . وبالياء : مكي ، وافقه أبو عمرو وعلي ومدني في الوصل ، وبغير ياء فيهما : غيرهما اتباعاً لخط المصحف و { ذلك } إشارة إلى اتخاذه سبيلاً أي ذلك الذي كنا نطلب لأن ذهاب الحوت كان علماً على لقاء الخضر عليه السلام { فارتدا على ءاثَارِهِمَا } فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه { قَصَصًا } يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً . قال الزجاج : القصص اتباع الأثر { فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } أي الخضر راقداً تحت ثوب أو جالساً في البحر { ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } هي الوحي والنبوة أو العلم أو طول الحياة { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } يعني الإخبار بالغيوب . وقيل : العلم اللدني ما حصل للعبد بطريق الإلهام .\r{ قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } أي علماً ذا رشد أرشد به في ديني { رشَدا } أبو عمرو وهما لغتان كالبخل والبخل ، وفيه دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وأن كان قد بلغ نهايته وإن يتواضع لمن هو أعلم منه .","part":2,"page":247},{"id":748,"text":"{ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ } وبفتح الياء : حفص ، وكذا ما بعده في هذه السورة { صَبْراً } أي عن الإنكار والسؤال { وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } تمييز ، نفي استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد وعلل ذلك بأنه يتولى أموراً هي في ظاهرها مناكير والرجل الصالح لا يتمالك أن يجزع إذا رأى ذلك فيكف إذا كان نبياً! { قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا } من الصابرين عن الإنكار والإعراض { وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } في محل النصب عطف على { صابراً } أي ستجدني صابراً وغير عاص ، أو هو عطف على { ستجدني } ولا محل له { قَالَ فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى } بفتح اللام وتشديد النون : مدني وشامي ، وبسكون اللام وتخفيف النون : غيرهما ، والياء ثابتة فيهما إجماعاً { عَن شَىء حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } أي فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت مني شيئاً وقد علمت أنه صحيح إلا أنه خفي عليك وجه صحته فأنكرت في نفسك أن لا تفاتحني بالسؤال ولا تراجعني فيه حتى أكون أنا الفاتح عليك ، وهذا من أدب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع .\r{ فانطلقا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا } فانطلقا على ساحل البحر يطلبان السفينة فلما ركباها قال أهلها : هما من اللصوص ، وقال صاحب السفينة : أرى وجوه الأنبياء فحملوهما بغير نول ، فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ثم { قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } { ليَغرق } حمزة وعلي من غرق { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أتيت شيئاً عظيماً من أمر الأمر إذا عظم .","part":2,"page":248},{"id":749,"text":"{ قَالَ } أي الخضر { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } فلما رأى موسى أن الخرق لا يدخله الماء ولم يفر من السفينة { قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ } بالذي نسيته أو بشيء نسيته أو بنسياني أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي ، أو أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة { وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِى عُسْراً } رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أي ولا تغشني عسراً من أمري وهو اتباعه إياه أي ولا تعسر على متابعتك ويسرها عليَّ بالإغضاء وترك المناقشة { فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ } قيل : ضرب برأسه الحائط . وقيل : أضجعه ثم ذبحه بالسكين . وإنما قال : { فقتله } بالفاء وقال : { خرقها } بغير فاء ، لأن { خرقها } جعل جزاء للشرط وجعل { قتله } من جملة الشرط معطوفاً عليه والجزاء { قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا } وإنما خولف بينهما لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب وقد تعقب القتل لقاء الغلام { زَكِيَّةً } { زاكية } حجازي وأبو عمرو وهي الطاهرة من الذنوب ، إما لأنها طاهرة عنده لأنه لم يرها قد أذنبت أو لأنها صغيرة لم يبلغ الحنث { بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي لم تقتل نفساً فيقتص منها . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نجدة الحروري كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول A عن قتل الولدان؟ فكتب إليه : إن علمت من حال الولدان ما علمه موسى فلك أن تقتل .\r{ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } وبضم الكاف حيث كان : مدني وأبو بكر وهو المنكر . وقيل : النكر أقل من الإمر لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفنية ، أو معناه جئت شيئاً أنكر من الأول لأن الخرق يمكن تداركه بالسد ولا يمكن تدارك القتل\r.","part":2,"page":249},{"id":750,"text":"{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } زاد { لك } هنا لأن النكر فيه أكثر { قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا } بعد هذه الكرة أو المسألة { فَلاَ تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً } أعذرت فيما بيني وبينك في الفراق . و { لدني } بتخفيف النون : مدني وأبو بكر .\r{ فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } هي أنطاكية أو الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء { استطعما أَهْلَهَا } استضافاً { فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا } ضيفه أنزله وجعله ضيفه قال عليه السلام : \" كانوا أهل قرية لئاماً \" وقيل : شر القرى التي تبخل بالقرى { فَوَجَدَا فِيهَا } في القرية { جِدَاراً } طوله مائة ذراع { يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } يكاد يسقط استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة كما استعير الهم والعزم لذلك { فَأَقَامَهُ } بيده أو مسحه بيده فقام واستوى ، أو نقضه وبناه كان الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسائلة فلم يجدا مواسياً ، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رآى من الحرمان ومساس الحاجة أن { قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } أي لطلبت على عملك جعلا حتى تستدفع به الضرورة . { لتخذت } بتخفيف التاء وكسر الخاء وإدغام الذال : بصري ، وبإظهارها : مكي ، وبتشديد التاء وفتح الخاء وإظهار الذال : حفص ، وبتشديد التاء وفتح الخاء وإدغام الذال في التاء : غيرهم . والتاء في «تخذ» أصل كما في «تبع» ، و«اتخذ» افتعل منه كاتبع من تبع وليس من الأخذ في شيء .","part":2,"page":250},{"id":751,"text":"{ قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } هذا إشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض سبب الفراق ، والأصل هذا فراق بيني وبينك ، وقد قرىء به فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به { سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } { أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر } قيل : كانت لعشرة أخوة خمسة منهم زمنى وخمسة يعلمون في البحر { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } أجعلها ذات عيب { وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ } أمامهم أو خلفهم وكان طريقهم في رجوعهم عليه وما كان عندهم خبره فأعلم الله به الخضر وهو جلندي { يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } أي يأخذ كل سفينة صالحة لا عيب فيها غصباً وإن كانت معيبة تركها ، وهو مصدر أو مفعول له . فإن قلت : قوله : { فأردت أن أعيبها } مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب . قلت : المراد به التأخير وإنما قدم للعناية .\r{ وَأَمَّا الغلام } وكان اسمه الحسين { فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً } فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ويلحق بهما شراً وبلاء ، أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه وهو من كلام الخضر . وإنما خشي الخضر منه ذلك لأنه تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره وإن كان من قول الله تعالى ، فمعنى { فخشينا } فعلمنا إن عاش أن يصير سبباً لكفر والديه { فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا } { يبَدِّلهما ربهما } مدني وأبو عمرو { خَيْراً مّنْهُ زكواة } طهارة ونقاء من الذنوب { وَأَقْرَبَ رُحْماً } رحمة وعطفا ، و { زكاة } و { رحما } تمييز . روي أنه ولدت لهما جارية تزوجها نبي فولدت نبياً أو سبعين نبياً أو أبدلهما ابناً مؤمناً مثلهما شامي وهما لغتان { وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين } أصرم وصريم { يَتِيمَيْنِ فِى المدينة } هي القرية المذكورة { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } أي لوح من ذهب مكتوب فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا الله محمد رسول الله . أو مال مدفون من ذهب وفضة أو صحف فيها علم والأول أظهر . وعن قتادة : أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا ، وحرمت الغنيمة عليها وأحلت لنا . { وَكَانَ أَبُوهُمَا } قيل : جدهما السابع { صالحا } ممن يصحبني . وعن الحسين بن علي Bهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما : بم حفظ الله الغلامين؟ قال : بصلاح أبيهما . قال : فأبي وجدي خير منه { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } أي الحلم { وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً } مفعول له أو مصدر منصوب ب { أراد ربك } لأنه في معنى رحمهما { مّن رَّبّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ } وما فعلت ما رأيت { عَنْ أَمْرِى } عن اجتهادي وإنما فعلته بأمر الله والهاء تعود إلى الكل أو إلى الجدار { ذلك } أي الأجوبة الثلاثة { تَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } حذف التاء تخفيفاً .","part":2,"page":251},{"id":752,"text":"وقد زل أقدام أقوام من الضلال في تفضيل الولي على النبي وهو كفر جلي حيث قالوا : أمر موسى بالتعلم من الخضر وهو وليّ . والجواب أن الخضر نبي وإن لم يكن كما زعم البعض ، فهذا ابتلاء في حق موسى عليه السلام على أن أهل الكتاب يقولون : إن موسى هذا ليس موسى بن عمران إنما هو موسى بن مانان ، ومن المحال أن يكون الوليّ وليًّا إلا بإيمانه بالنبي ثم يكون النبي دون الوليّ ، ولا غضاضة في طلب موسى العلم لأن الزيادة في العلم مطلوبة . وإنما ذكر أولاً { فأردت } لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله ، وثالثاً { فأراد ربك } لأنه إنعام محض وغير مقدور البشر ، وثانياً { فأردنا } لأنه إفساد من حيث الفعل إنعام من حيث التبديل . وقال الزجاج : معنى فأردنا فأراد الله D ومثله في القرآن كثير .\r{ وَيَسْئَلُونَكَ } أي اليهود على جهة الإمتحان ، أو أبو جهل وأشياعه { عَن ذِى القرنين } هو الإسكندر الذي ملك الدنيا . قيل : ملكها مؤمنان : ذو القرنين وسليمان ، وكافران : نمرود وبختنصر وكان بعد نمرود . وقيل : كان عبداً صالحاً ملّكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له النور والظلمة ، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه . وقيل : نبياً . وقيل : ملكاً من الملائكة . وعن عليّ Bه أنه قال : ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله ، فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله أراد نفسه . قيل : كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى . وقال عليه السلام : « سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا » يعني جانبيها شرقها وغربها . وقيل : كان له قرنان أي ضفيرتان ، أو انقرض في وقته قرنان من الناس ، أو لأنه ملك الروم وفارس أو الترك والروم ، أو كان لتاجه قرنان أو على رأسه ما يشبه القرنين ، أو كان كريم الطرفين أبا وأما وكان من الروم { قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ } من ذي القرنين { ذِكْراً } .","part":2,"page":252},{"id":753,"text":"{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } جعلنا له فيها مكانة واعتلاء { وَءَاتَيِنَاه مِن كُلّ شَىْء } أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه { سَبَباً } طريقاً موصلاً إليه { فَأَتْبَعَ سَبَباً } والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة فأراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً . يوصله إليه حتى بلغ ، وكذلك أراد المشرق فأتبع سبباً ، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً . { فأتبع سبباً } { ثم أتبع } كوفي وشامي الباقون : بوصل الألف وتشديد التاء . عن الأصمعي : أتبع لحق واتبع اقتفى وإن لم يلحق { حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس } أي منتهى العمارة نحو المغرب وكذا المطلع قال A : « بدء أمره أنه وجد في الكتب أن أحد أولاد سام يشرب من عين الحياة فيخلد فجعل يسير في طلبها والخضر وزيره وابن خالته فظفر فشرب ولم يظفر ذو القرنين » { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ذات حمأة من حمئت البئر إذا صارت فيها الحمأة . { حامية } شامي وكوفي غير حفص بمعنى حارة . عن أبي ذر : كنت رديف رسول الله A على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال : « أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟ » قلت الله ورسوله أعلم . قال : « فإنها تغرب في عين حامية . » وكان ابن عباس Bهما عند معاوية فقرأ معاوية { حامية } فقال : ابن عباس : حمئة فقال معاوية لعبد الله بن عمرو : كيف تقرؤها؟ فقال : كما يقرأ أمير المؤمنين . ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال : في ماء وطين كذلك نجده في التوراة فوافق قول ابن عباس Bهما ، ولا تنافي فجاز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً { وَوَجَدَ عِندَهَا } عند تلك العين { قَوْماً } عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم ما لفظ البحر وكانوا كفاراً { قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } إن كان نبياً فقد أوحى الله إليه بهذا وإلا فقد أوحي إلى نبي فأمره النبي به ، أو كان إلهاماً خير بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على أمرهم وبين أن يتخذ فيهم حسناً بإكرامهم وتعليم الشرائع إن آمنوا ، أو التعذيب القتل وإتخاذ الحسن الأسر لأنه بالنظر إلى القتل إحسان .","part":2,"page":253},{"id":754,"text":"{ قَالَ } ذو القرنين { أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } بالقتل { ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } في القيامة يعني أما من دعوته إلى الإسلام فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم وهو الشرك فذاك هو المعذب في الدارين .\r{ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحا } أي عمل ما يقتضيه الإيمان { فَلَهُ جَزَاء الحسنى } فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة . { جزاءً الحسنى } كوفي غير أبي بكر أي فله الفعلة الحسنى جزاء { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } أي ذا يسر أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ } هم الزنج { لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا } من دون الشمس { سِتْراً } أي أبنية عن كعب أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم ، أو الستر اللباس . عن مجاهد : من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض .","part":2,"page":254},{"id":755,"text":"{ كذلك } أي أمر ذي القرنين كذلك أي كما وصفناه تعظيماً لأمره { وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ } من الجنود والآلات وأسباب الملك { خُبْراً } نصب على المصدر لأن في { أحطنا } معنى خبرنا ، أو بلغ مطلع الشمس مثل ذلك أي كما بلغ مغربها ، أو تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم يعني أنهم كفرة مثلهم وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر وإحسانه إلى من آمن منهم { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } بين الجبلين وهما جبلان سد ذو القرنين ما بينهما . { السَّدين } و { سًداً } مكي وأبو عمرو وحفص { السُّدين } و { سدا } حمزة وعلي ، وبضمهما : غيرهم . قيل : ما كان مسدوداً خلقة فهو مضموم ، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح . وانتصب { بين } على أنه مفعول به ل { بلغ } كما انجر بالإضافة في { هذا فراق بيني وبينك } وكما ارتفع في { لقد تقطع بينكم } [ الأنعام : 94 ] لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفاً وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق { وَجَدَ مِن دُونِهِمَا } من ورائهما { قَوْماً } هم الترك { لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } أي لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها . { يُفقهون } حمزة وعلي أن لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لأن لغتهم غريبة مجهولة .\r{ قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } هما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، وهمزهما عاصم فقط . وهما من ولد يافث أو يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم { مُفْسِدُونَ فِى الأرض } قيل كانوا يأكلون الناس . وقيل : كانوا يخرجوا أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أخضر إلا أكلوه ، ولا يابساً إلا احتملوه ، ولا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح . وقيل : هم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } { خراجا } حمزة وعلي أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال { على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا } .","part":2,"page":255},{"id":756,"text":"{ قال ما مكَّني } بالإدغام وبفكه مكي { فِيهِ رَبّى خَيْرٌ } أي ما جعلني فيه مكيناً من كثرة المال واليسار خير مما تبذلون لي من الخرج فلا حاجة لي إليه { فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ } بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل وبالآلات { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } جداراً وحاجزاً حصيناً موثقاً والردم أكبر من السد { ءَاتُونِي زُبَرَ الحديد } قطع الحديد والزبرة القطعة الكبيرة . قيل : حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينها الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى ، فاختلط والتصق بعضه وصار جلداً وصلدا ، وقيل : بعدما بين السدين فإنه فرسخ { حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين } بفتحتين جانبي الجبلين لأنها يتصادفان أي يتقابلان . { الصُّدَفين } مكى وبصرى وشامي . { الصُّدْفين } أبو بكر { قَالَ انفخوا } أي قال ذو القرنين للعملة : انفخوا في الحديد { حتى إِذَا جَعَلَهُ } أي المنفوخ فيه وهو الحديد { نَارًا } كالنار { قَالَ آتُونِى } أعطوني { أَفْرِغْ } أصب { عَلَيْهِ قِطْراً } نحاساً مذاباً لأنه يقطر وهو منصوب ب { أفرغ } وتقديره آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأول لدلالة الثاني عليه { قال ائتوني } بوصل الألف : حمزة وإذا ابتدأ كسر الألف أي جيئوني .","part":2,"page":256},{"id":757,"text":"{ فَمَا اسطاعوا } بحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من الطاء { أَن يَظْهَرُوهُ } أن يعلوا السد { وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا } أي لا حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه ولا نقب لصلابته { قَالَ هذا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى } أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده ، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته { فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى } فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي { جَعَلَهُ } أي السد { دَكَّاء } أي مدكوكا مبسوطاً مسوى بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك . { دكاء } كوفي أي أرضاً مستوية { وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً } آخر قول ذي القرنين { وَتَرَكْنَا } وجعلنا { بَعْضُهُمْ } بعض الخلق { يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ } يختلط { فِى بَعْضِ } أي يطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى ، ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد . ورُوي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة بيت المقدس ، ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيموتون { وَنُفِخَ فِى الصور } لقيام الساعة { فجمعناهم } أي جمع الخلائق للثواب والعقاب { جَمْعاً } تأكيد { وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ للكافرين عَرْضاً } وأظهرناها لهم فرأوها وشاهدوها { الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاء عَن ذِكْرِي } عن آياتي التي ينظر إليها أو عن القرآن فأذكره بالتعظيم أو عن القرآن وتأمل معانيه { وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } أي وكانوا صما عنه إلا أنه أبلغ إذ الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع .","part":2,"page":257},{"id":758,"text":"{ أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى أَوْلِيَاء } أي أفظن الكفار اتخاذهم عبادي يعني الملائكة وعيسى عليهم السلام أولياء نافعهم بئس ما ظنوا . وقيل : «أن» بصلتها سد مسد مفعولي { أفحسب } و { عبادي أولياء } مفعولاً { أن يتخذوا } وهذا أوجه يعني أنهم لا يكونون لهم أولياء { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ للكافرين نُزُلاً } هو ما يقام للنزيل وهو الضيف ونحوه فبشرهم بعذاب أليم { قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا } { أعمالاً } تمييز . وإنما جمع والقياس أن يكون مفرداً لتنوع الأهواء وهم أهل الكتاب أو الرهبان { الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ } ضاع وبطل وهو في محل الرفع أي هم الذين { فِى الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } فلا يكون لهم عندنا وزن ومقدار { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ } هي عطف بيان لجزاؤهم { بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا ءاياتى وَرُسُلِى هُزُواً } أي جزاؤهم جهنم بكفرهم واستهزائهم بآيات الله ورسوله .\r{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً خالدين فِيهَا } حال { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } تحولاً إلى غيرها رضا بما أعطوا . يقال : حال من مكانه حولاً أي لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم ، وهذه غاية الوصف لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح مائل الطرف إلى أرفع منه ، أو المراد نفي التحول وتأكيد الخلود\r.","part":2,"page":258},{"id":759,"text":"{ قُل لَّوْ كَانَ البحر } أي ماء البحر { مِدَاداً لكلمات رَبّى } قال أبو عبيدة : المداد : ما يكتب به أي لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر الجنس { لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ } بمثل البحر { مَدَداً } لنفد أيضاً والكلمات غير نافدة . و { مدداً } تمييز نحو «لي مثله رجلاً» والمدد مثل المداد وهو ما يمد به . { ينفد } حمزة وعلي ، وقيل : قال حيي بن أخطب : في كتابكم { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } [ البقرة : 269 ] ثم تقرؤون { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } [ الإسراء : 85 ] فنزلت يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } فمن كان يأمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضاً وقبول ، أو فمن كان يخاف سوء لقاء ربه والمراد باللقاء القدوم عليه . وقيل : رؤيته كما هو حقيقة اللفظ والرجاء على هذا مجرى على حقيقته { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا } خالصاً لا يريد به إلا وجه ربه ولا يخلط به غيره . وعن يحيى بن معاذ : هو ما لا يستحي منه { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا } هو نهي عن الشرك أو عن الرياء قال A : \" اتقوا الشرك الأصغر \" قالوا : وما الشرك الأصغر قال : \" الرياء \" قال A : \" من قرأ سورة الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن يخرج الدجال في تلك الثمانية عصمه الله من فتنة الدجال ، ومن قرأ { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ } إلى آخرها عند مضجعه كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه ، وإن كان مضجعه بمكة فتلاها كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه ويستغفرون له حتى يستيقظ \" .","part":2,"page":259},{"id":760,"text":"{ كهيعص } قال السدي : هو اسم الله الأعظم ، وقيل : هو اسم للسورة . قرأ علي ويحيى بكسر الهاء والياء ، ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب ، وأبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء ، وحمزة بعكسه ، وغيرهم بفتحهما { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ } خبر مبتدأ أي هذا ذكر { عَبْدَهِ } مفعول الرحمة { زَكَرِيَّا } بالقصر : حمزة وعلي وحفص وهو بدل من { عبده } { إِذْ } ظرف للرحمة { نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } دعاه دعاء سرا كما هو المأمور به وهو أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء ، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في أوان الكبر لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة { قَالَ رَبّ } هذا تفسير الدعاء وأصله «يا ربي» فحذف حرف النداء والمضاف إليه اختصاراً { إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى } ضعف . وخص العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن ، ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية والمراد أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ،\r{ واشتعل الرأس شَيْباً } تمييز أي فشا في رأسي الشيب واشتعلت النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلاً ، فشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار . ولا ترى كلاماً أفصح من هذا ، ألا ترى أن أصل الكلام يا رب قد شخت إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض لهما ، وأقوى منه ضعف بدني وشاب رأسي ففيه مزيد التقرير للتفصيل ، وأقوى منه وهنت عظام بدني ، ففيه عدول عن التصريح إلى الكناية فهي أبلغ منه ، وأقوى منه أنا وهنت عظام بدني ، وأقوى منه إني وهنت عظام بدني ، وأقوى منه إني وهنت العظام من بدني ففيه سلوك طريقي الإجمال والتفصيل ، وأقوى منه إني وهنت العظام مني ففيه ترك توسيط البدن ، وأقوى منه { إني وهن العظم مني } لشمول الوهن العظام فرداً فرداً باعتبار ترك جمع العظم إلى الإفراد لصحه حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فرد ، ولهذا تركت الحقيقة في شاب رأسي إلى أبلغ وهي الاستعارة فحصل اشتعل شيب رأسي ، وأبلغ منه اشتعل رأسي شيباً لإسناد الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيباً ، وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي ناراً والفرق نير ، ولأن فيه الإجمال والتفصيل كما عرف في طريق التمييز ، وأبلغ منه واشتعل الرأس مني شيباً لما مر ، وأبلغ منه { واشتعل الرأس شيباً } ففيه اكتفاء بعلم المخاطب إنه رأس زكريا بقرينة العطف على { وهن العظم } { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ } مصدر مضاف إلى المفعول أي بدعائي إياك { رَبّ شَقِيّاً } أي كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيداً به غير شقي فيه . يقال : سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي إذا خاب ولم ينلها . وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال : أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا فقال : مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقت حاجته وقضى حاجته .","part":2,"page":260},{"id":761,"text":"{ وَإِنّي خِفْتُ الموالى } هم عصبته أخوته وبنو عمه وكانوا شرار بني إسرائيل فخافهم أن يغيروا الدين وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته فطلب عقباً صالحاً من صلبه يقتدي به في إحياء الدين { مِن وَرَائِى } بعد موتي ، وبالقصر وفتح الياء ك { هداي } : مكى . وهذا الظرف لا يتعلق ب { خفت } لأن وجود خوفه بعد موته لا يتصور ولكن بمحذوف ، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي ، أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي { وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا } عقيماً لا تلد { فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ } اختراعا منك بلا سبب لأن امرأتي لا تصلح للولادة { وَلِيّاً } ابنا يلي أمرك بعدي .","part":2,"page":261},{"id":762,"text":"{ يَرِثُنِى وَيَرِثُ } برفعهما صفة ل { ولياً } أي هب لي ولداً وارثاً مني العلم ومن آل يعقوب النبوة ، ومعنى وراثة النبوة أنه يصلح لأن يوحى إليه ولم يرد أن نفس النبوة تورث . ويجزمهما : أبو عمرو وعلي على أنه جواب للدعاء يقال : ورثته وورثت منه { مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } يعقوب بن إسحاق { واجعله رَبّ رَضِيّاً } مرضياً ترضاه أو راضياً عنك وبحكمك فأجاب الله تعالى دعاءه وقال : { يازكريا إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى } تولى الله تسميته تشريفاً له . { نبشرك } بالتخفيف : حمزة { لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } لم يسم أحد بيحيى قبله وهذا دليل على أن الاسم الغريب جدير بالأثرة . وقيل : مثلاً وشبيها ولم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط وأنه ولد بين شيخ وعجوز وأنه كان حصوراً ، فلما بشرته الملائكة . به\r{ قَالَ رَبّ أنّى } كيف { يَكُونُ لِي غلام } وليس هذا باستبعاد بل هو استكشاف أنه بأي طريق يكون أيوهب له وهو وامرأته بتلك الحال أم يحولان شابين { وَكَانَتِ امرأتى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً } أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود اليابس من أجل الكبر والطعن في السن العالية { عتياً } و { صلياً } و { جثياً } و { بكياً } بكسر الأوائل : حمزة وعلي وحفص إلا في { بكيا } .","part":2,"page":262},{"id":763,"text":"{ قَالَ كذلك } الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ { قَالَ رَبُّكِ } أو نصب ب { قال } وذلك إشارة إلى مبهم يفسره { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } أي خلق يحيى من كبيرين سهل { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ } أو جدتك من قبل يحيى . { خلقناك } حمزة وعلي { وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } لأن المعدوم ليس بشيء { قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } علامة أعرف بها حبل امرأتي { قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِياً } حال من ضمير تكلم أي حال كونك سوى الأعضاء واللسان يعني علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح ما بك خرس ولا بكم . ودل ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن ، إذ ذكر الأيام يتناول ما بإزائها من الليالي وكذا ذكر الليالي يتناول ما بإزائها من الأيام عرفاً { فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب } من موضع صلاته وكانوا ينتظرونه ولم يقدر أن يتكلم { فأوحى إِلَيْهِمْ } أشار بإصبعه { أَن سَبّحُواْ } صلوا و«أن» هي المفسرة { بُكْرَةً وَعَشِيّاً } صلاة الفجر والعصر { يَا يحيى } أي وهبنا له يحيى وقلنا له بعد ولادته وأوان الخطاب يا يحيى { خُذِ الكتاب } التوراة { بِقُوَّةٍ } حال أي بجد واستظهار بالتوفيق والتأييد { وَآتَيْنَاهُ الحكم } الحكمة وهو فهم التوراة والفقه في الدين { صَبِيّاً } حال . قيل : دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي فقال : ما للعب خلقنا { وَحَنَانًا } شفقة ورحمة لأبويه وغيرهما عطفاً على الحكم { مّن لَّدُنَّا } من عندنا { وزكواة } أي طهارة وصلاحاً فلم يعمد بذنب { وَكَانَ تَقِيّا } مسلماً مطيعا .","part":2,"page":263},{"id":764,"text":"{ وَبَرّا بوالديه } وباراً بهما لا يعصيهما { وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً } متكبراً { عَصِيّاً } عاصياً لربه { وسلام عَلَيْهِ } أمان من الله له { يَوْمَ وُلِدَ } من أن يناله الشيطان { وَيَوْمَ يَمُوتُ } من فتاني القبر { وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } من الفزع الأكبر . قال ابن عيينة : إنها أوحش المواطن .\r{ واذكر } يا محمد { فِى الكتاب } القرآن { مَرْيَمَ } أي اقرأ عليهم في القرآن قصة مريم ليقفوا عليها ويعلموا ما جرى عليها { إِذْ } بدل من مريم بدل اشتمال إذ الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيه { انتبذت مِنْ أَهْلِهَا } أي اعتزلت { مَكَاناً } ظرف { شَرْقِياً } أي تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس . وقيل : قعدت في مشرقه للاغتسال من الحيض { فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً } جعلت بينها وبين أهلها حجاباً يسترها لتغتسل وراءه { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } جبريل عليه السلام والإضافة للتشريف ، وإنا سمي روحاً لأن الدين يحيا به وبوحيه { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً } أي فتمثل لها جبريل في صورة آدمى شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر { سَوِيّاً } مستوى الخلق . وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه { قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله فإني عائذة به منك .","part":2,"page":264},{"id":765,"text":"{ قَالَ } جبريل عليه السلام { إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ } أمنها مما خافت وأخبر أنه ليس بآدمي بل هو رسول من استعاذت به { لأَِهَبَ لَكِ } بإذن الله تعالى ، أو لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع { ليهب لك } أي الله : أبو عمرو ونافع . { غلاما زَكِيّاً } ظاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير والبركة .\r{ قَالَتْ أنّى } كيف { يَكُونُ لِي غلام } ابن { وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } زوج بالنكاح { وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } فاجرة تبغي الرجال أي تطلب الشهوة من أي رجل كان ولا يكون الولد عادة إلا من أحد هذين ، والبغي فعول عند المبرد «بغوي» فقلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت العين إتباعاً ولذا لم تلحق تاء التأنيث كما لم تلحق في «امرأة صبور وشكور» وعند غيره هي «فعيل» ولم تلحقها الهاء لأنها بمعنى «مفعولة» وإن كانت بمعنى فاعلة فهو قد يشبه به مثل { إن رحمة الله قريب } [ الأعراف : 56 ] { قَالَ } جبريل { كذلك } أي الأمر كما قلت : لم يمسسك رجل نكاحاً أو سفاحاً { قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } أي إعطاء الولد بلا أب عليَّ سهل { وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } تعليل معلله محذوف أي ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك ، أو هو معطوف على تعليل مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية للناس أي عبرة وبرهاناً على قدرتنا { وَرَحْمَةً مّنَّا } لمن أمن به { وَكَانَ } خلق عيسى { أَمْراً مَّقْضِيّاً } مقدراً مسطوراً في اللوح فلما أطمأنت إلى قوله دنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها { فَحَمَلَتْهُ } أي الموهوب وكانت سنها ثلاث عشرة سنة أو عشراً أو عشرين { فانتبذت بِهِ } اعتزلت وهو في بطنها ، والجار والمجرور في موضع الحال ، عن ابن عباس Bهما : كانت مدة الحمل ساعة واحدة كما حملته نبذته . وقيل : ستة أشهر . وقيل : سبعة . وقيل : ثمانية : ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى . وقيل : حملته في ساعة ووضعته في ساعة { مَكَاناً قَصِيّاً } بعيداً من أهلها وراء الجبل وذلك لأنها لما أحست بالحمل هربت من قومها مخافة اللائمة .","part":2,"page":265},{"id":766,"text":"{ فَأَجَاءهَا } جاء بها . وقيل : ألجأها وهو منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء ، ألا تراك لا تقول جئت المكان وأجاءنيه زيد { المخاض } وجمع الولادة { إلى جِذْعِ النخلة } أصلها وكان يابسة وكان الوقت شتاء وتعريفها مشعر بأنها كانت نخلة معروفة وجاز أن يكون التعريف للجنس أي جذع هذه الشجرة كأنه تعالى أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب لأنه حرسة النفساء أي طعامها . ثم { قَالَتْ } جزعاً مما أصابها { ياليتنى مِتُّ قَبْلَ هذا } اليوم { مِتُّ } مدني وكوفي غير أبي بكر ، وغيرهم : بالضم . يقال : مات يموت ومات يمات { وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر . بفتح النون : حمزة وحفص ، بالكسر : غيرهما ومعناهما واحد وهو الشيء الذي حقه أن يطرح وينسى لحقارته { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } { مَن } أي الذي تحتها ف { من } فاعل وهو جبريل عليه السلام لأنِه كان بمكان منخفض عنها ، أو عيسى عليه السلام لأنه خاطبها من تحت ذيلها . { من تحتها } مدني وكوفي سوى أبي بكر والفاعل مضمر وهو عيسى عليه السلام ، أو جبريل والهاء في { تحتها } للنخلة . ولشدة ما لقيت سليت بقوله { أَلاَّ تَحْزَنِى } لا تهتمي بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومقالة الناس و«أن» بمعنى أي { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ } بقربك أو تحت أمرك إن أمرته أن يجري جري وإن أمرته أن يقف وقف { سَرِيّاً } نهراً صغيراً عند الجمهور ، وسئل النبي A عن السري فقال : هو الجدول . وعن الحسن : سيداً كريماً يعني عيسى عليه السلام . وروي أن خالد بن صفوان قال : له إن العرب تسمي الجدول سرياً فقال الحسن : صدقت ورجع إلى قوله . وقال : ابن عباس Bهما : ضرب عيسى أو جبريل عليهما السلام بعقبه الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى النهر اليابس فاخضرت النخلة وأثمرت وأينعت ثمرتها فقيل لها","part":2,"page":266},{"id":767,"text":"{ وَهْزِّي } حركي { إِلَيْكَ } إلى نفسك { بِجِذْعِ النخلة } قال أبو علي : الباء زائدة أي هزي جذع النخلة .\r{ تساقط عَلَيْكِ } بإدغام التاء الأولى في الثانية : مكي ومدني وشامي وأبو عمرو وعلي وأبو بكر ، والأصل تتساقط بإظهار التاءين { وتساقط } بفتح التاء والقاف وطرح التاء الثانية وتخفيف السين : حمزة . و { يساقط } بفتح الياء والقاف وتشديد السين : يعقوب وسهل وحماد ونصير . و { تساقط } حفص من المفاعلة . و { تُسقِطْ } و { يُسقِطْ } وتَسقُطْ ويَسقُطْ التاء للنخلة والياء للجذع فهذه تسع قراءات { رُطَباً } تمييز أو مفعول به على حسب القراءة { جَنِيّاً } طرياً وقالوا : التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت . وقيل : ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض من العسل { فَكُلِى } من الجني { واشربى } من السري { وَقَرّى عَيْناً } بالولد الرضي و { عينا } تمييز أي طيبي نفساً بعيسى وارفضي عنك ما أحزنك { فَإِمَّا } أصله إن ما فضمت إن الشرطية إلى ما وأدغمت فيها { تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فَقُولِى إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً } أي فإن رأيت آدمياً يسألك عن حالك فقولي إني نذرت للرحمن صمتاً وإمساكاً عن الكلام ، وكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الأكل والشرب . وقيل : صياماً حقيقة وكان صيامهم فيه الصمت فكان إلتزامُه إلتزامَه ، وقد نهى رسول الله A عن صوم الصمت فصار ذلك منسوخاً فينا . وإنما أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى عليه السلام يكفيها الكلام بما يبرىء به ساحتها ولئلا تجادل السفهاء ، وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب وما قُدعَ سفيه بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض . وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة وقد تسمى الإشارة كلاماً وقولاً ألا ترى أن قول الشاعر في وصف القبور\rوتكلمت عن أوجه تبلى ... وقيل : كان وجوب الصمت بعد هذا الكلام أو سوغ لها هذا القدر بالنطق { فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً } آدميا .","part":2,"page":267},{"id":768,"text":"{ فَأَتَتْ بِهِ } بعيسى { قَوْمَهَا } بعد ما طهرت من نفاسها { تَحْمِلُهُ } حال منها أي أقبلت نحوهم حاملة إياه فلما رأوه معها { قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } بديعاً عجيباً والفري القطع كأنه يقطع العادة { يَاأُخْتَ هارون } وكان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل ، أو هو أخو موسى عليه السلام وكانت من أعقابه وبينهما ألف سنة وهذا كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم ، أو رجل صالح أو طالح من زمانها شبهوها به في الصلاح أو شتموها به { مَا كَانَ أَبُوكِ } عمران { امرأ سَوْء } زانياً { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ } حنة { بَغِيّاً } زانية { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } إلى عيسى أن يجيبهم وذلك أن عيسى عليه السلام قال لها : لا تحزني وأحيلي بالجواب علي . وقيل : أمرها جبريل بذلك . ولما أشارت إليه غضبوا وتعجبوا و { قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ } حدث ووجد { فِى المهد } المعهود { صَبِيّاً } حال { قَالَ إِنّى عَبْدُ الله } ولما أسكتت بأمر الله لسانها الناطق أنطق الله لها اللسان الساكت حتى اعترف بالعبودية وهو ابن أربعين ليلة أو ابن يوم ، روي أنه أشار بسبابته وقال بصوت رفيع { إني عبد الله } وفيه رد لقول النصارى { آتانيالكتاب } الإنجيل { وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } روي عن الحسن أنه كان في المهد نبياً وكلامه معجزته . وقيل : معناه أن ذلك سبق في قضائه أو جعل الآتي لا محالة كأنه وجد\r.","part":2,"page":268},{"id":769,"text":"{ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ } نفاعاً حيث كنت أو معلماً للخير { وَأَوْصَانِى } وأمرني { بالصلاة والزكاة } إن ملكت مالاً . وقيل : صدقة الفطر أو تطهير البدن ، ويحتمل وأوصاني بأن آمركم بالصلاة والزكاة { مَا دُمْتُ حَياً } نصب على الظرف أي مدة حياتي { وَبَرّاً بِوَالِدَتِى } عطفاً على { مباركاً } أي باراً بها أكرمها وأعظمها { وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً } متكبراً { شَقِيّاً } عاقاً { والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ } { يوم } ظرف والعامل فيه الخبر وهو { علي } { وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } أي ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي إن كان حرف التعريف للعهد ، وإن كان للجنس فالمعنى وجنس السلام علي ، وفيه تعريض باللعنة على أعداء مريم وابنهالأنه إذا قال : وجنس السلام على ، وفيه تعريف باللغة على أعداء مريم وابنها لأنه إذا قال وجنس السلام عليّ ، فقد عرض بأن ضده عليكم إذ المقام مقام مناكرة وعناد فكان مئنة لمثل هذا التعريض .\r{ ذلك } مبتدأ { عِيسَى } خبره { ابن مَرْيَمَ } نعته أو خبر ثان أي ذلك الذي قال : إني كذا وكذا عيسى ابن مريم لا كما قالت النصارى : إنه إله أو ابن الله { قَوْلَ الحق } كلمة الله فالقول الكلمة والحق الله ، وقيل : له كلمة الله لأنه ولد بقوله كن بلا واسطة أب . وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ، أو بدل من عيسى . ونصبه شامي وعاصم على المدح أو على المصدر أي أقول قول الحق هو ابن مريم وليس بإله كما يدعونه { الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ } يشكون من المرية الشك أو يختلفون من المراء ، فقالت اليهود : ساحر كذاب ، وقالت النصارى : ابن الله وثالث ثلاثة .","part":2,"page":269},{"id":770,"text":"{ مَا كَانَ للَّهِ } ما ينبغي له { أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } جيء ب { من } لتأكيد النفي { سبحانه } نزه ذاته عن اتخاذ الولد { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } بالنصب شامي أي كما قال : لعيسى كن فكان من غير أب ومن كان متصفاً بهذا كان منزها أن يشبه الحيوان الوالد { وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه } بالكسر شامي وكوفي على الابتداء وهو من كلام عيسى يعني كما أنا عبده فأنتم عبيده ، علي وعليكم أن نعبده . ومن فتح عطف على { بالصلاة } أي وأوصاني بالصلاة وبالزكاة وبأن الله ربي وربكم ، أو علقه بما بعده أي لأن الله ربي وربكم فاعبدوه { هذا } الذي ذكرت { صراط مُّسْتَقِيمٍ } فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً .\r{ فاختلف الأحزاب } الحزب الفرقة المنفردة برأيها عن غيرها وهم ثلاث فرق : نسطورية ويعقوبية وملكانية { مِن بَيْنِهِمْ } من بين أصحابه أو من بين قومه أو من بين الناس ، وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى حين رفع ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة كانوا عندهم أعلم أهل زمانهم وهم : يعقوب ونسطور وملكان . فقال يعقوب : هو الله هبط إِلى الأرض ثم صعد إلى السماء . وقال : نسطور كان ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إليه . وقال الثالث : كذبوا كان عبداً مخلوقاً نبياً فتبع كل واحد منهم قوم { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } من الأحزاب إذ الواحد منهم على الحق { مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هو يوم القيامة أو من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة ، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وأن تشهد عليهم\rالملائكة والأنبياء وجوارحهم بالكفر ، أو من مكان الشهادة أو وقتها ، أو المراد يوم اجتماعهم للتشاور فيه وجعله عظيماً لفظاعة ما شهدوا به في عيسى { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } الجمهور على أن لفظه أمر ومعناه التعجب والله تعالى لا يوصف بالتعجب ولكن المراد أن إسماعهم وإبصارهم جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صما وعمياً في الدنيا . قال قتادة : إن عموا وصموا عن الحق في الدنيا فما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم! و { بهم } مرفوع المحل على الفاعلية «كأكرم بزيد» فمعناه كرم زيد جداً { لكن الظالمون اليوم } أقيم الظاهر مقام المضمر أي لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ووضعوا العبادة في غير موضعها { فِى ضلال } عن الحق { مُّبِينٌ } ظاهر وهو اعتقادهم عيسى إلها معبوداً مع ظهور آثار الحدث فيه إشعاراً بأن لا ظلم أشد من ظلمهم .","part":2,"page":270},{"id":771,"text":"{ وَأَنذِرْهُمْ } خوفهم { يَوْمَ الحسرة } يوم القيامة لأنه يقع فيه الندم على مافات ، وفي الحديث « إذا رأوا منازلهم في الجنة أن لو آمنوا » { إِذْ } بدل من { يوم الحسرة } أو ظرف للحسرة وهو مصدر { قُضِىَ الأمر } فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار { وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } هنا عن الاهتمام لذلك المقام { وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لا يصدقون به { وهم } { وهم } حالان أي وأنذرهم على هذا الحال غافلين غير مؤمنين { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا } أي نتفرد بالملك والبقاء عند تعميم الهلك والفناء وذكر من لتغليب العقلاء { وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } بضم الياء وفتح الجيم وفتح الياء : يعقوب أي يردون فيجازون جزاءً وفاقاً .\r{ واذكر } لقومك { فِى الكتاب } القرآن { إِبْرَاهِيمَ } قصته مع أبيه { إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } بغير همز وهمزة نافع . قيل : الصادق المستقيم في الأفعال والصديق المستقيم في الأحوال ، فالصديق من أبنية المبالغة ونظيرة الضحيك والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله أي كان مصدقاً لجميع الأنبياء وكتبهم وكان نبياً في نفسه ، وهذه الجملة وقعت اعتراضاً بين إبراهيم وبين ما هو بدل منه وهو .","part":2,"page":271},{"id":772,"text":"{ إِذْ قَالَ } وجاز أن يتعلق { إذا } ب { كان } أو ب { صديقاً نبياً } أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه إياهم كقوله { واتل عليهم نبأ إبراهيم } [ الشعراء : 69 ] وإلا فالله عز وعلا هو ذاكره ومورده في تنزيله { لأَِبِيهِ ياأبت } بكسر التاء وفتحها . ابن عامر والتاء عوض من ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } المفعول فيهما منسي غير منوي ويجوز أن يقدر أي لا يسمع شيئاً ولا يبصر شيئاً { وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } يحتمل أن يكون شيئاً في موضع المصدر أي شيئاً من الإغناء وأن يكون مفعولاً به من قولك أغن عني وجهك أي بعد { ياأبت إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ العلم } الوحي أو معرفة الرب { مَا لَمْ يَأْتِكَ } «ما» في { ما لا يسمع } و { ما لم يأتك } يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة { فاتبعنى أَهْدِكَ } أرشدك { صِرَاطاً سَوِيّاً } مستقيماً { ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان } لا تطعه فيما سوَّل من عبادة الصنم { إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً } عاصياً . { ياأبت إِنّى أَخَافُ } قيل أَعلم { أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً } قرينا في النار تليه ويليك فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن كما أمر ففي الحديث \" «أوحي إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار» \" فطلب منه أولاً العلة في خطئه طلب منه على تماديه موقظ لإفراطه وتناهيه ، لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم الأنبياء كان محكوماً عليه بالغي المبين فكيف بمن يعبد حجراً أو شجراً لا يسمع ذكر عابده ولا يرى هيئات عبادته ولا يدفع عنه بلاء ولا يقضي له حاجة؟ ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً ، فلم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال : إن معي شيئاً من العلم ليس معك وذلك علم الدلالة على الطريق السوي ، فهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه ، ثم ثلث بنهيه عما كان عليه بأن الشيطان الذي عصى الرحمن الذي جميع النعم منه أوقعك في عبادة الصنم وزينها لك فأنت عابده في الحقيقة ، ثم ربَّع بتخويفه سوء العاقبة وما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال مع مراعاة الأدب حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق به وأن العذاب لاصق به بل قال : أخاف أن يمسك عذاب بالتنكير المشعر بالتقليل كأنه قال : إني أخاف أن يصيبك نَفَيان من عذاب الرحمن وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب في نفسه وصدر كل نصيحة بقوله { يا أبت } توسلاً إليه واستعطافاً وإشعاراً بوجوب احترام الأب وإن كان كافراً فثم .","part":2,"page":272},{"id":773,"text":"{ قَالَ } آزر توبيخاً : { أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى ياإبراهيم } أي أترغب عن عبادتها فناداه باسمه ولم يقابل { يا أبت } ب «يا بني» وقدم الخبر على المبتدأ لأنه كان أهم عنده { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ } عن شتم الأصنام { لأرْجْمْتَّكَ } لأقتلنك بالرجام أو لأضربنك بها حتى تتباعد أو لأشتمنك { واهجرنى } عطف على محذوف يدل عليه { لأرجمنك } تقديره فاحذرني واهجرني { مَلِيّاً } ظرف أي زماناً طويلاً من الملاوة { قَالَ سلام عَلَيْكَ } سلام توديع ومتاركة أو تقريب وملاطفة ولذا وعده بالاستغفار بقوله : { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } سأسأل الله أن يجعلك من أهل المغفرة بأن يهديك للإسلام { إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } ملطفاً بعموم النعم أو رحيماً أو مكرماً والحفاوة الرأفة والرحمة والكرامة .","part":2,"page":273},{"id":774,"text":"{ وَأَعْتَزِلُكُمْ } أراد بالاعتزال المهاجرة من أرض بابل إلى الشام { وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي ما تعبدون من أصنامكم { وادعوا } وأعبد { رَبّى } ثم قال تواضعاً وهضماً للنفس ومعرضاً بشقاوتهم بدعاء آلهتهم { عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } أي كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام { فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } فلما اعتزل الكفار ومعبودهم { وَهَبْنَا لَهُ إسحاق } ولداً { وَيَعْقُوبَ } نافلة ليستأنس بهما { وَكُلاًّ } كل واحد منهما { جَعَلْنَا نَبِيّاً } أي لما ترك الكفار الفجار لوجهه عوضه أولاداً مؤمنين أنبياء { وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا } هي المال والولد { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ } ثناء حسناً وهو الصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم في الصلوات ، وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية { عَلِيّاً } رفيعاً مشهوراً .\r{ واذكر فِى الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } كوفي : غير المفضل ، أي أخلصه الله واصطفاه ، و { مخلِصا } بالكسر غيرهم أي أخلص هو العبادة لله تعالى فهو مخلص بماله من السعادة بأصل الفطرة ، ومخلص فيما عليه من العبادة بصدق الهمة { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله D وإن لم يكن معه كتاب كيوشع { وناديناه } دعوناه وكلمناه ليلة الجمعة { مِن جَانِبِ الطور } هو جبل بين مصر ومدين { الأيمن } من اليمين أي من ناحية اليمين ، والجمهور على أن المراد أيمن موسى عليه السلام لأن الجبل لا يمين له ، والمعنى أنه حين أقبل من مدين يريد مصر نودي من الشجرة وكانت في جانب الجبل على يمين موسى عليه السلام { وَقَرَّبْنَاهُ } تقريب منزلة ومكانة لا منزل ومكان { نَجِيّاً } حال أي مناجياً كنديم بمعنى منادم .","part":2,"page":274},{"id":775,"text":"{ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا } من أجل رحمتنا له وترؤفنا عليه { أَخَاهُ } مفعول { هارون } بدل منه { نَبِيّاً } حال أي وهبنا له نبوة أخيه وإلا فهارون كان أكبر سناً منه .\r{ واذكر فِى الكتاب إسماعيل } هو ابن إبراهيم في الأصح { إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد } وافيه . وعد رجلاً أن يقيم مكانه حتى يعود إليه فانتظره سنة في مكانه حتى عاد ، وناهيك أنه وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى . وقيل لم يعد ربه موعداً إلا أنجزه ، وإنما خصه بصدق الوعد وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء تشريفاً له ولأنه المشهور من خصاله { وَكَانَ رَسُولاً } إلى جرهم { نَبِيّاً } مخبراً منذراً { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ } أمته لأن النبي أبو أمته وأهل بيته وفيه دليل على أنه لم يداهن غيره { بالصلاة والزكاة } يحتمل أنه إنما خصت هاتان العبادتان لأنهما أما العبادات البدنية والمالية { وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً } قرئ { مرضوا } على الأصل { واذكر فِى الكتاب إِدْرِيسَ } هو أخنوخ أول مرسل بعد آدم عليه السلام ، وأول من خط بالقلم وخاط اللباس ونظر في علم النجوم والحساب واتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة فقاتل بني قابيل . وقولهم سمي به لكثرة دراسته كتب الله لا يصح لأنه لو كان «أفعيلاً» من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً فامتناعه من الصرف دليل العجمة { إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } هو شرف النبوة والزلفى عند الله . وقيل : معناه رفعته الملائكة إلى السماء الرابعة ، وقد رآه النبي A ليلة المعراج فيها . وعن الحسن : إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة وذلك أنه حبب لكثرة عبادته إلى الملائكة فقال : لملك الموت أذقني الموت يهن عليّ ففعل ذلك بإذن الله فحيى وقال : أدخلني النار أزدد رهبة ففعل ، ثم قال : أدخلني الجنة أزدد رغبة ، ثم قال : اخرج فقال : قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج من الجنة فقال الله D : بإذني فعل وبإذني دخل فدعه .","part":2,"page":275},{"id":776,"text":"{ أَوْلَئِكَ } إشارة إلى المذكورين في السورة من زكرياء إلى إدريس { الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين } «من» للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم { مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ } «من» للتبعيض وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه ولد سام بن نوح { وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم } إسماعيل وإسحاق ويعقوب { وإسراءيل } أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى لأن مريم من ذريته { وَمِمَّن } يحتمل العطف على «من» الأولى والثانية { هَدَيْنَا } لمحاسن الإسلام { واجتبينا } من الأنام أو لشرح الشريعة وكشف الحقيقة { إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن } أي إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة وهو كلام مستأنف . إن جعلت { الذين } خبراً ل { أولئك } وإن جعلته صفة له كان خبراً . { يتلى } بالياء : قتيبة لوجود الفاصل مع أن التأنيث غير حقيقي { خَرُّواْ سُجَّداً } سقطوا على وجوههم رغبةً { وَبُكِيّاً } باكين رهبة جمع باكٍ كسجود وقعود في جمع ساجد وقاعد في الحديث \" اتلوا القرآن وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا \" وعن صالح المري : قرأت القرآن على رسول الله A في المنام فقال لي يا صالح : \" هذه القراءة فأين البكاء؟ \" ويقول في سجود التلاوة سبحان ربي الأعلى ثلاثاً .\r{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ } فجاء من بعد هؤلاء المفضلين { خَلْفٌ } أولاد سوء وبفتح اللام العقب الخير . عن ابن عباس : هم اليهود { أَضاعُوا الصلاة } تركوا الصلاة المفروضة { واتبعوا الشهوات } ملاذ النفوس . وعن عليّ Bه : من بنى الشديد وركب المنظور ولبس المشهور . وعن قتادة Bه : هو في هذه الأمة { فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } جزاء غي وكل شر عند العرب غي وكل خير رشاد . وعن ابن عباس وابن مسعود : هو وادٍ في جهنم أعدّ للمصرين على الزنا وشارب الخمر وآكل الربا والعاق وشاهد الزور .","part":2,"page":276},{"id":777,"text":"{ إِلاَّ مَن تَابَ } رجع عن كفره { وَآمَنَ } بشرطه { وَعَمِلَ صالحا } بعد إيمانه { فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة } بضم الياء وفتح الخاء : مكي وبصري وأبو بكر { وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه بل يضاعف لهم أو لا يظلمون شيئاً من الظلم { جنات } بدل من { الجنة } لأن الجنة تشتمل على جنات عدن لأنها جنس أو نصب على المدح { عَدْنٍ } معرفة لأنها علم لمعنى العدن وهو الإقامة أو علم لأرض الجنة لكونها مقام إقامة { التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ } أي عباده التائبين المؤمنين الذين يعملون الصالحات كما سبق ذكرهم ولأنه أضافهم إليه وهو للاختصاص وهؤلاء أهل الاختصاص { بالغيب } أي وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها { إِنَّهُ } ضمير الشأن أو ضمير الرحمن { كَانَ وَعْدُهُ } أي موعوده وهو الجنة { مَأْتِيّاً } أي هم يأتونها { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } في الجنة { لَغْواً } فحشاً أو كذباً أو ما لا طائل تحته من الكلام وهو المطروح منه ، وفيه تنبيه على وجوب تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله عنه داره التي لا تكليف فيها { إِلاَّ سلاما } أي لكن يسمعون سلاماً من الملائكة أو من بعضهم على بعض ، أو لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة فهو استثناء منقطع عند الجمهور . وقيل : معنى السلام هو الدعاء بالسلامة ولما كان أهل دار السلام أغنياء عن الدعاء بالسلامة ، كان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } أي يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار من الدنيا إذ لا ليل ولا نهار ، ثم لأنهم في النور أبداً وإنما يعرفون مقدار النهار برفع الحجب ومقدار الليل بإرخائها . والرزق بالبكرة والعشي أفضل العيش عند العرب فوصف الله جنته بذلك . وقيل أراد دوام الرزق كما تقول «أنا عند فلان بكرة وعشياً» تريد الدوام .","part":2,"page":277},{"id":778,"text":"{ تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا } أي نجعلها ميراث أعمالهم يعني ثمرتها وعاقبتها . وقيل : يرثون المساكن التي كانت لأهل النار آمنوا لأن الكفر موت حكماً { مَن كَانَ تَقِيّاً } عن الشرك .\rعن ابن عباس Bهما أن النبي عليه السلام قال : « يا جبريل ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا » فنزل { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } والتنزل على معنيين معنى النزول على مهل ومعنى النزول على الإطلاق والأول أليق هنا يعني أن نزولنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } أي له ما قدامنا وما خلفنا من الأماكن وما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من مكان إلى مكان إلا بأمر الملك ومشيئته ، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون وما يحدث من الأحوال لا تجوز عليه الغفلة والنسيان فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا أذن لنا فيه { رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } بدل من { ربك } أو خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السماوات والأرض . ثم قال : لرسوله لما عرفت أنه متصف بهذه الصفات { فاعبده } فاثبت على عبادته { واصطبر لِعِبَادَتِهِ } أي اصبر على مكافأة الحسود ، لعبادة المعبود ، واصبر على المشاق ، لأجل عبادة الخلاق ، أي لتتمكن من الإتيان بها { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } شبيها ومثلاً ، أو هل يسمى أحد باسم الله غيره لأنه مخصوص بالمعبود بالحق أي إذا صح أن لا معبود توجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها .\rفتهافت أبيَّ بن خلف عظماً وقال : أنبعث بعدما صرنا كذا؟ فنزل","part":2,"page":278},{"id":779,"text":"{ وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } والعامل في { إذا } ما دل عليه الكلام وهو أبعث أي إذا مامت أبعث وانتصابه ب { أخرج } ممتنع لأن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها فلا تقول «اليوم لزيد قائم» ولام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال وتؤكد مضمون الجملة ، فلما جامعت حرف الاستقبال خلصت للتوكيد واضمحل معنى الحال . و«ما» في «إذا ما» للتوكيد أيضاً فكأنه قال : «أحقًّا إنا سنخرج من القبور أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك» على وجه الاستنكار والاستبعاد . وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ، ومنه جاء إنكارهم { أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإنسان } خفيف شامي ونافع وعاصم من الذكر ، والسائر بتشديد الذال والكاف وأصله يتذكر كقراءة أبيّ فأدغمت التاء في الذال أي أو لا يتدبر ، والواو عطفت { لا يذكر } على { يقول } ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف يعني أيقول ذلك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر النشأة الأخرى فإن تلك أدل على قدرة الخالق حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود . وأما الثانية فليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة وردها إلى ما كَانتَ عليه مجموعة بعد التفريق { أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ } من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه { وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } هو ذليل على ما بينا وعلى أن المعدوم ليس بشيء خلافاً للمعتزلة { فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أي الكفار المنكرين للبعث { والشياطين } الواو للعطف وبمعنى «مع» أوقع أي يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة . وفي أقسام الله باسمه ومضافاً إلى رسوله تفخيم لشأن رسوله { ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } حال جمع جاث أي بارك على الركب ووزنه «فعول» لأن أصله «جثوو» كسجود وساجد أي يعتلون من المحشر إلى شاطىء جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم .","part":2,"page":279},{"id":780,"text":"{ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ } طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً } جرأة أو فجوراً أي لنخرجن من كل طائفة من طوائف الغي أعتاهم فأعتاهم ، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب ، نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم . وقيل : المراد بأشدهم عتياً الرؤساء لتضاعف جرمهم لكونهم ضلالاً ومضلين . قال سيبويه : { أيهم } مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته وهو «هو» من «هو أشد» حتى لو جيء به لأعرب بالنصب ، وقيل : أيهم هو أشد وهذا لأن الصلة توضح الموصول وتبينه كما أن المضاف إليه يوضح المضاف ويخصصه ، فكما أن خذف المضاف إليه في «من قبلُ» يوجب بناء المضاف وجب أن يكون حذف الصلة أو شيء منها موجباً للبناء وموضعها نصب ب «نزع» ، وقال الخليل : هي معربة وهو مبتدأ وأشد خبره وهو رفع على الحكاية تقديره : لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد على الرحمن عتياً . ويجوز أن يكون النزع واقعاً على { من كل شيعة } كقوله { ووهبنا لهم من رحمتنا } أي لننزعن بعض كل شيعة فكأن قائلاً قال : من هم؟ فقيل : أيهم أشد عتياً ، و«على» يتعلق بأفعل أي عتوهم أشد على الرحمن { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا } أحق بالنار { صِلِيّاً } تمييز أو دخولاً والباء تتعلق ب { أولى } { وَإِن مّنكُمْ } أحد { إِلاَّ وَارِدُهَا } داخلها والمراد النار والورود : الدخول عند علي وابن عباس Bهم وعليه جمهور أهل السنة لقوله تعالى : { فأوردهم النار } [ هود : 98 ] ولقوله تعالى { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } [ الأنبياء : 99 ] ولقوله { ثم تنجى الذين اتقوا } إذ النجاة إنما تكون بعد الدخول لقوله عليه السلام : \" الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم وتقول النار للمؤمن : جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي \" وقيل : الورود بمعنى الدخول لكنه يختص بالكفار لقراءة ابن عباس { وإن منهم } وتحمل القراءة المشهورة على الإلتفات . وعن عبد الله : الورود الحضور لقوله تعالى : { ولما ورد ماء مدين } [ القصص : 23 ] وقوله { أولئك عنها مبعدون } [ الأنبياء : 101 ] وأجيب عنه بأن المراد عن عذابها . وعن الحسن وقتادة : الورود المرور على الصراط لأن الصراط ممدود عليها فيسلم أهل الجنة ويتقاذف أهل النار . وعن مجاهد : ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا لقوله عليه السلام : \" الحمى حظ كل مؤمن من النار \" وقال رجل من الصحابة لآخر : أيقنت بالورود؟ قال : نعم . قال : وأيقنت بالصدر؟ قال : لا . قال : ففيم الضحك وفيم التثاقل؟ { كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } أي كان ورودهم واجباً كائناً محتوماً والحتم مصدر حتم الأمر إذا أوجبه فسمى به الموجب كقولهم «ضرب الأمير» .","part":2,"page":280},{"id":781,"text":"{ ثُمَّ نُنَجّى } وعلي بالتخفيف { الذين اتقوا } عن الشرك وهم المؤمنون { وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً } فيه دليل على دخول الكل لأنه قال : { ونذر } ولم يقل وندخل ، والمذهب أن صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو لا محاله . وقالت : المرجئة الخبيثة : لا يعاقب لأن المعصية لا تضر مع الإسلام عندهم . وقالت المعتزلة : يخلد .\r{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا } أي القرآن { بينات } ظاهرات الإعجاز أو حججاً وبراهين حال مؤكدة كقوله : { وهو الحق مصدقاً } [ البقرة : 91 ] إذ آيات الله لا تكون إلا واضحة وحججاً { قَالَ الذين كَفَرُواْ } أي مشركو قريش وقد رجلوا شعورهم وتكلفوا في زيهم { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } للفقراء ورؤوسهم شعثة وثيابهم خشنة { أَىُّ الفريقين } نحن أم أنتم { خَيْرٌ مَّقَاماً } بالفتح وهو موضع القيام والمراد المكان والمسكن . وبالضم مكي وهو موضع الإقامة والمنزل { وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } مجلسا يجتمع القوم فيه للمشاورة . ومعنى الآية أن الله تعالى يقول : إذا أنزلنا آية فيها دلائل وبراهين أعرضوا عن التدبر فيها إلى الافتخار بالثروة والمال وحسن المنزل والحال فقال تعالى :","part":2,"page":281},{"id":782,"text":"{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } ف { كم } مفعول { أهلكنا } و { من } تبيين لإبهامها أي كثيراً من القرون أهلكنا وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم { هُمْ أَحْسَنُ } في محل النصب صفة ل { كم } ألا ترى أنك لو تركت { هم } كان أحسن نصباً على الوصفية { أَثَاثاً } هو متاع البيت أو ماجد من الفرش { وَرِئياً } منظراً وهيئة فعل بمعنى مفعول من رأيت و { رياً } بغير همز مشدداً : نافع وابن عامر على قلب الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم الإدغام ، أو من الري الذي هو النعمة { قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة } الكفر { فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً } جواب { من } لأنها شرطية وهذا الأمر بمعنى الخبر أي من كفر مد له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغياناً وضلالاً كقوله تعالى { إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً } [ آل عمران : 178 ] وإنما أخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضلال .\r{ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } هي متصلة بقوله { خير مقاماً وأحسن ندياً } وما بينهما اعتراض أي لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين { إِمَّا العذاب } في الدنيا وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأسر { وَإِمَّا الساعة } أي القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال فهما بدلان مما يوعدون { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } منزلاً { وَأَضْعَفُ جُنداً } أعواناً وأنصاراً أي فحينئذٍ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً لا خير مقاماً وأحسن ندياً ، وأن المؤمنين على خلاف صفتهم . وجاز أن تتصل بما يليها ، والمعنى إن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم لا ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة . وحتى هي التي يحكي بعدها الجمل ألا ترى أن الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله { إذا رأوا ما يوعدون . فسيعلمون } { وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى } معطوف على موضع { فليمدد } لوقوعه موضع الخبر تقديره : من كان في الضلالة مد أو يمد له الرحمن ويزيد أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ، ويزيد المهتدين أي المؤمنين هدى ثباتاً على الاهتداء أو يقينا وبصيرة بتوفيقه { والباقيات الصالحات } أعمال الآخرة كلها أو الصلوات الخمس أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر { خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } مما يفتحر به الكافر { وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } أي مرجعاً وعاقبة تهكم بالكفار لأنهم قالوا للمؤمنين { أي الفرقين خير مقاماً وأحسن ندياً } .","part":2,"page":282},{"id":783,"text":"{ أَفَرَأَيْتَ الذى كَفَرَ بئاياتنا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } ثم . وبضم الواو وسكون اللام في أربعة مواضع ههنا وفي الزخرف ونوح حمزة وعلي جمع ولد كأسد في أسد ، أو بمعنى الولد كالعرب في العرب . ولما كانت رؤية الأشياء طريقاً إلى العلم بها وصحة الخبر عنها استعملوا أرأيت في معنى أخبر والفاء أفادت التعقيب كأنه قال : أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك . وقوله { لأوتين } جواب قسم مضمر { أَطَّلَعَ الغيب } من قولهم «اطلع الجبل» إذا ارتقى إلى أعلاه ، الهمزه للاستفهام وهمزة الوصل محذوفة أي انظر في اللوح المحفوظ فرأى منيته { أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً } مؤثقاً أن يؤتيه ذلك أو العهد كلمة الشهادة . وعن الحسن : نزلت في الوليد بن المغيرة ، والمشهور أنها في العاص بن وائل ، فقد رُوي أن خباب بن الأرت صاغ للعاص بن وائل حلياً فاقتضاه الأجر فقال : إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة فأنا أقضيك ثُم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذ { كَلاَّ } ردع وتنبيه على الخطأ أي هو مخطىء فيما تصوره لنفسه فليرتدع عنه { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ } أي قوله والمراد سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله لأنه كما قال : كتب من غير تأخير قال الله تعالى : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ] وهو كقوله\rإذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... أي علم وتبين بالانتساب أني لست بابن لئيمة { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب } نزيده من العذاب كما يزيد في الافتراء والاجتراء من المدد ، يقال مده وأمده { مَدّاً } أكد بالمصدر لفرط غضبه تعالى .","part":2,"page":283},{"id":784,"text":"{ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أي نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة والمعنى مسمى ما يقول وهو المال والولد { وَيَأْتِينَا فَرْداً } حال أي بلا مال ولا ولد كقوله : { ولقد جئتمونا فرادى } [ الأنعام : 94 ] فما يجدي عليه تمينه وتألبه .\r{ واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً } أي اتخذ هؤلاء المشركون أصناماً يعبدونها { لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } أي ليعتزوا بآلهتهمِ ويكونوا لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من العذاب { كَلاَّ } ردع لهم عما ظنوا { سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم } الضمير للآلهة أي سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون ، أو للمشركين أي ينكرون أن يكونوا قد عبدوها كقوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] { وَيَكُونُونَ } أي المعبودون { عَلَيْهِمْ } على المشركين { ضِدّاً } خصماً لأن الله تعالى ينطقهم فيقولون : يا رب عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك . والضد يقع على الواحد والجمع وهو في مقابلة { لهم عزاً } والمراد ضد العز وهو الذل والهوان أي يكونون عليهم ضداً لما قصدوه أي يكونون عليهم ذلاً لا لهم عزاً ، وإن رجع الضمير في { سيكفرون } { ويكونون } إلى المشركين فالمعنى ويكونون عليهم أي أعداءهم ضداً أي كفرة بهم بعد أن كانوا يعبدونها ثم عجب نبيه عليه السلام بقوله : { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين } أي خليناهم وإياهم من أرسلت البعير أطلقته أو سلطانهم عليهم بالإغواء { تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } تغريهم على المعاصي إغراء والأز والهز إخوان ومعناهما التهييج وشدة الإزعاج .","part":2,"page":284},{"id":785,"text":"{ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ } بالعذاب { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } أي أعمالهم للجزاء وأنفاسهم للفناء ، وقرأها ابن السماك عند المأمون فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد .\r{ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً } ركبانا على نوق رحالها ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت { وَنَسُوقُ المجرمين } الكافرين سوق الأنعام لأنهم كانوا أضل من الأنعام { إلى جَهَنَّمَ وِرْداً } عطاشاً لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش وحقيقة الورد المسير إلى الماء فيسمى به الواردون ، فالوفد جمع وافد كركب وراكب والورد جمع وارد . ونصب { يوم } بمضمر أو يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يوصف أي اذكر يوم نحشر . ذكر المتقون بأنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفود على الملوك تبجيلاً لهم ، والكافرون بأنهم يساقون إلى النار كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء استخفافاً بهم { لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة } حال . والواو إن جعل ضميراً فهو للعباد ودل عليه ذكر المتقين والمجرمين لأنهم على هذه القسمة ، ويجوز أن يكون علامة للجمع كالتي في «أكلوني البراغيث» والفاعل من { اتخذ } لأنه في معنى الجمع ومحل { من اتخذ } رفع على البدل من واو { يملكون } أو على الفاعلية ، أو نصب على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة من اتخذ والمراد لا يمكلون أن يشفع لهم { إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً } بأن آمن . في الحديث \" من قال : لا إله إلا الله كان له عند الله عهد \" وعن ابن مسعود Bه أن النبي A قال لأصحابه ذات يوم : \" أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً \" قالوا : وكيف ذلك؟ قال : \" يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك وإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كان لهم عند الله عهد فيدخلون الجنة \" أو يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها .","part":2,"page":285},{"id":786,"text":"{ وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً } أي النصارى واليهود ومن زعم أن الملائكة بنات الله { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } خاطبهم بهذا الكلام بعد الغيبة وهو التفات ، أو أمر نبيه عليه السلام بأن يقول لهم ذلك؛ والإد العجب أو العظيم المنكر والإدة الشدة وأدّني الأمر أثقلني وعظم عليّ أدًّا { تَكَادُ السماوات } تقرب وبالياء نافع وعليّ { يَتَفَطَّرْنَ } وبالنون بصري وشامي وحمزة وخلف وأبو بكر . الانفطار من فطره إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه { مِنْهُ } من عظم هذا القول { وَتَنشَقُّ الأرض } تنخسف وتنفصل أجزاؤها { وَتَخِرُّ الجبال } تسقط { هَدّاً } كسراً أو قطعاً أو هدماً ، والهدة صوت الصاعقة من السماء وهو مصدر أي تهد هدّا من سماع قولهم أو مفعول له أو حال أي مهدودة { أَن دَعَوْا } لأن سموا ومحله جر بدل من الهاء في { منه } أو نصب مفعول له ، علل الخرور بالهد والهد بدعاء الولد للرحمن ، أو رفع فاعل { هداًّ } أي هدها دعاؤهم { للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } «انبغى» مطاوع بغى إذ طلب أي ما يتأتي له اتخاذ الولد وما يتطلب لو طلب مثلاً لأنه محال غير داخل تحت الصحة ، وهذا لأن اتخاذ الولد لحاجة ومجانسة وهو منزه عنهما . وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات بيان أنه الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره ، لأن أصول النعم وفروعها منه فلينكشف عن بصرك غطاؤه ، فأنت وجميع ما عندك غطاؤه فمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن\r.","part":2,"page":286},{"id":787,"text":"{ إِن كُلُّ مَن } نكرة موصوفة صفتها { فِى السماوات والأرض } وخبر { كل } { إِلاَّ ءَاتِي الرحمن } ووحد { آتى } و { آتيه } حملاً على لفظ { كل } وهو اسم فاعل من أتى وهو مستقبل أي يأتيه { عَبْداً } حال أي خاضعاً ذليلاً منقاداً ، والمعنى ما كل من في السموات والأرض من الملائكة والناس إلا هو يأتي الله يوم القيامة مقراً بالعبودية ، والعبودية والبنوة تتنافيان حتى لو ملك الأب ابنه يعتق عليه ونسبة الجميع إليه نسبة العبد إلى المولى فكيف يكون البعض ولداً والبعض عبداً! وقرأ ابن مسعود { آت الرحمن } على أصله قبل الإضافة { لَّقَدْ أحصاهم وَعَدَّهُمْ عَدّاً } أي حصرهم بعلمه وأحاط بهم { وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً } أي كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفرداً بلا مال ولا ولد أو بلا معين ولا ناصر .\r{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً } مودة في قلوب العباد قال الربيع يحبهم ويحببهم إلى الناس وفي الحديث يعطى المؤمن مِقَةً في قلوب الأبرار ومهابة في قلوب الفجار . وعن قتادة وهرم : ما أقبل العبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه . وعن كعب : ما يستقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر له في السماء .","part":2,"page":287},{"id":788,"text":"{ فَإِنَّمَا يسرناه } سهلنا القرآن { بِلَسَانِكَ } بلغتك حال { لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين } المؤمنين { وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } شداداً في الخصومة بالباطل أي الذين يأخذون في كل لديد أي شق من المراء والجدال جمْع ألدّ يَراد به أهل مكْة { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } تخويف لهم وإنذار { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ } أي هل تجد أو ترى أو تعلم والإحساس الإدراك بالحاسة { أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } صوتاً خفياً ومنه الركاز أي لما أتاهم عذابنا لم يبق شخص يرى ولا صوت يسمع يعني هلكوا كلهم فكذا هؤلاء إن أعرضوا عن تدبر ما أنزل عليك فعاقبتهم الهلاك فليهن عليك أمرهم ، والله أعلم .","part":2,"page":288},{"id":789,"text":"{ طه } فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء ، أبو عمرو ، وأمالهما حمزة وعلي وخلف وأبو بكر ، وفخمهما على الأصل غيرهم . وما رُوي عن مجاهد والحسن والضحاك وعطاء وغيرهم أن معناه يا رجل فإن صح فظاهر وإلا فالحق ما هو المذكور في سوة البقرة { مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان } إن جعلت { طه } تعديداً لأسماء الحروف فهو ابتداء كلام ، وإن جعلتها اسماً للسورة احتملت أن تكون خبراً عنها وهي في موضع المبتدأ ، و { القرءان } ظاهر أوقع موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جواباً لها وهي قسم { لتشقى } لتتعب لفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا ، أو بقيام الليل فإنه رُوي أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل : أبق على نفسك فإن لها عليك حقاً أي ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة { إِلاَّ تَذْكِرَةً } استثناء منقطع أي لكن أنزلناه تذكرة أو حال { لّمَن يخشى } لمن يخاف الله أو لمن يئول أمره إلى الخشية .","part":2,"page":289},{"id":790,"text":"{ تَنْزِيلاً } بدل من { تَذْكِرَةٌ } إذا جعل حالاً ويجوز أن ينتصب ب «نزل» مضمراً أو على المدح أو ب { يخشى } مفعولاً أي أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله { مّمَّنْ خَلَق الأرض والسماوات } { مِنْ } يتعلق ب { تَنْزِيلاً } صلة له { العلى } جمع العليا تأنيث الأعلى ووصف السماوات بالعلى دليل ظاهر على عظم قدرة خالقها { الرحمن } رفع على المدح أي هو الرحمن { عَلَى العرش } خبر مبتدأ محذوف { استوى } استولى . عن الزجاج ، ونبه بذكر العرش وهو أعظم المخلوقات على غيره . وقيل : لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك فقال استوى فلان على العرش أي ملك وإن لم يقعد على السرير ألبتة وهذا كقولك «يد فلان مبسوطة» أي جواد وإن لم يكن له يد رأساً ، والمذهب قول علي Bه : الاستواء غير مجهول والتكييف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة لأنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان .\r{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } خبر ومبتدأ ومعطوف { وَمَا بَيْنَهُمَا } أي ذلك كله ملكه { وَمَا تَحْتَ الثرى } ما تحت سبع الأراضين أو هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة { وَإِن تَجْهَرْ بالقول } ترفع صوتك { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر } ما أسررته إلى غيرك { وَأَخْفَى } منه وهو ما أخطرته ببالك أو ما أسررته في نفسك وما ستسره فيها { الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى } أي هو واحد بذاته وإن افترقت عبارات صفاته رد لقولهم إنك تدعو آلهة حين سمعوا أسماءه تعالى والحسنى تأنيث الأحسن .\r{ وَهَلْ } أي وقد { أَتَاكَ حَدِيثُ موسى } خبره قفاه بقصة موسى عليه السلام ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة بالصبر على المكاره ولينال الدرجة العليا كما نالها موسى .","part":2,"page":290},{"id":791,"text":"{ إِذْ رَأَى } ظرف لمضمر أي حين رأى { نَارًا } كان كيت وكيت أو مفعول به لاذكر . رُوي أن موسى عليه السلام استأذن شعيباً في الخروج إلى أمه وخرج بأهله فولد له ابن في الطريق في ليلة مظلمة مثلجة ، وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده فرأى عند ذلك ناراً في زعمه وكان نوراً { فَقَالَ لأَِهْلِهِ امكثوا } أقيموا في مكانكم { إِنّى آنَسْتُ } أبصرت { نَارًا } والإيناس رؤية شيء يؤنس به { لعلِّي ءاتيكم منها } بنى الأمر على الرجاء لئلا يعد ما ليس يستيقن الوفاء به { بِقَبَسٍ } نار مقتبسة في رأس عود أو فتيله { أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى } ذوي هدى أو قوماً يهدونني الطريق . ومعنى الاستعلاء في { عَلَى النار } أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها .\r{ فَلَمَّا أتاها } أي النار وجد ناراً بيضاء تتوقد في شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها ، وكانت شجرة العناب أو العوسج ولم يجد عندها أحداً . ورُوي أنه كلما طلبها بعدت عنه فإذا تركها قربت منه فثم { نُودِىَ } موسى { يَا موسى إِنّى } بكسر الهمزة أي نود فقيل { يَا موسى إِنّى } أو لأن النداء ضرب من القول فعومل معاملته ، وبالفتح : مكي وأبو عمرو أي نودي بأني { أَنَاْ رَبُّكَ } { أَنَاْ } مبتدأ أو تأكيد أو فصل وكرر الضمير لتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة . رُوي أنه لما نودي يا موسى قال : مَن المتكلم؟ فقال الله D : { أَنَاْ رَبُّكَ } . فعرف أنه كلام الله D بأنه سمعه من جميع جهاته الست وسمعه بجميع أعضائه .\r{ فاخلع نَعْلَيْكَ } انزعهما لتصيب قدميك بركة الوادي المقدس ، أو لأنها كانت من جلد حمار ميت غير مدبوغ ، أو لأن الحفوة تواضع لله ومن ثم طاف السلف بالكعبة حافين ، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها فخلعهما وألقاهما من وراء الوادي { إِنَّكَ بالواد المقدس } المطهر أو المبارك { طُوًى } حيث كان منوّن : شامي وكوفي لأنه اسم علم للوادي وهو بدل منه ، وغيرهم بغير تنوين بتأويل البقعة . وقرأ أبو زيد بكسر الطاء بلا تنوين .","part":2,"page":291},{"id":792,"text":"{ وَأَنَا اخترتك } اصطفيتك للنبوة ، { وإنا اخترناك } حمزة { فاستمع لِمَا يُوحَى } إليك للذي يوحى أو للوحي ، واللام يتعلق ب { استمع } أو ب { اخترتك } { إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى } وحدني وأطعني { وأقم الصلاة لذكري } لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها ، أو لأن أذكرك بالمدح والثناء ، أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري ، أو لتكون لي ذاكراً غير ناس ، أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة لقوله : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } [ النساء : 103 ] وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها وذا يصح بتقدير حذف المضاف أي لذكر صلاتي ، وهذا دليل على أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم منها .\r{ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } لا محالة { أَكَادُ } أريد عن الأخفش وقيل صلة { أُخْفِيهَا } قيل : هو من الأضداد أي أظهرها أو أسترها عن العباد فلا أقول هي آتية لإرادتي إخفاءها ، ولولا ما في الأخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من الحكمة وهو أنهم إذا لم يعلموا متى تقوم كانوا على وجل منها في كل وقت لما أخبرت به { لتجزى } متعلق ب { ءاتِيَةٌ } { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } بسعيها من خير أو شر { فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } فلا يصرفنك عن العمل للساعة أو عن إقامة الصلاة أو عن الإيمان بالقيامة فالخطاب لموسى والمراد به أمته { مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا } لا يصدق بها { واتبع هَوَاهُ } في مخالفة أمره { فتردى } فتهلك { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } «ما» مبتدأ و { تِلْكَ } خبره وهي بمعنى هذه و { بِيَمِينِكَ } حال عمل فيها معنى الإشارة أي قارة أو مأخوذة بيمينك . أو { تِلْكَ } موصول صلته { بِيَمِينِكَ } والسؤال للتنبيه لتقع المعجزة بها بعد التثبت ، أو للتوطين لئلا يهوله انقلابها حية ، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة .","part":2,"page":292},{"id":793,"text":"{ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا } أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة { وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى } أخبط ورق الشجر على غنمي لتأكل { وَلِيَ فِيهَا مَأَرِبُ } { وَلِيُّ } حفص جمع مأربة بالحركات الثلاث وهي الحاجة { أخرى } والقياس أخر . وإنما قال { أخرى } رداً إلى الجماعة أو لنسق الآي وكذا { الكبرى } ولما ذكر بعضها شكراً أجمل الباقي حياء من التطويل ، أو ليسأل عنها الملك العلام فيزيد في الإكرام . والمآرب الأخر أنها كانت تماشيه وتحدثه وتحارب العدو والسباع وتصير رشاء فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل وتحمل زاده ويركزها فتثمر ثمرة يشتهيها ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب ، وكانت تقيه الهوام . والزيادة على الجواب لتعداد النعم شكراً ، أو لأنها جواب سؤال آخر لأنه لما قال { هِىَ عَصَايَ } قيل له : ما تصنع بها فأخذ يعدد منافعها .\r{ قَالَ أَلْقِهَا ياموسى } اطرح عصاك لتفزع مما تتكىء عليه فلا تسكن إلا بنا وترى فيها كنه ما فيها من المآرب فتعتمد علينا في المطالب { فألقاها } فطرحها { فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } تمشي سريعاً قيل انقلبت ثعباناً يبتلع الصخر والشجر ، فلما رآها تبتلع كل شيء خاف . وإنما وصفت بالحية هنا وبالثعبان وهو العظيم من الحيات وبالجان وهو الدقيق في غيرها لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير ، وجاز أن تنقلب حية صفراء دقيقة ثم يتزايد جرمها حتى تصير ثعباناً فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها ، أو لأنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان . وقيل : كان بين لحييها أربعون ذراعاً . ولما { قَالَ } له ربه { خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } بلغ من ذهاب خوفه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها { سَنُعِيدُهَا } سنردها { سِيَرتَهَا الأولى } تأنيث الأول ، والسيرة : الحالة التي يكون عليها الإنسان غريزية كانت أو مكتسبة وهي في الأصل فعلة من السير كالركبة من الركوب ثم استعملت بمعنى الحالة والطريقة . وانتصبت على الظرف أي سنعيدها في طريقتها الأولى أي في حال ما كانت عصا . والمعنى نردها عصاً كما كانت ، وأرى ذلك موسى عند المخاطبة لئلا يفزع منها إذا انقلبت حية عند فرعون ، ثم نبه على آية أخرى فقال .\r{ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ } إلى جنبك تحت العضد وجناحا الإنسان جنباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما أي يميلهما عند الطيران والمعنى أدخلها تحت عضدك { تَخْرُجْ بَيْضَاء } لها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر { مِنْ غَيْرِ سُوء } برص { آيةً أُخرى } لنبوتك بيضاء وآية حالان معاً ومن غير سوء صلة بيضاء كقولك «ابيضت من غير سوء» وجاز أن ينتصب { ءايَةً } بفعل محذوف يتعلق به الأَمر .\r{ لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى } أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى العظمى ، أو نريك بهما الكبرى من آياتنا أو المعنى فعلنا ذلك لنريك من آياتنا الكبرى .\r{ اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } جاوز حد العبودية إلى دعوى الربوبية ، ولما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي وعرف أنه كلف أمراً عظيماً يحتاج إلى صدر فسيح .","part":2,"page":293},{"id":794,"text":"{ قَالَ رَبّ اشرح لِي صَدْرِى } وسعه ليحتمل الوحي والمشاق ورديء الأخلاق من فرعون وجنده { وَيَسّرْ لِى أَمْرِى } وسهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون . واشرح لي صدري آكد من اشرح صدري لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل لأنه يقول اشرح لي ويسر لي علم أن ثمة مشروحاً وميسراً ثم رفع الإبهام بذكر الصدر والأمر { واحلل } افتح { عُقْدَةً مّن لّسَانِي } وكان في لسانه رتة للجمرة التي وضعها على لسانه في صباه ، وذلك أن موسى أخذ لحية فرعون ولطمه لطمة شديدة في صغره فأراد قتله فقالت آسية : أيها الملك إنه صغير لا يعقل فجعلت في طشت ناراً وفي طشت يواقيت ووضعتهما لدى موسى فقصد اليواقيت فأمال الملك يده إلى النار فرفع جمرة فوضعها على لسانه فاحترق لسانه فصار لكنة منها . وروي أن يده احترقت واجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ ولما دعاه قال : إلى أي رب تدعوني؟ قال : إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها . و { مّن لّسَانِي } صفة لعقدة كأنه قيل : عقدة من عقد لساني ، وهذا يشعر بأنه لم تزل العقدة بكمالها وأكثرهم على ذهاب جميعها { يَفْقَهُواْ قَوْلِي } عند تبليغ الرسالة .\r{ واجعل لّي وَزِيراً } ظهيراً اعتمد عليه من الوزر الثقل لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنته ، أو من الوزر الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أموره ، أو معيناً من الموازرة وهي المعاونة ف { وَزِيراً } مفعول أول ل { اجَعَلَ } والثاني { مّنْ أَهْلِي } أو { لِي } أَوْ { وَزِيراً } مفعولاه وقوله { هارون } عطف بيان ل { وَزِيراً } وقوله { أَخِي } بدل أو عطف بيان آخر و { وَزِيراً } و { هارون } مفعولاه وقدم ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة { اشدد بِهِ أَزْرِى } قو به ظهري وقيل الأزر القوة { وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } اجعله شريكي في النبوة والرسالة . { اشدد } و { أشركه } على حكاية النفس شامي على الجواب ، والباقون على الدعاء والسؤال { كَيْ نُسَبّحَكَ } نصلي لك وننزهك تسبيحاً { كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً } في الصلوات وخارجها { إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } عالماً بأحوالنا فأجابه الله تعالى حيث { قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى } أعطيت مسؤولك فالسؤل الطلبة فعل بمعنى مفعول كخبز بمعنى مخبوز . { سولك } بلا همز : أبو عمرو .\r{ وَلَقَدْ مَنَنَّا } أنعمنا { عَلَيْكَ مَرَّةً } كرة { أخرى } قبل هذه ثم فسرها فقال { إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى } إلهاماً أو مناماً حين ولدت وكان فرعون يقتل أمثالك . و { إِذْ } ظرف ل { مَنَنَّا } ثم فسر ما يوحى بقوله { أَنِ اقذفيه } ألقيه { فِى التابوت } و { أن } مفسرة لأن الوحي بمعنى القول { فاقذفيه فِى اليم } النيل { فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل } الجانب وسمي ساحلاً لأن الماء يسحله أي يقشره ، والصيغة أمر ليناسب ما تقدم ومعناه الإخبار أي يلقيه اليم بالساحل { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } يعني فرعون والضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يفضي إلى تناثر النظم والمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان هو التابوت لكن موسى في جوف التابوت .","part":2,"page":294},{"id":795,"text":"رُوي أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وقيرته ثم ألقته في اليم ، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينما هو جالس على رأس بركة مع آسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا بصبي أصبح الناس وجهاً فأحبه فرعون حباً شديداً فذلك قوله { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } يتعلق { مِنّي } ب { ألقيت } يعني إني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب فما رآه أحد إلا أحبه . قال قتادة : كان في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه { وَلِتُصْنَعَ } معطوف على محذوف تقديره وألقيت عليك محبة لتحب ولتصنع { على عَيْنِى } أي لتربى بمرأى مني وأصله من صنع الفرس أي أحسن القيام عليه يعني أنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به { وَلِتُصْنَعَ } بسكون اللام والجزم : يزيد على أنه أمر منه .","part":2,"page":295},{"id":796,"text":"{ إِذْ تَمْشِى } بدل من { إِذْ أَوْحَيْنَا } لأن مشي أخته كان منة عليه { أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ } رُوي أن أخته مريم جاءت متعرفة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها وكان لا يقبل ثدي امرأة فقالت : هل أدلكم على من يضمه إلى نفسه فيربيه وأرادت بذلك المرضعة الأم . وتذكير الفعل للفظ { مِنْ } ، فقالوا : نعم فجاء بالأم فقبل ثديها وذلك قوله { فرجعناك } فرددناك { إلى أُمّكَ } كما وعدناها بقولنا { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } [ القصص : 7 ] { كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك { وَلاَ تَحْزَنْ } على فراقك { وَقَتَلْتَ نَفْساً } قبطياً كافراً { فنجيناك مِنَ الغم } من القود . قيل الغم : القتل بلغة قريش وقيل : اغتم بسبب القتل خوفاً من عقاب الله تعالى ومن اقتصاص فرعون فغفر الله له باستغفاره { قَالَ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى } [ القصص : 16 ] ونجاه من فرعون بأن ذهب به من مصر إلى مدين { وفتناك فُتُوناً } ابتليناك ابتلاء بإيقاعك في المحن وتخليصك منها ، والفتون مصدر كالقعود أو جمع فتنة أي فتناك ضروباً من الفتن ، والفتنة المحنة وكل ما يبتلي الله به عباده فتنة . { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء : 35 ] { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } هي بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر . قال وهب : لبث عند شعيب ثمانياً وعشرين سنة ، عشر منها مهر لصفوراء ، وأقام عنده ثمان عشرة سنة بعدها حتى ولد له أولاد . { ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى } أي موعد ومقدار للرسالة وهو أربعون سنة { واصطنعتك لِنَفْسِي } اخترتك واصطفيتك لوحي ورسالتي لتتصرف على إرادتي ومحبتي . قال الزجاج : اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي كأني أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم .\r{ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بئاياتى } بمعجزاتي { وَلاَ تَنِيَا } تفترا من الونى وهو الفتور والتقصير { فِى ذِكْرِى } أي اتخذا ذكري جناحاً تطيران به أو أريد بالذكر تبليغ الرسالة فالذكر يقع على سائر العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها { اذهبا إلى فِرْعَوْنَ } كرر لأن الأول مطلق والثاني مقيد { إِنَّهُ طغى } جاوز الحد بإدعائه الربوبية { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } الطفا له في القول لما له من حق تربية موسى ، أو كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث : أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة . أو عداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع عنه إلا بالموت ، أو هو قوله { هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ فتخشى } [ النازعات : 19 ] أي يخاف أن يكون الأمر كما تصفان فيجره إنكاره إلى الهلكة . وإنما قال { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } مع علمه أنه لا يتذكر لأن الترجي لهما ، أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يطمع أن يثمر عمله .","part":2,"page":296},{"id":797,"text":"وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة . وقيل : معناه لعله يتذكر متذكر أو يخشى خاش وقد كان ذلك من كثير من الناس . وقيل : { لَعَلَّ } من الله تعالى واجب وقد تذكر ولكن حين لم ينفعه التذكر . وقيل : تذكر فرعون وخشي وأراد اتباع موسى فمنعه هامان وكان لا يقطع أمراً دونه . وتليت عند يحيى بن معاذ فبكى وقال : هذا رفقك بمن يقول أنا إله فكيف بمن قال أنت الإله؟ وهذا رفقك بمن قال أنا ربكم الأعلى فكيف بمن قال سبحان ربي الأعلى .\r{ قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } يعجل علينا بالعقوبة ومنه الفارط يقال فرط عليه أي عجل { أَوْ أَن يطغى } يجاوز الحد في الإساءة إلينا { قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا } أي حافظكما وناصركما { أَسْمِعْ } أقوالكما { وأرى } أفعالكما . قال ابن عباس Bهما : أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما { فَأْتِيَاهُ } أي فرعون { فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } إليك { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل } أي أطلقهم عن الاستعباد والاسترقاق { وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } بتكليف المشاق { قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ } بحجة على صدق ما ادعيناه ، وهذه الجملة جارية من الجملة الأولى وهي { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } مجرى البيان والتفسير والتفصيل لأن دعوى الرسالة لا تثبث إلا ببينتها وهي المجيء بالآي فقال فرعون : وما هي؟ فأخرج يده لها شعاع كشعاع الشمس { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } أي سلم من العذاب من أسلم وليس بتحية . وقيل : وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين .\r{ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب } في الدنيا والعقبى { على مَن كَذَّبَ } بالرسل { وتولى } أعرض عن الإيمان وهي أرجى آي القرآن لأنه جعل جنس السلام للمؤمن وجنس العذاب على المكذب وليس وراء الجنس شيء ، فأتياه وأديا الرسالة وقالا له ما أمرا به .\r{ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى } خاطبهما ثم نادى أحدهما لأن موسى هو الأصل في النبوة وهارون تابعه { قَالَ رَبُّنَا الذى أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } { خَلَقَهُ } أول مفعولي { أعطى } أي أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به ، أو ثانيهما أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار ، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع ، وكذا الأنف والرجل واليد كل واحد منها مطابق للمنفعة المنوطة بها ، وقرأ نصير { خَلَقَهُ } صفة للمضاف أو للمضاف إليه أي أعطى كل شيء مخلوق عطاء { ثُمَّ هدى } عرف كيف يرتفق بما أعطى للمعيشة في الدنيا والسعادة في العقبى .","part":2,"page":297},{"id":798,"text":"{ قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى } فما حال الأمم الحالية والرمم البالية ، سأله عن حال من تقدم من القرون وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد { قَالَ } موسى مجيباً { عِلْمُهَا عِندَ رَبّى } مبتدأ وخبر { فِى كتاب } أي اللوح خبر ثانٍ أي هذا سؤال عن الغيب وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب ، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ { لاَّ يَضِلُّ رَبّى } أي لا يخطىء شيئاً يقال : ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له أي لا يخطىء في سعادة الناس وشقاوتهم { وَلاَ يَنسَى } ثوابهم وعقابهم . وقيل : لا ينسى ما علم فيذكره الكتاب ولكن ليعلم الملائكة أن معمول الخلق يوافق معلومه .\r{ الذى } مرفوع صفة ل { رَبّى } أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح { جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً } كوفي وغيرهم { مهادا } وهما لغتان لما يبسط ويفرش { وَسَلَكَ } أي جعل { لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } طرقاً { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } أي مطراً { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بالماء . نقل الكلام من الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للافتنان . وقيل : تم كلام موسى ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } وقيل : هذا كلام موسى أي فأخرجنا نحن بالحراثة والغرس { أزواجا } أصنافاً { مّن نبات } هو مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع { شتى } صفة للأزواج أو للنبات جمع شتيت كمريض ومرضى أي إنها مختلفة النفع واللون والرائحة والشكل بعضها للناس وبعضها للبهائم ، ومن نعمة الله تعالى أن أرزاقنا تحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجاتنا مما لا نقدر على أكله قائلين { كُلُواْ وارعوا أنعامكم } حال من الضمير في { فَأَخْرَجْنَا } والمعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها { إِنَّ فِى ذَلِكَ } في الذي ذكرت { لآيَاتٍ } لدلالات { لأُِوْلِي النهى } لذوي العقول واحدها نهية لأنها تنهى عن المحظور أو ينتهى إليها في الأمور { مِنْهَا } من الأرض { خلقناكم } أي أباكم آدم عليه السلام . وقيل : يعجن كل نطفة بشيء من تراب مدفنه فيخلق من التراب والنطفة معاً أو لأن النطفة من الأغذية وهي من الأرض { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } إذا متم فدفنتم { وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ } عند البعث { تَارَةً أخرى } مرة أخرى والمراد بإخراجهم أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى المحشر ، عدد الله عليهم ما علق بالأرض من مرافقهم حيث جعلها لهم فراشاً ومهاداً يتقلبون عليها ، وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف شاؤوا ، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم وهي أصلهم الذي منه تفرعوا ، وأمهم التي منها ولدوا وهي كفانهم إذا ماتوا .","part":2,"page":298},{"id":799,"text":"{ قَالُواْ إِنْ هاذان لساحران } يعني موسى وهارون . قرأ أبو عمرو { إن هَذينِ لساحران } وهو ظاهر ولكنه مخالف للإمام ، وابن كثير وحفص والخليل وهو أعرف بالنحو واللغة { إِنْ هاذان لساحران } بتخفيف { إن } مثل قولك «إن زيد لمنطلق» واللام هي الفارقة بين «إن» النافية والمخففة من الثقيلة . وقيل : هي بمعنى «ما» واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران دليله قراءة أبيّ { إن ذان إلا ساحران } وغيرهم { إِنْ هاذان لساحران } قيل هي لغة بلحارث بن كعب وخثعم ومراد وكنانة فالتثنية في لغتهم بالألف أبداً فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب كعصا وسعدى قال :\rإن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها\rوقال الزجاج : إن بمعنى نعم ، قال الشاعر :\rويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه\rأي نعم والهاء للوقف . و { هذان } مبتدأ و { ساحران } خبر مبتدأ محذوف واللام داخلة على المبتدأ المحذوف تقديره : هذان لهما ساحران فيكون دخولهما في موضعها الموضوع لها وهو الابتداء ، وقد يدخل اللام في الخبر كما يدخل في المبتدأ قال :\rخالي لأنت ومن جرير خاله ... قال : فعرضته على المبرد فرضيه وقد زيفه أبو عليّ . { يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ } مصر { بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ } بدينكم وشريعتكم { المثلى } الفضلى تأنيث الأمثل وهو الأفضل { فَأَجْمِعُواْ } فأحكموا أي اجعلوه مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا . { فَأَجْمِعُواْ } أبو عمرو ويعضده { فَجَمَعَ كَيْدَهُ } { كَيْدَكُمْ } هو ما يكاد به { ثُمَّ ائتوا صَفّاً } مصطفين حال أمروا بأن يأتوا صفاً لأنه أهيب في صدور الرائين { وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى } وقد فاز من غلب وهو اعتراض .\r{ قَالُواْ } أي السحرة { ياموسى إِمَّا أَن تُلْقِيَ } عصاك أولاً { وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى } ما معنا وموضع «أن» مع ما بعده فيهما نصب بفعل مضمر ، أو رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف معناه اختر أحد الأمرين ، أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا . وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن معه وكأنه تعالى ألهمهم ذلك وقد وصلت إليهم بركته وعلم موسى اختيار إلقائهم أولاً حتى { قَالَ بَلْ أَلْقُواْ } أنتم أولاً ليبرزوا ما معهم من مكايد السحر ويظهر الله سلطانه ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه ، ويسلط المعجزة على السحر فتمحقه فيصير آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين فألقوا { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ } يقال في { إِذَا } هذه : إذا المفاجأة والتحقيق أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها ، وخصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير والتقدير : ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي { يُخَيَّلُ } وبالتاء : ابن ذكوان { إِلَيْهِ } إلى موسى { مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } رفع بدل اشتمال من الضمير في { يُخَيَّلُ } أي يخيل الملقى .","part":2,"page":299},{"id":800,"text":"رُوي أنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت فخيلت ذلك .\r{ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً موسى } أضمر في نفسه خوفاً ظنًّا منه أنها تقصده للجبلة البشرية أو خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه { قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى } الغالب القاهر . وفي ذكر «إن» و «أنت» وحرف التعريف ولفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة مبالغة بينة .\r{ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ } بسكون اللام والفاء وتخفيف القاف : حفص و { تَلْقَفْ } : ابن ذكوان ، الباقون { تَلْقَفْ } { مَا صَنَعُواْ } زوراً وافتعلوا أي اطرح عصاك تبتلع عصيهم وحبالهم . ولم يقل عصاك تعظيماً لها أي لا تحتفل بما صنعوا فإن ما في يمينك أعظم منها ، أو تحقيراً أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الفرد الذي في يمينك فإنه بقدرتنا يتلقفها على وحدته وكثرتها { إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } كوفي غير عاصم سحر بمعنى ذي سحر أو ذوي سحر أو هم لتوغلهم في السحر كأنهم السحر ، و { كَيْدَ } بالرفع على القراءتين و «ما» موصولة أو مصدرية . وإنما وحد { ساحر } ولم يجمع لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد ، فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد ألا ترى إلى قوله { وَلاَ يُفْلِحُ الساحر } أي هذا الجنس { حَيْثُ أتى } أينما كان فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا فلعظم ما رأوا من الآية وقعوا إلى السجود فذلك قوله { فَأُلْقِىَ السحرة سُجَّداً } قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا فما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين . رُوي أنهم رأوا الجنة ومنازلهم فيها في السجود فرفعوا رؤوسهم ثم { قَالُواْ امَنَّا بِرَبّ هارون وموسى } وإنما قدم «هارون» هنا وأخر في الشعراء محافظة للفاصلة ولأن الواو لا توجب ترتيباً { قَالَ ءامَنتُمْ } بغير مد : حفص ، وبهمزة ممدودة : بصري وشامي وحجازي ، وبهمزتين : غيرهم { لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } أي لموسى . يقال : آمن له وآمن به { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذى عَلَّمَكُمُ السحر } لعظيمكم أو لمعلمكم ، تقول أهل مكة للمعلم : أمرني كبيري { فَلأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } القطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر بأن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال ، و «من» لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشىء من مخالفة العضو ، ومحل الجار والمجرور النصب على الحال يعني لأقطعنها مختلفات لأنها إذا خالف بعضها بعضاً فقد اتصفت بالاختلاف ، شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف فلهذا قال { وَلأُصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النخل } وخص النخل لطول جذوعها { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً } أنا على ترك إيمانكم بي أو رب موسى على ترك الإيمان به . وقيل : يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله وسلامه عليه بدليل قوله { آمنتم له } واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله كقوله { يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 61 ] { وأبقى } أدوم .","part":2,"page":300},{"id":801,"text":"{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ } لن نختارك { على مَا جَاءنَا مِنَ البينات } القاطعة الدالة على صدق موسى { والذى فَطَرَنَا } عطف على { مَا جَاءنَا } أي لن نختارك على الذي جاءنا ولا على الذي خلقنا ، أو قسم وجوابه { لَن نُّؤْثِرَكَ } مقدم على القسم { فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ } فاصنع ما أنت صانع من القتل والصلب قال :\rوعليهما مسرودتان قضاهما ... أي صنعهما أو احكم ما أنت حاكم { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي في هذه الحياة الدنيا فانتصب على الظرف أي إنما تحكم فينا مدة حياتنا .\r{ أَنَاْ ءامَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خطايانا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ } «ما» موصولة منصوبة بالعطف على { خطايانا } { مِنَ السحر } حال من «ما» ، روي أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائماً ففعل فوجدوه تحرسه عصاه فقالوا : ما هذا بسحر الساحر إذا نام بطل سحره فكرهوا معارضته خوف الفضيحة فأكرههم فرعون على الإتيان بالسحر وضر فرعون جهله به ونفعهم علمهم بالسحر فكيف بعلم الشرع { والله خَيْرُ } ثواباً لمن أطاعه { وأبقى } عقاباً لمن عصاه وهو رد لقول فرعون { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى } .\r{ أَنَّهُ } هو ضمير الشأن { مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } كافراً { فَإِنَّ لَهُ } للمجرم { جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح بالموت { وَلاَ يحيى } حياة ينتفع بها { وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً } مات على الإيمان { قَدْ عَمِلَ الصالحات } بعد الإيمان { فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى } جمع العليا { جنات عَدْنٍ } بدل من { الدرجات } { تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } دائمين { وذلك جَزَاء مَن تزكى } تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله . قيل : هذه الآيات الثلاث حكاية قولهم . وقيل : خبر من الله تعالى لا على وجه الحكاية وهو أظهر { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } لما أراد الله تعالى إهلاك فرعون وقومه أمر موسى أن يخرج بهم من مصر ليلاً ويأخذ بهم طريق البحر { فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِى البحر } اجعل لهم من قولهم ضرب له في ماله سهماً { يَبَساً } أي يابساً وهو مصدر وصف به يقال : يبس يَبسا ويُبسا { لاَّ تَخَافُ } حال من الضمير في { فاضرب } أي اضرب لهم طريقاً غير خائف . { لاَ تَخَفْ } حمزة على الجواب { دَرَكاً } هو اسم من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك { وَلاَ تخشى } الغرق وعلى قراءة حمزة { وَلاَ تخشى } استئناف أي وأنت لا تخشى أو يكون الألف للإطلاق كما في { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } [ الأحزاب : 10 ] فخرج بهم موسى من أول الليل وكانوا سبعين ألفاً وقد استعاروا حليهم فركب فرعون في ستمائة ألف من القبط فقص أثرهم فذلك قوله { فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } هو حال أي خرج خلفهم ومعه جنوده { فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم } أصابهم من البحر { مَا غَشِيَهُمْ } هو من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله D { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ } عن سبيل الرشاد { وَمَا هدى } وما أرشدهم إلى الحق والسداد وهذا رد لقوله","part":2,"page":301},{"id":802,"text":"{ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد } [ غافر : 29 ] . ثم ذكر منته على بني إسرائيل بعد ما أنجاهم من البحر وأهلك فرعون وقومه بقوله { يابنى إسراءيل } أي أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وقلنا يا بني إسرائيل { قَدْ أنجيناكم مّنْ عَدُوّكُمْ } أي فرعون { وواعدناكم } بإيتاء الكتاب { جَانِبِ الطور الأيمن } وذلك أن الله D وعد موسى أن يأتي هذا المكان ويختار سبعين رجلاً يحضرون معه لنزول التوراة . وإنما نسب إليهم المواعدة لأنها كانت لنبيهم ونقبائهم وإليهم رجعت منافعها التي قام بها شرعهم ودينهم . و { الأيمن } نصب لأنه صفة { جَانِبٍ } وقرىء بالجر على الجواز { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } في التيه وقلنا لكم .\r{ كُلُواْ مِن طيبات } حلالات { مَا رزقناكم } { أنجيتكم } { وواعدتكم } { ورزقتكم } كوفي غير عاصم { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } ولا تتعدوا حدود الله فيه بأن تكفروا النعم وتنفقوها في المعاصي أو لا يظلم بعضكم بعضاً { فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } عقوبتي { وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هوى } هلك أو سقط سقوطاً لا نهوض بعده ، وأصله أن يسقط من جبل فيهلك وتحقيقه سقط من شرف الإيمان إلى حفرة من حفر النيران . قرأ علي { فَيَحِلَّ } { ويحلل } والباقون بكسرهما . فالمكسور في معنى الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه ، والمضموم في معنى النزول { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } عن الشرك { وَءامَنَ } وحد الله تعالى وصدقه فيما أنزل { وَعَمِلَ صالحا } أدى الفرائض { ثُمَّ اهتدى } ثم استقام وثبت على الهدى المذكور وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح .\r{ وَمَا أَعْجَلَكَ } أي وأي شيء عجل بك { عَن قَومِكَ ياموسى } أي عن السبعين الذين اختارهم وذلك أنه مضى معهم إلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وأمرهم أن يتبعوه قال الله تعالى { وَمَا أَعْجَلَكَ } أي وأي شيء أوجب عجلتك استفهام إنكار و { مَا } مبتدأ و { أَعْجَلَكَ } الخبر { قَالَ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى } أي هم خلفي يلحقون بي وليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة . ثم ذكر موجب العجلة فقال { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ } أي إلى الموعد الذي وعدت { لترضى } لتزداد عني رضاً وهذا دليل على جواز الاجتهاد .","part":2,"page":302},{"id":803,"text":"{ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ } ألقيناهم في فتنة { مِن بَعْدِكَ } من بعد خروجك من بينهم والمراد بالقوم الذين خلفهم مع هارون { وَأَضَلَّهُمُ السامرى } بدعائه إياهم إلى عبادة العجل وإجابتهم له وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة . وقيل : كان علجاً من كرمان فاتخذ عجلاً واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً { فَرَجَعَ موسى } من مناجات ربه { إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا } شديد الغضب أو حزيناً { قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } وعدهم الله أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور وكانت ألف سورة كل سوره ألف آية يحمل أسفارها سبعون جملاً ولا وعد أحسن من ذلك { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد } أي مدة مفارقتي إياكم ، والعهد الزمان ، يقال : طال عهدي بك أي طال زماني بسبب مفارقتك { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } أي أردتم أن تفعلوا فعلاً يجب به عليكم الغضب من ربكم { فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى } وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الآيات فأخلفوا موعده باتخاذ العجل .\r{ قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } بفتح الميم : مدني وعاصم ، وبضمها : حمزة وعلي ، وبكسرها : غيرهم ، أي ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفنا موعدك ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده { ولكنا حُمّلْنَا } بالضم والتشديد : حجازي وشامي وحفص ، وبفتح الحاء والميم مع التخفيف : غيرهم { أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم } أثقالاً من حلي القبط ، أو أرادوا بالأوزار أنها آثام وتبعات لأنهم قد استعاروها ليلة الخروج من مصر بعلة أن لنا غداً عيداً ، فقال السامري : إنما حبس موسى لشؤم حرمتها لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ فأحرقوها فخبأ في حفرة النار قالب عجل فانصاغت عجلاً مجوفاً فخار بدخول الريح في مجار منه أشباه العروق . وقيل : نفخ فيه تراباً من موضع قوائم فرس جبريل عليه السلام يوم الغرق وهو فرس حياة فحيي فخار ومالت طباهم إلى الذهب فعبدوه { فَقَذَفْنَاهَا } في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي { فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامرى } ما معه من الحلي في النار أو ما معه من التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام .\r{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ } السامري من الحفرة { عِجْلاً } خلقه الله تعالى من الحلي التي سبكتها النار ابتلاء { جَسَداً } مجسداً { لَّهُ خُوَارٌ } صوت وكان يخور كما تخور العجاجيل { فَقَالُواْ } أي السامري وأتباعه { هذا إلهكم وإله موسى } فأجاب عامتهم إلا اثني عشر ألفاً { فَنَسِىَ } أي فنسي موسى ربه هنا وذهب يطلبه عند الطور ، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى أي نسي السامري ربه وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر ، أو نسي السامري الاستدلال على أن العجل لا يكون إلهاً بدليل قوله { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ } أي أنه لا يرجع ف { أن } مخففة من الثقيلة { إِلَيْهِمْ قَوْلاً } أي لا يجيبهم { وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } أي هو عاجز عن الخطاب والضر والنفع فكيف تتخذونه إلهاً وقيل : إنه ما خار إلا مرة { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ } لمن عبدوا العجل { هارون مِن قَبْلُ } من قبل رجوع موسى إليهم { ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } ابتليتم بالعجل فلا تعبدوه { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن } لا العجل { فاتبعونى } كونوا على ديني الذي هو الحق { وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } في ترك عبادة العجل { قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين } أي لن نزال مقيمين على العجل وعبادته { حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى } فننظره هل يعبده كما عبدناه وهل صدق السامري أم لا .","part":2,"page":303},{"id":804,"text":"فلما رجع موسى { قَالَ يَا هارون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } بعبادة العجل .\r{ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ } بالياء في الوصل والوقف : مكي ، وافقه أبو عمرو ونافع في الوصل ، وغيرهم بلا ياء أي ما دعاك إلى ألا تتبعني لوجود التعلق بين الصارف عن فعل الشي وبين الداعي إلى تركه . وقيل : «لا» مزيدة والمعنى أي شيء منعك أن تتبعني حين لم يقبلوا قولك وتلحق بي وتخبرني؟ أو ما منعك أن تتبعني في الغضب لله ، وهلا قاتلت من كفر بمن آمن ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهداً؟ { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } أي الذي أمرتك به من القيام بمصالحهم . ثم أخذ بشعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضباً وإنكاراً عليه لأن الغيرة في الله ملكته { قَالَ يَبْنَؤُمَّ } وبخفض الميم : شامي وكوفي غير حفص ، وكان لأبيه وأمه عند الجمهور ولكنه ذكر الأم استعطافاً وترفيقاً { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } ثم ذكر عذره فقال { إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ } إن قاتلت بعضهم ببعض { فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ } أو خفت أن تقول إن فارقتهم واتبعتك ولحق بي فريق وتبع السامري فريق : { فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ } { وَلَمْ تَرْقُبْ } ولم تحفظ { قَوْلِي } اخلفني في قومي وأصلح . وفيه دليل على جواز الاجتهاد .\rثم أقبل موسى على السامري منكراً عليه حيث { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ } ما أمرك الذي تخاطب عليه؟ { ياسامري قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } وبالتاء : حمزة وعلي ، وقال الزجاج : بصر علم وأبصر نظر أي علمت ما لم يعلمه بنو اسرائيل . قال موسى : وما ذاك؟ قال : رأيت جبريل على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثره فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً } القبضة المرة من القبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر ل «ضرب» الأمير . وقريء { فقبصت قبضة } فالضاد بجميع الكف والصاد بأطراف الأصابع { مِّنْ أَثَرِ الرسول } أي من أثر فرس الرسول وقريء بها { فَنَبَذْتُهَا } فطرحتها في جوف العجل { وكذلك سَوَّلَتْ } زينت { لِى نَفْسِى } أن أفعله ففعلته اتباعاً لهواي وهو اعتراف بالخطأ واعتذار .","part":2,"page":304},{"id":805,"text":"{ قَالَ } له موسى { فاذهب } من بيننا طريداً { فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة } ما عشت { أَن تَقُولَ } لمن أراد مخالطتك جاهلاً بحالك { لاَ مِسَاسَ } أي لا يمسني أحد ولا أمسه فمنع من مخالطة الناس منعاً كلياً وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ، وإذا اتفق أن يماس أحداً حم الماس والممسوس . وكان يهيم في البرية يصيح لا مساس ويقال : إن ذلك موجود في أولاده إلى الآن . وقيل : أراد موسى عليه السلام أن يقتله فمنعه الله تعالى منه لسخائه { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض ينجزه لك في الآخرة بعدما عاقبك بذاك في الدنيا { لَّن تُخْلَفَهُ } مكي وأبو عمر وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً { وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ } وأصله ظللت فحذف اللام الأولى تخفيفاً { عَاكِفاً } مقيماً { لَّنُحَرّقَنَّهُ } بالنار { ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ } لنذرينه { فِى اليم نَسْفاً } فحرقه وذراه في البحر فشرب بعضهم من مائة حباً له فظهرت على شفاههم صفرة الذهب . { إِنَّمَا إلهكم الله الذى لا إله إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً } تمييز أي وسع علمه كل شيء .\rومحل الكاف في { كذلك } نصب أي مثل ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } من أخبار الأمم الماضية تكثيراً لبيناتك وزيادة في معجزاتك { وَقَدْ آتيناك } أي أعطيناك { مّن لَّدُنَّا } من عندنا { ذِكْراً } قرآناً فهو ذكر عظيم وقرآن كريم فيه النجاة لمن أقبل عليه ، وهو مشتمل على الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار { مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } عن هذا الذكر وهو القرآن ولم يؤمن به { فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً } عقوبة ثقيلة سماها وزراً تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الثقيل الذي ينقض ظهره ويلقى عليه بهره ، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم { خالدين } حال من الضمير في { يَحْمِلُ } وإنما جمع على المعنى ووحد في { فَإِنَّهُ } حملاً على لفظ من { فِيهِ } في الوزر أي في جزاء الوزر وهو العذاب { وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً } ساء في حكم بئس وفيه مبهم يفسره { حِمْلاً } وهو تمييز واللام في { لَهُمْ } للبيان كما في { هَيْتَ لَكَ } [ يوسف : 23 ] والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه تقديره ساء الحمل حملاً وزرهم .\r{ يَوْمَ يُنفَخُ } بدل من { يَوْمُ القيامة } ، { ننفخ } أبو عمرو { فِى الصور } القرن أو هو جمع صورة أي ننفخ الأرواح فيها دليله قراءة قتادة الصور بفتح الوّاو جمع صورة { وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً } حال أي عمياً كما قال","part":2,"page":305},{"id":806,"text":"{ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا } [ الإسراء : 97 ] وهذا لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق { يتخافتون } يتسارون { بَيْنَهُمْ } أي يقول بعضهم لبعض سراً لهول ذلك اليوم { إِن لَّبِثْتُمْ } ما لبثتم في الدنيا { إِلاَّ عَشْراً } أي عشر ليال يستقصرون مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر ، لأن أيام السرور قصار ، أو لأنها ذهبت عنهم والذاهب وإن طالت مدته قصير بالانتهاء ، أو لاستطالتهم الآخرة لأنها أبداً يستقصر إليها عمر الدنيا ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة ، وقد رجح الله قول من يكون أشد تقالاً منهم بقوله { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً } أعد لهم قولاً { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } وهو كقوله { قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العادين } [ المؤمنون : 113 ] .\r{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال } سألوا النبي A ما يصنع بالجبال يوم القيامة؟ وقيل : لم يسئل وتقديره إن سألوك { فَقُلْ } ولذا قرن بالفاء بخلاف سائر السؤالات مثل قوله { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى } [ البقرة : 222 ] وقوله { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إصلاح لهم خير } [ البقرة : 220 ] { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } [ البقرة : 219 ] { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } [ الأعراف : 187 ] { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح } [ الإسراء : 85 ] { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ } [ الكهف : 83 ] لأنها سؤالات تقدمت فورد جوابها ولم يكن فيها معنى الشرط فلم يذكر الفاء .\r{ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } أي يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها كما يذرى الطعام . وقال الخليل : يقلعها { فَيَذَرُهَا } فيذر مقارها أو يجعل الضمير للأرض للعلم بها كقوله { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا } [ فاطر : 45 ] { قَاعاً صَفْصَفاً } مستوية ملساء { لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً } انخفاضاً { وَلا أَمْتاً } ارتفاعاً والعوج بالكسر إن كان في المعاني كما أن المفتوح في الأعيان والأرض عين ، ولكن لما استوت الأرض استواء لا يمكن أن يوجد فيها اعوجاج بوجه ما وإن دقت الحيلة ولطفت جرت مجرى المعاني { يَوْمَئِذٍ } أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال أي يوم إذ نسفت وجاز أن يكون بدلاً بعد بدل من يوم القيامة { يَتَّبِعُونَ الداعى } إلى المحشر أي صوت الداعي وهو إسرافيل حين ينادي على صخرة بيت المقدس : أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلمي إلى عرض الرحمن فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا يعدلون عنه { لاَ عِوَجَ لَهُ } أي لا يعوج له مدعو بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته { وَخَشَعَتِ } وسكنت { الأصوات للرحمن } هيبة وإجلالاً { فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } صوتاً خفيفاً لتحريك الشفاه . وقيل : هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت أي لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر .","part":2,"page":306},{"id":807,"text":"{ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } محل من رفع على البدل من { الشفاعة } بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي أذن للشافع في الشفاعة { وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } أي رضي قولاً لأجله بأن يكون المشفوع له مسلماً أو نصب على أنه مفعول { تَنفَعُ } { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي يعلم ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه { وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } أي بما أحاط به علم الله فيرجع الضمير إلى «ما» أو يرجع الضمير إلى الله لأنه تعالى ليس بمحاط به { وَعَنَتِ } خضعت وذلت ومنه قيل للأسير : عانٍ { الوجوه } أي أصحابها { لِلْحَىّ } الذي لا يموت وكل حياة يتعقبها الموت فهي كأن لم تكن { القيوم } الدائم القائم على كل نفس بما كسبت أو القائم بتدبير الخلق { وَقَدْ خَابَ } يئس من رحمة الله { مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } من حمل إلى موقف القيامة شركاً لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ولا ظلم أشد من جعل المخلوق شريك من خلقه { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } الصالحات الطاعات { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } مصدق بما جاء به محمد عليه السلام ، وفيه دليل أنه يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحة وأن الإيمان شرط قبولها { فَلاَ يَخَافُ } أي فهو لا يخاف { فَلاَ يخف } على النهي : مكي { ظُلْماً } أن يزداد في سيئاته { وَلاَ هَضْماً } ولا ينقص من حسناته وأصل الهضم النقص والكسر .","part":2,"page":307},{"id":808,"text":"{ وكذلك } عطف على كذلك نقص أي ومثل ذلك الإنزال { أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا } بلسان العرب { وَصَرَّفْنَا } كررنا { فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يجتنبون الشرك { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ } الوعيد أو القرآن { ذِكْراً } عظة أو شرفاً بإيمانهم به وقيل «أو» بمعنى الواو .\r{ فتعالى الله } ارتفع عن فنون الظنون وأوهام الأفهام وتنزه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام { الملك } الذي يحتاج إليه الملوك { الحق } المحق في الألوهية . ولما ذكر القرآن وإنزاله قال استطراداً : وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن فتأن عليك ريثما يسمعك ويفهمك { وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان } بقراءته { مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ { وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } بالقرآن ومعانيه . وقيل : ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم .\r{ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى ءادَمَ } أي أوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة . يقال في أوامر الملوك ووصاياهم تقدم الملك إلى فلان وأوصى إليه وعزم عليه وعهد إليه ، فعطف قصة آدم على { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد } والمعنى وأقسم قسماً لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة { مِن قَبْلُ } من قبل وجودهم فخالف إلى ما نهي عنه كما أنهم يخالفون يعني أن أساس أمر بني آدم على ذلك وعرقهم راسخ فيه { فَنَسِىَ } العهد أي النهي والأنبياء عليهم السلام يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا لحفظوه { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } قصداً إلى الخلاف لأمره أو لم يكن آدم من أولي العزم . والوجود بمعنى العلم ومفعولاه { لَهُ عَزْماً } أو بمعنى نقيض العدم أي وعد منا له عزما و { لَهُ } متعلق ب { نَجِدْ } { وَإِذْ قُلْنَا } منصوب ب «اذكر» { للملائكة اسجدوا لآِدَمَ } قيل : هو السجود اللغوي الذي هو الخضوع والتذلل أو كان آدم كالقبلة لضرب تعظيم له فيه { فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } عن ابن عباس Bهما أن إبليس كان ملكاً من جنس المستثنى منهم . وقال الحسن : الملائكة لباب الخليقة من الأرواح ولا يتناسلون وإبليس من نار السموم . وإنما صح استثناؤه منهم لأنه كان يصحبهم ويعبد الله معهم { أبى } جملة مستأنفة كأنه جواب لمن قال لم لم يسجد ، والوجه أن لا يقدر له مفعول وهو السجود المدلول عليه بقوله { فَسَجَدُواْ } وأن يكون معناه أظهر الإباء وتوقف .","part":2,"page":308},{"id":809,"text":"{ فَقُلْنَا يائادم أن هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك { فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة } فلا يكونن سبباً لإخراجكما { فتشقى } فتتعب في طلب القوت ولم يقل «فتشقيا» مراعاة لرؤوس الآي ، أو دخلت تبعاً ، أو لأن الرجل هو الكافل لنفقة المرأة . وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه { إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا } في الجنة { وَلاَ تعرى } عن الملابس لأنها معدة أبداً فيها { وَأَنَّكَ } بالكسر : نافع وأبو بكر عطفاً على «إن» الأولى ، وغيرهما بالفتح عطفاً على { أَلاَّ تَجُوعَ } ومحله نصب ب «أن» وجاز للفصل كما تقول «إن في علمي أنك جالس» { لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا } لا تعطش لوجود الأشربة فيها { وَلاَ تضحى } لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس فأهلها في ظل ممدود .\r{ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة كأسر إليه { قَالَ يَاءادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد } أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها خلد بزعمه ولا يموت { وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } لا يفنى { فَأَكَلاَ } أي آدم وحواء { مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا } عوراتهما { سَوْءتُهُمَا } { وَطَفِقَا } طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وهو ك «كاد» في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً إلا أنه للشروع في أول الأمر وكاد للدنو منه { يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } أي يلزقان الورق بسواتهما للتستر وهو ورق التين { وعصى ءادَمُ رَبَّهُ فغوى } ضل عن الرأي . وعن ابن عيسى خاب ، والحاصل أن العصيان وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي ، وقد يكون عمداً فيكون ذنباً وقد لا يكون عمداً فيكون زلة . ولما وصف فعله بالعصيان خرج فعله من أن يكون رشداً فكان غياً ، لأن الغي خلاف الرشد . وفي التصريح بقوله { وعصى ءادَمُ رَبَّهُ فغوى } والعدول عن قوله و «زل آدم» مزجرة بليغة وموعظة كافة للمكلفين كأنه قيل لهم : انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلاً عن الكبائر .","part":2,"page":309},{"id":810,"text":"{ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ } قربه إليه اصطفاه . وقريء به وأصل الكلمة الجمع يقال جبى إلى كذا فاجتبيته { فَتَابَ عَلَيْهِ } قبل توبته { وهدى } وهداه إلى الاعتذار والاستغفار .\r{ قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً } يعني آدم وحواء { بَعْضُكُمْ } يا ذرية آدم { لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } كتاب وشريعة { فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ } في الدنيا { وَلاَ يشقى } في العقبى . قال ابن عباس Bهما : ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة يعني أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين ، فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى } عن القرآن { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } ضيقاً وهو مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث . عن ابن جبير : يسلبه القناعة حتى لا يشبع فمع الدين التسليم والقناعة والتوكل فتكون حياته طيبة ، ومع الإعراض الحرص والشح فعيشه ضنك وحاله مظلمة كما قال بعض المتصوفة : لا يعرض أحدكم عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه { وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى } عن الحجة . عن ابن عباس : أعمى البصر وهو كقوله : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا } [ الإسراء : 97 ] وهو الوجه { قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً } في الدنيا","part":2,"page":310},{"id":811,"text":"{ قَالَ كذلك } أي مثل ذلك فعلت أنت . ثم فسر فقال { أَتَتْكَ اياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى } أي أتتك آياتنا واضحة فلم تنظر إليها بعين المعتبر وتركتها وعميت عنها فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك .\r{ وكذلك نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى } لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين : المعيشة الضنك في الدنيا وحشره أعمى في العقبى ختم آيات الوعيد بقوله { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } أي للحشر على العمى الذي يزول أبداً أشد من ضيق العيش المنقضي { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } أي الله بدليل قراءة زيد عن يعقوب بالنون { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون يَمْشُونَ } حال من الضمير المجرور في { لهم } { فِى مساكنهم } يريد أن قريشاً يمشون في مساكن عاد وثمود وقوم لوط ويعاينون آثار هلاكهم { إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لأِوْلِى النهى } لذوي العقول إذا تفكروا علموا أن استئصالهم لكفرهم فلا يفعلون مثل ما فعلوا { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } أي الحكم بتأخير العذاب عن أمة محمد A { لَكَانَ لِزَاماً } لازماً فاللزام مصدر لزم فوصف به { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } القيامة وهو معطوف على كلمة ، والمعنى ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة .\r{ فاصبر على مَا يَقُولُونَ } فيك { وَسَبّحْ } وصل { بِحَمْدِ رَبّكَ } في موضع الحال وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس } يعني صلاة الفجر { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } يعني الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها { ومن ءانآي الليل فسبّح وأطراف النهار } أي وتعهد أناء الليل أي ساعاته وأطراف النهار مختصاً لها بصلاتك . وقد تناول التسبيح في آناء الليل وصلاة العتمة ، وفي أطراف النهار صلاة المغرب ، وصلاة الفجر على التكرار إرادة الاختصاص كما اختصت في قوله { والصلاة الوسطى } [ البقرة : 238 ] عند البعض . وإنما جمع وأطراف النهار وهما طرفان لأمن الإلباس وهو عطف على قبل { لَعَلَّكَ ترضى } لعل للمخاطب أي اذكر الله في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك . { وترضى } علي وأبو بكر أي يرضيك ربك .","part":2,"page":311},{"id":812,"text":"{ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي نظر عينيك ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به ، وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك أن يباده الشيء بالنظر ثم يغض الطرف . ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في ملابسهم ومراكبهم حتى قال الحسن : لا تنظروا إلى دقدقة هماليج الفسقة ، ولكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرقاب . وهذا لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّنْهُمْ } أصنافاً من الكفرة ويجوز أن ينتصب حالاً من هاء الضمير والفعل واقع على { منهم } كأنه قال إلى الذي متعنا به وهو أصناف بعضهم وناساً منهم { زَهْرَةَ الحياة الدنيا } زينتها وبهجتها وانتصب على الذم أو على إبداله من محل به أو على إبداله من أزواجا على تقدير ذوي زهرة { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب لوجود الكفران منهم أو لنعذبهم في الآخرة بسببه { وَرِزْقُ رَبّكَ } ثوابه وهو الجنة أو الحلال الكافي { خَيْرٌ وأبقى } مما رزقوا { وَأْمُرْ أَهْلَكَ } أمتك أو أهل بيتك { بالصلاة واصطبر } أنت دوام { عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً } أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك { نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } وإياهم فلا تهتم لأمر الرزق وفرغ بالك لأمر الآخرة لأن من كان في عمل الله كان الله في عمله . وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ : { ولا تمدن عينيك } . الآية ثم ينادي الصلاة ، الصلاة رحمكم الله . وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال : قوموا فصلوا بهذا أمر الله ورسوله . وعن مالك بن دينار مثله . وفي بعض المسانيد أنه عليه السلام كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية { والعاقبة للتقوى } أي وحسن العاقبة لأهل التقوى بحذف المضافين .","part":2,"page":312},{"id":813,"text":"{ وَقَالُواْ } أي الكافرون { لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ } هلا يأتينا محمد بآية من ربه تدل على صحة نبوته { أَوَ لَمْ تَأْتِهِم } { أو لم تأتهم } مدني وحفص وبصري { بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى } أي الكتب المتقدمة يعني أنهم اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة فقيل لهم : أو لم تأتكم آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن من قبل أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة وتلك ليست بمعجزات فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ } من قبل الرسول أو القرآن { لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا } هلا { أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ } بالنصب على جواب الاستفهام بالفاء { بآياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ } بنزول العذاب { ونخزى } في العقبى { قُلْ كُلٌّ } أي كل واحد منا ومنكم { مُّتَرَبّصٌ } منتظر للعاقبة وبما يؤول إليه أمرنا وأمركم { فَتَرَبَّصُواْ } إذا جاءت القيامة { مِنْ أصحاب } مبتدأ وخبر ومحلهما نصب { الصراط السوي } المستقيم { وَمَنِ اهتدى } إلى النعيم المقيم . قال رسول الله A « لا يقرأ أهل الجنة إلا سورة طه ويس » والله أعلم بالصواب .","part":2,"page":313},{"id":814,"text":"{ اقترب } دنا { لِلنَّاسِ } اللام صلة لاقتراب . عن ابن عباس Bهما أن المراد بالناس المشركون لأن ما يتلوه من صفات المشركين { حِسَابَهُمْ } وقت محاسبة الله إياهم ومجازاته على أعمالهم يعني يوم القيامة ، وإنما وصفه بالاقتراب لقلة ما بقي بالإضافة إلى ما مضى ولأن كل آتٍ قريب { وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } عن حسابهم وعما يفعل بهم ثم { مُّعْرِضُونَ } عن التأهب لذلك اليوم فالاقتراب عام والغفلة والإعراض يتفاوتان بتفاوت المكلفين ، فرب غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه وإعراضه عن مولاه ، ورب غافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه وإعراضه عن دنياه فهو لا يفيق إلا برؤية المولى ، والأول إنما يفيق في عسكر الموتى فالواجب عليك أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب وتتنبه للعرض قبل أن تنبه ، وتعرض عن الغافلين وتشتغل بذكر خالق الخلق أجمعين لتفوز بلقاء رب العالمين { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ } شيء من القرآن { مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } في التنزيل إتيانه ، مبتدأة تلاوته ، قريب عهده باستماعهم ، والمراد به الحروف المنظومة . ولا خلاف في حدوثها { إِلاَّ استمعوه } من النبي عليه السلام أو غيره ممن يتلوه { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يستهزئون به .","part":2,"page":314},{"id":815,"text":"{ لاَهِيَةً } حال من ضمير يلعبون أو { وهم يلعبون } و { لاهية } حالان من الضمير في استمعوه . ومن قرأ { لاَهِيَةً } بالرفع يكون خبراً بعد خبر لقوله : { وهم } وارتفعت { قُلُوبِهِمْ } ب { لاهية } وهي من لها عنه إذا ذهل وغفل ، والمعنى قلوبهم غافلة عما يراد بها ، ومنها قال أبو بكر الوارق : القلب اللاهي المشغول بزينة الدنيا وزهرتها الغافل عن الآخرة وأهوالها { وَأَسَرُّواْ } وبالغوا في إخفاء { النجوى } وهي اسم من التناجي . ثم أبدل { الذين ظَلَمُواْ } من واو { وأسروا } إيذاناً بأنهم الموسومون بالظلم فيما أسروا به ، أو جاء على لغة من قال «أكلوني البراغيث» ، أو هو مجرور المحل لكونه صفة أو بدلاً من الناس ، أو هو منصوب المحل على الذم ، أو هو مبتدأ خبره { أسروا النجوى } فقدم عليه أي والذين ظلموا أسروا النجوى { هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } هذا الكلام كله في محل النصب بدل من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويجوز أن يتعلق ب «قالوا» مضمراً والمعنى أنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر ، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار : أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر { قَالَ رَبّى } حمزة وعلي وحفص أي قال محمد وغيرهم { قل ربي } أي قل يا محمد للذين أسروا النجوى { يَعْلَمُ القول فِى السماء والأرض } أي يعلم قول كل قائل هو في السماء أو الأرض سراً كان أو جهراً { وَهُوَ السميع } لأقوالهم { العليم } بما في ضمائرهم .\r{ بَلْ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رآها في نومه فتوهمها وحياً من الله إليه ، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده ، ثم إلى أنه قول شاعر وهكذا الباطل لجلج والمبطل رجاع غير ثابت على قول واحد ، ثم قالوا إن كان صادقاً في دعواه وليس الأمر كما يظن { فليأتنا بآية } بمعجزة { كَمَا أُرْسِلَ الأولون } كما أرسل من قبله باليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى ، وصحة التشبيه في قوله كما { أرسل الأولون } من حيث إنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات ، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك «أرسل محمد» وبين قولك «أتى بالمعجزة» فرد الله عليهم قولهم بقوله .","part":2,"page":315},{"id":816,"text":"{ مَا ءامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ } من أهل قرية { أهلكناها } صفة ل { قرية } عند مجيء الآيات المقترحة لأنهم طلبوها تعنتاً { أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } أي أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء المقترحون لو أتيناهم بما اقترحوا مع أنهم أعني منهم ، والمعنى أن أهل القرى اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا فأهلكهم الله فلو أعطينا هؤلاء ما يقترحون لنكثوا أيضاً .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً } هذا جواب قولهم هل هذا إلا بشر مثلكم { نُّوحِى إِلَيْهِمْ } { نُوحِى } حفص { فاسألوا أَهْلَ الذكر } العلماء بالكتابين فإنهم يعرفون أن الرسل الموحى إليهم كانوا بشراً ولم يكونوا ملائكة وكان أهل مكة يعتمدون على قولهم { إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك . ثم بين أنه كمن تقدمه من الأنبياء بقوله { وَمَا جعلناهم جَسَداً } وحد الجسد لإرادة الجنس { لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام } صفة ل { جسداً } يعني وما جعلنا الأنبياء قبله ذوي جسد غير طاعمين { وَمَا كَانُواْ خالدين } كأنهم قالوا هلا كان ملكاً لا يطعم ويخلد ، إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون أو مسمين بقاءهم الممتد وحياتهم المتطاولة خلودا { ثُمَّ صدقناهم الوعد } بإنجائهم والأصل في الوعد مثل { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] أي من قومه { فأنجيناهم } مما حل بقومهم { وَمَن نَّشَاء } هم المؤمنون { وَأَهْلَكْنَا المسرفين } المجاوزين الحد بالكفر ودل الإخبار بإهلاك المسرفين على أن من نشاء غيرهم .","part":2,"page":316},{"id":817,"text":"{ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } يا معشر قريش { كتابا فِيهِ ذِكْرُكُمْ } شرفكم إن عملتم به أو لأنه بلسانكم أو فيه موعظتكم أو فيه ذكر دينكم ودنياكم والجملة أي فيه ذكركم صفة ل { كتاباً } { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ما فضلتكم به على غيركم فتؤمنوا { وَكَمْ } نصب بقوله { قَصَمْنَا } أي أهلكنا { مِن قَرْيَةٍ } أي أهلها بدليل قوله { كَانَتْ ظالمة } كافرة وهي واردة عن غضب شديد وسخط عظيم لأن القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم فإنه كسر بلا إبانة { وَأَنشَأْنَا } خلقنا { بَعْدَهَا قَوْماً ءاخَرِينَ } فسكنوا مساكنهم .\r{ فَلَمَّا أَحَسُّواْ } أي المهلكون { بَأْسَنَا } عذابنا أي علموا علم حس ومشاهدة { إِذَا هُمْ مّنْهَا } من القرية و { إذا } للمفاجأة و { هم } مبتدأ والخبر { يَرْكُضُونَ } يهربون مسرعين ، والركض ضرب الدابة بالرجل فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ، أو شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم فقيل لهم { لاَ تَرْكُضُواْ } والقائل بعض الملائكة { وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } نعمتم فيه من الدنيا ولين العيش . قال الخليل : المترف الموسع عليه عيشه القليل فيه همه { ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } أي يقال لهم استهزاء بهم : ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة ، أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقولوا لكم بم تأمرون وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدمين ، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب ، أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحاب أكفكم ، أو قال بعضهم لبعض : لا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تسألون مالاً وخراجاً فلا تقتلون ، فنودي من السماء يا لثارات الأنبياء وأخذتهم السيوف فثم","part":2,"page":317},{"id":818,"text":"{ قَالُواْ يَا وَيْلَنَآ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين } اعترافهم بذلك حين لا ينفعهم الاعتراف .\r{ فَمَا زَالَت تِلْكَ } هي إشارة إلى يا ويلنا { دَعْوَاهُمْ } دعاءهم و { تلك } مرفوع على أنه اسم { زالت } و { دعواهم } الخبر ويجوز العكس { حتى جعلناهم حَصِيداً } مثل الحصيد أي الزرع المحصود ولم يجمع كما لم يجمع المقدر { خامدين } ميتين خمود النار و { حصيدا خامدين } مفعول ثان ل «جعل» أي جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود كقولك «جعلته حلواً حامضاً» أي جعلته جامعاً للطعمين .\r{ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } اللعب فعل يروق أوله ولا ثبات له ، ولاعبين حال من فاعل { خلقنا } والمعنى وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلق للهو واللعب ، وإنما سويناها ليستدل بها على قدرة مدبرها ولنجازي المحسن والمسيء على ما تقتضيه حكمتنا ، ثم نزه ذاته عن سمات الحدوث بقوله { لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } أي ولداً أو امرأة كأنه رد على من قال : عيسى ابنه ومريم صاحبته { لاتخذناه مِن لَّدُنَّا } من الولدان أو الحور { إِن كُنَّا فاعلين } أي إن كنا ممن يفعل ذلك ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا . وقيل : هو نفي كقوله { وإن أدري } [ الأنبياء : 109 ] أي ما كنا فاعلين","part":2,"page":318},{"id":819,"text":"{ بَلْ نَقْذِفُ } «بل» إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو بل من سنتنا أن نقذف أي نرمي ونسلط { بالحق } بالقرآن { عَلَى الباطل } الشيطان أو بالإسلام على الشرك أو بالجد على اللعب { فَيَدْمَغُهُ } فيكسره ويدحض الحق الباطل ، وهذه استعارة لطيفة لأن أصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل والدمغ لإذهاب الباطل فالمستعار منه حسي والمستعار له عقلي فكأنه قيل : بل نورد الحق الشبيه بالجسم القوي على الباطل الشبيه بالجسم الضعيف فيبطله إبطال الجسم القوي الضعيف { فَإِذَا هُوَ } أي الباطل { زَاهِقٌ } هالك ذاهب { وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ } الله به من الولد ونحوه .\r{ وَلَهُ مَن فِى السماوات والأرض } خلقاً وملكاً فأنى يكون شيء منه ولداً له وبينهما تنافٍ ويوقف على { الأرض } لأن { ومن عنده } منزلة ومكانة لا منزلاً ولا مكاناً يعني الملائكة مبتدأ خبره { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } لا يتعظمون { عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } ولا يعيون { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } حال من فاعل { يسبحون } أي تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا تتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر فتسبيحهم جارٍ مجرى التنفس منا . ثم أضرب عن المشركين منكراً عليهم وموبخاً فجاء ب «أم» التي بمعنى «بل» والهمزة فقال { أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ } يحيون الموتى ومن الأرض صفة ل { الهة } لأن الهتهم كانت متخذة من جواهر الأرض كالذهب والفضة والحجر أو تعبد في الأرض فنسبت إليها كقولك «فلان من المدينة» أي مدني ، أو متعلق ب { اتخذوا } ويكون فيه بيان غاية الاتخاذ ، وفي قوله { هم ينشرون } زيادة توبيخ وإن لم يدعوا أن أصنامهم تحيي الموتى ، وكيف يدعون ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات لأنه يلزم من دعوى الألوهية لها دعوى الإنشار ، لأن العاجز عنه لا يصح أن يكون إلهاً إذ لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور والإنشار من جملة المقدورات . وقرأ الحسن { ينشرون } بفتح الياء وهما لغتان أنشر الله الموتى ونشرها أي أحياها .","part":2,"page":319},{"id":820,"text":"{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله } أي غير الله وصفت الهة ب «إلا» كما وصفت ب «غير» لو قيل الهة غير الله ، ولا يجوز رفعه على البدل لأن «لو» بمنزلة «إن» في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله تعالى { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك } [ هود : 81 ] ولا يجوز نصبه استثناء لأن الجمع إذا كان منكراً لا يجوز أن يستثنى منه عند المحققين لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء ، والمعنى لو كان يدبر أمر السماوات والأرض آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما { لَفَسَدَتَا } لخربتا لوجود التمانع وقد قررناه في أصول الكلام .\rثم نزه ذاته فقال { فسبحان الله رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } من الولد والشريك .\r{ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } لأنه المالك على الحقيقة ، ولو اعترض على السلطان بعض عبيده مع وجود التجانس وجواز الخطأ عليه وعدم الملك الحقيقي لاستقبح ذلك وعد سفهاً ، فمن هو مالك الملوك ورب الأرباب وفعله صواب كله أولى بأن لا يعترض عليه { وَهُمْ يُسْئَلُونَ } لأنهم مملوكون خطاؤون فما أخلقهم بأن يقال لهم لم فعلتم في كل شيء فعلوه . وقيل : وهم يسئلون يرجع إلى المسيح والملائكة أي هم مسئولون فكيف يكونون آلهة والألوهية تنافي الجنسية والمسئولية { أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً } الإعادة لزيادة الإفادة فالأول للإنكار من حيث العقل ، والثاني من حيث النقل أي وصفتم الله تعالى بأن يكون له شريك فقيل لمحمد { قُلْ هَاتُواْ برهانكم } حجتكم على ذلك وذا عقلي وهو يأباه كما مر ، أو نقلي وهو الوحي وهو أيضاً يأباه فإنكم لا تجدون كتاباً من الكتب السماوية إلا وفيه توحيده وتنزيهه عن الأنداد { هذا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ } يعني أمته { وَذِكْرُ مَن قَبْلِى } يعني أمم الأنبياء من قبلي وهو وارد في توحيد الله ونفي الشركاء عنه . { معي } حفص . فلما لم يمتنعوا عن كفرهم أضرب عنهم فقال { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق } أي القرآن وهو نصب ب { يعلمون } وقرىء { الحق } أي هو الحق { فَهُمُ } لأجل ذلك { مُّعْرِضُونَ } عن النظر فيما يجب عليهم .","part":2,"page":320},{"id":821,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ } { إِلاَّ نُوحِى } كوفي غير أبي بكر وحماد { أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } وحدوني فهذه الآية مقررة لما سبقها من آي التوحيد { وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً سُبْحَانَهُ } نزلت في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله فنزه ذاته عن ذلك ثم أخبر عنهم بأنهم عباد بقوله { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } أي بل هم عباد مكرمون مشرفون مقربون وليسوا بأولاد إذ العبودية تنافي الولادة { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول } أي بقولهم فأنيبت اللام مناب الإضافة ، والمعنى أنهم يتبعون قوله فلا يسبق قولهم قوله ولا يتقدمون قوله بقولهم { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } أي كما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً مبني على أمره لا يعملون عملاً لم يأمروا به { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى } أي لمن Bه وقال لا إله إلا الله { وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } خائفون .","part":2,"page":321},{"id":822,"text":"{ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ } من الملائكة { إِنّى إله مّن دُونِهِ } من دون الله { إني } مدني وأبو عمرو { فَذَلِكَ } مبتدأ أي فذلك القائل خبره { نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } وهو جواب الشرط { كذلك نَجْزِى الظالمين } الكافرين الذين وضعوا الإلهية في غير موضعها وهذا على سبيل الفرض والتمثيل لتحقق عصمتهم . وقال ابن عباس Bهما وقتادة والضحاك : قد { تحقق الوعيد في إبليس فإنه ادعى الإلهية لنفسه ودعا إلى طاعة نفسه وعبادته .\r{ أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ } { ألم ير } مكي { أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا } أي جماعة السماوات وجماعة الأرض فلذا لم يقل كن { رَتْقاً } بمعنى المفعول أي كانتا مرتوقتين وهو مصدر فلذا صلح أن يقع موقع مرتوقتين { ففتقناهما } فشققناهما ، والفتق الفصل بين الشيئين والرتق ضد الفتق . فإن قيل : متى رأوهما رتقاً حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلنا : إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة فقام مقام المرئي المشاهد ، ولأن الرؤية بمعنى العلم وتلاصق الأرض والسماء وتباينهما جائزان في العقل ، فالاختصاص بالتباين دون التلاصق لا بد له من مخصص وهو القديم جل جلاله . ثم قيل : إن السماء كانت لاصقة بالأرض لافضاء بينهما ففتقناهما أي فصلنا بينهما بالهواء . وقيل : كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها الله تعالى وجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها وجعلها سبع أرضين . وقيل : كانت السماء رتقاً لا تمطر والأرض رتقاً لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ } أي خلقنا من الماء كل حيوان كقوله { والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } [ النور : 45 ] أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } [ الأنبياء : 37 ]\r{ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } يصدقون بما يشاهدون .\r{ وَجَعَلْنَا فِى الأرض رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت من رسا إذا ثبت { أَن تَمِيدَ بِهِمْ } لئلا تضطرب بهم فحذف «لا» واللام ، وإنما جاز حذف «لا» لعدم الالتباس كما تزاد لذلك في { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } [ الحديد : 29 ] { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً } أي طرقاً واسعة جمع فج وهو الطريق الواسع ونصب على الحال من { سُبُلاً } متقدمة ، فإن قلت : أي فرق بين قوله تعالى { لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } [ نوح : 20 ] وبين هذه؟ قلت : الأول للإعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة ، والثاني لبيان أنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثم { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } ليهتدوا بها إلى البلاد المقصودة .","part":2,"page":322},{"id":823,"text":"{ وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً } في موضعه عن السقوط كما قال { وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ الحج : 65 ] أو محفوظاً بالشهب عن الشياطين كما قال : { وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ } [ الحجر : 17 ] { وَهُمْ } أي الكفار { عَنْ ءاياتها } عن الأدلة التي فيها كالشمس والقمر والنجوم { مُّعْرِضُونَ } غير متفكرين فيها فيؤمنون .\r{ وَهُوَ الذى خَلَقَ اليل } لتسكنوا فيه { والنهار } لتتصرفوا فيه { والشمس } لتكون سراج النهار { والقمر } ليكون سراج الليل { كُلٌّ } التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي كلهم والضمير للشمس والقمر والمراد بهما جنس الطوالع ، وجمع جمع العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة { فِى فَلَكٍ } عن ابن عباس Bهما : الفلك السماء . والجمهور على أن الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم و { كل } مبتدأ خبره { يَسْبَحُونَ } يسيرون أي يدورون والجملة في محل النصب على الحال من الشمس والقمر { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد } البقاء الدائم { أفأين مِتَّ } بكسر الميم مدني وكوفي غير أبي بكر { فَهُمُ الخالدون } والفاء الأول لعطف جملة على جملة والثاني لجزاء الشرط ، كانوا يقدرون أنه سيموت فنفى الله عنه الشماتة بهذا أي قضي الله أن لا يخلد في الدنيا بشر أفإن مت أنت أيبقى هؤلاء\r.","part":2,"page":323},{"id":824,"text":"{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت وَنَبْلُوكُم } ونختبركم سمي ابتلاء وإن كان عالماً بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار { بالشر } بالفقر والضر { والخير } الغني والنفع { فِتْنَةً } مصدر مؤكد ل { نبلوكم } من غير لفظه { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر . وعن ابن ذكوان { ترجعون } .\r{ وَإِذَا رَاكَ الذين كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ } ما يتخذونك { إِلاَّ هُزُواً } مفعول ثان ل { يتخذونك } نزلت في أبي جهل مر به النبي A فضحك وقال : هذا نبي بني عبد مناف { أهذا الذى يَذْكُرُ } يعيب { ءالِهَتَكُمْ } والذكر يكون بخير وبخلافه فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء وإن كان عدواً فذم { وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن } أي بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية { هُمْ كافرون } لا يصدقون به أصلاً فهم أحق أن يتخذوا هزواً منك فإنك محق وهم مبطلون . وقيل : بذكر الرحمن أي بما أنزل عليك من القرآن هم كافرون جاحدون ، والجملة في موضع الحال أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله تعالى ، وكرر { هُمْ } للتأكيد ، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر فأعيد المبتدأ { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } فسر بالجنس . وقيل : نزلت حين كان النضر بن الحارث يستعجل بالعذاب . والعجل والعجلة مصدران ، وهو تقديم الشيء على وقته ، والظاهر أن المراد الجنس وأنه ركب فيه العجلة فكأنه خلق من العجل ولأنه يكثر منه ، والعرب تقول لمن يكثر منه الكرم «خلق من الكرم» فقدم أولاً ذم الإنسان على إفراط العجلة وأنه مطبوع عليها ثم منعه وزجره كأنه قال : ليس ببدع منه أن يستعجل فإنه مجبول على ذلك وهو طبعه وسجيته فقد ركب فيه . وقيل : العجل الطين بلغه حمير قال شاعرهم\rوالنخل ينبت بين الماء والعجل ... وإنما منع عن الاستعجال وهو مطبوع عليه كما أمره بقمع الشهوة وقد ركبها فيه ، لأنه أعطاه القوة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة و { من عجل } حال أي عجلاً { سأوريكم آياتي } نقماتي { فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } بالإتيان بها وهو بالياء عند يعقوب وافقه سهل وعياش في الوصل .","part":2,"page":324},{"id":825,"text":"{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } إتيان العذاب أو القيامة { إِن كُنتُمْ صادقين } قيل : هو أحد وجهي استعجالهم { لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } جواب «لو» محذوف و { حين } مفعول به ل { يعلم } أي لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم { متى هذا الوعد } وهو وقت تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم ولا يجدون ناصراً ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم { بَلْ تَأْتِيهِم } الساعة { بَغْتَةً } فجأة { فَتَبْهَتُهُمْ } فتحيرهم أي لا يكفونها بل تفجأهم فتغلبهم { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } فلا يقدرون على دفعها { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يمهلون { وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ } فحل ونزل { بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ } جزاء { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } سلي رسول الله A عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء أسوة وأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا .","part":2,"page":325},{"id":826,"text":"{ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم } يحفظكم { باليل والنهار مِنَ الرحمن } أي من عذابه إن أتاكم ليلاً أو نهاراً { بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ } أي بل هم معرضون عن ذكره ولا يخطورنه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكاليء فصلحوا للسؤال عنه ، والمعنى أنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكاليء ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم .\rثم أضرب عن ذلك بقوله { أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا } لما في «أم» من معنى «بل» فقال : ألهم الهة تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا . ثم استأنف بقوله { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } فبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره . ثم قال { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَءابَاءهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر } أي ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا ، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعاً لهم بالحياة الدنيا وإمهالاً كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون على ذلك وهو أمل كاذب { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } أي نقص أرض الكفر ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردها دار إسلام ، وذكر { نَأْتِى } يشير بأن الله يجريه على أيدي المسلمين وإن عساكرهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها { أَفَهُمُ الغالبون } أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم أي ليس كذاك بل يغلبهم رسول الله A وأصحابه بنصرنا .\r{ قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بالوحى } أخوفكم من العذاب القرآن { وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعاء } بفتح الياء والميم ورفع الصم ، { ولا تسمع الصم } شامي على خطاب النبي A { إِذَا مَا يُنذَرُونَ } يخوفون . واللام في { الصم } للمعهد وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين ، والأصل ولا يسمعون إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إذا ما أنذروا .","part":2,"page":326},{"id":827,"text":"{ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ } دفعة يسيرة { مّنْ عَذَابِ رَبّكَ } صفة ل { نفحة } { لَيَقُولُنَّ ياويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين } أي ولئن مسهم من هذا الذي ينذرون به أدنى شيء لذلوا ودعوا بالويل على أنفسهم وأقروا أنهم ظلموا أنفسهم حين تصاموا وأعرضوا ، وقد بولغ حيث ذكر المس والنفحة لأن النفح يدل على القلة يقال نفحه بعطية : رضخه بها مع أن بناءها للمرة . وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات لأن النفح في معنى القلة والنزارة يقال : نفحته الدابة وهو رمح لين ، ونفحه بعطية رضخه والبناء للمرة .\r{ وَنَضَعُ الموازين } جمع ميزان وهو ما يوزن به الشيء فتعرف كميته . وعن الحسن : هو ميزان له كفتان ولسان . وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها كما في قوله { يا أيها الرسل } [ المؤمنون : 51 ] والوزن لصحائف الأعمال في قول { القسط } وصفت الموازين بالقسط وهو العدل مبالغة كأنها في نفسها قسط ، أو على حذف المضاف أي ذوات القسط { لِيَوْمِ القيامة } لأهل يوم القيامة أي لأجلهم { فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } من الظلم { وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ } وإن كان الشيء مثقال حبة { مثقال } بالرفع : مدني وكذا في «لقمان» على «كان» التامة { مّنْ خَرْدَلٍ } صفة ل { حبة } { أَتَيْنَا بِهَا } أحضرناها . وأنت ضمير المثقال لإضافته إلى الحبة كقولهم «ذهبت بعض أصابعه» { وكفى بِنَا حاسبين } عالمين حافظين ، عن ابن عباس Bهما : لأن من حفظ شيئاً حسبه وعلّه .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً } قيل : هذه الثلاثة هي التوراة فهي فرقان بين الحق والباطل ، وضياء يستضاء به ويتوصل به إلى سبيل النجاة ، وذكر أي شرف أو وعظ وتنبيه أو ذكر ما يحتاج الناس إليه في مصالح دينهم . ودخلت الواو على الصفات كما في قوله { وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيّا } [ آل عمران : 39 ] وتقول «مررت بزيد الكريم والعالم والصالح» . ولما انتفع بذلك المتقون خصهم بقوله : { لّلْمُتَّقِينَ }","part":2,"page":327},{"id":828,"text":"ومحل { الذين } جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع عليه { يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } يخافونه { بالغيب } حال أي يخافونه في الخلاء { وَهُمْ مّنَ الساعة } القيامة وأهوالها { مُشْفِقُونَ } خائفون { وهذا } القرآن { ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } كثير الخير غزير النفع { أنزلناه } على محمد { أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } استفهام توبيخ أي جاحدون أنه منزل من عند الله .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ } هداه { مِن قَبْلُ } من قبل موسى وهرون أو من قبل محمد عليه السلام { وَكُنَّا بِهِ } بابراهيم أو برشده { عالمين } أي علمنا أنه أهل لما آتيناه { إِذْ } إما أن تتعلق ب { اتيناه } أو ب { رشده } { قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التماثيل } أي الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان ، وفيه تجاهل لهم ليحقر آلهتهم مع علمه بتعظيمهم لها { التى أَنتُمْ لَهَا عاكفون } أي لأجل عبادتها مقيمون . فلما عجزوا عن الإتيان بالدليل على ذلك .\r{ قَالُواْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا لَهَا عابدين } فقلدناهم { قَالَ } إبراهيم { لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ فِى ضلال مُّبِينٍ } أراد أن المقلدين والمقلدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر لا يخفى على عاقل ، وأكد ب { أنتم } ليصح العطف لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع { قَالُواْ أَجِئْتَنَا بالحق } بالجد { أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين } أي أجاد أنت فيما تقول أم لاعب استعظاماً منهم إنكاره عليهم واستبعاداً لأن يكون ما هم عليه ضلالاً ، فثم أضرب عنهم مخبراً بأنه جاد فيما قال غير لاعب مثبتاً لربوبية الملك العلام وحدوث الأصنام بقوله :","part":2,"page":328},{"id":829,"text":"{ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض الذى فطَرَهُنَّ } أي التماثيل فأنى يعبد المخلوق ويترك الخالق { وَأَنَاْ على ذلكم } المذكور في التوحيد شاهد { من الشاهدين وتالله } أصله «والله» وفي التاء معنى التعجب من تسهيل الكيد على يده مع صعوبته وتعذره لقوة سلطة نمروذ .\r{ لاكِيدَنَّ أصنامكم } لأكسرنها { بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم ، قال ذلك سراً من قومه فسمعه رجل واحد فعرض بقوله { إِنّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 89 ] أي سأسقم ليتخلف . فرجع إلى بيت الأصنام { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } قطعاً من الجذ وهو القطع جمع جذاذة كزجاجة وزجاج جذاذ بالكسر : علي ، جمع جذيذ أي مجذوذ كخفيف وخفاف { إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } للأصنام أو للكفار أي فكسرها كلها بفأس في يده إلا كبيرها فعلق الفأس في عنقه { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ } إلى الكبير { يَرْجِعُونَ } فيسألونه عن كاسرها فتبين لهم عجزه ، أو إلى إبراهيم ليحتج عليهم ، أو إلى الله لما رأوا عجز آلتهم { قَالُواْ } أي الكفار حين رجعوا من عيدهم ورأوا ذلك { مَن فَعَلَ هذا بِئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين } أي إن من فعل هذا الكسر لشديد الظلم لجراءته على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوقير والتعظيم { قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبراهيم } الجملتان صفتان ل { فتى } إلا أن الأول وهو { يذكرهم } أي يعيبهم لا بد منه للسمع لأنك لا تقول «سمعت زيداً» وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمع بخلاف الثاني . وارتفاع { إبراهيم } بأنه فاعل { يقال } فالمراد الاسم المسمى أي الذي يقال له هذا الاسم { قَالُواْ } أي نمروذ وأشراف قومه { فَأْتُواْ بِهِ } أحضروا إبراهيم { على أَعْيُنِ الناس } في محل الحال بمعنى معايناً مشاهداً أي بمرأى منهم ومنظر { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } عليه بما سمع منه أو بما فعله كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة أو يحضرون عقوبتنا له .","part":2,"page":329},{"id":830,"text":"فلما أحضروه { قَالُواْ ءأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِئَالِهَتِنَآ ياإبراهيم قَالَ } إبراهيم { بَلْ فَعَلَهُ } عن الكسائي : إنه يقف عليه أي فعله من فعله ، وفيه حذف الفاعل وأنه لا يجوز ، وجاز أن يكون الفاعل مسنداً إلى الفتى المذكور في قوله { سمعنا فتى يذكرهم } أو إلى { إبراهيم } في قوله { يا إبراهيم } ثم قال { كَبِيرُهُمْ هذا } وهو مبتدأ وخبر . والأكثر أنه لا وقف ، والفاعل { كبيرهم } وهذا وصف أو بدل ، ونسب الفعل إلى كبيرهم وقصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي تبكيتاً لهم وإلزاماً للحجة عليهم لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم وأنه لا يصلح إلهاً ، وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق أنيق : أأنت كتبت هذا وصاحبك أمي فقلت له «بل كتبته أنت» كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي ، لأن إثباته للعاجز منكما والأمر كائن بينكما استهزاء به وإثبات للقادر ، ويمكن أن يقال : غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له ، فأسند الفعل إليه لأن الفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه ، ويجوز أن يكون حكاية لما يقود إلى تجويزه مذهبهم كأنه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعى إلهاً أن يقدر على هذا . ويحكى أنه قال : غضب أن تعبد هذه الصغار معه وهو أكبر منها فكسرهن ، أو هو متعلق بشرط لا يكون وهو نطق الأصنام فيكون نفياً للمخبر عنه أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون ، وقوله { فَاسْئَلُوهُمْ } اعتراض . وقيل : عرض بالكبير لنفسه وإنما أضاف نفسه إليهم لاشتراكهم في الحضور { فَاسْئَلُوهُمْ } عن حالهم { إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } وأنتم تعلمون عجزهم عنه .\r{ فَرَجَعُواْ إلى أَنفُسِهِمْ } فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم { فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون } على الحقيقة بعبادة ما لا ينطق لا من ظلمتموه حين قلتم { من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين } فإن من لا يدفع عن رأسه الفاس ، كيف يدفع عن عابديه البأس؟","part":2,"page":330},{"id":831,"text":"{ ثُمَّ نُكِسُواْ على رُؤُوسَهُمْ } قال أهل التفسير : أجرى الله تعالى الحق على لسانهم في القول الأول ، ثم أدركتهم الشقاوة أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم ، يقال : نكسته قلبته فجعلت أسفله أعلاه أي استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة ثم انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة وقالوا { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ } فكيف تأمرنا بسؤالها؟ والجملة سدت مسد مفعولي { علمت } والمعنى لقد علمت عجزهم عن النطق فكيف نسألهم؟ { قَالَ } محتجاً عليهم { أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً } هو في موضع المصدر أي نفعاً { وَلاَ يَضُرُّكُمْ } إن لم تعبدوه { أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } «أف» صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر ، ضجر مما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق فتأفف بهم واللام لبيان المتأفف به أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف { أف } مدني وحفص ، { أفّ } مكي وشامي { أفّ } غيرهم { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن من هذا وصفه لا يجوز أن يكون إلهاً .\rفلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب { قَالُواْ حَرّقُوهُ } بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظع { وانصروا ءالِهَتَكُمْ } بالانتقام منه { إِن كُنتُمْ فاعلين } أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً مؤزراً فاختاروا له أهول المعاقبات وهو الإحراق بالنار وإلا فرطتم في نصرتها ، والذي أشار بإحراقه نمروذ أو رجل من أكراد فارس . وقيل : إنهم حين هموا بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتاً بكوثى وجمعوا شهراً أصناف الخشب ثم أشعلوا ناراً عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها ، ثم وضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فرموا به فيها وهو يقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، وقال له جبريل : هل لك حاجة؟ فقال : أما إليك فلا . قال : فسل ربك . قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي . وما أحرقت النار إلا وثاقه . وعن ابن عباس : إنما نجا بقوله «حسبي الله ونعم الوكيل» .","part":2,"page":331},{"id":832,"text":"{ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِى بَرْداً وسلاما } أي ذات برد وسلام فبولغ في ذلك كأن ذاتها برد وسلام { على إبراهيم } أراد ابردي فيسلم منك إبراهيم . وعن ابن عباس Bهما : لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها . والمعنى أن الله تعالى نزع عنها طبعها الذي طبعها عليه من الحر والإحراق وأبقاها على الإضاءة والإشراق كما كانت وهو على كل شيء قدير { وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } إحراقاً { فجعلناهم الأخسرين } فأرسل على نمروذ وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت بعوضة في دماغ نمروذ فأهلكته { ونجيناه } أي إبراهيم { وَلُوطاً } ابن أخيه هاران من العراق { إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين } أي أرض الشام وبركتها أن أكثر الأنبياء منها فانتشرت في العالمين آثارهم الدينية وهي أرض خصب يطيب فيها عيش الغني والفقير . وقيل : ما من ماء عذب في الأرض إلا وينبع أصله من صخرة بيت المقدس . روي أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة . وقال عليه السلام \" «إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم» \" { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } قيل : هو مصدر كالعافية من غير لفظ الفعل السابق أي وهبنا له هبة : وقيل : هي ولد الولد وقد سأل ولداً فأعطيه وأعطي يعقوب نافلة أي زيادة فضلاً من غير سؤال وهي حال من { يعقوب } { وَكُلاًّ } أي إبراهيم وإسحق ويعقوب وهو المفعول الأول لقوله { جَعَلْنَا } والثاني { صالحين } في الدين والنبوة .","part":2,"page":332},{"id":833,"text":"{ وجعلناهم أَئِمَّةً } يقتدى بهم في الدين { يَهْدُونَ } الناس { بِأَمْرِنَا } بوحينا { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات } وهي جميع الأعمال الصالحة وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات ثم فعل الخيرات . وكذلك قوله { وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } والأصل وإقامة الصلاة إلا أن المضاف إليه جعل بدلاً من الهاء { وَكَانُواْ لَنَا عابدين } لا للإصنام فأنتم يا معشر العرب أولاد إبراهيم فاتبعوه في ذلك .\r{ وَلُوطاً } انتصب بفعل يفسره { آتَيْنَاهُ حُكْمًا } حكمة وهي ما يجب فعله من العمل أو فصلاً بين الخصوم أو نبوة { وَعِلْماً } فقهاً { ونجيناه مِنَ القرية } من أهلها وهي سدوم { التى كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث } اللواطة والضراط وحذف المارة بالحصى وغيرها { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فاسقين } خارجين عن طاعة الله { وأدخلناه فِى رَحْمَتِنَا } في أهل رحمتنا أو في الجنة { إِنَّهُ مِنَ الصالحين } أي جزاء له على صلاحه كما أهلكنا قومه عقاباً على فسادهم { وَنُوحاً } أي واذكر نوحاً { إِذْ نادى } أي دعا على قومه بالهلاك { مِن قَبْلُ } من قبل هؤلاء المذكورين { فاستجبنا لَهُ } أي دعاءه { فنجيناه وَأَهْلَهُ } أي المؤمنين من ولده وقومه { مِنَ الكرب العظيم } من الطوفان وتكذيب أهل الطغيان .","part":2,"page":333},{"id":834,"text":"{ ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } منعناه منهم أي من أذاهم { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ } صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم .\r{ وَدَاوُودَ وسليمان } أي واذكرهما { إِذْ } بدل منهما { يَحْكُمَانِ فِى الحرث } في الزرع أو الكرم { إِذْ } ظرف ل { يحكمان } { نَفَشَتْ } دخلت { فِيهِ غَنَمُ القوم } ليلاً فأكلته وأفسدته والنفش انتشار الغنم ليلاً بلا راع { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ } أرادهما والمتحاكمين إليهما { شاهدين } أي كان ذلك بعلمنا ومرأى منا .\r{ ففهمناها } أي الحكومة أو الفتوى { سليمان } وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان صلوات الله عليه . وقصته أن الغنم رعت الحرث وأفسدته بلا راع ليلاً فتحاكما إلى داود فحكم بالغنم لأهل الحرث وقد استوت قيمتاهما أي قيمة الغنم كانت على قدر النقصان من الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أرفق بالفريقين ، فعزم عليه ليحكمن فقال : أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث ويعود كهيئته يوم أفسد ثم يترادان . فقال : القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك ، وكان ذلك باجتهاد منهما وهذا كان في شريعتهم ، فأما في شريعتنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه Bهم بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد ، وعند الشافعي C يجب الضمان بالليل . وقال الجصاص : إنما ضمنوا لأنهم أرسلوها . ونسخ الضمان بقوله عليه السلام « العجماء جبار » وقال مجاهد : كان هذا صلحاً وما فعله داود كان حكماً والصلح خير { وَكُلاًّ } من داود وسليمان { آتيناه حُكْماً } نبوة { وَعِلْماً } معرفة بموجب الحكم { وَسَخَّرْنَا } وذللنا { مَّعَ دَاوُودُ الجبال يُسَبّحْنَ } وهو حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلاً قال : كيف سخرهن؟ فقال : يسبحن { والطير } معطوف على الجبال أو مفعول معه ، وقدمت الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد . روي أنه كان يمر بالجبال مسبحاً وهي تتجاوبه : وقيل : كانت تسير معه حيث سار { وَكُنَّا فاعلين } بالأنبياء مثل ذلك وإن كان عجباً عندكم .","part":2,"page":334},{"id":835,"text":"{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ } أي عمل اللبوس والدروع واللبوس اللباس والمراد الدرع { لِتُحْصِنَكُمْ } شامي وحفص أي الصنعة ، وبالنون : أبو بكر وحماد أي الله D ، وبالياء : غيرهم أي اللبوس أو الله D { مّن بَأْسِكُمْ } من حرب عدوكم { فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون } استفهام بمعنى الأمر أي فاشكروا الله على ذلك { ولسليمان الريح } أي وسخرنا له الريح { عَاصِفَةً } حال أي شديدة الهبوب ووصفت في موضع آخر بالرخاء لأنها تجري باختياره ، وكانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفة لهبوبها على حكم إرادته { تَجْرِى بِأَمْرِهِ } بأمر سليمان { إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا } بكثرة الأنهار والأشجار والثمار والمراد الشام ، وكان منزله بها وتحمله الريح من نواحي الأرض إليها { وَكُنَّا بِكُلّ شَىْء عالمين } وقد أحاط علمنا بكل شيء فتجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا { وَمِنَ الشياطين } أي وسخرنا منهم { مَن يَغُوصُونَ لَهُ } في البحار بأمره لاستخراج الدر وما يكون فيها { وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك } أي دون الغوص وهو بناء المحاريب والتماثيل والقصور والقدور والجفان { وَكُنَّا لَهُمْ حافظين } أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه .","part":2,"page":335},{"id":836,"text":"{ وَأَيُّوبَ } أي واذكر أيوب { إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى } أي دعا بأني { مَسَّنِىَ الضر } الضر بالفتح الضرر في كل شيء وبالضم الضرر في النفس من مرض أو هزال { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب فكأنه قال : أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر الذي مسه . عن أنس Bه : أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة ولم يشتك وكيف يشكو من قيل له { إِنَّا وجدناه صَابِراً نّعْمَ العبد } [ ص : 44 ] وقيل : إنما شكا إليه تلذذاً بالنجوى لا منه تضرراً بالشكوى ، والشكاية إليه غاية القرب كما أن الشكاية منه غاية البعد { فاستجبنا لَهُ } أجبنا دعاءه { فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ } فكشفنا ضره إنعاماً عليه { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } روي أن أيوب عليه السلام كان رومياً من ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وله سبعة بنين وسبع بنات وثلاثة آلاف بعير وسبعة الاف شاة وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ، لكل عبد امرأة وولد ونخيل ، فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو ثلاث سنين ، وقالت له امرأته يوماً : لو دعوت الله D . فقال : كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت : ثمانين سنة . فقال : أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي . فلما كشف الله عنه أحيا ولده بأعيانهم ورزقه مثلهم معهم { رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } هو مفعول له { وذكرى للعابدين } يعني رحمة لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كصبره فيثابوا كثوابه .\r{ وإسماعيل } بن إبراهيم { وَإِدْرِيسَ } بن شيت بن آدم { وَذَا الكفل } أي اذكرهم وهو الياس أو زكريا أو يوشع بن نون ، وسمي به لأنه ذو الحظ من الله والكفل الحظ { كُلٌّ مّنَ الصابرين } أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر .","part":2,"page":336},{"id":837,"text":"{ وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا } نبوتنا أو النعمة في الآخرة { إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين } أي ممن لا يشوب صلاحهم كدر الفساد .\r{ وَذَا النون } أي اذكر صاحب الحوت والنون الحوت فأضيف إليه { إِذ ذَّهَبَ مغاضبا } حال أي مراغماً لقومه . ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها . روي أنه برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يتعظوا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضباً لله وبغضاً للكفر وأهله وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت { فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ } نضيق { عَلَيْهِ } وعن ابن عباس Bهما أنه دخل يوماً على معاوية فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك . قال : وما هي يا معاوية؟ فقرأ الآية . فقال : أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه؟ قال : هذا من القدر لا من القدرة { فنادى فِى الظلمات } أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات } [ البقرة : 17 ] أو ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت { أن } أي بأنه { لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ } أو بمعنى أي { سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الحديث \" ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له \" وعن الحسن : ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم . { فاستجبنا لَهُ ونجيناه مِنَ الغم } غم الزلة والوحشة والوحدة { وكذلك نُنجِى المؤمنين } إذا دعونا واستغاثوا بنا . { نجى } شامي وأبو بكر بإدغام النون في الجيم عند البعض لأن النون لا تدغم في الجيم . وقيل : تقديره نجى النجاء المؤمنين فسكن الياء تخفيفاً وأسند الفعل إلى المصدر ونصب المؤمنين بالنجاء لكن فيه إقامة المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول وهذا لا يجوز ، وفيه تسكين الياء وبابه الضرورات . وقيل : أصله «ننجى» من التنجية فحذفت النون الثانية لاجتماع النونين كما حذفت إحدى التاءين في { تَنَزَّلُ الملائكة } [ القدر : 4 ] .","part":2,"page":337},{"id":838,"text":"{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } سأل ربه أن يرزقه ولداً يرثه ولا يدعه وحيداً بلا وارث ، ثم رد أمره إلى الله مستسلماً فقال { وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين } أي فإن لم تزرقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث أي باق { فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } ولداً { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } جعلناها صالحة للولادة بعد العقار أي بعد عقرها أو حسنة وكانت سيئة الخلق { إنهم } أي الأنبياء المذكورين { كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات } أي أنهم إنما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في تحصيلها { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } أي طمعاً وخوفاً كقوله { يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ } [ الزمر : 9 ] وهما مصدران في موضع الحال أو المفعول له أي للرغبة فينا والرهبة منا { وَكَانُواْ لَنَا خاشعين } متواضعين خائفين .\r{ والتى } أي واذكر التي { أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } حفظته من الحلال والحرام { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } أجرينا فيها روح المسيح أو أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ عيسى في بطنها ، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى عليه السلام { وجعلناها وابنها ءايَةً } مفعول ثان { للعالمين } وإنما لم يقل آيتين كما قال { وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ } [ الإسراء : 12 ] لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل ، أو التقدير وجعلناها آية وابنها كذلك ف { آية } مفعول المعطوف عليه ويدل عليه قراءة من قرأ { آيتين } .","part":2,"page":338},{"id":839,"text":"{ إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } لأمة الملة وهذه إشارة إلى ملة الإسلام وهي ملة جميع الأنبياء . و { أُمَّةً وَاحِدَةً } حال أي متوحدة غير متفرقة والعالم ما دل عليه اسم الإشارة أي أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون } أي ربيتكم اختياراً فاعبدوني شكراً وافتخاراً والخطاب للناس كافة .\r{ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أصل الكلام وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات ، والمعنى وجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً وصاروا فرقاً وأحزاباً . ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة { كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون } فنجازيهم على أعمالهم { فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } شيئاً { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بما يجب الإيمان به { فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } أي فإن سعيه مشكور مقبول والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه وقد نفى نفي الجنس ليكون أبلغ { وَإِنَّا لَهُ } للسعي أي الحفظة بأمرنا { كاتبون } في صحيفة عمله فنثيبه به { وَحَرَامٌ } { وحرم } كوفي غير حفص وخلف وهما لغتان كحل وحلال وزناً وضده معنى والمراد بالحرام الممتنع وجوده { على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } والمعنى ممتنع على مهلك غير ممكن أن لا يرجع إلى الله بالبعث ، أو حرام على قرية أهلكناها أي قدرنا إهلاكهم أو حكمنا بإهلاكهم ذلك وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور أنهم لا يرجعون من الكفر إلى الإسلام .\r{ حتى } هي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي الجملة من الشرط والجزاء أعني { إِذَا } و «ما» في حيزما { فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ } أي فتح سدهما فحذف المضاف كما حذف المضاف إلى قرية { فتّحت } : شامي وهما قبيلتان من جنس الإنس . يقال : الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج { وَهُمْ } راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر . وقيل : هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد { مّن كُلّ حَدَبٍ } نشز من الأرض أي ارتفاع { يَنسِلُونَ } يسرعون","part":2,"page":339},{"id":840,"text":"{ واقترب الوعد الحق } أي القيامة وجواب { إذا } { فَإِذَا هِىَ } وهي «إذا» المفاجأة وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } [ الروم : 36 ] فإذا جاءت الفاء معها تعاونتاً على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ، ولو قيل فهي شاخصة أو إذا هي شاخصة كان سديداً وهي ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره { شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ } أي مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من هول ما هم فيه { ياويلنا } متعلق بمحذوف تقديره يقولون يا ويلنا و { يقولون } حال من { الذين كفروا } { قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هذا } اليوم { بَلْ كُنَّا ظالمين } بوضعنا العبادة في غير موضعها .\r{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } يعني الأصنام وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم { حَصَبُ } حطب وقرىء { حطب } { جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } فيها داخلون { لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءالِهَةً } كما زعمتم { مَّا وَرَدُوهَا } ما دخلوا النار { وَكُلٌّ } أي العابد والمعبود { فِيهَا } في النار { خالدون لَهُمْ } للكفار { فِيهَا زَفِيرٌ } أنين وبكاء وعويل .\r{ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } شيئاً ما لأنهم صاروا صماً وفي السماع نوع أنس فلم يعطوه .\r{ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو التوفيق للطاعة فنزلت جواباً لقول ابن الزبعري عند تلاوته عليه السلام على صناديد قريش { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } إلى قوله { خالدون } أليس اليهود عبدوا عزيراً ، والنصارى المسيح ، وبنو مليح الملائكة على أن قوله { وما تعبدون } لا يتناولهم لأن «ما» لمن لا يعقل إلا أنهم أهل عناد فزيد في البيان { أولئك } يعني عزيراً والمسيح والملائكة { عَنْهَا } عن جهنم { مُبْعَدُونَ } لأنهم لم يرضوا بعبادتهم . وقيل : المراد بقوله { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } جميع المؤمنين لما روي أن عليًّا Bه قرأ هذه الآية ثم قال : «أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف» وقال الجنيد C : سبقت لهم منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية .","part":2,"page":340},{"id":841,"text":"{ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } صوتها الذي يحس وحركة تلهبها وهذه مبالغة في الإبعاد عنها أي لا يقربونها حتى لا يسمعوا صوتها وصوت من فيها { وَهُمْ فِى مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ } من النعيم { خالدون } مقيمون والشهوة طلب النفس اللذة { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } النفخة الأخيرة { وتتلقاهم الملئكة } أي تستقبلهم الملائكة مهنئين على أبواب الجنة يقولون { هذا يَوْمُكُمُ الذى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } أي هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم في الدنيا .\rالعامل في { يَوْمَ نَطْوِى السماء } { لا يحزنهم } أو { تتلقاهم } { تطوى السماء } يزيد ، وطيها تكوير نجومها ومحو رسومها أو هو ضد النشر نجمعها ونطويها { كَطَىّ السجل } أي لصحيفة { لِلْكُتُبِ } حمزة وعلي وحفص أي للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة وغيرهم للكتاب أي كما يطوى الطومار للكتابة ، أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب . وقيل : السجل : ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه . وقيل : كاتب كان لرسول الله A . والكتاب على هذا اسم الصحيفة المكتوب فيها والطي مضاف إلى الفاعل وعلى الأول إلى المفعول { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } انتصب الكاف بفعل مضمر يفسره { نعيده } و «ما» موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده ، و { أول خلق } ظرف ل { بدأنا } أي أول ما خلق ، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى . وأول الخلق إيجاده أي فكما أوجده أو لا يعيده ثانياً تشبيهاً للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء . والتنكير في خلق مثله في قولك «هو أول رجل جاءني» تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً فكذلك معنى { أول خلق } أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع { وَعْداً } مصدر مؤكد لأن قوله { تعيده } عدة للإعادة { عَلَيْنَا } أي وعدا كائناً لا محالة { إِنَّا كُنَّا فاعلين } ذلك أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال .","part":2,"page":341},{"id":842,"text":"{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور } كتاب داود عليه السلام { مِن بَعْدِ الذكر } التوراة { أن الأرض } أي الشام { يَرِثُهَا عِبَادِىَ } ساكنة الياء : حمزة غيره بفتح الياء { الصالحون } أي أمة محمد عليه السلام ، أو الزبور بمعنى المزبور أي المكتوب يعني ما أنزل على الأنبياء من الكتب . والذكر أم الكتاب يعني اللوح لأن الكل أخذوا منه . دليله قراءة حمزة وخلف بضم الزاي على جمع الزبر بمعنى المزبور والأرض أرض الجنة .\r{ إِنَّ فِى هذا } أي القرآن أو في المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ { لبلاغا } لكفاية وأصله ما تبلغ به البغية { لّقَوْمٍ عابدين } موحدين وهم أمة محمد عليه السلام { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً } قال عليه السلام « إنما أنا رحمة مهداة » { للعالمين } لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ومن لم يتبع فإنما أتى من نفسه حيث ضيع نصيبه منها . وقيل : هو رحمة للمؤمنين في الدارين وللكافرين في الدنيا بتأخير العقوبة فيها . وقيل : هو رحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ والخسف . و { رحمة } مفعول له أو حال أي ذا رحمة .","part":2,"page":342},{"id":843,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا } إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم نحو «إنما زيد قائم وإنما يقوم زيد» . وفاعل { يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } والتقدير يوحي إليَّ وحدانية إلهي ، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي يوحي إليّ فتكون «ما» موصولة { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } استفهام بمعنى الأمر أي أسلموا { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإسلام { فَقُلْ ءاذَنتُكُمْ } أعلمتكم ما أمرت به { على سَوَاء } حال أي مستوين في الإعلام به ولم أخصص بعضكم ، وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية { وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } أي لا أدري متى يكون يوم القيامة لأن الله تعالى لم يطلعني عليه ولكني أعلم بأنه كائن لا محالة ، أو لا أدري متى يحل بكم العذاب إن لم تؤمنوا { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } إنه عالم بكل شيء يعلم ما تجاهرونني به من الطعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين وهو مجازيكم عليه .\r{ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون { ومتاع إلى حِينٍ } وتمتيع لكم إلى الموت ليكون ذلك حجة عليكم { قَالَ رَبّ احكم بالحق } اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل ، أو بما يحق عليهم من العذاب ولا تحابهم وشدد عليهم كما قال «واشدد وطأتك على مضر» . { قال رب } حفص على حكاية قول رسول الله A { رب احكم } يزيد { ربي أحكم } زيد عن يعقوب { وَرَبُّنَا الرحمن } العاطف على خلقه { المستعان } المطلوب منه المعونة { على مَا تَصِفُونَ } وعن ابن ذكوان بالياء ، كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة لهم والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسول الله A والمؤمنين وخذلهم أي الكفار وهو المستعان على ما يصفون .","part":2,"page":343},{"id":844,"text":"{ يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ } أمر بني آدم بالتقوى ، ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة بقوله { إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ } لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوروها بعقولهم حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى الذي يؤمنهم من تلك الأفزاع . والزلزلة شدة التحريك والإزعاج ، وإضافة الزلزلة إلى الساعة إضافة المصدر إلى فاعله كأنها هي التي تزلزل الأرض على المجاز الحكمي ، أو إلى الظرف لأنها تكون فيها كقوله { بَلْ مَكْرُ الليل والنهار } [ سبأ : 33 ] ووقتها يكون يوم القيامة أو عند طلوع الشمس من مغربها ، ولا حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئاً فإن هذا اسم لها حال وجودها وانتصب { يَوْمَ تَرَوْنَهَا } أي الزلزلة أو الساعة بقوله { تَذْهَلُ } تغفل . والذهول : الغفلة { كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل . وقيل { مرضعة } ليدل على أن ذلك الهول إذا حدث وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة إذ المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي ، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ } أي حبلى { حِمْلِهَا } ولدها قبل تمامه . عن الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام { وَتَرَى الناس } أيها الناظر { سكارى } على التشبيه لما شاهدوا بساط العزة وسلطنة الجبروت وسرادق الكبرياء حتى قال كل نبي : نفسي نفسي { وَمَا هُم بسكارى } على التحقيق { ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ } فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه . وعن الحسن : وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب . { سكرى } فيهما بالإمالة : حمزة وعلي وهو كعطشى في عطشان . رُوي أنه نزلت الآيتان ليلاً في غزوة بني المصطلق فقرأهما النبي عليه السلام فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة .","part":2,"page":344},{"id":845,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله } في دين الله { بِغَيْرِ عِلْمٍ } حال . نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلاً يقول : الملائكة بنات الله ، والقرآن : أساطير الأولين ، والله غير قادر على إحياء من بلي ، أو هي عامة في كل من يخاصم في الدين بالهوى { وَيَتَّبِعْ } في ذلك { كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ } عاتٍ مستمر في الشر . ولا وقف على { مريد } لأن ما بعده صفته { كُتِبَ عَلَيْهِ } قضي على الشيطان { أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } تبعه أي تبع الشيطان { فأَنَّه } فأن الشيطان { يُضِلُّهُ } عن سواء السبيل { وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير } النار . قال الزجاج : الفاء في فأنه للعطف و «أن» مكررة للتأكيد . ورد عليه أبو علي وقال : إن «من» إن كان للشرط فالفاء دخل لجزاء الشرط ، وإن كان بمعنى الذي فالفاء دخل على خبر المبتدأ والتقدير : فالأمر أنه يضله . قال : والعطف والتأكيد يكون بعد تمام الأول ، والمعنى كتب على الشيطان إضلال من تولاه وهدايته إلى النار .\rثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال","part":2,"page":345},{"id":846,"text":"{ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث } يعني إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم وقد كنتم في الابتداء تراباً وماء ، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا وهو صيرورة الخلق تراباً وماء { فَإِنَّا خلقناكم } أي أباكم { مّن تُرَابٍ ثُمَّ } خلقتم { مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } أي قطعة دم جامدة { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } أي لحمة صغيرة قدر ما يمضغ { مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب كأن الله D يخلق المضغة متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم . وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة { لّنُبَيّنَ لَكُمْ } بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا ، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً ثم من نطفة ثانياً ولا مناسبة بين التراب والماء وقدر أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاماً قادر على إعادة ما بدأه { وَنُقِرُّ } بالرفع عند غير المفضل مستأنف بعد وقف . أي نحن نثبت { فِى الأرحام مَا نَشَاء } ثبوته { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي وقت الولادة وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } من الرحم { طِفْلاً } حال وأريد به الجنس فلذا لم يجمع ، أو أريد به ثم نخرج كل واحد منكم طفلاً { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } ثم نربيكم لتبلغوا { أَشُدَّكُمْ } كمال عقلكم وقوتكم وهو من ألفاظ الجموع التي لا يستعمل لها واحد { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى } عند بلوغ الأشد أو قبله أو بعده { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } أخسه يعني الهرم والخرف { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } أي لكيلا يعلم شيئاً من بعد ما كان يعلمه أو لكيلا يستفيد علماً وينسى ما كان عالماً به .\rثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً } ميتة يابسة { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت } تحركت بالنبات { وَرَبَتْ } وانتفخت . { وربأت } حيث كان : يزيد ارتفعت { وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ } صنف { بَهِيجٍ } حسن صار للناظرين إليه .","part":2,"page":346},{"id":847,"text":"{ ذلك } مبتدأ خبره { بِأَنَّ الله هُوَ الحق } أي ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم حاصل بهذا وهو أن الله هو الحق أي الثابت الوجود { وَأَنَّهُ يُحْىِ الموتى } كما أحيا الأرض { وَأَنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } قادر { وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور } أي أنه حكيم لا يخلف الميعاد وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد { وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله } في صفاته فيصفه بغير ما هو له . نزلت في أبي جهل { بِغَيْرِ عِلْمٍ } ضروري { وَلاَ هُدًى } أي استدلال لأنه يهدي إلى المعرفة { وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ } أي وحي والعلم للإنسان من أحد هذه الوجوه الثلاثة { ثَانِىَ عِطْفِهِ } حال أي لاوياً عنقه عن طاعة الله كبراً وخيلاء . وعن الحسن : { ثاني عطفه } بفتح العين أي مانع تعطفه إلى غيره { لِيُضِلَّ } تعليل للمجادلة . { ليضل } مكي وأبو عمرو { عَن سَبِيلِ الله } دينه { لَهُ فِى الدنيا خِزْىٌ } أي القتل يوم بدر { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق } أي جمع له عذاب الدارين { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } أي السبب في عذاب الدارين هو ما قدمت نفسه من الكفر والتكذيب ، وكنى عنها باليد لأن اليد آلة الكسب { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } فلا يأخذ أحداً بغير ذنب ولا بذنب غيره وهو عطف على { بما } أي وبأن الله . وذكر الظلام بلفظ المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع وهو العبيد ، ولأن قليل الظلم منه مع علمه بقبحه واستغنائه كالكثير منا .","part":2,"page":347},{"id":848,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ } على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة وهو حال أي مضطرباً { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } صحة في جسمه وسعة في معيشته { اطمأن } سكن واستقر { بِهِ } بالخير الذي أصابه أو بالدين فعبد الله { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } شر وبلاء في جسده وضيق في معيشته { انقلب على وَجْهِهِ } جهته أي ارتد ورجع إلى الكفر كالذي يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه . قالوا : نزلت في أعاريب قدموا المدينة مهاجرين وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سوياً وولدت امرأته غلاماً سوياً وكثر ماله وماشيته قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن ، وإن كان الأمر بخلافه قال : ما أصبت إلا شراً وانقلب عن دينه { خَسِرَ الدنيا والآخرة } حال «وقد» مقدرة دليله قراءة روح وزيد { خاسر الدنيا والآخرة } والخسران في الدنيا بالقتل فيها وفي الآخرة بالخلود في النار { ذلك } أي خسران الدارين { هُوَ الخسران المبين } الظاهر الذي لا يخفى على أحد .\r{ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله } يعني الصنم فإنه بعد الردة يفعل كذلك { مَا لاَ يَضُرُّهُ } إن لم يعبده { وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } إن عبده { ذلك هُوَ الضلال البعيد } عن الصواب .","part":2,"page":348},{"id":849,"text":"{ يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } والإشكال أنه تعالى نفى الضر والنفع عن الأصنام قبل هذه الآية وأثبتهما لها هنا . والجواب أن المعنى إذا فهم ذهب هذا الوهم ، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جماداً لا يملك ضراً ولا نفعاً وهو يعتقد فيه أنه ينفعه ثم قال يوم القيامة : يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى لها أثر الشفاعة لمن ضره أقرب من نفعه { لَبِئْسَ المولى } أي الناصر الصاحب { وَلَبِئْسَ العشير } المصاحب وكرر يدعوا كأنه قال : يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ثم قال لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً .\r{ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } هذا وعد لمن عبد الله بكل حال لا لمن عبد الله على حرف { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والآخرة } المعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة فمن ظن من أعاديه غير ذلك { فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ } بحبل { إِلَى السماء } إلى سماء بيته { ثُمَّ لْيَقْطَعْ } ثم ليختنق به ، وسمي الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه . وبكسر اللام بصري وشامي { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } أي الذي يغيظه أو «ما» مصدرية أي غيظه ، والمعنى فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه . وسمي فعله كيداً على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ { وكذلك أنزلناه } ومثل ذلك الإنزال أنزل القرآن كله { ءايات بينات } واضحات { وَأَنَّ الله يَهْدِى مَن يُرِيدُ } أي ولأن الله يهدي به الذين يعلم أنهم يؤمنون ، أو يثبت الذي آمنوا ويزيدهم هدى أنزله كذلك مبيّناً .","part":2,"page":349},{"id":850,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ } قيل : الأديان خمسة : أربعة للشيطان وواحد للرحمن ، والصابئون نوع من النصارى فلا تكون ستة { إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة } في الأحوال والأماكن فلا يجازيهم جزاء واحداً ولا يجمعهم في موطن واحد . وخبر { إن الذين آمنوا } { إن الله يفصل بينهم } كما تقول «إن زيداً إن أباه قائم» { إِنَّ الله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } عالم به حافظ له فلينظر كل امرىء معتقده ، وقوله وفعله وهو أبلغ وعيد\r{ أَلَم تَرَ } ألم تعلم يا محمد علماً يقوم مقام العيان { أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب } قيل : إن الكل يسجد له ولكنا لا نقف عليه كما لا نقف على تسبيحها قال الله تعالى : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [ الإسراء : 44 ] وقيل : سمي مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث فيه من أفعاله وتسخيره له سجوداً له تشبيهاً لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه { وَكَثِيرٌ مّنَ الناس } أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة ، أو هو مرفوع على الابتداء { ومن الناس } صفة له والخبر محذوف وهو مثاب ويدل عليه قوله { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب } أي وكثير منهم حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود { وَمَن يُهِنِ الله } بالشقاوة { فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } بالسعادة { إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الإكرام والإهانة وغير ذلك ، وظاهر هذه الآية والتي قبلها ينقض على المعتزلة قولهم لأنهم يقولون شاء أشياء ولم يفعل وهو يقول يفعل ما يشاء .\r{ هذان خَصْمَانِ } أي فريقان مختصمان؛ فالخصم صفة وصف بها الفريق وقوله { اختصموا } للمعنى و { هذان } للفظ والمراد المؤمنون والكافرون . وقال ابن عباس Bهما : رجع إلى أهل الأديان المذكورة : فالمؤمنون خصم وسائر الخمسة خصم { فِى رَبّهِمْ } في دينه وصفاته ، ثم بين جزاء كل خصم بقوله { فالذين كَفَرُواْ } وهو فصل الخصومة المعنى بقوله { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } { قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } كأن الله يقدر لهم نيراناً على مقادير جثتهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة ، واختير لفظ الماضي لأنه كائن لا محالة فهو كالثابت المتحقق { يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ } بكسر الهاء والميم ، بصري ، وبضمهما : حمزة وعلي وخلف ، وبكسر الهاء وضم الميم : غيرهم { الحميم } الماء الحار . عن ابن عباس Bهما : لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها .","part":2,"page":350},{"id":851,"text":"{ يُصْهَرُ } يذاب { بِهِ } بالحميم { مَا فِى بُطُونِهِمْ والجلود } أي يذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم فيؤثر في الظاهر والباطن { وَلَهُمْ مَّقَامِعُ } سياط مختصة بهم { مِنْ حَدِيدٍ } يضربون بها { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } من النار { مِنْ غَمّ } بدل الاشتمال من منها بإعادة الجار ، أو الأولى لابتداء الغاية والثانية بمعنى من أجل يعني كلما أرادوا الخروج من النار من أجل غم يلحقهم فخرجوا { أُعِيدُواْ فِيهَا } بالمقامع ، ومعنى الخروج عند الحسن أن النار تضربهم بلهبها فتلقيهم إلى أعلاها فضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً ، والمراد إعادتهم إلى معظم النار لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية ثم يعودون إليها { وَذُوقُواْ } أي وقيل لهم ذوقوا { عَذَابَ الحريق } هو الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك .\rثم ذكر جزاء الخصم الآخر فقال :\r{ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } جمع أسورة جمع سوار { مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } بالنصب : مدني وعاصم وعلي ويؤتون لؤلؤاً وبالجر : غيرهم عطفاً على { من ذهب } وبترك الهمزة الأولى في كل القرآن : أبو بكر وحماد { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } إبريسم .","part":2,"page":351},{"id":852,"text":"{ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول وَهُدُواْ إلى صراط الحميد } أي أرشد هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد و { إلى صراط الحميد } أي الإسلام أو هداهم الله في الآخرة وألهمهم أن يقولوا : الحمد لله الذي صدقنا وعده وهداهم إلى طريق الجنة . والحميد الله المحمود بكل لسان .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } أي يمنعون عن الدخول في الإسلام ويصدون ، حال من فاعل { كفروا } أي وهم يصدون أي الصدود منهم مستمر دائم كما يقال «فلان يحسن إلى الفقراء» فإنه يراد به استمرار وجود الإحسان منه في الحال والاستقبال { والمسجد الحرام } أي ويصدون عن المسجد الحرام والدخول فيه { الذى جعلناه لِلنَّاسِ } مطلقاً من غير فرق بين حاضر وبادٍ ، فإن أريد به البيت فالمعنى أنه قبلة لجميع الناس { سَوَآء } بالنصب : حفص مفعول ثانٍ ل { جعلناه } أي جعلناه مستوياً { العاكف فِيهِ والباد } وغير المقيم . بالياء : مكي وافقه أبو عمرو في الوصل وغيره بالرفع على أنه خبر والمبتدأ مؤخر أي العاكف فيه والباد سواء ، والجملة مفعول ثانٍ { للناس } حال { وَمَن يُرِدْ فِيهِ } في المسجد الحرام { بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } حالان مترادفان ومفعول { يرد } متروك ليتناول كل متناول كأنه قال : ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً ، فالإلحاد العدول عن القصد { نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } في الآخرة وخبر «إن» محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره : إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك .\r{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت } واذكر يا محمد حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء ، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أسه القديم { أن } هي المفسرة للقول المقدر أي قائلين له { لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ } من الأصنام والأقذار : وبفتح الياء : مدني وحفص { لِلطَّائِفِينَ } لمن يطوف به { والقائمين } والمقيمين بمكة { والركع السجود } المصلين جمع راكع وساجد .","part":2,"page":352},{"id":853,"text":"{ وَأَذّن فِى الناس بالحج } ناد فيهم ، والحج هو القصد البليغ إلى مقصد منيع . ورُوي أنه صعد أبا قبيس فقال : يا أيها الناس حجوا بيت ربكم . فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك . وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله A أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع . والأول أظهر وجواب الأمر { يَأْتُوكَ رِجَالاً } مشاة جمع راجل كقائم وقيام { وعلى كُلّ ضَامِرٍ } حال معطوفة على رجال كأنه قال : رجالاً وركباناً . والضامر البعير المهزول ، وقدم الرجال على الركبان إظهاراً لفضيلة المشات كما ورد في الحديث { يَأْتِينَ } صفة ل { كل ضامر } لأنه في معنى الجمع . وقرأ عبد الله { يأتون } صفة للرجال والركبان { مِن كُلّ فَجّ } طريق { عَميِقٍ } بعيد . قال محمد بن ياسين : قال لي شيخ في الطواف : من أين أنت؟ فقلت : من خراسان . قال : كم بينكم وبين البيت؟ قلت : مسيرة شهرين أو ثلاثة . قال : فأنتم جيران البيت؟ فقلت : أنت من أين جئت؟ قال : من مسيرة خمس سنوات وخرجت وأنا شاب فاكتهلت . قلت : والله هذه الطاعة الجميلة والمحبة الصادقة فقال :\rزر من هويت وإن شطت بك الدار ... وحال من دونه حجب وأستار\rلا يمنعنك بعدٌ عن زيارته ... إن المحب لمن يهواه زوّار","part":2,"page":353},{"id":854,"text":"واللام في { لّيَشْهَدُواْ } ليحضروا متعلق ب { أذن } أو ب { يأتوك } { منافع لَهُمْ } نكرها لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادة ، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم ، أو بالمال كالزكاة ، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال وخلع الأسباب وقطيعة الأصحاب وهجر البلاد والأوطان وفرقة الأولاد والخلان ، والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء . فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده ، ولا يأكل إلا من زاده ، فكذا المرء إذا خرج من شاطىء الحياة وركب بحر الوفاء لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده ، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده ، وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير المخيط وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه . مطيباً بالحنوط ملففاً في كفن غير مخيط . ثم المحرم يكون أشعث حيران فكذا يوم الحشر يخرج من القبر لهفان ، ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغباً ورهباً سائلين خوفاً وطمعاً وهم من بين مقبول ومخذول كموقف العرصات { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء ، ومنى هو موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين ، وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف ، والبيت الحرام الذي من دخله كان آمناً من الإيذاء والقتال أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالماً من الفناء والزوال غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية كما أن الكعبة حفت بمتالف البادية ، فمرحباً بمن جاوز مهالك البوادي شوقاً إلى اللقاء يوم التنادي . { وَيَذْكُرُواْ اسم الله } عند الذبح { فِى أَيَّامٍ معلومات } هي عشر ذي الحجة عند أبي حنيفة C وآخرها يوم النحر وهو قول ابن عباس Bهما ، وأكثر المفسرين رحمهم الله وعند صاحبيه هي أيام النحر وهو قول ابن عمر Bهما { على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام } أي على ذبحه وهو يؤيد قولهما والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز .\r{ فَكُلُواْ مِنْهَا } من لحومها ، والأمر للإباحة ، ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك فأشبه الأضحية ، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا { وَأَطْعِمُواْ البائس } الذي أصابه بؤس أي شدة { الفقير } الذي أضعفه الإعسار .","part":2,"page":354},{"id":855,"text":"{ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم كذا قاله نفطويه . قيل : قضاء التفث قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد ، والتفث : الوسخ والمراد قضاء إزالة التفث . وقال ابن عمر وابن عباس Bهما : قضاء التفث مناسك الحج كلها { وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } مواجب حجهم والعرب تقول لكل من خرج عما وجب عليه : وفى بنذره وإن لم ينذر ، أو ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم ، { وليوفوا } بسكون اللام والتشديد : أبو بكر { وَلْيَطَّوَّفُواْ } طواف الزيارة الذي هو ركن الحج ويقع به تمام التحلل . اللامات الثلاث ساكنة عند غير ابن عياش وأبي عمرو { بالبيت العتيق } القديم لأنه أول بيت وضع للناس بناه آدم ثم جدده إبراهيم ، أو الكريم ومنه عتاق الخيل لكرائمها ، وعتاق الرقيق لخروجه من ذل العبودية إلى كرم الحرية ، أو لأنه أعتق من الغرق لأنه رفع زمن الطوفان ، أو من أيدي الجبابرة؛ كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله ، أو من أيدي الملاك فلم يملك قط وهو مطاف أهل الغبراء كما أن العرش مطاف أهل السماء ، فإن الطالب إذا هاجته معية الطرب وجذبته جواذب الطلب جعل يقطع مناكب الأرض مراحل ويتخذ مسالك المهالك منازل ، فإذا عاين البيت لم يزده التسلي به إلا اشتياقاً ولم يفده التشفي باستلام الحجر إلا احتراقاً ، فيرده الأسف لهفان ويردده اللهف حوله في الدوران ، وطواف الزيارة آخر فرائض الحج الثلاث ، وأولها الإحرام وهو عقد الالتزام يشبه الاعتصام بعروة الإسلام حتى لا يرتفض بارتكاب ما هو محظور فيه ويبقى عقده مع ما يفسده وينافيه ، كما أن عقد الإسلام لا ينحل بازدحام الآثام وترتفع ألف حوبة بتوبة . وثانيها الوقوف بعرفات بسمة الابتهال في صفة الاهتبال ، وصدق الاعتزال عن دفع الاتكال على مراتب الأعمال وشواهد الأحوال .","part":2,"page":355},{"id":856,"text":"{ ذلك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك أو تقديره ليفعلوا ذلك { وَمَن يُعَظّمْ حرمات الله } الحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله D بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها ، فيحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه ، ويحتمل أن يكون خاصاً بما يتعلق بالحج . وقيل : حرمات الله البيت الحرام والمشعر الحرام والشهر الحرام والبلد الحرام { فَهُوَ } أي التعظيم { خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ } ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام } أي كلها { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } آية تحريمه وذلك قوله { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } [ المائدة : 3 ] الآية . والمعنى أن الله تعالى أحل لكم الأنعام كلها إلا ما بيّن في كتابه ، فحافظوا على حدوده ولا تحرموا شيئاً مما أحل كتحريم البعض البحيرة ونحوها ، ولا تحلوا مما حرم كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغيرهما . ولما حث على تعظيم حرماته أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور بقوله { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور } لأن ذلك من أعظم الحرمات وأسبقها حظراً . و { من الأوثان } بيان للرجس لأن الرجس مبهم يتناول غير شيء كأنه قيل : فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان . وسمى الأوثان رجساً على طريقة التشبيه يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس فعليكم أن تنفروا عنها . وجمع بين الشرك وقول الزور أي الكذب والبهتان أو شهادة الزور وهو من الزور وهو الانحراف ، لأن الشرك من باب الزور إذ المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة .","part":2,"page":356},{"id":857,"text":"{ حُنَفَاء للَّهِ } مسلمين { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } حال كحنفاء { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ } سقط { مّنَ السماء } إلى الأرض { فَتَخْطَفُهُ الطير } أي تسلبه بسرعة { فتخطّفه } أي تتخطفه مدني { أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح } أي تسقطه والهوي السقوط { فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ } بعيد . يجوز أن يكون هذا تشبيهاً مركباً ، ويجوز أن يكون مفرقاً . فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال : من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق قطعاً في حواصلها ، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة . وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي أشرك بالله بالساقط من السماء . والأهواء المردية بالطير المتخطفة والشيطان الذي هو يوقعه في الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة .\r{ ذلك } أي الأمر ذلك { وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله } تعظيم الشعائر وهي الهدايا لأنها من معالم الحج أن يختارها عظام الأجرام حساناً ثماناً غالية الأثمان { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات . وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى { لَكُمْ فِيهَا منافع } من الركوب عند الحاجة وشرب ألبانها عند الضرورة { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى أن تنحر { ثُمَّ مَحِلُّهَا } أي وقت وجوب نحرها منتهية { إلى البيت العتيق } والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت إذ الحرم حريم البيت ومثله في الاتساع قولك «بلغت البلد» وإنما اتصل مسيرك بحدوده . وقيل : الشعائر المناسك كلها وتعظيمها إتمامها ومحلها إلى البيت العتيق يأباه { وَلِكُلّ أُمَّةٍ } جماعة مؤمنة قبلكم { جَعَلْنَا مَنسَكًا } حيث كان بكسر السين بمعنى الموضع : علي وحمزة أي موضع قربان . وغيرهما : بالفتح على المصدر أي إراقة الدماء وذبح القرابين { لّيَذْكُرُواْ اسم الله } دون غيره { على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام } أي عند نحرها وذبحها { فإلهكم إله واحد } أي اذكروا على الذبح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد ، وفيه دليل على أن ذكر اسم الله شرط الذبح يعني أن الله تعالى شرع لكل أمة أن ينسكوا له أي يذبحوا له على وجه التقرب ، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على النسائك . وقوله { فَلَهُ أَسْلِمُواْ } أي أخلصوا له الذكر خاصة واجعلوه له سالماً أي خالصاً لا تشوبوه بإشراك { وَبَشّرِ المخبتين } المطمئنين بذكر الله أو المتواضعين الخاشعين من الخبت وهو المطمئن من الأرض . وعن ابن عباس Bهما : الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا . وقيل : تفسيره ما بعده أي","part":2,"page":357},{"id":858,"text":"{ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } خافت منه هيبة { والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ } من المحن والمصائب { والمقيمي الصلاة } في أوقاتها { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } يتصدقون .\r{ والبدن } جمع بدنة سميت لعظم بدنها وفي الشريعة يتناول الإبل والبقر ، وقرىء برفعها وهو كقوله { والقمر قدرناه } [ يس : 39 ] { جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله } أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله ، وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها و { من شعائر الله } ثاني مفعولي { جعلنا } { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } النفع في الدنيا والأجر في العقبى { فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا } عند نحرها { صَوَافَّ } حال من الهاء أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط أي إذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها وسكنت حركتها { فَكُلُواْ مِنْهَا } إن شئتم { وَأَطْعِمُواْ القانع } السائل من قنعت إليه إذا خضعت له وسألته قنوعاً { والمعتر } الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل . وقيل : القانع الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال من قنعت قنعاً وقناعة ، والمعتر المتعرض للسؤال { كذلك سخرناها لَكُمْ } أي كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم ، أو هو كقوله { ذلك ومن يعظم } ثم استأنف فقال { سخرناها لكم } أي ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لكي تشكروا إنعام الله عليكم .","part":2,"page":358},{"id":859,"text":"{ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ } أي لن يتقبل الله اللحوم والدماء ولكن يتقبل التقوى ، أو لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المراقة بالنحر والمراد أصحاب اللحوم والدماء ، والمعنى لن يرضى المضحون والمقربون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص ورعاية شروط التقوى . وقيل : كان أهل الجاهلية إذا نحروا الإبل نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم ، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت { كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ } أي البدن { لِتُكَبّرُواْ الله } لتسموا الله عند الذبح أو لتعظموا الله { على مَا هَدَاكُمْ } على ما أرشدكم إليه { وَبَشّرِ المحسنين } الممتثلين أوامره بالثواب { إِنَّ الله يُدَافِعُ } { يدفع } مكي وبصري وغيرهما يدافع أي يبالغ في الدفع عنهم { عَنِ الذين ءامَنُواْ } أي يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ونحوه { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ } [ غافر : 51 ] ثم علل ذلك بقوله { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ } في أمانة الله { كَفُورٌ } لنعمة الله أي لأنه لا يحب أضدادهم وهم الخونة الكفرة الذين يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغمطونها .\r{ أُذِنَ } مدني وبصري وعاصم { لِلَّذِينَ يقاتلون } بفتح التاء مدني وشامي وحفص ، والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه { بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله A ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذىً شديداً وكانوا يأتون رسول الله A من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت هذه الآية ، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية { وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ } على نصر المؤمنين { لَقَدِيرٌ } قادر وهو بشارة للمؤمنين بالنصرة وهو مثل قوله { إن الله يدافع عن الذين آمنوا }","part":2,"page":359},{"id":860,"text":"{ الذين } في محل جر بدل من { الذين } أو نصب ب «أعني» أو رفع بإضمارهم { أُخْرِجُواْ مِن ديارهم } بمكة { بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله } أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب التمكين لا موجب الإخراج ومثله { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بالله } [ المائدة : 59 ] ومحل أن يقولوا جر بدل من { حق } والمعنى ما أخرجوا من ديارهم إلا بسبب قولهم { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله } { دفاع } مدني ويعقوب { الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ } وبالتخفيف حجازي { صوامع وَبِيَعٌ وصلوات ومساجد } أي لولا إظهاره وتسليطه المسلمين على الكافرين بالمجاهدة لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم وعلى متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى بيعاً ولا لرهبانهم صوامع ولا لليهود صلوات أي كنائس . وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها ولا للمسلمين مساجد ، أو لغلب المشركون في أمة محمد A على المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين ، وقدم غير المساجد عليها لتقدمها وجوداً أو لقربها من التهديم { يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً } في المساجد أو في جميع ما تقدم { وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ } أي ينصر دينه وأوليائه { إِنَّ الله لَقَوِيٌّ } على نصر أوليائه { عَزِيزٌ } على انتقام أعدائه .\r{ الذين } محله نصب بدل من { من ينصره } أو جر تابع ل { الذين أخرجوا } { إِنْ مكناهم فِى الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَاتَوُاْ الزكواة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر } هو إخبار من الله عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إن مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا وكيف يقومون بأمر الدين ، وفيه دليل صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله D أعطاهم التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة . وعن الحسن : هم أمة محمد A { وَلِلَّهِ عاقبة الأمور } أي مرجعها إلى حكمه وتقديره ، وفيه تأكيد لما وعده من إظهار أوليائه وإعلاء كلمته .","part":2,"page":360},{"id":861,"text":"{ وَإِن يُكَذّبُوكَ } هذه تسلية لمحمد A من تكذيب أهل مكة إياه أي لست بأوحدي في التكذيب { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل قومك { قَوْمُ نُوحٍ } نوحاً { وَعَادٌ } هوداً { وَثَمُودُ } صالحاً { وَقَوْمِ إبراهيم } إبراهيم { وَقَوْمُ لُوطٍ } لوطاً { وأصحاب مَدْيَنَ } شعيباً { وَكُذّبَ موسى } كذبه فرعون والقبط ولم يقل وقوم موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه ، أو كأنه قيل بعدما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وظهور معجزاته فما ظنك بغيره! { فَأمْلَيْتُ للكافرين } أمهلتهم وأخرت عقوبتهم { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } عاقبتهم على كفرهم { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقماً وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً . { نكيري } بالياء في الوصل والوقف : يعقوب { فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } { أهلكتها } بصري { وَهِىَ ظالمة } حال أي وأهلها مشركون { فَهِىَ خَاوِيَةٌ } ساقطة من خوى النجم إذا سقط { على عُرُوشِهَا } يتعلق ب { خاوية } والمعنى أنها ساقطة على سقوفها أي خرت سقوفها على الأرض ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، ولا محل ل { فهي خاوية } من الإعراب لأنها معطوفة على { أهلكناها } وهذا الفعل ليس له محل ، وهذا إذا جعلنا { كأين } منصوب المحل على تقدير كثيراً من القرى أهلكناها { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } أي متروكة لفقد دلوها ورشائها وفقد تفقدها ، أو هي عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقي منها لهلاك أهلها { وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } مجصص من الشيد الجص أو مرفوع البنيان من شاد البناء رفعه ، والمعنى كم قرية أهلكناها وكم بئر عطلناها عن سقاتها وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه أي أهلكنا البادية والحاضرة جميعاً فخلت القصور عن أربابها والآبار عن واردها والأظهر أن البئر والقصر على العموم .","part":2,"page":361},{"id":862,"text":"{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض } هذا حث على السفر ليروا مصارع من أهلهم بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أي يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه ويسمعون ما يجب سماعه من الوحي { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } الضمير في { فإنها } ضمير القصة أو ضمير مبهم يفسره { الأبصار } أي فما عميت أبصارهم عن الإبصار بل قلوبهم عن الاعتبار . ولكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه وعينان في قلبه ، فإذا أبصر ما في القلب وعمي ما في الرأس لم يضره ، وإن أبصر ما في الرأس وعمي ما في القلب لم ينفعه ، وذكر الصدور لبيان أن محل العلم القلب ولئلا يقال : إن القلب يعني به غير هذا العضو كما يقال «القلب لب كل شيء» .\r{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } الآجل استهزاء { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ } كأنه قال : ولم يستعجلونك به كأنهم يجوزون الفوت وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخلف ولن يخلف الله وعده وما وعده ليصيبنهم ولو بعد حين { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } { يعدون } مكي وكوفي غير عاصم أي كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدائد طوال .\r{ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظالمة } أي وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً { ثُمَّ أَخَذْتُهَا } بالعذاب { وَإِلَيَّ المصير } أي المرجع إلي فلا يفوتني شيء . وإنما كانت الأولى أي { فكأين } معطوفة بالفاء وهذه أي { وكأين } بالواو لأن الأولى وقعت بدلاً عن { فكيف كان نكير } وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو وهما { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ } .","part":2,"page":362},{"id":863,"text":"{ قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } وإنما لم يقل بشير ونذير لذكر الفريقين بعده لأن الحديث مسوق إلى المشركين و { يا أيها الناس } نداء لهم وهم الذين قيل فيهم { أفلم يسيروا } ووصفوا بالاستعجال . وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا ، أو تقديره نذير مبين وبشير فبشر أولاً فقال { فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أي حسن . ثم أنذر فقال { والذين سَعَوْاْ } سعى في أمر فلان إذا أفسده بسعيه { في ءاياتنا } أي القرآن { معاجزين } حال { معجزين } حيث كان : مكي وأبو عمرو . وعاجزه سابقه كأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه . والمعنى سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها حيث سموها سحراً وشعراً وأساطير مسابقين في زعمهم وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لها { أولئك أصحاب الجحيم } أي النار الموقدة .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } «من» لابتداء الغاية { مِن رَّسُولٍ } «من» زائدة لتأكيد النفي { وَلاَ نَبِيّ } هذا دليل بين على ثبوت التغاير بين الرسول والنبي بخلاف ما يقول البعض إنهما واحد . وسئل النبي A عن الأنبياء فقال \" مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً \" فقيل : فكم الرسل منهم؟ فقال : \" ثلثمائة وثلاثة عشر \" والفرق بينهما أن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه ، والنبي من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله . وقيل : الرسول واضع شرع والنبي حافظ شرع غيره { إِلاَّ إِذَا تمنى } قرأ ، قال\rتمنى كتاب الله أول ليلة ... تمنى داود الزبور على رسل\r{ أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } تلاوته . قالوا : إنه عليه السلام كان في نادي قومه يقرأ «والنجم» فلما بلغ قوله { ومناة الثلاثة الأخرى } [ النجم : 20 ] جرى على لسانه «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه . وقيل : نبهه جبريل عليه السلام فأخبرهم أن ذلك كان من الشيطان . وهذا القول غير مرضي لأنه لا يخلوا إما أن يتكلم النبي عليه السلام بها عمداً وإنه لا يجوز لأنه كفر ولأنه بعث طاعناً للأصنام لا مادحاً لها ، أو أجرى الشيطان ذلك على لسان النبي عليه السلام جبراً بحيث لا يقدر على الامتناع منه وهو ممتنع لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره لقوله تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } [ الإسراء : 65 ] ففي حقه أولى ، أو جرى ذلك على لسانه سهواً وغفلة وهو مردود أيضاً لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه في حال تبليغ الوحي ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله ، ولأنه تعالى قال في صفة المنزل عليه","part":2,"page":363},{"id":864,"text":"{ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت : 42 ] وقال : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] فلما بطلت هذه الوجوه لم يبق إلا وجه واحدٍ وهو أنه عليه السلام سكت عند قوله { ومناة الثالثة الأخرى } فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلاً بقراءة النبي A فوقع عند بعضهم أنه عليه السلام هو الذي تكلم بها ، فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي عليه السلام وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي عليه السلام ويسمع كلامه ، فقد رُوي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمداً قد قتل وقال يوم بدر : { لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } [ الأنفال : 48 ]\r{ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان } أي يذهب به ويبطله ويخبر أنه من الشيطان { ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته } أي يثبتها ويحفظها من لحوق الزيادة من الشيطان { والله عَلِيمٌ } بما أوحى إلى نبيه وبقصد الشيطان { حَكِيمٌ } لا يدعه حتى يكشفه ويزيله . ثم ذكر أن ذلك ليفتن الله تعالى به قوماً بقوله .","part":2,"page":364},{"id":865,"text":"{ لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً } محنة وابتلاء { لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك ونفاق { والقاسية قُلُوبُهُمْ } هم المشركون المكذبون فيزدادوا به شكاً وظلمة { وَإِنَّ الظالمين } أي المنافقين والمشركين وأصله و«إنهم» فوضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم { لَفِي شِقَاقٍ } خلاف { بَعِيدٍ } عن الحق .\r{ وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم } بالله وبدينه وبالآيات { أَنَّهُ } أي القرآن { الحق مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } بالقرآن { فَتُخْبِتَ } فتطمئن { لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الله لَهَادِ الذين ءامَنُواْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } فيتأولون ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة { وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ } شك { مِنْهُ } من القرآن أو من الصراط المستقيم { حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً } فجأة { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } يعني يوم بدر فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرج أو راحة كالريح العقيم لا تأتي بخير . أو شديد لا رحمة فيه أو لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه . وعن الضحاك أنه يوم القيامة وأن المراد بالساعة مقدماته .\r{ الملك يَوْمَئِذٍ } أي يوم القيامة والتنوين عوض عن الجملة أي يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم { لِلَّهِ } فلا منازع له فيه { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي يقضي . ثم بين حكمه فيهم بقوله { فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِى جنات النعيم والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ثم خص قوماً من الفريق الأول بفضيلة فقال :","part":2,"page":365},{"id":866,"text":"{ والذين هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الله } خرجوا من أوطانهم مجاهدين { ثُمَّ قُتِلُواْ } شامي { أَوْ مَاتُواْ } حتف أنفهم { لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً } قيل : الرزق الحسن الذي لا ينقطع أبداً { وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين } لأنه المخترع للخلق بلا مثال ، المتكفل للرزق بلا ملال { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً } بفتح الميم مدني والمراد الجنة { يَرْضَوْنَهُ } لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ } بأحوال من قضى نحبه مجاهداً ، وآمال من مات وهو ينتظر معاهداً { حَلِيمٌ } بإمهال من قاتلهم معانداً . رُوي أن طوائف من أصحاب النبي A قالوا : يا نبي الله : هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين الآيتين .\r{ ذلك } أي الأمر ذلك وما بعده مستأنف { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } سمي الابتداء بالجزاء عقوبة لملابسته له من حيث إنه سبب وذلك مسبب عنه { ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ الله } أي من جازى بمثل ما فعل به من الظلم ثم ظلم بعد ذلك فحق على الله أن ينصره { إِنَّ الله لَعَفُوٌّ } يمحو آثار الذنوب { غَفُورٌ } يستر أنواع العيوب . وتقرير الوصفين بسياق الآية أن المعاقب مبعوث من عند الله على العفو وترك العقوبة بقوله { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله } [ الشورى : 40 ] { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] فحيث لم يؤثر ذلك وانتصر فهو تارك للأفضل وهو ضامن لنصره في الكرة الثانية إذا ترك العفو وانتقم من الباغي ، وعرف مع ذلك بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين ، أو دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده كما قيل «العفو عند القدرة» .","part":2,"page":366},{"id":867,"text":"{ ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَأَنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } أي ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء ، ومن آيات قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل أي يزيد من هذا في ذلك ومن ذلك في هذا ، أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي والإنصاف ، وأنه سميع لما يقولون ولا يشغله سمع عن سمع وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات ، بصير بما يفعلون ولا يستر عنه شيء بشيء في الليالي وإن توالت الظلمات . { ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ } عراقي غير أبي بكر { مِن دُونِهِ هُوَ الباطل وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير } أي ذلك الوصف بخلقه الليل والنهار وإحاطته بما يجري فيهما وإدراكه قولهم وفعلهم بسبب أن الله الحق الثابت إلاهيته وأن كل ما يدعى إلهاً دونه باطل الدعوة وأنه لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } مطراً { فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً } بالنبات بعدما كانت مسودة يابسة وإنما صرف إلى لفظ المضارع ولم يقل فأصبحت ليفيد بقاء أثر المطر زمان بعد زمان كما تقول «أنعم عليّ فلان فأروح وأغدوا شاكراً له» ولو قلت «فرحت وغدوت» لم يقع ذلك الموقع . وإنما رفع { فتصبح } ولم ينصب جواباً للاستفهام لأنه لو نصب لبطل الغرض ، وهذا لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار كما تقول لصاحبك «ألم تراني أنعمت عليك فتشكر» ، إن نصبته نفيت شكره وشكوت من تفريطه فيه ، وإن رفعته أثبت شكره { إِنَّ الله لَطِيفٌ } واصل عمله أو فضله إلى كل شيء { خَبِيرٌ } بمصالح الخلق ومنافعهم أو اللطيف المختص بدقيق التدبير والخبير المحيط بكل قليل وكثير .","part":2,"page":367},{"id":868,"text":"{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } مُلكاً وملكاً { وَإِنَّ الله لَهُوَ الغني } المستغني بكمال قدرته بعد فناء ما في السماوات وما في الأَرض { الحميد } المحمود بنعمته قبل ثناء من في السماوات ومن في الأرض { الم * تَرَى أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض } من البهائم مذللة للركوب في البر { والفلك تَجْرِى فِى البحر بِأَمْرِهِ } أي ومن المراكب جارية في البحر ، ونصب { الفلك } عطفاً على «ما» و { تجري } حال لها أي وسخر لكم الفلك في حال جريها { وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض } أي يحفظها من أن تقع { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } بأمره أو بمشيئته { إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ } بتسخير ما في الأرض { رَّحِيمٌ } بإمساك السماء لئلا تقع على الأرض ، عدد آلائه مقرونة بأسمائه ليشكروه على آلائه ويذكروه بأسمائه . وعن أبي حنيفة C أن اسم الله الأعظم في الآيات الثمانية يستجاب لقرائتها ألبتة\r. { وَهُوَ الذى أَحْيَاكُمْ } في أرحام أمهاتكم { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } لإيصال جزائكم { إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ } لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم ودفع عنه من صنوف النقم ، أو لا يعرف نعمة الإنشاء المبدئ للوجود ولا الإفناء المقرب إلى الموعود ولا الإحياء الموصل إلى المقصود { لِكُلّ أُمَّةٍ } أهل دين { جَعَلْنَا مَنسَكًا } مر بيانه وهو رد لقول من يقول إن الذبح ليس بشريعة الله إذ هو شريعة كل أمة { هُمْ نَاسِكُوهُ } عاملون به { فَلاَ ينازعنك } فلا يجادلنك والمعنى فلا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك { فِى الأمر } أمر الذبائح أو الدين . نزلت حين قال المشركون للمسلمين : ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله يعني الميتة { وادع } الناس { إلى رَبّكَ } إلى عبادة ربك { إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } طريق قويم . ولم يذكر الواو في { لِكُلّ أُمَّةٍ } بخلاف ما تقدم لأن تلك وقعت مع ما يناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك فعطفت على أخواتها ، وهذه وقعت مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفا\r.","part":2,"page":368},{"id":869,"text":"{ وَإِن جادلوك } مراء وتعنتاً كما يفعله السفهاء بعد اجتهادك أن لا يكون بينك وبينهم تنازع وجدال { فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي فلا تجادلهم وادفعهم بهذا القول ، والمعنى أن الله أعلم بأعمالكم وما تستحقون عليها من الجزاء فهو مجازيكم به ، وهذا وعيد وإنذار ولكن برفق ولين وتأديب يجاب به كل متعنت { الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } هذا خطاب من الله للمؤمنين والكافرين أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب ، ومسلاة لرسول الله A مما كان يلقى منهم .\r{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماء والأرض } أي كيف يخفى عليه ما تعملون ومعلوم عند العلماء بالله أنه يعلم كل ما يحدث في السماوات والأرض { إِنَّ ذلك } الموجود فيهما { فِى كتاب } في اللوح المحفوظ { إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ } أي علمه بجميع ذلك عليه يسير . ثم أشار إلى جهالة الكفار لعبادتهم غير المستحق لها بقوله { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } { ينْزل } مكي وبصري { سلطانا } حجة وبرهاناً { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } أي لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي ولا حملهم عليها دليل عقلي { وَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوب مذهبهم { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } يعني القرآن { تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر } الإنكار بالعبوس والكراهة والمنكر مصدر { يكادون يَسْطُونَ } يبطشون والسطو الوثب والبطش { بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءاياتنا } هم النبي A وأصحابه { قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم } من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم { النار } خبر مبتدأ محذوف كأن قائلاً قال : ما هو؟ فقيل : النار أي هو النار { وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ } استئناف كلام { وَبِئْسَ المصير } النار .\rولما كانت دعواهم بأن لله تعالى شريكاً جارية في الغرابة والشهرة مجرى الأمثال المسيرة قال الله تعالى :","part":2,"page":369},{"id":870,"text":"{ يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ } بين { مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ } لضرب هذا المثل { أَنَّ الذين تَدْعُونَ } { يَدَّعُونَ } سهل ويعقوب { مِن دُونِ الله } آلهة باطلة { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } «لن» تأكيد نفي المستقبل وتأكيده هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل كأنه قال : محال أن يخلقوا . وتخصيص الذباب لمهانته وضعفه واستقذاره ، وسمي ذباباً لأنه كلما ذب لاستقذاره آب لاستكباره { وَلَوِ اجتمعوا لَهُ } لخلق الذباب ومحله النصب على الحال كأنه قيل : مستحيل منهم أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً لخلقه وتعاونهم عليه ، وهذا من أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش حيث وصفوا بالإلالهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها والإحاطة بالمعلومات عن آخرها صوراً وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى وأذله لو اجتمعوا لذلك { وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً } { شَيْئاً } ثاني مفعولي { يَسْلُبْهُمُ } { لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } أي هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئاً فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا . عن ابن عباس Bهما أنهم كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل فإذا سلبه الذباب عجز الأصنام عن أخذه { ضَعُفَ الطالب } أي الصنم بطلب ما سلب منه { والمطلوب } الذباب بما سلب وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ، ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف فإن الذباب حيوان وهو جماد وهو غالب وذاك مغلوب { مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } ما عرفوه حق معرفته حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكاً له { إِنَّ الله لْقَوِيٌ عَزِيزٌ } أي إن الله قادر وغالب فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيهاً به ، أو لقوي بنصر أوليائه عزيز ينتقم من أعدائه .","part":2,"page":370},{"id":871,"text":"{ الله يَصْطَفِى } يختار { مِنَ الملائكة رُسُلاً } كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم { وَمِنَ الناس } رسلاً كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم عليهم السلام . وهذا رد لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر ، وبيان أن رسل الله على ضربين ملك وبشر . وقيل : نزلت حين قالوا { أأنزل عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا } [ القمر : 25 ] { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لقولهم { بَصِيرٌ } بمن يختاره لرسالته ، أو سميع لأقوال الرسل فيما تقبله العقول بصير بأحوال الأمم في الرد والقبول { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما مضى { وَمَا خَلْفَهُمْ } ما لم يأت أو ما عملوه وما سيعملوه أو أمر الدنيا وأمر الآخرة { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } أي إليه مرجع الأمور كلها ، والذي هو بهذه الصفات لا يسئل عما يفعل وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله { ترجع } شامي وحمزة وعلي .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اركعوا واسجدوا } في صلاتكم ، وكان أول ما أسلموا يصلون بلا ركوع وسجود فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ، وفيه دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان وأن هذه السجدة للصلاة لا للتلاوة { وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } واقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله لا الصنم { وافعلوا الخير } قيل : لما كان للذكر مزية على غيره من الطاعات دعا المؤمنين أولاً إلى الصلاة التي هي ذكر خالص لقوله تعالى { وأقم الصلاة لذكري } [ طه : 14 ] ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحج وغيرهما ، ثم عم بالحث على سائر الخيرات . وقيل : أريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي كي تفوزوا أو افعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم .","part":2,"page":371},{"id":872,"text":"{ وجاهدوا } أمر بالغزو أو مجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر أو هو كلمة حق عند أمير جائر { فِى الله } أي في ذات الله ومن أجله { حَقَّ جهاده } وهو أن لا يخاف في الله لومة لائم . يقال : هوحق عالم وجد عالم أن عالم حقاً وجداً ومنه { حق جهاده } وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه لكن الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه . ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله\rويوم شهدناه سليماً وعامراً ... { هُوَ اجتباكم } اختاركم لدينه ونصرته { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } ضيق بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الطهارة والصلاة والصوم والحج بالتيمم وبالإيماء وبالقصر والإفطار لعذر السفر والمرض وعدم الزاد والراحلة .\r{ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } أي اتبعوا ملة أبيكم ، أو نصب على الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم . وسماه أباً وإن لم يكن أباً للأمة كلها ، لأنه أبو رسول الله A فكان أباً لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده قال عليه السلام « إنما أنا لكم مثل الوالد » { هُوَ سماكم المسلمين } أي الله بدليل قراءة أبيّ : { الله سماكم المسلمين } { مِن قَبْلُ } في الكتب المتقدمة { وَفِى هذا } أي في القرآن أي فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم { لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ } أنه قد بلغكم رسالة ربكم { وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة { فأقيموا الصلاة } بواجباتها { وءاتوا الزكاة } بشرائطها { واعتصموا بالله } وثقوا بالله وتوكلوا عليه لا بالصلاة والزكاة { هُوَ مولاكم } أي مالككم وناصركم ومتولي أموركم { فَنِعْمَ المولى } حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم { وَنِعْمَ النصير } أي الناصر هو حيث أعانكم على طاعتكم وقد أفلح من هو مولاه وناصره والله الموفق للصواب .","part":2,"page":372},{"id":873,"text":"مكية وهي مائة وثمان عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } «قد» نقيضة لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه ، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه . والفلاح الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب أي فازوا بما طلبوا ونجوا مما هربوا ، والإيمان في اللغة التصديق ، والمؤمن المصدق لغة . وفي الشرع كل من نطق بالشهادتين مواطئاً قلبه لسانه فهو مؤمن . قال عليه السلام \" خلق الله الجنة فقال لها : تكلمي . فقالت : قد أفلح المؤمنون ثلاثاً أنا حرام على كل بخيل مراء \" لأنه بالرياء أبطل العبادات البدنية وليس له عبادة مالية { الذين هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خاشعون } خائفون بالقلب ساكنون بالجوارح . وقيل : الخشوع في الصلاة جمع الهمة لها والإعراض عما سواها وأن لا يجاوز بصره مصلاه وأن لا يلتفت ولا يعبث ولا يسدل ولا يفرقع أصابعه ولا يقلب الحصى ونحو ذلك . وعن أبي الدرداء : هو إخلاص المقال وإعظام المقام واليقين التام وجمع الاهتمام . وأضيفت الصلاة إلى المصلين لا إلى المصلى له لانتفاع المصلي بها وحده وهي عدته وذخيرته ، وأما المصلى له فغني عنها .","part":2,"page":373},{"id":874,"text":"{ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } اللغو كل كلام ساقط حقه أن يلغى كالكذب والشتم والهزل يعني أن لهم من الجد ما شغلهم عن الهزل . ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف .\r{ والذين هُمْ للزكواة فاعلون } مؤدون ولفظ { فاعلون } يدل على المداومة بخلاف «مؤدون» . وقيل : الزكاة اسم مشترك يطلق على العين وهو القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير ، وعلى المعنى وهو فعل المزكي الذي هو التزكية وهو المراد هنا ، فجعل المزكين فاعلين له لأن لفظ الفعل يعم جميع الأفعال كالضرب والقتل ونحوهما . تقول للضارب والقاتل والمزكي فعل الضرب والقتل والتزكية ، ويجوز أن يراد بالزكاة العين ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء ، ودخل اللام لتقدم المفعول وضعف اسم الفاعل في العمل فإنك تقول «هذا ضارب لزيد» ولا تقول «ضرب لزيد» { والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون } الفرج يشمل سوءة الرجل والمرأة { إِلاَّ على أزواجهم } في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك «كان زياد على البصرة» أي والياً عليها . والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم ، أو تعلق «على» بمحذوف يدل عليه غير ملومين كأنه قيل : يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه . وقال الفراء : إلا من أزواجهم أي زوجاتهم { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } أي إمائهم ولم يقل «من» لأن المملوك جرى مجرى غير العقلاء ولهذا يباع كما تباع البهائم { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } أي لا لوم عليهم إن لم يحفظوا فروجهم عن نسائهم وإمائهم","part":2,"page":374},{"id":875,"text":"{ فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذلك } طلب قضاء شهوة من غير هذين { فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون } الكاملون في العدوان وفيه دليل تحريم المتعة والاستمتاع بالكف لإرادة الشهوة { والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ } { لأمانتهم } مكي وسهل . سمي الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً ومنه قوله تعالى { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } [ النساء : 58 ] وإنما تؤدى العيون لا المعاني والمراد به العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله D ومن جهة الخلق { راعون } حافظون والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم .\r{ والذين هُمْ على صلواتهم } { صَلاَتِهِمْ } كوفي غير أبي بكر { يُحَافِظُونَ } يداومون في أوقاتها . وإعادة ذكر الصلاة لأنها أهم ، ولأن الخشوع فيها غير المحافظة عليها ، أو لأنها وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أية صلاة كانت ، وجمعت آخراً ليفاد المحافظة على أنواعها من الفرائض والواجبات والسنن والنوافل { أولئك } الجامعون لهذه الأوصاف { هُمُ الوارثون } الأحقاء بأن يسموا ورّاثاً دون من عداهم . ثم ترجم الوارثون بقوله { الذين يَرِثُونَ } من الكفار في الحديث \" ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار ، فإن مات ودخل الجنة ورث أهل النار منزله ، وإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله \" { الفردوس } هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر . وقال قطرب : هو أعلى الجنان { هُمْ فِيهَا خالدون } أنث الفردوس بتأويل الجنة .\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } أي آدم { مِن سلالة } «من» للابتداء والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر . وقيل : إنما سمى التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سل من كل تربة { مِن طِينٍ } «من» للبيان كقوله { مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ]","part":2,"page":375},{"id":876,"text":"{ ثُمَّ جعلناه } أي نسله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لأن آدم عليه السلام لم يصر نطفة وهو كقوله { وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ } [ السجدة : 8 ] وقيل : الإنسان بنو آدم والسلالة النطفة والعرب تسمي النطف سلالة أي ولقد خلقنا الإنسان من سلالة يعني من نطفة مسلولة من طين أي من مخلوق من طين وهو آدم عليه السلام { نُّطْفَةٍ } ماء قليلاً { فِى قَرَارٍ } مستقر يعني الرحم { مَّكِينٍ } حصين { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة } أي صيرناها بدلالة تعديه إلى مفعولين والخلق يتعدى إلى مفعول واحد { عَلَقَةٍ } قطعة دم والمعنى أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء { فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً } لحماً قدر ما يمضغ { فَخَلَقْنَا المضغة عظاما } فصيرناها عظاماً { فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً } فأنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس { عظماً } { العظم } شامي وأبو بكر { عظماً } { العظام } زيد عن يعقوب { عظاما } { العظم } عن أبي زيد ، وضع الواحد موضع الجمع لعدم اللبس إذ الإنسان ذو عظام كثيرة { ثُمَّ أنشأناه } الضمير يعود إلى الإنسان أو إلى المذكور { خَلْقاً ءاخَرَ } أي خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث جعله حيواناً وكان جماداً وناطقاً وسميعاً وبصيراً وكان بضد هذه الصفات ، ولهذا قلنا إذا غصب بيضة فأفرخت عنده يضمن البيضة ولا يرد الفرخ لأن خلق آخر سوى البيضة { فَتَبَارَكَ الله } فتعالى أمره في قدرته وعلمه { أَحْسَنُ } بدل أو خبر مبتدأ محذوف وليس بصفة لأنه نكرة وإن أضيف لأن المضاف إليه عوض من «من» { الخالقين } المقدرين أي أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه . وقيل : إن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي عليه السلام فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله A \" اكتب هكذا نزلت \" فقال عبد الله : إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فارتد ولحق بمكة ثم أسلم يوم الفتح . وقيل : هذه الحكاية غير صحيحة لأن ارتداده كان بالمدينة وهذه السورة مكية . وقيل : القائل عمر أو معاذ Bهما .","part":2,"page":376},{"id":877,"text":"{ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك } بعد ما ذكرنا من أمركم { لَمَيّتُونَ } عند انقضاء آجالكم { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } تحيون للجزاء { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } جمع طريقة وهي السماوات لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم { وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غافلين } أراد بالخلق السماوات كأنه قال خلقناها فوقكم وما كنا غافلين عن حفظها ، أو أراد به الناس وأنه إنما خلقها فوقهم عليهم الأرزاق والبركات منها وما كان غافلاً عنهم وعما يصلحهم { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً } مطراً { بِقَدَرٍ } بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة أو بمقدار ما علمنا من حاجاتهم { فَأَسْكَنَّاهُ فِى الأرض } كقوله { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الأرض } [ الزمر : 21 ] وقيل : جعلناه ثابتاً في الأرض فماء الأرض كله من السماء . ثم استأدى شكرهم بقوله { وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون } أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه فقيدوا هذه النعمة بالشكر { فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ } بالماء { جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب لَّكُمْ فِيهَا } في الجنات { فواكه كَثِيرَةٌ } سوى النخيل والأعناب { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي من الجنات أي من ثمارها ، ويجوز أن هذا من قولهم «فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يغتلها» أي أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه كأنه قال : وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها ترزقون وتتعيشون .\r{ وَشَجَرَةً } عطف على { جنات } وهي شجرة الزيتون { تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء } { طُورِ سَيْنَاء } و { طور سينين } لا يخلو إما أن يضاف الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون ، وإما أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامريء القيس وهو جبل فلسطين . وسيناء غير منصرف بكل حال مكسور السين كقراءة الحجازي وأبي عمرو للتعريف والعجمة ، أو مفتوحها كقراءة غيرهم لأن الألف للتأنيث كصحراء { تَنبُتُ بالدهن } قال الزجاج : الباء للحال أي تنبت ومعها الدهن { تُنبت } مكي وأبو عمرو . إما لأن أنبت بمعنى نبت كقوله «حتى إذا أنبت البقل» ، أو لأن مفعوله محذوف أي تنبت زيتونها وفيه الدهن { وَصِبْغٍ لّلآكِلِيِنَ } أي إدام لهم . قال مقاتل : جعل الله تعالى في هذه إداماً ودهناً ، فالإدام الزيتون والدهن الزيت . وقيل : هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان . وخص هذه الأنواع الثلاثة لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأجمعها للمنافع .","part":2,"page":377},{"id":878,"text":"{ وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام } جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم { لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ } وبفتح النون : شامي ونافع وأبو بكر وسقى وأسقى لغتان { مّمَّا فِى بُطُونِهَا } أي نخرج لكم من بطونها لبناً سائغاً { وَلَكُمْ فيِهَا منافع كَثِيرَةٌ } سوى الألبان وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي لحومها { وَعَلَيْهَا } وعلى الأنعام في البر { وَعَلَى الفلك } في البحر { تُحْمَلُونَ } في أسفاركم ، وهذا يشير إلى أن المراد بالأنعام الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة فلذا قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفائن البر قال ذوا الرمة\rسفينة بر تحت خدي زمامها ... يريد ناقته .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله } وحِّدوه { مَا لَكُم مّنْ إله } معبود { غَيْرُهُ } بالرفع على المحل : وبالجر على اللفظ ، والجملة استئناف تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أفلا تخافون عقوبة الله الذي هو ربكم وخالقكم إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء","part":2,"page":378},{"id":879,"text":"{ فَقَالَ الملؤا الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } أي أشرافهم لعوامهم { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } يأكل ويشرب { يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي يطلب الفضل عليكم ويترأس { وَلَوْ شَاء الله } إرسال رسول { لأَنزَلَ ملائكة } لأرسل ملائكة { مَّا سَمِعْنَا بهذا } أي بإرسال بشر رسولاً أو بما يأمرنا به من التوحيد وسب آلهتنا والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر { في ءَابائنا الأوَّلين * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } جنون { فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ } فانتظروا واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه { قَالَ رَبّ انصرنى بِمَا كَذَّبُونِ } فلما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم ، والمعنى أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي إذ في نصرته إهلاكهم ، أو { انصرني } بدل { ما كذبون } كقولك «هذا بذاك» أي بدل ذاك والمعنى أبدلني من غنم تكذيبهم سلوة النصرة عليهم { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } أي أجبنا دعاءه فأوحينا إليه { أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } أي تصنعه وأنت واثق بحفظ الله لك ورؤيته إياك ، أو بحفظنا وكلاءتنا كأن معك من الله حفاظاً يكلئونك بعيونهم لئلا يتعرض لك ولا يفسد عليك مفسد عملك ومنه قولهم «عليه من الله عين كالئة» . { وَوَحْيِنَا } أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها . رُوي أنه أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر .\r{ فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا بأمرنا { وَفَارَ التنور } أي فار الماء من تنور الخبز أي أخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار . روي أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب وكان تنور آدم فصار إلى نوح وكان من حجارة . واختلف في مكانه فقيل : في مسجد الكوفة . وقيل : بالشام . وقيل : بالهند . { فاسلك فِيهَا } فأدخل في السفينة { مِن كُلّ زَوْجَيْنِ } من كلّ أمتي زوجين وهما أمة الذكر وأمة الأنثى كالجمال والنوق والحصن والرماك { اثنين } واحدين مزدوجين كالجمل والناقة والحصان والرمكة . روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض من كل حفص والمفضل أي من كل أمة زوجين اثنين و { اثنين } تأكيد وزيادة بيان { وَأَهْلَكَ } ونساءك وأولادك { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } من الله بإهلاكه وهو ابنه وإحدى زوجتيه فجيء ب «على» مع سبق الضار كما جيء باللام مع سبق النافع في قوله { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين } [ الصافات : 171 ] ونحوها { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } { مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِى الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } ولا تسألني نجاة الذين كفروا فإني أغرقهم .","part":2,"page":379},{"id":880,"text":"{ فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك } فإذا تمكنتم عليها راكبين { فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين } أمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم . ولم يقل فقولوا وإن كان { فإذا استويت أنت ومن معك } في معنى إذا استويتم لأنه نبيهم وإمامهم فكان قوله قولهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة { وَقُلْ } حين ركبت على السفينة أو حين خرجت منها { رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً } أي إنزالاً أو موضع إنزال { منزلاً } أبو بكر أي مكاناً { مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين } والبركة في السفينة النجاة فيها وبعد الخروج منها كثرة النسل وتتابع الخيرات { إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيم فعل بنوح وقومه { لأَيَاتٍ } لعبراً ومواعظ { وَإِنْ } هي المخففة من المثقلة واللام هي الفارقة بين النافية وبينها والمعنى وإن الشأن والقصة { كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد ، أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر كقوله تعالى { وَلَقَدْ تركناها ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } [ القمر : 15 ] .","part":2,"page":380},{"id":881,"text":"{ ثُمَّ أَنشَأْنَا } خلقنا { مّن بَعْدِهِمْ } من بعد نوح { قرناً آخرين } هم عاد قوم هود ويشهد له قول هود { واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } [ الأعراف : 69 ] ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في «الأعراف» و «هود» و «الشعراء» { فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ } الإرسال يعدى ب «إلى» ولم يعد ب «في» هنا وفي قوله { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ } [ الرعد : 30 ] { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ } [ الأعراف : 94 ] ولكن الأمة والقرية جعلت موضعا للإرسال كقول رؤبة :\rأرسلت فيها مصعباً ذا إقحام ... { رَسُولاً } هو هود { مِنْهُمْ } من قومهم { أَنِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } «أن» مفسرة ل { أرسلنا } أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله .\r{ وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ } ذكر مقالة قوم هود في جوابه في «الأعراف» وهود بغير واو لأنه على تقدير سؤال سائل قال : فما قال قومه؟ فقيل له : قالوا كيت وكيت ، وههنا مع الواو لأنه عطف لما قالوه على ما قاله الرسول ، ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وليس بجواب للنبي A متصل بكلامه ولم يكن بالفاء ، وجيء بالفاء في قصة نوح لأنه جواب لقوله واقع عقيبه { الذين كَفَرُواْ } صفة للملأ أو لقومه { وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الآخرة } أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك { وأترفناهم } ونعمناهم { في الحياة الدنيا } بكثرة الأموال والأولاد { مَا هذا } أي النبي { إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } أي منه فحذف لدلالة ما قبله عليه أي من أين يدعي رسالة الله من بينكم وهو مثلكم { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ } فيما يأمركم به وينهاكم عنه { إِنَّكُمْ إِذاً } واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم { لخاسرون } بالانقياد لمثلكم ، ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم .","part":2,"page":381},{"id":882,"text":"{ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ } بالكسر : نافع وحمزة وعلي وحفص ، وغيرهم بالضم { وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } مبعوثون للسؤال والحساب والثواب والعقاب وثنى { أنكم } للتأكيد ، وحسن ذلك للفصل بين الأول والثاني بالظرف و { مخرجون } خبر عن الأول والتقدير : أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً\r{ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ } وبكسر التاء : يزيد ، ورُوي عنه بالكسر والتنويم فيهما ، والكسائي يقف بالهاء وغيره بالتاء وهو اسم للفعل واقع موقع بعد فاعلها مضمر أي بعد التصديق أو الوقوع { لِمَا تُوعَدُونَ } من العذاب ، أو فاعلها { ما توعدون } واللام زائدة أي بعد ما توعدون من البعث { إِنْ هِىَ } هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله إن الحياة { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } ثم وضع { هي } موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها ويبينها ، والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها ودنت منا ، وهذا لأن «إن» النافية دخلت على «هي» التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها فوازنت «لا» التي لنفي الجنس { نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي يموت بعض ويولد بعض ، ينقرض قرن فيأتي قرن آخر ، أو فيه تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وهو قراءة أبي وابن مسعود Bهما { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } بعد الموت { إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افترى على الله كَذِباً } أي ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه وفيما يعدنا من البعث { وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين .\r{ قَالَ رَبّ انصرنى بِمَا كَذَّبُونِ } فأجاب الله دعاء الرسول بقوله { قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ } { قليل } صفة للزمان كقديم وحديث في قولك«ما رأيته قديماً ولا حديثاً» وفي معناه عن قريب و «ما» زائدة أو بمعنى شيء أو زمن وقليل بدل منها وجواب القسم المحذوف { لَّيُصْبِحُنَّ نادمين } إذا عاينوا ما يحل بهم","part":2,"page":382},{"id":883,"text":"{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } أي صيحة جبريل صاح عليهم فدمرهم { بالحق } بالعدل من الله يقال فلان يقضي بالحق أي بالعدل { فجعلناهم غُثَاء } شبههم في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما يلي واسودّ من الورق والعيدان { فَبُعْداً } فهلاكاً يقال بعد بعداً أو بعداً أي هلك وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يستعمل إظهارها { لّلْقَوْمِ الظالمين } بيان لمن دعي عليه بالبعد نحو { هَيْتَ لَكَ } [ يوسف : 23 ] { ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءاخَرِينَ } قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ } «من» صلة أي ما تسبق أمة { أَجَلُهَا } المكتوب لها والوقت الذي حدد لهلاكها وكتب { وَمَا يَسْتَئَخِرُونَ } لا يتأخرون عنه .\r{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } فعلى والألف للتأنيث كسكرى لأن الرسل جماعة ولذا لا ينون لأنه غير منصرف { تترى } بالتنوين : مكي وأبو عمرو ويزيد على أن الألف للإلحاق كأرطى ، وهو نصب على الحال في القراءتين أي متتابعين واحداً بعد واحد ، وتاؤها فيهما بدل من الواو والأصل و «ترى» من الوتر وهو الفرد فقلبت الواوتاء كتراث { كُلَّمَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ } الرسول يلابس المرسل والمرسل إليه والإضافة تكون بالملابسة فتصح إضافته إليهما { فَأَتْبَعْنَا } الأمم والقرون { بَعْضُهُم بَعْضاً } في الهلاك { وجعلناهم أَحَادِيثَ } أخباراً يسمع بها ويتعجب منها ، والأحاديث تكون اسم جمع للحديث ومنه أحاديث النبي E ، وتكون جمعاً للأحدوثة وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً وهو المراد هنا { فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هارون } بدل من { أخاه } { بأياتنا } التسع { وسلطان مُّبِينٍ } وحجة ظاهرة .","part":2,"page":383},{"id":884,"text":"{ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلاَئِه فاستكبروا } امتنعوا عن قبول الإيمان ترفعاً وتكبراً { وَكَانُواْ قَوْماً عالين } متكبرين مترفعين { فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } البشر يكون واحداً وجمعاً ومثل وغير يوصف بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث { وَقَوْمُهُمَا } أي بنو إسرائيل { لَنَا عابدون } خاضعون مطيعون وكل من دان لملك فهو عابد له عند العرب { فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين } بالغرق .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى } أي قوم موسى { الكتاب } التوراة { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } يعملون بشرائعها ومواعظها { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً } تدل على قدرتنا على ما نشاء لأنه خلق من غير نطفة واحدة ، لأن الأعجوبة فيهما واحدة ، أو المراد وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها { وءاويناهما } جعلنا مأواهما أي منزلهما { إلى رَبْوَةٍ } شامي وعاصم . { رُبوة } غيرهما أي أرض مرتفعة وهي بيت المقدس أو دمشق أو الرملة أو مصر { ذَاتِ قَرَارٍ } مستقر من أرض مستوية منبسطة أو ذات ثمار وماء يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها { وَمَعِينٍ } وماء ظاهر جارٍ على وجه الأرض وهو مفعول أي مدرك بالعين بظهوره من عانه إذا أدركه بعينه ، أو فعيل لأنه نفاع بظهوره وجريه من الماعون وهي المنفعة { ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات } هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة ، وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه ، أو هو خطاب لمحمد E لفضله وقيامه مقام الكل في زمانه وكان يأكل من الغنائم ، أو لعيسى عليه السلام لاتصال الآية بذكره وكان يأكل من غزل أمه وهو أطيب الطيبات ، والمراد بالطيبات ما حل والأمر للتكليف أو ما يستطاب ويستلذ والأمر للترفيه والإباحة { واعملوا صالحا } موافقاً للشريعة { إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فأجازيكم على أعمالكم .","part":2,"page":384},{"id":885,"text":"{ وَإِنَّ هذه } كوفي على الاستئناف . { وأن } حجازي وبصري بمعنى ولأن أي فاتقون لأن هذه ، أو معطوف على ما قبله أي بما تعملون عليم وبأن هذه . أو تقديره واعلموا أن هذه { أُمَّتُكُمْ } أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها\r{ أُمَّةً وَاحِدَةً } ملة واحدة وهي شريعة الاسلام . وانتصاب { أمة } على الحال والمعنى وإن الدين دين واحد وهو الاسلام ومثله { إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ } وحدي { فاتقون } فخافوا عقابي في مخالفتكم أمري { فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } تقطع بمعنى قطع أي قطعوا أمر دينهم { زُبُراً } جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً . وقيل : تفرقوا في دينهم فرقاً كلٍ فرقة تنتحل كتاباً . وعن الحسن : قطعوا كتاب الله قطعاً وحرفوه . وقرىء { زَبرا } جمع زبرة أي قطعاً { كُلُّ حِزْبٍ } كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم { بِمَا لَدَيْهِمْ } من الكتاب والدين أو من الهوى والرأي { فَرِحُونَ } مسرورون معتقدون أنهم على الحق { فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ } جهالتهم وغفلتهم { حتى حِينٍ } أي إلى أن يقتلون أو يموتوا .\r{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } «ما» بمعنى الذي وخبر «أن»\r{ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الخيرات } والعائد من خبر «أن» إلى اسمها محذوف أي نسارع لهم به ، والمعنى أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ومعالجة بالثواب جزاء على حسن صنيعهم . وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح لأنهم يقولون إن الله لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين ، وقد أخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح { بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } بل استدراك لقوله أيحسبون أي أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتأملوا في ذلك أنه استدراج أو مسارعة في الخير . ثم بين ذكر أوليائه فقال","part":2,"page":385},{"id":886,"text":"{ إِنَّ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } أي خائفون { والذين هُم بئايات رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } أي بكتب الله كلها لا يفرقون بين كتبه كالذين تقطعوا أمرهم بينهم وهم أهل الكتاب { والذين هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } كمشركي العرب { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات . وقريء { يأتون ما أتوا } بالقصر أي يفعلون ما فعلوا { وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } خائفة أي لا تقبل منهم لتقصيرهم { أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون } الجمهور على أن التقدير لأنهم وخبر { إن الذين } { أُوْلَئِكَ يسارعون فِى الخيرات } يرغبون في الطاعات فيبادرونها { وَهُمْ لَهَا سابقون } أي لأجل الخيرات سابقون إلى الجنات أو لأجلها سبقوا الناس .\r{ وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } أي طاقتها يعني أن الذي وصف به الصالحون غير خارج عن حد الوسع والطاقة ، وكذلك كل ما كلفه عباده وهو رد على من جوز تكليف ما لا يطاق { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ } أي اللوح أو صحيفة الأعمال { يَنطِقُ بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا يقرؤون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل لا زيادة فيه ولا نقصان ، ولا يظلم منهم أحد بزيادة عقاب أو نقصان ثواب أو بتكليف ما لا وسع له به { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هذا } بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين { وَلَهُمْ أعمال مّن دُونِ ذلك } أي ولهم أعمال خبيثة متجاوزة متخطية لذلك أي لما وصف به المؤمنون { هُمْ لَهَا عاملون } وعليها مقيمون لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب { حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } متنعميهم { بالعذاب } عذاب الدنيا وهو القحط سبع سنين حين دعا عليهم النبي E ، أو قتلهم يوم بدر . و «حتى» هي التي يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية { إذا هم يجئرون } يصرخون استغاثة والجؤار الصراخ باستغاثة فيقال لهم","part":2,"page":386},{"id":887,"text":"{ لاَ تَجْئَرُواْ اليوم } فإن الجؤار غير نافع لكم { إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } أي من جهتنا لا يلحقكم نصر أو معونة .\r{ قَدْ كَانَتْ ءايَتِى تتلى عَلَيْكُمْ } أي القرآن { فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ } ترجعون القهقرى والنكوص أن يرجع القهقرى وهو أقبح مشية لأنه لا يرى ما وراءه\r{ مُسْتَكْبِرِينَ } متكبرين على المسلمين حال من { تنكصون } { بِهِ } بالبيت أو بالحرم لأنهم يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم ، والذي سوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت أو ب { آياتي } لأنها في معنى كتابي ، ومعنى استكبارهم بالقرآن تكذيبهم به استكباراً . ضمن مستكبرين معنى مكذبين فعدي تعديته أو يتعلق الباء بقوله { سامرا } تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه ، وكانوا يجتمعون حول البيت يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته شعراً وسحراً . والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع وقرىء { سمّارا } . أو بقوله { تَهْجُرُونَ } وهو من الهجر الهذيان { تهجرون } : نافع من أهجر في منطقه إذا فحش { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول } أفلم يتدبروا القرآن ليعلموا أنه الحق المبين فيصدقوا به وبمن جاء به { أم جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءابَاءهُمُ الأولين } بل أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فلذلك أنكروه واستبدعوه { أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ } محمداً بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة النسب وحسن الأخلاق أي عرفوه بهذه الصفات { فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } بغياً وحسداً { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } جنون وليس كذلك لأنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلاً وأثقبهم ذهناً { بَلْ جَاءهُمْ بالحق } الأبلج والصراط المستقيم وبما خالف شهواتهم وأهواءهم وهو التوحيد والإسلام ولم يجدوا له مرداً ولا مدفعاً فلذلك نسبوه إلى الجنون { وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كارهون } وفيه دليل على أن أقلهم ما كان كارهاً للحق بل كان تاركاً للإيمان به أنفة واستنكافاً من توبيخ قومه وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه كأبي طالب .","part":2,"page":387},{"id":888,"text":"{ وَلَوِ اتبع الحق } أي الله { أَهْوَاءضهُمْ } فيما يعتقدون من الآلهة { لَفَسَدَتِ السماوات والأرض } كما قال { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] { وَمَن فِيهِنَّ } خص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع { بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ } بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو شرفهم لأن الرسول منهم والقرآن بلغتهم ، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه { وَيَقُولونَ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الاولين } [ الصافات : 168 ] الآية . { فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ } بسوء اختيارهم { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ } حجازي وبصري وعاصم ، { خرجا فخرج } شامي ، { خراجا فخراج } علي وحمزة ، وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك وإلى كل عامل من أجرته وجعله ، والخرج أخص من الخراج تقول «خراج القرية وخرج الكوفة» فزيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذا حسنت لقراءة الأولى يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من الخالق خير { وَهُوَ خَيْرُ الرازقين } أفضل المعطين { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو دين الإسلام فحقيق أن يستجيبوا لك .\r{ وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لناكبون } لعادلون عن هذا الصراط المذكور وهو الصراط المستقيم { وَلَوْ رحمناهم وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ } لما أخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى \" رسول الله A فقال له : أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال : «بلى» فقال : قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت الآية . \" والمعنى لو كشف الله عنهم هذا الضر وهو القحط الذي أصابهم برحمته لهم ووجدوا الخصب { لَّلَجُّواْ } أي لتمادوا { فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } يترددون يعني لعادوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله A والمؤمنين ، ولذهب عنهم هذا التملق بين يديه .","part":2,"page":388},{"id":889,"text":"{ وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب فَمَا استكانوا لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } استشهد على ذلك بأنا أخذناهم أولاً بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم ، فما وجدت بعد ذلك منهم استكانة أي خضوع ولا تضرع . وقوله { وما يتضرعون } عبارة عن دوام حالهم أي وهم على ذلك بعد ولذا لم يقل وما تضرعوا . ووزن استكان استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كما قيل «استحال» إذا انتقل من حال إلى حال .\r{ حتى إِذَا فَتَحْنَا } { فتّحنا } يزيد { عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } أي باب الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } متحيرون آيسون من كل خير . وجاء أعتاهم وأشدهم شكيمة في العناد ليستعطفك أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم لين مقادة وهم كذلك حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون } [ الروم : 12 ] { وَهُوَ الذى أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } خصهما بالذكر لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } أي تشكرون شكراً قليلاً . و «ما» مزيدة للتأكيد بمعنى حقاً ، والمعنى إنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم ووضعتموها غير مواضعها فلم تعملوا أبصاركم وأسماعكم في آيات الله وأفعاله ، ولم تستدلوا بقلوبكم فتعرفوا المنعم ولم تشكروا له شيئا","part":2,"page":389},{"id":890,"text":"{ وَهُوَ الذى ذَرَأَكُمْ } خلقكم وبثكم بالتناسل { فِى الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم { وَهُوَ الذى يُحىِ وَيُمِيتُ } أي يحيى النسم بالإنشاء ويميتها بالإفناء { وَلَهُ اختلاف اليل والنهار } أي مجيء أحدهما عقيب الآخر واختلافهما في الظلمة والنور أو في الزيادة والنقصان وهو مختص به ولا يقدر على تصريفهما غيره { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتعرفوا قدرتنا على البعث أو فتستدلوا بالصنع على الصانع فتؤمنوا { بَلْ قَالُواْ } أي أهل مكة { مِثْلَ مَا قَالَ الأولون } أي الكفار قبلهم . ثم بين ما قالوا بقوله { قَالُواْ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } { متنا } نافع وحمزة وعلي وحفص\r{ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هذا } أي البعث { مِن قَبْلُ } مجيء محمد { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } جمع أسطار جمع سطر وهي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له وجمع أسطور أوفق .\rثم أمر نبيه E بإقامة الحجة على المشركين بقوله { قُل لّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } فإنهم { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } لأنهم مقرون بأنه الخالق فإذا قالوا { قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها كان قادراً على إعادة الخلق ، وكان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية . { أفلا تذكرون } بالتخفيف : حمزة وعلي وحفص ، وبالتشديد : غيرهم","part":2,"page":390},{"id":891,"text":"{ قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أفلا تخافونه فلا تشركوا به ، أو أفلا تتقون في جحودكم قدرته على البعث مع اعترافكم بقدرته على خلق هذه الأشياء؟ { قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء } الملكوت الملك والواو والتاء للمبالغة فتنبيء عن عظم الملك { وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث أحد منه أحداً { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ } تخدعون عن الحق أو عن توحيده وطاعته ، والخادع هو الشيطان والهوى الأول لله بالإجماع إذ السؤال لمن ، وكذا الثاني والثالث عند غير أهل البصرة على المعنى لأنك إذا قلت : من رب هذا؟ فمعناه لمن هذا فيجاب لفلان كقول الشاعر\rإذا قيل من رب المزالف والقرى ... ورب الجياد الجرد قيل لخالد\rأي لمن المزالف . ومن قرأ بحذفه فعلى الظاهر لأنك إذا قلت : من رب هذا؟ فجوابه فلان { بَلْ أتيناهم بالحق } بأن نسبة الولد إليه محال والشرك باطل { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } في قولهم اتخذ الله ولداً ودعائهم الشريك .\rثم أكد كذبهم بقوله { مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ } لأنه منزه عن النوع والجنس وولد الرجل من جنسه { وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إله } وليس معه شريك في الألوهية { إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ } لانفرد كل واحد من الآلهة بالذي خلقه فاستبدبه ولتمييز ملك كل واحد منهم عن الآخر { وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } ولغلب بعضهم بعضاً كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون ، وحين لم تروا أثراً لتمايز المماليك وللتغالب فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء ، ولا يقال { إذاً } لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب وههنا وقع { لذهب } جزاء وجواباً ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل لأن الشرط محذوف وتقديره : ولو كان معه آلهة لدلالة { وما كان معه من إله } عليه وهو جواب لمن حآجه من المشركين { سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ } من الأنداد والأولاد","part":2,"page":391},{"id":892,"text":"{ عالم } بالجر صفة لله ، وبالرفع مدني وكوفي غير حفص خبر مبتدأ محذوف { الغيب والشهادة } السر والعلانية { فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } من الأصنام وغيرها\r{ قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى مَا يُوعَدُونَ } «ما» والنون مؤكدان أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة { رَبّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِى القوم الظالمين } أي فلا تجعلني قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم ، عن الحسن Bه : أخبره أن له في أمته نقمة ولم يخبره متى وقتها ، فأمر أن يدعو هذا الدعاء . ويجوز أن يسأل النبي المعصوم A ربه ما علم أنه يفعله وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه ، واستغفاره E إذا قام من مجلسه سبعين مرة لذلك ، والفاء في { فلا } لجواب الشرط و { رب } اعتراض بينهما للتأكيد { وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لقادرون } كانوا ينكرون الموعد بالعذاب ويضحكون منه فقيل لهم : إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم فما وجه هذا الإنكار؟ .","part":2,"page":392},{"id":893,"text":"{ ادفع بالتى } بالخصلة التي { هِىَ أَحْسَنُ السيئة } هو أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل كأنه قال : ادفع بالحسنى السيئة والمعنى أصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الاحسان ، وعن ابن عباس Bهما : هي شهادة أن لا إله إلا الله . والسيئة : الشرك أو الفحش بالسلام أو المنكر بالموعظة . وقيل : هي منسوخة بآية السيف . وقيل : محكمة إذ المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ثلم دين { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } من الشرك أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم فنجازيهم عليه { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } من وساوسهم ونخساتهم ، والهمزة : النخس ، والهمزات جمع الهمزة ومنه مهماز الرائض ، والمعنى أن الشياطين يحثون الناس على المعاصي كما تهمز الراضة الدواب حثاً لها على المشي { وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ } أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه المكرر لندائه وبالتعوذ من أن يحضروه أصلاً أو عند تلاوة القرآن أو عند النزع { حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت } «حتى» تتعلق ب { يصفون } أي لا يزالون يشركون إلى وقت مجيء الموت ، أو لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما مذكور على وجه الاعتراض ، والتأكيد للإغضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستنزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم { قَالَ رَبّ ارجعون } أي ردوني إلى الدنيا خاطب الله بلفظ الجمع للتعظيم كخطاب الملوك { لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ } في الموضع الذي تركت وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى ، قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولكن ليتدارك ما فرط . { لعلي } ساكنة الياء كوفي وسهل ويعقوب { كَلاَّ } ردع عن طلب الرجعة وإنكار واستبعاد { إِنَّهَا كَلِمَةٌ } المراد بالكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض وهو قوله : { رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } { هُوَ قَائِلُهَا } لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم عليه { وَمِن وَرَائِهِمْ } أي أمامهم والضمير للجماعة { بَرْزَخٌ } حائل بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } لم يرد أنهم يرجعون يوم البعث وإنما هو إقناط كلي لما علم أن لا رجوع بعد البعث إلا إلى الآخرة .","part":2,"page":393},{"id":894,"text":"{ فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور } قيل : إنها النفخة الثانية { فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ } وبالإدغام : أبو عمرو لاجتماع المثلين وإن كانا من كلمتين يعني يقع التقاطع بينهم حيث يتفرقون مثابين ومعاقبين ولا يكون التواصل بينهم بالأنساب إذ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، وإنما يكون بالأعمال . { وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا لأن كلاً مشغول عن سؤال صاحبه بحاله . ولا تناقض بين هذا وبين قوله { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } [ الصافات : 27 ] فللقيامة مواطن . ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون ، وفي موطن يفيقون فيتساءلون .\r{ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله : { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } [ الكهف : 105 ] { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون وَمَنْ خَفَّتْ موازينه } بالسيئات والمراد الكفار { فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } غبنوها { فِى جَهَنَّمَ خالدون } بدل من { خسروا أنفسهم } ولا محل للبدل والمبدل منه لأن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر ل { أولئك } أو خبر مبتدأ محذوف { تَلْفَحُ } أي تحرق { وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كالحون } عابسون فيقال لهم","part":2,"page":394},{"id":895,"text":"{ أَلَمْ تَكُنْ ءاياتى } أي القرآن { تتلى عَلَيْكُمْ } في الدنيا { فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ } وتزعمون أنها ليست من الله تعالى .\r{ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا } ملكتنا { شِقْوَتُنَا } { شقاوتنا } حمزة وعلي وكلاهما مصدر أي شقينا بأعمالنا السيئة التي عملناها . وقول أهل التأويل غلب علينا ما كتب علينا من الشقاوة لا يصح ، لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره ولا يكتب غير الذي علم أنه يختاره فلا يكون مغلوباً ومضطراً في الفعل ، وهذا لأنهم إنما يقولون ذلك القول اعتذاراً لما كان منهم من التفريط في أمره فلا يجمل أن يطلبوا لأنفسهم عذراً فيما كان منهم { وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } عن الحق والصواب { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } أي من النار { فَإِنْ عُدْنَا } إلى الكفر والتكذيب { فَإِنَّا ظالمون } لأنفسنا .\r{ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا } اسكتوا سكوت ذلة وهوان { وَلاَ تُكَلّمُونِ } في رفع العذاب عنكم فإنه لا يرفع ولا يخفف . قيل : هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير أن يحضروني . { ارجعوني } { ولا تكلموني } بالياء في الوصل والوقف : يعقوب وغيره بلا ياء { إِنَّهُ } إن الأمر والشأن { كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الرحمين فاتخذتموهم سِخْرِيّاً } مفعول ثان وبالضم : مدني وحمزة وعلي ، وكلاهما مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسبة مبالغة . قيل : هم الصحابة Bهم . وقيل : أهل الصفة خاصة ومعناه اتخذتموهم هزؤوا وتشاغلتم بهم ساخرين { حتى أَنسَوْكُمْ } بتشاغلكم بهم على تلك الصفة { ذِكْرِى } فتركتموه أي كان التشاغل بهم سبباً لنسيانكم ذكري { وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } استهزاء بهم","part":2,"page":395},{"id":896,"text":"{ إِنِى جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم { أَنَّهُمْ } أي لأنهم { هُمُ الفائزون } ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً أي جزيتهم اليوم فوزهم لأن جزى يتعدى إلى اثنين { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً } [ الدهر : 12 ] { إنهم } حمزة وعلي على الاستئناف أي إنهم هم الفائزون لا أنتم .\r{ قَالَ } أي الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة . { قل } مكي وحمزة وعلي أمر لمالك أن يسألهم { كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الأرض } في الدنيا { عَدَدَ سِنِينَ } أي كم عدد سنين لبثتم فكم نصب ب { لبثتم } و { عدد } تمييز { قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها ، لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة { فَاسْأَلِ العادين } أي الحساب أو الملائكة الذين يعدون أعمار العباد وأعمالهم { فسل } بلا همز : مكي وعلي { قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } أي ما لبثتم إلا زمناً قليلاً أو لبثاً قليلاً { لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } صدقهم الله تعالى في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا ووبخههم على غفلتهم التي كانوا عليها { قل إن } حمزة وعلي { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً } حال أي عابثين أو مفعول له أي للعبث { وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } وبفتح التاء وكسر الجيم : حمزة وعلي ويعقوب وهو معطوف على { أَنَّمَا خلقناكم } أو على { عبثاً } أي للعبث ولنترككم غير مرجوعين بل خلقناكم للتكليف ، ثم للرجوع من دار التكليف إلى دار الجزاء فنثيب المحسن ونعاقب المسيء { فتعالى الله } عن أن يخلق عبثاً { الملك الحق } الذي يحق له الملك لأن كل شيء منه وإليه ، أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه { لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم } وصف العرش بالكرم لأن الرحمة تنزل منه أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين . وقرىء شاذاً برفع { الكريم } صفة للرب تعالى .","part":2,"page":396},{"id":897,"text":"{ وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ } أي لا حجة { لَهُ بِهِ } اعتراض بين الشرط والجزاء كقولك «من أحسن إلى زيد لا أحق بالإحسان منه فإن الله مثيبه» أو صفة لازمة جيء بها للتوكيد كقولك «يطير بجناحيه لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان» { فَإِنَّمَا حِسَابُهُ } أي جزاؤه وهذا جزاء الشرط { عِندَ رَبّهِ } أي فهو يجازيه لا محالة { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون } جعل فاتحة السورة { قد أفلح المؤمنون } وخاتمتها { إنه لا يفلح الكافرون } فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة . ثم علمنا سؤال المغفرة والرحمة بقوله { وَقُل رَّبّ اغفر وارحم } ثم قال { وَأَنتَ خَيْرُ الرحمين } لأن رحمته إذا أدركت أحداً أغنته عن رحمة غيره ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته .","part":2,"page":397},{"id":898,"text":"مدنية وهي ستون وأربع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سُورَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة { أنزلناها } صفة لها . وقرأ طلحة { سورةً } على «زيدا ضربته» أو على «اتل سورة» . والسورة الجامعة لجمل آيات بفاتحة لها وخاتمة واشتقاقها من سور المدينة { وفرضناها } أي فرضنا أحكامها التي فيها . وأصل الفرض القطع أي جعلناها مقطوعاً بها . وبالتشديد : مكي وأبو عمرو للمبالغة في الإيجاب وتوكيده ، أو لأن فيها فرائض شتى ، أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم { وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِْنَاتٍ } أي دلائل واضحات { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } لكي تتعظوا . وبتخفيف الذال : حمزة وعلي وخلف وحفص . ثم فصل أحكامها فقال { الزانية والزانى } رفعهما على الابتداء والخبر محذوف أي فيما فرض عليكم الزانية والزاني أي جلدهما ، أو الخبر { فاجلدوا } ودخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط وتقديره : التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنى فاجلدوه . وكقوله : { والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم } [ النور : 4 ] . وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من { سورة أنزلناها } لأجل الأمر .\r{ فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } الجلد ضرب الجلد وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الألم إلى اللحم . والخطاب للأئمة لأن إقامة الحد من الدين وهي على الكل إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب الإمام منابهم ، وهذا حكم حر ليس بمحصن إذ حكم المحصن الرجم وشرائط إحصان الرجم : الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والتزوج بنكاح صحيح والدخول . وهذا دليل على أن التغريب غير مشروع لأن الفاء إنما يدخل على الجزاء وهو اسم للكافي ، والتغريب المروي منسوخ بالآية كما نسخ الحبس والأذى في قوله { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت } وقوله { فَئَاذُوهُمَا } [ النساء : 15 ] بهذه الآية { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } أي رحمة والفتح لغة وهي قراءة مكي . وقيل : الرأفة في دفع المكروه والرحمة في إيصال المحبوب . والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده فيعطلوا الحدود أو يخففوا الضرب { فِى دِينِ الله } أي في طاعة الله أو حكمه { إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه ، وجواب الشرط مضمر أي فاجلدوا ولا تعطلوا الحد { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا } وليحضر موضع حدهما وتسميته عذاباً دليل على أنه عقوبة { طَائِفَةٌ } فرقة يمكن أن تكون حلقة ليعتبروا وينزجر هو وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول شيء . وعن ابن عباس Bهما : أربعة إلى أربعين رجلاً { مِنَ المؤمنين } من المصدقين بالله .","part":2,"page":398},{"id":899,"text":"{ الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } أي الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في خبيثة من شكله ، أو في مشركة والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة ، أو المشركين فالآية تزهيد في نكاح البغايا إذ الزنا عديل الشرك في القبح ، والإيمان قرين العفاف والتحصن وهو نظير قوله { الخبيثات للخبيثين } [ النور : 26 ] وقيل : كان نكاح الزانية محرماً في أول الإسلام ثم نسخ بقوله : { وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ } [ النور : 32 ] وقيل : المراد بالنكاح الوطء ، لأن غير الزاني يستقذر الزانية ولا يشتهيها وهو صحيح لكنه يؤدي إلى قولك «الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا يزنى بها إلا زان» . وسئل A عمن زنى بامرأة ثم تزوجها فقال \" أوله سفاح وآخره نكاح \" ومعنى الجملة الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر ، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان . وقدمت الزانية على الزاني أولاً ثم قدم عليها ثانياً لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن ، فلما كانت أصلاً في ذلك بديء بذكرها . وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدء الطلب . وقريء { لا ينكح } بالجزم على النهي ، وفي المرفوع أيضاً معنى النهي ولكن أبلغ وآكد ، ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهما جارية على ذلك وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة وينتصون عنها { وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين } أي الزنا أو نكاح البغايا لقصد التكسب بالزنا أو لما فيه من التشبيه بالفساق وحضور مواقع التهمة والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب .","part":2,"page":399},{"id":900,"text":"{ والذين يَرْمُونَ المحصنات } وبكسر الصاد : علي؛ أي يقذفون بالزنا الحرائر والعفائف المسلمات المكلفات . والقذف يكون بالزنا وبغيره والمراد هنا قذفهن بالزنا بأن يقول يا زانية لذكر المحصنات عقيب الزواني ولاشتراط أربعة شهداء بقوله { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } أي ثم لم يأتوا بأربعة شهود يشهدون على الزنا لأن القذف بغير الزنا بأن يقول يا فاسق يا آكل الربا يكفي فيه شاهدان وعليه التعزير . وشروط إحصان القذف : الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والعفة عن الزنا . والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف { فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً } إن كان القاذف حراً ، ونصب { ثمانين } نصب المصادر كما نصب { مائة جلدة } و { جلدة } نصب على التمييز { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } نكر شهادة في موضع النفي فتعم كل شهادة . ورد الشهادة من الحد عندنا ويتعلق باستيفاء الحد أو بعضه على ما عرف ، وعند الشافعي C تعالى يتعلق رد شهادته بنفس القذف . فعندنا جزاء الشرط الذي هو الرمي الجلد ورد الشهادة على التأبيد وهو مدة حياتهم { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } كلام مستأنف غير داخل في حيز جزاء الشرط كأنه حكاية حال الرامين عند الله تعالى بعد انقضاء الجملة الشرطية .","part":2,"page":400},{"id":901,"text":"وقوله : { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك } أي القذف { وَأَصْلَحُواْ } أحوالهم استثناء من الفاسقون ويدل عليه { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي يغفر ذنوبهم ويرحمهم . وحق الاستثناء أن يكون منصوباً عندنا لأنه عن موجب ، وعند من جعل الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية أن يكون مجروراً بدلاً من «هم» في { لهم } .\rولما ذكر حكم قذف الأجنبيات بين حكم قذف الزوجات فقال { والذين يَرْمُونَ أزواجهم } أي يقذفون زوجاتهم بالزنا { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء } أي لم يكن لهم على تصديق قولهم من يشهد لهم به { إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } يرتفع على البدل من شهداء { فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ } بالرفع كوفي غير أبي بكر على أنه خبر والمبتدأ { فشهادة أحدهم } وغيرهم بالنصب لأنه في حكم المصدر بالإضافة إلى المصدر ، والعامل فيه المصدر الذي هو { فشهادة أحدهم } وعلى هذا خبره محذوف تقديره فواجب شهادة أحدهم أربع { شهادات بالله إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } فيما رماها به الزنا { والخامسة } لا خلاف في رفع الخامسة هنا في المشهور والتقدير والشهادة الخامسة { أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ } فهي مبتدأ وخبر { إِن كَانَ مِنَ الكاذبين } فيما رماها به من الزنا { وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب } ويدفع عنها الحبس وفاعل يدرأ { أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ } إن الزوج { لَمِنَ الكاذبين } فيما رماني به من الزنا","part":2,"page":401},{"id":902,"text":"{ والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ } أي الزوج { مِنَ الصادقين } فيما رماني به من الزنا .\rونصب حفص { الخامسة } عطفاً على { أربع شهادات } وغيره رفعها بالابتداء و { أن غضب الله } خبره . وخفف نافع { أن لعنة الله } و { أن غضب الله } بكسر الضاد وهما في حكم المثقلة و { أن غضب الله } سهل ويعقوب وحفص وجعل في جانبها لأن النساء يستعملن اللعن كثيراً كما ورد به الحديث . «فربما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعن على ألنستهن وسقوط وقوعه عن قلوبهن» ، فذكر الغضب في جانبهن ليكون رادعاً لهن . والأصل أن اللعان عندنا شهادات مؤكدات بالإيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها ، لأن الله تعالى سماه شهادة . فإذا قذف الزوج زوجته بالزنا وهما من أهل الشهادة صح اللعان بينهما ، وإذا التعنا كما بين في النهر لا تقع الفرقة حتى يفرق القاضي بينهما . وعند زفر C تعالى تقع بتلاعنهما والفرقة تطليقة بائنة ، وعند أبي يوسف وزفر والشافعي تحريم مؤبد . ونزلت آية اللعان في هلال بن أمية أو عويمر حيث قال : وجدت على بطن امرأتي خولة شريك بن سحماء فكذبته فلاعن النبي A بينهما { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله } تفضله { عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } نعمته { وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ } جواب «لولا» محذوف أي لفضحكم أو لعاجلكم بالعقوبة .","part":2,"page":402},{"id":903,"text":"{ إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك } هو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وأصله الأفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه والمراد ما أفك به على عائشة Bها ، قالت عائشة : فقدت عقداً في غزوة بني المصطلق فتخلفت ولم يعرف خلو الهودج لخفتي ، فلما ارتحلوا أناخ لي صفوان بن المعطل بعيره وساقه حتى أتاهم بعد ما نزلوا فهلك فيّ من هلك ، فاعتللت شهراً وكان E يسأل « كيف أنت » ولا أرى منه لطفاً كنت أراه حتى عثرت خالة أبي أم مسطح فقالت : تعس مسطح فأنكرت عليها فأخبرتني بالإفك ، فلما سمعت ازددت مرضاً وبت عند أبوي لا يرقأ لي دمع وما أكتحل بنوم وهما يظنان أن الدمع فالق كبدي حتى قال E « ابشري يا حميراء فقد أنزل الله براءتك » فقلت : بحمد الله لا بحمدك { عُصْبَةٌ } جماعة من العشرة إلى الأربعين واعصوصبوا اجتمعوا وهم : عبد الله بن أبي رأس النفاق ، وزيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم { مّنكُمْ } من جماعة المسلمين وهم ظنوا أن الإفك وقع من الكفار دون من كان من المؤمنين { لاَ تَحْسَبُوهُ } أي الإفك { شَرّاً لَّكُمْ } عند الله { بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } لأن الله أثابكم عليه وأنزل في البراءة منه ثماني عشرة آية ، والخطاب لرسول الله A وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن ساءه ذلك من المؤمنين { لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم } أي على كل امريء من العصبة جزاء إثمه على مقدار خوضه فيه ، وكان بعضهم ضحك وبعضهم تكلم فيه وبعضهم سكت .\r{ والذى تولى كِبْرَهُ } أي عظمه عبد الله بن أبيّ { مِنْهُمْ } أي من العصبة { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي جهنم . يحكى أن صفوان مر بهودجها عليه وهو في ملأ من قومه فقال : من هذه؟ فقالوا : عائشة . فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها . ثم وبخ الخائضين فقال :","part":2,"page":403},{"id":904,"text":"{ لَوْلاَ } هلا { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } أي الإفك { ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ } بالذين منهم فالمؤمنون كنفس واحدة وهو كقوله { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] { خَيْرًا } عفافاً وصلاحاً وذلك نحو ما يروى أن عمر Bه قال لرسول الله E : أنا قاطع بكذب المنافقين لأن الله عصمك من وقوع الذباب على جلدك لأنه يقع على النجاسات فيتلطخ بها ، فلما عصمك الله من ذلك القدر من القذر فكيف لا يعصمك عن صحبة من تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة؟ وقال عثمان : إن الله ما أوقع ظلك على الأرض لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك الظل ، فلما لم يمكن أحداً من وضع القدم على ظلك كيف يمكن أحداً من تلويث عرض زوجتك؟ وكذا قال علي Bه : إن جبريل أخبرك أن على نعليك قذراً وأمرك بإخراج النعل عن رجلك بسبب ما التصق به من القذر فكيف لا يأمرك بإخراجها بتقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش . وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لامرأته : ألا ترين ما يقال؟ فقالت : لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله سوءاً؟ فقال : لا . قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله فعائشة خير مني وصفوان خير منك . وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل «ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم» ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات ، وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن ، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له ، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بإخوانه { وَقَالُواْ هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ } كذب ظاهر لا يليق بهما .","part":2,"page":404},{"id":905,"text":"{ لَوْلاَ جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } هلا جاؤوا على القذف لو كانوا صادقين بأربعة شهداء { فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء } الأربعة { فَأُوْلَئِكَ عِندَ الله } أي في حكمه وشريعته { هُمُ الكاذبون } أي القاذفون لأن الله تعالى جعل التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت الشهادة الشهود الأربعة وانتفاؤها ، والذين رموا عائشة Bها لم يكن لهم بينة على قولهم فكانوا كاذبين { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى الدنيا والآخرة لَمَسَّكُمْ فِى مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } «لولا» هذه لامتناع الشيء لوجود غيره بخلاف ما تقدم أي : ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة ، وأن أترحم عليكم في الآخرة في العفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك ، يقال أفاض في الحديث وخاض واندفع { إِذْ } ظرف ل { مسكم } أو ل { أفضتم } { تَلَقَّوْنَهُ } يأخذه بعضكم من بعض . يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه { بِأَلْسِنَتِكُمْ } أي أن بعضكم كان يقول لبعض : هل بلغك حديث عائشة؟ حتى شاع فيما بينهم وانتشر فلم يبق بيت ولا نادٍ إلا طار فيه { وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } إنما قيد بالأفواه مع أن القول لا يكون إلا بالفم لأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب ثم يترجم عنه اللسان ، وهذا الإفك ليس إلا قولاً يدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } [ آل عمران : 167 ] { وَتَحْسَبُونَهُ } أي خوضكم في عائشة Bها { هَيّناً } صغيرة { وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ } كبيرة . وجزع بعضهم عند الموت فقيل له في ذلك فقال : أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم .","part":2,"page":405},{"id":906,"text":"{ وَلَوْلاَ } وهلا { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا } فصل بين لولا و { قُلْتُمْ } بالظرف لأن للظروف شأناً وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها فلذا يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها . وفائدة تقديم الظرف أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به ، فلما كان ذكر الوقت أهم قدم ، والمعنى هلا قلتم إذ سمعتم الإفك ما يصح لنا أن نتكلم بهذا { سبحانك } للتعجب من عظم الأمر ومعنى التعجب في كلمة التسبيح أن الأصل أن يسبح الله عن رؤية العجيب من صنائعه ، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه ، أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرة . وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه والكفر غير منفر عندهم ، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات { هذا بهتان } زور تبهت من يسمع { عظِيمٌ } وذكر فيما تقدم هذا إفك مبين ، ويجوز أن يكونوا أمروا بهما مبالغة في التبري { يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ } في أن تعودوا { لِمِثْلِهِ } لمثل هذا الحديث من القذف أو استماع حديثه { أَبَدًا } ما دمتم أحياء مكلفين { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فيه تهييج لهم ليتعظوا وتذكير بما يوجب ترك العود وهو الإيمان الصادّ عن كل قبيح\r{ وَيُبَيّنُ الله لَكُمُ الآيات } الدلالات الواضحات وأحكام الشرائع والآداب الجميلة { والله عَلِيمٌ } بكم وبأعمالكم { حَكِيمٌ } يجزي على وفق أعمالكم أو علم صدق نزاهتها وحكم ببراءتها .\r{ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِى الذين ءامَنُواْ } أي ما قبح جداً ، والمعنى يشيعون الفاحشة عن قصد الإشاعة ومحبة لها { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدنيا } بالحد . ولقد ضرب النبي A ابن أبي وحساناً ومسطحاً الحد { والآخرة } بالنار وعدها إن لم يتوبوا { والله يَعْلَمُ } بواطن الأمور وسرائر الصدور { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أي أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة وهو معاقبه عليها","part":2,"page":406},{"id":907,"text":"{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } لعجل لكم العذاب وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب مبالغة في المنة عليهم والتوبيخ لهم { وَأَنَّ الله رَءوفٌ } حيث أظهر براءة المقذوف وأثاب { رَّحِيمٌ } بغفرانه جناية القاذف إذا تاب .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } أي آثاره ووساوسه بالإصغاء إلى الإفك والقول فيه { وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان فَإِنَّهُ } فإن الشيطان { يَأْمُرُ بالفحشاء } ما أفرط قبحه { والمنكر } ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة لما طهر منكم أحد آخر الدهر من دنس إثم الإفك { ولكن الله يُزَكّى مَن يَشَاء } يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها { والله سَمِيعٌ } لقولهم { عَلِيمٌ } بضمائرهم وإخلاصهم { وَلاَ يَأْتَلِ } ولا يحلف من ائتلى إذا حلف افتعال من الألية أولا يقصر من الألو { أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } في الدين { والسعة } في الدنيا { أَن يُؤْتُواْ } أي لا يؤتوا إن كان من الألية { أُوْلِى القربى والمساكين والمهاجرين فِى سَبِيلِ الله } أي لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان ، أو لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها { وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } العفو الستر والصفح الإعراض أي ليتجاوزوا عن الجفاء وليعرضوا عن العقوبة { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ } فليفعلوا بهم ما يرجون أن يفعل بهم ربهم مع كثرة خطاياهم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فتأدبوا بأدب الله واغفروا وارحموا ، نزلت في شأن أبي بكر الصديق Bه حين حلف أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لخوضه في عائشة Bها وكان مسكيناً بدرياً مهاجراً ، ولما قرأها النبي A على أبي بكر قال : بلى أحب أن يغفر الله لي ورد إلى مسطح نفقته .","part":2,"page":407},{"id":908,"text":"{ إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات } العفائف { الغافلات } السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجر بن الأمور { المؤمنات } بما يجب الايمان به . عن ابن عباس Bهما : هن أزواجه E . وقيل : هن جميع المؤمنات إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب . وقيل : أريدت عائشة Bها وحدها . وإنما جمع لأن من قذف واحدة من نساء النبي E فكأنه قذفهن { لُعِنُواْ فِى الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } جعل القذفة ملعونين في الدارين وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة إن لم يتوبوا ، والعامل في { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ } يعذبون وبالياء حمزة وعلي { أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بما أفكوا أو بهتوا والعامل في { يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق } بالنصب صفة للدين وهو الجزاء ، ومعنى الحق الثابت الذي هم أهله . وقرأ مجاهد بالرفع صفة لله كقراءة أبيّ { يوفيهم الله الحق دينهم } وعلى قراءة النصب يجوز أن يكون { الحق } وصفاً لله بأن ينتصب على المدح { وَيَعْلَمُونَ } عند ذلك { أَنَّ الله هُوَ الحق المبين } لارتفاع الشكوك وحصول العلم الضروري . ولم يغلظ الله تعالى في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة Bها ، فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر ، وما ذاك إلا لأمر . وعن ابن عباس Bه : من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة . وهذا منه تعظيم ومبالغة في أمر الإفك . ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة : برأ يوسف عليه السلام بشاهد من أهلها ، وموسى عليه السلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه ، ومريم Bها بإنطاق ولدها ، وعائشة Bها بهذه الآي العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر بهذه المبالغات ، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك ، وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله والتنبيه على إنافة محله A وعلى آله .","part":2,"page":408},{"id":909,"text":"{ الخبيثات } من القول تقال { لِلْخَبِيثِينَ } من الرجال والسناء { والخبيثون } منهم يتعرضون { للخبيثات } من القول وكذلك { والطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات أُوْلَئِكَ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ } أي فيهم و { أولئك } إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم ، وهو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة Bها وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب ، ويجوز أن يكون إشارة إلى أهل البيت وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك ، وأن يراد بالخبيثات والطيبات النساء الخبائث يتزوجن الخباث والخباث تتزوج الخبائث وكذا أهل الطيب { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } مستأنف أو خبر بعد خبر { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة . ودخل ابن عباس Bهما على عائشة Bها في مرضها وهي خائفة من القدوم على الله تعالى فقال : لا تخافي لأنك لا تقدمين إلا على مغفرة ورزق كريم وتلا الآية فغشي عليها فرحاً بما تلا . وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهن امرأة ، نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر E أن يتزوجني ، وتزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري ، وتوفي E ورأسه في حجري ، وقبر في بيتي ، وينزل عليه الوحي وأنا في لحافه وأنا ابنة خليفته وصديقه ، ونزل عذري من السماء ، وخلقت طيبة عند طيب ، ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً . وقال حسان معتذراً في حقها :\rحصانٌ رزانٌ ما تزن بريبة ... وتسبح غرثى من لحوم الغوافل\rحليلة خير الناس ديناً ومنصباً ... نبي الهدى والمكرمات الفواضل\rعقيلة حيّ من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زائل\rمهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل شين وباطل","part":2,"page":409},{"id":910,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } أي بيوتاً لستم تملكونها ولا تسكنونها { حتى تَسْتَأْنِسُواْ } أي تستأذنوا ، عن ابن عباس Bهما وقد قرأ به ، والاستئناس في الأصل الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً أي حتى تستعلموا أيطلق لكم الدخول أم لا ، وذلك بتسبيحة أو بتكبيرة أو بتحميدة أو بتنحنح { وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } والتسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات ، فإن أذن له وإلا رجع ، وقيل : إن تلاقيا يقدم التسليم وإلا فالاستئذان { ذلكم } أي الاستئذان والتسليم { خَيْرٌ لَّكُمْ } من تحية الجاهلية والدمور وهو الدخول بغير إذن فكأن الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ما أمرتم به في باب الاستئذان { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا } في البيوت { أَحَدًا } من الآذنين { فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ } حتى تجدوا من يأذن لكم ، أو فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخولها إلا بإذن أهلها لأن التصرف في ملك الغير لا بد من أن يكون برضاه { وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا } أي إذا كان فيها قوم فقالوا ارجعوا { فارجعوا } ولا تلحوا في إطلاق الإذن ولا تلجوا في تسهيل الحجاب ولا تقفوا على الأبواب ، لأن هذا مما يجلب الكراهة فإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك ، وعن أبي عبيد : ما قرعت باباً على عالم قط . { هُوَ أزكى لَكُمْ } أي الرجوع أطيب وأطهر لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة أو أنفع وأنمى خيراً { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وعيد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه .","part":2,"page":410},{"id":911,"text":"{ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ } في أن تدخلوا { بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها ما ليس بمسكون منها كالخانات والربط وحوانيت التجار { فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ } أي منفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع . وقيل : الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز { والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة { قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم } «من» للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل { وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } عن الزنا ولم يدخل «من» هنا لأن الزنا لا رخصة فيه بوجه ، ويجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفها وقدميها في رواية ، وإلى رأس المحارم والصدر والساقين والعضدين { ذلك } أي غض البصر وحفظ الفرج { أزكى لَهُمْ } أي أطهر من دنس الاثم { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } فيه ترغيب وترهيب يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون .\r{ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } أمرن بغض الأبصار فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبتيه ، وإن اشتهت غضت بصرها رأساً ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك وغض بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها . وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور فبذر الهوى طموح العين { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب ، والمعنى ولا يظهرن مواضع الزينة إذ إظهار عين الزينة وهي الحلي ونحوها مباح فالمراد بها مواضعها أو إظهارها وهي في مواضعها لإظهار مواضعها لا لإظهار أعيانها ، ومواضعها الرأس والأذن والعنق والصدر والعضدان والذراع والساق فهي للإكليل والقرط والقلادة والوشاح والدملج والسوار والخلخال { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان ، ففي سترها حرج بين فإن المرأة لا تجد بداً من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات منهن { وَلْيَضْرِبْنَ } وليضعن من قولك «ضربت بيدي على الحائط» إذا وضعتها عليه { بِخُمُرِهِنَّ } جمع خمار { على جُيُوبِهِنَّ } بضم الجيم : مدني وبصري وعاصم . كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من أقدامهن حتى تغطيها .\r{ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي مواضع الزينة الباطنة كالصدر والساق والرأس ونحوها { إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } لأزواحهن جمع بعل { أو ءَابآئهن } ويدخل فيهم الأجداد { أو آباء بعولتهن } فقد صاروا محارم { أَوْ أَبْنَائِهِنَّ } ويدخل فيهم النوافل { أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ } فقد صاروا محارم أيضاً { أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن } ويدخل فيهم النوافل وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالة { أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي الحرائر لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن } أي إمائهن ولا يحل لبعدها أن ينظر إلى هذه المواضع منها خصياً كان أو عنيناً أو فحلاً .","part":2,"page":411},{"id":912,"text":"وقال سعيد بن المسيب : لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإماء دون الذكور . وعن عائشة Bها أنها أباحت النظر إليها لعبدها { أَوِ التابعين غَيْرِ } بالنصب : شامي ويزيد وأبو بكر على الاستثناء أو الحال ، وغيرهم بالجر على البدل أو على الوصفية { أُوْلِى الإربة } الحاجة إلى النساء . قيل : هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمرهن ، أو شيوخ صلحاء ، أو العنين أو الخصي والمخنث . وفي الأثر أنه المجبوب والأول الوجه { مِنَ الرجال } حال { أَوِ الطفل الذين } هو جنس فصلح أن يراد به الجمع { لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء } أي لم يطلعوا لعدم الشهوة من ظهر على الشيء إذا اطلع عليه ، أو لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء من ظهر على فلان إذا قوي عليه { وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } كانت المرأة تضرب الأرض برجليها إذا مشت لتسمع قعقعة خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فنهين عن ذلك إذ سماع صوت الزينة كإظهارها ومنه سمي صوت الحلي وسواساً { وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون } { أَيُّهُ } شامي إتباعاً للضمة قبلها بعد حذف الألف لالتقاء الساكنين ، وغيره على فتح الهاء لأن بعدها ألفاً في التقدير { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } العبد لا يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد . فلذا وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة وبتأميل الفلاح إذا تابوا وقيل : أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة ، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان .","part":2,"page":412},{"id":913,"text":"{ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ } الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج له رجلاً أو امرأة ، بكراً كان أو ثيباً ، وأصله أيائم فقلبت { والصالحين } أي الخيرين أو المؤمنين ، والمعنى زوجوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر ومن كان فيه صلاح { مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } أي من غلمانكم وجواريكم والأمر للندب إذ النكاح مندوب إليه { إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء } من المال { يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ } بالكفاية والقناعة أو باجتماع الرزقين ، وفي الحديث « التمسوا الرزق بالنكاح » وعن عمر Bه روي مثله { والله واسع } غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق { عَلِيمٌ } يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر . وقيل : في الآية دليل على أن تزويج النساء والأيامى إلى الأولياء كما أن تزوج العبيد والإماء إلى الموالي . قلنا : الرجل لا يلي على الرجل الأيم إلا بإذنه فكذا لا يلي على المرأة إلا بإذنها لأن الأيم ينتظمها","part":2,"page":413},{"id":914,"text":"{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين } وليجتهدوا في العفة كأن المستعف طالب من نفسه العفاف { لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } استطاعة تزوج من المهر والنفقة { حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ } حتى يقدرهم على المهر والنفقة . قال E « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » فانظر كيف رتب هذه الأوامر ، فأمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية وهو غض البصرد ثم بالنكاح المحصن للدين المغني عن الحرام ، ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن تقدر عليه .\r{ والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم } أي المماليك الذين يطلبون الكتابة ف { الذين } مرفوع بالابتداء أو منصوب بفعل يفسره { فكاتبوهم } وهو للندب ودخلت الفاء لتضمنه معنى الشرط . والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة وهو أن يقول لمملوكه : كاتبتك على ألف درهم . فإن أداها عتق ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال ، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك . أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليّ العتق ، ويجوز حالاً ومؤجلاً ومنجماً وغير منجم لإطلاق الأمر { إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } قدرة على الكسب أو أمانة وديانة والندبية معلقة بهذا الشرط { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة لقوله تعالى { وَفِي الرقاب } [ البقرة : 177 ] وعند الشافعي C : معناه حطوا من بدل الكتابة ربعاً . وهذا عندنا على وجه الندب والأول الوجه لأن الإيتاء هو التمليك فلا يقع على الحط . سأل صبيح مولاه حويطباً أن يكاتبه فأبى فنزلت .\rواعلم أن العبيد أربعة : قن مقتنى للخدمة ، ومأذون في التجارة ، ومكاتب ، وآبق . فمثال الأول ولي العزلة الذي حصل العزلة بإيثار الخلوة وترك العشرة ، والثاني ولي العشرة فهو نجي الحضرة يخالط الناس للخبرة وينظر إليهم بالعبرة ويأمرهم بالعبرة فهو خليفة رسول الله A يحكم بحكم الله ويأخذ لله ويعطي في الله ويفهم عن الله ويتكلم مع الله ، فالدنيا سوق تجارته ، والعقل رأس بضاعته ، والعدل في الغضب والرضا ميزانه ، والقصد في الفقر والغنى عنوانه ، والعز مفزعه ومنحاه ، والقرآن كتاب الإذن من مولاه ، هو كائن في الناس بظواهره ، بائن منهم بسرائره ، فقد هجرهم فيما له عليهم في الله باطناً ، ثم وصلهم فيما لهم عليه لله ظاهراً\rوما هو منهمو بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام\rيأكل ما يأكلون ويشرب ما يشربون ، وما يدريهم أنه ضعيف الله يرى السماوات والأرض قائمات بأمره وكأنه قيل فيه\rفإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال","part":2,"page":414},{"id":915,"text":"فحال ولي العزلة أصفى وأحلى ، وحال ولي العشرة أوفى وأعلى ، ونزل الأول من الثاني في حضرة الرحمن منزلة النديم من الوزير عند السلطان . أما النبي E فهو كريم الطرفين ومعدن الشذرين ومجمع الحالين ومنبع الزلالين ، فباطن أحواله مهتدي ولي العزلة ، وظاهر أعماله مقتدى ولي العشرة ، والثالث المجاهد المحاسب العامل المطالب بالضرائب كنجوم المكاتب عليه في اليوم والليلة خمس ، وفي المائتي درهم خمسة ، وفي السنة شهر ، وفي العمر زورة ، فكأنه اشترى نفسه من ربه بهذه النجوم المرتبة فيسعى في فكاك رقبته خوفاً من البقاء في ربقة العبودية ، وطمعاً في فتح باب الحرية ليسرح في رياض الجنة فيتمتع بمبياه ويفعل ما يشاؤه ويهواه . والرابع الإباق فما أكثرهم فمنهم القاضي الجائر والعالم الغير العامل ، والعامل المرائي ، والواعظ الذي لا يفعل ما يقول ويكون أكثر أقواله فضول وعلى كل ما لا ينفعه يصول فضلا عن السارق والزاني والغاصب فعنهم أخبر النبي E : « إن الله لينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم في الآخرة » { وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء } كان لابن أبيّ ست جوار : معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة ، يكرههن على البغاء وضرب عليهن الضرائب ، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله E فنزلت . ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة والبغاء الزنا للنساء خاصة وهو مصدر لبغت { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تعففاً عن الزنا . وإنما قيده بهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن ، فآمر المطيعة للبغاء لا يسمى مكرهاً ولا أمره إكراهاً ، ولأنها نزلت على سبب فوقع النهي على تلك الصفة ، وفيه توبيخ للموالي أي إذا رغبن في التحصن فأنتم أحق بذلك { لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا } أي لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأولادهن { وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لهن ، وفي مصحف ابن مسعود كذلك وكان الحسن يقول : لهن والله لهن والله . ولعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة وهو الذي يخاف منه التلف فكانت آثمة أو لهم إذا تابوا","part":2,"page":415},{"id":916,"text":"{ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايات مبينات } بفتح الياء : حجازي وبصري وأبو بكر وحماد . والمراد الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت في معاني الأحكام والحدود ، وجاز أن يكون الأصل مبيناً فيها فاتسع في الظرف أي أجري مجرى المفعول به كقوله «ويوم شهدناه» وبكسرها غيرهم أي بينت هي الأحكام والحدود جعل الفعل لها مجازاً أو من بين بمعنى تبين ومنه المثل .\r«قد بين الصبح لذي عينين»\r{ وَمَثَلاً مّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } ومثلاً من أمثال من قبلكم أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم يعني قصة عائشة Bها { وَمَوْعِظَةً } ما وعظ به من الآيات والمثل من نحو قوله تعالى : { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله } . { لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } . { وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } { يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً } { لّلْمُتَّقِينَ } أي هم المنتفعون بها وإن كانت موعظة للكل .","part":2,"page":416},{"id":917,"text":"نظير قوله { الله نُورُ السماوات والأرض } مع قوله { مَثَلُ نُورِهِ } و { يَهْدِى الله لِنُورِهِ } قولك زيد كرم وجود ثم تقول : ينعش الناس بكرمه وجوده ، والمعنى ذو نور السماوات و { نُورُ السماوات والأرض } الحق شبهه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله : { الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة : 257 ] أي من الباطل إلى الحق . وأضاف النور إليهما للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض ، وجاز أن المراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون به { مَثَلُ نُورِهِ } أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة { كَمِشْكَاةٍ } كصفة مشكاة وهي الكوّة في الجدار غير النافذة { فِيهَا مِصْبَاحٌ } أي سراج ضخم ثاقب { المصباح فِى زُجَاجَةٍ } في قنديل من زجاج شامي بكسر الزاي { الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ } مضيء بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر لفرط ضيائه وصفائه ، وبالكسر والهمزة عمرو وعلي كأنه يدرأ الظلام بضوئه ، وبالضم والهمزة أبو بكر وحمزة شبه في زهوته بأحد الكواكب الدراري كالمشتري والزهرة ونحوهما { يُوقَدُ } { توقد } بالتخفيف : حمزة وعلي وأبو بكر الزجاجة و { يُوقَدُ } بالتخفيف : شامي ونافع وحفص { وتوقد } بالتشديد : مكي وبصري أي هذا المصباح { مِن شَجَرَةٍ } أي ابتدأ ثقوبه من زيت شجرة الزيتون يعني رويت ذبالته بزيتها { مباركة } كثيرة المنافع أو لأنها نبتت في الأرض التي بورك فيها للعالمين . وقيل : بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام { زَيْتُونَةٍ } بدل من { شجرة } نعتها { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } أي منبتها الشام يعني ليست من المشرق ولا من المغرب بل في الوسط منهما وهو الشام وأجود الزيتون زيتون الشام . وقيل : ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط بل يصيبها بالغداة والعشي جميعها فهي شرقية وغربية .\r{ يَكَادُ زَيْتُهَا } دهنها { يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } وصف الزيت بالصفاء والوميض وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار { نُّورٌ على نُورٍ } أي هذا النور الذي شبه به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور ، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه . والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه ، وضرب المثل يكون بدنيء محسوس معهود لا بعلي غير معاين ولا مشهود فأبو تمام لما قال في المأمون :\rإقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rقيل له : إن الخليفة فوق من مثلته بهم فقال مرتجلاً :\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس\rفالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس\r{ يَهْدِى الله لِنُورِهِ } أي لهذا النور الثاقب { مَن يَشَآء } من عباده أي يوفق لإصابة الحق من يشاء من عباده بإلهام من الله أو بنظره في الدليل { وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ } تقريباً إلى أفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فيبين كل شيء بما يمكن أن يعلم به . وقال ابن عباس Bه : مثل نوره أي نور الله الذي هدى به المؤمن . وقرأ ابن مسعود C { مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة } وقرأ أبيّ { مثل نور المؤمن } .","part":2,"page":417},{"id":918,"text":"{ فِى بُيُوتٍ } يتعلق { بمشكاة } أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه قيل : مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت ، أو ب { توقد } أي توقد في بيوت ، أو ب { يسبح } أي يسبح له رجال في بيوت . و { فيها } تكرير فيه توكيد نحو «زيد في الدار جالس فيها» أو بمحذوف أي سبحوا في بيوت { أَذِنَ الله } أي أمر { أَن تُرْفَعَ } تبنى كقوله { بناها رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد } [ البقرة : 127 ] أن تعظم من الرفعة . وعن الحسن : ما أمر الله أن ترفع بالبناء ولكن بالتعظيم { وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه } يتلى فيها كتابه أو هو عام في كل ذكر { يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال } أي يصلي له فيها بالغداة صلاة الفجر وبالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين . وإنما وحد الغدو لأن صلاته صلاة واحدة ، وفي الآصال صلوات والآصال جمع أصل جمع أصيل وهو العشي { رِجَالٌ } فاعل { يسبح } { يسبح } شامي وأبو بكر ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو و { رِجَالٌ } مرفوع بما دل عليه { يسبح } أي يسبح له { لاَّ تُلْهِيهِمْ } لا تشغلهم { تجارة } في السفر { وَلاَ بَيْعٌ } في الحضر . وقيل : التجارة الشراء إطلاقاً لاسم الجنس على النوع أو خص البيع بعد ماعم لأنه أوغل في الإلهاء من الشراء لأن الربح في البيعة الرابحة متيقن وفي الشراء مظنون { عَن ذِكْرِ الله } باللسان والقلب { وَإِقامِ الصلاة } أي وعن إقامة الصلاة . التاء في إقامة عوض من العين الساقطة للإعلال والأصل إقوام ، فلما قلبت الواو ألفاً اجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فأدخلت التاء عوضاً عن المحذوف ، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام التاء فأسقطت { وَإِيتاء الزكاة } أي وعن إيتاء الزكاة والمعنى لا تجارة لهم حتى تلهيهم كأولياء العزلة ، أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها غير متثاقلين كأولياء العشرة .\r{ يخافون يَوْماً } أي يوم القيامة و { يخافون } حال من الضمير في { تلهيهم } أو صفة أخرى ل { رجال } { تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب } ببلوغها إلى الحناجر { والأبصار } بالشخوص والزرقة أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران والأبصار إلى العيان بعد إنكاره للطغيان كقوله { فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } [ ق : 22 ]","part":2,"page":418},{"id":919,"text":"{ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } أي يسبحون ويخافون ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم أي ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضلاً { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي يثيب من يشاء ثواباً لا يدخل في حساب الخلق .\rهذه صفات المهتدين بنور الله فأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون في قوله { والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ } هو ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهر يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري { بِقِيعَةٍ } بقاع أو جمع قاع وهو المنبسط المستوي من الأرض كجيرة في جار { يَحْسَبُهُ الظمان } يظنه العطشان { مَاءً حتى إِذَا جَاءهُ } أي جاء إلى ما توهم أنه ماء { لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } كما ظنه { وَوَجَدَ الله } أي جزاء الله كقوله { يجد الله غفوراً رحيماً } [ النساء : 110 ] أي يجد مغفرته ورحمته { عِندَهُ } عند الكافر { فوفاه حِسَابَهُ } أي أعطاه جزاء عمله وافياً كاملاً . وحد بعد تقدم الجمع حملاً على كل واحد من الكفار { والله سَرِيعُ الحساب } لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد ولا يشغله حساب عن حساب ، أو قريب حسابه لأن ما هو آتٍ قريب شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ، ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال الله فيهم : { عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [ الكهف : 104 ] قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يترهب ملتمساً للدين في الجاهلية فلما جاء الإسلام كفر .","part":2,"page":419},{"id":920,"text":"{ أَوْ كظلمات فِى بَحْرٍ } «أو» هنا ك «أو» في { أَوْ كَصَيّبٍ } { لُّجّىّ } عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر { يغشاه } يغشى البحر أو من فيه يعلوه ويغطيه { مَوْجٍ } هو ما ارتفع من الماء { مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ } أي من فوق الموج موج آخر { مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ } من فوق الموج الأعلى سحاب { ظلمات } أي هذه ظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر { بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة الموج على ظلمة البحر وظلمة الموج على الموج وظلمة السحاب على الموج { إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } أي الواقع فيه { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } مبالغة في لم يرها أي لم يقرب أن يراها فضلاً عن أن يراها ، شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجد من خدعه من بعيد شيئاً ولم يكفه خيبة وكمداً أن لم يجد شيئاً كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار ، وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } من لم يهده الله لم يهتد عن الزجاج في الحديث \" خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل \" { أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم يا محمد علماً يقوم مقام العيان في الإيقان { أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى السماوات والأرض والطير } عطف على { من } { صافات } حال من { الطير } أي يصففن أجنحتهن في الهواء { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } الضمير في { علم } ل { كل } أو لله ، وكذا في صلاته وتسبيحه . والصلاة الدعاء ولم يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لايكاد العقلاء يتهتدون إليها { والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } لا يعزب عن علمه شيء","part":2,"page":420},{"id":921,"text":"{ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض } لأنه خالقهما ومن ملك شيئاً فبتمليكه إياه { وإلى الله المصير } مرجع الكل { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى } يسوق إلى حيث يريد { سَحَابًا } جمع سحابة دليله { ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ } وتذكيره للفظ أي يضم بعضه إلى بعض { ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } متراكماً بعضه فوق بعض { فَتَرَى الودق } المطر { يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل { وَيُنَزّلُ } { وينزل } مكي ومدني وبصري { مّنَ السماء } لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء { مِن جِبَالٍ } «من» للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي { فِيهَا } في السماء { مِن بَرَدٍ } للبيان أو الأوليان للابتداء والآخرة للتبعيض ، ومعناه أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها . وعلى الأول مفعول { ينزل } { من جبال } أي بعض جبال فيها ومعنى { من جبال فيها من برد } أن يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر أو يريد الكثرة بذكر الجبال كما يقال «فلان يملك جبالاً من ذهب» { فَيُصِيبُ بِهِ } بالبرد { مَن يَشَآء } أي يصيب الإنسان وزرعه { وَيَصْرِفُهُ عَمَّن مَا يَشَاء } فلا يصيبه أو يعذب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فلا يعذبه { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } ضوؤه { يَذْهَبُ بالأبصار } يخطفها به { يَذْهَبُ } يزيد على زيادة الباء","part":2,"page":421},{"id":922,"text":"{ يُقَلّبُ الله اليل والنهار } يصرفهما في الاختلاف طولاً وقصراً والتعاقب { إِنَّ فِى ذَلِكَ } في إزجاء السحاب وإنزال الودق والبرد وتقليب الليل والنهار { لَعِبْرَةً لأَِوْلِى الأبصار } لذوي العقول . وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته حيث ذكر تسبيح من في السماوات والأرض وما يطير بينهما ودعاءهم له وتسخير السحاب إلى آخر ما ذكر ، فهي براهين لائحة على وجوده ودلائل واضحة على صفاته لمن نظر وتدبر . ثم بين دليلاً آخر فقال تعالى .\r{ والله خَلَقَ كُلَّ } { خالق كل } حمزة وعلي { دَابَّةٍ } كل حيوان يدب على وجه الأرض { مِن مَّاء } أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة أو من ماء مخصوص وهو النطفة ، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة فمنها هوام ومنها بهائم ومنها أناسي وهو كقوله { يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الأكل } [ الرعد : و ] هذا دليل على أن لها خالقاً ومدبراً وإلا لم تختلف لإتفاق الأصل . وإنما عرف الماء في قوله : { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ } [ الأنبياء : 30 ] لأن المقصود ثم أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء وأنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط . قالوا : إن أول ما خلق الله الماء فخلق منه النار والريح والطين ، فخلق من النار الجن ، ومن الريح الملائكة ، ومن الطين آدم ودواب الأرض ، ولما كانت الدابة تشمل المميز وغير المميز غلب المميز فأعطى ما وراءه حكمه كأن الدواب كلهم مميزون فمن ثم قيل { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ } كالحية والحوت . وسمي الزحف على البطن مشياً استعارة كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر ، أو على طرائق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين { وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى على رِجْلَيْنِ } كالإنسان والطير { وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ } كالبهائم وقدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع { يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء } كيف يشاء { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } لا يتعذر عليه شيء .","part":2,"page":422},{"id":923,"text":"{ لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايات مبينات والله يَهْدِى مَن يَشَاء } بلطفه ومشيئته { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } إلى دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته والآيات لإلزام حجته لما ذكر إنزال الآيات ، ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق : فرقة صدقت ظاهراً وكذبت باطناً وهم المنافقون ، وفرقة صدقت ظاهراً وباطناً وهم المخلصون ، وفرقة كذبت ظاهراً وباطناً وهم الكافرون على هذا الترتيب . وبدأ بالمنافقين فقال : { وَيِقُولُونَ امَنَّا بالله وبالرسول } بألسنتهم { وَأَطَعْنَا } الله والرسول { ثُمَّ يتولى } يعرض عن الانقياد لحكم الله ورسوله { فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذلك } أي من بعد قولهم آمنا بالله وبالرسول وأطعنا { وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين } أي المخلصين وهو إشارة إلى القائلين آمنا ، وأطعنا ، لا إلى الفريق المتولي وحده . وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتفٍ عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء والإعراض وإن كان من بعضهم فالرضا بالإعراض من كلهم .\r{ وَإِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ } أي إلى رسول الله كقولك «أعجبني زيد وكرمه» تريد كرم زيد { لِيَحْكُمَ } الرسول { بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ } أي فاجأ من فريق منهم الإعراض نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله A والمنافق إلى كعب بن الأشرف ويقول : إن محمداً يحيف علينا { وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق } أي إذا كان الحق لهم على غيرهم { يَأْتُواْ إِلَيْهِ } إلى الرسول { مُذْعِنِينَ } حال أي مسرعين في الطاعة طلباً لحقهم لا رضا بحكم رسولهم . قال الزجاج : الإذعان الإسراع مع الطاعة . والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحث يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم ، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم","part":2,"page":423},{"id":924,"text":"{ أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ } قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه . ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله { بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم ، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله E فمن ثم يأبون المحاكمة إليه .\r{ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين } وعن الحسن { قول } بالرفع ، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لكان أوغلهما في التعريف وأن يقولوا أوغل بخلاف { قول المؤمنين } { إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ } النبي E ليحكم أي ليفعل الحكم { بَيْنَهُمْ } بحكم الله الذي أنزل عليه { أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا } قوله { وَأَطَعْنَا } أمره { وأولئك هُمُ المفلحون } الفائزون { وَمَن يُطِعِ الله } في فرائضه { وَرَسُولُهُ } في سننه { وَيَخْشَ الله } على ما مضى من نوبه { وَيَتَّقْهِ } فيما يستقبل { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون } وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية . وهي جامعة لأسباب الفوز { ويتقه } بسكون الهاء : أبو عمرو وأبو بكر بنية الوقف ، وبسكون القاف وبكسر الهاء مختلسة : حفص ، وبكسر القاف والهاء ، غيرهم .\r{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } أي حلف المنافقون بالله جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم . وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وذلك إذا بالغٍ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها . وعن ابن عباس Bهما : من قال بالله فقد جهد يمينه . وأصل أقسم جهد اليمين أقسم بجهد اليمين جهداً فحذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافاً إلى المفعول كقوله { فضرب الرقاب } [ محمد : 4 ] وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال جاهدين أيمانهم { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ } أي لئن أمرنا محمد بالخروج إلى الغزو لغزونا أو بالخروج من ديارنا لخرجنا { قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } لا تحلفوا كاذبين لأنه معصية { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة ، مبتدأ محذوف الخبر أو خبر مبتدأ محذوف أي الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب كطاعة الخلص من المؤمنين لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شيء من سرائركم وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم","part":2,"page":424},{"id":925,"text":"{ قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات وهو أبلغ في تبكيتهم { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } يريد فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى وكلفه من أداء الرسالة فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه ، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } أي وإن أطعتموه فيما يأمركم وينهاكم فقد أحرزتم نصيبكم من الهدى ، فالضرر في توليكم والنفع عائدان إليكم { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } وما على الرسول إلا أن يبلغ ما له نفع في قلوبكم ولا عليه ضرر في توليكم . والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية ، والمبين الظاهر لكونه مقروناً بالآيات والمعجزات . ثم ذكر المخلصين فقال","part":2,"page":425},{"id":926,"text":"ثم ذكر المخلصين فقال { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات } الخطاب للنبي E ولمن معه و { منكم } للبيان . وقيل : المراد به المهاجرون و «من» للتبعيض { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض } أي أرض الكفار . وقيل : أرض المدينة . والصحيح أنه عام لقوله E \" ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل \" { كَمَا استخلف } استخلف أبو بكر { الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذى ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ } { وليبدلنهم } بالتخفيف : مكي وأبو بكر { مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } وعدهم الله أن ينصر الاسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم فيها خلفاء كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة ، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الاسلام ، وتمكينه تثبيته وتعضيده وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه . وذلك أن رسول الله A وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فنزلت فقال E \" لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة \" فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا . والقسم المتلقى باللام والنون في { ليستخلفنهم } محذوف تقديره وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم ، أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قيل : أقسم الله ليستخلفنهم { يَعْبُدُونَنِى } إن جعلته استئنافاً فلا محل له كأنه قيل : ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقال : يعبدونني موحدين ، ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى . وإن جعلته حالاً عن وعدهم أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم فمحله النصب { لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } حال من فاعل يعبدون أي يعبدونني موحدين ، ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى .\r{ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك } أي بعد الوعد والمراد كفران النعمة كقوله تعالى : { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله { } [ النحل : 112 ] { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة وجسروا على غمطها . قالوا : أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان Bه فاقتتلوا بعدما كانوا إخواناً وزال عنهم الخوف ، والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين Bهم أجمعين لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم .","part":2,"page":426},{"id":927,"text":"{ واقيموا الصلاة } معطوف على { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ولا يضر الفصل وإن طال { وَاتُواْ الزكواة وَأَطِيعُواْ الرسول } فيما يدعوكم إليه وكررت طاعة الرسول تأكيداً لوجوبها { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي لكي ترحموا فإنها من مستجلبات الرحمة ثم ذكر الكافرين فقال { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِى الأرض } أي فائتين الله بأن لا يقدر عليهم فيها ، فالتاء خطاب للنبي E وهو الفاعل والمفعولان { الذين كفروا } و { معجزين } وبالياء شامي وحمزة والفاعل النبي A لتقدم ذكره والمفعولان { الذين كَفَرُواْ } و { معجزين } { وَمَأْوَاهُمُ النار } معطوف على { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ } كَأَنَّهُ قِيلَ : الذين كَفَرُواْ لاَ يفوتون الله وَمَأْوَاهُمُ النار { وَلَبِئْسَ المصير } أي المرجع النار .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم } أمر بأن يستأذن العبيد والإماء { والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ } أي الأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار ، وقريء بسكون اللام تخفيفاً { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } في اليوم والليلة وهي { مّن قَبْلِ صلاة الفجر } لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة { وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مّنَ الظهيرة } وهي نصف النهار في القيظ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة { وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء } لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } أي هي أوقات ثلاثة عورات فحذف المبتدأ والمضاف . وبالنصب : كوفي غير حفص بدلاً من { ثلاث مرات } أي أوقات ثلاث عورات . وسمي كل واحد من هذه الأحوال عورة لأن الإنسان يختل تستره فيها ، والعورة : الخلل ومنها الأعور المختل العين . دخل غلام من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو على عمر Bه وقت الظهيرة وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر Bه : وددت أن الله نهى عن الدخول في هذه الساعات إلا بالإذن ، فانطلق إلى النبي A وقد نزلت عليه الآية . ثم عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات بقوله { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } أي لا إثم عليكم ولا على المذكورين في الدخول بغير استئذان بعدهن . ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله { طَوافُونَ عَلَيْكُمْ } أي هم طوافون بحوائج البيت { بَعْضُكُمْ } مبتدأ خبره { على بَعْضٍ } تقديره بعضكم طائف على بعض فحذف طائف لدلالة { طوافون } عليه ، ويجوز أن تكون الجملة بدلاً من التي قبلها وأن تكون مبينة مؤكدة يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام ، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج وهو مدفوع في الشرح بالنص { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } أي كما بين حكم الاستئذان يبين لكم غيره من الآيات التي احتجتم إلى بيانها { والله عَلِيمٌ } بمصالح عباده { حَكِيمٌ } في بيان مراده .","part":2,"page":427},{"id":928,"text":"{ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ } أي الأحرار دون المماليك { الحلم } أي الاحتلام أي إذا بلغوا وأرادوا الدخول عليكم { فَلْيَسْتَأْذِنُواْ } في جميع الأوقات { كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال ، أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ } الآية . والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات الثلاث ، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا بالاحتلام أو بالسن وجب أن يفطموا عن تلك العادة ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كالرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن ، والناس عن هذا غافلون ، وعن ابن عباس Bه : ثلاث آيات جحدهن الناس : الإذن كله وقوله : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] { وَإِذَا حَضَرَ القسمة } [ النساء : 8 ] . وعن سعيد بن جبير : يقولون هي منسوخة والله ما هي بمنسوخة وقوله { كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته والله عَلِيمٌ } بمصالح الأنام { حَكِيمٌ } فيما يبين من الأحكام .","part":2,"page":428},{"id":929,"text":"{ والقواعد } جمع قاعد لأنها من الصفات المختصة بالنساء كالطالق والحائض أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن { مّنَ النساء } حال { اللاتى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } لا يطمعن فيه وهي في كل الرفع صفة للمبتدأ وهي القواعد والخبر { فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ } إثم ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط بسبب الألف واللام { أَن يَضَعْنَ } في أن يضعن { ثِيَابَهُنَّ } أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار { غَيْرِ } حال { متبرجات بِزِينَةٍ } أي غير مظهرات زينة يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق ونحو ذلك أي لا يقصدن بوضعها التبرج ولكن التخفيف ، وحقيقة التبرج يكلف إظهاراً ما يجب إخفاؤه { وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ } أي يطلبن العفة عن وضع الثياب فيستترون وهو مبتدأ خبره { خَيْرٌ لَّهُنَّ والله سَمِيعٌ } لما يعلن { عَلِيمٌ } بما يقصدن .","part":2,"page":429},{"id":930,"text":"{ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ } قال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو مع النبي A وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند أقاربهم ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم ، وكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون : نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت الآية رخصة لهم { وَلاَ على أَنفُسِكُمْ } أي حرج { أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } أي بيوت أولادكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ولذا لم يذكر الأولاد في الآية ، وقد قال E \" أنت ومالك لأبيك \" أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صار كنفس واحدة فصار بيت المرأة كبيت الزوج { أو بيوت ءَابائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم } لأن الإذن من هؤلاء ثابت دلالة { أوما ملكتم مّفاتحة } جمع مفتح وهو ما يفتح به الغلق ، قال ابن عباس Bه : هو وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، له أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته . وأريد بملك المفاتح كونها في يده وحفظه . وقيل : أريد به بيت عبده لأن العبد وما في يده لمولاه { أَوْ صَدِيقِكُمْ } يعني أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً وهو من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك ، وكان الرجل من السلف يدخل دارٍ صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء ، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك ، فأما الآن فقد غلب الشح على الناس فلا يؤكل إلا بإذن .\r{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً } مجتمعين { أَوْ أَشْتَاتاً } متفرقين جمع شت . نزلت في بني ليث بن عمرو وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة ، أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم ، أو تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } من هذه البيوت لتأكلوا { فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ } أي فابدؤوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة أو بيوتاً فارغة أو مسجداً فقولوا : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين { تَحِيَّةً } نصب ب { سلموا } لأنها في معنى تسليماً نحو «قعدت جلوساً» { مِنْ عِندِ الله } أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ، أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله { مباركة طَيّبَةً } وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق { كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تعقلوا وتفهموا .","part":2,"page":430},{"id":931,"text":"{ إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } أي الذي يجمع له الناس نحو الجهاد والتدبير في الحرب وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين { لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَذِنُوهُ } أي ويأذن لهم . ولما أراد الله D أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله A بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع ، جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله ، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره . وذلك مع تصدير الجملة ب { إنما } وإيقاعٍ المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين ، ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله { إِنَّ الذين يَسْتَذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } وضمنه شيئاً آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين وعرض بحال المنافقين وتسللهم لوإذاً { فَإِذَا استذنوك } في الانصراف { لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } أمرهم { فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } فيه رفع شأنه E { واستغفر لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل أن لا يستأذن . قالوا : وينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم إلا بإذن ، قيل : نزلت يوم الخندق كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان { لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } أي إذا احتاج رسول الله A إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه ، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً ، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضاً ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه ، فلا تقولوا يا محمد ولكن يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض .\r{ قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ } يخرجون قليلاً قليلاً { مِنكُمْ لِوَاذاً } حال أي ملاوذين اللواذ . والملاوذة هو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا أي ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } أي الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون . يقال : خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه ومنه : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ } [ هود : 88 ] وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه . والضمير في { أمره } لله سبحانه أو للرسول E والمعنى عن طاعته ودينه ومفعول { يحذر } { أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } محنة في الدنيا أو قتل أو زلازل وأهوال أو تسليط سلطان جائر أو قسوة القلب عن معرفة الرب أو إسباغ النعم استدراجاً { أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة . والآية تدل على أن الأمر للإيجاب .","part":2,"page":431},{"id":932,"text":"{ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض } «ألا» تنبيه على أن لا يخالفوا أمر من له ما في السماوات والأرض { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } أدخل «قد» ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد ، والمعنى أن جميع ما في السماوات والأرض مختص به خلقاً وملكاً وعلماً فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجهدون في سترها؟ { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } وبفتح الياء وكسر الجيم : يعقوب أي ويعلم يوم يردون إلى جزائه وهو يوم القيامة . والخطاب والغيبة في قوله { قد يعلم } { ما أنتم عليه } { ويوم يرجعون إليه } يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات ، ويجوز أن يكون { ما أنتم عليه } عاماً و { يرجعون } للمنافقين { فَيُنَبّئُهُمْ } يوم القيامة { بِمَا عَمِلُواْ } بما أبطنوا من سوء أعمالهم ويجازيهم حق جزائهم { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فلا يخفي عليه خافية . ورُوي أن ابن عباس Bهما قرأ سورة النور على المنبر في الموسم وفسرها على وجه لو سمعت الروم به لأسلمت والله أعلم .","part":2,"page":432},{"id":933,"text":"مكية وهي سبع وسبعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ تبارك } تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته ، ومعنى تبارك الله تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله ، وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله وحده والمستعمل منه الماضي فحسب { الذى نَزَّلَ الفرقان } هو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما ، وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل والحلال والحرام ، أو لأنه لم ينزل جملة ولكن مفرقاً مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال ألا ترى إلى قوله : { وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تَنْزِيلاً } [ الإسراء : 106 ] { على عَبْدِهِ } محمد E { لِيَكُونَ } العبد أو الفرقان { للعالمين } للجن والإنس وعموم الرسالة من خصائصه E { نَذِيراً } منذراً أي مخوفاً أو إنذاراً كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } [ القمر : 18 ] { الذى } رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على الإبدال من { الذي نزل } وجوز الفصل بين البدل والمبدل منه بقوله { ليكون } لأن المبدل منه صلته { نزل } وليكون تعليل له فكأن المبدل منه لم يتم إلا به أو نصب على المدح { لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض } على الخلوص { وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح عليهما السلام { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } كما زعمت الثنوية { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } أي أحدث كل شيء وحده لا كما يقوله المجوس والثنوية من النور والظلمة ويزدان واهرمن . ولا شبهة فيه لمن يقول إن الله شيء ويقول بخلق القرآن ، لأن الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعولاً له على أن لفظ شيء اختلص بما يصح أن يخلق بقرينة وخلق ، وهذا أوضح دليل لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد { فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه كما أنه خلق الإنسان على هذا الشكل الذي تراه فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في الدين والدنيا أو قدره للبقاء إلى أمد معلوم .","part":2,"page":433},{"id":934,"text":"{ واتخذوا } الضمير للكافرين لاندراجهم تحت العالمين أو لدلالة { نذيراً } عليهم لأنهم المنذرون { مِن دُونِهِ ءالِهَةً } أي الأصنام { لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أي أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على خلق شيء وهم يخلقون { وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها { وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً } إماتة { ولا حياة } أي إحياء { وَلاَ نُشُوراً } إحياء بعد الموت وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا } ما هذا القرآن { إِلاَّ إِفْكٌ } كذب { افتراه } اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه { وَأعانَهُ عليه قومٌ آخرون } أي اليهود وعداس ويسار وأبو فكيهة الرومي قاله النضر بن الحارث { فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } هذا إخبار من الله رد للكفرة فيرجع الضمير إلى الكفار وجاء يستعمل في معنى فعل فيعدى تعديتها ، أو حذف الجار وأوصل الفعل أي بظلم وزور . وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب ، والزور أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه .","part":2,"page":434},{"id":935,"text":"{ وَقَالُواْ أساطير الأولين } أي هو أحاديث المتقدمين وما سطروه كرستم وغيره جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة { اكتتبها } كتبها لنفسه { فَهِىَ تملى عَلَيْهِ } أي تلقى عليه من كتابه { بُكْرَةً } أول النهار { وَأَصِيلاً } آخره فيحفظ ما يملى عليه ثم يتلوه علينا .\r{ قُلْ } يا محمد { أَنزَلَهُ } أي القرآن { الذى يَعْلَمُ السر فِى السماوات والأرض } أي يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض ، يعني أن القرآن لما اشتمل على علم الغيوب التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد E من غير تعليم ، دل ذلك على أنه من عند علام الغيوب { إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فيمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة وإن استوجبوها بمكابرتهم { وَقَالُواْ مَّالِ هذا الرسول } وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء وخط المصحف سنة لا تغير ، وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم كأنهم قالوا : أي شيء لهذا الزاعم إنه رسول { يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الأسواق } حال والعامل فيها «هذا» { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقِى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } أي إن صح أنه رسول الله فما باله يأكل الطعام كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما تردد يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش ، ثم نزلوا عن ذلك الاقتراح إلى أن يكون إنساناً معه ملك حتى يتساندا في الإنذار والتخويف ، ثم نزلوا إلى أن يكون مرفوداً بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش ، ثم نزلوا إلى أن يكون رجلاً له بستان يأكل هو منه كالمياسير أو نأكل نحن كقراءة علي وحمزة . وحسن عطف المضارع وهو { يُلْقِى } و { تَكُونُ } على { أَنَزلَ } وهو ماض لدخول المضارع وهو { فَيَكُونُ } بينهما وانتصب { فَيَكُونُ } على القراءة المشهورة لأنه جواب { لَوْلاَ } بمعنى «هلا» وحكمه حكم الاستفهام . وأراد بالظالمين في قوله { وَقَالَ الظالمون } إياهم بأعيانهم غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا وهم كفار قريش { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } سحر فجن أو ذا سحر وهو الرئة عنوا أنه بشر لا ملك","part":2,"page":435},{"id":936,"text":"{ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ } بينوا { لَكَ الأمثال } الأشباه أي قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال من المفتري والمملي عليه والمسحور { فُضّلُواْ } عن الحق { فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } فلا يجدون طريقاً إليه .\r{ تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } أي تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا ، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور . و { جنات } بدل من { خيرا } ، { ويجعل } بالرفع : مكي وشامي وأبو بكر لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الجزم والرفع { بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة } عطف على ما حكى عنهم يقول : بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة ، أو متصل بما يليه كأنه قال : بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها؟ { وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً } وهيأنا للمكذبين بها ناراً شديدة في الاستعار .\r{ إِذَا رَأَتْهُمْ } أي النار أي قابلتهم { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } أي إذا كانت منهم بمرأى الناظرين في البعد { سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } أي سمعوا صوت غليانها وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر ، أو إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار .","part":2,"page":436},{"id":937,"text":"{ وإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا } من النار { مَكَاناً ضَيّقاً } { ضيقاً } مكي فإن الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذا وصفت الجنة بأن عرضها السماوات والأرض . وعن ابن عباس Bها أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح { مُقْرِنِينَ } أي وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرّنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال ، أو يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد { دَعَوْاْ هُنَالِكَ } حينئذ { ثُبُوراً } هلاكاً أي قالوا واثبوراه أي تعال يا ثبور فهذا حينك فيقال لهم { لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً } أي إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير { قُلْ أذلك خَيْرٌ } أي المذكور من صفة النار خير { أَمْ جَنَّةُ الخلد التى وَعِدَ المتقون } أي وعدها فالراجع إلى الموصول محذوف ، وإنما قال : { أذلك خير } ، ولا خير في النار توبيخاً للكفار { كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء } ثواباً { وَمَصِيراً } مرجعاً . وإنما قيل { كانت } لأن ما وعد الله كأنه كان لتحققه أو كان ذلك مكتوباً في اللوح قبل أن خلقهم { لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ } أي ما يشاؤونه { خالدين } حال من الضمير في { يشاؤون } والضمير في { كان } ل { ما يشاؤون } { على رَبّكَ وَعْداً } أي موعوداً { مَّسْئُولاً } مطلوباً أو حقيقاً أن يسأل أو قد سأله المؤمنون والملائكة في دعواتهم { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } [ آل عمران : 194 ] { رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً } [ البقرة : 201 ] { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ }","part":2,"page":437},{"id":938,"text":"{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } للبعث عند الجمهور وبالياء : مكي ويزيد ويعقوب وحفص .\r{ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } يريد المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير . وعن الكلبي يعني الأصنام ينطقها الله . وقيل : عام وما يتناول العقلاء وغيرهم لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم { فَيَقُولُ } وبالنون شامي { ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل } والقياس ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل إلى الطريق أو للطريق . وضل مطاوع أضله والمعنى أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق بإدخال الشبه أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟ وإنما لم يقل «أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل» وزيد «أنتم» و«هم» لأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب ، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام ليعلم أنه المسؤول عنه . وفائدة سؤالهم مع علمه تعالى بالمسؤول عنه أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فتزيد حسرتهم { قَالُواْ سبحانك } تعجب منهم مما قيل لهم وقصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له نبي أو ملك أو غيرهما نداً . ثم قالوا { مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحداً دونك فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك؟ { نتخذ } يزيد . و«اتخذ» يتعدى إلى مفعول واحد نحو «اتخذ ولياً» وإلى مفعولين نحو «اتخذ فلاناً ولياً» قال الله تعالى : { أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض } [ الأنبياء : 21 ] { اتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } [ النساء : 125 ] فالقراءة الأولى لواحد وهو من أولياء والأصل أن تتخذ أولياء وزيدت «من» التأكيد معنى النفي ، والقراءة الثانية في المتعدي إلى المفعولين فالمفعول الأول ما بني له الفعل والثاني من أولياء و«من» للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء لأن من لا تزاد في المفعول الثاني بل في الأول تقول «ما اتخذت من أحد ولياً» ولا تقول «ما اتخذت أحداً من ولي» { ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ } بالأموال والأولاد . وطول العمر والسلامة من العذاب { حتى نَسُواْ الذكر } أي ذكر الله والإيمان به والقرآن والشرائع { وَكَانُواْ } عند الله { قَوْماً بُوراً } أي هلكى جمع بائر كعائذ وعوذ ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولاً عن الغيبة .","part":2,"page":438},{"id":939,"text":"{ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونظيرها : { ياأهل الكتاب قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } إلى قوله { فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } [ المائدة : 19 ] وقول القائل\rقالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراساناً\r{ بِمَا تَقُولُونَ } بقولكم فيهم إنهم آلهة ، والباء على هذا كقوله : { بَلْ كَذَّبُواْ بالحق } [ ق : ] والجار والمجرور بدل من الضمير كأنه قيل : فقد كذبوا بما تقولون . وعن قنبل بالياء ومعناه فقد كذبوكم بقولهم : { سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } والباء على هذا كقولك «كتبت بالقلم» { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً } { فما يستطيعون } أي فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصرونكم . وبالتاء حفص أي فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم ولا نصر أنفسكم . ثم خاطب المكلفين على العموم بقوله { وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ } أي يشرك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ومن جعل المخلوق شريك خالقه فقد ظلم يؤيده قوله تعالى : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] { نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً } فسر بالخلود في النار وهو يليق بالشرك دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج .","part":2,"page":439},{"id":940,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الأسواق } كسرت «إن» لأجل اللام في الخبر والجملة بعد «إلا» صفة لموصوف محذوف ، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور أي من المرسلين ونحوه { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] أَيُّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ . قِيلَ : هو احتجاج على من قال { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } وتسلية للنبي E { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } أي محنة وابتلاء ، وهذا تصبير لرسول الله A عما عيروه به من الفقر ومشيه في الأسواق يعني أنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء فيغني من يشاء ويفقر من يشاء { أَتَصْبِرُونَ } على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبروا فيزداد غمكم . وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجراً فرأى خصياً في مواكب ومراكب فخطر بباله شيء فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقال : بلى فصبراً ربنا . أو جعلتك فتنة لهم لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنان لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } عالماً بالصواب فيما يبتلي به أو بمن يصبر ويجزع .\r{ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ } لا يأملون { لِقَاءنَا } بالخير لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث أو لا يخافون عقابنا إما لأن الراجي قلق فيما يرجوه كالخائف ، أو لأن الرجاء في لغة تهامة الخوف { لَوْلاَ } هلا { أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة } رسلاً دون البشر أو شهوداً على نبوته ودعوى رسالته { أَوْ نرى رَبَّنَا } جهرة فيخبرنا برسالته واتباعه { لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ } أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم { وَعَتَوْ } وتجاوزوا الحد في الظلم { عُتُوّاً كَبِيراً } وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه أي أنهم لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا أنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو . واللام في { لقد } جواب قسم محذوف","part":2,"page":440},{"id":941,"text":"{ يَوْمَ يَرَوْنَ الملئكة } أي يوم الموت أو يوم البعث و { يَوْم } منصوب بما دل عليه { لاَ بشرى } أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى . وقوله { يَوْمَئِذٍ } مؤكد ل { يوم يرون } أو بإضمار اذكر أي اذكر يوم يرون الملائكة ، ثم أخبر فقال : لا بشرى بالجنة يومئذ ولا ينتصب ب { يرون } لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ، ولا ب { بشرى } لأنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله ولأن المنفي بلا لا يعمل فيما قبل «لا» { لّلْمُجْرِمِينَ } ظاهر في موضع ضمير أو عام يتناولهم بعمومه وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد الكافرون لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات { وَيَقُولُونَ } أي الملائكة { حِجْراً مَّحْجُوراً } حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعل الله ذلك حراماً عليكم إنما البشرى للمؤمنين . والحجر مصدر والكسر والفتح لغتان وقريء بهما وهو من حجره إذا منعه ، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها ، و { مَّحْجُوراً } لتأكيد معنى الحجر كما قالوا «موت مائت» .\r{ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } هو صفة ولا قدوم هنا ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ونحو ذلك بحال من خالف سلطانه وعصاه فقدم إلى أشيائه وقصد إلى ما تحت يديه فأفسدها ومزقها كل ممزق ولم يترك لها أثراً . والهباء ما يخرج به من الكوة مع ضوء الشمس شبيهاً بالغبار ، والمنثور المفرق وهو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع . ثم بين فضل أهل الجنة على أهل النار فقال :\r{ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تمييز والمستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون { وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } مكاناً يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم ، ولا نوم في الجنة ولكنه سمي مكان استراحتهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه . وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، وفي لفظ الأحسن تهكم بهم","part":2,"page":441},{"id":942,"text":"{ وَيَوْمَ } واذكر يوم { تَشَقَّقُ السماء } والأصل تتشقق فحذف التاء كوفي وأبو عمرو وغيرهم أدغمها في الشين { بالغمام } لما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تشقق به السماء كما تقول «شققت السنام بالشفرة فانشق بها» { وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً } { وننزل الملائكة } مكي ، { وتنزيلاً } على هذا مصدر من غير لفظ الفعل . والمعنى أن السماء تنفتح بغمام أبيض يخرج منها وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد { الملك } مبتدأ { يَوْمَئِذٍ } ظرفه { الحق } نعته ومعناه الثابت لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلا ملكه { للرحمن } خبره { وَكَانَ } ذلك اليوم { يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً } شديداً . يقال عسر عليه فهو عسير وعسر ويفهم منه يسره على المؤمنين ففي الحديث \" يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا \" { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ } عض اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من روادفها فتذكر الرادفة ويدل بها على المردوف فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة ، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة ما لا يجده عند لفظ المكنّى عنه ، واللام في { الظالم } للعهد وأريد به عقبة لما تبين أو للجنس فيتناول عقبة وغيره من الكفار { يَقُولُ ياليتنى اتخذت } في الدنيا { مَعَ الرسول } محمد E { سَبِيلاً } طريقاً إلى النجاة والجنة وهو الإيمان { يا ويلتى } وقرىء { يا ويلتي } بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها تعالي فهذا أوانك . وإنما قلبت الياء ألفاً كما في «صحارى» و«مدارى» { لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } فلان كناية عن الأعلام فإن أريد بالظالم عقبة لما رُوي أنه اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله E فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل فقال له أبيّ بن خلف وهو خليله : وجهي من وجهك حرام إلا أن ترجع فارتد . فالمعنى يا ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً ، فكنى عن اسمه . وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا محالة فجعل كناية عنه . وقيل : هو كناية عن الشيطان","part":2,"page":442},{"id":943,"text":"{ لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذكر } أي عن ذكر الله أو القرآن أو الإيمان { بَعْدَ إِذْ جَاءنِى } من الله { وَكَانَ الشيطان } أي خليله سماه شيطاناً لأنه أضله كما يضله الشيطان ، أو إبليس لأنه الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول { للإنسان } المطيع له { خَذُولاً } هو مبالغة من الخذلان أي من عادة الشيطان ترك من يواليه وهذا حكاية كلام الله أو كلام الظالم .\r{ وَقَالَ الرسول } أي محمد E في الدنيا { يارب إِنَّ قَوْمِى } قريشاً { اتخذوا هذا القرءان مَهْجُوراً } متروكاً أي تركوه ولم يؤمنوا به من الهجران وهو مفعول ثان ل { اتخذوا } في هذا تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن الأنبياء إذا شكوا إليه قومهم حل بهم العذاب ولم ينظروا . ثم أقبل عليه مسلياً ووعده النصرة عليهم فقال { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } أي كذلك كان كل نبي قبلك مبتلى بعداوة قومه وكفاك بي هادياً إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ، وناصراً لك عليهم . والعدو يجوز أن يكون واحداً وجمعاً والباء زائدة أي وكفى ربك هادياً وهو تمييز","part":2,"page":443},{"id":944,"text":"{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } أي قريش أو اليهود { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً } حال من القرآن أي مجتمعاً { واحدة } يعني هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة ، وماله أنزل على التفاريق؟ وهو فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته ، لأن أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو متفرقاً . و { نزّل } هنا بمعنى أنزل وإلا لكان متدافعاً بدليل { جملة واحدة } وهذا اعتراض فاسد لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور فأبرزوا صفحة عجزهم حتى لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة وبذلوا المهج وما مالوا إلى الحجج { كذلك } جواب لهم أي كذلك أنزل مفرقاً في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين و«ذلك» في { كذلك } إشارة إلى مدلول قوله { لولا نزل عليه القرآن جملة } لأن معناه لم أنزل عليك القرآن مفرقاً فأعلم أن ذلك { لِنُثَبّتَ بِهِ } بتفريقه { فُؤَادَكَ } حتى تعيه وتحفظه لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً بعد شيء وجزأ عقيب جزء ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه ، أو لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول وتتابع الرسول لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } معطوف على الفعل الذي تعلق به { كذلك } كأنه قال : كذلك فرقناه ورتلناه أي قدرناه آية بعد آية ووقفة بعد وقفة ، أو أمرنا بترتيل قراءته وذلك قوله تعالى : { وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً } [ المزمل : 4 ] أي اقرأه بترسل وتثبت أو بيناه تبييناً ، والترتيل التبيين في ترسل وتثبت .\r{ وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان { إِلاَّ جئناك بالحق } إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه { وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } وبما هو أحسن معنى ومؤدى من مثلهم أي من سؤالهم . وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلاً عليه كما لو قلت «رأيت زيداً وعمراً وإن عمراً أحسن وجهاً» كان فيه دليل على أنك تريد من زيد . ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا : تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل : معناه كذا وكذا . أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون هلا أنزل عليك القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته يعني أن تنزيله مفرقاً وتحديثهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شيء منها ، أدخل في الإعجاز من أن ينزل كله جملة .","part":2,"page":444},{"id":945,"text":"{ الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ } { الذين } مبتدأ و { أولئك } مبتدأ ثان و { شر } خبر { أولئك } و { أولئك } مع { شر } خبر { الذين } أو التقدير : هم الذين أو أعني الذين و { أولئك } مستأنف { مَكَاناً } أي مكانة ومنزلة أو مسكناً ومنزلاً { وَأَضَلُّ سَبِيلاً } أي وأخطأ طريقاً ، وهو من الإسناد المجازي . والمعنى إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضلون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته ، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله ، وفي طريقته قوله { قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [ المائدة : 60 ] الآية . وعن النبي A « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف على الدواب وصنف على أرجلهم وصنف على وجوههم » قيل : يا رسول الله ، كيف يمشون على وجوههم؟ فقال E « الذي أمشاكم على أقداكم يمشيهم على وجوههم » { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } التوراة كما آتيناك القرآن { وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون } بدل أو عطف بيان { وَزِيراً } هو في اللغة من يرجع إليه من الوزر وهو الملجأ ، والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً { فَقُلْنَا اذهبا إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } إلى فرعون وقومه وتقديره فذهبا إليهم وأنذرا فكذبوهما { فدمرناهم تَدْمِيراً } التدمير الإهلاك بأمر عجيب أراد اختصار القصة فذكر أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم","part":2,"page":445},{"id":946,"text":"{ وَقَوْمَ نُوحٍ } أي ودمرنا قوم نوح { لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل } يعني نوحاً وإدريس وشيثاً أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع { أغرقناهم } بالطوفان { وجعلناهم } وجعلنا إغراقهم أو قصتهم { لِلنَّاسِ ءايَةً } عبرة يعتبرون بها { وَأَعْتَدْنَا } وهيأنا { للظالمين } لقوم نوح وأصله وأعتدنا لهم إلا أنه أراد تظليمهم فأظهر ، أو هو عام لكل من ظلم ظلم شرك ويتناولهم بعمومه { عَذَاباً أَلِيماً } أي النار { وَعَاداً } دمرنا عاداً { وَثَمُودَ } حمزة وحفص على تأويل القبيلة وغيرهما ، وثموداً على تأويل الحي أو لأنه اسم الأب الأكبر { وأصحاب الرس } هم قوم شعيب كانوا يعبدون الأصنام فكذبوا شعيباً فبيناهم حول الرس وهي البئر غير مطوية انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم ، وقيل : الرس قرية قتلوا نبيهم فهلكوا ، أو هم أصحاب الأخدود والرس الأخدود { وَقُرُوناً } وأهلكنا أمماً { بَيْنَ ذلك } المذكور { كَثِيراً } لا يعلمها إلا الله أرسل إليهم فكذبوهم فأهلكوا { وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال } بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين { وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً } أي أهلكنا إهلاكاً ، { وَكُلاًّ } الأول منصوب بما دل عليه { ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال } وهو أنذرنا أو حذرنا والثاني ب { تبرنا } لأنه فارغ له .\r{ وَلَقَدْ أَتَوْا } يعني أهل مكة { عَلَى القرية } سدوم وهي أعظم قرى قوم لوط وكانت خمساً أهلك الله أربعاً مع أهلها وبقيت واحدة { التى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء } أي أمطر الله عليها الحجارة يعني أن قريشاً مروا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء ، { ومطر السوء } مفعول ثانٍ والأصل أمطرت القرية مطراً ، أو مصدر محذوف الزوائد أي إمطار السوء { أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } أما شاهدوا ذلك بأبصارهم عند سفرهم الشام فيتفكروا فيؤمنوا { بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً } بل كانوا قوماً كفرة بالبعث لا يخافون بعثاً فلا يؤمنون ، أو لا يأملون نشوراً كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم","part":2,"page":446},{"id":947,"text":"{ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ } إن نافية { إِلاَّ هُزُواً } اتخذه هزواً في معنى استهزاء أي قائلين أي أهذا الذي { بَعَثَ الله رَسُولاً } والمحذوف حال والعائد إلى { الذين } محذوف أي بعثه .\r{ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } «أن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة وهو دليل على فرط مجاهدة رسول الله A في دعوتهم وعرض المعجزات عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب } هو وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدة الإمهال { مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } هو كالجواب عن قولهم { إن كاد ليضلنا } لأنه نسبة لرسول الله A إلى الضلال إذ لا يضل غيره إلا من هو ضال في نفسه .\r{ أَرَءيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } أي من أطاع هواه فيما يأتي ويذر فهو عابد هواه وجاعله إلهه فيقول الله تعالى لرسوله : هذا الذي لا يرى معبوداً إلا هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى . يروى أن الواحد من أهل الجاهلية كان يعبد الحجر فإذا مر بحجر أحسن منه ترك الأوّل وعبد الثاني . وعن الحسن : هو في كل متبعٍ هواه { أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } أي حفيظاً تحفظه من متابعة هواه وعبادة ما يهواه ، أفأنت تكون عليه موكلاً فتصرفه عن الهوى إلى الهدى ، عرفه أن إليه التبليغ فقط","part":2,"page":447},{"id":948,"text":"{ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } «أم» منقطعة معناه بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونها مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذناً ولا إلى تدبره عقلاً ، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة فقد ركبهم الشيطان بالاستذلال لتركهم الاستدلال ، ثم هم أرجح ضلالة منها لأن الأنعام تسبح ربها وتسجد له وتطيع من يعلفها وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي ، وقالوا : للملائكة . روح وعقل ، وللبهائم نفس وهوى ، والآدمي مجمع الكل ابتلاء . فإن غلبته النفس والهوى فضلته الأنعام ، وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام . وإنما ذكر الأكثر لأن فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا حب الرياسة وكفى به داء عضالاً ولأن فيهم من آمن .\r{ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ } ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته { كَيْفَ مَدَّ الظل } أي بسطه فعم الأرض وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس في قول الجمهور لأنه ظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة ، وهو كما قال في ظل الجنة { وَظِلّ مَّمْدُودٍ } [ الواقعة : 30 ] إذ لا شمس معه ولا ظلمة { وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } أي دائماً لا يزول ولا تذهبه الشمس { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ } على الظل { دَلِيلاً } لأنه بالشمس يعرف الظل ولولا الشمس لما عرف الظل فالأشياء تعرف بأضدادها { ثُمَّ قبضناه } أي أخذنا ذلك الظل الممدود { إِلَيْنَا } إلى حيث أردنا { قَبْضاً يَسِيراً } سهلاً غير عسير أو قليلاً قليلاً أي جزءًا فجزءا بالشمس التي تأتي عليه . وجاء ب «ثم» لتفاضل ما بين الأمور فكأن الثاني أعظم من الأول ، والثالث أعظم من الثاني ، شبه تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت","part":2,"page":448},{"id":949,"text":"{ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً } جعل الظلام الساتر كاللباس { والنوم سُبَاتاً } راحة لأبدانكم وقطعاً لأعمالكم ، والسبت القطع والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته . وقيل : السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة وهو كقوله تعالى { وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل } [ الأنعام : 60 ] ويعضده ذكر النشور في مقابلته { وَجَعَلَ النهار نُشُوراً } إذ النشور انبعاث من النوم كنشور الميت أن ينشر فيه الخلق للمعاش . وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية ، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر . وقال لقمان لابنه : كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر .\r{ وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح } { الريح } مكي والمراد به الجنس { بُشَرًا } تخفيف بشر جمع بشور { بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء } مطراً { طَهُوراً } بليغاً في طهارته . والطهور صفة كقولك «ماء طهور» أي طاهر ، واسم كقولك لما يتطهر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار ، ومصدر بمعنى التطهر كقولك تطهرت طهوراً حسناً ومنه قوله E \" لا صلاة إلا بطهور \" أي بطهارة . وما حكي عن ثعلب هو ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره وهو مذهب الشافعي C تعالى إن كان هذا بيان زيادة الطهارة فحسن ويعضده قوله تعالى { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال : 11 ] وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء ، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع ومنوع غير سديد لأن بناء الفعول للمبالغة ، فإن كان الفعل متعدياً فالفعول متعد وإن كان لازماً فلازم","part":2,"page":449},{"id":950,"text":"{ لّنُحْيِىَ بِهِ } بالمطر { بَلْدَةً مَّيْتاً } ذكّر { ميتاً } على إرادة البلد أو المكان { وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً } أي ونسقي الماء البهائم والناس . و { مما خلقنا } حال من { أنعاماً وأناسي } أي أنعاماً وأناسي . مما خلقنا . وسقى أو أسقى لغتان . وقرأ المفضل والبرجمي { ونسقيه } والأناسي جمع إنسي على القياس ككرسي وكراسي ، أو إنسان وأصله أناسين كسرحان وسراحين فأبدلت النون ياء وأدغمت . وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما ، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها فكأن الإنعام عليها بسقي الإنعام كالأنعام بسقيهم ، وتنكير الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة لأن أكثر الناس منيخون بالقرب من الأودية والأنهار فيهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم وبقاياهم كثير يعيشون بما ينزل الله من رحمته ، وتنكير البلدة لأنه يريد بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان الماء . ولما سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم ، وبيان أن من حقهم أن يؤثروا الطهارة في بواطنهم وظواهرهم لأن الطهورية شرط الإحياء .\r{ وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ } { ليذكروا } حمزة وعلي يريد ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب المنزلة على الرسل ، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه فيشكروا { فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا } فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها . أو صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وجود ورذاذ وديمة ، فأبوا إلا الكفور وأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ولا يذكروا صنع الله تعالى ورحمته . وعن ابن عباس Bهما : ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء وقرأ الآية . وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام لأنه لا يختلف ولكن يختلف فيه البلاد ، وينتزع من هنا جواب في تنكير البلدة والأنعام والأناسي . ومن نسب الأمطار إلى الأنواء وجحد أن تكون هي والأنواء من خلق الله تعالى كفر ، وإن رأى أن الله تعالى خالقها وقد نصب الأنواء أمارات ودلالات عليها لم يكفر","part":2,"page":450},{"id":951,"text":"{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً فَلاَ تُطِعِ الكافرين } أي لو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى ، ولبعثنا في كل قرية نبياً ينذرها ، ولكن شئنا أن تجمع لك فضائل جميع المرسلين بالرسالة إلى كافة العالمين فقصرنا الأمر عليك وعظمناك به فتكون وحدك ككلهم ، ولذا خوطب بالجمع { يا أيها الرسل } فقابل ذلك بالشكر والصبر والتشدد ، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم ، وكما آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضائي على جميع الأهواء ، وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم { وجاهدهم بِهِ } أي بالله يعني بعونه وتوفيقه أو بالقرآن أي جادلهم به وقرعهم بالعجز عنه { جِهَاداً كَبيراً } عظيماً موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق ، ويجوز أن يرجع الضمير في { به } إلى ما دل عليه { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً } من كونه نذير كافة القرى لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجب على كل نذير مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له : وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهاداً كبيراً جامعاً لكل مجاهدة .\r{ وَهُوَ الذى مَرَجَ البحرين } خلاّهما متجاورين متلاصقين . تقول : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى ، وسمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين { هذا } أي أحدهما { عَذْبٌ فُرَاتٌ } صفة ل { عذب } أي شديد العذوبة حتى يقرب إلى الحلاوة { وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } صفة ل { ملح } أي شديد الملوحة { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } حائلاً من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج فهما في الظاهر مختلطان وفي الحقيقة منفصلان { وَحِجْراً مَّحْجُوراً } وستراً ممنوعاً عن الأعين كقوله { حجاباً مستورا } [ الإسراء : 45 ] }","part":2,"page":451},{"id":952,"text":"{ وَهُوَ الذى خَلَقَ مِنَ الماء } أي النطفة { بَشَرًا } إنساناً { فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } أراد تقسيم البشر قسمين : ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان ، وذوات صهر أي إناثاً يصاهر بهن كقوله تعالى { فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى } [ القيامة : 39 ] { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } حيث خلق من النطفة الواحدة بشراً نوعين ذكراً وأنثى . وقيل : فجعله نسباً أي قرابة وصهراً مصاهرة يعني الوصلة بالنكاح من باب الأنساب لأن التواصل يقع بها وبالمصاهرة لأن التوالد يكون بهما { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ } إن عبدوه { وَلاَ يَضُرُّهُمْ } إن تركوه { وَكَانَ الكافر على رَبّهِ } على معصية ربه { ظَهِيرًا } معيناً ومظاهراً . وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز والظهير والمظاهر كالعوين والمعاون والمظاهرة المعاونة ، والمعنى أن الكافر بعبادة الصنم يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الرحمن .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا } للمؤمنين { وَنَذِيرًا } منذراً للكافرين\r{ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } على التبليغ { مِنْ أَجْرٍ } جعل { إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } والمراد إلا فعل من شاء واستثناؤه من الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه ، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب ولكن صورة بصورة الثواب كأنه يقول : إن حفظت مالك اعتدّ حفظك بمنزلة الثواب لي ورضائي به كرضا المثاب بالثواب ، ولعمري إنه E مع أمته بهذا الصدد . ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً تقربهم إليه بالإيمان والطاعة أو بالصدقة والنفقة . وقيل : المراد لكن من شاء أن يتخذ بالإنفاق إلى رضاء ربه سبيلاً فليفعل . وقيل : تقديره لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا اتخاذ المدعو سبيلاً إلى ربه بطاعته فذلك أجري لأن الله يأجرني عليه .","part":2,"page":452},{"id":953,"text":"{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لاَ يَمُوتُ } اتخذ من لا يموت وكيلاً لا يكلك إلى من يموت ذليلاً يعني ثق به وأسند أمرك إليه في استكفاء شرورهم ولا تتكل على حي يموت . وقرأها بعض الصالحين فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق والتوكل الاعتماد عليه في كل أمر { وَسَبّحْ } من لا يكل إلى غيره من توكل عليه { بِحَمْدِهِ } بتوفيقه الذي يوجب الحمد أو قل سبحان الله وبحمده أو نزهه عن كل العيوب بالثناء عليه { وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } أي كفى الله خبيراً بذنوب عباده يعني أنه خبير بأحوالهم كافً في جزاء أعمالهم { الذى خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي في مدة مقدار هذه المدة لأنه لم يكن حينئذ ليل ونهار . روي عن مجاهد : أو لها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة ، وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت { ثُمَّ استوى عَلَى العرش الرحمن } أي هو الرحمن ف { الرحمن } خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الضمير في { استوى } أو { الذي خلق } مبتدأ و { الرحمن } خبره { فسئل } بلا همزة مكي وعلي { بِهِ } صلة «سل» كقوله { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } [ المعارج : 1 ] كما تكون «عن» صلته في قوله تعالى { ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم } [ التكاثر : 8 ] فسأل به كقولك اهتم به واشتغل به وسأل عنه كقولك بحث عنه وفتش عنه أو صلة { خَبِيراً } ويكون { خبيراً } مفعول { سل } أي فاسأل عنه رجلاً عارفاً يخبرك برحمته ، أو فاسأل رجلاً خبيراً به وبرحمته ، أو الرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل : فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتب حتى تعرف من ينكره ، ومن ثم كانوا يقولون ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة وكان يقال له رحمان اليمامة .","part":2,"page":453},{"id":954,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي إذا قال محمد E للمشركين { اسجدوا للرحمن } صلوا لله واخضعوا له { قَالُواْ وَمَا الرحمن } أي لا نعرف الرحمن فنسجد له ، فهذا سؤال عن المسمى به لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم والسؤال عن المجهول ب «ما» أو «عن» معناه لأنه لم يكن مستعملاً في كلامهم كما استعمل الرحيم والراحم والرحوم { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } للذي تأمرنا بالسجود له أو لأمرك بالسجود يا محمد من غير علم منا به . { يأمرنا } علي وحمزة كأن بعضهم قال لبعض : أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو؟ فقد عاندوا لأن معناه عند أهل اللغة ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة لأن فعلان من أبنية المبالغة تقول : رجل عطشان إذا كان في نهاية العطش { وَزَادَهُمْ } قوله { اسجدوا للرحمن } { نُفُورًا } تباعداً عن الإيمان { تَبَارَكَ الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً } هي منازل الكواكب السيارة لكل كوكب بيتان يقوي حاله فيهما . وللشمس بيت وللقمر بيت . فالحمل والعقرب بيتا المريخ ، والثور والميزان بيتا الزهرة ، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد ، والسرطان بيت القمر ، والأسد بيت الشمس ، والقوس والحوت بيتا المشتري ، والجدي والدلو بيتا زحل . وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيصيب كل واحد منها ثلاثة بروج : فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية ، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية ، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية ، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية . سميت المنازل بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البروج من التبرج لظهوره . وقال الحسن وقتادة ومجاهد : البروج هي النجوم الكبار لظهورها { وَجَعَلَ فِيهَا } في السماء { سِرَاجاً } يعني الشمس لتوقدها . { سرجا } حمزة وعلى أي نجوماً { وَقَمَراً مُّنِيراً } مضيئاً بالليل .\r{ وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } فعلة من خلف كالركبة من ركب وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر ، والمعنى جعلهما ذوي خلفة يخلف أحدهما الآخر عند مضيه أو يخلفه في قضاء ما فاته من الورد { لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } يتدبر في تسخيرهما واختلافهما فيعرف مدبرهما . { يذكر } حمزة وخلف أي يذكر الله أو المنسي فيقضي { أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أي يشكر نعمة ربه عليه فيهما .","part":2,"page":454},{"id":955,"text":"{ وعباد الرّحمن } مبتدأ خبره { الذين يمشون } أو أولئك يجزون { والذين يمشون } وما بعدهما صفة والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل . وصف أولياءه بعدما وصف أعداءه { على الأرض هوناً } حال أو صفة للمشي أي هينين أو مشياً هيناً . والهون الرفق واللين أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون مرح واختيال وتكبر فلا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ولقوله : { ويمشون في الأسواق } { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي السفهاء بما يكرهون { قالوا سلاماً } سداداً من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإفك أو تسلماً منكم نتارككم ولا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسلم . وقيل : نسختها آية القتال . ولا حاجة إلى ذلك فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعاً ومروءة . هذا وصف نهارهم ثم وصف ليلهم بقوله { والذين يبيتون لربّهم سجّداً } جمع ساجد { وقياماً } جمع قائم والبيتوتة خلاف الظلول وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم . وقالوا : من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً . وقيل : هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء . والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره { والذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّمّ إنّ عذابها كان غراماً } هلاكاً لازماً ومنه الغريم لملازمته . وصفهم بإحياء الليل ساجدين قائمين ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون متضرعون إلى الله في صرف العذاب عنهم","part":2,"page":455},{"id":956,"text":"{ إنّها ساءت مستقرًّا ومقاماً } أي إن جهنم . و «ساءت» في حكم «بئست» وفيها ضمير مبهم يفسره { مستقراً } والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي ، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم «إن» وجعلها خبراً لها ، أو بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم «إن» و { مستقراً } حال أو تمييز ، ويصح أن يكون التعليلان متداخلين ومترادفن وأن يكونا من كلام الله تعالى وحكاية لقولهم .\r{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا } لم يجاوزوا الحد في النفقة أو لم يأكلوا للتنعم ولم يلبسوا للتصلف . وعن ابن عباس Bهما : لم ينفقوا في المعاصي فالإسراف مجاوزة القدر . وسمع رجل رجلاً يقول : لا خير في الإسراف . فقال : لا إسراف في الخير ، وقال E \" من منع حقاً فقد قتر ومن أعطى في غير حق فقد أسرف \" { ولم يقتروا } بضم التاء كوفي ، وبضم الياء وكسر التاء مدني وشامي ، وبفتح الياء وكسر التاء مكي وبصري . والقتر والإقتار والتقتير والتضييق الذي هو نقيض الإسراف { وكان } إنفاقهم { بين ذلك } أي الإسراف والإقتار { قواماً } أي عدلاً بينهما فالقوام العدل بين الشيئين والمنصوبان أي { بين ذلك قواماً } [ الإسراء : 29 ] خبران وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير ، وبمثله أمر E { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } الآية . وسأل عبد الملك بن مروان عمر بن عبد العزيز عن نفقته حين زوجه ابنته فقال : الحسنة بين السيئتين . فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية . وقيل : أولئك أصحاب محمد E كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثيابهم للجمال والزينة ولكن لسد الجوعة وستر العورة ودفع الحر والقر . وقال عمر Bه : كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا أكله .","part":2,"page":456},{"id":957,"text":"{ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } أي لا يشركون { ولا يقتلون النّفس التي حرّم الله } أي حرمها يعني حرم قتلها { إلاّ بالحقّ } بقود أو رجم أو ردة أو شرك أو سعي في الأرض بالفساد ، وهو متعلق بالقتل المحذوف أو ب { لا يقتلون } { ولا يزّنون } ونفى هذه الكبائر عن عباده الصالحين تعريض لما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم كأنه قيل : والذي طهرهم الله مما أنتم عليه { ومن يفعل ذلك } أي المذكور { يلق أثاماً } جزاء الإثم { يضاعف } بدل من يلق لأنهما في معنى واحد إذ مضاعفة العذاب هي لقاء الآثام كقوله\rمتى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا\rفجزم «تلمم» لأنه بمعنى «تأتنا» إذ الإتيان هو الإلمام . { يضعّف } مكي ويزيد ويعقوب . { يضعّف } شامي { يضاعف } أبو بكر على الاستئناف أو على الحال ومعنى يضاعف { له العذاب يوم القيامة } أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذاباً على عذاب . وقيل : إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه { ويخلد } جزمه جازم { يضاعف } ورفعه رافعه لأنه معطوف عليه { فيه } في العذاب { فيهي } مكي وحفص بالإشباع . وإنما خص حفص الإشباع بهذه الكلمة مبالغة في الوعيد . والعرب تمد للمبالغة مع أن الأصل في هاء الكناية الإشباع { مهاناً } حال أي ذليلاً { إلاّ من تاب } عن الشرك وهو استثناء من الجنس في موضع النصب { وآمن } بمحمد E { وعمل عملاً صالحاً } بعد توبته { فأولئك يبدّل الله سيّئاتهم حسناتٍ } أي يوفقهم للمحاسن بعد القبائح أو يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات الإيمان والطاعة ، ولم يرد به أن السيئة بعينها حسنة ولكن المراد ما ذكرنا . { يبدل } مخففاً البرجمي { وكان الله غفوراً } يكفر السيئات { رّحيماً } يبدلها بالحسنات .","part":2,"page":457},{"id":958,"text":"{ ومن تاب وعمل صالحاً فإنّه يتوب إلى الله متاباً } أي ومن تاب وحقق التوبة بالعمل الصالح فإنه يتوب بذلك إلى الله تعالى متاباً مرضياً عنده مكفراً للخطايا محصلاً للثواب { والذين لا يشهدون الزّور } أي الكذب يعني ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يقربونها تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله إذ مشاهدة الباطل شركة فيه ، وكذلك النظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الآثام لأن حضورهم ونظرهم دليل على الرضا . وسبب وجود الزيادة فيه وفي مواعظ عيسى عليه السلام : إياكم ومجالسة الخاطئين . أو لا يشهدون شهادة الزور على حذف المضاف . وعن قتادة : المراد مجالس الباطل . وعن ابن الحنفية : لا يشهدون اللهو والغناء . { وإذا مرّوا باللّغو } بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ، والمعنى وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به { مرّوا كراماً } معرضين أنفسهم عن التلوث به كقوله . { وإذا سمعوا اللَّغْوَ أعرضوا عنه } [ القصص : 55 ] وعن الباقر Bه : إذا ذكروا الفروج كنوا عنها { والذين إذا ذكّروا بأيات ربّهم } أي قرىء عليهم القرآن أو وعظوا بالقرآن { لم يخرّوا عليها صمًّا وعمياناً } هذا ليس بنفي الخرور بل هو إثباب له ونفي الصمم والعمى ونحوه «لا يلقاني زيد مسلماً» هو نفي للسلام لا للقاء يعني أنهم إذا ذكروا بها خروا سجداً وبكياً سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون واعية لما أمروا ونهوا عنه لا كالمنافقين وأشباههم دليله قوله تعالى : { وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً }","part":2,"page":458},{"id":959,"text":"{ والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا } «من» للبيان كأنه قيل : هب لنا قرة أعين . ثم بينت القرة وفسرت بقوله من أزواجنا { وذرّيّاتنا } ومعناه أن يجعلهم الله لهم قرة أعين وهو من قولهم «رأيت منك أسداً» أي أنت أسد ، أو للابتداء على معنى هب لنا من جهتهم ما تقربه عيوننا من طاعة وصلاح { وذريتنا } أبو عمر وكوفي غير حفص لإرادة الجنس وغيرهم { ذرياتنا } { قرّة أعينٍ } وإنما نكر لأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال : هب لنا منهم سروراً وفرحاً . وإنما قيل { أعين } على القلة دون «عيون» لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم قال الله تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } [ سبأ : 13 ] ويجوز أن يقال في تنكير { أعين } إنها أعين خاصة وهي أعين المتقين ، والمعنى أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجاً وأعقاباً عمالاً لله تعالى يسرون بمكانهم وتقر بهم عيونهم . وقيل : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله تعالى . وعن ابن عباس Bهما : هو الولد إذا رآه يكتب الفقه { واجعلنا للمتّقين إماماً } أي أئمة يقتدون بنا في الدين فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس ، أو واجعل كل واحد منا إماماً . قيل : في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها .\r{ أولئك يجزون الغرفة } أي الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصاراً على الواحد الدال على الجنس دليله قوله : { وهم في الغرفات آمنون } [ سبأ : 37 ] { بما صبروا } أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات وعلى أذى الكفار ومجاهدتهم وعلى الفقر وغير ذلك { ويلقّون فيها } { ويلقون } كوفي غير حفص { تحيّةً } دعاء بالتعمير { وسلاماً } ودعاء بالسلامة يعني أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم أو يحيي بعضهم بعضاً ويسلم عليه","part":2,"page":459},{"id":960,"text":"{ خالدين فيها } حال { حسنت } أي الغرفة { مستقرّا ومقاماً } موضع قرار وإقامة وهي في مقابلة { ساءت مستقرا ومقاما } { قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم } «ما» متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب ومعناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام أو لولا عبادتكم له أي أنه خلقكم لعبادته كقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات : 56 ] أي الاعتبار عند ربكم لعبادتكم . أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة ، وهو كقوله تعالى : { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم } [ النساء : 147 ] فقد كذّبتم } رسولي يا أهل مكة { فسوف يكون } العذاب { لزاماً } أي ذا لزام أو ملازماً وضع مصدر لازم موضع اسم الفاعل ، وقال الضحاك : ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه إلهاً آخر .","part":2,"page":460},{"id":961,"text":"وهي مائتان وعشرون وسبع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ طاسام } طس ويس وحم ممالة كوفي غير الأعشى والبرجمي وحفص ، ويظهر النون عند الميم يزيد وحمزة . وغيرهما يدغمها { تلك آيات الكتاب المبين } الظاهر إعجازه ، وصحة أنه من عند الله والمراد به السورة أو القرآن ، والمعنى آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين { لعلّك باخعٌ } قاتل و «لعل» للإشفاق { نّفسك } من الحزن يعني أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة وحزناً على ما فاتك من إسلام قومك { ألاّ يكونوا مؤمنين } لئلا يؤمنوا أو لامتناع إيمانهم أو خيفة أن لا يؤمنوا { إن نّشأ } إيمانهم { ننزّل عليهم مّن السّماء آيةً } دلالة واضحة { فظلّت } أي فتظل لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل تقول : إن زرتني أكرمتك أي أكرمك كذا قاله الزجاج { أعناقهم } رؤساؤهم ومقدموهم أو جماعاتهم يقال : جاءنا عنق من الناس لفوج منهم { لها خاضعين } منقادين . وعن ابن عباس Bهما : نزلت فينا وفي بني أمية فتكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزتهم","part":2,"page":461},{"id":962,"text":"{ وما يأتيهم مّن ذكرٍ مّن الرّحمن محدثٍ ألاّ كانوا عنه معرضين } أي وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيراً إلا جددوا إعراضاً عنه وكفراً به { فقد كذّبوا } محمداً A فيما أتاهم به { فسيأتيهم } فسيعلمون { أنباؤا } أخبار { ما كانوا به يستهزؤون } وهذا وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة ما الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو القرآن وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم .\r{ أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا } { كم } نصب ب { أنبتنا } { فيها من كلّ زوجٍ } صنف من النبات { كريمٍ } محمود كثير المنفعة يأكل منه الناس والأنعام كالرجل الكريم الذي نفعه عام . وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة أن كلمة { كل } تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل و { كم } تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، وبه نبه على كمال قدرته { إنّ في ذلك لآيةً وما كان أكثرهم مّؤمنين } أي إن في إنبات تلك الأصناف لآية على أن مبنتها قادر على إحياء الموتى ، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجى إيمانهم { وإنّ ربّك لهو العزيز } في انتقامه من الكفرة { الرّحيم } لمن آمن منهم ووحد آية مع الإخبار بكثرتها لأن ذلك مشار به إلى مصدر أنبتنا ، أو المراد إن في كل واحد من تلك الأزواج لآية أي آية .\r{ وإذ } مفعول به أي اذكر إذ { نادى } دعا { ربّك موسى أن ائت } إن بمعنى أي { القوم الظّالمين } أنفسهم بالكفر وبني إسرائيل بالاستعباد وذبح الأولاد سجل عليهم بالظلم ، ثم عطف","part":2,"page":462},{"id":963,"text":"{ قوم فرعون } عليهم عطف البيان كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد { ألا يتّقون } أي ائتهم زاجراً فقد آن لهم أن يتقوا ، وهي كلمة حث وإغراء . ويحتمل أنه حال من الضمير في { الظالمين } أي يظلمون غير متقين الله وعقابه فأدخلت همزة الإنكار على الحال .\r{ قال ربّ إنّي أخاف } الخوف غم يلحق الإنسان لأمر سيقع { أن يكذّبون ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي مستأنف أو عطف على أخاف { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال وأسمع من الجدال وبنصبهما يعقوب عطفاً على { يكذبون } فالخوف متعلق بهذه الثلاثة على هذا التقدير وبالتكذيب وحده بتقدير الرفع { فأرسل إلى هارون } أي أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يعينني على الرسالة ، وكان هارون بمصر حين بعث موسى نبياً بالشام . ولم يكن هذا الالتماس من موسى عليه السلام توقفاً في الامتثال بل التماس عون في تبليغ الرسالة ، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر ، وكفى بطلب العون دليلاً على التقبل لا على التعلل { ولهم عليّ ذنبٌ } أي تبعة ذنب بقتل القبطي فحذف المضاف ، أو سمى تبعة الذنب ذنباً كما سمى جزاء السيئة سيئة { فأخاف أن يقتلون } أي يقتلوني به قصاصاً ، وليس هذا تعللاً أيضاً بل استدفاع للبلية المتوقعة ، وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة ولذا وعده بالكلاءة والدفع بكلمة الردع .\rوجمع له الاستجابتين معاً في قوله { قال كلاّ فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الله الدفع بردعه عن الخوف والتمس منه رسالة أخيه فأجابه بقوله { اذهبا } أي جعلته رسولاً معك فاذهبا . وعطف { فاذهبا } على الفعل الذي يدل عليه { كلا } كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون { بأياتنا } مع آياتنا وهي اليد والعصا وغير ذلك { إنّا معكم } أي معكما بالعون والنصرة ومع من أرسلتما إليه بالعلم والقدرة { مّستمعون } خبر ل «إن» و { معكم } لغو ، أو هما خبران أي سامعون ، والاستماع في غير هذا الإصغاء للسماع يقال : استمع فلان إلى حديثه أي أصغى إليه ولا يجوز حمله ههنا على ذلك فحمل على السماع","part":2,"page":463},{"id":964,"text":"{ فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول ربّ العالمين } لم يثن الرسول كما ثنى في قوله { إنا رسولا ربك } [ طه : 47 ] لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعل ثمة بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته ، وجعل هنا بمعنى الرسالة فيستوي في الوصف به الواحد والتثنية والجمع ، أو لأنهما لاتحادهما واتفاقهما على شريعة واحدة كأنهما رسول واحد ، أو أريد إن كل واحد منا { أن أرسل } بمعنى أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإرسال وفيه معنى القول { معنا بني إسرائيل } يريد خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين وكانت مسكنهما فأتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب : إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال : ائذن له لعلنا نضحك منه . فأديا إليه الرسالة فعرف فرعون موسى فعند ذلك .\r{ قال ألم نربّك فينا وليداً } وإنما حذف فأتيا فرعون فقال اختصاراً . والوليد الصبي لقرب عهده من الولادة أي ألم تكن صغيراً فربيناك { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل : ثلاثين سنة { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني قتل القبطي فعرض إذ كان ملكاً { وأنت من الكافرين } بنعمتي حيث قتلت خبازي أو كنت على ديننا الذي تسميه كفراً ، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم من الكفر وكان يعايشهم بالتقية { قال فعلتها إذاً } أي إذ ذاك { وأنا من الضّالّين } الجاهلين بأنها تبلغ القتل والضال عن الشيء هو الذاهب عن معرفته ، أو الناسين من قوله { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } [ البقرة : 282 ] فدفع وصف الكفر عن نفسه ووضع { الضالين } موضع الكافرين و { إذا } جواب وجزاء معاً ، وهذا الكلام وقع جواباً لفرعون وجزاء له لأن قول فرعون و { فعلت فعلتك } معناه أنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال له موسى : نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله لأن نعمته كانت جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء","part":2,"page":464},{"id":965,"text":"{ ففررت منكم } إلى مدين { لمّا خفتكم } أن تقتلوني وذلك حين قال له مؤمن من آل فرعون { إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج } [ القصص : 20 ] الآية . { فوهب لي ربّي حكماً } نبوة وعلماً فزال عني الجهل والضلالة { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله { وتلك نعمةٌ تمنّها عليّ أن عبّدتّ بني إسرائيل } كر على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله وأبى أن تسمى نعمة لأنها نقمة حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ، ولو تركهم لرباه أبواه فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه إذا حققت وتعبيدهم تذليلهم واتخاذهم عبيداً . ووحد الضمير في { تمنها } و { عبدت } وجمع في { منكم } و { خفتكم } لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله { إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } [ القصص : 20 ] . وأما الامتنان فمنه وحده وكذا التعبيد . وتلك { إشارة } إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بتفسيرها ، ومحل { أن عبدت } الرفع عطف بيان لتلك أي تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي .\r{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين } أي إنك تدعي أنك رسول رب العالمين فما صفته لأنك إذا أردت السؤال عن صفة زيد تقول : ما زيد؟ تعني أطويل أم قصير أفقيه أم طبيب نص عليه صاحب الكشاف وغيره { قَالَ } موسى مجيباً له على وفق سؤاله { رَبّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ } أي وما بين الجنسين { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } أي إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل فكفى خلق هذه الأشياء دليلاً ، أو إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ينفع . والإيقان العلم الذي يستفاد بالاستدلال ولذا لا يقال الله موقن\r{ قَالَ } أي فرعون { لِمَنْ حَوْلَهُ } من أشراف قومه وهم خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة { أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } معجباً قومه من جوابه لأنهم يزعمون قدمهما وينكرون حدوثهما وأن لهما رباً فاحتاج موسى إلى أن يستدل بما شاهدوا حدوثه وفناءه فاستدل حيث { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين } أي هو خالقكم وخالق آبائكم فإن لم تستدلوا بغيركم فبأنفسكم . وإنما قال { رَبّ ءابَائِكُمُ } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم .\r{ قَالَ } أي فرعون { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } حيث يزعم أن في الوجود إلهاً غيري وكان فرعون ينكر إلهية غيره { قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم ، وهذا غاية الإرشاد حيث عمم أولاً بخلق السماوات والأرض وما بينهما ، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته ، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستوٍ من أظهر ما استدل به ، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن عن الاحتجاج بالأحياء والإماتة على نمروذ بن كنعان .","part":2,"page":465},{"id":966,"text":"وقيل : سأله فرعون عن الماهية جاهلاً عن حقيقة سؤاله ، فلما أجاب موسى بحقيقة الجواب وقع عنده أن موسى حاد عن الجواب حيث سأله عن الماهية وهو يجيب عن ربوبيته وآثار صنعه فقال معجباً لهم من جواب موسى : ألا تستمعون؟ فعاد موسى إلى مثل قوله الأول فجننه فرعون زاعماً أنه حائد عن الجواب ، فعاد ثالثاً إلى مثل كلامه الأول مبيناً أن الفرد الحقيقي إنما يعرف بالصفات وأن السؤال عن الماهية محال وإليه الإشارة في قوله تعالى { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } أي إن كان لكم عقل علمكم أنه لا تمكن معرفته إلا بهذا الطريق ، فلما تجير فرعون ولم يتهيأ له أن يدفع ظهور آثار صنعه .","part":2,"page":466},{"id":967,"text":"{ قَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى } أي غيري إلهاً { لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } أي لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع ، فكان ذلك أشد من القتل . ولو قيل لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان أخصر { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ } الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك { بِشَىء مُّبِينٍ } أي جائياً بالمعجزة { قَالَ فَأْتِ بِهِ } بالذي يبين صدقك { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } أن لك بينة وجواب الشرط مقدر أي فأحضره { فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } ظاهر الثعبانية لا شيء يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزورة بالشعوذة والسحر . روي أن العصا ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول : يا موسى مرني بما شئت . ويقول فرعون : أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها ، فأخذها فعادت عصا . { وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } فيه دليل على أن بياضها كان شيئاً يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة وكان بياضها نورياً . روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال : فهل غيرها فأخرج يده فقال لفرعون ما هذه؟ قال فرعون : يدك ، فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق { قَالَ } أي فرعون { لِلْمَلإِ حَوْلَهُ } هو منصوب نصبين نصب في اللفظ والعامل فيه ما يقدر في الظرف ، ونصب في المحل وهو النصب على الحال من الملأ أي كائنين حوله والعامل فيه قال { إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } بالسحر . ثم أغوى قومه على موسى بقوله","part":2,"page":467},{"id":968,"text":"{ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا } منصوب لأنه مفعول به من قولك أمرتك الخير { تَأْمُرُونَ } تشيرون في أمره من حبس أو قتل من المؤامرة وهي المشاورة ، أو من الأمر الذي هو ضد النهي .\rلما تحير فرعون برؤية الآيتين وزال عنه ذكر دعوى الالهية وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه خوفاً طفق يؤامر قومه الذي هم بزعمه عبيده وهو إلههم ، أو جعلهم آمرين ونفسه مأموراً { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } أخر أمرهما ولا تباغت قتلهما خوفاً من الفتنة { وابعث فِى المدائن حاشرين } شرطاً يحشرون السحرة وعارضوا قول فرعون { إن هذا لساحر عليم } بقولهم\r{ يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } فجاءوا بكلمة الإحاطة وصيغة المبالغة ليسكنوا بعض قلقه { فَجُمِعَ السحرة لميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } أي يوم الزينة وميقاته وقت الضحى لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى عليه السلام من يوم الزينة في قوله تعالى : { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى } [ طه : 59 ] والميقات ما وقت به أي حدد من زمان أو مكان ومنه مواقيت الإحرام { وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ } أي اجتمعوا وهو استبطاء لهم في الاجتماع والمراد منه استعجالهم { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة } في دينهم { إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين } أي غلبوا موسى في دينه وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض الكلي أن لا يتبعوا موسى فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى .","part":2,"page":468},{"id":969,"text":"{ فَلَمَّا جَاء السحرة قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ } وبكسر العين : علي ، وهما لغتان { وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين } أي قال فرعون نعم لكم أجر عندي وتكونون مع ذلك من المقربين عندي في المرتبة والجاه فتكونون أول من يدخل علي وآخر من يخرج . ولما كان قولهم : { أئن لنا لأجراً } في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه وكان قوله : { وإنكم إذا لمن المقربين } معطوفاً عليه دخلت { إذا } قارة في مكانها الذي تقضيه من الجواب والجزاء { قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } من السحر فسوف ترون عاقبته { فَأَلْقَوْاْ حبالهم } سبعين ألف حبل { وَعِصِيَّهُمْ } سبعين ألف عصا . وقيل : كانت الحبال اثنين وسبعين ألفاً وكذا العصي { وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون } أقسموا بعزته وقوته وهو من أيمان الجاهلية { فألقى موسى عصاه فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } تبتلع { مَا يَأْفِكُونَ } ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم ويزوّرونه ويخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حياة تسعى { فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } عبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لأنه ذكر مع الإلقاءات ولأنهم لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقوا { قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين } عن عكرمة Bه : أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء\r{ رَبّ موسى وهارون } عطف بيان ل { رب العالمين } لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا أن يعزلوه . وقيل؛ إن فرعون لما سمع منهم { آمنا برب العالمين } قال : إياي عنيتم؟ قالوا : { رب موسى وهارون } .\r{ قَالَ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } بذلك { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذى عَلَّمَكُمُ السحر } وقد تواطأتم على أمر ومكر { فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وبال ما فعلتم . ثم صرح فقال { لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } من أجل خلاف ظهر منكم { وَلأصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } كأنه أراد به ترهيب العامة لئلا يتبعوهم في الإيمان","part":2,"page":469},{"id":970,"text":"{ قَالُواْ لاَ ضَيْرَ } لا ضرر وخبر «لا» محذوف أي في ذلك أو علينا { إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خطايانا أَن كُنَّا } لأن كنا { أَوَّلُ المؤمنين } من أهل المشهد أو من رعية فرعون . أراد وإلا ضرر علينا في ذلك بل لنا أعظم النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله من تكفير الخطايا ، أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به إنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت ، والقتل أهون أسبابه وأرجاها ، أو لا ضير علينا في قتلك إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا إنقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته لما رزقنا من السبق إلى الإيمان { وَأَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ } وبوصل الهمزة : حجازي { بِعِبَادِى } بني إسرائيل سماهم عباده لإيمانهم بنبيه أي سر بهم ليلاً وهذا بعد سنين من إيمان السحرة { إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } يتبعكم فرعون وقومه علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون وجنوده آثارهم يعني إني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدموا ويتبعوكم حتى يدخلوا مدخلكم من طريق البحر فأهلكهم . وروي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه . وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت ثم اذبح الجداء واضربوا بدمائها على أبوابكم فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتاً على بابه دم وسآمرهم بقتل أبكار القبط ، واخبزوا خبزاً فطيراً فإنه أسرع لكم ، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري .\r{ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى المدائن حاشرين } أي جامعين للناس بعنف ، فلما اجتمعوا قال :","part":2,"page":470},{"id":971,"text":"{ إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } والشرذمة الطائفة القليلة ذكرهم بالاسم الدال على القلة ، ثم جعلهم قليلاً بالوصف ، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً . واختار جمع السلامة الذي هو للقلة أو أراد بالقلة الذلة لا قلة العدد أي أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا تتوقع غلبتهم . وإنما استقل قوم موسى وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً لكثرة من معه . فعن الضحاك : كانوا سبعة الآف ألف { وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } أي أنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا وهي خروجهم من مصرنا وحملهم حلينا وقتلهم أبكارنا { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذرون } شامي وكوفي وغيرهم { حذرون } فالحذر المتيقظ والحاذر الذي يجدد حذره . وقيل : المؤدي في السلاح وإنما يفعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه يعني ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور ، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده ، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به العجز والفتور .\r{ فأخرجناهم مّن جنات } بساتين { وَعُيُونٍ } وأنهار جارية { وَكُنُوزٍ } وأموال ظاهرة من الذهب والفضة وسماها كنوزاً لأنهم لا ينفقون منها في طاعة الله تعالى { وَمَقَامٍ } ومنزل { كَرِيمٌ } بهي بهيج . وعن ابن عباس Bهما : المنابر { كذلك } يحتمل النصب على { أخرجناهم } مثل ذلك الآخراج الذي وصفنا ، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك { وأورثناها بَنِى إسراءيل } عن الحسن : لما عبروا النهر رجعوا وأخذوا ديارهم وأموالهم { فَأَتْبَعُوهُم } فلحقوهم { فاتبعوهم } يزيد { مُشْرِقِينَ } حال أي داخلين في وقت شروق الشمس وهو طلوعها أدرك قوم فرعون موسى وقومه وقت طلوع الشمس","part":2,"page":471},{"id":972,"text":"{ فَلَمَّا تَرَاءا الجمعان } أي تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه والمراد بنو إسرائيل والقبط { قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } أي قرب أي يلحقنا عدونا وأمامنا البحر { قَالَ } موسى عليه السلام ثقة بوعد الله إياه { كَلاَّ } ارتدعوا عن سوء الظن بالله فلن يدركوكم { إِنَّ مَعِىَ } { مَعِىَ } حفص { رَبّى سَيَهْدِينِ } أي سيهديني طريق النجاة من إدراكهم وإدرارهم { سيهديني } بالياء : يعقوب { فَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر } أي القلزم أو النيل { فانفلق } أي فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقاً على عدد الأسباط { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ } أي جزء تفرق منه { كالطود العظيم } كالجبل المنطاد في السماء { وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ } حيث انفلق البحر { الآخرين } قوم فرعون أي قربناهم من بني إسرائيل أو من البحر { وَأَنجَيْنَا موسى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ } من الغرق { ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخرين } فرعون وقومه ، وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف طوالعهم . روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون فكان يقول لبني إسرائيل : ليلحق آخركم بأولكم . ويستقبل القبط فيقول : رويدكم يلحق آخركم بأولكم . فلما انتهى موسى إلى البحر قال يوشع لموسى : أين أمرت فهذا البحر أمامك وغشيك آل فرعون؟ قال موسى : ههنا . فخاض يوشع الماء وضرب موسى بعصاه البحر فدخلوا . وروي أن موسى E قال عند ذلك : يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء","part":2,"page":472},{"id":973,"text":"{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما فعلنا بموسى وفرعون { لآيَةً } لعبرة عجيبة لا توصف { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ } أي المغرقين { مُّؤْمِنِينَ } قالوا : لم يؤمن منهم إلا آسية وحزقيل مؤمن آل فرعون ومريم التي دلت موسى على قبر يوسف { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } بالانتقام من أعدائه { الرحيم } بالإنعام على أوليائه .\r{ واتل عَلَيْهِمْ } على مشركي قريش { نَبَأَ إبراهيم } خبره { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ } قوم إبراهيم أو قوم الأب { مَا تَعْبُدُونَ } أي أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس بمستحق للعبادة { قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً } وجواب مَا تَعْبُدُونَ أَصْنَاماً ك . { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } [ البقرة : 219 ] { مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق } [ سبأ : 23 ] لأنه سؤال عن المعبود لا عن العبادة . وإنما زادوا { نعبد } في الجواب افتخاراً ومباهاة بعبادتها ولذا عطفوا على { نعبد } { فَنَظَلُّ لَهَا عاكفين } فنقيم على عبادتها طول النهار . وإنما قالوا { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل أو معناه الدوام { قَالَ } أي إبراهيم { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ } هل يسمعون دعاءكم على حذف المضاف لدلالة { إِذْ تَدْعُونَ } عليه { أَوْ يَنفَعُونَكُمْ } إن عبدتموها { أَوْ يَضُرُّونَ } إن تركتم عبادتها\r{ قَالُواْ بَلْ } إضراب أي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ولا نعبدها لشيء من ذلك ولكن { وَجَدْنَا ءابَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } فقلدناهم { قَالَ أَفَرَءيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ الأقدمون } الأولون","part":2,"page":473},{"id":974,"text":"{ فَإِنَّهُمْ } أي الأصنام { عَدُوٌّ لِى } العدو والصديق يجيئان في معنى الوحدة والجماعة يعني لو عبدتهم لكانوا أعداء لي في يوم القيامة كقوله { سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } [ مريم : 82 ] وقال الفراء : هو من المقلوب أي فإني عدوهم . وفي قوله { عدو لي } دون «لكم» زيادة نصح ليكون أدعى لهم إلى القبول ، ولو قال «فإنهم عدو لكم» لم يكن بتلك المثابة { إِلاَّ رَبَّ العالمين } استثناء منقطع لأنه لم يدخل تحت الأعداء كأنه قال : لكن رب العالمين .\r{ الذى خَلَقَنِى } بالتكوين في القرار المكين { فَهُوَ يَهْدِينِ } لمناهج الدنيا ولمصالح الدين والاستقبال في يهديني مع سبق العناية لأنه يحتمل يهديني للأهم الأفضل والأتم الأكمل ، أو الذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهديني إلى آداب خلته { والذى هُوَ يُطْعِمُنِى } أضاف الإطعام إلى ولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام { وَيَسْقِينِ } قال ابن عطاء : هو الذي يحييني بطعامه ويرويني بشرابه { وَإِذَا مَرِضْتُ } وإنما لم يقل أمرضني لأنه قصد الذكر بلسان الشكر فلم يضف إليه ما يقتضي الضر . قال ابن عطاء : وإذا مرضت برؤية الخلق { فَهُوَ يَشْفِينِ } بمشاهدة الحق . قال الصادق : إذا مرضت برؤية الأفعال فهو يشفين بكشف منة الإفضال { والذى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ } ولم يقل إذا مت لأنه الخروج من حبس البلاء ودار الفناء إلى روض البقاء لوعد اللقاء . وأدخل «ثم» في الإحياء لتراخيه عن الإفناء ، وأدخل الفاء في الهداية والشفاء لأنهما يعقبان الخلق والمرض لامعاً معاً . { والذى أَطْمَعُ } طمع العبيد في الموالي بالإفضال لا على الاستحقاق بالسؤال { أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } قيل : هو قوله { إِنّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 89 ] { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } [ الأنبياء : 63 ] { هذا رَبّى } [ الأنعام : 67 ] للبازغ هي أختي لسارة ، وما هي إلا معاريض جائزة وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار ، واستغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم لأنفسهم وتعليم للأمم في طلب المغفرة ، { يَوْمَ الدين } يوم الجزاء .","part":2,"page":474},{"id":975,"text":"{ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً } حكمة أو حكماً بين الناس بالحق أو نبوة لأن النبي عليه السلام ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } أي الأنبياء ولقد أجابه حيث قال { وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين } [ البقرة : 30 ] { واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الآخرين } أي ثناء حسناً وذكراً جميلاً في الأمم التي تجيء بعدي فأعطي ذلك فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه ، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به .\r{ واجعلنى مِن } يتعلق بمحذوف أي وارثاً من { وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم } أي من الباقين فيها { واغفر لأبِى } اجعله أهل المغفرة بإعطاء الإسلام وكان وعده الإسلام يوم فارقه { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين } الكافرين { وَلاَ تُخْزِنِى } الإخزاء من الخزي وهو الهوان أو من الخزاية وهو الحياء وهذا نحو الاستغفار كما بينا { يَوْمِ يُبْعَثُونَ } الضمير فيه للعباد لأنه معلوم ، أو للضالين وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه أي ولا تخزني في يوم يبعث الضالون وأبي فيهم { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ } هو بدل من يوم الأول { وَلاَ بَنُونَ } أحداً { إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } عن الكفر والنفاق وقلب الكافر والمنافق مريض لقوله تعالى : { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } [ البقرة : 10 ] أي إن المال إذا صرف في وجوه البر وبنوه صالحون فإنه ينتفع به وبهم سليم القلب ، أو جعل المال والبنون في معنى الغني كأنه قيل : يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه . وقد جعل { من } مفعولاً ل { ينفع } أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله ، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع . ويجوز على هذا إلا من أتى الله بقلب سليم من فتنة المال والبنين . وقد صوب الجليل استثاء الخليل إكراماً له ثم جعله صفة له في قوله : { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبراهيم إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الصافات : 84 ] وما أحسن ما رتب عليه السلام كلامه مع المشركين حيث سألهم أولاً عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم ، ثم أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأخرجه من أن يكون شبهة فضلاً عن أن يكون حجة ، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلّص منها إلى ذكر الله تعالى فعظم شأنه وعدد نعمته من حين إنشائه إلى وقت وفاته مع ما يرجّي في الآخرة من رحمته ، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين ، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا .","part":2,"page":475},{"id":976,"text":"{ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ } أي قربت عطف جملة على جملة أي تزلف من موقف السعداء فينظرون إليها\r{ وَبُرّزَتِ الجحيم } أي أظهرت حتى يكاد يأخذهم لهبها { لِلْغَاوِينَ } للكافرين { وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ } يوبخون على إشراكهم فيقال لهم أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم ، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار","part":2,"page":476},{"id":977,"text":"{ فَكُبْكِبُواْ } أنكسوا أو طرح بعضهم على بعض { فِيهَا } في الجحيم { هُمْ } أي الآلهة { والغاوون } وعبدتهم الذين برزت لهم . والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة إثر مرة حتى يستقر في قعرها نعوذ بالله منها { وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } شياطينه أو متبعوه من عصاة الإنس والجن { قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } يجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح التقاول والتخاصم ، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين { تالله إِن كُنَّا لَفِى ضلال مُّبِينٍ إِذْ نُسَوّيكُمْ } نعدلكم أيها الأصنام { بِرَبّ العالمين } في العبادة { وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المجرمون } أي رؤساؤهم الذين أضلوهم أو إبليس وجنوده ومن سن الشرك .\r{ فَمَا لَنَا مِن شافعين } كما للمؤمنين من الأنبياء والأولياء والملائكة { وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } كما نرى لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون وأما أهل النار فبينهم التعادي : { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] أو { فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } [ الشعراء : 100 ] من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس . والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام الذي يهمه ما يهمك ، أو من الحامّة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخاص . وجمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة ، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك فقليل . وسئل حكيم عن الصديق فقال : اسم لا معنى له . وجاز أن يراد بالصديق الجمع","part":2,"page":477},{"id":978,"text":"{ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } رجعة إلى الدنيا { فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } وجواب «لو» محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت ، أو لو في مثل هذا بمعنى التمني كأنه قيل : فليت لنا كرة . لما بين معنى «لو» و «ليت» من التلاقي { إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما ذكر من الأنباء { لآيَةً } أي لعبرة لمن اعتبر { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } فيه أن فريقاً منهم آمنوا { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } المنتقم ممن كذب إبراهيم بنار الجحيم { الرحيم } المسلم كل ذي قلب سليم إلى جنة النعيم .\r{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين } القوم يذكر ويؤنث . قيل : ولد نوح في زمن آدم عليه السلام ونظير قوله المرسلين والمراد نوح عليه السلام قولك «فلان يركب الدواب ويلبس البرود» وماله إلا دابة أو برد ، أو كانوا ينكرون بعث الرسل أصلاً فلذا جمع ، أو لأن من كذب واحداً منهم فقد كذب الكل لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل وكذا جميع ما في هذه السورة { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ } نسباً لا ديناً { نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ } خالق الأنام فتتركوا عبادة الأصنام { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } كان مشهوراً بالأمانة فيهم كمحمد E في قريش .\r{ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الحق { وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على هذا الأمر { مِنْ أَجْرٍ } جزاء { إِنْ أَجْرِىَ } بالفتح مدني وشامي وأبو عمرو وحفص { إِلاَّ على رَبّ العالمين } فلذلك أريده { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } كرره ليقرره في نفوسهم مع تعليق كل واحد منهما بعلة ، فعلة الأول كونه أميناً فيهما بينهم ، وعلة الثاني حسم طمعه منهم كأنه قال : إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله ، ثم إذا عرفتم احترازي من الأجر فاتقوا الله .","part":2,"page":478},{"id":979,"text":"{ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك } الواو للحال و «قد» مضمرة بعدها دليله قراءة يعقوب { وأتباعك } جمع تابع كشاهد وأشهاد أو تبع كبطل وأبطال { الأرذلون } السّفلة والرذالة الخسة والدناءة . وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا . وقيل : كانوا من أهل الصناعات الدنيئة والصناعة لا تزري بالديانة فالغنى غنى الدين والنسب نسب التقوى ، ولا يجوز أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسباً وما زالت أتباع الأنبياء كذلك { قَالَ وَمَا عِلْمِى } وأي شيء أعلم { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الصناعات إنما أطلب منهم الايمان . وقيل : إنهم طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم وقالوا : إن الذين آمنوا بك ليس في قلوبهم ما يظهرونه فقال : ما علي إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش عن السرائر { إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى لَوْ تَشْعُرُونَ } أن الله يحاسبهم على ما في قلوبهم { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين } أي ليس من شأني أن أتبع شهواتكم بطرد المؤمنين طمعاً في إيمانكم { إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } ما علي إلا أن أنذركم إنذاراً بيناً بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل ثم أنتم أعلم بشأنكم { قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يا نُوحُ } عما تقول { لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين } من المقتولين بالحجارة { قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ } ليس هذا إخباراً بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم ولكنه أراد أنهم كذبوني في وحيك ورسالتك","part":2,"page":479},{"id":980,"text":"{ فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً } أي أي فاحكم بيني وبينهم حكماً ، والفتاحة الحكومة والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق كما سمي فيصلاً لأنه يفصل بين الخصومات { وَنَجّنِى وَمَن مَّعِى } { معي } حفص { مِنَ المؤمنين } من عذاب عملهم .\r{ فأنجيناه وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك } الفلك السفينة وجمعه فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد { المشحون } المملوء ومنه شحنة البلد أي الذي يملؤه كفاية { ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ } أي بعد إنجاء نوح ومن آمن { الباقين } من قومه { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } المنتقم بإهانة من جحد وأصر { الرحيم } المنعم بإعانة من وحد وأقر .\r{ كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين } هي قبيلة وفي الأصل اسم رجل هو أبو القبيلة { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين { وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ } مكان مرتفع { ءايَةً } برج حمام أو بناء يكون لارتفاعه كالعلامة يسخرون بمن مر بهم { تَعْبَثُونَ } تلعبون { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } مآخذ الماء أو قصوراً مشيدة أو حصوناً { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } ترجون الخلود في الدنيا { وَإِذَا بَطَشْتُمْ } أخذتم أحداً بعقوبة { بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } قتلاً بالسيف وضرباً بالسوط والجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب","part":2,"page":480},{"id":981,"text":"{ فاتقوا الله } في البطش { وَأَطِيعُونِ } فيما أدعوكم إليه { واتقوا الذى أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ } من النعم . ثم عددها عليهم فقال { أَمَدَّكُمْ بأنعام وَبَنِينَ } قرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام عليها { وجنات وَعُيُونٍ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } إن عصيتموني { قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الواعظين } أي لا نقبل كلامك ودعوتك وعظت أم سكت . ولم يقل أم لم تعظ لرؤوس الآي { إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين } ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت واتخاذ الابتناء إلا عادة الأولين ، أو ما نحن عليه دين الأولين . { إلا خلق الأولين } مكي وبصري ويزيد وعلي أي ما جئت به اختلاق الأولين وكذب المتنبئين قبلك كقولك { أساطير الأولين } [ الأنعام : 25 ] أو خلقنا كخلق الأولين نموت ونحيا كما حيوا { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } في الدنيا ولا بعث ولا حساب .\r{ فَكَذَّبُوهُ } أي هوداً { فأهلكناهم } بريح صرصر عاتية . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالح أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتُتْرَكُونَ } إنكار لأن يتركوا خالدين في نعيمهم لا يزالون عنه { فِى مَا هَاهُنَا } في الذي استقر في هذا المكان من النعيم { ءامِنِينَ } من العذاب والزوال والموت . ثم فسره بقوله","part":2,"page":481},{"id":982,"text":"{ فِى جنات وَعُيُونٍ } وهذا أيضاً إجمال ثم تفصيل { وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ } وعطف { نخل } على { جنات } مع أن الجنة تتناول النخل أول شيء تفضيلاً للنخل على سائر الشجر { طَلْعِهَا } هو ما يخرج من النخل كنصل السيف { هَضِيمٌ } لين نضيج كأنه قال : ونخل قد أرطب ثمره { وَتَنْحِتُونَ } تنقبون { مِنَ الجبال بُيُوتاً فارهين } شامي وكوفي حاذقين حال وغيرهم { فرهين } أشرين ، والفراهة الكيس والنشاط { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ المسرفين } الكافرين أو التسعة الذين عقروا الناقة جعل الأمر مطاعاً على المجاز الحكمي والمراد الامر وهو كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأول كقولهم «أنبت الربيع البقل» { الذين يُفْسِدُونَ فِى الأرض } بالظلم والكفر { وَلاَ يُصْلِحُونَ } بالإيمان والعدل والمعنى أن فسادهم مصمت ليس معه شيء من الصلاح كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح . { قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين } المسحر الذي سحر كثيراً حتى غلب على عقله . وقيل : هو من السرح الرئة وأنه بشر { مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في دعوى الرسالة\r{ قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ } نصيب من الماء فلا تزاحموها فيه { وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } لا تزاحمكم هي فيه ، روي أنهم قالوا : نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقباً ، فجعل صالح يتفكر فقال له جبريل : صل ركعتين واسأل ربك الناقة ، ففعل فخرجت الناقة ونتجت سقباً مثلها في العظم وصدرها ستون ذراعاً ، وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه الماء ، وهذا دليل على جواز المهايأة لأن قولهم : { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } من المهايأة","part":2,"page":482},{"id":983,"text":"{ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } بضرب أو عقر أو غير ذلك { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } عظم اليوم لحلول العذاب فيه ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب ، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد { فَعَقَرُوهَا } عقرها قدار ولكنهم راضون به فأضيف إليهم ، روي أن عاقرها قال : لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون : أترضين؟ فتقول : نعم ، وكذلك صبيانهم { فَأَصْبَحُواْ نادمين } على عقرها خوفاً من نزول العذاب بهم لا ندم توبة أو ندموا حين لا ينفع الندم وذلك عند معاينة العذاب أو على ترك الولد { فَأَخَذَهُمُ العذاب } المقدم ذكره . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .\r{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين } أراد بالعالمين الناس ، أتطئون الذكور من الناس مع كثرة الإناث ، أو أتطئون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران أي أنتم مختصون بهذه الفاحشة والعالمين على هذا كل ما ينكح من الحيوان","part":2,"page":483},{"id":984,"text":"{ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أزواجكم } «من» تبيين لما خلق ، أو تبعيض والمراد بما خلق العضو المباح منهن وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم ، وفيه دليل على تحريم أدبار الزوجات والمملوكات ومن أجازه فقد أخطأ خطأ عظيماً { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } العادي المتعدي في ظلمه المتجاوز فيه الحد أي بل أنتم قوم أحق بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة .\r{ قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين } من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا وطردناه من بلدنا ، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال { قَالَ إِنّى لِعَمَلِكُمْ مّنَ القالين } هو أبلغ من أن يقول قال ، فقول «فلان من العلماء» أبلغ من قولك «فلان عالم» لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم . والقلى البغض يقلي الفؤاد والكبد ، وفيه دليل على عظم المعصية لأن قلاه من حيث الدين { رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ } من عقوبة عملهم { فنجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ } يعني بناته ومن آمن معه { إِلاَّ عَجُوزاً } هي امرأة لوط وكانت راضية بذلك والراضي بالمعصية في حكم العاصي ، واستثناء الكافرة من الأهل وهم مؤمنون للاشتراك في هذا الاسم وإن لم تشاركهم في الإيمان { فِى الغابرين } صفة لها في الباقين في العذاب فلم تنج منه ، والغابر في اللغة الباقي كأنه قيل : إلا عجوزاً غابرة أي مقدراً غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت تنجيتهم .","part":2,"page":484},{"id":985,"text":"{ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخرين } والمراد بتدميرهم الائتفاك بهم { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } عن قتادة : أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم الله . وقيل : لم يرض بالائتفاك حتى أتبعه مطراً من حجارة { فَسَاء } فاعله { مَطَرُ المنذرين } والمخصوص بالذم وهو مطرهم محذوف ولم يرد بالمنذرين قوماً بأعيانهم بل المراد جنس الكافرين { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم كَذَّبَ أصحاب لْئَيْكَةِ } بالهمزة والجر هي غيضة تنبت ناعم الشجر عن الخليل { ليكة } حجازي وشامي وكذا في «ص» علم لبلد . قيل : أصحاب الأيكة هم أهل مدين التجئوا إلى غيضة إذ ألح عليهم الوهج . والأصح أنهم غيرهم نزلوا غيضة بعينها بالبادية وأكثر شجرهم المقل بدليل أنه لم يقل هنا «أخوهم شعيب» لأنه لم يكن من نسبهم بل كان من نسب أهل مدين ففي الحديث أن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة { المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَوْفُواْ الكيل } أتموه { وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين } ولا تنقصوا الناس حقوقهم فالكيل وافٍ وهو مأمور به ، وطفيف وهو منهي عنه ، وزائد وهو مسكوت عنه ، فتركه دليل على أنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعل فلا شيء عليه","part":2,"page":485},{"id":986,"text":"{ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم } وبكسر القاف كوفي غير أبي بكر وهو الميزان أو القبان ، فإن كان من القسط وهو العدل وجعلت العين مكررة فوزنه فعلاس وإلا فهو رباعي\r{ وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس } يقال بخسته حقه إذا نقصته إياه { أَشْيَاءهُمْ } دراهمهم ودنانيرهم بقطع أطرافهما { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } ولا تبالغوا فيها في الإفساد نحو : قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع . وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه . يقال : عثا في الأرض إذا أفسد وعثي في الأرض لغة في عثا .\r{ واتقوا الذى خَلَقَكُمْ والجبلة } { الجبلة } عطف على «كم» أي اتقوا الذي خلقكم وخلق الجبلة { الأولين } الماضين { قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } إدخال الواو هنا ليفيد معنيين كلاهما مناف الرسالة عندهم : التسحير والبشرية . وتركها في قصة ثمود ليفيد معنى واحداً وهو كونه مسحراً ، ثم كرر بكونه بشراً مثلهم { وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين } «إن» مخففة من الثقيلة واللام دخلت للفرق بينهما وبين النافية . وإنما تفرقتا على فعل الظن وثاني مفعوليه لأن أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ والخبر كقولك «إن زيداً لمنطلق» فلما كان بابا «كان» و«ظننت» من جنس باب المبتدأ والخبر فعل ذلك في البابين فقيل : إن كان زيد لمنطلقاً وإن ظننته لمنطلقاً { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً } { كِسُفا } حفص وهما جمعا كسفة وهي القطعة وكسفه قطعه { مّنَ السماء } أي السحاب أو الظلة { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } أي إن كنت صادقاً أنك نبي فادع الله أن يسقط علينا كسفاً من السماء أي قطعاً من السماء عقوبة","part":2,"page":486},{"id":987,"text":"{ قَالَ رَبّى } بفتح الياء : حجازي وأبو عمرو ، وبسكونها : غيرهم { أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي إن الله أعلم بأعمالكم وبما تستحقون عليها من العذاب ، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل ، وإن أراد عقاباً آخر فإليه الحكم والمشيئة { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة } هي سحابة أظلتهم بعدما حبست عنهم الريح وعذبوا بالحر سبعة أيام فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالهم من الحر فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } وقد كرر في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر تقريراً لمعانيها في الصدور ليكون أبلغ في الوعظ والزجر ، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه ، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها فكانت جديرة بأن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وأن تختتم بما اختتمت به .\r{ وَإِنَّهُ } أي القرآن { لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين } منزل منه { نَزَلَ بِهِ } مخفف والفاعل { الروح الأمين } أي جبريل لأنه أمين على الوحي الذي فيه الحياة . حجازي وأبو عمرو وزيد وحفص ، وغيرهم بالتشديد . ونصب { الروح } والفاعل هو الله تعالى أي جعل الله الروح نازلاً به ، والباء على القراءتين للتعدية { على قَلْبِكَ } أي حفظك وفهمك إياه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى كقوله : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى } [ الأعلى : 5 ] { لِتَكُونَ مِنَ المنذرين بِلِسَانٍ عَرَبِىّ } بلغة قريش وجرهم { مُّبِينٌ } فصيح ومصحح عما صحفته العامة . والباء إما أن يتعلق ب { المنذرين } أي لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام ، أو ب { نزل } أي نزله بلسان عربي لتنذر به لأنه لو نزله بلسان أعجمي لتجافوا عنه أصلاً ولقالوا : ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به . وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه وتفهّمه قومك ، ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها ، وقد يكون الرجل عارفاً بعدة لغات فإذا كلم بلغته التي نشأ عليها لم يكن قلبه ناظراً إلا إلى معاني الكلام ، وإن كلم بغيرها كان نظره أولاً في ألفاظها ثم في معانيها ، وإن كان ماهراً بمعرفتها فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربي مبين .","part":2,"page":487},{"id":988,"text":"{ وَإِنَّهُ } وإن القرآن { لَفِى زُبُرِ الأولين } يعني ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية . وقيل : إن معانيه فيها ، وفيه دليل على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية فيكون دليلاً على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة .\r{ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً } { ولم تكن لهم آيةٌ } شامي ، جعلت آية اسم «كان» وخبره { أَن يَعْلَمَهُ } أي القرآن لوجود ذكره في التوراة . وقيل : في { تكن } ضمير القصة و { آية } خبر مقدم والمبتدأ { أن يعلمه } والجملة خبر «كان» . وقيل : «كان» تامة والفاعل { آية } و { أن يعلمه } بدل منها أو خبر مبتدأ محذوف أي أولم تحصل لهم آية . وغيره { يكن } بالتذكير و { آية } بالنصب على أنها خبره و { أن يعلمه } هو الاسم وتقديره : أولم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل { عُلماءُ بَنِى إسراءيل } كعبد الله بن سلام وغيره قال الله تعالى : { وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } [ القصص : 53 ] وخط في المصحف علماؤا بواو قبل الألف { وَلَوْ نزلناه على بَعْضِ الأعجمين } جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وكذلك الأعجمي إلا أن فيه لزيادة يا ء النسبة زيادة تأكيد ، ولما كان من يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه قالوا له أعجم وأعجمي شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين ، والعجمي الذي من جنس العجم أفصح أولم يفصح . وقرأ الحسن { الأعجميين } وقيل : الأعجمين تخفيف الأعجميين كما قالوا الأشعرون أي الأشعريون بحذف يا ء النسبة ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع السلامة لأن مؤنثه عجماء","part":2,"page":488},{"id":989,"text":"{ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } والمعنى أنا أنزلنا القرآن على رجل عربي مبين ففهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز ، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على أن البشارة بإنزاله وصفته في كتبهم وقد تضمنت معانيه وقصصه وصح بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا ، فلم يؤمنوا به وسموه شعراً تارة وسحراً أخرى وقالوا هذا من افتراء محمد E ، ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا معجزاً لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً .\rثم قال { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } أي أدخلنا التكذيب أو الكفر وهو مدلول قوله { ما كانوا به مؤمنين } { فِى قُلُوبِ المجرمين } الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه يعني مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها فكيفما فعل بهم وعلى أي وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الكفر به والتكذيب له كما قال : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } [ الأنعام : 7 ] وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها . وموقع قوله { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالقرآن من قوله { سلكناه في قلوب المجرمين } موقع الموضح والملخص لأنه مسوق لثبات كونه مكذباً مجحوداً في قلوبهم ، فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد ، ويجوز أن يكون حالاً أي سلكناه فيها غير مؤمن به { حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } المراد معاينة العذاب عند الموت ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم","part":2,"page":489},{"id":990,"text":"{ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً } فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه { فَيَقُولُواْ } وفيأتيهم معطوفان على { يروا } { هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } يسألون النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجابون إليها { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } توبيخ لهم وإنكار عليهم قولهم : { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] ونحو ذلك .\r{ أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِينَ } قيل : هي سنو مدة الدنيا { ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ } من العذاب { مَا أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } به في تلك السنين . والمعنى أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن فقال الله تعالى : { أفبعذابنا يستعجلون } أشراً وبطراً واستهزاء واتكالاً على الأمل الطويل ، ثم قال : هب أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم؟ . قال يحيى ابن معاذ : أشد الناس غفلة من اغتر بحياته والتذ بمراداته وسكن إلى مألوفاته والله تعالى يقول : { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال : عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية . فقال ميمون : قد وعظت فأبلغت . وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقرؤها عند جلوسه للحكم { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } رسل ينذرونهم . ولم تدخل الواو على الجملة بعد إلا كما في : { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ } [ الحجر : 4 ] لأن الأصل عدم الواو إذ الجملة صفة ل { قرية } وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف","part":2,"page":490},{"id":991,"text":"{ ذِكْرِى } منصوبة بمعنى تذكرة لأن أنذر وأذكر متقاربان فكأنه قيل : مذكرون تذكرة . أو حال من الضمير في { مُنذِرُونَ } أي بنذرونهم ذوي تذكرة أو مفعول له أي ينذرون لأجل التذكرة والموعظة ، أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى والجملة اعتراضية ، أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى ، أو تكون ذكرى متعلقة ب { أهلكنا } مفعولاً له ، والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم { وَمَا كُنَّا ظالمين } فنهلك قوماً غير ظالمين .\rولما قال المشركون : إن الشياطين تلقى القرآن على محمد أنزل { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ } أي القرآن { الشياطين وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } وما يتسهل لهم ولا يقدرون عليه .\r{ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ } لممنوعون بالشهب { فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين } مورد النهي لغيره على التعريض والتحريك له زيادة الإخلاص { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته ، أو ليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئاً وأن النجاة في اتباعه دون قربة . ولما نزلت صعد الصفا ونادى الأقرب فالأقرب وقال : « \" يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله إني لا أملك لكم من الله شيئاً \"","part":2,"page":491},{"id":992,"text":"{ واخفض جَنَاحَكَ } وألن جانبك وتواضع ، وأصله أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلاً في التواضع ولين الجانب { لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } من عشيرتك وغيرهم { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } يعني أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض جناحك لهم ، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك بالله وغيره { وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم } على الذي قهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم ، والتوكل : تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره ، وقالوا : المتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله . وقال الجنيد Bه التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض بالكلية عما دونه فإن حاجتك إليه في الدارين . { فتوكل } مدني وشامي عطف على { فقل } أو { فلا تدع } .\r{ الذى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } متهجداً { وَتَقَلُّبَكَ } أي ويرى تقلبك { فِى الساجدين } في المصلين . أتبع كونك رحيماً على رسوله ما هو من أسباب الرحمة وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون ، وليعلم أنهم كيف يعبدون الله ويعملون لآخرتهم . وقيل : معناه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة . وتقلبه في الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم . وعن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة : هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال : لا يحضرني فتلا له هذه الآية .","part":2,"page":492},{"id":993,"text":"{ إِنَّهُ هُوَ السميع } لما تقوله { العليم } بما تنويه وتعلمه ، هوّن عليه معاناة مشاق العبادات حيث أخبر برؤيته له إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى مولاه وهو كقولك\r: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي\rنزل جواباً لقول المشركين إن الشياطين تلقى السمع على محمد A { هَلْ أُنَبّئُكُمْ } أي هل أخبركم أيها المشركون { على مَن تَنَزَّلُ الشياطين } ثم نبأ فقال { تَنَزَّلُ على كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } مرتكب للآثام وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح وطليحة ومسيلمة ، ومحمد A يشتم الأفاكين ويذمهم فكيف تنزل الشياطين عليه { يُلْقُونَ السمع } هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يستمعون إلى الملأ الأعلى فيحفظون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب ثم يوحون به إلى أوليائهم . و { يلقون } حال ، أي تنزل ملقين السمع ، أو صفة ل { كل أفاك } لأنه في معنى الجمع فيكون في محل الجزاء ، أو استئناف فلا يكون له محل كأنه قيل : لم تنزل على الأفاكين؟ فقيل : يفعلون كيت وكيت { وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا . وقيل : يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة . وقيل : الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، والأفاك الذي يكثر الإفك ، ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني وأكثرهم مفتر عليه ، وعن الحسن : وكلهم . وإنما فرق بين { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، { وما تنزلت به الشياطين } ، و { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } ، وهن أخوات ، لأنه إذا فرق بينهن بآيات ليست منهن ثم رجع إليهن مرة بعد مرة دل ذلك على شدة العناية بهن كما إذا حدثت حديثاً وفي صدرك اهتمام بشيء فتعيد ذكره ولا تنفك عن الرجوع إليه . ونزل فيمن كان يقول الشعر ويقول نحن نقول كما يقول محمد A واتبعهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم .","part":2,"page":493},{"id":994,"text":"{ والشعراء } مبتدأ خبره { يَتَّبِعُهُمُ الغاوون } أي لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح ، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون أي السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون . قال الزجاج : إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون { يتبعهم } نافع { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ } من الكلام { يَهِيمُونَ } خبر «أن» أي في كل فن من الكذب يتحدثون أو في كل لغو وباطل يخوضون ، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأبخلهم على حاتم . عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله\rفبتن بجانبيّ مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام\rفقال : وجب عليك الحد . فقال : قد درأ الله عني الحد بقوله","part":2,"page":494},{"id":995,"text":"{ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَالاً يَفْعَلُونَ } حيث وصفهم بالكذب والخلف في الوعد .\rثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين بقوله { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } كعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير وكعب بن مالك Bهم { وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً } أي كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر وإذ قالوا شعراً قالوه في توحيد الله تعالى والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب ومدح رسول الله والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب . وقال أبو يزيد : الذكر الكثير ليس بالعدد والغفلة لكنه بالحضور { وانتصروا } وهجوا { مِنْ بَعْدَمَا ظَلَمُواْ } هجوا أي ردوا هجاء من هجا رسول الله A والمسلمين ، وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله A وهجاه . وعن كعب بن مالك أن رسول الله A قال له « اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل » وكان يقول لحسان « قل وروح القدس معك » ختم السورة بما يقطع أكباد المتدبرين وهو قوله { وَسَيَعْلَمْ } وما فيه من الوعيد البليغ وقوله { الذين ظَلَمُواْ } وإطلاقه ، وقوله { أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } وإبهامه ، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنه حين عهد إليه وكان السلف يتواعظون بها . قال ابن عطاء : وسيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا . و { أيّ } منصوب ب { ينقلبون } على المصدر لا ب { يعلم } لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها أي ينقلبون أيّ انقلاب .","part":2,"page":495},{"id":996,"text":"مكية وهي ثلاث وتسعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ طس تِلْكَ ءايات القرءان وكتاب مُّبِينٍ } أي وآيات كتاب مبين و { تلك } إشارة إلى آيات السورة ، والكتاب المبين : اللوح ، وآياته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبين للناظرين فيه آياته ، أو القرآن وآياته إنه يبين ما أودع فيه من العلوم والحكم وعلى هذا عطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى نحو هذا فعل السخي والجود . ونكر الكتاب ليكون أفخم له . وقيل : إنما نكر الكتاب هنا وعرفه في «الحجر» وعرف القرآن هنا ونكره ثمّ ، لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد E ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب ، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم ، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف { هُدًى وبشرى } في محل النصب على الحال من آيات أي هداية وبشارة فالعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة ، أو الجر على أنه بدل من { كتاب } أو صفة له أو الرفع على هي هدى وبشرى ، أو على البدل من { آيات } أو على أن يكون خبراً بعد خبر ل { تلك } أي تلك آيات وهادية من الضلالة ومبشرة بالجنة . وقيل : هدى لجميع الخلق وبشرى { لِلْمُؤْمِنِينَ } خاصة","part":2,"page":496},{"id":997,"text":"{ الذين يُقِيمُونَ الصلاة } يديمون على فرائضها وسننها { وَيُؤْتُونَ الزكواة } يؤدون زكاة أموالهم { وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ } من جملة صلة الموصول . ويحتمل أن تتم الصلة عنده وهو استئناف كأنه قيل : وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، ويدل عليه أنه عقد جملة اسمية وكرر فيها المبتدأ الذي هو { هم } حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق .\r{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } بخلق الشهوة حتى رأوا ذلك حسناً كما قال : { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً } [ فاطر : 8 ] { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } يترددون في ضلالتهم كما يكون حال الضال عن الطريق { أُوْلَئِكَ الذين لَهُمْ سُوء العذاب } القتل والأسر يوم بدر بما كان منهم من سوء الأعمال { وَهُمْ فِى الآخرة هُمُ الأخسرون } أشد الناس خسراناً لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان } لتؤتاه وتلقنه { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } من عند أيّ حكيم وأيّ عليم وهذا معنى تنكيرهما ، وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه .\r{ إذ } منصوب ب «اذكر» كأنه قال : على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى عليه السلام { قَالَ موسى لاِهْلِهِ } لزوجته ومن معه عند مسيره من مدين إلى مصر { إِنّى آنَسْتُ } أبصرت { نَاراً سَئَاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } عن حال الطريق لأنه كان قد ضله { أو ءَاتيكم بشهابٍ } بالتنوين : كوفي أي شعلة مضيئة { قَبَسٍ } نار مقبوسة بدل أو صفة . وغيرهم { بشهاب قبس } على الإضافة لأنه يكون قبساً وغير قبس . ولا تدافع بين قوله { سآتيكم } هنا { ولعلي آتيكم } في القصص مع أن أحدهما ترجٍ والآخر تيقن ، لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة ، ومجيئه بسين التسويف عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ ، أو كانت المسافة بعيدة ، «بأو» لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعاً لم يعدم واحدة منها إما هداية الطريق وإما اقتباس النار ولم يدر أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين وهما عز الدنيا والآخرة ، واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين والقصة واحدة دليل على جواز نقل الحديث بالمعنى ، وجواز النكاح بغير لفظ التزوج . { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون بالنار من البرد الذي أصابكم ، والطاء بدل من تاء افتعل لأجل الصاد","part":2,"page":497},{"id":998,"text":"{ فَلَمَّا جَاءهَا } أي النار التي أبصرها { نُودِىَ } موسى { أَن بُورِكَ } مخففة من الثقيلة وتقديره ونودي بأنه بورك والضمير ضمير الشأن ، وجاز ذلك من غير عوض وإن منعه الزمخشري لأن قوله { بورك } دعاء والدعاء يخالف غيره في أحكام كثيرة ، أو مفسرة لأن في النداء معنى القول أي قيل له بورك أي قدس أو جعل فيه البركة والخير { مَن فِى النار وَمَنْ حَوْلَهَا } أي بورك من في مكان النار وهم الملائكة ومن حول مكانها أي موسى لحدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه { وسبحان الله رَبّ العالمين } هو من جملة ما نودي فقد نزه ذاته عما لا يليق به من التشبيه وغيره .\r{ ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم } الضمير في { إنه } للشأن والشأن أنا الله مبتدأ وخبره و { العزيز الحكيم } صفتان للخبر ، أو يرجع إلى ما دل عليه ما قبله أي إن مكلمك أنا والله بيان لأنا و { العزيز الحكيم } صفتان للمبين ، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يده من المعجزات .","part":2,"page":498},{"id":999,"text":"{ وَأَلْقِ عَصَاكَ } لتعلم معجزتك فتأنس بها وهو عطف على { بورك } لأن المعنى نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير ل { نودي } والمعنى قيل له بورك من في النار وقيل له ألق عصاك ، ويدل عليه ما ذكر في سورة القصص { وأن ألق عصاك } بعد قوله { أَن يَا موسى إِنّى أَنَا الله } [ القصص : 30 ] على تكرير حرف التفسير { فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } تتحرك حال من الهاء في { رَءاهَا } { كَأَنَّهَا جَانٌّ } حية صغيرة حال من الضمير في { تهتز } { وَلِىُّ } موسى { مُدْبِراً } أدبر عنها وجعلها تلي ظهره خوفاً من وثوب الحية عليه { وَلَمْ يُعَقّبْ } ولم يلتفت أولم يرجع . يقال قد عقب فلان إذا رجع يقاتل بعد أن ولى فنودي { ياموسى لاَ تَخَفْ إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون } أي لا يخاف عندي المرسلون حال خطابي إياهم أولا يخاف لدي المرسلون من غيري { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } أي لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون ، أو لكن من ظلم منهم من زل من المرسلين فجاء غير ما أذنت له مما يجوز على الأنبياء كما فرط من آدم ويونس وداود وسليمان عليهم السلام { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً } أي أتبع توبة { بَعْدَ سُوء } زلة { فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أقبل توبته وأغفر زلته وأرحمه فأحقق أمنيته وكأنه تعريض بما قال موسى حين قتل القبطي : { رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى فَغَفَرَ لَهُ } .\r{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } جيب قميصك وأخرجها { تَخْرُجْ بَيْضَاء } نيرة تغلب نور الشمس { مِنْ غَيْرِ سُوء } برص وبيضاء ومن غير سوء حالان { في تسع آيات } كلام مستأنف و«في» يتعلق بمحذوف أي اذهب في تسع آيات أو وألق عصاك وأدخل يدك في جملة تسع آيات { إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } «إلى» يتعلق بمحذوف أي مرسلاً إلى فرعون وقومه { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } خارجين عن أمر الله كافرين","part":2,"page":499},{"id":1000,"text":"{ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا } أي معجزاتنا { مُبْصِرَةً } حال أي ظاهرة بينة جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها لملابستهم إياها بالنظر والتفكر فيها ، أو جعلت كأنها تبصر فتهدي لأن الأعمى لا يقدر على الاهتداء فضلاً أن يهدي غيره ومنه قولهم «كلمة عيناء وعوراء» لأن الكلمة الحسنة ترشد والسيئة تغوي { قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر لمن تأمله وقد قوبل بين المبصرة والمبين { وَجَحَدُواْ بِهَا } قيل : الجحود لا يكون إلا من علم من الجاحد وهذا ليس بصحيح ، لأن الجحود هو الإنكار وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وقد يكون بعد المعرفة تعنتاً كذا ذكره في شرح التأويلات . وذكر في الديوان يقال جحد حقه وبحقه بمعنى . والواو في { واستيقنتها } للحال و«قد» بعدها مضمرة والاستيقان أبلغ من الإيقان { أَنفُسِهِمْ } أي جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم { ظُلْماً } حال من الضمير في { وجحدوا } وأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات من عند الله ثم سماها سحراً بيناً { وَعُلُوّاً } ترفعاً عن الإيمان بما جاء به موسى { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } وهو الإغراق هنا والإحراق ثمة .\r{ ولقد ءاتينا } أعطينا { داوود وسليمان علماً } طائفة من العلم أو علماً سنياً غزيراً والمراد علم الدين والحكم { وقالا الحمد لله الذي فضّلنا على كثيرٍ مّن عباده المؤمنين } والآيات حجة لنا على المعتزلة في ترك الأصلح وهنا محذوف ليصح عطف الواو عليه ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه الفاء كقولك «أعطيته فشكر» ، وتقديره : آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه وقالا الحمد لله الذي فضلنا ، والكثير المفضل عليه من لم يؤت علماً أو من لم يؤت مثل علمهما ، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير . وفي الآية دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله ، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم ، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من عباده ، وما سماهم رسول الله A ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوام بما بعثوا من أجله ، وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه ، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليهم مثلهم ، وما أحسن قول عمر Bه : كل الناس أفقه من عمر Bه .","part":2,"page":500},{"id":1001,"text":"{ وورث سليمان داود } ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر قالوا : أوتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه وإلا فالنبوة لا تورث { وقال يا أيّها النّاس علّمنا منطق الطّير } تشهيراً لنعمة الله تعالى واعترافاً بمكانها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير . والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد ، وكان سليمان عليه السلام يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض . روي أنه صاحب فاختة فأخبر أنها تقول : ليت ذا الخلق لم يخلقوا ، وصاح طاوس فقال : يقول : كما تدين تدان ، وصاح هدهد فقال : يقول : استغفروا الله يا مذنبين ، وصاح خطاف فقال : يقول : قدموا خيراً تجدوه . وصاحت رحمة فقال : تقول : سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه . وصاح قمري فأخبر أنه يقول : سبحان ربي الأعلى . وقال : الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله . والقطاة تقول من سكت سلم . والديك يقول : اذكروا الله ياغافلين والنسر يقول : يابن آدم عش ما شئت آخرك الموت . والعقاب يقول : في البعد من الناس أنس . والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس { وأوتينا من كلّ شيءٍ } المراد به كثرة ما أوتي كما تقول فلان يعلم كل شيء ومثله { وأوتيت من كل شيء } { إنّ هذا لهو الفضل المبين } قوله وارد على سبيل الشكر كقوله عليه السلام : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » أي أقول هذا القول شكراً ولا أقوله فخراً ، والنون في { علمنا } و { أوتينا } نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً فكلم أهل طاعته على الحال التي كان عليها وليس التكبر من لوازم ذلك .","part":3,"page":1},{"id":1002,"text":"{ وحشر } وجمع { لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطّير } روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ ، خمسة وعشرون للجن ، وخمسة وعشرون للإنس ، وخمسة وعشرون للطير ، وخمسة وعشرون للوحش ، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية ، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وابريسم فرسخاً في فرسخ ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب وفضة فيقعد وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فيقعد وحوله ، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه حر الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر . ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرخاء تسيره فأوحى الله تعالى إليه وهو يسير بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك ، فيحكى أنه مر بحراث فقال : لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال : إني جئت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال : لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود { فهم يوزعون } يحبس أولهم على آخرهم أي يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم التوالي ليكونوا مجتمعين وذلك للكثرة العظيمة . والوزع : المنع ، ومنه قول عثمان Bه : «ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن» .\r{ حتّى إذا أتوا على واد النّمل } أي ساروا حتى إذا بلغوا وادي النمل وهو واد بالشام كثير النمل . وعدي ب «على» لأن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء { قالت نملةٌ } عرجاء تسمى طاخية أو منذرة . وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال : سلوا عما شئتم فسأله أبو حنيفة Bه وهو شاب عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟ فأفحم فقال أبو حنيفة Bه : كانت أنثى . فقيل له : بماذا عرفت؟ فقال : بقوله { قالت نملة } ولو كانت ذكراً لقال قال نملة ، وذلك أن النملة مثل الحمامة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة ، نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي { ياأيّها النّمل ادخلوا مساكنكم } ولم يقل «ادخلن» لأنه لما جعلها قائلة والنمل مقولاً لهم كما يكون في أولي العقل أجرى خطابهن مجرى خطابهم { لا يحطمنّكم } لا يكسرنكم ، والحطم الكسر وهو نهي مستأنف وهو في الظاهر نهي لسليمان عن الحطم وفي الحقيقة نهي لهن عن البروز والوقوف على طريقة «لا أرينك هاهنا» أي لا تحضر هذا الموضع . وقيل : هو جواب الأمر وهو ضعيف يدفعه نون التوكيد لأنه من ضرورات الشعر { سليمان وجنوده } قيل : أراد لا يحطمنكم جنود سليمان فجاء بما هو أبلغ { وهم لا يشعرون } لا يعلمون بمكانكم أي لو شعروا لم يفعلوا ، قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال","part":3,"page":2},{"id":1003,"text":"{ فتبسّم ضاحكاً مّن قولها } متعجباً من حذرها واهتدائها لمصالحها ونصيحتها للنمل ، أو فرحاً لظهور عدله . و { ضاحكاً } حال مؤكدة لأن تبسم بمعنى ضحك وأكثر ضحك الأنبياء التبسم كذا قاله الزجاج { وقال ربّ أوزعني } ألهمني وحقيقته كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك { أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ } من النبوة والملك والعلم { وعلى والديّ } لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد { وأن أعمل صالحاً ترضاه } في بقية عمري { وأدخلني برحمتك } وأدخلني الجنة برحمتك لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة أحد إلا برحتمه كما جاء في الحديث { في عبادك الصّالحين } أي في زمرة أنبيائك المرسلين أو مع عبادك الصالحين . روي أن النملة أحست بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهن ثم دعا بالدعوة .","part":3,"page":3},{"id":1004,"text":"{ وتفقّد الطّير فقال مالي } مكي وعلي وعاصم ، وغيرهم بسكون الياء . والتفقد صلب ما غاب عنك { لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين } «أم» بمعنى بل والمعنى أنه تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد فقال : مالي لا أراه على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك ، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول : بل هو غائب . وذكر أن سليمان عليه السلام لما حج خرج إلى اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال فنزل ليصلي فلم يجد الماء وكان الهدهد قنّاقنه وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فتستخرج الشياطين الماء فتفقده لذلك . وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال ، فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب : عليّ به ، فارتفع فنظر فإذا هو مقبل فقصده فناشده الله فتركه ، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض وقال : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فارتعد سليمان وعفا عنه { لأعذّبنّه عذاباً شديداً } بنتف ريشه وإلقائه في الشمس ، أو بالتفريق بينه وبين إلفه ، أو بإلزامه خدمة أقرآنه ، أو بالحبس مع أضداده . وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد . أو بإبداعه القفص أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله . وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع ، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة { أو لأذبحنّه أو ليأتينّي } بالنون الثقيلة ليشاكل قوله { لأعذبنه } وحذف نون العماد للتخفيف . { ليأتيني } بنونين : مكي الأول للتأكيد والثاني للعماد { بسلطانٍ مّبينٍ } بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته . والإشكال أنه حلف على أحد ثلاثة أشياء : اثنان منها فعله ولا مقال فيه ، والثالث فعل الهدهد وهو مشكل لأنه من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال : والله ليأتيني بسلطان؟ وجوابه أن معنى كلامه ليكونن أحد الأمور يعني إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح ، وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا دعاء دراية\r{ فمكث } الهدهد بعد تفقد سليمان إياه ، وبضم الكاف غيره عاصم وسهل ويعقوب ، وهما لغتان","part":3,"page":4},{"id":1005,"text":"{ غير بعيدٍ } أي مكثاً غير طويل أو غير زمان بعيد كقوله «عن قريب» ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان . فلما رجع سأله عما لقي في غيبته { فقال أحطت } علماً شيئاً من جميع جهاته { بما لم تحط به } ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة ابتلاء له في علمه ، وفيه دليل بطلان قول الرافضة أن الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه { وجئتك من سبإٍ } غير منصرف . أبو عمرو جعله اسماً للقبيلة أو المدينة وغيره بالتنوين جعله اسماً للحي أو الأب الأكبر { بنبإٍ يقينٍ } النبأ الخبر الذي له شأن ، وقوله من { سبأ بنبإٍ } من محاسن الكلام ويسمى البديع وقد حسن وبدع لفظاً ومعنى هاهنا ألا ترى أنه لو وضع مكان { بنبإ } بخبر لكان المعنى صحيحاً وهو كما جاء أصح لما في النبإ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال .\r{ إنّي وجدتّ امرأةً } هي بلقيس بنت شراحيل وكان أبوها ملك أرض اليمن ولم يكن له ولد غيرها فغلبت على الملك وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس . والضمير في { تملكهم } راجع إلى سبأ على تأويل القوم أو أهل المدينة { وأوتيت } حال ، و«قد» مقدرة { من كلّ شيءٍ } من أسباب الدنيا ما يليق بحالها { ولها عرشٌ } سرير عظيم { عظيمٌ } كبير . قيل : كان ثمانين ذراعاً في ثمانين ذراعاً وطوله في الهواء ثمانون ذراعاً ، وكان من ذهب وفضة وكان مرصعاً بأنواع الجواهر وقوائمه من يا قوت أحمر وأخضر ودر وزمرد ، وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق . واستصغر حالها إلى حال سليمان فاستعظم عرضها لذلك ، وقد أخفى الله تعالى على سليمان ذلك لمصلحة رآها كما أخفى مكان يوسف على يعقوب عليهما السلام","part":3,"page":5},{"id":1006,"text":"{ وجدتّها وقومها يسجدون للشّمس من دون الله وزيّن لهم الشّيطان أعمالهم فصدّهم عن السّبيل } أي سبيل التوحيد { فهم لا يهتدون } إلى الحق ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وحرمة السجود للشمس إلهاماً من الذلة كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها .\r{ ألاّ يسجدوا } بالتشديد أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا فحذف الجار مع «أن» وأدغمت النون في اللام ، ويجوز أن تكون «لا» مزيدة ويكون المعنى فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا . وبالتخفيف : يزيد وعلي ، وتقديره : ألا يا هؤلاء اسجدوا ف «ألا» للتنبيه و«يا» حرف نداء ومناداه محذوف ، فمن شدد لم يقف إلا على العرش العظيم ، ومن خفف وقف على { فهم لا يهتدون } ثم ابتدأ { ألا يسجدوا } أو وقف على { ألايا } ثم ابتدأ { اسجدوا } وسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً بخلاف ما يقوله الزجاج إنه لا يجب السجود مع التشديد ، لأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح للآتي بها أو ذم لتاركها ، وإحدى القراءتين أمر والآخرى ذم للتارك { لله الذي يخرج الخبء } سمى المخبوء بالمصدر { في السّماوات والأرض } قتادة خبء السماء المطر وخبء الأرض النبات { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } وبالتاء فيهما : علي وحفص { الله لا إله إلاّ هو ربّ العرش العظيم } وصف الهدهد عرش الله بالعظيم تعظيم به بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض ، ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك إلى ههنا كلام الهدهد .\rفلما فرغ من كلامه { قال } سليمان للهدهد { سننظر } من النظر الذي هو التأمل { أصدقت } فيما أخبرت { أم كنت من الكاذبين } وهذا أبلغ من «أم كذبت» لأنه إذا كان معروفاً بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذباً لا محالة ، وإذا كان كاذباً اتهم بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به ، ثم كتب سليمان كتاباً صورته : من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ : بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه وقال للهدهد :","part":3,"page":6},{"id":1007,"text":"{ اذهب بّكتابي هذا فألقه } بسكون الهاء تخفيفاً : أبو عمرو وعاصم وحمزة ، ويختلسها كسراً لتدل الكسرة على الياء المحذوفة : يزيد وقالون ويعقوب ، { فألقهي } بإثبات الياء : غيرهم { إليهم } إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله { وجدتها وقومها يسجدون للشمس } وبني الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك { ثمّ تولّ عنهم } تنح عنهم إلى مكان قريب بحيث تراهم ولا يرونك ليكون ما يقولونه بمسمع منك { فانظر ماذا يرجعون } ما الذي يردونه من الجواب . فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره ودخل عليها من كوة فطرح الكتاب على نحرها وهي راقدة وتوارى في الكوة فانتبهت فزعة ، أو أتاها والجنود حواليها فرفرف ساعة وألقى الكتاب في حجرها وكانت قارئة ، فلما رأت الخاتم .\r{ قالت } لقومها خاضعة خائفة { ياأيّها المللأ إنّي } وبفتح الياء : مدني { ألقي إليّ كتابٌ كريمٌ } حسن مضمونه وما فيه أو مختوم . قال E : \" كرم الكتاب ختمه \" وقيل : من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به ، أو مصدر ببسم الله الرحمن الرحيم أو لأنه من عند ملك كريم { إنّه من سليمان وإنّه بسم الله الرّحمن الرّحيم } هو تبيين لما ألقى إليها كأنها لما قالت { إني ألقي إلى كتاب كريم } قيل لها : ممن هو وما هو؟ فقالت : { إنه من سليمان } وإنه كيت وكيت . و«أن» فيه { ألاّ تعلوا } لا تترفعوا { عليّ } ولا تتكبروا كما يفعل الملوك مفسرة كقوله { وانطلق الملأ منهم أن امشوا } [ ص : 6 ] يعني أي امشوا { وأتوني مسلمين } مؤمنين أو منقادين وكتب الأنبياء مبنية على الإيجاز والاختصار","part":3,"page":7},{"id":1008,"text":"{ قالت يا أيّها المللأ أفتوني في أمري } أشيروا علي في الأمر الذي نزل بي . والفتوى الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتاء في السن ، والمراد هنا بالفتوى الإشارة عليها بما عندهم من الرأي ، وقصدها بالرجوع إلى استشارتهم تطييب أنفسهم ليمالئوها ويقوموا معها { ما كنت قاطعةً أمراً } فاصلة أو ممضية حكماً { حتّى تشهدون } بكسر النون ، والفتح لحن لأن النون إنما تفتح في موضع الرفع وهذا في موضع النصب ، وأصله تشهدونني فحذفت النون الأولى للنصب والياء لدلالة الكسرة عليها . وبالياء في الوصل والوقف : يعقوب أي تحضروني وتشيروني وتشهدوا أنه صواب أي لا أبت الأمر إلا بمحضركم . وقيل : كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً كل واحد على عشرة الاف .\r{ قالوا } مجيبين لها { نحن أولوا قوّةٍ وأولوا بأسٍ شديدٍ } أرادوا بالقوة قوة الأجساد والآلات وبالبأس النجدة والبلاء في الحرب { والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين } أي موكول إليك ونحن مطيعون لك فمرينا بأمرك نطعك ولا نخالفك كأنهم أشاروا عليها بالقتال ، أو أرادوا نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة وأنت ذات الرأي والتدبير فانظري ماذا ترين نتبع رأيك . فلما أحست منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة ورتبت الجواب فزيفت أولاً ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه حيث { قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قريةً } عنوة وقهراً { أفسدوها } خربوها { وجعلوا أعزّة أهلها أذلّةً } أذلوا أعزتها وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا فذكرت لهم سوء عاقبة الحرب ثم قالت { وكذلك يفعلون } أرادت وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير لأنها كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت . ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد . وقيل : هو تصديق من الله لقولها ، واحتج الساعي في الأرض بالفساد بهذه الآية . ومن استباح حراماً فقد كفر ، وإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين","part":3,"page":8},{"id":1009,"text":"{ وإنّي مرسلةٌ إليهم بهديّةٍ } أي مرسلة رسلاً بهدية .\r{ فناظرةٌ } فمنتظرة { بم } أي ب «ما» لأن الألف تحذف مع حرف الجر في الاستفهام { يرجع المرسلون } بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك وحسن مواقع الهدايا عندهم ، فإن كان ملكاً قبلها وانصرف ، وإن كان نبياً ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه . فبعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر ، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان ، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب ، وبعثت رسلاً وأمرت عليهم المنذر بن عمرو بدليل قوله تعالى؛ { بم يرجع المرسلون } . وكتبت كتاباً فيه نسخة الهدايا وقالت فيه : إن كنت نبياً فميز بين الوصفاء والوصائف وأخبر بما في الحق واثقب الدرة ثقباً واسلك في الخرزة خيطاً . ثم قالت للمنذر : إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك منظره ، وإن رأيته بشاشاً لطيفاً فهو نبي . فأقبل الهدهد وأخبر سليمان الخبر كله فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوها في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ ، وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة ، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبنات ، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار ، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه ، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ ، والإنس صفوفاً فراسخ ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك ، فلما دنا القوم ورأوا الدواب تروث على اللبن رموا بما معهم من الهدايا ، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق فأعطوه كتاب الملكة فنظر فيه وقال : أين الحق؟ فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها ، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية وقال للمنذر : { ارجع إليهم } .","part":3,"page":9},{"id":1010,"text":"{ فَلَمَّا جَآء } رسولها المنذر بن عمرو { سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } بنونين وإثبات الياء في الوصل والوقف : مكي وسهل ، وافقهما مدني وأبو عمرو في الوصل . { أتمدوني } حمزة ويعقوب في الحالين ، وغيرهم بنونين بلا يا ء فيهما ، والخطاب للرسل { فَمَا ءاتانى الله } من النبوة والملك والنعمة . وبفتح الباء : مدني وأبو عمرو وحفص { خَيْرٌ مّمَّا ءاتاكم } من زخارف الدنيا { بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } الهدية اسم المهدي كما أن العطية اسم المعطي فتضاف إلى المهدي والمهدى له تقول «هذه هدية فلان» تريد هي التي أهداها أو أهديت إليه ، والمعنى إن ما عندي خير مما عندكم وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر والغنى الأوسع ، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فلذلك تفرحون بما تزادون ويهدى إليكم لأن ذلك مبلغ همتكم ، وحالي خلاف حالكم وما أرضي منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية . والفرق بين قولك «أتمدونني بمال وأنا أغنى منكم» وبين أن تقوله بالفاء أني إذا قلته بالواو جعلت مخاطبي عالماً بزيادتي في الغنى وهو مع ذلك يمدني بمال ، وإذا قلته بالفاء فقد جعلته ممن خفيت عليه حالي فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده كأني أقول له : أنكر عليك ما فعلت فإني غني عنه ، وعليه ورد { فما آتاني الله } ووجه الإضراب أنه لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا فرح إلا أن يهدي إليهم حظ من الدنيا التي يعلمون غيرها .\r{ ارجع إِلَيْهِمْ } خطاب للرسول أو الهدهد محملاً كتاباً آخر إليهم ائت بلقيس وقومها { فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } لا طاقة لهم بها وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة أي لا يقدرون أن يقابلوهم { وَلَنُخْرِجَنَّهُم مّنْهَا } من سبأ { أَذِلَّةً وَهُمْ صاغرون } الذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك ، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد . فلما رجع إليها رسولها بالهدايا وقص عليها القصة قالت : هو نبي وما لنا به طاقة ثم جعلت عرشها في آخر سبعة أبيات وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً يحفظونه ، وبعثت إلى سليمان إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه ، وشخصت إليه في إثني عشر ألف . قيل : تحت كل قيل ألوف فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان .","part":3,"page":10},{"id":1011,"text":"{ قَالَ يَا أَيُّهَا الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده مع إطلاعها على عظم قدرة الله تعالى وعلى ما يشهد لنبوة سليمان ، أو أراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها وهذا بعيد عند أهل التحقيق ، أو أراد أن يؤتى به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته أم تنكره اختباراً لعقلها { قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الجن } وهو الخبيث المارد واسمه ذكوان { أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } مجلس حكمك وقضائك { وَإِنّى عَلَيْهِ } على حمله { لَقَوِىٌّ أَمِينٌ } آتي به كما هو لا آخذ منه شيئاً ولا أبدله . فقال سليمان عليه السلام : أريد أعجل من هذا .\r{ قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب } أي ملك بيده كتاب المقادير أرسله الله تعالى عند قول العفريت ، أو جبريل عليه السلام ، والكتاب على هذا اللوح المحفوظ ، أو الخضر أو آصف بن برخيا كاتب سليمان وهو الأصح وعليه الجمهور ، وكان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وهو : يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أو يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً «واحداً» لا إله إلا أنت . وقيل : كان له علم بمجاري الغيوب إلهاماً { أنا ءَاتيك به } بالعرش و { آتيك } في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً أو اسم فاعل . ومعنى قوله { قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك . ويروى أن آصف قال لسليمان عليه السلام : مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد عينيه فنظر نحو اليمن فدعا آصف فغار العرش في مكانه ثم نبع عند مجلس سليمان بقدرة الله تعالى قبل أن يرتد طرفه { فَلَمَّا رَءاهُ } أي العرش { مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } ثابتاً لديه غير مضطرب { قَالَ هذا } أي حصول مرادي وهو حضور العرش في مدة ارتداد الطرف { مِن فَضْلِ رَبّى } عليّ وإحسانه إلي بلا استحقاق مني بل هو فضل خال من العوض صافٍ عن الغرض { ليبلونىِ ءَأشكر } ليمتحنني أأشكر إنعامه { أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأنه يحط به عنها عبء الواجب ويصونها عن سمة الكفران ويستجلب به المزيد وترتبط به النعمة ، فالشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة . وفي كلام بعضهم : إن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها ، فاستدع شاردها بالشكر ، واستدم راهنها بكرم الجوار . واعلم أن سبوغ ستر الله تعالى متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقاراً أي لم تشكر لله نعمة { وَمَن كَفَرَ } بترك الشكر على النعمة { فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ } عن الشكر { كَرِيمٌ } بالإنعام على من يكفر نعمته ، قال الواسطي : ما كان منا من الشكر فهو لنا ، وما كان منه من النعمة فهو إلينا وله المنة والفضل علينا .","part":3,"page":11},{"id":1012,"text":"{ قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا } غيروا أي اجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه أسفله { نَنظُرْ } بالجزم على الجواب { أَتَهْتَدِى } إلى معرفة عرشها أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه { أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ فَلَمَّا جَاءتْ } بلقيس { قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ } «ها» للتنبيه والكاف للتشبيه و «ذا» اسم إشارة ولم يقل «أهذا عرشك» ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقيناً { قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } فأجابت أحسن جواب فلم تقل «هو هو» و «لا ليس به» وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقطع في المحتمل للأمرين ، أو لما شبهوا عليها بقولهم : { أهكذا عرشك } شبهت عليهم بقولها { كَأَنَّهُ هُوَ } مع أنها علمت أنه عرشها { وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا } من كلام بلقيس أي وأوتينا العلم بقدرة الله تعالى وبصحة نبوتك بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبل هذه المعجزة أي إحضار العرش أو من قبل هذه الحالة { وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } منقادين لك مطيعين لأمرك ، أو من كلام سليمان وملئه عطفوا على كلامها قولهم : وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها ، أو أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين موحدين خاضعين .","part":3,"page":12},{"id":1013,"text":"{ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله } متصل بكلام سليمان أي وصدها عن العلم بما علمناه أو عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين أظهر الكفرة . ثم بين نشأها بين الكفرة بقوله { إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كافرين } أو كلام مبتدأ أي قال الله تعالى وصدها قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل ، أو صدها الله ، أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل .\r{ قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح } أي القصر أو صحن الدار { فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً } ماء عظيماً { وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا } { سأقيها } بالهمزة : مكي . روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه السمك وغيره ، ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس . وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوته . وقيل : إن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية . وقيل : خافوا أن يولد له منها ولد يجمع فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له : إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار ، فاختبر عقلها بتنكير العرش ، واتخذ الصرح ليعرف ساقها ورجلها فكشفت عنهما فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء فصرف بصره { قَالَ } لها { إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } مملس مستو ومنه الأمرد { مّن قَوارِيرَ } من الزجاج . وأراد سليمان تزوجها فكره شعرها فعملت لها الشياطين النورة فأزالته فنكحها سليمان وأحبها وأقرها على ملكها وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له { قَالَتْ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } بعبادة الشمس { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبّ العالمين } قال المحققون : لا يحتمل أن يحتال سليمان لينظر إلى ساقيها وهي أجنبية فلا يصح القول بمثله .","part":3,"page":13},{"id":1014,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ } في النسب { صالحا } بدل { أَنِ اعبدوا الله } بكسر النون في الوصل : عاصم وحمزة وبصري ، وبضم النون : غيرهم اتباعاً للباء ، والمعنى بأن اعبدوا الله وحدوه { فَإِذَا } للمفاجأة { هُمْ } مبتدأ { فَرِيقَانِ } خبر { يَخْتَصِمُونَ } صفة وهي العامل في { إِذَا } والمعنى فإذا قوم صالح فريقان مؤمن به وكافر به يختصمون فيقول كل فريق الحق معي وهو مبين في قوله : { قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ قَالُواْ إِنَّا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي أمنتم به كافرون } [ الأعراف : 75 ] وقال الفريق الكافر : { ياصاح ائتنا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ المرسلين } { [ الأعراف : 77 ] { قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة } بالعذاب الذي توعدون { قَبْلَ الحسنة } قبل التوبة { لَوْلاَ } هلا { تَسْتَغْفِرُونَ الله } تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل نزول العذاب بكم { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بالإجابة { قَالُواْ اطيرنا بِكَ } تشاءمنا بك لأنهم قحطوا عند مبعثه لتكذيبهم فنسبوه إلى مجيئه . والأصل { تَطَيَّرْنَا } وقريء به فأدغمت التاء في الطاء وزيدت الألف لسكون الطاء { وَبِمَن مَّعَكَ } من المؤمنين { قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله } أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله وهو قدره وقسمته ، أو عملكم مكتوب عند الله فإنما نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة ومنه { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } [ الإسراء : 13 ] وأصله أن المسافر إذا مر بطائر فيزجره فإن مر سانحاً تيامن ، وإذا مر بارحاً تشاءم ، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته ، أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } تختبرون أو تعذبون بذنبكم .","part":3,"page":14},{"id":1015,"text":"{ وَكَانَ فِى المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر { تِسْعَةُ رَهْطٍ } هو جمع لا واحد له ولذا جاز تمييز التسعة به فكأنه قيل تسعة أنفس ، وهو من الثلاثة إلى العشرة . وعن أبي دؤاد : رأسهم قدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا أبناء أشرافهم { يُفْسِدُونَ فِى الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ } يعني أن شأنهم الإفساد البحت لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح . وعن الحسن يظلمون الناس ولا يمنعون الظالمين من الظلم . وعن ابن عطاء : يتبعون معايب الناس ولا يسترون عوراتهم { قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله } { تحالفوا } خبر في محل الحال بإضمار «قد» أي قالوا متقاسمين أو أمر أي أمر بعضهم بعضاً بالقسم { لَنُبَيّتَنَّهُ } لنقتلنه بياتاً أي ليلاً { وَأَهْلَهُ } ولده وتبعه { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ } لولي دمه { لتبيتنه } بالتاء وبضم التاء الثانية ثم { لتقولن } بالتاء وضم اللام : حمزة وعلي { ماشهدنا } ما حضرنا { مَهْلِكَ أَهْلِهِ } حفص { مهلَك } أبو بكر وحماد والمفضل من هلك ، فالأول موضع الهلاك ، والثاني المصدر { مُهلَك غيرهم ، من أهلك وهو الإهلاك أو مكان الإهلاك أي لم نتعرض لأهله فكيف تعرضنا له؟ أو ما حضرنا موضع هلاكه فكيف توليناه؟ { وِإِنَّا لصادقون } فيما ذكرنا .\r{ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } مكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله . ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون ، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة . روي أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا : زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثالث ، فخرجوا إلى الشعب وقالوا : إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم ، فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم ، وعذب الله كلاً منهم في مكانه ونجى صالحاً عليه السلام ومن معه","part":3,"page":15},{"id":1016,"text":"{ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة مَكْرِهِمْ أَنَّا دمرناهم } بفتح الألف : كوفي وسهل ، وبكسرها : غيرهم على الاستئناف ، ومن فتحه رفعه على أنه بدل من العاقبة ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره : هي تدميرهم ، أو نصبه على معنى لأنا أو على أنه خبر «كان» أي فكان عاقبة مكرهم الدمار { وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } بالصيحة { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط ، أو خالية من الخواء ، وهي حال عمل فيها ما دل عليه { تلك } { بِمَا ظَلَمُواْ } بظلمهم { إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما فعل بثمود { لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قدرتنا فيتعظون { وَأَنجَيْنَا الذين ءامَنُواْ } بصالح { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ترك أوامره وكانوا أربعة الآف نجوا مع صالح من العذاب .\r{ وَلُوطًا إِذْ قَالَ } واذكر لوطاً ، و { إذ } بدل من { لوطاً } أي واذكر وقت قول لوط { لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة } أي إتيان الذكور { وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها من بصر القلب ، أو يرى ذلك بعضهم من بعض لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم معالنين بها لا يتستر بعضهم من بعض مجانة وانهماكاً في المعصية ، أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم . ثم صرح فقال { أَئِنَّكُمْ } بهمزتين : كوفي وشامي { لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً } للشهوة { مّن دُونِ النساء } أي إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر ولا الأنثى للأنثى فهي مضادة لله في حكمته { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك ، أو أريد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها . وقد اجتمع الخطاب والغيبة في قوله { بل أنتم قوم تجهلون } و { بل أنتم قوم تفتنون } فغلب الخطاب على الغيبة لأنه أقوى إذ الأصل أن يكون الكلام بين الحاضرين .","part":3,"page":16},{"id":1017,"text":"{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ } أي لوطاً ومتبعيه فخبر «كان» { جواب } واسمه { أن قالوا } { مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } يتنزهون عن القاذورات ينكرون هذا العمل القذر ويغيظنا إنكارهم . وقيل : هو استهزاء كقوله { إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد } { [ هود : 87 ] { فأنجيناه } فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم { وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته قدرناها } بالتشديد سوى حماد وأبي بكر أي قدرنا كونها { مِنَ الغابرين } من الباقين في العذاب { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } حجارة مكتوباً عليها اسم صاحبها { فَسَاء مَطَرُ المنذرين } الذين لم يقبلوا الإنذار .\r{ قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى } أمر رسوله محمداً A بتحميده ثم بالصلاة على المصطفين من عباده توطئه لما يتلوه من الدلالة على وحدانيته وقدرته على كل شيء وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال بأن يتبرك بهما ويستظهر بمكانهما ، أو هو خطاب للوط عليه السلام بأن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه الله ونجاه من هلكتهم وعصمه من ذنوبهم { ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } بالياء : بصري وعاصم . ولا خير فيما أشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل شيء ، وإنما هو إلزام لهم وتهكم بحالهم وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ولا يؤثر عاقل شيئاً على شيء إلا لداع يدعوه إلى إيثاره من زيادة خير ومنفعة ، فقيل لهم مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخير ولكن هوى وعبثاً لينبهوا على الخطأ المفرط والجهل المورط ، وليعلموا أن الإيثار يجب أن يكون للخير الزائد ، وكان E إذا قرأها قال : \" بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم \" ثم عدد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله فقال","part":3,"page":17},{"id":1018,"text":"{ أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض } والفرق بين «أم» و «أم» في { أما يشركون } و { أمن خلق السماوات } أن تلك متصلة إذ المعنى أيهما خير ، وهذه منقطعة بمعنى «بل» والهمزة ، ولما قال الله خير أم الآلهة قال بل أمن خلق السماوات والأرض خير ، تقريراً لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاءً } مطراً { فَأَنبَتْنَا } صرف الكلام عن الغيبة إلى التكلم تأكيداً لمعنى اختصاص الفعل بذاته وإيذاناً بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والأشكال مع حسنها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده { بِهِ } بالماء { حَدَائِقَ } بساتين ، والحديقة : البستان وعليه حائط من الإحداق وهو الإحاطة { ذَاتُ } ولم يقل «ذوات» لأن المعنى جماعة حدائق كما تقول النساء ذهبت { بَهْجَةٍ } حسن لأن الناظر يبتهج به . ثم رشح معنى الاختصاص بقوله { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } ومعنى الكينونة الانبغاء أراد أنّ تأتّى ذلك محال من غيره { أءلاه مَّعَ الله } أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد و { بل هم } بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم .\r{ أَمَّن جَعَلَ الأرض } وما بعده بدل من { أمن خلق } فكان حكمها حكمه { قَرَاراً } دحاها وسواها للاستقرار عليها { وَجَعَلَ خِلاَلَهَا } ظرف أي وسطها وهو المفعول الثاني والأول { أَنْهَاراً } وبين البحرين مثله { وَجَعَلَ لَهَا } للأرض { رَوَاسِىَ } جبالاً تمنعها عن الحركة { وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين } العذب والمالح { حَاجِزاً } مانعاً أن يختلطا { أءلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } التوحيد فلا يؤمنون { أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } الاضطرار افتعال من الضرورة وهي الحالة المحوجة إلى اللجأ . يقال اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر ، والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرع إلى الله ، أو المذنب إذا استغفر ، أو المظلوم إذا دعا ، أو من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد وهو منه على خطر { وَيَكْشِفُ السوء } الضر أو الجور { وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الأرض } أي فيها وذلك توارثهم سكناها والتصرف فيها قرناً بعد قرن ، أو أراد بالخلافة الملك والتسلط { أءلاه مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } وبالياء : أبو عمرو ، وبالتخفيف : حمزة وعلي وحفص . و «ما» مزيدة أي تذكرون تذكراً قليلاً .","part":3,"page":18},{"id":1019,"text":"{ أَمَّن يَهْدِيكُمْ } يرشدكم بالنجوم { فِى ظلمات البر والبحر } ليلاً وبعلامات في الأرض نهاراً { وَمَن يُرْسِلُ الرياح } { الريح } مكي وحمزة وعلى { بشرًا } من البشارة وقد مرّ في «الأعراف» { بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } قدام المطر { أءلاه مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الخلق } ينشيء الخلق { ثُمَّ يُعِيدُهُ } وإنما قيل لهم { ثُمَّ يُعِيدُهُ } وهم منكرون للإعادة لأنه أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار فلم يبق لهم عذر في الإنكار { وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء } أي المطر { والأرض } أي ومن الأرض النبات { أءلاه مَّعَ الله قُلْ هَاتُواْ برهانكم } حجتكم على إشراككم { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعواكم أن مع الله إلهاً آخر .\r{ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله } { من } فاعل { يعلم } و { الغيب } هو ما لم يقم عليه دليل ولا أطلع عليه مخلوق مفعول و { الله } بدل مِن { مَن } والمعنى لا يعلم أحد الغيب إلا الله . نعم إن الله تعالى يتعالى عن أن يكون ممن في السماوات والأرض ولكنه جاء على لغة بني تميم حيث يجرون الاستثناء المنقطع مجرى المتصل ويجيزون النصب والبدل في المنقطع كما في المتصل ويقولون ما في الدار أحد إلا حمار . وقالت عائشة Bها : من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول : { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله } . وقيل : نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله A عن وقت الساعة { وَمَا يَشْعُرُونَ } وما يعلمون { أَيَّانَ } متى { يُبْعَثُونَ } ينشرون","part":3,"page":19},{"id":1020,"text":"{ بَلِ ادرك } { أدرك } مكي وبصري ويزيد والمفضل أي انتهى وتكامل من أدركت الفاكهة تكاملت نضجاً { بَلِ ادارك } عن الأعشى افتعل . { بَلِ ادّارك } غيرهم استحكم وأصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وزيد ألف الوصل ليمكن التكلم بها { عِلْمُهُمْ فِى الآخرة } أي في شأن الآخرة ومعناها ، والمعنى أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته وهم شاكون جاهلون وذلك قوله { بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم ، وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة ، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة ، ثم بما هو أسوأ حالاً وهو العمى . وقد جعل الآخرة مبتدأ عماهم ومنشأة فلذا عداه ب «من» دون «عن» لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التدبر والتفكر . ووجه ملاءمة مضمون هذه الآية وهو وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب وأن العباد لا علم لهم بشيء منه ، أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب وكان هذا بياناً لعجزهم ووصفاً لقصور علمهم ، وصل به أن عندهم عجزاً أبلغ منه وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به . وجاز أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما تقول لأجهل الناس «ما أعلمك» على سبيل الهزؤ وذلك حيث شكوا عموا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك فضلاً أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته ، ويجوز أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولك «أدركت الثمرة» لأن تلك غايتها التي عندها تعدم ، وقد فسرها الحسن بإضمحل علمهم في الآخرة . وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك .","part":3,"page":20},{"id":1021,"text":"{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ أَءذَا كُنَّا تُرَاباً وَءابَاؤُنَا أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ } من قبورنا أحياء وتكرير حرف الاستفهام في { أءذا } و { أءنا } في قراءة عاصم وحمزة وخلف ، إنكار بعد إنكار وجحود عقيب جحود ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه . والعامل في { إذا } ما دل عليه { لمخرجون } وهو نخرج لأن اسم الفاعل والمفعول بعد همزة الاستفهام ، أو إن «أو لام الابتداء لا يعمل فيما قبله فكيف إذا اجتمعن»؟ والضمير في «إنا» لهم ولآبائهم لأن كونهم تراباً قد تناولهم وآباءهم لكنه غلبت الحكاية على الغائب ، و { آباؤنا } عطف على الضمير في { كنا } لأن المفعول جرى مجرى التوكيد { لَقَدْ وُعِدْنَا هذا } أي البعث { نَحْنُ وَءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } من قبل محمد A . قدم هنا { هذا } على { نحن وآباؤنا } وفي المؤمنون { نحن وآباؤنا } على { هذا } ليدل على أن المقصود بالذكر هو البعث هنا وثمة المبعوثون { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم { قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } أي آخر أمر الكافرين . وفي ذكر الإجرام لطف بالمسلمين في ترك الجرائم كقوله تعالى : { فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ } [ الشمس : 15 ] وقوله { مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ } [ نوح : 25 ] { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } لأجل أنهم لم يتبعوك ولم يسلموا فيسلموا { وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ } في حرج صدر { مّمَّا يَمْكُرُونَ } من مكرهم وكيدهم لك فإن الله يعصمك من الناس . يقال ضاق الشيء ضيقاً بالفتح وهو قراءة غير ابن كثير وبالكسر وهو قراءته { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } أي وعد العذاب { إِن كُنتُمْ صادقين } أن العذاب نازل بالمكذب .","part":3,"page":21},{"id":1022,"text":"{ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذى تَسْتَعْجِلُونَ } استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم عسى أن يكون ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم ومعناه تبعكم ولحقكم ، وعسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ } أي إفضال { عَلَى الناس } بترك المعاجلة بالعذاب { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } أي أكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا يشكرونه فيستعجلون العذاب بجهلهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ } تخفي { صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } يظهرون من القول فليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم ولكن له وقت مقدر ، أو أنه يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله A ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقونه . وقرى { تكنّ } يقال كننت الشيء وأكننته إذا سترته وأخفيته { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِى السماء والأرض إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } سمى الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية ، والتاء فيهما كالتاء في العاقبة والعافية ونظائرهما الرمية والذبيحة والنطيحة في أنها أسماء غير صفات ، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالراوية كأنه قال : وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح المحفوظ . والمبين الظاهر البيّن لمن ينظر فيه من الملائكة .\r{ إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل } أي يبين لهم { أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فإنهم اختلفوا في المسيح فتحزبوا فيه أحزاباً ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضاً ، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا يريد اليهود والنصارى","part":3,"page":22},{"id":1023,"text":"{ وَإِنَّهُ } وإن القرآن { لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ } لمن أنصف منهم وآمن أي من بني إسرائيل أو منهم ومن غيرهم { إِن رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم } بين من آمن بالقرآن ومن كفر به { بِحُكْمِهِ } بعدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ، أو بحكمته ويدل عليه قراءة من قرأ { بحكمه } جمع حكمة { وَهُوَ العزيز } فلا يرد قضاؤه { العليم } بمن يقضي له وبمن يقضي عليه أو العزيز في انتقامه من المبطلين العليم بالفصل بينهم وبين المحقين { فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين { إِنَّكَ عَلَى الحق المبين } وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج وهو الدين الواضح الذي لا يتعلق به شك ، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم } لما كانوا لا يعون ما يسمعون ولا به ينتفعون ، شبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس ، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون ، وبالعمي حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى . ثم أكد حال الصم بقوله { إذا ولوا مدبرين } لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته ، { ولا يسمع الصُّمُّ } مكي وكذا «في الروم» { وَمَا أَنتَ تَهْدِى العمى } وكذا في «الروم» : حمزة { إِنْ تُسْمعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بآياتنا } أي ما يجدي إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته أي يصدقون بها { فَهُم مُّسْلِمُونَ } مخلصون من قوله { بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } [ البقرة : 112 ] يعني جعله سالماً لله خالصاً له .","part":3,"page":23},{"id":1024,"text":"{ وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم } سمى معنى القول ومؤداه بالقول وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب ، ووقوعه حصوله والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مّنَ الأرض تُكَلّمُهُمْ } هي الجساسة ، في الحديث : طولها ستون ذراعاً لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ، ولها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان . وقيل : لها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيّل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هرة وذنب كبش وخف بعير ، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية فتقول { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } أي لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات وتقول : ألا لعنة الله على الظالمين . أو تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام ، أو بأن هذا مؤمن وهذا كافر . وفتح { أن } كوفي وسهل على حذف الجار أي تكلمهم بأن ، وغيرهم كسروا لأن الكلام بمعنى القول ، أو بإضمار القول أي تقول الدابة ذلك ويكون المعنى بآيات ربنا أو حكاية لقول الله تعالى عند ذلك . ثم ذكر قيام الساعة فقال { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً } «من» للتبعيض أي واذكر يوم نجمع من كل أمة من الأمم زمرة { مّمَّن يُكَذّبُ } «من» للتبيين { بئاياتنا } المنزلة على أنبيائنا { فَهُمْ يُوزَعُونَ } يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى موضع الحساب وهذه عبارة عن كثرة العدد ، وكذا الفوج عبارة عن الجماعة الكثيرة { حتى إِذَا جَآءُو } حضروا موقف الحساب والسؤال { قَالَ } لهم تعالى تهديداً { أكذبتم بآياتي } المنزلة على رسلي { وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً } الواو للحال كأنه قال : أكذبتم بآياتي بادىء الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها وأنها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب { أَمَّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } حيث لم تتفكروا فيها فإنكم لم تخلقوا عبثاً","part":3,"page":24},{"id":1025,"text":"{ وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ } أي يغشاهم العذاب الموعود بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار كقوله : { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } [ المرسلات : 35 ]\r{ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا اليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً } حال ، جعل الإبصار للنهار وهو لأهله والتقابل مراعى من حيث المعنى لأن معنى { مبصراً } ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقون فيعتبرون ، وفيه دليل على صحة البعث لأن معناه ألم يعلموا أنا جعلنا الليل والنهار قواماً لمعاشهم في الدنيا ليعلموا أن ذلك لم يجعل عبثاً بل محنة وابتلاء ولا بد عند ذلك من ثواب وعقاب فإذا لكم يكونا في هذه الدار فلا بد من دار أخرى للثواب والعقاب { وَيَوْمَ } واذكر يوم { يُنفَخُ فِى الصور } وهو قرن أو جمع صورة والنافخ إسرافيل عليه السلام { فَفَزِعَ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض } اختير «فزع» على «يفزع» للإشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة ، والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون { إِلاَّ مَن شَاء الله } إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة قالوا : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام لأنه صعق مرة ، ومثله { وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله } ) الزمر : 68 ) { وَكُلٌّ أَتَوْهُ } حمزة وحفص وخلف ، { اتوه } غيرهم وأصله «آتيوه» { داخرين } حال أي صاغرين ومعنى الإتيان حضورهم الموقف ورجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له .\r{ وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا } بفتح السين : شامي وحمزة ويزيد وعاصم ، وبكسرها : غيرهم حال من المخاطب { جَامِدَةً } واقفة ممسكة عن الحركة من جمد في مكانه إذا لم يبرح { وَهِىَ تَمُرُّ } حال من الضمير المنصوب في { تحسبها } { مَرَّ السحاب } أي مثل مر السحاب والمعنى أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد لعظمها وهي تسير سيراً سريعاً كالسحاب إذا ضربته الريح ، وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت لا تكاد تبين حركتها كما قال النابغة في صفة جيش\rبأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف الحاج والركاب تهملج\r{ صُنْعَ الله } مصدر عمل فيه ما دل عليه { تمر } لأن مرورها كمر السحاب من صنع الله فكأنه قيل : صنع الله ذلك صنعاً وذكر اسم الله لأنه لم يذكر قبل { الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء } أي أحكم خلقه { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } { يفعلون } مكي وبصري غير سهل وأبو بكر غير يحي ، وغيرهم بالتاء أي أنه عالم بما يفعل العباد فيكافئهم على حسب ذلك .\rثم لخص ذلك بقوله","part":3,"page":25},{"id":1026,"text":"{ مَن جَاء بالحسنة } أي بقول لا إله إلا الله عند الجمهور { فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } أي فله خير حاصل من جهتها وهو الجنة ، وعلى هذا لا يكون { خير } بمعنى أفضل ويكون { منها } في موضع رفع صفة ل { خير } أي بسببها { وَهُمْ مّن فَزَعٍ } كوفي أي من فزع شديد مفرط الشدة وهو خوف النار أو من فزع ما وإن قل ، وبغير تنوين غيرهم { يَوْمَئِذٍ } كوفي ومدني ، وبكسر الميم غيرهم والمراد يوم القيامة { ءامِنُونَ } «أمن» يعدى بالجار وبنفسه كقوله { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } [ الأعراف : 99 ] { وَمَن جَاء بالسيئة } بالشرك { فَكُبَّتْ } ألقيت { وُجُوهُهْم فِى النار } يقال كببت الرجل ألقيته على وجهه أي ألقوا على رؤوسهم في النار ، أو عبر عن الجملة بالوجه كما يعبر بالرأس والرقبة عنها أي ألقوا في النار ويقال لهم تبكيتاً عند الكب { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الشرك والمعاصي","part":3,"page":26},{"id":1027,"text":"{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البلدة } مكة { الذى حَرَّمَهَا } جعلها حرماً آمناً يأمن فيها اللاجيء إليها ولا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها { وَلَهُ كُلُّ شَىء } مع هذه البلدة فهو مالك الدنيا والآخرة { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } المنقادين له .\r{ وَأَنْ أَتلُوَا القرءان } من التلاوة أو من التلو كقوله : { واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ } [ الأحزاب : 2 ] أمر رسوله بأن يقول أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا اتخذ له شريكاً كما فعلت قريش ، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة الإسلام ، وأن أتلو القرآن لأعرف الحلال والحرام وما يقتضيه الإسلام . وخص مكة من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأعظمها عنده وأشار إليها بقوله { هذه } إشارة تعظيم لها وتقريب دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه ، ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما { فَمَنُ اهتدى } باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الشركاء عنه والدخول في الملة الحنيفية واتباع ما أنزل عليّ من الوحي { فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إليّ { وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا أَنَاْ مِنَ المنذرين } أي ومن ضل ولم يتبعني فلا عليّ وما أنا إلا رسول منذر { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } ( العنكبوت ) { وَقُلِ الحمد للَّهِ سَيُرِيكُمْ ءاياته فَتَعْرِفُونَهَا } ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوة التي لا توازيها نعمة ، وأن يهدد أعداءه بما سيريهم الله من آياته في الآخرة فيستيقنون بها . وقيل : هو انشقاق القمر والدخان وما حل بهم من نقمات الله في الدنيا { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } بالتاء مدني وشامي وحفص ويعقوب خطاب لأهل مكة ، وبالياء غيرهم أي كل عمل يعملونه فإن الله عالم به غير غافل عنه فالغفلة والسهو لا يجوزان عليه .","part":3,"page":27},{"id":1028,"text":"مكية وهي ثمان وثمانون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ طسم تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين } يقال بان الشيء وأبان بمعنى واحد ، ويقال أبنته فأبان لازم ومتعدٍ أي مبين خيره وبركته أو مبين للحلال والحرام والوعد والوعيد والإخلاص والتوحيد { نَتْلُواْ عَلَيْكَ } نقرأ عليك أي يقرؤه جبريل بأمرنا ومفعول { نتلو } { مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ } أي نتلو عليك بعض خبرهما { بالحق } حال أي محقين { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لمن سبق في علمنا أنه مؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم { إِنَّ فِرْعَوْنَ } جملة مستأنفة كالتفسير للجمل كأن قائلاً قال : وكيف كان نبؤهما؟ فقال : إن فرعون { عَلاَ } طغى وجاوز الحد في الظلم واستكبر وافتخر بنفسه ونسي العبودية { فِى الأرض } أي أرض مملكته يعني مصر { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه . لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه أو فرقاً مختلفة يكرم طائفة ويهين أخرى فأكرم القبطي وأهان الإسرائيلي { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ } هم بنو إسرائيل { يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءهُمْ } أي يترك البنات أحياء للخدمة ، وسبب ذبح الأبناء أن كاهناً قال له : يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده . وفيه دليل على حمق فرعون فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل ، وإن كذب فما معنى القتل . ويستضعف حال من الضمير في { وجعل } أو صفة ل { شيعاً } أو كلام مستأنف و { يذبح } بدل من { يستضعف } { إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين } أي إن القتل ظلماً إنما هو فعل المفسدين إذ لا طائل تحته صدق الكاهن أو كذب .","part":3,"page":28},{"id":1029,"text":"{ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ } نتفضل وهو دليل لنا في مسألة الأصلح ، وهذه الجملة معطوفة على { إن فرعون علا في الأرض } لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى وفرعون واقتصاصاً له ، أو حال من { يستضعف } أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم وإرادة الله تعالى كائنة فجعلت كالمقارنة لاستضعافهم { عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } قادة يقتدى بهم في الخير أو قادة إلى الخير أو ولاة وملوكاً { وَنَجْعَلَهُمْ الوارثين } أي يرثون فرعون وقومه ملكهم وكل ما كان لهم { وَنُمَكّنَ } مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه أو يرقد ، ومعنى التمكين { لَهُمْ فِى الأرض } أي أرض مصر والشام أن يجعلها بحيث لا تنبو بهم ويسلطهم وينفذ أمرهم { وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا } بضم النون ونصب فرعون وما بعده ، وبالياء ورفع فرعون وما بعده : علي وحمزة أي يرون منهم ما حذروه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم ، { ويرى } نصب عطف على المنصوب قبله كقراءة النون أو رفع على الاستئناف { مِنْهُمْ } من بني إسرائيل ويتعلق ب { نري } دون { يحذرون } لأن الصلة لا تتقدم على الموصول { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } الحذر : التوقي من الضرر .\r{ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى } بالإلهام أو بالرؤيا أو بإخبار ملك كما كان لمريم ، وليس هذا وحي رسالة ولا تكون هي رسولاً { أَنْ أَرْضِعِيهِ } «أن» بمعنى أي أو مصدرية { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } من القتل بأن يسمع الجيران صوته فينمو عليه { فَأَلْقِيهِ فِى اليم } البحر ، قيل : هو نيل مصر { وَلاَ تَخَافِى } من الغرق والضياع { وَلاَ تَحْزَنِى } بفراقه { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } بوجه لطيف لتربيته { وجاعلوه مِنَ المرسلين } وفي هذه الآية أمران ونهيان وخبران وبشارتان . والفرق بين الخوف والحزن أن الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع ، والحزن غم يلحقه لواقع وهو فراقه والإخطار به فنهيت عنهما وبشرت برده إليها وجعله من المرسلين . ورُوي أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد . ورُوي أنها حين ضربها الطلق وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه ودخل حبه قلبها فقالت : ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله فاحفظيه ، فلما خرجت القابلة جاءت عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها فطلبوا فلم يلقوا شيئاً فخرجوا وهي لا تدري مكانه فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار برداً وسلاماً ، فلما ألح فرعون في طلب الولدان أوحي إليها بإلقائه في اليم فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة أشهر","part":3,"page":29},{"id":1030,"text":"{ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ } أخذه ، قال الزجاج : كان فرعون من أهل فارس من اصطخر { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً } أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلده الوالدة وهي لم تلد لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجاج . وعن هذا قال المفسرون : إن هذه لام العاقبة والصيرورة . وقال صاحب الكشاف : هي لام كي التي معناها التعليل كقولك «جئتك لتكرمني» ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء { وَحَزَناً } { وحُزناً } علي وحمزة وهما لغتان كالعدم والعدم { إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين } { خاطين } تخفيف خاطئين : أبو جعفر أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم ، أو كانوا خاطئين في كل شيء فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم .\r{ وَقَالَتِ امرأت فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ } روي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه فعالجوا كسره فأعياهم فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نوراً فعالجته ففتحه فإذا بصبي نوره بين عينيه فأحبوه وكانت لفرعون بنت برصاء فنظرت إلى وجهه فبرئت ، فقالت الغواة من قومه : هو الذي نحذر منه فأذن لنا في قتله ، فهمّ بذلك فقالت آسية : قرة عين لي ولك . فقال فرعون : لك ، لا لي . وفي الحديث \" لو قال كما قالت لهداه الله تعالى كما هداها \" وهذا على سبيل الفرض أي لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها وكان أسلم كما أسلمت . و { قرة } خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة و { لي ولك } صفتان لقرة { لاَ تَقْتُلُوهُ } خاطبته خطاب الملوك أو خاطبت الغواة { عسى أَن يَنفَعَنَا } فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما عاينت من النور وبرء البرصاء { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أو نتبناه فإنه أهل لأن يكون ولداً للملوك { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } حال ، وذو حالها آل فرعون وتقدير الكلام : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ، وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه . وقوله { إن فرعون } الآية جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم ، وما أحسن نظم هذا الكلام عند أصحاب المعاني والبيان .","part":3,"page":30},{"id":1031,"text":"{ وَأَصْبَحَ } وصار { فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً } صفراً من العقل لما دهمها من فرط الجزع لما سمعت بوقوعه في يد فرعون { إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } لتظهر به والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته وأنه ولدها . قيل : لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول : وا ابناه . وقيل : لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله فكادت تقول : وا ابناه شفقة عليه . و «إن» مخففة من الثقيلة أي إنها كادت { لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا } لولا ربطنا على قلبها والربط على القلب تقويته بإلهام الصبر { لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين } من المصدقين بوعدنا وهو { إنا رادوه إليك } وجواب «لولا» محذوف أي لأبدته أو فارغاً من الهم حين سمعت أن فرعون تبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت لولا أنا طمأنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لابتبني فرعون . قال يوسف بن الحسين : أمرت أم موسى بشيئين ونهيت عن شيئين وبشرت ببشارتين فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط على قلبها","part":3,"page":31},{"id":1032,"text":"{ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ } مريم { قُصّيهِ } اتبعي أثره لتعلمي خبره { فَبَصُرَتْ بِهِ } أي أبصرته { عَن جُنُبٍ } عن بعد حال من الضمير في { به } أو من الضمير في { بصرت } { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنها أخته { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع } تحريم منع لا تحريم شرع أي منعناه أن يرضع ثدياً غير ثدي أمه وكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك . والمراضع جمع مرضع وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع وهو موضع الرضاع وهو الثدي أو الرضاع { مِن قَبْلُ } من قبل قصها أثره أو من قبل أن نرده على أمه { فَقَالَتْ } أخته وقد دخلت بين المراضع ورأته لا يقبل ثدياً { هَلْ أَدُلُّكُمْ } أرشدكم { على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ } أي موسى { لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصحون } النصح إخلاص العمل من شائبة الفساد .\rرُوي أنها لما قالت { وهم له ناصحون } قال هامان : إنها لتعرفه وتعرف أهله فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام ، فقالت : إنما أردت وهم للملك ناصحون . فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع ، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها ، فقال لها فرعون : ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت : إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني ، فدفعه إليها وأجرى عليها وذهبت به إلى بيتها وأنجز الله وعده في الرد فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبياً وذلك قوله :","part":3,"page":32},{"id":1033,"text":"{ فرددناه إلى أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } بالمقام معه { وَلاَ تَحْزَنْ } بفراقه { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } أي وليثبت علمها مشاهدة كما علمت خبراً . وقوله { ولا تحزن } معطوف على { تقر } وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار كل يوم كما قال السدي لأنه مال حربي لا أنه أجرة على إرضاع ولدها { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } هو داخل تحت علمها أي لتعلم أن وعد الله حق ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون انه حق فيرتابون ، ويشبه التعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت .\r{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } بلغ موسى نهاية القوة وتمام العقل وهو جمع شدة كنعمة وأنعم عند سيبويه { واستوى } واعتدل وتم استحكامه وهو أربعون سنة . ويروى أنه : « \" لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة \" { آتَيْنَاهُ حُكْمًا } نبوة { وَعِلْماً } فقهاً أو علماً بمصالح الدارين { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } أي كما فعلنا بموسى وأمه نفعل بالمؤمنين . قال الزجاج : جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين ، والعالم الحكيم من يعمل بعلمه لأنه تعالى قال : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [ البقرة : 102 ] فجعلهم جهالاً إذ لم يعملوا بالعلم { وَدَخَلَ المدينة } أي مصر { على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } حال من الفاعل أي مختفياً وهو ما بين العشاءين أو وقت القائلة يعني انتصاف النهار . وقيل : لما شب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخافوه فلا يدخل المدينة إلا على تغفل { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ } ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل . قيل : هو السامري ، وشيعة الرجل : أتباعه وأنصاره { وهذا مِنْ عَدُوّهِ } من مخالفيه من القبط وهو قانون ، وقيل : فيهما هذا وهذا وإن كانا غائبين على جهة الحكاية أي إذا نظر إليهما الناظر قال : هذا من شيعته وهذا من عدوه { فاستغاثه } فاستنصره { الذى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذى مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ موسى } ضربه بجمع كفه أو بأطراف أصابعه { فقضى عَلَيْهِ } فقتله { قَالَ هذا } إشارة إلى القتل الحاصل بغير قصد { مِنْ عَمَلِ الشيطان } وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه لأنه كان مستأمناً فيهم ولا يحل قتل الكافر الحربي المستأمن ، أو لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل ، وعن ابن جريج : ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر { إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة","part":3,"page":33},{"id":1034,"text":"{ قَالَ رَبّ } يا رب { إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } بفعل صار قتلاً { فاغفر لِى } زلتي { فَغَفَرَ لَهُ } زلته { إِنَّهُ هُوَ الغفور } بإقالة الزلل { الرحيم } بإزالة الخجل { قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً } معيناً { لّلْمُجْرِمِينَ } للكافرين و { بما أنعمت } على قسم جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن فلن أكون ظهيراً للمجرمين ، أو استعطاف كأنه قال : رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين ، وأراد بمظاهرة المجرمين صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد .\r{ فَأَصْبَحَ فِى المدينة خَائِفاً } على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به { يَتَرَقَّبُ } حال أي يتوقع المكروه وهو الاستقادة منه أو الأخبار أو ما يقال فيه ، وقال ابن عطاء : خائفاً على نفسه يترقب نصرة ربه . وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله بخلاف ما يقوله بعض الناس أنه لا يسوغ الخوف من دون الله { فَإِذَا الذى } { إذا } للمفاجأة وما بعدها مبتدأ { استنصره } أي موسى { بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ } يستغيثه والمعنى أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانياً من قبطي آخر { قَالَ لَهُ موسى } أي للإسرائيلي { إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ } أي ضال عن الرشد ظاهر الغي فقد قاتلت بالأمس رجلاً فقتلته بسببك ، والرشد في التدبير أن لا يفعل فعلاً يفضي إلى البلاء على نفسه وعلى من يريد نصرته .","part":3,"page":34},{"id":1035,"text":"{ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ } موسى { أَن يَبْطِشَ بالذى } بالقبطي الذي { هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا } لموسى والإسرائيلي لأنه ليس على دينهما ، أو لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل { قَالَ } الإسرائيلي لموسى عليه السلام وقد توهم أنه أراد أخذه لا أخد القبطي إذ قال له { إنك لغوي مبين } { ياموسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً } يعني القبطي { بالأمس إِن تُرِيدُ } ما تريد { إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً } أي قتالاً بالغضب { فِى الأرض } أرض مصر { وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين } في كظم الغيظ ، وكان قتل القبطي بالأمس قد شاع ولكن خفي قاتله ، فلما أفشى على موسى عليه السلام علم القبطي أن قاتله موسى فأخبر فرعون فهموا بقتله .\r{ وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَا المدينة } هو مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون { يسعى } صفة لرجل أو حال من رجل لأنه وصف بقوله { من أقصى المدينة } { قَالَ يَا موسى أَنِ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } أي يأمر بعضهم بعضاً بقتلك أو يتشاورون بسببك ، والائتمار : التشاور . يقال الرجلان يتآمران ويأتمران لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر { فاخرج } من المدينة { إِنّى لَكَ مِنَ الناصحين } { لك } بيان وليس بصلة { الناصحين } لأن الصلة لا تتقدم على الموصول كأنه قال : إني من الناصحين ، ثم أراد أن يبين فقال : لك كما يقال سقياً لك ومرحباً لك { فَخَرَجَ } موسى { مِنْهَا } من المدينة { خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } التعرض له في الطريق أو أن يلحقه من يقتله { قَالَ رَبّ نَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } أي قوم فرعون .\r{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } نحوها ، والتوجه الإقبال على الشيء ، ومدين قرية شعيب عليه السلام سميت بمدين بن إبراهيم ولم تكن في سلطان فرعون ، وبينما وبين مصر مسيرة ثمانية أيام . قال ابن عباس Bهما : خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه { قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل } أي وسطه ومعظم نهجه فجاءه ملك فانطلق به إلى مدين","part":3,"page":35},{"id":1036,"text":"{ وَلَمَّا وَرَدَ } وصل { مَاء مَدْيَنَ } ماءهم الذي يسقون منه وكان بئراً { وَجَدَ عَلَيْهِ } على جانب البئر { أُمَّةً } جماعة كثيرة { مِنَ الناس } من أناس مختلفين { يُسْقَوْنَ } مواشيهم { وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } في مكان أسفل من مكانهم { امرأتين تَذُودَانِ } تطردان غنمهما عن الماء لأن على الماء من هو أقوى منهما فلا تتمكنان من السقي أو لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم ، والذود الطرد والدفع { قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي ما مطلوبكما من الذياد فسمي المخطوب خطباً { قَالَتَا لاَ نَسْقِى } غنمنا { حتى يُصْدِرَ الرعاء } مواشيهم { يصدر } شامي ويزيد وأبو عمرو أي يرجع والرعاء جمع راعٍ كقائم وقيام { وَأَبُونَا شَيْخٌ } لا يمكنه سقي الأغنام { كَبِيرٌ } في حاله أو في السن لا يقدر على رعي الغنم ، أبدتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما .\r{ فسقى لَهُمَا } فسقى غنمهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف . روي أنه نحى القوم عن رأس البئر وسألهم دلواً فأعطوه دلوهم وقالوا : استق بها وكانت لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة . وترك المفعول في { يسقون } و { تذودان } و { لا نسقي } و { فسقى } لأن الغرض هو الفعل لا المعفول ، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي ، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلاً ، وكذا في { لا نسقي } و { فسقى } فالمقصود هو السقي لا المسقى . ووجه مطابقة جوابها سؤاله أنه سألهما عن سبب الذود فقالتا : السبب في ذلك أنا امرأتان مستورتان ضعيفتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ونستحي من الاختلاط بهم فلا بدلنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا . وإنما رضي شعيب عليه السلام لابنتيه بسقي الماشية لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور والدين لا يأباه ، وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة .\r{ ثُمَّ تولى إِلَى الظل } أي ظل سمرة ، وفيه دليل جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة ولما طال البلاء عليه أنس بالشكوى إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى { فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا } لأي شيء { أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ } قليل أو كثير غثٍ أو سمين { فَقِيرٌ } محتاج ، وعدي { فقير } باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب . قيل : كان لم يذق طعاماً سبعة أيام وقد لصق بظهره بطنه . ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدارين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، قال ذلك رضاً بالبدل السني وفرحاً به وشكراً له . وقال ابن عطاء : نظر من العبودية إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار لما ورد على سره من الأنوار","part":3,"page":36},{"id":1037,"text":"{ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } على استحياء في موضع الحال أي مستحية ، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا ، فأتته مستحية قد استترت بكم درعها ، و «ما» في { ما سقيت } مصدرية أي جزاء سقيك . روي أنهما ما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفّل قال لهما : ما أعجلكما؟ قالتا : وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا . فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه لي فتبعها موسى عليه السلام فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق { فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص } أي قصته وأحواله مع فرعون ، والقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص { قَالَ } له { لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين } إذ لا سلطان لفرعون بأرضنا ، وفيه دليل جواز العمل بخبر الواحد ولو عبداً أو أنثى والمشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع . وأما أخذ الأجر على البر والمعروف فقيل : إنه لا بأس به عند الحاجة كما كان لموسى عليه السلام ، على أنه روي أنها لما قالت { ليجزيك } كره ذلك وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها لأن للقاصد حرمة . ولما وضع شعيب الطعام بين يديه امتنع فقال شعيب : ألست جائعاً؟ قال : بلى ولكن أخاف أن يكون عوضاً مما سقيت لهما وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا ولا نأخذ على المعروف ثمناً . فقال شعيب عليه السلام : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا فأكل .","part":3,"page":37},{"id":1038,"text":"{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استجره } اتخذه أجيراً لرعي الغنم . رُوي أن كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء ، وصفراء هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره وهي التي تزوجها { إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الأمين } فقال : وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت نزع الدلو وأمرها بالمشي خلفه . وورد الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أن أمانته وقوته أمران متحققان . وقولها { إن خير من استأجرت القوي الأمين } كلام جامع لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك ، وقيل : القوي في دينه الأمين في جوارحه . وقد استغنت بهذا لكلام الجاري مجرى المثل عن أن تقول استأجره لقوته وأمانته . وعن ابن مسعود Bه : أفرس الناس ثلاث : بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله { عسى أَن يَنفَعَنَا } [ يوسف : 21 ] { قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ } أزوجك { إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ } قوله { هاتين } يدل على أنه كان له غيرها وهذه مواعدة منه ولم يكن ذلك عقد نكاح إذ لو كان عقداً لقال قد أنكحتك { على أَن تَأْجُرَنِى } تكون أجيراً لي من أجرته إذا كنت له أجيراً { ثَمَانِىَ حِجَجٍ } ظرف والحجة السنة وجمعها حجج والتزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع لأنه من باب القيام بأمر الزوجية فلا مناقضة بخلاف التزوج على الخدمة { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً } أي عمل عشر حجج { فَمِنْ عِندِكَ } فذلك تفضل منك ليس بواجبة عليك ، أو فإتمامه من عندك ولا أحتمه عليك ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } بإلزام أتم الأجلين ، وحقيقة قولهم : شققت عليه وشق عليه الأمر أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين تقول تارة أطيقه وطوراً لا أطيقه { سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين } في حسن المعاملة والوفاء بالعهد ، ويجوز أن يراد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة . والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال على توفيقه فيه ومعونته لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك","part":3,"page":38},{"id":1039,"text":"{ قَالَ } موسى { ذلك } مبتدأ وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب والخبر { بَيْنِى وَبَيْنَكَ } يعني ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعاً لا يخرج كلانا عنه ، لا أنا فيما شرطت علي ولا أنت فيما شرطت على نفسك . ثم قال { أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ } أي أي أجل قضيت من الأجلين يعني العشرة أو الثمانية . و { أي } نصب ب { قضيت } و «ما» زائدة ومؤكدة لإبهام { أي } وهي شرطية وجوابها { فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ } أي لا يعتدى علي في طلب الزيادة عليه ، قال المبرد : قد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء ، وكما أن طلب الزيادة على الأتم عدوان فكذا طلب الزيادة على الأقل { والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } هو من وكل إليه الأمر ، وعدي ب «على» لأنه استعمل في موضع الشاهد والرقيب .\rرُوي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء عليهم السلام فقال لموسى بالليل : أدخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة ، ولم يزل الأنبياء عليهم السلام يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال : خذ غيرهما فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً . ولما أصبح قال له شعيب : إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها أكثر إلا أن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم ، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا التنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية ، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولاً ارتاح لذلك . ولما رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً وقال له : إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودرعاء فأوحي إليه في المنام أن أضرب بعصاك مستقى الغنم ففعل ثم سقى فوضعت كلهن أدرع ودرعاء فوفى له بشرطه .","part":3,"page":39},{"id":1040,"text":"{ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل } قال عليه السلام \" قضى أوفاهما وتزوج صغراهما \" وهذا بخلاف الرواية التي مرت { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } بامرأته نحو مصر . قال ابن عطاء : لما تم أجل المحنة ودنا أيام الزلفة وظهرت أنوار النبوة سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه { ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إِنّى ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِي ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ } عن الطريق لأنه قد ضل الطريق { أَوْ جَذْوَةٍ مّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أتاها نُودِىَ مِن شَاطِىء الواد الأيمن } بالنسبة إلى موسى { فِى البقعة المباركة } بتكليم الله تعالى فيها { مِنَ الشجرة } العناب أو العوسج { أَن يا موسى } «أن» مفسرة أو مخففة من الثقيلة { إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين } قال جعفر : أبصر ناراً دلته على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار ، فلما دنا منها شملته أنوار القدس وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلماً شريفاً أعطى ما سأل وأمن مما خاف ، والجذوة باللغات الثلاث وقريء بهن ، فعاصم بفتح الجيم ، وحمزة وخلف بضمها ، وغيرهم بكسرها . العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن ، و «من» الأولى والثانية لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطيء الوادي من قبل الشجرة . و { من الشجرة } بدل { من شاطىء الواد } بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء أي الجانب","part":3,"page":40},{"id":1041,"text":"{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } ونودي أن ألق عصاك فألقاها فقلبها الله ثعباناً { فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } تتحرك { كَأَنَّهَا جَانٌّ } حية في سعيها وهي ثعبان في جثتها { ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ } يرجع فقيل له { ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين } أي أمنت من أن ينالك مكروه من الحية { اسلك } أدخل { يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } جيب قميصك { تَخْرُجْ بَيْضَاء } لها شعاع كشعاع الشمس { مِنْ غَيْرِ سُوء } برص .\r{ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب } حجازي بفتحتين وبصري . { الرَّهب } حفص { الرُّهب } غيرهم ومعنى الكل الخوف والمعنى : واضمم يدك إلى صدرك يذهب ما بك من فرق أي لأجل الحية . عن ابن عباس Bهما : كل خائف إذا وضع يده على صدره زال خوفه . وقيل : معنى ضم الجناح أن الله تعالى لما قلب العصا حية فزع موسى واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له : إن اتقاءك بيدك غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران : اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى . والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه ، أو أريد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب ، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران . ومعنى { من الرهب } من أجل الرهب أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك ، جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه . ومعنى { واضمم إليك جناحك } و { اسلك يدك في جيبك } على أحد التفسيرين واحد ولكن خولف بين العبارتين لاختلاف الغرضين إذ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء ، وفي الثاني إخفاء الرهب . ومعنى { واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ } [ طه : 22 ] في «طه» أدخل يمناك تحت يسراك { فَذَانِكَ } مخففاً مثنى «ذاك» ومشدداً : مكي وأبو عمرو مثنى ذلك فإحدى النونين عوض من اللام المحذوفة والمراد اليد والعصا { برهانان } حجتان نيرتان بينتان وسميت الحجة برهاناً لإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة { مِن رَّبّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإيهِ } أي أرسلناك إلى فرعون وملئه بهاتين الآيتين { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } كافرين .","part":3,"page":41},{"id":1042,"text":"{ قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } به بغير يا ء وبالياء : يعقوب { وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ } حفص { رِدْءاً } حال أي عونا يقال ردأته أعنته ، وبلا همز : مدني { يُصَدّقُنِى } عاصم وحمزة صفة أي ردأ مصدقاً لي ، وغيرهما بالجزم جواب ل { أرسله } ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال إن احتاج إليه ليثبت دعواه لا أن يقول له صدقت ، ألا ترى إلى قوله { هو أفصح مني لساناً فأرسله } وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان لا لقوله صدقت فسحبان وباقل فيه يستويان { إِنّى أَخَافُ أَنْ يُكَذّبُونِ } . { يكذبوني } في الحالين : يعقوب { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } سنقويك به إذ اليد تشد بشدة العضد لأنه قوام اليد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا } غلبة وتسلطاً وهيبة في قلوب الأعداء { فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا باياتنا } الباء تعلق ب { يصلون } أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وتم الكلام ، أو ب { نجعل لكما سلطاناً } أي نسلطكما بآياتنا أو بمحذوف أي إذهبا بآياتنا ، أو هو بيان ل { الغالبون } لا صلة ، أو قسم جوابه { لا يصلون } مقدماً عليه { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون }","part":3,"page":42},{"id":1043,"text":"واضحات { قَالُواْ مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } أي سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله ، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله { وَمَا سَمِعْنَا بهذا فِى ءابَائِنَا الأولين } حال منصوبة عن هذا أي كائناً في زمانهم يعني ما حدثنا بكونه فيهم { وَقَالَ موسى رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أي ربي أعلم منكم بحال من أهله الله للفلاح الأعظم حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى ووعده حسن العقبى يعني نفسه ، ولو كان كما تزعمون ساحراً مفترياً لما أهله لذلك لأنه غني حكيم لا يرسل الكاذبين ولا ينبيء الساحرين ولا يفلح عنده الظالمون . وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة لقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عقبى الدار جنات عَدْنٍ } [ الرعد : 22 ] والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى والغفران . { قال موسى } بغير واو : مكي وهو حسن لأن الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم موسى عند تسميتهم مثل تلك الآيات العظام سحراً مفترى ، ووجه الأخرى أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن الناظر بين القول والمقول ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر . ربي أعلم حجازي وأبو عمرو و { من يكون } حمزة وعلي .\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده أي ما لكم من إله غيري أو هو على ظاهره وأن إلهاً غيره غير معلوم عنده { فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين } أي اطبخ لي الآجر واتخذه . وإنما لم يقل مكان الطين هذا لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة بهذه العبارة ، ولأنه أفصح وأشبه بكلام الجبابرة إذ أمر هامان وهو وزيره بالإيقاد على الطين منادى باسمه ب «يا» في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر { فاجعل لّى صَرْحاً } قصراً عالياً { لَّعَلّي أَطَّلِعُ } أي أصعد والاطلاع الصعود { إلى إله موسى } حسب أنه تعالى في مكان كما كان هو في مكان { وَإِنّى لأظُنُّهُ } أي موسى { مِنَ الكاذبين } في دعواه أن له إلهاً وأنه أرسله إلينا رسولاً . وقد تناقض المخذول فإنه قال { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } ثم أظهر حاجته إلى هامان ، وأثبت لموسى إلهاً وأخبر أنه غير متيقن بكذبه وكأنه تحصن من عصا موسى عليه السلام فلبّس وقال { لعلى أطلع إلى إله موسى } روي أن هامان جمع خمسين ألف بناء وبنى صرحاً لم يبلغه بناء أحد من الخلق ، فضرب الصرح جبريل عليه السلام بجناحه فقطعه ثلاث قطع ، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل ، وقطعة في البحر ، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا هلك","part":3,"page":43},{"id":1044,"text":"{ واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ } تعظم { فِى الأرض } أرض مصر { بِغَيْرِ الحق } أي بالباطل ، فالاستكبار بالحق لله تعالى وهو المتكبر على الحقيقة أي المتبالغ في كبرياء الشأن كما حكى رسولنا عن ربه : { الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار } وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } { يَرجعون } نافع وحمزة وعلي وخلف ويعقوب { فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم فِى اليم } من الكلام المفخم الذي دل به على عظمة شأنه شبههم استقلالاً لعددهم وإن كانوا الجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن في البحر { فانظر } يا محمد { كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين } وحذر قومك فإنك منصور عليهم .\r{ وجعلناهم أَئِمَّةً } قادة { يَدْعُونَ إِلَى النار } أي عمل أهل النار . قال ابن عطاء : نزع عن أسرارهم التوفيق وأنوار التحقيق فهم في ظلمات نفوسهم لا يدلون على سبيل الرشاد . وفيه دلالة خلق أفعال العباد { وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ } من العذاب","part":3,"page":44},{"id":1045,"text":"{ وأتبعناهم فِى هَذِهِ لَعْنَةٍ } ألزمناهم طرداً وإبعاداً عن الرحمة . وقيل : هو ما يلحقهم من لعن الناس إياهم بعدهم { وَيَوْمَ القيامة هُمْ مّنَ المقبوحين } المطرودين المبعدين أو المهلكين المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون { ويوم } ظرف ل { المقبوحين } { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } التوراة { بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الأولى } قوم نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } حال من { الكتاب } والبصيرة نور القلب الذي يبصر به الرشد والسعادة كما أن البصر نور العين الذي يبصر به الأجساد . يريد آتيناه التوراة أنواراً للقلوب لأنها كانت عمياء لا تستبصر ولا تعرف حقاً من باطل { وهدى } وإرشاداً لأنهم كانوا يخبطون في ضلال { وَرَحْمَةً } لمن اتبعها لأنهم إذا عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون .\r{ وَمَا كُنْتَ } يا محمد { بِجَانِبِ } الجبل { الغربى } وهو المكان الواقع في شق الغرب وهو الذي وقع فيه ميقات موسى { إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر } أي كلمناه وقربناه نجياً { وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين } من جملة الشاهدين للوحي إليه حتى تقف من جهة المشاهدة على ما جرى من أمر موسى في ميقاته { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا } بعد موسى { قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر } أي طالت أعمارهم وفترت النبوة وكادت الأخبار تخفى واندرست العلوم ووقع التحريف في كثير منها ، فأرسلناك مجدداً لتلك الأخبار مبيناً ما وقع فيه التحريف ، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى كأنه قال : وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه ولكنا أوحيناه إليك ، فذكر سبب الوحي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب اختصاراً فإذا هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً } مقيماً { فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } وهم شعيب والمؤمنون به { تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا } تقرؤها عليهم تعلماً منهم يريد الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه . و { تَتْلُو } في موضع نصب خبر ثانٍ أو حال من الضمير في { ثاويا } { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } ولكنا أرسلناك وأخبرناك بها وعلمناكها","part":3,"page":45},{"id":1046,"text":"{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا } موسى أن خذ الكتاب بقوة { ولكن } أعلمناك وأرسلناك { رَحْمَةً } للرحمة { مّن رَّبِكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَلَوْ لاَ تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ } عقوبة { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من الكفر والظلم . ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي نسبت الأعمال إلى الأيدي وإن كانت من أعمال القلوب تغليباً للأكثر على الأقل عند العذاب { رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ ءاياتك وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } «لولا» الأولى امتناعية وجوابها محذوف ، والثانية تحضيضية ، والفاء الأولى للعطف والثانية جواب «لولا» لكونها في حكم الأمر إذ الأمر باعث على الفعل والباعث والمحضض من وادٍ واحد ، والفاء تدخل في جواب الأمر والمعنى : ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم يعني أن إرسال الرسول إنما هو ليلزموا الحجة ولا يلزموها كقوله : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء : 165 ] فإن قلت : كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول «لولا» الامتناعية عليها دونه؟ قلت : القول هو المقصود بأن يكون سبباً للإرسال ولكن العقوبة لما كانت سبباً للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال فأدخلت عليها «لولا» وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية ، ويؤول معناه إلى قولك : ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا .","part":3,"page":46},{"id":1047,"text":"{ فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا } أي القرآن أو الرسول المصدق بالكتاب المعجز { قَالُواْ } أي كفار مكة { لَوْلا أُوتِىَ } هلا أعطي { مِثْلَ مَا أُوتِىَ موسى } من الكتاب المنزل جملة واحدة { أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ } يعني أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم عنادهم وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام { بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ } من قبل القرآن { قَالُواْ } في موسى وهارون { سِحْرانِ تَظَاهَرَا } { ساحران تظاهرا } تعاونا { سِحْرَانِ } كوفي أي ذوا سحر أو جعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر { وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ } بكل واحد منهما { كافرون } وقيل : إن أهل مكة كما كفروا بمحمد عليه السلام وبالقرآن فقد كفروا بموسى والتوراة وقالوا في موسى ومحمد . ساحران تظاهرا ، أو في التوراة والقرآن سحران تظاهرا ، وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد فأخبروهم أنه في كتابهم فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود فقالوا عند ذلك : ساحران تظاهرا .\r{ قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا } مما أنزل على موسى ومما أنزل على { أَتَّبِعْهُ } جواب { فأتوا } { إِن كُنتُمْ صادقين } في أنهما سحران { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم قد ألزموا ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله } أي لا أحد أضل ممن اتبع في الدين هواه و { بغير هدى } حال أي مخذولاً يخلى بينه وبين هواه { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين }","part":3,"page":47},{"id":1048,"text":"{ ولقد وصّلنا لهم القول لعلّهم يتذكّرون } التوصيل وتكريره يعني أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً وعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً ومواعظ ليتذكروا فيفلحوا { الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ } من قبل القرآن وخبر { الذين } { هُم بِهِ } بالقرآن { يُؤْمِنُونَ } نزلت في مؤمني أهل الكتاب { وَإِذَا يتلى } القرآن { عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ } من قبل نزول القرآن { مُسْلِمِينَ } كائنين على دين الإسلام ، مؤمنين بمحمد عليه السلام ، وقوله { إنه } تعليل للإيمان به لأن كونه حقاً من الله حقيق بأن يؤمن به ، وقوله { إنا } بيان لقوله { آمنا } لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده فأخبروا بأن إيمانهم به متقادم { أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن ، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وبعد نزوله ، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب { وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة } يدفعون بالطاعة المعصية أو بالحلم الأذى { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } يزكون { وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو } الباطل أو الشتم من المشركين { أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ } للاغين { لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ } أمان منا لكم بأن نقابل لغوكم بمثله { لاَ نَبْتَغِى الجاهلين } لا نريد مخالطتهم وصحبتهم .\r{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } بمن يختار الهداية ويقبلها ويتعظ بالدلائل والآيات . قال الزجاج : أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب ، وذلك أنه قال عند موته : يا معشر بني هاشم صدقوا محمداً تفلحوا . فقال عليه السلام : \" «يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك» \" قال : فما تريد ابن أخي؟ قال : \" «أريد منك أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله» \" قال : يا ابن أخي أنا قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت . وإن كانت الصيغة عامة ، والآية حجة على المعتزلة لأنهم يقولون الهدى هو البيان وقد هدى الناس أجمع ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم فدل أن وراء البيان ما يسمى هداية وهو خلق الاهتداء وإعطاء التوفيق والقدرة","part":3,"page":48},{"id":1049,"text":"{ وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً } قالت قريش : نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك أن يتخطفونا من أرضنا ، فألقمهم الله الحجر بأنه مكن لهم في الحرم الذي أمنه بحرمة البيت وأمن قطانه بحرمته ، والثمرات تجبى إليه من كل أوب وهم كفرة ، فأنّى يستقيم أن يعرضهم للتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام؟ وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز { يجبى إِلَيْهِ } وبالتاء : مدني ويعقوب وسهل أي تجلب وتجمع { ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } معنى الكلية الكثرة كقوله { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل : 23 ] { رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } هو مصدر لأن معنى { يجبى إليه } يرزق أو مفعول له أو حال من الثمرات إن كان بمعنى مرزوق لتخصصها بالإضافة كما تنصب عن النكرة المتخصصة بالصفة { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } متعلق ب { من لدنا } أي قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك ، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده ولما خافوا التخطف إذا آمنوا به .\r{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم فلم يشكروا النعمة وقابلوها بالبطر فأهلكوا . و { كم } نصب ب { أهلكنا } و { معيشتها } بحذف الجار وإيصال الفعل أي في معيشتها ، والبطر سوء احتمال الغني وهو أن لا يحفظ حق الله فيه { فَتِلْكَ مساكنهم } منازلهم باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود وقوم شعيب وغيرهم { لَمْ تُسْكَن } حال والعامل فيها الإشارة { مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } من السكنى أي لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة { وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين } لتلك المساكن من ساكنيها أي لا يملك التصرف فيها غيرنا","part":3,"page":49},{"id":1050,"text":"{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى } في كل وقت { حتى يَبْعَثَ فِى أُمّهَا } وبكسر الهمزة : حمزة وعلي أي في القرية التي هي أمها أي أصلها ومعظمها { رَسُولاً } لإلزام الحجة وقطع المعذرة أو وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة لأن الأرض دحيت من تحتها رسولاً ، يعني محمداً عليه السلام { يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياتنا } أي القرآن { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون } أي وما أهلكناهم للانتقام إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم وهو إصرارهم على كفرهم وعنادهم ومكابرتهم بعد الاعذار إليهم { وَمَا أُوتِيتُم مّن شَىْء فمتاع الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا } وأي شيء أصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياماً قلائل وهي مدة الحياة الفانية { وَمَا عِندَ الله } وهو ثوابه { خَيْرٌ } في نفسه من ذلك { وأبقى } لأنه دائم { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن الباقي خير من الفاني . وخيّر أبو عمرو بين الياء والتاء والباقون بالتاء لا غير . وعن ابن عباس Bهما . إن الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف : المؤمن والمنافق والكافر . فالمؤمن يتزود ، والمنافق يتزين ، والكافر يتمتع .\rثم قرر هذه الآية بقوله :\r{ أَفَمَن وعدناه وَعْداً حَسَناً } أي الجنة فلا شيء أحسن منها لأنها دائمة ولذا سميت الجنة بالحسنى { فَهُوَ لاَقِيهِ } أي رائيه ومدركه ومصيبه { كَمَن مَّتَّعْنَاهُ متاع الحياة الدنيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين } من الذين أحضروا النار ونحوه فكذبوه فإنهم لمحضرون . نزلت في رسول الله A وأبي جهل لعنه الله ، أو في علي وحمزة وأبي جهل ، أو في المؤمن والكافر ، ومعنى الفاء الأولى أنه لما ذكر التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وما عند الله عقبه بقوله { أفمن وعدناه } أي أبعد هذا التفاوت الجلي يسوي بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة ، والفاء الثانية للتسبيب لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد . و «ثم» لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع ثم هو عليّ كما قيل عضدّ في عضد شبه المنفصل بالمتصل","part":3,"page":50},{"id":1051,"text":"{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } ينادي الله الكفار نداء توبيخ وهو عطف على { يَوْمُ القيامة } أو منصوب ب «ذكر» { فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ } بناء على زعمهم { الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ومفعولا { تزعمون } محذوفان تقديره : كنتم تزعمونهم شركائي ، ويجوز حذف المفعولين في باب ظننت ولا يجوز الاقتصار على أحدهما { قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } أي الشياطين أو أئمة الكفر . ومعنى حق عليهم القول وجب عليه مقتضاه وثبت وهو قوله : { لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } [ السجدة : 13 ] { رَبَّنَا هَؤُلاء } مبتدأ { الذين أَغْوَيْنَا } أي دعوناهم إلى الشرك وسولنا لهم الغي صفة والراجع إلى الموصول محذوف والخبر { أغويناهم } والكاف في { كَمَا غَوَيْنَا } صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم ، وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب وهو كقوله { وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الامر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق } إلى قوله { وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } [ إبراهيم : 22 ] { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } منهم ومما اختاروه من الكفر { مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } بل يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم ، وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى .","part":3,"page":51},{"id":1052,"text":"{ وَقِيلَ } للمشركين { ادعوا شُرَكَاءكُمْ } أي الأصنام لتخلصكم من العذاب { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } فلم يجيبوهم { وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } وجواب «لو» محذوف أي لما رأوا العذاب { وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المرسلين } الذين أرسلوا إليكم . حكى أولاً ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر عند توبيخهم ، لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين هم الذين استغووهم ، ثم ما يشبه الشماتة بهم لاستغاثتهم آلهتهم وعجزهم عن نصرتهم ، ثم ما يبكون به من الاحتجاح عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنباء يَوْمَئِذٍ } خفيت عليهم الحجج أو الأخبار . وقيل : خفي عليهم الجواب فلم يدروا بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب { فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ } لا يسأل بعضهم بعضاً عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده عذر وحجة لأنهم يتساوون في العجز عن الجواب { فَأَمَّا مَن تَابَ } من الشرك { وءامن } بربه وبما جاء من عنده { وَعَمِلَ صالحا فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين } أي فعسى أن يفلح عند الله . و «عسى» من الكرام تحقيق ، وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام وترغيب للكافرين على الإيمان . ونزل جواباً لقول الوليد بن المغيرة : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] يعني نفسه أو أبا مسعود .\r{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } وفيه دلالة خلق الأفعال ، ويوقف على { وَيَخْتَارُ } أي وربك يخلق ما يشاء وربك يختار ما يشاء { مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة } أي ليس لهم أن يختاروا على الله شيئاً ما وله الخيرة عليهم . ولم يدخل العاطف في { ما كان لهم الخيرة } لأنه بيان لقوله { ويختار } إذ المعنى أن الخيرة لله وهو أعلم بوجوه الحكمة في أفعاله فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه . ومن وصل على معنى ويختار الذي لهم فيه الخيرة فقد أبعد بل «ما» لنفي اختيار الخلق تقريراً لاختيار الحق ، ومن قال : ومعناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح فهو مائل إلى الاعتزال . والخيرة من التخير يستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وبمعنى المتخير كقولهم «محمد خيرة الله من خلقه» { سبحان الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي الله بريء من إشراكهم وهو منزه عن أن يكون لأحد عليه اختيار","part":3,"page":52},{"id":1053,"text":"{ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ } تضمر { صُدُورُهُمْ } من عداوة رسول الله A وحسده { وَمَا يُعْلِنُونَ } من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير عليه غيره في النبوة { وَهُوَ الله } وهو المستأثر بالإلهية المختص بها { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } تقرير لذلك كقولك «القبلة الكعبة لا قبلة إلا هي» . { لَهُ الحمد فِى الأولى } الدنيا { والآخرة } هو قولهم { الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } [ فاطر : 34 ] { الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } [ الزمر : 74 ] { وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين } [ الزمر : 75 ] والتحميد ثمة على وجه اللذة لا الكلفة { وَلَهُ الحكم } القضاء بين عباده { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالبعث والنشور . وبفتح التاء وكسر الجيم : يعقوب .\r{ قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أريتم محذوف الهمزة : علي { إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً } هو مفعول ثان ل { جعل } أي دائماً من السرد وهو المتابعة ومنه قولهم في الأشهر الحرم «ثلاثة سرد وواحد فرد» والميم مزيدة ووزنه فعمل { إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } والمعنى أخبروني من يقدر على هذا","part":3,"page":53},{"id":1054,"text":"{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } ولم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قال { بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } بل ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده ، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثم قرن بالضياء { أفلا تسمعون } لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده ، وقرن بالليل { أفلا تبصرون } لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه { وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي لتسكنوا بالليل ولتبتغوا من فضل الله في النهار فيكون من باب اللف والنشر { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على نعمه . وقال الزجاج : يجوز أن يكون معناه لتسكنوا فيهما ولتبتغوا من فضل الله فيهما ، ويكون المعنى جعل لكم الزمان ليلاً ونهاراً لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله فيه { وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } كرر التوبيخ لاتخاذ الشركاء ليؤذن أن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده { وَنَزَعْنَا } وأخرجنا { مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } يعني نبيهم لأن الأنبياء للأمم شهداء عليهم يشهدون بما كانوا عليه { فَقُلْنَا } للأمم { هَاتُواْ برهانكم } فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسل { فَعَلِمُواْ } حينئذ { أَنَّ الحق لِلَّهِ } التوحيد { وَضَلَّ عَنْهُم } وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من ألوهية غير الله والشفاعة لهم .","part":3,"page":54},{"id":1055,"text":"{ إِنَّ قارون } لا ينصرف للعجمة والتعريف ولو كان فاعولاً من قرنت الشيء لانصرف { كَانَ مِن قَوْمِ موسى } كان إسرائيلياً ابن عم لموسى فهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ، وموسى بن عمران بن قاهث ، وكان يسمى المنور لحسن صورته ، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ولكنه نافق كما نافق السامري { فبغى عَلَيْهِمْ } من البغي وهو الظلم . قيل : ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم ، أو من البغي الكبر تكبر عليهم بكثرة ماله وولده ، أو زاد عليهم في الثياب شبراً { وَءَاتيناه من الكنوز ما إِنْ مَفَاتِحَهُ } «ما» بمعنى الذي في موضع نصب ب { اتينا } و «إن» واسمها وخبرها صلة الذي ولهذا كسرت «إن» . والمفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به أو مفتح بالفتح وهو الخزانة والأصوب أنها المقاليد { لَتَنُوأُ بالعصبة } لتثقل العصبة فالباء للتعدية يقال : ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله ، والعصبة الجماعة الكثيرة وكانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلاً لكل خزانة مفتاح ولا يزيد المفتاح على أصبع وكانت من جلود { أُوْلِى القوة } الشدة { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } أي المؤمنون وقيل : القائل موسى عليه السلام ومحل { إذ } نصب ب { تنوء } { لاَ تَفْرَحْ } لا تبطر بكثرة المال كقوله { وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم } [ الحديد : 23 ] ولا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن ، وأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه يتركها عن قريب فلا يفرح بها { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } البطرين بالمال { وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله } من الغنى والثروة { الدار الأخرة } بأن تتصدق على الفقراء وتصل الرحم وتصرف إلى أبواب الخير { وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا } وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك . وقيل : معناه واطلب بدنياك آخرتك فإن ذلك حظ المؤمن منها { وَأَحْسَنُ } إلى عباد الله { كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } أو أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليك بالإنعام { وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الأرض } بالظلم والبغي { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين } .","part":3,"page":55},{"id":1056,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ } أي المال { على عِلْمٍ عِندِى } أي على استحقاق لما فيّ من العلم الذي فضلت به الناس وهو علم التوراة أو علم الكيمياء ، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً ، أو العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة . و { عندي } صفة ل { علم } قال سهل : ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح ، والسعيد من صرف بصره عن أفعاله وأقواله وفتح له سبيل رؤية منة الله تعالى عليه في جميع الأفعال والأقوال ، والشقي من زين في عينه أفعاله وأقواله وأحواله ولم يفتح له سبيل رؤية منة الله فافتخر بها وادعاها لنفسه ، فشؤمه يهلكه يوماً كما خسف بقارون لما ادّعى لنفسه فضلاً { أَوَ لَمْ يَعْلَمْ } قارون { أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً } هو إثبات لعلمه بأن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة كأنه قيل : أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته ، أو نفي لعلمه بذلك لأنه لما قال { أوتيته على علم عندي } قيل : أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعى . ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين { وَأَكْثَرُ جَمْعاً } للمال أو أكثر جماعة وعدداً { وَلاَ يُسْئلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون } لعلمه تعالى بهم بل يدخلون النار بغير حساب ، أو يعترفون بها بغير سؤال ، أو يعرفون بسيماهم فلا يسئولون ، أو لا يسئولون لتعلم من جهتهم بل يسئولون سؤال توبيخ ، أو لا يسئل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة .\r{ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } في الحمرة والصفرة . وقيل : خرج يوم السبت على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة الاف على زيه . وقيل : عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عليهن الحليّ والديباج . و { فِى زِينَتِهِ } حال من فاعل { خرج } أي متزيناً { قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا } قيل : كانوا مسلمين وإنما تمنوا على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر . وقيل : كانوا كفاراً { ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون } قالوه غبطة والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه كهذه الآية ، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه وهو كقوله تعالى؛ { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } [ النساء : 32 ] وقيل لرسول الله A : هل تضر الغبطة؟ قال : \" «لا إلا كما يضر العضاه الخبط \" { إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ } الحظ الجد وهو البخت والدولة","part":3,"page":56},{"id":1057,"text":"{ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم } بالثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى لغابطي قارون { وَيْلَكُمْ } أصل ويلك الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضى ، وفي «التبيان في إعراب القرآن» هو مفعول فعل محذوف أي ألزمكم الله ويلكم { ثَوَابُ الله خَيْرٌ لّمَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صالحا وَلاَ يُلَقَّاهَا } أي لا يلقن هذه الكلمة وهي { ثواب الله خير } { إِلاَّ الصابرون } على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير .\r{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض } كان قارون يؤذي موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة ، فصالحه عن كل ألف دينار على دينار ، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال : إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا : أنت كبيرنا فمر بما شئت قال : نبرطل فلانة البغي حتى ترميه بنفسها فترفضه بنو إسرائيل ، فجعل لها ألف دينار أوطستاً من ذهب أو حكمها ، فلما كان يوم عيد قام موسى فقال : يا بني إسرائيل من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه . فقال قارون : وإن كنت أنت؟ قال : وإن كنت أنا . قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة ، فأحضرت فناشدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فقالت : جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال : يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي ، فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك . فقال : يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون ، فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل . فاعتزلوا جميعاً غير رجلين ثم قال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق ، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ثم قال : خذيهم فانطبقت عليهم فقال الله تعالى : استغاث بك مراراً فلم ترحمه فوعزتي لو استرحمني مرة لرحمته ، فقال بعض بني إسرائيل : إنما أهلكه ليرث ماله فدعا الله حتى خسف بداره وكنوزه { فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ } جماعة { يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله } يمنعونه من عذاب الله { وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين } من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين من عذاب الله . يقال : نصره من عدوه فانتصره أي منعه منه فامتنع .","part":3,"page":57},{"id":1058,"text":"{ وَأَصْبَحَ } وصار { الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ } منزلته من الدنيا { بالأمس } ظرف ل { تمنوا } ولم يرد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت القريب استعارة { يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } و «ي» منفصلة عن «كأن» عند البصريين . قال سيبويه : «وي» كلمة تنبه على الخطأ وتندم يستعملها النادم بإظهار ندامته يعني أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم ، وقولهم { يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون } وتندموا { لَوْ لاَ أَن مَنَّ الله عَلَيْنَا } بصرف ما كنا نتمناه بالأمس { لَخَسَفَ بِنَا } لخَُسِفَ وبفتحتين : حفص ويعقوب وسهل ، وفيه ضمير الله تعالى { وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون } أي تندموا ثم قالوا : كأنه لا يفلح الكافرون { تِلْكَ الدار الآخرة } { تلك } تعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ، وقوله { نَجْعَلُهَا } خبر { تلك } و { الدار } نعتها { لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الأرض } بغياً : ابن جبير ، وظلماً : الضحاك أو كبراً { وَلاَ فَسَاداً } عملاً بالمعاصي أو قتل النفس أو دعاء إلى عبادة غير الله . ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ } [ هود : 113 ] فعلق الوعيد بالركون . وعن علي Bه : إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها . وعن الفضيل : إنه قرأها ثم قال : ذهبت الأماني ههنا . وعن عمر بن عبد العزيز : إنه كان يرددها حتى قبض . وقال بعضهم : حقيقته التنفير عن متابعة فرعون وقارون متشبثاً بقوله { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرض } { وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الأرض } { والعاقبة } المحمودة { لّلْمُتَّقِينَ } .","part":3,"page":58},{"id":1059,"text":"{ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } مر في «النمل» { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات } معناه فلا يجزون فوضع { الذين عملوا السيئات } موضع الضمير لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً ، فضل تهجين لحالهم وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين { إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إلا مثل ما كانوا يعملون ومن فضله العظيم أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بعشر أمثالها وبسبعمائة { إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان } أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه { لَرَادُّكَ } بعد الموت { إلى مَعَادٍ } أيّ معاد وإلى معاد ليس لغيرك من البشر فلذا نكره ، أو المراد به مكة . والمراد رده إليها يوم الفتح لأنها كانت في ذلك اليوم معاداً له شأن ومرجعاً له اعتداد لغلبة رسول الله وقهره لأهلها ولظهور عز الإسلام وأهله وذل الشرك وحزبه . والسورة مكية ولكن هذه الآية نزلت بالجحفة لا بمكة ولا بالمدينة حين اشتاق إلى مولده ومولد آبائه . ولما وعد رسوله الرد إلى معاده قال { قُلْ } للمشركين { رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى } يعني نفسه وما له من الثواب في معاده { وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ } يعني المشركين وما يستحقونه من العذاب في معادهم { من } في محل نصب بفعل مضمر أي يعلم","part":3,"page":59},{"id":1060,"text":"{ وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى } يوحى { إِلَيْكَ الكتاب } القرآن { إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } هو محمول على المعنى أي وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ، أو «إلا» بمعنى «لكن» للاستدراك أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك الكتاب { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين } معيناً لهم على دينهم { وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله } هو على الجمع أي ألا يمنعنك هؤلاء عن العمل بآيات الله أي القرآن { بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } الآيات أي بعد وقت إنزاله و { إذ } يضاف إليه أسماء الزمان كقولك «حينئذ» و «يومئذ» { وادع إلى رَبّكَ } إلى توحيده وعبادته { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ } قال ابن عباس Bهما : الخطاب في الظاهر للنبي A والمراد أهل دينه ، ولأن العصمة لا تمنع النهي ، والوقف على { آخر } لازم لأنه لو وصل لصار { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } صفة ل { الهاً آخر } وفيه من الفساد ما فيه { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } أي إلا إياه فالوجه يعبر به عن الذات . وقال مجاهد : يعني علم العلماء إذا أريد به وجه الله { لَهُ الحكم } القضاء في خلقه { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تَرجِعون بفتح التاء وكسر الجيم : يعقوب ، والله أعلم .","part":3,"page":60},{"id":1061,"text":"مكية وهي تسع وستون\rآية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } الحسبان قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن بخلاف الشك فهو الوقوف بينهما ، والعلم فهو القطع على أحدهما ، ولا يصح تعليقهما بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل . فلو قلت «حسبت زيداً وظننت الفرس» لم يكن شيئاً حتى تقول «حسبت زيداً عالماً وظننت الفرس جواداً» لأن قولك «زيد عالم والفرس جواد» كلام دال على مضمون ، فإذا أردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين أدخلت على شطري الجملة فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك والكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان هنا { أن يتركوا أن يقولوا امنا وهم لا يفتنون } وذلك أن تقديره : أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا؟ فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم { آمنا } هو الخبر ، وأما غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقول عنترة :\rفتركنه جزر السباع ينشنه ... ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول «تركهم غير مفتونين» لقولهم «آمناً» على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام وهو استفهام توبيخ . والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم . وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله A قد جزعوا من أذى المشركين ، أو في عمار بن يا سر وكان يعذب في الله .","part":3,"page":61},{"id":1062,"text":"{ وَلَقَدْ فَتَنَّا } اختبرنا وهو موصول ب { أحسب } أو ب { لا يفتنون } { الذين مِن قَبْلِهِمْ } بأنواع الفتن فمنهم من يوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ، ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك عن دينه { فَلَيَعْلَمَنَّ الله } بالامتحان { الذين صَدَقُوا } في الإيمان { وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } فيه . ومعنى علمه تعالى وهو عالم بذلك فيما لم يزل أن يعلمه موجوداً عند وجوده كما علمه قبل وجوده أنه يوجد ، والمعنى وليتميزن الصادق منهم من الكاذب . قال ابن عطاء : يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء ، فمن شكر في أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين ، ومن بطر في أيام الرخاء وجزع في أيام البلاء فهو من الكاذبين { أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات } أي الشرك والمعاصي { أَن يَسْبِقُونَا } أي يفوتونا يعني أن الجزاء يلحقهم لا محالة ، واشتمال صلة «أن» على مسند ومسند إليه سد مسد مفعولين كقوله { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } [ البقرة : 214 ] ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر و «أم» منقطعة ، ومعنى الإضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه . وقالوا : الأول في المؤمنين وهذا في الكافرين { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } «ما» في موضع رفع على معنى ساء الحكم حكمهم ، أو نصب على معنى ساء حكماً يحكمون ، والمخصوص بالذم محذوف أي بئس حكماً يحكمونه حكمهم { مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله } أي يأمل ثوابه أو يخاف حسابه فالرجاء يحتملها { فَإِنَّ أَجَلَ الله } المضروب للثواب والعقاب { لأَتٍ } لا محالة فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله { وَهُوَ السميع } لما يقوله عباده { العليم } بما يفعلونه فلا يفوته شيء ما . وقال الزجاج : و «من» للشرط ويرتفع بالابتداء وجواب الشرط { فإن أجل الله لات } كقولك «إن كان زيد في الدار فقد صدق الوعد»","part":3,"page":62},{"id":1063,"text":"{ وَمَن جَاهَدَ } نفسه بالصبر على طاعة الله أو الشيطان بدفع وساوسه أو الكفار { فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ } لأن منفعة ذلك ترجع إليها { إِنَّ الله لَغَنِىٌّ عَنِ العالمين } وعن طاعتهم ومجاهدتهم ، وإنما أمر ونهى رحمة لعباده { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ } أي الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام .\r{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } وصى حكمه حكم أمر في معناه وتصرفه . يقال : وصيت زيداً بأن يفعل خيراً كما تقول : أمرته بأن يفعل . ومنه قوله { ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ } [ البقرة : 132 ] أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها ، وقولك : وصيت زيداً بعمرو معناه وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك . وكذلك معنى قوله { ووصينا الإنسان بوالديه حسناً } ووصيناه بإيتاء والديه حسناً أو بإيلاء والديه حسناً أي فعلاً ذا حسن ، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه كقوله { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } [ البقرة : 83 ] ويجوز أن يجعل { حسناً } من باب قولك «زيداً» بإضمار «اضرب» إذا رأيته متهيئاً للضرب فتنصبه بإضمار أولهما ، أو افعل بهما لأن التوصية بهما دالة عليه وما بعده مطابق له كأنه قال : قلنا أولهما معروفاً ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه ، وعلى هذا التفسير إن وقف على { بوالديه } وابتدىء { حسناً } حسن الوقف ، وعلى التفسير الأول لا بد من إضمار القول معناه وقلنا { وَإِن جاهداك } أيها الإنسان { لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي لا علم لك بإلهيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال : لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً { فَلاَ تُطِعْهُمَا } في ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق { إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } مرجع من آمن منكم ومن أشرك { فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فأجازيكم حق جزائكم ، وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك وحث على الثبات والاستقامة في الدين . روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم نذرت أمه أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرتد فشكا إلى النبي A فنزلت هذه الآية ، والتي في «لقمان» والتي في «الأحقاف»","part":3,"page":63},{"id":1064,"text":"{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } هو مبتدأ والخبر { لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصالحين } في جملتهم . والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين وهو متمنى الأنبياء عليهم السلام قال سليمان عليه السلام { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل : 19 ] وقال يوسف عليه السلام { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } أ [ يوسف : 101 ] و في مدخل الصالحين وهو الجنة .\rونزلت في المنافقين { وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله } أي إذا مسه أذى من الكفار { جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } أي جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله تعالى { وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } أي وإذا نصر الله المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا : إنا كنا معكم أي متابعين لكم في دينكم ثابتين عليه بثباتكم فأعطونا نصيبنا من الغنم { أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ العالمين } أي هو أعلم بما في صدور العالمين من العالمين بما في صدورهم ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق وما في صدور المؤمنين من الإخلاص ، ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين بقوله","part":3,"page":64},{"id":1065,"text":"{ وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين ءامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين } أي حالهما ظاهرة عند من يملك الجزاء عليهما { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } أمروهم باتباع سبيلهم وهي طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم ، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم فعطف الأمر على الأمر وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا سبيلنا وأن نحمل خطاياكم . والمعنى تعليق الحمل بالاتباع أي إن تتبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم ، وهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم : لا نبعث نحن ولا أنتم ، فإن كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم { وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْء إِنَّهُمْ لكاذبون } لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } أي أثقال أنفسهم يعني أوزارهم بسبب كفرهم { وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } أي أثقالاً أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهي أثقال الذين كانوا سبباً في ضلالهم وهو كما قال { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ النحل : 25 ] { وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يختلقون من الأكاذيب والأباطيل .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } كان عمره ألفاً وخمسين سنة؛ بعث على رأس أربعين ولبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين . وعن وهب أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة فقال له ملك الموت : يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا؟ قال : كدار لها بابان دخلت وخرجت . ولم يقل تسعمائة وخمسين سنة لأنه لو قيل كذلك لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل هنا فكأنه قيل : تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظاً وأملأ بالفائدة ، ولأن القصة سيقت لما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لنبينا عليه السلام فكان ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض . وجيء بالمميز أولاً بالسنة ثم بالعام ، لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة { فَأَخَذَهُمُ الطوفان } هو ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما { وَهُمْ ظالمون } أنفسهم بالكفر","part":3,"page":65},{"id":1066,"text":"{ فأنجيناه } أي نوحاً { وأصحاب السفينة } وكانوا ثمانية وسبعين نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم { وجعلناها } أي السفينة أو الحادثة أو القصة { ءايَةً } عبرة وعظة { للعالمين } يتعظون بها .\r{ وإبراهيم } نصب بإضمار اذكر وأبدل عنه { إِذْ قَالَ } بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها ، أو معطوف على { نوح } أي وأرسلنا إبراهيم ، أو ظرف ل { أرسلنا } يعني أرسلناه حين بلغ من السن ، أو العلم مبلغاً صلح فيه لأن يعظ قومه ويأمرهم بالعبادة والتقوى . وقرأ إبراهيم النخعي وأبو حنيفة Bهما : { وإبراهيمُ } بالرفع على معنى «ومن المرسلين إبراهيم» { لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } من الكفر { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } إن كان لكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا } أصناماً { وَتَخْلُقُونَ } وتكذبون أو تصنعون . وقرأ أبو حنيفة والسلمي Bهما { وتخلّقون } من خلق بمعنى التكثير في خلق { إِفْكاً } وقرىء { أفكا } وهو مصدر نحو كذب ولعب . والإفك مخفف منه كالكذب واللعب من أصلهما واختلاقهم الإفك تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله { إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً } لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق { فابتغوا عِندَ الله الرزق } كله فإنه هو الرازق وحده لا يرزق غيره { واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه ، وبفتح التاء وكسر الجيم : يعقوب .","part":3,"page":66},{"id":1067,"text":"{ وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } أي وإن تكذبوني فلا تضروني بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم وما ضروهم وإنما ضروا أنفسهم حيث حل بهم العذاب بسبب تكذيبهم ، وأما الرسول فقد تم أمره حيث بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته ، أو وإن كنت مكذباً فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة حيث كذبوا وعلى الرسول أن يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب . وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله { فما كان جواب قومه } محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه ، والمراد بالأمم قبله قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم . وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله A وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم وآخرها . فإن قلت : فالجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه فلا تقول «مكة وزيد قائم خير بلاد الله» . قلت : نعم وبيانه أن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله A ، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم عليه السلام كان مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان ، فاعترض بقوله { وإن تكذبوا } على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمداً فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها لأن قوله { فقد كذب أمم من قبلكم } لا بد من تناوله لأمة إبراهيم وهو كما ترى اعتراض متصل ، ثم سائر الآيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده وصفة قدرة الله تعالى وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه .","part":3,"page":67},{"id":1068,"text":"{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } وبالتاء : كوفي غير حفص { كَيْفَ يُبْدِىء الله الخلق } أي قد رأوا ذلك وعلموه . وقوله { ثُمَّ يُعِيدُهُ } ليس بمعطوف على { يبدىء } وليست الرؤية واقعة عليه وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت كما وقع النظر في قوله { كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الآخرة } [ العنكبوت : 20 ] على البدء دون الإنشاء بل هو معطوف على جملة قوله { أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق } { إِنَّ ذلك } أي الإعادة { عَلَى الله يَسِيرٌ } سهل { قُلْ } يا محمد وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره وأوحينا إليه أن قل { سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق } على كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله بالمشاهدة ، وبدأ وأبدأ بمعنى { ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الآخرة } أي البعث . وبالمد حيث كان : مكي وأبو عمرو . وهذا دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحدة منهما إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود ، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله والأولى ليست كذلك ، والقياس أن يقال «كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة» لأن الكلام معهم وقع في الإعادة ، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء ، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب أن لا يعجزه الإعادة فكأنه قال : ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى ينشيء النشأة الآخرة ، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } قادر { يُعَذّبُ مَن يَشَاء } بالخذلان { وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء } بالهداية أو بالحرص والقناعة ، أو بسوء الخلق وحسنه ، أو بالإعراض عن الله وبالإقبال عليه ، أو بمتابعة البدع وبملازمة السنة { وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } تردون وترجعون { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } ربكم أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه { فِى الأرض } الفسيحة { وَلاَ فِى السماء } التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها { وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ } يتولى أموركم { وَلاَ نَصِيرٍ } ولا ناصر يمنعكم من عذابي .","part":3,"page":68},{"id":1069,"text":"{ والذين كَفَرُواْ بئايات الله } بدلائله على وحدانيته وكتبه ومعجزاته { وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى } جنتي { وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان { إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ } قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين فكانوا جميعاً في حكم القائلين فاتفقوا على تحريقه { فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار } حين قذفوه فيها { إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما فعلوا به وفعلنا { لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } روي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار يعني يوم ألقي إبراهيم في النار وذلك لذهاب حرها { وَقَالَ } إبراهيم لقومه { إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدنيا } حمزة وحفص ، { مودةً بينكم } مدني وشامي وحماد ويحيي وخلف { مودة بينكم } مكي وبصري وعلي ، { مودةٌ بينكم } الشمني والبرجمي ، النصب على وجهين على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وأن يكون مفعولاً ثانياً كقوله { اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية : 23 ] و «ما» كافة أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف ، أو اتخذتموها مودة بينكم أي مودة بينكم كقوله : { وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله } [ البقرة : 165 ] وفي الرفع وجهان : أن يكون خبراً ل { إن } و «ما» موصولة ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودة { بينكم } ، والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة . ومن أضاف المودة جعل بينكم اسماً لا ظرفاً كقوله { شهادة بَيْنِكُمْ } [ المائدة : 106 ] ومن نوّن { مودة } ونصب { بينكم } فعلى الظرف { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } تتبرأ الأصنام من عابديها { وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } أي يوم القيامة يقوم بينكم التلاعن فيلعن الأتباع القادة . { وَمَأْوَاكُمُ النار } أي مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع { وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين } ثمة .","part":3,"page":69},{"id":1070,"text":"{ فَئَامَنَ لَهُ } لإبراهيم عليه السلام { لُوطٌ } هو ابن أخي إبراهيم وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تحرقه { وَقَالَ } إبراهيم { إِنّى مُهَاجِرٌ } من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين وهي من برية الشام ، ومن ثم قالوا : لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان . وكان معه في هجرته لوط وسارة وقد تزوجها إبراهيم { إلى رَبّى } إلى حيث أمرني ربي بالهجرة إليه { إِنَّهُ هُوَ العزيز } الذي يمنعني من أعدائي { الحكيم } الذي لا يأمرني إلا بما هو خير { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق } ولداً { وَيَعْقُوبَ } ولد ولد ولم يذكر إسماعيل لشهرته { وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ النبوة } أي في ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء { والكتاب } والمراد به الجنس يعني التوراة والإنجيل والزبور والفرقان { وَءاتَيْنَاهُ } أي إبراهيم { أَجْرُهُ } الثناء الحسن والصلاة عليه إلى آخر الدهر ومحبة أهل الملل له ، أو هو بقاء ضيافته عند قبره وليس ذلك لغيره { فِى الدنيا } فيه دليل على أنه تعالى قد يعطي الأجر في الدنيا { وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين } أي من أهل الجنة : عن الحسن { وَلُوطاً } أي واذكر لوطاً { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة } الفعلة البالغة في القبح وهي اللواطة { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين } جملة مستأنفة مقررة لفحاشة تلك الفعلة كأن قائلاً قال : لم كانت فاحشة؟ فقيل : لأن أحداً قبلهم لم يقدم عليها ، قالوا : لم ينزل ذكر على ذكر قبل قوم لوط","part":3,"page":70},{"id":1071,"text":"{ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل } بالقتل وأخذ المال كما هو عمل قطاع الطريق ، وقيل : اعتراضهم السابلة بالفاحشة { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ } مجلسكم ولا يقال للمجلس نادٍ إلا ما دام فيه أهله { المنكر } أي المضارطة والمجامعة والسباب والفحش في المزاح والحذف بالحصى ومضغ العلك والفرقعة والسواك بين الناس { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب . { إنكم } { أئنكم } شامي وحفص وهو الموجود في الإمام ، وكل واحدة بهمزتين كوفي غير حفص { آينكم } { آينكم } بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة : أبو عمرو { أينكم } { أينكم } بهمزة مقصورة بعدها ياء مكسورة : مكي ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد { قَالَ رَبّ انصرنى } بإنزال العذاب { عَلَى القوم المفسدين } كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش .\r{ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى } بالبشارة لإبراهيم بالولد والنافلة يعني إسحق ويعقوب { قَالُواْ إِنَّآ مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية } إضافة { مهلكوا } لم تفد تعريفاً لأنها بمعنى الاستقبال . والقرية سدوم التي قبل فيها أجور من قاضي سدوم وهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام . قالوا : إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم عليه السلام . { إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين } أي الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة وهم عليه مصرون وظلمهم كفرهم وأنواع معاصيهم","part":3,"page":71},{"id":1072,"text":"{ قَالَ } إبراهيم { إِنَّ فِيهَا لُوطاً } أي أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم وهو لوط { قَالُواْ } أي الملائكة { نَّحْنُ أَعْلَمُ } منك { بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ } { لننجينه } يعقوب وكوفي غير عاصم { وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين } الباقين في العذاب . ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم بقوله { وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ } ساءه مجيئهم و «أن» صلة أكدت وجود الفعلين مرتباً أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل : كما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث خيفة عليهم من قومهم أن يتناولوهم بالفجور { سِىء بِهِمْ } مدني وشامي وعلي { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } وضاق بشأنهم وبتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته ، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا «رحب الذراع» إذا كان مطيقاً ، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلاً في العجز والقدرة وهو نصب على التمييز { وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ } وبالتخفيف : مكي وكوفي غير حفص { وَأَهْلَكَ } الكاف في محل الجر ونصب { أهلك } بفعل محذوف أي وننجي أهلك { إِلاَّ امرأتك كَانَتْ مِنَ الغابرين إِنَّا مُنزِلُونَ } { منزلّون } شامي { على أَهْلِ هذه القرية رِجْزاً } عذاباً { مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله { وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا } من القرية { آيةً بَيّنَةً } هي آثار منازلهم الخربة . وقيل : الماء الأسود على وجه الأرض { لِقَوْمٍ } يتعلق ب { تركنا } أو ب { بينة } { يَعْقِلُونَ } .","part":3,"page":72},{"id":1073,"text":"{ وإلى مَدْيَنَ } وأرسلنا إلى مدين { أخاهم شُعَيْباً فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر } وافعلوا ما ترجون به الثواب في العاقبة أو خافوه { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } قاصدين الفساد { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } الزلزلة الشديدة أو صيحة جبريل عليه السلام لأن القلوب رجفت بها { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } في بلدهم وأرضهم { جاثمين } باركين على الركب ميتين { وَعَاداً } منصوب بإضمار «أهلكنا» لأن قوله { فأخذتهم الرجفة } يدل عليه لأنه في معنى الإهلاك { وَثَمُودَاْ } حمزة وحفص وسهل ويعقوب { وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم } ذلك يعني ما وصفه من إهلاكهم { مّن مساكنهم } من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ، وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } من الكفر والمعاصي { فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل } السبيل الذي أمروا بسلوكه هو الإيمان بالله ورسله { وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } عقلاء متمكنين من النظر وتمييز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا { وقارون وَفِرْعَوْنَ وهامان } أي وأهلكناهم { وَلَقَدْ جَاءهُمْ موسى بالبينات فاستكبروا فِى الأرض وَمَا كَانُواْ سابقين } فائتين أدركهم أمر الله فلم يفوتوه { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } فيه رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب { فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } هي ريح عاصف فيها حصباء وهي لقوم لوط { وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة } هي لمدين وثمود { وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض } يعني قارون { وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } يعني قوم نوح وفرعون { وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } ليعاقبهم بغير ذنب { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر والطغيان .","part":3,"page":73},{"id":1074,"text":"{ مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء } أي آلهة يعني مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار { كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً } أي كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت فإن ذلك بيت لا يدفع عنها الحر والبرد ولا يقي ما تقي البيوت ، فكذلك الأوثان لا تنفعهم في الدنيا والآخرة ، جعل حاتم { اتخذت } حالاً { وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت } لا بيت أوهن من بيتها . عن عليّ Bه : طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه يورث الفقر { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن . وقيل : معنى الآية مثل الشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتاً بالإضافة إلى رجل يبنى بيتاً بآجر وجص أو ينحته من صخر ، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت ، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون . وقال الزجاج : في جماعة تقدير الآية : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء لو كانوا يعلمون كمثل العنكبوت { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ } بالياء : بصري وعاصم ، وبالتاء : غيرهما غير الأعشى والبرجمي . و «ما» بمعنى «الذي» وهو مفعول { يعلم } ومفعول { يدعون } مضمر أي يدعونه يعني يعبدونه { مِن دُونِهِ مِن شَىْء } «من» في { من شيء } للتبيين { وَهُوَ العزيز } الغالب الذي لا شريك له { الحكيم } في ترك المعاجلة بالعقوبة ، وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جماداً لا علم له ولا قدرة وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء الحكيم الذي لا يفعل كل شيء إلا بحكمة وتدبير","part":3,"page":74},{"id":1075,"text":"{ وَتِلْكَ الأمثال } الأمثال نعت والخبر { نَضْرِبُهَا } نبينها { لِلنَّاسِ } كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون : إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ويضحكون من ذلك فلذلك قال { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون } به وبأسمائه وصفاته أي لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم فائدتها إلا هم ، لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستورة حتى تبرزها وتصورها للأفهام كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد . وعن النبي A أنه تلا هذه الآية فقال « العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه » ودلت الآية على فضل العلم على العقل .\r{ خَلَقَ الله السموات والأرض بالحق } أي محقاً يعني لم يخلقهما باطلاً بل لحكمة وهي أن تكونا مساكن عباده وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته ، ألا ترى إلى قوله { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } وخصهم بالذكر لانتفاعهم بها { اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } تقرباً إلى الله تعالى بقراءة كلامه ولتقف على ما أمر به ونهى عنه { وأقم الصلاة } أي دم على إقامة الصلاة { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء } الفعلة القبيحة كالزنا مثلاً { والمنكر } هو ما ينكره الشرع والعقل . قيل : من كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوماً ما فقد روي أنه قيل يوماً لرسول الله A : إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل . فقال : « إن صلاته لتردعه » روي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال « إن صلاته ستنهاه » فلم يلبث أن تاب . وقال ابن عوف : إن الصلاة تنهى إذا كنت فيها فأنت في معروف وطاعة وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر . وعن الحسن : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست صلاته بصلاة وهي وبال عليه { وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ } أي والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات ، وإنما قال ( ولذكر الله ) ليستقل بالتعليل كأنه قال : والصلاة أكبر لأنها ذكر الله . وعن ابن عباس Bهما : ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته . وقال ابن عطاء : ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له الآن ، لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني ، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى . وقال سلمان : ذكر الله أكبر من كل شيء وأفضل فقد قال عليه السلام « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم » قالوا وما ذاك يا رسول الله قال « ذكر الله » وسئل أي الأعمال أفضل قال « أن تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله » أو ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم ، أو ذكر الله أكبر من تلقى معه معصية ، أو ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من غيره : { والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } من الخير والطاعة فيثيبكم أحسن الثواب .","part":3,"page":75},{"id":1076,"text":"{ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } بالخصلة التي هي أحسن للثواب وهي مقابلة الخشونة باللين والغضب بالكظم كما قال : { ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ المؤمنون : 96 ] { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فأفرطوا في الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة . وقيل : إلا الذين آذوا رسول الله A ، أو إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا { يد الله مغلولة } أو معناه ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسيف . والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين ، وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي به تتحقق المجادلة ، وقوله { وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } من جنس المجادلة بالأحسن . وقال عليه السلام \" ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوهم وإن كان حقاً لم تكذبوهم» \"","part":3,"page":76},{"id":1077,"text":"{ وكذلك } ومثل ذلك الإنزال { أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } أي أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية ، أو كما أنزلنا الكتب إلى من قبلك أنزلنا إليك الكتاب { فالذين ءاتيناهم الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ } هم عبد الله بن سلام ومن معه { وَمِنْ هَؤُلاء } أي من أهل مكة { مَن يُؤْمِنُ } أو أراد بالذين أوتوا الكتاب الذين تقدموا عهد رسول الله A من أهل الكتاب ومن هؤلاء الذين كانوا في عهد رسول الله A { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا } مع ظهورها وزوال الشبهة عنها { إِلاَّ الكافرون } إلا المتوغلون في الكفر المصممون عليه ككعب بن الأشرف وأضرابه { وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ } من قبل القرآن { مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } خص اليمين لأن الكتابة غالباً تكون باليمين أي ما كنت قرأت كتاباً من الكتب ولا كنت كاتباً { إِذَا } أي لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة ومن الخط { لارتاب المبطلون } من أهل الكتاب وقالوا : الذي نجد نعته في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به ، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا : لعله تعلمه أو كتبه بيده . وسماهم مبطلين لإنكارهم نبوته . وعن مجاهد والشعبي : ما مات النبي A حتى كتب وقرأ { بَلْ هُوَ } أي القرآن { بينات فِى صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم وَمَا } أي في صدور العلماء به وحفاظه وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز وكونه محفوظاً في الصدور بخلاف سائر الكتب فإنها لم تكن معجزات ولا كانت تقرأ إلا من المصاحف { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا } الواضحة { إِلاَّ الظالمون } أي المتوغلون في الظلم .","part":3,"page":77},{"id":1078,"text":"{ وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايات مِّن رَّبِهِ } { آية } بغير ألف : مكي وكوفي غير حفص . أرادوا هلا أنزل عليه آيات مثل الناقة والعصا ومائدة عيسى عليهم السلام ونحو ذلك { قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله } ينزل أيتها شاء ولست أملك شيئاً منها { وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات وليس لي أن أقول أنزل على آية كذا دون آية كذا مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ } أي أولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان ، فلا يزال معهم آية ثابتة لا تزول كما تزول كل آية بعد كونها ، أو تكون في مكان دون مكان { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في مثل هذه الآية الموجودة في كل مكان وزمان إلى آخر الدهر { لَرَحْمَةً } لنعمة عظيمة { وذكرى } وتذكرة { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } دون المتعنتين { قُلْ كفى بالله بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } أي شاهداً بصدق ما أدعيه من الرسالة وأنزل القرآن علي وبتكذيبكم { يَعْلَمُ مَا فِى السماوات والأرض } فهو مطلع على أمري وأمركم وعالم بحقي وباطلكم { والذين ءامَنُواْ بالباطل } باليهودية أو بالشرك إو بإبليس { وَكَفَرُواْ بالله } وآياته { أولئك هُمُ الخاسرون } المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان إلا أن الكلام ورد مورد الإنصاف كقوله { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ : 24 ] وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا : يا محمد من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت","part":3,"page":78},{"id":1079,"text":"{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } بقولهم { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 32 ] الآية . { وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } وهو يوم القيامة أو يوم بدر أو وقت فنائهم بآجالهم ، والمعنى ولولا أجل قد سماه الله وبينه في اللوح لعذبهم والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى { لَّجَاءهُمُ العذاب } عاجلاً { وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ } العذاب عاجلاً أو ليأتينهم العذاب في الأجل المسمى { بَغْتَةً } فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بوقت مجيئه .\r{ يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } أي ستحيط بهم { يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } لقوله تعالى : { مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [ الزمر : 16 ] ولا وقف على { بالكافرين } لأن { يوم } ظرف إحاطة النار بهم { وَيَقُولُ } بالياء : كوفي ونافع ، وقوله { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي جزاء أعمالكم { ياعبادى } وبسكون الياء : بصري وكوفي غير عاصم { الذين ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ } وبفتح الياء : شامي يعني أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً وأصبح ديناً وأكثر عبادة ، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتاً كثيراً . وقالوا : لم نجد أعون على قهر النفس وأجمع للقلب وأحث على القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من الفتن وأربط للأمر الديني من مكة حرسها الله تعالى . وعن سهل : إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين . وعن رسول الله A « من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة » { فَإِيَّاىَ فاعبدون } وبالياء : يعقوب . وتقديره فإياي اعبدوا فاعبدوني . وجيء بالفاء في { فاعبدون } لأنه جواب شرط محذوف لأن المعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها ، ثم حذف الشرط وعوض عن حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص ، ثم شجع المهاجر بقوله","part":3,"page":79},{"id":1080,"text":"{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } أي واجدة مرارته وكربه كما يجد ، الذائق طعم المذوق لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارق وطنها { ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } بعد الموت للثواب والعقاب { يرجعون } يحيى { ترجعون } يعقوب .\r{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ الجنة غُرَفَاً } لننزلنهم من الجنة علالي . { لنثوينهم } كوفي غير عاصم من الثواء وهو النزول للإقامة ، وثوى غير متعد فإذا تعدى بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولاً واحداً . والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف ، أما إجراؤه مجرى لننزلنهم أو لنؤينهم ، أو حذف الجار وإيصال الفعل ، أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين } ويوقف على { العاملين } على أن { الذين صَبَرُواْ } خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين صبروا على مفارقة الأوطان وعلى أذى المشركين وعلى المحن والمصائب وعلى الطاعات وعن المعاصي ، والوصل أجود ليكون { الذين } نعتا ل { العاملين } { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ولم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله ، ولما أمر رسول الله A من أسلم من مكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فنزلت { وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ } أي وكم من دابة { وكائن } بالمد والهمز : مكي والدابة كل نفس دبت على وجه الأرض عقلت أم لم تعقل { لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله { الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } أي لا يرزق تلك الدّواب الضعاف إلا الله ، ولا يرزقكم أيضاً أيها الأقوياء إلا هو ، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يقدركم ولم يقدر لكم أسباب الكسب لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل . وعن الحسن : لا تحمل رزقها لا تدخره إنما تصبح فيرزقها الله . وقيل : لا يدخر شيء من الحيوان قوتاً إلا ابن آدم والفأرة والنملة { وَهُوَ السميع } لقولكم نخشى الفقر والعيلة { العليم } بما في ضمائركم .","part":3,"page":80},{"id":1081,"text":"{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر } أي ولئن سألت هؤلاء المشركين من خلق السماوات والأرض على كبرهما وسعتهما ، ومن الذي سخر الشمس والقمر { لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ } فكيف يصرفون عن توحيد الله مع إقرارهم بهذا كله! { الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } أي لمن يشاء فوضع الضمير موضع { من يشاء } لأن { من يشاء } مبهم غير معين فكان الضمير مبهماً مثله . قدر الرزق وقتره بمعنى إذا ضيقه { إِنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم . في الحديث « إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك » { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله } أي هم مقرون بذلك { قُلِ الحمد لِلَّهِ } على إنزاله الماء لإحياء الأرض أو على أنه ممن أقر بنحو ما أقروا به ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفى الشركاء عنه ولم يكن إقراراً عاطلاً كإقرار المشركين { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } لا يتدبرون بما فيهم من العقول فيما نريهم من الآيات ونقيم عليهم من الدلالات ، أو لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله","part":3,"page":81},{"id":1082,"text":"{ وَمَا هذه الحياة الدنيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } أي وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون ، وفيه ازدراء بالدنيا وتصغير لأمرها وكيف لا يصغرها وهي لاتزن عنده جناح بعوضة! واللهو ما يتلذذ به الإنسان فيلهيه ساعة ثم ينقضي { وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِىَ الحيوان } أي الحياة أي ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة لا موت فيها فكأنها في ذاتها حياة . والحيوان مصدر حي وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واواً ولم يقل «لهي الحياة» لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب ، والحياة حركة والموت سكون ، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة مبالغة في معنى الحياة ، ويوقف على { الحيوان } لأن التقدير { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } حقيقة الدارين لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي ، ولو وصل لصار وصف الحيوان معلقاً بشرط علمهم ذلك وليس كذلك .\r{ فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك } هو متصل بمحذوف دل عليه ما وصفهم به وشرح من أمرهم معناه : هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد فإذا ركبوا في الفلك { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون معه إلاهاً آخر { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر } وأمنوا { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } عادوا إلى حال الشرك { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } من النعمة . قيل : هي لام كي وكذا في { وَلِيَتَمَتَّعُواْ } فيمن قرأها بالكسر أي لكي يكفروا وكي يتمتعوا ، والمعنى يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة قاصدين التمتيع بها والتلذذ لا غير على خلاف عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم ، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة لا إلى التلذذ والتمتع ، وعلى هذا لا وقف على { يشركون } . ومن جعله لام الأمر متثبتاً بقراءة ابن كثير وحمزة وعلي { وليتمتعوا } بسكون اللام على وجه التهديد كقوله : { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 29 ] وتحقيقه في أصول الفقه يقف عليه { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } سوء تدبيرهم عند تدميرهم .","part":3,"page":82},{"id":1083,"text":"{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ } أي أهل مكة { إِنَّا جَعَلْنَا } بلدهم { حَرَماً } ممنوعاً مصوناً { آمناً } يأمن داخله { وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } يستلبون قتلاً وسبياً { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } أي أبالشيطان والأصنام { وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ } أي بمحمد عليه السلام والإسلام { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بأن جعل له شريكاً { أَوْ كَذَّبَ بالحق } بنبوة محمد عليه السلام والكتاب { لَمَّا جَاءهُ } أي لم يتلعثموا في تكذيبه حين سمعوه { أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين } هذا تقرير لثوائهم في جهنم لأن همزة الإنكار إذا أدخلت على النفي صار إيجاباً يعني ألا يثوون فيها وقد افتروا مثل هذا التكذيب على الله وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب؟ أو ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حين اجترؤوا مثل هذه الجراءة؟ وذكر المثوى في مقابلة { لنبوئنهم } يؤيد قراءة الثاني { والذين جاهدوا } أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين { فِينَا } في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصاً { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } { سبلنا } أبو عمرو أي لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقاً . وعن الداراني : والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا فقد قيل : من عمل بما علم وفق لما لا يعلم . وقيل : إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم إنما هو لتقصيرنا فيما نعلم . وعن فضيل : والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به . وعن سهل : والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة . وعن ابن عطاء : جاهدوا في رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان . وعن ابن عباس : جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا . وعن الجنيد : جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص ، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا ، أو جاهدوا في طلبنا تحرياً لرضانا لنهدينهم سبل الوصول إلينا . { وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين } بالنصرة والمعونة في الدنيا وبالثواب والمغفرة في العقبى .","part":3,"page":83},{"id":1084,"text":"مكية وهي ستون أوتسع وخمسون آية والاختلاف في بضع سنين\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم غُلِبَتِ الروم } أي غلبت فارس الروم { فِى أَدْنَى الأرض } أي في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم ، والمعنى غلبوا في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام ، أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم { وَهُمْ } أي الروم { مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ } أي غلبة فارس إياهم . وقرىء بسكون اللام فالغلب والغلب مصدران وقد أضيف المصدر إلى المفعول { سَيَغْلِبُونَ } فارس ، ولا وقف عليه لتعلق { فِى بِضْعِ سِنِينَ } به ، وهو ما بين الثلاث إلى العشرة . قيل : احتربت فارس والروم بين أذرعات وبصرى فغلبت فارس الروم والملك بفارس يومئذ كسرى ابرويز فبلغ الخبر مكة فشق على رسول الله A والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل كتاب ، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا : أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن نحن عليكم فنزلت . فقال لهم أبو بكر : والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين ، فقال له أبيّ بن خلف : كذبت فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين ، فأخبر أبو بكر رسول الله A فقال عليه السلام « زد في الخطر وأبعد في الأجل » فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين . ومات أبيّ من جرح رسول الله A وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية أو يوم بدر فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ فقال عليه السلام : « تصدق به » وهذه آية بينة على صحة نبوته وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب وكان ذلك قبل تحريم القمار . عن قتادة ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة .\r{ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } أي من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء أو حين غلبوا وحين يغلبون كأنه قيل : من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين يعني أن كونهم مغلوبين أولاً وغالبين آخراً ليس إلا بأمر الله وقضائه { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } [ آل عمران : 140 ] { وَيَوْمَئِذٍ } ويوم تغلب الروم على فارس ويحل ما وعد الله من غلبتهم { يَفْرَحُ المؤمنون بنصر الله }","part":3,"page":84},{"id":1085,"text":"وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له وغيظ من شمت بهم من كفار مكة . وقيل : نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم ، والباء يتصل ب { يفرح } فيوقف على { الله } على «المؤمنين» { ينصُر مَنْ يشاء وهو العزيز } الغالب على أعدائه { الرحيم } العاطف على أوليائه { وَعَدَ الله } مصدر مؤكد لأن قوله { وهم من بعد غلبهم سيغلبون } وعد من الله للمؤمنين ، فقوله { وعد الله } بمنزلة وعد الله المؤمنين وعداً { لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ } بنصر الروم على فارس { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك","part":3,"page":85},{"id":1086,"text":"{ يَعْلَمُونَ } بدل من { لا يعلمون } وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا . وقوله { ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا } يفيد أن للدنيا ظاهراً وباطناً ، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها ، وباطنها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة وبالأعمال الصالحة . وتنكير الظاهر يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها { وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافلون } { هم } الثانية مبتدأ و { غافلون } خبره والجملة خبر { هم } الأولى ، وفيه بيان أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها .\r{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } يحتمل أن يكون ظرفاً كأنه قيل : أولم يثبتوا التفكير في أنفسهم أي في قلوبهم الفارغة من الفكر والتفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين كقوله «اعتقده في قلبك» ، وأن يكون صلة للتفكر نحو تفكر في الأمر وأجال فيه فكره ، ومعناه على هذا : أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها ، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهراً وباطناً من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال ، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحساناً وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جارٍ على الحكمة في التدبير ، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت؟ { مَّا خَلَقَ الله السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } متعلق بالقول المحذوف معناه : أولم يتفكروا فيقولوا هذا القول؟ وقيل : معناه فيعلموا لأن في الكلام دليلاً عليه { إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًى } أي ما خلقها باطلاً وعبثاً بغير حكمة بالغة ولا لتبقى خالدة ، إنما خلقها مقرونة بالحق مصحوبة بالحكمة وبتقدير أجلٍ مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب ، ألا ترى إلى قوله : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون : 115 ] كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثاً { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس بِلِقَاء رَبّهِمْ } بالبعث والجزاء { لكافرون } لجاحدون . وقال الزجاج : أي لكافرون بلقاء ربهم .","part":3,"page":86},{"id":1087,"text":"{ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } هو تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار المدمرين من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية . ثم وصف حالهم فقال { كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأرض } وحرثوها { وَعَمَرُوهَا } أي المدمرون { أَكْثَرَ } صفة مصدر محذوف . و«ما» مصدرية في { مِمَّا عَمَرُوهَا } أي من عمارة أهل مكة { وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } وتقف عليها لحق الحذف أي فلم يؤمنوا فأهلكوا { فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } فما كان تدميره إياهم ظلماً لهم { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم { ثُمَّ كَانَ عاقبة } بالنصب : شامي وكوفي { الذين أَسَآوُاْ السوأى } تأنيث الأسوأ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن ، ومحلها رفع على أنها اسم «كان» عند من نصب { عاقبة } على الخبر ونصب عند من رفعها ، والمعنى أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ثم كانت عاقبتهم السوأى ، إلا أنه وضع المظهر وهو { الذين أساؤوا } موضع المضمر أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي النار التي أعدت للكافرين { أَن كَذَّبُواْ } لأن كذبوا أو بأن وهو يدل على أن معنى أساؤوا كفروا { بآيات الله وكانوا بها يستهزئون } يعني ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها","part":3,"page":87},{"id":1088,"text":"{ الله يَبْدَأُ الخلق } ينشئهم { ثُمَّ يُعِيدُهُ } يحييهم بعد الموت { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وبالياء : أبو عمرو وسهل .\r{ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ } ييأس ويتحير . يقال : ناظرته فأبلس إذا لم ينبس ويئس من أن يحتج { المجرمون } المشركون { وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ } من الذين عبدوهم من دون الله . وكتب { شُفَعَاؤا } في المصحف بواو قبل الألف كما كتب { علمؤا بني إسرائيل } [ الشعراء : 197 ] وكذلك كتبت السوأى بالألف قبل الياء إثباتاً للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها { وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كافرين } أي يكفرون بآلهتهم ويجحدونها أو وكانوا في الدنيا كافرين بسببهم .\r{ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } الضمير في { يتفرقون } للمسلمين والكافرين لدلالة ما بعده عليه حيث قال { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ } أي بستان وهي الجنة ، والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه { يُحْبَرُونَ } يسرون . يقال : حبره إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره ، ثم اختلف فيه لاحتمال وجوه المسار فقيل يكرمون ، وقيل يحلون ، وقيل هو السماء في الجنة { وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا وَلِقَاء الآخرة } أي البعث { فَأُوْلَئِكَ فِى العذاب مُحْضَرُونَ } مقيمون لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم كقوله : { وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } [ البقرة : 167 ] لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد فقال { فَسُبْحَانَ الله } والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد فيها من نعمة الله الظاهرة أو الصلاة ، فقيل لابن عباس : هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ فقال : نعم وتلا هذه الآية . وهو نصب على المصدر والمعنى نزهوه عما لا يليق به أوصلوا لله { حِينَ تُمْسُونَ } صلاة المغرب والعشاء { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } صلاة الفجر","part":3,"page":88},{"id":1089,"text":"{ وَلَهُ الحمد فِى السماوات والأرض } اعتراض ومعناه أن على المميزين كلهم من أهل السماوات والأرض أن يحمدوه ، و { في السماوات } حال من { الحمد } { وَعَشِيّاً } صلاة العصر وهو معطوف على { حين تمسون } ، وقوله : { عشياً } متصل بقوله : { حين تمسون } { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } صلاة الظهر أظهر أي : دخل في وقت الظهيرة والقول الأكثر أن الصلوات الخمس فرضت بمكة { يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } الطائر من البيضة أو الإِنسان من النطفة أو المؤمن من الكافر { وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } أي : البيضة من الطائر أو النطفة من الإِنسان أو الكافر من المؤمن ، و { الميت } بالتخفيف فيهما مكي وشامي وأبو عمرو وأبو بكر وحماد ، وبالتشديد غيرهم { وَيحي الأرض } بالنبات { بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } { تخرجون } حمزة وعلي وخلف ، أي : ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم . والكاف في محل النصب ب { تخرجون } ، والمعنى أن الإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي وعكسه ، روى ابن عباس Bهما أن النبي A قال : « من قرأ فسبحان الله حين تمسون إلى الثلاث وأخر سورة والصافات دبر كل صلاة كتب له من الحسنات عدد نجوم السماء وقطر الأمطار وورق الأشجار وتراب الأرض ، فإذا مات أجري له بكل حرف عشر حسنات في قبره » قال عليه السلام : « من قرأ حين يصبح { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } إلى قوله { وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه ، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته » ومن آياته ومن علامات ربوبيته وقدرته { أَنْ خَلَقَكُمْ } أي : أباكم { مّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ } أي : آدم وذريته { تَنتَشِرُونَ } تنصرفون فيما فيه معاشكم و { إذا } للمفاجأة وتقديره : ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين في الأرض .","part":3,"page":89},{"id":1090,"text":"{ وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } أي حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال ، أو من شكل أنفسكم وجنسها لا من جنس آخر وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون وما بين الجنسين المختلفين من التنافر . يقال : سكن إليه إذا مال إليه { وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } أي جعل بينكم التواد والتراحم بسبب الزواج . وعن الحسن : المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد . وقيل : المودة للشابة والرحمة للعجوز . وقيل : المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان أي بغض المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيعلمون أن قوام الدنيا بوجود التناسل { وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ } أي اللغات أو أجناس النطق وأشكاله { وألوانكم } كالسواد والبياض وغيرهما ، ولاختلاف ذلك وقع التعارف وإلا فلو تشاكلت واتفقت لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت المصالح ، وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا من أب واحد وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله متفاوتون . { إِنَّ فِى ذلك لآيات للعالمين } { للعالمين } جمع «عالَم» ، وبكسر اللام : حفص عالِم ويشهد للكسر قوله تعالى { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون } العنكبوت : 43 ) { وَمِنْ ءاياته مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغاؤكم مّن فَضْلِهِ } هذا من باب اللف ، وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه فصل بين القرينين الأولين بالقرينين الآخرين ، أو المراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما ، والجمهور على الأول لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } أي يسمعون سماع تدبر بآذان واعية .","part":3,"page":90},{"id":1091,"text":"{ وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ البرق } في { يريكم } وجهان : إضمار أن كما في حرف ابن مسعود Bه وإنزال الفعل منزلة المصدر وبهما فسر المثل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي أن تسمع أو سماعك { خَوْفًا } من الصاعقة أو من الإخلاف { وَطَمَعًا } في الغيث أو خوفاً للمسافر وطمعاً للحاضر ، وهما منصوبان على المفعول له على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي إرادة خوف وإرادة طمع ، أو على الحال أي خائفين وطامعين { وَيُنَزّلُ مِنَ السماء } وبالتخفيف : مكي وبصري { ماءً } مطراً { فيحي به الأَرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } يتفكرون بعقولهم { وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ } تثبت بلا عمد { السماء والأرض بِأَمْرِهِ } أي بإقامته وتدبيره وحكمته { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ } للبعث { دَعْوَةً مّنَ الأرض إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } من قبوركم هذا كقوله { يريكم } في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال : ومن آياته قيام السماوات والأرض واستمساكها بغير عمد ، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة يا أهل القبور أخرجوا ، والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف . وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض ب «ثم» بياناً لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله وهو أن يقول : يا أهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر : 68 ] و«إذا» الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط { ومن الأرض } متعلق بالفعل لا بالمصدر . وقولك «دعوته من مكان كذا» يجوز أن يكون مكانك ويجوز أن يكون مكان صاحبك","part":3,"page":91},{"id":1092,"text":"{ وَلَهُ مَن فِى السماوات والأرض كُلٌّ لَّهُ قانتون } منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه أو مقرون بالعبودية .\r{ وَهُوَ الذى يَبْدَأُ الخلق } أي ينشئهم { ثُمَّ يُعِيدُهُ } للبعث { وَهُوَ } أي البعث { أَهْوَنُ } أيسر { عَلَيْهِ } عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء فلم أنكرتم الإعادة ، وأخرت الصلة في قوله { وهو أهون عليه } وقدمت في قوله : { وَهُوَ عَليَّ هَيّنٌ } [ مريم : 9 ] لقصد الاختصاص هناك ، وأما هنا فلا معنى للاختصاص . وقال أبو عبيدة والزجاج وغيرهما الأهون بمعنى الهين فيوصف به الله D وكان ذلك على الله يسيراً كما قالوا : الله أكبر أي كبير ، والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء ، أو هو أهون على الخلق من الإنشاء لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفاً ثم علقاً ثم مضغ إلى تكميل خلقهم { وَلَهُ المثل الأعلى فِى السماوات والأرض } أي الوصف الأعلى الذي ليس لغيره وقد عرف به ووصف في السماوات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل ، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات ويدل عليه قوله { وَهُوَ العزيز } أي القاهر لكل مقدور { الحكيم } الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه . وعن ابن عباس Bهما : المثل الأعلى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] .\rوعن مجاهد : هو قول لا إله إلا الله . ومعناه وله الوصف الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية ويعضده قوله { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ } فهذا مثل ضربه الله D لمن جعل له شريكاً من خلقه . و «من» للابتداء كأنه قال : أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم { هَلْ لَّكُمْ } معاشر الأحرار { مّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } عبيدكم و «من» للتبعيض { مّن شُرَكَاء } «من» مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ومعناه : هل ترضون لأنفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد أن يشارككم بعضهم { فِى مَا رزقناكم } من الأموال وغيرها { فَأَنتُمْ } معاشر الأحرار والعبيد { فِيهِ } في ذلك الرزق { سَوَآء } من غير تفصلة بين حر وعبد يحكم مماليككم في أموالكم كحكمكم { تَخَافُونَهُمْ } حال من ضمير الفاعل في سواء أي متساوون خائفاً بعضكم بعضاً مشاركته في المال ، والمعنى : تخافون معاشرة السادة عبيدكم فيها فلا تمضون فيها حكماً دون إذنهم خوفاً من لائمة تلحقكم من جهتهم { كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } يعني كما يخاف بعض الأحرار بعضاً فيما هو مشترك بينهم ، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟ { كذلك } موضع الكاف نصب أي مثل هذا التفصيل { نُفَصّلُ الآيات } نبينها لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتدبرون في ضرب الأمثال فلما لم ينزجروا أضرب عنهم فقال","part":3,"page":92},{"id":1093,"text":"{ بَلِ اتبع الذين ظَلَمُواْ } أنفسهم بما أشركوا كما قال الله تعالى : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] { أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي اتبعوا أهواءهم جاهلين { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ الله } أي أضله الله تعالى { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } من العذاب .\r{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ } فقوم وجهك له وعد له غير ملتفت عنه يميناً ولا شمالاً ، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه واهتمامه بأسبابه ، فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوم له وجهه { حَنِيفاً } حال عن المأمور أو من الدين { فِطْرَةَ الله } أي الزموا فطرة الله والفطرة الخلقة ، ألا ترى إلى قوله { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } [ الروم : 30 ] فالمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإسلام غير نائين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوقاً للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر ، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس ومنه قوله عليه السلام « كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري » وقوله عليه السلام « كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه » وقال الزجاج : معناه أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به على ما جاء في الحديث « إن الله D آخرج من صلب آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم » فقال { وإذ أخذ ربك } إلى قوله { قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] وكل مولود هو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى خالقها . فمعنى فطرة الله دين الله { التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا } أي خلق { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير . وقال الزجاج : معناه لا تبديل لدين الله ويدل عليه ما بعده وهو قوله { ذلك الدين القيم } أي المستقيم { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } حقيقة ذلك .","part":3,"page":93},{"id":1094,"text":"{ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } راجعين إليه وهو حال من الضمير في «الزموا» ، وقوله { واتقوه } و { أقيموا } و { لا تكونوا } معطوف على هذا المضمر ، أو من قوله { فأقم وجهك } لأن الأمر له عليه السلام أمر لأمته فكأنه قال : فأقيموا وجوهكم منيبين إليه ، أو التقدير كونوا منبيين دليله قوله { ولا تكونوا } { واتقوه وَأَقِيمُواْ الصلاة } أي أدوها في أوقاتها { وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين } ممن يشرك به غيره في العبادة { مِنَ الذين } بدل من { المشركين } بإعادة الجار { فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } جعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم { فارقوا } حمزة وعلي وهي قراءة علي Bه أي تركوا دين الإسلام { وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها { كُلُّ حِزْبٍ } منهم { بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } فرح بمذهبه مسرور يحسب باطله حقاً .","part":3,"page":94},{"id":1095,"text":"{ وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ } شدة من هزال أو مرض أو قحط أو غير ذلك { دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً } أي خلاصاً من الشدة { إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } في العبادة { لِيَكْفُرُواْ } هذه لام كي . وقيل : لام الأمر للوعيد { بِمَآ آتيناهم } من النعم { فَتَمَتَّعُواْ } بكفركم قليلاً أمر وعيد { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وبال تمتعكم { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا } حجة { فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } وتكلمه مجاز كما تقول «كتابه ناطق بكذا» وهذا مما نطق به القرآن ، ومعناه الشهادة كأنه قال : فهو يشهد بشركهم وبصحته { بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } «ما» مصدرية أي بكونهم بالله يشركون ، أو موصولة ويرجع الضمير إليها أي فهو يتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون ، أو معنى الآية أم أنزلنا عليهم ذا سلطان أي ملكاً معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون { وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } أي نعمة من مطر أوسعة أوصحة { فَرِحُواْ بِهَا } بطروا بسببها { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } أي بلاء من جدب أو ضيق أو مرض { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بسبب شؤم معاصيهم { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } من الرحمة و { إذا } لمفاجأة جواب الشرط نابت عن الفاء لتآخيهما في التعقيب .\r{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أنكر عليهم بأنهم قد علموا بأنه القابض الباسط فما لهم يقنطون من رحمته ، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين عن المعاصي التي عوقبوا بالشدة من أجلها حتى يعيد إليهم رحمته! ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك فقال","part":3,"page":95},{"id":1096,"text":"{ فَئآتِ ذَا القربى } أعط قريبك { حَقَّهُ } من البر والصلة { والمساكين وابن السبيل } نصيبهما من الصدقة المسماة لهما ، وفيه دليل وجوب النفقة للمحارم كما هو مذهبنا { ذلك } أي إيتاء حقوقهم { خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله } أي ذاته أي يقصدون بمعروفهم أياه خالصاً { وأولئك هُمُ المفلحون وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ الناس } يريد وما أعطيتم أكلة الربا من رباً ليربوا في أموالهم { فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله } فلا يزكوا عند الله ولا يبارك فيه . وقيل : هو من الربا الحلال أي وما تعطونه من الهدية لتأخذوا أكثر منها فلا يربوا عند الله لأنكم لم تريدوا بذلك وجه الله { وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زكواة } صدقة { تُرِيدُونَ وَجْهَ الله } تبتغون به وجهه خالصاً لا تطلبون به مكافأة ولا رياء ولا سمعة { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المضعفون } ذوو الإضعاف من الحسنات ونظير المضعف المقوى والموسر لذي القوة واليسار . { أتيتم من ربا } بلامد : مكي أي وما غشيتموه من إعطاء ربا { لتربوا } مدني أي لتزيدوا في أموالهم . وقوله { فأولئك هم المضعفون } التفات حسن لأنه يفيد التعميم كأنه قيل : من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين . والمعنى المضعفون به لأنه لا بد له من ضمير يرجع إلى «ما» الموصولة . وقال الزجاج : في قوله { فأولئك هم المضعفون } أي فأهلها هم المضعفون أي هم الذي يضاعف لهم الثواب يعطون بالحسنة عشر أمثالها .\rثم أشار إلى عجز آلهتهم فقال","part":3,"page":96},{"id":1097,"text":"{ الله الذى خَلَقَكُمْ } مبتدأ وخبر { ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } أي : هو المختص بالخلق والرزق والإماتة والإحياء { هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ } أي : أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء لله { مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ } أي : من الخلق والرزق والإماتة والإحياء { مِن شَىْءٍ } أي : شيئاً من تلك الأفعال فلم يجيبوا عجزاً فقال استبعاداً : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } و «من» الأولى الثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم .\r{ ظَهَرَ الفساد فِى البر والبحر } نحو القحط وقلة الأمطار والريع في الزراعات والربح في التجارات ووقوع الموتان في الناس والدواب وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من كل شيء { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس } بسبب معاصيهم وشركهم كقوله : { وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى : 30 ] { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذى عَمِلُواْ } أي : ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة وبالنون عن قنبل { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عما هم عليه من المعاصي ثم أكد تسبيب المعاصي لغضب الله ونكاله بقوله : { قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } حيث أمرهم بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله الأمم وأذاقهم سوء العاقبة بمعصايهم .\r{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم } البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج { مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ } هو مصدر بمعنى الرد { مِنَ الله } يتعلق بيأتي ، والمعنى : من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد كقوله تعالى : { فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } [ الأنبياء : 40 ] أو بمرد على معنى لا يرده هو بعد أن يجيء به ولا رد له من جهته { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } يتصدعون أي : يتفرقون ثم أشار إلى غناه عنهم .","part":3,"page":97},{"id":1098,"text":"{ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي وبال كفره { وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأَِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أي يسوون لأنفسهم ما يسويه لنفسه الذي يمهد لنفسه فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مرقده من نتوء وغيره ، والمعنى أنه يمهد لهم الجنة بسبب أعمالهم فأضيف إليهم . وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر ، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه . ليجزى متعلق ب { يمهدون } تعليل له وتكرير { الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن { مِن فَضْلِهِ } أي عطائه . وقوله { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين } تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس { وَمِنْ ءاياته } أي ومن آيات قدرته { أَن يُرْسِلَ الرياح } هي الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة ، وأما الدبور فريح العذاب ومنه قوله عليه السلام « اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » وقد عدد الفوائد في إرسالها فقال { مبشرات } أي أرسلها للبشارة بالغيث { وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } ولإذاقة الرحمة وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه والروح الذي مع هبوب الريح وزكاء الأرض وغير ذلك . { وليذيقكم } معطوف على { مبشرات } على المعنى كأنه قيل : ليبشركم وليذيقكم { وَلِتَجْرِىَ الفلك } في البحر عند هبوبها { بِأَمْرِهِ } أي بتدبيره أو بتكوينه كقوله { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } [ يس : 82 ] الآية . { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يريد تجارة البحر { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولتشكروا نعمة الله فيها .","part":3,"page":98},{"id":1099,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَاءوهُم بالبينات } أي فآمن بهم قوم وكفر بهم قوم ، ويدل على هذا الإضمار قوله { فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ } أي كفروا بالإهلاك في الدنيا { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين } أي وكان نصر المؤمنين حقاً علينا بإنجائهم مع الرسل . وقد يوقف على { حقاً } ومعناه وكان الانتقام منهم حقاً ثم يبدأ { علينا نصر المؤمنين } والأول أصح { الله الذى يُرْسِلُ الرياح } { الريح } مكي { فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ } أي السحاب { فِى السماء } أي في سمت السماء وشقها كقوله { وَفَرْعُهَا فِى السماء } [ إبراهيم : 24 ] { كَيْفَ يَشَاء } من ناحية الشمال أو الجنوب أو الدبور أو الصبا { وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } قطعاً جمع كسفة أي يجعله منبسطاً يأخذ وجه السماء مرة ويجعله قطعاً متفرقة غير منبسطة مرة . { كسفا } يزيد وابن ذكوان { فَتَرَى الودق } المطر { يَخْرُجُ } في التارتين جميعاً { مِنْ خِلاَلِهِ } وسطه { فَإِذَا أَصَابَ بِهِ } بالودق { مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } يريد إصابة بلادهم وأراضيهم { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون .\r{ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } المطر { مِن قَبْلِهِ } كرر للتأكيد كقوله : { فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِى النار خالدين فِيهَا } [ الحشر : 17 ] ومعنى التوكيد فيها الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم بأسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك { لَمُبْلِسِينَ } آيسين { فانظر إلى ءاثار } شامي وكوفي غير أبي بكر . وغيرهم { أَثَرِ } { رَّحْمَةِ الله } أي المطر { كَيْفَ يُحْيىِ الأرض } بالنبات وأنواع الثمار { بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ } أي الله { لمحيي الموتى } يعني أن ذلك القادر الذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الناس بعد موتهم ، فهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } أي وهو على كل شيء من المقدورات قادر وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء .","part":3,"page":99},{"id":1100,"text":"{ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا } أي الدبور { فَرَأَوْهُ } أي أثر رحمة الله لأن رحمة الله هي الغيث وأثرها النبات . ومن قرأ بالجمع رجع الضمير إلى معناه لأن معنى آثار الرحمة النبات واسم النبات يقع على القليل والكثير لأنه مصدر سمي به ما ينبت { مُصْفَرّاً } بعد إخضراره . وقال { مصفرا } لأن تلك صفرة حادثة . وقيل : فرأوا السحاب مصفراً لأن السحاب الأصفر لا يمطر . واللام في { لئن } موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط ، وسد مسد جوابي القسم والشرط { لَّظَلُّواْ } ومعناه ليظلن { مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } أي من بعد اصفراره أو من بعد الاستبشار ، ذمهم الله تعالى بأنه إذا حبس عنهم المطر قنطوا من رحمته وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين ، فإذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر استبشروا ، فإذا أرسل ريحاً فضرب زروعهم بالصفار ضجوا وكفروا بنعمة الله فهم في جميع هذه الأحوال على الصفة المذمومة ، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله فقنطوا ، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها ففرحوا ، وأن يصبروا على بلائه فكفروا . { فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } أي موتى القلوب أو هؤلاء في حكم الموتى فلا تطمع أن يقبلوا منك { وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء } { ولا يسمع الصم } مكي { إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } فإن قلت : الأصم لا يسمع مقبلاً أو مدبراً ، فما فائدة هذا التخصيص؟ قلت : هو إذا كان مقبلاً يفهم بالرمز بالإشارة فإذا ولى لا يسمع ولا يفهم بالإشارة { وَمَا أَنتَ بِهَادِ العمى } أي عمى القلوب ، { وما أنت تهدى العمي } حمزة { عَن ضلالتهم } أي لا يمكنك أن تهدي الأعمى إلى طريق قد ضل عنه بإشارة منك له إليه { إِن تُسْمِعُ } ما تسمع { إلاَّ مَنْ يُؤمن بآياتنا فهم مسلمون } منقادون لأوامر الله تعالى .","part":3,"page":100},{"id":1101,"text":"{ الله الذى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } من النطف كقوله { مّن مَّاء مَّهِينٍ } [ المرسلات : 20 ] { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } يعني حال الشباب وبلوغ الأشد { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } يعني حال الشيخوخة والهرم { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } من ضعف وقوة وشباب وشيبة { وَهُوَ العليم } بأحوالهم { القدير } على تغييرهم وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير . فتح الضاد في الكل : عاصم وحمزة ، وضم غيرهما وهو اختيار حفص ، وهما لغتان والضم أقوى في القراءة لما روي عن ابن عمر قال : قرأتها على رسول الله A { من ضَعف } فأقرأني { من ضُعفٍ } { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } أي القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة كما تقول في ساعة لمن تستعجله وجرت علماً لها كالنجم للثريا { يُقْسِمُ المجرمون } يحلف الكافرون ، ولا وقف عليه لأن { مَا لَبِثُواْ } في القبور أو في الدنيا { غَيْرَ سَاعَةٍ } جواب القسم استقلوا مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا لهول يوم القيامة وطول مقامهم في شدائدها أو ينسون أو يكذبون { كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق إلى الكذب في الدنيا ويقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين .\r{ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان } هم الأنبياء والملائكة والمؤمنون { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كتاب الله } في علم الله المثبت في اللوح أو في حكم الله وقضائه { إلى يَوْمِ البعث } ردوا ما قالوه وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة ، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم { فهذا يَوْمُ البعث ولكنكم كُنتمْ } في الدنيا { لاَ تَعْلَمُونَ } أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه . والفاء لجواب شرط يدل عليه الكلام تقديره : إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه","part":3,"page":101},{"id":1102,"text":"{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ } بالياء : كوفي { الذين ظَلَمُواْ } كفروا { مَعْذِرَتُهُمْ } عذرهم { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي لا يقال لهم أرضوا ربكم بتوبة من قولك «استعتبني فلان فأعتبته» أي استرضاني فأرضيته { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ } أي ولقد وصفنا لهم كل صفة كأنها مثل في غرابتها وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كصفة المبعوثين يوم القيامة وقصتهم وما يقولون وما يقال لهم وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم ، ولكنهم لقسوة قلوبهم إذا جئتهم بآية من آيات القرآن قالوا جئتنا بزور باطل { كذلك يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } أي مثل ذلك الطبع وهو الختم يطبع الله على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال حتى يسموا المحقين مبطلين وهم أعرق خلق الله في تلك الصفة { فاصبر } على أذاهم أو عداوتهم { إِنَّ وَعْدَ الله } بنصرتك على أعدائك وإظهار دين الإسلام على كل دين { حَقّ } لا بد من إنجازه والوفاء به { وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ } أي لا يحملنك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفة والعجلة في الدعاء عليهم بالعذاب ، أو لا يحملنك على الخفة والقلق جزعاً مما يقولون ويفعلون فإنهم ضلال شاكون لا يستبدع منهم ذلك { ولا يستخفنك } بسكون النون عن يعقوب ، والله الموفق للصواب .","part":3,"page":102},{"id":1103,"text":"مكية وهي ثلاث أو أربع وثلاثون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ آلم تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } ذي الحكمة أو وصف بصفة الله D على الإسناد المجازي { هُدًى وَرَحْمَةً } حالان من الآيات والعامل معنى الإشارة في { تلك } حمزة بالرفع على أن { تلك } مبتدأ و { آيات الكتاب } خبره و { هدى } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أو هي هدى ورحمة { لّلْمُحْسِنِينَ } للذين يعملون الحسنات المذكورة في قوله { الدين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ } ونظيره قول أوس\rالألمعيّ الذي يظن بك ال ... ظن كأن قد رأى وقد سمعا\rأو للذين يعملون جميع ما يحسن . ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاثة لفضلها","part":3,"page":103},{"id":1104,"text":"{ أولئك على هُدًى } مبتدأ وخبر { مّن رَّبّهِمُ } صفة ل { هدى } { وأولئك هُمُ المفلحون } عطف عليه { وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث } نزلت في النضر بن الحرث وكان يشتري أخبار الأكاسرة من فارس ويقول : إن محمداً يقص طرفاً من قصة عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث الأكاسرة فيميلون إلى حديثه ويتركون استماع القرآن . واللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعني ولهو الحديث نحو السمر بالأساطير التي لا أصل لها والغناء وكان ابن مسعود وابن عباس Bهما يحلفان أنه الغناء . وقيل : الغناء مفسدة للقلب منفدة للمال مسخطة للرب . وعن النبي A \" ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين : أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت \" والاشتراء من الشراء كما روي عن النضر ، أو من قوله { اشتروا الكفر بالإيمان } أي استبدلوه منه واختاروه عليه أي يختارون حديث الباطل على حديث الحق . وإضافة اللهو إلى الحديث للتبيين بمعنى «من» ، لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبيّن بالحديث والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث \" الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش \" أو للتبعيض كأنه قيل : ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه .\r{ لِيُضِلَّ } أي ليصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ، { ليضَل } مكي وأبو عمرو أي ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ويزيد فيه { عَن سَبِيلِ الله } عن دين الإسلام والقرآن { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي جهلاً منه بما عليه من الوزر به { وَيَتَّخِذَهَا } أي السبيل بالنصب كوفي غير أبي بكر عطفاً على { ليضل } ومن رفع عطفه على { يشتري } { هُزُواً } بسكون الزاي والهمزة : حمزة ، وبضم الزاي بلا همز : حفص ، وغيرهم بضم الزاي والهمزة { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي يهينهم و «من» لإبهامه يقع على الواحد والجمع أي النضر وأمثاله","part":3,"page":104},{"id":1105,"text":"{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا ولى مُسْتَكْبِراً } أعرض عن تدبرها متكبراً رافعاً نفسه عن الإصغاء إلى القرآن { كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو حال من { مستكبرا } والأصل كأنه والضمير ضمير الشأن { كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً } ثقلاً وهو حال من { لم يسمعها } { أذنيه } : نافع { فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات النعيم } ولا وقف عليه لأن { خالدين فِيهَا } حال من الضمير في { لهم } { وَعْدَ الله حَقّا } مصدران مؤكدان الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره إذ لهم جنات النعيم في معنى وعدهم الله جنات النعيم ، فأكد معنى الوعد بالوعد ، و { حقاً } يدل على معنى الثبات فأكد به معنى الوعد ومؤكدهما { لهم جنات النعيم } { وَهُوَ العزيز } الذي لا يغلبه شيء فيهين أعداءه بالعذاب المهين { الحكيم } بما يفعل فيثيب أولياءه بالنعيم المقيم .\r{ خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ } جمع عماد { تَرَوْنَهَا } الضمير للسماوات وهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودة على قوله { بغير عمد } كما تقول لصاحبك «أنا بلا سيف ولا رمح تراني» ، ولا محل لها من الأعراب لأنها مستأنفة أو في محل الجرصفة ل { عمد } أي بغير عمد مرئية يعني أنه عمدها بعمد لا ترى وهي إمساكها بقدرته { وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } لئلا تضطرب بكم { وَبَثَّ } ونشر { فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ } صنف { كَرِيمٍ } حسن { هذا } إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته { خَلَقَ الله } أي مخلوقه { فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ } يعني آلهتهم بكّتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله ، فأروني ما خلقته الهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة { بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ } أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال .","part":3,"page":105},{"id":1106,"text":"{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة } وهو لقمان ابن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته . وقيل : كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال : ألا أكتفي إذا كفيت؟ وقيل : كان خياطاً . وقيل نجاراً وقيل راعياً وقيل ، كان قاضياً في بني إسرائيل . وقال عكرمة والشعبي : كان نبياً . والجمهور على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً . وقيل : خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل . وقيل : تتلمذ لألف وتتلمذ له ألف نبي . و «أن» في { أَنِ اشكر للَّهِ } مفسرة والمعنى أي اشكر الله لأن إيتاء الحكمة في معنى القول ، وقد نبه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر . وقيل : لا يكون الرجل حكيماً حتى يكون حكيماً في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته ، وقال السري السقطي : الشكر أن لا تعصي الله بنعمه . وقال الجنيد : أن لا ترى معه شريكاً في نعمه . وقيل : هو الإقرار بالعجز عن الشكر . والحاصل أن شكر القلب المعرفة ، وشكر اللسان الحمد ، وشكر الأركان الطاعة ، ورؤية العجز في الكل دليل قبول الكل . { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأن منفعته تعود إليه فهو يريد المزيد { وَمَن كَفَرَ } النعمة { فَإِنَّ الله غَنِىٌّ } غير محتاج إلى الشكر { حَمِيدٌ } حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد { وَإِذْ } أي واذكر إذ { قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ } أنعم أواشكم { وَهُوَ يَعِظُهُ يابنى } بالإسكان مكي { يا بني } حفص بفتحه في كل القرآن { لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلاً .","part":3,"page":106},{"id":1107,"text":"{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ } أي حملته تهن وهناً على وهن أي تضعف ضعفاً فوق ضعف أي يتزايد ضعفها ويتضاعف لأن الحمل كلما ازداد أو عظم ازدادت ثقلاً وضعفاً { وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ } أي فطامه عن الرضاع لتمام عامين { أَنِ اشكر لِى ولوالديك } هو تفسير ل { وصينا } أي وصيناه بشكرنا وبشكر والديه . وقوله { حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين } اعتراض بين المفسر والمفسر لأنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق في حمله وفصاله هذه المدة الطويلة تذكيراً «بحقها العظيم مفرداً» . وعن ابن عيينة : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكرهما { إِلَىَّ المصير } أي مصيرك إليّ وحسابك عليّ { وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أراد بنفي العلم به نفيه أي لا تشرك بي ما ليس بشيء يريد الأصنام { فَلاَ تُطِعْهُمَا } في الشرك { وصاحبهما فِى الدنيا مَعْرُوفاً } صفة مصدر محذوف أي صحاباً معروفاً حسناً بخلق جميل وحلم واحتمال وبر وصلة { واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ } أي سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه وإن كنت مأموراً بحسن مصاحبتهما في الدنيا . وقال ابن عطاء : صاحب من ترى عليه أنوار خدمتي . { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي مرجعك ومرجعهما { فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما . وقد اعترض بهاتين الآيتين على سبيل الاستطراد تأكيداً لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك يعني إنا وصيناه بوالديه وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك وإن جهدا كل الجهد لقبحه .","part":3,"page":107},{"id":1108,"text":"{ يابنى إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } بالرفع : مدني ، والضمير للقصة وأنت المثقال لإضافته إلى الحبة كما قال :\rكما شرقت صدر القناة من الدم\rو«كان» تامة والباقون بالنصب والضمير للهنة من الإساءة والإحسان أي إن كانت مثلاً في الصغر كحبة خردل { فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السماوات أَوْ فِى الأرض } أي فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة ، أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي والأكثر على أنها التي عليها الأرض وهي السجين يكتب فيها أعمال الفجار وليست من الأرض { يَأتِ بِهَا الله } يوم القيامة فيحاسب بها عاملها { إِنَّ الله لَطِيفٌ } بتوصل علمه إلى كل خفي { خَبِيرٌ } عالم بكنهه أو لطيف باستخراجها خبير بمستقرها { يابنى أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَا أَصَابَكَ } في ذات الله تعالى إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، أو على ما أصابك من المحن فإنها تورث المنح { إِنَّ ذلك } الذي وصيتك به { مِنْ عَزْمِ الأمور } أي مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام أي أمر به أمراً حتماً ، وهو من تسمية المفعول بالمصدر وأصله من معزومات الأمور أي مقطوعاتها ومفروضاتها ، وهذا دليل على أن هذه الطاعات كانت مأموراً بها في سائر الأمم .\r{ وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } أي ولا تعرض عنهم تكبراً . { تصاعر } أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي ، وهو بمعنى تصعّر ، والصعر داء يصيب البعير يلوي منه عنقه والمعنى : أقبل على الناس بوجهك تواضعاً ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبرون { وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا } أي تمرح مرحاً ، أو أوقع المصدر موقع الحال أي مرحاً ، أو ولا تمش لأجل المرح والأشر { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } متكبر { فَخُورٌ } من يعدد مناقبه تطاولا","part":3,"page":108},{"id":1109,"text":"{ واقصد } القصد التوسط بين العلو والتقصير { فِى مَشْيِكَ } أي اعدل فيه حتى يكون مشياً بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثوب الشطار . قال عليه السلام \" سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن \" وأما قول عائشة في عمر Bه : كان إذا مشى أسرع ، فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت ، وعن ابن مسعود Bه : كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشياً بين ذلك . وقيل : معناه وانظر موضع قدميك متواضعاً { واغضض مِن صَوْتِكَ } وانقص منه أي اخفض صوتك { إِنَّ أَنكَرَ الأصوات } أي أوحشها { لَصَوْتُ الحمير } لأن أوله زفير وآخره شهيق كصوت أهل النار . وعن الثوري : صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان ولذلك سماه الله منكراً . وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن أرفع الصوت في غاية الكراهة يؤيده ما روي أنه عليه السلام كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت ويكره أن يكون مجهور الصوت . وإنما وحد صوت الحمير ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من احاد هذا الجنس حتى يجمع ، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت ، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس فوجب توحيده .\r{ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات } يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك { وَمَا فِى الأرض } يعني البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ذلك { وَأَسْبَغَ } وأتم { عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ } مدني وأبو عمرو وسهل وحفص . { نعمة } غيرهم والنعمة كل نفع قصد به الإحسان { ظاهرة } بالمشاهدة { وَبَاطِنَةً } ما لا يعلم إلا بدليل ثم قيل : الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة ، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك . ويروى في دعاء موسى عليه السلام : إلهي دلني على أخفى نعمتك على عبادك فقال : أخفى نعمتي عليهم النفس . وقيل : تخفيف الشرائع وتضعيف الذرائع والخلق ونيل العطايا وصرف البلايا وقبول الخلق ورضا الرب . وقال ابن عباس : الظاهرة ما سوّى من خلقك والباطنة ما ستر من عيوبك . { ومِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ } نزلت في النضر بن الحرث وقد مر في «الحج»","part":3,"page":109},{"id":1110,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير } معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب .\r{ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله } عدِّي هنا ب «إلى» ، وفي { بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } [ البقرة : 112 ] باللام فمعناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالماً لله أي خالصاً له ، ومعناه مع «إلى» أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه والمراد التوكل عليه والتفويض إليه { وَهُوَ مُحْسِنٌ } فيما يعمل { فَقَدِ استمسك } تمسك وتعلق { بالعروة } هي ما يعلق به الشيء { الوثقى } تأنيث الأوثق مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه { وإلى الله عاقبة الأمور } أي هي صائرة إليه فيجازي عليها { وَمَن كَفَرَ } ولم يسلم وجهه لله { فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } من حزن ، { يُحزِنك } نافع من أحزن أي لا يهمنك كفر من كفر { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ } فنعاقبهم على أعمالهم { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } إن الله يعلم ما في صدور عباده فيفعل بهم على حسبه","part":3,"page":110},{"id":1111,"text":"{ نُمَتّعُهُمْ } زماناً { قَلِيلاً } بدنياهم { ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ } نلجئهم { إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ } شديد شبه إلزامهم التعذيب وإرهاقهم إياه باضطرار المضطر إلى الشيء ، والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة والمراد ، الشدة والثقل على المعذب } وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الحمد لِلَّهِ } إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده ، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر وأن لا يعبد معه غيره . ثم قال { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم يتنبهوا { لِلَّهِ مَا فِى السماوات والأرض إِنَّ الله هُوَ الغنى } عن حمد الحامدين { الحميد } المستحق للحمد وإن لم يحمدوه .\rقال المشركون : إن هذا أي الوحي كلام سينفذ فأعلم الله أن كلامه لا ينفذ بقوله { وَلَوْ أَنَّمَا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } والبحر بالنصب أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم «أن» وهو «ما» ، والرفع على محل «أن» ومعمولها أي ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر ، أو على الابتداء والواو للحال على معنى : ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً وقرىء يُمِدّهُ وكان مقتضى الكلام أن يقال : ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد ، لكن أغنى عن ذكر المداد قوله { يمده } لأنه من قولك «مد الدواة وأمدها» جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوءة مداداً فهي تصب فيه مدادها أبداً صباً لا ينقطع . والمعنى : ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته وتفدت الأقلام والمداد كقوله : { قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى } [ الكهف : 109 ] فإن قلت : زعمت أن قوله { والبحر يمده } حال في أحد وجهي الرفع وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال . قلت : هو كقولك «جئت والجيش مصطف» وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف . وإنما ذكر شجرة على التوحيد لأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاماً ، وأوثر الكلمات وهي جمع قلة على الكلم وهي جمع كثرة لأن معناه أن كلمات لا تفي بكتبتهالبحار فكيف بكلمه { أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يعجزه شيء { حَكِيمٌ } لا يخرج من علمه وحكمته شيء فلا تنفد كلماته وحكمه","part":3,"page":111},{"id":1112,"text":"{ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة } إلا كخلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة فحذف للعلم به أي سواء في قدرته القليل والكثير فلا يشغله شأن عن شأن { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لقول المشركين إنه لا بعث { بَصِيرٌ } بأعمالهم فيجازيهم .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اليل فِى النهار } يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل الليل { وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر } لمنافع العباد { كُلٌّ } أي كل واحد من الشمس والقمر { يَجْرِى } في فلكه ويقطعه { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى يوم القيامة أو إلى وقت معلوم الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر { وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وبالياء : عياش . دل أيضاً بتعاقب الليل والنهار وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين في فلكيهما على تقدير وحساب وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته وكمال حكمته { ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ } بالياء : عراقي غير أبي بكر { مِن دُونِهِ الباطل وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير } أي ذلك الوصف الذي وصف به من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون ، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله! إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت الإلهية وأن من دونه باطل الإلهية وأنه هو العلي الشأن الكبير السلطان .","part":3,"page":112},{"id":1113,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك } وقريء { الفلك } وكل فُعْل يجوز فيه فعل كما يجوز في كل فُعُل فُعْل { تَجْرِى في البحر بنعمت الله } بإحسانه ورحمته أو بالريح لأن الريح من نعم الله { لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءاياته } عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموها { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ } على بلائه { شَكُورٍ } لنعمائه ، وهما صفتا المؤمن فالإيمان نصفان : نصفه شكر ونصفه صبر فكأنه قال : إن في ذلك لآيات لكل مؤمن .\r{ وَإِذَا غَشِيَهُمْ } أي الكفار { مَّوْجٌ كالظلل } الموج يرتفع فيعود مثل الظلل والظلة كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرهما { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } أي باقٍ على الإيمان والإخلاص الذي كان منه ولم يعد إلى الكفر ، أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر يعني أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط والمقتصد قليل نادر { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا } أي بحقيقتها { إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ } غدار والختر أقبح الغدر { كَفُورٌ } لربه { ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } لا يقضي عنه شيئاً والمعنى لا يجزيء فيه فحذف { وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه لأن الجملة الاسمية آكد من الجملة الفعلية وقد انضم إلى ذلك قوله { هو } وقوله { مولود } والسبب في ذلك أن الخطاب للمؤمنين وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر فأريد حسم أطماعهم أن ينفعوا آباءهم بالشفاعة في الآخرة . ومعنى التأكيد لفظ المولود أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لأجداده إذ الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك كذا في الكشاف { إِنَّ وَعْدَ الله } بالبعث والحساب والجزاء { حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا } بزينتها فإن نعمتها دانية ولذتها فانية { وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } الشيطان أو الدنيا أو الأمل .","part":3,"page":113},{"id":1114,"text":"{ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } أي وقت قيامها { وَيُنَزّلُ } بالتشديد : شامي ومدني وعاصم ، وهو عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل تقديره : إن الله يثبت عنده علم الساعة وينزل { الغيث } في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير { وَيَعْلَمُ مَا في وَأُوْلُو الأرحام } أذكر أم أنثى وتام أم ناقص { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ } برة أو فاجرة { مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } من خير أو شر وربما كانت عازمة على خير فعملت شراً وعازمة على شر فعملت خيراً { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } أي أين تموت؟ وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت لا أبرحها فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها . روي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه فقال الرجل : من هذا؟ فقال له : ملك الموت . قال : كأنه يريدني وسأل سليمان عليه السلام أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند ففعل ثم قال ملك الموت لسليمان : كان دوام نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك . وجعل العلم لله والدارية للعبيد لما في الدارية من معنى الختل والحيلة ، والمعنى أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها ما يختص بها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته ، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان معرفة ماعداهما أبعد وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيباً على أنه مجرد الظن والظن غير العلم . وعن النبي A « مفاتح الغيب خمس » وتلا هذه الآية . وعن ابن عباس Bهما : من ادّعى علم هذه الخمسة فقد كذب . ورأى المنصور في منامه صورة ملك الموت وسأله عن مدة عمره فأشار بأصابعه الخمس فعبرها المعبرون بخمس سنوات وبخمسة أشهر وبخمسة أيام فقال أبو حنيفة Bه : هو إشارة إلى هذه الآية ، فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا الله { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بالغيوب { خَبِيرٌ } بما كان ويكون . وعن الزهريّ رضي الله تعالى عنه : أكثروا قراءة سورة لقمان فإن فيها أعاجيب والله أعلم .","part":3,"page":114},{"id":1115,"text":"مكية وهي ثلاثون آية مدني وكوفي ، وتسع وعشرون آية بصري\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم } على أنها اسم السورة مبتدأ وخبره { تنزيل الكتاب } وإن جعلتها تعديداً للحروف ارتفع { تنزيل } بأنه خبر مبتدأ محذوف أو هو مبتدأ خبره { لا ريب فيه } أو يرتفع بالابتداء وخبره { من رّبّ العالمين } و { لا ريب فيه } اعتراض لا محل له ، والضمير في { فيه } راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل : لا ريب في ذلك أي في كونه منزلاً من رب العالمين لأنه معجز للبشر ومثله أبعد شيء من الريب . ثم أضرب عن ذلك إلى قوله { أم يقولون افتراه } أي اختلقه محمد لأن «أم» هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة معناه بل أيقولون افتراه إنكاراً لقولهم وتعجيباً منهم لظهور أمره في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات منه { بل هو الحقّ } ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق { من رّبّك } ولم يفتره محمد A كما قالوا تعنتاً وجهلاً { لتنذر قوماً } أي العرب { مّا أتاهم مّن نّذيرٍ مّن قبلك } «ما» للنفي والجملة صفة ل { قوماً } { لعلّهم يهتدون } على الترجي من رسول الله A كما كان لعله يتذكر على الترجي من موسى وهارون .\r{ الله الّذي خلق السّماوات والأرض وما بينهما في ستّة أيّامٍ ثمّ استوى على العرش } استولى عليه بإحداثه { ما لكم مّن دونه } من دون الله { من وليّ ولا شفيعٍ } أي إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم ولياً أي ناصراً ينصركم ولا شفيعاً يشفع لكم { أفلا تتذكّرون } تتعظون بمواعظ الله { يدبّر الأمر } أي أمر الدنيا { من السّماء إلى الأرض } إلى أن تقوم الساعة { ثمّ يعرج إليه } ذلك الأمر كله أي يصير إليه ليحكم فيه { في يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ } وهو يوم القيامة { مّمّا تعدّون } من أيام الدنيا ولا تمسّك للمشبهة بقوله { إليه } في إثبات الجهة لأن معناه إلى حيث يرضاه أو أمره كما لا تشبث لهم بقوله : { إني ذاهب إلى ربي } [ الصافات : 99 ] . { إني مهاجر إلى ربي } [ العنكبوت : 26 ] . { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله } [ النساء : 100 ] .\r{ ذلك عالم الغيب والشّهادة } أي الموصوف بما مر عالم ما غاب عن الخلق وما شاهدوه { العزيز } الغالب أمره { الرّحيم } البالغ لطفه وتيسيره . وقيل : لا وقف عليه لأن { الّذي } صفته { أحسن كلّ شيءٍ } أي حسنه لأن كل شيء مرتب على ما اقتضته الحكمة { خلقه } كوفي ونافع وسهل على الوصف أي كل شيء خلقه فقد أحسن { خلقه } غيرهم على البدل أي أحسن خلق كل شيء { وبدأ خلق الإنسان } آدم { من طينٍ ثمّ جعل نسله } ذريته { من سلالةٍ } من نطفة { مّن مّاءٍ } أي مني وهو بدل من { سلالة } { مّهينٍ } ضعيف حقير { ثمّ سواه } قومه كقوله","part":3,"page":115},{"id":1116,"text":"{ في أحسن تقويم } [ التين : 4 ] { ونفخ } أدخل { فيه من رّوحه } الإضافة للاختصاص كأنه قال : ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبعلمه { وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة } لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا { قليلاً مّا تشكرون } أي تشكرون قليلاً .\r{ وقالوا } القائل أبيّ بن خلف ولرضاهم بقوله أسند إليهم { أءذا ضللنا في الأرض } أي صرنا تراباً وذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما يضل الماء في اللبن ، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها . وقرأ عليٌّ { ضللنا } بكسر اللام يقال : ضل يضل وضل يضل . وانتصب الظرف في { أإذا ضللنا } بما يدل عليه { أءنّا لفي خلقٍ جديدٍ } وهو نبعث { بل هم بلقاء ربّهم كافرون } جاحدون . لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده { قل يتوفّاكم مّلك الموت الّذي وكّل بكم ثمّ إلى ربّكم ترجعون } أي يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم ثم ترجعون إلى ربكم بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء وهذا معنى لقاء الله . والتوفي استيفاء النفس وهي الروح أي يقبض أرواحكم أجمعين من قولك «توفيت حقي من فلان» إذا أخذته وافياً كاملاً من غير نقصان . وعن مجاهد : حويت لملك الموت الأرض وجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء . وقيل : ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها والله تعالى هو الآمر لذلك كله وهو الخالق لأفعال المخلوقات . وهذا وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله { توفته رسلنا } [ الأنعام : 61 ] وقوله { الله يتوفى الأنفس حين موتها } [ الزمر : 42 ] .\r{ ولو ترى } الخطاب لرسول الله A أو لكل أحد و«لو» امتناعية والجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً { إذ المجرمون } هم الذين قالوا { أءذا ضللنا في الأرض } و«لو» و«إذ» للمضي وإنما جاز ذلك لأن المترقب من الله بمنزلة الموجود ولا يقدر لترى ما يتناوله كأنه قيل : ولو تكون منك الرؤية و«إذ» ظرف له { ناكسوا رؤوسهم } من الذل والحياء والندم { عند ربّهم } عند حساب ربهم ويوقف عليه لحق الحذف إذ التقدير ويقولون { ربّنا أبصرنا } صدق وعدك وعيدك { وسمعنا } منك تصديق رسلنا أو كنا عمياً وصماً فأبصرنا وسمعنا { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحاً } أي الإيمان والطاعة { إنّا موقنون } بالبعث والحساب الآن { ولو شئنا لآتينا كلّ نفسٍ هداها } في الدنيا أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره ، وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت وقد أعطاها لكنها لم تهتد ، وهم أوّلوا الآية بمشيئة الجبر وهو تأويل فاسد لما عرف في تبصر الأدلة .","part":3,"page":116},{"id":1117,"text":"{ ولكن حقّ القول منّي لأملأنّ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين } ولكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ما يستوجبون به جهنم وهو ما علم منهم أنهم يختارون الرد والتكذيب . وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم .\r{ فذوقوا } العذاب { بما نسيتم لقاء } بما تركتم من عمل لقاء { يومكم هذا } وهو الإيمان به { إنّا نسيناكم } تركناكم في العذاب كالمنسي { وذقوا عذاب الخلد } أي العذاب الدائم الذي لا انقطاع له { بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي .\r{ إنّما يؤمن بآياتنا الّذين إذا ذكّروا بها } أي وعظوا بها { خرّوا سجّداً } سجدوا لله تواضعاً وخشوعاً وشكراً على ما رزقهم من الإسلام { وسبّحوا بحمد ربّهم } ونزهوا الله عما لا يليق به وأثنوا عليه حامدين له { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان والسجود له { تتجافى } ترتفع وتنتحي { جنوبهم عن المضاجع } عن الفرض ومضاجع النوم . قال سهل : وهب لقوم هبة وهو أن أذن لهم في مناجاته وجعلهم من أهل وسيلته ثم مدحهم عليه فقال { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } { يدعون } داعين { ربّهم } عابدين له { خوفاً وطمعاً } مفعول له أي لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته وهم المتهجدون . وعن النبي A في تفسيرها قيام العبد من الليل . وعن ابن عطاء : أبت جنوبهم أن تسكن على بساط الغفلة وطلبت بساط القربة يعني صلاة الليل . وعن أنس : كان أناس من أصحاب النبي A يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الأخيرة فنزلت فيهم . وقيل : هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها . { وممّا رزقناهم ينفقنون } في طاعة الله تعالى { فلا تعلم نفسٌ مّا أخفي لهم } «ما» بمعنى «الذي» { أخفي } على حكاية النفس : حمزة ويعقوب { مّن قرّة أعينٍ } أي لا يعلم أحد ما أعد لهؤلاء من الكرامة { جزاءً } مصدر أي جوزوا جزاء { بما كانوا يعملون } عن الحسن Bه : أخفى القوم أعمالاً فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت . وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ليكون الجزاء وفاقاً . ثم بين أن من كان في نور الطاعة والإيمان لا يستوي مع من هو في ظلمة الكفر والعصيان بقوله :","part":3,"page":117},{"id":1118,"text":"{ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً } أي كافراً وهما محمولان على لفظ من وقوله { لاّ يستوون } على المعنى بدليل قوله { أمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم جنّات المأوى } هي نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء . وقيل : هي عن يمين العرش { نزلاً بما كانوا يعملون } عطاء بأعمالهم والنزل عطاء النازل ثم صار عاماً { وأمّا الّذين فسقوا فمأواهم النّار } أي ملجؤهم ومنزلهم { كلّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم } أي تقول لهم خزنة النار { ذوقوا عذاب النّار الّذي كنتم به تكذّبون } وهذا دليل على أن المراد بالفاسق الكافر إذ التكذيب يقابل الإيمان { ولنذيقنّهم مّن العذاب الأدنى } أي عذاب الدنيا من الأسر وما محنوا به من السنة سبع سنين { دون العذاب الأكبر } أي عذاب الآخرة أي نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة . وعن الداراني : العذاب الأدنى الخذلان والعذاب الأكبر الخلود في النيران . وقيل : العذاب الأدنى عذاب القبر { لعلّهم } لعل المعذبين بالعذاب الأدنى { يرجعون } يتوبون عن الكفر { ومن أظلم ممّن ذكّر } وعظ { بآيات ربّه } أي بالقرآن { ثمّ أعرض عنها } أي فتولى عنها ولم يتدبر فيها . و«ثم» للاستبعاد أي أن الإعراض عن مثل هذه الآيات في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها ، مستبعد في العقل كما تقول لصاحبك «وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها» استبعاداً لتركه الانتهاز { إنّا من المجرمين منتقمون } ولم يقل «منه» لأنه إذا جعله أظلم كل ظالم ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم فقد دل على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام ، ولو قال بالضمير لم يفد هذه الفائدة .\r{ ولقد آتينا موسى الكتاب } التوراة { فلا تكن في مريةٍ } شك { من لقائه } من لقاء موسى الكتاب أو من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة أو من لقاء موسى ربه في الآخرة كذا عن النبي A { وجعلناه هدًى لّبني إسرائيل } وجعلنا الكتاب المنزل على موسى لقومه هدى { وجعلنا منهم أئمّةً } بهمزتين : كوفي وشامي { يهدون } بذلك الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه { بأمرنا } إياهم بذلك { لمّا صبروا } حين صبروا على الحق بطاعة الله أو عن المعاصي { لما صبروا } حمزة وعلي أي لصبرهم عن الدنيا ، وفيه دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس { وكانوا بآياتنا } التوراة { يوقنون } يعلمون علماً لا يخالجه شك { إنّ ربّك هو يفصل } يقضي { بينهم يوم القيامة } بين الأنبياء وأممهم أو بين المؤمنين والمشركين { فيما كانوا فيه يختلفون } فيظهر المحق من المبطل .\r{ أو لم } الواو للعطف على معطوف عليه منوي من جنس المعطوف أي أو لم يدع { يهد } يبين والفاعل الله بدليل قراءة زيد عن يعقوب { نهد } { لهم } لأهل مكة { كم } لا يجوز أن يكون «كم» فاعل { يهدى } لأن «كم» للاستفهام فلا يعمل فيه ما قبله ومحله نصب بقوله { أهلكنا من قبلهم مّن القرون } كعاد وثمود وقوم لوط { يمشون في مساكنهم } أي أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم { إنّ في ذلك لآياتٍ أفلا يسمعون } المواعظ فيتعظوا { أو لم يروا أنّا نسوق الماء } نجري المطر والأنهار { إلى الأرض الجرز } أي الأرض التي جرز نباتها أي قطع إما لعدم الماء أو لأنه رعي ، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدليل قوله { فنخرج به } بالماء { زرعاً تأكل منه } من الزرع { أنعامهم } من عصفه { وأنفسهم } من حبه { أفلا يبصرون } بأعينهم فيستدلوا به على قدرته على إحياء الموتى { ويقولون متى هذا الفتح } النصر أو الفصل بالحكومة من قوله","part":3,"page":118},{"id":1119,"text":"{ ربنا افتح بيننا } [ الأعراف : 89 ] وكان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أو بفتح بيننا وبينهم فإذا سمع المشركون ذلك قالوا : متى هذا الفتح أي في أي وقت يكون { إنّ كنتم صادقين } في أنه كائن .\r{ قل يوم الفتح } أي يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم أو يوم نصرهم عليهم أو يوم بدر أو يوم فتح مكة { لا ينفع الّذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون } وهذا الكلام لم ينطبق جواباً على سؤالهم ظاهراً ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالاً منهم على وجه التكذيب والاستهزاء أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم : لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلا ينفعكم الإيمان ، أو استنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا ، ومن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر فهو يريد المقتولين منهم فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه عند الغرق { فأعرض عنهم وانتظر } النصرة وهلاكهم { إنّهم مّنتظرون } الغلبة عليكم وهلاككم ، وكان عليه السلام لا ينام حتى يقرأ « { ألم تنزيل } » السجدة و { تبارك الذي بيده الملك } [ الملك : 1 ] وقال \" من قرأ الم تنزيل في بيته لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام \" وعن ابن مسعود Bه قال : سورة الم تنزيل هي المانعة تمنع من عذاب القبر . والله أعلم .","part":3,"page":119},{"id":1120,"text":"مدنية وهي ثلاث وسبعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\rقال أبيّ بن كعب Bه لزرّ : كم تعدون سورة الأحزاب؟ قال : ثلاثاً وسبعين . قال : فوالذي يحلف به أبيّ إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم» . أراد أبيّ أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن . وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة Bها فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض .\r{ يا أيّها النّبيّ } وبالهمز : نافع أي يا أيها المخبر عنا المأمون على أسرارنا المبلغ خطابنا إلى أحبابنا . وإنما لم يقل «يا محمد» كما قال { يا آدم } { يا موسى } تشريفاً له وتنويهاً بفضله ، وتصريحه باسمه في قوله { محمد رسول الله } [ الفتح : 29 ] ونحوه لتعليم الناس بأنه رسول الله { اتّق الله } اثبت على تقوى الله ودم عليه وازدد منه فهو باب لا يدرك مداه { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ولا تساعدهم على شيء واحترس منهم فإنهم أعداء الله والمؤمنين . وروي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة بعد قتال أحد فنزلوا على عبد الله بن أبيّ وأعطاهم النبي الأمان على أن يكلموه فقالوا : ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تنفع وتشفع ، ووازرهم المنافقون على ذلك فهمّ المسلمون بقتلهم فنزلت . أي اتق الله في نقض العهد ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا { إنّ الله كان عليماً } بخبث أعمالهم { حكيماً } في تأخير الأمر بقتالهم .\r{ واتّبع ما يوحى إليك من رّبّك } في الثبات على التقوى وترك طاعة الكافرين والمنافقين { إنّ الله } الذي يوحي إليك { كان بما تعملون خبيراً } أي لم يزل عالماً بأعمالهم وأعمالكم . وقيل : إنما جمع لأن المراد بقوله { اتبع } هو وأصحابه ، وبالياء : أبو عمر وأي بما يعمل الكافرون والمنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم { وتوكّل على الله } أسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره { وكفى بالله وكيلاً } حافظاً موكولاً إليه كل أمر ، وقال الزجاج : لفظه وإن كان لفظ الخبر فالمعنى اكتف بالله وكيلاً .\r{ مّا جعل الله لرجلٍ مّن قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الاىء تظاهرون منهنّ أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم } أي ما جمع الله قلبين في جوف ، ولا زوجية وأمومة في امرأة ، ولا بنوة ودعوة في رجل . والمعنى أنه تعالى كما لم يجعل لإنسان قلبين لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر فعلاً من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليه ، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً عالماً ظاناً موقناً شاكاً في حالة واحدة .","part":3,"page":120},{"id":1121,"text":"لم يحكم أيضاً أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجاً له ، لأن الأم مخدومة والمرأة خادمة وبينهما منافاة ، وأن يكون الرجل الواحد دعياً لرجل وابناً له لأن البنوة أصالة في النسب والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير ، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل . وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة ، فلما تزوجها رسول الله A وهبته له فطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله A فأعتقه وتبناه وكانوا يقولون «زيد بن محمد» ، فلما تزوج النبي A زينب وكانت تحت زيد قال المنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه فأنزل الله هذه الآية ، وقيل : كان المنافقون يقولون : لمحمد قلبان قلب معكم وقلب مع أصحابه . وقيل : كان أبو معمر أحفظ العرب فقيل له «ذو القلبين» فأكذب الله قولهم وضربه مثلاً في الظهار والتبني . والتنكير في { رجل } وإدخال «من» الاستغراقية على { قلبين } وذكر الجوف للتأكيد . { اللائي } بياء بعد الهمزة حيث كان : كوفي وشامي ، { اللاء } نافع ويعقوب وسهل وهي جمع . { التي تُظاهِرون } عاصم من ظاهر إذا قال لامرأته «أنت علي كظهر أمي» { تَظَاهَرون } علي وحمزة وخلف . { تَظَّاهرون } شامي من ظاهر بمعنى تظاهر . غيرهم { تظّهّرون } من اظّهّر بمعنى تظهر . وعُدي ب «من» لتضمنه معنى البعد لأنه كان طلاقاً في الجاهلية ونظيره «آلى من امرأته» لما ضمن معنى التباعد عدي ب «من» وإلا فآلى في أصله الذي هو معنى حلف وأقسم ليس هذا بحكمه . والدعي فعيل بمعنى مفعول وهو الذي يدعي ولداً ، وجمع على أفعلاء شاذاً لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل كتقي وأتقياء وشقي وأشقياء ولا يكون ذلك في نحو «رمي» و «سميّ» للتشبيه اللفظي .\r{ ذلكم قولكم بأفواهكم } أي أن قولكم للزوجة هي أم وللدعي هو ابن قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له إذ الابن يكون بالولادة وكذا الأم { والله يقول الحقّ } أي ما حق ظاهره وباطنه { وهو يهدى السّبيل } أي سبيل الحق . ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق وهو قوله { ادعوهم لآبائهم هو أقسط } أعدل { عند الله } وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل . وقيل : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ولد الرجل ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه . وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان . ثم انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث وصل الجملة الطلبية ثم فصل الخبرية عنها ووصل بينها ، ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها ثم فصل بالطلبية { فإن لّم تعلموا آباءهم } فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم { فإخوانكم في الدّين ومواليكم } أي فهم إخوانكم في الدين وأولياؤكم في الدين فقولوا هذا أخي وهذا مولاي ويا أخي ويا مولاي ، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه .","part":3,"page":121},{"id":1122,"text":"{ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي { ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتموه بعد النهي . أولا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وسبق اللسان ، ولكن إذا قلتموه متعمدين ، و «ما» في موضع الجر عطف على «ما» الأولى ، ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ دون العمد على سبيل العموم ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده . وإذا وجد التبني فإن كان المتبني مجهول النسب وأصغر سناً منه ثبت نسبه منه وعتق إن كان عبداً له ، وإن كان أكبر سناً منه لم يثبت النسب وعتق عند أبي حنيفة Bه ، وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وعتق إن كان عبداً { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } لا يؤاخذكم بالخطأ ويقبل التوبة من المتعمد .\r{ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } أي أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا ، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها ، فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه ، أو هو أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم كقوله { بالمؤمنين رؤوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 128 ] وفي قراءة ابن مسعود { النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } وهو لهم ، وقال مجاهد : كل نبي أبو أمته ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي A أبوهم في الدين { وأزواجه أمهاتهم } في تحريم نكاحهن ووجوب تعظيمهن وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن { وَأُوْلُواْ الأرحام } وذوو القرابات { بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } في التوارث وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بحق القرابة { فِى كتاب الله } في حكمه وقضائه أو في اللوح المحفوظ أو فيما فرض الله { مِنَ المؤمنين والمهاجرين } يجوز أن يكون بياناً لأولي الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب ، وأن يكون لابتداء الغاية أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين أي الأنصار بحق الولاية في الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة { إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } الاستثناء من خلاف الجنس أي لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفاً جائز وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء فيكون ذلك بالوصية لا بالميراث . وعدي { تَفْعَلُواْ } ب «إلى» لأنه في معنى تسدوا والمراد بالأولياء المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين { كَانَ ذلك فِى الكتاب مَسْطُورًا } أي التوارث بالأرحام كان مسطوراً في اللوح .","part":3,"page":122},{"id":1123,"text":"{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } واذكر حين أخذنا من النبيين ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم { وَمِنْكَ } خصوصاً . وقدم رسول الله على نوح ومن بعده لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء لأنهم أولو العزم وأصحاب الشرائع ، فلما كان محمد A أفضل هؤلاء قدم عليهم ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه { وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظاً } وثيقاً . وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه وإنما فعلنا ذلك { لّيسئل } الله { الصادقين } أي الأنبياء { عَن صِدْقِهِمْ } عما قالوه لقومهم أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم لأن من قال للصادق صدقت كان صادقاً في قوله ، أو ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم أممهم وهو كقوله { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } [ المائدة : 109 ] { وَأَعَدَّ للكافرين } بالرسل { عَذَاباً أَلِيماً } وهو عطف على { أَخَذْنَا } لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين عذاباً أليماً ، أو على ما دل عليه { لِّيَسْأَلَ الصادقين } كأنه قال : فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين .","part":3,"page":123},{"id":1124,"text":"ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } أي ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق وكان بعد حرب أحد بسنة { إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } أي الأحزاب وهم : قريش وغطفان وقريظة والنضير { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } أي الصبا . قال عليه السلام « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » { وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } وهم الملائكة وكانوا ألفاً بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم وأسفت التراب في وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فانهزموا من غير قتال . وحين سمع رسول الله A بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة سلمان ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم ، وأمر بالذراري والنسوان فرفعوا في الآطام واشتد الخوف ، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان ، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن ، وعامر بن الطفيل في هوازن وضامّتهم اليهود من قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ } أي بعملكم أيها المؤمنون من التحصن بالخندق والثبات على معاونة النبي A { بَصِيراً } وبالياء ، أبو عمرو أي بما يعمل الكفار من البغي والسعي في إطفاء نور الله .\r{ إِذْ جَاءوكُمْ } بدل من { إِذْ جَاءتْكُمْ } { مّن فَوْقِكُمْ } أي من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش { وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار } مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة ، أو عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } الحنجرة رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم ، والحلقوم مدخل الطعام والشراب . قالوا : إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة . وقيل : هو مثل في اضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة . رُوي أن المسلمين قالوا لرسول الله A . هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر قال : « نعم قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا » { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } خطاب للذين آمنوا ومنهم الثبت القلوب والأقدام والضعاف القلوب الذين هم على حرف والمنافقون ، فظن الأولون بالله أنه يبتليهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال ، وأما الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم .","part":3,"page":124},{"id":1125,"text":"قرأ أبو عمرو وحمزة { الظنون } بغير ألف في الوصل والوقف وهو القياس ، وبالألف فيهما : مدني وشامي وأبو بكر إجراء للوصل مجرى الوقف ، وبالألف في الوقف : مكي وعلي وحفص ، ومثله { الرسولا } و { السبيلا } زادوها في الفاصلة كما زادها في القافية . من قال :\rأقلي اللوم عاذل والعتابا ... وهن كلهن في الإمام بالألف { هُنَالِكَ ابتلى المؤمنون } امتحنوا بالصبر على الإيمان { وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } وحركوا بالخوف تحريكاً بليغاً .\r{ وَإِذْ يَقُولُ المنافقون } عطف على الأول { والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } قيل : هو وصف المنافقين بالواو كقوله :\rإلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم\rوقيل : هم قوم لا بصيرة لهم في الدين كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبه عليهم { مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } روي أن معتّب بن قشير حين رأى الأحزاب قال : يعدنا محمد فتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقاً ما هذا إلا وعد غرور { وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } من المنافقين وهم عبد الله بن أبي وأصحابه { ياأهل . يَثْرِبَ } هم أهل المدينة { لاَ مُقَامَ لَكُمْ } وبضم الميم : حفص أي لا قرار لكم ههنا ولا مكان تقومون فيه أو تقيمون { فارجعوا } عن الإيمان إلى الكفر أو من عسكر رسول الله إلى المدينة { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النبى } أي بنو حارثة { يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أي ذات عورة { وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } العورة الخلل والعورة ذات العورة وهي قراءة ابن عباس . يقال : عور المكان عوراً إذا بدا منه خلل يخاف منه العدو والسارق ، ويجوز أن يكون عورة تخفيف عورة اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق لأنها غير محصنة فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك وإنما يريدون الفرار من القتال { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } المدينة أو بيوتهم من قولك «دخلت على فلاه داره» { مّنْ أَقْطَارِهَا } من جوانبها أي ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون خوفاً منها مدينتهم أو بيوتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم وأولاهم ناهبين سابين { ثُمَّ سُئِلُواْ } عند ذلك القزع { الفتنة } أي الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين { لآتَوْهَا } لأعطوها . { لأتَوْهَا } بلا مد : حجازي أي لجاءوها وفعلوها { وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } بإجابتها { إِلاَّ يَسِيراً } ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف ، أو ما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيراً فإن الله يهلكهم ، والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله A والمؤمنين وعن مصافة الأحزاب الذين ملئوهم هولاً ورعباً ، وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر ، وقيل لهم كونوا على المسلمين لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء وما ذلك إلا لمقتهم الإسلام وحبهم الكفر .","part":3,"page":125},{"id":1126,"text":"{ وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ } أي بنو حارثة من قبل الخندق أو من قبل نظرهم إلى الأحزاب { لاَ يُوَلُّونَ الأدبار } منهزمين { وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً } مطلوباً مقتضى حتى يوفى به .\r{ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي إن كان حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار ، وإن لم يحضر وفررتم لم تمتعوا في الدنيا إلا قليلاً وهو مدة أعماركم وذلك قليل . وعن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال : ذلك القليل نطلب . { قُلْ مَن ذَا الذى يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله } أي مما أراد الله إنزاله بكم { إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً } في أنفسكم من قتل أو غيره { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } أي إطالة عمر في عافية وسلامة أي من يمنع الله من أن يرحمكم إن أراد بكم رحمة لما في العصمة من معنى المنع { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } ناصراً { قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ } أي من يعوق عن نصرة رسول الله A أي يمنع وهم المنافقون { والقائلين لإخوانهم } في الظاهر من المسلمين { هَلُمَّ إِلَيْنَا } أي قربوا أنفسكم إلينا ودعوا محمداً وهي لغة أهل الحجاز فإنهم يسوون فيه بين الواحد والجماعة ، وأما تميم فيقولون «هلم يا رجل» و «هلموا يا رجال» وهو صوت سمي به فعل متعد نحو «أحضر وقرّب» { وَلاَ يَأْتُونَ البأس } أي الحرب { إِلاَّ قَلِيلاً } إلا إتياناً قليلاً أي يحضرون ساعة رياء ويقفون قليلاً مقدار ما يرى شهودهم ثم ينصرفون { أَشِحَّةً } جمع شحيح وهو البخيل نصب على الحال من الضمير في { يَأْتُونَ } أي يأتون الحرب بخلاء { عَلَيْكُمْ } بالظفر والغنيمة { فَإِذَا جَاء الخوف } من قبل العدو أو منه عليه السلام { رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ } في تلك الحالة { تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } يميناً وشمالاً { كالذى يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذراً وخوفاً ولواذاً بك .\r{ فَإِذَا ذَهَبَ الخوف } زال ذلك الخوف وأمنوا وحيزت الغنائم { سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } خاطبوكم مخاطبة شديدة وآذوكم بالكلام . خطيب مسلق فصيح ورجل مسلاق مبالغ في الكلام أي يقولون : وفّروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبمكاننا غلبتم عدوكم { أَشِحَّةً عَلَى الخير } أي خاطبوكم أشحة على المال والغنيمة و { أَشِحَّةً } حال من فاعل { سَلَقُوكُم } { أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ } في الحقيقة بل بالألسنة { فَأَحْبَطَ الله أعمالهم } أبطل بإضمارهم الكفر ما أظهروه من الأعمال { وَكَانَ ذلك } إحباط أعمالهم { عَلَى الله يَسِيراً } هيناً .","part":3,"page":126},{"id":1127,"text":"{ يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ } أي لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا ولم ينصرفوا مع أنهم قد انصرفوا { وَإِن يَأْتِ الأحزاب } كرة ثانية { يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الأعراب } البادون جمع البادي أي يتمنى المنافقون لجبنهم أنهم خارجون من المدينة إلى البادية حاصلون بين الأعراب ليأمنوا على أنفسهم ويعتزلوا مما فيه الخوف من القتال { يُسْئَلُونَ } كل قادم منهم من جانب المدينة { عَنْ أَنبَائِكُمْ } عن أخباركم وعما جرى عليكم { وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال { مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } رياء وسمعة .\r{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } بالضم حيث كان : عاصم أي قدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به كما تقول «في البيضة عشرون مناً حديداً» أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد . أو فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها حيث قاتل بنفسه { لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر } أي يخاف الله ويخاف اليوم الآخر أو يأمل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر . قالوا { لِمَنْ } بدل من { لَكُمْ } وفيه ضعف لأنه لا يجوز البدل من ضمير المخاطب . وقيل : { لِمَنْ } يتعلق ب { حَسَنَةٌ } أي أسوة حسنة كائنة لمن كان { وَذَكَرَ الله كَثِيراً } أي في الخوف والرجاء والشدة والرخاء { وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب } وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه ويستنصروه بقوله { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } إلى قوله { قَرِيبٌ } [ البقرة : 214 ] فلما جاء الأحزاب واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد { قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ } وعلموا أن الغلبة والنصرة قد وجبت لهم . وعن ابن عباس Bهما أن النبي A قال لأصحابه : إن الأحزاب سائرون إليكم في آخر تسع ليال أو عشر . فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك ، وهذا إشارة إلى الخطب والبلاء { وَمَا زَادَهُمْ } ما رأوا من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم { إِلاَّ إِيمَانًا } بالله وبمواعيده { وَتَسْلِيماً } لقضائه وقدره .\r{ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ } أي فيما عاهدوه عليه فحذف الجار كما في المثل «صدقني سن بكره» أي صدقني في سن بكره بطرح الجار وإيصال الفعل . نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله A ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة وسعد بن زيد وحمزة ومصعب وغيرهم { فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ } أي مات شهيداً كحمزة ومصعب . وقضاء النحب صار عبارة عن الموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره { وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } الموت أي على الشهادة كعثمان وطلحة { وَمَا بَدَّلُواْ } العهد { تَبْدِيلاً } ولا غيروه لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة ، وفيه تعريض لمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلوب كما مر في قوله تعالى :","part":3,"page":127},{"id":1128,"text":"{ وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار } { لّيَجْزِىَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ } بوفائهم بالعهد { وَيُعَذّبَ المنافقين إِن شَاء } إذا لم يتوبوا { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } إن تابوا { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً } بقبول التوبة { رَّحِيماً } بعفو الحوبة . جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم ، لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبها والسعي في تحصيلها .\r{ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ } الأحزاب { بِغَيْظِهِمْ } حال أي مغيظين كقوله { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] { لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } ظفراً أي لم يظفروا بالمسلمين وسماه خيراً بزعمهم وهو حال أي غير ظافرين { وَكَفَى الله المؤمنين القتال } بالريح والملائكة { وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً } قادراً غالباً .\r{ وَأَنزَلَ الذين ظاهروهم } عاونوا الأحزاب { مّنْ أَهْلِ الكتاب } من بني قريظة { مِن صَيَاصِيهِمْ } من حصونهم الصيصية ما تحصن به . \" رُوي أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله A ، صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم ، على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال : ما هذا يا جبريل؟ قال : من متابعة قريش . فقال : يا رسول الله إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا وإنهم لكم طعمة . فأذن في الناس أن من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة . فحاصروهم خمساً وعشرين ليلة فقال رسول الله A : «تنزلون على حكمي \" فأبوا ، فقال : \" على حكم سعد بن معاذ \" فرضوا به فقال سعد : حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم ، فكبر النبي A وقال : \" «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» \" ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة . وقيل : كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } الخوف وبضم العين : شامي وعلي . ونصب { فَرِيقاً } بقوله { تَقْتُلُونَ } وهم الرجال { وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } وهم النساء والذراري { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وديارهم وَأَمولَهُمْ } أي المواشي والنقود والأمتعة . \" روي أن رسول الله A جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار وقال لهم إنكم في منازلكم \"","part":3,"page":128},{"id":1129,"text":"{ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا } بقصد القتال وهي مكة أو فارس والروم أو خيبر أو كل أرض تفتح إلى يوم القيامة { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً } قادراً .\r{ ياأيها النبى قُل لأزواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } أي السعادة في الدنيا وكثرة الأموال { فَتَعَالَيْنَ } أصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطيء ، ثم كثر حتى استوى في استعماله الأمكنة ، ومعنى { تعالين } أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين ، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن كقوله «قام يهددني» . { أُمَتّعْكُنَّ } أعطكن متعة الطلاق وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفوضة قبل الوطء { وَأُسَرّحْكُنَّ } وأطلقكن { سَرَاحاً جَمِيلاً } لا ضرار فيه أردن شيئاً من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن ، فغم ذلك رسول الله A فنزلت فبدأ بعائشة Bها وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله A . ثم اختار جميعهن اختيارها . وروي أنه قال لعائشة : \" «إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» \" ثم قرأ عليها القرآن فقالت : أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . وحكم التخيير في الطلاق أنه إذا قال لها اختاري فقالت اخترت نفسي أن تقع تطليقة بائنة ، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء . وعن علي Bه : إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة { وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدار الآخرة فَإِنَّ الله أَعَدَّ للمحسنات مِنكُنَّ } «من» للبيان لا للتبعيض . { أَجْراً عَظِيماً يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة } سيئة بليغة في القبح { مُّبَيّنَةٍ } ظاهر فحشها . من بيّن بمعنى تبين وبفتح الياء : مكي وأبو بكر . قيل : هي عصيانهن رسول الله A ونشوزهن . وقيل : الزنا والله عاصم رسوله من ذلك { يُضَاعَفْ لَهَا العذاب } { يضاعف لَهَا العذاب } مكي وشامي { يضاعف } أبو عمرو ويزيد ويعقوب { ضِعْفَيْنِ } ضعفي عذاب غيرهن من النساء لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن ، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي A ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل ، لأن المعصية من العالم أقبح ولذا فضل حد الأحرار على العبيد ولا يرجم الكافر { وَكَانَ ذلك } أي تضعيف العذاب عليهن { عَلَى الله يَسِيراً } هيناً .","part":3,"page":129},{"id":1130,"text":"{ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ } القنوت الطاعة { وَتَعْمَلْ صالحا نُؤْتِهَا } وبالياء فيهما : حمزة وعلي { أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } مثلي ثواب غيرها { وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } جليل القدر وهو الجنة { يانساء النبى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء } أي لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل . وأحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه { إِنِ اتقيتن } إن أردتن التقوى أو إن كنتن متقيات { فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول } أي إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب فلا تجئن بقولكن خاضعاً أي ليناً خنثاً مثل كلام المريبات { فَيَطْمَعَ } بالنصب على جواب النهي { الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } ريبة وفجور { وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } حسناً مع كونه خشناً { وَقَرْنَ } مدني وعاصم غير هبيرة وأصله «اقررن» فحذفت الراء تخفيفاً وألقيت فتحتها على ما قبلها ، أو من قار يقار إذا اجتمع . والباقون { قَرْنٍ } من وقر يقر وقاراً ، أو من قرّ يقر ، حذفت الأولى من راء اقررن قراراً من التكرار ونقلت كسرتها إلى القاف { فِى بُيُوتِكُنَّ } بضم الباء بصري ومدني وحفص { وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى } أي القديمة . والتبرج التبختر في المشي وإظهار الزينة والتقدير : ولا تبرجن تبرجاً مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى وهي الزمان الذي ولد فيه إبراهيم أو ما بين آدم ونوح عليهما السلام أو زمن داود وسليمان والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام . أو الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام ، والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام . أو الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام ، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام .\r{ وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله } خص الصلاة والزكاة بالأمر ثم عم بجميع الطاعات تفضيلاً لهما لأن من واظب عليهما جرتاه إلى ما وراءهما { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت } نصب على النداء أو على المدح ، وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته . وقال : { عَنْكُمْ } ، لأنه أريد الرجال والنساء من آله بدلالة { وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً } من نجاسة الآثام . ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله A المآثم وليتصونوا عنها بالتقوى . واستعار الذنوب الرجس وللتقوى الطهر ، لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس ، وأما المحسنات فالعرض منها نقي كالثوب الطاهر وفيه تنفير لأولي الألباب عن المناهي وترغيب لهم في الأوامر { واذكرن مَا يتلى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله } القرآن { والحكمة } أي السنة أو بيان معاني القرآن { إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً } عالماً بغوامض الأشياء { خَبِيراً } عالماً بحقائقها أي هو عالم بأفعالكن وأقوالكن فاحذرن مخالفة أمره ونهيه ومعصية رسوله .","part":3,"page":130},{"id":1131,"text":"ولما نزل في نساء النبي A ما نزل قال نساء المسلمين : فما نزل فينا شيء ، فنزلت :\r{ إِنَّ المسلمين والمسلمات } المسلم الداخل في السّلم بعد الحرب المنقاد الذي لا يعاند ، أو المفوض أمره إلى الله المتوكل عليه من أسلم وجهه إلى الله { والمؤمنين } المصدقين بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به { والمؤمنات والقانتين } القائمين بالطاعة { والقانتات والصادقين } في النيات والأقوال والأعمال { والمتصدقات والصابرين والصابرات } على الطاعات وعن السيئات { والخاشعين } المتواضعين لله بالقلوب والجوارح أو الخائفين { والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات } فرضاً ونفلاً { والصائمين والصائمات } فرضاً ونفلاً . وقيل : من تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين ، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين { والحافظين فُرُوجَهُمْ } عما لا يحل { والحافظات والذكرين الله كَثِيراً } بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر والمعنى والحافظات فروجهن { والذاكرات } الله فحذف لدلالة ما تقدم عليه . والفرق بين عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين لأن الأول نظير قوله { ثيبات وَأَبْكَاراً } [ التحريم : 5 ] في أنهما جنسان مختلفان واشتركا في حكم واحد فلم يكن بد من توسط العاطف بينهما ، وأما الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع ومعناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات { أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } على طاعاتهم .\rخطب رسول الله A زينب بنت جحش بنت عمته أميمة على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } أي وما صح لرجل مؤمن ولا امرأة مؤمنة { إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ } أي رسول الله { أمْراً } من الأمور { أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ } أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه واختيارهم تلوا لاختياره فقالا : رضينا يا رسول الله ، فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها . وإنما جمع الضمير في { لَهُمْ } وإن كان من حقه أن يوحد لأن المذكورين وقعا تحت النفي فعما كل مؤمن ومؤمنة فرجع الضمير إلى المعنى لا إلى اللفظ . و { يَكُونَ } بالياء : كوفي ، والخيرة ما يتخير ودل ذلك على أن الأمر للوجوب { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالا مُّبِيناً } فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال وكفر ، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق .","part":3,"page":131},{"id":1132,"text":"{ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ } بالإسلام الذي هو أجل النعم { وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالإعتاق والتبني فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله وهو زيد بن حارثة { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } زينب بنت جحش ، وذلك أن رسول الله A أبصرها بعدما أنكحها إياه فوقعت في نفسه فقال : \" «سبحان الله مقلب القلوب» \" وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها ، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله فقال لرسول الله A : إني أريد أن أفارق صاحبتي ، فقال : \" مالك أرابك منها شيء؟» \" قال : \" «لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني فقال له : أمسك عليك زوجك» \" { واتق الله } فلا تطلقها . وهو نهي تنزيه إذ الأولى أن لا يطلق أو واتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج { وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ } أي تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد وهو الذي أبداه الله تعالى . وقيل : الذي أخفى في نفسه تعلق قلبه بها ومودة مفارقة زيد إياها . والواو في { وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ } { وَتَخْشَى الناس } أي قالة الناس إنه نكح امرأة ابنه { والله أَحَقُّ أَن تخشاه } واو الحال أي تقول لزيد أمسك عليك زوجك مخفياً في نفسك إرادة أن لا يمسكها وتخفي خاشياً قالة الناس وتخشى الناس حقيقاً في ذلك بأن تخشى الله . وعن عائشة Bها : لو كتم رسول الله A شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية .\r{ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً } الوطر الحاجة فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة . قيل : قضى منه وطره ، والمعنى فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلقها وانقضت عدتها { زوجناكها } . روي أنها لما اعتدت قال رسول الله A لزيد« : \" ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك : أخطب عليّ زينب» \" قال زيد : فانطلقت وقلت : يا زينب أبشري إن رسول الله A يخطبك ففرحت وتزوجها رسول الله A ودخل بها وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها ، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار { لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } قيل : قضاء الوطر إدراك الحاجة وبلوغ المراد منه { وَكَانَ أَمْرُ الله } الذي يريد أن يكونه { مَفْعُولاً } مكوناً لا محالة وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله A زينب .","part":3,"page":132},{"id":1133,"text":"{ مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ } أحل له وأمر له وهو نكاح زينب امرأة زيد أو قدر له من عدد النساء { سُنَّةَ الله } اسم موضع موضع المصدر كقولهم «تراباً وجندلاً» مؤكد لقوله { مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ } كأنه قيل : سن الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين وهو أن لا يحرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره ، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداود مائة امرأة وثلثمائة سرية ولسليمان ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية { فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } في الأنبياء الذين مضوا من قبل { وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } قضاء مقضياً وحكماً مبتوتاً ، ولا وقف عليه إن جعلت { الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله } بدلاً من { الذين } الأول ، وقف إن جعلته في محل الرفع أو النصب على المدح أي هم الذين يبلغون أو أعني الذي يبلغون { وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله } وصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلا اللّه تعريض بعد التصريح في قوله { وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه } { وكفى بالله حَسِيباً } كافياً للمخاوف ومحاسباً على الصغيرة والكبيرة فكان جديراً بأن تخشى منه .\r{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } أي لم يكن أبا رجل منكم حقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح ، والمراد من رجالكم البالغين ، والحسن والحسين لم يكونا بالغين حينئذ والطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم توفوا صبياناً { ولكن } كان { رَسُولِ الله } وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء ، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة فكان حكمه كحكمكم والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير { وَخَاتَمَ النبيين } بفتح التاء عاصم بمعنى الطابع أي آخرهم يعني لا ينبأ أحد بعده وعيسى ممن نبي قبله ، وحين ينزل ينزل عاملاً على شريعة محمد A كأنه بعض أمته . وغيره بكسر التاء بمعنى الطابع وفاعل الختم . وتقوّيه قراءة ابن مسعود { ولكن نَبِيّاً خَتَمَ النبيين } { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } أثنوا عليه بضروب الثناء وأكثروا ذلك { وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً } أول النهار { وَأَصِيلاً } آخر النهار ، وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما . وعن قتادة : قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . والفعلان أي اذكروا الله وسبحوه موجهان إلى البكرة والأصيل كقولك «صم وصل يوم الجمعة» .","part":3,"page":133},{"id":1134,"text":"والتسبيح من جملة الذكر ، وإنما اختص من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة إبانة لفضله على سائر الأذكار ، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات . وجاز أن يراد بالذكر وإكثاره تكثير الطاعات والعبادات فإنها من جملة الذكر ، ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وهي صلاة الفجر وأصيلاً وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء أو صلاة الفجر والعشاءين .\r{ هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ } لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره حنواً عليه وترؤفاً كعائد المريض في انعطافه عليه والمرأة في حنوها على ولدها ، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم «صلى الله عليك» أي ترحم عليك وترأف . والمراد بصلاة الملائكة قولهم «اللهم صل على المؤمنين» جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة ، والمعنى هو الذي يترحم عليكم ويترأف حين يدعوكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة { لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور } من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة { وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً } هو دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة . وروي أنه لما نزل { إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى } قال أبو بكر : ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فنزلت { تَحِيَّتُهُمْ } من إضافة المصدر إلى المفعول أي تحية الله لهم { يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } يرونه { سلام } يقول الله تبارك وتعالى السلام عليكم { وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً } يعني الجنة .\r{ ياأيها النبى إِنَّا أرسلناك شَاهِداً } على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم . كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم ، وهو حال مقدرة كما تقول «مررت برجل معه صقر صائداً به» إي مقدراً به الصيد غداً { وَمُبَشّراً } للمؤمنين بالجنة { وَنَذِيرًا } للكافرين بالنار { وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ } بأمره أو بتيسيره والكل منصوب على الحال { وَسِرَاجاً مُّنِيراً } جلا به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به . والجمهور على أنه القرآن فيكون التقدير وذا سراج منير أو وتالياً سراجاً منيراً ، ووصف بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته ، أو شاهداً بواحدانيتنا ومبشراً برحمتنا ونذيراً بنقمتنا وداعياً إلى عبادتنا وسراجاً وحجة ظاهرة لحضرتنا { وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً } ثواباً عظيماً { وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } المراد به التهييج أو الدوام والثبات على ما كان عليه { وَدَعْ أَذَاهُمْ } هو بمعنى الإيذاء فيحتمل أن يكون مضافاً إلى الفاعل أي اجعل إيذاءهم إياك في جانب ولا تبال بهم ولا تخف عن إيذائهم ، أو إلى المفعول أي دع إيذاءك إياهم مكافأة لهم { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } فإنه يكفيكهم { وكفى بالله وَكِيلاً } وكفى به مفوضاً إليه .","part":3,"page":134},{"id":1135,"text":"وقيل : إن الله تعالى وصفه بخمسة أوصاف وقابل كلاً منها بخطاب مناسب له ، قابل الشاهد { وَبَشّرِ المؤمنين } لأنه يكون شاهداً على أمته وهم يكونون شهداء على سائر الأمم وهو الفضل الكبير ، والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمناققين لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين وهو مناسب للبشارة ، والنذير ب { وَدَعْ أَذَاهُمْ } لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر والأذى لا بد له من عقاب عاجل أو آجل كانوا منذرين به في المستقبل ، والداعي إلى الله بتيسيره بقوله { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } فإن من توكل على الله يسر عليه كل عسير ، والسراج المنير بالإكتفاء به وكيلاً لأن من أناره الله برهاناً على جميع خلقه كان جديراً بأن يكتفى به عن جميع خلقه .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات } أي تزوجتتم . والنكاح هو الوطء في الأصل وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث إنه طريق إليه كتسمية الخمر إثماً لأنه سببه ، وكقول الراجز .\rأسنمة الآبال في سحابه\rسمى الماء بأسنمة الآبال لأنه سبب سمن الآبال وارتفاع أسنمتها . ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به ، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان . وفي تخصيص المؤمنات مع أن الكتابيات تساوي المؤمنات في هذا الحكم إشارة إلى أن الأولى بالمؤمن أن ينكح مؤمنة { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } والخلوة الصحيحة كالمس { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } فيه دليل على أن العدة تجب على النساء للرجال . ومعنى { تَعْتَدُّونَهَا } تستوفون عددها تفتعلون من العد { فَمَتّعُوهُنَّ } والمتعة تجب للتي طلقها قبل الدخول بها ولم يسم لها مهر دون غيرها { وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } أي لا تمسكوهن ضراراً وأخرجوهن من منازلكم إذ لا عدة لكم عليهن .","part":3,"page":135},{"id":1136,"text":"{ ياأيها النبى إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى ءاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } مهورهن إذ المهر أجر على البضع ولهذا قال الكرخي : إن النكاح بلفظ الإجارة جائز . وقلنا : التأييد من شرط النكاح والتأقيت من شرط الإجارة وبينهما منافاة . وإيتاؤها إعطاؤها عاجلاً أو فرضها وتسميتها في العقد { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ } وهي صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما { وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ } ومع ليس للقران بل لوجودها فحسب كقوله { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان } [ النمل : 44 ] وعن أم هانيء بنت أبي طالب : خطبني رسول الله A فاعتذرت فعذرني فأنزل الله هذه الآية ، فلم أحل له لأني لم أهاجر معه { وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ } وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها نولا تطلب مهراً من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك ولذا نكرها . قال ابن عباس : هو بيان حكم في المستقبل ولم يكن عنده أحد منهن بالهبة . وقيل : الواهبة نفسها ميمونة بنت الحرث أو زينب بنت خزيمة أو أم شريك بنت جابر أو خولة بنت حكيم . وقرأ الحسن «أن» بالفتح على التعليل بتقدير حذف اللام . وقرأ ابن مسعود Bه بغير «إن» { إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا } استنكاحها طلب نكاحها والرغبة فيه . وقيل : نكح واستنكح بمعنى ، والشرط الثاني تقييد للشرط الأول شرط في الإحلال هبتها نفسها وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله A كأنه قال : أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها لأن إرادته هي قبول الهبة وما به تتم ، وفيه دليل جواز النكاح بلفظ الهبة لأن رسول الله A وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل { خَالِصَةٌ } بلا مهر حال من الضمير في { وَهَبَتْ } أو مصدر مؤكد أي خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة بمعنى خلوصاً والفاعلة في المصادر غير عزيز كالعافية والكاذبة { لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين } بل يجب المهر لغيرك وإن لم يسمه أو نفاه . عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله { إِنْ أَرَادَ النبى } ثم رجع إلى الخطاب ليؤذن أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوة وتكريره أي تكرير النبي تفخيم له .\r{ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أزواجهم } أي ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم أو ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق { وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم } بالشراء وغيره من وجوه الملك . وقوله { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } ضيق متصل ب { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين } وقوله { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم } جملة اعتراضية { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } بالتوسعة على عباده .","part":3,"page":136},{"id":1137,"text":"{ تُرْجِى } بلا همز : مدني وحمزة وعلي وخلف وحفص ، وبهمز غيرهم : تؤخر { مَن تَشَاء مِنْهُمْ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء } تضم بمعنى تترك مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء ، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء ، أو لا تقسم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت ، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت ، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك ، فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أولم يقسم ، وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها . ورُوي أنه أرجى منهن جويرية وسودة وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء ، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب ، أرجى خمساً وآوى أربعاً ، وروي أنه كان يسوي مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت : لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك { وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } أي ومن دعوت إلى فراشك وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالإرجاء فلا ضيق عليك في ذلك أي ليس إذا عزلتها لم يجز لك ردها إلى نفسك . و«من» رفع بالابتداء وخبره { فَلاَ جُنَاحَ } { ذلك } التفويض إلى مشيئتك { أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } أي أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعاً لأنهن إذا علمن أن هذا التفويض من عند الله اطمأنت نفوسهن وذهب التغاير وحصل الرضا وقرت العيون . { كُلُّهُنَّ } بالرفع تأكيد لنون { يرضين } وقرىء { وَيَرْضَيْنَ كُلُّهُنَّ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ } على التقديم ، وقرىء شاذاً «كلهن» بالنصب تأكيداً لهن في { ءاتَيْتَهُنَّ } { والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ } فيه وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله من ذلك وفوض إلى مشيئة رسوله { وَكَانَ الله عَلِيماً } بذات الصدور { حَلِيماً } لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يتقي ويحذر .\r{ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء } بالتاء : أبو عمرو ويعقوب ، وغيرهما بالتذكير لأن تأنيث الجمع غير حقيقي وإذا جاز بغير فصل فمع الفصل أجوز { مِن بَعْدِ } من بعد التسع لأن التسع نصاب رسول الله A من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته { وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } الطلاق . والمعنى أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن كرامة لهن وجزاء على ما اخترن ورضين فقصر رسول الله A عليهن وهن التسع التي مات عنهن : عائشة ، حفصة ، أم حبيبة ، سودة أم سلمة ، صفية ، ميمونة ، زينب بنت جحش ، جويرية .","part":3,"page":137},{"id":1138,"text":"و«من» في { مِنْ أَزْوَاجٍ } التأكيد النفي وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } في موضع الحال من الفاعل وهو الضمير في { تبَدَّلُ } أي تتبدل لا من المفعول الذي هو من أزواج لتوغله في التنكير ، وتقديره مفروضاً إعجابك بهن . وقيل : هي أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي طالب فإنها ممن أعجبه حسنهن . وعن عائشة وأم سلمة : ما مات رسول الله A حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء يعني أن الآية نسخت ، ونسخها إما بالسنة أو بقوله { إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك } وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف { إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } استثنى ممن حرم عليه الإماء ومحل «ما» رفع بدل من { النساء } { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْءٍ رَّقِيباً } حافظاً وهو تحذير عن مجاوزة حدوده .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه } { أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } في موضع الحال أي لا تدخلوا إلا مأذوناً لكم ، أو في معنى الظرف تقديره إلا وقت أن يؤذن لكم ، { غَيْرَ ناظرين } حال من { لاَ تَدْخُلُواْ } وقع الاستثناء على الحال والوقت معاً كأنه قيل : لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين أي غير منتظرين . وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله A فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه ، ومعناه لا تدخلوا يا أيها المتحينون للطعام إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ، وإنى الطعام إدراكه يقال أَنى الطعام أني كقولك قلاه قلي . وقيل : إناه وقته أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله . ورُوي أن النبي A أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً يأكل فوج ويخرج ثم يدخل فوج إلى أن قال يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه فقال «ارفعوا طعامكم» ، وتفرق الناس وبقيء ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا فقام رسول الله A ليخرجوا فطاف رسول الله A بالحجرات وسلم عليهن ودعون له ورجع ، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون وكان رسول الله A شديد الحياء فتولى ، فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع ونزلت { وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا } فتفرقوا { وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } هو مجرور معطوف على { ناظرين } أو منصوب أي ولا تدخولها مستأنسين نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدث به { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النبى فَيَسْتَحْيِى مّنكُمْ } من إخراجكم { والله لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ الحق } يعني أن إخراجكم حق ما ينبغي أن يستحيا منه .","part":3,"page":138},{"id":1139,"text":"ولما كان الحياء مما يمنع الحيّي من بعض الأفعال قيل لا يستحيي من الحق أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم ، هذا أدبٌ أدّب اللّه به الثقلاء . وعن عائشة Bها : حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم وقال { فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا } .\r{ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ } الضمير لنساء رسول الله A لدلالة بيوت النبي لأن فيها نساءه { متاعا } عارية أو حاجة { فَسْئَلُوهُنَّ } المتاع { مِن وَرَاء حِجَابٍ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } من خواطر الشيطان وعوارض الفتن ، وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال وكان عمر Bه يجب ضرب الحجاب عليهن ويود أن ينزل فيه وقال : يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت . وذكر أن بعضهم قال : أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوّجن فلانة فنزل { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً } أي وما صح لكم إيذاء رسول الله A ولا نكاح أزواجه من بعد موته { إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً } أي ذنباً عظيماً .","part":3,"page":139},{"id":1140,"text":"{ إِن تُبْدُواْ شَيْئاً } من إيذاء النبي A أو من نكاحهن { أَوْ تُخْفُوهْ } في أنفسكم من ذلكم { فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } فيعاقبكم به .\rولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب : يا رسول الله أو نحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب فنزل { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء أخواتهن وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ } أي نساء المؤمنات { وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } أي لا إثم عليهن في ألا يحتجبن من هؤلاء ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين وقد جاءت تسمية العم أبا قال الله تعالى : { وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ] . وإسماعيل عم يعقوب ، وعبيدهن عند الجمهور كالأجانب . ثم نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب وفي هذا النقل فضل تشديد كأنه قيل { واتقين الله } فيما أمرتن به من الاحتجاب وأنزل فيه الوحي من الاستتار واحتطن فيه { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء شَهِيداً } عالماً . قال ابن عطاء : الشهيد الذي يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح . { إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } أي قولوا اللهم صل على محمد أو صلى الله على محمد { وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } أي قولوا اللهم سلم على محمد أو انقادوا لأمره وحكمه انقياداً . وسئل عليه السلام عن هذه الآية فقال \" إن الله وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليّ إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين آمين ، ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي عليّ إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين آمين \" ثم هي واجبة مرة عند الطحاوي ، وكلما ذكر اسمه عند الكرخي وهو الاحتياط وعليه الجمهور . وإن صلى على غيره على سبيل التبع كقوله «صلى الله على النبي وآله» فلا كلام فيه ، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة فمكروه وهو من شعائر الروافض .\r{ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } أي يؤذون رسول الله ، وذكر اسم الله للتشريف أو عبر بإيذاء الله ورسوله عن فعل ما لا يرضى به الله ورسوله كالكفر وإنكار النبوة مجازاً ، وإنما جعل مجازاً فيهما وحقيقة الإيذاء يتصور في رسول الله لئلا يجتمع المجاز والحقيقة في لفظ واحد { لَعَنَهُمُ الله فِى الدنيا والآخرة } طردهم الله عن رحمته في الدارين { وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً } في الآخرة { والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا } أطلق إيذاء الله ورسوله وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات لأن ذاك يكون غير حق أبداً ، وأما هذا فمنه حق كالحد والتعزيز ومنه باطل .","part":3,"page":140},{"id":1141,"text":"قيل : نزلت في ناس من المنافقين يؤذون علياً Bه ويسمونه . وقيل : في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات . وعن الفضيل : لا يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق فكيف إيذاء المؤمنين والمؤمنات { فَقَدِ احتملوا } تحملوا { بهتانا } كذباً عظيماً { وَإِثْماً مُّبِيناً } ظاهراً .\r{ ياأيها النبى قُل لأزواجك وبناتك وَنِسَاء المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } الجلباب : ما يستر الكل مثل الملحفة عن المبرد . ومعنى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن . يقال : إذا زلّ الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك . و «من» للتبعيض أي ترخي بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة ، أو المراد أن تتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب وأن لا تكون المرأة متبذلة في درع وخمار كالأمة ولها جلبابان فصاعداً في بيتها ، وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجّيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فضل بين الحرة والأمة ، وكان الفتيان يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء ، وربما تعرضوا للحرة لحسبان الأمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الملاحف وستر الرؤوس والوجوه فلا يطمع فيهن طامع وذلك قوله { ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرض لهن { وَكَانَ الله غَفُوراً } لما سلف منهن من التفريط { رَّحِيماً } بتعليمهن آداب المكارم { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } فجور ، وهم الزناة من قوله { فَيَطْمَعَ الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } { والمرجفون فِى المدينة } هم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله A فيقولون هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين . يقال : أرجف بكذا إذا أخبر به على غير حقيقة لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } لنأمرنك بقتالهم أو لنسلطنك عليهم { ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا } في المدينة وهو عطف على { لَنُغْرِيَنَّكَ } لأنه يجوز أن يجاب به القسم لصحة قولك لئن لم ينتهوا لا يجاورونك . ولما كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أصيبوا به عطف ب { ثُمَّ } لبعد حاله عن حال المعطوف عليه { إِلاَّ قَلِيلاً } زماناً قليلاً . والمعنى لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم ، والفسقة عن فجورهم ، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء ، لنأمرنك بأن تفعل الأفعال التي تسوءهم ، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة وإلى أن لا يساكنوك فيها إلا زماناً قليلاً ريثما يرتحلون ، فسمي ذلك إغراء وهو التحريش على سبيل المجاز .","part":3,"page":141},{"id":1142,"text":"{ مَّلْعُونِينَ } نصب على الشتم أو الحال أي لا يجاورنك إلا ملعونين ، فالاستثناء دخل على الظرف والحال معاً كما مر ولا ينتصب عن { أُخِذُواْ } لأن ما بعد حروف الشرط لا يعمل فيما قبلها { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } وجدوا { أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً } والتشديد يدل على التكثير { سُنَّةَ الله } في موضع مصدر مؤكد أي سن الله في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا أينما وجدوا { فِى الذين خَلَوْاْ } مضوا { مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } أي لا يبدل الله سنته بل يجريها مجرى واحداً في الأمم .\r{ يَسْئَلُكَ الناس عَنِ الساعة } كان المشركون يسألون رسول الله A عن وقت قيام الساعة استعجالاً على سبيل الهزء ، واليهود يسألونه امتحاناً لأن الله تعالى عمى وقتها في التوراة وفي كل كتاب ، فأمر رسوله بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به ، ثم بين لرسوله أنها قريبة الوقوع تهديداً للمستعجلين وإسكاناً للممتحنين بقوله { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً } شيئاً قريباً أو لأن الساعة في معنى الزمان { إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً } ناراً شديدة الاتقاد { خالدين فِيهَا أَبَداً } هذا يرد مذهب الجهمية لأنهم يزعمون أن الجنة والنار تفنيان . ولا وقف على { سَعِيراً } لأن قوله { خالدين فِيهَا } حال عن الضمير في { لَهُمْ } . { لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } ناصراً يمنعهم . اذكر { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار } تصرّف في الجهات كما ترى البضعة تدور في القدر إذا غلت ، وخصصت الوجوه لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده أو يكون الوجه عبارة عن الجملة { يَقُولُونَ } حال { ياليتنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا } فنتخلص من هذا العذاب فتمنوا حين لا ينفعهم التمني { وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا } جمع سيد . { ساداتنا } شامي وسهل ويعقوب جمع الجمع ، والمراد رؤساء الكفرة الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم { وَكُبَرَاءنَا } ذوي الأسنان منا أو علماءنا { فَأَضَلُّونَا السبيلا } يقال : ضل السبيل وأضله إياه ، وزيادة الألف لإطلاق الصوت جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر ، وفائدتها الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع وأن ما بعده مستأنف { رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب } للضلال والإضلال { والعنهم لَعْناً كَبِيراً } بالباء عاصم ليدل على أشد اللعن وأعظمه ، وغيره بالثاء تكثيراً لأعداد اللعائن .\rونزل في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قاله بعض الناس { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءاذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ } «ما» مصدرية أو موصولة ، وأيهما كان فالمراد البراءة عن مضمون القول ومؤاده وهو الأمر المعيب .","part":3,"page":142},{"id":1143,"text":"وأذى موسى عليه السلام هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها أواتهامهم إياه بقتل هرون فأحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءة موسى عليه السلام كما برأ نبينا عليه السلام بقوله : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } { وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً } ذا جاه ومنزلة مستجاب الدعوة . وقرأ ابن مسعود والأعمش { وَكَانَ عَبْداً للَّهِ وَجِيهاً } .\rياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } صدقاً وصواباً أو قاصداً إلى الحق . والسداد : القصد إلى الحق والقول بالعدل والمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول والبعث على أن يسددوا قولهم في كل باب ، لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس كل خير . ولا تقف على { سَدِيداً } لأن جواب الأمر قوله { يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكم } يقبل طاعتكم أو يوفقكم لصالح العمل { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي يمحها . والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم والإثابة عليها ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها . وهذه الآية مقررة للتي قبلها بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله A ، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان ليترادف عليهم النهي والأمر مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام وإتباع الأمر الوعد البليغ فيقوي الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه . ولما علق بالطاعة الفوز العظيم بقوله { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } أتبعه قوله .\r{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال } وهو يريد بالأمانة الطاعة لله وبحمل الأمانة الخيانة . يقال : فلان حامل للأمانة ومحتمل لها أي يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ، إذ الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها ولهذا يقال : ركبته الديون ولي عليه حق ، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حامل لها يعني أن هذا الأجرام العظام من السماوات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله انقياد مثلها وهو ما يأتي من الجمادات ، وأطاعت له الطاعة التي تليق بها حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجاداً وتكويناً وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة كما قال : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] . وأخبر أن الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب يسجدون لله وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله ، وأما الإنسان فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعة ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع ، وهذا معنى قوله { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } أي أبين الخيانة فيها وأن لا يؤدينها { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } وخفن من الخيانة فيها { وَحَمَلَهَا الإنسان } أي خان فيها وأبى أن لا يؤديها { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً } لكونه تاركاً لأداء الأمانة { جَهُولاً } لإخطائه ما يساعده مع تمكنه منه وهو أداؤها .","part":3,"page":143},{"id":1144,"text":"قال الزجاج : الكافر والمنافق حملا الأمانة أي خانا ولم يطيعا . ومن أطاع من الأنبياء والمؤمنين فلا يقال كان ظلوماً جهولاً . وقيل : معنى الآية أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه فأبى حمله وأشفق منه وحمله الإنسان على ضعفه { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ثم خاس بضمانه فيها ، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب ، وما جاء القرآن إلا على أساليبهم من ذلك قولهم «لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوي العوج» .\rواللام في { لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } للتعليل لأن التعذيب هنا نظير التأديب في قولك «ضربته للتأديب» فلا تقف على { جَهُولاً } { وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات } وقرأ الأعمش { وَيَتُوبُ الله } بالرفع ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل ويبتديء { وَيَتُوبَ الله } ومعنى المشهورة ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها لأنه إذا تيب على الوافي كان نوعاً من عذاب الغادر ، أو للعاقبة أي حملها الإنسان فآل الآمر إلى تعذيب الأشقياء وقبول توبة السعداء { وَكَانَ الله غَفُوراً } للتائبين { رَّحِيماً } بعباده المؤمنين والله الموفق للصواب .","part":3,"page":144},{"id":1145,"text":"مكية وهي أربع وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الحمد } إن أجرى على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود ، وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق { لِلَّهِ } بلام التمليك لأنه خالق ناطق الحمد أصلاً فكان بملكه مالك الحمد للتحميد أهلاً { الذى لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض } خلقاً وملكاً وقهراً فكان حقيقاً بأن يحمد سراً وجهراً { وَلَهُ الحمد فِى الآخرة } كما هو له في الدنيا إذ النعم في الدارين من المولى ، غير أن الحمد هنا واجب لأن الدنيا دار تكليف وثم لا ، لعدم التكليف وإنما يحمد أهل الجنة سروراً بالنعيم وتلذذاً بما نالوا من الأجر العظيم بقولهم { الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } [ الزمر : 74 ] { الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } [ فاطر : 34 ] { وَهُوَ الحكيم } بتدبير ما في السماء والأرض { الخبير } بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض { يَعْلَمْ } مستأنف { مَا يَلْجُ } ما يدخل { فِى الأرض } من الأموات والدفائن { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات وجواهر المعادن { وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء } من الأمطار وأنواع البركات { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } يصعد إليها من الملائكة والدعوات { وَهُوَ الرحيم } بإنزال ما يحتاجون إليه { الغفور } لما يجترئون عليه .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } أي منكرو البعث { لاَ تَأْتِينَا الساعة } نفي للبعث وإنكار لمجيء الساعة { قُلْ بلى } أوجب ما بعد النفي ب «بلى» على معنى أن ليس الأمر إلا إتيانها { وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ } ثم أعيد إيجابه مؤكداً بما هو الغاية في التوكيد والتشديد وهو التوكيد باليمين بالله D ، ثم أمد التوكيد القسمى بما اتبع المقسم به من الوصف بقوله { عالم الغيب } لأن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وبشدة ثباته واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر ، وكلما كان المستشهد به أرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد والمستشهد عليه أثبت وأرسخ ، ولما كان قيام الساعة من مشاهير الغيوب وأدخلها في الخفية كان الوصف بما يرجع إلى علم الغيب أولى وأحق . { عالم الغيب } مدني وشامي أي هو عالم الغيب { علامِ الغيب } حمزة وعلي على المبالغة { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ } وبكسر الزاي : عليّ . يقال : عزب يعزب ويعزب إذا غاب وبعد { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } مقدار أصغر نملة { فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } من مثقال ذرة { وَلا أَكْبَرُ } من مثقال ذرة { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } إلا في اللوح المحفوظ ، { وَلاَ أَصْغَرُ وَلا أَكْبَرُ } بالرفع عطف على { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ويكون «إلا» بمعنى لكن ، أو رفعاً بالابتداء والخبر { فِى كتاب } واللام في { لّيَجْزِىَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لما قصروا فيه من مدارج الإيمان { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لما صبروا عليه من مناهج الإحسان متعلق ب { لَتَأْتِيَنَّكُمْ } تعليلاً له .","part":3,"page":145},{"id":1146,"text":"{ والذين سَعَوْا فِى ءاياتنا } جاهدوا في رد القرآن { معاجزين } مسابقين ظانين أنهم يفوتوننا . { مُعَجِزِينَ } مكي وأبو عمرو أي مثبطين الناس عن اتباعها وتأملها أو ناسبين الله إلى العجز { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } برفع { أَلِيمٌ } مكي وحفص ويعقوب صفة لعذاب أي عذاب أليم من سيء العذاب . قال قتادة : الرجز سوء العذاب ، وغيرهم بالجر صفة لرجز .\r{ وَيَرَى } في موضع الرفع بالاستئناف أي ويعلم { الذين أُوتُواْ العلم } يعني أصحاب رسول الله A ومن يطأ أعقابهم من أمته أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه ، والمفعول الأول ل { يرى } { الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } يعني القرآن { هُوَ الحق } أي الصدق وهو فصل و { الحق } مفعول ثانٍ أو في موضع النصب معطوف على { لِيَجْزِىَ } وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان { وَيَهْدِى } الله أو الذي أنزل إليك { إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } وهو دين الله { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } وقال قريش بعضهم لبعض { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ } يعنون محمداً A . وإنما نكّروه مع أنه كان مشهوراً علماً في قريش وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم تجاهلاً به وبأمره وباب التجاهل في البلاغة وإلى سحرها { يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشئون خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق أي يفرقكم كل تفريق ، فالممزق مصدر بمعنى التمزيق ، والعامل في { إِذَا } ما دل عليه { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي تبعثون ، والجديد فعيل بمعنى فاعل عند البصريين تقول جد فهو جديد كقل فهو قليل ولا يجوز { إِنَّكُمْ } بالفتح للام في خبره { افترى عَلَى الله كَذِبًا } أهو مفترٍ على الله كذباً فيما ينسب إليه من ذلك والهمزة للاستفهام وهمزة الوصل حذفت استغناء عنها { أَم بِهِ جِنَّةٌ } جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه { بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِى العذاب والضلال البعيد } ثم قال سبحانه وتعالى : ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء وهو مبرأ منهما بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك . وذلك أجن الجنون ، جعل وقوعهم في العذاب رسيلاً لوقوعهم في الضلال كأنهما كائنان في وقت واحد ، لأن الضلال لما كان العذاب من لوازمه جعلا كأنهما مقترنان . ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادة .","part":3,"page":146},{"id":1147,"text":"{ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ } وبالإدغام : عليّ للتقارب بين الفاء والباء ، وضعفه البعض لزيادة صوت الفاء على الباء { الأرض أَوْ نُسْقِطْ } الثلاثة بالياء : كوفي غير عاصم لقوله { افترى عَلَى الله كَذِبًا } { عَلَيْهِمْ كِسَفاً } { كِسَفًا } حفص { مّنَ السماء } أي أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله ولم يخافوا أن يخسف الله بهم ، أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول وبما جاء به كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة { إِنَّ فِى ذَلِكَ } النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى { لآيَةً } لدلالة { لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه مطيع له إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ياجبال } بدل من { فَضْلاً } أو من { ءاتَيْنَا } بتقدير قولنا يا جبال أو قلنا يا جبال { أَوّبِى مَعَهُ } من التأويب رجعي معه التسبيح ومعنى تسبيح الجبال أن الله يخلق فيها تسبيحاً فيسمع منها كما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه السلام { والطير } عطف على محل الجبال و { الطير } عطف على لفظ الجبال وفي هذا النظم من الفخامة ما لا يخفى حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا وإذا دعاهم أجابوا إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لمشيئة الله تعالى ، ولو قال آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال معه والطير لم يكن فيه هذه الفخامة . { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } وجعلناه له ليّناً كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة . وقيل : لأن الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة { أَنِ اعمل } «أن» بمعنى أي أو أمرناه أن أعمل { سابغات } دروعاً واسعة تامة من السبوغ وهو أول من اتخذها ، وكان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء . وقيل : كان يخرج متنكراً فيسأل الناس عن نفسه ويقول لهم ما تقولون في داود فيثنون عليه فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال : نعم الرجل لولا خصلة فيه وهو أنه يطعم عياله من بيت المال فسأله عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال فعلمه صنعة الدروع { وَقَدّرْ فِى السرد } لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق ، والسرد : نسج الدروع { واعملوا } الضمير لداود وأهله { صالحا } خالصاً يصلح للقبول { إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأجازيكم عليه .","part":3,"page":147},{"id":1148,"text":"{ ولسليمان الريح } أي وسخرنا لسليمان الريح وهي الصبا . ورفع { الريح } أبو بكر وحماد والفضل أي وسليمان الريح مسخرة { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك ، وكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر فارس وبينهما مسيرة شهر ويروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع . وقيل : كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر } أي معدن النحاس فالقطر النحاس وهو الصفر ولكنه أساله وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام كما يسيل الماء وكان قبل سليمان لا يذوب ، وسماه عين القطر باسم ما آل إليه { وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ } «من» في موضع نصب أي وسخرنا من الجن من يعمل { بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ } بأمر ربه { وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ } ومن يعدل منهم { عَنْ أَمْرِنَا } الذي أمرنا به من طاعة سليمان { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير } عذاب الآخرة . وقيل : كان معه ملك بيده سوط من نار فمن زاع عن أمر سليمان عليه السلام ضرب ضربة أحرقته { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب } أي مساجد أو مساكن { وتماثيل } أي صور السباع والطيور . وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وكان التصوير مباحاً حينئذ { وَجِفَانٍ } جمع جفنة { كالجواب } جمع جابية وهي الحياض الكبار . قيل : كان يقعد على الجفنة ألف رجل . { كالجوابي } في الوصل والوقف : مكي ويعقوب وسهل ، وافق أبو عمرو في الوصل ، الباقون بغير ياء اكتفاء بالكسرة { وَقُدُورٍ راسيات } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها . وقيل : إنها باقية باليمن وقلنا لهم { اعملوا ءالَ دَاوُودَ شاكرا } أي ارحموا أهل البلاد واسألوا ربكم العافية عن الفضل و { شاكرا } مفعول له أو حال أي شاكرين أو اشكروا شكراً لأن { اعملوا } فيه معنى اشكروا من حيث إن العمل للمنعم شكر له أو مفعول به يعني إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً ، وسئل الجنيد عن الشكر فقال : بذل المجهود بين يدي المعبود { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ } بسكون الياء : حمزة وغيره بفتحها { الشكور } المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقاداً واعترافاً وكدحاً . وعن ابن عباس Bه : من يشكر على أحواله كلها . وقيل : من يشكر على الشكر . وقيل : من يرى عجزه عن الشكر . وحكي عن داود عليه السلام أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي .","part":3,"page":148},{"id":1149,"text":"{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت } أي على سليمان { مَا دَلَّهُمْ } أي الجن وآل داود { على مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ } أي الأرضة وهي دويبة يقال لها صرفة والأرض فعلها فأضيفت إليه . يقال : أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة { تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } والعصا تسمى منسأة لأنه ينسأ بها أي يطرد ، و { مِنسَأَتَهُ } بغير همز : مدني وأبو عمرو { فَلَمَّا خَرَّ } سقط سليمان { تَبَيَّنَتِ الجن } علمت الجن كلهم علماً بيناً بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم { أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ } بعد موت سليمان { فِى العذاب المهين } وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتمه فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه ، فلما بقي من عمره سنة سأل ربه أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة ، ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة فبقي في ملكه أربعين سنة وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه . وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه .\r{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } بالصرف بتأويل الحي ، وبعدمه : أبو عمرو بتأويل القبيلة { فِى مَسْكَنِهِمْ } حمزة وحفص { مَسْكَنِهِمْ } علي وخلف وهو موضع سكناهم وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها باليمن أو مسكن كل واحد منهم ، غيرهم { مساكنهم } { ءايَةً } اسم كان { جَنَّتَانِ } بدل من { ءايَةً } أو خبر مبتدأ محذوف تقديره الآية جنتان ، ومعنى كونهما آية أن أهلها لما أعرضوا عن شكر الله سلبهم الله النعمة ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم ، أو جعلهما آية أي علامة دالة على قدرة الله وإحسانه ووجوب شكره { عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها ، وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بساتين البلاد العامرة ، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله { كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ واشكروا لَهُ } حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم ، أو لما قال لهم لسان الحال ، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك . ولما أمرهم بذلك أتبعه قوله { بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة ، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره . قال ابن عباس : كانت سبأ على ثلاث فراسخ من صنعاء وكانت أخصب البلاد ، تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر فيمتليء المكتل مما يتساقط فيه من الثمر وطيبها ليس فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ، ومن يمر بها من الغرباء يموت قمله لطيب هوائها .","part":3,"page":149},{"id":1150,"text":"{ فَأَعْرِضُواْ } عن دعوة أنبيائهم فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله علينا نعمة { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم } أي المطر الشديد أو العرم اسم الوادي أو هو الجرذ الذي نقب عليهم السّكر لما طغوا سلط الله عليهم الجرذ فنقبه من أسفل فغرقهم { وبدلناهم بِجَنَّتَيْهِمْ } المذكورتين { جَنَّتَيْنِ } وتسمية البدل جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام كقوله { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] { ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ } الأكل الثمر يثقل ويخفف وهو قراءة نافع ومكي ، والخمط شجر الأراك ، وقيل : كل شجر ذي شوك { وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ } الأثل شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً ، ووجه من نون الأكل وهو غير أبي عمرو أن أصله ذواتي أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل : ذواتي أكل بشع ، ووجه أبي عمر أن أكل الخمط في معنى البرير وهو ثمر الأراك إذا كان غضاً فكأنه قيل ذواتي برير ، والأثل والسدر معطوفان على { أَكَلَ } لا على { خَمْطٍ } لأن الأثل لا أكل له . وعن الحسن : قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا لأنه يكون في الجنان { ذَلِكَ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ } أي جزيناهم ذلك بكفرهم فهو مفعول ثان مقدم { وَهَلْ نُجَازِىِ إِلاَّ الكفور } كوفي غير أبي بكر . { وَهَلْ نُجازَى إِلاَّ الكفور } غيرهم يعني وهل نجازي مثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم يشكرها أو كفر بالله ، أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاماً يستعمل في معنى المعاقبة وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص وهو العقاب . وعن الضحاك : كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام .\r{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } بين سبإٍ { وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا } بالتوسعة على أهلها في النعم والمياه وهي قرى الشام { قُرًى ظاهرة } متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين الناظرين ، أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبإٍ إلى الشام { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير } أي جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يقيل المسافر في قرية ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام { سِيرُواْ فِيهَا } وقلنا لهم سيروا ولا قول ثمة ، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه فكأنهم أمروا بذلك { ليالي وأياماً آمنين } أي سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات أي سيروا فيها آمنين لا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياماً وليالي { فَقَالُواْ رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا } قالوا يا ليتها كانت بعيدة فنسير على نجائبنا ، ونربح في التجارات ونفاخر في الدواب والأسباب ، بطروا النعمة وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب ، { بَعْدَ } مكي وأبو عمرو { وَظَلَمُواْ } بما قالوا { أَنفُسَهُمْ فجعلناهم أَحَادِيثَ } يتحدث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم { ومزقناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ } وفرقناهم تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً يقولون «ذهبوا أيدي سبأ» و «تفرقوا أيادي سبأ» فلحق غسان بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ } عن المعاصي { شَكُورٍ } للنعم أو لكل مؤمن لأن الإيمان نصفان نصفه شكر ونصفه صبر .","part":3,"page":150},{"id":1151,"text":"{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } بالتشديد : كوفي أي حقق عليهم ظنه أو وجده صادقاً ، وبالتخفيف : غيرهم أي صدق في ظنه { فاتبعوه } الضمير في { عَلَيْهِمْ } و { اتبعوه } لأهل سبإ أو لبني آدم . وقلل المؤمنين بقوله { إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين } لقلتهم بالإضافة إلى الكفار { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } [ الأعراف : 17 ] { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ } لإبليس على الذين صار ظنه فيهم صدقاً { مِنْ سلطان } من تسليط واستيلاء بالوسوسة { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } موجوداً ما علمناه معدوماً والتغير على المعلوم لا على العلم { مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ } محافظ عليه وفعيل ومفاعل متآخيان { قُلْ } لمشركي قومك { ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مّن دُونِ الله } أي زعمتموهم آلهة من دون الله ، فالمفعول الأول الضمير الراجع إلى الموصول وحذف كما حذف في قوله { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } [ الفرقان : 41 ] استخفافاً لطول الموصول بصلته . والمفعول الثاني آلهة وحذف لأنه موصوف صفته { مِن دُونِ الله } والموصوف يجوز حذفه وإقامة الصفة مقامه إذا كان مفهوماً ، فإذاً مفعولا زعم محذوفان بسببين مختلفين ، والمعنى ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته ، ثم أجاب عنهم بقوله { لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ } من خير أو شر أو نفع أو ضر { فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } وما لهم في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك { وَمَا لَهُ } تعالى { مِنْهُمْ } من آلهتهم { مّن ظَهِيرٍ } من عوين يعينه على تدبير خلقه يريد أنهم على هذه الصفة من العجز فكيف يصح أن يدعوا كما يدعي ويرجوا كما يرجى .\r{ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } أي أذن له الله يعني إلا من وقع الإذن للشفيع لأجله وهي اللام الثانية في قولك «أذن لزيد لعمرو» أي لأجله ، وهذا تكذيب لقولهم { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } { أَذِنَ لَهُ } كوفي غير عاصم إلا الأعشى { حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن و { فَزّعَ } شامي أي الله تعالى ، والتفزيع إزالة الفزع و { حتى } غاية لما فهم من أن ثم انتظاراً للإذن وتوقفاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن لهم كأنه قيل : يتربصون ويتوقعون ملياً فزعين حتى إذا فزع عن قلوبهم { قَالُواْ } سأل بعضهم بعضاً { مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ } قال { الحق } أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى .","part":3,"page":151},{"id":1152,"text":"{ وَهُوَ العلى الكبير } ذو العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه وان يشفع إلا لمن ارتضى\r{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماوات والأرض قُلِ الله } أمره بأن يقررهم بقوله { مَن يَرْزُقُكُم } ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله «يرزقكم الله» وذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق ، وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } ومعناه وإن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال ، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موالٍ أو منافٍ قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك . وفي درجة بعد تقدم ما قدم من التقرير دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين ولكن التعرض أوصل بالمجادل إلى الغرض ، ونحوه قولك للكاذب «إن أحدنا لكاذب» . وخولف بين حرفي الجر الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء ، والضال كأنه ينغمس في ظلام لا يرى أين يتوجه .\r{ قُل لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } هذا أدخل في الإنصاف من الأول حيث أسند الإجرام إلى المخاطبين وهو مزجور عنه محظور ، والعمل إلى المخاطبين وهو مأمور به مشكور .\r{ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } يوم القيامة { ثُمَّ يَفْتَحُ } يحكم { بَيْنَنَا بالحق } بلا جور ولا ميل { وَهُوَ الفتاح } الحاكم { العليم } بالحكم { قُلْ أَرُونِىَ الذين أَلْحَقْتُمْ } أي ألحقتموهم { بِهِ } بالله { شُرَكَاء } في العبادة معه . ومعنى قوله { أَرُونِىَ } وكان يراهم أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله وأن يطلعهم على حالة الإشراك به { كَلاَّ } ردع وتنبيه أي ارتدعوا عن هذا القول وتنبهوا عن ضلالكم { بَلْ هُوَ الله العزيز } الغالب فلا يشاركه أحد وهو ضمير الشأن { الحكيم } في تدبيره { وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتّهم أن يخرج منها أحد منهم . وقال الزجاج : معنى الكافة في اللغة الإحاطة ، والمعنى أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ ، فجعله حالاً من الكاف والتاء على هذا للمبالغة كتاء الراوية والعلاّمة { بَشِيراً } بالفضل لمن أقر { وَنَذِيرًا } بالعدل لمن أصر { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } فيحملهم جهلهم على مخالفتك .","part":3,"page":152},{"id":1153,"text":"{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } أي القيامة المشار إليها في قوله { قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } { إِن كُنتُمْ صادقين قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ } الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان وهو هنا الزمان ويدل عليه قراءة من قرأ { مّيعَادُ يَوْمٍ } فأبدل منه اليوم ، وأما الإضافة فإضافة تبيين كما تقول «بعير سانية» { لاَّ تَسْتَئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ } أي لا يمكنكم التأخر عنه بالاستمهال ولا التقدم إليه بالاستعجال ، ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم أنهم سألوا عن ذلك وهم منكرون له تعنتاً لا استرشاداً فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقاً للسؤال على الإنكار والتعنت وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم فلا يستطيعون تأخراً عنه ولا تقدماً عليه { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } أي أبو جهل وذووه { لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرءان وَلاَ بالذى بَيْنَ يَدَيْهِ } أي ما نزل قبل القرآن من كتب الله أو القيامة والجنة والنار حتى إنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله ، وأن يكون لما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ } محبوسون { عِندَ رَبّهِمْ يَرْجِعُ } يرد { بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول } في الجدال أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسول الله A أو للمخاطب : ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب فحذف الجواب { يَقُولُ الذين استضعفوا } أي الأتباع { لِلَّذِينَ استكبروا } أي للرؤوس والمقدمين { لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله { قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى } أولى الاسم أي نحن حرف الانكار لأن المراد إنكار أن يكون هم الصادين لهم عن الإيمان وإثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عنه وأنهم أتوا من قبل اختيارهم { بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ } إنما وقعت «إذ» مضافاً إليها وإن كانت «إذ» و «إذا» من الظروف اللازمة للظرفية لأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره فأضيف إليها الزمان { بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } كافرين لاختياركم وإيثاركم الضلال على الهدى لا بقولنا وتسويلنا . { وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا } لم يأت بالعاطف في { قَالَ الذين استكبروا } وأتى به في { وَقَالَ الذين استضعفوا } لأن الذين استضعفوا مر أولاً كلامهم فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريق الاستئناف ، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } بل مكركم بنا بالليل والنهار فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه ، أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي أي الليل والنهار مكراً بطول السلامة فيهما حتى ظننا أنكم على الحق { إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } أشباهاً .","part":3,"page":153},{"id":1154,"text":"والمعنى أن المستكبرين لما أنكروا بقولهم { أَنَحْنُ صددناكم } أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين وأثبتوا بقولهم { بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } أن ذلك بكسبهم واختيارهم ، كر عليهم المستضعفون بقولهم { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } فأبطلوا إضرابهم بأضرابهم كأنهم قالوا : ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا دائباً ليلاً ونهاراً وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد { وَأَسَرُّواْ الندامة } أضمروا أو أظهروا وهو من الأضداد وهم الظالمون في قوله { إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ } يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين { لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } الجحيم { وَجَعَلْنَا الأغلال فِى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ } أي في أعناقهم فجاء بالصريح للدلالة على ما استحقوا به الأغلال { هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ } نبي { إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } متنعموها ورؤساؤها { إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } هذه تسلية للنبي A مما مني به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله A أهل مكة وافتخروا بكثرة الأموال والأولاد كما قال { وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم نظراً إلى أحوالهم في الدنيا ، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم الله ، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ، فأبطل الله ظنهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كيف يشاء ، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع وربما عكس ، وربما وسع عليهما أو ضيق عليهما فلا ينقاس عليهما أمر الثواب وذلك قوله :\r{ قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } قدر الرزق تضييقه قال الله تعالى { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } [ الطلاق : 7 ] { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } أي وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم ، وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث ، والزلفى والزلفة كالقربى والقربة ومحلها النصب على المصدر أي تقربكم قربة كقوله { أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] { إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً } الاستثناء من «كم» في { تُقَرّبُكُمْ } يعني أن الأموال لا تقرب أحداً إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله ، والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة . وعن ابن عباس : «إلا» بمعنى «لكن» ومن شرط جوابه { فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضعف } وهو من إضافة المصدر إلى المفعول أصله فأولئك لهم أن يجازوا الضعف ثم جزاء الضعف ثم جزاء الضعف ، ومعنى جزاء الضعف أن تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشراً وقرأ يعقوب { جَزَاءً الضعف } ، على «فأولئك لهم الضعف جزاء» { بِمَا عَمِلُواْ } بأعمالهم { وَهُمْ فِى الغرفات } أي غرف منازل الجنة { الغرفة } حمزة { ءامِنُونَ } من كل هائل وشاغل .","part":3,"page":154},{"id":1155,"text":"{ والذين يَسْعَوْنَ فِى ءاياتنا } في إبطالها { معاجزين أُوْلَئِكَ فِى العذاب مُحْضَرُونَ قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق } يوسع { لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ } «ما» شرطية في موضع النصب { مِن شَىْء } بيانه { فَهُوَ يُخْلِفُهُ } يعوضه لا معوض سواه إما عاجلاً بالمال أو آجلاً بالثواب جواب الشرط { وَهُوَ خَيْرُ الرازقين } المطعمين لأن كل ما رزق غيره من سلطان أو سيد أو غيرهما فهو من رزق الله أجراه على أيدي هؤلاء ، وهو خالق الرزق وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق . وعن بعضهم : الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشتهٍ لا يجد وواجد لا يشتهي .\r{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } وبالياء فيهما : حفص ويعقوب . هذا خطاب للملائكة وتقريع للكفار وارد على المثل السائر :\rإياك أعني واسمعي يا جاره\rونحوه قوله { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى } [ المائدة : 116 ] الآية { قَالُواْ } أي الملائكة { سبحانك } تنزيهاً لك أن يعبد معك غيرك { أَنتَ وَلِيُّنَا } الموالاة خلاف المعاداة وهي مفاعلة من الولي وهو القرب والولي يقع على الموالي والموالى جميعاً ، والمعنى أنت الذي تواليه { مِن دُونِهِمُ } إذ لا موالاة بيننا وبينهم فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم لأن من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك { بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله ، أو كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها ، أو صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا هذه صور الملائكة فاعبدوها { أَكْثَرُهُمْ } أكثر الإنس أو الكفار { بِهِمُ } بالجن { مُؤْمِنُونَ } .","part":3,"page":155},{"id":1156,"text":"{ فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً } لأن الأمر في ذلك اليوم لله وحده لا يملك فيه أحد منفعة ولا مضرة لأحد ، لأن الدار دار ثواب وعقاب والمثيب والمعاقب هو الله . فكانت حالها خلاف حال الدنيا التي هي دار تكليف والناس فيها مخلى بينهم يتضارون ويتنافعون ، والمراد أنه لا ضار ولا نافع يومئذ إلا هو . ثم ذكر عاقبة الظالمين بقوله { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بوضع العبادة في غير موضعها معطوف على { لاَ يَمْلِكُ } { ذُوقُواْ عَذَابَ النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } في الدنيا { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا } أي إذا قريء عليهم القرآن { بينات } واضحات { قَالُواْ } أي المشركون { مَا هذا } أي محمد { إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَآ } أي القرآن { إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرى } .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } أي وقالوا ، والعدول عنه دليل على إنكار عظيم وغضب شديد { لِلْحَقّ } للقرآن أو لأمر النبوة كله { لَمَّا جَاءهُمْ } وعجزوا عن الإتيان بمثله { إِنَّ هَذَا } أي الحق { إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } بتوه على أنه سحر ثم بتوه على أنه بين ظاهر كل عاقل تأمله سماه سحراً { وَمَا ءاتيناهم مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } أي ما أعطينا مشركي مكة كتباً يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ } ولا أرسلنا إليهم نذيراً يندرهم بالعقاب إن لم يشركوا . ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } أي وكذب الذين تقدموهم من الأمم الماضية والقرون الخالية الرسل كما كذبوا { وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتيناهم } أي وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون من طول الأعمار وقوة الأجرام وكثرة الأموال والأولاد { فَكَذَّبُواْ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } للمكذبين الأولين فليحذروا من مثله . وبالياء في الوصل والوقف : يعقوب أي فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم مستظهرون ، فما بال هؤلاء؟ وإنما قال { فَكَذَّبُواْ } وهو مستغنى عنه بقوله { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } لأنه لما كان معنى قوله { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل مسبباً عنه وهو كقول القائل : «أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد A » .\r{ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة } بخصلة واحدة وقد فسرها بقوله { أَن تَقُومُواْ } على أنه عطف بيان لها وقيل هو بدل ، وعلى هذين الوجهين هو في محل الجر . وقيل : هو في محل الرفع على تقدير وهي أن تقوموا ، والنصب على تقدير أعني ، وأراد بقيامهم القيام عن مجلس رسول الله A وتفرقهم عن مجتمعهم عنده ، أو قيام القصد إلى الشيء دون النهوض والانتصاب ، والمعنى إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهي أن تقوموا { لِلَّهِ } أي لوجه الله خالصاً لا لحمية ولا عصبية بل لطلب الحق { مثنى } اثنين اثنين { وفرادى } فرداً فرداً { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } في أمر محمد A وما جاء به ، أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق ، وكذلك الفرد يتفكر في نفسه بعدل ونصفة ويعرض فكره على عقله .","part":3,"page":156},{"id":1157,"text":"ومعنى تفرقهم مثنى وفرادى أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ويعمي البصائر ويمنع من الروية ويقال الإنصاف فيه ويكثر الاعتساف ويثور عجاج التعصب ولا يسمع إلا نصرة المذهب . و { تَتَفَكَّرُواْ } معطوف على { تَقُومُواْ } { مَا بصاحبكم } يعني محمداً A { مّن جِنَّةٍ } جنون . والمعنى ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } قدام عذاب شديد وهو عذاب الآخرة وهو كقوله عليه السلام « بعثت بين يدي الساعة » ثم بين أنه لا يطلب أجراً على الإنذار بقوله :","part":3,"page":157},{"id":1158,"text":"{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ } على إنذاري وتبليغي الرسالة { فَهُوَ لَكُمْ } جزاء الشرط تقديره أي شيء سألتكم من أجر كقوله : { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } [ فاطر : 2 ] ومعناه نفي مسألة الأجر رأساً نحو مالي في هذا فهو لك أي ليس فيه شيء { إِنْ أَجْرِىَ } مدني وشامي وأبو بكر وحفص ، وبسكون الياء : غيرهم { إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٍ } فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصحيتكم ودعائكم إليه إلا منه .\r{ قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق } بالوحي . والقذف توجيه السهم ونحوه بدفع واعتماد ويستعار لمعنى الإلقاء ومنه { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } [ الأحزاب : 26 ] { أَنِ اقذفيه فِى التابوت } [ طه : 39 ] ومعنى يقذف بالحق يلقيه وينزله إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه { علام الغيوب } مرفوع على البدل من الضمير في { يَقْذِفُ } أو على أنه خبر مبتدأ محذوف { قُلْ جَاء الحق } الإسلام والقرآن { وَمَا يُبْدِىء الباطل وَمَا يُعِيدُ } أي زال الباطل وهلك لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي فعدمهما عبارة عن الهلاك ، والمعنى جاء الحق وزهق الباطل كقوله { جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل } [ الإسراء : 81 ] وعن ابن مسعود Bه : دخل النبي A مكة وحول الكعبة أصنام فجعل يطعنها بعود معه ويقول « جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ، جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد » وقيل : الباطل الأصنام . وقيل : إبليس لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك أي لا يخلق الشيطان ولا الصنم أحداً ولا يبعثه فالمنشيء والباعث هو الله . ولما قالوا : قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى { قُلْ إِن ضَلَلْتُ } عن الحق { فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى } إن ضللت فمني وعليّ { وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى } أي فتبسديده بالوحي إلي . وكان قياس التقابل أن يقال وإن اهتديت فإنما أهتدي لها كقوله : { فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } [ الزمر : 41 ] . ولكن هما متقابلان معنى ، لأن النفس كل ما عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء ، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه ، وهذا حكم عام لكل مكلف ، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به { إِنَّهُ سَمِيعٌ } لما أقوله لكم { قَرِيبٌ } مني ومنكم يجازيني ويجازيكم .\r{ وَلَوْ تَرَى } جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة { إِذْ فَزِعُواْ } عند البعث أو عند الموت أو يوم بدر { فَلاَ فَوْتَ } فلا مهرب أو فلا يفوتون الله ولا يسبونه { وَأُخِذُواْ } عطف على { فَزِعُواْ } أي فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم أو على لا فوت على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا { مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا أو من صحراء بدر إلى القليب { وَقَالُواْ } حين عاينوا العذاب { آمَنَّا بِهِ } بمحمد عليه السلام لمرور ذكره في قوله","part":3,"page":158},{"id":1159,"text":"{ مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ } [ سبأ : 46 ] أو بالله { وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } التناوش : التناول أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم ، يريد أن التوبة كانت تقبل منهم في الدنيا وقد ذهبت الدنيا وبعدت من الآخرة . وقيل : هذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا ، مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناول الآخر من قيس ذراع . { التناؤش } بالهمزة : أبو عمرو وكوفي غير حفص همزت الواو لأن كل واو مضمومة ضمتها لازمة إن شئت أبدلتها همزة وإن شئت لم تبدل نحو قولك «أدور وتقاوم» ، وإن شئت قلت «أدؤر وتقاؤم» . وعن ثعلب : التناؤش بالهمز التناول من بعد ، وبغير همز التناول من قرب . { وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } من قبل العذاب أو في الدنيا { وَيَقْذِفُونَ بالغيب } معطوف على { قَدْ كَفَرُواْ } على حكاية الحال الماضية يعني وكانوا يتكلمون بالغيب أو بالشيء الغائب يقولون لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } عن الصدق أو عن الحق والصواب ، أو هو قولهم في رسول الله A شاعر ساحر كذاب وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي لأنهم لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً . وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله لأن أبعد شيء مما جاء به السحر والشعر وأبعد شيء من عاداته التي عرفت بينهم وجربت الكذب { وَيَقْذِفُونَ بالغيب } عن أبي عمرو على البناء للمفعول أي تأتيهم به شياطينهم ويلقنونهم إياه وإن شئت فعلقه بقوله { وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ } على أنه مثّلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم { آمنا } في الآخرة وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئاً من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائباً عنه بعيداً .\rويجوز أن يكون الضمير في { آمنا به } للعذاب الشديد في قوله : { بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ سبأ : 46 ] . وكانوا يقولون وما نحن بمعذبين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب ونحن أكرم على الله من أن يعذبنا قائسين أمر الآخرة على أمر الدنيا ، فهذا كان قذفهم بالغيب وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف { وَحِيلَ } وحجز { بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار والفوز بالجنة أو من الرد إلى الدنيا كما حكي عنهم بقوله { فارجعنا نَعْمَلْ صالحا } [ السجدة : 12 ] والأفعال التي هي { فَزِعُواْ } { وَأُخِذُواْ } { وَحِيلَ } كلها للمضي والمراد بها الاستقبال لتحقق وقوعه { كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ } بأشباههم من الكفرة { إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ } من أمر الرسل والبعث { مُرِيبٍ } موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة ، هذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك والله أعلم .","part":3,"page":159},{"id":1160,"text":"{ الحمد للَّهِ } حمد ذاته تعليماً وتعظيماً { فَاطِرِ السماوات } مبتدئها ومبتدعها . قال ابن عباس Bهما : ما كنت أدري معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها . أي ابتدأتها { والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } إلى عباده { أُوْلِى } ذوي اسم جمع لذو وهو بدل من { رُسُلاً } أو نعت له { أَجْنِحَةٍ } جمع جناح { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } صفات لأجنحة ، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير . وقيل : للعدل والوصف والتعويل عليه ، والمعنى أن الملائكة طائفة أجنحتهم اثنان اثنان أي لكل واحد منهم جناحان ، وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة ، ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة ، وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة { يَزِيدُ فِى الخلق } أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره { مَا يَشَآءُ } وقيل : هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن والخط الحسن والملاحة في العينين ، والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش وحصافة في العقل وجزالة في الرأي وذلاقة في اللسان ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } قادر .\r{ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } نكرت الرحمة للإشاعة والإبهام كأنه قال من أية رحمة رزق أو مطر أو صحة أو غير ذلك { فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها ، واستعير الفتح للإطلاق والإرسال ألا ترى إلى قوله { وَمَا يُمْسِكُ } يمنع ويحبس { فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } مطلق له { مِن بَعْدِهِ } من بعد إمساكه . وأنث الضمير الراجع إلى الاسم المتضمن معنى الشرط على معنى الرحمة ، ثم ذكره حملاً على اللفظ المرجع إليه إذ لا تأنيث فيه لأن الأول فسر بالرحمة فحسن اتباع الضمير التفسير ، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير . وعن معاذ مرفوعاً «لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم ويعظم برهم فاجرهم وتعن قراؤهم أمراءهم على معصية الله فإذا فعلوا ذلك نزع الله يده عنهم» . { وَهُوَ العزيز } الغالب القادر على الإرسال والإمساك { الحكيم } الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه .\r{ يأَيُّهَا الناس اذكروا } باللسان والقلب { نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ } وهي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد ، ورفع السماء بلا عماد ، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه وزلفة لديه ، والزيادة في الخلق وفتح أبواب الرزق . ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله } برفع { غَيْرُ } على الوصف لأن { خالق } مبتدأ خبره محذوف أي لكم .","part":3,"page":160},{"id":1161,"text":"وبالجر : علي وحمزة على الوصف لفظاً { يَرْزُقُكُمْ } يجوز أن يكون مستأنفاً ويجوز أن يكون صفة ل { خالق } { مِّنَ السمآء } بالمطر { والأرض } بأنواع النبات { لآ إله إِلاَّ هُوَ } جملة مفصولة لا محل لها { فأنى تُؤْفَكُونَ } فبأي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك . { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله وتكذيبهم بها ، وسلى رسوله بأن له في الأنبياء قبله أسوة ولهذا نكر { رُسُل } أي رسل ذوو عدد كبير وأولو آيات ونذر وأهل أعمال طوال وأصحاب صبر وعزم لأنه أسلى له ، وتقدير الكلام وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك لأن الجزاء يتعقب الشرط ، ولو أجرى على الظاهر يكون سابقاً عليه . ووضع { فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } موضع «فتأس» استغناء بالسبب عن المسبب أي بالتذكيب عن التأسي { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } كلام يشتمل على الوعد والوعيد من رجوع الأمور إلى حكمه ومجازاة المكذّب والمكذّب بما يستحقانه ، { ترجع } بفتح التاء : شامي وحمزة وعلي ويعقوب وخلف وسهل .\r{ يأَيُّهَا الناس إِنَّ وَعْدَ الله } بالبعث والجزاء { حَقٌّ } كائن { فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا } فلا تخدعنكم الدنيا ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله { وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } أي الشيطان فإنه يمنِّيكم الأمانيّ الكاذبة ويقول إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك .\r{ إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ } ظاهر العداوة فعل بأبيكم ما فعل وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله { فاتخذوه عَدُوّاً } في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجَدنّ منكم إلا ما يدل على معاداته في سركم وجهركم . ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته هو أن يوردهم مورد الهلاك بقوله { إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أصحاب السعير } .\rثم كشف الغطاء فبنى الأمر كله على الإيمان وتركه فقال { الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } أي فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد لأنه صار من حزبه أي أتباعه { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } ولم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه بل عادوه { لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } لكبر جهادهم . ولما ذكر الفريقين قال لنبيه عليه السلام { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً } بتزيين الشيطان كمن لم يزين له فكأن رسول الله A قال لا ، فقال { فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات } وذكر الزجاج أن المعنى : أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرة ، فحذف الجواب لدلالة { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ } عليه ، أو أفمن له سوء عمله كمن هداه الله فحذف لدلالة { فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } عليه .","part":3,"page":161},{"id":1162,"text":"{ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ } : يزيد أي لا تهلكها { حسرات } مفعول له يعني فلا تهلك نفسك للحسرات و { عَلَيْهِمْ } صلة { تَذْهَبْ } كما تقول : هلك عليه حباً ومات عليه حزناً . ولا يجوز أن يتعلق ب { حسرات } لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم { والله الذى أَرْسَلَ الرياح } { الريح } : مكي وحمزة وعلي { فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ } بالتشديد : مدني وحمزة وعلي وحفص ، وبالتخفيف : غيرهم . { فَأَحْيَيْنَا بِهِ } بالمطر لتقدم ذكره ضمناً { الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها . وإنما قيل { فَتُثِيرُ } لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة الدالة على القدرة الربانية ، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب ، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها . لما كان من الدليل على القدرة الباهرة قيل فسقنا وأحيينا معدولاً بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه { كَذَلِكَ النشور } الكاف في محل الرفع أي مثل إحياء الموت نشور الأموات قيل يحيي الله الخلق بما يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق .","part":3,"page":162},{"id":1163,"text":"{ مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً } أي العزة كلها مختصة ، بالله عزة الدنيا وعزة الآخرة وكان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال : { واتخذوا مِن دُونِ الله ءَالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } [ مريم : 81 ] . والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال : { الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } [ النساء : 139 ] . فبين أن لا عزة إلا بالله . والمعنى فليطلبها عند الله فوضع قوله { لِلَّهِ العزة جَمِيعاً } موضعه استغناء عنه به لدلالته عليه لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه وماله ونظير قولك : «من أراد النصيحة فهي عند الأبرار» . تريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت مايدل عليه مقامه ، وفي الحديث \" إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز \" ثم عرف أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } ومعنى قوله { إِلَيْهِ } إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود ، أو إلى حيث لا ينفذ فيه إلا حكمه والكلم الطيب كلمات التوحيد أي لا إله إلا الله . وكان القياس الطيبة ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يذكر ويؤنث . والعمل الصالح العبادة الخالصة يعني والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد . وقيل : الرافع الله والمرفوع العمل أي العمل الصالح يرفعه الله ، وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع والكلم الطيب يصعد بنفسه . وقيل : العمل الصالح يرفع العامل ويشرفه أي من أراد العزة فليعمل عملاً صالحاً فإنه هو الذي يرفع العبد { والذين يَمْكُرُونَ السيئات } هي صفة لمصدر محذوف أي المكرات السيئات لأن مكر فعل غير متعدٍ ، لا يقال مكر فلان عمله . والمراد مكر قريش به عليه السلام حين اجتمعوا في دار الندوة كما قال الله تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ } [ الأنفال : 130 ] الآية { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة { وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ } مبتدأ { هُوَ } فصل { يَبُورُ } خبر أي ومكر أولئك الذين مكروا هو خاصة يبور أي يفسد ويبطل دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم جميعاً حقق بهم . قوله تعالى { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين } [ الأنفال : 30 ] وقوله { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] .\r{ والله خَلَقَكُمْ } أي أباكم { مّن تُرَابٍ ثُمَّ } أنشأكم { مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا } أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } هو في موضع الحال أي معلومة له { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } أي وما يعمر من أحد .","part":3,"page":163},{"id":1164,"text":"وإنما سماه معمراً بما هو صائر إليه { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كتاب } يعني اللوح أو صحيفة الإنسان ولا ينقص زيد . فإن قلت : الإنسان إما معمر أي طويل العمر أو منقوص العمر أي قصيره ، فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال فكيف صح قوله { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } قلت : هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد وعليه كلام الناس يقولون : لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق . أو تأويل الآية أنه يكتب في الصحيفة عمره كذا كذا سنة ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخره فذلك نقصان عمره . وعن قتادة : المعمر من يبلغ ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة { إِنَّ ذلك } أي إحصاءه أو زيادة العمر ونقصانه { عَلَى الله يَسِيرٌ } سهل .\r{ وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا } أي أحدهما { عَذْبٌ فُرَاتٌ } شديد العذوبة . وقيل : هو الذي يكسر العطش { سَآئِغٌ شَرَابُهُ } مريء سهل الانحدار لعذوبته وبه ينتفع شرّابه { وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } شديد الملوحة . وقيل : هو الذي يحرق بملوحته { وَمِن كُلِّ } ومن كل واحد منهما { تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } وهو السمك { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وهي اللؤلؤ والمرجان { وَتَرَى الفلك فِيهِ } في كل { مَوَاخِرَ } شواقّ للماء بجريها . يقال : مخرت السفينة الماء أي شقته وهي جمع ماخرة { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } من فضل الله ولم يجر له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ما أتاكم من فضله . ضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر . ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علّق بهما من نعمته وعطائه ، ويحتمل غير طريق الاستطراد وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين ثم يفضّل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجري الفلك فيه . والكافر خلو من النفع فهو في طريقة قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } ثم قال { وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خشية الله } [ البقرة : 74 ] .\r{ يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل } يدخل من ساعات أحدهما في الآخر حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة والناقص تسعاً { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } أي ذلل أضواء صوره لاستواء سيره { كُلٌّ يَجْرِى لأَِجَلٍ مُّسَمًّى } أي يوم القيامة ينقطع جريهما { ذلكم } مبتدأ { الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك } أخبار مترادفة أو { الله رَبُّكُمُ } خبر إن و { لَهُ الملك } جملة مبتدأة واقعة في قران قوله { والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } يعني الأصنام التي تعبدونها من دون الله يدعون قتيبة { مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } هي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة { إِن تَدْعُوهُمْ } أي الأصنام { لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ } لأنهم جماد { وَلَوْ سَمِعُواْ } على سبيل الفرض { مَا استجابوا لَكُمْ } لأنهم لا يدّعون ما تدّعون لهم من الإلهية ويتبرءون منها { وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم ويقولون ما كنتم إيانا تعبدون { وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور كما ينبك الله الخبير بخبايا الأمور ، وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به ، والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به .","part":3,"page":164},{"id":1165,"text":"{ ياأيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله } قال ذو النون : الخلق محتاجون إليه في كل نفس وخطرة ولحظة وكيف لا ووجودهم به وبقاؤهم به! { والله هُوَ الغنى } عن الأشياء أجمع { الحميد } المحمود بكل لسان ، ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على الاستغناء ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء ، وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان الغني جواداً منعماً وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم . قال سهل : لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم بالفقر ، فمن ادعى الغنى حجب عن الله ، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه . فينبغي للعبد أن يكون مفتقراً بالسر إليه ومنقطعاً عن الغير إليه حتى تكون عبوديته محضة ، فالعبودية هي الذل والخضوع وعلامته أن لا يسأل من أحد . وقال الواسطي : من استغنى بالله لا يفتقر ومن تعزز بالله لا يذل . وقال الحسين : على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنياً بالله وكلما ازداد افتقاراً ازداد غنى . وقال يحيى : الفقر خير للعبد من الغنى لأن المذلة في الفقر والكبر في الغنى ، والرجوع إلى الله بالتواضع ، والذلة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال . وقيل : صفة الأولياء ثلاثة : الثقة بالله في كل شيء ، والفقر إليه في كل شيء ، والرجوع إليه من كل شيء . وقال الشبلي : الفقر يجر البلاء وبلاؤه كله عز .\r{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } كلكم إلى العدم فإن غناه بذاته لا بكم في القدم { وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } وهو بدون حمدكم حميد { وَمَا ذلك } الأنشاء والإفناء { عَلَى الله بِعَزِيزٍ } بممتنع . وعن ابن عباس : يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً . { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى . والوزر والوقر أخوان ، ووزر الشيء إذا حمله ، والوازرة صفة للنفس ، والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤاخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار . وإنما قيل { وازرة } ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى ، لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها . وقوله { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } [ العنكبوت : 13 ] وارد في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم ، ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم { اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } [ العنكبوت : 12 ] بقوله { وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْء } [ العنكبوت : 12 ] { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } أي نفس مثقلة بالذنوب أحداً { إلى حِمْلِهَا } ثقلها أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك { لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ } أي المدعو وهو مفهوم من قوله { وَإِن تَدْعُ } { ذَا قربى } ذا قرابة قريبة كأب أو ولد أو أخ .","part":3,"page":165},{"id":1166,"text":"والفرق بين معنى قوله { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ومعنى { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء } أن الأول دال على عدل الله في حكمه وأن لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها ، والثاني في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث حتى إن نفساً قد أثقلتها الأوزار لودعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث وإن كان المدعو بعض قرابتها { إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي إنما ينتفع بإنذارك هؤلاء { بالغيب } حال من الفاعل أو المفعول أي يخشون ربهم غائبين عن عذابه ، أو يخشون عذابه غائباً عنهم . وقيل : بالغيب في السر حيث لا اطلاع للغير عليه { وَأَقَامُوا الصلاوة } في مواقيتها { وَمَن تزكى } تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي { فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ } وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي { وإلى الله المصير } المرجع وهو وعد للمتزكي الثواب . { وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير } مثل للكافر والمؤمن أو للجاهل والعالم .\r{ وَلاَ الظلمات } مثل للكفر { وَلاَ النور } للإيمان { وَلاَ الظل وَلاَ الحرور } الحق والباطل أو الجنة والنار . والحرور الريح الحار كالسموم إلا أن السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار . عن الفراء { وَمَا يَسْتَوِى الأحيآء وَلاَ الأموات } مثل للذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه وزيادة . «لا» لتأكيد معنى النفي . والفرق بين هذه الواوات أن بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها وتراً إلى وتر { إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى القبور } يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه فيهدي من يشاء هدايته ، وأما أنت فخفي عليك أمرهم فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين . شبه الكفار بالموتى حيث لا ينتفعون بمسموعهم { إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع وإن كان من المصرين فلا عليك { إِنَّا أرسلناك بالحق } حال من أحد الضميرين يعني محقاً أو محقين أو صفة للمصدر أي إرسالاً مصحوباً بالحق { بَشِيراً } بالوعد { وَنَذِيرًا } بالوعيد { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ } وما من أمة قبل أمتك . والأمة : الجماعة الكثيرة وجد عليه أمة من الناس ويقال لأهل كل عصر أمة ، والمراد هنا أهل العصر وقد كانت آثار النذارة باقية فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام فلم تخل تلك الأمم من نذير ، وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السلام بعث محمد عليه السلام { إِلاَّ خَلاَ } مضى { فِيهَا نَذِيرٌ } يخوفهم وخامة الطغيان وسوء عاقبة الكفران ، واكتفى بالنذير عن البشير في آخر الآية بعدما ذكرهما لأن النذارة مشفوعة بالبشارة فدل ذكر النذارة على ذكر البشارة .","part":3,"page":166},{"id":1167,"text":"{ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } رسلهم { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم } حال و«قد» مضمرة { بالبينات } بالمعجزات { وبالزبر } وبالصحف { وبالكتاب المنير } أي التوراة والإنجيل والزبور . ولما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر والكتاب وفيه مسلاة لرسول الله A { ثُمَّ أَخَذْتُ } عاقبت { الذين كَفَرُواْ } بأنواع العقوبة { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } إنكاري عليهم وتعذيبي لهم { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بالماء { ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها { وَمِنَ الجبال جُدَدٌ } طرق مختلفة جدة كمدة ومدد { بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ } جمع غربيب وهو تأكيد للأسود . يقال : أسود غربيب وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب . وكان من حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك «أصفر فاقع» إلا أنه أضمر المؤكد قبله والذي بعده تفسير للمضمر ، وإنما يفصل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعاً ، ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله { وَمِنَ الجبال جُدَدٌ } أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤول إلى قولك : ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال { ثمرات مختلفاً ألوانها } .\r{ وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه } يعني ومنهم بعض مختلف ألوانه { كذلك } أي كاختلاف الثمرات والجبال . ولما قال { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته ، أتبع ذلك { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماؤا } أي العلماء به الذين علموه بصفاته فعظموه ومن ازداد علماً به ازداد منه خوفاً ومن كان علمه به أقل كان آمن . وفي الحديث \" أعلمكم بالله أشدكم له خشية \" وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن أن معناه أن الذين يخشون الله من عباده العلماء دون غيرهم ولو عكس لكان المعنى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله : { وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله } [ الأحزاب : 39 ] وبينهما تغاير ، ففي الأول بيان أن الخاشين هم العلماء ، وفي الثاني بيان أن المخشي منه هو الله تعالى . وقرأ أبو حنيفة وابن عبد العزيز وابن سيرين Bهم { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } والخشية في هذه القراءة استعارة ، والمعنى إنما يعظم الله من عباده العلماء { إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ } تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب المثيب حقه أن يخشى .","part":3,"page":167},{"id":1168,"text":"{ إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله } يداومون على تلاوة القرآن { وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } أي مسرين النفل ومعلنين الفرض يعني لا يقتنعون بتلاوته عن حلاوة العمل به { يَرْجُونَ } خبر «إنّ» { تجارةً } هي طلب الثواب بالطاعة { لَّن تَبُورَ } لن تكسد يعني تجارة ينتفى عنها الكساد وتنفق عند الله { لِيُوَفّيَهُمْ } متعلق ب { لَّن تَبُورَ } أي ليوفيهم بنفاقها عنده { أُجُورَهُمْ } ثواب أعمالهم { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم أو بتضعيف حسناتهم أو بتحقيق وعد لقائه . أو { يَرْجُونَ } في موضع الحال أي راجين . واللام في { لِيُوَفّيَهُمْ } تتعلق ب { يَتْلُونَ } وما بعده أي فعلوا جميع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق لهذا الغرض وخبر «إنّ» { إِنَّهُ غَفُورٌ } لفرطاتهم { شَكُورٍ } أي غفورٌ لهم شكور لأعمالهم أي يعطي الجزيل على العمل القليل { والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } أي القرآن . و«من» للتبيين { هُوَ الحق مُصَدّقاً } حال مؤكدة لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } لما تقدمه من الكتب { إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } فعلمك وأبصر أحوالك ورآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب .\r{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب } أي أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي حكمنا بتوريثه { الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } وهم أمته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس ، واختصهم بكرامة الإنتماء إلى أفضل رسله . ثم رتبهم على مراتب فقال { فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ } وهو المرجأ لأمر الله { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات } وهذا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال : { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين } [ التوبة : 100 ] الآية وقال بعده : { وَءَاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } [ التوبة : 102 ] الآية وقال بعده : { وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاْمْرِ الله } [ التوبة : 106 ] الآية . والحديث فقد رُوي عن عمر Bه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية : قال رسول الله A \" سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له \" وعنه عليه السلام : \" السابق يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة ، وأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لا ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة \" رواه أبو الدرداء .\rوالأثر فعن ابن عباس Bهما : السابق المخلص ، والمقتصد المرائي ، والظالم الكافر بالنعمة غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة . وقول السلف فقد قال الربيع بن أنس : الظالم صاحب الكبائر ، والمقتصد صاحب الصغائر ، والسابق المجتنب لهما .","part":3,"page":168},{"id":1169,"text":"وقال الحسن البصري : الظالم من رجحت سيئاته ، والسابق من رجحت حسناته ، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته . وسئل أبو يوسف C عن هذه الآية فقال : كلهم مؤمنون ، وأما صفة الكفار فبعد هذا وهو قوله : { والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ } وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده فإنه قال : { فَمِنْهُمْ } { وَمِنْهُمُ } { وَمِنْهُمُ } والكل راجع إلى قوله { الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور . وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل . وقال ابن عطاء : إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله . وقيل : إنما قدمه ليعرّفه أن ذنبه لا يبعده من ربه . وقيل : إن أول الأحوال معصية ثم توبة ثم استقامة . وقال سهل : السابق العالم والمقتصد المتعلم والظالم الجاهل . وقال أيضاً : السابق الذي اشتغل بمعاده ، والمقتصد الذي اشتغل بمعاشه ومعاده ، والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده . وقيل : الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة ، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة ، والسابق الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق . وقيل : الظالم من أخذ الدنيا حلالاً كانت أو حراماً ، والمقتصد من يجتهد أن لا يأخذها إلا من حلال ، والسابق من أعرض عنها جملة . وقيل : الظالم طالب الدنيا ، والمقتصد طالب العقبي ، والسابق طالب المولى { بِإِذُنِ الله } بأمره أو بعلمه أو بتوفيقه { ذلك } أي إيراث الكتاب { هُوَ الفضل الكبير*جنات عَدْنٍ } خبر ثان ل { ذلك } أو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ والخبر { يَدْخُلُونَهَا } أي الفرق الثلاثة { يَدْخُلُونَهَا } : أبو عمرو { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } جمع أسورة جمع سوار { مّن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } أي من ذهب مرصع باللؤلؤ { ذَهَبٍ } بالنصب والهمزة : نافع وحفص عطفاً على محل { مِنْ أَسَاوِرَ } أي يحلون أساور ولؤلؤاً { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } لما فيه من اللذة والزينة .\r{ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } خوف النار أو خوف الموت أو هموم الدنيا { إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ } يغفر الجنايات وإن كثرت { شَكُورٌ } يقبل الطاعات وإن قلت { الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة } أي الإقامة لا نبرح منها ولا نفارقها يقال أقمت إقامة ومقاماً ومقامة { مِن فَضْلِهِ } من عطائه وإفضاله لا باستحقاقنا { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } تعب ومشقة { وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } إعياء من التعب وفترة . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي { لغُوبٌ } بفتح اللام وهو شيء يلغب منه أي لا نتكلف عملاً يلغبنا { والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ } جواب النفي ونصبه بإضمار «أن» أي لا يقضى عليهم بموت ثانٍ فيستريحوا { وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا } من عذاب نار جهنم { كذلك } مثل ذلك الجزاء { نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } { يجزى كُلَّ كَفُورٍ } : أبو عمرو { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } يستغيثون فهو يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد ومشقة ، واستعمل في الاستغاثة لجهر صوت المستغيث { رَبَّنَا } يقولون ربنا { أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ } أي أخرجنا من النار ردنا إلى الدنيا نؤمن بدل الكفر ونطع بعد المعصية فيجاوبون بعد فدر عمر الدنيا { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } يجوز أن يكون «ما» نكرة موصوفة أي تعميراً يتذكر فيه من تذكر وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر ، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم .","part":3,"page":169},{"id":1170,"text":"ثم قيل : هو ثمان عشرة سنة . وقيل : أربعون . وقيل : ستون سنة { وَجَاءكُمُ النذير } الرسول عليه السلام أو المشيب وهو عطف على معنى { أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ } لأن لفظه لفظ استخبار ومعناه إخبار كأنه قيل : قد عمرناكم وجاءكم النذير { فَذُوقُواْ } العذاب { فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } ناصر يعينهم .","part":3,"page":170},{"id":1171,"text":"{ إِنَّ الله عالم غَيْبِ السماوات والأرض } ما غاب فيهما عنكم { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } كالتعليل لأنه إذا علم ما في الصدور وهو أخفى ما يكون فقد علم كل غيب في العالم . وذات الصدور مضمراتها وهي تأنيث ذو في نحو قول أبي بكر Bه : ذو بطن خارجة جاريةٌ . أي ما في بطنها من الحبل لأن الحبل يصحب البطن . وكذا المضمرات تصحب الصدور وذو موضوع لمعنى الصحبة { هُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف فِى الأرض } يقال للمستخلف خليفة ويجمع على خلائف ، والمعنى أنه جعلكم خلفاء في أرضه قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة { فَمَن كَفَرَ } منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية { فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله وخسار الآخرة كما قال { وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً } وهو أشد البغض { وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } هلاكاً وخسراناً { قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ } آلهتكم التي أشركتموهم في العباد { الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض } { أَرُونِىَ } بدل من { أَرَءَيْتُمْ } أخبروني كأنه قيل : أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الشركة ، أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله؟ { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السماوات } أم لهم مع الله شركة في خلق السماوات { أَمْ ءاتيناهم كتابا فَهُمْ على بينات مِّنْهُ } أي معهم كتاب من عند الله ينطق أنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب . { بينات } علي وابن عامر ونافع وأبو بكر { بَلْ إِن يَعِدُ } ما يعد { الظالمون بَعْضُهُم } بدل من { الظالمون } وهم الرؤساء { بَعْضًا } أي الأتباع { إِلاَّ غُرُوراً } هو قولهم { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] . { إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ } يمنعهما من أن تزولا لأن الإمساك منع { وَلَئِن زَالَتَآ } على سبيل الفرض { إِنْ أَمْسَكَهُمَا } ما أمسكهما { مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } من بعد إمساكه . و«من» الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية للابتداء { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدَّا هدًّا لعظم كلمة الشرك كما قال { تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض } [ مريم : 90 ] الآية .\r{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } نصب على المصدر أي إقساماً بليغاً أو على الحال أي جاهدين في أيمانهم { لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم } بلغ قريشاً قبل مبعث النبي A أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا : لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم أي من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة كما يقال للداهية العظيمة هي إحدى الدواهي { فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ } فلما بعث رسول الله A { مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } أي ما زادهم مجيء الرسول A إلا تباعداً عن الحق وهو إسناد مجازي { استكبارا فِى الأرض } مفعول له وكذا { وَمَكْرَ السيىء } والمعنى وما زادهم إلا نفوراً للاستنكار ومكر السيء ، أو حال يعني مستكبرين وماكرين برسول الله A .","part":3,"page":171},{"id":1172,"text":"وأصل قوله ومكر السيء وأن مكروا السيء أي المكر السيء ، ثم ومكراً السيء ثم ومكر السيء والدليل عليه وقوله { وَلاَ يَحِيقُ } يحيط وينزل { المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } ولقد حاق بهم يوم بدر وفي المثل «من حفر لأخيه جباً وقع فيه مكباً { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتُ الأولين } وهو إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم ، والمعنى فهل ينظرون بعد تكذيبك إلا أن ينزل بهم العذاب مثل الذي نزل بمن قبلهم من مكذبي الرسل ، جعل استقبالهم لذلك انتظاراً له منهم { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً } بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة لا يبدلها في ذاتها ولا يحولها عن أوقاتها وأن ذلك مفعول لا محالة .\r{ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم { وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ } من أهل مكة { قُوَّةَ } اقتداراً فلم يتمكنوا من الفرار { وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ } ليسبقه ويفوته { مِن شَىْءٍ } أيّ شيء { فِى السماوات وَفِى الارض إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً } بهم { قَدِيراً } قادراً عليهم { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ } بما اقترفوا من المعاصي { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا } على ظهر الأرض لأنه جرى ذكر الأرض في قوله { لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض } [ فاطر : 44 ] { مِن دَآبَّةٍ } من نسمة تدب عليها { ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } إلى يوم القيامة { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } أي لم تخف عليه حقيقة أمرهم وحكمة حكمهم والله الموفق للصواب .","part":3,"page":172},{"id":1173,"text":"{ يس } عن ابن عباس Bهما معناه يا إنسان في لغة طيء ، وعن ابن الحنفية يا محمد ، وفي الحديث : \" إن الله سماني في القرآن بسبعة أسماء : محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله \" وقيل يا سيد . { يَاسِين } بالإمالة : علي وحمزة وخلف وحماد ويحيى { والقرءان } قسم { الحكيم } ذي الحكمة أو لأنه دليل ناطق بالحكمة أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } جواب القسم وهو رد على الكفار حين قالوا : { لَسْتَ مُرْسَلاً } [ الرعد : 43 ] { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } خبر بعد خبر أوصلة ل { المرسلين } أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم أي طريقة مستقيمة وهو الإسلام { تَنزِيلَ } بنصب اللام : شامي وكوفي غير أبي بكر على «اقرأ تنزيل» أو على أنه مصدر أي نزل تنزيل ، وغيرهم بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل والمصدر بمعنى المفعول { العزيز } الغالب بفصاحة نظم كتابه أو هام ذوي العناد { الرحيم } الجاذب بلطافة معنى خطابه أفهام أولي الرشاد . واللام في { لِتُنذِرَ قَوْماً } متصل بمعنى المرسلين أي أرسلت لتنذر قوماً { مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ } «ما» نافية عند الجمهور أي قوماً غير منذر آباؤهم على الوصف بدليل قوله { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } [ القصص : 46 ] { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ } [ سبأ : 44 ] . أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني أي العذاب الذي أنذره آباؤهم كقوله { إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً } [ النبأ : 40 ] أو مصدرية أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم أي مثل إنذار آبائهم { فَهُمْ غافلون } إن جعلت «ما» نافية فهو متعلق بالنفي أي لم ينذروا فهم غافلون وإلا فهو متعلق بقوله : { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين لّتُنذِرَ } . كما تقول «أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل» { لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } يعني قوله : { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } [ السجدة : 13 ] أي تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر .\rثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له ، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر ، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله بقوله { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا فَهِىَ إِلَى الأذقان } معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها { فَهُم مُّقْمَحُونَ } مرفوعة رءوسهم . يقال : قمح البعير فهو قامح إذا روي فرفع رأسه وهذا لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود خارجاً من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحاً { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } بفتح السين : حمزة وعلي وحفص .","part":3,"page":173},{"id":1174,"text":"وقيل : ما كان من عمل الناس فبالفتح ، وما كان من خلق الله كالجبل ونحوه فبالضم { فأغشيناهم } فأغشينا أبصارهم أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة { فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } الحق والرشاد . وقيل : نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً يصلي ليرضخن رأسه ، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به ، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر : أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله بصره { وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي سواء عليهم الإنذار وتركه ، والمعنى من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار . ورُوي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية على غيلان القدري فقال : كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب عن قولي في القدر . فقال عمر : اللهم إن صدق فتب عليه وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه ، فأخذه هشام بن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر } أي إنما ينتفع بإنذارك من اتبع القرآن { وَخشِىَ الرحمن بالغيب } وخاف عقاب الله ولم يره { فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } وهي العفو عن ذنوبه { وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } أي الجنة .","part":3,"page":174},{"id":1175,"text":"{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيىِ الموتى } نبعثهم بعد مماتهم أو نخرجهم من الشرك إلى الإيمان { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها { وَءَاثَارَهُمْ } ما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علّموه أو كتاب صنّفوه أو حبيس حبّسوه أو رباط أو مسجد صنعوه أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلمة ، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها ونحوه قوله تعالى { يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [ القيامة : 13 ] قدم من أعماله وأخر من آثاره . وقيل : هي خطاهم إلى الجمعة أو إلى الجماعة { وَكُلَّ شىْءٍ أحصيناه } عددناه وبيناه { فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } يعني اللوح المحفوظ لأنه أصل الكتب ومقتداها . { واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية } ومثل لهم من قولهم «عندي من هذا الضرب كذا» أي من هذا المثال ، وهذه الأشياء على ضرب واحد أي على مثال واحد ، والمعنى واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية أي أنطاكية ، أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية ، والمثل الثاني بيان للأول . وانتصاب { إِذْ } بأنه بدل من { أصحاب القرية } { جَآءَهَا المرسلون } رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان { إِذْ } بدل من { إِذْ } الأولى { أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ } أي أرسل عيسى بأمرنا { اثنين } صادقاً وصدوقاً ، فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار فسأل عن حالهما فقالا : نحن رسولا عيسى ، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال : أمعكما آية؟ فقالا : نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص ، وكان له ابن مريض مدة سنتين فمسحاه فقام ، فآمن حبيب وفشا الخبر فشفي على أيديهما خلق كثير ، فدعاهما الملك وقال لهما : ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا : نعم من أوجدك وآلهتك . فقال : حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس وضربوهما . وقيل : حبسا ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم : بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت قولهما؟ قال : لا . فدعاهما فقال شمعون : من أرسلكما؟ قالا : الله الذي خلق كل شيء ورزق كل حي وليس له شريك . فقال : صفاه وأوجزا . قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . قال : وما آيتكما؟ قالا : ما يتمنى الملك . فدعا بغلام أكمه فدعوا الله فأبصر الغلام . فقال له شمعون : أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف؟ قال الملك : ليس لي عنك سر إن إلهنا لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع . ثم قال : إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به ، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال : إني أدخلت في سبعة أودية من النار لما مت عليه من الشرك وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا .","part":3,"page":175},{"id":1176,"text":"وقال : فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة . قال الملك : ومن هم؟ قال : شمعون وهذان ، فتعجب الملك . فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن قوم ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا .\r{ فَكَذَّبُوهُمَا } فكذب أصحاب القرية الرسولين { فَعَزَزْنَا } فقويناهما ، { فَعَزَّزْنَا } أبو بكر من عزّه يعزّه إذا غلبه أي فغلبنا وقهرنا { بِثَالِثٍ } وهو شمعون وترك ذكر المفعول به لأن المراد ذكر المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل الباطل ، وإذا كان الكلام منصباً إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض { فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } أي قال الثلاثة لأهل القرية { قَالُواْ } أي أصحاب القرية { مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } رفع { بشر } هنا ونصب في قوله { مَا هذا بَشَرًا } [ يوسف : 31 ] لانتقاض النفي ب «إلا» فلم يبق لما شبه بليس وهو الموجب لعمله { وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شَىْءٍ } أي وحياً { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } ما أنتم إلا كذبة . { قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } أكد الثاني باللام دون الأول لأن الأول ابتداء إخبار والثاني جواب عن إنكار فيحتاج إلى زيادة تأكيد . و { رَبُّنَا يَعْلَمُ } جارٍ مجرى القسم في التوحيد وكذلك قولهم «شهد الله» و «علم الله» { وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين } أي التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة بصحته { قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } تشاءمنا بكم وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم ، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه ، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة ذلك . وقيل : حبس عنهم المطر فقالوا ذلك { لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ } عن مقالتكم هذه { لَنَرْجُمَنَّكُمْ } لنقتلنكم أو لنطردنكم أو لنشتمنكم { وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } وليصيبنكم عذاب النار وهو أشد عذاب { قَالُواْ طائركم } أي سبب شؤمكم { مَّعَكُمْ } وهو الكفر { أئِن } بهمزة الاستفهام وحرف الشرط : كوفي وشامي { ذُكِّرْتُم } وعظتم ودعيتم إلى الإسلام ، وجواب الشرط مضمر وتقديره «تطيرتم» ، { آين } بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة : أبو عمرو ، و { أَيْنَ } بهمزة مقصورة بعدها ياء مسكورة : مكي ونافع . { ذكرتم } بالتخفيف : يزيد { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } مجاوزون الحد في العصيان فمن ثم أتاكم الشؤم من قبلكم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم ، أو بل أنتم مسرفون في ضلالكم وغيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله .\r{ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى } هو حبيب النجار وكان في غار من الجبل يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقال : أتسألون على ما جئتم به أجراً؟ قالوا : لا { قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين اتبعوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً } على تبليغ الرسالة { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } أي الرسل : فقالوا : أو أنت على دين هؤلاء؟ فقال : { وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى } خلقني { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وإليه مرجعكم ، { وَمَا لِى } حمزة .","part":3,"page":176},{"id":1177,"text":"{ ءَأَتَّخِذُ } بهمزتين : كوفي { مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } يعني الأصنام { إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ } شرط جوابه { لاَّ تُغْنِ عَنِّى شفاعتهم شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ } من مكروه ، { ولا ينقذوني } { فاسمعوني } في الحالين : يعقوب { إِنِّى إِذاً } أي إذا اتخذت { لَفِى ضلال مُّبِينٍ } ظاهر بين . ولما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل فقال لهم { إِنِّى ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون } أي اسمعوا إيماني لتشهدوا لي به . ولما قتل { قِيلَ } له { ادخل الجنة } وقبره في سوق أنطاكية . ولم يقل «قيل له» لأن الكلام سيق لبيان المقول لا لبيان المقول له مع كونه معلوماً ، وفيه دلالة أن الجنة مخلوقة . وقال الحسن : لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه وهو في الجنة ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض ، فلما دخل الجنة ورأى نعيمها { قَالَ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى } أي بمغفرة ربي لي أو بالذي غفر لي { وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين } بالجنة .","part":3,"page":177},{"id":1178,"text":"{ وَمَا أَنزَلْنَا } «ما» نافيه { على قَوْمِهِ } قوم حبيب { مِن بَعْدِهِ } أي من بعد قتله أو رفعه { مِن جُندٍ مِّنَ السمآء } لتعذيبهم { وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء ، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض لحكمة اقتضت ذلك { إِن كَانَتْ } الأخذة أو العقوبة { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } صاح جبريل عليه السلام صيحة واحدة { فَإِذَا هُمْ خامدون } ميتون كما تخمد النار . والمعنى أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك ولم ينزل لإهلاكهم جنداً من جنود السماء كما فعل يوم بدر والخندق .\r{ ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } الحسرة شدة الندم وهذا نداء للحسرة عليهم كأنما قيل لها تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل ، والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون ، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين { أَلَمْ يَرَوْاْ } ألم يعلموا { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون } «كم» نصب ب { أَهْلَكْنَا } و { يَرَوْاْ } معلق عن العمل في «كم» لأن «كم» لا يعمل فيها عامل قبلها كانت للاستفهام أو للخبر ، لأن أصلها الاستفهام إلا أن معناه نافذ في الجملة . وقوله { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } بدل من { كَمْ أَهْلَكْنَا } على المعنى لا على اللفظ تقديره : ألم يروا كثرة إهلا كنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } { لَّمّاً } بالتشديد : شامي وعاصم وحمزة بمعنى إلا و «إن» نافية . وغيرهم بالتخفيف على أن «ما» صلة للتأكيد و «إن» مخففة من الثقيلة وهي متلقاة باللام لا محالة . والتنوين في { كُلٌّ } عوض من المضاف إليه ، والمعنى إن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب أو معذبون . وإنما أخبر عن { كُلٌّ } بجميع لأن «كلا» يفيد معنى الإحاطة والجميع فعيل بمعنى مفعول ومعناه الاجتماع يعني أن المحشر يجمعهم { وَءَايَةٌ لَّهُمُ } مبتدأ وخبر أي وعلامة تدل على أن الله يبعث الموتى إحياء الأرض الميتة ، ويجوز أن يرتفع { ءَايَة } بالابتداء و { لَهُمْ } صفتها ، وخبرها { الأرض الميتة } اليابسة . وبالتشديد : مدني { أحييناها } بالمطر وهو استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية وكذلك { نَسْلَخُ } ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل لأنه أريد بهما جنسان مطلقان لا أرض وليل بأعيانهما فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالأفعال ونحوه :\rولقد أمر على اللئيم يسبني ... { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } أريد به الجنس { فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } قدم الظرف ليدل على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس ، وإذا قل جاء القحط ووقع الضر وإذا فقد حضر الهلاك ونزل البلاء { وَجَعَلْنَا فِيهَا } في الأرض { جنات } بساتين { مِّن نَّخِيلٍ وأعناب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون } «من» زائدة عند الأخفش وعند غيره المفعول محذوف تقديره ما ينتفعون به { لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } والضمير لله تعالى أي ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر .","part":3,"page":178},{"id":1179,"text":"{ مِن ثُمُره } حمزة وعلي { وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } أي ومما عملته أيديهم من الغرس والسقي والتلقيح وغير ذلك من الأعمال إلى أن يبلغ الثمر منتهاه ، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه وفيه آثار من كد بني آدم وأصله من ثمرنا كما قال { وَجَعَلْنَا } { وَفَجَّرْنَا } فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات . ويجوز أن يرجع الضمير إلى النخيل وتترك الأعناب غير مرجوع إليها لأنه علم أنها في حكم النخيل مما علق به من أكل ثمره ، ويجوز أن يراد من ثمر المذكور وهو الجنات كما قال رؤبة .\rفيها خطوط من بياض وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق\rفقيل له فقال : أردت كأن ذاك . { وما عملت } كوفي غير حفص وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك ، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير . وقيل : «ما» نافية على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } استبطاء وحث على شكر النعمة . { سبحان الذى خَلَق الأزواج } الأصناف { كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض } من النخيل والشجر والزرع والثمر { وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } الأولاد ذكوراً وإناثاً { وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها ، ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس .\r{ وَءَايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوء النهار ، أو ننزع عنه الضوء نزع القميص الأبيض فيعرى نفس الزمان كشخص زنجي أسود لأن أصل ما بين السماء والأرض من الهواء الظلمة فاكتسى بعضه ضوء الشمس كبيت مظلم أسرج فيه فإذا غاب السراج أظلم { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } داخلون في الظلام { والشمس تَجْرِى } وآية لهم الشمس تجري { لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا } لحد لها موقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة ، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرائي عيوننا وهو المغرب ، أو لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا { ذلك } الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق { تَقْدِيرُ العزيز } الغالب بقدرته على كل مقدور { العليم } بكل معلوم { والقمر } نصب بفعل يفسره { قدرناه } وبالرفع مكي ونافع وأبو عمرو وسهل على الابتداء والخبر قدرناه أو على «وآية لهم القمر» { مَنَازِلَ } وهي ثمانية وعشرون منزلاً ينزل القمر كل ليلة وفي واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستوٍ يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين ، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر .","part":3,"page":179},{"id":1180,"text":"ولا بد في { قدرناه مَنَازِلَ } من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل أي قدرنا نوره فيزيد وينقص ، أو قدرنا مسيره منازل فيكون ظرفاً فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس { حتى عَادَ كالعرجون } هو عود الشمراخ إذا يبس واعوج ووزنه فعلون من الانعراج وهو الانعطاف { القديم } العتيق المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه .","part":3,"page":180},{"id":1181,"text":"{ لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا } أي لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم { أَن تدْرِكَ القمر } فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره لأن لكل واحد من النيرين سلطاناً على حياله ، فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل { وَلاَ اليل سَابِقُ النهار } ولا يسبق الليل النهار أي آية الليل آية النهار وهما النيران ، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن تقوم القيامة فيجمع الله بين الشمس والقمر وتطلع الشمس من مغربها { وَكُلٌّ } التنوين فيه عوض من المضاف إليه أي وكلهم والضمير للشموس والأقمار { فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } . يسيرون\r{ وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } { ذرياتهم } مدني وشامي { فِى الفلك المشحون } أي المملوء . والمراد بالذرية الأولاد ومن يهمهم حمله وكانوا يبعثونهم إلى التجارات في بر أو بحر ، أو الآباء لأنها من الأضداد . والفلك على هذا سفينة نوح عليه السلام . وقيل : معنى حمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم هم وذرياتهم . وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ } من مثل الفلك { مَا يَرْكَبُونَ } من الإبل وهي سفائن البر { وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ } في البحر { فَلا صَرِيْخَ لَهُمْ } فلا مغيث أو فلا إغاثة { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } لا ينجون { إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ } أي ولا ينقذون إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل ، فهما منصوبان على المفعول له .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } أي ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر مما أنتم تعملون من بعد أو من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها ، وما خلفكم من أمر الساعة أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لتكونوا على رجاء رحمة الله . وجواب «إذا» مضمر أي أعرضوا ، وجاز حذفه لأن قوله { وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءايات رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يدل عليه . و «من» الأولى لتأكيد النفي والثانية للتبعيض أي ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } لمشركي مكة { أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله } أي تصدقوا على الفقراء { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ } عن ابن عباس Bهما : كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا : لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن : { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ } قول الله لهم أو حكاية قول المؤمنين لهم أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين .\r{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } أي وعد البعث والقيامة { إِن كُنتُمْ صادقين } فيما تقولون خطاب للنبي وأصحابه { مَا يَنظُرُونَ } ينتظرون { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } هي النفخة الأولى { تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا غلبه في الخصومة ، وشدد الباقون الصاد أي { يَخِصّمُونَ } بإدغام التاء في الصاد ، لكنه مع فتح الخاء : مكي بنقل حركة التاء المدغمة إليها ، وبسكون الخاء : مدني ، وبكسر الياء والخاء : يحيى فأتبع الياء الخاء في الكسر ، وبفتح الياء وكسر الخاء : غيرهم .","part":3,"page":181},{"id":1182,"text":"والمعنى تأخذهم وبعضهم يخصم بعضاً في معاملاتهم .\r{ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } فلا يستطيعون أن يوصوا في شيء من أمورهم توصية { وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم بل يموتون حيث يسمعون الصيحة { وَنُفِخَ فىلصور } هي النفخة الثانية والصور القرن أو جمع صورة { فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث } أي القبور { إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يعدون بكسر السين وضمها { قَالُواْ } أي الكفار { ياويلنا مَن بَعَثَنَا } من أنشرنا { مِن مَّرْقَدِنَا } أي مضجعنا ، وقف لازم عن حفص وعن مجاهد للكفار مضجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } كلام الملائكة أو المتقين أو الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضاً ، أو «ما» مصدرية ومعناه هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسلمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق ، أو موصولة وتقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون أي والذي صدق فيه المرسلون { إِن كَانَتْ } النفخة الأخيرة { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } للحساب . ثم ذكر ما يقال لهم في ذلك اليوم { فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ } بضمتين : كوفي وشامي ، وبضمة وسكون : مكي ونافع وأبو عمرو . والمعنى في شغل في أي شغل وفي شغل لا يوصف ، وهو افتضاض الأبكار على شط الأنهار تحت الأشجار أو ضرب الأوتار أو ضيافة الجبار { فاكهون } خبر ثان { فَكِهُونَ } يزيد ، والفاكه والفكه : المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها مما يتلذذ به وكذا الفكاهة { هُمْ } مبتدأ { وأزواجهم } عطف عليه { فِى ظلال } حال جمع ظل وهو الموضع الذي لا تقع عليه الشمس كذئب وذئاب ، أو جمع ظلة كبرمة وبرام دليله قراءة حمزة وعليّ ، { ظُلَلٌ } جمع ظلة وهي ما سترك عن الشمس { على الأرآئك } جمع الأريكة وهي السرير في الحجلة أو الفراش فيها { مُتَّكِئُونَ } خبر أو { فِى ظلال } خبر و { على الأرائك } مستأنف { لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } يفتعلون من الدعاء أي كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم أو يتمنون من قولهم «ادع علي ما شئت» أي تمنه عليَّ ، عن الفراء هو من الدعوى ولا يدعون ما لا يستحقون .","part":3,"page":182},{"id":1183,"text":"{ سلام } بدل من { مَّا يَدَّعُونَ } كأنه قال لهم سلام يقال لهم { قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيماً لهم وذلك متمناهم ولهم ذلك لا يمنعونه . قال ابن عباس : والملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين . { وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون } وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة . وعن الضحاك : لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى أبداً ويقول لهم يوم القيامة { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابنى ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } العهد الوصية وعهد إليه إذا وصاه وعهد الله إليهم ما ركزه فيهم من أدلة العقل وأنزل عليهم من دلائل السمع ، وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم { وَأَنِ اعبدونى } وحدوني وأطيعوني { هذا } إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن { صراط مُّسْتَقِيمٌ } أي صراط بليغ في استقامته ولا صراط أقوم منه { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ } بكسر الجيم والباء والتشديد : مدني وعاصم وسهل { جبلاً } بضم الجيم والباء والتشديد : يعقوب { جُبْلاًّ } مخففاً : شامي وأبو عمرو . و { جُبُلاًّ } بضم الجيم والباء وتخفيف اللام : غيرهم ، وهذه لغات في معنى الخلق { كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل { هذه جَهَنَّمُ التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } بها { اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } ادخلوها بكفركم وإنكاركم لها .\r{ اليوم نَخْتِمُ على أفواههم } أي نمنعهم من الكلام { وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كانوا مشركين ، فحيئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم ، وفي الحديث « يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه : أنطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل » { وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ } لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم . والطمس تعفيه شق العين حتى تعود ممسوحة { فاستبقوا الصراط } على حذف الجار وإيصال الفعل والأصل فاستبقوا إلى الصراط { فأنى يُبْصِرُونَ } فكيف يبصرون حينئذ وقد طمسنا أعينهم { وَلَوْ نَشَآءُ لمسخناهم } قردة أو خنازير أو حجارة { على مكانتهم } { على مكاناتهم } أبو بكر وحماد . والمكانة والمكان واحد كالمقامة والمقام أي لمسخناهم في منازلهم حيث يجترحون المآثم { فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء أو مضياً أمامهم ولا يرجعون خلفهم .\r{ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ } عاصم وحمزة ، والتنكيس : جعل الشيء أعلاه أسفله ، الباقون { نَنْكُسه } { فِى الخلق } أي نقلبه فيه بمعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة ضعفاً وبدل الشباب هرماً ، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده وخلو من عقل وعلم ثم جعلناه يتزايد إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه ، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقض حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله قال D :","part":3,"page":183},{"id":1184,"text":"{ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } [ الحج : 5 ] { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } أن من قدر على أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم ومن القوة إلى الضعف ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز ، قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويبعثهم بعد الموت . وبالتاء : مدني ويعقوب وسهل .\rوكانوا يقولون لرسول الله A شاعر فنزل { وَمَا علمناه الشعر } أي وما علمنا النبي عليه السلام قول الشعراء أو وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر فهو كلام موزون مقفى يدل على معنى ، فأين الوزن وأين التقفية؟ . فلا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققته { وَمَا يَنبَغِى لَهُ } وما يصح له ولا يليق بحاله ولا يتطلب لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض وأما قوله :\rأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\rوقوله :\rهل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت\rفما هو إلا من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلف إلا أنه اتفق من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه أن جاء موزوناً كما يتفق في خطب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة ، ولا يسميها أحد شعراً لأن صاحبه لم يقصد الوزن ولا بد منه ، على أنه عليه السلام قال «لقيت» بالسكون ، وفتح الباء في «كذب» وخفض الباء في «المطلب» ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال { إِنْ هُوَ } أي المعلم { إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِيْنٌ } أي ما هو إلا ذكر من الله يوعظ به الإنس والجن ، وما هو إلا قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين ، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين { لِّيُنذِرَ } القرآن أو الرسول { لّتُنذِرَ } مدني وشامي وسهل ويعقوب { مَن كَانَ حَيّاً } عاقلاً متأملاً لأن الغافل كالميت أو حياً بالقلب ، { وَيَحِقَّ القول } وتجب كلمة العذاب { عَلَى الكافرين } الذين لا يتأملون وهم في حكم الأموات .","part":3,"page":184},{"id":1185,"text":"{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما } أي مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا { فَهُمْ لَهَا مالكون } أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم فهم متصرفون فيها تصرف الملاك مختصون بالانتفاع بها أو فهم لها ضابطون قاهرون { وذللناها لَهُمْ } وصيرناها منقادة لهم وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله تعالى وتسخيره لها ، ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله { سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } [ الزخرف : 13 ] { فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } وهو ما يركب { وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } أي سخرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها { وَلَهُمْ فِيهَا منافع } من الجلود والأوبار وغير ذلك { ومشارب } من اللبن وهو جمع مشرب وهو موضع الشرب أو الشراب { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } الله على إنعام الأنعام { واتخذوا مِن دُونِ الله ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } أي لعل أصنامهم تنصرهم إذا حزبهم أمر { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } أي آلهتهم { نَصَرَهُمْ } نصر عابديهم { وَهُمْ لَهُمْ } أي الكفار للأصنام { جُندٌ } أعوان وشيعة { مُحْضَرُونَ } يخدمونهم ويذبون عنهم ، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم والأمر على خلاف ما توهموا حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقود النار { فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } وبضم الياء وكسر الزاي : نافع من حزنه وأحزنه يعني فلا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم .\r{ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } من عداوتهم { وَمَا يُعْلِنُونَ } وإنا مجازوهم عليه فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن . ومن زعم أن من قرأ { إِنا نعلم } بالفتح فسدت صلاته وإن اعتقد معناه كفر فقد أخطأ ، لأنه يمكن حمله على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر وفي كل كلام ، وعليه تلبية رسول الله A \" أن الحمد والنعمة لك \" كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي رحمة الله عليهما ، وكلاهما تعليل . فإن قلت : إن كان المفتوح بدلاً من { قَوْلُهُمْ } كأنه قيل : فلا يحزنك أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ففساده ظاهر . قلت : هذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول ، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالماً وعدم تعلقه لا يدوران على كسر «إن» وفتحها ، وإنما يدوران على تقديرك فتفصل إن فتحت ب «أن» تقدر معنى التعليل ولا تقدر معنى البدل كما أنك تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى المفعولية . ثم إن قدرته كاسراً أو فاتحاً على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل فما فيه إلا نهي رسول الله A عن الحزن على علمه تعالى بسرهم وعلانيتهم ، والنهي عن حزنه ليس إثباتاً لحزنه بذلك كما في قوله :","part":3,"page":185},{"id":1186,"text":"{ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين } [ القصص : 86 ] { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ } [ القصص : 88 ] . ونزل في أبي بن خلف حين أخذ عظماً بالياً وجعل يفته بيده ويقول : يا محمد أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال رسول الله A : \" «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم» \" { أَوَ لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ } مذرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } بين الخصومة أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه ، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به وهو كونه منشأ من موات وهو ينكر إنشاءه من موات وهو غاية المكابرة { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً } بفته العظم { وَنَسِىَ خَلْقَهُ } من المني فهو أغرب من إحياء العظم ، المصدر مضاف إلى المفعول أي خلقنا إياه { قَالَ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } هو اسم لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات ولهذا لم يؤنث ، وقد وقع خبراً لمؤنث ومن يثبت الحياة في العظام ويقول إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها يتشبث بهذه الآية وهي عندنا طاهرة ، وكذا الشعر والعصب لأن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت . والمراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا } خلقها { أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي ابتداء { وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ } مخلوق { عَلِيمٌ } لا تخفى عليه أجزاؤه وإن تفرقت في البر والبحر فيجمعه ويعيده كما كان { الذى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } تقدحون . ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار ، وفي أمثالهم «في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار» لأن المرخ شجر سريع الوري ، والعفار شجر تقدح منه النار ، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله . وعن ابن عباس Bهما : ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب ، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر ، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالعقيب أسهل في العقل من الجمع معاً بلا ترتيب .","part":3,"page":186},{"id":1187,"text":"والأخضر على اللفظ وقريء الخضراء على المعنى .\rثم بين أن من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسيّ أقدر بقوله { أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السماوات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } في الصغر بالإضافة إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به { بلى } أي قل بلى هو قادر على ذلك { وَهُوَ الخلاق } الكثير المخلوقات { العليم } الكثير المعلومات { إِنَّمَا أَمْرُهُ } شأنه { إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن } أن يكونه { فَيَكُونُ } فيحدث أي فهو كائن موجود لا محالة . فالحاصل أن المكونات بتخليقه وتكوينه ولكن عبر عن إيجاده بقوله { كُن } من غير أن كان منه كاف ونون وإنما هو بيان لسرعة الإيجاد كأنه يقول : كما لا يثقل قول «كن» عليكم فكذا لا يثقل على الله ابتداء الخلق وإعادتهم ، { فيكون } شامي وعلي عطف على { يقول } ، وأما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر لأن تقديرها «فهو يكون» معطوفة على مثلها وهي «أمره أن يقول له كن» { فسبحان } تنزيه مما وصفه به المشركون وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا { الذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ } أي ملك كل شيء . وزيادة الواو والتاء للمبالغة يعني هو مالك كل شيء { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تعادون بعد الموت بلا فوت ، { تَرجعون } : يعقوب . قال E \" إن لكل شيء قلباً وإن قلب القرآن يس \" \" من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة \" وقال عليه السلام \" من قرأ يس أمام حاجته قضيت له \" وقال عليه السلام \" من قرأها إن كان جائعاً أشبعه الله ، وإن كان ظمآن أرواه الله ، وإن كان عرياناً ألبسه الله ، وإن كان خائفاً أمنه الله ، وإن كان مستوحشاً آنسه الله ، وإن كان فقيراً أغناه الله ، وإن كان في السجن أخرجه الله ، وإن كان أسيراً خلصه الله ، وإن كان ضالاً هداه الله ، وإن كان مديوناً قضى الله دينه من خزائنه \" وتدعى الدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة والله أعلم .","part":3,"page":187},{"id":1188,"text":"{ والصافات صَفَّا فالزجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً } أقسم سبحانه وتعالى بطوائف الملائكة ، أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة . فالزاجرات الحساب سوقاً أو عن المعاصي بالإلهام ، فالتاليات لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها وهو قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد؛ أو بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات ، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح ، فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه . أو بنفوس الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد وتتلو الذكر مع ذلك . و { صَفَّا } مصدر مؤكد وكذلك { زَجْراً } والفاء تدل على ترتيب الصفات في التفاضل فتفيد الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو على العكس . وجواب القسم { إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ } قيل : هو جواب قولهم { أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا } [ ص : 5 ] { رَبُّ السماوات والأرض } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو رب { وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المشارق } أي مطالع الشمس وهي ثلثمائة وستون مشرقاً ، وكذلك المغارب تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب منها ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين . وأما { رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين } [ الرحمن : 17 ] فإنه أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما ، وأما { رَّبُّ المشرق والمغرب } [ المزمل : 9 ] فإنه أراد به الجهة فالمشرق جهه والمغرب جهة .\r{ إِنَّا زَيَّنَّا السمآءض الدنيا } القربى منكم تأنيث الأدنى { بِزِينَةٍ الكواكب } حفص وحمزة على البدل من { زينة } والمعنى إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب ، { بِزِينَةٍ الكواكب } أبو بكر على البدل من محل { بزينة } أو على إضمار أعني أو على إعمال المصدر منوناً في المفعول ، { بِزِينَة الكواكب } غيرهم بإضافة المصدر إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وأصله بزينةٍ الكواكبُ أو على إضافته إلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها ، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها وأصله { بِزِينَةٍ الكواكب } لقراءة أبي بكر { وَحِفْظاً } محمول على المعنى لأن المعنى إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين كما قال { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين } [ الملك : 5 ] أو الفعل المعلل مقدر كأنه قيل : وحفظاً من كل شيطان قد زيناها بالكواكب ، أو معناه حفظناها حفظاً { مِّن كُلِّ شيطان مَّارِدٍ } خارج من الطاعة . والضمير في { لاَ يَسَّمَّعُونَ } لكل شيطان لأنه في معنى الشياطين ، { يَسَّمَّعون } كوفي غير أبي بكر ، وأصله «يتسمعون» والتسمع تطلب السماع يقال : تسمع فسمع أو فلم يسمع . وينبغي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ اقتصاصاً لما عليه حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة أو يتسمعوا . وقيل : أصله لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في «جئتك أن تكرمني» فبقي أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها كما في قوله :","part":3,"page":188},{"id":1189,"text":"... ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى\rوفيه تعسف يجب صون القرآن عن مثله ، فإن كل واحد من الحذفين غير مردود على انفراده ولكن اجتماعهما منكر . والفرق بين «سمعت فلاناً» يتحدث و «سمعت إليه يتحدث» و «سمعت حديثه» و «إلى حديثه» ، أن المعدى بنفسه يفيد الإدراك ، والمعدى ب «إلى» يفيد الإصغاء مع الإدراك { إلى الملإ الأعلى } أي الملائكة لأنهم يسكنون السماوات ، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { وَيُقْذَفُونَ } يرمون بالشهب { مِن كُلِّ جَانِبٍ } من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للإستراق { دُحُوراً } مفعول له أي ويقذفون للدحور وهو الطرد ، أو مدحورين على الحال ، أو لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى فكأنه قيل Y يدحرون أو قذفاً { وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } دائم من الوصوب أي أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب وقد أعد لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع . و «من» في { إِلاَّ مَنْ } في محل الرفع بدل من الواو في { لا يسمعون } أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي { خَطِفَ الخطفة } أي سلب السلبة يعني أخذ شيئاً من كلامهم بسرعة { فَأَتْبَعَهُ } لحقه { شِهَابٌ } أي نجم رجم { ثَاقِبٌ } مضيء . { فاستفتهم } فاستخبر كفار مكة { أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } أي أقوى خلقاً من قولهم شديد الخلق وفي خلقه شدة ، أو أصعب خلقاً وأشقه على معنى الرد لإنكارهم البعث ، وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون { أَم مَّنْ خَلَقْنَا } يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما . وجيء ب «من» تغليباً للعقلاء على غيرهم ويدل عليه قراءة من قرأ «أم من» عددنا بالتشديد والتخفيف .\r{ إِنَّا خلقناهم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ } لاصق أو لازم وقرىء به ، وهذا شهادة عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة ، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا أئذا كنا تراباً؟ وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث { بَلْ عَجِبْتَ } من تكذيبهم إياك { وَيَسْخُرُونَ } هم منك ومن تعجبك ، أو عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث ، { بَلْ عَجِبْتَ } حمزة وعلي أي استعظمت ، والعجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء فجرد لمعنى الاستعظام في حقه تعالى لأنه لا يجوز عليه الروعة ، أو معناه قل يا محمد بل عجبتُ { وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به .\r{ وَإِذَا رَأَوْاْ ءَايَةً } معجزة كانشقاق القمر ونحوه { يَسْتَسْخِرُونَ } يستدعي بعضهم بعضاً أن يسخر منها أو يبالغون في السخرية .","part":3,"page":189},{"id":1190,"text":"{ وَقَالُواْ إِن هذا } ما هذا { إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر { أَءِذَا } استفهام إنكار { مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } أي أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً { أوَ آبَاؤُنَا } معطوف على محل «ان» واسمها ، أو على الضمير في { مَّبْعُوثُونَ } والمعنى أيبعث أيضاً آباؤنا على زيادة الاستبعاد يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل . { أَو آباؤنا } بسكون الواو : مدني و شامي أي أيبعث واحد منا على المبالغة في الإنكار { الأولون } الأقدمون { قُلْ نَعَمْ } تبعثون { نِعْم } علي وهما لغتان { وَأَنتُمْ داخرون } صاغرون { فَإِنَّمَا هِىَ } جواب شرط مقدر تقديره إذا كان كذلك فما هي إلا { زَجْرَةٌ واحدة } و «هي» لا ترجع إلى شيء إنما هي مبهمة موضحها خبرها ، ويجوز فإنما البعثة زجرة واحدة وهي النفخة الثانية . والزجرة الصيحة من قولك زجر الراعي الإبل أو الغنم إذا صاح عليها { فإذاهم } أحياء بصراء { هُمْ يَنَظُرُونَ } إلى سوء أعمالهم أو ينتظرون ما يحل بهم { وَقَالُواْ ياويلنا } الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة { هذا يَوْمُ الدين } أي اليوم الذي ندان فيه أي نجازي بأعمالنا { هذا يَوْمُ الفصل } يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلال { الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } ثم يحتمل أن يكون { هذا يَوْمُ الدين } إلى قوله { احشروا } من كلام الكفرة بعضهم مع بعض ، وأن يكون من كلام الملائكة لهم ، وأن يكون { ياويلنا هذا يَوْمُ الدين } من كلام الكفرة و { هذا يَوْمُ الفصل } من كلام الملائكة جواباً لهم .\r{ احشروا } خطاب الله للملائكة { الذين ظَلَمُواْ } كفروا { وأزواجهم } أي وأشباههم وقرناءهم من الشياطين أو نساءهم الكافرات ، والواو بمعنى «مع» وقيل : للعطف . وقرىء بالرفع عطفاً على الضمير في { ظَلَمُواْ } { وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } أي الأصنام { فاهدوهم } دلوهم ، عن الأصمعي : هديته في الدين هدىً وفي الطريق هداية { إلى صراط الجحيم } طريق النار { وَقِفُوهُمْ } احبسوهم { إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } عن أقوالهم وأفعالهم { مَا لَكُمْ لاَ تناصرون } أي لا ينصر بعضكم بعضاً ، وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعدما كانوا متناصرين في الدنيا . وقيل : هو جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر نحن جميع منتصر ، وهو في موضع النصب على الحال أي ما لكم غير متناصرين { بَلْ هُمْ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ } منقادون أو قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله عن عجر وكلهم مستسلم غير منتصر . { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } أي التابع على المتبوع { يَتَسَآءَلُونَ } يتخاصمون { قَالُواْ } أي الأتباع للمتبوعين { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين } عن القوة والقهر إذ اليمين موصوفة بالقوة وبها يقع البطش أي أنكم كنتم تحمولننا على الضلال وتقسروننا عليه .","part":3,"page":190},{"id":1191,"text":"{ قالوآ } أي الرؤساء { بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } أي بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر غير ملجئين { وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سلطان } تسلط نسلبكم به تمكنكم واختياركم { بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طاغين } بل كنتم قوماً مختارين الطغيان { فَحَقَّ عَلَيْنَا } فلزمنا جميعاً { قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ } يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا ، ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم لذائقون ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ونحوه قوله\r: فقد زعمت هوازن قل ما لي ... ولو حكى قولها لقال «قل مالك» { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إِنَّا كُنَّا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا { فَإِنَّهُمْ } فإن الأتباع والمتبوعين جميعاً { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ } كما كانوا مشتركين في الغواية { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين } أي بالمشركين إنا مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم { إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ } إنهم كانوا إذا سمعوا بكلمة التوحيد استكبروا وأبو إلا الشرك { وَيَقُولُونَ ائِنَّا } بهمزتين : شامي وكوفي { ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ } يعنون محمداً عليه السلام { بَلْ جَاء بالحق } رد على المشركين { وَصَدَّقَ المرسلين } كقوله : { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } [ البقرة : 97 ] .\r{ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا العذاب الأليم وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بلا زيادة { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } بفتح اللام : كوفي ومدني ، وكذا ما بعده أي لكن عباد الله على الاستثناء المنقطع { أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ فواكه } فسر الرزق المعلوم بالفواكه وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة يعني أن رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسادهم محكمة مخلوقة للأبد فما يأكلونه للتلذذ ، ويجوز أن يراد رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر . وقيل : معلوم الوقت كقوله : { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [ مريم : 62 ] والنفس إليه أسكن { وَهُم مُّكْرَمُونَ } منعمون { فِي جنات النعيم } يجوز أن يكون ظرفاً وأن يكون حالاً وأن يكون خبراً بعد خبر ، وكذا { على سُرُرٍ متقابلين } التقابل أتم للسرور وآنس { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ } بغير همز : أبو عمرو وحمزة في الوقف ، وغيرهما بالهمزة . يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأساً . وعن الأخفش : كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وكذا في تفسير ابن عباس Bهما { مِّن مَّعِينٍ } من شراب معين أو من نهر معين وهو الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون ، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء قال الله تعالى : { وأنهار مّنْ خَمْرٍ } [ محمد : 15 ] { بَيْضَآءَ } صفة للكأس { لَذَّةٍ } وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها أو ذات لذة { لِلشَّارِبِينَ } .","part":3,"page":191},{"id":1192,"text":"{ لاَ فِيهَا غَوْلٌ } أي لا تغتال عقولهم كخمور الدنيا وهو من غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وأفسده { وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } يسكرون من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ، { يُنزِفُونَ } علي وحمزة أي لا يسكرون أو لا ينزِف شرابهم من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه { وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف } قصرن أبصارهن على أزواجهن لا يمددن طرفاً إلى غيرهم { عِينٌ } جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } مصون شبههن ببيض النعام المكنون في الصفاء وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور . وعطف { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ } يعني أهل الجنة . { على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } عطف على { يُطَافُ عَلَيْهِمْ } والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة الشّرب قال :\rوما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام\rفيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا إلا أنه جيء به ماضياً على ما عرف في أخباره . { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنَّكَ } بهمزتين : شامي وكوفي { لَمِنَ المصدقين } بيوم الدين { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَدِينُونَ } لمجزيون من الدين وهو الجزاء { قَالَ } ذلك القائل { هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } إلى النار لأريكم ذلك القرين قيل : إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار . أو قال الله تعالى لأهل الجنة : هل أنتم مطلعون إلى النار فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار { فَأَطَّلَعَ } المسلم { فَرَءَاهُ } أي قرينة { فِى سَوَآءِ الجحيم } في وسطها { قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } «إن» مخففة من الثقيلة وهي تدخل على «كاد» كما تدخل على «كان» ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية والإرداء الإهلاك . وبالياء في الحالين : يعقوب { وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى } وهي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام { لَكُنتُ مِنَ المحضرين } من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } الفاء للعطف على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين ، والمعنى أن هذه حال المؤمنين وهو أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى بخلاف الكفار فإنهم فيما يتمنون فيه الموت كل ساعة . وقيل لحكيم : ما شر من الموت؟ قال : الذي يتمنى فيه الموت . وهذا قول يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله يسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وزيادة تعذيب . و { موتتنا } نصب على المصدر والاستثناء متصل تقديره ولا نموت إلا مرة ، أو منقطع وتقديره لكن الموتة الأولى قد كانت في الدنيا . ثم قال لقرينه تقريعاً له { إِنَّ هذا } أي الأمر الذي نحن فيه { لَهُوَ الفوز العظيم } .","part":3,"page":192},{"id":1193,"text":"ثم قال الله D { لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون } وقيل : هو أيضاً من كلامه .\r{ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً } تمييز { أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } أي نعيم الجنة وما فيها من اللذات والطعام والشراب خير نزلاً أم شجرة الزقوم خير نزلاً؟ والنزل ما يقام للنازل بالمكان من الرزق ، والزقوم : شجرة مر يكون بتهامة { إِنَّا جعلناها فِتْنَةً للظالمين } محنة وعذاباً لهم في الآخرة أو ابتلاء لهم في الدنيا ، وذلك أنهم قالوا : كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر فكذبوا { إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الجحيم } قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوُسُ الشياطين } الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها ، وشبه برءوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر ، لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض . وقيل : الشيطان حية عرفاء قبيحة المنظر هائلة جداً .\r{ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا } من الشجرة أي من طلعها { فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون } فمالئون بطونهم لما يغلبهم من الجوع الشديد { ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا } على أكلها { لَشَوْباً } لخلطاً ولمزاجاً { مِّنْ حَمِيمٍ } ماء حار يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم كما قال في صفة شراب أهل الجنة { وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } [ المطففين : 27 ] والمعنى ثم إنهم يملئون البطون من شجرة الزقوم وهو حار يحرق بطونهم ويعطشهم فلا يسقون إلا بعد مليء تعذيباً لهم بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر وهو الشراب المشوب بالحميم . { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم } أي أنهم يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يمتلئوا ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم ، ومعنى التراخي في ذلك ظاهر { إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ على ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد الآباء في الدين واتباعهم إياهم في الضلال وترك اتباع الدليل . والإهراع : الإسراع الشديد كأنهم يحثون حثاً { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ } قبل قومك قريش { أَكْثَرُ الأولين } يعني الأمم الخالية بالتقليد وترك النظر والتأمل { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } أنبياء حذروهم العواقب { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } أي الذين أنذروا وحذروا أي أهلكوا جميعاً { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } أي إلا الذين آمنوا منهم وأخلصوا لله دينهم أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين .\rولما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين أتبع ذلك ذكر نوح ودعاءه إياه حين أيس من قومه بقوله { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } دعانا لننجيه من الغرق . وقيل : أريد به قوله { أَنّى مَغْلُوبٌ فانتصر } [ القمر : 10 ] { فَلَنِعْمَ المجيبون } اللام الداخلة على «نعم» جواب قسم محذوف ، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ولقد نادانا نوح فوالله لنعم المجيبون نحن ، والجمع دليل العظمة والكبرياء .","part":3,"page":193},{"id":1194,"text":"والمعنى إنا أجبناه أحسن الإجابة ونصرناه على أعدائه وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون { ونجيناه وَأَهْلَهُ } ومن آمن به وأولاده { مِنَ الكرب العظيم } وهو الغرق { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين } وقد فنى غيرهم . قال قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد : سام وهو أبو العرب وفارس والروم ، وحام وهو أبو السودان من المشرق إلى المغرب ، ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج . { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين } من الأمم هذه الكلمة وهي { سلام على نُوحٍ } يعني يسلمون عليه تسليماً ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك «قرأت سورة أنزلناها» { فِى العالمين } أي ثبت هذه التحية فيهم جميعاً ولا يخلو أحد منهم منها كأنه قيل : ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } علل مجازاته بتلك التكرمة السنية بأنه كان محسناً { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } ثم علل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً ليريك جلالة محل الإيمان وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم { ثُمَّ أَغْرَقْنَا الأخرين } أي الكافرين .","part":3,"page":194},{"id":1195,"text":"{ وَإِنَّ من شِيَعتِهِ لإبْراهِيمَ } أي من شيعة نوح أي ممن شايعه على أصول الدين أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين ، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة وما كان بينهما إلا نبيان هود وصالح .\r{ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ } «إذ» تعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه { بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } من الشرك أو من آفات القلوب لإبراهيم ، أو بمحذوف وهو «اذكر» . ومعنى المجيء بقلبه ربه أنه أخلص لله قلبه وعلم الله ذلك منه فضرب المجيء مثلاً لذلك { إِذْ } بدل من الأولى { قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكاً ءالِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ } { أئفكاً } مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دون الله إفكاً؟ وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية ، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم . ويجوز أن يكون { إِفْكاً } مفعولاً به أي أتريدون إفكاً؟ ثم فسر الإفك بقوله { آلِهَةً دُونَ الله } على أنها إفك في نفسها ، أو حالاً أي أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟ { فَمَا ظَنُّكُم } أيّ شيء ظنكم { بِرَبِّ العالمين } وأنتم تعبدون غيره؟ و «ما» رفع بالابتداء والخبر { ظنكم } أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره وعلمتم أنه المنعم على الحقيقة فكان حقيقاً بالعبادة؟ { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النجوم } أي نظر في النجوم رامياً ببصره إلى السماء متفكراً في نفسه كيف يحتال ، أو أراهم أنه ينظر في النجوم لاعتقادهم علم النجوم فأوهمهم أنه استدل بأمارة على أنه يسقم { فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ } أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الإسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ، ففعل بالأصنام ما فعل . وقالوا : علم النجوم كان حقاً ثم نسخ الاشتغال بمعرفته . والكذب حرام إلا إذا عرّض ، والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام أي سأسقم ، أو من الموت في عنقه سقيم ومنه المثل «كفى بالسلامة داء» . ومات رجل فجأة فقالوا : مات وهو صحيح . فقال أعرابي : أصحيح مَن الموت في عنقه ، أو أراد إني سقيم النفس لكفركم كما يقال أنا مريض القلب من كذا { فَتَوَلَّوْاْ } فأعرضوا { عَنْهُ مُدْبِرِينَ } أي مولين الأدبار .\r{ فَرَاغَ إلى ءَالِهَتِهِمْ } فمال إليهم سراً { فَقَالَ } استهزاء { أَلآ تَأْكُلُونَ } وكان عندها طعام { مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } والجمع بالواو والنون لما أنه خاطبها خطاب من يعقل { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً } فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم أو فراغ عليهم يضربهم ضرباً أي ضارباً { باليمين } أي ضرباً شديداً بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما أو بالقوة والمتانة ، أو بسبب الحلف الذي سبق منه وهو قوله","part":3,"page":195},{"id":1196,"text":"{ تالله لأَكِيدَنَّ أصنامكم } [ الأنبياء : 57 ] { فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ } إلى إبراهيم { يَزِفُّونَ } يسرعون من الزفيف وهو الإسراع . { يُزِفون } حمزة من أزفّ إذا دخل في الزفيف إزفافاً فكأنه قد رآه بعضهم يكسرها وبعضهم لم يره فأقبل من رآه مسرعاً نحوه ثم جاء من لم يره يكسرها فكأنه قد رآه { مَن فَعَلَ هذا بِئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين } ، فأجابوه على سبيل التعريض بقولهم { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبراهيم } [ الأنبياء : 60 ] ثم قالوا بأجمعهم نحن نعبدها وأنت تكسرها فأجابهم بقوله { قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } بأيديكم { والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وخلق ما تعملونه من الأصنام أو «ما» مصدرية أي وخلق أعمالكم وهو دليلنا في خلق الأفعال أي الله خالقكم وخالق أعمالكم فلم تعبدون غيره؟ { قَالُواْ ابنوا لَهُ } أي لأجله { بنيانا } من الحجر طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً { فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم } في النار الشديدة . وقيل : كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم { فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } بإلقائه في النار { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند الإلقاء فخرج من النار { وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إلى رَبِّى } إلى موضع أمرني بالذهاب إليه { سَيَهْدِينِ } سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفقني . { سيهديني } فيهما : يعقوب .\r{ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين } بعض الصالحين يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب في الولد { فبشرناه بغلام حَلِيمٍ } انطوت البشارة على ثلاث : على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم ، وأنه يكون حليماً وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال : { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين } ثم استسلم لذلك . { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى } بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه . و { مَعَهُ } لا يتعلق ب { بَلَغَ } لاقتضائه بلوغهما معاً حد السعي ، ولا ب { السعى } لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه ، فبقي أن يكون بياناً كأنه لما قال : { فَلَمَّا بَلَغَ السعى } أي الحد الذي يقدر فيه على السعي قيل : مع من؟ قال : مع أبيه وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة { قَالَ يابنى } حفص والباقون بكسر الياء { إِنّى أرى فِى المنام أَنِّى أَذْبَحُكَ } وبفتح الياء فيهما : حجازي وأبو عمرو . قيل له في المنام : اذبح ابنك ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة . وإنما لم يقل رأيت لأنه رأى مرة بعد مرة فقد قيل : رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له : إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا .","part":3,"page":196},{"id":1197,"text":"فلما أصبح روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثَمَّ سمي يوم الترويه . فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فمن ثَمَّ سُمي يوم عرفة . ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر { فانظر مَاذَا ترى } من الرأي على وجه المشاورة لا من رؤية العين ، ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته ولكن ليعلم أيجزع أم يصبر . { تُرِى } علي وحمزة أي ماذا تصبر من رأيك وتبديه { قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ } أي ما تؤمر به وقرىء به { سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين } على الذبح . رُوي أن الذبيح قال لأبيه : يا أبت خذ بناصيتي واجلس بين كتفي حتى لا أوذيك إذا أصابتني الشفرة ، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي عسى أن ترحمني ، واجعل وجهي إلى الأرض . ويُروى اذبحني وأنا ساجد واقرأ على أمي السلام ، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها .","part":3,"page":197},{"id":1198,"text":"{ فَلَمَّا أَسْلَمَا } انقادا لأمر الله وخضعا . وعن قتادة : أسلم هذا ابنه وهذا نفسه { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } صرعه على جبينه ووضع السكين على حلقه فلم يعمل ، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا . رُوي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى . وجواب «لما» محذوف تقديره فلما أسلما وتله للجبين { وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } أي حققت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله ، أو الجواب قبلنا منه و { ناديناه } معطوف عليه { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } تعليل لتخويل ما خولهما من الفرج بعد الشدة { إِنَّ هذا لَهُوَ البلاؤا المبين } الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة .\r{ وفديناه بِذِبْحٍ } هو ما يذبح . وعن ابن عباس : هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدي به إسماعيل . وعنه : لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة وذبح الناس أبناءهم { عظِيمٍ } ضخم الجثة سمين وهي السنة في الأضاحي . ورُوي أنه هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي . وروي أنه لما ذبحه قال جبريل : الله أكبر الله أكبر . فقال الذبيح : لا إله إلا الله والله أكبر . فقال إبراهيم : الله أكبر ولله الحمد ، فبقي سنة وقد استشهد أبو حنيفة Bه بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة . والأظهر أن الذبيح إسماعيل وهو قول أبي بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين Bهم لقوله عليه السلام \" أنا ابن الذبيحين \" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله . وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح آخر ولده تقرباً ، وكان عبد الله آخراً ففداه بمائة من الإبل ، ولأن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في زمن الحجاج وابن الزبير . وعن الأصمعي أنه قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال : يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ومتى كان اسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة . وعن علي وابن مسعود والعباس وجماعة من التابعين Bهم أنه إسحق ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف عليهما السلام : من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله . وإنما قيل { وفديناه } وإن كان الفادي إبراهيم عليه السلام والله تعالى هو المفتدى منه لأنه الآمر بالذبح ، لأنه تعالى وهب له الكبش ليفتدي به .","part":3,"page":198},{"id":1199,"text":"وههنا إشكال وهو أنه لا يخلو إما أن يكون ما أتى به إبراهيم عليه السلام من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه في حكم الذبح أم لا ، فإن كان في حكم الذبح فما معنى الفداء والفداء هو التخليص من الذبح ببدل؟ وإن لم يكن فما معنى قوله { قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح أصلاً أو بدلاً ولم يصح؟ والجواب أنه عليه السلام قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح ، ولكن الله تعالى جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم ، ووهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة في نفس إسماعيل بدلاً منه وليس هذا بنسخ منه للحكم كما قال البعض ، بل ذلك الحكم كان ثابتاً إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم على طريق الفداء دون النسخ ، وكان ذلك ابتلاء ليستقر حكم الأمر عند المخاطب في آخر الحال ، على أن المبتغي منه في حق الولد أن يصير قرباناً بنسبة الحكم إليه مكرماً بالفداء الحاصل لمعرة الذبح مبتلى بالصبر والمجاهدة إلى حال المكاشفة ، وإنما النسخ بعد استقرار المراد بالأمر لا قبله وقد سمي فداء في الكتاب لا نسخاً . { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين } ولا وقف عليه لأن { سلام على إبراهيم } مفعول { وَتَرَكْنَا } .\r{ كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } ولم يقل «إنا كذلك» هنا كما في غيره لأنه قد سبق في هذه القصة فاستخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً } حال مقدرة من { إسحاق } ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي وبشرناه بوجود إسحق نبياً أي بأن يوجد مقدرة نبوّته فالعامل في الحال الوجود لا البشارة { مِّنَ الصالحين } حال ثانية وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبي لا بد وأن يكون من الصالحين { وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق } أي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا . وقيل : باركنا على إبراهيم في أولاده ، وعلى إسحق بأن أخرجنا من صلبه ألف نبي ، أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليهم السلام { وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ } مؤمن { وظالم لِّنَفْسِهِ } كافر { مُّبِينٌ } ظاهر أو محسن إلى الناس وظالم على نفسه بتعديه عن حدود الشرع ، وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر ، فقد يلد البر الفاجر والفاجر البر وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر ، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة ، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أصله وفرعه .","part":3,"page":199},{"id":1200,"text":"{ وَلَقَدْ مَنَنَّا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة { ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا } بني إسرائيل { مِنَ الكرب العظيم } من الغرق أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم { ونصرناهم } أي موسى وهرون وقومهما { فَكَانُواْ هُمُ الغالبين } على فرعون وقومه { وءاتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه وهو التوراة { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين .\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الآخرين سلام على موسى وهارون إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين } هو إلياس بن ياسين من ولد هرون أخي موسى . وقيل : هو إدريس النبي عليه السلام . وقرأ ابن مسعود Bه { وَإِنْ إِدْرِيسَ } في موضع «إلياس» .\r{ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } ألا تخافون الله { أَتَدْعُونَ } أتعبدون { بَعْلاً } هو علم لصنم كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء ، وكان موضعه يقال له بك فركب وصار بعلبك وهو من بلاد الشأم . وقيل : في إلياس والخضر إنهما حيان ، وقيل إلياس وكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار ، والحسن يقول : قد هلك إلياس والخضر ولا تقول كما يقول الناس إنهما حيان { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين } وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن المقدرين { الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَآبَائِكُمُ الأولين } بنصب الكل : عراقي غير أبي بكر وأبي عمرو على البدل من { أحسن } ، وغيرهم بالرفع على الابتداء . { فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } في النار { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } من قومه { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين سلام على إِلْ يَاسِينَ } أي إلياس وقومه المؤمنين كقولهم الخبيبون يعني أبا خبيب عبد الله بن الزبير وقومه . { آلْ يَاسِينَ } شامي ونافع لأن ياسين اسم أبي إلياس فأضيف إليه الآل { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين إِذْ نجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين } في الباقين { ثُمَّ دَمَّرْنَا } أهلكنا { الآخرين وَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة { لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصباح { وباليل } والوقف عليه مطلق { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشأم ليلاً ونهاراً فما فيكم عقول تعتبرون بها . وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام كما ختم قصة من قبلهما ، لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة فاكتفي بذلك عن ذكر كل واحد منفرداً بالسلام .","part":3,"page":200},{"id":1201,"text":"{ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين إِذْ أَبَقَ } الإباق : الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب ، فسمى هربه من قومه بغير إذن ربه إباقاً مجازاً { إِلَى الفلك المشحون } المملوء . وكان يونس عليه السلام وعد قومه العذاب ، فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمستور منهم فقصد البحر وركب السفينة فوقفت فقالوا : ههنا عبد آبق من سيده . وفيما يزعم البحارون أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فقال : أنا الآبق ، وزج بنفسه في الماء فذلك قوله { فساهم } فقارعهم مرة أو ثلاثاً بالسهام . والمساهمة : إلقاء السهام على جهة القرعة { فَكَانَ مِنَ المدحضين } المغلوبين بالقرعة { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وَهُوَ مُلِيمٌ } داخل في الملامة .\r{ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين } من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح . أو من القائلين { لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } أو من المصلين قبل ذلك . وعن ابن عباس Bهما : كل تسبيح في القرآن فهو صلاة . ويقال : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر { لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } الظاهر لبثه حياً إلى يوم البعث . وعن قتادة : لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة . وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام أو سبعة أو أربعين يوماً . وعن الشعبي : التقمه ضحوة ولفظه عشية { فنبذناه بالعراء } فألقيناه بالمكان الخالي الذي لا شجر فيه ولا نبات { وَهُوَ سَقِيمٌ } عليل مما ناله من التقام الحوت . ورُوي أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد { وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً } أي أنبتناها فوقه مظلة له كما يطنّب البيت على الإنسان { مِّن يَقْطِينٍ } الجمهور على أنه القرع ، وفائدته أن الذباب لا يجتمع عنده وأنه أسرع الأشجار نباتاً وامتداداً وارتفاعاً . وقيل لرسول الله A إنك لتحب القرع قال : \" أجل هي شجرة أخي يونس \" { وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام فتكون «قد» مضمرة { أَوْ يَزِيدُونَ } في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال : هي مائة ألف أو أكثر . وقال الزجاج : قال غير واحد : معناه بل يزيدون . قال ذلك الفراء وأبو عبيدة ونقل عن ابن عباس كذلك { فَئَامَنُواْ } به وبما أرسل به { فمتعناهم إلى حِينٍ } إلى منتهى آجالهم .\r{ فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون } معطوف على مثله في أول السورة أي على { فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } وإن تباعدت بينهما المسافة . أمر رسول الله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولاً ، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض ، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها حيث جعلوا لله تعالى الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن ووأدهم واستنكافهم من ذكرهن { أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون } حاضرون تخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم وتجهيل لهم لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ولا بإخبار صادق ولا بطريق استدلال ونظر ، أو معناه أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم كأنهم شاهدوا خلقهم { أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لكاذبون } في قولهم .","part":3,"page":201},{"id":1202,"text":"{ أَصْطَفَى البنات على البنين } بفتح الهمزة للاستفهام ، وهو استفهام توبيخ . وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا الحكم الفاسد .\r{ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف : حمزة وعلي وحفص { أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ } حجة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله { فَأْتُواْ بكتابكم } الذي أنزل عليكم { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعواكم { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ } بين الله { وَبَيْنَ الجنة } الملائكة لاستتارهم { نَسَباً } وهو زعمهم أنهم بناته أو قالوا إن الله تزوج من الجن فولدت له الملائكة { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار { سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ } نزه نفسه عن الولد والصاحبة { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } استثناء منقطع من المحضرين معناه ولكن المخلصين ناجون من النار و { سبحان الله } اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه ، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو { يَصِفُونَ } أي يصفه هؤلاء بذلك ولكن المخلصون براء من أن يصفوه به { فَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة { وَمَا تَعْبُدُونَ } ومعبوديكم { مَآ أَنتُمْ } وهم جميعاً { عَلَيْهِ } على الله { بفاتنين } بمضلين { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } بكسر اللام أي لستم تضلون أحداً إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها . يقال : فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه . وقال الحسن : فإنكم أيها القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام ، ما أنتم على عبادة الأوثان بمضلين أحداً إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم أي يدخل النار . وقيل : ما أنتم بمضلين إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة . و «ما» في { مَا أَنتُمْ } نافية و «من» في موضع النصب ب { فاتنين } وقرأ الحسن { هُوَ صالُ الجحيم } بضم اللام ، ووجهه أن يكون جمعاً فحذفت النون للإضافة وحذفت الواو لالتفاء الساكنين هي واللام في الجحيم ومن موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه .\r{ وَمَا مِنَّا } أحد { إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } في العبادة لا يتجاوزه فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون } نصف أقدامنا في الصلاة أو نصف حول العرش داعين للمؤمنين { وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون } المنزهون أو المصلون .","part":3,"page":202},{"id":1203,"text":"والوجه أن يكون هذا وما قبله من قوله { سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ } من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة } كأنه قيل : ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا سبحان الله ، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤوهم منه وقالوا للكفرة : فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه وتضلوه إلا من كان من أهل النار ، وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام معلوم من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفراً خشوعاً لعظمته ، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته مسبحين ممجدين كما يجب على العباد لربهم؟ وقيل : هو من قول رسول الله A يعني وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله من قوله تعالى : { عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } [ الإسراء : 79 ] ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه .\r{ وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } أي مشركو قريش قبل مبعثه عليه السلام { لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأولين } أي كتاباً من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل { لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين } لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا كما كذبوا ولما خالفنا كما خالفوا ، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب { فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام . و«إن» مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه فكم بين أول أمرهم وآخره { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين } الكلمة قوله { إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } وإنما سماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة ، والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة . وعن الحسن : ما غلب نبي في حرب . وعن ابن عباس Bهما : إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى . والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب .\r{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فأعرض عنهم { حتى حِينٍ } إلى مدة يسيرة وهي المدة التي أمهلوا فيها أو إلى يوم بدر أو إلى فتح مكة { وَأَبصِرْهُمْ } أي أبصر ما ينالهم يومئذ { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ذلك وهو للوعيد لا للتبعيد ، أو انظر إليهم إذا عذبوا فسوف يبصرون ما أنكروا ، أو أعلمهم فسوف يعلمون .","part":3,"page":203},{"id":1204,"text":"{ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } قبل حينه { فَإِذَا نَزَلَ } العذاب { بِسَاحَتِهِمْ } بفنائهم { فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين } صباحهم . واللام في { المنذرين } مبهم في جنس من أنذروا ، لأن «ساء» و«بئس» يقتضيان ذلك . وقيل : هو نزول رسول الله A يوم الفتح بمكة . مثّل العذاب النازل بهم بعدما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصّاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة ، وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر { وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } وإنما ثنى ليكون تسلية على تسلية وتأكيداً لوقوع الميعاد إلى تأكيد ، وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معاً عن التقييد بالمفعول وأنه يبصروهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة . وقيل : أريد بأحدهما عذاب الدنيا وبالآخرة عذاب الآخرة .\r{ سبحان رَبِّكَ رَبِّ العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق ، ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله ، { تعز مَن تَشَاء } [ آل عمران : 26 ] { عَمَّا يَصِفُونَ } من الولد والصاحبة والشريك { وسلام على المرسلين } عم الرسل بالسلام بعدما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلاً { والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء . اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه وما عاناه المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم ، فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب . والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتاب الكريم ومودعات قرآنه المجيد . وعن علي Bه : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه { سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ وسلام على المرسلين والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } .","part":3,"page":204},{"id":1205,"text":"{ ص } ذكر هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز ، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه كأنه قال { والقرءآن ذِى الذكر } أي ذي الشرف إنه لكلام معجز ، ويجوز أن يكون { ص } خبر مبتدأ محذوف على أنه اسم للسورة كأنه قال : هذه ص أي هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر كما تقول : هذا حاتم والله ، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله ، وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال : أقسمت ب { ص والقرءان ذِى الذكر } إنه لمعجز . ثم قال { بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ } تكبر عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق { وَشِقَاقٍ } خلاف لله ولرسوله . والتنكير في { عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } للدلالة على شدتهما وتفاقمهما . وقريء { فِى غرة } أي في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق { كَمْ أَهْلَكْنَا } وعيد لذوي العزة والشقاق { مِن قَبْلِهِمُ } من قبل قومك { مِّن قَرْنٍ } من أمة { فَنَادَوْاْ } فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب { وَّلاَتَ } هي «لا» المشبهة ب «ليس» زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على «رب» و«ثم» للتوكيد ، وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا أحد مقتضييها إما الاسم أو الخبر وامتنع بروزهما جميعاً وهذا مذهب الخليل وسيبويه ، وعند الأخفش أنها «لا» النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان . وقوله { حِينَ مَنَاصٍ } منجا منصوب بها كأنك قلت : ولا حين مناص لهم . وعندهما أن النصب على تقدير ولات الحين . حين مناص أي وليس الحين حين مناص .\r{ وَعَجِبُواْ أَن جَآءَهُم } من أن جاءهم { مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ } رسول من أنفسهم ينذرهم يعني استبعدوا أن يكون النبي من البشر { وَقَالَ الكافرون هذا ساحر كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } ولم يقل «وقالوا» إظهاراً للغضب عليهم ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر المنهمكون في الغي إذ لا كفر أبلغ من أن يسموا من صدّقه الله كاذباً ساحراً ويتعجبوا من التوحيد وهو الحق الأبلج .\rولا يتعجبوا من الشرك وهو باطل لجلج . ورُوي أن عمر Bه لما أسلم فرح به المؤمنون وشق على قريش ، فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا : أنت كبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء يريدون الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك . فاستحضر أبو طالب رسول الله A فقال : يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك .","part":3,"page":205},{"id":1206,"text":"فقال عليه السلام : ماذا يسألونني؟ فقالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك فقال عليه السلام : أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ قالوا : نعم وعشراً أي نعطيكها وعشر كلمات معها . فقال : قولوا لا إله إلا الله . فقاموا وقالوا { أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا } أي أصيّر { إِنَّ هذا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } أي بليغ في العجب . وقيل : العجيب ما له مثل والعجاب ما لا مثل له . { وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا } وانطلق أشراف قريش عن مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله A بالجواب العتيد قائلين بعضهم لبعض { أَنِ امشوا } و«أن» بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم فكان انطلاقهم متضمناً معنى القول { وَاْصْبِرُواْ على } عبادة { ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هذا } الأمر { لَشَىْءٌ يُرَادُ } أي يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر ، أو إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك لنا منه { مَّا سَمِعْنَا بهذا } بالتوحيد { فِى الملة الآخرة } في ملة عيسى التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثه غير موحدة ، أو في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا { إِن هَذَا } ما هذا { إِلاَّ اختلاق } كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه { أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر } القرآن { مِّن بَيْنِنَا } أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم وينزل عليه الكتاب من بينهم حسداً { بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى } من القرآن { بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } بل لم يذوقوا عذابي بعد ، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ أي أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب فيصدقون حينئذ { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العزيز الوهاب } يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا ويصرفوها عمن شاءوا ، ويتخيروا للنبوة بعض صناديدهم ، ويترفعوا بها عن محمد ، وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه الوهاب الكثير المواهب المصيب بها مواقعها ، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته . ثم رشح هذا المعنى فقال { أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والارض وَمَا بَيَنَهُمَا } حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء . ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال : فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة { فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب } فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي إلى من يختارون . ثم وعد نبيه عليه السلام النصرة عليهم بقوله .\r{ جُندٌ } مبتدأ { مَّا } صلة مقوية للنكرة المبتدأة { هُنَالِكَ } إشارة إلى بدر ومصارعهم ، أو إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله لست { هُنَالِكَ } خبر المبتدأ { مَهْزُومٌ } مكسور { مِّن الأحزاب } متعلق ب { جُندٌ } أو ب { مَهْزُومٌ } يريد ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله مهزوم عما قريب ، فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون .","part":3,"page":206},{"id":1207,"text":"{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل أهل مكة { قَوْمُ نُوحٍ } نوحاً { وَعَادٌ } هوداً { وَفِرْعَوْن } موسى { ذُو الأوتاد } قيل : كانت له أوتاد وجبال يلعب بها بين يديه . وقيل : يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه { وَثَمُودُ } وهم قوم صالح صالحاً { وَقَوْمُ لُوطٍ } لوطاً { وأصحاب لئَيْكَةِ } الغيضة شعيباً { أُوْلَئِكَ الأحزاب } أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم وأنهم الذين وجد منهم التكذيب { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل } ذكر تكذيبهم أولاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام حيث لم يبين المكذب ، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها وبيّن المكذَّب وهم الرسل ، وذكر أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم . وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولاً وبالاستثنائية ثانياً وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد ، أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب وأبلغه ، ثم قال { فَحَقَّ عِقَابِ } أي فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم . { عذابي } و { عقابي } في الحالين : يعقوب . { عِقَابِ وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآءِ } وما ينتظر أهل مكة ، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } أي النفخة الأولى وهي الفزع الأكبر { مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } وبالضم : حمزة وعلي ، أي ما لها من توقف مقدار فواق وهو ما بين حلبتي الحالب أي إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان . وعن ابن عباس Bهما : ما لها من رجوع وترداد ، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة وفواق الناقة ساعة يرجع الدر إلى ضرعها يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد { وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا } حظنا من الجنة لأنه عليه السلام ذكر وعد الله المؤمنين الجنة فقالوا على سبيل الهزء : عجل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من العذاب الذي وعدته كقوله : { ويستعْجِلُونَكَ بالعذاب } [ الحج : 47 ] . وأصل القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه من قطه إذا قطعه ، ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس { قَبْلَ يَوْمِ الحساب اصبر على مَا يَقُولُونَ } فيك وصن نفسك أن تزلّ فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم .\r{ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ } وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة اليسيرة فلقي من عتاب الله ما لقي { ذَا الأيد } ذا القوة في الدين وما يدل على أن الأيد القوة في الدين قوله { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي رجاع إلى مرضاة الله تعالى ، وهو تعليل لذي الأيد .","part":3,"page":207},{"id":1208,"text":"رُوي أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل { إنّا سخّرنا } ذللنا { الجبال مَعَهُ } قيل : كان تسخيرها أنها تسير معه إذا أراد سيرها إلى حيث يريد { يُسَبِّحْنَ } في معنى مسبحات على الحال . واختار { يُسَبّحْنَ } على «مسبحات» ليدل على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال { بالعشى والإشراق } أي طرفي النهار ، والعشي وقت العصر إلى الليل ، والإشراق وقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء وهو وقت الضحى ، وأما شروقها فطلوعها تقول : شرقت الشمس ولمَّا تُشْرِق . وعن ابن عباس Bهما : ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية { والطير مَحْشُورَةً } وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية . وعن ابن عباس Bهما : كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها { كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } كل واحد من الجبال والطير لأجل داود أي لأجل تسبيحه مسبح لأنها كانت تسبح لتسبيحه . ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب وهو التواب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته من عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه . وقيل : الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجّع للتسبيح { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } قويناه . قيل : كان يبيت حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل يحرسونه .\r{ وءاتيناه الحكمة } الزبور وعلم الشرائع . وقيل : كل كلام وافق الحق فهو حكمة { وَفَصْلَ الخطاب } علم القضاء وقطع الخصام والفصل بين الحق والباطل . والفصل هو التمييز بين الشيئين . وقيل : للكلام البين فصل بمعنى المفصول كضرب الأمير ، وفصل الخطاب البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه ، وجاز أن يكون الفصل بمعنى الفاصل كالصوم والزور . والمراد بفصل الخطاب الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد والحق والباطل ، وهو كلامه في القضايا والحكومات وتدابير الملك والمشورات . وعن علي Bه : هو الحكم بالبينة على المدعي واليمين على المدعي عليه ، وهو من الفصل بين الحق والباطل . وعن الشعبي : هو قوله «أما بعد» وهو أول من قال «أما بعد» ، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده ، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله بقوله «أما بعد» . { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم } ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة . والخصم الخصماء وهو يقع على الواحد والجمع لأنه مصدر في الأصل تقول خصمه خصماً . وانتصاب { إِذْ } بمحذوف تقديره : وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم أو بالخصم ملا فيه من معنى الفعل { تَسَوَّرُواْ المحراب } تصعدوا سوره ونزلوا إليه ، والسور الحائط المرتفع ، والمحراب الغرفة أو المسجد أو صدر المسجد .","part":3,"page":208},{"id":1209,"text":"{ إِذْ } بدل من الأولى { دَخَلُواْ على دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ } رُوي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين ، فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس فتسوروا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه المحراب في غير يوم القضاء ، ولأنهم نزلوا عليه من فوق وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه { قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ } خبر مبتدأ محذوف أي نحن خصمان { بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ } تعدى وظلم { فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ } ولا تجر من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطى الحق { واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط } وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته والمراد عين الحق ومحضه .\rرُوي أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته ، وكان لهم عادة في المواساة بذلك وكان الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك ، فاتفق أن داود عليه السلام وقعت عينه على امرأة أوريا فأحبها فسأله النزول له عنها فاستحى أن يرده ففعل فتزوجها وهي أم سليمان . فقيل له : إنك مع عظم منزلتك وكثرة نسائك لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها لك بل كان الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به . وقيل : خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه . وما يحكى أنه بعث مرة بعد مرة أوريا إلى غزوة البلقاء وأحب أن يقتل ليتزوجها فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء . وقال علي Bه : من حدثكم بحديث داود عليه السلام ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء .\rورُوي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به وقال : إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها وأعظم بأن يقال غير ذلك ، وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها ستراً على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه . فقال عمر : لسماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس . والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله بقصته عليه السلام ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب ، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه وأشد تمكناً من قلبه وأعظم أثراً فيه مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة .","part":3,"page":209},{"id":1210,"text":"{ إِنَّ هَذَا أَخِى } هو بدل من { هذا } أو خبر ل { إن } ، والمراد أخوة الدين أو إخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة لقوله { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء } { لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة } { وَلِيَ } حفص . والنعجة كناية عن المرأة . ولما كان هذا تصويراً للمسئلة وفرضاً لها لا يمتنع أن يفرض الملائكة في أنفسهم كما تقول لي : أربعون شاة ولك أربعون فخلطناها وما لكما من الأربعين أربعة ولا ربعها { فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي . وعن ابن عباس Bهما : اجعلها كفلي أن نصيبي { وَعَزَّنِى } وغلبني يقال عزه يعزه { فِى الخطاب } في الخصومة أي أنه كان أقدر على الاحتجاج مني . وأراد بالخطاب مخاطبة المحاج المجادل ، أو أراد خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطاباً أي غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها دوني . ووجه التمثيل أن مثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون ، فأراد صاحبه تتمة المائة فطمع في نعجة خليطة وأراده على الخروج من ملكها إليه وحاجّة في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده ، وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه ليحكم بما حكم به من قوله { قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ } حتى يكون محجوجاً بحكمه . وهذا جواب قسم محذوف وفي ذلك استنكار لفعل خليطه والسؤال مصدر مضاف إلى المفعول وقد ضمن معنى الإضافة فعدي تعديتها كأنه قيل : بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب . وإنما ظلّم الآخر بعدما اعترف به خصمه ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم .\rويُروى أنه قال : أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجي مائة فقال داود : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا وأشار إلى طرف الأنف والجبهة . فقال : يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا وأنت فعلت كيت وكيت . ثم نظر داود فلم ير أحداً فعرف ما وقع فيه { وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء } الشركاء والأصحاب { لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين ءَأمَنُوا وَعَملُوا الصالحات } المستنثى منصوب وهو من الجنس والمستثنى منه بعضهم { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } { مَا } للابهام و { هُمْ } مبتدأ و { قَلِيلٌ } خبره { وَظَنَّ دَاوُدُ } أي علم وأيقن وإنما استعير له لأن الظن الغالب يداني العلم { أَنَّمَا فتناه } ابتليناه { فاستغفر رَبَّهُ } لزلته { وَخَرَّ رَاكِعاً } أي سقط على وجهه ساجداً لله ، وفيه دليل على أن الركوع يقوم مقام السجود في الصلاة إذا نوي لأن المراد مجرد ما يصلح تواضعاً عند هذه التلاوة والركوع في الصلاة يعمل هذا العمل بخلاف الركوع في غير الصلاة { وَأَنَابَ } ورجع إلى الله بالتوبة .","part":3,"page":210},{"id":1211,"text":"وقيل : إنه بقي ساجداً أربعين يوماً وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة أو ما لا بد منه ، ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمع { فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك } أي زلته { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى } لقربة { وَحُسْنَ مَئَابٍ } مرجع وهو الجنة . { ياداود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الأرض } أي استخلفناك على الملك في الأرض أو جعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ، وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير { فاحكم بَيْنَ الناس بالحق } أي بحكم الله إذ كنت خليفته أو بالعدل { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى } أي هوى النفس في قضائك { فَيُضِلَّكَ } الهوى { عَن سَبِيلِ الله إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله } دينه { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب } أي بنسيانهم يوم الحساب .","part":3,"page":211},{"id":1212,"text":"{ وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } من الخلق { باطلا } خلقاً باطلاً لا لحكمة بالغة ، أو مبطلين عابثين كقوله { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } [ الأنبياء : 16 ] وتقديره ذوي باطل ، أو عبثاً فوضع { باطلا } موضعه أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ولكن للحق المبين ، وهو أنا خلقنا نفوساً أودعناها العقل ومنحناها التمكين وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاءً على حسب أعمالهم . { ذلك } إشارة إلى خلقها باطلاً { ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } الظن بمعنى المظنون أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا ، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما لقوله { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] لأنه لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤدياً إلى أن خلقها عبث وباطل جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه ، لأن الجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم ، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار أَمْ نَجْعَلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } «أم» منقطعة ، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار ، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكفار لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر ، ومن سوّى بينهم كان سفيهاً ولم يكن حكيماً { كِتَابٌ } أي هذا كتاب { أنزلناه إِلَيْكَ } يعني القرآن { مُّبَارَكٌ } صفة أخرى { لِّيَدَّبَّرُواْ ءاياته } وأصله ليتدبروا قرىء به ومعناه ليتفكروا فيها فيقفوا على ما فيه ويعملوا به . وعن الحسن : قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ، حفظوا حروفه وضيعوا حدوده { لتدَبّروا } على الخطاب بحذف إحدى التاءين : يزيد { وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الألباب } وليتعظ بالقرآن أولو العقول .\r{ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سليمان نِعْمَ العبد } أي سليمان . وقيل : داود ، وليس بالوجه فالمخصوص بالمدح محذوف { إِنَّهُ أَوَّابٌ } وعلل كونه ممدوحاً بكونه أواباً أي كثير الرجوع إلى الله تعالى { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ } على سليمان { بالعشى } بعد الظهر { الصافنات } الخيول القائمة على ثلاث قوائم وقد أقامت الأخرى على طرف حافر { الجياد } السراع جمع جواد لأنه يجود بالركض ، وصفها بالصفون لأنه لا يكون في الهجان وإنما هو العراب . وقيل : وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية ، يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها ، وإذا جرت كانت سراعاً خفافاً في جريها . وقيل : الجياد الطوال الأعناق من الجيد . ورُوي أن سليمان عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس . وقيل : ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة . وقيل : خرجت من البحر لها أجنحة فقعد يوماً بعدما صلى الظهر على كرسيه واستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر وكانت فرضاً عليه ، فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وبقي مائة ، فما في أيدي الناس من الجياد ، فمن نسلها .","part":3,"page":212},{"id":1213,"text":"وقيل : لما عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره .\r{ فَقَالَ إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِىِّ } أي آثرت حب الخيل عن ذكر ربي كذا عن الزجاج . فأحببت بمعنى آثرت كقوله تعالى { فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت : 17 ] و «عن» بمعنى «على» ، وسمى الخيل خيراً كأنها نفس الخير لتعلق الخير بها كما قال عليه السلام \" الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة \" وقال أبو علي : أحببت بمعنى جلست من إحباب البعير وهو بروكه . حب الخير أي المال مفعول له مضاف إلى المفعول { حتى تَوَارَتْ } الشمس { بالحجاب } والذي دل على أن الضمير للشمس مررو ذكر العشي ولا بد للضمير من جري ذكر أو دليل ذكر ، أو الضمير للصافنات أي حتى توارت بحجاب الليل يعني الظلام { رُدُّوهَا عَلَىَّ } أي قال للملائكة : ردوا الشمس علي لأصلي العصر فردت الشمس له وصلى العصر ، أو ردوا الصافنات { فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق } فجعل يمسح مسحاً أي يمسح السيف بسوقها وهي جمع ساق كدار ودور وأعناقها ، يعني يقطعها لأنها منعته عن الصلاة . تقول : مسح عُلاوته إذا ضرب عنقه ، ومسح المسفر الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه . وقيل : إنما فعل ذلك كفارة لها أو شكراً لرد الشمس ، وكانت الخيل مأكولة في شريعته فلم يكن إتلافاً . وقيل : مسحها بيده استحساناً لها وإعجاباً بها .","part":3,"page":213},{"id":1214,"text":"{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان } ابتليناه . { وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ } سرير ملكه { جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } رجع إلى الله . قيل : فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة ، وكان من فتنته أنه ولد له ابن فقالت الشياطين : إن عاش لم ننفك من السخرة فسبيلنا أن نقتله أو نخبله ، فعلم ذلك سليمان عليه السلام فكان يغذوه في السحابة خوفاً من مضرة الشياطين ، فألفى ولده ميتاً على كرسيه فتنبه على زلته في أن لم يتوكل فيه على ربه . وروي عن النبي A \" قال سليمان : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة منهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره ، فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون \" وأما ما يُروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السلام فمن أباطيل اليهود .\r{ قَالَ رَبِّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً } قدم الاستغفار على استيهاب الملك جرياً على عادة الأنبياء عليهم السلام والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال { لاَّ يَنبَغِى } لا يتسهل ولا يكون { لأَِحَدٍ مّن بَعْدِى } أي دوني . وبفتح الياء : مدني وأبو عمرو ، وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لا حسداً وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين ، فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح } { الرياح } أبو جعفر .\r{ تَجْرِى } حال من { الريح } { بِأَمْرِهِ } بأمر سليمان { رُخَآءَ } لينة طيبة لا تزعزع وهو حال من ضمير { تَجْرِى } { حَيْثُ } ظرف { تَجْرِى } { أَصَابَ } قصد وأراد . والعرب تقول : أصاب الصواب فاخطأ الجواب { والشياطين } عطف على { الريح } أي سخرنا له الشياطين { كُلَّ بَنَّآءٍ } بدل من { الشياطين } كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية { وَغَوَّاصٍ } أي ويغوصون له في البحر لإخراج اللؤلؤ ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر . والمعنى وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين { وَءَاخَرِينَ } عطف على { كُلَّ بَنَّاء } داخل في حكم البدل { مُّقَرَّنِينَ فِى الأصفاد } وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد . والصفد : القيد وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ، ومنه قول علي Bه : من برك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك { هذا } الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة { عَطَآؤُنَا فامنن } فأعط منه ما شئت من المنة وهي العطاء { أَوْ أَمْسِكْ } عن العطاء ، وكان إذا أعطى أجر وإن منع لم يأتم بخلاف غيره { بِغَيْرِ حِسَابٍ } متعلق ب { عَطَاؤُنَا } وقيل : هو حال أي هذا عطاؤنا جماً كثيراً لا يكاد يقدر على حصره ، أو هذه التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق أو أمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب أي لا حساب عليك في ذلك { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَئَابٍ } { لزلفى } اسم «إن» والخبر { لَهُ } والعامل في { عِندَ } الخبر .","part":3,"page":214},{"id":1215,"text":"{ واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ } هو بدل من { عَبْدَنَا } أو عطف بيان { إِذْ } بدل اشتمال منه { نادى رَبَّهُ } دعاه { إِنِّى مَسَّنِىَ } بأني مسني حكاية لكلامة الذي ناداه بسببه ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب { الشيطان بِنُصْبٍ } قراءة العامة { بِنُصُب } ، يزيد تثقيل نُصْب { بِنَصَب } كرشد ورشد ، يعقوب { بِنصب } على أصل المصدر هبيرة والمعنى واحد وهو التعب والمشقة { وَعَذَابٍ } يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب . وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ويغريه على الكراهة والجزع ، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل . ورُوي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل : ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين . وذكر في سبب بلائه أنه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع ، أو رأى منكراً فسكت عنه ، أو ابتلاه الله لرفع الدرجات بلا زلة سبقت منه { اركض بِرِجْلِكَ } حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام أي أرسلنا إليه جبريل عليه السلام فقال له : اركض برجلك أي اضرب برجلك الأرض وهي أرض الجابية فضربها فنبعت عين فقيل : { هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك . وقيل : نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله تعالى .\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } قيل : أحياهم الله تعالى بأعيانهم وزاده مثلهم { رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لأُِوْلِى الألباب } مفعول لهما أي الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولى الألباب ، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره رغبهم في الصبر على البلاء { وَخُذْ } معطوف على { اركض } { بِيَدِكَ ضِغْثاً } حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك . وعن ابن عباس Bهما : قبضة من الشجر { فاضرب بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ } وكان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذا برأ ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ، وهذه الرخصة باقية ويجب أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة .","part":3,"page":215},{"id":1216,"text":"والسبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة فحرج صدره . وقيل : باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب عليه السلام إذا قام { إِنَّا وجدناه } علمناه { صَابِراً } على البلاء نعم قد شكا إلى الله ما به واسترحمه لكن الشكوى إلى الله لا تسمى جزعاً فقد قال يعقوب عليه السلام { إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله } [ يوسف : 86 ] على أنه عليه السلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة حيث كان الشيطان يوسوس إليهم أنه لو كان نبياً لما ابتلي بمثل ما ابتلي به وإرادة القوة على الطاعة فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان { نِعْمَ العبد } أيوب { إِنَّهُ أَوَّابٌ } .","part":3,"page":216},{"id":1217,"text":"{ واذكر عِبَادَنَا } { عَبْدَنَا } مكي . { إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ } فمن جمع ف { إِبْرَاهِيمَ } ومن بعده عطف بيان على { عِبَادِنَا } ومن وحد ف { إبراهيم } وحده عطف بيان له ، ثم عطف ذريته على { عَبْدَنَا } ولما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملاً لا تتأتى فيه المباشرة بالأيدي ، أو كان العمال جذماً لا أيدي لهم وعلى هذا ورد قوله { أُوْلِى الأيدى والأبصار } أي أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات في حكم الزمني الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم ، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما { إِنَّا أخلصناهم } جعلناهم لنا خالصين { بِخَالِصَةٍ } بخصلة خالصة لا شوب فيها . { ذِكْرَى الدار } { ذِكْرِى } في محل النصب أو الرفع بإضمار «أعني» ، أو «هي» ، أو الجر على البدل من ب { خَالِصَة } والمعنى إنا أخلصناهم بذكرى الدار ، والدار هنا : الدار الآخرة يعني جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكرون الناس الدار الآخرة ويزهدونهم في الدنيا كما هو ديدن الأنبياء عليهم السلام ، أو معناه أنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله وينسون ذكر الدنيا بخالصة ذكرى الدار ، على الإضافة مدني ونافع وهي من إضافة الشيء إلى ما يبينه ، لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى . و { ذِكْرى } مصدر مضاف إلى المفعول أي بإخلاصهم ذكرى الدار . وقيل : خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بِهمٍ آخر ، إنما همهم ذكرى الدار لا غير . وقيل : ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا ، وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه قوله { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } [ مريم : 50 ] { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين } المختارين من بين أبناء جنسهم { الأخيار } جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت .\r{ واذكر إسماعيل واليسع } كأن حرف التعريف دخل على «يسع» { وَذَا الكفل وَكُلٌّ } التنوين عوض عن المضاف إليه أي وكلهم { مِّنَ الأخيار هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَئَابٍ } أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً ، وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل . ثم بين كيفية حسن ذلك المرجع فقال { جنات عَدْنٍ } بدل من { حسن مئاب } { مُّفَتَّحَةً } حال من { جنات } لأنها معرفة لإضافتها إلى { عَدْنٍ } وهو علم ، والعامل فيها ما في { لّلْمُتَّقِينَ } من معنى الفعل { لَّهُمُ الأبواب } ارتفاع الأبواب بأنها فاعل { مُّفَتَّحَةً } والعائد محذوف أي مفتحة لهم الأبواب منها فحذف كما حذف في قوله","part":3,"page":217},{"id":1218,"text":"{ فَإِنَّ الجحيم هِىَ المأوى } [ النازعات : 39 ] أي لهم أو أبوابها إلا أن الأول أجود ، أو هي بدل من الضمير في { مُّفَتَّحَةً } وهو ضمير الجنات تقديره مفتحة هي الأبواب وهو من بدل الاشتمال { مُتَّكِئِينَ } حال من المجرور في { لَهُمْ } والعامل { مُّفَتَّحَةً } { فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } أي وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول { وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف } أي قصرن طرفهن على أزواجهن { أَتْرَابٌ } لدات أسنانهن كأسنانهم لأن التحاب بين الأقران أثبت كأن اللدات سمين أتراباً لأن التراب مسهن في وقت واحد .\r{ هذا مَا تُوعَدُونَ } وبالياء : مكي وأبو عمر { لِيَوْمِ الحساب } أي ليوم تجزى كل نفس بما عملت { إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } من انقطاع والجملة حال من الرزق والعامل الإشارة . { هذا } خبر والمبتدأ محذوف أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر { وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَأَبٍ } مرجع { جَهَنَّمَ } بدل منه { يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها { فَبِئْسَ المهاد } شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم { هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } أي هذا حميم وغساق فليذوقوه ، ف { هذا } مبتدأ و { حَمِيم } خبر { وَغَسَّاقٌ } بالتشديد : حمزة وعلي وحفص . والغساق بالتشديد والتخفيف ما يغسق من صديد أهل النار ، يقال : غسقت العين إذا سال دمعها . وقيل : الحميم يحرق بحره والغساق يحرق ببرده { وَءَاخرُ } أي وعذاب آخر أو مذوق آخر { مِن شَكْلِهِ } من مثل العذاب المذكور . { وأَخر } بصري أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق في الشدة والفظاعة { أزواج } صفة ل { ءَاخَرَ } لأنه يجوز أن يكون ضروباً { هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم . والاقتحام : الدخول في الشيء بشدة ، والقحمة : الشدة ، وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض أي يقولون هذا والمراد بالفوج اتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة فيقتحمون معهم العذاب { لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } دعاء منهم على أتباعهم تقول لن تدعو له مرحباً أي أتيت رحباً من البلاد لا ضيقاً أو رحبت بلادك رحباً ثم تدخل عليه «لا» في دعاء السوء ، وبهم بيان للمدعو عليهم { إِنَّهُمْ صَالُو النار } أي داخلوها وهو تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم . وقيل : { هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ } كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم ، و { لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النار } كلام الرؤساء . وقيل : هذا كله كلام الخزنة .","part":3,"page":218},{"id":1219,"text":"{ قَالُواْ } أي الأتباع { بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به ، وعللوا ذلك بقوله { أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } والضمير للعذاب أو لصليهم أي انكم دعوتمونا إليه فكفرنا باتباعكم { فَبِئْسَ القرار } أي النار { قَالُواْ } أي الأتباع { رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً } أي مضاعفاً { فِى النار } ومعناه ذا ضعف . ونحوه قوله { رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } وهو أن يزيد على عذابه مثله { وَقَالُواْ } الضمير لرؤساء الكفرة { مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً } يعنون فقراء المسلمين { كُنَّا نَعُدُّهُمْ } في الدنيا { مِّنَ الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى { اتخذناهم سِخْرِيّاً } بلفظ الإخبار : عراقي غير عاصم على أنه صفة ل { رِجَالاً } مثل { كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الأشرار } وبهمزة الاستفهام : غيرهم على أنه إنكار على أنفسهم في الاستسخار منهم ، { سُخرِياً } مدني وحمزة وعلي وخلف والمفضل { أَمْ زَاغَتْ } مالت { عَنْهُمُ الأبصار } هو متصل بقوله { مَا لَنَا } أي ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ، قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنه خفي عليهم مكانهم { إِنَّ ذلك } الذي حكينا عنهم { لَحَقٌّ } لصدق كائن لا محالة لا بد أن يتكلموا به . ثم بين ما هو فقال : هو { تَخَاصُمُ أَهْلِ النار } ولما شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين سماه تخاصماً ، ولأن قول الرؤساء { لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } وقول أتباعهم : { بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } من باب الخصومة فسمى التقاول كله تخاصماً لاشتماله على ذلك .\r{ قُلْ } يا محمد لمشركي مكة { إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } ما أنا إلا رسول منذر أنذركم عذاب الله تعالى { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } وأقول لكم إن دين الحق توحيد الله وأن تعتقدوا أن لا إله إلا الله { الواحد } بلا ند ولا شريك { القهار } لكل شيء { رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } له الملك والربوبية في العالم كله { العزيز } الذي لا يغلب إذا عاقب { الغفار } لذنوب من التجأ إليه { قُلْ هُوَ } أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً وأن الله واحد لا شريك له { نَبَؤُا عظِيمٌ } لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة . ثم { أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } غافلون { مَا كَانَ لِىَ } حفص { مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ } احتج لصحة نبوته بأن ما ينبىء به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط ، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب ، فعلم أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى .","part":3,"page":219},{"id":1220,"text":"{ إِن يوحى إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي لأنما أنا نذير مبين ومعناه ما يوحى إلي إلا للإنذار فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه ، ويجوز أن يرتفع على معنى ما يوحى إلي إلا هذا وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك أي ما أومر إلا بهذا الأمر وحده وليس لي غير ذلك . وبكسر { إِنَّمَا } يزيد على الحكاية أي إلا هذا القول وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين ولا أدعي شيئاً آخر . وقيل : النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد . وعن ابن عباس Bهما : القرآن . وعن الحسن : يوم القيامة . والمراد بالملإ الأعلى أصحاب القصة : الملائكة وآدم وإبليس ، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم و { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } متعلق بمحذوف إذ المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم .","part":3,"page":220},{"id":1221,"text":"{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ } بدل من { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أي في شأن آدم حين قال تعالى على لسان ملك { للملائكة إِنِّى خالق بَشَراً مِّن طِينٍ } وقال { إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } [ البقرة : 30 ] { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } فإذا أتممت خلقته وعدلته { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } الذي خلقته ، وأضافه إليه تخصيصاً كبيت الله وناقة الله ، والمعنى أحييته وجعلته حساساً متنفساً { فَقَعُواْ } أمر من وقع يقع أي اسقطوا على الأرض والمعنى اسجدوا { لَهُ ساجدين } قيل : كان انحناء يدل على التواضع . وقيل : كان سجدة لله أو كان سجدة التحية { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } «كل» للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعهم في وقت واحد غير متفرقين في أوقات { إِلاَّ إِبْلِيسَ استكبر } تعظم عن السجود { وَكَانَ مِنَ الكافرين } وصار من الكافرين بإباء الأمر { قَالَ ياإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } ما منعك عن السجود { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } أي بلا واسطة امتثالاً لأمري وإعظاماً لخطابي ، وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب : هو ما عملت يداك ، حتى قيل لمن لا يدين له : يداك اوكتا وفوك نفخ . وحتى لم يبق فرق بين قولك «هذا مما عملته» و «هذا مما عملته يداك» ، ومنه قوله { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } [ يس : 71 ] و { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } { أَسْتَكْبَرْتَ } استفهام إنكار { أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } ممن علوت وفقت . وقيل : أستكبرت الآن أم لم تزل مذ كنت من المستكبرين .\r{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } يعني لو كان مخلوقاً من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه من طين والنار تغلب الطين وتأكله؟ وقد جرت الجملة الثانية من الأولى وهي { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } مجرى المعطوف عطف البيان والإيضاح . { قَالَ فاخرج مِنْهَا } من الجنة أو من السماوات أو من الخلقة التي أنت فيها ، لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته واسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسناً وأظلم بعدما كان نورانياً { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مرجوم أي مطرود . تكبر إبليس أن يسجد لمن خلق من طين وزل عنه أن الله أمر به ملائكته واتبعوا أمره إجلالاً لخطابه وتعظيماً لأمره فصار مرجوماً ملعوناً بترك أمره { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى } بفتح الياء : مدني أي إبعادي من كل الخير { إلى يَوْمِ الدين } أي يوم الجزاء ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين ثم تنقطع ، لأن معناه أن عليه اللعنة في الدنيا وحدها فإذا كان يوم الدين اقترن بها العذاب فينقطع الانفراد ، أو لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة فأولى أن تكون عليه في غير أوانها ، وكيف تنقطع وقد قال الله تعالى","part":3,"page":221},{"id":1222,"text":"{ فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى } فأمهلني { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } الوقت المعلوم الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى ، ويومه اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه ، ومعنى المعلوم أنه معلوم عند الله معين لا يتقدم ولا يتأخر { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي أقسم بعزة الله وهي سلطانه وقهره { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } وبكسر اللام : مكي وبصري وشامي .\r{ قَالَ فالحق } بالرفع : كوفي غير عليّ على الابتداء أي الحق قسمي ، أو على الخبر أي أنا الحق . وغيرهم بالنصب على أنه مقسم به كقولك الله لأفعلن كذا يعني حذف عنه الباء فانتصب وجوابه { لأَمْلاَنَّ } { والحق أَقُولُ } اعتراض بين المقسم والمقسم عليه وهو منصوب ب { أَقُولُ } ومعناه ولا أقول إلا الحق ، والمراد بالحق إما اسمه D الذي في قوله { أَنَّ الله هُوَ الحق } [ الحج : 6 ] أو الحق الذي هو نقيض الباطل عظمه الله بإقسامه به { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ } من جنسك وهم الشياطين { وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } من ذرية آدم { أَجْمَعِينَ } أي لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين لا أترك منهم أحداً { قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } الضمير للقرآن أو للوحي { وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين } من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعاً ولا مدعياً بما ليس عندي حتى أنتحل النبوة وأتقول القرآن { إِنْ هُوَ } ما القرآن { إِلاَّ ذِكْرٌ } من الله { للعالمين } للثقلين أوحى إليّ فأنا أبلغه . وعن رسول الله A « للمتكلف ثلاث علامات : ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم » { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ } نبأ القرآن وما فيه من الوعد والوعيد وذكر البعث والنشور { بَعْدَ حِينِ } بعد الموت أو يوم بدر أو يوم القيامة ، ختم السورة بالذكر كما افتتحها بالذكر والله الموفق .","part":3,"page":222},{"id":1223,"text":"{ تَنزِيلُ الكتاب } أي القرآن مبتدأ خبره { مِنَ الله } أي نزل من الله ، أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل ، أو غير صلة بل هو خبر بعد خبر ، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره هذا تنزيل الكتاب هذا من الله { العزيز } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } هذا ليس بتكرار لأن الأول كالعنوان للكتاب والثاني لبيان ما في الكتاب { فاعبد الله مُخْلِصاً } حال { لَّهُ الدين } أي ممحضاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر ، ف { الدين } منصوب ب { مُخْلِصاً } وقرىء { الدين } بالرفع وحق من رفعه أن يقرأ { مُخْلِصاً } { أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص } أي هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر لاطلاعه على الغيوب والأسرار . وعن قتادة : الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله . وعن الحسن : الإسلام . { والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ } أي آلهة وهو مبتدأ محذوف الخبر تقديره : والذين عبدوا الأصنام يقولون { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } مصدر أي تقريباً { إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بين المسلمين والمشركين { فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } قيل : كان المسلمون إذا قالوا لهم من خلق السماوات والأرض؟ قالوا : الله ، فإذا قالوا لهم : فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . والمعنى أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ } أي لا يهدي من هو في علمه أنه يختار الكفر يعني لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر ولكنه يخذله ، وكذبهم قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء بنات الله ، ولذا عقبه محتجاً عليهم بقوله { لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } أي لو جاز اتخاذ الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء لا ما تختارون أنتم وتشاءون { سبحانه } نزه ذاته عن أن يكون له أخذ ما نسبوا إليه من الأولياء والأولاد ، ودل على ذلك بقوله { هُوَ الله الواحد القهار } يعني أنه واحد متبريء عن انضمام الأعداد متعال عن التجزؤ والولاد ، قهار غلاب لكل شيء ومن الأشياء آلهتهم فأنى يكون له أولياء وشركاء؟ .\rثم دل بخلق السماوات والأرض وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر وتسخير النيرين وجريهما لأجل مسمى ، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة ، وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب بقوله { خَلَقَ السماوات والأرض بالحق يُكَوِّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى اليل } والتكوير اللف واللي يقال : كار العمامة على رأسه وكورها ، والمعنى أن كل واحد منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه ، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيّبه عن مطامح الأبصار ، أو أن هذا يكر على هذا كروراً متتابعاً ، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض { وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى } أي يوم القيامة { إِلاَّ هُوَ العزيز } الغالب القادر على عقاب من لم يعتبر بتسخير الشمس والقمر فلم يؤمن بمسخرهما { الغفار } لمن فكر واعتبر فآمن بمدبرهما .","part":3,"page":223},{"id":1224,"text":"{ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة } أي آدم عليه السلام { ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي حواء من قُصَيراه . قيل : أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء { وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام } أي جعل . عن الحسن : أو خلقها في الجنة مع آدم عليه السلام ثم أنزلها ، أو لأنها لا تعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها { ثمانية أزواج } ذكراً وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز كما بين في سورة الأنعام ، والزوج اسم لواحد معه آخر فإذا انفرد فهو فرد ووتر { يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ } نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم إلى تمام الخلق { فِى ظلمات ثلاث } ظلمة البطن والرحم والمشيمة أو ظلمة الصلب والبطن والرحم { ذلكم } الذي هذه مفعولاته هو { الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك لا إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُصْرَفُونَ } فكيف يعدل بكم من عبادته إلى عبادة غيره .\rثم بين أنه غني عنهم بقوله { إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ } عن إيمانكم وأنتم محتاجون إليه لتضرركم بالكفر وانتفاعكم بالإيمان { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } لأن الكفر ليس برضا الله تعالى وإن كان بإرادته { وَإِن تَشْكُرُواْ } فتؤمنوا { يَرْضَهُ لَكُمْ } أي يرض الشكر لكم لأنه سبب فوزكم فيثيبكم عليه الجنة { يرضه } بضم الهاء والإشباع : مكي وعلي : { يرضه } بضم الهاء بدون الإشباع : نافع وهشام وعاصم غير يحيى وحماد . وغيرهم { يرضه } { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } أي لا يؤاخذ أحد بذنب آخر { ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } إلى جزاء ربكم رجوعكم { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بخفيات القلوب { وَإِذَا مَسَّ الإنسان } هو أبو جهل أو كل كافر { ضُرٌّ } بلاء وشدة والمس في الأعراض مجاز { دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ } راجعاً إلى الله بالدعاء لا يدعو غيره { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ } أعطاه { نِعْمَةً مِّنْهُ } من الله D { نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ } أي نسى ربه الذي كان يتضرع إليه . و «ما» بمعنى «من» كقوله","part":3,"page":224},{"id":1225,"text":"{ وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى } [ الليل : 3 ] أو نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً } أمثالاً { لِيُضِلَّ } { لَيِضل } مكي وأبو عمرو ويعقوب { عَن سَبِيلِهِ } أي الإسلام { قُلْ } يا محمد { تَمَتَّعَ } أمر تهديد { بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } أي في الدنيا { إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار } من أهلها . { أَمَّنْ } قرأ بالتخفيف مكي ونافع وحمزة على إدخال همزة الاستفهام على «من» ، وبالتشديد غيرهم على إدخال «أم» عليه و «من» مبتدأ خبره محذوف تقديره «أمن» { هُوَ قَانِتٌ } كغيره أي أمن هو مطيع كمن هو عاص والقانت المطيع لله؟ وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جرى ذكر الكافر قبله ، وقوله بعده { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } { ءَانَاءَ اليل } ساعاته { ساجدا وَقَائِماً } حالان من الضمير في { قَانِتٌ } { يَحْذَرُ الآخرة } أي عذاب الآخرة { وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ } أي الجنة ، ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء ، يرجو رحمته لا عمله ويحذر عقابه لتقصيره في عمله . ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمناً ، والخوف إذا جاوز حده يكون إياساً ، وقد قال الله تعالى { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } [ الأعراف : 99 ] وقال { إنه لا ييأس من من روح الله إلا القوم الكافرون } [ يوسف : 87 ] ، فيجب أن لا يجاوز أحدهما حده { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } أي يعلمون ويعملون به كأنه جعل من لا يعمل غير عالم ، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ويفتنّون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء ، أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل كذلك لا يستوي المطيع والعاصي { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب } جمع لب أي إنما يتعظ بوعظ الله أولو العقول .","part":3,"page":225},{"id":1226,"text":"{ قُلْ ياعباد الذين ءَامَنُواْ } بلا ياء عند الأكثر { اتقوا رَبَّكُمُ } بامتثال أوامره واجتناب نواهيه { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ } أي أطاعوا الله في الدنيا . و «في» يتعلق ب { أَحْسَنُواْ } لا ب { حَسَنَةٌ } ، معناه الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة أي حسنة لا توصف . وقد علقه السدي ب { حَسَنَةٌ } ففسر الحسنة بالصحة والعافية . ومعنى { وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ } أي لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان . قيل لهم : فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة ، فتحولوا إلى بلاد أخرى . واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون } على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير { أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } عن ابن عباس Bهما : لا يهتدي إليه حساب الحسّاب ولا يعرف . وهو حال من الأجر أي موفراً { قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله } بأن أعبد الله { مُخْلِصاً لَّهُ الدين } أي أمرت بإخلاص الدين { وَأُمِرْتُ لأَِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين أي مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة ، والمعنى أن الإخلاص له السُّبقة في الدين فمن أخلص كان سابقاً ، فالأول أمر بالعبادة مع الإخلاص ، والثاني بالسبق فلاختلاف جهتيهما نزلاً منزلة المختلفين ، فصح عطف أحدهما على الآخر .\r{ قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } لمن دعاك بالرجوع إلى دين آبائك ، وذلك أن كفار قريش قالوا له عليه السلام : ألا تنظر إلى أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت رداً عليهم { قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى } وهذه الآية إخبار بأنه يخص الله وحده بعبادته مخلصاً له دينه دون غيره ، والأولى إخبار بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فالكلام أولاً واقع في نفس الفعل وإثباته ، وثانياً فيما يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله :\r{ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ } وهذا أمر تهديد . وقيل له عليه السلام : إن خالفت دين آبائك فقد خسرت فنزلت { قُلْ إِنَّ الخاسرين } أي الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بإهلاكها في النار { وَأَهْلِيهِمْ } أي وخسروا أهليهم { يَوْمُ القيامة } لأنهم أضلوهم فصاروا إلى النار ، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله : { أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين } حيث صدر الجملة بحرف التنبيه ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر وعرف الخسران ونعته بالمبين ، وذلك لأنهم استبدلوا بالجنة ناراً وبالدرجات دركات { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ } أطباق { مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } أطباق من النار وهي ظلل لآخرين أي النار محيطة بهم { ذلك } الذي وصف من العذاب أو ذلك الظلل { يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ } ليؤمنوا به ويجتنبوا مناهيه { ياعباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي خوّفهم بالنار .","part":3,"page":226},{"id":1227,"text":"ثم حذرهم نفسه { والذين اجتنبوا الطاغوت } الشياطين «فعلوت» من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين ، أطلقت على الشيطان أو الشياطين لكون الطاغوت مصدراً ، وفيها مبالغات وهي التسمية بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان وأن البناء بناء مبالغة ، فإن الرحموت الرحمة الواسعة ، والملكوت الملك المبسوط والقلب وهو للاختصاص ، إذ لا تطلق على غير الشيطان والمراد بها ههنا الجمع وقريء { الطواغيت } { أَن يَعْبُدُوهَا } بدل الاشتمال من الطاغوت أي عبادتها { وَأَنَابُواْ } رجعوا { إِلَى الله لَهُمُ البشرى } هي البشارة بالثواب تتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشرين وحين يحشرون { فَبَشِّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } هم الذين اجتنبوا أنابوا ، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة فوضع الظاهر موضع الضمير أراد أن يكونوا نقاداً في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل ، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب ، وكذا المباح والندب حراصاً على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثواباً ، أو يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن ، أو يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو ونحو ذلك ، أو يستمعون الحديث مع القوم فيه محاسن ومساوىء فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه { أُوْلَئِكَ الذين هَدَاهُمُ الله وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الألباب } أي المنتفعون بعقولهم .","part":3,"page":227},{"id":1228,"text":"{ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار } أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب أي وجب { أَفَأَنتَ } جملة شرطية دخلت عليها همزة الانكار والفاء فاء الجزاء ، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف تقديره : أأنت مالك أمرهم؟ فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه ، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الانكار . ووضع { مَن فِى النار } موضع الضمير أي تنقذه ، فالآية على هذا جملة واحدة ، أو معناه : أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه ، أفأنت تنقذه أي لا يقدر أحد أن ينقذ من أضله الله وسبق في علمه أنه من أهل النار { لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } أي لهم منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها يعني للكفار ظلل من النار وللمتقين غرف { مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } أي من تحت منازلها { وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد } وعد الله مصدر مؤكد ، لأن قوله { لَهُمْ غُرَفٌ } في معنى وعدهم الله ذلك .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً } يعني المطر . وقيل : كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله { فَسَلَكَهُ } فادخله { يَنَابِيعَ فِى الأرض } عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد . و { يَنَابِيعَ } نصب على الحال أو على الظرف و { فِى الأرض } صفة ل { يَنَابِيعَ } . { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ } بالماء { زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ } هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض أو أصنافه من بن وشعير وسمسم وغير ذلك { ثُمَّ يَهِيجُ } يجف { فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً } بعد نضارته وحسنه { ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما } فتاتاً متكسراً ، فالحطام ما تفتت وتكسر من النبت وغيره { إِنَّ فِى ذلك } في إنزال الماء وإخراج الزرع { لذكرى لأُِوْلِى الألباب } لتذكيراً وتنبيهاً على أنه لا بد من صانع حكيم ، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ } أي وسع صدره { للإسلام } فاهتدى ، وسئل رسول الله A عن الشرح فقال : \" «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» فقيل : فهل لذلك من علامة؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت \" { فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبّهِ } بيان وبصيرة ، والمعنى : أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا قلبه؟ فحذف لأن قوله { فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ } يدل عليه { مِّن ذِكْرِ الله } أي من ترك ذكر الله أو من أجل ذكر الله أي إذا ذكر الله عندهم أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة كقوله","part":3,"page":228},{"id":1229,"text":"{ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] { أُوْلَئِكَ فِى ضلال مُّبِينٍ } غواية ظاهرة .\r{ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث } في إيقاع اسم { الله } مبتدأ وبناء { نَزَّلَ } عليه تفخيم لأحسن الحديث { كتابا } بدل من { أَحْسَنَ الحديث } أو حال منه { متشابها } يشبه بعضه بعضاً في الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز وغير ذلك { مَّثانِىَ } نعت { كتابا } جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه ، فهو بيان لكونه متشابهاً لأن القصص المكررة وغيرها لا تكون إلا متشابهة . وقيل : لأنه يثنّى في التلاوة فلا يمل . وإنما جاز وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشيء هي جملته ، ألا تراك تقول : القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات؟ فكذلك تقول : أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات . أو منصوب على التمييز من { متشابها } كما تقول : رأيت رجلاً حسناً شمائل ، والمعنى متشابهة مثانية { تَقْشَعِرُّ } تضطرب وتتحرك { مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } يقال : اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضاً شديداً . والمعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم ، وفي الحديث \" إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها \" { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } أي إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة . وعُدي ب «إلى» لتضمنه معنى فعل متعد ب «إلى» كأنه قيل : اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير متقبضة . واقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة ، لأن رحمته سبقت غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر الله لم يخطر بالبال إلا كونه رءوفاً رحيماً . وذكرت الجلود وحدها أولاً ثم قرنت بها القلوب ثانياً لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب { ذلك } إشارة إلى الكتاب وهو { هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ } من عباده وهو من علم منهم اختيار الاهتداء { وَمَن يُضْلِلِ الله } يخلق الضلالة فيه { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } إلى الحق .\r{ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ العذاب يَوْمَ القيامة } كمن أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره وسوء العذاب شدته ، ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفاً من المخاوف استقبله بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه ، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه { وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ } أي تقول لهم خزنة النار { ذُوقُواْ } وبال { مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } أي كسبكم { كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قريش { فأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بيناهم آمنون إذ فوجئوا من مأمنهم { فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى } الذل والصغار كالمسخ والخسف والقتل والجلاء ونحو ذلك من عذاب الله { فِى الحياة الدنيا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبْرُ } من عذاب الدنيا { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لآمنوا .","part":3,"page":229},{"id":1230,"text":"{ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ليتعظوا { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } حال مؤكدة كما تقول : جاءني زيد رجلاً صالحاً وإنساناً عاقلاً ، فتذكر رجلاً أو إنساناً توكيداً ، أو نصب على المدح { غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } مستقيماً بريئاً من التناقض والاختلاف . ولم يقل «مستقيماً» للإشعار بأن لا يكون فيه عوج قط . وقيل : المراد بالعوج الشك { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الكفر .\r{ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً } بدل { فِيهِ شُرَكَآءُ متشاكسون } متنازعون ومختلفون { وَرَجُلاً سَلَماً } مصدر سلم والمعنى ذا سلامة { لِرَجُلٍ } أي ذا خلوص له من الشركة . { سالماً } مكي وأبو عمرو أي خالصاً له { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } صفة وهو تمييز ، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما . وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقريء { مثلين } . { الحمد للَّهِ } الذي لا إله إلا هو { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فيشركون به غيره . مثل الكافر ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف ، وكل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى وهو متحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته ، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته ، وممن يطلب رزقه ، وممن يلتمس رفقه ، فهمه شعاع وقلبه أوزاع ، والمؤمن بعبد له سيد واحد فهّمه واحد وقلبه مجتمع { إِنَّكَ مَيِّتٌ } أي ستموت { وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } وبالتخفيف من حل به الموت ، قال الخليل أنشد أبو عمرو :\rوتسألني تفسير ميت وميّت ... فدونك قد فسرت إن كنت تعقلُ\rفمن كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحملُ\rكانوا يتربصون برسول الله A موته فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني ، وعن قتادة : نعى إلى نبيه نفسه ونعى إليكم أنفسكم أي إنك وإياهم في عداد الموتى لأن ما هو كائن فكأن قد كان .","part":3,"page":230},{"id":1231,"text":"{ ثُمَّ إِنَّكُمْ } أي إنك وإياهم فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب { يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة ، فلجّوا في العناد ويعتذرون بما لا طائل تحته ، تقول الأتباع : أطعنا ساداتنا وكبراءنا ، وتقول السادات : أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون . قال الصحابة رضى الله عنهم أجمعين : ما خصومتنا ونحن إخوان! فلما قتل عثمان Bه قالوا : هذه خصومتنا . عن أبي العالية : نزلت في أهل القبلة وذلك في الدماء والمظالم التي بينهم . والوجه هو الأوّل ألا ترى إلى قوله { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله } وقوله { والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ } وما هو إلا بيان وتفسير للذين تكون بينهم الخصومة . { كَذَبَ علَى الله } افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه { وَكَذَّبَ بالصدق } بالأمر الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد A { إِذْ جَآءَهُ } فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية أو اهتمام بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون { أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين } أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق . واللام في { للكافرين } إشارة إليهم { والذى جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ } هو رسول الله A جاء بالحق وآمن به وأراد به إياه ومن تبعه كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } [ المؤمنون : 49 ] فلذا قال تعالى { أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون } وقال الزجاج : رُوي عن علي Bه أنه قال : والذي جاء بالصدق محمد رسول الله A ، والذي صدق به أبو بكر الصديق Bه . ورُوي أن الذي جاء بالصدق محمد رسول الله A ، والذي صدق به المؤمنون ، والكل صحيح كذا قاله . قالوا : والوجه في العربية أن يكون «جاء» و «صدق» لفاعل واحد لأن التغاير يستدعي إضمار الذي ، وذا غير جائز ، أو إضمار الفاعل من غير تقدم الذكر وذا بعيد .\r{ لَهُم مَّا يَشَآءَونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ المحسنين لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إضافة أسوأ وأحسن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل كقولك : الأشج أعدل بني مروان .\r{ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ } أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها { عَبْدَهُ } أي محمداً A . { عباده } حمزة وعلي أي الأنبياء والمؤمنين وهو مثل { إِنَّا كفيناك المستهزءين } [ الحجر : 95 ] { وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ } أي بالأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه ، وذلك أن قريشاً قالت لرسول الله A : إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وإنا نخشى عليك مضرتها لعيبك إياها { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ } بغالب منيع { ذِى انتقام } ينتقم من أعدائه ، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم وينصرهم عليهم .","part":3,"page":231},{"id":1232,"text":"ثم أعلم بأنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض بقوله { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِىَ الله } بفتح الياء سوى حمزة { بِضُرٍّ } مرض أو فقر أو غير ذلك { هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرِّهِ } دافعات شدته عني { أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ } صحة أو غنى أو نحوهما { هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ } { كاشفات ضُرّهِ } ، و { ممسكات رَحْمَتِهِ } بالتنوين على الأصل : بصري ، وفرض المسئلة في نفسه دونهم لأنهم خوفوه معرة الأوثان وتخبيلها ، فأمر بأن يقررهم أولاً بأن خالق العالم هو الله وحده ثم يقول لهم بعد التقرير : فإن أرادني خالق العالم الذي أقررتم به بضر أو برحمة هل يقدرون على خلاف ذلك؟ فلما أفحمهم قال الله تعالى : { قُلْ حَسْبِىَ الله } كافياً لمعرة أوثانكم { عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون } يُروى أن النبي A سألهم فسكتوا فنزل { قُلْ حَسْبِىَ الله } ، وإنما قال { كاشفات } و { ممسكات } على التأنيث بعد قوله { وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ } لأنهن إناث وهن اللات والعزى ومناة ، وفيه تهكم بهم وبمعبوديهم .\r{ قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها ، والمكانة بمعنى المكان فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا وحيث للزمان وهما للمكان { إِنِّى عامل } أي على مكانتي وحذف للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد والإيذان بأن حالته تزداد كل يوم قوّة لأن الله تعالى ناصره ومعينه ، ألا ترى إلى قوله : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } كيف توعدهم بكونه منصوراً عليهم غالباً عليهم في الدنيا والآخرة ، لأنهم إذا أتاهم الخزي والعذاب فذاك عزه وغلبته من حيث إن الغلبة تتم له بعز عزيز من أوليائه وبذل ذليل من أعدائه ، و { يُخْزِيهِ } صفة للعذاب ك { مُّقِيمٌ } أي عذاب مخزلة وهو يوم بدر ، وعذاب دائم وهو عذاب النار . { مكاناتكم } أبو بكر وحماد .\r{ إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } القرآن { لِلنَّاسِ } لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ليبشروا وينذروا فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية { بالحق فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ } فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه { وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ومن اختار الضلالة فقد ضرها { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بحفيظ .","part":3,"page":232},{"id":1233,"text":"{ ثم أخبر بأنه الحفيظ القدير عليهم بقوله { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا } الأنفس الجمل كما هي ، وتوفيها إماتتها وهو أن يسلب ما هي به حية حساسة دراكة { والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا } ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها أي يتوفاها حين تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك ، ومنه قوله تعالى : { وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل } [ الأنعام : 60 ] { فَيُمْسِكُ } الأنفس { التى قضى } { قُضِىَ } حمزة وعلي . { عَلَيْهَا الموت } الحقيقي أي لا يردها في وقتها حية { وَيُرْسِلُ الأخرى } النائمة { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت ضربه لموتها . وقيل : يتوفى الأنفس أي يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة ، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في مقامها وهي أنفس التمييز . قالوا : فالتي تتوفى في المنام هي نفس التمييز لا نفس الحياة لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفسَ والنائم يتنفس ، ولكل إنسان نفسان : إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارق عند الموت ، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام . ورُوي عن ابن عباس رضى الله عنهما : في ابن آدم نفس وروح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس ، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز ، والروح هي التي بها النفس والتحرك ، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه . وعن علي Bه قال : تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فذلك يرى الرؤيا ، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة ، وعنه ما رأت عين النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة ، وما رأت بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة .\rوعن سعيد بن جبير : أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي في المنام فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف ، فيمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجسادها إلى انقضاء حياتها . ورُوي أن أرواح المؤمنين تعرج عند النوم في السماء فمن كان منهم طاهراً أذن في السجود ، ومن لم يكن منهم طاهراً لم يؤذن له فيه { إِنَّ فِى ذَلِكَ } إن في توفي الأنفس ميتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل { لآيَاتٍ } على قدرة الله وعلمه { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون { أَمِ اتخذوا } بل اتخذ قريش والهمزة للإنكار { مِن دُونِ الله } من دون إذنه { شُفَعَآءَ } حين قالوا { هؤلاءآء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه { قُلْ أَوَ لَّوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } معناه أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئاً قط ولا عقل لهم؟ { قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً } أي هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه وانتصب { جَمِيعاً } على الحال { لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض } تقرير لقوله { لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً } لأنه إذا كان له الملك كله والشفاعة من الملك كان مالكاً لها . { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } متصل بما يليه معناه له ملك السماوات والأرض واليوم ثم إليه ترجعون يوم القيامة فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له فله ملك الدنيا والآخرة .","part":3,"page":233},{"id":1234,"text":"{ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ } مدار المعنى على قوله { وَحْدَهُ } أي إذا أفرد الله بالذكر ولم تذكر معه آلهتهم { اشمأزت } أي نفرت وانقبضت { قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ } يعني آلهتهم ذكر الله معهم أو لم يذكر { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } لافتتانهم بها ، وإذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم ، ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه ، فالاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل ، والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه ، والعامل في { إِذَا ذُكِرَ } هو العامل في «إذا» المفاجأة . تقديره : وقت ذكر الذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار { قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض } أي يا فاطر ، وليس بوصف كما يقوله المبرد والفراء { عالم الغيب والشهادة } السر والعلانية { أَنتَ تَحْكُمُ } تقضي { بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من الهدى والضلالة ، وقيل : هذه محاكمة من النبي للمشركين إلى الله . وعن ابن المسيب : لا أعرف آية قرئت فدعي عندها إلا أجيب سواها . وعن الربيع بن خيثم وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين Bه وقالوا : الآن يتكلم فما زاد أن قال : آه أوقد فعلوا وقرأ هذه الآية . ورُوي أنه قال على أثره : قتل من كان A يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه .\r{ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ } الهاء تعود إلى «ما» { لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ العذاب } شدته { يَوْمَ القيامة وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن قط في حسبانهم ولا يحدثون به نفوسهم . وقيل : عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات ، وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال : ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء . وجزع محمد بن المنكدر عند موته فقيل له فقال : أخشى آية من كتاب الله وتلاها ، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسبه { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } أي سيئات أعمالهم التي كسبوها أو سيئات كسبهم حين تعرض صحائف أعمالهم وكانت خافية عليهم أو عقاب ذلك { وَحَاقَ بِهِم } ونزل بهم وأحاط { مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } جزاء هزئهم .\r{ فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خولناه } أي أعطيناه تفضلاً . يقال : خولني إذا أعطاك على غير جزاء { نِعْمَةً مِّنَّا } ولا تقف عليه لأن جواب «إذا» { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ } مني أني سأعطاه لما فيّ من فضل واستحقاق ، أو على علم مني بوجوه الكسب كما قال قارون","part":3,"page":234},{"id":1235,"text":"{ على عِلْمٍ عِندِى } [ القصص : 78 ] وإنما ذكر الضمير في { أُوتِيتُهُ } وهو للنعمة نظراً إلى المعنى لأن قوله { نِعْمَةً مّنَّا } شيئاً من النعمة وقسماً منها . وقيل : «ما» في «إنما» موصولة لا كافة فيرجع الضمير إليها أي إن الذي أوتيته على علم { بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } إنكار له كأنه قال : ما خولناك من النعمة لما تقول بل هي فتنة أي ابتلاء وامتحان لك أتشكر أم تكفر . ولما كان الخبر مؤنثاً أعني فتنة ساغ تأنيث المبتدأ لأجله ، وقريء بل هو فتنة على وفق { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ } { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنها فتنة ، والسبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو ، أن هذه وقعت مسببة عن قوله { وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت } على معنى أنهم يشمئزون من ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة ، فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز بذكره دون من استبشر بذكره وما بينهما من الآي اعتراض .\rفإن قلت : حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه . قلت : ما في الاعتراض من دعاء الرسول الله A ربه بأمر من الله وقوله { أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ } ثم ما عقبه من الوعيد العظيم ، تأكيد لإنكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم كأنه قيل : يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجرأة إلا أنت ، وقوله : { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } متناول هم ولكل ظالم إن جعل عاماً ، أو إياهم خاصة إن عنيتهم به كأنه قيل : ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به حين حكم عليهم بسوء العذاب ، وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها بالواو نحو «قام زيد وقعد عمرو» ، وبيان وقوعها مسببة أنك تقول : زيد يؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه ، فهذا تسبيب ظاهر ، ثم تقول : زيد كافر بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه ، فتجيء بالفاء مجيئك بها ثمة كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجاء المؤمن إليه مقيم كفره مقام الإيمان في جعله سبباً في الالتجاء { قَدْ قَالَهَا } هذه المقالة وهي قوله { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ } { الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي قارون وقومه حيث قال : { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى } [ القصص : 78 ] وقومه راضون بها ، فكأنهم قالوها ، ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها { فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من متاع الدنيا وما يجمعون منها .","part":3,"page":235},{"id":1236,"text":"{ فأصابهم سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } أي جزاء سيئات كسبهم ، أو سمى جزاء السيئة سيئة للازدواج كقوله : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] . { والذين ظَلَمُواْ } كفروا { مِنْ هَؤُلآءِ } أي من مشركي قومك { سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } أي سيصيبهم مثل ما أصاب أولئك ، فقتل صناديدهم ببدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين { وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين من عذاب الله ، ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم { أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } ويضيق . وقيل : يجعله على قدر القوت { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بأنه لا قابض ولا باسط إلا الله D .\r{ قُلْ ياعبادى الذين } وبسكون الياء : بصري وحمزة وعلي { أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلو فيها { لاَ تَقْنَطُواْ } لا تيأسوا ، وبكسر النون : علي وبصري { مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } بالعفو عنها إلا الشرك ، وفي قراءة النبي عليه السلام يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي ، ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله { وَلاَ يَخَافُ عقباها } [ الشمس : 16 ] . قيل : نزلت في وحشي قاتل حمزة Bه ، وعن رسول الله A : \" ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية \" { إِنَّهُ هُوَ الغفور } بستر عظائم الذنوب { الرحيم } بكشف فظائع الكروب { وَأَنِيبُواْ إلى رَبِّكُمْ } وتوبوا إليه { وَأَسْلِمُواْ لَهُ } وأخلصوا له العمل { مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب { واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ } مثل قوله : { الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وقوله { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أي يفجؤكم وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئاً لفرط غفلتكم .\r{ أَن تَقُولَ } لئلا تقول { نَفْسٌ } إنما نكرت لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر ، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم ، ويجوز أن يراد التكثير { ياحسرتى } الألف بدل من ياء المتكلم ، وقرىء : { يا حسرتي } على الأصل و { يا حسرتاي } على الجمع بين العوض والمعوض منه { على مَا فَرَّطَتُ } قصرت و«ما» مصدرية مثلها في { بِمَا رَحُبَتْ } [ التوبة : 25 ] { فِى جَنبِ الله } في أمر الله أو في طاعة الله أو في ذاته ، وفي حرف عبد الله في ذكر الله والجنب الجانب يقال : أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته ، وفلان لين الجانب والجنب ، ثم قالوا : فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه ، وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ، ومنه الحديث :","part":3,"page":236},{"id":1237,"text":"\" من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل \" أي لأجله ، وقال الزجاج : معناه فرط في طريق الله وهو توحيده والإقرار بنبوة محمد A { وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين } المستهزئين . قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها . ومحل { وَإِن كُنتُ } النصب على الحال كأنه قال : فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى } أي أعطاني الهداية { لَكُنتُ مِنَ المتقين } من الذين يتقون الشرك ، قال الشيخ الإمام أبو منصور C تعالى : هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة ، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم : { لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ } [ إبراهيم : 21 ] يقولون : لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه ، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا ، والمعتزلة يقولون : بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا . والحاصل أن عند الله لطفاً من أعطى ذلك اهتدى ، وهو التوفيق والعصمة ومن لم يعطه ضل وغوى ، وكان استحبابه العذاب وتضييعه الحق بعدما مكن من تحصيله لذلك { أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً } رجعة إلى الدنيا { فَأَكُونَ مِنَ المحسنين } من الموحدين { بلى قَدْ جَآءَتْكَ ءاياتى فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين } «بلى» رد من الله عليه كأنه يقول : بلى قد جاءتك آياتي وبينت لك الهداية من الغواية وسبيل الحق من الباطل ومكنتك من اختيار الهداية على الغواية واختيار الحق على الباطل ، ولكن تركت ذلك وضيعته واستكبرت عن قبوله ، وآثرت الضلالة على الهدى ، واشتغلت بضد ما أمرت به فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك ، و { بلى } جواب لنفي تقديري لأن المعنى : لو أن الله هداني ما هديت وإنما لم يقرن الجواب به ، لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس على ترتيبها ثم الجواب من بينها عما اقتضى الجواب .","part":3,"page":237},{"id":1238,"text":"{ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله } وصفوه بما لا يجوز عليه من إضافة الشريك والولد إليه ، ونفى الصفات عنه { وُجُوهُهُمْ } مبتدأ { مُّسْوَدَّةٌ } خبر والجملة في محل النصب على الحال إن كان ترى من رؤية البصر ، وإن كان من رؤية القلب فمفعول ثانٍ { أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى } منزل { لِّلْمُتَكَبِّرِينَ } هو إشارة إلى قوله { واستكبرت } { وَيُنَجِّى الله } { وَيُنَجّى } : روح { الذين اتقوا } من الشرك { بِمَفَازَتِهِمْ } بفلاحهم يقال : فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه وتفسيره المفازة { لاَ يَمَسُّهُمُ السوء } النار { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } كأنه قيل : وما مفازتهم؟ قيل : لا يمسهم السوء أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم . أي لا يمس أبدانهم أذى ولا قلوبهم خزي ، أو بسبب منجاتهم من قوله تعالى : { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب } [ آل عمران : 188 ] . أي بمنجاة منه؛ لأن النجاة من أعظم الفلاح وسبب منجاتهم العمل الصالح ، ولهذا فسر ابن عباس Bهما المفازة بالأعمال الحسنة ويجوز بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة ، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها ، ولا محل ل { لاَ يَمَسُّهُمُ } على التفسير الأول لأنه كلام مستأنف ، ومحله النصب على الحال على الثاني . { بمفازاتهم } كوفي غير حفص .\r{ الله خالق كُلِّ شَىْءٍ } رد على المعتزلة والثنوية { وَهُوَ على كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ } حافظ . { لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض } أي هو مالك أمرها وحافظها ، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي المفاتيح واحدها مقليد ، وقيل : لا واحد لها من لفظها ، والكلمة أصلها فارسية { والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } هو متصل بقوله { وَيُنَجّى الله الذين اتقوا } أي ينجي الله المتقين بمفازاتهم والذين كفروا هم الخاسرون . واعترض بينهما بأنه خالق كل شيء ، فهو مهيمن عليه ، فلا يخفى عليه شيء من أعمال المكلفين فيها وما يجزون عليها ، أو بما يليه على أن كل شيء في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه ، والذين كفروا وجحدوا أن يكون الأمر كذلك أولئك هم الخاسرون ، وقيل : سأل عثمان رسول الله A عن تفسير قوله : { لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض } فقال « يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك ، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير » وتأويله على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه ، والذين كفروا بآيات الله وكلمات توحيده وتمجيده أولئك هم الخاسرون .","part":3,"page":238},{"id":1239,"text":"{ قُلْ } لمن دعاك إلى دين آبائك { أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونِّى أَعْبُدُ } { تَأْمُرُونِّىَّ } مكي ، { تأمرونني } على الأصل : شامي ، { تَأْمُرُونِىَ } مدني ، وانتصب . { أَفَغَيْرَ الله } ب { أَعْبُدُ } و { تَأْمُرُونّى } اعتراض ، ومعناه أفغير الله أعبد بأمركم بعد هذا البيان { أَيُّهَا الجاهلون } بتوحيد الله { وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ } من الأنبياء عليهم السلام { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } الذي علمت قبل الشرك { وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } وإنما قال { لَئِنْ أَشْرَكْتَ } على التوحيد والموحى إليهم جماعة لأن معناه أوحي إليك لئن أشركت ليحبطنّ عملك وإلى الذين من قبلك مثله ، واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف ، والثانية لام الجواب ، وهذا الجواب ساد مسد الجوابين أعني جوابي القسم والشرط . وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون لأن الخطاب للنبي عليه السلام والمراد به غيره ، ولأنه على سبيل الفرض ، والمحالات يصح فرضها . وقيل : لئن طالعت غيري في السر ليحبطن ما بيني وبينك من السر { بَلِ الله فاعبد } رد لما أمروه من عبادة آلهتهم كأنه قال : لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن عبدت فاعبد الله؛ فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضاً عنه { وَكُنْ مِّنَ الشاكرين } على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } وما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره ، ولما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تعظيمه قيل : وما قدروا الله حق قدره .\rثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريق التخييل فقال : { والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } والمراد بهذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية أو جهة مجاز . والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك قوله { جَمِيعاً } ، وقوله { والسماوات } ولأن الموضع موضع تعظيم فهو مقتضٍ للمبالغة ، و { الأرض } مبتدأ و { قَبْضَتُهُ } الخبر و { جَمِيعاً } منصوب على الحال أي : والأرض إذا كانت مجتمعة قبضته يوم القيامة ، والقَبضة : المرة من القبضة . والقُبضة : المقدار المقبوض بالكف ، ويقال : أعطني قبضة من كذا تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر ، وكلا المعنين محتمل ، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أي ذوات قبضته بقبضهن قبضة واحدة يعني أن الأرضين مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة كما تقول : الجزور أكلة لقمان أي لا تفي إلا بأكلة فذة من أكلاته .","part":3,"page":239},{"id":1240,"text":"وإذا أريد معنى القبضة فظاهر ، لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة . والمطويات من الطي الذي هو ضد النشر كما قال : { يَوْمَ نَطْوِى السماء كَطَىّ السجل لِلْكُتُبِ } [ الأنبياء : 104 ] . وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه ، وقيل : قبضته ملكه بلا مدافع ولا منازع وبيمينه بقدرته . وقيل : مطويات بيمينه مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يفنيها { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ما أبعد من هذه قدرته وعظمته وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء . { وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ } مات { مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله } أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وقيل : هم حملة العرش أو رضوان والحور العين ومالك والزبانية { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى } هي في محل الرفع لأن المعنى ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى ، وإنما حذفت لدلالة { أخرى } عليها ، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان { فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب أو ينظرون أمر الله فيهم ، ودلت الآية على أن النفخة اثنتان : الأولى للموت والثانية للبعث ، والجمهور على أنها ثلاث : الأولى للفزع ، كما قال : { وَنُفِخَ فِى الصور فَفَزِعَ } [ النمل : 87 ] ، والثانية للموت والثالثة للإعادة .\r{ وَأَشْرَقَتِ الأرض } أضاءت { بِنُورِ رَبِّهَا } أي بعدله بطريق الاستعارة . يقال للملك العادل : أشرقت الآفاق بعدلك ، وأضاءت الدنيا بقسطك . كما يقال أظلمت البلاد بجور فلان ، وقال E : « الظلم ظلمات يوم القيامة » وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله ، وينصب فيها موازين قسطه ، ويحكم بالحق بين أهلها ، ولا ترى أزين للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه ، وقال الإمام أبو منصور C : يجوز أن يخلق الله نوراً فينور به أرض الموقف ، وإضافته إليه تعالى للتخصيص كبيت الله وناقة الله { وَوُضِعَ الكتاب } أي صحائف الأعمال ، ولكنه اكتفى باسم الجنس أو اللوح المحفوظ { وَجَايئَ بالنبيين } ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة وما أجابهم قومهم { والشهداء } الحفظة . وقيل : هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين العباد { بالحق } بالعدل { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } أي جزاءه { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } من غير كتاب ولا شاهد ، وقيل : هذه الآية تفسير قوله { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } . أي ووفيت كل نفس ما عملت من خير وشر لا يزاد في شر ولا ينقص من خير .\r{ وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ } سوقاً عنيفاً ، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل { زُمَراً } حال أي أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض { حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ } بالتخفيف فيهما : كوفي { أبوابها } وهي سبعة { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } أي حفظة جهنم وهم الملائكة الموكلون بتعذيب أهلها { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } من بني آدم { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا } أي وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة { قَالُواْ بلى } أتونا وتلوا علينا { ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } أي ولكن وجبت علينا كلمة الله","part":3,"page":240},{"id":1241,"text":"{ لأملأن جهنم } [ الأعراف : 18 ] بسوء أعمالنا كما قالوا : { غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } [ المؤمنون : 106 ] ، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال .\r{ قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } حال مقدرة أي مقدرين الخلود { فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } اللام فيه للجنس لأن { مَثْوَى المتكبرين } فاعل «بئس» و«بئس» فاعلها اسم معرف بلام الجنس أو مضاف إلى مثله ، والمخصوص بالذم محذوف تقديره فبئس مثوى المتكبرين جهنم . { وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً } المراد سوق مراكبهم ، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على بعض الملوك { حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا } هي التي تحكى بعدها الجمل والجملة المحكية بعدها هي الشرطية إلا أن جزاءها محذوف ، وإنما حذف لأنه في صفة ثواب أهل الجنة فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف ، وقال الزجاج : تقديره حتى إذا جاءوها { وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين } دخلوها فحذف دخولها؛ لأن في الكلام دليلاً عليه . وقال قوم : حتى إذا جاءوها وجاءوها وفتحت أبوابها فعندهم جاءوها محذوف ، والمعنى : حتى إذا جاءوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها ، وقيل : أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله تعالى : { جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب } [ ص : 50 ] . فلذلك جيء بالواو كأنه قال : حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها طبتم من دنس المعاصي ، وطهرتم من خبث الخطايا ، وقال الزجاج : أي كنتم طيبين في الدنيا ولم تكونوا خبيثين أي لم تكونوا أصحاب خبائث ، وقال ابن عباس : طاب لكم المقام ، وجعل دخول الجنة سببا عن الطيب والطهارة لأنها دار الطيبين ومثوى الطاهرين قد طهر من كل دنس وطيبها من كل قذر ، فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها .","part":3,"page":241},{"id":1242,"text":"{ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } أنجزنا ما وعدنا في الدنيا من نعيم العقبى { وَأَوْرَثَنَا الأرض } أرض الجنة وقد أورثوها أي ملكوها وجعلوا ملوكها وأطلق تصرفهم فيها كما يشاءون تشبيهاً بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه واتساعه فيه { نَتَبَوَّأُ } حال { مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ } أي يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ أي فيتخذ متبوأ ومقراً من جنته حيث يشاء { فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } في الدنيا الجنة { وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ } حال من { الملائكة } { مِنْ حَوْلِ العرش } أي محدقين من حوله . و«من» لابتداء الغاية أي ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله { يُسَبِّحُونَ } حال من الضمير في { حَافّينَ } { بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أي يقولون : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، وذلك للتلذذ دون التعبد لزوال التكليف { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين الأنبياء والأمم أو بين أهل الجنة والنار { بالحق } بالعدل { وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين } أي يقول أهل الجنة شكراً حين دخولها ، وتم وعد الله لهم كما قال { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] ، وكان رسول الله A يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر . الحوايم السبع كلها مكية عن ابن عباس Bهما","part":3,"page":242},{"id":1243,"text":"{ حم } وما بعده بالإمالة : حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد ، وبني الفتح والكسر : مدني ، وغيرهم بالتفخيم ، وعن ابن عباس أنه اسم الله الأعظم { تَنزِيلُ الكتاب } أي هذا تنزيل الكتاب { مِنَ الله العزيز } أي المنيع بسلطانه عن أن يتقول عليه متقول { العليم } بمن صدق به وكذب ، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين { غَافِرِ الذنب } ساتر ذنب المؤمنين { وَقَابِلِ التوب } قابل توبة الراجعين { شَدِيدِ العقاب } على المخالفين { ذِى الطول } ذي الفضل على العارفين أو ذي الغنى عن الكل ، وعن ابن عباس : غافر الذنب وقابل التوب لمن قال لا إله إلا الله ، شديد العقاب لمن لا يقول لا إله إلا الله . والتوب والثوب والأوب أخوات في معنى الرجوع ، والطول الغنى والفضل ، فإن قلت : كيف اختلفت هذه الصفات تعريفاً وتنكيراً والموصوف معرفة؟ قلت : أما غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين حتى يكونا في تقدير الانفصال فتكون إضافتهما غير حقيقية . وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه ، وأما شديد العقاب فهو في تقدير شديد عقابه فتكون نكرة ، فقيل هو بدل .\rوقيل : لما وجدت هذه النكرة بين هذه المعارف آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف . وإدخال الواو في { وَقَابِلِ التوب } لنكتة وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محّاءة للذنوب كأن لم يذنب كأنه قال : جامع المغفرة والقبول ، ورُوي أن عمر Bه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام ، فقيل له : تتابع في هذا الشراب ، فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر إلى فلان : سلام عليك وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . بسم الله الرحمن الرحيم { حم } إلى قوله { إِلَيْهِ المصير } . وختم الكتاب قال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة . فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ، ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته . فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه ووقفوه وادعوا له الله أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه .\r{ لآ إله إِلاَّ هُوَ } صفة أيضاً ل { ذِى الطول } ويجوز أن يكون مستأنفاً { إِلَيْهِ المصير } المرجع { مَا يجادل فِى ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ } ما يخاصم فيها بالتكذيب بها والإنكار لها ، وقد دل على ذلك في قوله { وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق } [ غافر : 5 ] فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها واستنباط معانيها ورد أهل الزيغ بها فأعظم جهاد في سبيل الله { فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى البلاد } بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة سالمين غانمين فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب ، ثم بين كيف ذلك فأعلم أن الأمم الذين كذبت قبلهم أهلكت فقال { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } نوحاً { والأحزاب } أي الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم { مِّن بَعْدِهِمْ } من بعد قوم نوح { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ } من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب { بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } ليتمكنوا منه فيقتلوه .","part":3,"page":243},{"id":1244,"text":"والأخيذ : الأسير { وجادلوا بالباطل } بالكفر { لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق } ليبطلوا به الإيمان { فَأَخَذَتْهُمْ } مظهر : مكي وحفص يعني أنهم قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذ الرسل أن أخذتهم فعاقبتهم { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } وبالياء : يعقوب . أي فإنكم تمرون على بلادهم فتعاينون أثر ذلك ، وهذا تقرير فيه معنى التعجيب { وكذلك حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } { كلمات رَبكَ } مدني وشامي { أَنَّهُمْ أصحاب النار } في محل الرفع بدل من { كلمة ربك } أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار ، ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة . أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل و { الذين كَفَرُواْ } قريش ، ومعناه كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء؛ لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار ، ويلزم الوقف على النار . لأنه لو وصل لصار\r{ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ } يعني حاملي العرش والحافين حوله وهم الكروبيون سادة الملائكة صفة لأصحاب النار وفساده ظاهر . رُوي أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورءوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وفي الحديث \" إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة \" وقيل : حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ، ومن ورائهم سبعون ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو «يسبح بما لا يسبح به الآخر» . { يُسَبِّحُونَ } خبر المبتدأ وهو { الذين } { بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أي مع حمده إذ الباء تدل على أن تسبيحهم بالحمدلة { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } وفائدته مع علمنا بأن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع بالصلاح لذلك ، وكما عقب أعمال الخير بقوله : { ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } [ البلد : 17 ] . فأبان بذلك فضل الإيمان ، وقد روعي التناسب في قوله : { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } .\r{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } كأنه قيل : ويؤمنون به ويستغفرون لمن في مثل حالهم ، وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة ، وإن تباعدت الأجناس والأماكن { رَبَّنَا } أي يقولون ربنا وهذا المحذوف حال { وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } والرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى ، إذ الأصل وسع كل شيء رحمتك وعلمك ، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز مبالغة في وصفه بالرحمة والعلم { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ } أي للذين علمت منهم التوبة لتناسب ذكر الرحمة والعلم { واتبعوا سَبِيلَكَ } أي طريق الهدى الذي دعوت إليه { وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ } «من» في موضع نصب عطف على «هم» في { وَأَدْخِلْهُمْ } أو في { وَعَدْتَّهُمْ } والمعنى وعدتهم ووعدت من صلح من آبائهم { وأزواجهم وذرياتهم إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } أي الملك الذي لا يغلب ، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئاً خالياً من الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك { وَقِهِمُ السيئات } أي جزاء السيئات وهو عذاب النار { وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ } أي رفع العذاب { هُوَ الفوز العظيم } .","part":3,"page":244},{"id":1245,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ } أي يوم القيامة إذا دخلوا النار ومقتوا أنفسهم فيناديهم خزنة النار { لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } أي لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم ، فاستغنى بذكرها مرة ، والمقت أشد البغض ، وانتصاب { إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان } بالمقت الأول عند الزمخشري ، والمعنى أنه يقال لهم يوم القيامة : كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشد مما تمقتونهن اليوم ، وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن ، وقيل : معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله : { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } [ العنكبوت : 25 ] ، و { إِذْ تَدْعُونَ } تعليل ، وقال جامع العلوم وغيره : «إذ» منصوب بفعل مضمر دل عليه { لَمَقْتُ الله } أي يمقتهم الله حين دعوا إلى الإيمان فكفروا ، ولا ينتصب بالمقت الأول لأن قوله { لَمَقْتُ الله } مبتدأ وهو مصدر وخبره { أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } ، فلا يعمل في { إِذْ تَدْعُونَ } ؛ لأن المصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن يتعلق به شيء يكون في صلته لأن الإخبار عنه يؤذن بتمامه ، وما يتعلق به يؤذن بنقصانه ، ولا بالثاني لاختلاف الزمانين ، وهذا لأنهم مقتوا أنفسهم في النار وقد دعوا إلى الإيمان في الدنيا { فَتَكْفُرُونَ } فتصرون على الكفر .","part":3,"page":245},{"id":1246,"text":"{ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } أي إماتتين وإحياءتين أو موتتين وحياتين ، وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أولاً وإماتتهم عند انقضاء آجالهم ، وصح أن يسمى خلقهم أمواتاً إماتة ، كما صح أن يقال : سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل ، وليس ثمة نقل من كبر إلى صغر ، ولا من صغر إلى كبر ، والسبب فيه أن الصغر والكبر جائزان على المصنوع الواحد ، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله منه . وبالإحياءتين : الإحياءة الأولى في الدنيا ، والإحياءة الثانية البعث ، ويدل عليه قوله : { وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [ البقرة : 28 ] . وقيل : الموتة الأولى في الدنيا ، والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال ، والإحياء الأول إحياؤه في القبر بعد موته للسؤال ، والثاني للبعث { فاعترفنا بِذُنُوبِنَا } لما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم علموا أن الله قادر على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء ، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم { فَهَلْ إلى خُرُوجٍ } من النار . أي إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء لنتخلص { مِّن سَبِيلٍ } قط أم اليأس واقع دون ذلك فلا خروج ولا سبيل إليه ، وهذا كلام من غلب عليه اليأس وإنما يقولون ذلك تحيراً ، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ } أي ذلكم الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به { فالحكم للَّهِ } حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد { العلى } شأنه ، فلا يرد قضاؤه { الكبير } العظيم سلطانه ، فلا يحد جزاؤه ، وقيل : كأن الحرورية أخذوا قولهم : لا حكم إلا لله من هذا . وقال قتادة : لما خرج أهل حروراء قال علي Bه : من هؤلاء؟ قيل : المحكمون . أي يقولون : لا حكم إلا لله ، فقال علي Bه : كلمة حق أريد بها باطل .\r{ هُوَ الذى يُرِيكُمْ ءاياته } من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السماء } وبالتخفيف : مكي وبصري { رِزْقاً } مطراً؛ لأنه سبب الرزق { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله ، فإن المعاند لا يتذكر ولا يتعظ ، ثم قال للمنيبين : { فادعوا الله } فاعبدوه { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } من الشرك { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم { رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِى الروح } ثلاثة أخبار لقوله هو مرتبة على قوله : { الذى يريكم } . أو أخبار مبتدأ محذوف ، ومعنى رفيع الدرجات رافع السماوات بعضها فوق بعض ، أو رافع درجات عباده في الدنيا بالمنزلة ، أو رافع منازلهم في الجنة .","part":3,"page":246},{"id":1247,"text":"وذو العرش مالك عرشه الذي فوق السماوات خلقه مطافاً للملائكة إظهاراً لعظمته مع استغنائه في مملكته ، والروح جبريل عليه السلام ، أو الوحي الذي تحيا به القلوب { مِنْ أَمْرِهِ } من أجل أمره أو بأمره { على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ } أي الله أو الملقى عليه وهو النبي عليه السلام ويدل عليه قراءة يعقوب { لّتُنذِرَ } { يَوْمَ التلاق } يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والأولون والآخرون . { التلاقي } : مكي ويعقوب { يَوْمَ هُم بارزون } ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء { لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ } أي من أعمالهم وأحوالهم { لّمَنِ الملك اليوم } أي يقول الله تعالى ذلك حين لا أحد يجيبه ، ثم يجيب نفسه بقوله { للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } أي الذي قهر الخلق بالموت ، وينتصب { اليوم } بمدلول { لِمَنْ } أي لمن ثبت الملك في هذا اليوم ، وقيل : ينادي منادٍ فيقول : لمن الملك اليوم فيجيبه أهل المحشر : لله الواحد القهار .\r{ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ اليوم إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك وهي أن كل نفس تجزى بما كسبت عملت في الدنيا من خير وشر ، وأن الظلم مأمون منه لأنه ليس بظلام للعبيد ، وأن الحساب لا يبطيء لأنه لا يشغله حساب عن حساب ، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزفة } أي القيامة سميت بها لأزوفها أي لقربها ، ويبدل من يوم الآزفة { إِذِ القلوب لَدَى الحناجر } أي التراقي يعني ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا { كاظمين } ممسكين بحناجرهم . من كظم القربة شد رأسها ، وهو حال من القلوب محمول على أصحابها ، أو إنما جمع الكاظم جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء { مَا للظالمين } الكافرين { مِنْ حَمِيمٍ } محب مشفق { وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } أي يشفع وهو مجاز عن الطاعة ، لأن الطاعة حقيقة لا تكون إلا لمن فوقك ، والمراد نفي الشفاعة والطاعة كما في قوله :\rولا ترى الضب بها ينجحر ... يريد نفي الضب وانجحاره ، وإن احتمل اللفظ انتفاء الطاعة دون الشفاعة ، فعن الحسن : والله ما يكون لهم شفيع البتة . { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين } مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل { وَمَا تُخْفِى الصدور } وما تسره من أمانة وخيانة ، وقيل : هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة مسارقة ، ثم يتفكر بقلبه في جمالها ولا يعلم بنظرته وفكرته من بحضرته ، والله يعلم ذلك كله ويعلم خائنة الأعين خبر من أخبار هو في قوله : { هُوَ الذى يُرِيكُمْ ءاياته } .","part":3,"page":247},{"id":1248,"text":"مثل { يُلْقِى الروح } ولكن يلقي الروح قد علل بقوله : { لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق } ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله { وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } فبعد لذلك عن أخواته { والله يَقْضِى بالحق } أي والذي هذه صفاته لا يحكم إلا بالعدل { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْءٍ } وآلهتهم لا يقضون بشيء ، وهذا تهكم بهم لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي . { تَدْعُونَ } نافع { إِنَّ الله هُوَ السميع البصير } تقرير لقوله { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِى الصدور } ، ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون ، وأنه يعاقبهم عليه ، وتعريض بما يدعون من دونه وأنها لا تسمع ولا تبصر { أَوَ لَمْ يَسِيروُاْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ } أي آخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلهم { كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } «هم» فصل ، وحقه أن يقع بين معرفتين إلا أن أشد منهم ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام ، فأجري مجراه . { مّنكُمْ } : شامي . { وَءَاثَاراً فِى الأرض } أي حصوناً وقصوراً { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } عاقبهم بسبب ذنوبهم { وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ } ولم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله .","part":3,"page":248},{"id":1249,"text":"{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي الأخذ بسبب أنهم { كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِىٌّ } قادر على كل شيء { شَدِيدُ العقاب } إذا عاقب . { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا } التسع { وسلطان مُّبِينٍ } وحجة ظاهرة { إلى فِرْعَوْنَ وهامان وقارون فَقَالُواْ } هو { ساحر كَذَّابٌ } فسموا السلطان المبين سحراً وكذباً { فَلَمَّا جَآءَهُمْ بالحق } بالنبوة { مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقتلوا أَبْنَآءَ الذين ءَامَنُواْ مَعَهُ } أي أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولاً { واستحيوا نِسَآءَهُمْ } للخدمة { وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال } ضياع يعني أنهم باشروا قتلهم أولاً فما أغنى عنهم! ، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه فما يغني عنهم هذا القتل الثاني ، وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان ، فلما بعث موسى عليه السلام وأحس بأنه قد وقع أعاده عليهم غيظاً وظناً منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى عليه السلام ، وما علم أن كيده ضائع في الكرتين جميعاً { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } لملئه { ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى } كان إذا همّ بقتله كفوه بقولهم : ليس بالذي تخافه وهو أقل من ذلك ، وما هو إلا ساحر ، وإذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة ، والظاهر أن فرعون قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر ، ولكن كان فيه خب وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء ، فكيف لا يقتل من أحس بأنه هو الذي يهدم ملكه؟ ، ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك ، وقوله { وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه ، وكان قوله : { ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى } تمويهاً على قومه وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع { إِنِّى أَخَافُ } إن لم أقتله { أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ } أن يغير ما أنتم عليه . وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام { أَوْ أَن يُظْهِرَ } موسى { فِى الأرض الفساد } بضم الياء ونصب الدال : مدني وبصري وحفص ، وغيرهم بفتح الياء ورفع الدال ، والأول أولى لموافقة { يبدل } . والفساد في الأرض التقاتل والتهايج الذي يذهب معه الأمن ، وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش ويهلك الناس قتلاً وضياعاً كأنه قال : إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه ، وقرأ غير أهل الكوفة { وَأَنْ } ، ومعناه إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معاً . { وَقَالَ مُوسَى } لما سمع بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه { إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب } وفي قوله { وَرَبِّكُمْ } بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه ، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه ، وقال { مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ } لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة ، وليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ ، وأراد بالتكبر الاستكبارعن الاذعان للحق وهو أقبح استكبار ، وأدل على دناءة صاحبه وعلى فرط ظلمه ، وقال : { لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب } : لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده ، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها ، وعذت ولذت أخوان .","part":3,"page":249},{"id":1250,"text":"{ وعت } بالإدغام : أبو عمرو وحمزة وعلي .\r{ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانه } قيل : كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً ، و { مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } صفة ل { رَجُلٌ } ، وقيل : كان إسرائيلياً ومن آل فرعون صلة ليكتم أي يكتم إيمانه من آل فرعون واسمه سمعان أو حبيب أو خربيل أو حزبيل ، والظاهر الأول { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ } لأن يقول وهذا إنكار منه عظيم كأنه قيل : أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق؟ ، وهي قوله { رَبِّىَ الله } وهو ربكم أيضاً لا ربه وحده { وَقَدْ جَآءَكُمْ } الجملة حال { بالبينات مِن رَّبِّكُمْ } يعني أنه لم يحضر لتصحيح قوله ببينة واحدة ولكن ببينات من عند من نسب إليه الربوبية وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به { وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ } احتج عليهم بطريق التقسيم فإنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً ، فإن يك كاذباً فعليه وبال كذبه ولا يتخطاه ، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب ، ولم يقل «كل الذي يعدكم» مع أنه وعد من نبي صادق القول مداراة لهم وسلوكاً لطريق الإنصاف فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له وليس فيه نفي إصابة الكل ، فكأنه قال لهم : أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض ما يعدكم وهو العذاب العاجل وفي ذلك هلاككم ، وكان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة ، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل أيضاً ، وتفسير البعض بالكل مزيف { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } مجاوز للحد { كَذَّابٌ } في ادعائه ، وهذا أيضاً من باب المجاملة ، والمعنى أنه إن كان مسرفاً كذاباً خذله الله وأهلكه فتتخلصون منه ، أو لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله بالنبوة ولما عضده بالبينات ، وقيل : أو هم أنه عنى بالمسرف موسى وهو يعني به فرعون .\r{ ياقوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين } عالين وهو حال من «كم» في { لَكُمْ } { فِى الأرض } في أرض مصر { فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا } يعني أن لكم ملك مصر ، وقد علوتم الناس وقهرتموهم ، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ، ولا تتعرضوا لبأس الله أي عذابه ، فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم ولا يمنعكم منه أحد ، وقال { يَنصُرُنَا } و { جَاءنَا } لأنه منهم في القرابة ، وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى } أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله يعني لا أستصوب إلا قتله ، وهذا الذي تقولونه غير صواب { وَمَا أَهْدِيكُمْ } بهذا الرأي { إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد } طريق الصواب والصلاح ، أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئاً ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر .","part":3,"page":250},{"id":1251,"text":"يعني أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول ، وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى عليه السلام ، ولكنه كان يتجلد ، ولولا استشعاره لم يستشر أحداً ولم يقف الأمر على الإشارة .\r{ وَقَالَ الذى ءَامَنَ ياقوم إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب } أي مثل أيامهم : لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم بقوله { مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ } ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار اقتصر على الواحد من الجمع ، ودأب هؤلاء دءوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي وكون ذلك دائباً دائماً منهم لا يفترون عنه ، ولا بد من حذف مضاف ، أي مثل جزاء دأبهم ، وانتصاب { مثل } الثاني بأنه عطف بيان ل { مثل } الأول { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ } أي وما يريد الله أن يظلم عباده فيعذبهم بغير ذنب أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب . يعني أن تدميرهم كان عدلاً لأنهم استحقوه بأعمالهم ، وهو أبلغ من قوله : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] حيث جعل المنفي إرادة ظلم منكّر ومن بعد عن إرادة ظلم ما لعباده كان عن الظلم أبعد وأبعد ، وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعيد ، لأن أهل اللغة قالوا : إذا قال الرجل لآخر «لا أريد ظلماً لك» معناه لا أريد أن أظلمك ، وهذا تخويف بعذاب الدنيا .\rثم خوفهم من عذاب الآخرة بقوله { وياقوم إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد } أي يوم القيامة . { التنادي } مكي ويعقوب في الحالين وإثبات الياء هو الأصل وحذفها حسن لأن الكسرة تدل على الياء وآخر هذه الآي على الدال ، وهو ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف : { وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار } [ الآية : 44 ] . { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [ الأعراف : 50 ] . { ونادى أصحاب الأعراف } [ الآية : 48 ] . وقيل : ينادي منادٍ : ألا إن فلانا سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً ، ألا إن فلاناً شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } منحرفين عن موقف الحساب إلى النار { مَالَكُمْ مِنَ الله } من عذاب الله { مِنْ عَاصِمٍ } مانع ودافع { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } مرشد { وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات } هو يوسف بن يعقوب ، وقيل : يوسف بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبياً عشرين سنة ، وقيل : إن فرعون موسى هو فرعون يوسف إلى زمنه .","part":3,"page":251},{"id":1252,"text":"وقيل : هو فرعون آخر وبخهم بأن يوسف أتاكم من قبل موسى بالمعجزات { فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ } فشككتم فيها ولم تزالوا شاكين { حتى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } حكماً من عند أنفسكم من غير برهان . أي أقمتم على كفركم وظننتم أنه لا يجدد عليكم إيجاب الحجة { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } أي مثل هذا الإضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب شاك في دينه .","part":3,"page":252},{"id":1253,"text":"{ الذين يجادلون } بدل من { مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } وجاز إبداله منه وهو جمع لأنه لا يريد مسرفاً واحداً بل كل مسرف { فِى ءايات الله } في دفعها وإبطالها { بِغَيْرِ سلطان } حجة { أتاهم كَبُرَ مَقْتاً } أي عظم بغضاً ، وفاعل { كَبُرَ } ضمير { مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } وهو جمع معنى وموحد لفظاً فحمل البدل على معناه والضمير الراجع إليه على لفظه ، ويجوز أن يرفع { الذين } على الابتداء ، ولا بد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في { كَبُرَ } تقديره جدال الذين يجادلون كبر مقتاً { عِندَ الله وَعِندَ الذين ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } . { قَلْبٍ } بالتنوين : أبو عمرو . وإنما وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كما تقول : سمعت الأذن وهو كقوله : { فإنه آثم قلبه } [ البقرة : 283 ] وإن كان الآثم هو الجملة .\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ } تمويهاً على قومه أو جهلاً منه { ياهامان ابن لِى صَرْحاً } أي قصراً . وقيل الصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد ، ومنه يقال : صرح الشيء إذا ظهر { لَّعَلِّى } وبفتح الياء : حجازي وشامي وأبو عمرو { أَبْلُغُ الأسباب } ثم أبدل منها تفخيماً لشأنها وإبانة أنه يقصد أمراً عظيماً { أسباب السماوات } أي طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه كالرشاء ونحوه { فَأَطَّلِعَ } بالنصب : حفص على جواب الترجي تشبيهاً للترجي بالتمني . وغيره بالرفع عطفاً على { أبلغ } { إلى إله موسى } والمعنى فأنظر إليه { وَإِنِّى لأَظُنُّهُ } أي موسى { كاذبا } في قوله له إله غيري { وكذلك } ومثل ذلك التزيين وذلك الصد { زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءَ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل } المستقيم . وبفتح الصاد : كوفي ويعقوب أي غيره صداً أو هو بنفسه صدوداً . والمزين الشيطان بوسوسته كقوله : { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل } [ النمل : 24 ] . أو الله تعالى ، ومثله : { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ } [ النمل : 4 ] { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } خسران وهلاك .\r{ وَقَالَ الذى ءَامَنَ ياقوم اتبعون } { اتبعوني } في الحالين : مكي ويعقوب وسهل . { أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد } وهو نقيض الغي ، وفيه تعريض شبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي . أجمل أولاً ، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها بقوله { ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا متاع } تمتع يسير ، فالإخلاد إليها أصل الشر ومنبع الفتن وثنى بتعظيم الآخرة وبين أنها هي الوطن والمستقر بقوله { وَإِنَّ الآخرة هِىَ دَارُ القرار } ثم ذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف بقوله :\r{ مَنْ عَمِلَ سَيَّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } { يُدخلون } مكي وبصري ويزيد وأبو بكر ، ثم وازن بين الدعوتين دعوته إلى دين الله الذي ثمرته الجنات ، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار بقوله { وياقوم مَالِيَ } وبفتح الياء : حجازي وأبو عمرو { أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاوة } أي الجنة { وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار تَدْعُونَنِى لأكْفُرَ بالله } هو بدل من { تَدْعُونَنِى } الأول يقال : دعاه إلى كذا ودعاه له كما يقال هداه إلى الطريق وهداه له { وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } أي بربوبيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال : وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يصح أن يعلم إلهاً { وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار } وهو الله سبحانه وتعالى ، وتكرير النداء لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة ، وفيه أنهم قومه وأنه من آل فرعون .","part":3,"page":253},{"id":1254,"text":"وجيء بالواو في النداء الثالث دون الثاني ، لأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل وتفسير له بخلاف الثالث .\r{ لاَ جَرَمَ } عند البصريين لا رد لما دعاه إليه قومه ، و «جرم» فعل بمعنى حق و «أن» مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته { أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلاَ فِى الآخرة } معناه أن تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط أي من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته ، وما تدعون إليه وإلى عبادته لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية ، أو معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة أو دعوة مستجابة ، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة ، أو سميت الاستجابة باسم الدعوة كما سمي الفعل المجازي عليه بالجزاء في قوله : «كما تدين تدان» { وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله } وأن رجوعنا إليه { وَأَنَّ المسرفين } وأن المشركين { هُمْ أصحاب النار فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } أي من النصيحة عند نزول العذاب { وَأُفَوِّضُ } وأسلم { أَمْرِى } وبفتح الياء : مدني وأبو عمرو { إِلَى الله } لأنهم توعدوه { إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد } بأعمالهم ومالهم { فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ } شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم ، وقيل : إنه خرج من عندهم هارباً إلى جبل فبعث قريباً من ألف في طلبه فمنهم من أكلته السباع ومن رجع منهم صلبه فرعون { وَحَاقَ } ونزل .\r{ بِأَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العذاب النار } بدل من { سُوءُ العذاب } أو خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل : ما سوء العذاب؟ فقيل : هو النار ، أو مبتدأ خبره { يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } وعرضهم عليها إحراقهم بها يقال : عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به .","part":3,"page":254},{"id":1255,"text":"{ غُدُوّاً وَعَشِيّاً } أي في هذين الوقتين يعذبون بالنار ، وفيما بين ذلك إما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفس عنهم ، ويجوز أن يكون غدواً وعشياً عبارة عن الدوام هذا في الدنيا { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } يقال لخزنة جهنم { أَدْخلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ } من الإدخال : مدني وحمزة وعلي وحفص وخلف ويعقوب ، وغيرهم { أدخلوا } أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون { أَشَدَّ العذاب } أي عذاب جهنم ، وهذه الآية دليل على عذاب القبر . { وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ } واذكر وقت تخاصمهم { فِى النار فَيَقُولُ الضعفاؤا لِلَّذِينَ استكبروا } يعني الرؤساء { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } تباعاً كخدم في جمع خادم { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ } دافعون { عَنَّا نَصِيباً } جزاءً { مِّنَ النار قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } التنوين عوض من المضاف إليه أي إنا كلنا فيها لا يغني أحد عن أحد { إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد } قضى بينهم بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار { وَقَالَ الذين فِى النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ } للقُوَّام بتعذيب أهلها . وإنما لم يقل «لخزنتها» لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً ، ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار قعراً من قولهم «بئر جهنّام» بعيدة القعر وفيها أعتى الكفار وأطغاهم ، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله تعالى فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم { ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً } بقدر يوم من الدنيا { مِّنَ العذاب قَالُواْ } أي الخزنة توبيخاً لهم بعد مدة طويلة { أَوَلَمْ تَكُ } أي ولم تك قصة ، وقوله { تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم } تفسير للقصة { بالبينات } بالمعجزات { قَالُواْ } أي الكفار { بلى قَالُواْ } أي الخزنة تهكماً بهم { فادعوا } أنتم ولا استجابة لدعائكم { وَمَا دعاؤا الكافرين إِلاَّ فِى ضلال } بطلان وهو من قول الله تعالى ، ويحتمل أن يكون من كلام الخزنة .\r{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءَامَنُواْ فِى الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد } أي في الدنيا والآخرة يعني أنه يغلبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله والعاقبة لهم ، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين . و { يوم } نصب محمول على موضع الجار والمجرور كما تقول جئتك في أمس واليوم ، والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب يريد الأنبياء والحفظة ، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال . { تَقُومُ } بالتاء : الرازي عن هشام","part":3,"page":255},{"id":1256,"text":"{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ } هذا بدل من { يَوْمَ يَقُومُ } أي لا يقبل عذرهم . { لاَّ ينفَعُ } كوفي ونافع { وَلَهُمُ اللعنة } البعد من رحمة الله { وَلَهُمْ سُوءُ الدار } أي سوء دار الآخرة وهو عذابها { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الهدى } يريد به جميع ما أتى به في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع { وَأَوْرَثْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب } أي التوراة والإنجيل والزبور لأن الكتاب جنس أي تركنا الكتاب من بعد هذا إلى هذا { هُدًى وذكرى } إرشاداً وتذكرة ، وانتصابهما على المفعول له أو على الحال { لأُِوْلِى الألباب } لذوي العقول . { فاصبر } على ما يجرعك قومك من الغصص { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } يعني إن ما سبق به وعدي من نصرتك وإعلاء كلمتك حق { واستغفر لِذَنبِكَ } أي لذنب أمتك { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشى والإبكار } أي دم على عبادة ربك والثناء عليه . وقيل : هما صلاتا العصر والفجر . وقيل : قل سبحان الله وبحمده . { إِنَّ الذين يجادلون فِى ءايات الله بِغَيْرِ سلطان أتاهم } لا وقف عليه لأن خبر «إن» { إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } تعظم وهو إرادة التقدم والرياسة وأن لا يكون أحد فوقهم ، فلهذا عادوك ودفعوا آياتك خيفة أن تتقدمهم ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة ، أو إرادة أن تكون لهم النبوة دونك حسداً وبغياً وبدل عليه قوله : { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } [ الأحقاف : 11 ] أو إرادة دفع الآيات بالجدل { مَّا هُم ببالغيه } ببالغي موجب الكبر ومقتضيه وهو متعلق إرادتهم من الرياسة أو النبوة أو دفع الآيات { فاستعذ بالله } فالتجيء إليه من كيد من يحسدك ويبغي عليك { إِنَّهُ هُوَ السميع } لم تقول ويقولون { البصير } بما تعمل ويعملون فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرهم .\r{ لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس } لما كانت مجادلتهم في آيات الله مشتملة على إنكار البعث ، وهو أصل المجادلة ومدارها حجوا بخلق السماوات الأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها فإن من قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان مع مهانته أقدر . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } لأنهم لا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم . { وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسىء } «لا» زائدة { قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } تتعظون بتاءين : كوفي ، وبياء وتاء : غيرهم ، و { قَلِيلاً } صفة مصدر محذوف أي تذكراً قليلاً يتذكرون و«ما» صلة زائدة . { إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا } لا بد من مجيئها وليس بمرتاب فيها لأنه لا بد من جزاء لئلا يكون خلق الخلق للفناء خاصة { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } لا يصدقون بها { وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى } اعبدوني { أَسْتَجِبْ لَكُمْ } أثبكم فالدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ويدل عليه قوله { إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } وقال عليه السلام :","part":3,"page":256},{"id":1257,"text":"\" الدعاء هو العبادة \" وقرأ هذه الآية A . وعن ابن عباس Bهما : وحدوني أغفر لكم وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد . وقيل : سلوني أعطكم { سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ } { سيُدخلون } مكي وأبو عمرو . { داخرين } صاغرين .\r{ الله الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً } هو من الإسناد المجازي أي مبصراً فيه لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار . وقرن { اليل } بالمفعول له و { النهار } بالحال ولم يكونا حالين أو مفعولاً لهما رعاية لحق المقابلة لأنهما متقابلان معنى ، لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر ، ولأنه لو قيل لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي ، ولو قيل ساكناً لم تتميز الحقيقة من المجاز إذ الليل يوصف بالسكون على الحقيقة ، ألا ترى إلى قولهم ليل ساجٍ أي ساكن لا ريح فيه { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } ولم يقل لمفضل أو لمتفضل لأن المراد تنكير الفضل وأن يجعل فضلاً لا يوازيه فضل وذلك إنما يكون بالإضافة { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } ولم يقل «ولكن أكثرهم» حتى لا يتكرر ذكر الناس لأن في هذا التكرير تخصيصاً لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله ولا يشكرونه كقوله : { إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ } [ الحج : 66 ] . وقوله : { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] .\r{ ذلكم } الذي خلق لكم الليل والنهار { الله رَبُّكُمْ خالق كُلِّ شَىْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الربوبية والإلهية وخلق كل شيء والوحدانية { فأنى تُؤْفَكُونَ } فكيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان؟ { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بئايات الله يَجْحَدُونَ } أي كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يطلب الحق أفك كما أفكوا .\r{ الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً } مستقراً { والسمآء بِنَاءً } سقفاً فوقكم { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } قيل : لم يخلق حيواناً أحسن صورة من الإنسان . وقيل : لم يخلقهم منكوسين كالبهائم { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } اللذيذات { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فتبارك الله رَبُّ العالمين هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه } فاعبدوه { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } أي الطاعة من الشرك والرياء قائلين { الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } وعن ابن عباس Bهما : من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين . ولما طلب الكفار منه عليه السلام عبادة الأوثان نزل { قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَمَّا جَآءَنِى البينات مِن رَّبِّى } هي القرآن وقيل العقل والوحي { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ } أستقيم وأنقاد { لِرَبِّ العالمين هُوَ الذى خَلَقَكُمْ } أي أصلكم { مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } اقتصر على الواحد لأن المراد بيان الجنس { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } متعلق بمحذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك { ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً } وبكسر الشين : مكي وحمزة وعلي وحماد ويحيى والأعشى { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ } أي من قبل بلوغ الأشد أو من قبل الشيوخة { وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معناه ويفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى وهو وقت الموت أو يوم القيامة { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في ذلك من العبر والحجج { هُوَ الذى يُحْيِى وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ } أي فإنما يكوّنه سريعاً من غير كلفة .","part":3,"page":257},{"id":1258,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يجادلون فِى ءايات الله أنى يُصْرَفُونَ } ذكر الجدال في هذه السورة في ثلاثة مواضع فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام أو ثلاثة أصناف أو للتأكيد { الذين كَذَّبُواْ بالكتاب } بالقرآن { وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا } من الكتاب { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الاغلال فِى أعناقهم } «إذا» ظرف زمان ماضٍ والمراد به هنا الاستقبال كقوله : { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وهذا لأن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى مقطوعاً بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد ، والمعنى على الاستقبال { والسلاسل } عطف على { الأغلال } والخبر { فِى أعناقهم } والمعنى إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم { يُسْحَبُونَ فِى الحميم } يجرون في الماء الحار { ثُمَّ فِى النار يُسْجَرُونَ } من سجر التنور إذا ملأه بالوقود ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بالنار مملوءة بها أجوافهم { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ } أي تقول لهم الخزنة { أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله } يعني الأصنام التي تعبدونها { قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا } غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا ننتفع بهم { بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً } أي تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئاً وما كنا نعبد بعبادتهم شيئاً كما تقول : حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيراً . { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين } مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلون عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا ، أو كما أضل هؤلاء المجادلين يضل سائر الكافرين الذين علم منهم اختيار الضلالة على الدين { ذلكم } العذاب الذي نزل بكم { بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح بغير الحق وهو الشرك وعبادة الأوثان فيقال لهم { ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ } السبعة المقسومة لكم .","part":3,"page":258},{"id":1259,"text":"قال الله تعالى : { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ } [ الحجر : 44 ] . { خالدين فِيهَا } مقدرين الخلود { فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } عن الحق جهنم { فاصبر } يا محمد { إِنَّ وَعْدَ الله } بإهلاك الكفار { حَقٌّ } كائن { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } أصله فإن نريك و«ما» مزيدة لتوكيد معنى الشرط ولذلك ألحقت النون بالفعل ، ألا تراك لا تقول إن تكرمني أكرمك ولكن إما تكرمني أكرمك { بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } هذا الجزاء متعلق ب { نَتَوَفَّيَنَّكَ } وجزاء { نُرِيَنَّكَ } محذوف وتقديره وإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب وهو القتل يوم بدر فذاك ، أو إن نتوفينك قبل يوم بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام .","part":3,"page":259},{"id":1260,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ } إلى أممهم { مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } قيل : بعث الله ثمانية آلاف نبي : أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس . وعن علي Bه : إن الله تعالى بعث نبياً أسود فهو ممن لم تذكر قصته في القرآن { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } وهذا جواب اقتراحهم الآيات عناداً يعني إنا قد أرسلنا كثيراً من الرسل وما كان لواحد منهم أن يأتي بآية إلا بإذن الله فمن أين لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء الله ويأذن في الإتيان بها؟ { فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله } أي يوم القيامة وهو وعيد ورد عقيب اقتراحهم الآيات { قُضِىَ بالحق وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون } المعاندون الذين اقترحوا الآيات عناداً .\r{ الله الذى جَعَلَ } خلق { لَكُمُ الأنعام } الإبل { لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها { وَلَكُمْ فيِهَا منافع } أي الألبان والأوبار { وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ } أي لتبلغوا عليها ما تحتاجون إليه من الأمور { وَعَلَيْهَا } وعلى الأنعام { وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ } أي على الأنعام وحدها لا تحملون ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر { وَيُرِيكُمْ ءاياته فَأَىَّ ءايات الله تُنكِرُونَ } أنها من عند الله . و { أَي } نصب ب { تُنكِرُونَ } وقد جاءت على اللغة المستفيضة . وقولك «فأية آيات الله» قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهي في «أي» أغرب لإبهامه { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ } عدداً { وَأَشَدَّ قُوَّةً } بدناً { وَءَاثَاراً فِى الأرض } قصوراً ومصانع . { فَمَآ أغنى عَنْهُمْ } «ما» نافية { مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم } يريد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافلون } [ الروم : 7 ] فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات ، لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به ، أو علم الفلاسفة والدهريين فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم . وعن سقراط أنه سمع بموسى عليه السلام وقيل له : لو هاجرت إليه فقال : نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا ، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به كأنه قال : استهزءوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين ، ويدل عليه قوله { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } أو الفرح للرسل أي الرسل لما رأوا جهلهم واستهزاءهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم .","part":3,"page":260},{"id":1261,"text":"{ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } شدة عذابنا { قَالُواْ ءَامَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } أي فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم { سُنَّتَ الله } بمنزلة وعد الله ونحوه من المصادر المؤكدة { التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ } أن الإيمان عند نزول العذاب لا ينفع وأن العذاب نازل بمكذبي الرسل { وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون } هنالك مكان مستعار للزمان والكافرون خاسرون في كل أوان ، ولكن يتبين خسرانهم إذا عاينوا العذاب ، وفائدة ترادف الفاءات في هذه الآيات أن { فَمَا أغنى عَنْهُمْ } نتيجة قوله { كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ } و { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } كالبيان والتفسير لقوله { فَمَا أغنى عَنْهُمْ } كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء ، و { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تابع لقوله { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ } كأنه قال : فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا ، وكذلك { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم } تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله ، والله أعلم .","part":3,"page":261},{"id":1262,"text":"{ حم } إن جعلته اسماً للسورة كان مبتدأ { تَنزِيلٌ } خبره ، وإن جعلته تعديداً للحروف كان { تَنزِيل } خبراً لمبتدأ محذوف و { كِتَابٌ } بدل من { تَنزِيل } أو خبر بعد خبر ، أو خبر مبتدأ محذوف أو { تنزيل } مبتدأ { مِّنَ الرحمن الرحيم } صفته { كِتَابٌ } خبره { فُصِّلَتْ ءاياته } ميزت وجعلت تفاصيل في معانٍ مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد وغير ذلك { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } نصب على الاختصاص والمدح أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت ، أو على الحال أي فصلت آياته في حال كونه قرآناً عربياً { لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي . و { لِقَوْمٍ } يتعلق ب { تَنزِيل } أو ب { فُصّلَتْ } أي تنزيل من الله لأجلهم أو فصلت آياته لهم ، والأظهر أن يكون صفته مثل ما قبله وما بعده أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب { بَشِيراً وَنَذِيراً } صفتان ل { قُرْءَاناً } { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } أي لا يقبلون من قولك «تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي» ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه فكأنه لم يسمعه .\r{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } أغطية جمع كنان وهو الغطاء { مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد { وَفِى ءَاذَانِنَا وَقْرٌ } ثقل يمنع من استماع قولك { وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } ستر . وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها ومج إسماعهم له كأنه بها صمماً عنه ، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وماهم عليه وبين رسول الله A وما هو عليه حجاباً ساتراً وحاجزاً منيعاً من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي { فاعمل } على دينك { إِنَّنَا عاملون } على ديننا أو فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك . وفائدة زيادة «من» أن الحجاب ابتداء منا وابتدأ منك ، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها ، ولو قيل بينا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط الجهتين .\r{ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } هذا جواب لقولهم { قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } ووجهه أنه قال لهم : إني لست بملك وإنما أنا بشر مثلكم وقد أوحي إلي دونكم فصحت نبوتي بالوحي إليّ وأنا بشر ، وإذا صحت نبوتي وجب عليكم اتباعي وفيما يوحى إليّ أن إلهكم إله واحد { فاستقيموا إِلَيْهِ } فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يميناً ولا شمالاً ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء { واستغفروه } من الشرك { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها أو لا يفعلون ما يكونون به أزكياء وهو الإيمان { وَهُم بالآخرة } بالبعث والثواب والعقاب { هُمْ كافرون } وإنما جعل منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه ، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته وصدق نيته ونصوع طويته ، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم ، وما ارتدت بنو حنيفة إلا بمنع الزكاة ، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد من منعها { إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } مقطوع .","part":3,"page":262},{"id":1263,"text":"قيل : نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون .\r{ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } الأحد والاثنين تعليماً للأناة ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } شركاء وأشباهاً { ذلك } الذي خلق ما سبق { رَبُّ العالمين } خالق جميع الموجودات وسيدها ومربيها { وَجَعَلَ فِيهَا } في الأرض { رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت { مِّن فَوْقِهَا } إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع الجبال ظاهرة لطالبيها ، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك وهو الله D { وبارك } بالماء والزرع والشجر والثمر { فِيهَا } وفي الأرض . وقيل : وبارك فيها وأكثر خيرها { وَقَدَّرَ فِيهَآ أقواتها } أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم ، وقرأ ابن مسعود Bه { وقسم فيها أقواتها } { فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } في تتمة أربعة أيام يريد بالتتمة اليومين تقول : سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة وإلى الكوفة في خمسة عشر أي تتمة خمسة عشر ولا بد من هذا التقدير ، لأنه لو أجرى على الظاهر لكانت ثمانية أيام لأنه قال { خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } ثم قال { وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } ثم قال { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ } فيكون خلاف قوله { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [ ق : 38 ] في موضع آخر ، وفي الحديث : « إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين ، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب فتلك أربعة أيام ، وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة ، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة » قيل : هي الساعة التي تقوم فيها القيامة { سَوَآءً } { سَوَآءٍ } : يعقوب صفة للأيام أي في أربعة أيام مستويات تامات ، { سَوَآء } بالرفع : يزيد أي هي سواء ، غيرهما { سَوَآء } على المصدر أي استوت سواء أي استواء أو على الحال { لِّلسَّائِلِينَ } متعلق ب { قدر } أي قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها والمحتاجين إليها ، لأن كلاً يطلب القوت ويسأله ، أو بمحذوف كأنه قيل : هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها .","part":3,"page":263},{"id":1264,"text":"{ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } هو مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد ، تقول العرب : فعل فلان كذا . ثم استوى إلى عمل كذا يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني ، ويفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض وبه قال ابن عباس Bهما ، وعنه أنه قال : أول ما خلق الله تعالى جوهرة طولها وعرضها مسيرة ألف سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت ، ثم ثار منها دخان بتسليط النار عليها فارتفع واجتمع زبد فقام فوق الماء فجعل الزبد أرضاً والدخان سماء . ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد أن يكونهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع . وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين لأنه قد خلق جرم الأرض أولاً غير مدحوة ثم دحاها بعد خلق السماء كما قال : { والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 30 ] فالمعنى أن ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ، ائتي يا أرض مدحوة قراراً ومهاداً لأهلك وائتي يا سماء مقبية سقفاً لهم . ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما تقول أتى عمله مرضياً ، وقوله { طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } لبيان تأثير قدرته فيهما وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال كما تقول لمن تحت يدك . لتفعلن هذا شئت أو أبيت ، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً . وانتصابهما على الحال بمعنى طائعتين أو مكرهتين . وإنما لم يقل طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما سموات وأرضون لأنهن لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بالطوع والكره . قيل : طائعين في موضع طائعات كقوله { ساجدين } [ يوسف : 4 ] . { فَقَضَاهُنَّ } فأحكم خلقهن . قال :\rوعليهما مسرودتان قضاهما ... والضمير يرجع إلى السماء لأن السماء للجنس ، ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بقوله { سَبْعَ سماوات } .\rوالفرق بين النصبين في { سَبْعَ سموات } أن الأول على الحال والثاني على التمييز { فِى يَوْمَيْنِ } في يوم الخميس والجمعة { وأوحى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا } ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيران وغير ذلك { وَزَيَّنَّآ السمآء الدنيا } القريبة من الأرض { بمصابيح } بكواكب { وَحِفْظاً } وحفظناها من المسترقة بالكواكب حفظاً { ذلك تَقْدِيرُ العزيز } الغالب غير المغلوب { العليم } بمواقع الأمور .\r{ فَإِنْ أَعْرَضُواْ } عن الإيمان بعد هذا البيان { فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ } خوفتكم { صاعقة } عذاباً شديد الوقع كأنه صاعقة وأصلها رعد معه نار { مِّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَآءَتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أي أتوهم من كل جانب وعملوا فيهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا الإعراض .","part":3,"page":264},{"id":1265,"text":"وعن الحسن : أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة { أَن } بمعنى «أي» أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه { لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله قَالُواْ } أي القوم { لَوْ شَآءَ رَبُّنَا } إرسال الرسل فمفعول { شَاء } محذوف { لأَنزَلَ ملائكة فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } معناه فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به ، وقوله { أُرْسِلْتُمْ بِهِ } ليس بإقرار بالإرسال وإنما هو على كلام الرسل وفيه تهكم كما قال فرعون : { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء : 27 ] وقولهم : { فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } . خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم . رُوي أن قريشاً بعثوا عتبة بن ربيعة وكان أحسنهم حديثاً ليكلم رسول الله A وينظر ما يريد ، فأتاه وهو في الحطيم فلم يسأل شيئاً إلا أجابه ثم قرأ عليه السلام السورة إلى قوله { مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ } فناشده بالرحم وأمسك على فيه ووثب مخافة أن يصب عليهم العذاب فأخبرهم به وقال : لقد عرفت السحر والشعر فوالله ما هو بساحر ولا بشاعر فقالوا : لقد صبأت أما فهمت منه كلمة؟ فقال : لا ولم أهتد إلى جوابه . فقال عثمان بن مظعون : ذلك والله لتعلموا أنه من رب العالمين .\rثم بين ما ذكر من صاعقة عاد وثمود فقال { فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِى الأرض بِغَيْرِ الحق } أي تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الأجرام ، أو استولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية { وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم ، وبلغ قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده { أَوَلَمْ يَرَوْاْ } أولم يعلموا علماً يقوم مقام العيان { أَنَّ الله الذى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره { وَكَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ } معطوف على { فاستكبروا } أي كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } عاصفة تصرصر أي تصوت في هبوبها من الصرير ، أو باردة تحرق بشدة بردها تكرير لبناء الصر وهو البرد قيل إنها الدبور { فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } مشئؤومات عليهم . { نَّحِسَاتٍ } مكي وبصري ونافع . ونُحِس نحساً نقيض سعد سعداً وهو نحس ، وأما نحس فإما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر وكانت من الأربعاء في آخر شوال إلى الأربعاء ، وما عذب قوم إلا في الأربعاء . { لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا } أضاف العذاب إلى الخزي وهو الذل على أنه وصف للعذاب كأنه قال عذاب خزي كما تقول فعل السوء تريد الفعل السيء ، ويدل عليه قوله { وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى } وهو من الإسناد المجازي ، ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصفهم به فشتان ما بين قوليك «هو شاعر» و «له شعر شاعر» . { وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } من الأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم .","part":3,"page":265},{"id":1266,"text":"{ وَأَمَّا ثَمُودُ } بالرفع على الابتداء وهو الفصيح لوقوعه بعد حرف الابتداء والخبر { فهديناهم } وبالنصب المفضّل بإضمار فعل يفسره { فهديناهم } أي بينا لهم الرشد { فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } فاختاروا الكفر على الإيمان { فَأَخَذَتْهُمْ صاعقة العذاب } داهية العذاب { الهون } الهوان وصف به العذاب مبالغة أو أبدله منه { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بكسبهم وهو شركهم ومعاصيهم ، وقال الشيخ أبو منصور : يحتمل ما ذكر من الهداية التبيين كما بينا ، ويحتمل خلق الاهتداء فيهم فصاروا مهتدين ثم كفروا بعد ذلك وعقروا الناقة ، لأن الهدى المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان والتوفيق وخلق فعل الاهتداء ، فأما الهدى المضاف إلى الخلق يكون بمعنى البيان لا غير . وقال صاحب الكشاف فيه : فإن قلت : أليس معنى قولك هديته جعلت فيه الهدى والدليل عليه قولك هديته فاهتدى بمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول : ردعته فارتدع ، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ قلت : للدلالة على أنه مكنهم فأزاح عللهم ولم يبق لهم عذر فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها وإنما تمحل بهذا لأنه لا يتمكن من أن يفسره بخلق الاهتداء لأنه يخالف مذهبه الفاسد { وَنَجَّيْنَا الذين ءَامَنُواْ } أي اختاروا الهدى على العمى من تلك الصاعقة { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } اختيار العمى على الهدى .\r{ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار } أي الكفار من الأولين والآخرين . { نَحْشُرُ أَعْدَاءَ } نافع ويعقوب { فَهُمْ يُوزَعُونَ } يحبس أولهم على آخرهم أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم ، وهي عبارة عن كثرة أهل النار وأصله من وزعته أي كففته { حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا } صاروا بحضرتها و«ما» مزيدة للتأكيد ومعنى التأكيد أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ولا وجه لأن يخلو منها { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } شهادة الجلود بملامسة الحرام وقيل : وهي كناية عن الفروج { وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } لما تعاظمهم من شهادتها عليهم { قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ } من الحيوان والمعنى أن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان { وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وهو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ورجوعكم إلى جزائه { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ } أي أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش ، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً { ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ } ولكنكم إنما استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم .","part":3,"page":266},{"id":1267,"text":"{ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } وذلك الظن هو الذي أهلككم ، و { ذلكم } مبتدأ و { ظَنُّكُمُ } خبر و { الذى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ } صفته و { أَرْدَاكُمْ } خبر ثانٍ أو { ظَنُّكُمُ } بدل من { ذلكم } و { أَرْدَاكُمْ } الخبر { فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الخاسرين فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ } أي فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من الثواء في النار { وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين } وإن يطلبوا الرضا فما هم من المرضيّين ، أو إن يسألوا العتبى وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعاً مما هم فيه لم يعتبوا لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ } أي قدرنا لمشركي مكة ، يقال : هذان ثوبان قيضان أي مثلان والمقايضة المعاوضة ، وقيل : سلطنا عليهم { قُرَنَآءَ } أخداناً من الشياطين جمع قرين كقوله { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [ الزخرف : 36 ] { فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها ، أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات وما خلفهم من أمر العاقبة وأن لا بعث ولا حساب { وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول } كلمة العذاب { فِى أُمَمٍ } في جملة أمم ومحله النصب على الحال من الضمير في { عَلَيْهِمْ } أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ } قبل أهل مكة { مِّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } هو تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير لهم وللأمم .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان } إذًّا قريء { والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } وعارضوه بكلام غير مفهوم حتى تشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته { فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً } يجوز أن يريد بالذين كفروا هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة ، ولكن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر .\r{ ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله } ذلك إشارة إلى الأسوأ ويجب أن يكون التقدير أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون حتى تستقيم هذه الإشارة { النار } عطف بيان للجزاء أو خبر مبتدأ محذوف { لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ } أي النار في نفسها دار الخلد كما تقول : لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها { جَزَآءً } أي جوزوا بذلك جزاء { بِمَا كَانُوا بئاياتنا يَجْحَدُونَ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا } وبسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخْذِ فَخْذ : مكي وشامي وأبو بكر . وبالاختلاس : أبوعمرو { اللذين أضلانا } أي الشيطانين اللذين أضلانا { مِّنَ الجن والإنس } لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي ، قال تعالى :","part":3,"page":267},{"id":1268,"text":"{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن } { نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين } في النار جزاء إضلالهم إيانا .\r{ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله } أي نطقوا بالتوحيد { ثُمَّ استقاموا } ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضيانه ، وعن الصديق Bه : استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً : وعنه أنه تلاها ثم قال : ما تقولون فيها؟ قالوا : لم يذنبوا . قال : حملتم الأمر على أشده . قالوا : فما تقول؟ قال : لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان . وعن عمر Bه : لم يروغوا روغان الثعالب أي لم ينافقوا . وعن عثمان Bه : أخلصوا العمل . وعن علي Bه : أدوا الفرائض . وعن الفضيل : زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية . وقيل : حقيقة الاستقامة القرار بعد الإقرار لا الفرار بعد الإقرار { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة } عند الموت { أن } بمعنى «أي» أو مخففة من الثقيلة وأصله بأنه { لاَ تَخَافُواْ } والهاء ضمير الشأن أي لا تخافوا ما تقدمون عليه { وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما خلفتهم فالخوف غم يلحق الإنسان لتوقع المكروه ، والحزن غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار والمعنى أن الله كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه { وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } في الدنيا ، وقال محمد بن علي الترمذي : تتنزل عليهم ملائكة الرحمن عند مفارقة الأرواح الأبدان أن لا تخافوا سلب الإيمان ، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان ، وأبشروا بدخول الجنان التي كنتم توعدون في سالف الزمان { نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الحياة الدنيا وَفِى الآخرة } كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } من النعيم { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } تتمنون { نُزُلاً } هو رزق نزيل وهو الضيف وانتصابه على الحال من الهاء المحذوفة أو من «ما» { مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } نعت له .","part":3,"page":268},{"id":1269,"text":"{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله } إلى عبادته هو رسول الله دعا إلى التوحيد { وَعَمِلَ صالحا } خالصاً { وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين } تفاخراً بالإسلام ومعتقداً له ، أو أصحابه عليه السلام ، أو المؤذنون ، أو جميع الهداة والدعاة إلى الله . { وَلاَ تَسْتَوِى الحسنة وَلاَ السيئة ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ } يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك كما لو أساء إليك رجل إساءة ، فالحسنة أن تعفو عنه ، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك مثل أن يذمك فتمدحه أو يقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه { فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك . ثم قال { وَمَا يُلَقَّاهَآ } أي وما يلقي هذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } إلا أهل الصبر { وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } إلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير . وإنما لم يقل «فادفع بالتي هي أحسن» لأنه على تقدير قائل قال : فكيف أصنع؟ فقيل : { ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ } وقيل : «لا» مزيدة للتأكيد والمعنى : لا تستوي الحسنة والسيئة ، وكان القياس على هذا التفسير أن يقال : ادفع بالتي هي حسنة ، ولكن وضع { التى هِىَ أَحْسَنُ } موضع «الحسنة» ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة ، لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها ، وعن ابن عباس Bهما : بالتي هي أحسن : الصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة وفسر الحظ بالثواب ، وعن الحسن : والله ما عظم حظ دون الجنة ، وقيل : نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدواً مؤذياً للنبي A فصار ولياً مصافياً { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ } النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه يبعثه على ما لا ينبغي ، وجعل النزغ نازغاً كما قيل جد جده ، أو أريد وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر أو لتسويله ، والمعنى وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن { فاستعذ بالله } من شره وامض على حلمك ولا تطعه { إِنَّهُ هُوَ السميع } لاستعاذتك { العليم } بنزغ الشيطان .\r{ وَمِنْ ءاياته } الدالة على وحدانيته { الليل والنهار } في تعاقبهما على حد معلوم وتناوبهما على قدر مقسوم { والشمس والقمر } في اختصاصهما بسير مقدور ونور مقرر { لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } فإنهما مخلوقان وإن كثرت منافعهما { واسجدوا لِلَّهِ الذى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } الضمير في { خَلَقَهُنَّ } للآيات أو الليل والنهار والشمس والقمر ، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث ، تقول : الأقلام بريتها وبريتهن ، ولعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله تعالى ، فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصاً إن كانوا إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين ، فإن من عبد مع الله غيره لا يكون عابداً لله .","part":3,"page":269},{"id":1270,"text":"{ فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ } أي الملائكة { يُسَبِّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ } لا يملون . والمعنى فإن استكبروا ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصاً ، فدعهم وشأنهم فإن الله تعالى لا يعدم عابد أو ساجد بالإخلاص وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد . و { عِندَ رَبّكَ } عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة . وموضع السجدة عندنا { لاَ يَسْئَمُونَ } وعند الشافعي C عند { تَعْبُدُونَ } والأول أحوط .\r{ وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة } يابسة مغبرة والخشوع التذلل فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء } المطر { اهتزت } تحركت بالنبات { وَرَبَتْ } انتفخت { إِنَّ الذى أحياها لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فيكون قادراً على البعث ضرورة { إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فِى ءاياتنا } يميلون عن الحق في أدلتنا بالطعن ، يقال : ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة ، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة . { يُلْتحِدُونَ } حمزة { لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } وعيد لهم على التحريف { أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أم مَّن يَأْتِى ءَامِناً يَوْمَ القيامة } هذا تمثيل للكافر والمؤمن { اعملوا مَا شِئْتُمْ } هذا نهاية في التهديد ومبالغة في الوعيد { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم عليه { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر } بالقرآن لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا تأويله { لَمَّا جَآءَهُمْ } حين جاءهم . وخبر «إن» محذوف أي يعذبون أو هالكون أو { أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } وما بينهما اعتراض { وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ } أي منيع محمي بحماية الله { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل } التبديل أو التناقض { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } أي بوجه من الوجوه { تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } مستحق للحمد .\r{ مَّا يُقَالُ لَكَ } ما يقول لك كفار قومك { إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ } ورحمة لأنبيائه { وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } لأعدائهم ، ويجوز أن يكون ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك ، والمقول هو قوله { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } .","part":3,"page":270},{"id":1271,"text":"{ وَلَوْ جعلناه } أي الذكر { قُرْءَاناً أَعْجَمِيَّاً } أي بلغة العجم كانوا لتعنتهم يقولون : هلا نزل القرآن بلغة العجم فقيل في جوابهم : لو كان كما يقترحون { لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءاياته } أي بينت بلسان العرب حتى نفهمها تعنتاً { ءَأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ } بهمزتين كوفي غير حفص ، والهمزة للإنكار يعني لأنكروا وقالوا : أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي . الباقون بهمزة واحدة ممدودة مستفهمة . والأعجمي الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه سواء كان من العجم أو العرب ، والعجمي منسوب إلى أمة العجم فصيحاً كان أو غير فصيح ، والمعنى أن آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتاً لأنهم غير طالبين للحق وإنما يتبعون أهواءهم ، وفيه إشارة إلى أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآناً فيكون دليلاً لأبي حنيفة Bه في جواز الصلاة إذا قرأ بالفارسية . { قُلْ هُوَ } أي القرآن { لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى } إرشاد إلى الحق { وَشِفَاءٌ } لما في الصدور من الشك إذ الشك مرض { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ } في موضع الجر لكونه معطوفاً على { الذين آمَنْوا } أي هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر أي صمم إلا أن فيه عطفاً على عاملين وهو جائز عند الأخفش ، أو الرفع وتقديره والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر على حذف المبتدأ أو في آذانهم منه وقر { وَهُوَ } أي القرآن { عَلَيْهِمْ عَمًى } ظلمة وشبهة { أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } يعني أنهم لعدم قبولهم وانتفاعهم كأنهم ينادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة . وقيل : ينادون في القيامة من مكان بعيد بأقبح الأسماء . { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ } فقال بعضهم : هو حق . وقال بعضهم : هو باطل كما اختلف قومك في كتابك { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } بتأخير العذاب { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } لأهلكهم إهلاك استئصال . وقيل : الكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا { وإِنَّهُمْ } وإن الكفار { لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } موقع في الريبة { مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ } فنفسه نفع { وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } فنفسه ضر { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } فيعذب غير المسيء .","part":3,"page":271},{"id":1272,"text":"{ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة } أي علم قيامها يرد إليه أي يجب على المسؤول أن يقول الله يعلم ذلك { وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات } مدني وشامي وحفص وغيرهم بغير ألف { مِّنْ أَكْمَامِهَا } أوعيتها قبل أن تنشق جمع «كم» { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى } حملها { وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به ، يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى } أضافهم إلى نفسه على زعمهم وبيانه في قوله { أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ } وفيه تهكم وتقريع { قَالُواْ ءَاذَنَّاكَ } أعلمناك وقيل أخبرناك وهو الأظهر إذ الله تعالى كان عالماً بذلك وإعلام العالم محال ، أما الإخبار للعالم بالشيء فيتحقق بما علم به إلا أن يكون المعنى إنك علمت من قلوبنا الآن إنا لنشهد تلك الشهادة الباطلة ، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنه أعلموه .\r{ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } أي ما منا أحد اليوم يشهد بأن لك شريكاً وما منا إلا من هو موحد لك ، أو مامنا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ . وقيل : هو كلام الشركاء أي ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ } يعبدون { مِن قَبْلُ } في الدنيا { وَظَنُّواْ } وأيقنوا { مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } مهرب . { لاَّ يَسْئَمُ } لا يمل { الإنسانث } الكافر بدليل قوله { وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } { مِن دُعَآءِ الخير } من طلب السعة في المال والنعمة والتقدير من دعائه الخير فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول { وَإِن مَّسَّهُ الشر } الفقر { فَيَئُوسٌ } من الخير { قَنُوطٌ } من الرحمة بولغ فيه من طريقين : من طريق بناء فعول ، ومن طريق التكرير . والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر أي يقطع الرجاء من فضل الله وروحه وهذا صفة الكافر بدليل قوله تعالى { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } [ يوسف : 87 ] { وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِى } وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق قال هذا لي أي هذا حقي وصل إليّ لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال بر ، أو هذا لي لا يزول عني { وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } أي ما أظنها تكون قائمة { وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى رَبِّى } كما يقول المسلمون { إِنَّ لِى عِندَهُ } عند الله { للحسنى } أي الجنة أو الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا { فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ } فلنخبرنهم بحقيقة ما علموا من الأعمال الموجبة للعذاب { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } شديد لا يفتر عنهم .","part":3,"page":272},{"id":1273,"text":"{ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ } هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة فنسي المنعم وأعرض عن شكره { وَنَئَا بِجَانِبِهِ } وتباعد عن ذكرالله ودعائه أو ذهب بنفسه وتكبر وتعظم ، وتحقيقه أن يوضع جانبه موضع نفسه لأن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة نفسه ومنه قول الكتاب كتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز يريدون نفسه وذاته فكأنه قال : ونأى بنفسه { وَإِذَا مَسَّهُ الشر } الضر والفقر { فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } كثير أي أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع . وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام كما استعير الغلظ لشدة العذاب ، ولا منافاة بين قوله { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } وبين قوله { فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } لأن الأول في قوم والثاني في قوم ، أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر ، أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض باللسان ، أو قنوط من الصنم ذو دعاء لله تعالى .\r{ قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني { إِن كَانَ } القرآن { مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ } ثم جحدتم أنه من عند الله { مَنْ أَضَلُّ } منكم إلا أنه وضع قوله { مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } موضع «منكم» بياناً لحالهم وصفتهم { سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الآفاق } من فتح البلاد شرقاً وغرباً { وَفِى أَنفُسِهِمْ } فتح مكة { حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق } أي القرآن أو الإسلام { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ } موضع { بِرَبّكَ } الرفع على أنه فاعل والمفعول محذوف وقوله { أَنَّهُ على كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } بدل منه تقديره أولم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد أي أولم تكفهم شهادة ربك على كل شيء ، ومعناه أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد . { أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ } شك { مِّن لّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطُ } عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها فلا تخفى عليه خافية فيجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم .","part":3,"page":273},{"id":1274,"text":"فصل { حم } من { عسق } كتابة مخالفاً ل { كهيعص } تلفيقاً بأخواتها ولأنه آيتان و { كهيعص } آية واحدة { كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ } أي مثل ذلك الوحي أو مثل ذلك الكتاب يوحي إليك { وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ } وإلى الرسل من قبلك { الله } يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله وفي غيرها من السور ، وأوحاه إلى من قبلك يعني إلى رسله . والمعنى أن الله كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده . وعن ابن عباس Bهما : ليس من نبي صاحب كتاب إلا أوحي إليه ب { حم عسق } . { يُوحَى } بفتح الحاء : مكي . ورافع اسم الله على هذه القراءة ما دل عليه { يُوحَى } كأن قائلاً قال : من الموحي؟ فقيل : الله { العزيز } الغالب بقهره { الحكيم } المصيب في فعله وقوله { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } ملكاً وملكاً { وَهُوَ العلى } شأنه { العظيم } برهانه .\r{ تَكَادُ السماوات } وبالياء : نافع وعلي . { يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } يتشققن ، { ينفطرن } : بصري وأبو بكر ومعناه يكدن ينفطرن من علو شأن الله وعظمته يدل عليه مجيئه بعد قوله { العلى العظيم } وقيل : من دعائهم له ولداً كقوله { تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } [ مريم : 90 ] ومعنى { مِن فَوْقِهِنَّ } أي يبتدىء الانفطار من جهتهن الفوقانية . وكان القياس أن يقال ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر لأنها جاءت من الذين تحت السماوات ، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق كأنه قيل : يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن مع الجهة التي تحتهن . وقيل : من فوقهن من فوق الأرض فالكناية راجعة إلى الأرض لأنه بمعنى الأرضين . وقيل : يتشققن لكثرة ما على السماوات من الملائكة ، قال عليه السلام « أطت السماء أطاً وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد » { والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } خضوعاً لما يرون من عظمته { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأرض } أي للمؤمنين منهم كقوله : { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } [ غافر : 7 ] خوفاً عليهم من سطواته أو يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه من الصفات حامدين له على ما أولاهم من ألطافه ، متعجبين مما رأوا من تعرضهم لسخط الله تعالى ، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرءوا من تلك الكلمة ، أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب { أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم } لهم { والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ } أي جعلوا له شركاء وأنداداً { الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء فيجازيهم عليها { وَمَآ أَنتَ } يا محمد { عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بموكل عليهم ولا مفوض إليك أمرهم إنما أنت منذر فحسب .","part":3,"page":274},{"id":1275,"text":"{ وكذلك } ومثل ذلك { أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } وذلك إشارة إلى معنى الآية التي قبلها من أن الله رقيب عليهم لا أنت بل أنت منذر لأن هذا المعنى كرره الله في كتابه أو هو مفعول به ل { أَوْحَيْنَا } { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربي بيّن { لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى } أي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها ولأنها أشرف البقاع والمراد أهل أم القرى { وَمَنْ حَوْلَهَا } من العرب { وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع } يوم القيامة لأن الخلائق تجتمع فيه { لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراض لا محل له ، يقال : أنذرته كذا وأنذرته بكذا . وقد عدي { لّتُنذِرَ أُمَّ القرى } إلى المفعول الأول { وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع } إلى المفعول الثاني { فَرِيقٌ فِى الجنة وَفَرِيقٌ فِى السعير } أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير ، والضمير للمجموعين لأن المعنى يوم جمع الخلائق .\r{ وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحدة } أي مؤمنين كلهم { ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ } أي يكرم من يشاء بالإسلام { والظالمون } والكافرون { مَا لَهُمْ مِّن وَلِىٍّ } شافع { وَلاَ نَصِيرٍ } دافع { أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فالله هُوَ الولى } الفاء لجواب شرط مقدر كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق ، وهو الذي يجب أن يتولى وحده لا ولي سواه . { وَهُوَ يُحْىِ الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَىْءٍ } حكاية قول رسول الله A للمؤمنين أي ما خالفتكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين { فَحُكْمُهُ } أي حكم ذلك المختلف فيه مفوض { إِلَى الله } وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين { ذلكم } الحاكم بينكم { الله رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فيه رد كيد أعداء الدين { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أرجع في كفاية شرهم . وقيل : وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا : الله أعلم كمعرفة الروح وغيره .\r{ فَاطِرُ السماوات والأرض } ارتفاعه عل أنه أحد أخبار { ذلكم } أو خبر مبتدأ محذوف { جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } خلق لكم من جنسكم من الناس { أزواجا وَمِنَ الأنعام أزواجا } أي وخلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً { يَذْرَؤُكُمْ } يكثركم . يقال : ذرأ الله الخلق بثهم وكثرهم { فِيهِ } في هذا التدبير وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، واختير { فِيهِ } على «به» لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير .","part":3,"page":275},{"id":1276,"text":"والضمير في { يَذْرَؤُكُمْ } يرجع إلى المخاطبين والأنعام مغلباً فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } قيل : إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل وتقديره ليس مثله شيء . وقيل : المثل زيادة وتقديره ليس كهو شيء كقوله تعالى : { فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنْتُمْ بِهِ } [ البقرة : 137 ] . وهذا لأن المراد نفي المثلية ، وإذا لم تجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل . وقيل : المراد ليس كذاته شيء لأنهم يقولون «مثلك لا يبخل» يريدون به نفي البخل عن ذاته ويقصدون المبالغة في ذلك بسلوك طريق الكناية ، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده فقد نفوه عنه فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله «ليس كالله شيء» وبين قوله { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها وكأنهم عبارتان متعقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته ونحوه { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [ المائدة : 64 ] فمعناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها ، لأنها وقعت عبارة عن الجود حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد له فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له { وَهُوَ السميع } لجميع المسموعات بلا أذن { البصير } لجميع المرئيات بلا حدقة ، وكأنه ذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له كما لا مثل له .","part":3,"page":276},{"id":1277,"text":"{ لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض } مر في «الزمر» { يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ } أي يضيق { إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ شَرَعَ } بين وأظهر { لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى } أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء عليهم السلام ، ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله { أَنْ أَقِيمُواْ الدين } والمراد إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء وسائر ما يكون المرء بإقامته مسلماً ، ولم يرد به الشرائع فإنها مختلفة قال الله تعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } [ المائدة : 48 ] . ومحل { أَنْ أَقِيمُواْ } نصب بدل من مفعول { شَرَعَ } والمعطوفين عليه ، أو رفع على الاستئناف كأنه قيل وما ذلك المشروع؟ فقيل : هو إقامة الدين { وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } ولا تختلفوا في الدين قال علي Bه : لا تتفرقوا فالجماعة رحمة والفرقة عذاب . { كَبُرَ عَلَى المشركين } عظم عليهم وشق عليهم { مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من إقامة دين الله والتوحيد { الله يَجْتَبِى } يجتلب ويجمع { إِلَيْهِ } إلى الدين بالتوفيق والتسديد { مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } يقبل على طاعته { وَمَا تَفَرَّقُواْ } أي أهل الكتاب بعد أنبيائهم { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم } إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء عليهم السلام { بَغْياً بَيْنَهُمْ } حسداً وطلباً للرياسة والاستطالة بغير حق { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهي { بل الساعة موعدهم } { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } لأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترفوا { وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ } هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله A { لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ } من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان { مُرِيبٍ } مدخل في الريبة . وقيل : وما تفرق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله A كقوله تعالى : { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة } { وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ } [ الشورى : 14 ] . هم المشركون أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل .\r{ فَلِذَلِكَ } فلأجل ذلك التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعباً { فادع } إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية { واستقم } عليها وعلى الدعوة إليها { كَمَا أُمِرْتَ } كما أمرك الله { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ } المختلفة الباطلة { وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب } بأي كتاب صح أن الله تعالى أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض كقوله : { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } إلى قوله","part":3,"page":277},{"id":1278,"text":"{ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً } [ النساء : 150-151 ] { وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ } في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إليّ { الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي كلنا عبيده { لَنَآ أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } هو كقوله { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } [ الكافرون : 6 ] ويجوز أن يكون معناه إنا لا نؤاخذ بأعمالكم وأنتم لا تؤاخذون بأعمالنا { لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أي لا خصومة لأن الحق قد ظهر وصرتم محجوبين به فلا حاجة إلى المحاجة ، ومعناه لا إيراد حجة بيننا لأن المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته { الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا } يوم القيامة { وَإِلَيْهِ المصير } المرجع لفصل القضاء فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم { والذين يُحَآجُّونَ فِى الله } يخاصمون في دينه { مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ } من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام ليردوهم إلى دين الجاهلية كقوله : { وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا } [ البقرة : 109 ] . كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين : كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم وأولى بالحق . وقيل : من بعد ما استجيب لمحمد عليه السلام دعاؤه على المشركين يوم بدر { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } باطلة وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة { عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } بكفرهم { وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة .\r{ الله الذى أَنزَلَ الكتاب } أي جنس الكتاب { بالحق } بالصدق أو ملتبساً به { والميزان } والعدل والتسوية . ومعنى إنزال العدل أنه أنزله في كتبه المنزلة . وقيل : هو عين الميزان أنزله في زمن نوح عليه السلام { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } أي لعل الساعة قريب منك وأنت لا تدري والمراد مجيء الساعة ، أوالساعة في تأويل البعث . ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب والميزان أن الساعة يوم الحساب ووضع الموازين بالقسط فكأنه قيل : أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ووزن أعمالكم . { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } استهزاء { والذين ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ } خائفون { مِنْهَا } وجلون لهولها { وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق } الكائن لا محالة { أَلآ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَى الساعة } المماراة الملاحّة لأن كل واحد منهما يمري ما عند صاحبه { لَفِى ضلال بَعِيدٍ } عن الحق لأن قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله تعالى ، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها ، والعقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء .\r{ الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } في إيصال المنافع وصرف البلاء من وجه يلطف إدراكه وهو بر بليغ البر بهم قد توصل بره إلى جميعهم . وقيل : هو من لطف بالغوامض علمه وعظم عن الجرائم حلمه ، أو من ينشر المناقب ويستر المثالب ، أو يعفو عمن يهفو ، أو يعطي العبد فوق الكفاية ويكلفه الطاعة دون الطاقة .","part":3,"page":278},{"id":1279,"text":"وعن الجنيد : لطف بأوليائه فعرفوه ولو لطف بأعدائه ما جحدوه { يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ } أي يوسع رزق من يشاء إذا علم مصلحته فيه ، في الحديث \" إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك \" { وَهُوَ القوى } الباهر القدرة الغالب على كل شيء { العزيز } المنيع الذي لا يغلب . { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة } سمى ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة حرثاً مجازاً { نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } بالتوفيق في عمله أو التضعيف في إحسانه أو بأن ينال به الدنيا والآخرة { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا } أي من كان عمله للدنيا ولم يؤمن بالآخرة { نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي شيئاً منها لأن «من» للتبعيض وهو رزقه الذي قسم له لا ما يريده ويبتغيه { وَمَا لَهُ فِى الآخرة مِن نَّصِيبٍ } وماله نصيب قط في الآخرة وله في الدينا نصيب ، ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب { أَمْ لَهُمْ شركاؤا } قيل : هي «أم» المنقطعة وتقديره بل ألهم شركاء . وقيل : هي المعادلة لألف الاستفهام . وفي الكلام إضمار تقديره أيقبلون ما شرع الله من الدين أم لهم آلهة { شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله } أي لم يأمر به؟ { وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل } أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء أي ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين الكافرين والمؤمنين أو لعجلت لهم العقوبة { وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة وإن أخر عنهم في دار الدنيا { تَرَى الظالمين } المشركين في الآخرة { مُشْفِقِينَ } خائفين { مِمَّا كَسَبُواْ } من جزاء كفرهم { وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } نازل بهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات } كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها { لَهُم مَّا يَشَآءَونَ عِندَ رَبِّهِمْ } عند نصب بالظرف لا ب «يشاؤون» { ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } على العمل القليل .","part":3,"page":279},{"id":1280,"text":"{ ذلك } أي الفضل الكبير { الذى يُبَشِّرُ الله } { يَبْشُر } مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي { عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي به عباده الذين آمنوا فحذف الجار كقوله { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] ثم حذف الراجع إلى الموصول كقوله { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } [ الفرقان : 41 ] . ولما قال المشركون : أيبتغي محمد على تبليغ الرسالة أجراً نزل { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على التبليغ { أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى } يجوز أن يكون استثناء متصلاً أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودوا أهل قرابتي ، ويجوز أن يكون منقطعاً أي لا أسألكم عليه أجراً قط ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم . ولم يقل إلا مودة القربى أو المودة للقربى لأنهم جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقولك «لي في آل فلان مودة ولي فيهم حب شديد» تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله . وليست «في» بصلة ل { المودة } كاللام إذا قلت إلا المودة للقربى ، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك «المال في الكيس» وتقديره إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها . والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة ، والمراد في أهل القربى . ورُوي أنه لما نزلت قيل : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال : علي وفاطمة وابناهما . وقيل : معناه إلا أن تودوني لقرابتي فيكم ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي إذ لم يكن من بطون قريش إلا بين رسول الله وبينهم قرابة . وقيل : القربى التقرب إلى الله تعالى أي إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } يكتسب طاعة . عن السدي : أنها المودة في آل رسول الله A نزلت في أبي بكر Bه ومودته فيهم والظاهر العموم في أي حسنة كانت إلا أنها تتناول المودة تناولاً أولياً لذكرها عقيب ذكر المودة في القربى .\r{ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } أي نضاعفها كقوله { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } [ البقرة : 245 ] وقرىء { حسنى } وهو مصدر كالبشرى والضمير يعود إلى الحسنة أو إلى الجنة { إِنَّ الله غَفُورٌ } لمن أذنب بطوله { شَكُورٌ } لمن أطاع بفضله . وقيل : قابل للتوبة حامل عليها . وقيل : الشكور في صفة الله تعالى عبارة عن الاعتداد بالطاعة وتوفية ثوابها والتفضل على المثاب { أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل : أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها؟ { فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ } قال مجاهد : أي يربط على قلبك بالصبر على أذاهم وعلى قولهم { افترى عَلَى الله كَذِبًا } لئلا تدخله مشقة بتكذيبهم { وَيَمْحُ الله الباطل } أي الشرك وهو كلام مبتدأ غير معطوف على { يَخْتِمْ } لأن محو الباطل غير متعلق بالشرط بل هو وعد مطلق دليله تكرار اسم الله تعالى ورفع { وَيُحِقُّ } وإنما سقطت الواو في الخط كما سقطت في","part":3,"page":280},{"id":1281,"text":"{ وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءهُ بالخير } [ الاسراء : 11 ] و { سَنَدْعُ الزبانية } [ العلق : 18 ] على أنها مثبتة في مصحف نافع { وَيُحِقُّ الحق } ويظهر الإسلام ويثبته { بكلماته } مما أنزل من كتابه على لسان نبيه عليه السلام وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأظهر الإسلام .\r{ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي عليم بما في صدرك وصدورهم فيجزي الأمر على حسب ذلك . { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } يقال : قبلت منه الشيء إذا أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي . ويقال : قبلته عنه أي عزلته عنه وأبنته عنه . والتوبة أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعود ، وإن كان لعبد فيه حق لم يكن بد من التفصي على طريقه . وقال علي Bه : هو اسم يقع على ستة معانٍ : على الماضي من الذنوب الندامة ، ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم ، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية ، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقناها حلاوة المعصية ، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته . وعن السدي : هو صدق العزيمة على ترك الذنوب والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب . وعن غيره : هو أن لا يجد حلاوة الذنب في القلب عند ذكره . وعن سهل : هو الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة . وعن الجنيد : هو الإعراض عما دون الله { وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } وهو ما دون الشرك ، يعفو لمن يشاء بلا توبة { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } بالتاء : كوفي غير أبي بكر أي من التوبة والمعصية ولا وقف عليه للعطف عليه واتصال المعنى : { وَيَسْتَجِيبُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ } أي إذا دعوه استجاب دعاءهم وأعطاهم ما طلبوه وزادهم على مطلوبهم . واستجاب وأجاب بمعنى ، والسين في مثله لتوكيد الفعل كقولك «تعظم» و«استعظم» والتقدير ويجيب الله الذين آمنوا . وقيل : معناه ويستجيب للذين فحذف اللام . مَنَّ عَليهم بأن يقبل توبتهم إذا تابوا ويعفو عن سيآتهم ويستجيب لهم إذا دعوه ويزيدهم على ما سألوه ، وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له : ما لنا ندعوه فلا نجاب؟ قال : لأنه دعاكم فلم تجيبوه { والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة .\r{ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ } أي لو أغناهم جميعاً { لَبَغَوْاْ فِى الأرض } من البغي وهو الظلم أي لبغي هذا على ذاك وذاك على هذا لأن الغني مبطرة مأشرة ، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة أو من البغي وهو الكبر أي لتكبّروا في الأرض { ولكن يُنَزِّلُ } بالتخفيف : مكي وأبو عمرو { بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ } بتقدير يقال قدره قدراً وقدراً { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } يعلم أحوالهم فيقدر لهم ما تقتضيه حكمته فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط ، ولو أغناهم جميعاً لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا ، وما ترى من البسط على من يبغي ومن البغي بدون البسط فهو قليل ، ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب .","part":3,"page":281},{"id":1282,"text":"{ وَهُوَ الذى يُنَزِّلُ الغيث } بالتشديد : مدني وشامي وعاصم { مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } وقرىء { قِنطواْ } { وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب . وقيل لعمر Bه : اشتد القحط وقنط الناس . فقال : مطروا إذا أراد هذه الآية . أو أراد رحمته في كل شيء { وَهُوَ الولى } الذي يتولى عباده بإحسانه { الحميد } المحمود على ذلك يحمده أهل طاعته { وَمِنْ ءاياته } أي علامات قدرته { خَلْقُ السماوات والأرض } مع عظمهما { وَمَا بَثَّ } فرق { وَمَا } يجوز أن يكون مرفوعاً ومجروراً حملاً على المضاف أو المضاف إليه { فِيهِمَا } من السماوات والأرض { مِن دَابَّةٍ } الدواب تكون في الأرض وحدها لكن يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان ملتبساً ببعضه كما يقال : بنو تميم فيهم شاعر مجيد وإنما هو في فخذ من أفخاذهم ومنه قوله تعالى : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج من الملح ، ولا يبعد أن يخلق في السماوات حيوانات يمشون فيها مشي الأناسي على الأرض ، أو يكون للملائكة مشي مع الطيران فوصفوا بالدبيب كما وصف به الأناسي { وَهُوَ على جَمْعِهِمْ } يوم القيامة { إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ } «إذا» تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي ، قال الله تعالى : { واليل إِذَا يغشى } [ الليل : 1 ] .\r{ وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ } غم وألم ومكروه { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } أي بجناية كسبتموها عقوبة عليكم . { بِمَا كَسَبَتْ } بغير الفاء : مدني وشامي على أن «ما» مبتدأ و { بِمَا كَسَبَتْ } خبره من غير تضمين معنى الشرط ، ومن أثبت الفاء فعلى تضمين معنى الشرط . وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ وقال لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألموا . وقلنا : الآية مخصومة بالمكلفين بالسباق والسياق وهو { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي من الذنوب فلا يعاقب عليه أو عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة ، وقال ابن عطاء : من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه وأن ما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه . وقال محمد بن حامد : العبد ملازم للجنايات في كل أوان وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه لأن جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة ، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة ، وعن علي رضي الله تعالى عنه : هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن لأن الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانياً وإذا عفا لا يعود { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الأرض } أي بفائتين ما قضى عليكم من المصائب { وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِن وَلِىٍّ } متول بالرحمة { وَلاَ نَصِيرٍ } ناصر يدفع عنكم العذاب إذا حل بكم .","part":3,"page":282},{"id":1283,"text":"{ وَمِنْ ءاياته الجوار } جمع جارية وهي السفينة { الجواري } في الحالين : مكي وسهل ويعقوب ، وافقهم مدني وأبو عمر في الوصل { فِى البحر كالاعلام } كالجبال .","part":3,"page":283},{"id":1284,"text":"{ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح } { الرياح } مدني { فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ } ثوابت لا تجري { على ظَهْرِهِ } على ظهر البحر { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّكُلِّ صَبَّارٍ } على بلائه { شَكُورٍ } لنعمائه أي لكل مؤمن مخلص فالإيمان نصفان : نصف شكر ونصف صبر . أو صبار على طاعته شكور لنعمته { أَوْ يُوبِقْهُنَّ } يهلكهن فهو عطف على { يُسْكِنِ } والمعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو يعصفها فيغرقن بعصفها { بِمَا كَسَبُواْ } من الذنوب { وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } منها فلا يجازي عليها . وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه لأن المعنى أو إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم { وَيَعْلَمَ } بالنصب عطف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم { الذين يجادلون فِى ءاياتنا } أي في إبطالهما ودفعها ، { وَيَعْلَمُ } مدني وشامي على الاستئناف { مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ } مهرب من عذابه { فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَىْءٍ فمتاع الحياة الدنيا وَمَا عِندَ الله } من الثواب { خَيْرٌ وأبقى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } «ما» الأولى ضمنت معنى الشرط فجاءت الفاء في جوابها بخلاف الثانية . نزلت في أبي بكر الصديق Bه حين تصدق بجميع ماله فلامه الناس { والذين يَجْتَنِبُونَ } عطف على { الذين آمَنُواْ } وكذا ما بعده { كبائر الإثم } أي الكبائر من هذا الجنس ، { كَبِيرَ الإثم } علي وحمزة . وعن ابن عباس : كبير الإثم هو الشرك . { والفواحش } قيل : ما عظم قبحه فهو فاحشة كالزنا { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ } من أمور دنياهم { هُمْ يَغْفِرُونَ } أي هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب والمجيء بهم . وإيقاعه مبتدأ وإسناد { يَغْفِرُونَ } إليه لهذه الفائدة ومثله { هُمْ يَنتَصِرُونَ } . { والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ } نزلت في الأنصار دعاهم الله D للإيمان به وطاعته فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه { وَأَقَامُوا الصلاوة } وأتموا الصلوات الخمس { وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ } أي ذو شورى لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه ، وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم ، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } يتصدقون .\r{ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى } الظلم { هُمْ يَنتَصِرُونَ } ينتقمون ممن ظلمهم أي يقتصرون في الانتصار على ما جعله الله تعالى لهم ولا يعتدون ، وكانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجتريء عليهم الفساق . وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر وأخذ حقه ولم يجاوز في ذلك حد الله فلم يسرف في القتل إن كان ولي دم فهو مطيع لله وكل مطيع محمود . ثم بين حد الانتصار فقال { وجزاؤا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } فالأولى سيئة حقيقة والثانية لا .","part":3,"page":284},{"id":1285,"text":"وإنما سميت لأنها مجازاة السوء ، أو لأنها تسوء من تنزل به ، ولأنه لو لم تكن الأولى لكانت الثانية سيئة لأنها إضرار ، وإنما صارت حسنة لغيرها ، أو في تسمية الثانية سيئة إشارة إلى أن العفو مندوب إليه . والمعنى أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ } بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء { فَأَجْرُهُ عَلَى الله } عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين } الذين يبدءون بالظلم أو الذين يجاوزون حد الانتصار . في الحديث : \" ينادي منادٍ يوم القيامة من كان له أجر على الله فليقم فلا يقوم إلا من عفا \" { وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ } أي أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى معنى من دون لفظه { مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } للمعاقب ولا للمعاتب والمعايب { إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس } يبتدئونهم بالظلم { وَيَبْغُونَ فِى الأرض } يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون { بِغَيْرِ الحق أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وفسر السبيل بالتبعة والحجة { وَلَمَن صَبَرَ } على الظلم والأذى { وَغَفَرَ } ولم ينتصر { إِنَّ ذلك } أي الصبر والغفران منه { لَمِنْ عَزْمِ الأمور } أي من الأمور التي ندب إليها أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخص في تركه . وحذف الراجع أي «منه» لأنه مفهوم كما حذف من قولهم : السمن منوان بدرهم ، وقال أبو سعيد القرشي : الصبر على المكاره من علامات الانتباه ، فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله تعالى حال الرضا وهو أجل الأحوال ، ومن جزع من المصيبات وشكا وكله الله تعالى إلى نفسه ثم لم تنفعه شكواه . { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِىٍّ مِّن بَعْدِهِ } فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه ويمنعه من عذابه { وَتَرَى الظالمين } يوم القيامة { لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } حين يرون العذاب واختير لفظ الماضي للتحقيق { يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ } يسألون ربهم الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا به .\r{ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } على النار إذ العذاب يدل عليها { خاشعين } متضائلين متقاصرين مما يلحقهم { مِنَ الذل يَنظُرُونَ } إلى النار { مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ } ضعيف بمسارقة كما ترى المصبور ينظر إلى السيف . { وَقَالَ الذين ءَامَنُواْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة } { يَوْمٍ } متعلق ب { خَسِرُواْ } وقول المؤمنين واقع في الدنيا أو يقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة { أَلآ إِنَّ الظالمين فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ } دائم { وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ الله } من دون عذابه { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ } إلى النجاة { استجيبوا لِرَبِّكُمْ } أي أجيبوه إلى ما دعاكم إليه { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ } أي يوم القيامة { لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله } «من» يتصل ب { لاَّ مَرَدَّ } أي لا يرده الله بعدما حكم به ، أو ب { يَأْتِىَ } أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده { مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ } أي ليس لكم مخلص من العذاب ولا تقدرون أن تنكروا شيئاً مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم ، والنكير الإنكار { فَإِنْ أَعْرَضُواْ } عن الإيمان { فَمَآ أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } رقيباً { إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ } ما عليك إلا تبليغ الرسالة وقد فعلت { وَإِنَّآ إِذَا أَذَقْنَا الإنسان } المراد الجمع لا الواحد { مِنَّا رَحْمَةً } نعمة وسعة وأمناً وصحة { فَرِحَ بِهَا } بطر لأجلها { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } بلاء كالمرض والفقر ونحوهما .","part":3,"page":285},{"id":1286,"text":"وتوحيد فرح باعتبار اللفظ والجمع في { وَإِن تُصِبْهُمْ } باعتبار المعنى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بسبب معاصيهم { فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ } ولم يقل فإنه كفور ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم كما قال : { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] . والكفور البليغ الكفران . والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها . قيل : أريد به كفران النعمة . وقيل : أريد به الكفر بالله تعالى .\r{ لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ } أي يقرنهم { ذُكْرَاناً وإناثا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً } لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها ، أتبع ذلك أن له تعالى الملك وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد ويهب لعباده من الأولاد ما يشاء ، فيخص بعضاً بالإناث ، وبعضاً بالذكور ، وبعضاً بالصنفين جميعاً ، ويجعل البعض عقيماً . والعقيم التي لا تلد وكذلك رجل عقيم إذا كان لا يولد له . وقدم الإناث أولاً على الذكور لأن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم والأهم واجب التقديم ، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء ذكر البلاء . ولما أخر الذكور وهم أحقاء بالتقديم تدارك تأخيرهم بتعريفهم لأن التعريف تنويه وتشهير ، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير وعرّف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتض آخر فقال { ذُكْرَاناً وإناثا } . وقيل : نزلت في الأنبياء عليهم السلام حيث وهب للوط وشعيب إناثاً ، ولإبراهيم ذكوراً ، ولمحمد A ذكوراً وإناثاً ، وجعل يحيى وعيسى عليهما السلام عقيمين { إِنَّهُ عَلِيمٌ } بكل شيء { قَدِيرٌ } قادر على كل شيء .","part":3,"page":286},{"id":1287,"text":"{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ } وما صح لأحد من البشر { أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً } أي إلهاماً كما روي «نفث في روعي» أو رؤيا في المنام كقوله عليه السلام \" رؤيا الأنبياء وحي \" وهو كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد { أَوْ مِن وَرَآءِ } حِجَابٍ أي يسمع كلاماً من الله كما سمع موسى عليه السلام من غير أن يبصر السامع من يكلمه . وليس المراد به حجاب الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحجاب ولكن المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } أي يرسل ملكاً { فَيُوحِىَ } أي الملك إليه . وقيل : وحياً كما أوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } أي نبياً كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم . و { وَحْياً } و { أَن يُرْسِلَ } مصدران واقعان موقع الحال لأن { أَن يُرْسِلَ } في معنى إرسالاً و { مِن وَرَاء حِجَابٍ } ظرف واقع موقع الحال كقوله { وعلى جُنُوبِهِمْ } [ آل عمران : 191 ] . والتقدير : وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً . ويجوز أن يكون المعنى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يسمع من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً وهو اختيار الخليل ، { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ } بالرفع : نافع على تقدير أو هو يرسل { بِإِذْنِهِ } إذن الله { مَا يَشَآءُ } من الوحي { إِنَّهُ عَلِىٌّ } قاهر فلا يمانع { حَكِيمٌ } مصيب في أقواله وأفعاله فلا يعارض .\r{ وكذلك } أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك أو كما وصفنا لك { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } إيحاء كذلك { رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } يريد ما أوحى إليه لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح { مَا كُنتَ تَدْرِى } الجملة حال من الكاف في { إِلَيْكَ } . { مَا الكتاب } القرآن { وَلاَ الإيمان } أي شرائعه أو ولا الإيمان بالكتاب لأنه إذا كان لا يعلم بأن الكتاب ينزل عليه لم يكن عالماً بذلك الكتاب . وقيل : الإيمان يتناول أشياء بعضها الطريق إليه العقل ، وبعضها الطريق إليه السمع ، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل وذاك بما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي { ولكن جعلناه } أي الكتاب { نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى } { لتدعو } وقرىء به { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } الإسلام { صراط الله } بدل { الذى لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض } ملكاً وملكاً { أَلآ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } هو وعيد بالجحيم ووعد بالنعيم والله أعلم بالصواب .","part":3,"page":287},{"id":1288,"text":"{ حم والكتاب المبين } أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن ، وجعل قوله { إِنَّا جعلناه } صيرناه { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } جواباً للقسم وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه ، والمبين البين للذين أنزل عليهم لأنه بلغتهم وأساليبهم أو الواضح للمتدبرين أو الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة { لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا معانيه { وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا } وإن القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ ، دليله قوله : { بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } [ البروج : 21-22 ] . وسمي أم الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب منه تنقل وتستنسخ . { أُمُّ الكتاب } بكسر الألف : علي وحمزة { لَّعَلِىٌّ } خبر «إن» أي في أعلى طبقات البلاغة أو رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها { حَكِيمٌ } ذو حكمة بالغة { أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر } أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز من قولهم «ضرب الغرائب عن الحوض» . والفاء للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر إنكاراً لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب؟ وجعله قرآناً عربياً ليعقلوه وليعلموا بمواجبه { صَفْحاً } مصدر من صفح عنه إذا أعرض ، منتصب على أنه مفعول له على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم . ويجوز أن يكون مصدراً على خلاف الصدر لأنه يقال «ضربت عنه» أي أعرضت عنه كذا قاله الفراء { إِن كُنتُمْ } لأن كنتم { إِن كُنتُمْ } مدني وحمزة . وهو من الشرط الذي يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك { قَوْماً مُّسْرِفِينَ } مفرطين في الجهالة مجاوزين الحد في الضلالة .\r{ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى الأولين } أي كثيراً من الرسل أرسلنا من تقدمك { وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } هي حكاية حال ماضية مستمرة أي كانوا على ذلك وهذه تسلية لرسول الله A عن استهزاء قومه .\r{ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } تمييز ، والضمير للمسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله A يخبره عنهم { ومضى مَثَلُ الأولين } أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل ، وهذا وعد لرسول الله A ووعيد لهم . { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أي المشركين { مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً } كوفي وغيره مهاداً أي موضع قرار { وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } طرقاً { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا في أسفاركم .","part":3,"page":288},{"id":1289,"text":"{ والذى نَزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ } بمقدار يسلم معه العباد ويحتاج إليه البلاد { فَأَنشَرْنَا } فأحيينا عدول من المغايبة إلى الإخبار لعلم المخاطب بالمراد { بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } يريد ميّتاً { كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } من قبوركم أحياء { تُخْرَجُونَ } حمزة وعلي ولا وقف على { العليم } لأن { الذى } صفته ، وقد وقف عليه أبو حاتم على تقدير «هو الذي» ، لأن هذه الأوصاف ليست من مقول الكفار لأنهم ينكرون الإخراج من القبور فكيف يقولون { كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } بل الآية حجة عليهم في إنكار البعث { والذى خَلَقَ الأزواج } الأصناف { كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ } أي تركبونه . يقال : ركبوا في الفلك وركبوا الأنعام فغلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة فقيل تركبونه { لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ } على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام { ثُمَّ تَذْكُرُواْ } بقلوبكم { نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ } بألسنتكم { سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا } ذلل لنا هذا المركوب { وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } مطيقين . يقال : أقرن الشيء إذا أطاقه وحقيقة أقرنه وجده قرينته لأن الصعب لا يكون قرينة للضعيف { وَإِنَّا إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ } لراجعون في المعاد . قيل : يذكرون عند ركوبهم مراكب الدنيا آخر مركبهم منها وهو الجنازة . وعن النبي A أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال : بسم الله . فإذا استوى على الدابة قال : الحمد لله على كل حال ، { سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا } إلى قوله { لَمُنقَلِبُونَ } وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً . وقالوا : إذا ركب في السفينة قال : { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ هود : 41 ] وحكي أن قوماً ركبوا وقالوا { سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا } الآية . وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالاً فقال : إني مقرن لهذه فسقط منها لوثبتها واندقت عنقه . وينبغي أن لا يكون ركوب العاقل للتنزه والتلذذ بل للاعتبار ، ويتأمل عنده أنه هالك لا محالة ومنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه .\r{ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً } متصل بقوله { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أي ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزأ أي قالوا الملائكة بنات الله فجعلوهم جزأ له وبعضاً منه كما يكون الولد جزأ لوالده { جُزُؤاً } أبو بكر وحماد { إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ } لجحود للنعمة ظاهر جحوده لأن نسبة الولد إليه كفر والكفر أصل الكفران كله { أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وأصفاكم بالبنين } أي بل أتخذ والهمزة للإنكار تجهيلاً لهم وتعجيباً من شأنهم حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى { وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً } بالجنس الذي جعله له مثلاً أي شبهاً لأنه إذا جعل الملائكة جزءاً لله وبعضاً منه فقد جعله من جنسه ومماثلاً له لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد { ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } يعني أنهم نسبوا إليه هذا الجنس ، ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت لك بنت اغتم واربد وجهه غيظاً وتأسفاً وهو مملوء من الكرب والظلول بمعنى الصيرورة { أَوْ مَن يُنَشَّؤُا فِى الحلية وَهُوَ فِى الخصام غَيْرُ مُبِينٍ } أي أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته وهو أنه ينشأ في الحلية أي يتربى في الزينة والنعمة ، وهو إذا احتاج إلى مجاناة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين ، ليس عنده بيان ولا يأتي ببرهان وذلك لضعف عقولهن .","part":3,"page":289},{"id":1290,"text":"قال مقاتل : لا تتكلم المرأة إلا وتأتي بالحجة عليها . وفيه أنه جعل النشأة في الزينة من المعايب ، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويتزين بلباس التقوى ، و { من } منصوب المحل والمعنى أو جعلوا من ينشأ في الحلية يعني البنات لله D { يُنَشَّأُ } حمزة وعلي وحفص أي يربي قد جمعوا في كفرهم ثلاث كفرات ، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد ، ونسبوا إليه أخس النوعين ، وجعلوه من الملائكة المكرمين فاستخفوا بهم .","part":3,"page":290},{"id":1291,"text":"{ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } أي سموا وقالوا إنهم إناث { عِندَ الرحمن } مكي ومدني وشامي ، أي عندية منزلة ومكانة لا منزل ومكان . والعباد جمع عبد وهو ألزم في الحجاج مع أهل العناد لتضاد بين العبودية والولاد { أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } وهذا تهكم بهم يعني أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم ، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك ولا تطرقوا إليه باستدلال ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم ولم يشاهدوا خلقهم حتى يخبروا عن المشاهدة { سَتُكْتَبُ شهادتهم } التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم { وَيُسْئَلُونَ } عنها وهذا وعيد .\r{ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عبدناهم } أي الملائكة . تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافر وإنما شاء الإيمان ، فإن الكفار ادعوا أن الله شاء منهم الكفر وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا { لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عبدناهم } أي لو شاء منا أن نترك عبادة الأصنام لمنعنا عن عبادتها ، ولكن شاء منا عبادة الأصنام ، والله تعالى رد عليهم قولهم واعتقادهم بقوله { مَّا لَهُم بِذَلِكَ } المقول { مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يكذبون ، ومعنى الآية عندنا أنهم أرادوا بالمشيئة الرضا وقالوا : لو لم يرض بذلك لعجل عقوبتنا ، أو لمنعنا عن عبادتها منع قهر واضطرار ، وإذ لم يفعل ذلك فقد رضي بذلك ، فرد الله تعالى عليهم بقوله { مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } الآية . أو قالوا ذلك استهزاءً لا جداً واعتقاداً ، فأكذبهم الله تعالى فيه وجهلهم حيث لم يقولوا عن اعتقاد كما قال مخبراً عنهم . { أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ } [ يس : 47 ] . وهذا حق في الأصل ، ولكن لما قالوا ذلك استهزاءً كذبهم الله بقوله { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ يس : 47 ] وكذلك قال الله تعالى : { قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } ثم قال { والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون } [ المنافقون : 1 ] لأنهم لم يقولوه عن اعتقاد وجعلوا المشيئة حجة لهم فيما فعلوا باختيارهم ، وظنوا أن الله لا يعاقبهم على شيء فعلوه بمشيئته ، وجعلوا أنفسهم معذورين في ذلك ، فرد الله تعالى عليهم { أَمْ ءاتيناهم كتابا مِّن قَبْلِهِ } من قبل القرآن أو من قبل قولهم هذا { فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } آخذون عاملون . وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتاباً من قبله فيه أن الملائكة إناث { بَلْ قَالُوآ } بل لا حجة لهم يتمسكون بها لا من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع إلا قولهم { إِنَّا وَجَدْنَآ ءابَآءَنَا } على دين فقلدناهم وهي من الأم وهو القصد فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد { وإِنّا على آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ } الظرف صلة المهتدون أو هما خبران .","part":3,"page":291},{"id":1292,"text":"{ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ } نبي { إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ } أي متنعموها وهم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويعافون مشاق الدين وتكاليفه { إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى ءاثارهم مُّقْتَدُونَ } وهذا تسلية للنبي A وبيان أن تقليد الآباء داء قديم { قال } شامي وحفص أي النذير ، { قُلْ } : غيرهما أي قيل للنذير قل { أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ } أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ { قَالُوآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } إنا ثابتون على دين آبائنا وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى { فانتقمنا مِنْهُمْ } فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ } أي واذكر إذ قال { إِنَّنِى بَرَآءٌ } أي بريء وهو مصدر يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث كما تقول : رجل عدل وامرأة عدل وقوم عدل والمعنى ذو عدل وذات عدل { مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى } استثناء منقطع كأنه قال : لكن الذي فطرني { فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } يثبتني على الهداية { وَجَعَلَهَا } وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله { إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى } { كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ } في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم والترجي لإبراهيم . { بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلآءِ وَءَابَآءَهُمْ } يعني أهل مكة وهم من عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد { حتى جَآءَهُمُ الحق } أي القرآن { وَرَسُولٌ } أي محمد عليه السلام { مُّبِينٌ } واضح الرسالة بما معه من الآيات البينة . { وَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق } القرآن { قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافرون وَقَالُواْ } فيه متحكمين بالباطل { لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرءان } فيه استهانة به { على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } أي رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن : 22 ] أي من أحدهما ، والقريتان : مكة والطائف . وعنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة ، وبعظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي ، وأرادوا بالعظيم من كان ذا مال وذا جاه ولم يعرفوا أن العظيم من كان عند الله عظيماً . { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبِّكَ } أي النبوة ، والهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ } ما يعيشون به وهو أرزاقهم { فِى الحياوة الدنيأ } أي لم نجعل قسمة الأدون إليهم وهو الرزق فكيف النبوة؟ أو كما فضلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخص بالنبوة من أشاء { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } أي جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالي والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء { لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } ليصرف بعضهم بعضاً في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويصلوا إلى منافعهم هذا بماله وهذا بأعماله { وَرَحْمَتُ رَبِّكَ } أي النبوة أو دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب { خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا . ولما قلل أمر الدنيا وصغرها أردفه بما يقرر قلة الدنيا عنده فقال .","part":3,"page":292},{"id":1293,"text":"{ وَلَوْلآ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة } ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه { لَّجَعَلْنَا } لحقارة الدنيا عندنا { لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أبوابا وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً } أي لجعلنا للكفار سقوفاً ومصاعد وأبواباً وسرراً كلها من فضة ، وجعلنا لهم زخرفاً أي زينة من كل شيء . والزخرف الذهب والزينة ، ويجوز أن يكون الأصل سقفاً من فضة وزخرف أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفاً على محل { مِن فِضَّةٍ } لبيوتهم بدل اشتمال من { لِمَن يَكْفُرُ } . { سَقْفاً } على الجنس : مكي وأبو عمرو ويزيد . والمعارج جمع معرج وهي المصاعد إلى العلالي عليها يظهرون على المعارج يظهرون السطوح أي يعلونها { وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا } «إن» نافية و«لما» بمعنى إلا أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا ، وقد قرىء به . وقرأ { لَمَا } غير عاصم وحمزة على أن اللام هي الفارقة بين «إن» المخففة والنافية و«ما» صلة أي وإن كل ذلك متاع الحياة الدينا { والآخرة } أي ثواب الآخرة { عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } لمن يتقي الشرك .\r{ وَمَن يَعْشُ } وقرىء { وَمَن يعش } والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشى يعشى ، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا يعشو . ومعنى القراءة بالفتح ومن يعم { عَن ذِكْرِ الرحمن } وهو القرآن كقوله { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } ومعنى القراءة بالضم : ومن يتعام عن ذكره أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل كقوله : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } [ النمل : 14 ] { نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } قال ابن عباس Bهما : نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة يحمله على المعاصي . وفيه إشارة إلى أن من داوم عليه لم يقرنه الشيطان { وَإِنَّهُمْ } أي الشياطين { لَيَصُدُّونَهُمْ } ليمنعون العاشين { عَنِ السبيل } عن سبيل الهدى { وَيَحْسَبُونَ } أي العاشون { أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } وإنما جمع ضمير { من } وضمير الشيطان لأن { من } مبهم في جنس العاشي وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه فجاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعاً { حتى إِذَا جَآءَنَا } على الواحد : عراقي غير أبي بكر أي العاشي { جاآنا } غيرهم أي العاشي وقرينه { قَالَ } لشيطانه { ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين } يريد المشرق والمغرب فغلب كما قيل : العمران والقمران ، والمراد بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق { فَبِئْسَ القرين } أنت .\r{ وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ } إذ صح ظلمكم أي كفركم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين و«إذ» بدل من { اليوم } { أَنَّكُمْ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ } { أَنَّكُمْ } في محل الرفع على الفاعلية أي ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب ، أو كونكم مشتركين في العذاب كما كان عموم البلوى يطيب القلب في الدنيا كقول الخنساء :","part":3,"page":293},{"id":1294,"text":"ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\rولا يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي\rأما هؤلاء فلا يؤسّيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه . وقيل : الفاعل مضمر أي ولن ينفعكم هذا التمني أو الاعتذار لأنكم في العذاب مشتركون لاشتراككم في سببه وهو الكفر ، ويؤيده قراءة من قرأ { إِنَّكُمْ } بالكسر .\r{ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم } أي من فقد سمع القبول { أَوْ تَهْدِى العمى } أي من فقد البصر { وَمَن كَانَ فِى ضلال مُّبِينٍ } ومن كان في علم الله أنه يموت على الضلال .\r{ فَإِمَّا } دخلت «ما» على «إن» توكيداً للشرط ، وكذا النون الثقيلة في { نَذْهَبَنَّ بِكَ } أي نتوفينك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم { فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } أشد الانتقام في الآخرة { أَوْ نُرِيَنَّكَ الذى وعدناهم } قبل أن نتوفاك يعني يوم بدر { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } قادرون وصفهم بشدة الشكيمة في الكفر والضلال بقوله { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم } الآية . ثم أوعدهم بعذاب الدنيا والآخرة بقوله { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } الآيتين . { فاستمسك } فتمسك { بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ } وهو القرآن واعمل به { إِنَّكَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } أي على الدين الذي لا عوج له { وَإِنَّهُ } وإن الذي أوحي إليك { لَذِكْرٌ لَّكَ } لشرف لك { وَلِقَوْمِكَ } ولأمتك { وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ } عنه يوم القيامة وعن قيامكم بحقه وعن تعظيمكم له وعن شكركم هذه النعمة { وَسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء ، وكفاه نظراً وفحصاً نظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه ، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً ، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها . وقيل : إنه عليه السلام جمع له الأنبياء ليلة الإسراء فأمهم ، وقيل له : سلهم فلم يشكك ولم يسأل . وقيل : معناه سل أمم من أرسل وهم أهل الكتابين أي التوراة والإنجيل ، وإنما يخبرونه عن كتب الرسل فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء ، ومعنى هذا السؤال التقرير لعبدة الأوثان أنهم على الباطل . و { سَلْ } بلا همزة : مكي وعلي { رُسُلُنَا } أبو عمرو .\rثم سلى رسوله A بقوله { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإَِيْهِ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ العالمين } ما أجابوه به عند قوله { إِنِّى رَسُولُ رَبِّ العالمين } محذوف دل عليه قوله { فَلَمَّا جَآءَهُم بئاياتنا } وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية { إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ } يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحراً .","part":3,"page":294},{"id":1295,"text":"و«إذا» للمفاجأة وهو جواب «فلما» لأن فعل المفاجأة معها مقدر وهو عامل النصب في محل «إذا» كأنه قيل : فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم .\r{ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها في نقض العادة ، وظاهر النظم يدل على أن اللاحقة أعظم من السابقة وليس كذلك بل المراد بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر ولا يكدن يتفاوتن فيه وعليه كلام الناس . يقال : هما أخوان كل واحد منهما أكرم من الآخر { وأخذناهم بالعذاب } وهو ما قال تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مّن الثمرات } { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان } [ الأعراف : 133 ] الآية . { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن الكفر إلى الإيمان { وَقَالُواْ ياأيه الساحر } كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر لتعظيمهم علم السحر . { وَقَالُواْ ياأيه الساحر } بضم الهاء بلا ألف : شامي . ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت لالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها { ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة ، أو بعهده عندك وهو النبوة ، أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى { إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } مؤمنون به .\r{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } ينقضون العهد بالإيمان ولا يفون به { ونادى فِرْعَوْنُ } نادى بنفسه عظماء القبط أو أمر منادياً فنادى كقولك «قطع الأمير اللص» إذا أمر بقطعه { فِى قَوْمِهِ } جعلهم محلاً لندائه وموقعاً له { قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار } أي أنهار النيل ومعظمها أربعة { تَجْرِى مِن تَحْتِى } من تحت قصري . وقيل : بين يدي في جناني . والواو عاطفة للأنهار على { مُلْكُ مِصْرَ } و { تَجْرِى } نصب على الحال منها ، أو الواو للحال واسم الإشارة مبتدأ ، والأنهار صفة لاسم الإشارة ، و { تَجْرِى } خبر للمبدأ ، وعن الرشيد أنه لما قرأها قال : لأولينها أخس عبيدي فولاها الخصيب وكان خادمه على وضوئه ، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها قال : أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال { أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ } والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثني عنانه { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } قوتي وضعف موسى وغناي وفقره .","part":3,"page":295},{"id":1296,"text":"{ أَمْ أَنَا خَيْرٌ } «أم» منقطعة بمعنى «بل» والهمزة كأنه قال : أثبت عندكم وأستقر أني أنا خير وهذه حالي؟ { أمّن هذا الذى هُوَ مَهِينٌ } ضعيف حقير { وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } الكلام لما كان به من الرتة { فَلَوْلآ } فهلا { أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسُوِرَةٌ } حفص ويعقوب وسهل جمع سوار ، غيرهم { أساورة } جمع أسورة وأساوير جمع أسوار وهو السوار ، حذف الياء من أساوير وعوض منها التاء { مِّن ذَهَبٍ } أراد بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب { أَوْ جَآءَ مَعَهُ الملئكة مُقْتَرِنِينَ } يمشون معه يقترن بعضهم ببعض ليكونوا أعضاده وأنصاره وأعوانه .\r{ فاستخف قَوْمَهُ } استفزهم بالقول واستنزلهم وعمل فيهم كلامه . وقيل : طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الإسراع { فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } خارجين عن دين الله { فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ } «آسف» منقول من أسف أسفاً إذا اشتد غضبه ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن يعجل لهم عذابنا وانتقامنا وأن لا نحلم عنهم { فجعلناهم سَلَفاً } جمع سالف كخادم وخدم { سُلُفاً } حمزة وعلي ، جمع سليف أي فريق قد سلف { وَمَثَلاً } وحديثاً عجيب الشأن سائراً مسير المثل يضرب بهم الأمثال ويقال مثلكم مثل قوم فرعون { لّلآخِرِينَ } لمن يجيء بعدهم ، ومعناه فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم ومثلاً يحدثون به .\r{ وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً } لما قرأ رسول الله A على قريش : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] غضبوا فقال ابن الزبعري : يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام : \" هو لكم ولآلهتكم . ولجميع الأمم \" فقال : ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثني عليه وعلى أمه خيراً؟ وقد علمت أن النصارى يعبدونهما وعزيز يعبد ، والملائكة يعبدون . فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وءآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا ، وسكت النبي A فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [ الأنبياء : 101 ] ونزلت هذه الآية . والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلاً لآلهتهم وجادل رسول الله A بعبادة النصارى إياه { إِذَا قَوْمُكَ } قريش { مِنْهُ } من هذا المثل { يَصِدُّونَ } يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وضحكاً بما سمعوا منه من إسكات النبي A بجدله ، { يَصدُونَ } مدني وشامي والأعشى وعلي ، من الصدود أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه . وقيل : من الصديد وهو الجلبة وأنهما لغتان نحو يعكف ويعكف { وَقَالُوآ ءَالِهَتِنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى ، فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا { مَا ضَرَبُوهُ } أي ما ضربوا هذا المثل { لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الميز بين الحق والباطل .","part":3,"page":296},{"id":1297,"text":"{ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } لد شداد الخصومة دأبهم اللجاج وذلك أن قوله تعالى { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } لم يرد به إلا الأصنام لأن ما لغير العقلان إلا أن ابن الزبعري بخداعه لما رأى كلام الله محتملاً لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير ، وجد للحيلة مساغاً فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله على طريق اللجاج والجدال وحب المغالبة والمكابرة وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله A حتى أجاب عنه ربه { إِنْ هُوَ } ما عيسى { إِلاَّ عَبْدٌ } كسائر العبيد { أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بالنبوة { وجعلناه مَثَلاً لِّبَنِى إسراءيل } وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل { وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَئِكَةً فِى الأرض } أي بدلاً منكم كذا قاله الزجاج . وقال جامع العلوم : لجعلنا بدلكم و«من» بمعنى البدل { يَخْلُفُونَ } يخلفونكم في الأرض أو يخلف الملائكة بعضهم بعضاً . وقيل : ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور لجعلنا منكم ، لولّدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم كما ولّدنا عيسى من أنثى من غير فحل ، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ، ولتعلموا أن الملائكة أجساد لا تتولد إلا من أجسام والقديم متعالٍ عن ذلك .\r{ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } وإن عيسى مما يعلم به مجيء الساعة . وقرأ ابن عباس { لعلم للساعة } وهو العلامة أي وإن نزوله علم للساعة { فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } فلا تشكن فيها من المرية وهو الشك { واتبعون } وبالياء فيهما : سهل ويعقوب أي واتبعوا هداي وشرعي أو رسولي أو هو أمر لرسول الله A أن يقوله { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } أي هذا الذي أدعوكم إليه { وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان } عن الإيمان بالساعة أو عن الاتباع { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة إذ أخرج أباكم من الجنة ونزع عنه لباس النور .\r{ وَلَمَّا جَآءَ عيسى بالبينات } بالمعجزات أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات { قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة } أي الإنجيل والشرائع { وَلابَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وهو أمر الدين لا أمر الدنيا { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ إِنَّ الله هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } هذا تمام كلام عيسى عليه السلام . { فاختلف الأحزاب } الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم : اليعقوبية والنسطورية والملكانية والشمعونية { مِن بَيْنِهِمْ } من بين النصارى { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ } حيث قالوا في عيسى ما كفروا به { مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } وهو يوم القيامة { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة } الضمير لقوم عيسى أو للكفار { أَن تَأْتِيَهُم } بدل من { الساعة } أي هل ينظرون إلا إتيان الساعة { بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم كقوله","part":3,"page":297},{"id":1298,"text":"{ تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } [ يس : 49 ] { الأخلاء } جمع خليل { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } أي المؤمنين . وانتصاب { يَوْمَئِذٍ } ب { عَدُوٌّ } أي تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله وتنقلب عداوة ومقتاً إلا خلة المتصادقين في الله فإنها الخلة الباقية { ياعباد } بالياء في الوصل والوقف : مدني وشامي وأبو عمرو ، وبفتح الياء : أبو بكر . الباقون : بحذف الياء { لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } هو حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ { الذين } منصوب المحل على صفة لعبادي لأنه منادى مضاف { ءَامَنُواْ بئاياتنا } صدقوا بآياتنا { وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } لله منقادين له { ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم } المؤمنات في الدنيا { تُحْبَرُونَ } تسرون سروراً يظهر حباره أي أثره على وجوهكم .","part":3,"page":298},{"id":1299,"text":"{ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف } جمع صفحة { مِّن ذَهَبٍ وأكواب } أي من ذهب أيضاً والكوب الكوز لا عروة له { وَفِيهَا } في الجنة { مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس } مدني وشامي وحفص بإثبات الهاء العائدة إلى الموصول ، وحذفها غيرهم لطول الموصول بالفعل والفاعل والمفعول . و { وَتَلَذُّ الأعين } وهذا حصر لأنواع النعم لأنها إما مشتهيات في القلوب أو مستلذة في العيون { وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } { تِلْكَ } إشارة إلى الجنة المذكورة وهي مبتدأ و { الجنة } خبر و { التى أُورِثْتُمُوهَا } صفة الجنة ، أو { الجنة } صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة و { التى أُورِثْتُمُوهَا } خبر المبتدأ ، أو { التى أُورِثْتُمُوهَا } صفة المبتدأ و { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } الخبر ، والباء تتعلق بمحذوف أي حاصلة أو كائنة كما في الظروف التي تقع أخباراً ، وفي الوجه الأول تتعلق ب { أُورِثْتُمُوهَا } وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة { لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ } «من» للتبعيض أي لا تأكلون إلا بعضها وأعقابها باقية في شجرها فهي مزينة بالثمار أبداً ، وفي الحديث «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها» .\r{ إِنَّ المجرمين فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون } خبر بعد خبر { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } خبر آخر أي لا يخفف ولا ينقص { وَهُمْ فِيهِ } في العذاب { مُّبْلِسُونَ } آيسون من الفرج متحيرون { وَمَا ظلمناهم } بالعذاب { ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين } هم فصل { وَنَادَوْاْ يامالك } لما آيسوا من فتور العذاب نادروا يا مالك وهو خازن النار . وقيل لابن عباس : إن ابن مسعود قرأ «يا مال» فقال : ما أشغل أهل النار عن الترخيم { لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } ليمتنامن قضى عليه إذا أماته { فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ } [ القصص : 15 ] والمعنى سل ربك أن يقضي علينا { قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون } لا بثون في العذاب لا تتخلصون عنه بموت ولا فتور { لَقَدْ جئناكم بالحق } كلام الله تعالى . ويجب أن يكون في { قَالَ } ضمير الله لما سألوا مالكاً أن يسأل القضاء عليهم أجابهم الله بذلك . وقيل : هو متصل بكلام مالك والمراد بقوله جئناكم الملائكة إذ هم رسل الله وهو منهم { ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارهون } لا تقبلونه وتنفرون منه لأن مع الباطل الدعة ومع الحق التعب .\r{ أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً } أم أحكم مشركو مكة أمراً من كيدهم ومكرهم بمحمد A { فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } كيدنا كما أبرموا كيدهم وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله A في دار الندوة { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ } حديث أنفسهم { ونجواهم } ما يتحدثون فيما ببينهم ويخفونه عن غيرهم { بلى } نسمعها ونطلع عليها { وَرُسُلُنَا } أي الحفظة { لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } عندهم يكتبون ذلك ، وعن يحيى بن معاذ : من ستر من الناس عيوبه وأبداها لمن لا تخفى عليه خافية فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من أمارات النفاق .","part":3,"page":299},{"id":1300,"text":"{ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ } وصح ذلك ببرهان { فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد إليه كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه ، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والمراد نفي الولد ، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالاً مثلها ، ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج حين قال له : والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك . وقيل : إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحدين لله المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه . وقيل؛ إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد ، من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد . وقرىء { العبدين } وقيل : هي «إن» النافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد . ورُوي أن النضر قال : الملائكة بنات الله فنزلت : فقال النضر : ألا ترون أنه صدقني فقال له الوليد : ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمن ولد فأنا أو الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له . { وُلْد } حمزة وعلي . ثم نزه ذاته على اتخاذ الولد فقال { سبحان رَبِّ السماوات والأرض رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } أي هو رب السماوات والأرض والعرش فلا يكون جسماً إذ لو كان جسماً لم يقدر على خلقها ، وإذا لم يكن جسماً لا يكون له ولد لأن التولد من صفة الأجسام { فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ } في باطلهم { وَيَلْعَبُواْ } في دنياهم { حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ } أي القيامة ، وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب .\r{ وَهُوَ الذى فِى السمآء إله وَفِى الأرض إله } ضمن اسمه تعالى معنى وصف فلذلك علق به الظرف في قوله { فِى السماء } { وَفِى الأرض } كما تقول : هو حاتم في طيّ وحاتم في تغلب . على تضمين معنى الجواد الذي شهر به كأنك قلت : هو جواد في طيّ جواد في تغلب . وقرىء { وهو الذي فى السماء الله وفى الأرض الله } ومثله قوله { وَهُوَ الله فِى السماوات وَفِى الأرض } فكأنه ضمن معنى المعبود . والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام كقولهم «ما أنا بالذي قائل لك شيئاً» والتقدير : وهو الذي هو في السماء إله . و { إِلَه } يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر ولا يرتفع { إِلَه } بالابتداء وخبره { فِى السماء } لخلو الصلة حينئذ من عائد يعود إلى الموصول { وَهُوَ الحكيم } في أقواله وأفعاله { العليم } بما كان ويكون { وَتَبَارَكَ الذى لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } أي علم قيامها { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } { يَرْجِعُونَ } : مكي وحمزة وعلي { وَلاَ يَمْلِكُ } آلهتهم { الذين يَدْعُونَ } أي يدعونهم { مِن دُونِهِ } من دون الله { الشفاعة } كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله { إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق } أي ولكن من شهد بالحق بكلمة التوحيد { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أن الله ربهم حقاً ويعتقدون ذلك هو الذي يملك الشفاعة ، وهو استثناء منقطع أو متصل لأن في جملة الذين يدعون من دون الله الملائكة { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أي المشركين { مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } لا الأصنام والملائكة { فأنى يُؤْفَكُونَ } فكيف أو من أين يصرفون عن التوحيد مع هذا الإقرار\r{ وَقِيلِهِ } بالجر : عاصم وحمزة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله { يارب } والهاء يعود إلى محمد A لتقدم ذكره في قوله : { قُلْ إِن كَانَ للرحمن فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } .","part":3,"page":300},{"id":1301,"text":"وبالنصب : الباقون عطفاً على محل { الساعة } أي يعلم الساعة ويعلم قيله أي قيل محمد يا رب . والقيل والقول والمقال واحد ، ويجوز أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه . وجواب القسم { إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } كأنه قيل : وأقسم بقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ، وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه { فاصفح عَنْهُمْ } فأعرض عن دعوتهم يائساً عن إيمانهم وودعهم وتاركهم و { وَقُلْ } لهم { سلام } أي تسلم منكم ومتاركة { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وعيد من الله لهم وتسلية لرسوله A . وبالتاء : مدني وشامي .","part":3,"page":301},{"id":1302,"text":"في الخبر «من قرأها ليلة جمعة أصبح مغفوراً له» . { حم والكتاب المبين } أي القرآن . الواو في { والكتاب } واو القسم . إن جعلت { حم } تعديداً للحروف ، أو اسماً للسورة مرفوعاً على خبر الابتداء المحذوف ، وواو العطف إن كانت { حم } مقسماً بها وجواب القسم { إِنَّآ أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة } أي ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان . وقيل : بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة . والجمهور على الأول لقوله { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر : 1 ] وقوله { شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن } [ البقرة : 185 ] وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان . ثم قالوا : أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل في وقت وقوع الحاجة إلى نبيه محمد A . وقيل : ابتداء نزوله في ليلة القدر . والمباركة الكثيرة الخير لما ينزل فيها من الخير والبركة ويستجاب من الدعاء ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة { إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ } هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم كأنه قيل : أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً ، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكمية وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم . ومعنى { يُفْرَقُ } يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة { حَكِيمٍ } ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة ، وهو من الإسناد المجازي لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجازاً .\r{ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَا } نصب على الاختصاص جعل كل أمر جزلاً فخماً بأن وصفه بالحكيم ، ثم زاده جزالة وفخامة بأن قال : أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } بدل من { إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } { رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } مفعول له على معنى أنزلنا القرآن . لأن من شأننا وعادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم ، أو تعليل لقوله { أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } ، و { رَحْمَةً } مفعول به . وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله { وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } [ فاطر : 2 ] والأصل إنا كنا مرسلين رحمة منا فوضع الظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين { إِنَّهُ هُوَ السميع } لأقوالهم { العليم } بأحوالهم { رَبِّ } كوفي بدل من { رَبَّكَ } وغيرهم بالرفع أي هو ربٌ { السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } ومعنى الشرط أنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم : إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب ، ثم قيل : إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرّون به ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان كما تقول : إن هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وحدثت بقصته { لآ إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِى وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ } أي هو ربكم { وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الأولين } عطف عليه .","part":3,"page":302},{"id":1303,"text":"ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله { بَلْ هُمْ فِى شَكّ يَلْعَبُونَ } وإن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل قول مخلوط بهزؤ ولعب { فارتقب } فانتظر { يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ } يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص . وقيل : إن قريشاً لما استعصت على رسول الله A دعا عليهم فقال : \" اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف \" فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز ، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان { مُّبِينٍ } ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان { يَغْشَى الناس } يشملهم ويلبسهم وهو في محل الجر صفة ل { دُخَان } وقوله { هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ } أي سنؤمن إن تكشف عنا العذاب منصوب المحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب المحل على الحال أي قائلين ذلك { أنى لَهُمُ الذكرى } كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب { وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } أي وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الاذّكار من كشف الدخان ، وهو ما ظهر على رسول الله A من الآيات والبينات من الكتاب المعجز وغيره فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بأن عدّاساً غلاماً أعجمياً لبعض ثقيف هو الذي علمه ونسبوه إلى الجنون { إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً } زماناً قليلاً أو كشفاً قليلاً { إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ } إلى الكفر الذي كنتم فيه أو إلى العذاب { يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى } هي يوم القيامة أو يوم بدر { إِنَّا مُنتَقِمُونَ } أي ننتقم منهم في ذلك اليوم . وانتصاب { يَوْمَ نَبْطِشُ } ب «اذكر» أو بما دل عليه { إِنَّا مُنتَقِمُونَ } وهو ننتقم لا ب { مُنتَقِمُونَ } لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها . { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ } قبل هؤلاء المشركين أي فعلنا بهم فعل المختبر ليظهر منهم ما كان باطناً { قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } على الله وعلى عباده المؤمنين ، أو كريم في نفسه حسيب نسيب لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا من سراة قومه وكرامهم { أَنْ أَدُّوآ إِلَىَّ } هي «أن» المفسرة لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله ، أو المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدوا إليَّ سلِّموا إلي { عِبَادَ الله } هو مفعول به وهم بنو إسرائيل يقول : أدوهم إلي وأرسلوهم معي كقوله :","part":3,"page":303},{"id":1304,"text":"{ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } [ طه : 47 ] . ويجوز أن يكون نداء لهم على معنى أدوا إلي يا عباد الله ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي ، وعلل ذلك بقوله { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي على رسالتي غير متهم { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله } «أن» هذه مثل الأولى في وجهيها أي لا تستكبروا على الله بالاستهانة برسوله ووحيه ، أو لا تستكبروا على نبي الله { أَنِّى ءَاتِيكُم بسلطان مُّبِينٍ } بحجة واضحة تدل على أني نبي { وَإِنِّى عُذْتُ } مدغم : أبو عمرو وحمزة وعلي { بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } أن تقتلوني رجماً ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم فهو غير مبالٍ بما كانوا يتوعدونه من الرجم والقتل { وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فاعتزلون } أي إن لم تؤمنوا لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن فتنحوا عني ، أو فخلوني كفافاً لا لي ولا عليَّ ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم ، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم ذلك . { ترجموني } ، { فاعتزلوني } في الحالين : يعقوب .","part":3,"page":304},{"id":1305,"text":"{ فَدَعَا رَبَّهُ } شاكياً قومه { أَنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ } بأن هؤلاء أي دعا ربه بذلك . قيل : كان دعاؤه : اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم . وقيل : هو قوله { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين } وقرىء { إِنَّ هَؤُلآء } بالكسر على إضمار القول أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء { فَأَسْرِ } من أسرى . { فَأَسْرِ } بالوصل : حجازي من سرى والقول مضمر بعد الفاء أي فقال أسر { بِعِبَادِى } أي بني إسرائيل { لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ } أي دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده فينجي المتقدمين ويغرق التابعين { واترك البحر رَهْواً } ساكناً . أراد موسى عليه السلام لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق فأمر بأن يتركه ساكناً على هيئته قاراً على حاله من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً لا يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئاً ليدخله القبط ، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم . وقيل : الرهو : الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً على حاله منفرجاً { إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } بعد خروجكم من البحر ، وقرىء بالفتح أي لأنهم . { كَمْ } عبارة عن الكثرة منصوب بقوله : { تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } هو ما كان لهم من المنازل الحسنة وقيل : المنابر { وَنَعْمَةٍ } تنعم { كَانُواْ فِيهَا فاكهين } متنعمين { كذلك } أي الأمر كذلك فالكاف في موضع الرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر { وأورثناها قَوْماً ءَاخَرينَ } ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء وهم بنو إسرائيل { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض } لأنهم ماتوا كفاراً ، والمؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض فيبكي على المؤمن من الأرض مصلاه ومن السماء مصعد عمله ، وعن الحسن : أهل السماء والأرض { وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } أي لم ينظروا إلى وقت آخر ولم يمهلوا .\r{ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إسراءيل مِنَ العذاب المهين } أي الاستخدام والاستعباد وقتل الأولاد { مِن فِرْعَوْنَ } بدل من { العذاب المهين } بإعادة الجار كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم ، أو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك من فرعون { إِنَّهُ كَانَ عَالِياً } متكبراً { مِّنَ المسرفين } خبر ثانٍ أي كان متكبراً مسرفاً { وَلَقَدِ اخترناهم } أي بني إسرائيل { على عِلْمٍ } حال من ضمير الفاعل أي عالمين بمكان الخيرة وبأنهم أحقاء بأن يختاروا { عَلَى العالمين } على عالمي زمانهم { وءاتيناهم مِنَ الأيات } كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك { مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ } نعمة ظاهرة أو اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون { إِنَّ هَؤُلآءِ } يعني كفار قريش { لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ } ما الموتة { إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى } والإشكال أن الكلام وقع في الحياة الثانية لا في الموت ، فهلا قيل : إن هي إلا حياتنا الأولى؟ وما معنى ذكر الأولى كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى جحدوها وأثبتوا الأولى؟ والجواب أنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة وذلك قول تعالى :","part":3,"page":305},{"id":1306,"text":"{ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [ البقرة : 28 ] فقالوا : إن هي إلا موتتنا الأولى يريدون ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى فلا فرق إذاً بين هذا وبين قوله { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } [ الأنعام : 29 ] في المعنى . ويحتمل أن يكون هذا إنكاراً لما في قوله : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } [ غافر : 11 ] { وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } بمبعوثين يقال : أنشر الله الموتى . ونشرهم إذا بعثهم { فَأْتُواْ بِئَابَآئِنَا } خطاب الذين كانوا يعدونهم النشور من رسول الله A والمؤمنين { إِن كُنتُمْ صادقين } أي إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلاً على أن ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق .\r{ أَهُمْ خَيْرٌ } في القوة والمنعة { أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } هو تبع الحميري كان مؤمناً وقومه كافرين . وقيل : كان نبياً في الحديث : « وما أدرى أكان تبع نبياً أو غير نبي » { والذين مِن قَبْلِهِمْ } مرفوع بالعطف على { قَوْمُ تُبَّعٍ } { أهلكناهم إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } كافرين منكرين للبعث { وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ } أي وما بين الجنسين { لاَعِبِينَ } حال ولو لم يكن بعث ولا حساب ولا ثواب كان خلق الخلق للفناء خاصة فيكون لعباً { مَا خلقناهمآ إِلاَّ بالحق } بالجد ضد اللعب { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه خلق لذلك .\r{ إِنَّ يَوْمَ الفصل } بين المحق والمبطل وهو يوم القيامة { ميقاتهم أَجْمَعِينَ } وقت موعدهم كلهم { يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً } أيّ ولي كان عن أي ولي كان شيئاً من إغناء أي قليلاً منه { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } الضمير للمولى لأنهم في المعنى لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى { إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله } في محل الرفع على البدل من الواو في { يُنصَرُونَ } أي لا يمنع من العذاب إلا من رحمة الله { إِنَّهُ هُوَ العزيز } الغالب على أعدائه { الرحيم } لأوليائه .\r{ إنّ شَجَرَةَ الزقوم } هي على صورة شجرة الدنيا لكنها في النار والزقوم ثمرها وهو كل طعام ثقيل { طَعَامُ الأثيم } هو الفاجر الكثير الآثام . وعن أبي الدرداء أنه كان يقرىء رجلاً فكان يقول : طعام اليتيم . فقال : قل طعام الفاجر يا هذا . وبهذا تستدل على أن إبدال الكلمة مكان الكلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها ، ومنه أجاز أبو حنيفة Bه القراءة بالفارسية بشرط أن يؤدي القارىء المعاني كلها على كمالها من غير أن يخرم منها شيئاً .","part":3,"page":306},{"id":1307,"text":"قالوا : وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة لأن في كلام العرب خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والدقائق ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها . ويُروى رجوعه إلى قولهما وعليه الاعتماد { كالمهل } هو دردي الزيت ، والكاف رفع خبر بعد خبر { يَغْلِى فِى البطون } بالياء : مكي وحفص ( وقرىء بالتاء ) فالتاء للشجرة والياء للطعام { كَغَلْىِ الحميم } أي الماء الحار الذي انتهى غليانه ومعناه غلياً كغلي الحميم فالكاف منصوب المحل . ثم يقال للزبانية { خُذُوهُ } أي الأثيم { فاعتلوه } فقودوه بعنف وغلظة ، { فاعتلوه } مكي ونافع وشامي وسهل ويعقوب { إلى سَوَآءِ الجحيم } إلى وسطها ومعظمها { ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم } المصبوب هو الحميم لا عذابه إلا أنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته وصب العذاب استعارة ويقال له { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } على سبيل الهزؤ والتهكم . { إِنَّكَ } أي لأنك : عليّ { إِنَّ هَذَا } أي العذاب أو هذا الأمر هو { مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } تشكون .\r{ إِنَّ المتقين فِى مَقَامٍ } بالفتح وهو موضع القيام والمراد المكان وهو من الخاص الذي وقع مستعملاً في معنى العموم ، وبالضم : مدني وشامي وهو موضع الإقامة { أَمِينٍ } من أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو ضد الخائن ، فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره { فِى جنات وَعُيُونٍ } بدل من { مَقَامٍ أَمِينٍ } { يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ } ما رقّ من الديباج { وَإِسْتَبْرَقٍ } ما غلظ منه وهو تعريب استبر ، واللفظ إذا عرب خرج من أن يكون أعجمياً لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه وتغييره عن منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب فساغ أن يقع في القرآن العربي { متقابلين } في مجالسهم وهو أتم للأنس { كذلك } الكاف مرفوعة أي الأمر كذلك { وزوجناهم } وقرناهم ولهذا عدي بالباء { بِحُورٍ } جمع حوراء وهي الشديدة سواد العين والشديدة بياضها { عِينٍ } جمع عيناء وهي الواسعة العين { يَدْعُونَ فِيهَا } يطلبون في الجنة { بِكلِّ فاكهة ءَامِنِينَ } من الزوال والانقطاع وتولد الضرر من الإكثار { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا } أي في الجنة { الموت } البتة { إِلاَّ الموتة الأولى } أي سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا . وقيل : لكن الموتة قد ذاقوها في الدنيا { ووقاهم عَذَابَ الجحيم فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ } أي للفضل فهو مفعول له أو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله { ووقاهم عَذَابَ الجحيم } تفضل منه لهم لأن العبد لا يستحق على الله شيئاً { ذلك } أي صرف العذاب ودخول الجنة { هُوَ الفوز العظيم فَإِنَّمَا يسرناه } أي الكتاب وقد جرى ذكره في أول السورة { بلسانك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون { فارتقب } فانتظر ما يحل بهم { إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ } منتظرون ما يحل بك من الدوائر .","part":3,"page":307},{"id":1308,"text":"{ حم } إن جعلتها إسماً للسورة فهو مرفوعة بالابتداء والخبر { تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله } صلة للتنزيل ، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان { تَنزِيلُ الكتاب } مبتدأ والظرف خبراً { العزيز } في انتقامه { الحكيم } في تدبيره { إِنَّ فِى السماوات والأرض لآيات } لدلالات على وحدانيته ، ويجوز أن يكون المعنى إن في خلق السماوات والأرض لآيات { لِلْمُؤْمِنِينَ } دليله قوله { وَفِى خَلْقِكُمْ } ويعطف { وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ } على الخلق المضاف لأن المضاف إليه ضمير مجرور متصل يقبح العطف عليه { ءايات } حمزة وعلي بالنصب . وغيرهما بالرفع مثل قولك إن زيداً في الدار وعمراً في السوق أو وعمرو في السوق { لِِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ واختلاف اليل والنهار وَمَا أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِزْقٍ } أي مطر وسمي به لأنه سبب الرزق { فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرياح } { الريح } حمزة وعلي . { ءايات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } بالنصب : علي وحمزة ، وغيرهما بالرفع ، وهذا من العطف على عاملين سواء نصبت أو رفعت فالعاملان إذا نصبت «إن» و «في» . أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في { واختلاف اليل والنهار } والنصب في { ءايات } . وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و «في» . عملت الواو الرفع في آيات والجر في { واختلاف } هذا مذهب الأخفش لأنه يجوز العطف على عاملين ، وأما سيبويه فإنه لا يجيزه وتخريج الآية عنده ، أن يكون على اضمار «في» والذي حسنه تقديم ذكر «في» في الآيتين قبل هذه الآية ويؤيده قراءة ابن مسعود Bه { وَفِى اختلاف اليل والنهار } ويجوز أن ينتصب { ءايات } على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفاً على ما قبله ، أو على التكرير توكيداً لآيات الأولى كأنه قيل : آيات آيات ، ورفعها بإضمار هي . والمعنى في تقديم الإيمان على الإيقان وتوسيطه وتأخير الآخر ، أن المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض نظراً صحيحاً علموا أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا بالله ، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وفي خلق ما ظهر على الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً وأيقنوا ، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها ، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً ، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم { تِلْكَ } إشارة إلى الآيات المتقدمة أي تلك الآيات { ءايات الله } وقوله { نَتْلُوهَا } في محل الحال أي متلوة { عَلَيْكَ بالحق } والعامل ما دل عليه { تِلْكَ } من معنى الإشارة { فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وءاياته } أي بعد آيات الله كقولهم «أعجبني زيد وكرمه» يريدون أعجبني كرم زيد { يُؤْمِنُونَ } حجازي وأبو عمرو وسهل وحفص ، وبالتاء غيرهم على تقدير قل يا محمد .","part":3,"page":308},{"id":1309,"text":"{ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ } كذاب { أَثِيمٍ } متبالغ في اقتراف الآثام { يَسْمَعُ ءايات الله } في موضع جر صفة { تتلى عَلَيْهِ } حال من آيات الله { ثُمَّ يُصِرُّ } يقبل على كفره ويقيم عليه { مُسْتَكْبِراً } عن الإيمان بالآيات والإذعان لما تنطق به من الحق مزدرياً لها معجباً بما عنده . قيل : نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث العجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن . والآية عامة في كل من كان مضاراً لدين الله . وجيء ب «ثم» لأن الإصرار على الضلالة والاستكبار عن الإيمان عند سماع آيات القرآن مستبعد في العقول { كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } «كأن» مخففة والأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن ومحل الجملة النصب على الحال أي يصر مثل غير السامع { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فأخبره خبراً يظهر أثره على البشرة .\r{ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً } وإذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها { اتخذها } اتخذ الآيات { هُزُواً } ولم يقل اتخذه للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية :\rنفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها\rحيث أراد عتبة { أولئك } إشارة إلى كل أفاك أثيم لشموله الأفاكين { لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } مخز { مِّن وَرَآئِهِمْ } من قدامهم الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام { جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ } من الأموال { شَيْئاً } من عذاب الله { وَلاَ مَا اتخذوا } «ما» فيهما مصدرية أو موصلة { مِن دُونِ الله } من الأوثان { أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في جهنم .","part":3,"page":309},{"id":1310,"text":"{ هذا هُدًى } إشارة إلى القرآن ويدل عليه { والذين كَفَرُواْ بئايات رَبِّهِمْ } لأن آيات ربهم هي القرآن أي هذا القرآن كامل في الهداية كما تقول : زيد رجل أي كامل في الرجولية { لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ } هو أشد العذاب { أَلِيمٌ } بالرفع : مكي ويعقوب وحفص صفة ل { عذاب } وغيرهم بالجر صفة ل { رجز } { الله الذى سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِىَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ } بإذنه { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض جَمِيعاً } هو تأكيد ما في السموات وهو مفعول { سَخَّرَ } وقيل : { جَمِيعاً } نصب على الحال { مِّنْهُ } حال أي سخر هذه الأشياء كائنة منه حاصلة من عنده ، أو خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه ، أو صفة للمصدر أي تسخيراً منه { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ } أي قل لهم اغفروا يغفروا فحذف المقول لأن الجواب يدل عليه . ومعنى يغفروا يعفوا ويصفحوا . وقيل : إنه مجزوم بلام مضمر تقديره ليغفرو فهو أمر مستأنف وجاز حذف اللام للدلالة على الأمر { لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله } لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه من قولهم لوقائع العرب أيام العرب . وقيل : لا يؤملون الأوقات التي وقتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها . قيل : نزلت في عمر Bه حين شتمه رجل من المشركين من بني غفار فهم أن يبطش به { لِيَجْزِىَ } تعليل للأمر بالمغفرة أي إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة . وتنكير { قَوْماً } على المدح لهم كأنه قيل : ليجزي أيما قوم و { قَوْماً } مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم . { لنجزى } شامي وحمزة وعلي . { ليُجْزَىَ قَوْماً } يزيد أي ليجزى الخير قوماً فأضمر الخير لدلالة الكلام عليه كما أضمر الشمس في قوله { حتى تَوَارَتْ بالحجاب } [ ص : 32 ] لأن قوله { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالعشى } دليل على تواري الشمس ، وليس التقدير ليجزي الجزاء قوماً لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل ومعك مفعول صحيح ، أما إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل فجائز وأنت تقول جزاك الله خيراً { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الإحسان .\r{ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } أي لها الثواب وعليها العقاب { ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } أي إلى جزائه . { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب } التوراة { والحكم } الحكمة والفقه أو فصل الخصومات بين الناس لأن الملك كان فيهم { والنبوة } خصها بالذكر لكثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم { وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات } مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق { وفضلناهم عَلَى العالمين } على عالمي زمانهم { وءاتيناهم بينات } آيات ومعجزات { مِّنَ الأمر } من أمر الدين { فَمَا اختلفوآ } فما وقع الخلاف بينهم في الدين { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } أي إلا من بعد ما جاءهم ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم أي لعداوة وحسد بينهم { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } قيل : المراد اختلافهم في أوامر الله ونواهيه في التوراة حسداً وطلباً للرياسة لا عن جهل يكون الإنسان به معذوراً .","part":3,"page":310},{"id":1311,"text":"{ ثُمَّ جعلناك } بعد اختلاف أهل الكتاب { على شَرِيعَةٍ } على طريقة ومنهاج { مِّنَ الأمر } من أمر الدين { فاتبعها } فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج والدلائل { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ودينهم المبني على هوى وبدعة وهم رؤساء قريش حين قالوا : ارجع إلى دين آبائك { إِنَّهُمْ } إن هؤلاء الكافرين { لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ والله وَلِىُّ المتقين } وهم موالوه وما أبين الفضل بين الولايتين .\r{ هذا } أي القرآن { بصائر لِلنَّاسِ } جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحاً وحياة { وَهُدَىً } من الضلالة { وَرَحْمَةٌ } من العذاب { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } لمن آمن وأيقن بالبعث { أَمْ حَسِبَ الذين } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان { اجترحوا السيئات } اكتسبوا المعاصي والكفر ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي كاسبهم { أَن نَّجْعَلَهُمْ } أن نصيرهم وهو من «جعل» المتعدي إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف في { كالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } والجملة التي هي { سَوَآءً محياهم ومماتهم } بدل من الكاف لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد ، { سَوَآء } علي وحمزة وحفص بالنصب على الحال من الضمير في { نَّجْعَلَهُمْ } ويرتفع { محياهم ومماتهم } ب { سَوَآء } . وقرأ الأعمش { ومماتهم } بالنصب جعل { محياهم ومماتهم } ظرفين كمقدم الحاج أي سواء في محياهم وفي مماتهم . والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً وأن يستووا مماتاً لافتراق أحوالهم أحياء ، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات وأولئك على اقتراف السيئات ، ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة ، وقيل : معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة في الرزق والصحة ، وعن تميم الداري Bه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ويردد إلى الصباح ، وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول : يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت { سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } بئس ما يقضون إذا حسبوا أنهم كالمؤمنين فليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقعد على مقام المخالفة بل نفرق بينهم فنعلي المؤمنين ونخزي الكافرين .","part":3,"page":311},{"id":1312,"text":"{ وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق } ليدل على قدرته { ولتجزى } معطوف على هذا المعلل المحذوف { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه { وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ } منه باختياره الضلال أو أنشأ فيه فعل الضلال على علم منه بذلك { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ } فلا يقبل وعظاً { وَقَلْبِهِ } فلا يعتقد حقاً { وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } فلا يبصر عبرة ، { غشاوة } حمزة وعلي { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله } من بعد إضلال الله إياه { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف : حمزة وعلي وحفص ، وغيرهم بالتشديد . فأصل الشر متابعة الهوى والخير كله في مخالفته فنعم ما قال :\rإذا طلبتك النفس يوماً بشهوة ... وكان إليها للخلاف طريق\rفدعها وخالف ما هويت فإنما ... هواك عدو والخلاف صديق\r{ وَقَالُواْ مَا هِىَ } أي ما الحياة لأنهم وعدوا حياة ثانية { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } التي نحن فيها { نَمُوتُ وَنَحْيَا } نموت نحن ونحيا ببقاء أولادنا ، أو يموت بعض ويحيا بعض ، أو نكون مواتاً نطفاً في الأصلاب ونحيا بعد ذلك ، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة . وقيل : هذا كلام من يقول بالتناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر } كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بإذن الله ، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان ، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ومنه قوله عليه السلام : « لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر » أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر { وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } وما يقولون ذلك من علم ويقين ولكن من ظن وتخمين .","part":3,"page":312},{"id":1313,"text":"{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا } أي القرآن يعني ما فيه من ذكر البعث { بينات مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } وسمى قولهم حجة وإن لم يكن حجة لأنه في زعمهم حجة { إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِأَبَآءِنَا } أي أحيوهم .\r{ الله إِن كُنتُمْ صادقين } في دعوى البعث ، و { حُجَّتَهُمْ } خبر «كان» واسمها { أَن قَالُواْ } والمعنى ما كان حجتهم إلا مقالتهم : { ائتوا بِئَابَائِنَا } وقرىء { حُجَّتَهُمْ } بالرفع على أنها اسم «كان» و { أَن قَالُواْ } الخبر . { قُلِ الله يُحْيِيكُمْ } في الدنيا { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } فيها عند انتهاء أعماركم { ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } أي يبعثكم يوم القيامة جميعاً ومن كان قادراً على ذلك كان قادراً على الإتيان بآبائكم ضرورة { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي في الجمع { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } قدرة الله على البعث لإعراضهم عن التفكر في الدلائل { وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون } عامل النصب في { يَوْمٍ تَقُومُ } { يَخْسَرُ } و { يَوْمَئِذٍ } بدل من { يَوْمٍ تَقُومُ } { وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } جالسة على الركب ، يقال : جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبتيه وقيل جاثية مجتمعة { كُلُّ أُمَّةٍ } بالرفع على الابتداء { كُلَّ } بالفتح : يعقوب على الإبدال من { كُلَّ أُمَّةٍ } { تدعى إلى كتابها } إلى صحائف أعمالها فاكتفى باسم الجنس فيقال لهم { اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا .\r{ هذا كتابنا } أضيف الكتاب إليهم لملابسته إياهم لأن أعمالهم مثبتة فيه وإلى الله تعالى لأنه مالكه والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده { يَنطِقُ عَلَيْكُم } يشهد عليكم بما عملتم { بالحق } من غير زيادة ولا نقصان { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي نستكتب الملائكة أعمالكم . وقيل : نسخت واستنسخت بمعنى وليس ذلك بنقل من كتاب بل معناه نثبت { فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ } جنته { ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين وَأَمَّا الذين كَفَرُوآ } فيقال لهم { أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ } والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم فحذف المعطوف عليه { فاستكبرتم } عن الإيمان بها { وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } كافرين { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله } بالجزاء { حَقٌّ والساعة } بالرفع عطف على محل «إن» واسمها . { والساعة } : حمزة عطف على { وَعَدَ الله } { لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا الساعة } أي شيء الساعة { إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب فأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه ، وزيد نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله { وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وَبَدَا لَهُمْ } ظهر لهؤلاء الكفار { سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } قبائح أعمالهم أو عقوبات أعمالهم السيئات كقوله :","part":3,"page":313},{"id":1314,"text":"{ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } ونزل بهم جزاء استهزائهم .\r{ وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا } أي نترككم في العذاب كما تركتم عدة لقاء يومكم وهي الطاعة ، وإضافة اللقاء إلى اليوم كإضافة المكر في قوله { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } [ سبأ : 33 ] أي نسيتم لقاء الله تعالى في يومكم هذا ولقاء جزائه { وَمَأْوَاكُمُ النار } أي منزلكم { وَمَا لَكُمْ مِّن ناصرين ذلكم } العذاب { بِأَنَّكُمُ } بسبب أنكم { اتخذتم ءايات الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } { لاَ يَخْرُجُونَ } حمزة وعلي { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه { فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين } أي فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين ، فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب { وَلَهُ الكبريآء فِى السماوات والأرض } وكبّروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السماوات والأرض { وَهُوَ العزيز } في انتقامه { الحكيم } في أحكامه .","part":3,"page":314},{"id":1315,"text":"{ حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق } ملتبساً بالحق { وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه وهو يوم القيامة { والذين كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ } عما أنذروه من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل مخلوق من انتهائه إليه { مُّعْرِضُونَ } لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له ، ويجوز أن تكون «ما» مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم { قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني { مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } تعبدونه من الأصنام { أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض } أي شيء خلقوا مما في الأرض إن كانوا آلهة { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السماوات } شركة مع الله في خلق السماوات والأرض { ائتونى بكتاب مِّن قَبْلِ هذا } أي من قبل هذا الكتاب وهو القرآن يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك ، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك ، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله { أَوْ أثارة مِّنْ عِلْمٍ } أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين { إِن كُنتُمْ صادقين } أن الله أمركم بعبادة الأوثان .\r{ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القيامة وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غافلون } أي أبداً { وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً } أي الأصنام لعبدتها { وَكَانُواْ } أي الأصنام { بِعِبَادَتِهِمْ } بعبادة عبدتهم { كافرين } يقولون ما دعوناهم إلى عبادتنا . ومعنى الاستفهام في { مَنْ أَضَلَّ } إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالاً من عبدة الأوثان حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على كل شيء ويدعون من دونه جماداً لا يستجيب لهم ولا قدرة له على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة ، وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا عليهم ضداً فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة ، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم . ولما أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم من الاستجابة والغفلة قيل «من» و «هم» ، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة ، طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها ونحوه قوله تعالى : { إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } [ فاطر : 14 ] .\r{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيِّنَاتٍ } جمع بينة وهي الحجة والشاهد أو واضحات مبينات { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقِّ } المراد بالحق الآيات وبالذين كفروا المتلو عليهم فوضع الظاهران موضع الضميرين للتسجيل عليهم بالكفر وللمتلو بالحق { لَمَّا جَآءَهُمْ } أي بادهوه بالجحود ساعة أتاهم وأول ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر { هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر أمره في البطلان لا شبهة فيه { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحراً إلى ذكر قولهم إن محمداً عليه السلام افتراه أي اختلقه وأضافه إلى الله كذباً ، والضمير للحق والمراد به الآيات { قُلْ إِنِ افتريته فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الله شَيْئاً } أي إن افتريته على سبيل الفرض عاجلني الله بعقوبة الافتراء عليه فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي ، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه؟ .","part":3,"page":315},{"id":1316,"text":"{ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } أي تندفعون فيه من القدح في وحي الله والطعن في آياته وتسميته سحراً تارة وفرية أخرى { كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } يشهد لي بالصدق والبلاغ ويشهد عليكم بالجحود والإنكار ، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم { وَهُوَ الغفور الرحيم } موعدة بالغفران والرحمة إن تابوا عن الكفر وآمنوا .\r{ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل } أي بديعاً كالخف بمعنى الخفيف ، والمعنى إني لست بأول مرسل فتنكروا نبوّتي { وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } أي ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان . وعن الكلبي قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين : حتى متى تكون على هذا؟ فقال : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، أأترك بمكة أم أو أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه ذات نخيل وشجره و «ما» في { مَّا يَفْعَلُ } يجوز أن يكون موصولة منصوبة ، وأن تكون استفهامية مرفوعة . وإنما دخل «لا» في قوله { وَلاَ بِكُمْ } مع أن { بفعل } مثبت غير منفي لتناول النفي في { مَا أَدْرِى } «ما» وما في حيزه { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ } القرآن { مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل } هو عبد الله بن سلام عند الجمهور ولهذا قيل : إن هذه الآية مدنية لأن إسلام بن سلام بالمدينة . رُوي أنه لما قدم رسول الله A المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب . قال له : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي : ما أول أشراط الساعة ، وما أول طعام يأكله أهل الجنة ، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله A : \" أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت ، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته \" فقال : أشهد أنك رسول الله حقاً .","part":3,"page":316},{"id":1317,"text":"{ على مِثْلِهِ } الضمير للقرآن أي مثله في المعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك ، ويجوز أن يكون المعنى إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك يعني كونه من عند الله { فَئَامَنَ } الشاهد { واستكبرتم } عن الإيمان به . وجواب الشرط محذوف تقديره إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين ، ويدل على هذا المحذوف . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } والواو الأولى عاطفة ل { كَفَرْتُمْ } على فعل الشرط ، وكذلك الواو الأخيرة عاطفة ل { استكبرتم } على { شَهِدَ شَاهِدٌ } ، وأما الواو في { وَشَهِدَ } فقد عطفت جملة قوله { شَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ فَئَامَنَ واستكبرتم } على جملة قوله { كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ } والمعنى قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به ، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله ، فإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به ، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي لأجلهم وهو كلام كفار مكة قالوا : إن عامة من يتبع محمداً السقاط يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } العامل في «إذ» محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم وقوله { فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ } مسبب عنه وقولهم { إِفْكٌ قَدِيمٌ } أي كذب متقادم كقولهم { أساطير الأولين } [ الأنعام : 25 ] { وَمِن قَبْلِهِ } أي القرآن { كِتَابُ موسى } أي التوراة وهو مبتدأ و { مِن قَبْلِهِ } ظرف واقع خبراً مقدماً عليه وهو ناصب { إِمَاماً } على الحال نحو : في الدار زيد قائماً . ومعنى { إِمَاماً } قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام { وَرَحْمَةً } لمن آمن به وعمل بما فيه { وهذا } القرآن { كتاب مُّصَدِّقٌ } لكتاب موسى أو لما بين يديه وتقدمه من جميع الكتب { لِّسَاناً عَرَبِيّاً } حال من ضمير الكتاب في { مُّصَدّق } والعامل فيه { مُّصَدّق } أو من كتاب لتخصصه بالصفة ويعمل فيه معنى الإشارة ، وجوز أن يكون مفعولاً ل { مُّصَدّق } أي يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول { لِّيُنذِرَ } أي الكتاب ، { لّتُنذِرَ } حجازي وشامي . { الذين ظَلَمُواْ } كفروا { وبشرى } في محل النصب معطوف على محل { لّيُنذِرَ } لأنه مفعول له { لِّلْمُحْسِنِينَ } للمؤمنين المطيعين .","part":3,"page":317},{"id":1318,"text":"{ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } على توحيد الله وشريعة نبيه محمد A { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في القيامة { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } عند الموت { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا } حال من { أصحاب الجنة } والعامل فيه معنى الإشارة الذي دل عليه { أولئك } { جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } جزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء .\r{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه إحسانا } كوفي أي وصيناه بأن يحسن بوالديه إحساناً ، { حُسْنًا } غيرهم أي وصيناه بوالديه أمراً ذا حسن أو بأمر ذي حسن ، فهو في موضع البدل من قوله { بوالديه } وهو من بدل الاشتمال { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } وبفتح الكافين : حجازي وأبو عمرو وهما لغتان في معنى المشقة ، وانتصابه على الحال أي ذات كره ، أو على أنه صفة للمصدر أي حملاً ذاكره { وَحَمْلُهُ وفصاله } ومدة حمله وفطامه { ثَلاَثُونَ شَهْراً } وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع إذا كانت حولين لقوله تعالى : { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [ البقرة : 233 ] بقيت للحمل ستة أشهر ، وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله ، وقال أبو حنيفة Bه : المراد به الحمل بالأكف . { وَفِصْلُهُ } يعقوب . والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } هو جمع لا واحد له من لفظه ، وكان سيبويه يقول : واحده شدة ، وبلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته وعقله وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين . وعن قتادة : ثلاث وثلاثون سنة ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعون .\r{ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى } ألهمني { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ } المراد به نعمة التوحيد والإسلام ، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه لأن النعمة عليهما نعمة عليه { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } قيل : هي الصلوات الخمس { وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } أي اجعل ذريتي موقعاً للصلاح ومظنة له { إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ } من كل ذنب { وَإِنِّى مِنَ المسلمين } من المخلصين { أُوْلَئِكَ الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم } حمزة وعلي وحفص . { يُتَقَبَّل } { ويُتَجاوز } { أَحْسَنُ } غيرهم { فِى أصحاب الجنة } هو كقولك : أكرمني الأمير في ناس من أصحابه تريد أكرمني في جملة من أكرم منهم ونظمني في عدادهم ، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم { وَعْدَ الصدق } مصدر مؤكد لأن قوله { يُتَقَبَّل } { ويتجاوز } وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز . قيل : نزلت في أبي بكر الصديق Bه وفي أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم ، فإنه آمن بالنبي A وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر Bه { الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في الدنيا .","part":3,"page":318},{"id":1319,"text":"{ والذى قَالَ لوالديه } مبتدأ خبره { أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } والمراد بالذي قال ، الجنس القائل ذلك القول ولذلك وقع الخبر مجموعاً . وعن الحسن : هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث . وقيل : نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر Bه قبل إسلامه ، ويشهد لبطلانه كتاب معاوية إلى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : لقد جئتم بها هرقلية أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان : يا أيها الناس هذا الذي قال الله تعالى فيه : { والذى قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا } . فسمعت عائشة Bها فغضبت وقالت : والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته ، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فضض من لعنة الله أي قطعة { أُفّ لَّكُمَآ } مدني وحفص ، { أُفَّ } مكي وشامي ، { أُفِّ } غيرهم وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر كما إذا قال «حس» علم أنه متوجع . واللام للبيان أي هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما . { أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ } أن أبعث وأخرج من الأرض { وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى } ولم يبعث منهم أحد { وَهُمَا } أبواه { يَسْتَغِيثَانِ الله } يقولان الغياث بالله منك ومن قولك وهو استعظام لقوله ويقولان له { وَيْلَكَ } دعاء عليه بالثبور والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك { ءَامِنْ } بالله وبالبعث { إِنَّ وَعْدَ الله } بالبعث { حَقٌّ } صدق { فَيَقُولُ } لهما { مَا هذا } القول { إِلاَّ أساطير الأولين أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } أي لأملأن جهنم { فِى أُمَمٍ } في جملة أمم { قَدْ خَلَتْ } قد مضت { مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين وَلِكُلّ } من الجنسين المذكورين الأبرار والفجار { درجات مِّمَّا عَمِلُواْ } أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر ، أو من أجل ما عملوا منهما ، وإنما قال { درجات } وقد جاء «الجنة درجات والنار دركات» على وجه التغليب { وَلِيُوَفِّيَهُمْ أعمالهم } بالياء : مكي وبصري وعاصم { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم ، قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات فاللام متعلقة بمحذوف { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار } عرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم : عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به . وقيل : المراد عرض النار عليهم من قولهم : عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا { أَذْهَبْتُمْ } أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب الظرف { طيباتكم فِى حياتكم الدنيا } أي ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها .","part":3,"page":319},{"id":1320,"text":"وعن عمر Bه : لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي { واستمتعتم بِهَا } بالطيبات { فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أي الهوان وقرىء به { بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } تتكبرون { فِى الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } أي باستكباركم وفسقكم .\r{ واذكر أَخَا عَادٍ } أي هوداً { إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف } جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج . عن ابن عباس Bهما : هو وادٍ بين عمان ومهرة { وَقَدْ خَلَتِ النذر } جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } من قبل هود ومن خلف هود ، وقوله { وَقَدْ خَلَتِ النذر مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } وقع اعتراضاً بين { أَنذَرَ قَوْمَهُ } وبين { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } والمعنى واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك { قَالُواْ } أي قوم هود { أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } لتصرفنا فالأفك الصرف يقال : أفكه عن رأيه { عَنْ ءَالِهَتِنَا } عن عبادتها { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من معاجلة العذاب على الشرك { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في وعيدك .","part":3,"page":320},{"id":1321,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا العلم } بوقت مجيء العذاب { عَندَ الله } ولا علم لي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم { وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ } وبالتخفيف : أبو عمرو أي الذي هو شأني أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } أي ولكنكم جاهلون لا تعلمون أن الرسل بعثوا منذرين لا مقترحين ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه . { فَلَمَّا رَأَوْهُ } الضمير يرجع إلى { مَا تَعِدُنَا } أو هو مبهم وضح أمره بقوله { عَارِضاً } إما تمييزاً أو حالاً . والعارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء { مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } رُوي أن المطر قد احتبس عنهم فرأوا سحابة استقبلت أوديتهم فقالوا : هذا سحاب يأتينا بالمطر وأظهروا من ذلك فرحاً . وإضافة { مُّسْتَقْبِلَ } و { ممطر } مجازية غير معرفة بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفاً للنكرة { بَلْ هُوَ } أي قال هود : بل هو ، ويدل عليه قراءة من قرأ { قَالَ هُود بَلْ هُوَ } { مَا استعجلتم بِهِ } من العذاب . ثم فسره فقال { رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ } تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير فعبر عن الكثرة بالكلية { بِأَمْرِ رَبِّهَا } رب الريح { فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم } عاصم وحمزة وخلف أي لا يرى شيء إلا مساكنهم . غيرهم { لاَّ ترى إِلاَّ مساكنهم } والخطاب للرائي من كان .\r{ كَذَلِكَ نَجْزِى القوم المجرمين } أي مثل ذلك نجزي من أجرم مثل جرمهم وهو تحذير لمشركي العرب . عن ابن عباس Bهما : اعتزل هود عليه السلام ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلذه الأنفس ، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة .\r{ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَآ إِن مكناكم فِيهِ } «إن» نافية أي فيما ما مكنا كم فيه إلا أن «إن» أحسن في اللفظ لما في مجامعة ما مثلها من التكرير المستبشع ، ألا ترى أن الأصل في «مهما» «ما ما» فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء . وقد جعلت «إن» صلة وتؤول بأنا مكناهم في مثل { مَا إِنَّ مكناكم فِيهِ } [ الأحقاف : 26 ] والوجه هو الأول لقوله تعالى : { هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئياً } [ مريم : 74 ] { كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً } [ غافر : 82 ] و «ما» بمعنى الذي أو نكرة موصوفة { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً } أي آلات الدرك والفهم { فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَىْءٍ } أي من شيء من الإغناء وهو القليل منه { إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بئايات الله } «إذ» نصب بقوله { فَمَا أغنى } وجرى مجرى التعليل لاستواء مؤدي التعليل والظرف في قولك : ضربته لإساءته وضربته إذ أساء ، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه إلا أن «إذ» و «حيث» غلبتا دون سائر الظروف في ذلك { وَحَاقَ بِهِم } ونزل بهم { مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } جزاء استهزائهم وهذا تهديد لكفار مكة ثم زادهم تهديداً بقوله :","part":3,"page":321},{"id":1322,"text":"{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ } يا أهل مكة { مِّنَ القرى } نحو حجر ثمود وقرى قوم لوط والمراد أهل القرى ولذلك قال { وَصَرَّفْنَا الآيات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي كررنا عليهم الحجج وأنواع العبر لعلهم يرجعون عن الطغيان إلى الإيمان فلم يرجعوا { فَلَوْلا } فهلا { نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً ءَالِهَةً } القربان ما تقرب به إلى الله تعالى أي اتخذوهم شفعاء متقرباً بهم إلى الله تعالى حيث قالوا { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [ يونس : 18 ] وأحد مفعولي «اتخذ» الراجع إلى «الذين» محذوف أي اتخذوهم والثاني { ءالِهَةً } و { قُرْبَاناً } حال { بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } غابوا عن نصرتهم { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } { وَذَلِكَ } إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم أي وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب .\r{ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً } أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك والنفردون العشرة { مِّن الجن } جن نصيبين { يَسْتَمِعُونَ القرءان } منه E { فَلَمَّا حَضَرُوهُ } أي الرسول A أو القرآن أي كانوا منه بحيث يسمعون { قَالُواْ } أي قال بعضهم لبعض { أَنصِتُواْ } اسكتوا مستمعين رُوي أن الجن كانت تسترق السمع ، فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا : ما هذا إلا لنبأ حدث . فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى منهم زوبعة فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادي نخلة فوافوا رسول الله A وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته . وعن سعيد بن جبير : ما قرأ رسول الله A على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم . وقيل : بل الله أمر رسوله أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفراً منهم فقال : إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني؟ قالها ثلاثاً . فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود Bه قال : لم يحضره ليلة الجن أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطاً وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك ، ثم اففتح القرآن وسمعت لغطاً شديداً فقال لي رسول الله A : \" هل رأيت شيئاً؟ قلت : نعم رجالاً سوداً . فقال : أولئك جن نصيبين \"","part":3,"page":322},{"id":1323,"text":"{ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام أوصدوا غيرهم عنه . قال الجوهري : صد عنه يصد صدوداً أعرض ، وصده عن الأمر صداً منعه وصرفه عنه . وهم المطعمون يوم بدر أو أهل الكتاب أو عام في كل من كفر وصد { أَضَلَّ أعمالهم } أبطلها وأحبطها ، وحقيقته جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها كالضالة من الإبل ، وأعمالهم ما عملوه في كفرهم من صلة الأرحام وإطعام الطعام وعمارة المسجد الحرام ، أو ما عملوه من الكيد لرسول الله A والصد عن سبيل الله { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } هم ناس من قريش أو من الأنصار أو من أهل الكتاب أو عام { وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ } وهو القرآن ، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه ، وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية وهي قوله { وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ } أي القرآن . وقيل : إن دين محمد هو الحق إذ لا يرد عليه النسخ وهو ناسخ لغيره { كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم } ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم { وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد { ذلك بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل وَأَنَّ الذين ءَامَنُواْ اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ } { ذلك } مبتدأ وما بعده خبره أي ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني والإصلاح كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان وهؤلاء الحق وهو القرآن { كذلك } مثل ذلك الضرب { يَضْرِبُ الله } أي يبين الله { لِلنَّاسِ أمثالهم } والضمير راجع إلى الناس أو إلى المذكورين من الفريقين على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم ، وقد جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكافرين ، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين ، أو جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلاً لفوز الأبرار .\r{ فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ } من اللقاء وهو الحرب { فَضَرْبَ الرقاب } أصله فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول ، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه { وَضَرَبَ الرقاب } عبارة عن القتل لا أن الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء ، ولأن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته فوقع عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته { حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أكثرتم فيهم القتل { فَشُدُّواْ الوثاق } فأسروهم والوثاق بالفتح والكسر اسم ما يوثق به ، والمعنى فشدوا وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ } أي بعد أن تأسروهم { وَإِمَّآ فِدَاءً } { منَّا } و { فِدَاء } منصوبان بفعليهما مضمرين أي فإما تمنون مناً أو تفدون فداء ، والمعنى التخيير بين الأمرين بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين أن يفادوهم ، وحكم أسارى المشركين عندنا القتل أو الاسترقاق ، والمن والفداء المذكوران في الآية منسوخ بقوله","part":3,"page":323},{"id":1324,"text":"{ فاقتلوا المشركين } [ التوبة : 5 ] لأن سورة «براءة» من آخر ما نزل . وعن مجاهد : ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق . أو المراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا ، أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وبالفداء أن يفادى بأسراهم أسارى المسلمين فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة C وهو قولهما ، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره لئلا يعودوا حرباً علينا ، وعند الشافعي C تعالى : للإمام أن يختار أحد الأمور الأربعة : القتل والاسترقاق والفداء بأسارى المسلمين والمن .\r{ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا } أثقالها وآلاتها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع . وقيل : أوزارها آثامها يعني حتى يترك أهل الحرب وهم المشركون شركهم بأن يسلموا وحتى لا يخلو من أن يتعلق بالضرب والشد أو بالمن والفداء ، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي C أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين ، وذلك إذا لم يبق لهم شوكة . وقيل : إذا نزل عيسى عليه السلام . وعند أبي حنيفة C : إذا علق بالضرب والشد فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار ، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين . وإذا علق بالمن والفداء فالمعنى أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل { ذلك } أي الأمر ذلك فهو مبتدأ وخبر أو افعلوا بهم ذلك فهو في محل النصب { وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } لانتقم منهم بغير قتال ببعض أسباب الهلاك كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك { ولكن } أمركم بالقتال { لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } أي المؤمنين بالكافرين تمحيصاً للمؤمنين وتمحيقاً للكافرين { والذين قُتِلُواْ } بصري وحفص . { قَاتَلُواْ } غيرهم { فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم سَيَهْدِيهِمْ } إلى طريق الجنة أو إلى الصواب في جواب منكر ونكير { وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } يرضى خصماءهم ويقبل أعمالهم { وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ } عن مجاهد : عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة . { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ الله } أي دين الله ورسوله { يَنصُرْكُمْ } على عدوكم ويفتح لكم { وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام { والذين كَفَرُواْ } في موضع رفع بالابتداء والخبر { فَتَعْساً لَّهُمْ } وعطف قوله { وَأَضَلَّ أعمالهم } على الفعل الذي نصب { تعسا } لأن المعنى فقال تعساً لهم والتعس العثور .","part":3,"page":324},{"id":1325,"text":"وعن ابن عباس Bهما : يريد في الدنيا القتل وفي الآخرة التردي في النار . { ذلك } أي التعس والضلال { بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ الله } أي القرآن { فَأَحْبَطَ أعمالهم أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض } يعني كفار أمتك { فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ } أهلكهم هلاك استئصال { وللكافرين } مشركي قريش { أمثالها } أمثال تلك الهلكة لأن التدمير يدل عليها { ذلك } أي نصر المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين { أَنَّ الله مَوْلَى الذين ءَامَنُواْ } وليهم وناصرهم { وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ } أي لا ناصر لهم فإن الله مولى العباد جميعاً من جهة الاختراع وملك التصرف فيهم ، ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة { إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ } ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياماً قلائل { وَيَأْكُلُونَ } غافلين غير متفكرين في العاقبة { كَمَا تَأْكُلُ الأنعام } في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح { والنار مَثْوًى لَّهُمْ } منزل ومقام .\r{ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ } أي وكم من قرية للتكثير وأراد بالقرية أهلها ولذلك قال { أهلكناهم } { هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ } أي وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين أخرجوك أي كانوا سبب خروجك { أهلكناهم فَلاَ ناصر لَهُمْ } أي فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ } أي على حجة من عنده وبرهان وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات يعني رسول الله A { كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله . وقال سوء عمله { واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ } للحمل على لفظ من ومعناه { مَّثَلُ الجنة } صفة الجنة العجيبة الشأن { التى وُعِدَ المتقون } عن الشرك { فِيهَآ أَنْهَارٌ } داخل في حكم الصلة كالتكرير لها ألا ترى إلى صحة قولك التي فيها أنهار ، أو حال أي مستقرة فيها أنهار { مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ } غير متغير اللون والريح والطعم . يقال : أسن الماء إذا تغير طعمه وريحه { أسِن } مكي { وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة وغيرها { وأنهار مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ } تأنيث لذ وهو اللذيذ { لِّلشَّارِبِينَ } أي ما هو إلا التلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر { وأنهار مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره { وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبِّهِمْ } { مَثَلُ } مبتدأ خبره { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً } حاراً في النهاية { فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } والتقدير : أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار؟ وهو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه وهو قوله : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } .","part":3,"page":325},{"id":1326,"text":"وفائدة حذف حرف الإنكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلك الأنهار وبين النار التي يسقى أهلها الحميم . { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ ءَانِفاً } هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله A فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالاً تهاوناً منهم ، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة : ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء { أُوْلَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ } .","part":3,"page":326},{"id":1327,"text":"{ والذين اهتدوا } بالإيمان واستماع القرآن { زَادَهُمْ } الله { هُدًى } أي بصيرة وعلماً أو شرح صدورهم { وءاتاهم تقواهم } أعانهم عليها أو آتاهم جزاء تقواهم أو بين لهم ما يتقون { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة } أي ينتظرون { أَن تَأْتِيهُم } أي إتيانها فهو بدل اشتمال من { الساعة } { بَغْتَةً } فجأة { فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا } علاماتها وهو مبعث محمد A وإنشقاق القمر والدخان . وقيل : قطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام { فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } قال الأخفش : التقدير فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم { فاعلم أَنَّهُ } أن الشأن { لآ إله إِلاَّ الله واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } والمعنى فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله وعلى التواضع وهضم النفس باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك . وفي شرح التأويلات جاز أن يكون له ذنب فأمره بالاستغفار له ولكنا لا نعلمه ، غير أن ذنب الأنبياء ترك الأفضل دون مباشرة القبيح ، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر . وقيل : الفاآت في هذه الآيات لعطف جملة على جملة بينهما اتصال { والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } في معايشكم ومتاجركم { وَمَثْوَاكُمْ } ويعلم حيث تستقرون من منازلكم أو متقلبكم في حياتكم ومثوا كم في القبور ، أو متقلبكم في أعمالكم ومثوا كم في الجنة والنار ، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى وأن يستغفره وسئل سفيان ابن عيينة عن فضل العلم فقال : ألم تسمع قوله { فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلائَ الله واستغفر لِذَنبِكَ } فأمر بالعمل بعد العلم .\r{ وَيَقُولُ الذين ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ } فيها ذكر الجهاد { فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ } في معنى الجهاد { مُّحْكَمَةٌ } مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجهاً إلا وجوب القتال . وعن قتادة : كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ما كان من الصفح والمهادنة وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة { وَذُكِرَ فِيهَا القتال } أي أمر فيها بالجهاد { رَأَيْتَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } نفاق أي رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها { يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } أي تشخص أبصارهم جبناً وجزعاً كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت { فأولى لَهُمْ } وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولى وهو القرب ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } كلام مستأنف أي طاعة وقول معروف خير لهم { فَإِذَا عَزَمَ الأمر } فإذا جد الأمر ولزمهم فرض القتال { فَلَوْ صَدَقُواْ الله } في الإيمان والطاعة { لَكَانَ } الصدق { خَيْراً لَّهُمْ } من كراهة الجهاد . ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب بضرب من التوبيخ والإرهاب فقال :\r{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } أي فلعلكم إن أعرضتم عن دين رسول الله A وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات .","part":3,"page":327},{"id":1328,"text":"وخبر عسى { أَن تُفْسِدُواْ } والشرط اعتراض بين الاسم والخبر والتقدير : فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم إن توليتم { أولئك } إشارة إلى المذكورين { الذين لَعَنَهُمُ الله } أبعدهم عن رحمته { فَأَصَمَّهُمْ } عن استماع الموعظة { وأعمى أبصارهم } عن إبصارهم طريق الهدى .\r{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان } فيعرفوا ما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا على المعاصي . و «أم» في { أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } بمعنى بل وهمزة التقرير للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكره . ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك ، والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين ، وأضيفت الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح نحو الرين والختم والطبع .\r{ إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى } أي المنافقون رجعوا إلى الكفر سراً بعد وضوح الحق لهم { الشيطان سَوَّلَ } زين { لَهُمْ } جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً ل «إن» نحو : إن زيداً عمرو مر به { وأملى لَهُمْ } ومدّ لهم في الآمال والأماني { وَأُمْلِىَ } أبو عمرو أي امهلوا ومد في عمرهم { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله } أي المنافقون قالوا لليهود { سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأمر } أي عدواة محمد والقعود عن نصرته { والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } على المصدر من أسر : حمزة وعلي وحفص . { أسْرَارَهُمْ } غيرهم جمع سر { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة } أي فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } عن ابن عباس Bهما : لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره { ذلك } إشارة إلى التوفي الموصوف { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { اتبعوا مَا أَسْخَطَ الله } من معاونة الكافرين { وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ } من نصرة المؤمنين { فَأَحْبَطَ أعمالهم أَمْ حَسِبَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم } أحقادهم . والمعنى أظن المنافقون أن الله تعالى لا يبرز بغضهم وعداوتهم للمؤمنين { وَلَوْ نَشَآءُ لأريناكهم } لعرّفناكهم ودللناك عليهم { فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم } بعلامتهم وهو أن يسمهم الله بعلامة يعلمون بها وعن أنس Bه : ما خفي على رسول الله A بعد هذه الآية أحد من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول } في نحوه وأسلوبه الحسن من فحوى كلامهم لأنهم كانوا لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم .","part":3,"page":328},{"id":1329,"text":"واللام في { فَلَعَرَفْتَهُم } داخلة في جواب «لو» كالتي في { لأريناكهم } كررت في المعطوف ، وأما اللام في { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ } فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف { والله يَعْلَمُ أعمالكم } فيميز خيرها من شرها .\r{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم } بالقتال إعلاماً لا استعلاماً أو نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في إظهار العدل { حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين } على الجهاد أي نعلم كائناً ما علمناه أنه سيكون { وَنَبْلُوَ أخباركم } أسراركم وليبلونكم حتى يعلم . { ويبلو } أبو بكر وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال : اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله وَشَآقُّواْ الرسول } وعادوه يعني المطعمين يوم بدر وقد مر { مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى } من بعد ما ظهر لهم أنه الحق وعرفوا الرسول { لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أعمالهم } التي عملوها في مشاقة الرسول أي سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم .","part":3,"page":329},{"id":1330,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم } بالنفاق أو بالرياء .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } قيل : هم أصحاب القليب والظاهر العموم { فَلاَ تَهِنُواْ } فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدو { وَتَدْعُواْ إِلَى السلم } وبالكسر : حمزة وأبو بكر وهما المسالة أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } أي الأغلبون وتدعوا مجزوم لدخوله في حكم النهي { والله مَعَكُمْ } بالنصرة أي ناصركم { وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم } ولن ينقصكم أجر أعمالكم { إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } تنقطع في أسرع مدة { وَإِن تُؤْمِنُواْ } بالله ورسوله { وَتَتَّقُواْ } الشرك { يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } ثواب إيمانكم وتقواكم { وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم } أي لا يسألكم جميعها بل ربع العشر ، والفاعل الله أو الرسول وقال سفيان بن عيينة : غيضاً من فيض { إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ } أي يجهدكم ويطلبه كله والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء . يقال : أحفاه في المسئلة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح ، وأحفى شاربه إذا استأصله { تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ } أي الله أو البخل { أضغانكم } عند الامتناع أو عند سؤال الجميع لأنه عند مسئلة المال تظهر العداوة والحقد .\r{ هَآأَنتُمْ } ها للتنبيه { هؤلاءآء } موصول بمعنى الذين صلته { تَدْعُونَ } أي أنتم الذين تدعون { لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } هي النفقة في الغزو أو الزكاة كأنه قيل : الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر { فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ } بالرفع لأن من هذه ليست للشرط أي فمنكم ناس يبخلون به { وَمَن يَبْخَلْ } بالصدقة وأداء الفريضة { فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } أي يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه . وقيل : يبخل على نفسه يقال بخلت عليه وعنه { والله الغنى وَأَنتُمُ الفقرآء } أي أنه لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه غني عن الحاجات ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته وطاعة رسوله والإنفاق في سبيله ، وهو معطوف على { وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ } { يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يخلق قوماً خيراً منكم وأطوع وهم فارس وسئل رسول الله A عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال : « هذا وقومه ، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناله رجال من فارس » { ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم } أي ثم لا يكونوا في الطاعة أمثالكم بل أطوع منكم .","part":3,"page":330},{"id":1331,"text":"{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب ، لأنه مغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح ، ثم قيل هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله A عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح . وجيء به على لفظ الماضي لأنها في تحققها بمنزلة الكائنة وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه وهو الفتح ما لا يخفى . وقيل : هو فتح الحديبية ولم يكن فيه قتال شديد ولكن ترامٍ بين القوم بسهام وحجارة ، فرمى المسلمون المشركين حتى أدخلوهم ديارهم وسألوا الصلح فكان فتحاً مبيناً وقال الزجاج : كان في فتح الحديبية آية للمسلمين عظيمة ، وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول الله A ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع الناس . وقيل : هو فتح خيبر . وقيل : معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت من الفتاحة وهي الحكومة . { لِّيَغْفِرَ لَكَ الله } قيل : الفتح ليس بسبب للمغفرة والتقدير : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فاستغفر ليغفر لك الله ومثله { إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح } إلى قوله { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره } [ النصر : 1 ، 3 ] ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للغفران . وقيل : الفتح لم يكن ليغفر له بل لإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز ، ولكنه لما عدد عليه هذه النعم وصلها بما هو أعظم النعم كأنه قيل : يسرّنا لك فتح مكة أو كذا لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل { مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } يريد جميع ما فرط منك أو ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد { وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك { وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } ويثبتك على الدين المرضي { وَيَنصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً } قوياً منيعاً لا ذل بعده أبداً .\r{ هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة فِى قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُوآ إيمانا مَّعَ إيمانهم } السكينة للسكون كالبهيتة للبهتان أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح ليزدادوا يقيناً إلى يقينهم . وقيل : السكينة الصبر على ما أمر الله والثقة بوعد الله والتعظيم لأمر الله { وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } أي ولله جنود السماوات والأرض يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته ، ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم ، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيثيبهم ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه { الظآنين بالله ظَنَّ السوء } وقع السوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده .","part":3,"page":331},{"id":1332,"text":"يقال : فعل سوء أي مسخوط فاسد ، والمراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً { عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء } مكي وأبو عمرو أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم ، والسوء الهلاك والدمار وغيرهما { دَائِرَة السوء } بالفتح إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء ، وأما السوء فجارٍ مجرى الشر الذي هو نقيض الخير { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } جهنم { وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض } فيدفع كيد من عادى نبيه عليه السلام والمؤمنين بما شاء منها { وَكَانَ الله عَزِيزاً } غالباً فلا يرد بأسه { حَكِيماً } فيما دبر .\r{ إِنَّآ أرسلناك شَاهِداً } تشهد على أمتك يوم القيامة وهذه حال مقدرة { وَمُبَشِّراً } للمؤمنين بالجنة { وَنَذِيرًا } للكافرين من النار { لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } والخطاب لرسول الله A ولأمته { وَتُعَزِّرُوهُ } وتقووه بالنصر { وَتُوَقِّرُوهُ } وتعظموه { وَتُسَبِّحُوهُ } من التسبيح أو من السبحة ، والضمائر لله D . والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله ، ومن فرق الضمائر فجعل الأولين للنبي A فقد أبعد { لِيُؤْمِنُواْ } مكي وأبو عمرو والضمير للناس وكذا الثلاثة الأخيرة بالياء عندهما { بُكْرَةً } صلاة الفجر { وَأَصِيلاً } الصلوات الأربع { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ } أي بيعة الرضوان . ولما قال { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } أكده تأكيداً على طريقة التخييل فقال { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } يريد أن يد رسول الله A التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام ، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] و { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } خبر «إن» { فَمَن نَّكَثَ } نقض العهد ولم يف بالبيعة { فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه . قال جابر بن عبد الله : بايعنا رسول الله A تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقاً اختبأ تحت بطن بعيره ولم يسر مع القوم { وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد } يقال : وفيت بالعهد وأوفيت به ومنه قوله { أَوْفُواْ بالعقود } [ المائدة : 1 ] { والموفون بِعَهْدِهِمْ } [ البقرة : 177 ] { عَلَيْهِ الله } حفص { فَسَيُؤْتِيهِ } وبالنون حجازي وشامي { أَجْراً عَظِيماً } الجنة .","part":3,"page":332},{"id":1333,"text":"{ سَيَقُولُ لَكَ } إذا رجعت من الحديبية { المخلفون مِنَ الأعراب } هم الذين خلّفوا عن الحديبية وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل ، وذلك أنه عليه السلام حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت ، وأحرم هو A وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حرباً ، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا : يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فيقاتلهم وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة { شَغَلَتْنَآ أموالنا وَأَهْلُونَا } هي جمع أهل اعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم وأنه ليس من يقوم بأشغالهم { فاستغفر لَنَا } ليغفر لنا الله تخلفنا عنك { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } تكذيب لهم في اعتذارهم وأن الذي خلفهم ليس ما يقولون ، وإنما هو الشك في الله والنفاق فطلبهم الاستغفار أيضاً ليس بصادر عن حقيقة { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً } فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه { إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } ما يضركم من قتل أو هزيمة { ضَرّا } حمزة وعلي { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } من غنيمة وظفر .\r{ بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلك فِى قُلُوبِكُمْ } زينه الشيطان { وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء } من علو الكفر وظهور الفساد { وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } جمع بائر كعائذ وعوز من بار الشيء هلك وفسد أي وكنتم قوماً فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم ، أو هالكين عند الله مستحقين لسخطه وعقابه { وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين } أي لهم فأقيم الظاهر مقام الضمير للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمانين : الإيمان بالله والإيمان برسوله ، فهو كافر ونكّر { سَعِيراً } لأنها نار مخصوصة كما نكر { نَاراً تلظى } [ الليل : 14 ] { وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض } يدبره تدبير قادر حكيم { يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته وحكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } سبقت رحمته غضبه .\r{ سَيَقُولُ المخلفون } الذين تخلفوا عن الحديبية { إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ } إلى غنائم خيبر { لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كلام الله } { كَلِمَ الله } : حمزة وعلي أي يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية ، وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } إلى خيبر وهو إخبار من الله بعدم اتباعهم ولا يبدل القول لديه { كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ } من قبل انصرافهم إلى المدينة إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم { فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أي لم يأمركم الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة { بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ } من كلام الله { إِلاَّ قَلِيلاً } إلا شيئاً قليلاً يعني مجرد القول . والفرق بين الإضرابين أن الأول رد أن يكون حكم الله أن لا يتّبعوهم وإثبات الحسد ، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه .","part":3,"page":333},{"id":1334,"text":"{ قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب } هم الذين تخلفوا عن الحديبية { سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر Bه لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف . وقيل : هم فارس وقد دعاهم عمر Bه { تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ } أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام . ومعنى يسلمون على هذا التأويل ينقادون لأن فارس مجوس تقبل منهم الجزية ، وفي الآية دلالة صحة خلافة الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند دعوته بقوله { فَإِن تُطِيعُواْ } من دعاكم إلى قتاله { يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً } فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ } أي عن الحديبية { يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } في الآخرة { لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ } نفي الحرج عن ذوي العاهات في التخلف عن الغزو { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } في الجهاد وغير ذلك { يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ } يعرض عن الطاعة { يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً } { ندخله } و { نُعَذِّبُهُ } مدني وشامي .\r{ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة } هي بيعة الرضوان سميت بهذه الآية . وقصتها أن النبي A حين نزل بالحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي رسولاً إلى مكة فهموا به فمنعه الأحابيش ، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال : إني أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إياهم ، فبعث عثمان بن عفان فخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً للبيت فوقروه واحتبس عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال رسول الله A : « لا نبرح حتى نناجز القوم » ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه على أن يناجزوا قريشاً ولا يفروا تحت الشجرة ، وكانت سمرة وكان عدد المبايعين ألفاً وأربعمائة { فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه { فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ } أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم { وأثابهم } وجازاهم { فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة { وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم { وَكَانَ الله عَزِيزاً } منيعاً فلا يغالب { حَكِيماً } فيما يحكم فلا يعارض { وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } هي ما أصابوه مع النبي A وبعده إلى يوم القيامة { فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه } المغانم يعني مغانم خيبر { وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ } يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا .","part":3,"page":334},{"id":1335,"text":"وقيل : أيدي أهل مكة بالصلح { وَلِتَكُونَ } هذه الكفة { ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } وعبرة يعرفون بها أنهم من الله D بمكان وأنه ضامن نصرتهم والفتح عليهم فعل ذلك { وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } ويزيدكم بصيرة ويقيناً وثقة بفضل الله .\r{ وأخرى } معطوفة على { هذه } أي فعجل لكم هذه المغانم و { مَغَانِمَ أخرى } هي مغانم هوازن في غزوة حنين { لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } لما كان فيها من الجولة { قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } أي قدر عليها واستولى وأظهركم عليها ، ويجوز في { أخرى } النصب بفعل مضمر يفسره { قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } تقديره : وقضى الله أخرى قد أحاط بها ، وأما { لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } فصفة ل { أخرى } والرفع على الابتداء لكونها موصوفة ب { لَمْ تَقْدِرُواْ } ، و { قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } خبر المبتدأ { وَكَانَ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً } قادراً { وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ } من أهل مكة ولم يصالحوا أو من حلفاء أهل خيبر { لَوَلَّوُاْ الأدبار } لغلبوا وانهزموا { ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يلي أمرهم { وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم { سُنَّةَ الله } في موضع المصدر المؤكد أي سن الله غلبة أنبيائه سنة وهو قوله { لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة : 21 ] { التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } تغييراً .\r{ وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي أيدي أهل مكة { وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم } عن أهل مكة يعني قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة ، وذلك يوم الفتح وبه استشهد أبو حنيفة Bه على أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً . وقيل : كان في غزوة الحديبية لما رُوي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول الله A من هزمه وأدخله حيطان مكة . وعن ابن عباس Bهما : أظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت { بِبَطْنِ مَكَّةَ } أي بمكة أو بالحديبية لأن بعضها منسوب إلى الحرم { مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أي أقدركم وسلطكم { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } وبالياء : أبو عمرو { هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى } هو ما يهدي إلى الكعبة . ونصبه عطفاً على «كم» في { صَدُّوكُمْ } أي وصدوا الهدي { مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ } محبوساً أن يبلغ ، و { مَعْكُوفاً } حال . وكان عليه السلام ساق سبعين بدنة { مَحِلَّهُ } مكانه الذي يحل فيه نحره أي يجب ، وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم والمراد المعهود وهو منى { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مؤمنات } بمكة { لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } صفة للرجال والنساء جميعاً { أَن تَطَئُوهُمْ } بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في { تَعْلَمُوهُمْ } { فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ } إثم وشدة وهي مفعلة من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه وهو الكفارة إذا قتله خطأ ، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز والإثم إذا قصر .","part":3,"page":335},{"id":1336,"text":"{ بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق ب { أَن تَطَئُوهُمْ } يعني أن تطئوهم غير عالمين بهم . والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة . والمعنى أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم فقيل : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف أيديكم عنهم . وقوله { لِّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ } تعليل لما دلت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صوناً لمن بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال : كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم ، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم { لَوْ تَزَيَّلُواْ } لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين ، وجواب «لولا» محذوف أغنى عنه جواب «لو» ، ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير ل { لَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ } لمرجعهما إلى معنى واحد ، ويكون { لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ } هو الجواب تقديره ولولا أن تطئوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف { مِنْهُمْ } من أهل مكة { عَذَاباً أَلِيماً } .\rوالعامل في { إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ } أي قريش لعذبنا أي لعذبناهم في ذلك الوقت أو اذكر { فِى قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } المراد بحمية الذين كفروا وهي الأنفة وسكينة المؤمنين وهي الوقار ما يُروى أن رسول الله A لما نزل بالحديبية بعث قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبي A أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً . فقال عليه السلام لعلي Bه : \" اكتب بسم الله الرحمن الرحيم \" فقال سهيل وأصحابه : ما نعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم . ثم قال : \" اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله A أهل مكة \" فقالوا : لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة . فقال عليه السلام : \" اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله \" فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } الجمهور على أنها كلمة الشهادة . وقيل : بسم الله الرحمن الرحيم . والإضافة إلى التقوى باعتبار أنها سبب التقوى وأساسها . وقيل : كلمة أهل التقوى { وَكَانُواْ } أي المؤمنون { أَحَقَّ بِهَا } من غيرهم { وَأَهْلَهَا } بتأهيل الله إياهم { وَكَانَ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً } فيجري الأمور على مصالحها .","part":3,"page":336},{"id":1337,"text":"{ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا } أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله : { صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ } [ الاحزاب : 23 ] . رُوي أن رسول الله A رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلفوا وقصروا ، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا : إن رؤيا رسول الله A حق ، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وغيره : والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت { بالحق } متعلق ب { صَدَقَ } أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض ، ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه ، وجوابه { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } وعلى الأول هو جواب قسم محذوف { إِن شَآءَ الله } حكاية من الله تعالى ما قال رسوله لأصحابه وقص عليهم ، أو تعليم لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته { ءَامِنِينَ } حال والشرط معترض { مُحَلِّقِينَ } حال من الضمير في { ءَامِنِينَ } { رُءُوسَكُمْ } أي جميع شعورها { وَمُقَصِّرِينَ } بعض شعورها { لاَ تخافون } حال مؤكدة { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل { فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ } أي من دون فتح مكة { فَتْحاً قَرِيباً } وهو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود .\r{ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى } بالتوحيد { وَدِينِ الحق } أي الإسلام { لِيُظْهِرَهُ } ليعليه { عَلَى الدين كُلِّهِ } على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من أديان المشركين وأهل الكتاب ، ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العزة والغلبة . وقيل : هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر . وقيل : هو إظهاره بالحجج والآيات { وكفى بالله شَهِيداً } على أن ما وعده كائن ، وعن الحسن : شهد على نفسه أنه سيظهر دينه والتقدير وكفاه الله شهيداً و { شَهِيداً } تمييز أو حال { مُحَمَّدٌ } خبر مبتدأ أي هو محمد لتقدم قوله { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } أو مبتدأ خبره { رَسُولِ الله } وقف عليه نصير { والذين مَعَهُ } أي أصحابه مبتدأ والخبر { أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار } أو { مُحَمَّدٌ } مبتدأ و { رَسُول الله } عطف بيان و { الذين مَعَهُ } عطف على المبتدأ و { أَشِدَّاء } خبر عن الجميع ومعناه غلاظ { رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } متعاطفون وهو خبر ثانٍ وهما جمعاً شديد ورحيم ونحوه","part":3,"page":337},{"id":1338,"text":"{ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } [ المائدة : 54 ] وبلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم ، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه .\r{ تراهم رُكَّعاً } راكعين { سُجَّدًا } ساجدين { يَبْتَغُونَ } حال كما أن ركعاً وسجداً كذلك { فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً سيماهم } علامتهم { فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود } أي من التأثير الذي يؤثره السجود . وعن عطاء : استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لقوله عليه السلام : \" من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار \" { ذلك } أي المذكور { مَثَلُهُمْ } صفتهم { فِي التوراة } وعليه وقف { وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل } مبتدأ خبره { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ } فراخه . يقال : أشطأ الزرع إذا فرخ { فَأَزَرَهُ } قواه ، { فَأزره } شامي { فاستغلظ } فصار من الرقة إلى الغلظ { فاستوى على سُوقِهِ } فاستقام على قصبه جمع ساق { يُعْجِبُ الزراع } يتعجبون من قوته . وقيل : مكتوب في الإنجيل : سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وعن عكرمة : أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي رضوان الله عليهم . وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم ، لأن النبي A قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع { لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار } تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة .\rويجوز أن يعلل به { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك . و «من» في { مِنْهُمْ } للبيان كما في قوله : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان } [ الحج : 30 ] يعني فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ، وقولك «أنفق من الدراهم» أي اجعل نفقتك هذا الجنس . وهذه الآية ترد قول الروافض إنهم كفروا بعد وفاة النبي A إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون أن لو ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته .","part":3,"page":338},{"id":1339,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ } قدّمه وأقدمه منقولان بتثقيل الحشو ، والهمزة من قدمه إذا تقدمه في قوله تعالى { يَقْدُمُ قَوْمَهُ } [ هود : 98 ] وحذف المفعول ليتناول كل ما وقع في النفس مما يقدم من القول أو الفعل ، وجاز أن لا يقصد مفعول والنهي متوجه إلى نفس التقدمة كقوله { هُوَ الذى يُحْيىِ وَيُمِيتُ } [ غافر : 68 ] أو هو من قدّم بمعنى تقدم كوجه بمعنى توجه ومنه مقدمة الجيش وهي الجماعة المتقدمة منه ويؤيده قراءة يعقوب { لاَ تُقَدّمُواْ } بحذف إحدى تاءي تتقدموا { بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } حقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه ، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره . وفي هذه العبارة ضرب من المجاز الذي يسمى تمثيلاً ، وفيه فائدة جليلة وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة . ويجوز أن يجري مجرى قولك «سرني زيد وحسن حاله» أي سرني حسن حال زيد . فكذلك هنا المعنى بين يدي رسول الله A ، وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص . ولما كان رسول الله A من الله بالمكان الذي لا يخفى سلك به هذا المسلك ، وفي هذا تمهيد لما نقم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته عليه السلام ، لأن من فضله الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت . وعن الحسن أن إناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت ، وأمرهم رسول الله A أن يعيدوا ذبحاً آخر . وعن عائشة Bها أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك . { واتقوا الله } فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لما تقولون { عَلِيمٌ } بما تعملون وحق مثله أن يتقي .\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ } إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد ، وتحريك منهم لئلا يغفلوا عن تأملهم { لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى } أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته ، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عالياً لكلامكم وجهره باهراً لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته لديكم واضحة { وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم ، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرب من الهمس الذي يضاد الجهر ، أو لا تقولوا : له يا محمد يا أحمد وخاطبوه بالنبوة والسكينة والتعظيم ، ولما نزلت هذه الآية ما كلم النبي A أبو بكر وعمر إلا كأخي السرار .","part":3,"page":339},{"id":1340,"text":"وعن ابن عباس Bهم أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذانه وقر وكان جهوري الصوت ، وكان إذا كلم رفع صوته وربما كان يكلم النبي A فيتأذى بصوته ، وكاف التشبيه في محل النصب أي لا تجهروا له جهراً مثل جهر بعضكم لبعض ، وفي هذا أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقاً حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالمخافتة ، وإنما نهوا عن جهر مخصوص أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها . { أَن تَحْبَطَ أعمالكم } منصوب الموضع على أنه المفعول له متعلق بمعنى النهي ، والمعنى انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم أي لخشية حبوطها على تقدير حذف المضاف { وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } . { إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله } تم اسم «إن» عند قوله { رَسُولِ الله } والمعنى يخفضون أصواتهم في مجلسه تعظيماً له { أولئك } مبتدأ خبره { الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى } وتم صلة { الذين } عند قوله { للتقوى } و { أولئك } مع خبره خبر «إن» . والمعنى أخلصها للتقوى من قولهم «امتحن الذهب وفتنة» إذا أذابه فخلص ابريزه من خبثه ونقاه ، وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة وعن عمر Bه : أذهب الشهوات عنها . والامتحان افتعال من محنه وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } جملة أخرى قيل : نزلت في الشيخين Bهما لما كان منهما من غض الصوت ، وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسماً ل «إن» المؤكدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معاً والمبتدأ اسم الإشارة ، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم ، وإيراد الجزاء نكرة مبهماً أمره دالة على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم ، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم .\r{ إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات } نزلت في وفد بني تميم أتوا رسول الله A وقت الظهيرة وهو راقد وفيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، ونادوا النبي A من وراء حجراته وقالوا : اخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين وذمنا شين ، فاستيقظ وخرج . والوراء الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام ، و «من» لابتداء الغاية ، وأن المناداة نشأت من ذلك المكان ، والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها وهي فعلة بمعنى مفعولة كالقبضة وجمعها الحجرات بضمتين ، والحجرات بفتح الجيم وهي قراءة يزيد والمراد حجرات نساء رسول الله A ، وكانت لكل منهن حجرة .","part":3,"page":340},{"id":1341,"text":"ومناداتهم من ورائها لعلهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له أو نادوه من وراء الحجرة التي كان عليه السلام فيها ولكنها جمعت إجلالاً لرسول الله A . والفعل وإن كان مسنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم وكان الباقون راضين فكأنهم تولوه جميعاً { أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } يحتمل أن يكون فيهم من قصد استثناؤه ، ويحتمل أن يكون المراد النفي العام إذا القلة تقع موقع النفي .\rوورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله A منها : التسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل ، ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه ، ومنها التعريف باللام دون الإضافة ، ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك . فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد ، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر كأن الأول بساط للثاني ، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظيم موقعه عند الله ، ثم عقبه بما هو أطم وهجنته أتم من الصياح برسول الله A في حال خلوته من وراء الجدر كما يصاح بأهون الناس قدراً لينبه على فظاعة ما جسروا عليه ، لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغاً { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ } أي ولو ثبت صبرهم ، ومحل { أَنَّهُمْ صَبَرُواْ } الرفع على الفاعلية . والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها قال الله تعالى : { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم } [ الكهف : 28 ] . وقولهم صبر عن كذا محذوف منه المفعول وهو النفس . وقيل : الصبر مرّ لا يتجرعه إلا حرّ . وقوله { حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ } يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم { لَكَانَ } الصبر { خَيْراً لَّهُمْ } في دينهم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بليغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } أجمعوا أنها نزلت في الوليد بن عقبة وقد بعثه رسول الله A مصدقاً إلى بني المصطلق وكانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية ، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين إليه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله A : قد ارتدوا ومنعوا الزكاة .","part":3,"page":341},{"id":1342,"text":"فبعث خالد بن الوليد فوجدهم يصلون فسلموا إليه الصدقات فرجع . وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال أي فاسق جاءكم بأي نبأ { فَتَبَيَّنُوآ } فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا قول الفاسق ، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه . وفي الآية دلالة قبول خبر الواحد العدل لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق ولخلا التخصيص به عن الفائدة ، والفسوق الخروج من الشيء . يقال : فسقت الرطبة عن قشرها ، ومن مقلوبه : فقست البيضة إذا كسرتها وأخرجت ما فيها ، ومن مقلوبه أيضاً : قفست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصباً له عليه ، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر . حمزة وعلي { فتثبتوا } والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف { أَن تصيبوا قَوْماً } لئلا تصيبوا { بِجَهَالَةٍ } حال يعني جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة { فَتُصْبِحُواْ } فتصيروا { على مَا فَعَلْتُمْ نادمين } الندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام .\r{ واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله } فلا تكذبوا فإن الله يخبره فينهتك ستر الكاذب ، أو فارجعوا إليه واطلبوا رأيه . ثم قال مستأنفاً { لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ } لوقعتم في الجهد والهلاك ، وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله A الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد ، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك وهم الذين استثناهم بقوله { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان } وقيل : هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى . ولما كانت صفة الذين حبب الله إليهم الإيمان غايرت صفة المتقدم ذكرهم وقعت «لكن» في حاقّ موقعها من الاستدراك وهو مخالفة ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً { وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر } وهو تغطية نعم الله وغمطها بالجحود { والفسوق } وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر { والعصيان } وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع { أُوْلَئِكَ هُمُ الراشدون } أي أولئك المستثنون هم الراشدون يعني أصابوا طريق الحق ولم يميلوا عن الاستقامة ، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة { فَضْلاً مِّنَ الله وَنِعْمَةً } الفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام ، والانتصاب على المفعول له أي حبب وكره للفضل والنعمة { والله عَلِيمٌ } بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل { حَكِيمٌ } حين يفضل وينعم بالتوفيق على الأفاضل .","part":3,"page":342},{"id":1343,"text":"{ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } وقف رسول الله A على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار فأمسك ابن أبي بأنفه وقال : خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه . فقال عبد الله بن رواحة : والله إن بول حماره لأطيب من مسكك . ومضى رسول الله A وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا وجاء قوماهما وهما الأوس والخزرج فتجالدوا بالعصي . وقيل : بالأيدي والنعال والسعف ، فرجع إليهم رسول الله A فأصلح بينهم ونزلت . وجمع { اقتتلوا } حملاً على المعنى لأن الطائفتين في معنى القوم والناس ، وثنى في { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } نظراً إلى اللفظ { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى } البغي الاستطالة والظلم وإباء الصلح { فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىءَ } أي ترجع والفيء الرجوع وقد سمى به الظل والغنيمة لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس ، والغنيمة ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين ، وحكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت فإذا كفت وقبضت عن الحرب أيديها تركت { إلى أَمْرِ الله } المذكور في كتابه من الصلح وزوال الشحناء { فَإِن فَآءَتْ } عن البغي إلى أمر الله { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل } بالإنصاف { وَأَقْسِطُواْ } واعدلوا وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } العادلين والقسط : الجور ، والقسط : العدل ، والفعل منه أقسط وهمزته للسلب أي أزال القسط وهو الجور .\r{ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين ، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الإخوة لم ينقص عنها . ثم قد جرت العادة على أنه إذا نشب مثل ذلك بين الأخوين ولاداً لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما فالإخوة في الدين أحق بذلك ، { أخوتكم } يعقوب { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي واتقوا الله ، فالتقوى تحملكم على التواصل والائتلاف وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم مرجواً ، والآية تدل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنه سماهم مؤمنين مع وجود البغي .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنّ خَيْراً مِّنْهُنَّ } القوم : الرجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء قال الله تعالى : { الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } [ النساء : 34 ] وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر . واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية إذ لو كانت النساء داخلة في قوم لم يقل ولا نساء وحقق ذلك زهير في قوله :","part":3,"page":343},{"id":1344,"text":"وما أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء؟\rوأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن . وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين : أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ، وأن يقصد إفادة الشياع وأن يصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية . وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة على التوحيد إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية واستفظاعاً للشأن الذي كانوا عليه ، وقوله : { عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } . كلام مستأنف ورد مورد جواب المستخبر عن علة النهي وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء ، والمعنى وجوب أن يعتقد كل واحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيراً من الساخر إذ لا اطلاع للناس إلا على الظواهر ولا علم لهم بالسرائر ، والذي يزن عند الله خلوص الضمائر فينبغي أن لا يجتريء أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى ، وعن ابن مسعود Bه : البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً .\r{ وَلاَ تَلْمِزُوآ أَنفُسَكُمْ } ولا تطعنوا أهل دينكم . واللمز : الطعن والضرب باللسان { وَلاَ تَلْمُزُواْ } يعقوب وسهل . والمؤمنون كنفس واحدة فإذا عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه . وقيل : معناه لا تفعلوا ما تلمزون به لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة { وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب } التنابز بالألقاب التداعي بها ، والنبز لقب السوء والتلقيب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به وذماً له ، فأما ما يحبه فلا بأس به . ورُوي أن قوماً من بني تميم استهزءوا ببلال وخباب وعمار وصهيب فنزلت . وعن عائشة Bها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة وكانت قصيرة ، وعن أنس Bه : عيرت نساء النبي A أم سلمة بالقصر . ورُوي أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله A ليسمع ، فأتى يوماً وهو يقول تفسحوا حتى انتهى إلى رسول الله A فقال لرجل : تنح فلم يفعل . فقال : من هذا؟ فقال الرجل : أنا فلان . فقال : بل أنت ابن فلانة يريد أماً كان يعير بها في الجاهلية فخجل الرجل فنزلت فقال ثابت : لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً .","part":3,"page":344},{"id":1345,"text":"{ بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان } الاسم ههنا بمعنى الذكر من قولهم «طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم» وحقيقته ما سما من ذكره وارتفع بين الناس كأنه قيل : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق . وقوله { بَعْدَ الإيمان } استقباح للجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يحظره الإيمان كما تقول «بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة» . وقيل : كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه ، وقيل لهم : بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه { وَمَن لَّمْ يَتُبْ } عما نهي عنه { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } وحد وجمع للفظ من ومعناه .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن } يقال : جنبه الشر إذا أبعده عنه . وحقيقته جعله في جانب فيعدى إلى مفعولين قال الله تعالى : { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } [ إبراهيم : 35 ] ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولاً والمأمور باجتنابه بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا ترى إلى قوله { إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ } قال الزجاج : هو ظنك بأهل الخير سوأ ، فأما أهل الفسق فلنا أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم . أو معناه اجتناباً كثيراً أو احترزوا من الكثير ليقع التحرز عن البعض ، والإثم : الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ومنه قيل لعقوبته الأثام فعلا منه كالنكال والعذاب { وَلاَ تَجَسَّسُواْ } أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم . يقال : تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه تفعل من الجس . وعن مجاهد : خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله . وقال سهل : لا تبحثوا عن طلب معايب ما ستره الله على عباده { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } الغيبة الذكر بالعيب في ظهر الغيب وهي من الاغتياب كالغيلة من الاغتيال ، وفي الحديث \" هو أن تذكر أخاك بما يكره \" فإن كان فيه فهو غيبة وإلا فهو بهتان . وعن ابن عباس : الغيبة إدام كلاب الناس .\r{ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } { مَيِّتًا } مدني . وهذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه ، وفي مبالغات منها : الاستفهام الذي معناه التقرير ، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة ، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخاً ، ومنها أن لم يقتصر على لحم الأخ حتى جعل ميتاً . وعن قتادة : كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي ، وانتصب { مَيْتًا } على الحال من اللحم أو من أخيه ، ولما قررهم بأن أحداً منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله { فَكَرِهْتُمُوهُ } أي فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل فليتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين { واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } التواب : البليغ في قبول التوبة ، والمعنى واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين .","part":3,"page":345},{"id":1346,"text":"ورُوي أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله A يبغي لهما إداماً وكان أسامة على طعام رسول الله A فقال : ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها . فلما جاءا إلى رسول الله A قال لهما : مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما فقالا : ما تناولنا لحماً ، قال : إنكما قد اغتبتما ومن اغتاب مسلماً فقد أكل لحمه . ثم قرأ الآية ، وقيل : غيبة الخلق إنما تكون من الغيبة عن الحق .","part":3,"page":346},{"id":1347,"text":"{ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَرٍ وأنثى } من آدم وحواء أو كل واحد منكم من أب وأم فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر سواء بسواء فلا معنى للتفاخر والتفاضل في النسب { وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ } الشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهي : الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة . فالشعب يجمع القبائل ، والقبيلة تجمع العمائر ، والعمارة تجمع البطون ، والبطن تجمع الأفخاذ ، والفخذ تجمع الفصائل ، خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة ، وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها { لتعارفوا } أي إنما رتبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه ، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاضل في الأنساب . ثم بين الخصلة التي يفضل بها الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله فقال { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } في الحديث : « من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله » وعن ابن عباس Bهما : كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى . ورُوي أنه A طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « الحمد لله الذي أذهب عنكم عِبُية الجاهلية وتكبرها . يا أيها الناس إنما الناس رجلان : مؤمن تقي كريم على الله وفاجر وشقي هين على الله » ثم قرأ الآية . وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله A في سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول : من اشتراني فعلى شرط أن لا يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله A . فاشتراه بعضهم فمرض فعاده رسول الله A ثم توفي فحضر دفنه فقالوا في ذلك شيئاً فنزلت { إِنَّ الله عَلِيمٌ } كرم القلوب وتقواها { خَبِيرٌ } بهمّ النفوس في هواها .\r{ قَالَتِ الأعراب } أي بعض الأعراب لأن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر وهم أعراب بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة فاظهروا الشهادة يريدون الصدقة ويمنون عليه { ءَامَنَّا } أي ظاهراً وباطناً { قُلْ } لهم يا محمد { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } لم تصدقوا بقلوبكم { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } فالإيمان هو التصديق ، والإسلام الدخول في السلم والخروج من أن يكون حرباً للمؤمنين بإظهار الشهادتين ، ألا ترى إلى قوله { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ } فاعلم أن ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان ، وهذا من حيث اللغة . وأما في الشرع فالإيمان والإسلام واحد لما عرف ، وفي { لَّمّاً } معنى التوقع وهو دال على أن بعض هؤلاء قد آمنوا فيما بعد .","part":3,"page":347},{"id":1348,"text":"والآية تنقض على الكرامية مذهبهم أن الإيمان لا يكون بالقلب ولكنَّ باللسان ، فإن قلت : مقتضى نظم الكلام أن يقال : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ، أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم . قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولاً فقيل { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } مع أدب حسن فلم يقل كذبتم تصريحاً ووضع { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } الذي هو نفي ما ادعوا إثباته موضعه واستغنى بقوله { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } عن أن يقال لا تقولوا آمنا لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان ، ولم يقل ولكن أسلمتم ليكون خارجاً مخرج الزعم والدعوى كما كان قولهم آمنا كذلك . ولو قيل ولكن أسلمتم لكان كالتسليم والاعتداد بقولهم وهو غير معتد به . وليس قوله { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ } تكريراً لمعنى قوله { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } فإن فائدة قوله { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } تكذيب لدعواهم وقوله { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ } توقيب لما أمروا به أن يقولوه كأن قيل لهم : ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في { قُولُواْ } .\r{ وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في السر بترك النفاق { لاَ يَلِتْكُمْ } { لا يألتكم } : بصري { مِّنْ أعمالكم شَيْئاً } أي لا ينقصكم من ثواب حسناتكم شيئاً . ألت يألت وألات يليت ولات يليت بمعنى وهو النقص { أَنَّ الله غَفُورٌ } بستر الذنوب { رَّحِيمٌ } بهدايتهم للتوبة عن العيوب . ثم وصف المؤمنين المخلصين فقال { إِنَّمَا المؤمنون الذين ءَامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة ، والمعنى أنهم آمنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به ولا اتهام لما صدقوه . ولما كان الإيقان وزوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مكانه ، وعطف على الإيمان بكلمة التراخي إشعاراً باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضاً جديداً { وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } يجوز أن يكون المجاهد منوياً وهو العدو المحارب أو الشيطان أو الهوى ، وأن يكون جاهد مبالغة في جهد ، ويجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس الغزو وأن يتناول العبادات بأجمعها وبالمجاهدة بالمال نحو صنيع عثمان في جيش العسرة ، وأن يتناول الزكاة وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر . وخبر المبتدأ الذي هو { المؤمنون } { أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون } أي الذين صدقوا في قولهم آمنا ولم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق وحق . وقوله { الذين آمَنُواْ } صفة لهم .\rولما نزلت هذه الآية جاءوا وحلفوا أنهم مخلصون فنزل { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ } أي أتخبرونه بتصديق قلوبكم { والله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض والله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } من النفاق والإخلاص وغير ذلك { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ } أي بأن { أَسْلَمُواْ } يعني بإسلامهم .","part":3,"page":348},{"id":1349,"text":"والمن ذكر الأيادي تعريضاً للشكر { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ } أي المنة لله عليكم { أَنْ هَداكُمْ } بأن هداكم أو لأن { للإيمان إِنُ كُنتُمْ صادقين } إن صح زعمكم وصدقت دعواكم إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان بالله فلله المنة عليكم وقرىء { إِنْ هَداكُمْ } { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض والله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وبالياء : مكي . وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم يعني أنه تعالى يعلم كل مستتر في العالم ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم لا يخفي عليه منه شيء فكيف يخفي عليه ما في ضمائركم وهو علام الغيوب؟","part":3,"page":349},{"id":1350,"text":"الكلام في { ق والقرءان المجيد بَلْ عَجِبُوآ } كالكلام في { ص والقرءان ذِى الذكر بَلِ الذين كَفَرُواْ } سواء بسواء لالتقائهما في أسلوب واحد . والمجيد ذو المجد والشرف على غيره من الكتب ومن أحاط علماً بمعانيه وعمل بما فيه مجد عند الله وعند الناس . وقوله { بَلْ عَجِبُواْ } أي كفار مكة { أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ } أي محمد A إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته ، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحاً لقومه خائفاً أن ينالهم مكروه ، وإذا علم أن مخوفاً أظلهم لزمه أن ينذرهم فكيف بما هو غاية المخاوف وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وعلى اختراع كل شيء وإقرارهم بالنشأة الأولى مع شهادة العقل بأنه لا بد من الجزاء؟ ثم عول على أحد الإنكارين بقوله { فَقَالَ الكافرون هذا شَىْءٌ عَجِيبٌ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } دلالة على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار . وضع الكافرون موضع الضمير للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم ، وهذا إشارة إلى الرجع . و«إذا» منصوب بمضمر معناه أحين نموت ونبلى نرجع . { مِتْنَا } نافع وعلي وحمزة وحفص { ذلك رَجْعُ بَعِيدٌ } مستبعد مستنكر كقولك «هذا قول بعيد» أي بعيد من الوهم والعادة . ويجوز أن يكون الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب ، ويكون من كلام الله تعالى استبعاداً لإنكارهم ما أنذروا به من البعث ، والوقف على { ترابا } على هذا حسن ، وناصب الظرف إذا كان الرجع بمعنى المرجوع ما دل عليه المنذر من المنذر به وهو البعث { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ } رد لاستبعادهم الرجع لأن من لطف علمه حتى علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم كان قادراً على رجعهم أحياء كما كانوا { وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ } محفوظ من الشياطين ومن التغير وهو اللوح المحفوظ ، أو حافظ لما أودعه وكتب فيه { بَلْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ } إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر { فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } مضطرب . يقال : مرج الخاتم في الإصبع إذا اضطرب من سعته فيقولون تارة شاعر وطوراً ساحر ومرة كاهن لا يثبتون على شيء واحد . وقيل : الحق القرآن . وقيل : الإخبار بالبعث .\rثم دلهم على قدرته على البعث فقال { أَفَلَمْ يَنظُرُوآ } حين كفروا بالبعث { إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ } إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم { كَيْفَ بنيناها } رفعناها بغير عمد { وزيناها } بالنيرات { وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } من فتوق وشقوق أي أنها سليمة من العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل { والأرض مددناها } دحوناها { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } جبالاً ثوابت لولا هي لمالت { وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ } صنف { بَهِيجٍ } يبتهج به لحسنه { تَبْصِرَةً وذكرى } لنبصر به ونذكر { لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه مفكر في بدائع خلقه .","part":3,"page":350},{"id":1351,"text":"{ وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مباركا } كثير المنافع { فَأَنبَتْنَا بِهِ جنات وَحَبَّ الحصيد } أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة والشعير وغيرهما { والنخل باسقات } طوالاً في السماء { لَّهَا طَلْعٌ } هو كل ما يطلع من ثمر النخيل { نَّضِيدٌ } منضود بعضه فوق بعض لكثرة الطلع وتراكمه أو لكثرة ما فيه من الثمر { رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ } أي أنبتناها رزقاً للعباد لأن الإنبات في معنى الرزق فيكون { رِزْقاً } مصدراً من غير لفظه ، أو هو مفعول له أي أنبتناها لرزقهم { وَأَحْيَيْنَا بِهِ } بذلك الماء { بَلْدَةً مَّيْتاً } قد جف نباتها { كذلك الخروج } أي كما حييت هذه البلدة الميتة كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم لأن إحياء الموات كإحياء الأموات ، والكاف في محل الرفع على الابتداء .\r{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل قريش { قَوْمُ نُوحٍ وأصحاب الرس } هو بئر لم تطو وهم قوم باليمامة وقيل أصحاب الأخدود { وَثَمُودُ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ } أراد بفرعون قومه كقوله { مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } [ يونس : 83 ] لأن المعطوف عليه قوم نوح والمعطوفات جماعات { وإخوان لُوطٍ وأصحاب الأيكة } سماهم إخوانه لأن بينهم وبينه نسباً قريباً { وَقَوْمُ تُّبَّعٍ } هو ملك باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه وسمي به لكثرة تبعه { كُلٌّ } أي كل واحد منهم { كَذَّبَ الرسل } لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميعهم { فَحَقَّ وَعِيدِ } فوجب وحل وعيدي وفيه تسلية لرسول الله A وتهديد لهم { أَفَعَيِينَا } عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله والهمزة للإنكار { بالخلق الأول } أي أنا لم نعجز عن الخلق الأول فكيف نعجز عن الثاني والاعتراف بذلك اعتراف بالإعادة { بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ } في خلط وشبهة قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم وذلك تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر { مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } بعد الموت . وإنما نكر الخلق الجديد ليدل على عظمة شأنه وأن حق من سمع به أن يخاف ويهتم به .\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } الوسوسة الصوت الخفي ووسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس ، والباء مثلها في قوله «صوت بكذا» { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } المراد قرب علمه منه { مِنْ حَبْلِ الوريد } هو مثل في فرط القرب ، والوريد عرق في باطن العنق ، والحبل العرق ، والإضافة للبيان كقولهم «بعير سانية» { إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان } يعني الملكين الحافظين { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ } التلقي التلقن بالحفظ والكتابة والقعيد والمقاعد بمعنى المجالس وتقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال من المتلقيين فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه كقوله","part":3,"page":351},{"id":1352,"text":": ... رماني بأمر كنت منه ووالدي\rبريئاً ومن أجل الطوى رماني ... أي رماني بأمر كنت منه بريئاً وكان والدي منه بريئاً . و«إذ» منصوب بأقرب لما فيه من معنى يقرب ، والمعنى إنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس ولا شيء أخفى منه وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به إيذاناً بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه ، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟ وإنما ذلك لحكمة وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات .\r{ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } ما يتكلم به وما يرمي به من فيه { إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ } حافظ { عَتِيدٌ } حاضر . ثم قيل : يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه . وقيل : لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر . وقيل : إن الملكين لا يجتنبانه إلا عند الغائط والجماع . لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي وهو قوله { وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ } أي شدته الذاهبة بالعقل ملتبسة { بالحق } أي بحقيقة الأمر أو بالحكمة { ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ } الإشارة إلى الموت والخطاب للإنسان في قوله { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } على طريق الالتفات { تَحِيدُ } تنفر وتهرب { وَنُفِخَ فِى الصور } يعني نفخة البعث { ذَلِكَ يَوْمَ الوعيد } أي وقت ذلك يوم الوعيد على حذف المضاف والإشارة إلى مصدر نفخ { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } أي ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر والآخر يشهد عليه بعمله ، ومحل { مَّعَهَا سَائِقٌ } النصب على الحال من { كُلٌّ } لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة { لَّقَدْ كُنتَ } أي يقال لها لقد كنت { فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هذا } النازل بك اليوم { فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ } أي فأزلنا غفلتك بما تشاهده { فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله أو غشاوة غطي بها عينيه فهو لا يبصر شيئاً ، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق ، ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديداً لتيقظه .","part":3,"page":352},{"id":1353,"text":"{ وَقَالَ قَرِينُهُ } الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه { هذا } أي ديوان عمله ، مجاهد : شيطانه الذي قيض له في قوله { نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [ الزخرف : 36 ] . هذا أي الذي وكلت به { مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } { هذا } مبتدأ و { مَا } نكرة بمعنى شيء والظرف بعده وصف له وكذلك { عَتِيدٌ } و { مَا } وصفتها خبر { هذا } والتقدير هذا شيء ثابت لديّ عتيد . ثم يقول الله تعالى { أَلْقِيَا } والخطاب للسائق والشهيد أو لمالك ، وكأن الأصل ألقِ ألقِ فناب ألقيا عن ألق ألق لأن الفاعل كالجزء من الفعل فكانت تثنية الفاعل نائبة عن تكرار الفعل . وقيل : أصله ألقين والألف بدل من النون إجراء للوصل مجرى الوقف دليله قراءة الحسن { ألقين } { فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ } بالنعم والمنعم { عَنِيدٍ } معاند مجانب للحق معاد لأهله { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله { مُعْتَدٍ } ظالم متخط للحق { مُرِيبٍ } شاك في الله وفي دينه { الذى جَعَلَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ } مبتدأ متضمن معنى الشرط خبره { فألقياه فِى العذاب الشديد } أو بدل من { كُلَّ كَفَّارٍ } و { فألقياه } تكرير للتوكيد ولا يجوز أن يكون صفة ل { كَفَّار } لأن النكرة لا توصف بالموصول .\r{ قَالَ قرِينُهُ } أي شيطانه الذي قرن به وهو شاهد لمجاهد ، وإنما أخليت هذه الجملة عن الواو دون الأولى لأن الأولى واجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال له ، وأما هذه فهي مستأنفة كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما في مقاولة موسى وفرعون ، فكأن الكافر قال رب هو أطغاني فقال قرينه { رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ولكن كَانَ فِى ضلال بَعِيدٍ } أي ما أوقعته في الطغيان ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ } هو استئناف مثل قوله تعالى { قَالَ قرِينُهُ } كأن قائلاً قال : فماذا قال الله؟ فقيل : قال لا تختصموا { لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد } أي لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فما تركت لكم حجة عليّ . والباء في { بالوعيد } مزيدة كما في قوله { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } [ البقرة : 195 ] أو معدية على أن قدم مطاوع بمعنى تقدم { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } أي لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في النار { وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ } فلا أعذب عبداً بغير ذنب .","part":3,"page":353},{"id":1354,"text":"وقال { بظلام } على لفظ المبالغة لأنه من قولك هو ظالم لعبده وظلام لعبيده { يَوْمَ } نصب ب { ظلام } أو بمضمر هو اذكر وأنذر { نَّقُولُ } نافع وأبو بكر أي يقول الله { لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } وهو مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد امتلائها هل من مزيد أي هل بقي فيّ موضع لم يمتليء يعني قد امتلأت ، أو أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد وهذا على تحقيق القول من جهنم وهو غير مستنكر كإنطاق الجوارح ، والسؤال لتوبيخ الكفرة لعلمه تعالى بأنها امتلأت أم لا .\r{ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } غير نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد ، أو على الحال وتذكيره لأنه على زنة المصدر كالصليل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث ، أو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد ومعناه التوكيد كما تقول : هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل { هذا } مبتدأ وهو إشارة إلى الثواب أو إلى مصدر أزلفت { مَّا تُوعَدُونَ } صفته وبالياء : مكي { لِكُلِّ أَوَّابٍ } رجاع إلى ذكر الله خبره { حَفِيظٍ } حافظ لحدوده جاء في الحديث \" من حافظ على أربع ركعات في أول النهار كان أواباً حفيظاً \" { مَّنْ } مجرور المحل بدل من { أَوَّاب } أو رفع بالابتداء وخبره { ادخلوها } على تقدير يقال لهم ادخولها بسلام لأن «من» في معنى الجمع { خَشِىَ الرحمن } الخشية انزعاج القلب عند ذكر الخطيئة ، وقرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة للثناء البليغ على الخاشي وهو خشيته مع علمه أنه الواسع الرحمة كما أثنى عليه بأنه خاشٍ مع أن المخشي منه غائب { بالغيب } حال من المفعول أي خشيه وهو غائب ، أو صفة لمصدر خشي أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب . الحسن : إذا أغلق الباب وأرخى الستر { وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى الله . وقيل : بسريرة مرضية وعقيدة صحيحة { ادخلوها بِسَلامٍ } أي سالمين من زوال النعم وحلول النقم { ذلك يَوْمُ الخلود } أي يوم تقدير الخلود كقوله { فادخلوها خالدين } [ الزمر : 73 ] أي مقدرين الخلود { لَهُم مَّا يَشَآءَونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } على ما يشتهون ، والجمهور على أنه رؤية الله تعالى بلا كيف .\r{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ } قبل قومك { مِّن قَرْنٍ } من القرون الذين كذبوا رسلهم { هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم } من قومك { بَطْشاً } قوة وسطوة { فَنَقَّبُواْ } فخرقوا { فِى البلاد } وطافوا . والتنقيب التنقير عن الأمر والبحث والطلب ، ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله { هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } أي شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه ، ويجوز أن يراد فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم ، ويدل عليه قراءة من قرأ { فَنَقِّبُواْ } على الأمر { هَلْ مِن مَّحِيصٍ } مهرب من الله أو من الموت .","part":3,"page":354},{"id":1355,"text":"{ إِنَّ فِى ذلك } المذكور { لِذِكْرِى } تذكرة وموعظة { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } واعٍ لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له { أَوْ أَلْقَى السمع } أصغى إلى المواعظ { وَهُوَ شَهِيدٌ } حاضر بفطنته لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب . { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } إعياء ، قيل : نزلت في اليهود لعنت تكذيباً لقولهم خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش وقالوا : إن الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود ومنهم أخذ . وأنكر اليهود التربيع في الجلوس وزعموا أنه جلس تلك الجلسة يوم السبت { فاصبر على مَا يَقُولُونَ } أي على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه ، أو على ما يقول المشركون في أمر البعث فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منه { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } حامداً ربك ، والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة فالصلاة { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس } الفجر { وَقَبْلَ الغروب } الظهر والعصر { وَمِنَ اليل فَسَبِّحْهُ } العشاءان أو التهجد { وأدبار السجود } التسبيح في آثار الصلوات والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة . وقيل : النوافل بعد المكتوبات أو الوتر بعد العشاء والأدبار جمع دبر ، { وإدبار } حجازي وحمزة وخلف من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت ، ومعناه وقت انقضاء السجود كقولهم «آتيك خفوق النجم» . { واستمع } لما أخبرك به من حال يوم القيامة وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به وقد وقف يعقوب عليه . وانتصب { يَوْمَ يُنَادِ المناد } بما دل عليه { ذَلِكَ يَوْمُ الخروج } أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور . وقيل : تقديره واستمع حديث يوم ينادي المنادي . { المنادي } بالياء في الحالين : مكي وسهل ويعقوب ، وفي الوصل : مدني وأبو عمرو ، وغيرهم بغير ياء فيهما . والمنادي إسرافيل ينفخ في الصور وينادي : أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء . وقيل : إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر { مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من صخرة بيت المقدس وهي أقرب من الأرض إلى السماء باثني عشر ميلاً وهي وسط الأرض .\r{ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصيحة } بدل من { يَوْمٍ يُنَادِى } . الصيحة النفخة الثانية { بالحق } متعلق ب { الصيحة } والمراد به البعث والحشر للجزاء { ذلك يَوْمُ الخروج } من القبور { إِنَّا نَحْنُ نُحْيىِ } الخلق { وَنُمِيتُ } أي نميتهم في الدنيا { وَإِلَيْنَا المصير } أي مصيرهم { يَوْمَ تَشَقَّقُ } بالتخفيف : كوفي وأبو عمرو ، وغيرهم بالتشديد { الأرض عَنْهُمْ } أي تتصدع الأرض فتخرج الموتى من صدوعها { سِرَاعاً } حال من المجرور أي مسرعين { ذلك حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } هين .","part":3,"page":355},{"id":1356,"text":"وتقديم الظرف يدل على الاختصاص أي لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } فيك وفينا تهديد لهم وتسلية لرسول الله A { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } كقوله { بِمُسَيْطِرٍ } [ الغاشية : 22 ] أي ما أنت بمسلط عليهم إنما أنت داعٍ وباعث . وقيل : هو من جبره على الأمر بمعنى أجبره أي ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان { فَذَكِّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ } كقوله : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } [ النازعات : 45 ] . لأنه لا ينفع إلا فيه والله أعلم .","part":3,"page":356},{"id":1357,"text":"{ والذريات } الرياح لأنها تذرو التراب وغيره ، وبادغام التاء في الذال : حمزة وأبو عمرو { ذَرْواً } مصدر والعامل فيه اسم الفاعل { فالحاملات } السحاب لأنها تحمل المطر { وِقْراً } مفعول الحاملات { فالجاريات } الفلك { يُسْراً } جرياً ذا يسر أي ذا سهولة { فالمقسمات أَمْراً } الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما ، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك ، أو تتولى تقسيم أمر العباد؛ فجبريل للغلظة ، وميكائيل للرحمة ، وملك الموت لقبض الأرواح ، وإسرافيل للنفخ . ويجوز أن يراد الرياح لا غير لأنها تنشيء السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجوّ جرياً سهلاً ، وتقسم الأمطار بتصريف السحاب . ومعنى الفاء على الأول أنه أقسم بالرياح فبالسحاب التي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوبها ، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعها . وعلى الثاني أنها تبتديء في الهبوب فتذرو التراب والحصباء فتقل السحاب فتجري في الجوّ باسطة له فتقسم المطر { إِنَّمَا تُوعَدُونَ } جواب القسم و«ما» موصولة أو مصدرية والموعود البعث { لصادق } وعد صادق كعيشة راضية أي ذات رضا { وَإِنَّ الدين } الجزاء على الأعمال { لَوَاقِعٌ } لكائن .\r{ والسماء } هذا قسم آخر { ذَاتِ الحبك } الطرائق الحسنة مثل ما يظهر على الماء من هبوب الريح ، وكذلك حبك الشعر آثار تثنيه وتكسره جمع حبيكة كطريقة وطرق . ويقال : إن خلقة السماء كذلك . وعن الحسن : حبكها نجومها جمع حباك { إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } أي قولهم في الرسول ساحر وشاعر ومجنون وفي القرآن سحر وشعر وأساطير الأولين { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } الضمير للقرآن أو الرسول أي يصرف عنه من صرف ، الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم ، أو يصرف عنه من صرف في سابق علم الله أي علم فيما لم يزل أن مأفوك عن الحق لا يرعوي . ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين ، أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق ، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه فمنهم شاك ومنهم جاحد ، ثم قال : يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو مأفوك { قُتِلَ } لعن وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ثم جرى مجرى لعن { الخراصون } الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم أصحاب القول المختلف ، واللام إشارة إليهم كأنه قيل : قتل هؤلاء الخراصون { الذين هُمْ فِى غَمْرَةٍ } في جهل يغمرهم { ساهون } غافلون عما أمروا به .\r{ يَسْئَلُونَ } فيقولون { أَيَّانَ يَوْمُ الدين } أي متى يوم الجزاء وتقديره : أيان وقوع يوم الدين لأنه إنما تقع الأحيان ظروفاً للحدثان . وانتصب اليوم الواقع في الجواب بفعل مضمر دل عليه السؤال أي يقع { يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } ويجوز أن يكون مفتوحاً لإضافته إلى غير متمكن وهو الجملة ، ومحله نصب بالمضمر الذي هو يقع أو رفع على هو يوم هم على النار يفتنون يحرقون ويعذبون { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } أي تقول لهم خزنة النار ذوقوا عذابكم وإحراقكم بالنار { هذا } مبتدأ خبره { الذى } أي هذا العذاب هو الذي { كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } في الدنيا بقولكم","part":3,"page":357},{"id":1358,"text":"{ فأتنا بما تعدنا } ثم ذكر حال المؤمنين فقال .\r{ إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ } أي وتكون العيون وهي الأنهار الجارية بحيث يرونها وتقع عليها أبصارهم لا أنهم فيها { ءاخِذِينَ مَآ ءاتاهم رَّبُّهُمْ } قابلين لكل ما أعطاهم من الثواب راضين به وآخذين حال من الضمير في الظرف وهو خبر إن { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ } قبل دخول الجنة في الدنيا { مُحْسِنِينَ } قد أحسنوا أعمالهم وتفسير إحسانهم ما بعده .\r{ كَانُواْ قَلِيلاً مّن اليل مَا يَهْجَعُونَ } ينامون . و«ما» مزيدة للتوكيد و { يَهْجَعُونَ } خبر { كَانَ } والمعنى كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل ، أو مصدرية والتقدير : كانوا قليلاً من الليل هجوعهم فيرتفع هجوعهم لكونه بدلاً من الواو في { كَانُواْ } لا ب { قَلِيلاً } لأنه صار موصوفاً بقوله { مِّنَ اليل } خرج من شبه الفعل وعمله باعتبار المشابهة أي كان هجوعهم قليلاً من الليل ، ولا يجوز أن تكون «ما» نافية على معنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلاً ويحيونه كله لأن «ما» النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها لا تقول : زيداً ما ضربت { وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم ، والسحر السدس الأخير من الليل { وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ } لمن يسأل لحاجته { والمحروم } أي الذي يتعرض ولا يسأل حياء .\r{ وَفِى الأرض ءايات } تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها ، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها وهي مجزأة؛ فمن سهل ومن جبل وصلبة ورخوة وعذاة وسبخة ، وفيها عيون متفجرة ومعادن مفتنة ودواب منبثة مختلفة الصور والأشكال متباينة الهيئات والأفعال { لّلْمُوقِنِينَ } للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصّل إلى المعرفة ، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيقاناً على إيقانهم { وَفِى أَنفُسِكُمْ } في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال ، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان ، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها مع الأسماء والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له ، وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز ، وإذا استرخى أناخ الذل ، فتبارك الله أحسن الخالقين . وما قيل إن التقدير أفلا تبصرون في أنفسكم ضعيف لأنه يفضي إلى تقديم ما في حيز الاستفهام على حرف الاستفهام { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } تنظرون نظر من يعتبر { وَفِى السماء رِزْقُكُمْ } أي المطر لأنه سبب الأقوات ، وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم { وَمَا تُوعَدُونَ } الجنة فهي على ظهر السماء السابعة تحت العرش ، أو أراد أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدونه في العقبى كله مقدور مكتوب في السماء .","part":3,"page":358},{"id":1359,"text":"{ فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ } الضمير يعود إلى الرزق أو إلى { مَّا تُوعَدُونَ } { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } بالرفع : كوفي غير حفص صفة للحق أي حق مثل نطقكم ، وغيرهم بالنصب أي إنه لحق حقاً مثل نطقكم ، ويجوز أن يكون فتحاً لإضافته إلى غير متمكن و«ما» مزيدة . وعن الأصمعي أنه قال : أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال : من الرجل؟ فقلت : من بني أصمع . قال : من أين أقبلت؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الله ، قال : اتلو عليّ فتلوت { والذريات } فلما بلغت قوله { وَفِى السماء رِزْقُكُمْ } قال : حسبك . فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى ، فلما حججت مع الرشيد وطفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم عليّ واستقرأ السورة ، فلما بلغت الآية صاح وقال : { قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً } [ الأعراف : 44 ] ثم قال : وهل غير هذا؟ فقرأت { فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ } فصاح وقال : يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى حلف قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه .\r{ هَلُ أَتَاكَ } تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله A وإنما عرفه بالوحي وانتظامها بما قبلها باعتبار أنه قال { وَفِى الأرض ءايات } وقال في آخر هذه القصة { وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً } { حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم } الضيف للواحد والجماعة كالصوم والزور لأنه في الأصل مصدر ضافه ، وكانوا اثني عشر ملكاً . وقيل : تسعة عاشرهم جبريل . وجعلهم ضيفاً لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك { المكرمين } عند الله لقوله { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء : 26 ] وقيل : لأنه خدمهم بنفسه وأخدمهم امرأته وعجل لهم القرى { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } نصب ب { المكرمين } إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم وإلا فبإضمار اذكر { فَقَالُواْ سَلامًا } مصدر سادٌّ مسد الفعل مستغنى به عنه ، وأصله نسلم عليكم سلاماً { قَالَ سلام } أي عليكم سلام فهو مرفوع على الابتداء وخبره محذوف ، والعدول إلى الرفع للدلالة على إثبات السلام كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به أخذاً بأدب الله ، وهذا أيضاً من إكرامه لهم . حمزة وعلي : سلم والسلم السلام { قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي أنتم قوم منكرون فعرفوني من أنتم { فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ } فذهب إليهم في خفية من ضيوفه ومن أدب المضيف أن يخفي أمره وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذراً من أن يكفه ، وكان عامة مال إبراهيم عليه السلام البقر { فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ } ليأكلوا منه فلم يأكلوا { قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ } أنكر عليهم ترك الأكل أو حثهم عليه { فَأَوْجَسَ } فأضمر { مِنْهُمْ خِيفَةً } خوفاً لأن من لم يأكل طعامك لم يحفظ ذمامك .","part":3,"page":359},{"id":1360,"text":"عن ابن عباس Bهما : وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب { قَالُواْ لاَ تَخَفْ } إنا رسل الله ، وقيل : مسح جبريل العجل فقام ولحق بأمه { وَبَشَّرُوهُ بغلام عَلَيمٍ } أي يبلغ ويعلم والمبشر به إسحاق عند الجمهور .\r{ فَأَقْبَلَتِ امرأته فِى صَرَّةٍ } في صيحة من صر القلم والباب ، قال الزجاج : الصرة شدة الصياح ههنا ومحله النصب على الحال أي فجاءت صارة . وقيل : فأخذت في صياح وصرتها قولها يا ويلتا { فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } فلطمت ببسط يديها . وقيل : فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب { وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } أي أنا عجوز فكيف ألد كما قال في موضع آخر { أألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِى شَيْخًا } [ هود : 72 ] { قَالُواْ كَذَلِكِ } مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به { قَالَ رَبُّكِ } أي إنما نخبرك عن الله تعالى والله قادر على ما تستبعدين { إِنَّهُ هُوَ الحكيم } في فعله { العليم } فلا يخفى عليه شيء . ورُوي أن جبريل قال لها حين استبعدت : انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة . ولما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بأمر الله رسلاً في بعض الأمور { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ } أي فما شأنكم وما طلبكم وفيم أرسلتم؟ { أَيُّهَا المرسلون } أرسلتم بالبشارة خاصة أو لأمر آخر أولهما { قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } أي قوم لوط { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن طِينٍ } أريد السجيل وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر حتى صار في صلابة الحجارة { مُّسَوَّمَةً } معلمة من السومة وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به { عِندَ رَبّكَ } في ملكه وسلطانه { لِلْمُسْرِفِينَ } سماهم مسرفين كما سماهم عادين لإسرافهم وعدوانهم في عملهم حيث لم يقتنعوا بما أبيح لهم { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا } في القرية ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة { مِنَ المؤمنين } يعني لوطاً ومن آمن به { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين } أي غير أهل بيت وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد لأن الملائكة سموهم مؤمنين ومسلمين هنا { وَتَرَكْنَا فِيهَا } في قراهم { ءايَةً لّلَّذِينَ يَخَافُونَ العذاب الأليم } علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم . قيل : هي ماء أسود منتن .","part":3,"page":360},{"id":1361,"text":"{ وَفِى موسى } معطوف على { وَفِى الأرض ءايات } أو على قوله { وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً } على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله :\rعلفتها تبناً وماء بارداً ... { إِذْ أرسلناه إلى فِرْعَوْنَ بسلطان مُّبِينٍ } بحجة ظاهرة وهي اليد والعصا { فتولى } فأعرض عن الإيمان { بِرُكْنِهِ } بما كان يتقوى به من جنوده وملكه ، والركن ما يركن إليه الإنسان من مال وجند { وَقَالَ ساحر } أي هو ساحر { أَوْ مَجْنُونٌ فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم فِى اليم وَهُوَ مُلِيمٌ } آتٍ بما يلام عليه من كفره وعناده . وإنما وصف يونس عليه السلام به في قوله { فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ } ( الصافات ) 142 ) لأن موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم ، فراكب الكفر ملوم على مقداره ، وراكب الكبيرة والصغيرة والذلة كذلك ، والجملة مع الواو حال من الضمير في { فأخذناه } .\r{ وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } هي التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر وهي ريح الهلاك ، واختلف فيها والأظهر أنها الدبور لقوله عليه السلام : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » { مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم } هو كل ما رم أي بلي وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك ، والمعنى ما تترك من شيء هبت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا أهلكته { وَفِى ثَمُودَ } آية أيضاً { إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ } تفسيره قوله { تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ } [ هود : 65 ] { فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } فاستكبروا عن امتثاله { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } العذاب وكل عذاب مهلك صاعقة { الصعقة } علي وهي المرة من مصدر صعقتهم الصاعقة { وَهُمْ يَنظُرُونَ } لأنها كانت نهاراً يعاينونها { فَمَا استطاعوا مِن قِيَامٍ } أي هرب أو هو من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه { وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ } ممتنعين من العذاب أو لم يمكنهم مقابلتنا بالعذاب لأن معنى الانتصار المقابلة { وَقَوْمَ نُوحٍ } أي وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه ، أو واذكر قوم نوح . وبالجر أبو عمرو وعلي وحمزة أي وفي قوم نوح آية ويؤيده قراءة عبد الله { وَفِى قَوْمُ نُوحٍ } { مِن قَبْلُ } من قبل هؤلاء المذكورين { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } كافرين .\r{ والسماء } نصب بفعل يفسره { بنيناها بِأَيْيْدٍ } بقوة والأيد القوة { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } لقادرون من الوسع وهي الطاقة والموسع القوي على الإنفاق أو لموسعون ما بين السماء والأرض { والأرض فرشناها } بسطناها ومهدناها وهي منصوبة بفعل مضمر أي فرشنا الأرض فرشناها { فَنِعْمَ الماهدون } نحن { وَمِن كُلّ شَىْء } من الحيوان { خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } ذكراً وأنثى .","part":3,"page":361},{"id":1362,"text":"وعن الحسن : السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة ، فعدد أشياء وقال كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد لا مثل له { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج لتتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه { فَفِرُّواْ إِلَى الله } أي من الشرك إلى الإيمان بالله أو من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن أو مما سواه إليه { إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ إِنّي لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } والتكرير للتوكيد والإطالة في الوعيد أبلغ .\r{ كذلك } الأمر مثل ذلك وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحراً أو مجنوناً . ثم فسر ما أجمل بقوله { مَا أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قومك { مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ } هو { ساحر أَوْ مَجْنُونٌ } رموهم بالسحر أو الجنون لجهلهم { أَتَوَاصَوْاْ بِهِ } الضمير للقول أي أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعاً متفقين عليه { بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغون } أي لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان والطغيان هو الحامل عليه { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا عناداً { فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } فلا لوم عليك في إعراضك بعدما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة { وَذَكِّر } وعظ بالقرآن { فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين } بأن تزيد في عملهم { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } العبادة إن حملت على حقيقتها فلا تكون الآية عامة بل المراد بها المؤمنون من الفريقين دليله السياق أعني { وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين } وقراءة ابن عباس Bهما { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس مِنَ المؤمنين } وهذا لأنه لا يجوز أن يخلق الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون للعبادة لأنه إذا خلقهم للعبادة وأراد منهم العبادة فلا بد أن توجد منهم ، فإذا لم يؤمنوا علم أنه خلقهم لجهنم كما قال : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } [ الأعراف : 179 ] . وقيل : إلا لآمرهم بالعبادة وهو منقول عن علي Bه . وقيل : إلا ليكونوا عباداً لي . والوجه أن تحمل العبادة على التوحيد فقد قال ابن عباس Bهما : كل عبادة في القرآن فهي توحيد . والكل يوحدونه في الآخرة لما عرفه أن الكفار كلهم مؤمنون موحدون في الآخرة دليلة قوله { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 23 ] .\rنعم قد أشرك البعض في الدنيا بالإضافة إلى الأبد أقل من يوم ، ومن اشترى غلاماً وقال : ما اشتريته إلا للكتابة كان صادقاً في قوله ما اشتريته إلا للكتابة ، وإن استعمله في يوم من عمره لعمل آخر { مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ } ما خلقتهم ليرزقوا أنفسهم أو واحداً من عبادي { وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } قال ثعلب : أن يطعموا عبادي وهي إضافة تخصيص كقوله عليه السلام خبراً عن الله تعالى :","part":3,"page":362},{"id":1363,"text":"« من أكرم مؤمناً فقد أكرمني ومن آذى مؤمناً فقد آذاني » { إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين } الشديد القوة والمتين بالرفع صفة لذو ، وقرأ الأعمش بالجر صفة للقوة على تأويل الاقتدار { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } رسول الله بالتكذيب من أهل مكة { ذَنُوباً مّثْلَ ذَنُوبِ أصحابهم } نصيباً من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون المهلكة . قال الزجاج : الذنوب في اللغة النصيب { فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } نزول العذاب وهذا جواب النضر وأصحابه حين استعجلوا العذاب { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذى يُوعَدُونَ } أي من يوم القيامة . وقيل : من يوم بدر { ليعبدوني } ، { أن يطعموني } . { فَلا يستعجلوني } بالياء في الحالين : يعقوب ، وافقه سهل في الوصل الباقون بغير ياء ، والله أعلم .","part":3,"page":363},{"id":1364,"text":"{ والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين { وكتاب مُّسْطُورٍ } هو القرآن ونُكِّر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب أو اللوح المحفوظ أو التوراة { فِى رَقّ } هو الصحيفة أو الجلد الذي يكتب فيه { مَّنْشُورٍ } مفتوح لا ختم عليه أو لائح { والبيت المعمور } أي الضراح وهو بيت في السماء حيال الكعبة وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة . رُوي أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ويخرجون ثم لا يعودون إليه أبداً . وقيل : الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار { والسقف المرفوع } أي السماء أو العرش { والبحر المسجور } المملوء أو الموقد ، والواو الأولى للقسم والبواقي للعطف ، وجواب القسم { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ } أي الذي أوعد الكفار به { لَوَاقِعٌ } لنازل . قال جبير بن مطعم : أتيت رسول الله A أكلمه في الأسارى فلقيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور ، فلما بلغ { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب { مَالَهُ مِن دَافِعٍ } لا يمنعه مانع والجملة صفة ل «واقع» أي واقع غير مدفوع .\rوالعامل في { يَوْمٍ } { لَوَاقِعٌ } أي يقع في ذلك اليوم ، أو اذكر { يَوْمَ تَمُورُ } تدور كالرحى مضطربة { السماء مَوْراً * وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً } في الهواء كالسحاب لأنها تصير هباء منثوراً { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ * الذين هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب ومنه قوله { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين } [ المدثر : 45 ] ويبدل { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } من { يَوْمَ تَمُورُ } والدع : الدفع العنيف وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزخاً في أقفيتهم فيقال لهم { هذه النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } في الدنيا { أَفَسِحْرٌ هذا } { هذا } مبتدأ و { سِحْرٌ } خبره يعني كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفسحر هذا يريد أهذا المصداق أيضاً سحر ودخلت الفاء لهذا المعنى { أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ } كما كنتم لا تبصرون في الدنيا يعني أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن الخبر وهذا تقريع وتهكم .\r{ اصلوها فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ } خبر { سَوَآء } محذوف أي سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه بقوله { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازي عليه الصابر جزاء الخير ، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة فلا مزية له على الجزع .\r{ إِنَّ المتقين فِى جنات } في أية جنات { وَنَعِيمٍ } أي وأي نعيم بمعنى الكمال في الصفة أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة { فاكهين } حال من الضمير في الظرف والظرف خبر أي متلذذين { بِمَا ءاتاهم رَبُّهُمْ } وعطف قوله { ووقاهم رَبُّهُمْ } على { فِي جنات } أي إن المتقين استقروا في جنات .","part":3,"page":364},{"id":1365,"text":". . ووقاهم ربهم ، أو على { آتاهم ربهم } على أن تجعل «ما» مصدرية والمعنى فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم { عَذَابَ الجحيم } أو الواو للحال و«قد» بعدها مضمرة يقال لهم { كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أكلاً وشرباً هنيئاً أو طعاماً وشراباً هنيئاً وهو الذي لا تنغيص فيه { مُتَّكِئِينَ } حال من الضمير في { كُلُواْ واشربوا } { على سُرُرٍ } جمع سرير { مَصْفُوفَةٌ } موصول بعضها ببعض { وزوجناهم } وقرناهم { بِحُورٍ } جمع حوراء { عِينٌ } عظام الأعين حسانها { والذين ءامَنُواْ } مبتدأ و { أَلْحَقْنَا بِهِمْ } خبره { واتبعتهم } { وأتبعناهم } أبو عمرو { ذُرّيَّتُهُم } أولادهم { بإيمان } حال من الفاعل { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } أي نلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء . وقيل : إن الذرية وإن لم يبلغون مبلغاً يكون منهم الإيمان استدلالاً وإنما تلقنوا منهم تقليداً فهم يلحقون بالآباء . { ذُرّيَّتُهُم } { ذرياتهم } مدني { ذرياتهم } { ذرياتهم } أبو عمرو { ذرياتهم } { ذرياتهم } شامي { وَمَا ألتناهم مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء } وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء . { ألتناهم } مكي ألت يألِت ألتِ يألَت لغتان من الأولى متعلقة بألتناهم والثانية زائدة { كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } أي مرهون فنفس المؤمن مرهونة بعمله وتجازى به .","part":3,"page":365},{"id":1366,"text":"{ وأمددناهم } وزدناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } وإن لم يقترحوا { يتنازعون فِيهَا كَأْساً } خمراً أي يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم يتناول هذا الكأس من يد هذا وهذا من يد هذا { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا } في شربها { وَلاَ تَأْثِيمٌ } أي لا يجري بينهم ما يلغي يعني لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه إثم لو فعله فاعل في دار التكليف من الكذب والشتم ونحوهما كشاربي خمر الدنيا ، لأن عقولهم ثابتة فيتكلمون بالحكم والكلام الحسن . { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } مكي وبصري .\r{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ } مملوكون لهم مخصوصون بهم { كَأَنَّهُمْ } من بياضهم وصفائهم { لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } في الصدف لأنه رطباً أحسن وأصفى أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة ، في الحديث : \" إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك \" { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله وما استحق به نيل ما عند الله { قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ } أي في الدنيا { فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } أرقاء القلوب من خشية الله أو خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان ، أو من رد الحسنات والأخذ بالسيئات { فَمَنَّ الله عَلَيْنَا } بالمغفرة والرحمة { ووقانا عَذَابَ السموم } هي الريح الحارة التي تدخل المسام فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة { إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ } من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه يعنون في الدنيا { نَدْعُوهُ } نعبده ولا نعبد غيره ونسأله الوقاية { إِنَّهُ هُوَ البر } المحسن { الرّحيم } العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب . { أَنَّهُ } بالفتح : مدني وعلي أي بأنه أو لأنه { فَذَكِّرْ } فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم { فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبَّكَ } برحمة ربك وإنعامه عليه بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن وَلاَ مَجْنُونٍ } كما زعموا وهو في موضع الحال والتقدير لست كاهناً ولا مجنوناً ملتبساً بنعمة ربك .\r{ أَمْ يَقُولُونَ } هو { شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون } حوادث الدهر أي ننتظر نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة . و«أم» في أوائل هذه الآي منقطعة بمعنى بل والهمزة { قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنّى مَعَكُمْ مّنَ المتربصين } أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أحلامهم } عقولهم { بهذا } التناقض في القول وهو قولهم كاهن وشاعر مع قولهم مجنون وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي { أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق لهم ، وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } اختلقه محمد من تلقاء نفسه { بَلِ } رد عليهم أي ليس الأمر كما زعموا { لاَ يُؤْمِنُونَ } فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن مع علمهم ببطلان قولهم وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه وما محمد إلا واحد من العرب { فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ } مختلق { مّثْلِهِ } مثل القرآن { إِن كَانُواْ صادقين } في أن محمداً تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلسانهم وهم فصحاء { أم خُلِقُواْ } أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم { مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ } من غير مقدر { أَمْ هُمُ الخالقون } أم هم الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق .","part":3,"page":366},{"id":1367,"text":"وقيل : أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب أم هم الخالقون فلا يأتمرون { أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السماوات والأرض .\r{ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ } من النبوة والرزق وغيرهما فيخصوا من شاءوا بما شاءوا { أَمْ هُمُ المصيطرون } الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على مشيئتهم . وبالسين : مكي وشامي .\r{ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ } منصوب يرتقون به إلى السماء { يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون . قال الزجاج : يستمعون فيه أي عليه { فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بسلطان مُّبِينٍ } بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم { أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون } ثم سفه أحلامهم حيث اختاروا لله ما يكرهون وهم حكماء عند أنفسهم { أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً } على التبليغ والإنذار { فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } المغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه أي لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في اتباعك { أَمْ عِندَهُمُ الغيب } أي اللوح المحفوظ { فَهُمْ يَكْتُبُونَ } ما فيه حتى يقولوا لا نبعث وإن بعثنا لم نعذب { أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله وبالمؤمنين { فالذين كَفَرُواْ } إشارة إليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله تعالى { هُمُ المكيدون } هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم وذلك أنهم قتلوا يوم بدر ، أو المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته { أَمْ لَهُمْ إله غَيْرُ الله } يمنعهم من عذاب الله { سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ السماء ساقطا يَقُولُواْ سحاب } والكسف القطعة وهو جواب قولهم : { أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } [ الإسراء : 92 ] يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا هذا سحاب { مَّرْكُومٌ } قدركم أي جمع بعضه على بعض يمطرنا ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب .\r{ فَذَرْهُمْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى فِيهِ يُصْعَقُونَ } بضم الياء : عاصم وشامي .","part":3,"page":367},{"id":1368,"text":"الباقون بفتح الياء ، يقال : صعقه فصعق وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق { يَوْمَ لاَ يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وإن لهؤلاء الظلمة { عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } دون يوم القيامة وهو القتل ببدر والقحط سبع سنين وعذاب القبر { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك . ثم أمره بالصبر إلى أن يقع بهم العذاب فقال { واصبر لِحُكْمِ رَبّكَ } بإمهالهم وبما يلحقك فيه من المشقة { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } أي بحيث نراك ونكلؤك . وجمع العين لأن الضمير بلفظ الجماعة ألا ترى إلى قوله { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } [ طه : 39 ] { وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ } للصلاة وهو ما يقال بعد التكبير سبحانك اللهم وبحمدك ، أو من أي مكان قمت أو من منامك { وَمِنَ اليل فَسَبّحْهُ وإدبار النجوم } وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل وأدبار زيد أي في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت ، والمراد الأمر بقول سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات . وقيل : التسبيح الصلاة إذا قام من نومه ، ومن الليل صلاة العشاءين ، وإدبار النجوم صلاة الفجر ، وبالله التوفيق .","part":3,"page":368},{"id":1369,"text":"{ والنجم } أقسم بالثريا أو بجنس النجوم { إِذَا هوى } إذا غرب أو انتثر يوم القيامة وجواب القسم { مَا ضَلَّ } عن قصد الحق { صاحبكم } أي محمد A والخطاب لقريش { وَمَا غوى } في اتباع الباطل . وقيل : الضلال نقيض الهدى والغي نقيض الرشد أي هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه إنما هو وحي من عند الله يوحى إليه . ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام ، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي لا نطقاً عن الهوى . { علَّمَهُِ } علم محمداً عليه السلام { شَدِيدُ القوى } ملك شديد قواه والإضافة غير حقيقية لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها ، وهو جبريل عليه السلام عند الجمهور ، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين { ذُو مِرَّةٍ } ذو منظر حسن عن ابن عباس { فاستوى } فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي ، وكان ينزل في صورة دحية وذلك أن رسول الله A أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق . وقيل : ما رآه أحد من الأنبياء عليهم السلام في صورته الحقيقية سوى محمد A مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء .\r{ وَهُوَ } أي جبريل عليه السلام { بالأفق الأعلى } مطلع الشمس { ثُمَّ دَنَا } جبريل من رسول الله A { فتدلى } فزاد في القرب ، والتدلي هو النزول بقرب الشيء { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ } مقدار قوسين عربيتين . وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع ومنه : «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» ، وفي الحديث : \" لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها \" والقد السوط وتقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات { أَوْ أدنى } أي على تقديركم كقوله : { أَوْ يَزِيدُونَ } [ الصافات : 147 ] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم ومقدار فهمهم وهم يقولون هذا قدر رمحين أو أنقص . وقيل : بل أدنى { فأوحى } جبريل عليه السلام { إلى عَبْدِهِ } إلى عبد الله وإن لم يجر لاسمه ذكر لأنه لا يلتبس كقوله { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا } [ فاطر : 45 ] { مَا أوحى } تفخيم للوحي الذي أوحي إليه .","part":3,"page":369},{"id":1370,"text":"قيل : أوحي إليه إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك { مَا كَذَبَ الفؤاد } فؤاد محمد { مَا رأى } ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ، ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق . وقيل : المرئي هو الله سبحانه ، رآه بعين رأسه وقيل بقلبه { أفتمارونه } أفتجادلونه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه ، { أفتمارونه } حمزة وعلي وخلف ويعقوب ، أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ولما فيه من معنى الغلبة قال { على مَا يرى } فعدي ب «على» كما تقول غلبته على كذا . وقيل : أفتمرونه أفتجحدونه يقال : مريته حقه إذا جحدته وتعديته ب «على» لا تصح إلا على مذهب التضمين .\r{ وَلَقَدْ رَءاهُ } رأى محمد جبريل عليهما السلام { نَزْلَةً أخرى } مرة أخرى من النزول نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت في حكمها أي نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى في صورة نفسه فرآه عليها وذلك ليلة المعراج { عِندَ سِدْرَةِ المنتهى } الجمهور على أنها شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش . والمنتهى بمعنى موضع الانتهاء أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة وآخرها ، وقيل : لم يجاوزها أحد وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم ولا يعلم أحد ما وراءها . وقيل : تنتهي إليها أرواح الشهداء { عِندَهَا جَنَّةُ المأوى } أي الجنة التي يصير إليها المتقون . وقيل : تأوي إليها أرواح الشهداء { إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى } أي رآه إذ يغشى السدرة ما يغشى ، وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها ، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلاله أشياء لا يحيط بها الوصف . وقد قيل : يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله تعالى عندها . وقيل : يغشاها فراش من ذهب { مَا زَاغَ البصر } بصر رسول الله A ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها { وَمَا طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته .\r{ لَقَدْ رأى } والله لقد رأى { مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } الآيات التي هي كبراها وعظماها يعني حين رقي به إلى السماء فأري عجائب الملكوت .\r{ أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة } أي أخبرونا عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون الله D هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة؟ اللات والعزى ومناة أصنام لهم وهي مؤنثات ، فاللات كانت لثقيف بالطائف . وقيل : كانت بنخلة تعبدها قريش وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة ، والعزى كانت لغطفان وهي ثمرة وأصلها تأنيث الأعز وقطعها خالد بن الوليد ، ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة .","part":3,"page":370},{"id":1371,"text":"وقيل : لثقيف وكأنها سميت مناة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق { ومناءة } مكي مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها { الأخرى } هي صفة ذم أي المتأخرة الوضيعة المقدار ، كقوله { وَقَالَتِ أُخْرَاهُمْ لأولاهم } [ الأعراف : 38 ] أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم ، ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى كانوا يقولون : إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله مع وأدهم البنات وكراهتهم لهن فقيل لهم { أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى } أي جعلكم لله البنات ولكم البنين قسمة ضيزى أي جائزة من ضازه يضيزه إذا ضامه . و { ضيزى } فعلى إذ لا فعلى في النعوت فكسرت الضاد للياء كما قيل «بيض» وهو بوض مثل حمر وسود ، { ضئزى } بالهمز : مكي من ضأزه مثل ضازه .","part":3,"page":371},{"id":1372,"text":"{ إِنْ هِىَ } ما الأصنام { إِلاَّ أَسْمَاء } ليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشذ منافاة لها { سَمَّيْتُمُوهَا } أي سميتم بها يقال سميته زيداً وسميته بزيد { أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان } حجة { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } إلا توهم أن ما هم عليه حق { وَمَا تَهْوَى الأنفس } وما تشتهيه أنفسهم { وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى } الرسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به { أَمْ للإنسان مَا تمنى } هي «أم» المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام أو من قوله : { وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى } [ فصلت : 50 ] . وقيل : هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي { فَلِلَّهِ الآخرة والأولى } أي هو مالكهما وله الحكم فيهما يعطى النبوة والشفاعة من شاء وارتضى لا من تمني .\r{ وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السماوات لاَ تُغْنِى شفاعتهم شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَاء ويرضى } يعني أن أمر الشفاعة ضيق فإن الملائكة مع قربتهم وكثرتهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم شيئاً قط ، ولا تنفع إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلاً لأن يشفع له فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة } أي كل واحد منهم { تَسْمِيَةَ الأنثى } لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات الله فقد سموا كل واحد منهم بنتاً وهي تسمية الأنثى .\r{ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بما يقولون وقرىء بها أي بالملائكة أو التسمية { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } هو تقليد الآباء { وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً } أي إنما يعرف الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم { فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا } فأعرض عمن رأيته معرضاً عن ذكر الله أي القرآن { وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا * ذلك } أي اختيارهم الدنيا والرضا بها { مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم } منتهى علمهم { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى } أي هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازيهما .\r{ وَلِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض لِيَجْزِىَ الذين أسائوا بِمَا عَمِلُواْ } بعقاب ما عملوا من السوء أو بسبب ما عملوا من السوء { وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب الأعمال الحسنى ، والمعنى أن الله D إنما خلق العالم وسوى هذه الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء منهم إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء { الذين } بدل أو في موضع رفع على المدح أي هم الذين { يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم } أي الكبائر من الإثم لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر والكبائر الذنوب التي يكبر عقابها ، { كَبِيرٌ } حمزة وعلي أي النوع الكبير منه { والفواحش } ما فحش من الكبائر كأنه قال : والفواحش منها خاصة .","part":3,"page":372},{"id":1373,"text":"قيل : الكبائر ما أوعد الله عليه النار والفواحش ما شرع فيها الحد { إِلاَّ اللمم } أي الصغائر والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش وهو كالنظرة والقبلة واللمسة والغمزة { إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة } فيغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ } أي أباكم { مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ } جمع جنين { فِى بُطُونِ أمهاتكم فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات ، أو إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام ، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم . وقيل : كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت . وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء لا على سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه عن ثناء الناس .\r{ أَفَرَأَيْتَ الذى تولى } أعرض عن الإيمان .\r{ وأعطى قَلِيلاً وأكدى } قطع عطيته وأمسك ، وأصله إكداء الحافر وهو أن تلقاه كدية وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر . عن ابن عباس Bهما : فيمن كفر بعد الإيمان . وقيل : في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله A فعيره بعض الكافرين وقال له : تركت دين الأشياخ وزعمت أنهم في النار . قال : إني خشيت عذاب الله . فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ففعل وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه { أَعِندَهُ عِلْمُ الغيب فَهُوَ يرى } فهو يعلم أن ما ضمنه من عذاب الله حق { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } يخبر { بِمَا فِى صُحُفِ موسى } أي التوراة { وإبراهيم } أي وفي صحف إبراهيم { الذى وفى } أي وفر وأتم كقوله { فَأَتَمَّهُنَّ } [ البقرة : 124 ] وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية . وقرىء مخففاً والتشديد مبالغة في الوفاء . وعن الحسن : ما أمره الله بشيء إلا وفى به ، وعن عطاء بن السائب : عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما قذف في النار قال له جبريل : ألك حاجة؟ فقال أما إليك فلا . وعن النبي A : « وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الضحى »","part":3,"page":373},{"id":1374,"text":"ورُوي \" ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى : { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ } إلى { حِينٍ تُظْهِرُونَ } [ الروم : 18 ] \" وقيل : وفي سهام الإسلام وهي ثلاثون : عشرة في «التوبة» { التائبون } [ التوبة : 112 ] ، وعشرة في «الأحزاب» { إِنَّ المسلمين } [ الآية : 35 ] وعشرة في «المؤمنين» { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } [ المؤمنون : 1 ] ثم أعلم بما في صحف موسى وإبراهيم فقال { أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى } تزر من وزر يزر إذا اكتسب وزراً وهو الإثم ، و «إن» مخففة من الثقيلة والمعنى أنه لا تزر والضمير ضمير الشأن ومحل «أن» وما بعدها الجر بدلاً من { مَا فِى صُحُفِ موسى } أو الرفع على هو أن لا تزر كأن قائلاً قال : وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل : { أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى } أي لا تحمل نفس ذنب نفس .","part":3,"page":374},{"id":1375,"text":"{ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } إلا سعيه وهذه أيضاً مما في صحف إبراهيم وموسى ، وأما ما صح في الأخبار من الصدقة عن الميت والحج عنه فقد قيل : إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعاً له وقائماً بقيامه ، ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه { وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى } أي يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه { ثُمَّ يُجْزَاهُ } ثم يجزى العبد سعيه . يقال : جزاه الله عمله وجزاه على عمله بحذف الجار وإيصال الفعل ، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء . ثم فسره بقوله { الجزاء الأوفى } أو أبدله عنه { وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } هذا كله في الصحف الأولى . والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء أي ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه كقوله : { وإلى الله المصير } [ آل عمران : 28 ] { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى } خلق الضحك والبكاء . وقيل : خلق الفرح والحزن . وقيل : أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب و { وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } قيل : أمات الآباء وأحيا الأبناء ، أو أمات بالكفر وأحيا بالإيمان ، أو أمات هنا وأحيا ثمة { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى } إذا تدفق في الرحم يقال منى وأمنى { وَأَنَّ عَلَيْهِ النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت { وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى } وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك .\r{ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى } هو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر وكانت خزاعة تعبدها ، فأعلم الله أنه رب معبودهم هذا { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى } هم قوم هود وعاد الأخرى إرم { عَادٍ الولى } مدني وبصري غير سهل بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة { أُوْلِى } ونقل ضمتها إلى لام التعريف { وَثَمُودَاْ فَمَا أبقى } حمزة وعاصم الباقون { وَثَمُودَاْ } وهو معطوف على { عَاداً } ولا ينصب ب { فَمَا أبقى } لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله لا تقول : زيداً فضربت ، وكذا ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله ، والمعنى وأهلك ثمود فما أبقاهم .\r{ وَقَوْمَ نُوحٍ } أي أهلك قوم نوح { مِن قَبْلُ } من قبل عاد وثمود { إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حرام وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه { والمؤتفكة } والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهم قوم لوط يقال : أفكه فأتفك { أهوى } أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها و { المؤتفكة } منصوب ب { أهوى } { فغشاها } ألبسها { مَا غشى } تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود { فَبِأَىّ الآء رَبّكَ } أيها المخاطب { تتمارى } تتشكك بما أولاك من النعم أو بما كفاك من النقم ، أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تشكك { هذا نَذِيرٌ } أي محمد منذر { مّنَ النذر الأولى } من المنذرين الأولين .","part":3,"page":375},{"id":1376,"text":"وقال { الأولى } على تأويل الجماعة أو هذا القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم { أَزِفَتِ الآزفة } قربت الموصوفة بالقرب في قوله : { اقتربت الساعة } [ القمر : 1 ] { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ } أي ليس لها نفس كاشفة أي مبينة متى تقوم كقوله : { لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } [ الأعراف : 187 ] . أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير أنه لا يكشفها { أَفَمِنْ هذا الحديث } أي القرآن { تَعْجَبُونَ } إنكاراً { وَتَضْحَكُونَ } استهزاء { وَلاَ تَبْكُونَ } خشوعاً { وَأَنتُمْ سامدون } غافلون أو لاهون لاعبون ، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ليشغلوا الناس عن استماعه { فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا } أي فاسجدوا لله واعبدوه ولا تعبدوا الآلهة ، والله أعلم .","part":3,"page":376},{"id":1377,"text":"{ اقتربت الساعة } قربت القيامة { وانشق القمر } نصفين . وقرىء { وَقَدْ انشق } أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق كما تقول : أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه . قال ابن مسعود Bه : رأيت حراء بين فلقتي القمر . وقيل : معناه ينشق يوم القيامة . والجمهور على الأول وهو المروي في الصحيحين . ولا يقال لو انشق لما خفي على أهل الأقطار ولو ظهر عندهم لنقلوه متواتراً لأن الطباع جبلت على نشر العجائب لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم { وَإِن يَرَوْاْ } يعني أهل مكة { ءايَةً } تدل على صدق محمد A { يُعْرِضُواْ } عن الإيمان به { وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } محكم قوي من المرة القوة أو دائم مطرد أو مار ذاهب يزول ولا يبقى { وَكَذَّبُواْ } النبي A { واتبعوا أَهْوَاءهُمْ } وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره { وَكُلُّ أَمْرٍ } وعدهم الله { مُّسْتَقِرٌّ } كائن في وقته . وقيل : كل ما قدر واقع . وقيل : كل أمر من أمرهم واقع مستقر أي سيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب { وَلَقَدْ جَاءهُمْ } أهل مكة { مّنَ الأنباء } من القرآن المودع أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار { مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } ازدجار عن الكفر . تقول : زجرته وازدجرته أي منعته وأصله ازتجر ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالاً لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور ، فأبدل من التاء حرف مجهور وهو الدال ليتناسبا وهذا في آخر كتاب سيبويه { حِكْمَةٌ } بدل من «ما» أو على «هو حكمة» { بالغة } نهاية الصواب أو بالغة من الله إليهم { فَمَا تُغْنِى النذر } «ما» نفي و { النذر } جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به أو النذر مصدر بمعنى الإنذار .\r{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم . نصب { يَوْمَ يَدْعُ الداع } ب { يُخْرِجُونَ } أو بإضمار اذكر . { الداعى } ، { إلى الداعى } سهل ويعقوب ومكي فيهما ، وافق مدني وأبو عمرو في الوصل ، ومن أسقط الياء اكتفى بالكسرة عنها . وحذف الواو من { يَدْعُو } في الكتابة لمتابعة اللفظ ، والداعي إسرافيل عليه السلام { إلى شَىْءٍ نُّكُرٍ } منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثلة وهو هول يوم القيامة { نُّكُرٍ } بالتخفيف : مكي { خُشَّعاً أبصارهم } { خاشعا } عراقي غير عاصمٍ وهو حال من الخارجين وهو فعل للأبصار ، وذكر كما تقول يخشع أبصارهم غيرهم خشعاً على يخشعن أبصارهم وهي لغة من يقول «أكلوني البراغيث» . ويجوز أن يكون في { خُشَّعاً } ضميرهم وتقع { أبصارهم } بدلاً عنه ، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما { يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث } من القبور { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } في كثرتهم وتفرقهم في كل جهة .","part":3,"page":377},{"id":1378,"text":"والجراد مثل في الكثرة والتموج يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاءوا كالجراد { مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه { يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ } صعب شديد .\r{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل أهل مكة { قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } نوحاً عليه السلام . ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب ، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل { وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } أي هو مجنون { وازدجر } زجر عن أداء الرسالة بالشتم وهدد بالشتم وهدد بالقتل ، أو هو من جملة قيلهم أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه { فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى } أي بأني { مَغْلُوبٌ } غلبني قومي فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي { فانتصر } فانتقم لي منهم بعذاب تبعثه عليهم { فَفَتَحْنَا أبواب السماء } { فَفَتَحْنَا } شامي ويزيد وسهل ويعقوب { بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً { وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً } وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر وهو أبلغ من قولك «وفجرنا عيون الأرض» { فَالْتَقَى الماء } أي مياه السماء والأرض وقرىء { الماءان } أي النوعان من الماء السماوي والأرضي { على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } على حال قدرها الله كيف شاء أو على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون وهو هلاك قوم نوح بالطوفان .","part":3,"page":378},{"id":1379,"text":"{ وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ } أراد السفينة وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل بينها وبينها ونحوه «ولكنّ قميصي مسرودة من حديدً» أراد ولكن قميصي درع ، ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة لم يصح ، وهذا من فصيح الكلام وبديعه ، والدسر جمع دسار وهو المسمار فعال من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه { تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا } بمرأى منا أو بحفظنا أو { بِأَعْيُنِنَا } حال من الضمير في { تَجْرِى } أي محفوظة بنا { جَزَاء } مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده أي فعلنا ذلك جزاء { لّمَن كَانَ كُفِرَ } وهو نوح عليه السلام وجعله مكفوراً لأن النبي نعمة من الله ورحمة قال الله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] فكان نوح نعمة مكفورة { وَلَقَدْ تركناها } أي السفينة أو الفعلة أي جعلناها { ءايَةً } يعتبر بها . وعن قتادة : أبقاها الله بأرض الجزيرة . وقيل : على الجودي دهراً طويلاً حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متعظ يتعظ ويعتبر ، وأصله مذتكر بالذال والتاء ولكن التاء أبدلت منها الدال والدال والذال من موضع فأدغمت الذال في الدال { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } جمع نذير وهو الإنذار { ونذري } يعقوب فيهما ، وافقه سهل في الوصل . غيرهما بغير ياء وعلى هذا الاختلاف ما بعده إلى آخر السورة { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ } سهلناه للادّكار والاتعاظ بأن شحناه بالمواعظ الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متعظ يتعظ . وقيل : ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ ويُروى أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظراً ولا يحفظونها ظاهراً كالقرآن .\r{ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } أي وإنذاراتي لهم بالعذاب قبل نزوله أو وإنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } باردة أو شديدة الصوت { فِى يَوْمِ نَحْسٍ } شؤم { مُّسْتَمِرٌّ } دائم الشر فقد استمر عليهم حتى أهلكهم وكان في أربعاء في آخر الشهر { تَنزِعُ الناس } تقلعهم عن أماكنهم وكانوا يصطفون آخذاً بعضهم بأيدي بعض ويتداخلون في الشعاب ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم { كَأَنَّهُمْ } حال { أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } أصول نخل منقلع عن مغارسه ، وشبهوا بأعجاز النخل لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رءوس فيتساقطون على الأرض أمواتاً وهم جثث طوال كأنهم أعجاز نخل ، وهي أصولها بلا فروع ، وذكر صفة نخل على اللفظ ولو حملها على المعنى لأنث كما قال","part":3,"page":379},{"id":1380,"text":"{ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } [ الحاقة : 7 ] { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } . { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا واحدا } انتصب { بَشَرًا } بفعل يفسره { نَّتَّبِعُهُ } تقديره أنتبع بشراً منا واحداً { إِنَّا إِذاً لَّفِى ضلال وَسُعُرٍ } كأن يقول إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق . وسعر ونيران جمع سعير فعكسوا عليه فقالوا : إن اتبعناك كنا إذا كما تقول . وقيل : الضلال الخطأ والبعد عن الصواب ، والسعر الجنون ، وقولهم { أَبَشَراً } إنكار لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية وطلبوا أن يكون من الملائكة وقالوا منا ، لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى ، وقالوا { واحدا } إنكاراً لأن تتبع الأمة رجلاً واحداً ، أو أرادوا واحداً من أفنائهم ليس من أشرفهم وأفضلهم ، ويدل عليه قوله { أَءلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } أي أأنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } بطر متكبر حمله بطره وطلبه التعظم علينا على ادعاء ذلك { سَيَعْلَمُونَ غَداً } عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة { مَّنِ الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه . { ستعلمون } : شامي وحمزة على حكاية ما قال لهم صالح مجيباً لهم أو هو كلام الله على سبيل الالتفات { إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا { فِتْنَةً لَّهُمْ } امتحاناً لهم وابتلاء وهو مفعول له أو حال { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري { وَنَبّئْهُمْ أَنَّ الماء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } مقسوم بينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم وقال { بَيْنَهُمْ } تغليباً للعقلاء { كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } محضور يحضر القوم الشرب يوماً وتحضر الناقة يوماً { فَنَادَوْاْ صاحبهم } قدار بن سالف أحيمر ثمود { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له { فَعَقَرَ } الناقة أو فتعاطى الناقة فعقرها أو فتعاطى السيف . وإنما قال { فَعَقَرُواْ الناقة } [ الأعراف : 77 ] في آية أخرى لرضاهم به أو لأنه عقر بمعونتهم { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } في اليوم الرابع من عقرها { صَيْحَةً واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر } والهشيم الشجر اليابس المتهشم المتكسر ، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم ، وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار أي الحظيرة { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } . { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنذر إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } يعني على قوم لوط { حاصبا } ريحاً تحصبهم بالحجارة أي ترميهم { إِلا ءالَ لُوطٍ } ابنتيه ومن آمن معه { نجيناهم بِسَحَرٍ } من الأسحار ولذا صرفه ويقال : لقيته بسحر إذا لقيته في سحر يومه .","part":3,"page":380},{"id":1381,"text":"وقيل : هما سحران : فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر ، والآخر عند انصداعه { نِعْمَةً } مفعول له أي إنعاماً { مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ } نعمة الله بإيمانه وطاعته { وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ } لوط عليه السلام { بَطْشَتَنَا } أخذتنا بالعذاب { فَتَمَارَوْاْ بالنذر } فكذبوا بالنذر متشاكين { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ } طلبوا الفاحشة من أضيافه { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } أعميناهم . وقيل : مسحناها وجلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق . رُوي أنهم لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخلوا قالت الملائكة : خلهم يدخلوا إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ، فصفقهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يترددون ولا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط { فَذُوقُواْ } فقلت لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة { عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً } أول النهار { عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ } ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الآخرة . وفائدة تكرير { فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكاراً واتعاظاً ، وأن يستأنفوا تنبهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه ، وهذا حكم التكرير في قوله { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } [ الرحمن : 13 ] عند كل نعمة عدها ، وقوله { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [ المرسلات : 25 ] عند كل آية أوردها ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في كل أوان .\r{ وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ النذر } موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء أو هو جمع نذير وهو الإنذار { كَذَّبُواْ بئاياتنا كُلَّهَا } بالآيات التسع { فأخذناهم أَخْذَ عِزِيزٍ } لا يغالب { مُّقْتَدِرٍ } لا يعجزه شيء { أكفاركم } يا أهل مكة { خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ } الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون أي أهم خير قوة وآلة ومكانة في الدنيا أو أقل كفراً وعناداً يعني أن كفاركم مثل أولئك بل شر منهم { أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى الزبر } أم أنزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة أن من كفر منكم وكذب الرسل كان آمناً من عذاب الله فأمنتم بتلك البراءة؟ { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ } جماعة أمرنا مجتمع { مُّنتَصِرٌ } ممتنع لا نرام ولا نضام { سَيُهْزَمُ الجمع } جمع أهل مكة { وَيُوَلُّونَ الدبر } أي الأدبار كما قال :\rكلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... أي ينصرفون منهزمين يعني يوم بدر وهذه من علامات النبوة .\r{ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ } موعد عذابهم بعد بدر { والساعة أدهى } أشد من موقف بدر والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدوائه { وَأَمَرُّ } مذاقاً من عذاب الدنيا أو أشد من المرة .","part":3,"page":381},{"id":1382,"text":"{ إِنَّ المجرمين فِى ضلال } عن الحق في الدنيا { وَسُعُرٍ } ونيران في الآخرة أو في هلاك ونيران { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النار } يجرون فيها { على وُجُوهِهِمْ } ويقال لهم { ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } كقولك «وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب» لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مساً بذلك . و { سَقَرَ } غير منصرف للتأنيث والتعريف لأنها علم لجهنم من سقرته النار إذا لوحته { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } كل منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وقرىء بالرفع شاذاً والنصب أولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون { خلقناه } في موضع الجبر وصفاً ل { شَىْء } ويكون الخبر { بِقَدَرٍ } وتقديره : إنا كل شيء مخلوق لنا كائن بقدر ، ويحتمل أن يكون { خلقناه } هو الخبر وتقديره : إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر ، فلما تردد الأمر في الرفع عدل إلى النصب وتقديره . إنا خلقنا كل شيء بقدر فيكون الخلق عاماً لكل شيء وهو المراد بالآية . ولا يجوز في النصب أن يكون { خلقناه } صفة ل { شَىْء } لأنه تفسير الناصب والصفة لا تعمل في الموصوف . والقدْر والقدَر التقدير أي بتقدير سابق أو خلقنا كل شيء مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة ، أو مقدراً مكتوباً في اللوح معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه . قال أبو هريرة : جاء مشركو قريش إلى النبي A يخاصمونه في القدر فنزلت الآية ، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية { وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة } إلا كلمة واحدة أي وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له كن فيكون { كَلَمْحٍ بالبصر } على قدر ما يلمح أحدكم ببصره . وقيل : المراد بأمرنا القيامة كقوله { وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر } [ النحل : 77 ] .\r{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أشياعكم } أشباهكم في الكفر من الأمم { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متعظ { وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ } أي أولئك الكفار أي وكل شيء مفعول لهم ثابت { فِى الزبر } في دواوين الحفظة ف { فَعَلُوهُ } في موضع جر نعت ل { شَىْء } و { فِى الزبر } خبر ل { كُلٌّ } { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ } من الأعمال ومن كل ما هو كائن { مُّسْتَطَرٌ } مسطور في اللوح { إِنَّ المتقين فِى جنات وَنَهَرٍ } وأنهار اكتفى باسم الجنس وقيل : هو السعة والضياء ومنه النهار { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } في مكان مرضي { عِندَ مَلِيكٍ } عندية منزلة وكرامة لا مسافة ومماسة { مُّقْتَدِرٍ } قادر . وفائدة التنكير فيهما أن يعلم أن لا شيء إلا هو تحت ملكه وقدرته وهو على كل شيء قدير .","part":3,"page":382},{"id":1383,"text":"{ الرحمن عَلَّمَ القرءان خَلَقَ الإنسان } أي الجنس أو آدم أو محمداً عليهما السلام { عَلَّمَهُ البيان } عدّد الله D آلاءه فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدماً من ضروب آلائه وصنوف نعمائه وهي نعمة الدين ، فقدّم من نعمة الدين ما هو سنام في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله رتبة وأعلاه منزلة وأحسنه في أبواب الدين أثراً ، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها ، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره ، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين وليحيط علماً بوحيه وكتبه ، وقدم ما خلق الإنسان من أجله عليه ، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير . و { الرحمن } مبتدأ وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة ، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد كما تقول : زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد قلة فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد فما تنكر من إحسانه؟ .\r{ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } بحساب معلوم وتقدير سويٍ يجريان في بروجهما ومنازلهما وفي ذلك منافع للناس منها علم السنين والحساب { والنجم } النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول { والشجر } الذي له ساق . وقيل : النجم نجوم السماء { يَسْجُدَانِ } ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيهاً بالساجد من المكلفين في انقياده ، واتصلت هاتان الجملتان ب { الرحمن } بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل : الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له . ولم يذكر العاطف في الجمل الأولى ثم جيء به بعد ، لأن الأولى وردت على سبيل التعديد تبكيتاً لمن أنكر آلاءه كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال المذكور ، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعطف . وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان ، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل . وإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله فهو مناسب لسجود النجم والشجر .\r{ والسماء رَفَعَهَا } خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه ، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه { وَوَضَعَ الميزان } أي كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس أي خلقه موضوعاً على الأرض حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم { أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى الميزان } لئلا تطغوا أو هي «أن» المفسرة { وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط } وقوموا وزنكم بالعدل { وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان } ولا تنقصوه أمر بالتسوية ونهى عن الطيغان الذي هو اعتداء وزيادة ، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان ، وكرر لفظ الميزان تشديداً للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه { والأرض وَضَعَهَا } حفضها مدحوّة على الماء { لِلأَنَامِ } للخلق وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة .","part":3,"page":383},{"id":1384,"text":"وعن الحسن : الإنس والجن فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها { فِيهَا فاكهة } ضروب مما يتفكه به { والنخل ذَاتُ الأكمام } هي أوعية الثمر الواحد «كم» بكسر الكاف أو كل ما يكم أي يغطى من ليفه وسعفه وكفراه ، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه { والحب ذُو العصف } هو ورق الزرع أو التبن { والريحان } الرزق وهو اللب أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه ، والجامع بين التلذذ والتغذي هو ثمر النخل وما يتغذى به وهو الحب . { والريحان } بالجر : حمزة وعلي أي والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام والريحان الذي هو مطعم الأنام ، والرفع على و «ذو الريحان» فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وقيل : معناه وفيها الريحان الذي يشم { والحب ذَا العصف والريحان } شامي أي وخلق الحب والريحان أو وأخص الحب والريحان { فَبِأَىّ الاء } أي النعم مما عدد من أول السورة جمع ألى وإلى { رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } الخطاب للثقلين بدلالة الأنام عليهما .","part":3,"page":384},{"id":1385,"text":"{ خَلَقَ الإنسان مِن صلصال } طين يابس له صلصلة { كالفخار } أي الطين المطبوخ بالنار وهو الخذف . ولا اختلاف في هذا وفي قوله { مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 26 ] { مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } [ الصافات : 11 ] { مّن تُرَابٍ } [ غافر : 67 ] لاتفاقها معنى لأنه يفيد أنه خلقه من تراب ثم جعله طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم صلصالاً { وَخَلَقَ الجان } أبا الجن قيل : هو إبليس { مِن مَّارِجٍ } هو اللهب الصافي الذي لا دخان فيه . وقيل : المختلط بسواد النار من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط { مّن نَّارٍ } هو بيان لما رج كأنه قيل : من صاف من نار أو مختلط من نار ، أو أراد من نار مخصوصة كقوله { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى } [ الليل : 14 ] { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين } أراد مشرقي الشمس في الصيف والشتاء ومغربيهما .\r{ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ } أي أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين لا فصل بين الماءين في مرأى العين { بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } حاجز من قدرة الله تعالى { لاَّ يَبْغِيَانِ } لا يتجاوزان حديهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة { فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَخْرُجُ } { يَخْرُجُ } مدني وبصري { مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ } بلا همز : أبو بكر ويزيد وهو كبار الدر { وَالمَرْجَانُ } صغاره . وإنما قال { مِنْهُمَا } وهما يخرجان من الملح لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه وتقول : خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله . وقيل : لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب { فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } .\r{ وَلَهُ } ولله { الجوار } السفن جمع جارية . قال الزجاج : الوقف عليها بالياء والاختيار وصلها ، وإن وقف عليها واقف بغير ياء فذا جائز على بعد ولكن يروم الكسر في الراء ليدل على حذف الياء { المنشآت } المرفوعات الشرع { المنشآت } بكسر الشين ، حمزة ويحيى الرافعات الشرع أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن { فِى البحر كالأعلام } جمع علم وهو الجبل الطويل { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } على الأرض { فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ } ذاته { ذُو الجلال } ذو العظمة والسلطان وهو صفة الوجه { والإكرام } بالتجاوز والإحسان ، وهذه الصفة من عظيم صفات الله وفي الحديث « ألظوا بياذا الجلال والإكرام » وروي أنه عليه السلام مر برجل وهو يصلي ويقول يا ذا الجلال والإكرام فقال : قد استجيب لك . { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } والنعمة في الفناء باعتبار أن المؤمنين به يصلون إلى النعيم السرمد . وقال يحيى بن معاذ : حبذا الموت فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب .","part":3,"page":385},{"id":1386,"text":"{ يَسْأَلُهُ مَن فِى السماوات والأرض } وقف عليها نافع كل من أهل السماوات والأرض مفتقرون إليه فيسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم ، وينتصب { كُلَّ يَوْمٍ } ظرفاً بما دل عليه { هُوَ فِى شَأْنٍ } أي كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدد أحوالاً كما روي أنه عليه السلام تلاها فقيل له : وما ذلك الشأن؟ فقال : من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين . وعن ابن عيينة : الدهر عند الله يومان : أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع ، والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء والحساب . وقيل : نزلت في اليهود حين قالوا : إن الله لا يقضي يوم السبت شأناً . وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيباً يفكر فيها فقال غلام له أسود : يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي فأخبره فقال : أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال : أيها الملك شأن الله أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، ويشفي سقيماً ويسقم سليماً ، ويبتلي معافى ويعافي مبتلي ، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً ، ويفقر غنياً ويغني فقيراً . فقال الأمير : أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة فقال : يا مولاي هذا من شأن الله . وقيل : سوق المقادير إلى المواقيت .\rوقيل : إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل وقال له : أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي : قوله { فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } وقد صح أن الندم توبة ، وقوله { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وقوله { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين : يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة ، وقيل : إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله . وكذا قيل : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى مخصوص بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام . وأما قوله { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها . فقام عبد الله وقبل رأسه وسوع خراجه { فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ سَنَفْرُغُ لَكُمْ } مستعار من قول الرجل لمن يتهدده «سأفرغ لك» يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه ، والمراد التوفر على النكاية فيه والانتقام منه . ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها وتنتهي عند ذلك شئون الخلق التي أرادها بقوله { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } فلا يبقى إلي شأن واحد وهو جزاؤكم فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل . { سيفرغ } حمزة وعلي أي الله تعالى { أَيُّه الثقلان } الإنس والجن سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض .","part":3,"page":386},{"id":1387,"text":"{ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } .\r{ يامعشر الجن والإنس } هو كالترجمة لقوله { أَيُّهَا الثقلان } { إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السماوات والأرض فانفذوا } أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هرباً من قضائي فاخرجوا ، ثم قال { لاَ تَنفُذُونَ } لا تقدرون على النفوذ { إِلاَّ بسلطان } بقوة وقهر وغلبة وأنى لكم ذلك؟ وقيل : دلهم على العجز عن قوتهم للحساب غداً بالعجز عن نفوذ الأقطار اليوم . وقيل : يقال لهم هذا يوم القيامة حين تحدق بهم الملائكة فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة احتاطت به { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ } وبكسر الشين : مكي وكلاهما اللهب الخالص { وَنُحَاسٌ } أي دخان { وَنُحَاسٌ } مكي وأبو عمرو فالرفع عطف على شواظ ، والجر على نار ، والمعنى إذا خرجتم من قبوركم يرسل عليكما لهب خالص من النار ودخان يسوقكم إلى المحشر { فَلاَ تَنتَصِرَانِ } فلا تمتنعان منهما { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فَإِذَا انشقت السماء } انفك بعضها من بعض لقيام الساعة { فَكَانَتْ وَرْدَةً } فصارت كلون الورد الأحمر . وقيل : أصل لون السماء الحمرة ولكن من بعدها ترى زرقاء { كالدهان } كدهن الزيت كما قال { كالمهل } [ المعارج : 8 ] وهو دردي الزيت وهو جمع دهن وقيل : الدهان الأديم الأحمر { فبأيّ ءالآ\rءربّكما تكذّبان فيومئذٍ } أي فيوم تنشق السماء { لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } أي ولا جن فوضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال : هاشم ويراد ولده والتقدير : لا يسئل إنس ولا جان عن ذنبه . والتوفيق بين هذه الآية وبين قوله { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 92 ] وقوله { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } [ الصافات : 24 ] أن ذلك يوم طويل وفيه مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر . وقال قتادة : قد كانت مسئلة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون . وقيل : لا يسئل عن ذنبه ليعلم من جهته ولكن يسئل للتوبيخ .\r{ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم } بسواد وجوههم وزرقة عيونهم { فَيُؤْخَذُ بالنواصى والاقدام } أي يؤخذ تارة بالنواصي وتارة بالأقدام . { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ }","part":3,"page":387},{"id":1388,"text":"{ هذه جَهَنَّمُ التى يُكَذّبُ بِهَا المجرمون يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ } ماء حار قد انتهى حره أي يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } والنعمة في هذا نجاة الناجي منه بفضله ورحمته وما في الإنذار به من التنبيه { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة فترك المعاصي أو فأدى الفرائض . وقيل : هو مقحم كقوله : ونفيت عنه مقام الذئب أي نفيت عنه الذئب { جَنَّتَانِ } جنة الإنس وجنة الجن لأن الخطاب للثقلين وكأنه قيل : لكل خائفين منكما جنتان : جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } أغصان جمع فنن وخص الأفنان لأنها هي التي تورق وتثمر ، فمنها تمتد الظلال ، ومنها تجتنى الثمار ، أو ألوان جمع فن أي له فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين قال :\rومن كل أفنان اللذاذة والصبا ... لهوت به والعيش أخضر ناضر\r{ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا } في الجنتين { عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } حيث شاءوا في الأعالي والأسافل . وعن الحسن : تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ } صنفان : صنف معروف وصنف غريب { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُتَّكِئِينَ } نصب على المدح للخائفين أو حال منهم لأن من خاف في معنى الجمع { عَلَى فُرُشٍ } جمع فراش { بَطَائِنُهَا } جمع بطانة { مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } ديباج ثخين وهو معرب . قيل : ظهائرها من سندس . وقيل : لا يعلمها إلا الله { وَجَنَى الجنتين دَانٍ } وثمرها قريب يناله القائم والقاعد والمتكيء . { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِنَّ } .\rفي الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجني { قاصرات الطرف } نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ } بكسر الميم : الدوري وعلي بضم الميم والطمث الجماع بالتدمية { إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } وهذا دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس { فَبِأَىّ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الياقوت } صفاء { وَالمَرْجَانُ } بياضاً فهو أبيض من اللؤلؤ { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ هَلْ جَزَاء الإحسان } في العمل { إِلاَّ الإحسان } في الثواب وقيل : ما جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة . وعن إبراهيم الخواص فيه : هل جزاء الإسلام إلا دار السلام .\r{ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ وَمِن دُونِهِمَا } ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جَنَّتَانِ } لمن دونهم من أصحاب اليمين { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُدْهَآمَّتَانِ } سوداوان من شدة الخضرة قال الخليل الدهمة السواد { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } فوارتان بالماء لا تنقطعان { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا فاكهة } ألوان الفواكه { وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } والرمان والتمر ليسا من الفواكه عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه للعطف ، ولأن التمر فاكهة وغذاء والرمان فاكهة ودواء فلم يخلصا للتفكه ، وهما قالا : إنما عطفا على الفاكهة لفضلهما كأنهما جنسان آخران لما لهما من المزية كقوله","part":3,"page":388},{"id":1389,"text":"{ وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة : 98 ] .\r{ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ } أي خيرات فخففت وقرىء خيّرات على الأصل ، والمعنى فاضلات الأخلاق حسان الخلق { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ حُورٌ مقصورات فِى الخيام } أي مخدرات يقال : امرأة قصيرة ومقصورة أي مخدرة . قيل : الخيام من الدر المجوف { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ } قبل أصحاب الجنتين ودل عليهم ذكر الجنتين { وَلاَ جَانٌّ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُتَّكِئِينَ } نصب على الاختصاص { على رَفْرَفٍ } هو كل ثوب عريض وقيل الوسائد { خُضْرٍ وَعَبْقَرِىّ حِسَانٍ } ديباج أو طنافس { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل { وَمِن دُونِهِمَا } لأن { مُدْهَامَّتَانِ } دون { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } و { نَضَّاخَتَانِ } دون { تَجْرِيَانِ } و { فاكهة } دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ { تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال } ذي العظمة . { ذُو الجلال } شامي صفة للاسم { والإكرام } لأوليائه بالإنعام .\rروى جابر أن النبي A قرأ سورة الرحمن فقال : « مالي أراكم سكوتاً ، الجن كانوا أحسن منكم رداً ما أتيت على قول الله { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ولك الشكر » وكررت هذه الآية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة ، ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم ، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم ، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة ، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما ، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب جهنم نعوذ بالله منها . والله أعلم .","part":3,"page":389},{"id":1390,"text":"{ إِذَا وَقَعَتِ الواقعة } قامت القيامة . وقيل : وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة فكأنه قيل : إذا وقعت الواقعة التي لا بد من وقوعها . ووقوع الأمر نزوله يقال : وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله . وانتصاب { إِذَا } بإضمار «اذكر» { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } نفس كاذبة أي لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة ، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات . واللام مثلها في قوله تعالى : { ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } [ الفجر : 24 ] { خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } أي هي خافضة رافعة ترفع أقواماً وتضع آخرين { إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً } حركت تحريكاً شديداً حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء ، وهو بدل من { إِذَا وَقَعَتِ } ، ويجوز أن ينتصب ب { خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } أي تخفض وترفع وقت رجّ الأرض وبسّ الجبال { وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً } وفتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها كقوله : { وَسُيّرَتِ الجبال } [ النبأ : 20 ] { فَكَانَتْ هَبَاء } غباراً { مُّنبَثّاً } متفرقاً { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً } أصنافاً يقال للأصناف التي بعضها من بعض أو يذكر بعضها من بعض أزواج { ثلاثة } صنفان في الجنة وصنف في النار .\rثم فسر الأزواج فقال { فأصحاب الميمنة } مبتدأ وهم الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم { مَا أصحاب الميمنة } مبتدأ وخبر وهما خبر المبتدأ الأول ، وهو تعجيب من حالهم في السعادة وتعظيم لشأنهم كأنه قال : ما هم وأي شيء هم؟ { وأصحاب المشئمة } أي الذين يؤتون صحائفهم بشمائلهم أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة من قولك : فلان مني باليمين وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة ، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل . وقيل : يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال { مَا أصحاب المشئمة } أي أيُّ شيء هم؟ وهو تعجيب من حالهم بالشقاء { والسابقون } مبتدأ { السابقون } خبره تقديره السابقون إلى الخيرات السابقون إلى الجنات . وقيل : الثاني تأكيد للأول والخبر { أُوْلَئِكَ المقربون } والأول أوجه { فِي جنات النعيم } أي هم في جنات النعيم { ثُلَّةٌ مّنَ الأولين * وَقَلِيلٌ مّنَ الآخرين } أي هم ثلة ، والثلة الأمة من الناس الكثيرة ، والمعنى أن المسابقين كثير من الأولين وهم الأمم من لدن آدم إلى نبينا محمد عليهما السلام ، وقليل من الآخرين وهم أمة محمد A . وقيل : من الأولين من متقدمي هذه الأمة ، ومن الآخرين من متأخريها . وعن النبي A : \" الثلتان جميعاً من أمتي \" . { على سُرُرٍ } جمع سرير ككثيب وكثب { مَّوْضُونَةٍ } مرمولة ومنسوجة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت { مُتَّكِئِينَ } حال من الضمير في { على } وهو العامل فيها أي استقروا عليها متكئين { عَلَيْهَا متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض ولا ينظر بعضهم في أقفاء بعض ، وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة و { متقابلين } حال أيضاً { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ } يخدمهم { ولدان } غلمان جمع وليد { مُّخَلَّدُونَ } مبقّون أبداً على شكل الولدان لا يتحولون عنه .","part":3,"page":390},{"id":1391,"text":"وقيل : مقرّطون والخلدة القرط . قيل : هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها ، وفي الحديث : « أولاد الكفار خدام أهل الجنة » { بِأَكْوَابٍ } جمع كوب وهي آنية لا عروة لها ولا خرطوم { وَأَبَارِيقَ } جمع إبريق وهو ماله خرطوم وعروة { وَكَأْسٍ } وقدح فيه شراب وإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس { مّن مَّعِينٍ } من خمر تجري من العيون { لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } أي بسببها وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها أو لا يفرقون عنها { وَلاَ يُنزِفُونَ } ولا يسكرون . نزف الرجل ذهب عقله بالسكر . { وَلاَ يُنزِفُونَ } بكسر الزاي : كوفي أي لا ينفد شرابهم . يقال : أنزف القوم إذا فني شرابهم { وفاكهة مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } يأخذون خيره وأفضله .\r{ وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } يتمنون { وَحُورٌ } جمع حوراء { عِينٌ } جمع عيناء أي وفيها حور عين أو ولهم حور عين ، ويجوز أن يكون عطفاً على { ولدان } { وَحُورٌ } : يزيد وحمزة وعلي عطفاً على { جنات النعيم } كأنه قال : هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم وحورٍ { كأمثال اللؤلؤ } في الصفاء والنقاء { المكنون } المصون . وقال الزجاج : كأمثال الدر حين يخرج من صدفه لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } جزاء مفعول له أي يفعل بهم ذلك كله لجزاء أعمالهم أو مصدر أي يجزون جزاء .\r{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } في الجنة { لَغْواً } باطلاً { وَلاَ تَأْثِيماً } هذياناً { إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما } إلا قولاً ذا سلامة . والاستثناء منقطع و { سَلاَماً } بدل من { قِيلاً } أو مفعول به ل { قِيلاً } أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً . والمعنى أنهم يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاماً بعد سلام { وأصحاب اليمين مَا أصحاب اليمين * فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ } السدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنما خضد شوكه { وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } الطلح شجر الموز والمنضود الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه فليست له ساق بارزة { وَظِلّ مَّمْدُودٍ } ممتد منبسط كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس { وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ } جار بلا حد ولا خد أي يجري على الأرض في غير أخدود { وفاكهة كَثِيرَةٍ } أي كثيرة الأجناس { لاَّ مَقْطُوعَةٍ } لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا بل هي دائمة { وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } لا تمنع عن متناولها بوجه . وقيل : لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان { وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } رفيعة القدر أو نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة . وقيل : هي النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك قال الله تعالى : { هُمْ وأزواجهم فِى ظلال عَلَى الأرائك مُتَّكِئُونَ } [ يس : 56 ] . ويدل عليه قوله .","part":3,"page":391},{"id":1392,"text":"{ إِنَّا أنشأناهن إِنشَاء } ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة ، فإما أن يراد اللاتي ابتدىء انشاؤهن أو اللاتي أعيد انشاؤهن ، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن { فجعلناهن أبكارا } عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً { عُرُباً } { عرْباً } حمزة وخلف ويحيى وحماد جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل { أَتْرَاباً } مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين وأزواجهن كذلك ، واللام في { لأصحاب اليمين } من صلة { أَنشَأْنَا } { ثُلَّةٌ } أي أصحاب اليمين ثلة { مّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين } فإن قلت : كيف قال قبل هذا { وَقِيلَ مَنْ الآخرين } ثم قال هنا { وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين } ؟ قلت : ذاك في السابقين وهذا في أصحاب اليمين ، وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعاً . وعن الحسن : سابقوا الأمم أكثر من سابقي أمتنا ، وتابعوا الأُمم مثل تابعي هذه الأمة .\r{ وأصحاب الشمال مَا أصحاب الشمال } الشمال والمشأمة واحدة { فِى سَمُومٍ } في حر نار ينفذ في المسام { وَحَمِيمٍ } وماء حار متناهي الحرارة { وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ } من دخان أسود { لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } نفي لصفتي الظل عنه يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال سماه ظلا ، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه من يأوي إليه من أذى الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه ، والمعنى أنه ظل حار ضار { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ } أي في الدنيا { مُتْرَفِينَ } منعمين فمنعهم ذلك من الانزجار وشغلهم عن الاعتبار { وَكَانُواْ يُصِرُّونَ } يداومون { عَلَى الحنث العظيم } أي على الذنب العظيم أو على الشرك لأنه نقض عهد الميثاق ، والحنث نقض العهد المؤكد باليمين أو الكفر بالبعث بدليل قوله { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } [ النحل : 38 ] { وَكَانُواْ يِقُولُونَ * أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تقديره : أنبعث إذا متنا؟ وهو العامل في الظرف ، وجاز حذفه إذ { مَّبْعُوثُونَ } يدل عليه ، ولا يعمل فيه { مَّبْعُوثُونَ } لأن «إن» والاستفهام يمنعان أن يعمل ما بعدهما فيما قبلهما { أَوَ ءابَاؤُنَا الأولون } دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف وحسن العطف على المضمر في { لَمَبْعُوثُونَ } من غير توكيد ب «نحن» للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله { مَا أَشْرَكْنَا وَلآ ءَابَآؤُنَا } [ الأنعام : 148 ] لفصل لا المؤكدة للنفي . { أَوَ ءابَاؤُنَا } مدني وشامي .\r{ قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى ميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم ، والإضافة بمعنى «من» كخاتم فضة ، والميقات ما وقت به الشيء أي حد ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرماً { ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم { لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ } «من» لابتداء الغاية { مّن زَقُّومٍ } «من» لبيان الشجر { فَمَالِئَونَ مِنْهَا البطون فشاربون عَلَيْهِ مِنَ الحميم } أنث ضمير الشجر على المعنى وذكره على اللفظ في منها وعليه .","part":3,"page":392},{"id":1393,"text":"{ فشاربون شُرْبَ } بضم الشين : مدني وعاصم وحمزة وسهل ، وبفتح الشين : غيرهم وهما مصدران { الهيم } هي إبل عطاش لا تروى جمع أهيم وهيماء ، والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل ، فإذا ملئوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربونه شرب الهيم . وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة وصفتان متفقتان لأن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة ، وقطع الأمعاء أمر عجيب وشربهم له على ذلك كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاً فكانتا صفتين مختلفتين { هذا نُزُلُهُمْ } هو الرزق الذي يعد للناس تكرمة له { يَوْمِ الدين } يوم الجزاء { نَحْنُ خلقناكم فَلَوْلاَ } فهلا { تُصَدّقُونَ } تحضيض على التصديق فكأنهم مكذبون به ، وإما بالبعث لأن من خلق أولاً لم يمتنع عليه أن يخلق ثانياً .\r{ أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } ما تمنونه أي تقذفونه في الأرحام من النطف { ءأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشراً سوياً { أَم نَحْنُ الخالقون نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت } تقديراً قسمناه عليكم قسمة الأرزاق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط { قَدَّرْنَآ } بالتخفيف : مكي سبقته بالشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ، فمعنى قوله { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم } إنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه . و { أمثالكم } جمع مثل أي على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق { وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وعلى أن ننشئكم في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها يعني أنا نقدر على الأمرين جميعاً : على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم ، فكيف نعجز عن إعادتكم؟ ويجوز أن يكون { أمثالكم } جمع مثل أي على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم وننشئكم في صفات لا تعلمونها { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى } { النشاءة } مكي وأبو عمرو { فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } أن من قدر على شيء مرة لم يمتنع عليه ثانياً ، وفيه دليل صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى .\r{ أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } ما تحرثونه من الطعام أي تثيرون الأرض وتلقون فيها البذر { ءأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ } تنبتونه وتردونه نباتاً { أَمْ نَحْنُ الزرعون } المنبتون وفي الحديث : « لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت » { لَّوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حطاما } هشيماً متكسراً قبل إدراكه { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } تعجبون أو تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه ، أو على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم بذلك من أجلها { إِنَّاْ } أي تقولون إنا { أئنا } أبو بكر { لَمُغْرَمُونَ } لملزمون غرامة ما أنفقنا أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك { بَلْ نَحْنُ } قوم { مَحْرُومُونَ } محارفون محدودون لا مجدودون لا حظ لنا ولا بخت لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا هذا .","part":3,"page":393},{"id":1394,"text":"{ أَفَرَءيْتُمُ الماء الذى تَشْرَبُونَ } أي الماء العذب الصالح للشرب { ءأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن } السحاب الأبيض وهو أعذب ماء { أَمْ نَحْنُ المنزلون } بقدرتنا { لَوْ نَشَاء جعلناه أُجَاجاً } ملحاً أو مراً لا يقدر على شربه { فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } فهلا تشكرون . ودخلت اللام على جواب لو في قوله { لَجَعَلْنَاهُ حطاما } ونزعت منه هنا ، لأن «لو» لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ولم تكن مخلصة الشرط ك «إن» ولا عاملة مثلها وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضموني جملتيها ، أن الثاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق ، فزيدت هذه اللام لتكون علماً على ذلك ، ولما شهر موقعه لم يبال بإسقاطه عن اللفظ لعلم كل أحد به وتساوي حالي حذفه وإثباته ، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغنٍ عن ذكرها ثانية ، ولأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد لا محالة فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن المطعوم مقدم على أمر المشروب ، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمطعوم ، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب .\r{ أَفَرَءيْتُمُ النار التى تُورُونَ } تقدحونها وتستخرجونها من الزناد ، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر ويسمون الأعلى الزند والأسفل الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة { ءأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا } التي منها الزناد { أَم نَحْنُ المنشئون } الخالقون لها ابتداء { نَحْنُ جعلناها } أي النار { تَذْكِرَةٌ } تذكيراً لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به { ومتاعا } ومنفعة { لّلْمُقْوِينَ } للمسافرين النازلين في القواء وهي القفر ، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من قولهم «أقوت الدار» إذا خلت من ساكنيها . بدأ بذكر خلق الإنسان فقال { أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم ، ثم بما فيه قوامه وهو الحب فقال { أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } ثم بما يعجن به ويشرب عليه وهو الماء ، ثم بما يخبز به وهو النار ، فحصول الطعام بمجموع الثلاثة ولا يستغني عنه الجسد ما دام حياً { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ } فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل ، أو أراد بالاسم الذكر أي فسبح بذكر ربك { العظيم } صفة للمضاف أو للمضاف إليه . وقيل : قل سبحان ربي العظيم وجاء مرفوعاً أنه لما نزلت هذه الآية قال : اجعلوها في ركوعكم .\r{ فَلاَ أُقْسِمُ } أي فأقسم و«لا» مزيدة مؤكدة مثلها قوله { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب }","part":3,"page":394},{"id":1395,"text":"[ الحديد : 29 ] وقرىء { فلأقسم } ومعناه فلأَنا أقسم ، اللام لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر وهي «أنا أقسم» ، ثم حذف المبتدأ . ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تقرن بها النون المؤكدة { بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها { بموقع } حمزة وعلي ، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالاً مخصوصة عظيمة أو للملائكة عبادات موصوفة ، أو لأنه وقت قيام المتهجدين ونزول الرحمة والرضوان عليهم فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك بقوله { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } وهو اعتراض في اعتراض لأنه اعترض به بين القسم والمقسم عليه وهو قوله { إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ } حسن مرضي أو نفاع جم المنافع أو كريم على الله ، واعترض ب { لَّوْ تَعْلَمُونَ } بين الموصوف وصفته { فِى كتاب } أي اللوح المحفوظ { مَّكْنُونٌ } مصون عن أن يأتيه الباطل أو من غير المقربين من الملائكة لا يطلع عليه من سواهم { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } من جميع الأدناس أدناس الذنوب وغيرها إن جعلت الجملة صفة ل { كتاب مَّكْنُونٍ } وهو اللوح ، وإن جعلتها صفة للقرآن فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس والمراد مس المكتوب منه { تَنزِيلَ } صفة رابعة للقرآن أي منزل { مِن رَّبّ العالمين } أو وصف بالمصدر لأنه نزل نجوماً من بين سائر كتب الله فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه فقيل : جاء في التنزيل كذا ونطق به التنزيل ، أو هو تنزيل على حذف المبتدأ .\r{ أفبهذا الحديث } أي القرآن { أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } متهاونون به كمن يدهن في بعض الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب أي وضعتم التكذيب موضع الشكر . وفي قراءة علي Bه وهي قراءة رسول الله A { وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به . وقيل : نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليهم والرزق المطر أي وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله حيث تنسبونه إلى النجوم .\r{ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ } النفس أي الروح عند الموت { الحلقوم } ممر الطعام والشراب { وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } الخطاب لمن حضر الميت تلك الساعة { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } إلى المحتضر { مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ } لا تعقلون ولا تعلمون { فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم { تَرْجِعُونَهَا } تردون النفس وهي الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إِن كُنتُمْ صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين . { فَلَوْلا } في الآيتين للتحضيض يستدعي فعلاً وذا قوله { تَرْجِعُونَهَا } واكتفى بذكره مرة ، وترتيب الآية فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين ، و { فَلَوْلا } الثانية مكررة للتأكيد ونحن أقرب إليه منكم يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا أو بملائكة الموت ، والمعنى أنكم في جحودكم آيات الله في كل شيء ، إن أنزل عليكم كتاباً معجزاً قلتم سحر وافتراء ، وإن أرسل إليكم رسولاً صادقاً قلتم ساحر كذاب ، وإن رزقكم مطراً يحييكم به قلتم صدق نوء كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل ، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثمة قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدىء المعيد؟ .","part":3,"page":395},{"id":1396,"text":"{ فَأَمَّا إِن كَانَ } المتوفي { مِنَ المقربين } من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة { فَرَوْحٌ } فله استراحة { وَرَيْحَانٌ } ورزق { وجنات نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أصحاب اليمين * فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين } أي فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله { إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما } { وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة وهم الذين قيل لهم في هذه السورة { ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون } { فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } أي إدخال فيها . وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة ، وأن أصحاب الكبائر من أصحاب اليمين لأنهم غير مكذبين { إِنَّ هَذَا } الذي أنزل في هذه السورة { لَهُوَ حَقُّ اليقين } أي الحق الثابت من اليقين { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } رُوي أن عثمان بن عفان Bه دخل على ابن مسعود Bه في مرض موته فقال له : ما تشتكي؟ فقال : ذنوبي . فقال : ما تشتهي؟ قال : رحمة ربي . قال : أفلا تدعو الطبيب؟ قال : الطبيب أمرضني . فقال : ألا نأمر بعطائك؟ قال : لا حاجة لي فيه . قال : ندفعه إلى بناتك . قال : لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله A يقول : « من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً » وليس في هذه السور الثلاث ذكر الله : اقتربت ، الرحمن ، الواقعة ، والله أعلم .","part":3,"page":396},{"id":1397,"text":"{ سَبَّحَ للَّهِ } جاء في بعض الفواتح «سبح» بلفظ الماضي ، وفي بعضها بلفظ المضارع ، وفي «بني إسرائيل» بلفظ المصدر ، وفي «الأعلى» بلفظ الأمر استيعاداً لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهي أربع : المصدر والماضي والمضارع والأمر . وهذا الفعل قد عُدي باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله { وَتُسَبّحُوهُ } [ الفتح : 9 ] وأصله التعدي بنفسه لأن معنى سبحته بعدته من السوء منقول من سبح إذا ذهب وبعد ، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له ، وإما أن يراد بسبح الله اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصاً { مَا فِى السماوات والارض } ما يتأتى منه التسبيح ويصح { وَهُوَ العزيز } المنتقم من مكلف لم يسبح له عناداً { الحكيم } في مجازاة من سبح له انقياداً { لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض } لا لغيره وموضع { يُحْيىِ } رفع أي هو يحيي الموتى { وَيُمِيتُ } الأحياء أو نصب أي له ملك السماوات والأرض محيياً ومميتاً { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ هُوَ الأول } هو القديم الذي كان قبل كل شيء { والآخر } الذي يبقي بعد هلاك كل شيء { والظاهر } بالأدلة الدالة عليه { والباطن } لكونه غير مدرك بالحواس وإن كان مرئياً . والواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية ، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء ، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين فهو مستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية ، وهو في جميعها ظاهر وباطن . وقيل : الظاهر العالي على كل شيء الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه ، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه { وَهُوَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } .\r{ هُوَ الذى خَلَقَ السماوات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } عن الحسن : من أيام الدنيا ولو أراد أن يجعلها في طرفة عين لفعل ولكن جعل الستة أصلاً ليكون عليها المدار { ثُمَّ استوى } استولى { عَلَى العرش يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الأرض } ما يدخل في الأرض من البذر والقطر والكنوز والموتى { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات وغيره { وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء } من الملائكة والأمطار { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } من الأعمال والدعوات { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } بالعلم والقدرة عموماً وبالفضل والرحمة خصوصاً { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على حسب أعمالكم { لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور يُولِجُ اليل فِى النهار } يدخل الليل في النهار بأن ينقض من الليل ويزيد في النهار { وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } .\r{ ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ } يحتمل الزكاة والإنفاق في سبيل الله { مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها وإنما مولكم إياها للاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها فليست هي بأموالكم في الحقيقة ، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب ، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى ، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه ، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم بتوريثه إياكم وسينقله منكم إلى من بعدكم فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به { فالذين ءامَنُواْ } بالله ورسله { مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله } هو حال من معنى الفعل في { مَالَكُمْ } كما تقول : مالك قائماً؟ بمعنى ما تصنع قائماً أي ومالكم كافرين بالله .","part":3,"page":397},{"id":1398,"text":"والواو في { والرسول يَدْعُوكُمْ } واو الحال فهما حالان متداخلتان ، والمعنى وأي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم { لِتُؤْمِنُواْ بِرَبّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ ميثاقكم } وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بقوله : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } [ الأعراف : 172 ] أو بما ركب فيكم من العقول ومكنكم من النظر في الأدلة ، فإذا لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول فما لكم لا تؤمنون؟ { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه { أُخِذَ ميثاقكم } أبو عمرو .\r{ هُوَ الذى يُنَزّلُ على عَبْدِهِ } محمد A { ءايات بَيّنَاتٍ } يعني القرآن { لِيُخْرِجَكُمْ } الله تعالى أو محمد بدعوته { مِنَ الظلمات إِلَى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان { وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءوفٌ } بالمد والهمزة : حجازي وشامي وحفص { رَّحِيمٌ } الرأفة أشد الرحمة { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ } في أن لا تنفقوا { فِى سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض } يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باقٍ لأحد من مال وغيره يعني وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم؟ وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله . ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال { لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل } أي فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً ، ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لأن قوله : { مّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ } يدل عليه { أولئك } الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي A : « لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » { أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وقاتلوا وَكُلاًّ } أي كل واحد من الفريقين { وَعَدَ الله الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات .","part":3,"page":398},{"id":1399,"text":"{ وَكُلاًّ } مفعول أول ل { وَعْدُ } و { الحسنى } مفعول ثانٍ . { وَكُلٌّ } : شامي أي وكل وعده الله الحسنى نزلت في أبي بكر Bه لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله وفيه دليل على فضله وتقدمه { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازيكم على قدر أعمالكم .\r{ مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } بطيب نفسه والمراد الإنفاق في سبيله واستعير لفظ القرض ليدل على التزام الجزاء { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } أي يعطيه أجره على إنفاقه أضعافاً مضاعفة من فضله { وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه . { فيضعّفُهُ } مكي { فيضعفَهُ } شامي { فَيُضَاعِفَهُ } : عاصم وسهل { فيضاعفُهُ } غيرهم . فالنصب على جواب الاستفهام ، والرفع على فهو يضاعفه أو عطف على { يُقْرِضُ } { يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات } ظرف لقوله { وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أو منصوب بإضمار «اذكر» تعظيماً لذلك اليوم { يسعى } يمضي { نُورُهُم } نور التوحيد والطاعات . وإنما قال { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم ، فيجعل النور في الجهتين شعاراً لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا ، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون سعي بسعيهم ذلك النور وتقول لهم الملائكة { بُشْرَاكُمُ اليوم جنات } أي دخول جنات لأن البشارة تقع بالأحداث دون الجثث { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } .","part":3,"page":399},{"id":1400,"text":"{ يَوْمَ يَقُولُ } هو بدل من { يَوْمَ تَرَى } { المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ ءامَنُواْ انظرونا } أي انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة . { أَنظُرُونَا } حمزة من النظرة وهي الإمهال جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظاراً لهم { نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به { قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً } طرد لهم وتهكم بهم أي تقول لهم الملائكة ، أو المؤمنون ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك فمن ثم يقتبس ، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان { فَضُرِبَ بَيْنَهُم } بين المؤمنين والمنافقين { بِسُورٍ } بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار . قيل : هو الأعراف { لَهُ } لذلك السور { بَابٍ } لأهل الجنة يدخلون منه { بَاطِنُهُ } باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة { فِيهِ الرحمة } أي النور أو الجنة { وظاهره } ما ظهر لأهل النار { مِن قِبَلِهِ } من عنده ومن جهته { العذاب } أي الظلمة أو النار { ينادونهم } أي ينادي المنافقون المؤمنين { أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } يريدون مرافقتهم في الظاهر { قَالُواْ } أي المؤمنون { بلى ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } محنتموها بالنفاق وأهلكتموها { وَتَرَبَّصْتُمْ } بالمؤمنين الدوائر { وارتبتم } وشككتم في التوحيد { وَغرَّتْكُمُ الأمانى } طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار { حتى جَاء أَمْرُ الله } أي الموت { وَغَرَّكُم بالله الغرور } وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم أو بأنه لا بعث ولا حساب .\r{ فاليوم لاَ يُؤْخَذُ } وبالتاء : شامي { مّنكُمْ } أيها المنافقون { فِدْيَةٌ } ما يفتدى به { وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ النار } مرجعكم { هِىَ مولاكم } هي أولى بكم وحقيقة مولاكم محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما يقال : هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل إنه لكريم { وَبِئْسَ المصير } النار .\r{ أَلَمْ يَأْنِ } من أنى الأمر يأنى إذا جاء إناه أي وقته . قيل : كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت . وعن ابن مسعود Bه : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين . وعن ابن أبي بكر Bه : إن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق } بالتخفيف : نافع وحفص . الباقون { نَزَّلَ } و «ما» بمعنى «الذي» ، والمراد بالذكر وما نزل من الحق القرآن لأنه جامع للأمرين للذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء { وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ } القراءة بالياء عطف على { تَخْشَعَ } وبالتاء : ورش على الالتفاف ، ويجوز أن يكون نهياً لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا ، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره { فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد } الأجل أو الزمان { فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } باتباع الشهوات { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون } خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين أي وقليل منهم مؤمنون { اعلموا أَنَّ الله يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } قيل : هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض .","part":3,"page":400},{"id":1401,"text":"{ إِنَّ المصدقين والمصدقات } بتشديد الدال وحده : مكي وأبو بكر وهو اسم فاعل من «صدق» وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين . الباقون بتشديد الصاد والدال وهو اسم فاعل من «تصدق» فأدغمت التاء في الصاد وقرىء على الأصل { وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً } هو عطف على معنى الفعل في { المصدقين } لأن اللام بمعنى «الذين» واسم الفاعل بمعنى الفعل وهو اصدقوا كأنه قيل : إن الذين اصدقوا وأقرضوا والقرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة { يُضَاعَفُ لَهُمُ } { يضعف } مكي وشامي { وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أي الجنة { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ } يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله { لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ، ويجوز أن يكون { والشهداء } مبتدأ و { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } خبره { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم } .\r{ اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ } كلعب الصبيان { وَلَهْوٌ } كلهو الفتيان { وَزِينَةٌ } كزينة النسوان { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } كتفاخر الأقران { وَتَكَاثُرٌ } كتكاثر الدهقان { فِى الأموال والأولاد } أي مباهاة بهما والتكاثر ادعاء الاستكثار { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً } بعد خضرته { ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } متفتتاً ، شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات ، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاماً عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين . وقيل : الكفار الزراع { وَفِى الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ } للكفار { وَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله ورضوان } للمؤمنين يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد .","part":3,"page":401},{"id":1402,"text":"والكاف في { كَمَثَلِ غَيْثٍ } في محل رفع على أنه خبر بعد خبر أي الحياة الدنيا مثل غيث { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } لمن ركن إليها واعتمد عليها . قال ذو النون : يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها .\rولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة بقوله { سَابِقُواْ } أي بالأعمال الصالحة { إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وقيل : سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض } قال السدي : كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين . وذكر العرض دون الطول لأن كل ماله عرض وطول فإن عرضه أقل من طوله ، فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط ، أو أريد بالعرض البسطة وهذا ينفي قول من يقول : إن الجنة في السماء الرابعة ، لأن التي في إحدى السماوات لا تكون في عرض السماوات والأرض { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } وهذا دليل على أنها مخلوقة { ذلك } الموعود من المغفرة والجنة { فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } وهم المؤمنون ، وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله { والله ذُو الفضل العظيم } .\rثم بين أن كل كائن بقضاء الله وقدره بقوله { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأرض } من الجدب وآفات الزروع والثمار . وقوله { فِى الأرض } في موضع الجر أي ما أصاب من مصيبة ثابتة في الأرض { وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد { إِلاَّ فِى كتاب } في اللوح وهو في موضع الحال أي إلا مكتوباً في اللوح { مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } من قبل أن نخلق الأنفس { إِنَّ ذلك } إن تقدير ذلك وإثباته في كتاب { عَلَى الله يَسِيرٌ } وإن كان عسيراً على العباد . ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه بقوله :\r{ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ } تحزنوا حزناً يطغيكم { على مَا فَاتَكُمْ } من الدنيا وسعتها أو من العافية وصحتها { وَلاَ تَفْرَحُواْ } فرح المختال الفخور { بِمَا ءاتاكم } أعطاكم من الإيتاء . أبو عمرو وأتاكم أي جاءكم من الإتيان يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله ، قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي ، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه وطن نفسه على ذلك ، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله ، وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة تصيبه ويحزن عند مضرة تنزل به ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكراً والحزن صبراً ، وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر به وتكبر على الناس { الذين يَبْخَلُونَ } خبر مبتدأ محذوف أو بدل من كل مختال فخور كأنه قال : لا يحب الذين يبخلون ، يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا ، فلحبهم له وعزته عندهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به { وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } ويحضون غيرهم على البخل ويرغبونهم في الإمساك { وَمَن يَتَوَلَّ } يعرض عن الإنفاق أو عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي { فَإِنَّ الله هُوَ الغنى } عن جميع المخلوقات فكيف عنه؟ { الحميد } في أفعاله .","part":3,"page":402},{"id":1403,"text":"{ فَإِنَّ الله الغنى } بترك «هو» : مدني وشامي .","part":3,"page":403},{"id":1404,"text":"{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } يعني أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء { بالبينات } بالحجج والمعجزات { وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب } أي الوحي . وقيل : الرسل الأنبياء . والأول أولى لقوله { مَعَهُمْ } لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب { والميزان } رُوي أن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال : مر قومك يزنوا به { لِيَقُومَ الناس } ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء { بالقسط } بالعدل ولا يظلم أحد أحداً { وَأَنزْلْنَا الحديد } قيل : نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد : السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة . ورُوي ومعه المرّ والمسحاة . وعن الحسن : وأنزلنا الحديد خلقناه { فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } وهو القتال به { ومنافع لِلنَّاسِ } في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها أو ما يعمل بالحديد { وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ } باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين . وقال الزجاج : ليعلم الله من يقاتل مع رسوله في سبيله { بالغيب } غائباً عنهم { إِنَّ الله قَوِىٌّ } يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته { عَزِيزٌ } يربط بعزته جأش من يتعرض لنصرته . والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة أن الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد والعهود ويتضمن جوامع الأحكام والحدود ، ويأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والطغيان ، واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل ويحصل بها التساوي والتعادل وهي الميزان . ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية إنما تحض العامة على اتباعهما بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعنَدَ ، ونزع عن صفقة الجماعة اليد . وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وإبراهيم } خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام { وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا } أولادهما { النبوة والكتاب } الوحي . وعن ابن عباس Bهما : الخط بالقلم . يقال : كتب كتاباً وكتابة { فَمِنْهُمْ } فمن الذرية أو من المرسل إليهم وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين { مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون } هذا تفصيل لحالهم أي فمنهم من اهتدى باتباع الرسل ، ومنهم من فسق أي خرج عن الطاعة والغلبة للفساق .\r{ ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم } أي نوح وإبراهيم ومن مضى من الأنبياء { بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وءاتيناه الإنجيل وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً } مودة وليناً { وَرَحْمَةً } تعطفاً على إخوانهم كما قال في صفة أصحاب النبي A { رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح : 29 ] { وَرَهْبَانِيَّةً } هي ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة وهي الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف . فعلان من رهب كخشيان من خشي .","part":3,"page":404},{"id":1405,"text":"وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره وابتدعوا رهبانية { ابتدعوها } أي أخرجوها من عند أنفسهم ونذروها { مَا كتبناها عَلَيْهِمْ } لم نفرضها نحن عليهم { إِلاَّ ابتغاء رضوان الله } استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه { فَئَاتَيْنَا الذين ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } أي أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام و الذين آمنوا بمحمد A { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون } الكافرون .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } الخطاب لأهل الكتاب { اتقوا الله وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ } محمد A { يُؤْتِكُمْ } الله { كِفْلَيْنِ } نصيبين { مّن رَّحْمَتِهِ } لإيمانكم بمحمد A وإيمانكم بمن قبله { وَيَجْعَل لَّكُمْ } يوم القيامة { نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } وهو النور المذكور في قوله { يسعى نُورُهُم } الآية { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ لّئَلاَّ يَعْلَمَ } ليعلم { أَهْلِ الكتاب } الذين لم يسلموا و «لا» مزيدة { أَلاَّ يَقْدِرُونَ } «أن» مخففة من الثقيلة أصله أنه لا يقدرون يعني أن الشأن لا يقدرون { على شَىْءٍ مّن فَضْلِ الله } أي لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضل الله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله A فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ولم يكسبهم فضلاً قط { وَأَنَّ الفضل } عطف على { أَن لا يَقْدِرُونَ } { بِيَدِ الله } أي في ملكه وتصرفه { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } من عباده { والله ذُو الفضل العظيم } ، والله أعلم .","part":3,"page":405},{"id":1406,"text":"{ قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ } تحاورك وقرىء بها ، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم ، فلما سلمت راودها فأبت فغضب فظاهر منها فأتت رسول الله A فقالت : إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ فلما خلا سني ونثرت بطني أي كثر ولدي جعلني عليه كأمه . ورُوي أنها قالت : إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا . فقال A : \" ما عندي في أمرك شيء \" وروي أنه قال لها : \" حرمت عليه \" فقالت : يا رسول الله ما ذكر طلاقاً وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليّ . فقال : حرمت عليه فقالت : أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فكلما قال رسول الله A \" حرمت عليه \" هتفت وشكت فنزلت { فِى زَوْجِهَا } في شأنه ومعناه { وَتَشْتَكِى إِلَى الله } تظهر ما بها من المكروه { والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } مراجعتكما الكلام من حار إذا رجع { إِنَّ الله سَمِيعٌ } يسمع شكوى المضطر { بَصِيرٌ } بحاله { الذين يظاهرون } عاصم { يظَّهرون } : حجازي وبصري غيرهم { يظاهرون } وفي { مّنكُمْ } توبيخ للعرب لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم { مِن نّسَائِهِمْ } زوجاتهم { مَّا هُنَّ أمهاتهم } أمهاتهم المفضل ، الأول حجازي والثاني تميمي { إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ } يريد أن الأمهات على الحقيقة الوالدات والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة الرضاع ، وكذا أزواج رسول الله A لزيادة حرمتهن ، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة فلذا قال { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ القول } تنكره الحقيقة والأحكام الشرعية { وَزُوراً } وكذباً باطلاً منحرفاً عن الحق { وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } لما سلف منهم .\r{ والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ } بين في الآية الأولى أن ذلك من قائله منكر وزور ، وبين في الثانية حكم الظهار { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } العود الصيرورة ابتداء أو بناء فمن الأول قوله تعالى : { حتى عَادَ كالعرجون القديم } [ يس : 39 ] . ومن الثاني : { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } [ الإسراء : 8 ] ويعدى بنفسه كقولك : عدته إذا أتيته وصرت إليه ، وبحرف الجر ب «إلى» وعلى وفي واللام كقوله : { وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [ الأنعام : 28 ] ومنه { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } أي يعودون لنقض ما قالوا أو لتداركه على حذف المضاف ، وعن ثعلبة : يعودون لتحليل ما حرموا على حذف المضاف أيضاً غير أنه أراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه كقوله { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } [ مريم : 80 ] أراد المقول فيه وهو المال والولد .","part":3,"page":406},{"id":1407,"text":"ثم اختلفوا أن النقض بماذا يحصل؟ فعندنا بالعزم على الوطء وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ، وعند الشافعي بمجرد الإمساك وهو أن لا يطلقها عقيب الظهار .\r{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } فعليه اعتاق رقبة مؤمنة أو كافرة ولم يجز المدبر وأم الولد والمكاتب الذي أدى شيئاً { مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } الضمير يرجع إلى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها . والمماسة الاستمتاع بها من جماع أو لمس بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة { ذلكم } الحكم { تُوعَظُونَ بِهِ } لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } والظهار أن يقول الرجل لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي . وإذا وضع موضع أنت عضواً منها يعبر به عن الجملة أو مكان الظهر عضواً آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ ، أو مكان الأم ذات رحم محرم منه بنسب أو رضاع أو صهر أو جماع نحو أن يقول : أنت عليّ كظهر أختي من الرضاع ، أو عمتي من النسب ، أو امرأة ابني ، أو أبي أو أم امرأتي أو ابنتها فهو مظاهر ، وإذا امتنع المظاهر من الكفارة للمرأة أن ترافعه ، وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه ، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأنه يضر بها في ترك التكفير . والامتناع من الاستمتاع فإن مس قبل أن يكفر استغفر الله ولا يعود حتى يكفر ، وإن أعتق بعض الرقبة ثم مس عليه أن يستأنف عند أبي حنيفة Bه .\r{ فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الرقبة { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } فعليه صيام شهرين { مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } الصيام { فَإِطْعَامُ } فعليه إطعام { سِتّينَ مِسْكِيناً } لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من غيره ، ويجب أن يقدمه على المسيس ولكن لا يستأنف إن جامع في خلال الإطعام { ذلك } البيان والتعليم للأحكام { لّتُؤْمِنُواْ } لتصدقوا { بالله وَرَسُولِهِ } في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم { وَتِلْكَ } أي الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة { حُدُودَ الله } التي لا يجوز تعديها { وللكافرين } الذين لا يتبعونها { عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم { إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ } يعادون ويشاقون { كُبِتُواْ } أخزوا وأهلكوا { كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } من أعداء الرسل { وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايات بينات } تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به { وللكافرين } بهذه الآيات { عَذَابٌ مُّهِينٌ } يذهب بعزهم وكبرهم { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ } منصوب ب { مُّهِينٌ } أو بإضمار «اذكر» تعظيماً لليوم { الله جَمِيعًا } كلهم لا يترك منهم أحداً غير مبعوث أو مجتمعين في حال واحدة { فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } تخجيلاً لهم وتوبيخاً وتشهيراً بحالهم يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد { أحصاه الله } أحاط به عدداً لم يفته منه شيء { وَنَسُوهُ } لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور { والله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } لا يغيب عنه شيء .","part":3,"page":407},{"id":1408,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض مَا يَكُونُ } من «كان» التامة أي ما يقع { مِن نجوى ثلاثة } النجوى التناجي وقد أضيفت إلى ثلاثة أي من نجوى ثلاثة نفر { إِلاَّ هُوَ } أي الله { رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدنى } ولا أقل { مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه وقد تعالى عن المكان علواً كبيراً وتخصيص الثلاثة والخمسة لأنها نزلت في المنافقين وكانوا يتحلقون للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين . وقيل : ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا والله معهم يسمع ما يقولون ، ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب ، وأول عددهم الاثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال ، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال : { وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ } فدل على الاثنين والأربعة ، وقال { وَلاَ أَكْثَرَ } فدل على ما يقارب هذا العدد { أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة } فيجازيهم عليه { إِنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } .","part":3,"page":408},{"id":1409,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ويتناجون بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول } كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين ويريدون أن يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا ، فنهاهم رسول الله A فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته ، { وينتجون } حمزة وهو بمعنى الأول { وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله } يعني أنهم يقولون في تحيتك : السام عليك يا محمد . والسام الموت والله تعالى يقول { وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى } النمل : 59 ) ، { ياأيها الرسول } [ المائدة : 67 ] ، { ياأيها النبى } [ الأحزاب : 1 ] { وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ } أي يقولون فيما بينهم لو كان نبياً لعاقبنا الله بما نقوله فقال الله تعالى { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً { يَصْلَوْنَهَا } حال أي يدخلونها { فَبِئْسَ المصير } المرجع جهنم .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } بألسنتهم وهو خطاب للمنافقين والظاهر أنه خطاب للمؤمنين { إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول } أي إذا تناجيتم فلا تشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر { وتناجوا بالبر } بأداء الفرائض والطاعات { والتقوى } وترك المعاصي { واتقوا الله الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للحساب فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر { إِنَّمَا النجوى } بالإثم والعدوان { مِنَ الشيطان } من تزيينه { لِيَحْزُنَ } أي الشيطان وبضم الياء : نافع { الذين ءامَنُواْ وَلَيْسَ } الشيطان أو الحزن { بِضَارّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله } بعلمه وقضائه وقدره { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أي يكلون أمرهم إلى الله ويستعيذون به من الشيطان .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى المجالس } ( في المجلس ) توسعوا فيه ، { فِى المجالس } عاصم ونافع والمراد مجلس رسول الله A وكانوا يتضامون فيه تنافساً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه . وقيل : هو المجلس من مجالس القتال وهي مراكز الغزاة كقوله { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [ آل عمران : 121 ] . مقاتل في صلاة الجمعة { فافسحوا } فوسعوا { يَفْسَحِ الله لَكُمْ } مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر غير ذلك { وَإِذَا قِيلَ انشزوا } انهضوا للتوسعة على المقبلين ، أو انهضوا عن مجلس رسول الله A إذا أمرتم بالنهوض عنه ، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير { فَانشُزُواْ } بالضم فيهما : مدني وشامي وعاصم غير حماد { يَرْفَعِ الله الذين ءامَنُواْ مِنكُمْ } بامتثال أوامره وأوامر رسوله { والذين أُوتُواْ العلم } والعالمين منهم خاصة { درجات والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وفي الدرجات قولان : أحدهما في الدنيا في المرتبة والشرف ، والآخر في الآخرة .","part":3,"page":409},{"id":1410,"text":"وعن ابن مسعود Bه أنه كان إذا قرأها قال : يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم ، وعن النبي A : « فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » وعنه A : « عبادة العالم يوماً واحداً تعدل عبادة العابد أربعين سنة » وعنه A « يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء » فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله A ! وعن ابن عباس Bهما : خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه . وقال A : « أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم » وعن بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ، وأي شيء فات من أدرك العلم . وعن الزبيري : العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال ، والعلوم أنواع فأشرها أشرفها معلوماً .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول } إذا أردتم مناجاته { فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً } أي قبل نجواكم وهي استعارة ممن له يدان كقول عمر Bه : من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته { ذلك } التقديم { خَيْرٌ لَّكُمْ } في دينكم { وَأَطْهَرُ } لأن الصدقة طهرة { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } ما تتصدقون به { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } في ترخيص المناجاة من غير صدقة . قيل : كان ذلك عشر ليال ثم نسخ . وقيل : ما كان إلا ساعة من نهار ثم نسخ . وقال علي Bه : هذه آية من كتاب الله ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي ، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وسألت رسول الله A عشر مسائل فأجابني عنها . قلت : يا رسول الله ما الوفاء؟ قال : « التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله » قلت : وما الفساد؟ قال : « الكفر والشرك بالله » قلت : وما الحق؟ قال : « الإسلام والقرآن والولاية إذا انتهت إليك » قلت : وما الحيلة؟ قال : « ترك الحيلة » قلت : وما عليّ؟ قال : « طاعة الله وطاعة رسوله » قلت : وكيف أدعو الله تعالى؟ قال : « بالصدق واليقين » قلت : وماذا أسأل الله؟ قال : « العافية » قلت : وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال : « كل حلالاً وقل صدقاً » قلت : وما السرور؟ قال : « الجنة » قلت : وما الراحة؟ قال :","part":3,"page":410},{"id":1411,"text":"« لقاء الله » فلما فرغت منها نزل نسخها .\r{ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صدقات } أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } ما أمرتم به وشق عليكم { وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ } أي خفف عنكم وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه { فَأَقِمُواْ الصلاوة وَءَاتُواْ الزكاوة وَأَطِعُواْ الله وَرَسُولِهُ } أي فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وهذا وعد ووعيد .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِم } كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [ المائدة : 60 ] وينقلون إليهم أسرار المؤمنين { مَّا هُم مّنكُمْ } يا مسلمون { وَلاَ مِنْهُمْ } ولا من اليهود كقوله : { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء } [ النساء : 143 ] { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب } أي يقولون والله إنا لمسلمون لا منافقون { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون منافقون { أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } نوعاً من العذاب متفاقماً { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي إنهم كانوا في الزمان الماضي مصرين على سوء العمل أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة .\r{ اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جَنَّةُ } وقاية دون أموالهم ودمائهم { فَصَدُّواْ } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم { عَن سَبِيلِ الله } عن طاعته والإيمان به { فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وعدهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم كقوله { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } [ النحل : 88 ] { لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله } من عذاب الله { شَيْئاً } قليلاً من الإغناء { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ } أي لله في الآخرة أنهم كانوا مخلصين في الدنيا غير منافقين { كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } في الدنيا على ذلك { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ } في الدنيا { على شَىْءٍ } من النفع أو يحسبون أنهم على شيء من النفع ثم بأيمانهم الكاذبة كما انتفعوا ههنا { أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون } حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة .\r{ استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان } استولى عليهم { فأنساهم ذِكْرَ الله } قال شاه الكرماني : علامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب والملابس ، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها ، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان ، ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشيطان } جنده { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون } .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِى الأذلين } في جملة من هو أذل خلق الله تعالى لا ترى أحداً أذل منهم { كتاب الله } في اللوح { لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } بالحجة والسيف أو بأحدهما { إِنَّ الله قَوِىٌّ } لا يمتنع عليه ما يريد { عَزِيزٌ } غالب غير مغلوب .","part":3,"page":411},{"id":1412,"text":"{ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَادُّونَ } هو مفعول ثان ل { تَجِدُ } أو حال أو صفة ل { قَوْماً } وتجد بمعنى تصادف على هذا { مَنْ حَادَّ الله } خالفه وعاداه { وَرَسُولُهُ } أي من الممتنع أن تجد قوماً مؤمنين يوالون المشركين ، والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في الزجر عن مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم . وزاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله { وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } وبقوله { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } أي أثبته فيها وبمقابلة قوله { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشيطان } بقوله { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله } { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } أي بكتاب أنزله فيه حياة لهم ، ويجوز أن يكون الضمير للإيمان أي بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به . وعن الثوري أنه قال : كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان . وعن عبد العزيز بن أبي رواد أنه لقيه المنصور فلما عرفه هرب منه وتلاها . وقال سهل : من صحح إيمانه وأخلص توحيده فإنه لا يأنس بمبتدع ولا يجالسه ويظهر له من نفسه العداوة ، ومن داهن مبتدعاً سلبه الله حلاوة السنن ، ومن أجاب مبتدعاً لطلب عز الدنيا أو غناها أذله الله بذلك العز وأفقره بذلك الغنى ، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه ، ومن لم يصدق فليجرب . { وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا رَضِىَ الله عَنْهُمْ } بتوحيدهم الخالص وطاعتهم { وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابه الجسيم في الآخرة أو بما قضى عليهم في الدنيا { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله } أنصار حقه ودعاة خلقه { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } الباقون في النعيم المقيم الفائزون بكل محبوب الآمنون من كل مرهوب .","part":3,"page":412},{"id":1413,"text":"{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } رُوي أن هذه السورة نزلت بأسرها في بني النضير ، وذلك أن النبي A حين قدم المدينة صالح بنو النضير رسول الله A على أن لا يكونوا عليه ولا له ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي الذي نعته في التوراة ، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالف أبا سفيان عند الكعبة فأمر A محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة ، ثم خرج A مع الجيش إليهم فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة وأمر بقطع نخيلهم ، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم ، فجلوا إلى الشام إلى أريحاء وأذرعات .\r{ هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب } يعني يهود بني النضير { مِن ديارهم } بالمدينة . واللام في { لأَِوَّلِ الحشر } تتعلق ب { أَخْرَجَ } وهي اللام في قوله تعالى { ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } [ الفجر : 24 ] وقولك جئته لوقت كذا . أي أخرج الذين كفروا عند أول الحشر . ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشأم وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط ، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشأم ، أو هذا أول حشرهم ، وآخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام ، أو آخر حشرهم حشر يوم القيامة . قال ابن عباس Bهما : من شك أن المحشر بالشأم فليقرأ هذه الآية ، فهم الحشر الأول وسائر الناس الحشر الثاني . وقال لهم رسول الله A : لما خرجوا \" امضوا فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر \" قتادة : إذا كان آخر الزمان جاءت نار من قبل المشرق فحشرت الناس إلى أرض الشأم وبها تقوم عليهم القيامة . وقيل : معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله A { مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ الله } أي ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله . والفرق بين هذا التركيب وبين النظم الذي جاء عليه أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسماً ل«أَن» وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغازاتهم ، وليس ذلك في قولك «وظنوا أن حصونهم تمنعهم» .","part":3,"page":413},{"id":1414,"text":"{ فأتاهم الله } أي أمر الله وعقابه وفي الشواذ «فآتاهم الله» أي فآتاهم الهلاك { مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه رضاعاً .\r{ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } الخوف { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين } { يُخْرِبُونَ } أبو عمرو . والتخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم ، والخَرُبة الفساد وكانوا يخرّبون بواطنها والمسلمون ظواهرها لما أراد الله من استئصال شأفتهم وأن لا تبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديّار ، والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة ، وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين ، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج . وأما المؤمنون فداعيهم إلى التخريب إزالة متحصنهم وأن يتسع لهم مجال الحرب . ومعنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه { فاعتبروا ياأولى الأبصار } أي فتأملوا فيما نزل بهؤلاء والسبب الذي استحقوا به ذلك فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم فتعاقبوا بمثل عقوبتهم ، وهذا دليل على جواز القياس { وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء } الخروج من الوطن مع الأهل والولد { لَعَذَّبَهُمْ فِى الدنيا } بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة { وَلَهُمْ } سواء أجلوا أو قتلوا { فِى الآخرة عَذَابُ النار } الذي لا أشد منه { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم { شَاقُّواْ الله } خالفوه { وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ الله } ورسوله { فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } .\r{ مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } هو بيان ل { مَا قَطَعْتُمْ } ومحل «ما» نصب ب { قَطَعْتُمْ } كأنه قيل : أي شيء قطعتم وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله { أَوْ تَرَكْتُمُوهَا } لأنه في معنى اللينة ، واللينة : النخلة من الألوان وياؤها عن واو قلبت لكسرة ما قبلها . وقيل : اللينة النخلة الكريمة كأنهم اشتقوها من اللين { قَائِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله } فقطعها وتركها بإذن الله { وَلِيُخْزِىَ الفاسقين } وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها { وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ } جعله فيئاً له خاصة { مِنْهُمْ } من بني النضير { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } فلم يكن ذلك بإيجاف خيل أو ركاب منكم على ذلك والركاب الإبل ، والمعنى فما أوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلاً ولا ركاباً ولا تعبتم في القتال عليه ، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم لأنه على ميلين من المدينة ، وكان A على حمار فحسب { ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء } يعني أن ما خوّل الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة ، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم ، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهراً فقسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة منهم لفقرهم { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } وإنما لم يدخل العاطف على هذه الجملة لأنها بيان للأولى فهي منها غير أجنبية عنها ، بين لرسول الله A ما يصنع بما أفاء الله عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة ، وزيف هذا القول بعض المفسرين وقال : الآية الأولى نزلت في أموال بني النضير وقد جعلها الله لرسوله خاصة ، وهذه الآية في غنائم كل قرية تؤخذ بقوة الغزاة ، وفي الآية بيان مصرف خمسها فهي مبتدأة { كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً } { تَكُونُ دُولَةً } يزيد على «كان» التامة والدولة والدولة ما يدول للإنسان أي يدور من الجد .","part":3,"page":414},{"id":1415,"text":"ومعنى قوله { لاَ يَكُونَ دُولَةً } { بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ } كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطي الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جداً بين الأغنياء يتكاثرون به { وَمَا ءاتاكم الرسول } أي أعطاكم من قسمة غنيمة أو فيء { فَخُذُوهُ } فاقبلوه { وَمَا نهاكم عَنْهُ } عن أخذه منها { فانتهوا } عنه ولا تطلبوه { واتقوا الله } أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه { أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن خالف رسول الله A . والأجود أن يكون عاماً في كل ما آتى رسول الله A ونهى عنه وأمر الفيء داخل في عمومه .\r{ لِلْفُقَرَاء } بدل من قوله { وَلِذِى القربى } والمعطوف عليه ، والذي منع الإبدال من { لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } وإن كان المعنى لرسول الله إن الله D أخرج رسوله من الفقراء في قوله { وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ } وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير ، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله D { المهاجرين الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ديارهم وأموالهم } بمكة ، وفيه دليل على أن الكفار يملكون بالاستيلاء أموال المسلمين لأن الله تعالى سمى المهاجرين فقراء مع أنه كانت لهم ديار وأموال { يَبْتَغُونَ } حال { فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً } أي يطلبون الجنة ورضوان الله { وينصرون الله ورسوله } أي ينصرون دين الله ويعينون رسوله { أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون } في إيمانهم وجهادهم { والذين } معطوف على المهاجرين وهم الأنصار { تَبَوَّءوا الدار } توطنوا المدينة { والإيمان } وأخلصوا الإيمان كقوله :\rعلفتها تبناً وماء بارداً ... أو وجعلوا الإيمان مستقراً ومتوطناً لهم لتمكنهم واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك ، أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه .","part":3,"page":415},{"id":1416,"text":"{ مِن قَبْلِهِمُ } من قبل المهاجرين لأنهم سبقوهم في تبوء دار الهجرة والإيمان . وقيل : من قبل هجرتهم { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } حتى شاطروهم أموالهم وأنزلوهم منازلهم ، ونزل من كانت له امرأتان عن إحديهما حتى تزوج بها رجل من المهاجرين .\r{ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّا أُوتُواْ } ولا يعلمون في أنفسهم طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره والمحتاج إليه يسمي حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه . وقيل : حاجة حسداً مما أعطي المهاجرون من الفيء حيث خصهم النبي A به . وقيل : لا يجدون في صدورهم مس حاجة من فقد ما أوتوا فحذف المضافان { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } فقر وأصلها خصاص البيت وهي فروجه ، والجملة في موضع الحال أي مفروضة خصاصتهم . روي أنه نزل برجل منهم ضيف فنوّم الصبية وقرّب الطعام وأطفأ المصباح ليشبع ضيفه ولا يأكل هو . وعن أنس : أهدى لبعضهم رأس مشوي وهو مجهود فوجهه إلى جاره فتداولته تسعة أنفس حتى عاد إلى الأول . أبو زيد قال لي شاب من أهل بلخ : ما الزهد عندكم؟ قلت : إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا . فقال : هكذا عندنا كلاب بلخ بل إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } الظافرون بما أرادوا . الشح اللؤم وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع ، وأما البخل فهو المنع نفسه . وقيل : الشح أكل مال أخيك ظلماً ، والبخل منع مالك . وعن كسرى : الشح أضر من الفقر لأن الفقير يتسع إذا وجد بخلاف الشحيح .\r{ والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } عطف أيضاً على { المهاجرين } وهم الذين هاجروا من بعده . وقيل : التابعون بإحسان . وقيل : من بعدهم إلى يوم القيامة . قال عمر Bه : دخل في هذا الفيء كل من هو مولود إلى يوم القيامة في الإسلام ، فجعل الواو للعطف فيهما . وقرىء { لِلَّذِينَ } فيهما { يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان } قيل : هم المهاجرون والأنصار . عن عائشة Bها : أمروا بأن يستغفروا لهم فسبوهم { وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ } حقداً { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني الصحابة { رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } وقيل لسعيد بن المسيب : ما تقول في عثمان وطلحة والزبير؟ قال : أقول ما قولنيه الله وتلى هذه الآية . ثم عجب نبيه بقوله :","part":3,"page":416},{"id":1417,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا } أي ألم تر يا محمد إلى عبد الله بن أبيّ وأشياعه { يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب } يعني بني النضير والمراد إخوة الكفر { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } من دياركم { لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } رُوي أن ابن أبيّ وأصحابه دسوا إلى بني النضير حين حاصرهم النبي A : لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم { وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } في قتالكم { أَحَداً أَبَداً } من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة { وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } في مواعيدهم لليهود ، وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب .\r{ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } إنما قال { وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم على الفرض والتقدير كقوله { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] وكما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون . والمعنى ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك أي يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم ، أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين { لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً } أي أشد مرهوبية . مصدر رهب المبني للمفعول . وقوله { فِى صُدُورِهِمْ } دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم { مّنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته { لاَ يقاتلونكم } لا يقدرون على مقاتلتكم { جَمِيعاً } مجتمعين يعني اليهود والمنافقين { إِلا } كائنين { فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ } بالخنادق والدروب { أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } { جدار } مكي وأبو عمرو { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة لأن الشجاع يجبن عند محاربة الله ورسوله { تَحْسَبُهُمْ } أي اليهود والمنافقين { جَمِيعاً } مجتمعين ذوي ألفة واتحاد { وَقُلُوبُهُمْ شتى } متفرقة لا ألفة بينها يعني أن بينهم إحناً وعداوات فلا يتعاضدون حق التعاضد ، وهذا تحسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم { ذلك } التفرق { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم .\r{ كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي مثلهم كمثل أهل بدر فحذف المبتدأ { قَرِيبًا } أي استقروا من قبلهم زمناً قريباً { ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله A من قولهم كلأ وبيل وخيم سيء العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار { كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين } أي مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر ، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة .","part":3,"page":417},{"id":1418,"text":"وقيل : المراد استغواؤه قريشاً يوم بدر وقوله لهم { لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } إلى قوله { إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ } [ الأنفال : 48 ] { فَكَانَ عاقبتهما } عاقبة الإنسان الكافر والشيطان { أَنَّهُمَا فِى النار خالدين فِيهَا } { عاقبتهما } خبر «كان» مقدم و«أن» مع اسمها وخبرها أي في النار في موضع الرفع على الاسم و { خالدين } حال { وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } في أوامره فلا تخالفوها { وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ } نكر النفس تقليلاً للأنفس النواظر فيما قدّمن للآخرة { مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } يعني يوم القيامة سماه باليوم الذي يلي يومك تقريباً له أو عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد . وتنكيره لتعظيم أمره أي لغد لا يعرف كنهه لعظمه . وعن مالك بن دينار : مكتوب على باب الجنة وجدنا ما عملنا ربحنا ما قدما خسرنا ما خلفنا . { واتقوا الله } كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو اتقوا الله في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل ، واتقوا الله في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد وهو { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وفيه تحريض على المراقبة لأن من علم وقت فعله أن الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله } تركوا ذكر الله D وما أمرهم به { فأنساهم أَنفُسَهُمْ } فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق { أُولَئِكَ هُمُ الفاسقون } الخارجون عن طاعة الله .\r{ لاَ يَسْتَوِى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هُمُ الفائزون } هذا تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار ، والبون العظيم بين أصحابهما وأن الفوز العظيم مع أصحاب الجنة والعذاب الأليم مع أصحاب النار ، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه كما تقول لمن يعق أباه «هو أبوك» تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه بذلك على حق الأبوّة الذي يقتضي البر والتعطف . وقد استدلت الشافعية بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر ، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالاستيلاء ، وقد أجبنا عن مثل هذا في أصول الفقه والكافي .\r{ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله } أي من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع أي لخضع وتطأطأ وتصدع أي تشقق من خشية الله ، وجائز أن يكون هذا تمثيلاً كما في قوله","part":3,"page":418},{"id":1419,"text":"{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة } [ الأحزاب : 72 ] ويدل عليه قوله { وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وهي إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل ، والمراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره . ثم رد على من أشرك وشبهه بخلقه فقال { هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة } أي السر والعلانية أو الدنيا والآخرة أو المعدوم والموجود { هُوَ الرحمن الرحيم هُوَ الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك } الذي لا يزول ملكه { القدوس } المنزه عن القبائح وفي تسبيح الملائكة : سبوح قدوس رب الملائكة والروح { السلام } الذي سلم الخلق من ظلمه عن الزجاج { المؤمن } واهب الأمن . وعن الزجاج : الذي آمن الخلق من ظلمه أو المؤمن من عذابه من أطاعه { المهيمن } الرقيب على كل شيء الحافظ له مفيعل من الأمن إلا أن همزته قلبت هاء { العزيز } الغالب غير المغلوب { الجبار } العالي العظيم الذي يذل له من دونه أو العظيم الشأن في القدرة والسلطان أو القهار ذو الجبروت { المتكبر } البليغ الكبرياء والعظمة { سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } نزه ذاته عما يصفه به المشركون { هُوَ الله الخالق } المقدر لما يوجده { البارىء } الموجد { المصور } في الأرحام { لَهُ الأسماء الحسنى } الدالة على الصفات العلا { يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } ختم السورة بما بدأ به . عن أبي هريرة Bه سألت حبيبي رسول الله A عن الاسم الأعظم : فقال « عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته » فأعدت عليه فأعاد عليّ فأعدت عليه فأعاد عليّ .","part":3,"page":419},{"id":1420,"text":"روي أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة ، أتت رسول الله A بالمدينة وهو يتجهز للفتح فقال لها : أمسلمة جئت؟ قالت : لا . قال : أفمهاجرة جئت؟ قالت : لا . قال : فما جاء بك؟ قالت : احتجت حاجة شديدة فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة نسخته : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم . فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر فبعث رسول الله A علياً وعماراً وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وكانوا فرساناً وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها ، فإن أبت فاضربوا عنقها ، فأدركوها فجحدت وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله A وسلّ سيفه وقال : أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك ، فأخرجته من عقاص شعرها . وروي أن رسول الله A أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم ، فاستحضر برسول الله A حاطباً وقال : ما حملك عليه؟ فقال : يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، ولكني كنت أمرأ ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها ، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري ، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدقه وقبل عذره . فقال عمر Bه : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال A : وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر Bه فنزل .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } عدي «اتخذ» إلى مفعوليه وهما { عَدُوّى } و { أَوْلِيَاء } والعدوّ فعول من عدا كعفوّ من عفا ولكنه على زنة المصدر ، أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد ، وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان { تُلْقُونَ } حال من الضمير في { لاَ تَتَّخِذُواْ } والتقدير لا تتخذوهم أولياء ملقين { إِلَيْهِمْ بالمودة } أو مستأنف بعد وقف على التوبيخ . والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم . والباء في { بالمودة } زائدة مؤكدة للتعدي كقوله : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] أو ثابتة على أن مفعول { تُلْقُونَ } محذوف معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله A بسبب المودة التي بينكم وبينهم { وَقَدْ كَفَرُواْ } حال من { لاَ تَتَّخِذُواْ } أو من { تُلْقُونَ } أي لا تتولوهم أو توادونهم وهذه حالهم { بِمَا جَاءكُمْ مّنَ الحق } دين الإسلام والقرآن { يُخْرِجُونَ الرسول وإياكم } استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوهم أو حال من { كَفَرُواْ } { أَن تُؤْمِنُواْ } تعليل ل { يُخْرِجُونَ } أي يخرجونكم من مكة لإيمانكم { بالله رَبّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } متعلق ب { لاَ تَتَّخِذُواْ } أي لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي .","part":3,"page":420},{"id":1421,"text":"وقول النحويين في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه { جِهَاداً فِى سَبِيلِى } مصدر في موضع الحال أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي { وابتغاء مَرْضَاتِى } ومبتغين مرضاتي { تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } أي تفضون إليهم بمودتكم سراً أو تسرون إليهم أسرار رسول الله A بسبب المودة وهو استئناف { وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } والمعنى أي طائل لكم في أسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ما تسرون { وَمَن يَفْعَلْهُ } أي هذا الإسرار { مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } فقد أخطأ طريق الحق والصواب .\r{ إِن يَثْقَفُوكُمْ } إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم { يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء } خالصي العداوة ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم { وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء } بالقتل والشتم { وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } وتمنوا لو ترتدون عن دينكم فإذاً موادة أمثالهم خطأ عظيم منكم . والماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع ففيه نكتة كأنه قيل : ودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفاراً أسبق المضار عندهم وأولها لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم ، لأنكم بذالون لها دونه ، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أهم شيء عند صاحبه .\r{ لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم } قراباتكم { وَلاَ أولادكم } الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم ثم قال { يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } وبين أقاربكم وأولادكم { يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ } [ عبس : 34 ] الآية . فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفرّ منكم غداً . { يُفَصّلُ } : عاصم . { يُفَصّلُ } حمزة وعلي والفاعل هو الله D { يُفَصّلُ } ابن ذكوان غيرهم { يُفَصّلُ } { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على أعمالكم .\r{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ } قدوة في التبري من الأهل { حَسَنَةٌ فِى إبراهيم } أي في أقواله ولهذا استثنى منها إلا قول إبراهيم { والذين مَعَهُ } من المؤمنين وقيل : كانوا أنبياء { إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ } جمع بريء كظريف وظرفاء { وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة } بالأفعال { والبغضاء } بالقلوب { أَبَداً حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ } فحينئذ نترك عداوتكم { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وذلك لموعدة وعدها إياه أي اقتدوا به في أقواله ولا تأتسوا به في الاستغفار لأبيه الكافر { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء } أي من هداية ومغفرة وتوفيق ، وهذه الجملة لا تليق بالاستثناء ألا ترى إلى قوله :","part":3,"page":421},{"id":1422,"text":"{ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئاً } [ الفتح : 11 ] ولكن المراد استثناء جملة قوله لأبيه والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده تابع له كأنه قال : أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } متصل بما قبل الاستثناء وهو من جملة الأسوة الحسنة . وقيل : معناه قولوا ربنا فهو ابتداء أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه { وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } أقبلنا { وَإِلَيْكَ المصير } المرجع { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب { واغفر لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } أي الغالب الحاكم .","part":3,"page":422},{"id":1423,"text":"{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الأخر } ثم كرر الحث على الائتساء بإبراهيم عليه السلام وقومه تقريراً وتأكيداً عليهم ، ولذا جاء به مصدراً بالقسم لأنه الغاية في التأكيد ، وأبدل من قوله { لَكُمْ } قوله { لّمَن كَانَ يَرْجُو الله } أي ثوابه أي يخشى الله وعقبه بقوله { وَمَن يَتَوَلَّ } يعرض عن أمرنا ويوال الكفار { فَإِنَّ الله هُوَ الغنى } عن الخلق { الحميد } المستحق للحمد فلم يترك نوعاً من التأكيد إلا جاء به ولما أنزلت هذه الآيات وتشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين أطمعهم في تحول الحال إلى خلافة فقال :\r{ عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم } أي من أهل مكة من أقربائكم { مَّوَدَّةَ } بأن يوفقهم للإيمان ، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم فأسلم قومهم وتم بينهم التحاب . و «عسى» وعد من الله على عادات الملوك حيث يقولون في بعض الحوائج عسى أو لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك أو أريد به إطماع المؤمنين { والله قَدِيرٌ } على تقليب القلوب وتحويل الأحوال وتسهيل أسباب المودة { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن أسلم من المشركين { لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ } تكرموهم وتحسنوا إليهم قولاً وفعلاً . ومحل { أَن تَبَرُّوهُمْ } جر على البدل من { الذين لَمْ يقاتلوكم } وهو بدل اشتمال والتقدير عن بر الذين { وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ } وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم ، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم فِى الدين وَأَخْرَجُوكُم مّن دياركم وظاهروا على إخراجكم أَن تَوَلَّوْهُمْ } هو بدل من { الذين قاتلوكم } والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ } منكم { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } حيث وضعوا التولي غير موضعه .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات } سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة ، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان { مهاجرات } نصب على الحال { فامتحنوهن } فابتلوهن بالنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن . وعن ابن عباس : امتحانها أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله { الله أَعْلَمُ بإيمانهن } منكم فإنكم وإن رزتم أحوالهن لا تعلمون ذلك حقيقة وعند الله حقيقة العلم به { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات } العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بظهور الأمارات ، وتسمية الظن علماً يؤذن بأن الظن الغالب وما يفضي إليه القياس جارٍ مجرى العلم وصاحبه غير داخل في قوله","part":3,"page":423},{"id":1424,"text":"{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء : 36 ] { فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار } فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين .\r{ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } أي لا حل بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة { وَءاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ } وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور . نزلت الآية بعد صلح الحديبية وكان الصلح قد وقع على أن يرد على أهل مكة من جاء مؤمناً منهم ، فأنزل الله هذه الآية بياناً لأن ذلك في الرجال لا في النساء لأن المسلمة لا تحل للكافر . وقيل : نسخت هذه الآية الحكم الأول { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } ثم نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات { ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن لأن المهر أجر البضع وبه احتج أبو حنيفة Bه على أن لا عدة على المهاجرة { وَلاَ تُمْسِكُواْ } { وَلاَ تُمْسِكُواْ } بصري { بِعِصَمِ الكوافر } العصمة ما يعتصم به من عقد وسبب . والكوافر جمع كافرة وهي التي بقيت في دار الحرب أو لحقت بدار الحرب مرتدة أي لا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية . قال ابن عباس Bهما : من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّنّ بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه { وَسْئَلُواْ مَا أَنفَقْتُم } من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار ممن تزوجها { وَلْيَسْئَلُواْ مَا أَنفَقُواْ } من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا { ذَلِكُمْ حُكْمُ الله } أي جميع ما ذكر في هذه الآية { يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف الضمير أي يحكمه الله ، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة وهو منسوخ فلم يبق سؤال المهر لا منا ولا منهم { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِن فَاتَكُمْ شَىْء مّنْ أزواجكم إِلَى الكفار } وإن انفلت أحد منهن إلى الكفار وهو في قراءة ابن مسعود Bه أحد .\r{ فعاقبتم } فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم عن الزجاج { فَأَتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم ولحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من هذه الغنيمة { واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } وقيل : هذا الحكم منسوخ أيضاً .\r{ يأَيُّهَا النبى إِذَا جَاءكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ } حال { على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أولادهن } يريد وأد البنات { وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك ، كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً ، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلده به بين الرجلين { وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } طاعة الله ورسوله { فَبَايِعْهُنَّ واستغفر لَهُنَّ الله } عما مضى { إِنَّ الله غَفُورٌ } بتمحيق ما سلف { رَّحِيمٌ } بتوفيق ما ائتنف .","part":3,"page":424},{"id":1425,"text":"وروي أن رسول الله A لما فرغ من فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر قاعد أسفل منه يبايعهن عنه بأمره ويبلغهن عنه ، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفاً من رسول الله A أن يعرفها لما صنعت بحمزة فقال عليه السلام : « أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً » فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً فقال عليه السلام : « ولا يسرقن » فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات فقال أبو سفيان : ما أصبت فهو لك حلال فضحك رسول الله A وعرفها فقال لها : إنك لهند . قالت : نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك فقال : « ولا يزنين » فقالت : أو تزني الحرة؟ فقال : « ولا يقتلن أولادهن » فقالت : ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم ، وكان ابنها حنظلة قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله A فقال : « ولا يأتين ببهتان » فقالت : والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق . فقال : « ولا يعصينك في معروف » فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء وهو يشير إلى أن طاعة الولاة لا تجب في المنكر .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ } ختم السورة بما بدأ به قيل هم المشركون { قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الأخرة } من ثوابها لأنهم ينكرون البعث { كَمَا يَئِسَ الكفار } أي كما يئسوا إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير { مِنْ أصحاب القبور } أن يرجعوا إليهم أو كما يئس أسلافهم الذين هم في القبور من الآخرة أي هؤلاء كسلفهم . وقيل : هم اليهود أي لا تتولوا قوماً مغضوباً عليهم قد يئسوا من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله A وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة ، كما يئس الكفار من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء . وقيل : من أصحاب القبور بيان للكفار أي كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة لأنهم تبينوا قبح حالهم وسوء منقلبهم ، والله أعلم .","part":3,"page":425},{"id":1426,"text":"{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } رُوي أنهم قالوا قبل أن يؤمروا بالجهاد : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه ، فنزلت آية الجهاد فتباطأ بعضهم فنزلت { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } «لم» هي لام الإِضافة داخلة على «ما» الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : «بم وفيم ومم وعم وإلام وعلام» ، وإنما حذفت الألف لأن «ما» واللام أو غيرها كشيء واحد وهو كثير الاستعمال في كلام المستفهم ، وقد جاء استعمال الأصل قليلاً قال :\rعلى ما قام يشتمني جرير\rوالوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان ومن أسكن في الوصل فلإِجرائه مجرى الوقف { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } قصد في كبر التعجب من غير لفظه كقوله\rغلت ناب كليب بواؤها\rومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين ، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأسند إلى أن تقولوا ونصب مقتاً على التمييز ، وفيه دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه ، والمعنى : كبر قولكم ما لا تفعلون مقتاً عند الله ، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض ، وعن بعض السلف أنه قيل له : حدثنا ، فقال : أتأمرونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله .\rثم أعلم الله D ما يحبه فقال : { إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً } أي : صافين أنفسهم مصدر وقع موقع الحال { كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ } لاصق بعضه ببعض . وقيل : أريد به استواء نياتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض وهو حال أيضاً { وَإِذْ } منصوب ب «اذكر» { قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم لِمَ تُؤْذُونَنِى } بجحود الآيات والقذف بما ليس فيّ { وَقَد تَّعْلَمُونَ } في موضع الحال أي : لم تؤذونني عالمين علماً يقيناً { أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ } وقضية علمكم بذلك توقيري وتعظيمي لا أن تؤذوني { فَلَمَّا زَاغُواْ } مالوا عن الحق { أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } من الهداية ، أو لما تركوا أوامره نزع نور الإيمان من قلوبهم ، أو فلما اختاروا الزيع أزاغ الله قلوبهم أي : خذلهم وحرمهم توفيق اتباع الحق { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } أي : لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق .\r{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابنى إسراءيل } ولم يقل : يا قوم كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه { إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ } أي : أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من التوراة وفي حالٍ تبشيري برسول يأتي من بعدي يعني : أن ديني التصديق : التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعاً ممن تقدم وتأخر ، { بَعْدِى } حجازي وأبو عمرو وأبو بكر وهو اختيار الخليل وسيبويه ، وانتصب { مُصَدّقاً } و { مُبَشّرًا } بما في الرسول من معنى الإِرسال { فَلَمَّا جَآءَهُمُ } عيسى أو محمد عليهما السلام { بالبينات } بالمعجزات { قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } { ساحر } حمزة وعلي .","part":3,"page":426},{"id":1427,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله الكذب وَهُوَ يدعى إِلَى الإسلام والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } وأيّ : الناس أشد ظلماً ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإِسلام الذي له فيه سعادة الدارين ، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق هذا سحر والسحر كذب وتمويه { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم } هذا تهكم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن : هذا سحر ، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه والمفعول محذوف واللام للتعليل ، والتقدير : يريدون الكذب ليطفئوا نور الله بأفواههم ، أي : بكلامهم { والله مُتِمُّ نُورِهِ } مكي وحمزة وعلي وحفص { مُتِمٌّ نُورِهِ } غيرهم أي : متم الحق ومبلغه غايته { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق } أي : الملة الحنيفية { لِيُظْهِرَهُ } ليعليه { عَلَى الدين كُلّهِ } على جميع الأديان المخالفة له ، ولعمري لقد فعل فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام ، وعن مجاهد : إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام { وَلَوْ كَرِهَ المشركون } .\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } { تُنجّيكُم } شامي { تُؤْمِنُونَ } استئناف كأنّهم قالوا كيف نعمل؟ فقال : { تؤمنون } وهو بمعنى آمنوا عند سيبويه ولهذا أجيب بقوله : { يَغْفِرْ لَكُمْ } ويدل عليه قراءة ابن مسعود { آمنوا بالله وَرَسُولِهِ وجاهدوا } وإنما جيء به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال وكأنه امتثل ، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين { بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ } أي : ما ذكر من الإيمان والجهاد { خَيْرٌ لَّكُمْ } من أموالكم وأنفسكم { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم كان خيراً حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم فتفلحون وتخلصون { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ومساكن طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي : إقامة وخلود يقال عدن بالمكان إذا أقام به كذا قيل : { ذلك الفوز العظيم وأخرى تُحِبُّونَهَا } ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم ، ثم فسرها بقوله { نَصْرٌ مِّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } أي : عاجل ، وهو فتح مكة والنصر على قريش : أو فتح فارس والروم ، وفي { تُحِبُّونَهَا } شيء من التوبيخ على محبة العاجل ، وقال صاحب الكشف معناه : هل أدلكم على تجارة تنجيكم وعلى تجارة أخرى تحبونها ، ثم قال : { نَصْرُ } أي : نصر هي { وَبَشّرِ المؤمنين } عطف على { تُؤْمِنُونَ } لأنه في معنى الأمر ، كأنه قيل : آمنوا وجاهدوا - يثبكم الله وينصركم وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك : وقيل : عطف على «قل» مراداً قبل { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ } .","part":3,"page":427},{"id":1428,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارُ الله } أي : أنصار دينه { أَنصَاراً لِلَّهِ } حجازي وأبو عمرو { كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ للحواريّن من أنصاري إلى الله } ظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى { مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } ولكنه محمول على المعنى ، أي : كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم : { مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } ومعناه : من جندي متوجهاً إلى نصرة الله ليطابق جواب الحواريين وهو قوله : { قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله } أي : نحن الذين ينصرون الله ، ومعنى { مَنْ أَنصَارِى } من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله والحواريون أصفياؤه ، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً ، وحواري الرجل صفيه ، وخالصه من الحور وهو البياض الخالص ، وقيل : كانوا قصارين يحورون الثياب ، أي : يبيضونها { فَئَامَنَت طَّائِفَةٌ مّن بَنِى إسراءيل } بعيسى { وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ } به { فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ عَلَى عَدُوِهِمْ } فقوينا مؤمنيهم على كفارهم { فَأَصْبَحُواْ ظاهرين } فغلبوا عليهم والله ولي المؤمنين والله أعلم .","part":3,"page":428},{"id":1429,"text":"{ يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم } التسبيح إما أن يكون تسبيح خلقة يعني إذا نظرت إلى كل شيء دلتك خلقته على وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الأشباه ، أو تسبيح معرفة بأن يجعل الله بلطفه في كل شيء ما يعرف به الله تعالى وينزهه ، ألا ترى إلى قوله { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [ الإسراء : 44 ] أو تسبيح ضرورة بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك { هُوَ الذى بَعَثَ } أرسل { فِى الأميين رَسُولاً مّنْهُمْ } أي بعث رجلاً أمياً في قوم أميين . وقيل { مِنْهُمْ } كقوله { مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] يعلمون نسبه وأحواله . والأمي منسوب إلى أمة العرب لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم . وقيل : بدئت الكتابة بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة وأهل الحيرة من أهل الأنبار { يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياته } القرآن { وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } القرآن { والحكمة } السنة أو الفقه في الدين { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ } من قبل محمد A { لَفِى ضلال مُّبِينٍ } كفر وجهالة ، و«إن» مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها أي كانوا في ضلال لا ترى ضلالاً أعظم منه .\r{ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } مجرور معطوف على { الأميين } يعني أنه بعثه في الأميين الذين على عهده وفي آخرين من الأميين { لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } أي لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم وهم الذين بعد الصحابة Bهم ، أو هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم الدين . وقيل : هم العجم . أو منصوب معطوف على المنصوب في { وَيُعَلّمُهُمُ } أي يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستنداً إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه { وَهُوَ العزيز الحكيم } في تمكينه رجلاً أمياً من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه من بين كافة البشر { ذلك } الفضل الذي أعطاه محمداً وهو أن يكون نبي أبناء عصره ونبي أبناء العصور الغوابر هو { فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } إعطاءه وتقتضيه حكمته { والله ذُو الفضل العظيم مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } أي كلفوا علمها والعمل بما فيها { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } ثم لم يعملوا بها فكأنهم لم يحملوها { كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } جمع سفر وهو الكتاب الكبير و { يَحْمِلُ } في محل النصب على الحال أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم في قوله :\rولقد أمر على اللئيم يسبني ... شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ثم لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بآياتها ، وذلك أن فيها نعت رسول الله A والبشارة به فلم يؤمنوا به بالحمار حمل كتباً كباراً من كتب العلم فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله { بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئايات الله } أي بئس مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ، أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد A { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } أي وقت اختيارهم الظلم أو لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالماً .","part":3,"page":429},{"id":1430,"text":"{ قُلْ ياأيها الذين هَادُواْ } هاد يهود إذا تهود { إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنتُمْ صادقين } كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه أي إن كان قولكم حقاً وكنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه ، ثم قال { وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ } أي بسبب ما قدموا من الكفر . ولا فرق بين «لا» و«لن» في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل إلا أن في «لن» تأكيداً وتشديداً ليس في «لا» فأتى مرة بلفظ التأكيد و { لَنْ يَتَمَنَّوْهُ } ومرة بغير لفظه و { لا يَتَمَنَّونَهُ } { والله عَلِيمٌ بالظالمين } وعيد لهم .\r{ قُلْ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ } ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم { فَإِنَّهُ ملاقيكم } لا محالة والجملة خبر «إن» ودخلت الفاء لتضمن الذي معنى الشرط { ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة } النداء الأذان و«من» بيان ل «إذا» وتفسير له ، ويوم الجمعة سيد الأيام وفي الحديث : \" من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر \" { فاسعوا } فامضوا وقرىء بها وقال الفراء : السعي والمضي والذهاب واحد وليس المراد به السرعة في المشي { إلى ذِكْرِ الله } أي إلى الخطبة عند الجمهور وبه استدل أبو حنيفة Bه على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز { وَذَرُواْ البيع } أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا . وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل له بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح ، وذروا البيع الذي نفعه يسير { ذلكم } أي السعي إلى ذكر الله { خَيْرٌ لَّكُمْ } من البيع والشراء { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة } أي أديت { فانتشروا فِى الأرض } أمر إباحة { وابتغوا مِن فَضْلِ الله } الرزق أو طلب العلم أو عيادة المريض أو زيارة أخ في الله { واذكروا الله كَثِيراً } واشكروه على ما وفقكم لأداء فرضه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } تفرقوا عنك إليها وتقديره : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه خص التجارة لأنها كانت أهم عندهم .","part":3,"page":430},{"id":1431,"text":"رُوي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء ، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشأم والنبي A يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه فما بقي معه إلا ثمانية أو اثنا عشر فقال A : « والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم عليهم الوادي ناراً » وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهو المراد باللهو { وَتَرَكُوكَ } على المنبر { قَائِمَاً } تخطب ، وفيه دليل على أن الخطيب ينبغي أن يخطب قائماً { قُلْ مَا عِندَ الله } من الثواب { خَيْرٌ مّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين } أي لا يفوتهم رزق الله بترك البيع فهو خيرالرازقين ، والله أعلم .","part":3,"page":431},{"id":1432,"text":"{ إِذَا جَاءكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } أرادوا شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم { والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } أي والله يعلم أن الأمر كما يدل عليه قولهم { إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } { والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون } في ادعاء المواطأة أو إنهم لكاذبون فيه لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة فهم كاذبون في تسميته شهادة ، أو إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم { إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه { اتخذوا أيمانهم جُنَّةً } وقاية من السبي والقتل وفيه دليل على أن أشهد يمين { فَصَدُّواْ } الناس { عَن سَبِيلِ الله } عن الإسلام بالتنفير وإلقاء الشبه { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله . وفي «ساء» معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين { ذلك } إشارة إلى قوله { سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالاً { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان أي ذلك كله بسبب أنهم آمنوا أي نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا ، ثم ظهر كفرهم بعد ذلك بقولهم : إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن حمير ونحو ذلك ، أو نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } [ البقرة : 14 ] الآية . { فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } فختم عليها حتى لا يدخلها الإيمان جزاء على نفاقهم { فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } لا يتدبرون أو لا يعرفون صحة الإيمان .\rوالخطاب في { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم } لرسول الله أو لكل من يخاطب { وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } كان ابن أبيّ رجلاً جسيماً صبيحاً فصيحاً ، وقوم من المنافقين في مثل صفته ، فكانوا يحضرون مجلس النبي A فيستندون فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ، فكان النبي A ومن حضر يعجبون بهياً كلهم ويسمعون إلى كلامهم . وموضع { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ } رفع على «هم كأنهم خشب» ، أو هو كلام مستأنف لا محل له { مُّسَنَّدَةٌ } إلى الحائط ، شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكاً غير منتفع به أسند إلى الحائط فشبهوا به في عدم الانتفاع ، أو لأنهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام ، { خُشُبٌ } أبو عمرو غير عباس وعلي جمع خشبة كبدنة وبدون خشب كثمرة وثمر { يحسبون كلّ صيحةٍ عليهم } { كُلَّ صَيْحَةٍ } مفعول أول والمفعول الثاني { عَلَيْهِمْ } وتم الكلام أي يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم لخيفتهم ورعبهم يعني إذا نادى منادٍ في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوه إيقاعاً بهم .","part":3,"page":432},{"id":1433,"text":"ثم قال { هُمُ العدو } أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي { فاحذرهم } ولا تغترر بظاهرهم { قاتلهم الله } دعاء عليهم أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك { أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ } عطفوها وأمالوها إعراضاً عن ذلك واستكباراً { لَوَّوْاْ } بالتخفيف : نافع { وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن الاعتذار والاستغفار . رُوي أن رسول الله A حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتلهم ، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر وسنان الجهني حليف لابن أبي واقتتلا ، فصرخ جهجاه : يا للمهاجرين ، وسنان : يا للأنصار ، فأعان جهجاهاً جعال من فقراء المهاجرين ولطم سناناً فقال عبد الله لجعال وأنت هناك وقال : ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال : سمن كلبك يأكلك . أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، عني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله A ، ثم قال لقومه : والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد . فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال : أنت والله الذليل المبغض في قومك ، ومحمد على رأسه تاج المعراج في عز من الرحمن وقوة من المسلمين . فقال عبد الله : اسكت فإنما كنت ألعب . فأخبر زيد رسول الله A فقال عمر Bه : دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله . فقال : إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب . قال : فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصارياً . قال : فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه . وقال E لعبد الله : أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال : والله أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك وإن زيداً لكاذب فهو قوله { اتخذوا أيمانهم جُنَّةً } فقال الحاضرون : يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قدوهم . فلما نزلت قال رسول الله A لزيد : يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين . فلما بان كذب عبد الله قيل له : قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله A يستغفر لك فلوى رأسه فقال : أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت وما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد ، فنزل { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله } ولم يلبث إلا أياماً حتى اشتكى ومات .","part":3,"page":433},{"id":1434,"text":"{ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } أي ما داموا على النفاق . والمعنى سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم ، أو لأن الله لا يغفر لهم . وقرىء { استغفرت } على حذف حرف الاستفهام لأن «أم» المعادلة تدل عليه { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين * هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ } يتفرقوا { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السماوات والأرض } أي وله الأرزاق والقسم فهو رازقهم منها وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم { ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ } ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون لا يفقهون ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان .","part":3,"page":434},{"id":1435,"text":"{ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا } من غزوة بني المصطلق { إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل وَلِلَّهِ العزة } الغلبة والقوة { وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين . وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة : ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ، والغني الذي لا فقر معه! وعن الحسن بن علي Bهما أن رجلاً قال له : إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً . قال : ليس بتيه ولكنه عزة وتلا هذه الآية { ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ * ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ } لا تشغلكم { أموالكم } والتصرف فيها والسعي في تدبير أمرها بالنماء وطلب النتاج { وَلاَ أولادكم } وسروركم بهم وشفقتكم عليهم والقيام بمؤنهم { عَن ذِكْرِ الله } أي عن الصلوات الخمس أو عن القرآن { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } يريد الشغل بالدنيا عن الدين . وقيل : من يشتغل بتثمير أمواله عن تدبير أحواله وبمرضاة أولاده عن إصلاح معاده { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } في تجارتهم حيث باعوا الباقي بالفاني .\r{ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رزقناكم } «من» للتبعيض والمراد بالإنفاق الواجب { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت } أي من قبل أن يرى دلائل الموت ويعاين ما ييأس معه من الإمهال ويتعذر عليه الإنفاق { فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى } هلا أخرت موتي { إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } إلى زمان قليل { فَأَصَّدَّقَ } فأتصدق وهو جواب «لولا» { وَأَكُن مّنَ الصالحين } من المؤمنين . والآية في المؤمنين . وقيل : في المنافقين . { وأكون } أبو عمرو بالنصب عطفاً على اللفظ ، والجزم على موضع { فَأَصَّدَّقَ } كأنه قيل : إن أخرتني أصدق وأكن { وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً } عن الموت { إِذَا جَاء أَجَلُهَا } المكتوب في اللوح المحفوظ { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } { يَعْمَلُونَ } حماد ويحيى ، والمعنى أنكم إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه ، وأنه هاجم لا محالة ، وأن الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها من منع واجب وغيره ، لم يبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجب والاستعداد للقاء الله تعالى ، والله أعلم بالصواب .","part":3,"page":435},{"id":1436,"text":"{ يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله D ، وذلك لأن الملك على الحقيقة له لأنه مبدىء كل شيء والقائم به ، وكذا الحمد لأن أصول النعم وفروعها منه ، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } أي فمنكم آتٍ بالكفر وفاعل له ، ومنكم آتٍ بالإيمان وفاعل له ، ويدل عليه { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي عالم وبصير بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم . والمعنى هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد من العدم ، وكان يجب أن تكونوا بأجمعكم شاكرين ، فما بالكم تفرقتم أمماً فمنكم كافر ومنكم مؤمن؟ وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم وهو رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين . وقيل : هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية ، ومنكم مؤمن به .\r{ خَلَقَ السماوات والأرض بالحق } بالحكمة البالغة وهو أن جعلها مقار المكلفين ليعملوا فيجازيهم { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } أي جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور ، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب ، ومن كان دميماً مشوه الصورة سمج الخلقة فلا سماجة ثمّ ، ولكن الحسن على طبقات فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح ولكنها غير خارجة عن حد الحسن ، وقالت الحكماء : شيئان لا غاية لهما ، الجمال والبيان { وَإِلَيْهِ المصير } فأحسنوا سرائركم كما أحسن صوركم { يَعْلَمُ مَا فِى السماوات والأرض وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ والله عَلِيمُ بِذَاتِ الصدور } نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ، ثم بعلمه بما يسره العباد ويعلنونه ، ثم بعلمه بذات الصدور أن شيئاً من الكليات والجزئيات غير خافٍ عليه فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه . وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد وكل ما ذكره بعده قوله { فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالف ولا تشكر نعمته .\r{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ } الخطاب لكفار مكة { نَبَؤُاْ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } يعني قوم نوح وهود وصالح ولوط { فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي ذاقوا وبال كفرهم في الدنيا { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في العقبى .\r{ ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة { بِأَنَّهُ } بأن الشأن والحديث { كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات { فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر { فَكَفَرُواْ } بالرسل { وَتَوَلَّواْ } عن الإيمان { واستغنى الله } أطلق ليتناول كل شيء ومن جملته أيمانهم وطاعتهم { والله غَنِىٌّ } عن خلقه { حَمِيدٌ } على صنعه .","part":3,"page":436},{"id":1437,"text":"{ زَعَمَ الذين كَفَرُواْ } أي أهل مكة ، والزعم ادعاء العلم ويتعدى تعدي العلم { أَن لَّن يُبْعَثُواْ } «أن» مع ما في حيزه قائم مقام المفعولين وتقديره أنهم لن يبعثوا { قُلْ بلى } هو إثبات لما بعد «لن» وهو البعث { وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ } أكد الإخبار باليمين . فإن قلت : ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلت : هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعاً في القلب فكأنه قيل لهم : ما تنكرونه كائن لا محالة . { ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ } البعث { عَلَى الله يَسِيرٌ } هين { فَئَامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } محمد A { والنور الذى أَنزَلْنَا } يعني القرآن لأنه يبين حقيقة كل شيء فيهتدي به كما بالنور { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فراقبوا أموركم { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ } انتصب الظرف بقوله { لَتُنَبَّؤُنَّ } أو بإضمار «اذكر» { لِيَوْمِ الجمع } ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون { ذَلِكَ يَوْمُ التغابن } وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء ، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء ، كما ورد في الحديث ، ومعنى ذلك يوم التغابن . وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا { وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا } صفة للمصدر أي عملاً صالحاً { يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته وَيُدْخِلْهُ } وبالنون فيهما : مدني وشامي { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفوز العظيم الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أُوْلَئِكَ أصحاب النار خالدين فِيهَا وَبِئْسَ المصير } .\r{ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } شدة ومرض وموت أهل أو شيء يقتضي همًّا { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } بعلمه وتقديره ومشيئته كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه { وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ } للاسترجاع عند المصيبة حتى يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون . أو يشرحه للازدياد من الطاعة والخير ، أو يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وعن مجاهد : إن ابتلي صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَولَّيْتُمْ } عن طاعة الله وطاعة رسوله { فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين } أي فعليه التبليغ وقد فعل { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } بعث لرسول الله A على التوكل عليه حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه .","part":3,"page":437},{"id":1438,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ } أي إن من الأزواج أزواجاً يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ، ومن الأولاد أولاداً يعادون آباءهم ويعقّونهم { فاحذروهم } الضمير للعدو أو للأزواج والأولاد جميعاً أي لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدوّ فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم { وَإِن تَعْفُواْ } عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها { وَتَصْفَحُواْ } تعرضوا عن التوبيخ { وَتَغْفِرُواْ } تستروا ذنوبهم { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم . قيل : إن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا : تنطلقون وتضيعوننا . فرقوا لهم ووقفوا ، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فزين لهم العفو .","part":3,"page":438},{"id":1439,"text":"{ إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } بلاء ومحنة لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما { والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي في الآخرة وذلك أعظم من منفعتكم بأموالكم وأولادكم . ولم يدخل فيه «من» كما في العداوة لأن الكل لا يخلو عن الفتنة وشغل القلب وقد يخلو بعضهم عن العداوة { فاتقوا الله مَا استطعتم } جهدكم ووسعكم ، قيل : هو تفسير لقوله { حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] { واسمعوا } ما توعظون به { وَأَطِيعُواْ } فيما تؤمرون به وتنهون عنه { وَأَنْفِقُواْ } في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها { خَيْراً لأَِنفُسِكُمْ } أي انفاقاً خيراً لأنفسكم . وقال الكسائي : يكن الإنفاق خيراً لأنفسكم والأصح أن تقديره ائتوا خيراً لأنفسكم وافعلوا ما هو خير لها ، وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر وبيان ، لأن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } أي البخل بالزكاة والصدقة الواجبة { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون * إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً } بنية وإخلاص ، وذكر القرض تلطف في الاستدعاء { يضاعفه لَكُمْ } يكتب لكم بالواحدة عشراً أو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة { وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله شَكُورٌ } يقبل القليل ويعطي الجزيل { حَلِيمٌ } يقيل الجليل من ذنب البخيل أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها { عالم الغيب } أي يعلم ما استتر من سرائر القلوب { والشهادة } أي ما انتشر من ظواهر الخطوب { العزيز } المعز بإظهار العيوب { الحكيم } في الإخبار عن الغيوب ، والله أعلم .","part":3,"page":439},{"id":1440,"text":"{ يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } خص النبي A بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كذا إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه وأنه قدوة قومه ، فكان هو وحده في حكم كلهم وسادّاً مسد جميعهم . وقيل : التقدير يا أيها النبي والمؤمنون . ومعنى { إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } إذا أردتم تطليقهن وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه كقوله عليه السلام « من قتل قتيلاً فله سلبه » ومنه : كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي . { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فطلقوهن مستقبلات لعدتهن ، وفي قراءة رسول الله A { فِى قبل عدتهن } وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها ، والمراد أن تطلق المدخول بهن من المعتدات بالحيض في طهر لم يجامعهن فيه ، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن وهذا أحسن الطلاق { وَأَحْصُواْ العدة } واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن ، وخوطب الأزواج لغفلة النساء .\r{ واتقوا الله رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ } حتى تنقضي عدتهن { مِن بُيُوتِهِنَّ } من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة وهي بيوت الأزواج ، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى ، وفيه دليل على أن السكنى واجبة ، وأن الحنث بدخول دار يسكنها فلان بغير ملك ثابت فيما إذا حلف لا يدخل داره . ومعنى الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضباً عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن ، وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك إيذاناً بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر { وَلاَ يَخْرُجْنَ } بأنفسهن إن أردن ذلك { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } قيل : هي الزنا أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن . وقيل : خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه { وَتِلْكَ حُدُودُ الله } أي الأحكام المذكورة { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى } أيها المخاطب { لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها ، والمعنى فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ولا تخرجوهن من بيوتهن لعلكم تندمون فتراجعون .\r{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } قاربن آخر العدة { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان ، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلاً للعدة عليها وتعذيباً لها { وَأَشْهِدُواْ } يعني عند الرجعة والفرقة جميعاً ، وهذا الإشهاد مندوب إليه لئلا يقع بينهما التجاحد { ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ } من المسلمين { وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ } لوجهه خالصاً وذلك أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر { ذلكم } الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط { يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر } أي إنما ينتفع به هؤلاء { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } هذه جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة ، والمعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد { يَجْعَلِ الله لَهُ مَخْرَجاً } مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ويفرج عنه ويعطه الخلاص .","part":3,"page":440},{"id":1441,"text":"{ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه ، ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله : { ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ } . أي ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة . وعن النبي A أنه قرأها فقال : « مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة » .\rوقال A : « إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ومن يتق الله » فما زال يقرؤها ويعيدها ، ورُوي أن عوف بن مالك أسر المشركون ابناً له فأتى رسول الله A فقال : أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال : « ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » فقالت : نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان ذلك ، فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها فنزلت هذه الآية { وَمَن يَتَوَكَّلْ على الله } يكل أمره إليه عن طمع غيره وتدبير نفسه { فَهُوَ حَسْبُهُ } كافيه في الدارين { إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ } حفص أي منفذ أمره ، غيره { بالغٌ أمرَه } أي يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب { قَدْ جَعَلَ الله لِكُلّ شَىْء قَدْراً } تقديراً وتوقيتاً ، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه ، لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل .\r{ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ } رُوي أن ناساً قالوا : قد عرفنا عدة ذوات الإقراء فما عدة اللائي لم يحضن؟ فنزلت { إِنِ ارتبتم } أي أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن { فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ } أي فهذا حكمهن .","part":3,"page":441},{"id":1442,"text":"وقيل : إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس ، وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن ثلاثة أشهر ، وإذا كانت عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك { واللائي لَمْ يَحِضْنَ } هن الصغائر وتقديره واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذفت الجملة لدلالة المذكور عليها { وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ } عدتهن { أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } والنص يتناول المطلقات والمتوفي عنهم أزواجهن . وعن علي وابن عباس Bهم : عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } ييسر له من أمره ويحلل من عقده بسبب التقوى { ذَلِكَ أَمْرُ الله } أي ما علم من حكم هؤلاء المعتدات { أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ } من اللوح المحفوظ { وَمَن يَتَّقِ الله } في العمل بما أنزله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه { يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } ثم بين التقوى في قوله { وَمَن يَتَّقِ الله } كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل { أَسْكِنُوهُنَّ } وكذا وكذا { مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } هي «من» التبعيضية مبعضها محذوف أي أسكنوهن مكاناً من حيث سكنتم أي بعض مكان سكناكم { مّن وُجْدِكُمْ } هو عطف بيان لقوله { مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } وتفسير له كأنه قيل : أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه والوجد : الوسع والطاقة . وقرىء بالحركات الثلاث والمشهور الضم . والنفقة والسكنى واجبتان لكل مطلقة ، وعند مالك والشافعي لا نفقة للمبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أبت طلاقها فقال رسول الله A : \" لا سكنى لك ولا نفقة \" وعن عمر Bه : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها سمعت النبي A يقول \" لها السكنى والنفقة \" { وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } ولا تستعملوا معهن الضرار { لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن أو يشغل مكانهن أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج .\r{ وَإِن كُنَّ } أي المطلقات { أولات حَمْلٍ } ذوات أحمال { فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وفائدة اشتراط الحمل أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفي ذلك الوهم { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } يعني هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولداً من ظئرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية { فَئَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَ } فحكمهن في ذلك حكم الأظآر ، ولا يجوز الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن خلافاً للشافعي C { وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ } أي تشاوروا على التراضي في الأجرة ، أو ليأمر بعضكم بعضاً ، والخطاب للآباء والأمهات { بِمَعْرُوفٍ } بما يليق بالسنة ويحسن في المروءة فلا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } تضايقتم فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية ولم يزد الأب على ذلك { فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى } فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه ، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة . وقوله { لَهُ } أي للأب أي سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه .","part":3,"page":442},{"id":1443,"text":"{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله } أي لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه يريد ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات ، ومعنى { قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } ضيق أي رزقه الله على قدر قوته { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ مَآ ءاتَاهَا } أعطاها من الرزق { سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } بعد ضيق في المعيشة سعة وهذا وعد لذي العسر باليسر .\r{ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } من أهل قرية { عَتَتْ } أي عصت { عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ } أعرضت عنه على وجه العتو والعناد { فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً } بالاستقصاء والمناقشة { وعذبناها عَذَاباً نُّكْراً } { نُّكْراً } مدني وأبو بكر منكراً عظيماً { فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْراً } أي خساراً وهلاكاً ، والمراد حساب الآخرة وعذابها وما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر . وجيء به على لفظ الماضي لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة وما هو كائن فكأن قد { أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقباً كأنه قال : أعد الله لهم هذا العذاب { فاتقوا الله ياأولى الألباب الذين ءامَنُواْ } فليكن لكم ذلك يا أولي الألباب من المؤمنين لطفاً في تقوى الله وحذر عقابه ، ويجوز أن يراد إحصاء السيئات واستقصاؤها عليهم في الدنيا وإثباتها في صحائف الحفظة وما أصيبوا به من العذاب في العاجل ، وأن يكون { عَتَتْ } وما عطف عليه صفة للقرية و { أَعَدَّ الله لَهُمْ } جواباً ل { كأين } { قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً } أي القرآن . وانتصب { رَسُولاً } بفعل مضمر تقديره أرسل رسولاً أو بدل من { ذِكْراً } كأنه في نفسه ذكراً وعلى تقدير حذف المضاف أي قد أنزل الله إليكم ذا ذكر رسولاً ، أو أريد بالذكر الشرف كقوله { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [ الزخرف : 44 ] أي ذا شرف ومجد عند الله وبالرسول جبريل أو محمد عليهما السلام { يَتْلُواْ } أي الرسول أو الله D { عَلَيْكُمْ ءايات الله مبينات لّيُخْرِجَ } الله .\r{ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح ، أو ليخرج الذين علم أنهم يؤمنون { مِنَ الظلمات إِلَى النور } من ظلمات الكفر أو الجهل إلى نور الإيمان أو العلم { وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا يُدْخِلْهُ } وبالنون : مدني وشامي { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَدًا } وحد وجمع حملاً على لفظ «من» ومعناه { قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً } فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق المؤمنين من الثواب { الله الذى خَلَقَ } مبتدأ وخبر { سَبْعَ سماوات } أجمع المفسرون على أن السماوات سبع { وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ } بالنصب عطفاً على { سَبْعَ سموات } قيل : ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية ، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك ، والأرضون مثل السماوات .","part":3,"page":443},{"id":1444,"text":"وقيل : الأرض واحدة إلا أن الأقاليم سبعة { يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ } أي يجري أمر الله وحكمه بينهن وملكه ينفذ فيهن { لّتَعْلَمُواْ أَنَّ الله على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } اللام يتعلق ب { خُلِقَ } { وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا } هو تمييز أو مصدر من غير لفظ الأول أي قد علم كل شيء علماً وهو علام الغيوب .","part":3,"page":444},{"id":1445,"text":"{ ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } روي أن رسول الله A خلا بمارية في يوم عائشة Bها وعلمت بذلك حفصة فقال لها : اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي ، فأخبرت به عائشة وكانتا مصادقتين . وقيل خلابها في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فنزل جبريل عليه السلام وقال : راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة . روي أنه شرب عسلاً في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة وقالتا له : إنا نشم منك ريح المغافير ، وكان يكره رسول الله A التفل فحرم العسل ، فمعناه لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو من العسل { تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أزواجك } تفسير ل { تُحَرّمُ } أو حال أو استئناف وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله { والله غَفُورٌ } قد غفر لك ما زللت فيه { رَّحِيمٌ } قد رحمك فلم يؤاخذك به { قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم } قد قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم وهي الكفارة ، أو قد شرع لكم تحليلها بالكفارة ، أو شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها حتى لا يحنث ، وتحريم الحلال يمين عندنا . وعن مقاتل« أن رسول الله A أعتق رقبة في تحريم مارية» . وعن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين { والله مولاكم } سيدكم ومتولي أموركم . وقيل : مولاكم أولى بكم من أنفسكم فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم أنفسكم { وَهُوَ العليم } بما يصلحكم فيشرعه لكم { الحكيم } فيما أحل وحرم .\r{ وَإِذَ أَسَرَّ النبى إلى بَعْضِ أزواجه } يعني حفصة { حَدِيثاً } حديث مارية وإمامة الشيخين { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } أفشته إلى عائشة Bها { وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ } وأطلع النبي A على إفشائها الحديث على لسان جبريل عليه السلام { عَرَّفَ بَعْضَهُ } أعلم ببعض الحديث { وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } فلم يخبر به تكرماً . قال سفيان : ما زال التغافل من فعل الكرام { عَرَّفَ } بالتخفيف : عليّ أي جازى عليه من قولك للمسيء لأعرفن لك ذلك . وقيل : المعروف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية . وروي أنه قال لها : ألم أقل لك اكتمي عليّ؟ قالت : والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أباها { فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ } نبأ النبي حفصة بما أفشت من السر إلى عائشة { قَالَتْ } حفصة للنبي A { مَنْ أَنبَأَكَ هذا قَالَ نَبَّأَنِىَ العليم } بالسرائر { الخبير } بالضمائر .","part":3,"page":445},{"id":1446,"text":"{ إِن تَتُوبَا إِلَى الله } خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما ، وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن تتوبا إلى الله فهو الواجب ودل على المحذوف { فَقَدْ صَغَتْ } مالت { قُلُوبُكُمَا } عن الواجب في مخالصة رسول الله A من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه { وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } بالتخفيف : كوفي وإن تعاونا عليه بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه } وليه وناصره . وزيادة { هُوَ } إيذان بأنه يتولى ذلك بذاته { وَجِبْرِيلُ } أيضاً وليه { وصالح الْمُؤْمِنِينَ } ومن صلح من المؤمنين أي كل من آمن وعمل صالحاً . وقيل : من بريء من النفاق . وقيل : الصحابة . وقيل : واحد أريد به الجمع كقولك لا يفعل هذا الصالح من الناس تريد الجنس . وقيل : أصله صالحو المؤمنين فحذفت الواو من الخط موافقة للفظ { والملئكة } على تكاثر عددهم { بَعْدَ ذَلِكَ } بعد نصرة الله وجبريل وصالحي المؤمنين { ظَهِيرٍ } فوج مظاهر له فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه ، ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله قال بعد ذلك تعظيماً لنصرتهم ومظاهرتهم .\r{ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ } { يُبْدِلَهُ } مدني وأبو عمرو فالتشديد للكثرة { أزواجا خَيْراً مّنكُنَّ } فإن قلت : كيف تكون المبدلات خيراً منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ قلت : إذا طلقهن رسول الله A لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيراً منهن { مسلمات مؤمنات } مقرات مخلصات { قانتات } مطيعات ، فالقنوت هو القيام بطاعة الله وطاعة الله في طاعة رسوله { تائبات } من الذنوب أو راجعات إلى الله وإلى أمر رسوله { عابدات } لله { سائحات } مهاجرات أو صائمات . وقيل : للصائم سائح لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره { ثيبات وَأَبْكَاراً } إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار دون سائر الصفات لأنهما صفتان متنافيتان بخلاف سائر الصفات .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ } بترك المعاصي وفعل الطاعات { وَأَهْلِيكُمْ } بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم { نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } نوعاً من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب { عَلَيْهَا } يلي أمرها وتعذيب أهلها { مَلَئِكَةٌ } يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم { غِلاَظٌ شِدَادٌ } في أجرامهم غلظة وشدة أو غلاظ الأقوال شداد الأفعال { لاَّ يَعْصُونَ الله } في موضع الرفع على النعت { مَا أَمَرَهُمْ } في محل النصب على البدل أي لا يعصون ما أمر الله أي أمره كقوله","part":3,"page":446},{"id":1447,"text":"{ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } [ طه : 93 ] أو لا يعصونه فيما أمرهم { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وليست الجملتان في معنى واحد ، إذ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه { يأَيُّهَا الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا لأنه لا عذر لكم ، أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً } صادقة عن الأخفش C . وقيل : خالصة . يقال : عسل ناصح إذا خلص من الشمع . وقيل : نصوحاً من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم خللك ، ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها ، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها ، وبضم النون : حماد ويحيى وهو مصدر أي ذات نصوح أو تنصح نصوحاً وجاء مرفوعاً «إن التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في الضرع» وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه . وعن ابن عباس Bهما : هي الاستغفار باللسان والندم بالجنان والإقلاع بالإركان .\r{ عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم } هذا على ما جرت به عادة الملوك من الإجابة ب «عسى» و«لعل» ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت { وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } ونصب { يَوْمَ } ب { يدخلكم } { لاَ يُخْزِى الله النبى والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ } فيه تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر { نُورُهُم } مبتدأ { يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } في موضع الخبر { يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } يقولون ذلك إذا انطفأ نور المنافقين { واغفر لَنَا إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ ياأيها النبى جاهد الكفار } بالسيف { والمنافقين } بالقول الغليظ والوعد البليغ . وقيل : بإقامة الحدود عليهم { واغلظ عَلَيْهِمْ } على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة باللسان { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } .","part":3,"page":447},{"id":1448,"text":"{ ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين } مثل الله D حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين بلا محاباة ، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من النسب والمصاهرة وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبياً بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين بإفشاء أسرارهما ، فلم يغن الرسولان عنهما أي عن المرأتين بحق ما بينهما وبينهما من الزواج اغناء ما من عذاب الله . وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة : ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء ، أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط .\r{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ امرأت فِرْعَوْنَ } هي آسية بنت مزاحم آمنت بموسى فعذبها فرعون بالأوتاد الأربعة { إِذْ قَالَتِ } وهي تعذب { رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الجنة } فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان فعبرت عنها بقولها عندك { وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } أي من عمل فرعون أو من نفس فرعون الخبيثة وخصوصاً من عمله وهو الكفر والظلم والتعذيب بغير جرم { وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } من القبط كلهم ، وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين { وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ التى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } من الرجال { فَنَفَخْنَا } فنفخ جبريل بأمرنا { فِيهِ } في الفرج { مِن رُّوحِنَا } المخلوقة لنا { وَصَدَّقَتْ بكلمات رَبَّهَا } أي بصحفه التي أنزلها على إدريس وغيره { وَكُتُبِهِ } بصري وحفص ، يعني الكتب الأربعة { وَكَانَتْ مِنَ القانتين } لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين غلب ذكوره على إناثه . و«من» للتبعيض ، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخ موسى عليهما السلام . ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئاً من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع كونها زوجة أعدى أعداء الله ، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة ، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفاراً . وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله A بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه ، وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين وأن لا يتكلا على أنهما زوجا رسول الله A .","part":3,"page":448},{"id":1449,"text":"مكية وهي ثلاثون آية وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي قارئها من عذاب القبر وجاء مرفوعاً من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ تبارك } تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين { الذى بِيَدِهِ الملك } أي بتصرفه الملك والاستيلاء على كل موجود وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء { وَهُوَ على كُلّ شَىْءٍ } من المقدورات أو من الإنعام والانتقام { قَدِيرٌ } قادر على الكمال { الذى خَلَقَ الموت } خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الذي قبله { والحياة } أي ما يصح بوجوده الإحساس والموت ضده ، ومعنى خلق الموت والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه ، والمعنى خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون { لِيَبْلُوَكُمْ } ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم { أَيُّكُمْ } مبتدأ وخبره { أَحْسَنُ عَمَلاً } أي أخلصه وأصوبه ، فالخالص أن يكون لوجه الله ، والصواب أن يكون على السنة . والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل ، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه . وقدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه ، فقدم لأنه فيما يرجع إلى المسوق له الآية أهم . ولما قدم الموت الذي هو أثر صفة القهر على الحياة التي هي أثر اللطف ، قدم صفة القهر على صفة اللطف بقوله { وَهُوَ العزيز } أي الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل { الغفور } الستور الذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل .\r{ الذى خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقًا } مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقاً على طبق ، وهذا وصف بالمصدر ، أو على ذات طباق أو على طوبقت طباقاً . وقيل : جمع طبق كجمال وجمال . والخطاب في { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن } للرسول أو لكل مخاطب { مِن تفاوت } { تَفَوُتٍ } حمزة وعلي . ومعنى البناءين واحد كالتعاهد والتعهد أي من اختلاف واضطراب . وعن السدي : من عيب . وحقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضاً ولا يلائمه ، وهذه الجملة صفة ل { طِبَاقاً } وأصلها ما ترى فيهن من تفاوت ، فوضع { خَلْقِ الرحمن } موضع الضمير تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على سبب سلامتهن من التفاوت ، وهو أنه خلق الرحمن وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب { فارجع البصر } رده إلى السماء حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة فلا تبقى معك شبهة فيه { هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } صدوع وشقوق جمع فطر وهو الشق { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } كرر النظر مرتين أي كرتين مع الأولى .","part":3,"page":449},{"id":1450,"text":"وقيل : سوى الأولى فتكون ثلاث مرات . وقيل : لم يرد الاقتصار على مرتين بل أراد به التكرير بكثرة أي كرر نظرك ودققه هل ترى خللاً أو عيباً . وجواب الأمر { يَنقَلِبَ } يرجع { إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا } ذليلاً أو بعيداً مما تريد وهو حال من البصر { وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل معي ولم ير فيها خللاً .\r{ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا } القربى أي السماء الدنيا منكم { بمصابيح } بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح ، والمصابيح السرج فسميت بها الكواكب ، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بإيقاد المصابيح . فقيل : ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة { وجعلناها رُجُوماً للشياطين } أي لأعدائكم الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات ، قال قتادة : خلق الله النجوم لثلاث زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به . والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به . ومعنى كونها رجوماً للشياطين أن ينفصل عنها شهاب قبس يؤخذ من نار فيقتل الجني أو يخبله ، لأن الكواكب لا تزول عن أماكنها لأنها قارة في الفلك على حالها { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } للشياطين { عَذَابَ السعير } في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا .\r{ وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم { عَذَابُ جَهَنَّمَ } ليس الشياطين المرجومون مخصوصون بذلك { وَبِئْسَ المصير } المرجع جهنم { إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا } طرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة { سَمِعُواْ لَهَا } لجهنم { شَهِيقًا } صوتاً منكراً كصوت الحمير شبه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق { وَهِىَ تَفُورُ } تغلي بهم غليان المرجل بما فيه { تَكَادُ تَمَيَّزُ } أي تتميز يعني تتقطع وتتفرق { مِنَ الغيظ } على الكفار فجعلت كالمغتاظة عليهم استعارة لشدة غليانها بهم .\r{ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ } جماعة من الكفار { سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } مالك وأعوانه من الزبانية توبيخاً لهم { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } رسول يخوفكم من هذا العذاب { قَالُواْ بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ } اعتراف منهم بعدل الله وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعث الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه { فَكَذَّبْنَا } أي فكذبناهم { وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْءٍ } مما يقولون من وعد ووعيد وغير ذلك { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ } أي قال الكفار للمنذرين : ما أنتم إلا في خطأ عظيم . فالنذير بمعنى الإنذار . ثم وصف به منذروهم لغلوهم في الإنذار كأنهم ليسوا إلا إنذاراً ، وجاز أن يكون هذا كلام الخزنة للكفار عن إرادة القول ومرادهم بالضلال الهلاك ، أو سموا جزاء الضلال باسمه كما سمي جزاء السيئة والاعتداء سيئة واعتداء ويسمى المشاكلة في علم البيان ، أو كلام الرسل لهم حكوه للخزنة أي قالوا لنا هذا فلم نقبله { وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } الإنذار سماع طالب الحق { أَوْ نَعْقِلُ } أي نعقله عقل متأمل { مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير } في جملة أهل النار ، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملزمتان { فاعترفوا بِذَنبِهِمْ } بكفرهم في تكذيبهم الرسل { فَسُحْقًا لأصحاب السعير } وبضم الحاء : يزيد وعلي ، فبعداً لهم عن رحمة الله وكرامته اعترفوا أو جحدوا فإن ذلك لا ينفعهم .","part":3,"page":450},{"id":1451,"text":"وانتصابه على أنه مصدر وقع موقع الدعاء .\r{ إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب } قبل معاينة العذاب { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } للذنوب { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } أي الجنة { وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ } ظاهره الأمر بأحد الأمرين : الإسرار والإجهار ، ومعناه ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما . رُوي أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله A فيخبره جبريل بما قالوه فيه ونالوه منه فقالوا فيما بينهم : أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنزلت . ثم علله بقوله { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها فكيف لا يعلم ما تكلم به؟ { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } «من» في موضع رفع بأنه فاعل { يَعْلَم } { وَهُوَ اللطيف الخبير } أنكر أن لا يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر من خلقها وصفته أنه اللطيف أي العالم بدقائق الأشياء الخبير العالم بحقائق الأشياء ، وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلاً على خلق أفعال العباد . وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب : { مَنْ } مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى فاحتالا بهذا لنفي خلق الأفعال .\r{ هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً } لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها { فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا } جوانبها استدلالاً واسترزاقاً أو جبالها أو طرقها { وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } أي من رزق الله فيها { وَإِلَيْهِ النشور } أي وإليه نشوركم فهو سائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم { ءامِنْتُمْ مَّن فِى السماء } أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه فكأنه قال : أأمنتم خالق السماء وملكه ، أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء ، وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم : أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعالٍ عن المكان { أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض } كما خسف بقارون { فَإِذَا هِىَ تَمُورُ } تضطرب وتتحرك { أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا } حجارة أن يرسل بدل من بدل الاشتمال وكذا { أَن يَخْسِفَ } { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم { وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قومك { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي إنكاري عليهم إذ أهلكتهم .","part":3,"page":451},{"id":1452,"text":"ثم نبه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب بقوله { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير } جمع طائر { فَوْقَهُمْ } في الهواء { صافات } باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن { وَيَقْبِضْنَ } ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن . و { يقبضن } معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى أي يصففن ويقبضن ، أو صافات وقابضات . واختيار هذا التركيب باعتبار أن أصل الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والهواء للطائر كالماء للسابح . والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طارىء بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح { مَا يُمْسِكُهُنَّ } عن الوقوع عند القبض والبسط { إِلاَّ الرحمن } بقدرته وإلا فالثقيل يتسفل طبعاً ولا يعلو ، وكذا لو أمسك حفظه وتدبيره عن العالم لتهافتت الأفلاك و { مَا يُمْسِكُهُنَّ } مستأنف وإن جعل حالاً من الضمير في { يقبضن } يجوز { إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ } يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب .","part":3,"page":452},{"id":1453,"text":"{ أَمَّنْ } مبتدأ خبره { هذا } ويبدل من { هذا } { الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ } ومحل { يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن } رفع نعت ل { جُندٌ } محمول على اللفظ والمعنى من المشار إليه بالنصر غير الله تعالى { إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ } أي ما هم إلا في غرور { أَمَّنْ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه وهذا على التقدير ، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم فكأنهم الجند الناصر والرازق . فلما لم يتعظوا أضرب عنهم فقال { بَل لَّجُّواْ } تمادوا { فِى عُتُوٍّ } استكبار عن الحق { وَنُفُورٍ } وشراد عنه لثقله عليهم فلم يتبعوه . ثم ضرب مثلاً للكافرين والمؤمنين فقال { أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ } أي ساقطاً على وجهه يعثر كل ساعة ويمشي معتسفاً وخبر من { أهدى } أرشد . فأكب مطاوع كبه يقال : كببته فأكب { أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً } مستوياً منتصباً سالماً من العثور والخرور { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } على طريق مستوٍ . وخبر { منْ } محذوف لدلالة { أهدى } عليه ، وعن الكلي : عني بالمكب أو جهل ، وبالسوي النبي عليه السلام { قُلْ هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ } خلقكم ابتداء { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } خصها لأنها آلات العلم { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } هذه النعم لأنكم تشركون بالله ولا تخلصون له العبادة ، والمعنى تشكرون شكراً قليلاً و«ما» زائدة . وقيل : القلة عبارة عن العدم { قُلْ هُوَ الذى ذَرَأَكُمْ } خلقكم { فِى الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للحساب والجزاء .\r{ وَيَقُولُونَ } أي الكافرون للمؤمنين استهزاء { متى هذا الوعد } الذي تعدوننا به يعني العذاب { إِن كُنتُمْ صادقين } في كونه فأعلمونا زمانه { قُلْ إِنَّمَا العلم } أي علم وقت العذاب { عِندَ الله وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ } مخوّف { مُّبِينٌ } أبين لكم الشرائع { فَلَمَّا رَأَوْهُ } أي الوعد يعني العذاب الموعود { زُلْفَةً } قريباً منهم وانتصابها على الحال { سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ } أي ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علتها الكآبة والمساءة وغشيتها القتَرة والسواد { وَقِيلَ هذا الذى } القائلون الزبانية { كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ } تفتعلون من الدعاء أي تسألون تعجيله وتقولون ائتنا بما تعدنا ، أو هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وقرأ يعقوب { تَدْعُونَ } .\r{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ الله } أي أماتني الله كقوله { إِن امرؤ هَلَكَ } [ النساء : 176 ] { وَمَن مَّعِىَ } من أصحابي { أَوْ رَحِمَنَا } أو أخر في آجالنا { فَمَن يُجِيرُ } ينجي { الكافرين مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم . كان كفار مكة يدعون على رسول الله A وعلى المؤمنين بالهلاك فأمر بأن يقول لهم : نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين ، إما أن نهلك كما تتمنون فتقلب إلى الجنة ، أو نرحم بالنصرة عليكم متربصون لإحدى الحسنيين ، إما أن نهلك كما تتمنون فتقلب إلى الجنة ، أو نرحم بالنصرة عليكم كما نرجو ، فأنتم ما تصنعون مِنْ مجيركم وأنتم كافرون من عذاب النار لا بد لكم منه { قُلْ هُوَ الرحمن } أي الذي أدعوكم إليه الرحمن { ءَامَنَّا بِهِ } صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم { وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } فوضنا إليه أمورنا { فَسَتَعْلَمُونَ } إذا نزل بكم العذاب وبالياء : علي { مَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ } نحن أم أنتم { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً } غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء ، وهو وصف بالمصدر كعدل بمعنى عادل { فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ } جارٍ يصل إليه من أراده .","part":3,"page":453},{"id":1454,"text":"وتليت عند ملحد فقال : يأتي بالمعول والمعن فذهب ماء عينه في تلك الليلة وعمي . وقيل : إنه محمد بن زكريا المتطبب زادنا الله بصيرة .","part":3,"page":454},{"id":1455,"text":"مكية وهي اثنتان وخمسون\rآية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ ن } الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم . وأما قول الحسن : إنه الدواة ، وقول ابن عباس : إنه الحوت الذي عليه الأرض واسمه بهموت ، فمشكل لأنه لا بد له من الإعراب سواء كان اسم جنس أو اسم علم ، فالسكون دليل على أنه من حروف المعجم { والقلم } أي ما كتب به اللوح ، أو قلم الملائكة ، أو الذي يكتب به الناس ، أقسم به لما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف { وَمَا يَسْطُرُونَ } أي ما يسطره الحفظة أو ما يكتب به من الخير من كتب . و«ما» موصولة أو مصدرية ، وجواب القسم { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ } أي بإنعامه عليك بالنبوة وغيرها ف { أَنتَ } اسم «ما» وخبرها { بِمَجْنُونٍ } و { بِنِعْمَةِ رَبّكَ } اعتراض بين الاسم والخبر ، والباء في { بِنِعْمَةِ رَبّكَ } تتعلق بمحذوف ومحله النصب على الحال والعامل فيها { بِمَجْنُونٍ } وتقديره : ما أنت بمجنون منعماً عليك بذلك . ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي وهو جواب قولهم { وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } [ الحجر : 6 ] { وَإِنَّ لَكَ } على احتمال ذلك والصبر عليه { لأَجْرًا } لثواباً { غَيْرَ مَمْنُونٍ } غير مقطوع أو غير ممنون عليك به { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } قيل : هو ما أمره الله تعالى به في قوله : { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف : 199 ] . وقالت عائشة Bها : كان خلقه القرآن أي ما فيه من مكارم الأخلاق . وإنما استعظم خلقه لأنه جاد بالكونين وتوكل على خالقهما .\r{ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ } أي عن قريب ترى ويرون وهذا وعد له ووعيد لهم { بِأَيِيّكُمُ المفتون } المجنون لأنه فتن أي محن بالجنون ، والباء مزيدة ، أو المفتون مصدر كالمعقول أي بأيكم الجنون . وقال الزجاج : الباء بمعنى «في» تقول : كنت ببلد كذا أي في بلد كذا ، وتقديره في أيكم المفتون أي في أي الفريقين منكم المجنون : فريق الإسلام أو فريق الكفر؟ { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } أي هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } أي هو أعلم بالعقلاء هم والمهتدون { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } تهييج للتصميم على معاصاتهم وقد أرادوه على أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة ويكفوا عنه غوائلهم { وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ } لو تلين لهم { فَيُدْهِنُونَ } فيلينون لك . ولم ينصب بإضمار «أن» وهو جواب التمني لأنه عدل به إلى طريق آخر ، وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون أي فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك .","part":3,"page":455},{"id":1456,"text":"{ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ } كثير الحلف في الحق والباطل وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف { مَّّهِينٍ } حقير في الرأي والتمييز من المهانة وهي القلة والحقارة ، أو كذاب لأنه حقير عند الناس { هَمَّازٍ } عياب طعان مغتاب { مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم ، والنميم والنميمة : السعاية { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } بخيل ، والخير : المال أو مناع أهله من الخير وهو الإسلام ، والمراد الوليد بن المغيرة عند الجمهور وكان يقول لبنيه العشرة : من أسلم منكم منعته رفدي { مُعْتَدٍ } مجاوز في الظلم حده { أَثِيمٍ } كثير الآثام { عُتُلٍ } غليظ جاف { بَعْدَ ذَلِكَ } بعدما عد له من المثالب { زَنِيمٍ } دعي . وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم ، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة من مولده . وقيل : بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية ، والنطفة إذا خبثت الناشىء منها . رُوي أنه دخل على أمه وقال : إن محمداً وصفني بعشر صفات ، وجدت تسعاً فيّ ، فأما الزنيم فلا علم لي به ، فإن أخبرتني بحقيقته وإلا ضربت عنقك . فقالت : إن أباك عنين وخفت أن يموت فيصل ماله إلى غير ولده فدعوت راعياً إلى نفسي فأنت من ذلك الراعي .\r{ أَن كَانَ ذَا مَالٍ } متعلق بقوله { وَلاَ تُطِعِ } أي ولا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال أي ليساره وحظه من الدنيا ، ويجوز أن يتعلق بما بعده أي لأن كان ذا مال { وَبَنِينَ } كذب بآياتنا يدل عليه { إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا } أي القرآن { قَالَ أساطير الأولين } ولا يعمل فيه { قَالَ } لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله . { أأن } حمزة وأبو بكر أي ألأن كان ذا مال كذب؟ { أأن } شامي ويزيد ويعقوب وسهل . قالوا : لما عاب الوليد النبي A كاذباً باسم واحد وهو المجنون سماه الله تعالى بعشرة أسماء صادقاً ، فإن كان من عد له أن يجزي المسيء إلى رسول الله A بعشرة ، كان من فضله أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً { سَنَسِمُهُ } سنكويه { عَلَى الخرطوم } على أنفه مهانة له وعلماً يعرف به ، وتخصيص الأنف بالذكر لأن الوسم عليه أبشع . وقيل : خطم بالسيف يوم بدر فبقيت سمة على خرطومه .\r{ إِنَّا بلوناهم } امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع حتى أكلوا الجيف والرمم بدعاء النبي A حيث قال : « اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف » { كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة } هم قوم من أهل الصلات كانت لأبيهم هذه الجنة بقرية يقال لها ضروان وكانت على فرسخين من صنعاء ، وكان يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي على الفقراء .","part":3,"page":456},{"id":1457,"text":"فلما مات قال بنوه : إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال ، فحلفوا ليصرمنها مصبحين في السدف خيفة من المساكين ولم يستثنوا في يمينهم ، فأحرق الله جنتهم . وقال الحسن : كانوا كفاراً . والجمهور على الأول { إِذْ أَقْسَمُواْ } حلفوا { لَيَصْرِمُنَّهَا } ليقطعن ثمرها { مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصبح قبل انتشار الفقراء ، حال من فاعل { لَيَصْرِمُنَّهَا } { وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } ولا يقولون إن شاء الله . وسمي استثناء وإن كان شرطاً صورة لأنه يؤدي مؤدي الاستثناء من حيث إن معنى قولك «لأخرجن إن شاء الله» و«لا أخرج إلا أن يشاء الله» واحد { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ } نزل عليها بلاء . قيل : أنزل الله تعالى عليها ناراً فأحرقتها { وَهُمْ نَائِمُونَ } أي في حال نومهم { فَأَصْبَحَتْ } فصارت الجنة { كالصريم } كالليل المظلم أي احترقت فاسودت ، أو كالصبح أي صارت أرضاً بيضاء بلا شجر . وقيل : كالمصرومة أي كأنها صرمت لهلاك ثمرها .","part":3,"page":457},{"id":1458,"text":"{ فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ } نادى بعضهم بعضاً عند الصباح { أَنِ اغدوا } باكروا { على حَرْثِكُمْ } ولم يقل «إلى حرثكم» لأن الغدوّ إليه ليصرموه كان غدوّاً عليه أو ضمن الغدوّ معنى الإقبال أي فأقبلوا على حرثكم باكرين { إِن كُنتُمْ صارمين } مريدين صرامه { فانطلقوا } ذهبوا { وَهُمْ يتخافتون } يتسارّون فيما بينهم لئلا يسمعوا المساكين { أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا } أي الجنة و«إن» مفسرة وقرىء بطرحها بإضمار القول أي يتخافتون يقولون لا يدخلنها { اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ } والنهي عن دخول المساكين . نهى عن التمكين أي لا تمكنوه من الدخول .\r{ وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ } على جد في المنع { قادرين } عند أنفسكم على المنع كذا عن نفطويه ، أو الحرد القصد والسرعة أي وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وزي منفعتها عن منفعتها عن المساكين ، أو هو علم للجنة أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم .\r{ فَلَمَّا رَأَوْهَا } أي جنتهم محترقة { قَالُواْ } في بديهة وصولهم { إِنَّا لَضَالُّونَ } أي ضللنا جنتنا وما هي بها لما رأوا من هلاكها ، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } أعدلهم وخيرهم { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ } هلا تستثنون إذ الاستثناء التسبيح لالتقائهما في معنى التعظيم لله ، لأن الاستثناء تفويض إليه والتسبيح تنزيه له ، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم . أو لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم! كان أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك : اذكروا الله وانتقامه من المجرمين وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة فعصوه فعيرهم ولهذا { قَالُواْ سبحان رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظالمين } فتكلموا بعد خراب البصرة بما كان يدعوهم إلى التكلم به أولاً ، وأقروا على أنفسهم بالظلم في منع المعروف وترك الاستثناء ونزهوه عن أن يكون ظالماً { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون } يلوم بعضهم بعضاً بما فعلوا من الهرب من المساكين ، ويحيل كل واحد منهم اللائمة على الآخر .\rثم اعترفوا جميعاً بأنهم تجاوزوا الحد بقوله { قَالُواْ ياويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين } بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء { عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا } وبالتشديد : مدني وأبو عمرو { خَيْراً مّنْهَا } من هذه الجنة { إِنَّا إلى رَبّنَا راغبون } طالبون منه الخير راجون لعفوه . عن مجاهد : تابوا فأبدلوا خيراً منها . وعن ابن مسعود Bه : بلغني أنهم أخلصوا فأبدلهم بها جنة تسمى الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً { كَذَلِكَ العذاب } أي مثل ذلك العذاب الذي ذكرناه من عذاب الدنيا لمن سلك سبيلهم { وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ } أعظم منه { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لما فعلوا ما يفضي إلى هذا العذاب .","part":3,"page":458},{"id":1459,"text":"ثم ذكر ما عنده للمؤمنين فقال :\r{ إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك { عِندَ رَبِّهِمْ } أي في الآخرة { جنات النعيم } جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص بخلاف جنات الدنيا { أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين } استفهام إنكار على قولهم لو كان ما يقول محمد حقاً فنحن نعطي في الآخرة خيراً مما يعطي هو ومن معه كما في الدنيا . فقيل لهم : أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين؟ ثم قيل لهم على طريقة الالتفات { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا الحكم الأعوج وهو التسوية بين المطيع والعاصي ، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم { أَمْ لَكُمْ كتاب } من السماء { فِيهِ تَدْرُسُونَ } تقرؤون في ذلك الكتاب { إنّ لكم فيه لما تخيّرون } أي إن ما تختارونه وتشتهونه لكم . والأصل تدرسون أن لكم ما تخيرون بفتح «أن» لأنه مدروس لوقوع الدرس عليه ، وإنما كسرت لمجيء اللام ، ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو كقوله : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين * سلام على نُوحٍ } [ الصافات : 78-79 ] . وتخير الشيء واختاره أخذ خيره { أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا } عهود مؤكدة بالأيمان { بالغة } نعت { أيمان } ويتعلق { إلى يَوْمِ القيامة } ببالغة أي أنها تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم ، أو بالمقدر في الظرف أي هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج من عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون { إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } به لأنفسكم وهو جواب القسم لأن معنى { أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا } أم أقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد .\r{ سَلْهُمْ } أي المشركين { أَيُّهُم بذلك } الحكم { زَعِيمٌ } كفيل بأنه يكون ذلك { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ } أي ناس يشاركونهم في هذا القول ويذهبون مذهبهم فيه { فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صادقين } في دعواهم يعني أن أحداً لا يسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه كما أنه لا كتاب لهم ينطق به ، ولا عهد به عند الله ، ولا زعيم لهم يضمن لهم من الله بهذا { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } ناصب الظرف { فَلْيَأْتُواْ } أو «اذكر» مضمراً . والجمهور على أن الكشف عن الساق عبارة عن شدة الأمر وصعوبة الخطب ، فمعنى { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يوم يشتد الأمر ويصعب ولا كشف ثمة ولا ساق ، ولكن كنى به عن الشدة لأنهم إذا ابتلوا بشدة كشفوا عن الساق ، وهذا كما نقول : للأقطع الشحيح يده مغلولة ، ولا يد ثمة ولا غل ، وإنما هو كناية عن البخل . وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان ، ولو كان الأمر كما زعم المشبه لكان من حق الساق أن تعرف لأنها ساق معهودة عنده { وَيُدْعَوْنَ } أي الكفار ثمة { إِلَى السجود } لا تكليف ولكن توبيخاً على تركهم السجود في الدنيا { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } ذلك لأن ظهورهم تصير كصياصي البقر لا تنثني عند الخفض والرفع { خاشعة } ذليلة حال من الضمير في { يُدْعَونَ } { أبصارهم } أي يدعون في حال خشوع أبصارهم { تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يغشاهم صغار { وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ } على ألسن الرسل { إِلَى السجود } في الدنيا { وَهُمْ سالمون } أي وهم أصحاء فلا يسجدون فلذلك منعوا عن السجود ثَمَّ .","part":3,"page":459},{"id":1460,"text":"{ فَذَرْنِى } . يقال : ذرني وإياه أي كله إليّ فإني أكفيكه { وَمَن يُكَذِّبُ } معطوف على المفعول أو مفعول معه { بهذا الحديث } بالقرآن ، والمراد كل أمره إليَّ وخل بيني وبينه فإني عالم بما ينبغي أن يفعل به ، مطيق له ، ولا تشغل قلبك بشأنه وتوكل عليّ في الانتقام منه ، تسلية لرسول الله A وتهديد للمكذبين { سَنَسْتَدْرِجُهُم } سندنيهم من العذاب درجة درجة . يقال : استدرجه إلى كذا أي استنزله إليه درجة فدرجة حتى يورطه فيه ، واستدراج الله تعالى العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازياد المعاصي { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج . قيل : كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها . قال عليه السلام \" إذا رأيت الله تعالى ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج وتلا الآية \" { وَأُمْلِى لَهُمْ } وأمهلهم { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } قوي شديد فسمى إحسانه وتمكينه كيداً كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد حيث كان سبباً للهلاك . والأصل أن معنى الكيد والمكر والاستدراج هو الأخذ من جهة الأمن ، ولا يجوز أن يسمى الله كائداً وماكراً ومستدرجاً .\r{ أَمْ تَسْئَلُهُمْ } على تبليغ الرسالة { أَجْراً فَهُم مّن مَّغْرَمٍ } غرامة { مُّثْقَلُونَ } فلا يؤمنون استفهام بمعنى النفي أي لست تطلب أجراً على تبليغ الوحي فيثقل عليهم ذلك فيمتنعوا لذلك { أَمْ عِندَهُمُ الغيب } أي اللوح المحفوظ عند الجمهور { فَهُمْ يَكْتُبُونَ } منه ما يحكمون به { فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ } وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم لأنهم وإن أمهلوا لم يهملوا { وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت } كيونس عليه السلام في العجلة والغضب على القوم حتى لا تبتلى ببلائه . والوقف على الحوت لأن «إذ» ليس بظرف لما تقدمه ، إذ النداء طاعة فلا ينهى عنه بل مفعول محذوف أي اذكر { إِذْ نادى } دعا ربه في بطن الحوت ب { لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } [ الأنبياء : 87 ] { وَهُوَ مَكْظُومٌ } مملوء غيظاً من كظم السقاء إذا { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ } رحمة { مّن رَّبِّهِ } أي لولا أن الله أنعم عليه بإجابة دعائه وقبول عذره { لَنُبِذَ } من بطن الحوت { بالعرآء } بالفضاء { وَهُوَ مَذْمُومٌ } معاتب بزلته لكنه رحم فنبذ غير مذموم { فاجتباه رَبُّهُ } اصطفاه لدعائه وعذره { فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين } من المستكملين لصفات الصلاح ولم يبق له زلة . وقيل : من الأنبياء . وقيل : من المرسلين . والوجه هو الأول لأنه كان مرسلاً ونبياً قبله لقوله تعالى : { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين * إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك المشحون }","part":3,"page":460},{"id":1461,"text":"[ الصافات : 139-140 ] . الآيات .\r{ وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم } وبفتح الياء : مدني . «إن» مخففة من الثقيلة واللام علمها . زلقة وأزلقة أزاله عن مكانه أي قارب الكفار من شدة نظرهم إليك شزراً بعيون العداوة أن يزيلوك بأبصارهم عن مكانك ، أو يهلكوك لشدة حنقهم عليك . وكانت العين في بني أسد فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله إلا هلك . فأريد بعض العيّانين على أن يقول في رسول الله مثل ذلك فقال : لم أر كاليوم مثله رجلاً فعصمه الله من ذلك . وفي الحديث : \" العين حق وإن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر \" وعن الحسن : رقية العين هذه الآية : { لَمَّا سَمِعُواْ الذكر } القرآن { وَيَقُولُونَ } حسداً على ما أوتيت من النبوة { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } إن محمداً لمجنون حيرة في أمره وتنفيراً عنه { وَمَا هُوَ } أي القرآن { إِلاَّ ذِكْرٌ } وعظ { للعالمين } للجن والإنس يعني أنهم جننوه لأجل القرآن وما القرآن إلا موعظة للعالمين ، فكيف يجنن من جاء بمثله؟ وقيل : لما سمعوا الذكر أي ذكره عليه السلام وما هو أي محمد عليه السلام إلا ذكر شرف للعالمين فكيف ينسب إليه الجنون؟ والله أعلم .","part":3,"page":461},{"id":1462,"text":"{ الحاقة } الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ريب فيها ، من حق يحق بالكسر أي وجب { مَا الحاقة } مبتدأ وخبر وهما خبر { الحاقة } والأصل الحاقة ما هي أي أيّ شيء هي تفخيماً لشأنها وتعظيماً لهولها أي حقها أن يستفهم عنها لعظمها ، فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التهويل { وَمَا أَدْرَاكَ } وأي شيء أعلمك { مَا الحاقة } يعني أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها ، لأنه من العظم والشدة بحيث لا تبلغه دراية المخلوقين . و «ما» رفع بالابتداء و { أَدْرَاكَ } الخبر ، والجملة بعده في موضع نصب لأنها مفعول ثانٍ ل «أدرى» { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة } أي بالحاقة فوضعت القارعة موضعها لأنها من أسماء القيامة ، وسميت بها لأنها تقرع الناس بالأفزاع والأهوال . ولما ذكرها وفخمها أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تذكيراً لأهل مكة وتخويفاً لهم من عاقبة تكذيبهم .\r{ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية } بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة . واختلف فيها فقيل الرجفة ، وقيل الصيحة ، وقيل الطاغية مصدر كالعافية أي بطغيانهم ، ولكن هذا لا يطابق قوله { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ } أي بالدبور لقوله A : \" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور \" { صَرْصَرٍ } شديدة الصوت من الصرة الصيحة ، أو باردة من الصر كأنها التي كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها { عَاتِيَةٍ } شديد العصف أو عتت على خزانها فلم يضبطوها بإذن الله غضباً على أعداء الله { سَخَّرَهَا } سلطها { عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ } وكان ابتداء العذاب يوم الأربعاء آخر الشهر إلى الأربعاء الأخرى { حُسُوماً } أي متتابعة لا تنقطع جمع حاسم كشهود تمثيلاً لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء بعد أخرى حتى ينحسم ، وجاز أن يكون مصدراً أي تحسم حسوماً بمعنى تستأصل استئصالاً { فَتَرَى } أيها المخاطب { القوم فِيهَا } في مهابها أو في الليالي والأيام { صرعى } حال جمع صريع { كَأَنَّهُمْ } حال أخرى { أَعْجَازُ } أصول { نَخْلٍ } جمع نخلة { خَاوِيَةٍ } ساقطة أو بالية { فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ } من نفس باقية أو من بقاء كالطاغية بمعنى الطغيان .\r{ وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } ومن تقدمه من الأمم { وَمِن قَبْلِهِ } بصري وعلي أي ومن عنده من أتباعه { والمؤتفكات } قرى قوم لوط فهي ائتفكت أي انقلبت بهم { بِالْخَاطِئَةِ } بالخطأ أو بالفعلة أو بالأفعال ذات الخطأ العظيم { فَعَصَوْاْ } أي قوم لوط { رَسُولَ رَبّهِمْ } لوطاً { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً } شديدة زائدة في الشدة كما زادت قبائحهم في القبح { إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء } ارتفع وقت الطوفان على أعلى جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعاً { حملناكم } أي آباءكم { فِى الجارية } في سفينة نوح عليه السلام { لِنَجْعَلَهَا } أي الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين { لَكُمْ تَذْكِرَةً } عبرة وعظة { وَتَعِيَهَا } وتحفظها { أُذُنٌ } بضم الذال : غير نافع { واعية } حافظة لما تسمع .","part":3,"page":462},{"id":1463,"text":"قال قتادة : وهي أذن عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت .\r{ فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور نَفْخَةٌ واحدة } هي النفخة الأولى ويموت عندها الناس ، والثانية يبعثون عندها { وَحُمِلَتِ الأرض والجبال } رفعتا عن موضعهما { فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة } دقتا وكسرتا أي ضرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيباً مهيلاً وهباء منبثاً { فَيَوْمَئِذٍ } فحينئذ { وَقَعَتِ الواقعة } نزلت النازلة وهي القيامة ، وجواب «إذا» { وَقَعَتِ } و { يَوْمَئِذٍ } بدل من «إذا» { وانشقت السماء } فتّحت أبواباً { فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } مسترخية ساقطة القوة بعد ما كانت محكمة { والملك } للجنس بمعنى الجمع وهو أعم من الملائكة { على أَرْجَائِهَا } جوانبها واحدها رجا مقصور لأنها إذا انشقت وهي مسكن الملائكة فيلجؤن إلى أطرافها { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } فوق الملك الذين على أرجائها { يَوْمَئِذٍ ثمانية } منهم ، واليوم تحمله أربعة وزيدت أربعة أخرى يوم القيامة . وعن الضحاك : ثمانية صفوف . وقيل : ثمانية أصناف .\r{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } للحساب ، والسؤال شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرّف أحواله { لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا . وبالياء : كوفي غير عاصم . وفي الحديث : \" يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات : فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما الثالثة فعندها تطير الصحف فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله \" { فَأَمَّا } تفصيل للعرض { مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ } سروراً به لما يرى فيه من الخيرات خطاباً لجماعته { هَاؤُمُ } اسم للفعل أي خذوا { اقرؤا كتابيه } تقديره هاؤم كتابي اقرؤا كتابيه فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، والعامل في { كتابيه } { اقرءوا } عند البصريين لأنهم يعملون الأقرب . والهاء في { كتابيه } و { حِسَابِيَهْ } و { مَالِيَهْ } و { سلطانيه } للسكت ، وحقها أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل ، وقد استحب إيثار الوقف إيثاراً لثباتها لثبوتها في المصحف { إِنّى ظَنَنتُ } علمت . وإنما أجرى الظن مجرى العلم ، لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام ، ولأن ما يدرك بالاجتهاد فلما يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي إلى الظنون ، فجاز إطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلو عنه { أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ } معاين حسابي { فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } ذات رضا يرضى بها صاحبها كلابن { فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } رفيعة المكان أو رفيعة الدرجات أو رفيعة المباني والقصور وهو خبر بعد خبر { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } ثمارها قريبة من مريدها ينالها القائم والقاعد والمتكىء يقال لهم :","part":3,"page":463},{"id":1464,"text":"{ كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً } أكلاً هنيئاً لا مكروه فيهما ولا أذى أو هنئتم هنيئاً على المصدر { بِمَا أَسْلَفْتُمْ } بما قدمتم من الأعمال الصالحة { فِى الأيام الخالية } الماضية من أيام الدنيا . وعن ابن عباس : هي في الصائمين أي كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله .\r{ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه } لما يرى فيها من الفضائح { وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ } أي يا ليتني لم أعلم ما حسابي { ياليتها } يا ليت الموتة التي متها { كَانَتِ القاضية } أي القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها ولم ألق ما ألقي { مَا أغنى عَنِّى مَالِيَهْ } أي لم ينفعني ما جمعته في الدنيا ، ف «ما» نفي والمفعول محذوف أي شيئاً { هَلَكَ عَنّى سلطانيه } ملكي وتسلطي على الناس وبقيت فقيراً ذليلاً . وعن ابن عباس Bهما : ضلت عني حجتي أي بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا فيقول الله تعالى لخزنة جهنم { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } أي اجمعوا يديه إلى عنقه { ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ } أي أدخلوه يعني ثم لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظمى ، أو نصب { الجحيم } بفعل يفسره { صَلُّوهُ } { ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا } طولها { سَبْعُونَ ذِرَاعاً } بذراع الملك . عن ابن جريج : وقيل لا يعرف قدرها إلا الله { فَاْسْلُكُوهُ } فأدخلوه . والمعنى في تقدم السلسلة على السلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية .\r{ إِنَّهُ } تعليل كأنه قيل : ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بأنه { كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم * وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } على بذل طعام المسكين ، وفيه إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث لأن الناس لا يطلبون من المساكين الجزاء فيما يطعمونهم وإنما يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة ، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم أي أنه مع كفره لا يحرّض غيره على إطعام المحتاجين ، وفيه دليل قوي على عظم جرم حرمان المسكين لأنه عطفه على الكفر وجعله دليلاً عليه وقرينة له ، ولأنه ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض إذا كان بهذه المنزلة فتارك الفعل أحق . وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ويقول : خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلنخلع نصفها بهذا . وهذه الآيات ناطقة على أن المؤمنين يرحمون جميعاً ، والكافرين لا يرحمون لأنه قسّم الخلق نصفين فجعل صنفاً منهم أهل اليمين ووصفهم بالإيمان فحسب بقوله { إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ } وصنفاً منهم أهل الشمال ووصفهم بالكفر بقوله { إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم } وجاز أن الذي يعاقب من المؤمنين إنما يعاقب قبل أن يؤتى كتابه بيمينه { فَلَيْسَ لَهُ اليوم هاهنا حَمِيمٌ } قريب يرفع عنه ويحترق له قلبه { وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } غسالة أهل النار ، فعلين من الغسل ، والنون زائدة وأريد به هنا ما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم { لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون } الكافرون أصحاب الخطايا وخطىء الرجل إذا تعمد الذنب .","part":3,"page":464},{"id":1465,"text":"{ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ } من الأجسام والأرض والسماء .\r{ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ } من الملائكة والأرواح فالحاصل أنه أقسم بجميع الأشياء { إِنَّهُ } أي إن القرآن { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } أي محمد A أو جبريل عليه السلام أي بقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ } كما تدعون { قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ } كما تقولون { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } وبالياء فيهما : مكي وشامي ويعقوب وسهل . وبتخفيف الذال : كوفي غير أبي بكر . والقلة في معنى العدم يقال : هذه أرض قلما تنبت أي لا تنبت أصلاً ، والمعنى لا تؤمنون ولا تذكرون البتة { تَنزِيلٌ } هو تنزيل بياناً لأنه قول رسول نزل عليه { مّن رّبّ العالمين ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل } ولو ادعى علينا شيئاً لم نقله { لأخَذْنَا مِنْهُ باليمين } لقتلناه صبراً كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معالجة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته ، وخص اليمين لأن القتّال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخد بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه ، ومعنى لأخذنا منه باليمين لأخدنا بيمينه ، وكذا { ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين } لقطعنا وتينه وهو نياط القلب إذا قطع مات صاحبه { فَمَا مِنكُم } الخطاب للناس أو للمسلمين { مّنْ أَحَدٍ } «من» زائدة { عَنْهُ } عن قتل محمد وجمع { حاجزين } وإن كان وصف { أَحَدٍ } لأنه في معنى الجماعة ومنه قوله تعالى { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } [ البقرة : 285 ] { وَإِنَّهُ } وإن القرآن { لِتَذْكِرَةٌ } لعظة { لّلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ وَإِنَّهُ } وإن القرآن { لَحَسْرَةٌ عَلَى الكافرين } به المكذبين له إذا رأوا ثواب المصدقين به { وَإِنَّهُ } وإن القرآن { لَحَقُّ اليقين } لعين اليقين ومحض اليقين { فَسَبِّحْ باسم رَبّكَ العظيم } فسبح الله بذكر اسمه العظيم وهو قوله سبحان الله .","part":3,"page":465},{"id":1466,"text":"مكية وهي أربع وأربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَأَلَ سَآئِلٌ } هو النضر بن الحرث قال : { إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] أو هو النبي A دعا بنزول العذاب عليهم . ولما ضمن سأل معنى دعا عدى تعديته كأنه قيل : دعا داع { بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } من قولك : دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه ومنه قوله تعالى : { يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة } [ الدخان : 55 ] . و { سال } بغير همز : مدني وشامي وهو من السؤال أيضاً إلا أنه خفف بالتليين و { سَائِلٌ } مهموز إجماعاً { للكافرين } صفة ل { عَذَابِ } أي بعذاب واقع كائن للكافرين { لَيْسَ لَهُ } لذلك العذاب { دَافِعٌ } راد { مِّنَ الله } متصل بواقع أي واقع من عنده أو بدافع أي ليس له دافع من جهته تعالى إذا جاء وقته { ذِي المعارج } أي مصاعد السماء للملائكة جمع معرج وهو موضع العروج . ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال { تَعْرُجُ } تصعد . وبالياء : علي { الملائكة والروح } أي جبريل عليه السلام خصه بالذكر بعد العموم لفضله وشرفه ، أو خلق هم حفظة على الملائكة كما أن الملائكة حفظة علينا ، أو أرواح المؤمنين عند الموت { إِلَيْهِ } إلى عرشه ومهبط أمره { فِى يَوْمٍ } من صلة تعرج { كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } من سني الدنيا لو صعد فيه غير الملك ، أو «من» صلة { وَاقِعٍ } أي يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة ، فإما أن يكون استطالة له لشدته على الكفار ، أو لأنه على الحقيقة كذلك فقد قيل فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة ، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر .\r{ فاصبر } متعلق ب { سَأَلَ سَائِلٌ } لأن استعجال النضر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله A والتكذيب بالوحي ، وكان ذلك مما يضجر رسول الله A ، فأمر بالصبر عليه { صَبْراً جَمِيلاً } بلا جزع ولا شكوى { إِنَّهُمْ } إن الكفار { يَرَوْنَهُ } أي العذاب أو يوم القيامة { بَعِيداً } مستحيلاً { وَنَرَاهُ قَرِيباً } كائناً لا محالة ، فالمراد بالبعيد من الإمكان وبالقريب القريب منه . نصب { يَوْمَ تَكُونُ السماء } ب { قَرِيبًا } أي يمكن في ذلك اليوم أو هو بدل عن { فِى يَوْمٍ } فيمن علقه ب { وَاقِعٍ } { كالمهل } كدردي الزيت أو كالفضة المذابة في تلونها { وَتَكُونُ الجبال كالعهن } كالصوف المصبوغ ألواناً لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ، فإذا بست وطيرت في الجو اشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح { وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } لا يسأل قريب عن قريب لاشتغاله بنفسه .","part":3,"page":466},{"id":1467,"text":"وعن البزي والبرجمي : بضم الياء أي ولا يسأل قريب عن قريب أي لا يطالب به ولا يؤخذ بذنبه .\r{ يُبَصَّرُونَهُمْ } صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم ، أو مستأنف كأنه لما قال { وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } قيل : لعله لا يبصره . فقيل : يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم . والواو ضمير الحميم الأول و «هم» ضمير الحميم الثاني أي يبصر الأحماء الأحماء فلا يخفون عليهم . وإنما جمع الضميران وهما للحميمين لأن فعيلاً يقع موقع الجمع { يَوَدُّ المجرم } يتمنى المشرك وهو مستأنف ، أو حال من الضمير المرفوع ، أو المنصوب من { يُبَصَّرُونَهُمْ } { لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ } وبالفتح : مدني وعلي على البناء للإضافة إلى غير متمكن { بِبَنِيهِ * وصاحبته } وزوجته { وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ } وعشيرته الأدنين { التى تُئْوِيهِ } تضمه انتماء إليها . وبغير همز : يزيد . { وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً } من الناس { ثُمَّ يُنجِيهِ } الافتداء عطف على { يفتدى } .\r{ كَلاَّ } ردع للمجرم عن الودادة وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب { إِنَّهَا } إن النار ، ودل ذكر العذاب عليها ، أو هو ضمير مبهم ترجم عنه الخبر أو ضمير القصة { لظى } علم للنار { نَزَّاعَةً } حفص والمفضل على الحال المؤكدة ، أو على الاختصاص للتهويل . وغيرهما بالرفع خبر بعد خبر ل «إن» أو على «هي نزاعة» { للشوى } لأطراف الإنسان كاليدين والرجلين ، أو جمع شواة وهي جلدة الرأس تنزعها نزعاً فتفرقها ثم تعود إلى ما كانت { تَدْعُواْ } بأسمائهم يا كافر يا منافق إليّ إليّ ، أو تهلك من قولهم دعاك الله أي أهلكك ، أو لما كان مصيره إليها جعلت كأنها دعته { مَنْ أَدْبَرَ } عن الحق { وتولى } عن الطاعة { وَجَمَعَ } المال { فَأَوْعَى } فجعله في وعاء ولم يؤد حق الله منه .","part":3,"page":467},{"id":1468,"text":"{ إِنَّ الإنسان } أريد به الجنس ليصح استثناء المصلين منه { خُلِقَ هَلُوعاً } عن ابن عباس Bهما : تفسيره ما بعده { إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً } والهلع : سرعة الجزع عند مس المكروه وسرعة المنع عند مس الخير . وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلباً عن الهلع فقال : قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره ، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس ، وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه وموافقة شرعه . والشر : الضر والفقر . والخير : السعة والغنى أو المرض والصحة { إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ } أي صلواتهم الخمس { دَائِمُونَ } أي يحافظون عليها في مواقيتها . وعن ابن مسعود Bه { والذين فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ } يعني الزكاة لأنها مقدرة معلومة أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة { لَّلسَّائِلِ } الذي يسأل { والمحروم } الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنياً فيحرم { والذين يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ الدين } أي يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة { والذين هُم مّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ } خائفون . واعترض بقوله { إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ } بالهمز : سوى أبي عمرو أي لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الاجتهاد والطاعة أن يأمنه وينبغي أن يكون مترجحاً بين الخوف والرجاء .\r{ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون * إِلاَّ على أزواجهم } نسائهم { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } أي إمائهم { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } على ترك الحفظ { فَمَنِ ابتغى } طلب منكحاً { وَرَآءَ ذلك } أي غير الزوجات والمملوكات { فأولئك هُمُ العادون } المتجاوزون عن الحلال والحرام . وهذه الآية تدل على حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم والاستمناء بالكف { والذين هُمْ لأماناتهم } { لأمانتهم } مكي ، وهي تتناول أمانات الشرع وأمانات العباد { وَعَهْدِهِمْ } أي عهودهم ويدخل فيها عهود الخلق والنذور والأيمان { راعون } حافظون غير خائنين ولا ناقضين . وقيل : الأمانات ما تدل عليه العقول والعهد ما أتى به الرسول .\r{ وَالَّذِينَ هُمْ بشهاداتهم } { بشهادتهم } سهل . وبالألف : حفص وسهل ويعقوب . { قَائِمُونَ } يقيمونها عند الحكام بلا ميل إلى قريب وشريف وترجيح للقوي على الضعيف إظهاراً للصلابة في الدين ورغبة في إحياء حقوق المسلمين { وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } كرر ذكر الصلاة لبيان أنها أهم ، أو لأن إحداهما للفرائض والأخرى للنوافل . وقيل : الدوام عليها الاستكثار منها والمحافظة عليها أن لا تضيع عن مواقيتها ، أو الدوام عليها أداؤها في أوقاتها والمحافظة عليها حفظ أركانها وواجباتها وسننها وآدابها { أولئك } أصحاب هذه الصفات { فِى جنات مُّكْرَمُونَ } هما خبران .","part":3,"page":468},{"id":1469,"text":"{ فَمَالِ } كتب مفصولاً اتباعاً لمصحف عثمان Bه { الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ } نحوك معمول { مُهْطِعِينَ } مسرعين حال من { الذين كَفَرُواْ } { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال } عن يمين النبي A وعن شماله { عِزِينَ } حال أي فرقاً شتى جمع عزة وأصلها عزوة كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزى إليه الأخرى فهم مفترقون . كان المشركون يحتفّون حول النبي A حلقاً حلقاً وفرقاً فرقاً يستمعون ويستهزئون بكلامه ويقولون : إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت { أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ } بضم الياء وفتح الخاء : سوى المفضل { جَنَّةَ نَعِيمٍ } كالمؤمنين { كَلاَّ } ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة { إِنَّا خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ } أي من النطفة المذرة ولذلك أبهم إشعاراً بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ، ويقولون لندخلن الجنة قبلهم؟ أو معناه : إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم ، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان فلم يطمع أن يدخلها من لا إيمان له { فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق } مطالع الشمس { والمغارب } ومغاربها { إِنَّا لقادرون * على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مّنْهُمْ } على أن نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم وأطوع لله { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } بعاجزين .\r{ فَذَرْهُمْ } فدع المكذبين { يَخُوضُواْ } في باطلهم { وَيَلْعَبُواْ } في دنياهم { حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ } فيه العذاب { يَوْمَ } بدل من { يَوْمَهُمُ } { يَخْرُجُونَ } بفتح الياء وضم الراء : سوى الأعشى { مّنَ الأجداث } القبور { سِرَاعاً } جمع سريع حال أي إلى الداعي { كَأَنَّهُمْ } حال { إلى نُصُبٍ } شامي وحفص وسهل { نُصُبٍ } المفضل . { نَصَبٌ } غيرهم وهو كل ما نصب وعبد من دون الله { يُوفِضُونَ } يسرعون { خاشعة } حال من ضمير { يُخْرِجُونَ } أي ذليلة { أبصارهم } يعني لا يرفعونها لذلتهم { تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يغشاهم هوان { ذَلِكَ اليوم الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في الدنيا وهم يكذبون به .","part":3,"page":469},{"id":1470,"text":"{ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً } قيل : معناه بالسريانية الساكن { إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ } خوّف أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل . ومحله عند الخليل جر ، وعند غيره نصب ، أو «أن» مفسرة بمعنى «أي» لأن في الإرسال معنى القول { قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } عذاب الآخرة أو الطوفان { قَالَ ياقوم } أضافهم إلى نفسه إظهاراً للشفقة { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } مخوف { مُّبِينٌ } أبين لكم رسالة الله بلغة تعرفونها { أَنِ اعبدوا الله } وحدوه و «أن» هذه نحو { أَنْ أَنذِرِ } في الوجهين { واتقوه } واحذروا عصيانه { وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به وأنهاكم عنه ، وإنما اضافه إلى نفسه لأن الطاعة قد تكون لغير الله تعالى بخلاف العبادة { يَغْفِرْ لَكُمْ } جواب الأمر { مّن ذُنُوبِكُمْ } للبيان كقوله : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ] . أو للتبعيض لأن ما يكون بينه وبين الخلق يؤاخذ به بعد الإسلام كالقصاص وغيره كذا في شرح التأويلات . { وَيُؤَخّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهو وقت موتكم { إِنَّ أَجَلَ الله } أي الموت { إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء أجلكم لآمنتم . قيل : إن الله تعالى قضى مثلاً أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن لم يؤمنوا أهلكهم على رأس تسعمائة ، فقيل لهم : آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي تبلغوا ألف سنة ، ثم أخبر أن الأجل إذا جاء لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت . وقيل : إنهم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام ، فكأنه عليه السلام أمّنهم من ذلك ووعدهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا أي أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى أجل مسمى آمنين من عدوكم .\r{ قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } دائباً بلا فتور { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِى إِلاَّ فِرَاراً } عن طاعتك ، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده وإن لم يكن الدعاء سبباً للفرار في الحقيقة وهو كقوله : { وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] . والقرآن لا يكون سبباً لزيادة الرجس وكان الرجل يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام فيقول : احذر هذا فلا يغرنك فإن أبي قد وصاني به { وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } إلى الإيمان بك { لِتَغْفِرَ لَهُمْ } أي ليؤمنوا فتغفر لهم فاكتفى بذكر المسبب { جَعَلُواْ أصابعهم فِى * ءاذَانِهِمْ } سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي { واستغشوا ثِيَابَهُمْ } وتغطوا بثيابهم لئلا يبصرون كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله { وَأَصَرُّواْ } وأقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } وتعظموا عن إجابتي ، وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم .","part":3,"page":470},{"id":1471,"text":"{ ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جهارا } مصدر في موضع الحال أي مجاهراً ، أو مصدر دعوتهم ك «قعد القرفصاء» لأن الجهار أحد نوعي الدعاء يعني أظهرت لهم الدعوة في المحافل { ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } أي خلطت دعاءهم بالعلانية بدعاء السر ، فالحاصل أنه دعاهم ليلاً ونهاراً في السر ، ثم دعاهم جهاراً ، ثم دعاهم في السر والعلن ، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف يبتدىء بالأهون ثم بالأشد فالأشد ، فافتتح بالمناصحة في السر فلما لم يقبلوا ثنّى بالمجاهرة ، فلما لم تؤثر ثلّث بالجمع بين الإسرار والإعلان . و «ثُم» تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما .\r{ فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ } من الشرك لأن الاستغفار طلب المغفرة ، فإن كان المستغفر كافراً فهو من الكفر ، وإن كان عاصياً مؤمناً فهو من الذنوب { إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } لم يزل غفاراً لذنوب من ينيب إليه { يُرْسِلِ السماء } المطر { عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } كثيرة الدرور ومفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ } يزدكم أموالاً وبنين { وَيَجْعَل لَّكُمْ جنات } بساتين { وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } جارية لمزارعكم وبساتينكم ، وكانوا يحبون الأموال والأولاد فحرّكوا بهذا على الإيمان . وقيل : لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين ، فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب ورفع عنهم ما كانوا فيه . وعن عمر Bه أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار فقيل له : ما رأيناك استسقيت! فقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر . شبه عمر الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء وقرأ الآيات . وعن الحسن أن رجلاً شكا إليه الجدب فقال : استغفر الله . وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار . فقال له الربيع بن صبيح : أتاك رجال يشكون أبواباً فأمرتهم كلهم بالاستغفار فتلا الآيات .\r{ مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } لا تخافون لله عظمة . عن الأخفش قال : والرجاء هنا الخوف لأن مع الرجاء طرفاً من الخوف ومن اليأس والوقار العظمة ، أو لا تأملون له توقيراً أي تعظيماً . والمعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } في موضع الحال أي ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه ، وهي حال موجبة للإيمان به لأنه خلقكم أطواراً أي تارات وكرّاتٍ خلقكم أولاً نطفاً ثم خلقكم علقاً ثم خلقكم مضغاً ثم خلقكم عظاماً ولحماً ، نبههم أولاً على النظر في أنفسكم لأنها أقرب ، ثم على النظر في العالم وما سوّى فيه من العجائب الدالة على الصانع بقوله { أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سماوات طِبَاقاً } بعضاً على بعض { وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً } أي في السماوات وهو في السماء الدنيا ، لأن بين السماوات ملابسة من حيث إنها طباق وجاز أن يقال فيهن كذا وإن لم يكن في جميعهن كما يقال : في المدينة كذا وهو في بعض نواحيها .","part":3,"page":471},{"id":1472,"text":"وعن ابن عباس وابن عمر Bهم . أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماوات ، وظهورهما مما يلي الأرض ، فيكون نور القمر محيطاً بجميع السماوات لأنها لطيفة لا تحجب نوره { وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً } مصباحاً يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره ، وضوء الشمس أقوى من نور القمر ، وأجمعوا على أن الشمس في السماء الرابعة { والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض } أنشأكم استعير الإنبات للإنشاء { نَبَاتاً } فنبتم نباتاً { ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } بعد الموت { وَيُخْرِجُكُمْ } يوم القيامة { إِخْرَاجاً } أكده بالمصدر أي أيّ إخراج { والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً } مبسوطة { لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا } لتتقلبوا عليها كما يتقلب الرجل على بساطه { سُبُلاً } طرقاً { فِجَاجاً } واسعة أو مختلفة .\r{ قَالَ نُوحٌ رَّبّ إِنَّهُمْ عصونى } فيما أمرتهم به من الإيمان والاستغفار { واتبعوا } أي السفلة والفقراء { مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ } أي الرؤساء وأصحاب الأموال والأولاد { وَوُلْده } مكي وعراقي غير عاصم وهو جمع ولد كأسد وأسد { إَلاَّ خَسَارًا } في الآخرة .\r{ وَمَكَرُواْ } معطوف على { لَّمْ يَزِدْهُ } وجمع الضمير وهو راجع إلى «من» لأنه في معنى الجمع . والماكرون هم الرؤساء ، ومكرهم احتيالهم في الدنيا وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه وصدهم عن الميل إليه { مَكْراً كُبَّاراً } عظيماً وهو أكبر من الكبار وقرىء به وهو أكبر من الكبير { وَقَالُواْ } أي الرؤساء لسفلتهم { لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ } على العموم أي عبادتها { وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً } بفتح الواو وضمها وهو قراءة نافع ، لغتان : صنم على صورة رجل { وَلاَ سُوَاعاً } هو على صورة امرأة { وَلاَ يَغُوثَ } هو على صورة أسد { وَيَعُوقَ } هو على صورة فرس وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين ، وللتعريف والعجمة إن كانا أعجميين { وَنَسْراً } هو على صورة نسر أي هذه الأصنام الخمسة على الخصوص ، وكأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فخصوها بعد العموم ، وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب؛ فكان ود لكلب ، وسواع لهمدان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير . وقيل : هي أسماء رجال صالحين كان الناس يقتدون بهم بين آدم ونوح ، فلما ماتوا صوروهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى العبادة ، فلما طال الزمان قال لهم إبليس : إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم { وَقَدْ أَضَلُّواْ } أي الأصنام كقوله","part":3,"page":472},{"id":1473,"text":"{ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ } [ ابراهيم : 36 ] { كَثِيراً } من الناس أو الرؤساء { وَلاَ تَزِدِ الظالمين } عطف على { رَّبّ إِنَّهُمْ عصونى } على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد { قَالَ } وبعد الواو النائبة عنه ، ومعناه قال رب إنهم عصوني وقال لا تزد الظالمين أي قال هذين القولين وهما في محل النصب لأنهما مفعولاً { قَالَ } { إِلاَّ ضَلاَلاً } هلاكاً كقوله { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً } { مّمَّا خطيئاتهم } { خطاياهم } أبو عمرو أي ذنوبهم { أُغْرِقُواْ } بالطوفان { فَأُدْخِلُواْ نَاراً } عظيمة وتقديم { مّمَّا خطيئاتهم } لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم في النيران إلا من أجل خطيئاتهم . وأكد هذا المعنى بزيادة «ما» وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا ، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم ، وإن كانت كبراهن والفاء في { فادخلوا } للإيذان بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب الإغراق فيكون دليلاً على إثبات عذاب القبر { فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ الله أَنصَاراً } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله .\r{ وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } أي أحداً يدور في الأرض وهو فيعال من الدور وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام { إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ } ولا تهلكهم { يُضِلُّواْ عِبَادَكَ } يدعوهم إلى الضلال { وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } إلا من إذا بلغ فجر وكفر وإنما قال ذلك لأن الله تعالى أخبره بقوله : { لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ } [ هود : 36 ] { رَّبّ اغفر لِى ولوالدى } وكانا مسلمين واسم أبيه لمك ، واسم أمه شمخاء ، وقيل : هما آدم وحواء وقرىء { ولولَدَيَّ } يريد ساماً وحاماً { وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ } منزلي أو مسجدي أو سفينتي { مُؤْمِناً } لأنه علم أن من دخل بيته مؤمناً لا يعود إلى الكفر { وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } إلى يوم القيامة . خص أولاً من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه ، ثم عم المؤمنين والمؤمنات { وَلاَ تَزِدِ الظالمين } أي الكافرين { إِلاَّ تَبَاراً } هلاكاً فأهلكوا . قال ابن عباس Bهما : دعا نوح عليه السلام بدعوتين : إحداهما للمؤمنين بالمغفرة ، وأخرى على الكافرين بالتبار ، وقد أجيبت دعوته في حق الكفار بالتبار فاستحال أن لا تستجاب دعوته في حق المؤمنين . واختلف في صبيانهم حين أغرقوا فقيل : أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا . وقيل : علم الله براءتهم فأهلكوا بغير عذاب والله أعلم .","part":3,"page":473},{"id":1474,"text":"{ قُلْ } يا محمد لأمتك { أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ } أن الأمر والشأن . أجمعوا على فتح { أَنَّهُ } لأنه فاعل { أوحى } و { أَن لَّوْ استقاموا } و { أَن المساجد } للعطف على { أَنَّهُ استمع } ف «أن» مخفقة من الثقيلة و { أَن قَدْ أَبْلَغُواْ } لتعدي { يَعْلَمْ } إليها ، وعلى كسر ما بعد فاء الجزاء وبعد القول نحو { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } { وَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول ، واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا } إلى { وَأَنَّا مِنَّا المسلمون } ففتحها شامي وكوفي غير أبي بكر عطفاً على { أَنَّهُ استمع } أو على محل الجار والمجرور في { آمَنا بِهِ } تقديره : صدقناه وصدقنا { أَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا } { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } إلى آخرها ، وكسرها غيرهم عطفاً على { إِنَّا سَمِعْنَا } وهم يقفون على آخر الآيات { استمع نَفَرٌ } جماعة من الثلاثة إلى العشرة { مّن الجن } جن نصيبين { فَقَالُواْ } لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي A في صلاة الفجر { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَاً عَجَباً } عجيباً بديعاً مبايناً لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه . والعجب ما يكون خارجاً عن العادة ، وهو مصدر وضع موضع العجيب { يَهْدِى إِلَى الرشد } يدعوا إلى الصواب أو إلى التوحيد والإيمان { فَآمَنا بِهِ } بالقرآن . ولما كان الإيمان به إيماناً بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا { وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } من خلقه ، وجاز أن يكون الضمير في { بِهِ } لله تعالى لأن قوله { بِرَبّنَا } يفسره .\r{ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا } عظمته . يقال : جد فلان في عيني أي عظم ، ومنه قول عمر أو أنس : كان الرجل إذ قرأ البقرة وآل عمران جد فينا أي عظم في عيوننا { مَا اتخذ صاحبة } زوجة { وَلاَ وَلَداً } كما يقول كفار الجن والإنس { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } جاهلنا أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه { عَلَى الله شَطَطاً } كفراً لبعده عن الصواب من شطت الدار أي بعدت ، أو قولاً يجوز فيه عن الحق وهو نسبة الصاحبة والولد إليه ، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره { وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً } قولاً كذباً ، أو مكذوباً فيه ، أو نصب على المصدر إذ الكذب نوع من القول أي كان في ظننا أن أحداً لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد إليه فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم؛ كان الرجل من العرب إذا نزل بمخوف من الأرض قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد كبير الجن فقال { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن فَزَادوهُمْ } أي زاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم { رَهَقاً } طغياناً وسفهاً وكبراً بأن قالوا : سدنا الجن الإنس أو فزاد الجن الإنس رهقاً إثماً لاستعاذتهم بهم ، وأصل الرهق غشيان المحظور { وَأَنَّهُمْ } وأن الجن { ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ } يا أهل مكة { أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً } بعد الموت أي أن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم ، ثم بسماع القرآن اهتدوا وأقروا بالبعث فهلا أقررتم كما أقروا .","part":3,"page":474},{"id":1475,"text":"{ وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء } طلبنا بلوغ السماء واستماع أهلها ، واللمس . المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف { فوجدناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً } جمعاً أقوياء من الملائكة يحرسون : جمع حارس ، ونصب على التمييز . وقيل : الحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام ولذا وصف بشديد ولو نظر إلى معناه لقيل شداداً { وَشُهُباً } جمع شهاب أي كواكب مضيئة .\r{ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا } من السماء قبل هذا { مقاعد لِلسَّمْعِ } لاستماع أخبار السماء يعني كنا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشهب قبل المبعث { فَمَن يَسْتَمِعِ } يرد الاستماع { الآن } بعد المبعث { يَجِدْ لَهُ } لنفسه { شِهَاباً رَّصَداً } صفة ل { شِهَاباً } بمعنى الراصد أي يجد شهاباً راصداً له ولأجله ، أو هو اسم جمع للراصد على معنى ذوي شهاب راصدين بالرجم ، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع ، والجمهور على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد A . وقيل : كان الرجم في الجاهلية ولكن الشياطين كانت تسترق السمع في بعض الأوقات فمنعوا من الاستراق أصلاً بعد مبعث النبي A .","part":3,"page":475},{"id":1476,"text":"{ وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ } عذاب { أُرِيدَ بِمَن فِى الأرض } بعدم استراق السمع { أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } خيراً ورحمة { وَأَنَّا مِنَّا الصالحون } الأبرار المتقون { وَمِنَّا } قوم { دُونِ ذَلِكَ } فحذف الموصوف وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه أو أرادوا غير الصالحين { كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً } بيان للقسمة المذكورة أي كنا ذوي مذاهب متفرقة أو أديان مختلفة . والقدد جمع قدة وهي القطعة من قددت السير أي قطعته { وَأَنَّا ظَنَنَّا } أيقنا { أَن لَّن نُّعْجِزَ الله } لن نفوته { فِى الأرض } حال أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها { وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً } مصدر في موضع الحال أي ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء ، وهذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى } القرآن { ءَامَنَّا بِهِ } بالقرآن أو بالله { فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ } فهو لا يخاف مبتدأ وخبر { بَخْساً } نقصاً من ثوابه { وَلاَ رَهَقاً } أي ولا ترهقه ذلة من قوله : { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } [ يونس : 27 ] وقوله : { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } [ يونس : 26 ] . وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان { وَأَنَّا مِنَّا المسلمون } المؤمنون { وَمِنَّا القاسطون } الكافرون الجائرون عن طريق الحق ، قسط : جار وأقسط عدل { فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً } طلبوا هدى والتحري طلب الأحرى أي الأولى { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ } في علم الله { لِجَهَنَّمَ حَطَباً } وقوداً ، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار ويتوقف في كيفية ثوابهم { وَأَنْ } مخففة من الثقيلة يعني وأنه وهي من جملة الموحى أي أوحى إلى أن الشأن { لَوْ استقاموا } أي القاسطون { عَلَى الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم مَّاءً غَدَقاً } كثيراً ، والمعنى لوسعنا عليهم الرزق ، وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق .\r{ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ } القرآن أو التوحيد أو العبادة { يَسْلُكْهُ } بالياء : عراقي غير أبي بكر يدخله { عَذَاباً صَعَداً } شاقاً مصدر صعد يقال : صعد صعداً وصعوداً ، فوصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه ، ومنه قول عمر Bه : ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح . أي ما شق عليّ .\r{ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ } من جملة الموحى أي أوحي إلى أن المساجد أي البيوت المبنية للصلاة فيها لله . وقيل : معناه ولأن المساجد لله فلا تدعوا على أن اللام متعلقة ب { لاَّ تَدْعُواْ } أي { فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته .","part":3,"page":476},{"id":1477,"text":"وقيل : المساجد أعضاء السجود وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله } محمد عليه السلام إلى الصلاة وتقديره وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله { يَدْعُوهُ } يعبده ويقرأ القرآن ولم يقل نبي الله أو رسول الله لأنه من أحب الأسماء إلى النبي A ، ولأنه لما كان واقعاً في كلامه A عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع ، أو لأن عبادة عبد الله لله ليست بمستبعد حتى يكونوا عليه لبداً { كَادُواْ } كاد الجن { يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } جماعات جمع لبدة تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه به وإعجاباً بما تلاه من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبّى } وحده { قَالَ } غير عاصم وحمزة { وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً } في العبادة فلم تتعجبون وتزدحمون علي؟ { قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً } مضرة { وَلاَ رَشَداً } نفعاً ، أو أراد بالضر الغي بدليل قراءة أبي { غَيّاً وَلاَ رَشَداً } يعني لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم لأن الضار والنافع هو الله .\r{ قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَدٌ } لن يدفع عني عذابه أحد إن عصيته كقول صالح عليه السلام : { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ } [ هود : 63 ] { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } ملتجأ .\r{ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله } استثناء من { لا أَمْلِكُ } أي لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا بلاغاً من الله و { قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى } اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه . وقيل : { بَلاَغاً } بدل من { مُلْتَحَدًا } أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به يعني لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإن ذلك ينجيني . وقال الفراء : هذا شرط وجزاء وليس باستثناء و «إن» منفصلة من «لا» وتقديره : أن لا أبلغ بلاغاً أي إن لم أبلغ لم أجد من دونه ملتجأ ولا مجيراً لي كقولك إن لا قياماً فقعوداً ، والبلاغ في هذه الوجوه بمعنى التبليغ { ورسالاته } عطف على { بَلاَغاً } كأنه قيل : لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات أي إلا أن أبلغ عن الله فأقول قال الله كذا ناسباً لقوله إليه ، وأن أبلغ رسالته التي أرسلني بها بلا زيادة ونقصان . و «من» ليست بصلة للتبليغ لأنه يقال : بلّغ عنه ، إنما هي بمنزلة «من» في { بَرَاءةٌ مّنَ الله } [ التوبة : 1 ] أي بلاغاً كائناً من الله .\r{ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } في ترك القبول ، لما أنزل على الرسول لأنه ذكر على أثر تبليغ الرسالة { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً } وحد في قوله { لَهُ } وجمع في { خالدين } للفظ من ومعناه { حتى } يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال كأنه قيل : لا يزالون على ما هم عليه حتى { إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } من العذاب { فَسَيَعْلَمُونَ } عند حلول العذاب بهم { مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً } أهم أم المؤمنون؟ أي الكافر لا ناصر له يومئذ والمؤمن ينصره الله وملائكته وأنبياؤه { قُلْ إِنْ أَدْرِى } ما أدري { أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ } من العذاب { أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى } وبفتح الياء : حجازي وأبو عمرو { أَمَدًا } غاية بعيدة يعني أنكم تعذبون قطعاً ولكن لا أدري أهو حالّ أم مؤجل { عالم الغيب } هو خبر مبتدأ أي هو عالم الغيب { فَلاَ يُظْهِرُ } فلا يطلع { على غَيْبِهِ أَحَداً } من خلقه { إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } إلا رسولاً قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له فإن يطلعه على غيبة ما شاء .","part":3,"page":477},{"id":1478,"text":"و { مِن رَّسُولٍ } بيان ل { مَنِ ارتضى } والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم عليه ، ولكنه أخبر بناء على رؤياه أو بالفراسة على أن كل كرامة للولي فهي معجزة للرسول . وذكر في التأويلات قال بعضهم في هذه الآية بدلالة تكذيب المنجمة وليس كذلك فإن فيهم من يصدق خبره ، وكذلك المتطببة يعرفون طبائع النبات وذا لا يعرف بالتأمل فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره وبقي علمه في الخلق .\r{ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ } يدخل { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } يدي رسول { وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي { لِيَعْلَمَ } الله { أَن قَدْ أَبْلَغُواْ } أي الرسل { رسالات رَبِّهِمْ } كاملة بلا زيادة ولا نقصان إلى المرسل إليهم أي ليعلم الله ذلك موجوداً حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد ، وحد الضمير في { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } للفظ «من» ، وجمع في { أَبْلَغُواْ } لمعناه { وَأَحَاطَ } الله { بِمَا لَدَيْهِمْ } بما عند الرسل من العلم { وأحصى كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً } من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار ، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ و { عَدَدًا } حال أي وعلم كل شيء معدوداً محصوراً أو مصدر في معنى إحصاء ، والله أعلم .","part":3,"page":478},{"id":1479,"text":"مكية وهي تسع عشرة آية بصري وثمان عشرة شامي\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ يأَيُّهَا المزمل } أي المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها بإدغام التاء في الزاي . كان النبي A نائماً بالليل متزملاً في ثيابه فأمر بالقيام للصلاة بقوله { قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ } بدل من { اليل } و { إِلاَّ قَلِيلاً } استثناء من قوله { نّصْفَهُ } تقديره : قم نصف الليل إلا قليلاً من نصف الليل { أَوِ انقص مِنْهُ } من النصف . بضم الواو : غير عاصم وحمزة { قَلِيلاً } إلى الثلث { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } على النصف إلى الثلثين ، والمراد التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت ، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه ، وإن جعلت { نِّصْفَهُ } بدلاً من { قَلِيلاً } كان مخيراً بين ثلاثة أشياء : بين قيام نصف الليل تاماً ، وبين قيام الناقص منه ، وبين قيام الزائد عليه . وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل وإلا فإطلاق لفظ القليل ينطلق على ما دون النصف ولهذا قلنا : إذا أقرّ أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلاً أنه يلزمه أكثر من نصف الألف { وَرَتّلِ القرءان } بين وفصل من الثغر المرتل أي المفلج الأسنان ، وكلام رَتَلٌ بالتحريك أي مرتل ، وثغر رتل أيضاً إذا كان مستوي البنيان . أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف وحفظ الوقوف وإشباع الحركات { تَرْتِيلاً } هو تأكيد في إيجاب الأمر به وأنه لا بد منه للقارىء { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ } سننزل عليك { قَوْلاً ثَقِيلاً } أي القرآن لما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين ، أو ثقيلاً على المنافقين ، أو كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف الخفيف .\r{ إِنَّ نَاشِئَةَ اليل } بالهمزة : سوى ورش : قيام الليل . عن ابن مسعود Bه . فهي مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعلة كالعافية ، أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث ، أو ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة فساعة ، وكان زين العابدين Bه يصلي بين العشاءين ويقول هذه ناشئة الليل { هِىَ أَشَدُّ } { وطاءً } { وفاقا } شامي وأبو عمرو أي يواطيء فيها قلب القائم لسانه . وعن الحسن : أشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق . وغيرهما { وَطْأ } أي أثقل على المصلي من صلاة النهار لطرد النوم في وقته من قوله A : « اللهم اشدد وطأتك على مضر » { وَأَقْوَمُ قِيلاً } وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوء الأصوات وانقطاع الحركات { إِنَّ لَكَ فِى النهار سَبْحَاً طَوِيلاً } تصرفاً وتقلباً في مهماتك وشواغلك ففرّغ نفسك في الليل لعبادة ربك أو فراغاً طويلاً لنومك وراحتك { واذكر اسم رَبِّكَ } ودم على ذكره في الليل والنهار ، وذكر الله يتناول التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة وتلاوة القرآن ودراسة العلم { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ } انقطع إلى عبادته عن كل شيء .","part":3,"page":479},{"id":1480,"text":"والتبتل : الانقطاع إلى الله تعالى بتأميل الخير منه دون غيره . وقيل : رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله { تَبْتِيلاً } في اختلاف المصدر زيادة تأكيد أي بتّلك الله فتبتل تبتيلاً أو جيء به مراعاة لحق الفواصل .\r{ رَّبُّ المشرق والمغرب } بالرفع أي هو رب أو مبتدأ خبره { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وبالجر : شامي وكوفي غير حفص بدل من { رَبَّكَ } وعن ابن عباس Bهما على القسم بإضمار حرف القسم نحو : الله لأفعلن ، وجوابه لا إله إلا هو كقولك : والله لا أحد في الدار إلا زيد { فاتخذه وَكِيلاً } ولياً وكفيلاً بما وعدك من النصر ، أو إذا علمت أنه ملك المشرق والمغرب وأن لا إله إلا هو فاتخذه كافياً لأمورك . وفائدة الفاء أن لا تلبث بعد أن عرفت في تفويض الأمور إلى الواحد القهار إذ لا عذر لك في الانتظار بعد الإقرار .\r{ واصبر على مَا يَقُولُونَ } فيّ من الصاحبة والولد وفيك من الساحر والشاعر { واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً } جانبهم بقلبك وخالفهم مع حسن المحافظة وترك المكافأة . وقيل : هو منسوخ بآية القتال { وَذَرْنِى } أي كِلْهم إليّ فأنا كافيهم { والمكذبين } رؤساء قريش مفعول معه أو عطف على { ذَرْنِى } أي دعني وإياهم { أُوْلِى النعمة } التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة { وَمَهِّلْهُمْ } إمهالاً { قَلِيلاً } إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة { إِنَّ لَدَيْنَا } للكافرين في الآخرة { أَنكَالاً } قيوداً ثقالاً جمع نِكْل { وَجَحِيماً } ناراً محرقة { وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ } أي الذي ينشب في الحلوق فلا ينساغ يعني الضريع والزقوم { وَعَذَاباً أَلِيماً } يخلص وجعه إلى القلب . ورُوي « أنه A قرأ هذه الآية فصعق » وعن الحسن أنه أمسى صائماً فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية فقال : ارفعه . ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال : ارفعه ، وكذلك الليلة الثالثة فأخبر ثابت البناني وغيره فجاءوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق .","part":3,"page":480},{"id":1481,"text":"{ يَوْمَ } منصوب بما في { لَدَيْنَا } من معنى الفعل أي استقر للكفار لدينا كذا وكذا يوم { تَرْجُفُ الأرض والجبال } أي تتحرك حركة شديدة { وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً } رملاً مجتمعاً من كثب الشيء إذا جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول { مَّهِيلاً } سائلاً بعد اجتماعه { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ } يا أهل مكة { رَسُولاً } يعني محمداً عليه السلام { شاهدا عَلَيْكُمْ } يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم { كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } يعني موسى عليه السلام { فعصى فِرْعَوْنُ الرسول } أي ذلك الرسول «إذ» النكرة وإذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول { فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً } شديداً غليظاً . وإنما خص موسى وفرعون لأن خبرهما كان منتشراً بين أهل مكة لأنهم كانوا جيران اليهود { فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً } هو مفعول { تَتَّقُونَ } أي كيف تتقون عذاب يوم كذا إن كفرتم؟ أو ظرف أي فكيف لكم التقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟ أو منصوب ب { كَفَرْتُمْ } على تأويل جحدتم أي كيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه { يَجْعَلُ الولدان } صفة ل { يَوْماً } والعائد محذوف أي فيه { شِيباً } من هوله وشدته وذلك حين يقال لآدم عليه السلام : قم فابعث بعث النار من ذريتك وهو جمع أشيب . وقيل : هو على التمثيل للتهويل يقال لليوم الشديد : يوم يشيب نواصي الأطفال .\r{ السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } وصف لليوم بالشدة أيضاً أي السماء على عظمها وإحكامها تنفطر به أي تنشق فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ والتذكير على تأويل السماء بالسقف أو السماء شيء منفطر ، وقوله { بِهِ } أي بيوم القيامة يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله كما ينفطر الشيء بما يفطر به { كَانَ وَعْدُهُ } المصدر مضاف إلى المفعول وهو اليوم ، أو إلى الفاعل وهو الله D { مَفْعُولاً } كائناً { إِنَّ هذه } الآيات الناطقة بالوعيد { تَذْكِرَةٌ } موعظة { فَمَن شَاءَ اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } أي فمن شاء اتعظ بها واتخذ سبيلاً إلى الله بالتقوى والخشية .\r{ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى } أقل فاستعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ، وإذا بعدت كثر ذلك { مِن ثُلُثَىِ اليل } بضم اللام : سوى هشام { وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } منصوبان عطف على { أدنى } مكي وكوفي ، ومن جرهما عطف على { مِن ثُلُثَىِ } { وَطَائِفَةٌ } عطف على الضمير في { تَقُومُ } وجاز بلا توكيد لوجود الفاصل { مِّنَ الذين مَعَكَ } أي ويقوم ذلك المقدار جماعة من أصحابك { والله يقدراليل والنهار } أي ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ولا يعلم مقادير ساعاتهما إلا الله وحده .","part":3,"page":481},{"id":1482,"text":"وتقديم اسمه D مبتدأ مبنياً عليه { يقدر } هو الدال على أنه مختص بالتقدير ، ثم إنهم قاموا حتى انتفخت أقدامهم فنزل { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } لن تطيقوا قيامه على هذه المقادير إلا بشدة ومشقة وفي ذلك حرج { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } فخفف عليكم وأسقط عنكم فرض قيام الليل { فاقرءوا } في الصلاة والأمر للوجوب أو في غيرها والأمر للندب { مَا تَيَسَّرَ } عليكم { مِنَ القرءان } روى أبو حنيفة عن أبي هريرة Bه أنه قال : من قرأ مائة آية في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين . وقيل : أراد بالقرآن الصلاة لأنه بعض أركانها أي فصلوا ما تيسر عليكم ولم يتعذر من صلاة الليل وهذا ناسخ للأول ، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس ، ثم بين الحكمة في النسخ وهي تعذر القيام على المرضى والمسافرين والمجاهدين فقال { عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ } أي أنه مخففة من الثقيلة والسين بدل من تخفيفها وحذف اسمها { مَّرْضَى } فيشق عليهم قيام الليل .\r{ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الأرض } يسافرون { يَبْتَغُونَ } حال من ضمير { يَضْرِبُونَ } { مِن فَضْلِ الله } رزقه بالتجارة أو طلب العلم { وَءاخَرُونَ يقاتلون فِى سَبِيلِ الله } سوّى بين المجاهد والمكتسب لأن كسب الحلال جهاد . قال ابن مسعود Bه : أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء . وقال ابن عمر Bهما : ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } كرر الأمر بالتيسير لشدة احتياطهم { وَأَقِيمُواْ الصلاوة } المفروضة { وَءَاتُواْ الزكواة } الواجبة { وَأَقْرِضُواُ الله } بالنوافل . والقرض لغة : القطع فالمقرض يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره ، وكذا المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله لله تعالى ، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما تصدق به عليه وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة فلا يكون له عليه منة بل المنة للفقير عليه { قَرْضًا حَسَنًا } من الحلال بالاخلاص { وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ } أي ثوابه وهو جزاء الشرط { عِندَ الله هُوَ خَيْراً } مما خلفتم وتركتم فالمفعول الثاني ل { تَجِدُوهُ } { خيراً } و { هُوَ } فصل . وجاز وإن لم يقع بين معرفتين لأن أفعل من أشبه المعرفة لامتناعه من حرف التعريف { وَأَعْظَمَ أَجْراً } وأجزل ثواباً { واستغفروا الله } من السيئات والتقصير في الحسنات { إِنَّ الله غَفُورٌ } يستر على أهل الذنب والتقصير { رَّحِيمٌ } يخفف عن أهل الجهد والتوفيق وهو على ما يشاء قدير ، والله أعلم .","part":3,"page":482},{"id":1483,"text":"مكية وهي ست وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\rروى جابر أن النبي A قال : « كنت على جبل حراء : فنوديت يا محمد إنك رسول الله . فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئاً ، فنظرت إلى فوقي فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض يعني الملك الذي ناداه فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت : دثروني دثروني » فدثرته خديجة فجاء جبريل وقرأ { ياأيها المدثر } أي المتلفف بثيابه من الدثار وهو كل ما كان من الثياب فوق الشعار . والشعار : الثوب الذي يلي الجسد وأصله المتدثر فأدغم { قُمْ } من مضجعك أو قم قيام عزم وتصميم { فَأَنذِرْ } فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا ، أو فافعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد . وقيل : سمع من قريش ما كرهه فاغتم فتغطى بثوبه مفكراً كما يفعل المغموم فقيل له : يا أيها الصارف أذى الكفار عن نفسك بالدثار ، قم فاشتغل بالأنذار وإن آذاك الفجار { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } واختص ربك بالتكبير وهو التعظيم أي لا يكبر في عينك غيره وقل عندما يعروك من غير الله : الله أكبر . ورُوي أنه لما نزل قال رسول الله A « الله أكبر » فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي ، وقد يحمل على تكبير الصلاة . ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره .\r{ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } بالماء من النجاسة لأن الصلاة لا تصح إلا بها وهي الأولى في غير الصلاة ، أو فقصر مخالفة للعرب في تطويلهم الثياب وجرّهم الذيول إذ لا يؤمن معه إصابة النجاسة ، أو طهر نفسك مما يستقذر من الأفعال يقال : فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، وفلان دنس الثياب للغادر ولأن من طهر باطنه يطهر ظاهره ظاهراً { والرجز } بضم الراء : يعقوب وسهل وحفص ، وغيرهم بالكسر العذاب والمراد ما يؤدي إليه { فاهجر } أي أثبت على هجره لأنه كان بريئاً منه { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } بالرفع وهو منصوب المحل على الحال أي لا تعط مستكثراً رائياً لما تعطيه كثيراً أو طالباً أكثر مما أعطيت فإنك مأمور بأجلّ الأخلاق وأشرف الآداب ، وهو من منّ عليه إذا أنعم عليه . وقرأ الحسن { تَسْتَكْثِرُ } بالسكون جواباً للنهي { وَلِرَبِّكَ فاصبر } ولوجه الله فاستعمل الصبر على أوامره ونواهيه وكل مصبور عليه ومصبور عنه { فَإِذَا نُقِرَ فِى الناقور } نفخ في الصور وهي النفخة الأولى وقيل الثانية { فذلك } إشارة إلى وقت النقر وهو مبتدأ { يَوْمَئِذٍ } مرفوع المحل بدل من { ذلك } { يَوْمٌ عَسِيرٌ } خبر كأنه قيل : فيوم النقر يوم عسير .","part":3,"page":483},{"id":1484,"text":"والفاء في { فَإِذَا } للتسبيب وفي { فَذَلِكَ } للجزاء كأنه قيل : اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه . والعامل في { فَإِذَا } ما دل عليه الجزاء أي فإذا نقر في الناقور عسر الأمر { عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ } وأكد بقوله { غَيْرُ يَسِيرٍ } ليؤذن بأنه يسير على المؤمنين أو عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا .\r{ ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ } أي كله إليّ يعني الوليد بن المغيرة وكان يلقب في قومه بالوحيد و { مِنْ خلقت } معطوف أو مفعول معه { وَحِيداً } حال من الياء في { ذَرْنِى } أي ذرني وحدي معه فإني أكفيك أمره ، أو من التاء في { خلقت } أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد ، أو من الهاء المحذوفة ، أو من أي خلقته منفرداً بلا أهل ولا مال ثم أنعمت عليه { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } مبسوطاً كثيراً أو ممدوداً بالنماء وكان له الزرع والضرع والتجارة . وعن مجاهد : كان له مائة ألف دينار . وعنه أن له أرضاً بالطائف لا ينقطع ثمرها { وَبَنِينَ شُهُوداً } حضوراً معه بمكة لغناهم عن السفر وكانوا عشرة أسلم منهم خالد وهشام وعمارة { وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } وبسطت له الجاه والرياسة فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا { ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه فيرجو أن أزيد في ماله وولده من غير شكر . وقال الحسن : أن أزيد أن أدخله الجنة فأوتيه مالاً وولداً كما قال { لأوتين مالاً وولداً } { كَلاَّ } [ مريم : 77 ] ردع له وقطع لرجائه أي لا يجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النعم ، فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال والجاه حتى هلك { إِنَّهُ كان لآياتنا } للقرآن { عَنِيداً } معانداً جاحداً وهو تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال : لم لا يزاد؟ فقيل : إنه جحد آيات المنعم وكفر بذلك نعمته والكافر لا يستحق المزيد { سَأُرْهِقُهُ } سأغشيه { صَعُوداً } عقبة شاقة المصعد وفي الحديث \" الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبد \" { إِنَّهُ فَكَّرَ } تعليل للوعيد كأن الله تعالى عاجله بالفقر والذل بعد الغنى والعز لعناده ، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب لبلوغه بالعناد غايته ، وتسميته القرآن سحراً يعني أنه فكر ماذا يقول في القرآن { وَقَدَّرَ } في نفسه ما يقوله وهيأه .\r{ فَقُتِلَ } لعن { كَيْفَ قَدَّرَ } تعجيب من تقديره { ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } كرر للتأكيد و«ثم» يشعر بأن الدعاء الثاني أبلغ من الأول { ثُمَّ نَظَرَ } في وجوه الناس أو فيما قدر { ثُمَّ عَبَسَ } قطب وجهه { وَبَسَرَ } زاد في التقبض والكلوح { ثُمَّ أَدْبَرَ } عن الحق { واستكبر } عنه أو عن مقامه وفي مقاله .","part":3,"page":484},{"id":1485,"text":"و { ثُمَّ نَظَرَ } عطف على { فَكَّرَ وَقَدَّرَ } والدعاء اعتراض بينهما ، وإيراد «ثم» في المعطوفات لبيان أن بين الأفعال المعطوفة تراحياً { فَقَالَ إِنْ هذا } ما هذا { إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ } يروى عن السحرة . رُوي أن الوليد قال لبني مخزوم : والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو وما يعلى . فقالت قريش : صبأ والله الوليد . فقال أبو جهل وهو ابن أخيه : أنا أكفيكموه ، فقعد إليه حزيناً وكلمه بما أحماه فقام الوليد ، فأتاهم فقال : تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قط؟ وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك : اللهم لا . ثم قالوا : فما هو؟ ففكر فقال : ما هو إلا ساحر ، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ وما الذي يقوله إلا سحر يؤثر عن مسيلمة وأهل بابل ، فارتج النادي فرحاً وتفرقوا متعجبين منه . وذكر الفاء دليل على أن هذه الكلمة لما خطرت بباله نطق بها من غير تلبث { إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ البشر } ولم يذكر العاطف بين هاتين الجملتين لأن الثانية جرت مجرى التوكيد للأولى .","part":3,"page":485},{"id":1486,"text":"{ سَأُصْلِيهِ } سأدخله بدل من { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } { سَقَرَ } علم لجهنم ولم ينصرف للتعريف والتأنيث { وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ } تهويل لشأنها { لاَ تُبْقِى } أي هي لا تبقى لحماً { وَلاَ تَذَرُ } عظماً أو لا تبقى شيئاً يبقى فيها إلا أهلكته ولا تذره هالكاً بل يعود كما كان { لَوَّاحَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هي لواحة { لِّلْبَشَرِ } جمع بشرة وهي ظاهرة الجلد أي مسوّدة للجلود ومحرقة لها { عَلَيْهَا } على سقر { تِسْعَةَ عَشَرَ } أي يلي أمرها تسعة عشر ملكاً عند الجمهور . وقيل : صنفاً من الملائكة . وقيل : صفاً . وقيل : نقيباً { وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار } أي خزنتها { إِلاَّ ملائكة } لأنهم خلاف جنس المعذبين فلا تأخذهم الرأفة والرقة لأنهم أشد الخلق بأساً فللواحد منهم قوة الثقلين .\r{ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ } تسعة عشر { إِلاَّ فِتْنَةً } أي ابتلاء واختبار { لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } حتى قال أبو جهل : لما نزلت { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } أما يستطيع كل عشر منكم أن يأخذوا واحداً منهم وأنتم الدهم ، فقال أبو الأشد وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين فنزلت { وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ ملائكة } أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون . وقالوا : في تخصيص الخزنة بهذا العدد مع أنه لا يطلب في الأعداد العلل أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار ، وستة يسوقونهم ، وستة يضربونهم بمقامع الحديد ، والآخر خازن جهنم وهو مالك وهو الأكبر . وقيل : في سقر تسعة عشر دركاً وقد سلط على كل درك ملك . وقيل : يعذب فيها بتسعة عشر لوناً من العذاب وعلى كل لون ملك موكل . وقيل : إن جهنم تحفظ بما تحفظ به الأرض من الجبال وهي تسعة عشر وإن كان أصلها مائة وتسعين إلا أن غيرها يشعب عنها { لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله { وَيَزْدَادَ الذين ءَامَنُواْ } بمحمد وهو عطف على { لِيَسْتَيْقِنَ } { إيمانا } لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل ، أو يزدادوا يقيناً لموافقة كتابهم كتاب أولئك { وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون } هذا عطف أيضاً ، وفيه توكيد للاستيقان وزيادة الإيمان إذ الاستيقان وازدياد الإيمان دالان على انتفاء الارتياب . ثم عطف على { لِيَسْتَيْقِنَ } أيضاً .\r{ وَلِيَقُولَ الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } نفاق { والكافرون } المشركون فإن قلت : النفاق ظهر في المدينة والسورة مكية . قلت : معناه وليقول المنافقون الذين يظهرون في المستقبل بالمدينة بعد الهجرة والكافرون بمكة { مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } وهذا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب وذا لا يخالف كون السورة مكية .","part":3,"page":486},{"id":1487,"text":"وقيل : المراد بالمرض الشك والارتياب لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين . و { مَثَلاً } تمييز لهذا أو حال منه كقوله : { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءَايَةً } [ الأعراف : 73 ] [ هود : 64 ] ولما كان ذكر العدد في غاية الغرابة وأن مثله حقيق بأن تسير به الركبان سيرها بالأمثال سمي مثلاً ، والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب ، وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين ، وغرضهم إنكاره أصلاً وأنه ليس من عند الله وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء } الكاف نصب و«ذلك» إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يعني إضلال المنافقين والمشركين حتى قالوا ما قالوا ، وهدي المؤمنين بتصديقه ، ورؤية الحكمة في ذلك يضل الله من يشاء من عباده وهو الذي علم منه اختيار الضلال { وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } وهو الذي علم منه اختيار الاهتداء ، وفيه دليل خلق الأفعال ووصف الله بالهداية والإضلال . لما قال أبو جهل لعنه الله : أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر نزل { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ } لفرط كثرتها { إِلاَّ هُوَ } فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها { وَمَا هِىَ } متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي وما سقر وصفتها { إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ } أي تذكرة للبشر أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها .\r{ كَلاَّ } إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون { والقمر } أقسم به لعظم منافعه { واليل إِذْ أَدْبَرَ } نافع وحفص وحمزة ويعقوب وخلف . وغيرهم { إِذَا دبرٍ } ودبر بمعنى أدبر ومعناهما ولى وذهب . وقيل : أدبر ولى ومضى ، ودبر جاء بعد النهار { والصبح إِذَا أَسْفَرَ } أضاء وجواب القسم .\r{ إِنَّهَا } إن سقر { لإِحْدَى الكبر } هي جمع الكبرى أي لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر ، ومعنى كونها إحداهن أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها كما تقول : هو أحد الرجال وهي إحدى النساء { نَذِيراً } تمييز من { إِحْدَى } أي إنها لإحدى الدواهي إنذاراً كقولك : هي إحدى النساء عفافاً . وأبدل من { لّلْبَشَرِ * لِمَن شَاء مّنكُمْ } بإعادة الجار { أَن يَتَقَدَّمَ } إلى الخير { أَوْ يَتَأَخَّرَ } عنه . وعن الزجاج : إلى ما أمر وعما نهى . { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } هي ليست بتأنيث «رهين» في قوله { كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } [ الطور : 21 ] لتأنيث النفس ، لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين ، لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن ، والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك { إِلاَّ أصحاب اليمين } أي أطفال المسلمين لأنهم لا أعمال لهم يرهنون بها ، أو إلا المسلمين فإنهم فكوا رقابهم بالطاعة كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق { فِي جنات } أي هم في جنات لا يكتنه وصفها { يَتَسَاءَلُونَ عَنِ المجرمين } يسأل بعضهم بعضاً عنهم أو يتساءلون غيرهم عنهم { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } أدخلكم فيها .","part":3,"page":487},{"id":1488,"text":"ولا يقال لا يطابق قوله { مَا سَلَكَكُمْ } وهو سؤال للمجرمين قوله { يَتَسَاءلُونَ* عَنِ المجرمين } وهو سؤال عنهم ، وإنما يطابق ذلك لو قيل يتساءلون المجرمين ما سلككم ، لأن { مَا سَلَكَكُمْ } ليس ببيان للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم ، لأن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون : قلنا لهم ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ، إلا أنه اختصر كما هو نهج القرآن . وقيل : «عن» زائدة .\r{ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين } أي لم نعتقد فرضيتها { وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين } كما يطعم المسلمون { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين } الخوض : الشروع في الباطل . أي نقول الباطل والزور في آيات الله { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين } الحساب والجزاء { حتى أتانا اليقين } الموت { فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين } من الملائكة والنبيين والصالحين لأنها للمؤمنين دون الكافرين . وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين في الحديث : \" إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر \" { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة } عن التذكير وهو العظة أي القرآن { مُعْرِضِينَ } مولين حال من الضمير نحو : مالك قائماً { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ } أي حمر الوحش حال من الضمير في { مُعْرِضِينَ } { مُّسْتَنفِرَةٌ } شديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها . وبفتح الفاء : مدني وشامي أي استنفرها غيرها { فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } حال و«قد» معها مقدرة . والقسورة : الرماة أو الأسد فعولة من القسر وهو القهر والغلبة ، شبهوا في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر بحمر جدت في نفارها .\r{ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } قراطيس تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا لرسول الله A : لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها : من رب العالمين إلى فلان بن فلان نؤمر فيها باتباعك . ونحوه قوله : { لَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ } [ الإسراء : 93 ] وقيل : قالوا إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار { كَلاَّ } ردع لهم عن تلك الإرادة وزجر عن اقتراح الآيات . ثم قال : { بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة } فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف { كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة وقال : إن القرآن تذكرة بليغة كافية { فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } أي فمن شاء أن يذكره ولا ينساه فعل . فإن نفع ذلك عائد إليه { وَمَا يَذْكُرُونَ } وبالتاء : نافع ويعقوب { إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله } إلا وقت مشيئة الله وإلا بمشيئة الله { هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة } في الحديث : \" هو أهل أن يتقي وأهل أن يغفر لمن اتقاه \" والله أعلم .","part":3,"page":488},{"id":1489,"text":"{ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة } أي أقسم . عن ابن عباس : و «لا» كقوله { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } [ الحديد : 29 ] وقوله :\rفي بئر لا حور سرى وما شعر ... وكقوله :\rتذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد ضمير القلب لا يتقطع\rوعليه الجمهور وعن الفراء : «لا» رد لإنكار المشركين البعث كأنه قيل : ليس الأمر كما تزعمون ثم قيل : أقسم بيوم القيامة . وقيل : أصله لأقسم كقراءة ابن كثير على أن اللام للابتداء و { أُقْسِمُ } خبر مبتدأ محذوف أي لأنا أقسم ويقويه أنه في «الإمام» بغير الألف ثم أشبع فظهر من الإشباع ألف ، وهذا اللام يصحبه نون التأكيد في الأغلب وقد يفارقه { وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة } الجمهور على أنه قسم آخر . وعن الحسن : أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة فهي صفة ذم وعلى القسم صفة مدح أي النفس المتقية التي تلوم على التقصير في التقوى وقيل : هي نفس آدم لم تزل تلوم على فعلها التي خرجت به من الجنة ، وجواب القسم محذوف أي لتبعثن دليله { أَيَحْسَبُ الإنسان } أي الكافر المنكر للبعث { أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } بعد تفرقها ورجوعها رفاتاً مختلطاً بالتراب .\r{ بلى } أوجبت ما بعد النفي أي بلى نجمعها { قادرين } حال من الضمير في { نَّجْمَعَ } أي نجمعها قادرين على جمعها وإعادتها كما كانت { على أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ } أصابعه كما كانت في الدنيا بلا نقصان وتفاوت مع صغرها فكيف بكبار العظام . { بَلْ يُرِيدُ الإنسان } عطف على { أَيَحْسَبُ } فيجوز أن يكون مثله استفهاماً { لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان { يَسْئَلُ أَيَّانَ } متى { يَوْمُ القيامة } سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة { فَإِذَا بَرِقَ البصر } تحير فزعاً وبفتح الراء : مدني شَخَصَ { وَخَسَفَ القمر } وذهب ضوؤه أو غاب من قوله { فَخَسَفْنَا بِهِ } [ القصص : 81 ] وقرأ أبو حيوة بضم الخاء { وَجُمِعَ الشمس والقمر } أي جمع بينهما في الطلوع من المغرب أو جمعاً في ذهاب الضوء ويجمعان فيقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى { يَقُولُ الإنسان } الكافر { يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر } هو مصدر أي الفرار من النار أو المؤمن أيضاً من الهول . وقرأ الحسن بكسر الفاء وهو يحتمل المكان والمصدر { كَلاَّ } ردع عن طلب المفر { لاَ وَزَرَ } لا ملجأ { إلى رَبِّكَ } خاصة { يَوْمَئِذٍ المستقر } مستقر العباد أو موضع قرارهم من جنة أو نار مفوّض ذلك لمشيئته ، من شاء أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار .\r{ يُنَبَّؤُاْ الإنسان يَوْمَئِذٍ } يخبر { بِمَا قَدَّمَ } من عمل عمله { وَأَخَّرَ } ما لم يعمله .\r{ بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } شاهد .","part":3,"page":489},{"id":1490,"text":"والهاء للمبالغة كعلامة أو أنثه لأنه أراد به جوارحه إذ جوارحه تشهد عليه ، أو هو حجة على نفسه والبصيرة الحجة قال الله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } [ الأنعام : 104 ] وتقول لغيرك أنت حجة على نفسك . و { بَصِيرَةٌ } رفع بالابتداء وخبره { على نَفْسِهِ } تقدم عليه والجملة خبر الإنسان كقولك : زيد على رأسه عمامة . والبصيرة على هذا يجوز أن يكون الملك الموكل عليه { وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ } أرخى ستوره والمعذار الستر . وقيل : ولو جاء بكل معذرة ما قبلت منه فعليه من يكذب عذره . والمعاذير ليس بجمع معذرة لأن جمعها معاذر بل هي اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ } بالقرآن { لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } بالقرآن . وكان A يأخذ في القرآن قبل فراغ جبريل كراهة أن يتفلت منه فقيل له : لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ لتأخذه على عجلة ، ولئلا يتفلت منك . ثم علل النهي عن العجلة بقوله { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } في صدرك { وَقُرْءَانَهُ } وإثبات قراءته في لسانك ، والقرآن القراءة ونحوه { وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } [ طه : 114 ] { فَإِذَا قرأناه } أي قرأه عليك جبريل فجعل قراءة جبريل قراءته { فاتبع قُرْءَانَهُ } أي قراءته عليك { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } إذا أشكل عليك شيء من معانيه .","part":3,"page":490},{"id":1491,"text":"{ كَلاَّ } ردع عن إنكار البعث أو ردع لرسول الله A عن العجلة وإنكار لها عليه ، وأكده بقوله { بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة } كأنه قيل : بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة الدنيا وشهواتها { وَتَذَرُونَ الآخرة } الدار الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها والقراءة فيهما بالتاء : مدني وكوفي { وُجُوهٌ } هي وجوه المؤمنين { يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } حسنة ناعمة { إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة . وحمل النظر على الانتظار لأمر ربها أو لثوابه لا يصح لأنه يقال : نظرت فيه أي تفكرت ، ونظرته انتظرته ، ولا يعدى ب «إلى» إلا بمعنى الرؤية مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } كالحة شديدة العبوسة وهي وجوه الكفار { تَظُنُّ } تتوقع { أَن يُفْعَلَ بِهَا } فعل هو في شدته { فَاقِرَةٌ } داهية تقصم فقار الظهر { كَلاَّ } ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل : ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين { إِذَا بَلَغَتِ } أي الروح وجاز وإن لم يجر لها ذكر لأن الآية تدل عليها { التراقى } العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال جمع ترقوة { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } يقف حفص على { مَنْ } وقيفة أي قال حاضر والمحتضر بعضهم لبعض أيكم يرقيه مما به من الرقية من حد ضرب ، أو هو من كلام الملائكة : أيكم يرقى بروحه أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب من الرقي من حد علم .\r{ وَظَنَّ } أيقن المحتضر { أَنَّهُ الفراق } أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة { والتفت الساق بالساق } التوت ساقاه عند موته . وعن سعيد بن المسيب : هما ساقاه حين تلفان في أكفانه . وقيل : شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة على أن الساق مثل في الشدة . وعن ابن عباس Bهما : هما همّان : همّ الأهل والولد وهمّ القدوم على الواحد الصمد { إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق } هو مصدر ساقه أي مساق العباد إلى حيث أمر الله إما إلى الجنة أو إلى النار { فَلاَ صَدَّقَ } بالرسول والقرآن { وَلاَ صلى } الإنسان في قوله : { أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } [ القيامة : 3 ] { ولكن كَذَّبَ } بالقرآن { وتولى } عن الإيمان أو فلا صدق ماله يعني فلا زكاه { ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى } يتبختر وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه فأبدلت الطاء ياء لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة .\r{ أولى لَكَ } بمعنى ويل لك وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره { فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى } كرر للتأكيد كأنه قال : ويل لك فويل لك ثم ويل لك فويل لك .","part":3,"page":491},{"id":1492,"text":"وقيل : ويل لك يوم الموت ، وويل لك في القبر ، وويل لك حين البعث ، وويل لك في النار . { أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى } أيحسب الكافر أن يترك مهملاً لا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يجازى؟ { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىٍّ يمنى } بالياء : ابن عامر وحفص أي يراق المني في الرحم ، وبالتاء يعود إلى النطفة { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً } أي صار المني قطعة دم جامد بعد أربعين يوماً { فَخَلَقَ فسوى } فخلق الله منه بشراً سوياً { فَجَعَلَ مِنْهُ } من الإنسان { الزوجين الذكر والأنثى } أي من المني الصنفين { أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِىَ الموتى } أليس الفعّال لهذه الأشياء بقادر على الإعادة؟ وكان A إذا قرأها يقول : « سبحانك بلى » والله أعلم .","part":3,"page":492},{"id":1493,"text":"مكية وهي إحدى وثلاثون آية\r{ هَلْ أتى } قد مضى { عَلَى الإنسان } آدم عليه السلام { حِينٌ مّنَ الدهر } أربعون سنة مصوراً قبل نفخ الروح فيه { لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } لم يذكر اسمه ولم يدر ما يراد به لأنه كان طيناً يمر به الزمان ولو غير موجود لم يوصف بأنه قد أتى عليه حين من الدهر . ومحل { لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } النصب على الحال من الإنسان أي أتى عليه حين من الدهر غير مذكور { إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان } أي ولد آدم ، وقيل الأول ولد آدم أيضاً و { حِينٌ مِّنَ الدهر } على هذا مدة لبثه في بطن أمه إلى أن صار شيئاً مذكوراً بين الناس { مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } نعت أو بدل منها أي من نطفة قد امتزج فيها الماآن . ومشجه ومزجه بمعنى و { نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } كبرمة أعشار فهو لفظ مفرد غير جمع ولذا وقع صفة للمفرد { نَّبْتَلِيهِ } حال أي خلقناه مبتلين أي مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي له { فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً } ذا سمع وبصر .\r{ إِنَّا هديناه السبيل } بيّنا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع { إِمَّا شَاكِراً } مؤمناً { وَإِمَّا كَفُوراً } كافراً حالان من الهاء في { هديناه } أي إن شكر وكفر فقد هديناه السبيل في الحالين أو من السبيل أي عرّفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وأما سبيلاً كفوراً . ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز . ولما ذكر الفريقين أتبعهما ما أعد لهما فقال { إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سلاسلا } جمع سلسلة بغير تنوين : حفص ومكي وأبو عمرو وحمزة ، وبه ليناسب { أغلالا وَسَعِيراً } إذ يجوز صرف غير المنصرف للتناسب : غيرهم { وأغلالا } جمع غُلٍّ { وَسَعِيراً } ناراً موقدة . وقال { إِنَّ الأبرار } جمع بر أو بار كرب وأرباب وشاهد وأشهاد وهم الصادقون في الإيمان أو الذين لا يؤذون الذرّ ولا يضمرون الشر { يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } خمر فنفس الخمر تسمى كأساً . وقيل : الكأس الزجاجة إذا كان فيها خمر { كَانَ مِزَاجُهَا } ما تمزج به { كافورا } ماء كافور وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده { عَيْناً } بدل منه { يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله } أي منها أو الباء زائدة أو هو محمول على المعنى أي يلتذ بها أو يروي بها . وإنما قال أولاً بحرف «من» وثانياً بحرف الباء لأن الكأس مبتدأ شربهم وأول غايته ، وأما العين فيها يمزجون شرابهم فكأنه قيل : يشرب عباد الله بها الخمر { يُفَجّرُونَهَا } يجرونها حيث شاءوا من منازلهم { تَفْجِيرًا } سهلاً لا يمتنع عليهم .\r{ يُوفُونَ بالنذر } بما أوجبوا على أنفسهم ، وهو جواب «من» عسى أن يقول : ما لهم يرزقون ذلك؟ والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفّى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى { ويخافون يَوْماً كَانَ شَرُّهُ } شدائده { مُسْتَطِيراً } منتشراً من استطار الفجر { وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ } أي حب الطعام من الاشتهاء والحاجة إليه أو على حب الله { مِسْكِيناً } فقيراً عاجزاً عن الاكتساب { وَيَتِيماً } صغيراً لا أب له { وَأَسِيراً } مأسوراً مملوكاً أو غيره .","part":3,"page":493},{"id":1494,"text":"ثم عللوا إطعامهم فقالوا :\r{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله } أي لطلب ثوابه أو هو بيان من الله D عما في ضمائرهم ، لأن الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئاً { لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً } هدية على ذلك { وَلاَ شُكُوراً } ثناء وهو مصدر كالشكر { إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا } أي إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة ، أو إنا نخاف من ربنا فنتصدق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف { يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } وصف اليوم بصفة أهله من الأشقياء نحو : نهارك صائم . والقمطرير الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه .\r{ فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم } صانهم من شدائده { ولقاهم } أعطاهم بدل عبوس الفجار { نَضْرَةً } حسناً في الوجوه { وَسُرُوراً } فرحاً في القلوب { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على الإيثار . نزلت في علي وفاطمة وفضة جارية لهما ، لما مرض الحسن والحسين Bهما نذروا صوم ثلاثة أيام فاستقرض علي Bه من يهودي ثلاثة أصوع من الشعير ، فطحنت فاطمة Bها كل يوم صاعاً وخبزت فآثروا بذلك ثلاثة عشايا على أنفسهم مسكيناً ويتيماً وأسيراً ولم يذوقوا إلا الماء في وقت الإفطار . { جَنَّةً } بستاناً فيه مأكل هنيء { وَحَرِيراً } ملبساً بهياً { مُتَّكِئِينَ } حال من «هم» في { جزاهم } { فِيهَا } في الجنة { على الأرآئك } الأسرة جمع الأريكة { لاَ يَرَوْنَ } حال من الضمير المرفوع في { مُتَّكِئِينَ } غير رائين { فِيهَا } في الجنة { شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير فظلها دائم وهواؤها معتدل ، لا حر شمس يحمي ولا شدة برد تؤذي . وفي الحديث : \" هواء الجنة سجسج لا حر ولا قرّ \" فالزمهرير البرد الشديد . وقيل : القمر أي الجنة مضيئة لا يحتاج فيها إلى شمس وقمر { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظلالها } قريبة منهم ظلال أشجارها عطفت على جنة أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها كأنهم وعدوا بجنتين لأنهم وصفوا بالخوف بقوله : { إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا } { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] { وَذُلِّلَتْ } سخرت للقائم والقاعد والمتكىء وهو حال من { دَانِيَةٌ } أي تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها عليهم ، أو معطوفة عليها أي ودانية عليهم ظلالها ومذللة { قُطُوفُهَا } ثمارها جمع قطف .","part":3,"page":494},{"id":1495,"text":"{ تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِئَانِيَةٍ مّن فِضَّةٍ } أي يدير عليهم خدمهم كئوس الشراب . والآنية جمع إناء وهو وعاء الماء { وَأَكْوابٍ } أي من فضة جمع كوب وهو إبريق لا عروة له { كَانَتْ قَوَارِيرَاْ } «كان» تامة أي كونت فكانت قوارير بتكوين الله نصب على الحال { قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ } أي مخلوقة من فضة فهي جامعة لبياض الفضة وحسنها وصفاء القوارير وشفيفها حيث يرى ما فيها من الشراب من خارجها . قال ابن عباس Bهما : قوارير كل أرض من تربتها وأرض الجنة فضة . قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالتنوين فيهما . وحمزة وابن عامر وأبو عمرو وحفص بغير تنوين فيهما . وابن كثير بتنوين الأول والتنوين في الأول لتناسب الآي المتقدمة والمتأخرة ، وفي الثاني لإتباعه الأول . والوقف على الأول قد قيل ولا يوثق به لأن الثاني بدل من الأول { قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً } صفة ل { قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ } أي أهل الجنة قدروها على أشكال مخصوصة فجاءت كما قدروها تكرمة لهم ، أو السقاة جعلوها على قدر ريّ شاربها فهي ألذ لهم وأخف عليهم . وعن مجاهد : لا تفيض ولا تغيض .\r{ وَيُسْقَوْنَ } أي الأبرار { فِيهَا } في الجنة { كَأْساً } خمراً { كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً } بدل من { زَنجَبِيلاً } { فِيهَا } في الجنة { تسمى } تلك العين { سَلْسَبِيلاً } سميت العين زنجبيلاً لطعم الزنجبيل فيها ، والعرب تستلذه وتستطيبه . وسلسبيلاً لسلاسة انحدارها وسهولة مساغها . قال أبو عبيدة : ماء سلسبيل أي عذب طيب .","part":3,"page":495},{"id":1496,"text":"{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان } غلمان ينشئهم الله لخدمة المؤمنين ، أو ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدماً لأهل الجنة { مُّخَلَّدُونَ } لا يموتون { إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ } لحسنهم وصفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم { لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً } وتخصيص المنثور لأنه أزين في النظر من المنظوم { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ } ظرف أي في الجنة وليس ل { رَأَيْت } مفعول ظاهر ولا مقدر ليشيع في كل مرئي تقديره وإذا اكتسبت الرؤية في الجنة { رَأَيْتَ نَعِيماً } كثيراً { وَمُلْكاً كَبِيراً } واسعاً . يروى أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه . وقيل : ملك لا يعقبه هلك ، أو لهم فيها ما يشاؤون أو تسلم عليهم الملائكة ويستأذنون في الدخول عليهم { عاليهم } بالنصب على أنه حال من الضمير في { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ } أي يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثياب . وبالسكون : مدني وحمزة على أنه مبتدأ خبره { ثِيَابُ سُندُسٍ } أي ما يعلوهم من ملابسهم ثياب سندس رقيق الديباج .\r{ خُضْرٌ } جمع أخضر { وَإِسْتَبْرَقٌ } غليظ يرفعهما حملاً على الثياب : نافع وحفص ، وبجرهما : حمزة وعلي حملاً على { سُندُسٍ } وبرفع الأول وجر الثاني أو عكسه : غيرهم { وَحُلُّواْ } عطف على { وَيَطُوفُ } { أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } وفي سورة «الملائكة» : { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } [ الحج : 23 ] . قال ابن المسيب : لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة : واحدة من فضة وأخرى من ذهب وأخرى من لؤلؤ . { وسقاهم رَبُّهُمْ } أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص . وقيل : إن الملائكة يعرضون عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم ويقولون : لقد طال أخذنا من الوسائط فإذا هم بكاسات تلاقي أفواههم بغير أكف من غيب إلى عبد { شَرَاباً طَهُوراً } ليس برجس كخمر الدنيا لأن كونها رجساً بالشرع لا بالعقل ولا تكليف ثم ، أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة يقال لأهل الجنة { إِنَّ هَذَا } النعيم { كَانَ لَكُمْ جَزَاءً } لأعمالكم { وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } محموداً مقبولاً مرضياً عندنا حيث قلتم للمسكين واليتيم والأسير لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً .\r{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرءان تَنزِيلاً } تكرير الضمير بعد إيقاعه اسماً لإن تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل ليستقر في نفس النبي A أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله مفرقاً إلا حكمة وصواباً ومن الحكمة الأمر بالمصابرة { فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ } عليك بتبليغ الرسالة واحتمال الأذية وتأخير نصرتك على أعدائك من أهل مكة { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ } من الكفرة للضجر من تأخير الظفر { ءَاثِماً } راكباً لما هوى إثم داعياً لك إليه { أَوْ كَفُوراً } فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه ، لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل ما هو إثم أو كفر أو غير إثم ولا كفر ، فنهى أن يساعدهم على الأولين دون الثالث .","part":3,"page":496},{"id":1497,"text":"وقيل : الآثم عتبة لأنه كان ركاباً للمآثم والفسوق . والكفور : الوليد لأنه كان غالياً في الكفر والجحود . والظاهر أن المراد كل آثم وكافر أي لا تطع أحدهما ، وإذا نهي عن طاعة أحدهما لا بعينه فقد نهى عن طاعتهما معاً ومتفرقاً . ولو كان بالواو لجاز أن يطيع أحدهما لأن الواو للجمع فيكون منهياً عن طاعتهما معاً لا عن طاعة أحدهما ، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه كان عن طاعتهما جميعاً أنهى . وقيل : «أو» بمعنى «ولا» أي ولا تطع آثماً ولا كفوراً { واذكر اسم رَبِّكَ } صلِّ له { بُكْرَةً } صلاة الفجر { وَأَصِيلاً } صلاة الظهر والعصر .\r{ وَمِنَ اليل فاسجد لَهُ } وبعض الليل فصّل صلاة العشاءين { وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } أي تهجد له هزيعاً طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه .\r{ إِنَّ هَؤُلآء } الكفرة { يُحِبُّونَ العاجلة } يؤثرونها على الآخرة { وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ } قدامهم أو خلف ظهورهم { يَوْماً ثَقِيلاً } شديداً لا يعبئون به وهو القيامة لأن شدائده تثقل على الكفار { نَّحْنُ خلقناهم وَشَدَدْنَا } أحكمنا { أَسْرَهُمْ } خلقهم عن ابن عباس Bهما والفراء { وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أمثالهم تَبْدِيلاً } أي إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في الخلقة ممن يطيع { إِنَّ هذه } السورة { تَذْكِرَةٌ } عظة { فَمَن شَاءَ اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } بالتقرب إليه بالطاعة له واتباع رسوله { وَمَا تَشَاءُونَ } اتخاذ السبيل إلى الله . وبالياء : مكي وشامي وأبو عمرو . ومحل { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } النصب على الظرف أي إلا وقت مشيئة الله ، وإنما يشاء الله ذلك ممن علم منه اختياره ذلك . وقيل : هو لعموم المشيئة في الطاعة والعصيان والكفر والإيمان فيكون حجة لنا على المعتزلة { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بما يكون منهم من الأحوال { حَكِيماً } مصيباً في الأقوال والأفعال { يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ } وهم المؤمنون { فِى رَحْمَتِهِ } جنته لأنها برحمته تنال وهو حجة على المعتزلة لأنهم يقولون قد شاء أن يدخل كلاً في رحمته لأنه شاء إيمان الكل ، والله تعالى أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته وهو الذي علم منه أنه يختار الهدى { والظالمين } الكافرين لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها ونصب بفعل مضمر يفسره { أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } نحو : أوعد وكافأ .","part":3,"page":497},{"id":1498,"text":"مكية وهي خمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والمرسلات عُرْفاً * فالعاصفات عَصْفاً * والناشرات نَشْراً * فالفارقات فَرْقاً * فالملقيات ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً } أقسم سبحانه وتعالى بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن ، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي ، أو نشرن الشرائع في الأرض ، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أو حين ففرقن بين الحق والباطل ، فألقين ذكراً إلى الأنبياء عليهم السلام عذراً للمحقين أو نذراً للمبطلين . أو أقسم برياح عذاب أرسلهن فعصفن ، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله { ويجعله كِسَفًا } [ الروم : 48 ] فألقين ذكراً إما عذراً للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها ، واما نذراً للذين لا يشكرون وينسبون ذلك إلى الأنواء ، وجعلن ملقيات للذكر باعتبار السببية . { عُرْفاً } حال أي متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضاً ، أو مفعول له أي أرسلن للإحسان والمعروف . و { عَصْفاً } و { نَشْراً } مصدران . { أَوْ نُذْراً } أبو عمرو وكوفي غير أبي بكر وحماد . والعذر والنذر مصدران من عذر إذا محا الإساءة ، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والشكر . وانتصابهما على البدل من { ذِكْراً } أو على المفعول له .\r{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ } إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة { لَوَاقِعٌ } لكائن نازل لا ريب فيه ، وهو جواب القسم ولا وقف إلى هنا لوصل الجواب بالقسم { فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ } محيت أو ذهب بنورها وجواب { فَإِذَا } محذوف والعامل فيها جوابها وهو وقوع الفصل ونحوه ، و { النجوم } فاعل فعل يفسره { طُمِسَتْ } { وَإِذَا السماء فُرِجَتْ } فتحت فكانت أبواباً { وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ } قلعت من أماكنها { وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ } أي وقتت كقراءة أبي عمرو أبدلت الهمزة من الواو ، ومعنى توقيت الرسل تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم { لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } أخرت وأمهلت ، وفيه تعظيم لليوم وتعجيب من هوله والتأجيل من الأجل كالتوقيت من الوقت { لِيَوْمِ الفصل } بيان ليوم التأجيل وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل } تعجيب آخر وتعظيم لأمره { وَيْلٌ } مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه { سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد : 24 ] { يَوْمَئِذٍ } ظرفه { لّلْمُكَذِّبِينَ } بذلك اليوم خبره .\r{ أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين } الأمم الخالية المكذبة { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين } مستأنف بعد وقف ، وهو وعيد لأهل مكة أي ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم .","part":3,"page":498},{"id":1499,"text":"{ كذلك } مثل ذلك الفعل الشنيع { نَفْعَلُ بالمجرمين } بكل من أجرم { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بما أوعدنا { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاءٍ مَّهِينٍ } حقير وهو النطفة { فجعلناه } أي الماء { فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } مقر يتمكن فيه وهو الرحم ومحل { إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } الحال أي مؤخر إلى مقدار من الوقت معلوم قد علمه الله وحكم به وهو تسعة أشهر أو ما فوقها أو ما دونها { فَقَدَّرْنَا } فقدرنا ذلك تقديراً { فَنِعْمَ القادرون } فنعم المقدرون له نحن أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن ، والأول أحق لقراءة نافع وعلي بالتشديد ، ولقوله { مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } [ عبس : 19 ] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بنعمة الفطرة .","part":3,"page":499},{"id":1500,"text":"{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً } هو كفت الشيء إذا ضمه وجمعه وهو اسم ما يكفت كقولهم الضمام لما يضم وبه انتصب { أَحْيَاءً وأمواتا } كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتاً ، أو بفعل مضمر يدل عليه { كِفَاتاً } وهو تكفت أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها ، والتنكير فيهما للتفخيم أي تكفت أحياء لا يعدون وأمواتاً لا يحصرون { وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت { شامخات } عاليات { وأسقيناكم مَّاءً فُرَاتاً } عذاباً { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بهذه النعمة { انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } أي يقال للكافرين يوم القيامة سيروا إلى النار التي كنتم بها تكذبون { انطلقوا } تكرير للتوكيد { إلى ظِلٍّ } دخان جهنم { ذِى ثلاث شُعَبٍ } يتشعب لعظمه ثلاث شعب وهكذا الدخان العظيم يتفرق ثلاث فرق { لاَّ ظَلِيلٍ } نعت ظل أي لا مظل من حر ذلك اليوم وحر النار { وَلاَ يُغْنِى } في محل الجر أي وغير مغنٍ لهم { مِنَ اللهب } من حر اللهب شيئاً { إِنَّهَا } أي النار { تَرْمِى بِشَرَرٍ } هو ما تطاير من النار { كالقصر } في العظم . وقيل : هو الغليظ من الشجر الواحدة قصرة { كَأَنَّهُ جمالت } كوفي غير أبي بكر جمع جمل جمالات غيرهم جمع الجمع { صُفْرٌ } جمع أصفر أي سود تضرب إلى الصفرة ، وشبه الشرر بالقصر لعظمه وارتفاعه ، وبالجمال للعظم والطول واللون { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بأن هذه صفتها .\r{ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } وقرىء بنصب اليوم أي هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ ، وسئل ابن عباس Bهما عن هذه الآية وعن قوله { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [ الزمر : 31 ] فقال : في ذلك اليوم مواقف في بعضها يختصمون وفي بعضها لا ينطقون . أو لا ينطقون بما ينفعهم فجعل نطقهم كلا نطق .\r{ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ } في الاعتذار { فَيَعْتَذِرُونَ } عطف على { يُؤْذَنُ } منخرط في سلك النفي أي لا يكون لهم إذن واعتذار { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بهذا اليوم { هذا يَوْمُ الفصل } بين المحق والمبطل والمحسن والمسيء بالجزاء { جمعناكم } يا مكذبي محمد { والأولين } والمكذبين قبلكم { فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ } حيلة في دفع العذاب { فَكِيدُونِ } فاحتالوا عليّ بتخليص أنفسكم من العذاب . والكيد متعدٍ تقول : كدت فلاناً إذا احتلت عليه { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بالبعث .\r{ إِنَّ المتقين } من عذاب الله { فِى ظلال } جمع ظل { وَعُيُونٍ } جارية في الجنة { وفواكه مِمَّا يَشْتَهُونَ } أي لذيذة مشتهاة { كُلُواْ واشربوا } في موضع الحال من ضمير { المتقين } في الظرف الذي هو { فِى ظلال } أي هم مستقرون في ظلال مقولاً لهم ذلك { هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } فأحسنوا تجزوا بهذا { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بالجنة { كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ } كلام مستأنف خطاب للمكذبين في الدنيا على وجه التهديد كقوله :","part":3,"page":500},{"id":1501,"text":"{ اعملوا مَا شِئْتُمْ } [ فصلت : 40 ] { قَلِيلاً } لأن متاع الدنيا قليل { إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ } كافرون أي إن كل مجرى يأكل ويتمتع أياماً قلائل ثم يبقى في الهلاك الدائم { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالنعم { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا } اخشعوا لله وتواضعوا إليه بقبول وحيه واتباع دينه ودعوا هذا الاستكبار { لاَ يَرْكَعُونَ } لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم ، أو إذا قيل لهم صلوا لا يصلون { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالأمر والنهي { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } بعد القرآن { يُؤْمِنُونَ } أي إن لم يؤمنوا بالقرآن مع أنه آية مبصرة ومعجزة باهرة من بين الكتب السماوية فبأي كتاب بعده يؤمنون؟! والله أعلم .","part":4,"page":1},{"id":1502,"text":"مكية وهي أربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ عَمَّ } أصله «عن ما» وقرىء بها ، ثم أدغمت النون في الميم فصار «عما» وقرىء بها ، ثم حذفت الألف تخفيفاً لكثرة الاستعمال في الاستفهام وعليه الاستعمال الكثير ، وهذا استفهام تفخيم للمستفهم عنه لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية { يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً أو يسألون غيرهم من المؤمنين ، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث ويسألون المؤمنين عنه على طريق الاستهزاء { عَنِ النبإ العظيم } أي البعث وهو بيان للشأن المفخم وتقديره : عم يتساءلون يتساءلون عن النبإ العظيم { الذى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } فمنهم من يقطع بإنكاره ومنهم من يشك . وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين وكانوا جيعاً يتساءلون عنه ، فالمسلم يسأل ليزداد خشية ، والكافر يسأل استهزاء { كَلاَّ } ردع عن الاختلاف أو التساؤل هزؤاً { سَيَعْلَمُونَ } وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون عياناً أن ما يستاءلون عنه حق { ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } كرر الردع للتشديد و«ثم» يشعر بأن الثاني أبلغ من الأول وأشد .\r{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض } لما أنكروا البعث . قيل لهم : ألم يخلق من أضيف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة فلم تنكرون قدرته على البعث وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات؟ أو قيل لهم : لم فعل هذه الأشياء والحكيم لا يفعل عبثاً وإنكار البعث يؤدي إلى أنه عابث في كل ما فعل؟ { مهادا } فراشاً فرشناها لكم حتى سكنتموها { والجبال أَوْتَاداً } للأرض لئلا تيمد بكم { وخلقناكم أزواجا } ذكر أو أنثى { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } قطعاً لأعمالكم وراحة لأبدانكم والسبت القطع { وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً } ستراً يستركم عن العيون إذا أردتم إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه { وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } وقت معاش تتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم { وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً } سبع سموات { شِدَاداً } جمع شديدة أي محكمة قوية لا يؤثّر فيها مرور الزمان أو غلاظاً غلظ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام { وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } مضيئاً وقّاداً أي جامعاً للنور والحرارة والمراد الشمس { وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات } أي السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر ، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، أو الرياح لأنها تنشىء السحاب وتدر أحلافه فيصح أن تجعل مبدأ للإنزال ، وقد جاء أن الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب { مَاءً ثَجَّاجاً } منصباً بكثرة { لِّنُخْرِجَ بِهِ } بالماء { حَبّاً } كالبر والشعير { وَنَبَاتاً } وكلأ { وجنات } بساتين { أَلْفَافاً } ملتفة الأشجار واحدها لف كجذع وأجذاع ، أو لفيف كشريف وأشراف ، أو لا واحد له كأوزاع ، أو هي جمع الجمع فهي جمع لف واللف جمع لفاء وهي شجرة مجتمعة .","part":4,"page":2},{"id":1503,"text":"ولا وقف من { أَلَمْ نَجْعَلِ } إلى { أَلْفَافاً } الوقف الضروري على { أَوْتَاداً } و { مَعَاشاً } .\r{ إِنَّ يَوْمَ الفصل } بين المحسن والمسيء والمحق والمبطل { كَانَ ميقاتا } وقتاً محدوداً ومنتهى معلوماً لوقوع الجزاء أو ميعاداً للثواب والعقاب .\r{ يَوْمَ يُنفَخُ } بدل من { يَوْمُ الفصل } أو عطف بيان { فِى الصور } في القرن { فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً } حال أي جماعات مختلفة أو أمماً كل أمة مع رسولها { وَفُتِحَتِ السماء } خفيف : كوفي أي شقت لنزول الملائكة { فَكَانَتْ أبوابا } فصارت ذات أبواب وطرق وفروج ومالها اليوم من فروج { وَسُيِّرَتِ الجبال } عن وجه الأرض { فَكَانَتْ سَرَاباً } أي هباء تخيّل الشمس أنه ماء { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } طريقاً عليه ممر الخلق فالمؤمن يمر عليها والكافر يدخلها . وقيل : المرصاد الحد الذي يكون فيه الرصد أي هي حد الطاغين الذين يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم ، أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم عليها { للطاغين مَئَاباً } للكافرين مرجعاً { لابثين } ماكثين حال مقدرة من الضمير في { للطاغين } حمزة { لَّبِثِينَ } واللبث أقوى إذ اللابث من وجد منه اللبث وإن قل ، واللبث من شأنه اللبث والمقام في المكان { فِيهَا } في جهنم { أَحْقَاباً } ظرف جمع حقب وهو الدهر ولم يرد به عدد محصور بل الأبد كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية ، ولا يستعمل الحقب والحقبة إلا إذا أريد تتابع الأزمنة وتواليها . وقيل : الحقب ثمانون سنة . وسئل بعض العلماء عن هذه الآية فأجاب بعد عشرين سنة { لابثين فِيهَا أَحْقَاباً } .\r{ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً } أي غير ذائقين حال من ضمير { لابثين } فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عذبوا فيها بمنع البرد والشراب بدلوا بأحقاب أخر فيها عذاب آخر وهي أحقاب بعد أحقاب لا انقطاع لها . وقيل : هو من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه حقاب فينتصب حالاً عنهم أي لابثين فيها حقبين جهدين و { لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً } تفسير له . وقوله { إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً } استثناء منقطع أي { لاَ يَذُوقُونَ } في جهنم أو في الأحقاب { بَرْداً } روْحاً ينفس عنهم حر النار أو نوماً ومنه منع البرد البرد ، { وَلاَ شَرَاباً } يسكن عطشهم ولكن يذوقون فيها حميماً ماء حاراً يحرق ما يأتي عليه { وَغَسَّاقاً } ماء يسيل من صديدهم . وبالتشديد : كوفي غير أبي بكر { جَزَاءً } جوزوا جزاء { وفاقا } موافقاً لأعمالهم مصدر بمعنى الصفة أو ذا وفاق . ثم استأنف معللاً فقال { إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً } لا يخافون محاسبة الله إياهم أو لم يؤمنوا بالبعث فيرجوا حساباً { وَكَذَّبُواْ بئاياتنا كِذَّاباً } تكذيباً وفعّال في باب فعّل كله فاش { وَكُلَّ شىْءٍ } نصب بمضمر يفسره { أحصيناه كتابا } مكتوباً في اللوح حال أو مصدر في موضع إحصاء ، أو أحصيناً في معنى كتبنا لأن الاحصاء يكون بالكتابة غالباً . وهذه الآية اعتراض لأن قوله { فَذُوقُواْ } مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات أي فذوقوا جزاءكم والالتفات شاهد على شدة الغضب { فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } في الحديث \" هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار» . \"","part":4,"page":3},{"id":1504,"text":"{ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } مفعل من الفوز يصلح مصدراً أي نجاة من كل مكروه وظفراً بكل محبوب ويصلح للمكان وهو الجنة . ثم أبدل منه بدل البعض من الكل فقال { حَدَائِقَ } بساتين فيها أنواع الشجر المثمر جمع حديقة { وأعنابا } كروماً عطف على { حَدَائِقَ } { وَكَوَاعِبَ } نواهد { أَتْرَاباً } لدات مستويات في السن { وَكَأْساً دِهَاقاً } مملوءة .\r{ لاّ يسمعون فيها } في الجنة حال من ضمير خبر «إن» { لغواً } باطلاً { ولا كِذَّاباً } الكسائي : خفيف بمعنى مكاذبة أي لا يكذب بعضهم بعضاً ولا يكاذبه { جزاءً } مصدر أي جزاهم جزاء { مّن رَّبِّكَ عطاءً } مصدر أو بدل من { جزاء } { حساباً } صفة يعني كافياً أو على حسب أعمالهم { رّبِّ السّماواتِ والأرضِ وما بينهما الرّحمنِ } بجرهما : ابن عامر وعاصم بدلاً من { ربك } ومن رفعهما ف { رب } خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره { الرحمن } أو { الرحمن } صفته و { لا يملكون } خبر ، أو هما خبران والضمير في { لا يملكونَ } لأهل السماوات والأرض ، وفي { منه خطاباً } لله تعالى أي لا يملكون الشفاعة من عذابه تعالى إلا بإذنه أو لا يقدر أحد أن يخاطبه تعالى خوفاً { يومَ يقومُ } إن جعلته ظرفاً ل { لا يملكون } لا تقف على { خطاباً } وإن جعلته ظرفاً ل { لا يتكلمون } تقف { الرُّوحُ } جبريل عند الجمهور وقيل هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقاً أعظم منه { والملائكة صَفَّاً } حال أي مصطفين { لاّ يتكلّمون } أي الخلائق ثم خوفاً من { إلاّ من أذن له الرَّحمانُ } في الكلام أو الشفاعة { وقال صواباً } حقاً بأن قال المشفوع له لا إله إلا الله في الدنيا أو لا يؤذن إلا لمن يتكلم بالصواب في أمر الشفاعة .\r{ ذلك اليوم الحقُّ } الثابت وقوعه { فمن شاءَ اتّخَذَ إلى ربّه مئاباً } مرجعاً بالعمل الصالح { إنّا أنذرناكم } أيها الكفار { عذاباً قريباً } في الآخرة لأن ما هو آتٍ قريب { يَوْمَ ينظُرُ المرءُ } الكافر لقوله : { إنا أنذرناكم عذاباً قريباً } { ما قدّمت يداه } من الشر لقوله : { وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم } [ الأنفال : 50-51 ] . وتخصيص الأيدي لأن أكثر الأعمال تقع بها وإن احتمل أن لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام { وَيقولُ الكَافِرُ } وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة الذم ، أو المرء عام وخص منه الكافر وما قدمت يداه ما عمل من خير وشر ، أو هو المؤمن لذكر الكافر بعده وما قدم من خير . و«ما» استفهامية منصوبة ب { قدمت } أي ينظر أي شيء قدمت يداه ، أو موصولة منصوبة ب { ينظر } يقال : نظرته يعني نظرت إليه والراجع من الصلة محذوف أي ما قدمته { يا ليتني كنت تراباً } في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف أوليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أبعث . وقيل : يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده تراباً ، فيود الكافر حاله . وقيل : الكافر إبليس يتمنى أن يكون كآدم مخلوقاً من التراب ليثاب ثواب أولاده المؤمنين ، والله أعلم .","part":4,"page":4},{"id":1505,"text":"ست وأربعون آية مكية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والنّازعات غَرْقاً* والنّاشطاتِ نشطاً* والسّابحاتِ سبحاً* فالسّابقاتِ سبقاً* فالمدبّرات أمراً } لا وقف إلى هنا . ولزم هنا لأنه لو وصل لصار { يوم } ظرف { المدبرات } وقد انقضى تدبير الملائكة في ذلك اليوم . أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد غرقاً أي إغراقاً في النزع أي تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها ومواضع أظفارها ، وبالطوائف التي تنشطها أي تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم . أو بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب ، والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد ، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر ، وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه . أو بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب ، وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب ، والتي تخرج من برج إلى برج والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمراً من علم الحساب . وجواب القسم محذوف وهو «لتبعثن» لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة .\r{ يوم تَرْجُفُ } تتحرك حركة شديدة والرجف شدة الحركة { الرَّاجِفَةُ } النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها لأنها تضطرب بها الأرض حتى يموت كل من عليها { تَتْبَعُهَا } حال عن الراجفة { الرَّادِفَةُ } النفخة الثانية لأنها تردف الأولى وبينهما أربعون سنة ، والأولى تميت الخلق والثانية تحييهم { قلوبٌ يومئذٍ } قلوب منكري البعث { وَاجِفَةٌ } مضطربة من الوجيب وهو الوجيف . وانتصاب { يوم ترجف } بما دل عليه { قلوب يومئذ واجفة } أي يوم ترجف وجفت القلوب ، وارتفاع { قلوب } بالابتداء و { واجفة } صفتها { أبصارُها } أي أبصار أصحابها { خاشِعَةٌ } ذليلة لهول ما ترى حبرها { يقولونَ } أي منكرو البعث في الدنيا استهزاء وإنكاراً للبعث { أَءِنَّا لمردودون في الحافرةِ } استفهام بمعنى الإنكار أي أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا؟ والحافرة الحالة الأولى يقال لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه : رجع إلى حافرته أي إلى حالته الأولى . ويقال : النقد عند الحافرة أي عند الحالة الأولى ، وهي الصفقة أنكروا البعث . ثم زادوا استبعاداً فقالوا { أَءِذا كنا عظاماً نَّخِرَةً } بالية { ناخرة } : كوفي غير حفص . وفَعِلَ أبلغ من فاعل يقال : نخر العظم فهو نخر وناخر . والمعنى أنرد إلى الحياة بعد أن صرنا عظاماً بالية؟ و«إذا» منصوب بمحذوف وهو «نبعث» { قالوا } أي منكرو البعث { تِلْكَ } رجعتنا { إذاً كَرَّةٌ خاسرةٌ } رجعة ذات خسران أو خاسر أصحابها ، والمعنى أنها إن صحت وبعثنا فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها وهذا استهزاء منهم { فَإِنَّما هي زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ } متعلق بمحذوف أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله D فإنها سهلة هينة في قدرته فما هي إلا صيحة واحدة يريد النفخة الثانية من قولهم : زجر البعير إذا صاح عليه { فإذا هم بالسَّاهِرةِ } فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعدما كانوا أمواتاً في جوفها . وقيل : الساهرة أرض بعينها بالشأم إلى جنب بيت المقدس أو أرض مكة أو جهنم .","part":4,"page":5},{"id":1506,"text":"{ هل أتاك حديث موسى } استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن يشيع والتشريف للمخاطب به { إذ ناداه رَبُّهُ } حين ناداه { بالوَادِ المقَدَّسِ } المبارك المطهر { طوًى } اسمه { اذهب إلى فرعون } على إرادة القول { إنَّهُ طغى } تجاوز الحد في الكفر والفساد .\r{ فقل هل لّك إلى أن تزكى } هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان . وبتشديد الزاي : حجازي { وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ } وأرشدك إلى معرفة الله بذكر صفاته فتعرفه { فتخشى } لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 ] أي العلماء به . وعن بعض الحكماء : اعرف الله فمن عرف الله لم يقدر أن يعصيه طرفة عين . فالخشية ملاك الأمور من خشي الله أتى منه كل خير ، ومن آمن اجترأ على كل شر . ومنه الحديث « من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل » بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه باللطف في القول ويستنزله بالمداراة عن عتوه كما أمر بذلك في قوله تعالى : { فقولا له قولاً ليناً } [ طه : 44 ] { فأراه الآية الكبرى } أي فذهب فأرى موسى فرعون العصا أو العصا واليد البيضاء لأنهما في حكم آية واحدة { فَكَذَّبَ } فرعون بموسى والآية الكبرى وسماهما ساحراً وسحراً { وعصى } الله تعالى { ثمّ أدْبَرَ } تولى عن موسى { يسعى } يجتهد في مكايدته ، أو لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسرع في مشيته وكان طيّاشاً خفيفاً { فَحَشَرَ } فجمع السحرة وجنده { فنادى } في المقام الذي اجتمعوا فيه معه { فقال أنا ربّكم الأعلى } لا رب فوقي وكانت لهم أصنام يعبدونها { فأخذه الله نكال الآخرة } عاقبة الله عقوبة الآخرة والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم . ونصبه على المصدر لأن أخذ بمعنى نكل كأنه قيل : نكل الله به نكال الآخرة أي الإحراق { والأولى } أي الإغراق ، أو نكال كلمتيه الآخرة وهي { أنا ربكم الأعلى } والأولى وهي { ما علمت لكم من إله غيري } [ القصص : 38 ] وبينهما أربعون سنة أو ثلاثون أو عشرون { إنّ في ذلك } المذكور { لَعِبْرَةً لّمن يخشى } الله .\r{ ءَأنتُمْ } يا منكري البعث { أشَدُّ خَلْقاً } أصعب خلقاً وإنشاء { أم السَّمَاءُ } مبتدأ محذوف الخبر أي أم السماء أشد خلقاً . ثم بين كيف خلقها فقال { بناها } أي الله . ثم بين البناء فقال { رَفَعَ سَمْكَهَا } أعلى سقفها . وقيل : جعل مقدار ذهابها في سمت العلو رفيعاً مسيرة خمسمائة عام { فسواها } فعدلها مستوية بلا شقوق ولا فطور { وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } أظلمه { وأَخْرَجَ ضُحَاهَا } أبرز ضوء شمسها ، وأضيف الليل والشمس إلى السماء لأن الليل ظلمتها والشمس سراجها { والأَرْضَ بَعْدَ ذلك دَحَاهَا } بسطها وكانت مخلوقة غير مدحوة فدحيت من مكة بعد خلق السماء بألفي عام .","part":4,"page":6},{"id":1507,"text":"ثم فسر البسط فقال { أَخْرَجَ منها مَاءَها } بتفجير العيون { ومَرْعَاهَا } كلأها ولذا لم يدخل العاطف على { أخرج } أو { أخرج } حال بإضمار «قد» .\r{ والجبال أرساها } أثبتها وانتصاب الأرض والجبال بإضمار دحاً وأرسى على شريطة التفسير { متاعاً لَّكُمَ ولأنعامِكُمْ } فعل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعماكم { فإذا جاءتِ الطَّامَّةُ الكبرى } الداهية العظمى التي تطم على الدواهي أي تعلو وتغلب وهي النفخة الثانية ، أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار .\r{ يوم يَتَذَكَّرُ الإنسانُ } بدل من { إذا جاءت } أي إذا رأى أعماله مدونة في كتابه يتذكرها وكان قد نسيها { ما سعى } مصدرية أي سعيه أو موصولة { وبُرِّزَتِ الجحيم } وأظهرت { لمن يرى } لكل راء لظهورها ظهوراً بيناً .\r{ فأمّا } جواب { فإذا } أي إذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك { من طغى } جاوز الحد فكفر { وَءَاثَرَ الحَياةَ الدُّنْيَا } على الآخرة باتباع الشهوات { فإن الجَحِيمَ هِيَ المأوى } المرجع أي مأواه ، والألف واللام بدل من الإضافة وهذا عند الكوفيين ، وعند سيبويه وعند البصريين هي المأوى له { وأمّا من خاف مَقَامَ رَبِّهِ } أي علم أن له مقاماً يوم القيامة لحساب ربه { ونهى النَّفْسَ } الأمارة بالسوء { عن الهوى } المؤذي أي زجرها عن اتباع الشهوات . وقيل : هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها ، والهوى ميل النفس إلى شهواتها { فإنّ الجَنَّةَ هِيَ المأوى } أي المرجع { يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيَّانَ مُرْسَاهَا } متى إرساؤها أي إقامتها يعني متى يقيمها الله تعالى ويثبتها { فِيمَ أنتَ مِن ذِكْرَاهَآ } في شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به أي ما أنت من ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء كقولك : ليس فلان من العلم في شيء . وكان رسول الله A لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت ، فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها أي أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها .\r{ إلى رَبِّكَ مُنتَهَاها } منتهى علمها متى تكون لا يعلمها غيره ، أو فيم إنكار لسؤالهم عنها أي فيم هذا السؤال . ثم قال { أنت من ذكراها } أي إرسالك وأنت آخر الأنبياء علامة من علاماتها فلا معنى لسؤالهم عنها ، ولا يبعد أن يوقف على هذا على { فيم } وقيل { فيم أنت من ذكراها } متصل بالسؤال أي يسألونك عن الساعة أيان مرساها ويقولون أين أنت من ذكراها . ثم استأنف فقال { إلى ربك منتهاها } { إنّما أنت منذر من يخشاها } أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها . { منذر } منون : يزيد وعباس { كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا } أي الساعة { لم يَلْبَثُوا } في الدنيا { إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } أي ضحى العشية استقلوا مدة لبثهم في الدنيا لما عاينوا من الهول كقوله : { لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } [ الأحقاف : 35 ] [ يونس : 45 ] وقوله : { قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم } [ الكهف : 19 ] [ المؤمنون : 113 ] وإنما صحت إضافة الضحى إلى العشية للملابسة بينهما لاجتماعهما في نهار واحد ، والمراد أن مدة لبثهم لم تبلغ يوماً كاملاً ولكن أحد طرفي النهار عشيته أو ضحاه ، والله أعلم .","part":4,"page":7},{"id":1508,"text":"{ عَبَسَ } كلح أي النبي A { وَتَوَلَّى } أعرض { أن جَاءَهُ } لأن جاءه ومحله نصب لأنه مفعول له ، والعامل فيه { عبس } أو تولى على اختلاف المذهبين { الأعمى } عبد الله بن أم مكتوم ، وأم مكتوم أم أبيه ، وأبوه شريح بن مالك ، أتى النبي A وهو يدعو أشراف قريش إلى الإسلام فقال : يا رسول الله علمني مما علمك الله وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم ، فكره رسول الله A قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت فكان رسول الله A يكرمه بعدها ويقول : \" مرحباً بمن عاتبني فيه ربي \" واستخلفه على المدينة مرتين { وما يدريك } وأي شيء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى { لعلّه يزكى } لعل الأعمى يتطهر بما يسمع منك من دنس الجهل . وأصله يتزكى فأدغمت التاء في الزاي ، وكذا { أو يَذَّكَّرُ } يتعظ { فَتَنفَعَهُ } نصبه عاصم غير الأعشى جواباً ل «لعل» وغيره رفعه عطفاً على { يذكر } { الذكرى } ذكراك أي موعظتك أي أنك لا تدري ما هو مترقب منه من ترك ، أو تذكر ولو دريت لما فرط ذلك منك .\r{ أمّا مَنِ استغنى } أي من كان غنياً بالمال { فأَنتَ لَهُ تصدى } تتعرض بالإقبال عليه حرصاً على إيمانه { تصدى } بإدغام التاء في الصاد : حجازي { وما عليك ألاّ يزّكّى } وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام إن عليك إلا البلاغ { وأمّا من جاءَكَ يسعى } يسرع في طلب الخير { وهو يخشى } الله أو الكفار أي أذاهم في إتيانك أو الكبوة كعادة العميان { فأنت عنه تلهّى } تتشاغل وأصله تتلهى . ورُوي أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدى لغني . ورُوي أن الفقراء في مجلس الشورى كانوا أمراء . { كَلاَّ } ردع أي لا تعد إلى مثله { إنَّها } إن السورة أو الآيات { تذكرةٌ } موعظة يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها { فمن شاء ذكره } فمن شاء أن يذكره ذكره . أو ذكر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ ، والمعنى فمن شاء الذكر ألهمه الله تعالى إياه { في صُحُفٍ } صفة ل { تذكرة } أي أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح ، أو خبر مبتدأ محذوف أي هي في صحف { مُّكَرَّمَةٍ } عند الله { مَّرْفُوعَةٍ } في السماء أو مرفوعة القدر والمنزلة { مُّطَهَّرَةٍ } عن مس غير الملائكة أو عما ليس من كلام الله تعالى { بأيدي سفرةٍ } كتبة جمع سافر أي الملائكة ينتسخون الكتب من اللوح { كِرَامٍ } على الله أو عن المعاصي { بررةٍ } أتقياء جمع بار .\r{ قتل الإنسَانُ } لعل الكافر أو هو أمية أو عتبة { ما أكْفَرَهُ } استفهام توبيخ أي أي شيء حمله على الكفر ، أو هو تعجب أي ما أشد كفره { مِنْ أيِّ شيءٍ خَلَقَهُ } من أي حقير خلقه! وهو استفهام ومعناه التقرير .","part":4,"page":8},{"id":1509,"text":"ثم بين ذلك الشيء فقال { مِن نُّطفةٍ خلقه فَقَدَّرَهُ } على ما يشاء من خلقه .\r{ ثمّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } نصب السبيل بإضمار يسر أي ثم سهل له سبيل الخروج من بطن أمه أو بين له سبيل الخير والشر { ثمّ أمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } جعله ذا قبر يواري فيه لا كالبهائم كرامة له قبر الميت دفنه وأقبره الميت أمره بأن يقبره ومكنه منه { ثمّ إذا شاء أنشره } أحياه بعد موته { كَلاَّ } ردع للإنسان عن الكفر { لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ } لم يفعل هذا الكافر ما أمره الله به من الإيمان .\rولما عدد النعم في نفسه من ابتداء حدوثه إلى آن انتهائه أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه فقال { فلينظر الإنسان إلى طعامه } الذي يأكله ويحيا به كيف دبرنا أمره { أَنَّا } بالفتح : كوفي على أنه بدل اشتمال من الطعام ، وبالكسر على الاستئناف : غيرهم { صَبَبْنَا الماءَ صبًّا } يعني المطر من السحاب { ثمّ شققنا الأرض شقًّا } بالنبات { فأنبتنا فيها حبًّا } كالبر والشعير وغيرهما مما يتغذى به { وعنباً } ثمرة الكرم أي الطعام والفاكهة { وَقَضْباً } رطبة سمي بمصدر قضبه أي قطعه لأنه يقضب مرة بعد مرة { وزيتوناً وَنَخْلاً وحدائِقَ } بساتين { غُلْباً } غلاظ الأشجار جمع غلباء { وفاكهةً } لكم { وأبًّا } مرعى لدوابكم { مَّتَاعاً } مصدر أي منفعة { لّكم ولأنعامكم فإذا جاءت الصَّاخَّةُ } صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان أي تصمها وجوابه محذوف لظهوره { يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وأُمِّهِ وأَبِيهِ } لتبعات بينه وبينهم أو لاشتغاله بنفسه { وصاحِبَتِهِ } وزوجته { وَبَنِيهِ } بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أحب . قيل : أول من يفر من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم ، ومن صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح { لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنهُمْ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ } في نفسه { يُغنِيهِ } يكفيه في الاهتمام به ويشغله عن غيره .\r{ وجوهٌ يومئذٍ مُّسْفِرَةٌ } مضيئة من قيام الليل أو من آثار الوضوء { ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } أي أصحاب هذه الوجوه وهم المؤمنون ضاحكون مسرورون { ووجوهٌ يومئذٍ عليها غبرةٌ } غبار { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } يعلو الغبرة سواد كالدخان ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه { أولئك } أهل هذه الحالة { هُمُ الْكَفَرَةُ } في حقوق الله { الفَجَرَةُ } في حقوق العباد ، ولما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة ، والله أعلم .","part":4,"page":9},{"id":1510,"text":"مكية وهي تسع وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إذا الشّمس كُوِّرَتْ } ذهب بضوئها من كورت العمامة إذا لفقتها أي يلف ضوءها لفاً فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق . وارتفاع { الشمس } بالفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره { كورت } لأن «إذا» يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط { وإذا النّجوم انكدرت } تساقطت { وإذا الجبال سُيِّرَت } عن وجه الأرض وأبعدت أو سيرت في الجو تسيير السحاب { وإذا العشارُ } جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر ، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة { عُطِّلَتْ } أهملت عطلها أهلها لاشتغالهم بأنفسهم وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذه الحالة لعزتها عندهم ويعطلون ما دونها . { عطلت } بالتخفيف عن اليزيدي { وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ } جمعت من كل ناحية . قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص فإذا قضى بينها ردت أتراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم كالطاوس ونحوه . وعن ابن عباس Bهما : حشرها موتها . يقال : إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتم السنة .\r{ وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ } { سُجّرَتْ } مكي وبصري من سجر التنور إذا ملأه بالحطب أي ملئت ، وفجر بعضاً إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً . وقيل : ملئت نيراناً لتعذيب أهل النار { وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ } قرنت كل نفس بشكلها الصالح مع الصالح في الجنة والطالح مع الطالح في النار ، أو قرنت الأرواح بالأجساد ، أو بكتبها وأعمالها ، أو نفوس المؤمنين بالحور العين ونفوس الكافرين بالشياطين { وَإِذَا الموءودة } المدفونة حية ، وكانت العرب تئد البنات خشية الإملاق وخوف الاسترقاق { سُئِلَتْ } سؤال تلطف لتقول بلا ذنب قتلت ، أو لتدل على قاتلها ، أو هو توبيخ لقاتلها بصرف الخطاب عنه كقوله : { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ } [ المائدة : 116 ] الآية { بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } وبالتشديد : يزيد . وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون ، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب { وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ } { فُتِحَتْ } وبالتخفيف : مدني وشامي وعاصم وسهل ويعقوب . والمراد صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ثم تنشر إذا حوسب ، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم { وَإِذَا السماء كُشِطَتْ } قال الزجاج : قلعت كما يقلع السقف { وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ } أوقدت إيقاداً شديداً . بالتشديد : شامي ومدني وعاصم غير حماد ويحيى للمبالغة { وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ } أدنيت من المتقين كقوله : { وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } [ ق : 31 ] . فهذه اثنتا عشرة خصلة ست منها في الدنيا والباقية في الآخرة . ولا وقف مطلقاً من أول السورة إلى { مَّا أَحْضَرَتْ } لأن عامل النصب في { إِذَا الشمس } وفيما عطف عليه جوابها وهو { عَلِمَتْ نَفْسٌ } أي كل نفس ولضرورة انقطاع النفس على كل آية جوز الوقف { مَّا أَحْضَرَتْ } من خير وشر .","part":4,"page":10},{"id":1511,"text":"{ فَلاَ أُقْسِمُ } «لا» زائدة { بالخنس } بالرواجع بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوله { الجوار } السيارة { الكنس } الغيب من كنس الوحش إذا دخل كناسه . قيل : هي الدراري الخمسة : بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري ، تجري مع الشمس والقمر وترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس ، فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس . وقيل : هي جميع الكواكب { واليل إِذَا عَسْعَسَ } أقبل بظلامه أو أدبر فهو من الأضداد .\r{ والصبح إِذَا تَنَفَّسَ } امتد ضوءه . ولما كان إقبال الصبح يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفساً له مجازاً وجواب القسم { إِنَّهُ } أي القرآن { لَقَوْلُ رَسُولٍ } أي جبريل عليه السلام . وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به { كَرِيمٍ } عند ربه { ذِى قُوَّةٍ } قدرة على ما يكلف لا يعجز عنه ولا يضعف { عِندَ ذِى العرش } عند الله { مَّكِينٍ } ذي جاه ومنزلة . ولما كانت على حال المكانة على حسب حال المكين قال { عِندَ ذِى العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته { مطاع ثَمَّ } أي في السماوات يطيعه من فيها أو عند ذي العرش أي عند الله يطيعه ملائكته المقربون يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه { أَمِينٍ } على الوحي { وَمَا صاحبكم } يعني محمداً A { بِمَجْنُونٍ } كما تزعم الكفرة وهو عطف على جواب القسم .\r{ وَلَقَدْ رَءَاهُ } رأى محمد جبريل عليهما السلام على صورته { بالأفق المبين } بمطلع الشمس { وَمَا هُوَ عَلَى الغيب } وما محمد على الوحي { بِضَنِينٍ } ببخيل من الضن وهو البخل أي لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئاً مما علم . { بظنين } مكي وأبو عمرو وعلي أي بمتهم فينقص شيئاً مما أوحي إليه أو يزيد فيه من الظنة وهي التهمة { وَمَا هُوَ } وما القرآن { بِقَوْلِ شيطان رَّجِيمٍ } طريد وهو كقوله : { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين } [ الشعراء : 210 ] . أي ليس هو بقول بعض المسترقة للسمع وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في بنيات الطريق أي تذهب؟ . مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدو لهم عنه إلى الباطل . وقال الزجاج : معناه فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد : فأين تذهبون عنا وإن من شيء إلا عندنا { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين } ما القرآن إلا عظة للخلق { لِمَن شَاءَ مِنكُمْ } بدل من { العالمين } { أَن يَسْتَقِيمَ } أي القرآن ذكر لمن شاء الاستقامة يعني أن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعوظين جميعاً { وَمَا تَشَاءُونَ } الاستقامة { إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ العالمين } مالك الخلق أجمعين .","part":4,"page":11},{"id":1512,"text":"مكية وهي تسع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا السماء انفطرت } انشقت { وَإِذَا الكواكب انتثرت } تساقطت { وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ } فتح بعضها إلى بعض وصارت البحار بحراً واحداً { وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ } بحثت وأخرج موتاها وجواب «إذا» { عَلِمَتْ نَفْسٌ } أي كل نفس برة وفاجرة { مَّا قَدَّمَتْ } ما عملت من طاعة { وَأَخَّرَتْ } وتركت فلم تعمل أو ما قدمت من الصدقات وما أخرت من الميراث { ياأيها الإنسان } قيل : الخطاب لمنكري البعث { مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم * الذى خَلَقَكَ } أي شيء خدعك حتى ضيعت ما وجب عليك مع كرم ربك حيث أنعم عليك بالخلق والتسوية والتعديل؟ وعنه عليه السلام حين تلاها غره جهله . وعن عمر Bه : غره حمقه . وعن الحسن : غره شيطانه . وعن الفضيل : لو خوطبت أقول غرتني ستورك المرخاة . وعن يحيى بن معاذ أقول : غرني برك بي سالفاً وآنفاً { فَسَوَّاكَ } فجعلك مستوي الخلق سالم الأعضاء { فَعَدَلَكَ } فصيّرك معتدلاً متناسب الخلق من غير تفاوت فيه فلم يجعل إحدى اليدين أطول ، ولا إحدى العينين أوسع ، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود ، أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائماً لا كالبهائم . وبالتخفيف : كوفي وهو بمعنى المشدد أي عدّل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت فكنت معتدل الخلقة متناسباً { فِى أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ } «ما» مزيد للتوكيد أي ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر ، ولم تعطف هذه الجملة كما عطف ما قبلها لأنها بيان ل { عدلك } والجار يتعلق ب { رَكَّبَكَ } على معنى وضعك في بعض الصور ومكنك فيها ، أو بمحذوف أي ركبك حاصلاً في بعض الصور .\r{ كَلاَّ } ردع عن الغفلة عن الله تعالى { بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين } أصلاً وهو الجزاء أو دين الإسلام فلا تصدقون ثواباً ولا عقاباً { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين } أعمالكم وأقوالكم من الملائكة { كِرَاماً كاتبين } يعني أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم . وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من جلائل الأمور ، وفيه إنذار وتهويل للمجرمين ولطف للمتقين . وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على الغافلين! { إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ } إن المؤمنين لفي نعيم الجنة { وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } وإن الكفار لفي النار { يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين } يدخلونها يوم الجزاء .\r{ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } أي لا يخرجون منها كقوله تعالى : { وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } [ المائدة : 37 ] [ البقرة : 167 ] . ثم عظم شأن يوم القيامة فقال { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين } فكرر للتأكيد والتهويل وبينه بقوله { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً } أي لا تستطيع دفعاً عنها ولا نفعاً لها بوجه وإنما تملك الشفاعة بالإذن . { يَوْم } بالرفع : مكي وبصري أي هو يوم ، أو بدل من { يَوْم الدين } ومن نصب فبإضمار «اذكر» أو بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه { والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } أي لا أمر إلا لله تعالى وحده فهو القاضي فيه دون غيره .","part":4,"page":12},{"id":1513,"text":"مختلف فيها وهي ست وثلاثون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَيْلٌ } مبتدأ خبره { لّلْمُطَفّفِينَ } للذين يبخسون حقوق الناس في الكيل والوزن { الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ } أي إذا أخذوا بالكيل من الناس يأخذون حقوقهم وافية تامة . ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل على مكان من للدلالة على ذلك ، ويجوز أن يتعلق «على» ب { يَسْتَوْفُونَ } ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص أي يستوفون على الناس خاصة . وقال الفراء : «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه ، فإذا قال : اكتلت عليك فكأنه قال : أخذت ما عليك ، وإذا قال : اكتلت منك فكأنه قال : استوفيت منك . والضمير المنصوب في { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } راجع إلى الناس أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل . وإنما لم يقل أو اتزنوا كما قيل { أَوْ وَّزَنُوهُمْ } اكتفاء ، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء ، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين { يُخْسِرُونَ } ينقصون يقال خسر الميزان وأخسره .\r{ أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني يوم القيامة . أدخل همزة الاستفهام على «لا» النافية توبيخاً وليست «ألا» هذه للتنبيه ، وفيه إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة ، ولو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن . وعن عبد الملك بن مروان أن أعرابياً قال له : لقد سمعت ما قال الله في المطففين ، أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ونصب؟! { يَوْمَ يَقُومُ الناس } بمبعوثون { لِرَبّ العالمين } لأمره وجزائه . وعن ابن عمر Bهما أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده { كَلاَّ } ردع وتنبيه أي ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب ، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه .\rثم اتبعه وعيد الفجار على العموم فقال { إِنَّ كتاب الفجار } صحائف أعمالهم { لَفِى } { سِجّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ * كتاب مَّرْقُومٌ } فإن قلت : قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجار بأنه في سجين وفسر سجيناً بكتاب مرقوم فكأنه قيل : إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟ قلت : سجين كتاب جامع هو ديوان الشرّ دوّن الله فيه أعمال الشياطين والكفرة من الجن والإنس ، وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة ، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه من رقم الثياب علامتها .","part":4,"page":13},{"id":1514,"text":"والمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان . وسمي سجيناً فعّيلاً من السجن وهو الحبس والتضييق لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم ، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم وهو مسكن إبليس وذريته ، وهو اسم علم منقول من وصف كحاتم منصرف لوجود سبب واحد وهو العلمية فحسب { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ } يوم يخرج المكتوب { لّلْمُكَذّبِينَ الذين يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ الدين } الجزاء والحساب { وَمَا يُكَذّبُ بِهِ } بذلك اليوم { إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ } مجاوز للحد { أَثِيمٍ } مكتسب للإثم { إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا } أي القرآن { قَالَ أساطير الأولين } أي أحاديث المتقدمين . وقال الزجاج : أساطير أباطيل واحدها أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث .\r{ كَلاَّ } ردع للمعتدي الأثيم عن هذا القول { بَلْ } نفي لما قالوا ويقف حفص على { بَل } وقيفة { رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } عطاها كسبهم أي غلب على قلوبهم حتى غمرها ما كانوا يكسبون من المعاصي . وعن الحسن : الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب . وعن الضحاك : الرين موت القلب . وعن أبي سليمان : الرين والقسوة زماماً الغفلة ودواؤهما إدمان الصوم فإن وجد بعد ذلك قسوة فليترك الإدام .\r{ كَلاَّ } ردع عن الكسب الرائن على القلب { إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ } عن رؤية ربهم { يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } لممنوعون والحجب : المنع قال الزجاج : في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم وإلا لا يكون التخصيص مفيداً . وقال الحسين بن الفضل : كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في العقبى عن رؤيته . وقال مالك بن أنس C : لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه . وقيل : عن كرامة ربهم لأنهم في الدنيا لم يشكروا نعمه فيئسوا في الآخرة عن كرامته مجازاة . والأول أصح لأن الرؤية أقوى الكرامات فالحجب عنها دليل الحجب عن غيرها { ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم } ثم بعد كونهم محجوبين عن ربهم لداخلون النار { ثُمَّ يُقَالُ هذا الذى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } أي هذا العذاب هو الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتنكرون وقوعه .\r{ كَلاَّ } ردع عن التكذيب { إِنَّ كتاب الأبرار } ما كتب من أعمالهم والأبرار المطيعون الذين لا يطففون ويؤمنون بالبعث لأنه ذكر في مقابلة الفجار ، وبيّن الفجار بأنهم المكذبون بيوم الدين . وعن الحسن : البر الذي لا يؤذي الذر { لَفِى عِلِّيِّينَ } هو علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع «عليّ» فعيل من العلو سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة ، أو لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريماً له { وَمَا أَدْرَاكَ } ما الذي أعلمك يا محمد { مَا عِلِّيُّونَ } أي شيء هو { كتاب مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ المقربون } تحضره الملائكة .","part":4,"page":14},{"id":1515,"text":"قيل : يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء إذا رفع { إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ } تنعم في الجنان { على الأرآئك } الأسرة في الحجال { يَنظُرُونَ } إلى كرامة الله ونعمه وإلى أعدائهم كيف يعذبون { تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم } بهجة التنعم وطراوته { يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ } شراب خالص لا غش فيه { مَّخْتُومٍ * ختامه مِسْكٌ } تختم أوانيه بمسك بدل الطين الذي يختم به الشراب في الدنيا . أمر الله تعالى بالختم عليه إكراماً لأصحابه أو ختامه مسك مقطعه رائحة مسك أي توجد رائحة المسك عند خاتمة شربه . { خاتمه } عليّ { وَفِى ذَلِكَ } الرحيق أو النعيم { فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون } فليرغب الراغبون وذا إنما يكون بالمسارعة إلى الخيرات والانتهاء عن السيئات { وَمِزَاجُهُ } ومزاج الرحيق { مِن تَسْنِيمٍ } هو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنّمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب في الجنة ، أو لأنها تأتيهم من فوق وتنصب في أوانيهم { عَيْناً } حال أو نصب على المدح { يَشْرَبُ بِهَا } أي منها { المقربون } عن ابن عباس وابن مسعود Bهم : يشربها المقربون صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين .\r{ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ } كفروا { كَانُواْ مِنَ الذين ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ } في الدنيا استهزاء بهم .\r{ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } يشير بعضهم إلى بعض بالعين طعناً فيهم وعيباً لهم . قيل : جاء علي Bه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا وقالوا : أترون هذا الأصلع فنزلت قبل أن يصل عليّ إلى رسول الله A { وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ } أي إذا رجع إلى الكفار منازلهم { انقلبوا فَكِهِينَ } متلذذين بذكرهم والسخرية منهم . وقرأ غير حفص { فاكهين } أي فرحين { وَإِذَا رَأَوْهُمْ } وإذا رأى الكافرون المؤمنين { قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ } أي خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات ، فقد تركوا الحقيقة بالخيال وهذا هو عين الضلال { وَمَا أُرْسِلُواْ } وما أرسل الكفار { عَلَيْهِمْ } على المؤمنين { حافظين } يحفظون عليهم أحوالهم ويرقبون أعمالهم بل أمروا بإصلاح أنفسهم فاشتغالهم بذلك أولى بهم من تتبع غيرهم وتسفيه أحلامهم { فاليوم } أي من يوم القيامة { الذين ءَامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } ثم كما ضحكوا منهم هنا مجازاة { عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ } حال أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والاستكبار وهم على الأرائك آمنون . وقيل : يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم : هلموا إلى الجنة ، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم { هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا إذا فعل بهم ما ذكر؟ والله أعلم .","part":4,"page":15},{"id":1516,"text":"{ إِذَا السماء انشقت } تصدعت وتشققت { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } سمعت وأطاعت وأجابت ربها إلى الانشقاق ولم تأب ولم تمتنع { وَحُقَّتْ } وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر الله إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى { وَإِذَا الأرض مُدَّتْ } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } ورمت ما في جوفها من الكنوز والموتى { وَتَخَلَّتْ } وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو . يقال : تكرم الكريم إذا بلغ جهده في الكرم وتكلف فوق ما في طبعه { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } في إلقاء ما في بطنها وتخليها { وَحُقَّتْ } وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع ، وحذف جواب «إذا» ليذهب المقدر كل مذهب ، أو اكتفاء بما على بمثلها من سورتي التكوير والانفطار ، أو جوابه ما دل عليه { فملاقيه } أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه .","part":4,"page":16},{"id":1517,"text":"{ ياأيها الإنسان } خطاب للجنس { إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً } جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء { فملاقيه } الضمير للكدح وهو جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها ، والمراد جزاء الكدح إن خيراً فخير وإن شراً فشر . وقيل : لقاء الكدح لقاء كتاب فيه ذلك الكدح يدل عليه قوله { فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ } أي كتاب عمله { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } سهلاً هيناً وهو أن يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات . وفي الحديث « من يحاسب يعذب » فقيل : فأين قوله { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } ؟ قال : « ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب » { وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ } إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين ، أو إلى فريق المؤمنين ، أو إلى أهله في الجنة من الحور العين { مَسْرُوراً } فرحاً { وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه وَرَاءَ ظَهْرِهِ } قيل : تغل يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره { فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً } يقول : يا ثبوراه والثبور الهلاك { ويصلى } عراقي غير علي { سَعِيراً } أي ويدخل جهنم { إِنَّهُ كَانَ } في الدنيا { فِى أَهْلِهِ } معهم { مَسْرُوراً } بالكفر يضحك ممن آمن بالبعث . قيل : كان لنفسه متابعاً وفي مراتع هواه راتعاً .\r{ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } لن يرجع إلى ربه تكذيباً بالبعث . قال ابن عباس Bهما : ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها : حوري أي ارجعي { بلى } إيجاب لما بعد النفي في { لَّن يَحُورَ } أي بلى ليحورن { إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ } وبأعماله { بَصِيراً } لا يخفى عليه فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها .\r{ فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق } فأقسم بالبياض بعد الحمرة أو الحمرة { واليل وَمَا وَسَقَ } جمع وضم والمراد ما جمعه من الظلمة والنجم ، أو من عمل فيه من التهجد وغيره { والقمر إِذَا اتسق } اجتمع وتم بدراً افتعل من الوسق { لَتَرْكَبُنَّ } أيها الإنسان على إرادة الجنس { طَبَقاً عَن طَبقٍ } حالاً بعد حال ، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول . والطبق ما طابق غيره يقال : ما هذا بطبق لذا أي لا يطابقه ، ومنه قيل للغطاء الطبق ، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم : هو على طبقات ، أي لتركبن أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها . ومحل { عَن طَبقٍ } نصب على أنه صفة ل { طَبَقاً } أي طبقاً مجاوزاً لطبق ، أو حال من الضمير في { لَتَرْكَبُنَّ } أي لتركبن طبقاً مجاوزين لطبق .","part":4,"page":17},{"id":1518,"text":"وقال مكحول : في كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه . وبفتح الباء : مكي وعلي وحمزة . والخطاب له عليه السلام أي طبقاً من طباق السماء بعد طبق أي في المعراج .\r{ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فما لهم في أن لا يؤمنوا { وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرءان لاَ يَسْجُدُونَ } لا يخضعون { بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ } بالبعث والقرآن { والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر وتكذيب النبي A ، أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أخبرهم خبراً يظهر أثره على بشرتهم { إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } استثناء منقطع { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } غير مقطوع أو غير منقوص ، والله أعلم .","part":4,"page":18},{"id":1519,"text":"مكية وهي اثنتان وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والسماء ذَاتِ البروج } هي البروج الاثنا عشر . وقيل : النجوم أو عظام الكواكب { واليوم الموعود } يوم القيامة { وشاهد وَمَشْهُودٍ } أي وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه ، والمراد بالشاهد من يشهد فيه من الخلائق كلهم ، وبالمشهود فيه ما في ذلك اليوم من عجائبه . وطريق تنكيرهما إما ما ذكرته في قوله { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } [ التكوير : 14 ] كأنه قيل : ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود ، وإما للإبهام في الوصف كأنه قيل : وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما . وقد كثرت أقاويل المفسرين فيهما فقيل : محمد A ويوم القيامة أو عيسى وأمته لقوله : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } [ المائدة : 117 ] . أو أمة محمد وسائر الأمم ، أو الحجر الأسود والحجيج ، أو الأيام والليالي وبنو آدم للحديث : « ما من يوم إلا وينادي أنا يوم جديد وعلى ما يفعل فيّ شهيد فاغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة » أو الحفظة وبنو آدم ، أو الله تعالى والخلق لقوله تعالى : { وكفى بالله شَهِيداً } [ الفتح : 28 ] [ النساء : 79 ] أو الأنبياء ومحمد عليهم السلام . وجواب القسم محذوف يدل عليه { قُتِلَ أصحاب الأخدود } أي لعن كأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء إنهم ملعونون يعني كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود ، وهو خد أي شق عظيم في الأرض .\rرُوي عن النبي A أنه كان لبعض الملوك ساحر فلما كبر ضموا إليه غلاماً ليعلمه السحر . وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس فأخذ حجراً فقال : « اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها » فقتلها فكان الغلام بعد ذلك يبرىء الأكمه والأبرص . وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله من رد عليك بصرك؟ فقال : ربي . فغضب فعذبه فدل على الغلام ، فعذبه فدل على الراهب ، فلم يرجع الراهب عن دينه فقدّ بالمنشار ، وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا ، فذهب به إلى قرقور فلجّجوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا فقال للملك : لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول : باسم الله رب الغلام ثم ترميني به ، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه فمات فقال الناس : آمنا برب الغلام . فقيل للملك : نزل بك ما كنت تحذر . فخدّ أخدوداً وملأها ناراً فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي : يا أماه اصبري فإنك على الحق فألقي الصبي وأمه فيها { النار } بدل اشتمال من الأخدود { ذَاتِ الوقود } وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس { إِذْ } ظرف لقتل أي لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها { هُمْ عَلَيْهَا } أي الكفار على ما يدنو منها من حافات الأخدود { قُعُودٌ } جلوس على الكراسي { وَهُمْ } أي الكفار { على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين } من الإحراق { شُهُودٌ } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب ، وفيه حث للمؤمنين على الصبر وتحمل أذى أهل مكة { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ } وما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله :","part":4,"page":19},{"id":1520,"text":"ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... وقوله :\rما نقموا من بني أمية إل ... لاّ أنهم يحلمون إن غضبوا\rوقرىء { نَقَمُواْ } بالكسر والفصيح هو الفتح { بالله العزيز الحميد } ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزاً غالباً قادرا يخشى عقابه حميداً منعماً يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه { الذى لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض } فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقريراً لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل ، وأن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب عظيم { والله على كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } وعيد لهم يعني أنه علم ما فعلوا وهو مجازيهم عليه .","part":4,"page":20},{"id":1521,"text":"{ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات } يجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة وبالذين آمنوا المطروحين في الأخدود ، ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لم يرجعوا عن كفرهم { فَلَهُمْ } في الآخرة { عَذَابُ جَهَنَّمَ } بكفرهم { وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق } في الدنيا لما رُوي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم ، ويجوز أن يريد الذين فتنوا المؤمنين أي بلوهم بالأذى على العموم والمؤمنين المفتونين ، وأن للفاتنين عذابين في الآخرة لكفرهم ولفتنتهم .\r{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ذَلِكَ الفوز الكبير } أي الذين صبروا على تعذيب الأخدود أو هو عام { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } البطش : الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم ، والمراد أخذه الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد أن صيرهم تراباً ، دل باقتداره على الابداء والإعادة على شدة بطشه ، أو أوعد الكفرة بأنه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم إذ لم يشكروا نعمة الابداء وكذبوا بالإعادة { وَهُوَ الغفور } الساتر للعيوب العافي عن الذنوب { الودود } المحب لأوليائه . وقيل : الفاعل لأهل الطاعة ما يفعله الودود من إعطائهم ما أرادوا { ذُو العرش } خالقه ومالكه { المجيد } وبالجر : حمزة وعلي على أنه صفة للعرش ومجد الله عظمته ومجد العرش علوه وعظمه { فَعَّالٌ } خبر مبتدأ محذوف { لِّمَا يُرِيدُ } تكوينه فيكون فيه دلالة خلق أفعال العباد .\r{ هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود } أي قد أتاك خبر الجموع الطاغية في الأمم الخالية { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من { الجنود } وأراد بفرعون إياه وآله والمعنى قد عرفت تكذيب تلك الجنود للرسل وما نزل بهم لتكذيبهم { بَلِ الذين كَفَرُواْ } من قومك { فِى تَكْذِيبٍ } واستيجاب للعذاب ولا يعتبرون بالجنود لا لخفاء حال الجنود عليهم لكن يكذبونك عناداً { والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } أي عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه ، والإحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت الشيء المحيط به { بَلْ هُوَ } بل هذا الذي كذبوا به { قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ } شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه ليس كما يزعمون أنه مفترى وأنه أساطير الأولين { فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } من وصول الشياطين إليه { مَّحْفُوظٍ } : نافع صفة للقرآن أي من التغيير والتبديل . واللوح عند الحسن شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه ، وعند ابن عباس Bهما وهو من درة بيضاء طولها ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق والمغرب ، قلمه نور وكل شيء فيه مسطور . مقاتل : هو على يمين العرش . وقيل : أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر ملك كريم ، والله أعلم .","part":4,"page":21},{"id":1522,"text":"مكية وهي سبع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والسماء والطارق * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب } عظم قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم ومسكن ملائكته ، وفيها خلق الجنة فأقسم بها وبالطارق والمراد جنس النجوم ، أو جنس الشهب التي يرجم بها لعظم منفعتها ، ثم فسره بالنجم الثاقب أي المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه ، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل كما يقال للآتي ليلاً طارق ، أو لأنه يطرق الجني أي يصكه . وجواب القسم { إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } لأن { لَّمّاً } إن كانت مشددة بمعنى «إلا» كقراءة عاصم وحمزة وابن عامر فتكون «إن» نافية أي ما كل نفس إلا عليها حافظ ، وإن كانت مخففة كقراءة غيرهم فتكون «إن» مخففة من الثقيلة أي إن كل نفس لعليها حافظ يحفظها من الآفات ، أو يحفظ عملها ورزقها وأجلها ، فإذا استوفى ذلك مات . وقيل : هو كاتب الأعمال ف «ما» زائدة واللام فارقة بين الثقيلة والخفيفة ، و { حَافِظٌ } مبتدأ و { عَلَيْهَا } الخبر ، والجملة خبر { كُلٌّ } وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم .\r{ فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ } لما ذكر أن على كل نفس حافظاً أمره بالنظر في أول أمره ليعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ليوم الجزاء ولا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبته . و { مِمَّ خُلِقَ } استفهام أي من أي شيء خلق جوابه { خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ } والدفق : صب فيه دفع . والدفق في الحقيقة لصاحبه والإسناد إلى الماء مجاز . وعن بعض أهل اللغة : دفقت الماء دفقاً : صببته ودفق الماء بنفسه أي انصب . ولم يقل من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما حين ابتدىء في خلقه { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب } من صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة . وقيل : العظم والعصب من الرجل واللحم والدم من المرأة { إِنَّهُ } إن الخالق لدلالة خلق عليه ومعناه إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة { على رَجْعِهِ } على إعادته خصوصاً { لَقَادِرٌ } لبيّن القدرة لا يعجز عنه كقوله : إنني لفقير أي لبيّن الفقر . ونصب { يَوْمَ تبلى } أي تكشف برجعه أو بمضمر دل عليه قوله { رَجْعِهِ } أي يبعثه يوم تبلى { السرائر } ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال { فَمَا لَهُ } فما للإنسان { مِن قُوَّةٍ } في نفسه على دفع ما حل به { وَلاَ نَاصِرٍ } يعينه ويدفع عنه .\r{ والسماء ذَاتِ الرجع } أي المطر وسمي به لعوده كل حين { والأرض ذَاتِ الصدع } هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات { إِنَّهُ } إن القرآن { لَقَوْلٌ فَصْلٌ } فاصل بين الحق والباطل كما قيل له فرقان { وَمَا هوَ بالهزل } باللعب والباطل يعني أنه جد كله ومن حقه ، وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيباً في الصدور معظماً في القلوب ، يرتفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح { أَنَّهُمْ } يعني مشركي مكة { يَكِيدُونَ كَيْداً } يعملون المكايد في إبطال أمر الله وأطفاء نور الحق { وَأَكِيدُ كَيْداً } وأجازيهم جزاء كيدهم باستدراجي لهم من حيث لا يعلمون فسمي جزاء الكيد كيداً كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة وإن لم يكن اعتداء وسيئة ، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه الجزاء كقوله :","part":4,"page":22},{"id":1523,"text":"{ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ } [ التوبة : 67 ] { يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء : 142 ] { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } [ البقرة : 15 ] { فَمَهِّلِ الكافرين } أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به { أَمْهِلْهُمْ } أنظرهم فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير { رُوَيْداً } مهلاً يسيراً ولا يتكلم بها إلا مصغّرة وهي من رادت الريح ترود روداً تحركت حركة ضعيفة .","part":4,"page":23},{"id":1524,"text":"مكية وهي تسع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } نزه ذاته عما لا يليق به ، والاسم صلة وذلك بأن يفسر الأعلى بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار لا بمعنى العلو في المكان . وقيل : قل سبحان ربي الأعلى . وفي الحديث لما نزلت قال عليه السلام : \" اجعلوها في سجودكم \" { الذى خَلَقَ فسوى } أي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية ولم يأت به متفاوتاً غير ملتئم ولكن على إحكام واتساق ، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم ، أو سوَّاه على ما فيه منفعة ومصلحة { والذى قَدَّرَ فهدى } أي قدر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به ، أو فهدى وأضل ولكن حذف وأضل اكتفاء كقوله : { يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء } [ النحل : 93 ] [ فاطر : 8 ] . { قُدِرَ } عليّ { والذى أَخْرَجَ المرعى } أنبت ما ترعاه الدواب { فَجَعَلَهُ غُثَاءً } يابساً هشيماً { أحوى } أسود { فأحوى } صفة الغثاء { أحوى سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى } سنعلمك القرآن حتى تنساه { إِلاَّ مَا شَاء الله } أن ينسخه وهذا بشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي حتى لا ينفلت منه شيء إلا ما شاء الله أن ينسخه فيذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته . وسأل ابن كيسان النحوي جنيداً عنه فقال : فلا ننسى العمل به فقال : مثلك يصدر . وقيل : قوله { فَلاَ تنسى } على النهي والألف مزيدة للفاصلة كقوله : { السبيلا } [ الأحزاب : 67 ] أي فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى } أي إنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت والله يعلم جهرك معه وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر ، أو ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان ، أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم وما ظهر وما بطن من أحوالكم .\r{ وَنُيَسِّرُكَ لليسرى } معطوف على { سَنُقْرِئُكَ } وقوله { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى } اعتراض ومعناه ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل يعني حفظ الوحي . وقيل : للشريعة السمحة التي هي أيسر الشرائع أو نوفقك لعمل الجنة { فَذَكِّرْ } عظ بالقرآن { إِن نَّفَعَتِ الذكرى } جواب «إن» مدلول قوله { فَذَكِّرْ } قيل : ظاهره شرط ومعناه استبعاد لتأثير الذكرى فيهم . وقيل : هو أمر بالتذكير على الإطلاق كقوله : { فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ } [ الغاشية : 21 ] . غير مشروط بالنفع { سَيَذَّكَّرُ } سيتعظ ويقبل التذكرة { مَن يخشى } الله وسوء العاقبة { وَيَتَجَنَّبُهَا } ويتباعد عن الذكرى فلا يقبلها { الأشقى } الكافر أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول الله A .","part":4,"page":24},{"id":1525,"text":"قيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة { الذى يَصْلَى النار الكبرى } يدخل نار جهنم والصغرى نار الدنيا { ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح من العذاب { وَلاَ يحيى } حياة يتلذذ بها . وقيل : «ثم» لأن الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلي فهو متراخٍ عنه في مراتب الشدة .\r{ قَدْ أَفْلَحَ } نال الفوز { مَن تزكى } تطهر من الشرك أو تطهر للصلاة أو أدى الزكاة تفعل من الزكاة كتصدق من الصدقة { وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ } وكبر للافتتاح { فصلى } الخمس وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح ، وعلى أنها ليست من الصلاة ، لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضي المغايرة ، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه D . وعن ابن عباس Bهما : ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه وصلى له . وعن الضحاك : وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد { بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا } على الآخرة فلا تفعلون ما به تفلحون . والمخاطب به الكافرون دليله قراءة أبي عمرو { يؤثرون } بالياء { والآخرة خَيْرٌ وأبقى } أفضل من نفسها وأدوم { إِنَّ هذا لَفِى الصحف الأولى } هذا إشارة إلى قوله { قَدْ أَفْلَحَ } إلى { أبقى } أي أن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف أو إلى ما في السورة كلها ، وهو دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة لأنه جعله مذكوراً في تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة { صُحُفِ إبراهيم وموسى } بدل من { الصحف الأولى } وفي الأثر وفي صحف إبراهيم : ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه .","part":4,"page":25},{"id":1526,"text":"مكية وهي ست وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ هَلُ } بمعنى «قد» { أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية } الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها يعني القيامة . وقيل : النار من قوله : { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } [ إبراهيم : 50 ] { وُجُوهٌ } أي وجوه الكفار ، وإنما خص الوجه لأن الحزن والسرور إذا استحكما في المرء أثراً في وجهه { يَوْمَئِذٍ } يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان { عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل ، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار وهبوطها في حدور منها . وقيل : عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت فهي في نصب منها في الآخرة . وقيل : هم أصحاب الصوامع ومعناه أنها خشعت الله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب { تصلى نَاراً حَامِيَةً } تدخل ناراً قد أحميت مدداً طويلة فلا حر يعدل حرها { تصلى } أبو عمرو وأبو بكر { تسقى مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ } من عين ماء قد انتهى حرها ، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجعة إلى الوجوه والمراد أصحابها بدليل قوله { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } وهو نبت يقال له الشِّبرِق فإذا يبس فهو ضريع وهو سم قاتل ، والعذاب ألوان والمعذبون طبقات ، فمنهم أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع ، فلا تناقض بين هذه الآية وبين قوله { وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } [ الحاقة : 36 ] { لاَّ يُسْمِنُ } مجرور المحل لأنه وصف { ضَرِيعٍ } { وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } أي منفعتا الغذاء منتفيتان عنه وهما إماطة الجوع وإفادة السمن في البدن .\r{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } ثم وصف وجوه المؤمنين ولم يقل ووجوه لأن الكلام الأول قد طال وانقطع { نَّاعِمَةٌ } متنعمة في لين العيش { لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب { فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } من علو المكان أو المقدار { لاَ تَسْمَعُ } يا مخاطب أو الوجوه { فِيهَا لاغية } أي لغواً أو كلمة ذات لغو أو نفساً تلغو ، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم . { لاَ يَسْمَعُ فِيهَا لاغية } : مكي وأبو عمرو : { لاَّ تُسْمَعُ فِيهَا لاغية } نافع { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } أي عيون كثيرة كقوله : { عَلِمَتْ نَفْسٌ } [ الانفطار : 5 ] { فِيهَا سُرُرٌ } جمع سرير { مَّرْفُوعَةٍ } من رفعة المقدار أو السمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم .\r{ وَأَكْوابٌ } جمع كوب وهو القدح . وقيل : آنية لا عروة لها { مَّوْضُوعَةٌ } بين أيديهم ليتلذذوا بها بالنظر إليها أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب { وَنَمَارِقُ } وسائد { مَصْفُوفَةٌ } بعضها إلى جنب بعض مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على مسودة واستند إلى الأخرى { وَزَرَابِيُّ } وبسط عراض فاخرة جمع زربية { مَبْثُوثَةٌ } مبسوطة أو مفرقة في المجالس .","part":4,"page":26},{"id":1527,"text":"ولما أنزل الله تعالى هذه الآيات في صفة الجنة ، وفسر النبي عليه السلام بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ ، والأكواب الموضوعة لا تدخل في حساب الخلق لكثرتها ، وطول النمارق كذا وعرض الزرابي كذا ، أنكر الكفار وقالوا : كيف يصعد على هذا السرير ، وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة ، وتطول النمارق هذا الطول ، وبسط الزرابي هذا الانبساط ولم نشاهد ذلك في الدنيا؟ فقال الله تعالى { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ } طويلة ثم تبرك حتى تركب أو يحمل عليها ثم تقوم فكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما يطأطىء الإبل { وَإِلَى السماء كَيْفَ رُفِعَتْ } رفعاً بعيد المدى بلا إمساك وعمد ، ثم نجومها تكثر هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق فكذا الأكواب { وَإِلَى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ } نصباً ثابتاً فهي راسخة لا تميل مع طولها فكذا النمارق { وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ } سطحاً بتمهيد وتوطئة فهي كلها بساط واحد تنبسط من الأفق إلى الأفق فكذا الزرابي؛ ويجوز أن يكون المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه ، وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب للعرب وحث لهم على الاستدلال ، والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له ، والعرب تكون في البوادي ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل فهي أعز أموالهم وهم لها أكثر استعمالاً منهم لسائر الحيوانات ، ولأنها تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان وهي النسل والدر والحمل والركوب والأكل بخلاف غيرها ، ولأن خلقها أعجب من غيرها فإنه سخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعاز ضعيفاً ولا تمانع صغيراً ، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار ، وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت وتجرها إلى البلاد الشاحطة ، وصبرها على احتمال العطش حتى إن ظمأها لترتفع إلى العشر فصاعداً ، وجعلها ترعى كل نابت في البراري مما لا يرعاه سائر البهائم .\r{ فَذَكِّرْ } فذكرهم بالأدلة ليتفكروا فيها { إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ } ليس عليك إلا التبليغ { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } بمسلط كقوله { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } [ ق : 45 ] ، { بمصيطر } : مدني وبصري وعلي وعاصم { إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ * فَيْعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر } الاستثناء منقطع أي لست بمسؤول عليهم ولكن من تولى منهم وكفر بالله فإن لله الولاية عليه والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر وهو عذاب جهنم . وقيل : هو استثناء من قوله { فَذَكِّرْ } أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } رجوعهم ، وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد وإن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } فنحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها جزاء أمثالهم و «على» لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على الله شيء .","part":4,"page":27},{"id":1528,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r{ والفجر } أقسم بالفجر وهو الصبح كقوله { والصبح إِذَا أَسْفَرَ } [ المدثر : 34 ] ، أو بصلاة الفجر { وَلَيالٍ عَشْرٍ } عشر ذي الحجة أو العشر الأول من المحرم ، أو الآخر من رمضان . وإنما نكرت لزيادة فضيلتها { والشفع والوتر } شفع كل الأشياء ووترها أو شفع هذه الليالي ووترها ، أو شفع الصلاة ووترها ، أو يوم النحر لأنه اليوم العاشر ويوم عرفة لأنه اليوم التاسع ، أو الخلق والخالق . { والوتر } حمزة وعلي ، وبفتح الواو غيرهما ، وهما لغتان : فالفتح حجازي والكسر تميمي . وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم فقال { واليل } وقيل : أريد به ليلة القدر { إِذَا يَسْرِ } إذا يمضي وياء { يَسْرِ } تحذف في الدرج اكتفاء عنها بالكسرة ، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة . وسأل واحد الأخفش عن سقوط الياء فقال : لا ، حتى تخدمني سنة فسأله بعد سنة فقال : الليل لا يسري وإنما يسرى فيه ، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة . وقيل : معنى يسري : يسرى فيه كما يقال : ليل نائم أي ينام فيه .\r{ هَلْ فِى ذَلِكَ } أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قَسَمٌ } أي مقسم به { لِّذِى حِجْرٍ } عقل سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية لأنه يعقل وينهى ، يريد هل تحقق عنده أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها ، أو هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر أي هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي عقل ولب؟ والمقسم عليه محذوف وهو قوله «ليعذبن» يدل عليه قوله { أَلَمْ تَرَ } إلى قوله : { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } . ثم ذكر تعذيب الأمم التي كذبت الرسل فقال { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذاتِ العماد } أي ألم تعلم يا محمد علماً يوازي العيان في الإيقان؟ وهو استفهام تقرير قيل : لعقب عاد ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد ما يقال لبني هاشم هاشم ، ثم قيل للأولين منهم : عاد الأولى ، والإرم تسمية لهم باسم جدهم ومن بعدهم عاد الأخيرة ، ف { إِرَمَ } عطف بيان ل { عَادٍ } وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة . وقيل : إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير { بِعَادٍ * إِرَمَ } على الإضافة وتقديره بعاد أهل إرم كقوله { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة ، فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وإن كانت صفة للبلدة أنها ذات أساطين .","part":4,"page":28},{"id":1529,"text":"ورُوي أنه كان لعاد ابنان : شداد وشديد فملكا وقهرا ، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال : أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة ، وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار . ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا . وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثمة ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال : هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذلك الرجل { التى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى البلاد } أي مثل عاد في قوتهم وطول قامتهم ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع ، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا { وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر } قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً . قيل : أول من نحت الجبال والصخور ثمود ، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة { بالواد } بوادي القرى { وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد } أي ذي الجنود الكثيرة وكانت لهم مضارب كثيرة يضربونها إذا نزلوا . وقيل : كان له أوتاد يعذب الناس بها كما فعل بآسية { الذين } في محل النصب على الذم ، أو الرفع على «هم الذين» ، أو الجر على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون { طَغَوْاْ فِى البلاد } تجاوزوا الحد { فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد } بالكفر والقتل والظلم { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } مجاز عن إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه إذا الصب يشعر بالدوام والسوط بزيادة الإيلام أي عذبوا عذاباً مؤلماً دائماً { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } وهو المكان الذي يترقب فيه الرصد مفعال من رصده ، وهذا مثل لإرصاده العباد وأنهم لا يفوتونه ، وأنه عالم بما يصدر منهم وحافظه فيجازيهم عليه إن خيراً فخير وإن شراً فشر .","part":4,"page":29},{"id":1530,"text":"{ فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } أي ضيق عليه وجعله بمقدار بلغته ، { فَقَدَرَ } شامي ويزيد { فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ } أي الواجب لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للعاقبة ولا تهمه العاجلة ، وهو قد عكس فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر ، قال : ربي أكرمني أي فضلني بما أعطاني فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا ، وإذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ليصبر ، قال : ربي أهانني فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا تهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها ، فرد عليه زعمه بقوله { كَلاَّ } أي ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته بل الإكرام في توفيق الطاعة والإهانة في الخذلان ، وقوله تعالى : { فَيَقُولُ } خبر المبتدأ الذي هو الإنسان ، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط ، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير كأنه قيل : فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء ، وكذا { فَيَقُولُ } الثاني خبر لمبتدأ تقديره : وأما هو إذا ما ابتلاه ربه . وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء لأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع ، ونحوه قوله تعالى : { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء : 35 ] . وإنما أنكر قوله { رَبّى أَكْرَمَنِ } مع أنه أثبته بقوله { فَأَكْرَمَهُ } لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته وهو قصده إن الله أعطاه ما أعطاه إكراماً له لاستحقاقه كقوله { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى } [ القصص : 78 ] وإنما أعطاه الله تعالى ابتلاء من غير اسحقاق منه .\r{ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم * وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين } أي بل هناك شر من هذا القول وهو أن الله يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة وحض أهله على طعام المسكين { وَتَأْكُلُونَ التراث } أي الميراث { أَكْلاً لَّمّاً } ذا لم وهو الجمع بين الحلال والحرام ، وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويأكلون تراثهم مع تراثهم { وَتُحِبُّونَ المال } يقال حبه وأحبه بمعنى { حُبّاً جَمّاً } كثيراً شديداً مع الحرص ومنع الحقوق ، { رَبِّى } حجازي وأبو عمرو { يكرمون } { وَلاَ يحضون } { وَيَأْكُلُونَ } { وَّيُحِبُّونَ } بصري { كَلاَّ } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم . ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرطوا فيه حين لا تنفع الحسرة فقال { إِذَا دُكَّتِ الأرض } إذا زلزلت { دَكّاً دَكّاً } دكاً بعد دك أي كرر عليها الدك حتى عادت هباء منبثاً .","part":4,"page":30},{"id":1531,"text":"{ وَجَآءَ رَبُّكَ } تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه ، فإن واحداً من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصه ، وعن ابن عباس : أمره وقضاؤه { والملك صَفّاً صَفّاً } أي ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس { وَجِاْىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } قيل : إنها برزت لأهلها كقوله : { وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ } [ الشعراء : 91 ] . وقيل : هو مجرى على حقيقته ففي الحديث « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان } أي يتعظ { وأنى لَهُ الذكرى } ومن أين له منفعة الذكرى؟ { يَقُولُ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } هذه وهي حياة الآخرة أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية .\r{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } أي لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم { وَلاَ يُوثِقُ } بالسلاسل والأغلال { وَثَاقَهُ أَحَدٌ } قال صاحب الكشاف : لا يعذب أحد أحداً كعذاب الله ولا يوثق أحد أحداً كوثاق الله . { لاَّ يُعَذِّبُ } { وَلاَ يُوثِقُ } علي وهي قراءة رسول الله A ، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره ، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف وهو الكافر . وقيل : هو أبي بن خلف أي لا يعذب أحد مثل عذابه ، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده .\rثم يقول الله تعالى للمؤمن { ياأيتها النفس } إكراماً له كما كلم موسى عليه السلام أو يكون على لسان ملك { المطمئنة } الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن وهي النفس المؤمنة ، أو المطمئنة إلى الحق التي سكّنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك . ويشهد للتفسير الأول قراءة أبي { يأَيَّتُهَا النفس الآمنةالمطمئنة } وإنما يقال لها عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة { ارجعى إلى } موعد { رَبِّكِ } أو ثواب ربك { رَّاضِيَةٍ } من الله بما أوتيت { مَّرْضِيَّةً } عند الله بما عملت { فادخلى فِى عِبَادِى } في جملة عبادي الصالحين فانتظمي في سلكهم { وادخلى جَنَّتِى } معهم . وقال أبو عبيدة : أي مع عبادي أو بين عبادي أي خواصي كما قال : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل : 19 ]\rوقيل : النفس الروح ومعناه فادخلي في أجساد عبادي كقراءة عبد الله بن مسعود { فِي جسد عبدي } ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر ولم يدر من تلاها . قيل : نزلت في حمزة بن عبد المطلب . وقيل : في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال : اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك ، فحول الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله . وقيل : هي عامة في المؤمنين إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب .","part":4,"page":31},{"id":1532,"text":"{ لآ أُقْسِمُ بهذا البلد } أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أن الإنسان خلق مغموراً في مكابدة المشاق . واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله { وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } أي ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد يعني مكة كما يستحل الصيد في غير الحرم . عن شرحبيل : يحرمون أن يقتلوا بها صيداً ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت لرسول الله A وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب من حالهم في عداوته . أو سلى رسول الله بالقسم ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد ، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميماً للتسلية والتنفيس عنه فقال : { وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } . أي وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء ، قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ونظير قوله { وَأَنتَ حِلٌّ } في الاستقبال قوله : { إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } [ الزمر : 30 ] . وكفاك دليلاً على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق ، وأين الهجرة من وقت نزولها فما بال الفتح؟\r{ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } هما آدم وولده ، أو كل والد وولده ، أو إبراهيم وولده ، و «ما» بمعنى «من» أو بمعنى «الذي» { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } جواب القسم { فِى كَبَدٍ } مشقة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة . وعن ذي النون : لم يزل مربوطاً بحبل القضاء مدعواً إلى الائتمار والانتهاء . والضمير في { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } لبعض صناديد قريش الذين كان رسول الله A يكابد منهم ما يكابد ، ثم قيل هو أبو الأشد . وقيل : الوليد بن المغيرة . والمعنى أيظن هذا الصنديد القوي في قومه المتصعب للمؤمنين أن لن تقوم قيامه ولن يقدر على الانتقام منه ، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم وأنه { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } أي كثيراً جمع لبدة وهو ما تلبد أي كثر واجتمع ، يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي { أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } حين كان ينفق ما ينفق رياء وافتخاراً يعني أن الله تعالى كان يراه وكان عليه رقيباً . ثم ذكر نعمه عليه فقال { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } يبصر بهما المرئيات { وَلِسَاناً } يعبر عما في ضميره { وَشَفَتَيْنِ } يستر بهما ثغره ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ { وهديناه النجدين } طريقي الخير والشر المفضيين إلى الجنة والنار وقيل الثديين .","part":4,"page":32},{"id":1533,"text":"{ فَلاَ اقتحم العقبة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } يعني فلم يشكر تلك الآيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب أو إطعام اليتامى والمساكين ، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة وأساس كل خير ، بل غمط النعم وكفر بالمنعم . والمعنى أن الإنفاق على هذا الوجه مرضي نافع عند الله لا أن يهلك ماله لبداً في الرياء والفخار . وقلما تستعمل «لا» مع الماضي إلا مكررة ، وإنما لم تكرر في الكلام الأفصح لأنه لما فسر اقتحام القبة بثلاثة أشياء صار كأنه أعاد «لا» ثلاث مرات وتقديره : فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ولا آمن . والاقتحام الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة ، والقُحمة الشدة فجعل الصالحة عقبة وعملها اقتحاماً لها في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس . وعن الحسن : عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان . والمراد بقوله { مَا العقبة } ما اقتحامها ومعناه أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله . وفك الرقبة تخليصها من الرق والإعانة في مال الكتابة .\r{ فَكَّ رَقَبَةً * أَوْ إِطْعَامٌ } مكي وأبو عمرو وعلي على الإبدال من اقتحم العقبة ، وقوله { وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة } اعتراض . غيرهم { فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ } على : اقتحامها فك رقبة أو إطعام . والمسغبة المجاعة ، والمقربة القرابة ، والمتربة الفقر ، مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب . يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي . وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب فيكون مأواه المزابل ووصف اليوم بذي مسغبة كقولهم همٌّ ناصب أي ذو نصب . ومعنى { ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } أي داوم على الإيمان . وقيل : «ثم» بمعنى الواو . وقيل : إنما جاء ب «ثم» لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت ، إذ الإيمان هو السابق على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به { وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن { وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم { أولئك أصحاب الميمنة } أي المصوفون بهذه الصفات من أصحاب الميمنة { والذين كَفَرُواْ بئاياتنا } بالقرآن أو بدلائلنا { هُمْ أصحاب المشئمة } أصحاب الشمال والميمنة والمشأمة اليمين والشمال ، أو اليمن والشؤم أي الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهن { عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدةٌ } وبالهمز : أبو عمرو وحمزة وحفص أي مطبقة من أوصدت الباب وآصدته إذا أطبقته وأغلقته والله أعلم .","part":4,"page":33},{"id":1534,"text":"{ والشمس وضحاها } وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها { والقمر إِذَا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر يخلف القمر الشمس في النور { والنهار إِذَا جلاها } جلى الشمس وأظهرها للرائين وذلك عند انتفاخ النهار وانبساطه ، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء . وقيل : الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر كقوله : { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } [ فاطر : 45 ] { واليل إِذَا يغشاها } يستر الشمس فتظلم الآفاق . والواو الأولى في نحو هذا للقسم بالاتفاق ، وكذا الثانية عند البعض . وعند الخليل : الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز ، ألا ترى أنك لو جعلت موضعها كلمة الفاء أو «ثم» لكان المعنى على حاله؟ وهما حرفاً عطف فكذا الواو . ومن قال : إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفاً على عاملين ، لأن قوله { واليل } مثلاً مجرور بواو القسم و { إِذَا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم فلو جعلت الواو في { والنهار إِذَا تجلى } للعطف لكان النهار معطوفاً على الليل جراً ، و { إِذَا تجلى } معطوفاً على { إِذَا يغشى } نصباً فصار كقولك : إن في الدار زيداً أو في الحجرة عمراً . وأجيب بأن واو القسم تنزل منزلة الباء والفعل حتى لم يجز إبراز الفعل معها فصارت كأنها العاملة نصباً وجراً ، وصارت كعامل واحد له عملان ، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق نحو : ضرب زيد عمراً وبكر خالداً ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما ، فكذا هنا .\rو «ما» مصدرية في { والسماء وَمَا بناها * والأرض وَمَا طحاها * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } أي وبنائها وطحوها أي بسطها وتسوية خلقها في أحسن صورة عند البعض وليس بالوجه لقوله { فَأَلْهَمَهَا } لما فيه من فساد النظم ، والوجه أن تكون موصولة وإنما أوثرت على «من» لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل : والسماء ، والقادر العظيم الذي بناها ، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها . وإنما نكرت النفس لأنه أراد نفساً خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم كأنه قال : وواحدة من النفوس ، أو أراد كل نفس ، والتنكير للتكثير كما في { عَلِمَتْ نَفْسٌ } [ الانفطار : 5 ] { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } فأعلمها طاعتها ومعصيتها أفهمها أن أحدهما حسن والآخر قبيح { قَدْ أَفْلَحَ } جواب القسم والتقدير : لقد أفلح ، قال الزجاج : صار طول الكلام عوضاً عن اللام . وقيل : الجواب محذوف وهو الأظهر تقديره ليدمدمن الله عليهم أي على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله A كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحاً ، وأما { قَدْ أَفْلَحَ } فكلام تابع لقوله { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } على سبيل الاستطراد وليس من جواب القسم في شيء { مَن زكاها } طهرها الله وأصلحها وجعلها زاكية { وَقَدْ خَابَ مَن دساها } أغواها الله ، قال عكرمة : أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس أغواها الله .","part":4,"page":34},{"id":1535,"text":"ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد ، والتدسية : النقص والإخفاء بالفجور وأصل دسّى دسس ، والياء بدل من السين المكررة .\r{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } بطغيانها إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم { إِذِ انبعث } حين قام بعقر الناقة { أشقاها } أشقى ثمود قدار بن سالف وكان أشقر أزرق قصيراً . و «إذ» منصوب ب { كَذَّبَتْ } أو بالطغوى { فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله } صالح عليه السلام { نَاقَةُ الله } نصب على التحذير أي احذروا عقرها { وسقياها } كقولك : الأسد الأسد { فَكَذَّبُوهُ } فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا { فَعَقَرُوهَا } أي الناقة أسند الفعل إليهم وإن كان العاقر واحداً لقوله : { فَنَادَوْاْ صاحبهم فتعاطى فَعَقَرَ } [ القمر : 29 ] . لرضاهم به { فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } أهلكهم هلاك استئصال { بِذَنبِهِمْ } بسبب ذنبهم وهو تكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة { فَسَوَّاهَا } فسوى الدمدمة عليهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم { وَلاَ يَخَافُ عقباها } ولا يخاف الله عاقبة هذه الفعلة أي فعل ذلك غير خائف أن تلحقه تبعة من أحد كما يخاف من يعاقب من الملوك ، لأنه فعل في ملكه وملكه { لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ، { فَلاَ يَخَافُ } مدني وشامي .","part":4,"page":35},{"id":1536,"text":"إحدى وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم { واليل إِذَا يغشى } المغشي ، أما الشمس من قوله { واليل إِذَا يغشاها } [ الشمس : 4 ] أو النهار من قوله { يغشى اليل النهار } [ الأعراف : 54 ] أو كل شيء يواريه بظلامه من قوله { إِذَا وَقَبَ } [ الفلق : 3 ] { والنهار إِذَا تجلى } ظهر بزوال ظلمة الليل { وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى } والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خق الذكر والأنثى من ماء واحد ، وجواب القسم { إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى } إن عملكم لمختلف وبيان الاختلاف فيما فصل على أثره { فَأَمَّا مَنْ أعطى } حقوق ماله { واتقى } ربه فاجتنب محارمه { وَصَدَّقَ بالحسنى } بالملة الحسنى وهي ملة الإسلام ، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة ، أو بالكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله { فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى } فسنهيئه للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه ربه { وَأَمَّا مَن بَخِلَ } بماله { واستغنى } عن ربه فلم يتقه أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى { وَكَذَّبَ بالحسنى } بالإسلام أو الجنة { فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى } للخلة المؤدية إلى النار فتكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد ، أو سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر ، وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبتها العسر ، أو أراد بهما طريقي الجنة والنار .\r{ وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى } ولم ينفعه ماله إذا هلك ، وتردى تفعّل من الردى وهو الهلاك ، أو تردى في القبر أو في قعر جهنم أي سقط { إِنَّ عَلَيْنَا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل وبيان الشرائع { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى } فلا يضرنا ضلال من ضل ولا ينفعنا اهتداء من اهتدى ، أو أنهما لنا فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق { فَأَنذَرْتُكُمْ } خوفتكم { نَاراً تلظى } تتلهب { لاَ يصلاها } لا يدخلها للخلود فيها { إِلاَّ الأشقى الذى كَذَّبَ وتولى } إلا الكافر الذي كذب الرسل وأعرض عن الإيمان { وَسَيُجَنَّبُهَا } وسيبعد منها { الأتقى } المؤمن { الذى يُؤْتِى مَالَهُ } للفقراء { يتزكى } من الزكاء أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً لا يريد به رياء ولا سمعة ، أو يتفعل من الزكاة و { يتزكى } إن جعلته بدلاً من { يؤتى } فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة ، والصلاة لا محل لها ، وإن جعلته حالاً من الضمير في { يؤتى } فمحله النصب .\rقال أبو عبيدة : الأشقى بمعنى الشقي وهو الكافر ، والأتقى بمعنى التقي وهو المؤمن لأنه لا يختصر بالصلى أشقى الأشقياء ، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء ، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد ناراً مخصوصة بالأشقى فما تصنع بقوله : { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى } ، لأن التقي يجنب تلك النار المخصوصة لا الأتقى منهم خاصة ، وقيل : الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ، فأريد أن يبالغ في صفتيها ، فقيل { الأشقى } وجعل مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له ، وقيل الأتقى وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له ، وقيل : هما أبو جهل وأبو بكر .","part":4,"page":36},{"id":1537,"text":"وفيه بطلان زعم المرجئة لأنهم يقولون لا يدخل النار إلا كافر { وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ } أي وما لأحد عند الله نعمة يجازيه بها إلا أن يفعل فعلا يبتغي به وجه ربه فيجازيه عليه { الأعلى } هو الرفيع بسلطانه المنيع في شأنه وبرهانه ، ولم يرد به العلو من حيث المكان فذا آية الحدثان { وَلَسَوْفَ يرضى } موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه وهو كقوله تعالى لنبيه عليه السلام : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى : 5 ] .","part":4,"page":37},{"id":1538,"text":"مكية وهي إحدى عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والضحى } المراد وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس . وإنما خص وقت الضحى بالقسم لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام وألقى فيها السحرة سجداً ، أو النهار كله لمقابلته بالليل في قوله { واليل إِذَا سجى } سكن ، والمراد سكون الناس والأصوات فيه ، وجواب القسم { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى } ما تركك منذ اختارك وما أبغضك منذ أحبك والتوديع مبالغة في الودع ، لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك ، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله A أياماً فقال المشركون : إن محمداً ودعه ربه وقلاه ، فنزلت . وحذف الضمير من { قلى } كحذفه من الذاكرات في قوله : { والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات } [ الأحزاب : 35 ] ، يريد والذاكراته ونحوه : { فاوى } ، { فهدى } ، { فأغنى } وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف { وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى } أي ما أعد الله لك في الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود والخير الموعود خير مما أعجبك في الدنيا ، وقيل : وجه اتصاله بما قبله أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلى أن الله مواصلك بالوحي إليك وأنك حبيب الله ، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ، أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك لتقدمه على الأنبياء وشهادة أمته على الأمم وغير ذلك .\r{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ } في الآخرة من الثواب ومقام الشفاعة وغير ذلك { فترضى } ولما نزلت قال A \" إذا لا أرضى قط وواحد من أمتي في النار \" واللام الداخلة على «سوف» لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف تقديره : ولأنت سوف يعطيك ، ونحوه لأقسم فيمن قرأ كذلك لأن المعنى لأنا أقسم ، وهذا لأنها إن كانت لام قسم فلامه لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون لام الابتداء ، ولامه لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا ، كذا ذكره صاحب الكشاف . وذكر صاحب الكشاف هي لام القسم ، واستغنى عن نون التوكيد لأن النون إنما تدخل ليؤذن أن اللام لام القسم لا لام الابتداء ، وقد علم أنه ليس للابتداء لدخولها على «سوف» لأن لام الابتداء لا تدخل على «سوف» ، وذكر أن الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر .\rثم عدد عليه نعمه من أول حاله ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير ، ولا يضيق صدره ولا يقل صبره فقال { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً } وهو من الوجود الذي بمعنى العلم والمنصوبان مفعولاه ، والمعنى ألم تكن يتيماً حين مات أبواك { فاوى } أي فآواك إلى عمك أبي طالب وضمك إليه حتى كفلك ورباك { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ } أي غير عالم ولا واقف على معالم النبوة وأحكام الشريعة وما طريقة السمع { فهدى } فعرفك الشرائع والقرآن .","part":4,"page":38},{"id":1539,"text":"وقيل : ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده إلى القافلة . ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في غي فقد كان عليه الصلاة السلام من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوماً من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان { وَوَجَدَكَ عَائِلاً } فقيراً { فأغنى } فأغناك بمال خديجة أو بمال أفاء عليك من الغنائم { فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ } فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه { وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ } فلا تزجره فابذل قليلاً أو رد جميلاً . وعن السدي : المراد طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } أي حدث بالنبوة التي آتاك الله وهي أجل النعم ، والصحيح أنها تعم جميع نعم الله عليه ويدخل تحته تعليم القرآن والشرائع والله أعلم .","part":4,"page":39},{"id":1540,"text":"مكية وهي ثمان آيات\rبسم الله الرحما ن الرحيم\r{ ألم نشرح لك\rصدرك } استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح فكأنه قيل : شرحنا لك صدرك ، ولذا عطف عليه { وضعنا } اعتباراً للمعنى أي فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين ، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل ، وعن الحسن : مليء حكمة وعلماً { صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } وخففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها ، وقيل : هو زلة لا تعرف بعينها وهي ترك الأفضل مع إتيان الفاضل ، والأنبياء يعاتبون بمثلها ووضعه عنه أن غفر له ، والوزر : الحمل الثقيل { الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ } أثقله حتى سمع نقيضه وهو صوت الانتقاض { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ورفع ذكره أن قرن ذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد وفي غير موضع من القرآن : { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } [ محمد : 33 ] [ التغابن : 12 ] . { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } [ النساء : 13 ] . { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة : 62 ] . وفي تسميته رسول الله ونبي الله ومنه ذكره في كتب الأولين . وفائدة لك ما عرف في طريقة الإبهام والإيضاح لأنه يفهم بقوله : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ } أن ثم مشروحاً ، ثم أوضح بقوله { صَدْرَكَ } ما علم مبهماً وكذلك { لَكَ ذِكْرَكَ } ، و { عَنكَ وِزْرَكَ } .\r{ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } أي إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسراً بإظهاري إياك عليهم حتى تغلبهم . وقيل : كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله ، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم . ثم قال { إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } كأنه قال : خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً ، وجيء بلفظ «مع» لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ولتقوية القلوب ، وإنما قال عليه السلام عند نزولها \" لن يغلب عسر يسرين \" لأن العسر أعيد معرفاً فكان واحداً لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى ، واليسر أعيد نكرة والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى ، فصار المعنى إن مع العسر يسرين . قال أبو معاذ : يقال إن مع الأمير غلاماً إن مع الأمير غلاماً ، فالأمير واحد ومعه غلامان . وإذا قال : إن مع أمير غلاماً وإن مع الأمير الغلام ، فالأمير واحد والغلام واحد . وإذا قيل : إن مع أمير غلاماً وإن مع أمير غلاماً فهما أميران وغلامان كذا في «شرح التأويلات» .\r{ فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب } أي فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الرب ، وعن ابن عباس Bهما : فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء ، واختلف أنه قبل السلام أو بعده ، ووجه الاتصال بما قبله أنه لما عدد عليه نعمه السالفة ومواعيده الآتية بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها ، وأن يواصل بين بعضها وبعض ولا يخلي وقتاً من أوقاته منها فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى { وإلى رَبّكَ فارغب } واجعل رغبتك إليه خصوصاً ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } [ إبراهيم : 11 ] .","part":4,"page":40},{"id":1541,"text":"مكية وهي ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والتين والزيتون } أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين الأشجار المثمرة ، روي أنه أهدي لرسول الله A طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه : \" كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم ، فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس \" وقال : \" نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة \" وقال : \" هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي \" وعن ابن عباس Bهما : هو تينكم هذا وزيتونكم هذا ، وقيل : هما جبلان بالشام منبتاهما { وَطُورِ سِينِينَ } أضيف الطور وهو الجبل إلى سينين وهي البقعة ونحو سينون بيرون في جواز الإعراب بالواو والياء والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب { وهذا البلد } يعني مكة { الأمين } من أمن الرجل أمانة فهو أمين ، وأمانته أنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه . ومعنى القسم بهذه الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والأولياء ، فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه ، والطور : المكان الذي نودي منه موسى ، ومكة مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد نبينا ومبعثه صلوات الله عليهم أجمعين . أو الأولان قسم بمهبط الوحي على عيسى ، والثالث على موسى ، والرابع على محمد عليهم السلام .\rوجواب القسم { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } وهو جنس { فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية أعضائه { ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين } أي ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً يعني أقبح من قبح صورة وهم أصحاب النار ، أو أسفل من أهل الدركات ، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله ، وابيض شعره بعد سواده ، وتشننّ جلده وكلّ سمعه وبصره ، وتغير كل شيء منه ، فمشيه دليف ، وصوته خفات ، وقوته ضعف ، وشهامته خرف { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } ودخل الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين اللغتين ، والاستثناء على الأول متصل ، وعلى الثاني منقطع أي ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى والزمنى فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة . والخطاب في { فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين } للإنسان على طريقة الالتفات أي فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع والبرهان الساطع بالجزاء؟ والمعنى أن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشراً سوياً وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوى ، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلاً أوضح منه على قدرة الخالق ، وأن من قدر على خلق الإنسان وعلى هذا كله لم يعجز عن إعادته ، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟ أو لرسول الله A أي فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل؟ ف «ما» بمعنى «من» { أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين } وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله وهو من الحكم والقضاء والله أعلم .","part":4,"page":41},{"id":1542,"text":"مكية وهي تسع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\rعن ابن عباس ومجاهد : هي أول سورة نزلت . والجمهور على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم { اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ } محل { باسم رَبّكَ } النصب على الحال أي اقرأ مفتتحاً باسم ربك كأنه قيل : قل باسم الله ثم اقرأ الذي خلق . ولم يذكر الخلق مفعولاً لأن المعنى الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه ، أو تقديره خلق كل شيء فيتناول كل مخلوق لأنه مطلق فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من بعض . وقوله { خَلَقَ الإنسان } تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه ولأن التنزيل إليه ، ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان إلا أنه ذكر مبهماً ثم مفسراً تفخيماً لخلقه ودلالة على عجيب فطرته { مِنْ عَلَقٍ } وإنما جمع ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع { اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم } الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم ينعم على عباده النعم ويحلم عنهم ، فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه ، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم حيث قال { الذى عَلَّمَ } الكتابة { بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة ، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به .\r{ كَلاَّ } ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه { إِنَّ الإنسان ليطغى } نزلت في أبي جهل إلى آخر السورة { أَن رَّءاهُ } أن رأى نفسه . يقال في أفعال القلوب : رأيتني وعلمتني ، ومعنى الرؤية العلم ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين { استغنى } هو المفعول الثاني { إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى } تهديد للإنسان من عاقبة الطغيان على طريق الالتفات . والرجعى مصدر بمعنى الرجوع أي إن رجوعك إلى ربك فيجازيك على طغيانك { أَرَءيْتَ الذى ينهى عَبْداً إِذَا صلى } أي أرأيت أبا جهل ينهى محمداً عن الصلاة { أَرَءيْتَ إِن كَانَ على الهدى } أي إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله { أَوْ أَمَرَ بالتقوى } أو كان آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد { أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى } أرأيت إن كان ذلك الناهي مكذباً بالحق متولياً عنه كما نقول نحن { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى } ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب حاله ، وهذا وعيد وقوله { الذى ينهى } مع الجملة الشرطية مفعولا { أَرَأَيْتَ } وجواب الشرط محذوف تقديره : إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى؟ وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني وهذا كقولك : إن أكرمتك أتكرمني؟ و { أَرَأَيْتَ } الثانية مكررة زائدة للتوكيد .","part":4,"page":42},{"id":1543,"text":"{ كَلاَّ } ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله وأمره بعبادة الأصنام . ثم قال { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ } عما هو فيه { لَنَسْفَعاً بالناصية } لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع : القبض على الشيء وجذبه بشدة ، وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف ، واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور { نَاصِيَةٍ } بدل من { الناصية } لأنها وصفت بالكذب والخطأ بقوله { كاذبة خَاطِئَةٍ } عن الإسناد المجازي وهما لصاحبها حقيقة وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك «ناصية كذاب خاطىء» { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية } النادي المجلس الذي يجتمع فيه القوم ، والمراد أهل النادي . روي أن أبا جهل مر بالنبي عليه السلام وهو يصلي فقال : ألم أنهك فأغلظ له رسول الله عليه السلام فقال : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً فنزل . والزبانية لغة الشرط الواحد زبنية من الزبن وهو الدفع ، والمراد ملائكة العذاب وعنه عليه السلام \" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عياناً \" { كَلاَّ } ردع لأبي جهل { لاَ تُطِعْهُ } أي اثبت على ما أنت عليه من عصيانه كقوله { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } [ القلم : 8 ] { واسجد } ودم على سجودك يريد الصلاة { واقترب } وتقرب إلى ربك بالسجود فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد كذا الحديث والله أعلم .","part":4,"page":43},{"id":1544,"text":"مكية وقيل مدنية وهي خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } عظم القرآن حيث أسند إنزاله إليه دون غيره . وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء عن التنبيه عليه ورفع مقدار الوقت الذي أنزله فيه . روي أنه أنزل جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، ثم كان ينزله جبريل على رسول الله A في ثلاث وعشرين سنة . ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها . والقدر بمعنى التقدير ، أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالي وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان ، كذا روى أبو حنيفة C عن عاصم عن ذرّ أن أبيّ بن كعب كان يحلف على ليلة القدر أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان وعليه الجمهور . ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيى من يريدها الليالي الكثيرة طلباً لموافقتها ، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى ، واسمه الأعظم ، وساعة الإجابة في الجمعة ، ورضاه في الطاعات ، وغضبه في المعاصي . وفي الحديث : « من أدركها يقول اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني » { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر } أي لم تبلغ درايتك غاية فضلها .\rثم بين له ذلك بقوله { لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ليس فيها ليلة القدر . وسبب ارتفاع فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من تنزل الملائكة والروح وفصل كل أمر حكيم . وذكر في تخصيص هذه المدة أن النبي E ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي { تَنَزَّلُ الملائكة } إلى السماء الدنيا أو إلى الأرض { والروح } جبريل أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة أو الرحمة { فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ } أي تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل وعليه وقف { سلام هِىَ } ما هي إلا سلامة خبر ومبتدأ أي لا يقدّر الله فيها إلا السلامة والخير ويقضي في غيرها بلاء وسلامة ، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين . قيل : لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة { حتى مَطْلَعِ الفجر } أي إلى وقت طلوع الفجر . بكسر اللام : علي وخلف ، وقد حرم من السلام الذين كفروا والله أعلم .","part":4,"page":44},{"id":1545,"text":"مختلف فيها وهي ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ } بمحمد A { مّنْ أَهْلِ الكتاب } أي اليهود والنصارى وأهل الرجل أخص الناس به وأهل الإسلام من يدين به { والمشركين } عبدة الأصنام { مُنفَكّينَ } منفصلين عن الكفر وحذف لأن صلة «الذين» تدل عليه { حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } الحجة الواضحة والمراد محمد A يقول : لم يتركوا كفرهم حتى يبعث محمد A ، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض { رَسُولٌ مّنَ الله } أي محمد عليه السلام وهو بدل من { البينة } { يَتْلُواْ } يقرأ عليهم { صُحُفاً } قراطيس { مُّطَهَّرَةٍ } من الباطل { فِيهَا } في الصحف { كُتُبٌ } مكتوبات { قَيّمَةٌ } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة } فمنهم من أنكر نبوته بغياً وحسداً ، ومنهم من آمن . وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع أولاً بينهم وبين المشركين ، لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم ، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف .\r{ وَمَا أُمِرُواْ } يعني في التوراة والإنجيل { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } من غير شرك ولا نفاق { حُنَفَاء } مؤمنين بجميع الرسل مائلين عن الأديان الباطلة { وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكواة وَذَلِكَ دِينُ القيمة } أي دين الملة القيمة { إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِى نَارِ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البرية إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية } ونافع يهمزهما والقراء على التخفيف ، والنبي والبرية مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل { جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جنات عَدْنٍ } إقامة { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } بقبول أعمالهم { وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابها { ذلك } أي الرضا { لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } وقوله { خَيْرُ البرية } يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة ، لأن البرية الخلق ، واشتقاقها من برأ الله الخلق . وقيل : اشتقاقها من البرَى وهو التراب ، ولو كان كذلك لما قرءوا { البريئة } بالهمز كذا قاله الزجاج والله أعلم .","part":4,"page":45},{"id":1546,"text":"مختلف فيها وهي ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا } أي إذا حركت زلزالها الشديد الذي ليس بعده زلزال . وقرىء بفتح الزاء فالمكسور مصدر والمفتوح اسم { وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا } أي كنوزها وموتاها جمع ثقل وهو متاع البيت ، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها { وَقَالَ الإنسان } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها ، وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ موتاها أحياء فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع كما يقولون { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } [ يس : 52 ] وقيل : هذا قول الكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث ، فأما المؤمن فيقول { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } [ يس : 52 ] { يَوْمَئِذٍ } بدل من «إذا» وناصبها { تُحَدّثُ } أي تحدث الخلق { أَخْبَارَهَا } فحذف أول المفعولين لأن المقصود ذكر تحديثها الإخبار لا ذكر الخلق . قيل : ينطقها الله وتخبر بما عمل عليها من خير وشر . وفي الحديث : \" تشهد على كل واحد بما عمل على ظهرها \" { بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } أي تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها أي إليها وأمره إياها بالتحديث { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس } يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف { أَشْتَاتاً } بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين ، أو يصدرون عن الموقف أشتاتاً يتفرق بهم طريقا الجنة والنار { لّيُرَوْاْ أعمالهم } أي جزاء أعمالهم { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } نملة صغيرة { خَيْرًا } تمييز { يَرَهُ } أي ير جزاءه { وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } قيل : هذا في الكفار والأول في المؤمنين . ويروى أن أعرابياً أخر خيراً يره فقيل له : قدمت وأخرت فقال :\rخذا بطن هرشي أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق\rوروي أن جد الفرزدق أتاه عليه السلام ليستقرئه فقرأ عليه هذه الآية فقال : حسبي حسبي ، وهي أحكم آية وسميت الجامعة والله أعلم .","part":4,"page":46},{"id":1547,"text":"مختلف فيها وهي إحدى عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والعاديات ضَبْحاً } أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح ، والضبح : صوت أنفاسها إذا عدون . وعن ابن عباس Bهما أنه حكاه فقال : أح أح . وانتصاب { ضَبْحاً } على يضبحن ضبحاً { فالموريات } تورى نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها { قَدْحاً } قادحات صاكات بحوافرها الحجارة ، والقدح : الصك ، والإيراء : إخراج النار ، تقول : قدح فأورى وقدح فأصلد . وانتصب { قَدْحاً } بمانتصب به { ضَبْحاً } { فالمغيرات } تغير على العدو { صُبْحاً } في وقت الصبح { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } فهيجن بذلك الوقت غباراً { فَوَسَطْنَ بِهِ } بذلك الوقت { جَمْعاً } من جموع الأعداء ووسطه بمعنى توسطه . وقيل : الضمير لمكان الغارة أو للعدو الذي دل عليه . { والعاديات } وعطف { فَأَثَرْنَ } على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه لأن المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن . وجواب القسم { إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ } لكفور أي إنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران { وَإِنَّهُ } وإن الإنسان { على ذلك } على كنوده { لَشَهِيدٌ } يشهد على نفسه ، أو وإن الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد { وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ } وإنه لأجل حب المال لبخيل ممسك ، أو إنه لحب المال لقوي وهو لحب عبادة الله ضعيف { أَفَلاَ يَعْلَمُ } الإنسان { إِذَا بُعْثِرَ } بعث { مَا فِى القبور } من الموتى و«ما» بمعنى «من» { وَحُصِّلَ مَا فِى الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر { إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ } لعالم فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر ، وخص { يَوْمَئِذٍ } بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان لأن الجزاء يقع يومئذ والله أعلم .","part":4,"page":47},{"id":1548,"text":"مكية وهي إحدى عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ القارعة } مبتدأ { مَا } مبتدأ ثانٍ { القارعة } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول ، وكان حقه ما هي وإنما كرر تفخيماً لشأنها { وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة } أي أيّ شيء أعلمك ما هي ومن أين علمت ذلك؟ { يَوْمٍ } نصب بمضمر دلت عليه القارعة أي تقرع يوم { يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث } شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش إلى النار ، وسمي فراشاً لتفرشه وانتشاره { وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش } وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوناً لأنها ألوان { وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها } [ فاطر : 27 ] وبالمنفوش منه لتفرق أجزائها { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه } باتباعهم الحق وهي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله ، أو جمع ميزان وثقلها رجحانها { فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } ذات رضا أو مرضية { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ موازينه } باتباعهم الباطل { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } فمسكنه ومأواه النار . وقيل : للمأوى أمٌّ على التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومفزعه { وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ } الضمير يعود إلى { هَاوِيَةٌ } والهاء للسكت ثم فسرها فقال { نَارٌ حَامِيَةٌ } بلغت النهاية في الحرارة والله أعلم .","part":4,"page":48},{"id":1549,"text":"مكية وهي ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ألهاكم التكاثر } شغلكم التباري في الكثرة والتباهي بها في الأموال والأولاد عن طاعة الله { حتى زُرْتُمُ المقابر } حتى أدرككم الموت على تلك الحال ، أو حتى زرتم المقابر وعددتم من في المقابر من موتاكم { كَلاَّ } ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } عند النزع سوء عاقبة ما كنتم عليه { ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } في القبور { كَلاَّ } تكرير الردع للإنذار والتخويف { لَّوْ تَعْلَمُونَ } جواب «لو» محذوف أي لو تعلمون ما بين أيديكم { عِلْمَ اليقين } علم الأمر يقين أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور لما ألهاكم التكاثر ، أو لفعلتم ما لا يوصف ولكنكم ضلال جهلة { لَتَرَوُنَّ الجحيم } هو جواب قسم محذوف والقسم لتوكيد الوعيد { لَتَرَوُنَّ } ، بضم التاء : شامي وعلي { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا } كرره معطوف ب «ثم» تغليظاً في التهديد وزيادة في التهويل ، أو الأول بالقلب والثاني بالعين { عَيْنَ اليقين } أي الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته { ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم } عن الأمن والصحة فيم أفنيتموهما؟ عن ابن مسعود Bه . وقيل : عن التنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه . وعن الحسن ما سوى كنّ يؤويه وثوب يواريه وكسرة تقويه وقد روي مرفوعاً والله أعلم .","part":4,"page":49},{"id":1550,"text":"مختلف فيها وهي ثلاث آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والعصر } أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله تعالى : { والصلاوة الوسطى } [ البقرة : 238 ] صلاة العصر في مصحف حفصة ، ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم ، أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيها من دلائل القدرة ، أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب ، وجواب القسم { إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } أي جنس الإنسان لفي خسران من تجاراتهم { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا { وَتَوَاصَوْاْ بالحق } بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله { وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده ، { وَتَوَاصَوْاْ } في الموضعين فعل ماضٍ معطوف على ماض قبله والله أعلم .","part":4,"page":50},{"id":1551,"text":"مكية وهي تسع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَيْلٌ } مبتدأ خبره { لّكُلّ هُمَزَةٍ } أي الذي يعيب الناس من خلفهم { لُّمَزَةٍ } أي من يعيبهم مواجهة . وبناء «فعلة» يدل على أن ذلك عادة منه . قيل : نزلت في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة . وقيل : في أمية بن خلف . وقيل : في الوليد . ويجوز أن يكون السبب خاصاً والوعيد عاماً ليتناول كل من باشر ذلك القبيح { الذى } بدل من كل أو نصب على الذم { جَمَعَ مَالاً } { جَمَعَ } شامي وحمزة وعلي مبالغة جمع وهو مطابق لقوله { وَعَدَّدَهُ } أي جعله عدة لحوادث الدهر { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } أي تركه خالداً في الدنيا لا يموت أو هو تعريض بالعمل الصالح وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم ، فأما المال فما أخلد أحداً فيه { كَلاَّ } ردع له عن حسبانه { لَيُنبَذَنَّ } أي الذي جمع { فِى الحطمة } في النار التي شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحطمة } تعجيب وتعظيم { نَارُ الله } خبر مبتدأ محذوف أي هي نار الله { الموقدة } نعتها { التى تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم وهي أوساط القلوب ، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ولا أشد تألماً منه بأدنى أذى يمسه ، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه؟ وقيل : خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة ، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها { إِنَّهَا عَلَيْهِم } أي النار أو الحطمة { مُّؤْصَدَةُ } مطبقة { فِى عَمَدٍ } { بضمتين } كوفي حفص ، الباقون { فِى عَمَدٍ } وهما لغتان في جمع عماد كإهاب وأهب وحمار وحمر { مُّمَدَّدَةِ } أي تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقاً في استيثاق . في الحديث : \" المؤمن كيس فطن وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع ، والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب الليل لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق \" والله أعلم .","part":4,"page":51},{"id":1552,"text":"مكية وهي خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } { كَيْفَ } في موضع نصب ب { فِعْلَ } لا ب { أَلَمْ تَرَ } لما في { كَيْفَ } من معنى الاستفهام ، والجملة سدت مسد مفعولي { تَرَ } وفي { أَلَمْ تَرَ } تعجيب أي عجّب الله نبيه من كفر العرب وقد شاهدت هذه العظمة من آيات الله ، والمعنى إنك رأيت آثار صنع الله بالحبشة وسمعت الأخبار به متواتراً فقامت لك مقام المشاهدة { بأصحاب الفيل } روي أن أبرهة ابن الصباح ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي ، بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس ، وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً فأغضبه ذلك . وقيل : أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبه ، فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قوياً عظيماً واثنا عشر فيلاً غيره ، فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى ، وعبى جيشه وقدم الفيل ، وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح ، وإذا وجهوه إلى اليمن هرول ، وأرسل الله طيراً مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة ، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا وهلكوا ، وما مات أبرهة حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة ، فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتاً بين يديه .\rوروي أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه فيها فعظم في عينه وكان رجلاً جسيماً وسيماً . وقيل : هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال ، فلما ذكر حاجته قال : سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وشرفكم في قديم الدهر ، فألهاك عنه ذود أخذلك فقال : أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه { أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ } في تضييع وإبطال . يقال : ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً . وقيل لامرىء القيس : الملك الضليل لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه يعني أنهم كادوا البيت أوّلاً ببناء القليس ليصرفوا وجوه الحاج إليه فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه ، وكادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } حزائق الواحدة إبالة . قال الزجاج : جماعات من ههنا وجماعات من ههنا { تَرْمِيهِم } وقرأ أبو حنيفة Bه { يرميهم } أي الله أو الطير لأنه اسم جمع مذكر وإنما يؤنث على المعنى { بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ } هو معرب من سنككل وعليه الجمهور أي الآجر { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } زرع أكله الدود .","part":4,"page":52},{"id":1553,"text":"مكية وهي أربع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ لإيلاف قُرَيْشٍ } متعلق بقوله { فَلْيَعْبُدُواْ } أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين . ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط أي إن نعم الله عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة ، أو بما قبله أي { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ لإيلاف قُرَيْشٍ } يعني أن ذلك الإتلاف لهذا الإيلاف وهذا كالتضمين في الشعر ، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به ، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل . ويروى عن الكسائي ترك التسمية بينهما ، والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيحترموهم فضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم فلا يجترىء أحد عليهم . وقيل : المعنى اعجبوا لإيلاف قريش { لإِلاف قُرَيْشٍ } شامي أي لمؤالفة قريش . وقيل : يقال ألفته ألفاً وإلافاً . وقريش ولد النضر بن كنانة سموه بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار ، والتصغير للتعظيم فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيهاً بها . وقيل : من القرش وهو الجمع والكسب لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد { إيلافهم رِحْلَةَ الشتاء والصيف } أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم النعمة فيه . ونصب الرحلة ب { إيلافهم } مفعولاً به وأراد رحلتي الشتاء والصيف فأفرد لأمن الإلباس . وكانت لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام ، فيمتارون ويتجرون ، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله فلا يتعرض لهم وغيرهم يغار عليهم { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ } والتنكير في { جُوعٍ } و { خوْفٍ } لشدتهما يعني أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما ، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل ، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم . وقيل : كانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ، وآمنهم من خوف الجذام لا يصيبهم ببلدهم . وقيل : ذلك كله بدعاء إبراهيم عليه السلام .","part":4,"page":53},{"id":1554,"text":"مختلف فيها وهي سبع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَرَءيْتَ الذى يُكَذّبُ بالدين } أي هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو إن لم تعرفه { فَذَلِكَ الذى } يكذب بالجزاء هو الذي { يَدُعُّ اليتيم } أي يدفعه دفعاً عنيفاً بجفوة وأذى ويرده رداً قبيحاً بزجر وخشونة { وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين ، جعل علم التكذيب الجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف أي لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لخشي الله وعقابه ولم يقدم على ذلك ، فحين أقدم عليه دل أنه مكذب بالجزاء . ثم وصل به قوله { فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ الذين هُمْ يُرَاءونَ وَيَمْنَعُونَ الماعون } يعني بهذا المنافقين لا يصلونها سراً لأنهم لا يعتقدون وجوبها ويصلونها علانية رياء . وقيل : فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورة وهم غافلون عن صلاتهم ، وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم ولا تأدية للفرض فهم ينخفضون ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون ، ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض ويمنعون الزكاة وما فيه منفعة . وعن أنس والحسن قالا : الحمد لله الذي قال { عَن صلاتهم } ولم يقل «في صلاتهم» لأن معنى «عن» أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها ذلك فعل المنافقين ، ومعنى «في» أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يخلو عنه مسلم ، وكان رسول الله A يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره . والمراءاة مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يرائي الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به ، ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار الفرائض فمن حقها الإعلان بها لقوله A : \" ولا غمة في فراض الله \" والإخفاء في التطوع أولى فإن أظهره قاصداً للاقتداء به كان جميلاً ، والماعون : الزكاة . وعن ابن مسعود Bه : ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها ، وعن عائشة Bها : الماء والنار والملح والله أعلم .","part":4,"page":54},{"id":1555,"text":"مكية وهي ثلاث آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أعطيناك الكوثر } هو فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة ، وقيل : هو نهر في الجنة أحلى من العسل ، وأشد بياضاً من اللبن ، وأبرد من الثلج ، وألين من الزبد ، حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة ، وعن ابن عباس Bهما : هو الخير الكثير فقيل له : إن ناساً يقولون هو نهر في الجنة فقال : هو من الخير الكثير { فَصَلّ لِرَبّكَ } فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله { وانحر } لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفاً لعبدة الأوثان في النحر لها { إِنَّ شَانِئَكَ } أي من أبغضك من قومك بمخالفتك لهم { هُوَ الابتر } المنقطع عن كل خير لا أنت ، لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك ، وذكرك مرفوع على المنابر وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر ، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك ، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف ، فمثلك لا يقال له أبتر إنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة . قيل : نزلت في العاص بن وائل سماه الأبتر ، والأبتر الذي لا عقب له وهو خبر «إن» و«هو» فصل .","part":4,"page":55},{"id":1556,"text":"ست آيات مكية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ ياأيها الكافرون } المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله أنهم لا يؤمنون . روي أن رهطاً من قريش قالوا : يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، فقال : معاذ الله أن أشرك بالله غيره ، قالوا : فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت ، فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم فآيسوا { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أي لست في حالي هذه عابداً ما تعبدون { وَلاَ أَنتُمْ عابدون } الساعة { مَا أَعْبُدُ } يعني الله { وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } ولا أعبد فيما أستقبل من الزمان ما عبدتم { وَلا أَنتُمْ } فيما تستقبلون { عابدون مَا أَعْبُدُ } وذكر بلفظ ما لأن المراد به الصفة أي لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق ، أو ذكر بلفظ «ما» ليتقابل اللفظان ولم يصح في الأول «من» وصح في الثاني «ما» بمعنى «الذي» { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } لكم شرككم ولي توحيدي ، وبفتح الياء : نافع وحفص ، وروي أن ابن مسعود Bه دخل المسجد والنبي A جالس فقال له : \" نابذ يا ابن مسعود فقرأ { قُلْ ياأيها الكافرون } ثم قال له في الركعة الثانية : أخلص . فقرأ { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } فلما سلم ، قال يا ابن مسعود سل تجب \" والله أعلم .","part":4,"page":56},{"id":1557,"text":"مدنية وهي ثلاث آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا } منصوب ب { سَبِّحِ } وهو لما يستقبل ، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة . وروي أنها نزلت في أيام التشريق بمنىٍ في حجة الوداع { جَاء نَصْرُ الله والفتح } النصر الإغاثة والإظهار على العدو ، والفتح فتح البلاد ، والمعنى نصر الله A على العرب أو على قريش وفتح مكة ، أو جنس نصر الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم { وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ } هو حال من { الناس } على أن { رَأَيْتُ } بمعنى أبصرت أو عرفت ، أو مفعول ثانٍ على أنه بمعنى علمت { فِى دِينِ الله أفواجا } هو حال من فاعل يدخلون ، وجواب «إذا» { فَسَبّحْ } أي إذا جاء نصر الله إياك على من ناواك وفتح البلاد ، ورأيت أهل اليمن يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فقل : سبحان الله حامداً له أو فصل له { واستغفره } تواضعاً وهضماً للنفس أو دم على الاستغفار { إِنَّهُ كَانَ } ولم يزل { تَوبَا } التواب الكثير القبول للتوبة وفي صفة العباد الكثير الفعل للتوبة . ويروى أن عمر Bه لما سمعها بكى وقال : الكمال دليل الزوال ، وعاش رسول الله A بعدها سنتين والله أعلم .","part":4,"page":57},{"id":1558,"text":"مكية وهي خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } التباب : الهلاك ومنه قولهم أشابّة أم تابّة أي هالكة من الهرم؟ والمعنى هلكت يداه لأنه فيما يروى أخذ حجراً ليرمي به رسول الله A { وَتَبَّ } وهلك كله أو جعلت يداه هالكتين والمراد هلاك جملته كقوله { بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [ الحج : 10 ] ومعنى { وَتَبَّ } وكان ذلك وحصل ، كقوله :\rجزائي جزاء الله شر جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل\rوقد دلت عليه قراءة ابن مسعود Bه : { وَقَد تَبَّ } ، روي أنه لما نزل { وأنذر عشيرتك الأقربين } رقى الصفا \" وقال : يا صباحاه فاستجمع إليه الناس من كل أوب . فقال E : يا بني عبد المطلب يا بني فهر إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟ قالوا : نعم . قال : «فإني نذير لكم بين يدي الساعة \" فقال أبو لهب : تباً لك ألهذا دعوتنا فنزلت . وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بها دون الاسم ، أو لكراهة اسمه فاسمه عبد العزى ، أو لأن مآله إلى نار ذات لهب فوافقت حاله كنيته ، { أَبِى لَهَبٍ } مكي { مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ } «ما» للنفي { وَمَا كَسَبَ } مرفوع و«ما» موصولة أو مصدرية أي ومكسوبه أو وكسبه أي لم ينفعه ماله الذي ورثه من أبيه ، أو الذي كسبه بنفسه ، أو ماله التالد والطارف ، وعن ابن عباس Bهما : ما كسب ولده . وروي أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي { سيصلى نَاراً } سيدخل { سيصلى } البرجمي عن أبي بكر ، والسين للوعيد أي هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته { ذَاتَ لَهَبٍ } توقد { وامرأته } هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان { حَمَّالَةَ الحطب } كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله A . وقيل : كانت تمشي بالنميمة فتشعل نار العداوة بين الناس . ونصب عاصم { حَمَّالَةَ الحطب } على الشتم وأنا أحب هذه القراءة ، وقد توسل إلى رسول الله A بجميل من أحب شتم أم جميل . وعلى هذا يسوغ الوقف على { امرأته } لأنها عطفت على الضمير في { سيصلى } أي سيصلى هو وامرأته والتقدير : أعني حمالة الحطب ، وغيره رفع { حَمَّالَةَ الحطب } على أنها خبر وامرأته أو هي حمالة { فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ } حال أو خبر آخر . والمسد الذي فتل من الحبال فتلاً شديداً من ليف كان أو جلد أو غيرهما ، والمعنى في جيدها حبل مما مسد من الحبال وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون تحقيراً لها وتصويراً لها بصورة بعض الحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها ، وهما في بيت العز والشرف وفي منصب الثروة والجدة والله أعلم .","part":4,"page":58},{"id":1559,"text":"أربع آيات مكية عند الجمهور وقيل : مدنية عند أهل البصرة\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } هو ضمير الشأن و { الله أَحَدٌ } هو الشأن كقولك : هو زيد منطلق كأنه قيل : الشأن هذا وهو أن الله واحد لا ثاني له ، ومحل { هُوَ } الرفع على الابتداء والخبر هو الجملة ، ولا يحتاج إلى الراجح لأنه في حكم المفرد في قولك : زيد غلامك في أنه هو المبتدأ في المعنى ، وذلك أن قوله { الله أَحَدٌ } هو الشأن الذي عبارة عنه وليس : كذلك زيد أبوه منطلق ، فإن زيداً أو الجملة يدلان على معنيين مختلفين فلا بد مما يصل بينهما . وعن ابن عباس Bهما : قالت قريش : يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت . يعني الذي سألتموني وصفه هو الله تعالى . وعلى هذا { أَحَدٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وهو بمعنى واحد ، وأصله وحد فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفاً .\rوالدليل على أنه واحد من جهة العقل أن الواحد إما أن يكون في تدبير العالم وتخليقه كافياً أولاً ، فإن كان كافياً كان الآخر ضائعاً غير محتاج إليه وذلك نقص والناقص لا يكون إلهاً ، وإن لم يكن كافياً فهو ناقص . ولأن العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل والفاعل الواحد كافٍ وما وراء الواحد فليس عدد أولي من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذا محال . فالقول بوجود إلهين محال ، ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلاً ، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزاً . ولأنا لو فرضنا معدوماً ممكن الوجود فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً ، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلهاً ، وإن قدراً جميعاً فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجاً إلى إعانة الآخر فيكون كل واحد منهما عاجزاً ، وإن قدر كل واحد منهما على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادراً عليه وهو محال ، لأن إيجاد الموجود محال ، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول مزيلاً قدرة الثاني فيكون عاجزاً ومقهوراً تحت تصرفه فلا يكون إلهاً . فإن قلت : الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزاً . قلنا : الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته ، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزاً ، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخر فكان ذلك تعجيزاً .\r{ الله الصمد } هو فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده ، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج .","part":4,"page":59},{"id":1560,"text":"والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم ، وهو واحد لا شريك له ، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه وهو الغني عنهم { لَمْ يَلِدْ } لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا ، وقد دل على هذا المعنى بقوله : { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } [ الأنعام : 101 ] { وَلَمْ يُولَدْ } لأن كل مولود محدث وجسم وهو قديم لا أول لوجوده إذ لو لم يكن قديماً لكان حادثاً لعدم الواسطة بينهما ، ولو كان حادثاً لافتقر إلى محدث ، وكذا الثاني والثالث فيؤدي إلى التسلسل وهو باطل . وليس بجسم لأنه اسم للمتركب ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه بصفات الكمال فيكون كل جزء إلهاً فيفسد القول به كما فسد بإلهين ، أو غير متصف بها بل بأضدادها من سمات الحدوث وهو محال { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } ولم يكافئه أحد أي لم يماثله .\rسألوه أن يصفه لهم فأوحى إليه ما يحتوي على صفاته تعالى ، فقوله : { هُوَ الله } إشارة إلى أنه خالق الأشياء وفاطرها ، وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم لكونه واقعاً على غاية إحكام واتساق وانتظام ، وفي ذلك وصفه بأنه حي لأن المتصف بالقدرة والعلم لا بد وأن يكون حياً ، وفي ذلك وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال ، إذ لو لم يكن موصوفاً بها لكان موصوفاً بأضدادها وهي نقائص وذا من أمارات الحدوث فيستحيل اتصاف القديم بها ، وقوله : { أَحَدٌ } وصف بالوحدانية ونفي الشريك ، وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات والمتوحد بعلم الخفيات ، وقوله : { الصمد } وصف بأنه ليس إلا محتاجاً إليه وإذا لم يكن إلا محتاجاً إليه فهو غني لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل أحد ، وقوله { لَمْ يَلِدْ } نفي للشبه والمجانسة ، وقوله { وَلَمْ يُولَدْ } نفي للحدوث ووصف بالقدم والأولية .\rوقوله { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } نفي أن يماثله شيء . ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه في الحال فقد تاه في غيه ، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفؤاً للقديم ، وحاصل كلام الكفرة يئول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل ، والسورة تدفع الكل كما قررنا ، واستحسن سيبويه تقديم الظرف إذا كان مستقراً أي خبراً لأنه لما كان محتاجاً إليه قدم ليعلم من أول الأمر أنه خبر لا فضلة ، وتأخيره إذا كان لغواً أي فضلة لأن التأخير مستحق للفضلات . وإنما قدم في الكلام الأفصح لأن الكلام سيق لنفي المكافأة عن ذات الباريء سبحانه ، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان الأهم تقديمه .","part":4,"page":60},{"id":1561,"text":"مختلف فيها وهي خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق } أي الصبح أو الخلق أو هو واد في جهنم أوجبٌّ فيها { مِن شَرّ مَا خَلَقَ } أي النار أو الشيطان . و«ما» موصولة والعائد محذوف ، أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق . وقرأ أبو حنيفة Bه { مِن شَرّ } بالتنوين و«ما» على هذا مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الجر بدل من { شَرُّ } أي شر خلقه أي من خلق شر ، أو زائدة { وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } الغاسق : الليل إذا اعتكر ظلامه ، ووقوبه دخول ظلامه في كل شيء ، وعن عائشة Bها : أخذ رسول الله A بيدي فأشار إلى القمر فقال : تعوذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب ، ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده { وَمِن شَرّ النفاثات فِى العقد } النفاثات : النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين ، والنفث : النفخ مع ريق وهو دليل على بطلان قول المعتزلة في إنكار تحقق السحر وظهور أثره { وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } أي إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه لأنه إذا لم يظهر فلا ضرر يعود منه على حسده بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره ، وهو الأسف على الخير عند الغير . والاستعاذة من شر هذه الأشياء بعد الاستعاذة من شر ما خلق إشعار بأن شر هؤلاء أشد ، وختم بالحسد ليعلم أنه شرها وهو أول ذنب عصي الله به في السماء من إبليس ، وفي الأرض من قابيل . وإنما عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ، لأن كل نفاثة شريرة فلذا عرفت { النفاثات } ونكر { غَاسِقٍ } لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر إنما يكون في بعض دون بعض ، وكذلك كل حاسد لا يضر ، ورب حسد يكون محموداً كالحسد في الخيرات والله أعلم .","part":4,"page":61},{"id":1562,"text":"مختلف فيها وهي ست آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس } أي مربيهم ومصلحهم { مَلِكِ الناس } مالكهم ومدبر أمورهم { إله الناس } معبودهم . ولم يكتف بإظهار المضاف إليه مرة واحدة لأن قوله : { مَلِكِ الناس إله الناس } عطف بيان ل { رَبّ الناس } لأنه يقال لغيره رب الناس وملك الناس ، وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه . وعطف البيان للبيان فكأنه مظنة للإظهار دون الإضمار . وإنما أضيف الرب إلى الناس خاصة وإن كان رب كل مخلوق تشريفاً لهم ، ولأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلههم ومعبودهم . وقيل : أراد بالأول الأطفال . ومعنى الربوبية يدل عليه ، وبالثاني الشبان ولفظ الملك المنبىء عن السياسة يدل عليه ، وبالثالث الشيوخ ولفظ الإله المنبىء عن العبادة يدل عليه ، وبالرابع الصالحين إذ الشيطان مولع بإغوائهم ، وبالخامس المفسدين لعطفه على المعوذ منه { مِن شَرّ الوسواس } هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما المصدر فوسواس بالكسر كالزلزال والمراد به الشيطان سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه لأنها شغله الذي هو عاكف عليه ، أو أريد ذو الوسواس والوسوسة الصوت الخفي { الخناس } الذي عادته أن يخنس منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات لما روي عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، وإذا غفل رجع ووسوس إليه { الذى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس } في محل الجر على الصفة ، أو الرفع ، أو النصب على الشتم ، وعلى هذين الوجهين يحسن الوقف على الخناس { مِنَ الجنة والناس } بيان للذي يوسوس على أن الشيطان ضربان : جني وإنسي كما قال { شياطين الإنس والجن } [ الأنعام : 112 ] وعن أبي ذر Bه أنه قال لرجل : هل تعوذت بالله من شيطان الإنس؟ روي أنه عليه السلام سحر فمرض فجاءه ملكان وهو نائم فقال أحدهما لصاحبه : ما باله . فقال : طُبّ . قال : ومن طبه؟ قال : لبيد بن أعصم اليهودي . قال : وبم طبه؟ قال : بمشط ومشاطة في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذي أروان . فانتبه A فبعث زبيراً وعلياً وعماراً Bهم فنزحوا ماء البئر وأخرجوا الجف ، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه ، وإذا فيه وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر ، فنزلت هاتان السورتان ، فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة حتى قام A عند انحلال العقدة الأخيرة كأنما نشط من عقال وجعل جبريل يقول : باسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك . ولهذا جوز الاسترقاء بما كان من كتاب الله وكلام رسوله عليه السلام لا بما كان بالسريانية والعبرانية والهندية ، فإنه لا يحل اعتقاده والاعتماد عليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأقوالنا ومن شر ماعملنا وما لم نعمل ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ونبيه وصفيه ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الأنام وأصحابه مفاتيح دار السلام صلاة دائمة ما دامت الليالي والأيام .","part":4,"page":62}],"titles":[{"id":1,"title":"الفاتحة","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":54,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":60,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":63,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":79,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"215","lvl":2,"sub":0},{"id":110,"title":"219","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"224","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"229","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"233","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"241","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"252","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"258","lvl":2,"sub":0},{"id":137,"title":"272","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"283","lvl":2,"sub":0},{"id":145,"title":"آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":145,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":164,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":173,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":177,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":181,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":188,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":192,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":203,"title":"192","lvl":2,"sub":0},{"id":206,"title":"النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":206,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":209,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":214,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":221,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":227,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":231,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":236,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":240,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":243,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":245,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":249,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":252,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":258,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":261,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":264,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":266,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":271,"title":"المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":271,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":274,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":276,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":284,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":287,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":289,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":293,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":295,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":298,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":302,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":304,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":309,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":313,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":316,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":320,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":323,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":327,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":337,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":346,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":349,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":352,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":355,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":358,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":360,"title":"الأعراف","lvl":1,"sub":0},{"id":360,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":362,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":365,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":369,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":371,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":374,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":376,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":380,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":383,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":387,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":390,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":395,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":398,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":400,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":403,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"197","lvl":2,"sub":0},{"id":409,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":409,"title":"الأنفال","lvl":1,"sub":0},{"id":412,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":416,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":419,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":423,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":426,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"التوبة","lvl":1,"sub":0},{"id":431,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":435,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":438,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":440,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":443,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":446,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":452,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":455,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":458,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":460,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":462,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":466,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":469,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":473,"title":"يونس","lvl":1,"sub":0},{"id":473,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":474,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":475,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":476,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":477,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":478,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":479,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":480,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":481,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":482,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":484,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":486,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":487,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":488,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":489,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":490,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":491,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":492,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":494,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":495,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":497,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":501,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":504,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":505,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":507,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":510,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":511,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":512,"title":"هود","lvl":1,"sub":0},{"id":512,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":514,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":516,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":517,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":518,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":519,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":520,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":522,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":523,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":526,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":531,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":533,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":534,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":535,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":538,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":539,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":540,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":542,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":543,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":544,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":545,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":546,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":547,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":548,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":549,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":550,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":553,"title":"يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":553,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":554,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":555,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":556,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":557,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":558,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":559,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":560,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":562,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":563,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":564,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":566,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":567,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":568,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":569,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":570,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":572,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":573,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":574,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":575,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":576,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":577,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":578,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":579,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":580,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":581,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":582,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":584,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":585,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":586,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":587,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":588,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":589,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":590,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":591,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":592,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":593,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":594,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"الرعد","lvl":1,"sub":0},{"id":595,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":596,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":597,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":598,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":599,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":600,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":602,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":604,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":605,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":606,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":607,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":608,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":609,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":610,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":611,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":612,"title":"إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":612,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":613,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":614,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":615,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":616,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":617,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":618,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":619,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":620,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":621,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":622,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":623,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":624,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":625,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":626,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":627,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":628,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":630,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":631,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":632,"title":"الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":632,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":633,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":634,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":635,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":637,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":638,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":639,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":640,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":641,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":642,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":643,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":644,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":645,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":647,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":648,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":649,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":650,"title":"النحل","lvl":1,"sub":0},{"id":650,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":651,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":652,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":653,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":656,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":657,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":658,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":659,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":660,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":661,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":662,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":663,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":665,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":667,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":668,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":669,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":670,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":671,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":673,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":675,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":676,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":677,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":678,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":679,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":680,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":681,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":683,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":684,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":686,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":687,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":688,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":689,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":690,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":691,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":692,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":695,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":696,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":697,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":698,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":701,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":702,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":703,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":704,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":705,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":706,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":707,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":709,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":710,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":711,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":713,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":715,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":716,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":717,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":718,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":719,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":721,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":722,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":724,"title":"الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":724,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":726,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":727,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":728,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":730,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":731,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":732,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":735,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":736,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":738,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":739,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":740,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":742,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":743,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":744,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":745,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":747,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":748,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":749,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":750,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":751,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":753,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":755,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":756,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":757,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":759,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":760,"title":"مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":760,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":761,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":762,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":763,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":764,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":765,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":766,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":767,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":768,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":769,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":770,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":771,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":772,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":773,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":774,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":775,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":776,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":777,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":778,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":779,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":780,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":781,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":782,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":784,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":785,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":786,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":787,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":788,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":789,"title":"طه","lvl":1,"sub":0},{"id":789,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":790,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":791,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":792,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":793,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":794,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":796,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":798,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":799,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":801,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":803,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":805,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":807,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":808,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":809,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":810,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":811,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":812,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":813,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":814,"title":"الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":814,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":815,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":816,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":817,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":818,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":819,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":820,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":821,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":822,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":823,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":824,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":825,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":826,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":827,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":828,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":829,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":830,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":831,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":832,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":833,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":834,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":835,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":836,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":837,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":838,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":839,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":840,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":842,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":843,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":844,"title":"الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":844,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":845,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":846,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":847,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":848,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":849,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":850,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":851,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":852,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":853,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":854,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":855,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":856,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":857,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":858,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":859,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":860,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":861,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":863,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":865,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":866,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":867,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":868,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":869,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":870,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":871,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":872,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":873,"title":"المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":873,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":874,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":875,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":876,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":877,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":878,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":879,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":880,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":881,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":882,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":883,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":884,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":885,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":886,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":887,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":888,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":889,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":890,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":891,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":892,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":893,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":894,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":895,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":896,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":897,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":898,"title":"النور","lvl":1,"sub":0},{"id":898,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":899,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":900,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":901,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":902,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":903,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":904,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":905,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":906,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":907,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":908,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":909,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":910,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":911,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":914,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":916,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":917,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":918,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":919,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":920,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":921,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":922,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":923,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":924,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":926,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":927,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":928,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":929,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":930,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":931,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":932,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":933,"title":"الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":933,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":934,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":935,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":936,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":937,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":938,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":939,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":940,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":941,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":942,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":943,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":944,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":945,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":946,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":947,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":948,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":949,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":950,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":951,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":952,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":953,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":954,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":955,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":956,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":957,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":958,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":959,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":960,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":961,"title":"الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":961,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":962,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":963,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":964,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":967,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":968,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":970,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":971,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":972,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":973,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":974,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":975,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":976,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":977,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":978,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":979,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":980,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":981,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":982,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":983,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":984,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":985,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"182","lvl":2,"sub":0},{"id":987,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":988,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":989,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":990,"title":"202","lvl":2,"sub":0},{"id":991,"title":"209","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"215","lvl":2,"sub":0},{"id":993,"title":"220","lvl":2,"sub":0},{"id":994,"title":"224","lvl":2,"sub":0},{"id":995,"title":"226","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"النمل","lvl":1,"sub":0},{"id":996,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":998,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":999,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1000,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1001,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1003,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1004,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1005,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1007,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1008,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1009,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1010,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1011,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1012,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1013,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1014,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1015,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1016,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1017,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1018,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1019,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1020,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1021,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1022,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1023,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1024,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1025,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1026,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1027,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1028,"title":"القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":1028,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1029,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1030,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1031,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1032,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1033,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1034,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1035,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1036,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1037,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1038,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1039,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1040,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1041,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1044,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1045,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1046,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1047,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1048,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1049,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1050,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1051,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1052,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1053,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1054,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1056,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1058,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1059,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1060,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":"العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":1061,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1062,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1063,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1064,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1065,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1066,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1067,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1068,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1069,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1070,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1072,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1073,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1074,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1075,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1076,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1077,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1078,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1079,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1080,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1081,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1082,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1084,"title":"الروم","lvl":1,"sub":0},{"id":1084,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1085,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1086,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1087,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1088,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1090,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1091,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1092,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1093,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1094,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1095,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1097,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1098,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1100,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1101,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":1103,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1104,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1105,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1107,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1108,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1109,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1110,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1111,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1112,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1113,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1114,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1115,"title":"السجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":1115,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1120,"title":"الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":1120,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1124,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1127,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1130,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1133,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1136,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1140,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1142,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1145,"title":"سبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":1145,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1147,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1149,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1151,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1153,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1156,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1158,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1160,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1160,"title":"فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":1163,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1165,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1168,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1171,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1173,"title":"يس","lvl":1,"sub":0},{"id":1173,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1175,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1178,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1181,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1183,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1185,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1188,"title":"الصافات","lvl":1,"sub":0},{"id":1188,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1191,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1192,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1195,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1198,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1201,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":1205,"title":"ص","lvl":1,"sub":0},{"id":1205,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1209,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1212,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1214,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1217,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1221,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1223,"title":"الزمر","lvl":1,"sub":0},{"id":1223,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1226,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1228,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1231,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1234,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1236,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1238,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1242,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1243,"title":"غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":1243,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1246,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1249,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1253,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1256,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1260,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1262,"title":"فصلت","lvl":1,"sub":0},{"id":1262,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1264,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1266,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1269,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1272,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1274,"title":"الشورى","lvl":1,"sub":0},{"id":1274,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1277,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1280,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1284,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1287,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1288,"title":"الزخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":1288,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1291,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1293,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1296,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1299,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1302,"title":"الدخان","lvl":1,"sub":0},{"id":1302,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1305,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1308,"title":"الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":1308,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1310,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1313,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1315,"title":"الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":1315,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1318,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1321,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1323,"title":"محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":1323,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1327,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1330,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1331,"title":"الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":1331,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1334,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1337,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1339,"title":"الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":1339,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1343,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1347,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1350,"title":"ق","lvl":1,"sub":0},{"id":1350,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1353,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1357,"title":"الذاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":1357,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1359,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1361,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1364,"title":"الطور","lvl":1,"sub":0},{"id":1364,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1366,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1369,"title":"النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":1369,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1372,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1375,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":1377,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1379,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1382,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1383,"title":"الرحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":1383,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1385,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1388,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1390,"title":"الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1390,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1392,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1394,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1397,"title":"الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":1397,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1400,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1404,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1406,"title":"المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":1406,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1409,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1413,"title":"الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":1413,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1417,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1420,"title":"الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":1420,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1423,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1426,"title":"الصف","lvl":1,"sub":0},{"id":1426,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1429,"title":"الجمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1429,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1432,"title":"المنافقون","lvl":1,"sub":0},{"id":1432,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1435,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1436,"title":"التغابن","lvl":1,"sub":0},{"id":1436,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1439,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1440,"title":"الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1440,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1443,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1445,"title":"التحريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1445,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1448,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1449,"title":"الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":1449,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1453,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1455,"title":"القلم","lvl":1,"sub":0},{"id":1455,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1458,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1460,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1462,"title":"الحاقة","lvl":1,"sub":0},{"id":1462,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1464,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1466,"title":"المعارج","lvl":1,"sub":0},{"id":1466,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1468,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1470,"title":"نوح","lvl":1,"sub":0},{"id":1470,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1474,"title":"الجن","lvl":1,"sub":0},{"id":1474,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1476,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1479,"title":"المزمل","lvl":1,"sub":0},{"id":1479,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1481,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1483,"title":"المدثر","lvl":1,"sub":0},{"id":1483,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1486,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1489,"title":"القيامة","lvl":1,"sub":0},{"id":1489,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1491,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1493,"title":"الإنسان","lvl":1,"sub":0},{"id":1493,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1496,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1498,"title":"المرسلات","lvl":1,"sub":0},{"id":1498,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1500,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1502,"title":"النبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":1502,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1504,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1505,"title":"النازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":1505,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1506,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1508,"title":"عبس","lvl":1,"sub":0},{"id":1508,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1510,"title":"التكوير","lvl":1,"sub":0},{"id":1510,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1512,"title":"الإنفطار","lvl":1,"sub":0},{"id":1512,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1513,"title":"المطففين","lvl":1,"sub":0},{"id":1513,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1516,"title":"الإنشقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1516,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1517,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1519,"title":"البروج","lvl":1,"sub":0},{"id":1519,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1521,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1522,"title":"الطارق","lvl":1,"sub":0},{"id":1522,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1524,"title":"الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":1524,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1526,"title":"الغاشية","lvl":1,"sub":0},{"id":1526,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1528,"title":"الفجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1528,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1530,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1532,"title":"البلد","lvl":1,"sub":0},{"id":1532,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1534,"title":"الشمس","lvl":1,"sub":0},{"id":1534,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1536,"title":"الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":1536,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1538,"title":"الضحى","lvl":1,"sub":0},{"id":1538,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1540,"title":"الشرح","lvl":1,"sub":0},{"id":1540,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1541,"title":"التين","lvl":1,"sub":0},{"id":1541,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1542,"title":"العلق","lvl":1,"sub":0},{"id":1542,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1543,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1544,"title":"القدر","lvl":1,"sub":0},{"id":1544,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1545,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1545,"title":"البينة","lvl":1,"sub":0},{"id":1546,"title":"الزلزلة","lvl":1,"sub":0},{"id":1546,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1547,"title":"العاديات","lvl":1,"sub":0},{"id":1547,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1548,"title":"القارعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1548,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1549,"title":"التكاثر","lvl":1,"sub":0},{"id":1549,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1550,"title":"العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":1550,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1551,"title":"الهمزة","lvl":1,"sub":0},{"id":1551,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1552,"title":"الفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":1552,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1553,"title":"قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":1553,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1554,"title":"الماعون","lvl":1,"sub":0},{"id":1554,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1555,"title":"الكوثر","lvl":1,"sub":0},{"id":1555,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1556,"title":"الكافرون","lvl":1,"sub":0},{"id":1556,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1557,"title":"النصر","lvl":1,"sub":0},{"id":1557,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1558,"title":"المسد","lvl":1,"sub":0},{"id":1558,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1559,"title":"الإخلاص","lvl":1,"sub":0},{"id":1559,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1561,"title":"الفلق","lvl":1,"sub":0},{"id":1561,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1562,"title":"الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":1562,"title":"1","lvl":2,"sub":0}]}