{"pages":[{"id":1,"text":"تَقْرِيبُ الوُصُولِ\rإلى\rعِلْمِ الأُصُولِ\rللإمَام أبي القَاسم مُحمَّد بن أحمد بن جُزَي الكَلْبي الغَرنَاطي المَالَكِي\rالمُتوفَّى شَهيداً بكائنة طريف بالأندلس سنة 741 هـ\rرحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته\r\rاعتناء: جلال علي الجهاني\rغفر الله له","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rتقديم :\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد...\rفهذا كتاب مختصر في أصول الفقه، على الطريقة المالكية، ألَّفه أحدُ أئمة الفقه المالكي المعروفين، اشتهر في عصرنا بكتابيه: القوانين الفقهية، والتسهيل في تفسير القرآن الكريم.\rوالكتاب في حقيقته تلخيصاتٌ جيدة، تنفع المبتدئ لولوج هذا العلم، وتفتح له مغاليق كثيرة، ويظهر اعتماد المؤلف على تنقيح الإمام القرافي واضحاً.\rوالكتاب مهم غاية لمبتدئي الطلبة، لما حواه من مقدمة المنطق واللغة، ومباحث يحتاج إليها المرء في زماننا، مثل أسباب الخلاف بين الفقهاء.\rوقد طبع الكتاب عدة طبعات، لم تسلم من التصحيفات والتحريفات ، لم يتنبه لها محققوه، فأعدت كتابته، واخترتُ من طبعاته الصواب قدر الإمكان، وألَّفت بينهما في حلة أرجو أن تكون لي ذخراً يوم المعاد.\rوالحمد لله رب العالمين..\rوكتب: جلال علي الجهاني\rبمدينة ليدن، في أنفاس ذكرى شهر ربيع الأنوار،\rمن سنة 1423 هـ","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"ترجمة المؤلف\rمقتبسة من كتاب \"الديباج المذهب\" للإمام ابن فرحون\rاسمه ولقبه:\rهو الإمام الفقيه المفسر المقرئ الأديب محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الغرماء أبا القاسم من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنباهة فيها.\rطلبه للعلم ومنزلته:\rكان رحمه الله على طريقة مُثلَى من العكوف على العلم والتقييد والتدوين فيها، حافظاً قائماً على التدريس، مشاركاً في فنونٍ من عربية وأصول وقراءات وحديث وأدب، حافظاً للتفسير، مستوعباً للأقوال، جمَّاعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، صحيح الباطن.\rتقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنِّه، فأنفقَ على فضله وجرى على سنن أصالته.\rقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن، ولازم الخطيب الفاضل أبا عبد الله بن رشيد، وأبا المجد بن الأحوص، والقاضي أبا عبد الله بن بِرْطَال، والأستاذ النظار المتفنن أبا القاسم قاسم بن عبد الله بن الشاط.\rمؤلفاته:\rوألَّف الكثيرَ في فنون شتى، منها:\r? ... كتاب وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم.\r? ... وكتاب الأقوال السنية في الكلمات السنية.\r? ... وكتاب الدعوات والأذكار المخرَّجة من صحيح الأخبار.\r? ... وكتاب القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية.(مطبوع)\r? ... وكتاب تقريب الوصول إلى علم الأصول. (مطبوع)\r? ... وكتاب النور المبين في قواعد عقائد الدين.\r? ... وكتاب المختصر البارع في قراءة نافع.\r? ... وكتاب أصول القراء نافع.\r? ... وكتاب الفوائد العامة في لحن العامة.\rإلى غير ذلك مما قيده من التفسير والقراءات وغير ذلك.\rوله فهرسة كبيرة اشتملت على جملة كثيرة من أهل المشرق والمغرب.\rومن شعره:\rلكلِّ بني الدنيا مُرَادٌ وَمَقصدٌ ... وإنَّ مُرادِي صِحَّةٌ وَفرَاغُ\rلأبلغَ في عِلْمِ الشَّرِيعةِ مَبلغاً ... يكونُ به لي في الجِنَانِ بلاغُ\rففي مثلِ هذا فلينافِسْ أولو النُّهَي ... وحسبي من الدنيا الغرور بلاغُ\rفَمَا الفَوزُ إلا في نَعِيمٍ مُؤبَّدٍ ... به العيشُ رَغدٌ والشَّرَابُ يساغُ\r... ...\rوله في الجناب النبوي:\rأَرومُ امتداحَ المصطَفى فيردُّني ... قُصوري عن إدْراكِ تِلكُ المناقبِ\rوَمَنْ لي بحَصْرِ البَحْرِ والبَحرُ زَاخِرٌ ... ومن لي بإحصاء الحصَى والكواكبِ\rوَلَوْ أنَّ كُلَّ العَالمينَ تَألَّفُوا ... على مدحه لم يبلغوا بعضَ واجبِ\rفَأمْسَكْتُ عنْه هَيبةً وَتأهُباً ... وخَوْفاً وإعظاماً لأرفع جانبِ\rورُبَّ سُكوتٍ كان فيه بلاغةٌ ... ورُبَّ كَلامٍ فيه عَتْبٌ لعاتبِ\rوله أيضاً:\rيا ربُّ إنَّ ذنوبي اليوم قد كَثُرَتْ ... فَمَا أطِيقُ لها حَصْرَاً وَلا عَدَداً\rوَليسَ لي بعذابِ النَّارِ من قِبَل ... وَلا أطيقُ لها صَبْرَاً وَلا جَلَداً\rفَانظرْ إلهي إلى ضَعْفِي وَمَسكَنتِي ... وَلا تذيقني حَرَّ الجَحِيمِ غَدَاً\r... ...\rتُوفِّي رحمه الله تعالى يوم الكائنة بطريف، في عام أحد وأربعين وسبعمائة.","part":1,"page":2},{"id":5,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً\rقال الشيخ الفقيه الأستاذ العالم أبو القاسم ابن أحمد بن جُزَيْ رحمه الله تعالى، وجعل الجنة مثواه، آمين:\rالحمدُ لله الذي رَفَعَ بالعلم دَرَجاتِ أهلِه، وأجْزلَ ثوابهَم على اكتسابه وعلى نقله، كما أنعَمَ عليهم بالتوفيق لدرسه وفهمه.\rوصَلَواتُ الله وسلامه على سيِّدِنا مُحمَّدٍ خاتم أنبيائه ورسله، الذي هدى كافة الخلق إلى منهاج الحق وسبله، وبالغ في تبليغ الرسالة بقوله وفعله، وبذل جهده في إقامة دين الله وبيان فرعه وأصله، حتى ظهر مصداق قول الملك جل جلاله: ? هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ?.\rورَضِيَ الله عن أهلِ بيتِه الطَّاهِرِين وأصحابه الأكرمين، وحشرنا معهم تحت ظلال عرشه يوم لا ظلَّ غير ظله.\rأما بعد..\rفإن العلوم على ثلاثة أضرب: علم عقلي، وعلم نقلي، وعلم يأخذ من العقل والنقل بطرف، فلذلك أشرَفَ في الشَّرَفِ على أعلى شَرَف.\rوهو علم أصول الفقه الذي امتزج فيه المعقول بالمنقول، واشتمل على النظر في الدليل والمدلول، وإنه لنعم العون على فهم كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.\rوناهِيكَ من علمٍ يَرتقي به النَّاظرُ عن حَضيض رتبة المقلِّدين، إلى رفيع درجات المجتهدين، وأقلُّ أحواله أن يعرف وجوه الترجيح فيفرق في المذاهب بين الراجح والمرجوح، ويميز السقيم من الصحيح.\rوإني أحببتُ أن يضربَ ابني محمَّد -أسعده الله- في هذا العلم بسهمه، فصنفتُ هذا الكتاب برسمه ورسمته بوسمه، لينشط لدرسه وفهمه.\rوعوَّلتُ فيه على الاختصار والتقريب، مع حسن الترتيب والتهذيب، وقسمتُه إلى خمسة فنون:\rالفن الأول: في المعارف العقلية.\rالفن الثاني: في المعارف اللغوية.\rالفن الثالث: في الأحكام الشرعية.\rالفن الرابع: في الأدلة على الأحكام الشرعية.\rالفن الخامس: في الاجتهاد والترجيح.\rوجعلتُ في كل فن عشرة أبواب، فاحتوى الكتاب على خمسين باباً.\rوقدمتُ في أوله مقدمة يحتاج إليها.\rوسميته: تَقْرِيبَ الوُصُولِ إلى عِلمِ الأصُولِ، والله المستعان.\rالفصل الأوّل: في تفسير أصُول الفقه\rوهو مُرَكبٌ من كلمتين، فنُفسِّرُ كلَّ واحدةٍ على انفرادها، ثم نفسر المركب منهما.\rأما الأصول: فجمع أَصْلٍ، وله في اللغة معنيان:\rأحدهما: ما مِنْهُ الشَّيء.\rوالآخر: ما ينبني عليه الشَّيء، حِسَّاً ومعنىً.\rوله في الاصطلاح معنيان:\rأحدهما: الرَّاجِحُ.\rوالآخر: الدَّليلُ.\rوأما الفقه: فهو في اللغة الفَهْمُ.\rوفي الاصطلاح: العِلْمُ بالأحكامِ الشَّرْعيَّةِ الفَرْعيَّةِ بأدلَّتِهَا، على التفصيل في الأحكام وفي أدلتها.\rفقولنا: العلم، نريدُ به ما يشمل القطع والظن، لأن الفقه منه مقطوع به ومظنون، فالعلم هنا الظن وما في معناه.\rوقولنا: بالأحكام، تحرزاً من العلم بالذوات.\rوقولنا: الشرعية، تحرزاً من العقلية ونحوها.\rوقولنا: الفرعية، تحرزاً من أصول الدين.\rوقولنا: بأدلتها، تحرزاً من التقليد، وهو الاعتقادُ بغير دليل، فإنه لا يسمى في الاصطلاح فقهاً.\rوقولنا: على التفصيل في الأحكام وأدلتها، تحرزاً من أصول الفقه، فإن الفقيه يعرف آحاد مسائل الأحكام، ويستدل بآحاد الأدلة، والأصولي إنما يعرف أنواع الأحكام وأنواع الأدلة ويستدل عليها من غير تعيين أحدهما.","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"وتحرزاً أيضاً بقولنا: على التفصيل في الأدلة، من استدلال المقلد على الجملة، فإنه يستدل بأصل إمامه على صحة قوله.\rوأما أصُولُ الفقه: فهو العِلمُ بالأحكَامِ الشَّرعِيَّة الفَرْعيَّةِ على الجُمْلَةِ، وبأدوَاتهَا والاجتهَادِ فيها ومَا يتعلَّقُ بِهِ.\rالفصل الثاني: في وجه تقسيم هذا الكتاب إلى\rالفنون الخمسة المذكورة\rوذلك أنَّ المقصود الأول إنما هو معرفة الأحكام الشرعية، فهذا الفنُّ هو المطلوب لنفسه، وإنما احتيج إلى سائر الفنون من أجله.\rولما كان ثبوتُ الأحكامِ متوقفاً على الأدلة احتيج إلى فنِّ الأدلة.\rولما كان استنباط الأحكام متوقفاً على شروط الاجتهاد احتيج إلى فن في الاجتهاد وشروطه وكيفيته من الترجيح وغيره.\rثم إنَّ ذلك كلَّه يتوقفُ على أدواتٍ يُحتَاج إليها في فهمه والتصرف فيه، وهي له آلاتٌ، وهي على نوعين:\rمنها ما يرجع إلى المعاني، وهو فن المعارف العقلية.\rومنها ما يرجع إلى الألفاظ، وهي فن المعارف اللغوية.\rفانقسم العلم بالضرورة إلى تلك الفنون الخمسة، فَقَسَّمنا كتابنا هذا إليها، وقدمنا الأدوات، لأنه لا يُتوصَّلُ إلى فهمِ ما سِوَاهَا إلا بعد فهمها.\rالفن الأول من علم الأصول\rفي المعارف العقلية\rوفيه عشرة أبواب:\rالباب الأول: في مدارك العلوم\rوهي ضربان: تَصوُّرٌ وتَصْديقٌ.\rفأما التَّصَوُّر، فإدراك الذوات المفردة، كمعرفة معنى الجسم، والحركة، والحيوان، والجماد، والحادث، والقديم، وغير ذلك.\rوأما التَّصْدِيقُ، فهو إسنادُ أمرٍ إلى ذاتٍ، بالنفي والإثبات، كقولنا: الجسم حادث، والجسم ليس بقديم.\rفالتصورُ مقدَّم، والتصديقُ متأخرٌ عنه.\rثم إن الإسناد التصديقي على خمسة أنواع: علم، وجهل، وشك، وظن، ووهم.\rفالعلم هو الجزم المطابق للحق.\rوقيل في حدِّه: معرفة المعلوم على ما هو به، فاعترض بلزوم الدور.\rوقيل فيه: العِلمُ صفةٌ توجِب تمييزاً لا يحتمِلُ النَّقِيضَ.\rوالجهل: هو الجزم غير المطابق، وقد يقال فيه: جهل مركب.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"والشَّكُّ: هو احتمال أمرين فأكثر على السواء من غير ترجيح.\rوالظنُّ: هو الاحتمال الراجح.\rوالوَهْم: هو الاحتمال المرجوح.\rتَكمِيلٌ: حكمُ العقل بأمر على أمرٍ يُسمَّى تَصدِيقاً، فإن تُكلِّم به فهو خبر، فإن رام الاحتجاج عليه سُمِّيَ دَعوى، فإن ذكره في معرض الحجَّة سُمِّيَ قضية.\rالباب الثاني: فيما يُوصِلُ إلى التَّصَوُّر\rوذلك ثلاثة أشياء: الحدُّ، والرَّسمُ، واللَّفظُ المرادِفُ.\rفأما الحدُّ: فهو تعريف ماهية الشيء بجنسه وفصله.\rوأما الرسم: فهو تعريف ماهية الشيء بجنسه وخاصته.\rفقولنا: ماهية الشيء، هي التي يسأل عنها بـ \"ما\".\rوتحرزنا بذلك مما يسأل عنه بـ \"أي\" وبـ \"أين\" و\"متى\" و\"كيف\".\rوقولنا: بجنسه، يشمل الجنس الأعلى وما تحته إلى النوع، فإن النوع جنس بالنسبة إلى ما تحته، ولكن الأولى أن يذكر في الحد والرسم الجنس الأقرب.\rوقولنا: في حد الحد: بفصله، هو الوصف اللازم الذاتي الذي لا يفهم الشيء بدون فهمه، كالنطق النفساني للإنسان.\rوقولنا في حد الرسم: بخاصته، الخاصة وصف لازم، إلا أنه غير ذاتي، فلا يتوقف الفهم عليه، كالضحك بالقوة للإنسان.\rفقولنا: الإنسان هو الحيوان الناطق حد.\rوقولنا: الإنسان هو الحيوان الضاحك رسم.\rوإنما اشترطنا ذكر الجنس ليعمَّ فيكون الحد والرسم جامعاً، وهو المقصود.\rواشترطنا الفصل والخاصة، ليخرج غير المطلوب، فإنهما وصفان يتميز بهما الموصوف من غيره، فيكون الحد أو الرسم مانعاً وهو المنعكس، وقد يسقط ذكر الجنس من الحد أو الرسم فيكون ناقصاً كقولنا: الإنسان هو الناطق أو الضاحك.\rوأما اللفظُ المرادِفُ فنحو قولنا: البُر، وتقول: القَمح.\rويشترطُ أن يكون مساوياً، لا أعمَّ ولا أخصَّ.\rويحترز في الحد والرسم والمرادف من التعريف بالأخفى، وبالمساوي من الإجمال في اللفظ، ومن الدور وهو التعريف بما لا يعرف إلا بعد معرفة المطلوب، فيتوقف كل واحد منهما على الأخر.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"تنبيه: الحدُّ غير المحدود إن أُريدَ به اللفظ، وهو نفسُه إن أريد به المعنى، فإنَّ لكلِّ شيء في الوجود أربعَ مراتب:حقيقته في نفسه، ومثاله في الذهن، وذكره باللسان، وكتابته بالقلم.\rالباب الثالث: فِيمَا يُوصِلُ إلى التَّصدِيقِ\rفالمُوصِلُ إلى العِلم يسمى دَلِيلاً، والمُوصِلُ إلى الظنِّ يسمى أَمَارَة.\rثم إنَّ الدَّليلَ ينقسم أربعة أنواع:\rسمعي، وعقلي، وحسي، ومركب من العقل والحس.\rفأما السمعي: فهو دليل الكتاب والسنة المتواترة والإجماع لا غير، فإن غيرها كالقياس وشبهه إنما يفيد الظن.\rوأما العقلي: فينقسم قسمين: ضروري ونظري.\rفالضروري: هو الذي لا يفتقر إلى نظر واستدلال، ويسمى أيضاً البديهي، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد، وعلمه بأن المصنوع لا بد له من صانع، وشبه ذلك من الأوليات.\rوالنَّظريّ بخلافه، وهو الذي يفتقر إلى نظر واستدلال.\rوأما الحسِّي فهو الإدراك بالحواس الخمس، وهي السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، وينخرط في سلكها الوجدانيات كعلم الإنسان بلذته وألمه.\rوأما المركب من الحس والعقل، فهو التواتر والتجريب والحدس، وزاد أبو المعالي وأبو حامد قرائن الأحوال، كصفرة الوجل وحمرة الخجل، فتلخص من هذا أن المفيدات للعلم تسعة، وهي:\rالسمع، وضرورة العقل، والنظر العقلي، والحس، والوجدان، والتواتر، والتجريب، والحدس، وقرائن الأحوال.\rثم دون هذه المرتبة ما يفيد الظن، وهي ثلاثة أشياء:\rالمشهورات، والمقبولات، والوهميات.\rفأما المشهورات: فهي ما اتفق عليه الناس أو أكثرهم أو الأفاضل منهم، من العوائد وغيرها، وقد يحكم العقل بمقتضى ذلك أو لا يحكم به ولا يخالفه.\rوأما المقبولات: فهي ما يخبر به الثقة أو الثقات الذين لم يبلغوا مبلغ التواتر، ولكن تسكن النفس إليها.\rوأما الوَهميَّات: فهي ما يتخيل أنه عقلي وليس كذلك.\rالباب الرابع: في أسماء الألفاظ","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"وهي: المشترك، والمترادف، والمتواطئ، والمشكك، والمتباين.\rونبيّنها بتقسيم، وهو أن اللفظ ومعناه على أربعة أقسام:\rالأول: أن يتحد اللفظ ويتعدد المعنى، فهو المشترَكُ، كالعَيْن.\rالثاني: أن يتعدد اللفظ ويتحد المعنى، فهو المترادِف، كالقمح والبُرِّ والحنطة.\rالثالث: أن يتحد اللفظ والمعنى:\rفإن كان معناه متساوياً في مَحَالِّه كالرجل فهو المتواطئ،\rوإن كان معناه متفاوتاً أو مختلفاً فهو المشكك، كإطلاق النور على ضوء الشمس وضوء المصباح.\rالرابع: أن يتعدد اللفظ والمعنى، فهو المتباين، كالإنسان والفرس والطير.\rومن هذا التقسيم تؤخذ حدودها.\rتنبيهان:\rالأول: قد يتوهم في ألفاظ أنها مترادفة، وهي متباينة، كالسيف والصارم والمهند، فإن السيف اسم للذات فقط، والصارم باعتبار القطع، والمهند باعتبار أنه من الهند.\rوكذلك قولنا: زيد متكلم فصيح، فإن الأول للذات، والثاني للصفة، والثالث لصفة الصفة.\rالثاني: إن المشترك هو: اللفظ الموضوع لمعنيين وضعاً أولياً لم ينقل من أحدهما إلى الآخر.\rفإن كان منقولاً من أحدهما إلى الآخر فلا يسمى مشتركاً في الاصطلاح، ولكن إن نقل لغير علاقة سمي بالمنقول، وإن نقل لعلاقة سمي بالنظر إلى المعنى الأول حقيقة وبالنظر إلى الثاني مجازاً.\rالباب الخامس: في الدلالة\rوهي ثلاثة أنواع: مطابقة، وتضمن، والتزام.\rفدلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على كمال مسماه، كدلالة لفظ البيت على جميعه.\rودلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزء مسماه، كدلالة لفظ البيت على سقفه.\rودلالة التزام: هي دلالة اللفظ على لازم مسماه، كدلالة السقف على الجدار.\rتنبيهات ثلاثة:","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"الأول: زاد فخر الدين بن الخطيب قيداً في دلالة التضمن، وهو أن قال: (على جزء مسماه من حيث هو جزء)، تحرزاً من دلالة اللفظة بالمطابقة على معنى وبالتضمن على غيره، كقولنا: حرف لأحد حروف المعنى، نحو ليت ولعل، وحرف اللام وحدها بمعنى حرف هجاء، فالأول يدل على اللام بالتضمن، والثاني يدل عليها بالمطابقة.\rالثاني: يشترط في دلالة الالتزام أن تكون الملازمة في الذهن والخارج، أو في الذهن خاصة، لا في الخارج خاصة.\rالثالث: جعل شهاب الدين القرافي الدلالة قسمين:\rدلالة اللفظ، وهي ما ذكرنا، والدلالة باللفظ، وهي استعمال المتكلم اللفظ في حقيقته أو مجازه.\rالباب السادس: في الفرق بين الجزئي والكلي،\rوالكل والجزء،\rوالكلية والجزئية\rأما الكلي: فهو الذي لا يمنع تصوُّرُ معناه من تعدده، سواء وجد في الوجود متعدداً كالإنسان، أو واحداً كالشمس، أو لم يوجد في الوجود، فإن الاعتبار هنا من جهة تصوره في الذهن.\rأما الجزئي: فهو الذي يدل على واحد بعينه، كالاسم العلم.\rويسمي النحويون الكلي نكرة، ويسمون الجزئي معرفة.\rوأنواعها خمسة: المضمر، وأسماء الإشارة، والعلم، والمعرف بالألف واللام، والمضاف إلى المعرفة.\rفائدة:\rالمضمر عند أكثر الناس جزئي، كاختصاصه بمتكلم أو مخاطب أو غائب، وقال النحويون فيه: إنه أعرف المعارف.\rوقال شهاب الدين: إنه كلي في وضعه، وإنما اختص في استعماله.\rوأما الكلُّ: فهو المجموع بجملته، كأسماء الأعداد.\rوالجُزءُ: هو ما تركب الكلُّ منه، كتركيب العشرة من اثنين في خمسة.\rوأما الكلية فهي ما يقتضي الحكم على كل فرد من أفراد الحقيقة، كقوله تعالى: ? كل من عليها فان ?.\rوالجزئية: ما تقتضي الحكم على بعض أفراد الحقيقة، كقولنا: بعض الحيوان إنسان.\rبيان:\rقد يعسر الفرق بين الكل والكلية، وهو أن الحكم في الكل على المجموع، لا على كل فرد بانفراده، وذلك قولنا: كل إنسان يشيل الصخرة العظيمة.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"والحكم في الكلية على كل فرد بانفراده، حتى لا يبقى فرد، كقولنا: كل إنسان يشبعه رغيف.\rالباب السابع: في نسبة بعض الحقيقة من بعض\rإذا نظرنا إلى حقيقة مع أخرى وجدتها على أربعة أقسام:\rالأول: أن تكون إحداهما أعم مطلقاً، والأخرى أخص مطلقاً، كالحيوان والإنسان.\rيستدل بوجود الأخص على وجود الأعم، وبنفي الأعم على نفي الأخص، ولا دليل في عدم الأخص، ولا في وجود الأعم.\rالثاني: أن يكون كل واحد منهما أعم من وجه وأخص من وجه آخر، كالإنسان والأبيض، فلا دليل في أحدهما على الآخر أصلاً.\rالثالث: أن يكونا متساويين كالإنسان والضاحك بالقوة، فيستدل بوجود كل واحد منهما على وجود الآخر، وبعدمه على عدمه.\rالرابع: أن يكونا متباينين، كالحيوان والجماد.\rوالمعلومات أيضاً على ثلاثة أقسام:\rنقيضان: وهما اللذان لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً، كوجود زيد وعدمه، فيستدل بوجود أحدهما على عدم الآخر، وبعدمه على وجوده.\rوضدان: وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما، كالسواد والبياض، فيستدل بوجود أحدهما على عدم الآخر، ولا دليل في عدم واحد منهما.\rوخلافان: وهما اللذان يمكن اجتماعهما وارتفاعهما، كالإنسان والفرس، فلا دليل في وجود واحد منهما ولا في عدمه.\rقانون في هذا الباب:\rوذلك بإدخال \"كل\" على إحدى الحقيقتين والإخبار بالأخرى، فإن صدقت القضية من الجهتين فهما متساويان، كقولنا: كل إنسان ضاحك، وكل ضاحك إنسان.\rوإن كذبت من الجهتين فهما متباينان.\rأو أعم من وجه وأخص من وجه.\rوإن صدقت من الجهة الواحدة فهما أعم مطلقاً وأخص مطلقاً، كقولك: كل إنسان حيوان.\rوالمضاف إلى \"كل\" هو الأخص، والخبر هو الأعم، وإن عكستهما كذبت.\rالباب الثامن: في أنواع الحجج العقلية\rوهي ثلاثة أنواع: قياس، واستقراء، وتمثيل.\rفأما القياس فهو عبارة عن كلام مؤلف من مقدمتين فأكثر، يتولد منهما نتيجة، وهي المطلوب إثباتها أو نفيها، وهذا القياس في اصطلاح أهل المنطق.","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"وأما القياس في اصطلاح الفقهاء فنذكره في موضعه.\rثم إن هذا القياس المنطقي إن كانت مقدماته قطعية وركبت كما يجب بشروطها، سمي برهاناً، وكانت النتيجة علماً يقينياً.\rوإن كانت مقدماته أو واحدة منهما غير قطعية أو دخله خلل في التركيب أو نقص من شروطها لم يفد اليقين، وقد يفيد الظن أو ما دونه.\rوأما الاستقراء فهو أن ينظر الحكم في كثير من أفراد الحقيقة، فيوجد فيها على حالة واحدة، فيغلب على الظن أنه على تلك الحالة في جميع أفراد الحقيقة.\rوأما التمثيل، فهو أن يحكم لجزء بحكم جزء آخر، وهو أضعفها.\rوالفرق بينها: أن القياس احتجاج منقول من معنى كلي إلى معنى كلي تحته أو إلى جزئي، وأن الاستقراء منقول من جزئيات متعددة إلى كلي، وأن التمثيل منقول من جزئي إلى جزئي.\rالباب التاسع: في أنواع القياس المنطقي\rوهو خمسة: برهانٌ، وجدَلٌ وخَطَابةٌ، وشِعرٌ، وسَفْسطَةٌ.\rفأما البُرهَان: فهو القياس اليقيني الصحيح.\rوهو الذي تكون مقدماته كلها قطعية، كالبديهيات والنظريات الصحيحة، والحسية السالمة من غلط الحس.\rوأما الجدَلَ: فهو الذي تكون مقدماته مقبولة أو مشهورة عند الكافة، وهي في الأغلب صادقة، وقد تكون كاذبة في النادر.\rوفائدة الجدل أن يغلب الخصم خصمه.\rوأما الخطَابة: فهي التي تكون مقدماتها مقبولة، يحصل بها غلبة الظن، فتقتنع النفس بها وتركن إليها، مع حضور نقيضها بالبال، أو قبول النفس لنقيضها.\rوفائدة الخَطَابة أن يميل السامع إلى ما يراد منه، ويركن إليه، ويَقوَى ذلك بفصاحة الكلام وعذوبة الألفاظ وطيب النغمة.\rوأما الشِّعر: فهو ما يتضمن تشبيهاً أو تمثيلاً أو استعارة، أو تخييل أمر في النفس يُقصَد به الترغيب أو الترهيب أو التشجيع أو الحثّ على العطاء أو تحريك فرح أو حزن، أو تقريب بعيد، أو غير ذلك.\rوهو يؤثر في النفس مع العلم بكذبه، ويشتد تأثيره بحسن الصوت والتلحين.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"وأما السَّفْسَطة: فهي المغالطة، والغلط يقع بوجوه كثيرة، من جهة اللفظ، أو من جهة المعنى، أو من طريق الحذف أو الإضمار، أو في تركيب المقدمات أو في نقص شروطها أو في وضع المقدمات الوهمية مكان القطعية، إلى غير ذلك.\rوتحقيق هذه الألفاظ في هذا الاصطلاح بخلاف معناها في اللغة، والاصطلاح العام:\rأما البرهان: فهو في اللغة كل ما يوصل إلى التحقيق، سواء كان كلاماً أو غيره.\rوفي هذا الاصطلاح: كلام مؤلف على وجه مخصوص، بشروط مخصوصة.\rوأما الخطابة: فهي في اللغة: كلام الخطيب، سواء تكلم بما يفيد الظن أو اليقين، وهي هنا ما يفيد الظن خاصة.\rوأما الشِّعر: فهو في هذا الاصطلاح أعم منه في الاصطلاح العام، لأنه هنا المجاز والتخييل وشبه ذلك، مما ليس بحقيقة، سواء كان منظوماً أو منثوراً.\rوهو في الاصطلاح العام: المنظوم بالأعاريض المعروفة.\rالباب العاشر: في البُرهَان\rونتكلم في أجزائه التي تتركب منها، وفي ضُروبه.\rأما أجزاؤه، فلا بد في كل برهان وقياس منطقي من مقدمتين فأكثر، ونتيجةٍ تحذف إحدى المقدمتين للعلم بها.\rوالمقدمة هي جملة خبرية تسمى قضية، وتشتمل على موضوع ومحمول، ويسمي أهل المنطق المخبر عنه بالموضوع والخبر بالمحمول، ويسميها النحويون مبتدأ وخبراً، ويسمي الفقهاء الخبر حكماً والمبتدأ محكوماً عليه.\rويشترط أن تكون ما تقتضيه هذه القضية من نفي أو إثبات معلوماً أو مسلماً عند الخصم.\rفإذا ازدوجت هذه القضية وهي المقدمة مع مثلها، تولدت بينهما النتيجة، وهي جملة خبرية تسمى أيضاً قضية، وهي التي قصد إثباتها أو نفيها.\rولذلك يقول الفقهاء: وجه الدليل، ويعنون به وجه لزوم النتيجة من المقدمات.\rوتنقسم القضايا أيضاً قسمين: موجبة وهي المثبتة، وسالبة وهي المنفية.\rوتنقسم كل واحدة أربعة أقسام: كلية محصورة، وجزئية محصورة، وشخصية، ومهملة.\rفالكلية المحصورة هي التي يكون موضوعها عاماً، كقولنا: كل مسكر حرام.","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"والجزئية المحصورة نحو قولنا: بعض الحيوان إنسان.\rواللفظ الحاصر لهما يسمى سوراً، نحو: \"كل\" و\"بعض\".\rوالشخصية: هي التي يكون موضوعها جزئياً، كقولنا: زيد قائم.\rوالمهملة: وهي التي يتبين فيها أن الحكم للكل أو للبعض، كقولنا: إن الإنسان لفي خسر.\rإلا أن الشخصية والمهملة مطرحتان في العلوم، فبقيت المحصورتان: الكلية والجزئية، وكل واحدة منهما تكون موجبة وسالبة، فالقضايا على هذا أربع.\rثم إن البرهان من طريق صورة تركيبه على ثلاثة أضرب:\rالضرب الأول: ويسميه بعض الناس القياس الاقتراني، ويسميه أهل المنطق الحسيني، ويسميه أهل اللغة برهان العلة.\rوهو يشتمل على مقدمتين، في كل مقدمة محمول وموضوع، وهما الحكم والمحكوم عليه، فتلك أربعة أشياء، إلا أن واحداً منها يتكرر في المقدمتين، فتبقى ثلاثة أشياء، يسميها أهل المنطق حدوداً، وهي الحد الأوسط، والحد الأكبر، والحد الأصغر.\rفأما الحد الأوسط، فيسميه الفقهاء علة، وهو الذي يتكرر في المقدمتين.\rوأما الحد الأكبر، فهو الحكم، وهو الذي يكون في النتيجة محمولاً.\rوأما الحد الأصغر، فهو المحكوم عليه، وهو الذي يكون في النتيجة موضوعاً.\rوالمقدمة التي فيها الأصغر تسمى صغرى.\rوالمقدمة التي فيها الحد الأكبر تسمى كبرى.\rومثال ذلك: قولنا: كل مسكر حرام، وكل نبيذ مسكر، فالنبيذ حرام.\rفقولنا: (كل مسكر) كلية موجبة، وهي المقدمة الكبرى.\rوقولنا: (كل نبيذ مسكر) مقدمة أخرى، وهي أيضاً كلية موجبة، وهي المقدمة الصغرى.\rوقولنا: (النبيذ حرام) هي النتيجة.\rوالحد الأوسط هو (المسكر) لأنه تكرر في المقدمتين، والأصغر هو (النبيذ) ، لأنه موضوع في النتيجة، وهو المحكوم عليه، والحد الأكبر هو (الحرام)، لأنه محمول في النتيجة، وهو الحكم.\rثم إنَّ هذا الضربَ له ثلاثة أشكال:\rالشكل الأول: أن يكون الحد الأوسط موضوعاً في إحدى المقدمتين محمولاً في الأخرى.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"وإن عبَّرتَ بعبارة الفقهاء قلتَ: أن تكون العلة حكماً في إحدى المقدمتين، محكوماً عليها في الأخرى، وذلك كالمثال الذي ذكرنا، ألا ترى أن المسكر، وهو العلة، وقع محكوماً عليه في قولنا: كل مسكر حرام، ووقع حكماً في قولنا: النبيذ مسكر.\rويشترط في هذا المثال أن تكون المقدمة الصغرى موجبة لا سالبة، وأن تكون الكبرى كلية لا جزئية، وحينئذ تنتج نتيجة صحيحة.\rالشكل الثاني: أن يكون الحد الأوسط محمولاً في المقدمتين، ويسميه الفقهاء الفرق، ويشترط في إنتاجه أن تكون الكبرى كلية، وأن تكون إحدى المقدمتين مخالفة للأخرى في الإيجاب والسلب.\rومثاله: قولنا: كل ثوب مزروع، ولا ربوي مزروع، فلا ثوب واحد ربوي.\rالشكل الثالث: أن يكون الحد الأوسط موضوعاً في المقدمتين، ويسميه الفقهاء بالنقض، ويشترط في إنتاجه أن تكون المقدمة الصغرى موجبة، وأن تكون إحداهما كلية.\rومثاله: قولنا: كل قمح مطعوم، وكل قمح ربوي، فبعض المطعوم ربوي.\rتنبيهات ثلاثة:\rالأول: متى كان في البرهان مقدمة سالبة أو جزئية أو مظنونة، كانت النتيجة كذلك، لأنها تتبع أخس المقدمات، ولا تتبع أشرفها.\rالثاني: تجتمع الأشكال الثلاثة في أنها لا تنتج إذا كانت المقدمتان معاً سالبتين أو جزئيتين.\rالثالث: لا تكون نتيجة الشكل الثاني إلا سالبة، ولا تكون نتيجة الشكل الثالث إلا جزئية، أما نتيجة الشكل الأول فتكون موجبة أو سالبة، كلية أو جزئية.\rتلخيص:\rيتصور في تركيب كل شكل ست عشرة صورة، لأن كل واحد من المقدمتين يمكن أن تكون على أربعة أنواع، وأربعة في أربعة ستة عشر، ولكن إنما ينتج في الشكل الأول أربع صور، وفي الثاني أربع، وفي الثالث ست صور، ولا ينتج سائر الصور لعدم شروط الإنتاج فيها.\rالضرب الثاني: الشرطي المتصل\rويسميه الفقهاء التلازم.","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"وهو مركب من مقدمتين: الأولى منهما مركبة من قضيتين، قُرن إحداهما بحرف شرط، وتسمى المقدمة الأخرى جزاء الشرط، وتسمى التالي، وقد يسمى المقدم باللزوم والتالي باللازم.\rالمقدمة الثانية: من قضية واحدة قرن بها حرف استثناء على اصطلاح أهل المنطق، مثل: لكن، أو لم يقرن ويكون الكلام في معناه.\rوتشتمل هذه المقدمة الثانية على ذكر إحدى القضيتين المتقدمتين تسليماً إما بالنفي أو بالإثبات، حتى ينتج إحدى القضيتين أو نقيضها.\rمثال ذلك: إن كان الوتر يؤدى على الراحلة، فهو نافلة، ومعلوم أنه يؤدى على الراحلة، فهو نافلة.\rوهذا الضرب قسمان:\rأحدهما: أن يكون اللازم أعم من الملزوم، فينتج على وجهين:\rأحدهما أن يكون الاستثناء عين المقدم، كقولنا: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر.\rوأخرى: أن يكون الاستثناء نقيض التالي، كقولنا: لكنَّه غير متطهر، فالصلاة غير صحيحة.\rولا ينتج استثناء نقيض المقدم وعين التالي.\rالقسم الثاني: أن يكونا متساويين، فحينئذ ينتج على أربعة أوجه:\rكقولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وذلك لأن المتساويين يلزم من إثبات كل واحد منهما إثبات الآخر، ومن نفي كل واحد منهما نفي الآخر، بخلاف الأعم والأخص، فإنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، ولا من إثبات الأعم إثبات الأخص، فلذلك يبطل من إنتاجها وجهان.\rالضرب الثالث: الشرطي المنفصل:\rويسميه المتكلمون السبر والتقسيم، ويسميه بعض الفقهاء نمط التعاند.\rوهو مركب من مقدمتين فأكثر، يقترن بالأولى منهما حرف معاندة، وبالثانية حرف استثناء أو معناه.\rومثاله: قولنا: هذا العدد، إما زوج، وإما فرد، ولكنه زوج، فليس بفرد.\rوإنتاجه على أربعة أوجه:\rمثال الأول: ما ذكرنا.\rومثال الثاني: لكنه فرد، فليس بزوج.\rومثال الثالث: لكنه ليس بزوج، فهو فرد.\rومثال الرابع: لكنه ليس بفرد، فهو زوج.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وذلك أنهما قسمان متناقضان، فينتج إثبات كل واحد منهما نفي الآخر، ونفي كل واحد منهما إثبات الآخر، فتلك أربعة أوجه.\rولا يشترط أن تنحصر القضية في قسمين، فقد تكون ثلاثة أو أكثر.\rويشترط أن يستوي جميعها، كقولنا: العدد إما متساو أو أقل أو أكثر.\rومثاله في الفقه: إما واجب أو مندوب أو حرام أو مكروه أو مباح.\rفإثبات واحد من الأقسام يقتضي نفي ما عداه.\rتكميل:\rإذا لم يقم دليل على قضية، فقد يستدل على إثباتها ببطلان نقيضها، أو يستدل على بطلانها بإثبات نقيضها.\rوالقضيتان المتناقضتان هما اللتان إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى وبالعكس.\rويشترط أن يكون المحكوم في القضيتين واحداً، وأن يكون الحكم واحداً، وحينئذ يصدق الحكم على النقيض.\rالفن الثاني من علم الأصول: في المعارف اللغوية\rوهي عشرة أبواب:\rالباب الأول: في الوَضْعِ والاسْتِعمَالِ والحَمْلِ\rأما الوضعُ: فهو جعلُ اللفظ دليلاً على المعنى، وهو قسمين:\rوضع أولي: وهو الذي لم يسبق بوضع آخر، ويسمى المرتجل.\rووضع منقول: من معنى إلى آخر، وهو على قسمين:\rمنقول لعلاقة، وهو المجاز.\rومنقول لغير علاقة، ويختص باسم المنقول، كتسمية الولد جعفراً، والجعفر في اللغة النهر الصغير.\rوأما الاستعمَالُ: فهو التكلَّمُ باللفظ بعد وضعه، سواءٌ أطلق على معناه الأول، أو نقل عنه لعلاقة أو غير علاقة.\rوأما الحمْلُ: فهو اعتقاد السامع لمراد المتكلم من لفظه، سواء أصاب مراده أو أخطأه.\rفالاستعمال من صفة المتكلم، وهو الحمل من صفة السامع، والوضع متقدم عليها.\rفروع ثلاثة:\rالأول: في واضع اللغات، فذهب قوم إلى أنها اصطلاحية، ووضعها الناس فيما بينهم ليتخاطبوا بها.\rوذهب قوم إلى أنها توقيفية، وضَعَها الله تعالى وعلمها عباده بواسطة الملائكة والأنبياء.\rوالأمر في ذلك محتملٌ، ولا تبتنى عليه فائدة.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"الفرع الثاني: أجازَ مالكٌ والشَّافعي استعمال اللفظ الواحد في معنيين فأكثر في حالة واحدة، ومنعه قوم، وذلك كالمشترك يطلق على معنيين، وكالحقيقة والمجاز يجمع بينهما في اللفظ، ومنه قوله تعالى: ? إن الله وملائكته يصلون على النبي ?، لأن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء، وقد استعمل في المعنيين معاً.\rالفرع الثالث: إذا ورد اللفظ المشترك بقرينة، حُمِل على المعنى الذي تدل عليه القرينة، وإن ورد مجرداً عن القرائن توقف فيه، فلم يتصرف فيه إلا بدليل.\rوقال الشافعي: يحمل على جميع محتملاته احتياطاً.\rوالفرق بين هذه الفروع أن الأول في الوضع، والثاني في الاستعمال، والثالث في الحمل.\rالباب الثاني: في الحقيقة والمجاز\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في حدِّهما\rأما الحقيقة: فهي اللفظ المستعمل في معناه.\rوالمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير معناه، لعلاقة بينهما.\rوالمراد بالمعنى هنا: هو ما يعنيه العرف الذي وقع به التخاطب، وذلك أن الاستعمال على ثلاثة أضرب: لغوي، وشرعي، وعرفي.\rواللفظ يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، وقد تصير الحقيقة مجازاً، والمجاز حقيقة، باختلاف الاستعمال.\rألا ترى أن الدابة في اللغة حقيقة في كل حيوان، وفي عرف أهل مصر حقيقة في الحمار لا غير، وفي عرف أهل المغرب حقيقة في المركوبات كلها، وهي مجاز بالنظر إلى كل استعمال منها إذا أطلقت على سواه.\rوكذلك الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من الألفاظ الشرعية، لها معان في اللغة، ومعان في الشرع، وهي بالنظر إلى الشرع حقيقة في المعاني الشرعية مجاز في اللغوية، وهي بالنظر إلى اللغة بعكس ذلك.\rالفصل الثاني: في أقسام المجاز\rوهو ينقسم قسمين:\rمجاز في الإفراد، وهو الأكثر.\rومجاز في التركيب والإسناد، كقوله تعالى: ? فما ربحت تجارتهم ?، لأن الربح في الحقيقة من صفة التاجر لا من صفة التجارة.\rوينقسم من طريق علاقته إلى عشرة أقسام:","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"أولها: مجازُ التشبيه، كتسمية الشجاع بالأسد، وتدخل الاستعارة في هذا القسم.\rوثانيها: تسميةُ المجاوُرِ باسمِ مجَاورِه.\rوثالثها: إطْلاقُ اسمِ الكلِّ على البعضِ.\rورابعها: إطلاقُ اسم البعضِ على الكُلِّ.\rوخامسها: تَسميةُ السَّببِ باسمِ المسبَّب.\rوسادسها: تسميةُ المسَبَّبِ باسم السبَب.\rوسابعها: التسمية أو الوصف بما يستقبل.\rوثامنها: بما مضى.\rوتاسعها: الزيادةُ في اللفظ.\rوعاشرها: النقصانُ منه.\rالبابُ الثَّالثُ: في العُمُومِ والخُصُوصِ\rوفيه ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في حد العموم وأدواته\rأما حدُّه، فالعموم هو شمول الحكم لكل فرد من أفراد الحقيقة.\rوالعامُّ: هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي بشرط شمول الحكم لكل فرد من أفراده، فهو من الكلية لا من الكل.\rوأدوات العموم: كل، وجميع، وأجمع، والجمع إذا كان بالألف واللام، سواء كان سالماً أم مكسراً، واسم الجمع كذلك، والمفرد إذا كان بالألف واللام التي للجنس، والنكرة في سياق النفي، والذي، والتي، وتثنيتهما، وجمعهما، ومن، وما، وأي، ومتى في الزمان، وأين، وحيث في المكان، ومهما.\rوقال الشافعي: ترك الاستفصال في حكاية الأحوال تقوم مقام العموم في المقال.\rواختلف في الفعل في سياق النفي.\rالفصل الثاني: في حد التخصيص وذكر المخصصات\rأما التخصيص، فهو إخْراجُ بعضِ مَا يتناولُهُ العمومُ قَبلَ تَقريرِ حُكْمِه.\rوتحرزنا بهذا القيد من النسخ، لأنه بعد تقرر الحكم الأول.\rوأما المخصصات للعموم، فضربان: متصلة، ومنفصلة.\rفالمتصلة: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية.\rوالمنفصلة: العقل، والحس، ومنطوق الكتاب والسنة، ومفهومهما، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإقراره، والإجماع، والقياس على خلاف فيه، كل هذه تخصص الكتاب والسنة.\rولا يخصصُ العمومَ ورودُه على سببٍ خاصٍ، خلافاً للشافعي.\rولا يخصصه العُرْفُ والعَادةُ، على خلاف في ذلك.\rولا مخالفة راويه له.\rولا عطفُه على خَاصٍّ.\rولا عطف خاص عليه.","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"الفصل الثالث: في مسائل متفرقة:\rالأولى: مذهب مالك والقاضي أبي بكر بن الطيب: أن أقل الجمع اثنان.\rومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما: أن أقل الجمع ثلاثة.\rالمسألة الثانية: يندرج العبيد في خطاب الناس، ويندرج النساء في خطاب الرجال، لاستوائهم في الأحكام، إلا ما خصصه الدليل.\rالمسألة الثالثة: يجوز التخصيص حتى لا يبقى من العموم إلا واحد.\rالمسألة الرابعة: إذا خص العام، بقي حجة بعد التخصيص.\rالمسألة الخامسة: إذا ورد الاستثناء أو الشرط أو الغاية بعد أشياء، فمذهب مالك: أنه يرجع إلى جميعها، ومذهب أبي حنيفة أنه يرجع إلى الأخير خاصة.\rتقسيم:\rالألفاظ أربعة أقسام:\rعام أريد به العموم، نحو: كل مسكر حرام.\rوخاص أريد به الخصوص، كقوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير: ? هذان محرمان على ذكور أمتي ?.\rوعام أريد به الخصوص، كقوله تعالى: ? الزانية والزاني فاجلدوا ? فإنه يراد به غير المحصن.\rوخاص أريد به العموم، كقوله تعالى: ? فلا تقل لهما أف ?، فإن المراد النهي عن أنواع العقوق كلها.\rالبَابُ الرابِعُ: فِي الاسْتِثْنَاءِ\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في حده\rقال بعضهم: هو إخراجُ الأولِ عمَّا دَخَلَ فيه الثَّاني، بـ \" إلا \" ونحوها.\rوقيل: هو إخراج بعض ما يتوهم دخوله في اللفظ الأول بأدوات الاستثناء مع ما بعدها حتى يتصل بما قبلها.\rوتحرز بوصف \" أدواته \" من التخصيص.\rوخرج عنه الاستثناء المنقطع، لأنه لا يتوهم دخوله في اللفظ الأول، كقولك: جاءني القوم إلا حمار، فإن الحمار لا يتوهم دخوله في القوم، وذلك أن الاستثناء على أربعة أنواع:\rتارة يخرج ما لولاه لعلم دخوله، وهو الاستثناء من النصوص، كقولك: عندي عشرة إلا اثنين.\rوتارة يخرج ما لولاه لظن دخوله، وهو الاستثناء من الظواهر والعمومات، نحو: اقتلوا الكفار إلا النساء والصبيان.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"وتارة يخرج ما لولاه لجاز دخوله، وهو الاستثناء من الأزمان، نحو: صل إلا عند طلوع الشمس، ومن المكان نحو: اجلس إلا على المقابر، ومن الأحوال نحو: ? لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ?.\rوتارة يخرج ما يقطع بعدم دخوله، وهو الاستثناء المنقطع، لأن الثاني من غير جنس الأول.\rواختلف فيه: هل هو حقيقة أو مجاز ؟\rفإن جعلناه مجازاً فالحد صحيح، لأن الحدود إنما توضع للحقائق.\rوإن جعلناه حقيقة فيزاد في الحد: \" أو ما يعرض في نفس المتكلم والسامع \"، ليشمل المنقطع.\rالفصل الثاني: في مسائل متفرقة\rالأولى: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات.\rالثانية: يجوز استثناء الأكثر من الجملة، خلافاً للقاضي أبي بكر بن الطيب.\rالثالثة: يجب أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، وحكي عن ابن عباس جوازه ولو بعد شهر، والتحقيق: أن قول ابن عباس ليس في الاستثناء بـ \" إلا \" ونحوها، وإنما هو في الاستثناء في اليمين بمشيئة الله.\rالبَابُ الخَامِسُ: في المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في معناهما\rفالمطلق: هو الكُلِّي الذي لم يدخله تقييدٌ، فلذلك لا يكون إلا نكرة لشياعها، ويكفِي في الحُكمِ عليه بفردٍ من أفراده، أيَّ فَردٍ كان.\rوالمقيد: هو الذي دخله تقييد ولو من بعض الوجوه، كالشرط والصفة وغير ذلك.\rوالتقييد والإطلاق أمران إضافيان، فرُبَّ مطلقٍ مقيَّدٌ بالنسبةِ، ورُبَّ مقيد مطلق.\rفإذا قلتَ: إنسان، فهو مطلق، ولو قلت فيه: حيوان ناطق، لكان مقيداً لوصف الحيوان بالنطق.\rوقد يكون اللفظ مقيداً من وجه مطلقاً من وجه، كقولك: أكرم رجلاً صالحاً، فإنه مقيد بالصلاح، مطلق في غير ذلك من الصفات، كالبياض والسواد.\rالفصل الثاني: في أحكامهما:\rإذا ورد الخطاب مطلقاً لا مقيد له حمل على إطلاقه.\rوإن ورد مُقيَّداً لا مطلق له، حمل على تقييده.\rوإن ورد مطلقاً في موضع ومقيداً في آخر فإن ذلك ينقسم إلى أربعة أقسام:","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"الأول: متفق الحكم والسبب، كتقييد الغنم بالسوم في حديث وإطلاقها في آخر، فهذا يحمل فيه المطلق على المقيد.\rوالثاني: متحد الحكم مختلف السبب، كالرقبة المعتقة في الكفارة، قيدت في القتل بالإيمان، وأطلقت في الظهار، فاختلف هل يحمل فيه المطلق على المقيد أم لا ؟\rوالثالث: مختلف الحكم متحد السبب، كتقييد الوضوء بالمرافق، وإطلاق التيمم، والسبب فيهما واحد وهو الحدث، فاختلف فيه أيضاً.\rومذهب الشافعي حمل المطلق على المقيد في هذين القسمين، خلافاً لأبي حنيفة، واختلف فيهما أصحاب مالك.\rوالرابع: مختلف الحكم مختلف السبب، فلا يحمل فيه المطلق على المقيد إجماعاً.\rالباب السادس: في النص والظاهر والمؤول والمجمل والمبين\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في معنى هذه الألفاظ\rولنذكرها بتقسيم، وهو أن اللفظ إن دل على معنى ولم يحتمل غيره، فهو النص، على أن أكثر فقهاء الزمان يقولون النص في المحتمل وغيره.\rوإن احتمل معنيين فأكثر، فلا يخلو: إما أن يكون أحدهما أرجح من الآخر أم لا ؟\rفإن كان أحدهما أرجح من الآخر سمي بالنظر إلى الراجح ظاهراً، وبالنسبة إلى المرجوح أو الأخفى مؤولاً، وهو مشتق من التأويل، ومعناه: إخراج اللفظ عن ظاهره.\rوإن لم يترجح أحد الاحتمالين على الآخر فهو المجمل.\rوأما المبيّن فهو ما أفاد معناه، إما بالوضع أو بضميمة تبينه، وهو يشمل النص والظاهر، فهو نقيض المجمل.\rالفصل الثاني: في مسائل متفرقة\rالمسألة الأولى: البيان يقع بالقول، وبالمفهوم، وبالفعل، وبالإقرار، وبالكتابة، وبالإشارة، وبالقياس، وبالدليل العقلي، والحسي، وبالتعليل.\rالمسألة الثانية: وقع المجمل في الكتاب والسنة، خلافاً لقوم.\rالمسألة الثالثة: إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ليس مجملاً، فيحمل على ما يدل عليه العرف في كل عين.\rفقوله تعالى: ? حرمت عليكم أمهاتكم ? محمول على النكاح.\rوقوله: ? حرمت عليكم الميتة ? محمول على الأكل.","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"المسألة الرابعة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويجوز تأخيره عن وقت الخطاب.\rالباب السابع: في لحن الخطاب وفحواه ودليله\rأما لحن الخطاب: فهو ما حُذِف من الكلام ولا يستقلُّ المعنى إلا به، كقوله تعالى: ? فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ?، تقديره: فضرب فانفلق.\rومثله: ? فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ?، تقديره: إن أفطر في المرض أو السفر.\rوأخذ به العلماء كلهم إلا الظاهرية.\rوأما فحوى الخطاب، فيسمى تنبيه الخطاب، ومفهوم الموافقة، وهو: إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى، وأخذ به العلماء أيضاً إلا الظاهرية.\rوهو نوعان:\rتنبيه بالأقل على الأكثر، كقوله تعالى: ? فلا تقل لهما أف ? فإنه نبه بالنهي عن قول \" أف \" على النهي عن الشتم والضرب وغير ذلك.\rومثله قوله تعالى: ? من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ?.\rوتنبيه بالأكثر على الأقل كقوله تعالى: ? من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ?.\rأما دليل الخطاب: فهو مفهوم المخالفة، وهو الذي يطلق الفقهاء عليه اسم المفهوم في الأكثر.\rوهو: إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه.\rوهو حجة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة.\rوكل مفهوم فله منطوق، ولا خلاف أن المنطوق حجة، لأنه هو الذي وضع له اللفظ.\rمثال ذلك: ? إنما الولاء لمن أعتق ?، فمنطوق هذا اللفظ إثبات الولاء لمن أعتق، ومفهومه: نفي الولاء عمن لم يعتق.\rوهو عشرة أنواع:\rمفهوم العلة: نحو: \" ما أسكر فهو حرام \"، فمنطوق هذا اللفظ تحريم المسكر، ومفهومه تحليل غير المسكر.\rومفهوم الصفة: نحو: \" في سائمة الغنم الزكاة \"، الفرق بين العلة والصفة، أن العلة سبب الحكم بخلاف الصفة.\rومفهوم الشرط: نحو: من تطهر صحت صلاته.\rومفهوم الاستثناء: نحو: قام القوم إلا زيداً.\rومفهوم الغاية: نحو: ? أتموا الصيام إلى الليل ?.\rومفهوم الحصر: نحو: ? إنما الولاء لمن أعتق ?.","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"وأدوات الحصر أربعة: إنما، وتقدم النفي قبل أدوات الاستثناء، وتقدم المعمولات، والمبتدأ مع الخبر.\rومفهوم الزمان: نحو: ? قم الليل ?.\rومفهوم المكان: نحو: ? وأنتم عاكفون في المساجد ?.\rومفهوم العدد: نحو: ? فاجلدوهم ثمانين جلدة ?.\rومفهوم اللقب: وهو تعليق الحكم على مجرد أسماء الذوات، نحو: ? في الغنم الزكاة ?.\rوأقواها مفهوم العلة، وأضعفها مفهوم اللقب، ولم به أحد إلا الدقاق.\rوخالف في مفهوم الصفة القاضي أبو بكر الباقلاني وأبو المعالي.\rفرع: إذا خرج المفهوم مخرجَ الغالب فليس بحجة إجماعاً، نحو: ? ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ?.\rالباب الثامن: في تعارض مقتضيات الألفاظ\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في تعارض احتمال راجح مع احتمال مرجوح\rفيقدم الراجح، ويحمل الكلام عليه، إلا إذا دل دليل على إرادة المرجوح، فحينئذ يحمل الكلام عليه، وإلا قدم الراجح لأنه الأصل.\rفتقدم الحقيقة على المجاز، والعموم على الخصوص، والإفراد على الاشتراك، والاستقلال على الإضمار، والإطلاق على التقييد، والتأصيل على الزيادة، والترتيب على التقديم والتأخير، والتأسيس على التأكيد، والبقاء على النسخ، والشرعي على العقلي، والعرفي على اللغوي.\rالفصل الثاني: في تعارض احتمالين مرجوحين:\rفيقدم التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك على النسخ.\rوتقدم الأربعة الأول على الاشتراك.\rوالثلاثة الأول على النقل.\rوالأولان على الإضمار.\rويقدم التخصيص على المجاز خلافاً لفخر الدين الرازي.\rفرع:\rإذا تعارضت الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح قدمت الحقيقة عند أبي حنيفة، والمجاز عند أبي يوسف، وتوقف في ذلك فخر الدين ابن الخطيب.\rالباب التاسع: في الأمر والنهي\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في الأمر\rإذا ورد مجرداً عن القرائن حُمِل على الوجوب عند مالك وأكثر العلماء، وقيل: على الندب.","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"وإن ورد بقرينة حمل على ما تدل عليه القرينة من الوجوب، كقوله: ? أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ?، أو الندب كقوله: ? فكاتبوهم ?، أو الإباحة كقوله: ? وإذا حللتم فاصطادوا ?، لأنه إذا ورد بعد الحظر فهو للإباحة على الأصح.\rوقد يرد للتعجيز نحو: ? فأتوا بسورة من مثله ?، وللتهديد نحو: ? اعملوا ما شئتم ?، وللخبر نحو: ? فليمدد له الرحمن مداً ?، كما أن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، نحو: ? والوالدات يرضعن أولادهن ?.\rفروع:\rالأول: الأمر يدل على إجزاء المأمور به عند الجمهور.\rالثاني: اختلف هل يقتضي الأمر فعل المأمور به على الفور أم لا؟\rالثالث: اختلف هل يقتضي التكرار أم لا ؟\rالرابع: إذا نسخ الأمر، فاختلف هل يحتج به على الجواز أم لا ؟\rالفصل الثاني: في النهي\rإذا ورد مجرداً عن القرائن حمل على التحريم عند مالك وأكثر العلماء، وقيل: على الكراهة.\rوإذا ورد بقرينة حمل على ما تدل عليه القرينة من تحريم أو كراهة.\rفروع:\rالأول: النهي يدل على فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات، خلافاً للقاضي أبي بكر فيهما.\rوفرق فخر الدين بين العبادات فيقتضي الفساد، وبين المعاملات فلا يقتضي.\rالثاني والثالث: يقتضي النهي الفور والتكرار على الأصح، ليحصل الانتهاء من زمان وروده إلى الأبد.\rالرابع: الأمر يقتضي النهي عن أضداد المأمور به كلها، والنهي يقتضي الأمر بضد واحد من أضداد المنهي عنه.\rالباب العاشر: في معاني حروف\rيحتاج إليها الفقيه، وجرت عادة الأصوليين بذكرها\rالباء: على ثمانية أنواع: للإلصاق، وللتعدي، وللاستعانة، وللقسم، وللمصاحبة، وللتعليل، وزائدة، وظرفية، وزاد بعض الكوفيين: للتبعيض.\rاللام: على خمسة أنواع: للملك، وللاختصاص، وللاستحقاق، وللتعليل، وللتأكيد وهي المفتوحة.\rالواو: على خمسة أنواع: واو العطف، وهي تقتضي الجمع بين الشيئين من غير ترتيب في الزمان، وواو الحال، وواو القسم، وواو رب، وواو الناصبة للفعل.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"الفاء: على ثلاثة أنواع: عاطفة، ورابطة، وناصبة للفعل، وهي تقتضي الترتيب والتسبب والتعقيب.\rثُمَّ: للعطف، وللترتيب، والمهلة.\rلكن: للاستدراك بعد النفي والنهي، ويسميها أهل المنطق حرف استثناء.\rحتى: للغاية.\rمن: على أربعة أنواع: للتبعيض، ولابتداء الغاية، ولبيان الجنس، وزائدة.\rإلى: لانتهاء الغاية، وقيل: بمعنى مع.\rالكاف: للتشبيه، والتعليل.\rفي: للظرفية، والسببية.\rأو: لها خمسة معان: الشك، والإبهام، والتخيير، والإباحة، والتنويع.\rإمَّا: المكسورة المشددة، لها أربعة معان: الشك، والإبهام، والتخيير، والتنويع.\rأمَّا: المفتوحة المشددة للتفصيل.\rأما: المفتوحة المخففة للعرض.\rألا: للتنبيه، والاستفتاح، وللعرض، والتحضيض.\rإنَّ: المكسورة المشددة، والمفتوحة المشددة، كلاهما للتأكيد.\rأنْ: المفتوحة المخففة، أربعة أنواع: مصدرية، ومخففة من الثقيلة، وزائدة، وحرف عبارة وتفسير.\rإنْ: المكسورة المخففة، أربعة أنواع: شرطية، ونافية، وزائدة، ومخففة من الثقيلة.\rلَمَّا: على نوعين: نافية، وحرف وجوب لوجوب.\rلو: على نوعين: للتمني، ولامتناع شيء لامتناع غيره، وهي الشرطية، فإذا دخلت على النفي صيرته إثباتاً، وإن دخلت على الإثبات صيرته نفياً.\rلولا: على نوعين: للعرض والتحضيض، ولامتناع الشيء لوجود غيره.\rالفن الثالث من علم الأصول: في الأحكام الشرعية\rوفيه عشرة أبواب:\rالباب الأول: في أقسام الأحكام\rوهي خمسة: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه، ومباح.\rفالواجب: ما طلب الشرع فعله طلباً جازماً.\rوالمندوب: ما طلب الشرع فعله طلباً غير جازم.\rوالمحرم: ما طلب الشرع تركه طلباً جازماً.\rوالمكروه: ما طلب الشرع تركه طلباً غير جازم.\rوالمباح: ما لم يطلب الشرع فعله ولا تركه.\rوهذه الحدود أصحُّ من تحديدها بالثواب والعقاب، كقولهم: الواجب ما في فعله الثواب وفي تركه العقاب، لوجهين:","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"أحدهما: أن الثواب والعقاب ليس أحدهما وصفاً ذاتياً للأحكام، وإنما هما جزاء عليهما، فلا يجوز الحد بهما.\rوالثاني: أن العقاب قد يعدم إذا عفا الله، والثواب قد يعدم إذا عدمت النية.\rوبمثل ذلك يرد على من قال: إن الواجب ما ذم تاركه، والحرام ما ذم فاعله.\rالباب الثاني: في أسماء هذه الأقسام ودرجاتها\rأما الواجب، فهو الفرض، والمفروض، والمكتوب، والمحتوم، والمستحق، واللازم.\rوقالت الحنفية: الفرض ما ثبت وجوبه بدليل قطعي، والواجب ما ثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه.\rوينقسم الفرض قسمين:\rفرض عين: وهو ما يجب على كل مكلف، كالصلاة، والصيام.\rوفرض كفاية: وهو الذي إذا قام به بعض الناس سقط عمن سواهم، كالصلاة على الجنائز، وطلب العلم، والجهاد، فإن تواطأ الجميع على تركه أثموا.\rوأما المندوب: فهو التطوع، وهو على درجات: أعلاها السنة، ودونها المستحب وهو الفضيلة، ودونها النافلة.\rوقد يقال: نافلة، في المندوب مطلقاً.\rوالندب قد يكون على الأعيان، وهو الأكثر، كالوتر والفجر وصلاة العيدين، وقد يكون على الكفاية كالآذان والإقامة وبما يفعل بالأموات من المندوبات.\rوأما الحرام: فهو المحرم، والممنوع، والمحظور، والمعصية، والسيئة، والذنب، والإثم.\rوهو على درجتين: صغائر، وكبائر، وقد يقال فيه: مكروه.\rوأما المكروه: فقد تغلظ كراهيته حتى يقرب من الحرام، وقد تخف.\rوأما المباح: فهو الحلال، والجائز، وقد يعبر عنه بـ: لا جناج، ولا حرج، ولا إثم، ولا بأس.\rالباب الثالث: في الواجب الموسع والمخيَّر\rينقسم الواجب بالنظر إلى الوقت قسمين: مضيق وموسع.\rوالموسع: هو أن يكون وقت الفعل يسع أكثر منه.\rوقد يكون محدوداً كأوقات الصلوات، وقد يكون غير محدود، بل موسعاً بطول العمر كالحج.\rويتعلق الوجوب بجميع الوقت عند جمهور المالكية، وقيل: بجزء من الوقت غير معين، ويعينه المكلف بفعله.\rويعزى إلى الشافعية إنكار الواجب الموسع، لأنهم يقولون: إن الوجوب يتعلق بأول الوقت.","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"ويعزى إلى الحنفية إنكاره، لأنهم يقولون: إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت.\rوأما الواجب المخير، فمثل كفارة اليمين، خير فيها بين الإطعام والكسوة والعتق، والواجب متعلق بواحد منها غير معين، ويعينه المكلف بفعله.\rوقالت المعتزلة: الثلاثة كلها واجبة.\rوهو اختلافٌ في عبارة.\rوالواجب المرتب: هو الذي لا تجزي الخصلة الثانية منه مع القدرة على الأولى، كالعتق والصيام والإطعام في كفارة الظهار.\rالباب الرابع: في شروط التكليف\rوهي: العقل، والبلوغ، وحضور الذهن، وعدم الإكراه، والإسلام، وبلوغ الدعوة.\rفالعقل: تحرزاً من الجمادات والبهائم والمجانين والنائمين.\rوالبلوغ: تحرزاً من الصبيان، ولا يعترض على هذا بوجوب الزكاة في مال الصبي وغرمه لما أتلف، فإن وليه هو المخاطب بذلك.\rوحضور الذهن: تحرزاً من الناسي.\rواختلف هل يعد عدم الإكراه شرطاً في التكليف أم لا ؟ والأظهر في مذهب مالك أنه شرط.\rولا خلاف أن الكفار مخاطبون بالإيمان، واختلف هل مخاطبون بفروع الشريعة في حال كفرهم أم لا ؟\rفقال قوم: إنهم مكلفون بها إذا بلغتهم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.\rوقال قوم: لا يكلفون بالفروع حتى يسلموا.\rمع الاتفاق أنها لا تصح منهم ولا تقبل منهم حتى يؤمنوا.\rوقال فخر الدين بن الخطيب: ثمرة الخلاف راجعة إلى مضاعفة العذاب عليهم في الآخرة.\rالباب الخامس: في أوصاف العبادات\rوهي ستة: اثنان متقابلان، وهما: الأداء والقضاء.\rواثنان متقابلان، وهما: الصحة والفساد.\rواثنان متقابلان، وهما: الرخصة والعزيمة.\rفأما الأداء: فهو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعاً.\rوالقضاء: إيقاعها بعد وقتها المعين لها شرعاً.\rواختلف: هل وجوب القضاء بالأمر الأول أو بأمر جديد ؟\rوالعبادات على ثلاث أقسام: منها ما يوصف بالأداء والقضاء كالصلوات الخمس.\rومنها ما لا يوصف بها كالنوافل.\rومنها ما يوصف بالأداء وحده كالجمعة.","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"وأما الصحة: فهي عند المتكلمين: ما وافق الأمر، وعند الفقهاء: ما أسقط القضاء.\rفصلاة مَنْ ظَنَّ الطهارة وهو محدث صحيحة عند المتكلمين، وغير صحيحة عند الفقهاء.\rوإنما الخلاف في التسمية، لا في الحكم.\rوالصحة أعمُّ من الإجزاء، لأن الإجزاء لا يوصف به إلا الواجب.\rوالفساد نقيض الصحة: ويكون في العبادات، وفي العقود، كالبيع والنكاح.\rوهو أعم من البطلان، لأن البطلان لا يوصف به إلا العبادات.\rوقيل: هما مترادفان.\rوهو يوجب الإعادة في الواجب، وعدم ترتيب المقصود في العقود.\rوأما الرخصة: فهي إباحة فعل المحرم، أو ترك الواجب لسبب اقتضى ذلك.\rوقد تنتهي للوجوب، كأكل المضطر للميتة، وقد لا تنتهي كإفطار المسافر.\rوالعزيمة: هي ما لزم العباد من فعل أو ترك.\rالباب السادس: في الحُسْنِ والقُبْح\rوهما يطلقان بثلاث إطلاقات:\rأحدهما: إن الحسن ما وافق الطبع، أو الغرض، والقبح: ما خالفه.\rوالثاني: إن الحسن ما كان صفة كمال، والقبح ما كان صفة نقص.\rولا خلاف أن الحسن والقبح بهذين الإطلاقين، لا يفتقر فيهما إلى ورود الشرع.\rوالثالث: إن الحسن ما مدحه الله، والقبيح ما ذمَّه الله وعاقب عليه.\rوفي هذا وقع الخلاف، فقال الأشعري: إنه لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع.\rوقالت المعتزلة: بل العقل اقتضى ثبوته قبل الرسل صلوات الله عليهم، ولا يفتقر في معرفته إلى شرع، إلا أنهم جعلوه ثلاثة أقسام:\rقسم علمه العقل ضرورة، كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار.\rوقسم علمه العقل نظراً، كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع.\rوقسم لم يصل إليه العقل، كوجوب صيام آخر يوم من رمضان وتحريم أول يوم من شوال.\rفالأولان ورد الشرع مؤكداً لما علمه العقل فيهما، والثالث ورد الشرع فيه مظهراً لما لم يصل العقل إليه مع أن حسن جميعها وقبحه كان ثابتاً لها قبل الشرع.\rوعند الأشعري أن الشرع هو الذي أنشأ الحسن أو القبح في الجميع، وإنه لا يثبت حكم قبل ورود الشرائع.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"وقال الأبهري: الأشياء قبل ورود الشرع على المنع، وقال أبو الفرج: على الإباحة، وتوقف غيرهما.\rالباب السابع: فيما تتوقف عليه الأحكام\rوهي ثلاثة: وجود السبب، ووجود الشرط، وانتفاء المانع.\rأما السبب: فهو ما يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه عدمه لذاته كدخول رمضان سبب في وجوب الصوم.\rوأما الشرط: فهو ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه لذاته، كالصحة والإقامة في وجوب الصيام، فإن الإنسان قد يكون صحيحاً مقيماً ولا يجب عليه الصيام في غير رمضان.\rوأما المانع: فهو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود الحكم ولا عدمه لذاته كالحيض مع الصيام.\rفالمعتبر من المانع وجوده، ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه.\rوإنما قلنا في كل واحد منها لذاته تحرزاً مما يلزم بسبب غيره لتوقف الحكم على جميعها.\rتكميل: الشرط المذكور هنا هو الشرعي، فإن الشروط على أربعة أقسام:\rشرعية كالطهارة مع الصلاة.\rوعقلية، كالحياة مع العلم.\rوعادية، كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوان.\rولغوية، وهي التي أدواتها إن وما في معناها، ولو وإذا ، فـ إن تختص بالمشكوك، وإذا تدخل على المشكوك والمعلوم، ولو على الماضي بخلافهما.\rقال شهاب الدين القرافي: إن الشروط اللغوية أسبابٌ يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم.\rالباب الثامن: في أقسام الحقوق\rوهي ثلاثة:\rحق لله تعالى فقط، كالإيمان والصلاة.\rوحق للعبد فقط، وهو ما يسقط إذا أسقطه العبد كالديون.\rوقسم اختلف هل يغلب فيه حق الله، أو حق العبد كحد القذف ؟\rالباب التاسع: في الوسائل\rموارد الأحكام على قسمين: مقاصد ووسائل.\rفالمقاصد هي المقصودة لنفسها.\rوالوسائل هي التي توصل إلى المقاصد، فحكمها حكم مقاصدها إذا كانت لا يوصل إليها إلا بها.\rفالوسيلة للواجب واجبة، كالسعي إلى صلاة الجمعة.\rوالوسيلة إلى الحرام حرام.\rوكذلك سائر الأحكام.\rوإذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"الباب العاشر: في تصرفات المكلفين في الأعيان\rوهي أحد عشر نوعاً:\rالأول: إنشاء ملك في غير مملوك، كالاصطياد وإحياء الموات.\rالثاني: نقل ملك من ذمة إلى ذمة، فقد يكون بعوض كالبيع والإجارة والسلف، وبغير عوض كالهبة والصدقة والعمرى والغنيمة.\rالثالث: إسقاط حق، فقد يكون بعوض كالخلع والعفو عن الجاني على مال، وبغير عوض كالعفو لوجه الله والعتق.\rالرابع: القبض، وهو إما بإذن الشارع كاللقطة، أو بإذن غيره كقبض المبيع بإذن البائع، وقبض الرهون وغيرها.\rالخامس: الإقباض، وهو الدفع، وقد يكون بالفعل كدفع الثوب إلى مشتريه، أو بالنية فقط، كقبض الوالد وإقباضه من نفسه لولده.\rالسادس: الالتزام كالنذر والضمان.\rالسابع: الخلط، وهي الشركة على اختلاف وجوهها.\rالثامن: الاختصاص بالمنافع كإقطاع الأراضين.\rالتاسع: الإذن، إما في الأعيان كالضيافة، أو في المنافع كالعارية.\rالعاشر: الإتلاف، وهو إما لإصلاح الأجساد كأكل الأطعمة وذبح البهائم، أو للدفع كقتل الحيوان المؤذي، أو لحق الله تعالى كقتل الكفار وكسر الصلبان وآلات اللهو.\rالحادي عشر: التأديب والزجر، وهو إما مقدر كالحدود، أو غير مقدر كالتعزير.\rالفن الرابع من علم الأصول: في أدلة الأحكام\rوفيه عشرة أبواب:\rالباب الأول: في حصر الأدلة\rوهي على الجملة ثلاثة أنواع: نصٌّ، ونقلُ مَذهَبٍ، واستنباطٌ.\rفالنص: هو الكتاب والسنة.\rونقل مذهب: هو الإجماع وأقوال الصحابة.\rوالاستنباط: هو القياس وما أشبهه.\rفيجب على العالم أن ينظر المسألة أولاً في الكتاب، فإن لم يجدها نظرها في السنة، فإن لم يجدها نظرها فيما أجمع عليه العلماء أو اختلفوا فيه، فأخذ بالإجماع ورجح بين الأقوال في الخلاف.\rفإن لم يجدها في أقوالهم استنبط حكمها بالقياس وبغيره من الأدلة.\rوعددها على الجملة عشرون، ما بين متفق عليه ومختلف فيه، وهي:","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"الكتاب، والسنة، وشرع من قبلنا، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع العترة من الصحابة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وقول الصحابي، والقياس، والاستدلال، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، والأخذ بالأخف، والاستقراء، والاستحسان، والعوائد، والمصلحة، وسد الذرائع، والعصمة.\rالباب الثاني: في الكتاب العزيز\rوهو أصل الأدلة وأقواها.\rونعني به: القرآن العظيم، المكتوب بين دفتي المصحف، المنقول إلينا نقلاً متواتراً بالقراءة المشهورة.\rفقولنا: المكتوب بين دفتي المصحف، لأنه الذي اجتمع عليه الصحابة فمن بعدهم، وما هو خارج عن ذلك فليس من القرآن.\rوقولنا: نقلاً متواتراً تحرزاً من آيات ليست في المصحف نقلها الآحاد، ولا يحتج بها عند مالك، لأنها لم تنقل نقل القرآن من التواتر، ويحتج بها عند أبي حنيفة كأخبار الآحاد.\rوقولنا: بالقراءة المشهورة، نعني به القراءات السبع وما هو مثلها أو يقاربها في الشهرة وصحة النقل، كقراءة يعقوب وابن محيصن، وتحرزنا بذلك من القراءة الشاذة.\rولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاثة شروط:\rأحدها: أن يوافق خط المصحف.\rوالثاني: أن ينقل نقلاً صحيحاً مشهوراً.\rوالثالث: أن يوافق كلام العرب ولو في بعض اللغات أو بعض الوجوه.\rوقد وقع في القرآن ألفاظ من غير لغة العرب كالمشكاة والاستبرق.\rووقع فيه أيضاً الحقيقة والمجاز جرياً على منهاج كلام العرب.\rالباب الثالث: في السنة\rوهي ثلاثة أنواع: قول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله، وإقراره.\rفأما قوله صلى الله عليه وسلم فيحتج به كما يحتج بالقرآن، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.\rولقوله تعالى: ? أطيعوا الله والرسول ?.\rويجري فيه ما يجري في القرآن من المباحث اللغوية فإنها إنما تتصرف في الأقوال.\rوأما فعله صلى الله عليه وسلم، فينقسم قسمين: قربات، وعادات.","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"فإن كان العادات كالأكل واللباس والقيام والقعود فهو دليل على الجواز، واتباعه صلى الله عليه وسلم في كيفية ذلك وصفته حسن.\rوإن كان من القربات، فهو ثلاثة أوجه:\rأحدها: أن يفعله بياناً لغيره، فحكمه حكم ذلك المبين، فإن بين واجباً فهو واجب، وإن بين مندوباً فهو مندوب.\rوالثاني: أن يفعله امتثالاً لأمر، فحكمه حكم ذلك الأمر من الوجوب والندب.\rوالثالث: أن يفعله ابتداء من غير سبب، فاختلف فيه هل هو على الوجوب أو الندب ؟\rفروع:\rالأول: إذا ثبت حكم في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت في حق أمته إلا أن يدل دليل على تخصيص ذلك به.\rالثاني: يقع بفعله صلى الله عليه وسلم جميع أنواع البيان، من بيان المجمل وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ.\rالثالث: إذا تعارض قوله صلى الله عليه وسلم وفعله، فاختلف: هل يرجح القول أو الفعل، والأرجح ترجيح القول، لأنه يدل بصيغته.\rوهذا إذا لم يعلم التاريخ، فإن علم نسخ المتأخر المتقدم.\rوأما إقراره صلى الله عليه وسلم فهو أن يسمع شيئاً فلا ينكره، أو يرى فعلاً فلا ينكره مع عدم الموانع، فيدل ذلك على جوازه.\rوأما ما فعل في زمانه فلم ينكره، فإن كان مما لا يجوز في العادة أن يخفى عليه فهو كإقراره، وإن كان مما يجوز أن يخفى عليه فلا حجة فيه.\rإلحاق:\rيناسب هذا الفصل: شرع من قبلنا من الأنبياء عليهم السلام.\rواختلف هل هو شرع لنا أم لا ؟ على ثلاثة أقوال:\rأحدها: أن شرع جميعهم شرع لنا.\rوالثاني: أن شرع جميعهم ليس شرعاً لنا.\rوالثالث: التفرقة بين إبراهيم الخليل عليه السلام وغيره، فيكون شرعه شرعاً لنا، بخلاف غيره.\rوهذه الأقوال إنما هي في المسائل التي لم يثبت حكمها في شرعنا، فأما ما ثبت في شرعنا فهو على ما ثبت فيه، سواء وافق شرع من قبلنا أو خالفه.\rالباب الرابع: في الخبر\rوهو الكلام المحتمل للتصديق والتكذيب.","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"وهذه العبارة أولى ممن قال: الصدق والكذب، لأن خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يحتمل إلا الصدق، وخبر الكاذب كمسيلمة لا يحتمل إلا الكذب.\rوفائدة هذا الباب معرفة نقل السنة، وفيه ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في التواتر\rنقل الخبر على نوعين: تواتر، وآحاد\rفأما التواتر فهو خبر نقله جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب.\rقال فخر الدين بن الخطيب: الحق أن عددهم غير محصور، خلافاً لمن حصرهم في اثني عشر أو في أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة، أو غير ذلك.\rوالأربعة ليست منه عند الجمهور.\rعلى أنه قد قال ابن حزم: إن نقل الاثنين العدلين يوجب العلم.\rوالتواتر يفيد العلم بشرطين:\rأحدهما: أن يستوي طرفاه ووسطه في كثرة الناقلين.\rوالآخر: أن يكون مستنداً إلى أمر معلوم بالحس، تحرزاً من المظنون، ومن المعلوم بالنظر.\rتنبيه: يحصل العلم بالخبر بطرق غير التواتر، وهي كون المخبر عنه معلوماً بالضرورة، أو بالاستدلال، أو خبر رسوله صلى الله عليه وسلم، أو خبر مجموع الأمة، أو القرائن عند أبي المعالي وأبي حامد.\rالفصل الثاني: في أخبار الآحاد:\rوأما نقل الآحاد فهو خبر الواحد أو الجماعة الذين لا يبلغون حد التواتر.\rوهو لا يفيد العلم، وإنما يفيد الظن.\rوهو حجة عند مالك وغيره بشروط منها:\r? ... أن يكون الراوي حين السماع مميزاً، سواء كان بالغاً أو غير بالغ.\r? ... وأن يكون عند التحديث عاقلاً بالغاً مسلماً عدلاً.\rوالعدالة هي اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر واجتناب المباحات القادحة في المروءة.\rوالصحابة كلهم عدول.\rوتثبت العدالة بالاختبار أو التزكية.\rواختُلِف هل يكفي في التعديل والتجريح واحد أم لا ؟\rولا تقبل رواية الفاسق ومجهول الحال.\rواختُلِف في قبول رواية المبتدع.\r? ... ومنها أن يكون الراوي فقيهاً، اشترطه مالك، خلافاً لغيره.","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"? ... ومنها أن لا يثبت كذب الخبر بمخالفته لما علم بالتواتر أو الضرورة أو الدليل القاطع، أو أن يكون شأنه أن يتواتر ولم يتواتر.\rولا يقدح في الرواية تساهل الراوي في غير الحديث، ولا جهله بالعربية، ولا مخالفة الناس لروايته، ولا كون مذهبه على خلاف روايته.\rالفصل الثالث: في النظر في كيفية الرواية وألفاظ الراوي\rأما كيفية الرواية فست مراتب:\rأعلاها السماع من الشيخ، ثم القراءة عليه، ثم السماع عليه، ثم المناولة، ثم الإجازة بالمشافهة، ثم الإجازة بالمكاتبة.\rوأما ألفاظ الراوي: فإن كان من الصحابة فألفاظه ست مراتب:\rالأول: أن يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، أو حدثني أو أخبرني أو قال لي، فهذا نص في تلقيه لذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rالثانية: أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أخبر أو حدث، فهذه ظاهرة في التلقي منه صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك يحمل، وليس نصاً، ومثله قوله: عن النبي صلى الله عليه وسلم.\rالثالثة: أن يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهى عن كذا، فهذه محتملة، هل سمعه منه أم لا ؟\rالرابعة: أن يقول: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، فيتطرق إلى هذا احتمال ثان، وهو هل أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره، إلا إن قالها أبو بكر الصديق فيعلم أنه لم يأتمر عليه أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rالخامسة: أن يقول: السنة كذا، فيحمل على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rالسادسة: أن يقول: كنا نفعل كذا، فيتطرق إليه احتمال هل كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟\rوإذا قال غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا مرسل، وهو حجة عند مالك وأبي حنيفة، خلافاً للشافعي.\rواختلف: هل ينقل الحديث بالمعنى ؟\rواشترط الذين أجازوه أن لا يزيد في المعنى ولا ينقص ولا يكون أخفى.\rوأما ألفاظ غير الصحابي، فعلى أربع مراتب:","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"الأولى: أن يقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته.\rالثانية: أن يقال له: أسمعتَ هذا ؟ فيقول: نعم.\rالثالثة: أن يقال له: أسمعتَ هذا ؟ فيشير بإصبعه أو برأسه.\rالرابعة: أن يقرأ عليه ولا ينكر ولا يتعرف بإشارة ولا غيرها.\rالباب الخامس: في النسخ\rوهو يتطرق إلى الكتاب والسنة دون غيرهما، فلذلك ذكرناه عقبهما.\rوفيه ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في حقيقته\rومعناه لغة: الإزالة، كقولهم: نسخت الشمس الظل.\rوالنقل، كنسخ الكتاب.\rوحدُّه شَرعاً: الخِطَابُ الدَّال على ارتفاعِ حكمٍ ثابتٍ بخطاب متقدم، مع تراخيه عنه.\rوالفرق بينه وبين التخصيص من ثلاثة أوجه:\rالأول: أن النسخ بعد ثبوت الحكم الأول، بخلاف التخصيص.\rالثاني: أن النسخ متراخ عن المنسوخ، والتخصيص قد يكون متراخياً ومتصلاً.\rالثالث: أن النسخ إبطال الجميع، والتخصيص إخراج البعض.\rالفصل الثاني: في حكمه\rوالنسخ جائز عقلاً، وواقع شرعاً.\rوأنكره اليهود لعنهم الله، وقالوا: يلزم منه البداء، وهو محال على الله، وقولهم باطل، والدليل على بطلانه من ثلاثة أوجه:\rالأول: ما اتفقت عليه الأمم من جواز نكاح الأخوات غير التؤمة في زمان آدم، ثم تحريمه في جميع الملل.\rالثاني: أن اليهود وافقوا على أن شريعتهم نسخت ما قبلها، فلمَّا جاز ذلك يجوز أن ينسخها ما بعدها.\rالثالث: الفرق بين النسخ والبداء، هو أن يظهر له ما كان خفياً عليه، والنسخ ليس كذلك، إنما هو كتحديد مدة للحكم مثل أن يأمر السيد عبده بعمل فإذا بلغ منه المقدار الذي أراد السيد رفع يده عنه أمره بعمل آخر.\rولا يجوز النسخ إلا بثلاثة شروط:\rأحدها: أن يكون في الأحكام لا في الاعتقادات، ولا في الأخبار، إلا إذا اقتضت حكماً.\rوالثاني: أن يكون في الكتاب والسنة، لأن الإجماع والقياس لا ينسخ واحد منهما ولا ينسخ.\rوالثالث: أن يكون الناسخ متأخراً والمنسوخ متقدماً، ويعرف ذلك بالنص على التأخير أو معرفة وقتهما، أو برواية من مات قبل رواية الحكم الآخر.","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"ويعرف النسخ بالنص على الرفع، أو على ثبوت النقيض أو الضد، أو بإجماع الأمة على النسخ.\rالفصل الثالث: في الناسخ والمنسوخ\rأما القرآن فينسخ بالقرآن.\rواختلف في نسخه بالسنة المتواترة.\rولا ينسخ بأخبار الآحاد، خلافاً للقاضي أبي الوليد الباجي وبعض أهل الظاهر.\rأما السنة المتواترة فتنسخ بالقرآن، أو بالسنة المتواترة، لا بالآحاد.\rوأما أخبار الآحاد فتنسخ بالقرآن أو بالسنة المتواترة أو بالآحاد.\rويجوز نسخ الأثقل بالأخف وعكسه.\rوالنسخ بالمثل، والنسخ إلى غير بدل.\rوالمنسوخ من القرآن على ثلاثة أنواع:\rمنسوخ التلاوة والحكم.\rومنسوخ التلاوة دون الحكم.\rومنسوخ الحكم دون التلاوة.\rالباب السادس: في الإجماع\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول: في إجماع الأمة\rوهو اتفاق العلماء على حكم شرعي.\rوهو حجة عند جمهور الأمة، خلافاً للخوارج والروافض.\rوإجماع أهل كل عصر حجة، إذ لا يشترط جميع الأمة إلى يوم القيامة، لانتفاء فائدة الإجماع.\rولا يشترط انقراض العصر، خلافاً لقوم.\rوقال داود الظاهري: إجماع غير الصحابة ليس بحجة.\rولا يعتبر إجماع العوام، خلافاً للقاضي أبي بكر.\rوالمعتبر في كل فن إجماع أهله، وإن لم يكونوا من أهل غيره.\rولا يعتبر منهم إلا المجتهدون لا المقلدون.\rفروع:\rالأول: يجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد، وفي العصر الثاني.\rالثاني: إذا اختلف أهل العصر الأول على قولين، فلا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، خلافاً للظاهرية.\rالثالث: إذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون فهو حجة وإجماع، ويسمى الإجماع السكوتي.\rوقيل: هو حجة وليس بإجماع.\rالرابع: يجوز عند مالك انعقاد الإجماع عن الدليل والأمارة والقياس.\rالخامس: إذا نقل الإجماع بأخبار الآحاد، فقيل: هو حجة، وقيل: لا.\rالفصل الثاني: في بقية أنواع الإجماع\rأما إجماع أهل المدينة فهو حجة عند مالك وأصحابه.\rوهو عندهم مقدم على الأخبار، خلافاً لسائر العلماء.\rوهو من وجوه الترجيح عند الجميع.","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"وأما إجماع أهل الكوفة فقال به قوم، لكثرة داخلها من الصحابة.\rوكذلك قال قوم بإجماع العترة، وبإجماع الخلفاء الأربعة لفضلهم.\rوأما قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف: فإن انتشر ذلك القول في الصحابة فهو حجة كالإجماع السكوتي.\rوإن لم ينتشر فمذهب مالك أنه حجة، واختلف قول الشافعي فيه.\rوأما إذا اختلف الصحابة على قولين: فهما دليلان تعارضا، فيرجح أحدهما بكثرة العدد، أو بموافقة أحد الخلفاء الأربعة عليه، وإن استويا وجب الرجوع إلى دليل آخر.\rالباب السابع: في القياس\rوهو أصل الرأي ومجال الاجتهاد، وبه تثبت أكثر الأحكام، فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة، ومواضع الإجماع معدودة، والوقائع غير محصورة، فاضطَّر العلماءُ إلى أن يثبتوا منها بالقياس ما لم يثبت بنصٍ ولا إجماعٍ.\rوالقياس حجَّة عند العلماء من الصحابة فمن بعدهم، إلا الظاهرية.\rونتكلم في حده ومواضعه وشروطه وأنواعه ومفسداته.\rالفصل الأول: في حدِّه ومواضعه\rأما حده فهو: حَملُ معلومٍ على معلومٍ، في إثبَاتِ حكمٍ لهما أو نفيه عنهما، بأمرٍ جامعٍ بينهما.\rفقولنا: معلوم نعني به الاشتراك بين المعلوم والمظنون، ويدخل فيه أيضاً: الموجود والمعدوم.\rوأوجزُ من ذلك أن تقول: القياس هو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه لجامع بينهما.\rفالمنطوق به هو المقيس عليه، وهو الأصل، والمسكوت عنه هو المقيس وهو الفرع.\rوأما مواضعه: فيدخل في الأحكام الشرعية، وهو مقصودنا.\rوفي الأحكام العقلية، وفي الأحكام اللغوية.\rولا يدخل في الأسباب، مثل أن يقال في طلوع الشمس: إنه موجب للصلاة كغروبها.\rويدخلُ في المقدَّرات، كالكفارات، خلافاً لأبي حنيفة.\rولا يجوز القياس على الرخص، خلافاً للشافعي.\rالفصل الثاني: في شروطه\rوهي ثمانية، منها ما يشترط في الأصل والفرع:\rالأول: أن يكون حكم الأصل شرعياً.\rالثاني: أن يثبت بدليل شرعي.\rالثالث: أن يكون ثابتاً غير منسوخ.","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"الرابع: أن يكون متَّفَقاً عليه عند جميع العلماء، أو عند الخصمين.\rالخامس: أن لا يكون الأصل فرعاً لأصل آخر، وفي هذا خلاف.\rالسادس: أن لا يخرج الأصل عن باب القياس، كالتعبدات من عدد ركعات الصلاة ومقادير الحدود وشبه ذلك، وما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام.\rالسابع: أن يكون الوصف الجامع موجوداً في الفرع كما هو في الأصل.\rالثامن: أن لا يكون الفرع منصوصاً، فإن القياس لا يعتبر مع وجود النص.\rالفصل الثالث: في أنواعه\rونوضِحُها بثلاث تقسيمات:\rالتقسيم الأول: ينقسم القياس إلى نوعين: قياس علة، وقياس شبه.\rفقياس العلة: هو الذي يكون الجامع فيه بين الأصل والفرع وصفاً هو علة الحكم وموجبٌ له، كتحريم النبيذ المسكر بالقياس على الخمر، والجامع بينهما الإسكار، وهو علة التحريم.\rوقياس الشَّبَه: هو الذي يكون الجامع فيه وصفاً ليس بعلة في الحكم، كإيجاب النية في الوضوء بالقياس على التيمم، والجامع بينهما أن كل واحد منهما طهارة من حدث، والطهارة من الحدث ليست علةً لوجوب النية، وإنما وصف يشترك فيه الأصل والفرع.\rواتفق القائلون بالقياس على أن قياس العلة حجة.\rواختلفوا في الاحتجاج بقياس الشبه لضعفه، ولأنه ينقلب بقول الحنفي: لا تجب النية في الوضوء بالقياس على إزالة النجاسة، والجامع بينهما أن كل واحد منهما طهارة بالماء.\rوزاد بعض الأصوليين نوعاً ثالثاً سموه قياس الدلالة.\rقال أبو المعالي: لا معنى لعَدِّه قِسْماً على حِدتِه، لأنَّه تارةً يلحق بقياس العلة، وتارة بقياس الشبه.\rوزاد بعضهم قياس المناسبة، وهو المبني على تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، وسنتكلم عليه في المصلحة.\rالتقسيم الثاني: ينقسم من وجه آخر إلى نوعين: قياس جلي، وقياس خفي، وهو بالنظر إلى ذلك على درجات:\rالدرجة الأولى: إثباتُ حكمِ المنطوقِ به للمسكوت عنه لأنه أولى، كتحريم الضرب من قوله تعالى: ? فلا تقل لهما أف ?.","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"الدرجة الثانية: إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه لأنه مثله، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ? لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه ?، فيحكم للتغوط في الماء الدائم بحكم البول، لأنه مثله في تنجيس الماء.\rوقد اختلف: هل تسمى الدرجتان قياساً أم لا تسمى لظهورهما ؟ حتى إن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به فيها معلوم قطعاً، لا يحتاج إلى فكرٍ ولا استنباط علة، ولا يخالف فيهما إلا معاند أو جاهل.\rالدرجة الثالثة: قياس العلة، وهو متفاوت في الخفاء والجلاء، ألا ترى أن قياس الأرز على القمح في تحريم التفاضل لعلة الاقتيات والادخار عند مالك، والطعمية عند الشافعي، ليس في الظهور كقياس النبيذ على الخمر لعلة الإسكار.\rالدرجة الرابعة: قياس المناسبة، وهو أيضاً متفاوت.\rالدرجة الخامسة: قياس الشبه، وهو أيضاً متفاوت.\rالتقسيم الثالث: تعرف العلة في قياس العلة بأمور بعضها أقوى من بعض، فتتفاوت درجات القياس لذلك:\rالأول: النَّصُّ على العِلَّةِ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ? إنما جعل الإذن من أجل البصر ?.\rالثاني: الإيْمَاءُ إليها: بالفاء، كقوله تعالى: ? والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ?، أو بالباء كقوله: ? بأنهم شاقوا الله ورسوله ?، أو باللام كقوله: ? وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ? وإن كقوله تعالى: ? إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ?.\rالثالث: ترتيبُ الحُكمِ على الوَصْفِ، كقوله عليه السلام: ? القاتل لا يرث ?، معناه لأجل قتله.\rالرابع: الإجماعُ على العلة.\rالخامس: دَوَرَانُ الحُكمِ مع الوَصْفِ، وهو وجوده مع وجوده وعدمه مع عدمه، كالرجم مع الإحصان.\rالسادس: السبر والتقسيم، وهو أن يقال: لا يخلو أن تكون العلة كذا وكذا: يبطل أن تكون كذا، فيتعين أن يكون.","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"السابع: تنقيح المناط، وهو تعيين العلة من بين أوصاف مذكورة، كما ورد في الحديث أن أعرابياً جاء يضرب صدرَهُ وينتفُ شعرَهُ، ويقول: هلكتُ وأهلكتُ، واقعتُ أهلي في رمضان، فهذه جملة أوصاف، وتَعَيَّنَ أن أمره بالكفارة إنما كان للجماع في رمضان، لا لغيره من الأوصاف.\rتكميل: يقول الفقهاء: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط.\rفأما تنقيح المناط، فقد بيناه، والمَنَاط هو العلة.\rوأما تخريجُ المناط، فهو تعيينُ العِلَّة من أوصاف غير مذكورة، كقوله صلى الله عليه وسلم: ? لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلاً بمثل ? فينظر هل العلة في ذلك الطعمية أو الاقتيات أو الكيل أو الوزن أو غير ذلك ؟\rوأما تحقيق المناط، فهو أن يتفق على تعيين العلة، ويطلب أن تَثبُتَ في محلِّ النِّزَاع.\rالفصل الرابع: مفسدات القياس\rوهي عشرة، وبها يَنْقُضُ الخَصْمُ قِيَاسَ خَصمِه عند المناظرة.\rالأول: مخالفة القياس لنصِّ كتابٍ أو سنَّةٍ، فإن خالف عموم الكتاب أو السنة، لم يقدح ذلك فيه، لأن العموم يخصص بالقياس على خلاف في ذلك، وقيل: يخصص بالجلي لا بالخفي.\rوالثاني: مخالفة الإجماع.\rوالثالث: عدم ثبوت الوصف الجامع.\rوالرابع: قصور العلة، وهو كونها لا تتعدى الأصل إلى سواه.\rوالخامس: النقض، وهو وجود الوصف بدون الحكم.\rوالنقض في سائر الأدلة وجود الدليل دون المدلول، والنقض في الحدود وجود الحد دون المحدود، وهو مفسد في الحدود، واختلف في إفساده في الأدلة والعلل.\rوالسادس: العكس، وهو وجود الحكم بدون الوصف، وإنما يقدح إذا اتفق الخصمان على أن العلة واحدة، فإذا وجد الحكم دونها دل على عدم اعتبارها، وأما إذا اتفقا على أن لذلك الحكم علتين أو أكثر فلا يقدح لاحتمال أن إحداهما خلفت الأخرى كالحيض يخلف الجنابة في وجوب الغسل، لأنهما علتان في وجوب الغسل.","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"السابع: القَلْبُ، وهو إثبات نقيض الحكم بالعلة بعينها، فإن ثبوت نقيضه معها يدل على استحالة ثبوته، لأن النقيضين لا يجتمعان.\rوذلك مثل قول المالكي: الاعتكاف لبث في مكان مخصوص، فلا يستقل بنفسه، بالقياس على الوقوف بعرفة، فيكون الصيام شرطاً فيه.\rفيقول خصمه: الاعتكاف لبث في مكان مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم، بالقياس على الوقوف بعرفة.\rالثامن: الفرق، وهو إبداء معنى مناسب للحكم، يوجد في الأصل ويعدم في الفرع، أو يوجد في الفرع ويعدم في الأصل.\rكقول الحنفي: الوضوء طهارة بالماء، فلا يفتقر إلى نية، كإزالة النجاسة.\rفيجيبه الفارق: بأن الوضوء طهارة حكمية، وإزالة النجاسة طهارة عينية، فافترق حكمهما.\rفإن كان الفرق غير مناسب لم يقدح في القياس، كقول القائل: الأرز مقتات فيحرم فيه التفاضل كالقمح، فيقول الفارق: الفرق بينهما أن الأرز شديد البياض بخلاف القمح، فهذا فرق لا يعتبر.\rالتاسع: القول بالموجب، وهو يقدح في جميع الأدلة من القياس وغيره.\rومعناه أن يسلم الخصم الدليل الذي استدل به المستدل إلا أنه يقول: هذا الدليل ليس في محل النزاع، إنما هو في غيره، فيبقى الخلاف بينهما.\rكقول الشافعي: المحرم إذا مات لم يغسل ولم يمس بطيب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل مات وهو محرم: ? لا تمسوه بطيب، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ?.\rفيقول المالكي: سلمنا ذلك الرجل، لكن النزاع في غيره، لأن اللفظ لم يرد بصيغة العموم.\rالعاشر: نقص شرط من شروط القياس، وقد عددناها في مواضعها.\rالباب الثامن في الاستدلال\rوهو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم.\rويقال باصطلاحين:\rأحدهما: محاولة الدليل الشرعي أو غيره من جهة القواعد، لا من جهة الأدلة المعلومة، وهو قصدنا هنا.\rوالثاني: محاولة الدليل الشرعي وغيره من الأدلة المعلومة أو غيرها.\rوالثاني أعم، والأول أخص.\rوهو على ضربين:\rالضرب الأول: الاستدلال بالملزوم على لازمه، وباللازم على ملزومه.","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"والملزوم ما يحسن معه \"لو\"، واللازم ما يحسن معه \"اللام\"، نحو: ? لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ?.\rوكقولنا: إن كان هذا الطعام مهلكاً فهو حرام، تقديره: لو كان مهلكاً لكان حراماً.\rويتصور في ذلك أربع صور: اثنان منتجان، وهما: الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم، وبعدم اللازم على عدم الملزوم.\rواثنان عقيمان لا ينتجان، وهما: الاستدلال بعدم الملزوم أو بوجود اللازم، إلا أن يكون اللازم مساوياً للملزوم، ينتج الأربعة، نحو: لو كان هذا إنساناً لكان ضاحكاً.\rثم إن الملازمة قد تكون قطعية وظنية.\rوالموجود هنا ما كان منفياً في اللفظ، والمعدوم ما كان ثابتاً في اللفظ، لأن \"لو\" تنفي الثابت وتثبت المنفي.\rالضرب الثاني: السبر والتقسيم\rوهو حصر الأقسام بين النفي والإثبات، حتى يحصل المطلوب.\rكقولنا: لا يخلو أن يكون كذا وكذا، وباطل أن يكون كذا وكذا، يثبت ضده وهو كذا، أو يبطل جميع الأقسام.\rوكل واحد من الضربين حجة صحيحة، وهما الشرطي المتصل والمنفصل المذكوران في العقليات.\rالباب التاسع: في الاستصحاب، والبراءة الأصلية،\rوالأخذ بالأخف، والاستقراء، والاستحسان\rأما الاسْتِصْحَابُ فهو: بَقاءُ الأمرُ في الحَالُ والاستقبَالُ على ما كان عليه في الماضي.\rوهو قولهم: الأصْلُ بقاءُ مَا كان على ما كان، حتَّى يدلَّ الدَّليلُ على خلافِ ذلك.\rوهُو حجَّةٌ عند المالكية وأكثر الشافعية، خلافاً للحنفية والمتكلمين.\rوأمَّا البَرَاءَة الأصْلِيَّةُ فهي ضَربٌ من الاستصحاب، ومعناها: البقاءُ على عَدَمِ الحُكْمِ حتَّى يدلَّ الدليل عليه، لأنَّ الأصْلَ براءةُ الذِّمَّةِ من لُزُوم الأحكام.\rوهي حُجَّةٌ، خلافاً للمعتزلة وأبي الفرج والأبهري المالكيين.\rوأمَّا الأخْذُ بالأَخَفِّ، فهو ضربٌ من البراءة الأصلية، ومعناه: الأخذ بأخف الأقوال حتى يدل الدليل على الانتقال إلى الأثقل.\rوهو حُجَّةٌ عند الشافعية.","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"وأما الاسْتقرَاءُ فهو: تتبُّعُ الحكم في مواضعه، فيوجد فيها على حالة واحدة، حتى يغلبَ على الظَّنِّ أنَّه في محلُّ النِّزاع على تلك الحالة.\rوهو حُجَّةٌ عند الفقهاء.\rوأمَّا الاسْتِحْسَانُ، فهو حجَّةٌ عند أبي حنيفة، خلافاً لغيره، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع.\rثمَّ اختلف الناس في معناه، فقال الباجي: هو القول بأقوى الدليلين، وعلى هذا يكون حُجَّةً إجماعاً.\rوقيل: هو الحُكْمُ بغيرِ دَلِيلٍ، وعلى هذا يكون حرَامَاً إجماعاً، لأنَّه اتِّبَاعٌ للهوى.\rوقيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه.\rوأشبه الأقوال أنَّه ما يستحسنه المجتهد بنظره.\rالباب العاشر: في العوائد، والمصلحة المرسلة،\rوسد الذرائع، والعصمة\rأما العَوائدُ فهي: غلبةُ مَعْنَىً من المعاني على الناس.\rوقد تكون هذه الغلبة في جميع الأقاليم، وقد تختص ببعض البلاد أو بعض الفرق.\rفيُقْضَى بالعَادَةِ عند المالكية خلافاً لغيرهم، وذلك ما لم تخالف الشريعة.\rوأما المَصْلَحَةُ، فهي على ثلاثة أقسام:\rقِسمٌ شهد الشرع باعتباره، وهو قياس المناسبة المبني على النظر المصلحي من تحصيل المصالح ودفع المفاسد.\rفهذا حجَّةٌ عند جميع القائلين بالقياس، ومن ذلك ما فعله عمر رضي الله عنه من الديوان وإحداث السجن وغير ذلك.\rوقِسمٌ شَهِدَ الشَّرْع بعدم اعتباره، كالمنع من غراسة العنب لئلا يعصر منه خمراً، فهذا لا يقول به أحد.\rوقِسْمٌ لم يشهد الشرع باعتباره ولا بعدَمِ اعتباره، وهو المصلحة المرسلة.\rوهو حجَّةٌ عند مالك، خلافاً لغيره.\rوقال أبو حامد: إنْ وقعت في محلِّ الحاجة والتَّتِمَّة لم تعتبر، وإن وقعت في محل الضرورة فيجوز أن يؤدي إليها اجتهادُ مجتهدٍ.\rوالضرورة هي الخمسة التي اتفقت عليها الشرائع، وهي حفظ الأديان والنفوس والأنساب والأموال والعقول.\rواشترط أبو حامد في المصلحة أن تكون كليةً قطعيةً، مع كونها ضرورية.","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"وأمَّا سَدُّ الذَّرَائعِ فمعناه: حَسْمُ مَادَّةِ الفَسَادِ بقَطْعِ وَسَائلِهِ.\rوالذرائع هي الوسائل، وهي على ثلاثة أقسام:\rأحدها: معتبر إجماعاً، كسَبِّ الأصنام عند مَنْ يُعلمُ من حاله أنه يسب الله.\rوقسم غير معتبر إجماعاً، كالمنع من الشركة في سكنى الديار مخافة الزنى.\rوقسم مختلف فيه، كبيوع الآجال، فاعتبرها مالك خلافاً لغيره.\rتنبيهٌ: ينقلُ أهلُ المذهب عن مالك أنه انفرد باعتبار العوائد والمصلحة والذريعة، وليس كذلك.\rفإن العادَةَ هي العرف، وهو معتبر في المذاهب.\rوالمصلحة قد اعتبر أهل المذاهب قسماً منها، وإنما انفرد مالك بقسم.\rوالذريعة هي الوسيلة، وقد اعتبر أهل المذاهب قسماً منها، وانفرد مالك بقسم.\rفحاصل هذا أنه اعتبر المصلحة والذريعة أكثر من غيره، لا أنه انفرد بهما.\rوأما العِصْمَةُ، فمعناها أن يقول الله لنبي أو لعالم: احكم، فإنك لا تحكم إلا بالصواب، لأني عصمتُك من الخطأ.\rوقد اختلفَ النَّاسُ في ذلك، فقال بوقوع ذلك موسى بن عمران والروافض، وقالت المعتزلة: إن ذلك ممتنع، وتوقَّفَ الشافعي، ووافقه فخر الدين ابن الخطيب.\rالفنُّ الخامِسُ من علمِ الأصُولِ\rفي الاجْتهادِ، والتَّقلِيدِ، والفَتوَى، والتَّعَارُضِ، والتَّرْجِيحِ\rوفيه عشرة أبواب:\rالباب الأول: في الاجتهاد\rوهو استفراغُ الوسع في النَّظر في الأحكام الشرعية.\rوهو واجِبٌ عند مالك وجمهور العلماء، على تفصيل نذكره بعد هذا إن شاء الله.\rفروع:\rالأول: لا خلاف في جواز الاجتهاد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما اجتهاد غيره في زمانه، فإن كان غائباً عنه جازَ، وإن كان حاضراً معه ففيه خلافٌ.\rالفرع الثاني: قال الشافعي وأبو يوسف وغيرهما: يجوز أن يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد، وقال آخرون: لم يكن متعبَّداً به، لأن الوحي يغني عن الاجتهاد.","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"الفرع الثالث: إذا نُقِلَ عن المجتهد قولان، فإن عُلِمَ التاريخُ عُدَّ الثاني رجوعاً عن الأوَّل، وإن لم يعلم حكي عنه القولان ولم يحكم عليه برجوع.\rوإن كان في وقتٍ واحدٍ، بمعنى أن المسألةَ عنده محتملةٌ للقولين، فإن أشار إلى ترجيح أحدهما نقل عنه، وإلا نقل عنه القولان.\rالفرع الرابع: إذا أفتى المجتهد في مسألة ثم سئل عنها مرَّةً أخرى، فإن كان ذاكراً لاجتهاده الأول أفتى به، وإن نَسِيه استأنف الاجتهاد، فإن أدَّاه إلى خلاف الأول أفتى بالثاني.\rالباب الثاني: في شروط الاجتهاد\rوهي على الجُمْلة أربعةٌ:\rأحدها: التكليف.\rوالثاني: العدالة.\rوالثالث: جودة الحفظ والفهم.\rوالرابع: المعرفة بما يتوقف عليه الاجتهاد من العلوم، وهي خمسة فنون:\rأولها: كتاب الله تعالى، فلا بُدَّ من حفظه، وتجويد قراءته ولو بحرفٍ واحدٍ من الأحرف السبعة، وفهم معانيه، لاسيما آيات الأحكام، ومعرفة المكِّي والمدني منه، ومعرفة المحكم والناسخ والمنسوخ منه، وغير ذلك من علومه.\rوقال قومٌ من الأصوليين: لا يشترط حفظُه للقرآن، ولا حفظُه لآيات الأحكام منه، بل العلم بمواضعها لينظر فيها عند الحاجة إليها، وهذا خطأ من وجهين:\rأحدهما: أن الأحكام قد تُخَرَّج من غير الآيات المعلومة فيها، فيضطر إلى حفظ الجميع.\rوالآخر: أن من زهد في حفظ كتاب الله لا ينبغي أن يكون إماماً في دين الله، كيفَ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ? كتاب الله هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، فيه خبرُ من قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم، من تركه من جبار قصَمَه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ?، وحسبُكَ هذا الوعيد لمَنْ تركه وابتغى الهدى من غيره.\rوثانيها: حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث أصحابه، وحفظ أسانيدها، ومعرفة الرجال الناقلين لها.","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"على أن أئمة المحدثين رضي الله عنهم وجزاهم خيراً قد قاموا بوظيفةِ معرفة الناقلين، وتجريحهم وتعديلهم، وتمييز الحديث الصحيح من غيره، وتدوينه في تصانيفهم حتى كَفَوا من بعدهم مئونةَ معرفة الأسانيد والرجال، وصار ذلك للمجتهد صفةَ كَمَالٍ.\rوقال قوم: لا يشترط في المجتهد حفظ الحديث، وهذا أيضاً خطأ، فإن أكثرَ الأحكام منصوصةٌ في الحديث، فإذا لم يعرف الحديث أفتى بالقياس أو غيره من الأدلة الضعيفة وخالف النص النبوي.\rوثالثها: المعرفة بالفقه، وحفظ مذاهب العلماء في الأحكام الشرعية ليقتدي في مذاهبه بالسلف الصالح، وليختار من أقوالهم ما هو أصحُّ وأرجحُ، ولئلا يخرجَ عن أقوالهم بالكليَّة، فيخرق الإجماع، وقد كان مالك على جلالته يقتدي بمن تقدمه من العلماء، ويتبع مذاهبهم.\rورابعها: المعرفة بأصول الفقه، فإنه الآلة التي يُتوصَّل بها للاجتهاد.\rوخامسها: المعرفةُ بما يَحتاجُ إليه من علوم لسان العرب من النحو واللغة ليفهم بذلك القرآن والحديث إذ هما بلسان العرب.\rوأما معرفته بغير ما ذكرنا من العلوم فليست شرطاً في الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ولكنها صفةُ كمالٍ، ومن أراد الاجتهاد في فنٍّ من الفنون، فلا بُدَّ له من معرفته ومعرفة أدواته.\rالباب الثالث: في تصويب أحكام المجتهدين في الأحكام\rالأحكام الشرعية ضربان: عقلية، وهي أصل الدين، وسمعية، وهي فروع الفقه.\rفأما أصول الدين كإثبات الصانع ووحدانيته وصفاته وإثبات النبوة وغير ذلك، فإن الحقَّ فيها في قولٍ واحدٍ، وما عدا ذلك باطل.\rوعلى ذلك اتفق العلماء، إلا الجاحظَ والعنبري، فإنهما قالا: كلُّ مجتهد مصيبٌ في أصول الدين، بمعنى نفي الإثم، لا بمعنى مطابقة الاعتقاد الحق.\rوأما الفروع: فهي على ثلاثة أضرب:","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"ضربٌ لا يسوغ الاجتهاد فيه، لأنه عُلِمَ من الدين بالضرورة، كوجوب الصلوات الخمس وصيام رمضان وتحريم الخمر، فمن خالف في شيء من ذلك فهو مخطئ بإجماع، ويكفر، لأن المخالفة في ذلك تكذيب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.\rوضربٌ لم يُعلم من الدين ضرورة، ولكنَّه أجمع عليه جميع الأمة في جميع الأعصار والأمصار، كوجوب الصَّدَاق في النكاح وتحريم المطلقة ثلاثاً إلا بعد زوج، وغير ذلك، فهذا ضربٌ من خالف فيه فهو مخطئ بإجماع، وهو فاسق.\rوضربٌ يسوغ فيه الاجتهاد، وهي المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين فأكثر، ففي التصويب في هذا الضرب اختلف العلماء: فقال قوم: إن الحق في ذلك كله واحد، وما عداه باطل، ولكن المخطئ فيه غير مأثوم، وهو مذهب الشافعي.\rوقال قوم: كل مجتهد مصيب، وهو قول أبي حنيفة وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأكثر المتكلمين.\rونقل عن مالك القولان.\rالباب الرابع: في التقليد\rومعناه: قَبولُ قَولِ الغير من غير دليل.\rوقد اختلف العلماء في جوازه، وفي ذلك تفصيل:\rأما أصول الدين: فمَنَع أكثر المتكلمين من التقليد فيها، وأجازه أكثر المحدثين وغيرهم.\rوأما فروع الفقه التي عُلِمت من الدين ضرورة فلا يجوز التقليد فيها، لاشتراك الناس في العلم بها، فلا معنى للتقليد فيها.\rوأما الفروع التي لا تُعلم إلا بالنظر والاستدلال، فيجوز للعامي الذي لا يعرف طرق الأحكام أن يقلد عالماً ويعمل بقوله عند الجمهور.\rفروع: الأول: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:\rأحدها: أن يعتقد فيمن يقلِّده العلم والفضل.\rالثاني: أن لا يتبع رخصَ المذاهب.\rالثالث: أن لا يجمع بين المذاهب على وجهٍ يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإنَّ هذه الصورة لم يقل بها أحد.","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"الثاني: إذا فعل المكلف فعلاً مختلفاً في تحريمه غيرَ مقلد لأحد، فاختُلف هل هو آثم بناء على القول بالتحريم ؟ أو غير آثم بناء على القول بالجواز ؟\rالثالث: يُقلَّدُ غيرُ العلماء فيما يختَصُّ بهم من المعارف والصنائع، فمن ذلك تقليد القَائفِ في إلحاق النسب، وتقليد القاسم في القسم، وتقليد التاجر في قيم المُتلفَات، وتقليد الخارص فيما يخرصه، وتقليد الراوي فيما يرويه، وتقليد الطبيب فيما يدَّعيه، وتقليد الجزار في الذكاة.\rالباب الخامس: في الفتوى،\rوالنظر في صفة المفتي والمستفتي\rأما المفتي فيجب أن يجتمع فيه شروط الاجتهاد على القول بوجوب الاجتهاد، وأما على القول بعدَمِ وجوبه فالمفتي ينقل أقوال إمامه الذي يقلده، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهذا هو الشأن في زماننا، فيجب أن يحقق قول إمامِه في النازلة التي يفتي فيها.\rوأما المستفتي فهو العامي الذي لا يَعرِفُ طرق الأحكام.\rوأما العالم فإن كان عالماً لم يبلغ درجة الاجتهاد جاز له أن يستفتي ويقلد إماماً، وإن بلغ درجة الاجتهاد فأكثر أهل السنة على أنه لا يجوز له التقليد، وأجازه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري مطلقاً، وأجاز محمد بن الحسن أن يقلِّد من هو أعلم منه لا من هو مثله.\rفروع:\rالفرع الأول: لا يجوز للمستفتي أن يستفتي مَنْ شاء على الإطلاق، لأنه ربما استفتى من لا يعرف الفقه، بل يجب أن يتعرفَ حالَ الفقيه في علمه وعدالته، ويكفِيه في معرفة حاله خبرُ الواحد.\rالفرع الثاني: إن وجد المستفتي عالماً واحداً قلده، وإن وجد اثنين فأكثر: فقيل: يقلد واحداً منهم، وقيل: يختار أعلمهم وأفضلهم.\rالفرع الثالث: إن استفتى رجلين فأكثر فاختلفوا في الفتيا، فقيل: يأخذ بقول مَنْ شاء منهم، وقيل: يجتهد في أيهم أفضل، فيأخذ بقوله، وقيل: يأخذ بالقول الأحوط.\rالباب السادس: في تعارض الأدلة\rإذا تعارض دليلان فأكثر، ففي ذلك ثلاثة طرق:","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"الأول: العَملُ بهما، وذلك بالجمع بينهما على قدر الإمكان، ولو من وجه واحد، وهذا أولى الطُّرق، لأنه ليس فيه اطرَّاحٌ لأحدهما.\rالثاني: ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المذكورة بعد.\rالثالث: نسخ أحدهما بالآخر، وشرطُهُ معرفة المتقدم والمتأخر منهما.\rفإن عجز عن الجمع والترجيح والنسخ تساقط الدليلان ووجب التوقف أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح.\rوقال القاضي أبو بكر بن الطيب: يتخيَّرُ في العمل بأيهما شاء.\rوقال الأبهري: يتعين الحظر؛ بناءً على أصله أن الأشياء على الحظر.\rوقال أبو الفرج: تتعين الإباحة، بناء على أصله أن الأشياء على الإباحة.\rالباب السابع: في الترجيح\rاتفق جمهورُ العلماء على القول بالترجيح بين الأدلة، وأنكره بعض الناس، والصحيح القول به واعتباره، وفيه تتفاوت رُتَبُ المجتهدين.\rوإنما يتأتى في المظنونات، وأما القطعيات فلا يتأتى فيها لتعذر التفاوت بين القَطعيَّين، إذ ليس بعض المعلومات أقوى وأغلب من بعض، وإن كان بعضها أجلى وأقرب حصولاً وأشد استغناءً عن التأمل.\rفإذا تقرر هذا، فلا يخلو: أن يكون الدليلان المتعارضان قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما قطعياً والآخر ظنياً:\rفإن كانا قطعيين، كالنصوص المتواترة، فللمجتهد حالتان: الجمع بينهما إن أمكن، والنسخ إن عُلم التاريخ.\rوإن كانا ظنيين، كالظَّواهر والعمومات ونصوص أخبار الآحاد، فلها ثلاثة أحوال: الجمع إن أمكن، والنسخ إن عُلِم التاريخ، والترجيح.\rوإن كان أحدهما قطعياً والآخر ظنياً، فإن جُهل التاريخ تعيَّن المعلوم، وإن تأخر المعلوم نَسَخ المظنون، وإن تَأخر المظنون لم ينسخ المعلوم، ورَجَع إلى الجمع والترجيح.\rفروع أربعة:\rالفرع الأول: إذا تعارض ظاهرٌ من الكتاب وظاهرٌ من السنة ففي ذلك ثلاثة أقوال:\rقيل: يقدم القرآن.\rوقيل: تقدم السنة، لأنها مُفسِّرةٌ للكتاب.\rوقيل: يتوقف.","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"الفرع الثاني: إذا تعارض نصَّان أو ظاهران، وأحدهما أقرب إلى الاحتياط، أُخذ بالأحوط عند كثير من الفقهاء، خلافاً للقاضي أبي بكر.\rالفرع الثالث: إذا تَعَارضَ نصَّان، أو ظاهران، وانضم إلى أحدهما قياس يوافقه، رُجِّحَ على الآخر.\rالفرع الرابع: إذا تعارض الأصل والغالب، فاختُلف أيهما يرجح، وترجيح الغالب أكثر.\rالباب الثامن: في ترجيح الأخبار\rوهي إما في الإسناد، وإما في المتن:\rفأما الترجيح في الإسناد فيكون بعشرين وجهاً، وهي:\r• ... أن يكون أحدهما يشهدُ القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع أو دليل العقل للعمل به.\r• ... أو يكون في قضية مشهورة والآخر ليس كذلك.\r• ... أو يكون رواته أكثر.\r• ... أو أحفظ.\r• ... أو يكون مسموعاً من النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر مكتوب عنه.\r• ... أو متفق على رفعه إليه صلى الله عليه وسلم.\r• ... أو يتفق رواته على إثبات الحكم به.\r• ... أو يكون راوِيه صاحب القضية.\r• ... أو يعضده إجماعُ أهل المدينة على العمل به.\r• ... أو تكون روايتُه أحسنَ نسقاً.\r• ... أو يكون سالماً من الاضطراب، والآخر ليس كذلك.\r• ... أو يكون راويه من أكابر الصحابة.\r• ... أو يكون فقيهاً أو عالماً بالعربية.\r• ... أو عُرفت عدالته بالاختبار.\r• ... أو بتعديل الجمع الكثير.\r• ... أو ذكر سبب عدالته.\r• ... أولم يختلط عقله في بعض الأوقات.\r• ... أو له اسمُ واحد لا يختلط بغيره.\r• ... أو يكون مدنياً.\r• ... أو متأخر الإسلام، ليعلم أن ما رواه غير منسوخ.\rوأما الترجيح في المتن، فيكون بخمسة عشر وجهاً، وهي:\r• ... أن يكون نصاً في المراد.\r• ... أو سالماً من الاضطراب.\r• ... أو يكون مستقلاً بنفسه مستغنياً عن الإضمار.\r• ... أو غير متفق على تخصيصه.\r• ... أو ورد على غير سبب.\r• ... أو قضي به على الآخر في موضع.\r• ... أو ورد بعبارات مختلفة لمعنى واحد.\r• ... أو يتضمن نفي النقص عن الصحابة رضي الله عنهم.\r• ... أو يكون فصيح اللفظ.","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"• ... أو لفظه حقيقة.\r• ... أو يدل على المراد من وجهين.\r• ... أو تأكد لفظه بالتكرار.\r• ... أو يكون ناقلاً عن حكم العقل.\r• ... أو لم يعمل بعض الصحابة أو السلف على خلافه مع الاطلاع عليه.\r• ... أو كان مما لا تعمُّ به البلوى والآخر ليس كذلك.\rالباب التاسع: في ترجيحات الأقْيسة\rقد ذكرنا في باب القياس أن مراتب القياس متفاوتة في القوة والضعف، وأن منه الجلي والخفي.\rفإذا تعارض قياسان قدم الأقوى على الأضعف، والجلي على الخفي، والأجلى على ما هو أقل جلاء منه، ويقدم قياس العلة على قياس المناسبة، ويقدم قياس المناسبة على قياس الشبه.\rويترجح قياس العلة على قياس العلة بخمسة عشر وجهاً، وهي:\r• ... النص على علته.\r• ... أو الاتفاق على علته.\r• ... أو تكون علته أقل خلافاً.\r• ... أو مطردة منعكسة.\r• ... أو تشهد لها أصول كثيرة.\r• ... أو تكون متعدية والأخرى قاصرة.\r• ... أو تعمَّ فروعها.\r• ... أو هي أعم.\r• ... أو منتزعة من أصل منصوص عليه.\r• ... أو تكون أقل أوصافاً.\r• ... أو تكون بعض مقدماته يقينية.\r• ... أو تكون علته وصفاً حقيقياً.\r• ... أو يكون أحد القياسين فروعُه من جنس أصله.\r• ... أو لا يعود على أصله بالتخصيص.\r• ... أو يكون ثبوت الحكم في أصله أقوى بالإجماع أو بالتواتر، والآخر ليس كذلك.\rالباب العاشر: في أسباب الخلاف بين المجتهدين\rوهي ستة عشر بالاستقراء، على أن هذا الباب انفردنا بذكره لعظم فائدته، ولم يذكره أهل الأصول في كتبهم.\rالسبب الأول: تعارض الأدلة: وهو أغلبُ أسباب الخلاف، وقد تكلمنا عليه في بابه.\rالسبب الثاني: الجهل بالدليل: وأكثر ما يجيء في الأخبار، لأنَّ بعض المجتهدين يبلُغه الحديث فيقضي به، وبعضهم لا يبلغه فيقضي بخلافه، فينبغي للمجتهد أن يكثرَ من حفظ الحديث وروايته، لتكون أقوالُه على مقتضى الأحاديث النبوية.","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"ولذلك كثُرتْ مخالفة أبي حنيفة رحمه الله للحديث، لقلة روايته له، فرجع إلى القياس، بخلاف أحمد بن حنبل فإنه كان متسع الرواية للحديث، فاعتمد عليه وترك القياس، وأما مالك والشافعي فإنهما أخذا بالطرفين، وقد قال الشافعي: إذا صَحَّ الحديثُ فهو مذهبي.\rالسبب الثالث: الاختلاف في صحة نقل الحديث بعد بلوغه إلى كلِّ مجتهدٍ، إلا أنَّ منهم مَنْ صَحَّ عنده فعَمِلَ بمقتضاه، ومنهم من لم يصح عنده إما لقدح في سنده، أو لتشديده في شروط الصحة.\rوكثيراً ما يجري ذلك لمالكٍ رحمه الله، فإنَّه من أشد أهل العلم تحفظاً في نقل الحديث.\rالسبب الرابع: الاختلاف في نوع الدليل: هل يحتج به أم لا ؟\rوهذا السبب أوجب كثيراً من الخلاف، وذلك كعمل أهل المدينة، وهو حجةٌ عند مالكٍ فعمل بمقتضاه، وليس حجةً عند غيره فلم يعملوا به، وكالقياس وهو حجة عند الجمهور فعملوا به، وليس حجة عند الظاهرية فلم يعملوا به.\rوقد استوفينا الكلام على ذلك كله في فنِّ الأدلة.\rالسبب الخامس: الاختلافُ في قاعدة من الأصول ينبني عليها الاختلاف في الفروع، كحمل المطلق على المقيد وشبه ذلك.\rالسبب السادس: الاختلافُ في القراءات في القرآن، فيأخذُ مجتهدٌ بقراءة، ويأخذ غيره بأخرى، كقوله تعالى: ? وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ?، قرئ بالنصب فاقتضى غسل الرجلين لعطفه على الأيدي، وقرئ بالخفض فاقتضى مسحهما لعطفه على الرؤوس، إلا أن يتأول على غير ذلك.\rالسبب السابع: الاختلاف في الراوية في ألفاظ الحديث، كقوله صلى الله عليه وسلم: ? ذكاةُ الجنين ذكاةَُ أمه ? روي بالرفع فأخذ به مالك والشافعي، وبالنصب فأخذ به أبو حنيفة.","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"السبب الثامن: اختلاف وجه الإعراب مع اتفاق القُرَّاء في الرواية، مثل قوله عليه السلام: ? أكلُ كلّ ذي ناب من السباع حرام ?، فبعضهم جعل الأكل مصدراً مضافاً إلى المفعول، فحرَّم أكل السباع، وبعضهم جعله مضافاً إلى الفاعل بمعنى قوله تعالى: ? وما أكل السبع ? فأجاز أكل السباع.\rالسبب التاسع: كونُ اللفظِ مشتركاً بين معنيين فأكثر، فأخَذَ بعضُ المجتهدين بمعنى، وغيره بمعنى، كقوله تعالى: ? ثلاثة قروء ?، فحَمَلَها مالكٌ والشَّافعيّ على الأطهار، وأبو حنيفة على الحيض، لاشتراك اللفظ بين المعنيين.\rالسبب العاشر: الاختلاف في حمل اللفظ على العموم أو الخصوص، مثل قوله تعالى: ? وأن تجمعوا بين الأختين ?، هل يحمل على الزوجات والمملوكات، أو على الزوجات خاصة ؟\rالسبب الحادي عشر: الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة أو على المجاز.\rالسبب الثاني عشر: الاختلاف هل في الكلام مضمرٌ أم لا ؟ كقوله تعالى: ? فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدَّة من أيام أخر ?، فحَمَلَه الجمهورُ على إضمارِ \" فأفطر \"، خلافاً للظاهرية.\rالسبب الثالث عشر: الاختلاف هل الحكم منسوخ أم لا ؟ وهذا أوجب كثيراً من الخلاف.\rالسبب الرابع عشر: الاختلاف في حمل الأمر على الوجوب أو على الندب ؟ وهذا أيضاً أوجب كثيراً من الخلاف.\rالسبب الخامس عشر: الاختلاف في حمل النهي على التحريم أو على الكراهة.\rالسبب السادس عشر: الاختلاف في فعل النبي صلى الله عليه وسلم هل يحمل على الوجوب أو على الندب أو الإباحة ؟\rكَمُلتْ المقدِّمَةُ المباركة بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.","part":1,"page":53}],"titles":[{"id":1,"title":"تقريب الوصول","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"تقديم :","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"ترجمة المؤلف","lvl":1,"sub":0}]}