{"pages":[{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / تهذيب الفروق والقواعد السنية فى الأسرار الفقهية وهو حاشية على شرح ابن الشاط لكتاب الفروق للقرافى المسمى { إدرار الشروق على أنواع الفروق}\rالمؤلف / محمد علي بن حسين المكي المالكي\rعدد الأجزاء / 4","part":0,"page":0},{"id":3,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمقدمة الكتاب\rحمدا لمن أنزل الفرقان على سيدنا محمد سيد ولد عدنان فارقا به بين الحق الموجب للرضوان والباطل الموجب للخسران ولم يزل يرشد إلى الحق المبين به وبما بلغه من واضح البراهين حتى ظهر دين الله على جميع الأديان صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطاهرين وأصحابه الباذلين نفوسهم في تشييد قواعد الدين ومعالم الإيمان\rأما بعد فيقول تراب أقدام السادة العلماء والقادة النجباء الأتقياء العبد الحقير المعترف بذنبه المفتقر إلى عفو ربه محمد علي بن حسين المكي المالكي إن كتاب أنوار البروق في أنواع الفروق للعلامة\rشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المشهور بالقرافي بين الناس لما امتاز بوضعه في الفروق بين القواعد لا في الفروق بين الفروع كما هو عادة الفضلاء الأماجد لما له على غيره من شرف السماء ما للأصول على الفروع من شرف الارتقاء إلا أنه لم يستكمل التصويب والتنقيب ولم يستعمل التهذيب والترتيب فوفق الله الإمام العلامة أبا القاسم المعروف بابن الشاط قاسم بن عبد الله الأنصاري الحقيق بالاغتباط لتنقيح ما عدل به عن صوب الصواب وتصحيح ما اشتمل عليه من صواب في حاشية إدرار الشروق على  أنواع الفروق  عن لي وإن كنت لست أهلا لذلك ولا من رجال هذه المهامه والمسالك أن ألخصه مع التهذيب والترتيب والتوضيح مراعيا ما حرره ذلك المفضال من التصحيح والتنقيح لقول أهل التحري والاحتياط عليك بفروق القرافي\rولا تقبل منها إلا ما قبله ابن الشاط كما في ضوء الشموع للعلامة الأمير على شرحه على المجموع مع ما يفتح الله به علي مما تتم به الإفادة من جواب إشكال ترك جوابه أو زيادة رجاء من مفيض الإحسان أن يجعله سببا للعفو والغفران","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"وسميتها بتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ورتبته على مقدمة وعلى فروق تشتمل على نحو خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة موضحة بما يناسبها من الفروع ليزداد انشراح القلب لغيرها فتتم الفائدة وتلك الفروق منها ما هو واقع بين فرعين يحصل بيانه بذكر ما هو المقصود من قاعدة أو قاعدتين ومنها ما هو واقع بين قاعدتين مقصود تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما نظرا لكون تحقيقهما بذلك أولى بلا إباء من تحقيقهما بغير ذلك لدى النبلاء لأن لضده الثناء وبضدها تتميز الأشياء\rمقدمة في فائدتين\rالأولى اعلم أن الشريعة المعظمة المحمدية قد اشتملت على أصول قسمان أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة وخبرا لواحد وصفات المجتهدين كما في الأصل\rقلت وتوضيح ذلك أن الطرق التي منها تلقيت الأحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام وإن كانت ثلاثة لفظا وفعلا وإقرارا إلا أن غالب قواعد أصول الفقه إنما نشأت من طريق اللفظ لأن الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام أربعة أصناف ثلاثة متفق عليها الأول لفظ عام يحمل على عمومه أو خاص يحمل على خصوصه والثاني لفظ عام يراد به الخصوص والثالث لفظ خاص يراد به العموم وفي هذا يدخل التنبيه بالمساوي على المساوي وبالأعلى على الأدنى وبالأدنى على الأعلى كقوله تعالى فلا تقل لهما أف فقد فهم منه تحريم الضرب والشتم وما فوق ذلك","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"وهذه الأصناف الثلاثة إما أن تأتي بصيغة الأمر أو بصيغة الخبر يراد به الأمر فتستدعي الفعل وفي حمل هذا الاستدعاء على الوجوب إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالترك أو على الندب إن فهم منه الثواب على الفعل وانتفاء العقاب مع الترك أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما خلاف بين العلماء مذكور في كتب أصول الفقه وإما أن تأتي بصيغة النهي أو بصيغة الخبر يراد به النهي فتستدعي الترك وفي حمل هذا الاستدعاء على التحريم إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل أو على الكراهة إن فهم منه الحث على تركه من غير تعلق العقاب بفعله أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما خلاف كذلك\rوالأعيان التي يتعلق بها الحكم إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالنص\rولا خلاف في وجوب العمل به وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد وهذا إما أن تكون دلالته على تلك المعاني بالسواء وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل ولا خلاف في أنه لا يوجب حكما وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض ويسمى بالإضافة إلى البعض الأكثر ظاهرا وإلى البعض الأقل محتملا ويحمل على البعض الأكثر إذا ورد مطلقا ولا يحمل على البعض الأقل إلا بدليل فيعرض حينئذ خلاف الفقهاء في أقاويل الشارع من قبل ثلاثة معان من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم ومن قبل الاشتراك في الألف واللام المقرونة بجنس ذلك العين هل أريد بها الكل أو البعض ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي وصنف رابع مختلف فيه وهو أن يفهم من إيجاب الحكم لشيء ما نفى ذلك عما عدا ذلك الشيء ومن نفى الحكم لشيء ما إيجابه لما عدا ذلك الشيء الذي نفى عنه\r","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"وهو الذي يعرف بدليل الخطاب مثل قوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة فإن قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة أو نشأت مما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ أي جوازه وكونه ينقسم إلى أقسام أحدها نسخ الكتاب بالكتاب كحكم والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج بحكم والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا لتأخرها نزولا وإن تقدمت تلاوة وثانيها نسخ السنة بالسنة كحديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\rوثالثها السنة بالكتاب كحكم استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام ورابعها الكتاب بالسنة ولو آحادا على الصحيح خلافا لمن منعه إما لأن القطعي متن القرآن لا دلالته وإما لأنه لا مانع من نسخه بالآحاد وإن كانت دلالته قطعية كآية الاستقبال نعم الحق أنه لم يقع إلا بالسنة المتواترة كجواز الوصية للوالدين والأقربين بحديث لا وصية لوارث وينقسم أيضا إلى ما نسخت تلاوته وحكمه جميعا نحو عشر رضعات محرمات كان مما يتلى فنسخت بخمس معلومات وما نسخت تلاوته دون حكمه نحو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم كان مما يتلى فرجم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المحصنين وما نسخ حكمه دون تلاوته كآية والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا الآية نسخ بأربعة أشهر وعشرا\rوينقسم أيضا إلى النسخ إلى بدل كما في آيتي الأنفال وإلى غير بدل\r","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فإن وجوب تقديم الصدقة على الفقراء بما تيسر على مناجاته صلى الله تعالى عليه وسلم تقربا إلى الله تعالى ليطهره حتى يكون أهلا لمناجاته صلى الله تعالى عليه وسلم ونسخ بلا بدل لاستلزامه قلة الأسئلة فإن في السكوت رحمة كما ورد اتركوني ما تركتكم إن الله سكت عن أشياء رحمة لكم وقد شدد بنو إسرائيل في السؤال عن البقرة فشدد عليهم بضيق صفاتها حتى غلت\rوالحق أن هذا القسم لم يقع وفاقا للشافعي رضي الله تعالى عنه والبدل في هذه الآية الجواز المطلق الصادق بالإباحة والاستحباب ومما يعرض لها من الترجيح عند تعارض الأمور الخمسة التي تخل بالفهم اليقيني المنظومة مع إضافة النسخ إليها في قول بعضهم مرجحا التجوز على الإضمار على خلاف الأصح من استوائهما تجوز ثم إضمار وبعدهما نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه وأرجح الكل تخصيص وآخرها نسخ فما بعده قسم يخلفه ولو جرى على الأصح من استواء التجوز والإضمار لقال تجوز مثل إضمار وبعدهما إلخ ويتحصل في تعارضها عشر صور هي تعارض التخصيص والتجوز تعارض التخصيص والإضمار تعارض التخصيص والنقل تعارض التخصيص والاشتراك فيقدم التخصيص في هذه الأربع لأنه أولى تعارض التجوز والاشتراك تعارض الإضمار والاشتراك تعارض النقل والاشتراك فيقدم كل من التجوز والإضمار والنقل على الاشتراك في هذه الثلاث تعارض التجوز والإضمار تعارض التجوز والنقل تعارض الإضمار والنقل والأصح استواء التجوز والإضمار وتقديمهما على النقل في هذه الثلاث وأمثلتها تطلب من كتب الأصول\rوالفرق بين المنقول والمشترك مع تعدد المعنى والوضع في كل أن المشترك ما وضع لمعنييه مثلا على السواء بأن وضع لهذا كما وضع لذاك من غير اعتبار النقل من أحدهما إلى الآخر وفي جواز حمله عليهما عند الإطلاق فيسمى مشتركا مطلقا وعدم جوازه فلا يسمى مشتركا إلا بالنسبة إلى المعنيين مثلا\r","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"وأما بالنسبة إلى أحدهما فيسمى مجملا خلاف والمنقول ما لم يوضع لمعنييه مثلا على السواء بل وضع أولا لأحدهما ثم نقل إلى الآخر لمناسبة بينهما مع هجر المعنى الأول والمراد بالتجوز التجوز الاصطلاحي الذي هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له إلخ فلا يشمل الإضمار وجعل التخصيص مقابلا للتجوز لا نوعا منه مبني على ما اختاره تقي الدين السبكي من أن العام إذا خص يكون حقيقة في الباقي لا على قول الأكثر أنه يكون مجازا فيه وإنما تعرضوا\rلتعارض هذه الخمسة فقط لأنها من عوارض اللفظ دون النسخ فإنه من عوارض الحكم وأيضا قال العطار على محلي جمع الجوامع ولهم خمسة أخرى تخل بالفهم وهي النسخ والتقديم والتأخير وتغير الإعراب والتصريف والمعارض العقلي واقتصر الشارح كالمصنف على الخمسة الأولى لكثرة وقوعها ولقوة الظن مع انتفائها\rا ه ومما يعرض لها أيضا من كون المعاني المتداولة المتأدية من هذه الأصناف اللفظية إجمالا إما أمر بشيء فيكون للوجوب أو للندب على ما مر وإما نهي عن شيء فيكون للتحريم أو للكراهة على ما مر أيضا وإما تخيير فيه وهو المباح فأصناف الأحكام الشرعية المتلقاة من هذه الأصناف اللفظية خمسة ومن كون أسباب الاختلاف في تأدية هذه الأحكام من الأصناف اللفظية ستة أحدها تردد الألفاظ بين هذه الأصناف الأربعة أي كون اللفظ عاما يراد به الخاص أو خاصا يراد به العام أو عاما يراد به العام أو خاصا يراد به الخاص أو يكون له دليل الخطاب أو لا يكون له والثاني الاشتراك الحاصل إما في اللفظ المفرد كالقرء يطلق على الأطهار والحيض والأمر يحمل على الوجوب أو الندب والنهي يحمل على التحريم أو الكراهة\r","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"وأما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى إلا الذين تابوا يحتمل أن يعود على الفاسق فقط أو عليه وعلى الشاهد معا فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة لشهادة القاذف والثالث اختلاف الإعراب والرابع تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو على نوع من أنواع المجاز التي هي إما الحذف وإما الزيادة وإما التأخير وإما التقديم وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة والخامس إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة وتقييدها بالإيمان تارة والسادس التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض ومن كون هذه الصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط أي عن هذه القواعد التي طريقها اللفظ العربي خاصة إلا كون القياس حجة فيما سكت عنه الشارع من الأحكام كما للجمهور\rويشهد لثبوته دليل العقل وهو أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى فسقط قول أهل الظاهر القياس في الشرع باطل وما سكت عنه الشارع فلا حكم له وكون القياس الشرعي إلحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما فهو نوعان قياس شبه وقياس علة وكونه وإن شارك اللفظ الخاص يراد به العام في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به يفارقه من جهة أن الإلحاق فيه من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ وفي الخاص يراد به\rالعام من جهة دلالة اللفظ عليه وكون تعارضها في أنفسها وتعارضها مع الطرق الثلاث أعني معارضة القول أو الفعل أو الإقرار للقياس تكون سببا للاختلاف في تأدية هذه الأحكام من هذه الطرق الأربع\rوكون خبر الواحد لا يحتج به إلا إذا اشتهر بعمل عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الآحاد وبخاصة في المدينة كما هو المعلوم من مذهب مالك وبيان صفات المجتهدين\r","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"وأما طريقا الفعل والإقرارات فلا ينشأ من واحد منهما شيء من قواعد الأحكام المذكورة لأن البحث عن الفعل في كتب الأصول من حيث إنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ومن حيث الخلاف في نوع الحكم الذي يدل عليه الفعل هل الوجوب أو الندب والمختار عند المحققين أنه إن أتى بيانا لمجمل واجب دل على الوجوب أو لمجمل مندوب دل على الندب وإن لم يأت بيانا لمجمل فإن كان من جنس القربة دل على الندب أو من جنس المباحات دل على الإباحة\rوالبحث عن الإقرارات فيها من حيث إنها تدل على الجواز ومن حيث إن معارضة القول أو الفعل له كمعارضته للقياس ومعارضة القول للفعل تكون سببا للاختلاف في تأدية الأحكام من الطرق الأربع المذكورة لتلقيها عن النبي عليه الصلاة والسلام وأما الإجماع فلا يكون إلا مستندا لأحد هذه الطرق الأربع لأنه لو كان أصلا مستقلا لاقتضى إثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واللازم باطل ا ه ملخصا من بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وعبد السلام والأمير على الجوهرة ورسالة الصبان البيانية والأنبابي عليها\rوالقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه لكل قاعدة من الفروع ما لا يحصى ولم يذكر شيء منها في أصول الفقه على سبيل التفصيل وإنما أتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال وقد وضع المحققون لتفصيله كتب القواعد مهتمين بتحصيله اهتمامهم بتحصيل الأصول بل هذه القواعد مهمة عظيمة النفع في الفقه بقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويظهر رونق الفقه بلا تمويه وتتضح مناهج الفتاوى وتنكشف ويحوز قصب السبق من بالبراعة فيها يتصف نعم في حاشية الرهوني على شرح عبق على خليل أن صاحب الديباج عند ترجمة ابن بشير بن الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد قال ما نصه وكان رحمه الله يستنبط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه\r","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"وعلى هذا مشى في كتابة التنبيه وهي طريقة نبه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد على أنها غير مخلصة والفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصلية ا ه بلفظه فتنبه\rالفائدة الثانية الغالب استعمال العرب فرق بالتخفيف في المعاني وفرق بالتشديد في الأجسام نظرا لكون كثرة الحروف عندهم تقتضي كثرة المعنى أو زيادته أو قوته غالبا والمعاني لطيفة يناسبها التخفيف والأجسام كثيفة يناسبها التشديد فمن الغالب قوله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وقوله تعالى فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وقوله تعالى تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ولا تكاد تسمع من الفقهاء إلا قولهم ما الفارق بين المسألتين ولا يقولون ما المفرق بينهما بالتشديد ومن غير الغالب قوله تعالى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين وقوله تعالى وإذ فرقنا بكم البحر فخفف في الأجسام وكثيرا ما يقول الفقهاء في الأفعال دون اسم الفاعل فرق لي بين المسألتين ولا يقولون أفرق لي بينهما ويقولون بأي شيء نفرق بينهما بالتشديد ولا يقولون بأي شيء نفرق بينهما بالتخفيف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الأول بين الشهادة والرواية ببيان معناهما أما لغة فالشهادة مصدر شهد ولشهد في لسان العرب ثلاثة معان أحدها حضر يقال شهد بدرا وشهدنا صلاة العيد قال أبو علي معنى قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه من حضر\r","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"منكم المصر في الشهر فليصمه أو من حضر منكم الشهر في المصر فليصمه فإن الصوم لا يلزم المسافر فالمقصود إنما هو المقيم الحاضر وثانيها أخبر يقال شهد عند الحاكم أي أخبر فيما يعتقده في حق المشهود له وعليه وثالثها علم قال الله تعالى والله على كل شيء شهيد أي عليم ووقع التردد لبعض العلماء في كون شهد في قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم بمعنى علم لأن الله يعلم ذلك أو بمعنى أخبر لأن الله تعالى أخبر عباده عن ذلك فهو محتمل للأمرين والرواية مصدر روى بمعنى حمل وتحمل فراوي الحديث حمله وتحمله عن شيخه فلذا قال بعض أهل اللغة إن إطلاق الراوية على المزادة التي يحمل فيها الماء على الجمل مجاز مرسل لعلاقة المجاورة لأن الراوية بهاء المبالغة اسم في أصل اللغة للبعير الذي كثر حمل الماء عليه ففي المصباح روى البعير الماء يرويه من باب رمى حمله فهو راوية الهاء فيه للمبالغة ثم أطلقت الراوية على كل دابة يستقى الماء عليها ا ه\rوهذا هو الموافق لكون راوية إنما يأتي من الثلاثي قلت وفي حاشية الأنبابي على بيانية الصبان ومفاد قول ابن سيده الراوية المزاد فيها الماء ويسمى البعير راوية على تسمية الشيء باسم الشيء لقربه منه ا ه\rإن الراوية حقيقة في المزادة مجاز في البعير لعلاقة المجاورة فهو من باب أروى\rالرباعي شذوذا إذ قياس اسم الفاعل من أروى مرو لا راوية وظاهر صنيع صاحب القاموس أنها حقيقة فيهما حيث قال الراوية المزادة فيها الماء والبعير والبغل والحمار يستسقى عليه الماء ا ه\rنعم من اصطلاحاته أنه لا يفرق بين الحقيقة والمجاز فلعل أقوال أهل اللغة فيها ثلاثة كما يشعر به كلام ابن الطيب في حواشي القاموس\r","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"وأما اصطلاحا ففي شرح البرهان للمازري ما يفيد أن الشهادة خبر خاص قصد به ترتيب فصل القضاء عليه كقول العدل عند الحاكم لهذا عند هذا دينار والرواية خبر عام قصد به تعريف دليل حكم شرعي كقوله عليه الصلاة والسلام إنما الأعمال بالنيات والشفعة فيما لا يقسم فلا يسمى في عرف الفقهاء والأصوليين قول المخبر لزيد قبل عمرو دينار غير قاصد به أن يترتب فصل قضاء عليه شهادة ولا هو شاهد على جهة الحقيقة بل يسمى خبرا وقائله مخبرا\rوكذلك المخبر عن الأمور الواقعة لا يسمى شاهدا كما لا يسمى في عرفهم راويا على جهة الحقيقة وإن سمي كما في الأقاصيص ونحوها فهو مجاز من جهة أنه لا يشترطون فيه من صفات الرواية ما يشترطون في رواة تعريف أدلة الأحكام والشهادة بالوقف على الفقراء والمساكين إلى يوم القيامة والنسب المتفرع بين الأنساب إلى يوم القيامة ونحوهما من النظائر إنما جاء العموم فيها بطريق العرض\rوالتبع المقصود بالذات فيها جزئي هو\r","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"في الوقف الواقف وإثبات ذلك عليه وليس من لوازم الوقف أن يكون في الموقوف عليه عموما إذ قد يكون الوقف على معين كعلى ولده أو على زيد ثم من بعده لغيره فالعموم أمر عارضي ليس متقررا شرعا في أصل هذا وهو في النسب الإلحاق بالشخص المعين أو استحقاق الميراث للشخص المعين ثم تفرعه بعد ذلك إنما هو من الأحكام الشرعية التابعة للمقصود بالشهادة كما أن الشهادة إذا وقعت بأن هذا رقيق لزيد قبل فيه الشاهد واليمين وإن تبع ذلك لزوم القيمة لمن قتله دون الدية وسقوط العبادات عنه واستحقاق أكسابه للسيد مع أن الشاهد لم يقصد سقوط العبادات عنه وليس سقوطها مما تدخل فيه الشهادة فضلا عن الشاهد واليمين وكذلك الشهادة بتزويج زيد المرأة المعينة شهادة بحكم جزئي على المرأة لزوجها المشهود له وهو جزئي وإن تبع ذلك تحريمها على غيره وإباحة وطئها له مع أن التحريم والإباحة شأنها الرواية دون الشهادة على غير ذلك من النظائر وبالجملة فالخبر إما أن يقصد به أن يترتب عليه فصل قضاء وإلزام حكم وإمضاء أو لا فإن قصد به ذلك فهو الشهادة وإن لم يقصد به ذلك فإما أن يقصد به تعريف دليل حكم شرعي أو لا فإن قصد به ذلك فهو الرواية وإلا فهو سائر أنواع الخبر ولا حاجة بنا إلى بيان تفاصيلها لأن المقصود إنما هو بيان ما يجوز في اصطلاح الفقهاء والأصوليين واعتباراتهم\rقلت وقد اشترطوا في الشهادة دون الرواية العدد والذكورية والحرية وجعلوا العدالة المتضمنة الإسلام والعقل والبلوغ شرطا فيهما\rقال التسولي في شرحه على العاصمية ولا يخفى أن العدالة تتضمن الإسلام والعقل والبلوغ إذ كل عدل مطلقا كان عدل رواية أو شهادة لا بد فيه منها وقت الأداء والإخبار ا ه\r","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"وقبول شهادة الصبيان وكذا رواية الكافر والصبي كما سيأتي عن ابن القصار عن مالك على خلاف الأصل لإلجاء الضرورة إلى ذلك من جهة لزوم المشقة على تقدير عدم التجويز والقواعد يستثنى منها محال الضرورات كما سيأتي على أنه يندر الخلو عن قرائن تحصل الظن فافهم\rوالمناسبة في اشتراط العدد في الشهادة دون الرواية من جهة أن إلزام المعين وهو الغالب في الشهادة تتوقع فيه عداوة باطنية لم يطلع عليها الحاكم فينبعث العدو على إلزام عدوه ما لم يكن لازما له فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر إبعادا لهذا الاحتمال فإذا اتفقا في المقال قرب الصدق جدا بخلاف الواحد والرواية من حيث عموم مقتضاها غالبا يكفي فيها الواحد إذ لا يتهم أحد في عداوة جميع الخلق إلى يوم القيامة فلا يحتاج إلى الاستظهار بالغير فباب الرواية بعيد عن التهم جدا ألا ترى أن العبد العدل إذا روى حديثا يتضمن عتقه أنه تقبل روايته فيه وإن تضمنت نفعه نظرا لكون العموم موجبا\rلعدم التهمة في الخصوص مع وازع العدالة كما رآه بعض مشايخ القرافي المعتبرين منقولا\rوالمناسبة في اشتراط الذكورية في الشهادة دون الرواية من وجهين أحدهما أن إلزام المعين سلطان وغلبة وقهر واستيلاء تأباه النفوس الأبية وتمنعه الحمية وهو من النساء أشد نكاية لنقصانهن فإن استيلاء الناقص أشد في ضرر الاستيلاء فخفف ذلك عن النفوس بدفع الأنوثة وقبول شهادة الأنثى في الأموال وفي المواطن التي يتعذر فيها اطلاع الرجال إنما كان لإلجاء الضرورة إلى ذلك والقواعد يستثنى منها محال الضرورات ثم إن الشرع جعل المرأة كالرجل في محل تعذر اطلاعه الإطلاقي وجعلها مثله بشرط الاستظهار بأخرى في محل تعذر اطلاعه الاتفاقي لأن إذعان النفوس بمقتضى الضرورات الإطلاقية أشد من إذعانها بمقتضى الضرورات الاتفاقية والله أعلم\r","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"الثاني أن الشهادة من حيث خصوص مقتضاها والنساء ناقصات عقل ودين ناسب أن لا ينصبن نصبا عاما في مواردها لئلا يعم ضررهن بالنسيان والغلط بخلاف مقتضى الرواية فإنه عام والأمور العامة تتأسى فيها النفوس ويتسلى بعضها ببعض فيخف الألم وأيضا قد مر أنه لا يتهم أحد في عداوة جميع الخلق إلى يوم القيامة فافهم\rوالمناسبة في اشتراط الحرية في الشهادة دون الرواية من وجهين أيضا\rأحدهما أن النفوس الأبية تأبى قهرها بالعبيد الأدنى كما تأباه بالنساء بل أولى ويخف ذلك عليها بالأحرار وسراة الناس\rالثاني أن في العبد تحقق العداوة بسبب ما فاته من الحرية والاستقلال بالكسب والمنافع وليس في الحر إلا مجرد احتمال العداوة فربما بعث العبد رقه الموجب للضغائن والأحقاد بسبب ما ذكر على الكذب على المعين وإذايته وذلك لعموم الخلائق يبعد القصد إليه في مجاري العادات هذا وقد علمت مما مر أن الخبر ثلاثة أقسام أحدها رواية محضة كالأحاديث النبوية ومنه الخبر المفتي لأنه ناقل عن الله تعالى لخلقه كالراوي للسنة ولأنه وارث للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يكفي فيه وحده فكذلك وارثه فلذا لم يعلم خلاف في أنه يكفي فيه الواحد وظاهر كلام الأصحاب في الساعي أنه يكفي فيه الواحد أيضا لكونه في معنى الحاكم\rوالثاني شهادة محضة كإخبار الشهود عن الحقوق على المعينين عند الحاكم والثالث سائر أنواع الخبر لكن المقصود من هذا هنا ما اختلف الفقهاء والأصوليون في إعطائه حكم الشهادة من اشتراط العدد أو حكم الرواية من الاكتفاء بالواحد نظرا لما فيه من شبه كل منهما باعتبارين\r","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وله صور أحدها القائف في إثبات الأنساب بالخلق قيل له حكم الرواية في الاكتفاء بالواحد لما فيه من شبهها من جهة أنه منتصب انتصابا عاما للناس أجمعين وأنه يختص بقبيلة معينة وهم بنو مدلج فينصب الحاكم منهم من يراه أهلا لذلك ودخول نصب الحاكم لذلك واجتهاده وتوسط نظره يبعد احتمال العداوة ويخفف الضغينة في قلب المحكوم عليه ولا يخفى أنه ضعيف لأنه مشترك بينه وبين الشاهد فإنه منتصب لكل من يتعين عليه شهادة يؤديها عند الحاكم ولأنه قد يقبل قوله من غير نصب الإمام لذلك الشخص كما قبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول مجزز المدلجي في نسب أسامة بن زيد ولم ينقل لنا أنه نصبه لذلك ولو وجد من الناس أو من القبائل من يودعه الله تعالى تلك الخاصية التي أودعها في بني مدلج لقبل قوله أيضا والصحيح بلا خفاء القول بأنه من نوع الشهادة يشترط فيه العدد لأنه يخبر أن زيدا ابن عمرو وليس ابن خالد وهو حكم جزئي على شخص معين لا يتعداه إلى غيره ويتطرق إليه من الاحتمال الموجب للعداوة ما يتطرق في فصل القضاء الدنيوي\rوثانيها المترجم للفتاوى والخطوط قال مالك يكفي الواحد قيل لأن فيه شبه الرواية من جهة أنه نصب نصبا عاما للناس أجمعين لا يختص نصبه بمعين وأن ترجمة ما ذكر إنما تكون بنصب الحاكم\rمن يراه أهلا لذلك إلى آخر ما مر في القائف وقد علمت ضعفه\rوقال بعض الأصحاب لا بد فيه من اثنين لأن فيه شبه الشهادة من جهة أنه يخبر عن معين من الفتاوى والخطوط لا يتعدى إخباره ذلك الخط المعين أو الكلام المعين ولا خفاء في ضعف هذا الشبه أيضا والصحيح فيه التفصيل وهو أن الترجمة تابعة لما هي ترجمة عنه فإن كان من نوع الرواية فحكمه حكمها وإن كان من نوع الشهادة فكذلك وثالثها المقوم للسلع وأروش الجنايات والسرقات والغصوب وغيرها\r","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"قال مالك يكفي الواحد في التقويم إلا أن يتعلق بالقيم حد كالسرقة فلا بد من اثنين قيل لما فيه من شبه الرواية لأنه متصد لما لا يتناهى كما تقدم في المترجم والقائف وقد قدمنا تضعيفه ومن شبه الحكم لأن حكمه ينفذ في القيمة والحاكم ينفذه وهو وإن كان أظهر من شبه الرواية إلا أنه ضعيف أيضا ولما فيه من شبه الشهادة لأنه إلزام لمعين وهو ظاهر فيراعى فيه شبها الرواية والحكم ما لا يتعلق بإخباره حد فيتعين مراعاة الشهادة لقوة ما يفضي إليه هذا الإخبار وينبني عليه من إباحة عضو آدمي معصوم وروي ولا بد في التقويم من اثنين في كل موضع وذلك لأنه من نوع الشهادة على الصحيح لترتب فصل القضاء بإلزام ذلك القدر المعين من العوض عليه والله أعلم\rورابعها القاسم قال مالك يكفي الواحد والأحسن اثنان وقال أبو إسحاق التونسي لا بد من اثنين ومثله قول ابن القاسم لا يقبل قول القاسم لأنه شاهد وللشافعية في ذلك قولان ومنشأ ذلك حصول شبه الحكم لأن الحاكم استنابه في ذلك فيكفي الواحد وهو المشهور عندنا وعند الشافعية أيضا أو شبه التقويم قد تقدم أن تقويم المقوم من نوع الشهادة على الصحيح وعليه فيشترط العدد وفي معنى القاسم الخارص وإن أطلق الأصحاب القول بأنه يكفي فيه الواحد\rوخامسها مخبر المصلي بعدد ما صلى هل يكتفى فيه بالواحد أم لا بد فيه من اثنين والأظهر الأول لأنه من سائر أنواع الخبر وشبهه بالرواية ظاهر نعم يمكن أن يقال ليس للمكلف أن يخرج عن عهدة ما كلف به إلا بتعيين فلا يكفي الواحد إلا مع قرائن توجب القطع وكذلك في الاثنين فما فوقهما لكن نقول طلب اليقين في كل موطن مما يشق ويحرج والحرج مرفوع شرعا وفي ذلك نظر وفي معنى مخبر المصلي المخبر عن نجاسة الماء وإن أطلق الأصحاب أنه يكفي فيه الواحد فافهم\r","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"وسادسها الإخبار عن رؤية هلال رمضان قيل له حكم الشهادة فيشترط فيه اثنان لما فيه من شبهها من جهة أنه حكم يختص بهذا العام دون ما قبله وما بعده وبهذا القرن من الناس دون القرون الماضية\rوالآتية والذي يقوى في النظر أن له حكم الرواية في الاكتفاء بالواحد لأنه وإن لم يكن رواية حقيقية لعدم تعريف دليل حكم شرعي به ولا شهادة حقيقة لعدم ترتب حكم وفصل قضاء عليه وإنما هو نوع آخر من أنواع الخبر وهو الخبر عن وجود سبب من أسباب الأحكام الشرعية إلا أنه لا خفاء في أنه لا يتطرق إليه من الاحتمال الموجب للعداوة ما يتطرق في فصل القضاء الدنيوي مع عدم الاختصاص بمعين لعموم الحكم فيه جميع الحضر أو أهل الآفاق على الخلاف في أنه هل يشترط في كل قوم رؤيتهم أو لا\rوسابعها المؤذن يخبر عن الوقت والملاح ومن صناعته في الصحراء يخبر كل منهما عن القبلة هل يكفي في ذلك واحد عدل أو لا بد من اثنين\rوالأول هو الأصح نقلا ونظرا لأنه ظاهر المذهب ولأن الخبر عن الوقت وعن القبلة وإن كان خبرا عن وقوع سبب الصلاة إلا أنه لا يتطرق إليه من احتمال قصد العدو إلزام عدوه ما لا يلزمه والتشفي منه بذلك ما يتطرق إلى خبر المخبر عن وقوع سبب الملك من البيع والهبة وغيرهما حتى يكون في معنى الشهادة لا يقبل فيه إلا اثنان لا يقال قد يفرق بين المؤذن والمخبر عن القبلة بأن الثاني مخبر بحكم متأبد فإن نصب جهة الكعبة المعظمة قياما للناس أمر عام في جميع الأعصار والأمصار لا يختلف بخلاف المؤذن لا يتعدى حكمه وإخباره ذلك الوقت فيكون الأول أشبه بالرواية من الثاني لأنا نقول لا يصلح ما ذكر فارقا بل الحق أن كل واحد منهما لا يخلو إما أن\r","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"يخبر عن مشاهدة أو اجتهاد فإن أخبر عن مشاهدة فلا فرق وإن أخبر عن اجتهاد فالفرق في ذلك مبني على جواز تقليد المجتهد في الوقت وفي القبلة أو عدم جوازه فيهما أو جوازه في أحدهما دون الآخر والأصح نقلا ونظرا جوازه فيهما وهنا إشكالان على المالكية أحدهما الإجماع على اختصاص أوقات الصلاة بأقطارها ولم يجعل المالكية والحنفية والحنابلة لكل قوم رؤيتهم هلال رمضان كما قاله الشافعية بل عمموا رؤيته في قطر جميع أهل الأرض مع أن الجميع يختلف باختلاف الأقطار عند علماء هذا الشأن فقد يطلع الهلال في بلد دون غيره بسبب البعد عن المشرق والقرب منه فإن البلد الأقرب إلى المشرق هو بصدد أن لا يرى فيه الهلال ويرى في البلد الغربي بسبب مزيد السير الموجب لتخلص الهلال من شعاع الشمس وذلك أن البلد المشرقية إذا كان الهلال فيها في الشعاع وبقيت الشمس تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلال من الشعاع فيراه أهل المغرب ولا يراه أهل المشرق هذا أحد أسباب اختلاف رؤية الهلال وله\rأسباب أخر مذكورة في علم الهيئة لا يليق ذكرها هنا ولهذا ما من زوال لقوم إلا وهو غروب لقوم وطلوع لقوم ونصف الليل لقوم وكل درجة تكون الشمس فيها فهي متضمنة لجميع أوقات الليل والنهار لأقطار مختلفة فإذا قاست الشافعية الهلال على أوقات الصلاة اتجه القياس وعسر الفرق على المالكية والحنفية والحنابلة ولا ينفع في دفعه أن الأذان عدل به عن صيغة الخبر إلى صيغة العلامة على الوقت فكما كفى ميل واحد للظل وزيادة واحدة له وآلة واحدة من آلات الأوقات كالاصطرلاب والميزان لأن ذلك علامة مفيدة كذلك الأذان يكفي فيه الواحد لأنه علامة لوجهين أحدهما أن دلالة ميل الظل وزيادته على دخول الوقت قطعية ودلالة الأذان غير قطعية ولا خفاء في أن ما دلالته قطعية لا حاجة فيه إلى الاستظهار بخلاف ما دلالته غير قطعية\r","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"وثانيهما أن دلالة الأذان بجملته دلالة عرفية شرعية بالمطابقة لأنه لذلك وضعه الشارع مع أن كل جزء من أجزائه دال على مقتضاه دلالة لغوية بالمطابقة أيضا ومعنى حي على الصلاة وكذا حي على الفلاح في اللغة بالمطابقة أقبلوا إليها وهو يدل التزاما على دخول وقتها فيكون تقليد المؤذن في دخول الوقت إذا أذن كتقليده على ظاهر المذهب وصحيح النظر إذا قال لنا من غير أذان طلع الفجر وهو خبر صرف فافهم نعم قال ابن الشاط لقائل أن يقول إنما ثبت في ظاهر المذهب وصحيح النظر تقليد المؤذن في دخول\rالوقت إذا أذن أما إذا أخبر بدخوله من غير أذان فالصحيح عندي ههنا أن لا تقليد لأن الشرع نصب دليلا معينا فلا يتعدى ما نصب ا ه\r","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"فتأمل قلت لكن يؤخذ دفع هذا الإشكال من قول العلامة ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد وإذا قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد بأن يجب على أهل بلد لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر وهو ما رواه ابن القاسم والمصريون عن مالك أم لكل بلد رؤية إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك وهو ما رواه المدنيون عنه وبه قال ابن الماجشون والمغيرة من أصحاب مالك وأجمعوا على أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس والحجاز وسبب هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر فروى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام فقال قدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت رأيته ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية قال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية فقال لا هكذا أمرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فظاهر هذا الأثر يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية كالأندلس والحجاز لا يجب أن يحمل بعضها على بعض لاختلاف مطالعها اختلافا كثيرا وبخاصة ما كان نأيه\rالعرض كثيرا وبين القريبة يجب أن يحمل بعضها على بعض لأنها في قياس الأفق الواحد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف\r","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"ا ه بتلخيص وتصرف وذلك أنه يفيد أن المالكية لم يعمموا رؤية الهلال في قطر جميع أهل الأرض كما زعم المعترض بل أجمعوا على أن رؤيته في قطر كالحجاز لا توجب حكما على من لم يره بقطر ناء عن الحجاز كالأندلس لاختلاف المطلعين اختلافا كثيرا بحيث يكون الغروب في الحجاز زوالا في الأندلس أو نحو ذلك وإنما روى ابن القاسم والمصريون عن مالك وجوب الحكم برؤيته في الحجاز على من لم يره بقطر غير ناء كالمدينة ومصر بحيث لا يخالف مطلعه مطلع الحجاز كثيرا بل بنحو الدرجة والدرجتين وعدم اعتبار هذا الاختلاف اليسير في وجوب الصوم واعتباره في وجوب الصلاة نظرا لكون اعتباره في وجوب الصلاة يؤدي للصلاة قبل الوقت بخلافه في وجوب الصوم فتأمل بإنصاف بل قد استدل السادة الحنابلة على قولهم بأن رؤية الهلال بمكان قريبا كان أو بعيدا إذا ثبتت لزم الناس كلهم الصوم وأن حكم من لم يره حكم من رآه ولو اختلفت المطالع نصا قال أحمد الزوال في الدنيا واحد بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم صوموا لرؤيته وهو خطاب للأمة كافة وبأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين\rوقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام فكذا الصوم ولو فرض الخطاب في الخبر للذين رأوه فالغرض\rحاصل لأن من صور المسألة وفوائدها ما إذا رآه جماعة ببلد ثم سافروا إلى بلد بعيد فلم ير الهلال به في آخر الشهر مع غيم أو صحو فلا يحل لهم الفطر ولا لأهل ذلك البلد عن المخالف وعن صورها ما إذا رآه جماعة ثم سارت بهم ريح في سفينة فوصلوا إلى بلد بعيد في آخر الليل لم يلزمهم الصوم في أول الشهر ولم يحل لهم الفطر في آخره عندهم وهذا كله مصادم لقوله عليه الصلاة والسلام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأجابوا عن خبر كريب المذكور بأنه دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به وإنما الخلاف في وجوب قضاء اليوم الأول وليس هو في الحديث قالوا\r","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"وأجاب القاضي عن قول المخالف الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها وقد ثبت أن لكل بلد حكم نفسه فكذا الهلال بأن الشمس تتكرر مراعاتها في كل يوم فيؤدي قضاء العبادات إلى كبير المشقة والهلال في السنة مرة فليس في قضاء يوم كبير مشقة ودليل المسألة من العموم يقتضي التسوية كذا في كشاف القناع شرح الإقناع مع المتن بتصرف والله أعلم\rالإشكال الثاني التفرقة بين المؤذن يقبل فيه الواحد وبين المخبر عن هلال رمضان لا يقبل فيه الواحد مع أن المخبر عن رؤية الهلال على قاعدة المالكية من عموم رؤيته في قطر جميع أهل الأرض خبره أشبه بالرواية من المؤذن فكان ينبغي أن يقبل الواحد قياسا على المؤذن بطريق الأولى ولا ينفع في دفعه أن المعاني\rالكلية قد يستثنى منها بعض أفرادها بالسمع\rوقد ورد الحديث الصحيح بقوله عليه الصلاة والسلام إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا فاشترط عدلين في وجوب الصوم ومع تصريح صاحب الشرع باشتراط عدلين لا يلزمنا بالعدل الواحد شيء ولا يسمع الاستدلال بالمناسبات في إبطال النصوص الصريحة لأنا لا نسلم أن الحديث المذكور يدل بمنطوقه على اشتراط العدلين في وجوب الصوم إنما يدل بمفهومه فإن منطوقه أن الشاهدين يجب عندهما ما ذكر ومفهومه من جهة الشرط أن أحدهما لا يكفي والقياس الجلي مقدم على منطوق اللفظ في أحد القولين لمالك وغيره من العلماء فينبغي أن يقدم على المفهوم قولا واحدا لأن القاضي أبا بكر وغيره يقول المفهوم ليس بحجة مطلقا وهو ضعيف جدا فلا يندفع به القياس الجلي وثامنها المخبر عن قدم العيب أو حدوثه في السلع عند التحاكم في الرد بالعيب أطلق الأصحاب القول فيه أنه شهادة وأنه يشترط فيه العدد لأنه حكم جزئي على شخص لشخص معين وهو متجه إلا أنه يعكر على قولهم أنه إذا لم يوجد المسلمون قبل فيه أهل الذمة من الأطباء ونحوهم قاله القاضي أبو الوليد وغيره ونص خليل وقبل للتعذر غير عدول وإن مشركين ا ه\r","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"قالوا ويكفي الواحد لأن هذا طريقه الخبر فيما ينفردون بعلمه إذ كيف يصرحون بالشهادة مع قبول الكفرة فيها والكفار لا مدخل لهم فيها على أصولنا خلافا لأبي حنيفة في الوصية في السفر وشهادة بعضهم على بعض بل لا مدخل لهم في الرواية أيضا ولا\rنسلم حصول العذر بقولهم إن هذا أمر ينفردون بعلمه فإن هؤلاء الكفار يعلمون هذه الأمراض مع إمكان مشاركة غيرهم معهم في العلم بذلك كما أن كل شاهد إنما يخبر عما علمه مع إمكان مشاركة غيره له فيه فتأمل ذلك\rوتاسعها خبر المخبر في الهدية والاستئذان وإن تعلق بجزئي في الهدية والإذن والمهدي والآذن والمهدى إليه والمأذون له إلا أنه في معنى الرواية لا الشهادة لأنه لا يقصد به فصل قضاء وإنما جوز فيه مالك ما لا يجوز في الرواية من قبول خبر الصبي والكافر في قول ابن القصار قال مالك يجوز تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان لإلجاء الضرورة إلى ذلك من جهة لزوم المشقة على تقدير عدم التجويز إذ لو كان أحدنا لا يدخل بيت صديقه حتى يأتي بعدل يشهد له بإذنه له في ذلك أو لا يبعث بهديته إلا مع عدل لشق ذلك على الناس مع ندور الخلو عن قرائن تحصيل الظن والقواعد يستثنى منها محال الضرورات كما مر غير مرة وعاشرها خبر المخبر في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس وإن كان إخبارا عن تعيين مباح جزئي إلا أنه في معنى الرواية لا الشهادة لأنه لا يقصد به فصل قضاء فمن هنا نقل ابن حزم في مراتب الإجماع له إجماع الأمة على قبول قول المرأة الواحدة فيه\rقلت والظاهر قبول خبر الصبي والكافر فيه أيضا لإلجاء ضرورات الناس إلى تجويز ذلك مع ما اجتمع في هذه الضرورة من قرائن الأحوال من اجتماع الأهل والأقارب وندرة التدليس والغلط في مثل هذا مع شهرته وعدم المسامحة فيه كما تقدم الاستئذان والهدية\r","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"وحادي عشرها خبر القصاب في الذكاة هو في معنى الرواية لأنه لا يقصد به فصل قضاء وإنما جوز فيه مالك قبول خبر الكتابي في قول ابن القصار قال مالك يقبل قول القصاب في الذكاة ذكرا كان أو أنثى مسلما أو كتابيا ومن مثله يذبح ا ه لإلجاء الضرورة إلى ذلك للزوم المشقة عند عدم التجويز مع ندور الخلو عن القرائن المحصلة للظن كما سبق في\rالمسألتين قبلها فليس المقصود من هذه المسألة ترك القصاب وما يدعيه بالنسبة إلى ملك ما تحت يده حتى تكون من قبيل قاعدة إن كل أحد مؤتمن على ما يدعيه فإذا قال الكافر هذا مالي أو هذا العبد رقيق لي صدق في ذلك كله كما أن المسلم إذا قال هذا ملكي أو هذه أمتي لم نعده راويا لحكم شرعي وإلا لاشترطنا فيه العدالة ولا شاهدا بل نقبله منه وإن كان أفسق الناس بل المقصود منها هل يستباح أكلها بناء على خبر القصاب بتذكيتها أم لا فافهم قلت ومن قبيل قول القصاب في الذكاة قول القبطان ونحوه بالوابور في محاذاة الحجاج للميقات الشرعي فيجب عليهم الإحرام بقوله ولو كافرا عند تعذر غيره لإلجاء الضرورة إلى ذلك إلخ وإن لم أر من نص عليه بخصوصه فانظره وثاني عشرها الخبر بكون الأرض عنوة أو صلحا فيترتب على ذلك أحكام الصلح أو أحكام العنوة من كونها طلقا إلى يوم القيامة أو وقفا إلى يوم القيامة كما قاله مالك الظاهر أن فيه شبه الرواية لا شبه الشهادة لأنه من جنس الخبر عن وقوع سبب من أسباب الأحكام الشرعية فيكفي فيه الواحد\rقال شهاب الدين\rمسألة أخبرني بعض شيوخي إلخ\rقلت ما ذكره في المسألة من تنبيهها على أن باب الرواية تبعد عنه التهم صحيح\rتتمة في مهمين\rالمهم الأول إذا تعارضت البينات في الشهادة ففي قبول الترجيح بالعدالة مطلقا ثالثها في أحكام الأموال خاصة وهو المشهور أقوال لأصحابنا وغيرهم من العلماء ولا ترجيح بكثرة العدد على المشهور\r","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"والفرق أن العدد ليس بابه منسدا فيقدر الخصم أن يأتي بمن يشهد له ولو بالزور والحاكم لا يعلم ذلك فلو رجحنا بكثرة العدد لطال النزاع وانتشر الشغب وبطل مقصود الشارع بشرع الحكومات من درء\rالخصومات ورفع المظالم والمنازعات إذ يمكن للخصم حينئذ أن يقول أنا أزيد في عدد بينتي فنمهله حتى يأتي بعدد آخر فإذا أتى به قال خصمه أنا أزيد في العدد الأول فنمهله حتى يأتي بعدد آخر أيضا وهكذا والأعدلية لا تستفاد إلا من الحاكم فلا تسلط للخصم على زيادته فانسد الباب ولم تنتشر الخصومات ولم يطل زمانها\rالمهم الثاني كما أن كلا من الشهادة والرواية خبر مقيد بما ذكرنا كذلك الدعوى خبر عن حق يتعلق بالمخبر على غيره والإقرار خبر عن حق يتعلق بالمخبر ويضر به وحده عكس الدعوى الضارة لغيره ولذلك لا نعتبر من الإقرار المركب من إضرار المخبر وإضرار غيره كإقراره بأن عبده وعبد غيره حران إلا الوجه الأول ونسقط منه الوجه الثاني والنتيجة خبر ينشأ عن دليل وقبل أن ينشأ عنه يسمى مطلوبا والمقدمة خبر هو جزء دليل والتصديق هو القدر المشترك بين هذه الصور كلها وكان يمكن أن يسمى تكذيبا كما يسمى تصديقا لأنه يقال لقائله صدقت أو كذبت إلا أنه سمي بأحسن عارضيه لفظا والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني بين قاعدتي الإنشاء والخبر\rالذي هو جنس الشهادة والرواية والدعوى وما ذكر معها أما الخبر فمجاز في الإشارات الحالية والدلائل المعنوية كما في قولهم عيناك تخبرني بكذا والغراب يخبر بكذا وحقيقته قول يلزمه الصدق أو الكذب\rقلت قال الآمدي والأشبه أن القول في اللغة حقيقة في الصيغة كقولك قام زيد وقعد عمر ولتبادرها إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة والصدق والكذب معلوم لنا بالضرورة فلا يفتقر إلى الخبر على أن الصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للخارجية\r","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"والكذب عدمها وليس الصدق الخبر المطابق للواقع ولا الكذب الخبر الغير المطابق له حتى يلزم الدور والحكم في الحد المذكور بلزوم الخبر لأحد هذين الأمرين من غير تعيين جازم لا تردد فيه وهو المأخوذ في التحديد وإنما التردد في اتصاف الخبر بلزوم أحدهما عينا وهو غير داخل في الحد فافهم ا ه\rبتصرف وزيادة فالقول جنس قريب يشمل القول التام وهو ما يفيد المخاطب فائدة يحسن السكوت عليها خبرا كان أو إنشاء والناقص وهو ما لم يفد ذلك إضافيا كان كغلام زيد أو تقييديا كالحيوان الصاهل أو لا ولا كمجموع المتعاطفين وقيد يلزمه الصدق أو الكذب فصل يخرج القول الناقص والإنشاءات نعم الظاهر احتياج الحد\rالمذكور لزيادة قيد لذاته ليخرج ما يلزمه الصدق أو الكذب لا لذاته بل للازمه نحو غلام زيد المستلزم لذاته خبرا وهو زيد له غلام ونحو اسقني الماء المستلزم لذاته خبرا وهو أنا طالب للماء أو المخاطب مطلوب منه الماء أو الماء مطلوب وكذا ما لا يلزمه صدق ولا كذب بالنظر لعدم قصد المتكلم به إخبار أحد كصيغة الحمد لله إذا جعلت باقية على خبريتها ولم يقصد بها إلا تحصيل الحمد كبقية صيغ الأذكار والتنزيهات فلا يرد حينئذ ما نقله ياسين في حواشي الصغرى عن العلامة علاء الدين النجاري من أن الجمل الخبرية لا يلزمها الإخبار أي احتمال الصدق والكذب بل قد تكون للتحسر والتحزن كما في حاشية العطار على محلي جمع الجوامع فافهم وأما الإنشاء ففي اللغة الخلق والابتداء ووضع الحديث ففي المصباح أنشأه الله خلقه وأنشأ يفعل كذا أي ابتدأ وفلان ينشئ الأحاديث أي يصفها\rا ه المراد وفي الاصطلاح قول بحيث يوجب به مدلوله في نفس الأمر إذا صدر قصدا ممن هو أهل لذلك\rفالقول جنس قريب وقيد بحيث يوجب به مدلوله فصل أول\r","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"مخرج لقول القائل السفر علي واجب لأن الوجوب فيه لم يثبت بهذا اللفظ بل بإيجاب الشارع عليه عقوبة عليه وقيد في نفس الأمر فصل ثان مخرج للخبر كقام زيد فإنه لا يوجب مدلوله في نفس الأمر بل ولا في اعتقاد السامع إلا عند اعتقاده صدق المخبر وقيد إذا صدر قصدا أي مقصودا إنشاء لفظه فصل ثالث مخرج لنحو قول القائل لزوجته أنت طالق على وجه الغلط مريدا أنت حائض فلا يلزمه به طلاق في الفتوى وكذلك إذا قال لمن طلقها رجعيا في العدة أنت طالق مخبرا بأنها طالق في الحال وإنما يلزمه إذا قصد الإنشاء وإن لم يقترن بالوفاء بالعقود والتزام مقتضياتها وفيه ممن هو أهل لذلك فصل رابع مخرج لصيغ الإنشاء إذا صدرت من سفيه أو فاقد الأهلية لعدم ترتب مدلولها عليها حينئذ وزيادة أو متعلقة في الحد عطفا على مدلوله وإن كانت لأجل أن تندرج فيه الإنشاءات بكلام النفس فإن كلام النفس لا دلالة فيه ولا مدلول وإنما فيه متعلق ومتعلق خاصة وسيأتي بيانه في مسائل الإنشاء إلا أنه يلزم على هذه الزيادة الجمع في الحد بين حقيقتين مختلفتين وهما القول اللساني والقول النفساني وذلك خلل في الحد كما بين في محله\rفافهم\rوبعبارة أخرى الكلام إن كان للنسبة المفهومة منه الحاصلة في الذهن خارج عن مدلوله أي حاصل بين الطرفين مع قطع النظر عن دلالة اللفظ والفهم منه محتمل لأن تطابقه النسبة أو لا تطابقه فخبر\r","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"وإن لم يكن كذلك بأن لا يكون له خارج أصلا كأقسام الطلب فإنها دالة على صفات نفسية قائمة بالنفس قيام العرض بالمحل ليس لها متعلق خارجي أو يكون له خارج لكن لا يحتمل المطابقة واللامطابقة كصيغ العقود فإن لها نسبا خارجية توجد بهذه الصيغ وليست لها نسبة محتملة لأن تطابقها النسبة المدلولة أو لا تطابقها لأنها لحصولها بها مطابقة قطعا فإنشاء وهذا أقرب الحدود وأخصرها كما في تقريرات الشربيني على حواشي محلي جمع الجوامع فعلى هذا البيان يقع\rالفرق بين الخبر والإنشاء من أربعة أوجه الوجه الأول أن الإنشاء سبب لمدلوله بخلاف الخبر\rالوجه الثاني أن الإنشاءات يتبعها مدلولها فلا يقع الطلاق والملك إلا بعد صدور صيغة الطلاق والبيع ممن هو أهل والأخبار تتبع مدلولاتها بمعنى أن الخبر تابع لتقرير مخبره في زمانه ماضيا كان أو حاضرا أو\rمستقبلا فقولنا قام زيد تبع لقيامه في الزمان الماضي ولو قلنا هو قائم تبع لقيامه في الحال وقولنا سيقوم الساعة تبع لتقرير قيامه في الاستقبال لا بمعنى أنه تابع لمخبره في الوجود وإلا لما صدق ذلك إلا في الماضي فقط فإن الحاضر مقارن فلا تبعية لحصول المساواة\rووجود المستقبل بعد الخبر فهو متبوع لا تابع وكذلك ينبغي أن يفهم معنى قولهم العلم تابع لمعلومه أنه تابع لتقرره في زمانه ماضيا كان المعلوم أو حاضرا أو مستقبلا فإنا نعلم الحاضرات والمستقبلات كما نعلم الماضيات والعلم في الجميع تبع لمعلومه فالعلم بأن الشمس تطلع غدا فرع وتابع لتقرر طلوعها في مجاري العادات\rالوجه الثالث أن الإنشاء لا يلزمه الصدق والكذب لذاته وإن لزمه للازمه كما عرفت فلا يحسن أن يقال لمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا صدق ولا كذب إلا إذا أراد به الإخبار عن طلاق امرأته بخلاف الخبر","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"الوجه الرابع أن الخبر يكفي فيه الوضع الأول في جميع صوره والإنشاء لا يقع إلا منقولا عن أصل الوضع في صيغ العقود والطلاق والعتاق ونحوها فقول الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا يفيد طلاقها\rبالوضع الأول وإنما صار يفيد الطلاق بسبب النقل العرفي للإنشاء عن الإخبار عن طلاقها ثلاثا كما يتفق له في بعض أحواله إذا سألته امرأته بعد الطلاق فيقول لها أنت طالق ثلاثا إعلاما لها بتقدم الطلاق فلا يلزمه شيء والقول بأنه يفيد كلا من الإخبار والإنشاء بطريق الاشتراك يضعفه رجحان المجاز على الاشتراك وقد يقع الإنشاء لإنشاء الطلب بالوضع اللغوي الأول كالأوامر والنواهي\rفصل\rينقسم الإنشاء إلى مجمع عليه في الجاهلية والإسلام ومختلف فيه والمجمع عليه أربعة أقسام الأول القسم كقولنا أقسم بالله لقد قام زيد اتفق أهل اللسان من الجاهلية والإسلام على أن قائله أنشأ به القسم لا أنه أخبر به عن وقوع في المستقبل فجميع لوازم الإنشاء موجودة فيه ولا يلزمه الصدق ولا الكذب فلذلك قال بعض فضلاء النحاة القسم جملة إنشائية يؤكد بها جملة خبرية\rالقسم الثاني الأوامر والنواهي نحو قولنا افعل لا تفعل اتفق الجاهلية والإسلام على أنه إنشاء لأنه يتبعه إلزام الفعل أو الترك ويترتب عليه ويلزمه جميع لوازم الإنشاء ولا يلزمه الصدق ولا الكذب\rالقسم الثالث\rالترجي نحو لعل الله يأتينا بخير والتمني نحو ليت لي مالا فأنفق منه والعرض نحو ألا تنزل عندنا فتصيب خيرا\rوالتحضيض وصيغه أربع وهي ألا بالتشديد نحو ألا تشتغل بالعلم وهلا ولو ما ولولا نحو هلا أو لو ما أو لولا اشتغلت به فإن هذه الصيغ كلها إما للطلب أو يتبعها الطلب ويترتب عليها ولا يلزمها صدق ولا كذب فهي كالأوامر والنواهي إنشاء\rالقسم الرابع النداء نحو يا زيد اتفق أنه إنشاء لأنه طلب لحضور المنادى والطلب إنشاء نحو الأوامر والنواهي وإنما اختلف النحاة في أن المفيد للنداء الحرف وحده أو فعل مضمر تقديره أنادي زيدا\r","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"قال المبرد وهذا الفعل المضمر لا يلزمه الصدق ولا الكذب حتى يكون خبرا فهو إنشاء لطلب حضور المنادى والمختلف فيه قسمان أحدهما صيغ العقود كبعت واشتريت وأنت حر وامرأتي طالق\rقالت الأحناف إنها إخبارات على أصلها اللغوي وقال غيرهم إنها إنشاءات منقولة عن الخبر إليه محتجين أولا بأمر يمكن فيه ادعاء القطع ولا يتأتى للأحناف الجواب عنه إلا بالمكابرة وهو أن الإنشاء هو المتبادر في العرف إلى الفهم فوجب أن يكون منقولا إليه كسائر المنقولات وذلك أن المبادرة للإنشاء والعدول إلى\rالخبر مدرك لنا بالعقول بالضرورة ولا نجد في أنفسنا أن القائل لامرأته أنت طالق أنه يحسن تصديقه أو تكذيبه والمصنف يعتمد الوجدان ومن لم ينصف يقل ما شاء وثانيا بخمسة أمور مبنية على تقدير أن المراد الظن لا القطع\rأحدها أنها لو كانت إخبارا لكانت كاذبة لأنه لم يبع قبل ذلك الوقت ولم يطلق والكذب لا عبرة به لكنها معتبرة فدل ذلك على أنها ليست إخبارا بل إنشاء لحصول لزوم الإنشاء فيها من استتباعاته لمدلولاتها وغير ذلك\rوأجاب الأحناف بأن صاحب الشرع قدر في هذه الصيغ تقدم مدلولاتها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديق المتكلم بها والإضمار أولى من النقل لما تقرر في علم الأصول ولأن جواز الإضمار في الكلام مجمع عليه والنقل مختلف فيه والمجمع عليه أولى ومتى كان المدلول مقدرا قبل الخبر كان الخبر صادقا فلا يلزم الكذب ولا النقل للإنشاء وبقيت إخبارات على موضوعاتها اللغوية وعملنا بالأصل في عدم النقل وأنتم خالفتموه وفيه نظر بوجهين الوجه الأول أن بناءه على إلجاء ضرورة صدق المتكلم بها إلى تقدير تقدم مدلولاتها لا يصح لأن صدق المتكلم مبني على أن كلامه خبر وهو محل النزاع\r","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"الوجه الثاني أنا لا نسلم أن ما نحن فيه من الإضمار المتفق عليه ضرورة أنه مفتقر إلى تقدير وقوع ما لم يقع ثم إضماره أو إلى تقدير وقوعه دون إضماره وتقدير وقوع ما لم يقع ليس هو الإضمار وثانيها أنها لو كانت إخبارا لكانت إما كاذبة ولا عبرة بها أو صادقة فتكون متوقفة على تقدم أحكامها فحينئذ إما أن تتوقف عليها أيضا فيلزم الدور أو لا تتوقف عليها فيلزم أن يطلق امرأته أو يعتق عبده وهو ساكت وذلك خلاف الإجماع\rوأجاب الأحناف بأن الدور غير لازم لأن النطق باللفظ لا يتوقف على شيء وبعده يقدر تقدم المدلول وبعد تقدير المدلول يحصل الصدق ويلزم الحكم فالصدق\rمتوقف مطلقا على التقدير والمتوقف عليه التقدير مطلقا اللفظ فالثلاثة أمور مترتبة بعضها على بعض ترتب الابن والأب والجد وليس فيها ما هو قبل الآخر وبعده وفيه أنه لا يحصل بعد تقدير المدلول إلا تقدير الصدق إذ كيف تحصل حقيقة الصدق بناء على تقدير وقوع ما لم يقع\rوثالثها أنها لو كانت إخبارا فإما أن تكون خبرا عن الماضي أو الحاضر فيتعذر تعليقها عن الشرط حينئذ إذ من شرط الشرط أن لا يتعلق بمستقبل أو تكون خبرا عن المستقبل فيصح تعليقها على الشرط لكن لا يزيد على التصريح بذلك حينئذ وهو لو صرح وقال لامرأته ستصيرين طالقا لم تطلق بهذا اللفظ وكذلك ما في معناه\rوأجاب الأحناف بالتزام أنها إخبارات عن الماضي ومنع تعذر التعليق عن الماضي مطلقا بل على خصوص الماضي المحقق لا المقدر كما هنا وذلك لأن معنى التعليق توقيف أمر في دخوله في الوجود على دخول أمر آخر في الوجود وهو الشرط وما دخل في الوجود وتحقق لا يمكن توقيف دخوله في الوجود على غيره بخلاف ما كان دخوله في الوجود غير محقق بل مقدر فإنه يمكن\r","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"توقيف دخوله في الوجود على غيره فإذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار فقد أخبر عن ارتباط طلاق امرأته بدخول الدار فيقدر صاحب الشرع هذا الارتباط قبل نطقه به بالزمن الفرد لضرورة تصديقه وإذا قدر الارتباط قبل النطق صار الإخبار عن الارتباط ماضيا لأن حقيقة الماضي هو الذي مخبره قبل خبره وهذا كذلك بالتقدير فيكون ماضيا مع التعليق فقد اجتمع المضي والتعليق بهذا التفسير ولم يناف المضي التعليق فتأمله فهو دقيق في باب التقديرات وفيه أنه مبني على ضرورة صدق المتكلم وضرورة الصدق مبنية على كون كلامه خبرا وهو محل النزاع كما تقدم في الجواب عن الاحتجاج الأول\rورابعها أن لزوم طلقة أخرى لمن قال لمطلقته الرجعية أنت طالق بلا خلاف مع أن إخباره صادق باعتبار الطلقة المتقدمة دليل على أن هذه الصيغة منشئة للطلاق\rوأجاب الأحناف بأن قائل ذلك لمطلقته الرجعية إن أراد الإخبار عن الطلقة الماضية لم تلزمه طلقة ثانية وإن قصد الإخبار عن طلقة ثانية فهو إخبار كاذب لعدم تقدم وقوع ثانية فيحتاج للتقدير لضرورة التصديق فيلزمه الثانية بالتقدير كالأولى فالمطلقة\rالرجعية وغيرها سواء في عدم الاستغناء عن التقدير وإنما يلزم الفرق بينها إذا كان قوله أنت طالق إخبارا عن الطلقة الأولى وليس كذلك وهذا الجواب أيضا مبني على ضرورة الصدق وفيه ما في الجوابين عن الاحتجاج الأول والثالث فلا تغفل\rوخامسها قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أمر بالطلاق والأمر به لا يمكن أن يكون عائدا على التحريم فإن التحريم صفة من صفات الله تعالى وكلامه النفساني لا يتعلق به كسب ولا اختراع فتعين صرفه لأمر آخر يستلزمه توفيته باللفظ الدال على الطلب وما ذلك الأمر إلا قول القائل أنت طالق فدل ذلك على أن هذه الصيغة سبب التحريم ويترتب عليها التحريم ولا نعني بكونها إنشاء إلا ذلك\r","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"وأجاب الأحناف بأن الأمر عندنا متعلق بإيجاد خبر يقدر الشرع قبله الطلاق فيلزم الطلاق لا بإيجاد إنشاء الطلاق\rحتى يكون اللفظ سببا كما ذكرتموه بل خبرا صرفا مع التقدير وهذا أمر ممكن متصور فلا حاجة إلى مخالفة الأصل بالنقل والعدول عن اللغة الصريحة ومقتضى هذا الجواب إبداء احتمال في متعلق الأمر وهو وإن كان أشبه أجوبتهم وغير مدفوع إلا أنه مرجوح بصحة الاحتجاجات الخمسة السابقة ومتروك بالاحتجاج الذي قبل الخمسة إن صح قاطعا إذ يكفي في متونته أنه لم يذكر لهم عنه جواب وأن صحة الجواب عنه لا تتأتى إلا بالمكابرة فافهم\rوالقسم الثاني صيغ الحمد والذكر والتنزيه ونحوها قال العلامة الشربيني رأيت عن بعضهم فيها حكاية قولين لزوم القصد أي قصد الإنشاء وعدمه ولعل الأول مبني على عدم تسليم النقل فيها بناء على ما قاله بعض إن القول بأنه مشترك بين الإخبار والإنشاء كصيغ العقود لا يلتفت إليه لأن صيغ العقود نقلها الشرع إلى الإنشاء لمصلحة الأحكام وإثبات النقل لما نحن فيه أي من نحو صيغ الحمد بلا ضرورة داعية مشكل جدا فالحق أنها أخبار استعملت في الإنشاء مجازا لأن قصد الإخبار بها بعيد ا ه\rوالمجاز إما مرسل بنقل لفظ الجملة من الإثبات على وجه الإخبار إلى مطلق الإثبات ثم استعماله في الإثبات على وجه الإنشاء إما من جهة كونه فردا فيكون بمرتبة للتقييد أو من جهة خصوصه فيكون بمرتبتين أي نقلتين للتقييد ثم الإطلاق أو بالاستعارة المركبة الغير التمثيلية بتشبيه الإنشاء بالخبر إما بناء على التضاد المنزل منزلة التناسب وإما في تحقق الوقوع حتى كأنه واقع ويستحق الإخبار عنه لما للعصام من أن التجوز هنا باعتبار الهيئة التركيبية وفي التمثيلية باعتبار مجموع مادة المركب الموضوع للهيئة المعنوية الحاصلة من اجتماع معاني مفرداته في الذهن\r","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"قال العطار وعلى تقدير خبريتها أي صيغة الحمد يقال إن هذه الجملة لم يقصد بها إخبار أحد بل قصد بها تحصيل الحمد كبقية صيغ الأذكار والتنزيهات وكيف لا تكون كذلك ومن الذي قصد إخباره حتى تكون الإفادة له ولو فرض مخاطب قصد إخباره لكان الإخبار به كالإخبار بقولنا السماء فوقنا وقد مر عن علاء الدين النجاري أن الجمل الخبرية لا يلزمها الإخبار بل قد تكون للتحسر والتحزن فيجوز أن يكون الغرض من هذه القضية الثناء على الله\rوالتحميد فيكون قائلها حامدا كما كانت امرأة عمران متحسرة ولا تخرج بذلك عن كونها محتملة للصدق والكذب لأنها إذا نظر لمجرد مفهومها تحتملها وهذا هو الفاصل للخبر عن الإنشاء\rا ه بتغيير وتصرف قلت وعلى هذا فصيغة الحمد والذكر والتنزيه ونحوها من قبيل الكناية إما بمعنى اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لملاحظة علاقته مع جواز إرادته معه أو بمعنى اللفظ المستعمل فيما وضع له لكن لا ليكون مقصودا بالذات بل لينتقل منه إلى لازمه المقصود بالذات لما بينهما من العلاقة على الطريقتين فيها من كونه واسطة بين الحقيقة والمجاز أو حقيقة كما في رسالة الصبان البيانية وفي حاشية الأنبابي عليها ما حاصله أن الجملة الخبرية كثيرا ما تورد مرادا بها معناها أي مفهومها المحتمل للصدق والكذب لأغراض أخر سوى إفادة الحكم أي الإعلام بمضمونها أو لازمه أي كون المتكلم عالما به كالتحسر ونحوه من المعاني الإنشائية بدون استعمالها في ذلك الغرض بل يراد بطريق الكناية فيما فيه علاقتها من اللزوم\rالخاص أو بطريق التعريض في غيره أي فهي حينئذ جملة خبرية خارجة عن الأصل في الخبر من الإعلام بمضمونه يقال للمتكلم بها مخبر لا معلم لأن الإعلام في العرف التلفظ بالجملة الخبرية مرادا بها معناه وإن لم يحصل بها العلم ولذا يعتق الكل فيما إذا قال من أخبرني بقدوم زيد فهو حر وأخبروه على التعاقب كما صرح به السعد في شرح الكشاف\rفصل\r","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"في ست مسائل حسنة في بابها توضح الإنشاء المسألة الأولى يعتقد الفقهاء أن قول القائل لامرأته أنت علي كظهر أمي إنشاء للظهار كما أن قوله لها أنت طالق إنشاء للطلاق محتجين بثلاثة أوجه أحدها أن كتب المحدثين والفقهاء متظافرة على أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله تعالى في الإسلام تحريما تحله الكفارة كما تحل الرجعة تحريم الطلاق كما ورد في ذلك حديث أبي داود وهو أن خويلة بنت شريك قالت ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أشكو إليه وهو عليه السلام يجادلني فيه ويقول اتق الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل قوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها الآية فقال ليعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا قالت ما عنده من شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله وأنا سأعينه بفرق آخر قال أحسنت فاذهبي وأطعمي عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك لاقتضاء هذا الحديث\rأن الحال قبل نزول الآية كان يقتضي أنها لا ترجع إليه بطريق من الطرق وهذا هو الطلاق المؤبد والطلاق إنشاء فيكون الظهار كذلك لأنه كان عندهم طلاقا والأصل عدم النقل والتغيير ومن ادعاه فعليه الدليل وثانيها أنه لفظ يترتب عليه التحريم فيكون سببا لمدلوله الذي هو التحريم وكل ما كان سببا لمدلوله فهو إنشاء فيكون إنشاء كالطلاق\r","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"وثالثها أن خروج هذا اللفظ عن صنيع الإنشاء بعيدا جدا لأن استتباعه أحكاما تترتب عليه من التحريم والكفارة وغيرهما يوجب أن يكون إنشاء مثل الطلاق والعتاق من صيغ الإنشاء لا سيما وقد نص الفقهاء على أن له صريحا وكناية كالطلاق وغيره والحق أنه خبر لا إنشاء لأن من خصائص الإنشاء عدم قبوله للتصديق والتكذيب وقد كذب الله سبحانه المظاهرين بقوله تعالى الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا في ثلاثة مواطن\r52\rالأول بنفي ما أثبتوه بقوله تعالى\rما هن أمهاتهم ولا يحسن أن يقال لمن قال لامرأته أنت طالق ما هي مطلقة وإنما يحسن ذلك إذا أخبره عن تقدم طلاقها ولم يتقدم فيها طلاق\rوالثاني بجعل قولهم منكرا بقوله تعالى وإنهم ليقولون منكرا من القول والإنشاء للتحريم لا يكون منكرا بدليل الطلاق وإنما يكون منكرا إذا جعلناه خبرا فإنه حينئذ كذب والكذب منكر\rوالثالث بجعل قولهم زورا بقوله تعالى وزورا والزور هو الخبر الكذب فيكون قولهم كذبا وهو المطلوب وإذا كذبهم الله في هذه المواطن دل ذلك على أن قولهم خبر لا إنشاء ولا حجة لهم في الوجه الأول لأن قولهم أنه كان طلاقا في الجاهلية لا يقتضي إلا أن العصمة في الجاهلية تزول عند النطق به وزوالها يجوز أن يكون لأنه إنشاء كما قلتم أو لأنه كذب وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الخبر الكذب لا تبقى امرأته في عصمته متى التزم بجاهليتهم وليس في حال الجاهلية ما ينفي ذلك بل لعلهم في أحوالهم أكثر من ذلك فقد التزموا أن الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد تصير سائبة فجاز أن يلتزموا ذهاب العصمة عند كذب خاص والاحتمال الأول وإن كان ظاهرا أو قريبا إلا أن القرآن الكريم يقوي الاحتمال الثاني بقوله تعالى ما هن أمهاتهم الآية فإن التكذيب كما تقدم من خصائص الخبر فيكون ظهارهم خبرا كذبا\r","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"التزموا عقيبه ذهاب العصمة كسائر ملتزماتهم الباطلة وقد عدها العلماء نحو عشرين نوعا من التحريمات التزموها بغير سبب يقتضيها من جهة الشرائع وهي مبسوطة في غير هذا الكتاب والآية المذكورة وإن كان الفعل فيها مضارعا لا ماضيا لا نسلم أنها خاصة بمن يفعل ذلك في المستقبل بعد نزولها أو حال نزولها لأمور\rأحدها\rأن العرب قد تستعمل الفعل المضارع للحالة المستمرة كقولهم يعطي ويمنع ويصل ويقطع تريد هذا شأنه أبدا في الماضي والحال والاستقبال ومنه قول خديجة رضي الله تعالى عنها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله لن يخزيك أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق أي هذا شأنك وسجيتك في جميع عمرك وعلى هذا تنتظم الآية\rوالثاني أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فهم تناول الآية للمظاهرة الماضية أيضا وأدخل المظاهرة الماضية في عمومها من أوس بن الصامت وإلا لما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام\rوالثالث أن قول العلماء أنه كان طلاقا فأقر تحريما تحله الكفارة صريح في أنه عين ما في الجاهلية لا باب آخر تجدد في الشريعة غير ما تقدم كما هو كذلك على فرض تسليم ما ذكر فافهم ولا حجة لهم أيضا في الوجه الثاني\rأما أولا فلأنا لا نسلم ترتب التحريم على الظهار إذ الذي في الآية تقديم الكفارة على الوطء كتقديم الطهارة على الصلاة فإذا قال الشارع تطهر قبل أن تصلي لا يقال الصلاة محرمة بل ذلك نوع من الترتيب كتقديم الإيمان على الفروع وتقديم الإيمان بالصانع على تصديق الرسل\r","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"وأما ثانيا فلأنا لو سلمنا ذلك الترتيب لا نسلم أن التحريم اقتضاء لفظ الظهار بدلالته عليه كالطلاق مع تحريم الوطء حتى يكون إنشاء لجواز أن يقتضي لفظ الظهار التحريم والكفارة لا بدلالته عليه بل بالوضع الشرعي أي جعله شرعا سبب ذلك عقوبة كما ترتب تحريم الإرث على القاتل عمدا وليس القتل إنشاء لتحريم الإرث وكما ترتب التعزير وإسقاط العدالة والعزل من الولاية وغير ذلك من الأحكام على\rالخبر الكذب فلا يكون إنشاء إذ الإنشاء إنما هو أن يكون ذلك اللفظ وضع لذلك التحريم ويدل عليه كصيغ العقود وبالجملة فكونه سببا بالقول أعم من كونه سببا بالإنشاء بدليل ما يترتب على الإخبارات الكاذبة من الأحكام الشرعية بسبب أن الشارع نصبها أسبابا لتلك الأحكام والأعم لا يستلزم الأخص فلا يستدل بمطلق السببية عن الإنشاء ولا يقاس ترتب التحريم والكفارة على الظهار على ترتب التحريم على الطلاق لأن جهة الأول العقوبة على الكذب وجهة الثاني دلالة اللفظ عليه فافهم ولا حجة لهم أيضا في الوجه الثالث\rأما أولا فلأنه قياس في الأسباب فلا يصح وعلى صحته فهو قياس على خلاف النص الصريح من القرآن المخبر عن كونه كذبا والكذب بالضرورة لا يكون في الإنشاء وإذا كان على خلاف نص القرآن لا يسمع نعم لقائل أن يقول إن المتبادر إلى الفهم عرفا أنه إنشاء فإن ثبت هذا الفرق على السلف أعني الصحابة رضي الله تعالى عنهم وانتهى الأمر فيه إلى القطع تعين تأويل القرآن وإلا بقيت المسألة محتملة\rوأما ثانيا فلأن قول الفقهاء للظاهر صريح وكناية ليس بمساو لقولهم إن للطلاق صريحا وكناية في الرجوع إلى تفاوت الدلالة على التحريم في البابين حتى يكون فيه دلالة على أن الظهار إنشاء بل الأول إشارة إلى تفاوت مراتب الكذب فالصريح منه أقبح وأشنع فيكون أولى بترتب الأحكام عليه والثاني يرجع إلى تفاوت الدلالة على التحريم فالبابان مختلفان وليس كل ما له صريح وكناية إنشاء ألا ترى أن القذف فيه\r","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"الصريح كقوله أنت زنيت بفلانة وهو ليس بإنشاء خبر صرف إجماعا إما كاذب أو صادق وفيه الكناية كالتعريض مثل قوله ما أنا بزان ولا أمي بزانية فكذلك هاهنا لفظ الظهار منه ما هو صريح وهو ما جمع بين ظهر ومؤبد تحريمها كقوله أنت كظهر أمي مما هو صريح في الإخبار عن التشبيه الذي نفاه الله تعالى وجعله كذبا وزورا ومنه ما هو كناية يشير إلى هذا التشبيه وهو ما لم يجمع بين الظهر ومؤبدة التحريم كقوله أنت كأمي أو كظهر الأجنبية ودعوى أن قولهم ينصرف صريح الظهار وكنايته للطلاق ولا ينصرف صريح الطلاق وكنايته للظهار يدل على أن للظهار أصلا ينصرف عنه للطلاق وما ذلك الأصل إلا نقل العرف الظهار من الإخبار إلى الإنشاء غير مسموعة على أن انصراف صريح كل منهما للآخر وكناية كل منهما للآخر وعدم\rانصرافهما ليس بمتفق عليهما فقد قال خليل في صريح الظهار ولا ينصرف للطلاق وهل يؤخذ بالطلاق إن نواه مع قيام البينة كأنت حرام كظهر أمي أو كأمي تأويلان\rا ه البناني والأحسن ما أصلح به ابن عاشر عبارته بقوله ولا ينصرف للطلاق وتؤولت بالانصراف لكن يؤخذ بهما في القضاء\rا ه لإفادته أن عدم الانصراف مطلقا أرجح وقد نقل في التوضيح عن المازري أن المشهور وكذا قال أبو إبراهيم الأعرج المشهور في المذهب أن صريح الظهار لا ينصرف إلى الطلاق وأن كل كلام له حكم في نفسه لا يصح أن يضمر به غيره كالطلاق فإنه لو أضمر به غيره لم يصح ولم يكن يخرج عن الطلاق\rا ه ونقله هكذا أبو الحسن عن ابن محرز وزاد عنه وكذلك لو حلف بالله وقال أردت بذلك طلاقا أو ظهارا لم يكن ذلك له ولا يلزمه إلا ما حلف به وهو اليمين بالله تعالى ا ه بلفظه ا ه\r","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"وقوله وإن كل كلام إلخ إشارة إلى القاعدة المشهورة وهو أن كل ما هو صريح في باب لا ينصرف إلى غيره بالنية لأن النية أثرها إنما هو تخصيص العمومات أو تقييد المطلقات فهي إنما تدخل في المحتملات وإذا نقلت صريحا عن بابه فهو نسخ وإبطال بالكلية والنسخ لا يكون بالنية ولا يتجه قول ابن يونس وقد قصد الناس في أول الإسلام الطلاق فصرفه الله تعالى إلى الظهار بإنزال الآية ا ه\rلأن ذلك ابتداء شرع ولم يكن تصرفا في مشروع إذ\rالمتقدم ليس شرعا إنما هو اعتقاد الجاهلية ونحن نتكلم في صريح شرعي يصرف عن بابه بعد مشروعيته ولما قصد أولئك الطلاق لم يتعرضوا لمشروع لأن الشرع جاء بعد ذلك بنزول الآية فليس هذا من هذا الباب قال الأمير في شرح مجموعه وعلى تأويل عدم الانصراف يخصص به قولهم في الطلاق وإن نواه بأي كلام لزم ا ه\rوقال في ضوء شموعه والتأويل بالانصراف نظر إلى أن قاعدة ما كان صريحا في باب إلخ ليست كلية ولا متفقا عليها فقد قال عبد الباقي إلا ما نصوا عليه أي من إعمال صريح العتق بالطلاق ومعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية ا ه من موضعين بتصرف ما وتوضيح\rوقال عبد الباقي في صريح الطلاق وكنايته عند قول خليل في باب الظهار ولزم أي الظهار بأي كلام نواه به ما نصه قال أحمد المصنف شامل لما إذا أراده بصريح الطلاق أو كنايته الظاهرة\rوقال بعض من تكلم على المدونة أنه لا يلزمه بالكناية الظاهرة ا ه\rوإذا لم يلزم بها فأجرى الصريح كما أنه لا يلزم الطلاق بصريح الظهار على ما تقدم ا ه أي في قوله وهل\r","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"يؤخذ بالطلاق معه إلخ ا ه البناني ومراد أحمد ببعض من تكلم على المدونة هو الوانوغي في حاشيته عليها جعل الكناية كالصريح نقله عنه في تكميل التقييد وسلمه وما ذكره من عدم لزومه بصريح الطلاق هو الذي تقدم عند قوله ولا ينصرف للطلاق إلخ عن أبي إبراهيم وذكر ابن رشد في المقدمات أن مذهب ابن القاسم أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق وقال أردت بذلك الظهار ألزم الظهار بما أقر به من نيته والطلاق بما ظهر من لفظه ا ه نقله الحطاب عند قوله ولا ينصرف للطلاق ا ه\rقلت فالقول بعدم انصراف صريح الطلاق له نظر للقاعدة وعليه فيخصص به قولهم في الظهار وإن نواه بأي كلام لزم والقول بالانصراف نظر إلى كونها أغلبية لا كلية فاستثناه منها ويلزمه القول بانصراف كناية الطلاق الظاهرة له بالأولى وقول الوانوغي بعدم انصرافها له نظر إلى أنها بالظهور قربت من الصراحة فتنبه وقال أبو الظاهر في كناية الظهار إن عري لفظ الظهار عن النية جرى على الخلاف في انعقاد اليمين بغير نية أما إن شبه بمحرمة لا على التأبيد وذكر الظهر فهل يكون الطلاق قصرا للظهار على مورده أو ظهارا قياسا على ذوات الأرحام قولان وإن لم يذكر الظهر فأربعة أقوال ظهار وإن أراد الطلاق وعكسه وظهار إلا إن أريد الطلاق فيكون طلاقا وعكسه ا ه\rومراده بالنية في قوله إن عري إلخ الكلام النفساني أي يتكلم بكلامه النفساني في نفسه كما يتكلم بلسانه والقول بأنه إذا لم يذكر الظهر من الأجنبية وإن أراد الطلاق بناء على قربه من الصراحة فلا ينصرف للطلاق وعكسه لأن الطلاق شأن الأجنبية فإنها لا تحرم إلا بالطلاق وهذه الملاحظة هي التي توجب القولين الآخرين غير أنه قدم النية على اللفظ لضعف اللفظ بعدم ذكر الظهر فعدمت الصراحة فعملت النية والله سبحانه وتعالى أعلم\rالمسألة الثانية\r","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"صريح الطلاق لفظه وما اشتق منه كطلقت وطالق أو مطلقة بفتح الطاء واللام المشددة لا ما كان فيه الحروف الثلاثة الطاء واللام والقاف وإن اقتضاه كلام الفقهاء لشموله الانطلاق وما اشتق منه كمنطلقة ومطلوقة وهي مشكل كما في التوضيح عن القرافي لأن الانطلاق وإن وافق لفظ الطلاق في تلك المادة إلا أنه لغة بمعنى السير لا بمعنى إزالة عصمة النكاح بخلاف الطلاق فلزوم الطلاق منتف عن الانطلاق لمغايرة حقيقة الطلاق لحقيقة الانطلاق فإذا قال القائل أنت طالق فهو إما إخبار عن زوال العصمة أو\rإنشاء له وإذا قال أنت منطلقة فهو إخبار عن المسير ويسوغ استعماله إنشاء للأمر به إن قلنا إن استعمال الألفاظ الخبرية في الإنشاء قياس وإلا فيتوقف ذلك على السماع والمتبادر إلى الفهم في بادئ الرأي أن هذا الصريح يفيد الطلاق بالوضع بخلاف الكناية وهو وإن أمكن توجهه بأن الطلاق وإزالة العصمة ليس أمرا مختصا بالشريعة بل العرب كانت تنكح وتطلق وقد كانت تطلق بالظهار ولفظ الطلاق معروف عند العرب قبل البعثة فتكون إزالة العصمة بالوضع اللغوي السابق على الشريعة لا بأمر يتجدد بعد الشريعة إلا أن الحق أنه يفيد ذلك بالوضع العرفي لوجوه\rالوجه الأول\rرجحان دعوى المجاز على دعوى الاشتراك\rالوجه الثاني أن هذا اللفظ إنما وضع لغة للخبر عن كونها طالقا وهو إذا أخبر عن كونها طالقا له لم يلزمه طلاق قصد الكذب أو الصدق ألا ترى أنه لو تقدم طلاقها فسأل عنها هل هي مطلقة أو باقية في العصمة فقال هي طالق جوابا لهذا السؤال لم يلزمه به طلقة ثانية\rوإن كانت رجعية في العدة وإنما يلزم الطلاق بقوله أنت طالق بالإنشاء الذي هو وضع عرفي لا لغوي\rالوجه الثالث\r","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"أنا وإن سلمنا أن الطلاق وإزالة العصمة كانا معلومين قبل البعثة النبوية عند العرب إلا أنا نقول الإنشاءات عند العرب أيضا تتقدم على الشريعة وتكون عرفية أما أولا فلأن العوائد قد تحدث مع طول الأيام بعث الله نبينا أم لا فالجاهلية تحدث لها عوائد كما تحدث لنا\rوأما ثانيا فلأن العرب كانت تستعمل قبل البعثة الراوية والبحر والغائط والخلا ومع ذلك قد نص أئمة اللغة على أنها مجازات لغوية وحقائق عرفية فلا تنافي بين قولنا الطلاق إنشاء عرفي وبين كونه في الجاهلية قبل الإسلام وإنما القصد أن يعلم أن لفظ الطلاق إنما أزال العصمة بغير الوضع اللغوي بل بالوضع العرفي وإنما هو مجاز عن اللغة لا حقيقة ومن قبيل لفظ الطلاق في كونه مجازا عن اللغة لا حقيقة بناء على رجحان المجاز على الاشتراك في عقود المعاوضات والقسم كانت العرب في الجاهلية يتداولونها إنشاءات وألفاظا عرفية منقولة\rفالعرف يتبدل من اللغة كما يتبدل من عرف آخر قبله وإلزام العقود من الطلاق وغيره ينبني في الفتوى على نية المتكلم\rأو على عرفه لا على اللغة ولا على عرف غيره وفي القضاء لمنازعة غيره له إنما ينبني على عرفه لا على نيته لاحتمال كذبه فيما يدعيه من النية فالحكم مترتب على العرف سواء كان ذلك العرف ناقلا عن اللغة أم عن عرف سابق عليه ناقل عن اللغة\rوبالجملة فالاعتبار بالاستعمال الجاري في زمن وقوع العقد فإن كان لغة جرى الحكم بحسبه وإن كان عرفا ناسخا لها أو لعرف ناسخ لها فكذلك والله أعلم\rالمسألة الثالثة\r","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"الأصل والقاعدة المعتمدة في العقود كلها إنما هي النية والقصد مع اللفظ المشعر بذلك أو ما يقوم مقامه من إشارة وشبهها ثم اللفظ إما أن لا يشعر بالمقصود لغة ولا عرفا فلا بد من التنويه في الفتوى والقضاء معا وإما أن يشعر بالمقصود لغة أو عرفا والعرف لغوي وشرعي ووقتي حادث فيحمل في القضاء دون تنويه على ما يشعر به من عرفي وقتي فشرعي فعرفي لغوي فلغوي أصلي وفي الفتوى على التنويه فالعرف الوقتي فالشرعي فالعرفي اللغوي فاللغوي الأصلي فإن اجتمع في اللفظ الأصلي والعرفي\rوالشرعي والوقتي فالمعتبر الوقتي في القضاء والفتوى فإذا تقرر ذلك فالألفاظ التي ذكر الفقهاء أن المراد بها مطلق الطلاق أو مقيده لا تخلو من أن تكون إرادة ذلك بها باللغة أو بعرف اللغة أو بعرف الشرع أو بعرف حادث بعد فإن كانت لغوية وضعا أو عرفا أو شرعية فالذي يقتضيه النظر أنها محمولة على مقتضاها في كل زمان وبكل مكان ومستند ذلك أن كل لفظ ورد علينا من جهة الشارع فإنا نحمله على عرفه أو على اللغة أو عرفها\rوإن كانت عرفية بعرف حادث فهذه هي التي ينتقل الحكم بها بانتقال العرف كبتة وحبلك على غاربك\rقال مالك ومن وافقه من العلماء يلزم القائل ذلك الثلاث ولا ينوي دخل أو لا بناء على أن اللفظ نقله عرف ذلك الوقت إلى العدد المعين وهو الثلاث حتى صار من أسماء الأعداد\rوالمجاز لا يدخل في النصوص كأسماء العدد بل في الظواهر كأسماء الأجناس وصيغ العموم وهذه قاعدة لغوية وكل لفظ لا يجوز\rدخول المجاز فيه لا تؤثر النية في صرفه عن موضوعه وهذه قاعدة شرعية محمدية بنيت على الأولى\rوقال الشافعي وأبو حنيفة في حبلك على غاربك إن نوى الثلاث لزمه الثلاث أو واحدة فواحدة بائنة\r","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"وقال ابن حنبل يقع الطلاق بالبتة والبتلة وحبلك على غاربك بغير نية لشهرتها ويلزم بحبلك على غاربك الثلاث وقال ابن العربي من أصحابنا في كتاب القبس له الصحيح أن حبلك على غاربك والبائن والخلي والبرية والبتلة والبتة واحدة لا تزيد على قولك أنت طالق وفي الترمذي عن ابن كنانة عن أبيه عن جده قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت يا رسول الله إني طلقت امرأتي ألبتة فقال ما أردت فقلت واحدة فقال هي ما أردت فردها إلي\rقلت قال الأمير في ضوء الشموع وقد تعارف الآن حبلك على غاربك في مطلق الإهمال حتى يخاطب الرجل ابنه مثلا انتهى أي فعليه يكون كالكناية الخفية يجري على قولهم وإن قصده بأي كلام لزم\rكاسقني فلا يحل لأحد الآن أن يفتي فيه بالطلاق من غير نية إلا إذا تجدد بذلك عرف وكحرام قال ابن عبد الحكم لا شيء على قائله إذا كان في بلد لا يريدون به الطلاق وقال ابن القاسم إن أراد بقوله أنت حرام الكذب بالإخبار عن كونها حراما وهي حلال حرمت ولا ينوي قال صاحب الاستذكار في الحرام أحد عشر قولا قال مالك يلزمه الثلاث في المدخول بها وينوي في غيرها وقال الشافعي لا يلزمه شيء حتى ينوي واحدة فتكون رجعية\rوإن نوى تحريمها بغير طلاق لزمه كفارة يمين ولا يكون موليا وقال أبو حنيفة إن نوى الطلاق فواحدة\rوإن نوى اثنتين أو الثلاث فواحدة بائنة وإن لم ينو فكفارة يمين وهو مول وإن نوى الكذب فليس بشيء\r","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"وقال سفيان إن نوى واحدة فبائنة أو الثلاث فالثلاث أو يمينا فيمين ولا فرقة ولا يمين بكذبة لا شيء فيها وقال الأوزاعي له ما نوى وإلا فيمين تكفر وقال إسحاق كفارة الظهار ولا يطؤها حتى يكفر وقيل يمين يكفرها ما يكفر اليمين لقول الله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم وكان عليه الصلاة والسلام قد حرم سريته مارية وقال الشعبي تحريم المرأة كتحريم المال لا شيء فيه أي إلا الاستغفار لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم وقيل واحدة بائنة\rوقال سعيد بن جبير عتق رقبة وقال ابن عباس يمين مغلظة ا ه\rقلت وقال الأمير في شرح المجموع وضوء الشموع شيخنا سمعت من المشايخ ورأيت في المنقول من الكتب أن العمل بالمغرب جرى في الحرام بطلقة بائنة وقد نقله البناني وأشار إليه في نظم العمل الفاسي كما في كنون بقوله وطلقة بائنة في التحريم وحلف به لعرف الإقليم لكنه ربما خالف عرف مصر فإنه شاع في ألسنتهم الحرام مجمع الثلاث\rوهنا مهمة وهو أنه قد يقع على الشخص الحرام فيراجعها على مذهب الشافعي ثم يطلقها ثلاثا فيفتيه بعض المالكية بعدم لزوم الثلاث بناء على أن الحرام طلقة بائنة والبائن لا يرتدف عليه طلاق فيجدد له عليها عقد وهذا خطأ فإنه لما راجعها على مذهب الشافعي صار معها في نكاح مختلف فيه\rوالطلاق يلحق\rفي المختلف فيه بل ولو لم يراجعها وعاشرها معاشرة الأزواج فالقواعد تقتضي لحوق الطلاق مراعاة لقول الشافعي أنه رجعي مع قول بعض الأئمة كالحنفية أن الجماع يكون رجعة من غير نية الرجعة وهو قول عندنا أيضا كيف وهناك من يقول الحرام لا يخرجها عن عصمته غايته يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه كما تقدم ونعوذ بالله تعالى من رقة الدين ا ه\r","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"بزيادة وبالجملة فأصل اختلاف الأصحاب في ألفاظ الطلاق كما قال المازري أن اللفظ إن تضمن البينونة والعدد نحو أنت طالق ثلاثا لزم الثلاث ولا ينوي اتفاقا في المدخول بها وغيرها أي لا يصدق في أنه قصد أقل من الثلاث فيهما لا في القضاء ولا في الفتوى نعم يصدق قوله أنه أراد أنها طلقت ثلاث مرات من الولد في الفتوى دون القضاء نظرا للقاعدتين اللغوية والشرعية السابقتين فقبلوا النية في رفع الطلاق بجملته لتحويله لجنس آخر نظرا لجواز دخول المجاز في أسماء الأجناس لأنها من الظواهر ولم يقبلوها في رفع بعض الطلاق نظرا لكون أسماء الأعداد نصوصا لا يدخل فيها المجاز وإن كان الظاهر في بادئ الرأي بطلان ذلك وأن النية إذا قبلت في رفع الكل فأولى أن\rتقبل في رفع البعض وإن لم يدل إلا على البينونة نظر هل تمكن البينونة بالواحدة أو تتوقف على الثلاث إذا لم تكن معارضة فيه خلاف أو يدل على عدد غالبا\rويستعمل في غيره نادرا فيحمل على الغالب عند عدم النية وعلى النادر مع وجودها في الفتوى وإن تساوى الاستعمال أو تقارب قبلت نيته مع الفتوى والقضاء فإن عدمت النية فقيل يحمل على الأقل استصحابا للبراءة الأصلية وقيل على الأكثر احتياطا والمشهور في الحرام أنها تدل على البينونة وأنها لا تحصل في المدخول بها إلا بالثلاث وفي غيرها بالواحدة ولكونها غالبة في الثلاث حملت قبل الدخول على الثلاث وينوي في الأقل\rوالقول بعدم البينونة بناء على عدم ثبوتها ووضعها للثلاث في العرف كقوله أنت طالق ثلاثا والقول بالواحدة البائنة مطلقا بناء على حصول البينونة قبل الدخول وبعد الدخول بها وأنها لا تفيد عددا أو نقل عن ابن مسلمة واحدة رجعية بناء على أنها كالطلاق قال وعلى هذه القاعدة تتخرج الفتاوى في الألفاظ ا ه وهو يشير إلى أمور\r","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"أحدها أن نحو الحرام من الألفاظ التي لم تستعمل في أصل اللغة ولا في عرفها ولا في عرف الشرع في إزالة العصمة إما أن ينقله العرف الحادث الوقتي من موضوعه إلى البينونة فقط أو مع العدد أو أصل الطلاق فتكون إفادتها ذلك بالعرف لا بالوضع اللغوي\rوثانيها أن مجرد الاستعمال من غير تكرر لا يكفي في النقل بل لا بد من تكرر الاستعمال بحيث يفهم المنقول إليه بغير قرينة ويكون هو السابق إلى الفهم دون غيره وهذا هو المجاز الراجح فقد يتكرر اللفظ في مجازه ولا يكون منقولا ولا مجازا راجحا ألبتة كاستعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع والبحر في العالم أو السخي والضحى أو الشمس أو القمر أو الغزال في جميل الصورة\rوذلك يتكرر على ألسنة الناس تكرارا كثيرا ومع ذلك التكرار الذي لا يحصى عدده لم يقل أحد أن هذه الألفاظ صارت منقولة بل لا تحمل عند الإطلاق إلا على الحقائق اللغوية حتى يدل دليل على أنها أريد بها هذه المجازات ولا بد في كل مجاز منها من النية والقصد إلى استعمال اللفظ فيه فهذا ضابط في النقل لا بد منه فإذا أحطت به\rعلما ظهر لك الحق في هذه الألفاظ\r","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"وهو أنا لا نجد أحدا في زماننا يقول لامرأته عند إرادة تطليقها حبلك على غاربك ولا أنت بريئة ولا وهبتك لأهلك بل هذا لم نسمعه قط من المطلقين ولو سمعناه وتكرر ذلك على سمعنا لم يكف ذلك في اعتقادنا أن هذه الألفاظ منقولة كما تقدم تقريره فالمستعمل لهذه الألفاظ إن كان استعماله إياها وليس فيها عرف وقتي بل كانت لغوية وضعا أو عرفا أو شرعية لزم حملها على مقتضاها الشرعي فاللغوي العرفي فالأصلي في كل زمان وبكل مكان إن كان استعماله إياها وفيها عرف وقتي لزم حملها عليه إن كان عرفا للمستعمل وإلا فالشرعي وإلا فاللغوي العرفي وإلا فاللغوي الأصلي فإن أفتى الفقيه عند وجود العرف الوقتي باعتبار العرف الشرعي أو اللغوي العرفي أو اللغوي الأصلي وألغى العرف الوقتي فهو مخطئ وإن أفتى بالترتيب المذكور عند وجود العرف الوقتي فهو مصيب\rوثالثها أن المفتي إذا جاءه رجل يستفتيه عن لفظة من هذه الألفاظ وكان عرف بلد المفتي في هذه\rالألفاظ الطلاق الثلاث أو غيره من الأحكام لا يفتيه بحكم بلده بل يسأله هل هو من بلد أهل المفتي فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد أو هو من بلد آخر فيسأله حينئذ عن المشتهر في ذلك البلد فيفتيه به\r","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"ويحرم عليه أن يفتيه بحكم بلده كما لو وقع التعامل ببلد غير بلد الحاكم حرم على الحاكم أن يلزم المشتري بسكة بلده بل بسكة بلد المشتري إن اختلف السكتان فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها وبالإحاطة بها يظهر لك أن إجراء الفقهاء المفتين للمسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار إن كانوا فعلوا ذلك مع وجود عرف وقتي ففعلهم خطأ على خلاف الإجماع وهم عصاة آثمون عند الله تعالى غير معذورين بالجهل لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلا لها ولا عالمين بمداركها وشروطها واختلاف أحوالها وإن كانوا فعلوه مع عدم العرف الوقتي فليس بخطأ وسبب اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذه الألفاظ ومن بعدهم من العلماء هو اختلافهم في تحقيق وقوع النقل العرفي هل وجد فيتبع أم لم يوجد فيتبع\rموجب اللغة وإذا وجد النقل فهل وجد في أصل الطلاق فقط أو فيه مع البينونة أو مع العدد كما تقدم تقريره وإذا لم يوجد نقل عرفي وبقي موجب اللغة فهل يلاحظ نصوص اقتضت الكفارة في مثل هذه أو لا أو القياس على بعض الأحكام فيكون المدرك هو القياس لا النص فقد اتفقوا على هذه المدارك غير أنه لم يتضح وجودها عند بعضهم واتضح عند البعض الآخر وقع اختلافهم في الحكم فلو وقع اتفاقهم على وجودها لوقع الاتفاق على الحكم وارتفع الخلاف فلا تنافي بين صحة هذه المدارك وبين اختلافهم في وجودها وترتب الحكم عليها وكذلك مدرك من بعدهم من العلماء كالإمام مالك وسائر الأئمة وهو اعتبار العرف الوقتي إن كان وإلا فالشرعي وإلا فاللغوي وإلا فالأصلي لا القياس ولا النص بالاستقراء\rوالإجماع\r","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"أما الاستقراء فله وجهان أحدهما أنه لا يمكن أن يكون مدركهم في حملهم هذه الألفاظ على ما ذكروه من الإنشاء لا على ما تقتضيه اللغة من الخبر وهو القياس أو النص فإنا نعلم مسائل الطلاق وشرائط القياس وليس فيها ما يقتضي القياس على ما ذكروه ولا فيها آية من كتاب الله تعالى تقتضي أكثر مما قاله القائلون بالكفارة التي دلت عليها آية التحريم ولم نجد أحدا من العلماء في كتب الفقه والخلاف روى في هذه الأحكام حديثا عن أحد من الصحابة أو التابعين وقد وقعت هذه المسألة بينهم رضي الله تعالى عنهم بلا شبهة\rوثانيهما أن قاعدة الفقهاء وعوائد الفضلاء أنهم يجعلون ما ظفروا به وفقدوا غيره من المدرك المناسب للفرع معتمدا لذلك الفرع في حق الإمام المجتهد الأول الذي أفتى بذلك الفرع وفي حقهم أيضا في الفتيا والتخريج ونحن قد استقرأنا هذه المسائل فلم نجد لها مدركا مناسبا إلا اعتبار العرفي الوقتي إلخ فوجب\rجعل ذلك مدرك الأئمة إفتاء وتخريجا وعدم العدول عن ذلك كما يشهد لذلك أن مما أجمع عليه الفقهاء القياسون وأهل النظر والرأي والاعتبار أنا في كلام الشرع إذا ظفرنا بالمناسبة جزمنا بإضافة الحكم إليها مع تجويز أن لا يكون الحكم كذلك عقلا لأن الاستقراء أوجب لنا أن لا نعرج على غير ما وجدناه ولا نلتزم التعبد مع وجود المناسب فأولى أن نفعل ذلك في كلام غير صاحب الشريعة بل نحمل كلام العلماء على المناسب لتلك الفتاوى السالم عن المعارض نعم إذا وجدنا مناسبين تعارضا أو مدركين تقابلا فحينئذ يحسن التوقف\r","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"وأما الإجماع فقد قدمنا لك كلام الإمام أبي عبد الله المازري إمام الفقه وأصوله وحافظ متقن لعلم الحديث وفنونه وله في جميع ذلك اليد البيضاء والرتبة العالية المفيد أن سبب الخلاف في هذه المسألة ما ذكر فكفى به قدوة في مدرك هذه الفروع ومتعمدا في ضوابطها وتلخيصها وقد تابعه على ذلك جماعة من الشيوخ والمصنفين ولم نجد لهم مخالفا فكان ذلك إجماعا من أئمة المذهب فالتشكيك بعد ذلك إنما هو\rطلب للجهل الوبيل وسبيل لغواية التضليل والله أعلم\rالمسألة الرابعة\rيكون الإنشاء بالكلام النفساني كما يكون بالكلام اللساني ولذلك ثلاث صور الصورة الأولى الأسباب والشروط والموانع الشرعية إن شاء الله تعالى في إفرادها وما ورد من الكتاب والسنة في ذلك إنما هو أدلة على ما قام بذات الله تعالى من هذه الإنشاءات لا نفسها وإلا يلزم اتحاد الدليل والمدلول فأنشأ تعالى السببية في زوال الشمس لوجوب الظهر وأنزل قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس دالا على ما قام بذاته من هذا الإنشاء وكذلك إنشاء الشرطية في الزكاة وفي الحول وفي الصلاة في الطهارة والمانعية من الميراث في الكفر ومن الصلاة في الحدث وجعل ما ورد في ذلك دالا على ما قام بذاته من هذه الإنشاءات\rالصورة الثانية الأحكام الخمسة الشرعية وهي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة كلها قائمة بذاته تعالى عند أهل الحق والكتاب والسنة وغير ذلك من أدلة الشرع إنما هي أدلة على ما قام بذاته تعالى من ذلك وكذلك الواحد منا إذا قال لغلامه اسقني فقد أنشأ في نفسه إيجابا وطلبا للماء قبل\rالدلالة عليه بلفظه\r","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"وكذلك النهي وغير ذلك غير أن إنشاء الخلق لهذه الأمور حادث وفي حق الله تعالى قديم بمعنى أن الله تعالى في الأزل يوجب مثلا على من يمكن وجوده مجتمع الشرائط مزال الموانع فيتقدم منه تعالى الطلب على وجود المطلوب كما أن أحدنا يجد في نفسه طلب تحصيل العلم والفضائل من ولدان رزقه وهو الآن لا ولد له فيتقدم منا الطلب على وجود المطلوب وكون الإنشاء لا بد وأن يكون طارئا على الخبر كما مر إنما هو في الإنشاء والخبر اللغويين أما الكلام النفسي فواحد يختلف باختلاف متعلقاته فإن تعلق بأحد النقيضين الوجود أو العدم على وجه التبع فهو الخبر وإن تعلق بأحدهما على وجه الترجيح فإن كان طرف الوجود فهو الإيجاب أو في طرف العدم فهو التحريم أو تعلق بالتسوية بينهما فهو\rالإباحة ولا ترتيب بين هذه الأنواع بل بينها وبين أصل الكلام رتبة عقلية لا زمانية لأن العقل يقضي بتقديم العام على الخاص بالرتبة تقديما عقليا لا زمانيا فلا تلزم منافاة الأزل للكلام النفساني ولا الحدوث وكون هذه الأحكام إنشاءات لا إخبارات عن إرادة وقوع العقاب على من خالف وعصى يتضح بوجهين أحدهما أنها لا تقبل التصديق والتكذيب\rوثانيهما أنها لو كانت إخبارات عن إرادة العقاب للزم إما وجوب عقاب كل عاص وإما الخلف والثاني محال على الله تعالى والأول باطل لإجماعنا على حصول العفو في كثير من الصور التي لا تحصى وللنصوص الدالة على ذلك من الكتاب والسنة قال الله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وقال عليه الصلاة والسلام الندم توبة والإسلام يجب ما قبله وللصورة الثالثة اختلفت أقوال الأئمة في قوله تعالى جزاء الصيد يحكم به ذوا عدل منكم والصحيح قول مالك رحمه الله تعالى الواجب في الصيد مثله من النعم بطريق الأصالة ثم يقوم الصيد ويقع التخيير بين المثل والإطعام والصوم كما تقرر في كتب الفقه\rوأما قول الشافعي رضي الله تعالى عنه\r","part":1,"page":54},{"id":56,"text":"لا يتصور الحكم فيما أجمع عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فإن الحكم لا بد فيه من الاجتهاد والاجتهاد من مواقع الإجماع لا يصح لأنه سعي في تخطئة المجمعين فيكون العام مخصوصا بصور الإجماع فجوابه أن الحكمين في زماننا ينشئان الإلزام على قاتل الصيد ويكون مدركهما في ذلك هو الإجماع في الصورة المجمع عليها والنصوص والأقيسة في الصورة التي لم يجمع عليها فالحكم في زماننا عام في الجميع والنص باق على العموم ولا حاجة لتخصيصه ويوضح ذلك ما تقرر من الفرق بين الفتوى والحكم وبين المفتي والحاكم من أن الحكم إنشاء لنفس ذلك الإلزام إن كان الحكم فيه أو لنفس تلك الإباحة والإطلاق إن كان الحكم فيها كحكم الحاكم بأن الموات إذا بطل إحياؤه صار مباحا لجميع الناس والفتوى بذلك إخبار صرف عن صاحب الشرع وأن الحاكم ملزم والمفتي مخبر وأن نسبتهما لصاحب الشرع كنسبة نائب الأحكام والمترجم عنه فنائبه ينشئ أحكاما لم تقرر عند مستنيبه بل ينشئها على قواعده كما ينشئها\rالأصل\rولا يحسن من مستنيبه أن يصدقه فيما حكم به ولا يكذبه بل يخطئه أو يصوبه باعتبار المدرك الذي اعتمده والمترجم يخبر عما قاله الحاكم لمن لا يعرف كلام الحاكم لعجمته أو لغير ذلك من موانع الفهم فللحاكم أن يصدقه إن صدق ويكذبه إن كذب وقد وضع الأصل في هذا الفرق كتابا نفيسا فيه أربعون مسألة تتعلق بتحققه سماه بالأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وأما قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه النص باق على عمومه غير أن الواجب في الصيد إنما هو القيمة على طريق الفاصل الشاهد مستدلا بأربعة أمور أحدها أن الجزاء جعله قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم للمثل لا للصيد نفسه فالنعم واجبة في المثل الذي هو القيمة لا للصيد نفسه\r","part":1,"page":55},{"id":57,"text":"وثانيها أنه يلزم على جعل الجزاء للمثل لا للصيد أن قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم عام في جميع أنواع الصيد لا خاص بما لا مثل له من النعم كالعصافير والنمل وغيرها بخلاف جعل الجزاء للصيد لا للمثل وعدم التخصيص أولى\rوثالثها أن الله تعالى اشترط الحكمين وذلك إنما يتأتى باقيا على عمومه إذا جعلنا الجزاء للمثل لا إذا جعلناه للصيد إذ لا يلزم من إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على تقويم صيد أن لا نقومه نحن بعد ذلك لاختلاف القيمة في أفراد النوع الواحد ولا يغني تقويم عن تقويم فيبقى العموم على عمومه في الصحابة ومن بعدهم\rويلزم بعد إجماع الصحابة على أن في الضبع شاة وفي البقرة الوحشية بقرة وفي النعامة بدنة وغير ذلك من الصور التي يفرض حصول الاجتماع فيها أن ذلك يتعين ولا يبقى للحكم منا والاجتهاد بعد ذلك معنى ألبتة إلا في الصور التي لم يجمع فيها الصحابة كالفيل وغيره من أفراد الصيد فيلزم التخصيص وهو على خلاف الأصل\rورابعها أن الصيد متلف يوم المتلفات فتجب فيه القيمة كسائر المتلفات فجوابه عن الأمر الأول أن الآية كما قرئت فجزاء مثل بالإضافة فصارت محتملة لما ذكرناه ولما ذكرتموه كذلك قرئت فجزاء بالتنوين و مثل ما قتل من النعم نعت له فتكون صريحة فيما ذكرناه من كون الجزاء للصيد للمثل فيجب حملها على ما ذكرناه جمعا بين القراءتين\r","part":1,"page":56},{"id":58,"text":"وهو أولى من التعارض وعن الأمر الثاني أن الضمير في قوله تعالى ومن قتله يحمل على الخصوص ويبقى الظاهر وهو مرجعه في قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم على عمومه من غير تخصيص كما في قوله تعالى إلا أن يعفون خاص بالرشيدات والمطلقات مرجعه على عمومه من غير تخصيص وكذلك قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن خاص بالرجعيات مع بقاء المطلقات مرجعه على عمومه وعن الأمر الثالث ما تقدم من أن الحكمين ينشئان الإلزام وأنه لا ينافي حكم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إذ لو نافاه وكان ردا لحكمهم لكان حكمهم أيضا ردا على رسول الله\rصلى الله تعالى عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام حكم في الضبع بشاة أيضا وعن الأمر الرابع أن جزاء الصيد ليس من باب الجوابر بل من باب الكفارات لأنه تعالى سماه كفارة في قوله سبحانه وتعالى أو كفارة طعام مساكين فبطل القياس إذا تقرر هذا كله وثبت أن حكم ذوي العدل منكم في الصيد من مسائل الإنشاء لا الخبر لم يبق إشكال بين إجماع الصحابة السابق والحكم اللاحق فتفطن والله سبحانه وتعالى أعلم\rقال\rالمسألة الخامسة اختلف العلماء في الطلاق بالقلب من غير نطق إلى آخر المسألة\rقلت ما قاله في ذلك صحيح ظاهر\rالمسألة الخامسة اختلف العلماء في الطلاق بالقلب من غير نطق واختلفت عبارات الفقهاء فيه والعبارة الحسنة ما في الجواهر من أن معنى ذلك الكلام النفساني يعني أنه إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفساني ولم يلفظ به بلسانه فهو موضع الخلاف لا ما في عبارة الجمهور من أن معناه أن في الطلاق بالنية قولين وما في عبارة الجلاب من أن معناه أن من اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ففيه قولان فإن من\rنوى طلاق امرأته وعزم عليه وصمم ثم بدا له لا يلزمه طلاق إجماعا وكذلك من اعتقد أن امرأته مطلقة وجزم بذلك ثم تبين له خلاف ذلك لم يلزمه طلاق إجماعا\r","part":1,"page":57},{"id":59,"text":"قلت فمن هنا نقل البناني عن التوضيح ما نصه الخلاف إنما هو إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفساني والقول بعدم اللزوم لمالك في الموازية وهو اختيار ابن عبد الحكم وهو الذي ينصره أهل المذهب القرافي وهو المشهور والقول باللزوم لمالك في العتبية قال في البيان والمقدمات وهو الصحيح وقال ابن رشد هو الأشهر ابن عبد السلام والأول أظهر لأن الطلاق حل للعصمة المنعقدة بالنية والقول فوجب أن يكون حلها كذلك إنما يكتفى بالنية في التكاليف المتعلقة بالقلب لا فيما بين الآدميين\rا ه ولذا اقتصر على الأول العلامة الأمير في مجموعه حيث قال لا بالكلام النفسي على الراجح وقال القاضي أبو الوليد بن رشد إن اجتمع النفساني واللساني لزم الطلاق فإن انفرد أحدهما عن صاحبه فقولان ا ه فالنية في اصطلاح أرباب المذهب تطلق بالاشتراك اللفظي على القصد وعلى الكلام النفساني فإنهم يقولون صريح الطلاق لا\rيحتاج إلى النية إجماعا وهو يحتاج إلى النية إجماعا وفي احتياجه إلى النية قولان وظاهره التناقض لكنهم يريدون بالأول قصد استعمال اللفظ في موضعه فإن ذلك لا يحتاج إليه إلا في الكناية دون التصريح ويريدون بالثاني القصد للنطق بصيغة التصريح احترازا عن النائم ومن يسبقه لسانه\rويريدون بالثالث الكلام النفساني وكما وقع الخلاف في انعقاد الطلاق بإنشاء كلام النفس وحده أو لا بد من اللفظ كذلك وقع الخلاف في اليمين ومن هنا يظهر أن ما في الجلاب وغيره من قياس لزوم الطلاق بكلام النفس عن الإيمان والكفر فإنه يكفي فيهما كلام النفس فاسد من وجوه أحدها أن الطلاق إنشاء وهما لا يقعان إلا بالإخبار والاعتقاد\rوثانيها أن الاعتقاد من باب العلوم والظنون لا من باب الكلام والبابان مختلفان فلا يقاس أحدهما على الآخر\r","part":1,"page":58},{"id":60,"text":"وثالثها أنه على الصحيح من أن الإيمان لا يكفي فيه مجرد الاعتقاد بل لا بد معه من النطق باللسان مع الإمكان على مشهور مذهب العلماء كما حكاه القاضي عياض في الشفاء وغيره كان اللازم أن يقال في القياس على فرض تسليم أن البابين واحد يجب أن يفتقر الطلاق إلى اللفظ قياسا على الإيمان بالله تعالى\rقال المسألة السادسة في بيان\rالفرق بين الصيغ التي يقع بها الإنشاء الواقع اليوم في العادة إن الشهادة تصح بالمضارع إلى آخر المسألة قلت ما قاله في هذه المسألة من اعتبار معينات الألفاظ مبني على مذهب من يشترطها كما قال فيصح تنقل العادات فيها بحسب العرف الحادث كما ذكر والله أعلم\rالمسألة السادسة","part":1,"page":59},{"id":61,"text":"فرق الفقهاء بين الشهادة تصح بالمضارع دون الماضي واسم الفاعل فيقبل قول الشاهد أشهد بكذا دون قوله شهدت بكذا وأنا شاهد بكذا وبين البيع والطلاق ينعقد الأول بالماضي كبعتك بكذا ولا ينعقد بالمضارع كأبيعك بكذا أو أبايعك بكذا عند من يعتمد على مراعاة الألفاظ كالشافعي لا عند من يقول بانعقاد البيع بمجرد المعاطاة ويقع إنشاء الثاني بالماضي نحو طلقتك ثلاثا واسم الفاعل نحو أنت طالق ثلاثا دون المضارع نحو أطلقك ثلاثا سببه النقل العرفي من الخبر إلى الإنشاء فأي شيء نقلته العادة لمعنى صار صريحا في العادة لذلك المعنى بالوضع العرفي فيعتمد الحاكم عليه كما يستفتى المفتي عن طلب النية معه لصراحته وما لم تنقله العادة لإنشاء ذلك المعنى يتعذر الاعتماد عليه لعدم الدلالة اللغوية والعرفية فنقلت العادة في الشهادة المضارع وحده وفي الطلاق والعتاق اسم الفاعل والماضي فإن اتفق تجدد عادة أخرى في وقت آخر تقتضي نسخ هذه العادة اتبعنا الثانية وتركنا الأولى ويصير الماضي في البيع والمضارع في الشهادة على حسب ما تجدده العادة وبهذا يظهر أن مالكا رحمه الله تعالى في قوله ما عده الناس بيعا فهو بيع نظر إلى أن المدرك هو تجدد العادة نعم للشافعية أن يقولوا إن ذلك مسلم ولكن يشترط وجود اللفظ المنقول أما مجرد الفعل والمعاطاة الذي يقصده مالك فممنوع وصل في ثمان مسائل مستحسنة في بابها توضح الخبر\rالمسألة الأولى\r","part":1,"page":60},{"id":62,"text":"قد قدمنا أن الصدق مطابقة النسبة الكلامية للنسبة الخارجية والكذب عدمها وقد وقع الخلاف في المراد بعدمها فذهب الأصل إلى أن المراد عدم المطابقة بالفعل بأن يوجد في نفس الأمر المخبر عنه على خلاف ما في الخبر كمن قال زيد قائم وهو ليس بقائم أو بالقوة بأن لا يوجد في نفس الأمر شيء ألبتة فيصدق أيضا عدم المطابقة لكن لا لمخالفته لما وجد كما في الأول بل لعدم ما يطابقه الخبر نظرا إلى أن السالبة تصدق مع عدم وجود الموضوع فافهم وذهب الفخر الرازي وغيره إلى أن المراد عدم المطابقة بالفعل قال ابن الشاط وهذا هو الأصح وثمرة الخلاف أن من قال كل ما تكلمت به في جميع عمري كذب لا يخلو إما أن يكون تكلم قبل هذا الكلام أو لم يتكلم فإن تكلم فلا يخلو إما أن يكون تكلم بكذب فقط أو بصدق فقط أو بصدق وكذب معا فإن كان تكلم بكذب فقط فكلامه هذا صادق قطعا وإن كان تكلم بصدق فقط أو بصدق وكذب معا فكلامه هذا كاذب قطعا سواء أراد أن كل ما قاله ما عدا هذا الخبر وهو ظاهر أو أراد حتى هذا الخبر لإخباره بقضية كلية تقتضي شمول الكذب جميع أقواله في جميع عمره\rوهو قد فرض صادقا فقط فيما عدا هذا الخبر أو صادقا وكاذبا معا لا كاذبا فقط وإن لم يتكلم قبل هذا الكلام فكلامه هذا كذب على الأول ولا صدق ولا كذب على الثاني وكذلك إذا قال كل ما قلته في هذا البيت كذب ولم يقل شيئا في ذلك البيت قبل هذا القول يكون كلامه هذا كذبا على الأول ولا صدقا ولا كذبا على الثاني\r","part":1,"page":61},{"id":63,"text":"فعلى الثاني تثبت الواسطة ويكون في الإخبار ما ليس بصدق ولا كذب ويبطل حينئذ حد الخبر أو رسمه بما مر من أنه القول الذي يلزمه الصدق أو الكذب لأنه غير جامع لعدم شموله الواسطة فيرسم بنحو القول الذي يقصد قائله تعريف المخاطب بأمر ما وإن كان فيه حد الشيء بنفسه لأن التعريف هو الإخبار نظرا لكون هذه الرسوم تقريبا لا تحقيقا إذ التحقيق أن كلا من الإنشاء والخبر معروف لا يحتاج لتعريف وعلى الأول لا تثبت الواسطة ويكون حد الخبر أو رسمه بما مر جامعا مانعا نعم قد يقال بثبوت الواسطة على الأول إذا قال كل ما قلته في هذا البيت كذب ولم يقل شيئا في هذا البيت قبل هذا القول ثم قال كل ما قلته في هذا البيت صدق وذلك أن الأول يقتضي أنه إذا قال كل ما قلته في هذا البيت صدق يكون خبره ذلك كاذبا إذ الفرض أنه لم يقل في ذلك البيت شيئا ويلزم ذلك أن إخباره عما قاله في البيت بأنه صدق وبأنه كذب إخبار كذب مع أن الصدق والكذب خبران وقد أخبر بهما عن مخبر واحد فلا بد أن يصدق أحد خبريه ويكذب الآخر وإلا أدى ذلك إلى اجتماع الضدين\rولا يتأتى الجواب بأن إجماعهما هنا لم يكن في ثبوت حتى يمتنع بل في نفي والاجتماع في النفي غير ممتنع إلا بإثبات الواسطة ضرورة أن الضدين المنحصرين كالنقيضين لا يصح اجتماعهما في ثبوت ولا انتفاء\rا ه كلام ابن الشاط فتأمله وما تقدم من الاكتفاء في حقيقة الكذب بعدم المطابقة للمخبر عنه في كلا القولين وإن لم يقصد إلى عدم مطابقته هو مذهب الجمهور وذهب الجاحظ وغيره إلى أن حقيقة الكذب يشترط فيها القصد إليه وعدم\rالمطابقة فالخبر على رأي هؤلاء ثلاثة أقسام صدق وهو المطابقة وكذب وهو غير المطابقة الذي قصد إلى عدم مطابقته وواسطة بينهما وهو غير المطابق الذي لم يقصد إلى عدم مطابقته وهذا القسم لا يلزمه عندهم صدق ولا كذب فلا يشمله تعريف الخبر السابق لنا على أن المراد في المسألة الظن\r","part":1,"page":62},{"id":64,"text":"قوله صلى الله تعالى عليه وسلم كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع فدل جعله كاذبا إذا حدث بكل ما سمعه مع كونه غير مطابق في الغالب وإن كان لم يعرفه حتى يقصد إليه على أن القصد في الكذب غير معتبر وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فدل من حيث إن مفهومه أن من كذب غير متعمد لا يستحق النار على تصور حقيقة الكذب من غير قصد إليه وهو المطلوب وعلى أن المراد في المسألة القطع لا حجة لهم في قوله تعالى أفترى على الله كذبا أم به جنة فإن الكفار قسموا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى نوعي الكذب وهما المفترى الذي اخترعه الكاذب من نفسه ولم يسمعه من غيره وغير المفترى الذي تبع فيه غيره لا أنهم قسموا الكلام إلى كذب وغيره حتى يحصل مقصود الخصم نعم نسبة الجنون إلى من اتبع غيره في قوله الكاذب في غاية البعد فافهم قلت والتحقيق أن المبالغة في نحو قولك جئتك ألف ألف مرة كذب ولو على غير مذهب الجمهور إن قصد بها ظاهر الكلام لأنها لم تطابق الواقع وصدق إن قصد بها المبالغة في الكثرة أو\rاستعمل لفظها في مطلق الكثرة مجازا لعلاقة الخصوصية أما على الثاني فظاهر على الراجح من وضع المجاز لمعناه وأما على الأول فلأن مرادهم أن الصدق مطابقة حكم الخبر الذي تضمنه المعنى المراد للواقع لا خصوص المعنى الوضعي فتدبر\rالمسألة الثانية\rقال الإمام فخر الدين في باب الإخبار إن قولك إذا فرضت صدق زيد مثلا على الإطلاق زيد ومسيلمة الحنفي صادقان أو كاذبان في قوة خبرين تقديرهما على الأول زيد صادق ومسيلمة صادق وعلى الثاني زيد كاذب ومسيلمة كاذب فيصدق مفهوم الكذب في مسيلمة ويكذب في زيد ومفهوم الصدق بالعكس لا خبر واحد حتى يلزمه ارتفاع الصدق والكذب لاستحالة أن يكون صادقا وإلا لصدق مسيلمة في قولك هما صادقان أو لكذب زيد في قولك هما كاذبان وأن يكون كاذبا وإلا لصدق مسيلمة على الأول أو لكذب زيد على الثاني\r","part":1,"page":63},{"id":65,"text":"ا ه ولا يخفى أنه يبطل بتضييق الفرض بأن نقول المجموع صادق أو كاذب ونجعل الخبر عن المجموع وهو مفرد في اللفظ أو يقول المتكلم أردت المجموع والإخبار عنه ولم أرد الإخبار عن كل واحد منهما فالحق كما أشار إليه الفخر أن نلتزم في هما صادقان أو هما كاذبان أن الخبر كذب لأن المتكلم أخبر في الأول عن حصول المطابقة في المجموع وفي كل واحد منهما وفي الثاني عن ثبوت عدم المطابقة في المجموع وفي كل واحد منهما وليس الأمر كذلك لانتفاء حقيقة كل من الصدق والكذب بانتفاء جزئها فتنتفي المطابقة في المجموع بنفيها في أحدهما وكذلك ينتفي ثبوت عدم المطابقة في المجموع بنفيه في أحدهما ولا شك في انتفاء المطابقة أو ثبوت عدمها في واحد\rمنهما فيكون الحق نفي ذلك في المجموع إذ لا فرق بين مجموع الوجودين ومجموع العدمين في قولك الوجود يشمل زيدا وعمرا وقولك العمد يشمل زيدا وعمرا في كون كل ينتفي بانتفاء جزئه بأن يعدم أحدهما في الأول ويوجد في الثاني فيكون الخبر كذبا فافهم والله أعلم\rالمسألة الثالثة\rالفرق بين وعد الله تعالى ووعيده محال عقلا سواء أريد بهما صورة اللفظ وما دل عليه بوضعه اللغوي من العموم أو أريد بهما من أريد بالخطاب ومن قصد بالإخبار عنه بالنعيم أو العقاب أما على الأول فإنهما سواء في جواز دخول التخصيص فيها فجميع إخبارات الوعيد والوعد يخرج منها من لم يرد باللفظ\rويبقى المراد ألا ترى أنه كما دخل التخصيص في وعيده تعالى بقوله تعالى ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره بمن عفي عنه تفضلا أو بالتوبة أو غير ذلك فلم ير شرا مع عمله له كذلك دخل التخصيص في وعده تعالى بقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره بمن حبط عمله بردته وسوء خاتمته أو أخذت أعماله في الظلامات بالقصاص وغيره فلم ير خيرا مع أنه عمله\r","part":1,"page":64},{"id":66,"text":"وأما على الثاني فلأنه يستحيل أن لا يقع مخبره تعالى من وعيد أو وعد على من أراده تعالى بخبره وإلا لحصل الخلف المستحيل عقلا على الله تعالى بل يجب حصول النعيم أو العذاب لمن أراده الله تعالى بالإخبار عن نعيمه أو عقابه لئلا يلزم الخلف نعم يمكن أن يراد بالوعيد صورة العموم فيكون قابلا للتخصيص وبالوعد من أريد بالخطاب فيتعين فيه الوفاء بذلك الموعود وعليه يندفع المحال في الفرق بينهما ويصح ما وقع لابن نباتة في خطبة\rالحمد لله الذي إذا وعد وفى وإذا أوعد تجاوز وعفا نظرا لما جرت العوائد به من التمدح بالوفاء في الوعد والعفو في الوعيد كما في قول الشاعر وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي إذ يمكن أن يخرج لكلامه وجه وهو أن وعد الله لا يخصصه إلا الردة لا غير ووعيده يخصصه الإيمان وهو نظير الردة والتوبة والشفاعة والمغفرة ولا مقابل لها في جهة الوعد فلما كانت مخصصات الوعد أقل من مخصصات الوعيد صح أن يفرق بينهما بما ذكر وليس من الإيهام الممنوع إيهام مثل هذا أن الله تعالى يعفو عمن أريد بالوعيد ولا يقتصر المفهوم على التخصيص فقط كما جرت به العادة من التمدح بالعفو وإن أكذب أحدنا نفسه كما قال الشاعر لمخلف إيعادي فإن الكذب جائز علينا ونمدح به ويحسن منا في مواطن وهو محال على الله تعالى فبطلت كليته الكبرى التي هي شرط إنتاج الشكل الأول في القياس القائل مثل قول ابن نباتة المذكور إطلاق لما يوهم محالا على الله تعالى وإطلاق ما يوهم محالا على الله تعالى حرام فمثل قول ابن نباتة المذكور حرام فافهم والله أعلم\rقال شهاب الدين\rالمسألة الرابعة\r","part":1,"page":65},{"id":67,"text":"إذا قلنا الإنسان وحده ناطق وكل ناطق حيوان فإنه ينتج الإنسان وحده حيوان وهذا كذب قلت أجاب بأن قول القائل الإنسان وحده ناطق في قوة مقدمتين موجبة وسالبة وأكمل جوابه بناء على ذلك وهو جواب حسن ولقائل أن يجيب بأن المقدمة الأولى لما قيد موضوعها بوحده كان يجب أن يذكر الموضوع في الثانية مقيدا بقيده ولو ذكر كذلك لظهر الفساد في المقدمة الثانية إذ ليس الإنسان وحده حيوانا بل هو وغيره ففساد النتيجة لفساد إحدى المقدمتين وهذا الجواب مغن عن الجواب الأول مع أنه حسن\rالمسألة الرابعة إنما كذبت نتيجة المقدمتين الصادقتين في الشكل الأول المنتظم بنحو قولك الإنسان وحده ناطق وكل ناطق حيوان ينتج الإنسان وحده حيوان وهذا خبر كاذب إذ ليس الإنسان وحده حيوانا بل هو وغيره لأحد أمرين\rالأول أن المقدمة الأولى في الشكل المذكور مقدمتان موجبة وهي الإنسان ناطق وسالبة وهي مدلول وحده لغة وهي غير الإنسان غير ناطق فباعتبار مجموع المقدمتين والسالبة فقط في صغرى القياس المذكور صار كذب النتيجة لعدم إيجاب الصغرى الذي هو من شرط إنتاج الشكل الأول أما على اعتبار السالبة فقط فظاهر\r","part":1,"page":66},{"id":68,"text":"وأما على اعتبار المجموع فلأن الإيجاب مع النفي غير الإيجاب وحده إذ الشيء مع غيره في نفسه على أنه لا قياس عن ثلاث مقدمات واعتبار الموجبة فقط يقتضي عدم ذكر وحده في النتيجة فافهم الأمر الثاني أن المقدمة الأولى لما قيد موضوعها بوحده كان يجب أن يقيد موضوع الثانية بقيد موضوع الأولى أيضا ولو قيد كذلك لظهر فساد الثانية إذ ليس الإنسان وحده حيوانا بل هو وغيره ففساد النتيجة لفساد إحدى المقدمتين قلت وهذا الأمر الثاني أولى من الأمر الأول إذ ربما قيل على الأول بعدم تسليم كون مدلول وحده لغة الذي هو غير الإنسان غير ناطق قضية سالبة بل هي موجبة معدولة الطرفين فافهم المسألة الخامسة كذب نتيجة المقدمتين الصادقتين في الشكل الأول المنتظم بنحو قولك الفول يغذو الحمام والحمام يغذو البازي ينتج الفول يغذو البازي وهذا خبر كاذب إذ البازي لا يأكل إلا اللحم إنما هو من جهة فوات شرط الإنتاج الذي هو اتحاد الوسط فإن ضابط اتحاده في الشكل الأول أن تأخذ عين خبر المقدمة الأولى فتجعله مبتدأ في الثانية وهنا لم تأخذه بل أخذت مفعوله وجعلته مبتدأ في الثانية ونظيره أن تقول زيد مكرم خالدا وخالد مكرم عمرا ينتج زيد مكرم عمرا وذلك غير لازم لجواز أن يكون زيد عدوا لعمرو فلم يكرمه فظهر أنه متى أخذت مفعول الوسط بطل الإنتاج ومتى أخذته نفسه فهو الذي يحصل به الإنتاج ويصدق معه الخبر الناشئ من القياس\rقال\rالمسألة السادسة\rتقول كل زوج عدد والعدد إما زوج أو فرد إلى آخر المسألة قلت ما ذكره من الجواب صحيح ظاهر المسألة السادسة كذب نتيجة المقدمتين الصادقتين في الشكل الأول المنتظم بنحو قولك كل زوج عدد والعدد إما زوج أو فرد ينتج الزوج إما زوج أو فرد وهذا خبر كاذب إذ الشيء لا ينقسم إلى نفسه وغيره\r","part":1,"page":67},{"id":69,"text":"إنما هو من جهة أنك إن أردت بلفظ العدد في المقدمة الثانية العدد في أي حالة كان معنى كلامك العدد حالة كونه زوجا أو حالة كونه فردا هو منقسم إلى الزوج والفرد وقد علمت أن الشيء لا ينقسم إلى نفسه وغيره فهذه المقدمة كاذبة ضرورة على هذا التقدير وإن أردت بلفظ العدد العدد من حيث الجملة كان إشارة إلى القدر المشترك بين جميع الأعداد وانقسام القدر المشترك إلى أنواع صادق فصدقت المقدمة الثانية على هذا التقدير إلا أنها جزئية فإن المشترك يكفي في تحققه صورة واحدة ولأن كلية المنفصلة إنما تكون عند أرباب المنطق إذا سورت بما يشير إلى أن ذلك الحكم ثابت لذلك المحكوم عليه في جميع الأحوال وعلى جميع التقادير وشرط الإنتاج كلية المقدمة الثانية فظهر أن كذب النتيجة إما لكذب المقدمة الثانية وإما لفوات شرط الإنتاج الذي هو كليتها قال\rالمسألة السابعة\rتقول الوتد في الحائط والحائط في الأرض فالوتد في الأرض إلخ قلت ما ذكره في الجواب أيضا صحيح ظاهر الأقولة وكقوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو إنما يعبد فوق ظهرهما فاللفظ حقيقة فإن الفوقية الحقيقية تقتضي الاستقرار والاستقرار يقتضي المماسة وذلك من صفات الحوادث فإن كان أراد ظاهر ذلك اللفظ فهو خطأ\rالمسألة السابعة إذا قلنا إن معنى تسمية الزمان والمكان ظرفين ليس هو غيبة المظروف فيهما وإحاطتهما به كما هو مقتضى ما يعتقده كثير من النحاة من الظرفية الحقيقية نظرا إلى أن معنى الزمان إما اقتران حادث بحادث والاقتران نسبة وإضافة لم تحط بزيد كإحاطة ثوبه إنما هي في ذينك الحادثين لا تتعداهما وإما حركات الأفلاك والحركة قائمة في الفلك لم تحط بزيد وغيره من حوادث الأرض بل المحيط هو الفلك\r","part":1,"page":68},{"id":70,"text":"وحده وأن نحو زيد عندك حقيقة وإن لم يغب في المكان الذي أنت فيه والمراد بقوله تعالى له ما في السماوات وما في الأرض له ما على ظهرهما كان الخبر الناشئ من المقدمتين في نحو قولك الوتد في الحائط والحائط في الأرض ينتج الوتد في الأرض صادقا لا إشكال فيه وإن قلنا معنى ذلك غيبة المظروف فيهما وإحاطتهما به كما يقتضيه الظرفية الحقيقية كان الخبر المذكور كاذبا فإن الوتد ليس في الأرض إلا أن كذبه من جهة فوات شرط الإنتاج الذي هو اتحاد الوسط فإنك هنا لم تأخذ عين خبر المقدمة الأولى فتجعله مبتدأ في الثانية كما هو ضابط الاتحاد بل مفعوله بواسطة حرف الجر وجعلته مبتدأ في الثانية على أنا لا نسلم كذب الخبر الناشئ عن المقدمتين المذكورتين على هذا التقدير بل هو صادق لأن المقدمة الثانية وهي الحائط في الأرض إن كانت حقيقة وإن كانت جملة الحائط في الأرض كان الوتد في الأرض خبرا حقا كقولنا المال في الصندوق الناشئ عن قولك المال في الكيس والكيس في الصندوق وإن كانت مجازا من باب إطلاق الكل على الجزء من حيث إن الحائط لم يغب بجملته في الأرض بل أبعاضه كان الخبر المذكور وهو الوتد في الأرض مجازا أيضا لعلاقة المجاورة فافهم\rالمسألة الثامنة\rبغياب شرط الإنتاج الذي هو اشتراك المقدمتين في الوسط لزم كذب النتيجة مع صدق المقدمتين فيما يستدل به على أن كل ما في العالم ذهب وياقوت وحيوان وكذا على قولنا هذا الجبل ذهب بنحو لأن كل من قال إنه ذهب قال إنه جسم وكل من قال إنه جسم صادق ينتج أن كل من قال إنه ذهب\r","part":1,"page":69},{"id":71,"text":"صادق فلم يلزم بكذبها المحال وهو إنتاج الصادق الخبر الكاذب المؤدي لبطلان باب الاستدلال على أنا لو قلنا في الاستدلال المذكور لأن القائل بأنه ذهب قائل بأنه جسم صادق ينتج أن كل قائل بأنه ذهب صادق وسلمنا عدم فوات شرط الإنتاج المذكور حينئذ أجيب بوجوه ثلاثة أحدها أن الكلام مبني على التقدير لا على نفس الأمر ولا محذور في التزام أن الجبل ذهب على سبيل الفرض ولا في كون المحال في النتيجة نشأ عنه وثانيها أنا لا نسلم أن القائل بأنه ذهب قائل بأنه جسم إذ يجوز في المحال أن يلزمه المحال وهو كون الذهب ليس بجسم فتبطل المقدمة الأولى فلا تلزم النتيجة\rوثالثها أنا وإن سلمنا أنه صادق إلا أنا لا نسلم صحة المقدمات ضرورة أنه ليس بصادق في كل من قوله أنه ذهب وقوله أنه جسم بل هو صادق في الثاني دون الأول فلم يحصل مقصود السائل من أنه صادق في قوله إنه ذهب لا سيما وقولنا صادق لفظ مطلق يصدق بفرد وصورة واحدة وهي قوله إنه جسم فاندفع الإشكال والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث بين قاعدة الشروط اللغوية وقاعدة غيرها\rمن الشروط العقلية والشرعية والعادية وبين كل واحد منها مع الآخر منها فالمقصود هنا جهتان الجهة الأولى الفرق بين سائر الشروط وهو أن ارتباط الشرط بالمشروط إن كان معناه أنه من حقيقة المشروط ارتباط ذلك الشرط به فهو الشرط العقلي كالحياة مع العلم أو أن الله ربط هذا الشرط ومشروطه بكلامه الذي نسميه خطاب الوضع فهو الشرط الشرعي كالطهارة مع الصلاة أو أن الله تعالى ربط هذا الشرط بمشروطه بقدرته ومشيئته فهو الشرط العادي كالسلم مع صعود السطح أو أن واضع اللغة ربط هذا الشرط بمشروطه أي جعل هذا الربط اللفظي دالا على ارتباط معنى اللفظ بعضه ببعض فهو الشرط اللغوي كالدخول المعلق عليه الطلاق في نحو إن دخلت الدار فأنت طالق والجهة الثانية الفرق بين\r","part":1,"page":70},{"id":72,"text":"القاعدتين المذكورتين المبني على اصطلاح أصولي يفتقر لبيان\rالفرق بين الشرط والسبب والمانع عند الأصوليين وليس ذلك بمتفق عليه فقد ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى خلافه فالسبب يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته فخرج بقيد من وجوده الوجود الشرط إذ لا يلزم من وجوده شيء وبقيد ومن عدمه العدم المانع إذ لا يلزم من عدمه شيء وبقيد لذاته السبب المقارن وجوده لعدم الشرط أو لوجود المانع فلا يلزم الوجود أو الذي أخلفه حال عدم سبب آخر فلا يلزم العدم والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ولا يشتمل على شيء من المناسبة في ذاته بل في غيره فخرج بقيد يلزم من عدمه العدم المانع فلا يلزم من عدمه شيء وبقيد ولا يلزم من وجوده إلخ السبب إذ يلزم من وجوده الوجود وبقيد لذاته الشرط المقارن وجوده لوجود السبب فيلزم الوجود لأجل السبب لا لذات الشرط أو لقيام المانع فيلزم العدم لأجل المانع لا لذات الشرط وبقيد ولا يشتمل على شيء إلخ جزء العلة فهو وإن كان يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم أيضا إلا أنه مشتمل على جزء المناسبة فإن جزء المناسب مناسب والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجوده ولا عدم لذاته فخرج بقيد يلزم من وجوده العدم بسبب وبقيد ولا يلزم إلخ الشرط وبقيد لذاته المانع المقارن عدمه لعدم الشرط فيلزم العدم أو الوجود السبب فيلزم الوجود ولا","part":1,"page":71},{"id":73,"text":"يلزمه لذاته شيء من ذلك فالمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه والزكاة تصلح مثالا للثلاثة فالنصاب سبب والحول شرط والدين مانع وبظهور هذه الحقائق الثلاثة يظهر أن قاعدة الشرط اللغوية التي هي التعاليق كقولنا إن دخلت الدار فأنت طالق أنها أسباب يلزم من وجودها كالدخول في المثال وجود مشروطها كالطلاق ويلزم من عدمها عدم المشروط أي من عدم الدخول عدم الطلاق إلا أن يخلفه سبب آخر كالإنشاء بعد التعليق كما هو شأن السبب وقاعدة كل من الشروط العقلية كالحياة مع العلم والشرعية كالطهارة مع الصلاة والعادية كالسلم مع صعود السطح أنه يلزم من عدمها عدم مشروطها ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم لمشروطها فقد يوجد مشروطها عند وجودها كوجوب الزكاة عند دوران الحول الذي هو شرط وقد يعلم لمقارنة الدين لدوران الحول مع وجود النصاب فإطلاق لفظ الشرط على ما عدا اللغوية حقيقة قطعا وعلى اللغوية يمكن أن يقال حقيقة أيضا بطريق الاشتراك لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة وأن يقال مجازا لأنه أرجح من الاشتراك وأن يقال بطريق التواطؤ بأن يدعي وضعه للقدر المشترك بين الجميع وهو توقف الوجود على الوجود مع قطع النظر عما عدا ذلك فإن كلا من المشروط العقلي والشرعي والعادي يتوقف دخوله في الوجود على وجود شرطه ووجود شرطه لا يقتضيه المشرط اللغوي يتوقف وجوده على وجود شرطه ووجود شرطه يقتضيه ثم إن ما عدا العقلي من الشروط من حيث إن ربطها بمشروطها بالوضع تقبل الإبدال والإخلاف والإبطال إذ لا يمتنع رفع ذلك الربط فمثال الإبدال والإخلاف في\r","part":1,"page":72},{"id":74,"text":"الشرط اللغوي أن يقول لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا يقول لها أنت طالق ثلاثا فتقع الثلاث بالإنشاء بدلا عن الثلاث المعلقة أو تقول لشخص إن أتيتني بعبدي الآبق فلك هذا الدينار ثم تعطيه الدينار قبل أن يأتي بالعبد هبة فتخلف الهبة استحقاقه إياه بالإتيان بالعبد ومثال الإبطال فيه أن ينجز الطلاق إبطالا للتعليق أن يتفق الجاعل والمجعول له على فسخ الجعالة وقس على ذلك العادي والشرعي فإن كلا من العادة والشرع قد يبطل الشرطية في نحو السلم والطهارة والستارة عند معارضة التعذر أو غيره وقد أخلف الشرع الطهارة المائية بالترابية وأخلفت العادة السلم برفع الشخص في التابوت بآلة جذب الأثقال والشرط العقلي من حيث إن ربطه بمشروطه ذاتي لا بالوضع لا يقبل البدل والإخلاف ولا إبطال الشرطية كما لا يقتضي وجوده وجود المشروط بخلاف اللغوي فالفرق بين اللغوي وغيره من الشروط ثلاثة اقتضاؤه الوجود والبدل والإبطال بخلاف غيره فإنه قد لا يقتضي الثلاثة وقد لا يقتضي الوجود وإن اقتضى البدل والإبطال فافهم\rفصل في ثمانية مسائل من الشروط اللغوية فيها مباحث دقيقة وأمور غامضة وإشارات شريفة تتضح بها قاعدة الشروط اللغوية تمام الاتضاح المسألة الأولى أنشد بعض الأفاضل ما يقول الفقيه أيده الله ولا زال عنده إحسان في فتى علق الطلاق بشهر قبل ما قبل قبله رمضان والبيت الثاني وإن كان بيتا واحدا إلا أنه من نوادر الأبيات فإنه مع صعوبة","part":1,"page":73},{"id":75,"text":"معناه ودقة مغزاه إما أن يلتزم فيه صحة الوزن على القانون اللغوي واستعمال ألفاظه في حقائقها دون مجازاتها فيكون مشتملا على ثمانية أبيات في الإنشاد بالتغيير والتقديم والتأخير كل بيت منها يشتمل على مسألة من الفقه في التعاليق الشرعية والألفاظ اللغوية وتلك المسألة صعبة المغزى وعرة المرتقى وأما أن يلتزم المجاز في ألفاظه دون الحقائق مع الإعراض عن ضابط الوزن وقانون الشعر بأن يطول البيت نحوا من ضعفه فيكون مشتملا على سبعمائة وعشرين مسألة من المسائل الفقهية\rوالتعاليق اللغوية تحصل من هذه الألفاظ الثلاث وتبديلها بأضدادها واستعمالها في مجازاتها وتنقلها في التقديم والتأخير مفترقة ومجتمعة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فاحتاج بيانه إلى مقاصد المقصد الأول في تقرير البيت على طريقة التزام استعمال ألفاظه في حقائقها مع صحة الوزن على القانون اللغوي وفيه ثلاثة مباحث\rالمبحث الأول هذا البيت ثمانية أبيات في التصوير أحدها أصل وهو اجتماع ثلاث قبلات وسبع تتفرع عنه بأن يبدل الجميع بالبعدات نحو ما بعد بعده وهذه الصورة الثانية أو يبدل من قبل الأخيرة فقط نحو قبل ما قبل بعده وهذه الصورة الثالثة أو يبدل من الثاني والثالث دون الأول نحو قبل ما بعد بعده وهذه الصورة الرابعة أو يبدل من الثاني فقط دون الأول والثالث نحو قبل ما بعده قبله وهذه الصورة الخامسة أو يبدل من الأول والثاني دون الثالث نحو بعد ما بعد قبله وهذه الصورة السادسة أو يبدل من الأول فقط دون الثاني والثالث نحو بعد ما قبل قبله وهذه الصورة السابعة أو يبدل من الأول\rوالثالث دون الثاني نحو بعد ما قبل بعده\r","part":1,"page":74},{"id":76,"text":"وهذه الصورة الثامنة المبحث الثاني ينبني تفسير الشهر المراد في جميع هذه الصور الذي أفتى به شيخ القرافي الشيخ أبو عمر ولما سئل عن ذلك بمصر ثم بدمشق على أمور أحدها ما مر من التزام استعمال ألفاظ البيت في حقائقها لا في مجازاتها الثاني أن هذه القبلات والبعدات وإن كانت ظروفا زمانية\rوالقاعدة تقتضي أن مظروفها يحتمل أن يكون شهرا تاما وأن يكون يوما واحدا من الشهر المراد إذ يصدق على رمضان بطريق الحقيقة اللغوية لا المجاز اللغوي أنه قبل شوال وأنه قبل يوم عيد الفطر إلا أن المظروف ها هنا شهر تام بقرينة السياق بل ذلك ضروري ها هنا أما بالنسبة لما صحبه الضمير العائد على الشهر المسئول عنه فلأنه إذا كان الشهر شوالا لا يمكن حمل المظروف على بعضه كيوم عيد الفطر وحده إلا على المجاز والتفاسير المفتى بها في صور هذا البيت مبنية على الحقيقة كما علمت وأما بالنسبة لما لم يصحبه ضمير الشهر كقبل المتوسط فلأن رمضان إذا كان قبل قبل الشهر المسئول عنه وتعين أن مظروف أحد القبلين وهو المضاف إلى الضمير شهر تعين أن مظروف القبل المتوسط شهر أيضا لأنه ليس بين شهرين من جميع الشهور أقل من شهر يصدق عليه أنه قبل شهر وبعد شهر بل لا يوجد بين شهرين عربيين إلا شهر فتعين أن مظروف هذه الظروف شهور تامة وأما الأشهر القبطية فإن أيام النسيء تتوسط بين مسرى وتوت\rالأمر الثالث أن قاعدة الإضافة عند العرب وإن كانت على أنه يكفي فيها أدنى ملابسة كقول أحد حاملي الخشبة خذ طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا له لأجل الملابسة\rوأضيف الكوكب للخرقاء في\r","part":1,"page":75},{"id":77,"text":"قوله إذا كوكب الخرقاء لاح بسحره لأنها كانت تقوم لعملها عند طلوعه واحتملت هذه القبلات والبعدات المضاف بعضها إلى بعض من حيث اللغة أن يكون كل ظرف أضيف لمجاوره أو لمجاور مجاوره أو لمجاور مجاور مجاوره على رتب ثلاث أو أكثر من ذلك فيكون الشهر الذي قبل رمضان هو ربيع فإن ربيعا قبل رمضان على سبيل الحقيقة بالضرورة إلا أن الظروف التي في البيت حملت على المجاور الأول لأنه الأسبق إلى الفهم وإن كان غيره حقيقة أيضا فهذه الملاحظة لا بد منها في تفسير هذا البيت المفتى بها\rالأمر الرابع أن تعلم أنك إذا قلت قبل ما قبل قبله رمضان أو بعد ما بعد بعده رمضان فالقبل الأول والبعد الأول هو رمضان لأنه مستقر في ذلك الظرف ومتى كان القبل الأول والبعد الأول هو رمضان فالقبلان الكائنان بعد ذلك القبل الذي هو رمضان شهران آخران يتقدمان على الشهر المسئول عنه والبعدان الأخيران شهران آخران يتأخران عن الشهر المسئول عنه فالرتب دائما في البيت أربع الشهر المسئول عنه وثلاثة ظروف لغيره هذا لا بد منه\rالأمر الخامس أنه وإن احتمل فيما إذا قلنا قبل ما بعد بعده رمضان أو قلنا بعد ما قبل قبله رمضان أن تكون هذه الظروف المنطوق بها مرتبة على ما هي عليه في اللفظ فيتعين أن يكون الشهر المسئول عنه في\rالمسألتين هو رمضان لا أنه في الأولى شوال وفي الثانية شعبان كما في تفاسير صور البيت الآتية المفتى بها وذلك لأن كل شيء فرض له أبعاد كثيرة متأخرة عنه فهو قبل جميعها وكل شيء فرض له قبلات كثيرة متقدمة عنه فهو بعد جميعها فرمضان يصدق عليه أنه قبل بعده وبعد بعده وجميع ما يفرض من ذلك إلى الأبد فهو قبل تلك الظروف كلها ويصدق عليه أنه بعد قبله وقبل قبله وجميع ما يفرض من ذلك إلى الأبد فهو بعد تلك الظروف كلها\r","part":1,"page":76},{"id":78,"text":"لكن باعتبار إضافتين لا إضافة واحدة حتى يقال اجتماع الضدين في الشيء الواحد محال فهو قبل باعتبار شوال وبعد باعتبار شعبان إلا أن مقتضى اللغة خلاف هذا الاحتمال وهو أن لا تكون هذه الظروف المنطوق بها مرتبة على ما هي عليه في اللفظ بل تكون بعد الأولى المتوسطة بين قبل وبعد في قولنا قبل ما بعد بعده متأخرة في المعنى وقبل المتقدمة متوسطة بين البعدين منطبقة على بعد الأخيرة التي هي الأولى وتكون بعد الأخيرة بعد وقبل معا بالنسبة إلى شهرين واعتبارين كما علمت ويكون الشهر المسئول عنه في قولنا المذكور شعبان كما سيأتي في التفسير المفتى به لأن شعبان بعده رمضان وبعد بعده شوال وقبل مضاف إلى المعنى للبعد الثاني الذي هو شوال ومتأخر عنه وكل من قبل وبعد الأخيرة التي هي الأولى يصدقان على رمضان ومنطبقان عليه بالنسبة للشهرين شوال وشعبان وليس لنا شهر بعده بعد أن رمضان قبل البعد الثاني وعين البعد الأول إلا شعبان وبيان ذلك أن العرب إذا قالت غلام غلام غلامي أو صاحب صاحب صاحبي فالمبدوء به هو أبعد الثلاثة عنك والأقرب إليك هو\rالأخير والمتوسط متوسط فالغلام الأخير هو عبدك الأول الذي ملكته فملك هو عبدا آخر وهو المتوسط وملك المتوسط العبد المقدم ذكره فالمقدم ذكره هو الذي ملكه عبد عبد عبدك لا أنه عبدك وقس الأمر السادس مما ينبني عليها تفسير جميع صور البيت المفتى به\rقاعدة وهي أن كل ما اجتمع فيه قبل وبعد فالغهما لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وقبل ما هو بعده فلا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان فيكون شعبان أو قبله رمضان فيكون شوال وأما ما جميعه قبل أو جميعه بعد\r","part":1,"page":77},{"id":79,"text":"فالجواب في الأول هو الرابع الذي هو ذو الحجة لأن معنى قبل ما قبل قبله رمضان شهر تقدم رمضان قبل شهرين قبله وفي الثاني هو الرابع أيضا لكن على العكس وهو جمادى الآخرة لأن معنى بعد ما بعد بعده رمضان شهر تأخر رمضان بعد شهرين بعده فجميع الأجوبة الثمانية منحصرة في أربعة أشهر طرفان وواسطة فالطرفان جمادى الأخيرة وذو الحجة والوسط شوال وشعبان وتقريب ضبطها أن جميع البيت إن كان قبل فالجواب بذي الحجة وإن كان بعد فالجواب بجمادى الأخيرة وإن تركب من قبل وبعد فمتى وجدت في الآخر قبل بعده أو بعد قبله فما تقدمت فيه قبل فجوابه شوال لأن المعنى قبله رمضان وما تقدمت فيه بعد فالجواب شعبان لأن التقدير بعده رمضان ومتى وجدت في آخر قبلين أو بعدين وقبلهما مخالفا لهما ففي البعدين شعبان وفي القبلين شوال فشوال ثلاثة وشعبان ثلاثة وهذه الستة هي الواسطة المتوسطة بين جمادى الأخيرة وذي الحجة\rالمبحث الثالث لفظة ما في البيت يصح فيها ثلاثة أوجه أحدها أن تكون زائدة فلا يعتد بها بل يكون التقدير قبل قبل قبله رمضان مثلا\rوثانيها أن تكون موصولة والتقدير قبل الذي استقر قبل قبله رمضان فيكون الاستقرار العامل في قبل الذي بعد ما هو صلتها\r","part":1,"page":78},{"id":80,"text":"وثالثها أن تكون نكرة موصوفة والتقدير قبل شيء استقر قبل قبله رمضان فيكون الاستقرار العامل في الظرف الكائن بعد ما المقدرة بشيء هو صفة لها ولا تختلف التفاسير المفتى بها المذكورة مع شيء من ذلك بل تبقى الأحكام على حالها المقصد الثاني في تقرير البيت على طريقة التزام الحقيقة في الألفاظ وعدم النظم بل يكون الكلام نثرا اعلم أن الكلام حينئذ يجري على الضابط المتقدم أيضا فإذا زدنا على قولنا قبل ما بعد بعده في لفظ بعد لفظة أخرى منه فقلنا قبل ما بعد بعد بعده رمضان تعين أن يكون الشهر المسئول عنه رجبا وإن جعلنا البعدات أربعة تعين أن يكون جمادى الأخيرة أو خمسة تعين أن يكون جمادى الأولى أو ستة تعين أن يكون ربيعا الآخر وهكذا كلما زدت بعد انتقلت إلى شهر قبل فإن هذه الظروف\rشهور كما تقدم تقريره فيخرج لك على هذا الضابط مسائل غير متناهية غير المسائل الثمانية التي في البيت وإذا وصلت إلى أكثر من اثني عشر ظرفا فقد دارت السنة معك فربما عدت\rإلى عين الشهر الذي كنت قلته في المسألة ولكن من سنة أخرى وهكذا يكون الحال في السنين إذا كثرت فتأمل ذلك وإذا زدنا على قولنا بعد ما قبل قبله في لفظ قبل لفظة أخرى فقلنا بعد ما قبل قبل قبله رمضان كان الشهر المسئول عنه هو ذو القعدة فإن رمضان أضيف لقبل قبل قبلين وهما شوال وذو القعدة\r","part":1,"page":79},{"id":81,"text":"وإن جعلنا لفظ قبل أربعا كان ذا الحجة أو خمسا كان المحرم كما تقدم تقريره في لفظ بعد غير أنك تنتقل في لفظ بعد تقدما وفي لفظ قبل تأخرا فإن بعد للاستقبال فكلما كثرت كثر الاستقبال ورمضان مضاف للآخر منه فيتعين بعد الشهر المسئول عنه في الماضي حتى يتأخر رمضان في الاستقبال فيضاف للبعد الأخير وينتقل في لفظ قبل إذا كثر متأخرا لأن قبل للماضي ورمضان مضاف للقبل المجاور له دون الشهر المسئول عنه فيكون للشهر المسئول عنه قبلات كثيرة رمضان بعد الأول فيها وبقية القبلات بين رمضان والشهر المسئول عنه فيتعين الانتقال للاستقبال بحسب كثرة لفظات قبل وإذا زدنا لفظة قبل على قولنا قبل ما قبل قبله فقلنا قبل ما قبل قبل قبله رمضان تعين المحرم لأن السائل قد نطق بأربع من لفظ قبل فقبل المحرم ذو الحجة وقبل ذي الحجة ذو القعدة وقبل ذي القعدة شوال وقبل شوال رمضان وهو ما قاله السائل وهكذا يتعين الانتقال للاستقبال بحسب كثرة لفظات قبل وإذا زدنا لفظة بعد على قولنا بعد ما بعد بعده فقلنا بعد ما بعد بعد بعده\rرمضان تعين جمادى الأولى لأن السائل قد نطق بأربع من لفظ بعد فبعد جمادى الأولى جمادى الأخيرة وبعد جمادى الأخيرة رجب وبعد رجب شعبان وبعد شعبان رمضان وهو ما قاله السائل وهكذا يتعين الانتقال للماضي بحسب كثرة لفظات بعد وبالقياس على ما ذكر يعلم حكم باقي الصور والله أعلم\rالمقصد الثالث في تقرير البيت على طريقة التزام المجاز في ألفاظه وعدم النظم بل يكون الكلام نثرا فتصير المسائل والأجوبة سبعمائة وعشرين مسألة وتقرير ذلك بتقديم الكلام على أربعين ألفا وثلثمائة\r","part":1,"page":80},{"id":82,"text":"وعشرين بيتا من الشعر اشتمل عليها بيت نظمه الفقيه العلامة زين الدين المغربي ولخص حساب عدده وهو قوله بقلبي حبيب مليح ظريف بديع جميل رشيق لطيف وهو من بحر المتقارب ثمانية أجزاء على فعيل كل جزء منها في كلمة يمكن أن ينطق بها مكان صاحبتها فتجعل كل كلمة في ثمانية مواضع من البيت فالكلمتان الأوليان يتصور منهما صورتان بالتقديم والتأخير ثم تأخذ الثالثة فتحدث منها مع الأولين ستة أشكال بأن تعملها قبل الأولين وبعدهما ثم تقلبهما وتعملها قبلهما وبعدهما ثم تعملها بينهما على التقديم والتأخير فتحدث الستة فيكون السر فيه ضربنا الأولين في مخرج الثالث واثنان في ثلاثة بستة ثم تأخذ الرابع وتورده على هذه الستة الصور وكل واحد من الستة له ثلاث كلمات يحصل بعمل الرابع قبل كل ثلاثة وبعد أولها وبعد ثانيها وبعد ثالثها أربع صور فتصير الستة أربعة وعشرين وكذلك تفعل بالخامس والسادس والسابع والثامن ومتى حدثت صورة أضفنا إليها بقية\rالبيت فتبقى الأولى ثمانية وكذلك بقية الصور فيأتي العدد المذكور من الآلاف بيوتا تامة كل بيت فيها ثمانية وبيان ذلك أن تضرب أربعة وعشرين في مخرج الخامس وهو خمسة تكون مائة وعشرين تضربها في مخرج السادس وهو ستة تكون سبعمائة وعشرين تضربها في مخرج السابع وهو سبعة تكون خمسة آلاف وأربعين تضربها في مخرج الثامن وهو ثمانية تكون أربعين ألفا وثلاثمائة وعشرين بيتا من الشعر وهو المطلوب فإذا تقررت هذه الطريقة من الحساب والضرب فنقول معنا في البيت ثلاثة من لفظ قبل وثلاثة من لفظ بعد فنجمع بين الستة ويبطل الوزن حينئذ لطول البيت ولعدم صورة الشعر فنقول قبل ما قبل قبله بعد ما بعد بعده رمضان ثم لنا أن ننوي بكل قبل وبكل بعد شهرا من شهور السنة أي شهر كان من غير مجاورة ولا التفات إلى ما بينهما من عدد الشهور\r","part":1,"page":81},{"id":83,"text":"ويكون الكلام مجازا عربيا فإن أي شهر أخذته فبينه وبين الشهر الآخر الذي نسبته إليه بالقبلية أو البعدية علاقة من جهة أنه من شهور السنة معه أو هو قبله من حيث الجملة أو هو بعده من حيث الجملة أو هو شبيه بما قبله من جهة أنه شهر وغير ذلك من العلاقات المصححة للمجاز ثم إنا نعمد إلى هذه الستة فنأخذ منها اثنين فتحدث منها صورتان ونعتبرهما شهرين من شهور السنة فتظهر نسبتهما إلى رمضان ويظهر من ذلك الشهر المسئول عنه ثم نورد عليهما لفظة أخرى من لفظ قبل وبعد إلى آخر السنة ومتى أفضى الأمر إلى التداخل بين صورتين في شهر نوينا به شهرا آخر من شهور السنة حتى تحصل المغايرة فيحصل لنا من هذه الستة الألفاظ ما يحصل لنا من ستة أجزاء من\rالبيت وهي سبعمائة وعشرون مسألة وإن زدت في لفظ القبل أو البعد كما تقدم في المقصد الثاني وصل الكلام إلى أربعين ألف مسألة أو أكثر على حسب الزيادة فتأمل ذلك فهو من طرف الفضائل والفضلاء ونوادر الأذكياء والنبهاء\rخاتمة في مهمين المهم الأول أكثر الفقهاء يبحث عن ترتيب الوضوء وتنكيسه ولا يعلم كم يحصل من صور الوضوء مرتبا ومنكسا والمتحصل من ذلك أربعة وعشرون وضوءا مرتبا ومنكسا على سبيل الحصر من غير زيادة وتقريره بالطريق المتقدم في بيت العلامة زين الدين المغربي أن تقول الوجه واليدان يتصور فيهما صورتان بالتقديم والتأخير ثم تأخذ الرأس فيحدث منه مع الوجه واليدين ستة وضوآت بأن تعمل الرأس قبل الوجه واليدين وبعدهما ثم تقلبهما وتعمله قبلهما وبعدهما ثم تعمل الرأس بين الوجه واليدين على التقديم والتأخير فيحدث ستة وضوآت بأن تضيف لكل صورة تحدث الرجلين حتى يكمل الوضوء وهو من ضرب الاثنين في مخرج الثالث واثنان في ثلاثة بستة ثم تأخذ الرجلين تضمهما إلى هذه الستة الوضوآت وكل واحد من الستة له ثلاث أعضاء يحصل بعمل الرجلين قبل الثلاثة الأعضاء وبعد الأول وبعد الثاني وبعد الثالث أربع صور\r","part":1,"page":82},{"id":84,"text":"في كل صورة من الستة فتصير الستة أربعة وعشرين وذلك هو جميع ما يتصور في الوجود للوضوء من الصور المهم الثاني سأل الشيخ عثمان الراضي المكي الشيخ إبراهيم الأسكوبي المدني بقوله\rيا إماما للعلم والتدريس وهماما قد جل عن تقييس ذا العلا إبراهيم الأسكوبي أولى من يرجى لكشف خطب عميس البديع النفيس والماهر المبدع في صنعة البديع النفيس طبت غرسا في روضة هي طابت من حمى طيبة المنيع الأنيس أنت شمس تضيء في كل علم بك تجلى غياهب التلبيس حزت كل العلوم كسبا ووهبا وأجدت الفنون عن تأسيس لك فهم لا يعتريه سقام وذكاء يدري بما في النفوس ما يقول الإمام في بيتي الحلي الصفي المحكمين بالتجنيس وعدت في الخميس وصلا ولكن شاهدت حولنا العدا كالخميس أخلفت في الخميس وعدي وجاءت بعد ما قبل بعد يوم الخميس أي يوم جاءته من بعد خلف فأبينوا المعقول بالمحسوس فلقد جلت فيهما سيدي مع أحمد الشهم يا فقيه الرئيس واضطربنا في فهم معناهما حتى ضربنا التخميس في التسديس ثم درنا في كل يوم من الدور فتهنا عن يومها المرموس واختلفنا وما اتفقنا برأي وأقمنا في ذاك حرب البسوس\rفارتضيناك آخر الأمر فينا حكما إذ لا عطر بعد عروس ثم بعض الثقات في الفن يروي وهو فيما أظن عن تهجيس قبل ما بعد قبل يوم الخميس هكذا راح مثبتا في الطروس وهو عندي لا يطابق معنى ما أراد الصفي بعد الخميس فتأمل في ذا وذا غير مأمور وحقق وقيت هم العكوس وأبن لي هل ذا صحيح وإلا باطل أو كلاهما بنفيس وابق وأسلم في يمن حظ وأمن يا إماما للعلم والتدريس\r","part":1,"page":83},{"id":85,"text":"فأجابه بقوله يا عليما بكل معنى نفيس وصديقي ومطلبي وأنيسي أنت من في رفيع مجد وفضل ومقال له مقام الرئيس لك من أسهم البيان المعلى في شذوذ فاوضت أو في مقيس ولك السابق المجلى إذا ما رمت سبقا بحلبة التدريس من كعثمان راضيا راقيا أو ج المعالي بطيب خيم وسوس أو لم يكفك الجواهر حتى جئت بالزهر في قيود الطروس أسفرت عن لثامها بنت فكر منك رامت بلطفها تأنيسي وأدارت على المسامع منها خمر معنى أشهى من الحندريس\rوأشارت إلى لطائف دارت بين خلين تزدري بالكؤوس ما على يا فقيه أحمد زيد إن ذاك الجليس خير جليس قد تسابقتما الفضائل حتى نلتما أقصى كل معنى نفيس فكلا الفاضلين أحرز فضلا ليس يخفى عليه معنى الشموس إن بيت الصفي لا شك مبنى لعمري بني على تأسيس بيد أن أكثر الظروف لقصد رام منه غرابة التلبيس أو يخفى عيد وعيد وعيد عم بيوم العروبة المأنوس إن هذا المراد إن قال جاءت بعد ما قبل بعد يوم الخميس صح من قال قبل ما بعد لكن نكس اليوم غاية التنكيس أين يوم الربوع من يوم عيد من يرد السعيد للمنحوس دمتما في لبوس صحة نعمى من أجل الملبوس غير لبيس قلت وهذا الجواب لا يخالف الضابط المتقدم وإن كان ظاهر قوله أو يخفى عيد إلخ وقوله صح من قال قبل ما بعد إلخ أنه على عكس ما مر لأمرين الأمر الأول أن الصفي لم يقل بعده يوم الخميس بل قال بعد يوم الخميس ولا شك في صدق الأول بيوم الربوع كما مر وصدق الثاني بيوم الجمعة كما قال الأسكوبي\rالأمر الثاني أن قوله بيد أن أكثر الظروف إلخ موافق للقاعدة المتقدمة من أن كل ما اجتمع فيه\rقبل وبعد فألغهما لأن كل شيء حاصل بعد ما هو قبله وقبل ما هو بعده فلا يبقى حينئذ إلا بعد يوم الخميس فيكون يوم الجمعة نعم الفاء بعد ما قبل في بيت الموصلي لكونه مبدلا منه والمبدل منه في نية الطرح أو لكون بعد يوم الخميس عطف بيان له لا لما مر في القاعدة فافهم والله أعلم\rالمسألة الثانية\r","part":1,"page":84},{"id":86,"text":"أصل مالك تقدم وقوع المعلق من طلاق وعتق على المعلق عليه الذي جعل شرطا وعلى لفظ التعليق وزمانه وأصل الشافعي عدم تقدمه على ذلك فلذا قال العلامة خليل في مختصره في إن لم أطلقك رأس الشهر ألبتة فأنت طالق ألبتة ويقع أي يحكم بوقوع طلاق ألبتة ناجزا ولو مضى زمنه وليس لتعليقه بالأيام وجه ا ه بتوضيح من عبق\rوقال الأمير في مجموعه وإن قال إن لم أطلقك واحدة بعد شهر فأنت طالق ألبتة قيل له أما نجزتها أي الواحدة ولا يقع عليك شيء بعد الشهر وإلا فالبتة وطالق اليوم إن فعل غدا ثم فعل أي أثناء الغد لزم من أول يوم الحنث أي لا من يوم التعليق لأنه يعد قوله اليوم لغوا والمعتبر وجود المعلق عليه فإن لم يفعل أصلا أو فعل بعد غد لم تطلق ا ه بتوضيح من عبق\rوفي الجواهر إذا قال أنت طالق يوم يقدم فلان فيقدم نصف النهار تطلق من أوله ولم يحك خلافا فإن كان المعلق عليه القدوم فهو تقديم الحكم على شرطه أو اليوم فلا قال ابن يونس قول ابن عبد الحكم في طالق اليوم إن كلم فلانا غدا إن كلمه اليوم حنث وغدا لا يحنث لأن وقوع الطلاق بكلام غد بعد أن كانت اليوم زوجة يقتضي اجتماع العصمة وعدمها فإذا كلمه اليوم اجتمع\rالشرط والمشروط في ظرف واحد فيمكن ترتب أحدهما على الآخر ا ه نقله الشيخ أبو الحسن اللخمي في تبصرته عنه هو خلاف أصل مالك بل يلزمه الطلاق بكلام غد ا ه بتوضيح للمراد\rوفي البناني على عبق عند قول خليل ويقع ولو مضى زمنه كطالق اليوم إن كلمت فلانا غدا قصد بقوله ويقع ولو مضى زمنه وبما بعده الاستظهار على مخالفة ابن عبد السلام حيث قال في إن لم أطلقك رأس الشهر ألبتة فأنت طالق ألبتة لا يلزمه شيء لأن الطلاق لا يقع إذا مضى زمنه قال في التوضيح وما قاله يأتي على ما لابن عبد الحكم فيمن قال لزوجته أنت طالق اليوم إن كلمت فلانا غدا لكن قال أبو محمد قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك وليس لتعليق الطلاق بالأيام وجه ا ه نج انظر غ ا ه بتوضيح ما\r","part":1,"page":85},{"id":87,"text":"فعلم من هذه النصوص أمران أحدهما أن مشهور مذهب مالك اللزوم خلاف ما نقله اللخمي عن ابن عبد الحكم الثاني أنها تطلق من أول النهار كما تقدم النقل في الجواهر فيتقدم الطلاق على لفظ التعليق وعلى الشرط معا وقال الغزالي في وسيطه إذا قال أنت طالق بالأمس وقال قصدت إيقاع الطلاق بالأمس لم يقع لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه وقيل يقع في الحال لأن وقوعه بالأمس يقتضي وقوعه في الحال فيسقط المتعذر ويثبت الحال وقيل لا يقع شيء لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه وإن قال إن مات فلان فأنت طالق قبله بشهر إن مات قبل مضي شهر لم يقع طلاق لئلا يتقدم الحكم على اللفظ أو بعد شهر فيقع الطلاق قبله بشهر وكذلك إذا قال إن قدم فلان أو دخلت الدار فأنت طالق قبله بشهر\rقال وقال أبو حنيفة يلزم الطلاق في الموت دون الدخول والقدوم قال وهو تحكم قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب إذا قال إن قدم زيد فأنت طالق ثلاثا قبل قدومه بشهر ثم\rخالعها ثم قدم زيد بطل الخلع لأنا تيقنا تقدم الطلاق الثلاث عليه ثم أنهم أردفوا ذلك بأن قالوا إذا قال لها إن قدم زيد فأنت طالق قبل قدومه بسنة فقدم بعد ذلك بسنة أن العدة تنقضي عند حصول الشرط أو قبله ولا تعتد بعد ذلك لأنا تبينا وقوع الطلاق من سنة كما لو ثبت أنه طلقها من سنة فإنها لا تستأنف عدة هذا ما صرح به أعيانهم ومشايخهم في تقرير هذه المسألة ويقتضي قولهم أن يرجع عليها بما كان ينفقه عليها إن كان الطلاق بائنا أو مما أنفقه بعد انقضاء العدة على زعمهم إن كان رجعيا والحق في هذه المسألة وقوع الطلاق متقدما على القدوم الذي جعل شرطا وعلى لفظ التعليق وزمانه كما هو أصل مالك وإجماع الأمة على استمرار العصمة وإباحة الوطء إلى قدوم زيد قال ابن الشاط الذي أظنه أن هذا الإجماع لا يصح وأنها لا يباح وطؤها في تلك المدة لاحتمال وقوع الشرط بل تحرم على كل حال فإن قدم زيد تبين لنا أن تحريمها للطلاق\r","part":1,"page":86},{"id":88,"text":"وإن لم يقدم تبين أن تحريمها للإشكال والاحتمال كما في اختلاط المنكوحة بالأجنبية الأجنبية حرام لأنها أجنبية والمنكوحة حرام للاختلاط وقولهم حكم اللفظ لا يتقدم عليه لا يتم وقياسهم على قوله أنت طالق أمس لا يصح لوجود الفارق ويتضح لك ذلك ببيان ثلاث قواعد\rالقاعدة الأولى\rأن الأسباب الشرعية قسمان قسم قدره الله تعالى في أصل شرعه وقدر له مسببا معينا فليس لأحد فيه زيادة ولا نقص كالهلال لوجوب الصوم وأوقات الصلوات والعصم والأملاك في الرقيق والبهائم لوجوب النفقات وعقود البياعات والهبات والصدقات لإنشاء الأملاك وغير ذلك من الأسباب والمسببات وقسم وكله الله تعالى لخيرة المكلفين فإن شاءا جعلوه سببا وحصر جعلهم لذلك في طريق\rواحد وهو التعليق كدخول الدار وقدوم زيد فنحو دخول الدار لم يجعله الله سببا لطلاق امرأة أحد ولا لعتق عبده بل المكلف هو الذي جعل ذلك سببا للطلاق والعتق بالتعليق عليه خاصة فلو قال المكلف جعلته سببا من غير تعليق فعلى قول الشافعية بتعين الألفاظ لم ينفذ ذلك ولم يعتبر وعلى قول أهل المذهب بعدم تعينها ينفذ ويعتبر فهذا القسم خير الله تعالى فيه وفي مسببه أي شيء شاء المكلف جعله من طلاق أو عتق كثيرا أو قليلا قريب الزمان أو بعيده بخلاف الأول ومنه أنت طالق أمس فافهم\rالقاعدة الثانية\r","part":1,"page":87},{"id":89,"text":"المقدرات لا تنافي المحققات بل يجتمعان ويثبت مع كل واحد منهما لوازمه وأحكامه ويشهد لذلك مسألتان أحدهما أن الأمة إذا اشتراها الشخص شراء صحيحا أبيح له وطؤها بالإجماع إلى حين الاطلاع على العيب والرد به مع أنا نقول الرد بالعيب نقض للعقد من أصله ومقتضاه ارتفاع الإباحة المترتبة عليه مع أن كلا من العقد والإباحة واقع بالإجماع ورفع الواقع محال عقلا والمحال عقلا لا يرد الشرع بوقوعه فيتعين أن يكون معنى هذا الارتفاع جاريا على قاعدة التقادير الشرعية من إعطاء الموجود حكم المعدوم بأن يحكم صاحب الشرع بأن العقد الموجود والإباحة المترتبة عليه وجميع آثاره في حكم العدم كما حكم بأن قربات المرتدين في حال الإسلام قبل الارتداد وإن كانت موجودة حقيقة هي معدومة حكما أو إعطاء المعدوم حكم الموجود كما في النية والإيمان والإخلاص وغيرها في الصلاة إلى\rآخرها يحكم صاحب الشرع بوجودها حكما وإن عدمت عدما حقيقيا كما بسط ذلك الأصل في كتابه المنية في إدراك أحكام النية وثانيتهما أن صوم التطوع يصح عندهم بنية من الزوال وتنعطف هذه النية تقديرا إلى الفجر مع أن الواقع عدم النية ولا يقال تبينا أنه كان نوى قبل الفجر إذ الفرض خلافه ولذلك نظائر كثيرة ذكرها الأصل في كتابه الأمنية\rالقاعدة الثالثة\r","part":1,"page":88},{"id":90,"text":"الحكم وإن كان ربطه بسببه وشرطه وضعيا وأن الأمور الوضعية بحسب ما وضعت له واقتضى ذلك أن الحكم لو وضع على وجه التأخر عن سببه وشرطه أو على وجه التقدم على سببه وشرطه أو على وجه أن يكون مع سببه وشرطه لا متقدما عليه ولا متأخرا عنه لكان على حسب ما وضع عليه إلا أن الواقع من ذلك تأخره عن سببه وشرطه بدون فرق بينهما إجماعا نعم ذلك إنما هو في الأمور الشرعية المفتقرة للشرع أما التي وكلت إلى قصد المكلف فهي بحسب قصده في التقدم والتأخر وعدمهما وقد علمت أن المكلف دون الشارع هو الذي ربط الطلاق بالقدوم وجعله هو السبب المباشر للطلاق وجعل ارتباط الطلاق به مسببا عن لفظ التعليق فاللفظ هو سبب السبب فيكون كل من القدوم ولفظ التعليق سببا على حسب قصد المكلف في تقدمه أو تأخره عن مسببه أو حصوله مع مسببه الذي هو الطلاق إذا تقررت هذه القواعد ظهر أنه لا وجه لإنكارهم تقدم الطلاق على كل من الشرط الذي هو القدوم ومن لفظ التعليق تقدما تقديريا تحقيقيا حتى ينافي العقد ويعارضه في اقتضائه الإباحة مع قولنا\rالعدة التي أجمعنا عليها من حيث إنها تتبع المحقق لا المقدر إنما تعتبر من يوم القدوم لأنه يوم لزوم الطلاق وتحريم الفرج أما قبل ذلك فالإباحة بالإجماع على ما فيه وكيف ينكرون ذلك وهم يقولون الرد بالعيب نقض للعقد من أصله مع أن الرد بالعيب سبب للنقض وقد تقدم قبله على سبيل التقدير وإذا عقلوا ذلك في مواطن فليعقلوه في البقية وأما قياسهم على قوله أنت طالق منذ شهر فالفرق أن هذا القول ليس تعليقا حتى يكون مما وكله الشارع إلى خيرة المكلف كالمقيس ولكنه مما وضعه الشارع سببا وما وضعه الشارع لم يقع مسببه إلا متأخرا عنه كما علمت على أنهم نقضوا أصلهم في المسألة نفسها بتقديم الطلاق على القدوم والقدوم سبب أو شرط قريب له فما وجه منعهم مع ذلك تقديمه على سببه البعيد الذي هو لفظ التعليق فتأمل بإنصاف\rالمسألة الثالثة\r","part":1,"page":89},{"id":91,"text":"قال أصحابنا إذا قال إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا وطلق دون الثلاث لزمه الثلاث أي عدد طلاقه منجزا إلغاء للقبلية كما لو قال أنت طالق أمس ولم يلتفتوا للدور الحكمي الذي قاعدته أن كل شيء تضمن إثباته نفيه انتفى من أصله وقال الغزالي في وسيطه لا يلزمه شيء عند ابن الحداد لأنه لو وقع لوقع مشروطه وهو تقدم الثلاث ولو وقع مشروطه لمنع وقوعه لأن الثلاث تمنع ما بعدها فيؤدي إثباته إلى نفيه فلا يقع وقال أبو زيد يقع المنجز ولا يقع المعلق لأنه علق محالا وقيل يقع في المدخول بها الثلاث أي شيء نجزه تنجز وكمل من المعلق قال ومن صور الدور أن يقول إن طلقتك طلقة أملك بها الرجعة فأنت طالق قبله طلقتين وإن وطئتك وطئا مباحا فأنت طالق قبله ثلاثا\rوإن أبنتك أو ظاهرت منك\rأو فسخت نكاحك أو راجعتك فأنت طالق قبله ثلاثا أو يقول لأمته إن تزوجتك فأنت حرة قبله لأنه يخاف أن يعتقها فلا يتزوج بها ولا تجبر على ذلك فتعلق الحرية على العقد مع أن العقد متوقف على الحرية فعلى تصحيح الدور تنحسم هذه التصرفات ويمتنع وقوعها في الوجود والمقصود من المسائل المسألة الأولى وإلغاء أصحابنا فيه القبلية نظرا لاتصاف المحل بالحلية إلى زمن حصول المعلق عليه وفي زمن المعلق عليه قد مضى قبله والزمن الماضي على الحل لا ترتفع الحلية فيه بالثلاث بعد مضيه حتى يلزم أن الطلاق لم يصادف محلا فلا يلزمه شيء أصلا كما قال ابن الحداد ومن وافقه من الشافعية كابن سريج حتى عرفت بالمسألة السريجية كما نقله الشيخ حجازي عن العلامة الأمير وعدم التفاتهم للدور الحكمي نظرا لما يلزم الالتفات إليه هنا كما قال ابن الحداد ومن وافقه من مخالفة إحدى قواعد ثلاث\rالقاعدة الأولى\rأن إمكان الاجتماع مع المشروط من شرط الشرط لأن حكمته ليست في ذاته كالسبب بل في غيره فلا تحصل حكمته فيه إذا لم يجتمع مع ذلك الغير\r","part":1,"page":90},{"id":92,"text":"القاعدة الثانية إذا دار اللفظ بين المعهود في الشرع وبين غيره حمل على المعهود في الشرع لأنه الظاهر فنحمله في نحو إن صليت فأنت طالق مثلا على الصلاة الشرعية دون الدعاء\rالقاعدة الثالثة أن من تصرف فيما يملك وفيما لا يملك لم ينفذ تصرفه إلا فيما يملك فمن قال لامرأته وامرأة جاره أنتما طالقتان تطلق امرأته وحدها ولعبده وعبد زيد أنتما حران يعتق عبده وحده وبيان المخالفة لإحدى هذه القواعد على الالتفات للدور الحكمي هنا أن قوله إن طلقتك إما أن يحمل على اللفظ\r","part":1,"page":91},{"id":93,"text":"أو على المعنى الذي هو التحريم فإن حمل على اللفظ خالف القاعدة الثانية لأنه على خلاف الظاهر المعهود في الشرع وإن حمل على التحريم وأبقينا التعليق على صورته خالف القاعدة الأولى لتعذر اجتماع الشرط مع مشروطه حينئذ وإن حمل على التحريم ولم يبق التعليق على صورته بل أسقط من المشروط الذي هو الثلاث المتقدمة ما به وقع التباين بين الثلاث المتقدمة والشرط الذي أوقعه لأنه لا يملكه شرعا للقاعدة الأولى فلا ينفذ تصرفه فيه كعبد زيد وامرأة الجار للقاعدة الثالثة بأن نسقط واحدة حيث أوقع واحدة لأن اثنتين تجتمعان مع واحدة واثنتين حيث أوقع اثنتين لأن واحدة تجتمع مع اثنتين وافق القواعد الثلاث ووجب بعد إسقاط المنافي أن يلزمه الباقي فتكمل الثلاث وبلزوم المخالفة لإحدى هذه القواعد الثلاث لرأي ابن الحداد ومن وافقه من الشافعية مع كون القائلين بهذا الرأي من الشافعية لا يتجاوزون الثلاثة عشر منهم فلا ينعقد الإجماع بهم بالنسبة إلى عدد من قال بخلاف هذا الرأي لأنهم مئون بل آلاف كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى يقول هذه المسألة لا يصح التقليد فيها لابن الحداد ومن وافقه وتقليدهم فيها فسوق لأن القاعدة أن قضاء القاضي ينقضي إذا خالف أحد أربعة أشياء الإجماع أو القواعد أو النصوص أو القياس الجلي وما لا نقره شرعا إذا تأكد بقضاء القاضي أولى بأن لا نقره شرعا إذا لم يتأكد\rوإذا لم نقره شرعا حرم التقليد فيه لأن التقليد في غير شرع ضلال فافهم هذا يظهر لك الحكم في بقية مسائل الدور التي هي من هذا الجنس\rفائدة\rتقييد الدور بالحكمي لتعلقه بالأحكام أخرج الدور الكوني والدور الحسابي فالدور الكوني\r","part":1,"page":92},{"id":94,"text":"المتعلق بالكون والوجود توقف كون كل من الشيئين على كون الآخر وهو الواقع في فن التوحيد والمستحيل منه السبقي وهو ما يقتضي كون الشيء سابقا مسبوقا كما لو فرضنا أن زيدا أوجد عمرا وأن عمرا أوجد زيدا فإنه يقتضي أن كلا منهما سابق من حيث كونه مؤثرا مسبوق من حيث كونه أثرا بخلاف المعي كالأبوة مع البنوة والدور الحسابي المتعلق بالحساب توقف العلم بأحد المقدارين على العلم الآخر ولذلك يقال له الدور العلمي أيضا وهذا دور في الظاهر فقط لجواز أن يحصل العلم بشيء آخر غيرهما ففي الحقيقة لا دور إلا إذا أردت علم أحدهما من الآخر ومثال ذلك ما إذا وهب أحد مريضين للآخر عبدا فوهبه الثاني للأول ولا مال لهما غيره وماتا فلا يعلم ما صح فيه هبة كل منهما وقدر ما يرجع إليه إلا بعد العلم بالآخر لأن هبة الأول صحت في ثلث العبد فصار مالا للثاني ولما وردت عليه هبة الثاني صحت في ثلث الثلث فصار ثلث الثلث المذكور من مال الأول فتسري إليه الهبة فليرد ثلثه للثاني بالهبة ثم يرد بهبة الثاني ثلث ما رد لسريان هبته فيه وهكذا فلا يقف على حد في الترداد بينهما ويحصل بطريق الجبر والمقابلة وبيانه أن نقول صحت هبة الأول في شيء من العبد فبقي عنده عبد إلا شيئا وصحت هبة الثاني في ثلث ذلك الشيء فصار مع الأول عبدا إلا ثلثي شيء لأن ثلث الشيء رجع له بهبة الثاني فبقي عنده ثلثا الشيء ويضم ثلث الشيء لما عند الأول فيكون معه عبد إلا ثلثي شيء\rومعلوم أنه لا بد من أن يكون الباقي مع الواهب يعدل ضعف ما صحت فيه هبته وقد قلنا صحت هبة الأول في شيء مجهول من العبد بقطع النظر عن هبة الثاني وحينئذ فنقول ما بقي مع الأول وهو عبد إلا ثلثي شيء يعدل شيئين هما ضعف\r","part":1,"page":93},{"id":95,"text":"ما صحت فيه هبته أي يساويهما وبعد ذلك فأجبر كلا من الطرفين بإزالة النقص بأن ترد المستثنى على الجانبين فتجعل الطرف الأول وهو ما بقي مع الأول عبدا كاملا وتجعل الطرف الثاني شيئين وثلثي شيء فنقول عبد كامل يقابل شيئين وثلثي شيء ثم تبسط الشيئين أثلاثا من جنس الكسر أعني ثلثي شيء فصار هذا الطرف ثمانية كل واحد منهما ثلث شيء وبعد ذلك فاقسم الطرف الأول وهو العبد الكامل على الثمانية التي كل واحد منها ثلث شيء يخرج لكل ثلث شيء ثمن العبد فيعلم أن ثلث الشيء ثمن العبد وأن الشيء ثلاثة أثمان العبد فيكون معنى قولنا صحت هبة الأول في الشيء أنها صحت في ثلاثة أثمان العبد ومعنى قولنا فبقي عنده عبد إلا شيئا أنه بقي عنده خمسة أثمان العبد ومعنى قولنا صحت هبة الثاني في ثلث ذلك الشيء أنها صحت في ثلث الثلاثة الأثمان وهو ثمن ومعنى قولنا فصار مع الأول عبد إلا ثلثي شيء أنه صار مع الأول ستة أثمان وهي ضعف ما صحت فيه هبته لأنها صحت في ثلاثة أثمان وضعفها ستة أثمان ومعنى قولنا فبقي عنده أي الثاني ثلثا الشيء أنه بقي عنده ثمنان وهو ضعف ما صحت فيه الهبة لأنها صحت في ثمن وضعفه ثمنان فقد بقي لورثة كل من المريضين ضعف ما صحت فيه هبته أفاده الباجوري عن الأمير في حواشي الشنشوري\rالمسألة الرابعة\rإذا قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال إن دخلت الدار فأنت طالق طلقت في الحال لأن تعليقه على الدخول حلف اتفاقا بخلاف إذا طلعت الشمس فأنت طالق ففي كونه حلفا فيحنث به أيضا كما هو مقتضى حديث الطلاق والعتاق من أيمان الفساق مع نص العلماء على أن تعليق الطلاق\rمنهي عنه ولم يفصلوا أولا فلا يحنث به لأن الحلف ما يتصور فيه منع واستحثاث قولا الأصل والغزالي في وسيطه والصحيح الأول إن صح الحديث المذكور وإلا فالثاني\rالمسألة الخامسة\r","part":1,"page":94},{"id":96,"text":"إذا قال إن بدأتك بالكلام فأنت طالق وقالت هي إن بدأتك بالكلام فعبدي حر فكلمها وكلمته لم تطلق ولم يعتق العبد عندنا وعند الشافعية لأن يمينه انحلت بيمينها ويمينها انحلت بكلامه فلم تبدأ هي ولا هو بكلام كما قاله الشافعي في المهذب وغيره\rالمسألة السادسة في لزوم الطلاق الآن في أنت طالق إن شاء الله كأن شاء الجن أو الملك وهو الصحيح المفتى به في المذهب فلذا اقتصر عليه خليل في مختصره والأمير في مجموعه وعدم لزومه وهو قول أبي حنيفة والشافعي قولان لمالك وابن القاسم ولعبد الملك مبنيان على أنه إذا وقع الشك في العصمة هل يعتبر ويقع الطلاق له وهو أصل ابن القاسم أو يلغى وتستصحب العصمة وهو أصل عبد الملك أما الشك في إن شاء الجن أو الملك فظاهر\rوأما إن شاء الله فلأن متعلق المشيئة الذي هو الطلاق وحل العصمة أمر اعتباري لا وجود له في الخارج حتى تعلم فيه مشيئة الله عز وجل بأنه أراد الطلاق على التعيين أم لا وليس لنا طريق إلى التوصل إلى ذلك وأما التوصل إلى علم مشيئة البشر فبوجوه منها إخباره بذلك مع قرائن توجب حصول العلم وكون غاية خبر البشر أن يفيد الظن إنما هو عند عدم القرائن على\r","part":1,"page":95},{"id":97,"text":"أنه يحتمل أن يقال بالاكتفاء هنا بالظن لأنه الغالب هذا هو المراد من قول مالك وغيره ممن روي عنه أنه يلزمه الطلاق الآن في أنت طالق إن شاء الله لأنه علقه على مشيئة من لا يعلم مشيئته فقول من قال إن القول بأن مشيئة الله تعالى لا يمكن اطلاعنا عليها يضاهي قول القدرية بحدوث الإرادة وأن بعض الأمور على خلاف مشيئة الله تعالى ويخالف قاعدة أهل السنة أن مشيئة الله واجبة النفوذ فكل عدم ممكن يعلم وقوعه نعلم أن الله تعالى أراده وكل وجود ممكن يعلم وقوعه نعلم أن الله تعالى أراده ليس بصحيح كما نقله الشيخ محمد كنون في حاشيته على حواشي عبق عن العلامة ابن المبارك مع زيادة قلت ويظهر لنا على ذلك ثلاثة أمور الأمر الأول أنه لا يحتاج حينئذ إلى قول العلامة الأمير في ضوء الشموع الصواب إما أن يقال إن قوله أنت طالق إن شاء الله تعالى تعليق بمحقق إن قصد إن كان شاء الله ذلك يعني في الماضي فإن بنطقه بالطلاق علم أنه شاء وقاعدة أن الشرط وجوابه لا يتعلقان إلا بمعدوم مستقبل وطلاق لم يقع قبل التعليق أغلبية لا كلية وإلا يقصد ذلك بل قصد إن شاء ذلك في المستقبل ولو قلنا إن الحكم يتعدد عند الله تعالى لأننا إنما نفتي بما غلب على ظننا وحصول المحكوم به هنا ليس من مجرد الحكم حتى يرد أنه تعالى قد يأمر ولا يريد فلا يلزم من الحكم حصول المحكوم به بل حصوله هنا من حيث تحقق السبب وهو نطقه بالصيغة فتدبر\rوأما أن يقال إن جعل مالك ذلك مثالا لما لا يمكن الاطلاع عليه منظورا فيه للمشيئة في حد ذاتها فلا ينافي أنها تعلم بتحقق المشيء ا ه بحذف وزيادة وتصرف\rالأمر الثاني أن هذا الذي نقله كنون عن ابن المبارك هو الذي يشير إليه قول ابن الشاط مراد من قال يلزمه الطلاق الآن في أنت طالق إن شاء الله لأنه علقه على مشيئة من لا يعلم مشيئته هو أنه لا يعلم هل أراد الطلاق على التعيين أو لا وليس لنا طريق إلى التوصل إلى ذلك ا ه\r","part":1,"page":96},{"id":98,"text":"قلت وتوضيح ذلك أن مطلق لفظ الطلاق وإن وضعه الشارع لحل العصمة إلا أن لفظه المعين الواقع في قوله أنت طالق إن شاء الله معلق على مشيئة الله تعالى لما كان معناه إن شاء الله جعل هذا اللفظ بخصوصه سببا في حل العصمة وجعله بخصوصه سببا في حلها أمر اعتباري لا وجود له في الخارج حتى تعلم فيه مشيئة الله عز وجل صح جعل ذلك القول مثالا لما لا يمكن الاطلاع عليه وليس معناه أن مطلق لفظ الطلاق الذي منه هذا اللفظ المعين مقيد بالشرط الذي هو مشيئة الله تعالى حتى يقال إن قصد إن كان شاء الله ذلك يعني في الماضي فهو تعليق بمحقق إذ بنطقه بالطلاق علم أنه شاء لوضعه شرعا ضمن المطلق لحل العصمة وإن قصد إن شاءه في المستقبل فهو لاغ إلخ\rالأمر الثالث وسننقله بعد عن كنون عن ابن المبارك أيضا أنه لا فرق هنا بين إن شاء وإلا أن يشاء فكما أن معنى إن شاء الله ما ذكر كذلك إلا أن يشاء الله معناه إلا أن يشاء الله عدم جعل هذا اللفظ بخصوصه سببا في حل العصمة وعدم الجعل المذكور أمر اعتباري لا وجود له في الخارج حتى تعلم فيه\rمشيئة الله تعالى وكما جرى في الأول خلاف ابن القاسم وعبد الملك كذلك يجري في الثاني فينجز عليه الطلاق عند ابن القاسم للشك ولا شيء عليه عند عبد الملك لإلغاء الشك بدليل أن صاحب المشيئة لو كان ممن تعلم مشيئته كما في إن شاء أو إلا أن يشاء زيد لسئل هل شاء أن يجعل هذا اللفظ بخصوصه سببا لحل العصمة فيقع الطلاق أو لا فلا يقع فكل من إن شاء وإلا أن يشاء هنا للتقييد والاحتراز عن صورة مفهوم الصيغة لا لكونه رافعا لحكم الصيغة كما في اليمين بالله وكما في أنت طالق إن شاء الله على مذهب الشافعي وأبي حنيفة لقاعدتين\rالقاعدة الأولى\r","part":1,"page":97},{"id":99,"text":"كل من له عرف يحمل كلامه على عرفه كقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور يحمل على الصلاة في عرفه عليه الصلاة والسلام دون الدعاء وقوله عليه الصلاة والسلام من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف يحمل على الحلف الشرعي وهو الحلف بالله تعالى لأن الحلف بالطلاق والعتاق جعلهما عليه الصلاة والسلام من أيمان الفساق فلا يحمل الحديث المتقدم عليهما\rالقاعدة الثانية كما شرع الله تعالى الأحكام شرع مبطلاتها وروافعها فشرع الإسلام وعقد الذمة سببان لعصمة الدماء والردة والحرابة وزنى المحصن وحرابة الذمي روافع والسبي سبب الملك والعتق رافع له ولا يلزم من شرعه رافعا لحكم سبب أن يرفع حكم غيره فالاستثناء بالمشيئة شرعه رافعا لحكم اليمين لقوله عليه الصلاة والسلام عاد كمن لم يحلف فلا يلزم أن يكون رافعا لحكم العتق والطلاق والتعليق كما أن التطليق رافع لحكم النكاح ولا يرفع حكم اليمين وكذلك سائر الروافع وليس إطلاق اليمين على البابين\rبالتواطؤ حتى يعم الحكم بل بالاشتراك والمجاز في التعليق بالطلاق وغيره والذي يسمى يمينا حقيقة إنما هو القسم ولو أقسم بالطلاق ونحوه لم يلزمه شيء\r","part":1,"page":98},{"id":100,"text":"وإذا كان البابان مختلفين فلا يعم الحكم هذا تحقق المقام وفي لزوم الطلاق منجزا في أنت طالق إن شاء هذا الحجر ونحوه لأنه يعد نادما وهازلا إذ مشيئة الحجر أمر ممتنع كلمس السماء فيستوي مع إن لم يكن هذا الحجر حجرا في كونه هزلا إلا لقرينة صلابة ونحوها وعدم اللزوم نظرا لكون مشيئة الحجر وإن كانت أمرا ممتنعا أيضا إلا أنه غير عريق في اللغو لكون امتناعه عاديا فقط بخلاف إن لم يكن هذا الحجر حجرا فإنه عريق في اللغو لأنه قلب حقائق فهو ممتنع عقلا وعادة روايتان ذكرهما عبد الوهاب الثانية لابن القاسم في المدونة وبها قال أبو حنيفة والشافعي والأولى لابن القاسم في النوادر وبها قال سحنون وهي الأصح لأن المدار على تحقق اللغو كما يشهد له قولهم بالتنجيز في لمست السماء على أن الفرق بالعراقة وعدمها كما قال الأمير مبني على ما اشتهر عند المناطقة من تباين حقائق أنواع الجواهر وأكثر المتكلمين على تماثل الحقيقة الجوهرية في الكل وأن الاختلاف بالعوارض كما في حواشي الكبرى ثم المستحيل قلب الحقيقة بأن تصير حقيقة الحجر نفسها هي حقيقة الذهبية للتناقض أما إن زالت الذهبية وخلفها الحجرية فقلب أعيان جائز نقله حجازي عنه في حاشيته على عبق انظره\rالمسألة السابعة\rاختلف إذا علق المشيئة على معلق عليه ووجد نحو إن دخلت الدار إن شاء الله فأنت طالق أو أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله وحصل الدخول فقال مالك وابن القاسم لا ينفعه وهو المشهور وقال عبد الملك وغير واحد ينفعه وروي أيضا عن مالك وفي اتفاق القولين في المثالين مع دعواه في\r","part":1,"page":99},{"id":101,"text":"الثاني رد الاستثناء للفعل لا الطلاق بأن يوفق بينهما بما حاصله أنه لو جزم بجعل الفعل المعلق عليه سببا للطلاق لم ينفعه الاستثناء كما قال ابن القاسم ولو لم يجزم بجعله سببا نفعه كما قال غيره إذ الفعل من أسباب الأحكام التي لم يكلها لخيرتهم كالزوال ورؤية الهلال والطلاق أو اختلافهما في المثالين أو اختلافهما إن احتمل كالمثال الثاني وقامت عليه بنية أقوال الأول للقرافي وتبعه المقري في قواعده قائلا وهو تفسير عند المحققين وحكاه ابن عبد السلام عن بعض شيوخ المشارقة وقال لا يلتفت إليه ا ه\rوقال ابن عرفة إنه ساقط لمخالفته فهم الأشياخ في حملهم المشيئة على الخلاف والثاني للأكثر مع المقدمات لابن رشد والثالث للبيان لابن رشد وعلى الثاني ففي كون المراد رجوعها للمعلق عليه من حيث ذاته أو من حيث التعليق والربط طريقتان الطريقة الأولى لابن رشد في المقدمات والناصر وابن الشاط وعليها ففي كون إن شاء الله شرطا على بابه لتقييد المعلق عليه نفسه أو بمعنى الاستثناء رافع للمعلق عليه نفسه كما في اليمين بالله قولان الثاني لابن رشد في المقدمات فقد قال فيها الحق عدم اللزوم قياسا على اليمين بالله تعالى إذا أعاد الاستثناء على الفعل فيكون قول ابن القاسم مبنيا على مذهب القدرية والمقابل مبنيا على مذهب أهل السنة لأن قول القائل أنت طالق إن لم أدخل الدار إن شاء الله إذا صرف المشيئة إلى المعلق عليه هو إن امتنعت من الدخول بمشيئة الله تعالى فلا شيء علي وكذلك قوله أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله هو إن شاء الله دخولي فلا شيء علي وقد علم في السنة أن كل واقع في الوجود بمشيئة الله تعالى\rفامتناعه إذا من الدخول في الوجه الأول ودخوله في الثاني بمشيئة الله تعالى فلا يلزمه طلاق لأن ذلك هو الذي التزمه وأما القول بلزوم الطلاق فمقتضاه أن الدخول وعدمه وقع\r","part":1,"page":100},{"id":102,"text":"على خلاف المشيئة وهو محال عند أهل السنة ا ه واختار هذا القول الرهوني كما ستقف على كلامه والقول الأول أعني كون إن شاء الله شرطا على بابه لتقييد المعلق عليه نفسه للناصر وابن الشاط قال الناصر إنما يتضح اعتراض ابن رشد على ابن القاسم في إلا أن يشاء الله إذ معناه أنت طالق إن دخلت الدار إلا أن يشاء الله أن أدخلها فلا طلاق فإذا طلق عليه بالدخول كان مقتضيا لوقوعه بدون المشيئة وكذا أنت طالق لأدخلن الدار إلا أن يشاء الله معناه إلا أن يشاء الله عدم الدخول فإذا طلق عليه بعدم الدخول كان مقتضيا أنه بدون المشيئة وأما في إن فالظاهر قول ابن القاسم لأن أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله تعالى معناه إن دخلت الدار دخولا مقرونا بالمشيئة فإذا طلقت عليه بالدخول كان ذلك لأن الدخول المقرون بالمشيئة قد وقع وإن لم تطلق كان لانتفاء ذلك ومعلوم أن الدخول وقع فالمنفي إنما هو المشيئة وهذا بعينه مذهب القدرية أي القائلين بأن العبد خالق لأفعاله ا ه\rوقال ابن الشاط الحق اللزوم في قوله إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله لأنه إن عاد الاستثناء إلى الطلاق المعلق على ذلك فقد سبق في مسألة أنت طالق إن شاء الله أن الصحيح لزوم الطلاق وأن الاستثناء لا ينفعه وهذا المعلق كذلك\rوإن أعاده إلى الفعل المعلق عليه الطلاق فمعناه الظاهر إن شاء الله تعالى أن أفعل ذلك الفعل فإذا فعله فقد شاء الله تعالى فعليه فيلزم الطلاق كما قال مالك ومن وافقه والقياس الذي ذكره ابن رشد ليس بصحيح للفرق بينهما وهو أن القائل إذا قال والله لأفعلن إن شاء الله\r","part":1,"page":101},{"id":103,"text":"ورد الاستثناء إلى الفعل فإذا فعل ذلك الفعل فقد شاء الله تعالى وبر في يمينه وإن لم يفعله فهو بار أيضا لأنه علق المحلوف عليه على المشيئة للفعل ولم يقع الفعل فلن تتعلق به المشيئة والقائل إذا قال إن فعلت كذا فعلي الطلاق وإن شاء الله تعالى ورد الاستثناء إلى الفعل فإذا فعل ذلك الفعل فقد شاء الله فإنه لا يقع شيء إلا بمشيئته ويلزم مقتضى التعليق لوقوع المعلق عليه ا ه\rوخلاصة الفرق أن إن شاء الله في اليمين استثناء رافع له وقع المحلوف عليه أم لا وفي الطلاق شرط مقيد للمحلوف عليه فإذا وقع المحلوف عليه فقد شاء الله وبوقوعه لزم الطلاق المعلق الطريقة الثانية أعني رجوع المشيئة للمعلق عليه من حيث الربط والتعليق لا من حيث ذاته لخاتمة المحققين العلامة ابن المبارك رحمه الله تعالى فقد قال ما توضيحه أنه قد علم في علم الميزان أن الإيجاب والسلب والصدق والكذب والتقييد والإطلاق إذا وقعت في القضية الشرطية انصرفت إلى الربط واللزوم الذي فيها ولا تنصرف إلى أطرافها وقولنا أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله قضية شرطية\rوقولنا في تلك القضية إن شاء الله قيد من القيود التي يجب ردها إلى الربط ولا يصح رده إلى الدخول المعلق عليه لأنه طرف قضية شرطية والطرف لا يرجع إليه تقييد ولا غيره من الأمور السابقة فقولهم أنه راجع إلى المعلق عليه أي من حيث التعليق فهو راجع إلى التعليق في الحقيقة والتعليق الذي بين الشرط والجزاء أمر اعتباري لا يقبل الوجود في الخارج ولا العدم فيه وما لا يقبلهما كالنسب والاعتبارات ومن الربط الذي بين الشرط والجواب فمشيئة الله تعالى فيه لا تعلم ولا يمكن اطلاعنا عليها إذ الاطلاع عليها إنما هو\r","part":1,"page":102},{"id":104,"text":"بوجود متعلقها في الخارج ومتعلقها هنا لا يقبل الوجود في الخارج ولا العدم فيه أصلا فبعدم قبوله للوجود لم يعلم أنه تعالى أراد وجوده وبعدم قبوله للعدم لم يعلم أنه تعالى أراد عدمه وإذا وقع الفعل المعلق عليه كالدخول وقد قيد جعله سببا في الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئته وهو الله تعالى كما إذا قيد ذلك بمشيئة الجن أو الملك لا فرق بين كون المشيئة بلفظ إن شاء الله أو إلا أن يشاء وقع الخلل في العصمة بحصول الشك فيها وأصل ابن القاسم أنه إذا وقع الشك في العصمة اعتبر ووقع الطلاق له وأصل عبد الملك أن الشك المذكور يلغى وتستصحب العصمة فابن القاسم يلزم الطلاق إذا وقع الدخول وعبد الملك لا يلزمه بناء من كل واحد على أصله فهذا توجيه المذهبين في مشيئة الله تعالى وفي مشيئة الجن والملك وأما إذا وقع الفعل المعلق عليه كالدخول وقد قيد بمشيئة من تعلم مشيئته كزيد فإنه يسأل صاحب المشيئة هل شاء أن يجعله سببا في الطلاق فيقع أم لا فلا يقع قال الأمير ولا شيء إن لم يعلم\rومنه الميت ا ه قال حجازي كان بعد اليمين أو قبله ولو عالما بموته على أقوى القولين لأن شأنه الاطلاع عليه بخلاف مشيئة الله والملائكة ا ه\rهذا هو الحق الذي لا شك فيه فظهر أن على ابن رشد في كلامه السابق دركا من وجهين أحدهما ظنه أن الشرط راجع للدخول وليس كذلك بل هو راجع للربط الثاني ظنه أن إن شاء ليس شرطا على بابه بل بمعنى الاستثناء أعني إلا أن يشاء الله في الرفع لحكم التعليق كرفعه لحكم اليمين\r","part":1,"page":103},{"id":105,"text":"وليس كذلك لأنه مع ما فيه من تكلف إخراج إن عن بابه بلا داع هو مخالف للقاعدتين السابقتين في المسألة السادسة فقول الرهوني والحق ما قاله ابن رشد وما ردوا به عليه من الأمثلة كله ساقط إذ الشرط فيها كلها على بابه قطعا أي جيء به التقييد والاحتراز عن صورة المفهوم وأما الشرط في مسألتنا فلا يمكن أن يكون على بابه على مذهب أهل السنة وإنما هو في المعنى كالاستثناء كما في اليمين بالله الذي هو الأصل وقد قال اللخمي عن ابن المواز الاستثناء كل ما كان فيه إن مثل إن شاء الله وكل ما كان فيه إلا ا ه\rوهو نص في أن إن شاء الله كالاستثناء الحقيقي ا ه هو غير صحيح إذ كيف يكون هو الحق مع خروج اللفظ عليه عن مدلوله ومع ما يلزم عليه من جري ابن القاسم على خلاف مذهب أهل السنة وحاش من هو أدنى منه بمراتب من ذلك وفي قوله وما ردوا به عليه إلخ نظر من وجهين الأول أن كونه على بابه ممكن على مذهب أهل السنة فأنه جيء به للتقييد والاحتراز عن صورة المفهوم بدليل أن صاحب المشيئة لو كان ممن تعلم مشيئته لسئل هل شاء أن يجعل الدخول مثلا سببا للطلاق فيقع أم لا فلا يقع كما مر\rالثاني إن جعل إن شاء في اليمين بالله بمعنى الاستثناء حمل له على غير مدلوله لعارض شرعي فلا يقاس عليه غيره كما أشار له غ في تكميله في رده اعتراض ابن رشد المذكور وكلام ابن المواز يحتمل تخصيصه باليمين بالله بل هو الظاهر للقاعدتين السابقتين فلا دليل فيه وعلى الناصر في كلامه السابق دركا من وجهين أيضا وكذا ابن الشاط الأول ظنه أن الشرط على بابه راجع للدخول للربط\r","part":1,"page":104},{"id":106,"text":"والأمر بالعكس الثاني ظنه أن إلا أن يشاء الله في مسألتنا ليس للتقييد والاحتراز عن صورة المفهوم بل لرفع الحكم بالتعليق كما في اليمين وليس كذلك للقاعدتين السابقتين وبالجملة فمذهبا ابن قاسم وعبد الملك في كون إن شاء الله في المثالين المارين لا تنفعه أو تنفعه إما أن يحملا على الوفاق مطلقا ولو احتمل المثال رجوعه للمعلق عليه وادعاه مع البنية وهو ما للقرافي ومن تبعه أو على الاختلاف فيما احتمل ذلك وادعاه وقامت عليه بينته وهو ما في البيان لابن رشد أو على الاختلاف مطلقا وهو قول الأكثر مع المقدمات لابن رشد وهو المعتبر وعليه فهل إن شاء الله بمعنى الاستثناء راجع للمعلق عليه نفسه وهو ما لابن رشد واختاره الرهوني أو هو شرط على بابه راجع للمعلق عليه أيضا وهو ما للناصر وابن الشاط ولا خلاف في كون إلا أن يشاء الله استثناء رافعا لحكم التعليق كما في اليمين أو هو شرط على بابه قيد للتعليق كإلا أن يشاء الله وهو ما لابن المبارك وهو الحق هذا خلاصة ما في حاشية كنون على حواشي عبق بتوضيح وزيادة وهو غاية تحقيق المقام فاحفظه قلت ولا فرق على قول ابن المبارك بين صرف المشيئة بإن شاء الله أو إلا أن يشاء الله للدخول أو للطلاق أو لم تكن له نية بصرفها بشيء ووجه الدخول في كل ضرورة أنها قيد يجب رده للربط لا إلى طرف من طرفي القضية الشرطية فينجز عليه عند ابن القاسم للشك ولا شيء عليه عند عبد الملك لإلغاء الشك\rوإذا قال أنت طالق إلا أن يبدو لي أو إلا أن أشاء أو إلا أن أرى خيرا منه أو إلا أن يغير الله ما في خاطري ونحو ذلك لا ينفعه وإذا قال أنت طالق إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي ونحوه أو إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي فأنت طالق نفعه لأن معناه أني لم أصمم على جعل دخول الدار سببا\r","part":1,"page":105},{"id":107,"text":"لطلاقك بل الأمر موقوف على إرادتي في المستقبل فإن شئت جعلت دخول الدار سببا لوقوعه وإن شئت لم أجعله سببا فلذا نفعه في الدخول دون الطلاق لما مر في قاعدة الشرط اللغوي أنه سبب وكل إلى إرادته وكل سبب كذلك لا يكون سببا إلا بتصميمه على جعله سببا بخلاف السبب الشرعي الذي لا اختيار له فيه كالطلاق فافهم وقد شبه العلامة الأمير في مجموعه العتق والنذر بالطلاق في جميع ما يتعلق به فقال ونجز أي الطلاق إن أتى بمشيئة الله ولو لمعلق عليه كمشيئته إلا أن يعلق عليها أو يستثني بها من المعلق عليه فقط كإلا أن يبدو لي ومشيئة الغير مطلقا أي علق عليها واستثنى بها أو رجعها للمعلق أو المعلق عليه كالعتق والنذر ا ه قال حجازي أي ينجز إن أتى بمشيئة الله ولو لمعلق عليه كمشيئته إلخ فهو تشبيه في جميع ما مر ا ه\rوقول صاحب الجلاب في قوله إن كلمت زيدا فعلى المشي إلى بيت الله إن شاء الله إن أعاد الاستثناء على كلام زيد نفعه وعلى الحج لم ينفعه ا ه\rوإن قال القرافي معناه أني لم أجزم بجعل كلام زيد سببا للزوم الحج بل ذلك موكول لمشيئة الله تعالى فلا يكون سببا فلا يلزم الحج بكلامه فإذا أعاده على الحج فقد جزم بسببية كلام زيد فترتب عليه مسببه والاستثناء لا يكون رافعا كما تقدم ا ه إلا أن ابن الشاط قال إن قوله بل ذلك موكول لمشيئة الله تعالى فلا يكون سببا فلا يلزم الحج بكلامه غير صحيح بل الصحيح أن قوله إن كنت كلمت زيدا فعلي المشي إلى الحج إن قال عقبه إن شاء الله فإنه يلزمه كما سبق وإن قال عقبه إلا أن يبدو لي فإنه لا يلزمه لأنه يتعين هنا حمل كلامه على رد الاستثناء إلى جعل ذلك الفعل سببا ا ه\rيعني أن\r","part":1,"page":106},{"id":108,"text":"كلام صاحب الجلاب الذي وجهه القرافي بما ذكر كما هو مذهب عبد الملك خلاف الصحيح لأن مقتضى عدم لزوم الحج عند عود المشيئة لكلام زيد وقد وقع أن وقوعه على خلاف المشيئة وهو بعينه مذهب القدرية والصحيح اللزوم مطلقا ولو عادت المشيئة لكلام زيد كما هو مذهب ابن القاسم إذ بوقوع كلام زيد صار مقرونا بالمشيئة إذ قد علم في السنة أن كل واقع في الوجود بمشيئة الله تعالى وبتحقق وقوع الكلام المقرون بالمشيئة تحقق وقوع المعلق عليه لزوم الحج فيلزم فكلام ابن الشاط هذا وكذا كلام الأمير مبني على أن إن شاء الله شرط على بابه لتقييد المعلق عليه نفسه كما هو مذهبه ومذهب الناصر قلت والظاهر أن مذهب ابن المبارك كما في الطلاق كذلك يأتي في النذر والعتق لأن جعل إن شاء الله شرطا على بابه لتقييد التعليق يقتضي وقوع الشك في العتق والنذر كما علمت وفي اعتبار الشك فيهما كالطلاق عن ابن القاسم وهو الصحيح فلا يلغى بل يقتضى لزومهما أما العتق فلتشوف الشارع للحرية ولم ينظر والاحتياط في الفروج كما في شرح الأمير على مجموعه وعتق وأما النذر فكذلك على الظاهر لكونه قربة\rأوجبها على نفسه أو إلغائه فيها كالطلاق فلا يحكم بواحد فيها لمجرد احتمال خلاف نعم جريان قول عبد الملك بإلغاء الشك وإن ظهر في غير الطلاق لا يظهر في الطلاق لأن الشك فيه على خمسة أوجه كما في البيان لابن رشد نظمها بعضهم بقوله ذو الشك في الحنث بلا مستند لا أمر لا جبر اتفاقا قيد لا جبر بل يؤمر من سيستند بالاتفاق قال من يعتمد من شك في الحنث وفي أن حلفا لا جبر بل في أمر هذا اختلفا ثم الذي في جبره يختلف ذو المشي والعدد والحيض اعرفوا ذو الشك في الزوجة فعل أمس بالاتفاق أجبره دون لبس وصورة الوجه الأول أن يحلف الرجل على الرجل أن لا يفعل فعلا ثم يقول لعله قد فعله من غير سبب يوجب عليه الشك في ذلك وصورة الوجه الثاني أن يحلف أن لا يفعل ثم يشك هل حنث أم لا\r","part":1,"page":107},{"id":109,"text":"لسبب أدخل عليه الشك وصورة الوجه الثالث أن يشك هل طلق أم لا وهل حلف وحنث أو لم يحلف لسبب أدخل عليه الشك فقال ابن القاسم يؤمر بالطلاق\rوقال أصبغ لا يؤمر به وصورة الوجه الرابع أن يطلق فلا يدري إن كان طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو يحلف ويحنث ولا يدري إن كان حلف بطلاق أو بمشي أو يقول امرأتي طالق إن كانت فلانة حائضا فتقول لست بحائض أو إن كان فلان يبغضني فيقول أنا أحبك ويزعم أنه قد صدقه ولا يدري حقيقة ذلك والخلاف في المسألة الأولى من قول ابن القاسم ومن قول ابن الماجشون وفي الثانية بين ابن القاسم وأصبغ وصورة الوجه الخامس أن يقول امرأتي طالق إن كان أمس كذا وكذا لشيء يمكن أن يكون وأن لا يكون ولا طريق إلى استعلامه وأن يشك في أي امرأة من امرأتيه طلق فإنه يجبر على فراقهما جميعا ولا يجوز له أن يقيم على واحدة منها والشك في مسألتنا من قبيل هذا الوجه الخامس كما لا يخفى فانظر كيف يتأتى فيه جريان أصل عبد الملك من إلغاء الشك واستصحاب العصمة مع حكاية ابن رشد في البيان الاتفاق فيه على الجبر على الطلاق فتأمل ذلك بإنصاف وحرر والله سبحانه وتعالى أعلم\rالمسألة الثامنة\rلتعدد الشرط اللغوي مع اتحاد الجواب ثلاثة أقسام القسم الأول تعدده كذلك بدون عطف مع تكرر حرف الشرط ويسميه الفقهاء تعليق التعليق والنحاة اعتراض الشرط على الشرط وقد أفرد بالتأليف نحو أنت طالق إن كلمت زيدا إن دخلت الدار وهو يحتمل كما قال ابن الحاجب أربعة أوجه\r","part":1,"page":108},{"id":110,"text":"الوجه الأول أن يجعل الجواب لهما معا ولا سبيل إليه لما يلزم من اجتماع عاملين على معمول واحد الوجه الثاني أن لا يجعل جوابا لواحد منهما ولا سبيل إليه لما يلزم من الإتيان بما لا دخل له في الكلام وترك ما له دخل وهو عبث الوجه الثالث أن يجعل جوابا للثاني دون الأول ولا سبيل إليه لأنه يلزم أن يكون الثاني وجوابه جوابا للأول وحينئذ يلزم الإتيان بالفاء الرابطة ولا فاء الوجه الرابع وهو المتعين أن يكون جوابا للأول وهو وجوابه دليل جواب الثاني وهو رأي الفراء واقتصر في المغني وابن مالك في التسهيل عليه\rوذكر ابن هشام النحوي في حواشي الألفية عن الفراء أنه سأل الفقهاء عن هذه المسألة فاختلفوا عليه فقال بعضهم لا تطلق إلا بوقوع الشرطين مرتين كترتيبهما في\rالذكر وقيل بشرط انعكاس الترتيب وقيل تطلق بهما مطلقا وقيل بوقوع أي شرط كان واختار الفراء الثاني ووجهه بالوجه الرابع الذي رآه والحق أن الوجه الرابع يصلح توجيها لكل من القول الثاني وهو مذهب الشافعي والقول الثالث وهو مذهب الإمام مالك واختاره إمام الحرمين من الشافعية وذلك لأن مذهب الشافعي مبني على أن استقبال الفعل الأول باعتبار زمن الثاني لتوقفه عليه ومذهبنا مبني على أن استقبال كل من الفعلين باعتبار زمن التكلم وهو الظاهر لأن المتوقف على الثاني إنما هو لزوم حكم التعليق لا المعلق عليه كما في البناني على عبق\r","part":1,"page":109},{"id":111,"text":"وضابط مذهب الشافعي أن الشروط إن وقعت كما نطق بها لم تطلق وأن عكسها المتقدم متأخر والمتأخر متقدم طلقت قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب في المثال المار إن دخلت الدار ثم كلمت زيدا طلقت وإن كلمت زيدا أولا ثم دخلت الدار لم تطلق لأنه جعل دخول الدار شرطا في كلام زيد فوجب تقديمه عليه وإن قال إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتني فأنت طالق لم تطلق حتى يوجد السؤال ثم الوعد ثم العطاء لأنه شرط في الوعد العطية وشرط في العطية السؤال وكان معناه إن سألتني فوعدتك فأعطيتك فأنت طالق وافقه الغزالي على ذلك في الوسيط ولم يحكيا خلافا وعليه إذا نسق هذا النسق عشرة شروط فأكثر فلا بد في لزوم الطلاق من أن يقع العاشر أولا ثم التاسع إلى الأول فيقع آخرا لأن العاشر سبب في التاسع فيقع قبله وهكذا ومتى اختل ذلك في الوقوع اختل المشروط فلا يقع ومدركهم قاعدتان الأولى أن الشروط اللغوية أسباب يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم\rوالقاعدة الثانية أن تقدم المسبب على سببه لا يعتبر كالصلاة قبل الزوال فإذا قال إن كلمت زيدا إن دخلت\rالدار فمعناه عندهم أني جعلت كلام زيد سبب طلاقك وشرطه اللغوي غير أني قد جعلت سبب اعتباره والشرط فيه دخول الدار فإن وقع الكلام أولا فلا تطلق به لأنه وقع قبل سبب اعتباره فيلغى كالصلاة قبل الزوال فلا بد من إيقاعه بعد دخول الدار حتى يقع بعد سببه فيعتبر كالصلاة بعد الزوال\r","part":1,"page":110},{"id":112,"text":"ويشهد لمذهبهم من القرآن قوله تعالى في سورة هود ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون فإن إرادة الله تعالى متقدمة على إرادة البشر من الأنبياء وغيرهم فالمتقدم لفظا متأخر وقوعا ولا يمكن خلاف ذلك ومن الشعر قول ابن دريد فإن عثرت بعدها إن والت نفسي من هاتا فقولا لا لعا وقول الشاعر إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقل عز زانها كرم إذ معلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد الخلوص من الأول فالمتقدم لفظا متأخر وقوعا وأن الاستغاثة إنما تكون بعد الذعر فالمتقدم لفظا متأخر معنى وضابط مذهبنا وإمام الحرمين أن الشروط إذا وقعت معا على ترتيبها في التعليق أو على عكسه طلقت قال خليل في مختصره وإن قال إن كلمت إن دخلت لم تطلق إلا بهما قال عبق أي معا على ترتيبهما في التعليق أو على عكسه ا ه فإذا قال إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتني فأنت طالق طلقت بوجود الثلاثة على الترتيب أو على عكسه وإذا نسق هذا النسق عشرة شروط\rفأكثر طلقت بوقوع الجميع على الترتيب أو على عكسه ومدرك أصحابنا وإمام الحرمين أنا أجمعنا على أن المعطوف بالواو يستوي الحال فيه تقدم أو تأخر فكذلك عند عدمه لأن الإنسان قد يعطف الكلام بعضه على بعض من غير حرف عطف ويكون في معنى حرف العطف كقولنا جاء زيد جاء عمرو وأن الربط بين الشروط اللغوية ومشروطاتها وضعي كما سبق التنبيه عليه فصفة الربط من تقدم أو تأخر أو معية كذلك وضعي والأمور الوضعية يجوز تبدلها وتبدل أوصافها بحسب قصد الواضع لها فافهم\r","part":1,"page":111},{"id":113,"text":"قالوا وما احتج به الشافعية لا حجة فيه إذ ليس كون المتأخر في الآية والبيتين متقدما من مقتضى اللفظ بل هو من ضرورة الوجود ألا ترى أن كون الذعر سببا في الاستغاثة ليس من مقتضى اللفظ فغاية ما في ذلك جواز أن يتقدم في اللفظ ما هو متأخر في الوجود وقد ثبت في قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها أن مثل هذا يجيء في المحتمل للتقدم والتأخر وأيضا لا مانع من تسويغ قول القائل إن طلقت المرأة إن انقضت عدتها حل نكاحها وقوله إن تتجر إن تربح في تجارتك تصدق بدينار وأنه كلام عربي مع أن المتقدم في اللفظ متقدم في الوقوع فظهر أن مثل هذا سائغ على كل وجه فالقول قول إمام الحرمين والمالكية قال الأمير في شرح مجموعه وضوء شموعه فإن الاتصاف احتمال العكس أي إن كلمت فإن دخلت الدار فأنت طالق والحالف لا يلزم أن يراعي العربية ويأتي بالفاء على أن الفاء قد تحذف فاحتيط أي بأعمال كل من الاحتمالين ا ه والله أعلم\rالقسم الثاني تعدد الشرط اللغوي كذلك بالعطف بالواو مع تكرر حرف الشرط أو مع عدم تكرره ففي نحو إن أكلت وإن لبست فأنت طالق يلزمه طلقة واحدة إذا وقع كل من الأكل أو اللبس قبل صاحبه أو معه بل ولو انفرد واحد منهما لأن تكرر حرف الشرط يدل على استقلال كل واحد بالشرطية وحرف الشرط وإن تكرر مع الفعلين إلا أنه لا يلزم أن يكون لكل واحد منهما جزاء فتطلق بكل واحد منهما\rطلقة كما قاله أبو إسحاق في المهذب إذ القاعدة أن التشريك بالعاطف أصل المعنى دون متعلقاته وظروفه وأحواله\r","part":1,"page":112},{"id":114,"text":"فإذا قلت مررت بزيد قائما أو يوم الجمعة أو أمامك وعمرو لم يلزم تشريك عمرو إلا في أصل المرور وإذا قلت اشتريت هذا الثوب بدرهم والفرس لم يلزم الاشتراك في الدرهم لأنه متعلق بل في أصل الفعل ومقتضى هذه القاعدة أن التشريك هنا في أصل الشرطية دون ما بعده من المتعلقات فالتزام التشريك في الجميع التزام لما لا يلزم نعم يمكن أن يقال يحتمل قصد تعدد الجواب واختصاره لفظا فيكون بمنزلة من طلق وشك في العدد فيحمل على الثلاث احتياطا\rوفي نحو إن أكلت ولبست فأنت طالق لا يلزم الطلاق إلا بمجموع الفعلين بلا ترتيب بينهما باتفاق الفرق بل أيهما وقع قبل صاحبه اعتبر ولا بد من وقوع الآخر بعده فإنهما معا جعلا شرطين في الطلاق ولم يجعل أحدهما شرطا في الآخر القسم الثالث تعدد الشرط اللغوي كذلك بالعطف بغير الواو ومع عدم تكرر حرف الشرط في الفاء وثم وأو ومع تكرره في حتى وبل ولا ولكن وأما ففي نحو إن أكلت فلبست أو ثم لبست فأنت طالق يلزمه الطلاق بفعلهما على ترتيبهما في اللفظ وكذلك في إن أكلت حتى لبست فأنت طالق يقتضي اللفظ تأخير اللبس مع تكرر الأكل قبله لأن القاعدة أن المغيا لا بد أن يثبت قبل الغاية ويتكرر إليها وفي نحو إن أكلت بل إن لبست فأنت طالق لا يلزمه الطلاق إلا باللبس لأنه هو الشرط وحده\rوأما الأكل فقد ألغيت شرطيته بالإضراب عنه ببل وكذلك في نحو إن لم تأكلي لكن إن لبست فأنت طالق الشرط هو الثاني وحده\rوقد ألغي الأول بلكن لأنها للاستدراك وفي نحو إن أكلت لا إن لبست فأنت طالق لا تطلق إلا بالأول لأنه هو الشرط وحده لأن لا لإبطال الثاني وفي نحو إن أكلت أو لبست فأنت طالق ونحو أنت طالق أما إن أكلت وأما إن لبست يلزم الطلاق بوقوع أيهما لأن الشرط أحدهما لا بعينه ولم يبق من حروف\r","part":1,"page":113},{"id":115,"text":"العطف إلا أم وهي متعذرة في هذا الباب لأنها للاستفهام والمستفهم غير جازم بشيء والمعلق لا بد أن يكون جازما فالجمع بينهما محال ولم يتعرضوا لمراعاة التعقيب في الفاء والتراخي في ثم بأن يقولوا إن لم يقع الثاني عقيب الأول في صورة الفاء لم يقع طلاق ولا إن لم يتراخ الثاني عن الأول في صورة ثم لم يقع طلاق وإن كان ذلك هو مقتضى اللغة لأن العادة لما ألغته وأمر الأيمان مبني على العوائد لم يعتبروا ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع بين قاعدتي إن ولو الشرطيتين\rالأكثر في أن إن لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل وقد تتعلق بالماضي لفظا ومعنى قياسا مطردا\rمع كان نحو وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله إذ المعنى والله أعلم وإن كنتم في ريب فيما مضى واستمر ذلك\rالريب لوقت الخطاب فأتوا بسورة أي فأنتم مطالبون بما يزيله وهو المعارضة المفيدة للجزم وبعد الواو في مقام التأكيد في نحو زيد وإن كثر ماله بخيل حيث اعتبر كون الواو للعطف على محذوف أي إن لم يكثر ماله وإن كثر ماله وكون إن شرطية ولو لم يقدر لها جواب إذ قولهم إن الشرطية لها شرط وجزاء غالبي لا كلي وقليلا في غير ذلك كقول أبي العلاء المعري\rفيا وطني إن فاتني بك سابق من الدهر فلينعم لساكنك البال أي إن كان زمن سابق فوت علي الإقامة والسكنى في وطني ولم يتيسر لي الإقامة فيه وتولاه غيري فلا لوم علي لأني تركته من غير عيب فيه وحينئذ فلتطب نفس ذلك الساكن ولينعم باله والغرض من ذلك إظهار التحسر والتحزن على مفارقة الوطن والشاهد في قوله إن فاتني فإنه مستعمل في الماضي لفظا ومعنى وأما لو فتتعلق بالماضي قال السعد ومذهب المبرد أنها تستعمل في المستقبل استعمال إن وهو مع قلته ثابت ا ه","part":1,"page":114},{"id":116,"text":"قال الدسوقي نحو قوله ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظل صدى صوتي وإن كنت رمة لصوت صدى ليلى يهش ويطرب ولو شرطية مع الماضي ولها ثلاث استعمالات أحدها أن تكون للترتيب الخارجي بمعنى أنها تستعمل للدلالة على أن علة انتفاء الجزاء في الخارج وهي انتفاء مضمون الشرط من غير التفات إلى أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي فمعنى لو شاء الله لهداكم أن انتفاء الهداية إنما هو سبب انتفاء المشيئة لأن انتفاء المشيئة علة في انتفاء الهداية في الخارج وهذا هو الاستعمال الغالب فلذا قال سيبويه لو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره أي يدل على أن الجواب كان يقع فيما مضى لو وقع الشرط وقال غيره ومشى عليه المعربون حرف امتناع لامتناع أي امتناع الجواب لامتناع الشرط فافهم\rوالثاني كونها للاستدلال على انتفاء الملزوم الذي هو الشرط بانتفاء اللازم الذي هو الجزاء من غير التفات إلى أن على الجزاء في الخارج ما هي كما في قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فإن\rالقصد به تعليم الخلق الاستدلال على الوحدانية بأن يستدلوا بالتصديق بانتفاء الفساد على العلم بانتفاء التعدد وليس القصد به بيان أن علة انتفاء الفساد في الخارج انتفاء التعدد لأنه وإن كان ظاهرا نظرا للأصل إلا أنه نظرا لمقام الاستدلال إلا ظهر القصد الأول أي الاستعمال على وجه الاستدلال على انتفاء التعدد بانتفاء الفساد\r","part":1,"page":115},{"id":117,"text":"والثالث كونها للدلالة على استمرار شيء بربطه إما بأبعد النقيضين كقوله عليه الصلاة والسلام أو قول عمر على ما قيل نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه فالخوف وعدمه نقيضان وعدمه أبعد لعدم العصيان منه فعلق عدم العصيان على الأبعد إشارة إلى أن عدم العصيان من صهيب مستمر وأن العصيان لا يقع منه أصلا وأما بالمساوي كقوله {صلى الله عليه وسلم} في درة بضم المهملة بنت أم سلمة أي هند لما بلغه تحدث النساء أنه يريد أن ينكحها أنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاع رواه الشيخان حيث رتب عدم حلها على عدم كونها ربيبة المبين بكونها ابنة أخي الرضاع المناسب هو له شرعا فيترتب أيضا في قصد المرتب على كونها ربيبة المفاد بلو المناسب هو له شرعا كمناسبته للأول سواء لمساواة حرمة المصاهرة لحرمة الرضاع والمعنى أنها لا تحل لي أصلا لأن بها وصفين لو انفرد كل منهما حرمت له كونها ربيبة وكونها ابنة أخي من الرضاع وأما بالأقرب كقولك فيمن عرض عليك نكاحها لو انتفت أخوة الرضاع لما حلت للنسب حيث رتبت عدم حلها على عدم أخوتها من الرضاع المبين بأخوتها من النسب المناسب هو لها شرعا فيترتب أيضا في قصدك على أخوتها من ارضاع المفاد بلو المناسب هو لها\rشرعا لكن دون مناسبته للأول لأن حرمة الرضاع أدون من حرمة النسب والمعنى لا تحل لي أصلا لأن بها وصفين لو انفرد كل منهما حرمت له أخوتها من النسب وأخوتها من الرضاع\r","part":1,"page":116},{"id":118,"text":"وقد أشار العلامة السبكي لهذه الاستعمالات الثلاثة بقوله مدلول لو ربط وجود ثان بأول في سابق الأزمان مع انتفاء ذلك المقدم حقا بلا ريب ولا توهم أما الجواب إن يكن مناسبا وليس غير شرطه مصاحبا فاحكم له بالنفي أيضا واعلم بأن كلا داخل في العدم أو لم يكن مناسبا فواجب من باب أولى ذاك حكم لازب وفي مناسب له إذ يفقد مناسب سواه قد لا يوجد هذا جواب لو بتقسيم حصل ممتنع وواجب ومحتمل ومعظم المقصود فيما يجب إثباته في كل حال يطلب مثاله نعم الذي لو لم يخف لما عصى إلهه ولا اقترف\rومعظم المقصود في الممتنع بيان نفي شرطه الذي ادعى كلو يكون فيهما شريك لامتنعا فالواحد المليك أو أن ذاك النفي حقا أثرا في عدم الذي يلي بلا مرا كلو أتيتني لكنت تكرم كرامتي لمن قلاني تعدم وقد تخرج عن الشرطية فتكون وصلة للربط مع واو الحال في الجملة الحالية في نحو زيد ولو كثر ماله بخيل وتكون للتمني والمصدرية في نحو ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين فاستعمالاته ا ستة ا ه\rبتوضيح من مختصر السعد على التلخيص وفي حاشية الشربيني على حواشي محلى جمع الجوامع نقلا عن عبد الحكيم عن القاضي البيضاوي أن ما ذكر هو المشهور وهو يستلزم القول بالاشتراك بناء على أنه لم يبلغ الأمر في لفظتي إن ولو إلى حد أن يكون ما كثر فيه هو السابق منهما إلى الفهم حتى يلزم أن يكون كل منهما حقيقة عرفية فيما كثر فيه ومجازا عرفيا فيما قل فيه بل كل منهما حقيقة لغوية وعرفية فيما كثر أو قل فيه أو القول بالحقيقة أو المجاز بناء على أنه بلغ الأمر في لفظيهما إلى الحد المذكور ولما كان الأصل ينفي كلا من الاشتراك والحقيقة والمجاز عدل المصنف يعني القاضي البيضاوي عن المشهور\r","part":1,"page":117},{"id":119,"text":"وقال لو من حروف الشرط وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني أي إن سائر حروف الشرط كما أنها موضوعة لمجرد تعليق من غير دلالة على انتفاء وثبوت فكذلك كلمة لو موضوعة لمجرد تعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فيه من غير دلالة على انتفاء الأول أو الثاني أو على استمرار الجزاء بل جميع هذه\rالأمور خارجة عن مفهومها مستفادة بمعونة القرائن كي لا يلزم القول بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز من غير ضرورة وأشار بقوله وظاهرها إلخ إلى ترجيح قول الشيخ ابن الحاجب أن لو حرف يدل على امتناع تال يلزم لثبوته ثبوت تالية أي في الماضي وتزييف المشهور من أنها حرف امتناع لامتناع يعني أنه لما كان لو من حروف الشرط ومعناها مجرد التعليق فاللازم لمفهومها هو الدلالة على انتفاء الأول بانتفاء الثاني وكون هذا القول لازما لمفهومها لا يستلزم الإرادة في جميع مواردها فإن الدلالة غير الإرادة ووجه تزييف المشهور هو أنه مع توقفه على كون انتفاء الأول مأخوذا في مدلول لو المستلزم خلاف الأصل كما عرفت يرد عليه أن المستفاد من التعليق على أمر مفروض الحصول إبداء المانع من حصول المعلق في الماضي وأنه لم يخرج من العدم الأصلي إلى حد الوجود وبقي على حاله لارتباط وجوده بأمر معدوم وأما أن انتفاءه بسبب لانتفائه في الخارج فلا كيف والشرط النحوي قد يكون مسببا نحو لو كان العالم مضيئا لكانت الشمس طالعة وقد يكون مضافا نحو لو كان زيد أبا لعمرو لكان عمرو ابنا له\rوقد يكون الشرط والجزاء معلولين لعلة واحدة نحو لو كان النهار موجودا لكان العالم مضيئا نعم انتفاء الشرط الاصطلاحي هو الذي يقتضي انتفاء المشروط في الخارج ومن هذا ظهر جواب ما قاله السعد من أنه يدلك على أنها مستعملة لإفادة السببية الخارجية قول أبي العلاء ولو دامت الدولات كانوا كغيرهم رعايا ولكن ما لهن دوام\r","part":1,"page":118},{"id":120,"text":"وقول الخماسي ولو طارد ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر لأن استثناء المقدم لا ينتج وذلك لأن اللازم مما ذكره أن لا يكون مستعملا للاستدلال بانتفاء الأول على انتفاء الثاني ولا يلزم منه أن لا تكون مستعملة لمجرد التعليق لإفادة إبداء المانع مع قيام المقتضي كيف ولو كان معناها إفادة سببية الانتفاء للانتفاء كان الاستثناء تأكيدا وإعادة بخلاف ما إذا كان معناها مجرد التعليق فإنه يكون إفادة وتأسيسا ا ه\rقلت وعلى هذا فالفرق أن لو لمجرد التعليق في الماضي غالبا وأما إن فلمجرد التعليق في المستقبل غالبا فافهم وهنا وصلان الوصل الأول قد علمت أن الكثير في شرط إن وجزائه أن لا يتعلقا إلا بمستقبل معدوم والقليل تعلقهما بماض على ما فيه وشرط لو وجزاؤه بالعكس وكذا سائر أدوات الشرط فليس الشرط والجزاء مما لا يتعلق في لسان العرب إلا بمستقبل معدوم كالأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة بل عدم التعليق بغير المستقبل خاص في لسان العرب بهذه الثمانية فلا يتصور واحد منها في ماض ولا حاضر وما أمرنا به في الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليس إلا الصلاة المشبهة فإنها التي وردت في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لما قيل له كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وقولنا اللهم صل دعاء فلا يتعلق إلا بعطية لم تعط لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معدومة والموجود الحاصل له عليه\r","part":1,"page":119},{"id":121,"text":"الصلاة والسلام قبل دعائنا لم يتعلق به طلب ألبتة لأن طلب تحصيل الحاصل محال وذلك الموجود الحاصل مواهب ربانية لرسول الله من خيري الدنيا والآخرة لم يدركها أحد من الأنبياء ولم يصل إليها وما نطلبه له عليه الصلاة والسلام زيادة على ذلك فلو تخيلناه أقل من المواهب الحاصلة لإبراهيم بمقتضى قاعدة أن المشبه به أعظم من المشبه في وجه الشبه لم يلزم منه تفضيل إبراهيم عليه السلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ألا ترى أن الملك لو أعطى لرجل ألف دينار وأعطى الآخر مائة ثم طلبنا نحن من الملك أن يزيد صاحب الألف على الألف مثل ما أعطى صاحب المائة وأجاب الملك طلبنا لكان الحاصل مع صاحب الألف ألفا ومائة ومع صاحب المائة مائة لم يلزم على ذلك\rوإن تخيل أن مائة صاحب المائة أعظم من مائة صاحب الألف بمقتضى قاعدة التشبيه إخلال ما بعطية صاحب الألف في ألفه بل المائة زيادة على ما وقع به التفضيل أولا فسقط ما أورده العز بن عبد السلام على الحديث المذكور من أن قاعدة العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه وأعظم أحواله أن يكون مثله وها هنا شبهنا عطية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعطية إبراهيم عليه السلام فإن صلاة الله سبحانه وتعالى معناها الإحسان مجازا إما بالاستعارة أو مرسلا من باب التعبير بالمتعلق لا الدعاء الذي هو حقيقة اللفظ لاستحالته ونحن نعلم أن إحسان الله تعالى لنبيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أعظم من إحسانه لإبراهيم عليه السلام وتشبيهه به يقتضي خلاف ذلك فما وجه التشبيه ولا حاجة لجوابه عنه بأن التشبيه وقع بين المجموعين مجموع المعطى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولآله ومجموع المعطى لإبراهيم عليه السلام ولآله وآل إبراهيم عليه السلام أنبياء وآل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليسوا بأنبياء فالمجموع المعطى\r","part":1,"page":120},{"id":122,"text":"لإبراهيم عليه السلام يقسم عليه وعلى آله والمجموع المعطى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقسم عليه وعلى آله فتكون الأجزاء الحاصلة لآل إبراهيم عليه السلام أعظم من الأجزاء الحاصلة لآل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيكون الفاضل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعظم من الفاضل لإبراهيم عليه السلام فيكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من إبراهيم وهو المطلوب نعم الصحيح أن الألفاظ الثمانية من الدعاء وما معه\rوإن كانت لا تتعلق في لسان العرب إلا بالمستقبل إلا أن ذلك لا يمنع كما يأتي في الفرق الرابع والستين عن ابن الشاط من تشبيه ما يتعلق به واحد منها بغير المستقبل ولكن مع ذلك فسؤال ابن عبد السلام المذكور ليس بلازم الورود على الحديث المذكور وذلك لأن هذا السؤال مبني على مشابهة الفعل المطلوب للفعل المشبه به في القدر والصفة بأن يكون مراد الداعي بقوله أعط زيدا كما أعطيت عمرا سو بينهما في مقدار العطية وصفتها مع محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا وليس ذلك بلازم بل يحتمل أن يكون الداعي أراد سو بينهما في مطلق العطية من غير تعرض لفقد التسوية في مقدار العطية ولا في صفتها أو أراد سو بينهما في مقدار العطية وصفتها من غير محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا وعلى هذين الاحتمالين لا يصح ورود السؤال من أصله نعم ربما يسأل عن موجب اختصاص إبراهيم عليه السلام بذلك فيقال موجبه نسبة نبينا {صلى الله عليه وسلم} إليه بالنبوة والموافقة في معالم الملة كما قاله ابن الشاط وعلى تقدير إرادة الداعي الاحتمال الأول المبني عليه ورود السؤال فجواب ابن عبد السلام عنه بما ذكر مستدرك بأن مقتضاه تعلق الطلب بالموجود الحاصل له صلى الله تعالى عليه وسلم والحال أن طلب تحصيل الحاصل محال فافهم\r","part":1,"page":121},{"id":123,"text":"الوصل الثاني في أربع عشرة مسألة توضح القاعدتين المسألة الأولى جعل الشرط وجزائه ماضيين في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام إن كنت قلته فقد علمته جاز على القليل من تعلق إن بالماضي فلا تحتاج الآية إلى أن يدعي أولا أن هذا القول وقع في زمن عيسى عليه السلام في الدنيا بدليل أن سؤال الله تعالى كان في الدنيا فإنه قد أخبر الله به محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بلفظي إذ وقال الماضيين بقوله تعالى إذ قال الله يا عيسى ابن مريم وثانيا أن سؤاله تعالى قبل أن يدعي ذلك عليه فيكون التقدير إن أكن أقوله فأنت تعلمه فهما مستقبلان لا ماضيان أو يقال المشهور أن السؤال يكون يوم القيامة لكن عبر عنه بالماضي على حد قوله تعالى أتى أمر الله لأن خبره تعالى الواقع في المستقبل كالماضي في تحقق الوقوع فيجب كما قال ابن السراج تأويل الشرط والجزاء بفعلين مستقبلين تقديرهما إن يثبت في المستقبل أني قلته في الماضي يثبت أنك تعلم ذلك وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل معلوما فيحسن التعليق عليه\rالمسألة الثانية لو في اللغة إنما لمجرد الربط خاصة وما توهموه فيها من أنها إذا دخلت على ثبوتين نحو لو جاءني زيد لأكرمته عادا نفيين فما جاء زيد ولا أكرم أو على نفيين نحو لو لم يستدن لم يطالب عادا ثبوتين فقد استدان وطولب أو على نفي وثبوت نحو لو لم يؤمن أريق دمه أو لو آمن لم يقتل كان النفي ثبوتا والثبوت نفيا ففي الأول آمن ولم يرق دمه وفي الثاني لم يؤمن فقتل إنما هو من قبيل مفهوم الشرط فإن قيل به صح ذلك وإلا فلا فهي في قوله تعالى ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة\rأبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم وردت بمعناها اللغوي لمطلق الربط فلا تقتضي أن كلمات الله تعالى نفدت فلا داعي إلى ما قالوه في الآية من التكلفات فافهم\rقال شهاب الدين\r","part":1,"page":122},{"id":124,"text":"المسألة الثالثة أن النحاة والأصوليين قد نصوا على أن إن لا يعلق عليها إلا مشكوك فيه آخر المسألة\rقلت ليس الأمر كما نصوا عليه بل هي لمطلق الربط سواء كان ما دخلت عليه مشكوكا فيه أو غير مشكوك غير أنها ليست بظرف وإذا ظرف وقد آل كلامه في جوابه عن الإشكال وجوابه بعد ذلك عن السؤال إلى أنها تستعمل في المشكوك وغير المشكوك ودعوى المجاز على خلاف الأصل\rالمسألة الثالثة لا فرق بين إن وإذا في كونهما لمطلق الربط سواء كان ما دخلا عليه مشكوكا فيه أو غير مشكوك غير أن إن ليست بظرف وإذا ظرف فلذا يقال إذا غربت الشمس ولا يقال إن غربت ومن استعمال إن في المشكوك إن يكن الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان وإن يكن نصف الخمسة فالخمسة زوج إذ المعنى متى فرض الواحد نصف العشرة أو نصف الخمسة كان اللازم على هذا الفرض المحال هذا اللازم المحال فإن فرض المحال واقعا جائز فيجوز أن يلزمه المحال والتعليق على المفروض من قبيل التعليق على\rالمشكوك فيه نحو إن دخلت الدار فأنت حر إذ الغرض والتقدير ليس أمرا لازما في الواقع بل يجوز أن يقع وأن لا يقع ومن استعمالها في غير المشكوك فيه قوله تعالى إن كنتم إياه تعبدون وقوله تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وغير ذلك من التعليقات الواردة في كتاب الله تعالى فلا حاجة إلى دعوى أن كونهم يعبدون الله وكونهم في ريب مما أنزله الله تعالى على عبده ونحوهما شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس وكل ما شأنه ذلك يحسن تعليقه بأن من قبل الله تعالى ومن قبل غيره سواء كان معلوما للمتكلم أو للسامع أو لا فظهر أن ليس الأمر كما نص عليه النحاة والأصوليون من أن إن لا يعلق عليها إلا المشكوك فيه وإذا يعلق عليها المشكوك والمعلوم\rالمسألة الرابعة\r","part":1,"page":123},{"id":125,"text":"قد تقدم في الوصل الأول أن أدوات الشرط كما تدخل على المستقبل تدخل على غير المستقبل بخلاف أنواع الطلب الثمانية وعليه فيصح تعليق صفات الله تعالى نحو علمه وإرادته وإن كان الله تعالى في الأزل بكل شيء عليم وقدر كل شيء في الأزل من جميع الموجودات الممكنات والمعدومات ويستحيل أن يتأخر شيء من ذلك عن الأزل ولا داعي لتكلف الجواب عن مثل قوله تعالى إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فتنبه\rالمسألة الخامسة أدوات الشرط عند المناطقة والفقهاء على قسمين ما يفهم العموم فيقتضي تكرار\rالمعلق بتكرار المعلق عليه وما يفهم الإطلاق فلا يقتضي ذلك بل يقتصر من المعلق على فرد ولو تكرر المعلق عليه إلا أن المناطقة اقتصروا فيما يفهم الإطلاق على لو وإن وإذا وجعلوا ما عدا ذلك مما يفهم العموم والفقهاء اقتصروا فيما يفهم العموم على كلما ومهما وجعلوا ما عدا ذلك مما يفهم الإطلاق ففي البناني على عبق\rقال ابن رشد إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فلا ترجع عليه اليمين إن تزوجها ثانية ومتى ما عند مالك مثل إن إلا أن يريد بها معنى كلما وأما مهما فتقتضي التكرار بمنزلة كلما انظر ق ا ه\rوفي مجموع الأمير وفي واحدة في واحدة أو بما لا يقتضي التكرار كمتى ما وإذا ما لا كلما وكرر واحدة وهل كذلك طالق أبدا أو ثلاثا خلاف ا ه\rوفي ضوء الشموع قوله كمتى ما تمثيل بالمتوهم إلا خفي فإن المناطقة جعلوها سورا كليا في الشرطيات مثل كلما ولكن روعي هنا العرف من إرادة الفورية فمعنى متى ما دخلت فأنت طالق أنها تطلق بمجرد دخولها فلا يتكرر الطلاق بتكرر الدخول إلا أن ينوي ذلك وأما إن فعدم اقتضائها التكرار ظاهر ا ه\r","part":1,"page":124},{"id":126,"text":"هذا إذا كان المعلق عليه غير طلاق كالدخول في المثال أما إذا كان طلاقا كمتى ما وإذا ما طلقتك فأنت طالق أو متى ما أو إذا ما وقع عليك طلاقي فأنت طالق وطلقها واحدة ففي كون متى ما وإذا ما من أدوات التكرار ككلما فيقع عليه الطلاق الثلاث في هذه الصور كما وقع\rعليه في صورتي كلما طلقتك أو وقع عليك طلاقي فأنت طالق وطلقها واحدة لأن الثانية لزمته بالتعليق على الأولى التي هي فعلة حقيقة فصارت الثانية فعلة التزاما لأن فاعل السبب وهو الأولى فاعل المسبب وهو الثانية فكأنه طلقها اثنتين أي فتقع الثالثة بمقتضى إرادة التكرار أو ليست من أدوات التكرار كان فيلزمه فيهما طلقتان وأما الثالثة فلا تلزمه كما أن من قال إن طلقتك فأنت طالق يلزمه طلقتان لأنه لا تكرار قولان الأول اقتصر عليه العلامة خليل في مختصره حيث قال عاطفا على ما يلزم فيه الثلاث أو كلما أو متى ما أو إذا ما طلقتك أو وقع عليك طلاقي فأنت طالق وطلقها واحدة ا ه\rوالثاني اعتمده العلامة الشيخ علي العدوي في حاشيته على الخرشي ثم قال والمعلق عليه هنا طلاق وما تقدم من قوله أو متى ما فعلت وكرر فالمعلق عليه غير طلاق فلا ينافي هذا ما قالوه أي من أن متى ومتى ما عند مالك مثل إن مع أن المنطقيين على أن إن ولو وإذا للإهمال ومتى من أسوار الكلي ا ه فتحصل من هذا أن أدوات الشرط عند فقهائنا على ثلاثة أقسام\r","part":1,"page":125},{"id":127,"text":"الأول ما يفهم العموم مطلقا كإن كان المعلق عليه طلاقا أو غيره وهو كلما ومهما الثاني ما يفهم الإطلاق مطلقا كان المعلق عليه طلاقا أو غيره وهو إن وإذا ولو الثالث ما يفهم الإطلاق اتفاقا إذا كان المعلق عليه غير الطلاق مراعاة للعرف من إرادة الفورية لا المعنى اللغوي من إرادة العموم ويفهم العموم مراعاة للمعنى اللغوي أو الإطلاق مراعاة للعرف من إرادة الفورية على الخلاف إذا كان المعلق عليه طلاقا وهو الباقي كمتى ومتى ما قلت وعلى هذا لا يتجه على نص القاضي عبد الوهاب وغيره من العلماء على أن حيث وأين من صيغ العموم ا ه\rما قيل من أن مقتضى نصهم على العموم التكرير فيلزم إذا قال لها حيث وجدتك أو أين وجدتك فأنت طالق فوجدها طلقت ثم وجدها في عدتها مرارا أن تطلق عليه ثلاثا تحقيقا للعموم وللفرق بين المطلق والعام وإذا لم يترتب عليه مقتضاه من التكرار وقيل لا يلزم قائل ذلك إلا طلقة واحدة فكيف يقضى به أو يستدل على تحققه بأن ظواهر النصوص دالة عليه مثل قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم لا يفهم منه إلا الأمر بقتلهم في جميع البقاع وقوله تعالى حيث ثقفتموهم لا يفهم منه إلا ذلك وقوله تعالى أينما تكونوا يدركم الموت معناه علمه تعالى محيط بالخلائق في أي بقعة كانوا ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب العزيز والسنة وكلام العرب\r","part":1,"page":126},{"id":128,"text":"وإذا كان لا يفهم من هذه الصيغ إلا العموم دل ذلك على وضعها له ونحن لا نقضي بالشيء إلا إذا ظهر أثره ألا ترى أن العموم في قول القائل كلما دخلت الدار فأنت طالق إنما قضينا به عند ظهور أثره من تكرر الطلاق بتكرر المعلق عليه فإذا تكرر دخولها في عدتها طلقت عليه ثلاثا وكذا إنما قضينا به في قوله من دخل داري فله درهم عند ظهور أثره فإن كل من دخل يستحق ومن حرم استحق مانعه الذم فلو قضينا به عند عدم ظهور أثره كما هنا للزم اتحاد أحكام المطلقات والعمومات وكان القول بالعموم في أحدها والإطلاق في الآخر تحكما محضا والتحكم المحض لا عبرة به والعلماء براء من ذلك ولا حاجة للجواب عنه بما حاصله أن العموم في حيث وأين مثل العموم في نحو أنت طالق أبدا في كونه ثابتا للظرف لا للمظروف فكما أن معنى أنت طالق أبدا أنت طالق\rفي كل أو جميع الأزمنة كذلك معنى أنت طالق حيث أو أين جلست أنت\rطالق في كل أو جميع البقاع لأمرين الأول أن أين وحيث كل واحد منهما اسم جنس للمكان ملازم للإضافة\r","part":1,"page":127},{"id":129,"text":"والقاعدة أن اسم الجنس إذا أضيف عم الثاني أن صيغ العموم إنما تعم فيما أضيفت إليه خاصة وكما أنه لو قال أنت طالق أبدا يلزمه طلقة واحدة على المذهب كما يدل عليه كلام ابن العربي في الأحكام بل يفيد أنه قول جميع الفقهاء كما ستقف على نصه كذلك لو قال أنت طالق حيث أو أين جلست يلزمه طلقة واحدة فصح قول العلماء أن حيث وأين للعموم وأن اللازم طلقة واحدة ولا يتنافى ذلك ولا يتناقض على أن في هذا الجواب نظرا من وجوه أحدها أن أنت طالق أبدا وإن سلم أن معناه أنت طالق في جميع أو كل الأزمنة إلا أنا لا نسلم أن قول القائل أنت طالق في جميع أو كل الأيام من صيغ العموم فإن كل إذا أضيفت إلى المعرف لا تكون للعموم وإنما تكون في معنى جميع وجميع لا تضاف إلا إلى المعرف فلا يقال جميع رجل في معنى كل رجل فجميع الأيام وكل الأيام ليسا من ألفاظ العموم وإنما لفظ العموم أن يقول أنت طالق كل يوم أو كل يوم أنت فيه طالق فمن هنا قال ابن العربي في الأحكام عند قوله تعالى لا تقم فيه أبدا قوله أبدا ظرف زمان مبهم لا عموم له ولكنه إذا اتصل بالنهي أفاد العموم فإنه نكرة في سياق النهي وكأنه قال لا تقم فيه في وقت من الأوقات وقد قال الفقهاء لو قال رجل لامرأته أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة ا ه\rنقله الرهوني عنه في حاشيته على حواشي عبق نعم في العطار على محلى جمع الجوامع بعد أن نقل تنظير صاحب جمع الجوامع في شرح المنهاج على عد جميع من صيغ العموم بقوله لا أدري كيف يستفاد العموم\rمن لفظة جميع فإنها لا تضاف إلا إلى المعرفة تقول جميع القوم وجميع قومك ولا تقول جميع قوم ومع التعريف باللام أو الإضافة يكون التعميم مستفادا منهما لا من لفظة جميع ا ه قال ما نصه\r","part":1,"page":128},{"id":130,"text":"وأجيب بأن العموم من جميع إذا قدرت اللام في المضاف إليه للجنس لا للاستغراق أو كان المضاف إليه معرفا بالإضافة نحو جميع غلام زيد إذ عموم أجزائه من جميع لا من تعريف غلام بالإضافة على أن النظر منقوض بنحو جميع زيد حسن إذ المضاف إليه معرفة ولا عموم فيه ا ه فتأمل\rثانيها أنا لا نسلم أن القاعدة أن اسم الجنس إذا أضيف عم وإنما القاعدة أن الجمع إذا أضيف عم فقول القائل عبيدي أحرار لم يكن العموم فيه من جهة كونه اسم جنس أضيف وإنما كان العموم لأنه جمع أضيف على أنا لو سلمنا أن القاعدة ما ذكر لا نسلمه على إطلاقه بل مرادهم إذا أضيف لغير الجمل وكان مما ينطلق مسماه على القليل والكثير كالماء في قوله عليه الصلاة والسلام هو الطهور ماؤه الحل ميتته ثالثها أن كون صيغ العموم إنما تعم فيما أضيفت إليه وإن كان صحيحا لا حجة له فيه على مرامه بوجه بل ربما اقتضى خلافه وذلك أن مرامه التسوية بين أنت طالق حيث أو أين جلست وأنت طالق أبدا في كون العموم فيهما ثابتا للظرف الذي هو البقاع والأزمنة وهذا يقتضي عدمها وأن العموم في الأول في المظروف وهو الجلوس لأنه هو المضاف إليه لا في الظرف كما هو في الثاني فافهم والله أعلم\rقال\rالمسألة السادسة نص الأصحاب على أن الطلاق يتكرر في قوله كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلى آخر المسألة\rقلت بنى جوابه على ما تقدم قبل من أن الظهار خبر وقد سبق القول في أن ذلك موضع احتمال ونظر وما ذكره فارقا بين كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي وكلما تزوجت فالمرأة التي أتزوجها علي كظهر أمي لا يقوى وفي تلك المسائل كلها وفي الفرق بينها نظر\rالمسألة السادسة السر في فرق أصحابنا بين قوله في الطلاق كل امرأة أتزوجها فهي طالق قالوا لا يلزمه شيء للضيق بالتعميم أو كل امرأة أتزوجها من هذه البلد فهي طالق قالوا إن الطلاق يتكرر\r","part":1,"page":129},{"id":131,"text":"بتكرر النساء من ذلك البلد وبين قوله في الظهار كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي قالوا لا يلغى التعميم هنا وإنما يلزمه كفارة واحدة في أول من يتزوجها مع تصريحه بالعموم في البابين هو كما في عبق والخرشي وغيرهما أن الظهار له فيه مخرج بالكفارة أي خروج بالكفارة أو مخرج مصور بالكفارة ينفي عنه ضيق التعميم بخلاف الطلاق وأن الظهار كاليمين بالله فكفارة يمين واحدة كفارة عن جميع الأيمان المتعددة ضمنا لأن قوله المذكور في قوة فلانة كظهر أمي فلانة كظهر أمي وهكذا فلا تعطى حكم الصريحة كما أن كفارة يمين واحدة على جميع النساء كفارة عن الجميع فافهم وقيل سر الفرق هو أن\rالطلاق حكم يثبت لأفراد العموم كثبوت القتل لجميع أفراد المشركين والحل لجميع أفراد البيع وأما الظهار فالكفارة فيه للنطق بالكلام الزور عقوبة لقائله فإذا قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي فقد كذب كذبة واحدة فتجب عليه كفارة واحدة\rولا نظر للعموم الذي هو متعلق القول الكذب فكما لا تلزمه إلا كفارة واحدة إذا قال والله إن كل إنسان جماد فإنها كذبة واحدة متعلقة بعموم أو قال والله ليس في الدار أحد من أخوتك فوجد الجميع فيها لاتحاد اليمين والحنث كذلك ها هنا ا ه وهو مبني على ما تقدم قبل من أن الظهار خبر لا إنشاء وهو موضع احتمال ونظر كما مر التنبيه عليه والسر في تفرقة ابن المواز بين كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي وبين من تزوجت من النساء فهي علي كظهر أمي وكذا أي حيث قال بعدم تعدد الكفارة في كل وبتعددها في من وكذا أي مع أنه لا فرق بينهما في المعنى هو ما في البناني\rقال ابن عرفة قال عياض الفرق أن أصل وضع من وأي للآحاد فعرض لهما العموم فعمت الآحاد من حيث إنها آحاد وأصل وضع كل للاستغراق فكانت كاليمين على فعل أشياء يحنث بفعل أحدها فحاصل كلام عياض أن من وأي لكل فرد لا بقيد الجمعية ومدلول كل كذلك بقيد الجمعية منضما إلى التحنيث بالأقل ا ه\r","part":1,"page":130},{"id":132,"text":"فلا دلالة لمن وأي إلا على معنى الكلية بخلاف كل فإن فيها معنى الكلية ومعنى الكل المجموعي فلذا وقع خلاف الأصحاب في قوله لنسائه كل من دخلت الدار فهي علي كظهر أمي وقوله لنساء أجنبيات كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي أو كلما تزوجت فالتي أتزوجها علي كظهر أمي هل\rتتعدد الكفارة في كل من المسألتين نظرا لمعنى الكلية أو لا تتعدد نظرا لمعنى الكل المجموعي\rقال البناني وما ذكره خليل من عدم التعدد في كل امرأة مثله في المدونة وما ذكره من التعدد في كل من دخلت\rقال الباجي هو ظاهر المذهب نقله في التوضيح نعم قد قيل في كل من المسألتين مثل ما درج عليه في الأخرى فكان من حقه أن يحكي الخلاف في الفرعين معا أو يقتصر على التعدد فيهما أو عدمه وإلا فكلامه مشكل انظر التوضيح ا ه\rوقال عبق وما نقله عج عن ق حيث قال لا تتعدد عليه الكفارة إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي وإنما يلزمه كفارة واحدة في أول من يتزوجها ولذا لو قال لزوجته كل من أتزوجها عليك فهي علي كظهر أمي فإنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة بتزوج واحدة على المعتمد كما يفيده ق ا ه هو المعتمد لا ما نقله عن الجلاب وأبي الحسن من أنه إذا قال كلما تزوجت فالتي أتزوجها علي كظهر أمي فإنه يلزمه في كل من يتزوجها كفارة بخلاف قوله كل امرأة أتزوجها طالق ا ه وقد\rقال عبق إذا قال لنساء أجنبيات إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي فتزوجهن في عقد أو عقود لم يلزمه غير كفارة واحدة فإن تزوج واحدة لزمته ولا يقر بها حتى يكفر فإن كفر ثم تزوج البواقي فلا شيء عليه لأن حنث اليمين يسقطها بخلاف ما لو قال لنسائه إن دخلتن الدار فأنتن علي كظهر أمي فدخلت واحدة أو الجميع إلا واحدة فلا شيء عليه حتى يدخل جميعهن\rقاله اللخمي عن ابن القاسم وقيل يحنث بواحدة على قاعدة التحنيث بالبعض ذكره القرافي ولعل وجه قول ابن القاسم أنه كقول\rخليل في العتق وإن قال إن دخلتما فدخلت واحدة فلا شيء عليه فيهما ا ه\r","part":1,"page":131},{"id":133,"text":"والفرق بين المسألتين أنهن في المسألة الأولى أجنبيات وفي الثانية نساؤه وليس قوله إن تزوجتكن مثل قوله من تزوجتها منكن بل يلزمه في هذه لكل من تزوجها منهن كفارة لإيهام يمينه وخطاب كل واحدة وفي المسألة الأولى قد أوقع الظهار على جميع النساء فأجزأته كفارة واحدة ا ه بتصرف وحذف وبالجملة فأصل مذهبنا إلحاق الظهار باليمين بخلاف الشافعي فإن أصله إلحاقه بالطلاق ففي الرهوني قال أبو الحسن عند قول المدونة ومن تظاهر من أربع نسوة له في كلمة واحدة فكفارة واحدة تجزئه ما نصه وقال الشافعي عليه لكل واحدة منهن كفارة كما لو قال لهن أنتن طوالق الشيخ فهو على طرفين وواسطة الطلاق طرف واليمين طرف والظهار وهو الواسطة فيه شائبة لشبه اليمين بالله وهو اتحاد الظهار وشائبة لشبه الطلاق وهو تعدد المظاهر منهما ابن يونس ودليلنا قوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم الآية فجميع النساء إذا ظاهر منهن الرجل فإنما عليه كفارة واحدة ولأن الظهار يمين يكفر كالإيلاء وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم كفر عن يمينك فدل أنه يمين كالإيلاء الشيخ ولأن المراعى قول القائل كاليمين بالله تعالى ا ه\rمنه بلفظه ا ه\rوقول الأصل والفقه يقتضي عدم التكرار في جميع ما ذكر بناء على أن الكذب هو الموجب كما تقدم تقريره في فرق الإنشاء والإخبار لكن لما اشتهر لفظ الظهار في موجب الكفارة لوحظت الكفارة في مقصد المظاهر كأنها حقيقة عرفية فيكون قد التزم تكرارها في كلمة كلما وأي فإنهما للحكم على كل واحد واحد وأشار بمن فيمن دخلت منكن إلى التبعيض فكأنه قال علي\r","part":1,"page":132},{"id":134,"text":"الكفارة في كل بعض منكن وأي الأفراد وأما كل فهي ظاهرة في الإحاطة والشمول والكل في بعض أحوالها ألا ترى أن النفي إذا تقدم عليها كان معناها الكل فمعنى ما قبضت كل المال أنك لم تقبض الجميع بل البعض ا ه بتلخيص هو مبني أيضا على ما تقدم وقد علمت ما فيه ولا يقوى فرق بين كلما وكل وفي تلك المسائل كلها وفي الفرق بينها نظر ظاهر مما قدمناه فتأمل ذلك والله أعلم\rقال المسألة السابعة إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم قال لها أنت طالق ثلاثا قال مالك تنحل يمينه وقال الشافعي يبقى التعليق حتى يتزوجها بعقد ثان وعلى مذهب مالك رحمه الله إشكالان إلى آخر المسألة قلت ما قاله وما اختاره من الجواب صحيح والله أعلم\rالمسألة السابعة إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم قال لها أنت طالق ثلاثا فعند الشافعي رحمه الله تعالى يبقى التعليق حتى يتزوجها بعقد ثان نظرا لأمرين\rالأول أن وجود المشروط بدون شرطه خلاف الإجماع الثاني أن لفظ التعليق لا يقتضي تخصيص المعلق بالطلاق المملوك ولا سيما على قاعدة مالك من صحة التعليق قبل الملك في إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثا وعند مالك رحمه الله تعالى لا يبقى التعليق حتى يتزوجها بل تنحل يمينه نظرا لأمرين أيضا الأول قاعدة أن صاحب الشرع لما جعل للمكلف التعليق على دخول الدار مثلا جعل له حل ذلك التعليق بالتنجيز خاصة فإذا نجز بطلت شرطية الدخول للطلاق فما وجد المشروط دون شرطه قط\rالثاني أن لفظ التعليق يقتضي التصرف في المملوك فقط لأن طلاق المرأة إنما يكون مما هي موثوقة فيه وليست هي موثوقة إلا في عصمته الحاضرة دون غيرها إلا بدليل الأصل عدمه على أنه يلزم على ما للشافعي أن يكون الزوج مالكا لست طلقات ثلاث منجزات وثلاث معلقات والذي أجمع الناس عليه أنه إنما يملك ثلاثا فقط والأصل عدم ملكه للزائد فإذا أجمع الناس على وقوع المنجز تعين إبطال التعليق في المعلق حتى يقع في المعلق بعد شرط\r","part":1,"page":133},{"id":135,"text":"قال المسألة الثامنة الشرط ينقسم إلى ما لا يقع إلا دفعة كالنية وإلى ما لا يقع إلا متدرجا كالحول وقراءة السورة وإلى ما يقبل الأمرين كلفظ عشرة دراهم إلى آخر المسألة قلت ذكر قول فخر الدين وأورد عليه سؤالين وهما واردان كما قال والله أعلم\rالمسألة الثامنة الشرط ثلاثة أقسام ما لا يقع إلا دفعة واحدة كالنية وما لا يقع إلا متدرجا كالحول وقراءة السورة وما يقبل الأمرين وعلى كل إما أن يكون الشرط وجود هذه الحقائق فيكون المعتبر من الأول اجتماع أجزائه ووجودها في زمن واحد لإمكان ذلك ومن الثاني وجود آخر أجزائه لأن الممكن فيه أما وجود الحقيقة بجملة أجزائها فذلك مستحيل ومن الثالث كل من الاجتماع أو الافتراق لا خصوص اجتماع جميع أجزائه في زمن واحد خلافا للفخر الرازي في المحصول إذ لا فرق عرفا في قوله إن أعطيتني عشرة\rدراهم فأنت حر بين أن يعطيها مجموعة أو درهما بعد درهم بل يعد أهل العرف والعادة أن من أعطى كل يوم درهما فأعطى عشرة في عشرة أيام أنه معط لعشرة والأيمان محمولة على العرف بل يصدق أيضا لغة على معطي العشرة الدراهم في عشرة أيام أنه معط لعشرة فإن مسمى إعطائه العشرة أعم من كونه بصفة الاجتماع والافتراق وأما أن يكون الشرط عدم هذه الحقائق فإن جعل المعلق للشرط عدمها بلم أو بلما الموضوعين لنفي الماضي أو بما وبليس الموضوعين لنفي الحال كان\r","part":1,"page":134},{"id":136,"text":"المعتبر من جميع هذه الحقائق مطلق العدم في مطلق الزمان كما قال الرازي في المحصول حتى عند استعمال لم في المستقبل عرفا كما إذا قال إن لم تقرأ سورة البقرة في هذه السنة لأنه لا يفهم منه استيعابه العدم لجميع أجزاء السنة حتى لو قرأها في آخر السنة صدق حصول قراءتها ولم يكن الشرط متحققا وإن جعل عدمها بلا أو بلن الموضوعين لنفي المستقبل كان المعتبر من الجميع استغراق العدم لجميع أزمنة العمر أو الزمن الذي عينه المعلق لأن مطلق العدم في مطلق الزمن خلافا للرازي في المحصول فقد نص سيبويه وغيره على أن لا ولن موضوعان لعموم نفي المستقبل وأن لن أبلغ في عموم النفي للمستقبل\rقال\rالمسألة التاسعة اتفق الفقهاء على الاستدلال بقوله تعالى\rولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ووجه الدليل منه في غاية الإشكال إلى آخر المسألة قلت ما قال فيها من لزوم تقدير محذوف به يصح والمعنى المراد صحيح وما قاله في الفرع كذلك\rالمسألة التاسعة وجه استدلال جميع الفقهاء بقوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله على اشتراط المشيئة عند النطق بالأفعال مع أن الآية ليس فيها ما يدل على التعليق لا مطابقة ولا التزاما فإن إلا للاستثناء لا للتعليق وأن هي الناصبة لا الشرطية هو أن في الآية حذفا والمحذوف هو المستثنى منه والمستثنى الذي هو حال من مقول القول عاملة في أن بعد حذف الجار الذي هو الباء لحذفه معها كثيرا والتقدير ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا في حال من الأحوال إلا معلقا بأن يشاء الله فيكون النهي المتقدم مع إلا المتأخرة عنه قد حصرا القول في هذه الحال دون سائر الأحوال فتختص هذه الحال بالإباحة وغيرها بالتحريم وترك المحرم واجب وليس هناك شيء يترك به الحرام إلا هذه الحال فتكون واجبة فهذا مدرك الوجوب وأما مدرك التعليق فهو قولنا معلقا فإنه يدل على أنه تعلق في تلك\r","part":1,"page":135},{"id":137,"text":"الحال وأن الأمر بالتعليق على المشيئة عند الوعد بالأفعال كما أن قولك لا تخرج إلا ضاحكا يفيد الأمر بالضحك حالة الخروج ومن هنا علم أن قوله لامرأته علقت طلاقك على دخول الدار بمنزلة قوله لها إن دخلت الدار فأنت طالق أو أنت طالق إن دخلت الدار في كونها تطلق بدخول الدار بخلاف قوله لها جعلت دخول الدار سببا لطلاقك فإنها لم تطلق بدخول الدار إلا أن يريد بالجعل التعليق لأن صاحب الشرع إنما جعل له أن يجعل دخول الدار سببا لطلاق امرأته بطريق واحد وهو التعليق خاصة فإن أراد نصبه بغير التعليق كما جعل صاحب الشرع الزوال سببا لوجوب الظهر والهلال سببا لوجوب الصوم فليس ذلك له فافهم ذلك\rقال المسألة العاشرة قد يذكر الشرط للتعليل دون التعليق قال وضابطه أمران المناسبة وعدم انتفاء المشروط عند انتفائه ليعلم أنه ليس بشرط مثاله قوله تعالى واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إلى آخرها قلت ما قاله أيضا في هذه المسألة صحيح\rالمسألة العاشرة الأصل في الشرط اللغوي أن يكن للتعليق أي جعل المعلق عليه سببا في المعلق يلزم من وجوده الوجود لذاته ومن عدمه العدم لذاته كما مر ولو لم تتحقق بينهما مناسبة وقد يأتي للتعليل أي جعل المعلق عليه علة غائية للمعلق بحيث يوجد المعلق لأجله ولا ينتفي المعلق عند انتفائه مع تحقق المناسبة بينهما فيعلم أنه ليس هو الشرط في التعليق كما في قوله تعالى واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون فإن معنى الكلام أنكم موصوفون بصفة تحث على الشكر وتبعث عليه وهي العبادة والتذلل فافعلوا الشكر فإنه متيسر لوجود سببه عندكم والشكر واجب مع العبادة ومع عدمها وكما في قوله عليه الصلاة والسلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فإن معناه أن تصديق الوعد والوعيد في ذلك حاث عليه وإلا فالكفار على الصحيح من خطابهم بفروع الشريعة مأمورون بإكرام\r","part":1,"page":136},{"id":138,"text":"الضيف مع عدم هذا الشرط وهو كثير في الكتاب والسنة ومنه قولك أطعني إن كنت ابني إذ لا تشك في بنوته بل تنبهه على الصفة الباعثة على الطاعة\rالمسألة الحادية عشر\rقوله تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول يحتمل وهو الأسبق إلى الفهم أن يكون المراد تفضيلهن بشرط التقوى والمعنى إن اتقيتن الله فلا تقسن بجماعة من النساء فإنكن أعظم فإن اتقيتن شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه وقوله فلا تخضعن بالقول كلام مستأنف للإرشاد والتهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده عن مقامهن بمنزلة الخروج من\rالتقوى ويحتمل وعليه جماعة من أرباب علم البيان وأهل التفسير أن يكون المراد تفضيلهن على النساء مطلقا من غير شرط ويكون الوقف على قوله لستن كأحد من النساء ويبدأ بالشرط ويكون جوابه ما بعده وهو قوله فلا تخضعن بالقول دون ما قبله قيل وهذا الاحتمال أبلغ في مدحهن لأنهن متقيات وهو صحيح لو أن الآية وردت للمدح لكنها لم ترد لذلك بل المراد منها داومهن على التقوى\rقال المسألة الثانية عشر يجوز حذف جواب الشرط إذا كان في الكلام ما يدل عليه إلى آخرها قلت ما قاله من جواز حذف جواب الشرط إذا دل عليه الدليل صحيح إذا لم يصح أن يكون الجواب فيما بعده من الكلام المنطوق به فإن الحذف في الكتاب العزيز لا يدعى إلا لضرورة وما قاله من أن الماضي لا يعلق على المستقبل صحيح وهو الموجب لتقدير المحذوف والله أعلم\rالمسألة الثانية عشر\rإذا لم يصح جعل ما بعد الشرط من الكلام المنطوق به جوابا لكونه ماضيا مثلا والماضي لا يعلق على المستقبل كان الجواب محذوفا والمذكور دليله كما في قوله تعالى وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك أي وإن يكذبوك فتسل فقد كذبت رسل من قبلك فتكذيب من قبله سبب لتسليته وقائم مقامه ونظائره كثيرة في كتاب الله تعالى\r","part":1,"page":137},{"id":139,"text":"قال المسألة الثالثة عشر جرت عادة الفقهاء والأصوليين بحمل العموم على عمومه دون سببه وهو المشهور في المسألة فيستدلون أبدا بظاهر العموم وإن كان في غير مورد السبب وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يقول يجب أن يستثنى من ذلك ما إذا كان السبب شرطا إلى آخرها قلت لا يجب ذلك وما مثل به من قوله تعالى إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا لا دليل له فيه بل هو على تقدير محذوف كما سبق في المسألة قبلها نحو إن تكونوا صالحين فأبشروا فإنه كان للأوابين غفورا وكان هنا للاستمرار فإنه أمدح وهذا الموضع موضع تمدح والله أعلم\rالمسألة الثالثة عشر العبرة عند الفقهاء والأصوليين بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيستدلون أبدا بظاهر العموم وإن كان في غير مورد سببه ففي العزيز على الجامع الصغير عند حديث الدارقطني في السنن عن جابر بن عبد الله وصححه ابن حزم ابدءوا بما بدأ الله به ما نصه أي في القرآن فيجب عليكم الابتداء في السعي بالصفا وذا وإن ورد عن سبب لكن العبرة بعموم اللفظ ا ه\rقال الحنفي قاله صلى الله تعالى عليه وسلم جوابا لمن سأله في السعي أنبدأ بالصفا أو بالمروة وفي رواية أبدأ وفي أخرى\r","part":1,"page":138},{"id":140,"text":"نبدأ ا ه فيكون دليلا على وجوب البداءة بالبسملة ثم بالحمد له في الكتب العلمية وإلا كان لفظ الأمر مستعملا في حقيقته ومجازه أو فيما يعمهما فافهم والصحيح أنه لا يجب أن يستثنى من ذلك ما إذا كان السبب شرطا خلافا للشيخ عز الدين بن عبد السلام القائل بذلك الوجوب مستدلا بأن الأوابين في قوله تعالى إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا وإن كان عاما في كل أواب ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا إلا أنه يجب أن يتخصص بنا لأن القاعدة الشرعية أن صلاحنا لا يكون سببا للمغفرة في حق غيرنا من الأمم فيتعين أن يكون التقدير إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين منكم غفورا إذ لا دليل له في هذه الآية لأنها من قبيل ما حذف جوابه كما في المسألة قبلها والتقدير إن تكونوا\rصالحين فأبشروا فإنه للأوابين غفورا وكان هنا للاستمرار فإنه أمدح وهذا الموضع موضع تمدح\rقال المسألة الرابعة عشر جرت عادة الفقهاء في الكفارات هل هي على التخيير أو على الترتيب أن يقولوا إذا ورد النص بصيغة أو فهي على التخيير كقوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة وإن كان النص بصيغة من الشرطية فهي على الترتيب كقوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ولا تجد فقيها ينازع في هذا وهو غير صحيح إلى آخر المسألة\r","part":1,"page":139},{"id":141,"text":"قلت ما قاله من أن الصيغة لا تقتضي الترتيب إلا بعد أن تحتف بها قرائن صحيح كما ذكر لأن هذه الصيغة تأتي لغير قصد الترتيب كما مثل وما قاله من أنه لا يلزم من عدم الشرط عدم المشروط إن أراد الشرط المعنوي فذلك باطل وهذا الشرط هو الذي يعني الفقهاء أنه يلزم من عدمه عدم مشروطه وإن أراد الشرط اللغوي فهو الذي لا يلزم من عدمه عدم المشروط أي أن هذا اللفظ وإن سمي في اصطلاح أهل اللغة والنحو شرطا لا يلزم من ذلك أن يكون شرطا معنويا فيلزم من عدمه عدم مشروطه بل يأتي الشرط اللغوي لغير ذلك القصد والله أعلم\rالمسألة الرابعة عشر الشرط اللغوي كما يستعمل في الترتيب على سبيل الحقيقة اللغوية إذا لم يرد به الحصر فيكون شرطا معنويا يلزم من عدمه العدم بل سببا معنويا كما مر يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته كما في إن دخلت الدار فأنت طالق كذلك يستعمل في إثبات الحصر على سبيل الحقيقة اللغوية متى أريد به الحصر فلا يفيد الترتيب ولا يكون شرطا معنويا يلزم من عدمه عدم المشروط بل لا يتوقف المشروط عليه حينئذ أصلا كما في قوله تعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فقد أجمعت الأمة على جواز شهادة الرجل والمرأتين عند وجود الرجلين وأن عدمهما ليس شرطا معنويا وكما في قولنا وإن لم يكن العدد زوجا فهو فرد وإن لم يكن فردا فهو زوج وإن لم يكن هذا جمادا فهو إما نبات\r","part":1,"page":140},{"id":142,"text":"أو حيوان وإن لم يكن هذا الحيوان ناطقا فهو بهيم فإن عدم الزوجية عن العدد وإن كان شرطا في ثبوت الفردية له وكذلك بقية النظائر إلا أن إثبات شرطية عدم الزوجية في الفردية وعدم الفردية في الزوجية مثلا في هذه الإطلاقات ليس هو مراد الناس بل كل من الزوج والفرد زوج وفرد في نفسه لذاته من غير شرط وإنما مراد الناس هنا بيان انحصار تلك المادة في المذكور بمعنى إن لم يكن الواقع من العدد ما هو زوج تعين أن يكون الواقع ما هو فرد وبالعكس ولذا لا يقولون ذلك إلا فيما يصح فيه الحصر لا فيما لا يصح فلا يقولون إن لم يكن إنسانا فهو فرس لعدم انحصار الباقي من الحيوان بعد الإنسان في الفرس ولا يقصد الناس الشرطية إلا في الموطن الذي يقبل النقيض ولا يجزم العقل بوجوب ثبوت معناه له في نفسه وجوبا ذاتيا كما هنا وعلى هذا فالمراد في آية الشهادة إنما هو انحصار الحجة التامة من الشهادة بعد الرجلين في الرجل والمرأتين فإنه لا حجة تامة من الشهادة في الشريعة إلا الرجلان والرجل والمرأتان هذا هو المجمع عليه وأما شهادة الصبيان وشهادة أربع نسوة عند الشافعي وشهادة المرأتين وحدهما فيما ينفردان فيه كالولادة فهذه الآية حجة على بطلانها إلا أن يقال أن الآية إنما سيقت في إثبات الديون والأموال لا الأبدان وجميع هذه الصور في أحكام الأبدان فالحصر حق في الأموال\rولم يخالفه\rأحد ولا يدل على بطلان هذه الصور وأما الشاهد واليمين واليمين والنكول وغير ذلك\rفلم تكمل فيه الحجة من الشهادة بل إما لا شهادة فيه ألبتة كاليمين والنكول أو بعضه شهادة كالشاهد\rواليمين فلا توجد حجة تامة إلا بتينك الحجتين فإذا فرض عدم إحداهما تعين الحصر في الأخرى إذا عرفت هذا عرفت أن صيغة التعليق دالة على ما يعم الترتيب وغيره فهو أعم من الترتيب فلا تدل عليه إلا\r","part":1,"page":141},{"id":143,"text":"بعد أن تحتف بها قرائن إذ الدال على الأعم كالحيوان لا يدل على الأخص كالإنسان فلا يستقيم قول الفقهاء في الكفارات إذا ورد النص فيها بصيغة أو فهي على التخيير كقوله تعالى فكفارته إطعام عشرة\rمساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة وإذا ورد النص فيها بصيغة من\rالشرطية فهي على الترتيب كقوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام\rستين مسكينا نعم قد يقال مرادهم بصيغة من الشرطية دالة على الشرط المعنوي الذي يلزم من عدمه عدم المشروط لا مطلق الشرط اللغوي حتى يرد ما ذكر والله أعلم\rالفرق الخامس بين قاعدتي الشرط والاستثناء في الشريعة ولسان العرب\rوقع بالمباينة بينهما في ثلاثة أحكام مع اشتراكهما في أن كل واحد منهما فضلة بمعنى أنه ليس بأحد طرفي في الإسناد الحكم الأول لا يجوز تأخير النطق بالشرط في الزمان خلافا لابن عباس في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة لأنه لما كانت الأشياء كلها موقوفة على مشيئة الله سبحانه كان الظاهر والغالب من حال المتكلم إرادتها وإن تأخرت بخلاف بقية الشروط وغيرها كما نقله العطار عن القرافي على محلى جمع الجوامع ويجوز تأخير النطق بالاستثناء في الزمان على قول لابن عباس وغيره وإن حكى ابن رشد الإجماع على عدم جواز ذلك وأول ما ورد عن ابن عباس من إجازة الاستثناء بعد عام لقول الرهوني لكن ذلك غير مسلم انظر ما في ذلك من الأقوال في جمع الجوامع في أول مبحث المخصص نعم اشتراط\rالاتصال في الاستثناء متفق عليه في المذهب كما يظهر من كلامهم ا ه بتصرف\rقلت بل في شرح الهداية كما نقله شارح التحرير الأصولي ما نصه واشتراط الاتصال قول جماهير العلماء منهم الأربعة ا ه ولفظ التحرير لنا لو تأخر لم يعين\r","part":1,"page":142},{"id":144,"text":"تعالى لبر أيوب عليه السلام أخذ الضغث ولم يقل صلى الله تعالى عليه وسلم فليكفر مقتصرا إذا لم يتعين مخلصا مع اختياره الأيسر لهم دائما بلا تفصيل بين مدة ومنوي وغيرهما وأيضا لم يجزم بطلاق وعتاق وكذب وصدق ولا عقد ودفع أبو حنيفة عتب المنصور بلزوم عدم لزوم عقد البيعة ا ه فمن هنا قال الغزالي في المنخول والوجه تكذيب الناقل فلا يظن به ذلك ا ه\rوقول بعض الشافعية يجوز تقليد رواياته في الإيمان والتعاليق وغيرها في حق نفسه ويجوز تعليمها للعوام ولا يجوز الإفتاء بها\rقال العطار مما لا ينبلج له الصدر خصوصا في الطلاق لمزيد الاحتياط في الأنكحة واضطراب الرواية عنه يقضي بعدم تحرير النقل وإن فرض صحته فتأمل ا ه\rوقيل وسر الفرق بينهما في هذا الحكم هو أن الشروط اللغوية لما كانت أسبابا كما تقدم بيانه والسبب متضمن لمقصد المتكلم وهو المصلحة التي لأجلها نصب شرطا وجعل عدمه مؤثرا في العدم كان الشأن فيه تعجيل النطق بخلاف الاستثناء فإنه لما لم يتضمن لمقصد المتكلم وإنما يخرج من الكلام ما ليس بمراد عما المراد فهمه من المستثنى منه ولعله لو بقي مع المراد ولم يخرج لم يختل الحكم لم يكن الشأن فيه ذلك وفيه نظر من ثلاثة وجوه الوجه الأول أنا لا نسلم أن عدم النطق بالاستثناء لا يفوت مقصدا بخلاف عدم النطق بالشرط إذ لا شك في أنه إذا لم ينطق بالاستثناء فات مقصد فعدم النطق بالاستثناء نظير عدم النطق بالشرط وليس كون كل واحد منهما فضلة بمعنى أنه ليس أحد ركني الإسناد يوجب الاستغناء عنهما الوجه الثاني كما قال\rإن الشرط اللغوي سبب والسبب لا بد أن يكون مناسبا وما هو كذلك\r","part":1,"page":143},{"id":145,"text":"فشأنه تعجيل النطق به كذلك يقال في الاستثناء فيلزم أن يكون شأنه التعجيل ضرورة أن كلا منهما يتضمن مقصد المتكلم كما علمت الوجه الثالث أنه لو قال قائل أعط بني تميم عند تمام هذه السنة وفي نفسه إن أطاعوا ثم لم ينطق به إلا عند رأس السنة عند الحاجة إليه لم يفت بذلك مقصد وكذلك في الاستثناء أعط بني تميم عند تمام السنة وفي نفسه إلا زيدا ثم لم ينطق به إلا عند رأس السنة لم يفت مقصد وتكون صورة النطق بالشرط عند تمام السنة أن يقول مثلا ما أمرتك به من إعطاء بني تميم عند رأس السنة إنما ذلك\rبشرط أن يطيعوا وصورة النطق بالاستثناء أن يقول مثلا ما أمرتك به من إعطاء بني تميم إنما ذلك على أن تدع منهم زيدا وبالجملة فهذا الفرق ليس بالجيد الحكم الثاني لا يجوز أن يرفع الاستثناء جميع المنطوق به ويبطل حكمه ففي نحو له عندي عشرة إلا عشرة يلزمه عشرة بالإجماع وما نقله القرافي عن المدخل لابن طلحة المالكي فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنه لا يقع عليه طلاق في أحد القولين كما في محلى جمع الجوامع\rقال العطار عن شيخ الإسلام إن القرافي قال بعد نقله الأقرب أن هذا الخلاف باطل لأنه مسبوق بالإجماع نعم صرح السيوطي في الأشباه والنظائر أنه لو قال أوصيت له بعشرة إلا عشرة كان رجوعا عن الوصية فافهم ا ه\r","part":1,"page":144},{"id":146,"text":"ويجوز أن يدخل الشرط في كلام يبطل جميعه بالإجماع كقوله أنتن طوالق إن دخلتن الدار فلا تدخل واحدة منهن فيبطل جميع الطلاق فيهن وأكرم بني تميم إن جاءوك فلا يجيء أحد فيبطل جميع الأمر بسبب هذا الشرط ولولا هذا الشرط لعم الحكم الجميع ووجه الفرق بينهما في هذا الحكم هو أن الإبطال حالة النطق بالشرط غير معلوم فقد يقع الشرط في الجميع فلا يبطل من الكلام شيء وقد يفوت الشرط في الجميع فيبطل الجميع وقد يفوت في البعض فيبطل البعض دون البعض فهذه الأقسام كلها محتملة حالة النطق ولم يتعين منها الإبطال لا للكل ولا للبعض بخلاف الاستثناء الوارد على جميع الكلام يعد الناطق به نادما مقدما على الهذر من القول وما لا فائدة فيه ولا يقول أحد ذلك في الشرط لعدم تعينه الحكم الثالث يعم الشرط جميع الجمل المنطوق بها قيل اتفاقا وقيل على الأصح وصحح قال في جمع الجوامع وعلى ذلك الأصح هو أولى بالعود إلى الكل ا ه أي كل الجمل المتقدمة كما في المحلي\rقال العطار وأما المفردات ففي كلام ابن الحاجب وغيره ما يؤخذ منه الاتفاق فيها كما بين ذلك العلامة البرماوي ويعرف وجه الأولوية من فرق المحلي الآتي ا ه ولا يعم الاستثناء جميع الجمل المنطوق بها بل يحمل على الجملة الأخيرة على قول نحو أكرم بني تميم وأكرم\rالقوم واخلع عليهم\r","part":1,"page":145},{"id":147,"text":"إلا زيدا نظرا للقول بأن العامل في المستثنى هو العامل في المستثنى منه فلو عاد لجميع الجمل كما قاله الشافعي للزم توارد عوامل على معمول واحد نعم وجه الشافعية عود المستثنى المتأخر للجمل مع القول بأن العامل ما قبل إلا لا إلا بتقدير استثناء عقب ما قبل الأخيرة ويكون حذف من أحدهما لدلالة الآخر عليه كما في العطار على محلى جمع الجوامع ووجه الفرق بينهما على هذا الحكم قيل هو أن الشرط اللغوي سبب متضمن لمقصد المتكلم وما هو كذلك فشأنه أن يعم جميع الجمل تكثيرا لمصلحة ذلك المقصد بخلاف الاستثناء فإنه ليس متضمنا لمقصد المتكلم فلم يكن من شأنه أن يعم وقد علمت ما فيه وقال المحلي على جمع الجوامع هو أن الشرط له صدر الكلام فهو مقدم تقديرا لتوقف المشروط على تحققه وإن تأخر في اللفظ بخلاف الاستثناء فإنه متأخر في التقدير أيضا لتوقف الإخراج على وجود المخرج منه فلا يلزم من عود الشرط إلى الجميع لتقدمه عود الاستثناء إليه مع تأخره لأن للتقدم أثرا في عوده إلى الكل لأنه إذا كان متقدما يكون ما عدا الأولى معطوفة على جملة تقرر لها الجزائية والعطف للمشاركة فيناسب أن تشاركها فيما ثبت لها بخلاف الأخيرة في الاستثناء فإنها لم تعطف على ما ثبت له الاستثناء لأن الاستثناء يذكر بعدها فلو عاد إلى الكل لصار المعطوف عليه مشاركا للمعطوف فيما ثبت له والأمر بالعكس وضعف بأن الشرط إنما يتقدم على المقيد به فقط أي الذي قصد تقييده به فيمكن أن المتكلم قصد أن يجعله قيدا لبعض الجمل لا لكلها ا ه بتوضيح من العطار والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس بين قاعدتي توقف الحكم على سببه وتوقفه على شرطه\r","part":1,"page":146},{"id":148,"text":"كوجوب الزكاة عند النصاب والحول قالوا النصاب سبب الزكاة والحول شرطها مع اشتراكهما في توقف وجوب الزكاة عليهما وانتفائه عند انتفاء كل واحد منهما نظرا لكون السبب كالنصاب مناسبا في ذاته لاشتماله على الغنى ونعمة الملك في نفسه والشرط كالحول ليس مناسبا في ذاته بل في غيره لكونه مكملا لنعمة الملك بالتمكن من التنمية في جميع الحول يوضح ذلك قاعدة أن الشرع تارة يرتب الحكم عقيب أوصاف تكون كلها مناسبة في ذاتها كالقتل العمد العدوان رتب الشارع القصاص عقيبهما فيجعل مجموعهما علة وسببا\rلأن الجميع مناسب في ذاته وتارة يرتبه عقيب أوصاف يكون بعضها مناسبا في ذاته دون البعض كالنصاب والحول رتب الشارع وجوب الزكاة عقيبهما فيجعل المناسب منهما في ذاته كالنصاب هو السبب والمناسب منهما في غيره كالحول هو الشرط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع بين قاعدتي أجزاء العلة والعلل المجتمعة\rوهو أن ما يجب وجود المعلول كالحكم عند وجود كل واحد منها بحيث يكون كل واحد منها هو جملة أو تمام ما يتوقف عليه وجود الشيء بمعنى لا يكون وراءه شيء يتوقف عليه ويسمى علة تامة هو العلل المجتمعة وما لا يجب وجود المعلول كالحكم عند وجود كل واحد منها بحيث يكون وراءه شيء يتوقف عليه ويسمى علة ناقصة هي أجزاء العلة ويوضح ذلك قاعدة أن الحكم إذا ثبت عقيب أوصاف فإن رتب صاحب الشرع ذلك الحكم مع كل وصف منها فهي علل مجتمعة كوجوب الوضوء على من بال لامس وأمذى فإن كل واحد منها إذا انفرد استقل بوجوب الوضوء وكإجبار الأب لابنته معللا بالصغر والبكارة على الخلاف مع أن كل واحد منهما إذا انفرد ترتب عليه الحكم الذي هو الإجبار فتجبر الصغيرة الثيب والبكر الكبيرة المعنسة على الخلاف وإن لم يرتب صاحب الشرع الحكم مع كل واحد منها فهي علة واحدة مركبة من تلك الأوصاف كالقتل العمد العدوان\rالفرق الثامن بين قاعدتي جزء العلة والشرط\r","part":1,"page":147},{"id":149,"text":"مع أن كل واحد منهما يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه هو أن الشرط مناسبته في غيره كما تقدم تقريره في الحول في الزكاة وجزء العلة مناسبته في نفسه كأحد وصفي القتل العمد العدوان فإنه مشتمل على مناسبته العقوبة في ذاته\rالفرق التاسع بين قاعدتي الشرط والمانع\rوهو أن الشرط لا بد من تقدمه على الحكم وعدمه يوجب عدمه في جميع الأحوال التي هو فيها شرط والمانع في الشريعة على ثلاثة أقسام ما يمنع وجوده وجود الحكم ابتداء وانتهاء كالرضاع يمنع ابتداء النكاح ويقطع استمراره إذا طرأ عليه بأن يتزوجها في المهد وترضع من أمه فتصير أخته فيبطل النكاح بينهما وما يمنع وجوده وجود الحكم ابتداء\rفقط كالاستبراء يمنع ابتداء العقد على المستبرأة ولا يبطل النكاح إذا طرأ عليه بأن تكره الزوجة على الزنا فيجب استبراؤها على الزوج خشية اختلاط نسبه بالمتولد من الزنا ولأنه يلاعن حينئذ إذا تبين له أن الولد من الزنا وتجب عليه الملاعنة وما اختلف في كون وجوده يمنع وجود الحكم ابتداء وانتهاء كالأول أو ابتداء فقط كالثاني وله ثلاث صور\rالفرق التاسع بين قاعدتي الشرط والمانع\rوهو أن الشرط لا بد من تقدمه على الحكم وعدمه يوجب عدمه في جميع الأحوال التي هو فيها شرط والمانع في الشريعة على ثلاثة أقسام ما يمنع وجوده وجود الحكم ابتداء وانتهاء كالرضاع يمنع ابتداء النكاح ويقطع استمراره إذا طرأ عليه بأن يتزوجها في المهد وترضع من أمه فتصير أخته فيبطل النكاح بينهما وما يمنع وجوده وجود الحكم ابتداء\rفقط كالاستبراء يمنع ابتداء العقد على المستبرأة ولا يبطل النكاح إذا طرأ عليه بأن تكره الزوجة على الزنا فيجب استبراؤها على الزوج خشية اختلاط نسبه بالمتولد من الزنا ولأنه يلاعن حينئذ إذا تبين له أن الولد من الزنا وتجب عليه الملاعنة وما اختلف في كون وجوده يمنع وجود الحكم ابتداء وانتهاء كالأول أو ابتداء فقط كالثاني وله ثلاث صور\r","part":1,"page":148},{"id":150,"text":"أحدها الماء يمنع وجوده من التيمم ابتداء وفي منعه بعد الدخول في الصلاة إذ طرأ عليه فيبطلها أم لا فلا يبطلها خلاف الثانية الطول يمنع من نكاح الأمة ابتداء على الصحيح وفي منعه بعد نكاح الأمة إذا طرأ عليه فيبطله أو لا فلا يبطله خلاف الثالثة الإحرام يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداء وفي منعه إذا طرأ على وضع اليد على الصيد في زمن الحل فيجب إرساله أم لا فلا يجب إرساله خلاف\rالفرق العاشر بين قاعدتي الشرط وعدم المانع\rمع أن كل واحد من عدم المانع ووجود الشرط معتبر في ترتيب الحكم عليه ولا يلزم من تقرره وجوده ولا عدمه ألا ترى أن الحيض مانع من الصلاة وبعدمه لا تجب لأجل الإغماء وأن عدم الدين شرط في وجوب الزكاة ولا تجب به لعدم النصاب فكل من عدم الدين وعدم الحيض لا يلزم من تقرره وجود ولا عدم وإن لزم من فقدانه العدم فهما في غاية الالتباس حتى أنك لا تجد فقيها إلا وهو يقول عدم المانع شرط ولا يفرق بينهما ألبتة وهو ليس بصحيح لما يلزم عليه من اجتماع النقيضين فيما إذا شككنا في طروء المانع وذلك أن القاعدة أن الشك في أحد النقيضين يوجب الشك في الآخر بالضرورة فإذا شككنا في وجود المانع فقد شككنا في عدمه بالضرورة وعدمه شرط عند هذا القائل فيجتمع الشك في المانع والشرط والقاعدة المجمع عليها أن كل مشكوك فيه ملغى في الشريعة فإذا شككنا في السبب أو في الشرط لم نرتب عليه حكما أو في المانع رتبنا الحكم فإذا شك في الطلاق الذي\rهو سبب زوال العصمة لم نرتب عليه زوالها بل نستصحب الحال المتقدمة وكذا الشك في زوال الشمس يقتضي عدم وجوب الظهر ونظائره كثيرة وإذا شككننا في الطهارة التي هي شرط في صحة الصلاة لم نقدم على الصلاة\rوإذا شككنا في ردة زيد قبل وفاته فإنا نلغي منع الكفر من الإرث ونورث منه استصحابا بالأصل فيلزم حينئذ على قول هذا القائل أن نرتب الحكم ولا نرتبه\r","part":1,"page":149},{"id":151,"text":"وذلك جمع بين النقيضين فبطل اعتقاد أن عدم المانع شرط ووجب أن نعتقد أنه ليس بشرط فظهر الفرق بين عدم المانع والشرط وهو المطلوب نعم محل مراعاة قاعدة إلغاء المشكوك فيه إجماعا من جميع الوجوه إذا لم تتعذر مراعاتها كذلك وإلا انعقد الإجماع على مخالفتها في وجه لأجل اعتبارها بحسب الإمكان في وجه آخر وذلك كما في فرع من شك في الحدث بعد تقرر الطهارة أوجب مالك رحمه الله تعالى فيه الوضوء ولم يجعل المشكوك فيه كالمتحقق العدم وخالفه الشافعي في ذلك مع أن قاعدة أن الشك في الشرط كالطهارة يوجب الشك في المشروط ضرورة كالصلاة وأن الإجماع منعقد على شغل الذمة بالصلاة والبراءة للذمة من الواجب تتوقف على سبب مبرئ إجماعا فإن اعتبرنا هذه الصلاة المشكوك فيها بسبب الشك في شرطها الذي هو الطهارة وجعلناها سببا مبرئا كما قاله الشافعي فقد اعتبرنا المشكوك فيه ولم نصيره كالمحقق العدم وهو خلاف القاعدة المتفق عليها من إلغاء كل مشكوك فيه وإن اعتبرنا هذا الحدث المشكوك فيه كما قاله مالك فقد اعتبرنا مشكوكا فيه ولم نصيره كالمحقق العدم وهو خلاف القاعدة المجمع عليها\rأيضا فكلا المذهبين يلزم عليه مخالفة تلك القاعدة فتعين الجزم بمخالفتها وأن هذا الفرع لا يساعد على إعمالها واعتبارها من جميع الوجوه بل لا بد من مخالفتها من بعض الوجوه فمالك خالفها في الحدث الرافع للطهارة والشافعي في الصلاة التي هي سبب براءة الذمة لكن مذهب مالك أرجح لأنه لما تعينت المخالفة لهذه القاعدة\r","part":1,"page":150},{"id":152,"text":"وكانت الطهارة من باب الوسائل والصلاة من باب المقاصد وقد انعقد الإجماع على أن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد كانت العناية بالصلاة وإلغاء المشكوك فيه وهو السبب المبرئ منها أولى من رعاية الطهارة وإلغاء الحدث المشكوك فيه الرافع لها وبالجملة فالقاعدة المذكورة وإن كانت مجمعا عليها إلا أن الضرورة دعت لمخالفتها في هذا الفرع لتعذر مراعاتها فيه من جميع الوجوه فلذلك انعقد الإجماع على مخالفتها في وجه لأجل اعتبارها بحسب الإمكان في وجه آخر وإنما يبقى النظر في أن المخالفة في أي الوجوه أولى وقد ظهر أن مذهب مالك أرجح في مخالفتها والله أعلم\rالفرق الحادي عشر بين قاعدتي توالي أجزاء المشروط مع الشرط وبين توالي المسببات مع الأسباب\rوهو أن المشروطات المتعددة لشرط واحد إنما يقتضيها اقتضاء واحدا بحيث لا يقتضي الترتيب بينها فهي نظير المسببات لسبب واحد فكما تقول إذا قال أنت طالق ثلاثا إن هذا اللفظ سبب تحريمها إلا بعد زوج وسبب لإباحة أختها ولا نقول إن أحد الحكمين متقدم على الآخر ولا بعده كذلك نقول إذا قال إن تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي فتزوجها لزمه الطلاق بائنا لأنه قبل الدخول حرمت عليه به ولزمه الظهار أيضا فإذا عقد عليها لا يطؤها حتى يكفر ولا نقول إن الطلاق تقدم على الظهار حتى نمنعه بخلاف المسببات لأسباب عديدة كما في قوله لزوجته أنت طالق ثلاثا وأنت علي كظهر أمي فإنا نقول فيه إن سبب التحريم الذي هو الطلاق الثلاث لما تقدم على سبب الكفارة الذي هو الظهار اقتضى أن\rنقضي بعدم لزوم الظهار لأنه قد تقدمه تحريمها بالطلاق فلا تلزمه كفارة إما لأن الظهار لم يصادف محلا بناء على ما للجمهور من أن صيغته إنشاء لا خبر وإما لأنه صادق في لفظ التحريم بالظهار بناء على ما للأصل من أن صيغته خبر لا إنشاء كما تقدم بيانه والله أعلم\rالفرق الثاني عشر بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب بالحقيقة الزمانية\r","part":1,"page":151},{"id":153,"text":"وهو أن الترتيب بالأدوات اللفظية كالفاء وثم وحتى والسين وسوف ولم ولا ولن وما ونحوها لا يستقل العقل به بل يستفاد من الوضع اللغوي وربما اختلف فيه اللغات وربما تبدلت بالنقل العرفي بخلاف الترتيب بالحقيقة الزمانية فإنه بالعقل الصرف فيقتضي ترتيب أجزاء الزمان ترتيب الأقوال والأفعال الواقعة فيها ترتيبا لا يقبل الاختلاف ولا التبدل لأن الزمان أجزاؤه سيالة مترتبة بذاتها عقلا مستحيلة الاجتماع فلا يتصور أن يوجد أمس الدابر مع اليوم الحاضر ولا أول النهار مع آخره ولا جزء من أجزاء الزمان وإن قل مع غيره من الأجزاء الزمانية والأفعال والأقوال واقعة في الزمان ومنقسمة على أجزائه\rفإذا اشتمل كل جزء من أجزاء الزمان على قول أو فعل كان ذلك القول أو الفعل متقدما على الواقع في الزمن الذي بعده ومتأخرا عن الواقع في الزمن الذي قبله ويقتضي الترتيب المستفاد بالأدوات اللفظية ترتيب الأقوال والأفعال المقترنة بها ترتيبا يقبل الاختلاف والتبدل بحسب اختلاف اللغات وتبدل النقل العرفي فإذا قلت قام زيد فعمرو كان قيام زيد متقدما على قيام\rعمرو أو ثم عمرو فكذلك مع تراخ أو قام القوم حتى عمرو اقتضى أيضا تأخر قيام عمرو بسبب أن حتى حرف غاية بمعنى أن ما بعدها غاية لما قبلها والقاعدة أن المغيا لا بد أن يثبت قبل الغاية ثم يصل إليها مثلا السير في قولك سرت حتى طلع الفجر ثابت قبل الفجر متكرر إلى طلوع الفجر وإذا كان قيام عمرو غاية وغاية الشيء طرفه وآخره كان متأخرا عن الأول ضرورة وإذا قلت سيقوم زيد وسوف يقوم عمرو كان قيام زيد قبل قيام عمرو لأن سوف أكثر تنفيسا من السين وإذا قلت لم أو لما يقم زيد ولا يقوم عمرو أو لن يقوم كان عدم قيام زيد في الماضي وعدم قيام عمرو في المستقبل بسبب أن لم ولما\r","part":1,"page":152},{"id":154,"text":"موضوعان لنفي الماضي ولا ولن موضوعان لنفي المستقبل وما وليس موضوعان لنفي الحال والماضي والحال والمستقبل مترتبة فيكون اللفظ الدال على وقوع العدم في واحد منها دالا على الترتيب بالنسبة إلى الآخر فتأمل وصل في ثلاث مسائل يتضح بها هاتان القاعدتان المسألة الأولى لا خلاف بين الإمام مالك والإمام الشافعي في أنه إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق فأنت طالق أو ثم أنت طالق لا يلزمه إلا طلقة واحدة ولم يتوقف الإمام الشافعي في لزوم الطلقة الواحدة مع النسق بالواو أيضا وتوقف الإمام مالك في لزوم الواحدة أو التعدد مع الواو كما أنه قال بلزوم الثلاث إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق أنت طالق أنت طالق بلا عطف أصلا وخالفه الشافعي قائلا\r","part":1,"page":153},{"id":155,"text":"لا يلزمه إذا إلا طلقة واحدة وهو الحق بسبب أن الزمان يقتضي الترتيب كما تقدم تقريره فتبين بالأولى ولا يلزم بما بعدها شيء لأنه لم يصادف محلا لأجل البينونة سواء كان ما بعدها بلا عطف أو معطوفا بالفاء أو ثم أو الواو فلا وجه للتوقف في الواو أصلا بل نجزم بتقدم ما نطق به أولا ولزوم البينونة به وإلغاء ما بعد مطلقا وتوجيه الأصحاب قول إمامنا بوجهين أحدهما أنه طلق بالأولى ثلاثا ثم فسر بعد ذلك والثاني أنه بالقياس على قوله أنت طالق ثلاثا فإن الثلاث تعتبر باتفاق مع أن مقتضى مذهب الشافعي أن لا تلزمه الثلاث لأنها بانت بقوله أنت طالق فلا يلزمه بقوله بعد ذلك ثلاثا شيء مدفوع أما الأول فلأن الكلام في هذه المسألة مع عدم النية فقولهم نوى ثم فسر لا يستقيم بل إن نوى انعقد الإجماع بين الإمامين على لزوم ما نواه من تأسيس أو تأكيد أما الثاني فقياس باطل بسبب فرق عظيم مأخوذ من قاعدة كلية لغوية وهي أن كل لفظ لا يستقل بنفسه كالشرط والغاية والاستثناء والصفة وظرف الزمان وظرف المكان والمجرور والمفعول معه والمفعول من أجله والحال والبدل والتمييز إذا لحق لفظا مستقلا بنفسه صار المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه فإذا قال أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار لا يلزمه قبل الدخول للدار طلاق إجماعا بسبب أن قوله أنت طالق ثلاثا\r","part":1,"page":154},{"id":156,"text":"وإن كان كلاما يستقل بنفسه لكنه لما لحق به ما لا يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وإذا قال والله لا كلمته حتى يعطيني حقي وهو لفظ لو نطق به وحده لم يستقل بنفسه فلما لحق ما هو مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وصار المجموع يقتضي نفي الكلام إلى هذه الغاية فقط وما عداها لا يدخل في اليمين ألبتة باللفظ من غير نية وإذا قال له عندي عشرة إلا اثنين لا يلزمه إلا ثمانية مع أن الأقارير عند الحكام في غاية الضيق والحرج ولا تقبل فيها النيات ولا المجازات وما سبب عدم لزوم غير الثمانية إلا أن قوله عندي عشرة وإن كان كلاما مستقلا بنفسه لكنه لما لحقه ما لو نطق به وحده لم يستقل وهو قوله إلا اثنين صيره غير مستقل بنفسه وصار المجموع إقرارا بالثمانية فقط ولغاية اعتبار اللفظ الأول على سبيل الاستقلال وإذا قال لا لبست ثوبا كتانا\rلا يحنث بغير الكتان إجماعا مع أن قوله لا لبست ثوبا عام في ثياب الكتان وغيرها فإذا نطق بقوله كتانا بعد قوله ذلك اختص الحنث بثياب الكتان وحدها بسبب أن قوله لا لبست ثوبا وإن كان كلامه مستقلا بنفسه إلا أنه لما لحقه كتانا وهو لفظ مفرد لا يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وصار المجموع لا يفيد إلا ثياب الكتان وغير ثياب الكتان لم ينطق بها بطريق من الطرق فلا يحنث بها\r","part":1,"page":155},{"id":157,"text":"وإذا قال اقتلوا المشركين طلوع الفجر امتنع قتلهم في غير هذا الوقت وإن كانوا قبل التقييد به يقتلون في جميع الأوقات لكنه لما لم يستقل بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه وإذا قال اقتلوا المشركين أمام زيد اختص قتلهم بتلك الجهة فلا يقتل من وجد في غيرها ألبتة نظرا لكون ما لم يستقل بنفس وهو ظرف المكان صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وإذا قال اقتلوا المشركين في شهر رمضان اختص قتلهم برمضان بسبب أن المجرور وهو غير مستقل صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وخصصه وإذا قال ليقتل المشركون وزيدا أي مع زيد فلا يقتلون إلا إذا وجدوا معه واللفظ قبل ذلك كان يقتضي قتلهم مطلقا لكنه ما لم يكن كلاما مستقلا بنفسه صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وإذا قال اقتلوا المشركين إذهابا لغيظكم فلا يقتلون بغير هذه العلة وكان قبل ذلك يقتلون مطلقا لكنه لما لم يستقل بنفسه صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وإذا قال اقتلوا المشركين عراة اختص قتلهم بحالة العري ولو لم ينطق به لقتلوا في جميع الأحوال لكنه لما لم يكن كلاما مستقلا بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه وإذا قال اقتلوا المشركين عبدة النار اختص القتل بهم دون غيرهم بسبب أن المستقل بنفسه لما لحقه البدل وهو غير مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه\rوإذا قال له عندي عشرون رمانة لم يلزمه هذا العدد من غير الرمان بل من الرمان خاصة بسبب أن المستقل بنفسه لما لحقه التمييز وهو غير مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وأدخلت الكاف فيما لا يستقل بنفسه المفعول المطلق المبين للنوع أو للعدد فإذا قال أنت طالق ثلاثا كان ثلاثا مفعولا مطلقا مبينا لعدد طالق وهو لا يستقل بنفسه فصير الأول وهو أنت طالق غير مستقل فلا\r","part":1,"page":156},{"id":158,"text":"يلزمه به شيء ولا تبين به قبل النطق بقوله ثلاثا بخلاف قوله أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإن الثاني مستقل بنفسه فلا يكر على الأول بالاتفاق والإبطال فتبين بالأول قبل النطق بالثاني فلا يلزم بالثاني شيء وهذا فرق عظيم ومع هذا الفرق لا يثبت القياس فظهر أن هذه المسألة في غاية الإشكال في مذهب مالك رحمه الله تعالى وينبغي لو قضى بها قاض لنقض قضاؤه ويمتنع التقليد فيها لوضوح بطلانها\rالمسألة الثانية\rلا دليل لمن يقول الواو للترتيب فيما يروى أن خطيبا قال عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بئس خطيب القوم أنت لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمره بأن يرتب بالحقيقة الزمانية وأن ينطق بلفظ الله أولا ثم يذكر الرسول عليه الصلاة والسلام ثانيا فيحصل الترتيب بالتقديم الدال على الاهتمام والتعظيم وقد فات بسبب جمعهما في الضمير فلذلك ذمه لا لأنه لم ينطق بالواو في قوله ومن يعصهما كما نطق بها في قوله من يطع الله ورسوله حتى يصح الاستدلال به على أن الواو للترتيب فافهم\rفائدة قال المقري سمعت الأيلي يقول سمعت أبا عبد الله بن رشيد يقول إن خطيبا بتلمسان يقول في خطبه من يطع الله ورسوله فقد رشد بالكسر وكان الطلبة ينكرون عليه فلا يرجع فلما قفلت من رحلتي تلك دخلت على الأستاذ ابن أبي الربيع بسبتة فهنأني بالقدوم وقال لي فيما قال رشدت يا ابن رشيد ورشدت لغتان صحيحتان حكاهما يعقوب في الاصطلاح قال المقري وهذه كرامة للرجلين أو الثلاثة ا ه نقله التنبكتي في تكملة الديباج\r","part":1,"page":157},{"id":159,"text":"المسألة الثالثة لا حجة لمن يقول الواو للترتيب في قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبدأ بما بدأ الله في قوله عز من قائل إن الصفا والمروة من شعائر الله لأن البداءة صرحت بأن التقديم بالحقيقة الزمانية المجمع عليها فلم قال هذا المستدل بأن البداءة مضافة إلى ما ذكره من الواو والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث عشر بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين وضابط كل واحد منها وتحقيقه بحيث لا يلتبس بغيره\rوذلك أن فرض العين مهم متحتم مقصود حصوله منظور بالذات إلى فاعله حيث قصد حصوله من\rعين مخصوصة كالمفروض على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دون أمته أو من كل عين عين أي واحد واحد من المكلفين وفرض الكفاية مهم متحتم مقصود حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله أي يقصد حصوله في الجملة فلا ينظر إلى فاعله إلا بالتبع للفعل ضرورة أن الفعل لا يحصل بدون فاعل سواء كان دينيا كصلاة الجنازة أو دنيويا كالصنائع المحتاج إليها قال الأمير على عبد السلام على الجوهرة والحق أن العيني أفضل لمزيد الاعتناء فيه\rا ه\rوضابطها أن كل فعل تتكرر مصلحته بتكرره فهو فرض عين شرعه صاحب الشرع على الأعيان تكثيرا للمصلحة بتكرر ذلك الفعل كصلاة الظهر فإن مصلحتها الخضوع لله تعالى وتعظيمه ومناجاته والتذلل له والمثول بين يديه والتفهم لخطابه والتأدب بآدابه وهذه المصالح تتكرر كلما كررت الصلاة وكل فعل لا تكرر مصلحته بتكرره فهو فرض كفاية جعله صاحب الشرع على الكفاية نفيا للعبث في الأفعال كإنقاذ الغريق إذا شاله إنسان فإن النازل بعد ذلك في البحر لما لم يحصل شيئا من المصلحة المترتبة على الإنقاذ من حفظ حياة الغريق لأنها قد حصلت لم يخاطب بالوجوب إذ لو خوطب حينئذ لكان بلا مصلحة يثبت الوجوب لأجلها فيكون عبثا وكذلك يقال في كسوة العريان وإطعام الجوعان ونحوهما\rقلت ولهذا الضابط يتم الفرق بينهما حتى على قول الشيخ تقي الدين والد صاحب جمع الجوامع والجمهور\r","part":1,"page":158},{"id":160,"text":"وعليه نص الشافعي في مواضع من الأم كما قاله الزركشي وغيره بأن فرض الكفاية على الكل لإثمهم بتركه ويسقط بفعل البعض لقول السعد في حاشية العضد إن سقوط الأمر قبل الأداء لا نسلم أنه لا يكون إلا بالنسخ فيفتقر إلى خطاب جديد ولا خطاب فلا نسخ فلا سقوط فلا بد أن يكون مراد من قال إنه يجب على الكل أنه يجب على الجميع من حيث هو فلا يستلزم الإيجاب على كل واحد ويكون\rالتأثيم للجميع بالذات ولكل واحد بالعرض لأن سقوط الأمر كما يكون بالنسخ قد يكون بغيره كانتفاء علة الوجوب كاحترام الميت مثلا بالصلاة عليه فإنه يحصل بفعل البعض فلهذا ينسب السقوط إلى فعل البعض وأيضا يجوز أن ينصب الشارع أمارة على سقوط الواجب من غير نسخ أفاده الشربيني على محلى جمع الجوامع وفرق سم بينهما أيضا بسقوط فرض الكفاية عن الجميع بفعل البعض بخلاف فرض العين والكمال بأن فرض العين يقصد فيه عين الفاعل ابتلاء له بتحصيل الفعل المطلوب وفرض الكفاية يقصد فيه حصول المطلوب من غير نظر إلى الفاعل إلا بالتبع من حيث إن الفعل لا يوجد بدون فاعل كما في العطار على محلى جمع الجوامع فافهم\r","part":1,"page":159},{"id":161,"text":"وصل في أربع مسائل لتحقيق القاعدتين الأولى الأعيان والكفاية كما يتصوران في الواجبات كذلك يتصوران في المندوبات فالتي على الأعيان كالوتر والفجر وصيام الأيام الفاضلة وصلاة العيدين والطواف في غير النسك والصدقات والتي على الكفاية كالآذان والإقامة والتسليم والتشميت وما يفعل بالأموات من المندوبات كذا في الأصل وفي عده التسليم والتشميت من المندوب كفاية مخالفة لعد الأمير في مجموعه من فروض الكفاية تشميت العاطس بعد سماع حمده ولو بمعالجة وبرد السلام الشرعي وهو ما كان بصيغة شرعية لا نحو فلان يسلم عليك وإن بكتابة وتعين على مقصود من جماعة ا ه بتوضيح من ضوء الشموع إلا أن يريد بالتسليم ابتداء السلام لا رده وبالتشميت قبل سماع الحمد لا بعده وعبارة المحلي على جمع الجوامع كابتداء السلام وتشميت العاطس والتسمية للأكل من جهة جماعة في الثلاث مثلا ا ه فانظره وحرر\rالمسألة الثانية مذهب الجمهور واختاره الكمال بن الهمام في تحريره أن الواجب على الكفاية واجب على الكل ويسقط بفعل البعض وعليه ففي كون المراد الكل إلا فرادى نظرا لكون سقوط الطلب عن الباقين بعد تحققه لا يلزم أن يكون بالنسخ بل قد يكون لانتفاء علة الوجوب كحصول المقصود من الفعل هنا\rفيكون أمارة على سقوط الواجب من غير نسخ لانتفاء الطريق الشرعي المتراخي الذي يثبت به النسخ أو الكل المجموعي نظرا لكونه لو تعين على كل أحد لكان إسقاطه عن الباقين رفعا للطلب بعد تحققه وهو إنما يكون بالنسخ وليس بنسخ اتفاقا بخلاف الإيجاب على الجميع من حيث هو فإنه لا يستلزم الإيجاب على كل واحد ويكون التأثيم للجميع بالذات ولكل واحد بالعرض\r","part":1,"page":160},{"id":162,"text":"وقد علمت ما فيه خلاف ومذهب الإمام الرازي واختاره السبكي أي صاحب جمع الجوامع أنه واجب على البعض وعليه فالمختار وهو المشهور أنه أي بعض إذ لا دليل على أنه معين فمن قام به سقط الوجوب بفعله وقيل من قام به لسقوطه بفعله وقيل معين عند الله تعالى دون الناس يسقط الواجب بفعله وبفعل غيره كما يسقط الدين عن المدين بأداء غيره عنه انظر التحرير وشرحه لابن أمير الحاج ويكفي في سقوط فرض الكفاية على القول بأنه على الكل ظن أن الغير فعله لا وقوعه تحقيقا فإذا غلب على ظن هذه الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه وإذا غلب على ظن تلك أن هذه فعلت سقط عن تلك وإذا غلب على ظن كل واحدة منهما فعل الأخرى سقط الفعل عنهما ومن لم يظن منهما أن غيره فعله لم يسقط عنه وأما على القول بأنه على البعض فإن من ظن أن غيره تركه لم يسقط عنه بل يجب ومن لم يظن أن غيره تركه لم يجب عليه بل يسقط عنه كما نقله سحنون عن المحلي قال ويظهر أثر ذلك في صورة الشك فعلى أنه على البعض لا يجب عليه لأنه يصدق عليه أنه لم يظن أن\rغيره تركه وعلى أنه على الكل يجب عليه لأنه يصدق عليه أنه لم يظن أن غيره فعله وعليه درج القرافي ا ه\r","part":1,"page":161},{"id":163,"text":"والسقوط هنا عمن لم يفعل من المكلفين بظنه فعل غيره على القول بأنه على الكل إنما هو لقاعدة سقوط الوجوب عن المكلف لعدم حكمة الوجوب كما تقدم توضيحه عن السعد والتحرير وشرحه لا لأن الغير ناب عن غيره حتى يرد أن القاعدة أن الأفعال البدنية لا يجزئ فيها فعل أحد عن أحد وهاهنا أجزأ كصلاة الجنازة والجهاد مثلا وكيف سوى الشرع بين من فعل ومن لم يفعل فاندفع قول ابن الشاط وإطلاق لفظ السقوط عمن لم يفعل لا يصح على أن المراد أن الوجوب توجه على الجميع ثم سقط عن البعض وإنما يصح على أن المراد بلفظ السقوط أنه لم يجب عليه مجازا ا ه أي إما بالاستعارة لعلاقة المشابهة في عدم ترتب الإثم وإما مرسلا لعلاقة التقييد ثم الإطلاق فافهم نعم قال ابن الشاط ويحتمل هنا أن يقال لا يكفي الظن فإن قيل لا يتعذر القطع فالجواب لا يتعذر القطع بالشروع في الفعل والتهيؤ والاستعداد أما بتحصيل الغاية فيتعذر فهاهنا يكفي الظن لا في المقدمات والمبادئ ا ه والله أعلم\rفائدة\rقال العلامة ابن ذكري في حاشيته على البخاري وقد ذكروا أن فرض الكفاية كالصلاة على الجنازة وسنة الكفاية كالآذان والإقامة إذا أراد فاعلها إسقاط الحرج عن حاضري ذلك الموضع من المكلفين كانت له أجورهم\rوإن بلغت أعدادهم ما بلغت ا ه نقله كنون على حواشي عبق وفي حاشية الأمير على عبد السلام على الجوهرة وهل يحصل لمن لم يقم ثواب كعقاب الجميع إذا لم يحصل أولا لعدم العمل أو إن كان جازما فسبقه غيره فالأول وإلا فالثاني ا ه\r","part":1,"page":162},{"id":164,"text":"المسألة الثالثة الوجوب في جميع صور فروض الكفاية لما كان مشروطا بالاتصال والاجتماع مع الفاعلين ومفقودا عند الانفصال والانفراد عنهم لقاعدة انتفاء الوجوب بانتفاء شرطه كانت القاعدة في جميع فروض الكفاية من أن اللاحق بالفاعلين وقد كان سقط الفرض عنه كمن يلحق بالمجاهدين من المتطوعين وبمجهز الأموات من الأحياء وبالساعين في تحصيل العلم من الطلاب يقع فعله فرضا بعدما لم يكن واجبا لأن مصلحة الوجوب لم تحصل بعد وما وقعت إلا بفعل الجميع فوجب أن يكون فعل الجميع واجبا لأن الوجوب يتبع المصالح ويختلف ثوابهم بحسب مساعيهم ليست بناقضة لأي حد من حدود الواجب لأن هذا اللاحق بالمجاهدين أو غيرهم وإن كان له الترك إجماعا من غير ذم ولا لوم ولا استحقاق عقاب إلا أن فعله لا يوصف بالوجوب إلا بشرط الاجتماع ووصفه به مع شرط الاجتماع يقتضي أن الترك لا يوصف بالإثم إلا مع الاجتماع والترك مع الاجتماع ولا يتصور إلا إذا ترك الجميع\rوالعقاب حينئذ متحقق فلا يلزم على هذه القاعدة أن يجتمع في هذا اللاحق بالمجاهدين أو غيرهم الوجوب وعدم الذم على تركه حتى يكون مناقضا لحدود الواجب كلها فافهم والله أعلم\rالمسألة الرابعة\rمصلحة صلاة الجنازة ليست إلا المغفرة ظنا لا قطعا لتعذر القطع والمغفرة ظنا حاصلة بالطائفة الأولى لأن الدعاء مظنة الإجابة فاندرجت صلاة الجنازة في فروض الكفاية بلا شبهة وامتنعت إعادتها لحصول المصلحة التي هي معتمد الوجوب كما قاله مالك خلافا للشافعي القائل بأن إعادتها مشروعة لا ممنوعة والإعادة وإن كانت لها مصلحة هي تكثير الدعاء إلا أنها مصلحة ندبية والشافعي رحمه الله تعالى يساعد على أن صلاة الجنازة لا يتنفل بها ولا تقع إلا واجبة\rولا تقع مندوبة أصلا فتحقق امتناع الإعادة بتحقق قاعدة تعذر الندب فيها وصارت هذه القاعدة حجة على الشافعي رضي الله تعالى عنه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":1,"page":163},{"id":165,"text":"الفرق الرابع عشر بين قاعدتي المشقة المسقطة للعبادة والمشقة التي لا تسقطها اعلم أن التكليف إلزام الكلفة على المخاطب بمنعه من الاسترسال مع دواعي نفسه وهو أمر نسبي\rموجود في جميع أحكامه حتى الإباحة ثم يختص غير الإباحة بمشاق بدنية بعضها أعظم من بعض فالتكليف به إن وقع مع ما يلزمه من المشاق عادة أو في الغالب أو في النادر كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الطويل والمخاطرة بالنفس في الجهاد ونحو ذلك لم يؤثر ما يلزمه في العبادة لا بإسقاط ولا بتخفيف لأن في ذلك نقص التكليف وإن لم يقع التكليف بما يلزمه من المشاق كان ما يلزمه على ثلاثة أقسام الأول متفق على اعتباره في الإسقاط أو التخفيف كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة فلو حصلنا هذه العبادة مع الخوف على ما ذكر لثوابها لأدى لذهاب أمثالها والثاني متفق على عدم اعتباره في ذلك كأدنى وجع في أصبع لأن تحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخفة هذه المشقة الثالث مختلف فيه فبعضهم يعتبر في التخفيف ما اشتدت مشقته\rوإن بسبب التكرار لا ما خفت مشقته وهو الظاهر من مذهب مالك فيسقط التطهير من الخبث في الصلاة عن ثوب المرضع وكل ما يعسر التحرز منه كدم البراغيث ويسقط الوضوء فيها بالتيمم لكثرة عدم الماء والحاجة إليه والعجز عن استعماله وبعضهم يعتبر في التخفيف شديد المشقة وخفيفها وهذه الأقسام الثلاثة تطرد في جميع أبواب الفقه فكما وجدت المشاق الثلاثة في الوضوء كذلك تجدها في العمرة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل\rوغصب الحكام وجوعهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام وهكذا في جميع أبواب الفقه\r","part":1,"page":164},{"id":166,"text":"قال سؤال ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها إلى آخر جوابه\rقلت وما قاله في ذلك أيضا صحيح\rوضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها هو أنه يجب على الفقيه أولا أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق ينظر فيه ثانيا فإن كان مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطا مثال ذلك التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح وإلا فلا والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق\rقال سؤال آخر ما لا ضابط له ولا تحديد وقع في الشرع على قسمين إلى آخر جوابه قلت وما قاله أيضا في ذلك صحيح\rوالفرق بين العبادات لم يكتف الشرع في إسقاطها بمسمى تلك المشاق بل لكل عبادة مرتبة معينة من مشاقها المؤثرة في إسقاطها كما علمت وبين المعاملات اكتفى الشرع في إسقاط المسئولية فيها على أقل ما تصدق عليه حقيقة الشرط الذي تقتضيه حقيقتها إن باع عبدا أو اشترط أنه كاتب يكفي في تحقيق هذا الشرط مسمى الكتابة ولا يحتاج إلى المهارة فيها وكذلك شروط السلم في سائر الأوصاف وأنواع الحرف يقتصر على مسماها دون مرتبة معينة منها هو أن العبادة لما كانت مشتملة على مصالح العباد ومواهب ذي الجلال وسعادة الأبد كان تفويتها بمسمى المشقة مع يسارة احتمالها غير لائق ولذلك كان ترك الترخيص في كثير من العبادات أولى وكان تعاطي العبادة مع المشقة أبلغ في إظهار الطوعية وأبلغ في التقرب ولذلك قال عليه الصلاة والسلام أفضل العبادة أحزمها أي أشقها وقال أجرك على قدر نصبك والمعاملات\rلما كانت مصالحها التي بذلت الأعواض فيها تحصل بمسمى حقائق الشرع والشروط كان التزام غير ذلك فيها يؤدي إلى كثرة الخصام ونشر الفساد وإظهار العناد والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":1,"page":165},{"id":167,"text":"وصل في تحرير هاتين القاعدتين ببيان الفرق بين قاعدتي الكبائر والصغائر وبين قاعدتي الكبائر والكفر وبين أدنى رتب الكبائر وأعلى رتب الصغائر وبين أدنى رتب الكفر وأعلى رتب الكبائر وهذه مواضع شاقة الضبط عسيرة التحرير وفيها غوامض صعبة على الفقيه والمفتي عند حلول النوازل في الفتاوى والأقضية واعتبار حال الشهود في التجريح وعدمه أما بين الكبائر والصغائر فاعلم أنه لا خلاف بين العلماء في أن كل ذنب باعتبار اشتماله على مخالفة الله تعالى كبيرة لأن مخالفة الله تعالى على الإطلاق أمر كبير ولا خلاف بينهم أيضا في أن ما الذم عليه والعقوبة به إن نفذ على مرتكبه الوعيد أشد فهو من الذنوب الكبائر وأن ما الذم عليه والعقوبة به إن نفذ على مرتكبه الوعيد أخف فهو من الذنوب الصغائر إذ الكتاب والسنة والقواعد المستفادة منهما وهي أن ما عظمت مفسدته يقدح في العدالة وما لا فلا تقتضي القطع بالتفاوت بين الذنوب في الذم والعقاب إن نفذ الوعيد والكتاب قوله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان فجعلها رتبا ثلاثة الكفر رتبة أولى والفسوق ثانية والعصيان ثالثة يلي الفسوق وهو الصغائر فجمعت الآية بين الكفر والكبائر والصغائر\rوسمي بعض المعاصي فسوقا دون بعض وقوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم الآية وقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم فإن فيها صراحة في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر\rوالسنة قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الصحيحين\rاجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وفي رواية لهما الكبائر الإشراك بالله والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس زاد البخاري واليمين الغموس ومسلم بدلها وقول الزور\r","part":1,"page":166},{"id":168,"text":"وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح أيضا ومن كذا إلى كذا كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر فخص الكبائر ببعض الذنوب ولو كانت الذنوب كلها كبائر لم يسغ ذلك ولأن ما عظمت مفسدته أحق باسم الكبيرة تخصيصا له باسم يخصه فلذلك قال الغزالي لا يليق إنكار الفرق بين الكبائر والصغائر وقد عرفا من مدارك الشرع وإنما اختلفوا أولا في أن إطلاق لفظ صغيرة على معصية الله تعالى هل يمنع إجلالا له وتعظيما لحدوده إلا في محل تبيين تفاوت الذم والعقاب إن نفذ الوعيد أو يجوز مطلقا وثانيا في أن الكبائر كلها هل تعرف وتنحصر أو لا الثاني لبعضهم قالوا لأنه ورد وصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر وأنواع بأنها صغائر وأنواع لم توصف بشيء منهما والأول للأكثر واختلفوا هل لا تنضبط إلا بالعد فعن ابن مسعود أنها ثلاث\rوعنه أيضا أنها أربع وممن صرح بأنها سبع علي كرم الله تعالى وجهه وعطاء وعبيد بن عمير وعن ابن مسعود أيضا أنها عشرة وقيل أربع عشرة وقيل خمس عشرة وعن ابن عباس وجماعة أنها ما ذكره الله\rتعالى في أول سورة النساء إلى قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وعن ابن عباس أيضا كما رواه عبد الرزاق والطبراني هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع وقال أكبر تلامذته سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهما هي إلى السبعمائة أقرب يعني باعتبار أصناف أنواعها وروى الطبراني هذه المقالة عن سعيد عن ابن عباس نفسه أن رجلا قال لابن عباس كم الكبائر سبع هي\r","part":1,"page":167},{"id":169,"text":"قال هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار أي التوبة بشروطها ولا صغيرة مع الإصرار وقال الديلمي من الشافعية قد ذكرنا عددها في تأليف لنا باجتهادنا فزادت على أربعين كبيرة فيئول إلى ما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل غير ذلك أو أنها تضبط بالحد والضابط وعليه فجميع ما ذكروه من الحدود والضوابط إنما قصدوا به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة وكيف يمكن ضبط ما لا طمع في ضبطه بالحصر إذ لا يعرف ذلك إلا بالسمع ولم يرد وهو على أربعة أنواع بعضه للكبائر المنصوص عليها من حيث هي وبعضه لما عدا المنصوص عليه من حيث هي وبعضه لما يشملهما وبعضه لما يبطل العدالة من المعاصي الشاملة لصغائر الخسة ونحوها كالإصرار على الصغائر فمن الأول ما في عبارة الروضة وأصلها وغيرهما من أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة\rومن الثاني قول الغزالي كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف ووجدان ندم تهاونا واستجراء عليها\rفهي كبيرة وما يحمل على فلتات النفس ولا ينفك عن ندم يمتزج بها وينغص التلذذ بها فليس بكبيرة وقول ابن عبد السلام الأولى ضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها قال وإذا أردت الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل الكبائر فهي صغيرة وإلا فكبيرة\rا ه\r","part":1,"page":168},{"id":170,"text":"ومن الثالث قول شيخ الإسلام البارزي والتحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن بنص كتاب أو سنة أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل من يعتقده معصوما فظهر أنه مستحق لدمه أو وطئ امرأة ظانا أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته ا ه ومن الرابع قول الإمام الشافعي وغيره وتابعه ابن القشيري في المرشد واختاره الإمام السبكي كل جريمة أو كل جريرة تؤذن أي تعلم بقلة اكتراث أي اعتناء مرتكبها بالدين ورقة الديانة مبطلة للعدالة وكل جريمة أو جريرة لا تؤذن بذلك بل يبقى حسن الظن ظاهرا بصاحبها لا تحبط العدالة كما يؤخذ من الزواجر وكذا من الرابع قول الأصل\rوهو مأخوذ من كلام شيخه ابن عبد السلام المار ضابط ما ترد به الشهادة أن يحفظ ما ورد في السنة أنه كبيرة فيلحق به ما في معناه وما قصر عنه في المفسدة لا يقدح في الشهادة ا ه لكن الأول مقيد بعدم التوبة والثاني بعدم الإصرار فإنه لا كبيرة مع استغفار أي توبة بشروطها ولا\rصغيرة مع إصرار\rوضابط قاعدة الإصرار المصير للصغيرة كبيرة هو أنه متى حصل من تكرارها مع البقاء على عدم التوبة والندم ما يحصل من ملابسة الكبيرة مما يوجب عدم الوثوق بالفاعل في دينه وإقدامه على الكذب في الشهادة فاجعل ذلك قادحا وما لا فلا كما إذا حصل من تكررها ذلك مع تخلل التوبة والندم وأما المباحات فمنها ما لا يبيح الشرع فعله بمحضر الناس فيكون تكرر فعلها بمحضرهم كذلك قادحا في الشهادة لكون فعلها حينئذ معصية لاحقة بسائر المعاصي ومنها ما لم تجر به عادة فتكون مشعرة بخلل حدث في عقل فاعلها فتقدح في الضبط لا في العدالة لأن خلل العقل لا يؤمن معه قلة الضبط\rفائدة\r","part":1,"page":169},{"id":171,"text":"قال الشيخ المقري شهدت الشمس ابن القيم مقيم الحنابلة بدمشق وهو أكبر أصحاب ابن تيمية وقد سئل عن حديث من مات له ثلاث من الولد كانوا له حجابا من النار كيف إن أتى بعدها بكبيرة فقال موت الولد حجاب والكبيرة خرق لذلك الحجاب\rوإنما يحجب الحجاب إذ لم يخرق فإذا خرق لم يكن حجابا بدليل حديث الصوم جنة ما لم يخرقها ا ه نقله التنبكتي في تكملة الديباج وأما الفرق بين الكفر والكبائر فهو أن أصل الكفر الجهل بالربوبية وأصل الكبائر الجرأة على مخالفة أمر الله تعالى بفعل ما نهى عنه وعظمت مفسدته لاستيلاء الشهوة عليه فما كان من المعاصي مقتضيا الجهل بالربوبية نصا من نحو الشرك بالله وجحد ما علم من الدين بالضرورة كجحد وجوب الصلاة ونحوهما ونحو إلقاء المصحف في القاذورات وجحد البعث أو النبوات أو وصفه تعالى بكونه لا يعلم أو لا يريد أو ليس بحي ونحوه فهو الكفر المتفق عليه ومنه قضية إبليس فإن الذي\r","part":1,"page":170},{"id":172,"text":"تقتضيه القواعد المستفادة من الشرع هو أن كفره إنما هو بنسبته إلى الله تعالى الجور وتكبره عليه لا بمجرد ترك ما أمر به من السجود لآدم عليه السلام واعتقاده كونه خيرا منه وإلا للزم أن كل عاص وكل متكبر كافر وليس الأمر كذلك نعم يجوز عقلا أن يكون كفره بمجرد مخالفته وما كان منها مقتضيا ذلك احتمالا لا نصا فهو الكفر المختلف فيه كالتجسيم وأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية وأن إرادة الله ليست بواجبة النفوذ وأنه تعالى في جهة وأنه ليس بمنزه ونحو ذلك من اعتقادات أرباب الأهواء فلمالك والشافعي وأبي حنيفة والقاضي أبي بكر الباقلاني والأشعري فيهم قولان بالتكفير وعدمه والتكفير بترك الصلاة قول ابن حنبل وعدمه قول مالك والشافعي وقال القاضي أبو بكر من كفر جملة الصحابة فهو كافر لأن تكفيرهم يلزم إبطال الشريعة لأنهم أصلها وعنهم أخذت وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري إرادة الكفر كبناء كنيسة يكفر فيها بالله كفر ومن قتل نبيا بقصد إماتة شريعته مع تصديقه له فهو كافر ولعل غير القاضي والأشعري يوافقهما في هذه الصورة\rوما كان منها ليس مقتضيا ذلك أصلا بل إنما يقتضي الجرأة على مخالفة أمره تعالى بفعل ما نهى عنه وعظمت مفسدته لاستيلاء الشهوة عليه فهو الكبيرة كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ويوضح هذا الفرق مسألتان\r","part":1,"page":171},{"id":173,"text":"قال وأكمل البحث في هذا الموطن بذكر مسألتين الأولى اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل له والتعظيم كفر ولو وقع ذلك في حق الولد مع والده تعظيما له وتذللا أو في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفرا والفرق عسير قلت أغفل الوصف المفرق فعسر عليه الفرق والوصف المفرق أن سجود من سجد للأصنام لم يسجد لها لمجرد التذلل والتعظيم بل لذلك مع اعتقاد أنها آلهة وأنها شركاء لله تعالى ولو وقع مثل ذلك مع الوالد أو العالم أو الولي لكان ذلك كفرا لا شك فيه وأما إذا وقع ذلك أو ما في معناه مع الوالد لمجرد التذلل والتعظيم لا لاعتقاد أنه إله وشريك لله عز وجل فلا يكون كفرا وإن كان ممنوعا سدا للذريعة\rقال فإن قلت السجود للوالد والعالم إلى قوله\rفحينئذ الفرق مشكل وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى يستشكل هذا المقام ويعظم الإشكال فيه قلت إغفاله ما نبهت عليه أوقعه في هذا الخبال وعظم عنده وعند شيخه أمر الإشكال وقد تبين الحق في ذلك على الكمال والحمد لله الواقي من الضلال\rالمسألة الأولى الفرق بين السجود للصنم على وجه التذلل والتعظيم له اتفق الناس على أنه كفر وبين السجود للوالدين والأولياء والعلماء تعظيما وتذللا اتفقوا على أنه ليس بكفر هو أن السجود للأصنام ليس لمجرد التذلل والتعظيم بل له مع اعتقاد أنه آلهة وأنهم شركاء لله تعالى حتى اقتضى بذلك الجهل\rبالربوبية بخلافه للوالدين والأولياء والعلماء فإنه لما كان لمجرد التذلل والتعظيم لا لاعتقاد أنهم آلهة وشركاء لله عز وجل لم يكن كفرا وإن كان ممنوعا سدا للذريعة نعم لو وقع مع الوالد أو العالم أو الولي على وجه اعتقاد أنه إله وشريك لله تعالى لكان كفرا لا شك فيه\rالمسألة الثانية\r","part":1,"page":172},{"id":174,"text":"نسبة الأفعال إلى الكواكب فيها ثلاثة أقسام القسم الأول أن يقال إنها مدبرة للعالم وموجدة لما فيه ولا شيء وراءها وهذا كفر بلا خفاء القسم الثاني أن يقال إنها فاعلة الآثار في هذا العالم والله سبحانه وتعالى هو المؤثر الأعظم معها فتكون نسبتها إلى أفعالها كنسبة الحيوان إلى أفعاله على رأي المعتزلة والصحيح في هذا أن قول من قال للكواكب أو للإنسان أو غيره من الحيوان فعل على الحقيقة خطأ وأن من اعتقد شيئا من ذلك فهو لم يعرف قط فرقا ما بين الرب والمربوب والخالق والمخلوق فإن الله تعالى هو الخالق على الحقيقة لا خالق سواه قال تعالى وما رميت أي حقيقة إذ رميت أي كسبا ولكن الله رمى أي حقيقة إلا أن من نسب الفعل الحقيقي إلى الكواكب فذلك كفر على الصحيح وهو قول بعض العلماء المعاصرين للشيخ عز الدين بن عبد السلام ومن نسبه إلى الإنسان ففيه الخلاف هل هو كفر أو ضلالة وذلك أن الكواكب في العالم العلوي وأحوالها غائبة عن السفر فربما أدى ذلك إلى اعتقاد استقلالها وفتح أبواب الكفر المجمع عليه بخلاف الإنسان فإن التذلل والعبودية ظاهرة عليه فلا يؤدي إلى اعتقاد استقلاله إلخ القسم الثالث أن يقال إنها فاعلة فعلا عاديا حقيقيا وأن الله تعالى أجرى عندها إذا تشكلت بشكل\rمخصوص في أفلاكها أن تكون في أحوالها وربط الأسباب بها كحال الأدوية والأغذية في العالم السفلي باعتبار الربط العادي لا الفعل الحقيقي وهذا القسم وإن لم يكن كفرا إلا أنه خطأ لعدم تحقق الارتباط\rفإنا وجدنا العادة غير منضبطة في ذلك ولا هي أكثرية غالبة كالأدوية حتى يكون اعتقاد ذلك ممكنا وجائزا بل هو كمن اعتقد أن عقارا معينا يبرئه من الحمى\rولم تدل التجربة فيه على ذلك فإن هذا الاعتقاد يكون\rخطأ بل هو ممنوع أيضا لسد الذريعة وأما الفرق بين أدنى رتب الكبائر وأعلى رتب الصغائر وبين\r","part":1,"page":173},{"id":175,"text":"أدنى رتب الكفر وأعلى رتب الكبائر ففي الأصل أنه باستقراء كتب الفقهاء في المسائل التي يكفر بها المتفق عليها والمختلف فيها استقراء كاملا واستقراء رتب الكبائر المتفق عليها والمختلف فيها كذلك لينظر في مسائل التكفير إلى أقربها إلى عدم التكفير بالنظر السديد فيجعلها أدنى رتبة التكفير وما دونها أدنى رتبة\rالكبائر وينظر في رتب الكبائر بالنظر السديد إلى أقلها مفسدة فيجعلها أدنى رتب الكبائر والتي دونها هي أعلى رتب الصغائر وفيه أن كمال استقراء أقوال جميع علماء الإسلام من المستحيل عادة على أنه لا بد للعلماء الذين يلزمنا استقراء أقوالهم من العلم بفارق يفرق به كل واحد منهم بين أدنى رتب الكفر وأعلى رتب الكبائر وبين أدنى رتب الكبائر وأعلى رتب الصغائر فما المانع لهذا المتعلم أن يتعلمه حتى لا يحتاج إلى استقراء أقوالهم وبالجملة لم يأت في هذا الفرق إلا بإحالة على جهالة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس عشر بين قاعدة الأمر المطلق وقاعدة مطلق الأمر وكذلك الحرج المطلق ومطلق الحرج والعلم المطلق ومطلق العلم والبيع المطلق ومطلق البيع وجميع هذه النظائر من هذه المادة فالقاعدتان مفترقتان في جميع هذه النظائر\rاعلم أن الألف واللام كما يصح أن تكون في الأمر الموصوف بالمطلق للعموم الاستغراقي على رأي\r","part":1,"page":174},{"id":176,"text":"من أثبته أو للعهد في الجنس كذلك يصح أن يكونا في الأمر المضاف إليه المطلق فكما يسوغ في الأمر المطلق أن يكون للعموم وأن لا يكون للعموم كذلك يسوغ في مطلق الأمر أن يكون للعموم وأن لا يكون للعموم فالأمر المطلق ومطلق الأمر سواء ولا يصح الفرق بينهما إلا بالقرائن المقالية أو الحالية فما قامت القرينة على أنه للعموم كان للعموم أو على أنه ليس للعموم بل للعهد في الجنس لم يكن للعموم هذا بحسب أصل اللغة أما بحسب ما جرى به اصطلاح الفقهاء ولا مشاحة فيه كما في الصاوي على أقرب المسالك فالأمر المطلق عبارة عن الأمر المقيد بالإطلاق أي ما صدق اسم الأمر عليه بلا قيد لازم فهو نظير الماهية بشرط لا شيء عند المناطقة أي الماهية المجردة عن العوارض ومطلق الأمر عبارة عن جنس الأمر الصادق بكل أمر ولو مقيدا بقيد لازم فهو نظير الماهية لا بشرط شيء أي عند المناطقة أي الماهية المطلقة فاصطلاح الفقهاء خص الأمر المطلق بالعموم الشمولي من غير التفات إلى قرينة فاستعماله في غيره مجاز شرعي وإن كان حقيقة لغوية\rوخص مطلق الأمر بغير العموم الشمولي وهو القدر المشترك من الجنس المتميز بالمضاف إليه من غير التفات إلى قرينة فاستعماله في العموم الشمولي مجاز شرعي وإن كان حقيقة لغوية فمن هنا كان البيع المطلق عاما غير مقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة أو غير\r","part":1,"page":175},{"id":177,"text":"ذلك من اللواحق للعموم مما يوجب تخصيصه شامل لجميع أفراد البيع بحيث لم يبق بيع إلا دخل فيه وكان مطلق البيع عبارة عن القدر المشترك بين جميع أنواع البياعات وهو مسمى البيع الذي يصدق بفرد من أفراد البيع فجعلوا لفظ مطلق إشارة إلى القدر المشترك خاصة الصادق بفرد واحد وأضافوه إلى البيع ليتميز عن مطلق الحيوان ومطلق الإنسان ومطلق الأمر ومطلق غيره من مطلقات جميع الحقائق فظهر الفرق بين البيع المطلق ومطلق البيع وجميع النظائر وبه يصدق قولنا إن مطلق البيع حلال إجماعا والبيع المطلق لم يثبت فيه الحل بالإجماع بل بعض البياعات حرام إجماعا وقولنا حصل لزيد مطلق المال ولو بفلس ولم يحصل له المال المطلق وهو جميع ما يتحول من الأموال التي لا نهاية لها وقولنا مطلق النعيم حاصل دون النعيم المطلق والله أعلم\rالفرق السادس عشر بين قاعدة أدلة مشروعية الأحكام وبين قاعدة أدلة وقوع الأحكام\rوهو أن أدلة مشروعية الأحكام محصورة شرعا في نحو العشرين كل واحد منها يتوقف على مدرك شرعي يدل على أن ذلك الدليل نصبه صاحب الشرع لاستنباط الأحكام وهي الكتاب والسنة والقياس والإجماع والبراءة الأصلية وإجماع أهل المدينة وإجماع أهل الكوفة على رأي والاستحسان والاستصحاب والعصمة والأخذ بالأخف وفعل الصحابي وفعل أبي بكر وعمر وفعل الخلفاء الأربعة وإجماعهم والإجماع السكوتي وإجماع لا قائل بالفرق فيه وقياس لا فارق ونحو ذلك مما قرر في أصول الفقه وأما الأدلة الدالة على وقوع الأحكام أي وقوع أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها\r","part":1,"page":176},{"id":178,"text":"فهي لا تحصر في عدد ولا يمكن القضاء عليها بالتناهي ولا تتوقف على نصب من جهة صاحب الشرع فالزوال مثلا دليل مشروعيته سببا لوجوب الظهر عند قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ودليل وقوع الزوال وحصوله في العالم الآلات الدالة عليه كالأسطرلاب والميزان وربع الدائرة والشكارية والزرقالية والبنكام والرخامة البسيطة والعيدان المركوزة في الأرض وجميع آلات الظلال وجميع آلات المياه وآلات الطلاب كالطنجهارة وغيرها من آلات الماء وآلات الزمان وغير الآلات كعدد تنفس الحيوان إذا قدر بقدر الساعات وغير ذلك من الموضوعات والمخترعات التي لا نهاية لها وكذلك جميع الأسباب والشروط والموانع لا تتوقف على نصب من جهة الشرع بل المتوقف سببية السبب وشرطية الشرط ومانعية المانع والله أعلم\rالفرق السابع عشر بين قاعدة الأدلة وبين قاعدة الحجاج\rوهي أن الأدلة قد تقدم بيانها وانقسامها إلى أدلة المشروعية وهي التي يعتمد عليها المجتهدون وإلى أدلة وقوع أسباب الأحكام وشروطها وموانعها وهي التي يعتمد عليها المكلفون كالزوال ورؤية الهلال\rونحوهما وأما الحجاج فهي ما يعتمد عليه الحكام ويقضون به ويتوقف على نصب من جهة صاحب الشرع وهي البينة والإقرار والشاهد واليمين والشاهد والنكول واليمين والنكول والمرأتان واليمين والمرأتان والنكول والمرأتان فيما يختص بالنساء وأربع نسوة عند الشافعي وشهادة الصبيان ومجرد التحالف عند مالك فيقتسمان بعد أيمانهما عند تساويهما عند مالك فهذه نحو عشرة من الحجاج هي التي يقضي بها الحاكم ولذلك قال عليه السلام لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ومنه فالحجاج أقل من أدلة المشروعية وأدلة المشروعية أقل من أدلة الوقوع كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم\rوصل في ثلاث مسائل مهمة تتعلق بهذا الفرق والذي قبله\r","part":1,"page":177},{"id":179,"text":"المسألة الأولى في أحكام القرآن للشيخ أبي بكر بن العربي قال محمد بن علي بن حسين النكاح بولي في كتاب الله تعالى ثم قرأ ولا تنكحوا المشركين بضم التاء وهي مسألة بديعة ودلالة صحيحة ا ه\rالمسألة الثانية في تكميل الديباج للتنبكتي آخر ترجمة العلامة للشيخ إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي أبو إسحاق الشهير بالشاطبي ما نصه وكان صاحب الترجمة ممن يرى جواز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس كما وقع للشيخ المالقي في كتاب الورع قال توظيف الخراج على المسلمين من المصالح المرسلة ولا شك عندنا في جوازه وظهور مصلحته في بلاد الأندلس في زماننا الآن لكثرة الحاجة لما يأخذه العدو من المسلمين سوى ما يحتاج إليه الناس وضعف بيت المال الآن عنه فهذا يقطع بجوازه الآن في الأندلس وإنما النظر في القدر المحتاج إليه من ذلك وذلك موكول إلى الإمام ثم قال أثناء كلامه ولعلك تقول كما قال القائل لمن أجاز شرب العصير بعد كثرة طبخه وصار ربا أحللتها والله يا عمر يعني هذا القائل أحللت الخمر بالاستجرار إلى نقص الطبخ حتى تحل الخمر بمقالك فإني أقول كما قال عمر رضي الله تعالى عنه والله لا أحل شيئا حرمه الله ولا أحرم شيئا أحله الله وإن الحق أحق أن يتبع ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه\rوكان خراج بناء السور في بعض مواضع الأندلس في زمانه موظفا على أهل الموضع فسئل عنه إمام الوقت في الفتيا بالأندلس الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب فأفتى أنه لا يجوز ولا يسوغ وأفتى صاحب الترجمة بسوغه مستندا فيه إلى المصلحة المرسلة معتمدا في ذلك إلى قيام المصلحة التي إن لم يقم بها الناس فيعطونها من عندهم ضاعت وقد تكلم على المسألة الإمام الغزالي في كتابه فاستوفى ووقع لابن الفراء في ذلك مع سلطان وقته وفقهائه كلام مشهور لا نطيل به ا ه بلفظه\r","part":1,"page":178},{"id":180,"text":"المسألة الثالثة في تكميل الديباج أيضا عقب ترجمة الشيخ محمد المقري ما نصه ومن فوائده أنه قال سألني السلطان أبو عنان عمن لزمته يمين على نفي العلم فحلف جهلا على البت هل يعيد أم لا فأجبته بإعادتها وقد أفتاه من حضر من الفقهاء بأن لا تعاد لأنه أتى بأكثر مما أمر به على وجه يتضمنه فقلت له اليمين على وجه الشك غموس قال ابن يونس والغموس الحلف على تعمد الكذب أو على غير يقين ولا\rشك أن الغموس محرمة منهي عنها والنهي يدل على الفساد ومعناه في العقود عدم ترتب أثره فلا أثر لهذه اليمين فوجب أن تعاد وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها السكوت فتكلمت هل يجتزأ بذلك والإجزاء هنا أقرب لأنه الأصل والصمت رخصة لغلبة الحياء فإن قلت البت أصل وإنما يعتبر نفي العلم إذا تعذر قلت ليس رخصة كالصمات ا هـ بلفظه والله أعلم\rالفرق الثامن عشر بين قاعدة ما يمكن أن ينوى قربة وقاعدة ما لا يمكن أن ينوى قربة\rوهو أن ما لا يمكن أن ينوى قربة منحصرا إجماعا في النظر الأول المفضي إلى العلم بثبوت صانع العالم إذ يستحيل فيه قصد التقرب إلى الله تعالى لأن قصد ذلك بالفعل فرع اعتقاد وجوده واعتقاد وجوده لا يتصور قبل النظر الموصل إليه إذ هو كمن ليس له شعور بحصول ضيف كيف يتصور منه القصد إلى إكرامه فافهم وما عدا ذلك النظر الأول يمكن أن ينوى قربة لا فرق بين كونه فعل نفسه أو فعل غيره أما فعل\rنفسه فظاهر وأما فعل غيره فهو وإن قيل تمتنع النية فيه إلا أنه لا وجه للامتناع عقلا أو عادة وأما شرعا فالظاهر من جواز إحجاج الصبي أن الولي ينوي عنه وكذلك في جواز ذبيحة\rالكتابي نائبا عن المسلم ثم الذي تمكن نيته قسمان ما شرعت فيه النية وما لم تشرع فيه النية والأول قسمان مطلوب في الشريعة وغير مطلوب فيها فأما غير المطلوب كالمباح فلا ينوى من جهة أنه مباح بل من جهة أن به التقوي على مطلوب كما يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل","part":1,"page":179},{"id":181,"text":"وأما المطلوب فقسمان القسم الأول النواهي ولا يحتاج فيها إلى النية شرعا بل يخرج الإنسان من عهدة المنهي عنه بمجرد تركه وإن لم يشعر به فضلا عن القصد إليه نعم إن نوى بتركها وجه الله العظيم حصل له الثواب وصار الترك قربة والقسم الثاني الأوامر وهي قسمان القسم الأول ما تكون صورة فعله بقصد مجرد الأداء كافية في تحصيل مصلحته وفي خروج المكلف\rبذلك من عهدة الأمر بحيث لا يتوجه إليه الطلب به بعد لا في الدنيا ولا في الآخرة وإن عري عن نية التقرب إلى الله تعالى بالأداء كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات والأقارب وعلف الدواب ونحو ذلك بل لا مانع من أن يثاب في هذه الصورة مع عدم نية التقرب إذ يكفيه من النية كونه قصد مجرد الأداء على الصحيح كما يشهد له سعة باب الثواب خلافا للأصل\rالقسم الثاني ما لا تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته بل يتوقف تحصيل مصلحته والخروج من عهدة الأمر به على نية امتثال أمر الله تعالى في أدائه كالعبادات فإن الصلاة شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله والتعظيم إنما يحصل بالقصد ألا ترى أنك لو صنعت ضيافة لإنسان فأكلها غيره من غير قصدك لكنت معظما للأول دون الثاني بسبب قصدك فما لا قصد فيه ولا تعظيم فيه فكل عبادة يشترط فيها القصد لأنها إنما شرعت لتعظيم الله تعالى فظهر من هذا كله ضابط ما تمكن فيه النية وما لا\rتمكن فيه النية وضابط ما يحتاج إلى النية وما لا يحتاج إليها مما تمكن فيه انظر كتاب الأمنية في إدراك النية للأصل\r","part":1,"page":180},{"id":182,"text":"وصل في أربع مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى متعلق النية في مطلق الصلاة إنما هو إيقاعنا الصلاة التي هي فرض أو نفل وهي من فعلنا وأمرنا بأن ننويه لا أن متعلقها الفرضية أو النفلية بأن نقصد جعل الفرض فرضا والنفل نفلا إذ ليس لنا ذلك ولا أمرنا بأن ننويه بل لا يصح ذلك لا بحكم التبع للمكتسب لنا ولا بغير ذلك من الوجوه خلافا للأصل وكذلك متعلق نية الإمام في الجمعة وغيرها إنما هو تعيينه نفسه للاقتداء به وتقدمه لذلك وهو من فعله لا الإمامة حتى يقال لم تكن فعلا زائدا على فعل المنفرد بل فعل الإمام مساو لفعل المنفرد وكيف تتصور نية بلا منوي ولا داعي للجواب عنه بأن متعلقها كونه مقتدى به وصحت نيته مع أنه لم يكن من فعله تبعا لما هو من فعله فافهم\rالمسألة الثانية الشك الواقع ممن نسي صلاة من الخمس وشك في عينها نصبه الشارع سببا لإيجاب خمس صلوات فإذا صلى الخمس فهو جازم بوجوب الخمس عليه لوجود سببها الذي هو الشك لا متردد في نيته حتى يقال إن هذه المسألة مستثناة من قاعدة أن النية لا تصح في التردد\rقال المسألة الثالثة النية لا تحتاج إلى نية قال جماعة من الفضلاء لئلا يلزم التسلسل إلى آخر المسألة قلت لقائل أن يقول لا يلزم التسلسل لأنه إذا نوى إيقاع صلاة الظهر مثلا لا بد له أن ينوي امتثال أمر الله تعالى في إيقاع الصلاة منوية فإن النية في الصلاة مشروعة شرطا في صحتها ولم يشرع له أن ينوي نية الامتثال حتى يلزم التسلسل وعلى ذلك لا يصح قوله هو إن النية لا تحتاج إلى النية والله أعلم\rالمسألة الثالثة المشروع في نية العبادة أن ينوي امتثال أمر الله تعالى في إيقاع الصلاة منوية مثلا فإن النية في الصلاة مشروعة شرطا في صحتها وليس المشروع أن ينوي نية الامتثال حتى يلزم التسلسل وبعد أن\rيقال إن النية لا تحتاج إلى النية لأنها من قبيل ما صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها ولو لم يقصد فافهم\r","part":1,"page":181},{"id":183,"text":"المسألة الرابعة\rبما أن الشرع لم يشترط التفصيل في النية بل اكتفى من الإنسان إذا قصد صلاة الظهر مثلا أن ينوي فرض صلاة الظهر أو صلاة الظهر وتنسحب هذه النية المجملة على فروض الصلاة وسننها لم يتعين على الإنسان حينئذ أن يقصد لما في الظهر من فرض فينويه ولما فيه من سنة فينويه حتى\rتبرأ ذمته بالأول ويثاب بالثاني كما لا يلزمه أن ينوي عدد السجدات وغيرها من أجزاء الصلاة بل يكتفي بانسحاب النية على ذلك على وجه الإجمال والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع عشر بين قاعدتي ما تشرع فيه البسملة وما لا تشرع فيه\rأما ما شرعت فيه فضبطه شيخ والدي الشيخ إبراهيم الباجوري في حاشيته على السنوسية بأن كل أمر ذي بال أي ذي حال يهتم به شرعا بحيث لم يجعل الشارع له مبدأ غير البسملة ولم يكن ذكرا محضا ولا من سفاسف الأمور أي الأمور الخسيسة ولا محرما لذاته ولا مكروها لذاته فقوله بحيث لم يجعل الشارع له مبدأ غير البسملة\rقال الأنبابي في تقريراته عليه هو صادق بصورتين ما إذا لم يجعل له مبدأ أصلا أو جعل مبدأه البسملة والصورة الأولى غير مرادة لأنها لا توجد إلا في الذكر المحض أو المحرم لذاته أو المكروه لذاته أو سفاسف الأمور وقد أخرج ما ذكر بقوله ولم يكن ذكرا محضا إلخ ا ه أي بأن لم يكن ذكرا أصلا بل كان من العبادات كالغسل والوضوء والتيمم على الخلاف وذبح النسك أو من المباحات كالأكل والشرب والجماع وكان ذكرا غير محض كقراءة القرآن فإنها وإن كانت من أعظم القربات والبركات إلا أنها لم تكن ذكرا محضا كما لا يخفى فلذا شرعت فيها البسملة\rوأما ما لا تشرع فيه فستة أنواع كما يفيده الضابط المذكور الأول ما جعل الشارع له مبدأ غير البسملة كالصلوات والأذان فإن الشارع جعل مبدأهما التكبير وكالحج والعمرة فإنه جعل مبدأهما التلبية والثاني ما كان ذكرا محضا كلا إله إلا الله محمد رسول الله وسبحان الله وبحمده\r","part":1,"page":182},{"id":184,"text":"والثالث ما كان من سفاسف الأمور والرابع ما كان محرما لذاته كالزنا وشرب الخمر وأكل الميتة والخامس ما كان مكروها لذاته كأكل البصل النيء على ما نقله الأنبابي عن العلامة الشرقاوي في حاشية التحرير في باب الوضوء من أنه بالقيد المذكور تلزمه الكراهة لذلك خلافا لمن جعله من المكروه لعارض والسادس نحو القيام والقعود فما أبيح ولم يكن من المحقرات ولا من ذوات البال فلم تشرع في الأول لأن المشروع بدؤه بغيرها ولا في الثاني لاتحاد النوع فكما لا تبدأ البسملة بالبسملة لأنها تزكي نفسها وغيرها كالشاة من الأربعين كذلك لا يبدأ الذكر المحض بها لما ذكر فيها لا سيما وقد روي كل أمر ذي\rبال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر فتأمل بإنصاف ولا في الثالث لأن الأولى في مثل ذلك تركها تعظيما لاسمه تعالى نعم إن قصد بها عند محقر كامتخاطه التحصن والتبرك لنفسه بأن يقدر المتعلق بسم الله أتحصن من ضرر هذا الفعل أو أستنزل البركة علي لامتخط يرجع لذوات البال كما في شرح المجموع وضوء الشموع ولا في الرابع والخامس لقول الشيخ الباجوري فتحرم على المحرم لذاته وتكره على المكروه\r","part":1,"page":183},{"id":185,"text":"وكذلك قال الأنبابي عليه هذا أحد أقوال حاصلها أنه قيل تكره التسمية على كل من المكروه والمحرم ولو لعارض لما في ذلك من مراغمة الشارع بجعل المنهي عنه محلا للبركة وقيل تحرم التسمية عليهما إذ المراغمة تقتضي التحريم بل قال بعضهم إن التسمية على شرب الخمر كفر ولا يخفى أن كلا من أصحاب القولين يقول بتفاوت ما قال به من الكراهة أو الحرمة وقيل تكره على المكروه وتحرم على المحرم مطلقا وقيل وهو الراجح تكره على المكروه لذاته وتحرم على المحرم لذاته إذ المراغمة إنما تتحقق حينئذ دون ما إذا كان لعارض لأن العارض إنما يتسبب عنه منع الاستعمال فقط ولا يمنع التسمية إذ المحل في ذاته قابل لها فلا مراغمة كذا في حواشي البهجة نقلا عن العباب وغيره وأخذ من هذا بعض المحققين من أشياخنا أنه لو عرض الإباحة لما نهي عنه لذاته كأن اضطر لأكل الميتة أو شرب جرعة خمر لإساغة ما غص به أو لم يجد من يريد الأدم سوى البصل النيء تبقى التسمية على الامتناع إذ المحل في ذاته غير قابل لها والضرورة لا دخل لها في التسمية فتدبر ا ه وقال الأمير في شرح مجموعه وحاشيته ما حاصله أن الأظهر تحريمها في المحرم مطلقا لما ورد أن الله يذكر عبده بمثل ما ذكره وحال التحريم يماثله منه العقاب جزاء وفاقا وذلك أن حال التحريم إعراض عن رضا الله تعالى وملابسة لما يكرهه والعقاب إبعاد للعبد وإيصال ما يكرهه إليه\rوقد روي يا داود قل للظالمين لا يذكروني فإنهم إن ذكروني ذكرتهم وإذا ذكرتهم مقتهم نعم القول بكراهتها فيه وجيه فإن القاعدة الحسنات يذهبن السيئات لا العكس يعني الغالب قوة ناموس حسنة على السيئة بدليل كثرة الكفارات من الطاعات للذنوب\r","part":1,"page":184},{"id":186,"text":"ولذا كانت الحسنة بعشر والسيئة بواحدة وناهيك بحديث بطاقة التوحيد حيث ترجح في الميزان على سجلات كثيرة والبسملة حسنة لأنها في ذاتها ذكر فلا يتسلط عليها ناموس السيئة حتى تنحط لرتبة التحريم قصارى الأمر الكراهة للمجاورة وقد رجح الكراهة شيخنا في حاشية الكرشي في مبحث تسمية الوضوء تبعا للشبرخيتي وغيره ولم نتبعه لقول الخادمي في بسملته إن قال بسم الله إلخ عند شرب الخمر ونحوه يكفر على ما في الخلاصة لأن التبرك والاستعانة بذكره لا تتصور إلا فيما أذنه ورضاه ويؤيده ما في آخر صيد الدر المختار ورأيت بخط ثقة سرق شاة فذبحها بتسمية فوجد صاحبها هل تؤكل الأصح لا لكفره بتسمية على الحرام القطعي بلا تملك ولا إذن ا ه وإن كان مذهبنا الأكل ومنع علة التكفير إذ لم يتهاون ولم يستحل فإنه المعين على الخير والشر على أنا لو سلمنا أن الاستعانة والتبرك به لا تتصور إلا فيما فيه إذنه ورضاه فهو أمر لم يقصده وإنما هو لازم لما فعله ولازم المذهب ليس بمذهب إذا لم يكن اللزوم بينا كما هنا خصوصا في مثل كفر المسلم لأن القول بالكفر وإن كان ضعيفا لا أقل من أن يقضي ترجيح القول بالتحريم على القول بالكراهة وإن كان وجيها نعم ربما خف الأمر في الحرام العارض كالوطء في الحيض ا ه\r","part":1,"page":185},{"id":187,"text":"قلت ولا يعارض قاعدة قوة ناموس الحسنة على السيئة حديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن إلخ لقول العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام إن المنفي الإيمان الكامل المصاحب للمراقبة إذ لولا حجاب الغفلة ما عصى أو أنه إن استحله وما يقال إن الإيمان يرفع ثم يرجع له يلزمه عدم إيمانه إن مات في تلك الحالة وما في البخاري عن ابن عباس وشرحه عن أبي هريرة برفعه يحمل على رفع الإيمان الكامل ا ه ومما يشهد لكون المنفي في الحديث المذكور الإيمان الكامل ما حكي لي أن امرأة جميلة ذات عفة وديانة جاعت وطلبت من جارها ما تتقوت به فأبى إلا أن تمكنه من نفسها فامتنعت من ذلك وصبرت ثلاثة أيام حتى اشتد جوعها فأتته وقالت له قوتني وافعل ما تريد فلما تمكن منها هم لغلق الطاقة خوفا من أن يراه جاره فقالت له ما تريد فأخبرها بذلك فقالت له يا مجنون تخشى الجار ولا تخشى الجبار الذي لا تخفى عليه خافية وأثر كلامها في قلبه وترك الزنا بها وأعطاها مطلوبها وقال العلامة الصفتي المالكي في حاشيته على شرح ابن تركي على العشماوية والندب بالمعنى الأعم الشامل للسنة والمستحب هو حكم البسملة الأصلي لأنها ذكر وأقل مراتبه عند عدم منافي التعظيم الندب فتسن عينا كما في الأكل والشرب كما اعتمده الشيخ علي العدوي في حاشية الخرشي وارتضاه شيخنا الشيخ محمد عبادة\r","part":1,"page":186},{"id":188,"text":"وقيل تسن كفاية في الأكل وتستحب في الوضوء والغسل والتيمم ونحو ذلك فيطلب الإتيان بها في غالب الأمور ذوات البال ولو شعرا إذا كان محتويا على علم أو وعظ لا إن كان شعرا حراما فإنها تحرم فيه كما أفاده الحطاب وغيره وقد يعرض لها الوجوب بالنذر كما إذا قلت نذر علي أن أبسمل في هذا الكتاب مثلا فلا يتعلق بها الوجوب أصالة أبدا إلا على مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه عنه القائل بأنها جزء من الفاتحة أو على قول ابن نافع من أئمتنا بوجوبها في الصلاة والواجب في الذبح بقيد الذكر والقدرة مطلق ذكر لا خصوص البسملة كما في شراح المختصر وكلامنا فيما يتعلق بها بخصوصها والمعتمد أنه يقتصر في الذبح على بسم الله فقط ولا يزيد الرحمن الرحيم بخلاف الوضوء والأكل لأنه تعذيب للحيوان وكون الأكل فيه تعذيب للقمة بالمضغ في غاية البعد وإلا فيلزم عليه أن شرب الماء أو استعماله بالوضوء فيه حتف له ولا وجه له ونذرها في صلاة من الصلوات الخمس لا نص في المذهب على لزومه كما قالوا به فيمن نذر صوم رابع النحر مع أنه مكروه أو عدم لزومه لكراهتها فيها والنذر إنما يلزم به ما ندب نعم استظهر شيخنا الأمير أنها تلزم لأنها عهد لها طلب في الجملة فيما إذا قصد الخروج من الخلاف وتتعلق بها الكراهة في الأمور المكروهة كعند شرب الدخان لأنه مكروه على الأظهر وكالإتيان بها في الوطء المكروه كأن يطأ الجنب ثانيا قبل غسل فرجه كما في الخرشي ويكره الإتيان بها أيضا في الأذان والذكر\rوصلاة الفرض وإن كان فيها شرف عظيم شرعا وعرفا لأنها مشتملة على الذكر أو هي نفسها ذكر فلا\r","part":1,"page":187},{"id":189,"text":"تحتاج لذكر آخر فتأمل ولم أر نصا في المذهب على حكم الإتيان بها في أول براءة وفي أثنائها إلا أن المعتمد عند الشافعية كما أخبرني به جماعة من الثقات من أشياخي من الشافعية وهو ما صرح به العلامة الرملي من الشافعية من كراهتها في أول براءة واستحبابها في أثنائها خلافا لقول ابن حجر تحرم في أولها وتكره في أثنائها فإنه ضعيف وتعرض لها الحرمة في تلاوتها للجنب على أنها التي في سورة النمل لا على أنه ذكر بقصد التحصن وفي ابتداء المحرمات كالزنا وشرب الخمر على الأظهر ولا تتعلق بها الإباحة على الظاهر لأنها ذكر وأقل مراتبه الندب نعم قال الخادمي إنها مباحة في أول القعود والقيام لأنها إنما تطلب في ذي البال دون هذا انتهى لكنه مردود بأنه إن أتى بها في غير ذي البال إن كان قصده التبرك أو التحصن فيرجع للذكر وإن كان قصده التهاون فهو كفر وقولهم تطلب في ذي البال أي تتأكد فيه وأما الطلب الكلي الذي أتى لها من حيث الذكر فلا بد منه أي في غير ذي البال عند عدم مناف للتعظيم كما هنا وطلبها للكنيف مع أنه ليس بذي بال ومناف للتعظيم إما لأنه من حيث إنه محل لقضاء الحاجة يكون ذا بال كما للشيخ محمد عبادة\r","part":1,"page":188},{"id":190,"text":"وإما لأن القصد منها حينئذ التحصن من الجن ومن هذا يعلم أنه ينبغي لمن يأتي بها عند كب الماء والتفلة ونحوهما من المحقرات أن يقصد بذلك التحصن والتبرك لنفسه لا لكب الماء ولا للتفلة صونا لاقتران اسمه تعالى بالمحقرات كما للخادمي والمراد بالجواز في قول المختصر وجازت كتعوذ بنفل عدم تأكد الطلب ونفي الكراهة فلا ينافي ندبها وكون الإتيان بذكر الله ولا ثواب له بعيد كما قاله شيخنا الأمير ا ه بتلخيص وتوضيح ما وحذف وظاهره كراهتها في المكروه مطلقا وحرمتها في المحرم مطلقا وبالجملة فالبسملة شرعت في غالب ذوات البال أصالة أو لعارض قصد التحصن والتبرك لنفسه وهو ما عدا نحو الصلوات مما جعل الشارع مبدأه بغيرها وما عدا الذكر المحض وغير ذوات البال من المحرم والمكروه مطلقا أي ولو كانا لعارض ونحو القيام والقعود والأمور الخسيسة ولم تشرع في ستة أمور الأول نحو الصلوات مما جعل الشارع مبدأه بغيرها والثاني الذكر المحض والثالث والرابع المحرم والمكروه ولو كانا لعارض والخامس الأمور الخسيسة باعتبار ذاتها وعدم قصد التحصن والتبرك لنفسه وإلا رجعت بذلك لذوات البال والسادس نحو القيام والقعود مما أبيح ولم يكن من المحقرات ولا من ذوات البال وحكمها فيما شرعت فيه من ذوات البال تأكد الندب بالمعنى الأعم الشامل للسنة والمستحب على ما مر ومنه عند الشافعية المحرم والمكروه لعارض لما علمت وفي نحو الصلوات المفروضة والذكر المحض الكراهة وفي المحرم مطلقا عندنا أو لذاته فقط عند الشافعي ولو أباحته الضرورة التحريم على الأظهر وفي المكروه مطلقا عندنا أو لذاته فقط عند الشافعي ولو أباحته الضرورة الكراهة نعم الحرمة عندنا في المحرم لعارض والكراهة في المكروه لعارض أخف منهما في المحرم لذاته والمكروه فافهم وفي الأمور الخسيسة باعتبار ذاتها خلاف الأولى صونا لاقتران اسمه تعالى بالمحتقرات ومع قصد التحصن والتبرك\r","part":1,"page":189},{"id":191,"text":"لنفسه الندب لرجوعها لذوات البال بذلك فمن باب أولى نحو القيام والقعود وإن لم تشرع فيه لأن أقل مراتب الذكر الندب وإن لم يتأكد إلا في ذوات البال فافهم\rوصل في زيادة تحرير هذا الفرق ببيان الفرق بين المحرم والمكروه لذاته وبين المحرم والمكروه لعارض\rقال العلامة الأنبابي في تقريراته على باجوري السنوسية يظهر أن المراد بالمحرم لذاته والمكروه لذاته ما لم يكن تحريمه وكراهته لعلة يدور معها وجودا وعدما والمحرم لعارض والمكروه لعارض ما كان تحريمه وكراهته لعلة يدور معها وجودا وعدما فالزنا وشرب الخمر من قبيل المحرم لذاته لأن تحريم الزنا لا يدور مع علته التي هي اختلاط الأنساب وجودا وعدما إذ قد تنتفي العلة ويوجد التحريم كما إذا وطئ رجل صغيرة","part":1,"page":190},{"id":192,"text":"وكذلك تحريم شرب الخمر لا يدور مع علته التي هي الإسكار إذ قد ينتفي الإسكار ويوجد التحريم كما إذا اعتاد الشخص شرب الخمر بحيث لا يؤثر في عقله شيء أو شرب قدرا لا يسكر والوضوء بماء مغصوب من المحرم لعارض لأن تحريمه يدور مع علته التي هي الاستيلاء على حق الغير عدوانا وجودا وعدما والنظر لفرج الحليلة من قبيل المكروه لذاته لأن كراهته لا تدور مع علته التي هي خوف الطمس مع عدم الحاجة إذ قد تنتفي العلة وتوجد الكراهة كما إذا أخبره معصوم بأنه لا يحصل له طمس إذا نظر لفرج حليلته والوضوء بالماء المشمس من المكروه لعارض لأنر كراهته تدور مع علته التي هي خوف البرص وجودا وعدما فإذا امتنعت العلة بأن لم يكن تشميسه في نحاس أو كان فيه ولم يكن القطر حارا انتفت الكراهة وبهذا اندفع ما يقال لا يعقل فرق بين المحرم والمكروه لذاتهما وبين المحرم والمكروه لعارض لأنه إذا نظر للشرب من حيث هو فجائز وإن نظر لكونه متعلقا بالخمر فهو حرام كما أنه إن نظر للوضوء في ذاته فهو جائز وإن نظر لكونه بماء مغصوب فهو حرام وكذا يقال في المكروه فإن كان المراد بالمحرم والمكروه لذاتهما ما كان تحريمه وكراهته لا لعلة ولا لعارض ما كان ما ذكر لها ورد عليه أن للكل عدلا ولا فرق ا ه بتوضيح وتغيير ما وتمثيله للمكروه لذاته بالنظر لفرج الحليلة مبني على مذهبه وأما على مذهبنا فمباح ففي مجموع الأمير مع شرحه وحواشيه وحل بالعقد أي بشرط الإشهاد غير الإيلاج بدبر من نظر فرج وغيره خلافا لمن قال نظر الفرج يورث العمى نعم الأكمل خلافه كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها والله ما رأى مني وما رأيت منه ا ه فالأولى التمثيل لذلك بأكل من لم يقصد دخول المسجد نحو البصل النيء وليس عنده ما يزيل به رائحته لأن كراهته على القول بها تدور مع علته التي هي تأذي غيره ولو ملكا وجودا وعدما لتحقق الكراهة ولو لم يجتمع مع أحد أو اجتمع بمن ضعفت حاسة شمه قال العلامة الصفتي ما","part":1,"page":191},{"id":193,"text":"حاصله إن أكل الثوم والبصل والفجل ونحو ذلك إن كان في المسجد فحرام\rولو لم يكن به أحد ولو كان عنده ما يزيل به رائحته وإن كان خارج المسجد فخلاف الأولى إن كان عنده ما يزيل به رائحته فإن لم يكن عنده ما يزيل به رائحته فإن قصد دخول المسجد فحرام وإلا فقيل بالكراهة وقيل بالجواز وقيل بالحرمة وهو الظاهر أفاده الشيخ في حاشية الخرشي والله أعلم\rالفرق العشرون بين قاعدة الصوم وقاعدة غيره من الأعمال الصالحة\rمن حيث إن صاحب الشرع خصص الصوم بإضافته إلى نفسه الموجبة لتشريفه على غيره كما في الحديث الصحيح أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به مع أن الصلاة أفضل منه كما عليه الفتاوي وحديث أفضل أعمالكم الصلاة والأثر المشهور عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى عماله إن أهم أموركم عندي الصلاة فاحتيج إلى بيان الفارق الذي أوجب هذه الإضافة والتخصيص واضطراب الناس فيه فمن قائل إن الصوم لما كان أمرا خفيا لا يمكن أن يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى نبه على شرفه بخلاف الصلاة والجهاد وغيرهما\r","part":1,"page":192},{"id":194,"text":"قال ابن الشاط ما توضيحه وهذا أحسن ما قيل في ذلك عندي والمراد بقوله في الحديث كل عمل ابن آدم له إلخ الأعمال الظاهرة فقط لا ما يشمل الباطنة من الإيمان وسائر أعمال القلوب الحسنة حتى يقال إنها كالصوم في الخفاء ولا تعارض بين تخصيص الصوم بهذه المزية دون الأعمال الظاهرة مع كون الصلاة أفضل منه إذ قد يتحقق في المفضول من المزايا ما لا يتحقق في الفاضل كما سيأتي تقريره بعد هذا ا ه ومن قائل إن جوف الإنسان في الصوم يبقى خاليا فيحصل له به شبه وصف الربوبية فإن الصمد هو الذي لا جوف له على أحد الأقوال فيه وفيه أن عموم الحديث المتقدم يقتضي تفضيله حتى على الاشتغال بالعلوم والانتقام من المجرمين والإحسان إلى المؤمنين وتعظيم الأولياء والصالحين وكل ذلك إذا صدر من العبد كان فيه كالصوم التخلق بأخلاق الرب ومن قائل إن الصوم اختص بأمر عظيم يوجب تشريفه\rبالإضافة المذكورة وهو ترك الإنسان لشهواته وملاذه في فرجه وفمه وفيه أن عموم الحديث يقتضي تفضيله حتى على الجهاد والحج مع أنهما أعظم في ذلك منه فإن الإنسان في الجهاد مؤثر مهجته وجسده\rوحياته فتذهب جميع الشهوات تبعا لذهاب الحياة وفي الحج يترك المخيط والمحيط والطيب والتنظيف ويفارق الأوطان والأوطار والأهل والأولاد والإخوان ويركب الأخطار في الأسفار ومن قائل إن تخصيصه بالإضافة لأنه لم يتقرب به لغير الله تعالى بخلاف غيره من العبادات وفيه أن الصوم أيضا وقع التقرب به إلى الكواكب فيما يتعاطاه أرباب الاستخدامات للكواكب ومن قائل إن الصوم يوجب تصفية الفكر وصفاء العقل وضعف القوى الشهوانية بسبب الجوع وقلة الغذاء\r","part":1,"page":193},{"id":195,"text":"وكل ما يوجب ذلك يوجب حصول المعارف الربانية والأحوال السنية كما يشهد لذلك حديث لا تدخل الحكمة جوفا ملئ طعاما وحديث البطنة تذهب بالفطنة وهذه مزية عظيمة توجب التشريف بالإضافة المخصوصة وفيه أن الصوم لا يختص بذلك بل الصلاة ومناجاة الرب سبحانه وتعالى والمراقبة له في ذلك والتزام الأدب معه والخضوع لديه مما يوجب حصول المعارف والأحوال والمواهب الربانية لقوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين وقوله تعالى ويجعل لكم نورا تمشون به إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الأعمال الصالحة دالة على سبب المواهب والنور والهداية وجزيل الفضائل بل ينبغي أن يكون المترتب من ذلك على الصلاة إذا وقعت من المكلف على وجهها أكثر من المترتب من ذلك على الصوم لقوله تعالى فيما حكاه نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم عنه من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني مشيا أتيته هرولة والمصلي يتقرب أكثر فيكون فضل الله عليه أعظم ومن قائل كذا ومن قائل كذا وكلها ضعيفة غير سالمة من النقض وأحسنها الأول ونقضه مدفوع كما علمت والله أعلم\rالفرق الحادي والعشرون بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى وقاعدة الحمل على أول أجزائه أو الكلية على جزئياتها وهو العموم على الخصوص الصحيح أنه لا فرق بين هذه الثلاثة القواعد بل كما لا يحمل اللفظ الدال على الكل على جزئه الذي\r","part":1,"page":194},{"id":196,"text":"قاعدته أنه لا يعقل إلا بالقياس إلى كل فالنصاب في نحو قولنا عند زيد نصاب لا يحمل على من عنده عشرة دنانير منفردة كذلك لا يحمل اللفظ الدال على الكلي على جزأيه الذي قاعدته أنه إما حقيقي وهو كل شخص من نوع كزيد وعمرو وغيرهما من أفراد الإنسان وكالفرس المعين من نوع الفرس وكالحجر المعين من نوع الحجر وإما إضافي وهو ما اندرج مع غيره تحت كلي وهذا أعم من الأول لأنه يصدق على نحو زيد وعمرو لاندراجهما تحت مفهوم الإنسان والحيوان وغيرهما كما يصدق على نحو الإنسان والحيوان والنامي لاندراج الأول مع الفرس تحت الحيوان والثاني مع النبات تحت النامي والثالث مع الجماد تحت الجسم فالكلي مقابل الجزئي والكل مقابل للجزء فالإنسان والحيوان في نحو قولنا في الدار إنسان أو حيوان لا يحمل على أن فيها خصوص زيد على الأول ولا خصوص حقيقة الإنسان على\rالثاني فإذا قال القائل الرجل خير من المرأة أراد أن هذا الجنس على الجملة خير من هذا الجنس على الجملة لا أن كل واحد واحد من جزئيات هذا الجنس خير من كل واحد واحد من جزئيات هذا الجنس وكذلك لا تحمل الكلية أي اللفظ العام على بعض جزئياتها أي بعض الأفراد إذا لم يكن ذلك البعض مخصصا وذلك لأن القاعدة أن اللفظ الدال على الكل دال على جزئه بقيد ضمه مع باقي الأجزاء لا منفردا عنها مطلقا ولو كان في النهي وخبر النفي فإذا أوجب الله تعالى ركعتين فقد أوجب ركعة منضمة لأخرى لا مستقلة\rوإذا قلنا عند زيد نصاب فعنده عشرة دنانير منضمة لمثلها لا منفردة وإذا نهى الله عن ثلاث ركعات في الصبح لا يلزمه منه النهي عن ركعتين مستقلتين ليس معهما ثالثة وإنما يلزم النهي عنهما\r","part":1,"page":195},{"id":197,"text":"متصلين بثالثة وإذا قلنا ليس عند زيد نصاب لا يلزم أن لا يكون عنده عشرة دنانير منفردة وإنما يلزم أن عنده عشرة منضمة لعشرة أخرى وأن اللفظ الدال على الكلي لا يدل على جزئي من جزئياته مطلقا من غير تفصيل بل إنما يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ فإذا قلنا في الدار جسم لا يدل ذلك على أنه حيوان وإذا قلنا فيها حيوان لا يدل ذلك على أنه إنسان وإذا قلنا فيها إنسان لا يدل ذلك على أنه مؤمن أو كافر وإذا قلنا فيها مؤمن لا يدل ذلك على أنه زيد ولأن حمل اللفظ العام على بعض الأفراد ترك\rلظاهر العموم من غير دليل وهو باطل إجماعا وإنما الفرق بين هذه الثلاثة أي الكل والكلي والكلية لا تحمل على ما ذكر وبين قاعدة المطلق وهو جزئي مبهم كالنكرة في الإثبات يجوز فيه الحمل على أي جزئي كان غير أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\rما أجمع الناس فيه على الحمل على أعلى الرتب وهو ما ورد من الأوامر بالتوحيد والإخلاص وسلب النقائص وما ينسب إلى الرب تعالى من التعظيم\rوالإجلال في ذاته وصفاته العليا إذ ليس الأصل إهمال جانب الربوبية بل تعظيمها والمبالغة في إجلال الله تعالى فقد قال الله تعالى وما خلقت\rالجن والإنس إلا ليعبدون ومع ذلك قال في الآية الأخرى وما قدروا الله حق قدره وذلك يقتضي أن جميع الغايات التي وصلوا إليها دون ما ينبغي له تعالى من التعظيم والإجلال فلذلك كان الأمر في هذا القسم متعلقا بأقصى غايته الممكنة للعبيد ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك والقسم الثاني ما أجمع الناس فيه على الحمل على أدنى الرتب وهو الأقارير فإذا قال له عندي دنانير حمل على أقل الجمع وهو ثلاثة وهو أدنى رتبها مع صدقها في الآلاف إذ الأصل براءة الذمة فلذا قبل في هذا القسم التفسير بأقل الرتب القسم الثالث ما اختلف في حمله على أعلى الرتب أو على أدناها وله فروع منها فرع الحضانة هل\r","part":1,"page":196},{"id":198,"text":"تستحق الأم إلى الإثغار أو إلى البلوغ قولان المشهور الثاني ففي المجموع مع شرحه وحاشيته حضانة الذكر بمجرد البلوغ فلا يشترط عقل ولا قدرة على الكسب على المشهور خلافا لابن شعبان وابن الحاجب والأنثى لنفس الدخول لا للدعاء له فليست كالنفقة خلافا لما في الأصل فالمشكل ما دام مشكلا لا يخرج عن الحضانة كما لعبق وذلك لاحتمال أنوثته ولا يمكن الدخول\rا ه\rوذلك الخلاف لأن قوله عليه الصلاة والسلام أنت أحق به ما لم تنكحي كما جاء في الحديث المشهور يقتضي ثبوت الأحقية لها فقط ما لم تتزوج وهي تصدق بطرفين بالنسبة لحاله هو أدناهما الإثغار وأعلاهما البلوغ فإذا حملنا الحضانة على الإثغار لا نكون مخالفين لمقتضى لفظ الأحقية لأن هذا التخريج إنما وقع فيما اقتضاه اللفظ في موجب الحكم وسببه وما يترتب عليه الثبوت وأما الغاية المقولة في\rالحديث بالنسبة إلى حالها هي فهي إشارة إلى المانع وأن زواجها مانع من ترتب الحكم على سببه والمانع وعدمه لا مدخل لهما في ترتب الأحكام بل في عدم ترتبها لأن المؤثر في المانع إنما هو وجوده في العدم لا عدمه في الوجود كما تقدم ومنها فرع التفرقة بين الأمة وولدها هل يمنع ذلك إلى البلوغ أو إلى الإثغار وهو المشهور هنا قولان وذلك لأن قوله عليه الصلاة والسلام لا توله والدة على ولدها وإن كان عاما في الوالدات والمولودين من جهة أن والدة نكرة في سياق النفي فتعم وولدها اسم جنس أضيف فيعم وعاما في الزمان أيضا من جهة أن لا لنفي الاستقبال على جهة العموم كما في قوله تعالى لا يموت فيها ولا يحيى غير أنه مطلق في أحوال الولد لأن القاعدة أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال وإذا كان مطلقا في الأحوال فهو يصدق في رتبة دنيا وهي الإثغار ورتبة عليا وهي البلوغ فإذا حل لفظ\r","part":1,"page":197},{"id":199,"text":"الولد المطلق على أدنى مراتب جزئياته استقام ولم يعارضه عموم لا لأنه راجع إلينا كأنه قال حرم الله تعالى عليكم ذلك في جميع الأزمنة المستقبلة من زمن هذا الخطاب وليس عمومه بالنسبة إلى الأمهات والأولاد حتى تكون فيه معارضة لعدم العموم في الوالدات والأولاد فتأمل ذلك ومنها فرع الرشد في قوله تعالى\rفإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم اختلف العلماء فيه هل محمله على أدنى مراتب الرشد وهو الرشد في المال خاصة قاله مالك أو على أعلى مراتب الرشد وهو الرشد في المال والدين قاله الشافعي لأن الرشد ذكر بصيغة التنكير الدالة على المعنى المطلق الذي هو المعنى الأخص المبهم غير المعين فإذا حمل على أدنى الرتب لم تكن فيه مخالفة للفظ ألبتة ولا من وجه محتمل فافهم ومنها فرع الحرام هل يحتمل في قوله أنت علي حرام على الثلاث أو الواحدة خلاف وذلك لأن قوله حرام مطلق دال على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة فأمكن حمله على أعلاها أو على أدناها ويلحق به في مذهب مالك من الألفاظ نحو البتة والبائن وحبلك على غاربك هل يحمل على أعلى الرتب وهو الثلاث أم لا كذا قيل وفيه أن ما ذكر ليس هو سبب الخلاف هنا بل سببه هنا أمر آخر وهو العرف في لفظة حرام وما ألحق بها من الألفاظ هل هو الثلاث أو الواحدة كما تقدم ومنها فرع التيمم في قوله تعالى فتيمموا صعيدا اختلف هل يحمل فيه لفظ صعيدا على مطلق ما يسمى صعيدا ترابا كان أو غيره من جنس الأرض وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى أو على أعلى رتب الصعيد وهو التراب وهو مذهب الشافعي\rوليس منها فرع حكاية الأذان في قوله عليه الصلاة والسلام إذا سمعتم المؤذن\r","part":1,"page":198},{"id":200,"text":"يؤذن فقولوا مثل ما يقول حتى يقال إن المثل المذكور في الأذان إن حمل على أعلى الرتب قال مثل ما يقول إلى آخر الأذان أو على أدنى الرتب ففي التشهد خاصة وهو مشهور مذهب مالك ضرورة أن المثلية تقتضي في لسان العرب الشمول في جميع الصفات إلا ما خصه العرف كقولهم زيد مثل الأسد وما أشبهه فلم يفرعه مالك رحمه الله تعالى على قاعدة المطلق المذكورة وإنما رأى أن حي على الصلاة حي على الفلاح ليس من الذكر وإنما هو تحريض واستدعاء والمعهود في الشرع إنما هو استحباب ما هو ذكر فقيد مطلق الحديث بالمعنى وأخذ غير مالك بظاهر اللفظ وبالجملة فاستعمال الكل في جزئه والكلي في جزأيه والعام في بعض الأفراد لما كان مجازا لا حقيقة لم يجز الحمل عليه إلا إذا دلت القرينة عليه واستعمال المطلق أي الجزئي المبهم في جزئي معين لما كان حقيقة لا مجازا جاز الحمل عليه بلا توقف على قرينة تدل عليه نعم إذا اعتبر في الجزئي أو الفرد ماهيته الكلية لا الشخصية كان استعمال الكلي في الأول والعام في الثاني حقيقة على القول الحق ومن هنا يظهر عدم توجه ما أورده القرافي في تنقيحه على حصرهم الدلالة اللفظية الوضعية في المطابقة والتضمن والالتزام من أن دلالة العام كعبيدي على بعض أفراده لا يصدق عليها واحد من هذه الثلاثة فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r256\rالفرق الثاني والعشرين بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق الآدميين\r","part":1,"page":199},{"id":201,"text":"وذلك أن حق الله تعالى هو متعلق أمره ونهيه الذي هو عين عبادته لا نفس أمره ونهيه المتعلق بها الأمرين الأول قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا الثاني أن الحق معناه اللازم له على عباده واللازم على العباد لا بد أن يكون مكتسبا لهم وكيف يصح أن يتعلق الكسب بأمره ونهيه وهو كلامه وكلامه صفته القديمة كلام مبدل وحق العبد ثلاثة أقسام الأول حق على الله وهو ملزوم عبادته إياه وهو أن يدخله الجنة ويخلصه من\rالنار والثاني حقه في الجملة وهو الأمر الذي يستقيم به في أولاه وأخراه من مصالحه والثالث حقه على غيره من العباد وهو ماله عليهم من الذمم والمظالم وتنقسم التكاليف باعتبار حق الله والقسمين الأخيرين من أقسام حق العبد إلى أربعة أقسام القسم الأول تكليف بحق الله تعالى المحض فلا يتأتى إسقاطه أصلا كالإيمان وترك الكفر والقسم الثاني تكليف بحق العباد المحض بعضهم على بعض أي أمره تعالى بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه فالمراد بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط كالديون والأثمان وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى وهو أمره بالإيصال المذكور فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى\rوالقسم الثالث تكليف بالحقين المذكورين معا ففي التغليب فيه لحق الله تعالى على العبد فلا يسقط أو لحق العبد على العبد فيسقط خلاف كحد القذف شرعه الله صونا لعرض العبد وحد القتل والجرح شرعه الله تعالى صونا لمهجة العبد وأعضائه ومنافعها عليه\r","part":1,"page":200},{"id":202,"text":"والقسم الرابع تكليف بحق الله تعالى على العبد وحق العبد في الجملة مما يستقيم به في أولاه وأخراه من مصالحه فلا يتأتى فيه للعبد إسقاط ولو لحقه لأن الله تعالى قد حجر فيه على العبد حتى في حق نفسه لطفا به ورحمة له وأكثر الشريعة من هذا القسم فمن ذلك أنه تعالى حجر برحمته على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته فحرم عليه عقود الربا صونا لماله عليه وعقود الغرر والجهالات صونا لماله عن الضياع فلا يحصل المعقود عليه أو يحصل دنيا ونزرا حقيرا فيضيع المال وحرم عليه إلقاء ماله في البحر وتضييعه في غير مصلحة وحرم السرقة صونا لماله أيضا ومن ذلك أنه تعالى حجر على عبده في تضييع عقله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته فحرم عليه المسكرات صونا لمصلحة عقل العبد عليه ومن ذلك أنه تعالى حجر على عبده تضييع نسبه الذي به عونه على أمر دنياه وآخرته فحرم عليه الزنا صونا لنسبه فلا يؤثر رضا العبد بإسقاطه حقه في ذلك كله كما لا يؤثر رضاه بولاية الفسقة وشهادة الأراذل ونحوها فافهم\rالفرق الثالث والعشرون بين قاعدة الواجب للآدميين على الآدميين وبين قاعدة الواجب للوالدين على الأولاد خاصة وبين قاعدة الواجب لذوي الأرحام غير الأبوين على قريبهم خاصة\rوذلك أن ضابط ما يختص به الوالدين دون الأجانب أمور أحدها أن ندب طاعتهم وبرهم مطلقا أقوى من ندب بر الأجانب مطلقا الثاني وجوب اجتناب مطلق الأذى كيف كان إذا لم يكن فيه ضرر على الابن\r","part":1,"page":201},{"id":203,"text":"الثالث وجوب طاعتهما في ترك النوافل الرابع وجوب طاعتهما في ترك تعجيل الفروض الموسعة الخامس وجوب طاعتهما في ترك فروض الكفاية إذا كان ثم من يقوم بها وأما ضابط ما يختص به الأجانب دون الأبوين فهو أن ندب برهم مطلقا يضعف عن ندب بر الوالدين وأن طاعتهم في ترك النوافل مكروهة تنزيها قلت والظاهر أن طاعتهم في ترك تعجيل الفروض الموسعة وترك فروض الكفاية كذلك وأن اجتناب مطلق الأذى غير واجب في حقهم ولو لم يكن فيه ضرر على المكلف بل الواجب في حقهم اجتناب أذى مخصوص كالغيبة والنميمة والحسد وإفساد الحليلة والولد والخادم ونحو ذلك مما عده ابن حجر في زواجره من الكبائر فتأمل ذلك فكل واجب للأجانب واجب للأبوين ولا عكس لغويا قال الأصل وأما ما يجب لذوي الأرحام من غير الأبوين فلم أظفر فيه بتفصيل كما وجدت المسائل الآتي بيانها في الأبوين بل أصل الوجوب من حيث الجملة ا ه قلت لكن في الزواجر ما حاصله أن الذي يتجه في\rالفرق بين العقوق وقطع الرحم هو أن المراد بالعقوق الذي هو كبيرة أن يحصل من الولد\rلها أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين عرفا وإن لم يكن محرما لو فعل مع الغير كأن يلقاه فيقطب في وجهه أو يقدم عليه في ملأ فلا يقوم له ولا يعبأ به ونحو ذلك مما يقضي أهل العقل\rوالمروءة من أهل العرف بأنه مؤذ تأذيا عظيما ويحتمل أن العبرة بالمتأذي لكن لو كان في غاية الحمق أو سفاهة العقل فأمر أو نهى ولده بما لا يعد مخالفته فيه في العرف عقوقا لا يفسق ولده بمخالفته حينئذ لعذره وعليه فلو كان متزوجا بمن يحبها فأمره بطلاقها ولو لعدم عفتها فلم يمتثل أمره لا إثم عليه كما صرح به أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه فيما رواه الترمذي عنه وصححه أن رجلا أتاه فقال","part":1,"page":202},{"id":204,"text":"إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها فقال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه وقال الترمذي وربما قال سفيان إن أمي وربما قال إن أبي وفيما رواه ابن حبان في صحيحه عنه أن رجلا أتاه فقال إن أبي لم يزل بي حتى زوجني وإنه الآن يأمرني بطلاقها قال ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك ولا بالذي آمرك أن تطلق زوجتك غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سمعته يقول الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ على ذلك إن شئت أو دع قال وأحسب عطاء قال فطلقها نعم قد أشار أبو الدرداء إلى أن الأفضل طلاقها امتثالا لأمر والده وعليه يحمل ما رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه\r","part":1,"page":203},{"id":205,"text":"وقال الترمذي حديث حسن صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال كانت تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فذكر له ذلك فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طلقها وكذا سائر أوامره التي لا حامل عليها إلا ضعف عقله وسفاهة رأيه ولو عرضت على أرباب العقول لعدوها أمورا متساهلا فيها ولرأوا أنه لا إيذاء لمخالفتها هذا هو الذي يتجه في تقرير ذلك الحد وأن المراد بقطع الرحم الذي هو كبيرة أن يقطع المكلف ما ألف قريبه منه من سابق الوصلة والإحسان لغير عذر شرعي لأن قطع ذلك يؤدي إلى إيحاش القلوب ونفرتها وتأذيها يصدق عليه حينئذ أنه قطع وصلة رحمه وما ينبغي لها من عظيم الرعاية فلو فرض أن قريبه لم يصل إليه منه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التأذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب ولو فرض أن الإنسان لم يقطع عن قريبه ما ألفه من الإحسان لكنه فعل معه محرما صغيرة أو قطب في وجهه أو لم يقم إليه في ملأ ولا عبأ به لم يكن ذلك فسقا بخلافه مع أحد الوالدين لأن تأكد حقهما اقتضى أن يتميزا على\rبقية الأقارب بما لا يوجد نظيره فيهم وعلى هذا الضابط فلا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفه منه قريب مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيادة أو غير ذلك فقطع ذلك كله بعد فعله لغير عذر كبيرة والمراد بالعذر في المال فقد ما كان يصله به أو تجدد احتياجه إليه وأن يندبه الشارع إلى تقديم غير القريب عليه لكون الأجنبي أحوج وأصلح فعدم الإحسان إليه أو تقديم الأجنبي عليه لهذا القدر يرفع عنه الفسق\r","part":1,"page":204},{"id":206,"text":"وبه انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب لأنه إنما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبي على القريب وواضح أن القريب لو ألف منه قدرا معينا من المال يعطيه إياه كل سنة مثلا فنقصه لا يفسق بذلك بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر وبما أنه لا يلزمه أن يجري على تمام القدر الذي ألفه منه بل اللازم له أن لا يقطع ذلك من أصله وغالب الناس يحملهم شفقة القرابة ورعاية الرحم على وصلتها لم يكن في أمرهم بمداومتهم على أصل ما ألفوه منهم تنفير عن فعله بل حث على دوام أصله كما لا يخفى والمراد بعذر ترك المكاتبة والمراسلة أن لا يجد من يثق به في أداء ما يرسله معه وأما عذر الزيارة فينبغي ضبطه بعذر الجمعة بجامع أن كلا فرض عين وتركه كبيرة والظاهر أنه إذا ترك الزيارة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت فتأمل جميع ما قررته واستفده فإني لم أر من نبه على شيء منه مع عموم البلوى به وكثرة الاحتياج إلى ضبطه وظاهر أن الأولاد والأعمام من الأرحام وكذا الخالة فيأتي فيهم وفيها ما تقرر من الفرق بين قطعهم وعقوق الوالدين وإن صح في الحديث أن الخالة بمنزلة الأم وأن عم الرجل صنو أبيه إذ يكفي تشابههما في أمر ما كالحضانة تثبت للخالة كما ثبت للأم\rوكذا المحرمية وتأكد الرعاية وكالإكرام في العم والمحرمية وغيرهما مما ذكروا وأما إلحاقهما بهما فإن عقوقهما كعقوقهما فهو وإن قال به الزركشي إلا أنه مع كونه غير مصرح به في الحديث مناف لكلام أئمتنا فلا معول عليه بل الذي دلت عليه الآيات والأحاديث أن الوالدين اختصا من الرعاية\r","part":1,"page":205},{"id":207,"text":"والاحترام والطوعية والإحسان بأمر عظيم جدا وغاية رفيعة لم يصل إليها أحد من بقية الأقارب ويلزم من ذلك أنه يكتفى في عقوقهما وكونه فسقا بما لا يكتفى به في عقوق غيرهما انتهى ولا يخفى أن قطع المكلف ما ألفه الأجنبي منه مما ذكر بلا عذر لا يكون كبيرة فظهر الفرق وأن كل ما وجب للأجنبي وجب لذوي الرحم وكل ما وجب لذوي الرحم من غير الأبوين وجب للأبوين من غير عكس لغوي فيهما والحمد لله وكفى\rوصل في تحقيق فقه هذا الفرق بعشر مسائل المسألة الأولى في مختصر الجامع قيل لمالك يا أبا عبد الله لي والدة وأخت وزوجة فكلما رأت لي شيئا قالت أعط هذا لأختك فإن منعتها ذلك سبتني ودعت علي قال له مالك ما أرى أن تغايظها وتخلص منها أي من سخطها بما قدرت عليه\rالمسألة الثانية في مختصر الجامع أيضا قال رجل لمالك والدي في بلد السودان كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك فقال له مالك أطع أباك ولا تعص أمك يعني أنه يبالغ في رضا أمه بسفره لوالده ولو بأخذها معه ليتمكن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمه وروي أن الليث أمره بإطاعة الأم لأن لها ثلثي البر كما حكى الباجي أن امرأة كان لها حق على زوجها فأفتى بعض الفقهاء ابنها بأن يتوكل لها على أبيه فكان يحاكمه ويخاصمه في المجالس تغليبا لجانب الأم ومنعه بعضهم من ذلك قال لأنه عقوق للأب والحديث الصحيح إنما دل على أن بره أقل من بر الأم لا أن الأب يعق وذلك الحديث هو أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك ثم الأقرب فالأقرب وسيأتي الكلام في هذا الحديث بعد المسائل فترقب\rالمسألة الثالثة\r","part":1,"page":206},{"id":208,"text":"قال في الموازية إذا منعه أبواه من الحج لا يحج إلا بإذنهما إلا الفريضة فنص على وجوب طاعتهما في النافلة وقال في المجموعة يوافقهما في حجة الفريضة العام والعامين أي بناء على القول بالتراخي وقال الأصحاب لا يعصيهما في الخروج للغزو وإلا أن يتعين بمفاجأة العدو أو ينذره فيؤخر السنة والسنتين فإن أذنا له وإلا خرج\rالمسألة الرابعة قال الغزالي في الإحياء أكثر العلماء على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبهات دون الحرام لأن ترك الشبهة مندوب وترك طاعتهما حرام والحرام أي تركه مقدم على المندوب أي فعله فيجب عليه أن يأكل معهما إن كرها انفراده عنهما أي وإن كان أكله معهما شبهة لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعد قوله تعالى وبالوالدين إحسانا يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب فلا يغلظ لهما في الجواب ولا يحد النظر إليهما ولا يرفع صوته عليهما بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللا لهما ا ه ولا يسافر في مباح ولا نافلة إلا بإذنهما ولا يبادر لحج الإسلام ولا يخرج لطلب العلم إلا بإذنهما إلا علما هو فرض عليه متعين ولم يكن في بلده من يعلمه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وروي في البخاري قال الحسن إذا منعته أمه عن صلاة العشاء في الجماعة شفقة عليه فليعصها قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي في كتاب بر الوالدين لا طاعة لهما في ترك سنة راتبة كحضور الجماعات وترك ركعتي الفجر والوتر ونحو ذلك إذا سألاه ترك ذلك على الدوام بخلاف ما لو دعياه لأول وقت الصلاة وجبت طاعتهما وإن فاتته فضيلة أول الوقت\r","part":1,"page":207},{"id":209,"text":"المسألة الخامسة أعظم دليل وأبلغه في أمر الوالدين ما في مسلم أن رجلا قال يا رسول الله أبايعك على الهجرة والجهاد قال هل من والديك أحد حي قال نعم كلاهما قال فتبتغي الأجر من الله تعالى قال نعم قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما فإنه عليه الصلاة والسلام أمره بالأفضل في حقه وهو الكون معهما رتبه على مجرد وصف الأبوة مع قطع النظر عن أمرهما وعصيانهما وحاجتهما للولد وغير ذلك من الأمور الموجبة لبرهما بل قدم صلى الله تعالى عليه وسلم صحبتهما مع مجرد وصف الأبوة على صحبته عليه\rالصلاة والسلام وخدمتهما مع ذلك على الجهاد معه صلى الله تعالى عليه وسلم لا سيما في أول الإسلام نظرا لكون الجهاد فرض كفاية يحمله الحاضرون عنده صلى الله تعالى عليه وسلم عنه فيندرج في هذا المسلك غسل الموتى ومواراتهم وجميع فروض الكفاية إذا وجد من يقوم بها ويكون تقديم خدمتهما على النفل بطريق الأولى وإن لم تفت بتركه فرض الكفاية مع قيام غيره به مصلحة ومصلحة ذلك النفل تفوت بتركه نظرا لكون مصلحة النفل وإن لم تكن إلا مجرد الثواب وكذا مصلحة فرض الكفاية في حق من هو زائد في العدد على من يحصل به المقصود من ذلك إلا أن ثواب فرض الكفاية أعظم فتتحقق الأولوية بل على المندوبات المتأكدة نعم هذا حيث لم يشرع في النافلة والمندوبات المتأكدة وفرض الكفاية أما بعد الشروع فلا تجب طاعة الوالدين في قطع ذلك\r","part":1,"page":208},{"id":210,"text":"إذ النافلة والمندوبات المتأكدة مما يجب بالشروع عندنا وعند السادة الأحناف خلافا للشافعية وكذا فرض الكفاية يصير فرض عين بالشروع فيه على الأصح حتى طلب العلم لمن ظهرت فيه قابلية من نجابة قاله سحنون خلاف ما عند المحلي كما في حاشية ابن حمدون على شرح ميارة الصغير على ابن عاشر وما في صحيح مسلم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نادت امرأة ابنها وهو في صومعته يصلي قالت يا جريج فقال اللهم أمي وصلاتي قال فقالت يا جريج قال اللهم أمي وصلاتي فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر في وجه\rالمياميس وكانت تأتي إلى صومعته راعية ترعى الغنم فولدت فقيل لها ممن هذا الولد فقالت من جريج نزل من صومعته فواقعني وساق الحديث لا يدل على وجوب طاعة الأم في قطع النافلة حتى يلزم من ذلك أن لا تكون واجبة بالشروع أو يقال ما وجب بالشروع يقطع للأبوين بخلاف الواجب بالأصالة لأن الكلام الذي يحتاج إليه في الصلاة كان مباحا في ذلك الوقت كما كان في أول شرعنا وعليه فيكون جريج قد عصى بترك طاعتها في أمر مباح أو مندوب إليه وهو الصمت حينئذ فلذا روي في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته على أن في الاستدلال به نظرا إذ ليس فيه إلا أن الله استجاب دعاءها فيه واستجابة الدعاء لا يتعين أنه لوجوب حق الداعي وأنه مظلوم وقد ثبت في كتاب المنجيات والموبقات في فقه الأدعية أن دعاء الظالم قد يستجاب في المظلوم ويجعل الله تعالى دعاءه سببا لضرر يحصل للمظلوم لأجل ذنب تقدم من المظلوم وعصيانه لله تعالى بغير طريق هذا الداعي كما أن ظلم هذا الظالم ابتداء يكون بسبب ذنوب تقدمت للمظلوم ويكون الظالم سبب وصول العقوبة إليه فكذلك يجعل الله دعاءه سبب نقمته وجعل يده ولسانه سببي نقمته والكل بذنوب سالفة للمظلوم فلا يستبعد إجابة دعاء الظالم في المظلوم\r","part":1,"page":209},{"id":211,"text":"وإنما كان يمتنع ذلك أن لو كان دعاؤه إنما يستجاب بسبب حق الظالم والظالم ليس له حق فلا يستجاب وليس كذلك بل يستجاب بسبب حقوق لغيره لقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير نعم يدل\rهذا الحديث على أمور الأول منع السفر المباح إلا بإذنهما وذلك أن المياميس الزواني جمع زانية فلما منع أمه من النظر إلى وجهه محتجا بالصلاة دعت عليه بأن ينظر إلى وجوه الزواني عقوبة على الامتناع من النظر إلى وجهها ولا شك أن غيبة الوجه في السفر أعظم\rالثاني وجوب طاعتهما في النوافل\rالثالث أن العقوق يؤاخذ به الإنسان وإن عظم قدره في الزهد والعبادة لأن جريجا كان من أعبد بني إسرائيل وخرقت له العادات وظهرت له الكرامات فما ظنك بغيره إذا عق والديه\rالمسألة السادسة\rقوله تعالى فلا تقل لهما أف يدل على تحريم أصل العقوق فإنه إذا حرم هذا القول حرم ما فوقه بطريق الأولى وقوله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما يدل على أمور أحدها مخالفتهما في الواجبات والثاني وجوب برهما وحرمة عقوقهما وإن كانا كافرين فإنه لا يأمر بالشرك إلا كافر ومع ذلك فقد صرحت الآية بوجوب برهما والثالث أن مخالفة أمرهما بالمعاصي واجبة ويؤكد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\rالمسألة السابعة قول الإمام أبي بكر الطرطوشي أما مخالفتهما في طلب العلم فإن كان في بلده يجد\r","part":1,"page":210},{"id":212,"text":"مدارسة المسائل والتفقه على طريق التقليد وحفظ نصوص العلماء فأراد أن يظعن إلى بلد آخر فيتفقه فيه على مثل طريقته لم يجز إلا بإذنهما لأن خروجه إذاية لهما بغير فائدة وإن أراد الخروج للتفقه في الكتاب والسنة ومعرفة الإجماع ومواضع الخلاف ومراتب القياس فإن وجد في بلده ذلك لم يخرج إلا بإذنهما وإلا خرج ولا طاعة لهما في منعه لأن تحصيل درجة المجتهدين فرض على الكفاية قال سحنون من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلبهما لقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ومن لا يعرف المعروف كيف يأمر به أو لا يعرف المنكر كيف ينهى عنه\rا ه\rلا يخالف ما تقدم من عدم جواز مخالفتهما في الجهاد الذي هو فرض كفاية ضرورة أن العلم وضبط الشريعة وإن كان فرض كفاية أيضا إلا أنه يتعين له طائفة من الناس وهم من جاد حفظهم ورق فهمهم وحسنت سيرتهم وطابت سريرتهم فهؤلاء هم الذين يتعين عليهم الاشتغال بالعلم فإن عديم الحفظ أو قليله وسيئ الفهم لا يصلح لضبط الشريعة المحمدية وكذلك من ساءت سريرته لا يحصل به الوثوق للعامة فلا تحصل به مصلحة التقليد فتضيع أحوال الناس وإذا كانت هذه الطائفة متعينة بهذه الصفات صار طلب العلم عليها فرض عين لا فرض كفاية إذ لا يصلح له غيرها بخلاف الجهاد الذي هو عبارة عن الرمي بالحجر والضرب بالسيف فإن كل بليد أو زكي يصلح له لسهولة أمره وصعوبة ضبط العلوم فلعل هذا هو معنى كلام سحنون وأبي بكر\rقال\rالمسألة السابعة قال أبو الوليد إلى آخرها\rقلت ما قاله في ذلك صحيح غير قوله قال أبو الوليد فإنه أبو بكر\rالمسألة الثامنة\r","part":1,"page":211},{"id":213,"text":"قول مالك إذا احتلم الغلام ذهب حيث شاء وليس لأبويه منعه ا ه خاص بمجرد الحضانة فلا ينافي تجدد حجر البر الذي في قول الإمام أبي بكر الطرطوشي إن أراد سفرا للتجارة يرجو به ما يحصل له في الإقامة فلا يخرج إلا بإذنهما وإن رجا أكثر من ذلك وهو في كفاف وإنما يطلب ذلك تكاثرا فهذا لو أذنا له لنهيناه لأنه غرض فاسد وإن كان المقصود منه دفع حاجات نفسه وأهله بحيث لو تركه تأذى بتركه كان له مخالفتهما لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار وكما نمنعه من إذايتهما نمنعهما من إذايته فإنه لو كان معه طعام إن لم يأكله هلك وإن لم يأكلاه هلكا قدمت ضرورته عليهما ا ه فالغلام بعد البلوغ يمشي في البلد حيث شاء دون السفر إلا أن يكون في موضع ريبة وهما يتأذيان به فيمنعانه مطلقا كما يؤكد ذلك ما مر من قول مالك لمن دعاه أبوه من السودان ومنعته أمه أطع أباك ولا تعص أمك\rالمسألة التاسعة قوله تعالى فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن لا يدل إلا على وجوب أداء حق البنت في الإعفاف والتصون ودفع ضرر مواقعة الشهوة وسد ذرائع الشيطان عنها بالتزويج على الآباء لا\rعلى إباحة إذاية الآباء بالمخالفة إذ لا يلزم من وجوب الحق عليهم للأبناء جواز إذاية الآباء باستيفاء ذلك الحق ألا ترى أن مالكا في المدونة منع من تحليف الأب في حق له وقال إن حلفه كان جرحه في حق الولد\rالمسألة العاشرة\r","part":1,"page":212},{"id":214,"text":"في بيان الواجب من صلة الرحم قال الشيخ الطرطوشي قال بعض العلماء إنما تجب صلة الرحم إذا كان هناك محرمية وهما كل شخص لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يتناكحا كالآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأجداد والجدات وإن علوا والأولاد وأولادهم وإن سفلوا والأعمام والعمات والأخوال والخالات فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهما واجبة كجواز المناكحة بينهم ويدل على صحة هذا القول تحريم الجمع بين الأختين والمرأة وعمتها وخالتها لما فيه من قطيعة الرحم وترك الحرام واجب وبرهما وترك إذايتهما واجبة ويجوز الجمع بين بنتي العم وبنتي الخال وإن كن يتغايرن ويتقاطعن وما ذاك إلا أن صلة الرحم بينهما ليست بواجبة وقد لاحظ أبو حنيفة هذا المعنى في التراجع في الهبة فقال بتحريمه بين كل ذي رحم محرم\rفائدتان الأولى معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم صلة الرحم تزيد في العمر وقوله عليه الصلاة والسلام من سره\r","part":1,"page":213},{"id":215,"text":"السعة في الرزق والنسأ في الأجل فليصل رحمه هو أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا بالوضع الشرعي لا بالقضاء العقلي لزيادة النسإ في العمر ولسعة الرزق كما نصب بهذا الوضع الشرعي الإيمان سببا في دخول الجنة والكفر سببا في دخول النار ونصب بالوضع العادي لا بالاقتضاء العقلي الأسباب العادية من الغذاء والتنفس في الهواء والأدوية وجعلها أسبابا في الحياة وإذا جعل الله صلة الرحم سببا لذلك أمكن أن يقال إنها تزيد في العمر وتوسع في الرزق حقيقة كما نقول الإيمان يدخل الجنة والكفر يدخل النار ومتى علم المكلف أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا لذلك بادر إليها رغبة في زيادة العمر وسعة الرزق كما يبادر لاستعمال الغذاء وتناول الدواء رغبة في الحياة وللإيمان رغبة في الجنان ويفر من الكفر رهبة من النيران ومن هذا القبيل قولنا الدعاء يزيد في العمر والرزق ويدفع الأمراض ويؤخر الآجال وغير ذلك مما شرع فيه الدعاء فهو من القدر ولا يخل بشيء من القدر بل ما رتب الله سبحانه مقدورا إلا على سبب عادي ولو شاء لما ربطه به فاندفع ما\rقيل إن المقدرات لا تزيد ولا تنقص وقد قدر الله تعالى جميع الممكنات ما وجد منها وما لم يوجد في الأزل فتعلقت إرادته القديمة الأزلية بوجود كل ممكن أراد وجوده وبعدم كل ممكن أراد بقاءه على العدم الأصلي أو أراد عدمه بعد وجوده فجميع الجائزات وجودا أو عدما قد نفذت فيها مشيئته سبحانه وتعالى فكيف بقيت الزيادة بعد ذلك بتيسر سبب من الأسباب ولم يحتج إلى الجواب بأن ذلك إنما هو بزيادة البركة فيما قدر في الأزل من الرزق\r","part":1,"page":214},{"id":216,"text":"والأجل وأما نفس الأجل والرزق المقدرين فلا يقبلان الزيادة على أن هذا الجواب أولا ضعيف بسبب أن البركة أيضا من جملة المقدرات فإن كان القدر مانعا من الزيادة فليمنع من البركة في العمر والرزق كما منع من الزيادة فيهما وثانيا يلزم منه مفسدتان إحداهما إيهام أن البركة خرجت عن القدر لتصريح المجيب بأن تعلق القدر مانع فحيث لا مانع لا قدر وهذا رديء جدا وثانيتهما اختلال المعنى الذي قصده رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من المبالغة في الحث على صلة الرحم والترغيب فيها إذ عليه تكون الرغبة في صلة الرحم بالنسبة لظاهر اللفظ فإنا إذا قلنا لزيد إن وصلت رحمك زادك الله تعالى في عمرك عشرين سنة فإنه يجد من الوقوع لذلك ما لا يجده من قولنا إنه لا يزيدك الله تعالى بذلك يوما واحدا بل يبارك لك في عمرك فقط وبالجملة فالقاعدة أن الله تعالى قدر الخير والشر في الدنيا والآخرة وجعل لكل مقدر سببا يترتب عليه ويرتبط به ومن جملة الأسباب التي جرت عادة الله تعالى بها من العلوم والجهالات\rفالجهل سبب عظيم في العالم لمفاسد من أمور الدنيا والآخرة وفوات المصالح والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالح ودرء مفاسد في الدنيا والآخرة مثلا الملك الذي دفع له أعداؤه السم فأكله فمات منه كيدا منهم لما قدر الله تعالى أن يموت به ربطه بسبب جهله بتناوله وقدر ذلك السبب فلو قدر نجاته منه لقدر اطلاعه عليه فيسلم فيكون سبب سلامته علمه به فليس المقدر على تقدير العلم هو عين المقدر على تقدير الجهل بل ضده ألا\rترى أن الرزق الحقير إنما قدره الله تعالى لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمل الكيمياء وغير ذلك من أسباب الرزق\r","part":1,"page":215},{"id":217,"text":"أما مع العلم بهذه الأسباب العظيمة الموجبة في مجرى العادة سعة الرزق فلا نسلم أن الله تعالى قدر ضيق الرزق على هذا التقدير أعني تقدير العلم بنحو الكنوز وعمل الكيمياء أيضا كما نقول ما قدر الله دخول المؤمنين الجنة إلا على تقدير الإيمان ولا نسلم أن الله تعالى قدر لهم مع عدمه الجنة كيف وقد قال الله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وما قدر للكفار النار إلا على تقدير جهلهم بالله تعالى ولا نسلم أنه تعالى قدرها لهم على تقدير علمهم به فظهر أن معنى قوله تعالى حكاية عن نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لو قدر حصول العلم له بعواقب يوم أحد مثلا لكثر عنده من الخير ما لم يكن عنده الآن وما مسه السوء أي المحنة فيه وقتل حمزة واندفع قول بعض الفقهاء إنه عليه الصلاة والسلام إذا علم الغيب والذي في الغيب هو الذي قدره الله تعالى له من الخير فكيف يستكثر من الخير على تقدير الاطلاع على الغيب بل لو قدر الاطلاع على الغيب لبقي على ما هو فيه من الخير قلت والظاهر أن المراد بعلم عواقب يوم أحد الذي لم يحصل له صلى الله تعالى عليه وسلم العلم التفصيلي لا الإجمالي لحصوله له صلى الله تعالى عليه وسلم كما يشهد ما في حياة الحيوان للدميري أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال قبل خروجه لقتال المشركين بأحد إني رأيت\rفي منامي بقرا فأولتها خيرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة فافعلوا\rا ه\r","part":1,"page":216},{"id":218,"text":"المراد فتأمل ويوضح ذلك ما قاله الشيخ أحمد رضاخان البر يلوي في كتابه الدولة المكية بالمادة الغيبية مما حاصله أن العلم بالغيب على أربعة أقسام الأول العلم المطلق التفصيلي المشار إليه بقوله تعالى وكان الله بكل شيء عليما وهذا مختص بالله تعالى والثلاثة الباقية أعني العلم المطلق الإجمالي ومطلق العلم الإجمالي والتفصيلي فغير مختصات به تعالى أما المطلق الإجمالي فحصوله للعباد بديهي عقلا وضروري دينا فإنا آمنا أنه تعالى بكل شيء عليم ولاحظنا بقولنا كل شيء جميع معلومات الله سبحانه وتعالى فعلمناها جميعا علما إجماليا ومعلوم أن بثبوت العلم المطلق الإجمالي ثبوت مطلق العلم الإجمالي بل وكذلك التفصيلي منه فإنا آمنا بالقيامة وبالجنة وبالنار وبالله تعالى وبالأمهات السبع من صفاته عز وجل وكل ذلك غيب وقد علمنا كلا بحياله ممتازا عن غيره فوجب حصول مطلق العلم التفصيلي بالغيوب لكل مؤمن فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالعلم الذي يختص به تعالى ليس إلا العلم الذاتي والعلم المطلق التفصيلي المحيط\rبجميع المعلومات الإلهية بالاستغراق الحقيقي فهما المراد أن في آيات النفي والعلم الذي يصح إثباته للعباد هو العلم العطائي سواء كان العلم المطلق الإجمالي أو مطلق العلم التفصيلي والتمدح إنما يقع بهذا فهو المراد في آيات الإثبات قال تعالى وعلمناه من لدنا علما وقال تعالى وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما إلى غير ذلك من آيات كثيرة ا ه المراد فانظره إن شئت\r","part":1,"page":217},{"id":219,"text":"الفائدة الثانية قال بعضهم حديث أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك روي ثلاثا وروي مرتين فعلى رواية مرتين يكون لها ثلثا البر وعلى رواية ثلاثة يكون لها ثلاثة أرباعه ا ه وهو باطل إذ الواجب بناء على اختلاف مقادير الأنصباء المضمومة إليها كما هو مقتضى العطف بثم أن يكون للأم على رواية مرتين أقل من ثلثي البر بكثير كما يجب نقصان الأب عن الثلث وأن يكون لها على رواية ثلاثة أقل من ثلاثة أرباعه بكثير كما يجب نقصان الأب عن الربع وذلك أن قول السائل في المرة الأولى من أحق الناس سؤال عن أعلى الرتب فلما\rأجيب عنها عرف أنها الرتبة العالية وقوله في المرة الثانية من بصيغة ثم الدالة على تراخي رتبة الفريق الثاني عن الفريق الأول في البر فقال له صاحب الشرع أمك فلا يكون هذا الجواب مطابقا حتى تكون هذه المرتبة الثانية أخفض رتبة من الأولى وكذلك الأجوبة التي بعدها بتلك الرتب المجاب بها فكما وجب نقصان الرتبة الثانية عن الأولى كذلك يجب نقصان الرتبة الثالثة عن الثانية والرابعة عن الثالثة عملا بثم الدالة على التراخي والنقصان فيكون نصيب الأب أقل من الثلث بمقدارين على رواية الأم مرتين وبثلاث مقادير على رواية الثلاث فتفاوت الرتب متحقق جزما إلا أن ضبط مقداره لم يتيسر حتى الآن فإن تيسر لك ضبطه فاضبطه وعطف الأم بثم في المرتبة الثالثة والثانية على الأم نفسها في المرتبة التي قبل وإن خالف في الظاهر القاعدة العربية أن الشيء لا يعطف على نفسه إلا أن الأم بقيد الرتبة الدنيا معطوفة على نفسها بقيد الرتبة العليا والشيء الواحد مع غيره غيره في نفسه فالعطف هنا على حد العطف في قولك زيد ابن وأخ وفقيه وتاجر وغير ذلك\r276\rالفرق الرابع والعشرون بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر وقاعدة ما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات\r","part":1,"page":218},{"id":220,"text":"قسم مالك رحمه الله تعالى التصرفات ثلاثة أقسام أحدها معاوضة صرفة يقصد بها تنمية المال فاقتضت حكمة الشرع أن يجتنب فيها من الغرر والجهالة ما إذا فات المبيع به ضاع المال المبذول في مقابلته إلا ما دعت الضرورة إليه عادة وذلك أن الغرر والجهالة كما يؤخذ مما مر ثلاثة أقسام أحدها ما لا يحصل معه المعقود عليه أصلا والثاني ما يحصل معه ذلك دنيا ونزرا والثالث ما يحصل معه غالب المعقود عليه فيجتنب الأولان ويغتفر الثالث\rوقسم أبو الوليد الغرر إلى\r","part":1,"page":219},{"id":221,"text":"ثلاثة أقسام كثير وقليل ووسط وجعل الكثير عبارة عن القسمين الأولين في هذا التقسيم فقال في بداية المجتهد الفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز وأن القليل يجوز ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر مثل ما إذا قال له أبيعك أحد هذين الثوبين أو العبدين من صنف واحد وقد لزمه أحدهما أيهما اختار وافترقا قبل الخيار فلترددها بين الغرر القليل والكثير بعضهم كأبي حنيفة والشافعي في خصوص المسألة المذكورة يلحقها بالغرر الكثير فيمنع صحة البيع المذكور لأنهما افترقا على بيع غير معلوم وبعضهم كمالك في خصوص المسألة المذكورة أيضا يلحقها بالغرر القليل فيجيز البيع المذكور لأنه يجيز الخيار بعد عقد البيع في الأصناف المستوية لقلة الغرر عنده في ذلك فإذا قلنا بالجواز على مذهب مالك فقبض الثوبين المشتري على أن يختار فهلك أحدهما أو أصابه عيب مما يصيبه فقيل تكون المصيبة بينهما وقيل بل يضمنه كله للمشتري إلا أن تقوم البينة على هلاكه وقيل يضمن فيما يغلب عليه كالثياب ولا يضمن فيما لا يغلب عليه كالعبد وأما أخذ الباقي فقيل يلزم وقيل لا يلزم ا ه وقال قبل والغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل والجهل على أوجه الوجه الأول الجهل بتعيين المعقود عليه أو العقد والوجه الثاني الجهل بوصف الثمن والمثمون المبيع أو بقدره أو بأجله إن كان هنالك أجل والوجه الثالث الجهل بوجوده أو تعذر القدرة عليه وهذا راجع إلى تعذر التسليم والوجه الرابع الجهل بسلامته أعني بقاءه\rا ه\r","part":1,"page":220},{"id":222,"text":"المراد بتغيير قلت ولا شك أن الجهل من حيث هو إما كثير لا يغتفر وإما قليل يغتفر وإما متردد بينهما فيجري الخلاف في اغتفاره وعدمه القسم الثاني ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة والإبراء فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعا وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله مع أنه إذا وهب له عبده الآبق ولم يجده لا ضرر عليه لأنه لم يبذل شيئا وألحق مالك بهذا القسم الخلع نظرا لكون العصمة وإطلاقها ليس من باب ما يقصد بالمعاوضة بل شأن الطلاق أن يكون بغير شيء كالهبة القسم الثالث ما لم يكن معاوضة صرفة ولا إحسانا صرفا كالنكاح فهو من جهة أن المال فيه ليس مقصودا وإنما المقصود منه المودة والألفة والسكون يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر مطلقا ومن جهة أن صاحب الشرع اشترط فيه المال بقوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه فلوجود الشبهين فيه توسط مالك فجوز فيه الغرر القليل نحو عبد من غير تعيين وشورة بيت لأنه يرجع فيه للوسط المتعارف ولم يجز فيه الغرر الكثير نحو العبد الآبق والبعير الشارد لأنه لا ضابط له وعمم الشافعي المنع من الجهالة في جميع التصرفات\rولو كانت إحسانا صرفا كالهبة والصدقة والإبراء والخلع والصلح إلا أن الأحاديث الصحيحة في نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر وعن بيع المجهول لما لم يرد فيها ما يعم هذه الأقسام حتى نقول يلزم من مذهب مالك مخالفة نصوص صاحب الشرع بخلاف مذهب الشافعي بل إنما وردت في البيع ونحوه كان ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى فقها جميلا بخلاف ما ذهب إليه الشافعي قلت والظاهر أن المراد بالغرر القليل المغتفر في النكاح هو ما لا يغتفر في نحو البيع وهو ما يحصل معه المعقود عليه دينا نذر إلا ما يغتفر فيه أيضا وهو ما يحصل معه غالب المعقود عليه فافهم والله أعلم\r","part":1,"page":221},{"id":223,"text":"الفرق الخامس والعشرون بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة النهي عن المشترك\rاعلم أن المشترك في النهي نظير المشترك في النفي فكما يلزم من نفي المشترك نفي جميع أفراده لقول أرباب المعقول يلزم من نفي الأعم نفي الأخص كذلك يلزم من النهي عن المشترك أن لا يدخل فرد من أفراده الوجود ألبتة لأنه لو دخل فرد لدخل هو في ضمنه فإن معنى النهي الأمر بإعدام هذه الحقيقة وأن\rلا تدخل في الوجود ألبتة وأن الأمر بإجراء حكم في المشترك نظير ثبوت الحكم فيه فكما أن الآمر أمر بعتق رقبة أو إخراج شاة من أربعين يقتضي عتق شخص مبهم وإخراج شاة مبهمة من الأربعين وإن كانت ضرورة فعل المكلف لما أمر به تعينه إذ لا يمكن الأمر بنفس الحقيقة الكلية إلا على سبيل تكليف ما لا يطاق وكيف يسوغ ذلك\rومن ضرورة الحقيقة الكلية أن لا وجود لها في غير الأذهان عند محققي المثبتين لها كذلك قولك إنسان في الدار يكفي في صدقه فرد واحد مبهم فيه لأنه متى كان ذلك الفرد فيه كان مطلق الإنسان فيه ومطلق الحيوان وجميع أجناسه وفصوله تحصل مطلقا فيه فالمشترك في النهي عبارة\rعن الماهية المطلقة والماهية بشرط لا شيء والعام المعرف عند الأصوليين باللفظ الدال على الماهية المتحققة في جميع الأفراد من حيث تحققها في جميعها والكلي المعرف عند أرباب المعقول بما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه كالرقبة بالنسبة إلى أفراد الرقاب والحيوان بالنسبة إلى جميع الحيوانات والإنسان بالنسبة إلى أشخاصه وكذلك النكرة في نحو قولهم تمرة خير من جرادة وهو القليل في استعمال النكرة والمشترك في ثبوت الحكم عبارة عن مطلق الماهية والماهية لا بشرط شيء والمطلق المعرف عند الأصوليين بالواحد المبهم كالنكرة في نحو قول القائل اشتر ثوبا يريد فردا مبهما من الأشخاص التي فيها حقيقة\rالثوب وهو الاستعمال الكثير في النكرة فالفرق بينهما هو عين الفرق المار بين الماهية المطلقة ومطلق الماهية\r","part":1,"page":222},{"id":224,"text":"وعين ما فرق به الأصوليون بين العام والمطلق قال العلامة الأنبابي على بيانية الصبان فعموم العام شمول بخلاف عموم المطلق نحو رجل وأسد وإنسان فإنه بدلي حتى إذا دخلت عليه أداة النفي أو أل الاستغراقية صار عاما فليس ماصدق المطلق والعام واحدا كما توهم بل ماصدق الأول ألفاظ عمومها بدلي وماصدق الثاني ألفاظ عمومها شمولي قال الزركشي في البحر المحيط في مبحث العام العموم يقع على مسمى عموم الشمول وهو المقصود هنا وعلى عموم الصلاحية\rويقال له عموم البدل وهو في المطلق وتسميته عاما باعتبار أن موارده غير منحصرة لا أنه في نفسه عام ا ه يعني أن تسميته عاما باعتبار أن أفراده التي يستعمل في كل فرد منها على البدل غير منحصرة وإلا فهو ليس من العام إذ المعتبر في العام كما يعلم من تعريفه العموم الشمولي بحيث يتناول اللفظ جميع الأفراد دفعة وهذا غير متحقق في المطلق وقد صرح غيره بأن الشمولي هو معنى العموم فتنبه ا ه بلفظه فمن هنا قال قبل هذا مسايرة لغيره والتحقيق أن دلالة العام كعبيدي على كل فرد من أفراده من حيث كونه فردا أي كدلالة نحو عبيدي على ثلاثة غير معينين تضمنية إذ المقصود بالأفراد\rالأبعاض فكل فرد منها جزء يدل عليه اللفظ في حال الحكم عليه من حيث إنه جزء ا ه لكنه تعقبه بقوله مع كون المقصود الحكم على كل فرد لا على المجموع كما حققناه فيما علقناه على شرح جمع الجوامع\rا ه\rيعني ومقتضى كون المقصود الحكم على كل فرد أن تكون دلالة لفظ العام كعبيدي على الفرد كثلاثة غير معينين في حال الحكم عليه من حيث تحقق الحقيقة فيه مطابقية وعلى واحد غير معين تضمنية وأما على ثلاثة معينين أو واحد معين فخارجة عن أنواع الدلالة اللفظية الوضعية ما لم تلاحظ علاقة وقرينة وإلا كان مجازا لا حقيقة اتفاقا ولا تكون دلالة لفظ العام على فرده المذكور في حال الحكم\r","part":1,"page":223},{"id":225,"text":"عليه من حيث إنه جزء تضمنية كما قيل إلا إذا كان المقصود الحكم على المجموع وليس كذلك قلت وعليه فالفرق بين العام يدل على فرده غير المعين مطابقة والمطلق يدل على الفرد المبهم مطابقة أيضا هو أن العام يدل على فرده المذكور مطابقة من حيث تحقق الموضوع له الذي هو الحقيقة الكلية فيه لا من حيث إنه نفس الموضوع له والمطلق يدل على الفرد المبهم مطابقة من حيث إنه نفس الموضوع له لا من حيث تحقق الموضوع له فيه فافهم ثم اعلم أن القائل لغلامه إذا قال ألزمتك النهي أو النفي واقع في الدار إن أراد بالألف واللام في النهي والنفي العهد في الشخص أي في نهي معين ونفي معين لزم أن يكون المشترك\rالمنهي عنه أو المنفي عنه وهو المدلول التزاما معينا وإن أراد بها فيهما العهد في الجنس أي في نهي غير معين وفي نفي غير معين فلا بد أن يكون المدلول الالتزامي وهو المشترك المنهي عنه أو المنفي عنه كذلك أي غير معين لأنه إن لم يكن كذلك كان معينا\rوإذا كان معينا لزم مثل ذلك في المتعلق به وهو النهي أو النفي وقد فرض غير معين وإن أراد بها فيها العموم فلا بد من العموم في المتعلق ولا فرق بين مدلول المشترك مطابقة في النهي والنفي ومدلوله التزاما فيهما وكذلك إذا حلف بالطلاق وحنث بأن قال علي الطلاق أو الطلاق يلزمني أو ما أشبه ذلك وله أربع زوجات فإذا جعلت الألف واللام في الطلاق بحسب اللغة\r","part":1,"page":224},{"id":226,"text":"للعهد في الجنس كان الطلاق مطلقا في أفراده مطابقة فيلزم أن يكون مطلقا في الزوجات التزاما أو للعموم كان الطلاق عاما في أفراده مطابقة فيلزم أن يكون عاما في الزوجات وفي أنواع الطلاق من الثلاث وغيرها التزاما إلا أنه لا عموم في إفراد الطلاق بحسب عرف الفقهاء والناس ولم أعلم أحدا ألزم به غير طلقة إذا لم تكن له نية ولا شك هل طلق واحدة أو ثلاثا فكان ينبغي أن لا يعمهن الطلاق إذا لم يكن له نية بل يخير في التعيين أو يقرع بينهن لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح لأن بعضهن ليس أولى من البعض الآخر إلا أن مالكا والشافعي وجماعة من العلماء قالوا بعموم الطلاق فيهن احتياطا للزوج وصونا\rلها عن مواقعة الزنا فإن الطلاق قد ثبت بقوله علي الطلاق أو ما أشبه ذلك ووقع الشك والاحتمال في عمومه لمحاله أو خصوصه فحمل على العموم فيها احتياطا كما فيما إذا طلق وشك هل واحدة أو ثلاثا يحمل على الثلاث بخلاف ما إذا شك في أصل الطلاق فإنه لا يلزمه شيء استصحابا بالأصل العصمة كما\rمر ولا يلزم الشافعية أن يخيروه إذا قال يلزمني الطلاق وإن خيروه في إحداكن طالق لأن التخيير في قوله إحداكن طالق بين لتعليقه الطلاق بواحدة أما حيث لم يعلق الطلاق بواحدة فليس التخيير بالبين فإن نوى بالطلاق بعضهن ذاهلا عن البعض الآخر لم يلزمه الطلاق إلا في البعض الذي نواه وحده كما أنه لا يلزمه الحنث فيما عدا ما نواه إذا أتى بصيغة عموم نحو لا ألبس ثوبا لأن النية أول معتبر في الحالف كما سيأتي بيانه هذا هو التحقيق فاحفظه\rوصل في تحقيق فقه هذا الفرق بأربع مسائل المسألة الأولى قوله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا أثبت الوجوب في رقبة واحدة غير معينة فلا يعم بل تكفي رقبة واحدة بالنص وبذلك وقع الإجماع تبعا للنص\rالمسألة الثانية لو قال صاحب الشرع حرمت عليكم القدر المشترك بين جميع الخنازير حرم كل خنزير لأن تعليق الحكم بالأعم يلزم منه تعليقه بالأخص من غير عكس\r","part":1,"page":225},{"id":227,"text":"المسألة الثالثة إذا قال لنسائه إحداكن طالق حرمت عليه كلهن بالطلاق عند مالك رحمه الله تعالى وإن كان أحد الأمور عبارة عن واحد غير معين منها فلا يقتضي العموم والكلام عند عدم النية فيلزم عليه ثبوت الحكم بغير مقتض وهو خلاف الإجماع نظرا للاحتياط للفروج كما أجاب به الأكابر ودليل مشروعية هذا الاحتياط كل دليل دل على وجوب توقي الشبهات ولا يتم جواب الأصل ببنائه على ثلاث قواعد\rالأولى أن مفهوم أحد الأمور قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها والصادق على عدد وأفراد مشترك فيه بين الأفراد\rالثانية أن الطلاق تحريم لأنه رافع لموجب النكاح والنكاح للإباحة ورافع الإباحة محرم فالطلاق محرم الثالثة أن تحريم المشترك يلزم منه تحريم جميع الجزئيات كما تقدم فيحرمن كلهن بالطلاق وهو المطلوب لأنه وإن كان كل من القاعدة الثانية والثالثة صحيحا إلا أن القاعدة الأولى غير صحيحة إذ ليس أحط الأمور هو القدر المشترك بل هو واحد غير معين منها ولذلك صدق على كل واحد منها لا لأنه الحقيقة الكلية حتى يحصل المقصود بقوله والصادق على عدد وأفراد مشترك فيه بين تلك الأفراد فافهم\rالمسألة الرابعة\rقال مالك إذا أعتق أحد عبيده له أن يختار واحدا منهم فيعينه للعتق نظرا لكون أحد الأمور عبارة عن واحد غير معين منها فلا يقتضي العموم كما تقدم والإجماع على أن حكم العموم لا يثبت إلا بثبوت مقتضيه ولم ينظر هنا للاحتياط للفروج مع أن الحق أنه لا فرق بين العتق والطلاق لأنا وإن سلمنا أن الطلاق تحريم للوطء وقد ثبت له البغضة التي لا تصدق إلا مع النهي دون الأمر بقوله\r","part":1,"page":226},{"id":228,"text":"عليه الصلاة والسلام أبغض الحلال إلى الله الطلاق وأن العتق قربة في جميع الإعصار والأمم إلا أن كون العتق قربة لا يمنعه أن يكون تحريما للوطء وأخذ المنافع بطريق القهر والاستيلاء على أنا لا نسلم أن البغضة في الحديث لا تصدق إلا مع النهي حتى يتم الاستدلال بالحديث على أن الطلاق منهي عنه لا مأمور به بخلاف العتق لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد صرح بإباحة الطلاق فكيف يكون محرما أو مكروها وحينئذ فتصدق البغضة مع الأمر وتحمل في حق الله تعالى على مرجوحية الأمر الذي علق به البغضة وأما دعوى أن الطلاق تحريم ويلزمه وجوب الترك والعتق قربة ويلزمه التحريم والأحكام إنما تثبت للألفاظ بناء على ما تقتضيه مطابقة دون ما تقتضيه التزاما ألا ترى أن كل أمر يلزمه النهي عن تركه ومع ذلك لا يقال فيه هو للتحريم بناء على النهي وأن كل نهي يلزمه الأمر بتركه ومع ذلك لا يقال فيه هو للوجوب بناء على الأمر فلا تعتبر اللوازم وإنما تعتبر الحقائق من حيث هي فمدفوعة بأن الطلاق بنفسه ليس بتحريم لأن التحريم إنما هو المؤبد أما غير المؤبد فلا\rوإنما هو حل لعقد النكاح وحل عقد النكاح يستلزم صيرورة الزوجة أجنبية وصيرورتها أجنبية يستلزم تحريمها كما أن العتق رفع للملك عن المملوكة ورفع الملك يصيرها أجنبية مالكة لنفسها ويستلزم ذلك تحريمهما فلا فرق قلت نعم قد يقال الوجه في نظر مالك في الطلاق للاحتياط للفروج وإن لزمه مخالفة الإجماع وفي العتق لما اقتضاه الإجماع وإن لزمه مخالفة الاحتياط للفروج هو أن استلزام الطلاق للتحريم لخصوص الوطء مطرد إذ لا يكون غير مستلزم له بخلاف العتق فافهم والله أعلم\rالفرق السادس والعشرون بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع\r","part":1,"page":227},{"id":229,"text":"اعلم أن الأفعال الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع لأجلها أو توضع فتقتضيها على الجملة ضربان أحدهما خارج عن مقدور المكلف وهذا قد يكون سببا كالاضطرار في إباحة الميتة وخوف العنت في إباحة نكاح الإماء والسلس في إسقاط وجوب الوضوء لكل صلاة مع وجود الخارج وزوال\r","part":1,"page":228},{"id":230,"text":"الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر في إيجاب تلك الصلوات وما أشبه ذلك وقد يكون شرطا كالحول في إيجاب الزكاة والبلوغ في التكليف مطلقا والقدرة على التسليم في صحة البيع والرشد في دفع مال اليتيم إليه وإرسال الرسل في الثواب والعقاب وما أشبه ذلك وقد يكون مانعا كالحيض من الوطء والطلاق والطواف بالبيت ووجوب الصلوات وأداء الصيام والجنون من القيام بالعبادات وإطلاق التصرفات وما أشبه ذلك الضرب الثاني ما لا يكون خارجا عن مقدور المكلف وله نظر إن نظر من جهة دخوله تحت خطاب التكليف مأمورا به أو منهيا عنه أو مأذونا فيه لاقتضائه للمصالح أو المفاسد جلبا أو دفعا كالبيع والشراء للانتفاع والنكاح للنسل والانقياد للطاعة لحصول الفوز وما أشبه ذلك وهو بين ونظر من جهة دخوله تحت خطاب الوضع إما لكونه سببا كالنكاح سببا في حصول التوارث بين الزوجين وتحريم المصاهرة وحلية الاستمتاع والذكاة سببا لحلية الانتفاع بالأكل والسفر سببا في إباحة القصر والفطر والقتل والجرح سببا للقصاص والزنا وشرب الخمر والسرقة والقذف أسبابا لحصول تلك العقوبات وما أشبه ذلك وإما لكونه شرطا كالنكاح شرطا في وقوع الطلاق أو في حل مراجعة المطلقة ثلاثا والإحصان شرطا في رجم الزاني والطهارة شرطا في صحة الصلاة والنية شرطا في صحة العبادات وما أشبه ذلك وإما لكونه مانعا كنكاح الأخت مانعا من نكاح الأخرى ونكاح المرأة مانعا من نكاح عمتها وخالتها والإيمان مانعا من القصاص للكافر والكفر مانعا من قبول الطاعات وما أشبه ذلك وهذه الثلاثة وإن اجتمعت في نحو النكاح لكن لا لحكم واحد بل إنما هو سبب لحكم وشرط لآخر ومانع لآخر كما علمت إذ لا يصح اجتماعها ولا اثنين منها على الحكم الواحد كما لا يصح ذلك\r","part":1,"page":229},{"id":231,"text":"في أحكام خطاب التكليف لما في ذلك من التدافع ا ه ملخصا من الموافقات للشاطبي ويضبط خطاب التكليف بأمور ثلاثة أحدها أنه في اصطلاح العلماء هو الأحكام الخمسة الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة قيل والأصل في لفظه التكليف لكونها مشتقة من الكلفة أن لا تطلق إلا على التحريم والوجوب إذ لا توجد الكلفة إلا فيهما لأجل الحمل على الفعل أو الترك خوف العقاب والمكلف بالنسبة لما عداهما في سعة لعدم المؤاخذة فلا كلفة إلا أنهم توسعوا في إطلاق اللفظ على الجميع تغليبا أو لكونها لا تتعلق إلا بفعل المكلف وفي حاشية الأمير على عبد السلام ما حاصله أن التكليف إما أن يفسر بإلزام ما فيه كلفة فلا يشمل الندب والكراهة وإما أن يفسر بالطلب فيشملهما وعلى الأول يظهر ما رجحه المالكية من تعلق الندب والكراهة بالصبي كأمره بالصلاة لسبع من الشارع بناء على أن الأمر بالأمر أمر وأما الإباحة فليست تكليفا عليهما وعدها في أحكام التكليف إما أنه تغليب أو أن معناه أنها لا تتعلق إلا بالمكلف لما صرح به في أصول الفقه من أن أفعال الصبي ونحوه كالبهائم مهملة ولا يقال أنها مباحة وتقريبه أن معنى مباحة لا إثم في فعلها ولا في تركها ولا ينفى الشيء إلا حيث يصح ثبوته قال ولا يعول على ظاهر ما نقل عن أبي منصور الماتريدي والحنفية من أن الصبي مكلف بالإيمان بالله وأنهم حملوا رفع القلم عنه على غير الإيمان من الشرعيات وذلك لأن جمهور أهل العلم على نجاة الصبيان مطلقا وهم في الجنة ولو أولاد الكفار نعم إن أرادوا ما قاله أصحابنا المالكية ردة الصبي وإيمانه معتبران بمعنى إجراء الأحكام الدنيوية التي تتسبب عنهما كبطلان ذبحه ونكاحه وصحتهما رجع لخطاب الوضع من حيث السبب والمانع وهو لا يتقيد بالمكلف إلا أنه لا يعاقب في الآخرة ولا يقتل قبل البلوغ ا ه\r","part":1,"page":230},{"id":232,"text":"وقد قدمنا تبعا لابن الشاط أن التكليف بعينه مشقة لأنه منع الإنسان من الاسترسال مع دواعي نفسه وهو أمر نسبي وبهذا الاعتبار سمي تكليفا وهذا المعنى موجود في جميع أحكامه حتى الإباحة ويوضح هذا ما قاله الشاطبي في الموافقات من أن القاعدة المقررة أن الشرائع إنما جيء بها لمصالح العباد فالأمر والنهي والتخيير جميعا راجعة إلى حظ المكلف ومصالحه لأن الله تعالى غني عن الحظوظ منزه عن الأغراض غير أن الحظ على ضربين أحدهما داخل تحت الطلب فللعبد أخذه من جهة الطلب فلا يكون ساعيا في حظه وهو مع ذلك لا يفوته حظه لكنه أخذ له من جهة الطلب لا من حيث باعث نفسه وهذا معنى كونه بريئا من الحظ وقد يأخذه من حيث الحظ إلا أنه لما كان داخلا تحت الطلب فطلبه من ذلك الوجه صار حظه تابعا للطلب فلحق بما قبله في التجرد عن الحظ وسمي باسمه والثاني غير داخل تحت الطلب فلا يكون آخذا له إلا من جهة إرادته واختياره لأن الطلب مرفوع عنه بالغرض فهو وقد أخذه إذا من جهة حظه فلهذا يقال في المباح إنه العمل المأذون فيه المقصود به مجرد الحظ الدنيوي خاصة ا ه أي إلا أنه لما لم يتم فيه الحظ المذكور بواسطة الحجر عن الاسترسال فيه وفي غيره إلا بمقتضى الإذن لم يخل عن كلفة ومشقة فافهم وثاني الأمور أن متعلقه الفعل لا الكون كذا وثالثها أنه يشترط في خطاب التكليف علم المكلف بالتكليف وقدرته على ذلك الفعل وكونه من كسبه لقول الشيخ تاج الدين السبكي في جمع الجوامع والصواب امتناع تكليف الغافل والملجأ ا ه\r","part":1,"page":231},{"id":233,"text":"أما الأول وهو من لا يدري كالنائم والساهي فلأنه لو صح تكليفه لكان مستدعي حصول الفعل منه على قصد الطاعة والامتثال وهو لا يفهم وأنه محال إذ لا يتصور ممن لا شعور له بالأمر قصد الفعل امتثالا للأمر واستحالة اللازم يلزمها استحالة الملزوم وأما الثاني وهو من يدري ولا مندوحة له كما ألجئ إليه كالملقى من شاهق على شخص يقتله لا مندوحة له عن الوقوع عليه القاتل له فامتناع تكليفه بالملجأ إليه أو بنقيضه لعدم قدرته على ذلك لأن الملجأ إليه واجب الوقوع عادة ونقيضه ممتنع الوقوع كذلك ولا قدرة له على واحد من الواجب والممتنع وتكليف الغافل ليس من قبيل التكليف بالمحال بل من قبيل التكليف المحال والفرق بينهما هو أن الخلل في الأول راجع إلى المأمور به وفي الثاني راجع إلى المأمور فلا يلزم من تجويز التكليف بالمحال جواز تكليف الغافل الذي هو من قبيل التكليف المحال على أن في التكليف بالمحال فائدة مفقودة في تكليف الغافل وهو اختيار الشخص هل يمتثل بالأخذ في الأسباب أو لا نعم تكليف الملجأ من قبيل التكليف بالمحال إذ لا فرق بينه وبين تكليف الزمن بالمشي والإنسان بالطيران الذي عده في جمع الجوامع من قبيل التكليف بالمحال وجوزه قال سم إلا أن يفرق بمجرد أن الملجأ ساقط الاختيار رأسا بخلاف غيره ولا يخفى ما فيه فتأمل ا ه\rملخصا من المحلي والعطار والشربيني قال الشربيني والحق أن كلام المتقدمين في مسألة الملجأ إنما هو من جهة عدم جواز تكليف من أزيل رضاه واختياره وصار بحيث لا قدرة له أصلا بالإلجاء كما أن كلامهم في مسألة الغافل إنما هو من جهة امتناع تكليفه من حيث غفلته وفي مسألة التكليف بالمحال أي ما لا يطاق عادة إنما هو من جهة جواز تكليف من لا تصلح قدرته للمكلف به مع علمه بالتكليف وعدم إكراهه وإلجائه فكلامهم في كل من حيث خصوصه لا من حيث عموم غيره له أو عمومه لغيره لأنهم رحمهم الله تعالى اكتفوا في التفرقة بين المسائل\r","part":1,"page":232},{"id":234,"text":"المتشابهة بالقيود المأخوذة من عنوانها وإلا لم تكن هي محل الكلام فيها فسقط ما لسم وغيره من المتأخرين هنا فافهم ويضبط خطاب الوضع بأمور ثلاثة أيضا أحدها أنه ينحصر في الأسباب والشروط والموانع والصحة والبطلان والعزائم والرخص فهذه خمسة أنواع بعد الصحة والبطلان واحدا والعزائم والرخص واحدا كما في الموافقات للشاطبي ولم يعد في جمع الجوامع وشروحه وحواشيه العزائم والرخص بل اعتبروا الصحة والفساد نوعين لا نوعا واحدا بل قال العطار الحق ما للناصر من أن المأخوذ من كلام ابن الحاجب والعضد من أن الصحة والفساد من الأحكام العقلية بعرض العبادة مثلا على الأوامر فكون الفعل موافقا للأوامر أو مخالفا لا يحتاج إلى توقيف من الشارع بل يعرف بمجرد العقل ككونه مؤديا للصلاة أو تاركا لها فلا يكون حكما شرعيا بل عقليا وعلى هذا فالأحكام الوضعية ثلاثة ا ه وثانيها أن متعلقه الكون كذا لا الفعل فهو عبارة عن الخطاب بنصب الأسباب الوقتية كالدلوك لوجوب الصلاة والمعنوية كالإسكار للتحريم والخطاب بنصب الشروط للحكم كالقدرة على التسليم للمبيع أو لسبب كالطهارة في الصلاة وسببها أي الصلاة تعظيم الله تعالى والخطاب بنصب الموانع إما للحكم كالأبوة في القصاص أو للسبب كالدين في الزكاة والخطاب بنصب الصحة والبطلان للعبادات والعادات وكل من لفظي الصحة والبطلان يطلق باعتبار ترتب آثار العمل عليه في الدنيا وعدم ترتبه عليه وباعتبار ترتب آثار العمل في الآخرة وعدم ترتبه والخطاب بنصب العزيمة والرخصة والعزيمة ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء والرخصة ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع\r","part":1,"page":233},{"id":235,"text":"الاقتصار على مواضع الحاجة فيه انظر الموافقات وسيأتي بيان بعضه في الفرق الحادي والثمانين فترقب وثالثها أن خطاب الوضع لا يشترط فيه علم المكلف وقدرته وكونه من كسبه فلذلك نورث بالأنساب من لا يعلم نسبه ويدخل العبد الموروث في ملكه ويعتق عليه إن كان ممن يعتق عليه مع غفلته عن ذلك وعجزه عن دفعه ويطلق بالإضرار والإعسار اللذين هما مجوز عنهما ويضمن بالإتلاف المغفول عنه من الصبيان والمجانين فإن معنى خطاب الوضع قول صاحب الشرع في السبب اعلموا أنه متى وجد كذا فقد وجب كذا أو حرم كذا أو ندب أو غير ذلك وفي المانع متى وجد كذا فقد عدم كذا وفي الشرط متى عدم كذا فقد عدم كذا وقس الباقي وأما اشتراط القدرة والعلم والقصد في أسباب العقوبات التي هي جنايات كالقتل الموجب للقصاص والزنا وشرب الخمر الموجبين للحد فلذلك لا قصاص في قتل الخطأ ولا يجب حد الزنا على المكره ولا على من لا يعلم أن الموطوءة أجنبية بل إذا اعتقد أنها امرأته سقط الحد لعدم العلم واشتراط ذلك أيضا في أسباب انتقال الأملاك كالبيع والهبة والوصية والصدقة والوقف والإجارة والقراض والمساقاة والمغارسة والجعالة وغير ذلك مما هو سبب انتقال الأملاك فمن باع وهو لا يعلم أن هذا اللفظ أو هذا التصرف يوجب انتقال الملك لكونه عجميا أو طارئا على بلاد الإسلام لا يلزمه بيع ولا نحوه من جميع ما ذكر معه ومن أكره على البيع أو نحوه مما ذكر معه لا يلزمه ذلك فلأنه لما ازدوج في هذه الأمور خطاب التكليف والوضع لحقها اشتراط ذلك من جهة خطاب التكليف لا من جهة خطاب الوضع حتى يقال باستثنائها من خطاب الوضع نعم لما ارتفع خطاب التكليف مع عدم تلك الأوصاف ارتفع خطاب الوضع المرتب عليه والله أعلم وسيأتي آخر الفرق\r","part":1,"page":234},{"id":236,"text":"السابع والتسعين الفرق بين المانع اعتبر فيه أن يكون وجوديا وبين السبب لم يعتبر فيه ذلك والفرق بين مانع الحكم وعدم السبب فترقب وصل في ثبوت العفو وعدم ثبوته قولان استدل من قال بثبوته بثلاثة أوجه أحدها ما تقدم من أن الأحكام الخمسة إنما تتعلق بأفعال المكلفين مع القصد إلى الفعل وأما دون ذلك فلا وإذا لم يتعلق بها حكم منها مع وجدانه أي الحكم ممن شرط الحكم وبين مانع السبب وعدم شرط شأنه أن تتعلق به فهو معنى العفو المتكلم فيه أي لا مؤاخذة به والثاني ما جاء من النص على هذه المرتبة على الخصوص فقد روي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها وقال ابن عباس ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض صلى الله تعالى عليه وسلم كلها في القرآن يسألونك عن المحيض يسألونك عن اليتامى يسألونك عن الشهر الحرام ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم يعني أن هذا كان الغالب عليهم وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال ما لم يذكر في القرآن فهو مما عفا الله عنه وكان يسأل عن الشيء لم يحرم فيقول عفو وقيل له ما تقول في أموال أهل الذمة فقال العفو يعني لا تؤخذ منهم زكاة وقال عبيد بن عمير أحل الله حلالا وحرم حراما فما حل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو\rوالثالث ما يدل على هذا المعنى في الجملة كقوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم الآية فإنه\r","part":1,"page":235},{"id":237,"text":"موضع اجتهاد في الإذن عند عدم النص وقد ثبت في الشريعة العفو عن الخطأ في الاجتهاد حسبما بسطه الأصوليون ومنه قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على حكم البراءة الأصلية إذ هي راجعة إلى هذا المعنى ومعناها أن الأفعال معها معفو عنها وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم عليهم فحرم عليهم من أجل مسألته انظر الموافقات للشاطبي واستدل القائل بعدمه بثلاثة أوجه أيضا أحدها أن أفعال المكلفين من حيث هم مكلفون إما أن تكون بجملتها داخلة تحت خطاب التكليف فهو الاقتضاء أو التخيير أو لا تكون بجملتها داخلة فإن كان بجملتها داخلة فلا زائد على الأحكام الخمسة وهو المطلوب وإن لم تكن داخلة بجملتها لزم أن يكون بعض المكلفين خارجا عن حكم خطاب التكليف ولو في وقت أو حالة ما لكن ذلك باطل لأنا فرضناه مكلفا فلا يصح خروجه فلا زائد على الأحكام الخمسة والثاني أن هذا زائد إما أن يكون حكما شرعيا أو لا فإن لم يكن حكما شرعيا فلا اعتبار به وإن كان حكما شرعيا فإما من خطاب التكليف وأنواعه محصورة في الخمسة وإما من خطاب الوضع وأنواعه أيضا محصورة في الخمسة التي ذكرها الأصوليون وهذا ليس من هذه ولا من هذه فكان لغوا ويدل على أنه ليس حكما شرعيا أو لا أنه مسمى بالعفو والعفو إنما يتوجه حيث يتوقع للمكلف حكم المخالفة لأمر أو نهي وذلك يستلزم كون المكلف به قد سبق حكمه فلا يصح أن يتوارد عليه حكم آخر لتضاد الأحكام وثانيا أن العفو إنما هو حكم أخروي لا دنيوي وكلامنا في الأحكام المتوجهة في الدنيا والثالث أن هذا الزائد أي مرتبة العفو إن كانت راجعة إلى المسألة الأصولية وهي أن يقال هل يصح أن\r","part":1,"page":236},{"id":238,"text":"يخلو بعض الوقائع عن حكم الله أم لا فالمسألة مختلف فيها فليس إثباتها أولى من نفيها إلا بدليل والأدلة فيها متعارضة فلا يصح إثباتها إلا بالدليل السالم عن المعارض ودعواه وأيضا إن كانت اجتهادية فالظاهر نفيها بالأدلة المذكورة في كتب الأصول وإن لم تكن راجعة إلى تلك المسألة فليست بمفهومة وما تقدم من الأدلة على إثبات تلك المرتبة لا دليل فيه فالأدلة النقلية غير مقتضية للخروج عن الأحكام الخمسة لإمكان الجمع بينهما ولأن العفو أخروي وأيضا فإن سلم للعفو ثبوت ففي زمانه عليه الصلاة والسلام لا في غيره ولإمكان تأويل تلك الظواهر وما سيذكر من أنواع العفو فداخلة أيضا تحت الخمسة فإن العفو فيها راجع إلى رفع حكم الخطأ والنسيان والإكراه والحرج وذلك يقتضي إما الجواز بمعنى الإباحة وإما رفع ما يترتب على المخالفة من الذم وتسبيب العقاب وذلك يقتضي إثبات الأمر والنهي مع رفع آثارهما لمعارض فارتفع الحكم بمرتبة الحكم وأن يكون أمرا زائدا على الخمسة وفي هذا المجال أبحاث أخر وعلى القول بثبوت العفو فهل هو حكم أم لا احتمالات وعلى الاحتمال الأول فهل يرجع إلى خطاب التكليف أم إلى خطاب الوضع احتمالات جزم الأصل بالثاني وقال الشاطبي والنظر في هذه الاحتمالات لما لم يكن مما ينبني عليه حكم عملي لم يتأكد البيان فيه فكان الأولى تركه أفاد جميع ذلك في الموافقات ولمواقع العفو على ثبوته إعمالا لأدلته ضابطان الضابط الأول للأصل أنه التقادير الشرعية التي هي إعطاء الموجود حكم المعدوم كتقدير النجاسة في حكم العدم في صور الضرورات كدم البراغيث وموضع الحدث في المخرجين أو المعدوم حكم الموجود كتقدير الكفر المعدوم عند قتل المسلم لظنه كافرا في حكم الموجود فيسقط القصاص والضابط الثاني للشاطبي في الموافقات أنه ينحصر في ثلاثة أنواع\r","part":1,"page":237},{"id":239,"text":"أحدها الوقوف مع مقتضى الدليل المعارض قصد نحوه وقد قوي معارضه كالعمل بالعزيمة الراجعة إلى أصل التكليف وإن توجه حكم الرخصة المستمدة من قاعدة رفع الحرج وبالعكس فالرجوع إلى حكم الرخصة وقوف مع ما مثله معتمد لكن لما كان أصل رفع الحرج واردا على أصل التكليف وورد المكمل ترجح جانب أصل العزيمة بوجه ما غير أنه لا يخرم أصل الرجوع لأن بذلك المكمل قيام أصل التكليف وقد اعتبر في مذهب مالك هذا ففيه أن من سافر في رمضان أقل من أربعة برد فظن أن الفطر مباح به فأفطر فلا كفارة عليه ومن أفطر فيه بتأويل وإن كان أصله غير علمي بل هذا جار في كل متأول كشارب المسكر يظنه غير مسكر وقاتل المسلم يظنه كافرا وآكل المال الحرام عليه يظنه حلالا له والمتطهر بماء نجس يظنه طاهرا وأشباه ذلك ومثله المجتهد المخطئ في اجتهاده أخرج أبو داود عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخطب فسمعه يقول اجلسوا فجلس بباب المسجد فرآه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له تعال يا عبد الله بن مسعود وسمع عبد الله بن رواحة وهو بطريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يقول اجلسوا فجلس في الطريق فمر به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ما شأنك فقال سمعتك تقول اجلسوا فجلست فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم زادك الله طاعة وقد قال عليه الصلاة والسلام لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة فأدركهم وقت العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي ولم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يعنف واحدة من الطائفتين ويدخل ههنا كل قضاء قضى به القاضي من مسائل الاجتهاد ثم يتبين له خطؤه ما لم يكن قد أخطأ نصا أو إجماعا أو بعض القواطع وكذلك الترجيح بين الدليلين فإنه وقوف مع أحدهما وإهمال للآخر فإذا فرض مهملا للراجح فذلك\r","part":1,"page":238},{"id":240,"text":"لأجل وقوفه مع المرجوح وهو في الظاهر دليل يعتمد مثله وكذلك العمل بدليل منسوخ أو غير صحيح فإنه وقوف مع ظاهر دليل يعتمد مثله في الجملة فلا يدخل تحت هذا النوع من العفو وقوفه مع مقتضى دليل غير معارض لأنه أمر أو نهي أو تخيير عمل على وفقه فلا عتب يتوهم فيه ومؤاخذة تلزمه بحكم الظاهر فلا موقع للعفو فيه ولا وقوفه مع ما لم يقو معارضه لأنه من النوع الثاني النوع الثاني خروجه عن مقتضى الدليل عن غير قصد أو عن قصد لكن بالتأويل فمثال مخالفته عن غير قصد أن يعمل الرجل عملا على اعتقاد إباحته لأنه لم يبلغه دليل تحريمه أو كراهيته أو يتركه معتقدا إباحته إذا لم يبلغه دليل وجوبه أو ندبه كقريب العهد بالإسلام لا يعلم أن الخمر محرمة فيشربها أو لا يعلم أن غسل الجنابة واجب فيتركه وكما اتفق في الزمان الأول حين لم تعلم الأنصار طلب الغسل من التقاء الختانين ومثل هذا كثير يتبين للمجتهدين وقد روي عن مالك أنه كان لا يرى تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ويراه من التعمق حتى بلغه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يخلل فرجع إلى القول به وكما اتفق لأبي يوسف مع مالك في المد والصاع حتى رجع إلى القول بذلك ومن ذلك العمل على المخالفة خطأ أو نسيانا أو إكراها ففي الحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإنه وإن لم يصح إلا أن معناه متفق عليه ومن ذلك العفو عن عثرات ذوي الهيئات فإنه ثبت في الشرع إقالتهم في الزلات وأن لا يعاملوا بسببها معاملة غيرهم ففي الحديث أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم وفي حديث آخر تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة والصلاح وروي العمل بذلك عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم فإنه قضى به في رجل من آل عمر بن الخطاب شبح رجلا وضربه فأرسله وقال أنت من ذوي الهيئات وفي خبر آخر عن عبد العزيز بن\r","part":1,"page":239},{"id":241,"text":"عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال استأذى علي مولى لي جرحته يقال له سلام البربري إلى ابن حزم فأتاني فقال جرحته قلت نعم قال سمعت خالتي عمرة تقول قالت عائشة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم فخلى سبيله ولم يعاقبه وهذا أيضا من شئون رب العزة سبحانه فإنه قال ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم الآية لكنها أحكام أخروية وكلامنا في الأحكام الدنيوية ويقرب من هذا المعنى درء الحدود بالشبهات فإن الدليل يقوم هنالك مفيدا للظن في إقامة الحد ومع ذلك فإذا عارضه شبهة وإن ضعفت غلب حكمها ودخل صاحبها في حكم العفو وقد يعد هذا المجال مما خولف فيه الدليل بالتأويل وهو من هذا النوع أيضا ومثال مخالفته بالتأويل مع المعرفة بالدليل ما وقع في الحديث في تفسير قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية عن قدامة بن مظعون حين قال لعمر بن الخطاب إن كنت شربتها فليس لك أن تجلدني قال عمر ولم قال لأن الله يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية\rفقال عمر إنك أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله قال القاضي إسماعيل وكأنه أراد أن هذه الحالة تكفر ما كان من شربه لأنه كان ممن اتقى وآمن وعمل الصالحات وأخطأ في التأويل بخلاف من استحلها كما في حديث علي رضي الله عنه ولم يأت في حديث قدامة أنه حد ومما وقع في المذهب في المستحاضة تترك الصلاة زمانا جاهلة بالعمل أنه لا قضاء عليها فيما تركت قال في مختصر ما ليس في المختصر لو طال بالمستحاضة والنفساء الدم فلم تصل النفساء ثلاثة أشهر ولا المستحاضة شهرا لم تقضيا ما مضى إذا تأولتا في ترك الصلاة دوام ما بهما من الدم وقيل في المستحاضة إذا تركت بعد أيام أقرائها يسيرا أعادته وإن كان كثيرا فليس عليها قضاؤه بالواجب وفي سماع أبي زيد\r","part":1,"page":240},{"id":242,"text":"عن مالك أنها إذا تركت الصلاة بعد الاستظهار جاهلة لا تقضي صلاة تلك الأيام واستحب ابن القاسم لها القضاء ومن ذلك أيضا المسافر يقدم قبل الفجر فيظن أن من لم يدخل قبل غروب الشمس فلا صوم له أو تطهر الحائض قبل طلوع الفجر فيظن أنه لا يصح صومها حتى تطهر قبل الغروب فلا كفارة هنا وإن خالف الدليل لأنه متأول وإسقاط الكفارة هو معنى العفو النوع الثالث العمل بما هو مسكوت عن حكمه إما على القول بصحة الخلو كما هو مقتضى حديث وما سكت عنه فهو عفو وأشباهه مما تقدم فظاهر وأما على القول الآخر بعدم صحة الخلو فيمكن أن يصرف السكوت عليه إلى ثلاثة أوجه الوجه الأول ترك الاستفصال مع وجود فطنته كما في قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم فإن هذا العموم يتناول بظاهره ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم وإذا نظر إلى المعنى أشكل لأن في ذبائح الأعياد زيادة تنافي أحكام الإسلام فكان للنظر هنا مجال ولكن مكحولا سئل عن المسألة فقال كله قد علم الله ما يقولون وأحل ذبائحهم يريد والله أعلم أن الآية لم يخص عمومها وإن وجد هذا الخاص المنافي وعلم الله مقتضاه ودخوله تحت عموم اللفظ ومع ذلك فأحل ما ليس فيه عارض وما هو فيه لكن بحكم العفو عن وجه المنافاة وإلى نحو هذا يشير قوله عليه الصلاة والسلام وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها وحديث الحج أيضا مثل هذا حين قال أحجنا هذا لعامنا أو للأبد لأن اعتبار اللفظ يعطي أنه للأبد فكره عليه الصلاة والسلام سؤاله وبين له علة ترك السؤال عن مثله وكذلك حديث إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما إلخ يشير إلى هذا المعنى فإن السؤال عما لم يحرم ثم يحرم لأجل المسألة إنما يأتي في الغالب من جهة إبداء وجه فيه يقتضي التحريم مع أن له أصلا يرجع إليه في الحلية وإن اختلفت فروعه في أنفسها أو دخلها معنى يخيل الخروج عن حكم\r","part":1,"page":241},{"id":243,"text":"ذلك الأصل ونحوه حديث ذروني ما تركتكم وأشباه ذلك الوجه الثاني السكوت عن مجاري العادات مع استصحابها في الوقائع كما في الأشياء التي كانت في أول الإسلام على حكم الإقرار ثم حرمت بعد ذلك بتدريج كالخمر فإنها كانت معتادة الاستعمال في الجاهلية ثم جاء الإسلام فتركت على حالها قبل الهجرة وزمانا بعد ذلك ولم يتعرض في الشرع للنص على حكمها حتى نزل يسألونك عن الخمر والميسر فبين ما فيها من المنافع والمضار وأن الأضرار فيها أكبر من المنافع وترك الحكم الذي اقتضته المصلحة وهو التحريم لأن القاعدة الشرعية أن المفسدة إذا أربت على المصلحة فالحكم للمفسدة والمفاسد ممنوعة فبان وجه المنع في الخمر والميسر غير أنه لما لم ينص على المنع وإن ظهر وجهه تمسكوا بالبقاء مع الأصل الثابت لهم بمجاري العادات ودخل لهم تحت العفو إلى أن نزل ما في سورة المائدة من قوله تعالى فاجتنبوه فحينئذ استقر حكم التحريم وارتفع العفو وقد دل على ذلك قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فإنه لما حرمت قالوا كيف بمن مات وهو يشربها فنزلت الآية فرفع الجناح وهو معنى العفو ومثل ذلك الربا المعمول بها في الجاهلية وفي أول الإسلام وكذلك بيوع الغرر الجارية بينهم كبيع المضامين والملاقيح والثمر قبل بدو صلاحه وأشباه ذلك كلها كانت مسكوتا عنها وما سكت عنها فهو في معنى العفو والنسخ بعد ذلك لا يرفع هذا المعنى لوجود جملة منه باقية إلى الآن على حكم إقرار الإسلام كالقراض والحكم في الخنثى بالنسبة إلى الميراث وغيره وما أشبه ذلك مما نبه العلماء عليه الوجه الثالث السكوت عن أعمال أخذت قبل من شريعة إبراهيم عليه السلام كما في النكاح\r","part":1,"page":242},{"id":244,"text":"والطلاق والحج والعمرة وسائر أفعالهما إلا ما غيروا فقد كانوا يفعلون ذلك قبل الإسلام فيفرقون بين النكاح والسفاح ويطلقون ويطوفون بالبيت أسبوعا ويمسحون الحجر الأسود ويسعون بين الصفا والمروة ويلبون ويقفون بعرفات ويأتون مزدلفة ويرمون الجمار ويعظمون الأشهر الحرم ويحرمونها ويغتسلون من الجنابة ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويصلون عليهم ويقطعون السارق ويصلبون قاطع الطريق إلى غير ذلك مما كان فيهم من بقايا ملة أبيهم إبراهيم فكانوا على ذلك إلى أن جاء الإسلام فبقوا على حكمه حتى أحكم الإسلام منه ما أحكم وانتسخ ما خالفه فدخل ما كان قبل ذلك في حكم العفو مما لم يتجدد فيه خطاب زيادة على التلقي من الأعمال المتقدمة وقد نسخ منها ما نسخ وأبقى منها ما أبقى على المعهود الأول انتهى كلام الشاطبي في الموافقات بتصرف وصل في بيان هذا الفرق بثلاث مسائل المسألة الأولى يجتمع خطاب الوضع مع خطاب التكليف في أمور منها الزنا فإنه خطاب تكليف من جهة أنه حرام ووضع من جهة أنه سبب للحد ومنها السرقة فهي خطاب تكليف من جهة التحريم ووضع من جهة أنها سبب القطع ومنها بقية الجنايات فإنها محرمة وهي أسباب العقوبات ومنها البيع فإنه خطاب تكليف من جهة أنه مباح أو مندوب أو واجب أو حرام على قدر ما يعرض له في صوره على ما هو مبسوط في كتب الفقه ووضع من جهة أنه سبب انتقال الملك في البيع الجائز أو التقدير في الممنوع ومنها بقية العقود فإنها تتخرج على هذا المنوال وينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف في أمور منها الزوال ورؤية الهلال ودوران الحول ونحوها فإنها من خطاب الوضع وليس فيها أمر ولا\r","part":1,"page":243},{"id":245,"text":"نهي ولا إذن من حيث هي كذلك بل إنما وجد الأمر في أثنائها وترتبها فقط وينفرد خطاب التكليف عن خطاب الوضع في أمور منها أداء الواجبات واجتناب المحرمات كإيقاع الصلوات وترك المنكرات فإن هذه وإن كانت من خطاب التكليف لم يجعلها صاحب الشرع سببا لفعل آخر نؤمر به أو ننهى عنه بل وقف الحال عند أدائها وترتبها على أسبابها وإن كان صاحب الشرع قد جعلها سببا لبراءة الذمة وترتيب الثواب ودرء العقاب غير أن هذه ليست أفعالا للمكلف ونحن لا نعني بكون الشيء سببا إلا كونه سببا لفعل من قبل المكلف فبينهما العموم والخصوص الوجهي\rالمسألة الثانية\rيجب على ولي الصبي إذا أفسد الصبي مالا لغيره إخراج الجابر من مال الصبي فالإتلاف سبب للضمان على الصبي بعد بلوغه إخراج الجابر من ماله إذا لم يخرجه الولي من قبل فقد تقدم السبب في زمن الصغر وتأخر أثره بعد البلوغ وأما بيعه ونكاحه وطلاقه وعتقه فلا تكون أسبابا لآثارها لا قبل ولا بعد والفرق بين اعتبار سببية الإتلاف للضمان قبل وبين عدم اعتبار سببية البيع وما بعده لآثارها قبل من وجهين أحدهما أن هذه الأمور يشترط فيها اعتبار المصالح والصبي ليس بأهل لذلك والثاني أن أثر الطلاق التحريم وأثر البيع إلزام تسليم المبيع والصبي ليس أهلا للتكليف بالتحريم والإلزام والفرق بين اعتبار سببية الإتلاف للضمان بعد وعدم اعتبار سببية البيع وما بعده لآثارها بعد هو أن تأخر المسببات عن أسبابها على خلاف الأصل وإنما خالفنا هذا الأصل في الإتلاف لضرورة حق الآدمي في جبر ماله لئلا يذهب مجانا فتضيع الظلامة وهذه ضرورة عظيمة تحققت في الإتلاف فاقتضت مخالفة الأصل المذكور فيه ولم تتحقق في الطلاق والبيع وما معهما بل إذا أسقطنا الطلاق واستصحبنا العصمة لم يلزم فساد ولا تفوت ضرورة وكذلك أيضا إذا أبقينا الملك في المبيع للصبي كنا\rموافقين للأصل ولا يلزم محظور ألبتة\rالمسألة الثالثة\r","part":1,"page":244},{"id":246,"text":"فتاوى علمائنا متظافرة على أن الطهارة وستر العورة واستقبال الكعبة في الصلاة من الواجبات والصحيح ما قاله القاضي أبو بكر بن العربي من أن وجوبها موسع قبل الوقت وفي الوقت وأن الوجوب فيها ليس تبعا لطرآن السبب الذي هو الزوال ونحوه من أوقات الصلوات بل يقع الوجوب فيها تبعا لطرآن العزم على التهيؤ والاستعداد لإيقاع الصلاة ووقت طرآن هذا العزم ما بين أقرب حدث يحدثه المرء وإيقاع الصلاة والدليل على صحة ذلك أمور الأول انعقاد الإجماع على أن المكلف لو توضأ قبل الوقت واستتر واستقبل القبلة ثم جاء الوقت وهو على تلك الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلا ألبتة في هذه الثلاثة أجزأته صلاته الثاني تعذر القول بإجزاء ما ليس بواجب عن الواجب الثالث لزوم نية الوجوب الرابع أنه لا يلزم أن لا يجب الشرط إلا عند وجوب المشروط إذ لا استحالة في مغايرة سبب المشروط لسبب الشرط كما هنا فإن هذه الأمور وضعية تقع بحسب قصد واضعها ونظير ما هنا من العاديات من يعلم من عادته اضطراره إلى الغذاء في وقت طلوع الشمس ومن شرط الغذاء الذي يتغذى به طبخه فلا بد من تقديم الطبخ الذي هو الشرط على وقت الاغتذاء ثم لا يتعين لذلك الطبخ الزمن المجاور لزمن الاغتذاء بل له تقديم الطبخ والاستعداد به من حين طروء عزمه على الاستعداد وإنما صح ذلك لاستواء حصول المصلحة بالاغتذاء بالقريب الطبخ وهذا على تقدير استواء ذلك بالنسبة إلى حال هذا الشخص وهذا الغذاء والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والعشرون بين قاعدة المواقيت الزمانية للحج وبين قاعدة المواقيت المكانية له\r","part":1,"page":245},{"id":247,"text":"أما المواقيت الزمانية فقال ابن العربي في أحكامه ما حاصله لا خلاف في أن أشهر الحج في قوله تعالى الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وذو الحجة إلا أن الخلاف في جعله ذا الحجة كله وهو قول ابن عمر وقتادة وطاوس ومالك نظر الأمرين الأول أن أشهر في الآية صيغة جمع منكر وأقله ثلاثة الثاني أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى آخره لم يكن عليه دم لأنه جاء به في أيام الحج أو جعله ذا الحجة بعضه نظر الأمرين أيضا\r","part":1,"page":246},{"id":248,"text":"الأول تخصيص الصيغة بالواقع والثاني كون بعض الشهر يسمى شهرا لغة واختلف في المراد بالبعض فقال مالك أيضا وأبو حنيفة عشرة أيام منه لأن الطواف والرمي في العقبة ركنان يفعلان في اليوم العاشر وقال ابن عباس والشافعي عشر ليال من ذي الحجة لأن الحج يكمل بطلوع الفجر يوم النحر لصحة الوقوف بعرفة وهو الحج كله وقال مالك أيضا إلى آخر أيام التشريق لأن الرمي من أفعال الحج وشعائره والفائدة في ذكر الله تعالى لأشهر الحج وتنصيصه عليها أمران أحدهما أن الله تعالى وصفها كذلك في ملة إبراهيم عليه السلام واستمرت عليه الحال إلى أيام الجاهلية فبقيت كذلك حتى كانت العرب ترى أن العمرة فيها من أفجر الفجور ولكنها كانت تغيرها فتنسئها وتقدمها حتى عادت حجة الوداع إلى حدها قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المأثور المنتقى إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا الحديث الثاني أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر التمتع وهو ضم العمرة إلى الحج في أشهر الحج بين أن أشهر الحج ليست جميع الشهور في العام وإنما هي المعلومات من لدن إبراهيم عليه السلام وبين قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج أن جميعها ليس الحج تفصيلا لهذه الجملة وتخصيصا لبعضها بذلك وهي شوال وذو القعدة وجميع ذي الحجة وهو اختيار عمر رضي الله تعالى عنه وصحيح قول علمائنا فلا يكون متمتعا من أحرم بالعمرة في أشهر العام وإنما يكون متمتعا من أتى بالعمرة في هذه الأشهر المخصوصة\rا ه\r","part":1,"page":247},{"id":249,"text":"بزيادة وأما المواقيت المكانية فهي ما في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم وقال هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة زاد مسلم ولأهل العراق ذات عرق وقد نظمت هذه الخمسة المواقيت المكانية مبينا بعدها من مكة وأهل كل بقولي قرن لنجد ذات عرق للعراق يلملم اليمني من أم القرى للكل مرحلتان جحفة شامنا ست حليفة عشر للمدني ترى والمعروف من مذهب مالك كراهة الإحرام بالحج قبل المكاني والزماني معا وانعقاده وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز قبل الزماني ولا ينعقد حجا بل إن كان حلالا انعقد عمرة وإلا فهو لغو لأن\rالعمرة لا تدخل على أخرى والحج لا يتقدم على وقته كما في حاشية ابن حجر على إيضاح النووي وقال في القديم إن إحرام المحرم من بلده أفضل استدلالا بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك وقال في الجديد بكراهة الإحرام قبل الميقات وتأوله أهل مذهبه فلا يحتاج إلى الفرق على مذهب مالك بل ولا على مذهب الشافعي نعم على تقدير عدم تأويل قوله في الجديد بكراهة الإحرام قبل الميقات يحتاج إلى الفرق فيما بين الكراهة والمنع إن لم تحمل الكراهة عليه قاله ابن الشاط\r","part":1,"page":248},{"id":250,"text":"وفي إيضاح النووي ويجوز أن يحرم قبل وصوله الميقات من دويرة أهله ومن غيرها وفي الأفضل قولان الصحيح أنه يحرم من الميقات اقتداء برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والثاني من دويرة أهله ا ه ولا يخفاك أنه يحتاج إلى الفرق على الصحيح المذكور في كلام النووي من حمل الكراهة في الجديد على خلاف الأفضل أيضا بين خلاف الأفضل والمنع ويمكن الفرق في الحالتين بأن الإحرام قبل الزماني يفضي إلى طول زمان الحج وهو ممنوع من النساء وغيرهن فربما أدى ذلك إلى إفساد الحج فإن من أحرم قبل شوال لا يمكنه الإحلال حتى تقضى أيام الرمي وأما المواقيت المكانية فلا يلزم من الإحرام قبلها طول الحج فلا يكون ذلك وسيلة إلى إفساده كما أنه يحتاج إلى الفرق بين الشافعي لا يرى الإحرام في غير أشهر الحج كما لا يرى أحد الإحرام قبل وقت الصلاة بها وبين مالك وأبي حنيفة يقولان بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره قال ابن العربي في أحكامه والمسألة مشكلة معضلة وقد استوفينا البيان فيها وأوضحنا لبابه في كتاب التلخيص وأن القول فيها دائر من قبل الشافعي على أن الإحرام ركن من الحج مختص بزمانه ومعولنا على أنه شرط فيقدم عليه وهناك تبين الترجيح بين النظرين وظهر أول التأويلين في الآية من القولين أي من قول الشافعي وغيره أن تقدير الآية الحج حج أشهر معلومات وقول مالك وغيره أن تقديرها أشهر الحج أشهر معلومات\rا ه\rوكذلك يحتاج إلى الفرق على مذهب مالك بين الحج يصح\rالإحرام به قبل وقته مع الكراهة وبين الصلاة يمتنع تقديم الإحرام بها قبل وقتها ويلزم المقدم له بإعادته واعتقاد وجوبه وفي تفسير ابن عرفة ما حاصله أن إحرام الحج أمر مستصحب بحيث لا يزال حكمه منسحبا على الحاج في جميع أجزاء حجه التي لا يتأتى فعلها إلا في وقته وكل أمر مستصحب كذلك يصح تقديمه على الوقت وإحرام الصلاة بخلاف ذلك فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":1,"page":249},{"id":251,"text":"الفرق الثامن والعشرون بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ ويخصصها وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصها اعلم أن أقسام حقيقة اللفظ بالنظر إلى الواضع أو الاصطلاح أربعة\rالأول الحقيقة اللغوية وهو ما وضعها واضع اللغة والمراد به في هذا القسم من أحدث وضعها التحقيقي لهذا المعنى لا ذلك ومن قررها على هذا المعنى كالدابة لكل ما دب على وجه الأرض والصلاة للدعاء والفعل للأمر والشأن لا للحدث كما يتوهم الثاني الحقيقة الشرعية وهي ما وصفها الشارع كالصلاة نقلها الشارع من الدعاء للعبادة المخصوصة الثالث العرفية الخاصة وهي ما وضعها أهل عرف خاص وهم طائفة مخصوصة منسوبون لحرفة كالنحويين نقلوا الفعل مثلا من الأمر والشأن للفظ الدال على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة لاشتمال اللفظ المذكور على الأمر والشأن والرابع العرفية العامة وهي ما وضعها أهل العرف العام أي ما كان الناقل لها من جميع الطوائف ككونه داخلا في جملة أهل البلد بحيث لا يتوقف على أمر يضبط أهلها كالدابة نقلها العرف العام من كل ما يدب على الأرض وخصها بذات الحوافر الفرس والحمار والبغل وأهل العراق بالفرس وأهل مصر بالحمار ولا يشترط العلم بشخص الناقل في هذه الثلاثة الأخيرة وهل اتفاق كثرة الاستعمال للفظ في بعض أفراد معناه أو في معنى مناسب للمعنى الأصلي حتى يصير الأصل مهجورا هو نفس النقل نظرا إلى أن ذلك هو المحقق في مسمى المنقول ولا دليل على وجود نقل مقصود أو لا وهو الصحيح أو هو دليل عليه نظرا إلى أصل دلالة الألفاظ خلاف\rثم النقل قيل لا بد فيه من المناسبة وقيل لا كما في ابن يعقوب\r","part":1,"page":250},{"id":252,"text":"على التلخيص بزيادة من الدسوقي والأنبابي وهذا القسم الرابع هو مراد الأصل بالعرف القولي وينقسم إلى قسمين الأول ما يكون في المفردات نحو الدابة في ذات الحوافر أو في الفرس أو الحمار كما مر ونحو قتل زيد عمرا فإن قتل في اللغة لإذهاب الروح وفي عرف مصر والحجاز للضرب الشديد خاصة والثاني ما يكون في المركبات وهو أدقها على الفهم وأبعدها عن التفطن وضابطها أن يكون شأن الوضع اللغوي تركيب لفظ مع لفظ ثم يشتهر في العرف تركيبه مع غيره وأمثلته كثيرة منها قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وقوله عليه الصلاة والسلام ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وهكذا جميع ما يرد في العرف من الأحكام مركبا من الذوات فإنه وضعه العرف للتعبير عن حكم الأفعال التي لا تحسن في اللغة إضافة الأحكام إلا لها دون الذوات كالأكل للميتة والدم ولحم الخنزير والأموال والشرب للخمر والاستمتاع للأمهات ومن ذكر معهن والسفك للدماء والثلب للأعراض ومنها الرأس مع لفظ الأكل كيفما كان نحو أكلت رأسا خصه العرف برءوس الأنعام بخلافه مع رأيت وما تصرف منه نحو رأيت رأسا فإنه يحتمل جميع الرءوس ومنها وضع العرف عصر الخمر في قولهم فلان يعصر الخمر لعصر العنب فلا يقدرون مضافا ومقتضى اللغة أن لا يصح هذا الكلام إلا بمضاف محذوف تقديره فلان يعصر عنب الخمر أو يجعل الخمر مجازا في العنب مرسلا لعلاقة الأول على\rما فيه مما بين في محله\r","part":1,"page":251},{"id":253,"text":"ومنها وضع العرف نحو القتيل مع قتل في قولهم قتل فلان قتيلا لقتل الحي ونحو الدقيق مع طحن في قولهم طحن فلان دقيقا لطحن القمح فلا يقدرون مضافا ومقتضى اللغة أن لا يصح هذا الكلام إلا بتقدير مضاف أي قتل جسد قتيل أو طحن قمح دقيق أو بجعل فعيلا مجازا مرسلا لعلاقة الأول على ما فيه مما بين في محله وأما العرف الفعلي فمعناه أن يوضع اللفظ في اللغة لمعنى ذي أنواع ويكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواعه فقط كالثوب يصدق لغة على ثياب الكتان والقطن والحرير والوبر والشعر وأهل العرف إنما يستعملون من أنواعه المذكورة في لبسهم الثلاثة الأول دون الأخيرين وكالخبز يصدق لغة على خبز الفول والحمص والبر وغير ذلك وأهل العرف إنما يستعملون في أغذيتهم خبز البر دون ما عداه وسر الفرق بين قاعدة العرف القولي يقضى به في تخصيص الألفاظ ببعض ما تصدق عليه لغة وبغير ما تصدق عليه لغة وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به في تخصيص الألفاظ ببعض ما تصدق عليه لغة هو أن العرف القولي لما كان عبارة عن كثرة استعمال أهل العرف العام للفظ في بعض أفراد معناه اللغوي أو في معنى مناسب لمعناه اللغوي حتى يصير الأصل مهجورا كما عرفت كان ناسخا للغة والناسخ يقدم على المنسوخ وأن العرف الفعلي لما كان عبارة عن كثرة استعمال أهل العرف لبعض أنواع مسمى اللفظ اللغوي في عوائدهم دون بقية أنواعه مع بقاء ذلك اللفظ اللغوي مستعملا في مسماه اللغوي من غير تعرض له بنقل منه لغيره لم يكن ناسخا للغة حتى يقدم من حيث كونه ناسخا على المنسوخ وبالجملة فغلبة استعمال لفظ المسمى في غيره من حيث كونه ناسخا يخل بالوضع اللغوي فيؤثر\r","part":1,"page":252},{"id":254,"text":"فيه تخصيصا وتقييدا وإبطالا وترك مباشرة المسميات من حيث إنه ليس بناسخ لا يخل فلا يؤثر في الوضع اللغوي تخصيصا ولا تقييدا ولا إبطالا فلذا حكى جماعة من العلماء الإجماع في أن العرف الفعلي لا يؤثر بخلاف العرف القولي وقد حاول المازري في شرح البرهان الإجماع في ذلك إلا أنه نقل عن بعض الناس أنه نقل خلافا في ذلك ونقل مثلا عنه\rا ه\rوالظاهر أنه ليس خلافا في اعتبار العرف الفعلي من حيث كونه ناسخا للغة حتى ينافي الإجماع بل هو خلاف لفظي محمول على ما سيأتي في المسائل من أنه يؤثر في الوضع اللغوي التخصيص والتقييد من حيث إنه من قبيل بساط الحال والأيمان إنما تعتبر بالنية ثم ببساط الحال ثم بالعرف ثم باللغة هذا ما ظهر لي فتأمله بأنصاف هذا ومقتضى ما تقرر في العرف القولي أمران الأول أن يكون نحو الدابة في ذات الحوافر أو الفرس أو الحمار مجازا لغة وحقيقة عرفية والثاني تقديم العرف القولي على اللغوي لكونه ناسخا له وينافي الأول قول ابن كمال باشا في حاشية التلويح إن زيدا إذا اعتبر لا بخصوصه لا يصح عنه سلب الإنسان لا لغة ولا بحسب نفس الأمر فلا يكون مجازا بلا اشتباه\rوإذا اعتبر بخصوصه يصح سلب الإنسان عنه لغة ولكن لا يصح سلبه عنه بحسب نفس الأمر فينبغي أن لا يكون مجازا أيضا لأن من خصائصه صحة السلب لا بحسب اللغة فقط بل بحسب نفس الأمر أيضا على ما حققه القاضي عضد الدين في شرح المختصر فموجب هذا التحقيق أن لا يكون ذكر العام وإرادة الخاص من قبيل المجاز بل من قبيل الحقيقة مطلقا كما ذهب إليه الكمال بن\r","part":1,"page":253},{"id":255,"text":"الهمام ومن وافقه وعلله بأن اللام في قولهم في تعريف الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وضعت له لام التعليل ولا شك أن اسم الكلي إنما وضع لأجل استعماله في الجزئي وعلله غيره بأن المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له أولا والجزئي ليس غير الكلي كما أنه ليس عينه نعم هذا التحقيق خلاف المشهور من أن العام في الخاص حقيقة إن كان من حيث تحقق العام فيه لا من حيث خصوصه ومجازا إن كان من حيث خصوصه لا من حيث تحقق العلم فيه وعليه فيصح كون الدابة في ذات الحوافر أو في الفرس أو في الحمار مجازا لغة وحقيقة عرفية سيما في نحو قولك رأيت دابة زيد أو ربطت أو علفت الدابة إذ الرؤية والربط والعلف إنما تتعلق بالفرد الموجود في الخارج لا بالمفهوم الكلي لأنه غير قابل لذلك\rوهذا هو الخلاف إنما هو فيما عمومه بدلي أما ما عمومه شمولي كالقوم والناس فإنه إذا أريد به الخصوص نحو الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم أريد بالناس الأول نعيم بن مسعود الأشجعي وبالثاني أبو يوسف وأصحابه فهو مجاز عند الأصوليين بلا خلاف لأن عمومه الموضوع له لم يرد تناولا ولا حكما وإن كان مخصوصا كقام القوم إلا زيدا فالذي اختاره ابن السبكي تبعا لوالده أنه حقيقة نظرا لإرادة عمومه الموضوع له تناولا\rوإن لم يرد حكما والأكثر على أنه مجاز لاستعماله في بعض ما وضع له أولا كما بسط ذلك في الأصول وعليه فيتحد العام الذي أريد به الخصوص والعام المخصوص وينافي الثاني قول الفقهاء ما لا حد له في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف إذ قضيته تأخر العرف عن اللغة نعم قال السبكي وغيره مراد الأصوليين ما إذا تعارض معنى اللفظ في اللغة والعرف ومراد\r","part":1,"page":254},{"id":256,"text":"الفقهاء ما إذا لم يعرف حده في اللغة ولهذا قالوا كل ما ليس له حد في اللغة ولم يقولوا معنى ا ه فافهم أفاد جميع هذا العطار على محلى جمع الجوامع بتصرف وزياد من الدسوقي والأنبابي على مختصر المعاني وصل في توضيح هذا الفرق بأربع مسائل\rالمسألة الأولى إذا فرضنا ملكا أعجميا يتكلم بالعجمية ويعرف العربية غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه فلا ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة وقد جرت عادته في غذائه ولبسه أن لا يأكل إلا خبز الشعير ولا يلبس إلا ثياب القطن فحلف لا يلبس ثوبا ولا يأكل خبزا كان اقتصاره على أكل خبز الشعير ولبس ثياب القطن مقيدا لمطلق لفظه فلا نحنثه إلا بأكل خبز الشعير ولبس ثياب القطن فقط على الصحيح لكن لا من حيث إن عرفه الفعلي ناسخ للغة بل من حيث كونه من قبيل بساط الحال والأيمان إنما تعتبر بالنية ثم ببساط الحال ثم بالعرف\rثم باللغة كما مر فلو كانت عادته استعمال اللغة العربية لعدم ثقلها عليه لكان طول أيامه يقول أكلت خبزا ولبست الثوب وأتوني بخبز وعجلوا بالخبز والخبز على المائدة قليل وأتوني بالثوب وعجلوا بالثوب ونحو ذلك ولا يريد في هذا النطق كله إلا ثوب القطن وخبز الشعير الذي جرت عادته بهما لصار له في لفظي الخبز والثوب عرف قولي ناسخ للغة فلا نحنثه بغير خبز الشعير وثياب القطن أيضا لكن لا من الحيثية الأولى بل من حيث تحقق العرف الناسخ للغة حينئذ فافهم المسألة الثانية لا خلاف بين ابن القاسم وأشهب في أن النقل العرفي مقدم على اللغة إذا وجد وإن\r","part":1,"page":255},{"id":257,"text":"اختلفا فيما إذا حلف لا يأكل رءوسا فقال الأول يحنث بجميع الرءوس وقال الثاني لا يحنث إلا برءوس الأنعام وذلك لأن مدرك أشهب أن أهل العرف قد نقلوا هذا اللفظ المركب أعني أكلت رءوسا لأكل رءوس الأنعام خاصة دون غيرها من بقية أنواع الرءوس بسبب كثرة استعمالهم لذلك المركب في هذا النوع خاصة دون بقية أنواع الرءوس ومدرك ابن القاسم أنه وإن سلم استعمال أهل العرف لذلك المركب في هذا النوع خاصة إلا أنه لم يسلم أن الاستعمال وصل إلى غايته الموجبة للنقل فإن الغلبة قد تقصر عن النقل ألا ترى أن أهل العرف يستعملون لفظ الأسد في الرجل الشجاع استعمالا مثيرا ولم يصل ذلك إلى حد النقل فإنه لا يفهم منه الرجل الشجاع إلا بقرينة وضابط النقل أن يصير المنقول إليه هو المتبادر الأول من غير قرينة وغيره هو المفتقر إلى القرينة فالخلاف إنما هو في وجود المناط هنا وعدم وجوده\rوقول كثير من الشراح والفقهاء إذا مر بهذه المسألة لا يحنث بغير رءوس الأنعام لأن عادة الناس يأكلون رءوس الأنعام دون غيرها ا ه محمول على ما سبق من أن الاقتصار على بعض مسمى اللفظ في الاستعمال الفعلي من جنس البساط فافهم\rالمسألة الثالثة\rمشهور فتاوى الأصحاب فيما إذا حلف بأيمان المسلمين تلزمه فحنث أنه يلزمه كفارة يمين وعتق ما عنده من الرقيق وإن كثروا وصوم شهرين متتابعين والمشي إلى بيت الله في حج أو عمرة وطلاق امرأته وفي كونه واحدة أو ثلاثا خلاف والتصدق بثلث المال ولا يلزمه اعتكاف عشرة أيام ولا\rالمشي إلى مسجد المدينة ولا لبيت المقدس ولا الرباط في الثغور الإسلامية ولا تربية اليتامى ولا كسوة العرايا ولا إطعام الجياع ولا شيئا من القربات غير ما تقدم ذكره فلاحظوا ما غلب الحلف به في العرف من تلك الأمور التي صارت تسمى كلها في العرف أيمانا\r","part":1,"page":256},{"id":258,"text":"وإن كان لفظ اليمين في اللغة هو القسم فقط ولم يلاحظوا أن عادتهم يفعلون مسمياتها وأنهم يصومون شهرين متتابعين أو يحجون أو غير ذلك من الأفعال نظرا للقاعدتين المذكورتين تقديم المسمى العرفي على المسمى اللغوي وعدم تقديم العرف الفعلي على المسمى اللغوي\rفلذا صرحوا وقالوا من جرت عادته بالحلف بصوم لزمه صوم سنة فجعلوا المدرك الحلف اللفظي دون العرف الفعلي وعلى هذا لو اتفق في وقت آخر اشتهار حلفهم بنذرهم الاعتكاف والرباط وإطعام الجيعان وكسوة العريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدم ذكرها لكان اللازم لهذا الحالف إذا حنث الاعتكاف وما ذكر معه دون ما هو مذكور قبله لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب في الأغراض في البياعات ونحو ذلك فإذا تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى حمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها وإذا كان الشيء عيبا في الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم نرد به وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه بينهم نعم قد يقع الخلاف بينهم في تحقيقه هل وجد أم لا\rقال الأصل وعرفنا اليوم ليس فيه الحلف بصوم شهرين متتابعين\rفلا تكاد تجد أحدا بمصر يحلف به فلا ينبغي الفتيا به وعادتهم يقولون عبدي حر وامرأتي طالق وعلي المشي إلى مكة ومالي صدقة إن لم أفعل كذا فتلزم هذه الأمور\rوعلى هذا القانون ترك الفتاوى على طول الأيام فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك ودون المقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح\r","part":1,"page":257},{"id":259,"text":"والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وجميع الصرائح والكنايات فقد يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية وقد تصير الكناية صريحا فتستغني عن النية ا ه وفي فتاوى الشيخ محمد عليش فيمن حلف بأيمان المسلمين ما دخل دار فلان ودخلها أنه تلزمه الثلاث وكفارة فقط إن لم تكن له نية وإلا لزمه ما نواه اتفاقا إذ هي من الكنايات ولم يجر العرف بالحلف بغير الله والطلاق كعرف أهل مصر الآن وإلا لزمه مقتضى الحنث في كل ما جرى به العرف ا ه هذا ولفظ اليمين وإن كان في القسم والطلاق ونحوهما مما جرى العرف باستعماله فيه من قبيل المشترك عرفا ومن قبيل الحقيقة\rوالمجاز لغة إلا أنه في قول الحالف أيمان المسلمين تلزمه ليس من قبيل استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه بحسب العرف ولا من قبيل الجمع بين الحقيقة والمجاز بحسب اللغة وإن قال الأصل به وبأن قاعدة جواز استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه والجمع بين المجاز والحقيقة كما هو المنقول عن مالك والشافعي وجماعة من العلماء نظرا لكون قرينة المجاز إنما تمنع من إرادة المعنى الحقيقي وحده كما نقله ابن القاسم عن التلويح لا بد من ملاحظتها في هذه المسألة أيضا\rوذلك لأن قاعدة تقديم المسمى العرفي على المسمى اللغوي تقتضي إبطال المسمى اللغوي فكيف يعتبر الجمع بين المجاز والحقيقة بحسبه واستعمال لفظ المشترك في جميع معانيه إنما يتحقق في لفظه المفرد لا الجمع كما هنا ألا ترى أن لفظ الزيدون رفعا والزيدين نصبا وجرا يدل على أشخاص متعددين وضع لكل واحد منهم لفظ زيد المفرد بأوضاع متعددة ولم يعدوه من قبيل استعمال المشترك في معانيه فتأمل بإنصاف\rالمسألة الرابعة\r","part":1,"page":258},{"id":260,"text":"قول الحالف أمان البيعة تلزمني إن ترتب عليه حكم فالمعتبر العرف الذي جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به في بيعتهم واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفا ومنقولا متبادرا للذهن من غير قرينة على القانون المتقدم فإن لم يكن ذلك فاللغة لا غير وإن لم يترتب عليه حكم فالمعتبر النية ثم السبب أو البساط ثم العرف ثم اللغة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والعشرون بين قاعدة النية المخصصة وبين قاعدة النية المؤكدة\rالصحيح إبدال المؤكدة بالمخرجة لأن النية لا تكون مؤكدة إلا بناء على ما توهم من أن حكم التخصيص بالنيات كحكم التخصيص بالألفاظ الدالة على المدلولات في اشتراط أن يكون المخصص منافيا للمخصص وإلا احتمال قصد التأكيد وقصد التخصيص على السواء فلا يعدل عن مقتضى العموم مع القول بأنه دليل لمجرد احتمال الخصوص أما إذا كانت المنافاة فيتعين المصير إلى التخصيص لاستحالة التناقض في كلام الشارع والأمر ليس كما توهم بل الصحيح في النظر أن النية تكون مخصصة وإن لم\rتكن منافية من جهة أن القواعد الشرعية تقتضي أنه لا تترتب الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات إلا على النيات والقصود وما ليس بمنوي ولا مقصود فهو غير معتد به ولا مؤاخذ بسببه وهذا أمر لا يكاد يجهله أحد من الشرع نعم إذا أطلق المطلق اللفظ العام ولا نية له ولا بساط ولا عادة صارفة حنثناه بكل فرد من أفراد العموم للوضع الصريح في ذلك وإن أطلقه ونوى جميع أفراده بيمينه حنثناه بكل فرد من أفراد العموم كذلك بالأولى للوضع الصريح في ذلك مع النية المؤكدة له وإن أطلقه ونوى بعض أفراده لفظه العام باليمين وغفل عن البعض الآخر فلم يتعرض له بنفي ولا إثبات حنثناه باللفظ المنوي ولم نحنثه بما عداه لأن نية الحالف أول معتبر فيما تقتضيه من تقييد لفظه المطلق وتخصيص لفظ العام ثم\r","part":1,"page":259},{"id":261,"text":"السبب والبساط وذلك لأنه إذا أنزل لفظ الحالف على ما يقتضيه السبب والبساط من تقييد اللفظ أو تخصيصه ولم يحنث بما عداه مع أن ذلك لم يكن كذلك إلا لأن السبب والبساط يدلان على قصد الحالف التقييد أو التخصيص فلأن يعتبر التقييد والتخصيص المنويان أولى من المستدل عليهما بالسبب والبساط فافهم\rوإن أطلق المطلق اللفظ العام وقال نويت إخراج بعض أنواعه عن اليمين كان استثناء بالنية دون النطق وفيه خلاف هل يجزئ أو لا قال صاحب الجواهر منشؤه أي الخلاف النظر إلى أنه من باب تخصيص العموم فيجزئ بالنية أو النظر إلى حقيقة الاستثناء فلا يجزئ إلا نطقا ا ه فظهر من هذا أن سر الفرق بين النية المخصصة تعتبر بلا خلاف وبين النية المخرجة هل تعتبر أو لا خلاف هو أن النية\rالمخصصة لما كانت أصلا يقاس عليه غيره كانت نصا في التخصيص لا تحتمل غيره فاعتبرت فيه بلا\rخلاف والنية المخرجة لما كانت تحتمل أنها من قبيل النية المخصصة أو من قبيل الاستثناء بالنية دون النطق جرى الخلاف في اعتبارها في التخصيص نظرا للاحتمال الأول أو عدم اعتبارها نظرا للثاني هذا\rتحقيق المقام على ما حرره ابن الشاط وبه يسقط جميع ما ذكره الأصل بناء على الوهم المار ذكره والله أعلم\rالفرق الثلاثون بين قاعدة تمليك الانتفاع وبين قاعدة تمليك المنفعة\r","part":1,"page":260},{"id":262,"text":"تمليك الانتفاع عبارة عن الإذن للشخص في أن يباشر هو بنفسه فقط كالإذن في سكنى المدارس والربط والمجالس في الجوامع والمساجد والأسواق ومواضع النسك كالمطاف والمسعى ونحو ذلك فلمن أذن له في ذلك أن ينتفع بنفسه فقط ويمتنع في حقه أن يؤاجر أو يعاوض بطريق من طرق المعاوضات أو يسكن غيره لبيت المدرسة أو غيره من بقية النظائر المذكورة معه وتمليك المنفعة عبارة عن الإذن للشخص في أن يباشر هو بنفسه أو يمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة وبغير عوض كالعارية كمن استأجر دارا أو استعارها فله أن يؤاجرها من غيره أو يسكنه بغير عوض وأن يتصرف في هذه المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم على جري العادة على الوجه الذي ملكه فهو تمليك مطلق في زمن خاص حسبما تناوله عقد الإجارة أو شهدت به العادة في العارية فمن شهدت له العادة في العارية بمدة كانت له تلك المدة ملكا على الإطلاق يتصرف كما يشاء بجميع الأنواع السائغة في التصرف في المنفعة في تلك المدة ويكون تمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب وصل في أربع مسائل تتعلق بهذا الفرق\r","part":1,"page":261},{"id":263,"text":"المسألة الأولى النكاح من حيث إن مقتضى عقده أن يباشر الزوج منفعته بنفسه خاصة وليس له أن يمكن غيره من تلك المنفعة لكونه ليس مالكا للمنفعة ولا لبضع الزوجة كان من باب تمليك الانتفاع لا من باب تمليك المنفعة المسألة الثانية الوكالة إن كانت بغير عوض كانت من باب تمليك الانتفاع لا من باب تمليك المنفعة لأنها تقتضي حينئذ أن الموكل ملك من الوكيل أن ينتفع به بنفسه ولم يملك منفعته فلا يجوز له أن يهب الانتفاع بذلك الوكيل لغيره بل ينتفع به بنفسه أو يهمله أو يعزله وإن كانت بعوض كانت من باب تمليك المنفعة لأنها حينئذ من باب الإجارة فللموكل بيع ما ملك وأن يمكن منه غيره ما لم يكن الموكل عليه لا يقبل البدل كتوكيله في بيع الرهن الذي عند مرتهن فإنه لا يقبل إبدال من وكل عليه بغيره لتعلق حق المرتهن بالوكيل وفي خصام إذا قاعد الوكيل الخصم كثلاث فإنه لا يقبل إبدال الوكيل كما في خليل وشرحه المسألة الثالثة عقد كل من القراض والمساقاة والمغارسة يقتضي أن رب المال ملك من العامل الانتفاع لا المنفعة بدليل أنه ليس له أن يعاوض على ما ملكه من العامل من غيره ولا يؤاجره ممن أراد بل يقتصر\rعلى الانتفاع بنفسه على الوجه الذي اقتضاه العقد وأما ما ملكه العامل في القراض والمساقاة فهو ملك عين لا ملك منفعة ولا انتفاع وتلك العين هي ما يخرج من ثمرة في المساقاة أو يحصل من ربح في القراض فيملك نصيبه على الوجه الذي اقتضاه العقد\rالمسألة الرابعة\r","part":1,"page":262},{"id":264,"text":"ظاهر قول الواقف وقفت هذا على أن يسكنه أو على سكنى طلبة العلم مثلا ولم يزد على ذلك يقتضي أنه إنما ملك الموقوف عليه الانتفاع بالسكنى دون المنفعة فليس للموقوف عليه أن يؤاجر غيره ولا أن يسكنه دائما أو المدة الطويلة ولا أن يجعله لخزن القمح أو غيره دائما أو المدة الطويلة وأما إنزال الضيف وخزن القمح وغيره المدة اليسيرة في المدارس والربط فيجوز ذلك لأهلها لأن العادة لما جرت بذلك دلت على أن الواقف يسمح في ذلك ومما يحمل على تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة الصيغة التي صدرت من الواقف تحتملها وشككنا في تناولها المنفعة لأن القاعدة أن الأصل بقاء الأملاك على ملك أربابها والنقل والانتقال على خلاف الأصل فلذا متى شككنا في رتب الانتقال حملناه على أدنى الرتب استصحابا للأصل في الملك السابق وعلى هذه القاعدة مسائل في المذهب وبالجملة فقول الواقف إما أن يكون نصا في تمليك المنفعة بنفسه كقوله ينتفع بالعين الموقوفة بجميع أنواع الانتفاع أو بالقرائن القائمة مقام التصريح بالمنفعة من الأمور العادية في الصيغة المحتملة فيجب حمله على المنفعة لا الانتفاع وإما أن يكون ظاهرا في تمليك الانتفاع كقوله وقفته على أن يسكن أو على السكنى ولم يزد على ذلك فيجب حمله على الانتفاع لا المنفعة كما إذا كان محتملا لتمليك الانتفاع أو تمليك المنفعة بلا قرينة حتى حصل الشك في تناولها للمنفعة لوجوب حمله حينئذ على أدنى الرتب استصحابا للأصل في الملك السابق للقاعدة المارة وكذلك يجري فيما كان من باب تمليك الأعيان وقد شهدت العادة وألفاظ الواقفين بقصره على جهة خاصة نحو ما يوقف في المدارس والخوانك من الصهاريج لماء الشرب فلا يجوز بيع\r","part":1,"page":263},{"id":265,"text":"الماء المذكور ولا هبته للناس ولا صرفه لنفسه في وجوه غريبة لم تجر العادة بها كالصبغ وبياض الكتان بأن يكون صباغا مبيضا للكتان فيصرف ذلك الماء في الصبغ والبياض دائما لأن العادة وألفاظ الواقفين شهدت بأنه موقوف للشرب فقط نعم يجوز صرفه للصبغ اليسير والبياض اليسير ونحوه ونحو الحصر والبسط المفروشة في المدارس والربط لا تستعمل الأوطاء فقط وليس للموقوف عليه أن يتخذها غطاء في زمن الشتاء لأن العادة وألفاظ الواقفين شهدت بذلك وكوقف الزيت للاستصباح ليس لأحد أن يأكله\rوإن كان من أهل الوقف كما لا يجوز للضيف أن يبيع الطعام المعد لضيافته ولا أن يملكه لغيره بل يأكله هو خاصة على جري العادة نعم له إطعام الهر اللقمة واللقمتين ونحوهما لشهادة العادة بذلك وقس على هذه المسائل ما يقع لك منها واحمل مسائل تمليك الانتفاع على بابها ومسائل تمليك المنفعة على بابها ومسائل تمليك الأعيان على الجهة التي قصرتها العادة وألفاظ الواقفين عليها وأجر المحتمل على أصل بقاء أملاك الواقفين على الموقوف على الأعيان والمنافع إلا ما دل الدليل على انتقاله عن أملاكهم والله أعلم\rالفرق الحادي والثلاثون بين قاعدتي حمل الإطلاق على التقييد في المطلق لا الكلية وفي الأمر لا النهي والنفي\r","part":1,"page":264},{"id":266,"text":"وذلك لأن العلماء وإن حكوا في حمل الإطلاق على التقييد الخلاف مطلقا وأن الحمل يفضي إلى العمل بدليلي الإطلاق والتقييد وأن عدم الحمل يفضي إلى إلغاء دليل التقييد إلا أن الأمر ليس كما قالوا على الإطلاق بل قاعدة الإطلاق والتقييد في المطلق وفي الأمر تباين قاعدته في الكلية والنهي والنفي وسر الفرق بين القاعدتين في الأبواب المتقدم ذكرها هو أن صاحب الشرع إذا قال أعتقوا رقبة ثم قال في موطن آخر رقبة مؤمنة كان مدلول قوله رقبة مطلقا فيصدق كلامه من جهة مقتضى الإطلاق بالأمر بواحد غير معين مما فيه الحقيقة فإذا أوقع واحدا أي واحد مما في تلك الحقيقة أجزأ وإن كان الوجود يقتضي التعيين لا الوجوب فمن أعتق سعيدا فقد أعتق رقبة ووفى بمقتضى هذا اللفظ فإذا أعتقنا رقبة مؤمنة فقد وفينا بمقتضى الإطلاق وهو مفهوم الرقبة وبمقتضى التقييد وهو وصف الأيمان فكنا جامعين بين الدليلين\rوإذا قال أخرجوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة كما جاء في الحديث في كل أربعين شاة شاة وورد بعد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الغنم السائمة الزكاة لم يكن تقييده الغنم الذي مدلوله الكلية والعموم بمقتضى كل لا الإطلاق بالسائمة فمن حمل الإطلاق على التقييد هنا فقد فاته الصواب بسبب أن الحمل يقتضي أن قيد السائمة خصص لفظ الغنم العام وأخرج منه جميع الأغنام المعلوفة والعموم يقتضي وجوب الزكاة فيها فلم يكن الحمل جامعا بين الدليلين بل تاركا لمقتضى العموم وحاملا له على التخصيص مع إمكان عدم التخصيص فلا يكون الدليل الدال على حمل الإطلاق على\rالتقييد موجودا ههنا وهو الجمع بين دليل الإطلاق ودليل التقييد ومن أثبت الحكم بدون موجبه ودليله فقد أخطأ بل هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي إما تخصيص العموم بذكر بعضه والصحيح عند العلماء أنه باطل لأن البعض لا ينافي الكل وإما تخصيص العموم بمفهوم اللقب الحاصل من قيد السوم في اعتباره وعدم اعتباره خلاف\r","part":1,"page":265},{"id":267,"text":"وكذلك إذا قال صاحب الشرع لا تعتقوا رقبة ثم قال لا تعتقوا رقبة كافرة لأن لفظ الرقبة الأول من صيغ العموم لأنه نكرة في سياق النهي والنكرة في سياقه كالنكرة في سياق النفي تعم فلو حملنا لفظ الرقبة الأول على الثاني المقيد بالكافرة لكان مخصصا للأول فيخرج منه الرقاب المؤمنة على امتناع العتق والعموم في الأول يقتضي عدم إخراجها فلم يكن في الحمل جمعا بين الدليلين بل التزام للتخصيص بغير دليل وإلغاء للعموم من غير موجب بخلاف هذه النكرة لو كانت في سياق الأمر فإنها حينئذ لا تكون عامة بل مطلقة فيكون حملها على نص التقييد جمعا بين الدليلين وبالجملة فحمل الإطلاق على التقييد إنما يتصور في المطلق لا في العموم ولا في الأمر وخبر الثبوت لا في النهي وخبر النفي لأن خبر النفي كقولنا ليس في الدار أحد يقع نكرة في سياق النفي فيعم فيئول الحال إلى الكلية والعموم دون الإطلاق وخبر الثبوت نحو في الدار رجل هو كالأمر لا تعم النكرة في سياقه بل تكون مطلقة فنص الإمام فخر الدين في المحصول وغيره من العلماء على التسوية بين الأمر والنهي ليس بصحيح فتأمل ذلك\r","part":1,"page":266},{"id":268,"text":"وصل في توضيح هذا الفرق بأربع مسائل المسألة الأولى حمل الإطلاق على التقييد في المطلق دون العام لا يراه الحنفية ويراه الشافعية و إنما تركوا أصلهم فيما ورد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب وورد أولاهن بالتراب لأن المطلق في هذا الحديث ورد مقيدا بقيدين متضادين لأنه كما ورد أولاهن ورد أخراهن وشرط العمل بهذا الأصل أن يقيد المطلق بقيد واحد لا بقيدين متضادين وإلا تساقطا لتعذر الجمع بينهما ما لم يترجح أحدهما باقتضاء القياس حمل المطلق عليه وهنا لم يقتض القياس الحمل على أحد القيدين حتى يترجح فوجب بقاء المطلق على إطلاقه فلم تترك الشافعية أصلهم لغير موجب خلافا لقاضي القضاة صدر الدين الحنفي وأما أصحابنا المالكية فلم يعرجوا على هذا الحديث المطلق ولا على قيديه بل اقتصروا على سبع من غير تراب قال الأصل وأنا متعجب من ذلك مع وروده في الأحاديث الصحيحة ا ه وفي حاشية حجازي على المجموع عند قوله ولا تتريب ما نصه لأنه لم يثبت في كل الروايات ومحل قبول زيادة العدل إن لم يكن غيره الذي لم يزد أوثق ولاختلاف الطرق الدالة عليه ففي بعضها إحداهن وفي بعضها أولاهن وفي بعضها أخراهن ا ه فتأمل قلت ومما ورد مطلقا ومقيدا بقيدين متضادين حديث الابتداء فقد ورد كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله تعالى فهو أبتر وورد ببسم الله إلخ وورد بالحمد لله فلذا كان المطلوب في ابتداء ذوات البال مطلق الذكر فتنبه\rالمسألة الثانية\r","part":1,"page":267},{"id":269,"text":"أخذ الشافعي بعموم الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما لم يقبض وخصص أصحابنا المنع بالطعام خاصة وجوزوا بيع غيره قبل قبضه أخذا بما ورد أيضا من نهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه ولهم في الأخذ به مدركان أحدهما أنه من باب حمل الإطلاق في الأول على التقييد في الثاني وثانيهما أن الأول عام والثاني خاص وإذا تعارض العام والخاص قدم الخاص على العام والمدركان باطلان أما الأول فلأن حمل الإطلاق على التقييد إنما يعتبر عند من يقول به في المطلق لا في العام ولفظ ما في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام ما لم يقبض عام فلا يصح حمله على تقييد الثاني لما علمت وأما الثاني فلأنه من باب تخصيص العموم بذكر بعضه وهو باطل كما تقرر في أصول الفقه فإنه لا منافاة بين ذكر الشيء وذكر بعضه والطعام هو بعض ما تناوله عموم ما لم يقبض في الحديث الأول فلا يصح تخصيصه به فبقيت المسألة مشكلة علينا ويظهر أن الصواب مع الشافعي المسألة الثالثة تمسك مالك رحمه الله تعالى بالإطلاق في قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك فقال من ارتد حبط عمله بمجرد ردته والشافعي رحمه الله تعالى يحمل إطلاقه على التقييد في قوله تعالى في الآية الأخرى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة\r","part":1,"page":268},{"id":270,"text":"وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون فقال لا يحبط عمله إلا بالوفاة على الكفر وما قاله الشافعي هو الأصح وإن ادعى الأصل أن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى وذلك لأنا وإن سلمنا أن الآية الثانية رتب فيها مشروطان هما الحبوط والخلود على شرطين هما الردة والوفاة على الكفر وأنه إذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع إلا أنا لا نسلم إمكان التوزيع حينئذ مطلقا ولو لم يصح استقلال كل من المشروطين بدون الآخر كما هنا لأنهما سبب ومسبب والسبب لا يستغني عن مسببه وبالعكس حتى يتأتى التوزيع هنا بجعل الحبوط لمطلق الردة والخلود لأجل الوفاة على الكفر فيبقى المطلق على إطلاقه ولا يتعين أن كل واحد من الشرطين شرط في الإحباط فلا تكون الآيتان من باب حمل المطلق على المقيد بل إنما يمكن التوزيع حينئذ بشرط أن يصح استقلال كل واحد من المشروطين عن الآخر فليس الأمر في دعواه كما زعم فافهم\rالمسألة الرابعة\rقول الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز التيمم بغير التراب تمسكا بأنه ورد قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وورد وترابها طهورا لا يصح سواء كان مدركه أنه من باب حمل المطلق على المقيد أو أنه من باب تخصيص العموم بذكر بعضه أما على الأول فلأن الأرض في\rالرواية الأولى عام كلية لا مطلق وقد تقدم أن حمل الإطلاق على التقييد إنما يصح في المطلق لا في العام وأما على الثاني فقد مر أن تخصيص العموم بذكر بعضه باطل فأصاب الشافعي من الإشكال في هذه المسألة ما أصاب أصحابنا في مسألة بيع الطعام قبل قبضه حرفا بحرف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والثلاثون بين قاعدة الإذن العام من قبل صاحب الشرع في التصرفات وبين إذن المالك الآدمي في التصرفات\rفي إسقاط الثاني الضمان دون الأول وسر الفرق هو أن الله تعالى تفضل على عباده فجعل أن كل واحد من حق الله تعالى وحق الآدميين","part":1,"page":269},{"id":271,"text":"موكول لمن هو منسوب له ثبوتا وإسقاطا فما هو حق لله تعالى صرف لا يتمكن العباد من إسقاطه والإبراء منه بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع وما هو حق للآدميين بتسويغه وتملكه وتفضله لا ينقل الملك فيه إلا برضاهم ولا يصح الإبراء منه إلا بإسقاطهم ولذلك لا يسقط الضمان في إتلافه إلا بإذنهم في إتلافه أو بالإذن في مباشرته على سبيل الأمانة وصل في توضيح هذا الفرق بمسألة فيها توارد الإذنين على شيء واحد وهي أن المكلف إذا اضطر إلى طعام غيره فأكله في المخمصة جاز وهل يضمن له القيمة أو لا قولان أما القول بوجوب الضمان وهو الأظهر والأشهر فلأن إذن المالك لم يوجد وإنما وجد إذن صاحب الشرع وهو لا يوجب سقوط الضمان وإنما ينفي الإثم\rوالمؤاخذة بالعقاب ولأن القاعدة أن الملك إذا دار زواله بين المرتبة الدنيا والمرتبة العليا حمل على الدنيا استصحابا بالملك بحسب الإمكان وانتقال الملك بعوض هو أدنى رتب الانتقال وهو أقرب لموافقة الأصل من الانتقال بغير عوض وعلى هذا القول فلا بد من الفرق المذكور وأما القول بعدم الضمان فلأن الدفع كان واجبا على المالك والواجب لا يؤخذ له عوض وعليه فلا فرق بين القاعدتين المذكورتين ومسألتا الوديعة والعارية اللتان ذكرهما الأصل هنا لبيان هذا الفرق فيما زعم لما لم يتوارد الإذنان فيهما على شيء واحد بل ورد الإذن العام فيهما على التصرف في غير الشيء المملوك للآدمي وترتب الضمان إنما هو سبب الفعل المأذون فيه وكان من حق هذا الفرق أن يترتب على\r","part":1,"page":270},{"id":272,"text":"توارد الإذنين على شيء واحد لم يكن لذكرهما في بيان هذا الفرق وجه وتوضيح ذلك أن مسألة الوديعة لا يضمنها المودع إذا شالها وحولها لمصلحة حفظها فسقطت من يده فانكسرت لأنه مأذون له في ذلك الفعل الذي به انكسرت ويضمنها إذا سقط عليها شيء من يده فانكسرت لأن صاحب الوديعة لم يأذن له في الفعل الذي به انكسرت والإذن العام من صاحب الشرع وإن وجد من حيث إنه أذن له في أن يتصرف في بيته لا يسقط الضمان كما تقدم تقريره ومسألة العارية لا يضمنها المستعير إذا سقطت من يده فانكسرت أو هلكت في العمل المستعارة له من غير عدوان ولا مجاوزة لما جرت به العادة في الانتفاع بتلك العارية لأن المعير أذن له فيما حصل به الهلاك ويضمنها إذا سقط من يده عليها شيء فأهلكها لعدم وجود إذن المعير في هذا التصرف الخاص\rوإنما وجد الإذن العام وهو لا يسقط الضمان كما تقدم تقريره والله أعلم\rالفرق الثالث والثلاثون بين قاعدة تقدم الحكم على سببه دون شرطه أو شرطه دون سببه وبين قاعدة تقدمه على السبب والشرط جميعا\rحيث إنهم لم يعتبروا تقدمه عليهما إجماعا واختلفوا في اعتباره إذا تقدم على أحدهما فقط وعدم اعتباره وبيان ذلك أن للحكم باعتبار السبب والشروط ثلاثة أقسام القسم الأول ما يكون له سبب بغير شرط فإذا تقدم عليه لا يعتبر إجماعا ويتضح بمسائل منها وجوب الظهر سببه الزوال فإذا صليت قبله لم يعتبر ظهرا ومنها الشفعة سببها بيع الشريك فإذا أسقطها قبل البيع لم يعتبر إسقاطها ومنها زكاة الحب سببها يبس الحب فإذا أخرجها قبل نضج الحب وظهوره لا تجزئه القسم الثاني ما يكون له سببان أو أسباب وله أربعة أحوال الحالة الأولى أن يتقدم على جميعها فلا\r","part":1,"page":271},{"id":273,"text":"يعتبر كالجلد له ثلاثة أسباب الزنا والقذف والشرب فمن جلد قبل ملابسة شيء من هذه الثلاثة لم يعتبر ذلك جلدا ولا زجرا بلا خلاف الحالة الثانية أن يتقدم على بعضها دون بعض فيعتبر بناء على السبب الخاص ولا يعتبر فقدان بقية الأسباب كجلد من لابس الزنا ولم يلابس القذف والشرب فإنه يعتبر جلدا وزجرا لأن شأن السبب أن يستقل بثبوت مسببه دون غيره من الأسباب بلا خلاف الحالة الثالثة أن يكون أحد سببيه سببا له والثاني سببا لسببه فيعتبر بينهما لا قبلهما إجماعا كالقصاص سببه زهوق الروح وسبب سببه إنفاذ المقاتل فيعتبر بينهما فيصح عفو منفوذ المقاتل عنه قبل زهوق روحه ويتعذر بعده لتحقق المانع من التصرف الذي هو عدم الحياة ولا يعتبر قبلهما الحالة الرابعة أن يكون أحد سببيه سببا له والثاني سببا لشرط سببه فيعتبر بينهما لا قبلهما كملك الورثة المترتب عليه إذنهم في التصرف في أكثر من الثلث سببه القرابة الخاصة على ما هو في كتاب الفرائض بشرط الموت وسبب شرط سببه المرض المخوف فتقدمه قبل التصرف كتقدم الشرط فيعتبر ملكهم بينهما لا قبلهما كإذنهم في التصرف في أكثر من الثلث وبعدهما يتعذر الإذن القسم الثالث أن يكون له سبب وشرط وله ثلاثة أحوال الحالة الأولى أن يتقدم على سببه وشرطه فلا يعتبر إجماعا الحالة الثانية أن يتأخر إيقاعه عن سببه وشرطه فيعتبر إجماعا\r","part":1,"page":272},{"id":274,"text":"يعتبر كالجلد له ثلاثة أسباب الزنا والقذف والشرب فمن جلد قبل ملابسة شيء من هذه الثلاثة لم يعتبر ذلك جلدا ولا زجرا بلا خلاف الحالة الثانية أن يتقدم على بعضها دون بعض فيعتبر بناء على السبب الخاص ولا يعتبر فقدان بقية الأسباب كجلد من لابس الزنا ولم يلابس القذف والشرب فإنه يعتبر جلدا وزجرا لأن شأن السبب أن يستقل بثبوت مسببه دون غيره من الأسباب بلا خلاف الحالة الثالثة أن يكون أحد سببيه سببا له والثاني سببا لسببه فيعتبر بينهما لا قبلهما إجماعا كالقصاص سببه زهوق الروح وسبب سببه إنفاذ المقاتل فيعتبر بينهما فيصح عفو منفوذ المقاتل عنه قبل زهوق روحه ويتعذر بعده لتحقق المانع من التصرف الذي هو عدم الحياة ولا يعتبر قبلهما الحالة الرابعة أن يكون أحد سببيه سببا له والثاني سببا لشرط سببه فيعتبر بينهما لا قبلهما كملك الورثة المترتب عليه إذنهم في التصرف في أكثر من الثلث سببه القرابة الخاصة على ما هو في كتاب الفرائض بشرط الموت وسبب شرط سببه المرض المخوف فتقدمه قبل التصرف كتقدم الشرط فيعتبر ملكهم بينهما لا قبلهما كإذنهم في التصرف في أكثر من الثلث وبعدهما يتعذر الإذن القسم الثالث أن يكون له سبب وشرط وله ثلاثة أحوال الحالة الأولى أن يتقدم على سببه وشرطه فلا يعتبر إجماعا الحالة الثانية أن يتأخر إيقاعه عن سببه وشرطه فيعتبر إجماعا\rالحالة الثالثة أن يتوسط بينهما فيختلف العلماء في كثير من صوره في اعتباره وعدم اعتباره ويوضح لك ذلك أربع مسائل\rالمسألة الأولى\r","part":1,"page":273},{"id":275,"text":"كفارة اليمين لها سبب وشرط فالسبب اليمين والشرط الحنث فلا تعتبر قبلهما إجماعا وتعتبر بعدهما إجماعا وفي إجزائها بينهما وعدم إجزائها قولان وسيأتي في الجزء الثاني تحقيق ذلك فترقب المسألة الثانية وجوب الزكاة له سبب وهو ملك النصاب وشرط وهو دوران الحول فيجزئ إخراج الزكاة بعدهما إجماعا لا قبل ملك النصاب إجماعا في الإجزاء وعدمه بعد ملك النصاب وقبل دوران الحول قولان المسألة الثالثة قال أصحابنا إذا أسقطت المرأة نفقتها عن زوجها بعد سببها الذي هو النكاح وقبل شرطها الذي هو التمكين فلها المطالبة بها بعد الإسقاط لأنه يشق على الطباع ترك النفقات فلم يعتبر صاحب الشرع الإسقاط لطفا بالنساء لا سيما مع ضعف عقولهن ولا ينافي هذا قول مالك ليس لمن تزوجت من تعلم بفقره طلب فراقه بعد ذلك وإن كان إسقاطا قبل العقد وقبل التمكين لأن المرأة في هذا\rالفرع قد سكنت نفسها سكونا كليا فلا ضرر عليها في الصبر على ذلك كما إذا تزوجته مجبوبا أو عنينا أو شيخا فانيا فلا مطالبة لها لفرط سكون النفس\rالمسألة الرابعة\rقال مالك للمرأة الرجوع والمطالبة في حقها من القسم في الوطء بعد إسقاطه لأن الطباع يشق عليها الصبر عن مثل ذلك بخلاف ما لو تزوجته مجبوبا أو عنينا أو شيخا فانيا فإنها لا مقال لها لتوطين النفس على ذلك قلت وبالجملة فسر الفرق هو أنه لا وجه لاعتبار الحكم قبل تحقق سببه وشرطه وأما القولان باعتباره وعدم اعتباره بعد أحدهما وقبل الآخر فلمراعاة المتقدم أو المتأخر والله أعلم\rالفرق الرابع والثلاثون بين قاعدة المعاني الفعلية وبين قاعدة المعاني الحكمية\r","part":1,"page":274},{"id":276,"text":"اعلم أن المعنى الفعلي عبارة عن وجود ذلك الفعل وتحققه في زمان وجوده دون زمان عدمه والمعنى الحكمي عبارة عن حكم صاحب الشرع على فاعل ذلك الفعل بعد عدمه بأنه من أهل ذلك الفعل وفي حكم الموصوف به دائما حق يلابس ضده ومن أمثلة ذلك الإيمان إذا استحضره الإنسان في قلبه فهو إيمان فعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك وحكم صاحب الشرع عليه بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين في الدنيا والآخرة فهو إيمان حكمي ومنها الكفر إذا استحضره الإنسان في قلبه فهو الكفر الفعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك وحكم صاحب الشرع بأنه كافر وله أحكام الكفار في الدنيا والآخرة من إباحة الدم واستحقاق العقوبات وغير ذلك فهو الكفر الحكمي ومنه قوله تعالى إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم فإن كل واحد لا يأتي يوم القيامة وهو كافر الكفر الفعلي لأن كل كافر عند المعاينة يضطر للإيمان فلا يأتي يوم القيامة إلا وهو مؤمن بالفعل والإيمان الفعلي ينافي الكفر الفعلي فهو غير كافر بالفعل غير أنه لا ينفعه ذلك الإيمان وإنما ينفعه إذا وقع قبل المعاينة والاضطرار إليه ومنها الإخلاص\r","part":1,"page":275},{"id":277,"text":"يقع من العبد في أول العبادة فيكون إخلاصا فعليا فإذا غفل عنه بعد ذلك وحكم صاحب الشرع عليه بأنه من المخلصين في الدنيا والآخرة كان إخلاصا حكميا حتى يخطر له الرياء وهو ضد الإخلاص فينفى ذلك الحكم كما ينتفي الحكم بالإيمان بسبب ملابسة الكفر وينتفي الحكم بالكفر بسبب ملابسة الإيمان ومنها النية في أول الصلاة والطهارة والصوم ونحو ذلك من العبادات إذا حصلت في قلب العبد فهي النية الفعلية فإذا غفل عنها في أثناء الصلاة أو غيرها من العبادات وحكم صاحب الشرع بأنه ناو وله أحكام الناوين لتلك العبادات حتى يفرغ منها وكذلك جميع المعاني المنهي عنها من الكبر والعجب وحب السمعة والإذلال وقصد الفساد وإرادة العناد ونحوه من المنهيات والمعاني المأمور بها من حب المؤمنين وبغض الكافرين وتعظيم رب العالمين والأنبياء المرسلين وقصد نفع الإخوان وإرادة البعد عن حرمات الرحمن وغير ذلك من المأمورات فكل من خطر بباله معنى من هذه المعاني ثم غفل عنها كان في حكم الشرع من أهل ذلك المعنى حتى يلابس ضده وكل من المعنى الفعلي والمعنى الحكمي وإن اشتركا في أنهما إنما يتناولان العبادات العاديات دون الطارئات والتلفيقات فإنها تحتاج إلى نية جديدة أبدا لعدمها فيها كما سيتضح إلا أنهما يفترقان من جهتين الجهة الأولى أن المعنى الحكمي يتحقق بعد عدم المعنى الفعلي وقبل ملابسة ضده والجهة الثانية أن المعنى الحكمي تابع وفرع للمعنى الفعلي وصل في توضيح هذا الفرق بخمس مسائل المسألة الأولى عدم الإيمان الفعلي عند الموت لا يضر ممن أخرس لسانه عند الموت وذهب عقله فلم ينطق بالشهادة عند الموت ولا أحضر الإيمان بقلبه ومات على تلك الحالة مات مؤمنا وعدم الكفر الفعلي عند الموت لا ينفع فمن حضرته الوفاة أخرس ذاهب العقل عاجزا عن الكفر في تلك الحالة لعدم صلاحيته له لا ينفعه ذلك وحكمه عند الله حكم الذين استحضروا الكفر في تلك الحالة بالفعل فالمعتبر ما تقدم من كفر","part":1,"page":276},{"id":278,"text":"وإيمان\rالمسألة الثانية\rإذا سها عن السجود في الركعة الأولى وعن الركوع في الركعة الثانية لا ينضاف سجود الثانية لركوع الأولى إلا أن يجدد قصد إضافته للأولى عند فعله لأمرين الأول أن النية الفعلية المقارنة لأول الصلاة إنما تناولت الفعل الشرعي لا بوصف كونه مرقعا بل بوصف كونه على مجاري العادة في الأكثر وإذا لم تتناول النية الفعلية الصلاة المرقعة الخارجة عن نمط العادة لم تتناولها النية الحكمية التي هي فرع الفعلية كذلك فبقيت المرقعة بغير نية فعلية ولا حكمية فاحتاجت إلى نية مجددة للترقيع الثاني أن المرقعة المتروك ركوعها وسجودها حتى ينضاف إليها سجود من ركعة أخرى غير مشروعة إجماعا وغير المشروعة قربة لا ينوى شرعا فليس فيها نية فعلية قطعا وكذلك ليس فيها نية حكمية قطعا فإن الشرع إنما يحكم باستصحاب ما تقدم من النية فإذا لم تتقدم نية شرعية لا يحكم الشرع باستصحابها قطعا فهذه المرقعة خالية من النية قطعا فتحتاج إلى نية إجماعا لأنه لا بد للصلاة من النية إجماعا المسألة الثالثة إذا نسي سجدة من الركعة الأولى ثم ذكر في آخر صلاته قام إلى ركعة خامسة بشرط أن يجدد لها نية بأنها عوض عن الأولى لأنها جزء من أجزاء الصلاة وكل جزء من أجزائها لا بد فيه من نية فعلية أو حكمية وهذه الركعة الخامسة ترقيع للركعة الأولى لا ركعة عادية مرتبة فلا تتناولها النية الفعلية المتقدمة أول الصلاة وكذلك الحكمية لأنها فرع الفعلية ومتى عري جزء من أجزاء الصلاة عن النية بطلت الصلاة ما لم تستدرك بالنية عن قرب فافهم المسألة الرابعة السبب في قول مالك رضي الله عنه في المدونة من بقيت رجلاه من وضوئه فخاض بهما نهرا فدلكهما فيه بيديه ولم ينو بهما تمام وضوءه لم يجز حتى ينويه ا ه هو أن النية الفعلية الأولى لم\r","part":1,"page":277},{"id":279,"text":"تتناول إلا الوضوء العادي فإن الإنسان أول العبادة أو الوضوء لا يقدم على ترقيع صلاته ولا ترقيع وضوئه بل إنما يقصد العبادة التي لا ترقيع فيها فالمرقعة وكذا المفرقة لم تتناولها النية الفعلية فكذلك الحكمية التي هي فرع الفعلية فبقي جزء العبادة بغير نية مطلقا فتبطل العبادة لاشتراط النية في كل أجزائها فعلية أو حكمية فلهذه القاعدة احتاج الترقيع أبدا إلى النية الفعلية تجدد له\rالمسألة الخامسة\rفي عدم التأثير لرفض النية في أثناء العبادات نظرا لكون النية التي حصل بها الرفض وإن كانت تضاد الفعلية الكائنة أول الصلاة ضرورة أن العزم على الفعل يضاد العزم على تركه إلا أنها لم تقارنها وتأثيره نظرا لكون النية التي حصل بها الرفض وهي العزم على ترك العبادة وإن لم تقارن النية الفعلية المضادة لها إلا أنها قارنت الحكمية التي هي فرعها وما ضاد الأصل يضاد الفرع بطريق الأولى فافهم كذا في الأصل قال الحطاب في شرحه على المختصر وهو صريح في أن الخلاف جار في كل من الوضوء والصلاة والصوم والحج بل صرح بذلك في كتابه الأمنية في إدراك النية وأنه جار في الرفض قبل كمال العبادة وبعد كمالها ونقله عن العبدي وهو مقتضى قول التوضيح على قول ابن الحاجب وفي تأثير رفضها بعد الوضوء روايتان ا ه هذا الخلاف جار في الوضوء والصلاة والصوم والحج وذكر القرافي عن العبدي أنه قال المشهور في الوضوء والحج عدم الرفض عكس الصلاة والصوم ومقتضى كلامه أن الخلاف جار بعد الفراغ من الفعل فإنه قال رفض النية من المشكلات لا سيما بعد كمال العبادة كما نقله العبدي فذكر الكلام السابق ثم قال والقاعدة العقلية أن رفع الواقع محال ا ه والفرق على المشهور بين الصلاة والصوم والحج\rوالوضوء أنه لما كان الوضوء معقول المعنى بدليل أن الحنفية لم توجب فيه النية والحج محتو على أعمال مالية وبدنية لم يتأكد طلب النية فيهما فرفض النية فيهما رفض لما هو غير متأكد\r","part":1,"page":278},{"id":280,"text":"وذلك مناسب لعدم اعتبار الرفض ولأن الحج لما كان عبادة شاقة ويتمادى في فاسده ناسب أن يقال بعدم تأثير الرفض دفعا للمشقة الحاصلة على تقدير رفضه ابن عبد السلام وكان بعض من لقيته من الشيوخ ينكر إطلاق الخلاف في ذلك ويقول إن العبادة المشترط فيها النية إما أن تنقضي حسا وحكما كالصلاة والصوم بعد خروج وقتهما أو لا تنقضي حسا وحكما كما في حال التلبس بها أو تنقضي حسا دون الحكم كالوضوء بعد الفراغ منه فإنه وإن انقضى حسا لكن حكمه وهو رفع الحدث باق فالأول لا خلاف في عدم تأثير الرفض فيه والثاني لا خلاف في تأثيره فيه ومحل الخلاف هو الثالث وهو أحسن من جهة الفقه لو ساعدت الأنقال ا ه وقد نص صاحب النكت في باب الصوم على خلافه فإنه نص على أنه لو رفض الوضوء وهو لم يكمله أن رفضه لا يؤثر إذا أكمل وضوءه بالقرب قال وكذلك الحج إذا رفض بعد الإحرام ثم قال فلا شيء عليه قال وأما إن كان في حيز الأفعال التي تجب عليه نوى الرفض وفعلها بغير نية كالطواف ونحوه فهذا رفض يعد كالتارك لذلك ا ه منه من موضعين قلت وهو مشكل فإن الإحرام سواء كان بحج أو عمرة أو بهما أو بإطلاق لا يرتفض ورفضه في أثنائه ولم أر في ذلك خلافا بل قال سند في كتاب الحج مذهب الكافة أنه لا يرفض وهو باق على حكم إحرامه وقال داود يرتفض إحرامه وهو فاسد لأن الحج لا ينعدم بما يضاده حتى لو وطئ بقي على إحرامه وغاية رفض العبادة أن يضادها فيما لا ينتفي مع ما يفسده لا ينتفي مع ما يضاده\rا ه\rوقال القرافي في الذخيرة في كتاب الحج إذا رفض إحرامه لغير شيء فهو باق عند مالك والأئمة خلافا لداود ولم يحك ابن الحاجب ولا ابن عرفة ولا غيرهما في ذلك خلافا وإذا لم يؤثر الرفض وهو في أثنائه فأحرى بعد كماله وأما الصلاة والصوم فظاهر كلام غير\r","part":1,"page":279},{"id":281,"text":"واحد أن الخلاف جار فيهما سواء وقع الرفض في أثنائهما أو بعد كمالهما قال ابن عرفة في كتاب الصلاة وفي وجوب إعادتها لرفضها بعد تمامها نقلا عن اللخمي ا ه وحكى غيره أنه إذا كان الرفض في أثناء الصلاة والصوم فالمعروف من المذهب البطلان وهو الذي جزم به صاحب النكت ولم يحك غيره وأما إذا كان الرفض في أثناء الوضوء وكمله بالقرب فالذي جزم به عبد الحق في نكته أن ذلك لا يضر وظاهر كلام المصنف في التوضيح أنه اعتمده هنا أي في المختصر حيث قال في فصل فرائض الوضوء ورفضها مغتفر وهو ظاهر إطلاقه وكلام صاحب الطراز وابن الجماعة يقتضي أنه يرتفض قال ابن ناجي وعليه الأكثر وأما إذا كان الرفض بعد الفراغ من العبادة فنقل صاحب الجمع عن ابن راشد أنه قال إن القول بعدم التأثير عندي أصح لأن الرفض يرجع إلى التقدير لأن الواقع يستحيل رفضه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه ولأنه بنفس الفراغ من الفعل سقط التكليف به ومن ادعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل ا ه وفي كلام صاحب الطراز في باب غسل الجنابة ما يقتضي أن العبادة كلها الوضوء والغسل والصلاة والصوم والإحرام لا يرتفض شيء منها بعد كماله وقال ابن جماعة التونسي ورفض الوضوء إن كان بعد تمامه لا يرتفض وكذلك الغسل والصلاة والصوم والحج\rا ه\r","part":1,"page":280},{"id":282,"text":"وقال ابن ناجي في شرح المدونة في أواخر باب الغسل واختلف إذا رفض النية بعد الوضوء على قولين لمالك والفتوى بأنه لا يضر لأن ما حصل استحال رفعه ا ه وكلام القرافي في كتاب الأمنية أي وكذا في الفروق أن المشهور أن الرفض في الصلاة والصوم يؤثر ولو بعد الكمال ولكنه استشكل ذلك بأنه يقتضي إبطال جميع الأعمال وبحث فيه وأطال وقال في آخر كلامه إنه سؤال حسن لم أجد ما يقتضي اندفاعه فالأحسن الاعتراف بذلك وقول ابن ناجي في ترجمة ما لا يجب منه الوضوء رفض الطهارة ينقضها في رواية أشهب عن مالك لأنه روي عنه من تصنع لنوم فعليه الوضوء وإن لم ينم قال الشيخ أبو إسحاق هذا يدل على أن رفض الوضوء يصح وابن القاسم يخالف في هذا ويقول هو كالحج لا يصح رفضه وجه رواية أشهب أن هذه عبادة يبطلها الحدث فصح رفضها كالصلاة ووجه قول ابن القاسم أن هذه طهارة فلم تبطل بالرفض كالطهارة الكبرى ا ه ظاهر في أن الغسل لا يرتفض بلا خلاف ا ه كلام الحطاب بتصرف ومحصله مع زيادة بيان ما في رفض التيمم والاعتكاف قول الأمير في المجموع وشرحه وارتفض وضوء وغسل في الأثناء على الراجح فقط ويغتفر بعد الفراغ وعليه يحمل الأصل كصلاة وصوم في الأثناء اتفاقا\r","part":1,"page":281},{"id":283,"text":"وقيل ورجح أيضا يرتفض هذان مطلقا ولو بعد الفراغ ولا يرتفض حج أو عمرة مطلقا لمظنة المشقة ولا يقال يأتنف إحراما صحيحا ويترك ما رفضه لأن فاسدهما يجب إتمامه وقضاؤه والتيمم وإن كان طهارة ضعيفة والاعتكاف وإن احتوى على الصوم كالوضوء على الظاهر ويحتمل رفض الأول مطلقا وجريان الثاني على الصوم ا ه بزيادة من ضوء الشموع والسعي والطواف كالصلاة فيما ذكر كما في حاشية شيخنا على منسك الوالد وبالجملة فالحقائق عشرة وضوء وغسل وتيمم واعتكاف وصلاة وصوم وحج وعمرة وطواف وسعي ولا خلاف في رفض ما عدا الحج والعمرة والوضوء والتيمم والاعتكاف في الأثناء ولا في عدم رفض الحج والعمرة مطلقا ولا في عدم رفض الغسل بعد الفراغ وإنما الخلاف في رفض الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والاعتكاف والطواف والسعي بعد الفراغ وفي رفض الوضوء والتيمم والاعتكاف في الأثناء قال أبو إسحاق\rالشاطبي في الموافقات أثناء المسألة التاسعة من الأسباب في القسم الثاني من قسمي الأحكام ما توضيحه\r","part":1,"page":282},{"id":284,"text":"والحق صحة الرفض في أثناء جميع العبادات لا بعد كمالها على شروطها لأن معناها في الأثناء أنه كان قاصدا بالعبادة امتثال الأمر ثم أتمها على غير ذلك بل بنية أخرى ليست بعبادته التي شرع فيها كالمتطهر ينوي رفع الحدث ثم ينسخ تلك النية بنيته التبرد أو التنظف من الأوساخ البدنية ومعناه بعد كمالها على شروطها قصده أن لا تكون عبادة ولا يترتب عليها حكمها من إجزاء أو استباحة أو غير ذلك وهو غير مؤثر فيها بل هي على حكمها لو لم يكن ذلك القصد وخلاف الفقهاء في رفض الوضوء وكذا التيمم بعد الكمال غير خارج عن هذا الأصل من جهة أن الطهارة هنا لها وجهان في النظر فمن نظر إلى فعلها على ما ينبغي قال إن استباحة الصلاة بها لازم ومسبب عن ذلك الفعل فلا يصح رفعه إلا بناقض طارئ ومن نظر إلى حكمهما أعني حكم استباحة الصلاة مستصحبا إلى أن يصلي وذلك أمر مستقبل فيشترط فيه استصحاب النية الأولى المقارنة للطهارة وهي منسوخة بنية الرفض المنافية لها فلا يصح استباحة الصلاة الآتية بها لأن ذلك كالرفض المقارن للفعل وما قارن الفعل مؤثر فكذلك ما شابهه فلو انتفت المشابهة بأن رفض نية الطهارة بعدما أدى بها الصلاة وتم حكمها لم يصح أن يقال إنه يجب عليه استئناف الطهارة والصلاة فكذلك من صلى ثم رفض تلك الصلاة بعد السلام منها وقد كان أتى بها على ما أمر به فإن قال من تكلم في الرفض في مثل هذا فالقاعدة ظاهرة في خلاف ما قال\rا ه\r","part":1,"page":283},{"id":285,"text":"قلت ولما لم يجر هذان الوجهان في الغسل لما سيأتي من أن لزوم الوضوء له إنما هو في الابتداء فقط لأن اللزوم بينهما مشروط بعدم طرءان الناقض في أثناء الغسل جزم الفقهاء بعدم رفضه بعد كماله بلا خلاف وكذلك الاعتكاف لما لم يجر فيه هذان الوجهان كما لا يخفى قال الشيخ يوسف الصفتي الظاهر رفضه في الأثناء لا بعد الكمال وقد استثنى الفقهاء من هذا الأصل الحج والعمرة فأجمعوا على عدم تأثير الرفض فيهما مطلقا لما مر عن الأمير من مظنة المشقة مع وجوب إتمام فاسدهما وقضائه فافهم قال عبق والرفض لغة الترك والمراد به هنا تقدير ما وجد من العبادة كالعدم وفي شرح المجموع وضوء الشموع واستظهر شب جواز الرفض كالنقض ولعل أقله الكراهة فإن شأن النقض الحاجة وفي المحشي حمل ولا تبطلوا أعمالكم على المقاصد وظاهره عموم المقاصد التي هي السبعة في قول ابن عرفة فيما يجب من النوافل بالشروع صلاة وصوم ثم حج وعمرة طواف عكوف وائتمان تحتما وفي غيرها كالطهر والوقف خيرن فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما قلت أو على ما يعم الوسائل مع رفع المقاصد بغير هذا كالرياء كما ذكره المفسرون فجعلوه كقوله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ثم إن الرفض المضر الإفساد المطلق أما إن أراد حدثا أثناء الوضوء فلم يفعل فالظاهر أنه كرفع نية الصائم لأكل شيء معين فلم يجده ويأتي أنه لا يضر لأنه في الحقيقة عزم على إفساد لم يحصل لا إفساد بالفعل ا ه كلام الأمير قلت\rوهذا يخالف ما مر في كلام الحطاب من رواية أشهب عن مالك من تصنع لنوم فعليه الوضوء وإن لم ينم نعم في شرح المواق على المختصر وضعف المازري واللخمي وغيرهما قول مالك من تصنع لنوم فلم ينم توضأ قال اللخمي على هذا يجب الغسل على من أراد الوطء فكف ابن عرفة يشبه إرادة الفطر أثناء الصوم الرفض أثناء الوضوء لا بعده ا ه بلفظه والله أعلم\rالفرق الخامس والثلاثون بين قاعدة الأسباب الفعلية وقاعدة الأسباب القولية\r","part":1,"page":284},{"id":286,"text":"والأسباب الفعلية كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والأسباب القولية كالبيع والهبة والصدقة والقراض وكل ما هو في الشرع من الأقوال سبب انتقال الملك وافترقت هاتان القاعدتان من وجوه أحدها أن الفعلية تصح من السفيه المحجور عليه دون القولية الثاني أن الفعلية لا تقع إلا نافعة مفيدة غالبا بخلاف القولية الثالث أن الفعلية قد تكون لها داعية تدعو لها من جهة الطبع بخلاف القولية الرابع أن الفعلية لا تستعقب مسبباتها والقولية تستعقبها الخامس أن الملك بالفعلية على أصل مالك رحمه الله تعالى ضعيف يزول بمجرد زوال ذلك الفعل وفي القولية قوي لا يزول إلا بسبب ناقل وليس الأمر كذلك على أصل الشافعي السادس أن قاعدة تقديم الأخص على الأعم إنما تأتى في الفعلية دون القولية وصل في توضيح هذا الفرق بخمس مسائل المسألة الأولى من حيث إن الأسباب الفعلية لا تقع إلا نافعة مفيدة غالبا جعلها الشرع معتبرة حتى في حق المحجور عليه ولم يجعل لسفهه أثرا في تلك الأسباب تحصيلا لمصالحها وأما الأسباب القولية فمن حيث إنها موضع المماسكة والمغالبة ولا بد فيها من آخر ينازعه ويجاذبه إلى الغبن والمحجور لضعف\r","part":1,"page":285},{"id":287,"text":"عقله في ذلك يخشى عليه من ذلك ضياع مصلحة عليه لم يعتبرها الشرع منه لعدم تعين مصلحتها فيملك المحجور عليه جميع ما يصطاده أو يحتشه أو يحتطبه أو يستقيه لترتب الملك له على هذه الأسباب الفعلية بخلاف ما لو اشترى أو قبل الهبة أو الصدقة أو قارض أو غير ذلك من الأسباب القولية فإنه لا يترتب له عليه ملك المسألة الثانية الفرق بين وطء المحجور عليه أمته وهو سبب فعلي يقتضي العتق ويصيرها أم ولد وبين عتقه عبده وهو سبب قولي لا ينفذ عند صاحب الشرع لا سيما المنجز هو أن السبب الفعلي الذي هو الوطء لما كانت نفس المحجور عليه تدعوه إلى وطء أمته فلو منعناه منها لأدى ذلك إلى وقوعه في الزنا بأن يطأها وهي محرمة عليه فيقع في عذاب الله تعالى فيلزم على المنع منه ذلك المحذور جوزه الشرع له وهو سبب تام للعتق عند موت السيد والسبب التام إذا أذن فيه من قبل صاحب الشرع وجب أن يترتب عليه مسببه لأن وجود السبب المأذون فيه دون المسبب خلاف القواعد فلذا وجب أن يقضى باستحقاق أمة المحجور عليه العتق عند موت سيدها حيث وطئها وولدت له وأما السبب القولي الذي هو العتق فإنه لما كان لا داعية تدعو المحجور عليه لعتق عبده أو أمته من جهة الطبع فلا يلزم على منعه منه محذور لم يجوزه له الشرع والسبب إذا لم يأذن فيه صاحب الشرع يكون كالمعدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا فلا يترتب عليه أثره المسألة الثالثة في كون الفعلية أقوى لنفوذها من المحجور عليه ومن غيره أو القولية أقوى بدليل أن العتق بالقول يستعقب العتق والعتق بالوطء لا يستعقب العتق والسبب الذي يستعقب مسببه أقوى مما لا يستعقبه خلاف\r","part":1,"page":286},{"id":288,"text":"المسألة الرابعة الملك بالإحياء على أصل مالك ضعيف يبطل بمجرد زوال الإحياء عنه وكذلك يزول الملك بمجرد توحش الصيد بعد حوزه والحمام بعد إيوائه والنحل بعد ضمه بجبحه وبمجرد انفلات السمكة في البحر فتكون لغير صائدها الأول إذا صادها والملك بنحو الشراء قوي لا يبطل إلا بسبب ناقل أما الشافعي فلا يزيل الملك بزوال الإحياء ونحوه فلا مقال معه المسألة الخامسة نص أصحابنا على أن السفينة إذا وثبت فيها سمكة في حجر إنسان فهي له دون صاحب السفينة جريا على قاعدة تقديم الأخص على الأعم لأن حوز هذا الإنسان أخص من حوز صاحب السفينة لأن حوز السفينة يشمل هذا الإنسان وغيره وحوز هذا الإنسان لا يتعداه فهو أخص بالسمكة من صاحب السفينة والقاعدة أن الأخص مقدم على الأعم ولهذا نظائر في الشريعة منها المصلي لا يجد إلا نجسا وحريرا يصلي في الحرير فقط فيقدم النجس في الاجتناب لأن تحريمه أخص من تحريم الحرير إذ تحريم الحرير يشمل المصلي وغيره وتحريم النجس خاص بالمصلي والأخص مقدم على الأعم ومنها المحرم لا يجد ما يقوته إلا ميتة أو صيدا تباح له الميتة فقط فيقدم الصيد في الاجتناب على الميتة لأن تحريم الصيد أخص بالإحرام من الميتة إذ تحريم الميتة يشمل الحاج وغيره والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":1,"page":287},{"id":289,"text":"الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه صلى الله تعالى عليه وسلم بالقضاء وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة لما كان سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خير المرسلين وإمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء وقد فوض الله تعالى إليه في رسالته جميع المناصب الدينية كان صلى الله تعالى عليه وسلم أعظم من كل من تولى منصبا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة نعم غالب تصرفه صلى الله تعالى عليه وسلم بالتبليغ لأن وصف الرسالة غالب عليه ثم إن تصرفاته صلى الله تعالى عليه وسلم منها ما يجمع الناس على أنه بالتبليغ والفتوى ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة ومنها ما يختلف الناس فيه لتردده بين رتبتين فأكثر فمنهم من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى وتحرير الفرق بين هذه القواعد الثلاث وبينها وبين الرسالة هو أن المتصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه وإما أن يكون بتنفيذه فإن كان تصرفه فيه بتعرفه فذلك هو الرسول إن كان هو المبلغ عن الله تعالى وتصرفه هو الرسالة وإلا فهو المفتي وتصرفه هو الفتوى وإن كان تصرفه فيه بتنفيذه فإما أن يكون تنفيذه ذلك بفضل\rقضاء وإبرام وإمضاء فذلك هو القاضي وتصرفه هو القضاء وإما أن لا يكون تنفيذه بفصل قضاء وإبرام وإمضاء فذلك هو الإمام وتصرفه هو الإمامة\rفائدة\r","part":1,"page":288},{"id":290,"text":"الرسول يجب عليه أن يطلب الجاهل ليعلمه بخلاف العالم فلا يجب عليه ذلك بل الواجب على الجاهل أن يطلب العالم ليعلمه كما قال النووي لأن الأحكام يقررها الرسول على الناس فليبحثوا بعد عمن يعلمهم نعم يجب على العالم الإجابة بعد الطلب وكل هذا ما لم يشاهد منكرا من الجاهل فيجب حينئذ المبادرة للتعليم والتغيير حسب الإمكان أفاده الأمير علي عبد السلام علي الجوهري وصل في زيادة توضيح هذا الفرق بأربع مسائل المسألة الأولى كل ما تصرف فيه عليه الصلاة والسلام بوصف الإمامة الذي هو التنفيذ لا على وجه فصل القضاء والإبرام والإمضاء كبعث الجيوش لقتال الكفار والخوارج ومن تعين قتاله وصرف أموال بيت المال في جهاتها وجمعها من محالها وتولية القضاة والولاة العامة وقسمة الغنائم وعقد العهود للكفار ذمة وصلحا لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه الصلاة والسلام ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون وصف التبليغ الذي هو التعريف يقتضي ذلك وكل ما تصرف فيه عليه الصلاة والسلام بوصف القضاء الذي هو التنفيذ على وجه القضاء والإبرام والإمضاء كفصله صلى الله تعالى عليه وسلم بين اثنين في دعاوى الأموال وأحكام الأبدان ونحوها بالبينات أو الأيمان والنكولات ونحوها لا يجوز لأحد أن\rيقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به صلى الله تعالى عليه وسلم ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه صلى الله تعالى عليه وسلم بوصف القضاء يقتضي ذلك وكل ما قاله صلى الله تعالى عليه وسلم أو فعله على سبيل التبليغ والفتوى الذي هو التعريف لا على وجه كونه المبلغ عن الله تعالى كتصرفه صلى الله تعالى عليه وسلم في العبادات بقوله أو بفعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني فأجابه فيه يكون حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة\r","part":1,"page":289},{"id":291,"text":"فإن كان مأمورا به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح وإن كان منهيا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه وهذه المواطن لا خفاء فيها وأما مواضع الخفاء والتردد ففي بقية المسائل المسألة الثانية اختلف العلماء رضي الله تعالى عنهم في كون قوله صلى الله تعالى عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له تصرفا بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يحيي إذن الإمام في ذلك الإحياء أم لا وهو مذهب مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما وهو الراجح لأن الغالب في تصرفه صلى الله تعالى عليه وسلم الفتيا والتبليغ والقاعدة أن إضافة الدائر بين الغالب والنادر إلى الغالب أولى أو كونه تصرفا منه عليه الصلاة والسلام بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وليس ما نحن فيه تفرقة مالك بين ما قرب من العمارة فلا يحيا إلا بإذن الإمام وبين ما بعد فيجوز بغير إذنه بل هو من قاعدة أخرى وهي أن ما\rقرب من العمران يؤدي إلى التشاجر والفتن وإدخال الضرر فلا بد فيه من نظر الأئمة دفعا لذلك المتوقع كما تقدم وما بعد من ذلك لا يتوقع فيه شيء من ذلك فيجوز المسألة الثالثة اختلف العلماء في كون قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له صلى الله تعالى عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني\rما نصه خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف تصرفا بطريق الفتوى فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به\r","part":1,"page":290},{"id":292,"text":"وهو مذهب الشافعي أو كونه تصرفا بالقضاء فلا يجوز لأحد أن يأخذ حقه أو جنسه إذا تعذر أخذه من الغريم إلا بقضاء قاض وهو مشهور مذهب مالك وحجته أنها دعوى في مال على معين فلا يدخله إلا القضاء لأن الفتاوى شأنها العموم وحجة الشافعي ما روي أن أبا سفيان كان بالمدينة والقضاء على الحاضرين من غير إعلام ولا سماع حجة لا يجوز فيتعين أنه فتوى وهذا هو ظاهر الحديث كذا قال الأصل وفي جعله عدم جواز أخذ أحد حقه أو جنسه إذا تعذر أخذه من الغريم إلا بقضاء قاض هو مشهور مذهب مالك وإن وافق ظاهر قول خليل في باب الوديعة وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها ا ه مخالفة لقول خليل في باب الشهادة بعد هذا وإن قدر على شيئه فله أخذه إن يكن غير عقوبة وأمن فتنة ورذيلة ا ه قال المواق وحاصل كلام اللخمي وابن يونس وابن رشد والمازري ترجيح الأخذ ا ه\rوفي منح الجليل ما حاصله أن عبق والخرشي قررا أن مراد خليل بشيئه ما يشمل عينه أو غير عينه ولو من غير جنسه على ظاهر المذهب قاله ابن عرفة ويدل له قول خليل أن يكون غير عقوبة لأنها لا يمكن أخذ عينها فلو أراد خليل بشيئه عينه خاصة لم يحتج لقوله إن يكن غير عقوبة لعدم شمول عين شيئه لها فيحمل شيؤه على حقه الشامل لعين شيئه وعوضه فيحتاج إلى إخراج العقوبة وشمل كلامه الوديعة وهو المعتمد وما قدمه في بابها من قوله وليس له الأخذ إلخ\r","part":1,"page":291},{"id":293,"text":"ضعيف ا ه قال البناني وسلمه الرهوني وكون ما قرر به عبق هو الظاهر وما قاله طفى وصوبه من حمل ما هنا على عين شيئه إذ هو المتفق عليه وأما غير عين شيئه ففيه أقوال مشى فيه خليل منها فيما تقدم في الوديعة على المنع فغير ظاهر لأن أظهر الأقوال عند ابن عرفة الإباحة ا ه ونقل كنون عن التوضيح باختصار أن الدعوى إنما يحتاج إليها من لا يقدر على أخذ متاعه وإلا جاز له أخذه أي بشرطيه من غير رفع إلى الحاكم لأن المقصود من الرفع إنما هو الوصول إلى الحق فإذا أمكن بدونه فالرفع إليه عناء وربما لم يجد الرافع بينة فيؤدي إلى ضياع ماله وهو ضد ما أمر به من حفظه ا ه قال ونحوه لابن عبد السلام ا ه ولله در الشيخ محمد العاقب بن ما يأبى رحمه الله تعالى حيث قال إذا وجد المظلوم بالمطل قدرة على أخذ حق لازم لمطول فأخذ جميع الحق أو ما ينوبه مع الغير ما عن محله من عدول بذا صرح الزرقاني قدس سره وسلمه البناني حبر النقول ومن يدعه باسم الفضولي بعدما أبيح له ذا الأخذ فهو الفضولي المسألة الرابعة اختلف العلماء في كون قوله صلى الله تعالى عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه تصرفا بالفتوى عملا بالغالب من تصرفه صلى الله تعالى عليه وسلم فيستحل كل أحد سلب المقتول ولو لم يقل الإمام ذلك أو كونه تصرفا بالإمامة فلا يستحل أحد سلب المقتول إلا أن يقول الإمام ذلك وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى وإن خالف أصله الذي قاله في الإحياء وهو أن غالب تصرفه صلى الله تعالى عليه وسلم بالفتوى نظرا لأمور منها أن الغنيمة أصلها أن تكون للغانمين لقوله عز وجل واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وإخراج السلب من ذلك خلاف هذا الظاهر ومنها أن ذلك ربما أفسد الإخلاص عند المجاهدين فيقاتلون لهذا السلب دون نصر كلمة الإسلام ومنها أنه يؤدي إلى أن يقبل على قتل من له سلب دون غيره فيقع التخاذل في الجيش وربما كان قليل السلب أشد نكاية على المسلمين فلأجل هذه الأسباب ترك","part":1,"page":292},{"id":294,"text":"مالك رحمه الله تعالى هذا الأصل هنا فتأمل هذا القانون وهذه الفروق لتخرج عليه ما يرد عليك من هذا الباب من تصرفاته صلى الله تعالى عليه وسلم فهو من الأصول الشرعية والله أعلم\rالفرق السابع والثلاثون بين قاعدة تعليق المسببات على المشيئة وقاعدة تعليق سببية الأسباب على المشيئة\r","part":1,"page":293},{"id":295,"text":"اعلم أن المسببات هي ما علق على مثل الدخول والكلام من الطلاق والعتاق والنذر وغيرها في نحو قوله أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله أو إن دخلت الدار إن شاء الله فعبدي حر أو إن كلمت زيدا فعلي الحج إلى بيت الله الحرام إن شاء الله وحصل الدخول والكلام والأسباب هي نحو الدخول والكلام المعلق عليه ما ذكر من الطلاق وغيره وقد فرقوا في المذهب بين أن يعيد المشيئة في الأمثلة المذكورة للدخول أو الكلام أي لجعله سببا للطلاق وغيره فلا يلزمه الطلاق والعتاق والنذر وغيرها بلا خلاف لأن الدخول ونحوه من أسباب الأحكام التي وكلها الله لخيرة خلقه فحيث أعاد المشيئة له ولم يجزم بجعله سببا للطلاق وغيره نفعه وبين أن يعيد المشيئة للطلاق أو العتاق والنذر فيلزمه على المشهور وهو مذهب ابن القاسم بناء على أصله من اعتبار الشك في العصمة والعتق والنذر ونحوها فيقع الطلاق ويلزم العتق والنذر لأن الطلاق ونحوه من أسباب الأحكام التي لم يكلها الله تعالى لخيرة خلقه فلا يتأتى فيها عدم الجزم بجعلها أسبابا لمسبباتها الشرعية فافهم وبيان الشك هنا أن متعلق المشيئة الذي هو الطلاق أي حل العصمة والعتق والنذر أمر اعتباري لا وجود له في الخارج حتى تعلم فيه مشيئة الله عز وجل بأنه أراد الطلاق والعتاق والنذر على التعيين أم لا ولا طريق لنا إلى التوصل إلى ذلك فالمشيئة عندنا لا تؤثر إلا في اليمين بالله تعالى دون الطلاق والعتاق وغيرهما وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه عنه تؤثر المشيئة في الجميع كذا قال الأصل وهو مبني على ما بسطه فيما تقدم في الفرق بين الشرط اللغوي وغيره من الشروط من حمل قول ابن القاسم بأن المشيئة إذا عادت للمسببات من طلاق وغيره لا تؤثر إلا في اليمين\rبالله تعالى بناء على أصله من اعتبار الشك في العصمة كما علمت\r","part":1,"page":294},{"id":296,"text":"وقول عبد الملك بأنها إذا عادت للمسببات من طلاق وغيره أثرت فيها كاليمين بالله تعالى بناء على أصله من إلغاء الشك في العصمة والعتق والنذر وغيرها على الاختلاف وحمل قولي ابن القاسم وعبد الملك بأنها إذا عادت لنحو الدخول والكلام لا تنفعه أو تنفعه على الوفاق مطلقا ولو احتمل المثال رجوعه للمعلق عليه وادعاه مع البينة بأن يوفق بينهما بما حاصله أنه لو جزم بجعل المعلق عليه سببا للطلاق ونحوه لم ينفعه الاستثناء كما قال ابن القاسم ولو لم يجزم بجعله سببا نفعه كما قال عبد الملك إذ الفعل من أسباب الأحكام التي وكلها الله تعالى لخيرة خلقه وهو خلاف التحقيق وقد تقدم بسط الكلام على ذلك وبيان ما هو التحقيق في ذلك الفرق فلا حاجة إلى التطويل بإعادته والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والثلاثون بين قاعدة النهي الخاص وبين قاعدة النهي العام\rحيث اعتبر وتقديم العام على الخاص وابتناء الخاص عليه في حالة واحدة وهي حالة عدم تنافيهما ولا مناسبة لأحدهما يختص بها دون الآخر كقوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق لا تقتلوا الرجال وذلك لأنهما حينئذ من قاعدة ذكر بعض العام والصحيح عند العلماء أنه لا يخصصه كان أمرا أو نهيا أو خبرا فإن جزء الشيء لا ينافيه فلذا قالوا إن المثال لا يخصص القاعدة وقيل على شذوذ أنه يخصصه من طريق المفهوم فإن ذكر الرجال يقتضي مفهومه قتل غيرهم واعتبروا تقديم الخاص على العام وابتناء العام عليه في حالتين أحدهما تنافيهما في نحو قوله لا تقتلوا بني تميم لا تبقوا من رجالهم أحدا حيا فحكموا بقتل رجالهم دون غيرهم على القاعدة في تقديم الخاص على العام في النصوص المتعارضة وغيرها من الأدلة وثانيهما عدم تنافيهما ولأحدهما مناسبة تخصه في متعلقه وذلك لأنهما حينئذ من قاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعينة أقوى مما هو عام لا يتعلق بخصوص تلك الحالة فيقدم في الاجتناب على العام ويوضح ذلك ثلاث مسائل\r","part":1,"page":295},{"id":297,"text":"364\rالمسألة الأولى إذا اضطر المحرم إلى أكل الميتة المحرم بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة أو الصيد المحرم بقوله تعالى\rلا تقتلوا الصيد وأنتم حرم قال مالك يأكل الميتة ويترك الصيد لأن كليهما وإن كان محرما إلا أن تحريم الصيد له مناسبة بالإحرام ومفسدته التي اعتمدها النهي إنما هي في الإحرام وأما مفسدة أكل الميتة فأمر عام لا تعلق له بخصوص الإحرام وهو كونها ميتة فلا يكون بين أكل الميتة وبين خصوص الإحرام منافاة ولا تعلق والمنافي الأخص أولى بالاجتناب ألا ترى أن حذرك من عدو لك في نفسك دون غيرك أشد من حذرك من العدو لقبيلتك أو ملتك فاجتنابك له أكثر وأليق بك فإن تسلطه عليك أعظم لأن عدوك الخاص بك لو ترك الناس كلهم ما تركك وأما عدو ملتك أو قبيلتك لا يلاحظ خصوصك في عداوته بل ربما مال إليك دون أهل ملتك أو أهل قبيلتك لأمر يجده فيك دونهم وإن ألمك الذي تجده في نفسك من الغريم الذي لا يطالب إلا أنت أشد من ألمك من الغريم المطالب لجماعة أنت منهم\r","part":1,"page":296},{"id":298,"text":"المسألة الثانية قال أصحابنا إذا لم يجد المصلي ما يستره إلا حريرا أو نجسا يصلي في الحرير ويترك النجس لأن مفسدة النجاسة خاصة بالصلاة ومفسدة الحرير لا تعلق لها بخصوص الصلاة ولا منافاة بينهما لأن المفسدة والمساقاة وإن كانت حاصلة إلا أنها لأمر عام يتعلق بحقيقة الحرير لا بخصوص الصلاة وقاعدة دفع المفسدة العليا بالتزام المفسدة الدنيا إذا تعارضتا كما تقطع اليد المتآكلة لبقاء النفس لأن مفسدتها أعظم وأشمل وكلما كانت مفسدة الشيء تثبت في جميع الأحوال ومفسدة غيره لا تثبت إلا في حالة كان اعتناء صاحب الشرع بما تعم مفسدته جميع الأحوال أقوى ومفسدته أعظم محلها إذا لم تكن المفسدة الدنيا لها تعلق بخصوص الحال بأن تكون في تلك الحقائق من حيث هي هي أما إذا كان لها تعلق بخصوص الحال كما هنا فيمتنع تقديم الأعم والأشمل عليها فافهم المسألة الثالثة رام بعض الفقهاء دفع إشكال المسألة الواقعة في المذهب من أن لرب الدابة أن يضمن الدابة من تجاوز بها البلد المعين التي استأجرها إليه متعديا وإن ردها سالمة وليس له أن يضمنها الغاصب إذا تعدى بالغصب فيها وردها سالمة المصور بأن غاية هذا التعدي أن يكون كالغاصب لا يضمن إذا ردها سالمة فخرج هذه المسألة على القاعدة المتقدمة أعني قاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعينة أقوى مما هو عام لا\r","part":1,"page":297},{"id":299,"text":"يتعلق بخصوص تلك الحالة بأن قال النهي عن الغصب نهي عام لا يختص بحالة ولا بعين دون عين ووجد في هذا المتعدي نهي خاص بطريق اللزوم لأنه لما آجره إلى الغاية المعينة وحدد له الغاية فقد نهاه أن يجاوزها فالزائد على هذه الغاية فيه نهي يخصه ويتعلق بخصوص هذه الدابة دون غيرها وبهذه الغاية دون غيرها فلا يلزم من عدم تضمين الغاصب مع ردها سالمة أن لا يضمن المتعدي مع ذلك لقوة النهي في حقه بمقتضى القاعدة المارة وفي هذا التخريج نظر من ثلاثة وجوه الوجه الأول أن القاعدة إنما هي في التعارض ولم يقع هاهنا تعارض إذ لم يجتمع نهي الغصب ونهي التعدي حتى يقدم أحدهما على الآخر بل انفرد نهي التعدي في هذه الصورة الوجه الثاني أن النهي الخاص هاهنا نهي آدمي والنهي العام نهي الله تعالى فكيف يرجح نهي الآدمي لخصوصه على نهي الله تعالى مع عمومه والشرائع إنما تنبني على نهي الله تعالى وأمره ونهي العبد عن الانتفاع بملكه في غاية معينة أو في حالة معينة وإن صحبه نهي الله تعالى في تلك الغاية وفي تلك الحالة كما هو المصرح به قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه فاستثنى حالة الطيب عن النهي العام وبقي ما عدا حالة طيب النفس مندرجا تحت النهي العام إلا أن نهي الله تعالى بعد الغاية هو عين نهي الغصب الذي هو النهي العام وهذه صورة من صورة فتخيل تعارض نهيين شرعيين باطل فافهم الوجه الثالث إنا إذا قسنا ترك الضمان في هذه الصورة على ترك الضمان في صورة الغصب كان القياس صحيحا سالما عن المعارض ولو قسنا في المسألتين الأوليين الحرير على النجس أو الميتة على\rالصيد فترك الجميع أدى ذلك إلى هلاك المحرم بالجوع وبقاء المصلي عريانا وهذه مفسدة تعارضنا في قياسنا وتمنع منه فكيف نسوي بين موضع لا معارض للقياس فيه وبين موضع للقياس فيه معارض أقوى منه أو قادح فيه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":1,"page":298},{"id":300,"text":"الفرق التاسع والثلاثون بين قاعدة الزواجر وبين قاعدة الجوابر\rوتحرير هاتين القاعدتين العظيمتين أن بينهما فرقا من وجوه الوجه الأول أن الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة والجوابر مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة الوجه الثاني أن معظم الزواجر على العصاة زجرا لهم عن المعصية وزجرا لمن يقدم بعدهم على المعصية وقد تكون مع عدم العصيان كما في الصبيان والمجانين فإنا نزجرهم ونؤدبهم لا لعصيانهم بل لدرء مفاسدهم واستصلاحهم وكما في البهائم وكقتال البغاة درءا لتفريق الكلمة مع عدم التأثيم لأنهم متأولون ومعظم الجوابر على من لا يكون آثما فقد شرع الجابر مع العمد والجهل والعلم والنسيان والذكر وعلى المجانين والصبيان\r","part":1,"page":299},{"id":301,"text":"الوجه الثالث أن معظم الزواجر إما حدود مقدرة وإما تعزيرات غير مقدرة فهي ليست فعلا للمزجورين بل يفعلها الأئمة بهم وإنما الجوابر فعل لمن خوطب بها وقد اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها أو هي جوابر لأنها عبادات لا تصح إلا بنيات وليس التقرب إلى الله تعالى زاجرا بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست قربات لأنها ليست فعلا للمزجورين كما علمت الوجه الرابع أن الجوابر تقع في النفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والعبادات والأموال والمنافع بخلاف الزواجر فإنها إنما تقع في الجنايات والمخالفات ففي بداية المجتهد لابن رشد والجنايات التي لها حدود مشروعة خمس أحدها جنايات على الأبدان أو النفوس والأعضاء وهو المسمى قتلا وجرحا وثانيها جنايات على الفروج وهو المسمى زنا وسفاحا وثالثها جنايات على الأموال وهذه ما كان منها مأخوذا بحراب سمي حرابة إذا كان بغير تأويل وإن كان بتأويل سمي بغيا وما كان منها مأخوذا على وجه المعافصة من حرز يسمى سرقة وما كان منها مأخوذا بعلو مرتبة وقوة سلطان سمي غصبا ورابعها جناية على الأعراض وهي المسمى قذفا وخامسها جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الشرع من المأكول والمشروب وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط وهو حد متفق عليه بعد صاحب الشرع صلوات الله وسلامه\r","part":1,"page":300},{"id":302,"text":"عليه ا ه ببعض تغيير للإصلاح فجوابر العبادات كالتيمم مع الوضوء وسجود السهو للسنن وجهة السفر في الصلاة مع الكعبة وجهة العدو في الخوف مع الكعبة إذا ألجأت الضرورة إلى ذلك وصلاة الجماعة لمن صلى وحده لأنه يجبر ما فاته من فضيلة الجماعة بالإعادة في جماعة وأخذ النقدين مع دون السن الواجب في الزكاة أو زيادة السن في ابن اللبون مع وصف الأنوثة الفائت في بنت المخاض والإطعام لمن أخر قضاء رمضان عن سنته إلى بعد شعبان أو لم يصم لعجزه والصيام والإطعام والنسك في حق من ارتكب محظورا من محظورات الحج والعمرة أو الدم لترك الميقات أو التلبية أو شيء من واجبات الحج ما عدا الأركان أو العمل في التمتع أو القران وجبر الدم بصوم ثلاثة أيام في الحج أي بعد الإحرام به وسبعة في غيره وجبر الصيد في الحرم أو الإحرام بالمثل أو الإطعام أو الصيام أو الصيد المملوك بذلك لحق الله تعالى وبقيمته لحق الآدمي المالك فهذا متلف واحد جبر ببدلين وهو من نوادر المجبورات ولم يشرع لشجر الحرم جابر خلافا للشافعي وبالجملة فالصلاة لا تجبر إلا بعمل بدني\rوالحج والعمرة والصيد تجبر بالبدني والمالي معا ومفترقين والصوم بالبدني بالقضاء وبالمال في الإطعام وأما جوابر المال فالأصل أن يؤتى بعين المال مع الإمكان فإن أتى به كامل الذات والصفات برئ من عهدته أو ناقص الأوصاف جبر نقصها بالقيمة لأن الأوصاف ليست مثلية إلا أن تكون الأوصاف تخل بالمقصود من تلك العين خللا كثيرا فإنه يضمن الجملة عندنا خلافا للشافعي كمن قطع ذنب بغلة القاضي ونحوه فإنه يتعذر بعد ذلك ركوبها على ذوي الهيئات وكذلك يضمن أصحابنا المغصوب للغاصب إذا ذبح الشاة أو طحن القمح أو ضرب الفضة دراهم أو شق الخشبة ألواحا أو زرع الحنطة ونحو ذلك من المفوتات فللغاصب منع المغصوب منه من\r","part":1,"page":301},{"id":303,"text":"أخذ ما وجده من ماله في هذه الصورة عند أصحابنا وقال الشافعي بل له أخذ عين ماله حيث وجده والأول أنضر وأقرب للقواعد ففي بداية المجتهد لأبي الوليد محمد بن رشد ما لفظه وأصول الشرع تقتضي أن لا يستحل مال الغاصب من أجل غصبه وسواء كان منفعة أو عينا إلا أن يحتج محتج بقوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم حق لكن هذا مجمل ومفهومه الأول أنه ليس له منفعة متولدة بين ماله وبين الشيء الذي غصبه أعني ماله المتعلق بالمغصوب\rا ه\r","part":1,"page":302},{"id":304,"text":"وأما إن جاء بها ناقصة القيمة في بعض المواطن فلا يضمن لأن الفائت رغبات الناس وهي غير مقومة في الشرع ولا قائمة بالعين وتجبر الأموال المثلية بأمثالها لأن المثل أقرب إلى رد العين الذي هو الأصل من القيمة وقد خولفت هذه القاعدة في صورتين في لبن المصراة لأجل اختلاط لبن البائع بلبن المشتري وعدم تمييز المقدار وفيمن غصب ماء في المعاطش فإن جماعة من العلماء يضمنونه القيمة في محل غصبه وبالجملة فلا تجبر الأموال إلا بالمال وأما المنافع فإنها محرمة فلا تجبر احتقارا لها كالمزمار ونحوه كما لا تجبر النجاسات من الأعيان نعم استثنوا من ذلك مهر المزني بها كرها تغليبا لجانب المرأة فإنها لم تأت محرما والظالم أحق أن يحمل عليه ولأنه كالغاصب لسكنى دار ولم يجبر اللواط لأنه لم يقوم قط في الشرع فأشبه القبلة والعناق وإما غير محرمة فإن كانت منافع جسم الحر فلا تضمن لأن يده على منافعه فلا يتصور فواتها في يد غيره وإن كانت منافع الأبضاع ضمنت بالعقد الصحيح والفاسد والشبهة والإكراه ولا تجبر بالفوات تحت الأيدي العادية والفرق أن قليل المنافع يجبر بالقليل من الجابر وكثيرها بكثيره وضمان البضع بمهر المثل وهو يستحق بمجرد الإيلاج فلو جبر بالفوات لوجب ما لا يمكن ضبطه فضلا عن القدرة عليه فإن كل ساعة يفوت فيها من الإيلاجات شيء كثير جدا وإيجاب مثل هذا بعيد من قواعد الشرع وإن كانت منافع غير ما ذكر ضمنت بالعقود الصحيحة والفاسدة\rوالفوات تحت الأيدي المبطلة\r","part":1,"page":303},{"id":305,"text":"قلت وأما النفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح فما رتبه صاحب الشرع عليها من ديات أو كفارات أو حكومة فجوابر وما رتبه صاحب الشرع عليها من قصاص أو ضرب أو سجن أو تأديب فزواجر فمن هنا قال الأصل وأما النفوس فإنها خارجة عن هذه القوانين لمصالح تذكر في الجنايات ففي تبصرة ابن فرحون ولا خلاف في أن قتل النفس حرام وقد شرع فيه إذا وجد سببه وشرطه وانتفى مانعه القصاص للحكمة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ا ه وصل في ثلاث مسائل تتعلق بالزواجر المسألة الأولى قال مالك رحمه الله تعالى إذا شرب الحنفي يسير النبيذ أحده ولا أقبل شهادته لأن إباحة اليسير من النبيذ على خلاف القياس الجلي على الخمر لجامع الإسكار المقتضي تحريمه وعلى خلاف النصوص الصريحة كقوله عليه الصلاة والسلام ما أسكر كثيره فقليله حرام وعلى خلاف القواعد المقتضية صيانة العقول ومنع التسبب لإفسادها والحكم الذي يكون على خلاف هذه الأمور إذا قضى به القاضي ينقض قضاؤه ولا نقره شرعا مع التأكيد لقضاء القاضي فأولى أن لا نقره شرعا مع عدم التأكيد وما لا يقر شرعا ليس فيه تقليد ولا اجتهاد مقبول شرعا ومن أتى المفسدة بغير تقليد صحيح أو اجتهاد معتبر فهو عاص فنحده للمعصية والمفسدة ولهذه العلة لا أقبل شهادته لفسقه حينئذ بالمعصية\rوقال الشافعي أحده وأقبل شهادته أما قبول شهادته فلأنه مقلد أو مجتهد وكلاهما غير عاص لأن حكم الله تعالى عليهما ما أدى إليه الاجتهاد وأما حده فلدرء المفسدة في التسبب لإفساد العقل إذ التأديب قد يكون مع\r","part":1,"page":304},{"id":306,"text":"عدم المعصية بل لأجل المفسدة كتأديب الصبيان والبهائم وفيه أنا لا نسلم أن كل تأديب قد يكون مع عدم المعصية حتى تتم كلية الكبرى المشروطة في إنتاج الشكل الأول بل التأديب إما مقدر وهو الحدود كما هنا فلا يكون في غير معصية وإما غير مقدر فيكون في غير معصية ولا يفيد في هذه المسألة فافهم لطيفة في شرح المجموع وضوء الشموع للعلامة الأمير اشتهر بين أهل الأدب وإن لم يخل شرعا عن قلة أدب\rقول ابن الرومي كما في حلبة الكميت أحل العراقي النبيذ وشربه وقال حرامان المدامة والسكر وقال الحجازي الشرابان واحد فحلت لنا من بين قوليهما الخمر أراد الخمر نبيذ والنبيذ حلال فالصغرى من الاتحاد عندنا والكبرى من الحنفية وإنما فسد القياس المشار إليه لأن شرطه كلية الكبرى والحنفية لا يقولون بالكلية بل يخصون البعض الذي لم يسكر ا ه المسألة الثانية اتفق فقهاء أهل العصر على المنع من النبات المعروف بالحشيشة التي يتعاطاها أهل الفسوق أعني كثيرها المغيب للعقل واختلفوا بعد ذلك في كونها مفسدة للعقل من غير سكر فتكون طاهرة ويجب فيها التعزير أو مسكرة فتكون نجسة ويجب فيها الحد قولان الأول للأصل قال والذي أعتقده أنها من المفسدات لا من المسكرات فلا أوجب فيها الحد ولا أبطل بها الصلاة بل التعزير الزاجر عن ملابستها لوجهين أحدهما أنا نجدها تثير الخلط الكامن في الجسد كيفما كان فصاحب الصفراء تحدث له حدة وصاحب البلغم تحدث له سباتا وصمتا وصاحب السوداء تحدث له بكاء وجزعا وصاحب الدم تحدث له سرورا بقدر حاله فتجد منهم من يشتد بكاؤه\r","part":1,"page":305},{"id":307,"text":"ومنهم من يشتد صمته وأما الخمر والمسكرات فلا تكاد تجد أحدا ممن يشربها إلا وهو نشوان مسرور بعيد عن البكاء والصمت وثانيهما أنا نجد شراب الخمر تكثر عربدتهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح ويهجمون على الأمور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو حتى إن القتلى يوجدون كثيرا معهم ولا تجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري منهم شيء من ذلك ولم يسمع عنهم من العوائد ما يسمع عن شراب الخمر بل هم همدة سكوت مسبوتون لو أخذت قماشهم أو سببتهم لم تجد فيهم قوة البطش التي تجدها في شربة الخمر\rبل هم أشبه شيء بالبهائم فلذا لا تجد القتلى معهم قط ا ه بتصرف ووافقه الأمير في مجموعه قال ومنه أي المفسد الذي يغيب العقل فقط لا يفرح وهو المخدر الحشيشة وفاقا للقرافي لغلبة الذلة والمسكنة على أهلها انتهى والثاني للمنوفي قال يبيعون لها بيوتهم فدل على أن لهم بها طربا وفرحا كما في شرح المجموع للعلامة الأمير وفي الأصل ونصوص المتحدثين على النباتي تقتضي أنها مسكرة فإنهم يصفونها بذلك في كتبهم ا ه وفي حاشية ابن حمدون ومقتضى كلام الشيخ أبي الحسن في شرح المدونة أنها من المفسدات كما اختاره القرافي وهو الصحيح خلاف ما للمنوفي قال ابن مرزوق لأن إتلاف الأموال فيها إنما يدل على أنهم يجدون فيها لذة ما وأما تعيين كونها تحدث الطرب المماثل لطرب الخمر فلا إذ الأعم لا إشعار له بأخص معين\rا ه\r","part":1,"page":306},{"id":308,"text":"وعلى القول الثاني ففي كونها لا تسكر إلا بعد مباشرة النار أو كونها تسكر مطلقا قولان الأول للمقري في قواعده قال وذلك أي كونها مسكرة ونجسة بعد غليها لا قبله فظاهره ا ه وعليه ما في الأصل سئل بعض فقهاء العصر عمن صلى بالحشيشة معه هل تبطل صلاته أم لا فأفتى أنه إن صلى بها قبل أن تحمص أو تسلق صحت صلاته أو بعد ذلك بطلت صلاته معللا أنها إنما تغيب العقل بعد التحميص أو السلق أما قبل ذلك وهي ورق أخضر فلا بل هي كالعصير الذي للعنب وتحميصها كغليانه ا ه والثاني لبعضهم قال وإنما تحمص لإصلاح طعمها وتعديل كيفيتها خاصة انتهى وعليه فتبطل الصلاة مع حملها مطلقا كما تصح الصلاة بها مطلقا على القول بأنها مفسدة للعقل من غير سكر كالبنج والسيكران وجوزة بابل\rالمسألة الثالثة\rقال إمام الحرمين القاعدة أن التأديبات إنما تكون على قدر الجنايات فكلما عظمت الجناية عظمت العقوبة فإذا فرض شخص من الجناة لا يؤثر فيه التأديب اللائق بجنايته ردعا وإنما يؤثر فيه كالقتل لا يجوز أن يكون عقوبة لتلك الجناية فإن هذا الجاني يسقط تأديبه مطلقا أما المناسب فيسقط لعدم الفائدة فيه والإيلام مفسدة لا تشرع إلا لتحصيل مصلحة فحيث لا مصلحة لا تشرع وأما غير المناسب فلعدم سبب المبيح فيسقط تأديبه مطلقا وهو متجه اتجاها قويا والله تعالى أعلم\r","part":1,"page":307},{"id":309,"text":"الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات وقاعدة المفسدات وذلك أن المتناول لما يغيب العقل إما أن يغيب معه الحواس أو لا فإن غابت معه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق فهو المرقد وإن لم تغب معه الحواس فإما أن تحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند غالب المتناول له فهو المسكر وإما أن لا يحدث معه ذلك فهو المفسد فالمرقد ما يغيب العقل والحواس كالسكران بضم الكاف أوله مهمل أو معجم كما في الحطاب والمفسد ما يغيب العقل دون الحواس لا مع نشوة وفرح كالأفيون وعسل البلادر الذي يشرب للحفظ وما ألطف قول الرجراجي شرب البلادر عصبة كي يحفظوا ونسوا الذي في ذكره من قال أوما رأوا أن البلا شطر اسمه والضر آخره بقلب الدال\rويسمى المفسد أيضا بالمخدر والمفتر ومنه الحشيشة على ما للأصل وهو الصحيح كما عرفت والمسكر ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وفرح وزيادة في الشجاعة وقوة النفس والميل إلى البطش والانتقام من الأعداء والمنافسة في العطاء وأخلاق الكرماء كما يشير لذلك قول حسان ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء من نحو الخمر وهو المعمول من الزبيب والعنب والمزر وهو المعمول من القمح والتبع وهو المعمول من العسل والسكركة وهو المعمول من الذرة ولأجل اشتهار هذا في المسكرات وشاع بين متناوليها أنها توجب السرور والأفراح حتى قال شاعرهم وليست الكيمياء في غيرها وجدت\r","part":1,"page":308},{"id":310,"text":"وكل ما قيل في أبوابها كذب قيراط خمر على القنطار من حزن يعود في الحال أفراحا وينقلب أنشد القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى مجيبا لهم زعم المدامة شاربوها أنها تنفي الهموم وتصرف الغما صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا أن السرور لهم بها تما سلبتهمو أديانهم وعقولهم أرأيت عادم ذين مغتما وقد أنشد هذه الأبيات أيضا أبو الفضل الجوهري على المنبر بمصر وحكى ذلك عنه ابن العربي كما في حاشية ابن حمدون وتنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام الحد والنجاسة وتحريم اليسير وما نقله الحطاب عن ابن فرحون من أن من اللبن نوعا يغطي العقل إذا صار قارصا ويحدث نوعا من السكر فإن شرب لذلك حرم ويحرم منه القدر الذي يغطي العقل ا ه فيه نظر بل يحرم تناول القليل والكثير منه حيث كان يحدث نوعا من السكر كما في حاشية ابن حمدون ولا حد في المرقدات والمفسدات ولا نجاسة فمن صلى حامل البنج أو الأفيون أو السيكران لم تبطل صلاته إجماعا ويجوز تناول اليسير منها وهو ما لا يصل إلى التأثير في العقل أو الحواس ويحرم تناول الكثير الذي يصل إلى التأثير في العقل أو الحواس فهذه الثلاثة الأحكام وقع بها الفرق بين المسكرات والآخرين وفي الحطاب ما نصه فرع قال ابن فرحون والظاهر جواز ما يسقى من المرقد لقطع عضو ونحوه لأن ضرر المرقد مأمون وضرر العضو غير مأمون نقله الأمير في شرح مجموعه قلت وفي هذا الجواز ينفرد المرقد عن المفسد أيضا فافهم والله أعلم وصل في أربع مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى اعلم أن النبات المعروف بالحشيشة لم يتكلم عليه الأئمة المجتهدون ولا غيرهم من علماء السلف لأنه لم يكن في زمنهم وإنما ظهر في أواخر المائة السادسة وانتشرت في دولة التتار قال العلقمي في شرح الجامع حكي أن رجلا من العجم قدم القاهرة وطلب دليلا على تحريم الحشيشة وعقد لذلك مجلسا حضره علماء العصر فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بحديث أم سلمة نهى رسول","part":1,"page":309},{"id":311,"text":"الله {صلى الله عليه وسلم} عن كل مسكر ومفتر فأعجب الحاضرين قال ونبه السيوطي على صحته واحتج به ابن حجر على حرمة\rالمفتر ولو لم يكن شرابا ولا مسكرا ذكره في باب الخمر والعسل من شرح البخاري وكذا احتج به القسطلاني في المواهب اللدنية على ذلك أيضا\rوذكره السيوطي في جامعه ولولا صلاحيته للاحتجاج ما احتج به هؤلاء وهم رجال الحديث وجهابذته وكون الحشيشة من المفتر مما أطبق عليه مستعملوها ممن يعتد بهم وبخبرهم يعتد في مثل هذا الأمر والقاعدة عند المحدثين والأصوليين أنه إذا ورد النهي عن شيئين مقترنين ثم نص على حكم النهي عن أحدهما من حرمة أو غيرها أعطي الآخر ذلك الحكم بدليل اقترانهما في الذكر والنهي وفي الحديث المذكور ذكر المفتر مقرونا بالمسكر وتقرر عندنا تحريم المسكر بالكتاب والسنة والإجماع فيجب أن يعطى المفتر حكمه بقرينة النهي عنهما مقترنين وفسر غير واحد التفتير باسترخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهن وانكسار وذلك من مبادئ النشوة معروف عند أهلها أفاده ابن حمدون\rالمسألة الثانية\r","part":1,"page":310},{"id":312,"text":"أول ما ظهرت العشبة المعروفة بالتنباك والتتن والدخان ودخان طابه وتابغا وطابغا وطابه بتنبكتو في أوائل القرن الحادي عشر كما في ابن حمدون أي في السنة الخامسة بعد الألف كما نقله اللكنوي عن العلامة الزاهد محمد أو في سنة خمسة عشر كما نقله اللكنوي عن الدر المختار شرح تنوير الأبصار في رسالته ترويح الجنان ومقتضى قول بعضهم يا خليلي عن الدخان أجبني هل له في كتابنا إيماء قلت ما فرط الكتاب بشيء ثم أرخت يوم تأتي السماء أنه في أواخر القرن العاشر وهو مفاد قول الشيخ إبراهيم اللقاني في عمدة المريد شرح جوهرة التوحيد قد حدث في أوائل القرن الحادي عشر وقبيله بمدة قليلة كما في ترويح الجنان بتشريح حكم شرب الدخان للكنوي وفي حاشية ابن حمدون على مختصر ميارة على ابن عاشر أن استعمال القدر المؤثر في العقل منها حرام اتفاقا كما في شرح الإرشاد وغيره وأما القدر الغير المؤثر فأطبق المغاربة وأكثر المشارقة كالشيخ سالم السنهوري وتلميذه الشيخ إبراهيم اللقاني وغيرهما على تحريمه وألف في تحريمها سيدي الشيخ محمد بن عبد الكريم الفكون تأليفا في عدة كراريس مشتملا على أجوبة عدة من الأئمة سماه محدد السنان في نحور إخوان الدخان وفي العمليات الفاسية وحرموا طابا للاستعمال وللتجارة على المنوال\r","part":1,"page":311},{"id":313,"text":"واختلفوا هل علة التحريم أنها تحدث تفتيرا وخدرا فتشارك أولية الخمر في نشوته قال الشيخ سيدي التاودي في أجوبته وكفى حديث أم سلمة المتقدم حجة ودليلا يعني على تحريم دخان طابة انظره أو أنها تسكر في ابتداء تعاطيها إسكارا سريعا بغيبة تامة ثم لا يزال في كل مرة ينقص شيئا فشيئا حتى يطول الأمر جدا فيصير لا يحس به لكنه يجد نشوة وطربا أحسن عنده من السكر وعلى هذا فهي نجسة ويحرم منها القليل والكثير ويحد شاربها وعلى الأول فلا حد ولا نجاسة نعم يحرم القليل كالكثير خشية الوقوع في التأثير إذ الغالب وقوعه بأدنى شيء منها وحفظ العقول من الكليات الخمس المجمع عليها عند أهل الملل أو أنها لا تفتير بها ولا إسكار إلا أنها سرف وضرر ونجاسة لكونها تبل بالخمر وحينئذ يحرم\rالقليل منها والكثير وأفتى جمع من أئمة كل مذهب بالإباحة منهم الشيخ عبد الغني النابلسي وحاصل كلامه أنها مما سكت عنه المولى في كتابه فهي مما عفا الله عنه لحديث الترمذي وابن ماجه الحلال ما أحل الله في كتابه العزيز والحرام ما حرم الله في كتابه الكريم وما سكت عنه من غير نسيان رحمة بكم فهو مما عفا الله عنه قال المناوي في شرح قوله وما سكت عنه أي لم ينص على حله ولا حرمته نصا جليا ولا خفيا فهو مما عفي عنه فيحل تناوله ما لم يرد النهي عنه\rا ه\r","part":1,"page":312},{"id":314,"text":"وألف الشيخ علي الأجهوري تأليفا سماه غاية البيان لحل ما لا يغيب العقل من الدخان حاصله أن الفتور الذي يحصل لمبتدئ شربه ليس من تغييب العقل في شيء وإن سلم أنه مما يغيب العقل فليس من المسكر قطعا لأن المسكر مع نشوة وفرح كما تقرر وطابة ليس كذلك وحينئذ فيجوز استعمالها لمن لا يغيب عقله كاستعمال الأفيون لمن لا يغيب عقله وهذا يختلف باختلاف الأمزجة والقلة والكثرة فقد يغيب عقل شخص ولا يغيب عقل آخر وقد يغيب من استعمال الكثير دون القليل ونظمه من الشكل الأول أن تقول شرب الدخان على الوجه المذكور لا يغيب العقل مع نشوة وفرح وكل ما كان كذلك لا يحرم استعمال القدر الذي لا يغيب العقل منه لذاته والصغرى من الوجدانيات أو المشاهدات ودليل الكبرى ما تقدم من الفرق بين المسكر والمفسد ونجاستها لبلها بالخمر إن تحققت فحرمتها لعارض لا لذاتها وإن لم تتحقق فالأصل الطهارة وهذا على فرض صحته إنما هو فيما يأتي من بلاد النصارى ونحوها وأما ما يأتي من بلاد التكرور ونحوها فهو من محقق السلامة من هذا على أن ابن رشد جازم بطهارة دخان النجس وظاهر كلامه أنه متفق عليه وقبله ابن عرفة والشيخ خ في ضبح وأقل أحواله أن يكون ترجيحا ولذا تعقب بعض شراح المختصر قوله فيه أن دخان النجس نجس بكلام ابن رشد ثم إن الحكم بالنجاسة على ما بل من العشب ونحوه بالخمر وإن طال مكثه في الخمر إذا جف بعد ذلك إنما هو إذا كان بحيث لو بل تحلل منها ما يسكر\r","part":1,"page":313},{"id":315,"text":"وأما إذا كان إذا بل لم يتحلل منه شيء أو يتحلل منه ما لا يسكر فإنه طاهر كما في الخمر إذا تحجر وكان بحيث لو بل لم يسكر فإنه طاهر كما هو مصرح به وصرف المال في المباحات على هذا الوجه ليس بسرف لأن الإسراف في النفقات كما قال القرطبي هو التبذير وفسر ابن مسعود التبذير بإنفاق المال في غير حقه فإذا كان الإنفاق في حقه ولو مباحا فليس بسرف قال مجاهد لو أنفق الرجل جبل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله لم يكن سرفا ولو أنفق درهما واحدا في معصية الله كان سرفا وحرمته لضرره إن تحقق فهي لأمر عارض لا لذاته ويحرم على من يضره خاصة دون غيره ودعوى أنه مضر مطلقا لا دليل عليها ا ه ما قاله عج باختصار كثير وهو مبني على أن المفتر ليس بحرام والتحقيق أنه حرام كما دل عليه حديث أم سلمة المتقدم ا ه كلام ابن حمدون باختصار\rوحاصله أنه اختلف في كون هذه العشبة من المسكرات مطلقا فيكون نجسا موجبا للحد وحرمة قليله ككثيره أو من المفترات مطلقا وأنها تحدث استرخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهن وانكسار كالحشيشة بحيث تشارك أولية الخمر في نشوته فيحرم استعمال القدر المؤثر في العقل اتفاقا وفي حرمة استعمال ما لا يؤثر في العقل\r","part":1,"page":314},{"id":316,"text":"خشية الوقوع في التأثير إذ الغالب وقوعه بأدنى شيء منها وحفظ العقول من الكليات الخمس المجمع عليها عند أهل الملل أو إباحته نظرا لكون العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما قولان أو أنها ليست من المسكرات ولا من المفترات مطلقا وعليه فهل يحرم استعمال قليلها ككثيرها لأنها سرف وضرر ونجاسة لكونها تبل بالخمر أو تباح مطلقا لأنها مما سكت الله عنه في كتابه فهي مما عفا الله عنه للحديث المار فالأقوال فيها خمسة اختار ابن حمدون منها القول بأنها من المفترات مطلقا وأنه يحرم استعمال قليلها ككثيرها لحديث أم سلمة المتقدم وفيه نظر من ثلاثة أوجه الوجه الأول أنه حكي الخلاف في إباحة قليلها واختار تحريمه ككثيرها مع أن مفاد قوله عن ضبح بعدما ذكر الفرق بين المسكرات والمرقدات والمفترات بمثل ما قدمته عن الأصل ما نصه وينبني على الإسكار ثلاثة أحكام دون الأخيرين الحد والنجاسة وتحريم القليل ا ه أنه لا يحرم استعمال القليل الذي لا يؤثر في العقل من المرقدات كالبنج والمفترات كالأفيون وقد قدمنا أيضا مثله عن الأصل فلم يحك الخلاف في إباحة ما هو الأصل في الترقيد كالبنج ولا ما هو الأصل في التفتير كالأفيون فكيف يحكى في إباحة ما هو فرع في التفتير كهذه العشبة ويرجح القول بتحريم قليلها ككثيرها الوجه الثاني أن حديث أم سلمة المتقدم إنما يدل على تحريم القدر المفتر منها فقط وذلك لأن المفتر وإن اقترن في الذكر والنهي في هذا الحديث بالسكر المتقرر عندنا تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع والقاعدة عند المحدثين والأصوليين أن يعطى المقارن المجهول الحكم حكم مقارنه المعلوم إلا أن إعطاء حكم المسكر للمفتر إنما يظهر فيما تحقق فيه التفتير بالفعل لأن تحريم القليل من المسكر قيل لنجاسته وكونه ذريعة لاستعمال القدر المسكر منه وقيل لنجاسته فقط فلا يحرم منه قليل ما ليس بنجس كغير الخمر والمفتر ليس بنجس اتفاقا فكيف يقال بتحريم قليله والحكم يدور مع العلة","part":1,"page":315},{"id":317,"text":"وكون استعمال قليل المفتر ذريعة لاستعمال القدر المفتر منه لا يظهر أن يكون مثل كون استعمال قليل المسكر ذريعة واستعمال كثيره في اقتضائه التحريم على أنه في المسكر عند القائل به جزء علة لا علة تامة وأيضا سيأتي عن اللكنوي أن التفتير هنا ليس هو التفتير الموجب للتحريم حتى يكون استعمال ما يؤدي إليه ذريعة فيما يوجب التحريم فافهم الوجه الثالث أن كون هذه العشبة مفترة بالمعنى المتقدم ليس مطردا في جميع أنواعها وإنما يتحقق فيما زرع منها في نحو وزان من أعمال المغرب الأقصى ونحو البخاري ونحو الباطنة أما ما زرع منها في الأناضول ونحو اليمن والحجاز والشام فلا يتحقق فيه التفتير أصلا كما أخبرني بذلك من يعتمد في مثل هذا على أن العيان شاهد صدق على ذلك فإنا نجد الصغير الذي في الخامسة إذا استعمل الكثير مما زرع منها في نحو اليمن وهو لم يعتده لم يؤثر ذلك فيه أدنى تفتير فألحق ما في شرح المجموع للعلامة الأمير من أن هذه العشبة في ذاتها مباحة ويعرض لها حكم ما يترتب عليها على الأظهر كالبن وكثرتها لهو ا ه بتوضيح للمراد نعم قال اللكنوي إن هاهنا اختلافين الأول في الحرمة والإباحة والثاني في الكراهة وعدمها والحق في الاختلاف الأول هو الإباحة ولا سبيل إلى إثبات الحرمة بدليل من الأدلة الشرعية وفي الاختلاف الثاني الحق في جانب الذاهبين إلى الكراهة لوجود التشبه بأهل النار والأشرار واستعمال\rما يعذب به أرباب الشقاق من الكفار والفجار ولإيراثه الريح الكريهة غالبا وإن لم يكن كليا ا ه\r","part":1,"page":316},{"id":318,"text":"المراد ثم نقل عن شرح الجوهرة للقاني آخر رسالته ترويح الجنان في تشريح حكم شرب الدخان ما نصه حاصل الكلام أنه قد اختلف العلماء الأعلام في حرمة الدخان وكراهته وأقل درجاته الكراهة ومع وجود عدة من العوارض لا ينتهي إلى درجة الإباحة أصلا ولا يقاس على القهوة كما توهم البعض لأن شبهة أهل العذاب لا تخلو عن كراهة بخلاف القهوة فإنه ليس فيها هذا التشبه وأيضا فيها منافع بلا شك بخلاف الدخان ا ه انظرها إن شئت فمن هنا ما قدمته عن الشيخ يوسف الصفتي من أن شرب الدخان مكروه على الأظهر لا يقال إن كلام ابن حمدون يفيد وقوع الإجماع في المذهب على تحريم الكثير المؤثر في العقل منه كالقليل الذي لا يؤثر عند جميع المغاربة وأكثر المشارقة وبعد الإجماع كيف يكون الحق أو الأظهر القول بكراهة الدخان والإجماع حجة من الحجج الشرعية قلت قال الشيخ محمد عبد الحي اللكنوي في رسالته المذكورة الإجماع الذي هو إحدى الحجج الأربع هو إجماع المجتهدين كما هو مصرح به في كتب الأصوليين وقد صرحوا بأن الاجتهاد المطلق منقطع من رأس الأربعمائة وقيل من رأس الخمسمائة فأين وجود المجتهدين حين حدوث هذه البدعة في المسلمين أما العلماء الذين أفتوا بتحريمه فهم ليسوا من المجتهدين حتى يجب تقليدهم للمسلمين بل أكثرهم ليسوا من أصحاب الاجتهاد في المذهب أيضا مع أنهم في أنفسهم أيضا مختلفون فانتفى الإجماع رأسا ا ه بلفظه\rثم قال اللكنوي ورأيت في تنقيح الفتاوى الحامدية للعلامة ابن عابدين ما نصه\rمسألة\r","part":1,"page":317},{"id":319,"text":"أفتى أئمة أعلام بتحريم شرب الدخان المشهور فهل يجب علينا تقليدهم وإفتاء الناس بحرمته أم لا فلنبين ذلك بعدما حققه أئمة أصول الدين قال شارح منهاج الوصول إلى علم الأصول للإمام أبي عبد الله بن أبي القاسم بن عمر البيضاوي ويجوز الإفتاء للمجتهدين بلا خلاف وكذا المقلد المجتهد واختلف في جواز تقليد الميت المجتهد فذهب الأكثرون إلى أنه لم يجز والمختار عند الإمام والقاضي البيضاوي الجواز واستدل عليه الإمام في المحصول بانعقاد الإجماع على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى إذ ليس في زمانه مجتهد ا ه وكلام الإمام صريح في أنه لم يكن في زمانه مجتهد فكيف زماننا الآن فإن شروط الاجتهاد لا تكاد توجد فهؤلاء الأئمة الذين أفتوا بتحريم التنباك إن كان فتواهم عن اجتهاد حتى يجب علينا تقليدهم فاجتهادهم ليس بثابت فإن كان عن تقليد غيرهم فإما عن مجتهد آخر حتى سمعوا من فيه مشافهة فهو أيضا ليس بثابت وإما من مجتهد ثبت إفتاؤه في الكتب فهو أيضا كذلك إذ لم يرد في كتاب ولم ينقلوا عن دفتر في إفتائهم ما يدل على حرمته فكيف ساغ لهم الفتوى وكيف يجب علينا تقليدهم والحق في إفتاء التحليل والتحريم في هذا الزمان التمسك بالأصلين اللذين ذكرهما البيضاوي في الأصول ووصفهما بأنهما نافعان في الشرع الأول أن الأصل في المنافع الإباحة والمأخذ الشرعي آيات الأولى قوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا واللام للنفع فتدل على أن الانتفاع بالمنتفع به مأذون به شرعا وهو المطلوب الثانية قوله تعالى من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والزينة تدل على الانتفاع\rلثالثة قوله تعالى\r","part":1,"page":318},{"id":320,"text":"أحل لكم الطيبات المراد بالطيبات المستطابات طبعا وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها والثاني أن الأصل في المضار التحريم والمنع لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وأيضا ضبط أهل الفقه حرمة التناول إما بالإسكار كالبنج وإما بالإضرار بالبدن كالتراب والترياق أو بالاستقذار كالمخاط والبزاق وهذا كله فيما كان طاهرا وبالجملة إن ثبت في هذا الدخان أضرار صرف عن المنافع فيجوز الإفتاء بتحريمه وإن لم يثبت أضراره فالأصل الحل مع أن الإفتاء بحله فيه دفع الحرج عن المسلمين فإن أكثرهم مبتلون بتناوله فتحليله أيسر من تحريمه وما خير رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين شيئين إلا اختار أيسرهما وأما كونه بدعة فلا ضرر فإنه بدعة في التناول لا في الدين فإثبات حرمته أمر عسير لا يكاد يوجد له نصير نعم لو أضر ببعض الطبائع فهو عليه حرام أو نفع ببعض وقصد التداوي فهو مرغوب هذا ما سنح في الخاطر إظهارا للصواب من غير تعنت ولا عناد في الجواب كذا أجاب الشيخ محيي الدين أحمد بن محيي الدين بن حيدر الكردي الجزري رحمه الله تعالى ا ه كلام ابن عابدين ولا يبعد أن يقال بمنع من يعتاد كثرة شرب الدخان كأكل البصل والثوم من دخول المسجد لوجود الرائحة الكريهة في فمه والملائكة تتأذى منها ا ه كلام اللكنوي وبالجملة فمن عافاه الله من شربه واستعماله بوجه من الوجوه لا ينبغي له أن يحمل الناس على مختاره فيدخل عليهم شغبا في أنفسهم وحيرة في دينهم إذ من شرط التغيير أن يكون متفقا عليه قال عياض في الإكمال ما نصه لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمل الناس على مذهبه وإنما يغير ما اجتمع على إحداثه وإنكاره ا ه وقال الشيخ محيي الدين في منهاجه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه وليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نص القرآن أو السنة أو الإجماع ونحو هذا في جامع الذخيرة للقرافي ونحوه في قواعد عز الدين قال شيخ الشيوخ ابن لب لا سيما إن","part":1,"page":319},{"id":321,"text":"كان الخلاف في كراهية لا في تحريم فإن الأمر في ذلك قريب وربما يؤول الإنكار إلى أمر يحرم ا ه وقد نقل البرزلي في نوازله كلام ابن لب معزوا لبعض الشيوخ ورشحه أفاده المواق في شرحه على خليل فتأمل بإنصاف ولا تنظر لمن قال بل لما قال كما هو دأب الرجال\rالمسألة الثالثة\rأفاد الحطاب أن ظهور قهوة البن كان في القرن العاشر وقبله بيسير وذكر ابن حجر في فتح الباري أن أول من شربها وأمر أصحابه بشربها ليستعينوا بها على السهر في العبادة الشيخ الولي الصالح المتفق على ولايته أبو الحسن علي الشاذلي اليمني لا المغربي ونقل الأجهوري عن الجنيد أن البن شجرة في الجنة غرسها سبعون ألف ملك تسمى شجرة السلوان فلما أهبط الله آدم هبط بها معه من الجنة للسلوان عما كان عليه من النعيم المقيم ورماها في هذه الأرض وهي أرض زيلع الحبشة وقال ابن سينا نقلا عن صاحب القاموس في كتاب الطب أن البن المعلوم في بلد زيلع الحبشة هو البند بزيادة الدال بلسان الحبشة وقد اختلف الناس فيها فمن متغال فيها يرى أن شربها قربة ومن غال يرى أن شربها مسكر كالخمر والحق أنها في ذاتها لا إسكار فيها وإنما فيها تنشيط للنفس ويحصل بالمداومة عليها ضراوة تؤثر في البدن عند\r","part":1,"page":320},{"id":322,"text":"تركها كمن اعتاد اللحم بالزعفران والمفردات فيتأثر عند تركه ويحصل له انشراح باستعماله غير أنها تعرض لها الحرمة لأمور ذكرها الحطاب في شرح المختصر واللقاني في شرح الجوهرة كما في حاشية ابن حمدون وفي شرح المجموع وزبدة ما في الحطاب أنها في ذاتها مباحة ويعرض لها حكم ما يترتب عليها ا ه وفي ترويح الجنان للكنوي والحق في استعمال القهوة هو الحل كشرب الدخان إلا أن حل استعمالها خال عن الكراهة أيضا بخلاف حل شرب الدخان ثم نقل عن شرح الجوهرة للقاني ما نصه والحق أنه ليس الإسكار ولا فساد العقل في القهوة بنفسها مع ما فيه من الفوائد البدنية فيباح تناولها إلا أن يكون مقارنا بالمحرمات الخارجية كالإدارة على هيئة الفسقة أو تناولها في الأواني المحرمة وغير ذلك\rالمسألة الرابعة\rالأتاي عشب يزرع بأرض الصين وورقه ونباته كالقصب ويحصد في كل سنة ثلاث مرات فأول حصاده للملك وهو أعلاه الثاني للعمال والخدام والثالث لسائر سكان البلدة ويجلبه التجار لسائر الأقاليم وهذا النوع يكون ضعيفا من حيث الخاصية والتأثير وله منافع وخواص ألف بعضهم فيها رسالة وقد اختلف الناس فيه فحرمه بعض قضاة العصر وألف فيه تأليفا سماه رقم الآي في تحريم الأتاي وسئل عنه بعضهم فأجاب أرى شرب الأتاي اليوم جرحا فلا تبقى إذا معه العداله فلم يحرم ولم يكره ولكن رأينا كل ذي سفه عداله والحق أنه من سلم من عوارض تحريمه يرجع في حقه إلى أصل الإباحة كما في ابن حمدون والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف دون المكلف به وبين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به مع التكليف وتحريره أن زمن الكفر والحدث وجحد الصانع هو ظرف التكليف بفروع الشريعة في الكافر وبإيقاع\r","part":1,"page":321},{"id":323,"text":"الصلاة في المحدث وبتصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدهري وليس هو بظرف لإيقاع المكلف به لتعذره فيه وزمن إسلام الكافر وطهارة المحدث وعرفان الدهري بالصانع بعد هو ظرف لإيقاع المكلف به مع التكليف ويتضح هذا الفرق بذكر ثلاث مسائل المسألة الأولى لا خلاف في خطاب الكفار بالإيمان وبقواعد الدين وفي خطابهم بفروع الشريعة أيضا أقوال ثالثها بالنواهي دون الأوامر وحجة القائل بأنهم ليسوا مخاطبين أنه لو وجبت الصلاة عليهم لوجبت أما حالة الكفر وهو باطل لعدم صحتها حينئذ وأما بعد الإسلام وهو أيضا باطل لانعقاد الإجماع على سقوطها بسبب الإسلام ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله وحجة القائل بأنهم مخاطبون وهو الصحيح عندنا أنه لا يلزم من عدم صحة الصلاة حالة الكفر عدم حصول التكليف حينئذ لأن هذه الحالة وهذا الزمان عندنا ظرف للتكليف لا لإيقاع المكلف به وإنما يتوجه لزوم الصحة أن لو كان هذا الزمان ظرفا فالإيقاع المكلف به حتى نقول يصح أما ما لا يكلف بإيقاعه كيف يمكن وصفه بالصحة ووصف الصحة تابع للإذن الشرعي فحيث لا إذن لا صحة ومعنى كون هذا الزمان ظرفا للتكليف دون إيقاع المكلف به أنه أمر في زمن الكفر أن يزيله ويبدله بالإيمان ويفعل الصلاة في زمن الإسلام لا في زمن الكفر بحيث يصير زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط وزمن الإسلام هو زمن إيقاع المكلف به والتكليف معا كزمن رمضان والقامة للظهر\rالمسألة الثانية\r","part":1,"page":322},{"id":324,"text":"لا خلاف في كون المحدث مأمورا بإيقاع الصلاة ومخاطبا بها في زمن الحدث بخلاف الكافر ففيه الخلاف المار إلا أن المحدث لا تصح منه الصلاة في الزمن الذي هو فيه محدث إجماعا بل هو مأمور في زمن الحدث أن يزيل الحدث ويبدله بالطهارة فإذا وجد زمن الطهارة أوقع الصلاة حينئذ فزمن الطهارة هو زمن التكليف بإيقاع الصلاة دون زمن الحدث وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط المسألة الثالثة الدهري مكلف بتصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام إلا أن زمن جحده للصانع ظرف للتكليف بتصديق الرسل دون إيقاع التصديق لتعذره بل هو مأمور في زمن الجهل بالصانع أن يزيل هذا الجهل ويبدله بضده وهو العرفان فإذا حصل العرفان بالصانع كان زمان عرفانه بالصانع مكلفا بإيقاع التصديق للرسل فتأمل الفرق بين القاعدتين والسر بين المعنيين يتيسر عليك الجواب عن أسئلة الخصوم وشبهاتهم وهو فرق لطيف شريف والله أعلم\r","part":1,"page":323},{"id":325,"text":"الفرق الثاني والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به فقط وبين قاعدة كون الزمان ظرفا للإيقاع وكل جزء من أجزائه سبب للتكليف والوجوب فيجتمع الطرفان الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء وذلك أن كل يوم من أيام ما عدا رمضان من الشهور مثلا ظرف لإيقاع المكلف به وهو وجوب قضاء رمضان وجوبا موسعا دون أن يكون شيء من تلك الأيام سببا للتكليف بدليل أن من زال عذره فيها لا يلزمه شيء ورؤية هلال رمضان سبب لجعل كل يوم من أيام رمضان سببا لوجوب الصوم وظرفا له بحيث إن من بلغ أو أسلم أو زال عن المرأة الحيض أو قدم من السفر يلزمه صوم اليوم الذي يستقبله فيصير سبب رؤية الهلال كل يوم سببا لوجوب إيقاع الصوم فيه وتفويت الإيقاع فيه سببا للصوم في يوم آخر مما عدا رمضان من الشهور فقط ويوضح لك هذا الفرق سبع مسائل ثلاثة منها مما اجتمع فيه الظرفية والسببية وثلاثة منها مما انفرد فيه الظرفية عن السببية والسابعة مما تحتملهما أما مسائل ما اجتمع فيه الظرفية والسببية فالمسألة الأولى أوقات الصلوات كالقامة مثلا بالنسبة للظهر هي ظرف للمكلف به لوقوعه فيها وكل جزء من أجزائها من أولها إلى آخرها لا الجزء الأول منها الذي هو الزوال فقط كما توهم سبب للتكليف إذ لو كان سبب التكليف بصلاة الظهر هو الجزء الأول منها فقط لكان من بلغ بعده أو أسلم من الكفار لا تجب عليه صلاة الظهر لتأخره عن السبب ولا يفيد شيئا زوال المانع واجتماع الشرائط بعد زوال الأسباب بدليل أن البلوغ إذا جاء بعد أوقات الصلاة لا يحقق وجوبا وإنما يحققه إذا صادف سببا بعده كمن بلغ في\r","part":1,"page":324},{"id":326,"text":"القامة فإنه يجب عليه الظهر بالجزء الذي صادفه بعد بلوغه وكذلك القول في بقية أرباب الأعذار فظهر أن كل جزء من أجزاء القامة مساو للزوال في السببية وكذلك بقية أوقات الصلوات كلها ظروف للتكليف وجميع أجزائها ظروف وأسباب له والمسألة الثانية أيام الأضاحي الثلاثة أو الأربعة على الخلاف بين العلماء ظروف للأمر بالأضحية لوجوده فيها وكل جزء من أجزائها سبب للأمر بالأضحية أيضا بدليل أن من تجدد إسلامه من الكفار أو بلوغه من الصبيان يتجدد عليه الأمر بالأضحية وكذلك من عتق من العبيد وما ذلك إلا لأنه وجد بعد زوال المانع وحصول الشرط ما هو سبب للأمر بالأضحية وهو الجزء الكائن بعد زوال المانع من هذه الأيام فتكون كلها ظروفا وأسبابا للأمر بالأضحية كما تقدم في أوقات الصلوات المسألة الثالثة شهر رمضان المعظم ظرف للتكليف لوقوعه فيه وكل يوم من أيامه سبب للتكليف لمن استقبله فمن أسلم أو بلغ أو قدم من السفر أو زال عن المرأة الحيض فيلزمه صوم اليوم الذي يستقبله وأما أجزاء اليوم الذي زال فيه المانع فليست أسبابا للتكليف بل ظروفا له بدليل حصول التكليف فيها وعدم التكليف بها على من بلغ في بعض يوم أو أسلم فظهر بهذا حصول الفرق بين أجزاء أوقات الصلوات وأجزاء شهر الصوم بأن مطلق الجزء من أوقات الصلوات كيف كان وإن قل ما لم ينقص عن زمن يسع إيقاع ركعة سبب التكليف فإن نقص عن زمن ركعة فعند مالك لا يجب به شيء وعند غيره يجب بأقل من إدراك ركعة ويحكى عن الشافعي ولا بد في كل جزء من أجزاء شهر الصوم أن يكون يوما كاملا فاليوم الكامل من شهر الصوم وزان زمن من أوقات الصلوات يسع ركعة على مذهب مالك وأما مسائل ما انفرد فيه الظرفية عن السببية\r","part":1,"page":325},{"id":327,"text":"المسألة الأولى قضاء رمضان وإن وجب وجوبا موسعا في كل يوم من أيام ما عدا رمضان من الشهور كما تجب الظهر وجوبا موسعا في كل جزء من أجزاء أول القامة إلى آخرها إلا أن كل يوم من شهور ما عدا رمضان ظرف للتكليف بإيقاع المكلف به لا سبب للتكليف بدليل أن من زال عذره في أي يوم منها لا يلزمه شيء وكل جزء من أجزاء القامة ظرف للتكليف بإيقاع المكلف به وسبب للتكليف بالأداء فيه والقضاء بعد فوات القامة كما عرفت وكذا كل يوم من أيام رمضان ظرف للتكليف بإيقاع المكلف به وسبب للتكليف بالأداء فيه والقضاء بعد فواته في يوم مما عدا رمضان من الشهور إلا أن جزء اليوم من أيام رمضان وإن كان ظرفا للتكليف لا يكون سببا له بدليل حصول التكليف فيه وعدم التكليف به على من بلغ في بعض يوم أو أسلم وأي جزء من أجزاء القامة مثلا وإن قل ما لم ينقص عما يسع إيقاع ركعة عندنا وعند غيرنا وإن نقص عن ذلك سبب التكليف بلا داء فيه والقضاء بعد فواته كما علمت وبالجملة فكل يوم كامل من أيام رمضان سبب للوجوب وظرف له وتفويته سبب للصوم في يوم آخر من أيام ما عدا رمضان من الشهور وزان زمن يسع ركعة أو أقل منها على الخلاف من أزمان القامة مثلا والسبب في جعل كل يوم من رمضان سببا للوجوب وظرفا له وتفويته سببا للصوم في يوم آخر مما عدا رمضان من الشهور وهو رؤية هلال رمضان فرؤية الهلال ليست سبب القضاء والأداء وإن كان هو الذي يعتقد في بادئ الرأي بل رؤية الهلال سبب لسببية ثلاثين سببا للقضاء وهي ثلاثون تركا إن وقعت هي أو بعضها وسبب لوجوب ثلاثين يوما مسببات فقط لا أسباب فصارت رؤية الهلال يتعلق بها ستون يوما ثلاثون يوما مسببات صوم وثلاثون يوما أسباب تروك فافهم هذا التحقيق\r","part":1,"page":326},{"id":328,"text":"والمسألة الثانية جميع العمر ظرف لوقوع التكليف بإيقاع النذور والكفارات لوجود التكليف في جميع ذلك وليس شيء من ذلك سببا للتكليف بالكفارة أو النذر بل سبب الكفارة ما تقدم من يمين أو غيره وسبب لزوم النذر ما تقدم من الالتزام وهو ظاهر والمسألة الثالثة شهور العدد بكسر العين كشهور قضاء رمضان من جهة عدم السببية فهي ظروف للتكليف بالعدة لوجوده فيها وليس شيء من أجزائها سببا للتكليف بالعدة بل سبب لزوم العدة ما تقدم من الوفاة أو الطلاق إلا أن شهور العدد تفارق شهور قضاء رمضان من جهة أن التكليف فيها مضيق والوجوب في شهور قضاء رمضان موسع وأما المسألة السابعة التي تحتملهما فهي أن في وجوب زكاة الفطر من غروب الشمس آخر أيام رمضان إلى غروب الشمس يوم الفطر وجوبا موسعا أو بغروب الشمس آخر أيام رمضان أو بطلوع الفجر يوم الفطر أو بطلوع الشمس من يوم الفطر أقوال والقول الأول وإن كان معناه أنه لا يأثم بالتأخير إلى غروب الشمس يوم الفطر وإنما يأثم بالتأخير بعد الغروب يوم الفطر والمنقول عن القائل بالقول الأول من مقابله أنه لا يأثم إلا بعد الغروب يوم الفطر أيضا إلا أنه يفرق بينهما بأن القائل بالقول الأول يقول كل جزء من أجزاء هذا الزمان من الغروب إلى الغروب ظرف للتكليف وسبب له والقائل بالقول الأول من مقابله يقول غروب الشمس من يوم الصوم سبب وما بعده ظرف للتكليف فقط فلا يكون من أجزائه سببا للتكليف فهما وإن اشتركا في التوسعة إلا أن التوسعة في الأول كتوسعة صلاة الظهر تستمر فيها السببية وفي الثاني كتوسعة قضاء رمضان لا تستمر فيها السببية\rوتظهر ثمرة الخلاف فيمن بلغ في\rهذا الوقت أو عتق أو أسلم فيتوجه عليه الأمر بزكاة الفطر على القول الأول كالذي يبلغ في أثناء أوقات الصلوات ولا يتجه عليه الأمر بزكاة الفطر على الأول من مقابله كمن بلغ في شهور قضاء الصوم فافهم هذه الفروق تنفعك والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":1,"page":327},{"id":329,"text":"الفرق الثالث والأربعون بين قاعدة اللزوم الجزئي وبين قاعدة اللزوم الكلي\rوذلك أن ضابط اللزوم الكلي العام أن يكون الربط بينهما واقعا في جميع الأحوال والأزمنة وعلى جميع التقادير الممكنة وهو المسمى عند المناطقة باللزوم البين أما بالمعنى الأخص بحيث يلزم من تصور الملزوم تصور اللازم كلزوم الزوجية للعشرة وأما بالمعنى الأعم بحيث يلزم من تصور الملزوم واللازم معا الجزم باللزوم سواء كفى تصور الملزوم في تصور اللازم أو لم يكف تصوره في تصوره بل لا بد في الجزم\rباللزوم من تصورهما معا كلزوم قبول العلم وصنعة الكتابة للإنسان ثم إن اللزوم الكلي العام يكون للماهية كما ذكر وقد يكون للشخص الواحد في حالة من أحواله كلزوم حركة اليد لزيد في حالة كتابته فكلما كان زيد يكتب فهو يحرك يده أي ما من حالة تعرض ولا زمان ما يشار إليه وزيد يكتب إلا وهو يحرك يده فاللزوم بين كتابته وحركة يده في جميع الأحوال والأزمان وضابط اللزوم الجزئي أن يكون لزوم الشيء للشيء في بعض الأحوال دون بعض أو بعض الأزمنة دون بعض وهو المراد باللزوم في الجملة المعتبر عند البيانيين في المجاز والكناية كلزوم الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى التي هي غسل الجنابة مثلا بمعنى أن الطهارة الكبرى إذا حصلت أغنت عن الطهارة الصغرى التي هي الوضوء وجازت بها الصلاة من غير تجديد وضوء كما قال الفقهاء لكن لا في جميع الأحوال والأزمان حتى يقال إنه يلزم على قول الفقهاء المذكور أما مخالفة القاعدة العقلية وهي أنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم بأن لا يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم أن أبقوا الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى إذا أحدث الحدث الأصغر وأما مخالفة الإجماع المنعقد بعدم انتفاء الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى إذا أحدث الحدث الأصغر إن أوجبوا الغسل بخروج الريح أو الغائط أو الملامسة\r","part":1,"page":328},{"id":330,"text":"وكلتا القاعدتين لا سبيل إلى مخالفتهما فلا سبيل إلى القول بلزوم الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى بل مراد الفقهاء أن لزوم الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى مقيد بما إذا لم يقع من المغتسل ناقض في أثناء غسله بمعنى أن لزوم الوضوء للغسل في الابتداء فقط دون\rالدوام فاللزوم بينهما بهذا الشرط وهو عدم طرءان الناقض في أثناء الغسل فهو في حالة خاصة من جملة الأحوال ولا يحصل في حالة دوام الغسل وغيرها من الأحوال فلا يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم إلا في الحالة التي حصل فيها اللزوم فلا جرم لم يقل أحد من القائلين باللزوم في هذه الحالة ببقاء الطهارة الكبرى دون الطهارة الصغرى بل إنما قال به في حالة الدوام التي ليس فيها لزوم فانتفاء الطهارة الصغرى في هذه الحالة لا يقدح إذ لا يقدح الانتفاء ما هو لازم والطهارة الصغرى في هذه الحالة ليست لازمة فلا يضر انتفاؤها ومن أمثلة اللزوم الجزئي أيضا لزوم المؤثر لأثره زمن حدوث ذلك الأثر دون ما بعد زمن الحدوث فكل بناء يلزمه البناء حالة البناء دون ما بعد ذلك فقد يموت البناء ويبقى بعد ذلك البناء وكذلك الناسج من نسجه فعدم اللزوم في غير حالة الحدوث لا يقدح إذ لم يريدوا بقولهم يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم إلا حيث قضي باللزوم إما عاما وإما خاصا أما في الصورة التي لم يقض فيها\rباللزوم فلا كما أنهم أرادوا بقولهم يلزم من عدم الشرط عدم المشروط أنه يلزم من عدمه عدمه في الصورة التي هو فيها شرط\rأما لو كان شرطا في حالة دون حالة لم يلزم من عدمه في صورة ما ليس بشرط فيها عدم المشروط كالطهارة بالماء شرط في صحة الصلاة في صورة القدرة على الماء وعلى استعماله وليس بشرط في صورة عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله فلا جرم يلزم من عدمه في صورة القدرة على ذلك عدم صحة الصلاة ولا يلزم من عدمه في صورة عدم القدرة على ذلك عدم المشروط الذي هو صحة الصلاة لعدم الشرطية في تلك الصورة\r","part":1,"page":329},{"id":331,"text":"فالشرط واللازم في هذا الباب سواء فتأمل ذلك الفرق الرابع والأربعون بين قاعدة الشك في السبب وبين قاعدة السبب في الشك بمعنى أن الشك هو الذي جعله الشرع محل السببية وموصوفا بها وتحريره أن السبب في الشك كما في مسألة من شك في عين الصلاة المنسية ونظائرها الواقعة في الشريعة لا يمنع التقرب وتتقرر معه الأحكام ضرورة أن المتقرب جازم فيه بوجود الموجب وهو الله تعالى وسبب الوجوب الذي هو الشك والواجب الذي هو الفعل\rودليل الوجوب الذي هو الإجماع أو النص والشك في السبب كما في النظر الأول الذي يحصل به العلم بوجود الصانع يمنع التقرب ولا يتقرر معه حكم ضرورة أن المتقرب لم يجزم فيه بوجود الموجب وهو الله تعالى ولا بوجود سبب الوجوب الذي هو الشك ولا بوجود الواجب الذي هو الفعل ولا بوجود دليل الوجوب الذي هو الإجماع أو النص فالجميع مجهول مشكوك فيه لا معلوم فلذا حكى الفقهاء في كتبهم انعقاد الإجماع على تعذر نية التقرب في النظر الأول المذكور واندفع ما أورده بعضهم عليه بأنه كيف يحكي الإجماع في تعذر هذا وهو واقع في الشريعة في عدة صور فإن غاية هذا الناظر قبل أن\r","part":1,"page":330},{"id":332,"text":"ينظر يجوز أن يكون له صانع وأن لا يكون وأن يكون هذا النظر واجبا عليه وأن لا يكون وهذا لا يمنع قصد التقرب بدليل ما وقع في الشريعة أن من شك هل صلى أم لا فإنه يجب عليه أن يصلي وينوي التقرب بتلك الصلاة المشكوك فيها ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة وإذا وقع في الشريعة نية التقرب بالمشكوك فيه جاز شكه في النظر الأول وتكون حكاية الإجماع في تعذره خطأ بل يمكن قصد التقرب به ولا ينفع الفرق بأن الشك في صورة النظر الأول في الموجب وفي صورة غيره الواقع في الشريعة في الواجب إذ كما لا يمنع الشك في الواجب كذلك لا يمنع في الموجب لأن غاية الشك فيه أن يفضي إلى الشك في الواجب وحاصل الدفع أن كلا من وجود الموجب وسبب الوجوب والواجب ودليل الوجوب غير معلوم في صورة النظر بل مجهول مشكوك فيه وفي صورة غيره الواقع في الشريعة مجزوم به فالأول شك في السبب والثاني سبب في الشك فافترقا وبعبارة أن الشارع شرع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك فشرعه في عدة من الصور حيث شاء منها ما إذا شك في الشاة المذكاة والميتة حرمتا معا وسبب التحريم هو الشك ومنها ما إذا شك في الأجنبية وأخته من الرضاع حرمتا معا وسبب التحريم هو الشك ومنها ما إذا شك في عين الصلاة المنسية وجب عليه خمس\rصلوات وسبب وجوب الخمس هو الشك ومنها ما إذا شك هل تظهر أم لا وجب الوضوء\r","part":1,"page":331},{"id":333,"text":"وسبب وجوبه الشك ومنها ما إذا شك هل صام أم لا وجب الصوم وسبب وجوبه الشك ومنها ما إذا شك هل أخرج الزكاة أم لا وجب إخراجها وسبب الوجوب الشك ومنها بقية النظائر الكثيرة في الشريعة وقد يلغي صاحب الشرع الشك فلا يجعل فيه شيئا كما في صورة النظر الأول لأن المشكوك فيه مجهول كالموجب والواجب ودليل الوجوب وسببه كما علمت فلا يكون سببا للحكم الذي هو الوجوب وكمن شك هل طلق أم لا فلا شيء عليه والشك لغو ومن شك في صلاته هل سها أم لا فلا شيء عليه والشك لغو فهذه صور من الشك أجمع الناس على عدم اعتباره فيها كما أجمعوا على اعتباره فيما تقدم ذكره من تلك الصور فهذان قسمان وبقي قسم ثالث اختلف العلماء في نصب الشك سببا فيه كمن شك هل أحدث أم لا فاعتبره مالك دون الشافعي\rومن شك هل طلق ثلاثا أم اثنتين ألزمه مالك الطلقة المشكوك فيها دون الشافعي ومن حلف يمينا وشك ما هي ألزمه مالك جميع الأيمان فقد انقسم الشك ثلاثة أقسام مجمع على اعتباره ومجمع على إلغائه ومختلف فيه وصل في زيادة توضيح هذا الفرق بثلاث مسائل\rالمسألة الأولى إذا نسي المكلف صلاة من الخمس صلى خمسا بنية جازمة بوجوب الخمس عليه لوجود سبب وجوبها وهو الشك لا بنية مترددة حتى يحتاج لأن يقال استثنيت هذه الصورة من قاعدة أن النية لا تصح مع التردد لتعذر جزم النية فيها وكذلك من شك في جهة الكعبة يصلي أربع صلوات إلى الجهات الأربع بنية جازمة بوجوب الأربع عليه بسبب الشك ومن التبست عليه الأواني أو الثياب يجتهد بنية جازمة بوجوب الاجتهاد عليه بسبب الشك وكذلك من التبست عليه الأجنبية بأخته أو المذكاة بالميتة جازم بالتحريم لوجود سببه الذي هو الشك فلا تردد في شيء من هذه الصور ألبتة بل القصد جازم النية جازمة وقس على ذلك بقية النظائر\rالمسألة الثانية\r","part":1,"page":332},{"id":334,"text":"قاعدة أن ترتب الحكم على الوصف يقتضي عليه ذلك الوصف لذلك الحكم مع قول صاحب الشرع إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا فليأت بركعة ويسجد سجدتين يرغم بهما أنف الشيطان دليل على أن صاحب الشرع لما رتب في هذه الصورة وجوب ركعة ووجوب سجدتين بعد السلام على الشك جعل ذلك الشك فيها سببا لهذين الوجوبين إذ الترتيب دليل السببية ألا ترى أنه لو قال إذا سها أحدكم فليسجد وإذا أحدث فليتوضأ ونحوه لم يفهم منه إلا سببية السهو لوجوب\rالسجود وسببية الحدث لوجوب الوضوء فتكون أسباب السجود ثلاثة السهو في الزيادة والسهو في النقصان والشك وقل أن يتفطن لهذا الثالث فلم يصل المكلف في هذه الصورة هذه الركعة التي قام إليها إلا بنية جازمة بوجوبها لوجود سبب وجوبها وهو الشك لا بنية مترددة في أن تكون محرمة خامسة وأن تكون واجبة رابعة حتى يقال كيف ينوي التقرب بهذه الركعة مع عدم الجزم بوجوبها وتعين كون هذه الصورة شكا في العدد أي سببا في الشك بمعنى أن الشك هو الذي جعله الشرع محل السببية وموصوفا بها بخلاف صورة ما لو شك هل سها أم لا فإنها من الشك في سبب السهو فلذا جرت فيها قاعدة أن من شك هل سها أم لا لا سجود عليه ولم تجر في الصورة التي قبلها أعني صورة من شك في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا وإن جاز فيها أن يكون زاد وأن لا يكون فلم يتعذر الفرق بين من شك هل سها أم لا وبين هذه الصورة حتى يرد الإشكال على هذه الصورة بأنه كيف يسجد فيها مع أنه في غيرها لو شك هل زاد أم لا لا يسجد فافهم\rالمسألة الثالثة\rسأل رجل بعض علماء المذهب أنه صلى الصبح والظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد ثم أحدث وتوضأ وصلى العشاء ثم تيقن أنه نسي مسح رأسه من أحد الوضوءين لا يدري أيهما\r","part":1,"page":333},{"id":335,"text":"هو فقالوا له يلزمك أن تمسح رأسك وتعيد الصلوات الخمس ثم جاء يستفتي عن ذلك من سأله عن ذلك أولا فقالوا له اذهب وامسح رأسك وأعد العشاء وحدها ووجه اختلاف جواب المفتي قبل الإعادة وبعدها أن المسح المتروك إن كان من وضوء الصلوات الأربع فقد أعادها بوضوء العشاء بعد أن استفتى أولا فبرئت الذمة منها وإن كان ذلك من وضوء العشاء فقد برئت الذمة منها بوضوئها الأول فعلى كل من التقديرين قد برئت الذمة منها ولم يبق الشك إلا في العشاء لأنه إنما صلاها بوضوء واحد لا بوضوءين كغيرها من الصلوات فعلى تقدير أن يكون المسح نسي من وضوء العشاء تكون ثابتة في ذمته والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والأربعون بين قاعدة قبول الشرط وبين قاعدة قبول التعليق على الشرط\rوذلك أنه لا يلزم من قبول التعليق قبول الشرط ولا من قبول الشرط قبول التعليق فإن الحقائق في الشريعة على أربعة أقسام القسم الأول ما يقبل الشرط والتعليق عليه من نحو الطلاق والعتاق فيقبل الشرط بأن يقول أنت\r","part":1,"page":334},{"id":336,"text":"حر على أن عليك ألفا أو أنت طالق على أن عليك ألفا فيلزم الشرط إن اتفقا عليه وينجز الطلاق والعتاق الآن ويقبل التعليق على الشرط بأن يقول إن دخلت الدار فأنت طالق أو أنت حر فلا يقع طلاق ولا عتاق الآن بل حتى يقع الشرط القسم الثاني ما لا يقبلهما من الإيمان بالله تعالى والدخول في الدين فإنه لا يقبل الشرط بأن يقول أسلمت على أن لي أن أشرب الخمر أو أترك الصلاة ونحوه بل يسقط شرطه الذي قرن به إسلامه ولا يقبل التعليق حيث اعتمد الجزم بصحته كما في دخول أهل الذمة في الدين فلا يلزم إسلام الذمي بقوله إن كنت كاذبا في هذه القضية فأنا مسلم أو مؤمن أو إن لم آت بالدين في وقت كذا فأنا مسلم أو مؤمن ونحو ذلك من الشروط التي يعلق عليها إذا وجد ذلك الشرط بل يبقى على كفره لأن المعلق ليس بجازم ودخوله في الدين يعتمد الجزم بصحته وأما الحربيون فمن حيث إنا نلزمهم الإسلام قهرا بالسيف يجوز أن يلزمهم إسلامهم في هذه الحالة والقسم الثالث ما يقبل الشرط دون التعليق عليه من نحو البيع والإجارة فإنه يصح أن يقال بعتك على أن تأتي بالرهن أو الكفيل بالثمن أو غير ذلك من الشروط المقارنة لتنجيز البيع ولا يصح التعليق عليه بأن يقول إن قدم زيد فقد بعتك أو آجرتك لأن انتقال الأملاك يعتمد الرضا والرضا إنما يكون مع الجزم ولا جزم مع التعليق لأن الشأن في جنس المعلق عليه وهو المعتبر دون أنواعه وأفراده أن يعترضه عدم الحصول فلا يرد أن المعلق عليه قد يكون معلوم الحصول كقدوم الحاج وحصاد الزرع والقسم الرابع ما يقبل التعليق على الشرط دون مقارنته من نحو الصلاة والصوم فلا يصح أدخل في الصلاة على أن لا أسجد أو على أن أسلم بعد سجدة ونحو ذلك ولا أدخل في الصوم على أن لي الاقتصار على بعض يوم ويصح تعليقه على الشرط بأن تقول إن قدم زيد فعلي صوم شهر أو صلاة مائة\r","part":1,"page":335},{"id":337,"text":"ركعة ونحوها من الشروط في النذور فجميع التصرفات في الشريعة تدور على هذه الأقسام الأربعة في هاتين القاعدتين وتطلب المناسبة في كل باب من أبواب الفقه على وفق ذلك الحكم في تلك المواطن والله سبحانه وتعالى أعلم","part":1,"page":336},{"id":339,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وبحمده والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده وآله الطاهرين وأصحابه الذين شادوا الدين\rالفرق السادس والأربعون بين قاعدة ما يطلب جمعه وافتراقه وبين قاعدة ما يطلب افتراقه دون جمعه وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه\rأما أمثلة قاعدة ما يطلب جمعه وافتراقه فمنها الإيمان بالله تعالى ورسله فإنه مطلوب في نفسه وهو شرط في كل عبادة لأنه هو الأصل في كل تقرب فإن التقرب بالعبادة فرع التصديق بالأمر بها والأصل شرط في تحقق الفرع فالإيمان شرط في كل عبادة والشرط مطلوب الحصول مع المشروط فالإيمان مطلوب الجمع مع كل عبادة غير أنه قد يكتفى منه بالإيمان الحكمي تخفيفا على العبد فإن استحضاره في كل عبادة وفي جميع أجزائها ربما يشق على المكلف فيكتفى بتقدمه عن العبادة فعلا ثم يستصحب حكما ومنها الدعاء والسجود فإن كل واحد منهما مطلوب في نفسه وقد ورد طلب الجمع بينهما في قوله عليه السلام أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فعسى أن يستجاب لكم ومنها الثناء والتمجيد له تعالى بالتسبيح والتهليل والتعظيم والإجلال فإنه مطلوب في نفسه والركوع في الصلاة مطلوب في نفسه أيضا وقد ورد طلب الجمع بينهما في نفسه في الحديث المذكور أيضا وذلك لوجهين\rالأول أن القاعدة لما تقررت بأن الله تعالى أمر عباده أن يتقربوا إليه على حسب ما جرت العادة به مع الأماثل والملوك والأكابر إذ نسبة كل من الطاعات والمعاصي إلى الله تعالى واحدة لا تزيده الطاعات ولا تنقصه المعاصي وقد جرت عادة الناس مع من ذكر أن يقدموا الثناء عليهم قبل الطلب منهم تطييبا لقلوبهم واستعطافا لأنفسهم ناسب جعل الله سبحانه وتعالى الثناء والتمجيد له في الركوع وجعل الدعاء في السجود بعد الثناء","part":2,"page":1},{"id":340,"text":"والوجه الثاني أنه لما كان السجود في العبادة أبلغ شرعا من الركوع كما أن بذل الدينار صدقة أبلغ في العادة من بذل الدرهم وأبلغية السجود لأمرين أحدهما الإفراط في القرب من الرب تعالى قال عليه السلام أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا\rوثانيهما أنه أشق من الركوع لما سيأتي وارتكاب الأشق في تحصيل المأمور به يدل على المبالغة في الطواعية فيكون موجبا لمزيد الأجور قال عليه السلام أفضل العبادة أحمزها أي أشقها وكان الدعاء مخ العبادة وهو الأصل في الطلب والثناء وسيلة إليه حتى سمي دعاء في قوله {صلى الله عليه وسلم} أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله فقد سئل عنه سفيان بن عيينة فقيل له هذا الثناء فأين الدعاء فأنشد أبيات أمية بن أبي الصلت الثقفي وهي أأطلب حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاء من تعرضك الثناء\r","part":2,"page":2},{"id":341,"text":"كريم لا يغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء وعلمك بالحقوق وأنت قدما لك الحسب المهذب والوفاء يعني فلما كان الثناء يحصل من الكريم ما لا يحصله الدعاء سمي الثناء على الله تعالى دعاء لأنه سبحانه أكرم الأكرمين وقد جاء في الحديث عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حكاية عن الله تعالى أنه قال من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ناسب تقديم الوسيلة في الركوع وتأخير الدعاء في السجود الذي هو أبلغ وأشق وأفرط في القرب من الرب سبحانه وتعالى وأما أمثلة قاعدة ما يطلب افتراقه دون جمعه فمنها قراءة القرآن مطلوبة في الشريعة كما أن الركوع والسجود مطلوبان كذلك والجمع بينهما وبين كل واحد منهما غير مطلوب بل قد ورد النهي عنه بقوله عليه السلام نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا عكس ما ورد في الدعاء مع السجود في الحديث المتقدم وذلك لوجهين الأول أن الشرع لما عين الركوع للثناء المحض والسجود للدعاء المحض ناسب أن يعين القيام موطنا للقراءة لأنها قد لا تكون ثناء ولا دعاء لتشمل الصلاة على جميع أنواع القربات ولا تختص بنوع معين فتكون حينئذ أفضل الأعمال كما جاء في الحديث أفضل أعمالكم الصلاة\rالوجه الثاني أن الشرع إنما جعل القيام موطنا للقراءة لأنه حالة استقرار يتمكن فيه الفكر من التأمل لمعاني القراءة والاتعاظ بوعيدها ووعدها والتفكر في معانيها على اختلافها مع حسن الإقبال على الله تعالى بالمناجاة بخلاف الركوع والسجود لما في الأول من ضيق النفس وضجرها في حالة الانحناء\r","part":2,"page":3},{"id":342,"text":"والثاني من انحصار الأعضاء وحبس النفس وذلك لا يناسب أحوال القراءة كما أنه إنما جعل الدعاء في السجود لما فيه من فرط القرب والثناء في الركوع لأنه وسيلة للدعاء ولجريانه على عادة الطلب من الملوك كما علمت ومنها الصوم والصلاة كل واحد منهما طلب التقرب منه منفردا ولم يطلب الجمع بينهما لقاعدتين الأول أنه إذا نذر أن يصلي صائما لم يلزمه ذلك والقاعدة الثانية أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب فلما لم يؤثر النذر في وجوب الصوم مع الصلاة كما أثر في وجوبه مع الاعتكاف إذا نذره دل ذلك على أنه ليس بمطلوب مع الصلاة\rوإن كان كل واحدة منهما مطلوبا في نفسه وأنه مطلوب مع الاعتكاف فمن هنا ظهر صحة قول القائل لو لم يكن الصوم شرطا في الاعتكاف لما كان شرطا له بالنذر كالصلاة لكنه إذا نذر أن يعتكف صائما لزمه ذلك ووجب الصوم فافهم وأما أمثلة قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه فمنها الركوع مع سجدتين في الصلاة فإن ذلك مطلوب الجمع ولم يشرع التقرب بأحدهما منفردا قال الأصل ما معناه لأنه لم يشرع قربة إلا السجدة الواحدة في التلاوة وكذا في شكر النعم عند الشافعي دون مالك ولم أقف على وجه المناسبة في المنع من التقرب بالركوع وحده ولا يبعد أنه تعبد ومنها الوقوف بعرفة مع رمي الجمار كل واحد مطلوب مع الآخر وليس مطلوبا منفردا ومنها السعي مع الطواف في حج أو عمرة قربة وليس هو بانفراده قربة ومنها الحلاق مع الحج أو العمرة قربة وليس هو بانفراده قربة\rقال الأصل والغالب على أركان الحج التي لا يتقرب بها منفردة أي كالوقوف بعرفة والسعي وكذا الحلاق على القول بركنيته التعبد بخلاف الطواف فإنه شرع قربة وحده وإن كان قد اشترط معه صلاة ركعتين\rومنها غير ذلك مما يدل الاستقراء عليه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والأربعون بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير وقاعدة المنهي عنه لا يصح مع التخيير\r","part":2,"page":4},{"id":343,"text":"على ما زعم الأصل أنه فرق بينهما المعتزلة دون الأصحاب وأن مذهب المعتزلة هو الحق وبين سره بما قال ابن الشاط أنه هو المحال عقلا وإن ما حكاه عن المعتزلة باطل والصحيح ما حكاه سيف الدين عن الأصحاب فانظرهما والصواب عدم الفرق بينهما أصلا لا عند المعتزلة ولا عند الأصحاب\rأما المعتزلة فإنهم وإن اختلفوا في أن الأمر أو النهي بواحد مبهم من أشياء معينة هل يوجب أو يحرم الكل فيثاب بفعل الكل أو تركه ثواب فعل واجبات وترك محرمات ويعاقب بترك الكل أو فعله عقاب ترك\rواجبات وفعل محرمات ويسقط فعل الكل الواجب أو تركه بفعل أو ترك واحد منهما أو الواجب في ذلك أو المحرم في ذلك واحد منهما معين عند الله تعالى ويسقط طلب الفعل أو الترك في الواجب أو المحرم بفعله أو فعل غيره منها أو بتركه أو ترك غيره منها أو الواجب أو المحرم في ذلك ما يختاره المكلف للفعل أو للترك منها بأن يفعله أو يتركه دون غيره وإن اختلف باختلاف اختيار المكلفين إلا أنهم اتفقوا على نفي إيجاب أو تحريم واحد لا بعينه لما قالوا من أن تحريم الشيء أو إيجابه لما في فعله أو تركه من المفسدة التي يدركها الفعل وإنما يدركها في المعين وأما الأصحاب فإنهم اتفقوا على أن الأمر أو النهي بواحد مبهم من أشياء معينة يوجب أو يحرم واحدا منها لا بعينه وهو القدر المشترك بينهما في ضمن أي معين منها لأنه المأمور به أو المنهي عنه وتعرف المسألة على جميع الأقوال بالواجب المخير والمحرم المخير لتخيير المكلف في الخروج عن عهدة\r","part":2,"page":5},{"id":344,"text":"الواجب أو المحرم بأي من الأشياء يفعله أو يتركه وإن لم يكن من حيث خصومه واجبا أو محرما عند الأصحاب بل واحد لا بعينه هذا خلاصة ما في جمع الجوامع مع شرح المحلى ومفاد ذلك أن الخلاف بين قول الأصحاب وبين القول الأول من أقوال المعتزلة المذكورة معنوي وعليه جماعة من الأصوليين كالآمدي وابن الحاجب والعضد قال السعد وهو مذهب بعض المعتزلة فيثاب ويعاقب على كل واحد ولو أتى بواحد سقط عنه الباقي بناء على أن الواجب قد يسقط بدون الأداء\rا ه\rوذلك لأن الأمر تعلق بكل منها بخصوصه على وجه الاكتفاء بواحد منها قلنا إن سلم ذلك لا يلزم منه وجوب الكل المرتب عليه ما ذكر وذهب الإمام الرازي وإمام الحرمين وجماعة إلى أنه لفظي بناء على تفسير أبي الحسين للقول الأول من أقوال المعتزلة المذكورة بأنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان به وللمكلف أن يختار أياما كان فهو بعينه مذهب أهل السنة والخلف لفظي لأنهم إنما قالوا بوجوب الكل بهذا المعنى فرارا من القول\rبوجوب واحد مبهم لأن العقل لا يدرك فيه مصلحة بناء على عقيدتهم من التحسين والتقبيح وأن العقل يدرك الأحكام قبل الشرع وإلى هذا يشير العلامة أبو إسحاق في الموافقات حيث قال وكل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه كالخلاف مع المعتزلة في الواجب المخير والمحرم المخير فإن كل فرقة موافقة للأخرى في نفس العمل وإنما اختلفوا في الاعتقاد بناء على أصل محرر في علم الكلام وفي أصول الفقه له تقرير أيضا وهو هل الوجوب أو التحريم أو غيرهما راجعة إلى صفات الأعيان أو إلى خطاب الشارع\rا ه\r","part":2,"page":6},{"id":345,"text":"المراد قال الشربيني وأشار المحلي بقوله وهو القدر المشترك بينها إلى الإبهام في الواجب أي والمحرم وبقوله في ضمن أي معين إلى التعيين في المخير فيه ثم إن القدر المشترك بينها أعني ذلك المفهوم من حيث تعين المشترك فيه معين فالواجب معين فاندفع القول بأنه كلف بغير معين وأما خصوصية كل واحد فهو مخير فيه لا واجب فلا يلزم فيه\rالتكليف بغير معين هذا هو الحق في الحل الذي بينه العضد بما توضيحه أن الذي وجب وهو الواحد المبهم أعني هذا المفهوم الكلي لم يخير فيه إذ لا يجوز تركه ألبتة والتخيير إنما هو في كل واحد من المعينات وإن كان كل واحد منها يتأدى به الواجب لتضمن كل واحد منها الواجب الذي هو مفهوم أحدها مبهما فليس معنى الواجب المخير أنه خير في نفس ذلك الواجب كما يتبادر إلى الفهم من هذه العبارة بل معناه الواجب الذي خير في أفراده وتعدد ما صدق عليه أحدها إذا تعلق به الوجوب والتخيير يأبى كون متعلق الوجوب والتخيير واحدا كما لو حرم واحدا من الأمرين وأوجب واحدا فإن معناه أيهما فعلت حرم الآخر وأيهما تركت وجب الآخر والتخيير بين واجب أو غير واجب بهذا المعنى جائز وإنما الممتنع التخيير بين واجب بعينه وغير واجب بعينه كالصلاة وأكل الخبز ا ه كلام الشربيني\rوكذلك يمتنع التخيير بين أفراد المشترك لا فرق بين كونه المأمور به أو المنهي عنه كمفهوم الخنزير أو مفهوم الخمر وكمفهوم صوم رمضان خلافا للأصل لأنه كما يلزم من تحريم المشترك تحريم جميع أفراده ككل خنزير وكل خمر كذلك يلزم من إيجاب المشترك إيجاب جميع أفراده ككل صوم رمضان بعام من الأعوام قال ابن الشاط وإذا كان المقصود تحصيل تلك الماهية المشتركة لزم من إيجاب المشترك إيجاب كل فرد مما فيه المشترك وإنما لا يلزم إيجاب كل فرد مما فيه المشترك إذا كان المقصود تحصيل شيء مما فيه المشترك ا ه\r","part":2,"page":7},{"id":346,"text":"أي كإيجاب واحد مبهم من خصال كفارة اليمين فإن في آيتها الأمر بذلك تقديرا أي معنى إذ هي خبر بمعنى الأمر لما علمت من\rأن كل فرد مما فيه المشترك هو متعلق التخيير فلا يتعلق به الإيجاب بل إنما يتعلق الإيجاب بواحد مبهم منها وهو المفهوم الكلي المشترك بينها وإن كان كل واحد منها يتأدى به الواجب من حيث إنه يتضمن الواجب الذي هو مفهوم أحدها مبهما فكون المقصود تحصيل شيء مما فيه المشترك إنما هو من حيث إنه لا يتأدى الواجب إلا به لا من حيث إنه هو نفس الواجب لوجهين الأول أنه كيف يكون هو نفس الواجب وهو متعلق التخيير\rالثاني أنه لو كان هو نفس الواجب لكان هو بعينه مذهب بعض المعتزلة من أن الواجب في ذلك ما يختاره المكلف للفعل من أي واحد منها بأن يفعله دون غيره وإن اختلف باختلاف اختيار المكلفين للاتفاق على الخروج عن عهدة الواجب بأي منها يفعل فيرد عليه حينئذ قول المحلي أن الخروج به عن عهدة الواجب لكونه أحدها لا لخصوصه أي كونه مختار المكلف للقطع باستواء المكلفين في الواجب عليهم انتهى على أن القول بمراعاة الخصوصية نظر التأدي الواجب وهو المشترك بها المبني عليه الخلاف بين أهل السنة في أن محل ثواب الواجب الذي هو المشترك بينها هل هو الأعلى أو الأول أو الأحد ومحل العقاب هل هو الأدنى أو الأحد خلاف التحقيق والتحقيق المأخوذ من أن الواجب لا يختلف باختلاف المكلفين أن محل ثواب الواجب والعقاب أحدها من حيث إنه أحدها ولا نظر إلى خصوصية ما وقع لأنه حتى بعد الوقوع لم يزل من حيث تلك الخصوصية مخيرا وإلا لاختلف الواجب باختلاف المكلفين ولا قائل به على الأصح الذي التفريع عليه وكذا يقال في كل من الزائد على من يتأدى به الواجب منها أنه يثاب عليه ثواب المندوب من حيث إنه أحدها لا من حيث خصوصه لأن الكلام في مقتضى الأمر بواحد مبهم ومقتضاه الثواب على القدر المشترك\r","part":2,"page":8},{"id":347,"text":"وأما خصيصية المتعلق وما فيه من الزيادة فيثاب عليها من حيث دخولها في الأمر بفعل الخير ثواب المندوب كما في المحلي والشربيني وكما لا يلزم إيجاب كل فرد مما فيه المشترك إذا كان المقصود تحصيل شيء مما فيه المشترك بناء على القول بمراعاة الخصوصية نظرا لتأدي الواجب وهو المشترك بها أو تحصيل المشترك الذي هو أحدها من حيث إنه أحدها بناء على التحقيق\rكذلك لا يلزم تحريم كل فرد مما فيه المشترك كما في نحو لا تتناول السمك أو اللبن أو البيض إذا كان المقصود ترك شيء مما فيه المشترك بناء على القول بمراعاة الخصوصية نظرا لتأدي ترك المحرم وهو المشترك بها أو ترك المشترك الذي هو أحدها من حيث إنه أحدها في ضمن أي معين منها بناء على التحقيق فعلى المكلف تركه في أي معين منها وله فعله في غيره إذ لا مانع من فعل الغير لأن المحرم واحد فتحريم واحد لا بعينه ليس من باب عموم السلب بل من باب سلب العموم فيتحقق في واحد فليس النهي كالنفي ويقاس على التحريم الكراهة إلا في العقاب كما في المحلي والشربيني\rوبالجملة فلا فرق بين كون الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة يوجب واحدا منها لا بعينه عند الأصحاب ولا يوجبه عند المعتزلة بل إنما يوجب الكل ويسقط بواحد أو واحدا منها معينا عند الله أو ما يختاره المكلف للفعل على الخلاف المتقدم وبين كون النهي بواحد مبهم من أشياء معينة يحرم واحدا منها لا بعينه عند الأصحاب ولا يحرمه عند المعتزلة بل إنما يحرم الكل ويسقط بترك واحد أو واحدا منها معينا عند الله أو ما يختاره المكلف للترك على الخلاف المتقدم نعم فرق بعض المعتزلة بينهما بأن اللغة لم ترد بصيغة من النهي عن واحد مبهم من أشياء معينة كما وردت بالأمر بواحد مبهم من أشياء معينة\r","part":2,"page":9},{"id":348,"text":"قال وقوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا نهي عن طاعتهما إجماعا أي وليس نهيا عن طاعة واحد مبهم منهما حتى يقال إنه صيغة من النهي عن واحد مبهم من أشياء معينة وردت بها اللغة لكن رد المحلي هذا الجواب بما حاصله أن هذه الصيغة يفهم منها النهي عن واحد مبهم فهي طريق لذلك ولا ينافي ذلك صرفها عن ظاهرها بالإجماع فقد ثبت ورود اللغة بذلك الطريق غاية الأمر أنه منع من حملها على معناها الأصلي مانع فافهم هكذا ينبغي تحقيق هذا المقام وإن أردت زيادة توضيحه فعليك بشرح المحلي على جمع الجوامع وحواشيه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والأربعون بين قاعدة التخيير الذي يقتضي التسوية وبين قاعدة التخيير الذي لا يقتضي التسوية بين الأشياء المخير بينها\rعلى ما اختاره الأصل وارتضاه من تحقق هاتين القاعدتين خلافا لما هو مسطور في كتب الفقه وأصوله واعتقده جمهور الفقهاء من أن صاحب الشرع أو غيره إذا خير بين أشياء يكون حكم تلك الأشياء واحدا وأنه لا يقع التخيير إلا بين واجب وواجب أو مندوب ومندوب أو مباح ومباح\rقال وتحرير الفرق بينهما أن التخيير متى وقع بين الأشياء المتباينة كما في تخييره تعالى بين خصال الكفارة في الحنث اقتضى ذلك التسوية في الحكم وهو الوجوب في المشترك الذي هو مفهوم أحدها والتخيير في الخصوصيات التي هي العتق والكسوة والإطعام لأنها أمور متباينة فالمشترك متعلق الوجوب من غير\r","part":2,"page":10},{"id":349,"text":"تخيير والخصوصيات متعلق التخيير من غير إيجاب ومتى وقع أي التخيير بين الجزء والكل كما في قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية فإن التخيير فيها وقع بين جزء وهما ركعتان وكل وهي أربع ركعات أو بين الأقل والأكثر كما في قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا فإن التخيير فيها وقع بين الأقل والأكثر قال بعض العلماء خيره الله تعالى بين الثلث والنصف والثلثين لأن قوله تعالى أو انقص منه قليلا أي انقص من النصف\rوالمراد الثلث أو زد عليه أي على النصف السدس فيكون المراد الثلثين وكما في التخيير الذي أجمعت الأمة عليه لصاحب الدين على المعسر بين النظرة والإبراء فإن الإبراء لما كان يتضمن النظرة وترك المطالبة صار التخيير بينه وبين النظرة من باب التخيير بين الأقل والأكثر اقتضى ذلك عدم التسوية في الحكم ألا ترى أن الله تعالى خير المسافر في الآية الأولى بين ركعتين وهما واجبتان جزما لأنه لا يجوز تركهما إجماعا وبين الزائد عليهما وهو ليس بواجب لأنه يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون واجبا فوقع التخيير بين الواجب وما ليس بواجب على خلاف\r","part":2,"page":11},{"id":350,"text":"المتعارف المعهود من قاعدة أن التخيير يقتضي التسوية مطلقا لأنه بين جزء وكل لا بين أشياء متباينة وأن الله تعالى خيره {صلى الله عليه وسلم} في الآية الثانية بين الثلث وهو واجب لا بد منه وبين النصف والثلثين وهما مندوبان يجوز تركهما وفعلهما أولى فوقع التخيير بين الواجب والمندوب على خلاف القاعدة المذكورة لأنه بين أقل وأكثر والأقل جزء وأن إجماع الأمة وقع بتخيير صاحب الدين على المعسر بين النظرة أي ترك المطالبة وهو واجب حتما وبين الإبراء المتضمن للنظرة وترك المطالبة وهو ليس بواجب إلا أنه أفضل في حقه على خلاف قاعدتين إحداهما قاعدة التخيير كما تقدم والثانية قاعدة أن الواجب أفضل من المندوب لأنه تخيير فيما هو باب الأقل والأكثر كما علمت ا ه وقال العلامة ابن الشاط والصحيح ما اعتقده جمهور الفقهاء وسطر في كتب الفقه وأصوله دون ما اختاره القرافي وارتضاه وما قاله من كون التخيير الواقع بين المتباينات يوجب التسوية وبين الأقل والأكثر والجزء والكل لا يوجبها باطل\rأما أولا فلأن خصوصيات الكفارة وإن صح أنها متعلق التخيير وأن حكم كل خصلة منها حكم\r","part":2,"page":12},{"id":351,"text":"الأخرى لم يصح ما قاله من أن ذلك لكونها أمورا متباينة ولا ما قاله من أن المشترك متعلق الوجوب وإلا لوجب الجميع بل إنما صح كون متعلق التخيير الخصوصيات وأن حكم إلخ لأن متعلق الوجوب واحد غير معين وهو مفهوم أحد الخصال كما علمت وأما ثانيا فلأنه لا يصح ما قاله من وجوب الركعتين جزما على المسافر لأنه يجوز تركهما إجماعا كيف والمسافر يجوز له تركهما وإبدالها بالأربع والذي أوجب غلطه توهمه أن الركعتين المنفردتين هما المجتمعتان مع الركعتين الأخريين من الأربع ولا ما قاله من أن الزائد يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون واجبا فإن ما ليس بواجب يجوز تركه مطلقا والزائد لا يجوز تركه مطلقا بل عند فعل بدله فلم يقع التخيير بين واجب وغير واجب ولم يكن سببه وقوع التخيير بين جزء وكل فما ادعاه وتوهمه خلاف المتعارف من القاعدة\rوأما ثالثا فلأن الثلث ليس بواجب من حيث هو ثلث وإلا لكان واجبا معينا ولا يجوز ترك النصف والثلثين مطلقا حتى يكونا مندوبين بل عند قيام الثلث فلم يقع التخيير بين الواجب والمندوب ولا سببه وقوع التخيير بين أقل وأكثر بل التخيير هنا مساو للتخيير بين خصال الكفارة لا مفارق له إلا عند من اعتراه الغلط فتوهم أن الجزء المنفرد المنفصل هو الجزء المجتمع المتصل وأما رابعا فلأن الأمة لم تجمع على التخيير بين النظرة للمعسر وإبرائه بل النظرة له متعين وجوبها بنص الكتاب العزيز قال تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولكنه لما كان لرب الدين إبراء غريمه منه وإسقاطه موسرا كان أو معسرا عنه توهم أنه مخير بين الأمرين في حق المعسر وليس كذلك وإلا لاختص تسويغ الإبراء من الدين بالمعسر واللازم باطل فكذا الملزوم على أنه ليس التخيير في هذه\rالمسألة لا من باب الأخذ عند الميسرة أو الترك جملة ولا يقال في مثل هذا أنه أقل أو أكثر إلا بنوع من المجاز\r","part":2,"page":13},{"id":352,"text":"فهذه المسألة ليست من قاعدة التخيير أصلا وما زعمه من أن المندوب فيها أفضل من الواجب وإن أمكن توجيهه بأن النظرة إراحة للغريم من مؤنة الدين ما بينه وبين الميسرة والإبراء إراحة للغريم من مؤنة الدين بالكلية ولا شك أن الإراحة الكلية أعظم قدرا من الإراحة غير الكلية فتكون أعظم أجرا إلا أن القاعدة هنا أن المعتبر في تفاضل الأعمال المتحدة تفاضل أحوال عامليها أولا ثم تفاضل الأعمال أنفسها ثانيا ثم تفاضل أحوال المنتفع بها إن كانت متعدية النفع ثالثا ودليل صحة هذا الترتيب قوله صلى الله تعالى عليه وسلم سبق درهم مائة ألف درهم فلو كان المعتبر أولا تفاضل أحوال المنتفع لسبقت مائة الألف الدرهم لأنها أعظم نفعا بالمشاهدة وإذا ثبت أن المعتبر أولا حال العامل فلا ريب أن تحمل وظيفة الإنظار التي حمل عليها بإيجابها عليه إليها أشق عليه من وظيفة الإبراء الموكولة إلى اختياره وهذا المعنى والله أعلم هو السبب الأعظم في أفضلية الفرائض على غيرها فلم تنخرم قاعدة أفضلية الواجبات على المندوبات ا ه\rقلت وعلى ما قاله ابن الشاط فالصواب إبدال هذا الفرق بالفرق بين قاعدة المباح بالجزء المطلوب الفعل بالكل وبين قاعدة المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل بمعنى أن المداومة عليه منهي عنها\rقال العلامة أبو إسحاق في موافقاته اعلم أن المباح باعتباره في نفسه لا بالأمور الخارجة عنه هو المسمى بالمباح بالجزء وباعتباره بالأمور الخارجة عنه هو المسمى بالمطلوب بالكل والأول يطلق بإطلاقين الأول من حيث هو مخير فيه بين الفعل والترك والآخر من حيث يقال لا حرج فيه\rوالثاني على أربعة أقسام أحدها أن يكون خادما لأمر مطلوب الفعل والثاني أن يكون خادما لأمر مطلوب الترك والثالث أن يكون خادما لمخير فيه والرابع أن لا يكون فيه شيء من ذلك\r","part":2,"page":14},{"id":353,"text":"فأما الأول فهو المباح بالجزء باعتباره في نفسه المطلوب الفعل بالكل باعتبار ما هو خادم له وأما الثاني فهو المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل بالاعتبارين المذكورين بمعنى أن المداومة عليه منهي عنها وأما الثالث والرابع فراجعان إلى هذا القسم الثاني وذلك أن المباح إن كان خادما يعتبر بما يكون خادما له والخدمة إن كانت في طرق الترك كترك الدوام على التنزه في البساتين وسماع تغريد الحمام والغناء المباح كان ترك الدوام فيه هو المطلوب من حيث هو خادم لما يضاد الضروريات وهو الفراغ من الاشتغال بها وإن كانت في طرف الفعل كالاستمتاع بالحلال من الطيبات كان الدوام فيه بحسب الإمكان من غير سرف هو المطلوب من حيث هو خادم المطلوب وهو أصل الضروريات والخادم للمخير فيه على حكمه لأنه خادم له فصار مطلوب الترك أيضا لأنه صار خادما لقطع الزمان في غير مصلحة دين ولا دنيا فهو إذا خادم المطلوب الترك فصار مطلوب الترك بالكل\rوأما الرابع فلما كان غير خادم لشيء يعتد به كان عبثا أو كالعبث عند العقلاء فصار مطلوب الترك أيضا لأنه صار خادما لقطع الزمان في غير مصلحة دين ولا دنيا فهو إذا خادم المطلوب الترك فصار مطلوب الترك بالكل وتلخص أن كل مباح ليس بمباح بإطلاق وإنما هو مباح بالجزء خاصة وأما بالكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك مثلا هذا الثوب الحسن مباح اللبس قد استوى في نظر الشرع فعله وتركه فلا قصد له في أحد الأمرين وهذا معقول واقع بهذا الاعتبار المقتصر به على ذات المباح من حيث هو كذلك وهو من جهة ما هو وقاية للحر والبرد وموار للسوأة وجمال في النظر مطلوب الفعل وهذا النظر غير مختص بهذا الثوب المعين ولا بهذا الوقت المعين فهو نظر بالكل لا بالجزء ا ه بتغيير وتوضيح للمراد والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والأربعون بين قاعدة التخيير بين الأجناس المتباينة وبين قاعدة التخيير بين أفراد الجنس الواحد\r","part":2,"page":15},{"id":354,"text":"وضابط الفرق بينهما أن التخيير متى وقع بين الأجناس المختلفة كخصال الكفارة من العتق والإطعام والكسوة فهو الذي اصطلحوا على أنه يسمى واجبا مخيرا ومتى وقع بين أفراد جنس واحد كتخيير المكلف بين رقاب الدنيا في إعتاق الرقبة في كفارة الظهار وغيرها وبين شياه الدنيا في إخراج شاة من أربعين شاة وبين دنانير الدنيا في إخراج دينار من أربعين دينار أو بين مياه الدنيا في الوضوء بماء منها وبين ثياب الدنيا في الاستتار بثوب من ذلك ونحو ذلك من النظائر فهو الذي اصطلحوا على أنه لا يسمى واجبا مخيرا والله سبحانه وتعالى أعلم\rوالفرق الخمسون قلت ما قاله في هذين الفرقين صحيح والله أعلم\r","part":2,"page":16},{"id":355,"text":"الفرق الخمسون بين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه وبين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عاقبته لا من عقابه حيث قالوا يتعذر وقوع الأول وأنه لا يمكن أن يخير الله تعالى بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه إذ لا يجتمع العقاب على فعل المكلف أحد الأمور بعينه مع تخييره في فعل ما يختاره منها أبدا وقالوا يمكن وقوع الثاني بل قد وقع ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليلة الإسراء فجاءه جبريل عليه السلام بقدحين أحدهما لبن والآخر خمر فخيره بين شرب أيهما شاء فاختار اللبن فقال له جبريل عليه السلام اخترت الفطرة ولو اخترت الخمر لغوت أمتك وقد استشكل هذا الحديث جماعة كثيرة من الفضلاء بأن شرب هذا القدح من الخمر سبب ضلال الأمة كما قال جبريل عليه السلام والسبب للضلال حرام فيكون حراما فكيف يقع التخيير له عليه الصلاة والسلام بينه وهو حرام وسبب الضلالة وبين اللبن الذي هو الفطرة المطلوبة الوجود وسبب الهداية وسر الفرق بين هاتين القاعدتين الذي يتضح به معنى الحديث المذكور ويندفع عنه الإشكال المذكور هو أن العقاب لما كان يرجع إلى المنع الناشئ عن الكلام النفساني كان تحريما لا يجتمع مع الإباحة التي هي عبارة عن الإذن الشرعي الناشئ عن الكلام النفساني لأنه ضدها وأن العاقبة لما كانت ترجع إلى أثر قدره الله تعالى وقدره في الحوادث لا بخطابه وكلامه لم تكن بينها وبين الإذن الشرعي الناشئ عن الكلام مضادة بدليل أن الأمة مجمعة على أن الإنسان يخير بين سكنى هاتين الدارين أو تزويج إحدى هاتين المرأتين أو شراء إحدى هاتين الفرسين فإذا اختار أحدهما بمقتضى أن الشرعي الناشئ عن الكلام النفساني أمكن أن يخبر المخبر عن الله تعالى أنك لو اخترت ما تركت من الدارين والمرأتين\rوالفرسين لكان ذلك سبب ضلالك وهلاك مالك وذريتك وغير ذلك من سوء العاقبة كما جاء في الحديث عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس\r","part":2,"page":17},{"id":356,"text":"وقال بحمله على ظاهره جماعة من العلماء وكما جاء في الحديث الآخر أنه لما قيل له عليه السلام عن دار يا رسول الله سكناها والعدد وافر والمال كثير فذهب العدد والمال فقال عليه السلام دعوها ذميمة بل ولو لم ترد هذه الأحاديث فإنا نجوز أن يفعل الله تعالى ذلك في بعض الأشياء التي تلابسها ويجعل عاقبتها رديئة قال تعالى وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وذلك لا ينافي التخيير الثابت بمقتضى الشرع الكائن في جميع هذه الصور فلذا وقع تخييره صلى الله تعالى عليه وسلم بين القدحين ليلة الإسراء وهو محقق ولم يكن شيء منهما محرما على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل مأذون بإقدامه عليهما ولو أقدم على ذلك القدح من الخمر لم يكن فيه إثم ولا عقاب نعم فيه سوء العاقبة وقد تقدم أنها ترجع إلى أثر القدرة والقدر وما يخلقه الله تعالى في الحوادث من الضرر والنفع لا للمنع النفسي المناقض للتخيير والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والخمسون بين قاعدة الأعم الذي لا يستلزم الأخص عينا وبين قاعدة الأعم الذي يستلزم الأخص عينا\rعلى ما زعمه الأصل من أنهما قاعدتان مختلفتان لا قاعدة واحدة هي أن الأعم لا يستلزم أحد أنواعه عينا وإنما يستلزم الأعم مطلق الأخص ضرورة أن دخول الحقائق الكلية في الوجود مجردة محال فلا بد لها من مطلق شخص تدخل معه فيه وتكون ماهية مخلوطة وماهية بشرط لا شيء خلاف لما اشتهر بين النظار والفضلاء في العقليات والفقهيات بناء على توهمه أن الأقل من الفعل كالمرة في حال الانفراد هو عين نفسه في حال اجتماعه مع غيره ككون المرة مع أخرى أو آخر حتى صح أن يوصف بالكثير والأكثر وكذلك الجزء منفردا عين نفسه مع الكل فقال إن الأعم إذا وقع في رتب مترتبة بالأقل والأكثر\r","part":2,"page":18},{"id":357,"text":"والكل استلزم نوعه الأقل والجزء جزما ضرورة أنه لا بد لدخوله في الوجود مع الأقل والجزء عينا لأنه إن وقع في الأكثر والكل فقد وقع الأقل والجزء عينا وإن وقع في الأقل والجزء فقد وقعا عينا أيضا وأما إذا وقع الأعم في رتب متباينة كالحيوان إن وقع في نوعين متباينين هما الناطق والبهيم فإنه لا يستلزم أحد نوعيه عينا وإن كان لا يوجد إلا في ناطق أو بهيم لتباين نوعيه\rفإذا قلنا في الدار حيوان لا يعلم أهو ناطق أو بهيم بخلاف ما إذا قال الموكل لوكيله بع فإن لفظه هذا يشعر بالثمن البخس الذي هو مطلق الثمن لأنه أدنى الرتب فلا بد منه بالضرورة فكان اللفظ دالا عليه بطريق الالتزام وثمن المثل الزائد على ذلك إنما دلت عليه العادة لا اللفظ فظهر بطلان قول من يقول إن لفظ بع لا دلالة على شيء من أنواعه لا ثمن المثل ولا الفاحش ولا الناقص وإنما تعين ثمن المثل من العادة لا من اللفظ\rا ه\rقال ابن الشاط وما اشتهر بين النظار هو القول الصحيح الذي لا يختلف فيه منهم اثنان وليس هاهنا قاعدتان بل هي قاعدة واحدة لا تتفرع ولا تنقسم من الوجه الذي ذكره القرافي بوجه وما ذكره من الفرق باطل إنما أوقعه فيه\r","part":2,"page":19},{"id":358,"text":"توهمه أن الأقل المنفصل جزء من الأكثر المتصل وأن المرة الواحدة من الفعل مقيدة بقيد الانفراد هي عين نفسها مقرونة بأخرى أو آخر ومقيدة بقيد الاجتماع وهو واضح البطلان وضوحا لا ريب فيه ضرورة أن الشيء مع غيره غيره في نفسه وأن قيد الانفراد يناقض قيد الاجتماع بلا شبهة بل لا يمكن أن يفوه أحد بأشد فسادا مما بناه على هذا التوهم من قوله إن قول الموكل لوكيله بع يدل التزاما على الثمن البخس الذي هو مطلق الثمن لأنه أدنى الرتب فلا بد منه بالضرورة وثمن المثل الزائد على ذلك إنما دلت عليه العادة لا اللفظ إذ كيف يدل اللفظ على ما لا يقصده المتكلم به ولا جرت عادة ولا عرف باستعماله فيه وهل يريد عاقل بيع مبيعه بالبخس من غير ضرورة إلى ذلك ثم كيف يكون البخس هو مطلق الثمن وهو أحد أنواع مطلق الثمن وهل يمكن أن يكون النوع هو البخس بعينه وهل يمكن اجتماع الإطلاق والتقييد في شيء واحد هذا كله خطأ فاحش لا ريب فيه ا ه\rقلت وحيث ثبت بطلان هذا الفرق فالصواب إبداله بالفرق بين قاعدة العموم في خصوص العين وقاعدة العموم في خصوص الحال قال الإمام ابن العربي في كتابه أحكام القرآن من غريب فنون الترجيح ترجيح العموم في خصوص العين على العموم\rفي خصوص الحال وذلك أن بعض علمائنا قال إن دم الحيض كسائر الدماء يعفى عن قليله تمسكا بعموم قوله تعالى أو دما مسفوحا فإنه يتناول الكثير دون القليل وهو عموم في خصوص حال الدم\rوقال البعض الآخر قليله وكثيره سواء في التحريم رواه أبو ثابت عن ابن القاسم وابن وهب وابن سيرين عن مالك تمسكا بقوله تعالى بل هو أذى فإنه يعم القليل والكثير وهو عموم في خصوص عين الدم فيترجح على الآخر لأن حال العين أرجح من حال الحال قال وقد بيناه في أصول الفقه وهو ما لم نسبق إليه ولم نزاحم عليه انتهى بتصرف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والخمسون بين قاعدة خطاب غير المعين وقاعدة الخطاب بغير المعين\r","part":2,"page":20},{"id":359,"text":"على مذهب الأصل المبني على قول علماء الأصول أن طلب الكفاية متوجه على الجميع لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين من أن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة إذ لو وقع لأدى إلى ترك الأمر ويقول كل واحد من المكلفين ما تعين على الامتثال فإنه لم يقع الخطاب معي ولا نص علي فلا أفعل فتبطل مصلحة الأمر ولذلك جعل صاحب الشرع الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على سبيل الجمع لتنبعث داعية كل واحد للفعل ليخلص عن العقاب فإذا فعل البعض سقط عن الكل وإن كان خطاب فرض الكفاية يقتضي من حيث اللغة خطاب غير المعين كقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ونحو ذلك مما يقتضي مخاطبا غير معين وأما الخطاب بغير المعين\rفهو واقع في الشريعة كثيرا جدا كالأمر بإخراج شاة غير معينة ودينار من أربعين والسترة بثوب ونحو ذلك مما لم يعين الشرع فيه شيئا من أشخاص المأمور به لتمكن المكلف من إيقاع غير المعين في ضمن معين من ذلك الجنس وقيام الحجة عليه بسبب ذلك فلا تتعذر مصلحة المأمور به بسبب عدم تعينه أي المأمور به بخلاف عدم تعين المأمور الذي هو المكلف كما علمت\r","part":2,"page":21},{"id":360,"text":"قال ويؤخذ من القاعدة الإجماعية المتقدمة يعني قاعدة أن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة لما ذكر أن الأمر في قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين متوجه على الجميع بالحضور عند حد الزناة حتى يفعل ذلك الحضور طائفة من المؤمنين فيسقط الأمر عن الباقين وإن اقتضى لفظ الآية أن المأمور بالحضور المذكور غير معين والقاعدة الثانية أعني قاعدة أن الخطاب بغير المعين واقع وجائز وإن اقتضت عدم توجه السؤال على قوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم من جهة عدم تعين الظن المحرم إلا أنه يتوجه عليه سؤالان من جهة أخرى أحدهما أن صاحب الشرع إذا حرم غير معين من جنس فإما أن يحرم الجميع ليجتنب ذلك المحرم وإما أن يدل بعد ذلك على نفسه فما الواقع ها هنا من هذين وجوابه أن الواقع ها هنا أما الأول بأن يحرم الجميع كما حرم في الأخت من الرضاع تختلط بأجنبيات والميتة تختلط بمذكيات\rفإذا دل الدليل بعد ذلك على إباحة الظن عند أسبابه الشرعية كالظن المأذون فيه عند سماع البينات والمقومين والمفتين والرواة للأحاديث والأقيسة الشرعية وظاهر العمومات اعتبرناه تخصيصا لهذا العموم ولم نجتنبه بل لابسناه وأبقينا ما لا دليل على إباحته تحت نهي الآية وأما الثاني فهما دل الدليل على تحريم ظن حرمناه كالظن الناشئ عن قول الفاسق والنساء في الدماء وغيرها من المثيرات للظن التي حرم علينا اعتبار الظن الناشئ عنها وما لم يدل دليل على تحريمه\r","part":2,"page":22},{"id":361,"text":"أبحناه عملا بالبراءة قال ابن الشاط والأول عندي أظهر وأقوى والسؤال الثاني كيف صح النهي عن الظن وهو ضروري لأنه يهجم على النفس عند حضور أسبابه والضروري لا ينهى عنه وجوابه أن النهي هنا محمول على آثار الظن وسببه الذي هو التحدث عن الإنسان بما ظن فيه أو أذيته بطريق من الطرق بل يكف عن ذلك حتى يوجد سبب شرعي يبيحه ففي الآية مجاز بالحذف أي اجتنبوا كثيرا من سبب الظن على قول من يجعل المحذوف مجازا مطلقا أو مرسلا علاقته المسببية وذلك لأن القاعدة أن الخطاب في التكليف لا يتعلق إلا بمقدور مكتسب لا بالضروري اللازم الوقوع أو اللازم الامتناع فإذا ورد ما ظاهره تعلقه بغير مقدور صرف إما لثمرته كقوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله فالرأفة أمر يهجم على القلب قهرا عند حصول أسبابها فالنهي عنها نهي عن ثمرتها التي هي نقص الحد فيصير معنى الآية لا تنقص من مجاز التعبير بالسبب عن المسبب\rكما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأما لسببه كقوله تعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم فالمغفرة مضافة إلى الله تعالى ليست مقدورة للعبد فالأمر بالمسارعة إليها أمر بالمسارعة لسببها والمعنى إما سارعوا إلى سبب مغفرة من باب الإضمار وإما أنه عبر بها عن سببها مجازا علاقته المسببية وهو كثير في الكتاب والسنة ولسان العرب هذا مذهب الأصل والحق خلافه وأن خطاب غير المعين بمعنى تكليفه وإلزامه وقع في الشريعة كما وقع بغير المعين بلا فرق\rقال ابن الشاط إذ لا مانع منه وإن كان الخطاب بمعنى القصد للإفهام لم يقع في الشريعة إلا للجميع لا من جهة العقل بأن يقول السيد لجماعة عبيده ليفعل أحدكم من غير تعيين الفاعل من قبلي ولا يفعله أحد غيره فمن فعله أثبته ومن شاركه فيه عاقبته وإن لم يفعل أحد منكم ذلك الفعل عاقبتكم أجمعين فالخطاب في هذا المثال متوجه إلى الجميع بأن يجتمعوا على تعيين أحدهم لذلك الفعل أو يعين من\r","part":2,"page":23},{"id":362,"text":"شاء منهم نفسه وهكذا هو فرض الكفاية الخطاب للجميع والتكليف لواحد غير معين منهم أو لجماعة غير معينة منهم ولا من جهة الشرع كما في قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكما في قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وكما في قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة إلى آخرها فكل هذه الآيات وقع الخطاب للجميع أو لمن يقوم مقام الجميع وهو النبي {صلى الله عليه وسلم} والتكليف لم يشمل الجميع ولا علق بمعين أما في الآيتين الأوليين فمطلقا وأما في آية الصلاة فلم يشمل الجميع التكليف بإقامتها في حالة واحدة بل توجه التكليف إلى بعضهم بالدخول في الصلاة وإلى الباقين في تلك الحال بالحرابة ثم توجه التكليف بالدخول في الصلاة إلى الحارسين أولا وبالحرابة إلى المصلين أولا وهذه الآية أوضح الآيات في أن التكليف في فرض الكفاية لا يشمل الجميع من جهة أن الحالة تقتضي انقسام الجميع إلى قسمين كل قسم يقوم بواجب يتعذر قيام القسم الآخر به في تلك الحال لقيامه فيها بالواجب الآخر فلم يظهر الفرق بين الخطاب لغير المعين والخطاب بغير المعين من الوجه الذي زعم انتهى\rوصل وأما ما بنى عليه الأصل مذهبه من قول علماء الأصول أن طلب الكفاية متوجه على الجميع لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين فقال ابن الشاط إنه قول لا دليل ألبتة عليه ولا ضرورة من جهة العقل والنقل تدعو إليه ولم يحمل القائلين به عليه إلا توهمهم أن الخطاب بمعنى الإفهام يلزم منه الخطاب بمعنى الإلزام أو توهمهم أن الخطابين لمعنى واحد ليس الأمر كما توهموه ا ه\rوقال الشيخ أبو إسحاق في موافقاته وما قاله علماء الأصول صحيح من جهة كلي الطلب وأما من\r","part":2,"page":24},{"id":363,"text":"جهة جزئيه ففيه تفصيل وينقسم أقساما وربما تشعب تشعبا طويلا ولكن الضابط للجملة من ذلك أن الطلب وارد على البعض ولا على البعض كيف كان ولكن على من فيه أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب لا على الجميع عموما والدليل على ذلك أمور أحدها النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة فورد التخصيص على طائفة لا على الجميع وقوله ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف الآية وقوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم الآية إلى آخرها وفي القرآن من هذا النحو أشياء كثيرة ورد الطلب فيها نصا على البعض لا على الجميع\rوالثاني ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى فإنها إنما تتعين على من فيه أوصافها المرعية لا على كل الناس وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يطلب بها شرعا باتفاق من كان أهلا للقيام بها والغناء أي النفع فيها وكذلك الجهاد حيث يكون فرض كفاية إنما يتعين القيام به على من فيه نجدة وشجاعة وما أشبه ذلك من الخطط الشرعية إذ لا يصح أن يطلب بها من لا يبدي فيها ولا يعيد فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلف ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة وكلاهما باطل شرعا والثالث ما وقع من فتاوى العلماء وما وقع أيضا في الشريعة من هذا المعنى فمن ذلك ما روي عن محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد قال لأبي ذر يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وكلا الأمرين من فروض الكفاية ومع ذلك فقد نهاه عنهما فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذر في حرج الإهمال ولا من كان مثله وفي الحديث لا تسأل\rالإمارة\r","part":2,"page":25},{"id":364,"text":"وهذا النهي يقتضي أنها غير عامة الوجوب ونهى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعض الناس عن الإمارة فلما مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وليها أبو بكر فجاءه الرجل فقال نهيتني عن الإمارة ثم وليت فقال له وأنا الآن أنهاك عنها واعتذر له عن ولايته هو بأنه لم يجد من ذلك بدا وروي أن تميما الداري استأذن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في أن يقص فمنعه من ذلك وهذا النوع من القصص الذي طلبه تميم رضي الله تعالى عنه من مطلوبات الكفاية وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعلى هذا المهيع جرى العلماء في تقرير كثير من فروض الكفاية فقد جاء عن مالك أنه سئل عن طلب العلم أفرض هو فقال أما على كل الناس فلا يعني به الزائد على الفرض العيني\rوقال أيضا أما من كان فيه موضع للإمامة فالاجتهاد في طلب العلم عليه واجب والأخذ في العناية بالعلم على قدر النية فيه فأنت تراه قسم فجعل من فيه قبولية للإمامة مما يتعين عليه ومن لا جعله مندوبا إليه وفي ذلك بيان أنه ليس على كل الناس وقال سحنون من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلبها لقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ومن لا يعرف المعروف كيف يأمر به أو لا يعرف المنكر كيف ينهى عنه وبالجملة فالأمر في هذا المعنى واضح وباقي البحث في المسألة موكول إلى علم الأصول وبيان بعض تفاصيل هذه الجملة ليظهر وجهها ونتبين صحتها بحول الله هو أن الله عز وجل خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم لا في الدنيا ولا في الآخرة ألا ترى إلى قوله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية تارة بالإلهام كما يلهم الطفل التقام الثدي ومصه وتارة بالتعليم فطلب الناس بالتعلم والتعليم لجميع ما يستجلب به المصالح أو كافة ما تدرأ به المفاسد إنهاضا لما جبل فيهم من تلك الغرائز\r","part":2,"page":26},{"id":365,"text":"الفطرية والمطالب الإلهامية لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح كان ذلك من قبيل الأفعال أو الأقوال أو العلوم والاعتقادات أو الآداب الشرعية أو العادية\rوفي أثناء العناية بذلك يقوى في كل واحد من الخلق ما فطر عليه وما ألهم إليه من تفاصيل الأحوال والأعمال فيظهر فيه وعليه ويبرز فيه أقرانه ممن لم يهيأ تلك التهيئة فلا يأتي زمان التعقل إلا وقد نجم على ظاهره ما فطر عليه في أوليته فترى واحدا قد تهيأ لطلب العلم وآخر لطلب الرياسة وآخر للتصنع ببعض المهن المحتاج إليها وآخر للصراع والنطاح إلى سائر الأمور هذا وإن كان كل واحد قد غرز فيه التصرف الكلي فلا بد في غالب العادة من غلبة البعض عليه فيرد التكليف عليه معلما ومؤدبا في حالته التي هو عليها فعند ذلك ينهض الطلب على كل مكلف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهض فيه ويتعين على الناظرين فيهم الالتفات إلى تلك الجهات فيراعونهم بحسبها ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم ويعينونهم على القيام بها ويحرضونهم على الدوام فيها حتى يبرز كل واحد منهم فيما غلب عليه ومال إليه من تلك الخطط ثم يخلى بينهم وبين أهلها فيعاملونهم بما يليق بهم ليكونوا من أهلها إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية والمدركات الضرورية فعند ذلك يحصل الانتفاع وتظهر نتيجة تلك التربية\rفإذا فرض مثلا واحد من الصبيان ظهر عليه حسن إدراك وجودة فهم ووفور حفظ لما يسمع وإن كان مشاركا في غير ذلك من الأوصاف ميل به نحو ذلك القصد وهذا واجب على الناظر فيه من حيث الجملة مراعاة لما يرجى فيه من القيام بمصلحة التعليم فطلب بالتعلم وأدب بالآداب المشتركة بجميع العلوم ولا بد أن يمال منها إلى بعض فيؤخذ به ويعان عليه ولكن على الترتيب الذي نص عليه ربانيو العلماء فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعه إليه على الخصوص وأحبه أكثر من غيره ترك وما أحب وخص بأهله فوجب عليهم إنهاضه فيه حتى\r","part":2,"page":27},{"id":366,"text":"يأخذ منه ما قدر له من غير إهمال له ولا ترك لمراعاته ثم إن وقف هنالك فحسن وإن طلب الأخذ في غيره أو طلب به فعل معه فيه ما فعل فيما قبله هكذا إلى أن ينتهي كما لو بدأ بعلم العربية مثلا فإنه الأحق بالتقديم فإنه يصرف إلى معلميها فصار من رعيتهم وصاروا هم رعاة له فوجب عليهم حفظه فيما طلب بحسب ما يليق به وبهم فإذا انتهض عزمه بعد إلى أن صار يحذق القرآن صار من رعية مفسريه وصاروا هم رعاة له كذلك\r","part":2,"page":28},{"id":367,"text":"ومثله إن طلب الحديث أو التفقه في الدين إلى سائر ما يتعلق بالشريعة من العلوم وهكذا الترتيب فيمن ظهر عليه وصف الإقدام والشجاعة وتدبير الأمور فيمال به نحو ذلك ويعلم آدابه المشتركة ثم يصار به إلى ما هو الأولى فالأولى من صنائع التدبير كالعرافة أو النقابة أو الجندية أو الهداية أو الإمامة أو غير ذلك مما يليق به وما ظهر له فيه نجابة ونهوض وبذلك يتربى لكل فعل هو فرض كفاية قوم لأنه سير أولا في طريق مشترك فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية وهي التي يندر من يصل إليها كالاجتهاد في الشريعة والإمارة فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة فليس الترقي في طلب الكفاية على ترتيب واحد ولا هو على الكافة بإطلاق ولا على البعض بإطلاق ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل ولا بالعكس بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد حتى يفصل بنحو من هذا التفصيل ويوزع في أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع وإلا لم ينضبط القول فيه بوجه من الوجوه من التجوز لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة فهم مطلوبون بسدها على الجملة فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان لها أهلا والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين فمن كان قادرا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها فالقادر إذا مطلوب بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به وبهذا الوجه يرتفع مناط الخلاف فلا يبقى للمخالفة وجه ظاهر ا ه كلام أبي إسحاق بتغيير ما والله أعلم\rالفرق الثالث والخمسون بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين قاعدة تعين الواجب المخير\r","part":2,"page":29},{"id":368,"text":"والفرق بينهما من جهتين الأولى أن الواجب في القاعدة الأولى خصوص معين من قبل الآمر لا موكول تعينه إلى خيرة المأمور والواجب في القاعدة الثانية خصوص غير معين من قبل الآمر وإنما تعينه موكول إلى خيرة المأمور والجهة الثانية أن القاعدة الأولى لما تعين فيها الواجب من قبل الآمر كان الأصل عدم إجزاء غيره عنه وإنما جرى إجزاء غير الواجب عنه على خلاف الأصل في إحدى عشرة مسألة في المذهب أشار لها الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الله الزواوي كما في كبير ميارة على نظم ابن عاشر بقوله مسائل يجري نقلها عن فريضة شذوذا فلا تتبع سوى قول شهرة مجدد طهر ساهيا وهو محدث ولمعة عضو طهرت بفضيلة وآت بغسل ساهيا عن جنابة نوى جمعة واحكم لتارك سجدة من الفرض يأتي بالسجود لسهوه ومبطلها يأتي بخامس ركعة ومن لم يسلم ظن فيها سلامه وآت بنفل قبل ختم فريضة ومن لم يسلم أو يظن سلامه لثالثة قد قام فافهم بصورة ويجزئ في المشهور من طاف عندهم طواف وداع ذاهلا عن إفاضة وذو متعة قد ساق هدي تطوع فيجزئ قد قالوا لواجب متعة وقد قاله ابن الماجشون إذا رمى جمارا لسهو لا يعيد لجمرة\rوبيانها أنها على ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\rمحتو على ثلاث مسائل من الطهارة وقعت في المذهب على قولين بالإجزاء وعدمه مشهورهما الثاني وذكرها الأصل بقوله الأولى إذا توضأ مجددا ثم تيقن أنه كان محدثا هل يجزئه أم لا قولان والمذهب عدم الإجزاء\rالثانية إذا اغتسل لجمعة ناسيا لجنابته المذهب عدم الإجزاء وقيل تجزئ الثالثة إذا نسي لمعة من الغسلة الأولى في وضوئه وكان غسلها بنية السنة قولان في المذهب ومقتضاه عدم الإجزاء كالتجديد ا ه\r","part":2,"page":30},{"id":369,"text":"قال ابن الشاط ويحتمل عندي أن لا يكون القائل بالإجزاء في هذه بنى قوله على هذا الأصل أي إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب بل على أن كل واحد من الموقعين لهذه الطهارات إنما أراد بها إحراز كمالها والكمال في رأيه يتضمن الأجزاء بخلاف رأي غيره من أن الكمال لا يتضمن الإجزاء فيكون الخلاف في الإجزاء وعدمه مبنيا على الخلاف في ذلك فلا تكون هذه الثلاث المسائل من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من هذا الوجه ويحتمل أن لا يكون القائل أيضا بالإجزاء بنى قوله على ذلك\rالأصل بل على أن الطهارة لا يشترط فيها تعيين نية الفرض ولا نية النفل فلا يكون على هذا من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب\rا ه\rوالقسم الثاني محتو على خمس مسائل من الصلاة وقعت في المذهب أيضا على قولين بالإجزاء وعدمه مشهورهما الثاني ذكر الأصل منها ثلاثة الأولى إذا سلم من اثنين ساهيا ثم قام فصلى ركعتين بنية النافلة هل تجزئاه عن ركعتي الفرض أم لا قولان\rالثانية إذا ظن أنه سلم من فرضه فصلى بقية فرضه بنية النافلة هل يجزئه أم لا قولان\rالثالثة إذا سها عن سجدة من الركعة الأولى وقام إلى خامسة ساهيا هل تجزئه عن الركعة التي نسي منها السجدة أم لا قولان\rقال ابن الشاط ومسألة المسلم من اثنتين والظان أنه سلم من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب على أحد القولين وأما مسألة الساهي عن سجدة من الأولى القائم إلى خامسة فيحتمل أيضا أن لا يكون من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من جهة أنه إنما قام في الخامسة لأداء بقية فرضه فيما يعتقد الرابعة أشار لها أبو العباس الزواوي بقوله\rواحكم لتارك سجدة من الفرض يأتي بالسجود لسهوه يعني واحكم بالإجزاء على مقابل المشهور لتارك سجدة من صلاة الفرض في حال إتيانه بسجدة سهوه في الصلاة قبل السلام أو بعده\r","part":2,"page":31},{"id":370,"text":"الخامسة أشار لها أبو العباس الزواوي بقوله ومن لم يسلم أو يظن سلامه لثالثة قد قام فافهم بصورة يعني ومن قام من ثانية فرض من غير أن يسلم أو يظن السلام لثالثة بنية النفل أيضا أما إن سلم أو ظن السلام فهما المسألة الأولى والمسألة الثانية من هذا القسم ولذا قال فافهم بصورة\rوالقسم الثالث محتو على ثلاث مسائل من الحج وقعت في المذهب أيضا على قولين بالإجزاء وعدمه لكن المشهور منهما هنا الإجزاء ذكر الأصل منها واحدة\rالأولى إذا نسي طواف الإفاضة وقد طاف طواف الوداع وراح إلى بلده أجزأه طواف الوداع عن طواف الإفاضة كذا في الأصل قال ابن الشاط وهذه المسألة من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب لكنه لم يذكر فيها قولين وهي محل لاحتمال الخلاف ا ه\rقلت\rوقد صرح بالخلاف فيها كغيرها وأن المشهور منهما الإجزاء قول أبي العباس الزواوي ويجزئ في المشهور من طاف عندهم طواف وداع ذاهلا عن إفاضة الثانية أشار إليها أبو العباس الزواوي بقوله وذو متعة قد ساق هدي تطوع فيجزئ قد قالوا لواجب متعة يعني أن المعتمر إذا ساق هدي التطوع في عمرته فلما حل منها وجب نحره إلا إن أخره ليوم النحر ثم بدا له وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك وصار متمتعا فإن هدي التطوع يجزئه عن متعته ولو لم ينو عند سوقه أنه يجعله في متعته على تأويل سند وهو المذهب كما أجزأ عن قرانه كما في حاشية شيخنا على توضيح المناسك للوالد رحمه الله تعالى\rالثالثة أشار لها أبو العباس الزواوي بقوله وقد قال ابن الماجشون إذا رمى جمار السهو لا يعيد لجمرة أي إذا نسي جمرة العقبة ثم رماها ساهيا كما وقع ذلك لعبد الملك أي ابن الماجشون كما في كبير ميارة على ابن عاشر قلت ويؤخذ من قول شيخنا في حاشيته كما أجزأ أي هدي التطوع عن قرانه زيادة\r","part":2,"page":32},{"id":371,"text":"مسألة رابعة في هذا القسم ونظمتها في بيت يلحق بنظم أبي العباس المذكور بقولي وزد قارنا يجزئه هدي تطوع بواجب هدي للقران كمتعة ومن هنا اشتهر أن تطوعات الحج تجزئ عن واجب جنسها فتكون جملة النظائر اثني عشر مسألة أربعة من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب شذوذا على احتمال وأربعة من ذلك شذوذا بدون احتمال وأربعة من ذلك على مشهور المذهب وما عدا هذه النظائر فهو جار على الأصل من عدم إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب اتفاقا فلو صلى الإنسان ألف ركعة ما أجزأت عن صلاة الصبح أو دفع ألف دينار صدقة ما أجزأت عن دينار الزكاة وغير ذلك فمن هنا قال مالك رحمه الله تعالى إذا صلى الصبي بعد الزوال ثم بلغ في القامة يجب عليه أن يصلي مرة أخرى لأن سبب الوجوب وجد في حقه وهو ما قارنه من أجزاء القامة في زمن بلوغه وما ليس بواجب وهو ما أوقعه أولا لا يجزئ عن الواجب الذي توجه عليه ثانيا وذلك أن كل جزء من أجزاء القامة ظرف للوجوب وسبب للوجوب كما تقدم فالجزء الأول الذي قارنه شرط الندب الذي هو الصبا في حق الصبي سبب الفعل ندبا لا وجوبا والجزء الذي قارنه بعد شرط الوجوب الذي هو البلوغ سبب للوجوب في صلاة أخرى فقول الشافعي رحمه الله تعالى لا تجب عليه الصلاة لأن\rالزوال مثلا إنما جعله الله تعالى سببا لوجوب صلاة واحدة وقد فعلها فلو أوجبنا عليه صلاة أخرى لكان الزوال سببا لوجوب صلاتين وهو خلاف الإجماع لا يرد لأنه إما أن يدعي أن الزوال لا يكون سببا لصلاتين في كل صورة فيكون ذلك مصادرة على صورة النزاع وإما أن يدعي ذلك فيما عدا صورة النزاع فلا يمكنه إلحاق صورة النزاع بصورة الإجماع إلا بالقياس\r","part":2,"page":33},{"id":372,"text":"فإذا قاس فرقنا بأن صورة النزاع وجد فيها حالتان تقتضيان الندب والوجوب وهما الصبا والبلوغ وليس في صورة الإجماع إلا حالة واحدة تقتضي الوجوب هي البلوغ فاتحدت الصلاة في صورة الإجماع لاتحاد الشرط الذي هو البلوغ وتعددت في صورة النزاع لتعدد الشرط واختلافه فلذا جاز فيها اختلاف المشروط الذي هو الصلاتان باختلاف الشرط الذي هو الصبا الشرط في توجه الندب والبلوغ الشرط في توجه الوجوب وأما القاعدة الثانية فإنه لما كان الواجب فيها خصوص غير معين من قبل الآمر لم يكن إجزاء الجمعة عن الظهر مثلا لنحو المرأة والعبد والمسافر إذا حضروها مع أنها غير واجبة عليهم بعينها على خلاف الأصل وأنه من باب إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب بل هو على الأصل من إتيان المأمور بما تعلق به الوجوب لا بغيره إذ الوجوب هنا متعلق بواحد غير معين من الصلاتين إما الظهر وإما الجمعة فإذا أحرم كل من المرأة والعبد والمسافر بالجمعة فقد أحرم بإحدى الصلاتين وعين ذلك الواحد المبهم الذي علق الآمر به الوجوب ووكل تعينه إلى خيرة المأمور فإذا اختار إيقاع الجمعة لا تقع إلا واجبة فالحر إذا اقتدى به لم يكن مفترض ائتم بمتنفل فينبغي أن يصح اقتداؤه به في الجمعة كما يصح اقتداؤه به في الظهر بيوم الجمعة وغيره كما هو مقتضى المذهب\r","part":2,"page":34},{"id":373,"text":"وإن قال الأصل مع أني لم أذكر أني رأيت فرع صحة اقتداء الحر بالعبد في ظهر غير يوم الجمعة واقتداؤه به في ظهر يوم الجمعة كاقتدائه به في يوم الجمعة ولم يظهر قول أهل المذهب لا يؤم العبد في الجمعة حرا لأن المذهب أن المفترض لا يأتم بالمتنفل فافهم وبالجملة فالواجب نوعان مخير وواجب غير مخير والوجوب في غير المخير متعلق بواحد معين مما فيه المعنى العام الذي يقال له المشترك أي خصه به الآمر ولم يكل تعينه إلى خيرة المأمور فلذا كان الأصل عدم إجزاء غيره من أفراد جنسه عنه والقول بإجزائه عنه إنما وقع في المذهب على خلاف الأصل في اثنتي عشرة مسألة كما علمت\rوالوجوب في المخير متعلق بواحد غير معين مما فيه المعنى العام الذي يقال له المشترك أي لم يعينه الآمر بل وكل تعينه إلى خيرة المأمور فما اختاره المأمور من الواحد المبهم الذي تعلق به الوجوب كان هو الواجب عليه وأوضح لك قاعدة الواجب المخير بثلاث مسائل أخر\rالمسألة الأولى\rأن الواجب على المكفر إحدى خصال الكفارة من العتق أو الإطعام أو الكسوة بلا تعيين من قبل الآمر بل التعيين موكول لخيرة المكفر فإذا اختار واحدة منها كان هو الواجب عليه على الأصل لا غيره حتى يكون على خلاف الأصل\r","part":2,"page":35},{"id":374,"text":"والمسألة الثانية أن المسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء بدون تعيين من قبل الآمر بل التعيين وكله لخيرة المسافر فإذا اختار صوم رمضان أو شهر القضاء وصامه كان قد صام ما هو الواجب عليه على الأصل لا غيره حتى يكون على خلاف الأصل وتعين خصوص شهر القضاء عليه إذا لم يختر صيام رمضان إنما كان لتعذر غيره لا لأنه واجب بخصوصه كما يتعين آخر وقت الصلاة لتعذر ما قبله وتعذر غيره لا لأنه واجب بحكم الأصالة فقضاء رمضان على المفرط الذي يتعين في حقه الأداء يفارق القضاء في حق المسافر من جهة أن الأول واجب بخصوصه وعمومه بسبب واحد وهو الفطر في رمضان والثاني لا يتعلق بعمومه وجوب أصلا وإنما يتعين في حقه خصوص شهر القضاء عند تعذر الأداء بسببين أحدهما رؤية الهلال وثانيهما خروج شهر الأداء ولم يصم فيه فافهم\rوالمسألة الثالثة أن المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يخشى معها على نفسه ولا عضو من أعضائه فإنه يسقط عنه الخطاب بخصوص رمضان لأجل المشقة ويبقى مخاطبا بأحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء ويتعين القضاء في حقه عند تعذر الأداء بالسببين المتقدمين في مسألة المسافر فإن كان يخشى على نفسه أو عضو من أعضائه أو منفعة من منافعه تعين الأداء للتحريم\rكما يتعين القضاء للوجوب إن كان مستجمع الشرائط سالم الموانع زمنه فإن أقدم وهو في هذه الحالة وصام الأداء المحرم عليه احتمل كما قاله الغزالي في المستصفى عدم الإجزاء نظرا لكون المحرم لا يجزئ عن الواجب والإجزاء نظرا لكونه متقربا إلى الله تعالى بترك شهوتي فمه وفرجه إذ لا يمكن أن يقال أنه غير الواجب بعد عمومه كما تقدم جانيا على نفسه بعدم حفظها عن الإلقاء في التهلكة كما أن المصلي في الدار المغصوبة متقرب إلى الله تعالى بركوعه وسجوده وتعظيمه وإجلاله وجان على صاحب الدار والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":36},{"id":375,"text":"الفرق الرابع والخمسون بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل\rما ليس بواجب في الحال والمآل نحو ما يخرجه مالك النصاب مطلقا ناويا بإخراجه صدقة التطوع لا الزكاة فلا يجزئه عما يجب عليه في زكاة ما ملكه من النصاب على تقدير دوران الحول قطعا إذ الأصل عدم إجزاء ما ليس بواجب أصلا عن الواجب وما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل نحو ما يخرجه مالك النصاب ناويا به الزكاة لا صدقة التطوع قبل الحول إما بالشهر ونحوه عندنا وإما في أول الحول عند الشافعي ففي إجزائه عما يجب عليه في زكاة ما ملكه من النصاب على تقدير دوران الحول نظر لأمرين أحدهما أنه قصد بالمخرج الواجب في المآل على تقدير دوران الحول لا التطوع فما أجزأ عن الواجب إلا واجب على الأصل","part":2,"page":37},{"id":376,"text":"وثانيهما قاعدة أن كل حق ولو بدنيا خلافا لجديد الشافعي تعلق بسببين أو بسبب وشرط لا يمتنع قطعا تقديمه على شرطه أو ثاني سببه بخلاف تقديمه عليها فإنه يمتنع قطعا وعدم إجزائه خلاف قال ابن الشاط والأصح نظرا امتناع التقديم في الزكاة قلت وذلك لأن تعليق وجوب الأداء بالشرط أو السبب الثاني يمنع تمام السببية ولا يتحقق الوجوب قبل تمام سببه والإجماع على عدم إجزاء نفل عن فرض فمن هنا قال في شرح التحرير الأصولي والأوجه قول الحنفية بعدم جواز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث لعقلية سببية الحنث لها دون عقلية سببية اليمين لها لأن الكفارة في التحقيق لستر ما وقع من الإخلال بتوقير ما يجب لاسم الله تعالى وتلافيه وهذا إنما يكون عن الحنث لا عن اليمين من حيث هي وأيضا أقل ما في السبب أن يكون مفضيا إلى المسبب واليمين ليست كذلك لأنها مانعة من عدم المحلوف عليه فكيف تكون مفضية إليه على أنه لو سلم أن اليمين سببها فالحنث شرط وجوبها للقطع بأنها لا تجب قبله وإلا وجبت بمجرد اليمين والمشروط لا يوجد قبل شرطه فلا تقع واجبة قبله فلا يسقط الوجوب قبل ثبوته ولا عند ثبوته بفعل قبله لم يكن واجبا وما وقع من الشرع بخلافه كالزكاة يقتصر على مورده ولا يلحق به غيره\rقال وما فرقوا به بين الحق المالي والبدني لقول الشافعي في الجديد بجواز تعجيل الكفارة المالية لليمين قبل الحنث دون البدنية وهي الصوم بأن الحنث شرط في الكفارة واليمين سببها والشرط عنده إنما يؤثر في تأخير وجوب الأداء لا في انعقاد السبب والحق المالي لله تعالى ينفصل وجوب أدائه عن نفس وجوبه لتغاير المال والفعل فجاز اتصاف المال بنفس الوجوب ولا يثبت وجوب الأداء الذي هو الفعل إلا بعد الحنث كما في الحق المالي للعبد بخلاف الحق البدني لله فإنه لا ينفصل وجوب أدائه عن نفس وجوبه بل نفس وجوبه وجوب أدائه فلو تأخر وجوب أدائه انتفى الوجوب فلا يجوز الأداء لأنه أداء قبل الوجوب حينئذ\r","part":2,"page":38},{"id":377,"text":"ومن ثمة جاز تعجيل الزكاة قبل الحول ولم يجز تعجيل الصلاة قبل الوقت فهو ساقط لأن الحق الواجب لله تعالى على العباد هو العبادة وهو فعل يباشره المرء بخلاف هوى النفس ابتغاء مرضاة الله تعالى بإذنه والمال آلة يتأدى به الواجب كمنافع البدن فيكون المالي كالبدني في أن المقصود بالوجوب الأداء وأن تعلق وجوب الأداء بالشرط يمنع تمام السببية فيهما جميعا على أن وجوب الأداء بعد تمام السبب قد\rينفصل عن نفس الوجوب في البدني أيضا فإن المسافر إذا صام في رمضان جاز اتفاقا وإن تأخر وجوب الأداء إلى ما بعد الإقامة بالإجماع ا ه كلامه مع شيء من متن التحرير بتصرف وحذف ما فتأمل ذلك بإمعان وصل في زيادة توضيح هذا الفرق بذكر ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى قال جماعة من الحنفية يتعلق الوجوب في الواجب الموسع بآخر الوقت وفعل المعجل قبل ذلك نفل يسد مسد الفرض على ما تقرر عندهم فقال الأصحاب لهم لو صح ما ذكرتموه لصح أن يصلي قبل الزوال ويجزئ عنه إذا زالت الشمس فيكون نفلا سد مسد الفرض وأجزأ عنه بعد جريانه وهو خلاف الإجماع فكذلك ما بعد الزوال لانحصار الوجوب عندكم في آخر القامة فما هو واقع بعد الزوال أو قبله سواء في كونه غير واجب فإذا أجزأ أحدهما عن الواجب وجب أن يجزئ الآخر عن الواجب فإذا قلتم قد قصد به الواجب عليه في المآل عند آخر الوقت ولم يقصد به التطوع\r","part":2,"page":39},{"id":378,"text":"قلنا وكذلك يقصد به قبل الزوال الواجب عليه في آخر الوقت ويجزئ ولم يقل به أحد قلت وما فرق به الأصل لهم بين الصلاة قبل الزوال وينوي بها الواجب في المآل وبين الصلاة بعد الزوال وينوي بها الواجب في المآل أيضا بأن الصلاة قبل الزوال إذا قصد بها الواجب عليه في المآل عند آخر القامة إنما وزانها إخراج الزكاة قبل ملك النصاب وينوي بها ما يجب عليه في المآل عند ملك النصاب ودوران الحول وهذا لا يجزئ إجماعا لأنه إيقاع الفعل قبل سببه وشرطه والصلاة بعد الزوال إذا قصد بها الواجب عليه في المآل عند آخر القامة إنما وزانها إخراج الزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول إذا كما أن النصاب سبب للوجوب بعد الحول كذلك الزوال سبب للوجوب آخر القامة وهذا لم يجمع على عدم إجزائه لأنه إيقاع للفعل بين سببه وشرطه والحكم إذا توسط بين سببيه أو سببه وشرطه جرى فيه الخلاف بين العلماء بخلاف تقدمه عليهما فكان ما أوقعه المصلي قبل الزوال نفلا\rمطلقا وإن نوى به الواجب عليه في المال بخلاف ما أوقعه بعد الزوال فإنه لا يكون نفلا مطلقا إذا لم ينو به الواجب عليه في المآل أما إذا نوى به ذلك فإنه وإن كان نفلا في الحال إلا أنه واجب في المآل فما أجزأ عن الواجب إلا واجب ا ه بتوضيح وإن كان أي ما فرق به الأصل بين الصلاة إلخ جوابا عن الحنفية لا بأس به كما قال ابن الشاط إلا أنه يعلم سقوطه مما قدمته عن شرح التحرير الأصولي فمن هنا قال ابن الشاط والأصح نظرا لزوم عدم الإجزاء في مسألة الحنفية فيصادمهم الإجماع ا ه فافهم\rالمسألة الثانية\r","part":2,"page":40},{"id":379,"text":"تعجيل زكاة الفطر قبل غروب الشمس من آخر أيام رمضان بيوم أو ثلاثة يجوز عندنا وتجزئ عن الزكاة الواجبة إذا توجهت عليه عند سببها الذي هو غروب الشمس من آخر أيام رمضان أو طلوع الفجر على الخلاف في ذلك ونوى بها الواجب عليه في المآل عند جريان السبب لا صدقة التطوع وإلا لم تجز عنه وذلك لأن إخراجها بعد أحد أسبابها الذي هو الخلل الواقع في الصوم لأن زكاة الفطر جابرة لما عساه اختل عن صوم رمضان بالرفث وغيره من أسباب النقص كما أن سجود السهو جابر لما نقص من الصلاة ولذلك ورد في الحديث أنها طهرة للصائم وقد تقدم الصوم والحكم إذا توسط بين سببيه أو سببه وشرطه جرى فيه الخلاف بين العلماء كما علمت فتنبه\rالمسألة الثالثة قال الحطاب عند قول خليل ودم التمتع يجب بإحرام الحج أي وجوبا غير محتم لأنه معرض للسقوط بالموت والفوات فإذا رمى العقبة تحتم الوجوب كما نقول في كفارة الظهار أنها تجب بالعود وجوبا غير محتم بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة وطلاقها فإن وطئ تحتم الوجوب نقله كنون في حاشيته على عبق وفي حاشية البناني على عبق إن الأبي في شرح مسلم على أحاديث الإشراك في الهدي على قول الراوي فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي نقل عن المازري أنه قال مذهبنا أن هدي التمتع إنما يجب بالإحرام بالحج\rوفي وقت جواز نحره ثلاثة أوجه فالصحيح والذي عليه الجمهور أنه يجوز نحره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج والثاني لا يجوز حتى يحرم بالحج والثالث أنه يجوز بعد الإحرام بالعمرة ا ه\rوعن عياض أنه قال وفي الحديث حجة لمن يجيز نحر الهدي للتمتع بعد التحلل بالعمرة وقبل الإحرام بالحج وهو إحدى الروايتين عندنا والأخرى أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج لأنه بذلك يصير متمتعا والقول الأول جار على تقديم الكفارة على الحنث وعلى تقديم الزكاة على الحول وقد يفرق بين هذه الأصول والأول ظاهر الأحاديث لقوله إذا أحللنا أن نهدي\rا ه\r","part":2,"page":41},{"id":380,"text":"قال وبكلام الأبي هذا تعلم أنه يتعين صحة حمل قول خليل وأجزأ قبله على ظاهره أي وأجزأ نحر دم التمتع قبل الإحرام بالحج وسقوط تعقب الشراح المعتد بهم عليه بأنه لم يصرح أحد من أهل المذهب بأن نحر الهدي قبل الإحرام بالحج مجزئ وتأولهم له بأن المراد وأجزأ دم التمتع بمعنى تقليده وإشعاره قبل الإحرام بالحج ولو عند إحرام العمرة بل ولو ساقه فيها ثم حج من عامه كما يأتي له من غير داع لذلك ا ه\rبتوضيح للمراد\rوقال الرهوني وكنون واللفظ له يتعين فيه ما قاله الشراح ولا دليل للبناني في كلام الأبي لأن قوله عن\rالمازري والجمهور إلخ يحتمل أن المراد به جمهور المجتهدين كما هو الشأن في هذه العبارة حيث أطلقها أهل الخلاف الكبير وإن كانت تشمل الإمام مالكا لكن لا تصريح فيها بنسبة ذلك إليه مع أن غير واحد من حفاظ المذهب أي كالباجي وأبي بكر بن العربي والقاضي عبد الوهاب وسند وابن الفرس والجنيد وغيرهم نسبوا له عكس ذلك نصا\rوأما ما نقله عن عياض فليس فيه أن الرواية بالجواز هي المشهورة أو الراجحة أو مساوية للأخرى على أن قوله وفي الحديث حجة لمن يجيز نحر هدي التمتع إلخ وإن كان في الأبي كذلك مخالفا لما لعياض في الإكمال فإن الذي فيه تقليد هدي التمتع إلخ كذا في نسخة عتيقة مظنون بها الصحة ويؤيده أنه أي عياضا ذكر المسألة في موضع آخر فلم يذكر فيها جواز ذلك عن أحد أصلا وإنما ذكر جواز نحره بعد الإحرام بالحج لا قبله عن الشافعي فكيف يذكر في ذلك الروايتين عن مالك\rويؤيده أيضا أن اللخمي إنما ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر فتعين أن لفظة نحر في نقل الأبي عن عياض تصحيف وإنما هي تقليد ويشهد لذلك كلام حفاظ المذهب انظره في الرهوني والحطاب ا ه\r","part":2,"page":42},{"id":381,"text":"وخلاصة ما يفيده كلامهما أن كلام المازري وإن أفاد أن القول له بجواز نحر دم التمتع بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج قول في المذهب إلا أنه ليس قول جمهور أهل المذهب حتى يكون هو المشهور بل هو قول جمهور المجتهدين كما هو الشأن في هذه العبارة حيث أطلقها أهل الخلاف الكبير وشمولها احتمالا للإمام مالك حينئذ لا يقتضي أنها المشهور في مذهبه كيف وقد نسب له غير واحد من حفاظ المذهب عكس ذلك نصا وأن كلام عياض على نقل الأبي ليس فيه أن الرواية بالجواز مشهورة أو راجحة أو مساوية للأخرى على أن في نسخة عتيقة مظنون بها الصحة من نسخ الإكمال مخالفة لما في نقل الأبي عنه حيث إنها بلفظ يجيز تقليد هدي التمتع إلخ لا بلفظ يجيز نحر هدي إلخ كما في نقل الأبي ويؤيدها أمران أحدهما ذكر عياض المسألة في موضع آخر بدون أن يذكر فيها جواز ذلك عن أحد بل إنما ذكر جواز النحر بعد الإحرام بالحج لا قبله عن الشافعي فقط فكيف يذكر في ذلك الروايتين عن مالك وثانيهما أن اللخمي إنما ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر فتعين أن لفظة نحر في نقل الأبي عن عياض تصحيف وإنما هي تقليد كما يشهد لذلك كلام حفاظ المذهب نعم القول بجواز نحر هدي التمتع بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج وإن ثبت بذلك أنه ضعيف في مذهبنا إلا أنه قوي\rعند الشافعي بناء على القاعدة المعتبرة عندهم من أن كل حق مالي تعلق بسببين جاز تقديمه على ثانيهما كما نقله الجمل على الجلالين عن شيخه ثم قال وأما صوم الثلاثة الأيام ممن فقد الهدي أو ثمنه فلا يجوز تقديمها على ثاني سببيها لأن الصوم عبادة بدنية لا مالية ا ه\r","part":2,"page":43},{"id":382,"text":"قلت وقد ترتب الآن على إخراج الهدي من مكة إلى الحل وذبحه بمكة وعلى الإتيان به من عرفة إلى منى وذبحه بمنى إما إتلاف مال وإما عدم انتفاع الفقراء بالهدي كما لا يخفى على من حج وشاهد ذلك فالأسهل إما العمل بمقابل المشهور بناء على ما ذكره الحطاب عن ابن عمر من جواز العمل بالشاذ في خاصة النفس وأنه يقدم على العمل بمذهب الغير لأنه قول في المذهب وهو اختيار المغاربة وإما تقليد الشافعي في جواز نحره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج بناء على ما نقله الدسوقي عن أشياخه من عدم جواز العمل بالقول الضعيف في خاصة النفس بل يقدم العمل بقول الغير عليه إن كان راجحا لأن قول الغير قوي في مذهبه وتقليد الشافعي أو أبي حنيفة في عدم اشتراط الجمع في الهدي بين الحل والحرم بناء على الخلاف عندنا في أنه إذا لم يوجد نص لأهل المذهب في نازلة فالذي أفتى به بعض المتأخرين أنه يرجع لمذهب أبي حنيفة لأن مسائل الخلاف التي بين مالك وبينه اثنان وثلاثون مسألة فقط وظاهر كلام القرافي وعليه جرى عمل جد عج أنه ينتقل في تلك المنزلة لمذهب الشافعي لأنه تلميذ الإمام كما في حاشية الخرشي للشيخ علي العدوي وإذا قلد جاز له الأكل من الهدي بناء على جواز التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين لأنه فسحة في الدين ودين الله يسر كما قال الشيخ علي العدوي في حاشية الخرشي فافهم والله أعلم\rالفرق الخامس والخمسون بين قاعدة ملك القريب ملكا محققا يقتضي العتق على المالك وبين قاعدة ملك القريب ملكا مقدرا لا يقتضي العتق على المالك بناء على ما زعمه الأصل من لزوم تقدير الملك للقريب كالأب إذا طلب قريبه كابنه من غيره أن يعتق عن كفارة عليه عبدا من عبيده فأعتق المطلوب عن الطالب أباه في الكفارة التي عليه وأن براءة ذمة الابن\r","part":2,"page":44},{"id":383,"text":"من الكفارة التي عليه وصيرورة ولاء أبيه له بعتق مالكه له عنه في كفارته يتوقفان على تقدير الملك للابن المعتق عنه قبل صدور العتق في الزمن الفرد من قبل صاحب الشرع لضرورة ثبوت الأحكام وأن هذا الملك المقدر بضرورة ثبوت الأحكام يفارق الملك المحقق الحاصل بنحو الشراء للآباء أو للأبناء أو لنحوهم في اقتضاء المحقق العتق دون المقدر لأنه لا يلزم من الملك المقدر هو أن بالمملوك من جهة من قدر الملك له حتى ينافي الإجلال للآباء والاحترام للأبناء ونحوهم المطلوب شرعا كما في المحقق فإن الواقع أنه لم يملكه وإنما الشرع أعطى هذا الملك المعدوم حكم الموجود لما ذكر والواقع المحقق عدم الملك فلا جرم لا يلزم بهذا الملك المقدر عتق بل يقع عتق والده عن كفارته وتجزئ عنه إذ لو قلنا إنه عتق عليه بالملك لم يجز عن الكفارة لأن المستحق عتقه بسبب غير العتاق عن الكفارة لا يجزئ عتقه عن الكفارة ا ه\rوالحق أن تقدير الملك في ذلك ليس باللازم بل لا حاجة إليه إذ لا مانع من إجزاء العتق عن المعتق عنه وثبوت الولاء له من غير تقدير ملكه لمن أعتق عنه ففي شرح المواق على خليل ابن رشد إذا قال لعبده أنت حر عن المسلمين وولاؤك لي لم يختلف المذهب أن ذلك جائز والولاء للمسلمين ا ه\r","part":2,"page":45},{"id":384,"text":"ولا دليل يدل عليه بل الدليل على خلافه وهو صحة العتق عن الميت وهو لا يصح أن يملك ثم أن المعتق عن غيره لم يقصد إلى ذلك المقدر ولو قصد إليه لما صح عتقه إياه لأنه كأن يكون حينئذ معتقا ملك غيره بغير إذنه وذلك لا يصح وما ذكره هو وغيره في ذلك من تقدم توكيل المعتق عنه إنما يتجه إذا كان العتق بإذنه أما إذا كان بغير إذنه فلا يتجه على أنه لا يخلو إما أن يريد بالتقدير ما يرجع إلى الباري تعالى وهو محال عليه تعالى فإنه لا يقوم بذاته تعالى تقدير أمر من الأمور بالمعنى الذي يقال ذلك في حقنا بل لا يقوم بذاته إلا العلم بوجود ذلك الأمر أو بعدمه وإما أن يريد به ما يرجع إلينا وهو أيضا محال لأنه إذا كان سبب قيام الخبر ببراءة ذمة الابن من الكفارة وصيرورة ولاء أبيه له بعتق مالكه له عنه في كفارته بذاته تعالى تقديرنا نحن ذلك الأمر وتقديرنا حادث فيلزم حدوث ذلك الخبر لضرورة سبق السبب للمسبب أو معيته\rوبالجملة القول بتلك التقديرات في هذا الموضع لا يصح كما يفيده كلام ابن الشاط في موضعين من حاشيته على الأصل وإن أمكن الجواب عن الترديد باختيار الشق الثاني وإرجاع سببية التقدير للمخبر به لا لقيام الخبر بذاته تعالى فافهم والله أعلم\rالفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ارتفاعها\rوهو أن رفع الواقعات مستحيل مطلقا وأن تقدير ارتفاعها ممكن مطلقا وقد ثبت الحكم للتقادير الشرعية بإعطاء الموجود حكم المعدوم أو المعدوم حكم الموجود في مواضع منها تقدير النجاسة في حكم العدم في صور الضرورات كدم البراغيث وموضع الحدث من المخرجين\r","part":2,"page":46},{"id":385,"text":"ومنها تقدير رفع الإباحة بالرد بالعيب بعد ثبوتها قبل الرد ونقل ارتفع العقد من أصله لا من حينه على أحد القولين للعلماء وذلك لأن هذا العقد وإن كان واقعا إلا أن الشرع يعطيه الآن حكم عقد لم يوجد إلا أنه يرفع بعد وجوده حتى يقال القاعدة العقلية أن رفع الواقع محال وإخراج ما تضمنه الزمان الماضي محال وتظهر فائدة الخلاف في ولد الجارية والبهائم المبيعة لمن تكون وكذلك الغلات عند من يقول بذلك فإنها تكون في الزمان الماضي للبائع على القول بتقدير العقد معدوما من أصله وللمشتري على القول بتقديره معدوما من حينه ومنها تقدير ما أجمعوا عليه من إباحة وطء الزوجة التي قال لها إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق من أوله إلى أن يقدم زيد في حكم العدم لا أننا نعتقد أنها ارتفعت من الزمن الماضي حتى يلزم المحال من رفع الواقع كما تقدم وذلك أنه إذا قدم زيد فهل تطلق من الآن أو من أول الشهر وهو الذي يراه ابن يونس من أصحابنا مقتضى المذهب فيقضي بوقوع الطلاق والتحريم في أول الشهر ويقدر الآن أن\rالإباحة الكائنة في أول الشهر ووسطه في حكم المرتفعة لا إننا نجزم بارتفاعها بالفعل وقد تقدمت هذه المسألة والبحث فيها مع الشافعي في باب فرق الشروط فلتطالع ثمة ومنها غير ذلك من مسائل التقدير التي لا يخلو باب من أبواب الفقه عنها نعم ليس منها تقدير الملك للمعتق عنه إذ لا حاجة إلى التقدير في هذه المسألة ولا دليل عليه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه كما تقدم ولا منها تقدير ملك الدية في قتل الخطأ بعد إنقاذ المقاتل وقبل زهوق الروح بل هو موضع تحقيق الملك كما أفاده ابن الشاط\r","part":2,"page":47},{"id":386,"text":"قلت وليس منها أيضا مسألة تأثير رفض النية فيما عدا الحج والعمرة في الأثناء اتفاقا في الطواف والسعي والغسل والصلاة والصوم وعلى الخلاف في الوضوء والتيمم والاعتكاف ولا تأثير رفضها في الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والاعتكاف والطواف والسعي بعد الفراغ على الخلاف أما بالنسبة للرفض في الأثناء فلأن الحق صحته في جميع العبادات بدون احتياج إلى التقدير لأن معناه أنه كان قاصدا بالعبادة امتثال الأمر ثم أتمها بنية أخرى ليست بعبادته التي شرع فيها كالمتطهر ينوي أولا رفع الحدث ثم ينسخ تلك النية ثانيا بنية التبرد أو التنظف من الأوساخ البدنية\rوأما بالنسبة للرفض بعد الفراغ فلأن الأصل عدم صحته في جميع العبادات ضرورة أن صحته حينئذ متوقفة على رجوعه للتقدير لأن معناه بعد كمالها على مشروطها قصده أن لا تكون عبادة ولا يترتب عليها حكمها من إجزاء أو استباحة أو غير ذلك والواقع يستحيل رفعه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه فلزم أن لا يؤثر فيها بل تكون على حكمها لو لم يكن ذلك القصد\rوخرج عن هذا الأصل خلاف الفقهاء في الصلاة والصوم والطواف والسعي والاعتكاف فمن هنا نقل صاحب الجمع عن ابن راشد أنه قال إن القول بعدم تأثير الرفض بعد الفراغ من العبادة عندي أصح لأن الفرض يرجع إلى التقدير لأن الواقع يستحيل رفضه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه ولأنه بنفس الفراغ من الفعل سقط التكليف به ومن ادعى أن التكليف\rيرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل ا ه وجرى على هذا الأصل إجماع الفقهاء على عدم تأثير الرفض بعد فراغ الحج والعمرة والغسل\r","part":2,"page":48},{"id":387,"text":"وأما خلافهم في رفض الوضوء والتيمم بعد الكمال فإنه غير خارج عن هذا الأصل من جهة أن الطهارة هنا لها وجهان في النظر فمن نظر إلى فعلها على ما ينبغي قال إن استباحة الصلاة بها لازم ومسبب عن ذلك الفعل فلا يصح رفعه إلا بناقض طارئ ومن نظر إلى حكمها أعني استباحة الصلاة مستصحبا إلى أن يصلي وذلك أمر مستقبل فيشترط فيه استصحاب النية الأولى المقارنة للطهارة وهي منسوخة بنية الرفض المنافية لها فلا يصح استباحة الصلاة الآتية بها لأن ذلك كالرفض المقارن للفعل وما قارن الفعل مؤثر فكذلك ما شابهه فلو انتفت المشابهة بأن رفض نية الطهارة بعد ما أدى\rبها الصلاة وتم حكمها لم يصح أن يقال إنه يجب عليه استئناف الطهارة والصلاة فكذلك من صلى ثم رفض تلك الصلاة بعد السلام منها وقد كان أتى بها على ما أمر به\rفإن قال من تكلم في الرفض في مثل هذا فالقاعدة ظاهرة في خلاف ما قال كما تقدم عن أبي إسحاق في موافقاته وقد مر أن اللزوم بين الوضوء والغسل مشروط بعدم طريان التناقض في أثناء الغسل فلذا لم يتأت فيه جريان الوجهين المذكورين في الوضوء والتيمم وأجمعوا على عدم تأثير الرفض بعد كماله فافهم والله أعلم\rالفرق السابع والخمسون بين قاعدة تداخل الأسباب وبين قاعدة تساقطها\rالتداخل والتساقط بين الأسباب وإن اتفقا في جهتين أحدهما أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره ولا على السبب الذي سقط بغيره وثانيهما جريان كل منهما على خلاف الأصل إلا أنهما تفارقا في جهات الجهة الأولى أن تساقط الأسباب إنما يكون عند التعارض وتنافي المسببات بأن يكون أحد السببين يقتضي شيئا والآخر يقتضي ضده فيقدم صاحب الشرع الراجح منهما على المرجوح فيسقط المرجوح أو يستويان فيتساقطان معا وتداخلها إنما يكون عند اتحاد مسببها بأن يوجد سببان مسببهما واحد\r","part":2,"page":49},{"id":388,"text":"الجهة الثانية أن التداخل جرى على خلاف الأصل في اتحاد المسبب والتساقط جرى على خلاف الأصل في تنافي المسببات إذ الأصل والقياس عدم التداخل مع تماثل الأسباب بأن يترتب على كل سبب مسببه\rالجهة الثالثة أن التداخل وقع في الشريعة في ستة أبواب الأول الطهارة فمن التداخل فيه إجزاء غسل واحد مع تعدد أسبابه المختلفة كالحيض والجنابة أو المتماثلة كالجنابتين ومنه إجزاء وضوء واحد مع تعدد أسبابه المتماثلة كالملامستين أو المختلفة كالملامسة وإخراج الريح ومنه إجزاء الغسل عن الوضوء وإن تحقق سببه الذي هو الملامسة مع سبب الغسل الذي هو الجنابة لاندراج سببه في الجنابة فلم يترتب عليه وجوب وضوء\rالثاني الصلوات فمن التداخل فيها تداخل تحية المسجد في صلاة الفرض مع تعدد سببيهما فيدخل دخول المسجد الذي هو سبب التحية في الزوال الذي هو سبب الظهر مثلا فيقوم سبب الزوال مقام سبب الدخول فيكتفى به\rالثالث الصيام فمن التداخل فيه تداخل الصوم الذي سببه الاعتكاف في صوم رمضان الذي سببه رؤية الهلال فيقوم سبب الرؤية مقام سبب الاعتكاف فيكتفى به\rالرابع الكفارات فمن التداخل فيه حمل الأيمان في المشهور على التكرار لا على الإنشاء فتكفيه كفارة واحدة ومنه تكرار الوطء في اليوم الواحد من رمضان عندنا على الخلاف وفي اليومين عند أبي حنيفة تكفيه كفارة واحدة وله قولان في الرمضانين\rالخامس الحدود المتماثلة فمن التداخل فيه تداخل أسبابها المختلفة\rكالقذف وشرب الخمر أو المتماثلة كالزنا مرارا والسرقة مرارا والشرب مرارا قبل إقامة الحد عليه وهي من أولى الأسباب بالتداخل لأن تكررها مهلك\r","part":2,"page":50},{"id":389,"text":"السادس الأموال فمن التداخل فيها أنه لا يجب في تكرار وطء الشبهة المتحدة إلا صداق واحد من صداق المثل وإن كانت كل وطأة لو انفردت أوجبت مهرا تاما من صداق المثل ومنه اكتفاء صاحب الشرع فيما إذا قطع أطرافه وسرى ذلك لنفسه بدية واحدة للنفس وإن كان الواجب قبل السريان نحو عشر ديات بحسب تعدد العضو المجني عليه فدخل في هذه المسألة الكثير وهو دية الأطراف في القليل وهو دية النفس وقد يدخل القليل كدية الأصبع في الكثير كدية النفس تنبيه لا يتنافى عندنا في التداخل إلا أربع صور أحدها دخول القليل في الكثير\rوثانيها دخول الكثير في القليل وقد مرت مثلهما\rوثالثها دخول المتقدم في المتأخر كحدث الوضوء المتقدم مع الجنابة المتأخرة\rورابعها دخول المتأخر في المتقدم كالوطآت المتأخرة مع الوطأة المتقدمة الأولى وأسباب الوضوء أو الغسل المتأخرة في الموجب الأول منها وعند الشافعية تزيد صورة خامسة وهي دخول الطرفان في الوسط فيما إذا وطئت المرأة بالشبهة الواحدة أولا وهي مريضة الجسم عديمة المال وثانيا بعد أن صحت وورثت مالا عظيما وثالثا بعد سقم جسمها وذهاب مالها فإنها عندهم يجب لها صداق المثل في أعظم أحوالها وأعظم أحوالها في هذه الصورة الحالة الوسطى فيجب الصداق باعتبارها وتدخل فيها الحالة الأولى والحالة الأخيرة فيندرج الطرفان في الوسط ولا يعتبر على مذهب مالك في هذا المثال إلا الوطأة الأولى كيف كانت وكيف صادفت ويندرج ما بعدها فيها فهذه الصورة عنده من باب اندراج المتأخر في المتقدم لا من باب اندراج الطرفين في الوسط\rوأما التساقط فإما أن يكون بسبب التنافي في جميع الوجوه وجميع الأحكام وله مثل منها الردة مع الإسلام ومنها القتل والكفر يقتضيان عدم الإرث\r","part":2,"page":51},{"id":390,"text":"والقرابة تقتضي الإرث ومنها الدين مسقط للزكاة وأسبابها توجبها ومنها تعارض البينتين ومنها تعارض الأصلين فيما إذا قطع رجل ملفوف في الثياب فتنازع القاطع والولي في كونه كان حيا حالة الجناية فالأصل بقاء الحياة والأصل أيضا عدم وجوب القصاص ومنها تعارض الغالبين الظاهرين في بحث اختلاف الزوجين في متاع البيت فإن اليد للرجل ظاهرة في الملك فإذا كان المدعي فيه من قماش النساء دون الرجال وكان ظاهرا في كونه للمرأة دون الرجل قدمنا نحن هذا الظاهر وسوى الشافعي بينهما بناء على أن لهما معا يدا وهي ظاهرة في الملك واليد عند مالك خاصة بالرجل لأنه صاحب المنزل وإذا كان يصلح لهما قدم ملك الرجل فيه بناء على اختصاصه باليد ونحو المنفردين برؤية الهلال والسماء مصحية والمصر كبير فمالك قدم ظاهر العدالة وسحنون قدم ظاهر الحال ولم يوجب الصوم بشهادتهما وقال الظاهر كذبهما لأن العدد العظيم مع ارتفاع الموانع يقتضي أن يراه جمع عظيم فانفراد هذين دليل كذبهما\rومنها تعارض الأصل والظاهر في نحو المقبرة المنبوشة فإن الأصل عدم النجاسة والظاهر وجودها بسبب النبش قلت ومنها ما قدمته عن كتاب الأحكام للإمام ابن العربي من تعارض العموم في خصوص العين في قوله تعالى في دم الحيض بل هو أذى والعموم في خصوص الحال في قوله تعالى أو دما مسفوحا فيترجح الأول ويكون قليل دم الحيض وكثيره سواء في التحريم كما رواه أبو ثابت عن ابن القاسم وابن وهب وابن سيرين عن مالك على الثاني الذي تمسك به بعض علمائنا فقال يعفى عن قليله كسائر الدماء لأن حال العين أرجح من حال الحال وإما أن يكون أي التساقط بسبب التنافي في بعض الوجوه وفي بعض الأحكام وله مسائل منها اقتضاء النكاح مع الملك إباحة الوطء فيغلب الأقوى وهو الملك لأنه مع كونه يوجب إباحة الوطء كالنكاح يوجب ملك الرقبة والمنافع وتكون\r","part":2,"page":52},{"id":391,"text":"الإباحة الحاصلة مضافة له فقط ويسقط النكاح ولا يحصل تداخل فلا يقال الإباحة مضافة لهما ألبتة سواء تقدم الملك كما إذا عقد على أمته أو تأخر كما إذا اشترى زوجته وصيرها أمته ومنها علم الحاكم مع البينة إذا شهدت بما يعلمه فإن الحكم يضاف للبينة دون علمه فيسقط القضاء به عند مالك حذرا من القضاة السوء وسدا لذريعة الفساد على الحكام بالتهم وعلى الناس بالقضاء عليهم بالباطل\rوعند الشافعي يقدم القضاء بعلمه على القضاء بالبينة لأن البينة لا تفيد إلا الظن والعلم أولى من الظن ويحتمل مذهبه أنه يجمع بينهما ويجعل الحكم مضافا إليهما لعدم التنافي بينهما ومنها من وجد في حقه سببا توريث بالفرض في أنكحة المجوس فإنه يرث بأقواهما ويسقط الآخر مع أن كليهما يقتضي الإرث كالابن إذا كان أخا لأم كما إذا تزوج أمه فولدها حينئذ ابنه وهو أخوه لأمه فيرث بالبنوة وتسقط الأخوة أما إن كانا سببين للتوريث بالفرض والتعصيب فإنه يرث بها كالزوج ابن عم يأخذ النصف بالزوجية والنصف الآخر بكونه ابن عم\rتنبيه عدم تداخل الأسباب مع تماثلها الجاري على مقتضى القياس والأصل من أن يترتب على كل سبب مسببه هو الأكثر في الشريعة فمن مسائله الإتلافان يجب بهما ضمانان ولا يتداخلان ومنها الطلاقان ينقص كل طلاق منهما من العصمة طلقة ولا يتداخلان إلا أن ينوي التأكيد أو الخبر عن الأول ومنها الزوالان يوجبان ظهرين وكذلك بقية أوقات الصلوات وأسبابها ومنها النذران يتعدد منذورهما ولا يتداخل ومنها الوصيتان بلفظ واحد لشخص واحد فإنه يتعدد له الموصى به على الخلاف ومنها القذفات لرجل واحد أو رجلين بمعنى واحد أو مختلف فإنه يوجب تعدد التعزير والمؤاخذة ومنها ما إذا استأجر منه شهرا ثم استأجر منه شهرا ولم يعين فإنه يحمل على شهرين ومنها ما إذا\r","part":2,"page":53},{"id":392,"text":"اشترى منه صاعا من هذه الصبرة ثم اشترى منه صاعا من هذه الصبرة فإنه يحمل على صاعين ومنها غير ذلك مما هو كثير جدا في الشريعة والله أعلم\rالفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل\rوكذا بين قاعدة كون المعاصي أسبابا للرخص وبين قاعدة مقارنة المعاصي لأسباب الرخص\rأما الفرق بين المقاصد والوسائل فهو أن موارد الأحكام على قسمين الأولى المقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها قال الإمام أبو إسحاق في موافقاته وقول الرازي إن أحكام الله ليست معللة بعلة ألبتة كما أن أفعاله كذلك خلاف المعتمد وذلك لأنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره فإن الله تعالى يقول في بعثة الرسل وهي الأصل رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال في أصل الخلقة وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا\rوأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى كقوله بعد آية الوضوء ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم وقال في الصيام كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون وفي الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر\rوقال في القبلة فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة وفي الجهاد أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وفي القصاص ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وفي التقرير على التوحيد ب\r","part":2,"page":54},{"id":393,"text":"ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين والمقصود التنبيه وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد فلنجر على مقتضاه ويبقى البحث في كون ذلك واجبا أو غير واجب موكولا إلى علمه ثم إنه قسم المقاصد وبين أقسامها بمسائل بديعة فانظره\rالقسم الثاني الوسائل والمشهور في الاصطلاح عند أصحابنا التعبير عنها بالذرائع وهي الطرق المفضية إلى المقاصد قيل وحكمها حكم ما أفضت إليه من وجوب أو غيره إلا أنها أخفض رتبة في حكمها مما أفضت إليه فليس كل ذريعة يجب سدها بل الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح بل قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به بناء على الصحيح عندنا من خطابهم بفروع الشريعة وكدفع مال لرجل يأكله حراما حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك رحمه الله تعالى ولكنه اشترط فيه أن يكون يسيرا ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهم حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة فالذرائع المفضية إلى المحرم ثلاثة أقسام\rوالقسم الأول ما أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه وله مثل منها حفر الآبار في طريق المسلمين\rفإنه وسيلة إلى إهلاكهم فيها ومنها إلقاء السم في أطعمتهم ومنها سب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها\r","part":2,"page":55},{"id":394,"text":"والقسم الثاني ما أجمعت الأمة على عدم منعه وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تحسم وله أمثلة منها زراعة العنب وسيلة إلى الخمر ولم يقل أحد بالمنع منها خشية الخمر ومنها المجاورة في البيوت وسيلة إلى الزنا ولم يقل أحد بمنعها خشية الزنا\rوالقسم الثالث ما اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا وله أمثلة منها بيوع الآجال وهي كما قيل تصل إلى ألف مسألة كمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر فاختص مالك رحمه الله تعالى بالقول بوجوب سدها نظرا إلى أنه توسل بإظهار صورة البيع لسلف خمسة بعشرة إلى أجل مثلا لأنه أخرج من يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر في المسألة المذكورة\rوقال الشافعي ينظر إلى صورة البيع ويحمل الأمر على ظاهره فيجوز ذلك ومنها النظر إلى النساء قيل يحرم لأنه يؤدي إلى الزنا وقيل لا يحرم ومنها حكم بعلمه قيل يحرم لأنه وسيلة للقضاء بالباطل من القضاة السوء وقيل لا يحرم ومنها صناع السلع قيل يضمنونها إذا ادعوا ضياعها سدا لذريعة الأخذ لأنهم يؤثرون فيها بصنعتهم فتتغير فلا يعرفها ربها إذا بيعت وقيل لا يضمنون لأنهم أجراء وأصل الإجارة على الأمانة ومنها حملة الطعام قيل يضمنونه إذا تلف لئلا تمتد أيديهم إليه وقيل لا يضمنونه قلت ومنها آلات الملاهي فإنها مجمع على تحريمها إن ترتب فسوق ومشهور المذاهب الأربعة التحريم مطلقا كما في مجموع الأمير والصاوي على أقرب المسالك بل قال العلامة ابن حجر في الزواجر وقد حكى الشيخان أنه لا خلاف في تحريم\rالمزمار العراقي وما يضرب به من الأوتار ا ه\r","part":2,"page":56},{"id":395,"text":"واختلف في كونه كبيرة أو صغيرة والأصح الثاني كما في الدسوقي على الدردير على خليل وفي الإحياء المنع من الأوتار كلها لثلاث علل كونها تدعو إلى شرب الخمر فإن اللذة الحاصلة تدعو إليها فلهذا حرم شرب قليلها وكونها في قريب العهد بشربها تذكره مجالس الشرب والذكر سبب انبعاث الفسوق وانبعاثه سبب الإقدام وكون الاجتماع على الأوتار صار من عادة أهل الفسق مع التشبه بهم ومن تشبه بقوم فهو منهم كما في الزواجر قال أي فالتشبه بهم حرام وفي شرح المجموع ولا يبعد ما في الإحياء وغيره من النظر لما يترتب ا ه\rقال الشيخ حجازي لأن الحكم يدور مع العلة فمن حسن قصده وتطهر من حظوظ الشهوات ورذائل الشبهات فلا يصح أن يحكم على سماعه بالحرمة ا ه المراد\rوفي ضوء الشموع لكن المشهور داعي درء المفاسد فلذا قال ولا يبعد إلخ ولم يجزم ا ه\rبتغيير\rومنها غير ذلك من المسائل الكثيرة التي قلنا بسدها ولم يقل بسدها الشافعي فليس سد الذرائع خاصا بمالك كما يتوهمه كثير من المالكية بل قال بها هو أكثر من غيره وأصل سدها مجمع عليه ا ه\rقال ابن الشاط وكون ما أفضى إلى الواجب واجبا مبني على قاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والصحيح أن ذلك غير لازم فيما لم يصرح الشرع بوجوبه ا ه\rتنبيهان الأول قال الإمام ابن العربي في كتاب الأحكام وقاعدة الذريعة التي يجب سدها شرعا هو ما يؤدي من الأفعال المباحة إلى محظور منصوص عليه لا مطلق محظور فمن هنا قال مالك وأبو حنيفة يشتري الولي في مشهور الأقوال من مال يتيمه إذا كان نظرا له وهو صحيح لأنه من باب الإصلاح المنصوص عليه في آية ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير إلخ فلا يقال لم ترك مالك أصله\r","part":2,"page":57},{"id":396,"text":"في التهمة والذرائع وجوز ذلك من نفسه مع يتيمته لأنا نقول قد أذن الله تعالى هاهنا في صورة المخالطة ووكل الحاضنين إلى أمانتهم بقوله تعالى والله يعلم المفسد من المصلح وكل أمر مخوف ووكل الله تعالى فيه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه أنه يتذرع إلى محظور فمنع منه كما جعل الله سبحانه النساء مؤتمنات على فروجهن مع عظم ما يترتب على قولهن في ذلك من الأحكام ويرتبط به من الحل والحرمة والأنساب وإن جاز أن يكذبن وهذا فن بديع فتأملوه واتخذوه دستورا في الأحكام وأصلوه ا ه\rالتنبيه الثاني قال الأصل القاعدة أنه كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها تبع له في الحكم وقد خولفت هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسى على رأس من لا شعر له مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر فيحتاج إلى دليل يدل على أنه مقصود في نفسه وإلا فهو مشكل على القاعدة ا ه\rقلت والصحيح أن هذه القاعدة أغلبية كقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وكذا كون الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط متوسطة كما لا يخفى فافهم\rوأما الفرق بين كون المعاصي أسبابا للرخص وبين مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فهو أن المعاصي لا تكون أسبابا للرخص لأن ترتيب الترخص على المعصية سعي في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها فالعاصي بسفره كالآبق وقاطع الطريق ولا يقصر ولا يفطر لأن سبب هذين الرخصتين السفر وهو في هذه الصورة معصية فلا يناسب الرخصة\rوأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمتنع إجماعا ومن مثله إذا عدم الماء أفسق الناس وأعصاهم جاز له التيمم وهو رخصة وإذا أضر الصوم بأفسق الناس جاز له الفطر وإذا أضر به القيام في الصلاة جاز له الجلوس ويقارض ويساقي ولا يمنعه عصيانه من فعل شيء من هذه الرخص ونحوها لأن أسباب هذه الرخص غير معصية وإنما\r","part":2,"page":58},{"id":397,"text":"المعصية مقارنة للسبب الذي هو عدم الماء أو العجز عن الصوم أو عن القيام أو نحوهما مما ليس هو بمعصية لا أنها هي السبب حتى يصح قول من قال إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها ويلزمه أن لا يبيح للعاصي جميع ما تقدم ذكره وهو خلاف الإجماع وذلك لأن ما قاله مساو لجميع ما تقدم ذكره ضرورة أن سبب أكله خوفه على نفسه لا سفره الذي هو معصية فالمعصية مقارنة لسبب الرخصة لا أنها هي السبب فافهم والله تعالى أعلم\rوما قال في الفرق التاسع والخمسين والفرق الستين والحادي والستين صحيح والله تعالى أعلم\rالفرق التاسع والخمسون بين قاعدة عدم علة الإذن أو التحريم وبين عدم علة غيرهما من العلل\rوذلك أنه متى عدمت علة الإذن تعين التحريم ومتى عدمت علة التحريم تعين الإذن فعدم كل واحدة من هاتين العلتين علة للحكم الآخر أي عدم علة الإذن علة التحريم وعدم علة التحريم علة الإذن\rوأما عدم علة كل من الوجوب أو الندب أو الكراهة فلا يلزم منه شيء فإن غير الواجب قد يكون محرما أو مباحا أو مندوبا أو مكروها وغير المندوب كذلك قد يكون واجبا أو محرما أو مباحا أو مكروها وغير المكروه كذلك قد يكون واجبا أو محرما أو مباحا أو مندوبا ويتضح ذلك بذكر أربع مسائل الثلاثة الأول توضح اطراد القاعدة الأولى والرابعة توضح عدم اطراد القاعدة الثانية\rالمسألة الأولى النجاسة ترجع إلى تحريم الملابسة في الصلوات والأغذية للاستقذار أو التوسل للإبعاد فقيد للاستقذار إلخ مخرج لما تحرم ملابسته في الأغذية لا لأجل ذلك بل لكونه مضرا كالسموم والأغذية والأشربة الموجبة للأسقام والأمراض فلا تكون نجسة ومدخل للخمر ونحوها مما قضي بتنجيسه لا لاستقذاره بل لأن القول بتنجيسه يفضي إلى إبعاد وإبعاده مطلوب شرعا فالقول بتنجيسه\r","part":2,"page":59},{"id":398,"text":"يفضي إلى مطلوب شرعا وما يفضي إلى المطلوب مطلوب فتنجسه مطلوب فيكون نجسا للتوسل للإبعاد لا للاستقذار وزيادة والأغذية لا للاحتراز بل لزيادة البيان ولولا ذلك لكان قولنا تحريم الملابسة في الصلوات كافيا والطهارة ترجع إلى إباحة الملابسة في الصلوات لعدم علة النجاسة التي هي الاستقذار فمتى كانت العين ليست بمستقذرة فحكم الله فيها عدم النجاسة وأن تكون طاهرة ما لم تكن مطلوبة الإبعاد كالخمر وإلا قضى بتنجيسها مع عدم الاستقذار لقيام علة التوسل إلى الإبعاد مقام الاستقذار فظهر أن كلا من الطهارة والنجاسة لا يخرج عن أحكام التكليف الخمسة بل النجاسة ترجع للتحريم والطهارة ترجع للإباحة وأن عدم علة التنجيس علة الطهارة وأن عدم علة التحريم علة الإباحة\rالمسألة الثانية\rعلة تحريم الخمر الإسكار فمتى زال الإسكار بنحو تخليله أو تحجيره زال التحريم وثبت الإذن بجواز أكلها وشربها وعلة إباحة شرب العصير مسالمته للعقل وسلامته عن المفاسد فعدم هذه المسالمة والسلامة علة لتحريم العصير فظهر أيضا أن عدم علة التحريم علة الإذن وعدم علة الإذن علة التحريم\rالمسألة الثالثة الحدث كما يطلق على الأسباب الموجبة للوضوء فيقال أحدث إذا خرج منه خارج كذلك يطلق على المنع المرتب على هذا السبب وعليه قول العلماء ينوي رفع الحدث بفعله أي ينوي ارتفاع المنع المرتب على ذلك السبب المتقدم لا أنه ينوي ارتفاع أعيان تلك الأسباب المستقذرة بوضوئه لأنها صارت واقعة داخلة في الوجود والواقعات يستحيل رفعها والمنع وإن كان أيضا وقع وصار من جملة\rالواقعات إلا أن المراد برفعه منع استمراره ألا ترى أن عقد النكاح إنما يمنع استمرار منع الوطء في الأجنبية لا نفس الوطء ولا منعه فالحدث عبارة عن المنع المستمر من ملابسة الصلاة ونحوها فهو أيضا يرجع إلى تحريم الملابسة المذكورة حتى يتطهر فيباح له الإقدام على العبادة\r","part":2,"page":60},{"id":399,"text":"فالإباحة في هذه الحالة مضافة إلى عدم سبب يقتضي وجوب استعمال الماء في الطهارة فالسبب الذي هو الخارج المعتاد من المخرج المعتاد على سبيل الصحة والاعتياد مثلا هو علة الحدث الذي هو التحريم وعدمه علة الإباحة بعد التطهر واستعمال الماء سبب ارتفاع ذلك التحريم والمنع وحصول هذه الإباحة فحصل في هذا المثال أيضا أن علة الإباحة عدم علة التحريم وعدم سبب الإباحة علة التحريم نعم على تقدير أن الوضوء هو الموجب للإباحة في الإقدام على الصلوات ونحوها مما اشترط فيه الوضوء وتقول إن الطهارة سبب للإباحة المستمرة حتى يطرأ الحدث والحدث بمعنى الأسباب الموجبة للوضوء سبب المنع المستمر حتى تطرأ الطهارة ويحصل المقصود فيكون عدم الطهارة بالكلية بسبب المنع وعدم الحدث بالكلية سبب الإباحة فإذا فرض وقوع عدم خروج شيء من الإنسان ألبتة فلا مانع لا بنص ولا بإجماع ولا بقياس من التزامنا الإباحة في حقه\rقلت ومما يقرب هذا الفرض ما حكاه السبكي في طبقاته من حديث رحمة بنت إبراهيم عن الحاكم عن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبري عن أبي العباس عيسى بن محمد بن عيسى الطهماني المروزي أنه ورد في سنة ثمان وثلاثين ومائتين مدينة من مدائن خوارزم تدعى هزارنيف وهي في غربي وادي جيحون ومنها إلى المدينة العظمى مسافة نصف يوم قال وأخبرت أن بها امرأة من نساء الشهداء رأت رؤيا كأنها أطعمت في منامها شيئا فهي لا تأكل شيئا ولا تشرب منذ عهد أبي العباس بن طاهر والي\rخراسان وكان توفي قبل ذلك بثمان سنين رحمه الله تعالى\r","part":2,"page":61},{"id":400,"text":"ثم مررت بتلك المدينة سنة اثنين وأربعين ومائتين فرأيتها وحدثتني بحديثها فلم أستقص عليها لحداثة سني ثم إني عدت إلى خوارزم في آخر سنة اثنين وخمسين ومائتين فرأيتها باقية ووجدت حديثها شائعا مستفيضا وهذه المدينة على مدرجة القوافل وكان الكثير ممن ينزلها إذا بلغهم قصتها أحبوا أن ينظروا إليها فلا يسألون عنها رجلا ولا امرأة ولا غلاما إلا عرفها ودل عليها فلما وافيت الناحية طلبتها فوجدتها غائبة على عدة فراسخ فمضيت في أثرها من قرية إلى أخرى فأدركتها بين قريتين تمشي مشية قوية وإذا هي امرأة نصف جيدة القامة ظاهرة الدم متوردة الخدين زكية الفؤاد فسايرتني وأنا راكب فعرضت عليها مركبا فلم تركبه وأقبلت تمشي معي بقوة وحضر مجلسي قوم من التجار والدهاقين وفيهم فقيه يسمى محمد بن حمدويه الحارثي وقد كتب عنه موسى بن هارون البزار بمكة وكهل له عبارة ورواية للحديث وشاب حسن يسمى عبد الله بن عبد الرحمن وكان يحلق أصحاب المظالم بناحيته فسألتهم عنها فأحسنوا الثناء عليها وقالوا عنها خيرا وقالوا إن أمرها ظاهر عندنا فليس فينا من يختلف فيها قال المسمى عبد الله بن عبد الرحمن أنا أسمع حديثها منذ أيام الحداثة ونشأت والناس يتفاوضون في خبرها وقد فرغت بالي لها وشغلت نفسي بالاستقصاء عليها فلم أر إلا سترا و عفافا ولم أعثر منها على كذب في دعواها ولا حيلة في التلبيس وذكر أن من كان يلي خوارزم من العمال كانوا فيما خلا يشخصونها ويحضرونها الشهر والشهرين والأكثر في بيت يغلقونه عليها ويوكلون عليها من يراعيها فلا يرونها تأكل ولا تشرب ولا يجدون لها أثر بول ولا غائط فيبرونها ويكسونها ويخلون سبيلها فلما تواطأ أهل الناحية على تصديقها قصصتها عن حديثها\r","part":2,"page":62},{"id":401,"text":"وسألتها عن اسمها وشأنها كله فذكرت أن اسمها رحمة بنت إبراهيم وأنه كان لها زوج نجار فقير معيشته من عمل يده يأتيه رزقه يوما ويوما لا فضل في كسبه عن قوت أهله وأنها ولدت منه عدة أولاد وجاء الأقطع ملك الترك إلى القرية وكان كافرا عاتيا كثير العداوة للمسلمين في زهاء ثلاثة آلاف فارس وعاث وأفسد وقتل ومثل وعجزت عنه خيول خوارزم فلما بلغ خبره أبا العباس عبد الله بن طاهر أنهض إليهم أربعة من القواد وشحن البلد بالعساكر والأسلحة ورتبهم في أرباع البلد كل في ربع فحموا الحريم بإذن الله تعالى\rثم إن وادي جيحون وهو الذي في أعلى نهر بلخ جمد لما اشتد البرد قالت المرأة فعبر الكافر في خيله إلى باب الحصن وقد تحصن الناس وضموا أمتعتهم فحضر أهل الناحية وأرادوا الخروج فمنعهم العامل عن الخروج إلا في عساكر السلطان فشد طائفة من شبان الناس وأحداثهم فتقاربوا من السور بما أطاقوا حمله من السلاح وحملوا على الكفرة فتهارج الكفرة واستحروهم من بين الأبنية والحيطان فلما أصحروا أكثر الترك عليهم وانقطع ما بينهم وبين الحصن وبعدت المؤنة عنهم فحاربوا كأشد حرب وثبتوا حتى تقطعت الأوتار والقسي وأدركهم التعب ومسهم الجوع والعطش وقتل عامتهم وأثخن الباقون بالجراحات ولما جن عليهم الليل تحاجز الفريقان قالت المرأة ورفعت النار على المناظر ساعة عبور الكافر فاتصلت بالجرجانية وهي مدينة عظيمة في قاصية خوارزم وكان ميكال مولى طاهر مرابطا بها في عسكر فخف في الطلب وركض إلى هزارنيف في يوم وليلة أربعين فرسخا بفراسخ خوارزم وفيها فضل كثير على فراسخ خراسان وعن للترك الفراغ من أمر أولئك النفر فبينما هم كذلك إذ ارتفعت لهم الأعلام السود سمعوا أصوات الطبول فأفرجوا عن القوم ووافى ميكال موضع المعركة فوارى القتلى وحمل الجرحى\r","part":2,"page":63},{"id":402,"text":"قالت المرأة وأدخل الحصن ذلك اليوم زهاء أربعمائة جنازة فلم يبق دار إلا حمل إليها قتيل وعمت المصيبة وارتجت الناحية بالبكاء قالت ووضع زوجي بين يدي قتيلا فأدركني من الجزع والهلع عليه ما يدرك المرأة الشابة على الزوج أبي الأولاد وكانت لنا عيال قالت فاجتمع النساء من قراباتي والجيران يساعدنني على البكاء وجاء الصبيان وهم أطفال لا يعقلون من الأمور شيئا يطلبون الخبز وليس عندي ما أعطيهم فضقت صدرا بأمري\rثم إني سمعت أذان المغرب ففزعت إلى الصلاة فصليت ما قضى لي ربي ثم سجدت أدعو وأتضرع إلى الله تعالى وأسأله الصبر وأن يجبر يتم صبياني قالت فذهب بي النوم في سجودي فرأيت في منامي كأني في أرض خشناء ذات حجارة وأنا أطلب زوجي فناداني رجل إلى أين أيتها الحرة قلت أطلب زوجي فقال خذي ذات اليمين فرفع لي أرض سهلة طيبة الري ظاهرة العشب وإذا قصور وأبنية لا أحفظ أن أصفها ولم أر مثلها وإذا أنهار تجري على وجه الأرض غير أخاديد ليست لها حافات فانتهيت إلى قوم جلوس حلقا حلقا عليهم ثياب خضر قد\rعلاهم النور فإذا هم الذين قتلوا في المعركة يأكلون على موائد بين أيديهم فجعلت أتصفح وجوههم لألقى زوجي فناداني يا رحمة يا رحمة فيممت الصوت فإذا أنا به في مثل حال من رأيت من الشهداء وجهه مثل القمر ليلة البدر وهو يأكل مع رفقة له قتلوا يومئذ معه فقال لأصحابه إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم أفتأذنوا لي أن أناولها شيئا تأكله فأذنوا لي فناولني كسرة خبز قالت وأنا أعلم حينئذ أنه خبز ولكن لا أدري كيف هو أشد بياضا من الثلج واللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد فأكلته فلما استقر في جوفي قال اذهبي كفاك الله مؤنة الطعام والشراب ما حييت في الدنيا فانتبهت من نومي شبعى ريانة لا أحتاج إلى طعام ولا شراب وما ذقتهما منذ ذلك اليوم إلى يومي هذا ولا شيئا يأكله الناس\r","part":2,"page":64},{"id":403,"text":"قال أبو العباس وكانت تحضرنا وكنا نأكل فتأخذ على أنفها تزعم أنها تتأذى من رائحة الطعام فسألتها تتغذي بشيء أو تشربي شيئا غير الماء فقالت لا فسألتها هل يخرج منها ريح أو أذى كما يخرج من الناس فقالت لا عهد لي بالأذى منذ ذلك الزمان قلت والحيض أظنها قالت انقطع بانقطاع الطعام قلت فهل تحتاجين حاجة النساء إلى الرجال قالت أما تستحي مني تسألني عن مثل هذا قلت إني لعلي أحدث الناس عنك ولا بد أن أستقصي قالت لا أحتاج قلت فتنامين قالت نعم أطيب نوم قلت فما ترين في منامك قالت مثل ما ترون قلت فتجدين لفقد الطعام وهنا في نفسك قالت ما أحسست بالجوع منذ طعمت ذلك الطعام وكانت تقبل الصدقة فقلت ما تصنعين بها قالت أكتسي وأكسو ولدي قلت فهل تجدين البرد وتتأذين بالحر قالت نعم قلت يدركك اللغوب والإعياء إذا مشيت قالت نعم ألست من البشر قلت فتتوضئين للصلاة قالت نعم قلت لم قالت أمرني بذلك الفقهاء فقلت إنهم أفتوها على حديث لا وضوء إلا من حدث أو نوم وذكرت لي أن بطنها لاصق بظهرها وأمرت امرأة من نسائنا فنظرت فإذا بطنها كما وصفت وإذا قد اتخذت كيسا مصمتا بالقطن وشدته على بطنها كي لا يقصف ظهرها إذا مشت\rثم لم أزل أختلف إلى هزارنيف بين السنتين والثلاث فتحضرني فأعيد مسألتها فلا تزيد ولا تنقص وعرضت كلامها على عبد الله بن عبد الرحمن الفقيه فقال أنا أسمع هذا الكلام منذ نشأت فلا أجد من يدفعه أو يزعم أنها تأكل أو تشرب أو تتغوط ا ه\rالمراد هذا والجنابة والحيض والنفاس مثل الحدث الأصغر في سبب المنع المستمر حتى تطرأ الطهارة والطهارة سبب الإباحة من هذا الوجه فلولا اشتراط صاحب الشرع الوضوء لأبحنا الصلاة لمن عدمت في حقه هذه الأحداث الكبار وصح لنا حينئذ في الحدث الأكبر والأصغر والطهارة الكبرى والصغرى أن عدم سبب الإباحة سبب المنع وعدم سبب المنع سبب الإباحة واطردت القاعدة الأولى\rالمسألة الرابعة\r","part":2,"page":65},{"id":404,"text":"الردة والعياذ بالله تعالى علة وسبب لوجوب إراقة دم المرتد فإذا فقدت الردة كان\rدمه حراما والزوجية والقرابة علة وسبب لوجوب النفقة على الزوجة والقريب فإذا عدمت الزوجية والقرابة لا تحرم والنفقة بل يندب إليها في الأجانب وحضور محل القراءة في الصلاة الذي هو القيام علة وسبب لوجوب القراءة في الصلاة فإذا ركع وسجد وعدم القيام كرهت القراءة فلم يستلزم عدم سبب الوجوب وعلته كما رأيت حكما معينا كما استلزم عدم سبب المنع وعلته الإباحة وعدم سبب الإباحة وعلتها المنع في المسائل قبل واتضح الفرق بين القاعدتين والله أعلم\rالفرق الستون بين قاعدة إثبات النقيض في المفهوم بين قاعدة إثبات الضد فيه\rمفهوم المخالفة أبدا يقتضي أن حكم المنطوق غير ثابت للمسكوت عنه قطعا وإنما الخلاف في أن المسكوت عنه هل يثبت له ضد الحكم الثابت للمنطوق به وإليه ذهب ابن أبي زيد من أصحابنا حيث استدل على وجوب صلاة الجنازة لقوله تعالى في حق المنافقين ولا تصل على أحد منهم مات أبدا فقال إن مفهومه يقتضي وجوب الصلاة على المسلمين أو يثبت له نقيض الحكم الثابت للمنطوق به ونقيض كل شيء رفعه أي يثبت له عدم الحكم الثابت للمنطوق به وهذا هو مذهب الجمهور وهو الحق في جميع مفاهيم المخالفة لا فرق بين مفهوم الصفة كما في الآية المذكورة فإن مفهوم منهم فيها عدم تحريم الصلاة على المؤمنين وهو صادق مع الوجوب والندب والكراهة والإباحة فلا يستلزم الوجوب لأن الأعم من الشيء لا يستلزمه وكما في قوله {صلى الله عليه وسلم} في الغنم السائمة الزكاة فإن مفهومه ما ليس بسائمة لا زكاة فيه\rومفهوم العلة كما في نحو ما أسكر كثيره فهو حرام فإن مفهومه أن ما لم يسكر كثيره فليس بحرام ومفهوم الشرط كما في نحو من تطهر صحت صلاته فإن مفهومه أن من لم يتطهر لا تصح صلاته\r","part":2,"page":66},{"id":405,"text":"ومفهوم المانع كما في نحو لا يسقط الزكاة إلا الدين فإن مفهومه أن من لا دين عليه لا تسقط عنه الزكاة ومفهوم الزمان كما في نحو سافرت يوم الجمعة فإن مفهومه أنه لم يسافر يوم الخميس ومفهوم المكان كما في نحو جلست أمامك فإن مفهومه أنه لم يجلس عن يمينك ومفهوم الغاية كما في نحو أتموا الصيام إلى الليل فإن مفهومه أن الصوم لا يجب بعد الليل ومفهوم الحصر كما في إنما الماء من الماء فإن مفهومه أنه لا يجب الغسل من غير الماء ومفهوم الاستثناء كما في نحو قام القوم إلا زيدا فإن مفهومه أن زيدا لم يقم\rواعلم أن جميع ما ذكر من المفاهيم التسعة ترجع إلى مفهوم الصفة ففي حاشية السعد على عضد ابن الحاجب ذكر الإمام في البرهان أن جميع جهات التخصيص ترجع إلى الصفة فإن المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما والمخصص بالكون في زمان ومكان موصوف بالاستقرار فيهما ا ه\rوكذا الباقي كما لا يخفى ومفهوم اللقب أي تعليق الحكم على أسماء الذوات كما في نحو في الغنم الزكاة فإن مفهومه أن الزكاة لا تجب في غير الغنم عند من قال بهذا المفهوم وهو الدقاق ومن معه كما سيأتي وهذا المفهوم أضعف المفاهيم العشرة المذكورة فقاعدة مفهوم المخالفة أبدا إثبات نقيض حكم المنطوق به فقط للمسكوت عنه على القول الحق وليس قاعدته إثبات ضد حكم المنطوق به للمسكوت عنه خلافا لابن أبي زيد من أصحابنا فليكن دأبك أبدا فيه إثبات النقيض فقط ولا تتعرض للضد ألبتة لما ظهر لك من الفرق بين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والستون بين قاعدة مفهوم اللقب\rلم يقل بها إلا الدقاق والصيرفي من الشافعية وابن خويز من المالكية وبعض الحنابلة كما في جمع الجوامع وبين قاعدة غيره من المفهومات قال بها جمع كثير كمالك والشافعي وغيرهما وذلك أن غير مفهوم اللقب من بقية المفاهيم كمفهوم الصفة والغاية والحصر فيه رائحة التعليل ضرورة أن الصفة والغاية\r","part":2,"page":67},{"id":406,"text":"والحصر والزمان والمكان والمانع والاستثناء والشرط شروط لغوية والشروط اللغوية أسباب شرعية كالعلة فمتى جعل الشيء شرطا أشعر بسببية ذلك الشرط للمعلق عليه سواء أدركنا نحن ذلك أم لا وإذا كانت هذه الأشياء تشعر بالتعليل عند المتكلم بها والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول كان اللازم في صورة المسكوت عنه عدم الحكم لعدم علة الثبوت فيه وأما مفهوم اللقب فإنه وإن استدل له من احتج له بأنه لا فائدة لذكره إلا نفي الحكم عن غيره كالصفة ونحوها إلا أنه يفرق بينه وبين الصفة ونحوها من جهتين الأولى أن الكلام لا يستقيم بدون ذكره بخلاف الصفة ونحوها\rوالجهة الثانية أنه لما كان أصله كما قال التبريزي تعليق الحكم عن أسماء الأعلام لأنها الأصل في قولنا لقب وأما أسماء الأجناس نحو الغنم والبقر فلا يقال لها لقب إلا أنها تلحق بها فتجري مجراها جامدة كانت أو مشتقة غلبت عليه الاسمية فاستعلمت استعمال الأسماء كالطعام في حديث لا تبيعوا الطعام بالطعام كما مثل به الغزالي في المستصفى للقب ولم تكن للأعلام ولا للأجناس إشعار بالعلة لعدم المناسبة فيهما بخلاف الصفة ونحوها كما علمت كان عدمهما من صورة السكوت ليس علة لشيء لأنه ليس عدم علة فلا يلزم عدم الحكم في صورة المسكوت عنه فلذا قل القائلون به وحكم بضعفه ومن هنا تعلم صحة استدلال صاحب المهذب من الشافعية على مالك بأن التيمم لا يجوز بغير التراب بقوله عليه السلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي رواية أخرى وترابها طهورا حيث قال مفهوم قوله وترابها طهورا أن غير التراب لا يجوز التيمم به ا ه\rوذلك لأن التراب اسم جنس فمفهومه مفهوم لقب ليس حجة عنده ولا عند\r","part":2,"page":68},{"id":407,"text":"مالك فقد استدل بما ليس حجة عنده ولا عند خصمه وكذا عدم صحة استدلاله على أبي حنيفة بأن الخل لا يزيل النجاسة بقوله عليه السلام لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب حتيه ثم اقرضيه بالماء حيث قال مفهوم قوله عليه السلام بالماء يقتضي أنه لا يجوز أن يغسل بغيره من الخل وغيره ا ه\rوذلك لأن الماء اسم جنس فمفهومه مفهوم لقب ليس بحجة عنده ولا عند أبي حنيفة بل أبو حنيفة لم يقل بالمفهوم مطلقا فضلا عن مفهوم اللقب فاستدلاله على أبي حنيفة أبعد من استدلاله على مالك بسبب أن مالكا قال بالمفهوم من حيث الجملة\rوأما أبو حنيفة فلا كذا قال الأصل وفي حاشية العطار على محلى جمع الجوامع وأجيب بأن ذلك ليس من الاستدلال بمفهوم اللقب لأنه بالحديث الأول من جهة أن الأمر إذا تعلق بشيء بعينه لا يقع الامتثال إلا بذلك الشيء فلا يخرج عن العهدة بغيره سواء كان الذي تعلق به الأمر صفة أو لقبا ولأنه بالحديث الثاني من جهة أن قرينة الامتنان تدل على الحصر فيه وأن العدول عن أسلوب التعميم مع الإيجاز إلى التخصيص مع ترك الإيجاز لا بد له من نكتة ونكتته اختصاص الطهورية\rوقد صرح الغزالي في المنخول بأن مفهوم اللقب حجة مع قرائن الأحوال وأشار ابن دقيق العيد أن التحقيق أن يقال اللقب ليس بحجة ما لم يوجد فيه رائحة التعليق فإن وجدت كان حجة فإنه قال في حديث الصحيحين إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها يحتج به على أن الزوج يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه لأجل تخصيص النهي بالخروج للمسجد فإنه مفهوم لقب لما في المسجد من المعنى المناسب وهو كونه محل العبادة فلا تمنع منه بخلاف غيره ا ه\rفتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب قيل لا يكون حجة إجماعا وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب قيل يكون حجة عند القائلين بالمفهوم\r","part":2,"page":69},{"id":408,"text":"والصحيح كما في شرح التحرير الأصولي أن الوصف الذي وقع به تقييد الحقيقة إذا خرج مخرج الغالب بأن وجد معها في أكثر صورها كوصف الربائب باللاتي في حجوركم في قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن وهن جمع ربيبة بنت زوجة الرجل من آخر سميت به لأنه يربيها غالبا كما يربي ولده ثم اتسع فيه فسميت به وإن لم يربها وإنما لحقته الهاء مع أنه فعيل بمعنى مفعول لأنه صار اسما فكونهن في حجور أزواج الأمهات هو الغالب من حالهن فوصفهن به لكونه الغالب فلا يدل الكلام المفيد للحكم المتعلق بالحقيقة المقيدة به على نفي الحكم عند عدمه كالكلام المفيد لتحريمهن عليهم على عدم تحريمهن عليهم عند عدم كونهن في حجورهم عند الجمهور لا إجماعا\rفقد روي عن علي رضي الله عنه جعله شرطا حتى إن البعيدة عن الزوج لا تحرم عليه كما نقله ابن عطية وغيره وأسنده إليه ابن أبي حاتم فقال حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج قال حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة قال أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي فوجدت عليها فلقيني علي بن أبي طالب فقال ما لك فقلت توفيت المرأة فقال علي هل لها ابنة فقلت نعم وهي بالطائف قال كانت في حجرك قلت لا قال فانكحها قلت فأين قول الله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم قال إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك قال الحافظ العماد بن كثير إسناده قوي ثابت إلى علي على شرط مسلم وهو غريب جدا ا ه بتوضيح وزيادة من العطار\rنعم قد يقال المراد إجماع الأربعة الأئمة لا جميع المجتهدين لكن في المحلى على جمع الجوامع\r","part":2,"page":70},{"id":409,"text":"وقد مشى في النهاية في آية الربيبة على ما نقله عن الشافعي من أن القيد فيها لموافقة الغالب لا مفهوم له بعد أن نقل عن مالك القول بمفهومه ومن أن الربيبة الكبيرة وقت التزوج بأنها لا تحرم على الزوج لأنها ليست في حجره وتربيته وهذا وإن لم يستمر عليه مالك فقد نقله الغزالي وغيره كالماوردي وابن الصباغ وغيرهما عن داود كما نقله ابن عطية عن علي كرم الله وجهه ورواه عنه ابن أبي حاتم وغيره ومرجع ما نقل عن داود وعلي رضي الله عنه إلى أن القيد ليس لموافقة الغالب أي بل لنفي الحكم عن المسكوت عنه ا ه فافهم\rوأورد الإمام ابن عبد السلام أنه كيف يكون لغير الغالب مفهوما دون الغالب والقاعدة تقتضي العكس وهو أنه إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم لا إذا لم يكن غالبا لأن الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لها فالمتكلم يكتفي بدلالتها على\rثبوته لها عن ذكره فإنما ذكره ليدل على نفي الحكم عما عداه بانحصار غرضه فيه فإذا لم يكن عادة فغرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع بثبوتها للحقيقة\rوأجاب بأن القول بالمفهوم لخلو القيد عن الفائدة لولاه وهو إذا كان الغالب يفهم من الظن باللفظ أولا لغلبته فذكره بعده يكون تأكيدا لثبوت الحكم للمتصف به وهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب\r","part":2,"page":71},{"id":410,"text":"وأجاب الأصل بأن الغالب ملازم للحقيقة في الذهن فذكره معها عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه لأنه من لوازمها فيضطره الحال للنطق به لذلك لا لتخصيص الحكم به بخلاف غيره فإنه لا يلزم من استحضار الحقيقة المحكوم عليها حضوره معها فلا يضطره الحال لنطقه به معها فلا بد حينئذ من أن يكون للمتكلم غرض في نطقه به وإحضاره مع الحقيقة وسلب الحكم عن صورة عدمه يصلح أن يكون غرضه فيحمل عليه حتى يصرح بخلافه لأنه المتبادر إلى الذهن من التقييد وتعقبه ابن الشاط بأن ما أورده ابن عبد السلام وارد ودعوى الاضطرار باطلة إذ كيف يكون الشارع سواء قلنا الله تعالى أو الرسول {صلى الله عليه وسلم} مضطرا إلى النطق بما لا يقصده واضطرار الله تعالى إلى أمر ما محال وكذلك الرسول {صلى الله عليه وسلم} من حيث هو معصوم والحامل على هذا الحال إنما هو القول بالمفهوم والصحيح أنه باطل عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه\rقلت يعين أن الباطل هو ما للشافعي وأحمد والأشعري والإمام وكثير من القول بمفهوم المخالفة بأقسامه الراجعة إلى مفهوم الصفة كما مر عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه إذا توفرت الشروط لتحققه وهي أمور أحرى أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه في الحكم وإلا استلزم ثبوت الحكم في المسكوت عنه فكان مفهوم موافقة لا مخالفة كتحريم الضرب من قوله تعالى فلا تقل لهما أف وتأدية ما دون القنطار من قوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك\r","part":2,"page":72},{"id":411,"text":"والثاني أن لا يكون قد خرج مخرج الغالب المعتاد مثل وربائبكم اللاتي في حجوركم فإن الغالب كون الربائب في الحجور ومن شأنهن ذلك فقيد به لذلك لا لأن حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافة ومثل قوله تعالى فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به إذ الخلع غالبا إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بما أمر الله تعالى فلا يفهم منه أن الخلع لا يجوز عند عدم الخوف ومثل قوله {صلى الله عليه وسلم} أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل إذ المرأة إنما تباشر نكاح نفسها عند منع الولي فلا يفهم منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن وليها لم يكن باطلا\rوالثالث أن لا يكون لسؤال سائل عن\rالمذكور ولا لحادثة خاصة بالمذكور مثل أن يسأل هل في الغنم السائمة زكاة فيقول في الغنم السائمة زكاة أو يكون الغرض بيان ذلك له السائمة دون المعلوفة\rوالرابع أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه وإلا ربما ترك التعرض له لعدم العلم بحاله ولا يكون خوف يمنع من ذكره كقول قريب العهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين تصدق بهذا على المسلمين يريد وغيرهم وتركه خوفا من أن يتهم بالنفاق أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر كموافقة الواقع في نحو قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين نزلت كما قال الواحدي وغيره في قوم من المؤمنين والوا اليهود دون المؤمنين\r","part":2,"page":73},{"id":412,"text":"وأما إذا لم تتوفر هذه الشروط بانتفاء المذكورات بل ثبت واحد منها فلا يستند في العمل إلى المفهوم ضرورة أن هذه المذكورات فوائد ظاهرة والمفهوم فائدة خفيفة فيؤخر عنها ويكون العمل حينئذ على مقتضى الدليل ولو خالف المفهوم فإذا دل على إعطاء المسكوت عنه حكم المنطوق به عمل بمقتضاه كما في نحو آيتي الربيبة والموالاة وقول قريب العهد بالإسلام إلخ فإن إرادة قريب العهد وغيرهم كما علمت وتحقق علة حكم المنطوق به في المسكوت عنه في الآيتين من حيث إن الربيبة حرمت لئلا يقع بينها وبين أمها التباغض لو أبيحت بأن يتزوجها فيوجد نظرا للعادة في مثل ذلك سواء كانت في حجر الزوج أم لا ومن حيث إن موالاة المؤمن الكافر حرمت لعداوة الكافر له وهي موجودة سواء والى المؤمن أم لا وقد عم من والاه ومن يواليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم إلى قوله والكفار أولياء وقياس المسكوت المشتمل على علة الحكم على المنطوق لا يمتنع إذ كيف يمتنع وهناك من يقول إن المعروض للصفة ونحوها كالغنم في حديث في الغنم السائمة زكاة يعم المسكوت عنه كالمعلوفة في الحديث المذكور بدون قياس لأن عارضه من الصفة ونحوها بالنسبة إلى المسكوت المشتمل على العلة كأنه لم يذكر\r","part":2,"page":74},{"id":413,"text":"نعم الحق عدم العموم لا سيما وقد ادعى بعضهم الإجماع عليه وقول إمامنا رحمه الله تعالى بأن المعلوفة فيها الزكاة لم يكن من حيث شمول الغنم للمعلوفة في الحكم كما قيل بل إما لكون حديث في كل أربعين شاة شاة منطوقا عارض مفهوم حديث في الغنم السائمة زكاة فيقدم عليه كما قالوا بالمنة من قتل من لم يجن جناية توجب القتل ولدا كان أو غير ولد للأدلة الدالة على ذلك المعارضة لمفهوم قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق لا لكونه غالبا في مجرى العادة في ذلك الوقت فإنهم كانوا لا يقتلون إلا خوف الفقر والفضيحة في البنات وهو الوأد الذي صرح به الله تعالى بقوله في كتابه العزيز وإذا الموءودة سئلت والوأد القتل فإنهم كانوا يدفنونهن أحياء فيمتن من غم التراب وثقله\rومنه قوله تعالى ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم أي لا يثقله وإما لكونه عموما في خصوص عين الغنم فيترجح على حديث في الغنم إلخ لأنه عموم في خصوص حال الغنم لما مر عن الإمام ابن العربي في كتاب الأحكام من أن حال العين أرجح من حال الحال\rوإذا دل الدليل على إعطاء المسكوت عنه نقيض حكم المنقوض به عمل بمقتضاه كما في نحو الغنم المعلوفة قال الشافعي وأبو حنيفة بعدم الزكاة فيها لأنه الأصل فتبقى المعلوفة التي لم ينص عليها الأصل كما سيأتي وإذا كان القول بمفهوم المخالفة باطلا كان الصحيح مقابله وهو ما أشار له في جمع الجوامع بقوله وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقا قال المحلي أي لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة وإن قال في المسكوت بخلاف حكم المنطوق فلأمر آخر كما في انتفاء الزكاة عن المعلوفة قال إن الأصل عدم الزكاة ووردت في السائمة فبقيت المعلوفة على الأصل ا ه\rومحصله أنه لا يستند في العمل إلى المفهوم ولو توفرت شروط تحققه المذكورة بل إنما يستند إلى القرائن المفهمة لموافقته أو مخالفته لحكم المنطوق مطلقا في كلام الشارع أو كلام الناس\r","part":2,"page":75},{"id":414,"text":"نعم قال العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع إن المصنف إنما نقل عن أبي حنيفة لا عن أصحابه فإنهم إنما ينكرون مفهوم المخالفة في كلام الشارع أما في كلام الناس فهو حجة عندهم عكس ما لوالد المصنف من إنكاره الكل في غير الشرع من كلام المصنفين والواقفين لغلبة الذهول عليهم بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله المبلغ عنه لأنه تعالى لا يغيب عنه شيء قال سم وحاصل كلام والد المصنف أن المفهوم معنى يقصد تبعا للمنطوق فلا يعتبر ممن غلب عليه الذهول إذ الأمور التابعة إنما يعتد بها ممن قصدها ولاحظها ومن غلب عليه الذهول ولا وثوق بقصده وملاحظته وليس في هذا المعنى توقف الدلالة على الإرادة بل الذي فيه توقف اعتبارها في المعاني التابعة لا مطلقا على من يوثق فيه بإرادته وشتان ما بين المقامين ا ه\rووجه بطلان القول بمفهوم المخالفة عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه إذا توفرت شروط تحققه وإن قالوا إنه المذهب المختار أمران أحدهما أنه داع إلى دعوى الاضطرار إلى النطق بما لا يقصد واضطرار الله تعالى أو الرسول {صلى الله عليه وسلم} إلى أمر ما محال كما علمت\rالثاني أن وجوه الاستدلال عليه ضعيفة\rأما الوجه الأول فإما أن يقرر بأنه لو لم يكن ظاهرا للحصر لزم اشتراك المسكوت عنه للمذكور في الحكم إذ لا واسطة بين الاختصاص والاشتراك فإنه يثبت الحكم في المذكور قطعا فإن لم يثبت في المسكوت عنه فهو الاختصاص وإن ثبت فهو الاشتراك وهذا ترديد بين النفي والإثبات فلا واسطة بينهما واللازم أعني الاشتراك المذكور منتف لاتفاقهم على أنه ليس للاشتراك غايته أنه محتمل وإما أن يقرر بأنه لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره إذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره\rفإذا لم يحصل لم يحصل واللازم أعني انتفاء إفادته اختصاص الحكم بالمذكور دون غيره منتف للعلم الضروري بأنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور دون غيره\r","part":2,"page":76},{"id":415,"text":"وأما ضعفه فمن جهتين الجهة الأولى أنه على التقرير الأول والثاني إن أراد باختصاص الحكم بالمذكور دون المسكوت أن الحكم النفسي المعبر عنه بالذكر اللفظي مختص به بمعنى أنا حكمنا على السائمة مثلا ولم نحكم على المعلوفة فلا نزاع فيه وإن أراد أن متعلق الحكم النفسي وهو النسبة الواقعة في نفس الأمر المعبر عنها بالحكم الخارجي مختص بالمذكور بمعنى أن الزكاة واجبة في السائمة ليست بواجبة في المعلوفة فممنوع إذ غاية الأمر عدم الحكم بالوجوب في المعلوفة وهو لا يستلزم الحكم بعدم الوجوب فيها لجواز أن تثبت نسبته ولا يحكم بثبوتها وحاصله تسليم اختصاص النسبة الذهنية دون الخارجية لكن لا يخفى أن هذا إنما يصح في الإخبار دون الإنشاء إذ ليس لنفسه متعلق هو الخارجي إلا أن يئول بالخبر أو يقال إن المراد بالمتعلق هاهنا هو طرف الحكم كالسائمة مثلا بناء على أن متعلق الذكر النفسي هو الطرفان ليصح في الإخبار والإنشاء جميعا\rالجهة الثانية أن هذا الاستدلال بكلا تقريريه كما يجري هنا يجري في اللقب بأن يقال لو لم يكن للحصر لكان للاشتراك واللازم باطل أو يقال لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص وأنه يفيده قطعا مع أن اللقب باطل اتفاقا وأما الوجه الثاني فهو أنه إذا قيل الفقهاء الحنفية فضلاء ولا مقتضى لتخصيص الحنفية بالفضل نفرت الشافعية ولولا فهمهم نفي الفضل عن غيرهم لما نفروا\rوأما ضعفه فبمنع الملازمة بين النفرة وفهمهم نفي الفضل عن غيرهم لجواز أن تكون النفرة إما لتصريح بغيرهم وتركهم على الاحتمال كما ينفر من التقدير في الذكر لاحتمال أن يكون للتفضيل وإن جاز أن يكون لغيره وإما لتوهم المعتقدين لإفادة النفي عن الغير قصد تلك الإفادة في الصورة المذكورة إما بمعنى أنهم نفروا عن أن تذكر عبارة يتوهم منها بعض الناس نفي الفضل عنهم أو بمعنى أن النفرة إنما هو للمعتقدين تلك الإفادة بحسب اعتقادهم وأنه توهم\r","part":2,"page":77},{"id":416,"text":"وأما الوجه الثالث فهو أنه {صلى الله عليه وسلم} عقب نزول قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم قال كما في الحديث الصحيح الذي لا قدح في رواته لأزيدن على السبعين وهذا يدل على أنه {صلى الله عليه وسلم} فهم من الآية أن ما زاد على السبعين حكمه بخلاف السبعين وذلك مفهوم العدد وكل من قال به قال بمفهوم الصفة فيثبت مفهوم الصفة\rوأما ضعفه فبمنع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة وما زاد على السبعين مثله في الحكم المشترك بين السبعين وما فوقها وهو ما يتبادر إلى الفهم من عدم المغفرة فلا يتبادر من ذكر السبعين أن ما فوقها بخلافها وأما قوله عليه الصلاة والسلام لأزيدن على السبعين فلعله من جهة علمه أن هذا\rالمعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد في هذا المقام بخصوصه لا من جهة فهمه من هذا الكلام ولو سلم أنه فهمه من هذا الكلام فيجوز أن لا يكون من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبي عليه الصلاة والسلام وقد تحقق النفي في السبعين فبقي ما فوقها على الأصل\rوأما الوجه الرابع فهو أن يعلى بن أمية وعمر بن الخطاب فهما من قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم حيث قيد قصر الصلاة بحال الخوف أن عدم قصرها عند عدم الخوف وأقر الرسول عليه الصلاة والسلام عمر عليه فقال يعلى لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا وقد قال الله تعالى فليس عليكم جناح إلخ فقال عمر رضي الله عنه عجبت مما عجبت منه فسألت النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته إذ لولا إفادة تقييد القصر بالخوف في الآية لعدمه عند عدمه لغة ما فهماه ولما أقره الرسول عليه الصلاة والسلام\r","part":2,"page":78},{"id":417,"text":"وأما ضعفه فبمنع فهمها منه لجواز أنهما حكما بذلك باستصحاب الحال في وجوب إتمام الصلاة من حيث إنه الأصل وخولف في الخوف بالآية ولذا ذكروا الآية عند التعجب يعنون أن القصر حال الخوف إنما يثبت بالآية فما بال حال الأمن لم يبق على ما هو الأصل من الإتمام بحيث لا يعدل عنه فيه إلا لدليل ولا دليل وإذا جاز ذلك لم يتعين أن يكون الفهم منه فلا تقوم به حجة فيه واعلم أن هذا مفهوم الشرط لا الصفة ولعل الغرض منه إلزام من لا يفصل بينهما\rوأما الوجه الخامس فهو أن إفادته لتخصيص تفضي إلى تكثير الفائدة فإن إثبات المذكور ونفي غيره أكثر فائدة من إثبات المذكور وحده وكثرة فائدته ترجح المصير إليه لأنه ملائم لغرض العقلاء وأما ضعفه فمن جهة أن هذا لا يلزم إلا القائلين بأن تكثير الفائدة دال على الوضع كعباد الصيمري والجمهور على أن الدال على الوضع إنما هو النقل تواترا أو آحادا كما تقرر في محله وعليه فلا يلزم ذلك على أن دلالته على النفي عن الغير على القول بأن الدال على الوضع تكثير الفائدة تتوقف على تكثير الفائدة إذ به تثبت وتكثير الفائدة إنما يحصل بدلالته على النفي على الغير وذلك دور ظاهر\rنعم قد يقال إن ما تتوقف عليه الدلالة تعقل كثرة الفائدة لا حصولها والموقوف على الدلالة حصول كثرة الفائدة لا تعقلها\rوأما الوجه السادس فهو أنه لو لم يكن المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم ففي نحو قوله {صلى الله عليه وسلم} طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا إحداهن بالتراب يلزم أن لا تكون السبع مطهرة\rلأن الطهارة إذا حصلت بدون السبع فلا تحصل بالسبع لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال وكذلك في قوله عليه السلام خمس رضعات يحرمن يلزم أن لا يكون الخمس محرمة لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلا تحصل بالخمس لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال\r","part":2,"page":79},{"id":418,"text":"وأما ضعفه فبأنه لا يلزم من عدم دلالة السبع على نفي الطهارة فيما دونها حصول الطهارة قبل السابعة ولا من عدم دلالة الخمس على نفي تحريم المرضعة حصول التحريم قبل الخمس لجواز أن يثبت التحريم وأن تثبت النجاسة بدليل آخر\rأما في الرضاع فظاهر بناء على أن الأصل عدم التحريم وأما في الإناء فلأنه وإن كان الأصل الطهارة ما لم يظهر دليل النجاسة والأصل عدمه إلا أن الإجماع على التنجس قائم هنا بوجود النجس وهو دليل قاطع فإذا لم يدل العدد على النفي فيما دونه بقي ما كان ثابتا من النجاسة وعدم التحريم حتى يظهر الدليل كذا في شرح العضد على مختصر ابن الحاجب وحاشية السعد عليه ولا يخفاك أن بطلان القول بمفهوم المخالفة لا ينتجه واحد من الأمرين المذكورين\r","part":2,"page":80},{"id":419,"text":"أما الأول فلأنا لا نسلم أن القول بالمفهوم في غير الغالب لا في الغالب داع إلى الاضطرار المذكور في الغالب دون غيره كما قال الأصل بذلك في بيان سر الفرق بينهما ودفع ما أورده ابن عبد السلام لجواز أن يكون سر الفرق بينهما غير ذلك وهو ما مر عن عبد السلام في جوابه عما أورده من أن التقييد بالغالب لما كانت فائدته هي التأكيد لثبوت الحكم للمتصف به لأنه لغلبته على الحقيقة يفهم من النطق بلفظها أولا لم يحتج فيه إلى المفهوم ضرورة أن فائدة التأكيد فيه ظاهرة والمفهوم فائدة خفية لأن استفادته بواسطة أن التخصيص بالذكر لا بد له من فائدة وغير التخصيص بالحكم منتف فتعين التخصيص بخلاف غير الغالب فإنه لما لم يظهر للتقييد به فائدة غير التخصيص تعين فيه التخصيص ومن هنا يندفع قول إمام الحرمين أن المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا تسقطه موافقة الغالب بل قال زكريا للشافعي رضي الله عنه في الرسالة كلام آخر يندفع به أيضا توجيه إمام الحرمين لما نفاه مخالفا للشافعي بما ذكر وحاصله أنه إذا ظهر لتخصيص المنطوق فائدة غير نفي الحكم بطريق الاحتمال إلى المفهوم فيصير الكلام مجملا حتى لا يقضي فيه بموافقة أو مخالفة ا ه فافهم\rوأما الثاني فلأن ضعف دليل الشيء لا يقتضي بطلانه على أن وجوه الاستدلال على القول بإنكار المفهوم مطلقا قد ضعفت أيضا فما وجه إبطال مقابله دونه أما الوجه الأول فهو أنه لو ثبت المفهوم لثبت بدليل ولا دليل لأنه إما عقلي ولا مدخل له في مثله وإما نقلي إما متواتر فكان يجب أن لا يختلف فيه وإما آحاد وأنه لا يفيد في مثله\rوأما ضعفه فيمنع اشتراط التواتر وعدم إفادة الآحاد في مثله وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام لعدم التواتر في مفرداتها وأيضا فإنا نقطع أن العلماء في الأعصار والأمصار كانوا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد كنقلهم عن\rالأصمعي والخليل وأبي عبيد وسيبويه\r","part":2,"page":81},{"id":420,"text":"وأما الوجه الثاني فهو أنه لو ثبت المفهوم للزم ثبوته في الخبر لأن الذي به ثبت في الأمر وهو الحذر من عدم الفائدة قائم في الخبر والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما واللازم وهو ثبوته في الخبر باطل لأنه لو قال في الشام الغنم السائمة لم يدل على عدم المعلوفة بها وهو معلوم من اللغة والعرف قطعا\rوأما ضعفه فيمنع انتفاء اللازم لقول السعد الحق عدم التفرقة بين الخبر والإنشاء كما في قولنا الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء ومطل الغني ظلم عند قصد الإخبار إلى غير ذلك من المواضع ونفي المفهوم في بعض المواضع بمعونة القرائن كما في قولنا في الشام الغنم السائمة لا ينافي ذلك\rوأما الوجه الثالث فهو أنه لو صح القول بالمفهوم للزم أن لا يصح أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو أد زكاة الغنم السائمة أد زكاة الغنم المعلوفة متفرقا وتحقق التخصيص بالصفة في صورة الاجتماع من حيث إن الحكم علق بالسائمة تارة بالمعلوفة أخرى أما أولا فلأن وزان قولك في مفهوم المخالفة أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا وزان قولك في مفهوم الموافقة لا تقل له أف واضربه في منافاة المفهوم للمنطوق فكما لا يجوز بلا شك أن يقال لا تقل له أف واضربه لأن مفهوم لا تقل له أف وهو حرمة الضرب يناقض منطوق اضربه وهو جواز الضرب ومفهوم اضربه وهو جواز أن يقال له أف يناقض منطوق لا تقل له أف وهو حرمة أن يقال له أف كذلك لا يجوز أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا\rوأما ثانيا فلأن المنطوقين مع المفهومين متعارضان والمنطوق أقوى من المفهوم فيندفع المفهومان فلا يبقى لذكر القيدين فائدة إذ فائدة التقييد المفهومة ويكون بمثابة قولك أد زكاة الغنم فيضيع ذكر السائمة والمعلوفة بخصوصهما واللازم أعني صحة أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا ظاهر البطلان\r","part":2,"page":82},{"id":421,"text":"وأما ضعفه فيمنع الملازمة بوجوه أحدها أن دلالة مفهوم الموافقة على ثبوت الحكم للمسكوت عنه قطعية ودلالة مفهوم المخالفة على نفي الحكم عن المسكوت عنه ظنية\rوثانيها أنه لا تناقض في الظواهر مع إمكان الصرف عن معانيها لدليل ودفع التناقض أقوى دليل عليه\rوثالثها أن الفائدة في ذكر القيدين السائمة والمعلوفة عدم تخصيص أحدهما عن العام فإن العام ظاهر في تناول الخاصين ويمكن إخراج أحدهما عنه تخصيصا له إذا ذكرهما بالنصوصية لم يمكن ذلك\rوأما الوجه الرابع فهو أنه لو ثبت المفهوم للزم أن لا يثبت خلافه إذا لو ثبت خلافه مع ثبوته لثبت\rالتعارض بين دليل المفهوم ودليل خلافه والأصل عدم التعارض واللازم أعني عدم ثبوت خلاف المفهوم منتف لأن خلاف المفهوم قد ثبت في نحو لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة فإن قوله أضعافا مضاعفة في معنى الوصف ومفهومه عدم النهي عن القليل منه وقد تحقق التحريم في القليل مع انتفاء الوصف كما تحقق في الكثير لتحقق الوصف\rوأما ضعفه فبوجهين أحدهما منع الملازمة في أصل الدليل لجواز أن يكون المفهوم حقا وثبت خلافه أحيانا بناء على دليل قطعي لا يعارضه دليل المفهوم لكونه ظنيا\rوثانيهما منع انتفاء اللازم لجواز أن يثبت التعارض لقيام دليل عليه وإن كان الأصل عدمه ألا ترى أن الأصل البراءة ويخالفها بالدليل وهو أكثر من أن يحصى ا ه ملخصا من العضد والسعد بزيادة من المحلي والعطار فتأمل بإنصاف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو معرفة باللام الجنسية وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة\r","part":2,"page":83},{"id":422,"text":"اعلم أن خبر المبتدأ لا يجوز إلا أن يكون مساويا للمبتدأ من حيث قصد الإخبار به وإن كان من حيث لفظه أعم من المبتدأ على الصحيح لأنه إذا أخبر بشيء عن شيء فليس المراد إلا أن الذي هو المبتدأ هو بعينه الخبر فمعنى قولنا الإنسان حيوان الإنسان حيوان ما وليس معناه الإنسان الخاص هو الحيوان العام له ولغيره وإلا لتضمن ذلك أن الإنسان حمار وثور وكلب وغير ذلك من أصناف الحيوان وذلك غير صحيح وحينئذ فلا فرق بين قول القائل الإنسان ناطق وقوله الإنسان حيوان من حيث القصد بالخبر وإنما بينهما فرق من حيث إن لفظ الناطق يختص بالإنسان لوضعه لما هو مختص به ولفظ الحيوان غير مختص به لوضعه لما هو غير مختص به فيصدق في غير هذا القول على غير الإنسان\rوأما في هذا القول فلا يصح ألبتة أن يراد به إلا الإنسان لا غيره ولا هو وغيره وأن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق والأول حاصل بمقتضى العقل لكل مبتدأ في خبره ولو لم يكن خبره معرفا باللام الجنسية ضرورة أن انتفاء نقيضه لازم لثبوته للمبتدأ فنحو قولك زيد قائم مخبرا عن ثبوت القيام لزيد يلزمه عقلا انتفاء عدم القيام عنه وإن لم يدل عليه اللفظ صريحا والثاني حاصل صريحا يدل عليه خصوص الخبر المعرف فاللام الجنس بمقتضى استقرار\rتراكيب البلغاء فهذا الحصر الثاني وهو مراد من فرق من العلماء بين قولنا زيد قائم وبين قولنا زيد القائم بجعله الثاني للحصر دون الأول فزيد في المثال الأول وإن كان بمقتضى العقل لا اللفظ منحصرا في مفهوم قائم بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى نقيضه وهو أن لا يكون زيد قائما دائما لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال ضرورة أن لفظ قائم مطلق في القيام\r","part":2,"page":84},{"id":423,"text":"فقولنا زيد قائم موجبة جزئية في وقت واحد فنقيضه إنما هو السالبة الدائمة إلا أنه ليس بمنحصر في مفهومه بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى ضده أو خلافه أيضا إذ لا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد والخلاف إذ يجوز أن يكون مع كونه قائما جالسا في وقت آخر ونحوه مما لا يمكن اجتماعه معه من الأضداد وحيا وفقيها وعابدا ونحو ذلك مما يمكن اجتماعه معه من خلافه في جميع الأوقات\rوأما زيد في المثال الثاني فكما أنه منحصر في مفهوم القائم بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى نقيضه كذلك وهو منحصر فيه بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى ضده أو خلافه أيضا ويوضح لك هذا مسألة وهي أن العلماء استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام في الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم على انحصار سبب تحريمها أي الدخول في حرماتها بتحريم الكلام والأكل والشرب وغير ذلك مما يحرم فيها في التكبير وانحصار سبب تحليلها أي حلها بإباحة جميع ما حرم بها في التسليم فلا يدخل في\rحرمات الصلاة إلا بالتكبير ولا يخرج من حرماتها إلى حلها إلا بالتسليم فالتكبير في قوله {صلى الله عليه وسلم} تحريمها التكبير خبر معرف بالألف واللام اقتضى حصر المبتدأ وهو تحريمها فيه فيكون مفهومه أن تحريمها لا يثبت مع نقيضه الذي هو عدم التكبير ولا مع ضده الذي هو الهزل واللعب والنوم والجنون ولا مع خلافه الذي هو الخشوع والتعظيم بحيث إذا فعل أي شيء من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة عند من يقول بالمفهوم\r","part":2,"page":85},{"id":424,"text":"وكذا التسليم في قوله {صلى الله عليه وسلم} تحليلها التسليم خبر معرف بالألف واللام اقتضى حصر المبتدأ وهو تحليلها فيه فيكون مفهومه أن تحليلها لا يثبت مع نقيضه الذي هو عدم التسليم ولا مع ضده الذي هو النوم والإغماء ولا مع خلافه الذي هو الحدث وغير ذلك من نحو التعظيم والإجلال بحيث إذا فعل أي شيء من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التسليم لم يخرج من حرمات الصلاة إلى حلها أي إباحة جميع ما حرم بها عند من يقول بالمفهوم ومعنى قوله عليه السلام تحليلها التسليم أن من أراد أن يخرج عن عهدة حرمات الصلاة على وجه الإباحة الشرعية لا على وجه بطلانها كيف كان فلا سبب له إلا السلام المشروع المأذون فيه في آخر الصلاة أما سهو السلام وعمده في أثناء الصلاة فلم يرد ولا يفهم من قوله عليه السلام تحليلها التسليم لا سيما ولفظ السلام خبر معناه\rالدعاء بالسلامة والدعاء لا يقدح في الصلاة لا سهوا ولا عمدا أما نقول بأنه إذا وقع في أثناء الصلاة مخرج منها مطلقا ومحوج لتكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة كما هو مشهور مذهب مالك مشكل والمتجه أنه في أثناء الصلاة كالكلام في أثنائها سهوا في كونه لا يبطلها ولا يحوج لتكبيرة الإحرام للدخول فيها كما هو مذهب الشافعي وابن نافع من أصحابنا والسلام في أثنائها قد يقع مع نية الخروج من الصلاة وقد لا يقع فإن المذهب على قولين في اشتراط النية فيه وليست النية إذا وقعت برفض حتى يقال إن رفض الصلاة يقتضي إبطالها فلذلك أحوج للتكبير لأن من نوى الخروج من الصلاة عند سلامه أثناءها لم يقصد إبطالها بل إنما اعتقد أن صلاته كملت فأتى بنية الخروج من الصلاة وهذا ليس رفضا وكون جنس السلام مبطلا للصلاة إجماعا فيلحق بذلك الفرد بقية صوره بالقياس مدفوع بأنه قياس بلا جامع ضرورة أن السلام دعاء والدعاء لا ينافي الصلاة فلم يكن جعله مخرجا من الصلاة بمعقول المعنى حتى يتأتى القياس عليه\r","part":2,"page":86},{"id":425,"text":"والقياس بلا جامع لا يصح وكون عدم الصحة إنما هي في قياس المعنى وهذا قياس الشبه مدفوع بأن قياس الشبه ضعيف وقد منع القاضي شيخ الأصوليين من أنه حجة على أن السلام في أثناء الصلاة معارض بالمقتضى لإكمال الصلاة والمداومة عليها وفي آخر الصلاة هو سالم عن هذه\rالمعارضة فافترقا ولا قياس مع الفارق وكون اللام في السلام في قوله عليه السلام تحليلها التسليم للعموم فيشمل السلام في أثناء الصلاة مدفوع بأن قرينة السياق تدل على أن اللام ها هنا إنما أريد بها حقيقة الجنس الذي هو القدر المشترك إلى العموم لأن ما ذكر معه في قوله عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم من الطهور والتكبير المحليين باللام إنما أريد بكل منهما الفرد المقارن لأول الصلاة فقط فلا يدخل فيها بفرد التكبير الذي في أثنائها فكذلك بحمل السلام على فرده المقارن لآخر الصلاة تسوية بينه وبين ما قرن معه ولأنه المتبادر للذهن ولو كان السلام في أثناء الصلاة يخرج من حرمات الصلاة ويحوج للتكبير لبطل ما مضى من الصلاة وابتدئت من أولها ولم يقل به مالك في السهو ألبتة فلما لم تعد الصلاة من أولها كان المصلي في حرمات الصلاة قال الأصل وبالجملة فما أجد مشهور مذهب مالك في أن السلام سهوا محوج للتكبير إلا مشكلا والمتجه مذهب الشافعي ا ه هذا حاصل ما اختاره ابن الشاط من كلام الأصل هنا\rوأما قول الأصل إن قوله {صلى الله عليه وسلم} ذكاة الجنين ذكاة أمه وقد روي برفع الذكاة الثانية وبها تمسك المالكية والشافعية في قولهم باستغناء الجنين عن الذكاة وأنه يؤكل بذكاة أمه\r","part":2,"page":87},{"id":426,"text":"حيث إنها تقتضي حصر ذكاته في ذكاة أمه بمعنى أن ذكاة أمه تبيحه فيستغنى بها عن الذكاة التي هي في العرف الشرعي عبارة عن الذبح الخاص في حلقه فبينه وبين أمه ملابسة تصحح أن تكون ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا بناء على قاعدة أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال في أنه يكفي في كونها حقيقة لغوية أدنى ملابسة كقولنا صوم رمضان وحج البيت بخلاف إسناد الأفعال فإنه يلزم لكونه حقيقة مراعاة الفاعل الحقيقي لا مطلق ملابس\rوروي بنصب الذكاة الثانية وبهذه الرواية تمسك الحنفية في قولهم باحتياج الجنين للذكاة وأنه لا يؤكل بذكاة أمه بناء على أن التقدير ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه على قاعدة حذف المضاف مع أنه يمكن أن يكون التقدير على رواية النصب ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصبت الذكاة على أنها مفعول على حد دخلت الدار بل هذا التقدير أرجح مما قدره الحنفية بوجهين أحدهما قلة الحذف\rوثانيهما الجمع بين الروايتين ودفع التعارض بينهما ا ه\rفقال ابن الشاط وما ذكره من أن الحديث يقتضي\rالحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم وما قاله من ترجيح التقدير على مذهب المالكية والشافعية بقلة الحذف وإن سلم إلا أنه يضعف بأنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه كما أن التقدير على قول الحنفية وإن ضعف بكثرة الحذف إلا أنه يرجح بأنه من مقتضى مساق الكلام وما قاله من ترجيح التقدير على ما للمالكية والشافعية بالجمع لا يتم إلا إذا تعذر الجمع على ما للحنفية مع أن الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول ا ه\r","part":2,"page":88},{"id":427,"text":"وأما قول الأصل أن قوله {صلى الله عليه وسلم} الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة في الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد والتقدير الشفعة مستحقة فيما لم يقسم وكذلك قوله {صلى الله عليه وسلم} الأعمال بالنيات يقتضي حصر الأعمال المعتبرة في النيات والتقدير الأعمال معتبرة بالنيات فكما أن العمل لا يعتبر شرعا بغير نية كذلك طلب الشفعة لا يعتبر شرعا فيما لا يقبل القسمة ا ه\rفقال ابن الشاط هو دعوى مبنية على المذهب ومثله في كونه دعوى لم يأت عليها بحجة قوله إن الحج قوله تعالى أشهر معلومات بتقدير زمان الحج أشهر معلومات يقتضي حصر وقت الحج في هذه الأشهر وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة وفي كونه باعتبار الأجزاء فلا يحرم بالحج قبله وهو مذهب الشافعي أو باعتبار\rالفضيلة فيصح الإحرام قبله إذا وقع وهو مذهب مالك قولان\rوكذا قوله إن مثل قولنا السفر يوم الجمعة يفهم منه الحصر للسفر في هذا الظرف وأنه لا يقع في يوم الخميس ولا في غيره من الأيام ومثله أيضا في كونه دعوى قول الغزالي إذا قلت صديقي زيد أو زيد صديقي اقتضى الأول حصر أصدقائك في زيد فلا تصادق أنت غيره وهو يجوز أن يصادق غيرك والثاني حصر زيد في صداقتك فلا يجوز أن يصادق غيرك وأنت يجوز أن تصادق غيره على عكس الأول ومثله في كونه دعوى أيضا قول الفخر الرازي في كتابه الإعجاز الألف واللام قد ترد لحصر الثاني في الأول على خلاف قاعدة الحصر من كون الأول أبدا منحصرا في الثاني كقولك زيد القائم تريد لا قائم إلا زيد بحصر وصف القيام في زيد وقولك أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تريد أن الخلافة بعده عليه السلام منحصرة في أبي بكر ومن هذا القبيل زيد الناقل لهذا الخبر والمتسبب في هذه القضية ا ه كلام ابن الشاط\r","part":2,"page":89},{"id":428,"text":"قلت ولا يخفاك أن في اختياره حصر المبتدأ في خبره المعرف باللام وأن قول الإمام الفخر بعكسه في نحو زيد القائم أو الناقل لهذا الخبر أو المتسبب في هذه القضية دعوى لا حجة لها وإن المسند النكرة لا يقتضي لغة الحصر ألبتة ولو عرف المسند إليه باللام وإنما يقتضي عقلا حصر المبتدأ فيه دون نقيضه\rمخالفة لما قاله علماء المعاني في مبحث القصر مما حاصله كما في الدسوقي على مختصر السعد وابن يعقوب على التلخيص أن التعريف فاللام الجنس إن كان المسند إليه فهو المقصور على المسند سواء كان المسند معرفة نحو الأمير زيد أو نكرة نحو التوكل على الله أي لا على غيره وإن كان للمسند فهو المقصور على المسند إليه وهل ولو عرف المسند إليه فاللام الجنس أيضا نحو الكرم التقوى وبه صرح السعد في المطول أو إن عرف المسند إليه بها أيضا احتمل قصره على المسند أو قصر المسند عليه إلا أن الأظهر حينئذ قصر المسند إليه على المسند لأن القصر مبني على قصد الاستغراق وشمول جميع الأفراد وذلك أنسب بالمسند إليه لأن القصد فيه إلى الذات وفي المسند إلى الصفة وإلى هذا ذهب السيد أو إن عرف المسند إليه بها أيضا فالأعم مطلقا منهما سواء قدم وجعل مبتدأ أو أخر وجعل خبرا يقصر على الأخص نحو العلماء الناس أو الناس العلماء وإن كان بينهما عموم وخصوص وجهي فبحسب القرائن ففي نحو العلماء الخاشعون تارة يقصد قصر العلماء على الخاشعين وتارة يقصد عكسه فإن لم تكن قرينة فالأظهر قصر المسند إليه على المسند ومعنى تصور العموم في القصر جواز أن يكون أحدهما أعم مفهوما وإن تساويا ما صدقا وإلى هذا ذهب عبد الحكيم أقول والجنس في الخبر قد يبقى على إطلاقه وقد يقيد بوصف أو حال أو ظرف أو\r","part":2,"page":90},{"id":429,"text":"نحو ذلك نحو هو الرجل الكريم وهو السائر راكبا وهو الأمير في البلد وهو الواهب ألف قنطار وكون التعريف فاللام الجنس لإفادة الحصر وإن علم بالاستقراء وتصفح تراكيب البلغاء إلا أنه غير مطرد ألا ترى أن تعريف الخبر فاللام الجنس في قول الخنساء في مرثية أخيها صخر إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا لم يكن لإفادة الحصر وأن معناه أن بكاءك هو الحسن الجميل فقط دون بكاء غيره فإنه ليس بحسن كما توهم بل إنما هو لإفادة الإشارة إلى معلومية الحسن لذلك ادعاء وذلك لأن الحصر لا يلائمه إذا قبح البكاء على قتيل لإشعاره بأن الكلام للرد على من يتوهم أن البكاء على هذا المرثي قبيح كغيره والرد على ذلك المتوهم يحصل بمجرد إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا ويتصور في تعريف كل من المسند إليه والمسند كل من قصر الأفراد وقصر القلب ولا يتصور في تعريف كل منهما فاللام العهد الخارجي قصر الأفراد لأنه إنما يتصور فيما فيه عموم كالجنس فيحصر في بعض الأفراد ولا عموم في المفهوم الخارجي وإنما يتصور فيه قصر القلب فيقال لمن اعتقد أن ذلك المنطلق المعهود هو عمرو المنطلق زيد أي لا عمرو كما تعتقد وهو ظاهر ا ه\rوقد نظمت هذا الحاصل مذيلا لبيتي الشيخ علي الأجهوري بقولي\rمبتدأ فاللام جنس عرفا منحصر في مخبر به وفا وإن خلا عنها وعرف الخبر باللام مطلقا فبالعكس استقر كذا إذا ما عرف الجزءان باللام عند السعد ذي الإتقان والسيد بأن ذا يحتمل أيضا لحصر المبتدأ بل أكمل والثالث الأعم منهما بنص حينئذ يحصر دوما ما في الأخص وإن أتى عمومه وجهيا حيل على قرائن مليا وحيث لا قرائن فالأظهر مبتدأ في خبر ينحصر وكل أقسام الحصر قد أتت فيما فاللام الجنس حصره ثبت وقد أتى معرف باللام لغير حصر فافهم كلامي وما فاللام العهد خارجا فلا حصر لإفراد به تحصلا وقد مر عن السعد في حاشيته على عضد ابن الحاجب أن الحق عدم التفرقة بين الخبر والإنشاء كما\r","part":2,"page":91},{"id":430,"text":"في قولنا الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء ومطل الغني ظلم عند قصد الإخبار إلى غير ذلك من المواضع التي يثبت فيها مفهوم المخالفة ونفيه في بعض المواضع بمعونة القرائن كما في قولنا في الشام الغنم السائمة لا ينافي ذلك\rا ه\rقال العلامة الشربيني في تقريراته على حواشي محلي جمع الجوامع ولعله مبني على أن الخلاف بين كون مدلول الخبر الإيقاع والانتزاع أو الوقوع واللا وقوع لفظي بناء على ما قاله عبد الحكيم في حاشية المطول من أن القائل بأن مدلوله الإيقاع أراد من حيث تعلقه بالوقوع والقائل بأن مدلوله الوقوع أراد من حيث إنه متعلق الإيقاع وليس مبنيا على أن الموضوع له الصورة الذهنية أو الخارجية بل ولو بنينا على أنه موضوع للصورة الذهنية أعني الحكم بالنسبة قلنا أن نقول هو وإن كان كذلك إلا أن المقصود بالإفادة هو المتعلق الذي هو النسبة بمعنى الوقوع أو اللا وقوع إذ هو الذي يقصده المتكلم ولهذا جزم السعد في حاشية العضد بأن هذا هو الموضوع له هذا وغير خاف عليك أن طريق حجة المفهوم سواء في الإنشاء والخبر هو أنه المفهوم لغة ا ه\r","part":2,"page":92},{"id":431,"text":"وما مر عن الإمام الفخر جار على هذا الذي قاله علماء المعاني فكيف يكون دعوى لا حجة لها وإنما الصحيح أن يقال إن الأصل في الخبر مطلقا سواء غير المعرف باللام أو المعروف بها إذا كان المبتدأ معرفا بها أن يكون المبتدأ محصورا فيه بمعنى اتصافه به دون نقيضه وضده وخلافه على قاعدة حصر الأول في الثاني والأصل في الخبر المعرف فاللام الجنس إذا لم يعرف مبتدؤه باللام أن يكون محصورا في المبتدأ على خلاف قاعدة الحصر للأول في الثاني وقد يجيء على خلاف هذا الأصل فيجري على قاعدة الحصر للأول في الثاني كما في حديث مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم كما أنه قد يأتي لغير الحصر كما في وجدت بكاءك الحسن الجميلا وإذا كان هذا كذلك فالفرق بين الخبر المعرف فاللام الجنس وغيره إذا لم يعرف مبتدؤه من ثلاثة وجوه الوجه الأول أن الأصل فيه حصر الثاني في الأول وقد يجيء على خلاف هذا الأصل إما بحصر الأول في الثاني وإما بدون الحصر وغيره إنما يكون لحصر الأول في الثاني\rوالوجه الثاني أن حصره لغوي لا عقلي فقط وحصر غيره عقلي فقط\rوالوجه الثالث أن حصره الحقيقي يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف جميعا وحصر غيره إنما يقتضي حصر النقيض فقط\rهذا ما ظهر لي في تحقيق هذا المقام فتأمله بإنصاف فإنه نفيس جدا والله تعالى أعلم\rالفرق الرابع والستون بين قاعدة التشبيه في الدعاء وبين قاعدة التشبيه في الخبر\rبناء على ما زعمه الأصل من أن التشبيه في الدعاء ونحوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد والترجي\r","part":2,"page":93},{"id":432,"text":"والتمني والإباحة لا يقع إلا في المستقبل خاصة بسبب أن هذه الألفاظ الثمانية لا تتعلق في كلام العرب إلا بمستقبل كما مر في الفرق الرابع بخلاف الخبر فإنه من حيث إنه يتعلق في كلام العرب بالماضي والحال والمستقبل يصح التشبيه فيه في الماضي والحال والمستقبل بأن تشبه ما وقع لك أمس بما وقع أمس لشخص آخر وتشبه ما وقع لك اليوم بما وقع لغيرك اليوم وتشبه ما يقع لك غدا بما يقع لغيرك غدا وكل ذلك حقيقة لكن تعقبه ابن الشاط بأن كون هذه الألفاظ الثمانية من الدعاء والأمر والنهي إلخ لا تتعلق في كلام العرب إلا بالمستقبل لا يمنع من تشبيه ما يتعلق به واحد منها بغير المستقبل ألا ترى أن قول القائل أعط زيدا كما أعطيت عمرا كما يحتمل أن يكون مراده سو بينهما في مطلق العطية من غير تعرض لقصد التسوية لا في مقدار العطية ولا في صفتها أو مراده سو بينهما في مقدار العطية وصفتها من غير محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا كذلك يحتمل أن يكون مراده سو بينهما في مقدار العطية وصفتها مع محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا فيكون قد شبه ما أعطى لزيد أمس أو في الحال بما أعطى لعمرو أمس أو في الحال اللهم إلا أن يريد تشبيه دعاء بدعاء وأمر بأمر وما أشبه ذلك ا ه\rوقد مر عن ابن الشاط في\r","part":2,"page":94},{"id":433,"text":"الفرق الرابع أن هذه الاحتمالات الثلاث كذلك تأتي في حديث أنه {صلى الله عليه وسلم} لما قيل له كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأن ما أورده العز بن عبد السلام عليه من أن قاعدة العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه وأعظم أحواله أن يكون مثله وها هنا صلاة الله سبحانه وتعالى معناها الإحسان مجاز أو نحن نعلم أن إحسان الله تعالى لنبيه محمد {صلى الله عليه وسلم} أعظم من إحسانه لإبراهيم عليه السلام على خلاف ما يقتضيه التشبيه فما وجه التشبيه إنما يصح وروده على الاحتمال الثالث لا على الاحتمالين الأولين فليس بلازم أن يقال إن الإشكال المذكور إنما يتوجه على التشبيه لو وقع في الخبر بأن قيل إن العطية التي حصلت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثل العطية التي حصلت لإبراهيم عليه السلام فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع أن هذه الاحتمالات الثلاث كذلك تأتي في حديث أنه {صلى الله عليه وسلم} لما قيل له كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأن ما أورده العز بن عبد السلام عليه من أن قاعدة العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه وأعظم أحواله أن يكون مثله وها هنا صلاة الله سبحانه وتعالى معناها الإحسان مجاز أو نحن نعلم أن إحسان الله تعالى لنبيه محمد {صلى الله عليه وسلم} أعظم من إحسانه لإبراهيم عليه السلام على خلاف ما يقتضيه التشبيه فما وجه التشبيه إنما يصح وروده على الاحتمال الثالث لا على الاحتمالين الأولين فليس بلازم أن يقال إن الإشكال المذكور إنما يتوجه على التشبيه لو وقع في الخبر بأن قيل إن العطية التي حصلت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثل العطية التي حصلت لإبراهيم عليه السلام فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":95},{"id":434,"text":"أحدهما قصد الامتثال بالعمل وثانيهما التقوى العرفية وذلك أن المأمورات قسمان الأول ما صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون ورد الغصوب ودفع الودائع ونفقات الزوجات والأقارب والدواب ونحو ذلك فيسد فعله مسده ويقع واجبا مجزئا لا يلزم فيه الإعادة وإن لم يكن قصد به امتثال أمر الله تعالى ولا عالما به إلا أنه لا يثاب عليه ولا يكون مقبولا إلا إذا نوى به امتثال أمر الله تعالى ومن هذا الباب النية لا يقصد بها التقرب وتقع واجبة ولا تفتقر إلى نية أخرى لئلا يلزم التسلسل وكذلك النظر الأول المفضي إلى العلم بإثبات الصانع لا يثاب عليه لأنه لا يقصد به التقرب لما مر في الفرق الثامن عشر والقسم الثاني ما لا تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كالصلاة والصيام والحج والطهارات وجميع أنواع العبادات التي يشترط فيها النيات فلا يقع واجبا مجزئا بحيث لا تلزم فيه الإعادة إلا إذا وقع منويا على الوجه المشروع غير أن ها هنا قاعدة وهي أن الثواب والقبول غير لازم لصحة الفعل وإجزائه كما عليه المحققون ويدل على ذلك أمور أحدها أن ابني آدم لما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر مع أن قربانه كان على وفق الأمر بدليل أن أخاه علل عدم القبول بعدم التقوى كما حكاه الله تعالى عنه في كتابه العزيز بقوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين إذ لو لم يكن على وفق الأمر بل كان مختلا\rفي نفسه لقال له إنما يتقبل الله العمل الصحيح الصالح لأن هذا هو السبب القريب لعدم القبول فدل عدوله عنه على أن الفعل كان صحيحا مجزئا وإنما انتفى عنه القبول لأجل انتفاء شرطه الذي هو التقوى في عرف الشرع وأن العمل المجزئ قد لا يقبل وإن برأت الذمة به وصح في نفسه\r","part":2,"page":96},{"id":435,"text":"وثانيها أن سؤال إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام القبول في فعلهما كما حكاه الله تعالى عنهما بقوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وهما لا يفعلان إلا فعلا صحيحا يدل على أن القبول غير لازم للفعل الصحيح بل المحل قابل له لحصول شرطه الذي هو التقوى في عرف الشرع إذ لا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط\rوثالثها أن اشتراطه {صلى الله عليه وسلم} في الجزاء الذي هو الثواب أن يحسن في الإسلام بقوله {صلى الله عليه وسلم} فيما خرجه مسلم أما من أسلم وأحسن في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام يدل على أن الإحسان في الإسلام هو التقوى في عرف الشرع التي هي المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات لا بالمعنى اللغوي الذي هو مجرد الاتقاء للمكروه من حيث الجملة حتى يصح قول من قال المراد بالمتقين في قوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين المؤمنون لأنه عليه السلام صرح بالإسلام ثم\r100\rذكر الإحسان فيه\rورابعها أن سؤاله {صلى الله عليه وسلم} القبول في الأضحية لما ذبحها بقوله {صلى الله عليه وسلم}\rاللهم تقبل من محمد وآل محمد مع أن فعله {صلى الله عليه وسلم} في الأضحية كان على وفق الشريعة قطعا يدل على أن القبول وراء براءة الذمة والإجزاء وأنه لم يحصل وإن حصل شرطه الذي هو التقوى في عرف الشرع لأنه سيد المتقين وإلا لما سأله عليه السلام فإن سؤال تحصيل الحاصل لا يجوز\rوخامسها أن صلحاء الأمة وخيارها لم يزالوا يسألون الله تعالى القبول في العمل بعد فعله وفي أثنائه ولو كان ذلك طلبا للصحة والإجزاء لكان إنما يحسن قبل الشروع في العمل فيسأل الله تعالى تيسير الأركان والشرائط وانتفاء الموانع وأما بعد الجزم بوقوعها فإنما يحسن إذا كان القبول غير الإجزاء وغير الصحة وأنه الثواب\rوسادسها أن حمل الصوفية وقليل من الفقهاء قوله {صلى الله عليه وسلم} إن من الصلاة لما يقبل الله نصفها وثلثها وربعها وأن منها لما يلف كما يلف\r","part":2,"page":97},{"id":436,"text":"الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها على أن المراد عدم الإجزاء وأنه تجب الإعادة إذا غفل عن صلاته لقوله {صلى الله عليه وسلم} ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها مع حكاية الغزالي الإجماع في إجزائها إذا علم عدد ركعاتها وأركانها وشرائطها وإن كان غير مشتغل بالخشوع والإقبال عليها\rوقال أكثر الفقهاء إن المراد بالثلث وبالربع ونحوه الثواب والإجزاء لا الصحة ظاهر في أن القبول غير الإجزاء وأن بعض الواجبات يثاب عليها دون بعض وهو المقصود من الفرق وكون ما ذكر من المدارك والتقارير يقتضي أن المثوبات لا تحصل إلا بالتقوى في عرف الشرع وإن عارضه ظواهر نحو قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقوله {صلى الله عليه وسلم} صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام وقوله {صلى الله عليه وسلم} صلاة في المسجد الحرام خير من ألف ألف صلاة في غيره وصلاة في بيت المقدس بستمائة صلاة وقوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء وقوله {صلى الله عليه وسلم} صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو سبع وعشرين درجة من حيث إن هذه الظواهر تقتضي حصول المثوبات مطلقا فإن أمثال العشر حسنات والألف صلاة والزائد عليها والستمائة صلاة والمضاعفة لمن يشاء تعالى والخمس أو السبع والعشرين درجة هي عبارة عن مثوبات تتضاعف إلا أنه يتعين رد أحد الظاهرين إلى الآخر وأن يجمع بينهما على الوجه الأسد بحمل هذه الظواهر على ما تقتضيه تلك المدارك والتقارير من اشتراط التقوى في الجميع هذا ما للأصل وحاصله أن ترتب الثواب على الأعمال المستوفية لشروطها\rالثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها على أن المراد عدم الإجزاء وأنه تجب الإعادة إذا غفل عن صلاته لقوله {صلى الله عليه وسلم} ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها مع حكاية الغزالي الإجماع في إجزائها إذا علم عدد ركعاتها وأركانها وشرائطها وإن كان غير مشتغل بالخشوع والإقبال عليها\r","part":2,"page":98},{"id":437,"text":"وقال أكثر الفقهاء إن المراد بالثلث وبالربع ونحوه الثواب والإجزاء لا الصحة ظاهر في أن القبول غير الإجزاء وأن بعض الواجبات يثاب عليها دون بعض وهو المقصود من الفرق وكون ما ذكر من المدارك والتقارير يقتضي أن المثوبات لا تحصل إلا بالتقوى في عرف الشرع وإن عارضه ظواهر نحو قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقوله {صلى الله عليه وسلم} صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام وقوله {صلى الله عليه وسلم} صلاة في المسجد الحرام خير من ألف ألف صلاة في غيره وصلاة في بيت المقدس بستمائة صلاة وقوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء وقوله {صلى الله عليه وسلم} صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو سبع وعشرين درجة من حيث إن هذه الظواهر تقتضي حصول المثوبات مطلقا فإن أمثال العشر حسنات والألف صلاة والزائد عليها والستمائة صلاة والمضاعفة لمن يشاء تعالى والخمس أو السبع والعشرين درجة هي عبارة عن مثوبات تتضاعف إلا أنه يتعين رد أحد الظاهرين إلى الآخر وأن يجمع بينهما على الوجه الأسد بحمل هذه الظواهر على ما تقتضيه تلك المدارك والتقارير من اشتراط التقوى في الجميع هذا ما للأصل وحاصله أن ترتب الثواب على الأعمال المستوفية لشروطها\rالآيات والأحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب معارضة لذلك\r","part":2,"page":99},{"id":438,"text":"وأما قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فيحتمل أن يكون سؤالهما ذلك على تقدير علمهما بعاقبة أمرهما ليقتدي بهما من لا يعلم عاقبة أمره فيتبعهما في ذلك وهذا الاحتمال حالي لا مقالي والاحتمالات الحالية لا تفاوت فيها حتى يكون بعضها أظهر من بعض فيستدل بالظاهر منها بخلاف الحالات المقالية فإنه تكون مستوية في المحتملات وغير مستوية في الظاهر والمؤولات وأما ما خرجه مسلم من قوله {صلى الله عليه وسلم} أما من أسلم وأحسن في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام فيحتمل أن يريد بالإحسان الموافاة على الإيمان الذي لا شرط لثبوت الأعمال سواه بل لو سلم ظهور آية أو حديث في اشتراط غيره لكان كل ما ورد من الآيات والأخبار مما يقتضي اشتراط أمر زائد على صحة العمل وبراءة الذمة متأولا بأنه المراد لاجتناب المعاصي مع أن ذلك غير مسلم\rوأما قوله {صلى الله عليه وسلم} في الأضحية لما ذبحها اللهم تقبل من محمد وآل محمد فالاحتمال فيه كالاحتمال في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأما كون صلحاء الأمة وخيارها لم يزالوا يسألون الله تعالى القبول في العمل فيحتمل أنهم طلبوا حصول الشرط الذي هو الموافاة\rعلى الإيمان لعدم علمهم بذلك أو طلبوا المسامحة في إغفال بعض شروط الأعمال لعدم علمهم لتحصيل ذلك على الكمال\rوأما قول {صلى الله عليه وسلم} إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وإن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها فلا دليل له ولا لغيره فيه على ما أورد لا بظاهر ولا بباطن وذلك لأن ظاهره أن الصلاة لم تكن مستوفية لشروطها وأوصافها بدليل قوله {صلى الله عليه وسلم} وإن منها لما يلف كما تلف إلخ إذ لو كانت مستوفية لشروطها وأوصافها لم يكن لشبهها بالثوب الخلق وجه\r","part":2,"page":100},{"id":439,"text":"ولا ريب أن مغزى هذا الحديث إنما هو التحذير من التهاون بشروطها والتحريض على مراعاة أحوالها فالقول بأن المراد به الثواب مع تقدير كمال شروط الصلاة وجميع أوصافها خلاف ظاهر الحديث كما علمت ينافي قوله إن أداء الديون وشبهه لا ثواب فيه حتى ينوي به امتثال أمر الله تعالى حيث قال إن أراد به لا بد من استحضار نية الامتثال ولا يكتفي بمجرد نية أداء الديون فغير مسلم بل لقائل أن يقول لا يحرم صاحب هذه الحالة الثواب استدلالا بقاعدة سعة باب الثواب وإن أراد أنه لا ثواب له إذا نوى سببا للأداء غير الامتثال كتخوفه أن لا يداينه أحد إذا عرف بالامتناع من الأداء وما أشبه ذلك فمسلم إذ لا نزاع في عدم الثواب حينئذ لكنه\rلا ينفعه وثالثا في قوله إن النية والنظر الأول ولا ينوي بهما التقرب حيث قال هذا صحيح في النظر الأول لعدم العلم بالمتقرب إليه وغير صحيح في النية فإن نية الظهر مثلا يمكن فيه التقرب بها لأن الشارع جعلها شرطا في صحة الصلاة والشرط كالركن فكما ينوي الركن ينوي الشرط ولا مانع من ذلك لا في النية ولا في غيرها ولا يلزم التسلسل إلا لو شرع نية التقرب بالنية من حيث ذاتها لا من حيث كونها شرطا فافهم\rورابعا في قوله إن النية والنظر لا ثواب فيهما حيث قال يدل على إثبات الثواب فيهما قاعدة سعة باب الثواب إذ لا يعارضها حديث إنما الأعمال بالنيات وما في معناه لأن مطلقه مقيد بإمكان النيات فبقي محل امتناعها غير متناول له دليل اشتراطها فافهم ا ه\r","part":2,"page":101},{"id":440,"text":"قلت وقاعدة إن الأعمال لا تكون معتبرة حتى تقرن بها المقاصد مستمرة في باب خطاب التكليف خاصة لا في باب خطاب الوضع قال الإمام أبو إسحاق في موافقاته وإذا عريت الأفعال والتروك عن المقاصد لم يتعلق بها الأحكام الخمسة والدليل عن ذلك أمور أحدها ما ثبت من أن الأعمال بالنيات وهو أصل متفق عليه في الجملة والأدلة عليه لا تقصر عن مبلغ القطع ومعناه أن مجرد الأعمال من حيث هي محسوسة فقط غير معتبرة شرعا على حال إلا ما قام الدليل على اعتباره في باب خطاب الوضع خاصة أما في غير ذلك فالقاعدة مستمرة وإذا لم تكن معتبرة حتى تقترن بها المقاصد كان مجردها في الشرع بمثابة حركات العجماوات والجمادات والأحكام الخمسة لا تتعلق بها عقلا ولا سمعا فكذلك ما كان مثلها\rوالثاني ما ثبت من عدم اعتبار الأفعال الصادرة من المجنون والنائم والصبي والمغمى عليه وأنها لا حكم لها في الشرع فلا يقال فيها جائز أو ممنوع أو واجب أو غير ذلك كما لا اعتبار بها من البهائم وفي القرآن وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وقال ربنا لا تؤاخذنا إن\rنسينا أو أخطأنا قال قد فعلت وفي معناه روي الحديث أيضا رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمغمى عليه حتى يفيق فجميع هؤلاء لا قصد لهم وهي العلة في رفع أحكام التكليف عنهم\rوالثالث الإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة وتكليف من لا قصد له تكليف ما لا يطاق والمباح وإن كان لا تكليف فيه إلا تعليق التخيير ومتى صح تعلق التخيير صح تعلق الطلب وذلك يستلزم قصد المخبر وقد فرضناه غير قاصد هذا خلف\r","part":2,"page":102},{"id":441,"text":"وأما تعلق الغرامات والزكاة بالأطفال والمجانين وغير ذلك فإنه من قبيل خطاب الوضع لا خطاب التكليف الذي كلامنا فيه وأما تعلق خطاب التكليف بالسكران كما في قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فإما لأنه لما أدخل السكر على نفسه كان كالقاصد لرفع الأحكام التكليفية فعومل بنقيض المقصود ولم يكن محجورا عليه كما حجر على الصبي والمجنون إلا في خصوص عقوده وبيوعه وإما لأن الشرب سبب لمفاسد كثيرة فصار استعماله تسببا في تلك المفاسد فيؤاخذه الشرع بها وإن لم يقصدها كما وقعت مؤاخذة أحد ابني آدم بكل نفس تقتل ظلما وكما يؤاخذ الزاني بمقتضى المفسدة في اختلاط الأنساب وإن لم يقع منه غير الإيلاج المحرم ونظائر ذلك كثيرة ا ه بتصرف فافهم\rوحاصل ما لابن الشاط أنه لم يكن في الشرع واجب صحيح مجزئ إلا وهو مقبول مثاب عليه كما هو مقتضى قاعدة سعة باب الثواب والآيات والأحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب بدون أدنى معارض صحيح سالم من الاحتمال وبالجملة ففي لزوم الثواب والقبول للعمل الصحيح المجزئ بناء على أن الشرط في الثواب والقبول هو التقوى بمعنى الإيمان الموافي عليه وعدم لزوم الثواب والقبول للعمل المذكور بناء على أن شرط الثواب والقبول أمر إن قصد الامتثال والتقوى العرفية التي هي المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات قولا ابن الشاط والشهاب وعلى الثاني تتحقق القاعدتان المذكورتان والفرق بينهما وعلى الأول لا تتحقق إلا قاعدة واحدة وهي أن كل عمل صحيح مجزئ يثاب عليه وهذا هو الظاهر فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":103},{"id":442,"text":"فائدتان الأولى ما ذكر من المضاعفة صرح العلماء بأنه فيما يرجع إلى الثواب فقط ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد مكة أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى صلاة لم تجزه عنهما قطعا خلافا لما يغتر به بعض الجهلة أفاده شيخنا نقلا عن الوالد في حاشيته على كتابه توضيح المناسك ونقل الصاوي في مناسكه عن الحسن البصري في رسالته أن المضاعفة المذكورة في الحرم لا يختص بالصلوات بل كل حسنة يعملها العبد فيه بمائة ألف فمن صام فيه يوما كتب\rالله له صوم مائة ألف يوم ومن تصدق فيه بدرهم كتب الله له مائة ألف درهم صدقة ومن ختم القرآن فيه مرة واحدة كتب الله له مائة ألف ختمة بغيره ومن سبح الله تعالى فيه مرة كتب الله له مائة ألف مرة بغيره إلى غير ذلك من أعمال البر ا ه\rالفائدة الثانية قال الباجي والذي تقتضيه الأحاديث الواردة في فضل المسجدين مسجد مكة ومسجد المدينة مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد وكذا مسجد الرسول ولا يعلم منها حكم مكة والمدينة في التفاضل إلا أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إذ أثيب صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة كما في حاشية الوالد على كتابه توضيح المناسك قلت على أنا لا نسلم أن حديث حسنات الحرم إلخ صريح في ذلك لقول مالك رحمه الله تعالى إن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة ألا ترى أن الصلوات الخمس بمنى عند التوجه بعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها نعم إن ثبت حديث خير بلد على وجه الأرض وأحبها إلى الله تعالى مكة كما في مناسك الصاوي عن الحسن البصري في رسالته لأخيه كان صريحا في ذلك فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم\rوما قاله في الفرق السادس والستين صحيح\r","part":2,"page":104},{"id":443,"text":"الفرق السادس والستون بين قاعدة ما تعين وقته فيوصف فيه بالأداء وبعده بالقضاء وبين قاعدة ما تعين وقته ولا يوصف فيه بالأداء ولا بعده بالقضاء والتعين في القسمين شرعي اعلم وفقني الله وإياك لما فيه رضاه أن تحرير الفرق بين هاتين القاعدتين يتوقف على بيان أمور أحدها أن الواجب قسمان القسم الأول الواجب الموسع وهو ما جعل الشارع لأدائه وقضائه من العبادات وقتا حدد طرفاه لمصلحة فيه معينا في حق كل مكلف بحيث لا يختلف وقت أدائه ولا وقت قضائه باختلاف الناس كالصوم عين الشارع لأدائه بالأمر الأول شهر رمضان في كل مكلف لمصلحة فيه ولقضائه ما بعده إلى شعبان بالأمر الثاني في حق كل مكلف أيضا بحيث لا يختلف واحد منهما باختلاف الناس\rوالقسم الثاني الواجب على الفور وهو ما جعل الشارع له من الفوريات وقتا مرتبا على ثبوت أمر يختلف باختلاف الناس لا لمصلحة فيه كالحج إذا قلنا إنه على الفور ولم يعين له الشارع إلا ما كان عقيب الاستطاعة وهي تختلف باختلاف الناس بحيث لو تأخرت الاستطاعة تأخرت السنة أو تقدمت تقدمت السنة فصار تعيين الوقت تابعا للاستطاعة لا لمصلحة فيه فحينئذ تعين أوقات العبادات لمصالح فيها بحيث إنا نعتقد أن الله تعالى إنما عين شهر رمضان للصوم مثلا لمصلحة يشتمل عليها دون غيره طردا لقاعدة الشرع\rفي رعاية المصالح على سبيل التفضل فإنا إذا لاحظنا الشرائع وجدناها مصالح في الأغلب أدركنا ذلك وخفي علينا في الأقل فقلنا ذلك الأقل من جنس ذلك الأكثر كما لو جرت عادة ملك بأن لا يخلع الأخضر إلا على الفقهاء فإذا رأينا من خلع عليه الأخضر ولا نعلم قلنا هو فقيه طردا لقاعدة ذلك الملك\r","part":2,"page":105},{"id":444,"text":"وهكذا لما كانت قاعدة الشرع رعاية المصالح في جانب الأوامر والمفاسد في جانب النواهي على سبيل التفضيل لا على سبيل الوجوب العقلي كما تقوله المعتزلة لزم أن نعتقد فيما لم نطلع فيه على مفسدة ولا مصلحة إن كان في جانب الأوامر أن فيه مصلحة وإن كان في جانب النواهي أن فيه مفسدة كأن نقول في أوقات الصلوات إنها مشتملة على مصالح لا نعلمها وكذلك كل تعبدي معناه أن فيه مصلحة لا نعلمها\rوأما تعين أوقات الفوريات كرد المغصوب والودائع إذا طلبت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقضية الحكام إذا نهضت الحجاج وإنقاذ الغريق وامتثال الأمر إذا قلنا إنه على الفور فإن القاضي أبا بكر رحمه الله تعالى قال لا بد من زمان للسماع وزمان للتأمل وتعرف معنى الخطاب وفي الزمن الثالث يكون الفعل زمانيا وبالتأخير عنه يوصف المكلف بالمخالفة فليس كذلك بل تبع للمأمورات وطريان الأسباب فتعين وقت إنقاذ الغريق تابع لسقوطه في البحر فلو تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان أو تعجل تعجل الزمان\rوتعين وقت امتثال الأمر إذا قلنا إنه على الفور تابع لورود الصيغة فإن تقدمت تقدم الوقت أو تأخرت تأخر الوقت وتعين وقت أقضية الأحكام تابع لنهوض الحجاج لا لمصلحة في نفس الوقت وهكذا يقال في الباقي\rوالأمر الثاني أن الواجبات الفورية وإن حد الشارع لها زمانا وهو زمان الوقوع الذي أوله أول\rزمان التكليف وآخره الفراغ منها بحسبها في طولها وقصرها إلا أنه لما كان تابعا لما يختلف باختلاف الناس لا لمصلحة فيه ولم يكن محدود الطرفين بخلاف زمان العبادات لم يقل للواجبات الفورية إذا وقعت في وقتها المحدود لها شرعا أداء ولا إذا وقعت بعده قضاء بخلاف العبادات\r","part":2,"page":106},{"id":445,"text":"والأمر الثالث أن الأداء هو إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت بالأمر الأول فقيد في وقته يخرج القضاء وقيد المحدود له يخرج الواجب المغيا بجميع العمر كالإيمان بالله تعالى وقيد شرعا يخرج المحدود عرفا وقيد لمصلحة اشتمل عليها الوقت يخرج الواجبات الفورية المذكورة كلها لأن تحديد وقتها شرعا تابع لحصول أمر لا لمصلحة في الوقت كما علمت فلا يوصف الفعل بالأداء إلا إذا وقع في وقته المحدود لمصلحة فيه فوقت الأداء عندنا وعند الشافعية هو الكل لا جزء منه لا بعينه يتعين بالوقوع فيه سواء وقع في الكل أو البعض وعند الحنفية هو الجزاء الذي وقع فيه الفعل بمعنى أن وقت وجوب الأداء جزء من تلك الأجزاء لا بعينه وهو القدر المشترك بينهما يتعين بالوقوع فيه إن فعل في الوقت وإلا تعين بنفسه وهو الآخر فالوجوب للأداء عندهم إنما يتعلق مع الشروع في الفعل كما نص على ذلك السعد في شرح\rالتوضيح أفاده الشربيني على حواشي محلي جمع الجوامع\r","part":2,"page":107},{"id":446,"text":"وأما القضاء فهو في اللغة فعل الشيء كيف كان وعليه قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة أي فإذا فعلت وفي الاصطلاح له أربعة معان أحدها ما يقابل الأداء المذكور وهو إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت بالأمر الثاني فقيد خارج وقته يخرج الأداء وقيد المحدود له شرعا يخرج المحدود وقته عرفا وقيد لمصلحة اشتمل عليها الوقت يخرج الواجبات الفورية لأن تحديد وقتها شرعا تابع لحصول أمر لا لمصلحة كما علمت فلا يوصف الفعل بالقضاء إلا إذا وقع خارج وقته المحدود لمصلحة فيه وقيد بالأمر الثاني لدفع نقض وهو أن الله تعالى جعل لقضاء رمضان جملة السنة كلها التي تلي شهر الأداء فهو واجب وقع في وقته المحدود له شرعا وليس أداء وحاصل الدفع أن قضاء رمضان وإن دخل في حد الأداء باعتبار أن الله تعالى عين له السنة تعيينا لا كسنة الحج لخصوص كونها تابعة للاستطاعة غير محدودة الطرفين بل إنما عينها له محدودة الطرفين لمصلحة يختص بها لا نعلمها لا لخصوص كونها تابعة لترك الصوم إلا أنه خرج عن حد الأداء بقيد بالأمر الأول وفيه ودخل في حد القضاء ولم يخرج منه بقيد بالأمر الثاني فيه فافهم\rوثانيها إيقاع الواجب تعيينه بالشروع وعليه قول مالك وأبي حنيفة بقضاء ما شرع فيه من الطاعات\rوأبطله لوجوبها بالشروع على تفصيل عند الإمامين مذكور في كتب الفروع للفريقين ومنه حجة القضاء في الحج بعد الحجة الفاسدة\r","part":2,"page":108},{"id":447,"text":"وثالثها ما وقع على خلاف وضعه في الشريعة مع قطع النظر عن الوقت والتعيين بالشروع ومنه قضاء المأموم المسبوق ما فاته مع الإمام فإن صلاته الركعتين اللتين فاتتاه مع الإمام من المغرب أو العشاء جهرا تسمى قضاء اتفاقا لأنهما لما صليتا جهرا وقد صارا أخيرين كانا على خلاف الوضع الشرعي من تقدم الجهر على السر وقولهم المأمور فيما فاته هل يكون قاضيا أو بانيا إنما هو خلاف بين العلماء في تعيين القضاء أي هل حكم الله تعالى ذلك أولا لا في أنه يسمى قضاء لو وقع كذلك فافهم\rورابعها إيقاع الفعل بعد تقدم سببه وعليه قول الشافعي ومن قال بقوله إن السنن تقضى لتقدم\rأسبابها لا للشروع فيها وبالجملة فمعاني لفظ القضاء خمسة مختلفة أربعة اصطلاحية وواحد لغوي فلا يرد صدقه باعتبار أحد معانيه على غير ما يصدق عليه حدنا له باعتبار معناه الآخر لا نقضا ولا سؤالا ألا ترى أنا إذا حددنا العين بمعنى الحدقة بأنها عضو يتأتى به الإبصار لا نلتفت للقول بنقضه بعين الماء وبالذهب وغير ذلك ضرورة أن المعاني المختلفة يجب أن تكون حدودها مختلفة فحينئذ استقام ما ذكر من حد القضاء وحد الأداء وظهر الفرق بين قاعدة ما تعين وقته بتحديد طرفيه لمصلحة فيه فيوصف بالأداء والقضاء وبين قاعدة ما تعين وقته بغير تحديد طرفيه لانتفاء المصلحة فيه بل تعيينا تابعا لتحقق أمر يختلف باختلاف الناس فلا يوصف لا بالأداء ولا بالقضاء\rوظهر أيضا أن المكلف إذا ما غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت ثم عاش أن الفعل يكون منه أداء لأن تعيين الوقت لم تكن المصلحة فيه بل تبع للظن الكاذب وهل هو قضاء قولان للقاضي والغزالي رحمهما الله تعالى وسيأتي عن ابن الشاط أن قول الغزالي بأنه قضاء دعوى لا حجة عليها ألبتة ثم اعلم أن العبادات باعتبار الاتصاف بالأداء والقضاء ثلاثة أقسام الأول ما يوصف بهما بالمعنى الأول الاصطلاحي كالصلوات الخمس ورمضان\r","part":2,"page":109},{"id":448,"text":"والثاني ما لا يوصف بهما بالمعنى الأول الاصطلاحي وإنما يوصف بهما بالمعنى الثاني الاصطلاحي عند المالكية والأحناف أو بالمعنى الرابع عند الشافعية كالنوافل فافهم\rوالثالث ما يوصف بالأداء بالمعنى المتقدم فقط كالجمعة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والستون بين قاعدة الأداء الذي يثبت معه الإثم وبين قاعدة الأداء الذي لا يثبت معه الإثم\rوذلك أن ما ذكر من حد الأداء وحد القضاء لما لم يتعرض فيهما لأحوال المكلف بل للعبادة فقط وكان حد الأداء يصدق على أن وقت أداء الظهر من أول الزوال إلى غروب الشمس ووقت أداء المغرب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر بسبب أن أرباب الأعذار يدركون الظهرين بزوال عذرهم في مقدار ما يسع خمس ركعات قبل غروب الشمس ويدركون صلاتي الليل بزواله في مقدار ما يسع أربع ركعات قبل طلوع الفجر الإجماع منعقد على أن ما خرج وقته لا يلزم أرباب الأعذار ألا ترى أنهم لا يلزمهم صلاة النهار إذا لم يزل عذرهم إلا بعد غروب الشمس ولا صلاة الليل إذا لم يزل إلا بعد طلوع الفجر إلا أن الشرع لما منع المكلف الذي لا عذر له من تأخير العبادات إلى آخر الوقت مطلقا وحد وقت الاختيار في\rالظهر بآخر القامة وفي العصر بالاصفرار وفي المغرب على زاوية اتحاده\rقال ابن الحاجب وهي الأشهر وقال في الاستذكار الاتحاد هو المشهور بقدر ما يسع فعلها بعد شروطها وعلى رواية امتداده\rقال ابن العربي في عارضته القول بالامتداد هو الصحيح وقال في أحكامه إنه هو المشهور من مذهب مالك وقوله الذي في موطئه الذي قرأه طول عمره وأملاه حياته ا ه\rبغياب الشفق الأحمر كما في الحطاب على خليل وفي العشاء أما بثلث الليل الأول\r","part":2,"page":110},{"id":449,"text":"وأما بنصفه على الخلاف وحد وقت الاضطرار في الظهر من بعد القامة والعصر من بعد الاصفرار إلى غروب الشمس فيهما وفي المغرب إما من بعد ما يسعها بشروطها أو من بعد غياب الشفق الأحمر على الروايتين وفي العشاء إما من بعد الثلث أو النصف إلى طلوع الفجر فيهما بحيث إن صاحب الشرع حجر على المختارين من إيقاع الظهر مثلا فيما بعد القامة إلى غروب الشمس ومن إيقاع المغرب مثلا فيما بعد ما يسعها بشروطها أو فيما بعد غياب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر وإن كان كل من الوقتين المذكورين يصدق عليه حد الأداء المار كان إيقاع المختارين الظهر بعد القامة والعصر بعد الاصفرار والمغرب بعد ما يسعها بشروطها أو بعد غياب الشفق الأحمر والعشاء بعد الثلث أو النصف أداء\rمعه الإثم لتعديهم ما حدده لهم صاحب الشرع وإيقاعهم الظهر في القامة والمغرب فيما يسعها بشروطها أداء ليس معه إثم لعدم تعديهم ما حدده لهم صاحب الشرع إذ لصاحب الشرع أن يحدد للعبادة وقتا ويجعل نصفه الأول لطائفة ونصفه الآخر لطائفة أخرى فتأثم الأولى بتعديها لغير وقتها ألا ترى أن القامة وقت أداء بلا خلاف لصلاة الظهر من حيث الجملة ومع ذلك لو غلب على ظن طائفة أنها لا تعيش إلى آخر القامة بل لنصفها لجعل صاحب الشرع نصف القامة وقتا لهؤلاء خاصة دون غيرهم والنصف الآخر من القامة ليس وقتا لهم فكذلك ها هنا جعل صاحب الشرع وقت الظهر إلى غروب الشمس ووقت المغرب إلى طلوع الفجر وحجر على المختارين الوصول إليه وجعلهم بتعدي القامة وغياب الشفق الأحمر مؤدين آثمين وجعل لأرباب الأعذار إدراك الظهر والعصر أداء بلا إثم فيما يسع خمس ركعات قبل الغروب وإدراك المغرب والعشاء أداء بلا إثم فيما يسع أربع ركعات قبل الفجر\r","part":2,"page":111},{"id":450,"text":"فظهر بهذا تحرير الفرق وزال ما استشكله الشافعية علينا من الجمع بين الأداء والإثم على أنهم قائلون به فيمن ظن ما ذكر فكذلك يلزمهم أن يقولوا به في المختارين بالأولى هذا خلاصة ما قاله الأصل قال ابن الشاط وما قاله صحيح على تقدير أن اصطلاح الفقهاء موافق لتحديده الأداء أو على تسليم\rاصطلاحه ولا مشاحة في الاصطلاح وتصحيح تحديده إلا أن دعواه أن صاحب الشرع جعل نصف القامة وقتا لمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى نصفها باطلة بلا شك وإن كان ذهب إلى ذلك طائفة فهو مذهب ذاهب ودعوى لا حجة عليها ألبتة فلا يصح التنظير به ضرورة أن تحديد وقت الاختيار بالقامة مثلا ثابت من الشرع متفق عليه وتحديد الوقت بالظن المذكور غير ثابت من الشرع ولا متفق عليه لا بدليل ظني ولا قطعي بوجه بل الحق أن من غلب على ظنه ذلك إن وقع الأمر لما ظنه فأما أن يوقع الصلاة قبل موته فيكون قد أوقع الواجب عليه وفاز بأجره\rوأما أن لا يوقعها فلا يؤاخذ لأنه مات في أثناء الوقت فلا يعد مفرطا بوجه وإن لم يقع الأمر كما ظنه فأما أن يوقع الصلاة في بقية القامة فيكون قد فعل ما أمر به فلا يلحقه مؤاخذة ولا يعد مفرطا وأما أن لا يوقعها إلا بعد القامة فيكون مفرطا آثما وأن من قال من الشافعية بالجمع بين الأداء والإثم في حق من ظن ما ذكر إذا صلى في النصف\rالأخير من القامة لا يلزمه أن يقول به في المختارين بالأولى إلا إذا قال إنه أداء هو إنما قال أنه قضاء ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والستون بين قاعدة الواجب الموسع وبين قاعدة ما قيل به من وجوب الصوم على الحائض\r","part":2,"page":112},{"id":451,"text":"وذلك هو أن الواجب الموسع لقضاء رمضان يجب موسعا من شوال إلى آخر شعبان من السنة المستقبلة شرطه أن يمكن فعله في أول أزمنة التوسعة ولا يجب على الحائض الصوم إلا بعد زوال العذر فقط بالإجماع فقد اتفق العلماء رضي الله عنهم على عدم صحة الصوم لو أوقعته زمن الحيض وعلى أنها آثمة إذا فعلت فمراد القاضي عبد الوهاب من المالكية وكل من قال إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه ويمنع من صحة الصلاة ووجوبها أن الحائض مكلفة زمن الحيض بالتعويض من أيام الحيض التي هي من رمضان ولا يصح أن يقال إن تكليفها بذلك لم يقع في أيام الحيض بل في أيام التعويض إذ لا يلزم أن لا يكون زمن التكليف غير زمن إيقاع الفعل المكلف به وإلا للزم أن لا يكون أحد مكلفا بجملة عبادة مترتبة الأجزاء بل بكل جزء في زمنه وذلك معلوم البطلان\rوقد مر في الفرق الحادي والأربعين أن زمن التكليف يكون غير زمن إيقاع الفعل المكلف به فظهر لزوم تقدم زمن التكليف على زمن الإيقاع في العبادات ذوات\rالأجزاء المترتبة ومنه تظهر صحة قول من يقول بترتب العبادات في الذمم كالديون وبطلان قول من يقول بعدم ترتبها في الذمم بخلاف الديون وأما قول الأحناف ومن قال بقولهم يجب عليها الصوم وجوبا موسعا محتجين بثلاثة وجوه أحدها قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهي شهدت الشهر فيلزمها الصوم لعموم النص\rوثانيها أنها تنوي رمضان ولولا تقدم الوجوب لما كان لهذا الصوم برمضان تعلق\rوثالثها القضاء يقدر بقدر الأداء الفائت فأشبه قيم المتلفات القائمة مقام الأعيان المتلفة فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذي فات فلو لم يجب شيء متقدم لم يكن شيء يقوم هذا القضاء مقامه فيتعين حيث سلم الأحناف منعها من الصوم في زمن الحيض أن يحمل على أن مرادهم أن التعويض من\r","part":2,"page":113},{"id":452,"text":"أيام رمضان موسع الوقت لا أن التوسعة في إيقاع الصوم في أيام الحيض أو غيرها لعدم صحة ذلك بوجه إذ كيف يصح قولهم بأنها مكلفة بإيقاع الصوم في حال الحيض وهم يقولون بعدم صحته إن أوقعته وبأنها آثمة بذلك وهل يجامع الوجوب الإثم والواجب لا يمتنع إذ لم يعهد في الشريعة أن صاحب الشرع يعاتب المكلف إذا فعل أو لم يفعل وذلك لأنا وإن جوزنا على الله تعالى ذلك من باب تكليف ما لا يطاق\rإلا أنا نقطع بأن الشريعة لم ترد بهذا الجائز بل بالرحمة وترك المشاق والتيسير والإحسان ولذلك قال عليه الصلاة والسلام\rبعثت بالحنيفية السمحة وحينئذ فيرجع خلافهم في المسألة لفظيا بل لا وجه لتصريحهم بالخلاف فيها واحتجاجهم لما قالوه بتلك الأوجه الثلاثة فلا داعي إلى الإطالة بالجواب عن تلك الوجوه بتكلف الدعاوى التي لا حجة عليها كما قاله ابن الشاط فافهم والله أعلم\rالفرق التاسع والستون بين قاعدة الواجب الكلي وبين قاعدة الكلي الواجب فيه وبه وعليه وعنده ومنه وعنه ومثله وإليه\rاعلم أن متعلق خطاب الشرع نوعان\rأحدهما جزئي معين كوجوب التوجه إلى خصوص الكعبة الحرام والإيمان بالنبي المعين والتصديق بالرسالة المخصوصة كالقرآن\rوثانيهما جزئي غير معين من الجزئيات الداخلة تحت المشترك الكلي فيتعلق حينئذ الخطاب بالكلي لكن لا من حيث إنه كلي ضرورة أن التكليف إنما يتعلق بالوجود العيني والكلي لا يدخل في الوجود العيني وإنما يدخل في الوجود الذهني بل من حيث إن الفعل الموقع من أفراد ذلك الكلي وهذا النوع هو المقصود في هذا الفرق وهو المنقسم إلى عشرة أجناس متباينة الحقائق مختلفة المثل والأحكام يذكر كل جنس منها قاعدة على حيالها ليظهر الفرق بينها وبين غيرها\rالقاعدة الأولى الواجب الكلي هو الواجب المخير في خصال الكفارة في اليمين المتعلق بالكلي المشترك بينها من حيث صدقه بواحد منها غير معين الذي هو متعلق خمسة أحكام","part":2,"page":114},{"id":453,"text":"الحكم الأول الوجوب فلا وجوب إلا في ذلك الواحد المبهم منها فمفهوم أحدها متعين للفعل متحتم الإيقاع لا تخيير فيه وإنما متعلق التخيير الخصوصيات التي هي العتق والكسوة والإطعام فكل واحد منها بخصوصه لا إيجاب فيه نعم لما كان وجود متعلق الوجوب الذي هو الواحد المبهم لا يتحقق إلا في معين كان تعلق التكليف به لكن على الإبهام لا على التعيين الذي اقتضاه تحقق الوجود فلم يكن التعيين الزائد الذي هو متعلق التخيير واجبا فافهم\rالحكم الثاني ثواب الواجب فلا يتعلق إلا بفعل واحد مبهم مما يدخل تحت المشترك الكلي لكن لما كان لا يتحقق وجوده إلا في المعين كان ثواب الواجب متعلقا بفعل المعين على الإبهام لا على تعيينه الذي اقتضاه تحقق الوجود لكونه زائدا على الإبهام الذي هو متعلق الوجوب وثوابه\rنعم لقائل أن يقول يثاب على التعيين الزائد ثواب الواجب من حيث إنه إنما يفعله استظهارا وتأكيدا لبراءة ذمته من ذلك الواجب حتى إنه إذا اختار أفضل الخصال أثيب ثواب واجب أفضل أو أدناها أثيب ثواب واجب أدون فإن اتفق أن يفعله لغير ذلك القصد فيحتمل أن لا يثاب لأنه إن لم يفعله لذلك لم يفعله لوجه مشروع فلا دليل على ثبوت الثواب عليه فافهم\rالحكم الثالث العقاب على تقدير ترك ذلك الواجب الذي هو فعل واحد مبهم مما يدخل تحت المشترك\rالكلي لا يتأتى إلا بترك الجميع إذ بفعل البعض يتحقق متعلق الوجوب وثوابه الذي هو الواحد المبهم في ضمن المعين فإذا ترك الجميع عوقب على ترك أدونها عقابا بخلاف ما إذا فعل الجميع فإنه يثاب ثواب الواجب على أكثرها ثوابا نظرا لقاعدة سعة الثواب بدليل تضعيف الحسنات وقاعدة ضيق باب العقاب بدليل عدم تضعيف السيئات فالثواب على الأكثر ثوابا والعقاب على الأدون عقابا هو المناسب لقاعدتيهما المذكورتين فافهم\r","part":2,"page":115},{"id":454,"text":"الحكم الرابع براءة الذمة من الواجب الذي متعلقه واحد مبهم مما يدخل تحت المشترك الكلي فإنما تحصل بما أوقعه مما فيه المشترك سواء كان الموقع جميع الخصال أو شيئا منها من حيث إن الواحد المبهم\rهو متعلق الوجوب متحقق به لا من حيث تعينه إذ لا مدخل للمعين في براءة الذمة من الواجب إلا من حيث إن به تعيين وجود الواجب لا من حيث إن به تعيين الوجوب فافهم\rالحكم الخامس النية فإنما تتعلق بما يختار إيقاعه من حيث إن به يحصل مقتضى التكليف بالمطلق الذي هو الواحد المبهم لا من حيث خصوصه فإذا أعتق في الواجب المخير لا ينوي براءة ذمته ولا فعل الواجب بالعتق من حيث هو عتق بل من حيث إن العتق أحد خصال كفارة اليمين فقط وإذا جمع بين العتق والكسوة والإطعام لا ينوي بالمجموع براءة الذمة ولا فعل الواجب إلا من حيث إن في المجموع أحد الخصال لا من حيث الخصوصيات وبالجملة فهذه الأحكام إنما تتعلق بالمطلق الذي هو واحد مبهم من\rخصال كفارة اليمين لا نفس المشترك الكلي كما قيل لكن لما كان الإطلاق عبارة عن الإبهام والإبهام لا يتأتى تحققه في الخارج بل إنما يتأتى فيه عتق رقبة معينة أو إطعام طعام معين أو إعطاء كسوة معينة كان حصول الواجب والثواب عليه وبراءة الذمة منه بنية فعل ذلك الخاص من حيث حصول مقتضى التكليف بالمطلقة به لا من حيث تحقق الإطلاق الذي هو متعلق الأحكام المذكورة فيه كما قيل\rإذ كيف يجتمع الإبهام والتعيين فيه وهما نقيضان وليست المطلقات هي الكليات حتى يقال إن المناطقة قد نوعوا الكلي إلى منطقي وعقلي وطبيعي وقالوا المنطقي هو مفهوم الكلي أعني ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه والطبيعي هو معروضه كمفهوم الإنسان أي حيوان ناطق والعقلي عبارة عن المركب\r","part":2,"page":116},{"id":455,"text":"من هذين المفهومين واتفق المتقدمون والمتأخرون منهم على أن الماهية مع اتصافها بالكلية واعتبار عروضها لها لا وجود لها في الخارج قال الشيخ ابن سينا إذ لا دليل على وجودها فيه بل بديهية العقل حاكمة بأن الكلية تنافي الوجود الخارجي ا ه\rواختلفوا هل يوجد الكلي الطبيعي خارجا بوجود أشخاصه حيث كان من غير ممتنع الوجود في الخارج كشريك الباري ومن غير المعدوم الممكن كالعنقاء أو هو من الأمور الانتزاعية وتحققه في الفرد بالذهن فقط والثاني للمتأخرين والأول للمتقدمين وهو الحق ضرورة أن حقيقة الإنسان مثلا حال اقتران العوارض التي هي خارجة عنها موجودة في الخارج فتكون تلك الحقيقة من حيث هي هي وذاتياتها التي هي متحدة معها موجودة في الخارج وذلك أن الحقيقة لا بشرط شيء ليست\rمعينة في حد ذاتها لأن تعينها ليس عينها ولا جزأها بل يمكن أن نلاحظها بشرط لا شيء فتعرض لها الكلية ويكون كليا طبيعيا ويمكن أن تلاحظها بشرط شيء فتعرض لها الجزئية ويكون فردا وحصة فالماهية مع قطع النظر عن الأعراض المخصوصة موجودة وليست بمحسوسة انظر رسالتي السوانح الجازمة في التعاريف اللازمة على أن الإطلاق نظير الكلية في كون بديهية العقل حاكمة بمنافاتها للوجود الخارجي فافهم\rالقاعدة الثانية الواجب فيه هو الواجب الموسع كإيجاب الله تعالى الظهر من أول القامة إلى آخرها","part":2,"page":117},{"id":456,"text":"وقد اختلف الفقهاء في القول به وبجحده وعلى الأول إذا قصد التأخير لوسط الوقت أو آخره فهل يجوز له ذلك بغير بدل هو العزم لعدم دليل عليه إذ الدليل إنما هو على الصلاة فوجب نفيه أو لا بد من العزم على الفعل في بقية الوقت لأن من أمره سيده فلم يفعل ولم يعزم على الفعل في مستقبل الزمان يعد معرضا عن أمر سيده والإعراض عن الأمر حرام وما يندفع به الحرام واجب فالعزم واجب قولان ثالثها للغزالي وجوب العزم على من خطر بباله الفعل والترك لأنه إن لم يعزم على الفعل عزم على الترك بالضرورة بخلاف الغافل عن الفعل والترك قال ابن الشاط والصحيح أن لا حاجة إلى بدل أصلا وعلى الثاني ففي متعلق الوجوب خمسة مذاهب\rالمذهب الأول لبعض الشافعية أن متعلقه أول الوقت مستندا إلى أن الوجوب ينافي جواز التأخير وأن الزوال سبب الوجوب والأصل ترتب المسبب على سببه فيكون الوجوب أول الوقت وما يقع بعد ذلك قضاء يسد مسد الأداء ويرد عليه أن الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء من غير ضرورة خلاف قواعد الشرع وإنما المعهود في قواعد الشريعة أن الإذن في ذلك إنما يكون لأجل العذر كضرورة السفر أو المرض في رمضان أو غيره من العبادات\rالمذهب الثاني لبعض الحنفية أن متعلقه آخر الوقت مستند إلى أن ثبوت خصيصة الشيء يستدل به على عدم ثبوته وعدم خصيصته يستدل به على عدمه والعقاب على تقدير الترك من خصائص الوجوب وهو\rمنتف في غير آخر الوقت وثابت في آخره فيستدل بثبوته آخر الوقت على ثبوت الوجوب آخر الوقت وبنفيه في غير آخر الوقت على نفي الوجوب في غير آخر الوقت فإذا وقع الفعل قبل آخر الوقت كان نفلا يسد مسد الفرض ويرد عليه أن إجراء ما ليس بواجب عن الواجب خلاف القواعد\r","part":2,"page":118},{"id":457,"text":"المذهب الثالث للكرخي أن متعلقه آخر الوقت أيضا إلا أنه بطريقة أخرى وهي أن المكلف إذا عجل الفعل فإن جاء آخر الوقت وهو موصوف بصفات المكلفين كان فعله واجبا فما أجزأ عن الواجب إلا واجب وإن جاء آخر الوقت وهو غير موصوف بها كان نفلا لأنه وقع قبل وقت الوجوب وسبب اختياره هذه الطريقة الخروج من عهدة ما أورد على من قال من الحنفية بتعلق الوجوب بآخر الوقت من\rإجزاء النفل عن الفرض كما علمت مع أنه يرد عليه أن كون الفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضا ولا نفلا ولا تتعين فيه نية لأحدهما خلاف المعهود في القواعد\rالمذهب الرابع لبعض الحنفية أيضا أن متعلقه آخر الوقت حيث لم يعجل المكلف الفعل بعد فعله آخر الوقت فصار آخر الوقت موصوفا بالوجوب فإن عجل المكلف الفعل لم يكن آخر الوقت موصوفا بصفة الوجوب فالتعجيل مانع من تعليق الوجوب بآخر الوقت فلم يجز نفل عن فرض ولم يكن الفعل المعجل موقوفا بل ينوي به النفل نعم يرد عليه أن النبي {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه رضي الله عنهم لم يطيعوا الله تعالى بصلاة واجبة ولا أثيبوا ثواب الواجب على شيء منها وذلك حظ عظيم يفوت عليهم لا سيما وقد قال عليه الصلاة\rوالسلام عن ربه عز وجل ما تقرب إلي عبد أو أحد بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث المشهور وبالجملة فثواب الواجبات هو أفضل المثوبات والقول بفواته عليهم محذور كبير\r","part":2,"page":119},{"id":458,"text":"المذهب الخامس حكاه سيف الدين في الأحكام أن متعلقه وقت الإيقاع أي وقت كان أوله أو وسطه أو آخره فلا يلزم شيء من الإشكالات المتقدمة لكن يرد عليه أن القواعد تقتضي أن يكون الوجوب متقدما على الفعل والفعل متأخرا عنه وتابعا له وهذا المذهب جعل تحتم الإيقاع في الوقت تابعا للفعل على خلاف القواعد فظهر أن في كل من الأقوال الخمسة المبنية على جحد التوسعة مخالفات للقواعد ولم يبق غير مخالف لقاعدة ما بل تجتمع أسباب القواعد كلها فيه إلا الأقوال الثلاثة المبنية على التوسعة وأن الوجوب متعلق بالمطلق أعني جزءا مبهما من الأجزاء الكائنة بين طرفي القامة كالواجب المخير ومعنى\rذلك أن صاحب الشرع قال صل إما في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره فالواجب الصلاة في أحد هذه الأزمنة غير معين كما أن الواجب المخير في كفارة اليمين هو أحد الخصال غير معين فيكون الوجوب مرتبا على الزوال في جزء مبهم مما بين طرفي القامة فأي جزء صلى فيه صادف المطلق الذي تعلق به الوجوب ولم يلزم تأخير المسبب عن سببه ولا أن الفعل بعد أول الوقت قضاء ولا أنه في أوله نفل ينوب مناب الفرض حتى يكون مخالفا لقاعدة من تلك القواعد التي لزمت مخالفتها للأقوال الخمسة المارة فالقول بالتوسعة هو الحق وقد مر عن ابن الشاط أن الصحيح من الأقوال الثلاثة فيما إذا قصد المكلف التأخير لوسط الوقت أو آخره القول بأنه لا حاجة إلى بدل أصلا وبقي أنه على القول بالتوسعة هل يشترط سلامة العاقبة فإن مات قبل الفعل وقد أخر مختارا يأثم أو لا يشترط سلامة العاقبة فلا يأثم\rإذا مات قبل الفعل وقد أخر مختارا قولان الأول للشافعية والثاني للمالكية وهو الصحيح من جهة النظر لأن صاحب الشرع أذن له في التأخير وقد فعل ما أذن له فيه وفعل المأذون فيه لا إثم فيه والأصل عدم اشتراط سلامة العاقبة","part":2,"page":120},{"id":459,"text":"القاعدة الثالثة الواجب به أي بسببه كمطلق زوال الشمس جعله الله تعالى سبب وجوب الظهر متى وجد في أي يوم كان وكذلك بقية أوقات الصلوات وكمطلق الإتلاف جعل سببا لوجوب الضمان وكمطلق ملك النصاب جعل سببا لوجوب الزكاة ولا مدخل لخصوص كونها هذه الدنانير أو تلك الدنانير في وجوب الزكاة فلو قدر نصاب مكان نصاب في ملك المزكي لم يختلف الحكم إذ المنصوب سببا إنما هو المطلق الذي هو واحد مبهم من أفراد النصب وكذلك كل سبب وجوب يقتضي بثبوته الثبوت إنما هو المطلق أي فرد مبهم من أفراده وخصوصات أفراده ساقطة عن الاعتبار في ذلك الوجوب فلو\rقدر إتلاف بدل إتلاف لم يختلف الحكم بوجوب الضمان\rالقاعدة الرابعة\rالواجب الذي هو أداة يفعل بها الواجب لا سبب للوجوب فإن الباء كما تكون سببية كذلك تكون للاستعانة ككتبت بالقلم ونجرت بالقدوم ولهذا الواجب مثل أحدها مطلق الماء الطهور في الطهارة وضوء كانت أو غسلا أداة يعمل بها الطهارة لا سبب للطهارة لأن سببها إنما هو الحدث وكذلك التراب في التيمم أداة وليس سببا ولا مدخل لعين الماء في وجوب الطهارة ولا لتعين التراب في وجوب التيمم إذ لم يوجب الله تعالى الطهارة بماء معين بل بفرد مبهم من أفراد الماء ولا التيمم بتراب معين بل بفرد مبهم من أفراد التراب\rوثانيها مطلق الثواب الذي هو فرد مبهم من أفراد الثياب أداة للسترة الواجبة في الصلاة ولا مدخل للثوب المعين في وجوب السترة إذ لم يوجب الله تعالى السترة بثوب معين بل بمطلق الثوب الذي هو فرد","part":2,"page":121},{"id":460,"text":"مبهم من أفراد الثياب ومن هنا يظهر لك جواب المغالطة التي تلقى عادة على الطلبة فيقال السترة واجبة بهذا الثوب المعين لأن السترة واجبة بالإجماع وهي لا تجب بغير هذا الثوب بالإجماع فتعين هو وإلا لبطل الوجوب أو يقال الوضوء واجب من هذه الفسقية المعينة لأن الوضوء واجب بالإجماع وهو لا يجب من غيرها بالإجماع فتعينت هي وإلا لبطل الوجوب وهكذا إذا أوردت هذه الشبهات على هذا المنوال كان الجواب عنها واحدا وهو أن الوجوب لكل من الوضوء والسترة إنما يتعلق بفرد مبهم داخل تحت القدر المشترك بين هذه الفسقية وغيرها وبين هذا الثوب المعين وغيره فإذا لم يكن غيرها ولا غيره واجبا بالإجماع لا تتعين هي ولا هو فالخصوصات كلها ساقطة عن الاعتبار\rوثالثها مطلق الجمار في النسك أداة يعمل بها الواجب لا سبب للوجوب بل سبب الوجوب إما تعظيم البيت لقوله تعالى ولله على الناس حج البيت وإما تذكر قصة إبراهيم عليه\rالسلام في ذبح ابنه وفدائه بالكبش قيل لأن منها أنه هرب منه فلحقه ورماه بالحجارة هناك قلت ولا يخفى ما فيه من المخالفة لقوله تعالى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فالصواب ما في حاشية شيخنا على توضيح المناسك أن في القصة هو أن الشيطان تعرض للذبيح عليه السلام لما ذهب مع أبيه للذبح وقال له إن أباك يريد أن يذبحك فأمره إبراهيم عليه السلام أن يرجمه بسبع حصيات ا ه فشرع رمي الجمار لتذكر تلك الأحوال السنية والطواعية التامة والإنابة الجميلة ليقتدى بهما في ذلك ولا مدخل لتعين الجمار في وجوب الرمي بل أي حصاة أخذها أجزأت وسدت المسد وخصوص كل واحدة منها ساقط عن الاعتبار\rورابعها مطلق الضحايا والهدايا أدوات يفعل بها الواجب لا سبب للوجوب بل سببه في الضحايا أيام النحر وفي الهدايا التمتع ونحوه من أسباب الهدي ولا مدخل للبدنة المعينة في الوجوب إذ لم يوجب الله تعالى خصوص بدنة دون أخرى بل\r","part":2,"page":122},{"id":461,"text":"المطلوب فرد مبهم من أفراد القدر المشترك بين هذه البدنة المعينة وغيرها من البدن فأيها فعل سد المسد ولا يفوت بفوات الخصوص مقصد شرعي مع الاستواء في الصفات كما تقدم في الثوب والماء حرفا بحرف\rوخامسها مطلق الرقاب في العتق أدوات يفعل بها الواجب لا أسباب للوجوب بل السبب الظهار أو اليمين أو إفساد صوم رمضان عمدا أو القتل ولا مدخل لتعين الرقبة في الوجوب إذ لم يوجب الله تعالى خصوص رقبة دون أخرى مع الاستواء في الصفات بل فرد مبهم من أفراد القدر المشترك بين هذه الرقبة المعينة وغيرها فأي رقبة عتقها سدت المسد كما علمت\rالقاعدة الخامسة الواجب عليه هو المكلف في فرض الكفاية فإن مقتضى الخطاب فيه التعلق بطائفة\rغير معينة أي بمطلق طائفة صالحة لإيقاع ذلك على الوجه الشرعي فأي طائفة من الطوائف الصالحة لإيقاع ذلك على وجهه الشرعي الداخلة تحت القدر المشترك بينها وبين غيرها هي المكلفة والمكلف يجب عليه لا به ولا فيه فإذا فعلت سدت المسد كالثوب في السترة والماء في الطهارة وسقط بفعلها الطلب عن بقية الطوائف لتحقق الفعل المشترك بينها وإذا ترك الجميع أثموا لتعطيل المشترك بينها عن الفعل وإذا لم يوجد إلا من يقوم بذلك الواجب تعين الفعل عليه عينا لانحصار المشترك فيه كآخر الوقت في الصلاة وتعذر غير الثوب الموجود في السترة حرفا بحرف\rقال\rالقاعدة السادسة الواجب عنده إلى آخر ما قاله فيها\rقلت ما قاله صحيح غير ما قاله من تعلق الوجوب بالكلي المشترك على ما سبق\rالقاعدة السادسة الواجب عنده له أمثلة في الشريعة أحدها الشرط كدوران مطلق الحول تجب عنده الزكاة بسببها الذي هو ملك النصاب فأثر السبب إنما يظهر عند دوران مطلق الحول الموجب لحصول التمكن من التنمية في النصاب فمطلق الحول هو الواجب عنده لأنه المحصل لمقصود الشرع ولا مدخل\r","part":2,"page":123},{"id":462,"text":"لخصوص الحول المعين في حصول مقصود الشرع كما أن مطلق نصاب داخل تحت القدر المشترك بين النصب هو الواجب به لا خصوص النصاب المعين\rوثانيها عدم المانع كعدم مطلق الدين في الزكاة وعدم مطلق الحيض في الصلاة فتجب الزكاة عند عدم مطلق الدين بسببها الذي هو ملك النصاب والصلاة عند عدم مطلق الحيض بسببها الذي هو زوال الشمس مثلا ولم يعتبر صاحب الشرع في الوجوب عنده عدم خصوص دين دون دين ولا عدم خصوص حيض دون حيض\rوثالثها عدم مطلق الماء الطهور يجب التيمم عنده لا به لأن سبب الوجوب للصلاة أوقاتها وأسباب الطهارات الأحداث فالحدث اقتضى إحدى الطهارتين على الترتيب فإن عدمت طهارة الماء تعينت طهارة التراب فعدم مطلق الماء الطهور الكافي للطهارة هو الواجب عنده التيمم لا عدم خصوص ماء لأن صاحب الشرع لم يلاحظ عدم ماء معين\rورابعها عدم مطلق الطعام المباح يجب على المكلف عنده أكل الميتة إذا خاف الهلاك ولا يجب عليه ذلك به بل بخوف الهلاك لوجوب إحياء النفس بدليل ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فإحياء النفس اقتضى أحد الغذاءين إما المباح وإما الميتة على الترتيب فإذا تعذر المباح تعينت الميتة كاقتضاء الحدث إحدى الطهارتين بلا فرق ولم يلاحظ صاحب الشرع عدم طعام مباح بعينه بل مطلق الطعام المباح الذي يصلح لإقامة البنية وخامسها عدم الخصلة الأولى من الخصال المرتبة في نحو كفارة الظهار كعدم مطلق الرقبة الصالحة لبراءة الذمة من كفارة الظهار يجب عنده الصيام لا به لأن سبب الوجوب الظهار لأن الظهار اقتضى أحد الخصال على الترتيب فإذا تعذرت الأولى تعينت الثانية نظير ما مر ولم يلاحظ صاحب الشرع عدم رقبة معينة\r","part":2,"page":124},{"id":463,"text":"القاعدة السابعة الواجب منه له أمثلة في الشريعة أحدها الجنس المخرج منه زكاة الإبل كانت غنما كما في الخمس والعشرين أو إبلا مطلقا كما فيما فوقها يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق شاة من الغنم في الخمس والعشرين من جنس الإبل ومطلق حقه فيما فوق الخمس والعشرين من جنس الإبل إذ لم يلاحظ الشرع شاة معينة ولا حقة معينة مع استواء الصفات في الجنس المجزئ فافهم\rوثانيها الجنس المخرج منه زكاة ما يملكه من النقدين بشرطه يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق النقد ذهبا أو فضة إذ لم يلاحظ الشرع خصوص دينار لا درهم\rوثالثها الجنس المخرج منه زكاة الفطر وهو ما كان غالب قوت أهل البلد منه كالحب يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق مكيل صاع عن كل آدمي إلا من استثني في كتب الفقه ورابعها الجنس المخرج منه الكفارات في الإطعام وهو ما تخرج منه زكاة الفطر بعينه\rوخامسها الجنس المخرج منه زكاة الحبوب والثمار يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق عشره سواء كان مما في ملكه أو مما يحصله بشراء أو غيره\rالقاعدة الثامنة الواجب عنه هو المولى عليه يجب أن يخرج صاع في زكاة الفطر عن كل فرد مبهم داخل تحت مفهوم الإنسان الموصوف بالصفات التي لأجلها تجب عنه زكاة الفطر من المحجور عليه بوصية أو حاكم أو ولي بقرابة أو زوجية أو رق فمتعلق الوجوب هو الفرد المبهم من أفراد القدر المشترك بين هذه الأجناس دون خصوص عبد معين أو زوجة معينة لأن الشارع لم يلاحظ خصوص شخص دون شخص\rالقاعدة التاسعة الواجب مثله له مثالان في الشريعة أحدهما جزاء الصيد المقتول في الإحرام أو الحرم أي جزاء مطلق الغزال ومطلق بقر الوحش دون خصوص ظبي معين أو بقرة معينة فالواجب مثله منوط بمطلق ذلك الجنس الكلي وخصوص كل صيد من كل جنس ساقط عن الاعتبار في الجزاء\r","part":2,"page":125},{"id":464,"text":"وثانيهما غرامة مثل مطلق المتلف المثلي من المكيلات والموزونات فمن أتلف قفيز قمح وجب عليه غرامة قفيز مثله من مطلق قمح موصوف بصفة عامة هي متعلق الأغراض ومن أتلف رطل زيت وجب عليه إخراج رطل من مطلق زيت موصوف بصفة هي متعلق الأغراض ككونه زيتا اتفاقا وزيت بزر الكتان ونحو ذلك حتى إن أفراد الأرطال من الغلة الواحدة من الزيت سواء في الحكم والمعتبر الفرد المبهم الداخل تحت القدر المشترك بين سائر الأفراد دون خصوص رطل دون رطل وبالجملة فالمعتبر في الحكم فرد مبهم من أجناس المثليات موصوف بصفاتها العامة دون خصوص المعينات\rالقاعدة العاشرة الواجب إليه له ثلاثة أمثلة في الشريعة أحدها غروب الشمس في الصوم يجب الصوم إلى فرد غير معين من أفراد الغروب من كل يوم فمتى تحقق الغروب في أي يوم كان سقط وجوب الصوم في نظر الشرع وانتقل المكلف إلى تحريم الصوم لوجود مفهوم الغروب في أي يوم كان ولا عبرة بخصوص الأيام في الغروب ككونه غروب شمس يوم الجمعة أو غيرها فهو ساقط الاعتبار في نظر الشرع\rوثانيها مطلق هلال شوال كيف كان يجب تتابع الصوم في أيام رمضان إليه كما يجب إيصال الصوم في كل يوم إلى غروب الشمس ولا دخل للحكم في كونه خصوص هذا الهلال أو ذلك أو كونه من سنة ستين أو من سنة تسعين فلا عبرة به في هذا الحكم\rوثالثها مطلق غايات العدة والاستبراء والإحداد الموصوف بالصفة العامة ككونه كمال ثلاثة أشهر في عدة الطلاق أو كمال أربعة أشهر وعشر\r","part":2,"page":126},{"id":465,"text":"في عدة الوفاة هو المتعلق المعتبر في الشريعة لوجوب إيصال العدة والاستبراء والإحداد إليه مع قطع النظر عن كون تلك الغاية من سنة معينة فهذه أجناس عشرة تشترك كلها في تعلق الوجوب بفرد غير معين مما فيه المعنى الكلي المشترك ويختص كل واحد منها بخصوص ككونه فيه وبه وعنه ومنه وعليه وعنده وإليه كما تقدم وبهذا الاختصاص نجيب عن قول القائل إذا كان الحكم في أبواب هذه الأجناس العشرة كلها متعلقا بفرد غير معين مما فيه المعنى المشترك فليكن الكل واجبا مخيرا فلم اختلفت الأسماء فنقول إن هذا القدر العام الذي هو التعلق بفرد غير معين مما فيه المعنى المشترك قد حصل تحته أيضا أجناس كلية مشتركة بين أفراد ذلك الجنس والأصل اختلاف الأسماء لغة واصطلاحا إذا اختلفت الحقائق الكلية أو الجزئية لتحصل فائدة التعبير عن خصوص كل حقيقة كانت جنسا أو شخصا فهذا تقرير هذا الفرق بين قواعده العشرة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها\rمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن النهي إذا كان في ركن من أركان ماهية البيع مثلا التي هي العاقدان والعوضان كالنهي عن بيع الخنزير والميتة وبيع السفيه وتحريره كانت المفسدة في نفس الماهية لأن النهي إنما يعتمد المفاسد كما أن الأمر إنما يعتمد المصالح والمتضمن للمفسدة فاسد وإذا كان أي النهي إنما هو في خارج عنها كالنهي عن بيع نقد بنقد أكثر منه فإن متعلق النهي وصف أحد العوضين بالكثرة لا نفس أحد العوضين كان أصل الماهية سالما عن المفسدة النهي إنما هو في الخارج عنها فلا يقتضي فساد الماهية كما اقتضاه تعلق النهي بركن من أركانها الأربعة قال إذ لو قلنا بالفساد مطلقا لسوينا\r","part":2,"page":127},{"id":466,"text":"بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد كما أنا لو قلنا بالصحة مطلقا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتها وذلك غير جائز فإن التسوية بين مواطن الفساد وبين السالم عن الفساد خلاف القواعد فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل والوصف بالوصف فنقول أصل الماهية سالم عن النهي والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصحة حتى يرد نهي فيثبت لأصل الماهية الأصل الذي هو الصحة ويثبت للوصف الذي هو الزيادة المتضمنة للمفسدة الوصف العارض وهو النهي فيفسد الوصف دون الأصل وهو المطلوب ا ه\rقال ابن الشاط لقائل أن يقول ليس الأمر كذلك فإن الوصف إذا نهي عنه سرى النهي إلى الموصوف لأن الوصف لا وجود له مفارقا للموصوف فيئول الأمر إلى أن النهي يتسلط على الماهية الموصوفة بذلك الوصف فتكون الماهية على ضربين عار عن ذلك الوصف فلا يتسلط النهي عليه ومتصف بذلك الوصف فيتسلط النهي عليه ا ه\rومذهب الإمام أحمد بن حنبل التسوية بين الأصل والوصف في جميع موارد النهي حتى أبطل الصلاة بالثوب المغصوب والوضوء بالماء المسروق والذبح بالسكين المغصوبة محتجا بأن النهي يعتمد المفاسد ومتى ورد نهي أبطلنا ذلك العقد وذلك التصرف بجملته فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك الماهية بذلك الوصف أما بدونه فلم يتعرض له المتعاقدان فيبقى\rعلى الأصل غير معقود عليه فيرد من يد قابضه بغير عقد\r","part":2,"page":128},{"id":467,"text":"وكذلك الوضوء بالماء المغصوب معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا ومن صلى بغير وضوء حسا فصلاته باطلة فكذلك صلاة المتوضئ بالماء المغصوب باطلة وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق والذبح بالسكين المغصوبة والمسروقة فهي كلها معدومة شرعا فتكون معدومة حسا ومن فرى الأوداج بغير أداة حسا لم تؤكل ذبيحته فكذلك ذبيحة الذابح بسكين مغصوبة وعلى هذا المنوال قال ابن الشاط وفي تسويته بين الوضوء بالماء المغصوب وما أشبهه وبين مسألة الربا نظر فإن هذه الأمور لم يتسلط النهي فيها على الماهية ولا على وصفها بل الغصب من غير تعرض لكونه في وضوء أو غير وضوء بخلاف مسألة الربا فإنه وإن كان النهي في الآية ظاهره التسلط على الربا من غير تعرض لكونه في البيع أو لا فإن الحديث قد بين ذلك بقوله {صلى الله عليه وسلم} لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل فسلط النهي على البيع المشتمل على الزيادة ولم يأت عنه {صلى الله عليه وسلم} أنه قال لا تتوضأ بالماء المغصوب فبين الموضعين فرق من هذا الوجه لا خفاء فيه ا ه\rوبالجملة فمذهب الإمام أبي حنيفة المبالغة في اعتبار الفرق بين هاتين القاعدتين حتى أثبت عقود الربا وإفادتها الملك في أصل المال الربوي ورد الزائد فإذا باع درهما بدرهمين أوجب العقد درهما من الدرهمين ويرد الدرهم الزائد وكذلك بقية الربويات ومذهب الإمام أحمد المبالغة في إلغاء هذا الفرق حتى أبطل\rالصلاة بالثوب المغصوب وما أشبه ذلك وفي كل منهما نظر قد علمته وتوسط مالك والشافعي بين المذهبين وفي الفرق بين هاتين القاعدتين وخلاصة ما فرقا به بينهما أن النهي إذا كان في حقيقة المأمور به بأن كان في ركن من أركانه أي في نفس الركن أو صفته كالنهي عن بيع الخنزير وكالنهي عن لبس الخف في الإحرام وكالنهي عن بيع درهم بدرهمين كان مقتضيا لفساد المأمور به ضرورة عدم حصول الحقيقة المأمور به بكماله حينئذ لأن النهي إنما يعتمد المفاسد كما أن الأمر إنما يعتمد المصالح\r","part":2,"page":129},{"id":468,"text":"وإذا كان أي النهي لا في حقيقة المأمور به بل في المجاور كالنهي عن الغصب والسرقة كان مقتضيا لفساد المجاور لا لفساد المأمور به فطهارة غاصب الخف إذا مسح عليه مع نهيه عن الغصب فإن طهارته صحيحة عندنا لكونه محصلا لها بكمالها على الوجه المطلوب شرعا وإنما هو جان على حق صاحب الخف بخلاف طهارة المحرم إذا مسح على الخف فإنه لم يحصلها بكمالها مع نهيه عن لبس الخف لكونه مخاطبا في طهارته بالغسل ولم يأت به فلم تحصل حقيقة الطهارة المأمور بها بكمالها مع النهي عن لبس الخف لكونه في نفس الحقيقة لا في مجاورها فبكل من الغاصب والمحرم وإن اشتركا في العصيان بلبس الخف بسبب نهيه عنه إلا أن النهي\rفي الغاصب لما تعلق بالمجاور للمأمور به لا بنفس حقيقة المأمور به اقتضى فساد المجاور لا فساد المأمور به فلم تبق الذمة مشغولة بالمأمور به والنهي في المحرم لما تعلق بنفس حقيقة المأمور به لا بمجاوره اقتضى فساد المأمور به فبقيت الذمة مشغولة بالمأمور به\r","part":2,"page":130},{"id":469,"text":"وصل في زيادة توضيح المقام بمسألتين المسألة الأولى الصلاة في الدار المغصوبة أو في ثوب مغصوب والوضوء بماء مغصوب والحج بمال حرام سواء في الصحة عندنا وعند الشافعية والحنفية خلافا لأحمد وذلك لأنا نلاحظ أن متعلق الأمر في هذه المسائل قد وجد فيها بكماله مع متعلق النهي فحقيقة المأمور به من المكان الطاهر والسترة الكاملة وصورة التطهير والحج قد وجدت من حيث المصلحة لا من حيث الإذن الشرعي وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة كان النهي في مجاور وهي الجناية على الغير والإمام أحمد مشى على أصله في التسوية بين الأصل والوصف نظرا لعدم وجود حقيقة المأمور به في المسائل المذكورة من المكان والسترة وصورة التطهر لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا فيكون المكان والسترة وصورة التطهير معدومة حسا مع العمد وذلك مبطل للصلاة والطهارة ولا يخفاك أن هذا النظر إنما يتم لو سلم أن الله تعالى أمر بالطهارة والسترة والمكان الطاهر واشترط في ذلك أن تكون الأداة مباحة ونحن لا نسلم\rذلك بل نقول إن الله تعالى أوجب الصلاة مطلقا وحرم الغصب ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطا\rألا ترى أنه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم فكذلك في هذه المواطن على أن هذا النظر لا يتأتى في الحج فإن النفقة لا تعلق لها بالحج لأنها ليست ركنا ولا صرفت في\rركن بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر بخلاف المحرم في مسألة المكان والسترة وصورة التطهير فإنه صرف فيما هو شرط فكان الشرط معدوما فافهم\rالمسألة الثانية\r","part":2,"page":131},{"id":470,"text":"النهي عن بيع درهم بدرهمين ونحوه من الربويات وإن تعلق بالوصف الذي هو الزيادة لا بنفس حقيقة البيع كما في مسألة المكان والسترة وصورة التطهير والحج إلا أن الوصف هنا أي في مسألة بيع درهم بدرهمين لما كان من متعلقات العقد من حيث إن رضا البائع لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه وهذا البائع لم تطب نفسه إلا بما تعلق العقد به لم تحصل حقيقة العقد المأمور به بكماله بل كان الدرهم الباقي بعد إسقاط الدرهم الزائد باقيا على ملك باذله\rوأما الوصف في مسائل العبادات المارة فلما لم يتعلق بالمأمور به بحيث تتوقف صحته على صحته كان متعلق الأمر موجودا بكماله فقولنا بالصحة في مسائل العبادات وعدمها في مسألة الربا إنما هو بالنظر لكمال وجود متعلق الأمر في الأولى دون الثانية باذل الدرهمين من عنده بإزاء درهم واحد وإن رضي بمقابلة الدرهم بمثله بطريق الأولى إلا أن باذل الدرهم غير راض ببذله بإزاء درهم واحد وإنما يرضى بما وقع عليه العقد من بذله بإزاء درهمين على أنه لو رضي بذلك أيضا لا يكفي حصول الرضا وحده في نقل الأملاك فإنه لو رضي بنقل ملكه وهو ساكت من غير قول ولا فعل لم\r","part":2,"page":132},{"id":471,"text":"ينتقل ملكه إجماعا بل لا بد من عقد أو ما يقوم مقامه مما يدل على الرضا لأنه هو السبب الشرعي لا الرضا وحده فوجب أن لا يقضي باللزوم حينئذ هذا هو سر الفرق بين الربويات والعبادات فتأمله فإنه حسن والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق الحادي والسبعون بين قاعدة حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال وبين قاعدة حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال هاتان قاعدتان متباينتان نقلتا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه لا قاعدة واحدة فيها قولان له وذلك أن مراده بقوله إن حكاية الحال إذا تطرق إلخ أن الدليل من كلام صاحب الشرع إذا استوت فيه الاحتمالات ولم يترجح أحدها سقط به الاستدلال لقاعدتين القاعدة الأولى أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أما المرجوح فلا وإلا لسقطت\rدلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها وذلك باطل\rالقاعدة الثانية\rأن كلام صاحب الشرع إذا كان محتملا احتمالين على السواء صار مجملا وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر وإن مراده بقوله إن حكاية الحال إذا ترك فيها إلخ أن الاحتمالات إذا كانت في محل مدلول اللفظ من كلام صاحب الشرع دون الدليل تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال بمعنى أن الشارع إذا ترك الاستفصال في قضايا الأعيان وهي محتملة الوقوع على أحد وجهين أو وجوه دل ذلك على أن الحكم فيها متحد في الوجهين أو الوجوه\r","part":2,"page":133},{"id":472,"text":"قاعدة وهي أن لفظ صاحب الشرع لا يقدح الاستدلال به إذا كان ظاهرا أو نصا في فرد غير معين من أفراد الجنس كقوله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فإن اللفظ ظاهر في إعتاق مطلق رقبة مترددة بين الذكر والأنثى والطويلة والقصيرة وغير ذلك من الأوصاف ولم يقدح ذلك في دلالة اللفظ على إيجاب الرقبة وكذلك الأمر بجميع المطلقات وقد تقدم في الفرق التاسع والستين أنها عشرة ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ولا إجمال وصل في توضيح هذا الفرق بثلاث مسائل\rقال المسألة الثانية استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله تعالى بقوله عليه السلام في الحج الخير كله بيدك والشر ليس إليك إلى آخره ما قاله في المسألة قلت الأظهر أن ما قدرته المعتزلة أظهر ولكن المسألة قطعية لا يكتفى فيها بالظواهر مع أن الدليل العقلي القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته كما أن الخير كذلك فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل وما ذكره في المسألة الثالثة والرابعة والخامسة صحيح ظاهر والله أعلم\rالمسألة الأولى استدلال الشافعية بقوله {صلى الله عليه وسلم} في المحرم الذي وقصت به ناقته لا تمسوه بطيب فإنه\rيبعث يوم القيامة ملبيا على أن المحرم إذا مات لا يغسل ساقط لأنه {صلى الله عليه وسلم} لم يرتب الحكم على وصف يقتضي أنه علة له فيعم جميع الصور لعموم علته بل علل حكم الشخص المعين فقط ولو أراد عليه السلام الترتيب على الوصف لقال فإن المحرم يبعث يوم القيامة ملبيا ولم يقل فإنه ولقال لا تمسوا المحرم ولم يقل لا تمسوه فلما عدل فيهما عن الوصف إلى الضمير الجامد دل ذلك ظاهرا على عدم إرادته لترتيب الحكم على الوصف فبقيت الاحتمالات بالنسبة إلى بقية المحرمين مستوية وهو المطلوب\rالمسألة الثانية\r","part":2,"page":134},{"id":473,"text":"لا يحصل بنهيه عليه الصلاة والسلام عن البتراء استدلال للحنفية على أن الركعة المنفردة لا تجزئ فلا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث بتسليمة واحدة إذ ليس الأبتر في اللغة هو المنفرد وحده حتى يحصل الاستدلال بذلك بل الأبتر في اللغة هو الذي لا يتبعه غيره ويضاف إليه من ذنب أو عقب وحينئذ فالبتراء يحتمل أن يريد بها ركعة ليس قبلها شيء ويحتمل أن يريد بها ركعة منفردة والاحتمالان مستويان ونحن نقول الركعتان متقدمتان تابعتان للوتر وتوطئة له فلا حجة للحنفية في ذلك على ما قالوا فالاحتمالات وقعت في هاتين المسألتين في نفس الدليلين وتساوت فيسقط الاستدلال بهما\rوكذا يسقط في كل واقعة عين وقع فيها مثل هذا وهي التي أفتى فيها الشافعي بالإجمال وعدم الدلالة\rالمسألة الثالثة\rاللفظ في قوله {صلى الله عليه وسلم} لغيلان لما أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن ظاهر ظهورا قويا في الإذن والتخيير في الحالين حال ما إذا عقد عليهن عقودا مرتبة عقدا بعد عقد وحال ما إذا عقد عليهن عقدا واحدا فالاحتمالات المستوية بين هذين الحالين ليست في الدليل الدال على الحكم حتى يقدح في الدلالة بل هي في محل الحكم والاحتمالات المستوية في محل الحكم لا تقدح في الدلالة فمن هنا قال مالك والشافعي رضي الله عنهما له الخيار في الحالين بلا فرق خلافا لأبي حنيفة في قوله لا يجوز له أن يختار في الحالة الأولى من المؤخرات لفساد عقودهن بعد أربع عقود فإن عقد الخامسة وما فوقها باطل والخيار في الباطل لا يجوز وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لو أراد أحد الحالين دون الأخرى لاستفصل غيلان عن ذلك وحيث لم يستفصل والأصل عدم علمه {صلى الله عليه وسلم} بحالة غيلان وهو في مقام تقرير قاعدة كلية لجميع الخلق ومن كان في مثل هذا المقام شأنه البيان والإيضاح كان أبين دليل على أن الحالين سواء في الحكم\r","part":2,"page":135},{"id":474,"text":"تنبيهات الأول ليس في جوابه {صلى الله عليه وسلم} لما سئل عن الوضوء بنبيذ التمر فقال تمرة طيبة وماء طهور احتمال ما في محل الحكم بل ولا فيه احتمالات متساوية كما قيل في نفس الدليل حتى يدعي سقوط\rاستدلال الحنفية به على جواز الوضوء بالماء بعد تغيره بالتمر إذ لا شك كما قال ابن الشاط أن ظاهر الحديث أنه أراد {صلى الله عليه وسلم} أن أصل النبيذ تمرة طيبة وماء طهور وأنه باق على حكم الأصل من الطيب والطهورية لأنه {صلى الله عليه وسلم} إنما سئل عن الوضوء بالنبيذ والنبيذ اسم للماء المستنقع فيه التمر حتى يتغير حقيقة أما قبل التغير فلا يسمى نبيذا إلا مجازا بمعنى أنه يئول إلى ذلك ولا يجوز على الشارع صلوات الله وسلامه عليه أن يسأل عن شيء ثم لا يجيب عنه ولا أن يخبر بما لا فائدة فيه فالواجب حينئذ أن يقال إنه {صلى الله عليه وسلم} قال توضأ بالنبيذ الذي ليس هو إلا المتغير لكن لا باللفظ بل باقتضاء المساق وضرورة حمل كلامه {صلى الله عليه وسلم} على الفائدة وعلى جواب وليس الأمر كما قيل إنه {صلى الله عليه وسلم} لم يتعرض للتغير ولا لعدمه بل اقتصر على ذكر وصفي المجتمعين ا ه\rالتنبيه الثاني ليس الاحتمالان في تقدير متعلق إليك في قوله {صلى الله عليه وسلم} في الحج الخير كله بيديك والشر ليس إليك أعني تقدير المعتزلة والشر ليس منسوبا إليك وتقدير الأشعرية والشر ليس قربة إليك بمستويين حتى يقال بسقوط استدلال المعتزلة به على زعمهم من أن الشر من العبد لحصول الإجمال في نفس الدليل بل ما قدرته المعتزلة هو الأظهر ولكن المسألة قطعية لا يكتفى فيها بالظواهر مع أن الدليل العقلي القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته تعالى كما أن الخير كذلك فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل قاله ابن الشاط\rالتنبيه الثالث قوله {صلى الله عليه وسلم} للمفطر في رمضان أعتق رقبة وإن احتمل على السواء في محل الحكم لا في دليله أن تكون الرقبة سوداء أو بيضاء أو ذكرا أو أنثى أو طويلة أو قصيرة أو نحو ذلك\r","part":2,"page":136},{"id":475,"text":"وقوله {صلى الله عليه وسلم} إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا وإن احتمل على السواء في محل الحكم لا في دليله أن يكون العدلان عربيين أو عجميين شيخين أو كهلين أبيضين أو أسودين ونحو ذلك\rوقوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم وإن احتمل على السواء في محل الحكم لا في دليله أن يكون الموضع الذي يرجع إليه غربا أو شرقا أو شمالا أو جنوبا أو مدينة أو برية أو قرية ليست من مسائل ما يجري مجرى العموم لترك الاستفصال كما قيل بل هي من مسائل الإطلاق المقتضي تخيير المكلف في مختلفات الأشخاص والصفات والأحوال فافهم قاله ابن الشاط فظهر أن قول الشافعي حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال إنما هو في الاحتمالات الثابتة في نفس دليل الحكم لا في محل الحكم عكس قوله إن ترك الاستفصال في حكاية الحال تقوم مقام العموم في المقال فإنه\rفي الاحتمالات الثابتة في محل الحكم لا في دليله فكلا قوليه لم يتناقضا ولم يختلفا بل كل قول له موضع يخصه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الأيمان مذهب بعض الشافعية أنه لا فرق بين هاتين القاعدتين جريا على القاعدة الأصولية أن الاستثناء من النفي إثبات كما أنه من الإثبات نفي مذهب بعض الشافعية أنه لا فرق بين هاتين القاعدتين جريا على القاعدة الأصولية أن الاستثناء من النفي إثبات كما أنه من الإثبات نفي في الأيمان وغيرها ومذهب مالك رحمه الله تعالى وبعض الشافعية أن قاعدة أن الاستثناء من النفي إثبات إنما هي في غير الأيمان كالأقارير\r","part":2,"page":137},{"id":476,"text":"وأما الاستثناء في الأيمان فقاعدته أنه ليس بإثبات لا إثبات أيضا كما في الأصول لوجوه الوجه الأول أن إلا كما تستعمل للإخراج كذلك تستعمل صفة ومنه قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فإنه لم يرد به الاستثناء وإلا لوجب النصب استثناء من موجب بل معناه لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا والأيمان مبنية على العرف وأهل العرف قد جعلوا إلا في الأيمان بمعنى غير صفة للمستثنى منه لا للإخراج الوجه الثاني سلمنا أن أهل العرف لم ينقلوها عن الإخراج لمعنى غير وسوى وهو الوصفية لكن\rالقسم إنما يحتاج في جوابه إلى جملة واحدة لا إلى جملتين ولذا قد أجمعنا على أن جواب القسم في نحو قول القائل والله لا لبست ثوبا إلا الكتان على أن جوابه حصل بقوله لا لبست ثوبا وإنه لو سكت هنالك كان كلاما عربيا والأصل عدم تعلقه بالجملة الثانية التي بعد إلا وإذا لم يتعلق بها القسم كان لبس الكتان غير محلوف عليه فلا يحنث إذا جلس عريانا وهو المطلوب\rالوجه الثالث سلمنا أن القسم تناول الجملتين لكن الاستثناء في هذه الصورة عندنا من الحلف الذي هو ثبوتي فكأنه قال احلف على عدم لبس كل ثوب إلا الكتان ويكون معنى الكلام أن جميع الثياب أحلف عليها إلا الكتان فلا أحلف عليه ضرورة أن الاستثناء من الإثبات نفي وإذا كان الكتان غير مقسم عليه لا يحنث بتركه وهو المطلوب وصل في زيادة توضيح الخلاف بين المالكية والشافعية في الفرق بين هاتين القاعدتين وعدمه بثلاث مسائل المسألة الأولى إذا حلف لا يلبس ثوبا إلا كتانا في هذا اليوم وقعد عريانا فإن جعلت إلا لاستثناء\r","part":2,"page":138},{"id":477,"text":"الكتان من النفي السابق ويكون قد حلف أن لا يلبس غير الكتان وليلبس الكتان كما هو مقتضى قاعدة اللغة أن الاستثناء من النفي إثبات حنث بقعوده عريانا لأنه لم يلبس الكتان ومشى على هذا بعض الشافعية وإن جعلت إلا لاستثناء الكتان من الحلف الذي هو ثبوتي لا من النفي السابق ويكون قد حلف على عدم لبس كل ثوب إلا الكتان أو جعلت أي إلا لاستثناء الكتان من النفي السابق إلا أن الحلف لم يتعلق بالاستثناء بل بما قبله ويكون قد حلف على عدم لبس كل ثوب فقط أو جعلت أي إلا بمعنى غير عرف صفة للثوب لا للاستثناء أصلا ويكون قد حلف على عدم لبس ثوب غير كتان لم يحنث بقعوده عريانا في الجميع كما مر توضيحه ومشى على هذا المالكية وبعض الشافعية\rالمسألة الثانية\rحكى صاحب القبس أبو بكر بن العربي أنه جلس رجلان ببيت المقدس يلعبان بالشطرنج فتعارضا في الكلام فحلف أحدهما لا لعب مع صاحبه غير هذا الدست فجاء رجل ونقض الرقعة وخلطها وجهل ترتيبها كيف كان وامتنع تكميل ذلك الدست فسأل الفقهاء عن تحنيثه بذلك فاختلفوا في تحنيثه وعدم تحنيثه أي بناء على جعل غير لاستثناء هذا الدست من النفي السابق والحلف متعلق به وبالمستثنى معا أو بالنفي السابق فقط أو من الحلف الذي هو ثبوت أو صفة لمحذوف على ما مر بيانه قال ثم اجتمعت بشيخنا أبي بكر الطرطوشي فأخبرته بالمسألة فاختار عدم الحنث\rالمسألة الثالثة لو قال والله لأعطينك في كل يوم درهما من دينك إلا في يوم الجمعة فأعطاه يوم الجمعة مع سائر الأيام جرى الخلاف المتقدم أيضا في تحنيثه وعمد تحنيثه وإن كان استثناء من إثبات مطلقا وذلك لأن إلا إن جعلت للإخراج على الأصل كان الكلام مفهما الحلف على منع نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة مع عدم الإخلال بالإعطاء في سائر الأيام فيحنث وإن جعلت بمعنى سوى نظرا لكون أهل العرف نقلوها من الإخراج إليه في الأيمان حتى لا يفهمون من قول القائل ذلك أنه منع\r","part":2,"page":139},{"id":478,"text":"نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة بل إن مقصوده من اليمين إنما هو غير يوم الجمعة لا يوم الجمعة بمعنى أنه لا يخل بالإعطاء في غير يوم الجمعة وإن استثناءه يوم الجمعة استثناء توسعة لو أعطى فيه لم يضر فتأمل ذلك وبالجملة فالفقهاء خالفوا ما في الأصول من قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ولم يقولوا بذلك في الأيمان على ما تقدم من الخلاف والسبب ما علمته والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق نحو\rأحل الله البيع ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم اعلم أن الذي رجحه السيد الصفوي أن لام التعريف قد تستعمل للمعهود من أفراد الجنس خارجا نحو قوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ونحو وليس الذكر كالأنثى ونحو اليوم أكملت لكم دينكم أو للجنس أما من حيث هو أي للماهية من حيث حضورها\rالذهني بقطع النظر عن الأفراد فتسمى لام الحقيقة نحو الرجل خير من المرأة والإنسان حيوان ناطق والحيوان جنس والناطق فصل\rوأما من حيث وجوده في بعض مبهم مع قرينة ذلك البعض فتسمى لام العهد الذهني نحو قوله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب عليه السلام وأخاف أن يأكله الذئب لعهدية الحقيقة التي لذلك البعض وإن كان ذلك البعض مبهما فمدخولها وإن جرت عليه أحكام المعارف بالنظر لوضعه للحقيقة المعينة ذهنا فيجيء مبتدأ وذا حال بلا مسوغ ووصفا للمعرفة إلا أنه في المعنى كالنكرة نظرا لقرينة ذلك البعض المبهم كالأكل في الآية\r","part":2,"page":140},{"id":479,"text":"وأما من حيث وجوده في جميع الأفراد فتسمى لام الاستغراق كقوله تعالى أحل الله البيع ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق إذ لا عهد مع تحقق قرينة إرادة الفرد دون البعضية المبهمة ودون الحقيقة وهي في الآية تعلق الحكم الشرعي المقتضي للوجود الخارجي ولا وجود للحقيقة في الخارج وقاعدة المعرف فاللام التعريف في الأصول حينئذ أن يحمل على الكلية فيعم جميع أفراد الجنس الذي دخل عليه وإن لم توجد قرينة الكلية كالاستثناء فعلى هذا إذا قال الشخص الطلاق يلزمني مع عدم النية يحتمل أن يكون مقصوده الاستغراق أو العهد وعلى قاعدة الاحتياط في الفروج كان ينبغي أن تلزمه الثلاث كمن طلق ولا يدري أواحدة أم ثلاثا تلزمه الثلاث\rاحتياطا وذلك أن مقتضى اللغة والاحتياط أن يلزمه من الطلاق عدد غير متناه إلا أن المحل لا يقبل إلا ثلاثا فيقتصر عليها كما لو قال أنت طالق مائة فإنه يلزمه الثلاث فقط لعدم قبول المحل لزيادة على ذلك لكن الفقهاء خالفوا هذه القاعدة الأصولية في الطلاق كما خالفوا قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي في الأيمان على ما تقدم من الخلاف بسبب أن مبنى الطلاق والأيمان على العرف والعرف صرف ذلك اللفظ لمطلق الطلاق أي واحد غير معين من أفراده قال ابن الشاط لا أعلم أحدا ألزم الطلاق الثلاث بذلك اللفظ فهو عرف في مطلق الطلاق ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":141},{"id":480,"text":"الفرق الرابع والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الشروط وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الشروط خاصة دون بقية أبواب الاستثناء وذلك لأن الشروط لما كان وجودها غير مؤثر في وجود المشروط ولا في عدمه وإنما المؤثر عدمها في عدمه لأن الشرط كما مر ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم كان من الضروري استثناء الشروط من إطلاق العلماء قاعدة الاستثناء من النفي إثبات وإلا لاتجه ما يورده الحنفية علينا من قولهم لو كان الاستثناء من النفي إثباتا للزم القضاء بصحة الصلاة عند الطهور لقوله {صلى الله عليه وسلم} لا يقبل الله صلاة إلا بطهور والقضاء بصحة النكاح عند الولي لقوله {صلى الله عليه وسلم} لا نكاح إلا بولي واللازم\rضرورة أن كلا من الطهور والولي شرط لا يلزم من وجوده شيء فلا يلزم من القضاء بعدم قبول الصلاة قبل إلا ولا من القضاء بنفي النكاح قبل إلا لأجل عدم الشرط فيهما القضاء بالقبول للصلاة بعد إلا لوجود الطهارة والقضاء بصحة النكاح بعد إلا لوجود الولي ولما لم يلزم ذلك دل على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات وإلا لزم تخلف المدلول عن الدليل وهو خلاف الأصل فلزم أن نقول في دفعه أن هذا الاستثناء الوارد في الحديثين المذكورين ونحوهما من باب الشروط ونحن إنما ندعي أن ذلك في غير الشروط فلا يرد علينا الشروط هذا هو حقيقة الفرق بين القاعدتين المذكورتين فتأمله وخرج عليه الاستثناءات الواقعة في الكتاب والسنة وكلام العرب والحالفين وغيرهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":142},{"id":481,"text":"الفرق الخامس والسبعون بين قاعدة إن وقاعدة إذا وإن اشتركا في كون كل منهما للشرط أي لمطلق الربط بين جملتين وفي الدلالة على مطلق الزمان أي زمن غير معين لا عموم الأزمان لكن بينهما فرق من وجهين الوجه الأول أن إن تدل على الزمان التزاما من جهة أنها من الحروف التي تلازم الدخول على الفعل والفعل يدل على الزمان وعلى الشرط بالمطابقة بعكس إذا ففي قولك إن جاء زيد فأكرمه تدل على إن بالمطابقة على أن الإكرام يتوقف على المجيء وبالالتزام من الجهة المذكورة على أن المجيء لا بد له من أن يكون في زمان فافهم وفي نحو قولك إذا جاء زيد فأكرمه تدل إذا بالمطابقة على الزمان وبالالتزام على الشرط أي توقف الإكرام على المجيء كما في قوله تعالى إذا جاء نصر الله إلى قوله فسبح وقد تكون ظرفا محضا كما في قوله تعالى والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى أي أقسم بالليل في حالة غشيانه وبالنهار في حالة تجليه لأنهما أكمل أحوال الليل والنهار والقسم تعظيم والتعظيم يناسب أعظم الأحوال فلا تدل إذا الظرفية على الشرط التزاما إلا في بعض صورها وهو ما إذا دخلت على شرط ومشروط بخلاف إن فلا تفارق الدلالة على الشرط\rوالوجه الثاني أن إن لا يجوز أن يكون ما تدل عليه من الزمان بالجهة المذكورة أوسع من المظروف فإذا قال إن مت فأنت طالق لم يلزمه طلاق قطعا إذ لا طلاق بعد الموت\r","part":2,"page":143},{"id":482,"text":"وأما إذا فالصحيح كما قال ابن الشاط أنها إن لم تدخل على شرط ومشروط يجوز أن يكون زمانها أوسع من المظروف إذ لا إشكال في أن الظرف يجوز فيه ذلك بمعنى أنه يجاء بلفظ اليوم مثلا فيقال أكلت يوم الخميس وإن كان الأكل لم يقع في جميعه كما يقال ولد النبي {صلى الله عليه وسلم} عام الفيل وتوفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سنة ستين من عام الفيل وهو لم يولد إلا في جزء من عام الفيل ولم يقع موته إلا في جزء من السنة المذكورة وإن دخلت على شرط ومشروط فإما أن يكون وقوع ذلك المشروط بعد وقوع الشرط ممكنا أو لا فإن كان غير ممكن كقوله إذا مت فأنت طالق لم يقع الطلاق إذ ليس معناه إيقاع الطلاق في زمن الموت بعينه حتى يقال يلزمه الطلاق لأن ظرف الموت يجوز أن يكون أوسع من المظروف الذي هو الطلاق فيدخل فيه زمن من أزمنة الحياة يقع فيه الطلاق فيلزمه على خلاف بين العلماء مبني على ملاحظة هذا الوجه بل معناه إيقاع الطلاق في الزمن الذي يلي زمن الموت لما سيتضح ولا طلاق بعد الموت وإن كان ممكنا كقوله إذا دخلت الدار فأنت طالق لزمه الطلاق إذ ليس معناه إيقاع الطلاق في زمن الدخول بعينه بل معناه إيقاعه في الزمن الذي يلي زمن الدخول لضرورة مقتضى الفاء التي للتعقيب وإن لزم عن ذلك أمران أحدهما أن إذا ظرف للدخول لا ظرف للطلاق بل ظرف الطلاق غير مصرح به والثاني تعلقها بدخلت الذي هو\rفعل الشرط لا بطالق وإن كان هو مقتضى قول النحويين المضاف إليه لا يعمل في المضاف لأن قولهم هذا قاعدة لا يسلم فيها الإطلاق ا ه كلام ابن الشاط بتصرف وتوضيح\r","part":2,"page":144},{"id":483,"text":"قلت ويقر به قول النحويين العامل في أسماء الشروط فعل الشرط لا الجواب لأن رتبة الجواب مع متعلقاته التأخير عن الشرط فلا يعمل في متقدم عليه ولأنه قد يقترن بالفاء وإذا الفجائية وما بعدهما لا يعمل فيما قبلهما وهاتان العلتان متحققتان أيضا في إذا والعلة تدور مع المعلول فلذا اضطروا في إذا ونحوها على تسليم إطلاق القاعدة المذكورة إلى تكلفات منها أن عاملها محذوف يدل عليه الجواب لا الجواب لما علمت ومنها أن عاملها هو الجواب وتقييد القاعدتين المذكورتين أعني قاعدة ما رتبته لا يعمل فيما تقدم عليه وقاعدة ما بعد الفاء وإذا الفجائية إلخ بغير الظروف لتوسعهم في الظروف وإن لم تستحق التصدير فما ظنك بما يستحقه ومنها قول العلامة الخضري على ابن عقيل على الألفية ومن جعل شرطها هو العامل كسائر الشروط قال إنها غير مضافة إليه مثلها كما يقول الجميع فيها إذا جزمت كما في المغني وحينئذ فالفرق بينها وبين إذ وحيث أنها يحصل الربط فيها بين جملتي الجواب والشرط بكونها شرطا كما في أين ومتى وأما إذ وحيث فلولا الإضافة ما حصل بهما ربط وعند تجردها عن الشرط تكون مضافة للجملة بعدها بلا خلاف فيما يظهر ليحصل بها الربط فتدبر ا ه\rومنها قول العلامة الأمير على المغني كل كلمتين فأكثر كانتا بمنزلة كلمة واحدة بمعنى وقوعهما معا جزء كلام يجوز أن تعمل أولاهما في الثانية\rكالمضاف إليه ولا يجوز العكس إذ لم تعهد كلمة واحدة بعض أجزائها مقدم من وجه مؤخر من آخر فكذلك ما هو بمنزلتها في المعنى فمن ثم لم تعمل صلة في موصول ولا تابع في متبوع ولا مضاف إليه في مضاف\rوأما كلمة الشرط والشرط فليستا ككلمة واحدة إذ لا يقعان موقع المفرد كالفاعل والمفعول والمبتدأ فيجوز عمل كل واحد منهما في الآخر نحو متى تذهب أذهب و أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى نعم إن لم يعمل الشرط في كلمته نحو من قام قمت جاز وقوعها موقع المبتدأ على ما هو مذهب بعضهم ا ه\r","part":2,"page":145},{"id":484,"text":"قال الشيخ الأبياري في القصر المبني أي فإن من هنا غير ظرف فهي تعمل في الشرط وهو لا يعمل فيها لكن هذا المذهب ضعيف ا ه إذ لا معنى لجعل كلمة إذا مع الشرط إذا جزمت ككلمة واحدة وجعلها معه إذا لم تجزم ليست ككلمة واحدة وأهل العربية قد جعلوهما كسائر كلمات الشرط مع شروطها مطلقا قيدا لجملة الجزاء\rوأما عدم تسليم إطلاق القاعدة المذكورة كما لابن الشاط فلا يحتاجون لشيء من هذه التكلفات فتأمل بإنصاف بل قال ابن الشاط رحمه الله تعالى على الجزم بعدم تسليم إطلاقها وجعل إذا في قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت ظرفا للنسيان\rولم يصرح بظرف الذكر يندفع من أصله ما أورده بعض الفضلاء على جعل إذا ظرفا لا ذكر الذي هو الجواب لأنه ليس مضافا إليه لا لنسيت الذي هو الشرط وإن جاز بالنظر لذاته لكونه مضافا إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف من أن الذكر ضد النسيان وقد دلت الآية على وقوعهما في إذا والضدان لا يجتمعان فكيف أمر بالذكر في زمن النسيان ولم نحتج للجواب عنه المبني على صحته بأن الظرف قد يكون أوسع من المظروف فيفضل من زمان إذا زمان\r","part":2,"page":146},{"id":485,"text":"ليس فيه نسيان يقع فيه الذكر فلا يجتمع الضدان على أن لا يصح أن يكون الظرف أوسع من المظروف على الحقيقة وإنما معنى كون الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف كما مر أنه يطلق لفظ اليوم مثلا في فعل يقع في بعضه لا في جميعه وذلك الإطلاق حقيقة لغوية للإطراد وليس ذلك حقيقة معنوية بمعنى أن ظرف الفعل يكون أوسع منه في المعنى فإن ذلك شيء لا يصح بوجه ولم يزل الإشكال يقع عند كثير من الناس بين الحقائق المعنوية والحقائق اللفظية فيظنها شيئا واحدا وليس الأمر كذلك قال ومعنى قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب بسبب ظلمكم إذ ظلمتم يعني أن إذ ظلمتم تعليل لنفي النفع المأخوذ من لن أي أنهم لعظم ما هم فيه لا يهون عليهم اشتراكهم في العذاب كما كان في الدنيا كما في المغني وحواشيه نعم ظاهر قوله بسبب ظلمكم إذ ظلمتم الجري على القول بأن إذا التعليلية ظرف والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ فإنه إذا قيل ضربته إذ أساء وأريد بإذ الوقت اقتضى ظاهر الحال أن الإساءة سبب الضرب لأن تعليق الحكم بوصف يشعر بعليته لا على القول بأنها حرف بمنزلة لام العلة وذلك لقوله في المغني والجمهور لا يثبتون هذا القسم أي كون إذ حرفا بمنزلة لام العلة ولذا قال الرضي في قوله تعالى وإذ لم يهتدوا به الآية وقوله وإذ اعتزلتموهم الآية\r","part":2,"page":147},{"id":486,"text":"وقوله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم الآية أن الفاء لإجراء الظرف مجرى كلمة الشرط كما ذكره سيبويه في نحو زيد حين لقيته فأنا أكرمه وهو في إذ مطرد ويجوز أن يكون من باب والرجز فاهجر أي مما أضمر فيه وإنما جاز إعمال المستقبل الذي هو سيقولون وآووا وأقيموا في الظروف الماضية التي هي إذ لم يهتدوا وما معه وإن كان وقوع المستقبل في الزمن الماضي محالا لما ذكر في نحو أما زيد فمنطلق من أن الغرض المعنوي هو قصد الملازمة حتى كان هذه الأفعال المستقبلة وقعت في الأزمنة الماضية وصارت لازمة لها كل ذلك لقصد المبالغة ا ه نقله الأبياري في القصر لكن أورد في المغني على القول بأن إذ التعليلة ظرف إشكالين\rأحدهما أنه لو استفيد التعليل من قوة الكلام لكان إذا حذفت إذ وحل محلها وقت استفيد التعليل مع أنه ليس كذلك لاختلاف زمن الفعلين فإن ينفع مستقبل لاقترانه بلن وظلم ماض وكذا إذ ولا بد في التعليل من اتحاد الزمانين في المثال\rوثانيهما أن إذ لا تبدل من اليوم لاختلاف الزمانين أي الدنيا والآخرة فهما متباينان ولا يصح إبدال أحد المتباينين من الآخر ولا تكون ظرفا لينفع لأنه لا يعمل في ظرفين زمانيين ليس أحدهما تابعا للآخر ولا مندرجا فيه مع أن النفع ليس واقعا في وقت الظلم ولا تكون ظرفا لمشتركون لأن معمول خبر الأحرف الستة يعني إن وأخواتها لا يتقدم عليها\rولأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول ولأن اشتراكهم في الآخرة لا في زمن ظلمهم وأجاب عن هذا الثاني بأربعة أجوبة أشار لأولها وثانيها بقوله\rوقال أبو الفتح راجعت أبا علي مرارا في قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم الآية مستشكلا إبدال إذ من اليوم فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وأنهما في حكم الله تعالى سواء فكان اليوم ماض أو كان إذ مستقبلة ا ه\r","part":2,"page":148},{"id":487,"text":"ولثالثها ورابعها بقوله وقيل المعنى إذ ثبت ظلمكم وقيل التقدير بعد إذ ظلمتم وعليهما أيضا فإذ بدل من اليوم ومعنى إن بعد وقبل غير صالحين للاستغناء عنهما عند إضافتهما إلى إذ أنه لا بد من ملاحظة معناهما وإن كان يجوز حذفهما لدليل وهو هنا توقف صحة الكلام على تقدير بعد فهي دلالة اقتضائية قال وإذا لم تقدر إذ تعليلا أي بل جعلت بدلا على أحد الأوجه المتقدمة فيجوز أن تكون إن وصلتها تعليلا أي على تقدير حرف التعليل والفاعل مستتر راجع إلى قولهم يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أو إلى القرين ويشهد له قراءة بعضهم إنكم بالكسر على الاستئناف ويجوز أن تكون هي وصلتها فاعل ينفع ا ه\rبتوضيح من الأبياري هذا وزاد الأصل في الفرق بين إن وإذا وجها ثالثا وهو أن إن لا يعلق عليها إلا مشكوك فيه فلا تقول إن غربت الشمس فأت بخلاف إذا فإنها تقبل المعلوم والمشكوك فيه فتقول إذا غربت الشمس فأت وإذا دخل العبد الدار فهو حر وهذا الوجه وإن صرح به البيانيون إلا\rأن ابن الشاط جزم بأن إن لا يلزم دخولها على المشكوك بل هي لمطلق الربط فقط وكما يفرق بينهما من جهة المعنى بما ذكر كذلك يفرق بينهما أيضا من جهة الصناعة النحوية بأن إن حرف وإذا اسم وظرف وبأن ما بعد إن يكون في موضع جزم بها وما بعد إذا في موضع خفض بها وبأن البناء في إن أصل وفي إذا عارض لأن البناء في الأسماء عارض وفي الحروف أصل إلى غير ذلك من الفروق النحوية التي ليس هذا موضعها فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":149},{"id":488,"text":"الفرق السادس والسبعون بين قاعدة المسائل الفروعية يجوز الاقتداء فيها من أحد المجتهدين فيها بالآخر وبين قاعدة مسائل الأواني والثياب والكعبة ونحوها لا يجوز لأحد المجتهدين فيها أن يقتدي بالآخر قد وقع الفرق بينهما بثلاثة فروق الأول لابن الشاط رحمه الله تعالى قال الفرق الصحيح أن مسألة اقتداء المالكي بالشافعي مع أنه لا يتدلك لا يمكن الخطأ فيها على القول بتصويب المجتهدين أو لا يمكن تعيين الخطأ فيها على القول بعدم التصويب ومسألة الأواني ونحوها لا بد من الخطأ فيها ويمكن تعيينه في بعض الأحوال قلت وإليه يشير قول المازري حكى المذهب الإجماع على صحة الاقتداء بالمخالف في الفروع الظنية وإنما يمنع فيما\rعلم خطؤه كنقض قضاء القاضي قال ويدل على ذلك تفرقة أشهب بين القبلة ومس الذكر ا ه\rأي حيث قال عند ابن سحنون من صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لا شيء عليه بخلاف القبلة يعيد أبدا\rوقال سحنون يعيد فيهما في الوقت كذا في الحطاب عن الذخيرة بتوضيح ما من المواق والفرق الثاني للعز بن عبد السلام بأن الجماعة في الصلاة مطلوبة لصاحب الشرع وكل مطلوب له يغتفر فيه ما يؤدي لقلته ولا يغتفر فيه ما لا يؤدي لقلته فلكثرة وقوع الخلاف في مسائل الفروع لو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في المذهب وأن لا يصلي المالكي إلا خلف المالكي ولا الشافعي إلا خلف الشافعي لقلت الجماعات ولندرة وقوع مثل مسألة الأواني والقبلة لو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في الاجتهاد فيها لم يخل ذلك بالجماعات كبير خلل قال ابن الشاط وهذا فرق ضعيف وليس ذلك عندي بالفرق أي لأن الفرق إنما ينبغي أن يكون من أحد الأمرين اللذين يقع الفرق بينهما لا من غيرهما فافهم\r","part":2,"page":150},{"id":489,"text":"والفرق الثالث للأصل بأن مخالفة الإجماع لتعين المناط في مسألة الأواني ونحوها دون مخالفته لعدم تعين المناط في مسألة البسملة ونحوها اقتضى أن لا يجوز التقليد في الأولى دون الثانية وذلك لأن القاعدة أن قضاء القاضي متى خالف إجماعا أو نصا أو قياسا جليا أو القواعد نقضناه ولا نقره شرعا وإن تأكد\rبقضاء القاضي فأولى أن لا نقره شرعا إذا لم يتأكد كما هنا فكل من اعتقد أنه خالف الإجماع لا نقره شرعا وما ليس بشرع فلا يجوز التقليد فيه ويوضح لك هذا الفرق الأخير مسألتان\rالمسألة الأولى\rاللذان اختلف اجتهادهما في الكعبة من حيث إن أحدهما يعتقد أن الآخر قد خالف الكعبة المجمع عليها المقطوع باعتبارها لا يجوز له أن يقتدي به لأن تارك المجمع عليه المقطوع باعتباره لا يقتدى به والمختلفان في مسح جميع الرأس من حيث إن كل واحد منهما إنما يعتقد في صاحبه أنه خالف ظاهرا من نص أو منطوق به أو مفهوم لفظ لا مجمعا على اعتباره ولا واصلا إلى حد القطع بل هو في محل اجتهاد يجوز لكل منهما أن يصلي خلف صاحبه\rالمسألة الثانية اللذان اختلف اجتهادهما في الأواني أو في الثياب التي اختلط طاهرها بنجسها من حيث إن حكم الله في حق كل واحد منهما وفي حق من قلده في اجتهاده بالإجماع هو ما أدى إليه اجتهاده لا ما أدى إليه اجتهاد غيره يعتقد هو ومن قلده أن غيره لابس في صلاته ما هو مبطل لصلاته بالإجماع وخالف مجمعا عليه ومقطوعا به فلا يجوز له ولا لمن قلده الاقتداء بذلك الغير على القاعدة المتقدمة ومن لم يتدلك في غسله أو لم يبسمل في صلاته\r","part":2,"page":151},{"id":490,"text":"أو توضأ بإناء وقع فيه روث عصفور أو صلى بثوب فيه روث عصفور مجتهدا كان أو مقلدا في ذلك المجتهد من حيث إن حكم الله في حقه وحق من قلده صحة صلاته بما أدى إليه اجتهاده أو اجتهاد مقلده وأنه لم يخالف مجمعا عليه ولا مقطوعا به بل خالف ظاهرا محتملا للتأويل يجوز لغيره أن يقتدي به قال ابن الشاط وهذا الذي ذكره فرقا ليس بفرق لأن الفرق إنما ينبغي أن يكون من أحد الأمرين اللذين يقع الفرق بينهما وذلك موجود فيما ذكرته لا فيما ذكره ا ه\rقلت\rوذلك لأن مخالفة الإجماع وعدم مخالفته وصفان للمجتهد لا للمسألتين المفروق بينهما بخلاف القطع بالخطأ وإمكان تعيينه وعدم إمكان الخطأ ولا إمكان تعيينه فإنهما وصفان للمسألتين المفروق بينهما فافهم وصل الظاهر أن ما ذكر في هذا الفرق ليس مبنيا على قاعدة العوفي التي في قول العلامة الأمير في مجموعه وشرحه والعبرة في شرط صحة الصلاة بمذهبه أي الإمام وفي شرط صحة الاقتداء بمذهب المأموم على ما قاله العوفي وارتضوه قال الرماصي يصح اقتداء مالكي بشافعي في ظهر بعد العصر لاتحاد عين الصلاة والمأموم يراها أداء كما في كبير الخرشي ا ه\rقال الشيخ حجازي فشرط الاقتداء موجود على مذهب المأموم بل كذلك لو التفتنا إلى مذهب الإمام جدلا فإنهما قضاء عنده ولا موجب للتلفيق ا ه\rقال العلامة الأمير عقب ما ذكر بقي أن قاعدة العوفي هل تجري في الأركان حتى يصح خلف حنفي لا يرفع من الركوع وبه صرح شيخنا في حاشية الخرشي أو تقتصر على ما صرح به من الشرط كمسح رأس ونقض وضوء لأن الركن أعظم\rويؤيد هذا الاحتمال ما في الذخيرة عن ابن القاسم لو علمت أن رجلا ترك القراءة في الأخيرتين لم أصل خلفه نقله الحطاب يحرر ا ه بتوضيح ما وبالاحتمال الثاني جزم العلامة الدسوقي حيث قال\rوأما ما كان ركنا داخلا في ماهيتها فالعبرة فيه بمذهب المأموم مثل\r","part":2,"page":152},{"id":491,"text":"شرط الاقتداء فلو اقتدى مالكي بحنفي لا يرى ركنية السلام ولا الرفع من الركوع فإن أتى بهما صحت صلاة مأمومه المالكي وإن ترك الإمام الحنفي الرفع من الركوع أو خرج من الصلاة بأجنبي كانت صلاة مأمومه المالكي باطلة ولو فعل ذلك المأموم المذكور كذا قرر شيخنا العدوي ا ه\rوليس مبنيا أيضا على القاعدة التي يقتضيها قول صاحب الطراز أن الإمام المخالف في الفروع الظنية متى تحقق فعله للشرائط جاز الاقتداء به وإن كان لا يعتقد وجوبها وإلا لم يجز فالشافعي مسح جميع رأسه سنة فلا يضر اعتقاده بخلاف ما لو أم في الفريضة بنية النافلة أو مسح رجليه نقله الخطاب عن الذخيرة وفي المواق قال عياض إن أبا المعالي الجويني قدم عبد الحق الصقلي صلى به وقال له البعض يدخل في الكل يعرض له بمسح الرأس إذ كان أبو المعالي شافعيا ا ه\rوهي أن العبرة بمذهب المأموم مطلقا وإنما ينبغي ما ذكر في هذا الفرق على القاعدة التي حكاها الشيخ حجازي على المجموع بقيل من أن العبرة بمذهب الإمام مطلقا قال الحطاب أجاز القرافي في الفرق السادس والسبعين الصلاة خلف المخالف وإن رآه يفعل ما يخالف مذهبه ا ه فتأمل ذلك وحرر والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":153},{"id":492,"text":"الفرق السابع والسبعون بين قاعدة الخلاف يتقرر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يبطل الخلاف فيها ويتعين قول واحد بعد حكم الحاكم وهو ما حكم به الحاكم على الأوضاع الشرعية بمعنى أن المفتي المخالف إذا استفتى في عين تلك المسألة التي وقع الحكم فيها لا تسوغ له الفتوى فيها بعينها لأنه قد نفذ فيها الحكم بقوله قائل ومضى العمل بها أما إذا استفتى في مثل تلك المسألة قبل أن يقع الحكم فيها فإنه يفتي بمذهبه على أصله فالخلاف إنما يبطل بالنظر إلى المسألة المعينة خاصة مثلا وقف المشاع إذا حكم حاكم بصحته ثم رفعت الواقعة عينها لمن لا يرى صحته وكان يفتي ببطلانه فهو لا يرده ولا ينقضه ونكاح من قال لها إن تزوجتك فأنت طالق إذا حكم حاكم بصحته ثم رفعت مسألته عينها لمن كان يرى لزوم الطلاق له كان عليه أن لا يرد هذا النكاح ولا ينقضه هذا هو مذهب الجمهور وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى ولذلك وقع له في كتاب الزكاة وغيره أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يرد ولا ينقض وأفتى مالك في الساعي الشافعي إذا أخذ من الأربعين شاة لرجلين خليطين في الغنم شاة بأنهما يقتسمانها بينهما ولا يختص بها من أخذت منه كما قاله الشافعي وأبطل ما كان يفتي به ويعتقده\rمن أن الشاة تكون مظلمة ممن أخذت منه معللا بأنه قد حكم الحاكم بخلافه فلا يتعرض لحكمه برد ولا نقض ووقع له ذلك في عدة مسائل في العقود والفسوخ وإن صلاة الجماعة إذا حكم الإمام فيها لا تصلى إلا بإذن من الإمام وغير ذلك بل قال في جمع الجوامع لا ينقض الحكم في الاجتهاديات وفاقا قال المحلي لا من الحاكم به ولا من غيره بأن اختلف الاجتهاد ا ه\rلكن قال الأصل ووقع للشافعية في كتبهم عن بعض أصحابهم أن الحكم إذا رفع لمن لا يعتقده لا ينفذه أي لا يقره على حكم ذلك الحاكم بل يمكن من الخصومة فيه على خلاف ما عليه الجمهور ومالك من أنه يقره على حكم ذلك الحاكم\r","part":2,"page":154},{"id":493,"text":"ولا ينقضه بل يزجر عن الخصومة فيه نظرا لوجهين هما سر الفرق بين القاعدتين المذكورتين أحدهما أنه لولا ذلك لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع وانتشار الفساد ودوام العناد وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام وعلى هذا الوجه اقتصر المحلي حيث قال إذ لو جاز نقضه لجاز نقض النقض وهلم فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الحكومات وثانيهما أن الله تعالى جعل للحاكم أن ينشئ الحكم في مواضع الاجتهاد بحسب ما يقتضي الدليل عنده أو عند إمامه الذي قلده فهو منشئ لحكم الإلزام فيما يلزم والإباحة فيما يباح كالقضاء بأن الموات الذي ذهب إحياؤه صار مباحا مطلقا كما كان قبل الإحياء والإنشاء بمعنى\rأنه منفذ لحكم الله تعالى على وجه الإلزام بل إن الله تعالى قد جعل له أن ما حكم به فهو إما نفس حكمه تعالى بناء على القول بتصويب المجتهدين وإما أنه كالنص الوارد من قبل الله تعالى في خصوص تلك الواقعة من جهة منعه تعالى من نقض أحكام المجتهدين لما في ذلك من المفسدة بناء على القول بعدم التصويب فيئول الحال فيها إلى ما يشبه تعارض الخاص والعام بوجه ما فيقدم الخاص على القاعدة في أصول الفقه مثلا دل الدليل عند مالك رحمه الله تعالى على أن تعليق الطلاق قبل ملك العصمة يلزم وهذا الدليل يشمل صورا لا نهاية لها فإذا رفعت صورة من تلك الصور إلى حاكم شافعي وحكم بصحة النكاح واستمرار العصمة وإبطال الطلاق المعلق على ذلك النكاح كان حكم الشافعي كالنص من الله تعالى الوارد من خصوص تلك الصورة من الجهة المذكورة فيكون الحال في هذه الصورة بمنزلة ما لو قال الله تعالى التعليق قبل الملك لازم وقال التعليق قبل الملك في حق هذه المرأة غير لازم والعصمة فيها تستمر فقلنا هذان نصان خاص وعام فنقدم الخاص على العام على القاعدة الأصولية فكما أن مالكا رحمه الله تعالى يقول فيما لو قال الله تعالى اقتلوا المشركين\r","part":2,"page":155},{"id":494,"text":"وقال لا تقتلوا الرهبان إنا نقتل المشركين ونترك الرهبان جمعا بين نصي الخاص والعام كذلك يقول مالك رحمه الله تعالى هنا أعمل هذا الحكم في هذه الصورة فتبقى بقية الصورة عندي يصح فيها التعليق قبل النكاح جمعا بين ما هو كنصي الخاص والعام وليس المفتي\rكالحاكم فيما ذكر بل هو ناقل ومخبر ومعرف بالحكم انظر كتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام للأصل والله سبحانه وتعالى أعلم تنبيه الشرط في كون حكم الاجتهاديات لا ينقض أن يكون ما حكم به على الأوضاع الشرعية كما علمت وإلا نقض قال في جمع الجوامع وشرحه للمحلي\rفإن خالف الحكم نصا أو ظاهرا جليا ولو قياسا وهو القياس الجلي نقض لمخالفته للدليل المذكور قال في الأشباه وما ذكرناه من النقض عند مخالفة القياس الجلي ذكره الفقهاء وعزاه الغزالي في المستصفى إليهم ثم قال فإن أرادوا به ما هو في معنى الأصل مما نقطع به فهو صحيح وإن أرادوا به قياسا مظنونا مع كونه جليا فلا وجه إذ لا فرق بين ظن وظن ا ه\rأو حكم حاكم بخلاف اجتهاده قلد غيره فيه أو لا نقض حكمه لمخالفته لاجتهاده وامتناع تقليده فيما اجتهد فيه أو حكم حاكم بخلاف نص إمامه غير مقلد غيره من الأئمة حيث يجوز لمقلد إمام تقليد غيره بأن لم يقلد في حكمه أحدا لاستقلاله فيه برأيه أو قلد فيه غير إمامه حيث يمتنع تقليده نقض حكمه لمخالفته لنص إمامه الذي هو في حقه لالتزامه تقليده كالدليل في حق المجتهد أما إذا قلد في حكمه غير إمامه حيث يجوز تقليده فلا ينقض حكمه لأنه لعدالته إنما حكم به لرجحانه عنده ا ه\rبزيادة من حاشية العطار قال العطار قال الإسنوي في التمهيد نقلا عن الغزالي إذا تولى مقلد للضرورة فحكم بمذهب غير مقلده فإن قلنا لا يجوز للمقلد تقليد من شاء بل عليه إتباع مقلده نقض حكمه وإن قلنا له تقليد من شاء لم ينقض ا ه\r","part":2,"page":156},{"id":495,"text":"ونقل ابن الرفعة في الكفاية أن الدامغاني قاضي بغداد الحنفي في أيام المعتضد ولى ابن سريج القضاء وشرط عليه أن لا يحكم إلا بمذهب أبي حنيفة فالتزم ذلك ا ه\rوالمراد بالنص ما يقابل الظاهر فيدخل فيه الإجماع القطعي وفي الظاهر الظني ومحل ذلك في النص الموجود قبل الاجتهاد فإن حدث بعده وهو إنما يتصور في عصره {صلى الله عليه وسلم} لم ينقض صرح به الماوردي وهو ظاهر ويقاس بالنص الإجماع والقياس ا ه زكريا والله أعلم\rالفرق الثامن والسبعون بين قاعدة من يجوز له أن يفتي وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي\rاعلم أن المفتي في اصطلاح الأصوليين كما في تحرير الكمال هو المجتهد المطلق وهو الفقيه قال الصيرفي موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه وناسخه ومنسوخه وكذلك في السنن والاستنباط ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها وقال ابن السمعاني هو من استكمل فيه ثلاثة شرائط الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهل وللمتساهل حالتان إحداهما أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر وهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز والثانية أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة فهذا متجوز في دينه وهو آثم من الأول ا ه\rلكن قال من وصفه الشيخ تاج الدين السبكي في توشيح الترشيح بالمجتهد المطلق الإمام تقي الدين بن دقيق العيد توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم واسترسال الخلق في أهوائهم فالمختار أن\r","part":2,"page":157},{"id":496,"text":"الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلا متمكنا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا هذا مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة كن يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن النبي {صلى الله عليه وسلم} وكذلك فعل علي رضي الله عنه حين أرسل المقداد في قصة المذي وفي مسألتنا أظهر فإن مراجعة النبي {صلى الله عليه وسلم} إذ ذاك ممكنة ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم شرائط الاجتهاد اليوم أي لطول المدة بيننا وبين زمن الأئمة المجتهدين مع ضعف العلم وغلبة الجهل سيما وقد ادعى الإمام محمد بن جرير الطبري وكان إماما جليلا متضلعا من العلوم المنطوق والمفهوم ومن أهل القرن الرابع بلوغه رتبة الاجتهاد المطلق فلم يسلموا له فما بالك بغيره ممن هو في هذه الأعصار البعيدة كما في رسالة كيفية الرد على أهل الزيغ لشيخ شيوخنا السيد أحمد دخلان وفي الحطاب عن ابن عرفة أن استعاذة الفخر في المحصول وتبعه السراج في تحصيله والتاج في حاصله في قولهم في كتاب الاجتهاد ما نصه ولو بقي من المجتهدين والعياذ بالله\rواحد كان قوله حجة ا ه\rوإن بنى على بقاء الاجتهاد في عصرهم والفخر توفي سنة ست وستمائة لكنهم قالوا في كتاب الاستفتاء انعقد الإجماع في زماننا على تقليد الميت إذ لا مجتهد فيه ا ه وإذا انعقد الإجماع على أنه لا مجتهد في القرن السابع فكيف لا ينعقد بالأولى في القرن الرابع عشر وقد قال العطار وفي عصرنا وهو القرن الثالث عشر ضعف الطالب والمطلوب بتراكم عظائم الخطوب نسأل السلامة ا ه\r","part":2,"page":158},{"id":497,"text":"ثم قال السبكي لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق مراتب إحداها أن يصل إلى رتبة الاجتهاد المقيد فيستقل بتقرير مذهب إمام معين ونصوصه أصولا يستنبط منها نحو ما يفعله بنصوص الشارع وهذه صفة أصحاب الوجوه والذي أظنه قيام الإجماع على جواز فتيا هؤلاء وأنت ترى علماء المذهب ممن وصل إلى هذه الرتبة هل منعهم أحد الفتوى أو منعوا هم أنفسهم عنها الثانية من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ للمذهب قائم بتقريره غير أنه لم يرتض في التخريج والاستنباط كارتياض أولئك وقد كانوا يفتون ويخرجون كأولئك ا ه وفي جواز إفتاء من في هذه الرتبة وهو الأصح وثالثها عند عدم المجتهد كما حكاه شافعي متأخر عنه الثالثة من لم يبلغ هذا المقدار ولكنه حافظ لواضحات المسائل غير أن عنده ضعفا في تقرير أدلتها فعلى هذا الإمساك فيما يغمض فهمه فيما لا نقل عنده فيه وليس هذا الذي حكينا فيه الخلاف فإنه لا اطلاع له على المأخذ وكل هؤلاء غير عوام ا ه وهذا يشير إلى أن له الإفتاء فيما لا يغمض فهمه قال متأخر شافعي وينبغي أن يكون هذا راجعا لمحل الضرورة لا سيما في هذه الأزمان ا ه\rوثاني الأقوال فيه المنع مطلقا وثالثها الجواز عند عدم المجتهد وعدم الجواز عند وجود المجتهد وقيل الصواب إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا ولا يحل لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عماه وجهالته بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها وهو حسن إن شاء الله تعالى\r","part":2,"page":159},{"id":498,"text":"أما العامي إذا عرف حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده ففيه أوجه للشافعية وغيرهم أحدها لا مطلقا لعدم أهليته للاستدلال وعدم علمه بشروطه وما يعارضه ولعله يظن ما ليس بدليل دليلا وهذا في بحر الزركشي الأصح ثانيها نعم مطلقا لأنه قد حصل له العلم به كما للعالم وتميز العالم عنه لقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له أمر زائد على معرفة الحق بدليله ثالثها إن كان الدليل كتابا أو سنة جاز وإلا لم يجز لأنهما خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف العمل بما وصل إليه منهما وإرشاد غيره إليه رابعها إن كان نقليا جاز وإلا فلا قال السبكي وأما العامي الذي عرف من المجتهد حكم مسألة ولم يدر دليلها كمن حفظ مختصرا من مختصرات\rالفقه فليس له أن يفتي ورجوع العامي إليه إذا لم يكن سواه أولى من الارتباك في الحيرة\rوكل هذا في من لم ينقل عن غيره أما الناقل فلا يمنع فإذا ذكر العامي أن فلانا المفتي أفتاني بكذا لم يمنع من نقل هذا القدر\rا ه\r","part":2,"page":160},{"id":499,"text":"لكن ليس للمذكور له العمل به على ما في الزركشي لا يجوز للعامي أن يعمل بفتوى مفت لعامي مثله أفاد جميع هذا أمير الحاج في موضعين من شرحه على التحرير الأصولي مع زيادة وتوضيح المقام على ما يرام أن الإفتاء كان في القرون الثلاثة التي شهد لها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقوله خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم من خواص المجتهد المطلق ضرورة أن الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم والفقيه هو المجتهد المطلق وتحقق ماهية المجتهد المطلق لا يوجد إلا بشروط منها ما هي صفة فيه وهي ما ذكره في جمع الجوامع بقوله مع توضيح من شرح المحلي وغيره هو البالغ العاقل أي ذو الملكة التي يدرك بها المعلوم أي ما من شأنه أن يعلم فقيه النفس أي شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام وإن أنكر القياس العارف بالدليل العقلي أي البراءة الأصلية والتكليف به في الحجية بأن يعلم أنا مكلفون بالتمسك باستصحاب العدم الأصلي إلى أن يصرف عنه دليل شرعي من نص أو إجماع أو قياس ذو الدرجة الوسطى أو الكاملة لغة وعربية من نحو وتصريف وأصولا بأن يكون عارفا بالقواعد الأصولية وبلاغة من معان وبيان وما تتعلق الأحكام به بدلالته عليها من كتاب وسنة وإن لم يحفظ المتون ليتأتى له الاستنباط المقصود بالاجتهاد أما علمه بآيات الأحكام وأحاديثها أي مواقعها\r","part":2,"page":161},{"id":500,"text":"وإن لم يحفظها فلأنها المستنبط منه وأما علمه بأصول الفقه فلأنه يعرف به كيفية الاستنباط وغيرها لما يحتاج إليه وأما علمه بالباقي فلأنه لا يفهم المراد من المستنبط منه إلا به لأنه عربي بليغ ومنها ما هو شرط في الاجتهاد لا صفة في المجتهد وهي ما نقله ابن السبكي عن والده في جمع الجوامع من كونه خبيرا بمواقع الإجماع كي لا يخرقه وبالناسخ والمنسوخ ليقدم الأول على الثاني وبأسباب النزول لترشده إلى فهم المراد وبشرط المتواتر والآحاد المحقق لهما ليقدم الأول على الثاني وبالصحيح والضعيف من الحديث أي ماصدقات الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة لا مفاهيمها فإن ذلك اصطلاح حادث ليقدم ماصدق الصحيحة والحسنة على ماصدق الضعيفة وبحال الرواة في القبول والرد ليقدم المقبول على المردود ويشترط لاعتماد قوله لا لاجتهاده العدالة واختلفوا في كون البحث عن المعارض كالمخصص والمقيد والناسخ\rوعن اللفظ هل معه قرينة تصرفه عن ظاهره ليسلم ما يستنبطه عن تطرق الخدش إليه لو لم يبحث واجبا أو أولى فيجوز له أن يتمسك بالعام قبل البحث عن المخصص على الأصح ا ه وهذه الشروط قد اتفقوا على تسليم تحققها في علماء تلك القرون ولم يعارضوا من ادعى الاجتهاد\rالمطلق منهم\rوأما علماء القرن الرابع وعلماء من بعده من القرون إلى هذا القرن فوقع الاختلاف في تسليم تحقق تلك الشروط في بعضهم وعدم تسليم ذلك فادعى جماعة من علماء القرن الرابع فما بعده تحقق تلك الشروط فيه وأنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق بناء على أمور أحدها قول ابن السبكي في جمع الجوامع مع توضيح من المحلي ويكفي الخبرة بحال الرواة في زماننا الرجوع إلى أئمة ذلك من المحدثين كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم فيعتمد عليهم في التعديل والتجريح لتعذرهما في زماننا إلا بواسطة وهم أولى من غيرهم\r","part":2,"page":162},{"id":501,"text":"وثانيها قول العلامة المحقق الشيخ جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي رحمه الله تعالى في رسالته الرد على من أخلد إلى الأرض أن الاجتهاد المطلق قسمان مستقل وغير مستقل والمستقل هو الذي استقل بقواعده لنفسه يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذاهب المقررة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم من مجتهدي القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية قال السيوطي\rوهذا القسم قد فقد من دهر بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه ولم يجز له نص عليه غير واحد قال ابن برهان في كتابه في الأصول أصول المذاهب وقواعد الأدلة منقولة عن السلف فلا يجوز أن يحدث في الأعصار خلافها ا ه كلام ابن برهان وهو من أصحابنا الشافعية\rوقال ابن المنير وهو من أئمة المالكية اتباع الأئمة الآن الذين حازوا شروط الاجتهاد مجتهدون ملتزمون أن لا يحدثوا مذهبا أما كونهم مجتهدين فلأن الأوصاف قائمة بهم\r","part":2,"page":163},{"id":502,"text":"وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبا فلأن إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب ا ه كلامه وذكر نحوه ابن الحاج في المدخل وهو مالكي أيضا والمجتهد غير المستقل هو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد المذكورة التي اتصف بها المجتهد المستقل إلا أنه لم يبتكر لنفسه قواعد بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد قال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح في كتابه آداب الفتيا وهذا لا يكون مقلد الإمامة لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد وادعى الأستاذ أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا فحكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذهب أئمتهم تقليدا لهم ثم قال والصحيح الذي عليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدا له بل لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي وذكر أبو علي السنجي نحو هذا فقال اتبعنا الشافعي دون غيره لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه\rقال النووي\r","part":2,"page":164},{"id":503,"text":"هذا الذي ذكره موافق لما أمرهم به الشافعي ثم المزني في أول مختصره وغيره بقوله مع إعلامه بنهيه عن تقليد غيره قال ثم فتوى المفتي في هذا النوع كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف ا ه كلام النووي قال السيوطي فالمطلق أعم مطلقا من المستقل فكل مستقل مطلق وليس كل مطلق مستقلا والذي ادعيناه هو الاجتهاد المطلق لا الاستقلال بل نحن تابعون للإمام الشافعي رضي الله عنه وسالكون طريقه في الاجتهاد امتثالا لأمره ومعدودون من أصحابه وكيف يظن أن اجتهادنا مقيد والمجتهد المقيد إنما ينقص عن المطلق بإخلاله بالحديث والعربية وليس على وجه الأرض من مشرقها إلى مغربها أعلم بالحديث والعربية مني إلا أن يكون الخضر أو القطب أو أولياء الله فإن هؤلاء لم أقصد دخولهم في عبارتي والله أعلم ا ه كلام السيوطي الأمر الثالث أن الاجتهاد المطلق فرض كفاية فكيف يدعي خلو الأرض عمن يقوم به فيأثم جميع الأمة المحمدية كما في رسالة السيوطي المذكورة وفي حاشية الباجوري على ابن قاسم وادعى الجلال السيوطي بقاءه إلى آخر الزمان واستدل بقوله {صلى الله عليه وسلم} يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ومنع الاستدلال بأن المراد بمن يجدد أمر الدين من يقرر الشرائع والأحكام لا المجتهد المطلق ا ه\rوالجمهور على أن شروط الاجتهاد المطلق المذكورة لم تتحقق في شخص من علماء القرن الرابع فما بعده وأن من ادعى بلوغها منهم لا تسلم له دعواه ضرورة أن بلوغها لا يثبت بمجرد الدعوى وأن فرض الكفاية لا يجب على المكلفين به تحصيله وإنما يجب عليهم الاجتهاد في تحصيل شروطه بقدر ما في طاقاتهم البشرية فإذا تعذر عليهم تحصيلها كيف يدعي تأثيم جميعهم قال ابن أبي الدم عالم الأقطار الشامية بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق هذه الشروط يعز وجودها في زماننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق\rوقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه الوسيط\r","part":2,"page":165},{"id":504,"text":"وأما شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي فقد تعذرت في وقتنا وفي الإنصاف من كتب السادة الحنابلة أنه من زمن طويل عدم المجتهد المطلق وقال الفخر الرازي والرافعي والنووي إن الناس كالمجمعين اليوم على أنه لا مجتهد وقد تقدم عن شيخ شيوخنا في رسالته كيفية الرد على أهل الزيغ أن الإمام محمد بن جرير الطبري قد ادعى بلوغه رتبة الاجتهاد المطلق فلم يسلموا له وهو إمام جليل متضلع من العلوم المنطوق والمفهوم ومن أهل القرن الرابع فما بالك بغيره ممن هو في هذه الأعصار البعيدة وعلى أن المجتهد المطلق لا يكون إلا مستقلا وأن من له أن يفتي عبارة عن غير العامي ومن ليس له أن يفتي عبارة عن العامي وأن غير العامي إما مجتهد غير مستقل وله مرتبتان المرتبة الأولى أشار لها في جمع الجوامع بقوله مع الشرح ودونه أي دون المجتهد المطلق المتقدم مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه التي يبديها على نصوص إمامه في المسائل ا ه\rوقال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح أيضا وهو ما يكون مستقلا بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول\rإمامه وقواعده وشرطه كونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيما بإلحاق ما ليس منصوصا عليه لإمامه بأصوله ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل بأن يخل بالحديث أو العربية وكثيرا ما أخل بهما المقيد ثم يتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه والعامل بفتوى هذا مقلد لإمامه لا له ثم ظاهر كلام الأصحاب أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية قال ابن الصلاح ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى وإن لم يتأد في إحياء العلوم التي منها استمداد للفتوى ا ه\r","part":2,"page":166},{"id":505,"text":"ومراده بقوله وهذه صفة أصحابنا إلخ مثل المزني والبويطي صاحبي الشافعي وابن القاسم وأشهب صاحبي مالك وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة والإمام الخلال وإبراهيم الحربي والشيخ حنبل وصالح بن الإمام أحمد من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ولا خلاف في جواز إفتاء من في هذه المرتبة والأصل لم يتعرض لمن في هذه المرتبة ولعله لعدم وجوده سيما في هذه الأعصار قال شيخ شيوخنا في رسالته المذكورة لا يجوز لأهل هذه الأعصار الاستنباط في شيء من الآيات والأحاديث بل يجب عليهم الأخذ بأقوال أئمة الدين واتباعهم في كل ما يقولون من الأحكام الفقهية وتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية\rولو لم نقل ذلك لزم الزيغ والضلال والإلحاد في الدين لأن كثيرا من الآيات والأحاديث يعارضها مثلها من الآيات والأحاديث ولا إطلاع لغير المجتهدين على ذلك إلا بالنقل عنهم وبعضها منسوخ وبعضها مخصوص وبعضها مجمل وبعضها متشابه إلى غير ذلك من الأقسام ا ه المراد وهو مبني على قول الأكثرين من جواز خلو الزمان حتى عن مجتهد المذهب ففي العطار على محلي جمع الجوامع قال الصفي الهندي المختار عند الأكثرين أنه يجوز خلو عصر من الأعصار عن الذي يمكن تفويض الفتوى إليه سواء كان مجتهدا مطلقا أو كان مجتهدا في مذهب المجتهدين المطلق ومنع منه الأقلون كالحنابلة ا ه سم سيما ونحن الآن في القرن الرابع عشر وقد قال الشيخ الأخضري في سلمه المنورق لا سيما في عاشر القرون ذي الجهل والفساد والفتون المرتبة الثانية أشار لها في جمع الجوامع بقوله مع الشرح ودونه إلخ أي دون مجتهد المذهب مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قول له على آخر أطلقهما ا ه\rوسماه العلامة السيوطي في رسالته المذكورة مجتهد الترجيح وقال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح أيضا وهو من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها\r","part":2,"page":167},{"id":506,"text":"يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب أو الارتياض في الاستنباط ومعرفة الأصول ونحوها من أدلتها ا ه\rوقال شيخ شيوخنا في رسالته ومجتهدو الفتوى من كملوا في العلم والمعرفة من أرباب المذهب حتى وصلوا لرتبة الترجيح للأقوال وهم كثيرون كالرافعي والنووي وابن حجر والرملي في مذهب الشافعي ا ه بتوضيح\rوقال شيخ والدي الشيخ إبراهيم الباجوري على ابن قاسم إن الرملي وابن حجر لم يبلغا مرتبة الترجيح بل هما مقلدان فقط نعم قال بعضهم بل لهما ترجيح في بعض المسائل بل والشبراملسي أيضا ا ه وكالمازري وابن رشد واللخمي وابن العربي والقرافي في مذهب الإمام مالك وكابن نجيم والسرخسي والكمال بن الهمام والطحاوي في مذهب أبي حنيفة وكأبي يعلى وابن قدامة وأبي الخطاب والقاضي علاء الدين في مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقال الأصل وحال من في هذه المرتبة أن يحيط بتقييد جميع مطلقات المذهب وتخصيص جميع عموماته وبمدارك إمامه ومستنداته وحكمه أنه يفتي بما يحفظه ويخرج ويقيس بشروط القياس ما لا يحفظه على ما يحفظه ا ه\r","part":2,"page":168},{"id":507,"text":"وهذا أصح الأقوال الثلاثة المتقدمة وأما عالم غير مجتهد بأن لم يبلغ درجة مجتهد الفتوى ولا ينزل إلى درجة العامي وسماه العلامة السيوطي في رسالته المذكورة مجتهد الفتيا نظرا لما تقدم عن ابن دقيق العيد وعن شارح التحرير الأصولي من أنه رتبة ثالثة لغير المجتهد المطلق من العلماء المقلدين إلا أن كلام شارح التحرير المار وكلام ابن رشد الآتي على أنه ليس بمجتهد فتيا بل مجتهد الفتيا هو مجتهد الترجيح فتأمل قال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح أيضا وهو من يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقولات معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه به والفتوى به وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط مجتهد في المذهب وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه ا ه\rوهذا هو الراجح من الأقوال الأربعة المتقدمة وهو مثل قول الأصل وحال هذا أن يتسع إطلاعه بحيث يعلم بتقييد المطلقات وتخصيص العمومات لكنه لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته وحكمه أنه يفتي بما يحفظه وينقله من مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا لا بكل قول فيه إذ لا يعرى مذهب من المذاهب عن قول خالف فيه المجتهد الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لكنه قد يقل وقد يكثر\rوهذا النوع لا يجوز للمقلد أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى وذلك لأنه لو حكم به حاكم لنقضناه ولا نقره شرعا وإن تأكد بحكمه فأولى أن نقره شرعا إذا لم يتأكد ولا يعلم في مذهبه إلا من عرف القواعد الشرعية والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك بالمبالغة في تحصيل مسائل الفقه بأصولها مع معرفة علم أصول الفقه معرفة\r","part":2,"page":169},{"id":508,"text":"حسنة لا بمجرد معرفة أصول الفقه فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلا وذلك هو الباعث على وضع هذا الكتاب المسمى كتاب الأنوار والقواعد السنية لأضبط تلك القواعد حسب طاقتي ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهو أمر لازم وكذلك كان السلف رضي الله عنهم متوقفين في الفتيا توقفا شديدا\rوقال مالك لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك يريد تثبت أهليته عند العلماء ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على ضد ما هو عليه إذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا لأن التحنيك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء حتى إن مالكا سئل عن الصلاة بغير تحنيك فقال لا بأس بذلك وهو إشارة إلى تأكد التحنيك وهذا هو شأن الفتيا في الزمن القديم\rوأما اليوم فقد انخرق هذا السياج وسهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم لا يدري فلا جرم آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال والمتجرئين على دين الله تعالى ا ه\r","part":2,"page":170},{"id":509,"text":"قال الحطاب في شرحه على المختصر والظاهر أن قوله بحيث يعلم تقييد المطلقات وتخصيص العمومات يعني يغلب على ظنه ذلك وأما القطع بأن هذه الرواية ليست مقيدة فبعيد ويكفي الآن في ذلك وجود المسألة في التوضيح أو في ابن عبد السلام قال ابن فرحون قال المازري في كتاب الأقضية الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه في نقل المذهب أن يكون قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب وتأويل الشيوخ لها وتوجيههم لما وقع فيها من اختلاف ظواهر واختلاف مذاهب وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق إلى النفس تباعدها وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها وتشابهها إلى غير ذلك مما بسطه المتأخرون في كتبهم وأشار إليه المتقدمون من أصحاب مالك في كثير من رواياتهم فهذا لعدم النظار يقتصر على نقله عن المذهب ا ه\rوفي آخر خطبة البيان والتحصيل لابن رشد قال إذا جمع الطالب المقدمات إلى هذا الكتاب يعني البيان والتحصيل حصل على معرفة ما لا يسع جهله من أصول الديانات وأصول الفقه وعرف العلم من طريقه وأخذه من بابه وسبيله وأحكم رد الفرع إلى الأصل واستغنى بمعرفة ذلك كله عن الشيوخ في المشكلات وحصل مرتبة من يجب تقليده في النوازل المعضلات ودخل في زمرة العلماء الذين أثنى الله عليهم في غير ما آية من كتابه ووعدهم فيه بترفيع الدرجات ا ه كلام الحطاب بتغيير ما\rقال وجعل القرافي أن ما خالف فيه الإمام النص نظير ما خالف فيه الإجماع في عدم جواز نقله للناس وإفتائهم به ليس بشيء لنص مالك في كتاب الجامع من العتبية وغيره\rعلى مخالفة نص الحديث الصحيح إذا كان العمل بخلافه ا ه وهو مبني على جعل قوله السالم عن المعارض الراجح وصفا لخصوص القياس الجلي لا له وللنص وإلا لم يرد عليه ذلك فتأمل بإنصاف\r","part":2,"page":171},{"id":510,"text":"هذا وقال الأصل وما ليس محفوظا من روايات المذهب لمن في هذه المرتبة لا يجوز له تخريجه على ما هو محفوظ له منها وإن كثرت منقولاته جدا إلا إذا حصلت له شروط التخريج من حفظه قواعد الشريعة بالمبالغة في تحصيل مسائل الفقه بأصولها ومعرفته علم أصول الفقه وكتاب القياس وأحكامه وترجيحاته وشرائطه وموانعه معرفة حسنة وعلمه بأن قول إمامه المخرج عليه ليس مخالفا للإجماع ولا للقواعد ولا لنص ولا لقياس جلي سالم عن معارض راجح وكثير من الناس يقدمون على التخريج دون هذه الشروط بل صار يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقول إمامه وذلك فسق ولعب في دين الله تعالى ممن يتعمده ا ه ويتعين جعل قوله سالم عن معارض راجح وصفا لكل من القياس الجلي والنص لا لخصوص القياس الجلي حتى يتوجه عليه إيراد الحطاب فافهم\rوأما العامي فله مرتبتان المرتبة الأولى أن يعرف من المجتهد حكم حادثة بدليلها وفي جواز إفتائه بما عرفه مطلقا وأن يقلده غيره فيه ثالثها إن كان الدليل كتابا أو سنة رابعها إن كان نقليا والأصح منها كما في بحر الزركشي الثاني أي المنع مطلقا المرتبة الثانية أن يعرف من المجتهد حكم مسألة ولم يدر دليلها أو يحفظ مختصرا من مختصرات الفقه فلا يجوز له أن يفتي بما عرفه نعم رجوع العامي إليه إذا لم يكن سواه أولى من الارتباك في الحيرة ويجوز له أن ينقل ما أفتاه به المجتهد لغيره نعم في بحر الزركشي لا يجوز للعامي أن يعمل بفتوى مفت لعامي مثله وإلى حال من في هذه المرتبة الثانية وحكم فتواه أشار الأصل بقوله أن يحفظ كتابا فيه عمومات مخصصة في غيره ومطلقات مقيدة في غيره فهذا يحرم عليه أن يفتي بما فيه إلا في مسألة يقطع أنها مستوفية للقيود وتكون هي الواقعة بعينها ا ه\r","part":2,"page":172},{"id":511,"text":"وإلى حكم فتوى من في المرتبة الأولى يشير قوله إلا في مسألة يقطع أنها مستوفية إلخ فتأمل بدقة إذا علمت هذا علمت أن كلام الأصل في هذا الفرق وجواب ابن رشد لما سئل عن الفتوى وصفة المفتي قد حصراه في مجتهد الفتوى والترجيح والعالم الذي لم يبلغ درجته وصاحب المرتبة الثانية من مرتبتي العامي المارتين مع إدماج صاحب المرتبة الأولى منهما مع صاحب الثانية وحاصل كلام الأصل كما في الحطاب على متن سيدي خليل أن لطالب العلم ثلاث حالات الأولى أن يحفظ كتابا فيه عمومات مخصصة في غيره ومطلقات مقيدة في غيره فهذا يحرم عليه أن يفتي بما فيه إلا في مسألة يقطع أنها مستوفية القيود وتكون هي الواقعة بعينها\rالثانية أن يتسع اطلاعه بحيث يعلم بتقييد المطلقات وتخصيص العمومات لكنه لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته فهذا يفتي بما يحفظه وينقله من المشهور في ذلك المذهب ولا يخرج مسألة ليست منصوصة على ما يشبهها الثالثة أن يحيط بذلك وبمدارك إمامه ومستنداته وهذا يفتي بما يحفظه ويخرج ويقيس بشروط القياس ما لا يحفظه على ما يحفظه ا ه\r","part":2,"page":173},{"id":512,"text":"وجواب ابن رشد كما في شرح الحطاب على خليل نقلا عن وثائق ابن سلمون أن الجماعة التي تنسب إلى العلوم وتتميز عن جملة العوام في المحفوظ والمفهوم تنقسم على ثلاثة طوائف طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا بغير دليل فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه دون التفقه في معانيها بتمييز الصحيح منها والسقيم فهذه لا يصح لها الفتوى بما علمته وحفظته من قول مالك وقول أحد من أصحابه إذ لا علم عندها بصحة شيء من ذلك إذ لا يصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم ويصح لها في خاصتها إن لم تجد من يصح لها أن تستفتيه أن تقلد مالكا أو غيره من أصحابه فيما حفظته من أقوالهم وإن لم يعلم من نزلت به نازلة من يقلده فيها من قول مالك وأصحابه فيجوز للذي نزلت به النازلة أن يقلده فيما حكاه له من قول مالك في نازلته ويقلد مالكا في الأخذ بقوله فيها وذلك أيضا إذا لم يجد في عصره من يستفتيه في نازلته فيقلده فيها\r","part":2,"page":174},{"id":513,"text":"وإن كانت النازلة قد علم فيها اختلافا من قول مالك وغيره فأعلمه بذلك كان حكمه في ذلك حكم العامي إذا استفتى العلماء في نازلته فاختلفوا عليه فيها وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال أحدها أن يأخذ بما شاء من ذلك الثاني أن يجتهد من ذلك فيأخذ من ذلك بقول أعلمهم الثالث أن يأخذ بأغلظ الأقوال والطائفة الثانية منهم اعتقدت صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة أصوله التي بناه عليها فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه وتفقهت في معانيها فعلمت الصحيح منها الجاري على أصوله من السقيم الخارج إلا أنها لم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول وهذه يصلح لها إذا استفتيت أن تفتي بما علمته من قول مالك وقول غيره من أصحابه إذا كانت قد بانت لها صحته كما يجوز لها في خاصتها الأخذ بقوله إذا بانت لها صحته ولا يجوز لها أن تفتي بالاجتهاد فيما لا تعلم فيه نصا من قول مالك أو قول غيره من أصحابه وإن كانت قد بانت لها صحته إذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد الذي يصح لها بها قياس من الفروع على الأصول والطائفة الثالثة منهم اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها أيضا من صحة أصوله لكونها عالمة أحكام القرآن عارفة للناسخ والمنسوخ والمفصل والمجمل والخاص من العام عالمة بالسنن الواردة في\r","part":2,"page":175},{"id":514,"text":"الأحكام مميزة بين صحيحها من معلولها عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وبما اتفقوا عليه واختلفوا فيه عالمة من علم اللسان بما يفهم به معاني الكلام عالمة بوضع الأدلة في مواضعيها وهذه هي التي يصح لها الفتوى عموما بالاجتهاد والقياس على الأصول التي هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة بالمعنى الجامع بينها وبين النازلة وعلى ما قيس عليها إن قدم القياس عليها ومن القياس جلي وخفي لأن المعنى الذي يجمع بين الأصل والفرع قد يعلم قطعا بدليل قاطع لا يحتمل التأويل وقد يعلم بالاستدلال فلا يوجب إلا غلبة الظن ولا يرجع إلى القياس الخفي إلا بعد القياس الجلي وهذا كله يتفاوت العلماء في التحقيق بالمعرفة به تفاوتا بعيدا وتفترق أحوالهم أيضا في جودة الفهم لذلك وجودة الذهن فيه افتراقا بعيدا إذ ليس العلم الذي هو الفقه في الدين بكثرة الرواية والحفظ وإنما هو نور يضعه الله حيث يشاء فمن اعتقد في نفسه أنه ممن تصح له الفتوى بما آتاه الله عز وجل من ذلك النور المركب على المحفوظ المعلوم جاز له أن يفتي وإذا اعتقد الناس فيه ذلك جاز له أن يفتي فمن الحق للرجل أن لا يفتي حتى يرى نفسه أهلا لذلك على ما حكى مالك عن ابن هرمز أشار بذلك على من استشاره السلطان فاستشاره في ذلك ا ه\rتنبيهات الأول الاستنباط لغة استخراج الماء من العين من قولهم نبط الماء إذا خرج من منبعه واصطلاحا استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة كما في تعريفات الجرجاني قال المحلي على جمع الجوامع أن يستنبط الحكم بأن الجمع المعرف بأل عام مما نقل أن هذا الجمع يصح الاستثناء منه حيث لا حصر فيه أي إخراج بعضه بإلا أو إحدى أخواتها بأن يضم إليه كبرى مأخوذة من قولهم معيارا لعموم الاستثناء وهي كل ما صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام لينتج مطلوب وهو أن هذا الجمع عام ا ه بتوضيح للمراد\r","part":2,"page":176},{"id":515,"text":"وفي حاشيتي الشربيني والعطار على محلي جمع الجوامع الاستنباط استنتاج الأحكام من الأدلة قال الشافعي رضي الله عنه إذا رفعت إلى المجتهد واقعة فليعرضها على نصوص الكتاب فإن أعوزه فعلى الأخبار المتواترة ثم على الآحاد فإن أعوزه لم يخض في القياس بل يلتفت إلى ظواهر القرآن فإن وجد ظاهرا نظر في المخصصات من قياس أو خبر فإن لم يجد تخصيصا حكم به وإن لم يعثر على لفظ من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فإن وجدها مجمعا عليها اتبع الإجماع\rفإن لم يجد إجماعا خاض في القياس ويلاحظ القواعد الكلية أولا ويقدمها على الجزئيات كما في القتل بالمثقل يقدم قاعدة الردع والزجر على مراعاة الآلة فإن عدم قاعدة كلية نظر في النصوص ومواقع الإجماع فإن وجدها في معنى واحد ألحق به وإلا انحدر إلى قياس مخيل فإن أعوزه تمسك بالشبه ولا يعود على طرد إن كان يؤمن بالله ويعرف مأخذ الشرع هذا تدريج النظر على ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى ولقد أخر الإجماع\rعن الإخبار وذلك تأخير مرتبة لا تأخير عمل إذ الفعل به مقدم لكن الخبر يتقدم في المرتبة عليه فإنه مستند قبول الإجماع قاله الغزالي في المنخول ا ه\rالتنبيه الثاني القياس لغة عبارة عن رد الشيء إلى نظيره وعند أهل الأصول إبانة مثل حكم المذكور بمثل علته في الآخر أي إظهار مثل حكم المذكور في النص بمثل علته في آخر لم ينص عليه لا إثباته لأن القياس غير مثبت للحكم بل مظهر له واحترز بمثل الحكم ومثل العلة عن لزوم القول بانتقال الأوصاف واختيار لفظ المذكور ليشمل القياس بين المعدومين أيضا وأركانه\r","part":2,"page":177},{"id":516,"text":"أربعة مقيس عليه ومقيس ومعنى مشترك بينهما وحكم المقيس عليه يتعدى بواسطة المشترك إلى المقيس وفي التعبير بالأصل والفرع عن الأولين وهو الأقرب أو عن غيرهما كحكم المقيس عليه أو الأصل دليل حكم المقيس عليه خلاف وينقسم إلى جلي وهو ما تسبق إليه الأفهام وإلى خفي وهو ما يكون بخلافه ويسمى في الأغلب بالاستحسان وإن كان الاستحسان أعم مطلقا منه لأنه قد يطلق على ما ثبت بالنص والإجماع والضرورة كما في تعريفات الجرجاني ومحلي جمع الجوامع ولكل واحد من أركانه الأربعة شروط تطلب من كتب الأصول قال الحطاب في شرح ورقات إمام الحرمين مع المتن\rوينقسم القياس إلى ثلاثة أقسام قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم بحيث لا يحسن عقلا تخلف الحكم عنها ولو تخلف عنها لم يلزم منه محال كما هو شأن العلل الشرعية كقياس تحريم ضرب الوالدين على التأفيف بجامع الإيذاء فإنه لا يحسن في العقل إباحة الضرب مع تحريم التأفيف بناء على القول بأن الدلالة فيه على الحكم قياسية والقول الثاني أن الدلالة فيه من دلالة اللفظ على الحكم وقياس الدلالة ما كانت العلة فيه دالة على الحكم غير موجبة له أي ما يكون الحكم فيه لعلة مستنبطة يجوز أن يترتب الحكم عليها في الفرع ويجوز أن يتخلف وهذا أضعف من الأول وهو غالب أنواع الأقيسة كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه بجامع أنه مال نام ويجوز أن يقال لا يجب في مال الصبي كما قال أبو حنيفة وقياس الشبه ما كان الفرع فيه مترددا بين أصلين وهو أكثر شبها بأحدهما فيلحق به كالعبد المقتول فإنه متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث إنه آدمي وبين البهيمة من حيث إنه مال وهو بالمال أكثر شبها من الحر بدليل أنه يباع ويورث ويوقف وتضمن أجزاؤه بما نقص من قيمته فيلحق به وتضمن قيمته وإن زادت على دية الحر وهذا أضعف مما قبله فلا يصار إليه مع إمكان ما قبله ا ه\r","part":2,"page":178},{"id":517,"text":"بتصرف قلت والأول هو المراد بالجلي والثاني والثالث هو المراد بالخفي نعم قال الرازي كما في حاشية الجمل على الجلالين إن قوله تعالى في سورة العنكبوت ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم\rبها من أحد من العالمين دال على وجوب الحد في اللواطة لأنها اشتركت مع الزنا في كونها فاحشة وهذا وإن كان قياسا أي من أمثلة قياس الدلالة الظني إلا أن الجامع مستفاد من الآية ا ه\rأي من النص وكل ما استفيد من النص فهو قطعي الدلالة لا ظنيها فتأمل بإمعان وقد اقتصرت في المقدمة تبعا لابن رشد الحفيد في بدايته على القول بأن دلالة نحو تحريم التأفيف في الآية على تحريم الضرب لفظية لا قياسية وهو الذي اعتمده ابن السبكي في جمع الجوامع فافهم\r","part":2,"page":179},{"id":518,"text":"قال الأصل ولا يجوز القياس للمقلد ولا لإمامه إلا بعد الفحص المنتهي إلى غاية أنه لا فارق هناك ولا معارض ولا مانع يمنع من القياس ولا يتأتى الفحص المذكور من المقلد إلا بعد إحاطته بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة ومعرفته رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتمية وهل هي من باب المناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم وهل هي من باب المصلحة المرسلة التي هي أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار أو هي من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة أو قياس الإحالة أو المناسب القريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في نظر الشرع عند المجتهدين الموضحة في كتب أصول الفقه وذلك لأن نسبة هذا المقلد إلى إمامه في القياس على أصول مذهبه كنسبة إمامه لصاحب الشرع في القياس على مقاصده فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق لأن الفارق مبطل للقياس والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه مثلا لو وجد إمامه صاحب الشرع قد نص على حكم ومصلحة من باب الضروريات حرم عليه أن يقيس عليه ما هو من باب الحاجات أو التتمات لكون هاتين ضعيفتين ومرجوحتين بالنسبة إلى الأولى ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف كذلك هذا المقلد لا يجوز له أن يقيس فرعا على فرع نص إمامه عليه مع قيام الفارق بينهما مثلا إمامه أفتى في فرع بني على علة اعتبر فرعها في نوع الحكم لا يجوز له هو أن يقيس على أصل إمامه فرعا مثل ذلك الفرع لكن علته من قبيل ما شهد جنسه لجنس الحكم لقوة النوع ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف أو وجد إمامه اعتمد على مصلحة من باب الضروريات لا يجوز له هو أن يقيس عليها مثلها لكنها من باب الحاجات أو التتمات إذ لعل إمامه راعى خصوص تلك القوة وذلك لخصوص منتف هنا أو وجد إمامه اعتبر مصلحة سالمة عن","part":2,"page":180},{"id":519,"text":"المعارض لقاعدة أخرى حرم عليه أن يفتي فيما فيه عن تلك المصلحة لكنها معارضة لقاعدة أخرى أو بقواعد لقيام الفارق\rالتنبيه الثالث التخريج في اصطلاح العلماء تعرف أحكام جزئيات موضوع القاعدة من القاعدة المشتملة على تلك الأحكام بالقوة القريبة من الفعل بإبرازها من القوة إلى الفعل بأن تجعل القاعدة نحو\rالأمر للوجوب حقيقة كبرى قياس من الشكل الأول لصغرى سهلة الحصول لأن محمولها موضوع الكبرى وموضوعها هو الجزئي الذي قصد تعرف حكمه فيقال أقيموا الصلاة أمر والأمر للوجوب حقيقة تنتج أقيموا الصلاة للوجوب حقيقة فلذا عرفوا القاعدة بقضية كلية يتعرف منها أحكام جزئيات موضوعها وفي صيغة التفعل إشارة إلى أن تلك المعرفة بالكلفة والمشقة فخرج من التعريف القضية التي تكون فروعها بديهية غير محتاجة إلى التخريج فيكون ذكرها في الفن من قبيل المبادي لمسائل أخر ويقال للإبراز المذكور تفريع كما في العطار والشربيني على محلي جمع الجوامع وأطلق الأصل التخريج على معنى القياس فلذا قال لا يجوز إلا لمن ضبط مدارك إمامه ومستنداته بخلافه بالمعنى الأول فإنه يجوز لمن يتسع اطلاعه بحيث يعلم بتقييد المطلقات وتخصيص العمومات ولو لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته\r","part":2,"page":181},{"id":520,"text":"قال الشيخ محمد عليش في فتاويه فتح العلي المالك في جواب بعض معاصريه لما سئل عن رجلين اشتركا في بهيمة اشترياها والتزم أحدهما للآخر نفقتها ثم بعد انفصال الشركة أراد الملتزم محاسبة شريكه بما أنفقه على حصته في البهيمة المذكورة فهل لا يجاب لذلك بقوله حيث التزم أحد الشريكين الإنفاق فلا رجوع له على شريكه لأن ذلك معروف لازم لمن أوجبه على نفسه عند مالك وأصحابه ما لم يفلس أو يمت كما نص عليه ابن رشد فيما نقله عنه العلامة الحطاب ونص مسألة من التزم الإنفاق على شخص مدة معينة أو مدة حياة المنفق أو المنفق عليه أو حتى يقدم زيد أو إلى أجل مجهول لزمه ذلك ما لم يفلس أو يمت لأنه تقدم في كلام ابن رشد أن المعروف على مذهب مالك وأصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه ما لم يفلس أو يمت ا ه\rفالمنفق على البهيمة في تلك النازلة لا محاسبة له للمنفق له وهذا هو الحق واتباعه أسلم ما نصه الجواب المذكور صحيح في غاية الحسن والنص الذي فيه هو كذلك في التزامات الحطاب وليس فيه قياس على من التزم الإنفاق على رجل إلخ وإنما فيه تخريج حكم الجزئي من القاعدة التي تشمله وغيره فالمنفي به يستحق أن يشكر عليه ويدعى له بخير والاعتراض عليه من التغيير في الوجوه الحسان سببه فساد التصور والحسد وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغضا إنه لدميم ا ه\rقلت ومنه تخرجي في رسالتي شمس الإشراق في حكم التعامل بالأوراق حكم الأنواط مما في المدونة قال لي مالك في الفلوس لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكراهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة وقال مالك لا يجوز فلس بفلسين ا ه كما وضحته في تلك الرسالة وأنه ليس هو من قبيل قياسه على الفلوس النحاس فراجعها إن شئت\r","part":2,"page":182},{"id":521,"text":"التنبيه الرابع قال الإمام أبو إسحاق في موافقاته ما حاصله إن الاجتهاد على ثلاثة أضرب الأول ما يسمى تنقيح المناط وذلك أن يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكورا مع غيره\rفي النص فينقح بالاجتهاد حتى يميز ما هو معتبر مما هو ملغى كما جاء في حديث الأعرابي الذي جاء ينتف شعره ويضرب صدره وقد قسمه الغزالي إلى أقسام ذكرها في شفاء العليل وهو مبسوط في كتب الأصول قالوا وهو خارج عن باب القياس ولذلك قال به أبو حنيفة مع إنكاره القياس في الكفارات وإنما هو راجع إلى نوع من تأويل الظواهر\rالضرب الثاني ما يسمى بتخريج المناط وهو راجع إلى أن النص الدال على الحكم لم يتعرض للمناط فكأنه أخرجه بالبحث وهو الاجتهاد القياسي وهو معلوم\r","part":2,"page":183},{"id":522,"text":"الضرب الثالث ما يسمى بتحقق المناط وهو نوعان عام وخاص فتحقيق المناط العام نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما مثلا إذا نظر المجتهد في العدالة ووجد هذا الشخص متصفا بها على حسب ما ظهر له أوقع عليه ما يقتضيه النص من التكاليف المشروطة بالعدول من الشهادات والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة وإذا نظر في الأوامر والنواهي الندبية والأمور الإباحية ووجد المكلفين والمخاطبين على الجملة أوقع عليهم أحكام تلك النصوص كما يوقع عليهم نصوص الواجبات والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في النظر وتحقيق المناط الخاص نظر في تعيين المناط في حق كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرر من تلك المداخل وهذا بالنسبة إلى التكليف المتحتم وغيره ويختص غير المتحتم بوجه آخر وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر ويكون بريئا في بعض الأعمال دون بعض فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النصوص ومراميها وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ويصرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة وعدم التفاتها فهذا النوع أعلى وأدق من النوع الأول ومنشؤه في الحقيقة عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقد يعبر عنه بالحكمة قال تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا قال مالك","part":2,"page":184},{"id":523,"text":"من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم أما سمعت قول الله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا\rوقال أيضا إن الحكمة مسحة ملك على قلب العبد وقال الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد وقال أيضا\rيقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله وهذا النوع من تحقيق المناط هو الاجتهاد الذي لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة بخلاف النوع الأول من تحقيق المناط وبخلاف تخريج المناط وتنقيح المناط فإنها من أفراد الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا وذلك لأن هذا النوع الخاص من تحقيق المناط كلي في كل زمان عام في جميع الوقائع أو أكثرها فلو فرض ارتفاعه لارتفع معظم التكليف الشرعي أو جميعه وذلك غير صحيح لأنه إن فرض في زمان ارتفعت الشريعة ضربة لازب بخلاف غيره فإن الوقائع المتجددة التي لا عهد بها في الزمان المتقدم قليلة بالنسبة إلى ما تقدم لاتساع النظر والاجتهاد من المتقدمين فيمكن تقليدهم فيه لأنه معظم الشريعة فلا تتعطل الشريعة بتعطل بعض الجزئيات كما لو فرض العجز عن تحقيق المناط في بعض الجزئيات دون السائر فإنه لا ضرر على الشريعة في ذلك فوضح أنهما ليسا سواء انظر الموافقات إن شئت التنبيه الخامس الفتوى من المفتي كما تحصل من جهة القول كما مر بيانه وهو الأمر المشهور كذلك تحصل من جهة الفعل والإقرار كما في موافقات أبي إسحاق الشاطبي قال أما بالفعل فمن وجهين أحدهما ما يقصد به الإفهام في معهود الاستعمال فهو قائم مقام القول المصرح به كقوله عليه السلام الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بيديه وسئل عليه السلام في حجته فقال ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده قال لا حرج\r","part":2,"page":185},{"id":524,"text":"وقال يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج قيل يا رسول الله وما الهرج فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل وحديث عائشة في صلاة الكسوف حين أشارت إلى السماء قلت آية فأشارت برأسها أي نعم وحين سئل عليه السلام عن أوقات الصلوات قال للسائل صل معنا هذين اليومين ثم صلى ثم قال له الوقت ما بين هذين أو كما قال وهو كثير جدا والثاني ما يقتضيه كونه أسوة يقتدى به ومبعوثا لذلك قصدا وأصله قول الله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج الآية وقال قبل ذلك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الآية\rوقال في إبراهيم قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم إلى آخر القصة والتأسي إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله وشرع من قبلنا شرع لنا وقال عليه السلام لأم سلمة ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم وقال صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وحديث ابن عمر وغيره في الاقتداء بأفعاله أشهر من أن يخفى ولذلك جعل الأصوليون أفعاله في بيان الأحكام كأقواله وإذا كان كذلك وثبت للمفتي أنه قائم مقام النبي ونائب منابه لزم من ذلك أن أفعاله محل للاقتداء أيضا فما قصد به البيان والإعلام فظاهر وما لم يقصد به ذلك فالحكم فيه كذلك أيضا من وجهين أحدهما أنه وارث\rوقد كان المورث بقوله وفعله مطلقا فكذلك الوارث وإلا لم يكن وارثا على الحقيقة والثاني أن التأسي بالأفعال بالنسبة إلى من يعظم في الناس سر مبثوث في طباع البشر لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال لا سيما عند الاعتياد والتكرار وإذا صادف محبة وميلا إلى المتأسي به وإمكان الخطأ والنسيان والكذب عمدا وسهوا من حيث إنه ليس بمعصوم لما لم تعتبر في الأقوال كان إمكان الخطأ والنسيان والمعصية والكفر من حيث ذلك غير معتبر في الأفعال ولأجل هذا تستعظم شرعا زلة العالم فلا بد لمن ينتصب للفتوى بفعله وقوله من المحافظة على أفعاله حتى تجري على قانون الشرع ليتخذ فيها أسوة\r","part":2,"page":186},{"id":525,"text":"وأما الإقرار فراجع إلى الفعل لأن الكف فعل وكف المفتي عن الإنكار إذا رأى فعلا من الأفعال كتصريحه بجوازه وقد أثبت الأصوليون ذلك دليلا شرعيا بالنسبة إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فكذلك يكون بالنسبة إلى المنتصب للفتوى وما تقدم من الأدلة في الفتوى الفعلية جاز هنا بلا إشكال ومن هنا ثابر السلف على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يبالوا في ذلك بما ينشأ عنه من عود المضرات عليهم بالقتل فما دونه ومن أخذ بالرخصة في ترك الإنكار فر بدينه واستخفى بنفسه ما لم يكن ذلك سببا للإخلال بما هو أعظم من ترك الإنكار فإن ارتكاب خير الشرين أولى من ارتكاب شرهما وهو راجع في الحقيقة إلى\rإهمال القاعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمراتب الثلاث في هذا الوجه مذكورة شواهدها في مواضعها من الكتب المصنفة فيه وبالجملة فمن حقيقة نيل كل منتصب للفتيا بقوله وفعله وإقراره لرتبة الوراثة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ظهور فعله على مصداق قوله هذا بالنسبة لصحة الانتصاب والانتفاع في الوقوع وإلا فالواجب على العالم المجتهد الانتصاب والفتوى على الإطلاق طابق قوله فعله أم لا فإن كان موافقا قوله لفعله حصل الانتفاع والاقتداء به في القول والفعل معا أو كان مظنة للحصول لأن الفعل يصدق القول أو يكذبه\r","part":2,"page":187},{"id":526,"text":"وإن خالف فعله قوله فإما أن تؤديه المخالفة إلى الانحطاط عن رتبة العدالة إلى الفسق أو لا فإن كان الأول فلا إشكال في عدم صحة الاقتداء وعدم صحة الانتصاب شرعا وعادة ومن اقتدى به كان مخالفا مثله فلا فتوى في الحقيقة ولا حكم وإن كان الثاني صح الاقتداء به واستفتاؤه وفتواه فيما وافق دون ما خالف فإذا أفتى بترك الزنا والخمر وبالمحافظة على الواجبات وهو في فعله على حسب قوله حصل تصديق قوله بفعله وإذا أفتاك بالزهد في الدنيا أو ترك مخالطة المترفين أو نحو ذلك مما لا يقدح في أصل العدالة ثم رأيته يحرض على الدنيا ويخالط من نهاك عن مخالطتهم فلم يصدق القول الفعل فهذا وإن نصبه الشارع أيضا ليؤخذ بقوله وفعله لأنه وارث النبي إلا أنه لا يصح الاقتداء ولا الفتوى على كمالها في الصحة إلا مع مطابقة القول الفعل على الإطلاق وقد قال أبو الأسود الدؤلي ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم وهو معنى موافق للنقل والعقل لا خلاف فيه بين العلماء ا ه كلام الشاطبي ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والسبعون بين قاعدة النقل وقاعدة الإسقاط\rالتصرف في الحقوق والأملاك ينقسم إلى قسمين الأول النقل وهو تصرف يفتقر إلى القبول وينقسم إلى ما هو بعوض في الأعيان كالبيع والقرض وإلى ما هو بعوض في المنافع كالإجارة والمساقاة والمزارعة والقراض والجعالة وإلى ما هو بغير عوض كالهدايا والوصايا والعمرى والوقف والهبات والصدقات والكفارات والزكاة والمسروق من\r","part":2,"page":188},{"id":527,"text":"أموال الكفار والغنيمة في الجهاد فإن ذلك كله نقل ملك في أعيان بغير عوض والقسم الثاني الإسقاط وهو تصرف لا يفتقر إلى القبول وهو إما بعوض كالخلع والعفو على مال والكتابة وبيع العبد من نفسه والصلح على الدين وعلى التعزير فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ينتقل إلى الباذل ما كان يملكه المبذول من العصمة وبيع العبد ونحوهما وإما بغير عوض كالإبراء من الديون والقصاص والتعزير وحد القذف والطلاق والعتاق وإيقاف المساجد وغيرها فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ينتقل لغير الأول ويخرج على هذا الفرق ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى\rفي افتقار الإبراء من الدين إلى القبول فلا يبرأ من الدين إذا أبرأه منه حتى يقبل وهو ظاهر المذهب وعدم افتقاره إلى القبول فيبرأ من الدين إذا أبرأه منه وإن لم يقبل خلاف بين العلماء منشؤه هل الإبراء إسقاط فلا يفتقر إلى القبول كالطلاق والعتاق فإنهما لا يفتقران إلى قبول المرأة والعبد ولذلك ينفذ الطلاق والعتق وإن كرهت المرأة والعبد أو هو نقل وتمليك لما في ذمة المدين فيفتقر إلى القبول كما لو ملكه عينا بالهبة أو غيرها على أن المنة في الإبراء قد تعظم وهي تضر بذوي المروآت والأنفات لا سيما من السفلة فجعل صاحب الشرع لهم قبول ذلك أو رده نفيا للضرر الحاصل من المنن من غير أهلها أو من غير حاجة\rالمسألة الثانية في افتقار الوقف على معين إلى القبول أو لا خلاف في المذهب وبين العلماء منشؤه هل الواقف أسقط حقه من منافع العين الموقوفة فيكون كالعتق أو أنه نقل ملكه لمنافع العين الموقوفة\rوملكها للموقوف عليه المعين فيفتقر إلى القبول كالبيع والهبة أما غير المعين فلا يشترط قبوله لتعذره\r","part":2,"page":189},{"id":528,"text":"وأما أصل ملك الواقف فاتفق العلماء في المساجد أنها من باب الإسقاط والعتق لا ملك لأحد فيها وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ولأنها تقام فيها الجماعات والجمعة والجمعة لا تقام في المملوكات لا سيما على أصل مالك فإنها لا يصليها أرباب الحوانيت في حوانيتهم لأجل الملك والحجر واختلفوا في غير المساجد فقيل يسقط أصل ملكه فيها وظاهر المذهب أنها باقية على ملك الواقف لأن مالكا رحمه الله تعالى أوجب الزكاة في الحائط الموقوف على غير المعين كالفقراء والمساكين إذا كان خمسة أوسق بناء على أنه ملك الواقف فيزكي على ملكه وأما الحائط على المعينين فيشترط في حصة كل واحد منهم خمسة أوسق\rالمسألة الثالثة\rالمشهور في العتق أنه إذا أعتق أحد عبيده يختار وقيل يعم العتق الجميع وفي الطلاق إذا طلق أحد نسائه يعم الطلاق النسوة وقيل يختار وقد مر آخر الفرق الخامس والعشرين بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وقاعدة النهي عن المشترك أنه لا فرق بين الطلاق والعتق في أن كلا رافع وحال لما يبيح الزوجة والمملوكة فيستلزم التحريم إلا أن الوجه في نظر مالك في الطلاق للاحتياط للفروج وإن لزمه فخالفه الإجماع في ثبوت الحكم بغير مقتض وفي العتق لما اقتضاه الإجماع من عدم ثبوت الحكم بغير مقتضى وإن لزمه مخالفة الاحتياط للفروج هو أن استلزام الطلاق للتحريم لخصوص الوطء مطرد إذ لا يكون غير مستلزم له بخلاف العتق فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثمانون بين قاعدة الإزالة للنجاسة وبين قاعدة الإحالة فيها\r","part":2,"page":190},{"id":529,"text":"تقع إزالة النجاسة في الشريعة على ثلاثة أقسام إزالة فقط وإحالة فقط وإزالة وإحالة معا فالإزالة فقط بالماء في الثوب والجسد والمكان وخاصيتها التي تمتاز بها أربع أحدها اشتراط الماء الطهور وثانيها اشتراط النية على الخلاف وثالثها وصول الغسل إلى حد أن ينفصل الماء غير متغير ورابعها أن السبب الاستقذار والإحالة فقط في الخمر تصير خلا وخاصيتها التي تمتاز بها ثلاث أحدها عدم اشتراط النية إجماعا وفي كون القصد إلى تخليل الخمر مانعا من تطهيرها وهو المذهب أو غير مانع من تطهيرها خلاف فقول الفقهاء في كتبهم النية شرط في إزالة النجاسة إنما يريدون أحد أقسامها وهي الإزالة فقط وثانيها أن الماء غير محتاج إليه فيها بل قد توجد مع عدمه وقد يلقي في الخمر ماء فيكون ذلك سببا لإحالتها بخلاف الإزالة وثالثها عدم الاستقذار بل سبب تنجيسها طلب إبعادها والإزالة والإحالة معا في الدباغ فإنه إزالة للفضلات المتنجسة التي توجب العصر فيخرج ما في الجلود من ذلك وإحالة لصفة الجلود بتغير هيئتها إلى هيئة أخرى وخاصيتها التي تمتاز بها ثلاث أيضا أحدها عدم اشتراط الماء وثانيها عدم اشتراط النية إجماعا وليس القصد إلى الدبغ مانعا من تطهير الجلد إجماعا بخلاف الإحالة فقط وثالثها أن الاستقذار والاستحباب سبب التنجيس وصل قد وقع في هذه القواعد الثلاث والفرق بينها قاعدة تعرف عند الأصوليين بجمع الفروق\r","part":2,"page":191},{"id":530,"text":"أي جمع من الأضداد في معنى واحد وهو قليل في الشريعة وله مثل أحدها ما هنا فإن القصد مناسب للتطهير فاشترطه من اشترط المناسب في الإزالة وجعله مانعا في الإحالة سدا للذريعة فإنا إذا جوزنا القصد للتخليل فقد جوزنا إبقاءها في الملك زمانا وفي ذلك الزمان ربما انبعثت الدواعي لشربها فقد رتب على المعنى الواحد كون القصد إليه يقتضي في الإحالة المنع وفي الإزالة الإباحة في الصلاة بذلك الثوب المزال عنه النجاسة والمعنى الواحد هو التطهير والضدان هما المنع والإباحة المثال الثاني قال العلماء ترد تصرفات السفيه في حالة الحياة صونا لماله على مصالحه لئلا يضيع ماله بتصرفات رديئة وتنفذ تصرفاته في الوصايا عند الموت صونا لماله على مصالحه فإنا لو رددنا وصاياه لأخذ ماله وارثه ولم يحصل له من ماله مصلحة فصون ماله على مصالحه وصف واحد ناسب الضدين المتنافيين اللذين هما رد تصرفاته حال الحياة وتنفيذ تصرفاته عند الممات وترتبا عليه في الشريعة\rالمثال الثالث الجهالة مانعة من صحة عقد البيع والإجارة ونحوهما وهي شرط في صحة عقد الجعالة والعارية والقراض فمصلحة هذه العقود اقتضت أن يكون الأجل مجهولا وأن لا يجوز تحديده بيوم معلوم لأن المطلوب قد لا يحصل في ذلك الأجل ولذلك لا يجوز تحديد يوم معلوم لخياطة الثوب وغيره من الإجارات التي من قبيل الجعالة لأنه يوجب الغرر فتفوت المصلحة فقد اقتضت الجهالة الضدين\rالمثال الرابع الأنوثة اقتضى ضعفها التأخر عن الولايات واقتضى ضعفها ولاية الحضانة والتقدمة فيها على الذكور فقد اقتضت الضدين كالجهالة المثال الخامس قرابة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اقتضى تعظيمها بذل المال للأقارب والمبادرة إلى سد الخلات في حقهم واقتضى منع المال منهم في الزكاة فقد ترتب عليها البذل والمنع وهما ضدان وإنما قلت هذه النظائر لأن الأصل في المناسب أن ينافي ضد ما يناسبه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":192},{"id":531,"text":"الفرق الحادي والثمانون بين قاعدة الرخصة وبين قاعدة إزالة النجاسة\rاعلم أن الرخصة كما في موافقات الشاطبي لها في الشرع إطلاقات أربعة الإطلاق الأول على ما شرع من الأحكام لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه فقيد لعذر شاق مخرج لما كان من أصل الحاجيات الكليات مستثنى من أصل مشروع لعذر مجرد الحاجة من غير مشقة موجودة كشرعية القراض فإنه لعذر في الأصل وهو عجز صاحب المال عن الضرب في الأرض ويجوز حيث لا عذر ولا عجز وكذلك القرض والمساقاة والسلم ونحوها مما شرع في الأصل لعذر مجرد الحاجة وإن جاز بعد زوال العذر فيجوز للإنسان أن يقترض وإن لم يكن به حاجة إلى الاقتراض وأن يساقي حائطه\rوإن كان قادرا على عمله بنفسه أو بالاستئجار عليه وهكذا فلا يسمى هذا كله عند العلماء باسم الرخصة ومخرج أيضا لما كان من أصل التكميلات مستثنى من أصل\r","part":2,"page":193},{"id":532,"text":"مشروع لعذر مجرد التكميل من غير مشقة موجودة كشرعية صلاة المأمومين جلوسا لعذر مجرد طلب الموافقة لإمامهم الذي لا يقدر على الصلاة قائما أو يقدر بمشقة حتى شرع في حقه الانتقال إلى الجلوس وإن كان مخلا بركن من أركان الصلاة لأنه بسبب المشقة صار الجلوس رخصة في حقه ففي الحديث إنما جعل الإمام ليؤتم به ثم قال وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين فلا يسمى مثل هذا رخصة وإن كان مستثنى لعذر وقيد استثناء من أصل كلي يقضي المنع مدخل لما عرض لها من الرخص أن تكون كليات في الحكم بعد استقرار أصلها الكلي الذي استثنيت منه للعذر كجواز القصر والفطر للمسافر فإنه إنما كان بعد استقرار أحكام الصلاة والصوم وهذا وإن كانت آيات الصوم نزلت دفعة واحدة إلا أن الاستثناء ثان عن استقرار حكم المستثنى منه على الجملة وكذلك أكل الميتة للمضطر في قوله تعالى فمن اضطر الآية ومخرج لباقي أنواع العزيمة مما شرع ابتداء لا استثناء من أصل إلخ وقيد مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه مدخل لباقي أنواع الرخص وموضح للفرق بين ما شرع من الرخص وما شرع من الحاجيات الكلية بأن الرخص جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة فإن المصلي إذا انقطع سفره وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة وإلزام الصوم والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يصل قاعدا وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم وكذلك سائر الرخص بخلاف القرض والقراض والمساقاة ونحو ذلك من الحاجيات الكلية التي تشبه الرخصة فإنه مشروع أيضا وإن زال العذر كما علمت\rالإطلاق الثاني على ما استثنى من أصل كلي يقتضي المنع مطلقا ولو لم يكن لعذر شاق فيدخل فيه ما استند إلى أصل الحاجيات من القرض والقراض والمساقاة ورد الصاع من الطعام في مسألة المصراة وبيع\r","part":2,"page":194},{"id":533,"text":"العرية بخرصها ثمرا وضرب الدية على العاقلة وما أشبه ذلك كما يدل عليه قوله نهى عن بيع ما ليس عندك وأرخص في السلم فيجري عليها في التسمية كما جرى عليها حكمها في الاستثناء من أصل مشروع ويدخل فيه أيضا ما استند إلى أصل التكميلات من صلاة المأمومين جلوسا اتباعا للإمام المعذور وصلاة الخوف المشروعة بالإمام كذلك أيضا ونحو ذلك فيطلق على ذلك لفظ الرخصة وإن لم يجتمع معها في أصل واحد كما أنه قد يطلق لفظ الرخصة على ما استمد من الرخص من أصل الضروريات كالمصلي لا يقدر على القيام فإن الرخصة في حقه ضرورية وإنما تكون حاجية إذا كان قادرا على القيام لكن بمشقة تلحقه فيه أو بسببه الإطلاق الثالث على ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي دل عليها قوله تعالى ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا وقوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فإن الرخصة في اللغة راجعة إلى معنى اللين وعلى هذا يحمل ما جاء في بعض الأحاديث أنه عليه السلام صنع شيئا ترخص فيه ويمكن أن يرجع إليه معنى الحديث الآخر إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه كما يمكن أن يحمل على أن الرخص التي هي محبوبة ما ثبت الطلب فيه أو ما أدى تركه إلى المشقة الفادحة التي قال في مثلها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليس من البر الصيام في السفر فيوافق قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى يريد الله أن يخفف عنكم بعد ما قال في الأولى وأن تصوموا خير لكم\r","part":2,"page":195},{"id":534,"text":"وفي الثانية وأن تصبروا خير لكن فليتفطن فكان ما جاء في هذه الملة السمحة من المسامحة واللين رخصة بالنسبة إلى ما حمله الأمم السابقة من العزائم الشاقة الإطلاق الرابع على ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقا مما هو راجع إلى نيل حظوظهم وقضاء أوطارهم فالرخصة على هذا عبارة عن الإذن في نيل الحظ الملحوظ من جهة العبد فيدخل عليه كل ما كان تخفيفا وتوسعة على المكلف وإن العزيمة كذلك لها في الشرع أربع إطلاقات تقابل إطلاقات الرخصة الأربعة المذكورة\rفإطلاقها المقابل لهذا الإطلاق الرابع هو ما نبه عليه قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا الآية ونحو ذلك مما دل على أن العبادة ملك لله على الجملة والتفصيل فحق عليهم التوجه إليه وبذل المجهود في عبادته لأنهم عباده وليس لهم حق لديه ولا حجة عليه فإذا وهب لهم حظا ينالونه فذلك كالرخصة لهم لأنه توجه إلى غير المعبود واعتناء بغير ما اقتضته العبودية وذلك المعنى المنبه عليه بذلك هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي على الإطلاق والعموم كانت الأوامر وجوبا أو ندبا والنواهي كراهة أو تحريما وترك كل ما يشغل عن ذلك من المباحات فضلا عن غيرها لأن الأمر من الآمر مقصود أن يمتثل على الجملة وبالجملة فالعزائم ثم على هذا الإطلاق حق الله على العباد والرخص حظ العباد من لطف الله فتشترك المباحات مع الرخص على هذا الترتيب من حيث كانا معا توسعة على العبد ورفع حرج عنه وإثباتا لحظه وتصير المباحات عند هذا النظر تتعارض مع المندوبات على\r","part":2,"page":196},{"id":535,"text":"الأوقات فيؤثر حظه في الأخرى على حظه في الدنيا أو يؤثر حق ربه على حظ نفسه فيكون رافعا للمباح من عمله رأسا أو آخذا له حقا لربه فيصير حظه مندرجا تابعا لحق الله وحق الله هو المقدم هو المقصود فإن العبد بذل المجهود والرب يحكم ما يريد وهذا الوجه يعتبره الأوليات من أصحاب الأحوال وكذا غيرهم ممن رقى عن الأحوال وعليه يربون التلاميذ ألا ترى أن من مذاهبهم الأخذ بعزائم العلم واجتناب الرخص جملة حتى آل الحال بهم أن عدوا أصل الحاجيات كلها أو جلها\r","part":2,"page":197},{"id":536,"text":"وهو ما يرجع إلى حظ العبد منها حسبما بان لك في هذا الإطلاق الأخير من الرخص وإطلاق العزيمة المقابل للإطلاق الثالث هو التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي كانت على الذين من قبلنا ووضعت عن هذه الأمة رخصة في حقها كرامة لنبيها {صلى الله عليه وسلم} وإطلاقها المقابل للإطلاق الثاني هو ما لا يكون من الأحكام الكلية المشروعة ابتداء مستثنى من أصل كلي يقتضي المنع فلا تشمل على هذا ما استند من الأحكام إلى أصل الحاجيات ولا ما استند منها إلى أصل التكميلات كما لا تشمل ما كان منها مستند إلى أصل الضروريات وإطلاقها المقابل للإطلاق الأول هو ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء ومعنى كونها كلية أنها لا تختص ببعض المكلفين دون بعض فيدخل تحتها جميع كليات الشريعة لا فرق بين ما كان منها من العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم في كل شخص وفي كل حال وما كان منها مشروعا للتوصل إلى إقامة مصالح الدارين من البيع والإجارة وسائر عقود المعاوضات من القصاص والضمان وسائر أحكام الجنايات ومعنى شرعيتها ابتداء أن يكون قصد الشارع بها إنشاء الأحكام التكليفية على العبادتين من أول الأمر فلا يسبقها حكم شرعي قبل ذلك ولو حكما كالحكم الشرعي الأخير الناسخ لما قبله فإنه كالحكم الابتدائي تمهيدا للمصالح الكلية العامة وكذلك ما كان من الكليات واردا على سبب فإن الأسباب قد تكون مفقودة قبل ذلك فإذا وجدت اقتضت أحكاما كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله وقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم الآية وقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه\r","part":2,"page":198},{"id":537,"text":"ونحو ذلك مما كان تمهيدا لأحكام وردت شيئا بعد شيء بحسب الحاجة إلى ذلك وكذلك المستثنيات من العمومات وسائر المخصوصات كقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله وقوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وقوله تعالى فاقتلوا المشركين ونهى عليه السلام عن قتل النساء والصبيان فهذا وما أشبهه من العزائم لأنه راجع إلى أحكام كلية ابتدائية وهذه الإطلاقات الأربعة للرخصة وما يقابلها للعزيمة منها ما هو خاص ببعض الناس وهو الرابع ومنها ما هو عام للناس كلهم وهو ما عدا الرابع كما هو ظاهر مما تقرر وهذا واختلف في إزالة النجاسة فقال جماعة من العلماء إنها رخصة لا عزيمة بناء على أنها حكم مستثنى من أصل كلي يقتضي المنع مطلقا وذلك الأصل هو أن القاعدة من أن السبب في\rتنجيس الطاهر ملاقاته للنجس إجماعا تقتضي أنا إذا صببنا الماء من الإبريق مثلا على النجاسة لنزيلها تنجس الجزء الواصل إلى النجاسة المتصل بها لملاقاته النجاسة فيتنجس الذي يليه لملاقاته له\r","part":2,"page":199},{"id":538,"text":"وهكذا حتى يتنجس الماء الذي داخل الإبريق بل ينجس ماء البحر المالح إذا وضعنا النجاسة في طرفه فلما قضى الشرع بأن النجاسة تزول وأن الماء لم يفسد مطلقا على ما تقتضيه هذه القاعدة كان ذلك رخصة من صاحب الشرع استثناها من تلك القاعدة والحق أن ما قالوه من أنها من باب الرخص لا حقيقة له بل هي من باب العزائم على وفق القواعد لا على خلافها وذلك أن الله تعالى لم يقض على الأعيان بأنها نجسة ولا متنجسة بمجرد كونها جواهر ولا أجساما إجماعا بل لأجل أعراض خاصة قامت بتلك الأجسام من لون خاص وكيفية خاصة معلومة في العادة فإذا انتفت تلك الكيفية وتلك الأعراض انتفى الحكم لانتفاء موجبه وانتفاء الحكم الشرعي لانتفاء سببه ليس من باب الرخص إجماعا ولا شك أن الأعراض الخاصة والكيفية الخاصة اللذين قضى الشرع لأجلها بالتنجيس ليسا موجودين في جميع أجزاء ماء الإبريق ولا في جميع أجزاء ماء البحر إذا وضعنا النجاسة في طرفه بل الأجزاء بعيدة من محل النجاسة ليس فيها شيء من ذلك قطعا فوجب أن يزول حكم التنجيس لزوال سببه كما يزول وجوب الزكاة لعدم النصاب ويزول وجوب الصوم في رمضان لزوال رمضان ونحو ذلك من الأحكام في الشريعة التي لا يسمى شيء من زوالها لزوال سببها رخصة فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والثمانون بين قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة وقاعدة إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة إلى الخف\rأما قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة فقد ورد فيها الحديث الصحيح أن الجنب الذي يريد النوم يتوضأ للنوم خاصة لا للصلاة ولا لغيرها","part":2,"page":200},{"id":539,"text":"وقال الفقهاء هذا وضوء يرفع حدث الجنابة بالنسبة إلى شيء خاص وهو النوم ولا يزيله الحدث الأصغر لأنه لم يجعل رافعا للحدث الأصغر وإنما يزيله الحدث الأكبر وهو الجنابة فقط ولبعضهم إذا سئلت وضوءا ليس ينقضه إلا الجماع وضوء النوم للجنب ويلقون هذا الوضوء لغزا على الطلبة فيقولون لهم هل تعلمون وضوءا لا يزيله البول ونحوه ويريدون هذا الوضوء فهذه قاعدة ورد بها النص وتقررت في المذهب\rوأما قاعدة إزالة الحدث عن الرجل\rخاصة بالنسبة إلى الخف فهي وإن قال بها بعض الفقهاء فأجاز لمن غسل إحدى رجليه في وضوئه ثم أدخلها في الخف قبل غسل الأخرى أن يمسح على هذا الخف في الوضوء الذي بعد بناء على القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو على حياله إلا أن الراجح القول بأنه لا يجوز لمن ذكر أن يمسح على هذا الخف لأن الصحيح أن الحدث لا يرتفع إلا بعد غسل جميع أعضاء الوضوء ضرورة أن الحدث إما أن يراد به الأسباب الموجبة له كالخارج من السبيلين على وجه العادة ونحوه فيقال أحدث إذا وجد منه شيء من ذلك ويقول الفقهاء النوم هل هو حدث أو سبب للحدث قولان وإما أن يراد به المنع المرتب على هذه الأسباب\r","part":2,"page":201},{"id":540,"text":"وهو حكم شرعي يرجع إلى التحريم المتعلق بالمكلف لا بعضوه الخاص بالإقدام على الصلاة ومس المصحف ونحو ذلك وهذا المنع هو الذي يقول الفقهاء فيه إن المتطهر ينوي رفع الحدث أي ينوي بفعله ارتفاع ذلك المنع لأنه هو الذي يقبل الرفع كما يرتفع تحريم الأجنبية بالعقد عليها وتحريم المطلقة بالرجعة وتحريم الميتة بالاضطرار وأما رفع تلك الفضلات الخارجة من السبيلين بالوضوء فمتعذر بالضرورة فالحدث الذي أجمع الناس على رفعه بالطهارة هو المنع من الإقدام على الصلاة ومس المصحف ونحو ذلك والممنوع من الصلاة ونحوها هو المكلف لا أن العضو هو الممنوع من الصلاة ونحوها والمنع في حق المكلف باق ولو غسل جميع الأعضاء إلا لمعة واحدة فالقول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده غير معقول وتخريج مسألة الخف على هذه القاعدة لا يصح وقياس ارتفاع المنع بغسل الرجل عن المكلف باعتبار لبس الخف خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة على ارتفاع الجنابة\rبوضوء النوم للجنب باعتبار النوم خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة لا يصح بوجوه\rالوجه الأول أن قولهم الحدث يرتفع عن عضو وحده لم يخصصوا به الرجل بل عمموه في جميع الأعضاء واتفقوا على أن غسل الوجه لا يرفع الحدث باعتبار خف ولا غيره وكذا اليدان والرأس لا يرفع الحدث باعتبار شيء\rالوجه الثاني أن الوضوء إنما قلنا إنه يرفع الجنابة باعتبار اليوم خاصة لورود النص فيه ورفع الحدث عن كل عضو وحده ليس فيه نص والظاهر أن هذه الأمور تعبدية ومع التعبد لا يصح القياس\rالوجه الثالث أن الأمور التي عللوا بها رفع وضوء النوم للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة كلها لا تصح وعلى فرض صحتها فليست موجودة في كل عضو وحده\rالوجه الرابع أن الوضوء إنما رفع الجنابة باعتبار النوم عن المكلف لا عن أعضاء الوضوء فظهر أن\r","part":2,"page":202},{"id":541,"text":"القول يرفع الحدث عن كل عضو بانفراده قول باطل وإنما يصح أن لو ثبتت الإباحة عقيبه لكن المنع باق إجماعا فالحدث باق وإن القول بثبوت الحدث في الأعضاء وفي كل عضو وحده قول باطل أيضا لأن الحدث هو المنع الشرعي عن ملابسة الصلاة والعضو ليس ممنوعا من الصلاة الممنوع هو المكلف فلا معنى لثبوت المنع على العضو وحده\rوصل يستفاد من البحث المذكور أن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث باطل قطعا وذلك أن الحدث هو المنع الشرعي من الصلاة وهذا الحدث الذي هو المنع متعلق بالمكلف وهو بالتيمم قد أبيحت له الصلاة إجماعا وارتفع المنع إجماعا لأنه لا منع مع الإباحة فإنهما ضدان والضدان لا يجتمعان إجماعا وإذا كانت الإباحة ثابتة قطعا والمنع مرتفع قطعا كان التيمم رافعا للحدث قطعا وقوله {صلى الله عليه وسلم} لحسان لما تيمم وصلى بالناس أصليت بأصحابك وأنت جنب لا يدل على أنه لا يرفع الحدث لأنه وإن سماه جنبا مع\rالتيمم إلا أنه خرج مخرج الاستفهام للاستطلاع على ما عند المسئول من الفقه في التيمم وبماذا يجيب فيظهر لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما سأل معاذا لما بعثه عليه السلام إلى اليمن بم تحكم فقال بكتاب الله تعالى الحديث إلى آخره لا أنه عليه السلام أصدر هذا الكلام مصدر الخبر الجازم حتى يلزم الحجة منه على أنه لو كان قد خرج مخرج الخبر لوجب تأويله وحمله على المجاز لأن ما ذكرناه نكتة عقلية قطعية عارضها نص فمتى عارضها نص وجب تأويله كما هو القاعدة في تعارض القطعيات مع الألفاظ\r","part":2,"page":203},{"id":542,"text":"وأما أن المتيمم يجب عليه استعمال الماء في غسل الجنابة إذا وجد الماء فلا يظهر في بقاء الحدث وصحة القول به من حيث إنه لو كان الحدث ارتفع لكانت الجنابة ارتفعت بالتيمم ولما احتاج للغسل عند وجود الماء أما أولا فلأن وجوب استعمال الماء عند وجوده ليس متفقا عليه فلنا منعه على ذلك القول وأما ثانيا فلأنا لو سلمناه لكنا نقول التيمم يرفع الحدث ارتفاعا مغيا بأحد ثلاثة أشياء إما أن يطرأ عليه الحدث بأن يطأ امرأته أو يباشر حدثا من الأحداث وإما أن يفرغ الصلاة الواحدة وتوابعها من النوافل فيصير محدثا حينئذ ممنوعا من الصلاة وإما\rأن يجد الماء فيصير محدثا عند وجود الماء وكون الحكم ثابتا إلى آخر غايات كثيرة أو قليلة ممكن معقول وثبوت المنع مع الإباحة مستحيل وغير معقول لأنه اجتماع الضدين وإذا تعارض المستحيل والممكن وجب العدول إلى القول بما هو ممكن سيما وقد وجدنا مثل هذا الممكن واقعا في الشريعة ألا ترى أن رفع استعمال الماء الحدث إلى غاية وهي طريان الحدث وأن الأجنبية ممنوعة محرمة والعقد عليها رافع لهذا المنع ارتفاعا مغيا بغايات أحدهما الطلاق وثانيها الحيض وثالثها الصوم ورابعها الإحرام وخامسها الظهار فما المانع هاهنا أن يكون رفع الحدث مغيا بإحدى ثلاث غايات وكون القائلين بأن التيمم يرفع الحدث قليلين جدا وأما القائلون بأنه لا يرفعه فأكثر الفقهاء والحق لا يفوت الجمهور غالبا لا يقتضي القطع بصحة ما قاله الجمهور بل القطع إنما يحصل في الإجماع لأن مجموع الأمة معصوم أما جمهورهم فلا\rوإنما الظاهر أن الحق معهم وهو معارض هنا بمستحيل مقطوع به وهو اجتماع الضدين والظاهر يقطع ببطلانه إذا عارضه القطع فوجب أن يقطع ببطلان الظهور الناشئ عن قول الجمهور كما قطع ببطلان القول برفع الحدث عن كل عضو بانفراده والله أعلم\rالفرق الثالث والثمانون بين قاعدة الماء المطلق وبين قاعدة الماء المستعمل\rلا يجوز استعماله أو يكره على الخلاف","part":2,"page":204},{"id":543,"text":"الماء المطلق ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد لازم فيقال هذا ماء وشربت ماء وخلق الله الماء رحمة للعالمين ونحو ذلك لكونه إما باقيا على أصل خلقته أو متغيرا بما هو ضروري له كالجاري على الكبريت وغيره مما يلازم الماء في مقره وإضافته في نحو ماء البحر وماء البئر وإن كانت قيدا إلا أنها غير محتاج إليها ويقابل الماء المطلق الماء المقيد وهو ما لا يصدق عليه اسم الماء إلا بقيد لازم من إضافة أو وصف كماء الورد وماء الشيشة وله حكم قيده من طهارة وخلافها ومنه الماء المستعمل وهو الذي أديت به طهارة بأن انفصل عن الأعضاء وجمع في إناء إذ لا خلاف في أن الماء ما دام مترددا في الأعضاء طهور ومطلق فإذا انفصل عنها اختلف الحنفية وغيرهم في كونه صالحا للتطهير أم لا وفي كونه نجسا أم لا وفي كون ملاقيه ينجس أم لا وفي كون عدم صلاحيته للتطهير معللا بإزالة المانع أو بأنه أديت به قربة وثمرة\rهذين القولين أنه على القول بكون العلة إزالة المانع لا يندرج في الماء المستعمل الماء المنفصل عن الأعضاء في المرة الثانية والثالثة إذا نوى في الأولى الوجوب ولا الماء المنفصل عن الأعضاء في تجديد الوضوء ونحو ذلك مما لا يزيل المانع ويندرج فيه الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه أزال المنع من الوطء\r","part":2,"page":205},{"id":544,"text":"وعلى القول بأن علة ذلك أنه أديت به قربة بالعكس فيندرج فيه الماء المنفصل عن الأعضاء في المرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء ولا يندرج فيه الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه لم تحصل به قربة وأحسن مدارك القائلين بإزالته المنع وخروجه عن صلاحيته للتطهير أن قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقوله تعالى ليطهركم به مطلق في التطهير لا عام فيه بل عام في المكلفين فلا يدل إلا على أصل التطهير فإذا تطهرنا بالماء مرة حصل موجب اللفظ فبقيت المرة الثانية فيه غير منطوق بها فتبقى على الأصل غير معتبرة في التطهير وغيره إلا ما وردت الشريعة به ألا ترى أن السيد إذا قال لعبيده أخرجت هذا الثوب لأغطيكم لا يدل على أنه يغطيهم به مرات ولا مرتين بل يدل على أصل التغطية في جميعهم فإذا غطاهم به مرة حصل موجب اللفظ واحتجوا مع هذا المدرك الحسن بثلاثة أمور الأمر الأول قولهم إنه ماء أديت به عبادة فلا تؤدى\rعبادة أخرى كالرقبة في العتق وفيه أن القياس على الرقبة في العتق لا يتم على أصولهم لأنهم يجوزون عتق الرقبة الكافرة في الكفارات الواجبات وأنه إذا أعتق عبدا كافرا ذميا ثم خرج إلى أهل الحرب ناقصا للعهد ثم غنمناه وعاد رقيقا جاز عتقه في الواجب مرة أخرى سلمنا صحة القياس لكنه معارض بأنه كم من عين في الشريعة تؤدى به الكثيرة من ذلك المال في الزكاة لو اشتراه ممن انتقل إليه من الفقراء جاز أن يخرجه في الزكاة مرة أخرى والسيف والفرس وغيرهما من آلات الحرب يجاهد مرارا وللثوب يستتر به والكعبة تستقبل في الصلاة مرارا\r","part":2,"page":206},{"id":545,"text":"الأمر الثاني قولهم إنه ماء الذنوب لقوله {صلى الله عليه وسلم} إذا توضأ المؤمن فغسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله وإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أطراف أذنيه الحديث وإذا كان ماء الذنوب يكون نجسا لأن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا والنجاسة هي منع شرعي فإذا حصل المنع حصلت النجاسة وفيه أن النجاسة في الشرع إنما تكون في الأجرام عند اتصافها بأعراض أخر والذنوب ليست أجراما حتى توجب التنجيس والذنوب في قولهم إن ملابسة الذنوب حرام في الشريعة معناها أفعال خاصة للمكلف اختيارية مكتسبة متعلقة بأشياء مخصوصة والذنوب هنا معناها استحقاق المؤاخذة وذلك حكم من الله تعالى لا فعل للمكلف ومما يتعلق بالله تعالى ويختص به لا اختيار للمكلف فيه\rولا كسب وحينئذ لا يوصف بتحريم ولا تحليل فظهر أنه لا حقيقة لدعوى أن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا بل هو محض إيهام\rالأمر الثالث أنه لم ينقل عن أحد من السلف رضي الله عنهم وهم يباشرون الأسفار مع قلة الماء فيها أنه جمع ماء طهارته ليستعمله بعد ذلك فكان ذلك إجماعا على أن الماء المستعمل لا يتطهر به وفيه أن النزاع إنما هو في الماء المستعمل إذا لم يتغير وماء طهارة السلف في أسفارهم ففيه مانع آخر غير كونه مستعملا إذ الغالب فيه التغير لا سيما في زمن الصيف وشعث السفر فلا ينفصل إلا متغيرا بالإعراق وغيرها والمتغير لا يصلح للتطهير والله أعلم\rالفرق الرابع والثمانون بين قاعدة النجاسات في الباطن من الحيوان وبين قاعدة النجاسات ترد على باطن الحيوان\rاعلم أن الفرق بينهما إما أن يبني على أن عين ما في الباطن هو عين ما في الخارج من العذرة والبول وغيرهما وأنه إذا حكم لما في الباطن من ذلك بالطهارة لزم أن يحكم لما في الخارج بها أيضا وأنه لما لم يحكم لما في الخارج بالطهارة إجماعا عادل ذلك على أنه لم يحكم لما في الباطن بالطهارة بل هو نجس فيكون\r","part":2,"page":207},{"id":546,"text":"سره أنه عفي عما في الباطن لتعذر الوصول إلى إزالته ضرورة أن العفو عما تعذرت فيه الإزالة أحرى من عفوهم عما على المخرج وقد أمكنت إزالته مع المشقة دفعا للمشقة فافهم وأما أن يبني على أن عين ما في الباطن وإن كان عين ما في الخارج إلا أنه يحتمل أن يقال بطهارته في الباطن دون الظاهر فيكون سره هو أن استصحاب الحال فيهما أوجب الحكمين المختلفين وذلك أن الذي نشأ في باطن الحيوان أصله الطهارة فاستصحب والوارد على باطنه قد قضي عليه بالنجاسة قبل أن يرد فكان الأصل فيه النجاسة فاستصحبت وتفصيل ذلك أن جميع ما اشتمل عليه باطن الحيوان من الرطوبات كالدم والمذي والمني والبول وغير ذلك وكذلك أثفال الغذاء والأخلاط الأربعة التي هي الدم والصفراء والسوداء والبلغم لا يقضي عليه كله ما دام في الباطن بنجاسة فلا تبطل صلاة من حمل حيوانا فيها فإذا انفصلت هذه الرطوبات والأثفال من باطن الحيوان قبلت أن يقضي عليها بالنجاسة فالدم والسوداء لم يقض أحد بطهارتهما وقضى بنجاسة البول والعذرة من بني آدم ومن كل حيوان يحرم أكله وبطهارتهما مما يباح أكله كالنعم عند مالك فقط خلافا للأئمة\rوأما من مكروه الأكل كالسبع والهرة فقيل مكروهان كاللحم وقيل نجسان تغليبا للاستقذار وبطهارة البلغم والصفراء من الآدمي وغيره عند المالكية كالمني عند الشافعي\rفقط خلافا للأئمة وبنجاسة المذي والودي وبطهارة المعدة عند مالك وبنجاستها عند الشافعي فعنده كل ما يصل إليها من الأغذية الطاهرة يتنجس بها وعند مالك لا يتنجس حتى يتغير إلى صفة العذرة أو يختلط بما في باطن الجسد من نجاسة وكل ما قضى عليه بالتنجيس قبل وروده على باطن الحيوان قضى عليه بذلك بعد وروده عليه إذ لا فرق حينئذ بينه في ظاهر الجسد وفي باطنه فإن حدث عن ذلك عرق ففي نجاسة ذلك العرق وطهارته خلاف مبني على الخلاف في رماد الميتة ونحوه من النجاسات التي طرأت عليها التغيرات والاستحالات\r","part":2,"page":208},{"id":547,"text":"وأما إذا صار ما ورد على باطن الحيوان غذاء من النجاسة لحما وعظما وغيرهما من الأعضاء فإنه يصير طاهرا يبعد الاستحالة كما أن الدم إذا صار منيا ثم آدميا فإنه يكون يبعد هذه الاستحالة ظاهرا وكذا ما تغذت به البقرة الجلالة من النجاسة ولبن الخنزير تشربه الشاة يطهر إذا بعدت الاستحالة قال ابن الشاط وقول الأصل ببطلان صلاة من في جوفه نجاسة وردت عليه قبل استحالتها لحما وعظما لم أقف عليه لأحد غيره ولا أراه صحيحا\rقال وقوله إن الروم لا يذكون فينجس جبنهم ويحرم لأنهم يعلمون بالإنفحة كما قاله محققو المالكية وهو الذي رأيت عليه فتاوى العلماء في العصر غير ظاهر على إطلاقه فقد حكى بعض الناس أن منهم من يذكي وعلى تقدير أنهم لا يذكون ليست\rالإنفحة متعينة لعقد الجبن فإنه قد يعقد بغيرها مما هو طاهر كبعض الأعشاب وحينئذ فلا يظهر ما ارتضاه وحكاه بلا شك إلا إذا ثبت أن الطائفة الذين يكون الجبن المعين جبنهم لا يذكون وإنهم لا يعقدون بغير الإنفحة أما إذا لم يثبت شيء من ذلك ووقع الاحتمال فهو موضع خلاف العلماء والأقوى نقلا ونظرا الجواز وعدم التنجيس والله أعلم\rالفرق الخامس والثمانون بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب\rالمندوب الذي لا يقدم على الواجب هو ما لم تعرض ضرورة لا تندفع إلا بتقديمه عليه فيقدم الواجب حينئذ عليه جريا على القاعدة الأغلبية من تقديمه عليه لأنه أفضل منه ففي مسلم وغيره أنه {صلى الله عليه وسلم} قال حكاية عن الله تعالى ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى\r","part":2,"page":209},{"id":548,"text":"أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها الحديث فقد صرح بأن الواجب أفضل من غيره والمندوب الذي يقدم على الواجب هو ما دعت الضرورة التي لا تندفع إلا بتقديمه على الواجب إلى تقديمه عليه على خلاف القاعدة المذكورة وله مثل منها الجمع للمسافر وكذا للمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت فهو متعين لرفع الضرر ومنها الظهر والعصر عند الزوال يوم عرفة فإنه مندوب قدم على واجبين أحدهما تأخير الصلاة لوقتها وهي العصر ترك لأن الجمع لضرورة الحجاج في ذلك اليوم للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة وهو يوم لا يكاد يحصل في العمر إلا مرة بعد ضنك الأسفار وقطع البراري والقفار وإنفاق الأموال من الأقطار البعيدة والأوطان النائية ناسب أن يقدم على مصلحة وقت العصر لأن فوات الزمان هنا للضرورة المذكورة أعظم من فوات الزمان بجمع التقديم بين\rالصلاتين للمسافر لضرورة السفر لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقة موافقون على النزول في أوقات الصلوات فهو ضرر يمكن التحرز منه من حيث الجملة بخلاف ضرورة مصالح الحج فإنها أمر لازم للعبد لا خروج له عنها ولا يمكنه العدول عنها إلى غيرها\rوثانيها ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة لأنها وإن كانت أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان كما قال أبو يوسف للإمام مالك لما اجتمع به في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام حجه مع هارون الرشيد إلا أن مالكا قال له إن ذلك خلاف السنة فقال له أبو يوسف من أين لك ذلك وأنه خلاف السنة وقد صلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالناس ركعتين قبلهما خطبة\rوهذه هي صلاة الجمعة فقال له مالك جهر فيهما أو أسر فسكت أبو يوسف وظهرت الحجة لمالك رضي الله تعالى عنهم أجمعين بسبب الإسرار لأن الجمعة جهرية فلما صلى عليه السلام ركعتين سرا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة\r","part":2,"page":210},{"id":549,"text":"وإن الخطبة ليوم عرفة ولو لم يكن يوم الجمعة لتعليم الناس مناسك الحج لا ليوم الجمعة وذلك لأن الغالب على الحجيج السفر وفرض المسافر الظهر دون الجمعة فجعل النادر وهو المقيم بعرفة ومن منزلته قريب منها تبعا للغالب في ترك الجمعة فترك الجمعة على هذا التقدير ليس ترك الواجب وليس من مثله الجمع بين المغرب والعشاء للظلام والمطر والطين الذي وردت به السنة أما أولا فلأن تأخير الصلاة إلى وقتها ليس واجبا على الإطلاق بل هو واجب فيما عدا الحال التي شرع فيها الجمع أما في الحال التي شرع فيها الجمع كما هنا فليس تأخير صلاة العشاء مثلا إلى وقتها من الواجب بل هو جائز كما أن تقديمها إلى وقت الأولى ليس بواجب أصلا بل هو جائز إلا أن تقديمها لتحصيل فضل الجماعة أولى من تأخيرها إلى وقتها فلم يضع واجب بالجمع ولا قدم مندوب على واجب ولا خولفت في ذلك القاعدة المذكورة\rوأما ثانيا فلأنا لو سلمنا أن تأخير العشاء إلى وقتها واجب هنا أيضا وأن هذا الواجب إنما\rضاع بالمندوب الذي هو وصف الجماعة لما يلحق الجماعة من الضرر الحاصل إما بخروجهم من المسجد إلى بيوتهم وعودهم لصلاة العشاء وإما بإقامتهم في المسجد حتى يدخل وقت العشاء ويصلوها لا نسلم أن هذا الضرر لا يندفع إلا بالجمع لجواز دفعه بغيره أيضا وهو تفويت فضيلة الجماعة بأن يخرجوا الآن ويصلوا في بيوتهم أفذاذا فقد تعارض واجب ومندوب في دفع هذه الضرورة عن المكلف والمعهود في الشريعة أن محل دفع الضرر بترك الواجب وتقديم المندوب عليه إذا تعين ذلك طريقا لدفع الضرر وإلا وجب تقديم الواجب وترك المندوب على القاعدة\rوأما ثالثا فلأنا ولو سلمنا أنه مع هذا التعارض وعدم تعين ترك الواجب طريقا لدفع الضرر ولا يجب تقديم الواجب مطلقا لأن المندوبات قسمان قسم تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب\r","part":2,"page":211},{"id":550,"text":"وهذا هو الغالب فإن أوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة حتى يكون أدنى رتب المصالح والندب يترتب عليه الثواب ثم\rتترقى المصلحة والندب وتعظم رتبته حتى يكون أعلى رتب المندوبات تليه أدنى رتب الواجبات وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها أدنى رتب المكروهات ثم تترقى المفاسد والكراهة في العظم حتى يكون أعلى رتب المكروهات يليه أدنى المحرمات وقسم من المندوبات لا تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب بل تارة يساوي الواجب وتارة يفضله فيها فما ورد في الشريعة من تقديم المندوبات على الواجب كما هنا فإن المندوب الذي هو أداء العشاء في جماعة يجمعها مع العشاء قدم على الواجب الذي هو أداؤها في وقتها يجب حمله على هذا القسم سواء أعلمنا أن مصلحة ذلك المندوب أعظم ثوابا من مصلحة ذلك الواجب أو أنهما متساويان فيها أو لم نعلم ذلك أما إذا علمنا أن مصلحته أكثر كما في المندوبات التي وجد في الشريعة أنها أعظم من الواجبات وأن ثوابها أعظم من ثواب الواجبات فدلنا ذلك على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات فلا كلام كما إذا علمنا التساوي لأن لله تعالى أن يفضل\rأحد المتساويين على الآخر بإرادته على أنه يجوز أن يكون في أحد المتساويين مصلحة لم يطلع عليها أحد بسبب قصد الوجوب فيه أو وقوعه في حيز الواجب\rوأما إذا لم نعلم ذلك فلأنا نستدل بالأثر على المؤثر ونقول ما قدم صاحب الشرع هذا المندوب على هذا الواجب إلا لكون مصلحته أعظم من مصلحة الواجب وذلك لأنا استقرينا الشريعة فوجدناها مصالح على وجه التفضل من الله تعالى\r","part":2,"page":212},{"id":551,"text":"ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا سمعتم قراءة كتاب الله تعالى فاستمعوا فإنه إنما يأمركم بخير وينهاكم عن شر هذا كلام الأصل ملخصا إلا أنا نقول قوله إن أوامر الشرع تتبع المصالح ونواهيه تتبع المفاسد محل نظر ولقائل أن يقول إن الأمر بالعكس وهو أن المصالح تتبع الأوامر والمفاسد تتبع النواهي أما في المصالح والمفاسد الأخروية فلا خفاء به فإن المصالح هي المنافع ولا منفعة أعظم من النعيم المقيم والمفاسد هي المضار ولا ضرر أعظم من العذاب المقيم\rوأما في المصالح والمفاسد الدنيوية\rفعلى ذلك دلائل من الظواهر الشرعية كقوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وكقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله وكقوله {صلى الله عليه وسلم} من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه إلى أمثال ذلك مما لا يكاد ينحصر نعم إن أراد بذلك أن الأوامر وردت لتحصل عند امتثالها المصالح وإن النواهي وردت لترتفع عند امتثالها المفاسد فذلك صحيح وقوله إنه وجد في الشريعة مندوبات أفضل من الواجبات وثوابها أعظم من ثواب الواجبات فدلنا ذلك على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات فليس بمسلم ولا صحيح فإن القاعدة أن الواجب أعظم من المندوب بدليل الحديث المتقدم ولا معارض له\rوما استدل به من قوله تعالى وأن تصوموا خير لكم نقول بموجبه ولا يلزم منه مقصوده والمناسب للبناء على رعاية المصالح أن يكون الأعظم مصلحة بحيث يبلغ إلى حد مصالح الواجبات واجبا والأدنى مصلحة مندوبا أما أن\rيكون الأعظم مصلحة مندوبا والأدنى مصلحة واجبا فليس بمناسب لرعاية المصالح بوجه وما مثل به من الصور السبع على أنه من تلك المندوبات فلا يصح شيء منه\rأما الصورة الأولى فإن الأعظم فيها أجرا إنما هو إنظار المعسر بالدين من جهة أنه واجب لا كما قال من أن الأعظم أجرا هو إبراؤه منه من جهة اشتماله على الواجب الذي هو الإنظار إذ كيف يصح أن يكون الإبراء الذي هو إسقاط للطلب\r","part":2,"page":213},{"id":552,"text":"بالكلية ومستلزم لعدم طلبه بعد متضمنا للإنظار الذي هو تأخير الطلب بالدين ومستلزم لطلبه بعد وأما الصورة الثانية فلأن صلاة المكلف نحو الظهر إذا فعلها في جماعة وقعت واجبة\rوإذا فعلها وحده وقعت كذلك فليس فيها إلا أن أحد الواجبين أعظم أجرا من الآخر وكونها في جماعة ليس منفصلا من كونها ظهرا حتى إنه هو المندوب بل هي ظهر وهي في جماعة وأما الصورة الثالثة والرابعة والخامسة فلأن الصلاة في مسجد الرسول {صلى الله عليه وسلم} أو في المسجد الحرام أو في بيت المقدس إن كانت واجبة فهي\rتفضل على نفسها إذا صليت في غيره وإن كانت نافلة فهي تفضل على نفسها إذا صليت في غيره فليس في هذه الصورة إلا أن أحد الواجبين أو أحد المندوبين أعظم من الآخر\rوأما الصورة السادسة فلأن ما روي من أن صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك لا يقتضي أن هذا التضعيف ثواب السواك الذي هو مندوب وإنما يقتضي أن التضعيف ثواب الصلاة المصاحبة للسواك فلا دليل لا من الحديث ولا من غيره على أن المندوب الذي هو السواك خير من أصل الصلاة\rوأما الصورة السابعة فلأن قوله {صلى الله عليه وسلم} كما في الصحيح إذا نودي للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وروي وما فاتكم فاقضوا ليس فيه ما يدل على تقديم مندوب وتفضيله على واجب إلا على احتمال أن الأمر بالسكينة والوقار واجتناب الإفراط في السعي الذي يكون عند المكلف عقيبه انبهار وقلق يمنعه من الخشوع اللائق بالصلاة\r","part":2,"page":214},{"id":553,"text":"وإن فاتته الجمعة والجماعات وأما على احتمال أن الأمر بالسكينة إنما كان لأن ضده المنهي عنه الذي هو شدة السعي شاغل للبال مناف للحضور الذي هو شرط في صحة الصلاة بحسب الوسع فيكون عدم الحضور من كسبه لكونه مسببا عما هو من كسبه الذي هو الشغل بآثار شدة السعي من الانبهار والقلق فليس فيه ما يدل على ذلك بل فيه النهي عن التسبب إلى الإخلال بشرط الواجب ولا دلالة مع الاحتمال على أن منافاة القلق والانبهار للخشوع ليس بالأمر الواضح إذ ثبوتها بينهما إنما هو عن\rمنافاة الحضور الذي هو شرط في الخشوع فافهم أفاده ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والثمانون بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب\rيكثر الثواب أو العقاب غالبا في أحد فعلين وقعت المساواة بينهما من كل وجه فيما عدا المصلحة\r","part":2,"page":215},{"id":554,"text":"خاصة أو المفسدة خاصة على حسب ما يدرك فيه شرعا من كثرة المصلحة أو المفسدة مثلا ثواب التصدق بدينار أكثر من ثواب التصدق بدرهم لأن مصلحة الدينار أعظم من مصلحة الدرهم عند استواء حال المتصدق والمتصدق عليه من كل وجه أما عند تفاوت حال المتصدق والمتصدق عليه فلا لقوله {صلى الله عليه وسلم} سبق درهم مائة ألف وسد خلة الولي الصالح أعظم من سد خلة الفاسق الطالح لأن مصلحة بقاء الولي والعالم في الوجود لنفسه وللخلق أعظم من مصلحة بقاء الفاسق وإنقاذ الغريق من بني آدم لعظيم مصلحة بقائه أعظم من إنقاء الغريق من الحيوان البهيمي وإثم الأذية في الأعراض والنفوس لعظم مفسدتها أعظم من إثم الأذية في الأموال وعلى هذا القانون في غالب الشريعة وقد يكثر الثواب أو العقاب في أحد الفعلين المذكورين على خلاف هذا القانون بأن يصير الأقل مفسدة أكثر عقابا والأقل مصلحة أكثر ثوابا كتفصيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخشوع والإجلال وأنواع التقرب وكتفضيل الصبح على سائر الصلوات عندنا بناء على أنها الصلاة الوسطى وكتفضيل العصر على رأي أبي حنيفة بناء على أنها الصلاة الوسطى مع تقصير القراءة فيها بالنسبة إلى الظهر وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر ومن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح أن النبي عليه السلام قال من قتل الوزغة في الضربة الأولى فله مائة حسنة\r","part":2,"page":216},{"id":555,"text":"ومن قتلها في الثانية فله سبعون حسنة فدل على أنه كلما كثر الفعل كان الثواب أقل وما ذلك إلا لأنه لما لم يقتلها في الضربة وهي حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة متونة في الضرب دل على ضعف عزمه وقلة اهتمامه بأمر صاحب الشرع فنقص أجره عن المائة إلى السبعين وإن كثر فعله على خلاف القاعدة إذ لله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لصنعه قلت ومن ذلك أيضا ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى من تفضيل المدينة على مكة إذ لا معنى لتفضيل مكة عليها عند غيره من الأئمة إلا أن ثواب العمل في مكة أكثر من ثواب العمل فيها\rوقد قال مالك إن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة فالصلوات الخمس بمنى عند التوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة فافهم قال ابن الشاط ما حاصله ولم يثبت في الشريعة ما يصلح أن يكون دليلا على تفضيل الله تعالى أحد الفعلين المتساويين في المصلحة على الآخر وقاعدة مراعاة المصالح وإنها إذا بلغت إلى حدها في الكثرة لزم الوجوب وإذا لم تبلغ فلا بد من الثواب والندب تقتضي لزوم الوجوب في المتساويين معا إن بلغت مصلحتهما إلى رتبة الواجبات أو الندب فيهما معا وإن لم تبلغ مصلحتهما إلى تلك الرتبة فوجب حمل المتساويين في المصلحة حينئذ على ما تقتضيه هذه القاعدة فتأمل ا ه والله أعلم\rالفرق السابع والثمانون بين قاعدة ما يثبت في الذمم وبين قاعدة ما لا يثبت فيها\r","part":2,"page":217},{"id":556,"text":"الذي لا يثبت في الذمم هو المعينات المشخصات في الخارج المرئية بالحس والذي يثبت فيها هو ما عداها ويظهر أثر ذلك في المعاملات وفي الصلوات والزكوات أما في المعاملات ففي قاعدتين إحداهما قاعدة الاستحقاق أو الموت لما وقع العقد عليه يوجب في المعين انفساخ العقد وفي غير المعين لا يوجبه فإذا اشترى سلعة معينة فاستحقت انفسخ العقد أو ما في الذمة كما في السلم فأعطاه ذلك وعينه ثم استحق لم ينفسخ العقد بل يرجع إلى غير ما استحق لأنه تبين أن ما في الذمة لم يخرج منها وإذا استأجر دابة معينة للحمل أو غيره كالركوب فاستحقت أو ماتت انفسخ العقد أو غير معينة لذلك فعطبت أو استحقت لم ينفسخ العقد بل يطالبه بغيرها لأن المعقود عليه غير معين بل في الذمة فيجب الخروج منه بكل معين شاء القاعدة الثانية قاعدة التخيير في تسليم المعقود عليه وعدمه فمتى كان في الذمة كان لمن هو عليه أن يتخير بين الأمثال ويعطي أي مثل شاء ومتى كان معينا من تلك الأمثال لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره\rفلو اكتال رطل زيت من خابية وعقد عليه لم يكن له أن يعطي غيره من الخابية وإذا فرق صبرته صيعانا فعقد على صاع منها بعينه لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره من تلك الأمثال\rوأما إذا عقد على صاع غير معين من جنس هذه الصبرة أو على رطل غير معين من جنس هذا الزيت فإن المعقود عليه لعدم تعينه يكون في الذمة فله الخروج عنه بأي مثل شاء من تلك الأمثال وبالجملة فالمعينات لا تثبت في الذمم وما في الذمم لا يكون معينا بل يتعلق الحكم فيه بواحد غير معين من الأمور الكلية والأجناس المشتركة فيقبل ما لا يتعين منها البدل والمعين لا يقبل البدل والجمع بينهما محال\r","part":2,"page":218},{"id":557,"text":"وأما في الصلوات والزكوات ففي قاعدة أن من شرط الانتقال إلى الذمة تعذر المعين والصلاة من حيث إنها فعل لا تعين لها ما لم تقع من أداء الصلوات التي لم تقع مع بقاء وقتها وقضاء الصلوات التي لم تقع مع خروج وقتها يكون في الذمة إذ لا يصح في الفعل الذي لم يقع وإن تعين بتعين وقته أن يكون معينا لأن تعينه بتعين وقته لا يقتضي جعله معينا بمكانه وسائر أحواله والزكاة من حيث إنها حق واجب في المال المعين لا تكون إلا حقا معينا بمعنى أنه جزء لمعين فلا تكون في الذمة ما وجد نصابها فإذا تلف بعذر لم ينتقل الحق الواجب لتعينه إلى الذمة فلا يضمن مالك النصاب حينئذ نصيب الفقراء وإذا تلف بغير عذر ترتب الحق الواجب\rفي الذمة فيضمن مالك النصاب حينئذ نصيب الفقراء ولا يعتبر في الضمان تأخر الجائحة عن زمن الوجوب في الزرع أو الثمرة مثلا فافهم والله أعلم وصل هذا الفرق غير مطرد عند المالكية بل خالفوه في صورتين\rالصورة الأولى قولهم لا يتعين النقدان بالتعيين وإنما تقع المعاملة بهما على الذمم وإن عينت النقود إلا أن تختص بأمر يتعلق به الغرض كشبهة في أحدهما أو سكة رائجة دون النقد الآخر وأنه إذا غصب غاصب دينارا معينا فله أن يعطي غيره مثله في المحل ويمنع ربه من أخذ ذلك المعين المغصوب معللين بأن خصوصات الدنانير والدراهم لا تتعلق بها الأغراض فسقط اعتبارها في نظر الشرع إذ لا يعتبر صاحب الشرع إلا ما فيه نظره صحيح ويرد عليه سؤالان أحدهما أنه يلزمه أن لا تكون أعيان الدراهم والدنانير مملوكة أيضا إذ لو كانت الخصوصات مملوكة لكان لصاحب المعين المطالبة بملكه وأخذه المعين من الغاصب والمشتري واللازم باطل لأنهم يقولون إن للغاصب المنع من المعين وكذلك المشتري في العقود وإذا لم تملك أعيان الدنانير والدراهم عندهم لم يكن المملوك إلا الجنس الكلي والجنس الكلي لا يصح أن يملك أما على قول نافيه فظاهر\r","part":2,"page":219},{"id":558,"text":"وأما على قول مثبته فلأنه ذهني صرف والذهني الصرف لا يتأتى ملكه فيلزم على هذا القول أن من ملك\rدينارا أو غيره من النقود إما أن نقطع بأنه لم يملك شيئا عند من ينفي الأجناس أو يقع الشك في أنه ملكه أو لم يملكه عند من يشك في الأجناس وهذا كله خروج عن المعقول ولا شك في شناعته فلا وجه لالتزامه وعدم الالتفات لشناعته وكيف يسوغ لعاقل التزام ما لا يصح ولا يعقل قاله ابن الشاط\rقلت وأنت خبير بأنه على ما حققه الجلال الدواني وغيره من المحققين من أن الجنس قد يعتبر لا بشرط شيء من تشخص أو كلية فيتحقق أفراده وهو الحق كما مر التنبيه عليه لا يظهر أنه يلزم على هذا القول أن من ملك دينارا أو غيره من النقود لم يملك شيئا أو يقع الشك في ملكه وعدمه بل إنما يلزم عليه أنه مالك الجنس المتحقق في فرد ما فتأمل بإنصاف السؤال الثاني أنهم وافقوا الجمهور على أن الصيعان المستوية من الصبرة والأرطال المستوية من الزيت تملك أعيانها وإنما تعين بالتعيين مع أن الأغراض مستوية في تلك الأفراد استواءها في أعيان النقود وقول الأصل إن الصيعان والأرطال المستوية وسائل لتحصيل الأغراض من السلع والمقاصد إنما هي السلع فتقع المشاحنة من تعييناتها من حيث إنها مقاصد والسلع وإن لم تتعلق الأغراض بأفرادها كأعيان النقود إلا أن أعيان النقود تفارقها في أنها وسائل لتحصيل الأغراض من السلع فاجتمع فيها أمران كونها وسائل وعدم تعلق الأغراض بخلاف السلع فلم يوجد إلا الثاني فقط قال ابن الشاط إنه فرق لا أثر له لاحتمال أن يكون لصاحب ذلك المعين غرض فيه فإن لم يكن ذلك الغرض من الأغراض المعتادة فالصحيح تعين النقدين بالتعين ولزوم رد المغصوب منهما بعينه إلا أن يفوت فيلزم البدل والله أعلم ا ه فتأمل\rالصورة الثانية قول ابن القاسم لا يجوز لمن\r","part":2,"page":220},{"id":559,"text":"له دين على رجل أن يأخذ منه ما يتأخر قبضه كدار يسكنها أو ثمرة يتأخر جذاذها أو عبد يستخدمه ونحو ذلك لأنه فسخ دين في دين لأن هذه الأمور لما كانت يتأخر قبضها أشبهت الدين وفيها مفسدة الدين من جهة أن فيها المطالبة ففيه مخالفة لما في هذا الفرق من أن المعين لا يكون في الذمة فلا يكون دينا\rوأما على قول أشهب يجوز ذلك وليس هذا فسخ دين في دين بل دين معين في معين فلا مخالفة فمن هنا جرى عمل الشيخ علي الأجهوري على قول أشهب فكانت له حانوت ساكن فيها مجلد الكتب وكان إذا ترتب له أجرة في ذمته يستأجره بها على تجليد كتبه ويقول هذا على قول أشهب وصححه المتأخرون وأفتى به ابن رشد كما في حاشية الصاوي على شرح أقرب المسالك والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والثمانون بين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض من غير تخيير فيترتب عليه مسببه وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض مع التخيير فلا يترتب عليه مسببه ولم يميز أحدهما عن الآخر إلا بالتخيير وعدمه مع اشتراكهما في الوجود والسلامة عن المعارض وذلك أن أجزاء الوقت كالذي بين الزوال إلى آخر القامة إنما يجب منها لأداء الظهر جزء واحد فقط\r","part":2,"page":221},{"id":560,"text":"فإذا تصرفت المرأة في ضياع ما عدا الآخر منها بالإتلاف ثم طرأ عليها عذر الحيض في ذلك الجزء الآخر قام وجود ذلك العذر فيه مقام وجوده في جميع أجزاء الوقت فكما أن وجوده في جميعها يسقط الصلاة كذلك وجوده في الجزء الآخر يسقطها إذ من حجة المرأة أن تقول إن تسلطي على أول الوقت بالتخيير بين أجزاء القامة في إيقاع الصلاة ينفي عني وجوب الصلاة فإني جعل لي أن أؤخر وأعين مطلق جزء من القدر المشترك بين أجزاء القامة في الجزء الأخير فلما عينه تلف بالحيض وما سر ذلك إلا التخيير هنا بخلاف رؤية الهلال فإنه سبب لوجوب الصوم يترتب عليه إذا وجد سالما عن المعارض الوجوب بلا تخيير فمن هنا يظهر قول المالكية المعتبرة من الأوقات في الصلوات أواخرها دون أوائلها\r","part":2,"page":222},{"id":561,"text":"فإن وجد العذر المسقط للصلاة آخر الوقت سقطت الصلاة التي لم تكن فعلت قبل طريان العذر ولا عبرة بما وجد من الوقت في أوله أو وسطه سالما من العذر وكذلك إذا ذهب العذر آخر الوقت فظهرت الحائض حينئذ وجبت الصلاة ولا عبرة بوجود العذر أول الوقت أو وسطه ويسقط ما أورده الشافعية عليهم حيث وافقوهم في الشق الثاني وخالفوهم في الشق الأول وقالوا إنكم معاشر المالكية أجمعتم معنا على أن الوجوب في الصلاة وجوب موسع متعلق بمطلق من القدر المشترك بين أجزاء القامة وإذا وجد أول الوقت فقد وجد القدر المشترك في ضمنه وهو متعلق الوجوب وسببه فإذا لم يكن عذر في أول الوقت كالحيض وغيره وقد وجد السبب الموجب للصلاة أول الوقت سالما عن المعارض فيترتب عليه الوجوب فإذا حاضت بعد ذلك حاضت بعد ترتب الوجوب عليها فتقضى بعذر وانقضاء مدة الحيض وأنتم إذا قلتم لا يجب عليها بذلك شيء بل إنما يعتبر آخر الوقت في طريان العذر وزوله فهذا من مالك رحمه الله يقتضي أنه يعتقد أن الوجوب متعلق بآخر الوقت كما قاله الحنفية مع أن المالكية لا تساعد على ذلك فيكون مذهب مالك من جهة عدم اعتبار السبب الموجب السالم عن المعارض وعدم جريه على\rأصله في الواجب الموسع مشكلا جدا ومذهب الشافعية من جهة اعتبار السبب الموجب السالم عن المعارض والجري على أصله في الواجب الموسع سالما عن الإشكال وبيان سقوطه أنا لا نسلم أن مالكا لم يعتبر السبب الموجب السالم من المعارض وخالف أصله في الواجب الموسع إذ ليس كل سبب كذلك يترتب عليه مسببه بل إنما يترتب عليه مسببه حيث كان من غير تخيير كرؤية الهلال أما حيث كان مع التخيير كما هنا فلا يترتب عليه مسببه إلا إذا تعين الجزء الأخير من بين أجزاء القدر المشترك المخير فيها بفوات ما عداه\r","part":2,"page":223},{"id":562,"text":"فالفرق في الشرع واقع بين وجود السبب سالما عن المعارض مع عدم التخيير بين أفراده فيترتب عليه مسببه لتحقق شرط الترتب الذي هو عدم التخيير كما قلناه في رؤية الهلال وغيره وبين وجوده مع التخيير فلا يترتب عليه مسببه لعدم تحقق شرط الترتب الذي هو عدم التخيير كما قلناه في أوقات الصلوات وله نظائر في الشريعة الحنيفية السمحة أحدها إذا باع صاعا واحدا من صبرة فتصرف بمقتضى التخيير فيما عدا الصاع الواحد ببيع من غير مشتري الصاع أو نحوه وتلف الصاع الباقي بآفة سماوية انفسخ العقد ولم ينقل الصاع للذمة كما لو تلفت الصبرة كلها بآفة سماوية ضرورة أن العقد لما تعلق بمطلق صاع من القدر المشترك بين صيعان الصبرة وكان له أن يتصرف مقتضى التخيير فيما عدا الصاع الواحد كانت الآفة في الصاع الواحد حينئذ كالآفة في الجميع إذ من حجة البائع أن يقول إن تسلطي بالتخيير بين صيعان الصبرة في توفيته ينفي عني العدوان فيما تعديت فيه فلا أضمن\rوالسر\r","part":2,"page":224},{"id":563,"text":"في ذلك هو التخيير إذ لولا التخيير لكان للمشتري أن يقول العقد اقتضى مطلق الصاع وقد وجد في صاع من الصيعان التي تعديت عليها أيها البائع ومن تعدى على المبيع ضمنه فيلزمك أيها البائع الضمان وثانيها إذا وجب عليه عتق رقبة في الكفارة وعنده رقاب فله أن يتصرف بالعتق وغيره فيما عدا الواحد فإذا تصرف ولم يبق إلا رقبة فماتت أو تعيبت سقط عنه الأمر بالعتق وجاز له الانتقال إلى الصيام ضرورة التصرف بالتخيير مع الآفة السماوية في الأخير يقوم مقام حصول الآفة في جميع الرقاب ابتداء فلذا لم نقل تتعين عليه رقبة لا بد منها تثبت في ذمته وثالثها إذا كان له عدة ثياب للسترة في الصلاة فله أن يتصرف بهبة أو بيع أو نحوهما فيما عدا واحدا منها فإذا تصرف وأبقى واحدا فطرأت عليه الآفة المانعة له من أن يصلي فيه صلى عريانا غير آثم ويسقط التكليف بالكلية ضرورة أن التصرف بالتخيير مع العذر في الأخير يقوم مقام العذر في الجميع ورابعها إذا كان عنده قدر كفايته من الماء لطهارته مرارا فله هبة ما عدا كفايته من القدر المشترك بين تلك المقادير فإذا وهبه وأبقى كفايته منه فتلف ما أبقاه سقط التكليف بالوضوء بالكلية من غير إثم وقام التصرف بالتخيير مع الآفة في الأخير مقام حصول العذر في الجميع في عدم الإثم وسقوط التكليف وخامسها إذا كان عنده صاعان فأكثر من الطعام لزكاة الفطر فله التصرف ببيع أو هبة فيما عدا الصاع الواحد فإذا باعه أو وهبه وترك صاعا واحدا فلم يتمكن من إخراجه حتى تلف من غير سبب من قبله سقط عنه زكاة الفطر إذا قلنا إن وجوبها موسع من غروب\rالشمس من رمضان إلى غروبها من يوم الفطر وصار بمنزلة من جاء وقت الوجوب وليس عنده طعام ألبتة\r","part":2,"page":225},{"id":564,"text":"وبالجملة فالتصرف بالتخيير بين أفراد الجنس مع الآفة في الأخير كما يقوم مقام حصول العذر في الجميع في هذه النظائر ونحوها من الصور الكثيرة التي تجدها في الشريعة إذا استقريتها كذلك يقوم تفويت غير الجزء الأخير من أجزاء القامة مثلا بمقتضى التخيير مع حصول العذر كالحيض في الجزء الأخير مقام حصول العذر في جميع الأجزاء إذ كما أنه لا فرق بين قيام المعارض في جميع صور السبب وبين قيامه في بعض صوره إذا كان التخيير في البعض الآخر في جميع صوره هذه النظائر ونحوها مما هو كثير في الشريعة كذلك لا فرق بينهما في صورة النزاع فتأمل هذا الفرق فهو دقيق وهو عمدة المذهب في هذه المواضع والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":226},{"id":565,"text":"الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه وبين قاعدة الأمر الأول لا يوجب القضاء وإن كان الفعل في القضاء جزء الأول والجزء الآخر خصوص الوقت قال الأصل أنهما وإن اشتركتا في أن الأمر مركب فيهما بسبب أن الأمر بالعبادة في وقت معين أمر بالعبادة وبكونها في وقت معين وهو أمر بمجموع الفعل وتخصيصه بالزمان إلا أنه يفرق بينهما بأن تخصيص صاحب الشرع بعض الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات لما كان يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة وكان الأصل عدم مصلحة الفعل في غير الوقت الذي عين له كان لفظ تخصيصه دالا على عدم مصلحة ذلك الفعل في غيره فلا تفعل تلك العبادة ألبتة فإن ورد الأمر بالقضاء دل الأمر الثاني على أن ما بعد ذلك الوقت مما يقارب الوقت الأول في مصلحة الوجوب وإن لم يصل إلى مثل مصلحته إذ لو وصل إليها لسوى بينهما في الأمر الأول وحيث لم يسو بينهما دل ذلك على التفاوت بينهما وبني هذا الفرق على أمرين الأمر الأول أن المراد بقاعدة استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه هو أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل جزء مطلقا كان مجموعا مع غيره أم غير مجموع فإذا كان الأمر بالعبادة في وقت معين أمرا بالعبادة وبكونها في وقت وذهب الجزء الثاني وهو تخصيصه\rبعين ذلك الزمان يبقى الفعل واجبا\rالأمر الثاني اطراد قاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح لوجوب رعايتها عقلا في كل فعل ولو تعبديا ومعنى كونه تعبديا أن فيه معنى لم نعلمه لا أنه ليس فيه معنى\rوقال وقاعدة أن الأمر الأول لا يقتضي القضاء بل القضاء إنما يجب بأمر جديد هو القول المشهور من مذهب العلماء الملاحظين هذا الفرق بين القاعدتين والقول بأن القضاء بالأمر الأول قول من لاحظ التسوية والمشترك بين القاعدتين هذا خلاصة كلامه\r","part":2,"page":227},{"id":566,"text":"قال ابن الشاط وفي كلامه هذا في هذا الفرق ضروب من الفساد لا يفوه بمثلها محصل الضرب الأول أنه لا يصح أن يراد بالقاعدة الأولى أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل جزء مطلقا بل إنما يصح أن يراد بها أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل واحد من الأجزاء مجموعا مع غيره منها\rالضرب الثاني أن الفعل المعين زمانه لا يصح انفكاكه عن ذلك الزمان ومتى قدر انفكاكه عنه فليس هو ذلك الفعل كما أنه ليس هو ذلك الزمان بالنسبة إلى الفعل الموقع فيه ألا ترى أنه إذا فعلت ركعة مفردة من صلاة الصبح مثلا لا تكون جزءا من صلاة الصبح أصلا وإنما تكون جزءا منها إذا فعلت مع أخرى بشرط استيفاء شروط صلاة الصبح من نية وغيرها\rالضرب الثالث أنه لا يصح اطراد قاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح\rبمعنى المنافع الدنيوية خاصة لأن رعايتها بهذا المعنى من مجوزات العقل لا من موجباته والدلائل الشرعية القطعية وإن دلت على رعاية مصالح أمور كثيرة من المأمورات والمنهيات إلا أنها لم تدل على رعايتها في جميع المأمورات والمنهيات إذ لا نعلم قاطعا في ذلك وليست رعاية الشارع المصالح بحكم منه شرعي فيكفي فيه الظن بل ذلك أمر وجودي لا بد فيه من القطع وبالجملة فيجوز عقلا شرع أمر ما لغير مصلحة فيه إلا ما يترتب عليه من الثواب فلا يصح أن تكون قاعدة رعاية المصالح مطردة إلا إذا أريد بالمصالح المنافع على الإطلاق دنيوية أو أخروية فافهم\rالضرب الرابع أن قوله في الفرق أن تخصيص الشارع بعض الأوقات بأفعال معينة من حيث إنه يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة والأصل عدم وجودها في غيره يدل لفظ تخصيص ذلك الوقت على عدم مصلحة ذلك الفعل في غيره وقوله فيه فإن ورد الأمر بالقضاء دل الأمر الثاني إلخ ليس بصحيحين إلا على تسليم دعوى عموم رعاية المصالح وقد علمت أنه لم يثبت ذلك بقاطع\r","part":2,"page":228},{"id":567,"text":"الضرب الخامس أن من قال القضاء بأمر جديد لم يلاحظ ذلك الفرق بل لاحظ أن الأمر المؤقت لا يقتضي القضاء فلا بد في شرع القضاء من أمر جديد وأن من قال القضاء بالأمر الأول لا يقول إنه من مقتضاه لفظا بل يقول إنه من مقتضاه قياسا على الحقوق المترتبة في الذمم ا ه\rكلام ابن الشاط وفي جمع الجوامع مع شرح المحلي مسألة قال أبو بكر الرازي من الحنفية وعبد الجبار من المعتزلة الأمر بشيء مؤقت يستلزم القضاء له إذا لم يفعل في وقته لإشعار الأمر بطلب استدراكه أي الفعل إن لم يقع في وقته لأن القصد منه الفعل أي مطلقا سواء كان في الوقت أو خارجه\rوقال الأكثر القضاء بأمر جديد كالأمر في حديث الصحيحين من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها وفي حديث مسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها والقصد من الأمر الفعل في الوقت لا مطلقا ا ه\rوشرح ذلك أنه لا خفاء في أنا إذا تعقلنا صوما مخصوصا وقلنا صم صوم يوم الخميس فقد تعقلنا أمرين وتلفظنا بلفظين وأما أن المأمور به هو هذان الأمران أو شيء واحد يصدقان\r","part":2,"page":229},{"id":568,"text":"عليه ويعبر عنه باللفظ المركب منهما مثل صوم يوم الخميس فمختلف فيه فمن ذهب إلى الأول جعل القضاء بالأمر الأول لأن المأمور به شيئان فإن انتفى أحدهما بقي الآخر ومن ذهب إلى الثاني جعل القضاء بأمر جديد لأنه ليس في الوجود إلا شيء واحد فإذا انتفى سقط المأمور به ثم اختلافهم في هذا الأصل وهو أن المطلق والقيد بحسب الوجود شيئان أو شيء واحد يصدق عليه المعنيان ناظرين إلى اختلاف في أصل آخر وهو أن تركب الماهية من الجنس والفصل وتمايزهما هل هو بحسب الخارج أو مجرد العقل فإن قلنا بالأول كان المطلق والقيد شيئين لأنهما بمنزلة الجنس والفصل وإن قلنا بالثاني وهو الحق كانا بحسب الوجود شيئا واحدا كذا ذكره المحقق التفتازاني في حاشية العضد وحاصل ما أشار إليه المحلي بقوله والقصد من الأمر الأول إلخ من رد قول الأول لأن القصد منه الفعل أنا سلمنا أن الكون في الوقت به كمال الفعل لأنه مصلحة له لكن لا نسلم بقاء الوجوب مع النقص لأنه إنما يبقى إذا انفرد به الطلب وليس كذلك بل المطلوب شيء واحد وقد انتفى بانتفاء جزئه أفاده الشربيني قال العطار ولم يذكر المحلي هذا الاستدلال قصدا بل على سبيل التبع والتتمة للاستدلال بالحديثين المذكورين الدالين على أن القضاء بأمر جديد فلا يقال إن هذا الاستدلال بمجرده لا يستلزم كون القضاء بأمر جديد ا ه\rقلت ومنه يعلم أمور الأمر الأول الفرق بين القاعدتين بما يندفع عنه جميع ما أورده ابن الشاط من ضروب الفساد وهو أن القاعدة الأولى من استلزام المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه مبنية كقول الرازي وعبد الجبار بأن الأمر الأول يوجب القضاء على أن المطلق والقيد بحسب الوجود الخارجي شيئان متمايزان تمايز الجنس والفصل بحسب الخارج على القول به\r","part":2,"page":230},{"id":569,"text":"والقاعدة الثانية من أن الأمر الأول لا يوجب القضاء مبنية على أن المطلق والقيد شيء واحد يصدق عليه المعنيان ويتميزان فيه تميز الجنس والفصل بمجرد العقل به ويكون سر هذا الفرق هو ما ذكره الأصل\rالأمر الثاني اندفاع الضرب الأول عن كلام الأصل إذ لا يتجه عدم صحة قاعدة أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل جزء مطلقا إلا إذا قلنا ببنائها على أن المطلق\rوالقيد شيء واحد أما إذا بنيناها على أنهما شيئان فلا يتجه ذلك\rالأمر الثالث اندفاع الضرب الثاني أيضا حيث بنينا على أن المطلق والقيد شيئان لا شيء واحد إذ لا يتم قياس القاعدة المذكورة على كونها مفردة من صلاة الصبح مثلا لا يصح أن تكون هي نفس الصبح إلا إذا بنيت تلك القاعدة على أنهما شيء واحد فافهم\rالأمر الرابع اندفاع الضرب الثالث والرابع إذ لا يتوجهان إلا إذا أريد مصلحة دنيوية غير الكون في الوقت أما إذا أريد مصلحة دنيوية هي الكون في الوقت بقطع النظر عن أن يكون للكون فيه مصلحة أم لا فلا يتوجهان لأن معنى اطراد قاعدة رعاية المصالح بمعنى المنافع الدنيوية خاصة حينئذ هو أنا نعتبر أن تخصيص جميع الأمور التعبدية بوقت ونحوه هو مصلحته الدنيوية لا أن لهذا التخصيص مصلحة لم نعلمها حتى يقال لم يرد بعموم رعاية المصالح قاطع نعم لا يساعد هذا الدفع كلام الأصل لأنه ظاهر في أن هذا التخصيص مصلحة لم نعلمها فافهم\rالأمر الخامس اندفاع الضرب الخامس بمنع كون الخلاف في أن القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول ليس مبنيا على الفرق المذكور بين هاتين القاعدتين فتأمل بأنصاف والله أعلم\rالفرق التسعون بين قاعدة أسباب الصلوات وشروطها يجب الفحص عنها وتفقدها وقاعدة أسباب الزكاة لا يجب الفحص عنها\r","part":2,"page":231},{"id":570,"text":"في أنه لا يجب تحصيل ما يتوقف عليه وجوب جميع الواجبات من أسباب التكليف بها وشروطه وانتفاء موانعه فلا يجب على أحد أن يحصل نصابا حتى تجب عليه الزكاة لأنه سبب وجوبها ولا أن يوفي الدين لغرض أن تجب عليه الزكاة لأنه منع منها ولا تجب عليه الإقامة حتى يجب عليه الصوم لأنها شرط في وجوبه وإنما الخلاف في وجوب تحصيل ما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد وجوبه وعدم وجوبه\rثالثها الفرق بين الأسباب فتجب دون غيرها فلا تجب إلا أن الواجبات باعتبار تعيين وقوع أسبابها أو شروطها وعدم تعيين وقوعها على قسمين القسم الأول ما لا بد من أن يكون في الوجود طريان ما يترتب عليه التكليف بها جزما لا محيد عنه كالزوال لوجوب الظهر ورؤية الهلال لرمضان لوجوب صومه ولشوال لوجوب فطره وإخراج زكاته ولذي الحجة لوجوب الحج على من تعين عليه وكأيام الرمي والمبيت لوجوب أدائهما فهذا القسم وإن لم يجب تحصيل ما يترتب عليه التكليف به لكنه يجب الفحص عنه كان شرطا أو سببا بسبب أنه لو أهمل لوقع التكليف والمكلف غافل عنه فيعصي بترك الواجب بسبب إهماله وهو قد علم أنه لا بد أن يكون ولا عذر له عند الله تعالى ومن ذلك قضاء رمضان يسد في\rبقية العام إلى شعبان فيجب عليه إذا أخر أن يتفقد الأهلة لئلا يدخل شعبان وهو غير عالم به فيؤدي ذلك إلى ضياع القضاء عن وقته كما أنه يجب على من نذر يوما معينا أو شهرا معينا أن يفحص عن هلال ذلك الشهر ويتحرى ذلك اليوم حتى يوقع ذلك الواجب ولا يتعداه فيعصي بالإهمال مع إمكان الضبط له\r","part":2,"page":232},{"id":571,"text":"القسم الثاني ما لا يتعين وقوع ما يترتب عليه التكليف بها من أسبابها وشروطها فقد يقع وقد لا يقع بل الأصل عدم وقوعه ومن أمثلته ما إذا كان المكلف فقيرا وله أقارب أغنياء في بلاد بعيدة عنه وهو في كل وقت يجوز أن يموت أحدهم فيرثه فينتقل المال إليه فيجب عليه الزكاة فهذا القسم كما لا يجب تحصيل ما يترتب عليه التكليف به كذلك لا يجب الفحص عنه وإن كان إغفال ذلك وترك السؤال عنه مع أنه لو فحص لحاز المال ووجبت فيه الزكاة يؤدي إلى ترك إخراج الزكاة مع وجوبها عليه لأن عدم التعيين وكون الأصل عدم وقوعه يمكن أن يكون حجة للمكلف وعذرا عند الله تعالى هذا هو ضابط ما يجب الفحص عنه من الأسباب والشروط وضابط ما لا يجب الفحص عنه من ذلك فاعلمه واعتمد عليه والله سبحانه وتعالى أعلم\r252\rالفرق الحادي والتسعون بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية\r","part":2,"page":233},{"id":572,"text":"وذلك أن القاعدة أن المفضول يجوز أن يختص بخصلة ليست في المجموع الحاصل للفاضل من الفضائل وحينئذ فقاعدة الأفضلية أن يكون المجموع الحاصل للفاضل من الفضائل دون المجموع الحاصل للمفضول وقاعدة المزية والخاصية أن يختص المفضول بخصلة لم تحصل في مجموع الفاضل ومن استقرى ذلك في المخلوقات وجد له أمثلة كثيرة منها ما ورد في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا أذن المؤذن ولى الشيطان وله ضراط فإذا فرغ المؤذن من الأذان أقبل فإذا أقيمت الصلاة أدبر فإذا أحرم العبد بالصلاة جاءه الشيطان فيقول له اذكر كذا اذكر كذا حتى يضل الرجل فلا يدري كم صلى فحصل من ذلك أن الشيطان ينفر من الأذان والإقامة ولا ينفر من الصلاة وأنه لا يهابها ويهابهما مع أنهما وسيلتان إليها والوسائل أخفض رتبة من المقاصد وأيضا أين هي منهما ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول أفضل أعمالكم الصلاة وكتب عمر رضي الله عنه إلى عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة كما جاء في الأثر ومنها ما ورد في الحديث الصحيح عن النبي عليه السلام أنه قال أقرؤكم أبي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأقضاكم علي إلى غير ذلك مما ورد في فضل الصحابة مع أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أفضل من الجميع وعلي بن أبي طالب أفضل من أبي وزيد ومع ذلك فقد فضلاه في الفرائض والقراءة وما سبب ذلك إلا أنه يجوز أن يحصل للمفضول ما لم يحصل للفاضل ومنها قوله عليه السلام لعمر ما سلك عمر واديا ولا فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره فأخبره عليه السلام أن الشيطان ينفر من عمر ولا يلابسه وأخبر عن نفسه عليه السلام أنه قد تفلت علي الشيطان البارحة ليفسد علي صلاتي فلولا أني تذكرت دعوة أخي سليمان لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة وفي حديث الإسراء أن شيطانا قصده عليه السلام بشعلة من نار فأمره جبريل عليه السلام بالتعوذ منه فلم ينفر الشيطان منه عليه السلام كما نفر من عمر وأين عمر","part":2,"page":234},{"id":573,"text":"منه عليه السلام غير أنه يجوز أن يحصل للمفضول ما لا يحصل للفاضل\rومنها أن الأنبياء صلوات الله عليهم أفضل من الملائكة على الصحيح\rوقد حصل للملائكة المواظبة على العبادة مع جميع الأنفاس يلهم أحدهم التسبيح كما يلهم أحدنا النفس إلى غير ذلك من الفضائل والمزايا التي لم تحصل للبشر ومع ذلك فالأنبياء أفضل منهم لأن المجموع الحاصل للأنبياء من المزايا والمحاسن أعظم من المجموع الحاصل للملائكة ومنها ما مر عن الإمام مالك من أن المدينة أفضل من مكة وإن كان العمل في مكة أكثر من العمل فيها لأن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة فالصلوات الخمس بمنى عند التوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة ومنها أن في الشعير من الخواص الطيبة ما ليس في البر وفي الخواص النافعة بالحال وغيرها ما ليس في الذهب ومنها أنه قد يكون في المدينة فقير عنده ابنة حسناء أو تحفة غريبة ليست عند ملكها ومجموع ما حصل للملك قدر ما حصل لذلك الفقير أضعافا مضاعفة وبالجملة فبسبب قاعدة أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل ظهر الفرق بين القاعدتين واندفع التناقص في مثل كون الصلاة أفضل من الأذان والإقامة وقد جعل الله تعالى لهما أن الشيطان ينفر منهما دونهما والله أعلم\rفائدة\rذكر الشيخ أحمد بن أحمد بابا التنبكتي في نيل الابتهاج آخر ترجمة الإمام عبد العزيز العبدوسي عن الشيخ أبي عبد الله الرصاع أن صاحب الترجمة كان يقول في مجلسه بجامع القصر من تونس مما جرب لتسهيل الرزق والأمان والتحصن من آفات الزمان أن تكتب في ورقة ويجعل على الرأس مناقب السادات الكرام من الصحابة جمعهم من كتب عديدة أثنى عليهم سيد المرسلين {صلى الله عليه وسلم} قال الرصاع وقد قيدتها قديما ووجدت لها بركات في جميع الحالات\rقال رضي الله عنه وهي قال {صلى الله عليه وسلم} من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر بن الخطاب فقد أوضح السبيل ومن أحب عثمان بن عفان فقد استضاء\r","part":2,"page":235},{"id":574,"text":"بنور الله ومن أحب علي بن أبي طالب فقد استمسك بالعروة الوثقى ألا وإن أرأف أمتي بأمتي أبو بكر وإن أقواهم صلابة في دين الله عمر بن الخطاب وإن أشدهم حياء عثمان بن عفان وإن أقضاهم علي بن أبي طالب ولكل نبي حواري وحواريي الزبير ومن أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد من أحباب الرحمن وسعد بن أبي وقاص يدور مع الحق وعبد الرحمن بن عوف تاجر الله وأبو عبيدة بن الجراح أمين الله وما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر\rومن أراد أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى زهد أبي ذر وإن الله ليرضى لرضا سلمان ويسخط لسخط سلمان وإن الجنة لتشتاق إلى سلمان أشد من اشتياق سلمان إلى الجنة ولكل أمة حليم وحليم هذه الأمة أبو هريرة وحذيفة بن اليمان من أصفياء الرحمن وإن أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل وإن أعلم الناس بالفرائض زيد بن ثابت وإن أقرأ أمتي أبي بن كعب وحمزة أسد الله وأسد رسوله\rوخالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة يطير بهما فيها حيث يشاء والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما والعباس عمي وصنو أبي ورضيت لأمتي ما رضي لها عبد الله بن مسعود وصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة أو خير من فئة ولكل نبي خادم وخادمي أنس بن مالك ولكل نبي خليل وخليلي سعد بن معاذ ولكل أمة فارس وفارس القرآن عبد الله بن العباس وأول من يقرع باب الجنة بلال وإن أول من يأكل من ثمارها أبو الدحداح وإن أول من تصافحه الملائكة أبو الدرداء وإن أول من يرد حوضي صهيب بن سنان والمقداد بن الأسود من المجتهدين وعمار بن ياسر من الصديقين وعبد الله بن عمر من وفود الرحمن وإن أفضل النساء آسية ومريم وخديجة وفاطمة بنت محمد {صلى الله عليه وسلم} وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\r","part":2,"page":236},{"id":575,"text":"ونسائي خير نساء هذه الأمة وأحبهن إلي عائشة وأصحابي كلهم كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ومن أحب أصحابي فقد أحبني ومن أبغض أصحابي فقد أبغضني ألا وإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا\rهذه وصية نبينا محمد {صلى الله عليه وسلم} في ساداتنا نفعنا الله بهم وحشرنا في زمرتهم ونرغب من حامل هذا الكتاب أن يعطي منه نسخا للمؤمنين والسلام من كاتبه محمد بن قاسم الرصاع ا ه\rنقلته من خط والدي قائلا نقلته من خط عبد العزيز بن إبراهيم بن هلال قال نقلته من خط الرصاع وقد رأيت لعمي نزيل المدينة الحاج أبي بكر بن أحمد شرحا على هذه المناقب رحمه الله ا ه بلفظه\rالفرق الثاني والتسعون بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات\rلا خفاء في أن الاستغفار من حيث إنه طلب المغفرة لا يحسن فيما ليس في فعله أو تركه العقوبات من المكروهات والمندوبات والمباحات وإنما يحسن فيما في فعله أو تركه العقوبات من ترك الواجبات وفعل المحرمات إلا أنه تعالى لما كان يعاقب على الذنب بأحد ثلاثة أشياء ويثيب على الطاعة بأحد ثلاثة أشياء أيضا أما ثلاثة العقاب فأحدها المؤلمات كالنار وغيرها وهذا هو الغالب في ذلك وثانيها تيسير المعصية في شيء آخر فيجتمع على العاصي عقوبتان الأولى والثانية فقد جعل سبحانه العسرى مسببة عن المعاصي المتقدمة في قوله تعالى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وجعل سبحانه الردة مسببة عن المعصية في قوله تعالى إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله الآية لأن قوله تعالى ذلك إشارة إلى الردة وقوله بأنهم قالوا الباء سببية وقال عليه السلام إن الرجل ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه وثالثها تفويت الطاعات كما يدل على ذلك الآيات الدالة على سلب الفلاح والخير بسبب\r","part":2,"page":237},{"id":576,"text":"الأوصاف المذمومة المذكورة فيها من نحو قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وقوله تعالى والله لا يهدي القوم الفاسقين إنه لا يفلح الظالمون وأما ثلاثة الثواب فأحدها الأمور المستلذات كما في الجنات من المأكول والمشروب وغيرهما وثانيها تيسير الطاعات فيجتمع للعبد مثوبتان فقد جعل سبحانه اليسرى مسببة عن الإعطاء وما معه في قوله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وقال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ومن يتق الله يجعل له مخرجا يجعل لكم فرقانا إلى غير ذلك من الآيات وثالثها تعسير المعاصي عليه وصرفها عنه وكان نسيان الإنسان الأذان أو الإقامة أو غيرهما من المندوبات فيحرم ثوابها من أعظم المصائب سيما وكلمات الأذان طيبة مشتملة على الثناء على الله تعالى وتوجب لقائلها ثوابا سرمديا خيرا من الدنيا وما فيها ومصيبة فوات ثوابها مسببة عن معاص سابقة وقعت منه قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ظهر لك أن ما وقع لمالك رحمه الله فيمن ترك الإقامة أو غيرها من المندوبات أنه يستغفر الله وقد اتفق الجلاب والتهذيب على نقل ذلك عنه هو أنه يتعين على الإنسان الاستغفار لأجل ما دل عليه تركها من ذنوب سالفة لا أنه يعتقد أن الاستغفار يشرع في ترك المندوبات وظهر أن الفرق بين هاتين\rالقاعدتين هو أن الاستغفار في ترك المحرمات وترك الواجبات لأجلها مطابقة وفي ترك المندوبات لأجل ما دلت عليه بطريق الالتزام لا أنه لها مطابقة وبه ينحل كل إشكال يرد على ما وقع للعلماء من ذكر الاستغفار عن ترك المندوبات والله سبحانه وتعالى أعلم\r258\rالفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه\r","part":2,"page":238},{"id":577,"text":"الجهل والنسيان وإن اشتركا في أن المتصف بواحد منهما غير عالم بما أقدم عليه إلا أنه يفرق بينهما من جهتين الجهة الأولى أن النسيان يهجم على العبد قهرا بحيث لا تكون له حيلة في دفعه عنه بخلاف الجهل فإن له حيلة في دفعه بالتعلم الجهة الثانية أن الأمة قد أجمعت على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة ودل قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه على أن الناسي معفو عنه\rوأما الجهل فليس كذلك لأن من القاعدة التي حكى الغزالي في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته الإجماع عليها من أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه ويدل عليها من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم إذ معناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم وذلك أنه عليه السلام لما عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة لكونه سأل قبل العلم بحال الولد وأنه مما ينبغي طلبه أم لا\rوأجاب بما ذكر كان كلا العتب والجواب يدل على أنه لا بد من تقديم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه وكذا قوله تعالى\r","part":2,"page":239},{"id":578,"text":"ولا تقف ما ليس لك به علم حيث نهى الله تعالى نبيه عليه السلام عن اتباع غير المعلوم فدل على أنه لا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم وكذا قوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم يعلم أن طلب العلم واجب عينا في كل حالة يقدم عليها الإنسان فمن باع يجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ومن آجر يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في الإجارة ومن قارض يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وهكذا الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله تعالى طاعتين ومن لم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية فمن هنا قال الشافعي رحمه الله تعالى طلب العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها وفرض الكفاية ما عدا ذلك\rوقال مالك رحمه الله إن الجهل في الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسي بل قال العلامة الأمير في شرحه على نظم بهرام فيما لا يعذر فيها بالجهل للقاعدة أن الجاهل في العبادات كالعامد ا ه وذلك أنه بتركه الواجب عليه من العلم بما يقدم عليه من نحو الصلاة كان عاصيا كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\r260\rالفرق الرابع والتسعون بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرا فيه\rاعلم أن الجهل نوعان النوع الأول جهل تسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فعفا عن مرتكبه وضابطه أن كل ما يتعذر الاحتراز عنه عادة فهو معفو عنه وله صور إحداها من وطئ امرأة أجنبية بالليل يظنها امرأته أو جاريته عفي عنه لأن الفحص عن ذلك مما يشق على الناس\rالصورة الثانية الجهل بنجاسة الأطعمة والمياه والأشربة يعفى عنه لما في تكرر الفحص عن ذلك من المشقة والكلفة فالجاهل المستعمل لشيء منها لا إثم عليه بذلك\r","part":2,"page":240},{"id":579,"text":"الصورة الثالثة لا إثم على من شرب خمرا يظنه جلابا في جهله به لمشقة فحصه عنه\rالصورة الرابعة لا إثم على من قتل مسلما في صف الكفار يظنه حربيا في جهله به\rلتعذر الاحتراز عن ذلك في تلك الحالة\rالصورة الخامسة لا إثم على الحاكم يقضي بشهود الزور جاهلا بحالهم لتعذر الاحتراز من ذلك عليه\rالصورة السادسة قال الحطاب عند قوله عاطفا على ما يبطل الشهادة أو شهد وحلف ما نصه قال ابن عبد السلام إلا أن يكون الشاهد من جهلة العوام فإنهم يتسامحون في مثل ذلك فينبغي عندي أن يعذروا به ا ه\rالنوع الثاني جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فلم يعف عن مرتكبه وضابطه أن كل ما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه وهذا النوع يطرد في أصول الدين وأصول الفقه وفي بعض أنواع من الفروع أما أصول الدين فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الاعتقادات تشديدا عظيما بحيث إن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الديانات ولم يرتفع ذلك الجهل لكان بترك ذلك الاعتقاد آثما كافرا يخلد في النيران على المشهور من المذاهب مع أنه قد أوصل الاجتهاد حده وصار الجهل له ضروريا لا يمكنه رفعه عن نفسه حتى صارت هذه الصورة فيما يعتقد أنها من باب تكليف ما لا يطاق وبحيث إنه يكلف بأدلة الوحدانية ودقائق أصول الدين نحو المرأة البلهاء المفسودة المزاج الناشئة في الأقاليم المنحرفة عما يوجب استقامة العقل كأقاصي بلاد السودان وأقاصي بلاد الأتراك فإن هذه الأقاليم لا يكون للعقل فيها كبير رونق ولذلك قال الله تعالى في بلاد الأتراك عند يأجوج ومأجوج وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا حتى صار تكليف من لا يفهم القول وبعدت أهليته لهذه الغاية بذلك من\rباب تكليف ما لا يطاق لما اختصه الشرع بثلاثة أحكام عن الفقه أحدها أن المصيب واحد وثانيها أن المخطئ فيه آثم وثالثها لا يجوز التقليد فيه\r","part":2,"page":241},{"id":580,"text":"وأما أصول الفقه فقال العلماء يلحق بأصول الدين قال أبو الحسين في كتاب المعتمد في أصول الفقه إن أصول الفقه اختص بثلاثة أحكام عن الفقه أن المصيب فيه واحد والمخطئ فيه آثم ولا يجوز التقليد فيه وأما بعض أنواع الفروع فأحدها نوع العبادات لما مر عن العلامة الأمير من أن القاعدة أن الجاهل فيها كالعامد وذلك أنه قال عند قول بهرام وذاك كثير في الوضوء ومثله بفرض صلاة ثم حج تحصلا ما نصه أطلق في التوضيح الثلاث فلم يقيدها بالفرض والمشهور إطلاق العبادة فتشمل الصوم والعمرة\rوقال عند قوله وواطئ رهين اعتكاف بالشريعة جاهلا من وطئ في اعتكافه جهلا فسد اعتكافه ولا يعذر بجهله وظاهره سواء جهل الحرمة أو جهل أنه مفسد ثم قال إن الاعتكاف من العبادات والقاعدة أن الجاهل فيها كالعامد ولا مفهوم للوطء بل كل ما يفسد به الاعتكاف كذلك كالخروج جهلا والفطر جهلا إلى غير ذلك وقال عند قوله وكل زكاة من دفعها لكافر وغير فقير ضامن تلك مسجلا\rمن دفع الزكاة لغير مستحق جهلا لم يعذر ولا مفهوم للكافر وغير الفقير كما هو مصرح به في المختصر وشروحه وهذا في اجتهاد بها أما بدفع الإمام أو نائبه فتجزئ ويأتي هنا ما سبق في الاعتكاف وهذا أسهل لشائبة المعاملة ا ه\rوثانيها نوع العقود قال الأمير عند قوله ويفسخ بيع فاسد مطلقا ولا يسامح فيه من عن الحق عولا البيع الفاسد يفسخ ولا يعذر فيه بالجهل ولا خصوصية في البيع كما يظهر بل كذلك غيره كالنكاح مثلا لأن العبرة في صحة العقد بموافقة الشرع في الواقع ونفس الأمر لا في ظن العاقد فقط كما يفيده العلامة القاسمي علي المحلي وغيره\rا ه\rثالثها نوع مسقط للشفعة قال الأمير عند قوله ومن قام بعد العام يشفع حاضرا مع العلم بالمبتاع والبيع أولا\r","part":2,"page":242},{"id":581,"text":"ما حاصله أنه لا شفعة لشريك علم البيع وسكت سنة لا أقل ولو كتب شهادته وما لابن رشد من أن الكتابة تسقط الشفعة بشهرين ضعيف وإن جنح له في المختصر بل في الخرشي وعبق عن المدونة أنه لا بد من شهرين زيادة على السنة وقرره شيخنا ولا يعذر بدعواه الجهل لا بأن ذلك مسقط للشفعة ولا بأن الشفعة واجبة وفي عبق والخرشي أن أبا الحسن والحطاب عن ابن كوثر والتتائي عن الذخيرة عن ابن عتاب ذكروا أن شراء الشفيع الشقص من المشتري يسقط الشفعة ولا يعذر بالجهل ولو كان امرأة بل مقتضى أن المذهب أن الشفعة لا يعذر فيها بالجهل جريان ذلك في بقية المسقطات من الاستئجار والمقاسمة وبيع حصة نفسه ثم فائدة سقوط الشفعة بالشراء يظهرها اختلاف الثمنين ا ه\rورابعها نوع العيب المانع من إجزاء عتق الرقبة في الكفارات قال الأمير عند قوله ومن يعتق الشخص الكفور لجهله فلا يجزي في كفارة وتبتلا في التوضيح قال أصبغ فيمن اشترى نصرانية فأعتقها في الكفارة أنها لا تجزيه ولا يعذر بجهل\rا ه وظاهره جهل الحكم أو أنها كافرة ثم لا مفهوم للكفر بل كذلك للعيوب المانعة من الإجزاء ولا يعذر\rفيها بجهل كما يفيده قول الخرشي في الظهار إذا اطلع بعد العتق على عيب يمنع الإجزاء استعان بأرشه في رقبة أخرى وقوله وتبتلا أي ثم عتقه وإن لم يجز ا ه\rوخامسها نوع بيع الخيار قال الأمير عند قوله وبائع عبد بالخيار يروم أن يرد وقد ولى الزمان به ولا بيع الخيار يلزم واضع اليد بمضي المدة فلا يعذر بالجهل ولا معنى لتخصيص العبد بذلك بل كل بيع بالخيار كما صرح به المختصر وشروحه ا ه\rولا يطرد هذا النوع من الجهل فيما عدا هذه الأنواع الخمس من الفروع بل هو في مسائل ذكرها العمدة الشيخ خليل في توضيحه ونظمها الشيخ بهرام في أربع وأربعين بيتا وشرحها العلامة الأمير ونقحها في\r","part":2,"page":243},{"id":582,"text":"ثلاث وثلاثين مسألة المسألة الأولى صمت البكر وضحكها رضا بالنسبة للإذن في العقد وفي تعيين الصداق والزوج ولا تعذر بدعواها الجهل بأن ذلك يعد رضا ولو عرفت بالبله على المعتمد خلافا لعبد الحميد الصائغ وإن كان كلامه وجيها ولذلك روعي حقها ابتداء بندب إعلامها بأن ذلك يعد رضا ويكفي في الندب مرة ولابن شعبان ثلاثا وقال الأقل تعذر بالجهل والظاهر أنه مبني على وجوب الإعلام\rقال في كتاب محمد والبكاء أيضا رضا لاحتمال أن تكون بكت على فقد أبيها وتقول في نفسها لو كان أبي حيا لما احتجت لذلك وانظر أيضا لو جهلت حكم أن ذلك رضا ا ه وأما الثيب وكذا السبعة الأبكار ففي قول خليل والثيب تعرب كبكر رشدت أو عضلت أو زوجت بعرض أي ممن لا يزوج به أو برق أو بذي عيب أو يتيمة أو أفتيت عليها ا ه\rيعني أنهن في تعيين الزوج والصداق لا بد من نطقهن وأما الإذن للولي في العقد فهل كذلك إذا غبن عن مجلس العقد وهو مذهب ابن القاسم أو يكفي فيه الصمت ولو غبن وهو قول ابن حبيب وعليه اقتصر الأمير حيث قال الثيب تساوي البكر في أن الصمت رضا بالنسبة للإذن في العقد لا في تعيين الصداق والزوج فتعرب الثيب وانظر لو جهلت حكم الصمت هل يجري فيها ما جرى في البكر كما هو الظاهر ا ه انظر المختصر وشروحه\rالمسألة الثانية من عقد لها غير مجبرة بلا إذنها فلها إمضاؤه بالقول حيث قرب واليوم بعد وكان بالبلد ولم تره قبل ولم يجبر الولي بتعديه حال العقد ولم يفتت على الزوج أيضا ولها رد العقد ما لم تمكن من الجماع وإلا كان رضا ولا ينفعها دعوى الجهل بكون الجماع رضا فقولهم المفتات عليها لا بد من إذنها بصريح القول حصر إضافي بالنسبة لنحو الصمت وأما التمكين فهو أقوى من القول ولا فرق في هذا بين بكر وثيب فافهم\r","part":2,"page":244},{"id":583,"text":"المسألة الثالثة من أكل مال يتيم جهلا ضمنه ولا يعذر بجهله كذا في التوضيح قال الأمير وانظر ما معنى تخصيص اليتيم فإن من أكل مال شخص مطلقا جاهلا ضمنه وذلك أولى من الخطأ الذي هو والعمد في أموال الناس سواء إلا أن يفرض في الغلة فإنها لذي الشبهة فيستثنى منه غلة مال اليتيم لكن الذي رأيناه استثناء غلة الوقف في بعض صوره فقط فيحرر ذلك\rالمسألة الرابعة من قذف حرا جاهلا بحريته حد ولا يعذر بالجهل سواء كان القذف في زنا أو نسب قال الأمير واقتصر على هذا الفرع في التوضيح ولم يذكر جهله بإسلامه أو بلوغه أو عتقه أو عقله والظاهر أنه كذلك ا ه\rالمسألة الخامسة إذا أطلق الزوج تمليك الزوجة أو تخييرها وانقضى مجلس يتروى في مثله فقول مالك الأول أنه يسقط ما بيدها ولا تعذر بجهل وقوله الآخر ببقاء ما بيدها ما لم توقف أو توطأ وذكره في المختصر وهو ضعيف لأن مالكا رجع للأول وأخذ به ابن القاسم وبه العمل فإن عين الزوج شيئا عمل به أو قال متى شئت لم يسقط بالمجلس أمير\rالمسألة السادسة الطبيب بحسب زعمه لا يعذر بجهله لكنه إن تعمد الضرر اقتص منه وإن قصد النفع فضر ضمن في ماله ولا شيء على عاقلته كما في عبق\rالمسألة السابعة المفتي لا يعذر بجهل في فتواه ويضمن ما أفسد بها المسألة الثامنة قال في التوضيح من أثبتت أن زوجها يضربها فتلوم لها الحاكم ثم أحضره ليطلق عليه فادعى أنه وطئها سقط حقها ولو ادعت الجهل أي صدقت على الوطء وجهلت أنه مسقط\rالمسألة التاسعة إذا زنى العبد أو شرب الخمر أو قذف جاهلا بالعتق حد كالحر\rالمسألة العاشرة أن يشتري من يعتق عليه وهو الأصل والفصل وقريب الحواشي جاهلا فيعتق عليه سواء جهل القرابة أو الحكم والظاهر أن مثل ذلك إن قال له إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه جاهلا بأنه هو حيث أطلق في يمينه\r","part":2,"page":245},{"id":584,"text":"المسألة الحادية عشرة من توجه له على أبيه أو أمه دنية حد أو يمين فاستوفى ما ذكر جاهلا بأن ذلك مفسق بطلت شهادته ولا يعذر بجهل أما لو فرض أنه جهل الأبوة فيعذر\rالمسألة الثانية عشرة في التوضيح من يقطع الدنانير والدراهم لا تجوز شهادته ولو كان جاهلا ا ه وقد صرحوا في باب الزكاة بحرمة كسر المسكوك لغير سبك أي ما لم يكن مغشوشا فيكسر\rالمسألة الثالثة عشرة في المختصر في محض حق الله تعالى تجب المبادرة أي بأداء الشهادة ورفعها للحاكم بالإمكان إن استديم تحريم كعتق وطلاق ووقف ورضاع فإن لم يفعلا ردت شهادتهما ولا عذر بجهل قال ابن رشد الشهادة بما يستدام تحريمه تبطل بترك رفعه إلى السلطان الأعلى ظاهر قول أشهب ا ه وضابط حق الله كما في شروح المختصر وقد مر كل ما ليس للمخلوق إسقاطه\rقال ابن عبد السلام إن كان هناك غيره ممن يتم الحكم بشهادته فإنه يستحب له المبادرة تحصيلا لفرض الكفاية فإن أبى غيره أو منعه من ذلك مانع تعين عليه القيام وفي التوضيح قيد ابن شاس الوقف بأن يكون على غير معينين أي ويأكله غير الواقف وأطلق القول فيه الباجي وابن رشد ا ه\rقال البناني وعلى ما لابن شاس اقتصر عبق وفصل بعض المحققين في الوقت لمعين قائلا إن كان الواقف بذله أولا ولكن جعله لمعين فالحق في هذا حق الله لأن ذلك المعين إذا لم يقبله رجع للفقراء والمساكين لا للواقف أو ورثته\rوأما إذا كان من أول وهلة على معين من غير تبتيل له أولا كأن يجعله حبسا بشرط أن يكون على فلان فهو حق آدمي لأنه إذا لم يقبله هنا رد لمالكه أو لورثته ا ه\r","part":2,"page":246},{"id":585,"text":"قال الخطاب وفي كون العتق وما عطف عليه من محض حق الله تعالى عندي نظر ا ه قال عبق أما عدم تمحض الثلاثة الأول فلأن العبد له حق في العتق بتخليص رقبته من الرق والمرأة في تخليص عصمتها من الزوج والموقوف عليهم في استحقاقهم فيه تتمحض هذه الثلاثة عن حق الآدمي كرضا العبد بخدمته كخدمة من يعتق والمرأة ببقائها تحته والموقوف عليه بتركه ما يستحقه من\rالوقف أي فيحرم ويجب الرفع وأما الرضاع فظاهر تمحضه لله قاله بعض المحشين\rالمسألة السابعة عشرة من سرق ثوبا لا يساوي ربع دينار وفيه ربع دينار كما في التوضيح قال الأمير وهذا فرض\rمثال قال في المختصر أو ظن أي ربع الدينار أو ثلاثة الدراهم فلوسا أو الثوب فارغا وقيده بما إذا كان مثله يرفع فيه نصاب لا إن كان خلقا ولا إن سرق خشبة أو حجرا يظنه فارغا فإذا فيه نصاب فلا يقطع لأن ذلك لا يجعل فيه ذلك إلا أن تكون قيمة تلك الخشبة تساوي نصابا فيقطع في قيمتها دون ما فيها\rقال والعصا المفضضة لا تساوي ذاتها نصابا إن سرقت ليلا أو من محل مظلم فلا قطع ا ه\rالمسألة الخامسة عشرة قال في التوضيح إذا وطئ المرتهن الأمة المرتهنة فإنه يحد ولا يعذر بجهالة قال الأمير أي لأن شبهة الارتهان ضعيفة فلا تمنع الحد\rقال عبق أما إذا أذن له الراهن فلا حد لأنها صارت حينئذ أمة محللة وفي وطئها الأدب والظاهر أنه لا يعذر فيه أيضا ا ه\rالمسألة السادسة عشرة قال في التوضيح المرتهن يرد الرهن فتبطل الحيازة ولا يعذر بالجهل ا ه\rقال الأمير أي إذا رده اختيارا وإلا فله أخذه متى قدر ومعنى بطلان الحيازة أن الرهن يبطل بمفوت كعتق أو قيام غرماء فإن لم يحصل مفوت فله رده بعد أن يحلف أنه جهل إبطال الجواز بذلك حيث أشبه كما نقله شراح المختصر عن اللخمي ا ه\r","part":2,"page":247},{"id":586,"text":"المسألة السابعة عشرة قال في التوضيح البدوي يقر بالزنا والشرب ويقول فعلت ذلك جهلا ا ه قال الأمير والبدوي نص على المتوهم لأن شأنه الجهل ومثله حديث عهد بالإسلام ولا فرق بين جهل الحد والحرمة وأما جهل العين بأن يظنها امرأته والخمر عسلا فعذر حيث أشبه ذلك وفي المختصر عذره بجهل الحكم في الزنا غير الواضح إن جهل مثله وفرق عبق بينه وبين الشرب أولا بأن الشرب أكثر وقوعا من غيره وثانيا بأن مفاسده أشد من مفاسد الزنا إذ ربما حصل بالشرب زنا وسرقة وقتل ولذا ورد أنها أم الخبائث وثالثا بأن حرمة الزنا ووجوب الحد فيه من الواضح الذي لا يجهل بخلاف الزنا فإن فيه واضحا وغيره\rقال لكنه خلاف ظاهر قول مالك وقد ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود ا ه وتناول قول مالك هذا القذف والسرقة ا ه\rالمسألة الثامنة عشرة قال الأمير الأمة المعتقة إذا وطئها بعد عتقها أو مكنته من المقدمات وأولى إن حاولت هي منه ذلك سقط خيارها ولا تعذر بدعواها الجهل بأصل التخيير أو بأن ذلك مسقط ومثل الجهل النسيان والمشهور ولو لم يشتهر الحكم عند الناس وعذر البغداديون حديثة العهد بالجهل واختاره بعض المتأخرين قال وإنما تكلم مالك على من اشتهر عندهم الحكم ولم يخف على أحد كأهل المدينة ومما لم تعذر فيه بالجهل أيضا قول ابن عرفة روى محمد أن بيع زوجها قبل عتقها بأرض غربة فظنت أن ذلك طلاق ثم عتقت ولم تختر نفسها حتى عتق زوجها فلا خيار لها ويدخل في قول المختصر في مسقطات الخيار أو عتق قبل الاختيار وتعذر بجهل العتق ولها على الزوج الأكثر من المسمى وصداق المثل حيث كان قبل البناء ويؤدب إن وطئها عالما بالعتق والحكم ولا تعذر بنسيان العتق\rقال عبق لما عند الناس من زيادة التفريط على الجاهل ا ه بتصرف للإصلاح\rالمسألة التاسعة عشرة قال في التوضيح المرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه فترد ما أنفقت من يوم الوفاة\r","part":2,"page":248},{"id":587,"text":"المسألة العشرون قال الأمير من رأى حمل زوجته فأخر اللعان بلا عذر فليس له نفيه ولا يعذر بجهل وليس من العذر تأخيره خيفة أن يكون انتفاخا فينفش وأما اللعان لرؤيتها تزني فلا يسقط بالتأخير نعم يسقطان بالوطء والظاهر أنه لا يعذر فيه بجهل وكلامهم يقتضي أن المقدمات لا تسقط\rالمسألة الحادية والعشرون قال في التوضيح المطلقة يراجعها زوجها فتسكت حتى يطأها زوجها ثم تدعي أن عدتها كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها ا ه\rوليس الوطء شرطا لما في المختصر إذا أشهد برجعتها فصمتت ثم قالت بعد يوم أو بعضه كما في عبق عن المدونة كانت انقضت لم يقبل قولها لأن سكوتها دليل كذبها ا ه أمير\rالمسألة الثانية والعشرون قال في التوضيح الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير ولا ينكر ثم يقوم ويدعي أنه لم يرض ويدعي الجهل ا ه\rقال الأمير أي فيلزمه البيع وله الثمن ما لم تمض سنة والغائب له الرد ما لم تمض سنة فالثمن ما لم تمض ثلاث هذا حاصل ما قرره لنا شيخنا العلامة العدوي قال عبق والمعتمد حرمة بيع الفضولي وشرائه كما قال القرافي أنه المشهور لا جوازه ولا ندبه\rقال الحطاب والحق أنه يختلف بحسب المقاصد وما يعلم من حال المالك أنه الأصلح ا ه كلام عبق\rالمسألة الثالثة والعشرون قال في التوضيح من حاز مال رجل مدة الحيازة التي تكون عاملة وادعى أنه ابتاعه منه فإنه يصدق مع يمينه ولا يعذر صاحب المال إن ادعى الجهل ا ه قال الأمير وتفصيل مدة الحوز مذكورة في المختصر وشروحه وليس التطويل له من مهمنا الآن\rالمسألة الرابعة والعشرون قال في التوضيح المظاهر يطلق امرأته في الصيام فيلزمه الابتداء ولا يعذر بجهل\rا ه\r","part":2,"page":249},{"id":588,"text":"قال الأمير أي إذا وطئ المظاهر منها ليلا أو نهارا وكذلك النسيان والغلط لا عذر بهما وإذا وقع ذلك في الإطعام فكالصوم على المشهور كما في المختصر قال عبد الملك بن الماجشون الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقا والاستئناف أحب إلى الله تعالى ومفهوم وطئ أن القبلة والمباشرة لا يقطعانه وشهره يوسف بن محمد وقيل يقطعانه وشهره الزناتي ا ه عبق واقتصر الخرشي على الثاني ا ه أمير\rالمسألة الخامسة والعشرون قال في التوضيح الرجل يجعل امرأته بيد غيرها فلا يقضي المملك حتى يطأ ثم تريد أن يقضي وتقول جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان ا ه قال الأمير والمقدمات كالوطء فالمدار على التمكين طوعا وظاهره ولو بغير علم ذلك وصححه في الشامل انظر التتائي ونحوه للشيخ سالم والذي في المدونة وأبي الحسن عليها وابن عرفة أنه لا يسقط إلا بعلمه ورضاه ا ه عبق وكذلك إن ملكها هو أو خير ا ه\rالمسألة السادسة والعشرون قال في التوضيح الذي يملك امرأته أمرها فتقول قد قبلت ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت ثم تقول كنت أردت ثلاثا لترجع فيما صالحت أنها لم ترجع على الزوج بشيء لأنها حين صالحت علمت أنها لم تطلق ثلاثا ولا تعذر بالجهل ا ه\rالمسألة السابعة والعشرون قال الأمير من ملك زوجته فقضت بالبتة وادعى الجهل بحكم التمليك\rفقيل يلزمك ما أوقعت فقال ما أردت إلا واحدة هكذا في التوضيح فجعل ادعاءه الجهل مكذبا له وإلا فله مناكرة المملكة إن نوى دون الثلاث كما في المختصر وشروحه ا ه\rالمسألة الثامنة والعشرون قال في التوضيح في الواضحة فيمن باع جاريته وقال كان لها زوج وطلقها أو مات عنها وقالت ذلك الجارية لم يجز للمشتري أن يطأ ولا يزوج حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة وإن أراد ردها وادعى أن قول البائع والجارية يقتضي ذلك لم يكن له ذلك وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك ا ه\r","part":2,"page":250},{"id":589,"text":"المسألة التاسعة والعشرون قال في التوضيح قال أصبغ في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب ولا يعذر بجهل ا ه ومثل الوطء مقدماته كما في شروح المختصر\rالمسألة الثلاثون إذا أطلق الزوج في تخيير امرأته بعد البناء فقضت بواحدة بطل ما بيدها وليس لها أن تختار بعد ذلك وتقول جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة ومثل الواحدة الاثنان لأن التخيير ثلاث قال عبق فإن رضي الزوج بما أوقعت لزم أفاده الأمير\rالمسألة الحادية والثلاثون في التوضيح التي يقول لها زوجها إن غبت عنك أكثر من ستة أشهر فأمرك بيدك فيغيب عنها وتقيم بعد الستة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد أن تقضي وتقول جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت ا ه\rالمسألة الثانية والثلاثون قال الأمير عد في التوضيح منها الشاهد يخطئ في الأموال والحدود\rالمسألة الثالثة والثلاثون قال الأمير عد في التوضيح منها الغريم يعتق بحضرة غرمائه فيسكتون ولا ينكرون ثم يريدون القيام وبقي مسألة ذكرها الأصل وهي من قتل مسلما في حالة السعة يظنه حربيا من غير كشف عن ذلك أثم والله أعلم\rالفرق الخامس والتسعون بين قاعدة استقبال الجهة في الصلاة وبين قاعدة استقبال السمت\rلا خلاف في أن فرض من قرب من الكعبة وعاينها استقبال السمت أي عينها فإذا صف صف مع\r","part":2,"page":251},{"id":590,"text":"حائط الكعبة فصلاة الخارج عنها ببدنه أو ببعضه باطلة لأنه مأمور بأن يستقبل بجملته الكعبة فإن لم يحصل له ذلك استدار وكذلك الصف الطويل بقرب الكعبة يصلون دائرة وقوسا إن قصروا عن الدائرة قال ابن الحاجب أما لو خرج عن السمت بالمسجد الحرام لم يصح أي لكونه خالف ما أمر به وكذا من بمكة أي فتجب عليه المسامتة لقدرته على ذلك بأن يطلع على سطح أو غيره ويعرف سمت الكعبة بالمحل الذي هو فيه فإن لم يقدر استدل أي إن من كان في بيته ولم يقدر على الخروج أو كان بليل مظلم فإنه يستدل بأعلام البيت مثل جبل أبي قبيس ونحو ذلك أو يستدل بالمطالع أو المغارب إن كان له علم بذلك فإن قدر بمشقة أي على المسامتة كما لو كان يحتاج إلى صعود السطح وهو شيخ كبير أو مريض ففي الاجتهاد نظر أي تردد حكاه ابن شاس عن بعض المتأخرين\rقال ابن رشد الصواب المنع ا ه بتوضيح من شرحي خليل وابن فرحون قال الحطاب هذا ما نعرفه لأصحابنا وما حكي عن مالك أنه قال الكعبة قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة أهل مكة والحرم قبلة أهل الدنيا فهذا النقل عنه غريب وما أخرجه البيهقي في سننه من حديث عمر بن حفص المكي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى\rعنهما قال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض فقال الترمذي تفرد به عمر بن حفص وهو ضعيف لا يحتج به والحمل فيه عليه ا ه\r","part":2,"page":252},{"id":591,"text":"وإنما الخلاف فيمن بعد عن الكعبة بأن كان بغير مكة هل فرضه استقبال السمت كالمعاين أو فرضه استقبال الجهة قولان في المذهب وخارجه ويرجع للثاني أمران أحدهما أن الأول وإن كان ظاهر المنقول عن القائلين به أنهم لا يريدون بذلك أن المستقبل للكعبة فرضه استقبال عينها ومعاينتها حتى يقال إنه من تكليف ما لا يطاق ولا قائل به وإنما يريدون أن فرضه أن يكون بحيث لو قدر خروج خط مستقيم على زوايا قائمة من بين عينيه نافذا إلى غير نهاية لمر بالكعبة قاطعا لها إلا أنه يلزم من هذا الذي يظهر أنه مرادهم تكليف ما لا يطاق إذ فيه تكليف السمت والمعاينة مع عدمها بخلاف القول بالجهة فإنه ليس فيه ذلك وإنما فيه التكليف بتحقيق الجهة والتوصل إليه متيسر على جميع المكلفين أو أكثرهم\rوثانيهما إجماع الناس على صحة صلاة الصف المستقيم الطويل الذي طوله مائة ذراع فأكثر وصحة صلاة ما في معناه من الموضعين المتحاذيين أو المواضع مع أن بعض الصف وأحد الموضعين أو المواضع\rخارج عن السمت قطعا فإن الكعبة على ما قيل عرضها عشرون ذراعا وطولها خمسة وعشرون ذراعا والجواب عن الأمر الثاني بأن القول بالسمت مبني على قاعدة إن الله تعالى إنما أوجب علينا أن نستقبل الكعبة الاستقبال العادي لا الحقيقي والعادة أن الصف الطويل إذا قرب من الشيء القصير الذي يستقبل يكون أطول منه ويجد بعضهم نفسه خارجة عن ذلك الشيء المستقبل الذي هو قصير من الصف الطويل\rوإذا بعد ذلك الصف الطويل بعدا كثيرا عن ذلك الشيء القصير بأن كان بمصر أو خراسان يجد كل واحد ممن في ذلك الصف الطويل نفسه مستقبلا لذلك الشيء القصير في نظر العين بسبب البعد ألا ترى أن النخلة البعيدة أو الشجرة إذا استقبلهما الركب العظيم الكثير العدد من البعد يجد كل واحد من أهل الركب نفسه قبالة تلك الشجرة أو النخلة ويقول الراكب بجملته نحن قبالة تلك الشجرة أو النخلة ونحن سايرون إليها\r","part":2,"page":253},{"id":592,"text":"وإذا قربوا منها جدا لم يبق قبالتها إلا النفر اليسير من ذلك الركب وكذلك البلدان المتقاربان لو كشف الغطاء بين من فيهما وبين الكعبة لرأى كل واحد منهم نفسه قبالة الكعبة فيه نظر لأن القول بالسمت العادي دون الحقيقي مآله إلى القول بالجهة فهو على التحقيق تسليم لقول المخالف وتحرير الخلاف المذكور\rوسر الفرق بين قاعدة إن استقبال الجهة يكفي عند القائلين بها وبين قاعدة إن استقبال السمت لا بد منه عند القائلين بها هو ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى جوابا عن استشكاله أن من بعد عن مكة لا يقول أحد إن الله تعالى أوجب عليه استقبال عين الكعبة ومقابلتها ومعاينتها فإن ذلك تكليف ما لا يطاق بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها وإذا غلب على ظنه بعد ذلك أنها وراء الجهة التي عينتها أدلته وجب عليه استقبالها إجماعا فصارت الجهة مجمعا عليها والسمت الذي هو العين والمعاينة مجمع على عدم التكليف به وإذا كان الإجماع في الصورتين فأين يكون الخلاف بقوله الشيء قد يجب إيجاب الوسائل وهو كثير في الشريعة كالنظر في أوصاف المياه المتوسل به إلى معرفة الطهورية وفي قيم المتلفات المتوسل به إلى معرفة قيمة المتلف والسعي إلى الجمعة المتوسل به إلى إيقاعها في الجامع والسفر إلى الحج المتوسل به إلى إيقاعه بعرفة وحول الكعبة\rوقد يجب إيجاب المقاصد وهو كثير في الشريعة أيضا كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج والعمرة وغير ذلك مما هو واجب لأنه مقصد لنفسه لا لأنه وسيلة لغيره فعلى قاعدة أن استقبال الجهة يكفي يكون\r","part":2,"page":254},{"id":593,"text":"النظر في الجهة واجبا وجوب المقاصد وذلك لأن الكعبة لما بعدت عن الإبصار جدا وتعذر الجزم بحصولها جعل الشرع الاجتهاد في الجهة هو الواجب نفسه وهو المقصود دون عين الكعبة فلا يجب ألبتة فإذا اجتهد ثم تبين أنه أخطأ عين الكعبة لا تجب عليه الإعادة أما إذا أخطأ الجهة فقد أخطأ المقصود فيلزم الإعادة وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى وعلى قاعدة أن استقبال السمت لا بد منه يكون النظر في الجهة واجبا وجوب الوسائل وذلك لأنه إنما هو لتحصيل عين الكعبة الذي هو الواجب المقصود لنفسه فإذا أخطأ العين في اجتهاده في الجهة وجبت الإعادة لأن القاعدة أن الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها سقط اعتبارها وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وبالجملة فالخلاف في كل من السمت والجهة أما في السمت فهو أنه هل يجب وجوب المقاصد أو لا يجب مطلقا لا وجوب المقاصد ولا وجوب الوسائل لأنه ليس وسيلة لغيره قولان وأما في الجهة فهو أنها هل تجب وجوب المقاصد أو\rوجوب الوسائل قولان فالجهة واجبة بالإجماع وإنما الخلاف في صورة وجوبها هل وجوب الوسائل أو المقاصد وفي السمت هل يجب وجوب المقاصد أو لا مطلقا\rفقول العلماء هل الواجب الجهة أو السمت قولان فيه قيد محذوف تقديره هل الواجب وجوب المقاصد السمت أو الجهة قولان وبهذا القيد يتضح أن القولين في أنه هل تجب الإعادة على من أخطأ في اجتهاده أم لا مبنيان على الخلاف في أن الجهة هل تجب وجوب المقاصد فإذا حصل الاجتهاد فيها فلا إعادة وإن أخطأ العين لأنه قد أدى الواجب عليه أو تجب وجوب الوسائل فإذا حصل الاجتهاد فيها وأخطأ العين وجبت الإعادة لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى مقصودها سقط اعتبارها والصحيح من الأقوال أن الجهة واجبة وجوب المقاصد وأن الإعادة لازمة عند تبين الخطأ فيها لا في العين فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":255},{"id":594,"text":"الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية لا خفاء في أنه يجب تقديم من هو متصف بالأهلية لأي ولاية أو منصب أو استحقاق من الولاية\rوالمناصب والاستحقاقات الشرعية وتأخير من ليس متصفا بالأهلية لذلك ضرورة أن المصلحة المقصودة من ذلك إنما تحصل ممن اتصف بالأهلية لا ممن ليس كذلك فيقدم في أمانة الأيتام من اتصف بأهلية تنمية أموالهم وتقدير أموال النفقات وأحوال الكوافل والمناظرات عند الحكام عن أموالهم على من لم يتصف بتلك الأهلية ويقدم في جباية الصدقات من فيه أهلية معرفة مقادير النصب وأحكام الزكاة من الخلطة وغيرها على من لم تكن فيه تلك الأهلية ويقدم في الصلاة من كان أهلا في معرفة أحكامها وعوارض سهوها واستخلافها وغير ذلك من عوارضها ومصالحها على من ليس أهلا في ذلك وإن كان أهلا في غير ذلك\rوأما الأتم قياما بذلك فلا يجب حتم تقديمه على من هو دونه ممن له أهلية القيام بذلك بل يجوز تقديم غير الأتم على الأتم ضرورة أن المقصود من تلك المصالح حاصل بكل واحد منهما لأنه متصف بالأهلية لذلك فلا وجه لتعيين الأتم إلا على وجه الأولوية خاصة وقول العلماء إن الإمام إذا وجد من هو أصلح للقضاء ممن هو متول الآن وجب عليه عزل الأول وتولية الأصلح لئلا يفوت على المسلمين مصلحة الأفضل منهما ويحرم عليه أن يعزل الأعلى بالأدنى لئلا\rيفوت على المسلمين مصلحة الأعلى ولا ينفذ عزل الأعلى لأن الإمام الذي عزله معزول عن عزله وإنما ولاه الله تعالى على خلاف ذلك ا ه\r","part":2,"page":256},{"id":595,"text":"يتعين أن يحمل على أن المتولي قاصر عن الأهلية لا على أنه أهل ولكن غيره أمس منه بالأهلية إذ لا وجه لعزله حينئذ والحال أن المصلحة المقصودة من القضاء كما تحصل من الفاضل المتصف بالأهلية كذلك تحصل من المفضول المتصف بها وتعيين تقديم النساء على الرجال في باب الحضانة إنما هو لأن الرجال ليسوا كالنساء في أهلية القيام بمصالح أمور الحضانة فإن النساء أصبر على أخلاق الصبيان وأشد شفقة ورأفة وأقل أنفة عن قاذورات الأطفال وأكثر إقامة بالمنزل والرجال على العكس من ذلك في هذه الأحوال فتعيين تقديم النساء عليهم لذلك لا لكونهن أمس منهم بالأهلية كما إن تقديم الرجال عليهن في الإمامة والحروب وغيرهما من المناصب لأنهن لسن كالرجال في أهلية القيام بمصالح تلك المناصب والولايات بل الأهلية فيها ليست بثابتة لجميع الرجال ألا ترى قوله {صلى الله عليه وسلم} أقضاكم علي مع قوله {صلى الله عليه وسلم} أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل فإنه {صلى الله عليه وسلم} لما علم أن القضاء تبع الحجاج وأحوالها وأن من كان لها أشد تفطنا كان أقضى من غيره ممن لم تكن له تلك الأهلية فيقدم في القضاء عليه\rوإن كان ذلك\r","part":2,"page":257},{"id":596,"text":"الغير شديد المعرفة بالحلال والحرام إذ هو يخدع بأيسر الشبهات ولكون القضاء عبارة عن التفطن للحجاج قال عليه السلام إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فظهر الجمع بين حديثي علي ومعاذ وأن من له أهلية القيام بالفتيا من حيث إنه شديد المعرفة بالحلال والحرام لا يلزم أن يكون له أهلية القيام بالقضاء كما إن من له أهلية القيام بإمامة الصلاة لا يلزم أن يكون له أهلية القيام بإمامة الخلافة ضرورة أن إمامة الخلافة مشتملة على سياسة الأمة ومعرفة الشريعة وضبط الجيوش وولاية الأكفاء وعزل الضعفاء ومكافحة الأضداد والأعداء وتصريف الأموال وأخذها من مظانها وصرفها في مستحقاتها إلى غير ذلك مما هو معروف بالإمامة الكبرى ومن حيث إنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديم في الخلافة كانت إشارة عمر بقوله لأبي بكر رضي الله عنهما في أمر الإمامة رضيك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لديننا أفلا نرضاك لدنيانا إلى أن تقديمه في الصلاة دليل على تقديمه رضي الله عنه للإمامة لا تستقيم في ظاهر الحال إلا أن يقال ليس مراد عمر رضي الله تعالى عنه أنك رضيك النبي عليه السلام لديننا مطلق الرضا بحيث يقتصر على أهليته للإمامة في\rالصلاة خاصة بل الرضا الخاص المفسر باختصاصه بأنواع التكريم من نحو الثناء عليه بمحاسنه التي توجب تقديمه ومن تقديمه عليه السلام في الصلاة ومن قوله عليه السلام في مرض موته يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر فيتعين علينا أن نرضاك للخلافة وذلك لأنه إنما يشير باختصاصه بذلك إلى أن من كان متعينا للخلافة كيف يتقدم عليه غيره للصلاة فرسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان يعلم أنه رضي الله عنه هو المتعين للخلافة\r","part":2,"page":258},{"id":597,"text":"ولا يمكن أن يفعل ذلك من قبل نفسه لأنه عليه السلام يتبع ما أنزل عليه من ربه وحيث لم ينزل عليه في ذلك شيء وكل الأمر فيه إلى الاجتهاد وإنه عليه السلام كان يشير ويومئ باختصاصه بأنواع التكريم إلى خلافته أو يقال قصد عمر رضي الله عنه بذلك تسكين الثائرة والفتنة وردع الأهواء بذكر حجة ظاهرة ليسكن لها أكثر الناس فيندفع الفساد أو يقال إن عمر رضي الله عنه فهم من إشارته عليه السلام أن الصديق مرضي لجميع حرمات الدين ومن جملة ذلك أحوال الأمة والنظر في مصالح الملة فإنه من أهم فروض الكفاية فهو من الدين بناء على جعل الإضافة في قوله لديننا على بابها موجب للعموم لكون الأصوليين جعلوها من صيغ العموم لغة في نحو قوله عليه السلام هو الطهور ماؤه\rالحل ميتته فكان ذلك عاما في جميع ماء البحر وميتته بسبب الإضافة ويكون قوله أفلا نرضاك لدنيانا أي من العلو والرئاسة فلا نقدم عليك من الأنصار من يطلب التقدم عليك فيه وإن كان لغرض شرعي من تحصيل الأجور الحاصلة لمتولي أمر الأمة على الوجه الشرعي ولا نشرك معك من يطلب منهم الشركة فيه طمعا لتحصيل بعض تلك الأجور كما هو المناسب لأحوال الأنصار في بذلهم في ذات الله تعالى أنفسهم وأموالهم فإن المرضي لمعالي الأمور لا يقصر دون خسيسها\rولأن المشاركة في الإمامة ليست من مصالح الدين فإن ذلك يفضي إلى المخالفة والمشاققة وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى إن قوله تعالى وإنه لذكر لك ولقومك إنه الخلافة وإنه كان {صلى الله عليه وسلم} يطوف على القبائل في أول أمره لينصروه فيقولون له ويكون لنا الأمر من بعدك فيقول {صلى الله عليه وسلم} إني قد منعت من ذلك وإنه قد أنزل علي وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء كما هو مستوعب في موضعه من أصول الدين وقد سئل بعض علماء القيروان من كان مستحقا للخلافة بعد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال سبحان الله إنا بالقيروان وإنا نعلم من هو أصلح منا بالقضاء\r","part":2,"page":259},{"id":598,"text":"ومن هو أصلح منا للفتيا ومن هو أصلح منا للإمامة أيخفى ذلك على أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} إنما يسأل عن هذه المسائل أهل العراق والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والتسعون بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة يعتبر عند مالك رحمه الله تعالى وبين قاعدة الشك في طريان غيره من الأسباب والروافع للأسباب لا تعتبر القاعدة المجمع عليها من حيث الجملة هي أن كل مشكوك فيه سواء كان سببا أو شرطا أو مانعا ملغى فكل سبب شككنا في طريانه لم نرتب عليه مسببه وجعلنا ذلك السبب كالمعدوم والمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم وكل شرط شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم وكل مانع شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فيترتب الحكم إن وجد سببه إلا أنه لما تعذر الوفاء بهذه القاعدة\rفي الطهارات من جميع الوجوه جعل العلماء وإن أجمعوا على اعتبارها فيها أيضا يختلفون في الوجه الذي تلغى به والوجه الذي تعتبر به فيها\rفقال الشافعي رضي الله عنه إذا شك في طريان الحدث جعلته كالمجزوم بعدمه لا يجب معه الوضوء فلا يجب على هذا الشاك الوضوء وقال مالك رحمه الله تعالى الشك في طريان الحدث يوجب الشك في بقاء الطهارة والشك في بقاء الطهارة يوجب الشك في الصلاة الواقعة هل هي سبب مبرئ أم لا","part":2,"page":260},{"id":599,"text":"وبراءة الذمة تفتقر إلى سبب مبرئ معلوم الوجود أو مظنون الوجود لا مشكوك الوجود فوجب أن تكون هذا الصلاة كالمجزوم بعدمها والمجزوم بعدم الصلاة في حقه يجب عليه أن يصلي فيجب على هذا الشاك أن يصلي بصلاة مظنونة كما قال الشافعي رضي الله عنه حرفا بحرف فكلاهما يقول المشكوك فيه ملغى لكن إلغاء مالك في السبب المبرئ وإلغاء الشافعي في الحدث ومذهب مالك أرجح من جهة أن الصلاة مقصد والطهارات وسائل وطرح الشك تحقيقا للمقصد أولى من طرحه لتحقيق الوسائل فهذا هو الفرق بين قاعدة إلغاء الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة عند مالك رحمه الله تعالى وعدم إلغائه في طريان غيرها من الأسباب وروافعها كالشك في طريان الطهارة بعد الحدث فيلغى المشكوك فيه على القاعدة ويجب عليه الطهارة أو في أنه هل طلق أم لا فلا شيء عليه لأنه شك في سبب حل العصمة فيلغى على القاعدة أو في أنه هل سها أم لا فلا شيء عليه لأنه شك في سبب سجود السهو فيلغى على القاعدة أما إذا شك في عين اليمين فيلزمه جميع الأيمان إذ لا يعلم السبب المبرئ إلا باستيعابها كما قلنا في الصلاة إذا شك في طريان الحدث على طهارتها أو شك في كون الطلاق ثلاثا واحدة فيلزمه الثلاث لأن الشك لم يقع في الطلاق بل في بقاء العصمة الذي هو شرط الرجعة فيلغى على القاعدة أو شك هل صلى ثلاثا أو أربعا فيأتي برابعة ويسجد إذ ليس هنا شك في السبب حتى يلغى على القاعدة بل سبب في الشك لأن الشك نصبه صاحب الشرع سببا للسجود لا للزيادة\r","part":2,"page":261},{"id":600,"text":"وهو محقق ولا شك فيه تقدم في الفرق الرابع والأربعين بين الشك في السبب وبين السبب في الشك بسط مسائل الشك في السبب والسبب في الشك فلتطالع ثمة فظهر أنه لا تناقض بين اعتبار مالك رحمه الله تعالى الشك في الحدث بعد الطهارة وفي أنه هل طلق ثلاثا أو واحدة وفي أنه هل حلف بطلاق أو إعتاق أو غيرهما وفي أنه هل صلى ثلاثا أم أربعا حيث قال في الأول يجب الوضوء وفي الثاني يلزمه وفي الثالث يلزمه جميع الأيمان وفي الرابع يجعلها ثلاثا ويصلي الرابعة ويسجد بعد السلام لأجل الشك فاعتبره في جميع هذه الفروع ونحوها وبين عدم اعتباره الشك في الطهارة بعد الحدث وفي أنه هل طلق أم لا وفي أنه هل سها أم لا حيث قال في الأول لا عبرة بالطهارة وفي الثاني وفي الثالث لا شيء عليه لإلغاء الشك في جميع هذه الفروع ونحوها فافهم والله أعلم\rوصل حد بعض الأصوليين السبب والعلة بالوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم فخرج بالظاهر\r","part":2,"page":262},{"id":601,"text":"الخفي كاللذة في نقض الوضوء والعلوق في وجوب العدة فإنهما لخفائهما تركا وجعل السبب في النقض اللمس وفي وجوب العدة الطلاق وخرج بالمنضبط نحو المشقة في السفر لم ينط بها الحكم الذي هو قصر الصلاة لعدم انضباطها لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال وإنما أنيط بمسافة القصر ودخل بالمعرف للحكم بمعنى النسبة التامة لا خصوص الحكم الشرعي السبب المعرف لحكم غير شرعي كحل الشعر بالنكاح وحرمته بالطلاق جعل عند الشافعية علة لثبوت حياته كاليد وحد المانع المراد عند الإطلاق وهو مانع الحكم بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض حكم السبب فقيد الوصف في حد المانع بالوجودي لإخراج عدم الشرط فإنه لا يسمى مانعا لا تسمحا كما وقع ذلك لبعض الفقهاء وأطلقه في حد السبب والعلة والفرق بينهما إما على عدم اعتبار الحكمة في السبب والعلة فهو أن المانع مانع لوجود حكم السبب بأن يتحقق كل معتبر في الحكم من السبب والشرط وإلا لما احتاج انتفاء الحكم للمانع وإذا كان المانع عدم شيء لزم أن يكون ذات الشيء سببا في الوجود أو بعض سبب وشرط فيه وقد فرض أن المانع إنما يتحقق بعد تحقق السبب والشرط وإنما قلنا لزم أن يكون ذلك الشيء سببا إلخ لأن المانع هو المعرف للنقيض أي العلامة عليه ونقيض الشيء رفعه فالأبوة مثلا نفت وجوب القصاص ممن قتل ابنه لا غير\r","part":2,"page":263},{"id":602,"text":"وأما ثبوت حرمة القصاص منه فبالدليل المثبت لها كما قاله سم وهو الحق وإذا كان عدم الشيء يترتب عليه رفع الشيء بأن يقال انتفى كذا لعدم كذا كان وجوده يترتب عليه وجوده وأما السبب فإنه لما لم يترتب عليه رفع شيء لأن المعلل به ليس انتفاء الحكم المرتب على السبب بل المعلل به حكم مبتدأ ولو كان ذلك الحكم عدميا كما يعلل عدم نفاذ التصرف بعدم العقل فإن عدم نفاذ التصرف ليس مأخوذا من حيث إنه انتفاء لحكم السبب حتى يكون عدم العقل مانعا فلا يصح بل مأخوذ من حيث إنه حكم مبتدأ هو أنه لا ينفذ التصرف فيصح تعليله بانتفاء علة نفاذ التصرف جوزوا كون السبب والعلة عدما مضافا بخلاف المانع نعم في كون العلة عدمية مع وجود الحكم نزاع كبير\rقال ابن الحاجب والعضد والمختار منعه وأما على اعتبار الحكمة في السبب والعلة فأمر الفرق بينهما ظاهر فإن المانع للحكم هو ما استلزم حكمة تقتضي نقيض الحكم كالأبوة في القصاص فإن كون الأب سببا لوجود الابن يقتضي أن لا يصير الابن أي من حيث قتله سببا لعدمه وأما العلة فهي ما يترتب عليها حكمة تقتضي الحكم لا نقيضه نعم ما ذكر من أن اعتبار المانع بعد تحقق ما يتوقف عليه الحكم إنما هو في المانع الاصطلاحي وقد يطلق المانع على ما يتحققه ينتفي الحكم فيشمل عدم الشرط فلذا قال العضد حقيقة الشرط أن عدمه مستلزم لعدم الحكم كما أن المانع وجوده مستلزم لعدم الحكم فبالحقيقة عدمه مانع وذلك لحكمة في عدمه تنافي حكمة الحكم أو السبب إلى آخر ما بينه وكما لا يصح في مانع الحكم أن يكون عدم شيء لما علمت كذلك لا يصح في مانع السبب أن يكون عدم شيء لأنه ما استلزم حكمة تخل بحكمة السبب كالدين في الزكاة إن قلنا إنه مانع من وجوبها فإن حكمة السبب وهو ملك\r","part":2,"page":264},{"id":603,"text":"النصاب استغناء المالك وليس مع الدين استغناء فالفرض تحقق السبب والذي جعل عدمه مانعا لا يمكن أن يكون حينئذ إلا شرطا للسبب بأن يخل عدمه بحكمة السبب وعدم حكمة السبب عدم له والفرض تحققه وأن هناك حكمة تخل بحكمته وبهذا علم الفرق أيضا بين مانع السبب وعدم شرط السبب كما علم مما قبله الفرق أيضا بين مانع الحكم وعدم شرط الحكم وتحصل أن لنا سببا ومانعا للحكم ومانعا للسبب وشرطا للحكم وشرطا للسبب وعدم شرط للحكم وعدم شرط للسبب وأن مانع الحكم ما أخل بالحكم مع بقاء حكمة السبب فيكون عدمه كعدم الحيض شرطا لتأثير السبب في الحكم إما بمجرد الترتب عليه كما في الزوال لوجوب الظهر أو لما فيه من المناسبة كما في الزنا لوجوب الجلد والإسكار لحرمة الخمر لا شرطا لوجود الحكم حتى ينافي كون تحقق المانع بعد تحقق الشروط ومانع السبب ما استلزم حكمة تخل بحكمة السبب مع تحقق السبب وإنه لا يقال مانع إلا بعد تحقق الحكم أو السبب فلزم أن يكون وجوديا لما عرفت وشرط الحكم ما يقتضي عدمه نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب ما أخل عدمه بحكمة السبب فينتفي السبب بعدم حكمته فتأمل بدقة إمعان ا ه بتوضيح من الشربيني والعطار على محلي جمع الجوامع والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":265},{"id":604,"text":"الفرق الثامن والتسعون بين قاعدة البقاع جعلت المظان منها معتبرة في أداء الجمعات وقصر الصلوات وبين قاعدة الأزمان لم تجعل المظان منها معتبرة في رؤية الأهلة ولا دخول أوقات العبادات وترتيب أحكامها وذلك أن شهور العبادات كرمضان وشوال وذي الحجة ونحوها لما وجد القطع بحصولها وحصول المعنى المقصود منها شرعا من جهة الرؤية لأهلها وكمال العدة كانت وصفا ظاهرا منضبطا دائما أو في الأغلب غير محتاج في تعريفه للحكم إلى اعتبار مظنته معه كظننا أن الهلال يطلع في هذه الليلة بسبب قرائن تقدمت إما من جهة توالي تمام الشهر فنظن نقص هذا الشهر أو من جهة توالي النقص فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة طلوع القمر ليلة البدر قبل غروب الشمس فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة تأخره في الطلوع عند غروب الشمس فنظن نقصان هذا الشهر وغير ذلك من الأمارات الدالة عند أرباب المواقيت على أن هذه الليلة هي مظنة رؤية الأهلة إذ مع تيسر الوصول إلى الوصف المطلوب إما بالرؤية أو بكمال العدة لا نعتبر شيئا من تلك المظان وكذلك أوقات الصلوات لما كانت منضبطة في نفسها لحصول القطع بها في أكثر صورها لم تقم مظانها في الصور مقامها\rوأما سماع نداء الجمعة الموجبة لأداء الجمعة في قوله {صلى الله عليه وسلم} الجمعة على من سمع النداء ومشقة السفر الموجبة لترخيص القصر والفطر فإنه لما كان كل واحد\r","part":2,"page":266},{"id":605,"text":"منهما وصفا غير منضبط أنيط الحكم بمظنته فاعتبرت في الجمعات البقاع وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها لأنه من تلك المسافة يظن سماع أذانها إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع واعتبرت في ترخيص القصر والفطر البقاع التي على أربعة برد لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص وبالجملة فالسماع لعدم انضباطه جعلت مظنته من البقاع مقامه والمشقة لعدم انضباطها جعلت مظنتها من البقاع مقامها وأوقات العبادات لما كانت منضبطة لم تجعل مظانها مقامها فالبقاع اعتبرت من حيث إنها سبب غير منضبط والأوقات اعتبرت من حيث إنها سبب منضبط فلم تعتبر مظانها فظهر الفرق بين قاعدتي البقاع والأزمان وصل مبنى هذا الفرق وسره قاعدة أن الوصف المعرف للحكم إن كان وصفا ظاهرا منضبطا لم يعدل عنه إلى غيره كالسكر في تحريم الخمر والقوت في الربا وإن كان وصفا خفيا أو غير منضبط أقيمت مظنته مقامه أما الخفي الذي لا يطلع عليه فكالرضا في انتقال الأملاك لقوله {صلى الله عليه وسلم} لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه فإن الرضا لما كان أمرا خفيا جعلت الصيغ والأفعال في بيع المعاطاة قائمة مقامه لأنه يظن عندها وألغي الرضا إذا انفرد عنها حتى لو اعترف بأنه رضي بانتقال الملك في الزمن الماضي من غير أن يكون صدر منه قول أو فعل لم يلزمه انتقال الملك\rوأما غير المنضبط لاختلاف مقاديره في رتبه فكمشقة السفر في ترخيص القصر والإفطار فإنها لما كانت سببا لذلك الترخيص وهي غير منضبطة المقادير إذ ليس\r","part":2,"page":267},{"id":606,"text":"مشاق الناس سواء في ذلك أقيمت مظنته مقامه وهي أربعة برد فإن المشقة تظن عندها وكالإنزال في وجوب الغسل وحصول نسبة الولد فإنه لما كان غير منضبط في الناس بسبب أن منهم من لا ينزل إلا بالدفق والإحساس باللذة الكبرى ومنهم من ينزل تقطيرا على سبيل السيلان من غير اندفاق في أول الأمر ثم يندفق بعد ذلك كثيرا ولذلك يحصل الولد مع العزل والإنسان يعتقد أنه ما أنزل أقيمت مظنته مقامه وهي التقاء الختانين لأنه لما كان من الناس من ينزل بمجرد الملاقاة ومنهم من ينزل بالفكر ومنهم من ينزل بالنظر فقط وكان التقاء الختانين أقوى من ذلك جعل مظنة وكالعقل في التكليف فإنه لما كان غير منضبط بسبب اختلافه في الرجال والصبيان جدا بحسب اعتدال المزاج وانحرافه فرب صبي لاعتدال مزاجه أعقل من رجل بالغ لانحراف مزاجه جعل البلوغ مقامه لأنه مظنته وهو منضبط إذا أقام الشرع مظنة الوصف مقامه أعرض عن اعتباره في نفسه نعم لا بد أن يكون متوقعا مع المظنة فلو قطعنا بعدمه عند المظنة\rفالقاعدة أنه لا يترتب على المظنة حكم كما لو قطعنا بعدم الرضا مع الإكراه على صدور الصيغة أو الفعل غير أن هذا المعنى وإن كان هو الأصل قد خولف في مواضع منها التقاء الختانين فإنا لو قطعنا بعدم الإنزال وجب الغسل ومنها قولهم في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيكون عليه حد المفتري فأقيم الشرب الذي هو مظنة القذف مقامه ونحن مع ذلك نقيم الحد على من نقطع أنه لم\r","part":2,"page":268},{"id":607,"text":"يقذف حتى إن الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى كان يقول كيف تقام المظنة مقام القذف ونحن نقطع بعدم القذف في بعض الناس لكن يمكن أن يجاب عن الأثر بما شهد له بالاعتبار من التقاء الختانين فإنه ورد فيه الحديث النبوي مع أنا قد نقطع فيه بعدم المظنون عند وجود مظنته في بعض الصور والفرق بين الوصف والمظنة والحكمة هو أن الحكمة هي التي توجب كون الوصف علة معتبرة في الحكم فإذا ثبت كونه معتبرا في الحكم فإن كان خفيا أو غير منضبط أقيمت مظنته مقامه وحينئذ تجتمع الثلاثة ولذلك مثل منها البيع فإن حاجة المكلف إلى ما في يده من الثمن أو المثمن هو المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار الرضا وجعله سببا لانتقال الملك ومظنة الرضا الإيجاب والقبول فالحاجة في الرتبة الأولى لكونها الموجبة لاعتبار الرضا واعتبار الرضا في الرتبة الثانية لأنه فرعها واعتبار الإيجاب والقبول في الرتبة الثالثة لأنه مظنة اعتبار الرضا وفرعه ومنها السفر فإن راحة المكلف وصلاح جسمه مصلحة وحكمة توجب أن المشقة إذا عرضت أوجبت تخفيف العبادة عنه لئلا تعظم المشقة فتضيع مصالحه بإضعاف جسمه وإهلاك قوته\rومظنة المشقة أربعة البرد فحفظ صحة الجسم وتوفير قوته في الرتبة الأولى لكونه هو الموجب لاعتبار وصف المشقة والمشقة في الرتبة الثانية لأنها أثره والأثر فرع المؤثر وأربعة البرد في الرتبة الثالثة لأن اعتبارها فرع اعتبار المشقة وإن كان الوصف ظاهرا منضبطا اعتمد عليه من غير أن تقام مظنته مقامه تتحقق الحكمة والوصف من غير مظنة وله مثل منها أن الرضاع وصف ظاهر منضبط\rموجب للتحريم وحكمته أنه يصير جزء المرأة الذي هو اللبن جزء الصبي الرضيع فناسب أن يكون إيجاب التحريم بالرضاع نظير إيجاب صيرورة مني المرأة وطمثها جزء الصبي للتحريم بالنسب\r","part":2,"page":269},{"id":608,"text":"فلذا قال {صلى الله عليه وسلم} الرضاع لحمة كلحمة النسب فالجزئية في الرتبة الأولى وهي الحكمة ووصف الرضاع في الرتبة الثانية لأنه فرعها ومنها أن الزنا وصف كذلك موجب للحد واختلاط الأنساب حكمته الموجبة لكونه كذلك فالاختلاط في الرتبة الأولى ووصف الزنا الرتبة الثانية ومنها أن السرقة وصف كذلك موجب للقطع وضياع المال حكمته الموجبة لكونه كذلك فضياع المال في الرتبة الأولى ووصف السرقة في الرتبة الثانية فوصف كل من الرضاع والزنا والسرقة لما كان ظاهرا منضبطا لم يحتج لقيام مظنته مقامه فلم يحتج للرتبة الثالثة ولا يلزم من جواز التعليل بالحكمة أن يترتب الحكم على كل من تحققت فيه تلك الحكمة وإلا لحرمت المرأة على صبي أكل منها قطعة لحم لتحقق صيرورة جزئها جزءا منه ولوجب حد الزنا على من يأخذ الصبيان من أمهاتهم صغارا\rويأتي بهم كبارا بحيث لا يعرفون بعد ذلك بسبب أنه أوجب اختلاط الأنساب ولوجب حد السرقة على من ضيع المال بالغصب والعدوان ولم يقل بذلك كله أحد ويلزم ذلك جواز التعليل بالمظنة فلذا قال الجمهور بالتعليل بها ولم يقولوا بالتعليل بالحكمة فافهم ويفرق بين الحكمة والمظنة من وجه آخر وهو أنه لا يقدح في ترتب الحكم القطع بعدم الحكمة ألا ترى أنا نقيم حد الزنا وحد السرقة وإن قطعنا بعدم اختلاط الأنساب من الزنا بأن تحيض المرأة ويظهر\rعدم حملها أو جزمنا بعدم ضياع المال بسبب أخذ المال المسروق والغالب في موارد الشريعة عدم اعتبار المظنة إذا قطعنا فيها بعدم المظنون ألا ترى أن نحو الكفر والعقود الناقلة للأملاك أو الموجبة للطلاق والعتاق من المظان يسقط اعتبارها بالإكراه لا يترتب عليها شيء ألبتة مما شأنه أن يترتب عليها عند عدم الإكراه فليتفطن لهذه القاعدة وهذه التفاصيل فإنها وإن ذكرت هنا لبناء الفرق المذكور عليها وكونها سره إلا أنها يحتاج إليها الفقهاء رحمهم الله كثيرا في موارد الفقه والترجيح والتعليل والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":270},{"id":609,"text":"الفرق التاسع والتسعون بين قاعدة البقاع المعظمة من المساجد تعظم بالصلاة ويتأكد طلب الصلاة عند ملابستها وبين قاعدة الأزمنة المعظمة كالأشهر الحرم لا تعظم بتأكد الصوم فيها البقاع المعظمة والأزمنة وإن اشتركتا من جهة أن نسبة الصلوات إلى مطلق البقاع كما أنه من حيث وقوعها فيها كذلك نسبة الصوم إلى مطلق الأزمنة من حيث وقوعه فيها ومن جهة أن بعض البقاع وهي المساجد كما اختصت بأنها بيوت الله تعالى وطلب الشارع تعظيمها بالتحيات ممن دخلها كذلك اختص بعض الأزمنة وهو الثلث الأخير من الليل به تعالى وطلب الشارع تعظيمه بما يناسبه من الدعاء والتضرع والاستغفار فقد ورد أن الثلث الأخير من الليل ينزل الرب تعالى فيه إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له إلا أنهما افترقتا من جهة أن مطلق البقاع لم يقع منها ما\rيصام فيه إلا بطريق العرض كثلاثة أيام بمكة جبرا لما عرض من النسك وصوم أيام الاعتكاف في المساجد لما عرض من الاعتكاف وإنما وقع منها ما يصلى فيه لعينه كالمساجد تصلى فيها النجية وأما مطلق الأزمنة فوقع منها ما يصام فيه لعينه لا لما عرض فيه كرمضان وغيره ووقع منها ما يصلى فيه لعينه لا لما عرض فيه كأوقات الصلوات ونحو الوتر وركعتي الفجر والضحى فالصوم بوصفه خاص بالزمان والصلاة كما تكون للمكان كتحية المسجد تكون للزمان كالصلوات ونحو الوتر وركعتي الفجر والضحى في أوقاتها\r","part":2,"page":271},{"id":610,"text":"ومن جهة أن البقاع المعظمة وهي المساجد لما اختصت بالله واشتهرت باسم يناسب اختصاصها به تعالى وهو لفظ البيوت فإن شأن الرئيس والملك العظيم أن يكون في بيته ويختص به احتاجت إلى تمييز يختص به تعالى يناسب ربوبيته على قدر ما في وسعنا وذلك أن الله تعالى لما كان غنيا عن الخلق على الإطلاق لا تزيده طاعتهم ولا تنقصه معصيتهم وكان الأدب معه اللائق بجلاله متعذرا منا وقد أمرنا تعالى أن نتأدب معه كما نتأدب مع أكابرنا لأنه وسعنا وكان أحدنا إذا مر ببيوت الأكابر يسلم عليهم ويحييهم بالتحية اللائقة بهم\rوالسلام في حقه تعالى محال لأنه دعاء إما بالسلامة وهو تعالى سالم لذاته عن جميع النقائص وإما بالمسالمة وهي التأمين من الضرر وهو تعالى يجير ولا يجار عليه أمرنا تعالى بالركوع والسجود والمدح له وإكرام خاصته وعبيده وأن نقول له تعالى أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا بالسلام أي أنت السالم لذاتك ومنك يصدر السلام لعبادك وإليك يرجع طلبها فاعطنا إياها فلما استحال السلام\rفي حقه تعالى أقيمت الصلاة في المساجد مقامه ليتميز بيت الرب عن غيره من البيوت بصورة التعظيم بما يليق بالربوبية ولذلك نابت الفريضة عن النافلة في ذلك لحصول التمييز بها\r","part":2,"page":272},{"id":611,"text":"وأما الأزمنة المعظمة وهي الأشهر الحرم ونحوها فلم يوجد منها ما اشتهر بالله تعالى شهرة البقاع المعظمة حتى يحتاج إلى تمييز يختص به يناسب الربوبية كما احتاجت المساجد لذلك بسبب اشتهارها بالله تعالى الشهرة المذكورة والثلث الأخير من الليل وإن اشتهر به تعالى اشتهار المساجد وشرع فيه ما يناسبه من الدعاء والتضرع والاستغفار كما علمت لما أنه يلزمنا ذلك فيه تعظيمه كما إن شأن الأزمنة التي جرت عادة الملوك بالقدوم فيها على الرعايا أن تعظم في المدائن بالزينة ونحوها من أسباب الاحتفال إلا أن تعظيمه لم يكن بالصوم لأن الليل لا يلائم الصوم والفرق إنما هو بين تعظيم البقاع المعظمة بالصلاة والأزمنة المعظمة بالصوم فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق المائة بين قاعدة النواح حرام وبين قاعدة المراثي مباحة\rليس الأمر على تحريم النواح وتفسيق النائحة مطلقا ولا على إباحة المراثي وعدم تفسيق الشعراء الذين يرثون الموتى من الملوك والأعيان مطلقا وإن اشتهر ذلك بين الناس بل الحق أن كلا من النواح والمراثي على أربعة أقسام حرام كبيرة وحرام صغيرة ومباح ومندوب أما ضابط ما هو حرام كبيرة من النواح والمراثي فكل كلام يقرر في النفوس ويوضح للأفهام نسبة الرب سبحانه وتعالى إلى الجور في قضائه\r","part":2,"page":273},{"id":612,"text":"والتبرم بقدره وأن الواقع من موت هذا الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة فيحمل السامعين على اعتقاد ذلك يكون حراما كبيرة نظما كان أو نثرا مرثية أو نواحا وذلك كأن تقول النائحة لفظا يقتضي فرط جمال الميت وحسنه وكماله وشجاعته وبراعته وأبهته ورئاسته وتبالغ فيما كان يفعل من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم والجار إلى غير ذلك من صفات الميت التي يقتضي مثلها أن لا يموت فإن بموته تنقطع هذه المصالح ويعز وجود مثل الموصوف بهذه الصفات ويعظم التفجع على فقد مثله وأن الحكمة كانت تقتضي بقاءه وتطويل عمره لتكثر تلك المصالح في العالم وكأن يقول الشاعر في رثائه مات من كان بعض أجناده الموت ومن كان يختشيه القضاء فيتضمن شعره من التعريض للقضاء بقوله من كان بعض أجناده الموت تعظيما لشأن هذا الميت وأن مثل هذا الميت ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك ويشير قوله يختشيه القضاء إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا إذا لم يكن كفرا صريحا وهو الظاهر من لفظه فهو قريب منه فلذا لما حضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في المحفل الذي جمع فيه الملك الصالح الأكابر والأعيان والقراء والشعراء لعزاء الخليفة ببغداد وأنشد بعض الشعراء في مرثيته مات من كان بعض أجناده الموت وسمعه الشيخ أمر بتأديبه وحبسه وأغلظ الإنكار عليه وبالغ في تقبيح رثائه وأقام بعد التعزير في\r","part":2,"page":274},{"id":613,"text":"الحبس زمانا طويلا ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على الله عز وجل تكون مكفرة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء والإشارة إلى أن الله تعالى كان يخاف من الميت والشعراء كثيرا ما يهجمون على أمور صعبة مثل ذلك رغبة في الإغراب والتمدح بأنه طرق معنى لم يطرق قبله فيقعون في هذا ومثله ولذلك وصفهم الله تعالى بقوله ألم تر أنهم في كل واد يهيمون قال المفسرون هذه الأودية هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما لا يحل قوله وهذا القسم شر النواح والمراثي وعليه يحمل حديث إن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران وسره أن الأجرب سريع الألم لتقرح جلده والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذاب النائحة بالنار بسبب هذين القميصين أشد العذاب\rوحديث أبي داود لعن الله النائحة والمستمعة\rوأما ضابط ما هو حرام صغيرة فكل كلام نظما أو نثرا مرثية أو نواحا لم يصل إلى الغاية المذكورة في القسم الأول إلا أنه يبعد السلوة عن أهل الميت ويهيج الأسف عليهم حتى يؤدي إلى تعذيب نفوسهم وقلة صبرهم وضجرهم وربما بعثهم على القنوط وشق الجيوب وضرب الخدود يكون حراما صغيرة وعليه يحمل ما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من التصريح بتحريم النواح نعم قال سند من أصحابنا إنما يحرم النواح من النائحة التي\r","part":2,"page":275},{"id":614,"text":"تتخذه صنعة قال وإلا فالمرة مكروهة لما في البخاري أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ترك نساء جعفر لم يسكتهن وفيه عن جابر رضي الله عنه جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به وساق الحديث إلى أن قال فسمع صوت نائحة فقال من هذه فقالوا ابنة عمر فقال فلتبكي أو لا تبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع وفيه عن أم عطية رضي الله عنها أخذ علينا النبي {صلى الله عليه وسلم} أن لا ننوح فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة سمتهن وأما ضابط ما هو مباح من النواح والمراثي فكل كلام لم يكن فيه شيء مما في القسمين قبله بل ذكر فيه دين الميت وأنه انتقل إلى جزاء أعماله الحسنة ومجاورة أهل السعادة\rوأنه أتى عليه ما قضى على عامة الناس وأن هذا سبيل لا بد منه وأنه موطن اشترك فيه جميع الخلائق وباب لا بد من دخوله يكون مباحا خاليا عن التحريم ومنه ما رثى به ابن عمر أخاه عاصما لما مات فقال فإن تك أحزان وفائض دمعة جرين دما من داخل الجوف منقعا تجرعتها في عاصم واحتسيتها فأعظم منها ما احتسى وتجرعا فليت المنايا كن خلفن عاصما فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا فهذا رثاء مباح لا يحرم مثله وليس فيه ما يشير إلى التجوير ولا تسفيه القضاء بل إنه حزين متألم لميته وكان يشتهي لو مات معه فهذا أمر قريب لا غرو فيه وأما ضابط المندوب من النواح والمراثي فكل\rكلام زاد على ما في قسم المباح من أمر أهل الميت بالصبر وحثهم على طلب الأجر والثواب وأنهم ينبغي لهم أن يحتسبوا ميتهم في سبيل الله تعالى ويعتمدون في حسن الخلف على الله تعالى ونحو ذلك يكون مندوبا إليه مأمورا به\r","part":2,"page":276},{"id":615,"text":"ومنه ما روي أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لما مات عظم مصابه على ابنه عبد الله وعظم خطبه وجلت رزيته في صدور الناس فإنه رضي الله عنه عم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبقي بعد وفاته {صلى الله عليه وسلم} مثل والده وكان يقال من أشجع الناس فيقال العباس ومن أعلم الناس فيقال العباس ومن أكرم الناس فيقال العباس وكان ابنه عبد الله رضي الله عنهما عظيما عند الناس في نفسه لأنه كان ترجمان القرآن وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة فأحجموا عن تعزيته إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه وأقاموا على ذلك شهرا كما ذكره المؤرخون فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس فقال له الناس ما تريد فقال أريد أن أعزي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية فلما رأى عبد الله بن عباس قال له سلام عليك يا أبا الفضل فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فأنشده اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس فلما سمع عبد الله بن العباس رثاءه واستوعب شعره سرى عنه عظيم ما كان به واسترسل الناس في\rتعزيته وهذا كلام في غاية الجودة من الرثاء مسهل للمصيبة مذهب للحزن محسن لتصرف القضاء مثن على الرب بإحسان وجميل العوارف فهذا حسن جميل ومثله ما ورد في الأخبار أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما توفي سمع أهل بيته قائلا يقول يسمعون صوته ولا يرون شخصه سلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل فائت وعوضا من كل ذاهب فإياه فارجوا وبه فثقوا فإن المصاب من حرم الثواب فكانوا يرونه الخضر عليه السلام فهذا أيضا كلام من القربات ومندرج في سلك المندوبات وعلى هذه القوانين يتخرج جميع ما يرد عليك من النواحات والمراثي والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":277},{"id":616,"text":"الفرق الحادي والمائة بين قاعدة فعل غير المكلف لا يعذب به وبين قاعدة البكاء على الميت يعذب به الميت لما أشكل على القاعدة الصحيحة وهي أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره وعارضها ظاهر ما أخرجه مالك في الموطإ وغيره من العلماء في الصحاح من قوله {صلى الله عليه وسلم} إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ذهب بعض العلماء إلى رد البكاء فيه إلى فعل الميت إما بحمله على ما إذا أوصى الميت بالنياحة كما قال طرفة إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد\rوإما بحمله على ما كان يباشره الميت حال حياته من الكفر ونحو الغضب والفسوق من المفاخر التي كانوا يذكرونها في نوائحهم وهي مجاز عند الشرع فيعذب بها فيكون المعنى أن الميت يعذب بمدلول ما\r","part":2,"page":278},{"id":617,"text":"يقع في البكاء من الألفاظ مجاز العلاقة الملزومية بواسطة لأن اللفظ يلازم مدلوله والبكاء يلازم هذا اللفظ فقول عائشة رضي الله عنها يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بيهودية يبكي عليها أهلها فقال عليه السلام إنكم لتبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها معناه أن اليهودية إنما عذبت في قبرها بكفرها لا ببكاء أهلها وذهب الأصل إلى أنهما قاعدتان وأن الحديث باق على ظاهره وأنه يفرق بينهما بما وقع لبعض العلماء من أن امرأة من أهل العراق مات لها ولد فرحلت في بعض مقاصدها إلى المغرب فحضر يوم العيد وعادتها فيه في بلدها تخرج إلى المقابر فتبكي على ولدها فلما لم تكن في بلدها خطر لها أن تخرج إلى مقابر تلك البلدة التي حلت بها فتفعل فيها ما كانت تفعله في بلدها فخرجت إليها وفعلت ذلك وأكثرت البكاء والعويل والتفجع على ولدها ثم نامت فرأت أهل المقبرة قد هاجوا يسأل بعضهم بعضا هل لهذه المرأة عندنا ولد فقالوا لا فقال السائل منهم للمسئول فكيف جاءت عندنا تؤذينا ببكائها وعويلها من غير أن يكون لها عندنا ولد ثم ذهبوا إليها فضربوها ضربا وجيعا فاستيقظت فوجدت ألما عظيما من ذلك الضرب وتوضيح الفرق أن هذا يدل أن البكاء والعويل كما كانت الأرواح في حالة الحياة تتأذى به وتنقبض كذلك تتأذى به بعد الموت كان عليها أو على غيرها إلا أنه عليها أشد نكاية لأنها هي المصابة حينئذ\rوقد ورد أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء وما نزل بهم من شدة ورخاء وفقر واستغناء وغير ذلك مما يتجدد لأهليهم ويتألمون للمؤلمات\r","part":2,"page":279},{"id":618,"text":"ويسرون باللذات وقد ورد أنهم يفتخرون بالزيارات ويتألمون بانقطاعها فالأوضاع البشرية للأرواح في البرزخ كما كانت لها في الدنيا لم تتغير وإنما كانت في مسكن فارقته فقط وبقيت على حالها في أوضاعها فالعذاب في القاعدة التي دل عليها حديث إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه بمعنى الألم الجبلي الذي إذا وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى كمن يبتليه الله تعالى بالألم لرفع درجاته ومن هذا الباب قوله {صلى الله عليه وسلم} نحن الأنبياء أشدهم بلاء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه ومعلوم أن الأنبياء والصالحين يتألمون بالبلايا والرزايا وليس ذلك عذابا بمعنى عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب المتوعد به من قبل صاحب الشرع كما هو بهذا المعنى في قاعدة إن الإنسان لا يعذب بفعل غيره وإنما تألمهم بالبلايا والرزايا رحمة من الله تعالى ولذلك قال بعض السلف على القرن الماضي أن كان أحدهم ليفرح بالبلايا كما يفرح أحدكم بالرخاء والعذاب يستعاذ منه ولا يفرح به قال الأصل فهذا\rالوجه عندي هو الفرق الصحيح ويبقى لفظ الحديث على ظاهره ويستغنى عن التأويل وتخطئة الراوي وما ساعده الظاهر من الأجوبة كان أسعدها وأولاها وهذا كذلك فيعتمد عليه في الفرق والله أعلم\r","part":2,"page":280},{"id":619,"text":"الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها وبين قاعدة الأهلة\rفي الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب وذلك أن الله تعالى نصب زوال الشمس سببا لوجوب الظهر وبقية الأوقات سببا لوجوب بقية الصلوات كما يشهد لذلك أدلة الكتاب والسنة منها قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أي لأجله ومنها قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون قال المفسرون هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات حين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الصبح وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر والصلاة تسمى سبحة ومنه سبحة الضحى أي صلاتها فالآية أمر بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات\rوأما الأهلة فقال الفقهاء رحمهم الله تعالى حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة علم الهيئة وإن كان قطعيا منضبطا بسبب أن الله تعالى أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة السيارة التي أشار إليها بعضهم بقوله\rزحل شرى مريخه من شمسه فتزاهرت لعطارد الأقمار على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم قال الله تعالى والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم","part":2,"page":281},{"id":620,"text":"وقال تعالى الشمس والقمر بحسبان أي هما ذو حساب فلا ينخرم ذلك أبدا كما لا ينخرم حساب الفصول الأربعة التي هي الصيف والشتاء والربيع والخريف والعوائد إذا استمرت أفادت القطع كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك بل طفلا لأجل عادة الله تعالى وإن جوز العقل ولادته كذلك إلا أنه يعتمد في خروج الأهلة من الشعاع على حصول القطع بالحساب كما اعتمد عليه في أوقات الصلوات لأنه لا غاية بعد حصول القطع بسبب أن صاحب الشرع لم ينصب خروج الأهلة من الشعاع سببا للصوم كما نصب أوقات الصلوات سببا لوجوبها نصب رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس أو إكمال العدة ثلاثين ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع فقد قال {صلى الله عليه وسلم} صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس كما قال تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ثم قال {صلى الله عليه وسلم} فإن غم عليكم أي خفيت عليكم رؤيته فاقدروا له وفي رواية فأكملوا العدة ثلاثين\rقال البناني على عبق وفي الحديثين ثلاثة أقوال الأول للإمام مالك أن الثاني تفسير للأول\rوالثاني للطحاوي أنه ناسخ وأن التقدير في الأول معناه أن ينظر إلى الهلال ليلة الواحد والثلاثين فإن سقط لستة أسباع ساعة فهو من تلك الليلة وإن سقط لضعفها فما قبلها والثالث\rلابن رشد بالجمع بينهما وأن التقدير في الأول أن ينظر في الشهور التي قبل شعبان فإن توالى ثلاثة على الكمال حمل على النقض وإلا حمل على الكمال وهو محمل الحديث الثاني قال الحطاب والأول هو الحق الذي لا غبار عليه ا ه\r","part":2,"page":282},{"id":621,"text":"وقد تبع عج في قوله لا يتوالى النقص في أكثر من ثلاثة من الشهور يا فطن كذا توالي خمسة مكملة هذا الصواب وسواه أبطله لابن رشد إلا أن فيه بعض مخالفة له والظاهر أنه أشار بقوله هذا الصواب إلخ لكلام ابن رشد والطحاوي لا كما فهم عبق ومحل ثبوت رمضان بكمال شعبان إذا لم تكن السماء مصحية ليلة الحادي والثلاثين من شعبان وقد كان هلال شعبان ثبت برؤية عدلين ليلة ثلاثين من رجب وإلا فلا يثبت بكمال شعبان لتكذيب الشاهدين أولا كما في خش وهو صحيح ا ه بتصرف ولا دلالة في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه على هذا المطلوب لما مر أول الكتاب عن أبي علي من أن شهد فيه بمعنى حضر\rقال والتقدير فمن حضر منكم المصر في الشهر فليصمه أي حاضرا مقيما احترازا من المسافر فإنه لا يلزمه الصوم وإذا كان شهد بمعنى حضر لا بمعنى شاهد ورأى لم يكن فيه دلالة على اعتبار الرؤية ولا على اعتبار الحساب أيضا فإن الحضور في الشهر أيضا أعم من كونه ثبت بالرؤية أو بالحساب فالحق من ترديد المالكية والشافعية رحمهم الله تعالى في اعتبار دلالة الحساب على خروج الهلال من الشعاع وعدم اعتباره ما هو المشهور في المذهبين من عدم اعتباره حتى قال سند من أصحابنا فلو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه\rوبالجملة فصاحب الشرع نصب تحقيق أوقات الصلوات سببا لوجوبها بحيث لا يكون الحس دالا على عدم دخول الوقت بأن يرى الإنسان الظل عند الزوال متوسطا بين جهتي المشرق والمغرب لا مائلا لجهة المشرق أو لا يجد الإنسان للفجر أثرا ألبتة مع كون الأفق صاحيا لا يخفى فيه طلوع الفجر لو طلع فما جرت به عادة المؤذنين وأرباب المواقيت من تسيير درج الفلك فإذا شاهدوا ما يقتضي من درج الفلك المتوسط أو غيره أن الفجر طلع أمروا الناس بالصلاة والصوم\r","part":2,"page":283},{"id":622,"text":"وإن كان الإنسان لا يجد للفجر أثرا ألبتة والأفق صاح لا يخفى فيه طلوع الفجر لو طلع مشكل ونصب رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس أو إكمال العدة ثلاثين سببا لوجوب صوم رمضان ولم ينصب تحقيق الخروج بدون رؤيته كما في أوقات الصلوات سببا لذلك فاشترط في سببية أوقات الصلوات التحقيق دون الرؤية وفي سببية الهلال الرؤية دون مجرد التحقيق إلا أن جعل المالكية والأحناف والحنابلة رؤية الهلال في بلد من البلدان سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض خلافا للشافعية في جعلهم لكل قوم رؤيتهم مع اتفاق الجميع على أن لكل قوم فجرهم وزوالهم وعصرهم ومغربهم وعشاءهم نظرا لسكون الفجر إذا طلع على قوم يكون عند آخرين نصف الليل وعند آخرين نصف النهار وعند آخرين غروب الشمس إلى غير ذلك من الأوقات مشكل إذ لا فارق بين أوقات الصلوات ورؤية الهلال ضرورة أن ما من درجة تطلع من الفلك أو تتوسط أو تغرب إلا وفيها جميع الأوقات بحسب آفاق مختلفة وأقطار متباينة حتى إن جماعة من الفقهاء أشكلت عليهم مسألة\rأخوين ماتا عند الزوال أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب أيهما يرث صاحبه فأفتى الفضلاء منهم بناء على هذا الاختلاف بأن المغربي يرث المشرقي لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب فالمشرقي مات أولا\rفيرثه المغربي المتأخر لبقائه بعده حيا متأخر الحياة نعم قدم هذا الإشكال في الفرق الأول موضحا ومر جوابه به بما فيه كفاية ومنقع لمن له قلب ومسمع والله أعلم\rالفرق الثالث والمائة بين قاعدة الصلوات في الدور المغصوبة تنعقد قربة بخلاف الصيام في أيام الأعياد والجميع منهي عنه\r","part":2,"page":284},{"id":623,"text":"اعلم رحمك الله تعالى أن الشارع وضع بعض أفعال المكلف لأحكام مقصودة كالصوم للثواب والبيع للملك وقد نهى عن ذلك في مواضع ففي الصحيحين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نهى عن صوم الفطر ويوم النحر وعن بيع درهم بدرهمين فاختلف المجتهدون في بقاء ذلك الوضع الشرعي في المواضع المنهي عنها فيكون الصوم في يوم العيد مناطا للثواب وفي ارتفاعه فيها فلا يكون الصوم في يوم العيد مناطا للثواب فحكم بالارتفاع مالك والشافعي رحمهما الله تعالى نظرا لكون النهي عن العبادة الموصوفة بكونها في الزمان أو الحالة المعينة من بين سائر الأزمنة أو الحالات يدل على اختلاف الأصل لأنه يفهم منه على قواعدهما أن يكون عدم ذلك الوصف شرطا في صحة تلك العبادة فحيث وقعت موصوفة به وقعت فاسدة لعينها أي لذاتها وماهيتها لأنها حينئذ فقد شرطها والقاعدة أن ما فقد ما يتوقف عليه ذاتيا كالركن أو عرضيا كالشرط فهو باطل وفاسد وحكم بعدم الارتفاع أبو حنيفة رحمه الله تعالى نظرا لكون النهي عن العبادة الموصوفة بذلك لا يدل على قواعده على اختلال الأصل لأنه لا يفهم منه أن يكون عدم ذلك الوصف شرطا حتى يكون النهي عنه لعينه\r","part":2,"page":285},{"id":624,"text":"واعلم أيضا أن الفعل الشرعي المنهي عنه إن دل دليل على أن قبحه لعينه أي لفقد ما يتوقف عليه عينه وذاته وماهيته ذاتيا كالركن أو عرضيا كالشرط فهو باطل كما في الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان وكما في بيع الملاقيح وهي ما في البطون من الأجنة لانعدام ركن المبيع من البيع عند الجميع وكما في صوم يوم العيد لفقد شرطه الذي هو عدم الوقوع في ذلك اليوم لما فيه من الإعراض عن ضيافة الله تعالى للناس فيه وكما في بيع الدرهم بالدرهمين لفقد شرطه الذي هو عدم الزيادة عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى كما علمت وحينئذ يكون النهي مستعملا في معنى النفي مجازا لأن المنهي عنه يجب أن يكون متصور الوجود بحيث لو قدم عليه لوجد حتى يكون العبد مبتلى بين أن يقدم على الفعل فيعاقب وبين أن يكف عن الفعل فيثاب بامتناعه وإن دل دليل على أن قبحه لغيره فذلك الغير إن كان مجاورا كالصلوات في الدور المغصوبة فهو صحيح مكروه فينعقد قربة على مشهور مذهب مالك وقولي الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهم\rوقال ابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا رحمهما الله تعالى لا ينعقد قربة ويجب القضاء وإن كان وصفا كما في صوم يوم النحر نهي عن إيقاعه في يوم النحر للإعراض بصومه عن ضيافة الله تعالى للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها فيه وكما في بيع الدرهم بالدرهمين لاشتماله على الزيادة فيأثم به فهو فاسد عند أبي حنيفة لا باطل لأنه لم يجعل فقد الوصف شرطا كما\r","part":2,"page":286},{"id":625,"text":"علمت فمن نذر عنده صوم يوم النحر بأن قال لله علي صوم يوم النحر أو نذر صوم غد فوافق يوم النحر صح نذره لأن المعصية في فعله دون نذره ويؤمر بفطره وقضائه ليتخلص عن المعصية ويفي بالنذر ولو صامه خرج عن عهدة نذره لأنه أدى الصوم كما التزمه ومن باع درهما بدرهمين فإن كان بالمجلس وجب عليه إما الفسخ أو رد الزيادة وعاد صحيحا وإن كان بعد تقرر الفساد بالقبض فلا يعود صحيحا برد الزيادة فقد اعتد بالصوم والبيع المذكورين لكونهما فاسدين باطلين إذ الباطل لا يعتد به اتفاقا وهو باطل عند مالك والشافعي لإرجاعهما ذلك إلى النهي عن الذات بأن يجعلا فقد الوصف شرطا كما علمت\rقال صاحب الطريقة لأن النهي ورد عن الصوم فإرجاعه إلى غيره عدول عن الحقيقة وإن لم يدل دليل أن قبحه لعينه أو لغيره فباطل عند مالك والشافعي حتى لا يترتب عليه الأحكام لأن الأصل في النهي اقتضاء الفساد وعند أبي حنيفة يصح بأصله إذ لا قرينة على استعماله في النفي مجازا والنهي يقتضي الصحة ولا يفسد بوصفه لعدم الدليل على أن القبح لوصفه أفاده الشربيني عن التفتازاني مع توضيح وزيادة من الأصل ومحلي جمع الجوامع والعطار وبالجملة فالفرق بين القاعدتين بكون النهي عن العبادة لمجاورها لا يوجب البطلان على مشهور مالك وقولي الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى خلافا لابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا والنهي عنها لعينها يوجب البطلان اتفاقا وكذا لوصفها عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لرجوعه إلى النهي عن الذات\rبجعل فقد الوصف شرطا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا فرق بينهما عند أبي حنيفة وابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا\r","part":2,"page":287},{"id":626,"text":"وإنما الفرق بينهما على مشهور مالك وقول الشافعي فعندهما نذر صوم يوم النحر لا ينعقد ونذر الصلاة في الدار المغصوبة ينعقد لأنهم قالوا إن الصلاة إذا وقعت في الدار المغصوبة تبرئ الذمة وبراءة الذمة بها يقتضي أنها انعقدت قربة لأن الذمة لا تبرأ من الواجب بما ليس واجبا فضلا على أنه ليس بقربة فتكون الصلاة في الدار المغصوبة قربة واجبة من جهة أنها صلاة لا من جهة اشتمالها على الغصب وذلك لأنهما التزما الفرق بين الوصف والمجاور بأن المأمور به المنهي عنه لمجاوره يوجد بفعله موجب الأمر بجملته فإن الأمر بالصلاة لم يشترط فيها عدم الغصب بل أوجبها ولم يشترط عدمه فيها والناهي عن الغصب لم يشترط فيه عدم الصلاة بل حرمه ولم يشترط عدمها فيه فكل من الأمر والنهي وجد مقتضاه بجملته فوجب اعتبارهما وأن يترتب على كل منهما مقتضاه وأن المأمور به المنهي عنه لوصفه لا يوجد بفعله موجب الأمر بجملته لفقد شرطه الذي يتوقف عليه وهو عدم الوصف فصوم يوم العيد مأمور به ومنهي عن إيقاعه في يوم العيد فيكون عدم إيقاعه في يوم العيد شرطا فيه لا يوجد بفعله موجب الأمر إلا بتحققه والتزم التسوية بين العين والوصف كما علمت\rوالتزم أحمد وابن حبيب التسوية بين الوصف والمجاور وأبو حنيفة الفرق بين العين والوصف فاتضح الفرق وظهر اندفاع ما أورد عليه من أنه إن اعتبر الأصل والوصف وفرق بينهما كما قاله أبو حنيفة لزم الصحة في الصلاة والصوم لأن النهي لأمر\rخارجي وهو الزمان والمكان وإن اعتبر الأصل والوصف وسوي بينهما كما قاله أحمد لزم البطلان فيهما وعلى التقديرين يبطل الفرق المذكور فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":2,"page":288},{"id":627,"text":"الفرق الرابع والمائة بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل ومتى دار بين الندب والتحريم ترك تقديما للراجح على المرجوح وبين قاعدة يوم الشك هل هو من رمضان أم لا اعتبر المجتهدون كلا من قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل وقاعدة أن الفعل متى دار بين الندب والتحريم ترك تقديما للراجح وهو درء المفاسد على المرجوح وهو تحصيل المصالح وذلك لأن التحريم يعتمد المفاسد والوجوب يعتمد المصالح وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بتحصيل المصالح ولما لم يصح عند الحنابلة حديث من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم لقول ابن عابدين لا أصل لرفعه وإنما يروى موقوفا على عمار بن ياسر\rوأورده البخاري معلقا\rبقوله وقال صلة عن عمار من صام إلخ تمسكوا في وجوب صوم يوم الشك احتياطا بأمرين الأول ما أخرجه الشيخان عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لرجل هل صمت من سرر شعبان قال لا قال إذا أفطرت فصم يوما مكانه وسرر الشهر بفتح السين وكسرها آخره كذا قال أبو عبيد وجمهور أهل اللغة لاستمرار القمر فيه أي إخفائه وربما كان ليلة أو ليلتين كذا أفاده في حاشية الدرر ا ه من حاشية ابن عابدين\r","part":2,"page":289},{"id":628,"text":"الأمر الثاني القاعدة الأولى لأنه إن كان من رمضان فهو واجب وإن كان من شعبان فهو مندوب ولا تشترط النية الجازمة إلا عند عدم تعذرها قال في الإقناع وشرحه كشاف القناع وإن حال دون منظره أي مطلع الهلال غيم أو قتر أو غيرهما كالدخان ليلة الثلاثين من شعبان لم يجب صومه قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين يوما نصا ولا يثبت بقية توابعه كصلاة التراويح ووجوب الإمساك على من أصبح مفطرا واختاره الشيخ وأصحابه وجمع منهم أبو الخطاب وابن عقيل وذكره في الفائق وصاحب التبصرة وصححه ابن رزين في شرحه والمذهب يجب صومه أي صوم يوم الثلاثين من شعبان إن حال دون مطلعه غيم أو قتر ونحوهما بنية رمضان حكما ظنيا بوجوبه احتياطا لا يقينا\rاختاره الخرقي وأكثر شيوخ أصحابنا ونصوص أحمد عليه وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر وقاله جمع من التابعين لما روى ابن عمر مرفوعا قال إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له متفق ومعنى فاقدروا له أي ضيقوا لقوله تعالى ومن قدر عليه رزقه أي ضيق وهو أن يجعل شعبان تسعا وعشرين يوما ويجوز أن يكون معناه اقدروا زمانا يطلع في مثله الهلال وهذا الزمان يصح وجوده فيه فاعلموا من طريق الحكم أنه تحت الغيم كقوله\r","part":2,"page":290},{"id":629,"text":"تعالى إلا امرأته قدرناها من الغابرين أي علمناها مع أن بعض المحققين قالوا الشهر أصله تسع وعشرون يؤيده ما رواه أحمد عن إسماعيل عن أيوب عن نافع قال كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما بعث من ينظر له فإن رآه فذاك وإن لم يره ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما ولا شك أنه راوي الخبر وأعلم بمعناه فيتعين المصير إليه كما رجع إليه في تفسير خيار المتبايعين يؤكده قول علي وأبي هريرة وعائشة لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ولأنه يحتاط له ويجب بخبر الواحد ويجزيه صوم يوم الثلاثين حينئذ إن بان منه أي من رمضان بأن تثبت رؤيته بمكان آخر لأن صيامه وقع بنية رمضان قيل للقاضي لا يصح إلا بنية ومع الشك فيها لا يجزم بها فقال لا يمنع التردد فيها للحاجة كالأسير وصلاة من خمس وتصلى التراويح ليلتئذ احتياطا للسنة\rقال أحمد القيام قبل الصيام وتثبت بقية توابعه أي الصوم من وجوب كفارة بوطء فيه ونحوه كوجوب الإمساك على من لم يبيت النية لتبعيتها للصوم ما لم يتحقق أنه من شعبان بأن لم ير مع الصحو هلال شوال بعد ثلاثين ليلة من الليلة التي غم فيها هلال رمضان فيتعين أنه لا كفارة بالوطء في ذلك اليوم ولا تثبت بقية الأحكام من حلول الآجال ووقوع المعلقات من طلاق أو عتق وغيرها كانقضاء العدة ومدة الإيلاء عملا بالأصل خولف للنص واحتياطا لعبادة عامة ا ه\rولما صح عند المالكية والأحناف والشافعية وما في الكتب الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه وحديث من صام يوم الشك إلخ تمسكوا بذلك في منع صومه من رمضان\r","part":2,"page":291},{"id":630,"text":"قال العلامة ابن عابدين الحنفي المراد من حديث التقدم هو التقدم بصوم رمضان حتى لا يزاد على صوم رمضان كما زاد أهل الكتاب على صومهم وإنما كره تحريما لصورة النهي في حديث\rالعصيان وهو وإن روي في البخاري موقوفا على عمار بن ياسر إلا أنه في مثله كالمرفوع كما قال الزيلعي وفي الفتح وأخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم وصححه الترمذي عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتى بشاة مصلية فتنحى بعض القوم فقال عمار من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم قال في الفتح وكأنه فهم من الرجل المتنحي أنه قصد صومه عن رمضان ا ه\rوحديث السرار محمول على صومه استحبابا لا عن رمضان لأنه معارض بحديث التقدم توفيقا بين الأدلة ما أمكن كما أوضحه في الفتح ا ه وفي المختصر وإن غيمت ولم ير فصبيحته يوم شك وصيم عادة وتطوعا وقضاء ولنذر صادف لا احتياطا قال الحطاب يعني أن يوم الشك لا يصام لأجل الاحتياط للنهي عن ذلك وهو ما صححه الترمذي من حديث عمار بن ياسر من صام إلخ ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ولم يبين المصنف كابن الحاجب هل النهي على الكراهة أو التحريم\rقال في التوضيح وظاهر الحديث التحريم وهو ظاهر ما نسبه اللخمي لمالك لأنه قال ومنعه مالك وفي المدونة ولا ينبغي صيام يوم الشك وحملها أبو الحسن على المنع وفي الجلاب يكره صوم يوم الشك\rوقال ابن عطاء الله الكافة مجمعون على كراهة صومه احتياطا ا ه ونحوه في ابن فرحون وقال ابن عبد السلام الظاهر أن النهي على التحريم لقوله عصى أبا القاسم ا ه وزاد أبو الحسن عن ابن يونس من الواضحة ومن صامه حوطة ثم علم أن ذلك لا يجوز فليفطر متى ما علم ا ه\r","part":2,"page":292},{"id":631,"text":"ونقله ابن عرفة عن الشيخ بلفظ آخر النهار وقال ابن ناجي في شرح الرسالة وحمل أبو إسحاق المدونة على المنع ا ه وقال الفاكهاني في الرسالة صوم يوم الشك في الحياطة من رمضان مكروه ولا يكره صومه تطوعا وقال بعده فقول المصنف ولا يصام يوم الشك يريد على الكراهة لا على التحريم ا ه ثم قال وقيل يصام احتياطا ولا أعلمه في المذهب ا ه\rوخرج اللخمي وجوب صوم يوم الشك من مسألة الشاك في الفجر ومن الحائض إذا جاوزت عادتها ورد عليه ذلك ابن بشير وغيره وبحث في ذلك ابن عرفة فلينظره من أراده ثم قال الفاكهاني وإنما هذا الخلاف إذا كان الغيم أما إذا كانت السماء مصحية فهم متفقون على كراهة صومه احتياطا إذ لا وجه للاحتياط في الصحو ا ه بحذف وتصرف ما\rقال ابن الشاط ما معناه فتحريم المالكية ومن وافقهم صومه جار على قاعدة أن كل يوم شك منهي عن صيامه عن رمضان نهي تحريم كما يؤخذ من الحديث ولأن الأصل بقاء الشهر فلا ينتقل عنه بالشك لما روى أبو هريرة مرفوعا صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما متفق عليه وما قيل من أنه جار على قاعدة تعارض الندب والتحريم نظرا لندبه على احتمال كونه من شعبان وتحريمه على\rاحتمال كونه من رمضان من حيث إن كل قربة بدون شرطها حرام والنية الجازمة شرط لصومه من رمضان وهي هاهنا متعذرة فليس بشيء لأن كونه من شعبان لا على القطع لا يقتضي ندبه بل تحريمه للحديث كما علمت والنية الجازمة ليست شرطا إلا مع عدم تعذرها ا ه بزيادة\rوأطلق المالكية ومن وافقهم القول بوجوب إمساك جزء من الليل وأن من شك في الفجر لا يأكل ويصوم مع أن الشك في الفجر مساو للشك في أول الشهر بوجهيه ألا ترى أن كلا منهما شك في طريان الصوم وأن الأصل كما أنه هناك بقاء الشهر فلا ينتقل عنه بالشك كذلك هو هنا بقاء الليل فلا ينتقل عنه بالشك\r","part":2,"page":293},{"id":632,"text":"وأما منع الأكل والوطء في صدر الإسلام فإنما كان بعد النوم خاصة أما قبله فلا على أنه قد رخص فيه بقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فأباح الله تعالى المفطرات إلى هذه الغاية كما أباحها إلى غاية رؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوما حتى إن اللخمي خرج وجوب صوم يوم الشك من مسألة الشاك في الفجر ومن الحائض إذا جاوزت عادتها كما في كلام الحطاب المتقدم إلا أنهم لم يذهبوا في مسألة الشاك في الفجر إلى مخالفة الآية عملا بالاحتياط حتى يصح تخريج اللخمي مسألة وجوب صوم يوم الشك منها بل إنما ذهبوا إلى حمل الآية على المراقب للفجر وهو قليل في مجرى العادة فبنوا قولهم بوجوب الصوم بجزء من الليل على الشاك في الفجر بناء على الغالب وهو عدم المراقبة كما قاله ابن الشاط ثم إن المالكية وإن قالوا في مسألة ما إذا شك هل صلى ثلاثا أو أربعا أنه يصليها مع أنها دائرة بين الرابعة الواجبة والخامسة المحرمة\rوالمحرم يقدم على الواجب عند تعارضهما كما يقدم على المندوب عند تعارضهما لاتحاد علة تقديمه على كل منهما ضرورة أن اعتماد المصالح مشترك بين المندوب والواجب نعم الترك للمندوب أظهر لكونه أخفض رتبة من الواجب وقالوا في مسألة ما إذا شك في وضوئه هل هي ثانية أو ثالثة أنه يتوضأ ثالثة مع دورانها بين الثالثة المندوبة والرابعة المحرمة إلا أنهم إنما قالوا بذلك في المسألتين لأن التحريم في الخامسة مشروط في الصلاة بتيقن الرابعة أو ظنها ولم يحصل ذلك فلم يحصل التحريم بل استصحب الوجوب من الدليل الدال على وجوب الأربع وهو الإجماع والنصوص والتحريم في الرابعة مشروط في الوضوء\r","part":2,"page":294},{"id":633,"text":"أيضا بتيقن الثالثة أو ظنها ولم يحصل فاستصحب الندب الناشئ عن الدليل الدال على الثلاث وهو فعله {صلى الله عليه وسلم} وقوله في ذلك فلم يكن في قولهم بذلك فيهما مخالفة لقاعدة تعارض الوجوب أو الندب مع التحريم فافهم\rفهذه قواعد في العبادات ينبغي الإحاطة بها لئلا تضطرب القواعد وتظلم على طالب العلم\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rقال\rالفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال\rقلت جميع ما قاله فيه صحيح إلا ما قاله في جواب السؤال الثاني من أن تخصيص شوال رفق بالمكلف وسد للذريعة فإن ذلك ليس بالقوي وإلا ما قاله في تأويل ذكر ستة أيام من أنه لكون الستة عددا تاما فإن ذلك ليس بالقوي أيضا والله أعلم وما قاله في الفرقين بعد هذا صحيح\rالفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال وذلك أن معنى قوله {صلى الله عليه وسلم} في الحديث الصحيح من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر هو أن من صام من هذه الأمة رمضان وستة أيام من شوال يشبه من صام سنة من غير هذه الأمة خمسة أسداسها فرض وسدسها نفل لقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فإن معناه أن من جاء من هذه الأمة بحسنة فله عشر أمثال المثوبة التي كانت تحصل لمن كان قبلها من الأمم فإن تضعيف الحسنات إلى عشرة من خصائص هذه الأمة وحينئذ فيصير صائم رمضان منهم كصائم عشرة أشهر من غيرهم وصائم ستة بعده منهم كصائم شهرين من غيرهم فيكون صائم المجموع منهم كصائم سنة من غيرهم سدسها فقط نفل وباقي أسداسها فرض فإذا تكرر ذلك من صائمه منهم كان كصائم جميع العمر من غيرهم خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل فالمراد بالدهر عمره فبإتباع رمضان بستة\r","part":2,"page":295},{"id":634,"text":"أيام من شوال مع التضعيف في هذه الملة حسن التشبيه بصيام الدهر من غيرها لكن بنسبة أن خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل فلا يحصل التشبيه الحقيقي بالمساواة بين الطرفين إلا بأحد أمرين الأول بالست لا بالسبع لأن السبع بالتضعيف سبعون يوما وهي زائدة عن الشهرين وتشبيه الأعلى بالأدنى باطل ولو زاد على السبع لكان أولى بالبطلان ولا بالخمس لأن الخمس بالتضعيف خمسون وهي ناقصة عن الشهرين وكذلك ما دون الخمس وتشبيه الأدنى بالأعلى وإن كان جائزا إجماعا إلا أنه مع المساواة أحسن منه مع عدمها فقاعدة الست مباينة لقاعدة السبع فما فوقها والخمس فما دونها\rالأمر الثاني أن يكون صوم الدهر على حال مخصوصة بأن يكون نسبة الستة المقدرة في غير هذه الملة خمسة أسداسها فرض وسدسها وهو الشهران الناشئان عن الستة أيام نفل ومن التشبيه مع المساواة قوله {صلى الله عليه وسلم} لما آلمته رجله فمدها بين أصحابه فقال أي شيء تشبه هذه فأشكل ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم أي شيء يريد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فمد رجله الأخرى وقال هذه فكان ذلك من بسطه {صلى الله عليه وسلم} وتأنيسه مع أصحابه وكراهة أن يمد رجله بينهم إلا لعذر فأظهر هذا السؤال عذرا وذلك لأن التفاوت بين الرجلين بعيد جدا فظهر الفرق بين\r","part":2,"page":296},{"id":635,"text":"القاعدتين وبانت مزية الست على الخمس أو السبع وأن التشبيه في الحديث جار على قاعدة العرب في كون التشبيه يعتمد المساواة أو التقريب وقال {صلى الله عليه وسلم} بست ولم يقل بستة مع أن الأصل في الصوم إنما هو الأيام دون الليالي واليوم مذكر وقاعدة العرب ما في قوله في الخلاصة ثلاثة بالتاء قل للعشره في عد ما آحاده مذكره لأن عادة العرب تغليب الليالي على الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي ومرادهم الأيام ولذلك قال تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل وعشرة مع أنها عشرة أيام قال الزمخشري ولو قيل عشرة لكان لحنا ومنه قوله تعالى إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما قال العلماء يدل الكلام الأخير وهو قوله تعالى إلا يوما على أن المعدود الأول أيام وللمالكية وغيرهم في قوله {صلى الله عليه وسلم} من شوال أقوال الأول لابن العربي في الأحكام أنه على جهة التمثيل والمراد أن صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين وذلك المذهب فلو كانت من غير شوال لكان الحكم فيها كذلك\r","part":2,"page":297},{"id":636,"text":"قال وهذا من بديع النظر فاعلموه ا ه القول الثاني لابن المبارك واللخمي والشافعي أنه على جهة التعيين من أوله وأن خصوص شوال مراد لما فيه من المبادرة للعبادة والاستباق إليها لقوله عز وجل فاستبقوا الخيرات وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ولظاهر لفظ الحديث ومن ساعده الظاهر فهو أولى قال في العارضة ولست أراه لما سيأتي من سد الذريعة ولو علمت من يصومها أول الشهر وملكت الأمر آذيته وشددت عليه لأن أهل الكتاب غيروا دينهم ا ه القول الثالث لجمهور أصحابنا أنه على جهة التعيين أيضا إلا أن صومها بأول شوال متصلة متتابعة مكروه جدا لأن الناس صاروا يقولون تشييع رمضان وكما لا يتقدم لا يشيع فصومها من غيره أفضل من أوسطه ومن أوسطه أفضل من أوله وهذا بين وهو أحوط للشريعة وأذهب للبدعة كما في العارضة وفي الذخيرة استحب مالك صيام الست في غير شوال خوفا من إلحاقها برمضان عند الجهال وإنما عينه الشرع من شوال للتخفيف على المكلف لقربه من الصوم وإلا فالمقصود حاصل في غيره فيشرع للتأخير\rجمعا بين المصلحتين ا ه\r","part":2,"page":298},{"id":637,"text":"وفي التوضيح عن الجواهر لو صامها في عشر ذي الحجة لكان أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة والسلامة مما اتقاه مالك ا ه ومثله للشبيني ويوضحه قول الأصل إنما قال من شوال عند المالكية رفقا بالمكلف لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل وتأخيرها عن رمضان أفضل عندهم لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله تعالى إن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والقوانين وشعائر رمضان إلى آخر الستة أيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد سد هذه الذريعة ما رواه أبو داود أن رجلا دخل مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فصلى الفرض وقام ليتنفل عقب فرضه وهناك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أصاب الله بك يا ابن الخطاب ومقصود عمر رضي الله عنه أن اتصال التنفل بالفرض إذا حصل معه التمادي اعتقد الجهال أن ذلك النفل من ذلك الفرض ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان\rإلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة وسد هذه الذرائع متعين في الدين وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة فيها ا ه وخلاصة هذا القول أن تخصيص شوال رفق بالمكلف فيشرع التأخير لسد الذريعة جمعا بين المصلحتين قال ابن الشاط وهذا ليس بالقوي ا ه\r","part":2,"page":299},{"id":638,"text":"القول الرابع للمازري عن بعض الشيوخ أن خصوص شوال وإن كان مرادا للمبادرة للعبادة كما هو ظاهر الحديث إلا أن الحديث لعله لم يبلغ مالكا رحمه الله تعالى فكره صيامها من شوال ولما كان مقصوده {صلى الله عليه وسلم} تشبيه الصيام في هذه الملة إذا وقع على الوضع المخصوص بالصيام في غير هذه الملة لا تشبيه الصائم بغيره قال فكأنما ولم يقل فكأنه فأدخل كأن الدالة على التشبيه مكفوفة بما على الفعل نفسه وأوقع التشبيه بين الفعل والفعل باعتبار الملتين لتنبيه السامع لقدر الفعل وعظمته فتتوفر رغبته فيه قيل والفرق بين الستة أيام الواقعة في الحديث والستة أيام الواقعة في قوله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام هي كون الحكمة فيها في الحديث أمرين أحدهما كونها شهرين فتكمل الستة\rبها من غير زيادة ولا نقصان بخلاف ما فوقها وما تحتها وثانيهما كونها أول الأعداد التامة فهو لتمامه ولأنه أولها عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي الذي لا زيادة في أعضائه ولا نقص أفضل الآدميين خلقا وذلك أن بعض الفضلاء قال الأعداد ثلاثة أقسام عدد تام وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة انقام منها ذلك العدد من غير زيادة ولا نقصان كالستة أجزاؤها النصف ثلاثة والثلث اثنان والسدس واحد ولا جزء لها غير هذه ومجموعها ست\rوعدد ناقص وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة لم يحصل منها ذلك العدد بل أنقص منه كالأربعة أجزاؤها النصف اثنان والربع واحد ولا جزء لها غيرهما ومجموعهما ثلاثة أقل من الأربعة\r","part":2,"page":300},{"id":639,"text":"وعدد زائد وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة حصل عدد زائد عنه كالاثني عشر أجزاؤها النصف ستة والثلث أربعة والسدس اثنان ونصف السدس واحد ومجموعها ثلاثة عشر وهو زائد على الاثني عشر بواحد والتام عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي أفضل الآدميين خلقا والناقص معيب لأنه كآدمي خلق بغير يد أو عضو من أعضائه والزائد معيب لأنه كآدمي خلق بأصبع زائدة وليس للستة في الآية إلا الأمر الثاني وهو أنها أول الأعداد التامة\rوأما كون المقصود بذكرها التنبيه للعباد على أن الإنسان مع القدرة على التعجيل ينبغي أن يكون فيه أناة فما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا فقد من شيء إلا شانه قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة فهذا المعنى يحصل بذكر العدد كيف كان ا ه قال ابن الشاط وهو ليس بالقوي ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والمائة بين قاعدة العروض تحمل على القنية حتى ينوي التجارة وقاعدة ما كان أصله منها للتجارة\rيتخرج الفرق بين قاعدتي عروض القنية وعروض التجارة على القاعدة الشرعية العامة في هذا الموطن وغيره وهي أن كل ما له ظاهر فهو ينصرف إلى ظاهره إلا عند قيام المعارض الراجح لذلك الظاهر وكل ما ليس له ظاهر لا يترجح أحد محتملاته إلا بمرجح شرعي وذلك أن العروض لما كان الأصل فيها والغالب أن تكون للقنية كانت ظاهرة في القنية فتصرف إليه إذا لم يقم معارض راجح لذلك الظاهر كما إذا اشترى عروضا كعبد أو دار ولا نية له فهي للقنية إذ لا معارض وتصرف إلى معارضه الراجح عند قيامه ففي المدونة إذا ابتاع عبدا للتجارة فكاتبه فعجز أو ارتجع من مفلس سلعة أو أخذ من غريمه عبدا في دينه أو دارا فأجرها سنين رجع جميع ذلك لحكم أصله من التجارة فإن ما كان للتجارة لا يبطل إلا بنية القنية فالعبد المأخوذ ونحوه ينزل منزلة أصله قال سند في شرح المدونة فلو ابتاع الدار\r","part":2,"page":301},{"id":640,"text":"بقصد الغلة ففي استئناف الحول بعد البيع روايتان لمالك ولو ابتاعها للتجارة والسكنى فلمالك أيضا قولان أي بالاستئناف للحول بعد البيع مراعاة لقصد التنمية بالغلة والتجارة وعدم الاستئناف له بعده تغليبا للنية في القنية على نية التنمية لأنه الأصل في العروض وفي شرح المنتقى للباجي على الموطإ والأموال على ضربين أحدهما مال أصله التجارة كالذهب والفضة فهذا على حكم التجارة حتى ينتقل عنه إلى القنية ولا ينتقل عنه إليها إلا بالنية والعمل والعمل المؤثر في ذلك الصياغة\rوثانيهما مال أصله القنية كالعروض والثياب وسائر الحيوان والأطعمة فهذا على حكم القنية حتى ينتقل عنه إلى التجارة ولا ينتقل عنه إليها إلا بالنية والعمل والعمل المؤثر في ذلك الابتياع ا ه بتصرف ثم قال ما معناه والابتياع نوعان أحدهما التقليب على وجه الادخار وانتظار الأسواق فهذا لا زكاة على رب المال فيه وإن أقام أعواما حتى يبيع فيزكي لعام واحد\rالثاني التقليب في كل وقت من غير انتظار سوق كفعل أرباب الحوانيت المديرين فهذا فيه الزكاة على رب المال في كل عام على شروط أحدها أن يقوم العرض في رأس الحول من يوم كان زكى المال قبل أن يديره أو من يوم أفاده\rوالثاني أن يكون التقويم قيمة عدل بما تساوي العرض حين تقويمها\rوالثالث أن يكون على البيع المعروف دون بيع الضرورة\rوالرابع أن تبلغ قيمته مع ما يحسبه من عينه ونقده حيث كان بيعه في أكثر من عامه بالعين مما تجب فيه الزكاة فيزكيه بأن يخرج في العشرين دينارا نصف دينار وما زاد فبحسابه وإن لم يبلغ الجميع عشرين دينارا بأن نقص ولو قل من ثلث دينار فلا زكاة ا ه\rوفي عبق مع المتن ما خلاصته وإنما يزكي عوض عرض أي قيمته في المدير حيث قوم وثمنه حيث باع كالمحتكر بستة شروط أشار\rلأولها بقوله لا زكاة في عينه فخرج ما في عينه زكاة كماشية وحرث وحلي\rولثانيها بقوله ملك بمعاوضة عليه مالية فخرج نحو الموهوب ونحو المملوك بخلع\r","part":2,"page":302},{"id":641,"text":"ولثالثها بقوله وكان مصحوبا بنية تجر منفردة أو مع نية غلة كنية كرائه عند شرائه وإن وجد ربحا باع أو مع نية قنية كنية انتفاع بوطء أو خدمة عند نية بيعه إن وجد ربحا وأو لمنع الخلو لأن انضمامهما لنية التجر كانضمام أحدهما له على المختار والمرجح بلا نية فلا زكاة لأن الأصل في العرض القنية أو مع نية قنية فقط فلا زكاة اتفاقا أو نية غلة فقط كشرائه بنية كرائه فلا زكاة كما رجع إليه مالك خلافا لاختيار اللخمي الزكاة فيه قائلا لا فرق بين التماس الربح من رقاب أو منافع أو نيتهما أي القنية والغلة فلا زكاة على مذهب من أسقط الزكاة من المغتل أما عند من يوجبها في المغتل فيجتمع ههنا موجب ومسقط فقد يختلف قوله إلا أن يراعى الخلاف\rولرابعها بقوله وكان أصله عينا وإن قل أو كهو أي كأصله عرضا ملك بمعاوضة سواء كان عرض تجارة أو قنية فإذا كان عنده عرض تجر فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه فإنه يزكي ثمنه لحول أصله اتفاقا أو كان عنده عرض قنية ملك بمعاوضة فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه فإنه يزكي ثمنه لحول أصله على المشهور لإعطاء الثمن حكم أصله الثاني لا أصله الأول\rوأما إذا كان عنده عرض قنية مفاد فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه ففي ذلك طريقتان الأولى طريقة اللخمي في زكاته وعدمها قولان والثانية طريقة ابن الحارث إن كان أصل عرض القنية من شراء فالقولان لابن القاسم مع أحد قولي أشهب وقوله الآخر وإن كان بإرث فقنية اتفاقا كما في الحطاب عن ابن عرفة\r","part":2,"page":303},{"id":642,"text":"ولخامسها بقوله وبيع بعين لكن لا بد في المحتكر أن يكون ما باع به من العين نصابا ولو في مرات وبعد كمال النصاب يزكي ما بيع به ولو قل والمدير لا يقوم إلا إن نض له شيء ما ولو أقل من درهم ويخرج عما قومه من العرض ثمنا على المشهور لا عرضا بقيمته سواء نض له أول الحول أو وسطه أو آخره بقي ما نض أو ذهب وإذا لم ينض له شيء آخر الحول لم يزك ولا فرق بين أن تكون المعاوضة اختيارية أو جبرية كأن يستهلك شخص لآخر سلعة فيأخذ في قيمتها عرضا ينوي به التجارة ولا بين أن يكون البيع اختياريا أو اضطرارا كمن استهلك عرض تجارة وأخذ منه قيمته\rولسادس الشروط بقوله وإن رصد به الأسواق أي انتظر به ربحا خاصا فكالدين أي زكاة وحولا وقبضا واقتضاء وضما واختلاطا وتلفا واتفاقا وفرارا وبقاء انظر الحطاب وإلا زكى عنه ولو حليا ويزكي وزنه تحقيقا أو تحريا كما إذا كان عرض تجارة مرصعا بذهب أو فضة ودينه أي عدده النقد الحال المرجو المعد للنماء وإلا يكن كذلك بأن كان عرضا أو مؤجلا مرجوين قومه ولو طعام سلم كسلعة أي المدير ولو بإرث لا إن لم يرجه أو كان قرضا ا ه\rالمراد بإصلاح من بن وبالجملة فمسألة العروض وكذا مسألة النقدين من مسائل ما له ظاهر ينصرف إليه عند عدم قيام معارض راجح له ومنها العقود المطلقة تصرف إلى ما هو الظاهر فيها من العقود الغالبة في زمان ذلك العقد فإذا وكل إنسان إنسانا فتصرف الوكيل بغير نية في تخصيص ذلك التصرف من بيع أو غيره بالوكيل فإن تصرفه ينصرف لنفسه دون موكله إذ غالب تصرفاته أن يكون لنفسه وإذا أطلقت تصرفات المسلمين ولم تقيد بما يقتضي حلها ولا تحريمها انصرفت للتصرفات المباحة دون المحرمة لأن الحل ظاهر حال المسلمين وإذا أطلق العقد على العين ولم يصرح فيه بمنفعة خاصة انصرف إلى المنفعة المقصودة عرفا منه فمن استأجر قاد وما انصرف إلى النجر\r","part":2,"page":304},{"id":643,"text":"دون العزاق وعجن الطين ومن استأجر عمامة انصرف إلى استعماله في الرءوس دون الأوساط أو قميصا انصرف إلى اللبس وكذا كل عقد على أي آلة عند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الظاهر من حالها ولا يحتاج المتعاقدان إلى التصريح بذلك بل يكفي ظاهر الحال ومن استأجر دابة فإن كانت من دواب الحمل انصرف عقد الإجارة فيها للحمل دون الركوب أو من دواب الركوب انصرف لركوب دون الحمل فيكتفى في جميع ذلك بظاهر حال المعقود عليه ومنها صريح باب الطلاق والعتاق والظهار وغير ذلك فإنه يستغنى عن النية وينصرف لذلك الباب بظاهره ومن مسائل ما ليس لمحتملاته ظاهر فيحمل على أحدها بمرجح شرعي العبادات احتاجت للنيات لترددها إما بين العبادات والعادات وإما بين رتبها الخاصة بها كالفريضة والتطوع والنذور والكفارات والقضاء والأداء وغير ذلك ومنها الكنايات في باب الطلاق والعتاق والظهار وغير ذلك احتاجت إلى النيات لترددها بين تلك المقاصد وغيرها فالقاعدة المذكورة عامة حسنة يتخرج عليها كثير من فروع الشريعة والله أعلم\r","part":2,"page":305},{"id":644,"text":"الفرق السابع والمائة بين قاعدة العمال في القراض فإن الزكاة متى سقطت عن رب المال سقطت عن العامل وقاعدة الشركاء لا يلزم أنه متى سقطت عن أحد الشريكين سقطت عن الآخر ينبني الفرق بينهما على قاعدة أنه متى كان الفرع مختصا بأصل واحد أجري على ذلك الأصل من غير خلاف ومتى دار بين أصلين أو أصول وقع الخلاف بين العلماء في تغليب أحد الأصلين أو الأصول على الآخر فقاعدة العمال في القراض لما كانت دائرة بين أن يكونوا شركاء لرب المال بأعمالهم وأرباب الأموال شركاء بأموالهم ويعضده أمور منها تساوي الفريقين في زيادة الربح ونقصانه كما هو حال الشركاء ومنها أن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب المال كما هو شأن الشريك وبين أن يكونوا أجراء ويعضده أمور منها اختصاص رب المال بضياع المال وغرامته فلا يكون على العامل منه شيء ومنها أن ما يأخذه معاوضة على عمله كما هو شأن الأجراء وكان من مقتضى الشركة أن تملك بالظهور ومن مقتضى الإجارة أن لا تملك إلا بالقسمة والقبض اختلف العلماء في المذهب وخارجه في تغليب الشركة فتكمل الشروط للزكاة في حق كل واحد منهما أو تغليب الإجارة فيجعل المال وربحه لربه\rفلا يعتبر العامل أصلا وابن القاسم رحمه الله تعالى صعب عليه إطراح أحدهما بالكلية فرأى أن العمل بكل واحد منهما من وجه أولى وهي القاعدة المقررة في أصول الفقه فاعتبر وجها من الإجارة ووجها من الشركة\rفوقع التفريع هكذا متى كان العامل ورب المال كل واحد فيهما مخاطب بوجوب الزكاة منفردا فيما ينوبه وجبت عليهما ومتى لم يكن كل واحد فيهما مخاطبا بوجوب الزكاة لكونهما عبدين أو ذميين أو لقصور المال وربحه عن النصاب وليس لربه غيره سقطت عنهما ومتى كان أحدهما مخاطبا بوجوب الزكاة وحده دون الآخر فقال ابن القاسم متى سقطت عن أحدهما إما العامل أو رب المال سقطت عن العامل في الربح أما إن سقطت عنه فتغليبا لحال نفسه وتغليبا لحال الشركة وشائبتها\r","part":2,"page":306},{"id":645,"text":"وأما إن سقطت عن رب المال فتسقط أيضا عن العامل في حصته من الربح تغليبا لشائبة الإجارة وهو كونه إذا استأجر أجيرا فقبض أجرته استأنف بها الحول فكذلك هذا العامل ورأى أشهب رحمه الله اعتبار رب المال فتجب في حصة الربح تبعا لوجوبها في الأصل لأنه يزكي ملكه وأن ربح المال مضموم إلى أصله على أصل مالك رحمه الله فيمن اتجر بدينار فصار في آخر الحول نصابا فإنه يزكي ويقدر الربح كامنا من أول الحول إلى آخره وفيما إذا كمل بأولاد المواشي نصابها فمتى خوطب رب المال وجبت على العامل وإن لم يكن أصلا تغليبا لهذا الأصل وهو ضم الربح إلى الأصل في الزكاة ووقع في الموازية يعتبر حال العامل في نفسه فإن كان أهلا بالنصاب وغيره زكى وإلا فلا تغليبا لشائبة الشركة وقول ابن القاسم هو المشهور ومذهب المدونة ومحصله أربعة أمور الأول أن العامل يزكي حصته من الربح وإن قصرت عن النصاب بناء على أنه أجير خلافا لما في الموازية من أنه لا زكاة فيما قل وقصر عن النصاب وخلافا لقول أشهب إن زكاته على رب المال لا على\rالعامل قال الحطاب العامل يزكي ربحه ولو كان دون النصاب هذا مذهب المدونة والقول بأن زكاته على رب المال ليس بالمشهور ا ه\rالأمر الثاني أن شروط زكاة العامل حصته من الربح سنة ففي المواق ابن يونس إنما تجب الزكاة على العامل عند ابن القاسم باجتماع خمسة أوجه وهي أن يكونا حرين مسلمين بلا دين عليهما وأن يكون رأس المال وحصة ربه من الربح ما فيه الزكاة وأن يعمل العامل بالمال حولا فمتى سقط شرط من ذلك لم يزك العامل ا ه\rقال عبق وبقي لزكاة العامل ربحه شرط سادس وهو أن ينض ويقبضه قال واشتراط الثلاثة الأول في رب المال بناء على أن العامل أجير وفي العامل بناء على أنه شريك كاشتراط الخامس\r","part":2,"page":307},{"id":646,"text":"وأما اشتراط الرابع فبناء على أنه أجير وذلك لأنه لو نقص مناب رب المال عن النصاب لم يزك العامل وإن نابه نصاب فأكثر بل يستقبل حولا كالفائدة وأجرة الأجير فإذا كان رأس المال عشرة دنانير ودفعه للعامل على أن يكون لربه جزء من مائة جزء من الربح وربح المال مائة فإن ربه لا يزكي وكذا العامل ابن القاسم ولا يضم العامل ما ربح إلى مال له آخر فيزكي بخلاف رب المال ا ه أي فيضم فإذا كانت حصة ربه بربحه دون نصاب وعنده ما لو ضمه له لصار نصابا وقد حال حوله فإنه يزكي ويزكي العامل ربحه وإن قل في هذه أيضا ففي مفهوم الشرط الرابع تفصيل ا ه\rالأمر الثالث قال عبق ومفاد نص المواق أن العامل يزكي ربحه مطلقا لعام واحد عند المفاصلة ولو مديرا أقام بيده أعواما وهو مدير وفي ابن عرفة أنه يلزم العامل زكاة حصته كل عام إذا كان هو ورب المال مديرين لكن إنما يزكيها لكل عام عند المفاصلة ا ه قال البناني وما لابن عرفة هو المعتمد لأنه الذي في المدونة وابن رشد ا ه وسلمه الرهوني وكنون\rالأمر الرابع قال المواق ابن يونس وقول ابن القاسم هذا استحسان رآه أي العامل مرة أن له حكم الشريك في وجوه يضمن حصته من الربح وإن اشترى من يعتق عليه عتق ورآه مرة أنه ليس كالشريك إذ ليس في أصل المال شرك وإن ربح المال منه وحوله حول أصله فلما ترجح ذلك عنده توسط أمره ا ه\rفمن هنا بحث الناصر في قوله في التوضيح والمشهور مبني على أنه أجير ومقابله على أنه شريك ا ه بأن كونه أجيرا يقتضي استقباله لا زكاته وكونه شريكا يقتضي سقوط الزكاة أصلا عنه وعن رب المال في حصة العامل إذ لا زكاة على شريك حتى تبلغ حصته نصابا ا ه\r","part":2,"page":308},{"id":647,"text":"نعم قال البناني الذي عناه في التوضيح والله أعلم أن أصل الزكاة في ربح العامل مع قطع النظر عن قلته مبني على أنه شريك ووجوبها في القابل أي بعد استقبال عام مع قطع النظر عن كونها على العامل مبني على أنه أجير فلا بحث ويدل على ذلك أن الزكاة كما علم مبنية على أنه شريك وبعض شروطها مبني على أنه أجير وما ذاك إلا لقطع النظر عن كونها على العامل تأمل ا ه\rوقاعدة الشريك لما اختصت بأصل واحد وهو كونه شريكا ليس إلا اتفق العلماء على إجرائه على ذلك الأصل وأن الزكاة تجب على أحد الشريكين لاجتماع شرائط الزكاة في حقه دون الآخر لاختلال بعض الشروط في حقه هذا ولقاعدة العامل في التردد بين أصلين أو أكثر نظائر كثيرة في الشريعة منها أم الولد إذا قتلت اختلف في أنها هل تجب فيها قيمة أم لا لترددها بين الأرقاء من جهة أنها توطأ بملك اليمين وبين الأحرار لتحريم بيعها وإحرازها لنفسها ومالها ومنها المخبر عن رؤية هلال نحو رمضان والترجمان عند الحاكم والنائب والمقوم وغيرهم لما ترددوا بين الشهادة والرواية اختلف فيهم هل يشترط فيهم العدد تغليبا للشهادة أو لا يشترط تغليبا للرواية ومنها العقود الفاسدة من الأبواب المستثنيات كالقراض والمساقاة لما ترددت بين أصلها وأصل أصلها فإن أصل أصلها أصلها أيضا اختلف العلماء في أنها هل ترد إلى أصلها\r","part":2,"page":309},{"id":648,"text":"فيجب قراض المثل أو إلى أصل أصلها فيجب أجرة المثل ومنها كل ما توسط غرره أو الجهالة فيه من العقود لما تردد بين الغرر الأعلى المجمع على بطلانه والأدنى المجمع على جوازه واغتفاره في العقود لأنه بتوسطه أخذ شبها من الطرفين اختلف فيه فمن قربه من الأعلى منع ومن قربه من الأدنى أجاز ومنها المشاق المتوسطة في العبادات لما دارت بين أدنى المشاق فلا توجب ترخصا وبين أعلاها فتوجب الترخص اختلف العلماء في تأثيرها في الإسقاط لأجل ذلك ومنها نحو شهادة الأخ لأخيه من التهم المتوسطة في رد الشهادة بين قاعدة ما أجمع على أنه موجب للرد كشهادة الإنسان لنفسه وبين قاعدة ما أجمع على أنه غير قادح في الشهادة كشهادة الرجل لآخر من قبيلته لما أخذ شبها منهما اختلف العلماء أي التغليبين يعتبر فتقبل أو ترد ومنها الثلث لما تردد بين القلة والكثرة في مسائل اختلف العلماء في إلحاقه بأيهما شاء وبالجملة فالفرق بين هاتين القاعدتين يتخرج على هذه القاعدة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والمائة بين قاعدة الأرباح تضم إلى أصولها في الزكاة فيكون حول الأصل حول الربح ولا يشترط في الربح حول يخصه كان الأصل نصابا أم لا عند مالك رحمه الله ووافقه أبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهما إذا كان الأصل نصابا وإلا فحوله من حين كمل النصاب ومنع الشافعي رضي الله عنه مطلقا وبين قاعدة الفوائد التي لم يتقدم لها أصل عند المكلف كالميراث والهبة وأرش الجناية وصدقات الزوجات ونحو ذلك فهذا يعتبر فيه الحول بعد حوزه وقبضه\r","part":2,"page":310},{"id":649,"text":"لا فرق بين الربح والفائدة عند الشافعي ولا على مقابل مشهور مالك فقد روي عنه مثل قول الشافعي رضي الله عنهما وإنما الفرق بينهما على مشهور مالك وقول أبي حنيفة وأحمد رضي الله عنهم وهو مبني على قاعدة التقادير وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم وإعطاء المعدوم حكم الموجود وقد تقدم بسطها في قاعدة خطاب الوضع نعم التقدير من حيث إنه خلاف الأصل لا يجوز إلا إذا دعت الضرورة إليه بأن يدل الدليل على ثبوت الحكم مع عدم سببه أو شرطه أو قيام مانعه وههنا قد دعت الضرورة إليه فإن قول عمر اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم كما في الموطإ وقول علي عد عليهم الصغار والكبار ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة كما في كشاف القناع والمنتقى للباجي يدل على وجوب الزكاة في الأرباح ضرورة أن ربح التجارة كذلك معنى إذ السخلة كما أنها عين متمولة نشأت عن عين متمولة زكوية كذلك الربح عين زكوية نشأت عن عين زكوية وهو أصله فوجب أن يكون مثله حكما فكما تضم السخال إلى أصلها ويجعل حوله حولا لها كذلك يضم الربح إلى أصله ويجعل حوله حولا له وشرط وجوب الزكاة دوران الحول وهو لم يدر على الربح والسخال فتعين تقدير الربح في التجارة\rوالسخال في الماشية في أول الحول تحقيقا للشرط في وجوب الزكاة ومحافظة على الشرط بحسب الإمكان وليست الفائدة كذلك إذ لا أصل لها يقدر حوله حولا لها\rنعم في كون هذين التقديرين في يوم الشراء لأنه سبب الربح\rوالسبب يلازم مسببه وهو مذهب ابن القاسم أو في يوم الحصول لئلا يجمع بين تقديرين تقدير الشراء والأعيان التي حصلت في الربح\r","part":2,"page":311},{"id":650,"text":"والتقدير على خلاف الأصل فيقتصر منه على ما تدعو الضرورة إليه وهو مذهب أشهب أو في يوم ملك أصل المال لأنه السبب وهو مذهب المغيرة خلاف تتخرج عليه مسألة المدونة إذا حال الحول على عشرة فأنفق منها خمسة واشترى سلعة بخمسة فباعها بخمسة عشر فقال ابن القاسم إن تقدم الشراء على الإنفاق وجبت الزكاة فإن التقدير حينئذ والمال عشرة وهذه عشرة ربح فيكمل النصاب حينئذ وإلا فلا تجب وأسقطها أشهب مطلقا لأن التقدير عنده يوم الحصول ويوم الحصول لم تكن إلا خمسة عشر وأوجبها المغيرة مطلقا لأنه يقدر يوم ملكه العشرة ولا عبرة بتقديم الإنفاق على الشراء وعدمه وفي الموطإ قال مالك إذا بلغت الغنم بأولادها ما تجب فيه الصدقة فعليه فيها الصدقة وذلك أن أولاد الغنم منها وذلك مخالف لما أفيد منها باشتراء أو هبة أو\rميراث\rومثل ذلك العرض لا يبلغ ثمنه ما تجب فيه الصدقة فيصدق ربحه مع رأس المال ولو كان ربحه فائدة أو ميراثا لم تجب فيه الصدقة حتى يحول عليه الحول من يوم أفاده أو ورثه قال مالك فغذاء الغنم أي سخالها منها كما أن ربح المال منه قال مالك غير أن ذلك يختلف في وجه آخر أنه إذا كان للرجل من الذهب أو الورق ما تجب فيه الزكاة ثم أفاد إليه مالا ترك ماله الذي أفاد فلم يزكه مع ماله الأول حين يزكيه حتى يحول على الفائدة الحول من يوم أفادها ولو كانت لرجل غنم أو بقر أو إبل تجب في كل صنف منها الصدقة ثم أفاد إليها بعيرا أو بقرة أو شاة صدقها مع صنف ما أفاد من ذلك حين يصدقه إذا كان عنده من ذلك الصنف الذي أفاد نصاب ماشية قال مالك وهذا أحسن ما سمعت في هذا كله ا ه\r","part":2,"page":312},{"id":651,"text":"قال الباجي يريد أن الفائدة لا يكمل بها النصاب ويكمل بالنسل وقاسه مالك على نماء العين منه فإذا بلغ الربح مع الأصل النصاب وجبت فيه الزكاة وإن لم يبلغه إلا بفائدة لم يزك حتى يحول الحول على الفائدة وهذا قياس صحيح لم يسلم له أن نصاب الحولين يتم بربحه وإنما سلمه الشافعي فيمن اشترى بمائة درهم سلعة قيمتها مائتا درهم ثم باعها بمائتي درهم بعد أن حال الحول من يوم اشتراها فإن الزكاة فيها وهذا أصل يصح قياسنا عليه ولا يخل بالقياس المذكور اختلاف حكم العين والماشية في الفوائد من جهة أن الماشية إذا أفاد منها شيئا وعنده نصاب من جنسها كان حكم الفائدة في الحول حكم أصل النصاب الذي كان عنده بخلاف العين فإنه يزكي الفائدة لحولها والنصاب الذي كان عنده لحوله وذلك لأنه ليس من شرط الفرع إذا قيس على الأصل لعلة جامعة بينهما في حكم من الأحكام أن يقاس عليه في سائر\rأحكامه\r","part":2,"page":313},{"id":652,"text":"وإنما يلزم أن يدل الدليل على أن العلة التي جمعت بينهما في ذلك الحكم لها اختصاص بذلك الحكم دون غيره وإن فارق الأصل الفرع في أحكام غيرها لا تعلق لها بتلك العلة لأن ما من فرع إلا وهو يخالف الأصل الذي قيس عليه في عدة أحكام وفي مسألتنا قاس إتمام نصاب الماشية بنمائها الذي هو أولادها على إتمام نصاب العين بنمائه لعلة صحيحة وهي أن هذا أي الأولاد نماء حادث من العين التي تجب فيها الزكاة وهي الماشية وهو من جنسها فوجب أن يكمل بها نصابها كالعين وهذه علة تختص بالنماء دون الفوائد فاختلاف العين والماشية في الفوائد لا في النماء لا يمنع اجتماعهما في النماء الذي هو من جنس الأصل وإنما اختلف في الفوائد لأنها ليست من الأصل وزكاة الماشية لها تعلق بالساعي فإذا لم تجب زكاتها لزكاة الأصل لم يمكن تكرر الساعي ونعمت المعدلة بين أرباب الأموال والمساكين فإن الفائدة إذا أضيفت إلى أقل من النصاب زكيت بعد استكمال حول الفائدة وإذا أضيفت إلى النصاب زكيت لحول النصاب وليس كذلك العين فإن رب المال يخرج زكاته فيمكن إخراجه عند حلول حوله المختص به فلم تدع ضرورة إلى اعتباره لحول النصاب فتعجل قبل حلوله ولا أن يضاف إلى أقل من النصاب فيزكى إلى أكثر من حوله فلذلك افترقا والله أعلم وأحكم ا ه بتصرف ما\rالفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه\rالفرق بين ما يقدم وما لا يقدم على الحج من الواجبات والحقوق مبني على قاعدة أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها أحد ثلاثة أنواع على ما يقابله النوع الأول ما جعله صاحب الشرع مضيقا من حيث إن\r","part":2,"page":314},{"id":653,"text":"التضييق يشعر بكثرة اهتمامه به يقدم على ما جوز للمكلف تأخيره وجعله موسعا عليه ومن ذلك تقديم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته وإن كان أعلى رتبة منه وله نظائر كثيرة في الشريعة منها تقديم حكاية قول المؤذن على قراءة القرآن لأن قراءة القرآن لا تفوت وحكاية قول المؤذن تفوت بالفراغ من الأذان ومنها تقديم صون الأموال إذا خرجت عن العادة على العبادات فينتقل للتيمم عن الوضوء والغسل إذا خرج ثمن الماء في شرائه لهما عن العادة بأن كان له بال لا يلزمه بذله في شرائه إن ظن وجود الماء كما في ابن حمدون على صغير ميارة على ابن عاشر لا إن زاد على الثلث فقط لأن الثلث لا يكون كثيرا إلا إذا كان للماء كبير ثمن أما إذا لم يكن له ذلك كأن يكون بدرهم فهذا وإن زاد بأكثر من نصفه وأضعافه فلا ضرر عليه فيه كما يؤخذ من كلام الحطاب على منسك خليل في شراء نعل الإحرام فتنبه ولا يجب الحج إذا أفرطت الغرامات في الطرقات قال العدوي على الخرشي ولا يسقط الحج إذا أخذ ظالم شيئا لا يجحف به وإذا أخذ لا يرجع بل يقف عند قوله آخذ هذا القدر وعلم منه ذلك عادة كعشار فإن كان يعلم أنه يأخذ ما يجحف أو ينكث ولو قل المجموع ومثل النكوث تعدد الظالم فيسقط عنه الحج ا ه\rقال الخرشي وكذا يسقط إن شك أنه ينكث على أحد القولين وهو المذهب ا ه أفاده شيخنا في حاشية توضيح المناسك ومنها تقديم صون النفوس والأعضاء والمنافع على العبادات فيقدم إنقاذ الغريق والحريق ونحوهما إذا تعين ذلك عليه على الصلاة ولو كان فيها أو خشي فوات وقتها ومنها تقديم صون مال الغير إذا خشي فواته على الصلاة عند من يقول حق العبد مقدم بدليل ترك الطهارات والعبادات إذا عارضها ضرر العبد لا عند من يقول حق الله يقدم لأن حق العبد يقبل الإسقاط بالمحاللة والمسامحة دون حق الله تعالى\rالنوع الثاني\r","part":2,"page":315},{"id":654,"text":"الواجب على الفور يقدم على الواجب على التراخي لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره مثلا حق الوالدين واجب على الفور إجماعا فيقدم على الحج إذا قلنا إنه على التراخي وحق السيد\rواجب فوري فيقدم على الحج إذا قلنا بذلك وحق الزوج فوري فيقدم على الحج إذا قلنا بذلك والدين الحال من حيث إنه فوري يمنع الخروج إلى الحج إذا قلنا بذلك ولا يمنع ذلك الدين المؤجل\rالنوع الثالث\rفرض الأعيان يقدم على فرض الكفاية لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل وفرض الأعيان يعتمد تكرر المصلحة بتكرر الفعل والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره قال مالك رحمه الله تعالى الحج أفضل من الغزو لأن الغزو فرض كفاية والحج فرض عين وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكثر الحج ولا يحضر الغزو واختلف العلماء فيمن أتى مراهقا وعليه صلاة العشاء ولم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة للعشاء والوقوف فخاف باشتغاله بأحدهما فوات الآخر هل يصلي مطلقا أو يدرك الوقوف مطلقا وإن كان حجازيا صلى وإلا أدرك الوقوف أو يصلي وهو ماش أو راكب كصلاة المسايفة فيدركهما معا أقوال أربعة رجح الأول خليل في مختصره حيث قال وصلى ولو فات وجعله الأصل مذهب مالك وما عداه أقوالا للشافعية وقال إنه الحق لأن الصلاة أفضل وهي فورية إجماعا ا ه وسلمه ابن الشاط وقال في المدخل اختلف علماؤنا فيه على أربعة أقوال وذكرها على الترتيب المذكور وقال والمشهور الأول ورجح الرابع ا ه\rوقال العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام على الجوهرة ولا ينافي أفضلية الصلاة قول المالكية كجمع من غيرهم بتقديم الوقوف على الصلاة حيث\r","part":2,"page":316},{"id":655,"text":"خاف فواته وتضعيفهم لقول الشيخ خليل وصلى ولو فات فإن ذلك لمزيد مشقة الحج وعدم إمكانه كل وقت ودين الله يسر وينبغي تقييد كلامهم كما هو ظاهر سياقهم بمن أحرم قبل وإلا صلى ولو فات وقد قالوا بعدم وجوب الحج في البحر حيث حصل له دوخة تمنعه القيام في الصلاة فليحرر ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه\rعن المكلف تصح النيابة عقلا في جميع الأفعال قلبية أو غيرها وأما الشرع فحكم بصحة النيابة في بعضها دون بعض وذلك أن الأعمال القلبية كالإيمان بالله تعالى لا خلاف في عدم صحة النيابة فيها إلا ما كان من النية كإحجاج الصبي وسائر نيات الأعمال التي تصح النيابة فيها على حسب الخلاف في ذلك أيضا وغير القلبية إن كانت مالية محضة كرد العواري والودائع والغصوبات وقضاء الديون وتفريق الزكوات والكفارات ولحوم الهدايا والضحايا وذبح النسك فلا خلاف في صحة النيابة فيها وإن كانت غير مالية محضة فبعضهم حكى الإجماع في عدم صحتها في الصلاة والخلاف فيما عداها وبعضهم حكى الخلاف في الصلاة أيضا\rوجعل الأصل ضابطا للوفاق والخلاف كون الفعل المطلوب شرعا إن اشتمل على مصلحة منظور فيها لذات الفاعل بحيث لا تحصل إلا بمباشرته منعت فيه النيابة قطعا وذلك كاليمين مصلحته الدلالة على صدق المدعي فلا تحصل بحلف غيره عنه ولذا يقال ليس في السنة أن يحلف أحد\r","part":2,"page":317},{"id":656,"text":"ويستحق غيره وكالدخول في الإسلام مصلحته إجلال الله وتعظيمه وإظهار العبودية فلا تحصل إلا بمباشرة الشخص نفسه وكوطء الزوجة مصلحته الإعفاف وتحصيل ولد ينسب إليه وذلك لا يحصل بفعل غيره وإن اشتمل على مصلحة منظور فيها لذات الفعل من حيث هو بحيث لا يتوقف حصول مصلحته على المباشرة صحت فيه النيابة قطعا وذلك كرد العواري والودائع والمغصوبات وقضاء الديون وتفريق الزكوات مما مصلحته إيصال الحقوق لأهلها سواء كان بنفسه أو بغيره فيبرأ من كانت عليه بالوفاء وإن لم يشعر وإن اشتمل على مصلحة منظور فيها لجهة الفعل ولجهة الفاعل وهو متردد بينهما اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أي الشائبتين تغلب عليه وذلك كالحج فإن مصلحته كما أنها تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره لتذكر المعاد والاندراج في الأكفان وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته كمرمى الجمار والسعي بين الصفا والمروة والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع وغير ذلك من المصالح التي لا تحصى ولا تحصل إلا للمباشر كالصلاة\rكذلك مصلحته القربة المالية غالبا إذ لا يعرى عن الإنفاق في سفره غالبا فلما لاحظ غير مالك وموافقيه مصلحته الثانية قالوا تجوز النيابة في الحج ولما لاحظ مالك رضي الله تعالى عنه ومن وافقه مصلحته الأولى قالوا لا تجوز النيابة في الحج وهو أقوى ضرورة أن التي تحصل في الحج بالذات\rوأما المالية فإنما حصلت فيه بطريق العرض بدليل أن المكي يحج بلا مال فكما أن المالية قد تعرض في الجمعات فيمن احتاج للركوب إليها فاكترى لذلك ولا\rتصح النيابة فيها إجماعا كذلك ينبغي في الحج نعم لغير مالك أن يفرق بأن عروض المال في الحج أكثر مع ما ورد في الأحاديث من الحج عن الصبيان والمرضى يحرم عنهم غيرهم ويفعل أفعال الحج والعبادات أمر متبع ا ه كلام الأصل\r","part":2,"page":318},{"id":657,"text":"وتعقبه ابن الشاط بأن هذا الضابط ينتقض بالصوم فقد صح الحديث بجواز النيابة فيه ا ه ومراده بالحديث حديث الصحيحين عن عائشة مرفوعا من مات وعليه صيام صام عنه وليه\rوأما حديثهما عن ابن عباس أتت امرأة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فقال أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه قالت نعم قال فدين الله أحق بالقضاء فقال الزرقاني على الموطإ قد أعل بالاضطراب ففي رواية أن السائل امرأة أن أمها ماتت وعليها صوم شهر\rوفي أخرى وعليها خمسة عشر يوما وأخرى أن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين وأخرى قال رجل ماتت أمي وعليها صوم شهر نعم أجيب بأنه ليس اضطرابا وإنما هو اختلاف يحمل على اختلاف الوقائع لكنه بعيد لاتحاد المخرج فالروايات كلها عن ابن عباس ا ه فتأمل وسيأتي في الفرق الحادي والسبعين والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عن ابن الشاط أنه مكرر مع هذا وإنما ذكر فيه مسائل لتوضيح الفرق المذكور لم يذكرها هنا فترقب والله تعالى أعلم\rالفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن\rللضمان ثلاثة أركان الأول ما يجب فيه الضمان والثاني الموجب للضمان والثالث الواجب في\rالضمان فأما ما يجب فيه الضمان فقال في بداية المجتهد كل مال أتلفت عينه أو تلف عند الغاصب أي أو غيره عينه بأمر من السماء أو سلطت اليد عليه وتملك وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار فقال الجمهور إنها تضمن بالغصب أعني أنها إن انهدمت الدار ضمن من قيمتها\rوقال أبو حنيفة لا يضمن وسبب اختلافهم هل كون يد الغاصب على العقار مثل كون يده على ما ينقل ويحول فمن جعل حكم ذلك واحدا قال بالضمان ومن لم يجعل حكم ذلك واحدا قال لا ضمان ا ه","part":2,"page":319},{"id":658,"text":"وأما الموجب للضمان في الشريعة فثلاثة أسباب لا رابع لها فمتى وجد واحد منها وجب الضمان ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان أحدها العدوان كالقتل والطرق وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات قال في بداية المجتهد وهل يشترط في المباشرة أي مباشرة الإتلاف العمد أو لا يشترط فالأشهر أن الأموال تضمن عمدا وخطأ وإن كانوا قد اختلفوا في مسائل جزئية من هذا الباب وهل يشترط فيه أن يكون مختارا فالمعلوم عن الشافعي أنه يشترط أن يكون مختارا ولذلك رأى على المكره الضمان أعني المكره على الإتلاف ا ه وثانيها التسبب للإتلاف قال الأصل وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على أن التسبب موجب للضمان وقال فيما يأتي له في الفرق السابع عشر والمائتين والسبب ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط والتسبب ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة ا ه\rوقال في بداية المجتهد واختلفوا في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان إذا تناول التلف بواسطة سبب آخر هل يحصل به ضمان أم لا ولذلك نظائر منها أن يفتح قفصا فيه طائر فيطير بعد الفتح فقال مالك يضمنه هاجه على الطيران أو لا وقال الشافعي يضمن إن هاجه ولا يضمن إن لم يهجه يعني إن طار عقيب الفتح ضمن وإلا فلا\rوقال أبو حنيفة لا يضمن على حال واحتج مالك بأن فتح القفص سبب الإتلاف عادة فيوجب\r","part":2,"page":320},{"id":659,"text":"الضمان كسائر صور التسبب المجمع عليها كما إذا فتح مراحه فخرجت ماشيته فأفسدت الزرع فإنه يضمنه وقد أسقط لقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم خصوص التسبب فبقي الغرم واحتجوا بأنه إذا اجتمع التسبب والمباشرة اعتبرت المباشرة دونه والطير مباشر باختياره لحركة نفسه كمن حفر بئرا عدوانا في محل فأردى فيها غيره إنسانا فإن المردي يضمن دون الحافر والحيوان قصده معتبر بدليل جوارح الصيد إن أمسكت لأنفسها لا يؤكل الصيد أو للصائد أكل والجواب بوجوه الوجه الأول أنا لا نسلم أن الطائر كان مختارا للطيران ولعله كان مختارا للإقامة لانتظار العلف أو خوف الجوارح الكواسر وإنما طار خوفا من الفاتح وإذا احتمل واحتمل والسبب معلوم فيضاف الضمان إليه كحافر البئر يقع فيها حيوان مع إمكان اختياره لنزولها لفزع خلفه أو غير ذلك\rالوجه الثاني أنا لا نسلم أن الصيد لا يؤكل إذا أكل منه الجارح سلمناه لكن الضمان متعلق بالسبب الذي توصل به الطائر لمقصده كمن أرسل بازيا على طائر غيره فقتله البازي باختياره فإن المرسل يضمن وهذه المسألة تقتضي اختيار الحيوان\rالوجه الثالث أنا لا نسلم أن الفتح سبب مجرد بل هو في معنى المباشرة لما في طبع الطائر من النفور من الآدمي\rالوجه الرابع أنا نفرق بين حافر البئر يضمن من أردى إنسانا فيها دونه وبين فاتح القفص فيطير الطائر منه يضمن الفاتح ولم يعتبر قصد الطائر بأن قصد الطائر ونحوه ضعيف لقوله {صلى الله عليه وسلم} جرح العجماء\r","part":2,"page":321},{"id":660,"text":"جبار والآدمي يضمن قصد أو لم يقصد فافهم ومنها من حفر بئرا فسقط فيه شيء فهلك فمالك والشافعي يقولان إن حفره بحيث أن يكون حفره تعديا ضمن ما تلف فيه وإلا لم يضمن ويجيء على أصل أبي حنيفة أنه لا يضمن كمسألة الطائر ومنها وقيد النار قريبا من الزرع أو الأندر فتعدو فتحرق ما جاورها ومنها رمي ما يزلق الناس في الطرقات فيعطب بسبب ذلك حيوان أو غيره ومنها الكلمة الباطلة عند ظالم إغراء على مال إنسان فيأخذه الظالم فإن المتسبب في جميعها يضمن ما تلف بسببه عند مالك والشافعي ويجيء على أصل أبي حنيفة أنه لا يضمنه كمسألة الطائر ومنها من قطع الوثيقة المتضمنة للحق والشهادة به يضمن عند مالك ذلك الحق لتسبب فيه كثمن الوثيقة وعند الشافعي يضمن ثمن الوثيقة خاصة فاعتبر الشافعي الإتلاف دون السبب ومالك اعتبرهما معا ورأى أنه أتلف الورقة بالمباشرة بالإتلاف وأتلف الحق بالتسبب فرتب على الوجهين مقتضاهما ومنها من مر على حبالة فوجد فيها صيدا يمكنه تخليصه وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات يضمنه لصاحبه عند مالك لأن صون مال المسلم واجب ومن ترك واجبا في الصون ضمن ومنها من مر بلقطة وعلم أنه إذا تركها أخذها من يجحدها يضمنها عند مالك إذا تركها حتى تلفت مع قدرته على أخذها لأنه يجب عليه أخذها ا ه\rكلام البداية بتصرف وزيادة مما يأتي للأصل في الفرق المذكور ومن غيره\rوثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة سواء كانت عادية كيد السراق والغصاب ونحوهم أو ليست بعادية كما في المبيع بيعا صحيحا يبقى بيد البائع فيضمنه أو يقبضه المشتري فيضمنه أو بيعا فاسدا يقبضه المشتري فيضمنه عندنا فقط إذا تغير سوقه أو في ذاته أو تعلق به حق الغير أو تلف بآفة سماوية\r","part":2,"page":322},{"id":661,"text":"وعندنا وعند الشافعية أيضا إذا أتلفه المشتري وكما في قبض العواري والرهون التي يغاب عليها كالحلي والسلاح وأنواع العروض على الخلاف في ذلك بيننا وبين الشافعي وكما في قبض المقترض الأعيان التي يقترضها فإنه يضمنها اتفاقا ونظائر ذلك كثيرة وخرج بقيد التي ليست بمؤتمنة اليد المؤتمنة كوضع اليد في الودائع والقراض والمساقاة وكأيدي الأوصياء على أموال اليتامى والحكام على ذلك وأموال الغائبين والمجانين وكذا أيدي الأجراء في الإجارة مطلقا عند الشافعي ولو كان الأجير صانعا يؤثر بصنعته في الأعيان أو على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة المطبوخة طردا لقاعدة الأمانة في الإجارة واستثنى مالك من القاعدة المذكورة صورتين الأولى الأجير الذي يؤثر في الأعيان بصنعته كالخياط والقصار استحسن فيها أن الأصلح للناس تضمين الأجراء لأن السلعة إذا تغيرت بالصنعة لا يعرفها ربها إذا وجدها قد بيعت في الأسواق\rوالثانية الأجير على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله فإنه رحمه الله تعالى يضمن الأجير فيها سدا للذريعة إذا علمت هذا علمت أن جميع ما وضع الأيدي فيه مؤتمنة من النظائر لا ضمان فيه وهي قاعدة ما لا يضمن وأن جميع ما وضع الأيدي فيه غير مؤتمنة من النظائر فيه الضمان كما في مباشرة إتلاف المتمولات والتسبب للإتلاف وأن هذه الأسباب الثلاثة هي أسباب الضمان وهي قاعدة ما يضمن فهذا هو تقرير قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه\rوأما الواجب في الضمان فهو إما رد المال بعينه إن كان قائما عنده بعينه لم تدخله زيادة ولا نقصان وإما رد مثله إن استهلك وكان مثليا أما إن كان عروضا من حيوان وغيره فقال مالك لا يقضى فيه إلا بالقيمة يوم استهلك\r","part":2,"page":323},{"id":662,"text":"وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود الواجب في ذلك المثل ولا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل وعمدة مالك حديث أبي هريرة المشهور عن النبي {صلى الله عليه وسلم} من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه الباقي قيمة العدل الحديث\rووجه الدليل منه أنه لم يلزمه المثل وألزمه القيمة وعمدة الطائفة الثانية فجزاء مثل ما قتل من النعم ولأن منفعة الشيء قد تكون هي المقصودة عند المتعدى عليه ومن الحجة لهم ما خرج أبو داود من حديث أنس وغيره أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان عنده بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام قال فضربت بيدها فكسرت القصعة فأخذ النبي {صلى الله عليه وسلم} الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل فيها جميع الطعام ويقول غارت أمكم كلوا كلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها وحبس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} القصعة حتى فرغوا فدفع الصفحة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته وفي حديث آخر أن عائشة كانت هي التي غارت وكسرت الإناء وأنها قالت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما كفارة ما صنعت قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام كما في بداية المجتهد وأما غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق التاسع والثلاثين بين قاعدتي الزواجر والجوابر\rوصل إذا اجتمع من أسباب الضمان الثلاثة سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين كمن حفر بئرا لإنسان ليقع فيه فجاءه آخر فألقاه فيه فهذا مباشر والأول متسبب فالغالب تقديم المباشرة على التسبب لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض فيقدم في المثال المذكور الملقي فيكون الضمان عليه دون\r","part":2,"page":324},{"id":663,"text":"الحافر وقد لا تقدم المباشرة على التسبب لضعفها عنه بل إما أن يجعل الضمان على المباشر والمتسبب معا إذا كانت المباشرة مغمورة كقتل المكره فإن القصاص يجب عليها ولا تغلب المباشرة لقوة التسبب وإما أن يجعل الضمان على المتسبب وحده إذا وقعت المباشرة من نفس المقتول جهلا كتقديم السم لإنسان في طعامه فيأكله جاهلا به فإنه مباشر لقتل نفسه وواضع السم متسبب فالقصاص على المتسبب وحده أو وقعت المباشرة من الحكام كما إذا شهد شهود الزور أو الجهلة بما يوجب ضياع المال على الإنسان ثم يعترفون بالكذب أو الجهالة فإنهم يضمنون ما أتلفوه بشهادتهم لأنهم متسببون كالمكره بكسر الراء بجامع مطلق التسبب ولا ينقض الحكم ولا يضمن الحاكم شيئا مع أنه المباشر والشاهد متسبب لأن المصلحة العامة قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما أخطئوا فيه لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحكام فكان الشاهد بالضمان أولى لأنه متسبب للحاكم في الإلزام والتنفيذ وكما قيل الحاكم أسير الشاهد ويقع في هذا الباب مسائل كثيرة مختلف فيها ولكن الأصل هو ما تقدم في أسباب الضمان وعدمه والله أعلم\rالفرق الثاني عشر والمائة بين قاعدة تداخل الجوابر في الحج وقاعدة ما لا يتداخل الجوابر فيه في الحج\rتقدم الفرق بين قاعدتي الجوابر والزواجر مطلقا وأنه اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها أو هي جوابر لأنها عبادات لا تصح إلا بنيات وليس التقرب إلى الله تعالى زاجرا بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست قربات لأنها ليست فعلا للمزجورين وذكر الشيخ منلا\r","part":2,"page":325},{"id":664,"text":"علي قاري في شرحه على المنسك المتوسط في كفارات الحج ثلاثة أقوال الأول للشافعية أنها كالحدود زواجر لا جوابر قال فقد ذكر ابن جماعة عن الأئمة الأربعة أنه إذا ارتكب محظور الإحرام عامدا يأثم ولا يخرجه الفدية والعزم عليها عن كونه عاصيا قال النووي وربما ارتكب بعض العامة شيئا من هذه المحرمات وقال أنا أفتدي متوهما أنه بالتزام الفدية يتخلص من وبال المعصية وذلك خطأ صريح وجهل قبيح فإنه يحرم عليه الفعل فإذا خالف أثم ولزمته الفدية وليست الفدية مبيحة للإقدام على فعل المحرم وجهالة هذا الفعل كجهالة من يقول أنا أشرب الخمر وأزني والحد يطهرني ومن فعل شيئا مما يحكم بتحريمه فقد أخرج حجه عن أن يكون مبرورا ا ه\rالثاني والثالث لأصحابه الأحناف أنها وسائر الكفارات ليست كالحدود في كونها زواجر بل هي جوابر إما مطلقا أو لغير المصر قال وقد صرح أصحابنا بأن الحد لا يكون طهرة من الذنب ولا يعمل في سقوط الإثم بل لا بد من التوبة فإن تاب كان الحد طهرة له وسقطت عنه العقوبة الأخروية بالإجماع وإلا فلا\rوأما الكفارة ففيها قولان الأول لصاحب الملتقط قال في باب الإيمان إن الكفارة ترفع الإثم وإن لم يوجد منه التوبة من تلك الجناية ا ه\rوالثاني للشيخ نجم الدين النسفي فقد ذكر في تفسير التيسير عند قوله تعالى فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم أي اصطاد بعد هذا الابتداء قيل هو العذاب في الآخرة مع الكفارة في الدنيا إذا لم يتب منه فإنها لا ترفع الذنب عن المصر ا ه وهذا تفصيل حسن وتقييد مستحسن يجمع به بين الأدلة والروايات والله أعلم بحقائق الحالات ا ه بتوضيح للمراد\rوكفارات الحج ثلاث الكفارة الأولى جزاء الصيد وهو دم تخيير بين ما يعدله الحكمان يجب لقتل صيد بري في الإحرام\r","part":2,"page":326},{"id":665,"text":"أو الحرم مأكولا أو غيره وحشيا أو متأنسا مملوكا أو مباحا فيحكم قاتله حكمين عدلين عدالة شهادة فقيهين بأحكام الصيد ولما أشبه جزاء الصيد إتلاف أموال الناس وكان الإجماع منعقدا على تعدد الضمان فيما يتعدد الإتلاف فيه وأن العمد والخطأ في ذلك سواء قاله مالك رحمه الله تعالى يتعدد الجزاء بتعدد الصيد ولو خطأ على قاعدة الإتلاف بل الجاهل ههنا كالجاهل في الصلاة يجري مجرى العامد لا مجرى الناسي لاشتراكهما في العصيان هذا بعمده وهذا بترك تعلمه وبهذا أيضا قال الحنابلة ففي كشاف القناع على الإقناع مع المتن وتتعدد كفارة الصيد أي جزاؤه بتعدده أي الصيد ولو قتلت الصيود معا لقوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم قال\rوقال أحمد إذا جامع أهله بطل حجه لأنه شيء لا يقدر على رده والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده والشعر إذا حلقه فقد ذهب فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواء قال ويلحق بالحلق التقليم بجامع الإتلاف ا ه\rوعند أبي حنيفة يتحد الجزاء بالتأويل وعند الشافعي يعذر بالتأويل والنسيان والجهل فلا يجب عليه شيء كالوطء في رمضان ناسيا فألحق الجاهل بالناسي لا بالعامد وقد تقدم الفرق بين الجهل الذي هو عذر في الشريعة والجهل الذي ليس عذرا في الشريعة وبين العلم الذي هو فرض عين والعلم الذي هو فرض كفاية ومقتضى تلك القواعد أن يضمن الجاهل ههنا فإن الأصل وجوب تحصيل العلم وأن تارك التعلم عاص وليس الجهل ههنا مما يشق الاحتراز منه على المكلف حتى يعذره الشرع به كمن أكل طعاما نجسا لا يعلم أو وطئ أجنبية يظنها امرأته أو شرب خمرا يظنها جلابا ونحو ذلك ولذلك أجرى مالك رحمه الله تعالى الجاهل في الصلاة مجرى العامد لا مجرى الناسي لاشتراكهما في العصيان هذا بعمده وهذا بترك تعلمه\r","part":2,"page":327},{"id":666,"text":"الكفارة الثانية الفدية وهي دم تخيير بين مقدر شرعا في قوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك يجب بفعل المتلبس بالإحرام ما فيه ترفه أو إزالة أذى من الممنوعات كأن يلبس مخيطا معمولا على قدر البدن أو بعضه على الوجه المعتاد أو يستعمل طيبا مؤنثا أو يدهن شعر رأسه أو لحيته أو سائر جسده ولو لم يكن في الدهن طيب ما لم يدهن باطن كفه وقدميه لشقوق ونحوها بما لا طيب فيه وإلا فلا فدية أو يزيل وسخا عن ظاهر بدنه أو يزيل ظفرا واحدا لإماطة أذى عنه أو ظفرين فأكثر للترفه لا ظفرا واحدا لكسر بقدره أو يزيل شعرا كثيرا زائدا على اثني عشر مطلقا أو شعرة واحدة لإماطة أذى عنه أو يقتل قملا كثيرا زائدا على اثني عشر ولا يوجبها اللبس إلا إذا انتفع به من حر أو برد أو دام عليه كاليوم كما في ابن شاس فقيد بقوله كاليوم لأنه انتفاع من حر أو برد في الجملة ويوجبها ما عدا اللبس بلا تفصيل لأنه لا يقع إلا منتفعا به كما في عبق وقاعدة الفدية أن النسيان والعذر في ارتكاب موجبها لا يسقطها وإنما يسقط الإثم كما في الأصل والمختصر وضابط قاعدة ما تتحد فيه وما تتعدد عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه متى ارتكبت موجباتها لمستند محقق أو اتحدت النية أو الزمان بأن يكون الكل على الفور أو السبب بأن يقدم ما نفعه أعم على ما نفعه أخص عندنا أو يتحد المرض أو غيره عند أبي حنيفة اتحدت الفدية ويزاد عند أبي حنيفة أو اتحد الجنس قال في المنسك المتوسط المسمى بلباب المناسك\r","part":2,"page":328},{"id":667,"text":"وما ذكر من اتحاد الجزاء في تعدد الجناية إنما هو فيما إذا اتحد جنس الجناية فاللبس جنس والطيب جنس والحلق جنس وقلم الأظفار جنس ا ه أي وقس على ذلك ومتى ارتكبت موجباتها جهلا محضا أو تعددت النية أو الزمان أو السبب بأن يقدم ما نفعه أخص على ما نفعه أعم عندنا وعند أبي حنيفة بأن يلبس في موضعين أحدهما لعذر والآخر لغير عذر أو لعذر آخر سواء يكون على وجه الاستمرار أو الانفصال بينهما بالخلع والاسترجاع كما في شرح القاري على المنسك المتوسط أو كفر للموجب الأول قبل فعل الثاني كأن لبس ثم كفر ودام على لبسه أو نزع ثم كفر ثم لبس تعددت الفدية ويزاد عند أبي حنيفة أو يجمع بين الأجناس المختلفة في مجلس واحد قال في المنسك المتوسط فإذا جمع بينهما في مجلس واحد لم يتحد الجزاء بل يتعدد لكل جنس موجبه بفتح الجيم أي الذي أوجبه الشارع بحسب اختلاف موجبه فمواضع اتحادها عند أصحابنا أربعة وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله خمسة الموضع الأول ظن إباحة أسبابها لمستند وصورة عندنا قال الحطاب ثلاثة الأولى قال سند من يطوف على غير وضوء في عمرته ثم يسعى ويحل أي فينعقد أنه خرج من إحرامه فيفعل سائر موجبات الفدية الثانية من يرفض إحرامه فيعتقد استباحة موانعه\rالثالثة من أفسد إحرامه بالوطء ثم فعل موجبات الفدية متأولا بأن الإحرام تسقط حرمته بالفساد أو جاهلا بوجوب إتمامه ا ه بتوضيح للمراد\r","part":2,"page":329},{"id":668,"text":"وفي الأصل قال مالك رحمه الله من أفسد حجه فأصاب صيدا أو حلق أو تطيب مرة بعد مرة تعددت الفدية وجزاء الصيد إن أصابه واتحد الهدي ولو تعدد الوطء لأنه للإفساد وإفساد الفاسد محال فإن كان متأولا بسقوط جزائه أو جاهلا بموجب إتمامه اتحدت الفدية لأنه لم يوجد منه الجرأة على محرم فعذره بالجهل وإن كانت القاعدة تقتضي عدم عذره به لأنه جهل يمكن دفعه بالتعلم كما قال في الصلاة غير أنه لاحظ ههنا معنى مفقودا في الصلاة وهو كثرة مشاق الحج فناسب التخفيف غير أن ههنا إشكالا وهو أن النسيان في الحج لا يمنع الفدية وهو مسقط للإثم إجماعا وأسقط مالك أي الجابر بالجهل والتأويل الفاسد الذي يثبت الإثم معهما والإثم أنسب للزوم الجابر من عدم الإثم قاله الأصل ولا يخفاك أنه لم يسقط بهما الجابر رأسا بل إنما أسقط تعدده بتعدد موجبه نظرا لكثرة مشاق الحج فتأمل بدقة وعند الأحناف قال في رد المحتار نقلا عن اللباب واعلم أن المحرم إذا نوى رفض الإحرام فجعل يصنع ما يصنعه الحلال من لبس الثياب والتطيب والحلق والجماع وقتل الصيد فإنه لا يخرج بذلك من الإحرام وعليه أن يعود كما كان محرما ويجب دم واحد لجميع ما ارتكب ولو كل المحظورات وإنما يتعدد الجزاء بتعدد الجنايات إذا لم ينو الرفض ثم نية الرفض إنما تعتبر ممن زعم أنه خرج منه بهذا القصد لجهله مسألة عدم الخروج وأما من علم أنه لا يخرج منه بهذا القصد فإنها لا تعتبر منه ا ه\rقلت ولا يخفاك أن هذا تداخل لجميع المحظورات لا لخصوص موجبات الفدية وهو فسحة في الدين فاحفظه\r","part":2,"page":330},{"id":669,"text":"الموضع الثاني عندنا أن يتعدد موجبها بفور واحد ولو لم يكن من جنس واحد بأن يلبس ويتطيب ويحلق ويقلم سواء كان السبب واحدا أو متعددا بأن يلبس لعذر ويفعل الباقي لغير عذر لكن بشرط أن لا يخرج للأول قبل أن يفعل ما بعده وإلا تعددت وفي كون المراد بالفور حقيقته أي من غير فصل بأن تكون تلك الأفعال في وقت واحد وهو ما يفيده ظاهر المدونة وأقره ابن عرفة أو مجازه وأن اليوم فور والتراخي يوم وليلة لا أقل وهو ما اقتضاه كلام ابن الحاجب واقتصر عليه التتائي خلاف اعتمد عبق الأول وسلم البناني وغيره وعند الأحناف أن يتعدد موجبها بفور واحد بثلاثة شروط الأول أن يكون من جنس واحد لا من أجناس وإلا تعددت كما علمت الثاني أن لا يكفر للأول وإلا فكفارتان كما يعلم مما مر الثالث أن يتحد السبب في تعدد ذلك الموجب قال في لباب المناسك مع بعض من شرح القاري وهذا إذا اتحد سبب اللبس فإن تعدد السبب كما إذا اضطر إلى لبس ثوب فلبس ثوبين فإن لبسهما على موضع الضرورة نحو أن يحتاج إلى قميص فلبس قميصين أو قميصا وجبت أو يحتاج إلى قلنسوة فلبسها مع العمامة فعليه كفارة واحدة لأن محل الجناية متحد فلا نظر إلى الفعل المتعدد يتخير فيها لوقوع أصل الجناية لضرورة ما صرح به في المحيط وكذا إذا لبسهما على موضعين لضرورة بهما في مجلس واحد بأن لبس عمامة وخفا بعذر فيهما فعليه كفارة واحدة يتخير فيها لأن اللبس على وجه واحد وإن لبسهما على موضعين مختلفين موضع الضرورة وغير الضرورة كما إذا اضطر إلى لبس العمامة فلبسها مع القميص مثلا أو لبس قميصا للضرورة وخفين من غير ضرورة فعليه كفارتان كفارة الضرورة يتخير فيها وكفارة الاختيار لا يتخير فيها أي بل يتحتم الكفارة عنها وهذا الحكم في الحلق بأن حلق بعض أعضائه لعذر وبعضها لغير عذر ولو في مجلس يتعدد الجزاء وهذا في الطيب ا ه\r","part":2,"page":331},{"id":670,"text":"واعتمدوا أن اليوم أي مقداره في اللباس كالمجلس في غيره قال القاري على اللباب عند قوله عطفا على ما يتحد فيه الجزاء مع تعدد اللبس وجمع اللباس كله في مجلس أو يوم ما نصه واعلم أنه ذكر بعضهم ما يفيد أن اليوم في اتحاد الجزاء في حكم اللبس كالمجلس في غيره من الطيب والحلق والقص والجماع كما سيأتي لأنه ذكر الفارسي والطرابلسي أنه إن لبس الثياب كلها معا ولبس خفين فعليه دم واحد وإن لبس قميصا بعض يومه ثم لبس في يومه سراويل ثم لبس خفين وقلنسوة فعليه كفارة واحدة فقيد باليوم لا بالمجلس وفي الكرماني ولو جمع اللباس كله في يوم واحد فعليه دم واحد لوقوعه على جهة واحدة وسبب واحد فصار لجناية واحدة ومثله ما ذكر بعضهم في حلق الرأس إذا حلق في أربع مجالس عليه دم واحد وقيل عليه أربع دماء وقد صرح في منية المناسك بتعدد الجزاء في تعدد الأيام حيث قال وإن لبس العمامة يوما ثم لبس القميص يوما آخر ثم الخفين يوما آخر ثم السراويل يوما آخر فعليه لكل لبس دم ثم قال والمعتبر مقدار اليوم لا عينه وبهذا صح قوله وحكم الليل كاليوم أي في جميع ما ذكر ا ه\rالموضع الثالث عندنا أن ينوي التكرار ولو بعد ما بين الأول والثاني بشرط أن يفعل الثاني قبل أن يخرج للأول قال عبق وصور نية التكرار ثلاث الأول أن ينوي فعل كل ما يحتاج إليه من موجبات الفدية\rالثانية أن ينوي فعل موجب من موجبات الفدية ويفعل ذلك أو متعددا منه قال الحطاب بأن يلبس لعذر وينوي أنه إذا زال العذر تجرد فإن عاد إليه العذر عاد إلى اللبس أو يتداوى بدواء فيه طيب وينوي أنه كلما احتاج إلى الدواء فعل ومحل النية من حين لبسه الأول قاله سند وهو الذي يفهم من لفظ المدونة وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره أو نزعه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ فقال هذا فعل واحد متصل في العرف ولا يضر تفرقته في الحس وقد صرح في المدونة بأن في ذلك فدية واحدة ا ه\r","part":2,"page":332},{"id":671,"text":"الصورة الثالثة أن ينوي متعددا من موجبات الفدية معينا فلا تتعدد عليه الفدية في صورة من الصور الثلاث بفعل ما نواه أو بفعل بعضه وسواء كانت نيته في الصور الثلاث عند فعل موجب من موجبات الفدية أو عند إرادة فعله أو قبلهما وقول تت عقب قول خليل التكرار عند الفعل الأول ا ه مثله نية التكرار عند الإحرام كما يفيده الحطاب والمواق وغيرهما فإنما احترزا به عن نية التكرار بعد الفعل الأول ا ه كلام عبق بتصرف وزيادة\rومراده قول الحطاب فرع مما تتحد فيه الفدية إذا كانت نية فعل جميع ما يحتاج إليه من موجبات الفدية قاله اللخمي ونقله خليل في المناسك ا ه وفي المواق واللخمي إن لبس وتطيب وحلق وقلم فإن كانت بنية فعل جميعها فعليه فدية واحدة وإن بعد ما بين تلك الأفعال فذلك سواء وإن كانت نيته أحدها ثم حدثت نية ففعل أيضا كان لكل شيء من ذلك فدية إلا إن فعل في فور واحد ا ه نعم قد مر عن الحطاب في الصورة الثانية أن محل النية من حين لبسه الأول قاله سند وهو يفهم من لفظ المدونة ا ه وسيأتي لفظ المدونة الذي يفهم منه ذلك ويمكن أن يقال إنما احترز به عن نية التكرار بعد الفعل الأول فعلم ما في تنظير البناني على قوله مثله نية التكرار عند الإحرام فتأمل بإنصاف ولا تنظر لمن قال وسواء كانت نية التكرار للموجب الواحد أو المتعدد لعذر واحد أو متعدد أو جهلا أو نسيانا أو جرأة ففي عبق أن قول تت أما لو تداوى لقرحة أخرى لتعددت ا ه\rيحمل على ما إذا لم ينو مداواة الثانية عند الأولى ا ه وسلمه البناني وغيره\r","part":2,"page":333},{"id":672,"text":"وقال مالك في المدونة إذا لبس قلنسوة لوجع ثم نزعها وعاد إليه الوجع فلبسها إن نزعها معرضا عنها فعليه في اللبس الثاني والأول فديتان وإن كان نزعها ناويا ردها عند مراجعة المرض ففدية واحدة لأجل اتحاد النية والسبب ولو لبس الثياب مرة بعد مرة ناويا لبسها إلى برئه من مرضه أو لم يكن به وجع وهو ينوي لبسها مرة جهلا أو نسيانا أو جرأة فكفارة واحدة لاتحاد النية ا ه نقله الأصل وعند الأحناف عدم العزم على الترك عند النزع بثلاثة شروط تعلم مما مر أحدها أن لا يكفر عن الأول\rالثاني اتحاد جنس الموجب\rالثالث اتحاد السبب قال القاري على اللباب مع المتن ولو كان به حمى غب بكسر الغين المعجمة وتشديد الموحدة أو بأن تأتي يوما بعد يوم ونحو ذلك فجعل يلبس المخيط يوما أي للاحتياج إليه وينزعه\r","part":2,"page":334},{"id":673,"text":"يوما للاستغناء عنه فما دامت الحمى تأخذه فاللبس متحد وعليه كفارة واحدة وإن زالت هذه وحدثت أخرى اختلف حكم اللباس فعندهما عليه كفارتان كفر للأول أو لا وعنده كفارة واحدة إن لم يكفر وإن كفر فكفارة أخرى على ما في البدائع وغيره أو حصره عدو أي في حصن ونحوه فاحتاج إلى اللبس للقتال أياما أي مثلا يلبسها إذا خرج عليه أي على العدو أو بعكسه وينزعها إذا رجع أي هو أو عدوه أو لم ينزع أصلا أي ولو رجع العدو أو لم يرجع أي للعدو ولكن يلبس في وقت وينزع في وقت أي والعلة قائمة بأن لم يذهب هذا العدو فإن ذهب وجاء عدو غيره لزمه كفارة أخرى أو كان به أي وقع بالمحرم ضرورة أخرى أي غير ضرورة الإحصار لأجلها يلبس في النهار أي للاحتياج إليه وينزع في الليل للاستغناء عنه أو فعل بالعكس أي بأن لبس في الليل ونزع في النهار لبرد أو غيره من الضرورات أو لم ينزع ولو مع الاستغناء عنه والعلة لازمة لأن لزومها يقوم مقام دوامها فما دام العذر أي موجودا حقيقة وحكما فاللبس متحد في جميع ما ذكر من الصور وعليه كفارة واحدة أي للتداخل يتخير فيها أي لارتكابه معذورا فإن زال العذر الذي لأجله لبس أي بالكلية بيقين فنزع أو لم ينزع وحدث عذر آخر أي فلبس أو لم يحدث عذر ولكن دام على اللبس أي بلا عذر فعليه كفارة أخرى فإذا كان على شك من زوال العذر فاستمر أي على لبسه فعليه كفارة واحدة ما لم يتيقن زواله والأصل في جنس هذه المسائل أنه ينظر إلى اتحاد الجهة واختلافها لا إلى صورة اللبس لكن هنا دقيقة وهي أنه إذا كان بقاء العذر حكميا أو زواله حقيقيا فالظاهر أنه يجب عليه نزعه لئلا يكون عاصيا وإن سقط عنه الكفارة في هذه الصورة فلبقاء العلة في الجملة ا ه بتغير ما\r","part":2,"page":335},{"id":674,"text":"الموضع الرابع أن يتحد السبب وقد مر أن صورته عند الأحناف أن يلبس في موضعين من الجسد كليهما بعذر أو كليهما بغير عذر وعند أصحابنا أن يقدم ما نفعه أعم على ما نفعه أخص كأن يلبس أولا الثوب ثم السراويل أو يقدم القلنسوة على العمامة أو القميص على الجبة إذا كان القميص أطول من الجبة والسراويل أما إذا طالت السراويل أو الجبة طولا له بال يحصل به انتفاع أو دفع حر أو برد فيتعدد كما إذا عكس فقدم السراويل على القميص ففي الجلاب إن احتاج إلى قميص فلبسه ثم احتاج إلى سراويل فلبسها فكفارة واحدة لحصول الستر من القميص لجميع الجسد فإن احتاج إلى سراويل ثم إلى قميص ففديتان لأنه استفاد بالقميص من الستر ما لم يستفده من السراويل نقله الأصل\rفرع إذا تعدد موجب الحفنة بأن قتل قملا قليلا وأزال شعرا قليلا لا لإماطة أذى وقلم ظفرا واحدا لا لإماطة أذى أيضا وألقى قرادا كثيرا أو قليلا عن بعيره جرى فيه مثل ذلك أيضا فتتحد إن ظن الإباحة لمستند أو فعل ذلك في فور إذا لم يخرج للأول قتل الثاني وإلا تعددت الجفنة كما إذا تراخى ما بينهما كذا في عبق وحاشية شيخنا على توضيح المناسك\rالموضع الخامس عند الأحناف خاصة أن يتحد الجنس كما مر توضيحه عن اللباب هذا وقول الأصل وضابط قاعدة ما تتحد الفدية فيه وما تتعدد أنه متى اتحدت النية أو المرض الذي هو السبب أو الزمان بأن\rيكون الكل على الفور اتحدت الفدية ومتى وقع التعدد في النية أو السبب أو الزمان تعددت الفدية ا ه فيه نظر بوجهين أحدهما أن فيه قصورا لا يخفى من الضابط المار\r","part":2,"page":336},{"id":675,"text":"ثانيهما أن السبب لا ينحصر في المرض لا عندنا ولا عند أبي حنيفة أما عندنا فلأنه مطلق الانتفاع ولو لغير مرض وأما عند أبي حنيفة فلأنه كما علمت المرض أو غيره فتأمل بإنصاف ولا تنظر لمن قال وأما ضابط التداخل وعدمه عند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فهو أنه متى اتحد السبب أو الجنس ولو تعدد الزمان اتحدت الفدية وقيل إنه متى اتحد السبب فقط اتحدت ومتى تعدد السبب أو الجنس أو تعدد السبب فقط تعددت قال في كشاف القناع على الإقناع مع المتن وإن كرر محظورا من جنس غير قتل صيد مثل أن حلق ثم أعاد أو قلم ثم أعاد أو لبس مخيطا ثم أعاد أو تطيب ثم أعاد أو وطئ ثم أعاد أو فعل غيرها من المحظورات كأن باشر دون الفرج ثم أعاد ذلك ثانيا ولو غير الموطوء أولا أو كان تكريره للمحظور يلبس مخيطا في رأسه فعليه فدية واحدة قال في الشرح بأن لبس قميصا وسراويل وعمامة وخفين كفاه فدية واحدة لأن الجميع يلبس فأشبه الطيب في رأسه وبدنه أو بدواء فيه طيب ذكره في الإنصاف المذهب وأن عليه الأصحاب وبناه في المستوعب على رواية أن الحكم يختلف باختلاف الأسباب لا باختلاف الأوقات والأجناس وهو ظاهر إذ الطيب وتغطية الرأس جنسان كما تقدم ويمكن حمل كلامه على تكرار الطيب فقط بأن تطيب أولا ثم أعاده بدواء مطيب فهذا جنس واحد لا لبس معه ولا تغطية رأس بخلاف ما لو غطى رأسه ثم أعاده بدواء مطيب فإنه على مقتضى كلامه يلزمه فديتان لتغطية الرأس فدية وللطيب فدية وقوله قبل التكفير عن الأول متعلق بأعاد ف عليه كفارة واحدة تابع الفعل أو فرقه لأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعتان فلو قلم ثلاثة أظفار أو قطع ثلاث شعرات في أوقات قبل التكفير لزمه دم أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين ولم تلزمه ثانية لما تقدم وإن كفر عن الفعل الأول لزمه عن الثاني كفارة ثانية لأن السبب الموجب للكفارة الثانية غير عين السبب الموجب","part":2,"page":337},{"id":676,"text":"للكفارة الأولى أشبه ما لو حلف ثم حنث وكفر ثم حلف وحنث ا ه بحروفه\rقال الأصل ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن موجبات الفدية أجناس لا تتداخل كالحدود المختلفة وحجة مالك رحمه الله تعالى أن المعتبر هو الترفه وهو مشترك بينهما فالموجب بالكسر واحد وموجب الجميع بالفتح واحد وهو الفدية فتتداخل كحدود شرب الخمر المختلفة الأنواع\rالكفارة الثالثة الهدي وهو دم مرتب بين مقدر شرعا في قوله تعالى فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة يجب لفساد إحرام أو تمتع أو قران أو نقص في إحرام كترك نحو واجب من واجباته أو فوات حج وكمذي أو مقدمات جماع بلا إنزال أو إنزال بمجرد النظر والفكر أو لنذر عين للمساكين أو أطلق أو يكون تطوعا ولا يتحد الهدي\rمع تعدد سببه إلا في خمس مسائل تصيدتها من كلام أصحابنا الآن ويخلق ما لا تعلمون المسألة الأولى تكرر الوطء المسألة الثانية ترك النزول بالمزدلفة ومبيت ليالي منى ورمي جميع الجمرات ولو عمدا على المعتمد ويدخل بالأولى ترك مبيت ليالي منى فقط وترك رمي جميع الجمرات فقط كما لا يخفى\rالمسألة الثالثة ترك ذي النفس طواف القدوم مع تأخير السعي للإفاضة المسألة الرابعة ترك الإتيان بالتلبية عقب الإحرام وعقب السعي معا\r","part":2,"page":338},{"id":677,"text":"المسألة الخامسة ترك القادر المشي في الطواف والسعي معا وبالجملة فدماء الحج عندنا ثلاثة مجموعة في قولي ثلاثة دماء حج حصروا أحدها المرتب المقدر وذا هو الهدي لنقص أو فساد فوات حج أو تمتع يراد قران أو نذر لمسكين بدا أو مطلقا أو ذا تطوع غدا والثان جا مخيرا مقدرا وذا هو الفدية حيثما ترى والثالث المخير المعدل وذا جزاء الصيد حيث يحصل وجعل الشافعية في الوطء المفسد والحصر عن إتمام الشك دما مرتبا معدلا لا مقدرا فأوجبوا ذبح الشاة على القادر المحصور للتحلل وعلى العاجز العدول إلى الإطعام في محل الإحصار بقدر قيمة الشاة بتقويم عدلين من المسلمين وعلى العاجز عنه أيضا العدول إلى الصوم عن كل مد يوما حيث شاء وأوجبوا في الوطء المفسد ذبح بدنة فإن عجز عنها فبقرة فإن عجز عنها فسبع شياه من الغنم فإن عجز عنها قوم البدنة عدلان من المسلمين وأخرج بقيمتها طعاما فإن عجز صام بعدد الأمداد أياما فدماء الحج عندهم أربعة المرتب إما مقدر أو معدل والمخير إما مقدر أو معدل والذي يتداخل منها عند أصحابنا الفدية في أربعة مواضع والهدي في خمس مسائل وقد جمعتها في قولي تتحد الفدية مع تعدد لسبب بأربع لم تزد أحدها أن تفعل الأسباب في وقت ونحوه وثانيها قفي نية تكرار لفعل ما إليه أداه عذره الذي يطرا عليه ثالثها تقديم ما نفعا أعم على أخص لم يزد على الأعم رابعها ظن إباحة السبب لمقتض من نحو رفض ما ارتكب واتحد الهدي كذا بخمسة فأول تكرار وطء فاثبت والثان ترك لنزول جمع والرمي والمبيت رأسا فاوع\rوثالث تأخيره للسعي مع ترك قدوم لا لعذر قد وقع ورابع يا صاح ترك التلبيه من بعد إحرام وسعي فادريه والخامس الركوب في الطواف والسعي لا لحاجة توافي والله سبحانه وتعالى أعلم","part":2,"page":339},{"id":678,"text":"الفرق الثالث عشر والمائة بين قاعدة التفضيل بين المعلومات الفضل كون معلوم ما منفردا بصفة مدح أو بمزية في صفة مدح والتفضيل على ضربين الأول عقلي بأن يكون الفضل لمعقول المتصف به لا لغير ذلك\rوالثاني وضعي بأن يكون الفضل لا لمعقول المتصف به بل لموجب غيره أوجب له ذلك وذلك أن التفضيل بين المعلومات إن كان بحسب الذات أو بحسب الصفة الحقيقية فهو عقلي وإن كان بغير ذلك كأن يكون بالطاعة أو بكثرة الثواب أو بشرف الموصوف أو الصدور أو لمدلول أو الدلالة أو التعلق أو المتعلق أو بكثرة التعلق أو بالمجاورة أو بالحلول أو بالإضافة أو بالأنساب والأسباب أو بالثمرة والجدوى أو بأكثرية الثمرة أو بالتأثير أو بجودة النية والتركيب أو باختيار الرب لمن يشاء على من يشاء ولما يشاء على ما يشاء فهو وضعي فقاعدة التفضيل ترجع إلى عشرين قاعدة بل قال ابن الشاط لا أعرف الآن دليل صحة حصر وجوه التفضيل في عشرين قاعدة ا ه\rأي بل إنها","part":2,"page":340},{"id":679,"text":"تزيد على ذلك وقال الأصل وأسباب التفضيل كثيرة لا أقدر على إحصائها خشية الإسهاب وإنما بعثني على الوصول فيها إلى هذه الغاية ما أنكره بعض فضلاء الشافعية على القاضي عياض رحمهما الله تعالى من قوله إن الأمة أجمعت على أن البقعة التي ضمت أعضاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أفضل البقاع فقال الثواب على العمل هو سبب التفضيل والعمل ههنا متعذر ضرورة أن العمل على قبره {صلى الله عليه وسلم} محرم فيه عقاب شديد فضلا عن أن يكون فيه أفضل المثوبات فكيف مع عدم الثواب يصح هذا الإجماع وشنع عليه كثيرا وما بلغني أيضا عن المأمون بن الرشيد الخليفة أنه قال أسباب التفضيل أربعة وكلها كملت في علي رضي الله عنه فهو أفضل الصحابة وأخذ يرد بذلك على أهل السنة فأردت ببيان تعدد الأسباب والوصول فيها إلى هذه الغاية أن أبطل ما ادعياه من الحصر من حيث إن أسبابه أعم من الثواب بل ومن الأربعة التي زعم المأمون الحصر فيها وإلا لما كان جلد المصحف بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذر العمل فيه ولعدم تحقق الأسباب الأربعة فيه وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة ا ه بتصرف وزيادة\rالقاعدة الأولى تفضيل المعلوم على غيره بذاته وليس له إلا مثال واحد وهو ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته المعاني السبعة وهي العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام النفساني والسمع والبصر إذ لا يسوغ أن يقال في صفات المعاني إنها غير الذات كما لا يصح أن يقال إنها عين الذات لأنا لو قلنا هي هو لأدى\rإلى اتحاد الصفات والموصوف وهو لا يعقل ولو قلنا غيره لكانت إما محدثة فيكون محلا للحوادث وهو محال وإما قديمة فيلزم تعدد القدماء المتغايرة وهو محال وليس المراد بالغير هنا ما قابل العين بل المراد به المنفك فحاصل المعنى أنها ليست منفكة ولا عينا بل شيء ملازم بخلاف الوجود فقد قيل إنه عين الذات بناء على أنه وجه واعتبار وإنه غيرها بناء على أنه حال وهو ما له ثبوت في نفسه","part":2,"page":341},{"id":680,"text":"وفي محله نعم قال السكتاني قولنا الله موجود حكم معنوي يعتقد ويبرهن عليه لا مجرد إخبار لفظي فالحق أن الصفة يكفي فيها مغايرة المفهوم وإن لم تكن زائدة في الخارج كيف وقد عدوا السلوب يعني القدم والبقاء ومخالفته تعالى للحوادث وقيامه تعالى بنفسه والوحدانية صفات وبالجملة فصفات الباري التي عدها المتكلمون وأوجبوا معرفتها تفصيلا إما أن تدل على معنى زائد على الذات وهي المعاني السبعة المذكورة وهذه وإن كانت ليست عين الذات إلا أنها ليست منفكة عنها بل ملازمة لها\rوإما أن لا تدل على ذلك بل إما أن تكون عدمية عبارة عن سلبها نقصا عن الذات وهي صفات السلوب الخمس المذكورة وإما أن تكون وجها واعتبارا لا حالا لأن الحق نفيه وهي الصفة النفسية أعني الوجود والصفات المعنوية وهي الكون عالما ومريدا وقادرا ومتكلما وحيا وسميعا وبصيرا والاعتبار قد اختار العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام أن له من اسمه نصيبا فلا ثبوت له إلا في ذهن المعتبر وإنه أمر واحد فقط إن انتزع من خارج\rموجود مشاهد كالكون أبيض كان صادقا لتأييد الخارج له وإن كان مجرد اعتبار كاعتبار الكريم بخيلا كان كاذبا لمعارضة الوجود الخارجي له لا أمران بحت لا ثبوت له إلا في الذهن وما له ثبوت في نفسه دون المحل بخلاف الحال وبين وجهه فانظره فالوجود والمعنوية وإن لم تكن زائدة في الخارج على الذات كصفات السلوب لأنها من حيث إنها صفات يحكم بها على الذات حكما معنويا يعتقد ويبرهن عليه كصفات السلوب يكفي في كونها غير الذات مغايرة مفهومها لمفهوم الذات بالأولى من صفات السلوب فافهم\rالقاعدة الثانية التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضل وله مثل أحدها تفضيل العالم بعلم نافع على الجاهل به أما الذي لا ينفع فقد استعاذ النبي {صلى الله عليه وسلم} منه فيكون الجاهل به أفضل من العالم به\rوثانيها تفضيل القادر بالقدرة القديمة الوجودية القائمة به تعالى على العاجز الذي قدرته حادثة","part":2,"page":342},{"id":681,"text":"وثالثها قيل تفضيل الفاعل المختار بسبب الإرادة والاختيار القائم به على الموجب بالذات وهو مبني كما قال ابن الشاط على القول بتصحيح الإيجاب الذاتي لكن أهل الحق من المتكلمين على أن ذلك ليس بصحيح ا ه\rوفي حاشية الأمير على عبد السلام اتفق المسلمون على أنه مريد قادر ثم قالت المعتزلة بذاته لئلا يلزم تعدد القدماء\rوقال جمهور\rأهل السنة بصفات وجودية زائدة على الذات قائمة بها يصح أن ترى وفسقوا من نفاها قالوا ولزوم تعدد القدماء إنما يظهر إذا كانت منفكة وألزموا أن تكون الذات غير مستقلة لأنها الصفات وأن العلم هو القدرة إلخ لأن الكل الذات الواحدة وحيث جاز عالم بلا علم لزم علم بلا عالم إذ لا فرق في التلازم على أنه نظير أسود بلا سواد وهو بديهي الفساد وكلها تقبل الدفع فإنهم مقرون بتغاير المفاهيم الإضافية وإن قال أليوسي إذا أرادوها للاعتبارات لزم نفيها إذ لا ثبوت للاعتبار إلا في الذهن ثم اختلف جمهور أهل السنة هل وجوبها وقدمها ذاتي لأن الإله الواحد الذات المتصفة بالصفات أو ممكنة في ذاتها على ما للفخر ومن تبعه واجبة لما ليس عينها ولا غيرها وإن لم نفهم له الآن محصولا فإن الصفة مجردة عن الموصوف مستحيلة إلا أن يريد بقطع النظر عن هذا الموصوف بخصوصه فلا ينافي موصوفا ما لكن فيه ما فيه ومما رد به أنه لو كان العلم مثلا ممكنا لكان الجهل ممكنا لأنه مقابله ولا يخفاك أن الإمكان الذاتي لا يضره إنما يضره لو كان إمكانه لله وهو يقول باستحالته عليه ضرورة وجوب العلم له فتدبر وقال قبل وعلى كلام غير الفخر لا نثبت إلا القدم الذاتي للواجب وحده أي الذي هو عبارة عن الاستغناء عن المؤثر وعلى كلام الفخر نثبت القدم العرضي أيضا للممكن الذاتي ولا يكون الإمكان إلا ذاتيا نعم يجوز البقاء في الممكنات اتفاقا لأنه يرجع لعدم وقوف مقدورات الله تعالى القادر المطلق عند حد بخلاف القدم\r","part":2,"page":343},{"id":682,"text":"للممكنات فإنه يرجع لوجود الممكن أزلا وهو محال بالطبع لا تتعلق به القدرة ثم قال بعد قال الشعراني والذي يتلخص من كلام الشيخ ابن عربي رضي الله عنه ورحمه أنه قائل بأن الصفات عين لا غير كشفا ويقينا وبه قال جماعة من المتكلمين وما عليه أهل السنة والجماعة أولى والله تعالى أعلم بالصواب ا ه وأقول كما قال من قال اعتصام الورى بمغفرتك عجز الواصفون عن صفتك تب علينا فإننا بشر ما عرفناك حق معرفتك ا ه كلام الأمير بتصرف وحذف\rقال\rالقاعدة الثالثة التفضيل بطاعة الله تعالى وله مثل أحدها تفضيل المؤمن على الكافر إلى آخر القاعدة\rقلت ما قاله فيها وفي القاعدة الرابعة صحيح وعلى الإطلاق إلا ما قاله في صلاة القصر فإن فضيلتها مختصة بالمذهب\rالقاعدة الثالثة التفضيل بطاعة الله تعالى وله مثل أحدها تفضيل المؤمن على الكافر وثانيها تفضيل أهل الكتاب على عبدة الأوثان وذلك بسبب ما حصل لهم من الطاعة بتعظيمهم الرسل والرسائل من حيث الجملة فقالوا بصحة نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبصحة التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب وإن كانت لا تفيدهم في الآخرة عدم الخلود وإنما تفيد تخفيف العذاب وجحد عبدة الأوثان الرسائل فمن هذه الجهة فضلهم الله تعالى عليهم أحل الله عز وجل طعامهم وأباح تزويجنا نساءهم وجعل ذكاتهم كذكاتنا ونساءهم كنسائنا ولم يلحقهم بالبهائم تعظيما وتمييزا\rبخلاف المجوس ونحوهم فإنه جعل ما ذكوه كالميتة وتصرفهم فيه بالذكاة كتصرف الحيوان البهيمي من السباع والكواسر في الأنعام لا أثر لذلك وجعل نساءهم كإناث الخيل والحمير محرمات الوطء اهتضاما لهم\r","part":2,"page":344},{"id":683,"text":"وثالثها تفضيل الولي بسبب ما اختص به من كثرة طاعته لله تعالى حتى تولى الله بطاعته فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان فسمي وليا وقيل لأن الله تولاه بلطفه فلم يكله إلى نفسه ولا إلى غيره لحظة على آحاد المؤمنين المقتصرين على أصل الدين وكذلك أيضا تفاضل الأولياء فيما بينهم بكثرة الطاعة فمن كان أكثر تقربا إلى الله تعالى كانت رتبته في الولاية أعظم\rورابعها تفضيل الشهيد على غيره من حيث الجملة لأنه أطاع الله تعالى ببذل نفسه وماله في نصرة دينه وأعظم بذلك من طاعة\rوخامسها تفضيل العلماء على الشهداء بسبب طاعة العلماء لله تعالى بضبط شرائعه وتعظيم شعائره التي من جملتها الجهاد وهداية الخلق إلى الحق وتوصيل معالم الأديان إلى يوم الدين ولولا سعيهم في ذلك من فضل الله عز وجل لانقطع أمر الجهاد وغيره ولم يبق على وجه الأرض من يقول الله وكل ذلك من نعمة الله تعالى عليهم فلذا قال {صلى الله عليه وسلم} ما جميع الأعمال في الجهاد إلا كنقطة من بحر وما الجهاد وجميع الأعمال في طلب العلم إلا كنقطة من بحر وقال {صلى الله عليه وسلم} لو وزن مداد العلماء بدم الشهداء لرجح\rالقاعدة الرابعة التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضل وله مثل أحدها الإيمان بكثرة ثوابه من الخلود في الجنان والخلوص من النيران ومن غضب الملك الديان أفضل من جميع الأعمال\rوثانيها\rصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة\rوثالثها الصلاة في أحد الحرمين أفضل من غيرها بألف مرة من المثوبات قال الباجي والذي تقتضيه الأحاديث الواردة في فضل المسجدين مخالفة حكم مسجد مكة والمدينة لسائر المساجد ولا يعلم منها حكم مكة والمدينة في التفاضل إلا أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إذا ثبتت صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة ا ه","part":2,"page":345},{"id":684,"text":"نقله شيخنا في حاشية توضيح المناسك لكن في الرهوني عن سيدي أحمد بابا واستدل أي لتفضيل مسجد مكة بحديث صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة حديث صحيح على شرط الشيخين صححه ابن عبد البر قال وهو الحجة عند التنازع وهو صريح بدفع ما قيل في الحديث الصحيح إلا المسجد الحرام باحتمال أنه أفضل منه بدون ألف أو بتساويهما وسيأتي توضيح ذلك فترقب\rورابعها صلاة القصر أفضل في مذهبنا خاصة من صلاة الإتمام وإن كانت أكثر عملا\rقال\rالقاعدة الخامسة التفضيل بشرف الموصوف وله مثل الأول الكلام النفسي القديم أشرف من سائر الكلام إلى آخر القاعدة\rقلت ما قاله من شرف الصفة بشرف موصوفها صحيح وما قاله من أن شرف الصفات المذكورات من وجوه لم يذكر من تلك الوجوه إلا شرف الموصوف ومنها والله تعالى أعلم قدمها وبقاؤها وذلك مختص بصفات الله تعالى وأما صفات الرسول {صلى الله عليه وسلم} فلمصاحبتها النبوة والله أعلم\rالقاعدة الخامسة التفضيل بشرف الموصوف وله مثل أحدها الكلام النفسي القديم أشرف من سائر الكلام لوجوه منها شرف موصوفه على كل موصوف ومنها قدمه وبقاؤه\rوثانيها إرادة الله تعالى وقدرته وسائر الصفات المنسوبة إلى الرب سبحانه وتعالى أفضل لوجوه منها شرف الموصوف ومنها قدمها وبقاؤها\rوثالثها صفات رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من شجاعته وكرمه وجميع ما هو صفة لنفسه الكريمة أفضل من جميع صفاتنا لوجوه منها شرف الموصوف ومنها مصاحبتها النبوة\rالقاعدة السادسة\r","part":2,"page":346},{"id":685,"text":"التفضيل بشرف الصدور قيل كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من الألفاظ لأن الله تعالى وإن كان هو المتولي لوصف جميع كلام الناس في أنفسهم وأن من قال منهم زيد قائم في الدار فالله تعالى هو الخالق لأصواته هذه والمريد لترتيب هذه الكلمات على هذا الوصف وتقديم قائم على المجرور وكون المجرور بفي دون غيرها من حروف الجر كما أنه المتولي لرصف القرآن في نفس جبريل عليه السلام بإرادته إذ لا فرق بين ألفاظ الناس وألفاظ الخالق في كونها مخلوقة إلا أن المزية للفظ القرآن على غيره في أننا نقول للفظ القرآن كلام الله دون غيره هي أن الله تعالى هو المتولي لرصف القرآن في نفس جبريل عليه\rالسلام على وفق إرادة الله تعالى دون إرادة جبريل والمتولي لرصف كلام الخلائق في أنفسهم على إرادتهم تبعا لإرادته تعالى فتفرده في رصف القرآن بالإرادة هو الفرق ا ه\rقال ابن الشاط ودعوى انفراد إرادة الله تعالى بوضع ألفاظ القرآن دون إرادة جبريل لا أراها تقوم عليها حجة ولعل جبريل أراد ذلك بل المزية التي امتاز بها لفظ القرآن على كلام الناس كونه دالا على كلام الله تعالى وعبارة عنه وامتيازه عن لفظ التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب المنزلة على الرسل ويقال إنها مائة وأربعة وعشرون كتابا صحفا وكتبا أنزلت على آدم ومن بعده من الأنبياء إلى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين بالإعجاز وغيره من الأوصاف التي امتاز بها كما قال الشهاب\rا ه\rقلت وعليه فلا يصح التمثيل به للتفضيل بشرف الصدور بل مثاله بشرف فعله {صلى الله عليه وسلم} على فعل غيره من الأمة فافهم\rالقاعدة السابعة التفضيل بشرف المدلول وله مثل أحدها تفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العليا وأسمائه الحسنى\rوثانيها تفضيل آيات القرآن الكريم المتعلقة بالله على الآيات المتعلقة بأبي لهب وفرعون ونحوهما","part":2,"page":347},{"id":686,"text":"وثالثها الآيات الدالة على الوجوب والتحريم أفضل من الآيات الدالة على الإباحة والكراهة والندب لاشتمالها على الحث على أعلى رتب المصالح والزجر عن أعظم المفاسد\rالقاعدة الثامنة التفضيل بشرف الدلالة لا المدلول كشرف الحروف الدالة على الأوصاف الدالة على كلام الله تعالى على جميع الحروف التي لم تدل على ذلك بل على غيره فلذا أمر الشرع بتعظيم حروف القرآن فلا تمسك إلا على طهارة كاملة ويكفر من أصابها بالقاذورات وصار لها وقع عظيم في الدين فلا يجوز إخراجها من بلاد المسلمين إلى بلاد الكافرين خشية أن تنالها أيديهم\rالقاعدة التاسعة التفضيل بشرف التعلق كتفضيل الكلام النفسي لتعلقه بالمخبر عنه واختصاصه بأن له تعلق الاقتضاء والإباحة وغيرهما والعلم لتعلقه بالواجبات والممكنات والمستحيلات والإرادة لتعلقها بالممكنات والقدرة لتعلقها بالمحدثات من الموجودات والسمع لتعلقه بالأصوات والكلام النفسي والبصر لتعلقه بجميع الموجودات الواجبات والممكنات على الحياة فإنها لا تتعلق بشيء بل لها موصوف فقط بخلاف غيرها من صفات المعاني السبعة فإن له موصوفا ومتعلقا كما علمت\rالقاعدة العاشرة\rالتفضيل بشرف المتعلق كتفضيل العلم المتعلق بذات الله تعالى أو صفاته على غيره من العلوم وكتفضيل علم الفقه على الطب لتعلقه برسائل الله تعالى وأحكامه وكتفضيل إرادتنا المتعلقة بالخيور على إرادتنا المتعلقة بالشرور وإرادة الله تعالى لاتحادها لا يصح تنوعها ولا أن يطلق عليها ذلك باعتبارين لأنه لم يرد في ذلك من الشرع ما يقتضيه وكتفضيل النية في الصلاة على النية في الطهارة لأن الصلاة مقصد والطهارة وسيلة والمقاصد بكونها مقاصد لا بزيادة في الأجور إذ لا حجة عليه أفضل من الوسائل وبالأفضل أفضل قال ابن الشاط والمدلول غير المتعلق في الاصطلاح المعهود وإن صح أن يكون كل مدلول متعلقا بوجه ما ا ه فافهم\r","part":2,"page":348},{"id":687,"text":"القاعدة الحادية عشرة التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل الكلام النفسي القديم على علمه تعالى لأن الخبر فيه وإن كان مسبوقا للعلم في التعلق وكل معلوم لله تعالى فهو مخبر عنه إلا أن للكلام اختصاصا بتعلق الاقتضاء والإباحة وغيرهما فهو أكثر تعلقا من العلم وكتفضيل علم الله تعالى على قدرته وإرادته وسمعه وبصره لكونه متعلقا بجميع الواجبات والممكنات والمستحيلات واختصاص الإرادة بالممكنات وجودها أو عدمها واختصاص القدرة بوجود الممكنات خاصة واختصاص السمع ببعض الموجودات وهي الأصوات والكلام النفسي واختصاص البصر ببعض الموجودات الممكنات والواجبات دون المستحيلات والمعدومات الممكنات وكتفضيل البصر على السمع لاختصاص السمع بالكلام والبصر يعم جميع الموجودات كانت كلاما أو غيره\rالقاعدة الثانية عشرة التفضيل بالمجاورة كتفضيل جلد المصحف وليس فيه شيء مكتوب على سائر الجلود فلا يمسه محدث ولا يجوز أن يلامس بقاذورة ولا بما يوجب الإهانة لمجاورته الورق المكتوب فيه القرآن\rالقاعدة الثالثة عشرة\rالتفضيل بالحلول كتفضيل قبره {صلى الله عليه وسلم} على جميع بقاع الأرض حكى القاضي عياض رحمه الله في ذلك الإجماع في كتابه الشفاء\rوقال البكري جزم الجميع بأن خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفى وحواها نعم لقد صدقوا بساكنها علت كالنفس حين زكت زكى مأواها وقد مر أنه لا يصح إنكار بعض فضلاء الشافعية انعقاد الإجماع على ذلك بناء على انحصار التفضيل في الثواب على العمل والعمل متعذر هنا\r","part":2,"page":349},{"id":688,"text":"القاعدة الرابعة عشرة التفضيل اللفظي بسبب في الإضافة في نحو قوله تعالى أولئك حزب الله أضافهم إليه تعالى ليشرفهم بها كما أضاف العصاة إلى الشيطان في قوله تعالى أولئك حزب الشيطان ليهينهم بها ويحقرهم وقوله تعالى وطهر بيتي للطائفين الآية أضاف البيت إليه تعالى ليشرفه بها وقوله تعالى وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان وقوله {صلى الله عليه وسلم} حكاية عن الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به شرف الصوم بإضافته إليه نعم لا بد للتشريف أو التحقير بالإضافة من أسباب تقتضي ذلك ألا ترى أنه لم يضف حزبه تعالى إليه إلا لطاعتهم ولا حزب الشيطان إليه إلا لمعصيتهم ولا البيت إليه تعالى إلا لكونه جعله محلا لما قرن به من الطاعات في الصلاة والحج ولا العبد إليه تعالى إلا لأنه جعله صفوة رسله وخاتمهم ولا الصوم له\rتعالى إلا لأنه خصه بجزاء لم يطلعنا على قدره أو ما أشبه ذلك مما مر بسط الخلاف فيه فلا تغفل\rالقاعدة الخامسة عشرة\rالتفضيل بالأنساب والأسباب كتفضيل ذريته عليه الصلاة والسلام على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكتفضيل نسائه {صلى الله عليه وسلم} على جميع النساء كما قال تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء وذلك بالنسبة إليه {صلى الله عليه وسلم} والاختصاص به\rوإن كن في هذه النسبة متفاوتات وذلك أن نسبة من دخل بهن أقوى من نسبة من عقد ولم يدخل بهن ونسبة من دخل ولم يطلقهن أقوى ممن دخل وطلقهن ونسبة من دخل وطلقهن أقوى ممن فارقهن قبل الدخول ونسبة من فارقهن قبله أو بعده على الخلاف أقوى ممن فارقهن قبله باتفاق كما لا يخفى وفي الجمل عن المواهب جملة من عقد عليهن {صلى الله عليه وسلم} ثلاث وعشرون امرأة مات عن عشر واحدة لم يدخل بها وهي قتيلة بنت قيس وتسع دخل بهن جمعهن بعضهم في قوله توفي رسول الله عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند وزينب جويرية مع رملة\r","part":2,"page":350},{"id":689,"text":"ثم سودة ثلاث وست نظمهن مهذب ومات في حياته باتفاق أربع ثنتان بعد الدخول وهما خديجة وزينب أم المساكين وثنتان قبل الدخول وهما شراف بنت خليفة أخت دحية الكلبي وخولة بنت الهذيل وفارق على خلف في كونه بطلاق أو موت مع الاتفاق على عدم الدخول ثنتين مليكة بنت كعب وسبا بنت أسماء وطلق سبعا باتفاق بعد الدخول باتفاق ثنتين فاطمة بنت الضحاك وعالية بنت ظبيان وقبله باتفاق ثلاثا وهن عمرة بنت يزيد وأسماء بنت النعمان والتي من غفار وعلى خلف في كونه بعده أو قبله ثنتين وهما أم شريك القرشية\rوالمستقيلة التي جهل حالها وهي ليلى بنت الخطيم فجملة المتفق على دخوله بهن ولم يطلقهن إحدى عشرة امرأة ست من قريش خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وأم سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة وأربع عربيات زينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين وجويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية وواحدة غير عربية وهي صفية بنت حيي من بني النضير مات في حياته منهن ثنتان خديجة وزينب أم المساكين وتوفي {صلى الله عليه وسلم} عن الباقي والمتفق على من دخل وطلق بعده ثنتان فاطمة بنت الضحاك وعالية بنت ظبيان ا ه بتلخيص وتصرف وزيادة\rوأما تفضيل خديجة وعائشة على باقيهن والخلاف في أفضلهما فليس من هذه الجهة بل إما من جهة الأحوال وكثرة الخصال الجميلة فيستحسن قول شيخ الإسلام في شرح البخاري الذي أختاره الآن أن الأفضلية محمولة على أحوال فعائشة أفضلهن من حيث العلم وخديجة من حيث تقدمها وإعانتها له {صلى الله عليه وسلم} ا ه\r","part":2,"page":351},{"id":690,"text":"وأما من جهة كثرة الثواب فيكون الأقرب الوقف كما هو قول الأشعري كما في عبد السلام على الجوهرة قال وفي كلام البرهان الحلبي أن زينب بنت جحش تلي عائشة رضوان الله عليهما ولم يقف أستاذنا على نص في باقيهن ولا في مفاضلة بعض أبنائه الذكور على بعض ولا في المفاضلة بينهم وبين البنات الشريفات سوى ما شرف الله به الذكور على الإناث مطلقا ولا بينهن سوى فاطمة فإنها أفضل بناته الكريمات ولا بين باقي البنات سوى فاطمة مع الزوجات الطاهرات وإن جرت علة فاطمة بالبضعية في الجميع فالوقف أسلم ا ه\rقال الأمير قال العلامة الملوي أولاده {صلى الله عليه وسلم} الذكور ثلاثة عبد الله ويلقب بالطيب وبالطاهر فله لقبان زيادة على الاسم والقاسم وإبراهيم والإناث أربعة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وينبغي حفظهم ومعرفتهم لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} سيدنا ويقبح على الإنسان أن لا يعرف أولاد سيده ا ه وكلهم من خديجة\rإلا إبراهيم فمن مارية القبطية أهداها له المقوقس من مصر ا ه\rوقد جمعت أولاده {صلى الله عليه وسلم} في قولي ليسهل حفظهم أولاد طه سبعة أطهار ذكورهم ثلاثة أبرار القاسم إبراهيم عبد الله ذا بالطيب الطاهر تلقيبا خذا وأربع إناثهم فاطمة فأم كلثوم كذا رقية فزينب وأمهم خديجة لكن لإبراهيم مارية وفي الجمل عن المواهب وخطب {صلى الله عليه وسلم} ثماني نسوة ولم يعقد عليهن باتفاق وسراريه التي دخل عليهن بالملك أربع مارية القبطية وريحانة بنت شمعون من بني قريظة وقيل من بني النضير والثالثة وهبتها له زينب بنت جحش واسمها نفيسة والرابعة أصابها في بعض السبي ولم يعرف اسمها ا ه","part":2,"page":352},{"id":691,"text":"القاعدة السادسة عشرة التفضيل بالثمرة والجدوى كتفضيل العالم على العابد لأن العلم يثمر صلاح الخلق وهدايتهم إلى الحق بالتعليم والإرشاد والعبادة قاصرة على محلها ولأن ثمرات العلم من موضوعاته أي تآليفه وهدايته متعلميه تبقى إلى يوم الدين فينتفع بها الأبناء بعد الآباء والأخلاف بعد الأسلاف والعبادة تنقطع من حينها وكتفضيل الرسالة على النبوة لأن الرسالة تثمر الهداية للأمة المرسل إليها والنبوة قاصرة على النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم للعابد وليس للنبوة جهة أخرى نفضلها بها على الرسالة وتكون معارضة لجهة تفضيل الرسالة عليها حتى يحتاج أن يقال لا مانع من أن يكون للحقيقة الواحدة شرف من وجه دون وجه\rوأما ملاحظة العز بن عبد السلام في النبوة جهة أخرى وهي أنها عبارة عن خطاب الله تعالى نبيه بإنشاء حكم يتعلق به كقوله تعالى لنبيه محمد {صلى الله عليه وسلم} اقرأ باسم ربك فهذا وجوب","part":2,"page":353},{"id":692,"text":"متعلق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} والرسالة عبارة عن خطاب الله تعالى المتعلق بالأمة وإنما حظ الرسول منها التبليغ فتكون أفضل بجهة شرف المتعلق من الرسالة فإنما تصح لو لم يكن الرسول نبيا وأما وكل رسول نبي فلا يصح ملاحظة ذلك إذ لا اختصاص للنبي على الرسول بمزية يقع بها التفضيل قاله ابن الشاط نعم وقع التعارض بين جهتين من جهات التفضيل في صفتي علمه تعالى وحياته وفي علمي الفقه والهندسة أما في العلمين فقد حكى الأصل أنه اجتمع يوما عالمان عظيمان أحدهما يعلم المعقولات والهندسيات والآخر عالم بالسمعيات والشرعيات فقال الأول للثاني الهندسة أفضل من الفقه لأنها قطعية والفقه مظنون والقطع أفضل من الظن فقال له الآخر صدقت من هذا الوجه هي أفضل غير أن الفقه أفضل منها لأنه يثمر سعادة الآخرة ونعيم الجنان ورضوان الرحمن والهندسة لا تفيد ذلك فوافقه الآخر على ذلك وكانا متناصفين رحمهما الله تعالى وأما في الوصفين فقال الأصل علمه تعالى أفضل من الحياة من جهة التعلق الذي له والحياة لا تعلق لها وحياته تعالى أفضل من العلم من جهة أنها شرط فيه وهو متوقف عليها وهي في ذاتها ليست متوقفة عليه لأنه ليس شرطا فيها ولا مانع من أن يكون للحقيقة الواحدة شرف من وجه دون وجه\rالقاعدة السابعة عشرة التفضيل بأكثرية الثمرة بأن تكون لكل واحدة من الحقيقتين ثمرة إلا أن ثمرة إحداهما أعظم وجدواها أكثر فتكون وله أمثلة أحدها الفقه والهندسة كلاهما مثمر أحكاما شرعية أما الفقه فظاهر وأما الهندسة فلأنها يستعان بها في الحساب والمساحات\rوالحساب يدخل في المواريث وغيرها والمساحات تدخل في الإجارات ونحوها ومن نوادر المسائل الفقهية التي يحتاج إليها الفقيه المفتي والقاضي الملزم وهي لا تعلم إلا بدقيق","part":2,"page":354},{"id":693,"text":"الحساب المسألة المحكية عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهي أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما ثم بعد الفراغ من الأكل دفع الثالث لهما ثمانية دراهم وقال اقسما هذه الدراهم على قدر ما أكلته لكما فقال صاحب الثلاثة إنه أكل نصف أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم فقال له الآخر لا أعطيك إلا ثلاثة دراهم لأن لي خمسة أرغفة فآخذ خمسة دراهم ولك ثلاثة أرغفة تأخذ ثلاثة دراهم فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع فترافعا إلى علي رضي الله تعالى عنه فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد ولصاحب الخمسة بسبعة دراهم فشكا من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي رضي الله عنه الأرغفة ثمانية وأنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة إلا ثلثا فبقي من أرغفتك بعد أكلك ثلث رغيف أكله صاحب الدراهم وبقي بعد أكل صاحب الخمسة رغيفان وثلث وذلك سبعة أثلاث أكلها صاحب الدراهم فيكون لك درهم واحد في مقابلة الثلث الذي أكله لك ولصاحب الخمسة سبعة دراهم في مقابلة سبعة إلا ثلاث التي أكلها له ومن غرائب المسائل المساحية المتعلقة بالفقه ويحتاج إليها الفقيه المفتي والقاضي الملزم مسألة رجل استأجر رجلا يحفر له بئرا عشرة أذرع طولا في عشرة عرضا في عشرة عمقا بأجرة معينة فحفر له بئرا خمسة في خمسة في خمسة فاختلف فيما يستحقه من الأجرة فقال ضعفاء الفقهاء يستحق النصف لأنه عمل النصف\rوقال المحققون يستحق الثمن لأنه عمل الثمن وذلك أنه استأجره على ألف ذراع بسبب أن الذراع الأول من العشرة لو عمل وبسط على الأرض ومسح كان حصيرا طوله عشرة وعرضه عشرة ومساحته عشرة في عشرة بمائة فالذراع الأول تحصل مساحته مائة وهي عشرة أذرع في عشرة ومائة في عشرة بألف ولم يعمل إلا مائة وخمسة وعشرين بسبب أن\r","part":2,"page":355},{"id":694,"text":"الذراع الأول من الخمسة مساحته خمسة وعشرون وهي خمسة أذرع وخمسة وعشرون في خمسة بمائة وخمسة وعشرين ونسبة مائة وخمسة وعشرين إلى الألف نسبة الثمن فيستحق الثمن من الأجرة لأنه إنما عمل ثمن ما استؤجر عليه وأمثال هذه الدقائق من المسائل التي لا تحصل إلا من الهندسة فإن علم الهندسة يشمل الحساب والمساحة وغيرهما وإن كانت كثيرة غير أنها بالنسبة إلى مسائل الفقه قليلة فثمرة الفقه أعظم من ثمرة الهندسة فيكون أفضل منها\rوثانيها علم النحو وعلم المنطق كلاهما له ثمرة جليلة غير أن ثمرة النحو أعظم بسبب أنه يستعان به على كتاب الله تعالى وسنة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكلام العرب في نطق اللسان وكتابة اليد فإن اللحن كما يقع في اللفظ يقع في الكتابة ويستعان به في الفقه وغير ذلك مما علم في مواضعه ولا يحتاج إلى المنطق إلا في ضبط المعاني المتعلقة بالبراهين والحدود خاصة وأيضا العقل بمجرده لا يهتدي لتقويم اللسان وسلامته من اللحن لأنها أمور سمعية ولا مجال للعقل فيها على سبيل الاستقلال فلا بد من النحو بالضرورة فيها والمنطق يكفي في معرفة قواعده الطبع السليم والعقل المستقيم فيستغنى عنه بصفاء العقل فصارت الحاجة للنحو أعظم وثمرته أكثر فيكون أفضل وثالثها علم النحو مع علم أصول الفقه كلاهما مثمر غير أن أصول الفقه من حيث إن الشريعة من أولها إلى آخرها مبنية عليه فلا تؤخذ أحكامها إلا منه فهي ثمرته والنحو إنما أثره في تصحيح الألفاظ وبعض المعاني والألفاظ إنما هي وسائل والأحكام الشرعية مقاصد بالنسبة إلى الألفاظ والمقاصد أفضل من الوسائل قال\rالقاعدة الثامنة عشر التفضيل بالتأثير وله أمثلة أحدها تفضيل قدرة الله تعالى على العلم والكلام\rقلت فيما قاله في هذه القاعدة نظر\rالقاعدة الثامنة عشرة التفضيل بالتأثير وله أمثلة\r","part":2,"page":356},{"id":695,"text":"أحدها تفضيل قدرة الله تعالى من حيث إنها مؤثرة في تحصيل وجود الممكنات وإرادته تعالى من حيث إنها مؤثرة للتخصيص في الممكنات بزمانها وصفاتها الجائزة عليها على سائر صفات المعاني السبعة إذ لا تأثير في غيرهما منها\rوثانيها تفضيل صاحب الشرع الحياء على ضده وهو القحة فقال الحياء خير كله الحياء لا يأتي إلا بخير الحياء من الإيمان بسبب أن الحياء يؤثر الحث على الخيرات والزجر عن المنكرات والقحة لا ينزجر صاحبها عن مكروه ولا تحثه على معروف\rوثالثها تفضيل صاحب الشرع الشجاعة على الجبن بسبب أن الشجاعة تحث على ردء الأعداء ونصرة الجار ودفع العار والجبن لا يأتي معه شيء من ذلك\rورابعها تفضيل صاحب الشرع السخاء على البخل كما ورد الكريم حبيب الله لأن السخاء يؤثر الحنانة والشفقة على المساكين فهو من مكارم الأخلاق وجلب القلوب بخلاف البخل فإنه من طباع اللئام كذا قال الأصل وقال ابن الشاط وفيما قاله في هذه القاعدة نظر ا ه\rقلت ولعل وجهه أنه في المثال الأول نسب التأثير للقدرة والإرادة وهو لا ينسب حقيقة إلا للذات وقولهم القدرة فعالة مجاز لا كفر ما لم يرد الانفكاك والاستقلال كما في حاشية الأمير على عبد السلام على الجوهرة قال وقد أشار الشارح لذلك كغيره بقوله بها في تعريف القدرة عرفا بأنها صفة أزلية يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة ا ه\rلكن لا يجوز أن يطلق لفظ واسطة أو يمثل بالآلة ولله المثل الأعلى وتعالى عما يقول الظالمون وسبحان ربك رب العزة عما يصفون ويقتصر للقاصرين على قولنا الله على كل شيء قدير وما وراء ذلك من فروض الكفاية وإلا جاء قول الشاعر\r","part":2,"page":357},{"id":696,"text":"وكان مضلي من هديت برشده قال وفي اليواقيت عن ابن عربي في شرح ترجمان الأشواق أن تعلق القدرة بالمقدور من سر القدر وسر القدر لا يطلع عليه إلا أفراد لأن الله تعالى قد طوى علمه عن سائر الخلق ما عدا سيدنا محمدا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومن ورثه فيه كأبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد ورد أنه {صلى الله عليه وسلم} سأله يوما أتدري يوم لا يوم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه نعم ذلك يوم المقادير أو كما قال قال ابن عربي وقد أطلعنا الله تعالى عليه بحكم الوراثة المحمدية ولكن لا يسعنا الإفصاح عنه لغلبة منازعة المحجوبين فيه قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ا ه بتصرف\rوفي بقية الأمثلة نسب التأثير للأسباب وهو إنما يصح على مذهب الحكماء القائلين بالإيجاب والتعليل والمذهب الحق أن لا تأثير إلا لله تعالى وأن الربط بين السبب كالنظر الصحيح ومسببه كالنتيجة إما بطريق اللزوم العقلي كالتلازم بين الجوهر والعرض فوجود أحدهما بدون الآخر مستحيل عقلي لا تتعلق به القدرة بل أن يوجدا معا أو يعدما معا وقيل عادي يقبل التخلف كالإحراق عند مس النار فقد تخلف في نحو إبراهيم وقالت المعتزلة بالتولد على أصلهم في الضرب الناشئ عنه القطع والتولد أن يوجب الفعل لفاعله شيئا آخر كما في حاشية العلامة الأمير على عبد السلام فتأمل والله أعلم\rقال القاعدة التاسعة عشر التفضيل بجودة البنية والتركيب وله أمثلة أحدها تفضيل الملائكة الكرام صلوات الله عليهم على الجان بسبب جودة أبنيتهم وحسن تركيبهم قلت ما قاله في هذه القاعدة غير صحيح لأنه بنى جميع قوله فيها على نسبة تلك الآثار التي ذكرها إلى تأثير غير القدرة القديمة على ما ظهر من مساق كلامه والله تعالى أعلم وما قاله بعد ذلك في القاعدة العشرين وما بعده إلى منتهى قوله فهي من المفضلات التي علم تفضيلها صحيح كله\rالقاعدة التاسعة عشرة التفضيل بجودة البنية والتركيب وله أمثلة\r","part":2,"page":358},{"id":697,"text":"أحدها تفضيل الملائكة الكرام صلوات الله عليهم على الجان بسبب ما جعله الله تعالى فيهم من جودة البنية وحسن التركيب فإنهم خلقوا من نور وجعل الله فيهم سرعة السير ووفور القوة بحيث إن جبريل عليه السلام يسير من العرش إلى الفرش سبعة آلاف سنة في لحظة واحدة ويحمل مدائن لوط الخمسة من\rتحت الأرض على جناحه لا يضطرب منها شيء بل يقلعها من تحتها على هذا الوجه ويصعد بها إلى الجو ثم يقلبها وبحيث إن الملك الواحد من الملائكة يقهر الجمع العظيم من الجان ولذلك سأل سليمان عليه السلام ربه تعالى أن يولي على الجان الملائكة ففعل له ذلك فهم الزاجرون لهم اليوم عند العزائم وغيرها التي يتعاطاها أهل العلم فيقسمون على الملائكة بتلك الأسماء التي تعظمها الملائكة فتفعل في الجان ما يريده الله تعالى عند ذلك الإقسام بتلك الأسماء المعظمة وكانوا قبل زمن سليمان عليه السلام يخالطون الناس في الأسواق ويعبثون بهم عبثا شديدا فلما رتب سليمان هذا الترتيب وسأله من ربه انحازوا إلى الفلوات والخراب من الأرض فقلت أذيتهم والملائكة تراقبهم في ذلك فمن عبث منهم وعثا ردوه أو قتلوه كما يفعل ولاة بني آدم مع سفهائهم وتفضيلهم على الجان من هذا الوجه يضاف لبقية الوجوه وعلى هذه النكتة من التفضيل تحمل النصوص الدالة على تفضيل الملائكة على البشر إذا احتمل النص ذلك إذ لا نزاع في أن أبنية بني آدم خسيسة بالنسبة إلى أبنية الملائكة فلا تعارض ما هو الصحيح من أن البشر أفضل على تفصيل يذكر في موضعه لأمور\rأحدها أن الملائكة عقل محض والبهائم شهوة محضة والإنسان مركب منهما فكما أن غلبة الشهوة تنزل الإنسان عن البهائم بعذرها بالعدم كما قال تعالى أولئك كالأنعام بل هم أضل كذلك غلبة العقل ترفعه عن الملائكة إذ وجود الشهوات مع قمعها أتم من باب أفضل العبادة أحمزها بحاء مهملة فزاي أي أشقها\r","part":2,"page":359},{"id":698,"text":"الأمر الثاني أن الملائكة مع قدرتهم على التشكل بأشكال مختلفة للطافة أجسامهم النورانية لا يتشكلون في صور بعضهم فلا يتشكل جبريل بصورة ميكائيل ولا العكس بخلاف أولياء البشر فيمكنهم ذلك كما في اليواقيت عن ابن العربي\rالأمر الثالث أن في اليواقيت عن الشيخ الأكبر أن مقام لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل الحديث من خصوصيات البشر وأما الملائكة فكل طاعاتهم محتمة عليهم فلا يفرغون من توظيف حتى يمكنهم التطوع نعم قال السعد لا قاطع في هذه المقامات كذا يؤخذ من الأمير على عبد السلام على الجوهرة وثانيها تفضيل الجان على بني آدم في الأبنية وجودة التركيب من جهة تقديره تعالى أنهم يعيشون الآلاف من السنين فلا يعرض لهم الموت وكذلك لا تعرض لهم الأمراض والأسقام التي تعرض لبني آدم بسبب أن أجسادهم لم يجعلها تعالى مشتملة على الرطوبات وأجرام الأغذية كما جعل أجساد بني آدم مشتملة على ذلك فصار يعرض لها العفن وآفات الرطوبات دون أجساد الجان فلذلك كثر بقاؤهم وطال وأسرع لبني آدم الموت على حسب تقدير العزيز العليم ومما ورد قول الشاعر في الجان لما ورد عليه وهو يقيد النار أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم زعيم يحسد الإنس الطعاما لقد فضلتم بالأكل عنا ولكن ذاك يعقبكم سقاما فصرحوا في شعرهم بما تقدم\rوقال جماعة من العلماء منهم الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء إنهم يتغذون من الأعيان بروائحها ولذلك جاء في الحديث أنهم قالوا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} مر أمتك لا يستجمروا بروث ولا عظم فإنها طعامنا وطعام دوابنا مع أنا نجد العظم يمر عليه الدهر الطويل لا يتغير منه شيء فدل ذلك على أنهم يتغذون بالرائحة\r","part":2,"page":360},{"id":699,"text":"قال الأصل ورأيت في بعض الكتب عن وهب بن منبه أنهم طوائف منهم من يتغذى بالرائحة ومنهم من يتغذى بجرم الغذاء ومنهم طائر لا يأوي في الأرض ومنهم من يأوي في الأرض يرحلون وينزلون في البراري كالأعراب وإن أحوالهم مختلفة في ذلك وعلى الجملة\rفتراكيبهم أعظم وسيرهم في الأرض أيسر فيسيرون المسافة الطويلة في الزمن القصير ولذلك تؤخذ عنهم أخبار الوقائع والحوادث في البلاد البعيدة عنا بسبب سرعة حركتهم وتنقلهم على وجه الأرض واتخذهم سليمان عليه السلام لأعمال تعجز عنها البشر بسبب فرط قوتهم قال الله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ولهم قوة التنقل على التصور في كل حيوان أرادوا فتقبل بنيتهم التنقل إلى الحيات والكلاب والبهائم وصور بني آدم وهذا لا يتأتى إلا مع جودة البنية ولطافة التركيب وبنيتنا نحن لا تقبل شيئا من هذا لأنا خلقنا من تراب شأنه الثبوت والرصافة والدوام على حالة واحدة وخلقوا من نار شأنها التحرك وسرعة الانتقال واللطافة وهذا المعنى هو الذي غر إبليس فأوجب له الكبر على آدم صلوات الله عليه وترك أن الله يفضل من يشاء على من يشاء ويحكم ما يريد فجاء بالاعتراض في غير موضعه فهلك ا ه\rوفي كتاب مسامرة الأخيار للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدس سره خبر الحية الطائفة بالبيت عن أبي الطفيل قال كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى وكان لها ابن ولم يكن لها ولد غيره وكانت تحبه حبا شديدا وكان شريفا في قومه فتزوج وأتى زوجته فلما كان يوم سابعه قال لأمه يا أمه إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعا نهارا قالت له أمه أي بني إني أخاف عليك سفهاء قريش فقال أرجو السلامة فأذنت له فولى في صورة جان فلما أدبر جعلت تعوذه وتقول أعيذه بالكعبة المستوره ودعوات ابن أبي محذوره وما تلا محمد من سوره إني إلى حياته فقيره وإنني بعيشه مسروره\r","part":2,"page":361},{"id":700,"text":"فمضى الجان أي وهو في صورة حية نحو الطواف فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ثم أقبل منقلبا حتى إذا كان ببعض دور بني سهم عرض له شاب من بني سهم أحمر أكثف أزرق أحول أعسر فقتله فثارت بمكة غبرة حتى لم تبصر لها الجبال قال أبو الطفيل وبلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن قال فأصبح من بني سهم على فراشهم موتى كثير من قبل الجن فكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى الشباب قال فنهضت بنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها فركبوا الجبال والشعاب بالثنية فما تركوا حية ولا عقربا وخنفساء ولا شيئا من الهوام يدب على وجه الأرض إلا قتلوه فأقاموا بذلك ثلاثا فسمعوا في الليلة الثالثة على أبي قبيس هاتفا يهتف بصوت له جهوري يسمع بين الجبلين يا معشر قريش الله الله فإن لكم أحلاما وعقولا أعذرونا أعذرونا من بني سهم فقد قتلوا منا أضعاف ما قتلنا منهم ادخلوا بيننا وبينهم بصلح نعطهم ويعطونا العهد والميثاق أن لا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدا ففعلت ذلك قريش واستوثقوا لبعضهم من بعض فسميت بنو سهم العياطلة قتلة الجن ا ه\rالمراد منه فانظره\rوثالثها تفضيل الذهب على الفضة بجودة البنية فإن بنية الذهب ملتززة متداخلة وبنية الفضة متفشفشة رخوة وسبب ذلك كما قيل إن طبخ الذهب طال تحت الأرض بحر الشمس أربعة آلاف سنة والفضة لم يحصل لها ذلك فكانت بنية الذهب أفضل من بنية الفضة\rالقاعدة العشرون التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء ولما يشاء على ما يشاء بأن يفضل أحد المتساويين من كل وجه على الآخر كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع وتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة خارج الصلاة وحج الفرض على تطوعه فإن الواجب أفضل مما ليس بواجب وكتفضيل الأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة خاتمة نسأل الله حسنها\rفي مهمات\r","part":2,"page":362},{"id":701,"text":"المهم الأول أن تفضيل الأزمان والبقاع قسمان الأول دنيوي كتفضيل الربيع على غيره وكتفضيل بعض البلدان بالثمار والأنهار وطيب الهواء وموافقة الأهواء\rوالثاني ديني كتفضيل الثلث الأخير من الليل على غيره من الأزمنة بإجابة الدعوات ومغفرة الزلات وإعطاء السؤال ونيل الآمال ورمضان على الشهور وعاشوراء ويوم عرفة وأيام البيض والجمعة والخميس والاثنين ونحو ذلك مما ورد الشرع بتفضيله وتعظيمه على ما عداه من الأزمنة وكتفضيل مكة والمدينة وبيت المقدس وعرفة والمطاف والمسعى ومزدلفة ومنى ومرمى الجمار ونحو ذلك من البقاع التي ورد الشرع بتفضيلها على غيرها ومن الأقاليم المفضلة شرعا اليمن لقوله {صلى الله عليه وسلم} الإيمان يماني والحكمة يمانية والمغرب لقوله {صلى الله عليه وسلم} لا تزال طائفة من أهل المغرب قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\rالمهم الثاني المفضلات ثلاثة أقسام الأول ما يطلع على سبب تفضيله كتفضيل الصلاة بعد الإيمان على سائر العبادات وذلك أنه قد مر أن أقسام تصرف العبادة أربعة أحدها حق الله تعالى فقط كالمعارف والإيمان بما يجب ويستحيل ويجوز عليه سبحانه وتعالى\rوثانيها حق العباد فقط بمعنى أنهم متمكنون من إسقاطه وإلا فكل حق للعبد ففيه حق لله تعالى وهو أمره عز وجل بإيصاله إلى مستحقه كأداء الديون ورد الغصوب والودائع\rوثالثها حق لله تعالى وحق للعباد والغالب مصلحة العباد كالزكوات والصدقات والكفارات والأموال المنذورات والضحايا والهدايا والوصايا والأوقاف\rورابعها حق لله تعالى وحق لرسوله {صلى الله عليه وسلم} وللعباد كالأذان فحقه تعالى التكبيرات والشهادة بالتوحيد وحق رسوله الشهادة له بالرسالة وحق العباد الإرشاد للأوقات في حق النساء والمنفردين والدعاء\r","part":2,"page":363},{"id":702,"text":"للجماعات في حق المقتدين والصلاة مع كونها من المقاصد قد اشتملت على حق الله تعالى كالنية والتكبير والتسبيح والتشهد والركوع والسجود وما يصحبها من الحركات والتروك والكف عن الكلام وكثير الأفعال وعلى حقه {صلى الله عليه وسلم} كالصلاة عليه والتسليم عليه والشهادة له بالرسالة وعلى حق المكلف وهو دعاؤه لنفسه في القيام بالهداية والاستقامة على العبادة وغيرها والقنوت وفي السجود والجلوس لنفسه وقوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين والسلام على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والتسليم آخر الصلاة على الحاضرين فلذا قال {صلى الله عليه وسلم} أفضل أعمالكم الصلاة\rالقسم الثاني ما لا يعلم تفضيله إلا بالسمع المنقول عن صاحب الشريعة كتفضيل مسجده {صلى الله عليه وسلم} وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة في غيره وفي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة فإن هذه أمور لا تعلم إلا بالسمعيات\rالقسم الثالث ما تفضيله بأمور نعلمها وأمور لا نعلمها إلا بالسمع المنقول عن صاحب الشريعة كتفضيل المدينة على مكة في مشهور مذهبنا فمن جهة المعلوم بوجوه ككونها مهاجر سيد المرسلين وموطن استقرار الدين وظهور دعوة المؤمنين ومدفن سيد الأولين والآخرين وبها كمل الدين واتضح اليقين وحصل العز والتمكين وكان النقل عن أهلها أفضل النقول وأصح المعتمدات لأن الأبناء فيه ينقلون عن الآباء والأخلاف عن الأسلاف فيخرج النقل عن حيز الظن والتخمين إلى حيز العلم واليقين ومن جهة النصوص بوجوه\rأحدها قوله {صلى الله عليه وسلم} المدينة خير من مكة\rوثانيها دعاؤه {صلى الله عليه وسلم} بمثل ما دعا به إبراهيم {صلى الله عليه وسلم} لمكة ومثله معه\rوثالثها قوله {صلى الله عليه وسلم} اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك وما هو أحب إلى الله يكون أفضل والظاهر استجابة دعائه {صلى الله عليه وسلم} وقد أسكنه المدينة فتكون أفضل البقاع وهو المطلوب\rورابعها قوله {صلى الله عليه وسلم} لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة\rوخامسها قوله {صلى الله عليه وسلم} إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي تأوي\r","part":2,"page":364},{"id":703,"text":"وسادسها قوله {صلى الله عليه وسلم} إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد\rوسابعها قوله {صلى الله عليه وسلم} ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وكتفضيل مكة على المدينة في مقابل مشهور مذهبنا فمن جهة المعلوم بوجوه أحدها وجوب الحج والعمرة على الخلاف في وجوب العمرة والإتيان للمدينة لا يجب وثانيها إقامة النبي {صلى الله عليه وسلم} بها ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا وثالثها ما من نبي إلا حجها آدم فمن سواه من الأنبياء والمرسلين وإنما كثرة الطارئين للمدينة من عباد الله الصالحين لا من الأنبياء\rورابعها وجوب استقبالها وخامسها تحريم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة وسادسها تحريمها يوم خلق السموات والأرض ولم تحرم المدينة إلا في زمانه {صلى الله عليه وسلم} وسابعها كونها مثوى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام\rوثامنها كونها مولد سيد المرسلين {صلى الله عليه وسلم}\rوتاسعها كونها لا تدخل إلا بإحرام وعاشرها الاغتسال لدخولها دون المدينة ومن جهة النصوص بوجوه\r376\rأحدها قوله تعالى\r","part":2,"page":365},{"id":704,"text":"إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وثانيها ثناء الله تعالى على البيت الحرام بقوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين وثالثها ما رواه ابن ماجه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} استقبل الحجر ثم وضع شفتيه عليه وبكى طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي فقال يا عمر ههنا تسكب العبرات وروى البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب جاء إلى الحجر الأسود فقبله ثم قال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقبلك ما قبلتك وروي أن أبيا قال له إنه يضر وينفع فإنه يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن قبله واستلمه وهذه منفعة وقيل إن عليا قال لعمر رضي الله عنهما بل يضر وينفع قال له وكيف ذلك قال إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب كتابا وألقمه هذا الحجر فهو يشهد للمؤمنين بالوفاء وعلى الكافرين بالجحود قال الأمير في مناسكه وإنما طلب التكبير عنده إشارة إلى أن تقبيله إنما هو امتثالا لأمر الله تعالى وتعظيما لما أمر الله بتعظيمه واقتداء بنبيه {صلى الله عليه وسلم} لا كما يصنع المشركون بأصنامهم فإن الله تعالى أكبر من أن يشرك معه غيره وههنا لطيفة وهي أن هذا الحجر مسه فم النبي {صلى الله عليه وسلم} فإنه قبله وعلى التبرك بذلك تبذل النفوس وأيضا ورد أنه يمين الله في أرضه من اليمن وهو البركة والناس تتعبد بتقبيله كما تقبل أيدي الملوك ا ه\rورابعها ما جاء في الحديث من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وهو يقتضي الذنوب كلها والتبعات لأنه يوم الولادة كان كذلك وقد ورد في بعض الأحاديث أن الله تعالى تجاوز لهم عن الخطيئات وضمن عنهم التبعات ولو كان لملك داران فأوجب على عباده أن يأتوا إحداهما ووعدهم على ذلك مغفرة سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لعلم أنها أفضل\r","part":2,"page":366},{"id":705,"text":"وخامسها قد مر عن الباجي أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إذا ثبت صريحا في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة وفي الرهوني عن سيدي أحمد بابا وقد كثر الاحتجاج في كل من الفريقين بما أكثره خصائص وهي إنما تدل على الفضيلة لا الأفضلية لأن المفضول قد يختص بشيء عن الفاضل ولا يلزم منه تفضيله به فالأذان يفر منه الشيطان دون الصلاة تأمل نعم حديث المدينة خير من مكة نص في تفضيلها إلا أنه ضعيف ا ه بتصرف\rالمهم الثالث أن الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض فيكون الأفضل من حاز أكثرها وأفضلها والتفضيل إنما يقع بين المجموعات وقد يختص المفضول ببعض الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه لقوله {صلى الله عليه وسلم} أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأقرؤكم أبي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل رضي الله عنهم مع أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الجميع وقد تقدم ذلك وأن الشيطان يفر من الأذان والإقامة ولا يفر من الصلاة مع أنها أفضل منهما وكاختصاص سليمان عليه السلام بالملك العظيم ونوح عليه السلام بإنذار المئين من السنين وآدم {صلى الله عليه وسلم} بكونه أبا البشر مع تفضيل محمد {صلى الله عليه وسلم} على الجميع وكاختصاص الجهاد بثواب الشهادة مع أن الصلاة والحج أفضل منه وليس فيهما ذلك وكاختصاص الحج بتكفير الذنوب كبيرها وصغيرها بل والتبعات كما علمت مع أن الصلاة أفضل منه وليس فيها ذلك وكاختصاص مكة بأن العمل فيها أكثر من العمل في المدينة مع أن المدينة في مشهور مذهب مالك أفضل لما رواه أحمد وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجدي فيحمل الاستثناء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه عليه الصلاة والسلام صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام على ظاهره\r","part":2,"page":367},{"id":706,"text":"للزيادة وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل لأن حديث ابن الزبير منطوق وقع صريحا فلا يعارضه مفهوم حديث أبي هريرة\rوإن كان صحيحا بناء على أن معناه كما قال ابن نافع وأشهب في روايته عن مالك وجماعة من أصحابه إن الصلاة في مسجده {صلى الله عليه وسلم} أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد الرسول {صلى الله عليه وسلم} أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف أي بتسع مائة وعلى غيره بألف محتجين بما روي في مسند الحميدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه على أنه لا يتم الاحتجاج به لأنه يدل على أن صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في مسجد المدينة لأنه داخل فيما سواه من غير ذكر استثناء في مبناه وعليه جرى الأصل فيما مر عنه من أن الصلاة في مسجده {صلى الله عليه وسلم} خير من ألف صلاة في غيره وفي المسجد الحرام بألف ومائة بل قد مر عن الرهوني عن سيدي أحمد بابا أن حديث صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة قال ابن عبد البر حديث صحيح على شرط الشيخين وهو الحجة عند التنازع وهو صريح أي في تفضيل مسجد مكة يدفع ما قيل في الحديث الصحيح إلا المسجد الحرام باحتمال أنه أفضل منه بدون ألف أو بتأولهما فلذا قال مالك إن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة فالصلوات الخمس بمنى عند التوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة كما يؤخذ من حاشية شيخنا على توضيح\r","part":2,"page":368},{"id":707,"text":"المناسك على أن في حاشية الرهوني على عبق عن سيدي أحمد بابا أن هذا تضعيف نوع من العبادة ولا يلزم منه طرده في جميع أنواعها مع أنه معارض بما في الصحيحين من قوله {صلى الله عليه وسلم} اللهم اجعل بالمدينة ضعف ما بمكة من البركة قال وأما احتجاج أبي الوليد بن رشد بأن الله سبحانه جعل في مكة قبلة وكعبة الحج وبأنه {صلى الله عليه وسلم} جعل لها مزية بتحريم الله سبحانه إياها بقوله إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنه قد أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها ولم يجمعوا على وجوبه على من صاد بحرم المدينة وبأن جماعة رأوا أن تغلظ الحدود في حرم مكة لحرمته ولا تقام فيه لقوله تعالى ومن دخله كان آمنا ولم يقل أحد بذلك في حرم المدينة فجوابه أن المدينة موطن إقامته {صلى الله عليه وسلم} ومهاجره وموطن ومهاجر أصحابه المجمع على أنهم أفضل هذه الأمة ومدفن جسده الشريف بعد موته {صلى الله عليه وسلم} وهو أشرف من الكعبة ومن جميع المخلوقات\rوقد انعقد الإجماع على أن الروضة المشرفة أفضل بقاع الأرض والسماء فيكون ما قاربها وجاورها أفضل من غيره بجيرانها تغلو الديار وترخص فتأمله بإنصاف ا ه\rقلت وفي الحطاب على المختصر عن الشيخ السمهودي في تاريخ المدينة نقل عياض وقبله أبو الوليد والباجي وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة على الكعبة بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنها أفضل من العرش وصرح التاج الفاكهي بتفضيلها على السموات قال بل الظاهر المتعين جميع الأرض على السموات لحلوله {صلى الله عليه وسلم} بها وحكاه بعضهم عن الأكثر بخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها لكن قال النووي والجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة ا ه\rفاندفع قول الأصل إن قوله {صلى الله عليه وسلم} ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة إنما يدل على\rفضل ذلك الموضع لا المدينة ا ه على أن تحريم الله مكة والإجماع على وجوب جزاء صيدها ورؤية تغلظ الحدود في حرمها وأنها لا تقام فيه مزايا تقتضي الفضيلة لا الأفضلية\r","part":2,"page":369},{"id":708,"text":"وأما الاحتجاج بأن النبي {صلى الله عليه وسلم} أقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا فجوابه كما قال الأصل أن تلك العشرة كان كماله {صلى الله عليه وسلم} وكمال الدين فيها أتم وأوفر فلعل ساعة بالمدينة كانت أفضل من سنة بمكة أو من جملة الإقامة بها قال الرهوني\rوأما الاحتجاج بحديث الترمذي وصححه عبد الله بن عدي مرفوعا والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله فجوابه كما قال ابن العربي أن معنى قوله لخير أرض الله إما إنه قاله قبل علمه بتفضيل المدينة أو خيرها ما عداها ا ه\rقلت على أنه قد مر في وجوه تفضيل المدينة قوله {صلى الله عليه وسلم} اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك وقوله {صلى الله عليه وسلم} المدينة خير من مكة وهو نص في الباب وإن قال الأصل إن الثاني مطلق في المتعلق فيحتمل أنها خير من جهة سعة الرزق والمتاجر وأن سياق الأول يقتضي عدم دخول مكة في المفضل عليه لإياسه {صلى الله عليه وسلم} في ذلك الوقت فيكون المعنى فأسكني أحب البقاع إليك مما عداها ويحتمل أن تكون أفضل من المدينة على أنه لم يصح من جهة الفعل ولو صح فهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه والمعنى فأسكني أحب البقاع إليك بما جعلته فيها مما يحبه الله تعالى ورسوله من إقامته {صلى الله عليه وسلم} بها وإرشاد الخلق إلى الحق كما يقال بلد طيب أي هواها والأرض المقدسة أي قدس من فيها أو من دخلها من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لأنهم مقدسون من الذنوب والخطايا والوادي المقدس أي قدس موسى عليه السلام فيه والملائكة الحالون فيه ا ه\rإذ يكفي كونهما ظاهرين في المطلوب لأن الاحتجاج بمجموع أسباب\rالتفضيل لا بهما فقط حتى يسقطا بمجرد الاحتمال فافهم وأما قول أبي الوليد بن رشد ولا حجة في الأحاديث المرغبة في سكنى المدينة على تفضيلها أما دعاؤه {صلى الله عليه وسلم} بمثل ما دعا به إبراهيم {صلى الله عليه وسلم} لمكة ومثله معه فلأنه مطلق في المدعو به فيحمل على ما خرج به في الحديث من الصاع والمد ولا يلزم من أن يبارك لهم في مدينتهم وصاعهم ومدهم أن تكون بذلك أفضل من مكة\r","part":2,"page":370},{"id":709,"text":"وأما قوله {صلى الله عليه وسلم} أمرت بقرية تأكل القرى فلأنه إنما أخبر أنه أمر بالهجرة إلى قرية تفتح منها البلاد وأما قوله {صلى الله عليه وسلم} إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقوله {صلى الله عليه وسلم} إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد وقوله {صلى الله عليه وسلم} لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة فلحملها على زمانه {صلى الله عليه وسلم} والكون معه لنصرة الدين قال الأصل ويعضده خروج الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاته إلى الكوفة والبصرة والشام وغير ذلك من البلاد على أن قوله {صلى الله عليه وسلم} لا يصبر إلخ يدل على الفضل لا على الأفضلية ا ه فلا يتم في جميعها كما\rقال الرهوني لأنه يقتضي أن الترغيب في سكنى المدينة خاص بحياته {صلى الله عليه وسلم} مع أن الأحاديث الدالة على أن سكناها خير من غيرها بعد موته {صلى الله عليه وسلم} ثابتة في البخاري وغيره قال وقوله إن معنى حديث إن الإيمان ليأرز إلى المدينة أن الناس ينتابون إليها في حياته {صلى الله عليه وسلم} للدخول في الإسلام ليس نصا في الحديث ولا ظاهرا منه وقد فهم غيره على خلاف ذلك قال عياض في المشارق قوله إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها كذا لأكثرهم بكسر الراء وكذا قيدناه من شيوخنا في هذه الكتب وغيرها وكذا قيده الأصيلي بخطه وزاد في ابن سراج يأرز بالضم وقيده بعضهم عن كتاب القابسي يأرز بالفتح وحكي عنه أنه هكذا سمعه من المروزي ومعناه ينضم ويجتمع وقيل يرجع كما جاء في الحديث الآخر ليعودن كل إيمان إلى المدينة ا ه منها بلفظها وفي الصحاح ما نصه وأرز فلان يأرز أرزا وأروزا إذا تضام وتقبض من بخله فهو أروز\rثم قال وفي الحديث إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي ينضم إليها فيجتمع بعضه إلى بعض فيها ا ه منه بلفظه ا ه\r","part":2,"page":371},{"id":710,"text":"قلت وما ذكره الأصل من التعضيد مدفوع بما في الموطإ عن سفيان بن أبي زهير أنه قال سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول يفتح اليمن فتأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ويفتح الشام إلخ ويفتح العراق إلخ قال الباجي وقوله {صلى الله عليه وسلم} والمدينة خير إلخ لهم يريد والله أعلم أن ما يفوتهم من الأجر بالانتقال عنها أعظم وأفضل مما ينالونه من الخصب وسعة العيش حيث ينتقلون إليه من اليمن والشام والعراق ا ه\rوما في الموطإ أيضا\rوحدثني مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة التفت إليها فبكى ثم قال يا مزاحم نخشى أن نكون مما نفت المدينة قال الباجي يريد عمر بن عبد العزيز والله أعلم ما روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنها تنفي خبثها فخاف أن يكون ممن نفته المدينة لكونه من الخبث لمخالفة سنة أو ضلال عن هدى ومثله من أهل الفضل والدين يخاف على نفسه ا ه فافهم\r","part":2,"page":372},{"id":711,"text":"المهم الرابع مسائل التفضيل بين الصحابة والأنبياء والملائكة وإن كانت كثيرة إلا أنها ترجع إلى التفضيل بالطاعات وكثرة المثوبات والأحوال السنيات وشرف الرسالات والدرجات العليات فمن كان فيها أتم فهو أفضل قال الشيخ عبد السلام على الجوهرة وتلخيص ما أشار إليه الناظم أولا وآخرا أن نبينا محمدا {صلى الله عليه وسلم} أفضل المخلوقات على العموم ويليه إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نوح ثم بقية الرسل ثم الأنبياء غير الرسل ثم هم فيما بينهم متفاضلون أيضا عند الله ثم أرأس رسل الملائكة ثم من يليه منهم ثم بقية رسلهم ثم بقيتهم غير الرسل ثم هم متفاضلون أيضا فيما بينهم ثم قال وقد علم من النظم أن التفضيل إما باعتبار أفراد الصحابة فأبو بكر هو الأفضل ثم عمر ثم عثمان ثم علي وإما باعتبار الأصناف فأفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقية من العشرة ثم بقية البدريين ثم بقية أصحاب أحد ثم بقية أهل بيعة الرضوان بالحديبية وهو في كلام الشمس البرماوي ا ه وهذه المسائل وإن كانت أشبه بأصول الدين إلا أن لها تعلقا بالفقه بوجه ما سيما على قول من قال الحكم الشرعي ما أخذ من الكتاب أو السنة أو الإجماع ولا على طريق الاعتداد لا الاستقلال كأغلب مسائل التوحيد التي يستقل بها العقل وهذا الكتاب المقصود الاقتصار فيه على ما يتعلق بالقواعد الفقهية خاصة ولو بوجه ما والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم\r","part":2,"page":373},{"id":712,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الملهم للصواب والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله والأصحاب الفرق الرابع عشر والمائة بين قاعدة ما يصح اجتماع العوضين فيه لشخص واحد وبين قاعدة ما لا يصح أن يجتمع فيه العوضان لشخص واحد إنما يتم الفرق بينهما بناء على تسليم ما قاله الأصل من أن قاعدة أنه لا يجوز أن يجتمع العوضان لشخص واحد لأنه يؤدي إلى أكل المال بالباطل وإنما يأكله بالسبب الحق إذا خرج من يده ما أخذ العوض بإزائه فيرتفع الغبن والضرر على المتعاوضين فلذلك لا يجوز أن يكون للبائع الثمن والسلعة معا ولا للمؤجر الأجرة والمنفعة معا أكثرية لا كلية فيستثنى منها مسائل المسألة الأولى الإجارة على الصلاة فيها ثلاثة أقوال الأول الجواز لأن الأجرة بإزاء الملازمة في المكان المعين وهو غير الصلاة والثاني المنع لأن ثواب صلاته له فلو حصلت له الأجرة أيضا لحصل له اجتماع العوض والمعوض وهو غير جائز الثالث التفرقة بين أن يضم إليها الأذان فتصح أو لا يضم\rإليها فلا تصح لأن الأذان لا يلزمه فيصح أخذ الأجرة عليه فإذا ضم إلى الصلاة قرب العقد من الصحة وهو المشهور وفي بداية المجتهد لابن رشد وأما إجارة المؤذن فإن قوما لم يروا في ذلك بأسا قياسا على الأفعال غير الواجبة وقوما كرهوا ذلك وحرموه محتجين بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرة وسبب الاختلاف هل هو واجب أم ليس بواجب\rا ه بتصرف\rالمسألة الثانية\r","part":2,"page":374},{"id":713,"text":"أخذ الخارج في الجهاد من القاعد من أهل ديوانه جعلا على ذلك أجازه مالك رحمه الله تعالى لعمل الناس في ذلك ولأنه باب ضرورة أن ينوب بعضهم عن بعض إذا كانوا أهل ديوان واحد وإلا فلا ضرورة تخالف لأجلها القاعدة المجمع عليها فيقال بالجواز مع اجتماع ثواب الجهاد والجعل للخارج ومنع من ذلك الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى ولو كان الخارج من أهل ديوانه لا من أهل ديوان آخر عملا بالقاعدة المسألة الثالثة المسابقة بجعل أي مال يجعل بين المتسابقين ليأخذه السابق أو من حضر في الخيل من الجانبين والإبل كذلك والخيل من جانب والإبل من جانب جائزة بمعنى الإذن الصادق بالوجوب إن توقف أصل الجهاد عليها لأن الوسائل تعطى حكم المقاصد ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وبالندب إن توقفت البراعة فيه عليها وبالإباحة إن لم يتوقف عليها شيء أن يصح تبع الجعل وإخراجه غير المتسابقين ليأخذه من سبق منهما أو أخرجه أحدهما فإن سبق غيره أخذه السابق وإن سبق هو فلمن حضر كما في مختصر خليل وشراحه فاشترطوا الثالث المحلل لأخذ العوض وفي المنح عن الأصل وهي مستثناة\rمن ثلاث قواعد للمنع القمار وتعذيب الحيوان لغير أكله وحصول العوض والمعوض لشخص واحد في بعض الصور وهي ما إذا أخرج الجعل غير المتسابقين ليأخذه السابق مع أن له أجر التسبب للجهاد لكن قال ابن الشاط لا يسلم أن المبذول في هذه المسائل الثلاث عوض عن الثواب بل هو معونة على القيام بتلك الأمور فللقائم بها ثواب ولمن يؤتي المعونة ثواب فلم يجتمع العوضان لشخص واحد بوجه على أن في هذا الفرق نظرا يفتقر إلى بسط\rا ه ولم يظهر لي وجه النظر فتأمل والله أعلم\rالفرق الخامس عشر والمائة بين قاعدة الأرزاق وبين قاعدة الإجارات\r","part":2,"page":375},{"id":714,"text":"الأرزاق والإجارات وإن اشتركا في أن كليهما بذل مال بإزاء المنافع من الغير إلا أنهما افترقا من جهة أن باب الأرزاق دخل في باب الإحسان وأبعد عن باب المعاوضة وباب الإجارة أبعد عن باب الإحسان والمسامحة وأدخل في باب المعاوضة والمكايسة والمغابنة وذلك أن الإجارة عقد والوفاء بالعقود واجب والأرزاق معروف وصرف بحسب المصلحة فإذا عرضت مصلحة أخرى أعظم من تلك المصلحة تعين على الإمام الصرف فيها وترك الأولى فلذلك اختص كل واحد منهما بأحكام لا تثبت للآخر يظهر لك تحقيقها بست مسائل المسألة الأولى القيام بالقضاء من تنفيذ الأحكام عند قيام الحجاج ونهوضها من حيث إنه يجب على القضاة أن يكون لهم عليه أرزاق من بيت المال إجماعا إعانة لهم على القيام بالواجب من بيت المال لأن\rالأرزاق من حيث إنها معروف لا معاوضة كما علمت بجواز دفعها وقطعها وتقليلها وتكثيرها وتغييرها بل يتعين على الإمام إذا عرضت مصلحة أعظم أن يصرف الأرزاق فيها ويقدمها على مصلحة القضاء وورثتهم لا يستحقونها ولا يطالبون بها ولا يشترط فيها مقدار من العمل ولا أجل تنتهي إليه والإجارة من حيث إنها معاوضة لا معروف كما علمت تخالف ذلك فيشترط فيها الأجل ومقدار المنفعة ونوعها ويستحق الأجرة فيها الوارث ويتعين نفعها للأخذ بعينها من غير زيادة ولا نقص ولا تجوز في القيام بالقضاء إجماعا بل ولا في كل ما يجب على الأجير القيام به لئلا يجتمع للأجير العوض والمعوض ولئلا تدخل التهمة في الحكم بمعاوضة صاحب العوض فيكون القاضي كالوكيل يأخذ على الوكالة عوضا ليكون عاضدا وناصرا لمن بذل له العوض\rالمسألة الثانية\r","part":2,"page":376},{"id":715,"text":"ما يدفعه الإمام من الخراج والطين لمن يتولى المساجد والجوامع بالقيام فيها بوظيفة إمامة أو أذان أو خطابة أو تدريس أو نحو ذلك وإن شارك ما يدفع لهم أجرة أو وقفا للقيام بتلك الوظائف في حكمين أحدهما عدم جواز التناول إذا لم يقوموا بتلك الوظائف بأنفسهم على مقتضى شرط الإمام والواقف وما وقع عليه عقد الإجارة لأنه كما لا يجوز عدم الوفاء بعقد الإجارة وشرط الواقف كذلك لا يجوز استباحة أموال بيت المال بدون أذان الإمام فافهم ثامنهما جواز كل من الأرزاق والوقف في المدارس إلا أنه يخالفهما في أحكام منهما أنه يجوز للإمام أن ينقل ما يدفعه لهم إذا تعطلت المساجد أو وجدت جهة هي أولى بمصلحة المسلمين من جهتها بخلاف المجعول لهم أجرة أو وقفا فإنه لا ينقل إلى جهة أخرى غير\rجهة المساجد وإن كانت أولى من جهتها لوجوب الوفاء بعقد الإجارة وشرط الواقف فإذا وقف الواقف حوانيت أو دورا أو غيرها على من يقوم بوظيفة من الوظائف المذكورة في المساجد والجوامع لم يجز للإمام ولا غيره إطلاقه لمن لم يقم بشرط الواقف في استحقاقه\r","part":2,"page":377},{"id":716,"text":"ومنها أنه لا يجوز لأحد أن يتناول من ريع ذلك الوقف شيئا إلا إذا قام بذلك الشرط على مقتضاه بنفسه فإن استناب عنه غيره في هذه الحالة بلا عذر يمنعه من القيام به بنفسه لم يستحق هو ولا نائبه شيئا من ريع ذلك الوقف وإن أذن له الإمام أو غيره في ذلك أما النائب فلأن صحة ولايته مشروطة بأن تكون ممن له النظر وهذا المستنيب ليس له نظر إنما هو إمام أو مؤذن أو مدرس أو نحو ذلك فلا تصح النيابة الصادرة عنه وإن كانت بإذن لأنه على خلاف شرط الواقف وأما المستنيب فلأنه لم يقم بشرط الواقف وإن استناب في هذه الحالة لعذر أيامه فقط جاز له أن يتناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك الريع نعم في شرح الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي كشاف القناع على متن الإقناع في مذهب ابن حنبل رحمه الله تعالى ما نصه مع المتن قال الشيخ والنيابة في مثل هذه الأعمال المشروطة من تدريس وإمامة وخطابة وأذان وغلق باب ونحوها جائزة ولو عينه الواقف وفي عبارة أخرى له ولو نهى الواقف عنه إذا كان النائب مثل مستنيبه في كونه أهلا لمن استنيب فيه وقد يكون هكذا في الفروع والاختيارات قال ابن عقيل صوابه إذا لم يكن في ذلك مفسدة راجحة هكذا هو في فتاوى الشيخ ا ه وكذا ذكر معناه في تصحيح الفروع وجواز النيابة به في هذه الأعمال كالأعمال المشروطة في الإجارة على عمل في\rالذمة كخياطة الثوب وبناء الحائط\rا ه بلفظه وهو فسحة في الدين وسيأتي في الفرق السادس عشر والمائتين بزيادة بيان في هذه المسألة بالنسبة لمذهبنا فترقب ويجوز للإمام فيما يدفعه لمتوليها من الخراج والطين أن يجعل له أن يستنيب دائما ويكون له ذلك على النظر لا على القيام بالوظيفة وإن كان ذلك لمن تقدمه على القيام بالوظيفة لمصلحة أخرى رآها\r","part":2,"page":378},{"id":717,"text":"ومنها أن تناول الأجرة على إمامة الصلاة قد وقع الخلاف في جوازه ومنعه وهو مشهور مذهب مالك لأن الإجارة عقد مكايسة ومغابنة ومن باب المعاوضات التي لا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد لأن المعاوضة إنما شرعت لينتفع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له وأجر الصلاة للإمام فلو أخذ العوض عنها لاجتمع له العوضان وتناول الأرزاق على الإمامة مجمع على جوازه لأنها من باب المعروف كما مر لا من باب الإجارة كما ظنه كثير من الفقهاء فقال إنما يجوز تناول الرزق على الإمامة في الصلاة بناء على القول بجواز الإجارة عليها وتورع عن تناوله بناء على الخلاف في جواز الإجارة عليها ولم يفهم أن جواز الأرزاق عليها كجواز الوقف عليها بدون أدنى خلاف إذ الرزق ليس بمعاوضة ألبتة وكيف يكون كذلك وقد أجازوا تناوله في أضيق المواضع الذي تمتنع فيه المعاوضة قطعا وهو القضاء والحكم بين الناس فحينئذ لا ورع في تناول الأرزاق على الإمامة من هذا الوجه وإنما الورع في أنه لا يجوز أن يتناول الرزق أو الوقف إلا إذا قام بذلك الوجه الذي صرح به الإمام في إطلاقه لتلك الأرزاق أو الواقف في شرطه قلت ومنها إلى آخر ما مر في الأرزاق على القضاء كما هو الظاهر فانظر ذلك وحرر\rالمسألة الثالثة الإقطاعات التي يجعلها الإمام للأمراء والأجناد من الأراضي الخراجية وغيرها من\r","part":2,"page":379},{"id":718,"text":"الرباع والعقار أرزاق من بيت المال وإعانة على الإطلاق فهي وإن شاركت الإجارة في أنه لا يجوز تناولها بما قاله الإمام من اشتراط التهيؤ للحرب ولقاء الأعداء والمناضلة على الدين ونصرة كلمة الإسلام والمسلمين والاستعداد بالخيل والسلاح والأعوان على ذلك فمن لم يفعل ما شرطه عليه الإمام من ذلك لم يجز له التناول كما أنه لا يجوز تناول الأجرة لمن لم يقم بما تضمنه عقد الإجارة إذ كما أن الأجرة لا تستحق إلا بالوفاء بعقد الإجارة لوجوبه كذلك مال بيت المال لا يستحق إلا بالوفاء بما صرح به الإمام في إطلاقه لتلك الأرزاق إلا أنها تخالف الإجارة في أحكام\rأحدها\rأنها إذا كانت فوق ما يستحقه المقتطع له على تلك الوظيفة غلطا أو جورا من الإمام فلا يستحق المقتطع له ذلك الزائد بل يبقى في يده أمانة شرعية يجب رده لبيت المال وللإمام بعد ذلك أن ينزعه منه ولمن ظفر به ممن له في بيت المال حق أن يتناوله بإذن الإمام إن كان عدلا أو بغير إذنه إن كان جائرا والإجارة تنعقد بأجرة المثل وبأكثر منها ويستحق المعقود له الزائد ولا يجوز للإمام انتزاعه منه إذا كان الحال والاجتهاد اقتضى ذلك ولا يجوز لأحد ممن له حق في بيت المال أن يتناول ذلك الزائد من الأجرة لكونه مستحقا بعقد الإجارة لمن عقد له\rالثاني أنه لا يشترط في هذه الإقطاعات مقدار من العمل ولا أجل تنتهي إليه وقواعد الإجارة اشتراط الأجل ومقدار المنفعة ونوعها الثالث أنه يجوز للإمام أن يحول هذه الإقطاعات عمن اقتطعها له إلى غيره على حسب ما تقتضيه المصلحة ولو كانت عقد إجارة لامتنع نقلها منه إلى غيره\rالرابع\r","part":2,"page":380},{"id":719,"text":"أن الأمير أو الجندي إذا آجر ما جعله الإمام له من الإقطاعات ثم مات في أثناء العقد قبل انقضاء مدة الإجارة فللإمام أن يقر ورثته على تلك الأجرة ويمضي لهم تلك الإجارة إلى حلول أجلها وله دفع جميع تلك الأجرة للمقطع الثاني إذا كانت المصلحة للمسلمين في ذلك ولا تستقر الأجرة الأولى للأول إلا بمضي العقد وانقضاء أجل الإجارة وهو باق على ذلك الإقطاع ويمكن تخريج هذه الإجارة من المقطع له على قاعدة الوقف إذا آجره البطن الأول زمان استحقاقه وغير زمان استحقاقه ففي بطلانه في غير زمان استحقاقه وعدم بطلانه خلاف بين العلماء فإن هذا المقطع له إنما يستحق الزمان الذي هو فيه مقطع لتلك الأرض فإذا مات أو حول عنها لغيرها فقد آل الاستحقاق لغيره كالبطن الثاني إذا طرأ بعد الأول ولو كانت الإجارة له من الإمام بذلك الإقطاع لاستحقها ورثته ولتعذر على الإمام انتزاعها منهم في مدة عقد الإجارة\rالمسألة الرابعة قال الأصل وقع في كتاب البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد من أصحابنا رحمه الله تعالى ما ظاهره أن للإمام أن يوقف وقفا على جهة من الجهات ووقع للشافعية رحمهم الله تعالى مثل ذلك ومقتضى ذلك أن أوقاف الملوك إذا وقعت على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين كأن يقفوا وقفا على جهات البر والمصالح العامة معتقدين أن المال للمسلمين والوقف للمسلمين فإنها تنفذ ولا يجوز لأحد أن يتناول منها شيئا إلا إذا قام بشرط الواقف ولا يجوز للإمام أن يطلق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يقم بتلك الوظيفة وإذا لم تقع على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين يقول كأن وقفوا على\rجزء 3 ص 10","part":2,"page":381},{"id":721,"text":"أولادهم أو جهات أقاربهم لهواهم وحرصهم على حوز الدنيا لهم ولذراريهم واتباعا لغير الأوضاع الشرعية أو وقفوا على جهات البر والمصالح العامة معتقدين أن المال لهم وأن الوقف لهم بناء على ما يعتقده جهلة الملوك أن المال الذي في بيت المال لهم فكان من قبيل من وقف مال غيره على أنه له لم ينفذ هذا الوقف بل هو باطل يحرم على من وقف عليه أن يتناول منه شيئا بهذا الوقف فإذا تناوله كان للإمام أخذه منه وصرفه له ولغيره على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين وللإمام وقف هذه الجهة على جهة أخرى على الأوضاع الشرعية\rوأما إذا اشتروا بعض أراضي المسلمين وقراهم من مالهم الذي يكتسبونه في زمن مملكتهم ووقفوا ذلك على أولادهم أو أحد من أقاربهم فإنه يتخرج على الخلاف في بطلان تبرعات المديون المتأخرة عن تقرر الدين عليه كما هو مذهب مالك ومن وافقه وعدم بطلانها كما هو مذهب غيرهم وذلك لأن الملوك بسبب استغراق ذممهم بالديون التي تترتب عليهم بسبب ما يجنونه على المسلمين من تصرفاتهم في أموال بيت المال بالهوى في أبنية الدور العالية المزخرفة والمراكب النفيسة والأطعمة الطيبة وإعطاء الأصدقاء والمزاح بالباطل من أموال وغير ذلك من التصرفات المنهي عنها شرعا فتكون ديونا عليهم وتكثر بتطاول الأيام يتعذر في حقهم أمران أحدهما الأوقاف والتبرعات والبيوعات على مذهب مالك رحمه الله تعالى ومن وافقه فإن تبرعات المديون المتأخرة عن تقرر الدين عليه باطلة وثانيهما الإرث لأنه لا ميراث مع الدين إجماعا فلا يورث عنه شيء وما تركوه من المماليك لا\rينفذ عتق الوارث فيهم بل هم أموال بيت المال مستحقون بسبب ما عليهم من الدين فلا ينفذ فيهم إلا عتق متولي بيت المال على الوجه الشرعي لمصلحة المسلمين ا ه بتصرف للإصلاح\r","part":3,"page":1},{"id":722,"text":"وفي حاشية العلامة ابن عابدين الحنفي على الدر أن أوقاف الملوك والأمراء إن علم ملكهم لها بالشراء صح وقفهم لها وروعي فيه شرط الوقف وإن لم يعلم شراؤهم لها ولا عدمه فالظاهر أنه لا يحكم بصحة وقفها لأنه لا يلزم من وقفهم لها ملكهم لها بل يحكم بأن ذلك السلطان الذي وقفها أخرجها من بيت المال وعينها لمستحقيها من العلماء والطلبة ونحوهم عونا لهم على وصولهم إلى بعض حقهم من بيت المال فهو إرصاد لا وقف حقيقة فلهذا أفتى علامة الوجود المولى أبو السعود مفتي السلطنة السليمانية بأن أوقاف الملوك والأمراء لا يراعى شرطها لأنها من بيت المال أو ترجع إليه وإذا كان كذلك لا يجوز الإحداث إذا كان المقرر في الوظيفة أو المرتب من مصاريف بيت المال\r","part":3,"page":2},{"id":723,"text":"ا ه ولا يخفى أن المولى أبا السعود أدرى بحال أوقاف الملوك ومثله في المبسوط ولذا لما أراد السلطان نظام المملكة برقوق في عام نيف وثمانين وسبعمائة أن ينقض هذه الأوقاف لكونها أخذت من بيت المال وعقد لذلك مجلسا حافلا حضره الشيخ سراج الدين البلقيني والبرهان بن جماعة وشيخ الحنفية الشيخ أكمل الدين شارح الهداية فقال البلقيني ما وقف على العلماء والطلبة لا سبيل إلى نقضه لأن لهم في الخمس أكثر من ذلك وما وقف على فاطمة وخديجة وعائشة ينقض ووافقه على ذلك الحاضرون كما ذكره السيوطي في النقل المستور في جواز قبض معلوم الوظائف بلا حضور ورأيت نحوه في شرح الملتقى ففي هذا تصريح بأن أوقاف السلاطين من بيت المال إرصادات لا أوقاف حقيقة وأن ما كان منها على مصارف بيت المال لا ينقض بخلاف ما وقفه السلطان على أولاده أو عتقائه مثلا وأنه حيث كانت إرصادا لا يلزم مراعاة شروطها لعدم كونها وقفا صحيحا فإن شرط صحته ملك الواقف والسلطان بدون الشراء من بيت المال لا يملكه وما في التحفة المرضية عن العلامة قاسم من أن وقف السلطان لأرض بيت المال صحيح لعل مراده أنه لازم لا يغير إذا كان على مصلحة عامة كما نقل الطرسوسي عن قاضي خان من أن السلطان لو وقف أرضا من بيت مال المسلمين على مصلحة عامة للمسلمين جاز قال ابن وهب لأنه إذا أبده على مصرفه الشرعي فقد منع من يصرفه من أمراء الجور في غير مصرفه\rا ه فقد أفاد أن المراد من هذا الوقف تأبيد صرفه على هذه الجهة المعينة التي عينها السلطان مما هو مصلحة عامة وهو معنى الإرصاد السابق فلا ينافي ما تقدم والله أعلم\r","part":3,"page":3},{"id":724,"text":"ا ه بتصرف قلت وهو يخالف ما للأصل من جهتين جهة أن كلام الأصل يفيد أن مقتضى ظاهر ما وقع في كتاب ابن رشد وما للشافعية من جواز وقف من الإمام على جهة من الجهات صحة وقفه ومراعاة شرطه وكلام ابن عابدين يفيد أن صريح ما للشافعية والأحناف عدم صحة الوقف وأنه لا يراعى شرطه وكلام الأصل ظاهر بالنسبة لمذهبنا مبني على أن السلطان وإن لم يكن مالكا ما وقفه من بيت المال إلا أنه وكيل على المسلمين فهو كوكيل الواقف يصح وقفه كما في البناني على عبق فلذا قال الشيخ علي المسناوي رحمه الله تعالى في القول الكاشف وحاصل ما لأئمتنا في أوقاف مستغرقي الذمة من الملوك وغيرهم كالقرافي في الفروق ومن تبعه من المحققين أنها إن كانت على بعض وجوه البر والمصالح العامة كالمساجد والمساكين واعتقدوا أن المال للمسلمين والوقف لهم وأيديهم في ذلك أيدي نيابة فقط فإنه يصح وتعتبر شروطهم في ذلك إذا كانت على وفق ضياع الشرعية\rوتجري عليه أحكام أوقاف غيرهم من أنه لا يجوز أن يتناول شيئا منها إلا من قام بشرط الوقف وأنه لا يجوز للإمام إن كان هو الواقف أن يطلق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يقم بذلك الشرط ولا أن يحوله على تلك الجهة إلى جهة أخرى للزوم ذلك له ولغيره كسائر الأوقاف وعلى هذا يحمل ما في سماع محمد بن خالد المذكور في العتبية وسلم ابن رشد في البيان وأشار إليه ابن عرفة بقوله يصح الحبس من الإمام لسماع ابن خالد من ابن القاسم صحة تحبيسه الخيل في الجهاد وأنكر بعض المفتين ببلدنا حين إشهاد إمامها بتحبيس بعض رباعها على بناء سورها فأوقفته على السماع أي سماع ابن خالد من ابن القاسم المذكور فشهد فيه معنا\r","part":3,"page":4},{"id":725,"text":"ا ه أي فشهد ذلك البعض في إشهاد ذلك والإمام بالتحبيس للرباع المذكورة معنا قال كنون وانظر كتاب الحبس من تكميل غ ولا فرق في جميع ما ذكر أي في الأقسام الثلاثة أعني كون أوقافهم على ما يرجع إلى مصالحهم الخاصة أو على وجوه البر والمصالح العامة معتقدين أن أموال بيت المال وما بأيديهم منها لهم وأن الوقف لهم أو على وجوه البر والمصالح العامة معتقدين أن المال والوقف للمسلمين لا لهم بل أيديهم في ذلك أيدي نيابة فقط بين أن يكون ما وقفوه مشترى من مال بيت المال أو من مالهم الذي اكتسبوه في زمن الإمارة إذ هو لبيت المال حكما لعمارة ذمتهم بما جنوه على المسلمين من تصرفهم في أموال بيت المال على غير الوجه الشرعي فيستغرق ما بأيدهم مما اكتسبوه بعد الولاية بل وقبلها فيبطل وقف المشتري بالقبلي أيضا في القسمين الأولين إذا تأخر إلى استغراق الذمة ومما تفارق به أيضا أوقاف الملوك ونحوهم غيرها من الأوقاف إن وفرها أي ما فضل منها عما سموه من المصرف فضلا بينا لا خلاف في جواز صرفه في مصلحة غير ما عينوه ولا يدخله الخلاف المعروف في أوقاف الأحباس كما في جوابي العلامة أبي عثمان العقباني والمحصل المفتي أبي عبد الله القوري المذكورين في المعيار\rا ه وقال عبق وفي تت عند قوله إن كان على محجوره عند الذخيرة إن وقفوا على مدرسة أكثر مما تحتاج إليه بطل فيما زاد فقط لأنهم معزولون عن التصرف إلا على وجه المصلحة والزائد لا مصلحة فيه فهو من غير متول ولا ينفذ\rا ه ولابن وهبان في منظومته ولو وقف السلطان من بيت مالنا بالمصلحة عمت يجوز ويؤجر ويؤخذ من كلام عبق على مختصر خليل مع البناني عليه عند قوله صح وقف مملوك وإن بأجرة\r","part":3,"page":5},{"id":726,"text":"الفرق بين أرصاد الإمام المعبر عنه في كتبنا بالخلو وبين وقفه نيابة عن المسلمين على جهة من المصالح العامة بما حاصله أن منفعة الخلو مملوكة لم يتعلق الحبس بها وإنما تعلق الحبس بأصلها فمالكها كمالك المنفعة لمدة معينة بأجرة فكما يجوز تحبيس مالك المنفعة بأجرة للمدة المعينة لقول المدونة في الإجارات ولا بأس أن يكري أرضه على أن تتخذ مسجدا عشر سنين فإذا انقضت كان النقض للذي بناه\rا ه لأن الوقف لا يشترط فيه التأبيد عندنا كذلك يجوز بالأحرى لمالك منفعة الخلو تحبيسها لكونه يملكها على التأبيد على ما جرى به العمل بمصر فلذا أفتى بصحته جمع منهم شيخ عج والشيخ أحمد السنهوري وأفتى الناصر بجواز بيع الخلو في الدين وارثه ورجوعه لبيت المال حيث لا وارث وما أبداه عج من الفروق بين منفعة الخلو ومنفعة الإجارة بمسائل فجميعها لا يصح وما وقفه الإمام على جهة من المصالح العامة ليست مملوكة لتلك الجهة بل تعلق الحبس بها كأصلها فتجرى عليه أحكام أوقاف غير الإمام لا تراعى شروطه التي على وفق الأوضاع الشرعية كما علمت وأما بالنسبة لمذهب الشافعية فليس بظاهر لأن ما وقع من أن الإمام أن\r","part":3,"page":6},{"id":727,"text":"يوقف وقفا على جهة من الجهات لا يقتضي صحته فقط بل كما يحتملها كذلك يحتمل عدمها وقد نقل الشيخ أبو بكر الزرعة المكي في رسالته بساط الكرم في القول على أوقاف الحرم عن العلامة السيوطي أنه قال في الينبوع ذكر أصحابنا الفقهاء يعني الشافعية أن الوظائف المتعلقة بالأوقاف أوقاف الأمراء والسلاطين كلها إن كان لها أصل من بيت المال أو ترجع إليه فيجوز لمن كان بصفة الاستحقاق من عالم بالعلوم الشرعية وطالب علم كذلك وصوفي على طريقة الصوفية أهل السنة أن يأكل مما وقفوه غير متقيد بما شرطوه إلى آخر ما ذكره ثم قال بعد وإذا وقف السلطان من بيت المال أرضا لمصلحة العامة فذكر قاضي خان في فتاويه جوازه ولا يراعي ما شرطه دائما ا ه أي بل يراعي في الجملة وذكر العلامة ابن حجر الهيتمي في شرح المنهاج أن شروط السلاطين في أوقافهم من بيت المال لا يعمل بشيء منها كما قاله أجلاء المتأخرين فإنه لا يجب مراعاة شروطهم فيها لبقائها على ملك بيت المال\r","part":3,"page":7},{"id":728,"text":"ا ه فأنت ترى أن الشافعية مع قولهم بجواز أوقافهم الجارية على الأوضاع الشرعية قالوا بعدم صحتها وعدم مراعاة شروطها فمذهبهم كمذهب الأحناف مبني على أن الأئمة لا يملكون في بيت المال شيئا وشرط صحة الوقف ملك الواقف فما وقفوه ليس بوقف حقيقة بل صورة من قبيل الأرصاد عينه واقفه من الأئمة والأمراء وأبده على مصرفه ومستحقه الشرعي من العلماء والطلبة ونحوهم عونا على وصولهم إلى بعض حقهم في بيت المال ومنعا لمن يصرفه من أمراء الجور في غير مصرفه قال في بساط الكرم جوز العلماء والحكام لضرورات الناس ما جرت به العادة المستمرة في الأوقاف السلطانية من الفراغ كما نص عليه العلامة العيني رحمه الله تعالى وكيف وله أصل في الجملة عن علمائنا رحمهم الله تعالى والعادة محكمة أي هي المرجع عند النزاع لأنه دليل يبتنى عليه الحكم كما نص عليه العلامة البيري وأصلها قوله {صلى الله عليه وسلم} ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح رواه أحمد في كتاب السنة وهو موقوف حسن أفاده العلامة السيد الحموي وقد أجاب مفتي مكة العلامة السيد عبد الله ابن المرحوم السيد محمد ميرغني لما سأله قاضيها يومئذ بما صورته ما قولكم في خلوات المدارس التي بناها واقفها لطلبة العلم ثم استولى عليها وسكنها غير المشروطة لهم ويفرغون سكناها بعوض دراهم بينهم فهل هذا الفراغ صحيح ويستحق سكناها غير طلبة العلم أم تنزع من أيديهم وتعطى لمن شرط لهم أم كيف الحكم بما نصه نعم هو صحيح على ما عليه العمل من جواز فراغ ما ذكر مما الفراغ جاز فيه وقد جرت به العادة المستمرة حيث كان الاستيلاء بالطريق المعتبر ممن يملك التصرف فلا ينزع من يد من هو في يده بل ولا يتكلف بإثبات ما بيده كما نصوا عليه فليراجع مظانه والله أعلم\r","part":3,"page":8},{"id":729,"text":"فقد أفاد سلمه الله ما جرت به العادة واستمر عليه العرف أخذا من كلامهم وأخذ الشيخ أبو بكر يسوق في رسالته بساط الكرم نصوص علماء مذهبه ومذهب الشافعية في ذلك فانظرها إن شئت وفي شرح العلامة الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي كشاف القناع على متن الإقناع في مذهب ابن حنبل رضي الله تعالى عنه ما نصه فإن كان الوقف من بيت المال كأوقاف السلاطين من بيت المال فليس بوقف حقيقي بل كل من جاز له الأكل من بيت المال جاز له الأكل منها كما أفتى به صاحب\rالمنتهى موافقة للشيخ الرملي وغيره في وقف جامع طولون ونحوه\rا ه فتحصل أن أوقاف السلاطين عندنا أوقاف حقيقة لا أرصاد فمنفعتها ليست مملوكة لمن وقفت عليه فلا يجوز له بيعها ويراعى فيها شرط الواقف بخلاف الأرصاد المعبر عنه بالخلو وعند الأئمة الثلاثة أرصاد لا أوقاف حقيقة فمنفعتها مملوكة لمن وقفت عليه يجوز له بيعها ولا يراعى فيها شرط الواقف فاحفظ ذلك ومن جهة أن كلام الأصل يفيد عدم صحة وقف الأئمة والأمراء ما ملكوه بالشراء من بيت المال أو غيره لاستغراق ذممهم بالديون التي تترتب عليهم بتعديهم على أموال بيت المال وكلام ابن عابدين يفيد صحته والظاهر التفصيل بتقييد الصحة بمن لم يتعد على بيت المال أو على من وقف قبل تقرر الديون عليه أو بعد تقررها عند من يقول بعدم بطلان تبرعاته وتقييد عدم صحة بمن سوى ذلك كما يشهد لذلك قول خليل في جامعه ولا تجوز وصايا المتسلطين بالظلم المستغرقي الذمة ولا عتقهم ولا تورث أموالهم ويسلك بها سبيل ما أفاء الله\rا ه قال كنون ومثله لابن الحاجب وابن شاس وفي الذخيرة وصية السلاطين الظلمة غير جائزة وعتقهم مردود ا ه فتأمل بإنصاف\rالمسألة الخامسة\r","part":3,"page":9},{"id":730,"text":"المصروف من الزكاة للمجاهدين رزق خاص من مال خاص لا أجرة ولا إجارة وفي تعين صرفه لهذه الجهة فلا يجوز أن يختص غيرها من الأصناف الثمانية بالصرف لأن الأصناف الثمانية شركة في الصدقة أو لا يتعين صرفه لها بل يجوز أن تصرف جميع الصدقة إلى واحد من الأصناف الثمانية خلاف بين الشافعية وبين المالكية والأحناف رحمهم الله تعالى مبني على الخلاف بينهم في اللام في إنما الصدقات للفقراء الآية هل هي لام التمليك كقولك هذا المال لزيد وبه قال الشافعي أو لام الأصل كقولك هذا السرج للدابة والباب للدار وبه قال مالك وأبو حنيفة قال ابن العربي في الأحكام واتفقوا على أنه لا يعطى جميعها للعاملين عليها واعتمد هذا أصحاب الشافعي على أن الله أضاف الصدقة فاللام التمليك إلى مستحق حتى يصح منه الملك على وجه التشريك فكان ذلك بيانا للمستحقين وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين أو لقوم معينين وتعلق علماؤنا بقوله تعالى إن تبدوا الصدقات الآية والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض\r","part":3,"page":10},{"id":731,"text":"وقال النبي {صلى الله عليه وسلم} أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة وحقق علماؤنا المعنى فقالوا إن المستحق هو الله تعالى ولكنه أحال بحقه لمن ضمن لهم رزقهم بقوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فكان كما لو قال زيد لعمرو إن لي حقا على خالد يماثل حقك يا عمرو أو يخالفه فخذه منه مكان حقك فإنه يكون بيانا لمصرف حق المستحق لا للمستحق والصنف الواحد في جهة المصرف والحلية كالأصناف الثمانية وقد كنا نقول إن الزكاة تصرف إلى الذمي فخصصنا هذا العموم بما خصصه صاحب الشريعة المبين للناس ما نزل إليهم بقوله {صلى الله عليه وسلم} أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم وما فهم المقصود أحد فهم الطبري فإنه قال الصدقة لسد خلة المسلمين أو لسد خلة الإسلام وذلك مفهوم من مأخذ القرآن في بيان الأصناف وتعديدهم والذي جعلناه فصلا بيننا وبينهم أن الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه فكذلك تعميم الأصناف مثله\rا ه بتصرف ما وفي بداية المجتهد لابن رشد فسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى فإن\rاللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة إذا كان المقصود به سد الخلة فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء إنما ورد لتمييز الجنس أعني أهل الصدقات لا تشريكهم في الصدقة فالأول أظهر من جهة اللفظ وهذا أظهر من جهة المعنى ومن الحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن الصدائي أن رجلا سأل النبي {صلى الله عليه وسلم} أن يعطيه من الصدقة فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك\r","part":3,"page":11},{"id":732,"text":"ا ه وفي أحكام ابن العربي أن النخعي قال إن كان المال كثيرا قسمه على الأصناف وإلا وضعه في صنف وقال أبو ثور إن أخرجه صاحبه جاز له أن يضعه في قسم وإن قسم الإمام استوعب الأصناف وذلك فيما قالوا إنه إن كان كثيرا فليعمهم وإن كان قليلا كان قسمه ضررا عليهم وكذلك إن قسمه صاحبه لم يقدر على النظر في جميع الأصناف فأما الإمام فحق كل واحد من الخلق متعلق به من بيت المال وغيره فيبحث عن الناس ويمكنه تحصيلهم والنظر في أمرهم والذي صار إليه مالك من أنه يجتهد الإمام ويتحرى موضع الحاجة هو الأقوى ثم قال ما معناه وينبني على الخلاف في اللام أيضا أنه على قول مالك وجماعة بعدم بقاء المؤلفة قلوبهم إلى اليوم إما أن يعود سهمهم إلى سائر الأصناف كلها أو ما يراه الإمام حسبما تقدم بيانه في أهل الخلاف\rوقال الزهري يعطى نصف سهمهم لعمار المساجد ولا دليل عليه والأول أي عوده للأصناف على الخلاف هو الأصح وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون إذ لو كانوا مستحقين لسقط سهمهم بسقوطه عن أرباب الأموال ولم يرجع إلى غيرهم كما لو أوصى لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم\rوقال الشافعي وأبو حنيفة بل حق المؤلفة باق إلى اليوم لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام وقد قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان يعطيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فإن الصحيح قد روي فيه بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ا ه\r","part":3,"page":12},{"id":733,"text":"وإنما لم يكن المصروف منها للمجاهدين إجارة مع أن المصروف منها للقائلين كذلك قال ابن العربي في أحكامه يدل قوله تعالى والعاملين عليها وهم الذين يقومون لتحصيلها ويوكلون على جمعها على مسألة بديعة وهي أن ما كان من فروض الكفاية فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه ومن ذلك الإمامة فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفاية فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها وهذا أصل الباب وإليه أشار النبي {صلى الله عليه وسلم} في الحديث الصحيح ما تركت بعد نفقة عيالي ومؤنة عاملي فهو صدقة قال والدليل على أنها أن الله سبحانه ملكها له وإن كان غنيا وليس له وصف يأخذ به منها سوى الخدمة في جمعها\rا ه قال الأصيل لأنه لا يشترط فيما يصرف منها للمجاهدين شروط الإجارة من مقدار العمل والمدة الموجبة لتعين العمل وغير ذلك نعم يفرق بينه وبين أصل الأرزاق بأن أصل الأرزاق يصح أن يبقى في بيت المال ولا يصرف في هذه الجهة ونحوها وإنما يصرف في المصالح التي تعرض له وهذا يجب صرفه أما في جهة المجاهدين أو غيرهم من الجهات الثمان لأن جهة هذا المال عينها الله عز وجل في كتابه العزيز فيجب على الإمام إخراجها فيها إلا أن يمنع\rمانع وكذلك كل جهة عينها الله تعالى كالخمس يتعين المبادرة إلى صرفه في جهة بحسب المصلحة\rا ه وقد مر عن الأصل أن الإجارة لا تجوز على القضاء وإمامة الصلاة ونحوهما وأن ما يأخذه القاضي والإمام من بيت المال رزق لا أجرة وقال بعض العلماء العامل في الصدقة يستحق يعني منها كفايته بالمعروف بسبب العمل وإن لم يكن بدلا عن العمل حتى لم يحل للهاشمي والأجرة تحل له وسيأتي مثله للأصل نعم أجاب عنه ابن العربي في الأحكام بأن الهاشمي إنما لم يدخل فيها مع أنها أجرة صحيحة تحريا لكرامته وتباعدا عن الزريعة وذلك مبين في شرح الحديث\rا ه فتأمل بإمعان\rالمسألة السادسة\r","part":3,"page":13},{"id":734,"text":"ما يصرف من جهة الحكام لقسام العقار بين الخصوم ولمترجم الكتب عند الحكام ولكاتب الحاكم ولأمناء الحكام على الأيتام وللخراص على خرص الأموال الزكوية من الدوالي أو النخل ولسعاة المواشي والعمال على الزكاة ونحو ذلك من المسائل رزق يجري عليه أحكام الأرزاق دون أحكام الإجارات أي على خلاف ما مر عن ابن العربي في أحكامه من أن ما يدفع للعاملين منها أجرة صحيحة لا رزق والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس عشر والمائة بين قاعدة استحقاق السلب في الجهاد وبين قاعدة الإقطاع وغيره من تصرفات الأئمة وإن كان الجميع من تصرفات الإمام وليس بإجارة وهو أن الإقطاع يجوز بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه فله في التمليك حالة متوسطة هي الإعانة على أحوال تقع في مستقبل الزمان لا تمليك حقيقي فلذلك كان للإمام نزعه في أي وقت شاء وله تبديله\rبغيره","part":3,"page":14},{"id":735,"text":"وأما السلب فلا يجوز بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه فقبل حصول سببه لا يكون للقائل به تعلق ألبتة وبعد حصول سببه يصير مملوكا فلا تحصل له في التمليك الحالة المتوسطة القابلة للانتزاع والإبدال بغيره ألبتة فهو نظير ما حازه الأجناد والأمراء من إقطاعاتهم من خراج أو غيره لتقرر ملكهم عليه نعم وقع في سببه خلاف بين الأئمة الأربعة فعند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى إنما يستحق بقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه لا بمجرد القتل وعند الشافعي وابن حنبل رحمهما الله تعالى يستحق بمجرد القتل وسبب اختلافهم ما تقدم في الفرق بين تصرفاته {صلى الله عليه وسلم} من أن ما وقع منها على أنه بالأمانة لا بد فيه من إذن الإمام وما وقع منها بتصرفه {صلى الله عليه وسلم} بطريق القضاء لا بد فيه من قضاء القاضي وما وقع منها بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض وإذن إمام فمستند قول الشافعي وابن حنبل أنه يستحق بفتيا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ذلك لا بتصرفه بطريق الإمامة فهو من باب التبليغ لأنه الغالب على تصرفاته {صلى الله عليه وسلم} لأنه {صلى الله عليه وسلم} رسول والتبليغ شأن الرسالة وحمل تصرفاته {صلى الله عليه وسلم} على الغالب طريق حسن وبذلك استندا كمالك في حمل قوله عليه الصلاة والسلام من أحيا أرضا ميتة فهي له وقالوا إذن الإمام ليس شرطا في الملك بالإحياء ومشى أبو حنيفة رحمه الله تعالى في السلب والإحياء على قاعدته فجعلهما من باب التصرف بالإمامة وأما مالك رحمه الله تعالى فهو وإن مشى في الإحياء على أصله في الحمل على الغالب في الفتيا والتبليغ دون الإمامة إلا أنه خالف في السلب أصله المذكور فجعله من باب التصرف بالإمامة بسبب أمور\r","part":3,"page":15},{"id":736,"text":"أحدهما أن حمل قوله {صلى الله عليه وسلم} من قتل قتيلا فله سلبه على التصرف بالإمامة وأنه لا يستحق حتى يقول الإمام تلك المقالة أبلغ وأولى من حمله على الفتيا والتبليغ وأنه يستحق بمجرد القتل في منافاته لظاهر قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فإن المفهوم منه أن الأربعة الأخماس للغانمين كما أن المفهوم من قوله تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث أن الثلثين للأب فاكتفى بذكر الضد المقابل عن ذكره في الآيتين بسبب أن ذكر الضد المقابل يدل على مقابلة ووجه الأبلغية أن التوقف على شرط كما في الحمل على باب التصرف بالإمامة أبعد عن التخصيص من الإخراج بغير شرط كما في الحمل على باب الفتيا والتبليغ وما كان أبعد عن التخصيص فهو أبلغ وأولى وثانيهما أن حمل الحديث المذكور على الفتيا والتبليغ وإن كان حملا على الغالب على تصرفاته {صلى الله عليه وسلم} كما علمت إلا أنه من حيث إنه يؤدي إلى مفسدتين عظيمتين يكون بعيدا عن قواعد الدين أحدهما إفساد النيات وأن يقاتل الإنسان من عليه سلب طمعا في سلبه لا نصرة لدين الله تعالى وربما أوقع ذلك خللا عظيما في الجيش فيما إذا كان العجزة والجبناء هم المتزينون باللباس والمتحصنون بأنواع الأسلحة دون الشجعان فيشتغل الناس بالجبناء عن الشجعان رغبة في لباسهم وأسلحتهم فيستولي شجعان الأعداء على أبطال المسلمين وجيشهم فيهلكون والمفسدة الثانية ضياع ثواب الآخرة واكتساب العقاب الأليم بسبب المقاصد الرديئة وأما إذا حمل على التصرف بالإمامة وصار موقوفا على قول الإمام فلا مفسدة لأن الإمام إنما يقول ذلك بحسب المصلحة\r","part":3,"page":16},{"id":737,"text":"وثالثها إن بين لفظ حديث من قتل قتيلا فله سلبه ولفظ ما غنمتم في الآية عموما وخصوصا من وجه بسبب أن الأول يتناول لغة الغنيمة وغيرها كما لو قتله غيلة في بيته والثاني يتناول الغنيمة الصادقة لغة حتى على الغارات المحرمة ونحوها غير أن الإجماع انعقد على تخصيصها بالجهاد المأمور به والخصوص والعموم إنما يكون بحسب ما يتناوله اللفظ لغة والعام والخاص من وجه لا يخصص أحدهما الآخر لحصول التعارض فيصار للترجيح ولفظ القرآن متواتر فيكون أرجح فيقدم على الخبر بحسب الإمكان وقد أجمعنا على أن الإمام إذا قال ذلك يستحق فيبقى فيما عداه على مقتضى الأصل ورابعها أن الحديث المذكور لو كان فتيا لانصرفا بطريق الإمامة لما تركها أبو بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما في خلافتهما لكنهما تركاها علما منهما أن ذلك تصرف بطريق الإمامة بحسب المصلحة ولم يريا أن المصلحة حينئذ تقتضي ذلك فلم يقولا به فهذه وجوه ظاهرة فيما قاله مالك رحمه الله تعالى وموجبة لأن يخالف أصله لها والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع عشر والمائة بين قاعدة إن أخذ الجزية على التمادي على الكفر يجوز وبين قاعدة إن أخذ الأعواض على التمادي على الزنا وغيره من المفاسد لا يجوز إجماعا\rوهو أن قاعدة أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد مفسدة صرفة لأنه من باب ترجيح المصلحة الحقيرة التي هي أخذ الدراهم على المفسدة العظيمة التي هي معصية الله تعالى وهو لم يقع في الشريعة بل الشريعة تحرمه ولا تبيحه وإنما الذي من الشرائع الواقعة وتبيحه القواعد الشرعية هو عكس ذلك وهو ترجيح المصلحة العظيمة التي هي إزالة منكر من المنكرات العظيمة على المفسدة الحقيرة التي هي دفع الدراهم لمن يأكلها حراما كما في دفع المال في فداء الأسارى الكفار وهم من حيث كونهم مخاطبين بفروع الشريعة يحرم عليهم أكل ذلك المال ليتوصل بذلك المحرم لتخليص الأسير من أيدي العدو\r","part":3,"page":17},{"id":738,"text":"وكما في دفع المال اليسير كالثوب ونحوه للمحارب ليسلم دفع ذلك المال من المقاتلة معه فيموت أحدهما أو كلاهما ومن ذلك أخذ الجزية فهو مصلحة صرفة لأنه من باب التزام المفسدة الدنيا التي هي الإقرار على الكفر بأخذها لدفع مفسدة العليا التي هي انسداد باب الإيمان وباب مقام سعادة الجنان على الكافر إذا قتل ليتحتم الكفر عليه والخلود في النيران وغضب الديان حينئذ ولتوقع المصلحة العليا التي هي إما رجاء الإسلام في مستقبل الأزمان من المقر على الكفر بأخذ الجزية منه سيما مع اطلاعه على محاسن الإسلام والإلجاء إليه بالذل والصغار في أخذ الجزية فيلزم من إسلامه إسلام ذريته فتتصل سلسلة الإسلام\rمن قبله بدلا عن ذلك الكفر المقر عليه وإما رجاء إسلام ذريته المخلفين من بعده أو من ذرية ذريته إلى يوم القيامة وساعة من إيمان تعدل دهرا من كفر ألا ترى أن الله تعالى خلق آدم على وفق الحكمة وعد النبي {صلى الله عليه وسلم} خلقه في يوم الجمعة من جملة البركات الموجبة لتعظيمه فقال في الحديث الصحيح أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه تاب عليه وفيه تقوم الساعة لأن خلقه سبب وجود الأنبياء عليهم السلام والصالحين وأهل الطاعة والمؤمنين\r","part":3,"page":18},{"id":739,"text":"وإن كان أكثر ذريته كفارا ففي الحديث الصحيح عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الله تعالى يقول لآدم عليه السلام ابعث بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فيبقى من كل ألف واحد والبقية كفار فجار أهل النار والمعاصي والفجور إذ لا عبرة بكثرة الكفار لأجل ذلك المسلم الواحد لأن ذلك الواحد تربو مصلحة إسلامه على مفسدة أولئك الكفار وأنهم كالعدم الصرف بالنسبة إلى نور الإيمان وعبادة الرحمن فتأمل ذلك وبالجملة فعقد الجزية لما كانت ثمرته توقع الإيمان من الأصل أو من أحد الذراري الذي لا يعادله شيء من ذلك الكفر الواقع من غيره لا مجرد تحصيل مصلحة تلك الدراهم المأخوذة منه كان من آثار رحمة الله تعالى ومن الشرائع الواقعة على وفق الحكمة الإلهية فلذا أباحته القواعد الشرعية ولم يلتفت إلى قول بعض الطاعنين في الدين في إيراده سؤالا في الجزية إن شأن الشرائع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناها وتفويت المصلحة الدنيا بدفع المفسدة العليا ومفسدة الكفر تربوا على مصلحة المأخوذ من الجزية من أموال الكفار بل على جملة الدنيا وما فيها فضلا عن هذا النزر اليسير فلم وردت الشريعة المحمدية بذلك ولم لم تحتم القتل\rدرءا لمفسدة الكفر ا ه\rولم كان أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد ثمرته مجرد أخذ الدراهم الذي هو مصلحة حقيرة لا تعادل المداومة على المفسدة العظيمة التي هي معصية الله تعالى لم يقع في الشريعة بل منعته من حيث إنه مفسدة صرفة فهذا هو الفرق بين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن عشر والمائة بين قاعدة ما يوجب نقض الجزية وبين قاعدة ما لا يوجب نقضها\r","part":3,"page":19},{"id":740,"text":"عقد الجزية هو التزامنا للكفار صيانة أموالهم وأعراضهم إلى غير ذلك بشروط نشترطها عليهم بها سنة الخلفاء الراشدين واستفيدت من قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قال ابن حزم في مراتب الإجماع وهي أن يعطوا أربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قمري صرف كل دينار اثنا عشر درهما وأن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا ديرا ولا صومعة ولا يجددوا ما خرب منها ولا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم وبيعهم ليلا ونهارا ويوسعوا أبوابها للنازلين ويضيفوا من مر\rبهم من المسلمين ثلاثا وأن لا يأووا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يمنعوا أحدا منهم الدخول في الإسلام ويوقروا المسلمين ويقوموا لهم من المجالس ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم ولا فرق شعرهم ولا يتكلموا بكلامهم ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا على السروج ولا يتقلدوا شيئا من السلاح ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمر من مسلم ويجزوا مقادم رءوسهم ويشدوا الزنانير ولا يظهروا الصليب ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يطرحوا في طريق المسلمين نجاسة ويخفوا النواقيس وأصواتهم ولا يظهروا شيئا من شعائرهم ولا يتخذوا من الرقيق ما جرت عليهم سهام المسلمين ويرشدوا المسلمين ولا يطلعوا عليهم عدوا ولا يضربوا مسلما ولا يسبوه ولا يستخدموه ولا يسمعوا مسلما شيئا من كفرهم ولا يسبوا أحدا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا يظهروا خمرا ولا نكاح ذات محرم وأن يسكنوا المسلمين بينهم\rا ه وقد ذهب علماء المذاهب الأربعة في إخلال الذمي بشرط من هذه الشروط إلى طريقتين الطريقة الأولى لبعضهم نقض العهد بإخلاله بأي شرط منها ولو لم يكن منافيا لما هو المقصود من عقد الذمة من الأمان والتأمين والطريقة الثانية لجمهورهم نقض العهد بإخلاله بما ينافي الأمان والتأمين فقط وهذه هي الصواب لأمرين\r","part":3,"page":20},{"id":741,"text":"أحدهما أن عقد الجزية كعقد الإسلام فكما أن عقد الإسلام عاصم للدماء ونحوها كذلك عقد الذمة عاصم للدماء وكما أن الله تعالى ألزم المسلم جميع التكاليف في عقد إسلامه كذلك ألزم الذمي جملة هذه الشروط في عقد أمانه وكما أن رفض التكاليف في الإسلام ينقسم إلى ما ينافي الإسلام ويبيح الدماء والأموال كرمي المصحف في القاذورات وانتهاك حرمة النبوات وإلى ما ليس منافيا للإسلام وهو ضربان كبائر توجب التغليظ بالعقوبة ورد الشهادات وسلب أهلية الولاية وصغائر توجب التأديب دون التغليظ فكذلك رفض هذه الشروط في الذمة ينقسم إلى ما ينافي ما هو المقصود من عقد الذمة من الأمان والتأمين كالقتل والخروج عن أحكام السلطان وإلى ما ليس بمناف للأمان والتأمين وهو ضربان ما هو عظيم المفسدة كالكبيرة بالنسبة إلى الإسلام كالحرابة والسرقة وما هو خفيف المفسدة كالصغيرة بالنسبة إلى الإسلام كسب المسلم وإظهار الترفع عليه فكما أن ضربي ما ليس بمناف لعقد الإسلام من الصغيرة والكبيرة لا يبطلان عصمة دم ومال المسلم المرتكب لأحدهما كذلك ضربا ما ليس بمناف للأمن والأمان المقصودين من عقد الجزية مما يشبه واحدا من الصغيرة والكبيرة لا يبطلان عصمة دم ومال الذمي الناقض لأحدهما الأمر الثاني أن القاعدة الشرعية المشهورة في أبواب العقود الشرعية أننا لا نبطل عقدا من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد دون ما لا ينافي مقصوده وإن كان منهيا عن مقارنته معه وبالجملة فهذه الشروط على هذه الطريقة التي هي طريقة الجمهور تنقسم إلى ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\r","part":3,"page":21},{"id":742,"text":"ما اتفقوا على أنه موجب لمنافاة عقد الذمة كالخروج على السلطان ونبذ العهد والقتل والقتال بمفردهم أو مع الأعداء ونحو ذلك قال في المدونة فإن خرجوا نقضا للعهد والإمام عادل فهم فيء كما فعل عمرو بن العاص بالإسكندرية لما عصت عليه بعد الفتح قال ابن القاسم إن كان خروجهم وامتناعهم من الجزية الظلم من الإمام أو غيره ردوا إلى ذمتهم\rوقال الداودي إن كان خروجهم من ظلم فهو نقض لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من ظلمهم وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أخبر أن ذميا نخس بغلا عليه مسلمة فوقعت فانكشفت عورتها فأمر بصلبه في في ذلك الموضع وقال إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون قال ابن القاسم إذا حارب أهل الذمة وظفر بهم والإمام عدل قتلوا وتسبى نساؤهم ولا نتعرض لمن يظن أنه مغلوب معهم كالشيخ الكبير والضعيف ولو ذهبوا لبلد الحرب وتركوا أولادهم نقضا للعهد لم يسبوا بخلاف ما إذا ذهبوا بهم إلا أن يكون ذلك لظلم أصابهم إلا أن يعينوا علينا المشركين فهم كالمحاربين وقال أيضا إذا حاربوا والإمام عدل استحل سبيهم وذراريهم إلا من يظن به أنه مغلوب كالضعفاء ولم يستثن أصبغ رحمه الله أحدا وألحق الضعفاء بالأقوياء في النقض كما اندرجوا معهم في النقد ولأنه {صلى الله عليه وسلم} سبى ذراري قريظة ونساءهم بعد نقض العهد قال ابن القاسم إذا استولى العدو على مدينة للمسلمين فيها ذمة فغزوا معهم ثم اعتذروا لنا بالقهر الذي لا يعلم إلا بقولهم فمن قتل منهم مسلما قتل وإلا أطيل سجنه\rقال المازري رحمه الله وينتقض عهدهم إذا صاروا عونا للحربيين علينا\rالقسم الثاني\r","part":3,"page":22},{"id":743,"text":"ما اتفقوا على أنه لا ينافي عقد الذمة كترك الزنا وركوب الخيل وترك ضيافة المسلمين ونقش خواتيمهم بالعربية ونحو ذلك مما تخف مفسدته ففي الأصل عن الأصحاب إذا أظهروا معتقدهم في المسيح عليه السلام أو غيره أدبناهم ولا ينقض به العهد وإن حكمهم في القتل الموجب للقصاص القسم الثالث ما اختلفوا في كونه هل يلحق بالقسم الأول فينتقض به عقد الجزية أو بالقسم الثاني فلا ينتقض به عقد الجزية كإكراه المسلمة على الزنا وقطع الطريق وتعرضهم له {صلى الله عليه وسلم} ولغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم ونحو ذلك مما عظمت مفسدته ففي الأصل عن الأصحاب وإنما ينقض بالقتال ومنع الجزية والتمرد على الأحكام والتطلع على عورات المسلمين وإكراه المسلمة على الزنا\rوأما قطع الطريق فحكمهم فيه حكم المسلمين وتعرضهم له {صلى الله عليه وسلم} ولغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم موجب للقتل إلا أن يسلموا وروي يوجع أدبا ويشد ذنبه فإن رجع عن ذلك قبل منه وقال اللخمي إن زنى بالمسلمة طوعا لم ينتقض عهده عند مالك رضي الله عنه وانتقض عند ربيعة وابن وهب وإن غرها بأنه مسلم فتزوجها فهو نقض عند ابن نافع وإن علمت به لم يكن نقضا وإن طاوعته الأمة لم يكن نقضا وإن اغتصبها قال محمد ليس بنقض وقيل نقض قال فإن عوهد على أنه متى أتى بشيء من ذلك فهو نقض انتقض عهده بذلك قال الأصل وهذه\rالفروع بعضها أقرب من بعض للقاعدة في النقض فإكراه المرأة المسلمة على الزنا وجعله ناقضا دون الحرابة مشكل بل ينبغي أن يلحق بالحرابة فلا ينتقض أو تلحق الحرابة فيه فينتقض بطريق الأولى لعموم مفسدة الحرابة في النفوس والأبضاع والأموال وعدم اختصاص ذلك بواحد من الناس\rا ه فإذا علمت هذه الأقسام الثلاثة وتوضحت عندك مسائلها ظهر لك تحرير الفرق بين قاعدة ما يوجب النقض وقاعدة ما لا يوجبه فتعتبر ما يقع لك من غير المنصوص بالمنصوص والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة وبين قاعدة التودد لهم\r","part":3,"page":23},{"id":744,"text":"من حيث إن برهم والإحسان إليهم مأمور به لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم الآية وقال {صلى الله عليه وسلم} استوصوا بأهل الذمة خيرا وقال في حديث آخر استوصوا بالقبط خيرا وودهم وتوليهم منهي عنه قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق الآية\rوقال عز من قائل إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين الآية حتى احتيج للجمع بين هذه النصوص بما هو من الفرق بين قاعدتي برهم والتودد لهم من أن عقد الذمة لما كان عقدا عظيما فيوجب علينا حقوقا لهم منها ما حكى ابن حزم في مراتب الإجماع ونجعلهم في جوارنا وفي حق ربنا وفي ذمة الله تعالى وذمة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وذمة دين الإسلام ا ه\rوالذي إجماع الأمة عليه أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله {صلى الله عليه وسلم} فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة ومنها أن من اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله {صلى الله عليه وسلم} وذمة دين الإسلام تعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يؤدي إلى أحد الأمرين أحدهما ما يدل ظاهره على مودات القلوب وثانيهما ما يدل ظاهره على تعظيم شعائر الكفر وذلك كالرفق بضعيفهم وسد\r","part":3,"page":24},{"id":745,"text":"خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفا منا بهم لا خوفا وتعظيما والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم لجميع حقوقهم وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه فإن ذلك من مكارم الأخلاق\rإلا أنه ينبغي أن يكون لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم بل امتثالا منا لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا {صلى الله عليه وسلم} مع كوننا نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا {صلى الله عليه وسلم} وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل ليمنعنا ذلك الاستحضار من الود الباطن لهم المحرم علينا خاصة لا لأن نظهر آثار تلك الأمور التي نستحضرها في قلوبنا من صفاتهم الذميمة لأن عقد العهد يمنعنا من ذلك كما هو محمل الآية الأولى والحديثين\rأما برنا لهم بما يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين كإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا والقيام لهم حينئذ وندائهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها وكإخلائنا لهم أوسع الطرق إذا تلاقينا معهم ورحبها والسهل منها وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها ونحو ذلك مما جرت العادة أن يفعله المرء مع الرئيس والولد مع الوالد والحقير مع الشريف وكتمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لقهر من هي عليه أو ظهور العلو وسلطان المطالبة وإن كانوا في غاية الأناة والرفق لأن الرفق والأناة في هذا الباب نوع من الرئاسة والسيادة وعلو\r","part":3,"page":25},{"id":746,"text":"المنزلة من المكارم فهي درجة رفيعة أوصلناهم إليها وعظمناهم بسببها ورفعنا قدرهم بإيثارهم بها وكأن يكون المسلم خادما عندهم أو أجيرا يؤمر عليه وينهى أو يكون أحد منهم وكيلا في المحاكمات على المسلمين عند ولاة الأمور فإن ذلك أيضا إثبات لسلطانهم على ذلك المسلم فهذا كله حرام وهو محمل النهي في الآية الثانية والثالثة وغيرهما\rفلذا لما أتى الشيخ أبو بكر الطرطوشي رحمه الله الخليفة بمصر ووجد عنده وزيرا راهبا قد سلم إليه قياده وأخذ يسمع رأيه وينفذ كلماته المسمومة في المسلمين وكان الشيخ ممن يسمع الخليفة قوله في مثل هذا دخل عليه في صورة المغضب والوزير الراهب جالس بإزائه وأنشده يا أيها الملك الذي جوده يطلبه القاصد والراغب إن الذي شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب\rفاشتد غضب الخليفة عند سماع الأبيات وأمر بالراهب فسحب وضرب وقتل وأقبل على الشيخ أبي بكر فأكرمه وعظمه بعد عزمه على إيذائه لكنه لما استحضر تكذيب الراهب لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} الذي هو سبب شرفه وشرف آبائه وأهل السماوات والأرضين بعثه ذلك على البعد عن السكون إليه والمودة له وأبعده عن منازل العز إلى ما يليق به من الذل والصغار ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في أهل الذمة أهينوهم ولا تظلموهم وكتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلا نصرانيا بالبصرة لا يحسن ضبط خراجها إلا هو وقصد ولايته على جباية الخراج لضرورة تعذر غيره فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهاه عن ذلك وقال له في الكتاب مات النصراني والسلام قال صاحب الكشاف يعني هب أنه قد مات فما كنت صانعا فأصنعه الساعة واستغن عنه واصرف ا ه\rقيل يفيد أن قول عمر رضي الله عنه مات\r","part":3,"page":26},{"id":747,"text":"خبر استعمل في إنشاء فيكون من المجاز المركب وقال الشهاب الخفاجي يفيد إن في قوله رضي الله عنه مات استعارة في الفعل غير ما عرف فيها بتشبيه الحدث المفروض في الماضي بالحدث المحقق فيه فاتحدا حدثا وزمانا ونسبة واختلفا تحققا وتقديرا فاستعير الحدث المحقق للحدث المفروض واشتق منه مات بمعنى فرض موته أو فسرى التشبيه لما في ضمني الفعلين واستعير الفعل الدال على الحدث المحقق للمفروض وفائدة ذلك أن يترتب على أحدهما ما يرتب على الآخر فيعزل الكاتب المفروض موته ويستغني عنه كما يفعل فيمن تحقق موته وهذا من قضايا عمر العجيبة كما في بيانه الصبان والأنبابي عليها قال الأنبابي وهذا صريح في أن استعمال الألفاظ في معانيها الفرضية مجازي وهو إنما يظهر على القول بأن مدلولات الألفاظ الأمور الخارجية إما على القول بأن مدلولها الأمور الذهنية فلا يظهر إلا إن قلنا إن مراده أن استعمال مات في الموت الفرضي مجاز بالاستعارة من جهة أنه لم يستعمل فيه من حيث إنه موضوع له بل من حيث ملاحظة علاقة بينه وبين الموت المحقق ليرتب على الأول ما يرتب على الثاني فلا ينافي أنه لو استعمل في الموت الفرضي من حيث إنه موضوع له لتحقق الماهية الذهنية فيه فيكون استعمالا حقيقيا نظير ما قاله حفيد السعد في استعمال المشترك اللفظي في أحد معانيه وإن كان ما هنا من قبيل المشترك المعنوي لوضعه للحقيقة الذهنية المتحققة في الأفراد الحاصلة بالفعل في الخارج وفي الأفراد الفرضية ا ه بتصرف\rقلت وعلى القول بأن مدلول الألفاظ الأمور الذهنية لا يظهر كونه في الموت الفرضي مجازا بالاستعارة نظير ما لحفيد السعد في المشترك اللفظي إلا على القول بأن المشترك المعنوي في أفراده حقيقة مطلقا أما على ما قال ابن الهمام إنه مذهب الأصوليين الذي لا يعرفون خلافه من أن المشترك المعنوي في أفراده من حيث خصوصها\r","part":3,"page":27},{"id":748,"text":"مجاز ومن حيث كونها أفراد حقيقة فلا يظهر إلا أن كونه في الموت الفرضي مجاز مرسل علاقته الإطلاق فتأمل بإنصاف هذا وبالجملة فبر الكفار والإحسان إليهم مأمور به وودهم وتوليهم منهي عنه فهما قاعدتان إحداهما محرمة والأخرى مأمور بها وقد اتضح لك الفرق بينهما بالبيان والمثل والله أعلم\rالفرق العشرون والمائة بين قاعدة تخيير المكلفين في الكفارة وبين قاعدة تخيير الأئمة في الأسارى والتعزير وحد المحارب ونحو ذلك\rاعلم رحمك الله تعالى أن التخيير في الشريعة يطلق على ثلاثة أقسام الأول تخيير بين شيئين يتصفان بالوجوب من جهة خصوصهما وعمومهما معا وهذا هو الغالب في تخيير الأئمة وله مثل منها تخيير الإمام بين الخصال الخمس في حق الأسارى عند مالك رحمه الله ومن وافقه وهي القتل والاسترقاق والمن والفداء والجزية فإن كل واحد يفعله منها يقع واجبا بخصوصه وهو كونه قتلا أو فداء مثلا وبعمومه من جهة أنه أحد الخصال الخمسة وذلك أن الإمام ليس له فعل أحدها بهواه بل يجب عليه بذل الجهد فيما هو أصلح للمسلمين فإذا فكر واستوعب فكره في وجوه المصالح ووجد بعد ذلك مصلحة هي أرجح للمسلمين وجب عليه فعلها فمن كان من الأسارى شديد الدهاء كثير التأليب على المسلمين برأيه ودهائه فالواجب على الإمام فيه القتل إذا ظهر له ذلك منه في اجتهاده بالسؤال عن أخباره وأحواله وما يتصل به من سيرته ومن كان منهم ليس من هذا القبيل بل هو مأمون الغائلة فإن ظهر له منه أنه بإطلاقه تتألف طائفة كثيرة على الإسلام أو يحصل إطلاق خلق كثير من أسارى المسلمين\rكان الواجب على الإمام فيه المن وإن ظهر له منه أنه لا يرتجى من إطلاقه ذلك والإمام محتاج للمال لمصالح الغزو وغيره وجب عليه الفداء بالمال أو المسلمون محتاجون إلى من يخدمهم وجب عليه استرقاقهم\r","part":3,"page":28},{"id":749,"text":"وإن رأى انتفاء هذه الوجوه كلها ولم يجد في اجتهاده شيئا من ذلك مصلحة بل رأى المصلحة في ضرب الجزية لما يتوقع من إسلامهم وأنهم قريبون من الإسلام إذا اطلعوا على محاسن الإسلام وشعائره بمخالطة أهله وجب عليه حينئذ ضرب الجزية عليهم ولا يجوز له العدول عنها إلى غيرها فهو في جميع هذه الوجوه إنما يفعل ما يجب عليه من غير إباحة ولا خيرة في ذلك لا قبل الاجتهاد ولا بعده ولا حالة الاجتهاد فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب ولا ينفك عنه فقبل الاجتهاد يجب عليه الاجتهاد وبذل الجهد في وجوه المصالح وحالة الاجتهاد هو ساع في أداء الواجب ففعله حينئذ واجب وبعد الاجتهاد يجب عليه فعل ما أدى إليه اجتهاده فلا تخيير ألبتة وإنما هو وجوب صرف في جميع الأحوال وتسمية الفقهاء رحمهم الله تعالى ذلك خيرة إنما هو على سبيل المجاز يريدون به أنه لا يتحتم عليه قبل الفكر قبل خصلة من هذه الخصال الخمس بل يجتهد حتى يتحصل له الأصلح فيفعله حينئذ ومنها تخيير الإمام في حد المحاربين بين الخصال الأربع وهي القتل والصلب والقطع من خلاف والنفي فيجب عليه بذل الجهد فيما هو الأصلح للمسلمين فإذا تعين له الأصلح وجب عليه\rولا يجوز له العدول عنه إلى غيره فإن كان المحارب صاحب رأي وجب عليه قتله وإن ظهر له في اجتهاده أنه لا رأي له بل له قوة وبطش قطعه من خلاف لتزول مفسدته عن المسلمين بذلك وإن عرف من حاله العفاف وأنه إنما وقع ذلك منه على وجه الفلتة والموافقة لغيره مع توقع الندم منه وجب عليه نفيه ولا يجوز له قتله ولا قطعه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب\r","part":3,"page":29},{"id":750,"text":"فلا ينفك فعله عن الوجوب في جميع أحواله وإنما تخييره مفسر بأنه لم يتحتم عليه ذلك ابتداء وله النظر وفعل ما ظهر رجحانه بعد الاجتهاد نظير ما تقدم بخلاف ما عينه الله تعالى وحتمه ولم يجعل لأحد فيه اجتهادا من الحدود وغيرها كالصلاة وصوم رمضان وأخذ الزكاة وتعيين مصرفها في الوجوه الثمانية ورجم الزاني وقطع السارق وأن لا يحد في الزنا إلا بأربعة وفي الأموال والدماء بشاهدين وغير ذلك ومنها قولهم إن تفرقة أموال بيت المال موكولة إلى خيرته فإنه يجب عليه أن ينظر في مصالح الصرف ويجب عليه تقديم أهمها فأهمها ويحرم عليه العدول عن ذلك ولا خيرة له إلا بمعنى أنه لا يتحتم عليه ذلك ابتداء بل له النظر في المصلحة الراجحة والخالصة وفعل ما ظهر رجحانه بعد الاجتهاد وليس له أن يتصرف في أموال بيت المال بهواه وشهوته ومنها غير ذلك مما هو أكثر تصرفات الأئمة القسم الثاني تخيير بين شيئين لا يتصفان بالوجوب لا من جهة خصوصهما ولا عمومهما كالتخيير بين المباحات من المطاعم والملابس ونحوهما مثلا التمر والزبيب يخير بينهما وكل منهما ليس بواجب لا بخصوصه من جهة أنه تمر أو زبيب ولا بعمومه من جهة أنه أحد المتناولات والتخيير في هذا صرف حقيقة بخلافه في الأول فمجاز كما علمت\rالقسم الثالث\rتخيير بين شيئين يتصفان بالوجوب من جهة عمومهما لا من جهة خصوصهما وهذا نوعان الأول تخيير المكلفين في خصوص أنواع المطلق الواجب عليهم وله مثل منها التخيير بين خصال كفارة اليمين في حق الحانث فإن له أن ينتقل من أي خصلة شاء إلى الخصلة الأخرى بشهوته مما يميل طبعه\r","part":3,"page":30},{"id":751,"text":"إليه أو ما هو أسهل عليه فإن كل خصلة كالعتق وإن كانت واجبة من جهة عمومها وأنها أحد الخصال إلا أنها ليست بواجبة من جهة خصوصها وأنها خصوص العتق فإن الله تعالى ما خير الحانث بين خصال الكفارة إلا لطفا به وليفعل ذلك ولو شاء لحتم عليه خصوص كل خصلة كما حتم خصوص كل خصلة في خصال الظهار المرتبة لكنه لم يحتم عليه هنا إلا واحدا مبهما من الخصال وخيره في خصوصها ومنها التخيير في إخراج شاة من أربعين أو دينار من أربعين فإن له أن يعين بهواه وشهوته شاة أو دينارا من الأربعين ومنها التخيير في مياه الدنيا للوضوء وفي ثياب السترة للصلاة فله أن يعين بهواه وشهوته مقدارا من مياه الدنيا ولا يتحتم عليه ماء دون ماء وأن يعين واحدا من الثياب المجتمعة عنده ولا يتحتم عليه ثوب بخصوصه دون ثوب ومنها التخيير في أي بقعة من بقاع الدنيا يصلي فيها الصلوات الخمس ويصوم فيها رمضان فله أن يعين بقعة منها إذا استوت بهواه وشهوته والنوع الثاني أمور قليلة جدا من تخيير الأئمة في أنواع المطلق الواجب إذا استوت وله مثل منها قول الفقهاء رحمهم الله إن الإمام مخير بين أربع حقائق وخمس بنات لبون يأخذ أيها شاء من صاحب الماشية إذا وجد إبله مائتين فإن في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون وقد وجد الأمران فإن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيخير هاهنا إذا استوى الأمران أما إذا كان أحدهما أرجح للفقراء فمقتضى القاعدة أنه يجب عليه ما هو الأرجح لقوله {صلى الله عليه وسلم} من ولي من أمر أمتي شيئا فلم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام فهذا الحديث يقتضي وجوب الأرجح للفقراء ومنها بيع مال اليتيم من أحد مشتريين مستويين أو تزويج اليتيمة من كفوين مستويين أو تولية القضاء لأحد مستويين ونحوهما فإن الأئمة في هذه\r","part":3,"page":31},{"id":752,"text":"الصور مساوون لغيرهم من المكلفين في الخيرة المختصة ولا وجوب هاهنا ألبتة بل لهم الترجيح بمجرد إرادتهم من غير ضميمة إليها كالمكلف في إخراج شاة من أربعين سواء بسواء والتخيير في هذا القسم بنوعيه صرف حقيقة لا مجاز كهو في القسم الثاني بخلافه في القسم الأول فإنه مجاز لا حقيقة بل هو وجوب محض أطلق عليه التخيير بمعنى عدم التحتم ابتداء وكون الاجتهاد له مدخل في ذلك القسم المحتم فظهر الفرق بين قاعدة تخيير الأئمة وقاعدة تخيير آحاد المكلفين وأن الثاني خيرة حقيقة والأول أكثره مجاز ووجوب صرف كما علمته مفصلا ممثلا وبقي من أقسام التخيير\rقسم رابع وهو التخيير بين شيئين يتصفان بالوجوب من جهة الخصوص دون العموم لكن هذا محال شرعا وعقلا بخلاف الثالث بناء على أن الخصوص يتوقف على العموم وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف العكس فإن العموم لا يتوقف على الخصوص وهو الفرق بينهما فتأمل هذه المباحث والفروق فإنها كلها واقعة في الشريعة وقوعا كثيرا والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والعشرون والمائة بين قاعدة من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا وبين قاعدة من انعقد له سبب المطالبة بالملك هل يعد مالكا أم لا القاعدة الأولى وإن أطلقها جماعة من مشايخ المذهب رضي الله عنهم بقولهم من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا قولان وخرجوا عليها فروعا كثيرة في المذهب\r","part":3,"page":32},{"id":753,"text":"منها إذا وهب له الماء في التيمم هل يبطل تيممه بناء على أنه يعد مالكا أم لا يبطل بناء على أنه لا يعد مالكا ومنها من عنده ثمن رقبة هل يجوز له الانتقال للصوم في كفارة الظهار بناء على أنه لا يعد مالكا أم لا يجوز له بناء على أنه يعد مالكا ومنها من قدر على المداواة في السلس أو التزويج هل يجب عليه الوضوء بناء على أنه يعد مالكا أم لا يجب عليه الوضوء بناء على أنه لا يعد مالكا إلا أنها باطلة إذ لا يمكن جعل مجرد الإمكان والقبول للملك بدون أن يشتمل على موجب الاعتبار قاعدة شرعية ألا ترى أن أحدا لا يتخيل أن الإنسان إذا كان قادرا على أن يملك أربعين شاة هل يعد قبل شرائها مالكا لها فتجب الزكاة عليه على القولين أو قادرا على أن يتزوج هل يعد قبل أن يخطب المرأة مالكا عصمتها أم لا فيجب عليه الصداق والنفقة أم لا على القولين أو قادرا على أن يملك خادما أو دابة هل يعد قبل شرائهما مالكا لهما أم لا فيجب عليه كلفتهما ومؤنتها أم لا على القولين أو قادرا على أن يشتري أقاربه هل يعده أحد من الفقهاء مالكا لقريبه فيعتقه عليه قبل شرائه على أحد القولين في هذه القاعدة على زعم من اعتقدها بل هذا كله باطل بالضرورة لا يتخيله من عنده أدنى مسكة من العقل والفقه والظن بالمشايخ من أهل المذهب أنهم لم يريدوا مقتضى عبارتهم المطلقة وأن من ملك أن يملك مطلقا من غير جريان سبب يقتضي مطالبته بالتمليك ولا غير ذلك من القيود لأن جعل هذه القاعدة شرعية ظاهر البطلان لضعف المناسبة جدا أو لعدمها ألبتة وإنما أرادوا أن من ملك أن يملك مع جريان سبب يقتضي مطالبته بالتمليك أي من انعقد له سبب المطالبة بالملك فيرجع بذلك إلى القاعدة الثانية حتى يكون مناسبا لأن يعد مالكا من حيث الجملة تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب وإقامة للسبب البعيد مقام السبب القريب فيمكن أن يتخيل وقوعه قاعدة\r","part":3,"page":33},{"id":754,"text":"من الشريعة على أن في تمشية القاعدة الثانية مع ما فيها من القوة عسرا من جهة قولنا جرى له سبب التمليك لأجل كثرة النقوض عليها فلذا لم يختلف قول مالك وغيره رحمهم الله تعالى إلا في بعض فروعها كما يتضح لك ذلك بمسائل\rالمسألة الأولى\rإذا حيزت الغنيمة وانعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتمليك فقيل يملكون بمجرد الحوز والأخذ وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وقيل لا يملكون إلا بالقسمة وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى المسألة الثانية إذا وجد الظهور بالعمل في حق عامل القراض وانعقد له سبب المطالبة بالقسمة وإعطاء نصيبه من الربح فهل يعد مالكا بمجرد الظهور أم لا يملك إلا بالقسمة قولان في المذهب والمشهور الثاني المسألة الثالثة إذا وجد ظهور عامل المساقاة بالعمل وانعقد له سبب المطالبة بالقسمة وتمليك نصيبه من الثمن فهل يعد مالكا بمجرد الظهور أو لا يملك إلا بالقسمة قولان في المذهب المشهور الأول على عكس القراض المسألة الرابعة قال الأصل لم أر خلافا في أن الشريك إذا باع شريكه شقصه على الغير وتحقق له ما يقتضي سبب المطالبة بأن يملك الشقص المبيع بالشفعة لا يكون مالكا إلا بأخذه بالشفعة بالفعل المسألة الخامسة من له من المسلمين سبب يقتضي أن يملك به من بيت المال بأن يتصف بصفة من الصفات الموجبة للاستحقاق منه كالفقر والجهاد والقضاء والفتيا والقسمة بين الناس أملاكهم وغير ذلك مما\rشأن الإنسان أن يعطى لأجله فإذا سرق هل يعد كالمالك فلا يجب عليه الحد لوجود سبب المطالبة بالتمليك أو يجب عليه القطع لأنه لا يعد مالكا وهو المشهور قولان\r","part":3,"page":34},{"id":755,"text":"وأما الفروع المخرجة على القاعدة الأولى فلها مدارك غير ذلك التخريج بأن يلاحظ في الثوب للسترة قوة المالية فلا يلزمه أو أنه إعانة على دين الله تعالى عز وجل ليس من باب تحصيل الأموال فيلزمه ويكافئ عنه إن شاء وفي الماء يوهب له إما يسارته فلا منة وإما المالية المؤدية للمنة وهي ضرر والضرر منفي عن المكلف لقوله {صلى الله عليه وسلم} لا ضرر ولا ضرار ولقوله عز وجل وما جعل عليكم في الدين من حرج وفي واجد ثمن الرقبة في كفارة الظهار إما تنزيل وجود الثمن الذي هو وسيلة ملكها منزلته وإما عدم تنزيله منزلته وفي القادر على التداوي من السلس أو التزويج إما أن تنزل قدرته على ذلك التي هي وسيلة التداوي بالفعل منزلته أم لا أو يلاحظ غير ذلك من النصوص وإلا فيه والمناسبات التي اشتهر في الشرع اعتبارها من حيث اشتمالها على موجب الاعتبار لا ما لا يمكن اعتباره شرعا مما لا يشتمل على موجب الاعتبار فتقدم مناسبته وتكثر النقوض عليه ويكون اعتباره من غير ضرورة خلاف المعلوم من نمط الشريعة إلا أن يضاف إليه ما يوجب اشتماله على موجب الاعتبار من القيود الموجبة للمناسبة فتظهر مناسبته وتقل النقوض عليه ويكون اعتبار مثله بلا\rضرورة وهو المعلوم من نمط الشريعة فتأمل ذلك فإنه قد كثر بين المتأخرين خصوصا الشيخ الطاهر بن بشير فإنه اعتمد عليه في كتابه المعروف بالتنبيه كثيرا والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات\r","part":3,"page":35},{"id":756,"text":"من حيث إن التشريك فيها لا يحرم بالإجماع بخلاف الرياء فيها فيحرم هو أن التشريك فيها لما كان بما جعله الله تعالى للمكلف في هذه العبادة مما لا يرى ولا يبصر كمن جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو وكمن حج وشرك في حجه غرض المتجر بأن يكون جل مقصوده أو كله السفر للتجارة خاصة ويكون الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود وإنما يقع تابعا اتفاقا وكمن صام ليصح جسده أو ليحصل زوال مرض من الأمراض التي تداوى بالصوم بحيث يكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده والصوم مقصود مع ذلك وكمن يتوضأ بقصد التبرد أو التنظيف لم يضره في عبادته ولم يحرم عليه بالإجماع لأن جميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم\rالخلق بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح في العبادات إذ كيف تقدح وصاحب الشرع قد أمر بها في قوله {صلى الله عليه وسلم} يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي قاطع نعم إذا تجردت العبادة عن هذه الأغراض زاد الأجر وعظم الثواب وإذا لم تجرد العبادة عنها نقص الأجر وإن كان لا سبيل إلى الإثم والبطلان\r","part":3,"page":36},{"id":757,"text":"وأما الرياء فيها فإنه لما كان شركا وتشريكا مع الله تعالى في طاعته لمن يرى ويبصر من الخلق لأحد أغراض ثلاثة التعظيم وجلب المصالح الدنيوية ودفع المضار الدنيوية والأخيران يتفرعان عن الأول فإنه إذا عظم انجلبت إليه المصالح واندفعت عنه المفاسد فهو الغرض الكلي في الحقيقة فيقتضي رؤية النفع أو الضر لغيره تعالى فينافي ما أشار له سيدي علي وفا بقوله وعلمك أن كل الأمر أمري هو المعنى المسمى باتحادي قال العلامة الأمير ولا بد عند كل مسلم من حظ في هذا المقام وإن تفاوتوا أهو ذلك إما بأن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى وأن يعظمه الناس أو يعظم في قلوبهم فيصل إليه نفعهم أو يندفع عنه ضررهم فيسمى رياء الشرك لأنه للخلق ولله تعالى وإما بأن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى ألبتة بل الناس فقط فيسمى رياء الإخلاص لأنه لا تشريك فيه بل خالص للخلق كان مضرا بالعبادة ومحرما على المكلف لأنه موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة كما نص عليه الإمام المحاسبي وغيره ويعضده ما أخرجه مسلم وغيره أن الله تعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي وقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فإن الحديث ظاهر في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى والآية تدل على أن غير المخلصين لله تعالى ليسوا مأمورين به وما هو غير مأمور به لا يجزئ عن المأمور به فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب وبالجملة ففرق بين من يجاهد ليقول الناس إنه شجاع أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاءه من بيت المال فيكون رياء حراما وبين من يجاهد ليحصل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو فلا يضره ولا يحرم عليه إجماعا ولا يقال لفعله رياء مع أنه قد شرك فيه بسبب أن الرياء العمل ليراه غير الله تعالى من خلقه والرؤية لا تصح إلا من الخلق وأما العمل لمن يرى ولا","part":3,"page":37},{"id":758,"text":"يبصر كالمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه فلا يقال فيه رياء والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والعشرون والمائة بين قاعدة عقد الجزية وبين قاعدة غيرها مما يوجب التأمين من عقدي المصالحة والتأمين وذلك أن القاعدتين وإن اشتركا في وجوب الأمان والتأمين إلا أنهما افترقا من وجوه\rالوجه الأول\rأن عقد الجزية يكون لضرورة ولغير ضرورة لأن الله تعالى إنما أوجب القتال عند عدم موافقتهم على أداء الجزية بقوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فجعل القتل مغيا إلى وقت موافقتهم على أداء الجزية وعقد المصالحة لا يجوز إلا لضرورة وكذلك عقد الأمير تأمين الجيش الكبير لا يجوز إلا لضرورة تقتضيه\rوالوجه الثاني أن عقد الجزية لا يعقده إلا الإمام كعقد المصالحة\rوأما التأمين فيصح من آحاد الناس بشرط أن يكون في عدد محصور كالواحد ونحوه وأما الجيش الكبير فعقد تأمينه للأمير على وجه المصلحة والوجه الثالث أن عقد الجزية يدوم للمعقود لهم ولذراريهم إلى قيام الساعة إلا أن يحصل للعقد ناقض من النواقض المتقدم تفصيلها وعقد المصالحة إنما يكون إلى مدة معينة\rوالوجه الرابع أن عقد الجزية ليس رخصة على خلاف القواعد بل على وفق القواعد كما تقدم بيان ذلك وعقد المصالحة رخصة على خلاف قاعدة القتال وطلب الإسلام منهم ولذلك لا يكون إلا عند العجز وقتالهم أو إلجائهم إلى الإسلام أو الجزية والوجه الخامس أن شروط عقد الجزية كثيرة معلومة مقررة في الشرع وشروط عقد المصالحة بحسب ما يحصل الاتفاق عليها ما لم يكن في الشروط فساد على المسلمين وكذلك التأمين ليس له شروط بل بحسب الواقع والوجه السادس أن عقد الجزية لا بد فيه من المال وعقد المصالحة يجوز بغير مال يعطونه والوجه السابع أن عقد الجزية يوجب على المسلمين زيادة على الأمن والتأمين حقوقا متأكدة من\r","part":3,"page":38},{"id":759,"text":"الصون والذب عنهم ودفع التظالم بينهم وغير ذلك مما هو مقرر ومبسوط في كتب الفقه وتقدم بيانه والمصالحة لا توجب مثل تلك الحقوق بل يكونون أجانب منا لا يتعين علينا برهم ولا الإحسان إليهم لأنهم ليسوا في ذمتنا غير أنا لا نغدر بهم ولا نتعرض لهم فقط بل نقوم بما التزمنا لهم في العقد من الشروط التي اتفقنا عليها ونتركهم ينفصلون بأنفسهم من غير أن ننصر مظلومهم ولا أن نواسي فقيرهم واللازم في عقد التأمين مطلق الأمان والتأمين والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به توحيد الله تعالى بالتعظيم ثلاثة أقسام القسم الأول واجب إجماعا وهو أربعة أنواع النوع الأول عبادة كالصلوات على اختلاف أنواعها والصوم على اختلاف رتبه في الفرض والنفل والنذر والحج فلا يجوز أن يفعل شيء من ذلك لغير الله تعالى\rوالنوع الثاني صفات الأفعال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والبعث والنشور والسعادة والشقاء والهداية والإضلال والطاعة والمعصية والقبض والبسط فيجب على كل أحد أن يعتقد توحيد الله وتوحده بهذه الأمور على سبيل الحقيقة وأن ما أضيف منها لغيره تعالى سواء كان في كلامه تعالى كإخباره تعالى عن عيسى عليه السلام أنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص أو في كلامنا كقولنا قتله السم وأحرقته النار وأرواه الماء ليس معناه أن غيره تعالى فعل شيئا من ذلك حقيقة بل معناه أن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها كما شاء وأراد سواء كانت الأسباب أسبابا عادية لمسبباتها كما في سببية السم للقتل والنار للإحراق والماء للإرواء أو أسبابا غير عادية لمسبباتها كما في إرادة عيسى عليه السلام لإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص\r","part":3,"page":39},{"id":760,"text":"وكذلك جميع ما يظهر على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات عند إرادة ذلك النبي أو الولي ولو شاء تعالى لم يربطها وهو الخالق حقيقة لمسبباتها عند وجودها لا أن تلك الأسباب هي الموجدة حقيقة قلت وذكر شيخ شيوخنا خاتمة المحققين السيد أحمد دخلان رحمه الله تعالى في رسالة له فيما يتعلق بقوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم الآية أن لربط الله تعالى المسببات بأسبابها حكما ومصالح كثيرة منها أن المكلفين إذا تحملوا المشقة في الحرث\rوالغرس طلبا للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالا بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية فلأن يحتاجوا إلى تحمل مشاق الطاعة التي هي أقل من مشاق المنافع الدنيوية من باب أولى لأن مشاق الطاعة تثمر المنافع الأخروية التي هي أعظم من الدنيوية\rومنها أنه تعالى أجرى عادته بتوقف الشفاء على الدواء في بعض الأحيان ليعلم الإنسان أنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعا لضرر المرض فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعا لضرر العقاب من باب أولى ومنها أنه سبحانه وتعالى لو خلق المسببات دفعة واحدة من غير وسائط أسبابها لحصل العلم الضروري باستنادها إلى القادر الحكيم وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء لأنه لا يبقى كافر ولا جاحد حينئذ فلما خلقها بهذه الوسائط ظهرت حكمة التكليف والابتلاء وتميزت الفرقة الموصوفة بالشقاء عن الفرقة الموصوفة بالشقاء لأن المهتدي يفتقر في استنادها إلى القادر المختار إلى نظر دقيق وفكر غامض فيستوجب الثواب ولهذا قيل لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ومنها أنه يظهر للملائكة وأولي الاستبصار عبر في ذلك وأفكار صائبة إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الواحد القهار\rولما كان المقصود من الاستدلال بهذه الآية على وجود الصانع واتصافه بالكمالات واستحقاقه لأنواع إنما هو العلم وكان علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه\r","part":3,"page":40},{"id":761,"text":"بأحوال غيره قدم سبحانه وتعالى فيها دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ومن دلائل الأنفس نفس الإنسان ثم ذكر آبائه وأمهاته بقوله والذين من قبلكم\rومن دلائل الآفاق الأرض لأنها أقرب إلى الإنسان من السماء ومعرفته بحالها أكثر من معرفته بحال السماء وقدم ذكر السماء على ذكر الماء وخروج الثمرات بسبب الماء لأن ذلك كالأثر المتولد من السماء والأرض والأثر متأثر عن المؤثر وروي أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق رضي الله عنه فقال له جعفر هل ركبت البحر قال نعم قال هل رأيت أهواله قال نعم هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن وأغرقت الملاحين فتعلقت ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح واللوح بأنه ينجيك فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعده قال بل رجوت السلامة قال ممن ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر إن الصانع هو الذي ترجوه ذلك الوقت وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده وروي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال لعمران بن حصين رضي الله عنهما كم لك من آلة قال عشرة قال فمن نعمك وكرمك ورفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم قال الله تعالى فقال عليه السلام ما لك من إله إلا الله\rوكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه سيفا على الدهرية وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه فبينما هو قاعد في مسجده إذ هجم عليه جماعة منهم بأيديهم سيوف مسلولة وهموا بقتله فقال لهم أجيبوني على مسألة ثم افعلوا ما شئتم فقالوا له هات فقال ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة بالأثقال قد\r","part":3,"page":41},{"id":762,"text":"احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا مدبر يدبر أمرها هل يجوز ذلك في العقل قالوا لا هذا شيء لا يقبله العقل فقال أبو حنيفة يا سبحان الله إذا لم يجوز العقل سفينة تجري من غير ملاح يديرها في جريانها فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها من غير صانع وحافظ فبكوا جميعا وقالوا صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا\rوروي أن بعض الدهرية سأل الإمام الشافعي رضي الله عنه ما الدليل على الصانع فقال ورقة الفرصاد أي التوت طعمها واحد ولونها واحد وريحها واحد وطبعها واحد عندكم قالوا نعم قال فتأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم وتأكلها النحل فيخرج منها العسل وتأكلها الشاة فيخرج منها البعر وتأكلها الظبية فينعقد في نوافجها المسك فمن الذي جعلها كذلك مع أن الطبع واحد فاستحسنوا ذلك وآمنوا على يده وكانوا سبعة عشر ا ه\rالمراد فالله تعالى هو الخالق للممكنات وللعباد وأفعالهم جميعا قال العلامة الأمير علي عبد السلام على جوهرة التوحيد وليس لقدرة العبد إلا مجرد المقارنة كالأسباب العادية معها لا بها وليس خلق الله تعالى بآلة خلافا لقول ابن عربي للعبد آلة والعبد آلة لفعل الرب ذكره في وما رميت أي إيجابا إذ رميت كسبا فلا تناقض ومع أن الفعل له تعالى فالأدب أن لا ينسب له إلا الحسن بإشارة ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وإن كان معناه كسبا بدليل الأخرى قل كل من عند الله أي خلقا وانظر لقول الخضر فأردت أن أعيبها مع قوله فأراد ربك أن يبلغا أشدهما\r","part":3,"page":42},{"id":763,"text":"والنوع الثالث استحقاق العبادة والآلهية وعموم تعلق صفاته تعالى فيتعلق علمه بجميع المعلومات وإرادته بجميع الممكنات وبصره بجميع الموجودات الباقيات والفانيات وسمعه بجميع الأصوات وخبره بجميع المخبرات فتوحيده تعالى في هذا ونحوه واجب بالإجماع من أهل الحق لا مشاركة لأحد فيه والنوع الرابع كل لفظ أشهر استعماله في حق الله تعالى خاصة كلفظ الله والرحمن ولفظ تبارك فلا يجوز إطلاقه على غيره تعالى فلا يسمى بالله والرحمن غيره تعالى وتقول تبارك الله أحسن الخالقين ولا تقول تبارك زيد قلت وإطلاق بني حنيفة على مسيلمة رحمن اليمامة وقال شاعرهم علوت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا قال الصبان في رسالته البيانية أجاب الزمخشري عنه بأنه من تفننهم في كفرهم قال المحقق المحلي إلا أن هذا الاستعمال غير صحيح دعاهم إليه لجاجهم في كفرهم بزعمهم نبوة مسيلمة دون النبي {صلى الله عليه وسلم} كما لو استعمل كافر لفظة الله في في غير الباري من آلهتهم\rا ه قال شيخ الإسلام أي فخرجوا بمبالغتهم في كفرهم عن منهج اللغة حيث استعملوا المختص بالله تعالى في غيره\rا ه قال الأنبابي وقد عارض شاعرهم ابن جماعة بقوله علوت بالكذب يا ابن الأخبثين أبا وأنت مغوي الورى لا زلت شيطانا قال وهؤلاء الأئمة الأعلام لم يقولوا ما ذكر كما لا يخفى إلا بالوقوف على ما يدل على الاختصاص\r","part":3,"page":43},{"id":764,"text":"لغة وهو لا يكون إلا باشتراط الوضع عدم استعماله في غيره تعالى إذ من المعلوم أن اختصاص المشتق بشيء بحيث يكون إطلاقه على غيره فاسدا لغة وإن قام مبدأ الاشتقاق بذلك الغير لا يتأتى إلا باشتراط الواضع أن هذا المشتق لا يستعمل في غيره وهو وإن كان بعيدا في ذاته لكن حيث نقل الأئمة الموثوق بهم اختصاصه وجب قبول قولهم ولا عبرة بالبعد كما لا يخفى ودعوى سم عدم الدليل على الاشتراط لا تسمع وأي مانع من كون هؤلاء الأئمة أخذوا عن العرب مشافهة أو بواسطة أنه لا يصح استعمال الرحمن في غيره تعالى وهو دليل اشتراط الوضع فإن ما يحكم به العربي فيما يتعلق باللغة بمقتضى ما يعلمه إنما يكون بسبب حكم الواضع كما لا يخفى وكون العربي يخرج بتعنته عن اللغة ويكابر فيها مما لا يشك فيه\rفالحق هو الجزم بخطأ بني حنيفة في إطلاق الرحمن على غيره تعالى وما أفاده قول الجلال المحلي كما لو استعمل كافر لفظة الله إلخ مع أنه لا يصح ذلك الاستعمال لغة لا حقيقة ولا مجازا مسلم لا يرد عليه أن الصحيح جواز التجوز في الأعلام لأن سبيل هذا أيضا نقل الأئمة الموثوق بهم فلفظ الجلالة مستثنى بلا شبهة فلا محل لهذا الإشكال ولا لدعوى عدم الدليل على اشتراط الواضع أنه لا يستعمل في غيره تعالى ولا لدعوى أنه يصح جواز إطلاقه على غيره تعالى مجازا بعلة أن الصحيح جواز التجوز في الأعلام\rوكذا لا محل لدعوى أن المختص به تعالى المعرف بأل دون غيره على أن سهيل بن عمرو لما أمر النبي {صلى الله عليه وسلم} عليا كرم الله تعالى وجهه في صلح الحديبية بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم قال لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة وهذا صريح في أنهم كانوا يطلقونه معرفا ومنكرا فلا تنفع هذه الدعوى وكذا\r","part":3,"page":44},{"id":765,"text":"لا محل لدعوى أن الاختصاص شرعي لا لغوي ودعوى أنه لا إشكال على القول بأنه شرعي دون القول بأنه لغوي علمت ما فيها وأن الواقع عكس ذلك وعلمت أن دعوى أن علة اختصاصه هي كون معناه المنعم الحقيقي البالغ من الإنعام غايته أو المنعم بجلائل النعم وذلك لا يصدق على غيره تعالى المقتضي أن الاختصاص شرعي لا لغوي لا تصح إذ لا وجه لرد كلام الأئمة الأعلام بمجرد عدم الاطلاع على دليلهم فالحق أن منع إطلاق الرحمن على غيره تعالى لغوي وشرعي وأنه مجاز لا حقيقة له ا ه\rأي لأن حقيقة الرحمة وهي ورقة القلب مستحيلة في حقه تعالى فالمراد منها لازمها وهو إرادة الإحسان أو الإحسان\rالقسم الثاني\rقال الأصل ما لا يجب التوحيد والتوحد به كتوحيده بالوجود لأنه إما عين الموجود أو غيره ومفهومه على الثاني مشترك فيه خارجا وعلى الأول مشترك فيه ذهنا لا خارجا لأن المراد بقولنا وجود كل شيء نفس ماهيته أنه نفسها في الخارج وأما في الذهن فنتصور من معناه معنى عاما يشمل الوجود الواجب والوجود الممكن فوقعت الشركة في تلك الصورة الذهنية فلم يقع التوحيد في أصل الوجود على التقديرين وكتوحيده بالعلم والحياة والسمع والبصر والإرادة والكلام النفساني وأنواعه من الطلب في الأمر والنهي والخبر وغير ذلك لثبوت الشركة في أصول هذه المفهومات وإلا فقياس الغائب على الشاهد بغير مشترك متعذر إذ لا يصح قياس المباين على مباينه وإذا لم يصح قياس للغائب على الشاهد\rتعذر إثبات الصفات فإنه مستندها وكون السلب في قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير عاما في الذات والصفات وإن أورده الفضلاء لا يرد لإمكان الجمع بين صحة سلب المثلية المستفاد من الآية وبين صحة القياس بكون السلب باعتبار معاني تلك الصفات والقياس باعتبار أحوال معانيها النفسانية التي هي غير معللة ولا موجودة ولا معدومة\r","part":3,"page":45},{"id":766,"text":"فكما نقول كون السواد سوادا وكون البياض بياضا حالة للسواد والبياض غير معللة ولا موجودة ولا معدومة فليس خصوص السواد بالذي امتاز به على جميع الأعراض صفة وجودية قائمة بالسواد بل السواد في نفسه بسيط لا تركيب فيه وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة بل يوصف بها ولا توصف بصفة وجودية حقيقة تقوم بها وكذلك القول في بقية المعاني كذلك تقول كون العلم علما صفة نفسية وحالة له ليست صفة موجودة في الخارج قائمة بالعلم وكذلك القول في الإرادة والحياة وغيرهما من بقية الصفات فالقياس إنما هو باعتبار أمر مشترك بين الشاهد والغائب هو حكم نفسي وحالة ذاتية ليست بموجودة في الخارج ومعنى السلب في الآية أن المثلية منفية بين الذات وجميع الذوات وبين كل صفة له تعالى وجميع صفات المخلوقات في أمر وجودي إذ لا صفة وجودية مشتركة بين الله تعالى وخلقه ألبتة بل الشركة إنما وقعت في أمور ليست موجودة في الخارج كالأحوال والأحكام والنسب والإضافات كالتقدم والتأخر والقبلية والبعدية والمعية وغير ذلك من النسب والإضافات ا ه ملخصا\rوتعقبه ابن الشاط أولا بأن عدم التوحيد والتوحد إجماعا لا يصح لا على أن الوجود عين الموجود لأنه إما باعتبار الوجود الخارجي فيختص كل من الباري تعالى وغيره بوجود منفرد بذاته غير مشارك فيه وإما باعتبار الوجود الذهني فيجري الخلاف في وجوده ضمن أفراده كما مر ولا على أن الوجود غير الموجود لأنه إما على إنكار الحال فيختص كل من الباري تعالى وغيره بوجوده وإما على القول بالحال فإما على أن الحال هو الأمر الذهني فيجري الخلاف في وجوده ضمن إفراده كما مر\r","part":3,"page":46},{"id":767,"text":"وأما على أن الحال هو الأمر الذي له ثبوت في نفسه وفي محله فيختص كل من الباري تعالى وغيره بحاله كما سبق في الوجود وثانيا بأن الشركة في أصول مفهومات العلم وما معه من صفات المعاني كنطق العلم مثلا بين علمه تعالى وعلم غيره لم يثبت فيتعذر قياس الغائب على الشاهد بل على فرض ثبوتها وعدم التعذر نلتزم بطلان قياس الغائب على الشاهد بمنع اللزوم في نحو قولنا لو لم يتصف بالكلام مثلا لزم النقص لإمكان أنه نقص في الشاهد عندنا فقط كعدم الزوجية والولد فيندفع ما أورده بعض الفضلاء بناء على تسليم صحة القياس ولا نسلم تعذر إثبات الصفات ببطلانه إذ لا يتعين مستندا لإثباتها فلا حاجة للجواب عن الإيراد المذكور بما لا يصح إلا على القول بالأحوال والحق خلافه ا ه بتلخيص وتوضيح للمراد\rقلت وقوله إذ لا يتعين مستندا لإثباتها أي فإنها قد تثبت بورود إطلاق مشتقاتها عليه تعالى والأصل في الإطلاق الحقيقة مع إجماع أهل الملل والأديان وجميع العقلاء على الإطلاق المذكور نعم في الأمير على عبد السلام على جوهرة التوحيد وفي الخيالي على الاستدلال بالمشتق يقتضي ثبوت المأخذ في السعد إن أرادوا اقتضاء ثبوت\rالمأخذ في نفسه بحسب الخارج فمنقوض بمثل الواجب والموجود أي مما لا يقتضي الغيرية وإن أرادوا ثبوته لموصوفه بمعنى إنصافه به فلا يتم ذلك غرضهم\r","part":3,"page":47},{"id":768,"text":"قال الأمير وقول عبد الحكيم في دفع النقض قيل فرق لأن المأخذ أي في صفات المعاني تثبت غيريته مدفوع بأن الغيرية لم تثبت في حقه تعالى عند الخصم وفي الخيالي قال صاحب المواقف لا تثبت في غير الإضافة وفي عبد الحكم عليه ما نصه بالحرف قال صاحب المواقف إلا حجة على ثبوت أمر سوى الإضافة التي يصير بها العالم عالما والمعلوم معلوما قال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية اعلم أن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليست من الأصول التي يتعلق بها تكفير أحد الطرفين وقد سمعت بعض الأصفياء أنه قال عندي إن زيادة الصفات وعدمها وأمثالهما لا يدرك إلا بكشف حقيقي للعارفين وأما من تمرن في الاستدلال فإن اتفق له كشف فإنما يرى ما كان غالبا على اعتقاده بحسب النظر الفكري ولا أرى بأسا في اعتقاد أحد طرفي النفي والإثبات في هذه المسألة ا ه\rقال الأمير ولو اختير الوقف لكان أنسب وأسلم من افتراء الكذب على الله تعالى وماذا على الشخص إذا لقي ربه جازما بأنه على كل شيء قدير مقتصرا عليه مفوضا علم ما وراء ذلك إليه لكن اشتهر عند الناس كلام الجماعة على حد قول الشاعر وهل أنا إلا من غزية إن غوت\rغويت وإن ترشد غزية أرشد قال وقال الشعراني في اليواقيت يتلخص من جميع كلام الشيخ الأكبر رحمه الله أنه قائل بأن الصفات عين لا غين كشفا ويقينا وبه قال جماعة من المتكلمين وما عليه أهل السنة والجماعة أولى والله تعالى أعلم بالصواب ا ه\r","part":3,"page":48},{"id":769,"text":"ثم قال الأمير بعد أوراق قال الشمس السمرقندي في الصحائف والخلاف في كون صفات المعاني ليست بغير الذات كما للجمهور أو غيرها نظرا للمفهوم وزيادة الوجود وإن لم تنفك كما لبعضهم خلاف لفظي ولكون الصفات ليست غير أوقع في بعض العبارات التسمح بإضافة ما للذات لها نحو تواضع كل شيء لقدرته وفي الحقيقة اللام للأجل أي تواضع كل شيء لذاته لأجل قدرته وإلا فعبادة مجرد الصفات من الإشراك كما أن عبادة مجرد الذات فسق وتعطيل عند الجماعة وإنما الذات المتصفة بالصفات وفي الحقيقة الذات من حيث هي ذات لا سبيل لها وإنما حضرتها وحدة محضة حتى قالوا إن في قولهم في الذات تسمحا لأن بتجليها يتلاشى ما سواها وإنما الآثار ممسوكة بالصفات فكيف تنفى وإذا وصل العارف لوحدة الوجود في الكون فلا يتوقف في التوحيد مع ثبوت الصفات ولا يعقل افتقار في ذات اتصفت بالكمالات فلا تغتر بما سبق عن الشيخ الأكبر يعني قوله في باب الأسرار بناء على ميله لنفي زيادة الصفات من الأدب أن تسمى الصفات أسماء لأن الله تعالى قال ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وما قال فصفوه بها فمن عرفه حق المعرفة الممكنة للعالم سماه ولم يصفه قال ولم يرد لنا خبر في الصفات إلى أن قال وقد قال تعالى سبحان ربك رب العزة عما يصفون فنزه نفسه في\rهذه الآية عن الصفة لا عن الاسم فهو المعروف بالاسم لا بالصفة كما في يواقيت الشعراني أواخر المبحث الحادي عشر فتأمل بتدقيق فهو غاية التحقيق\rالقسم الثالث\r","part":3,"page":49},{"id":770,"text":"ما اختلف في وجوب توحيد الله تعالى به وعدم وجوبه من التعظيم بالقسم أو الإقسام وهذا القسم هو المتعلق بالقواعد الفقهية فلأجله سيق الفرق أما القسم ففي بداية المجتهد لحفيد بن رشد مع زيادته من الأصل اتفق الجمهور على أن الأشياء منها ما يجوز في الشرع أن يقسم به ومنها ما لا يجوز أن يقسم به واختلفوا أي الأشياء هي المتصفة بالجواز والمتصفة بعدمه فقال قوم إن الحلف المباح في الشرع هو الحلف بالله وأن الحالف بغير الله عاص وعليه قول أبي الحسن اللخمي الحلف بالمخلوقات كالنبي {صلى الله عليه وسلم} ممنوع فمن فعل ذلك استغفر الله تعالى ا ه\rوقال قوم بل يجوز الحلف بكل معظم بالشرع وعليه قول أبي الوليد بن رشد في المقدمات الحلف باللات والعزى وما يعبد من دون الله تعالى محرم لأنه تعظيم وتعظيم هذه الأشياء قد يكون كفرا وأقله التحريم وبما عدا ذلك من المخلوقات كالرسول {صلى الله عليه وسلم} والكعبة والآباء مكروه ا ه\rوقاله الشافعي رضي الله عنه والذين قالوا إن الأيمان المباحة هي الأيمان بالله تعالى اتفقوا على إباحة الأيمان بأسمائه واختلفوا في الأيمان التي بصفاته وأفعاله وسبب اختلافهم في الحلف بغير الله من الأشياء المعظمة بالشرع أن ظاهر الكتاب حيث حلف الله تعالى في الكتاب بالشمس وضحاها والتين والزيتون والسماء والطارق وغير ذلك من المخلوقات وظاهر قوله {صلى الله عليه وسلم} في حديث الأعرابي السائل عما يجب عليه أفلح وأبيه إن صدق فقد حلف عليه الصلاة والسلام بأبي الأعرابي وهو مخلوق معارضان لما في مسلم قال {صلى الله عليه وسلم} ألا إن الله تعالى نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت فمن جمع بين حديث مسلم وبين الكتاب وحديث الأعرابي بقوله في الكتاب إما مضاف محذوف تقديره ورب النجم ورب السماء والطارق\r","part":3,"page":50},{"id":771,"text":"وكذا البواقي فما وقع الحلف إلا بالله تعالى دون خلقه وإما أن إقسامه تعالى بها تنبيه لعباده على عظمتها عنده فيعظمونها ولا يلزم من الحجر على الخلق في شيء أن يثبت ذلك الحجر في حقه تعالى فإنه الملك على الإطلاق يأمر بما يشاء ويحكم بما يريد من غير اعتراض ولا نكير فيحرم على عباده ما يشاء دون أن يحرمه على نفسه وحديث الأعرابي إما أنه منسوخ بحديث مسلم وإما أن لفظة وأبيه فيه لم يقصد بها الحلف بل التوطئة على حد قولهم قاتله الله تعالى ما أشجعه وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها تربت يداك ومن أين يكون الشبه فإن النبي {صلى الله عليه وسلم} والعرب لم يريدوا الدعاء بالقتل ولا بالفقر الذي يكني عنه بالإلصاق بالتراب تقول العرب التصقت يده بالأرض وبالتراب إذا افتقر وإنما أرادوا توطئة الكلام أو إنها ليست في الموطإ وإنما فيه أفلح إن صدق وزيادة العدل في روايته اختلف في قبولها قال الأيمان المباحة هي الحلف بالله تعالى ومن جمع بينهما بقوله المقصود بحديث مسلم إنما هو أن لا يعظم من لم يعظم الشرع بدليل قوله فيه ألا إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم وأن هذا من باب الخاص أريد به\rالعام أجاز الحلف بكل معظم في الشرع في سبب اختلافهم هو اختلافهم في بناء الآية وحديث مسلم ا ه\r","part":3,"page":51},{"id":772,"text":"وعلى الجمع الأول اقتصر العلامة الأمير حيث قال في ضوء الشموع عند قوله في المجموع وحرم حلف بغير الله ما نصه وإقسام الله تعالى بالنجم ونحوه لأن له أن يقسم بما شاء وبأسراره التي يعلمها في أفعاله تنبيها على عظمتها ولسريان سر الحق فيها من غير حلول ولا اتحاد فإنها مظاهره مع تنزهه كما يعلم ونحن لوقوفنا على ظاهرها وحبسنا مع غيريتها نهينا ولما ذاق من ذاق شيئا من وحدة الوجود فأطلق لسانه حصل له ما حصل ولذلك يشير فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم أي لو تعلمون سريان سر الحق فيها وأنها مظاهره ولما كان هو العالم بذلك أقسم تارة بها وتارة بفاعليته لها فقال والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى وتارة جمع الأمرين فقال والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها\rولله در الجزولي حيث قال في الأقسام الاستعطافية في دلائل الخيرات وبالاسم الذي وضعته على الليل فأظلم وعلى النهار فاستنار إلى ما آخر ما قال فالوضع معنوي أي إن هذه مظاهر تجليه ونكتة أخرى إنما نهينا عن الحلف بغيره لما فيه من مشابهة المشركين في حلفهم بأسماء آلهتهم وهذا في إقسام الله تعالى لا يكون على أن بعضهم يقدر مضافا أي ورب النجم وللزمخشري أن ذلك خرج عن حقيقة القسم إلى مجرد توكيد الكلام وحمل القرافي على ذلك قوله {صلى الله عليه وسلم} للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه ثم قال لا أنقص ولا أزيد أفلح إن صدق وأبيه نظير قوله لعائشة تربت يمينك وقولهم قاتله الله ما أكرمه انظر ح ا ه\r","part":3,"page":52},{"id":773,"text":"وأما سبب اختلافهم في منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فهو كما في بداية المجتهد اختلافهم في أنه هل يقتصر بحديث مسلم على ما جاء من تعليق الحكم فيه بالاسم فلا يتعداه إلى الصفات والأفعال أو يتعداه إليهما لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود كثير وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه اللخمي عن محمد بن المواز فالقول بمنع الحلف بصفات الله وبأفعاله ضعيف والقول بجوازه بصفات المعاني السبعة كالقدرة والإرادة والعلم ولزوم الكفارة بالحنث هو المشهور في المذهب وقول أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين ويدل له أيضا ما في البخاري أن أيوب عليه السلام قال بلى وعزتك لا غنى لي عن بركتك ا ه\rوأما الحلف بصفات الأفعال ففي المجموع وشرحه وحاشيته ما حاصله أن اليمين لا ينعقد بنحو الإماتة والإحياء اللهم إلا أن يلاحظ المذهب الماتريدي وهو أن صفات الأفعال قديمة ترجع إلى صفة التكوين أو يريد مصدرها ومنشأها وهو القدرة أو الاقتدار الراجع للصفة المعنوية أي كونه قادرا إذ المعنوية ينعقد بها جزما ولا عبرة بتنظير ابن عرفة فيها فقد رده تلميذه الأبي كما في الرماصي والبناني ولا نظر إلى كونها ليست معاني موجودة خلافا للبناني تبعا لابن عاشر في عدم الانعقاد بالسلوب لذلك فإنها تنعقد بالصفة النفسية وليست معنى موجودا عند المحققين على أن وجود صفات المعاني أعني كونها معنى موجودا فيه خلاف طويل في كتب الكلام وقد تقدم في القسم الثاني من هذا الفرق وإن قال به المحققون نعم نظر عج في غير القدم والوحدانية من صفات السلوب لكن استظهر شيخنا الانعقاد أي\rلأن من أنكرها يكفر وظاهره ولو بمخالفته للحوادث لا بمخالفة الحوادث له على الظاهر وإن تلازما لأن الملاحظ في الأول ارتفاع مجده وتقدسه عن مشابهتهم وهو صفة له وفي الثاني انحطاطهم عن مشابهته وقصورهم عنها وهو ليس صفة ا ه\r","part":3,"page":53},{"id":774,"text":"وما في الجواهر للشيخ جلال الدين من أنه لا يجوز الحلف بصفة الفعل ولا يجب فيه كفارة مبني على أن صفات الأفعال أمور اعتبارية تتجدد بتجدد المقدور وأنها حادثة كما يقول الأشاعرة وبالجملة فصفات الله وأسماؤه نوعان نوع ينعقد القسم بذاته من غير توقف على إرادة ونوع لا ينعقد القسم بذاته بل يتوقف على إرادة وسيأتي في الفرق الذي بعد هذا الفرق توضيح النوعين فترقب\rوأما الإقسام أي الحلف عليه تعالى بغيره من بعض مخلوقاته بأن يقال بحق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عليك أو بحرمة الأنبياء والصالحين إلا غفرت لنا أو بحق الملائكة المقربين إلا سترت علينا أو بحرمة البيت الحرام والطائفين والقائمين والركع السجود إلا هديتنا هديهم وسلكت بنا سبيلهم فقد اختلفوا في جوازه لوروده في بعض الأحاديث ومنعه لأنه قسم وتعظيم بالقسم بغير الله تعالى وقد توقف في هذا بعض العلماء ورجح عنده التسوية بين الحلف بغير الله وبين الحلف على الله تعالى بغيره وقال الكل قسم وتعظيم قلت وفي حاشية الشيخ علي العدوي على الخرشي في باب اليمين\rوأما التوسل ببعض مخلوقاته فجائزة وأما الإقسام على الله تعالى في الدعاء ببعض مخلوقاته كقوله يعني الداعي بحق محمد اغفر لنا فخاص به {صلى الله عليه وسلم} ا ه\rيعني إذا لاحظ الداعي جعل الباء للقسم وإلا كان توسلا لا إقساما يشهد لذلك أمران الأول قوله وأما الإقسام إلى آخره الثاني ما ذكره العلامة الشيخ علي الأجهوري في فتاويه من أن العز بن عبد السلام قال إن صح ما جاء في بعض الأحاديث من أن النبي {صلى الله عليه وسلم} علم بعض الناس الدعاء فقال له في أوله قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة فينبغي أن يكون مقصورا عليه {صلى الله عليه وسلم} لأنه سيد ولد آدم وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء وغيرهم لأنهم ليسوا في درجته {صلى الله عليه وسلم} ا ه\rوخالفه ابن عرفة واستدل بما يدل له بل إنما يدل لجواز التوسل ببعض المخلوقات وهو غير الإقسام وقد نبه على ذلك الحطاب ا ه\r","part":3,"page":54},{"id":775,"text":"كلام الأجهوري وتبع ابن عرفة في قوله بجواز الإقسام بغيره {صلى الله عليه وسلم} العلامة ابن حجر في شرح العباب كما يعلم بالوقوف عليه وعلى ما نقل عن فقهاء الأحناف من تحريم قول الداعي بحق محمد وبحق فلان ا ه\rفمحمول إما على ملاحظة الداعي الإقسام أو قصده الحق بمعنى الواجب كما هو ظاهر تعليلهم بقولهم لأنه لا حق لأحد على الله أما إذا لاحظ به التوسل أو قصد الحق بمعنى الرتبة والمنزلة لديه تعالى أو الحق الذي جعله الله له على الخلق وعليه بفضله للخلق كما في الحديث الصحيح قال فما حق العباد على الله فلا يحرم عليه ذلك القول كما هو مقتضى الأدلة الواردة في جواز التوسل\rوما رواه زروق عن مالك من كراهة التوسل فإنما يصح بحمل الكراهة على التحريمية والتوسل على الإقسام إذ لو لم يحمل على ذلك\r","part":3,"page":55},{"id":776,"text":"لعارضه ما نقله القاضي عياض في الشفاء عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أنه لما سأله جعفر المنصور عن استقبال القبر حين الدعاء أو استقبال القبلة قال له ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم قبلك بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال الله تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية قال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم رواية ذلك عن الإمام مالك جاءت بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه وقال العلامة الزرقاني في شرح المواهب ورواها ابن فهد بإسناد جيد ورواها القاضي عياض في الشفاء بإسناد صحيح رجاله ثقات ليس في إسنادها وضاع ولا كذاب على أنها قد عضدت بجريان العمل وبالأحاديث الصحيحة الصريحة في جواز التوسل التي يعضد بعضها بعضا وبظاهر استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما بل مما يعين حمل رواية زروق المذكورة على ما ذكروا وبطلانها رأسا أن زروقا نفسه في شرحه لحزب البحر قال بعد ذكر كثير من الأخيار اللهم إنا نتوسل إليك بهم فإنهم أحبوك وما أحبوك حتى أحببتهم فيك إياهم وصلوا إلى حبك ونحن لم نصل إلى حبهم فيك فتمم لنا ذلك مع العافية الكاملة الشاملة حتى نلقاك يا أرحم الراحمين وله في التوسل قصيدة مشهورة فمن هنا قال العلامة الزرقاني على المواهب وقول ابن تيمية ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك خطأ قبيح فإن كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلا له مستدبرا للقبلة وممن نص على ذلك أبو الحسن القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن والعلامة خليل في منسكه ونقله في الشفاء عن ابن وهب عن مالك قال إذا سلم على النبي {صلى الله عليه وسلم} ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده ا ه\rفتأمل ذلك فهذا تحقيق الفرق بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به وتوحده وبين قاعدة ما لا يجب والله أعلم\r","part":3,"page":56},{"id":777,"text":"الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة الألفاظ باعتبار جواز الحلف بها وعدم جوازه ثلاثة أقسام القسم الأول ما علم أن مدلوله قديم فيجوز وينعقد القسم بذاته من غير توقف على إرادة وتلزم الكفارة بالحنث كلفظ الله ونحوه من الأسماء الحسنى وإن قالت المعتزلة إنها ألفاظ وهي حادثة وقسمها\rالشمس السمرقندي في الصحائف إلى قديم وحادث والحادث إلى مشتق من فعله تعالى كالخلاق الرزاق المحيي المميت ومشتق من فعلنا كالمعبود والمشكور لأن معنى قدمها ما نقله العلامة الملوي عن سيدي محمد بن عبد الله المغربي من أن كلام الله تعالى القديم أسماء له هي المحكوم عليها بالقدم كما أن منه أمرا ونهيا إلخ والمراد بالتسمية القديمة دلالة الكلام أزلا على معاني الأسماء وذلك من غير تبعيض ولا تجزئة في نفس الكلام مع تفويض كنه ذلك له تعالى واقتصروا في أقسام الكلام الاعتبارية على الأهم باعتبار ما ظهر لهم إذ ذاك فلا يرد عدم ذكرهم أسماء منها كيف ومدلوله لا يدخل تحت الحصر وليس معنى القدم هنا عدم الأولية كما تقول المعتزلة بل معناه إنها موضوعة قبل الخلق أي إن الله تعالى وضعها لنفسه قبل إيجادنا ثم ألهمها للنور المحمدي ثم للملائكة ثم للخلق كما في الأمير على عبد السلام على جوهرة التوحيد فافهم وكالوجود ونحو القدرة والاقتدار أي الكون قادرا والقدم من صفاته تعالى النفيسة والمعاني والمعنوية والسلبية كما مر عن العلامة الأمير\rالقسم الثاني\rما علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها فلا يجوز ولا ينعقد القسم به أصلا قال العلامة الأمير في ضوء الشموع\rوأما الألفاظ الأجنبية بالمرة نحو والحيوان فلا ينعقد على الصحيح\r","part":3,"page":57},{"id":778,"text":"ولو نوى به معنى قديما ولا يجوز ذلك فليس كالطلاق إن نوى بأي لفظ لزم نعم إن جعله على حذف مضاف أي ورب الحيوان ولا ينعقد اليمين بالنية ولا بالكلام النفسي بالأولى من الطلاق ا ه بلفظه\rالقسم الثالث\rما لم يعلم قدم مدلوله ولا حدوثه فلا ينعقد الحلف بذاته بل يتوقف على الإرادة للمعنى القديم أو لم ينو شيئا كما في ضوء الشموع فافهم وهذا القسم لعدم وضوحه هو المقصود بهذا الفرق دون الأولين والذي ذكره الأصل من ألفاظ هذا القسم تسعة اللفظ الأول أمانة الله فإنه كما يطلق على القديم وهو أمره ونهيه بالكلام النفسي الذي هو صفة الله تعالى لقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال إلى قوله ظلوما جهولا قال العلماء معناه أن الله تعالى عرض التكاليف على السماوات والأرض والجبال وقال لهن إن حملتن التكاليف وأطعتن فلكن الثواب الجزيل وإن عصيتن فلكن العذاب الوبيل فقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ثم عرضت على الإنسان فالتزم ذلك فأخبر الله تعالى أنه كان ظلوما لنفسه جهولا بالعواقب فلا جرم هلك من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وسلم من كل ألف واحد كما جاء في الحديث الصحيح كذلك يطلق على الحادث وهو فعلنا في حفظ الودائع وغيرها من الأمانات في قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا\rالأمانات إلى أهلها\rفيتبع الحلف به العرف والعادة وقد جرى بإطلاقه على القديم العرف فيجوز الحلف به وتلزم الكفارة بالحنث إلا أن ينوي الحالف به المعنى الحادث فحينئذ يمنع الحلف به وتسقط الكفارة كما إذا تغير العرف وجرى بإطلاقه على الحادث في قطر من الأقطار فلا يجوز الحلف به أو يكره على الخلاف وتسقط الكفارة إلا أن ينوي به الحالف القديم فيجوز حينئذ الحلف به وتلزم بالحنث الكفارة وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بالله إن لم ينو معنى حادثا أي ما جعله بين عباده بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه\r","part":3,"page":58},{"id":779,"text":"اللفظ الثاني قولنا عمر الله أو لعمر الله أفتى مالك رحمه الله تعالى بانعقاد اليمين به ولزوم الكفارة بالحنث نظرا لجريان العرف بإطلاقه على القديم وهو بقاء الله تعالى الذي هو من صفات السلوب القديمة فإن تغير العرف وجرى بإطلاقه على أمر حادث في قطر من الأقطار لم ينعقد اليمين به بل قال ابن الشاط\rومثل ذلك يقال في قبلية الله تعالى ومعيته وبعديته فإن الله تعالى قبل كل حادث ومع كل حادث وبعد كل حادث إذا فني الحادث فهي نسب وإضافات والنسب سلوب والصحيح أن الأسرار المضافة إلى الله تعالى متى عني بها أمر قديم سواء كانت إثباتا أو سلبا فاليمين بها منعقدة ومتى عني بها أمر حادث فاليمين غير منعقدة بها وقصد الأمر القديم بها هو عرف الشرع ولم يحدث عرف يناقضه فيتغير الحكم لذلك والله تعالى أعلم\rقلت وانظر قوله وقصد الأمر القديم به هو عرف الشرع إلخ مع ما سيأتي له من أن العرف الشرعي لا يتغير حكمه وإن تغير العرف بخلاف العرف الزماني وحرر\rاللفظ الثالث عهد الله قال الشيخ أبو الحسن اللخمي العهد أربعة أقسام تلزم الكفارة في واحد وهو علي عهد الله كما أفتى بذلك مالك رحمه الله تعالى وتسقط في اثنين وهما لك علي عهد الله وأعطيك عهد الله ويختلف في الرابع وهو أعاهدك الله اعتبره ابن حبيب وأسقطه ابن شعبان قال وهو أحسن ا ه\rقال الأصل وبقي خامس وهو قوله وعهد الله لقد كان كذا بواو القسم فهذا وإن لم أره لأصحابنا وكان مشاركا للأول الذي أفتى مالك بلزوم الكفارة به في أن عهد الله فيها لم يدل على\r","part":3,"page":59},{"id":780,"text":"خصوص العهد القديم بل إنما يدل على القدر المشترك بين العهد القديم وهو إلزامه تعالى لخلقه أمره ونهيه بكلامه النفسي القديم الذي هو صفته تعالى كما في قوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم فإن معناه أوفوا بتكليفي أوف لكم بثوابي الموعود به على الطاعة وبين العهد الحادث وهو الذي شرعه لخلقه كما في قوله تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا أي بما التزموه وقوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين ونحوه من العهود التي بين خلقه كالعهدة في البيع أي ما يلزم من الرد بالعيب ورد الثمن في الاستحقاق وعهدة الرقيق أي ما يلزم فيه وهو كثير في مورد الاستعمال أضيف إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة تشريعه لعباده وقد اتفق النحاة على أنها إضافة حقيقية إلا أنه عندي قسم صريح بصفة من صفات الله تعالى فينبغي أن تلزم به الكفارة كما لو قال وأمانة الله وكفالته بل هذا عندي بسبب حرف القسم الذي هو حقيقة لغوية صريحة في إنشاء القسم ا ه\rأصرح في الدلالة على العهد القديم من القسم الأول الذي نص مالك على لزوم الكفارة به أعني قوله علي عهد الله لأنه إخبار بالتزام ما لا ينذر من العهد القديم والإخبار بذلك كذب فلا يصير موجبا للكفارة إلا بإنشاء عرفي ونقل عادي ألا ترى إلى اختلاف العلماء في قوله علي الطلاق أو الطلاق يلزمني هل هو\rصريح أو كناية نظرا لكون الطلاق لا يلزم أحدا فالإخبار عن لزومه كذب فلا يصير موجبا إلا بإنشاء عرفي ونقل عادي ا ه ملخصا\r","part":3,"page":60},{"id":781,"text":"وفي المجموع وشرحه انعقاد اليمين بعهد الله إن لم ينو معنى حادثا أي ما عاهد به إبراهيم من تطهير البيت بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا قال ابن الشاط وقول اللخمي بعدم انعقاد اليمين وسقوط الكفارة بقول القائل لك علي عهد الله وأعطيك عهد الله ضعيف والراجح أن هذين اللفظين يحتمل أن يجريا مجرى علي عهد الله لقرينة الحال المشعرة بتأكيد الالتزام باليمين ويحتمل أن يجريا مجرى أعاهدك الله فعلى الاحتمال الأول تنعقد اليمين وتلزم الكفارة عند الحنث وعلى الاحتمال الثاني يقع التردد ا ه\rقال اللفظ الرابع علي ذمة الله إلى آخر ما قاله قلت والأظهر في هذا اللفظ وشبهه أنه إنشاء للقسم عرفا ولذلك رأى مالك فيه الكفارة والله تعالى أعلم اللفظ الرابع قوله علي ذمة الله قال ابن الشاط رأى مالك فيه الكفارة نظرا لكونه وشبهه أي كعلي علم الله أو علي إرادة الله أو علي بصر الله أو علي سمع الله إنشاء للقسم عرفا ا ه\rقال الأصل وكذا تلزم الكفارة بقوله وذمة الله بواو القسم بل هذا وإن شارك قوله علي ذمة الله في عدم دلالة ذمة الله فيهما على خصوص الذمة القديمة بل على القدر المشترك بين الذمة القديمة والذمة الحادثة وذلك أن الذمة لغة الالتزام\rوالالتزام إما قديم وهو إخباره تعالى بكلامه النفسي القديم بحفظ عبده\r","part":3,"page":61},{"id":782,"text":"من المكاره الذي عناه في حديث من قال كذا وكذا كان في ذمة الله أي أن الله التزم له عند هذا القول حفظه من المكاره فإن التزام الله تعالى راجع إلى خبره فهو نوع آخر من الكلام غير نوع العهد فإن العهد يرجع إلى الأمر والنهي كما علمت وإما حادث وهو الذي شرعه الله تعالى لخلقه كعقد الذمة للكفار أي التزامنا لهم عصمة النفوس والأموال والأعراض وما معها مما أمر به وجوبا في بعض الصور وكالتزام أنواع البر والإحسان مما يؤمر به وجوبا بل ندبا وكالتزام الإنسان الأثمان في البياعات والأجر في الإجارات مما يرجع للإخبار عن الالتزام أو معناه من غير وجوب فيه ولا ندب ومنه الذمام إذا وعده والتزم له أن لا يخذله وأن ينصره على من يقصده بسوء ومنه قول الفقهاء له في ذمته دينار والعقد وارد على الذمة فإن الذمة في الشريعة معنى مقدر في المكلف يقبل الإلزام والالتزام ولذلك إذا اتصف بعد الرشد بالسفه يقال خربت ذمته وذهبت ذمته وإذا مات خربت ذمته أي المعنى الذي كان يقدر لم يبق مقدرا أضيف إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة تشريعه لعباده\rوقد اتفق النحاة على أنها إضافة حقيقية إلا أن هذا بسبب أداة القسم التي هي حقيقة لغوية صريحة في إنشاء القسم أصرح عندي في الدلالة على إنشاء القسم بالذمة القديمة من قوله علي ذمة الله الذي رأى مالك فيه الكفارة لأنه إخبار بالتزام ما لا ينذر من الذمة القديمة والإخبار بذلك كذب فلا يصير موجبا للكفارة لولا ثبوت نقله وما أشبهه من نحو علي\rعلم الله عرفا من الإخبار بالالتزام إلى إنشاء القسم وذلك لأن هذه الصيغ ليست قسما وإنما هي خبر والخبر ليس بقسم إجماعا والحمل على إنشاء القسم يتوقف على نقل الصيغة عن الخبر إليه وإلا فلا يتجه إلزام الكفارة واعتقاد أن هذا يمين ألبتة ا ه\r","part":3,"page":62},{"id":783,"text":"اللفظ الخامس قوله علي كفالة الله أو علي ضمانة الله أو حمالة الله أو أذانة الله أو زعامة الله أو قبالة الله أو صبر الله أو عذارة الله أو كدانة الله فإن هذه الألفاظ التسعة مترادفة لغة على الخبر الدال على الضمان قال صاحب المقدمات الحميل والزعيم والكفيل والقبيل والأذين والصبير والضامن سبعة ألفاظ مترادفة يقال حمل يحمل حمالة فهو حميل وزعم يزعم زعامة فهو زعيم وكفل يكفل كفالة فهو كفيل وقبل يقبل قبالة فهو قبيل وأذن يأذن أذانة فهو أذين وصبر يصبر صبرا فهو صبير وضمن يضمن ضمانة فهو ضامن قال الله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تكفل الله لمن جاهد في سبيله وابتغاء مرضاته لا يخرجه من بيته إلا الجهاد وابتغاء مرضاته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة والأذانة في قوله تعالى وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب أي التزم ذلك وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم وأصل الأذانة والأذان والأذين والإذن وما تصرف من هذا الباب الإعلام والكفيل معلم بأن الحق في جهته قال الله تعالى في الحمالة وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ا ه\rوقال الله تعالى في القبالة أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أي ضامنا وقال تعالى في الزعامة حكاية عن منادي يوسف عليه السلام ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم وقال القاضي عياض في التنبيهات ومثل حميل عذير وكدين قال وأصل ذلك كله من الحفظ والحياطة قال والكفالة اشتقاقها من الكفل وهو الكساء الذي يحزم حول سنام البعير ليحفظ به الراكب والكفيل\r","part":3,"page":63},{"id":784,"text":"حافظ لما التزمه والضامن من الضمن وهو الحرز وكل شيء أحرزته في شيء فقد ضمنته إياه والقبالة القوة ومنه قولهم مالي بهذا الأمر قبل ولا طاقة والقبيل قوة في استيفاء الحق والزعامة السيادة فكأنه لما تكفل به صار له عليه سيادة وحكم عليه والصبير من الصبر وهو الثبات والحبس ومنه المصبورة وهي المحبوسة للرمي بالسهام ومنه قتله صبرا أي حبسه حتى مات جوعا وعطشا والضامن حبس نفسه لأداء الحق والكدين من كدنت لك بكذا وكذا وقالوا عذيرك أي كفيلك وقال بعض الفضلاء الكفالة أصلها الضم ومنه سميت الخشبة التي تعمل في الحائط كفلا ومنه قوله تعالى وكفلها زكريا أي ضمها لنفسه والكفالة هي ضم ذمة إلى ذمة أخرى فصدق المعنى ا ه قال ابن الشاط والذي يظهر من مالك رحمه الله تعالى حيث قال إذا قال علي كفالة الله تعالى وحنث لزمته الكفارة ا ه\rأنه كان يرى ذلك عرفا في زمانه أو عرفا شرعيا فإما إن كان عرفا زمانيا فإنه إذا تغير الحكم وإما إن كان عرفا شرعيا فلا يتغير الحكم وإن تغير العرف فلفظ الكفالة كلفظ الذمة والله تعالى أعلم ا ه\r","part":3,"page":64},{"id":785,"text":"يعني أن قوله علي كفالة الله في الأصل خبر بالتزام ما لا ينذر من القدر المشترك بين الكفالة القديمة وهي وعده تعالى بكلامه النفسي القديم وبين الحادثة وهي أمران أحدهما وعده تعالى بالكلام اللفظي الحادث المنزل في القرآن وغيره من الكتب الدال على الكلام القديم فهو كفالة حادثة دالة على تلك الكفاية القديمة كما أن أمر الله تعالى اللفظي الذي هو وأقيموا الصلاة دليل أمره النفسي القائم بذاته وكذلك جميع الأحكام والأخبار وثانيهما التي ندبها صاحب الشرع لخلقه من ضمان بعضهم لبعض التي هي من فعلهم وقولهم أضيفت إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة تشريعية لعباده إذ الإنسان إنما يلتزم فعلا من كسبه وقدرته والقدر المشترك بين القديم والحادثين ليس كذلك بل لو نوى خصوص القديم لكان من قبيل قوله علي علم الله تعالى أو نحو ذلك وقد تقدم أنه يبعد في الفقه أن يجب عليه بهذا كفارة إذ كفارة اليمين بغير يمين ولا حنث لا تلزم المكلف لأن\rلزوم المسبب بدون سببه غير واقع شرعا وجعله من قبيل ما إذا قال علي عشر كفارات أو مواثيق أو نذور وفي المدونة إذا قال ذلك لزمه عدد ما ذكر كفارات ا ه\r","part":3,"page":65},{"id":786,"text":"غايته تصحيح كونه من باب الكفارة مجازا لا تصحيح كونه من باب الحلف والأيمان في شيء الذي كلامنا فيه ولا يصح كونه من باب الحلف إلا إذا جرى العرف الزماني بنقله من ذلك الأصل إلى إنشاء القسم بالكفالة القديمة بحيث يغلب الاستعمال عليه حتى يصير اللفظ يفهم منه المنقول إليه بغير قرينة نعم ذلك وإن وجد في زمان الإمام رحمه الله تعالى لم يوجد في زماننا فحينئذ لا تتجه الفتيا فيه بلزوم الكفارة على الإطلاق ضرورة تغير الحكم بتغير العرف الزماني فتعين أن الإمام كان يرى جريان العرف الشرعي بنقله من ذلك الأصل إلى الإنشاء المذكور وفي العرف الشرعي لا يتغير الحكم وإن تغير العرف فحينئذ تتجه الفتيا فيه بلزوم الكفارة على الإطلاق ويجري مثل ذلك في علي ضمان الله ونحوه من سائر المرادفات المذكورة قال الأصل ويلزمه الكفارة بقوله وكفالة الله أو أقسم بكفالة الله أو نحو ذلك من الصيغ الموضوعة للقسم بلا توقف على نية الحالف النقل إلى إنشاء القسم مجازا أو عليه الاستعمال عرفا في الإنشاء المذكور كما يتوقف على ذلك قوله علي كفالة الله كما علمت فهو أصرح منه من جهة أنه قسم مستغن عما ذكر وإن اشتركا في احتمال الكفالة الحادثة وكون إضافتها إليه تعالى لأدنى ملابسة ا ه\rوفي المجموع وشرحه انعقاد اليمين بكفالة الله أي التزامه إن لم ينو معنى حادثا أي التزامه ما التزمه من الثواب بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه\rويجري مثل ذلك في قوله وضمان الله أو أقسم بضمان الله ونحوه من الصيغ الموضوعة في سائر المترادفات المذكورة فافهم\r","part":3,"page":66},{"id":787,"text":"قال اللفظ السادس الميثاق إلى آخر ما قاله فيه قلت ما قاله صحيح غير قوله والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم به فإن المقسم ليس خبرا عن تعظيم المقسم به بل هو نوع من أنواع الإنشاء اللفظ السادس قوله علي ميثاق الله قال مالك وأبو حنيفة وابن حنبل رحمهم الله تعالى يلزمه الكفارة به إذا حنث كعلي عهد الله وعلي كفالة الله ولا يتجه إلا إذا جرى بنقله من الإخبار بالالتزام المؤكد إلى إنشاء القسم إما عرف زماني وحينئذ فيتغير الحكم بتغير العرف وإما عرف شرعي وحينئذ لا يتغير الحكم وإن\r","part":3,"page":67},{"id":788,"text":"تغير العرف وذلك لأن الميثاق لغة العهد الموثق باليمين الذي هو نوع من أنواع الإنشاء مأخوذ من التوثق وهو التقوية وهو أن العهد لغة الالتزام فميثاق الله بالإضافة عبارة عن التزامه تعالى المقوى بالقسم فيصدق بالقدر المشترك بين القديم وهو كلامه تعالى النفسي القديم الذي دلت عليه ألفاظ المواثيق القرآنية الأتية وبين الحادثين أحدهما ألفاظ المواثيق القرآنية نحو قوله تعالى قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير وقوله تعالى والشمس وضحاها إلى قوله قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها من الالتزامات القرآنية الكثيرة المؤكدة بالحلف فإن الأول التزام لفظي مؤكد بالحلف أي قوله وربي والثاني التزام لفظي مؤكد بالحلف أي قوله السابق والشمس وضحاها إلى قوله ونفس وما سواها دل على أن الله التزم التزاما مؤكدا بأن من زكى نفسه فإنه يجد عنده تعالى فلاحا وأن من دسا لها أي دسسها بالمعاصي فأبدلت إحدى السينين ألفا فإنه يجد عنده تعالى خيبة وثانيهما ما شرعه الله تعالى لنا بأن من أمره لنا تلتزم الحقوق الواجبة علينا للعباد وأن نزيل الريبة من صدور المؤمنين الذين هم أصحاب تلك الحقوق بتأكيد ذلك بالإيمان النافي لتلك الريبة أضيف إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة المشروعية كما في قوله تعالى ولا نكتم شهادة الله كما مر فلفظ علي ميثاق الله دائر بين ما هو موجب للكفارة وهو الميثاق القديم وبين ما هو ليس بموجب لها وهما الميثاقان الحادثان أعني اللفظي والمشروع في حقنا وهو حقيقة في أي واحد منها وقع أو كان مرادا والدائر بين الموجب وغير الموجب غير موجب لأن الأصل براءة الذمة حتى يتحقق الموجب كما هو القاعدة الشرعية المجمع عليها فمن هنا قال الشافعي رضي الله عنه العهد والكفالة والميثاق كنايات لا صرائح لترددها بين المعاني\rالقديمة وبين المحدثات فإن نوى القديمة وجبت الكفارة وإلا فلا ا ه\r","part":3,"page":68},{"id":789,"text":"وقد مر عن المجموع وشرحه انعقاد اليمين بكفالة الله وعهد الله إن لم ينو معنى حادثا بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه\rويجري في هذه الألفاظ مجموعة كعلي عهود الله أو علي كفالات الله أو علي مواثيق الله ما جرى فيها مفردة\rاللفظ السابع قولنا وحق الله وحق الرحمن وحق الرحيم وحق العليم والجبار قال الشافعي من الكنايات لا الصرائح لأن لفظ الحق قد يطلق ويراد به حق الله تعالى على عباده من الطاعة والأفعال المطلوبة منهم وهي حادثة كالصلاة والصوم فلا يجب به كفارة حتى ينوي القديم وهو حق الله تعالى الذي هو أمره ونهيه النفساني الموظف على عباده وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بحق الله أي استحقاقه إن لم ينو معنى حادثا أي الحقوق التي على العباد من العبادات التي أمر بها بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه\rوفي كنون على عبق وحق الله قدرته وعظمته وجلاله قاله في البيان وقال أبو زيد القابسي رحمه الله تعالى ما نصه في جواب للونشريسي لا يلزم الحالف بحق الله تعالى كفارة لأن حق الله أمره ونهيه أي أن يطيعوه ولا يخالفوه وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا إلا أن يريد به اليمين فيجري على الخلاف في انعقاد اليمين بالنية ا ه\rاللفظ الثامن ايمن الله بلغاته الأربع عشرة التي في قول ابن مالك همز أيم أيمن فافتح واكسرا وأم قل أو قل أو من بالتثليث قد شكلا وأيمن اختم به والله كلا أضف إليه في قسم تسوف ما نقلا وايمن الأخير بفتح الميم وكسر الهمزة في الرهوني على عبق ولابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور ما نصه أما ايم الله فلا إشكال في أنها يمين لأن ايم الله أو ايمن الله أو من الله كلها جاءت للعرب في القسم فمن النحاة من ذهب إلى أن الأصل فيها عندهم أيمن جمع يمين ثم\r","part":3,"page":69},{"id":790,"text":"حذفوا على عادتهم في الحذف لأكثر استعمالهم فقالوا ايم الله لا فعلت أو لأفعلن كما قالوا يمين الله لا فعلت أو لأفعلن قال الشاعر فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ومنهم من ذهب إلى أن ألف ايمن الله ألف وصل وإنما فتحت لدخولها على اسم غير متمكن واشتقاقه من اليمن والبركة ا ه\rبلفظه وقول عبق وارد بالبركة المعنى القديم قال ح هو إرادة البركة ا ه\rوفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بايم الله أي بركته وبقية لغاتها كذلك إن لم ينو حادثا أي بركة الذرة بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه\rوفي الأصل قال سيبويه رحمه الله تعالى من اليمن والبركة فيتردد بين المحدث من تسمية الأرزاق والأخلاق وبين القديم الذي هو جلال الله تعالى وعظمته ومنه قوله تعالى تبارك الله أحسن الخالقين و تبارك الذي بيده الملك أي كثر جلاله وعلاه وصفاته العلى ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه هو كناية لتردده بين المحدث وبين القديم أي فإن نوى القديم وحنث لزمت الكفارة وإلا فلا وقال الفراء هو جمع يمين فالكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين ا ه\rقال ابن الشاط والشخص إنما يقول أيمان المسلمين تلزمني أو علي أيمان المسلمين في حال يقتضي تأكيد خبره الذي يحلف عليه وذلك قرينة تصرف قوله ذلك إما إلى ما يؤكد به الخبر شرعا فيلزمه جمع يمين بالله تعالى إذ هو اليمين الشرعي وأقل ذلك ثلاثة أيمان فإذا حنث يلزمه ثلاث كفارات وقد قيل بذلك\rوأما إلى ما يلزم مقتضاه شرعا فيلزمه كل ما يلزمه شرعا من يمين ونذر وطلاق وعتق وصدقة وقد قيل بذلك فهو على كل من باب لزوم الأحكام بأسبابها لا من باب لزومها بدون أسبابها كما قيل نعم لزوم ما ذكر بمجرد أن القرائن تفهم أن قائل ذلك عني اليمين الشرعي أو الملتزم الشرعي إنما يجري على مذهب مالك رحمه الله تعالى من عدم اشتراط معينات الألفاظ والله أعلم ا ه\r","part":3,"page":70},{"id":791,"text":"اللفظ التاسع المصحف أو القرآن أو كلمة منه تخصه ك الم لا نحو قال قال كنون حاصل ما لعبق والبناني أن\rالقرآن يطلق على المعنى النفسي الأزلي القائم بذاته تعالى وعلى العبارات الدالة عليه المسموعة لنا وعلى نقوش الكتابة الدالة عليه وبقي أنه يطلق على المحفوظ في الصدور من الألفاظ المتخيلة كما يقال حفظت القرآن فكلام الله يطلق بالاعتبارات الأربعة والقديم من ذلك إنما هو الأول قال العزيز قراءة الخلق صفات لهم فواجب حدوثها مثلهم\rوقوله المعدود من صفاته فواجب قدمه كذاته وهذه الحروف والأصوات دلائل عليه موضوعات وإيضاح قوله دلائل عليه بالمثال أن ينزل كلامه منزلة رجل فيكتب الرجل ويذكر باللسان ويستحضر في الذهن وهو بنفسه غير حال في ذلك فكذلك كلامه تعالى القديم يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويحفظ بالألفاظ المتخيلة في الذهن ويكتب بأشكال الحروف الدالة عليه وهو غير حال في ذلك وكما يقال النار جوهر محرق فيذكر باللفظ ويسمع بالآذان ويعرف بالقلب ويكتب بالقلم ولا يلزم كون حقيقة النار حالة في شيء من ذلك وتحقيقه أن للشيء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارة ووجودا في الكتابة فالكتابة تدل على العبارة وهي على ما في الأذهان وهو على ما في الأعيان فحيث يوصف بما هو من لوازم القديم كقولنا القرآن أو كلام الله غير مخلوق فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج أعني المعنى النفسي القائم بالذات العلية وحديث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة كما في حديث ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم يتغنى بالقرآن أو المخيلة كما في قوله تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وكحديث أحمد وغيره من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال أو الأشكال المنقوشة كحديث الطبراني في الكبير لا يمس القرآن إلا طاهر\r","part":3,"page":71},{"id":792,"text":"وقد ذكر السعد عن المشايخ أنه ينبغي أن يقال القرآن كلام الله غير\rمخلوق ولا يقال القرآن غير مخلوق لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم وكان السلف يمنعون أن يقال القرآن مخلوق ولو أريد به اللفظ إلخ دفعا لإيهام خلق المعنى القائم للذات العلية فلا يجوز ذلك إلا في مقام البيان واختلفوا هل يجوز أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق وعليه البخاري والأكثر أو لا وعليه الإمام أحمد وفي حاشية الرسالة للح قال في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب النذور إن من حلف بالمصحف وأراد المصحف نفسه دون المفهوم منه أن ذلك لا يجوز لقوله {صلى الله عليه وسلم} من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ا ه\rوفي المجموع وشرحه انعقاد اليمين بالمصحف وأولى القرآن أو كلمة منه تخصه عرفا ك الم لا نحو قال إن لم ينو معنى حادثا أي المكتوب أو اللفظ المنزل من غير ملاحظة دلالته على المعنى القديم بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه\r","part":3,"page":72},{"id":793,"text":"وفي الأصل في الفرق الذي قبل هذا وهل تجب عليه الكفارة إذا حلف بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور وسائر الكتب المنزلة وحنث وهو لمالك رضي الله عنه لانصرافه عنده للكلام القديم النفسي أم لا تجب عليه الكفارة إذا حلف بذلك وحنث وهو ما لأبي حنيفة رضي الله عنه وروي أيضا عن مالك أنه قال إن الحلف بالقرآن والمصحف ليس بيمين ولا كفارة فيه وهو الظاهر فإنا لا نفهم من قول القائل القرآن وهو يحفظ القرآن أو يكتب القرآن إلا هذه الأصوات والرقوم المكتوبة بين الدفتين وهو الذي يفهم من نهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإن المسافرة متعذرة بالقديم ا ه وزاد العلامة الأمير في ضوء الشموع ستة ألفاظ اللفظ العاشر قوله والاسم الأعظم قال الأمير ينعقد اليمين به إلا أن ينوي به الأعظم من اسمين لشخص اللفظ الحادي عشر قوله ودين الإسلام قال الأمير إن أراد به الأحكام الإلهية انعقد لأنها ترجع لكلامه وخطابه وإن أراد تدين العباد وطاعتهم لم يلزم\rاللفظ الثاني عشر قوله وخاتم الصوم الذي على فم العباد قال الأمير لا يلزم به اليمين إلا أن يريد الحكم الآلهي به فيلزم كما إذا قال والذي خاتمه على فمي وأراد به الله اللفظ الثالث عشر قوله والعلم الشريف قال الأمير المتبادر منه العلوم المدونة فلا يلزم إلا أن يريد علم الله تعالى أو أحكامه على ما سبق اللفظ الرابع عشر والموجود والشيء قال الأمير وينعقد بالموجود وبالشيء إذا أريد به الله تعالى كما\r","part":3,"page":73},{"id":794,"text":"في ابن شاس وفي القرآن قل أي شيء أكبر شهادة قل الله وما في عبق من عدم الانعقاد بالموجود لأنه ليس مما يندرج في الأسماء التي بذاتها للقسم من غير توقف على إرادة فالنفسية تنعقد بها لا بالاسم المشتق منها عكس الفعلية وذلك لأنه إذا قيل ووجود الله كان صريحا في القديم وقد قيل إن الوجود عين الموجود والظاهر أنه إذا قيل والوجود معرفا بأل من غير إضافة جرى فيه ما جرى في الموجود بالميم\rاللفظ الخامس عشر ما تقدم في الفرق الذي قبل هذا عن العلامة الأمير من صفات الأفعال فجملة ما ذكروه من ألفاظ هذا القسم أعني ما لم يعلم قدم مدلوله ولا حدوثه خمسة عشر وسيأتي في الفرق الذي عقب هذا الفرق عن الأصل ألفاظ أخر فترقب والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك صفات الله تعالى خمسة لأنها إما ذاتية لا تدل على معنى موجود قائم بالذات ولا على سلب نقيصة ولا\rعلى فعل الذات وإما معنوية تدل على معنى موجود قديم قائم بالذات لا ينفك عنها وإما سلبية تدل على سلب نقيصة عن الذات وإما فعلية تدل على فعل الذات وإما أن تشمل الجميع فالقسم الأول منها أعني الصفات الذاتية هي كونه تعالى أزليا أبديا واجب الوجود سماها العلماء بذلك لأنها أحكام للذات لا معان قائمة بالذات نظير جمع البصر في السواد وتفريقه في البياض كذا قال الأصل وهو إنما يظهر على القول بالأحوال وأنها أحوال نفسية لا معنوية أما على إنكار الأحوال وهو الصحيح فهي بجملتها صفات سلبية لا ثبوتية وعلى كلا القولين لا وجود في الأعيان لمعنى واحد منها\r","part":3,"page":74},{"id":795,"text":"فالظاهر من قول مالك بوجوب الكفارة مع الحنث إذا قال الحالف عمر الله يميني مع أن العمر هو البقاء والبقاء كالقدم من صفات السلوب معناه نفي لحوق العدم للذات وكون النفي على طريقة الامتناع مأخوذ من كون بقاء الذات واجبا كما أن معنى القدم امتناع سبقية العدم للذات فلا وجود لمعنى كل منهما في\rالأعيان أنه كذلك يوجب الكفارة مع الحنث إذا قال الحالف وأزلية الله تعالى ووجوب وجوده وأبديته إذ لا فرق سيما وقد جعل بعضهم القدم نفسيا زاعما أنه الوجود الأزلي وكذا البقاء أي الوجود المستمر كما في حاشية الأمير على عبد السلام على الجوهرة نعم قد جعل بعضهم القدم والبقاء من المعاني ورد بأنهما ثابتان لصفاته أيضا فيلزم قيام المعنى بالمعنى من الدور أو التسلسل فيهما كما في الأمير أيضا هذا تحقيق المقام فليتأمل\rوالقسم الثاني منها أعني المعنوية نسبة للمعاني الوجودية القائمة بالذات على حد قوله والواحد اذكر ناسبا للجمع ما لم يوافق واحدا في الوضع نعم الظاهر أنه هنا وافق واحدا في الوضع فإذا عبر علماء الكلام عن هذا القسم بصفات المعاني وقال السنوسي في شرح الوسطى الإضافة في صفات المعاني للبيان وأن المراد الصفات التي هي نفس المعاني\rيعنون بها المعاني الوجودية كالعلم مثلا ويصح أن تكون الإضافة أنه بتقدير من كثوب خز ا ه\r","part":3,"page":75},{"id":796,"text":"ولم يعبروا بالصفات المعنوية فهي سبعة العلم والكلام القديم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة ومشهور المذهب جواز الحلف بها ابتداء وأن الحلف بها مع الحنث يوجب الكفارة لما في البخاري أن أيوب عليه الصلاة والسلام قال بلى وعزتك لا غنى لي عن بركتك كما مر وقيل لا يوجب كفارة لقوله {صلى الله عليه وسلم} من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولفظ الله مخصوص بالذات فاندرجت الصفات في المأمور بالصمت به لكن قد مر عن حفيد بن رشد قال في بداية المجتهد وتعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط أي دون أن يعدى إلى الصفات والأفعال جمود كثير وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه اللخمي عن محمد بن المواز ا ه\rوفي هذا القسم ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى\rمذهب مالك رضي الله تعالى عنه أن الحلف بالقرآن تجب به مع الحنث الكفارة وقال أبو\rحنيفة رضي الله تعالى عنه لا تجب به الكفارة ومستند أبي حنيفة أن المراد به في عرف الاستعمال الحادث ومستند مالك أنه وإن كان المراد به في العرف الحادث إلا أن قرينة القسم صرفت اللفظ إلى أن المراد به الأمر القديم ومما يدل على ذلك تسوية مالك بين لفظ القرآن والمصحف والتنزيل والتوراة والإنجيل مع أن العرف فيها أن المراد بها المحدث أفاده ابن الشاط\rالمسألة الثانية\rقال الشيخ الإمام أبو الوليد بن رشد في البيان والتحصيل إذا قال علم الله لا فعلت استحب له مالك الكفارة احتياطا تنزيلا للفظ علم الله الذي هو فعل ماض منزلة علم الله فكأنه قال وعلم الله لا فعلت وقال سحنون إن أراد الحلف بعلم الله مع حذف أداة القسم والتعبير عن الصفة القديمة بصيغة الفعل وحنث وجبت الكفارة وإن أراد الإخبار عن علم الله تعالى بعدم فعله فليس بحلف تجب به كفارة فلفظ علم الله لا فعلت كناية تحتمل القسم والإخبار ا ه بتصرف قال ابن\rالشاط الأظهر نظرا قول سحنون ولذلك والله أعلم استحب مالك الكفارة ولم يوجبها ا ه\r","part":3,"page":76},{"id":797,"text":"وقال الأصل وقول سحنون متجه في قواعد الفقه وقد وقع لبعض النحاة جواز فتح أن بعد القسم وعلل ذلك بأن القسم قد يقع بصيغة الفعل المتعدي فتكون أن معمولة له نحو علم الله وشهد الله أن زيدا لمنطلق فلما كانت مظنة وجود الفعل المتعدي فتجب تنزيلا للمظنون منزلة المحقق والظاهر أنه نقلها لغة عن العرب في فتح أن بعد القسم والجادة على كسرها بعد القسم ا ه\rالمسألة الثالثة\rالصحيح أن قرينة القسم في قول القائل والعلم بالألف واللام وقوله وعلم الله بالإضافة وما أشبه ذلك تعين أن مراده العلم القديم دون غيره على أن لفظ العلم سواء كان مضافا أم بالألف واللام ليس اشتماله على القديم والحادث في القول الصحيح الذي عليه جمهور الفقهاء من أن أصل الألف واللام وكذا الإضافة في اللغة للعموم وقد تكون للعهد مجازا مرسلا من إطلاق العام وإرادة الخاص\rكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول أي عصى الرسول المعهود ذكره الآن من باب العموم الذي يقول به المعممون بل اشتماله على القديم والحادث فيه من باب تعميم اللفظ المشترك والقول به مردود فكل ما قاله الأصل في هذه المسألة مبني على أن اشتمال اللفظ على القديم والحادث من باب العموم كما زعم ليس بصحيح والله أعلم قاله ابن الشاط\rقال\rالقسم الثالث من صفات الله تعالى الصفات السلبية إلى آخر ما قاله في هذا القسم\rقلت ما قاله صحيح غير ما قاله في الحلم إنه تأخير العقوبة فإن هذا عندي فيه نظر والأقرب أن الحلم ترك المحاسبة والمعاقبة والعفو ترك المعاقبة والله أعلم\rوالقسم الثالث منها أعني السلبية قال الأمير على عبد السلام والحق أن الخلاف في كونها منحصرة أولا لفظي وأن الأصول الكلية كالمخالفة للحوادث تحته أمور كثيرة من أنه ليس جوهرا ولا عرضا إلخ منحصرة وأن الجزئيات غير متناهية ا ه\r","part":3,"page":77},{"id":798,"text":"وهي كقولنا إن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا في حيز ولا في جهة ولا يشبه شيئا من خلقه في ذاته ولا في صفة من صفاته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فهذه الصفات هي نسبته بين الله تعالى وأمور مستحيلة عليه سبحانه وتعالى واعلم أن السلب\rفي حق الله تعالى سلبان سلب نقيصة نحو سلب الجهة والجسمية وغيرهما وسلب المشارك في الكمال وهو سلب الشريك وهو الوحدانية قال الأصل ولم أجد في هذه المواطن نقلا أعتمد عليه في انعقاد اليمين بالسلبية وعدم انعقاده غير أني حركت من وجوه النظر والتخريج ما يمكن أن يعتمد الفقيه عليه نفيا أو إثباتا وهو أن هذه السلوب منها سلوب قديمة نحو سلب الشريك وهو الوحدانية وسلب الجسمية والعرضية والجوهرية والأينية وسلب جميع المستحيلات عليه تعالى فهذه من حيث إنها قديمة متعلقة بالله تعالى أقرب لانعقاد اليمين بها لا سيما إذا كانت بإضافة اللفظ إلى الله تعالى نحو قولنا ووحدانية الله تعالى وتسبيح الله تعالى وتقديس الله تعالى ونحو ذلك بخلاف ما إذا كانت بإضافة اللفظ لغير الله تعالى نحو قولنا وسلب الجسم وسلب الشريك فإن انعقاد اليمين بها يبعد حينئذ من حيث كونها سلوبا ومنها سلوب حادثة نحو عفو الله تعالى وحلمه تعالى فإن العفو ترك المعاقبة بعد تحقق الجناية والحلم ترك المحاسبة والمعاقبة بعد\rتحقق الجناية والجناية من العباد حادثة والمتأخر عن الحادث حادث فهي أبعد عن انعقاد اليمين من انعقاده بالسلوب القديمة لاجتماع الحدوث فيها مع السلب وانفراد السلب في السلوب القديمة فالذي يقول لا تنعقد اليمين بالصفات الوجودية يقول ها هنا بعدم الانعقاد بطريق الأولى والذي يقول تنعقد اليمين بالصفات الوجودية كالعلم والقدرة أمكن أن يقول بعدم الانعقاد ها هنا لأجل السلب فهذا موضع يحتمل الإطلاق بانعقاد اليمين وبعدم انعقادها ويحتمل التفصيل بين القديم والمحدث ا ه\r","part":3,"page":78},{"id":799,"text":"وقال ابن الشاط والصحيح الأمور المضافة إلى الله تعالى سواء كانت إثباتا أو سلبا مثل قبلية الله ومعيته وبعديته متى عني بها أمر قديم فاليمين بها منعقدة ومتى عني بها أمر حادث فاليمين بها غير منعقدة وقصد الأمر القديم بها هو عرف الشرع ولم يحدث عرف يناقضه فيتغير الحكم لذلك ا ه وقد علمت ما في قوله ولم يحدث عرف يناقضه إلخ فلا تغفل\rوالقسم الرابع منها أعني الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق الله وعطاء الله وإحسان الله من كل\rما يصدر عن قدرة الله تعالى قال الأصل فينهى عن الحلف بها ولا يوجب كفارة إذا حنث ا ه\rوقد تقدم عن العلامة الأمير أنه مبني على أن الصفات الفعلية أمور اعتبارية تتجدد بتجدد المقدور وأنها حادثة كما يقول الأشاعرة أما إن لوحظ المذهب الماتريدي من أنها قديمة ترجع إلى صفة التكوين أو أريد مصدرها ومنشؤها وهو القدرة أو الاقتدار الراجع للصفة المعنوية أي كونه قادرا فتنعقد بها اليمين وتجب الكفارة مع الحنث فلا تغفل وها هنا أربع مسائل\rالمسألة الأولى\rالمعنى الحقيقي لمعاد الله وحاشا الله هو هو المعاد الحقيقي للعباد وبراءة الله أي براءة منا لله وهما فعلان محدثان فلذا قال ابن يونس قال أصحابنا معاد الله ليس يمينا إلا أن يريد اليمين وقيل معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من العود ومحاشاة الله تعالى التبرئة إليه فهما فعلان محدثان\rا ه قال الأصل يريد إلا أن يريد اليمين\rا ه\rأي بأن يريد بمعاد الله ذات الله تعالى وصفاته تعالى مجازا\r","part":3,"page":79},{"id":800,"text":"وذلك لأن معادا اسم مكان من العود والله تعالى يعود إليه الأمر كله لقوله تعالى وإليه يرجع الأمر كله فأطلق اسم المكان على الله تعالى مجازا فلفظ معاد الله كناية يحتمل أن يريد به المعاد المجازي فيكون حلفا بقديم وهو وجوده تعالى وتلزم الكفارة بالحنث ويحتمل أن يريد به المعاد الحقيقي فيكون حلفا بمحدث فلا يلزم به شيء كما إذا لم تكن له نية أصلا لانصرافه لحقيقته حينئذ وهو المعاد الحقيقي وبأن يريد بحاشا الله الكلام القديم فإن الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني فتصح إضافته إليه تعالى باللام فلفظ حاشا الله كلفظ معاد الله إن أريد به المعنى الحادث لم يكن يمينا ولا يلزم به شيء كما إذا لم يرد به شيء أصلا وإن أريد به المعنى القديم كان يمينا يوجب الكفارة عند الحنث هذا هو الموافق لقول ابن الشاط المتقدم في الفرق الذي قبل هذا الفرق متى عني بالأمور المضافة أمر قديم فاليمين بها منعقدة أو أمر حادث فاليمين بها غير منعقدة\rإلخ فمن هنا نظر ابن الشاط هنا في قول الأصل أنه لا بد مع نية المعنى القديم فيهما من نية أخرى للقسم بواحد منهما أو عرف يقوم مقامها وذلك لأن لفظ كل منها إن نصب فعلى تقدير ألزم نفسي معاد الله وحاشا الله فيكون إلزاما حقيقيا لموجب اليمين وهو الكفارة ولا بد في ذلك من نية أو عرف وإن رفع فعلى تقدير معاد الله أو حاشا الله قسمي فيكون جملة اسمية خبرية استعملت في إنشاء القسم بها إما بالنية أو بالعرف الموجب لنقل الخبر من أصله اللغوي إلى الإنشاء وإن خفض فعلى حذف حرف القسم الجار كقولهم الله بالخفض ولا بد أيضا من نية الإنشاء أو عرف يقتضي ذلك ا ه\rملخصا قلت ووجه النظر أن واو القسم وجميع حروفه ولفظه بأي صيغة لا تستعمل إلا لإنشاء القسم وقد تقدم التصريح بذلك أول الكتاب ولذلك الزم لا يستعمل إلا لإنشاء الالتزام والتزام القديم التزام لليمين فيوجب الكفارة ولو لم تكن نية لإنشاء القسم فتأمل بإنصاف والله أعلم\r","part":3,"page":80},{"id":801,"text":"المسألة الثانية\rرحمة الله ورضاه ومحبته وغضبه ومقته في قوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا\rما لا تفعلون وبغضه في قوله عليه الصلاة والسلام أبغض المباح إلى الله الطلاق وإن الله ليبغض الحبر السمين ورأفته في قوله تعالى الرءوف الرحيم ونحو ذلك من الألفاظ التي قيل إن حقائقها لا تتصور إلا في البشر والأمزجة والمخلوقات بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه تعالى كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل ونحو ذلك فعلى تسليم امتناع تلك الحقائق لا بد من الصرف إلى المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه المراد في لفظ الرحمة ونحوها إرادة الإحسان لمن وصف بذلك من الخلق وفي لفظ الغضب ونحوه إرادة العقوبة لمن وصف بذلك من الخلق وقال القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه المراد بذلك أن الله تعالى يعاملهم معاملة الراحم والغضبان فيكون المراد في الأول أي لفظ الرحمة ونحوها الإحسان نفسه وفي الثاني أي لفظ الغضب\rونحوه العقاب نفسه وذلك أن الرحمة التي وضع اللفظ بإزائها\rوهو حقيقة فيها هي رقة الطبع وهذه الرقة في القلب يلزمها أمران أحدهما إرادة الإحسان إليه والثاني الإحسان نفسه فهما لازمان للرقة التي هي حقيقة اللفظ والتعبير بلفظ الملزوم عن اللازم مجاز عرفي شائع غير أن إرادة الإحسان ألزم للرقة فإن كل من رحمته وأحسنت إليه فقد أردت الإحسان إليه وقد تريد الإحسان إليه وتقصر قدرتك عن ذلك فالإرادة أكثر لزوما للرقة وإذا قويت العلاقة كان مجازها أرجح فمجاز الشيخ أبي الحسن أرجح من مجاز القاضي فعلى مذهب الشيخ يجوز الحلف بهذه الأمور ويلزم بها الكفارة لكون مدلولها قديما وعلى مذهب القاضي لا يلزم بها كفارة وينهى عن الحلف بها لأن مدلولها محدث إلا أن يلاحظ الحالف المذهب الماتريدي أو مصدرها على ما مر عن العلامة الأمير في صفة الفصل فلا تغفل\r","part":3,"page":81},{"id":802,"text":"وإذا قيل لك رحمة الله وغضبه هل هما قائمان بذاته تعالى أم لا وهل هما واجبا الوجود أم لا وهل كانا في الأزل أم لا ونحو ذلك من الأسئلة فقل على مذهب الشيخ هما\rعبارة عن الإرادة وهي صفة واحدة قائمة بذاته تعالى واجبة الوجود أزلية وقل على مذهب القاضي ليسا قائمين بذاته بل ممكنان مخلوقان ليسا بأزليين والحق أن الأصل في الإطلاق الحقيقة ولا يصار إلى المجاز إلا عند التعذر ولا تعذر ضرورة أن الرحمة التي هي من الأعراض النفسانية هي القائمة بنا ولا يلزم من ذلك أن يكون مطلق الرحمة كذلك حتى يلزم كون الرحمة في حقه تعالى مجازا ألا ترى أن العلم القائم بنا من الأعراض النفسانية وقد وصف الحق تعالى بالعلم ولم يقل أحد إنه في حقه تعالى مجاز وكذا القدرة وغيرها فلم لا يجوز أن تكون الرحمة حقيقة واحدة هي العطف وتختلف أنواعه باختلاف الموصوفين به فإذا نسبت إلينا كانت كيفية نفسانية وإلى الله كانت حقيقة فيما يليق بجلاله من الإحسان أو إرادته وكون الرحمة منحصرة وضعا في الكيفية النفسانية دونه خرط القتاد كما قاله العارف المحقق الملا إبراهيم الكوراني في كتابه قصد السبيل أفاده العلامة ابن عابدين على المنار\rالأصولي وإليه والله أعلم يشير العلامة ابن الشاط بقوله وما قاله من امتناع حقائقها على الله تعالى إنما ذلك بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه تعالى كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل وفي ذلك نظر للكلام فيه مجال ا ه\rعلى أن الخادمي نقل عن بعض أن من معاني الرحمة اللغوية إرادة الخير وعن بعض آخر أن منها الإحسان فعلى هذين لا تجوز أصلا فاحفظه أفاده العلامة الأنباصني على بيانية الصبان والله أعلم\rالمسألة الثالثة\rقال ابن يونس الحالف برضى الله تعالى ورحمته وسخطه عليه كفارة واحدة ا ه\r","part":3,"page":82},{"id":803,"text":"يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة وهي الإرادة وهذا يدل على أن الفتيا بطريقة الشيخ أبي الحسن في حمل هذه الأمور على الإرادة وأنه إذا جمع بين عشرة أو أكثر من هذه الأمور لا تجب إلا كفارة واحدة بخلاف قوله وعلم الله وقدرة الله وإرادة الله وعزة الله فإنه يختلف فيه هل تتعدد عليه الكفارة لتغاير الصفات المحلوف بها أو تتحد الكفارة بناء على أن قاعدة الأيمان التأكيد حتى يريد الإنشاء بخلاف تكرير الطلاق الأصل\rفيه الإنشاء حتى يريد التأكيد أو قاعدة الجميع الإنشاء حتى يريد التأكيد وهذا هو الأنظر والأول هو المشهور في المذهب قال الأصل وما نقله ابن يونس من إلزام الكفارة في هذه الألفاظ إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل لأنه خلاف القواعد وذلك أن هذه الألفاظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة وإنما دل الدليل عند الشيخ أبي الحسن على أن المراد بها الإرادة القديمة مجازا خفيا لعدم اشتهارها في الإرادة حتى صارت حقيقة عرفية والقاعدة أن الألفاظ لا تنصرف لمجازاتها الخفية إلا بالنية وأن اللفظ لا يزال منصرفا إلى الحقيقة اللغوية دون مجازه المرجوح حتى تصرفه نية المجاز المرجوح فكان ينبغي أن يقال إن أراد بهذه الألفاظ صفة قديمة لزمته الكفارة وإلا فلا ا ه\rقال ابن الشاط لا إشكال في ذلك فإن اللفظ وإن سلم أنه\rحقيقة في أمور محدثة مجاز غير غالب في الصفة القديمة فقرينة الحلف به كافية في حمله على المجاز والله تعالى أعلم\r","part":3,"page":83},{"id":804,"text":"ا ه المسألة الرابعة لا يقتضي قول مالك بوجوب كفارة في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجبها إذا قال ها هنا علي رزق الله أو خلقه وإن قال الأصل ذلك لظهور الفرق بينهما بأن الميثاق ونحوه جرى العرف بأن المراد به اليمين فإذا قال علي ميثاق الله فمقتضاه علي يمين فتلزمه كفارة يمين ورزق الله ونحوه لم يجر عرف بذلك فإذا قال علي رزق الله فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك الكفارة وليس قول القائل علي رزق الله كقوله علي صوم يوم لأن رزق الله ليس اسما لطاعته فيلزم نذرها وصوم يوم اسم لطاعته ولا مانع من أن يكون علي ميثاق الله يمينا ويكون قائله حالفا مع بقاء لفظ علي فيه على معناه من غير نقل له إلى القسم وجعله من جملة حروفه كالباء والواو فإن الميثاق معناه يمين ما فكأنه قال علي يمين فتلزمه الكفارة إذا حنث كما علمت أفاده ابن الشاط\rوالقسم الخامس منها أعني صفات الله تعالى الجامعة لجميع ما تقدم من الأقسام الأربعة وهي عزة الله وجلاله وعلاه وعظمته وكبرياؤه ونحو ذلك من هذا المعنى فإن لفظ الجلالة والعظمة يحتمل جل بكذا وجل عن كذا وعظم بكذا وعظم عن كذا فتندرج في الأولى الصفات الثبوتية كلها نفسية كانت أو معنوية أو فعلية وتندرج في الثانية جميع السلوب للنقائص فيصدق أن الله تعالى جل وعظم عن الشريك وعن الحيز والجهة وغير ذلك مما يستحيل عليه سبحانه وتعالى فيندرج في اللفظ عند الإطلاق جميع الصفات السلبية والثبوتية نفسية كانت أو معنوية أو فعلية فيكون الحلف بها يوجب الكفارة لاشتمالها على الموجب لها وهو ما عدا الفعلية من الصفات القديمة وغير الموجب وهو صفة الفعل وإذا اجتمع الموجب وغير الموجب كان اللازم الإيجاب لا يمنع الموجب للكفارة من إيجابه للكفارة وها هنا ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى هل يجوز قول قائل سبحان من تواضع كل شيء لعظمته أم لا\r","part":3,"page":84},{"id":805,"text":"قال قوم من الفقهاء يجوز وهو الصحيح لأن العظمة كما سبق عبارة جامعة لصفات الكمال والتواضع التصاغر والتضاؤل ولا شك أن كل شيء ما عدا الذات الكريمة والصفات العظيمة متصاغر متضائل بالنسبة إلى تلك الصفات وقول بعضهم بعدم الجواز بناء على زعمه أن التواضع عبادة وعظمة الله تعالى صفته وعبادة الصفة كفر ليس بصحيح بل هو دعوى عرية عن الحق فلا اعتبار بقوله أفاده ابن الشاط وفي حاشية العلامة الأمير على الجوهرة وتكون صفات المعاني ليست غيرا وقع في بعض العبارات التسمح بإضافة ما للذات بها نحو تواضع كل شيء لقدرته وفي الحقيقة اللام للأجل أي تواضع كل شيء لذاته لأجل قدرته وإلا فعبادة مجرد الصفات من الإشراك كما أن عبادة مجرد الذات فسق وتعطيل عند الجماعة وإنما الذات المتصفة بالصفات ا ه فقد حمل التواضع على العبادة مجازا لا على معناه الحقيقي وجعل اللام للأجل لتكون العبادة للذات المتصفة فاستقامت العبادة واندفع عنها كل إشكال فتأمل\rالمسألة الثانية\rقال عبد الحق في تهذيب الطالب الحالف بعزة الله تعالى وعظمته وجلال الله عليه كفارة واحدة وهو متجه في إيجاب الكفارة واتحادها بل وفي الجواز وعدم النهي خلافا للأصل أما لزوم الكفارة فلما تقدم من أن هذه الألفاظ مشتملة على الموجب وعلى غير الموجب فتجب عملا بالموجب وأما اتحادها فلأن العزة والعظمة والجلال ونحو ذلك هو المجموع والمجموع واحد فتعددت الألفاظ واتحد المعنى فاتحدت الكفارة وأما الجواز وعدم النهي فلأنا لا نسلم اندراج حادث تحت لفظ العزة ونحوه حتى يكون في اليمين بذلك محذور فيحق لعبد الحق أن يعرض عن النهي والله أعلم أفاده ابن الشاط فتأمل بدقة\r","part":3,"page":85},{"id":806,"text":"المسألة الثالثة هذه الألفاظ وإن كانت تارة بلفظ التذكير كقولنا وجلال الله وعلاء الله وتارة بلفظ التأنيث كقولنا وعزة الله وعظمة الله إلا أنه لا فرق بين ما هو بلفظ التذكير وما هو بلفظ التأنيث في جواز الحلف وانعقاد اليمين ولزوم الكفارة عند الحنث أما ما هو بلفظ التذكير فظاهر وأما ما هو بلفظ التأنيث فلأن التاء في نحو عظمة الله ليست للوحدة بل للتأنيث فإن العرب تقول عظم زيد عظمة في\rغالب استعمالهم فكأنه هو المصدر المتعين دون عظما بغير تاء التأنيث فحينئذ لم يكن محدودا فيقيد بالألف واللام أو الإضافة العموم لصفات الكمال والتاء في نحو عزة الله وإن أفادت الوحدة نظرا لكون العرب تفرق بين قول القائل عز زيد عزا وعز عزة فالأول يحتمل جميع أنواع العز مفردة ومجموعة فإذا وجدت الإضافة أو الألف واللام الموجبتين للعموم كان العموم في جميع أفراد ذلك النوع وإن فقدت الإضافة والألف واللام بقي مطلقا وأما اللفظ الثاني وهو عز زيد عزة فإنه لا يتناول لغة إلا فردا واحدا من العزة ولا تفيده الألف واللام تعميما لأنه محدود بالتاء وقد قال الغزالي في المستصفى إن لام التعريف إنما تفيد تعميما فيما ليس محدودا بالتاء نحو الرجل والبيع ا ه فكذلك لا تفيده الإضافة عموما لأن الإضافة تأتي لما تأتي له الألف واللام لأنهما أداتا تعريف إلا أن الصحيح أن لفظ العزة ونحوه لا يتناول محدثا كما قال ابن الشاط لأنه إنما يتناول صفة كمال قديمة\rوشموله صفة الفعل على ما مر إنما هو باعتبار مصدرها الذي هو القدرة أو التقدير لا باعتبار حدوثها لاستحالة اتصافه تعالى بها فضلا عن أن تكون صفة كمال يتناولها لفظ العزة وليس المدرك فيما نقله\rصاحب اللباب في شرح الجلاب عن مالك في الحلف بعزة الله تعالى هل يوجب كفارة أم لا فيه روايتان ا ه هو تردد العزة بين القديم والمحدث كما زعم الأصل بل المدرك كما قال ابن الشاط هو احتمال لفظ\r","part":3,"page":86},{"id":807,"text":"العزة أن يكون مدلوله أمرا ثبوتيا أو أمرا سلبيا فإنه عز بصفاته الثبوتية كما عز بصفات تنزيهه السلبية فافهمه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة إذا حلف به من أسماء الله تعالى وبين قاعدة ما لا يوجب\rأسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا كما خرجه الترمذي وهي تنقسم تقسيمين التقسيم الأول إلى خمسة أقسام القسم الأول ما اختلف في كونه موضوعا لمجرد الذات أو للذات مع جملة صفات الكمال كقولنا الله والقول الأول هو الصحيح الذي اختاره صاحب الكشاف مستدلا على ذلك بجريان النعوت عليه تقول\rالله الرحمن الرحيم ومفهومه على القول الثاني الإله المعبود بحق أي الذات الموصوفة بصفات الكمال ونعوت الجلال وهذا المفهوم هو الذي ندعي توحده وتفرده عن الشريك والمماثلة أي هذا المجموع يستحيل أن يكون له مثل\rالقسم الثاني\rما كان موضوعا للذات مع مفهوم زائد وجودي قائم بذات الله سبحانه وتعالى نحو قولنا عليم فإنه اسم للذات مع العلم القائم بذاته تعالى القسم الثالث ما كان موضوعا للذات مع مفهوم وجودي منفصل عن الذات نحو خالق فإنه اسم للذات مع اعتبار الخلق في التسمية وهو مفهوم وجودي منفصل عن الذات القسم الرابع ما كان موضوعا للذات مع مفهوم عدمي نحو قدوس فإنه اسم للذات مع القدس الذي هو التطهير عن النقائص والبيت المقدس أي الذي طهر من فيه من الأنبياء والأولياء عن المعاصي والمخالفات القسم الخامس ما كان موضوعا للذات مع نسبة وإضافة كالباقي فإنه اسم للذات مع وصف البقاء وهو نسبة بين الوجود والأزمنة فإن البقاء استمرار الوجود في الأزمنة وهو أعم من الأبدي لصدقه على الباقي في زمانين فأكثر وأما الأبدي فلا بد من استمراره مع جملة الأزمنة المستقبلة كما أن الأزلي هو الذي","part":3,"page":87},{"id":808,"text":"قارن وجوده جميع الأزمنة الماضية متوهمة أو محققة كذا قال الأصل وهو إنما يظهر على قول الأشعري وهو الحق أن الزمان متوهم كالمكان ويجعل عليه علامات معلومة تتبدل باختلاف الأحوال فتارة تقول يجيء زيد إذا صلينا العصر وتارة يقال نصلي العصر إذا جاء زيد فهو مجرد اعتبار ويعرف بعلامة تسمحا فيقال متجدد معلوم يقارنه متجدد موهوم إزالة للإيهام وتارة بنفس المقارنة ويوصف بالطول والقصر تبعا لما يتخيل أنه وقع فيه أو على فرض وجوده نظير ما قيل في المكان وفي الحقيقة ليس شيء متحقق يقال له زمان وإلى ذلك يشير صحيح الحديث القدسي يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر أي ليس هناك شيء يقال له الدهر وإنما أنا خالق الأشياء\rوعلى هذا إذا قيل الزمن حادث فمعناه متجدد بعد عدم لا موجود لما أنه اعتباري وذلك لأنه على هذا القول لا مانع من دخول الزمن في وجوده تعالى ألا ترى أنه موجود قبل كل شيء وبعد كل شيء ومع كل شيء وهذا الأخير يلزم منه البقاء بالمعنى المذكور ولم يختر اللقاني في الجوهرة أن حقيقة البقاء نفي لحوق العدم لوجوده سبحانه وتعالى وكون النفي على طريقة الامتناع مأخوذ من أنه بقاء واجب محترزا عن البقاء بالمعنى المذكور بقوله كذا بقاء لا يشاب بالعدم إلا لكون البقاء بالمعنى المذكور غير كاف لا لاستحالته كما زعم الشيخ عبد السلام نعم يمتنع دخول الزمان على سبيل الحصر بأن يكون وجوده تعالى ليس إلا في زمان وهذا لا تقتضيه المقارنة ومن هنا اندفعت شبهة ذكرها إمام الحرمين في الإرشاد ونقلها السنوسي في شرح الكبرى والكمال في المسامرة على المسايرة وهو أن إثبات القدم لله تعالى محصلة وجوده في مدد لا أول لها إذ لا وجود إلا في زمن فيلزم إثبات أزمنة قديمة فجوابها منع أنه لا وجود إلا في زمن فإن الزمن على القول بتحققه يخرج عن حادث\rصاحبه غيره ولا يشترط في وجود الشيء مصاحبة غيره وإن اتفقا كيف وقد ظهر أرجحية عدمه\r","part":3,"page":88},{"id":809,"text":"وقد قال الشهرستاني إن تقدم الصانع سبحانه وتعالى ذاتي لا في زمن وتقريبه إن تقدم أمس على اليوم كذلك إذ ليس زمن ثالث يقع فيه التقدم وإن عبر عنه بقبل اكتفاء بالاعتبار فالزمن حادث ووجود الصانع ووجوبه ذاتي لا يتقيد به كما في حاشية العلامة الأمير على عبد السلام على الجوهرة نعم كان على الأصل أن يقتصر على المتوهمة في قوله جميع الأزمنة الماضية متوهمة أو محققة فتأمل والله أعلم التقسيم الثاني بحسب ما يجوز إطلاقه وما لا إلى أربعة أقسام القسم الأول ما ورد السمع به ولا يوهم نقصا نحو العليم فيجوز إطلاقه إجماعا في مورد النص وفي غيره القسم الثاني ما لم يرد السمع به وهو يوهم نقصا فيمتنع إطلاقه إجماعا نحو متواضع ودار وعلامة لأن التواضع يوهم الذلة والمهانة والدراية لا تكون إلا بعد تقدم شك كما نقله أبو علي والعلامة وإن كان معناه من كثرت معلوماته والله تعالى كذلك إلا أن هاء التأنيث توهم تأنيث المسمى والتأنيث نقص كما قال الأصل فتأمل القسم الثالث ما ورد السمع به وهو يوهم نقصا وهذا نوعان الأول ما لم يرد مع المشاكلة كالصبور والحليم والشكور فالأول يوهم وصول مشقة له وفسره في المواقف بالحليم وفسر الحليم قبل بالذي لا يعجل العقاب وهو يوهم تأثرا وانفعالا بالغضب فيكتم والثالث قال في المواقف المجازي على الشكر وقيل يثبت على القليل الكثير\rوقيل المثني على من أطاعه وهو يوهم وصول إحسان له وقد قال ابن عطاء الله في آخر الحكم أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنيا عني وهذا النوع يقبل ويؤول ويقتصر به على محله ولا يجوز في غير\r","part":3,"page":89},{"id":810,"text":"مورده إجماعا لإيهام الحقيقة وإنما ورد تنزلا وتلطفا في خطابنا مجازا قال ابن عربي ونخجل إذ سمعنا ذلك وأنشد إن الملوك وإن جلت مراتبهم لهم مع السوقة الأسرار والسمر النوع الثاني ما ورد مع المشاكلة والمقابلة نحو ماكر ومستهزئ فإن المكر والاستهزاء في مجرى العادة سوء خلق وقد ورد السمع به مع المشاكلة والمقابلة في نحو قوله تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين أي وجازاهم الله على مكرهم والله خير المجازين وقوله تعالى قالوا إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم أي الله يجازيهم على استهزائهم وهذا النوع لكون المشاكلة حسنته على ما هو اللائق بفصاحة القرآن وبلاغته وصارت قرينة على المجاز بحيث لا تتوهم الحقيقة التي لا تليق به تعالى يجوز في غير مورده مع المشاكلة لا بدونها هذا ما يفيده كلام العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام على الجوهرة وهو الحق لا ما يفيده كلام الأصل من عدم جواز هذا القسم في غير مورده مطلقا ولو مع المشاكلة فتأمل القسم الرابع ما لم يرد السمع به وهو غير موهم نحو قولنا يا سيدنا فلا يجوز إطلاقه عند الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء ويجوز إطلاقه عند القاضي أبي بكر الباقلاني ومدرك الخلاف هل يلاحظ ابتغاء المانع وهو الإيهام ولم يوجد فيجوز أو لا يلاحظ إلا أن الأصل في أسماء الله تعالى المنع إلا ما ورد السمع به ولم يرد السمع فيمتنع وهو الصحيح عند العلماء فإن مخاطبة أدنى الملوك تفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من تسميتهم ومعاملتهم حتى يعلم إذنهم في ذلك فالله تعالى أولى بذلك ولأنها قاعدة الأدب والأدب مع الله تعالى متعين لا سيما في مخاطباته بل ليس لأحد أن يوقع في صلاة من\r","part":3,"page":90},{"id":811,"text":"الصلوات ولا في عبادة من العبادات إلا ما علم إذن الله تعالى فيه فمخاطبة الله تعالى وتسميته أولى بذلك نعم قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله تعالى قد ورد حديث في لفظ السيد فعليه يجوز إطلاقه على المذهبين إجماعا وقس على هذه المثل لهذه الأقسام الأربعة ما أشبهها وهذه الأقسام الأربعة تنزل على فتوى الشيخ أبي الطاهر بن بشير حيث قال فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة وما لا يجوز إطلاقه لا يجوز الحلف به ولا يوجب الحلف به كفارة ا ه\rفظهر الفرق وها هنا ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى\rقال الشافعية والحنابلة أسماء الله تعالى قسمان قسم مختص به تعالى كالله والرحمن فيكون صريحا في الحلف\rوينعقد به اليمين بغير نية وقسم لا يختص به تعالى كالحكيم والعزيز والرشيد فيكون بسبب تردده بين إرادة الله تعالى وإرادة المخلوق لأن البشر يسمى بذلك حقيقة غير صريح بل من الكنايات لا يكون يمينا إلا بالنية إذ كما أن اللفظ مع التردد لا ينصرف للطلاق ولا للمعنى الذي وقع التردد فيه إلا بالنية فكذلك ها هنا\rوهذا كلام حسن قوي معتبر في كثير من أبواب الفقه كالظهار والعتق وغيرهما وقال أصحابنا من حلف باسم من أسماء الله تعالى التي يجوز إطلاقها عليه تعالى وحنث لزمته الكفارة قال الأصل ووجهه أن لفظ العليم والقادر والمريد وإن كان يصدق على كل عالم وقادر ومريد إلا أن أهل العرف نقلوا قولنا والعليم وحق العليم والقادر وحق القادر والمريد وحق المريد ونحو ذلك من الأسماء مع الحلف إلى خصوص أسماء الله تعالى حتى نفى النقل العرفي الاحتمال اللغوي وصارت الكناية مشتهرة باسم الله تعالى فألحقت بالصريح كما ألحقوا كنايات كثيرة في باب الطلاق بصريحه لما اشتهرت في الطلاق بسبب نقل العرف إياها للطلاق والقاعدة أن الألفاظ المفردة تبقى على معناها اللغوي حتى إذا ركب أحدهما مع مفرد آخر منها نقل أهل العرف المركب من المفردين لبعض أنواع ذلك\r","part":3,"page":91},{"id":812,"text":"الجنس مثلا لفظ الرءوس تصدق على رءوس جميع الحيوان ولفظ الأكل يصدق على كل فرد من أفراد الأكل في أي مأكول كان وإذا ركبنا هاتين اللفظتين فقلنا والله لا أكلت رءوسا أو أكلت رءوسا لا يفهم أحد إلا رءوس الأنعام دون غيرها بسبب أن أهل العرف نقلوا هذا المركب لهذه الرءوس الخاصة دون بقية الرءوس فكذلك لفظ العليم ونحوه كان قبل التركيب مع حرف القسم يصدق على كل عالم وبعد التركيب معه نقله أهل العرف لخصوص اسم الله تعالى حتى صار صريحا لا كناية نعم لا ينفع هذا فيما لا تجري العادة بالحلف به كالحكيم والرشيد فلم يشتهر الحلف بها ونحوهما إذ لعل كثيرا من الناس لا يعلمها أسماء لله تعالى بل لم أعلم أني رأيت من أسماء الله تعالى الرشيد إلا في الترمذي حيث عدد أسماء الله الحسنى مائة إلا واحدا وأصحابنا عمموا الحكم في الجميع ولم يفصلوا وهو مشكل ولا يمكن أن يقال إن عادة المسلمين لا يحلفون بغير الله تعالى وأسمائه فتنصرف جميع الأسماء لله تعالى بقرينة الحلف لأنا نقول إنا نجدهم يحلفون بآبائهم وملوكهم ويقولون ونعمة السلطان وحياتك يا زيد ولعمري لقد قام زيد فيحلف بعمره وحياة مخاطبه طول النهار فليس ظاهر حالهم الانضباط\rولا حصل في الأسماء القليلة الاستعمال عرف ولا نقل يعتمد عليه فيستصحب فيها حكم اللغة وأن اللفظ صالح للقديم والمحدث هذا هو الفقه ا ه\rالمسألة الثانية\rقولك باسم الله لأفعلن قال صاحب الخصال الأندلسي يجوز الحلف به ويوجب الكفارة قال ابن الشاط ووجهه أن لفظ اسم وإن جرى فيه بخصوصه خلاف العلماء في أنه هو المسمى أو لا فقد حكى ابن السيد البطليوسي أن العلماء اختلفوا في لفظ الاسم هل هو موضوع للقدر المشترك بين أسماء الذوات فلا يتناول إلا لفظا هو اسم أو وضع في لغة العرب للقدر المشترك بين المسميات فلا يتناول إلا مسمى\r","part":3,"page":92},{"id":813,"text":"قال وهذا هو تحقيق خلاف العلماء في أن الاسم هو المسمى أم لا وأن الخلاف إنما هو في لفظ اسم خاصة الذي هو ألف سين ميم وأما لفظ نار وذهب فلا يصح أن يقول عاقل إن لفظ نار هو عين النار حتى يحترق فم من نطق بهذا اللفظ ولا لفظ ذهب هو عين الذهب المعدني حتى يحصل الذهب المعدني في فم من نطق بلفظ الذهب ا ه إلا أن فيه عرفا بأن المراد ما يوجب الكفارة والله أعلم ا ه\rنعم في حاشية العلامة الأمير على عبد السلام على الجوهرة أن الخلاف فيما صدقات الاسم ولفظ اسم منها فإنه اسم من الأسماء ولا يلزم اندراج الشيء تحت نفسه وهو تناقض في الجزئية والكلية بل اندراج اللفظ تحت معناه وهو كثير كموجود وشيء ومفرد والتحقيق أنه إن أريد من الاسم اللفظ فهو غير مسماه قطعا أو أريد به ما يفهم منه فهو عين المسمى ولا فرق في ذلك بين جامد ومشتق فيما يقضي به التأمل ا ه ووجود المسمى فيما يفهم من الاسم ظلي كالصورة في المرآة فلا يلزم من كونه عينه احتراق فم من يقول نارا ولا أن الذهب المعدني يحصل في فم من ينطق بلفظ ذهب فتأمل والله أعلم\rالمسألة الثالثة\rقال اللخمي قال ابن عبد الحكم ها الله يمين توجب الكفارة مثل قوله تالله فإنه يجوز حذف حرف القسم وإقامة ها التنبيه مقامه وقد نص النحاة على ذلك فائدة الألف واللام في أسماء الله تعالى للكمال قال سيبويه تكون لام التعريف للكمال تقول زيد الرجل تريد الكامل في الرجولية وكذلك هي في أسماء الله تعالى فإذا قلت الرحمن أي الكامل في معنى الرحمة أو العليم أي الكامل في معنى العلم وكذلك بقية الأسماء فهي لا للعموم ولا للعهد ولكن للكمال ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والعشرون والمائة بين قاعدة ما يدخله المجاز والتخصيص في الأيمان وقاعدة ما لا يدخله المجاز والتخصيص\r","part":3,"page":93},{"id":814,"text":"الألفاظ على قسمين نصوص وهي التي لا تقبل المجاز ولا التخصيص وظواهر وهي التي تقبلهما والنصوص نوعان النوع الأول ما كان الامتناع فيه من المجاز والتخصيص لغويا وهي أسماء الأعداد التي أولها الاثنان وآخرها الألف ولم تضع العرب بعد ذلك لفظا للعدد بل عادت إلى رتب الأعداد فقالت ألفان بالتثنية ومراتب الأعداد أربعة وهي الآحاد إلى العشرة والعشرات إلى المائة والمئات إلى الألف والألوف فالآحاد والعشرات والمئات والألوف هي رتب الأعداد الأربعة وهذه الألفاظ تكررها العرب في مراتب الأعداد إلى غير النهاية مكتفية بها من غير النهاية فنحو الخمسة والعشرة من ألفاظ العدد عند العرب نصوص لا يدخلها المجاز ولا التخصيص والتخصيص أن تريد بالعشرة بعضها والمجاز أن تريد بالعشرة مسمى العشر أو بالخمسة مسمى الخمس لأن العشرة نسبة العشر لأنها عشر المائة والخمسة نسبة الخمس لأنها خمس الخمسة والعشرين فهذا أجنبي عنها بالكلية فإن التخصيص استعمال اللفظ في بعض معناه مجاز القرينة والمجاز استعمال اللفظ في غير معناه لعلاقة وقرينة سواء كان ذلك الغير هو بعض المعنى أو غيره مما بينه وبين المعنى مناسبة خاصة فالمجاز أعم من التخصيص فكل تخصيص مجاز وليس كل مجاز تخصيصا النوع الثاني ما كان الامتناع فيه من المجاز والتخصيص شرعيا لا لغويا مثل لفظ الجلالة الله ولفظ الرحمن مما هو مختص بالله تعالى فلا يجوز استعمالهما في غير الله تعالى بإجماع الأمة وما عدا هذين النوعين\r","part":3,"page":94},{"id":815,"text":"من العمومات نحو المشركين وأسماء الأجناس من الجماد والنبات أو الحيوان نحو الأسد أو من قبيل الأعراض نحو العلم والظن والألوان والطعوم والروائح فهي الظواهر فيجوز إطلاق العلم ويراد به الظن مجازا كقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات أي ظننتموهن فإن الإيمان أمر باطن لا يعلم ولكن تدل عليه ظواهر الأحوال فيظن وإطلاق الظن ويراد به العلم كقوله تعالى وظنوا أنهم مواقعوها أي قطعوا وعلموا هذا هو المقرر في أصول الفقه وفي أبواب الأيمان والطلاق وغيرهما من كتب الفقه عند الفقهاء وعليه سؤال وهو أن العرب قد تستعمل اسم العدد مجازا كقوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة قال العلماء المراد الكثرة كيف كانت وقوله تعالى سبعون ذراعا أي طويلة جدا فالمراد الكثرة جدا لا خصوص السبعين\rوقول أهل العرف سألتك ألف مرة فما قضيت لي حاجة وقولهم زرتك مائة مرة فلم ترع لي ذلك لا يريدون خصوص الألف والمائة بل الكثرة فهذا مجاز قد دخل في السبعين والمائة والألف من ألفاظ العدد وكذا دخل فيما هو بمعنى أسماء العدد كلفظ كرتين في قوله تعالى فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير قال المفسرون المراد بكرتين المراجعة الكثيرة من غير حصر فعبر بلفظ التثنية عن أصل الكثرة مجازا وإذا انفتح الباب في بعض ألفاظ العدد ونحوها انخرم الجزم في بقيتها فلم يبق لنا نصوص ألبتة في أسماء الأعداد غير أن الفقهاء مطبقون على ما تقدم والواقع كما ترى فتأمله وعلى ما تقدم من صحة القاعدتين والفرق بينهما تتخرج أربع مسائل\rالمسألة الأولى\rإذا حلف ليعتقن ثلاثة عبيد اليوم فأعتق عبدين وقال أردت بلفظ ثلاثة الاثنين حنث إن خرج اليوم ولم يعتق الثالث ولم تفده نيته لأن استعمال لفظ الثلاثة في الاثنين مجاز في لفظ من أسماء\rالعدد وهو لا يدخل في أسماء الأعداد فلا تفيد فيها النية لا في الأيمان ولا في الطلاق ولا في غيرهما\rالمسألة الثانية\r","part":3,"page":95},{"id":816,"text":"إذا قال والله لأعتقن عبيدي وقال أردت بعضهم على سبيل التخصيص أو أردت بعبيدي دوابي وبالعتق بيعها أفاده ذلك لأن لفظ العبيد ولفظ العتق من الظواهر فيدخلها المجاز وتفيد فيها النية وعلاقة استعمال العبيد في البعض إطلاق العام وإرادة الخاص وفي الدواب المجاورة في الملك وعلاقة استعمال العتق في البيع المشابهة في بطلان الملك بكل المسألة الثالثة إذا قال والله لأعتقن ثلاثة عبيد ونوى أنه يبيع ثلاث دواب من دوابه صح وأفادته نيته لأن لفظ ثلاثة لم يدخله مجاز وإنما دخل المجاز في لفظي العبيد والعتق لكونهما من الظواهر كما تقدم تنبيه إذا قال أنت طالق ثلاثا ثم قال أردت اثنتين أو واحدة لا يفيده ذلك وأما إن قال أردت أنك طلقت ثلاث مرات من الولد فإنه يفيده ذلك ولم يلزمه طلاق لا في الفتيا ولا في القضاء حيث كان هناك من القرائن ما يعضده ولو قامت عليه بينة وإلا لزمه الطلاق الثلاث في القضاء دون الفتيا وذلك لأن التغيير والمجاز لم يدخل في اسم العدد الذي هو الثلاث وإنما دخل التغيير والمجاز في معدوده الذي هو الطلاق لكونه اسم جنس من الظواهر فتغير من الطلاق الذي هو إزالة العصمة إلى جنس آخر وهو طلق الولد فسقط استشكال بعض الفقهاء بأنه كيف أثرت النية في الكل ولم تؤثر في البعض وذلك خلاف القواعد فإن النية أبطلت الطلقات الثلاث كلها إذا نوى طلق الولد وهذا هو جملة مدلول اللفظ فأولى أن تبطل بعض مدلول اللفظ إذا نوى بالثلاث اثنتين أو واحدة فتأمل المسألة الرابعة إذا قال والله أو والرحمن لا فعلت كذا وقال أردت بلفظ الجلالة أو بلفظ الرحمن غير\rالله تعالى وعبرت بهذا اللفظ عن بعض المخلوقات لله من باب إطلاق الفاعل على أثره لما بينهما من العلاقة والحلف بالمخلوق لا تلزم به كفارة فظاهر كلام العلماء أن هذا تلزمه الكفارة إذا حنث وأن هذين اللفظين لا يجوز استعمالهما لغير الله تعالى وما امتنع شرعا فهو كالمعدوم حسا وهذا بخلاف ما لو قال أردت\r","part":3,"page":96},{"id":817,"text":"بقولي والعليم والعزيز وغير ذلك من أسماء الله تعالى أو بقولي كفالة الله وعهد الله وعلم الله وغير ذلك من صفاته التي تقدم بسطها بعض مخلوقاته ممن هو عليم أو عزيز أو بعض صفات البشر من العلم والكفالة والعهد فأضفته إلى الله تعالى إضافة الخلق للخالق فإنا نسمع هذه النية وتفيده في إسقاط الكفارة لأن هذه الألفاظ ليست نصوصا بل أسماء أجناس وقد قال جماعة من العلماء إنها كنايات لا تكون يمينا إلا\rبالنية لقوة التردد والاحتمال عندهم وقد حكي فيما مضى عن الشافعية والحنابلة والحنفية وقالوا ذلك أيضا في الصفات واشترطوا فيها الشهرة العرفية ونحن وإن لم نوافقهم على ذلك إلا أنا ألزمناه الكفارة بناء على الظهور والصراحة لا بناء على النصوصية التي لا تقبل المجاز فتأمل هذه المواطن واضبط ما تفيد فيه نية المجاز وما لا تفيد فيه فإنه فرق محتاج إليه في الفتيا والقضاء حاجة شديدة وقد اتضح أيضا حسنا من فضل الله عز وجل والله أعلم\rالفرق التاسع والعشرون والمائة بين قاعدة الاستثناء وقاعدة المجاز في الأيمان والطلاق وغيرهما\rالاستثناء هو إخراج ما دخل لغة لا قصدا في مفهوم اللفظ العام بإلا أو إحدى أخواتها وهي إحدى عشرة أداة مستوعبة في كتب النحو والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح به التخاطب لعلاقة بينهما وقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي والنسبة بينهما بحسب مواردهما التي يردان عليها العموم والخصوص الوجهي بحيث يجتمعان في صورة يجوز دخولهما معا فيها كالعمومات والظواهر كلها تقول في العموم رأيت إخوتك إلا زيدا ورأيت إخوتك تريد دار إخوته أو أمير إخوته لما بين الدار والأمير وبين الإخوة من الملابسة وتقول في الظواهر التي ليست بعموم كلفظ الأسد والفرس رأيت أسدا\r","part":3,"page":97},{"id":818,"text":"إلا يده أو فرسا إلا رأسه ورأيت أسدا في الحمام تريد رجلا شجاعا وركبت فرسك تريد حماره الفاره الشبيه بالفرس في سرعة الجري والفرق بين المجاز والاستثناء في هذا القسم الحاصل فيه اجتماعهما هو أن المجاز يجوز فيه التجوز بجملة الاسم عن جميع المسمى إلى غيره كما عدلت عن الأسد بجملته إلى الرجل الشجاع والاستثناء لا يجوز فيه استثناء جملة الأسد بل بعضه لأنه يشترط فيه أن يبقى بعده شيء مما دخل عليه الاستثناء وينفرد الاستثناء عن المجاز في صورة لا يدخلها إلا هو دون المجاز كأسماء الأعداد فقد تقدم في الفرق الذي قبل هذا تقرير أنه لا يجوز إطلاق العشرة مرادا بها التسعة ولا مرادا بها العشر بضم العين مجازا وتقرير ما عليه\rوأما الاستثناء منها فقال صاحب المقدمات الشيخ أبو الوليد ابن رشد لا يجوز الاستثناء بإلا من الأعداد وإن اتصل ما لم يبن كلامه عليه نحو والله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما وكذلك أنت طالق ثلاثا إلا واحدة بخلاف العموم وبخلاف الاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنه يكفي فيه الاتصال وإن لم يبن الكلام عليه ا ه وينفرد المجاز عن الاستثناء في صورة لا يدخلها إلا هو دون الاستثناء كالمعطوفات فإنه لا يجوز فيها لغة الاستثناء بأن تقول رأيت عمرا وزيدا إلا زيدا لما فيه من استثناء جملة ما نطقت به واستثناء جملة ما نطقت به ممنوع ولأن ما قصد بالعطف لا بد أن يكون مرادا والاستثناء إنما جعل لإخراج ما التف في الكلام وهو غير مراد فالجمع بينهما في المعطوف يقتضي أن يكون مرادا وغير مراد وهو جمع بين النقيضين ويجوز في المعطوفات المجاز إما في نفس حرف العطف بأن تعطف به الشيء\r","part":3,"page":98},{"id":819,"text":"على نفسه اكتفاء باختلاف اللفظ كما في المترادفين في نحو قوله تعالى إنما أشكو بثي وحزني إلى الله والحزن هو البث وقولك أعطه برا وحنطة نص على ذلك النحاة وإما في نفس المعطوف مع حرف العطف بأن تعطف الألفاظ المتباينة مريدا بالثاني الأول مجازا كقولك رأيت زيدا والأسد تريد بالأسد زيدا لشجاعته فأتيت باللفظ لقصد المبالغة بالمعنى المجازي فإن قولك لزيد أسد أبلغ من قولك له شجاع لأن المجاز أبلغ من الحقيقة وإذا كان هذا المعنى مقصودا للعقلاء في مخاطباتهم فلا يجوز إبطاله بالاستثناء وإذ قد ظهر لك أن الاستثناء يوجد في صورة لا يوجد فيها المجاز وأن المجاز يوجد في صورة لا يوجد فيها الاستثناء وأنهما يجتمعان في صورة فكان كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه وهو المطلوب وعلمت في أي صورة يجوز استعمال كل واحد منهما وفي أي صورة يمتنع ظهر لك الفرق بين قاعدتيهما وأفادك ذلك نفعا عظيما في الأيمان والطلاق وغيرهما فإن من استعمل واحدا منهما في مكان لا يجوز استعماله فيه بطل استعماله له ولزمه أصل الكلام الأول بمقتضى وضع اللغة فاعلم ذلك فهي قاعدة الفقه والله أعلم\r117\rالفرق الثلاثون والمائة بين قاعدة ما تكفي فيه النية في الأيمان وقاعدة ما لا تكفي فيه النية\r","part":3,"page":99},{"id":820,"text":"النية تكفي في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات وتعميم المطلقات وتعيين أحد مسميات الألفاظ المشتركات وصرف اللفظ عن الحقائق إلى المجازات ولا تكفي عن الألفاظ التي هي أسباب ارتفاع حكم اليمين شرعا كالاستثناء بمشيئة الله تعالى ولا عن لفظ مقصود للحالف وإن لم يكن سببا شرعيا كلفظ الاستثناء فتكفي في خمسة أنواع وتؤثر فيها ولا تكفي في نوعين ولا تؤثر فيهما وتتضح هذه السبعة بذكر عشر مسائل لتقييد المطلقات بلا خلاف مسألة ولتخصيص العمومات بلا خلاف مسألة وللتقييد والتخصيص على الخلاف هل يؤثر بالنية أم لا مسألة ولتعميم المطلقات مسألة ولتعيين مسميات الألفاظ المشتركات مسألة ولصرف اللفظ عن الحقائق إلى المجازات مسألة ولعدم كفايتها عن اللفظ الذي هو سبب شرعي مسألة ولعدم كفايتها عن لفظ مقصود للحالف وليس هو بسبب شرعي ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى\rإذا حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا لم يبر بإكرام غيره لأن رجلا مطلق وقد قيده\rبخصوص زيد حتى صار معنى اليمين لأكرمن زيدا وكذلك إذا قال لأكرمن رجلا ونوى به فقيها أو زاهدا لم يبر بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة وهذا موطن إجماع كما قال الأصل وابن الشاط\rالمسألة الثانية\r","part":3,"page":100},{"id":821,"text":"إذا قال والله لا لبست ثوبا ونوى به ما عدا الكتان خاصة لم يحنث إذا لبس الكتان وإنما يحنث إذا لبس غير الكتان لأن نيته خصصت الثوب المحلوف بعدم لبسه بما عدا الكتان وهو محل وفاق كما قال ابن الشاط المسألة الثالثة اختلف العلماء في الاكتفاء بالنية في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات المدلول عليهما بغير الدلالة الوضعية المطابقية فقالت الحنفية ولا تؤثر النية في ذلك تقييدا ولا تخصيصا وقالت بقية الفرق تؤثر النية في المدلول التزاما وتضمنا تقييدا وتخصيصا كالمطابقة من غير فرق ومثلوا هذه المسألة بقول القائل والله لا أكلت فقالت الفرق المالكية والشافعية والحنابلة يجوز أن ينوي مأكولا معينا فلا يحنث بأكل غيره وقالت الحنفية لا يجوز دخول النية ها هنا وإن نوى بطلت نيته وحنث بأي مأكول أكله لأن لفظ الفعل المتعدي لا يدل على المفعول الذي هو المأكول بل ولا على الفاعل بالمطابقة بل إنما يدل على ذلك إما\rبالتضمن وإما بالالتزام على الخلاف في كون النسبة لكل منهما داخلة في مفهوم الفعل وهو ما جزم به ابن الشاط وبه صرح غير واحد من المحققين كالعضد والعصام والسيد والفتري وشيخ الإسلام الهروي وإليه يشير تأييد التفتازاني قول العضد باستعارة الفعل باعتبار النسبة المبني على دخولها فيه أو غير داخلة فيه وهو مفاد ابن مالك في الخلاصة حيث قال فيها المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل إلخ وعزاه الفناري في فصول البدائع إلى ابن الحاجب والصبان في حواشي الأشموني للجمهور كما في بيانية الصبان والأنبابي عليها وقال الصبان في بيانيته في شرح شيخنا إن الحق عدم دخولها فيه نعم الفعل ملحوظ فيه النسبة إلى الفاعل أو نائبه مطلقا سواء قلنا إنها داخلة في مفهومه أو خارجة عنه كما ذكره شيخنا وغيره ا ه المراد وحيث لم يدل على المأكول إلا بالتضمن أو الالتزام ولم يلفظ به فلا يجوز دخول النية محتجين على ذلك بأمور\rأحدها\r","part":3,"page":101},{"id":822,"text":"أن الأصل اعتبار اللفظ المنطوق به بحسب الإمكان وخالفنا ذلك فيما دل اللفظ عليه مطابقة\rوبقي فيما عداه على الأصل ووجه ذلك أن تحكيم النية في اللفظ باعتبار معناه فرع تناول ذلك اللفظ لذلك المعنى والتناول إنما هو محقق في المطابقة وأما التضمن والالتزام فتبع جاء من جهة العقل وذلك لأن دلالة الألفاظ وضعية لا عقلية ولم يوضع لفظ المسجد مثلا إلا لجملته لا لجملته وبعضه الذي هو السقف مثلا ولازمه الذي هو أداء العبادة فيه مثلا وإلا لكان ذلك اللفظ مشتركا واللازم باطل فلا دلالة للفظ المسجد على السقف ولا على أداء العبادة أصلا نعم هنا أمر وهو أن من يذكر له لفظا يدل على مجموع أشياء بالوضع فإنه يتذكر ما تركب منه ذلك المجموع فمن اعتقد هذا القدر وسمى هذا التذكر دلالة فلا حجر عليه لكنه يدخل اللبس في كلامه على سامع ذلك منه حين يذكر هاتين الدلالتين اللتين معناهما تذكر الشيء عند ذكر الشيء مع ذكره الدلالة الوضعية من جهة أن لفظ الدلالة لم يوقعه على الوضعية والتذكر بالتواطؤ بل بالاشتراك وذلك مما يوقع الغلط كثيرا وإذا كانت دلالة اللفظ على الجزء واللازم تبعا لدلالته على الكل والملزوم جاء من جهة العقل لا من جهة الوضع والألفاظ إنما تدل وضعا لا عقلا كان تقرير\r","part":3,"page":102},{"id":823,"text":"اللفظ في الجزء واللازم ضعيفا فيكون تصرف النية فيه كذلك فلا يترك ما أجمعنا عليه لهذا الضعيف المختلف فيه وثانيها أن الاستقراء دال على أن النية لا تدخل إلا فيما دل اللفظ عليه مطابقة واعتبار النيات في الألفاظ أمر يتبع اللغة ألا ترى أن اللغة لما لم تجوز النية في صرف أسماء الأعداد إلى المجازات امتنع فلا يجوز أن تطلق العشرة وتريد بها التسعة وثالثها أنه لو صح دخول النية في المدلول الالتزامي والتضمن لصح المجاز في كل لازم أو جزء المسمى بالنية والقصد إليه وليس كذلك ألا ترى أن الأسد يلزمه أوصاف كثيرة من البخر والحمى والوبر وكبر الرأس وغير ذلك ولا يصح التجوز عنه إلا باعتبار الشجاعة خاصة ولا يصح دخول النية في غيرها حتى تصرف للمجاز لأنا نشترط في مثل هذا المجاز وهو مجاز المشابهة أن تكون الصفة التي وقعت فيها المشابهة أظهر صفات المحل المتجوز عنه فافهم وحجة المالكية والشافعية والحنابلة من وجوه أحدها أنا أجمعنا على ما إذا قال والله لا أكلت أكلا أنه يصح أن ينوي بعض المآكل ويخرج البعض\r","part":3,"page":103},{"id":824,"text":"بنيته مع أن أكلا مصدر وأجمع النحاة على أن التصريح به بعد الفعل إنما هو للتأكيد نحو ضربت ضربا فإن الفعل دل عليه فذكره بعد ذلك يكون تكرارا لذكره فيكون تأكيدا وحقيقة التأكيد تقوية المعنى الأول من غير زيادة وإلا لكان إنشاء لا تأكيدا وإذا لم يكن التأكيد منشأ كانت الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله لكن الثابت معه اعتبار النية فالثابت قبله اعتبار النية وهو المطلوب وثانيها أن النية حيث اعتبرت مع قوة المعارض لها في المطابقة إجماعا فلأن تعتبر مع ضعف المعارض لها في دلالتي التضمن والالتزام بطريق الأولى وكون المطابقة أقوى معارض للنية من غيرها ظاهر من كونها هي الأصل المقصود بوضع اللغة وغيرها إنما يفيده اللفظ تبعا لها والأصل أقوى من التابع وثالثها أنا وجدنا الاستثناءات في لسان العرب دخلت على اللوازم والعوارض الخارجة عن المدلول المطابقي ولفظ الاستثناء إنما هو فرع عن إرادة المعنى الذي قصد لأجله الاستثناء لأن اللفظ تابع لإرادة المعنى فإنه يقصد به إفهام السامع ما في نفس المتكلم فمتى دخل الاستثناء في المدلول التزاما دل ذلك على دخول النية قبله في المدلول الالتزامي وبيان دخول الاستثناء في المدلول التزاما أو بطريق العرض من وجهين\r","part":3,"page":104},{"id":825,"text":"أحدهما قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فإن تقدير الكلام لتأتنني به في كل حالة من الحالات إلا في حالة الإحاطة بكم فإني لا ألزمكم الإتيان به فيها لقيام العذر حينئذ فهذا استثناء من الأحوال العارضة أو اللازمة لمعنى الإتيان وثانيها قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين وفي الآية الأخرى إلا استمعوه وهم يلعبون أي لا يأتيهم في حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة من لهوهم وإعراضهم فقد قصد إلى حالة اللهو والإعراض بالإثبات ولغيرها من الأحوال بالنفي والأحوال أمور خارجة عن المدلول المطابقي وإذا كانت الأحوال خارجة فإن كانت لازمة فقد دخلت النية في المدلول التزاما وإن كانت عارضة فقد دخلت النية في العوارض وإذا دخلت في العوارض دخلت في اللوازم بطريق الأولى فإن العارض أبعد عن مدلول اللفظ مطابقة من اللازم ضرورة وإذا تصرفت النية في البعيد فأولى أن تتصرف في القريب لأنه أشبه بالمطابقة المجمع عليها من العارض لبعده من المطابقة\r","part":3,"page":105},{"id":826,"text":"ورابعها أنا وجدنا النية المجردة تصرفت في المدلول التزاما وهو عين صورة النزاع في قوله تعالى في الحديث القدسي ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا يكون إلا ما أريد قال العلماء المراد بذكر التردد في هذا الحديث الدلالة على عظم منزلة المؤمن عند الله تعالى لأن العادة جرت أن كل شخص أنت تعظمه وتهتم به كولدك وصديقك فإنك تتردد في مساءته وأن من لا تعظمه كالعقرب والحية وعدوك فإنك إذا خطر بقلبك إيلامه ومساءته لا تتردد في ذلك بل تبادر إليه فصار التردد لا يقع إلا في موطن التعظيم وعدمه في موطن الحقارة فإن كان التردد في الإحسان انعكس الحال فيحصل في حق الحقير دون العظيم فيصير معنى الحديث منزلة المؤمن عندي عظيمة وجميع ما وقع في مدلول هذا المركب ليس مرادا فقد قصد إلى لازم اللفظ وأضيف إليه الحكم وهذا بعينه هو تصرف النية فإن النية هي القصد بعينه فإذا صح القصد في اللازم صحت النية فيه وهو المطلوب فهذه وجوه أربعة واضحة في دخول النيات والمقاصد في المدلول التزاما وكذا تضمنا في مقتضى اللغة وبها يظهر الجواب على ما اعتمدوا عليه\r","part":3,"page":106},{"id":827,"text":"أما الأول وهو قولهم نفيناه فيما عدا المطابقة على مقتضى الأصل فجوابه أن ما ذكرناه من الأدلة والاستعمالات دل على مخالفة الأصل وأن العرب أجازت النية في الالتزام كما أجازتها في المطابقة ثم إن الأصل معارض بأن الأصل عدم الحجر علينا على أنه لا شك أن الأصل إنما هو النيات والمقاصد وإنما الألفاظ وصلة إلى تعريفها وتعرفها فإذا صرفت النيات الألفاظ إلى شيء أي شيء كان انصرفت إليه وأما الثاني وهو قولهم إن الاستقراء دل على عدم دخول النية في المدلول التزاما أو تضمنا فجوابه أن ما ذكرناه من النصوص والاستعمالات يبطل استقراءهم إذ المثبت مقدم على النافي وأما الثالث وهو قولهم لو صح دخول النية في المدلول التزاما أو تضمنا لصح المجاز في كل شيء هو لازم أو جزء فجوابه أنه لا مانع عندنا من صحة المجاز في كل لازم أو جزء لأن العلاقة عندنا الملازمة لا خصوص المشابهة بل يصح عندنا المجاز في غير اللازم كالتعبير بلفظ الجزء عن الكل كما في قوله تعالى فك رقبة مع أن الجزء غير لازم للكل حتى أنهم لذلك اشترطوا في هذه العلاقة أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا وأن يستلزم انتفاء الجزء انتفاءه عرفا كالرأس والرقبة بخلاف\rالأرض للسماء والأرض والظفر والأذن للإنسان ا ه\r","part":3,"page":107},{"id":828,"text":"أي واليد كما في المطول قال فيه وأما إطلاق العين على الربيئة فليس من حيث إنه إنسان بل من حيث إنه رقيب وهذا المعنى مما لا يتحقق بدون العين ا ه كذا في بيانية الصبان وما ذكروه من منع استعمال الأسد في غير الشجاعة من لوازمه فهو إنما جاء من خصوص كونه مجاز تشبيه يشترط فيه أظهر صفات المتجوز عنه فلا يصح بالمعاني الخفية لا من عموم كونه مجازا ولا يلزم من امتناع أمر في الأخص أن يمتنع في الأعم منه ألا ترى أن تحريم قتل الإنسان لم يلزم منه تحريم قتل مطلق حيوان ولا من تحريم شرب الخمر تحريم مطلق مائع ولا من تحريم لحم الخنزير تحريم مطلق اللحم فالذي نعتقده أن المجاز يصح في كل لازم إلا ما تقدم من مجاز التشبيه خاصة هذا تلخيص هذه المسألة والحجاج فيها\rالمسألة الرابعة\rإذا قال والله لأكرمن أخا لك أو والله لا أكرمن أخاك ونوى بذلك جميع إخوتك لم يبر في الأول إلا بإكرام جميع إخوة المخاطب ولم يحنث في الثاني إلا بإكرام جميع إخوة المخاطب لأن أخا في الأول وإن كان مطلقا لكونه نكرة في الإثبات إلا أن النية صرفته للعموم\rوأخاك في الثاني وإن كان مطلقا لكونه معرفة في سياق النفي إلا أن النية صرفته للعموم\rوكذلك ما قال في المسألة السادسة إلا عبارته بفرد عن أحد مسميات اللفظ المشترك فإن الأولى كان أن يقول تعين أحد مسميات اللفظ المشترك لأن الفرد في الاستعمال الغالب إنما يراد به الواحد الشخصي لا الواحد النوعي\rالمسألة الخامسة\r","part":3,"page":108},{"id":829,"text":"إذا قال والله لأنظرن إلى عين ونوى بهذا اللفظ المشترك أحد مسمياته وهو العين الباصرة مثلا دون عين الماء وعين الشمس وعين الركبة فلا يبر إلا أن ينظر إلى الباصرة بسبب تأثير النية في تعيين أحد مسميات اللفظ المشترك فهذا قسم يستقل بنفسه دون تخصيص العمومات وتقييد المطلقات والصرف إلى المجازات لأن اللفظ ينطبق على ما عينته النية حقيقة من غير زيادة ولا نقصان بخلاف بقية الصور وجميع ما قال في المسألة السابعة صحيح المسألة السادسة إذا قال والله لأضربن أسدا ونوى به رجلا شجاعا لا الأسد الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس لم يبر إلا بضرب رجل شجاع فلو ضرب الأسد الحقيقي ما بر وكذلك بقية أنواع المجاز المرسل العشرين من استعمال لفظ الكل في الجزء ولفظ الجزء في الكل ولفظ السبب في المسبب ولفظ المسبب في السبب ولفظ الملزوم في اللازم ولفظ اللازم في الملزوم إلى آخر العشرين المذكورة في كتب أصول الفقه وكتب البيان فهذه المسائل الستة هي تفصيل ما تؤثر النية في الأيمان أو الطلاق ونحوهما\r","part":3,"page":109},{"id":830,"text":"قال المسألة الثامنة وهي من المسائل التي لا تؤثر فيها النية وهي مسألة الاستثناء بمشيئة الله تعالى إلى آخرها قلت ما قاله في هذه المسألة فيه نظر من جهة أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى لا تأثير له إلا إن كان مقصودا به رفع اليمين أو حلها فهو أعني الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل على قصد رفع اليمين وإذا كان الأمر كذلك فما المانع من الاكتفاء بقصد رفع اليمين الذي لفظ الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل عليه إلا أن يكون في بعض روايات حديث الاستثناء بمشيئة الله تعالى ما يدل على اشتراط اللفظ بذلك دون القصد فقط ولا أعلم ذلك الآن فلينظر فإن المسألة لا ينبني التحقيق فيها إلا على ذلك وما نظر به من أن القصد إلى الصلاة لا ينوب منابها وكذلك ما عداها من الأعمال إنما كان فيها ذلك كذلك لأنه فهم من مقتضى الشرع أن المراد أعيان تلك الأعمال فإن ورد دليل واضح على أن المراد عين استثناء المشيئة لفظا استوى الأمر في الاستثناء وسائر الأعمال وإلا فلا وما حكاه عن اللخمي متجه ولقائل أن يقول إذا ثبت اشتراط اللفظ في الاستثناء بمشيئة الله تعالى فلا بد منه وإن انعقدت اليمين على نية القول بذلك والله أعلم\rالمسألة السابعة\r","part":3,"page":110},{"id":831,"text":"إذا قال والله لأضربن غلامي ونوى إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله لم تؤثر نيته في ارتفاع حكم اليمين بسبب أن قوله {صلى الله عليه وسلم} من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف يقتضي أن الاستثناء بالمشيئة سبب رافع لحكم اليمين لأن القاعدة أن ترتب الحكم على الوصف يقتضي علية ذلك الوصف لذلك الحكم وسببيته وها هنا قد رتب صاحب الشريعة حكم ارتفاع اليمين على وصف الاستثناء بمشيئة الله تعالى فيكون الاستثناء بمشيئة الله تعالى هو سبب ارتفاع حكم اليمين لقوله عليه الصلاة والسلام عاد كمن لم يحلف وهذا إشارة إلى ارتفاع حكم اليمين فإذا كان الاستثناء هو سبب ارتفاع حكم اليمين والقاعدة أن الأسباب الشرعية يتوقف حصول مسبباتها على حصولها وأن القصد إليها لا يقوم مقامها بدليل أن القصد إلى الصلاة لا يقوم مقام الصلاة حتى يكون سبب براءة الذمة منها وأن القصد إلى السرقة لا يقوم مقام السرقة فيجب القطع بمجرد القصد بل لا يترتب الحكم إلا على وجود سببه بالفعل فلذلك لم تقم النية مقام الاستثناء بمشيئة الله تعالى في حل اليمين بل لا بد من النطق به على شروطه وحينئذ يترتب رفع اليمين نعم قال اللخمي وعلى القول بانعقاد اليمين بالنية يصح الاستثناء بالنية من غير لفظ المشيئة قاله الأصل قال ابن الشاط وفيه نظر من جهة أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى لا تأثير له إلا إن كان مقصودا به رفع\r","part":3,"page":111},{"id":832,"text":"اليمين أو حلها فهو أعني الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل على قصد رفع اليمين وإذا كان الأمر كذلك فما المانع من الاكتفاء بقصد رفع اليمين الذي لفظ الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل عليه اللهم إلا أن يكون في بعض روايات حديث الاستثناء بمشيئة الله تعالى ما يدل على اشتراط اللفظ بذلك فقط دون القصد ولا أعلم ذلك الآن فلينظر فإن المسألة لا ينبني التحقيق فيها إلا على ذلك وما نظر به من أن القصد إلى الصلاة لا ينوب منابها وكذلك ما عداها من الأعمال إنما كان فيها ذلك كذلك لأنه فهم من مقتضى الشرع أن المراد أعيان تلك الأعمال فإن ورد دليل واضح على أن المراد عين استثناء المشيئة لفظا استوى الأمر في الاستثناء وسائر الأعمال وإلا فلا وما حكاه عن اللخمي متجه ولقائل أن يقول إذا ثبت اشتراط اللفظ في الاستثناء بمشيئة الله تعالى فلا بد منه وإن انعقدت اليمين على نية القول بذلك والله أعلم ا ه\rوما قاله في المسألة التاسعة والعاشرة صحيح ظاهر والله أعلم\rالمسألة الثامنة\rإذ قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ووالله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما لم يلزمه إلا طلقتان في الأول ويبر بإعطاء المخاطب درهمين في الثاني فلو ترك التصريح بقوله إلا واحدة في الأول وإلا درهما في الثاني واكتفى بنية ذلك لم تكفه هذه النية لأنها لو كفته لدخل المجاز في النصوص وهو لا يدخل\rفيها ولا معنى للمجاز إلا استعمال الثلاث في الاثنين وإنما يصح المجاز في الظواهر وقد تقدم بيانه فلا يمكن أن تقوم النية ها هنا مقام الاستثناء ألبتة\rالمسألة التاسعة\r","part":3,"page":112},{"id":833,"text":"إذا قال كل حلال علي حرام وحاشى زوجته أي نوى إخراجها من مفهوم الحلال جرى في ذلك خلاف أهل المذهب في الاستثناء بالنية هل يجزئ فلا يلزمه الطلاق أو لا فيلزمه الطلاق وقد تقدم في الفرق التاسع والعشرين عن صاحب الجواهر أن منشأ هذا الخلاف النظر إلى أنه من باب تخصيص العموم فيجزئ بالنية أو النظر إلى حقيقة الاستثناء فلا يجزئ إلا نطقا ا ه\rالمسألة العاشرة قال اللخمي قال محمد إذا قال والله لقيت القوم ونوى في نفسه إلا فلانا لا تجزئ فيه النية عن قوله إلا فلانا ويحنث لأنه لم يلقه وسبب ذلك أنه قصد بالنية اللفظ المخرج أعني قوله إلا فلانا ولم يقصد بها الإخراج والنية شأنها أن تؤثر لا أنها تقوم مقام مؤثر آخر ويضاف التأثير لذلك المؤثر الآخر وهو قصد أن يكون الإخراج للاستثناء لا للنية ونوى الاستثناء فهذا هو سبب عدم تأثيرها وعدم\rاعتبارها أما لو قصد الإخراج بها هي فإنه ينفعه قصده ذلك على الخلاف المتقدم قال أي اللخمي وقيل تنفعه النية وتنوب مناب الاستثناء لحصول المقصود منهما على حد سواء والمحل قابل لهما بخلاف ما لو أقامها مقام الاستثناء في النصوص نحو الإخراج من العشرة فإنه لا ينفعه ذلك لأن المحل ليس قابلا للمجاز ألبتة فلا تؤثر فيه النية بمفردها فلا تقوم مقام الاستثناء فيه فتأمل فهذا بيان الفرق إجمالا وتفصيلا والله أعلم الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب يقتضي الفرق بين هاتين القاعدتين صورا كثيرة وقعت في الشريعة منها أن عقدك على الأجنبية مباح ترتفع إباحته لك بمجرد عقد أبيها نكاحها لغيرك ومجرد العقد من أيسر الأسباب والمبتوتة لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلل ووطئه ثم عقد البات بعد العدة وهذه رتبة فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير\r","part":3,"page":113},{"id":834,"text":"ومنها المسلم محرم الدم ولا تذهب هذه الحرمة إلا بالردة أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس عمدا عدوانا أو حرابة وهي أسباب عظيمة فإذا أبيح دمه بالردة حرم بالتوبة أو أبيح بقتل النفس عمدا فوجب عليه القصاص حرم بالعفو أو أبيح بزنى بعد الإحصان حرم بالتوبة على خلاف بين العلماء أما عند مالك فلا بد من رجمه ولو تاب أو أبيح بالحرابة حرم بتوبته من قبل أن يقدر عليه اتفاقا لقول الأصل وقع الاتفاق فيما علمت على أنه يسقط عن المحارب الحد وتزول إباحة دمه إذا تاب قبل أن يقدر عليه والتوبة أيسر من القتل ومنها الأجنبية لا يزول تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها وصداق وشهود ويكفي في إباحتها بعد العقد الطلاق فترتفع تلك الإباحة بالطلاق الذي يستقل الزوج به من غير زيادة ومنها الحربي مباح الدم وتزول إباحته بالتأمين وهو سبب لطيف وإذا حرم دمه بالتأمين لا يباح إلا بسبب قوي يزيل تلك الإباحة من خروج علينا أو قصد لقتلنا حرابة وخروجا على الإمام العدل وكذلك تزول إباحة دمه بعقد الجزية فإذا حرم دمه بعقد الجزية لا يباح دمه بكل المخالفات لعقد الجزية بل لا بد من\rمخالفة قوية كالتمرد على الإمام ونبذ العهد مجاهرة وغير ذلك من الأمور المحتاجة إلى قوة شديدة ومناقشة عظيمة ونظائر هاتين القاعدتين أعني الخروج من الإباحة إلى التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة كثيرة في الشريعة لكن عد الأصحاب منها الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر وعدم البر إلا بجميع المحلوف عليه في صيغة الحنث وتخريجه على قاعدتيها بجعل الحنث خروجا من الإباحة إلى التحريم فيكفي فيه أيسر سبب فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل منه لبابه لأنه على بر وإباحة حتى يحنث فهو خارج من إباحة إلى حرمة ولا يبر إذا كان على حنث إلا بفعل الجميع فإذا حلف ليأكلنه فلا يبر إلا بأكل جميعه لأنه على حنث حتى يبر فهو خارج من حرمة إلى إباحة\r","part":3,"page":114},{"id":835,"text":"قال الأصل هذا التخريج ضعيف فإن هاتين القاعدتين إن ادعوا لكثرة نظائرهما في الشريعة أنهما كليتان في الشريعة منعنا تلك الدعوى لاندراج صورة النزاع فيها فللخصم وهو الشافعي رضي الله عنه القائل بعدم الحنث ببعض المحلوف عليه أن يمنع تلك الدعوى لأن هذه الصورة المتقدمة قليلة ولو كانت كثيرة وضموا إليها أمثالها فالقاعدة أن الدعوة العامة الكلية لا تثبت بالمثل الجزئية فإنها ولو انتهت إلى الألف\rاحتمل أنها جزئية لا كلية فكم من جزئية مشتملة على أفراد كثيرة ألا ترى إلى قولنا كل عدد زوج كلية باطلة بل إنما تصدق جزئية في بعض الأعداد وتلك الأعداد التي هي زوج كثيرة جدا لا يحصى عددها ومع ذلك فالكلية كاذبة لا صادقة وإن ادعوا أنها جزئية احتاجوا في تخريج صور النزاع عليهما إلى دليل آخر أنهما جزئيتان يوجب كون صورة النزاع كذلك فإن كان ذلك الدليل القياس فأين الجامع المناسب لخصوص الحكم السالم عن الفوارق وإن كان غيره فأين هو لا بد من بيانه\rوأما تخريج بعض الأصحاب مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر وعدم البر إلا بجميع المحلوف عليه في صيغة الحنث على قاعدة الأمر والنهي حيث قال إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر أو لا يفعل فهو كالنهي والنهي عن الشيء نهي عن أجزائه فيكون فاعل الجزء مخالفا والمخالف حانث فيكون فاعل الجزء حانثا وهو المطلوب فقال ابن الشاط إنه تخريج ليس بصحيح فإنه كما أن الأمر بالشيء أمر بأجزائه لضرورة تحصيله ولا يتأتى تحصيله إلا بتحصيل أجزائه كذلك النهي عن الشيء نهي عن أجزائه لضرورة تفويته ولا يتأتى تفويته إلا بتفويت أجزائه فإن أجزاء الشيء لا تكون أجزاء له حقيقة إلا بتقدير اجتماعها وأما قبل اجتماعها فليست بأجزاء\rله حقيقة بل بضرب من المجاز وهو أنها صالحة لأن تكون أجزاء له إذا اجتمعت ا ه\r","part":3,"page":115},{"id":836,"text":"فافهم قال الأصل وأحسن ما رأيت للأصحاب في مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر طريقة الفرض والبناء وضابطها أن يكون الإنسان يساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضها فيفرض الاستدلال في تلك الصورة التي يساعده الدليل عليها\rفإذا تم له فيها الدليل بنى الباقي من الصور عليها فإن الشيخ أبا عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام المعطوفات نحو والله لا كلمت زيدا وعمرا والجموع والمثنيات نحو لا أكلت الأرغفة أو الرغيفين وأسماء الحقيقة الواحدة المفردة كالرغيف فهذه الأقسام الثلاثة الخلاف فيها واحد فعند الشافعي رضي الله عنه لا يحنث إلا بالجميع وعندنا بالبعض في المسائل الثلاثة فنقول أجمعنا على ما إذا قال الحالف والله لا كلمت زيدا ولا عمرا بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا وكذلك قال الله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور فذكر لا في البعض دون البعض مع أن الكل منفي فحيث تركت لا كان معنى الموضع الذي\rتركت فيه مساويا لمعنى الموضع الذي ذكرت فيه غير التوكيد وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم قبل التحنيث تحقيقا لحقيقة التأكيد\r","part":3,"page":116},{"id":837,"text":"وإذا اتضح الحنث في هذه الصورة بمدرك صحيح مجمع عليه وجب أن يكون الواقع في الصورتين الأخيرتين الحنث لأنه لا قائل بالفرق إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون بعض لزم خلاف الإجماع فإن القائل قائلان قائل بالحنث في الجميع وهو مالك رضي الله عنه وأتباعه وقائل بعدم الحنث في الجميع وهو الشافعي رضي الله عنه وأصحابه فلو قلنا بأنه يحنث في صورة العطف دون غيرها كان قولا خارقا للإجماع ولا سبيل إليه قال الأصل ولكن طريقة الفرض والبناء ضعيفة لا تتم إلا في المناظرة جدلا بعد تقرر المذاهب أما والمجتهد يجتهد فلا يصح له الاعتماد على ما انبنت عليه هذه الطريقة من قول المناظر الآن لا قائل بالفرق فإن هذه المقدمة إنما جاءتنا بعد فتياه هو في المسألة ومدركه في المسألة متقدم على فتياه فيها وبعد إفتاء خصمه وهو المجتهد الآخر فيها فله أن يقول ما ظهر له بالدليل أي شيء كان لأنه ليس قبل قوله إجماع إنما هو قول خصمه فقط فإذا قال خصمه لا يحنث عندي في الجميع\rفله هو أن يقول يحنث عندي في البعض دون البعض ولا إجماع يصده حينئذ عن ذلك فلو اعتمد على تلك المقدمة لم يتأت له ذلك ومتى كان المناظر الآن قائما مقام إمامه ومدرك المناظر الآن لا يصح أن يكون هو مدرك المجتهد لم يحز للمناظر الآن الاعتماد على تلك المقدمة التي انبنت عليها تلك الطريقة أيضا فافهم ا ه\rقال ابن الشاط وما قرره في بيان وجه ضعف هذه الطريقة صحيح كما قال وبين علي أنا لو سلمنا عدم ضعفها وفرضنا صحة إجماع النحاة على ما ذكر وكون إجماعهم حجة وقلنا بموجب قوله\r","part":3,"page":117},{"id":838,"text":"وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا لا يلزم عن قولنا بقوله المذكور مقصوده فإنه لم يحك عن النحاة أنهم قالوا إن لا إذا تكررت في العطف لا تفيد فائدة غير تأكيد النفي بل قالوا لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده ولا يستلزم كونها لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده أن لا تفيد شيئا غير تأكيد النفي مع تأكيد النفي وهو رفع احتمال ثابت عند عدم تكرارها فإن القائل إذا قال والله لا كلمت زيدا وعمرا بلا\rتكرار لا احتمل وجهين أحدهما الامتناع من أن يكلمهما معا لا من أن يكلم أحدهما وثانيهما الامتناع من أن يكلم كل واحد منهما ومن لازم ذلك أن يكلمهما معا فإذا تكررت أفادت مع التأكيد تبين الوجه الثاني ورفع احتمال الوجه الأول على أنا لا نسلم إجماع النحاة ولا كونه حجة نعم مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه عندنا وإن ضعف فيها التخريج الأول ولم يصح فيها التخريج الثاني ولا الطريقة المذكورة إلا أنه ليس فيها إشكال أصلا فضلا عن أن يكون فيها إشكال قوي إذ لقائل أن يقول أن مدرك مالك رحمه الله تعالى الاحتياط للإيمان فأخذ بالأشد ومدرك الشافعي رحمه الله تعالى جعلها على مقتضاها المتيقن فأخذ بالأخف فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":118},{"id":839,"text":"الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت بتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا يتكرر بتكررها الكفارة بل تنحل اليمين بالمخالفة الأولى ويسقط حكم اليمين فيما عداها والجميع مخالفة مع عموم الصيغة في الموضعين فإن قوله في اليمين والله لا فعلت نفي للفعل في جميع الأزمنة المستقبلة فإن لا من صيغ العموم نص عليه سيبويه مع لن وقال لن أشد عموما وذلك هو المفهوم من قوله تعالى لا يموت فيها ولا يحيى أي في جميع الأزمنة المستقبلة لا يحصل له موت ولا حياة وكذلك النهي إذا قيل للمكلف لا تكذب أو لا تشرب الخمر هو عام في جميع الأزمنة المستقبلة فحيث كان الجامع بين القاعدتين\rالمخالفة وعموم صيغة لا في مستقبل الزمان كان ينبغي عدم الفرق بينهما وأن يلزم بتكرر الكفارة إذا تكررت مخالفة اليمين كما تكرر عليه الإثم بتكرر المخالفة في النهي لكن الأصل\rقال لم أعلم أحدا من الفقهاء قال بعدم الفرق بل أجمع الفقهاء على الفرق بينهما وأنه إذا خالف مرة وفعل المنهي عنه حصل له الإثم فإن تكررت منه تلك المخالفة تكرر الإثم بخلاف ما إذا حلف بقوله والله لا أكلت لحما فخالف يمينه وأكل اللحم متكررا فإنهم أجمعوا على أن الكفارة لا تجب عليه إلا في المرة الأولى ولا تتكرر بتكرر أكل اللحم ومخالفة يمينه حينئذ مشكل يحتاج إلى بيان سر الفرق بينهما وبيان سره من وجوه أحدها أن صيغة اليمين وإن سلمنا أنها سالبة كلية عامة في جميع الأزمنة المستقبلة لكن لا نسلم أن نفس هذه السالبة الكلية هي سبب الكفارة أو شرط وجوبها بل الكفارة ما وجبت إلا لمخالفة هذه السالبة الكلية\r","part":3,"page":119},{"id":840,"text":"ومخالفتها عبارة عن نقيضها ونقيض السالبة الكلية هي الموجبة الجزئية فهذه الموجبة الجزئية هي سبب الكفارة أو شرط وجوبها على الخلاف بين الفقهاء في الحنث هل هو شرط الكفارة أو سببها ويدل على أن سبب الكفارة إنما هو نقيض ذلك السلب الكلي لا ذلك السلب الكلي إن الشارع قال ذلك كفارة أيمانكم فجعل الكفارة لليمين لا للسلب الكلي الذي هو المحلوف عليه وتوضيح ذلك أن في قول الحالف والله لا أكلت لحما مثلا أمورا ثلاثة السلب العام المحلوف عليه واليمين المؤكدة له ومخالفة هذا السلب العام\rوالكفارة من الأمور الوضعية الشرعية فصاحب الشرع له أن يجعل مطلق الملابسة للفعل المحلوف عليه\r","part":3,"page":120},{"id":841,"text":"سبب الكفارة وحينئذ تتكرر الكفارة بتكرر المخالفة وملابسة الفعل ولكنه لم يفعل ذلك بل جعل سبب الكفارة مخالفة هذا السلب العام لا هذا السلب العام ومخالفة هذا السلب العام إنما هو مطلق الثبوت فيصير معنى وضع صاحب الشرع الكفارة أنه قال جعلت نقيض السلب الكلي سبب الكفارة فكأنه قال من أتى بنقيض السلب الكلي في يمينه وحنث عليه الكفارة فليس في الكلام عموم يفهم ألبتة بل هو مثل قول القائل من دخل داري فله درهم وقوله إن دخلت الدار فأنت طلاق في كونه من باب تعليق مطلق على مطلق فيقتضي الاكتفاء بالمرة الواحدة لضرورة لزوم تحصيل مقتضى التعليق ولا أقل من المرة الواحدة في التحصيل وقد تقدم بسط هذه التعاليق أول الكتاب ونظير هذه الكفارة كفارة المفسد لصوم رمضان فإنه إن عاد فأكل أو جامع لم تلزمه كفارة على الأصح لأن الصوم في معنى السلب العام للأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس والكفارة مرتبة على نقيض هذا السلب العام وهو مطلق الثبوت فإذا حصل لزمته الكفارة فإذا عاد فتكرر لم يكن موجبا كدخول الدار فإن صاحب الشرع إنما جعل الثبوت بوصف الإطلاق لا بوصف العموم موجبا للكفارة والمطلق يخرج عن عهدته بصورة إجماعا كإعتاق رقبة وإخراج شاة من أربعين ونظير هذه الكفارة أيضا كفارة المظاهر فإنه إذا قال أنت علي كظهر أمي كان مقتضى هذا التشبيه التحريم الدائم لأن هذا هو شأن تحريم الأم المشبه بها فتكون هذه الزوجة محرمة دائما تحقيقا للتشبيه فإن عاد وعزم على إمساكها أو على وطئها على\r","part":3,"page":121},{"id":842,"text":"الخلاف في العود ما هو فقد أتى بنقيض ذلك السلب الكلي وهو مطلق الثبوت المناقض له فصاحب الشرع جعل الكفارة تجب عنده كالحنث في اليمين فإذا كفر ثم عاد فعزم على إمساكها أو وطئها مرة أخرى لا تتكرر الكفارة بتكرر العود إجماعا فيما علمت لأنها مرتبة على الثبوت بوصف الإطلاق لا بوصف العموم فكذلك هاهنا كفارة اليمين مرتبة على الثبوت بوصف الإطلاق المناقض للسلب الكلي العام لا على الثبوت بوصف العموم كما تقدم\rوأما مخالفة النهي فتقتضي تكرر الإثم والتعزير بسبب أن الإثم رتبه الشرع على تحقيق المفسدة في الوجود لأن النواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فكل فرد يكرر تكرر المفسدة معه فيتكرر الإثم لأنه تابع لمطلق المفسدة في جميع صورها بوصف العموم فعم الإثم أيضا وهو مناسب لحسم مادة المفسدة إذ لو أثمناه في صورة واحدة وأبحنا له ما بعدها أدى ذلك لوقوع مفاسد لا نهاية لها فكانت الحكمة الشرعية تقتضي تعميم الإثم في جميع صور المفاسد وثانيها أن الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على المكلفين في الصور التي يحتاجون للمخالفات فيها وتكررها فتترتب على الإنسان كفارات كثيرة جدا لا يمكنه الخروج عنها إلا بفعلها وذلك حرج عظيم تأباه الشريعة الحنفية السمحة السهلة وأما الأثام إذا اجتمعت فإن الإنسان يخرج عن عهدتها بالتوبة والإنابة وهي متيسرة على المتقين وثالثها أن اليمين مباحة لأنها تعظيم للمقسم به والحنث أيضا مباح لقوله عليه الصلاة والسلام والله\r","part":3,"page":122},{"id":843,"text":"لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وفعلت الذي هو خير ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يقدم على المنهي عنه فضلا عن أن يحلف أنه لا بد أن يفعله وإذا كان الحلف والحنث مباحين ناسب ذلك التخفيف في إلزام الكفارة المتكررة بخلاف النهي فإنه للتحريم والمقدم على مخالفته أي النهي عاص بعيد من الله تعالى فناسب التغليظ بتكرر الآثام وتظافر أنواع الوعيد والتعاذير عليه حسما لمادة المعصية ورابعها أن القسم وقع على جملة خبرية فإن لا أفعل خبر عن عدم الفعل في الزمن المستقبل فإن صدق فيه وحقق السلب العام كما أخبر عنه فلا كفارة\rوإن خالف هذا الخبر كانت مخالفته تكذيبا لذلك الخبر والصدق والكذب نقيضان ولذلك قال أرباب المعقول إن نقيض السالبة الكلية هي الموجبة الجزئية وبهما يقع التكاذب لمن يقصد تكذيب من ادعى الأخرى كما أن نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية والصدق والكذب عندنا نقيضان لا ثالث لهما خلافا للمعتزلة فإن الخبر إن طابق الواقع فصدق وإن لم يطابق الواقع فكذب ولا واسطة بين المطابقة وعدم المطابقة فالكفارة وجبت لمخالفة الصدق وهو الكذب أي الخبر المناقض للصدق المانع مع تحققه ومتى ارتفع الصدق بصورة واحدة استحال ثبوته فقد تحققت مفسدة تعذر الصدق وهذا المعنى وهو تعذر الصدق لا يتكرر فلم تتكرر الكفارة ويدل على اعتبار هذا المعنى أن الحالف لو جعل يمينه خبرا عن موجبة كلية كقوله والله لأصومن الدهر فأفطر يوما واحدا فقد كذب خبره عن صوم الدهر وتلزمه الكفارة بإفطاره\rذلك اليوم الواحد ولا ينجيه من لزوم الكفارة صوم بقية الدهر وتضيع بقية الموجبة الكلية عن الاعتبار ولا فرق بين أن يتكرر منه الفطر في يومين مثلا أو يقتصر على فطر يوم واحد\r","part":3,"page":123},{"id":844,"text":"وإذا تقرر هذا في جهة الثبوت وهو الموجبة الكلية وجب أن يثبت مثله في السالبة الكلية التي هي خبر عن النفي فيتحقق الكذب بفرد واحد من الثبوت بأن يفعل مرة واحدة ولا ينفعه بقية السالبة الكلية ولا فرق بين ثبوت واحد تقع به المخالفة وبين ثبوتين أو أكثر كما لم يكن فرق في الموجبة الكلية بين سلبين فأكثر تسوية بين طرفي الثبوت والسلب في الخبر عنها وإثبات نقيضها والاكتفاء بفرد في المناقضة لا يحتاج معه إلى ثان ويكون الثاني وجوده وعدمه سواء وأما النهي فليس كذلك بل لو اجتنب المنهي عنه مائة مرة لله تعالى أثيب على المائة\rثم إن خالف بعد ذلك استحق العقوبة بعدد المرات التي خالف فيها بالفعل والثبوت وتتكرر المثوبات بتكرر الاجتناب أو العقوبات بتكرر المخالفات فدل ذاك على أن المطلوب هو اجتناب مفسدة ذلك الفعل في كل زمان وأن كل زمان مطلوب لنفسه في الترك لتلك المفسدة ويؤكد الأمر المقتضي للتكرار أنه إذا فعل مائة مرة أثيب مائة مثوبة وإن تركه مائة مرة استحق مائة عقوبة لأن المطلوب حصول تلك المصلحة في كل زمان بعينه فكل زمان معين حقق فيه المصلحة استحق المثوبة وكل زمان معين ضيع فيه تلك المصلحة استحق العقوبة وتعتبر القلة في ذلك والكثرة فقد شهدت قاعدة الأمر لقاعدة النهي كما شهدت قاعدة خبر الثبوت في اليمين لقاعدة خبر النفي فيه فأوضح كل منهما الأخرى واتضح لك أن سر الفرق في هذا الوجه من جهة أن المعتبر في الخبر الصادق المحلوف عليه هو نقيضه الكاذب دون أفراد الفعل وأفراد الترك بشهادة النفي للإيجاب والإيجاب للنفي\r","part":3,"page":124},{"id":845,"text":"والمعتبر للنهي والأمر أفراد الأفعال والتروك دون النقيض بشهادة كل من الأمر والنهي للآخر تنبيهات الأول كون الحنث كذبا كما هو مقتضى ما تقرر في هذا الوجه الأخير ليس فيه تقوية لما ذهب إليه الحنفية من أن الحنث محرم وأن الكفارة وجبت ساترة لذنب تحريم المخالفة بسبب أن الحنث وإن كان كاذبا أنه ليس بكذب شرعي من جهة الإثم والنهي الشرعي حتى يقال إنه محرم بالإجماع فيتجه به مذهبهم بل إنما هو كذب من جهة مسمى الكذب لغة وذلك أن الخبر المحلوف عليه في اليمين خبر وعد وخبر الوعد لا يأثم حالفه وإلا لوجب الوفاء بكل وعد وليس قوله عليه الصلاة والسلام عدة المؤمن دين يريد مثل الدين ولذلك قيد الحكم بوصف الإيمان الحاث على مكارم الأخلاف ولو كان الوفاء بالوعد مطلقا واجبا لقال عليه الصلاة والسلام الوعد دين من غير تفصيل ويدل على أن مخالفة هذه الإخبارات في الوعد والحلف ليست بكذب محرم قوله عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر فلو كان ذلك الخبر يجب الوفاء به لما جاز تركه لمجرد الخيرية التي يكفي فيها مطلق المصلحة بل كانت مخالفة تتوقف على مصلحة عظيمة تساوي مفسدة التحريم كفوات أمر واجب عظيم فإن المحرم لا يعارض إلا بالواجب ولا يعارض بمطلق الخيرية التي هي تصدق بأدنى مراتب الندب فليس الحنث حينئذ بمحرم ويؤكده أنه عليه الصلاة والسلام حلف لأولئك النفر لا يحملهم ثم حملهم بعد ذلك فقيل له يا رسول الله إنك حلفت فقال والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا\r","part":3,"page":125},{"id":846,"text":"منها إلا كفرت وأتيت الذي هو خير فلو كان هذا كذبا محرما لما أقدم عليه الصلاة والسلام عليه فإن منصبه عليه الصلاة والسلام يأبى ذلك إباء شديدا فيقطع الفقيه حينئذ بأن هذه المخالفة في الأيمان ليست كذبا محرما بل يتناوله اللفظ الموضوع للكذب ولا يكون محرما كما أن الكذب الذي يقع من غير قصد كمن أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه معتقدا ما أخبر به والأمر بخلافه ليس بمحرم وإن صدق عليه أنه كذب لغة خلافا للمعتزلة في اشتراطهم القصد في حقيقة الكذب ويدل على صحة مذهب أهل السنة قوله عليه الصلاة والسلام كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع فجعله عليه السلام كذبا مع أنه يعتقد صدق ما سمعه وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار يدل على أن الكذب قد يقع على غير وجه العمد فظهر أن الكذب يكون لا مع الإثم وأن مخالفة الأيمان من هذا القبيل التنبيه الثاني اختلف العلماء فيما إذا خالف مقتضى اليمين حالة النسيان أو حالة الجهل أو حالة الإكراه فمذهب مالك اعتبار الحنث حالة النسيان والجهل دون الإكراه ومذهب الشافعي وأحمد عدم اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة ومذهب أبي حنيفة اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة فوافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل على الإكراه وخالفانا في النسيان والجهل وأبو حنيفة بعكس ذلك وتلخيص مدرك الخلاف في هذه الحالات أن مقتضى اللغة حصول الحنث في هذه الأحوال الثلاثة لحصول مسمى المخالفة بمقتضى ما أخبر\rعن نفسه في الاستقبال لكن لما كانت اليمين إنما يقصد بها الناس حثهم على الإقدام أو الإحجام والحث إنما يقع في الأفعال الاختيارية فإن الإنسان إنما يحث نفسه على ما هو من اختياره وصنعه\r","part":3,"page":126},{"id":847,"text":"وأما المعجوز عنه فلا يليق بالعاقل حث نفسه على الصعود إلى السماء ولا على أن يعمل لنفسه يدا زائدة أو عينا زائدة ولا يحث نفسه على أن يكون آدميا أو منتصب القامة لأن الأول متعذر عليه والثاني واقع بغير صنعه وإنما يحث نفسه على ما هو من صنعه كالصلاة والصوم حينئذ فتخرج حالة الإكراه على الحنث لأن الداعية حالة الإكراه ليست للفاعل على الحقيقة بل نشأت عن أسباب الإكراه فهي من غير صنعة في المعنى فلا جرم لم تندرج هذه الحالة في اليمين وأما الجهل والنسيان فالإنسان في الجهل يفعل المحلوف عليه جاهلا بأنه المحلوف عليه كمن يحلف أن لا يلبس ثوبا فيلتبس ذلك الثوب عليه بغيره فيلبسه وهو ذاكر لليمين جاهل بعين المحلوف عليه وفي النسيان على العكس من الجهل يفعل المحلوف عليه عالما بحقيقته ناسيا لليمين وفي الإكراه قد يكون ذاكرا لهما فهذا هو الفرق بين الحقائق الثلاث فالشافعي يقول إن الحنث المقصود من اليمين إنما يكون مع ذكر اليمين والمعرفة بعين المحلوف عليه بأن يقصد الحالف باليمين ترك المحلوف عليه لأجل اليمين وهذا لا يتصور إلا مع القصد إلى اليمين المحلوف عليه والمعرفة بهما فلما جهل اليمين في صورة النسيان والمحلوف عليه في صورة الجهل خرج هاتان الحالتان عما يقصده الناس بالإيمان وهو الترك لأجل اليمين لهذه القاعدة وإذا خرجا عن ذلك\rخرجا عن اليمين والخارج عن اليمين لا يقع فيه حنث وحالة الإكراه قد خرجت بقوله عليه الصلاة والسلام لا طلاق في إغلاق أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم فخرجت الأحوال الثلاثة الإكراه والنسيان والجهل عند الشافعي فإذا خالف الحالف اليمين في حالة من هذه الحالات لا يلزمه بذلك كفارة بل لا بد في لزومها من المخالفة مرة أخرى في حالة الاختيار واستحضار اليمين والعلم بالمحلوف عليه\r","part":3,"page":127},{"id":848,"text":"فاشترط الشافعي التكرر في الأحوال الثلاثة ومالك يقول الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب ومقتضي ذلك أن يخرج الإكراه وحده\rويبقى النسيان والجهل لأن الناسي لليمين مختار للفعل غير أنه نسي اليمين والجاهل مختار للفعل غير أنه جهل أن هذا غير المحلوف عليه وإذا وجد الاختيار والفعل المكتسب فقد وجد ما حلف عليه ووجدت حقيقة المخالفة فتلزم الكفارة فإذا وقع الفعل في حالة النسيان أو حالة الجهل انحلت اليمين ولزمت الكفارة ولا يشترط التكرر مرة أخرى ورأى أبو حنيفة أن الإكراه على الحنث لا يؤثر فيحنث المكره كما يحنث الناسي والجاهل قال الأصل والظاهر من جهة النظر قول الشافعي وهو أحد الأقوال عندنا بسبب أن الباعث للحالف على الحلف إنما هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك وإلا كان يكفيه العزم على عدم الفعل من غير يمين وكان يستريح من لزوم الكفارة وإنما أقدم على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا من الإقدام والإحجام فإذا نسيها لم يقصد بهذه الحالة حالة الحلف التي هي حالة حضورها في نفسه حتى\rتمنعه من الإقدام أو الإحجام وكذلك العلم بعين المحلوف عليه شرط في الحنث به فإذا جهله استحال مع الجهل الحنث على ما لم يعلمه فهاتان الحالتان يعلم خروجهما عن اليمين بقصد الحالفين فلا يلتزم فيهما حنث ويشترط التكرر\rوأما الإكراه على اليمين فلقوله عليه السلام لا طلاق في إغلاق أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم أ ه وسلمه ابن الشاط التنبيه الثالث إذا قلنا بأن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين فأكره على أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا حنث\r","part":3,"page":128},{"id":849,"text":"قاله ابن أبي زيد وهو مقتضى الفقه بسبب أن الإكراه لم يندرج في اليمين فالمرة الأولى من الفعل لكونها حصلت بالإكراه لا عبرة بها فلا تحصل بها مخالفة اليمين وما وقع بعدها من الفعل بالاختيار هو أول مرة صدرت مخالفة لليمين فهي المعتبرة دون ما قبلها فلم تتكرر المخالفة فتأمل ذلك وتقع هذه المسألة في الفتاوى كثيرا ويقع الغلط فيها للمفتين يقول السائل حلفت بالطلاق لا أخدم الأمير الفلاني في إقطاعه وقد أكرهت بالضرب الشديد على خدمته فيقول له المفتي لا حنث عليك مع أن ذلك الحالف مستمر على الخدمة مع زوال سبب الإكراه وإمكان الهروب منه والتغيب عن ذلك الأمير مع أنه يحنث بسبب أنه قد أتى عليه زمن يمكنه التغيب عن خدمة ذلك الأمير ولم يتغيب فقد خدمه مختارا فيحنث ومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا فخالع امرأته وكلمه لم يلزمه بهذا الكلام فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك رحمه الله بسبب أنه إنما قصد الحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم كلامه بسبب أنه\rيلزمه الطلاق حينئذ فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به الطلاق والكلام حالة الخلع لم يلزمه بالطلاق لعدم قبول المحل له فلا يكون من الكلام المحلوف عليه وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو أول مخالفة\rاليمين فيه فيلزم الطلاق به لا بما قبله لما قلناه في الإكراه حرفا بحرف فتأمل ذلك وبالجملة فهذه الصور الثلاث المتقدمة يحصل فيها التكرر في صورة المخالفة مطلقا لا في المخالفة المعتبرة بسبب ما تقدم تقريره والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والثلاثون والمائة بين قاعدة النقل العرفي وبين قاعدة الاستعمال المتكرر في العرف\rالنسبة بين المنقول العرفي والمتكرر العرفي هي العموم والخصوص المطلق لأن المنقول العرفي هو الذي\r","part":3,"page":129},{"id":850,"text":"يفهم عند الإطلاق بغير قرينة صارفة له عن الحقيقة والمتكرر العرفي هو ما استعمل في معناه وفي غير معناه سواء كان مع القرينة الصارفة له عن معناه أو كان بدونها فكل منقول متكرر وليس كل متكرر منقولا لصدق المتكرر بدون المنقول على الأسد في الرجل الشجاع وعلى لفظ الغزال والشمس والبدر في المرأة الجميلة ولفظ الغيث والبحر والغمام في الرجل السخي ونحو ذلك مما لا ينصرف عن حقيقته إلى المجاز إلا بقرينة صارفة إليه فالنقل أخص من التكرر ولا يلزم من التكرر النقل لأن الأعم لا يستلزم الأخص وإذا لم يصر اللفظ منقولا بمجرد التكرر لا يجوز حمل اللفظ على شيء تكرر اللفظ فيه ولم يكن اللفظ موضوعا له إلا بقرينة ولا يعتمد على مطلق التكرر فظهر الفرق بين هاتين القاعدتين وبه يظهر بطلان ما وقع في مذهبنا في المدونة أن من حلف لا أفعل شيئا حينا أو زمنا أو دهرا ولا نية له فذلك كله سنة وقال الشافعي يحمل على العرف في هذه الألفاظ\rوقال أبو حنيفة وابن حنبل ذلك ستة أشهر لقوله تعالى تؤتي أكلها كل حين أي في ستة أشهر وليس الأمر كما قالاه بل النخلة من ابتداء حملها إلى نهايته تسعة أشهر تعطي ثمرها حينئذ وهو أحد الوجوه الأربعة عشر التي وقعت المشابهة فيها بين النخلة وبين بنات آدم وقد ذكر ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام أكرموا عمتكم النخلة قالوا لأنها خلقت من فضلة طينة آدم فهي عمة بهذا المعنى وروى ابن وهب عن مالك ترددا في الدهر هل هو سنة أم لا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سنة لقوله تعالى تؤتي أكلها كل حين إشارة إلى\r","part":3,"page":130},{"id":851,"text":"أن النخلة إذا حملت بالثمرة في وقت لا تحمل بعد ذلك إلا في ذلك الوقت وهذه الإشارات كلها إلى أصل وجوه الاستعمال ولا يلزم من حصول أصل الاستعمال أن يحمل اللفظ عليه من غير قرينة صارفة والمنقول في اللغة أن الحين اسم لجزء ما من الزمان وإن قل فهو يصدق على القليل والكثير من قبيل صدق المتواطئ على أفراده ولا يلزم من استعمال اللفظ المتواطئ في بعض أفراده مرة واحدة أو مرات أن يقال له شرعي ولا عرفي بل ذلك شأن استعمال اللفظ المتواطئ ينتقل في أفراده فالمتجه ما قاله الشافعي رضي الله عنه فقد ظهر الفرق بين قاعدة كثرة الاستعمال وقاعدة النقل وظهر بظهوره الحق في هذه المسائل والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والثلاثون والمائة بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا وبين قاعدة تعذره عادة أو شرعا\rوهو أن الناس إنما يقصدون بأيمانهم الحث على الفعل الممكن لهم فالحلف على الشيء مشروط بإمكانه والمتعذر عقلا ليس بممكن فلم يوضع اللفظ في القسم حاثا عليه فلا يوجب حنثا لأن فوات الشرط يوجب عدم المشروط فإذا حلف ليفعلن كذا وتعذر الفعل عقلا لم يحنث إلا إذا أمكنه الفعل قبل ذلك ثم تعذر فإنه يحنث والمراد بالمتعذر عقلا ما كان فعله من خوارق العادات فلذا قال ابن القاسم والشافعي إذا حلف ليذبحن الحمامة فقام مكانه فوجدها ميتة لا حنث عليه وقال مالك الحالف ليضربن امرأته إلى سنة\r","part":3,"page":131},{"id":852,"text":"فتموت قبل السنة لم يحنث بموتها وهو على بر فجعلوا موت الحمام والحيوان من المتعذر عقلا مع أنه يمكن عقلا أن الله تعالى يحي الحمام والحيوان حتى يتأتى فيه أفعال الأحياء لكن ذلك خارق للعادة أما المتعذر عادة وهو ما يكون الفعل معه ممكنا شرعا وعقلا أو المتعذر شرعا وهو ما يكون الفعل معه ممكنا عادة وعقلا فهما مندرجان في اليمين عملا بظاهر اللفظ فإن الحلف اقتضى الفعل في جميع الأحوال إلا ما دل الدليل على إخراجه وقيل المتعذرات كلها سواء قال عبد الحق في تهذيب الطالب إن حلف ليركبن الدابة فتسرق يحنث عند ابن القاسم لأن الفعل أي في ذاته ممكن عادة وإنما منعه السارق بخلاف موت الحمام وقال أشهب لا يحنث لأنه متعذر أي عادة بسبب السرقة فإن ماتت قبل التمكن بر لتعذر الفعل عقلا ومنع الغاصب والمستحق كالسارق وإن حلف ليضربن عبده فكاتبه أو ليبيعن أمته فوجدها حاملا يحنث لأن المانع شرعي والفعل أي في ذاته ممكن أي عادة وعقلا\rوقال سحنون لا يحنث لأنه متعذر أي شرعا وإن حلف ليطأها فوجدها حائضا يخرج الحنث على الخلاف وقال أشهب إن حلف ليصومن رمضان وشوالا إن صام يوم الفطر بر وإلا حنث وليس الفعل مع السارق ونحوه بمستحيل عادة لأن من الممكن عادة القدرة على السارق والغاصب\r","part":3,"page":132},{"id":853,"text":"ويفعل ما حلف عليه كذا في الأصل وسلمه ابن الشاط وفي المجموع وشرحه وحاشيتيه ما حاصله وحنث بفوت ما حلف عليه حيث لا نية له إن قدر مثلا ولا بساط بذلك ولو لمانع شرعي مطلقا أي تأخر أم لا فرط أم لا أقت أم لا ومن المانع الشرعي أن يحلف ليصومن غدا فمرض فإنه دائر بين العادي حيث لم يطلقه والشرعي لحرمة ضرر نفسه وأما إن ظهر أنه عيد فنقل السيد عند قوله أن يكره عن عج عن ابن عرفة عدم الحنث لأن بساط يمينه إن كان يصام ومن المانع الشرعي أيضا حلفه ليبيعن الأمة فوجدها حملت منه أو ليطأنها الليلة فحاضت فيها فيحنث فيهما وأما ليطأنها وأطلق فينتظر طهرها وانظر لم لا يجعلونهما كمسألة يوم العيد السابقة\rوكأنه لما كان الحمل والحيض من الأمور التي تطرأ أرجعوهما للموانع وأما العيدية فذاتية يوم العيد لا تنفك عنه على أن مسائل الأيمان خلافية جدا فربما وقع فيها تلفيق من قولين فلم تجر على وتيرة واحدة كعادي متأخر عن اليمين فرط أم لا أقت أم لا كسرقة الحمام في ليذبحنه كعقلي تشبيه بالعادي في الحنث مع التأخر وقوله إن فرط ولم يؤقت قيد في المشبه فإن بادر وأقت ولم يبادر فلا حنث قال البليدي ومن أمثلة ذلك ما إذا حلف ضيف على صاحب الدار لا يذبح فتبين أنه قد ذبح أو ليفتضن زوجته فوجد عذرتها سقطت فلا حنث أي لأن رفع الواقع وتحصيل الحاصل محال عقلا فهو مانع متقدم ومن حسن نظم عج إذا فات محلوف عليه لمانع إذا كان شرعيا فحنثه مطلقا كعقلي أو عاد إن يتأخر وفرط حتى فات دام لك البقا وإن وقت أو قد كان منه تبادر فحنثه بالعادي لا غير حققا وإن كان كل قد تقدم منهما فلا حنث في حال فخذه محققا ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":133},{"id":854,"text":"الفرق الخامس والثلاثون والمائة بين قاعدة المساجد الثلاثة يجب المشي إليها والصلاة فيها إذا نذرها وبين قاعدة غيرها من المساجد لا يجب المشي إليها إذا نذر الصلاة فيها مع أن القاعدة في النذر أنه لا يجزئ فعل الأعلى عن فعل الأدنى إذا نذره فمن نذر أن يتصدق برغيف\rلا يجزئه أن يتصدق بثوب وإن كان أعظم منه وقعا عند الله تعالى وعند المسلمين ومن نذر أن يصوم يوما لم يجزه أن يصليه بدلا عن الصوم وإن كانت الصلاة أفضل في نظر الشرع ومن نذر أن يحج لم يجزه أن يتصدق بآلاف من الدنانير على الأولياء والضعفاء ولا أن يصلي الستين مع أن الصلاة أفضل من الحج ونظائر ذلك كثيرة وإنما لم يجز فعل الأعلى عن فعل الأدنى وإن كان الأعلى أعظم قدرا لأن في ترك الأدنى المنذور مخالفة النذر وإذا خولف المنذور حصل ارتكاب الممنوع وهو عدم الوفاء لله تعالى بما التزم لوجهه فما وجه مخالفة الفقهاء هذه القاعدة فيمن نذر الصلاة في غير مسجد من المساجد الثلاثة وفيمن نذر الصلاة في المسجد الأقصى وهو بمكة أو المدينة حيث قال مالك في المدونة إذا قال على أن آتي إلى المدينة أو بيت المقدس أو المشي إليهما فلا يأتي إليهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ما يلازم ذلك وإلا فلا شيء عليه ولو نذر الصلاة في غيرهما من المساجد صلى بموضعه وقاله الشافعي وأحمد بن حنبل\rوقال اللخمي قال القاضي إسماعيل ناذر الصلاة في المسجد الحرام لا يلزمه المشي إذا نذره قال والمشي في ذلك كله أفضل لأن المشي في القرب أفضل وهو قربة وهو مقتضى أصل مالك أن يأتي المكي المدينة لأنها أفضل فإتيانها من مكة قربة بخلاف الإتيان من المدينة إلى مكة وقدم الشافعي وأحمد بن حنبل المسجد الحرام عليها قال ابن يونس يمشي إلى غير الثلاثة المساجد من المساجد إن كان قريبا كالأميال\r","part":3,"page":134},{"id":855,"text":"اليسيرة ماشيا ويصلي فيه قال ابن حبيب إذا كان بموضعه مسجد جمعة لزمه المشي إليه وقال مالك وبه أفتى ابن عباس من بمسجد قباء وهو من المدينة على ثلاثة أميال وفي الجواهر الناذر إن كان بمكة أو المدينة ونذر بيت المقدس يصلي في مسجد موضعه لأنه أفضل وإن كان بالأقصى مضى إليهما ويمشي المكي إلى المدينة والمدني إلى مكة للخروج من الخلاف\rوقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد إيلياء والمسجد الحرام إنما ورد بعدم إعمال المطي لا بعدم المشي جملة وإعمال المطي أخص من المشي مطلقا ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم فالمراد بالحديث والله أعلم أن لا يتحمل مشقة السفر الذي يحوج إلى إعمال المطي إلا لهذه المساجد فيتبقى السفر الذي لا يحوج إلى إعمال المطي\rوما دون ذلك مما ليس سفرا مسكوت عنه في الحديث قلت لم يخالف الفقهاء القاعدة المذكورة في مسألة ناذر الصلاة في المسجد الأقصى أو في غير مسجد من المساجد الثلاثة ضرورة أن القاعدة إنما اقتضت منع نيابة الجنس الأعلى من العبادات عن الجنس الأدنى منها وكذلك نيابة الجنس الأعلى من متعلق العبادات عن الجنس الأدنى منه لأن في ذلك مخالفة النذر فلم ينب القمح عن الشعير ولا الصلاة عن الصوم مثلا إلا أنه لم ينذر القمح ولا الصلاة فلو فعل التصدق بالقمح بدل الشعير أو فعل الصلاة بدل الصوم لكان قد خالف ما التزمه لله تعالى وليس للنذر\rأثر إلا في تصيير المندوب من حيث هو مندوب خاصة واجبا وأما نيابة الصفة العليا من صفات متعلق العبادة عن الدنيا فلا تقتضي القاعدة منعه لأنه ليس فيه مخالفة للنذر فيجوز الفرق بين الأمرين أن جنس العبادة أو جنس متعلقها هو جنس مقصود من مقاصد الشرع وأما صفة متعلق العبادات فإنما هو صفة ليست مقصودا للشارع وعلى الصفة تتخرج المسألة المذكورة فلا إشكال أصلا قاله ابن الشاط\r","part":3,"page":135},{"id":856,"text":"قال وتلخيص القول في المنذورات عندي أن الناذر عملا إذا نذر من أعمال البر فإنه لا يخلو من أن يكون منذوره ذلك معين الشخص كما إذا قال لله علي أن أعتق هذا العبد أو أتصدق بهذا الثوب أو لا يكون منذوره ذلك معين الشخص فإن كان منذوره ذلك معين الشخص فإنه لا يجزئه في الخروج عن عهدة ذلك النذر إلا ذلك المعين أو لم يكن منذوره ذلك معين الشخص فلا يخلو من أن يكون معين النوع كما إذا قال لله علي أن أصوم أو لا يكون كذلك فإن كان معين النوع فلا يخلو مع كونه معين النوع من أن يكون معين الصفة أو لا يكون كذلك فإن كان معين الصفة فلا يخلو من أن تكون الصفة مما يتعلق بها مقصد شرعي أو لا تكون كذلك\rفإن كان معين النوع فقط فلا يجزئه إلا ذلك النوع بأي صفة كان وإن كان معين النوع والصفة والصفة متعلق المقصد الشرعي فلا يجزئه إلا كذلك وإن كان معين النوع والصفة مما لا يتعلق بها مقصد شرعي فلا يجزئه بأدنى من تلك الصفة ويجزئه بأعلى منها وعلى هذا القسم تتخرج المسألة المذكورة وإن كان غير معين النوع كما إذا قال لله علي أن أعمل عملا صالحا فإنه يجزئه أي\rعمل من أعمال البر عمله ا ه ومنه يتضح الفرق بين قاعدة وجوب المشي على من نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة وهو بغيرها وبين قاعدة عدم وجوب المشي على من نذر المشي لمسجد من غير المساجد الثلاثة\r","part":3,"page":136},{"id":857,"text":"وهو في أحدها لأن القاعدتين من قسم ما تعين فيه النوع المنذور وصفته التي هي زيادة مضاعفة ذلك النوع في أحد المساجد الثلاثة على مضاعفته في غيرها من المساجد مع كون تلك الصفة مما لا يتعلق بها مقصد شرعي والحكم في هذا القسم كما علمت أنه لا يجزئ بأدنى من تلك الصفة ويجزئ بأعلى منها فوجب المشي في القاعدة الأولى لكون النوع المعين المنذور فيها أعلى مضاعفة في المساجد الثلاثة من مضاعفته في غيرها من المساجد فيجزئ وقد علمت أن شأن النذر تصيير المندوب من حيث هو مندوب واجبا ووسيلة الواجب واجبة فلذا وجب المشي هنا ولم يجب في القاعدة الثانية لكون النوع المعين المنذور فيها أدنى مضاعفة في مسجد من غير المساجد الثلاثة من مضاعفته في واحد منها فلا يجزئ إلا فعله فيما هو فيه من المساجد الثلاثة لكونه فيه أعلى مضاعفة فلذا لم يجب المشي هنا فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم تنبيه قال العلامة الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في شرحه كشاف القناع على متن الإقناع عند قوله وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي {صلى الله عليه وسلم} وقبر صاحبيه رضي الله عنهما ما نصه لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي\rوفي رواية من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه باللفظ الأول سعيد قال ابن نصر الله لازم استحباب زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام استحباب شد الرحال إليها لأن زيارة الحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته عليه الصلاة والسلام ا ه قلت ولعل إمامنا مالكا\rرضي الله تعالى عنه يشير إلى هذا بقوله فيما تقدم من عبارة المدونة فلا يأتي إليهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ما يلازم ذلك ا ه وإن مما يلازم الصلاة في مسجد المدينة المنورة زيارة قبره {صلى الله عليه وسلم} وأنه إذا قال\r","part":3,"page":137},{"id":858,"text":"علي أن آتي إلى المدينة ونوى زيارة قبره {صلى الله عليه وسلم} يجب عليه الإتيان إليها لذلك لأن الزيارة مستحبة والمستحب يجب بالنذر فاحفظ ذلك\rوما قاله في الفرق بعده وهو السادس والثلاثون والمائة صحيح إلا قوله وهي أن الله تعالى أمر عباده أن يتأدبوا معه كما يتأدبوا مع أماثلهم فإنه تشبيه لا أرتضيه وما قاله في الفرق بعده صحيح كله\rالفرق السادس والثلاثون والمائة بين قاعدة المنذورات وقاعدة غيرها من الواجبات المتأصلة في الشريعة\rوهو من وجهين أحدهما قصور مصلحة الواجب بالنذر عن مصلحة الواجب المتأصل في الشريعة لأن مصلحة الواجب بالنذر مصلحة المندوب والالتزام لا يغير المصالح وثانيهما إن سبب الواجب بالنذر لا يناسب الوجوب لكونه قد يعرى عن المصالح رأسا كطيران الغراب في نحو قوله إن طار الغراب فعلي صدقة درهم بخلاف الأسباب المقررة في أصل الشريعة يتضح لك هذا الفرق بأربع قواعد القاعدة الأولى إن الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد وكل من المصلحة والمفسدة إن كان في أدنى الرتب كان المرتب على المصلحة الندب وعلى المفسدة الكراهة وإن كان كل منهما في أعلى الرتب كان المرتب على المصلحة الوجوب وعلى المفسدة التحريم ثم أن كلا من مصلحة الندب ومفسدة الكراهة تترقى فيرتقي الندب بارتقاء مصلحته حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب ويرتقي المكروه بارتقاء مفسدته حتى يكون أعلى مراتب المكررة يلي أدنى مراتب التحريم فالمصلحة التي تصلح للندب لا تصلح للوجوب لا سيما إن كان الندب في الرتبة الدنيا فإن الشرع خصص المرتبة العليا من المصالح بالوجوب وحث عليها بالزواجر صونا لتلك المصلحة عن الضياع كما أن المفسدة التي تصلح للمكروه لا تصلح للتحريم لا سيما إن كان المكروه في الرتبة الدنيا فإن الشرع خصص المفاسد العظيمة\r","part":3,"page":138},{"id":859,"text":"بالزجر والوعيد حسما لمادة الفساد عن الدخول في الوجود تفضلا منه تعالى عند أهل الحق لا وجوبا عقليا كما قالت المعتزلة ولو شاء الله تعالى لم يرتب ذلك\rالقاعدة الثانية إن صاحب الشرع لم يجعل شيئا سبب وجوب فعل على المكلف إلا وذلك السبب مشتمل على مصلحة تناسب الوجوب فإن قصرت مصلحته عن ذلك جعله سبب الندب كما أنه لن يجعل شيئا سبب تحريم فعل على المكلف إلا وذلك السبب مشتمل على مفسدة تناسب التحريم فإن قصرت مفسدته عن ذلك جعله سبب الكراهة مثلا بذل الرغيف للجوعان المشرف على الهلاك واجب وسبب الوجوب الضرورة وهو مشتمل على حفظ حياته وهي مصلحة عظيمة تصلح للوجوب وبذل الرغيف لمن يتوسع به على عائلته من غير ضرورة مندوب إليه وسبب هذا الندب التوسعة فقط لا مع دفع ضرورة حتى تقتضي الوجوب وكذلك القول في بقية الأسباب الشرعية في بابي الأوامر والنواهي القاعدة الثالثة إن صاحب الشرع كما جعل الأحكام على قسمين قسم قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة خلقه كوجوب الصلاة والصوم في رمضان وغير ذلك وقسم وكل وجوبه إلى خيرة خلقه فإن شاءوا أوجبوه على أنفسهم بإنشاء سببه وهو النذر وإن شاءوا لم يفعلوا ذلك كذلك جعل الأسباب على قسمين قسم قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة المكلف كالزوال ورؤية الهلال وملك النصاب وغير ذلك وقسم وكله للعباد فإن شاءوا جعلوه سببا وإن شاءوا لم يجعلوه سببا وهو شرط النذور والطلاق والعتاق ونحوها فإنها أسباب من حيث إنها يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم كما هو حقيقة السبب\rالقاعدة الرابعة","part":3,"page":139},{"id":860,"text":"إن صاحب الشرع حصر ما وكل وجوبه إلى خيرة الخلق من قسمي الأحكام وهو النذر في المندوبات فلا يؤثر النذر الوجوب إلا في نقل مندوب ولم يحصر ما وكل جعله سببا إلى خيرة المكلف من قسمي الأسباب في شيء بل عمم ذلك في سائر الممكنات المستقبلات من الواجبات والمحرمات وغيرها مما ليس من المكتسبات كهبوب الرياح ونزول الأمطار مما ليس فيه حكم شرعي ولا اكتساب اختياري فأي ذلك شاء المكلف جعله سببا لوجوب منذور عليه أو لزم طلاق أو عتاق له فهذه الأسباب الموكول جعلها سببا إلى خيرة المكلف أشد بعدا عن القواعد من الأحكام الموكول وجوبها لخيرة الخلق وهو النذر مع بعد الأحكام في أنفسها عن القواعد أيضا لأن الأحكام وإن انتقلت فيها المندوبات للواجبات والمندوبات فيها أصل المصلحة إلا أنها بعدت أيضا بإقامة مصلحة الندب للوجوب عن قاعدة أن الأحكام تتبع المصالح على اختلاف رتبها كما هو عادة الله تعالى في الشرائع وأما الأسباب فقد يجعل المكلف ما هو عري عن المصلحة ألبتة كطيران الغراب وصرير الباب سببا لنذره مثلا على خلاف قاعدة أن الأسباب لا بد من أن تشتمل على مصلحة مسبباتها كأن يقول إن طار الغراب فعلي صدقة درهم أو امرأته طالق أو غير ذلك فيلزمه جميع ما علقه على ذلك المعلق عليه إذا وجد وما اقتضت الحكمة الإلهية اعتبار ما لا مصلحة فيه من الأسباب وإقامة مصلحة الندب للوجوب في النذر وخروج مسألة النذور عن القواعد من ذينك الوجهين إلا لأنها رجعت إلى القواعد من جهة أخرى فإن الأسباب يخلف بعضها بعضا فعظم المصلحة الذي هو سبب الوجوب في عادة الشارع وإن فقد هاهنا مع فقد المصلحة في سببه رأسا إلا أنه خلفه سبب آخر وهو معنى عظيم متحقق بأمرين أحدهما أن مصلحة أدب العبد مع الرب سبحانه وتعالى بحسن الوفاء فيما وعد ربه به لا سيما وقد\r","part":3,"page":140},{"id":861,"text":"التزمه وصمم عليه أعظم المصالح إذ لا مصلحة أعظم من الأدب حتى قال رويم لابنه يا بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح فإن كثير الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من كثير من العمل مع قلة الأدب وما ذلك إلا لأن الله تعالى لما كان لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية كان الممكن في عبادته تعالى هو الأدب وثانيهما إن صدق الوعد والوفاء بالالتزام من محاسن الأخلاق بين العباد وفي معاملة الملوك فلعظم المعنى في هذين الأمرين صح جعلهما سبب الوجوب بدلا من المصالح في أنفس الأفعال ولم يعر الوجوب هاهنا عن مصلحة تناسبه فكان على وفق القواعد وبهذا التقرير يظهر الفرق بين المنذورات والشروط كما يظهر الفرق بينهما وبين الواجبات الأصلية من جهة أن مداركها غير مدارك الأسباب والواجبات الأصلية وهي مصالح غير مصالح نفس الأفعال فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والثلاثون والمائة بين قاعدة ما يحرم لصفته وبين قاعدة ما يحرم لسببه\rوهو أن القاعدة أن كل ما حرم لصفته كالميتة حرمت لصفتها وهي اشتمالها على الفضلات المستقذرة والخمر حرم لصفته وهو الإسكار فلا يباح إلا بسببه كالإضرار ونحوه من الأسباب التي لا تباح الميتة إلا بها وكالغصة التي لا يباح الخمر إلا بها وما يباح لصفته كالبر ولحوم الأنعام وغير ذلك من المآكل والملابس والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا يحرم إلا بسببه كالغصب والسرقة والعقود الفاسدة ونحوها من أسباب تحريم المآكل والملابس والمساكن المباحة لصفاتها من المنافع والمصالح وذلك أن الله تعالى خلق متناولات البشر في هذا العالم على قسمين قسم يحرم لصفته وهو ما اشتمل على مفسدة\r","part":3,"page":141},{"id":862,"text":"تناسب التحريم فيحرم كالسموم تحرم لعظم مفسدتها والكراهة فيكره كسباع الطير أو الضبع من الوحش على الخلاف في ذلك وقسم يباح لصفته إما لاشتماله على المصلحة كالبر واللحم الطيب من الأنعام وإما لعدم مفسدته ومصلحته وهو قليل في العالم فلا يكاد يوجد شيء إلا وفيه مصلحة أو مفسدة نعم يمكن تنظيره بأكل شعرة من قطن أو نحو ذلك مما لا يظهر له أثر في جسد ابن آدم فالموجودات في هذا العالم إما حرام لصفته أو مباح لصفته والقاعدة المذكورة في الفرق انبنت على هذا والله أعلم\rالفرق الثامن والثلاثون والمائة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة تحريم سباع الطير\rمن حيث إن الفقهاء جزموا جميعا بتحريم أكل سباع الوحش وترددوا في تحريم أكل سباع الطير فمنهم من قال بالتحريم ومنهم من قال بالكراهة وسر الفرق هو أن فرط الظلم وقلة الرحمة متوفر في سباع الوحش أكثر منه في سباع الطير إذ هو في الأسد أعظم منه في العقاب والصقر وفي النمر والفهد أعظم منه في الضبع والنسر وغيرهما من الحدآت والغربان ونحوها فلما عظمت المفسدة والظلم في سباع الوحش بحيث إنها تثب على الحيوانات وثبا شديدا فتأكلها وتهلكها وتفسد أبنيتها بتمزيق أعضائها ولا تكترث بهلاكها ولا فساد أبنيتها ولا ما تجده من الألم في تمزيق أعضائها من غير توقف في ذلك على الحاجة بل شأنها ذلك لحاجة ولغير حاجة وقد أجرى الله عادته أن الأغذية تنقل خلق الحيوانات المأكولة لخلق الحيوان المتغذي به حتى يقال إن أربعا أكلت أربعا فأفادتها أربعا أكلت السودان\r","part":3,"page":142},{"id":863,"text":"القرود فأفادتها الرقص وأكلت الفرنج الخنازير فأفادتها عدم الغيرة وأكلت الترك الخيل فأفادتها القساوة وأكلت العرب لحوم الإبل فأفادتها الحقد أي والإيثار للضيف ما لم يحصل عند غيرهم من الأمم إذ كما أن شأن الجمل الحقد بحيث يأخذ ثأره ممن آذاه بعد مدة طويلة كذلك شأن الإبل الإيثار بأقواتها بحيث يجوع الجمع منها الأيام ثم يوضع لها ما تأكله مجتمعة فيضع كل منها فمه فيتناول حاجته من غير مدافعة بعضها بعضا بل معرضة عن ذلك وعن مقدار ما أكله غيرها مما يجاورها بخلاف غيرها من الحيوانات فإنها تقاتل عند الاعتداء على حوز الغذاء وتمنع من يأكل معها أن يتناول شيئا كما هو مشاهد في السباع والكلاب والأغنام وغيرها والقاعدة أن النواهي تعتمد المفاسد فما حرم الله تعالى شيئا إلا لمفسدة كما تقدم توضيح ذلك في الفرق السادس والثلاثين والمائة جزم الفقهاء بتحريم سباع الوحش لئلا يتناولها بنو آدم فتصير أخلاقهم مثل أخلاقهم فتعظم المفسدة ولما قصرت مفسدة سباع الطير عن ذلك تردد الفقهاء في تحريمها فمنهم من نهض عنده ذلك للتحريم دفعا لمفسدة سوء الأخلاق وإن قلت ومنهم من لم ينهض عنده ذلك للتحريم لخفة أمره فاقتصر به على الكراهة فهذا هو الفرق بين هاتين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم\rوكذلك ما قال في الفرق بعدهما وهو التاسع والثلاثون والمائة ما عدا قوله في انحصار المبتدأ في الخبر وما عدا قوله أن قول الحنفية يلزم فيه التعارض دون قول المالكية والشافعية وقد تقدم التنبيه على الأمرين في الفرق الثالث والستين\rالفرق التاسع والثلاثون والمائة بين قاعدة ذكاة الحيات وقاعدة ذكاة غيرها من الحيوانات\r","part":3,"page":143},{"id":864,"text":"قال العلامة ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد الحيوان في اشتراط الذكاة في أكله على قسمين القسم الأول حيوان لا يحل إلا بذكاة والقسم الثاني حيوان يحل بغير ذكاة واتفقوا على أن القسم الأول هو الحيوان البري ذو الدم الذي ليس بمحرم ولا منفوذ المقاتل ولا ميئوس منه بوقذ أو نطح أو ترد أو افتراس سبع أو مرض ومن القسم الثاني ما اتفقوا عليه وهو الحيوان البحري ومنه ما اختلفوا فيه وهو أربعة أنواع النوع الأول الحيوان الذي ليس بذي دم مما يجوز أكله مثل الجراد وغيره اختلفوا هل له ذكاة أم لا والنوع الثاني الحيوان ذو الدم الذي يكون تارة في البحر وتارة في البر مثل السلحفاة وغيره اختلفوا هل له ذكاة أم لا والنوع الثالث أصناف المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع التي نص عليها في آية التحريم اختلفوا في تأثير الذكاة فيها والنوع الرابع ما لا يحل أكله اختلفوا في تأثير الذكاة فيها أعني في تحليل الانتفاع بجلودها وسلب النجاسة عنها ا ه بتصرف وقاعدة تذكية الحيوان البري ذي الدم الذي ليس بمحرم إلخ أنها شرعت لقصد استخراج الفضلات المحرمات من أجسادها المحللة الأكل وهي الدماء والأخلاط كلها بأسهل الطرق على الحيوان كقطع الأوداج والحلقوم فإن قطع الأوداج خفيف على الحيوان في إخراج الفضلات المذكورة منها بالنسبة إلى التوسط أو ضرب العنق وقطع الحلقوم يوجب قطع النفس لأنه مجراه فيختنق الحيوان فيسرع إليه الموت وأما قاعدة تذكية الحيات التي في قول مالك في المدونة لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها جاز أكلها لمن احتاج إلى ذلك ا ه فتفارق القاعدة المذكورة من وجهين\rالوجه الأول\r","part":3,"page":144},{"id":865,"text":"في صفة الذكاة فإن معنى قول مالك رحمه الله موضع ذكاتها أن صفة ذكاة الحيات هو ما اختاره المتأخرون من الأطباء إذا أرادوا استعمالها في الترياق الفاروق أو لمداواة الجذام والعياذ بالله تعالى وهو أن تمسك الحية برأسها وذنبها من غير عنف حذرا من أن يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها فإذا أخذت كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح ثم تضرب بآلة وزبنة حادة كالقدوم الذي مثل الموسى في الحدآت وهي ممدودة على تلك الخشبة ويقصد بتلك الضربة آخر الرقبة والذنب من جهة رقبتها فإن بين رأسها ووسطها مقدارا رقيقا وبين ذنبها ووسطها مقدارا رقيقا فيتجاوز ذلك الرقيق من الجهتين حتى يصل المقدار الغليظ الذي في وسطها فلا يترك غيره بل يحاز الرقيقان إلى جهة الرأس والذنب ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة لأنه متى بقيت جلدة يسيرة لم تقطع مع الجملة قتلت آكلها لأن السم حينئذ يجري من جهة الرأس والذنب في تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسده الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها من الغضب عند الإحساس بألم الحديد الوجه الثاني في معنى الذكاة فإن الذكاة شرعت في الحيات لأجل السلامة من سم رأسها وذنبها لا لإخراج الفضلات المحرمات فإن الحيات لا يكاد يخرج منها دم عند ذكاتها ألبتة ولذلك تذكى من وسطها لا بقطع الأوداج والحلقوم وصل يتعلق بباب الذكاة ست مسائل أصول المسألة الأولى في بيان تأثير الذكاة في الأصناف الخمسة التي نص عليها في الآية المسألة الثانية في بيان تأثير الذكاة في الحيوان المحرم الأكل المسألة الثالثة في بيان تأثير الذكاة في المريضة المسألة الرابعة في بيان هل ذكاة الجنين ذكاة أمه أم لا المسألة الخامسة في بيان هل للجراد ذكاة أم لا المسألة السادسة في بيان هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة وفي البحر تارة ذكاة أم لا\rالمسألة الأولى\r","part":3,"page":145},{"id":866,"text":"قال ابن رشد الحفيد في البداية أما المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فإنهم اتفقوا فيما أعلم على أن الذكاة عاملة فيها إذا لم يصب لها مقتل وغلب على الظن أنها تعيش واختلفوا فيما إذا أصيب لها مقتل وغلب على الظن أنها لا تعيش فقال قوم تعمل الذكاة فيها وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قول الشافعي وقول الزهري وابن عباس وقال قوم لا تعمل الذكاة فيها\rوعن مالك في ذلك الوجهان ولكن الأشهر أنها لا تعمل في الميئوس منها وبعضهم أول في المذهب أن الميئوس منها على ضربين ميئوسة مشكوك فيها وميئوسة مقطوع بموتها وهي المنفوذة المقاتل على اختلاف بينهم أيضا في المقاتل قال فأما الميئوسة المشكوك فيها ففي المذهب فيها روايتان مشهورتان وأما المنفوذة المقاتل فلا خلاف في المذهب المنقول أن الذكاة لا تعمل فيها وإن كان يتخرج فيها الجواز على وجه ضعيف وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى إلا ما ذكيتم هل هو استثناء متصل فيخرج من الجنس بعض ما يتناوله اللفظ وهو الأصناف الخمسة المذكورة على عادة الاستثناء المتصل أم هو استثناء منفصل لا تأثير في الجملة المتقدمة كما هو شأن الاستثناء المنقطع في كلام العرب فمن قال إنه متصل قال الذكاة تعمل في هذه الأصناف الخمسة محتجا بإجماعهم على أن الذكاة تعمل في المرجو منها فيدل على أن الاستثناء له تأثير فيها فهو متصل ومن قال إنه منفصل\rقال الذكاة لا تعمل فيها محتجا بأن التحريم في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة لم يتعلق بأعيان هذه الأصناف الخمسة وهي حية لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها وبدليل قوله عليه الصلاة والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة وإنما يتعلق بها بعد الموت فمعنى الآية حرم عليكم لحم الميتة التي تموت من تلقاء نفسها فتسمى ميتة في أكثر كلام العرب أو بالحقيقة وكذلك لحم الميتة بهذه الأسباب المذكورة في\r","part":3,"page":146},{"id":867,"text":"الأصناف الخمسة قالوا فلما علم أن المقصود تعليق التحريم بأعيان هذه الأصناف بعد الموت لا في حال الحياة وجب أن يكون قوله تعالى إلا ما ذكيتم استثناء منفصلا لكن الحق في ذلك أن الواجب كيف ما كان الاستثناء أن تكون الذكاة تعمل فيها وذلك أنه إن علقنا التحريم بهذه الأصناف في الآية بعد الموت وجب أن تدخل الأصناف الخمسة في التذكية حال الحياة لأنها ما دامت حية مساوية لغيرها في ذلك لا فرق في وجوب دخولها حينئذ بين كون الاستثناء منفصلا أو متصلا إذ لا خفاء بوجوب ذلك إن قلنا إن الاستثناء متصل بل يحتمل أن يقال إن عموم التحريم يمكن أن يفهم منه تناول أعيان هذه الخمسة بعد الموت وقبله كالحال في الخنزير الذي لا تعمل فيه الذكاة فيكون الاستثناء على هذا رفعا لتحريم أعيانها بالتنصيص على عمل الذكاة فيها وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم ما اعترض به ذلك المعترض من الاستدلال على كون الاستثناء منفصلا\rوأما من فرق بين المنفوذة المقاتل والمشكوك فيها فيحتمل أن يقال إن مذهبه أن الاستثناء منفصل وأنه إنما جاز تأثير الذكاة في المرجوة بالإجماع وقاس المشكوكة على المرجوة ويحتمل أن يقال إنه استثناء متصل ولكن استثناء هذا الصنف أعني المنفوذة المقاتل بالقياس وذلك أن الذكاة إنما يجب أن تعمل في حين يقطع أنها سبب الموت فأما إذا شك هل كان موجب الموت الزكاة أو الوقذ أو النطح أو سائرها فلا يجب أن تعمل في ذلك وهذه هي حالة المنفوذة المقاتل وله أن يقول إن المنفوذة المقاتل في حكم الميتة والذكاة من شرطها أن ترفع الحياة الثابتة لا الحياة الذاهبة ا ه بتلخيص\rالمسألة الثانية\r","part":3,"page":147},{"id":868,"text":"قال ابن رشد الحفيد في البداية أيضا وأما هل تعمل الذكاة في الحيوانات المحرمات الأكل حتى تطهر بالذكاة جلودها فإنهم اختلفوا في ذلك فقال مالك الذكاة تعمل في السباع وغيرها ما عدا الخنزير وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اختلف المذهب في كون السباع فيه محرمة أو مكروهة وقال الشافعي الذكاة تعمل في كل حيوان محرم الأكل فيجوز بيع جميع أجزائه والانتفاع بها ما عدا اللحم وسبب\rالخلاف هل جميع أجزاء الحيوان تابعة للحم في الحلية والحرمة أم ليست تابعة للحم فمن قال إنها تابعة للحم قال إذا لم تعمل الذكاة في اللحم لم تعمل فيما سواه ومن قال إنها ليست بتابعة\rقال إنها تعمل في سائر أجزائه وإن لم تعمل في لحمه لأن الأصل أنها تعمل في جميع أجزائه فإذا ارتفع بالدليل المحرم للحم عملها في اللحم بقي عملها في سائر الأجزاء حتى يدل الدليل على ارتفاعه فيها أيضا ا ه\rفرع\r","part":3,"page":148},{"id":869,"text":"قال صاحب البيان قال ابن القاسم الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصل راحتها من العذاب وقيل تعقر لئلا يغري الناس ذبحها على أكلها وقال ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه عليه السلام عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة فإذا تركها صاحبها لذلك فعلفها غيره ثم وجدها قال مالك هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها لإعراض المالك عنها أفاده الأصل المسألة الثالثة قال ابن رشد الحفيد في البداية وأما تأثير الذكاة في البهيمة التي أشرفت على الموت من شدة المرض فإنهم اختلفوا فيه بعد اتفاقهم على عمل الذكاة في التي لم تشرف على الموت فالجمهور على أن الذكاة تعمل فيها وهو المشهور عن مالك وروي عنه أن الذكاة لا تعمل فيها وسبب الخلاف معارضة القياس للأثر فأما الأثر فهو ما أخرجه البخاري ومسلم أن أمة لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال كلوها وأما القياس فلأن المعلوم من الذكاة أنها إنما تفعل في الحي وهذه في حكم الميت واتفق كل من أجاز ذبحها على أن الذكاة لا تعمل فيها إلا إذا كان فيها دليل على الحياة واختلفوا فيما هو الدليل المعتبر في ذلك فبعضهم اعتبر الحركة وبعضهم لم يعتبرها والأول مذهب أبي هريرة والثاني مذهب زيد بن ثابت وبعضهم اعتبر فيها ثلاث\rحركات طرف العين وتحريك الذنب والركض بالرجل وهو مذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وهو الذي اختاره محمد بن المواز وبعضهم شرط مع هذه التنفس وهو مذهب ابن حبيب ا ه\rالمسألة الرابعة\r","part":3,"page":149},{"id":870,"text":"قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل تعمل ذكاة الأم في جنينها أم لا تعمل فيه فإنهم اختلفوا في ذلك فذهب جمهور العلماء إلى أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إن خرج حيا ذبح وأكل وإن خرج ميتا فهو ميتة وبعض من قال إن ذكاة الأم ذكاة له اشترط في ذلك تمام خلقته ونبات شعره وبه قال مالك وبعضهم لم يشترط ذلك وبه قال الشافعي وسبب اختلافهم في صحة الأثر الذي رواه أبو سعيد في ذلك فقال سألنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن البقرة أو الناقة أو الشاة ينحرها أحدنا فنجد في بطنها جنينا أنأكله أم نلقيه فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه وخرج مثله الترمذي وأبو داود عن جابر مع مخالفته للأصول فأما اختلافهم في صحته فبعضهم لم يصححه وبعضهم صححه ومنهم الترمذي وأما مخالفة الأصل في هذا الباب للأثر فهو أن الجنين إذا كان حيا ثم مات بموت أمه فإنما يموت خنقا فهو من المنخنقة التي ورد النص بتحريمها وإلى تحريمه ذهب أبو محمد ابن حزم ولم يرض سند الحديث وأما سبب اختلاف القائلين باشتراط نبات الشعر في حيته وعدم اشتراطه فمعارضة العموم للقياس\rوذلك أن عموم قوله عليه السلام ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي أن لا يقع هنالك تفصيل وكونه محلا للذكاة يقتضي أن يشترط فيه الحياة قياسا على الأشياء التي تعمل فيها التذكية والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم حلقه ويعضد هذا القياس أن هذا الشرط مروي عن ابن عمر وعن جماعة من الصحابة وروى معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقولون إذا شعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وروى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أن ابن أبي ليلى سيئ الحفظ عندهم ولكن القياس يقتضي أن\r","part":3,"page":150},{"id":871,"text":"تكون ذكاته في ذكاة أمه من قبل أنه جزء منها وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لاشتراط الحياة فيه فيضعف أن يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس الأول الذي تقدم ذكره عن أصحاب مالك ا ه\rوقال الأصل قال أصحابنا إذا لم تجر في الجنسين حياة لم تصح فيه ذكاة لا من قبله ولا من قبل أمه ولا يؤكل وإن جرت فيه الحياة وعلامة ذلك عندنا كمال الخلق ونبات الشعر فإن ذكيت الأم وخرج حيا ثم مات على الفور كرهه ابن المواز ووقع في الجلاب تحريمه وإن استهل صارخا انفرد بحكم نفسه وإن لم تذك الأم وألقته ميتا أو حيا حياة لا يعيش معها علم ذلك أو شك فيه لم يؤكل\r","part":3,"page":151},{"id":872,"text":"وإن ذكيت الأم فخرج ميتا فذكاتها ذكاته وقاله الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة لا بد له من ذكاة تخصه ولا يكفي فيه ذكاة أمه ومنشأ الخلاف أما من حيث القواعد فلأن ذكاة أمه تسرع زهوق نفسه بسهولة فإنه كالجزء منها فلا يحتاج إلى ذكاة أو يلاحظ أنه حيوان مستقل الأعضاء والفضلات فيحتاج إلى ذكاة تخصه وموته بموت أمه موت له بالغم والآفات الحاصلة له في محله والموت بذلك لا يبيح في غير صورة النزاع فكذلك في صورة النزاع وأما من حيث النص فقوله عليه السلام ذكاة الجنين ذكاة أمه خرجه أبو داود وقد مر في الفرق الثالث والستين أنه روي برفع الذكاة الثانية وبها تمسك المالكية والشافعية في قولهم باستغناء الجنين عن الذكاة وأنه يؤكل بذكاة أمه من حيث إنها تقتضي حصر ذكاته في ذكاة أمه بمعنى أن ذكاة أمه تبيحه فيستغني بها عن الذكاة التي هي في العرف الشرعي عبارة عن الذبح الخاص في حلقه فبينه وبين أمه ملابسة تصح أن تكون ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا بناء على قاعدة أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال في أنه يكفي في كونها حقيقة لغوية أدنى ملابسة كقولنا صوم رمضان وحج البيت بخلاف إسناد الأفعال فإنه يلزم لكونه حقيقة مراعاة الفاعل الحقيقي لا مطلق ملابس وروي بنصب الذكاة الثانية وبهذه الرواية تمسك الحنفية في قولهم باحتياج الجنين للذكاة\rوأنه لا يؤكل بذكاة أمه\r","part":3,"page":152},{"id":873,"text":"بناء على أن التقدير ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه على قاعدة حذف المضاف مع أنه يمكن أن يكون التقدير على رواية النصب ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فخذف حرف الجر فانتصب الذكاة على أنه مفعول على حد دخلت الدار بل هذا التقدير أرجح مما قدره الحنفية بوجهين أحدهما قلة الحذف وثانيهما الجمع بين الروايتين ودفع التعارض بينهما ا ه بتلخيص وإصلاح قال ابن الشاط وما ذكره من أن الحديث يقتضي الحصر واستغناء الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم وما قاله من ترجيح التقدير على مذهب المالكية والشافعية بقلة الحذف وإن سلم إلا أنه يضعف بأنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه كما أن التقدير على قول الحنفية وإن ضعف بكثرة الحذف إلا أنه يرجح بأنه من مقتضى مساق الكلام وما قاله من ترجيح التقدير على ما للمالكية والشافعية بالجمع لا يتم إلا إذا تعذر الجمع على ما للحنفية مع أن الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول فتأمل\rالمسألة الخامسة\rقال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل للجراد ذكاة أم لا فقال مالك لا يؤكل من غير ذكاة وذكاته عنده هو أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك وقال عامة الفقهاء يجوز أكل ميتته وبه قال مطرف وذكاة ما ليس بذي دم عند مالك كذكاة الجراد وسبب اختلافهم في ميتة الجراد هو هل يتناوله اسم الميتة أم لا في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وللخلاف سبب آخر وهو هل نثرة حوت أو حيوان بري ا ه\r","part":3,"page":153},{"id":874,"text":"وقال الأصل لم يشترط الذكاة في الجراد وغيره مما ليس له نفس سائلة من لاحظ عدم الفضلات فيها بل جعل استخراج الفضلات أصلا وإراحة الحيوان تبعا وأجاز ميتة ذلك كله وهو ظاهر حديث أنه عليه السلام قال أحلت لنا ميتتان ودمان فالدمان الكبد والطحال والميتتان السمك والجراد وأما من لاحظ سرعة زهوق الروح وجعله أصلا في نفسه فإنه لم يجزها إلا بذكاة وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى\rا ه\rالمسألة السادسة قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة وفي البحر تارة ذكاة أم لا فقد غلب قوم فيه حكم البر وآخرون حكم البحر واعتبر آخرون حيث يكون عيشه ومتصرفه منهما غالبا ا ه\rوقال الأصل من لاحظ قاعدة إلحاق النادر بالغالب في الشريعة أسقط ذكاة ما يعيش في البر من دواب البحر كالتمساح والترس وغيرهما نظرا لغالبه فإنه لا يعيش في البر وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله ومن لاحظ قاعدة تذكية الحيوان وجعل ميتة البحر على خلاف الأصل لم يسقط الذكاة في هذا النوع ويؤيده قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وهذه ميتة إلا أن يلاحظ قاعدة حمل اللفظ العام على سببه دون عمومه فيختص بالميتة التي وردت الآية فيها وهي الميتة التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري ويقولون\r","part":3,"page":154},{"id":875,"text":"تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ا ه تنبيهان الأول ما ذكر من أن المقصود في الذكاة القصد إلى استخراج الدم الحرام المستخبث من اللحم الحلال الطيب بأسهل الطرق على الحيوان إنما يتيسر في الحيوان الإنسي المقدور عليه أما الوحشي فقد تعذر فيه استخراج الدم وسهولة الطريق ولم يبق إلا القصد والآلة ونزل السهم منزلة المدية لضرورة الفرار والتوحش فهو أي السهم في الرتبة الثانية ويليه في الرتبة الثالثة الجارح لأن له اختيارا يبعد بسببه عن كونه آلة لأنه يجوز لنفسه لكن عارض كونه مختارا عدم العقل فيه فعدم عقله مخل باختياره مضافا إلى التعليم الحاصل فيه والأوهام التي حصلها فيه الآدمي بسبب التعليم والسياسة الخاصة فصار ذلك مقربا لكونه آلة له ولذلك لا يصلح أن يكون المجوسي آلة لعقله وكمال اختياره وإن كان الله تعالى جعل ذبيحته ميتة كافتراس الوحوش كما جعل نساءهم كالبهائم يحرم وطؤهن بسبب عدم تعظيمهم الكتب الآلهية والرسل الربانية فاهتضموا إلى حيث جعلوا كالبهائم وميز أهل الكتاب عليهم لتعظيمهم الرسل والرسائل من حيث الجملة التنبيه الثاني قال ابن رشد الحفيد في البداية اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح وأن من سنة الغنم والطير الذبح وأن من سنة الإبل النحر وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير ولا الذبح في الإبل إلا في موضع الضرورة وقال قوم يجوز جميع ذلك من غير كراهة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة العلماء وقال أشهب إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أكل ولكنه يكره وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم فأما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا وأما","part":3,"page":155},{"id":876,"text":"الفعل فإنه ثبت أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نحر الإبل والبقر وذبح الغنم وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وعلى ذبح الغنم لقوله تعالى في الكبش وفديناه بذبح عظيم ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الأربعون والمائة بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجازة والفسخ وبين قاعدة طلاقهم فإنه لا ينعقد مع أن كلا من النكاح والطلاق سبب لشيء فالنكاح سبب للإباحة والطلاق سبب للبينونة فهما من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف فقد تقدم أن خطاب الوضع هو الخطاب بالأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية وتقدم بسطها وأنها لا يشترط فيها التكليف ولا العلم ولذلك نوجب الضمان على الصبيان والمجانين ونطلق بالإعسار وإن كان معجوزا عنه وغير مشعور به وكذلك بالإضرار بالأنساب وإن لم يشعر به الوارث ولا هو من مقدوره فإن معنى خطاب الوضع أن صاحب الشرع قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني قد حكمت بهذا فكان لا ينبغي أن ينعقد طلاق الصبيان كما انعقدت أنكحتهم إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجازة والفسخ ولا يفرق بينهما كما أنهم لم يفرقوا بين كون إتلاف الصبي سببا لضمانه وعقد البيع سببا للزوم البيع ولا بين غير ذلك من الأسباب الفعلية والقولية إلا أن العلامة الأمير في ضوء الشموع ذكر سر الفرق بينهما بقوله إنما صح نكاح الصغير وتوقف على النظر ولم يصح طلاقه أصلا لأن الطلاق كما قال المشذالي من قبيل\rالحدود ولذلك تشطر على العبد وفي القرآن بعد ذكر الطلاق تلك حدود الله ولا حد على الصبي والنكاح من عقود المعاوضات فينظر الولي الأصلح\r","part":3,"page":156},{"id":877,"text":"ا ه بلفظه وهو أولى مما قاله الأصل في سر الفرق هنا من أن عقد الأنكحة سبب إباحة الوطء وهو أصل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم لأنهما تكليف ومشقة من جهة لزوم استحقاق العقاب المحمول عن الصبيان لضعف عقولهم والطلاق سبب تحريم الوطء بإسقاط العصمة في الزوجة والصبي ليس أهلا للتحريم فلذا لم ينعقد الطلاق سببا في حقه فهما وإن اشتركا في أنهما سببان وخطاب وضع إلا أن أحدهما وهو الطلاق لما انضاف إليه تكليف دون الآخر انتفى عنه دونه الانعقاد في حقه والإتلاف وإن انعقد في حقه سببا لوجوب الضمان والوجوب تكليف حتى أنه يجب على الولي الإخراج من مال الصبي المتلف فإن تأخر ذلك البلوغ وجب على الصبي في ماله وخوطب هو حينئذ إلا أن تأخير مسبب الإتلاف عنه إلى بعد البلوغ عند حصول أهلية التكليف على خلاف القواعد ولم يتعين لإمكان الإخراج حالة الإتلاف من مال الصبي أو ممن يتبرع به عنه بل هذا هو الغالب والعجز عن إخراج الضمان من ماله في الحال نادر فألحق بالغالب وانعقد الإتلاف سببا مطلقا وأما الطلاق فإنه لو انعقد في حقه لكان يتعين تأخير التحريم فيه الأمد الطويل والسنين الكثيرة إلى حين البلوغ على خلاف القواعد فلا جرم لم ينعقد في حقه ا ه\rلقول العلامة ابن الشاط فيما فرق به هنا نظر\rا ه قلت ولعل وجهه ما قدمناه عنه في الفرق السادس والعشرين وغيره من أن التكليف بعينه مشقة لأنه منع الإنسان من الاسترسال مع دواعي نفسه وهو أمر نسبي وبهذا الاعتبار سمي تكليفا وهذا المعنى موجود في جميع أحكامه حتى الإباحة وذلك لأن القاعدة المقررة كما في الموافقات أن الشرائع إنما جيء بها لمصالح العباد فالأمر والنهي والتخيير جميعا راجعة إلى حظ المكلف ومصالحه لأن الله تعالى غني عن الحظوظ منزه عن الأعراض غير أن الحظ إن أخذه العبد من جهة الطلب\r","part":3,"page":157},{"id":878,"text":"فقط كالواجب والمحرم لم يكن ساعيا في حظه وإن لم يفته حظه وإن أخذه من حيث باعث نفسه فإما أن يطلبه مع ذلك من جهة كونه داخلا تحت الطلب أيضا كالمندوب والمكروه فيلحق بما قبله في التجرد عن الحظ ويسمى باسمه وإما أن يطلبه من جهة كونه غير داخل تحت الطلب كالمباح فلا يكون آخذا له إلا من جهة إرادته واختياره لأن الطلب مرفوع عنه بالفرض فلهذا يقال إن المباح هو العمل المأذون فيه المقصود به مجرد الحظ الدنيوي خاصة إلا أنه لم يتم فيه الحظ المذكور من جميع الوجوه بواسطة الحجر عن الاسترسال فيه وفي غيره إلا بمقتضى الإذن لم يخل عن كلفة ومشقة وقد تقدم في الفرق المذكور أيضا عن العلامة الأمير أن التكليف كما يفسر بإلزام ما فيه كلفة فلا يشمل الندب والكراهة كذلك يفسر بالطلب فيشملهما وعلى الأول يظهر ما رجحه المالكية من تعلق الندب والكراهة بالصبي كأمره بالصلاة لسبع من الشارع بناء على أن الأمر بالأمر أمر وأما الإباحة فليست تكليفا عليها وعدها في أحكامه إما تغليبا وإما لأنها لا تتعلق إلا بالمكلف لما صرح به في أصول الفقه من أن أفعال الصبي ونحوه كالبهائم مهملة ولا يقال إنها مباحة إذ المباحة ما لا إثم في فعلها ولا في تركها ولا ينفى الشيء إلا حيث يصح ثبوته\rا ه فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والأربعون والمائة بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة وهم أخو الأم وعم الأم وجد الأم وبنو الأخوات والبنات والعمات ونحوهم ممن يدلي بأنثى وبين قاعدة العصبة فإنهم يلون العقد في النكاح وهم الآباء والأبناء والجدود والعمومة والإخوة الشقائق وإخوة الأب وهو أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه من لم يكن له نسب كذوي الأرحام وإنما يدخل فيه من يكون له نسب حتى تحصل الحكمة لمحافظته على مصلحة نفسه\r","part":3,"page":158},{"id":879,"text":"فذلك يكون أبلغ في اجتهاده في نظره في تحصيل الإكفاء ورده العار عن النسب وخالف الشافعي رضي الله تعالى عنه في الابن فقال لا ولاية له محتجا على ذلك بثلاثة وجوه\rأحدها\rقول النبي {صلى الله عليه وسلم} أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها فنكاحها باطل والابن لا يسمى مولى وثانيها أنه يدلي بها فلا يزوجها كتزويجها لنفسها فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل ولما أدلى بها صار في معناها وثالثها أنه شخص لا تصح من أبيه الولاية فلا تصح منه كابن الخال مع الخال والجواب عن الثلاثة الوجوه أما عن الأول فبوجهين الأول أن الحديث كما روي بغير إذن مواليها كذلك روي بغير إذن وليها والابن ولي أمه لأن الولاية من القرب لقول العرب هذا يلي هذا أي يقرب منه ولا شك أن ابنها أقرب إليها من غيره لأنه جزؤها وجزء الشيء أقرب إليه من الأمور الخارجة عنه الوجه الثاني أن المولى في الحديث على روايته بغير إذن مواليها لا نسلم أن المراد به خصوص السيد حتى يصح أن يقال لا يسمى الابن مولى بل المولى له معان كثيرة في لسان العرب فيحتمل أن يكون المراد به في الحديث منها الناصر بقوله تعالى فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين أي ناصره وقوله تعالى وأن الكافرين لا مولى لهم أي لا ناصر لهم وهو كثير والابن ناصر أمه فيكون هو مولاها بل هذا الاحتمال أولى لأن فيه جمعا بين الروايتين وأما عن الثاني فبالفرق بقوة عقله الناشئ عن الذكورية وضعف عقلها الناشئ عن الأنوثة وأما عن الثالث فبأنه جزء منها\rفيتعلق به عارها بخلاف أبيه وابن الخال فإن ابن الخال بعيد عنها لا تنكيه فضيحتها كما تنكي ابنها بل يجب أن يكون الابن مقدما على جميع الأولياء حتى الأب لأنه جزؤها وجزؤها أمس بها من الأمور الخارجة نعم في شب أن أب المجنونة مقدم في الجبر على ابنها والابن مقدم عليه في الولاية\r","part":3,"page":159},{"id":880,"text":"ا ه لكنه غير المعقول إلا أن يؤول بأن في سببيته أي مقدم بسبب الجبر على ابن المجنونة والابن من زنى مثلا لأن الجبر ولاية وزيادة فلا يلزم أن الابن له جبر والابن مقدم في الولاية التي لا جبر فيها وهي الآتية في العصبات أفاده الأمير في شرح المجموع وضوء الشموع والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج وسياسة الخصوم وأضبط للفقه وفي الحروب من هو أعرف بمكايدها وسياسة الجند أو الجيوش وفي الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه وفي أمانة الحكم على الأيتام من هو أعرف بتنمية الأموال ومقادير النفقات والكلف والجدال في الخصام ليناضل عن الأيتام وفي سعاية الزكاة من هو أعرف بنصابها والواجب فيها وأحكام الزكاة من الاختلاط والافتراق وأقوى خرصا للثمار وربما كان المقدم في باب مؤخرا في باب آخر كما قدم الرجال في الحروب والإمامة وأخروا في الحضانة فإن مزيد إنفاقهم يمنعهم من تحصيل مصالح الأطفال وأخر النساء في الحروب والإمامة وقدمن في الحضانة عليهم فإنهن بسبب مزيد شفقتهن وصبرهن على الأطفال أكمل فيها منهم فلهذه القاعدة يقدم كل ولي تكون صفته أقرب على غيره من الأولياء لأن صفة أقربيته تكون حاثة على حسن النظر أكثر من غيره ونحن نعلم بالضرورة أن ابن الإنسان أشفق عليه من ابن عمه لا سيما إذا بعد وفي بداية المجتهد أن الشافعي اعتبر أن الولد ليس من عصبتها لحديث عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان ولم يعتبره مالك في الابن لحديث أم سلمة أن النبي {صلى الله عليه وسلم} أمر ابنها أن ينكحها إياه ولأنهم اتفقوا أعني مالكا والشافعي على\rأن الابن يرث الولاء الواجب للأم والولاء للعصبة ا ه\rفافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":160},{"id":881,"text":"الفرق الثاني والأربعون والمائة بين قاعدة الأجداد في المواريث يسوون بالإخوة وبين قاعدتهم في النكاح وميراث الولاء وصلاة الجنازة تقدم الإخوة عليهم مشهور المذهب أن ترتيب العصبة في غسل الميت وفيما إذا وصى لأقرب عصبة وفي ميراث الولاء وفي صلاة الجنازة وفي النكاح وفي تكميل عدد العاقلة هكذا ابن وإن سفل فأب فأخ فابنه فجد أدنى فعم أدنى فابنه فأبو الجد فعم الأب وهكذا يقدم الأصل على فرعه والفرع على أصل أصله وابن الأخ الشقيق على ابن الأخ للأب كما في المجموع ومقابل المشهور كما في ضوء الشموع قول المغيرة يقدم الجد على الأخ لأنه أب\rا ه وفي بداية المجتهد وروي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو أحسن وقال أيضا الجد أولى من الأخ وبه قال المغيرة وخالف الشافعي مالكا في ولاية البنوة فلم يجزها أصلا بل قال لا ولاية للابن وفي تقديم الإخوة على الجد ا ه\rوترتيبهم في الحضانة أن يتوسط الأجداد بين الإخوة وأبنائهم وفي المواريث واستيفاء الدم من الجاني أن يسوى الأجداد بالإخوة بأن يقدم الأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم وما أحسن قول عج رحمه الله تعالى بغسل وإيصاء ولاء جنازة نكاح أخا وابنا على الجد قدم وعقل ووسطه بباب حضانة وسوه مع الأباء في الإرث والدم ومراده بالآباء الإخوة دون أبنائهم قال الأصل وسر الفرق بين المواريث وبين الأبواب الثلاثة أعني النكاح وميراث الولاء ومنه الإيصاء وتكمل عدد العاقلة وصلاة الجنازة ومنه غسل الميت هو أنه وإن كانت العمدة في هذه الأبواب الأربعة من أن حجة الجد في باب المواريث أن يقول أنا أبو أبيه والأبوة\r","part":3,"page":161},{"id":882,"text":"مقدمة على الأخوة قطعا ومن حجة الأخ في ذلك الباب أن يقول من حيث إنه يدلي بالبنوة عارضها في باب ابن أبيه والبنوة مقدمة على الأبوة قطعا فقد حجب الابن الأب عن جملة المال إلى سدسه إلا أن حجة الأخوة بالبنوة لما عارضها في باب ميراث النسب وجهان لم تحصل معارضتهما لهما في الثلاثة الأبواب الأخر أحدهما أن الجد يسقط الإخوة للأم به ولا تقدر الإخوة أشقاء كانوا أو لأب على ذلك وثانيهما أن الجد يرث مع الابن بخلاف الإخوة أما الثاني فظاهر وأما الأول فبسبب أن الإخوة للأم لا مدخل لهم في ولاية النكاح ولا في ميراث الولاء ولا في صلاة الجنائز لاختصاص هذه الأبواب بالعصبة وأخ الأم خارج عن العصبة وحينئذ لم يكن لقول الجد للإخوة أنتم عاجزون عن دفع هؤلاء وأنا لا أعجز عن دفعهم وإذا لم يمكن أن يعارضهم بذلك بقيت حجة الأخوة بالبنوة وتقديمها على الأبوة سالمة عن المعارض فقدموا في الأبواب الثلاثة بخلاف ميراث النسب\rا ه بتصرف وتوضيح للمراد وسلمه ابن الشاط قلت ويبقى سر الفرق بين باب الحضانة وبين الأبواب الأربعة مفتقرا للبيان ويخلق ما لا تعلمون فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح وذلك أن الأصل قال لم أجد لمالك ولا لأصحابه نصا في أن الوكيلين إذا باع أحدهما بعد الآخر سلعة\r","part":3,"page":162},{"id":883,"text":"واتصل بالثاني تسليم انعقد عقده وفات عقد الأول بل إنما قالوا النافذ من البيعين هو الأول مطلقا نعم وقع لمالك في المدونة والجلاب أن الوكيل والموكل خاصة إذا باع أحدهما بعد الآخر انعقد عقد السابق إلا أن يتصل بالثاني تسليم فقال الأصحاب هذا قياس على مسألة الوليين تجعل المرأة أمرها لهما فيزوجاها من رجلين كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف إلا أن يدخل بها الأخير فهو أحق بها لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك ومذهب مالك رحمه الله تعالى أن يقول الصحابي الواحد كما يصلح للترجيح كذلك يصلح للاستقلال فيكون حجة على غيره من غير الصحابة لحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم رواه ابن ماجه وهو كذلك عند الشافعي في القديم وعلى قوله الجديد يصلح للترجيح لا للاستقلال فليس بحجة على غيره من الصحابة اتفاقا ولا على غيره من غير الصحابة كما في شرح الحطاب على ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه مع المتن وقال ابن عبد الحكم لا عبرة بالتسليم بل إنما ينعقد عقد الأول والفرق بين مسألة الوليين في النكاح ومسألة الوكيل وموكله في البيع أن كشف النكاح مضرة عظيمة بخلاف البيع وهذا هو الصحيح والتخريج مع قيام الفارق باطل إجماعا فلو رام مخرج تخريج الوكيلين على الموكل والوكيل على ما لمالك في المدونة والجلاب لتعذر ذلك بسبب الفرق أيضا وهو أن الموكل له التصرف بطريق الأصالة والوكيل له التصرف بطريق النيابة فهو فرع فإن تأخر عقده\r","part":3,"page":163},{"id":884,"text":"ووقع التسليم في عقد الموكل أمكن أن يقول مالك ذلك عندي مضاف للتسليم وكونه متصرفا بطريق الأصالة والأصالة لها قوة وله أيضا قوة العزل والتصرف بنفسه وهو معنى مناسب مفقود في الوكيلين فإن كليهما فرع لا أصالة له فلا ينعقد عقد اللاحق منهما مطلقا اتصل به قبض أم لا ومهما وجدنا معنى يمكن أن يلاحظه الإمام امتنع التخريج على محل ذلك الفارق كما أن المجتهد إذ وجد معنى يمكن أن يكون فارقا امتنع عليه القياس فالمقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الشارع والوليان في النكاح وإن كانا فرعين لا متأصل فيهما إلا أن المرأة في النكاح لما كان يتعذر عليها الاستقلال سقط اعتبار التأصل فيها بخلاف الموكل في البيع فإنه لما كان يمكن استقلاله أمكن أن يكون إمكان استقلاله فرقا يلاحظه الإمام فيتعذر التخريج والصواب عدم التخريج مطلقا في الموكل والوكيل والوكيلين أيضا فتكون قاعدة الوكيلين والموكل والوكيل عند مالك تخالف قاعدة مسألة الوليين والسبع المسائل نظائرها عنده في أن دخول الأخير بالمرأة فيها يفيتها على من قبله\rالمسألة الأولى\rامرأة المفقود تتزوج بعد الأجل المضروب فإن قدم قبل الدخول بها فهو أحق بها وإلا فاتت عليه بالدخول المسألة الثانية المرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج ثم ثبتت رجعة الأول فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحق بها وألغيت الرجعة لقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بذلك وأفاتاها بالدخول المسألة الثالثة قال مالك في المدونة إذا طلق زوج الأمة الأمة طلاقا رجعيا فراجعها في السفر فلم\rتعلم بذلك فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع عدم علمه بالرجعة كان وطء السيد مفيتا لها كالوطء بالزوج\rالمسألة الرابعة\r","part":3,"page":164},{"id":885,"text":"امرأة الرجل يرتد فيشك في كفره بالأرض البعيدة هل هو إكراه أو اختيار ثم تبين أنه إكراه وقد تزوجت امرأته بناء على ظاهر كفره فإن دخل بها الثاني فهو أحق بها وإن لم يدخل بها فهي للأول المسألة الخامسة الرجل يسلم على عشر نسوة فاختار منهن أربعا فوجدهن ذوات محارم فإنه يرجع ويختار من البواقي ما لم يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن فمن دخل بها فات الأمر فيها بالدخول ومن لم يدخل بها كان له أخذها وقيل لا يفيتهن الدخول المسألة السادسة المرأة تطلق للغيبة ثم يقدم بحجة فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتت عليه وإن لم يدخل بها لم تفت عليه المسألة السابعة المرأة تسلم وزوجها كافر فيفرق بينهما ثم يبين تقدم إسلامه عليها فتفوت عليه إن تزوجت ودخل بها وإن لم يدخل بها لم تفت عليه وتخالف هذه القاعدة أعني قاعدة مسألة الوليين ونظائرها السبع أربع مسائل في المذهب أيضا الأولى المرأة ينعى لها زوجها ثم يتبين حياته وقد تزوجت فإنها لا يفيتها الدخول وقيل يفيتها الدخول الثانية المطلقة بسبب الإعسار للنفقة ثم يتبين أنها أسقطتها عنه قبل ذلك وقد تزوجت فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني الثالثة الرجل يقول عائشة\rطالق وله امرأة حاضرة اسمها عائشة وقال لم أردها ولي امرأة أخرى تسمى عائشة ببلد آخر وهي التي أردت فإنها تطلق عليه هذه الحاضرة لأن الأصل عدم امرأة أخرى فإن تبين صدقه وقد تزوجت ودخل بها زوجها ردت إليه ولا يفيتها الدخول\rالرابعة\r","part":3,"page":165},{"id":886,"text":"الأمة تعتق وتختار نفسها وتتزوج ويدخل بها زوجها ثم تبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها الدخول وسوى الشافعي رضي الله عنه بين القاعدتين في اعتبار العقد السابق في بابي البيع كالنكاح في جميع مسائله والعقد الذي بعده باطل حصل دخول أم لا وهو القياس فإن من شرط عقد النكاح أن تكون خالية عن زوج وهذه ذات زوج فلا يصح العقد عليها إلا أن مالكا رحمه الله تعالى اعتمد على قضاء عمر رضي الله عنه في مسألة الوليين وقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في مسألة الرجعة وأفاتوا المرأة بالدخول وهذا مدرك عنده لا عند الشافعي كما تقدم فيحتاج على مذهب مالك لأمرين الأمر الأول بيان سر الفرق المقصود بين القاعدتين بأنا أجمعنا على الأخذ بالشفعة وهو إبطال أثر العقد السابق وتسليط الشفيع على إبطاله لأجل الضرر الداخل على الشريك من توقع القسمة وإذا قضي بتقديم مجرد الضرر المتوقع غير الناجز بدون أن ينضم إليه عقد على العقد هنالك وجب أن يقضى هاهنا بتقديم الضرر الناجز المنضم إليه عقد على العقد السابق بطريق الأولى أما كون ضرر الشريك في الشفعة متوقعا لا ناجزا فلأنها قد تحصل وقد لا تقع ألبتة وأما كون ضرر فراق الثاني إذا دخل هنا ناجزا لا متوقعا فلأن الرجل إنما يتزوج في الغالب من مالت نفسه إليها وإذا دخل عليها مع الميل المتقدم وجدت الرؤية والمباشرة فالغالب حصول الميل وكذلك هي أيضا إنما رضيت به بعد ميل نفسها إليه فإذا باشرته مع الميل المتقدم وحصول الأرب\r","part":3,"page":166},{"id":887,"text":"فالغالب حصول الميل وإذا كان الظاهر حصول الميل إما من الجانبين وإما من أحدهما فلو قضينا بالفراق بعد هذا الميل الناشئ من الدخول وقضاء الأوطار لحصل الضرر الناجز لمن حصل له الميل بألم الفراق فضرر هذه المسائل الثماني واقع وضرر الشفعة متوقع والواقع أقوى من المتوقع وأما كون الضرر هنا معضودا بعقد بخلافه في الشفعة فلأن الشريك الشفيع يأخذ بغير عقد أضيف إليه بل بمجرد الضرر وهاهنا الزوج الثاني معه عقد يقابل به العقد الأول وبالجملة فسير مخالفة قاعدة مسألة الوليين ونظائرها السبع عند مالك رحمه الله تعالى لقاعدة الوكيلين في البيع هو تحقق القياس الجلي على الأخذ بالشفعة في القاعدة الأولى دون الثانية\rالأمر الثاني\rبيان ما يرد على هذا الفرق من الأسئلة وما يجاب به عنها\rفالسؤال الأول أن وجود العقد مع الزوج الثاني هنا لا يصلح مرجحا ضرورة أن المحل غير قابل له لأن عقد الزوج الأول مانع منه فهو معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا وجوابه أنه لا نسلم ذلك لأنا لما اتفقنا على أن وجود مثل صورة هذا العقد من الإيجاب والقبول ورضى الولي والمرأة موجبة للعصمة في غير صورة النزاع وجب هنا العمل بالصورة أيضا في الترجيح وعدم الالتفات لما في صورة النزاع من كون عقد الزوج الأول مانعا من قبول المحل لهذا العقد حتى يقال إنه كعدمه والسؤال الثاني لم اعتبرتم في مسألة الوكيلين يوكلهما الرجل على أن يزوجه كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما فتبين أنها خامسة كون عقد ما قبل المدخول بها مانعا حيث قلتم لا يفيتها\r","part":3,"page":167},{"id":888,"text":"الدخول إجماعا ولم تعتبروا في مسألة الوليين ونظائرها السبع كون عقد الأول مانعا حيث قلتم يفيتها دخول الثاني فما الفرق بينهما وجوابه أنه يفرق بينهما من عشرة أوجه أحدها أن المانع هنا عقد واحد وفي الخامسة عقد الرابع مع ما تقدمه من العقود الثاني أن الغالب على الأولياء الكثرة فيؤدي القول ببطلان العقد الثاني بعد الدخول في صورتهما إلى كثرة الفساد وعلى الوكلاء الندرة فلا يؤدي إلى كثرة الفساد القول بفساد الخامسة الناشئ عن الاطلاع والكشف النادر الثالث أن التعارض في الوليين وقع بين الزوجين اللذين هما صاحبا وسيلة ضرورة أن الزوج الذي هو صاحب الصداق كالمشتري الذي هو صاحب الثمن والأثمان وسائل وفي الوكيلين وقع بين الزوجتين الرابعة والخامسة اللتين كالبائع في كون كل منهما صاحبة سلعة والسلع مقاصد ورتبة الوسائل أخفض من رتبة المقاصد فلم يكن في إبطال عقد الزوج الأول إلا إبطال ما رافق الأوضاع الشرعية بخلاف عقد الرابعة فقد اجتمع في إبطاله ما هو مقصد وما هو موافق للأوضاع الشرعية فلذا امتنع إبطاله لقوته ولم يمتنع إبطال عقد الزوج الأول لضعفه الرابع أن العادة شاهدة بولوع الرجال بالنساء وشغفهم بهن أكثر منهن بهم ألا ترى أن الرجال هم الباذلون والخاطبون إلى غير ذلك من الدلائل على فرط الميل ولم يوجد ذلك في النساء لضعف طبعهن\rوغلبة الحياء عليهن وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن حيث إنه قدم الجملة الأولى على الثانية تنبيها على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها لأنه هو البادئ بطلب ذلك وكنى باللباس لشدة المخالطة كما في الجمل على الجلالين فيكون ضرر التفريق بالزوج الثاني الذي حصل له الشغف بالدخول في مسألة الوليين أصعب منه بالخامسة إذ لا يتوقع فيها إلا داعية ضعيفة\rالخامس\r","part":3,"page":168},{"id":889,"text":"أن مخالفة القاعدة في الوليين أقل من مخالفتها في الوكيلين إذ القاعدة أن السؤال عن الواقع من الوكلاء في التزويج قوي وعن الواقع من أولياء المرأة ضعيف السادس أن المرأة محكوم عليها ولا خيرة لها لا تتهم والرجل من حيث إنه المختار للدخول يتهم أن يكون عدل عن الرابعة إلى الخامسة مع علمه بها السابع أن دخول الثاني في مسألة الوليين وإن شارك دخول الزوج بالخامسة في مخالفة قاعدة منع العقد السابق إلا أن الدخول بالخامسة مع ذلك خالف القاعدة المعتبرة من أن الله تعالى جعل ثلاثا ومستثنيات فتجوز الهجرة ثلاثا والإحداد ثلاثا وأيام الخيار ثلاث والضرات ثلاث ثم يلزم فعظمت أسباب الإبطال في الخامسة دون مسألة الوليين الثامن أن شأن أولياء المرأة السؤال عن حال الزوج فتضعف الشبهة في الخامسة بكشف أوليائها وليس شأن أولياء الرجل السؤال عن حال المرأة فتقوى الشبهة في ذات الوليين ونحوها التاسع أن عقد الوكالة ضعيف كالنذر مع الواجب المتأصل لأمرين أحدهما أنه جاء من الطرفين\r","part":3,"page":169},{"id":890,"text":"وثانيهما أن المكلف ينشئه بخلاف الأولياء العاشر أن في الخامسة مفسدة أنها على ضرات أربع لها اندفعت بالفسخ والفائت على ذوات الوليين صحبة الزوج الأول ودرء المفاسد أولى من تحصيل المصالح والسؤال الثالث أن قياس مسألة الوليين ونظائرها على مسألة الشفعة للشريك لا يصح لتباين الأحكام ضرورة أن الشريك في صورة الشفعة مخير والزوج الثاني هاهنا ليس مخيرا بل أنتم قد عينتم المرأة له جزما فقد زادت صورة الفرع المقيس على صورة الأصل المقيس عليه بوصف اللزوم وجوابه أن للأصل المقيس عليه جهتين إحداهما جهة التخيير وهي خاصة بالأصل المذكور لكون السلع والعقار قابلة للتخير والخيار فلذا ثبت للشفيع الخيار من غير لزوم وتمتنع في الفرع الذي هو صورة النزاع لامتناع الخيار في النكاح لئلا تكون المخدرات بذلة بالخيار فلذلك حصل اللزوم والتعيين للزوج الثاني ولم تلاحظ في القياس هذه الجهة الجهة الثانية جهة تقديم المضرة على العقد السابق وصورة النزاع التي هي الفرع مساوية لصورة الشفعة التي هي الأصل في هذه الجهة التي وقع القياس باعتبارها والسؤال الرابع أن ضرر الشفيع إنما أبطل العقدة في الشفعة المقتضي إباحة الأموال التي رتبتها أخفض من رتبة الإبضاع فلا يلزم أن يكون ضرر الزوج الثاني مبطلا للعقد في صورة النزاع المقتضي\r","part":3,"page":170},{"id":891,"text":"إباحة الإبضاع التي هي أعلى رتبة فبطل القياس بهذا الفرق وجوابه أنكم إذا سلمتم أن الإبضاع أعلى رتبة من الأموال يكون الضرر بفوات مقاصدها أعظم من ضرر الشريك فيكون أولى بالمراعاة فكيف لا يلزم أن يكون مبطلا للعقد في صورة النزاع حتى يسلم بطلان القياس بهذا الفرق السؤال الخامس لم رجحتم ضرر الزوج الثاني في مسألة النزاع على ضرر الزوج الأول في مسألة الرجعية والمفقود وغيرهما مع أن الزوج الثاني كما حصل له تعلق بالدخول في مسألة الوليين كذا الزوج الأول قد حصل له أيضا تعلق في مسألة الرجعة والمفقود وغيرهما لا سيما وصحبة الأول أطول وأكثر ومعاهد قضاء الأوطار بينهما قال الشاعر ما الحب إلا للحبيب الأول وجوابه أنا رجحنا ضرر الثاني لكونه أولى بالمراعاة من ضر الأول لأن الأول أعرض بالطلاق وتوحش العصمة إما بالطلاق وإما الفراق من غير طلاق وإما بحصول السآمة من طول المباشرة وقد جرت العادة أن طول صحبة المرأة توجب قلة وقعها في النفس وأن جدتها توجب شدة وقعها في النفس وبهذا يظهر سر الفرق بين قاعدة الأنكحة في هذا الباب وبين قاعدة الوكالات في السلع والإجارات والسؤال السادس لم اعتبر ثم هذه القاعدة في مسألة الوليين ونظائرها السبع ولم تعتبروها في الأربع المسائل حيث قلتم فيها إن الزوجة لا يفيتها دخول الثاني وهذا نقض لما ذكر من الفرق موجب لعدم اعتباره وإلغائه ما لم يتبين الفرق بين الثمان المسائل التي اعتبرت فيها القاعدة والأربع المسائل التي لم تعتبر فيها وجوابه أن أبعد الثمانية عن الفوات بالدخول مسألة ذات الوليين إذ ليس فيها حكم حاكم ولا\r","part":3,"page":171},{"id":892,"text":"ظاهر يقتضي بطلان العقد الأول بخلاف ما فيها حكم حاكم من مسألة المفقود ومسألة المرأة تطلق بسبب طول الغيبة ومسألة تسلم ثم يتبين تقدم إسلام زوجها فإن حكم الحاكم ينزل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة وذلك أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال إن الحاكم إذا حكم بالطلاق بشهادة زور نفذ الطلاق في الظاهر والباطن وكذلك إذا حكم بالنكاح والزوجية بشهود زور ثبت النكاح في الظاهر والباطن وجاز لأحد تلك الشهود الزور أن يتزوج تلك المرأة التي شهد بطلاقها مع علمه بكذب نفسه وأبيحت الزوجة في المسألة الأخرى في نفس الأمر فجعل حكمه في هذه المسائل وإن لم يصادف عقدا ولا طلاقا بمنزلة الطلاق والنكاح ولهذا المدرك عمم نفوذ الأحكام بشهادة الزور في كل ما يمكن للحاكم أن يستقل به في صور مجمع عليها من الفسوخ والعقود دون ما لا يدخله حكم الحاكم فتستقل به الذمة من الديون ونحوها ونحن وإن لم نقل بهذا المدرك بل قلنا لا ينفد هذا الحكم لا أنه لا أقل من أن نبقيه فارقا من حيث الجملة بين ما فيه حكم حاكم وبين ما ليس فيه حكم حاكم فيكون ما فيه أقرب إلى الفوات بالدخول مما ليس فيه من حيث الجملة\rوبخلاف ما فيها ظاهر ينكشف خلافه من مسألة المرأة الحرة تعلم بالطلاق دون الرجعة فإن ظاهر الطلاق يبيح العقد ومن مسألة الأمة يطلقها زوجها كما تقدم فإن ظاهر الطلاق يبيح وطئا سيدها ومن مسألة امرأة المرتد فإن ظاهر الكفر يبيح العقد ومن مسألة الرجل يسلم على كثير نسوة فإن ظاهر حالهن يقتضين الاختيار وتزوجهن بناء على ظاهر الاختيار فيهن فالمرأة وكذلك وليها في هذه المسائل\r","part":3,"page":172},{"id":893,"text":"الأربع معذورة مأذون لها في الإقدام على العقد الثاني بسبب الظاهر فيكون ما فيه ظاهر أقرب إلى الفوات بالدخول مما ليس فيه وحيث كانت مسألة ذات الوليين أبعد المسائل الثمان التي اعتبرت فيها القاعدة عن الفوات بالدخول فلنعينها لبيان الفرق بينها وبين المسائل الأربع التي لم تعتبر فيها القاعدة ليحصل الفرق بين باقي الثمانية وبين الأربعة بطريق الأولى فنقول أما الفرق بين المرأة ينعى لها زوجها وبين مسألة الوليين فهو أن الموت شأنه الشهرة والظهور وليس اشتهار عقد الولي الأول على المرأة في الوجود كاشتهار الموت ولا تتوفر الدواعي على الإخبار به كتوفرها على الإخبار بموت إنسان والتفجع عليه كما تشهد العوائد بذلك ولا شك أن الخطأ فيما الشأن فيه الشهرة والظهور التام نادر فيضعف العذر فلا يفوت بالدخول\rوأما الفرق بين مسألة التطليق بالإعسار وبين مسألة الوليين فهو أن المرأة في الأولى ظالمة قاصدة الفساد فناسب أن تعاقب بنقيض مقصودها في إبطال تصرفها بالزواج لأنها تعلم أنها أسقطت النفقة وأنها مبطلة في جميع تصرفها ودعواها بخلاف المرأة في مسألة الوليين إذ لم يكن عندها علم بالعقد الأول\rوأما الفرق بين مسألة من يقول عائشة طالق وبين مسألة الوليين فهو من جهتين الأولى أن الحكم في الأولى يبنى على استصحاب أن الأصل عدم زواجه لامرأة أخرى واستصحاب الأصل أضعف من استصحاب عدم عقد الولي على موليته فإن العقود لأوليائها غالبا وعقود الرجال على النساء لا تشتهر عند الحاكم والحاكم وإن اعتمد في الطلاق بسبب الغيبة على الأصل العدمي وهو أن الأصل عدم إيصال حقوقها إليها إلا أن الغيبة هناك صورة ظاهرة شاهدة على الزوج بدعوى المرأة وليس هنا صورة ظاهرة\rتشهد بعدم زواج امرأة أخرى تسمى عائشة\r","part":3,"page":173},{"id":894,"text":"الجهة الثانية أن الولي العاقد للعقد الثاني مأذون له في العقد إجماعا وليس له معارض من حيث الظاهر فكان عقده بالنفوذ أولى بخلاف المرأة هاهنا فإنها لما تزوجت مع قول الزوج لي امرأة أخرى تسمى عائشة وهو قول ظاهره الصدق من حيث إنه مسلم عاقل وقد أخبر عن أمر ممكن لا يعلم إلا من قبله فينبغي أن يصدق فيه كما تصدق المرأة في حيضها وطهرها وسقطها وانقضاء عدتها لأنها أمور لا تعلم إلا من قبلها كان قول الزوج ما ذكر معارضا لتصرف المرأة وتصرف وليها في العقد\rوأما الفرق بين الأمة تعتق فتختار نفسها وبين مسألة الوليين فهو أن زوج الأمة متهافت عليها متعلق بها غاية التعلق بسبب أنها نزعت عصمتها منه قهرا والنفوس مجبولة على حب ما منعت منه فناسب ذلك الرد إليه ولم يحصل في مسألة الوليين للزوج المعقود أولا هذا التعلق بسبب أنه لم ير المرأة ولم يباشرها فكانت أولى بالفوات عليه فهذا هو الفرق الدافع للنقوض الأربعة المذكورة\rوبه يصح المدرك ويتبين ما قاله مالك من الفرق بين قاعدة الوكيلين في عقود البياعات والإجارات وغيرها من كون المعتبر هو الأول فقط التحق بالثاني تسليم أو لا وقاعدة الوكيلين في الأنكحة من كون المعتبر عقد الثاني إن حصل دخول وإلا فعقد الأول لا سيما وقد أفتى جمع كثير من الصحابة بذلك فلا بد لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها ولعلهم لاحظوا ما ذكر من هذه المباحث فإن بملاحظتهما يقرب الفرق المذكور بين القاعدتين من القواعد ويظهر وجه الصواب فيه فإن الله قد يسر في هذه المباحث من الحجة ما لم أره قط لأحد حتى\rآل الفرق بها على هذه الحالة من القرب والظهور بعد أن كان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد ا ه كلام الأصل بتنقيح وزيادة وتعقبه ابن الشاط بوجهين\rالوجه الأول\r","part":3,"page":174},{"id":895,"text":"أن ما ذكره في سر الفرق بين تلك القاعدتين ليس بصحيح بل يحتاج إلى تأمل ونظر الوجه الثاني أن ما يشعر به قوله إن الشافعي يسوي بين القاعدتين من أن مالكا لا يسوي بينهما ليس بشيء بل مالك رحمه الله تعالى يسوي بينهما أيضا إذ كما أن السلعة في البيع إذا هلكت كان هلاكها فوتا ونفوذا للعقد الثاني عنده كذلك المرأة في النكاح في المسائل الثماني التي ذكر الفرق فيها إذا دخل الثاني بها كان دخوله بها فوتا ونفوذا للعقد الثاني نعم يحتاج إلى الفرق بين هذه المسائل الثماني والمسائل الأربع التي ذكر عدم الفوت فيها فلذا كان ما قاله من أن القياس قول الشافعي صحيحا ا ه\rبتوضيح والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن وذلك أن باب الزواج لما كان مبنيا على العز والاصطفاء وكان الأصل فيه التخصيص بالوطء ولا تقع الخدمة فيه إلا تبعا بعكس باب الإماء فإن الخدمة والهوان فيه أصل ولا يقع الوطء فيه إلا تبعا كانت الشحناء والمضارة التي هي موجودة في باب الزواج على خلاف الأصل فيه من الإعزاز والاصطفاء ليست كذلك في باب الإماء لأنها وإن وجدت فيه أيضا إلا أنها لما لم تكن على خلاف الأصل فيه بل على الأصل فيه من الهوان والخدمة كانت ضعيفة عن وجودها في باب الزواج فلما بعدت مناسبة الإماء فيما\r","part":3,"page":175},{"id":896,"text":"ليس هو وصفهن بل وقوعه نادر فيهن من الوطء والاصطفاء كانت المهانة الغالبة فيهن من جهة ذل الرق تمنع من الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ ولما بعدت مناسبة الزوجات فيما ليس هو وصفهن بل وقوعه نادر فيهن من المهانة والخدمة كان الوطء والاصطفاء الغالب فيهن من جهة عز الزواج يقتضي الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ وكان التحريم مطلقا لجمع امرأة مع أخرى في عصمة هو مقتضي أن مضارة المرأة بذلك الجمع وسيلة للشحناء في العادة وقد جعل ذلك في شريعة عيسى عليه السلام كما هو منقول عندهم فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة\rوإن كانت مصلحة الرجل في الاستمتاع بتعدد الزوجات تقديما لمصلحة النساء في نفي المضارة والشحناء على مصلحة الرجال في الاستمتاع ويقال إنه قد شرع عكس ذلك في التوراة لموسى عليه السلام وأنه يجوز للرجل زواج عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في نفي الشحناء والمضارة ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين مصلحتي الفريقين إذ كما أنه روعي فيها مصلحة الرجال فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء إربه ويخرج به عن حيز الحجر ويضاف لذلك التسري بما شاء كذلك روعي فيها مصالح النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث وسر الاقتصار في جواز المضارة والشحناء على ثلاث هو أن المضارة والشحناء لما كانت على خلاف أصل والثلاثة على خلاف الأصول قد استثنيت في صور منها جواز الهجر ثلاثة أيام والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام والخيار ثلاثة أيام كما مر استثني كذلك ثلاث زوجات يضار بهن زوجة أخرى هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات\r","part":3,"page":176},{"id":897,"text":"أما القرابات القريبة فقد حافظ الشرع على زيادة صونها عن التفرق والشحناء فمنع الجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأمها حفظا لبر الأمهات والبنات لأن قرابتهما أعظم القرابات وبين الأختين لأن قرابتهما تلي ذلك في القرب ثم بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم التي برها آكد من بر الأب ثم بين المرأة وعمتها لأنها من جهة الأب ثم بين المرأة وخالة أمها ثم بينها وخالة أبيها ثم بينها وعمة أمها ثم بينها وعمة أبيها ولكن لما كانت الأم أشد برا ببنتها من البنت بأمها لم يجعل الشرع العقد على الأم كافيا في بغضها لبنتها إذا عقد عليها لضعف ميل الأم للزوج بمجرد العقد وعدم مخالطته بل اشترط في التحريم إضافة الدخول إلى العقد وجعل العقد على البنت كافيا في بغضها لأمها فحرم الأم على من عقد على البنت ولو لم يدخل بها لئلا تعق أمها نعم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يشترط في تحريم الأم الدخول على البنت كما اشترط في تحريم البنت الدخول على الأم بقوله تعالى وأمهات نسائكم ثم قال وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن صفة تعقبت الجملتين فتعمهما كما أن الاستثناء والشرط إذا تعقبا الجمل عما\rولا يرد هذا على أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه يرى ترجيح القريب في الجمل وهي الجملة الأخيرة فيخصها بالاستثناء والصفة لا سيما والقريب هاهنا هو موضع الإجماع فلا موجب للعدول باللفظ عن موضع الإجماع بل الموجب وهو القرب يصرف إلى موضع الإجماع فإن اللفظ صالح للأولى والثانية ورجحت الثانية التي هي موضع الإجماع بالقرب فلم يكن حمل اللفظ هاهنا على الجملة الأخيرة طلبا لمستند الإجماع فلا يرد أنه لا\r","part":3,"page":177},{"id":898,"text":"يلزمنا هاهنا طلب مستند الإجماع في اشتراط الدخول في تحريم البنت إذ لا يلزمنا طلب دليل للإجماع وإن كان لا بد له من مستند في نفس الأمر ضرورة أن الإجماع مستقل بنفسه وإنما الأوفق أن تحمل على فائدة زائدة بأن يجعل اللاتي دخلتم بهن نعتا عائدا للجملة الأولى وهو قوله تعالى وأمهات نسائكم دالا على اشتراط الدخول في تحريم الأم كما أن الدخول شرط في الجملة الثانية بالإجماع إذ لا نعلم خلافا في شرطية الدخول في تحريم البنت فيثبت الحكمان في الجملتين بالإجماع والآية وذلك أنه مهما أمكن تكثير فوائد كلام صاحب الشرع وجعل مدلول لكل دليل فهو أولى من الترادف والتأكيد ولا يرد أيضا أنه قد تقرر في أصول الفقه إذا ثبت حكم المجاز بالإجماع\rوورد لفظ في ذلك الحكم حمل على حقيقته ولا يجعل ذلك اللفظ مستند الإجماع لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته مثلا قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء حملوا النكاح فيه على حقيقته التي هي الوطء ولم يجعلوه مستند الإجماع على أن العقد يحرم على الابن نظرا لكون الأصل ما ذكر من الحمل على الحقيقة ومن عدم الترادف فعلى هذا إذا وطئها الأب وطئا حلالا أو حراما ما حرمت على الابن وتحرم بالعقد أيضا وذلك أن الإجماع فيما تقرر في أصول الفقه جاء في المجاز المرجوح على خلاف ظاهر اللفظ فعدلنا باللفظ إلى ظاهره الذي هو الحقيقة لأجل معارضة موضع الإجماع والإجماع هاهنا جاء في موضع الظاهر الذي هو القرب فلا موجب للعدول عنه فافهم وإنما يرد قول ابن مسعود رضي الله عنه فقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن صفة تعقبت الجملتين إلخ على مالك والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم الذين يرون تعميم الاستثناء والصفة\rفي الجمل ولا يرجحون جملة بالقرب فإن مقتضى مذهبهم الحمل على الجملتين الأولى والأخيرة\r","part":3,"page":178},{"id":899,"text":"ولا يتأتى الجواب عنهم حتى يثبت أنهم لا يرون الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب وأن العامل في النعت هو العامل المنعوت كما هو عند البصريين من النحاة خلافا لمن يرى منهم الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب ولمن يرى أن العامل في النعت التبعية للموصوف فإذا ثبت هذا عنهم صح الجواب أيضا على قاعدتهم فإنهم حينئذ يتعين عليهم الحمل على إحدى الجملتين لا عليهما ولا سبيل إلى الحمل على الجملة الأولى فإنها هي البعيدة وكل من قال بالعود على جملة واحدة لم يقل هي البعيدة بل انفراد البعيدة بالحمل على خلاف الإجماع لأن القائل قائلان قائل بالتعميم في الجمل وقائل بالجملة القريبة وحدها ولم يقل أحد بالحمل على الجملة البعيدة وحدها ولكن تقدير ثبوت ذلك عنهم متعذر إذ من أين لنا أن مذهب مالك والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم كان في النحو لا يجتمع عاملان على معمول واحد وأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف فلعل مذهبهما أن عامل النعت هو التبعية للموصوف كما قاله جماعة من النحاة لا عامل المنعوت هذا خلاصة ما صححه العلامة ابن الشاط من كلام الأصل وفي كتاب أحكام القرآن للإمام أبي بكر بن العربي اختلف الناس في قوله تعالى وأمهات نسائكم في الصدر الأول فروي عن علي وجابر وابن الزبير وزيد بن ثابت ومجاهد أن العقد على البنت لا يحرم الأم حتى يدخل بها كما أن العقد على الأم لا يحرم البنت حتى يدخل بها وقال سائر العلماء والصحابة إن العقد على البنت يحرم الأم ولا تحرم البنت حتى يدخل بالأم واختلف النحاة في الوصف في قوله\rاللاتي دخلتم بهن فقيل يرجع إلى الربائب والأمهات وهو اختيار أهل الكوفة وقيل يرجع إلى الربائب خاصة\r","part":3,"page":179},{"id":900,"text":"وهو اختيار أهل البصرة وجعلوا رجوع الوصف إلى الموصوفين المختلفي العامل ممنوعا كالعطف على عاملين وجوز ذلك كله أهل الكوفة ورأوا أن عامل الإضافة غير عامل الخفض بحرف الجر وقد مهدنا القول في ذلك في كتاب ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين وقد رد القاضي أبو إسحاق الرواية عن زيد بن ثابت والذي استقر أنه مذهب علي خاصة كما استقر اليوم في الأمصار والأقطار أن الربائب والأمهات في هذا الحكم مختلفات وأن الشرط إنما هو في الربائب وهذه المسألة من غوامض العلم وأخذها من طريق النحو يضعف فإن الصحابة العرب القرشيين الذين نزل القرآن بلغتهم أعرف من غيرهم بمقطع المقصود منهم وقد اختلفوا فيه وخصوصا على مقداره في العلمين ولو لم يسمع ذلك في اللغة العربية لكان فصاحتها بالأعجمية فينبغي أن يحاول ذلك بغير هذا القصد والمأخذ فيه يرجع إلى خمسة أوجه\rالوجه الأول\rأنه يحتمل أن يرجع الوصف إلى الربائب خاصة ويحتمل أن يرجع إليهما جميعا فيرد إلى أقرب مذكور تغليبا للتحريم على التحليل في باب الفروج وهكذا هو مقطوع السلف فيها عند تعارض الأدلة بالتحليل والتحريم عليها الوجه الثاني روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا يحل له نكاح أمها وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها فإن لم يدخل بها فلينكحها\rوهذا إن صح حجة ظاهرة لكن رواية المثني بن الصباح تضعف\rالوجه الثالث\r","part":3,"page":180},{"id":901,"text":"أن قوله من نسائكم لفظة عربية لأنه جمع لا واحد له من لفظه بل واحده امرأة ولما كان قولك امرؤ وامرأة كقولك آدمي وآدمية كان قوله امرأتك كقوله آدميتك في احتمال أن يكون معناه التي تشبهك أو تجاورك أو تملكها أو تملكك أو تحل لها أو تحل لك والإضافة على معنى الشبه والجواز محال فلم نجد وجها إلا باب التحليل والتحريم الذي نحن فيه ويشهد له سياق الآية فهو المقصود بالبيان فإذا حلت له أو ملكها فقد تحققت الإضافة المقصودة فوجب في الأمهات ثبوت الحكم على الإطلاق وكذلك في البنات لولا التقييد بشرط الدخول ولم تحمل الأمهات على البنات في التقييد بذلك تغليبا لمعارضة من التحريم كما هو القاعدة في الفروج فلذا لما تعارض في الأختين من ملك اليمين التحليل والتحريم غلب علي كرم الله وجهه التحريم الوجه الرابع أنه قد قيل إن المراد بالدخول هاهنا النكاح فعلى هذا الربائب والأمهات سواء لكن الإجماع غلب على الربائب باشتراط الوطء في أمهاتهن لتحريمهن الوجه الخامس أن كل واحد من الموصوفين قد انقطع عن صاحبه بوصفه فإنه قال وأمهات نسائكم ثم قال بعده وربائبكم اللاتي في حجوركم فالوصف الذي يتلوه يتبعه ولا يرجع إلى الأول لبعده منه وانقطاعه عنه\r","part":3,"page":181},{"id":902,"text":"ا ه بتصرف فائدة مهمة قال الشيخ تاج الدين السبكي في كتابه توشيح الترشيح حكاية عن والده الإمام تقي الدين السبكي أن السر في إباحة نكاح أكثر من أربع نسوة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها وما يتحسى وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أشد الناس حياء فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله ويسمعن من أقواله التي قد يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال فيكمل نقل الشريعة وكثر عدد النساء لتكثير الناقلين لهذا النوع ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة ونحوها قال ولم يكن ذلك منه لشهوة منه {صلى الله عليه وسلم} في النكاح ولا كان يحب الوطء للذة البشر معاذ الله بل إنما حبب إليه النساء لتظهر عنه ما يستحي هو من الإمعان في التلفظ به فأحبهن لما فيهن من الإعانة على نقل الشريعة في\rهذه الأبواب وأيضا فقد نقلن ما لم يكن ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته ومن جده واجتهاده في العبادة ومن أمور يشهد كل ذي لب أنها لا تكون إلا لنبي وما كان يشاهده غيرهن فحصل بذلك خير عظيم أفاده العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والأربعون والمائة بين قاعدة تحريم المصاهرة في الرتب الأولى وبين قاعدة لواحقها\r","part":3,"page":182},{"id":903,"text":"المصاهرة في الرتبة الأولى عبارة عن المندرج في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وقوله تعالى وأمهات نسائكم وقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن قال ابن رشد الحفيد في بدايته فهؤلاء الأربع أي زوجات الآباء وزوجات الأبناء وأمهات النساء وبنات الزوجات اتفق المسلمون على تحريم اثنين منهن بنفس العقد وهما زوجات الآباء والأبناء أي لأن اتفاق الرجال وحمياتهم تنهض بالغضب والبغضاء بمجرد نسبة المرأة إليهم بذلك فيختل نظام ود الآباء للأبناء وود الأبناء للآباء وهو سياج عظيم قد جعل الشارع {صلى الله عليه وسلم} خرقه من الكبائر ألا ترى إلى قوله من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه قالوا أو يسب الرجل أباه يا رسول الله قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب الرجل أباه فإنه جعل التسبب لسب الأب بسب الأجنبي من أكبر الكبائر فكيف لو سبه مباشرة\r","part":3,"page":183},{"id":904,"text":"على تحريم واحدة بالدخول وهي ابنة الزوجة أي لما تقدم عن أحكام ابن العربي واختلفوا في أم الزوجة هل تحرم بالدخول أو بالعقد كما تقدم توضيحه ولواحق المصاهرة في الرتبة الأولى عبارة عن غير المندرج فيما ذكر ممن تحقق فيه إليه بالمندرج وقد اختلف الأصل والعلامة ابن الشاط في أمرين الأمر الأول المندرج فيما ذكر فزعم الأصل أن المندرج في ذلك إنما هن الحرائر مدعيا أن المفهوم من نسائنا في غالب العادة الحرائر المنسوبات إلينا بمبيح الوطء وهو العقد فلا يفهم من النساء فيما ذكر وفي قوله تعالى يا نساء النبي إلا الزوجات الحرائر ولا يستلزم ذلك الدخول لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن فدل ذلك على أنهن قد يتحققن مع عدم الدخول وعليه فيلحق بهن الإماء المنكوحات بملك اليمين في التحريم لاستوائهما في مبيح الوطء والفراش بشرطه ولحوق الولد بشرطه ولأن الأنفات تحصل من وطء الغير ما وطئه الإنسان بالملك ويشق عليه أن يطأ أمته غيره فكان وطؤها محرما كالوطء بالعقد وقال ابن الشاط لا أعرف صحة ما ادعاه من أن المفهوم من نسائنا في غالب العادة الحرائر المنسوبات إلينا بمبيح الوطء وهو العقد بل لقائل أن يقول إن المراد بنسائنا إما جميع المنكوحات بعقد كان نكاحهن أو بملك حرائر كن أو مملوكات وإما المنكوحات بخصوص العقد ولو كن غير حرائر ولا وجه لقيد كونهن حرائر عندي قال وقوله ولا يستلزم ذلك الدخول لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن إلخ استدلال بالمفهوم فيختص بمن يراه حجة فيتحصل أن الخلاف بينهما في الإماء المنكوحات بملك اليمين\r","part":3,"page":184},{"id":905,"text":"وكذلك بعقد إلا أن المنكوحات بالعقد من المندرج لا من لواحقه على كلا الترددين في كلام ابن الشاط بخلاف المنكوحات بالملك فإنهن من المندرج على الترديد الأول في كلامه ومن اللواحق على الثاني فافهم الأمر الثاني الحقيقة في لفظ الأب ولفظ الأم ولفظ الابن ولفظ البنت في النصوص المتقدمة فقال الأصل أن حقائقها المباشر وأنه متى أريد بها غير المباشر كانت مجازات وأن الاندراجات في قول اللخمي تحرم امرأة الجد للأب والجد للأم لاندراجهما في لفظ الآباء كما تندرج جدات امرأته وجدات أمها من قبل أمها وأبيها في قوله تعالى وأمهات نسائكم وبنت بنت الزوجة وبنت ابنها وكل من ينسب إليها بالبنوة وإن سفل في قوله تعالى وربائبكم ا ه\rليس بمقتضى الوضع اللغوي وإلا لما صرح الكتاب العزيز بالثلث للأم ولم يعطه الصحابة رضي الله عنهم للجدة بل حرموها حتى روي لهم الحديث في السدس ولما صرح في الكتاب بالنصف للبنت وبالثلثين للبنتين على السوية ورثت بنت الابن مع البنت السدس بالسنة لا بالكتاب ولما كان ابن الابن كالابن في الحجب والجد ليس كالأب في الحجب ولما كانت الإخوة يحجبون الأم وبنوهم لا يحجبونها فحينئذ ينبغي أن يعتقد أن هذه الاندراجات في تحريم المصاهرة بالإجماع لا بالنص فإن الاستدلال بنفس اللفظ تعذر لأن الأصل عدم المجاز والاقتصار على الحقيقة فالفقيه الذي يعتقد ذلك ويستدل باللفظ غالط\rا ه وقال ابن الشاط لا أعرف صحة ما قاله من أن الحقيقة في لفظ الأب والأم والابن والبنت المباشر وأنه متى أريد به غير المباشر فهو مجاز لعل الأمر في ذلك بالعكس وأن الحقيقة في لفظ الأب مثلا كل من له ولادة والمجاز المباشر لكن\rغلب هذا المجاز حتى صار عرفا فكان ذلك السبب في اقتصار الصحابة فيما اقتصروا به من الأحكام على المباشر والله أعلم\r","part":3,"page":185},{"id":906,"text":"ا ه وعليه فتكون الاندراجات في تحريم المصاهرة بالنص لا بالإجماع فافهم وفي أحكام القرآن لابن العربي أن من علمائنا من قال إن لفظ الأولاد يتناول حقيقة كل ولد من صلب الرجل دنيا أو بعيدا قال الله تعالى يا بني آدم وقال النبي {صلى الله عليه وسلم} أنا سيد ولد آدم وقال تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فدخل فيه كل من كان لصلب الميت دانيا أو بعيدا ويقال بنو تميم فيعم الجميع فإن كان الصحيح هذا القول فقد غلب مجاز الاستعمال في ذلك إطلاقه على الأعيان الأدنين على تلك الحقيقة ومن علمائنا من قال ذلك حقيقة في الأدنين مجاز في الأبعدين وهذا هو الصحيح عندي بدليل أنه ينفي عنه فيقال ليس بولد ولو كان حقيقة لما ساغ فيه ألا ترى أن ولد الأعيان يسمى ولدا ولا يسمى ولد الولد وكيفما دارت الحال فقد اجتمعت الأمة هاهنا أي في قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم الآية على أنه يطلق على الجميع وقد قال مالك لو حبس رجل على ولده لا تنقل إلى أبنائهم واختلف قول علمائنا فيما لو قال صدقة هل تنقل إلى أولاد الأولاد على قولين وكذلك في الوصية واتفقوا على أنه لو حلف لا ولد له وله حفدة لم يحنث وإنما اختلف ذلك في أقوال المخلوقين في هذه المسائل لوجهين إحداهما أن الناس اختلفوا في حمل كلام المخلوقين هل يحمل على العموم كما يحمل كلام الباري أو لا يحمل كلام الناس على العموم بحال وإن حمل كلام الله سبحانه عليه\rالثاني\r","part":3,"page":186},{"id":907,"text":"أن كلام الناس يرتبط بالأغراض والمقاصد والمقصود من الحبس التعقيب فدخل فيه ولد الولد والمقصود من الصدقة التمليك فلم يدخل فيه غير الأدنى إلا بدليل والذي يحقق العموم هاهنا أي في الآية أنه قال بعده ولا يوليه لكل واحد منهما السدس فدخل فيه آباء فكذلك يدخل في الأولاد هاهنا أولاد الأولاد ثم قال في قوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس هذا قول لم يدخل فيه من علا من الآباء دخول من سفل من الأبناء في قوله أولادكم لثلاثة أوجه الأول أن القول هاهنا مثنى والمثنى لا يحتمل العموم والجمع الثاني أنه قال فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث والأم العليا هي الجدة ولا يفرض لها الثلث بإجماع فخروج الجدة من هذا اللفظ مقطوع به وتناوله للأب مختلف فيه الثالث أنه إنما قصد في قوله أولادكم بيان العموم وقصد هنا بيان النوعين من الآباء وهما الذكر والأنثى وتفصيل فرضهما دون العموم فأما الجد فقد اختلفت فيه الصحابة فروي عن أبي بكر الصديق أنه جعله أبا وحجب به الإخوة أخذا بقوله تعالى ملة أبيكم إبراهيم وبقوله تعالى يا بني آدم وأما الجدة فقد صح أن الجدة أم الأم جاءت أبا بكر الصديق فقال لها لا أجد لك في كتاب الله شيئا وما أنا بزائد في الفرائض شيئا\rا ه المراد بتصرف وإصلاح فافهم وقد وافق ابن الشاط الأصل في مسائل قائلا ما قاله في الأولى صحيح ظاهر وما قاله بعد ذلك أكثره حكاية أقوال وإشارة إلى توجيهات ولا كلام في ذلك\rا ه المسألة الأولى شبهتا العقد والملك تلحق بهما في التحريم للحرائر والإماء بالعقد والملك لأن الوطء بالشبهة قد ألحق بالوطء بهما في لحوق الولد وسقوط الحد وغيرها\rالمسألة الثانية\r","part":3,"page":187},{"id":908,"text":"يلحق بالشبهة في الرتبة الرابعة على مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى الزنى المحض لكونه يوجب مسبة اختصاصا وربما أوجب ميلا شديدا يوجب وقوع الشحناء بالمشاركة فيه كما يحصل ذلك في المشاركة بالوطء بالنكاح والملك بل بالغ فقال في المدونة إذا التذ بها حراما كان كالوطء ووافقه أبو حنيفة وابن حنبل نعم قال مالك في الموطإ أنه لا يحرم وقاله الشافعي رضي الله عنه بسبب أن الزنى مطلوب العدم والإعدام فلو رتب عليه شيء من المقاصد لكان مطلوب الإيجاد فلا يثبت له تحريم في أثر المصاهرة المسألة الثانية اتفق الأئمة الأربعة على أن وطء الأم بالعقد أو الملك أو الشبهة يحرم بنتها لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن لأن الوطء هو الأصل في الدخول واختلفوا في التلذذ بما دون الوطء فقال مالك وأبو حنيفة ومثل الوطء اللمس للذة لأنه استمتاع مثله يحل بحله ويحرم بحرمته ويدخل تحت عمومه وقال أبو الطاهر من أصحابنا اللمس للذة من البالغ ينشر الحرمة ومن غير البالغ قولان وبغير لذة لا ينشر مطلقا وفي نظر البالغ ما عدا الوجه من باطن الجسد للذة قولان المشهور ينشر الحرمة لأنه أحد الحواس والشاذ لا ينشر ولا يحرم النظر إلى الوجه اتفاقا وفي الأحكام لابن العربي وأما النظر فعند ابن القاسم أنه يحرم وقال غيره لا يحرم لأنه في الدرجة الثانية شبهه في الزنى ذريعة الذريعة لكن الأموال تارة يغلب فيها التحليل وتارة يغلب فيها التحريم فأما الفروج فقد اتفقت الأمة فيها على تغليب التحريم فكما أن النظر لا يحل إلا إذا حل أصله اللمس والوطء بعقد نكاح أو شراء وكذلك يحرم إذا حرم أصله\r","part":3,"page":188},{"id":909,"text":"ا ه وفي بداية المجتهد والنظر عند مالك كاللمس إذا كان نظر تلذذ إلى أي عضو كان وفيه عنه خلاف ووافقه أبو حنيفة في النظر إلى الفرج فقط وقال الأصل أنه لا يحرم عنده إلا أن ينزل لعدم إفضائه إلى المقصد الذي هو الوطء وهو إنما حرم تحريم الوسائل والوسيلة إذا لم تفض لمقصدها سقط اعتبارها ومنع الشافعي التحريم بالملامسة للذة والنظر مطلقا وفي بداية المجتهد وهو أحد قولين المختار عنده وقوله الثاني لم يوجب في النظر شيئا وواجب في اللمس\rا ه تنبيه قال الأصل اعتبر مالك قاعدة حمل اللفظ عند الإطلاق على عرف المتكلم به كغيره من العلماء في مشهور مذاهبهم في آية التحليل للزوجة بعد الطلاق الثلاث حيث حمل النكاح فيها على الوطء الحلال وجعله شرطا لموافقتها قاعدة الاحتياط في الفروج وخالفها في قوله تعالى في أمهات الربائب اللاتي دخلتم بهن حيث حمل الدخول فيها على خلاف العرف الشرعي من الدخول المباح فاعتبر\rمطلق الوطء ولو حراما لمعارض الاحتياط في الفروج ا ه\rوقال ابن الشاط يحتاج ما قاله إلى نظر\rا ه قلت لعل وجهه أن النكاح في عرف الشرع حقيقة في وطء مطلقا لا في خصوص الوطء الحلال فقد قال أبو حنيفة في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء أي ما وطئوه لأن النكاح حقيقة في الوطء فيحرم على الشخص مزنية أبيه كما في المحلي على جمع الجوامع وقد تقدم نحوه عن الأصل في الفرق الرابع والأربعين والمائة فلا تغفل\r","part":3,"page":189},{"id":910,"text":"وقال ابن العربي في كتاب الأحكام في قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد قال سعيد بن المسيب تحل المطلقة ثلاثا للأول بمجرد العقد من الثاني وإن لم يطأها الثاني لظاهر قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح والنكاح العقد وهذا لا يصح بل هو هنا الوطء لأنه {صلى الله عليه وسلم} شرط ذوق العسيلة وهي عبارة عن الوطء نعم يرد على مذهبنا أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد بن المسيب وإن قلنا إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال لأنه آخر ذوق العسيلة ولذا لا يجوز له أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ولم يشترط عندنا في التحليل الإنزال فصارت المسألة في غاية الإشكال بل ما مر بي في الفقه أعسر منها\rا هـ ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والأربعون والمائة بين قاعدة ما يحرم بالنسب وبين قاعدة ما لا يحرم بالنسب\rالمحرم بالنسب على الإنسان ذكرا كان أو أنثى أربعة أنواع النوع الأول أصوله وهما الآباء والأمهات وإن علوا والنوع الثاني فصوله وهم الأبناء وأبناء الأبناء وإن سفلوا والنوع الثالث فصول أول أصوله وهم الإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا وأما فصول ثاني\rالأصول وثالثها وإن علا ذلك وهم أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات فمباحات لقوله تعالى لنبيه {صلى الله عليه وسلم} وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك\rالنوع الرابع","part":3,"page":190},{"id":911,"text":"أول فصل من كل أصل ويندرج فيه أولاد الأجداد والجدات وهم الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأما ثاني فصل من أول الأصول وهم أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات فمباحات كما علمت ودليل هذا الضابط قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأجمعت الأمة على أن المراد بلفظ كل نوع من هذه الأنواع القريب والبعيد واللفظ صالح له لقوله تعالى يا بني آدم يا بني إسرائيل ملة أبيكم إبراهيم كما تقدم ثم قال فيما يحرم بالرضاع وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة قال ابن العربي في الأحكام ولم يذكر من المحرم بالرضاع في القرآن سواهما والأم أصل والأخت فرع فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع وثبت عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة\rا ه قال في بداية المجتهد يعني أن المرضعة تنزل منزلة الأم فتحرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب\rا ه وقال تعالى قبل ذلك فيما يحرم المصاهرة ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف يريد في الجاهلية فإنه معفو عنه ثم قال بعد ذلك وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم واحترز بقوله الذين من أصلابكم من زوجات أبناء التبني قال ابن العربي في أحكامه وابن التبني كان في صدر الإسلام إذ تبنى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زيد بن حارثة ثم نسخ الله تبارك وتعالى ذلك بقوله ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وهذه هي الفائدة في قوله تعالى من\r","part":3,"page":191},{"id":912,"text":"أصلابكم ليسقط ولد التبني ويذهب اعتراض الجاهل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في نكاح زينب زوج زيد وقد كان يدعى له فنهج الله سبحانه ذلك ببيانه ا ه ولم يحترز به من زوجات ابن الرضاع لجريانه مجرى ابن النسب في جملة من الأحكام معظمها التحريم لقوله {صلى الله عليه وسلم} يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ثم قال تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وفي أحكام ابن العربي قال ابن عباس في قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما حرم الله تعالى في هذه الآية من النسب سبعا ومن الصهر سبعا وهذا صحيح وهو أصل المحرمات ووردت من جهة مبينة لجميعها بأخصر لفظ وأدل معنى فهمته الصحابة العرب وخبر به العلماء ونحن نفصل ذلك البيان فنقول أما الأصناف النسبية السبعة فالأم عبارة عن كل امرأة لها عليك ولادة ويرتفع نسبك إليها بالبنوة كانت على عمود الأب أو على عمود الأم وكذلك من فوقك والبنت عبارة عن كل امرأة لك عليها ولادة تنتسب إليك بواسطة أو بغير واسطة إذا كان مرجعها إليك والأخت عبارة عن كل امرأة شاركتك في أصليك أبيك وأمك ولا تحرم أخت الأخت إذا لم تكن لك أختا فقد يتزوج الرجل المرأة ولكل واحد منهما ولد ثم يقدر بينهما ولد قال سحنون هو أن يزوج الرجل ولده من غيرها بنتها من غيره وتصويرها أن يكون لرجل اسمه زيد زوجتان عمرة وخالدة وله من عمرة ولد اسمه عمر ومن خالدة بنت اسمها سعادة ولخالدة زوج اسمه بكر وله منها بنت اسمها حسناء فزوج زيد ولده عمر حسناء وهي أخت أخت عمرو فمن هنا قال اللخمي كل أم حرمت بالنسب حرمت أختها وكل أخت حرمت لا تحرم أختها إذا لم تكن خالة وكل عمة حرمت قد لا تحرم أختها لأنها قد لا تكون أخت أبيه ولا أخت جده\r","part":3,"page":192},{"id":913,"text":"ا ه والعمة عبارة عن كل امرأة شاركت أباك في ما علا من أصله والخالة هي كل امرأة شاركت أمك فيما عليت من أصليها أو من أحدهما على تقدير تعلق الأمومة كما تقدم ومن تفصيله تحريم عمة الأب وخالته لأن عمة الأب أخت الجد والجد أب وأخته عمة وخالة الأب أخت جدته لأمه والجدة أم وأختها خالة وكذلك عمة الأم أخت جدها لأبيها وجدها أب وأخته عمة وخالة الأم أخت جدتها والجدة أم وأختها خالة وتتركب عليه عمة العمة لأنها عمة الأب كذلك وخالة العمة خالة الأم كذلك وخالة الخالة خالة الأم كذلك وعمة الخالة عمة الأم كذلك وقد تضمن هذا كله قوله تعالى وعماتكم وخالاتكم بالحجر في التحريم ولم يتضمنه آية الفرائض بالاشتراك في الموارث لسعة الحجر في التحريم وضيق الاشتراك في الأموال فعرق التحريم يسري حيث اطرد وسبب الميراث يقف أين ورد ولا تحرم أخت العمة ولا أخت الخالة وصورة ذلك كما قررنا لك في الأخت وبنت الأخ وبنت الأخت عبارة عن كل امرأة لأخيك أو لأختك عليها ولادة\r","part":3,"page":193},{"id":914,"text":"وترجع إليها بنسبة وأما الأصناف الصهرية السبعة فالأول والثاني أمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وهما محرمان بالقرآن وقد تقدم بعض الكلام عليهما هنا وإن أردت بسطه فعليك ببداية المجتهد وأحكام ابن العربي وغير ذلك والثالث أمهات نسائكم وقد تقدم الكلام عليها في الفرق الذي قبل هذا والرابع ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن جمع ربيبة كفعيلة بمعنى مفعولة من ربها يربها إذا تولى أمرها وهي محرمة بإجماع الأمة كانت في حجر الرجل أو في حجر حاضنتها غير أمها فالاتي في حجوركم تأكيد للوصف وليس بشرط في الحكم وما رواه مالك بن أوس عن علي من أنها لا تحرم حتى تكون في حجره فباطل وكمال الكلام عليهما قد تقدم في الفرق قبل والخامس حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم جمع حليلة كفعيلة بمعنى محلة والسادس أزواج آبائكم في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف فكما حرم الله على الآباء نكاح أزواج أبنائكم كذلك حرم على الأبناء نكاح أزواج آبائهم فكل فرج حل للابن حرم على الأب أبدا وبالعكس وقد تقدم بقية الكلام عليها في الفرق قبل السابع قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين تعلق أبو حنيفة به في تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت والخامسة في عدة الرابعة وقال إن هذا محرم بعموم القرآن لأنه إن لم يكن جمعا في حل فهو في حبس بحكم من أحكام الفرج وهو إذا تزوج أختها فقد حبس المتزوجة بحكم من أحكام النكاح وهو الحل والوطء وقد حبس أختها بحكم من أحكام النكاح وهو استبراء الرحم لحفظ النسب فحرم ذلك بالعموم وهي من مسائل الخلاف الطويلة وقد مهدنا الخلاف فيها هنالك والذي نجتزي به الآن أن الله سبحانه وتعالى نهاه أن يجمع وهذا ليس بجمع منه لأن النكاح اكتسبه والعدة إلزامية فالجامع بينهما هو الله سبحانه بحلمه وليس للعبد في هذا الجمع كسب يرجع النهي بالخطاب إليه وليس قوله تعالى هنا إلا ما قد سلف من مثل قوله إلا","part":3,"page":194},{"id":915,"text":"ما قد سلف في نكاح منكوحات الآباء لأن ذلك لم يكن قط بشرع وإنما كانت جاهلية جهلاء وفاحشة شائعة ونكاح الأختين كان شرعا لمن قبلنا فنسخه الله عز وجل فينا بقوله هنا إلا ما قد سلف\rا ه كلام ابن العربي بتصرف وحذف وزيادة فائدة وجه قول العلماء الآباء وإن علوا والأبناء وإن سفلوا مع أنه لو عكس لاستقام فإن الأبناء فروع وشأن الفرع أن يكون أعلى من صلبه وفرع الفرع أعلى من الفرع في شجرة النسب والأصل أسفل وأصل الأصل أسفل من الأصل وهو الإشارة إلى أن مبدأ الإنسان من نطفة والنطفة تنزل من الأب والنازل من الشيء يكون أسفل منه وابن الابن ينزل من الابن فلفظ الأبناء وإن سفلوا ولفظ الآباء وإن علوا مجاز اصطلحوا عليهما إشارة لهذا المعنى من التخيل ولا مشاحة فلي الاصطلاح فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والأربعون والمائة بين قاعدة الحصانة لا تعود بالعدالة وقاعدة الفسوق تعود بالجناية\r","part":3,"page":195},{"id":916,"text":"وذلك أن عود الفسوق بعود الجناية إنما هو لأن الأمة مجمعة على أن سبب الفسوق هو ملابسة الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة من حيث هو هذا المعنى من غير قيد ولا شرط معقول المعنى بحيث إن الإنسان إذا جنى بكبيرة أو بإصرار على صغيرة بعد أن زال القضاء عليه بالفسوق بتوبته وإنابته من ذلك وجب أن يعود القضاء عليه بالفسوق من غير استثناء صورة من صورة عملا بطرد العلة ووجود الموجب وأما المحصن بعدم مباشرة الزنى إذا زال إحصانه بمباشرته الزنى لم تعد حصانته بعدالته بعد مباشرته الزنى فلذا قال أصحابنا فإذا قذفه بعد إن صار عدلا لم يحد كما نقله صاحبا الجواهر والنوادر وجماعة من الأصحاب وفي الجواهر أيضا لو لاعن المرأة وأبانها ثم قذفها بتلك الزنية لم يحد ولم يلاعن لاستيفاء موجب اللعان قبل ذلك وقال ربيعة يحد وإن قذفها بزنية أخرى فإن كانت لم تلاعن وحدت لم يجب الحد لسقوط إحصانها الذي هو شرط في حد القذف بتلك الزنية بموجب لعانه وإن لاعنت وجب الحد أي للزوج القاذف فأولى بالحد الأجنبي إذا قذفها بها أي مطلقا لأن أثر لعان الزوج لا يتعدى لغيره ووقع في كتاب القذف إذا قذف من ثبت عليه الزنا وحسنت حاله بعد ذلك لا يحد لأن الحصانة لا تعود بالعدالة فمن ثبت فسقه بالزنا ذهبت حصانته وذلك إنما قالوه بناء على قاعدتين القاعدة الأولى أن الله تعالى إذا نصب سببا لحكمة فالصحيح عند العلماء أنه لا يجوز ترتب الحكم على تلك الحكمة لأن الله تعالى لم ينصبها سببا لذلك الحكم بل سبب وسببه وقد لا يصح سبب سببه سببا له لعدم المناسبة ألا ترى أن وجوب الزواج حكم سببه خوف الزنى والزواج سبب وجوب النفقة سبب\r","part":3,"page":196},{"id":917,"text":"وجوب الزواج الذي هو خوف الزنى لا يناسب أن يكون سببا لوجوب النفقة ونظائر ذلك كثيرة منها أن الله تعالى نصب السرقة سببا للقطع لحكمة حفظ المال ولم يترتب القطع على من أخذ مالا بغير السرقة نظرا لتلك الحكمة بل منع لعدم تحقق سببه الذي هو السرقة ومنها أن الله تعالى نصب الزنى سببا للرجم لحكمة حفظ الأنساب لئلا تلتبس ولم يترتب الرجم على من سعى في التباس الأنساب بغير الزنى بأن يجمع الصبيان ويغيبهم صغارا أو يأتي بهم كبارا فلا يعرفهم آباؤهم نظرا لحكمة حفظ الأنساب بل منعوا رجمه لعدم تحقق سببه الذي هو الزنى ومنها أن الله تعالى شرع الرضاع سببا للتحريم بسبب أن جزء المرضعة وهو اللبن صار جزء الرضيع باغتذائه به وصيرورته من أعضائه فأشبه ذلك منيها ولحمتها في النسب لأنهما جزء الجنين\r","part":3,"page":197},{"id":918,"text":"ولذلك قال عليه الصلاة والسلام الرضاع لحمة كلحمة النسب ولم يترتب ذلك التحريم على سبب سببه الذي هو صيرورة نحو دم المرأة أو قطعة من لحمها جزءا من أجزاء من شرب دمها أو أكل قطعة من لحمها إذ لم يقولوا بأنه يحرم عليها أو تحرم هي عليه بل قال مالك في المدونة لا تقع الحرمة باللبن إذا استهلك وعدم بحيث لا يسمي رضاعا ولبنا وتناوله الصبي إعراضا عن التعليل بالحكمة وقاله الشافعي أيضا وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين اللبن المغلوب بالماء أو الدواء والمختلط بالطعام وإن كان اللبن غالبا لا يحرم لأن الطعام أصل واللبن تابع نعم قال مطرف من أصحابنا تقع الحرمة باللبن المستهلك بناء أنه على مقابل الصحيح أنه يجوز ترتيب الحكم على الحكمة ومنها أن الله تعالى شرع القذف سببا للجلد لحكمة حفظ الأعراض وصون القلوب عن الإذايات لكن اشترط فيه الإحصان ومن جملته عدم مباشرة الزنى فمن باشر فقد انتفى في حقه عدم مباشرة الزنى فإن النقيضين لا يصدقان والعدالة بعد ذلك لا تنافي كونه مباشرا فإن لاحظنا الحكمة بدون السبب حسن إعادة الحكم بحد قاذفه وإن اقتصرنا على خصوص السبب ولم نرتب الحكم على حكمته بدونه لم نقل بوجوب حد قاذفه ويؤكد ذلك أن الحدود يغلب عليها التعبد من جهة مقاديرها وإن كانت معقولة المعنى من جهة أصولها والتعبد لا يجوز\rالتصرف فيه فمن هنا ظهر أنه لا يلزم من الاستواء في الآفة الاستواء في الحد بل يعزر إن آذاه بالقذف على قاعدة السب والشتم فلا تضيع المصلحة ولا تستباح الأعراض بل تنعصم بالتعزير وقد يزيد التعزير على الحد على أصل مالك رحمه الله تعالى فلا يستنكر إسقاط الحد في هذه الصورة\r","part":3,"page":198},{"id":919,"text":"وفي تبصرة ابن فرحون عن المازري في المعلم دليل ما ذهب إليه مالك من جواز زيادة العقوبات على الحد فعل سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في ضرب الذي نقش خاتمه مائة ونقل ابن قيم الجوزية أنها ثلاثمائة في ثلاثة أيام وذكر القرافي أن صاحب القضية معن بن زياد زور كتابا على عمر ونقش خاتمه فجلده مائة فشفع فيه قوم فقال أذكرتموني الطعن وكنت ناسيا فجلده مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم يخالفه أحد قال المازري فكان إجماعا وضرب عمر رضي الله تعالى عنه ضبيعا أكثر من الحد ا ه\rالقاعدة الثانية أن ما ورد مطلقا يحمل على ما ورد مقيدا حيث كان القيد واحدا وإلا حمل ما ورد مقيدا على المطلق لئلا يحصل الترجيح بلا مرجح فنحو قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة\rشهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة الآية من حيث إنه ورد غير مقيد بوصف الغفلة بخلاف قوله تعالى في الآية الأخرى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة فإنه قيد بوصف الغفلة فيحمل المطلق على المقيد على القاعدة في أصول الفقه والمباشر للزنا ليس بغافل عنه فلا يحد قاذفه لأنه لو حد لحصل معنى اللعن في الدنيا والآخرة وهو منفي بهذه الآية من جهة مفهومها الذي هو مفهوم الصفة لأن مفهومها أن من ليس بغافل لا يحد قاذفه ولا يلعن في الدنيا والآخرة وهو المطلوب وقد اتفقنا على أنه يلعن بالتعزير والعقوبة المؤلمة على حسب حال المقذوف فيبقى ما عداه على مقتضى الدليل ونحو قوله {صلى الله عليه وسلم} كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله إلخ مقيد وكذا قوله {صلى الله عليه وسلم} كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله إلخ فيحملان على المطلق وهو قوله {صلى الله عليه وسلم} كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله إلخ على القاعدة في أصول الفقه من حمل المقيدين على المطلق الواحد لا العكس لئلا يلزم التحكم فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم","part":3,"page":199},{"id":920,"text":"الفرق الثامن والأربعون والمائة بين قاعدة ما يلحق فيه الولد بالواطئ وبين قاعدة ما لا يلحق به\rفي أحكام القرآن لابن العربي قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أقل الحمل ستة أشهر لأن الله تعالى قال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ثم قال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة فإذا أسقطت حولين من ثلاثين شهرا بقيت منه ستة أشهر وهي مدة الحمل وهذا من بديع الاستنباط ا ه\rفمن هنا أطلق العلماء القول بأن الولد لا يلحق بالواطئ إلا لستة أشهر فصاعدا وقال ابن الشاط وكلامهم هذا على إطلاقه كما هو مقتضى الآية في قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا قال ولا اعتبار عندي بما حكاه الشهاب عن الأطباء حيث قال ذكر ابن جميع وغيره من الأطباء في التحدث على الأجنة أن الجنين يتحرك لمثل ما يخلق فيه ويوضع لمثلي ما تحرك فيه قالوا وتخلقه في العادة تارة يكون لشهر وتارة يكون لشهر وخمسة أيام وتارة يكون لشهر\rونصف فإذا تخلق في شهر بمعنى تصورت أعضاؤه تحرك في مثل ذلك فيتحرك في شهرين ويوضع لمثلي ما تحرك فيه ومثلا الشهرين أربعة أشهر وأربعة مع شهرين ستة فيوضع لستة أشهر وإن تخلق لشهر وخمسة أيام تحرك في مثلي ذلك وهو شهران وعشرة أيام ومثلا ذلك أربعة أشهر وعشرون يوما فإذا أضيف ذلك لمدة التحرك كان سبعة أشهر فيوضع الولد لسبعة أشهر وإن تخلق لشهر ونصف تحرك في ثلاثة أشهر ويوضع لتسعة أشهر على التقدير المتقدم فلذلك لا يحصل الوضع الطبيعي إلا لستة أشهر أو سبعة أو تسعة قالوا ولهذا السبب يعيش الولد الذي يوضع لسبعة ولا يعيش الذي يوضع لثمانية\r","part":3,"page":200},{"id":921,"text":"وإن كان أقرب للقوة ولمدة التسعة وذلك أن الذي يوضع لسبعة وضع من غير آفة سليما على قاعدة الولادة والذي يوضع لثمانية يكون به آفة من مرض أو غيره قد عجلته تلك الآفة عن التسعة أو أخرته عن السبعة والذي به آفة لا يعيش فالمولود لثمانية لا يعيش هذا هو المنهج العام والعادة الغالبة قالوا وقد يحصل عارض إما من جهة المني في مزاجه وبرده ويبسه وإما من جهة الرحم في برده أو هيئة فيه تمنع من جريان هذه القاعدة فيقعد الولد إلى اثني عشر شهرا وقال الفقهاء والمؤرخون هذه الأسباب العارضة قد تؤخر الولد إلى سنتين فأكثر وهو قول الحنفية أو إلى أربع سنين وهو مشهور قول الشافعية أو إلى خمس سنين وهو مشهور المالكية ووقع في مذهب الشافعي ومالك رضي الله عنهما إلى سبعة قال صاحب الاستقصاء\rولدت امرأة بواسط لسبع سنين ولدا له وفرة من الشعر فجاء عند الولادة بجنبه طائر فقال له كش وقال مالك إن امرأة العجلاني دائما لا تضع إلا لخمس سنين وهذا من العوارض النادرة الغريبة في هذه المحال والغالب هو الأول\rا ه كلام الشهاب ووجه عدم اعتبار ما حكاه عن الأطباء هو أنه على تقدير أن يكون صحيحا على مقتضى الحس مخالف لمقتضى الآية ومقتضى الشرع مقدم ولا تضر مخالفته لمقتضى الحس على أن الأصح إبطال ما ذكره الأطباء من ذلك لمخالفته لقوله عليه الصلاة والسلام يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما أو أربعين صباحا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح فإن ظاهره أن الحركة في جميع الأجنة لأربعة أشهر والوضع لاثني عشر شهرا وهو يقتضي تكذيبهم فيما قالوه ولا حاجة إلى تأويله بأن يقال إنه إشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا فإن الأربعين تقرب من الثلاثين والخمسة والثلاثين والخمسة والأربعين وهي بين هذه الأطوار متوسطة تكاد تشتمل على الجميع بتوسطها ودعوى أن كون الحركة في أربعة أشهر والوضع في اثني عشر شهرا وإن كان صورة واقعة صحيحة غير أنها نادرة\r","part":3,"page":201},{"id":922,"text":"وحمل اللفظ على النادر خلاف الظاهر فيحمل على الغالب نظرا لأن المباشر لصور التخليق والتحرك والوضع المتقدم تقديره مشرحون كانوا يشرحون الحبالى ويشقون أجوافهم فيمن وجب عليه القتل ويطلعون على ذلك حسا وعيانا والحس يؤول لأجله ظاهر الحديث على أنه يمكن أن يقال إن قوله عليه السلام يجمع خلق أحدكم صيغة مطلقة لا عموم فيها فيتأدى بصورة وقد وقعت في\rصور كثيرة وحصل الوضع في اثني عشر شهرا فحصل مقتضى الحديث وصدق الخبر فلا حاجة إلى العدول به عن ظاهره دعوى غير مسموعة فإن المشرحين المذكورين قوم كفار لا عبرة بقولهم في الشرائع والأحكام فلا ينبني على قولهم لحوق الولد وعدم لحوقه حتى يقال إن كان الولد قد ولد تاما فلا يتم بعد الوطء إلا في ستة أشهر فأكثر منها أما أقل فلا وإذا لم تلده تاما نظرت نسبة تلك المدة لذلك التخلق فإن كانت المدة تصلح له ألحقته بالواطئ\rوإن كانت لا تصلح له لم يلحق فقد يلحق به لثلاثة أشهر مثلا إذا كانت ثلاثة أشهر تصلح لذلك التخلق وقبول قول الكافر في المواطن التي تقدم ذكرها في في الفرق الأول من الأمور الغائبة من الطبيات والجراحات وكل ما هو علمهم ودرايتهم وإن كان صحيحا على أنه من باب الخبر لا الشهادة إلا أنه ليس على إطلاقه بل في مواطن إلجاء الضرورة إلى قبول قولهم وليس ما نحن فيه من أمر لحوق الولد من تلك المواطن لأن الآية يقتضي ظاهرها تعيين المدة التي يلحق فيها الولد وهي ستة أشهر والحديث يقتضي ظاهره تكذيبهم فيما قالوه كما علمت\rا ه كلام ابن الشاط بتوضيح وبالجملة فالعلامة ابن الشاط اعتبر ظاهر الآية وظاهر الحديث وبنى على ذلك أن الولد لا يلحق الواطئ لأقل من ستة أشهر فصاعدا ولم يعتبر ما ذكره الأطباء لأمرين أحدهما أن مقتضى الحس على تقدير صحته لا يقدم على مقتضى ظاهر الشرع إذ لا تضر مخالفة الشرع لمقتضى الحس\rالثاني\r","part":3,"page":202},{"id":923,"text":"أن ما نحن فيه من أمر لحوق الولد ليس من مواطن إلجاء الضرورة إلى قبول أقوال الكفار حتى يقبل فيه قول المشرحين من الأطباء الكفار والعلامة الشهاب اعتبر ما ذكره الأطباء نظرا لكونهم وإن كانوا كفارا قد شرحوا من وجب عليه القتل من الحبالى وشقوا أجوافهم واطلعوا على ذلك حسا وعيانا وقول الفقهاء لا يقبل قول الكفار ولا شهادتهم إنما هو في الشهادة في استحقاق الأموال والدماء\rونحو ذلك من قضايا الحكام أما ما يتوقف على الطبيات والجراحات والأمور التي هي علمهم ودرايتهم فقد لمالك وأصحابه قول على قول الكافر في ذلك ويثرب عليه الحكم الشرعي كما مر في الفرق الأول وبنى عليه أن الولد يلحق الواطئ لأقل من ستة أشهر حيث لم تلده تاما في مدة تصلح للتخلق الذي ولد عليه وأن ظاهر الآية محمول على صورة من الصور الغالبة التي ذكرها الأطباء وأما ظاهر الحديث فإما محمول على صورة من الصور غير الغالبة وإن كانت نادرة ليحصل مقتضاه وتصدق صيغة إطلاقه بصورة ما بلا احتياج إلى العدول به عن ظاهره وإما أن يكون إشارة إلى التوسط بين الأطوار كما تقدم فيكون محمولا على الغائب لا على النادر لأنه خلاف الظاهر ونظر في ذلك إلى أن الحس يؤول لأجله ظاهر الحديث فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والأربعون والمائة بين قاعدة قيافته عليه السلام وبين قاعدة قيافة المدلجين\r","part":3,"page":203},{"id":924,"text":"وذلك أنه جاء في البخاري وغيره أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال في حديث اللعان المشهور لما لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته وكانت حاملا إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به على المكروه من ذلك وفي بعض الروايات في البخاري كان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلا آدم كثير اللحم جعدا قططا فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} اللهم بين فجاءت به شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها والوحرة بالحاء المهملة دويبة حمراء تلصق بالأرض\rوالأعين الواسع العينين والآدم الشديد الأدمة وهي سمرة بحمرة\rوالخدل الكثير اللحم في الساقين يقال رجل خدل وامرأة خدلاء\rوالقطط الشديد الجعودة كشعور السودان فهذا الحديث كالحديث الذي جاء في الصحيح عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما قالت أو تجد المرأة ما يجد الرجل يعني من إنزال المني واللذة الموجبة للغسل فقال لها عليه السلام تربت يداك ومن أين يكون الشبه يقتضي أن مني المرأة ومني الرجل يحدث شبها في الولد بالأبوين فيأتي في الخلقة والأعضاء والمحاسن ما يدل على الأنساب فإن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قضى على خلقة مخصوصة أنها توجب أنه من واطئ مخصوص وأنه يوجب النسب إن جاءت به يشبه صاحب الفراش وجاء في مسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي\r","part":3,"page":204},{"id":925,"text":"رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذات يوم مسرورا فقال يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وسبب سروره {صلى الله عليه وسلم} كما قال أبو داود وهو علمه بذلك {صلى الله عليه وسلم} بترك الجاهلية عند ذلك الطعن على زيد بسبب أنه كان شديد البياض وابنه أسامة كان شديد السواد ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يسر إلا بسبب حق فتكون القيافة حقا فالقافة كما تثبت بحديث مجزز المدلجي كذلك تثبت بحديث اللعان وحديث عائشة بل ثبوتها بهذين الحديثين كما قال بعض الفضلاء أولى ضرورة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في هذين الحديثين قد صرح بالقيافة وصدرت عنه {صلى الله عليه وسلم} قولا وفعلا وفي حديث المدلجي إنما صدر منه {صلى الله عليه وسلم} الإقرار على ما قاله المدلجي وأين إقرار النبي {صلى الله عليه وسلم} على قول رجل من آحاد الناس معرض للصواب والخطأ مما فعله هو بنفسه وتكرر منه {صلى الله عليه وسلم} وهو معصوم من الخطأ ومع هذا فمالك والشافعي رضي الله عنهما لما قالا بالقافة في لحوق الأنساب وخصصه مالك في مشهور مذهبه بالإماء دون الحرائر مخالفين لقول أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز الاعتماد على القافة أصلا في صورة من الصور لأنه حزر وتخمين والحزر والتخمين كالاعتماد على النجوم وعلى علم الرمل والفأل والزجر وغير ذلك من أنواع الحزر والتخمين لا يجوز والكبرى لا شك في ظهورها\rودليل الصغرى أن الاستدلال بالخلق على الأنساب استدلال بما لم يطرد ولم ينعكس إذ مع طول الأيام قد يولد للشخصين من لا يشبههما في خلق ولا في خلق ألا ترى إلى قوله عليه السلام للذي أنكر ولده من لونه لعله عرق نزع بعد أن قال له هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال بيض قال هل فيها من\r","part":3,"page":205},{"id":926,"text":"أورق قال نعم قال فمن أين ذلك الأورق قال لعله عرق نزع قال له عليه السلام لعله عرق نزع يشير إلى أن صفات الأجداد وأجداد الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء فيأتي الولد يشبه غير أبويه وقد يأتي الولد يشبه أبويه وليس هو منهما لأن الواطئ الزاني بأمه كان يشبه أباه وجدا من أجداده أو خالا من أخواله يشبه أباه الذي ألحقته القافة به وليس هو بأب له في نفس الأمر والاستدلال بما لم يطرد ولم ينعكس من باب الحزر والتخمين البعيد فلا يجوز الاعتماد عليه لم يحتجا على أبي حنيفة في ثبوت القافة بحديث اللعان وحديث عائشة بل إنما احتجا بحديث مجزز المدلجي فعدلا عن مدرك في غاية القوة والشهرة إلى ما هو أضعف بكثير بل لم يعرج أحد من الفقهاء القائلين بصحة القيافة على الاستدلال بالقوي ألبتة وما ذلك إلا لموجب حسن هو سر الفرق بين القاعدتين المذكورتين وهو أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعطاه الله تعالى من وفور العقل وصفاء الذهن وجودة الفراسة أمرا عظيما بينه وبين غيره من أمته في ذلك فرق لا يدانى ولا يقارب وكذلك في حواسه وقوى جسده وجميع أحواله فكان يرى من وراء ظهره ويرى في الثريا أحد عشر كوكبا ونحن لا نرى فيها إلا ستة فلو استدل الفقهاء على أبي حنيفة بقيافته عليه السلام لم تقم الحجة على أبي حنيفة إذ كان له أن يقول إذا صحت القيافة من تلك الفراسة النبوية القوية المعصومة عن الخطأ فمن أين لكم أن فراسة الخلق الضعيفة تدرك من الخلق ما يستدل به على الأنساب ولعلها عمياء عن ذلك بالكلية لقصورها ولم يبق فيها إلا حزر وتخمين باطل كما أنا عمينا في بقية كواكب الثريا لا ندركها ألبتة لضعفنا والبصر\rوكيف يتأتى لكم ما تقصدونه بهذا الاستدلال من ثبوت حكم القيافة إلى يوم القيامة\r","part":3,"page":206},{"id":927,"text":"وإذا قال أبو حنيفة ذلك تعذر جوابه وبطل الاستدلال عليه ألبتة أما إذا استدل الفقهاء عليه بقضية مجزز المدلجي فقد استدلوا بشيء يمكن وجوده إلى يوم القيامة فإن الأمة يمكن فيها ذلك لا سيما في هذه القبيلة فكان الاستدلال بذلك على ثبوت الحكم في القيافة إلى يوم القيامة استدلالا صحيحا بخلاف الأول لتعذر مثل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومثل فراسته القوية نعم بحث الحنفية في الاستدلال بحديث مجزز المدلجي بوجهين\rالأول\rأنه يجوز أن يكون سروره {صلى الله عليه وسلم} لقيام الحجة على الجاهلية بما كانوا يعتقدونه وإن كان باطلا وقد يؤيد الله الحق بالرجل الفاجر وبما شاء فإخمال الباطل ودحضه يوجب السرور بأي طريق كان الثاني أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سر بوجود آية الرجم في التوراة وهو يعتقد صحتها بل لقيام الحجة على الكفار وظهور كذبهم وافترائهم فلم لا يكون سروره {صلى الله عليه وسلم} بقضية مجزز المدلجي كذلك وأجاب الفقهاء عن الأول بحديث اللعان وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها لدلالتها على أنه {صلى الله عليه وسلم} قد استدل الخلق التي لم توجد على الأنساب فيكون ثبوت الاستدلال بالخلق المشاهد أولى ضرورة أن الحس أقوى من القياس وإذا ثبت أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أثبت هذا من قبل نفسه في صورة ليس فيها غرض للمشركين دل ذلك على أن القاعدة حق في نفسها وأن سروره عليه السلام لم يكن إلا بحق لا لأجل إقامة الحجة على المشركين وعن الثاني بأن رجم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اليهوديين بين إنما كان بوحي وصل إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعدم صحة\r","part":3,"page":207},{"id":928,"text":"التوراة في آية الرجم وتجويز أنها من المحرفات ولا يلزم من إخبار عبد الله بن سلام أن في التوراة آية الرجم أن يكون ذلك صحيحا لأن عبد الله بن سلام إنما أخبر بأنه رآها مكتوبة في نسخ التوراة ولم يخبر أنها مروية عنده بالطريق الصحيح إلى موسى بن عمران عليه السلام ولا يلزم من أن يكون في النسخ شيء مكتوب أن يكون صحيحا فإن الإنسان منا يقطع بأنه وجد في كتب التواريخ حكايات وأمورا كثيرة ولا يقضي بصحتها فكذلك هنا وإذا كان عليه السلام حكم بالوحي فلا يكون ذلك حجة علينا هاهنا فإن هذه الصورة ليس فيها ما يدل على الوحي بل ظاهر الأمر خلافه فظهر بهذه الأحاديث أن هذا مدرك صحيح يعتمد عليه وليس من باب الحزر الباطل كما قاله أبو حنيفة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخمسون والمائة بين قاعدة ما يحرم الجمع بينهن من النساء وقاعدة ما يجوز الجمع بينهن\rفي بداية المجتهد لابن رشد الحفيد اتفقوا على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد نكاح لقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين وكذلك اتفقوا فيما أعلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لثبوت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة وتواتره عنه عليه الصلاة والسلام من أنه قال عليه الصلاة والسلام لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها واتفقوا على أن العمة هاهنا هي كل أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة إما بنفسه وإما بواسطة ذكر آخر وأن الخالة هي كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ولادة إما بنفسها وإما بتوسط أنثى غيرها وهن الحرات من قبل الأم واختلفوا أولا\r","part":3,"page":208},{"id":929,"text":"في الجمع بين الأختين بملك اليمين فالفقهاء على منعه وذهبت طائفة إلى إباحة ذلك وسبب اختلافهم أن عموم قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين معارض لعموم الاستثناء في آخر الآية وهو قوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم وذلك أن هذا الاستثناء يحتمل أن يعود لجميع ما تضمنته الآية من التحريم إلا ما وقع الإجماع على أنه لا تأثير له فيه أي من المحرم بالمصاهرة فيخرج من عموم قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين ملك اليمين ويحتمل أن لا يعود إلا إلى أقرب مذكور فيبقى قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين على عمومه ولا سيما إن عللنا ذلك بعلة الأخوة أو بسبب موجود فيهما واختلف القائلون بهذا القول أعني منع الجمع في ملك اليمين وبقاء وأن تجمعوا بين الأختين على عمومه فيما إذا كانت إحدى الأختين بنكاح والأخرى بملك يمين فمنعه مالك وأبو حنيفة وأجازه الشافعي\rواختلفوا ثانيا في لفظ الحديث المذكور هل هو خاص أريد به الخصوص فقط وهو قول الأكثر وعليه الجمهور من فقهاء الأمصار وعليه فالتحريم لا يتعدى إلى من نص عليه أو هو خاص والمراد به العموم واختلف القائلون بهذا في تفسير العموم فقال قوم يفسر العموم بالجمع بين كل امرأتين بينهما رحم محرمة أو غير محرمة فعند هؤلاء لا يجوز الجمع بين ابنتي عم أو عمة ولا بين ابنتي خال أو خالة ولا بين المرأة وبنت عمها أو بنت عمتها ولا بينها وبين بنت خالتها وقال قوم يفسر العموم بالجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة محرمة أعني لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا واختلف القائلون بهذا المعنى فقيل باعتباره ولو لم يكن من الطرفين جميعا بل كان من أحدهما فقط وعليه فيمنع الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها المعنى اختاره أصحاب مالك أن المعنى المذكور لا يعتبر إلا إذا كان من الطرفين\r","part":3,"page":209},{"id":930,"text":"جميعا بحيث إنه إذا جعل كل واحد منهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا فيجوز عندهم الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها لأنه إن وضعنا البنت ذكرا لم يحل نكاح المرأة منه لأنها زوج أبيه وإن جعلنا المرأة ذكرا حل لها نكاح ابنة الزوج لأنها تكون ابنة الأجنبي\rا ه بتصرف وتوضيح وقال الأصل لا يكون ضابط ما يحرم الجمع بينهن مانعا من اندراج ما يجوز الجمع بينهن كالمرأة وابنة زوجها والمرأة وأم زوجها إلا إذا قيل كل امرأتين بينهما من النسب والرضاع ما يمنع تناكحهما لو قدر إحداهما رجلا والأخرى أنثى لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بعقد ولا ملك عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين إذ لولا قيد النسب والرضاع لاندرج فيه المرأة وابنة زوجها والمرأة وأم زوجها فإنه لو فرض إحداهما رجلا والأخرى امرأة لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر بسبب أن المرأة حينئذ إما أم امرأة الرجل أو ربيبته فتحرم على ذلك الرجل ومع ذلك يجوز الجمع بينهما فيكون الضابط باطلا فإذا قلنا من النسب والرضاع ما يمنع التناكح خرجا من الضابط وبقي جيدا\rا ه قال ابن الشاط وما علل به من قوله بسبب أن المرأة حينئذ إما امرأة الرجل أو ربيبته فباعتبار قوله أما أم امرأة الرجل لا يصح إلا على تقدير أن المرأة رجل وأن أم زوجها زوجته فيتعين المعرف وهو المضاف إليه وحقه أن لا يتعين لأنه إذا تعين بتغير فرض المسألة وأما باعتبار قوله أو ربيبته فيصح نظرا للاشتراك في لفظ ربيبته فإنه يقال على زوجة الأب في العرف الجاري الآن وعلى بنت الزوج والزوجة\r","part":3,"page":210},{"id":931,"text":"ا ه قلت وخلاصته أن تقدير أحد الطرقين أنثى والآخر ذكرا بدون تعيين لذلك الأحد كما هو الشرط لا يتأتى في مسألة المرأة وأم زوجها وإنما يتأتى في مسألة المرأة وابنة زوجها نظرا للاشتراك في لفظ الربيبة في العرف الجاري الآن وقد علمت من كلام ابن رشد الحفيد عدم تأتي ذلك في مسألة المرأة وابنة زوجها أيضا ثم لا يخفاك أن قيدي النسب والرضاع في الضابط الذي\rقاله الأصل يغني عنهما في إخراج المسألتين المذكورتين قوله لو قدر أحدهما رجلا إلخ حيث جعل من تتمة الضابط على أنه بالقدرين المذكورين لا يمنع اندراج مسألة ما إذا كانت إحدى الأختين بنكاح والأخرى بملك يمين مع أنها خارجة عند الشافعي كما علمت من كلام ابن رشد والأصل قد صرح بأنه ضابط لما يحرم الجمع بينهن في المذاهب الأربعة فتأمل ذلك بإنصاف هذا ويتعلق بمنع الجمع بين الأختين الذي أدرجه الأصل في ضابط ما يحرم الجمع بينهن في المذاهب الأربعة مسألتان تحتاجان إلى تدقيق في البحث قال الأصل فلذلك أفردتهما عن سائر المسائل التي في الباب\rالمسألة الأولى\r","part":3,"page":211},{"id":932,"text":"اختلف الأئمة الأربعة فيما إذا أبان الرجل امرأته هل تحل له في عدتها أختها والخامسة نظرا لانقطاع العصمة والمواريث بينهما وإنما العدة لحفظ الأنساب وهو مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما أو لا تحل حتى تنقضي العدة لأمرين أحدهما أن العدة من آثار النكاح وثانيهما قوله {صلى الله عليه وسلم} من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين وهو مذهب أبي حنيفة وابن حنبل رضي الله عنهما وأجاب المالكية والشافعية عن الأمرين بأن لحوق الولد بعد أربع سنين من آثار النكاح ولا قائل بالتحريم إلى تلك الغاية وإنما المعتبر الاختصاص بالزوج حتى تحصل القطيعة بين الأقارب بسبب الجمع وهو في هذه الصورة منفي المسألة الثانية قال عثمان رضي الله عنه أحلت الأختين بملك اليمين آية وهي قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم وذلك لأن كل واحدة من الآيتين أعم من الأخرى من وجه وأخص من وجه فتستويان لتناول الأولى المملوكتين والحرتين وتتناول الثانية الأختين وغيرهما ولكن ترجيح جمهور الفقهاء التحريم من ثلاثة أوجه أحدها أن الأولى سيقت للتحريم فيستدل بها فيه والثانية سيقت للمدح بحفظ الفروج فلا يستدل بها في التحريم لأن القاعدة أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يستدل به في غيره فتكون آية التحريم سالمة عن المعارضة بالآية الثانية فتقدم وقد مر في كلام ابن رشد الحفيد ما يتعلق بمعارضة الاستثناء في قوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم للآية الأولى فلا تغفل وثانيهما أن الأولى لم يجمع على تخصيصها والثانية أجمع على تخصيصها مما لا يقبل الوطء من المملوكات وبما يقبله لكنه محرم إجماعا كالذكور وأخوات الرضاعة وموطوءات الآباء من الإماء وغير المخصوص أرجح مما أجمع على تخصيصه وثالثها أن الأصل في الفروج التحريم حتى يتيقن الحل فتكون الأولى على وفق الأصل ولم يتعين رجحان الثانية عليها فيعمل بمقتضى الأولى موافقة للأصل والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":212},{"id":933,"text":"الفرق الحادي والخمسون والمائة بين قاعدة الإباحة المطلقة وبين قاعدة الإباحة المنسوبة إلى سبب مخصوص\rاعلم أن الأسباب إذا تعلق بها حكم شرعي من إباحة أو ندب أو منع أو غيرها من أحكام التكليف فلا يلزم أن تتعلق تلك الأحكام بمسبباتها بحيث إن الأمر بالسبب لا يستلزم الأمر بالمسبب والنهي عن السبب لا يستلزم النهي عن المسبب والتخيير في السبب لا يستلزم التخيير في المسبب مثلا الأمر بإباحة الانتفاع بالمبيع والأمر بالنكاح لا يستلزم الأمر بحلية البضع والأمر بالقتل في القصاص لا يستلزم الأمر بإزهاق الروح والنهي عن القتل العدوان لا يستلزم النهي عن الإزهاق والنهي عن التردي في البئر لا يستلزم النهي عن تهتك المردي فيها والنهي عن جعل الثبوت في النار لا يستلزم النهي عن نفس الإحراق والإباحة للأجنبية بالعقد لا يستلزم إباحة وطئها والدليل على ذلك أمران الأول عقلي وهو ما ثبت في الكلام من أن الذي للمكلف تعاطي الأسباب لا المسببات لأنها من فعل الله تعالى وحكمه ولا كسب فيه للمكلف والثاني سمعي وهو أن استقراء هذا المعنى من الكتاب والسنة مقطوع به أما الكتاب فمنه ما هو عام كقوله تعالى والله خلقكم وما تعملون الله خالق كل شيء ومنه ما هو خاص كقوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك وقوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقوله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون إلى آخر الآية وقوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا\r","part":3,"page":213},{"id":934,"text":"الآية وقوله تعالى أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أفرأيتم ما تحرثون أفرأيتم الماء الذي تشربون أفرأيتم النار التي تورون وأما السنة فكقوله {صلى الله عليه وسلم} لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير الحديث وقوله {صلى الله عليه وسلم} قيدها وتوكل ولا يرد أن إباحة عقود البيوع والإجارات تستلزم إباحة الانتفاع الخاص بكل واحد منها وأنه إذا تعلق بها التحريم كبيع الربا والغرر والجهالة استلزم تحريم الانتفاع المسبب عنها وأن التعدي والغصب والسرقة ونحوها والذكاة في الحيوان إذا كانت على وفق المشروع تكون مباحة وتستلزم إباحة الانتفاع وإذا وقعت على غير المشروع كانت ممنوعة ومستلزمة منع الانتفاع إلى غير ذلك مما هو كثير من هذا النحو لأنا نقول ما ذكر في حكم الإنفاق لا على حكم الالتزام بدليل تخلفه في بعض تلك الأمثلة ألا ترى أن كلا من النفقة على المبيع إذا كان حيوانا وحفظ الأموال المتملكة واجب ومسبب عن عقد المبيع المباح وأن الذكاة إذا وقعت في غير المأكول كالخنزير والسباع العادية والكلب ونحوها لا توصف بالتحريم مع الانتفاع إما محرم جميعها وإما محرم في بعضها ومكروه في البعض الآخر هذا في الأسباب المشروعة وأسهل منها الأسباب الممنوعة لأن معنى تحريمها أنها في الشرع ليست بأسباب فلم تكن لها مسببات فبقي المسبب عنها على أصلها من المنع لا أن المنع تسبب عن وقوع أسباب ممنوعة فثبت اطراد هذه القاعدة وينبني عليها أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها بل المقصود منه الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير أسبابا كانت أو غير أسباب معللة كانت أو غير معلة وللمكلف ترك القصد إلى المسبب وله القصد إليه باعتبار المصالح التي توجد عن السبب لأنه التفات إلى العادات الجارية وقد قال تعالى الله الذي سخر لكم البحر\r","part":3,"page":214},{"id":935,"text":"لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله وقال تعالى ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات وأشباه ذلك وللالتفات إلى المسببات بالأسباب الذي هو القسم الثاني ثلاث مراتب إحداها أن يدخل فيها على أن السبب فاعل للمسبب أو مدلوله وهذا شرك أو مضاه له والعياذ بالله تعالى إذ السبب والعلة في الشرع غير فاعل بنفسه بل دليل وأمارة فلذا قال ابن العربي في الأحكام لا تمنع في الشرع أن تكون العلة عامة والحكم خاصا أو أريد من العلة\r","part":3,"page":215},{"id":936,"text":"ا ه والثانية أن يدخل في السبب على أن المسبب يكون عنده عادة كما هو الجاري على مقتضى عادة الله في خلقه وهو غالب أحوال الخلق في الدخول في الأسباب والثالثة أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المسبب وهذا يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه واعتباره فيه من جهة أن الله مسبب وذلك صحيح ولترك الالتفات إلى المسبب الذي هو القسم الأول ثلاث مراتب أيضا إحداها أن يدخل في السبب من حيث هو ابتلاء للعباد وامتحان لهم فإنها طريق إلى السعادة والشقاوة والآخذ لها من هذه الجهة آخذ لها من حيث وضعت مع التحقق بذلك فيها وهذا صحيح وصاحب هذا القصد متعبد لله بما تسبب به منها حينئذ تسبب بالإذن فيما أذن فيه ليظهر عبوديته لله فيه لا ملتفتا إلى مسبباتها وإن انجرت معها فهو كالمتسبب بسائر العبادات المحضة والثانية أن يدخل فيه بحكم قصد التجرد عن الالتفات إلى المسببات بناء على أن تفريد المعبود بالعبادة أن لا يشرك معه في قصده سواه واعتمادا على أن التشريك خروج عن خالص التوحيد بالعبادة لأن بقاء الالتفات إلى ذلك كله بقاء من المحدثات وركون إلى الأعيان وهو تدقيق في نفي الشركة وهذا أيضا في موضعه صحيح والثالثة أن يدخل فيه بحكم الإذن الشرعي مجردا عن النظر في غير ذلك وإنما توجهه إلى السبب تلبية للآمر لتحقيقه بمقام العبودية وهذا شامل لجميع ما تقدم لأنه لما علم قصد الشارع في تلك الأمور توخى قصده من غير نظير في غيره فحصل له كل ما في ضمن ذلك المتسبب مما علم ومما لم يعلم فهو طالب للمسبب من طريق السبب وعالم أن الله هو المسبب وهو المبتلي به ومتحقق في صدق التوجه به إليه فقصده مطلق وإن دخل فيه قصد المسبب لكن ذلك كله منزه عن الأغيار مصفى من الأكدار على ما ذكر من أن المسببات مرتبة على فعل الأسباب شرعا وأن الشارع يعتبر المسببات في الخطاب بالأسباب ويترتب بالنسبة إلى المكلف إذا اعتبره أمور منها أن الله عز وجل","part":3,"page":216},{"id":937,"text":"جعل المسببات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة أو الاعوجاج فإذا كان السبب تاما والتسبب على ما ينبغي كان المسبب كذلك وبالضد\r","part":3,"page":217},{"id":938,"text":"ومنها أن المسببات قد تكون خاصة بمعنى أن تكون بحسب وقوع السبب كالبيع المتسبب به إلى إباحة الانتفاع بالمبيع والنكاح الذي يحصل به حلية الاستماع والذكاة التي بها يحصل حل الأكل وكالسكر الناشئ عن شرب الخمر وإزهاق الروح المسبب عن حز الرقبة وقد تكون عامة كالطاعة التي هي سبب بالفوز في النعيم والمعاصي التي هي سبب في دخول الجحيم وبالجملة فالمسبب إن كان من شأن الالتفات إليه التقوية للسبب والتكملة له والتحريض في المبالغة في إكماله فهو الذي يجلب المصلحة وإن كان من شأن الالتفات إليه أن يكر على السبب بالإبطال أو بالإضعاف أو بالتهاون به فهو الذي يجلب المفسدة وهذان القسمان على ضربين أحدهما ما شأنه ذلك بإطلاق بمعنى أنه يقوي السبب أو يضعفه بالنسبة إلى كل مكلف وبالنسبة إلى كل زمان وبالنسبة إلى كل حال يكون عليها المكلف والثاني ما شأنه ذلك لا بإطلاق بل بالنسبة إلى بعض المكلفين دون بعض أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض أو بالنسبة إلى بعض أحوال المكلف دون بعض فإنه ينقسم من جهة أخرى قسمين أحدهما ما يكون في التقوية والتضعيف مقطوعا به والثاني ما يكون في ذلك مظنونا أو مشكوكا فيه موضع نظر وتأمل فيحكم بمقتضى الظن ويوقف عند تعارض الظنون انظر الموافقات للإمام أبي إسحاق الشاطبي فإذا علمت هذا فاعلم أن الإباحة إن كانت منسوبة إلى سبب تام وتسببها عنه على ما ينبغي ثبتت به مطلقة أي من جميع الوجوه بحيث لا يجتمع معها التحريم أصلا فلا يكون على المكلف حرج في الإقدام على الفعل مطلقا وإن كانت منسوبة إلى سبب معين غير تام وسببها عنه ليس على ما ينبغي ثبتت باعتبار ذلك السبب المعين بحيث لا يكون عليه حرج في الإقدام على ذلك الفعل من جهة ذلك السبب ويكون عليه حرج في الإقدام باعتبار سبب آخر فيجتمع التحريم معها وسر ذلك أن أسباب التحريم قد يجتمع\r","part":3,"page":218},{"id":939,"text":"وقد تفترق وإن اجتمعت ولم يرتفع منها واحد ثبت التحريم مطلقا وإن ارتفعت ولم يبق منها واحد ثبتت الإباحة المطلقة وإن ارتفع من سببي التحريم أو أسبابه واحد ثبتت الإباحة باعتبار ذلك السبب المرتفع خاصة وبقي الفعل محرما باعتبار ما بقي من السببين والأسباب وكذلك إذا كان للتحريم سبب واحد فزال وخلفه سبب آخر صدقت الإباحة باعتبار زوال ذلك السبب الأول وصدق التحريم باعتبار المتجدد ولذلك نظائر كثيرة في الشريعة وبمعرفة هذا الفرق والالتفات إلى المسببات مع أسبابها تندفع إشكالات ترد في الشريعة على الفقه وعلى النصوص بسبب تعارض أحكام أسباب تقدمت مع أسباب أخر حاضرة منها أن مقتضى حتى التي هي حرف غاية أن يكون ما قبلها مخالفا لما بعدها ويكون ما بعدها نقيض ما قبلها ويظهر من هذه القاعدة أن قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره يقتضي أن تكون المرأة حلالا إذا عقد عليها زوج آخر ووطئها مع أن الأمر ليس كذلك إجماعا بل\rهي حرام على حالها حتى يطلقها هذا الزوج\r","part":3,"page":219},{"id":940,"text":"وإذا طلقها لا تحل للأول حتى تنقضي عدتها وإذا انقضت عدتها لا تحل للأول حتى يعقد عليها وإذا عقد عليها أي الزوج الأول لا تحل حتى تنتفي موانع الوطء من الحيض والصيام والإحرام وغير ذلك فلم يحصل مقتضى الغاية وحاصل دفعه أن مقتضى الغاية قد حصل من حيث إنها قد زال تحريمها الحاصل بكونها مطلقة ثلاثا لما تزوجها الزوج الثاني إلا أنه بقي تحريمها الناشئ عن كونها أجنبية وتجدد معه سبب آخر للتحريم صار خلفا عن السبب الزائل وهو كونها زوجة لغيره وإذا طلقها الزوج الثاني زال السبب المتجدد وخلفه سبب آخر متجدد مع سبب كونها أجنبية وهو كونها في العدة وإذا كملت العدة وعقد عليها الزوج الأول زال سببا التحريم وبقيت محرمة بسبب ما تجدد من حيض أو صوم أو إحرام أو غيرها فإذا زال ذلك أيضا ثبتت الإباحة المطلقة وكان الثابت قبل ذلك الإباحة المنسوبة إلى سبب مخصوص فظهر أن الغاية على بابها لم تخالف مقتضاها بل هي معمول بها واندفع الإشكال عن الآية ومنها أنه قد اجتمع على المكلف الامتثال مع بقاء العصيان إما في الفعل الواحد وإما في فعل متعدد فكان عاصيا ممتثلا في حالة واحدة ومأمورا منهيا من جهة واحدة وذلك تكليف بالمحال لا يمكنه وقد قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فلا بد أن يكون مكلفا بالخروج والتوبة في وجه يمكنه ولا يمكن مع بقاء حكم النهي في نفس الخروج فلا بد أن يرتفع حكم النهي في الخروج وذلك في مسائل\rالمسألة الأولى\r","part":3,"page":220},{"id":941,"text":"من توسط أرضا مغصوبة به ثم تاب وأراد الخروج منها قال أبو هاشم هو على حكم المعصية ولا يخرج عن ذلك إلا بانفصاله عن الأرض المغصوبة ورد الناس عليه قديما وحديثا المسألة الثانية من تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس وقبل وصوله إلى الرمية المسألة الثالثة من تاب من بدعته بعدما بثها في الناس وقبل أخذهم بها أو بعد ذلك وقبل رجوعهم عنها المسألة الرابعة من رجع عن شهادته بعد الحكم بها وقبل الاستيفاء وبالجملة بعد تعاطي السبب على كماله وقبل تأثيره ووجود مفسدته أو بعد وجودها وقبل ارتفاعها إن أمكن ارتفاعها فقد اجتمع على المكلف هنا الامتثال مع بقاء العصيان وقد أشار الإمام في البرهان إلى تصوير هذا الاجتماع وصحته باعتبار أصل السبب الذي هو عصيان فانسحب عليه حكم التسبب وإن ارتفع بالتوبة لأن أصل التسبب أنتج مسببات خارجة عن نظره فهو وإن كان عاصيا ممتثلا هنا إلا أن الأمر والنهي لا يتواردان عليه في هذا التصوير لأنه من جهة العصيان غير مكلف به لأنه مسبب غير داخل تحت قدرته فلا نهي إذ ذاك ومن جهة الامتثال مكلف لأنه قادر عليه فهو مأمور بالخروج وممتثل به فلو نظر الجمهور إلى أن المسبب خارج عن نظر المكلف لم يستبعدوا اجتماع الامتثال مع استصحاب حكم المعصية إلى الانفصال عن الأرض المغصوبة بل وجدوا نفس الخروج ذا وجهين أحدهما وجه كونه سببا في الخلوص عن التعدي بالدخول في الأرض وهو من كسبه\r","part":3,"page":221},{"id":942,"text":"والثاني كونه نتيجة دخوله ابتداء وليس من كسبه بهذا الاعتبار إذ ليس له قدرة على الكف عنه فاتضح حينئذ معنى ما أراده الإمام وأبو هاشم وأن ما اعترض به عليهما لا يرد مع هذه الطريقة إذا تأملها أفاده الإمام أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات ومنها أن المكلف إذا ترك الصلاة وزنى وهو محصن وارتد عن الإسلام وقتل النفس التي حرم الله فقد أبيح دمه بكل واحد من هذه الأسباب فإذا عفا الأولياء عن القصاص ذهبت الإباحة الناشئة عن القتل وثبتت الإباحة الناشئة عن غير ذلك من الأسباب المذكورة فصار مباح الدم وغير مباحه لكن باعتبارين فتأمل ومنها اجتماع التحريم مضاعفا في أئمة وتعلقات الخطاب فيه بتصور من حيث إن الزنى محرم وبالبنت أشد وبها في الصوم أشد ومع الإحرام أشد وفي الكعبة أشد فيكون هذا الفعل محرما من أربعة أوجه وأنه مضاعف أربع مرات وخطاب التحريم قد حصل في هذه الصور أربع تعليقات فإذا تصورت اجتماع التحريمات تصورت ارتفاع بعضها وحصول الإباحة بالنسبة إلى ذلك السبب المرتفع مع التحريم بالنسبة لباقي الأسباب وتصورت أيضا اجتماع الوجوبات بتظافر أسبابها على الفعل وأنه قد يرتفع بعضها فيحصل عدم الوجوب بالنسبة إلى ذلك السبب المرتفع والوجوب بالنسبة لما عداه من الأسباب وكذا بقية الأحكام تارة تثبت مطلقة وتارة بالنسبة إلى سبب معين فتأمل ذلك والله أعلم\rالفرق الثاني والخمسون والمائة بين قاعدة ما يقر من أنكحة الكفار وقاعدة ما لا يقر منها\rفي بداية المجتهد لابن رشد الحفيد اتفق الفقهاء على أن الإسلام إذا كان من الزوج والزوجة وقد كان انعقد النكاح على من يصح ابتداء العقد عليها في الإسلام أن الإسلام يصحح ذلك واختلفوا فيما إذا انعقد","part":3,"page":222},{"id":943,"text":"النكاح على أكثر من أربع كعشر أو خمس أو على من لا يجوز الجمع بينهما في الإسلام كالأختين فقال مالك والشافعي وأحمد وداود يختار منهن أربعا ومن الأختين واحدة أيتهما شاء وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى يختار الأوائل منهم في العقد فإن تزوجهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك إذا أسلم وعنده أختان فارقهما جميعا ثم استأنف نكاح أيتهما شاء لم يقل بذلك أحد من أصحاب مالك غيره وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر وذلك أنه ورد في ذلك أثران أحدهما مرسل مالك أن غيلان بن سلامة أسلم وعنده عشر نسوة أسلمن معه فأمره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يختار منهم أربعا الحديث الثاني حديث قيس بن الحارث أنه أسلم على الأختين فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اختر أيتهما شئت وأما القياس المخالف للأثرين المذكورين فتشبيه العقد على الأواخر قبل الإسلام بالعقد عليهن بعد الإسلام أعني أنه كما أن العقد عليهن فاسد في الإسلام كذلك قبل الإسلام وفيه ضعف\rا ه بتصرف ووجه الضعف يتضح مما سيأتي فتنبه واختلف القائلون بأنه يختار أربعا من العشرة مطلقا وأي واحدة شاء من الأختين في وجهه فقال الشافعي وابن حنبل لأنا نحمل عقودهم على الصحة مطلقا ترغيبا لهم في الإسلام كما سقط عنهم القصاص والغصوب وما جنوه على المسلمين في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ويثبت ما اكتسبوه بعقود الربا وغيره من الخمر والخنزير ترغيبا في الإسلام لأنهم لو فهموا المؤاخذة بذلك لنفروا عن الإسلام وقال ابن يونس من أصحابنا أنكحتهم عندهم فاسدة وإنما الإسلام يصححها أي بمعنى أن كل مفسدة تدوم كالجمع بين الأختين أو لا تدوم لكن أدركه الإسلام كالزواج في العدة فيسلم فيها أي في العدة فهو يبطل وإن عرى نكاحهم عن هذين القسمين صح بالإسلام وقال صاحب الجواهر من أصحابنا لا نقهرهم على ما هو فاسد عند هم إلا أن يكون صحيحا عندنا ولو\r","part":3,"page":223},{"id":944,"text":"اعتقدوا غصب امرأة أو رضاها بالإقامة مع الرجل بغير عقد أقررناهم\rا ه قال الأصل سلمه ابن الشاط والقضاء ببطلان أنكحتهم مطلقا مشكل من وجوه\rالوجه الأول\rولاية الكافر للكافرة صحيحة والشهادة عندنا ليست شرطا في العقد حتى نقول لا تصح شهادتهم لكفرهم على أنا لو قلنا إنها شرط وأشهد أهل الذمة المسلمين ينبغي أن تصح والمسلم إذا تزوج بغير شهود له أن يشهد بعد العقد ويستقر عقده وإنما غاية ما في الباب أن صداقهم قد يقع بما لا يحل من الخمر وهذا قد يقع في أنكحة عوام المسلمين وجهالهم من أهل البادية بحيث تحمل بعض الشروط أو كلها فكما لا نقضي بفساد أنكحتهم على الإطلاق بل نفصل ونقول ما صادف الأوضاع الشرعية واجتمعت شرائطه فهو صحيح وإلا فلا كذلك كان ينبغي أن لا نقضي بفساد أنكحتهم على الإطلاق بل نفصل بالتفصيل المذكور بأن نقول بصحة ما صادف سواء أسلموا أم لا وما لم يصادف فهو باطل قبل الإسلام وقد يصح بالإسلام كما تقدم أن المذهب تقرير رضاهم بالغصب ونحوه ترغيبا في الإسلام الوجه الثاني أنه كان ينبغي على هذا القانون أن لا يخير بين الأم وابنتها إذا أسلم عليهما بل نقول إن تقدم عقد البنت صحيحا تعينت من غير تخيير وإذا أسلم على عشر نسوة لا نقضي بالتخبير مطلقا بل نفرق كما قال أبو حنيفة إن وقع منها أربع أولا على وجه الصحة تعينت دون ما بعدها وإن عقد على العشرة جملة واحدة خير بينهن لشمول الطلاق لهن الوجه الثالث أنا إذا حكمنا بفساد أنكحتهم مطلقا كان يليق أن لا يفرق بين الموانع الماضية وما بقي بعد الإسلام لأن السبب في تقرير فاسد عقودهم إن كان هو الترغيب في الإسلام لم يكن هناك وجه\r","part":3,"page":224},{"id":945,"text":"للتفريق إذ لا يزيد الزواج في العدة على قتل النفس في المفسدة وإن كان هو أن الإسلام ينزل منزلة تجديد العقد كان هناك وجه للتفرقة بين الماضي من الموانع والمقارن إلا أنه كان ينبغي إذا وطئ في الكفر في نكاح صحيح مجتمع الشروط أن ذلك يوجب الإحصان إذا اتصل به الإسلام\rالوجه الرابع\rأن إطلاق الخيار في حديث غيلان المتقدم وفيما في أبي داود عن أنس بن الحارث أنه قال أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي {صلى الله عليه وسلم} فقلت له ذلك فقال اختر أربعا بعامتهن كما يحتمل أن تكون الأنكحة فاسدة كما قلت كذلك يحتمل أن تكون المفسدات الواقعة في الكفر لا تعتبر كما تقدم من مذهبنا أنهم لو اعتقدوا غصب المرأة ومجرد رضاها بغير عقد ثم أسلموا على ذلك أقررناهم عليه فإن الإسلام يمنع تأثير المفسدات المتقدمة من هذا النحو فهكذا كونها خامسة مفسدة في الإسلام وإذا قارن الكفر اعتبره صاحب الشرع ترغيبا في الإسلام وإذا احتمل الأمرين لم يلزم ما ذكرته من فساد العقود بل ذلك يدل على التخيير فقط وهذا مجمل فيما ذكرته من الفساد والصحة والأصل عدم علمه {صلى الله عليه وسلم} بأن كلا من غيلان وأنس بن الحارث عقد عليهن عقدا واحدا أو أنهن عنده بطريق الغصب فأقره على الزوجية بالغصب لأن ذلك كان مذهبا لهم على أنه لو كان الأمر كذلك لبينه عليه السلام إني إنما حكمت في هذه القضية بهذا الحكم لأني أعلم من أمرها أمرا يقتضي هذا الحكم لأنه تقرير قاعدة فيتعين إيضاحها وإزالة اللبس عنها وزوال كل ما يوجب وهما فيها فلما لم يبين عليه السلام ذلك علمنا أن المدرك غير علمه بأمر يخصها بل الحكم عام في جميع صور من يسلم كيف كانت عقوده وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه ترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم مقام العموم في المقال إذ معناه يقوم مقام التصريح بأن جميع الصور حكمها كذلك فظهر أن الحق الأبلج\r","part":3,"page":225},{"id":946,"text":"القضاء على عقودهم بالصحة حتى يعلم فسادها كالمسلمين فإنه لم يدل دليل على أن الكفر مانع من عقد النكاح وقادح في صحته إذ لو أن امرأة كافرة لها أخوان كافر ومؤمن فأرادت الزواج منعنا المسلم من تزويجها وقلنا لأخيها الكافر زوجها لأن المسلم لا ولاية له على الكافرة بل الكفار بعضهم أولى ببعض فلو أن نكاح الكافر فاسد لقلنا لهذه الكافرة لا سبيل لك إلى الزواج حتى تسلمي لأن الكفر أحد موانع صحة العقد عليك فلما لم يكن كذلك دل على صحة عقودهم\rا ه بتغيير وتوضيح والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":226},{"id":947,"text":"الفرق الثالث والخمسون والمائة بين قاعدة زواج الرجل الإماء في ملك غيره والمرأة العبد في ملك غيرها وقاعدة نكاح الرجل الإماء في ملكه والمرأة العبد في ملكها حيث إن الثاني باطل اتفاقا فيفسخ نكاح المرأة إذا ملكت زوجها والأول صحيح بشرطه وهو في الرجل عدم الطول وخوف العنت كما هو مشهور مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة والشافعي وقال قوم يجوز بإطلاق وهو المشهور من مذهب ابن القاسم وهو في المرأة أن ترضى هي وأولياؤها بذلك ولا خلاف في هذا كما في بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ولا بد من بيان أمرين أولهما مبنى الفرق بين القاعدتين بالصحة والبطلان وثانيهما السبب في اختلافهم في اشتراط الطول وخوف العنت إذا نكح الحر أمة وعدمه أما الأمر الأول أي مبنى الفرق بين القاعدتين بالصحة والبطلان فثلاث قواعد القاعدة الأولى أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع ونظائر هذه القاعدة كثيرة منها أن الجاني في صحة عقله لا يحد حال جنونه أو سكره لأن مقصود الحد الزجر بما يشاهده المكلف من المؤلمات والمذلات والمهانات في نفسه وإنما يحصل ذلك بمرآة العقل ومنها أن اللعان لنفي النسب لا يشرع في حق المجبوب ومن لا يولد له لأن النسب لا يلحق به فلا يفيد اللعان شيئا ومنها أن عقد البيع لا يشرع مع الجهالة والغرر لأن مقصوده تنمية المال وتحصيل مقاصد العوضين وذلك مع الجهالة والغرر غير معلوم ولا مظنون بل هو بعيد ومنها ما هنا من أنه لا يشرع نكاح الرجل أمته لأن مقاصد النكاح حاصلة بالملك قبل العقد ولم يحصل العقد شيئا\rالقاعدة الثانية\r","part":3,"page":227},{"id":948,"text":"أن مقتضى الزوجية يناقض مقتضى الاسترقاق وذلك لأن مقتضى الزوجية قيام الرجل على المرأة بالحفظ والصون والتأديب لإصلاح الإحلال لقوله تعالى الرجال قوامون على النساء ومقتضى الاسترقاق قيام السادات على الرقيق بالقهر والاستيلاء والاستهانة للأعمال وإصلاح الأخلاق ومع تناقض آثار الحقوق يتعذر أن تكون أمة الإنسان زوجته وعبد المرأة زوجها القاعدة الثالثة أن كل أمرين لا يجتمعان يقدم الشرع أقواهما على أضعفهما فمن ذلك الرق من حيث إنه يقتضي مع ملك الرقبة صحة الإيجار والإخدام والتمكن من المنافع التي بعضها حل الوطء يكون أي الرق أقوى من النكاح فيقدم عليه بحيث يفسخ النكاح إن طرأ هو عليه كما إذا اشترى الزوج امرأته ولا يبطل إن طرأ النكاح عليه كما إذا تزوج الرجل أمته ليتحقق أثر قوته عليه فلا يقال كان ينبغي حيث فسخ النكاح بطروه عليه لورود المنافي أن يبطل الملك بطرو النكاح عليه لذلك فافهم وأما الأمر الثاني أي السبب في اختلافهم في كون نكاح الحر الأمة يشترط فيه ما ذكر أي من الطول وخوف العنت أم لا فهو كما في بداية المجتهد معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح الآية لعموم قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين الآية الأولى يقتضي أن لا يحل نكاح الأمة إلا بشرطين أحدهما عدم الطول إلى الحرة والثاني خوف العنت وعموم الآية الثانية يقتضي عدم الاشتراط لكن دليل الخطاب أقوى هاهنا والله أعلم من العموم لأن هذا العموم لم يتعرض فيه إلى صفات الزوج المشترطة في نكاح الإماء وإنما المقصود به الأمر بإنكاحهن وهو أيضا محمول على الندب عند الجمهور مع ما في ذلك من إرقاق الرجل ولده\rا ه كلام ابن رشد الحفيد ملخصا قال واختلف الذين لم يجيزوا النكاح إلا بالشرطين المنصوص عليهما في فرعين مشهورين\r","part":3,"page":228},{"id":949,"text":"أحدهما هل الحرة إذا كانت تحته طول أو ليست بطول قال أبو حنيفة هي طول وقال غيره ليست بطول وعن مالك في ذلك القولان والفرع الثاني هل يجوز لمن فيه هذان الشرطان نكاح أكثر من أمة واحدة والسبب في اختلافهم في الفرعين هو أن خوف العنت هل لا يعتبر إلا في العزب فمن لم يكن عزبا بل تحته حرة أو أمة واحدة لم يجز له نكاح الأمة لو أنه يعتبر مطلقا سواء كان عزبا أو متأهلا لأنه قد لا تكون الزوجة الأولى حرة كانت أو أمة مانعة من العنت وهو لا يقدر على حرة تمنعه من العنت فله أن ينكح على الأولى ولو حرة أمة لأن مع هذه الحرة في خوف العنت كحاله قبلها وبخاصة إذا خشي العنت من الأمة التي يريد نكاحها لكن اعتبار خوف العنت مطلقا فيه نظر وإذا قلنا إن له أن يتزوج على الحرة أمة فتزوجها بغير إذنها فهل لها الخيار في البقاء معه أو في فسخ النكاح قولان لمالك رحمه الله تعالى واختلف أصحاب مالك إذا وجد طولا بحرة هل يفارق الأمة أم لا ولم يختلفوا فيما إذا ارتفع عنه خوف العنت أنه لا يفارقها\rا ه ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والخمسون والمائة بين قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع وبين قاعدة عدم الحجر عليهن في الأموال\rقال مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم لا يجوز للمرأة أن تعقد لنفسها ولا لغيرها من النساء بكرا كانت أو ثيبا رشيدة في مالها أو سفيهة دنية عفيفة أو فاجرة أذن لها الولي أو لا ويجوز لها إن كانت رشيدة التصرف في مالها ولا يجوز للولي وإن كان أباها الذي له ولاية الجبر الاعتراض عليها إلا إذا كانت سفيهة قال ابن رشد الحفيد في بدايته وفرق بين البكر والثيب فقال باشتراط الولي في","part":3,"page":229},{"id":950,"text":"البكر وعدم اشتراطه في الثيب محتجا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتفق على صحته وهو قوله عليه الصلاة والسلام الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها ا ه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجوز للرشيدة أن تزوج نفسها محتجا على ذلك بوجوه خمسة\rالوجه الأول\rأن الأصل عدم الحجر على العاقل البالغ وهي عاقلة بالغة فيزول الحجر عنها مطلقا في نفسها الوجه الثاني أنه كما يكتفى بالرشد في التصرف في المال كذلك يكتفى به في عقد النكاح بل تصرفها في نفسها من حيث إنها أعلم بأغراضها من وليها أولى من تصرفها في مالها لأن مصلحة المال التي هي التنمية معلومة للولي كما هي معلومة للمرأة الوجه الثالث قوله تعالى فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فإنه دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها الوجه الرابع أن الله تعالى قد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال أن ينكحن أزواجهن وقال حتى تنكح زوجا غيره ولم يضفه إلى الولي وهو ظاهر في إذن الشرع لهن في المباشرة الوجه الخامس أن ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل وإذا دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له أخرجه الترمذي وقال فيه حديث حسن وإن استدل به الفقهاء على بطلان قول أبي حنيفة من جهة أنه يدل بمفهومه على أن الولي إذا أذن لها يجوز عقدها وهم لا يقولون بذلك إلا أنه يمكن أن يستدل به على صحة مذهب أبي حنيفة من جهة أن عقدها على نفسها إذا صح مع الإذن صح مطلقا لأنه لا قائل بالفرق والجواب عن الوجه الأول أن الدليل من الكتاب والسنة قد دل على مخالفة ذلك الأصل أما من\r","part":3,"page":230},{"id":951,"text":"الكتاب فقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم فخاطب الأولياء بصيغة الأمر الدالة على الوجوب ولو كان ذلك للمرأة لتعذر ذلك كما أنه لا يصح أن يقال للأولياء بيعوا أموال النساء لأن التصرف في الأموال لهن قال ابن العربي في كتاب الأحكام واحتمال كونه خطابا للأزواج خلاف الصحيح لأنه قال أنكحوا بالهمزة ولو أراد الأزواج لقال ذلك بغير همزة وكانت الألف للوصل وإن كان بالهمز في الأزواج له وجه فالظاهر أولى فلا يعدل إلى غيره إلا بدليل\rا ه قوله تعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا قال ابن العربي في الأحكام قال محمد بن علي بن حسين النكاح بولي في كتاب الله تعالى ثم قرأ ولا تنكحوا إلخ بضم التاء وهي مسألة بديعة ودلالة صحيحة ا ه ولعل وجهه أن كونه خطابا للأولياء أظهر من كونه خطابا لأولي الأمر لوجهين\rالأول\rأن ولي الأمر من جملة الأولياء إذ السلطان ولي من لا ولي له فلا وجه لتخصيصه الثاني أن الضرر بزواج غير الأكفاء إنما يتعدى بالعار والفضيحة الشنعاء للأولياء لا ولي الأمر منهم فهم أحق بخطاب الإرشاد منه فافهم وقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن لأنه وإن لم يكن فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النكاح إلا أنه يقتضي أن لهم حقا في منعها من النكاح على غير الأكفاء وإلا لم يكن لنهيهم من ذلك معنى وثبوت حق لهم في المنع المذكور يستلزم اشتراط إذنهم في صحة العقد فتأمل بإنصاف وأما من السنة فقوله عليه الصلاة والسلام لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها خرجه الدارقطني وقال إنه حديث حسن صحيح\rوعن الوجه الثاني بأن بين قاعدة الإبضاع وقاعدة الأموال ثلاثة فروق\rالفرق الأول\r","part":3,"page":231},{"id":952,"text":"أن الإبضاع أشد خطرا وأعظم قدرا فناسب أن لا تفوض إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها والأموال لما كانت بالنسبة إليها خسيسة جاز أن نفوض لمالكها إذ الأصل أن لا يتصرف في المال إلى مالكه والفرق الثاني أن الإبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القوية التي يبذل لأجلها عظيم المال فيغطي مثل هذا الهوى على عقل المرأة لضعفه وجوه المصالح فتلقي نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها فحجر عليها على الإطلاق لاحتمال توقع مثل هذا الهوى المفيد ولا يحصل في المال مثل ذلك الفرق الثالث أن المفسدة إذا حصلت في الإبضاع بسبب زواج غير الأكفاء وحصل الضرر للمرأة تعدى منها للأولياء بالعار والفضيحة الشنعاء وإذا حصل الفساد في الأموال وحصل الضرر على المرأة لا يكاد يتعداها وليس فيه من العار والفضيحة ما في الإبضاع والاستيلاء عليها من الأراذل الأخساء فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين فمن هنا لما سئل بعض الفضلاء عن المرأة تزوج نفسها قال في الجواب المرأة محل الزلل والعار إذا وقع لم يزل وعن الوجه الثالث بأن المفهوم من قوله تعالى فلا جناح عليكم إلخ النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن وليس هاهنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح فظاهر هذه الآية والله أعلم أن لها أن تعقد النكاح وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف وهو الظاهر من الشرع فالاحتجاج بها على أن لها العقد وليس لأوليائها فسخه مطلقا احتجاج ببعض ظاهر الآية دون بعضها الآخر وفيه ضعف وليس في إضافة النكاح إليهن دليل اختصاصهن نعم\r","part":3,"page":232},{"id":953,"text":"الأصل الاختصاص كما في بداية المجتهد إلا أن الدليل المتقدم وهو الحديث والآيات السابقة قد قام على خلاف ذلك الأصل فلا تغفل وعن الوجه الرابع بأنا لا نسلم أن النكاح حقيقة في العقد بل إنما يقول أنه حقيقة في الوطء ولا شك أن الوطء لها دون وليها وكون الفاعل لذلك هو الزوج دون المرأة مسلم إلا أن التمكين من ذلك الفعل لها والحمل عليه وإن كان مجازا كالحمل على العقد إلا أنه أقرب للحقيقة من العقد والأقرب يجب المصير إليه عند تعذر الحقيقة ويوضحه قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم وحديث الدارقطني السابقان فافهم وعن الوجه الخامس أن القاعدة المنصوص عليها في أصول الفقه أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابط ذلك أن يكون الوصف المذكور غالبا على وقوع ذلك الحكم المذكور كقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم إلخ فإن كون بنت الزوجة المدخول بها في حجر زوج الأم غالب على وقوع تحريمها على زوج الأم فلا تكون له دلالة على جوازها له حيث لم تكن في حجره فافهم أو غالبا على تلك الحقيقة المحكوم عليها كقوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق فإن القتل الغالب عليه أن لا يقع في الأولاد إلا لتوقع ضرورة الإملاق الذي هو الفقر أو نحو ذلك من الفضيحة فلا تكون له دلالة على جواز القتل عند عدم خوف الإملاق ومن ذلك ما هنا من أن المرأة لا تقدم على زواج نفسها في الغالب لا خفية عن وليها وهو غير آذن لها في ذلك والعادة قاضية بذلك فلا يكون مفهوم قيد بغير إذن وليها في الحديث حجة إجماعا على أن الولي إذا أذن لها يجوز عقدها وأنه إذا صح مع الإذن صح مطلقا لأنه لا قائل بالفرق واحتجاج داود بحديث ابن عباس السابق المتفق على صحته لقوله بالفرق بين الثيب والبكر في المعنى المذكور إنما هو باعتبار ظاهره لأنه إذا كان كل واحد\r","part":3,"page":233},{"id":954,"text":"من الثيب والبكر يستأذن ويتولى العقد عليهما الولي فبماذا وليت شعري تكون الأيم أحق بنفسها من وليها لكن احتجاجه به مبني على مذهبه من التزام الظواهر إما على مذهب من لا يلتزمها فلا ينهض حجة على ذلك إذ يحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت والنطق فقط ويكون السكوت كافيا في العقد كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وفي المنتقى للباجي في شرح قوله في الحديث الأيم أحق إلخ الأيم هي التي لا زوج لها قط إلا أن العرف خصه بالثيب والأظهر الحمل عليه لوجهين أحدهما أن زياد بن سعد روى هذا الحديث عن عبد الله بن الفضل قال الثيب أحق بنفسها من وليها وثانيهما أن اللفظ عليه يحمل على عمومه بدون تخصيص بخلافه على المعنى الأصلي ومعنى كونها أحق بنفسها من وليها أنه ليس له إجبارها على النكاح ولا إنكاحها بغير إذن وليها وإنما له أن يزوجها بإذنه ممن ترضاه وليس لها هي أن تعقد لنفسها نكاحا ولا تباشره ولا أن تضع نفسها عند غير كفء ولا أن تولي ذلك غير وليها فلكل واحد منها حق في عقد النكاح ووجه كونها أحق به أنها إن كرهت النكاح لم ينعقد بوجه وإن كرهه الولي ورغبته الأيم عرض على الولي العقد فإن أبى عقده غيره من الأولياء أو السلطان فهذا وجه كونها أحق به من وليها وفي شرح قوله والبكر تستأمر إلخ قال ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد عن مالك في المدونة المراد بها البكر التي لا أب لها لا التي لها أب وإن روى زياد هذا الحديث فقال فيه والبكر يستأذنها أبوها يؤيد ذلك وجوه الأول أن مالكا روى هذا الحديث بلفظ والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها وقد تابعه عليه سفيان الثوري وكل واحد منهما إمام إذا انفرد وقوله غلب قوله على قول زياد بن سعد فكيف إذا اتفقا على خلافه الثاني أن صالح بن كيسان رواه عن عبد الله بن الفضل فقال فيه واليتيمة تستأمر وهو أثبت من\r","part":3,"page":234},{"id":955,"text":"زياد بن سعد وقوله أيضا أولى من جهة النظر ولعل عبد الله بن الفضل لعلمه بالمراد به كان مرة يقول والبكر تستأذن ومرة يقول واليتيمة تستأمر وقد روى هذا الحديث شعبة عن مالك فقال فيه واليتيمة تستأمر\rالثالث\rأنه قد روي عن زياد بن سعد والبكر تستأذن بمثل رواية مالك الرابع أنا لو سلمنا صحة رواية زياد لحملنا على البكر المعنس ويجوز أن يحمل على الاستئذان المندوب إليه\rا ه ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم\rوصل في ثلاث مسائل تتعلق بقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح مسألتان منها فقهيتان الأولى منهما هي التي تتعلق بهذا الفرق دون الثانية والثالثة نحوية المسألة الأولى قوله تعالى إلا أن يعفون أي يعفو النساء عن النصف الذي وجب لهن من الصداق المفروض لهن فيسقط وهذا متفق عليه بين العلماء ثم قال أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فاختلفوا في المراد الذي بيده عقدة النكاح فقال مالك هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل هو الزوج واحتجوا على ذلك بوجوه كثيرة لبابها أربعة الأول أن الله تعالى ذكر الصداق في هذه الآية ذكرا مجملا من الزوجين فحمل على المعسر في غيرها وقد قال الله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فأذن الله تعالى للزوج في قبول الصداق إذا طابت نفس المرأة بتركه وقال أيضا وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا إلى آخرها فنهى الله الزوج أن يأخذ مما آتى المرأة إن أراد طلاقها\rالثاني\r","part":3,"page":235},{"id":956,"text":"أنه قد روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك صريحا الثالث أن الله تعالى قال ولا تنسوا الفضل بينكم وليس لأحد في هبة مال آخر فضل وإنما ذلك فيها يهبه المفضل من مال نفسه والأصل يقتضي عدم تسلط الولي على مال موليته الرابع أن عفا كما يقال بمعنى أسقط كذلك يقال بمعنى بذل واستعماله في معنييه أبلغ وأولى من استعماله في إحداهما لأن فيه حينئذ شبه استخدام ولأن حكمة ذلك أن المرأة إذا أسقطت ما وجب من نصف الصداق إبقاء للمروءة واتقاء في الديانة قائلة لم ينل مني شيئا ولا أدرك ما بذل فيه هذا المال كان من المناسب أن يقول الزوج أنا أترك المال لها لأني قد نلت الحل وابتذلتها بالطلاق فتركه أقرب للتقوى وأخلص من اللائمة والجواب عن الأول أن جعل الآيتين اللتين استشهدوا بهما تفسيرا لمجمل هذه الآية ضعيف يسقط حكم الولي بخلاف جعل الآيتين المذكورتين لبيان حكم الأزواج وهذه الآية لبيان حكم الولي بأن يقال إن الله تعالى أراد أن يميز الولي فيها عن الزوج بمعنى يخصه فكنى عنه كناية مستحسنة بقوله تعالى الذي بيده عقدة النكاح فإن ذلك أبلغ في الفصاحة وأتم في المعنى وأجمع للفوائد فإنه يقتضي مجيء الأحكام كلها مبينة والفوائد الثلاثة معتبرة وعن الثاني أنه ضعيف لا تقوم به حجة سلمنا صحته لكن لا نسلم أنه تفسير للآية بل إخبار عن حال الزوج قبل الطلاق أن له أن يفعل ذلك وعن الثالث أن قاعدة الولاية تقتضي تصرف الولي بما هو أحسن للمولى عليه وقد يكون العفو أحسن للمرأة لاطلاع الولي على الترغيب فيها لهذا الزوج أو غيره\r","part":3,"page":236},{"id":957,"text":"وأن ذلك يفضي إلى تحصيل إضعاف المعفو عنه فيفعل ذلك لتحصيل المصلحة فمنعه من ذلك تفويت لمصلحة المرأة لا رفق بها والإفضال الذي لا يكون بمال أحد إنما هو بمعنى بذل ما تملكه يده أما الإفضال بمعنى الإسقاط ما يملك إسقاطه فهذا نافذ لأنه نظير تفضله على الزوج بأن يزوجه بأقل من مهر المثل وقد انعقد الإجماع على نفوذه وعن الرابع بأن مجيء العفو بمعنى واحد من الجهتين أبلغ في الفصاحة وأوفى في المعنى من مجيئه بمعنيين لأن فيه إسقاط أحد العافيين وهو الولي المستفاد إذا كان العفو بمعنى الإسقاط وأما ندب الزوج إلى إعطاء الصداق كله في الآيتين اللتين ذكروا فذلك معلوم من دليل آخر فإن قلت قد قال ابن رشد الحفيد في بدايته ما خلاصته أن في قوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح احتمالين على السواء أحدهما أن يعود الضمير على الزوج فيكون يعفو بمعنى يهب وثانيهما أن يعود على الولي ويكون يعفو بمعنى يسقط لكن من جعله الزوج فلم يوجب حكما زائدا في الآية أي شرعا زائدا لأن جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع ومن جعله الولي فقد زاد شرعا فلذلك يجب عليه أن يأتي بدليل يبين به أن الآية أظهر في الولي منها في الزوج وذلك شيء يعسر قلت قال الأصل الآية تدل لما قلنا من تسعة أوجه الوجه الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي والمتقدم قبل هذا الاستثناء إثبات النصف فعلى رأينا تعفو المرأة ووليها فيسقط فتطرد القاعدة وعلى رأيهم يعفو الزوج فيثبت مع هذه النصف الذي تشطر بالطلاق فلا تطرد القاعدة بوقوع الإثبات بعد الإثبات\r","part":3,"page":237},{"id":958,"text":"والوجه الثاني أن الأصل في العطف أو التشريك في المعنى فقوله تعالى إلا أن يعفون معناه الإسقاط وقوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح على رأينا الإسقاط فيحصل التشريك وعلى رأيهم الإثبات فلا يحصل التشريك فيكون قولنا أرجح والوجه الثالث أن المفهوم من قولنا إلا أن يكون كذا وكذا تنويع لذلك الكائن إلى نوعين والتنويع فرع الاشتراك في المعنى ولا مشترك بين النفي والإثبات والإسقاط والإعطاء حتى يحسن تنويعه وعلى رأينا المتنوع إلى إسقاط المرأة وإسقاط الولي هو مطلق الإسقاط فكان قولنا أرجح والوجه الرابع أن العفو ظاهر في الإسقاط وهو ما ذكرناه وعلى رأيهم يكون مع صدقة على التزام ما وجب بالطلاق أيضا صادقا على التزام ما سقط بالطلاق والتزام ما لم يجب لا يسمى عفوا والوجه الخامس أن إقامة الظاهر مقام المضمر خلاف الأصل فلو كان المراد الزوج لقيل إلا أن يعفون أو يعفو عما استحق لكم لأن الخطاب بقوله تعالى وقد فرضتم لهن فريضة كان مع الأزواج فلما عدل الظاهر دل على أن المراد غير الزوج لأنه وإن كان جائزا على طريق الالتفات إلا أنه خلاف الأصل كما علمت والوجه السادس أن المفهوم من قولنا بيده كذا أي يتصرف فيه والزوج لا يتصرف في عقد النكاح بل كان يتصرف في الوطء بالحل والولي الآن هو المتصرف في العقد فيتناوله اللفظ دون الزوج والوجه السابع سلمنا أن الزوج بيده عقدة النكاح لكن باعتبار ما كان ومضى فهو مجاز والولي بيده عقدة النكاح الآن فهو حقيقة والحقيقة مقدمة على المجاز والوجه الثامن أن المراد بقوله إلا أن يعفون الرشيدات إجماعا إذ المحجور عليهن لا ينفذ الشرع\r","part":3,"page":238},{"id":959,"text":"تصرفهن فالذي يحسن مقابلتهن بالمحجورات على أيدي الأولياء إلا بالأزواج إذ لا مناسبة فيهم للرشيدات والوجه التاسع أن وجوب الصداق أو بعضه قبل المسيس خلاف الأصل لأن استحقاق تسليم العوض يقتضي بقاء العوض قابلا للتسليم أما مع تعذره فلا بشهادة البيع والإجارة فإنه إذا تعذر تسليم المبيع أو المتعة لا يجب تسليم العوض في ذلك فإسقاط الأولياء النصف على وفق الأصل وتكميل الزوج على خلاف الأصل ولذلك قال مالك في المدونة لا يجوز ذلك للأب قبل الطلاق قال ابن القاسم إلا بوجه نظر من عسر الزوج أو غيره ولا يلحق الوصي بالأب لقصور نظره عنه وفي الجلاب لا يجوز للأب العفو قبل الطلاق ولا يعد الدخول بخلاف الطلاق قبل الدخول والفرق أن استحقاقه بعد الطلاق قبل الدخول خلاف الأصل فسلط الأب عليه إذا رآه نظرا بخلاف الدخول لتعيين الاستحقاق فغلب حق الزوجية فالحكم هنا كما خص عموم في قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح عند الجمهور بالصغيرة والمحجورة كذلك خص عندنا بالأب في ابنته البكر والسيد في أمته لكمال نظرهما قال ابن رشد الحفيد في بدايته والجمهور أن المرأة الصغيرة والمحجورة ليس لها أن تهب من صداقها النصف الواجب لها وشذ قوم فقالوا يجوز أن تهب معه لعموم قوله تعالى إلا أن يعفون\rا ه فافهم هذا خلاصة ما في الأصل وأحكام ابن العربي مع زيادة المسألة الثانية قال ابن العربي في أحكامه هذه الآية حجة على صحة هبة المشاع لأن الله تعالى أوجب\r","part":3,"page":239},{"id":960,"text":"للمرأة بالطلاق نصف الصداق فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل ولم يفصل بين مشاع ومقسوم وقال أبو حنيفة لا تصح هبة المشاع فورد عليه عموم الآية وأراد علماء ما وراء النهر الانفصال عنها بقولهم إن الله تعالى إنما بين تكميلا ثبت بنفس العفو دون شرط قبض ذلك في عفو المرأة فأما العين فلا يكمل العفو فيه إلا بقبض متصل به أو قبض قائم ينوب عن قبض الهبة ولئن حملنا الآية على عقد شرط زيادة القبض فنحن لا نشترط إلا تمامه وتمامه بالقسمة فآل الاختلاف إلى كيفية القبض لكن هذا الانفصال إنما يستمر على أصحاب الشافعي الذين يشترطون في الهبة القبض فأما نحن فلا نرى ذلك فلا يصح لهم هذا الانفصال معنا فإن نفس العفو ممن عفا يخلص ملكا لمن عفي له وأما أصحاب الشافعي فلا يصح لهم هذا معهم إلا من طريق أخرى وهي أن الآية بمطلقها تفيد صحة هبة المشاع من حيث كونه مشاعا وافتقار الهبة إلى القبض نظر آخر يؤخذ من دليل يخص تلك النازلة فمشترط القسمة مفتقر إلى دليل ولم يجدوه إلا من طريق المعنى المبني على اشتراط القبض ونحن لا نسلمه وليس التمييز من القبض أصلا في ورد ولا صدر فصح تعلقنا بالآية وعمومها وسلمت من تشغيلهم ا ه بتصرف\rالمسألة الثالثة\r","part":3,"page":240},{"id":961,"text":"ضعف بعض الفقهاء قوله تعالى في النساء إلا أن يعفون بالواو بقوله كيف يجيء ضمير المؤنث بالواو وليس كما خطر له إذ الواو هنا ليس ضميرا وإلا لحذف الناصب النون بل الضمير النون والواو لام الفعل لأنه من عفا يعفو بالواو وشأن ضمير المؤنث الذي هو النون وكذا كل ضمير بارز أن يلحق آخر الفعل على حاله الأصلي أي حرف كان فيبقيه في نحو رمى يرمي ياء تقول النسوة رمين وأنا قضيت وفي نحو دعا يدعو واوا تقول النسوة دعون وأنا عفوت وفي نحو قرأ يقرأ همزة تقول النسوة قرأن وأنا أبرأت وهكذا فلذلك قال الله تعالى إلا أن يعفون بالواو وقال الشاعر من كان مسرورا بمصرع مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه قد قمن قبل تبلج الأسحار قد كن يخبئن الوجوه تسترا والآن حين بدون للنظار فمن هنا روي أن بعض الأدباء لما دخل على بعض الخلفاء وأنشده هذه الأبيات قال له كيف تقول بدأن بالهمز وبدين بالياء مريدا غرته من وجهين أحدهما أن صدر البيت يخبئن الوجوه بالهمز فقياسه أن يقول بدأن مثل يخبئن بالهمز فيهما وثانيهما أن الواو تكون ضمير الفاعل على المذكر لا ضمير النسوة فما حمله ذلك على الخطأ بل نطق بالصواب فقال أمير المؤمنين لا أقول بدين ولا بدأن بل بدون فقال له أصبت ويروى أن بعض الأدباء المشهورين طرحت عليه هذه الأبيات فأخطأ فيها وقال بدأن للنظار فأخطأ وفي الأبيات سؤال آخر عن مشكل من جهة المعنى وهو أن هذا القائل كيف يقصد إخمال الشماتة وكلامه يقتضي تقويتها فإن قوله من كان مسرورا بوقعة مالك أو بمصرع مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار وذكر من حال النسوة ما يقتضي زيادة\r","part":3,"page":241},{"id":962,"text":"الشماتة وتحقيق المصيبة وهتك العيال وتهتك الوجوه وهذا يزيد الشامت شماتة وجوابه أن عادة العرب أنها لا تقيم مأتما ولا تفعل النسوة هذا الفعل إلا بعد أخذ ثأر من يفعل ذلك في حقه ومن لا يؤخذ بثأره لا يستحق عندهم أن يقام له مأتم ولا يبكى عليه فلذلك قال أيها الشامت انظر كيف حال النسوة فذلك يدل على أنا أخذنا بثأره وذهبت شماتة الشامت به عندهم أو خفت فهذا وجه هذه الأبيات والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والخمسون والمائة بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود بلا خلاف وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منها بالعقود مطلقا على المشهور من مذهب مالك ومقابل المشهور قولان أحدهما التقرر مطلقا والطلاق مشطر وثانيهما النصف يتقرر بالعقد والنصف الآخر غير متقرر حتى يسقط بالطلاق أو يثبت بالدخول أو الموت فالنظر هنا في ثلاثة أمور الأمر الأول سر الفرق بين البابين على المشهور في الصداق والأمر الثاني سبب الخلاف والأمر الثالث ثمرة الخلاف أما الأمر الأول فهو أن المشهور لاحظ أن الصداق شرط في الإباحة لا عوض عن الوطأة الأولى لوجهين الأول أن الناس لا يقصدون به المعاوضة بل التحمل بشهادة العادة أن العقلاء لا يقصدون الوطأة الأولى بالصداق\rالوجه الثاني\r","part":3,"page":242},{"id":963,"text":"أن صاحب الشرع أيضا لم يرد المعاوضة بدليل أنه لم يشترط فيه شروط الأعواض من نفي الجهالة للمرأة بل يجوز العقد على المجهولة مطلقا ولا نعرض لتحديد مدة الانتفاع أيضا وذلك وشبهه دليل على عدم قصد صاحب الشرع إلى المعاوضة وأنه إنما جعله شرطا لأصل الإباحة وقاعدة الشرط أن يتعين ثبوته عند ثبوت المشروط فلذا قال في المشهور بعدم التقرر مطلقا إلا بالدخول أو بالموت لأن الصداق إنما التزم إلى أقصر الزوجين عمرا أو بالفراق ولم يجعله كالثمن وأما الأمر الثاني فهو أن هذه القاعدة يعارضها قاعدتان أخريان القاعدة الأولى أن الأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإنها أسبابها والأصل ترتب المسببات على أسبابها فمن لاحظ هذه القاعدة قال يجب الجميع بالعقد كثمن المبيع والقاعدة الثانية أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سبيبته وقد قال الله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فرتب النصف على الطلاق فيكون سببه فمن لاحظ هذه القاعدة قال يجب النصف بالطلاق خاصة ويبقى التكميل موقوفا على سبب آخر وهو الموت أو الدخول كذا في الأصل وأما الأمر الثالث قال ابن رشد الحفيد في بدايته ما يعرض للصداق من التغييرات قبل الطلاق لا يخلو أن يكون من قبلها أو من قبل الله فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه إما أن يكون تلفا للكل وإما أن يكون نقصا وإما أن يكون زيادة وإما أن يكون زيادة ونقصا معا وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت مثل البيع والعتق والهبة أو يكون تصرفها فيه في\r","part":3,"page":243},{"id":964,"text":"منافعها الخاصة بها أو فيما تتجهز به إلى زوجها فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي النقصان شريكان وعند الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا يرجع بنصف الزيادة وسبب اختلافهم هل تملك المرأة الصداق قبل الدخول أو الموت ملكا مستقرا أو لا تملكه فمن قال إنها لا تملكه ملكا مستقرا قال هما فيه شريكان ما لم تتعد فتدخله في منافعها ومن قال تملكه ملكا مستقرا والتشطير حق واجب تعين عليها عند الطلاق وبعد استقرار الملك أوجب الرجوع عليها بجميع ما ذهب عندها ولم يختلفوا أنها إذا صرفته في منافعها ضامنة للنصف واختلفوا إذا اشترت به ما يصلحها للجهاز مما جرت به العادة هل يرجع عليها بنصف ما اشترته أم بنصف الصداق الذي هو الثمن فقال مالك يرجع عليها بنصف ما اشترته وقال أبو حنيفة والشافعي يرجع عليها بنصف الثمن الذي هو الصداق ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والخمسون والمائة بين قاعدة ما يجوز اجتماعه مع البيع من نحو الإجارة وقاعدة ما لا يجوز اجتماعه معه\r","part":3,"page":244},{"id":965,"text":"من العقود الستة التي رمز الفقهاء لها بقولهم جص مشنق فالجيم للجعالة والصاد للصرف والميم للمساقاة والشين للشركة والنون للنكاح والقاف للقراض والسر في الفرق هو أن العقود أسباب لاشتمالها على تحصيل حكمتها في مسبباتها المتنافية بطريق المناسبة والشيء الواحد باعتبار الواحد لا يناسب المتضادين لأن تنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات وكل عقد من هذه العقود الستة يضاد البيع فلذا اختصت في المشهور بأنه لا يجوز أن يجمع واحدا منهما مع البيع عقد واحد بل قال الشيخ ميارة كما لا يجتمع البيع مع واحد من هذه السبع بزيادة القرض فكذلك لا يجتمع اثنان منها في عقد واحد لافتراق أحكامها قال وقد قلت في ذلك عقود منعنا اثنين منها بعقدة لكون معانيها معا تتفرق فجعل وصرف والمساقاة شركة نكاح قراض قرض بيع محقق وصرح بذلك أبو الحسن وابن ناجي ونقله الحطاب كذا في البناني على عبق وقال العلامة الدردير في شرح أقرب المسالك لك أن تزيد على هذين البيتين فهذي عقود سبعة قد علمتها ويجمعها في الرمز جبص مشنق\rا ه وأشار بالباء في جبص للبيع والصواب أن يبدلها بقاف بأن يقول جقص لتكون إشارة للقرض\rوتكون السبعة المرموز لها هي ما عدا البيع من العقود التي يمتنع جمعها في عقد واحد معه كما يمتنع اجتماع اثنين منها في عقد واحد لتضاد أحكامها أما تضاد الجعالة للبيع فمن جهة لزوم الجهالة في عملها ولزوم عدمها في عمله وأما تضاد النكاح له فمن جهة لزوم المسامحة في البيع دون النكاح فتجوز فيه المكايسة في العوض والمعوض بالمسامحة ويكون حاصل الصور العقلية أربعا وستين من ضرب ثمانية في مثلها المكرر منها ست وثلاثون والباقي ثمان وعشرون لأنك تأخذ كل واحد مع ما بعده يبلغ ذلك العدد فليفهم\r","part":3,"page":245},{"id":966,"text":"وأما تضاد الصرف له فمن جهة بناء الصرف على التشديد وامتناع الخيار والتأخير وأمور كثيرة لا تشترط في البيع وأما تضاد المساقاة والقراض له فمن جهة أن فيهما الغرر والجهالة كالجعالة بخلاف البيع وأما تضاد الشركة له فمن جهة أنه على وفق الأصول وفي الشركة مخالفة الأصول وأما تضاد القراض له فلقول الخرشي الذي يفيده كلام الغرياني في حاشيته على المدونة أن الحكم في التصديق إذا وقع في القرض الفسخ على ظاهر المدونة وفي البيع لأجل عدم الفسخ على ظاهرها كما قال عبد الحق إنه الأشبه بظاهرها\rا ه يعني أن الأرجح في القرض الفسخ إذا وقع التصديق في المقرض بفتح الراء وفي البيع لأجل الأرجح عدمه إذا وقع التصديق في المبيع ومما ذكر يعلم وجه تضاد أحكام كل مما عدا البيع من العقود السبعة المذكورة لأحكام الآخر منها نعم القراض والمساقاة والجعالة وإن علم مما ذكر اتحادها في جواز الغرر والجهالة إلا أنه يعلم من أبوابها أن عقد المساقاة لازم ولا ينعقد عند ابن القاسم إلا بلفظ ساقيت وعند سحنون إلا به وبلفظ آجرت أو عاملت دون لفظ شركة أو بيع بخلافهما وأن لصحة القراض شروطا غير شروط صحة الجعالة فافهم وأما نحو الإجارة والهبة مما يماثل البيع في الأحكام والشروط ولا يضاده فيه بأنه يجوز اجتماعه مع البيع كما يجوز اجتماع أحدهما مع الآخر في عقد واحد لعدم التنافي فهذا وجه الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بهذا الفرق وتوضحه المسألة الأولى قال الرهوني ابن عرفة الصرف والبيع في جوازه ومنعه ثالثها بقيد التبعية لأشهب مع اللخمي عن رواية محمد جواز بيع مائة ثوب كل ثوب بدينار إلا ثلاثة دراهم وسماع عيسى رواية ابن القاسم لا يجوز صرف وبيع ولا نكاح وبيع والمشهور ثم قال ففي تبعية الصرف بكونه أقل من دينار أو دينارا فأقل المشهور وقول الصقلي عن غير واحد من أصحابنا عن ابن حبيب ا ه محل الحاجة منه بلفظه\r","part":3,"page":246},{"id":967,"text":"ا ه وقدم قول أشهب بالجواز مطلقا على المشهور لقول ابن رشد وقول أشهب أظهر من جهة النظر وإن كان خلاف المشهور\rا ه أي لا نظر إلى أن العقد الذي جمعهما احتوى على أمرين كل منهما جائز على انفراده وأنكر أن يكون مالك حرمه قال وإنما الذي حرمه الذهب بالذهب مع كل منهما سلعة والورق بالورق مع كل منهما سلعة كما في حاشية الصاوي على شرح أقرب المسالك ثم قال الرهوني ولما ذكر في التحفة منع اجتماع\rالستة التي في المواق والحطاب عن المدونة مع البيع أي وفي الأصل وهي الرموز لها بقولهم جص مشنق قال\rوأشهب الجواز عنه ماض قال قال التاودي في شرحها ما نصه ومفاد الناظم أن خلافه جار في الجميع وصرح به ابنه وفي الحطاب عن اللخمي وقد اختلف في جميع ذلك\rا ه منه بلفظه قلت وما نقله عن الحطاب هو كذلك فيه وهو يقتضي أن الخلاف في اجتماع البيع والمساقاة منصوص وهو خلاف ما في ابن ناجي عن المدونة ونصه وقد اختلف في جميعها إلا أن اجتماع البيع والمساقاة الخلاف بالتخريج خرجه اللخمي في بيع بت وخيار في عقدة واحدة ا ه بلفظه\rونص اللخمي وتقدم في كتاب النكاح الثاني ذكر الاختلاف في النكاح والبيع وفي كتاب الجعل ذكر الاختلاف في البيع والجعل وفي كتاب البيعين بالخيار الاختلاف في بيع بت وخيار في عقد واحد ويختلف في البيع والمساقاة على مثل ذلك منه بلفظه\r","part":3,"page":247},{"id":968,"text":"ا ه كلام الرهوني وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد واختلفوا أي الفقهاء إذا اقترن بالمهر بيع مثل أن تدفع إليه عبدا ويدفع ألف درهم عن الصداق وعن ثمن العبد ولا يسمي الثمن من الصداق فمنعه مالك وابن القاسم وبه قال أبو ثور وأجازه أشهب وهو قول أبي حنيفة وفرق عبد الله فقال إن كان الباقي بعد البيع ربع دينار فصاعدا بأمر فصاعدا بأمر لا يشك فيه جاز واختلف قول الشافعي فمرة قال ذلك جائز ومرة قال فيه مهر المثل وسبب اختلافهم هل النكاح في ذلك شبيه بالبيع أم ليس بشبيه فمن شبهه في ذلك بالبيع منعه ومن جوز في النكاح من الجهل ما لا يجوز في البيع قال يجوز ا ه بلفظها\rالمسألة الثانية\rقال كنون وأولى من منع بيع وصرف منع بيع وبدل وكما استثنوا من الأول ما أشار له في المختصر بقوله إلا أن يكون الجميع دينارا أو يجتمعا فيه كذلك يستثنى من الثاني أن يكون الجميع درهما كما يأتي في قوله أي خليل وبخلاف درهم أي بنصف وفلوس أو غيره في بيع وسكا واتحدت وعرف الوزن وانتقد الجميع ا ه بتوضيح وقال عبق على خليل ومن الجعل المفارسة\rا ه المسألة الثالثة قال كنون وقول الزرقاني والهبة كالبيع أي فلا يجوز جمعها مع الصرف وأما مع البيع فيجوز وما في الشبرخيتي من المنع مردود عقلا ونقلا انظر الأصل أي الرهوني حيث قال أما نقلا فلقول اللخمي أجاز ابن القاسم سلم فسطاطية في فسطاطيتين مثلها إحداهما معجلة والأخرى مؤجلة جعل المعجلة في مقابلة المعجلة والمؤجلة هبة\rا ه ونقله المواق قبيل قوله ومؤخر فقها مسلما وفي المفيد أثناء كلامه على من باع دارا بالنفقة عليه حياته ما نصه قال عبد الحق ينبغي عندي إن أنفق عليه سرفا أن يرجع عليه بجميع ذلك لأن الزائد على النفقة المتوسطة إنما هو كهبة من أجل البيع جائزة فإذا انتقض البيع وجب الرجوع فيها وكذلك هنا\rا ه منه بلفظه\r","part":3,"page":248},{"id":969,"text":"وأما معنى أي عقلا فإن الهبة المقارنة للبيع إنما هي مجرد تسمية فإذا قال شخص لآخر أشتري منك دارك بمائة على أن تهبني ثوبك ففعل فالدار والثوب مبيعان معا بمائة وإذا قال شخص لآخر أبيعك داري بمائة على أن تهبني ثوبك فالدار مبيعة بالمائة والثوب والتسمية لا أثر له وكلام المدونة في مواضع\rشاهد لذلك منها قولها في كتاب الغرر ومن قال أبيعك سكنى داري سنة فذلك غلط في اللفظ وهو كراء صحيح\rا ه ومنها قولها في كتاب الصرف ولو صرفت منه دينارا بدراهم على أن تأخذ بها منه سمنا أو زيتا نقدا ومؤجلا أو على أن تنضها ثم تشتري بها هذه السلعة فذلك جائز وإن ردت السلعة بعيب رجعت بدينارك لأن البيع إنما وقع بالسلعة واللفظ لغو وإنما ينظر مالك إلى فعلهما لا إلى قولهما وليس هذا من يتعين في بيعة ا ه منها بلفظها ومنها قولها فيه أيضا ولا بأس أن يبيع الرجل الثوب معجلا بدينار إلى شهر والدينار بكذا وكذا درهما إلى شهرين لأن البيع إنما وقع بالدراهم ولا ينظر إلى قبح كلامهما إذا صح العمل بينهما كما لا ينظر إلى حق كلامهما إذا قبح العمل بينهما\rا ه إلى غير ذلك من النصوص الموافقة لهذا في المدونة وغيرها وبهذا تعلم أن هذا الذي قلناه هو عين الحق والصواب ويكفي في رد ما قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي كلام أهل المذهب على المحاباة انظر نصوصهم فيما يأتي آخر الحجر إن شاء والله الموفق\rا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":249},{"id":970,"text":"الفرق السابع والخمسون والمائة بين قاعدة البيع توسع العلماء فيه حتى جوز مالك وأبو حنيفة وابن حنبل البيع بالمعاطاة وهي الأفعال دون شيء من الأقوال وزادوا على ذلك حتى قالوا كل ما عده الناس بيعا فهو بيع نعم قال الشافعي لا تكفي المعاطاة دون قول وقاعدة النكاح ووقع التشديد فيها فقد اتفقوا على اشتراط الصيغ فيه حتى لا يعلم أنه وجد لأحد منهم قول بالمعاطاة فيه ألبتة وإنما اختلفوا هل ينعقد بغير لفظ التزويج والنكاح أو لا ينعقد إلا بخصوص لفظهما فذهب أبو حنيفة إلى الأول قال ابن العربي في القبس جوزه أبو حنيفة بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد قال الأصل ولم\rيستثن غير الإجارة والوصية والإحلال وجوزه بالعجمية وإن قدر على العربية وجوز الجواب من الزوج بقوله فعلت وذهب الشافعي وابن حنبل إلى الثاني فقالا لا ينعقد إلا بلفظ التزويج والنكاح كما في القبس لابن العربي واختلف النقل عن مالك فقال ابن رشد في المقدمات لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج دون غيرهما من ألفاظ العقود وفي الهبة قولان المنع كمذهب أبي حنيفة لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية فكذلك النكاح ويرد عليه أن الهبة لا تنعقد بلفظ النكاح فكذلك النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة وأن النكاح مفتقر إلى الصريح ليقع الإشهاد عليه بل قال ابن عبد البر في الاستذكار أجمعوا على أنه لا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة فيقاس عليه الهبة وقال صاحب الجواهر ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد كالنكاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة ونحوها قال القاضي أبو الحسن ولفظ الصدقة\rوقال الأصحاب إن قصد بلفظ الإباحة النكاح صح ويضمن المهر فيكفي قول الزوج قبلت بعد الإيجاب من الولي ولا يشترط قبلت نكاحها ولو قال للأب في البكر أو بعد الإذن في الثيب زوجني فقال فعلت أو زوجتك فقال لا أرضى لزمه النكاح لاجتماع جزأي العقد فإن السؤال رضى في العادة أيضا وسبب اختلافهم أمران\rالأول\r","part":3,"page":250},{"id":971,"text":"تعارض الكتاب والسنة وذلك أن قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لم يذكر فيهما إلا لفظ التزويج والنكاح وقوله {صلى الله عليه وسلم} ملكتكها بما معك من القرآن وزد بلفظ التمليك فاحتج بالحديث من قال ينعقد بغير لفظهما وقال الشافعي وابن حنبل لم يذكر في القرآن إلا لفظهما والحديث ورد بألفاظ مختلفة والقصة واحدة فيستحيل اجتماعها بل الواقع أحدها والراوي روى بالمعنى فلا حجة فيه\r","part":3,"page":251},{"id":972,"text":"الأمر الثاني تعارض قاعدتين القاعدة الأولى كل حكم شرعي لا بد له من سبب شرعي وإباحة المرأة حكم فله سبب يجب تلقيه من السمع فما لم يسمع من الشرع لا يكون سببا القاعدة الثانية الشرع قد ينصب خصوص الشيء سببا كالزوال لوجوب الظهر ورؤية الهلال لوجوب الصوم والقتل العمد العدوان للقصاص وقد ينصب مشتركا بين أشياء سببا ويلغي خصوصاتها كألفاظ الطلاق فإن المنصوب منها سببا ما دل على انطلاق المرأة من عصمة الرجل وألفاظ القذف فإن المنصوب منها سببا ما دل على نسبة المقذوف إلى الزنى أو اللواط وألفاظ الدخول في السلام فإن المنصوب منها سببا ما دل على مقصود الرسالة النبوية فعلى القاعدة الأولى اعتمد الشافعي وابن حنبل والمغيرة من أصحابنا وهو ظاهر ما نقله ابن رشد في المقدمات عن المذهب والنكاح عند أبي حنيفة وعندنا على ما حكاه صاحب الجواهر من القاعدة الثانية ويدل على ذلك أنه ورد بألفاظ مختلفة في الكتاب والسنة والأصل فيها عدم اعتبار الخصوص فيتعين العموم وهو المطلوب ويفرق بين قاعدة البيع وقاعدة النكاح على هذا بأربعة وجوه مبنية على أربع قواعد الوجه الأول أن النكاح لا بد فيه من لفظ يشهد عليه أنه تزويج لا زنى وسفاح بخلاف البيع لأن القاعدة أن الشهادة شرط في النكاح إما مقارنة للعقد كما قال الثلاثة أو قبل الدخول كما قال مالك وعلى التقديرين لا بد من لفظ إلخ وليس الإشهاد شرطا في البيع فلذا جوزوا فيه المناولة الوجه الثاني أن النكاح عظيم الخطر جليل المقدار لأنه سبب بقاء النوع الإنساني المكرم المفضل على جميع المخلوقات قال تعالى ولقد كرمنا بني آدم وسبب للعفاف الحاسم لمادة الفساد واختلاط الأنساب وسبب للمودة والمواصلة والسكون وغير ذلك من المصالح بخلاف البيع والقاعدة أن\r","part":3,"page":252},{"id":973,"text":"الشيء إذا عظم قدره شدد فيه وكثرت شروطه وبولغ في أبعاده إلا لسبب قوي تعظيما لشأنه ورفعا لقدره وهو شأن الملوك في العوائد ألا ترى أن المرأة النفيسة في مالها وجمالها ودينها ونسبها لا يوصل إليها إلا بالمهر الكثير والتوسل العظيم وأن المناصب الجليلة والرتب العلية كذلك في العادة وأن الذهب والفضة لما كان رءوس الأموال وقيم المتلفات شدد الشرع فيهما فاشتراط المساواة والتناجز وغير ذلك من الشروط التي لم يشترطها في البيع في سائر العروض وأن الطعام لما كان قوام بنية الإنسان منع الشرع بيعه نسيئة بعضه ببعض ومنع مالك بيعه قبل قبضه دون غيره من السلع فلذلك شدد الشرع في النكاح فاشترط الصداق والشهادة والولي وخصوص الألفاظ دون البيع والوجه الثالث أن الأصل في السلع الإباحة حتى تملك والأصل في النساء التحريم حتى يعقد عليهن بملك أو نكاح والقاعدة أن الشرع يحتاط في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط له فلا يقدم على محل فيه المفسدة إلا بسبب قوي يدل على زوال تلك المفسدة أو يعارضها ويمنع الإباحة ما فيه مفسدة بأيسر الأسباب دفعا للمفسدة بحسب الإمكان ألا ترى أن المرأة حرمت بمجرد عقد الأب لأنه خروج عن إباحة إلى حرمة وأن المبتوتة لا تحل إلا بعقد ووطء حلال وطلاق وانقضاء عدة من عدد الأول لأنه خروج من حرمة إلى إباحة وأنا أوقعنا الطلاق بالكنايات وإن بعدت حتى أوقعه مالك بالتسبيح والتهليل وجميع الألفاظ إذا قصد بها الطلاق لأنه خروج من الحل إلى الحرمة فيكفي فيه أدنى سبب فلهذه القاعدة لم يجز النكاح بكل لفظ بل بما فيه قرب من مقصود النكاح لأنه خروج من الحرمة إلى الحل وجوزنا البيع بجميع الصيغ والأفعال الدالة على الرضى بنقل الملك في العوضين لأنه خروج من الحل إلى الحرمة فيكون موجبا لقصوره في الاحتياط عن الفروج الوجه الرابع عموم الحاجة إلى البيع لأنه لا","part":3,"page":253},{"id":974,"text":"غنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس بحيث لا يخلو مكلف غالبا من بيع أو شراء بخلاف النكاح\rوالقاعدة في الملة السمحة تخفيف في كل ما عمت به البلوى والتشديد فيما لم تعم البلوى به كما وضحت ذلك في رسالتي شمس الإشراق في حكم التعامل بالأوراق فإذا أحطت بهذه القواعد علما ظهر لك سبب اختلاف موارد الشرع في هذه الأحكام وسبب اختلاف العلماء ونشأت لك الفروق والحكم والتعاليل والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والخمسون والمائة بين قاعدة المعسر بالدين ينظر وبين قاعدة المعسر بنفقات الزوجات لا ينظر\r","part":3,"page":254},{"id":975,"text":"عندنا وعند الشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وجماعة بل يفسخ عليه نكاحه بطلاق في حق من ثبت لها الإنفاق وهو مروي عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وقال أبو حنيفة والثوري لا تطلق عليه بالإعسار وبه قال أهل الظاهر ودليل هذا القول أمور الأمر الأول استصحاب الحال وذلك أن العصمة ثبتت بالإجماع فلا تنحل إلا بإجماع أو بدليل من كتاب أو سنة لا بالقياس الأمر الثاني أن الله تعالى أوجب إنظار المعسر بالدين في قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فهاهنا أولى لأن بقاء الزوجية مطلوب لصاحب الشرع الأمر الثالث أن النفقة كما لا يطلق بها في الزمان الماضي إجماعا كذلك لا يطلق بها بها في الحال الأمر الرابع أن العجز عن النفقة في الحال كما أنه لا يوجب بيع أم الولد ولا خروجها عن ملكه كذلك لا يوجب تطليق الزوجة ودليل القول الأول أيضا أمور الأمر الأول أنا لم نقل بحل العصمة الثابتة بالإجماع عن المعسر بالإنفاق إلا بدليل وهو قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وذلك أن الإمساك على الجوع والعري ليس من المعروف فيتعين التسريح بالإحسان وما خرجه البخاري قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الولد إلى من تدعني وفي كشاف القناع على الإقناع وقوله {صلى الله عليه وسلم}\r","part":3,"page":255},{"id":976,"text":"امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني رواه أحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح ورواه الشيخان من قول أبي هريرة وروى الشافعي وسعيد عن سفيان عن أبي الزناد قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال يفرق بينهما قال أبو الزناد لسعيد سنة قال سعيد سنة ا ه الأمر الثاني أنا إنما أمرناه برفع ضرر عليه وهو إطلاقها لمن ينفق عليها ولم تلزمه النفقة مع العسرة حتى يرد أن الله أوجب إنظار المعسر الأمر الثالث أن الضرر الواقع من ذلك شبهه بالضرر الواقع من العنة والتطليق على العنين قول الجمهور بل قال ابن المنذر إنه إجماع الأمر الرابع أن النفقة قالوا في مقابلة الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور فإذا لم يجد النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار الأمر الخامس القاعدة أن المفصد إذا اتحدت وسيلته أمر به عينا وإذا تعددت بأن كان له وسيلتان فأكثر خير بينهما ولا يتعين أحدهما عينا ولمتعدد الوسيلة في الشريعة فروع كثيرة منها رفع الضرر عن أم الولد غير بيعها طريق آخر وهو تزويجها ومنها الجامع يكون له طريقان مستويان لا يجب يوم الجمعة سلوك إحداهما عينا بل يخير بينهما ومنها السفر إلى الحج يتيسر فيه البر والبحر لا يتعين أحدهما ولمتحد الوسيلة في الشريعة أيضا فروع منها زوال الضرر عن الزوجات الواقع من ذلك اتحدت وسيلته أي سبب الخروج عن ضرر الجوع والعري وهو التطليق فأمر به عينا هذا خلاصة ما في الأصل وبداية المجتهد لابن رشد مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم مسألة كما اختلف الفقهاء في الإعسار بنفقة الزوجة كذلك اختلفوا في الإعسار بالصداق ففي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد ما نصه كان الشافعي يقول يخير إذا لم يدخل بها وبه قال مالك واختلف أصحابه في قدر التلوم له فقيل ليس له في ذلك حد وقيل سنة وقيل سنتين وقال أبو حنيفة هو غريم الغرماء لا يفرق بينهما ويؤخذ بالنفقة ولها أن تمنع نفسها حتى يعطيها المهر وسبب","part":3,"page":256},{"id":977,"text":"اختلافهم تغليب شبه النكاح في ذلك بالبيع أو تغليب الضرر اللاحق للمرأة في ذلك من عدم الوطء تشبيها بالإيلاء والعنة\rا ه بلفظه وقال الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في كشافه وإذا أعسر الزوج بالمهر بشرطه السابق في آخر الصداق خيرت على التراخي بين الفسخ من غير انتظار أي تأجيل ثلاثا خلافا لابن البناء وبين المقام معه على النكاح ا هـ المراد والله أعلم\rالفرق التاسع والخمسون والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين الأدنين في إيجاب النفقة لهم خاصة وبين قاعدة غيرهم من القرابات\rلا تجب لهم النفقة عند مالك رحمه الله تعالى لا عند غيره من الأئمة فقد قال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى بإيجابها لكل من هو بعض من الآباء والأمهات وإن علوا والأولاد وإن سفلوا لقوله تعالى وبالوالدين إحسانا ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما إذ ليس من الإحسان تركهما بالجوع والعري ولقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا ومن المعروف قيام بكفايتهما ولقوله عليه الصلاة والسلام إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم رواه أبو داود والترمذي وحسنه ولقوله عليه الصلاة والسلام في البخاري يقول لك ولدك إلى من تكلني الحديث وأب الأب أب وأم الأم أم وابن الابن ابن قال الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في كشافه من المتن تجب عليه نفقة والديه وإن علوا ونفقة ولده وإن سفل لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن\rوكسوتهن بالمعروف ولأن الإنسان يجب عليه أن ينفق على نفسه وزوجته فكذا على بعضه وأصله ويجب عليه إكمال ما عجزوا عن إكمالها حتى ذوي الأرحام من والديه وإن علوا وولده وإن سفلوا ولو حجبه معسر بالمعروف من حلال إذا كانوا أي الأصول والفروع فقراء ا ه محل الحاجة\rوقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى تجب النفقة لكل ذي رحم محرم لقوله تعالى وآت ذا القربى حقه وأجمعنا على تخصيص من ليس بمحرم وبقي من عداه على العموم ولقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض","part":3,"page":257},{"id":978,"text":"وسبب الاختلاف أما أولا فهو أنهم بعد أن أجمعوا على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجب في مال الولد كما حكاه في كشاف القناع عن ابن المنذر وكذا على أن نفقة الأولاد الفقراء الذين لا كسب لهم ولا مال واجب في مال الأب لما سبق اختلفوا في أن لفظ الأب والأم والابن فيما سبق من الأدلة هل تتناول غير الأدنين بالوضع الأصلي وحينئذ التجوز بقصرها عن الأدنين يحتاج إلى قرينة أو ما يدل على أن هذا المجاز انتهى إلى أن صار عرفا وإذا لم يتحقق ذلك وجب التمسك بالحقيقة والاقتصار عليها أو لا تتناول بالوضع الأصلي غير الأدنين بدليل أن الله تعالى فرض للأم الثلث ولم تستحقه الجدة وحجب الإخوة بالأب ولم يحجبهم بالجد وأن بنت الابن\rلها السدس مع بنت الصلب مع أختها فلو كانت هذه الألفاظ تتناول هذه الطبقات على اختلافها بطريق التواطؤ حقيقة لزم تعميم الحكم فيها كلها على السواء وإلا لزم ترك العمل بالدليل وهو خلاف الأصل فلم يبق إلا أن هذه الألفاظ إنما تتناول هذه الطوائف بطريق المجاز فيلزمه هنا الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو مجاز مختلف فيه بين العلماء هل يجوز في لسان العرب أم لا ونحن في المجاز المجمع على جوازه في لسان العرب لا نعدل باللفظ إليه إلا بدليل والحمل عليه من غير دليل خطأ قطعا فهاهنا بطريق الأولى لكونه ضعيفا من جهة أنه مجاز وأنه مختلف في جوازه بلغة\r","part":3,"page":258},{"id":979,"text":"وأما ثانيا فهو اختلافهم في أن النفقة هل هي حق لذوي القربى فيتناولها لفظ الحق في الآية أم لا فلا يتناولها قال ابن الشاط وهو الصحيح وأما ثالثا فهو اختلافهم في أن أولى في الآية وإن كان نكرة في سياق الإثبات لا عموم فيه بل هو مطلق فيما ذوو الأرحام فيه أولى من ولاية النكاح ومن المعاضدة والمناصرة المجمع عليها فإنهم أولى بالإحسان إلى بعضهم بعضا بالنصرة إجماعا فهل يمتنع جعله عاما بأن يعدى حكمه إلى صورة أخرى بغير دليل كما يمتنع جعل العام مطلقا بغير دليل قال ابن الشاط وهو الصحيح أو لا يمتنع\rقال الأصل فظهر من هذه الاستدلالات أي لمالك وغيره صحة مذهب مالك وتفضيله على غيره في هذه المسألة وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا لكن قال ابن الشاط لم يظهر ما قاله لاحتمال أن تكون تلك الألفاظ تتناول غير الأدنين أيضا بالوضع الأصلي لكن وقع التجوز بقصرها على الأدنين فيحتاج هذا المجاز إلى قرينة أو ما يدل على أنه انتهى إلى أن صار عرفا ولا دليل له فيما استدل به على أن لفظ الأب وما معه لا يتناول غير الأدنين إلا مجازا فافهم والله أعلم\rالفرق الستون والمائة بين قاعدة المتداعيين في غير الزوجين شيئا لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين قاعدة المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدم كل واحد منهما فيما يشبه أن يكون له عند مالك ووافقه أبو حنيفة وفقهاء المدينة السبعة رضي الله عنهم أجمعين نعم خالف أبو حنيفة مالكا في بعض فروع المسألة وسيأتي تقرير المنقولات فيها فترقب لا عند الشافعي فقد قال لا يقدم أحد الزوجين على الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدعين محتجا بثلاثة أمور الأمر الأول قوله {صلى الله عليه وسلم} البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فكل من ادعى من الزوجين كان عليه البينة لظاهر الحديث\r","part":3,"page":259},{"id":980,"text":"الأمر الثاني القياس على الصباغ والعطار فكما أنهما إذا تداعيا آلة العطر والصبغ لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وإن شهدت العادة بأن آلة العطر للعطار وآلة الصبغ للصباغ كذلك هاهنا الأمر الثالث أن حكم اليد كما لا يسقط بالصلاحية فيما إذا كان في يد ثالث غير المتداعيين كذلك لا يسقط بها في كل موضع يكون المتنازع فيه بيد أحد المتداعيين لا فرق بين كونهما امرأتين أو رجلين أو رجلا وامرأة ألا ترى أن الرجل لو كان بيده خلخال فادعته امرأة أجنبية فالقول قوله وإن كان الخلخال لا يصلح من لباسه لأجل أن يده عليه وأن المرأة لو كان بيدها سيف فادعاه رجل فالقول قولها وإن كان لا يصلح لها لأجل أن يدها عليه فالزوجان إذا كانا في الدار وفيها ما يصلح لأحدهما ويدهما عليه كذلك لا يسقط اعتبار اليد بصلاحيته لأحدهما دون الآخر\rووجه الجواب والفرق إما عن الحديث فهو أن القاعدة أن المدعي هو كل من كان قوله خلاف أصل أو عرف والمدعى عليه هو كل من كان قوله على وفق أصل أو عرف مثلا المدعي بالدين على خلاف الأصل لأن الأصل براء الذمة والمطلوب المنكر على وفق الأصل لما علمت والمدعي رد الوديعة وقد قبضها ببينة هو المدعي لأن قوله على خلاف الظاهر والعرف بسبب أن الغالب أن من قبض ببينة لا يرد إلا ببينة والمدعي عدم قبضها لكون قوله على وفق الظاهر والعرف على المدعى عليه وهذه القاعدة تقتضي أن المرأة إذا ادعت مقنعة وشبهها كان قولها على وفق الظاهر وقول الزوج على خلاف الظاهر فالزوج مدع فعليه البينة وهي مدعى عليها فالقول قولها تقول بموجب الحديث لا أنه حجة علينا قال ابن الشاط وتمسك الشافعي بالحديث ظاهر وجواب المالكية بتفسير المدعي والمدعى عليه بما فسروا به لا بأس به\r","part":3,"page":260},{"id":981,"text":"ا ه وأما عن القياس على الصباغ والعطار فهو باطل أما على قول بعض أصحابنا بالتزام مساواة مسألة الصباغ والعطار لمسألة الزوجين في تقديم ما شهدت العادة له كما أشار إليه ابن القصار في عيون الأدلة لظاهر قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف من أن كل ما شهدت به العادة قضي به\rإلا أن يكون هناك بينا ولأن القول قول مدعي العادة في مواقع الإجماع فظاهر وأما على القول بعدم التسوية بين المسألتين فلأن القياس لا يصح مع الفارق\rوالفرق بين المسألتين إما مع كون الصباغ والعطار في حانوتين أو تداعيا شيئا في يد ثالث فهو أن الضرورة تدعو للملابسة في حق الزوجين فسلك بهما أقرب الطرق في إثبات أموالهما ولا ضرورة تدعو لملابسة العطار والصباغ فجريا على قاعدة الدعاوى وأما مع كونهما في حانوت واحد فهو أن الإشهاد بين الزوجين يتعذر لأنهما لو اعتمدا ذلك وأن من كان له شيء أشهد عليه لأدى ذلك إلى المنافرة وعدم الوداد بينهما وربما أفضى ذلك إلى الطلاق والقطيعة فهما معذوران في عدم الإشهاد كالغفارة إلى ذلك فلو لم يقض بينهما مع ذلك الإلجاء بالعادة لاستد الباب عليهما بخلاف العطار والصباغ إذا كانا في حانوت واحد فإنه لا ضرورة تدعوهما لعدم الإشهاد لكونهما أجنبيين لا يتألمان من ضبط أموالهما بذلك وأما عن القياس على ما إذا كان المتنازع فيه بيد ثالث فهو أنه قياس مع الفارق\r","part":3,"page":261},{"id":982,"text":"وذلك أن المستند عندنا في مسألتنا أمران اليد مع الصلاحية إذ لا فرق عندنا بين الرجل والمرأة وبين الرجلين وبين المرأتين وبين اليد الحكمية والمشاهدة فلو تعلق رجل وامرأة بخلخال وأيديهما جميعا يتجاذبانه به قضينا به للمرأة مع يمينها ولو تجاذبا سيفا كان للرجل مع يمينه والمستند فيما إذا كان بيد ثالث الصلاحية فقط إذ ليس لأحد المتداعيين عليه يد وقولنا ما يصلح للزوجين يكون للزوج مع أنه لا ظاهر يشهد له ويد كل واحد منها عليه ليس نقضا لا سلبا ولا ترجيحا بلا مرجح نظرا لكون اليد مشتركة بل هو جار على أصلنا من الترجيح بمرجح لأن يد الزوج أقوى وهو المرجح لأن المرأة في يده وتحت حوزه والدار له ألا ترى أن عليه أن يسكنها وأن يجبرها وأن يخدمها فالدار هي من قبله كحوز امرأته فلذلك قضي له مع يمينه كالمداعيين لأحدهما يد دون الآخر وكون ما ذكرناه من الظاهر إنما يشهد بالاستعمال فقط فإن السيف إنما يستعمله الرجال والحلي إنما يستعمله النساء والنزاع إنما هو في الملك لا في الاستعمال وقد تملك المرأة ما يصلح للرجال للتجارة أو بعارض من إرث أو\r","part":3,"page":262},{"id":983,"text":"غيره فقد أصدق علي رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها درعا من حديد وقد يملك الرجال ما يصلح للنساء للتجارة أو غير ذلك من أسباب التمليك مدفوع بأن الغالب فيما في يد الإنسان مما يصلح له أنه ملكه ويندر أنه لا يملكه وإذا دار الحكم بين النادر والغالب فالأولى حمله على الغالب ألا ترى أن من هو ساكن في دار ويده عليها يقضى له بالملك بناء على الغالب وظاهر الملك كذا في الأصل قال ابن الشاط وجعل المالكية اليد لهما أعني الزوجين مع قولهم إن الرجل حائز للمرأة فيه درك لا يخفى وبالجملة المسألة محل نظر ا ه بلفظ والله أعلم وصل في توضيح هذا الفرق بأربع مسائل المسألة الأولى قال مالك في المدونة إذا اختلفا وهما زوجان أو عند الطلاق أو الورثة بعد الموت والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما مسلمان أو أحدهما قضي للمرأة بما هو شأن النساء وللرجل بما هو شأن الرجال وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن البيت بيته في مجرى العادة فهو تحت يده فيقدم لأجل اليد قال ابن حبيب ولا يكفي أحدهما أن يقول هذا لي لأنه متاع البيت حتى يقول هذا ملكي قال عبد الحق في تهذيب الطالب لو تنازعا في رداء فقال هو لها إلا الكتان بأن قال اشتريته فقال أصبغ له بقدر كتانه ولها لأنه بقدر عملها لو ادعاه صدق وقد تقدم في الصباغ والعطار قولان لأصحاب مالك المسألة الثانية قال مالك ما يصلح للرجل أخذه مع يمينه وقال سحنون لا يمين على واحد منهما فيما يصلح له إنما اليمين على الرجل فيما يصلح لهما وقاله ابن القاسم في غير المدونة\r","part":3,"page":263},{"id":984,"text":"وهو ظاهر قول مالك قال ابن يونس الذي يختص بالرجل نحو العمامة فالقول قوله فيه بغير يمين إلا أن تدعي المرأة إرثه فيحلف وقال ابن سحنون لا يقضى لواحد منهما بشيء إلا بعد يمينه وقال المغيرة ما يصلح لهما قسم بينهما بعد أيمانهما وسواء في هذا كله اختلفا قبل الطلاق أو بعده أو بعد خلع أو لعان أو فراق أو إيلاء أو غيره أو ماتا أو أحدهما واختلف الورثة والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما حر والآخر عبد كانت الزوجة ذمية أم لا وسواء في هذا كله كانت لها عليه يد مشاهدة أو حكمية فاليد المشاهدة أن يكونا قابضين على الشيء فيتجاذبانه ويتنازعان والحكمية أن يكون في الدار التي يسكنانها وسواء في هذا كله\rالزوجان والأجنبيان وذوات المحارم إذا سكن رجل وامرأة في دار وهذا الأصل لا مناقضة فيه على المذهب حتى قال أئمتنا لو اختلف عطار ودباغ في المسك والجلد واختلف القاضي والحداد في القلنسوة والكير وكانت لهما عليه يد حكمية في دار يسكنانها أو مشاهدة أو تنازع رجل وامرأة رمحا وهما يتجاذبانه فالقول في هذا كله قول من شهد له العرف والعادة فيحكم للرجل بالرمح مع يمينه وإن كان دملجا قضي به للمرأة مع يمينها ويقضى للعطار بالمسك مع يمينه وأما إن كان الزوجان في البيت فحاز أحدهما في يده وقبضته ما يصلح للآخر دونه قال فالذي يتبين لي فيه أن القول قول من حازه دون الآخر\rالمسألة الثالثة\rقال الطرطوشي في تعليقه الذي تقدم فيه المرأة ويقضى لها به لأجل الصلاحية الحلي وثياب النساء وجميع الجهاز من الطست والمنارة والثياب والقبقاب والبسط والوسائد والمرافق والفرش ونحو ذلك والذي يقضى به للرجل السلاح والمنطقة والخاتم الفضية وثياب الرجل ونحو ذلك والذي يصلح لهما كالدار التي يسكنانها والرقيق\r","part":3,"page":264},{"id":985,"text":"وأما أصناف الماشية فلمن حازه لأنها ليست من متاع البيت وكذلك ما في المرابط من خيل أو بغال أو حمير فلمن حازه قال مالك والحصر كالدار إلا أن يعرف للزوجة هذا تقرير المنقولات في مذهب مالك رحمه الله تعالى وتناقض قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذه الفروع وإن كان من حيث الجملة موافقا لنا فقال ما يصلح لهما فهو للرجل إن كان حيا وإن كان ميتا فهو للمرأة وقال محمد بن الحسن من أصحابه هو لورثة الزوج كقولنا وقال أبو حنيفة إن تداعياه وهو في أيديهما مشاهد قسم بينهما\rوقال أبو حنيفة أيضا إذا كانا أجنبيين يسكنان معا فتداعيا شيئا مما كان يصلح للرجل فهو له وما كان يصلح للمرأة فهو لها وما كان يصلح لهما قسم بينهما وإن اختلف العطار والدباغ في المسك والجلد فإنه يقسم بينهما واحتج أبو حنيفة فيما إذا مات الرجل أن سلطانه زال عن المرأة بالموت فكانت المرأة أرجح\rفيما تدعيه\rوجوابه أن الوارث شأنه أن ينتقل له ما كان لمورثه على الوجه الذي كان له بدليل الآخذ بالشفعة والرد بالعيب وخيار الشرط وأما الشافعي فطريقته واحدة وهي أن الزوجين إذا تداعيا شيئا فمن أقام البينة فهو له كما قلناه وإلا قسم بينهما نصفين بعد أيمانهما وكذلك الأجنبيان إذا سكنا دارا واحدة\rالمسألة الرابعة\r","part":3,"page":265},{"id":986,"text":"قال عبق المسألة التي أشار لها المصنف بقوله وفي متاع البيت فللمرأة إلخ لم يثبت فيها كون الشيء لأحدهما وسواء كان التنازع بينهما أو بين ورثة أحدهما مع الآخر أو بين ورثتيهما وأما مسألة من حلى زوجته تزينا بحلي في ملكه ببينة ولم تقم هي بينة على هبته لها فإنه وإن تعلق بالنساء لم تختص به عن الورثة إذا مات ولا تأخذه إذا طلقها ولو طال تحليها به فيهما كما اقتصر عليه عج في باب الهبة عند قول المصنف لتحلية ولده وكثيرا ما يقع ذلك بمصر وإن كان المشاع على ألسنة الناس أن كل شيء تمتعت به المرأة فهو لها لثبوت ملك الحلي للرجل ولكن حلاها به كما مر وأولى من التحلية الفرش ونحوها ثم لا يعارض هذا قول المصنف في الهبة وهبة أحد الزوجين للآخر متاعا لأنه فيما يثبت أنه وهب أحدهما للآخر بصيغة أو مفهمها وما هنا لم يقع إلا التحلية أو التمتع بالفرش فقط\rا ه بتصرف قال الرهوني وما رجحه عج باقتصاره عليه هو الراجح من الأقوال الثلاثة في المسألة نقلا ومعنى أما نقلا فلقول صاحب الفائق وأفتى ابن الحاجب وابن رشد أن القول قول الزوج فيما اشتراه من الحلي والثياب وأعطاه لزوجته تلبسه وتتزين به أنه عارية لا هبة وتمليك وكذلك يكون القول قول ورثته في ذلك مع أيمانهم إلا أنهم يحلفون على العلم لا على البت ا ه\rوفي نوازل النكاح من المعيار أن ابن سراج أجاب عن رجل اشترى لزوجه جملة حوائج من قصب ذهب وثوبي حرير وعقد جوهر وفرخة شرب وغير ذلك ودفع ذلك كله لزوجه المذكورة وألبسها إياها على وجه المتعة لا التمليك ثم بعد ذلك اشترى قطيفتين ومطرحين وغير ذلك وبقيت الزوجة تلبس ما ساق لها\r","part":3,"page":266},{"id":987,"text":"وتتزين وتمتهن القطيفتين والمطرحين وغير ذلك مدة أزيد من ثمانية أعوام فلما توفي الزوج في هذه الأشهر القريبة قام بعض ورثته يطلب ميراثه في جملة ما ذكر ويدعيه ملكا لمورثه فهل يجب لذلك الطالب من ذلك شيء مع بقاء ذلك بيد الزوجة هذه المدة وسكوت الزوج مع علمه بامتهان ذلك كله ودفعه أولا على الوجه المذكور بما نصه إن يثبت أن الزوج ملك زوجه تلك الحوائج كانت لها وإلا حلف الورثة أنهم لا يعلمون أنه ملكها إياها ووقع فيها الميراث وأن أبا عثمان سعيد بن ضمير أجاب عن الرجل يتزوج المرأة ولا يعرف لها جهاز قليل ولا كثير وتدخل على جهاز امرأة كانت له قبل هذه ويشتري الزوج بعد ذلك أيضا مما يكون للنساء من الثياب والحلي ويقيم الزوج البينة أنه ابتاع ذلك كله بعد البناء بزمان ولم يذكر أنها عارية\rوسكت عن ذكر ذلك إلا أنها تنتفع بذلك وتتزين به فينزل بينهما فراق أو موت فتدعي المرأة في ذلك كله بما نصه ليس لها مما ذكرت شيء إلا أن يعرف أنها خرجت به من بيتها أو تصدق به عليها وأفادت مالا وعرف ذلك واستبان واتضح وأنه يكون كما وصفت وما لم يعرف لها مال ولا تصدق عليها ولا أفادت فليس لها من ذلك شيء لأن الزوج يقول أردت جمال بيتي وجمال امرأتي وزينتها بذلك فالقول قوله وقول ورثته بعده وقيل لابن ضمير فما ترى إن قالت إني اكتسبته وجمعته فقال ليس يعرف الكسب للنساء إلا أن يكون ميراثا أو هبة أو صدقة ويعرف ذلك حينئذ يجوز ما تقول إذا كانت المرأة لا يعرف لها قليل ولا كثير من قبل دخولها عليه وأجاب ابن لبابة أما ما عرف مما ابتاعه الزوج بعد البناء لامرأته من حلي أو متاع يعرف للنساء ويزين امرأته السنة والسنتين وأكثر من ذلك ولم يشهد لها على عطية ولا هبة فهو أحق به أيضا ولا شيء للثانية فيه والورثة بمنزلة الميت إلا أن تكون لها بينة على ذلك وإلا فلا شيء لها\r","part":3,"page":267},{"id":988,"text":"ا ه وفي نوازل المعاوضات من المعيار في جواب لأبي إسحاق الشاطبي ما نصه دعوى المرأة في الثياب أن زوجها ساقها لها لا تسمع إلا إذا قامت البينة على أن تلك الثياب بأعيانها من جملة السياقة أو أنه وهبها لها\rعلى الخصوص فإن لم تقم على ذلك بينة فالقول قول ورثة الميت مع أيمانهم لا يعلمون تلك الثياب من مال المرأة ولا متاعها إلى آخر نص اليمين ولا تدخل هذه المسألة في مسألة الاختلاف في متاع البيت لكن يبقى النظر في لباسها تلك الثياب وامتهانها لها فهل تستحقها بذلك أم لا والصحيح في المذهب أن الرجل ليس له أن يرتجع كسوة المرأة عند فراقها إذا كانت مبتذلة فإن لم تبتذل كان له ارتجاعها فهذه الثياب مثلها إن كانت الزوجة قد ابتذلتها فهي لها وإلا صارت ميراثا ا ه\rوأما معنى فلما قالوه من أن الإنسان أعرف بكيفية خروج ملكه من يده ولأن الأصل بقاء ما كان ولأن الزوج يجب أن يجمل زوجته ليستمتع بها ويخشى أن يملكها ذلك أن يقع بينهما ما يوجب الفراق أو يموت فتذهب بماله لزوج آخر فيجعل ذلك بيدها على وجه العارية فيحصل له ما أحب ويأمن مما يخشاه فتأمله بإنصاف وقيل القول قول الزوجة مطلقا وقيل بالتفصيل ففي الفائق ما نصه قال الداودي ما اشتراه الرجل لزوجته من الثياب فلبستها في غير البذلة ثم نزل بينهما فراق وادعى أن ذلك منه عارية وأنكرته نظر فإن كان الرجل مثله يشتري الثياب لزوجه على وجه العارية فالقول قوله مع يمينه وإن كان مثله في ملائه وشرفه لا يشتري ذلك للعارية فالقول قولها مع يمينها قال وسواء كان لباسها قليلا أو كثيرا قريبا أو بعيدا\r","part":3,"page":268},{"id":989,"text":"ا ه وذكر ابن عات في طرره قول الداودي وزاد ما نصه قال ابن تليد وإن ابتاع الرجل لزوجته كسوة مثل ثوب أو فرو ثم تموت فيريد أخذها لم يكن ذلك له وهو موروث عنها وكذلك قال بعض الشيوخ في الموت والطلاق وبه العمل وهذا إذا كانت لغير البذلة ا ه وجريان العمل بهذا القول لا يقتضي تقديمه على الراجح لأن لتقديمه عليه شروطا منها استمرار العمل وهو منتف هنا إذ كثير من المحققين ممن بعد صاحب الطراز لم يعرجوا عليه وأفتوا بغيره سيدي عبد القادر الفاسي في أجوبته ولم يذكره ولده في نظم العمل ولا غيره من المتأخرين ممن تعرضوا لعد ما به\rالعمل والله أعلم وفي قول الإمام أبي إسحاق الشاطبي لكن يبقى النظر في لباسها تلك الثياب وامتهانها فهل تستحقها بذلك أم لا إلخ نظر ظاهر وإن سكت عنه الإمامان أبو العباس الونشريسي وسيدي عبد القادر الفاسي\rووجه ذلك أنه معترف بأنه إنما اعتمد في ذلك على القياس الذي ذكره وهو غير صحيح لأن مسألة الطلاق التي جعلها أصلا لهذه مباينة لهذه أشد المباينة لأن مسألتنا هذه قد سلم هو نفسه أن دفع الزوج لما ذكر هو على وجه العارية وعليها البينة أنه وهبها مثلا ولا خلاف في المذهب بل ولا خارجه فيما أعلم أن العارية لا تملك بطول الانتفاع بها ولا بامتهان المعار إياها ودفع الزوج الكسوة في مسألة الطلاق كان منه على وجه التمليك أداء لما وجب عليه لكن لما كان ذلك عليه في مقابلة الاستمتاع فرقوا بين أن يقع الطلاق عن قرب فترجع له أو بعد فلا وحدوا البعد بثلاثة أشهر كما أشار له المصنف فيما يأتي بقوله لا الكسوة بعد أشهر فيلزم على قياسه هذا أنها مهما أقامت بيدها العارية ثلاثة أشهر فهو لها والنصوص مصرحة برد ذلك فراجعها متأملا والله أعلم فتأمله بإنصاف\r","part":3,"page":269},{"id":990,"text":"وعكس هذه المسألة مثلها وهي أن تكسو المرأة زوجها ففي الفائق ما نصه كتب إلى القاضي أبي الوليد بن رشد رحمه الله ما تقول فيما تخرجه المرأة أو وليها في شورتها باسم الزوج كالغفارة والمحشو والقميص والسراويلات وربما لبس ذلك الزوج بعد بنائه بالأيام اليسيرة أو الكثيرة وربما لم يلبسها ثم تذهب الزوجة ووليها إلى أخذ الثياب ويزعمون أنها كانت عارية وأنها جعلت ذلك على طريق التزين لا على طريق العطية فهل ترى ذلك للزوج أم لا فأجاب إن كان في هذه الثياب المخرجة في الشورة عرف البلد قد جرى به الأمر واستمر عليه العمل حكم به وإن لم يكن في ذلك عرف معلوم فالقول قول المرأة أو وليها فيما يدعيان من أنها عارية أو على سبيل التزيين وبالله التوفيق لا رب سواه\rا ه ونحوه في طرر ابن عات ونسبه لمختصر الخديرية ونحوه في الدر النثير ونسبه لمختصر الخديرية وأشار إليه المواق عند قوله قبل إلا أن يستحق شيء فيلزم وكلهم ساقوه كأنه المذهب ولم يحكوا غيره وهو ظاهر والله أعلم ا ه كلام الرهوني بتصرف والله سبحانه وتعالى أعلم خاتمة نسأل الله حسنها اعلم رحمك الله تعالى أن اعتبار العادة والعرف هنا عند بعض الأئمة تارة وعدم اعتبارها تارة كما علمت مبني على الفرق الذي فات الأصل ذكره في فروقه بين قاعدة العادة المحكمة والعادة الغير المحكمة وأنا أحرره لك هنا ليتضح لك المقام بحول الملك العلام فأقول قال الجلال السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر الفقهية ما خلاصته إن العادة المحكمة ما تحقق فيها شرطان الشرط الأول الاطراد فلا تعتبر المطربة وفي اعتبار ما تعارضت في اعتبارها لظنون خلاف الشرط الثاني أن لا تتعارض مع شرع يتعلق به حكم والإقدام عليها قطعا مثلا إذا أوصى لأقاربه لم يدخل ورثته عملا بتخصيص الشرع إذ لا وصية لوارث قال وأصلها قال القاضي قوله {صلى الله عليه وسلم} ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن قال العلائي ولم أجده مرفوعا في شيء من كتب الحديث أصلا ولا\r","part":3,"page":270},{"id":991,"text":"بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود موقوفا عليه أخرجه أحمد في مسنده واعتبار العادة والعرف راجع إليه مسائل في الفقه لا تعد كثرة قال فتعتبر وتقدم حتى على الشرع الذي لم يتعلق به حكم كما لو حلف لا يأكل لحما لم يحنث بالسمك وإن سماه الله لحما أو لا يجلس على بساط أو تحت سقف أو في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطا ولا تحت السماء وإن سماها الله سقفا ولا في الشمس وإن سماها الله سراجا أو لا يضع رأسه على وتد لم يحنث بوضعها على جبل وإن سماه الله وتدا أو لا يأكل ميتة أو دما لم يحنث بالسمك والجراد والكبد والطحال ففي جميع ذلك يقدم عرف الاستعمال على الشرع لأنها استعملت فيه تسمية بلا تعلق حكم وتكليف قال وفي تقديمه على اللغة إذا تعارض معها لأنه محكم في التصرفات سيما الأيمان أو تقديم اللغة عملا بالوضع خلاف في المذهب في حق العربي فقط أما العجمي فيعتبر عرفه قطعا إذ لا وضع يحمل عليه وأما العرف الخاص فإن كان محصورا لم تؤثر معارضته للعرف العام وإن كان غير محصور اعتبر ونزل منزلة العام في الأصح فافهم ا ه\rومنه تعلم أن العادة الغير المحكمة ما انتفى عنها أحد الشرطين المذكورين أما الأول فلأن المطربة لم تتقرر بين الناس حتى تعتبر وأما الثاني فلمعارضتها لأحكام الله تعالى ورسوله {صلى الله عليه وسلم} فيكون حكمها منكرا من بقايا الجاهلية في كفرهم بما جاء به نبينا محمد {صلى الله عليه وسلم} وعكوفهم على عوائدهم التي جاء الشرع بإبطالها فمن استحله من المسلمين مع العلم بتحريمه حكم بكفره وارتداده كما في بغية المسترشدين عن أحكام النوازل على مذهب الشافعي عن فتاوى بامخرمة والله أعلم\rالفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه\r","part":3,"page":271},{"id":992,"text":"وذلك أن الصريح لغة كما في المختار كل خالص أي لقول العرب لبن صريح إذا لم يخالطه شيء ونسب صريح إذا لم يكن فيه شائبة من غيره وعليه فاللفظ الصريح ما يدل على معنى لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد وشرعا قال القاضي أبو الوليد بن رشد في المقدمات في الصريح ثلاثة أقوال فعند القاضي عبد الوهاب لفظ الطلاق وما تصرف منه وقاله أبو حنيفة\rوقال ابن القصار الصريح الطلاق وما اشتهر معه كالخلية والبرية ونحوهما وقيل ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز كالطلاق والسراح والفراق لقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن وقوله تعالى أو تسريح بإحسان وقوله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وقاله الشافعي وابن حنبل وبماذا يلزم هل بالنية فقط لمالك ويريد بالنية التطليق بالكلام النفساني وقيل باللفظ فقط قال وهو موجود في المدونة وقيل لا بد من اجتماعهما هذا في الفتيا\r","part":3,"page":272},{"id":993,"text":"وأما في القضاء فيحكم عليه بصريح الطلاق وكنايته ولا يصدق اتفاقا ا ه والقول الأول من الثلاثة في الصريح هو المشهور في المذهب ففي مختصر خليل ولفظة طلقت وأنا طالق أو أنت أو مطلقة أو الطلاق لي لازم لا منطلقة وتلزم واحدة إلا لنية أكثر ا ه قال البناني أي لفظ الصريح محصور في الألفاظ الأربعة دون غيرها من سائر الألفاظ وأشار بذلك إلى ما في ضج عن القرافي من أن كلام الفقهاء يقتضي أن الصريح هو ما كان فيه الحروف الثلاثة الطاء واللام والقاف وهو مشكل لشموله نحو منطلقة ومطلوقة فلذا عدل هنا عن ضبط الصريح بما ذكر إلى ضبطه بالألفاظ الأربعة ا ه بلفظه أي ونحو منطلقة ومطلوقة من الكنايات الخفية لا الظاهرة فضلا عن كونه من الصريح كما سيأتي فمن هنا قال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا تكون طلاقا إلا بالنية لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه والقول الثاني من الثلاثة في الذي يلزم به الصريح هو المعتمد كما في حاشية الخرشي عند قول الخرشي قوله وفي لزومه بكلامه النفسي خلاف يعني أن الرجل إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفسي كما ينشئه بلسانه من غير لفظ بلسانه فهل يلزمه الطلاق بذلك أو لا يلزمه خلاف في التشهير وليس معنى\rالكلام النفسي أن ينوي الطلاق ويصمم عليه ثم يبدو له ولا أن يعتقد الطلاق بقلبه من غير نطق بلسانه فإنه لا يلزمه في ذلك طلاق إجماعا ا ه بلفظه\r","part":3,"page":273},{"id":994,"text":"والكناية لغة ما فيه خفاء ومنه كنيته أبا عبد الله كأنك أخفيت الاسم بالكنية تعظيما له وفي الصحاح يقال كنيت وكنوت وكنيته بضم الكاف وكسرها واصطلاحا هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة وسر الفرق إما على القول الأول المشهور من الثلاثة في الصريح فهو أن اللفظ إما أن يدل بالوضع اللغوي وإما أن لا يدل بالوضع العرفي فإن دل اللفظ بالوضع اللغوي وهو صيغة الطلاق كيفما تصرفت نحو أنت طالق وأنت مطلقة وقد طلقتك أو الطلاق لازم لي أو قد أوقعت عليك الطلاق وأنا طالق منك كما قاله صاحب الجواهر وتقدم مثله لخليل في مختصره فهو الصريح لأن لفظ الطلاق في اللغة موضوع لإزالة قيد العصمة خاصة على الصحيح لا لإزالة مطلق القيد وخصه العرف بإزالة قيد العصمة خاصة كما زعم الأصل قاله ابن الشاط وكون هذه الصيغ وقعت في الاستعمال اللغوي إخبارات لا يضر إما لأن الشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق كما للحنفية\rوكذلك قالوا في صيغ العتق وجميع صيغ العقود من بعت واشتريت ونحو ذلك وإما لأنها كما وقعت فيه إخبارات كذلك وقعت فيه إنشاءات كما للمالكية والشافعية والحنابلة قال ابن الشاط فيبقى النظر في كونها مشتركة بين الخبر والإنشاء أو منقولة من الخبر إلى الإنشاء وكلاهما على خلاف الأصل والأظهر عندي أنها مشتركة والله أعلم ا ه\r","part":3,"page":274},{"id":995,"text":"وإن لم يدل اللفظ بالوضع اللغوي لكنه إما أن يحسن استعماله فيه مجازا لوجود العلاقة القريبة بينهما كما في الكنايات الظاهرة التي قال فيها في المدونة نحو أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة أو بتلة أو حبلك على غاربك أو أنت حرام أو كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الفراق أو السراح أو اعتدي فهذه الألفاظ كلها من مجاز التشبيه فالخلية الفارغة والفراغ حقيقة في خلو جسم من جسم فشبه به خلو المرأة من عصمة النكاح والبرية من البراءة وهو مطلق السلب كيف كان المسلوب والبائن من البين وهو البعد بين الأجسام ويقال في المعاني بون لا بين شبه البعد من العصمة بالبعد بين الجسمين والبت القطع في جسم شبه به قطع العصمة وكذلك البتلة ومنه فاطمة البتول رضي الله عنها لانقطاعها في الشرف عن النساء وقيل لانقطاعها عن الأزواج إلا عليا رضي الله عنه ومنه حبلك على غاربك لأن عادة الدابة في الرعي إذا أمسك صاحبها\rحبلها لا تتهنى في الرعي لتوهمها أنه يجرها به وإذا أراد تهنئتها بالرعي ألقى حبلها على كتفها وهو غاربها فتطمئن حينئذ فشبه به طلاق المرأة لأنها تبقى مخلاة لنفسها وكذلك البواقي وإما أن لا يحسن استعماله فيه مجازا لعدم وجود العلاقة القريبة بل إما أن توجد بينهما العلاقة البعيدة فإذا اعتمد فيه عليها سمي مجاز التعقيد\rواتفق الناس على منعه كقوله تزوجت بنت الأمير مريدا رأيت والد عاقد الأنكحة بالمدينة معتمدا على أن النكاح من لوازمه العاقد لأنه مبيحه والعاقد من لوازمه أبوه لأنه مولده\r","part":3,"page":275},{"id":996,"text":"وأما أن لا توجد بينهما علاقة ألبتة لا قريبة ولا بعيدة وهذا القسم بنوعيه هو ما ليس بصريح ولا كناية أي ظاهرة بل هو الكناية الخفية قال صاحب الجواهر هذا نحو قوله اسقني الماء فإن أراد به الطلاق فالمشهور من مذهب مالك لزومه واختلف الأصحاب في تعليله فقيل هو طلاق بمجرد النية لعدم صلاحية اللفظ وقيل بل اللفظ كان المستعمل وضعه الآن للطلاق وهو بعيد لأن إنشاء الوضع لا تجده يخطر ببال\rالناس في العادة عند هذا الاستعمال وصحح ابن الشاط تعليل الأصل بأنه عبر بلفظ نحو اسقني عن الطلاق لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز على حد التعبير عن الأرض بالسماء وعن السماء بالأرض ونحوه مما نص الأصوليون على أنه مما عري في استعماله عن الحقيقة والمجاز لأن غايته ها هنا أن يقال إن لفظ نحو الأكل أو السقي إذا أطلقه المستعمل وأراد به الطلاق لم يكن كلاما عربيا ولا يلزمه من كونه ليس عربيا أن لا يقع به الطلاق ألا ترى أنه لو قال أنت طالقا بالنصب أو الخفض لم يكن كلاما عربيا ومع ذلك يقع به الطلاق قال الخطاب أي لأنه إن كان جاهلا فواضح وإن كان عالما فهازل وهزله جد أفاده عبق فكذلك ها هنا وقيل لا يلزمه طلاق\rوهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة لأن الطلاق بالنية لا يلزم واللفظ لا يصلح إما على القول بالتوقيف وأن اللغات وضعها الله تعالى فلقول المازري في شرح البرهان والغزالي في البسيط لا يجوز أي على التوقيف لأحد أن يضع لفظا لمعنى ألبتة بل ذلك موكول إلى الله تعالى\rقال في البسيط فلا يجوز أن يصدق ألفا أي يسلمه صداقا ويعبر عنه بألفين للتجمل بين الناس\rوإما على القول بالاصطلاح وأن اللغات وضعها أهل اللغة أو على مذهب المحققين من عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح فلعدم العلاقة القريبة المصححة للاستعمال والجواب عن هذا الشق الأخير يعلم مما تقدم من تعليل الأصل الذي صححه ابن الشاط\r","part":3,"page":276},{"id":997,"text":"وأما عن الشق الأول فقال ابن الشاط ما أدري ما دليل أي المازري والغزالي على المنع من وضع لفظ اسقني الماء لإنشاء الطلاق على طريق الاستعارة وإن كان أصله لاستدعاء سقي الماء بوضع الله تعالى\rوقال والصحيح والله أعلم أن مالكا وإن لم يجزم بأحد الأمرين أي التوقيف والاصطلاح فلم يقم عنده دليل على المنع أو جزم بأنها اصطلاحية أو جزم بأنها توقيفية لكنه لم يقم عنده دليل المنع من استعمال اللفظ في غير ما وضعه الله له إذ ليس معنى كونها توقيفية أن الله تعالى منع من وضعنا إياها لمعنى غير ما له وضعها ولا من استعمالها في ذلك بل معنى كونها توقيفية أن الله وضع الألفاظ كلها لمعانيها ولا يلزم من ذلك أنه منعنا من وضع كل لفظ منها لغير ما وضعه له أو استعماله فيه على طريق الاستعارة أو النقل والله أعلم ا ه بلفظه وهو ظاهر\rوإن كان للبحث فيه مجال فتأمل بإمعان وبالجملة فلفظ الطلاق أو طالق أو مطلقة يفيد زوال العصمة إما لغة على المذهب الذي صححه ابن الشاط\rوإما عرفا على مذهب الأصل ولفظ أنت طالق أو مطلقة أو الطلاق لازم لي يفيد إنشاء الطلاق عرفا أيضا عند المالكية والشافعية والحنابلة ولا يفيد ذلك عند الحنفية وإنما يفيد الخبر لغة والشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق وأما لفظ خلية على انفراده فلا يفيد زوال العصمة لا لغة ولا عرفا بل مجازا ومثله سائر الألفاظ والكنايات الظاهرة ولفظ أنت خلية وإن كان يفيد بجملته عرفا الإنشاء إلا أن لفظ خلية لما لم يكن بمفرده يفيد عرفا الطلاق وإزالة العصمة لم يكن بجملته يفيد عرفا إنشاء الطلاق وإزالة قيد العصمة بخصوصه وكذا سائر ألفاظ الكنايات الظاهرة\r","part":3,"page":277},{"id":998,"text":"وإنما غلب في العرف استعماله في الطلاق وإزالة العصمة فألحق لذلك بالصريح في استغنائه عن النية لقيام الوضع العرفي مقام الوضع اللغوي في كون كل منهما ينصرف بصراحته لما وضع له من غير احتياج إلى نية إذ النية إنما يحتاج إليها في اللفظ المتردد في الدلالة\rعلى المراد وغيره لتمييز المراد منه عن غير المراد كما في نحو اسقني الماء مما لم يغلب من ألفاظ الكنايات الخفية استعماله في الطلاق وإنما استعمل فيه مجازا والمجاز يفتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة التي ينصرف إليها اللفظ بصراحته لأنها الأصل ولم ينسخها عرف فكناية الطلاق قسمان ظاهرة وهي ما غلب استعماله في العرف في الطلاق فألحق بالصريح في استغنائه عن النية وخفية وهي ما لم يغلب في العرف استعماله في الطلاق بل استعمل فيه مجازا فافتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه فالقسم الأول منقول في العرف من معناه اللغوي للطلاق أي إزالة العصمة\rوالقسم الثاني مستعمل في الطلاق مجازا والمنقول إما أن ينقل لأصل الطلاق فقط فيصير في الوضع العرفي مثل أنت طالق في اللغة فيلزمه به طلقة واحدة رجعية وإما أن ينقل لأصل الطلاق مع البينونة من غير عدد فيلزم به طلقة بائنة لأنها مسماه العرفي وإما أن ينقل للطلاق والبينونة مع وصف العدد الثلاث فيلزمه به الطلاق الثلاث ويصير النطق بذلك اللفظ عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثا لغة إلا أن هذا إذا استعمل في غير الثلاث غالبا وفي\rالثلاث نادرا فمن الناس من يقصد الاحتياط فيحمله على الثلاث ومن الناس من يحمله على الغالب فيلزمه به طلقة واحدة\r","part":3,"page":278},{"id":999,"text":"فاختلاف العلماء في هذه الصيغ إنما هو لاختلافهم في الضوابط هل وجدت أم لا وإلا فكل من سلم ضابطا سلم حكمه ويكون المذهب الحق من صادف الضابط في نفس الأمر والضعيف الفقه من توهم وجوده أو عدمه وليس كذلك فعلى الفقيه استيفاء النظر في ذلك ومن ذلك اختلافهم في مسألة الحرام فمن قائل لم يحصل فيه نقل ألبتة فهي كذب فلا يلزم بها شيء إلا بالنية ومن قائل حصل فيها النقل لأصل الطلاق فيلزم بها طلقة واحدة رجعية\rومن قائل حصل فيها النقل للطلاق الثلاث فيلزم بها الطلاق الثلاث وعلى هذا المنوال تتخرج جميع الصور هذا تلخيص ما عليه الفقهاء فمن هنا في الخرشي وحاشية العدوي عليه وشرح أقرب المسالك والصاوي عليه ما حاصله أن ألفاظ الطلاق تنقسم إلى ثمانية أقسام\rالقسم الأول\rما يلزم به طلقة واحدة رجعية إلا لنية أكثر وهو لفظ التصريح كأنت طالق ونحو اعتدي من الكناية الظاهرة\rالقسم الثاني\rما يلزم به الثلاث ولا ينوي مطلقا سواء كان مدخولا بها أم لا وهو نحو بتة وحبلك على غاربك لأن البت هو القطع فكأن الزوج قطع العصمة التي بينه وبين زوجته ولم يبق بيده منه شيء ولأن الحبل كناية عن العصمة التي بيد الزوج أي عبارة عن العصمة وكونها على غاربها أي كتفها كناية عن ملكها بالطلاق القسم الثالث ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها ما لم ينو أكثر وهو نحو واحدة بائنة نظرا لبائنة لأن البينونة بعد الدخول بغير عوض وبغير لفظ الخلع إنما تكون ثلاثا ولم ينظر والواحدة إما لكونه صفة لمرة محذوفا أي مرة واحدة بدليل قوله بعد بائنة وإما لأنه يحتاط في الفروج ما لا يحتاط في غيرها فاعتبر لفظ بائنة وألغي لفظ واحدة قال الصاوي لكن محل هذا إذا كان عرف التحالف أن معنى البائنة المنفصلة أما إذا كان معناها الظاهرة التي لا خفاء فيها وقصد ذلك المعنى فالظاهر لا يلزمه إلا طلقة واحدة وتكون بعد الدخول رجعية ا ه فتنبه\rالقسم الرابع\r","part":3,"page":279},{"id":1000,"text":"ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها كغيرها إن لم ينو أقل وهو نحو أنت علي كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو وهبتك لأهلك أو لا عصمة لي عليك أو أنت حرام أو أو خلية أي من الزوج أو برية أو خالصة أي مني أو بائنة أو أنا بائن منك أو خلي أو بريء أو خالص القسم الخامس ما يلزم فيه الثلاث مطلقا ما لم ينو أقل وهو خليت سبيلك القسم السادس ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وينوي في غيرها وهو نحو وجهي من وجهك حرام أو وجهي على وجهك حرام أو لا نكاح بيني وبينك أو لا ملك لي عليك أو أنت سائبة أو ليس بيني وبينك حرام ولا حلال أو ما انقلب إليه من أهل حرام كقوله يا حرام إن نوى به الطلاق وكقوله الحلال حرام أو حرام علي أو جميع ما أملك حرام وقصد إدخال الزوجة القسم السابع ما يلزم فيه واحدة إلا لنية أكثر وهي رجعية في المدخول بها وهو فارقتك قال الدردير وكل ذلك ما لم يدل البساط والقرائن على عدم إرادة الطلاق وأن المخاطبة بلفظ مما ذكر ليست في معرض الطلاق بحال وإلا صدق في نفي الطلاق في جميع الكنايات الظاهرة كالصريح فإنه يصدق في نفيه عند\r","part":3,"page":280},{"id":1001,"text":"قيام القرائن كما لو أخذها الطلق عند ولادتها فقال أنت طالق إعلاما أو استعلاما أو كانت مربوطة فقالت له هي أو غيرها أطلقني فقال أنت طالق ونحو ذلك مما يقتضيه الحال أي استطلقي وإلا كان كاذبا فيقع الطلاق كما في العدوي على الخرشي قال الدردير والضابط في الظاهرة على ما يؤخذ من كلامهم في غير واحدة بائنة أن اللفظ إن دل على قطع العصمة بالمرة لزم فيه الطلاق الثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوي وذلك مثل بتة وحبلك على غاربك من نحو قطعت العصمة بيني وبينك وعصمتك على كتفك أو على رأس جبل وإن لم يدل على ذلك بل دل على البينونة والبينونة لغير خلع ثلاث في المدخول بها وصادقة بواحدة في غيرها فإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا راجحا فثلاث في المدخول بها جزما كغيرها ما لم ينو الأقل كحرام وميتة وخلية وبرية ووهبتك لأهلك وما ذكر معها وإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا مساويا فثلاث مطلقا إلا لنية أقل كخليت سبيلك وإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا مرجوحا بأن كان ظهوره في غير البينونة راجحا لزمه الواحدة ما لم ينو أكثر كفارقتك\rالقسم الثامن\rما ينوي فيه وفي عدده وهو نحو اذهبي وانصرفي وانطلقي أو أنت مطلوقة أو منطلقة مما ليس من صريحه ولا من كناياته الظاهرة لاستعمالها في العرف في غير الطلاق بل من الكنايات الخفية إن قصد بها الطلاق لزمه وإلا فلا ا ه\rفالانطلاق ليس من الطلاق وإن كانا من مادة واحدة هي الطاء واللام والقاف قيل وإن كانا في اللغة بمعنى إزالة مطلق القيد يقال لفظ مطلق ووجه طلق وحلال طلق وانطلقت بطنه وأطلق فلان من السجن لأن المشتهر عرفا في إزالة خصوص قيد العصمة هو الطلاق دون الانطلاق وما اشتق منه نحو أطلقتك وانطلقت منك وانطلقي مني وأنت\r","part":3,"page":281},{"id":1002,"text":"منطلقة قال ابن الشاط وهو مبني على أمرين أحدهما أن الطلاق في اللغة لإزالة مطلق القيد والصحيح أنه في اللغة لإزالة قيد العصمة خاصة كما علمت وثانيهما القول بصحة ما يسميه النحاة بالاشتقاق الكبير أي بصحة المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في جميع الحروف الأصول من غير ترتيب مع اتحاد المعنى أو تناسبه كالحمد والمدح المسماة عند النحاة بالاشتقاق الكبير لكثرة أفراده بالنسبة للصغير الذي هو عبارة عن المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في جميع الحروف الأصول والترتيب مع اتحاد المعنى الأصلي للمادة كالضارب والضرب لاختصاص هذا بالأفعال والصفات وهو المراد عند الإطلاق وإن قلت أفراد الكبير بالنسبة إلى الأكبر الذي هو عبارة عن المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في أكثر الحروف الأصول فقط مع اتحاد المعنى أو تناسبه كالفلق والفلج بالجيم وهما الشق وزنا ومعنى والقول بصحة الاشتقاق الكبير ضعيف ا ه بتوضيح من الأبياري على حواشي المغني\rقلت ومن الأكبر لا من الكبير قول الأصل ومن الكناية التي أصلها ما فيه خفاء لكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه فسقط قول ابن الشاط وما أرى هذه المسألة تصح عند من صحح الاشتقاق الكبير من النحاة لأن الكناية ثالث حروفها ياء أو واو ولكن ثالث حروفه نون إلا أن يدعى إبدال النون وفي ذلك بعد والله أعلم ا ه فتأمل منصفا\r","part":3,"page":282},{"id":1003,"text":"وأما من قال لزوجته أنت طال ولم ينطق بالقاف فقال العلامة الرهوني إن قصد أن ينطق به كذلك من أول الأمر مريدا به الطلاق كان من الكنايات الخفية فيلزم بالنية كقوله لها أنت قالق بإبدال الطاء قافا أو مثناة فوقية حيث لم تكن لغته كذلك كما قاله عج وتبعه عبق وإن أراد أن ينطق به تاما ثم بدا له فترك النطق بالقاف كان على ما نقله الخطاب عن الرماح وسلمه من الجريان على الخلاف في الطلاق بالنية أي الكلام النفسي ا ه بتوضيح واختلف الأئمة فيما إذا قال لها أنا طالق منك أو أنت الطلاق هل هو من الصريح أو من الكنايات الخفية الأول في الصيغتين هو مشهور مذهب مالك وهو في الأولى مذهب الشافعي وأما ما في الثانية فمذهبه الثاني قال بعض الشافعية لأن التعبير بالمصدر عن اسم الفاعل مجاز فيفتقر إلى النية وأجاب الأصل بأنه مجاز تعين بقرينة تعذر أنها عين الطلاق وإذا تعين لاسم الفاعل استغنى بذلك عن النية لأن التعين مانع من التردد والنية إنما يفتقر إليها حالة التردد ا ه قال ابن الشاط والأظهر ما قاله بعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما في الأولى الثاني تمسكا بثلاثة أمور الأمر الأول أنه ليس محبوسا بالنكاح بل هي المحبوسة\rالأمر الثاني القياس على قوله أنا طالق فلو كان محلا للطلاق لوقع كالمرأة الأمر الثالث أن الرجل لا يوصف به فلا يقال زيد مطلق ونقل الباجي في المنتقى ذلك عن أبي سعيد منه وأجاب الأصل عن الأمر الأول بأنه محبوس عن عمتها وأختها والزيادة على الأربع والنفقة وغيرها مما هو لازم بالنكاح فيخرج عن لزومه وعن الثاني بأن وصفه بطالق جائز أن يكون عن امرأة فلم يعينها اللفظ وإذا قال أنت طالق تعين أن يكون من عصمته لتعذر تعود الأزواج دون الزوجات أي فثبت الفارق فلا قياس وبطلت الملازمة بين طرفي الشرطية فافهم وعن الثالث بأن مطلق اسم مفعول يقتضي أن يكون المقتضي لطلاقه غيره وهو متعذر ا ه\r","part":3,"page":283},{"id":1004,"text":"وتعقب ابن الشاط جوابه الأول بأنه إنما يلزم لو كان معنى الطلاق معنى الانطلاق وليس كذلك بل الطلاق حل العصمة فقط وهو أمر يصدر من الرجل ويقع بالمرأة فإذا قال أنا طالق منك فقد عكس المعنى أي جعل صدور حل العصمة منها واقعا به فالظاهر أن يكون مجازا أي فيفتقر إلى النية وجوابه الثاني بأنه ضعيف فإنه لا يكاد يخطر بالبال أي جواز أن يكون وصفه بطالق عن امرأة لم يعينها اللفظ حتى يثبت الفارق وتبطل الملازمة المذكورة فافهم وجوابه الثالث بأن يكون المقتضي لطلاقه غيره وإن كان متعذرا حقيقة فليس بمتعذر مجازا ا ه\r","part":3,"page":284},{"id":1005,"text":"قال الأصل ويلزم على رأينا القائلين بأن ألفاظ كنايات الطلاق الظاهرة بجملتها كلفظ صريحه بجملته نقلت من الخبر إلى الإنشاء بخلاف ألفاظ كناياته الخفية والنقل إنما هو من العرف أمران الأمر الأول أن العرف إذا تحول إلى الضد تحولت تلك إلى الألفاظ بتحوله فصار المشتهر الظاهر خفيا والخفي مشتهرا ظاهرا وما قضينا بأنه صريح كناية ظاهرة أو بأنه كناية ظاهرة صريحا بحسب العرف الطارئ وإذا بطل العرف فقط ولم ينقل للضد لزم أن لا يصير شيء من هذه الألفاظ صريحا بل ولا كناية ظاهرة بل تحتاج جميع الألفاظ في لزوم الطلاق بها إلى النية الأمر الثاني أن المفتي لا يحل له أن يفتي أحدا بالطلاق حتى يعلم أنه من أهل بلد ذلك العرف الذي رتبت الفتيا عليه فإن علم أنه من أهل بلد آخر ليس فيه ذلك العرف وجب عليه أن يفتيه بحكم الله تعالى باعتبار حال عرف بلده من صريح أو كناية على الضابط المتقدم فإن العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد البعيدة الأقطار كما أنه يجب على المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله أن يتفقد العرف هل هو باق أم لا فإن وجده باقيا أفتى به وإلا توقف عن الفتيا وهذا هو القاعدة في جميع الأحكام المبنية على العوائد كالنقود والسكك في المعاملات والمنافع في الإجارات والأيمان والوصايا والنذور في الإطلاقات فتأمل ذلك يظهر لك أن المتأخرين إذا وجدوا الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى وسطروها في كتبهم بناء على عوائد لهم قد زالت لا يجوز لهم أن يفتوا بتلك الفتاوى فإن فتواهم بها وقد زالت تلك العوائد خطأ ضرورة أنها فتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه والفتيا بذلك الحكم خلاف الإجماع ومن ذلك\r","part":3,"page":285},{"id":1006,"text":"فتوى أكثر المالكية اليوم بلزوم الطلاق الثلاث في لفظ الحرام والخلية والبرية ونحوها بناء على عادة كانت في زمانه رضي الله عنه وتلك العادة قد زالت فإنا لا نجد اليوم أحدا يطلق امرأته بالخلية ولا بالبرية ولا بحبلك على غاربك ولا بوهبتك لأهلك ولو وجدناه المرة بعد المرة مرات كثيرة لم يكن ذلك نقلا عرفيا يوجب لزوم الطلاق الثلاث من غير نية ألا ترى أن لفظ الأسد كثير الاستعمال في الرجل الشجاع ولفظ الشمس والبدر كثير الاستعمال في ذوات الجمال ولفظ البحر والغيث والندى كثيرة الاستعمال في الكرام الباذلين المال ومع ذلك لم تصر هذه الألفاظ منقولة لهذه المعاني إذ لم يصدق عليها ضابط المنقول وهو أن يصير اللفظ يفهم منه المعنى بغير قرينة فإن هذه الألفاظ مع كثرة استعمالها في هذه المعاني لا تفهم منها هذه المعاني إلا بالقرينة ا ه قال ابن الشاط ما قاله صحيح ا ه\r","part":3,"page":286},{"id":1007,"text":"وأما على القول الثالث والثاني المقابلين للمشهور في صريح الطلاق فالفرق بين ما هو صريح فيه وما ليس بصريح فيه هو أن ابن القصار القائل بالثاني والشافعي القائل بالثالث قد أعرضا عن الوضع اللغوي واعتبرا ما وضع في العرف لإزالة العصمة بناء على أن الشأن التسوية بين اللغة والعرف فإن اللفظ إذا كان موضوعا في اللغة لمعنى وكان لفظ آخر موضوعا فيها لغير ذلك المعنى ثم صار في العرف منقولا له فلا فرق فإن النقل العرفي كالوضع الأصلي ويصير إذ ذاك كل واحد من اللفظين صريحا في ذلك المعنى فإن لم يصر اللفظ الثاني منقولا لذلك المعنى ولكنه يستعمل فيه على سبيل المجاز والاستعارة فها هنا يكون بين اللفظين فرق وأن الأول صريح والثاني كناية فيحتاج إلى النية المعينة لذلك المعنى وإيراد الأصل على الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف فإن الكتاب العزيز كما يرد بالحقائق كذلك يرد بالمجازات وبالكنايات القريبة والبعيدة كثيرا جدا ويعتمد في حكمه على القرائن والتصريح بالمراد فلا يليق أن يجعل ما ورد فيه كيف كان موضوعا لذلك المعنى الذي ورد فيه ولا يحسن الاستدلال بمجرد الورود على الصراحة والوضع وإنما يحسن الاستدلال به على المشروعية ا ه\rرده ابن الشاط بأن كتاب الله تعالى إذا ورد فيه شيء حمل على\rأنه كذلك في الشرع أو العرف لأن ذلك هو الأصل ولا يلزم من وروده بالكنايات والمجازات أن لا يكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى أصلا أو عرفا بل مجازا حتى لا يستدل بوروده على أنه كذلك في أصل اللغة أو عرفها أو عرف الشرع فإن الكتاب العزيز كما يرد بالكنايات والمجازات يرد أيضا بالحقائق وهي الأصل حتى يدل دليل على التجوز والله أعلم ا ه\rالفرق الثاني والستون والمائة بين قاعدة ما يشترط في الطلاق من النية وبين قاعدة ما لا يشترط\r","part":3,"page":287},{"id":1008,"text":"للنية في كلام الفقهاء في صريح الطلاق والكناية الظاهرة ثلاث إطلاقات الإطلاق الأول بمعنى القصد لإنشاء الصيغة في قولهم إن النية شرط في الصريح إجماعا احترازا من سبق اللسان لما لم يقصد مثل أن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانه فيقول لها يا طالق فلا يلزمه شيء لأنه لم يقصد اللفظ ومثل الصريح الكنايات الظاهرة ففي الخرشي وحاشية العدوي عليه عند قوله في المختصر وركنه أهل وقصد إلخ المراد بالقصد قصد النطق باللفظ الدال عليه في الصريح والكناية الظاهرة وإن لم يقصد مدلوله وهو حل العصمة بدليل قوله ولزم ولو هزل وقصد حلها في الكناية الخفية ا ه الإطلاق الثاني بمعنى القصد لاستعمال الصيغة في قولهم النية ليست شرطا في الصريح إجماعا ومثله الكناية الظاهرة كما علمت فقول الأصل وإنما من خصائص الكنايات أن يقصد بها معنى الطلاق أي وهو حل العصمة يريد الخفية لا الظاهرة الإطلاق الثالث بمعنى الكلام النفسي في قولهم في لزوم الطلاق بالنية قولان فأطلقوا النية ها هنا على الكلام النفسي يريدون هل يلزم إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني أم لا يلزم وهو\rالمشهور كما قاله أبو الوليد قولان فيعبرون عنه بالنية وإلا فمن قصد وعزم على طلاق امرأته ثم بدا له عدمه لا يلزمه بذلك طلاق إجماعا وقد عبر ابن الجلاب عن الكلام النفسي بالاعتقاد بقلبه فقال ومن اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ بلسانه ففي لزوم الطلاق له قولان ولم يرد حقيقة الاعتقاد إذ لا يلزم به طلاق إجماعا فمن اعتقد أنه طلق امرأته ثم تبين له بطلان اعتقاده بقيت له زوجة اتفاقا فظهر أنه لا تناقض في كلامهم وأنها أحوال مختلفة هكذا ينبغي تقرير هذه الإطلاقات\r","part":3,"page":288},{"id":1009,"text":"وأما قول الأصل في الإطلاق الثالث وحيث قالوا في اشتراط النية في الصريح قولان فيريدون بالنية ها هنا الكلام النفسي وأنهم يطلقون النية ها هنا ومرادهم أنه إذا أنشأ طلاقها بكلامه اللساني ففي اشتراط إنشائه أيضا بكلامه النفسي قولان والمشهور اشتراطه كما قاله أبو الوليد في المقدمات وأنه إذا طلق بلسانه لا بد أن يطلق بقلبه ا ه بتوضيح للمراد فقد نظر فيه ابن الشاط بقوله ما قاله في الإنشاءات فيه نظر ا ه ووجهه أنه يفيد أن القولين إنما هما في لزوم الطلاق إذا أنشأه بكلامه اللساني فقط وعدم لزومه وهو المشهور كما قاله أبو الوليد في المقدمات وهو خلاف ما صرحوا به من أن القولين إنما هما في لزومه إذا أنشأه بكلامه النفسي فقط وعدم لزومه وهو المشهور كما قاله أبو الوليد في المقدمات ففي مختصر خليل وفي لزومه بكلامه النفسي خلاف قال البناني توضيح الخلاف إنما هو إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفساني والقول بعدم اللزوم لمالك في الموازية وهو اختيار ابن عبد الحكم وهو الذي ينصره أهل المذهب القرافي وهو المشهور والقول باللزوم لمالك في العتبية قال في البيان والمقدمات وهو الصحيح\rوقال ابن رشد وهو الأشهر ابن عبد السلام والأول أظهر لأن الطلاق حل العصمة المنعقدة بالنية والقول\r","part":3,"page":289},{"id":1010,"text":"فوجب أن يكون حلها كذلك إنما يكفي بالنية في التكاليف المتعلقة بالنية لا فيما بين الآدميين ا ه انتهى كلام البناني بلفظه بل يشعر بذلك أيضا قول الأصل نفسه وإنما المراد إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني فيعبرون عنه بالنية وعبر عنه ابن الجلاب بالاعتقاد بقلبه فقال ومن اعتقد على أن لقائل أن يقول إن إنشاء الطلاق بالكلام اللساني فقط لا يتأتى كما يشهد له أولا قول الأخطل إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا بخلاف العكس وثانيا تعليل ابن عبد السلام أظهرية القول بعدم لزومه بالكلام النفسي فقط بما تقدم في عبارة البناني وإن كان الظاهر أن التعليل المذكور هو منشأ تعبير الأصل في الإطلاق الثالث بما ذكر أو يقول سيأتي للأصل نقله على أن إلزام الطلاق بمجرد اللفظ إنما هو إذا نطق بلسانه غير مطلق بكلامه النفسي كما قال أي مالك في مسألة البتة أي الآتية فتأمل بإنصاف وصل في توضيح هذا الفرق والذي قيل بمسائل المسألة الأولى قال مالك في المدونة لو أراد التلفظ بالطلاق فقال اشربي أو نحوها لا شيء عليه حتى ينوي طلاقها بما تلفظ به فيجتمع اللفظ والنية ا ه يعني أن الرجل إذا قصد أن يتلفظ بطلاق زوجته فسبق لسانه بلفظ لا يحتمل الطلاق بأن قال اسقني الماء أو ادخلي أو اخرجي فإنه لا يلزمه شيء لأنه لم يوقع الطلاق بلفظ يراد الطلاق به وهو أنت طالق ولا بنية اسقني أي باسقني المصاحب لنية حصول الطلاق حتى يلزم الطلاق به وإن لم يكن مدلوله الالتزامي الطلاق والكناية اصطلاحا استعمل اللفظ في لازم معناه لأنه من باب الطلاق بالنية واللفظ معا لا من باب الطلاق بالنية المجردة عن اللفظ حتى يقال لا يلزم بها طلاق إجماعا ا ه\rخرشي بتوضيح على أنه تقدمت الإشارة إلى أن المراد بالكناية اللغوية وهي\rاستعمال اللفظ في معنى غير ما وضع له اللفظ فليست حقيقة ولا مجازا ولا كناية فافهم\rالمسألة الثانية\r","part":3,"page":290},{"id":1011,"text":"قال مالك لو قال أنت طالق ألبتة ونيته واحدة فسبق لسانه للبتة لزمه الثلاث قال سحنون إذا كان عليه بينة فلذلك لم ينوه قال الأصل يريد أي سحنون أن اللفظ وحده لا يلزم به الطلاق وهو لم يوجد منه نية مع لفظ الثلاث فلذلك لا يلزمه ثلاث في الفتيا ويلزمه الثلاث في القضاء بناء على الظاهر\rالمسألة الثالثة قال صاحب التنبيهات يؤخذ اشتراط النية مع اللفظ من غير مسألة في الكتاب أي المدونة من قوله أنت طالق وأراد تعليقه ثم بدا له أي عدم التعليق فلا شيء عليه وله نظائر قال ويتخرج من قوله أي مالك في الذي أراد واحدة فسبق لسانه للبتة ومن هزل الطلاق أيضا إلزام الطلاق بمجرد اللفظ وكذا مسألة ما إذا قال أنت طالق ونوى من وثاق ولايته وجاء مستفتيا طلقت عليه كقوله أنت برية ولم ينو به طلاقا ولا يدين إذ يؤخذ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نيتهم إلا أن تكون قرينة مصدقة كأن يكون جوابا وهذا مذهب الكتاب وقيل يدين مطلقا ا ه بتصرف\rقال الأصل ووافق صاحب التنبيهات على أن مسألة الوثاق طلاق بمجرد اللفظ اللخمي مع أن إلزام الطلاق بمجرد اللفظ إنما هو إذا نطق بلسانه غير مطلق بكلامه النفسي كما قال أي مالك في مسألة البتة أما إذا صرف اللفظ بقصده عن إزالة العصمة إلى غيره نحو مسألة الوثاق فإلزام الطلاق به لو قيل إنه خلاف الإجماع لم يبعد لأنه نظير من طلق امرأته فقيل له ما صنعت فقال هي طالق وأراد الإخبار وقد قال أبو الطاهر لا يلزمه في الفتيا إجماعا ونظيره أيضا من له أمة وزوجة اسم كل واحدة منهما حكمة وقال حكمة طالق وقال نويت\r","part":3,"page":291},{"id":1012,"text":"الأمة لا يلزمه طلاق في الفتيا اتفاقا فينبغي أن يحمل في مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتيا وقوله وجاء مستفتيا وإن أوهم اللزوم في الفتيا معارض أولا بقوله يؤخذ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نيتهم إذ الأخذ إنما يكون للحاكم دون المفتي وثانيا باشتراطه القرينة فإن المفتي يتبع الأسباب والمقاصد دون القرائن وإلا فيلزم مخالفة القواعد ويتعذر الفرق بين هذه أي مسألة الوثاق وبين ما ذكر من النظائر فافهم\rالمسألة الرابعة\r","part":3,"page":292},{"id":1013,"text":"ذهب إمامنا والشافعي إلى أنه إذا قال أنت طالق أو طلقتك ونوى عددا لزمه ما نواه وقال أبو حنيفة إذا نوى الثلاث لزمه واحدة رجعية محتجا بأن اسم الفاعل لا يفيد إلا أصل المعنى فالزائد يكون بمجرد النية والنية لا توجب طلاقا واحتجاجه هذا مدفوع بوجهين الوجه الأول أن لفظ ثلاثا مع صريح الطلاق كلفظ درهما مع نحو عشرين من ألفاظ العدد فكما أن لفظ درهما في نحو قوله عندي عشرين درهما يفيد اختصاص العدد بالدراهم وإن كان لا يدل عليه لغة كذلك لفظ ثلاثا في نحو قوله أنت طالق ثلاثا يخصص اللفظ بالبينونة وكل ما كان يحصل مع المفسر كتخصيص صريح الطلاق بالبينونة مع لفظ ثلاثا وجب أن يحصل قبله لأن المفسر إنما جعل لفهم السامع لا لثبوت ذلك الحكم في نفس الأمر ووجب أن يعد منطوقا به فيه إذ القاعدة أن كل بيان لمجمل يعد منطوقا به في ذلك المجمل ألا ترى أن قوله تعالى وأقيموا الصلاة لا يدل على خصوص الصلوات الشرعية لكن لما ورد البيان من السنة في خصوصياتها وهيئتها وأحوالها عد ذلك ثابتا بلفظ القرآن وأجمع المسلمون على أن الصلاة مشروعة بالقرآن الوجه الثاني أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى وافقنا على أنه إذا قال أنت بائن أو أنت طالق طلاقا أو طلقتك أو طلقي نفسك ونوى الثلاث لزمته فكذلك ها هنا وإلا فما الفارق المسألة الخامسة حكى صاحب كتاب مجالس العلماء وصاحب المغني أن الرشيد كتب ليلة إلى قاضيه أبي يوسف يسأله عن قول القائل فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم فبيني بها أن كنت غير رفيقة وما لامرئ بعد الثلاث مقدم فقال ماذا يلزمه إذا رفع الثلاث وإذا نصبها قال أبو يوسف فقلت هذه مسألة نحوية فقهية ولا آمن الخطأ فيها إن قلت فيها برأيي فأتيت الكسائي وهو في فراشه فسألته فقال إن رفع ثلاث طلقت واحدة لأنه قال أنت طلاق وأخبر أن الطلاق التام ثلاث وإن نصبها طلقت ثلاثا لأن معناه","part":3,"page":293},{"id":1014,"text":"أنت طالق ثلاثا وما بينهما جملة معترضة فكتبت بذلك إلى الرشيد أول الليل إثر إرساله بالسؤال فأرسل إلي آخر الليل بغالا\rموسقة قماشا وتحفا جائزة على الجواب فوجهت بها إلى الكسائي بسبب أنه أعانني على الجواب ا ه\rقال الأمير على المغني والأبياري عليه تخرقي من باب فتح وكرم وأيمن تفضيل من اليمن البركة ضد أشأم والخرق العنف وزنا ومعنى هنا اسم لا غير وبفتح الخاء والراء مصدر واسم كما يعلم من القاموس ويأتي بمعنى الدهش لخوف أو حياء وعدم إتقان العمل باليد أيضا ومن يخرق جعلها ابن يعيش شرطية حذف صدر جوابها أي فهو أعق وقال الدماميني موصولة خبرها أعق وتسكين يخرق للتخفيف كقراءة أبي عمرو في نحو يأمركم فأصله الرفع وقوله أن كنت بفتح الهمزة ولام العلة مقدرة معها فالمعنى بيني أي ابعدي عني وفارقيني بهذه التطليقات لأجل أن كنت غير رفيقة أي لم يكن فيك رفق ولين بل شؤم وعنف ومقدم اسم مفعول بمعنى التقدم أي المصدر فهو من قدم بمعنى تقدم فالمعنى ليس لأحد تقدم إلى الخمسة مثلا بعد إيقاع الثلاث لأنها نهاية الطلاق ا ه وبحث في هذه الرواية بوجوه\rالوجه الأول\rلصاحب المغني أنه لا يخلو إما أن ينظر لما أراده هذا الشاعر المعين فيقال هو إنما أراد الثلاث لقوله بعد فبيني بها البيت وإما أن ينظر إلى ما يقتضيه معنى هذا اللفظ مع قطع النظر عن شيء آخر من قواعد الفقهاء واستحساناته م فيقال الصواب أن كلا من الرفع والنصب محتمل لوقوع الثلاث ولوقوع الواحدة أما الرفع فلأن ال في الطلاق إما لمجاز الجنس كما تقول الرجل المعتد به وإما للعهد الذكري مثلها في فعصى فرعون الرسول أي وهذا الطلاق المذكور عزيمة ثلاث ولا تكون للجنس الحقيقي لئلا يلزم الإخبار عن العام بالخاص كما يقال الحيوان إنسان وذلك باطل إذ ليس كل حيوان إنسان ولا كل طلاق عزيمة ولا ثلاث فعلى الجنسية المجازية تقع واحدة كما قال الكسائي وعلى العهدية تقع الثلاث وهذا مما فات الكسائي\r","part":3,"page":294},{"id":1015,"text":"وأما النصب فلأنه محتمل لأن يكون على المفعول المطلق فيقتضي وقوع الطلاق الثلاث حيث جعل معمولا لطلاق الأول كما هو المتبادر إذ المعنى فأنت طالق ثلاثا واعترض بينهما بقوله والطلاق عزيمة أو جعل معمولا للطلاق الثاني واللام للعهد أما إذا جعل مفعولا لطلاق الثاني واللام للجنس فلا يقتضي وقوع الثلاث بل واحدة ولأن يكون حالا من الضمير المستتر في عزيمة لأنها وإن كانت مصدرا مؤولة باسم المفعول كما أن طلاق مؤول بطالق فلا يلزم وقوع الثلاث وإن احتملها بجعل ال للعهد الذكري لأن المعنى والطلاق عزيمة إذا كان ثلاثا بمعنى أن الفراق به حال كونه ثلاثا فإنما يقع ما نواه ا ه بتصرف وتوضيح قال البناني قال ابن غازي وهو تحرير عجيب ا ه\rوبقي أنه إما أن ينظر إلى ما يقتضيه اللفظ مع النظر إلى قواعد الفقهاء واستحساناته م وغير ذلك فيقال إن من الفقهاء من يقول إذا احتمل اللفظ الواحدة وغيرها لم يلزمه إلا واحدة وحينئذ فلا يلزمه إلا واحدة رفع أو نصب ومنهم من يقول بوقوع الثلاث إذا احتمل اللفظ ذلك مراعاة للاحتياط وحينئذ فلا يلزمه إلا الثلاث رفع أو نصب\rكما يؤخذ من حواشي المغني للأمير والأبياري قال عبق على خليل مقتضى مذهبنا لزوم الثلاث في الرفع والنصب احتياطا ا ه أي ولا يلتفت لمطابقة النحو ولذا قال الشيخ العمادي مجيبا للشيخ أحمد الدمنهوري حين سأله عن هذا ومذهبنا المفتى به عند مالك وقوع ثلاث مطلقا وهو أسلم إلى أن قال وقد قال في المغني خلاف الذي جرى كما للدماميني بنص يترجم وإن انتصابا وارتفاعا كلاهما يفيد احتماليه بذلك صمموا فيحتمل التوحيد دون ثلاثة ويحتمل التوقيف والوقف أفخم ا ه كنون\r","part":3,"page":295},{"id":1016,"text":"وأجاب ابن الصائغ عن الاحتمال مع الرفع باختيار الشق الأول واعتماد القول بأنه إذا احتمل الواحدة وغيرها لم يلزمه إلا واحدة فصح أنه على الرفع طلقت واحدة كما في حواشي الأمير على المغني وأيده في القصر بأمرين الأول أن اختياره الشق الأول دون الثاني كما زعم الشمني هو المتبادر من تعبير المغني بالصواب المقتضي أن ما فعله الكسائي خطأ الثاني أن السائل له أجل فقيه فلا يحسن قطع النظر عن قواعد الفقهاء في جوابه والكسائي لم يكن غرا في تلك القواعد وإنما كانت العربية والقراءة أغلب عليه ا ه\rوأجاب الأصل عن الاحتمال مع النصب بأن المرجح لجعله معمولا لطلاق الأول على أنه مفعول مطلق أو تمييز هو أنه منكر يحتمل سبب تنكره جميع مراتب الجنس وأعداده وأنواعه من غير تنصيص على شيء من ذلك لأجل التنكير فاحتاج للتمييز ليحصل المراد من ذلك المنكر المجهول وأما الطلاق الثاني فبتعريفه واستغراقه الناشئ عن لام التعريف يستغنى عن البيان ا ه والظاهر أن مراده الاستغراق المجازي الحقيقي لما علمته في كلام المغني المتقدم فلا تغفل نعم قال ابن الضائع يمكن على إرادة الكل المجموعي أي لا كل فرد فرد فيصير المعنى أن مجموع أفراد الطلاق ثلاث والمجموع خاص فيكون إخبارا عن خاص بخاص ورده الشمني بأن الاستغراق عندهم من باب الكلية أي الحكم على كل فرد ولهذا امتنع وصف المفرد الداخل عليه حرف الاستغراق بنعت الجمع عند الجمهور وإن حكاه الأخفش في نحو الدينار الصفر والدراهم البيض أمير بتوضيح\rالوجه الثاني\r","part":3,"page":296},{"id":1017,"text":"قال الأمير في حواشي المغني شنع الكمال بن الهمام على المصنف يعني ابن هشام بأنه جهل بمقام الاجتهاد فإنه يستلزم معرفة أساليب الكلام فلا يحتاج أبو يوسف إلى مراجعة الكسائي قلنا أي في الجواب عن ذلك هذا من تعاون العلماء ومشاركتهم خصوصا أهل دولة واحدة بل هو عين إمامية أبي يوسف وكماله حيث لم يستقل برأيه مع عدم احتياجه وهكذا شأن السلف ولعمري الكسائي أحد القراء السبعة وإمام العربية يتكلم معه في مثل هذه ا ه بلفظ الوجه الثالث قال الأمير أيضا قيل الصواب أن السؤال من الكسائي لمحمد قلنا أي في الجواب عن ذلك تعدد الواقعة ممكن ا ه بلفظه والله أعلم\rالمسألة السادسة\rفي بداية ابن رشد الحفيد لا يقبل عند مالك ما يدعيه من دون الثلاث في الكنايات الظاهرة مثل قولهم حبلك على غاربك ومثل البتة ومثل قولهم أنت خلية أو برية حيث قال ذلك في المدخول بها إلا أن يكون قاله في الخلع\r","part":3,"page":297},{"id":1018,"text":"وأما في غير المدخول بها فيصدقه فيما يدعيه من دون الثلاث فيها لأن طلاق غير المدخول بها بائن ويقبل ما يدعيه من دون الثلاث فيها مطلقا عند الشافعي وكذا عند أبي حنيفة إلا أن يكون في مذاكرة الطلاق فإنه يطلق عليه بالكنايات كلها مع هذه القرينة إلا بأربع حبلك على غاربك واعتدي واستبري وتقنعي لأنها عنده من المحتملة غير الظاهرة والمحتملة عند جمهور العلماء ليس فيها شيء وإن نوى طلاقا خلافا لمالك والشافعي في قولهما إنه يعتبر في المحتملة نية ا ه ملخصا ولا يخفاك أن إطلاقه الحكم المذكور فيما ذكره من ألفاظ الكنايات الظاهرة يخالف ما تقدم في تقسيمها من أن بتة وحبلك على غاربك مما يلزم به ثلاث ولا ينوي مطلقا مثل وأنت خلية أو برية مما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها كغيرها إن لم ينو أقل نعم قد مر عن الأصل أن المدار في تلك الألفاظ العرف فلعل ما تقدم مبني على عرف وهذا مبني على عرف آخر والله أعلم المسألة السابعة في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع قال القرافي قلت يوما للشيخ عز الدين بن عبد السلام إن القراء التزموا قاعدة أن المعرف باللام للعموم في الأصول وخالفوها في الفروع حيث قالوا لو قال الطلاق يلزمني بغير نية لم يلزمه إلا طلقة واحدة فقال رحمه الله تعالى سبب المخالفة أن الأيمان تتبع المنقولات العرفية دون الأوضاع اللغوية إذا تعارضا وقد انتقل اللام في الحلف بالطلاق لحقيقة الجنس دون استغراق الجنس فلذا كان الحالف لا يلزمه إلا الماهية المشتركة فلا تزيد اللام له على الواحد ا ه محل الحاجة قال الشربيني لكنهم قالوا إن الذي يتبع العرف مطلقا هو الحلف بغير الطلاق أما به فيتبع اللغة متى اشتهرت وإن اشتهر العرف اللهم إلا أن يكون المعنى اللغوي هنا غير مشهور ا ه ولعل مراده فقهاء الشافعية وإلا فالمالكية على أن الحلف مطلقا يتبع العرف مطلقا والله سبحانه وتعالى أعلم\r308\r","part":3,"page":298},{"id":1019,"text":"الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات\rوذلك أن البابين وإن استويا في صحة الاستثناء إلا أنهما افترقا في أن الاستثناء من الذوات لا يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل بأن يستغرق المستثنى للمستثنى منه بخلاف الاستثناء من الصفات فإنه يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل في الظاهر وذلك أن الاستثناء من الصفات ثلاثة أقسام لأنه إما أن يقع في جملة الصفة كأن تقول مررت بالساكن إلا الساكن أو مررت بالمتحرك إلا المتحرك فتستثني الصفة من الصفة وهو السكون فقط في الأول والحركة فقط في الثاني وتترك الموصوف فتتعين له الحركة في الأول فيكون مرورك بالمتحرك ويتعين السكون في الثاني فيكون مرورك بالساكن وإما أن يقع أي الاستثناء في بعض أنواع الصفة كقوله تعالى أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى فقوله بميتين لفظ يشملهم بصفة الموت ولم يستثنوا من أنفسهم أحدا بل بعض أنواع الصفة\rوإما أن يقع أي الاستثناء في بعض متعلقات الصفة كقول الشاعر قاتل ابن البتول إلا عليا فمعناه كما قال الأدباء قاتل ابن فاطمة البتول أي المنقطعة عن الأزواج إلا عن علي فاستثنى من صفتها\r","part":3,"page":299},{"id":1020,"text":"ولم يستثنها غير أنه لم يستثن جملة الصفة ولا نوعا من أنواعها بل استثنى متعلقا من متعلقاتها فإن التبتل الذي هو الانقطاع قال تعالى وتبتل إليه تبتيلا أي انقطع عليها انقطاعا لما كان يمكن أن يكون عن الأزواج كلها استثنى من متعلق التبتل عليا رضي الله عنه ومن القسم الأول ما قاله ابن أبي زيد في النوادر ونقله صاحب الجواهر من أن القائل إذا قال أنت طالق واحدة إلا واحدة فإن كان مستفتيا وقال نويت ذلك لم يلزمه شيء وفي موضع لو سكت لم يكن طلاقا لأنه طلاق بغير نية وإن كان عليه بينة فيختلف فيه لأنه آت بما لا يشبه كما لو قال إن شاء هذا الحجر ويختلف إذا قال أنت طالق أمس إلا واحدة لأنه ليس مستثنيا للأول وإن قال طالق واحدة وواحدة إلا واحدة وأعاد الاستثناء على الواحدة يقع عليه اثنان\r","part":3,"page":300},{"id":1021,"text":"وإذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة لزمه طلقتان أيضا إن أعاده على طلقة وثلاث إن أعاده على الواحدة وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند الفقهاء وتقريرها وإيضاحها أن تقول قوله أنت طالق واحدة معناه طلقة واحدة والطلاق مصدر قد وصفه بالوحدة فصار في كلامه حينئذ صفة وموصوف فإذا عقبه بقوله إلا واحدة كان ذلك محتملا ست حالات الحالة الأولى أن يقصد بقوله واحدة الصفة والموصوف معا ثم يقصد رفع الصفة دون الموصوف فيكون قد رفع مصدر الطلاق الوحدة فيتعين ضدها وهو الكثرة إذ لا واسطة بينهما والقاعدة العقلية أن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفع أحدهما تعين ثبوت الآخر ألا ترى أنك تقول هذا العدد ليس بزوج فيتعين أن يكون فردا أو ليس بفرد فيتعين أن يكون زوجا لأنه لا واسطة بين الزوج والفرد وأقل مراتب الكثرة اثنان فيلزمه طلقتان لأن الأصل براءة الذمة من الزائد الحالة الثانية أن يقصد بقوله واحدة قبل الاستثناء الصفة وحدها ثم يستثنيها فاستثناؤه باطل لأنه رفع جملة ما وضعه أولا الحالة الثالثة أن يقصد بقوله واحدة نفس الطلاق من حيث هو طلاق ولا يأخذه بقيد الوحدة\r","part":3,"page":301},{"id":1022,"text":"ولا بقيد الكثرة ثم يورد الاستثناء أيضا على هذا المعنى بعينه فلا ينفعه الاستثناء لأنه رفع عين ما وضعه الحالة الرابعة أن يقصد بقوله أولا المصدر الموصوف بالوحدة ويقصد بقوله إلا واحدة الطلاق الموصوف بالوحدة فلا ينفعه أيضا استثناؤه لأنه رفع جملة ما وضعه الحالة الخامسة أن يريد بلفظ الأول الطلاق الموصوف بالوحدة ويقصد بالاستثناء الموصوف وهو مفهوم الطلاق دون الوحدة فهذا مستثنى لبعض ما نطق به مطابقة غير أنه يلزم من نفي أصل الطلاق نفي صفاته من الوحدة والكثرة فتنتفي الصفة أيضا مع الموصوف فيبطل استثناؤه ويلزمه طلقة لأنه لم يبق شيء بالمطابقة والالتزام الحالة السادسة أن يستعمل قوله أنت طالق واحدة في الطلاق بوصف الثلاث لأنه يجوز إطلاق الجنس وإرادة عدد معين منه فإذا قال بعد ذلك إلا واحدة يريد بها بعض ذلك العدد الذي كان يقصده لزمه طلقتان وهما اللتان بقيتا من الثلاث التي أرادها بقوله الأول بعد إخراج واحدة منها بالاستثناء فظهر بهذا التقرير كيف تلزمه اثنتان بقوله أنت طالق واحدة إلا واحدة وكذلك إذا قال واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة إن أراد بالاستثناء إحدى هذه الثلاث لزمه اثنتان وإن أراد استثناء الصفة وهي الوحدة عن طلقة من\r","part":3,"page":302},{"id":1023,"text":"هذه الطلقات الثلاث المتقدمة فمقتضى ذلك أن يلزمه أربع تطليقات لأنه رفع صفة الوحدة عن طلقة من الثلاث فيقع فيها الكثرة فتصير تلك الطلقة طلقتين كما تقدم تقريره لكن لما لم يكن سبيل إلى لزوم أربع بالإجماع اقتصرنا على ثلاث كما لو قال أنت طالق أربع تطليقات فتأمل ذلك كذا قال الأصل قال وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء وهو مجلد كبير أحد وخمسون بابا وأربعمائة مسألة ليس في جميع ذلك إلا الاستثناء والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه وقد بسطته لك ها هنا بهذه المسائل وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه ولولاه لم يفهم أصلا ألبتة فنفائس القواعد لنوادر المسائل وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل ا ه بلفظه قال ابن الشاط هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ا ه بلفظه\rولعل وجهه أن مسألة الطلاق التي بنى هذا الفرق عليها نظير ما نقله القرافي عن المدخل لابن طلحة المالكي فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنه لا يقع عليه طلاق كما في محلى جمع الجوامع في اعتبار الاستثناء المستغرق وقد قال شيخ الإسلام ونقل هذا القول القرافي وأنكره فقال الأقرب أن هذا الخلاف باطل لأنه مسبوق بالإجماع كما في العطار على محلى جمع الجوامع يعني الإجماع الذي حكاه الإمام الرازي والآمدي وغير واحد كالقرافي على أنه لا أثر في الحكم للاستثناء المستغرق مطلقا كان في الصفات أو في الذوات فلو قال له عشرة إلا عشرة لزمه عشرة ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقع عليه الطلاق الثلاث إلا أن يعقب باستثناء آخر غير مستغرق نحو له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة\r","part":3,"page":303},{"id":1024,"text":"ففي جوازه وأن له أثرا في الحكم إما اعتبار الاستثناء الثاني من الأول فيلزمه أربعة وإما اعتبار الثاني دون الأول فيلزمه ستة وعدم جوازه وأنه لا أثر له فيلزمه عشرة لبطلان الأول والثاني خلاف كما في محلى جمع الجوامع نعم صرح السيوطي في الأشباه والنظائر بأن له في الوصية أثرا في الحكم وهو الرجوع عنها فلو قال أوصيت له بعشرة إلا عشرة كان رجوعا عن الوصية كما في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والستون والمائة بين قاعدة استثناء الكل من الكل وبين قاعدة استثناء الوحدات من الطلاق\rقاعدة أن الاستثناء إنما جعل لإخراج ما كان معرضا للنسيان فيندرج في الكلام سهوا فيخرج بالاستثناء تقتضي أن العطف في المستثنى منه ظاهر في منع الاستثناء مطلقا سواء كان خصوص المعطوف مقصودا للعقلاء نحو قام زيد وعمرو وخالد إلا خالدا أو غير مقصود للعقلاء نحو أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة ونحو لله علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما ضرورة اشتراكهما في مطلق القصد إلى شيء في المعطوف وإذا قصد إلى شيء في المعطوف لا يصح استثناؤه بعد ذلك لأنه مثل الكلام المستقل المقصود غير أن الأصحاب جوزوا أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة قال الأصل وما علمت فيه خلافا وعللوه بأن الثلاث لها عبارتان أنت طالق ثلاثا وأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة فكما صح الاستثناء من الثلاث يصح من هذه العبارة الأخرى والفرض أيضا أن خصوص الوحدات ليس مقصودا للعقلاء بخلاف زيد وعمرو فإن لكل واحد منهما خصوصا ليس للآخر والوحدات مستوية من حيث هي وحدات فصار إجمالها وتفصيلها سواء لكن كان مقتضى قاعدة أن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما أن يقولوا بجواز له علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما وأنه إذا قال ذلك لا يلزمه إلا\r","part":3,"page":304},{"id":1025,"text":"درهمان لأن الدراهم والدنانير عندهم لا تتعين وإن عينت فإن خصوص درهم لا مزية له على خصوص درهم آخر قال الأصل ولم أر لهم في هذا أي القول بجواز ذلك نقلا بل حكى ابن أبي زيد في النوادر المنع ولم يحك خلافا\rا ه\rفمن هنا قال الإمام ابن الشاط هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ونظر ا ه وفي حاشية العطار على محلى جمع الجوامع قال القرافي قلت يوما للشيخ عز الدين بن عبد السلام إن الفقهاء التزموا في الأصول قاعدة أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي وخالفوها في الفروع حيث قالوا لو قال والله لا لبست ثوبا إلا الكتان فقعد عريانا لم يلزمه شيء مع أن مقتضى قاعدة الاستثناء أنه حلف على نفي ما عدا الكتان وعلى لبس الكتان وما لبس الكتان فيحنث فقال رحمه الله تعالى سبب المخالفة أن الأيمان تتبع المنقولات العرفية دون الأوضاع اللغوية إذا تعارضا وقد انتقل إلا في الحلف لمعنى الصفة مثل سوى وغير فمعنى حلفه والله لا لبست ثوبا سوى الكتان أو غير الكتان فالمحلوف عليه هو المغاير للكتان والكتان ليس محلوفا عليه فلا يضر لبسه ولا تركه ثم توفي رحمه الله واتفق البحث مع قاضي القضاة تاج الدين فالتزم أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحنث إذا قعد عريانا وأن إلا على بابها والاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات وأرانا نقلا في ذلك ا ه كلام القرافي\r","part":3,"page":305},{"id":1026,"text":"قال سم ما قاله تاج الدين من جهة الحكم ممنوع مع أنا نبقي إلا على بابها ونلتزم أن الاستثناء بها في المثال المذكور إثبات على القاعدة ولا ينافي ذلك منع ما ذكره وذلك لأن الإثبات بحسب المقصود من النفي والمقصود هنا من النفي هو منع نفسه من لبس الثياب فيكون المقصود من الإثبات هو إباحة لبس الكتان لا التزام لبسه فلا يحنث بالترك فتأمله فإنه حسن دقيق تركه الشيخ لنا ثم رأيت في بعض حواشي التلويح ما يوافق هذا الجواب فلله الحمد ا ه قال العطار وفي التمهيد للإسنوي إذا قال والله لا أعطيك إلا درهما أو لا آكل إلا هذا الرغيف أو لا أطأ في\rالسنة إلا مرة ونحو ذلك فلم يفعل بالكلية ففي حنثه وجهان حكاهما الرافعي في كتاب الإيلاء من غير ترجيح أحدهما نعم لاقتضاء اللفظ ذلك وهو كون الاستثناء من النفي إثباتا والثاني لا لأن المقصود منع الزيادة وقياس مذهبنا هو الأول لكن صحح النووي من زوائده الثاني ا ه\rوقد سنح لي من قول الشيخ عز الدين سبب المخالفة إلخ أنه لا مانع هنا من أن يقال سبب مخالفة قاعدة الاستثناء المذكورة هنا في الحلف دون الالتزام أن الأيمان لما كانت تتبع المنقولات العرفية دون الأوضاع اللغوية إذا تعارضا وقد نقل العرف المعطوفان في أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلى معنى أنت طالق ثلاثا خالفوا فيها القاعدة المذكورة فأعطوها حكمه من جواز الاستثناء وأنه إذا قال بعدها إلا واحدة يلزمه طلقتان كما لو قال ذلك بعد أنت طالق ثلاثا والالتزامات لما كانت تتبع الأوضاع اللغوية لم يخالفوا فيها القاعدة المذكورة فلم يعطوا لله علي درهم ودرهم ودرهم حكم لله علي دراهم من جواز الاستثناء وأنه إذا قال بعده إلا درهما يلزمه درهمان فتأمل بإنصاف والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":306},{"id":1027,"text":"الفرق الخامس والستون والمائة بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة\rاتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد رضي الله تعالى عنهم على أن النقدين والعروض قبل ملكها هو المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وعلى جواز التصرف فيها قبل الملك بالنذر بأن يقول إن ملكت دينارا فهو صدقة ونحو ذلك مما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة في باب المعاملات من النقدين والعروض واختلفوا في الطلاق والعتاق قبل الملك بأن تقول للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر هل هما من المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة فلا يلزمه شيء بقوله للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر أو ومن المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة فيلزم الطلاق لمن قال للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق والعتاق لمن قال للعبد\rالمملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر قياسا على النذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة ذهب إلى الأول الشافعي وأحمد وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة وسبب الخلاف قال الأصل هو الخلاف في مقتضى العقود في قوله تعالى أوفوا بالعقود والشروط في","part":3,"page":307},{"id":1028,"text":"قوله عليه الصلاة والسلام المؤمنون عند شروطهم وذلك لأن الأمر بالوفاء بالعقود يتعين أن يكون أمرا بمقتضياتها ضرورة أن الأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل والعقد قد وقع وصار ماضيا فلا يصح أن يتعلق الأمر بالوفاء به وكذلك الكون عند الشروط يتعين أنه هو الوفاء بمقتضاها والطلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بمقتضاهما والوفاء بمقتضى شروطهما والنزاع في مقتضاهما ما هو هل هو لزوم الطلاق والعتاق فيحصل المقصود بالآية والحديث أم لا فلا يحصل المقصود من الآية والحديث ذهب الشافعي وأحمد تمسكا بأمرين أحدهما أن الطلاق والعتاق حل والنكاح والشراء عقد ولا يكون الحل قبل العقد وثانيهما ما خرجه الترمذي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك وذهب إلى الأول مالك وأبو حنيفة تمسكا بأمرين أيضا أحدهما أن مقتضى العقد الشرط إجماعا هو المقتضى اللغوي فيها وأما المقتضى الشرعي فهو صورة النزاع والمقتضى اللغوي فيهما هو لزوم الطلاق والعتاق فوجب أن يكون هو متعلق الأمر في الآية والحديث وهو المطلوب وثانيهما أنه لو حمل على المقتضى الشرعي لكان التقدير أوفوا بما يجب عليكم شرعا الوفاء به ونحن لا نعلم الوجوب إلا من هذا الأمر فيلزم الدور لتوقف كل واحد منهما على الآخر وأما إذا حمل على\rالمقتضى اللغوي فلا يلزم الدور لعدم توقف اللغة على الشرائع والجواب عما تمسكا به من الأمرين أن الطلاق لم نقل به في غير عقد بل إنما قلنا بلزومه بعد حصول العقد لا قبله فما قلنا بالحل إلا بعد العقد فطلاق ابن آدم وعتقه إنما وقعا فيما ملكه والمتقدم إنما هو التعليق وربط الطلاق والعتاق بالملك إلا نفس الطلاق والعتاق ا ه\r","part":3,"page":308},{"id":1029,"text":"وقال حفيد ابن رشد في بدايته سبب الخلاف هل من شرط وقوع الطلاق أي والعتاق وجود الملك متقدما بالزمان على الطلاق أي والعتاق أم ليس ذلك من شرطه فمن قال هو من شرطه قال لا يتعلق الطلاق بالأجنبية أي ولا العتاق بغير المملوك بالفعل ومن قال ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط قال يقع أي الطلاق بالأجنبية أي والعتاق بغير المملوك ا ه\rقال الأصل وبكثرة اعتبار الشرع قاعدة أن كل سبب شرعه الله تعالى لحكمة لا يشرعه عند عدم الحكمة وبعبارة أن كل سبب لا يحصل مقصوده لا يشرع كما شرع التعذيرات والحدود للزجر ولم يشرعها في حق المجانين وإن تقدمت الجناية منهم حالة التكليف لعدم شعورهم بمقادير انخراق الحرمة والذلة والمهانة في حالة الغفلة فلا يحصل الزجر وشرع البيع للاختصاص بالمنافع في العوضين ولم يشرعه فيما لا ينتفع به ولا فيما كثر غرره أو جهالته لعدم انضباط الانتفاع مع الغرر والجهالة المخلين بالأرباح وحصول الأعيان وشرع اللعان لنفي النسب ولم يشرعه للمجبوب والخصي لانتفاء النسب بغير لعان يشكل مذهب مالك وأبي حنيفة وذلك أن النكاح سبب شرع للتناسل والمكارمة والمودة فمن قال بشرعيته أي النكاح في صورة تعليق طلاق الأجنبية قبل الملك فقد التزم شرعيته أي النكاح مع انتفاء حكمته إذ لا يتأتى حصولها مع ترتب الطلاق على حصول عقده صحيحا شرعا فكان يلزم أن لا يصح على الأجنبية حينئذ عقد نكاح ألبتة لكن العقد صحيح إجماعا فدل ذلك على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة عقد النكاح المقصودة منه\rوليس من المقصود منه وجوب نصف الصداق وتبعيض الطلاق وغيرهما مما يتوقف على هذا العقد بل من الأمور\r","part":3,"page":309},{"id":1030,"text":"التابعة للمقصود منه فلا يشرع العقد لأجلها فحيث أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده وعدم لزوم الطلاق على وقوعه صحيحا فتأمل ذلك ولعل الإمام ابن الشاط لهذا قال ويكون تمام الفرق مبينا على أن مقتضى الطلاق والعتاق هو مقتضاهما الشرعي لا اللغوي وقد علمت ما فيه قال هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ونظر أهـ بلفظه\rمسألة\rوقوع الطلاق على الأجنبيات بشرط التزويج وإن وافق مالك فيه أبا حنيفة إلا أنه خالفه فيما إذا عمم المطلق جميع النساء مثل أن يقول كل امرأة أتزوجها فهي طالق فاستحسن هو وأصحابه أنه لا يقع عليه طلاق حينئذ بناء على المصلحة وهي أنه إذا عمم فأوجبوا عليه التعميم لم يجد سبيلا إلى النكاح الحلال فكان ذلك عنتا به وحرجا وكأنه من باب نذر المعصية وأما أبو حنيفة وجماعة فقالوا يقع عليه الطلاق مطلقا عمم جميع النساء أو خصص مثل أن يقول كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا أو في وقت كذا فهي طالق كما في بداية المجتهد لابن رشد الحفيد والله أعلم\rالفرق السادس والستون والمائة بين قاعدة الإيجابات التي يتقدمها سبب تام وبين قاعدة الإيجابات التي هي أجزاء الأسباب","part":3,"page":310},{"id":1031,"text":"هو أن الإيجابات الأولى يجوز تأخيرها إجماعا فلا يقدح فيها التأخير كالخيار في عيوب النكاح وعيوب السلع في البيع والإيجابات الثانية لا يجوز تأخيرها فيقدح فيها التأخير كالقبول بعد الإيجاب في البيع والهبة والإجارة وذلك أن الإيجابات ثلاثة أقسام القسم الأول ما اتفق على أن السبب التام تقدمه وعلى أنه يجوز تأخيره عنه فلا يقدح فيه التأخير كخيار الأمة إذا أعتقت تحت عبد وإمضاء خيار الشرط ونحو ذلك مما تقدم وغيره القسم الثاني ما اتفق على أنه جزء السبب وعلى أنه لا يجوز تأخيره فيقدح فيه التأخير كالقبول بعد الإيجاب في نحو النكاح وما قدمناه من البيع إلخ القسم الثالث ما اختلف في كونه من القسم الأول فلا يقدح فيه التأخير أو من القسم الثاني فيقدح وهو الجواب في التخيير والتمليك المطلقين ففيهما عن مالك روايتان قال الشيخ أبو الوليد بن رشد في المقدمات كان مالك يقول للمملكة والمخيرة الخيار في المجلس فقط كالمبايعة ثم رجع إلى أن ذلك\rلها وإن افترقا لاحتياجها للمشاورة\r","part":3,"page":311},{"id":1032,"text":"وهذا إذا باشرها أو وكيله فإن كتب إليها أو أرسل رسولا أو علق على شرط لم يختلف قوله في تمادي ذلك ما لم يطل طولا يدل على الرضا بالإسقاط بأن يطول نحو أكثر من شهرين لأن كلام الزوج سؤال يتصل به جوابه وجوابه للرسالة مع مرسله قال الخرشي إذا ملكها تمليكا مطلقا أو خيرها تخييرا مطلقا أي عاريا عن التقييد بالزمان والمكان فلمالك قولان مرويان عنه قول رجع إليه أنهما بيدها ما لم توقف عند حاكم أو توطأ أي تمكن من ذلك طائعة قالت في المجلس قبلت أم لا والذي رجع عنه أنهما بيدها في المجلس فقط وإن تفرقا بعد إمكان القضاء فلا شيء لها وإن وثب أي قام حين ملكها يريد قطع ذلك عنها لم ينفعه وحد ذلك إذا قعد معها قدر ما يرى الناس أنها تختار في مثله ولم يقم فرارا وإن ذهب عامة النهار وعلم أنهما قد تركا ذلك وخرجا إلى غيره فلا خيار لها والمدار على الخروج من ذلك إلى غيره وأخذ ابن القاسم بهذا القول المرجوع عنه المتيطي وبه العمل وعليه جمهور أصحابنا وقد رجع مالك آخرا إلى هذا القول المرجوع عنه واستمر عليه إلى أن مات ا ه بتصرف قال اللخمي وأرى إمهال المرأة ثلاثة أيام كالمصراة والشفعة لما في الفراق من الصعوبة وسيأتي الفرق بين التخيير والتمليك فترقب والله أعلم\rالفرق السابع والستون والمائة بين قاعدة خيار التمليك في الزوجات وبين قاعدة تخيير الإماء في العتق\rمن حيث إنه يجوز في الأول أن يقول الزوج لامرأته إذا غبت عنك فأمرك بيدك فتقول المرأة متى غبت عني فقد اخترت نفسي فيلزمه ذلك ولا يجوز في الثاني أن يحلف سيد الأمة بحريتها بأن يقول إن لم أصم فأنت حرة أو إن زنيت فتقول إن فعلت فقد اخترت نفسي فإذا قالت ذلك لا يلزمه وذلك أن القاعدة التي تقدمت مبسوطة هي أن كل حكم وقع قبل سببه وشرطه لا ينعقد إجماعا وبعدهما ينعقد إجماعا وبينهما\r","part":3,"page":312},{"id":1033,"text":"في النفوذ قولان والحرة وجد في حقها سبب وهو قول الزوج المقتضي إذنها في القضاء الآن على ذلك التقدير مع إذن الشرع المقدر فلم يقع قضاؤها إلا بعد سببه وشرطه والأمة انفرد في حقها الإذن المقدر فقط فإن الله قد أذن لها في القضاء على ذلك التقدير وهو العتق المتوقف على حصول المعلق عليه ولم يحصل فوقع قضاؤها بعد شرطه وقبل سببه ضرورة أن الحالف بحريتها لم يأذن وإنما قصد حث نفسه باليمين على الفعل أو زجرها عنه\rوأما الزوج فأذن للحرة القضاء الآن على ذلك التقدير وهو غيبته عنها والقاعدة التي تقدمت أيضا أن حقوق العباد إنما تسقط بإذن العباد فلذا جرى الخلاف في نفوذ قضائها كالزوجات قال اللخمي وسوى أصبغ الإماء بالزوجات وعدم نفوذه وهو قول مالك المبني عليه الفرق وقد سأل عبد الملك بن الماجشون مالكا عن الفرق بين البابين فقال له مالك أتعرف دار قدامة ودار قدامة يلعب فيها بالحمام بالمدينة فشق ذلك على عبد الملك نعم سوى أشهب الزوجات بالإماء لعدم ما يترتب عليه الاختيار فافهم ولا يستويان عند مالك إلا إذا قالت الحرة إن ملكتني فقد اخترت نفسي هذا تهذيب ما في الأصل قال ابن الشاط وما قاله في هذا الفرق فيه نظر ا ه\rووجهه ما علل به أشهب قوله بتسوية الزوجات بالإماء فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والستون والمائة بين قاعدة التمليك وقاعدة التخيير\r","part":3,"page":313},{"id":1034,"text":"على مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى من أن التمليك جعل الزوج المسلم المكلف إنشاء الطلاق حقا للزوجة وكذا لغيرها راجحا في الثلاث يخص بما دونها بنية والتخيير جعله إنشاء الطلاق ثلاثا حكما أو نصا عليها حقا لها وكذا لغيرها كما لابن عرفة فموضوع التمليك على هذا أصل الطلاق من غير إشعار بالبينونة ولا بالعدد فلها أن تقضي بأي ذلك شاءت وموضوع التخيير على هذا الثلاث قبل البناء وبعده ومقصوده البينونة فلذلك تقبل نية الزوج فيما دون الثلاث قبل البناء لحصول المقصود وهو البينونة بالواحدة حينئذ دون ما بعد البناء لأنه أي التخيير حينئذ صريح في البينونة لا يقبل المجاز كالثلاث إذا نطق بها وليس له عزلها فيهما لأنه جعل لها ما كان بيده من العصمة\rوأخرجه عنه بخلاف الوكالة قال الحطاب لأن الوكيل يفعل ذلك على سبيل الوكالة عمن وكله والمملك والمخير إنما يفعلان ذلك عن نفسهما لأنهما ملكا ما كان يملكه الزوج ا ه\rقال حفيد ابن رشد في بدايته فرأي مالك أن قوله لها اختاريني أو اختاري نفسك أنه ظاهر بعرف الشرع في معنى البينونة بتخيير رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نساءه لأن المفهوم منه إنما كان البينونة ورأى أنه لا\rيقبل قول الزوج في التمليك أنه لم يرد به طلاقا إذا زعم ذلك لأنه لفظ ظاهر في معنى جعل الطلاق بيدها قال وصار جمهور الفقهاء إلى أن التخيير والتمليك واحد في الحكم لأن من عرف دلالة اللغة أن من ملك إنسانا أمرا من الأمور إن شاء أن يفعله أو لا يفعله فإنه قد خيره ا ه\r","part":3,"page":314},{"id":1035,"text":"محل الحاجة منه واختلفوا في الحكم الواحد الذي وقع اشتراكهما فيه فقال الشافعي اختاري وأمرك بيدك سواء ولا يكون ذلك طلاقا إلا أن ينويه وإن نواه فهو ما أراد إن واحدة فواحدة رجعية وإن ثلاثا فثلاث فله عنده أن يناكرها في الطلاق نفسه وفي العدد في الخيار أو التمليك نعم التمليك عنده إذا أراد به الطلاق كالوكالة وله أن يرجع في ذلك متى أحب ذلك ما لم يوقع الطلاق وقال الثوري الخيار والتمليك واحد لا فرق بينهما وقد قيل القول قولها في أعداد الطلاق في التمليك وليس للزوج مناكرتها وهذا القول مروي عن علي وابن المسيب وبه قال الزهري وعطاء\r","part":3,"page":315},{"id":1036,"text":"وقد قيل إنه ليس للمرأة في التمليك إلا أن تطلق نفسها تطليقة واحدة رجعية وذلك مروي عن ابن مسعود وعمر رضي الله عنهما روي أنه جاء ابن مسعود رجل فقال كان بيني وبين امرأتي بعض ما يكون بين الناس فقالت لو أن الذي بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع قال فإن الذي بيدي من أمرك بيدك قالت فأنت طالق ثلاثا قال أراها واحدة وأنت أحق بها ما دامت في عدتها وسألقى أمير المؤمنين عمر ثم لقيه فقص عليه القصة فقال صنع الله بالرجال وفعل يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم فيجعلونه بأيدي النساء بفيها التراب ماذا قلت فيها قال قلت أراها واحدة وهو أحق بها قال وأنا أرى ذلك ولو رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب وقد قيل ليس التمليك بشيء لأن ما جعل الشرع بيد الرجل ليس يجوز أن يرجع إلى يد المرأة بجعل جاعل وكذلك التخيير وهو قول ابن محمد بن حزم قال ومعنى ما ثبت من تخيير رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نساءه أنهن لو اخترن أنفسهن طلقهن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا أنهن كن يطلقن بنفس اختيار الطلاق كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وخلاصته أن الحكم الذي قيل باشتراكهما فيه إما عدم لزوم شيء إلا ما أراده إن واحدة فواحدة رجعية وإن ثلاثا فثلاث فله مناكرتها في الطلاق نفسه وفي العدد وإما ما قالته من العدد وليس له مناكرتها وإما لزوم طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر وإما أنه لغو لا يلزم به شيء مطلقا وفرق\rأبو حنيفة وأصحابه بينهما بغير ما فرق به بينهما مشهور مالك فقالوا الخيار ليس بطلاق أي لا صريح ولا ظاهر بل كناية خفية لا يلزم به شيء إلا بالنية لما سيأتي وأما التمليك فإن طلقت نفسها واحدة فهي بائنة كما في بداية المجتهد وفرق ابن حنبل بينهما بغير ما ذكر قال الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في كشاف القناع على الإقناع مع المتن\r","part":3,"page":316},{"id":1037,"text":"وإذا قال لامرأته أمرك بيدك فهو توكيل منه لها في الطلاق لأنه أذن لها فيه ولا يتقيد ذلك بالمجلس بل هو على التراخي ما لم يفسخ أو يطأ لقول علي ولم يعرف له مخالف في الصحابة فكان كالإجماع ولأنه نوع تملك في الطلاق فملكه المفوض إليه في المجلس وبعده كما لو جعله لأجنبي ولها أن تطلق نفسها ثلاثا أفتى به أحمد مرارا ورواه البخاري في تاريخه عن عثمان\rوقال علي وابن عمر وابن عباس وفضالة ونضرة في الشرح لما روى أبو داود والترمذي بإسناد رجاله ثقات عن أبي هريرة أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال هو ثلاث قال البخاري هو موقوف على أبي هريرة ولأنه يقتضي العموم في جميع أمرها لأنه اسم جنس مضاف فيتناول الطلقات الثلاث كقوله طلقي نفسك ما شئت ولا يقبل قوله أردت واحدة ولا يدين لأنه خلاف مقتضى اللفظ وكذلك الحكم إن جعل أمرها في يد غيرها أي الزوجة بأن جعل أمرها بيد زيد مثلا فله أن يطلقها ثلاثا ما لم يفسخ أو يطأ\r","part":3,"page":317},{"id":1038,"text":"وإن قال لها اختاري نفسك لم يكن لها أن تطلق نفسها أكثر من واحدة وتقع رجعية حكاه أحمد عن ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة وغيرهم ولأن اختاري تفويض معين فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم وهو طلقة رجعية لأنها بغير عوض بخلاف أمرك بيدك فإنه أمر مضاف فيتناول جميع أمرها إلا أن يجعل إليها أكثر من ذلك أي من واحدة سواء جعله بلفظه بأن يقول اختاري ما شئت أو اختاري الطلقات إن شئت أو جعله بنية بأن ينوي بقوله اختاري عددا اثنين أو ثلاثا لأنه كناية خفية فيرجع فيما يقع بها إلى نيته كسائر الكنايات الخفية وإن نوى الزوج ثلاثا فطلقت أقل منها أي من ثلاث كاثنين أو واحدة وقع ما طلقته دون ما نواه لأن النية لا يقع بها الطلاق وإنما يقع بتطليقها ولذا لو لم تطلق لم يقع شيء ا ه محل الحاجة منه ومقابل المشهور عندنا قولان أحدهما ما قاله عبد الملك من التفرق بينهما وأن التخيير ثلاث وإن نوت دونها وثانيهما ما روي عن مالك من التفرقة بينهما وأن التخيير ثلاث إن قالت اخترت نفسي وواحدة بائنة إن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه حكاها الأصل عن عياض في كتاب التنبيهات وأما التمليك فعلى ما مر عن مالك فالتشهير فيما تقدم إنما هو باعتبار التخيير لا التمليك فإن موضوعه عندنا أصل الطلاق فقط كما علمت فهو كناية ظاهرة يلزم به طلقة رجعية إن لم توقع أكثر وعند الشافعي هو كناية خفية كالتخيير يرجع فيما يقع بكل منهما إلى نية وقد قيل هو على ما تقوله من إعداد الطلاق وليس للزوج مناكرتها كالتخيير وقيل هو كالتخيير طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر وقيل هو\rكالتخيير لغوا لا يلزم به شيء أصلا\rوقيل هو خلاف التخيير كناية خفية لا يلزم به إلا ما نواه وقيل هو غير التخيير يلزم به ما قالته من إعداد الطلاق فإن أوقعت واحدة فبائنة فالأقوال فيه سبعة شارك التخيير في أربعة وخالفه في ثلاثة وحكي الأصل في التخيير عن القاضي عياض في كتاب التنبيهات سبعة أقوال أيضا\rالأول\r","part":3,"page":318},{"id":1039,"text":"وهو المشهور عندنا الثلاث نوتها المرأة أم لا فإن قضت بدونها فهل يسقط خيارها خلاف القول الثاني لعبد الملك من أصحابنا الثلاث وإن نوت دونها القول الثالث وهو مروي عن مالك الثلاث إن قالت اخترت نفسي وواحدة بائنة إن اختارت زوجها أو أرادت الخيار عليه وهذان القولان مقابلا المشهور عندنا وعلى كل من هذه الثلاثة التخيير خلاف التمليك فإن موضوع التمليك أصل الطلاق كما علمت القول الرابع أنه واحدة بائنة وللزوج المناكرة في الثلاث ولم ينسبه عياض لأحد ولم يظهر عليه إلا كون التمليك بخلافه فقط إذ لم يقل أحد بهذا القول فيه فافهم القول الخامس لابن الجهم وعمر وعلي رضي الله عنهما أنه طلقة واحدة بائنة والذي يظهر أنه على هذا ليس للزوج المناكرة في الثلاث كما مر عن حفيد ابن رشد في التمليك من أن المروي عن علي وابن المسيب فيه وبه قال الزهري وعطاء هو أن القول قولها في أعداد الطلاق وليس للزوج مناكرتها فتأمل القول السادس أنه طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر وهو إما أن ينسب لأبي يوسف كما قال عياض وعليه فهو إما بخلاف التمليك فإنه طلقة بائنة كما مر عن أبي حنيفة وإما كالتمليك كما مر عن حفيد ابن رشد أنه روى عن ابن مسعود وعمر أنه لا يلزم التمليك إلا طلقة واحدة رجعية ولو أوقعت ثلاثا وإما أن ينسب لابن حنبل فيكون خلاف التمليك لأنه عنده كالتوكيل يلزم به ما قالته فإن أوقعت واحدة فبائنة كما مر عن الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي فتنبه القول السابع أنه كناية خفية لا يلزم به شيء إلا بالنية وحكي الأصل عن عياض أنه اتفق عليه الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأنهم عللوا ذلك بأن لفظ التخيير يحتمل التخيير في الطلاق وغيره فإن أراد الطلاق فيحتمل الوحدة والكثرة والأصل بقاء العصمة حتى ينوي ا ه\r","part":3,"page":319},{"id":1040,"text":"والذي يؤخذ مما تقدم أن معتمد مذهب ابن حنبل أنه طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر لما تقدم عن الشيخ منصور الحنبلي وأنه خلاف التمليك إذ التمليك كالتوكيل القول قولها فيما توقعه فإن أوقعت واحدة فبائنة وأن الذي اتفق على هذا إنما هو الشافعي وأبو حنيفة على أنهما اختلفا مع ذلك في التمليك فقال الشافعي هو كالتخيير في هذا الحكم وقال أبو حنيفة هو بخلاف لأنها إن طلقت نفسها واحدة فيه\rفهي بائنة كما تقدم عن حفيد ابن رشد فتأمل ذلك واعتمد أصحابنا في الاستدلال لمشهور مالك المتقدم على ثلاثة مدارك المدرك الأول قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها\rالآية\r","part":3,"page":320},{"id":1041,"text":"قالوا هذه الآية تدل على البينونة بالثلاث المدرك الثاني أن إحدى نسائه عليه السلام اختارت نفسها فكانت ألبتة فكان ذلك أصلا في الخيار المدرك الثالث أن المفهوم من هذا اللفظ عادة إنما هو التخيير في الكون في العصمة أو مفارقتها هذا هو السابق للفهم من قول القائل لزوجته خيرتك وتعقب اللخمي المدرك الأول بأربعة أوجه الأول أنه عليه السلام كان المطلق لا النساء لقوله تعالى وأسرحكن سراحا جميلا الوجه الثاني سلمنا أن الأزواج كن اللاتي طلقن لكن السراح لا يوجب إلا واحدة كما لو قال سرحتك الوجه الثالث سلمنا أنه الثلاث لكنه مختص به عليه السلام لأن تحريم الطلاق الثلاث معلل بالندم وهو عليه السلام أملك لنفسه منا الوجه الرابع أن التخيير إنما كان بين الحياة الدنيا والدار الآخرة وتعقب المدرك الثاني بأنه غير صحيح والذي في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم فعل أزواجه مثل ذلك والأئمة الثلاثة ينازعون في أن هذا أي التخيير في الكون في العصمة أو مفارقتها هو المفهوم عادة لكن في شرح الحطاب على المختصر كما في البناني على ابن عبق أن الفرق بين التخيير والتمليك قيل أمر عرفي لا مشاركة للغة فيه فقولهم في المشهور إن للزوج أن يناكر المملكة دون المخيرة إنما هو أمر مستفاد من العرف وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف وقيل هو وإن كان تابعا للعرف إلا أن العرف تابع للغة أو قريب منها لأن التمليك إعطاء ما لم يكن حاصلا فلذلك قلنا إن للزوج أن يناكرها لأن الأصل بقاء ملكه بيده فلا يلزمه إلا ما اعترف أنه إعطاء\rوأما التخيير فقال أهل اللغة خير فلان بين الشيئين إذا جعل له الخيار فيكون تخيير الزوجة معناه أن الزوج فوض إليها البقاء على العصمة والذهاب عنها وذلك إنما يتأتى لها إذا حصلت على حال لا يبقى للزوج عليها حكم وإنما يكون ذلك بعد الدخول في إيقاع الثلاث نظر ضيح وابن عبد السلام ا ه\r","part":3,"page":321},{"id":1042,"text":"وقال الأصل والصحيح الذي يظهر لي أن قول الأئمة هو مقتضى اللفظ لغة لا مرية في ذلك وأن مالكا رحمه الله أفتى بالثلاث والبينونة كما تقدم بناء على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل اللفظ عن مسماه اللغوي إلى هذا المفهوم فصار صريحا فيه وهذا هو الذي يتجه وهو سر الفرق بين قاعدة التخيير\rوقاعدة التمليك غير أنه يلزم عليه بطلان هذا الحكم اليوم ووجوب الرجوع إلى اللغة ويكون كناية محضة كما قاله الأئمة بسبب أن العرف قد تغير حتى لم يصر أحد يستعمل هذا اللفظ إلا في غاية الندرة فضلا عن كثرة الاستعمال التي تصيره منقولا والقاعدة أن اللفظ متى كان الحكم فيه مضافا لحكم عادي بطل ذلك الحكم عند بطلان تلك العادة وتغير إلى حكم آخر إن شهدت له عادة أخرى فهذا هو الفقه المتجه ا ه وكتب عليه ابن الشاط ما نصه ما قاله من أن مالكا رضي الله تعالى عنه إنما بنى على عرف زمانه هو الظاهر وما قاله من لزوم تغير الفتوى عند تغير العرف صحيح ا ه منه والله أعلم\rمسألة\rقال الخرشي عند قول خليل في جواز التخيير قولان أي وكراهته وهذا يجري في المدخول بها وغيرها لأن موضعه الثلاث\rوأما كونه يناكر غير المدخول بها فهذا شيء آخر ولم يتفقوا على كراهته مع أن موضعه الثلاث نظرا لمقصوده إذ هو البينونة التي قد تكون بواحدة كما في الخلع والطلاق قبل الدخول وإن كانت بحسب ما هنا إنما تكون بالثلاث وينبغي جري الخلاف في التمليك إذا قيد بالثلاث وإلا فهو مباح وانظر التوكيل إذا قيد بالثلاث والظاهر الكراهة قطعا ا ه\r","part":3,"page":322},{"id":1043,"text":"قال العدوي عليه ووجهه إما أن الموكل داخل على الثلاث بخلاف المخير وكذا الملك إذا قيد بالثلاث فلا يلزم من تخييرها أو تمليكها كونها توقع الطلاق لأن الشأن أن النساء لا يرين الفراق فلذا كان الراجح فيهما الإباحة ويكره في حقها قطعا وقوع الثلاث كما أفاده بعض الشيوخ وإما أن الموكل لما كان له العزل في التوكيل صار كأنه الموقع للثلاث فلذا كره قطعا بخلاف التمليك فإنها الموقعة لها ا ه ببعض تصرف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادة في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال على مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى فقد قال إذا شهد أحد الشاهدين أنه حلف أن لا يدخل الدار\rوأنه دخل وشهد الآخر أنه لا يكلم زيدا وأنه كلمه حلف المشهود عليه فإن نكل سجن لأن الشاهدين لم يتفقا على متعلق واحد وكذلك إذا اختلفا في العتق على هذه الصورة\rوقال إذا شهد أحدهما أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت وكذلك العتق قال ابن يونس ويشترط أن يكون بين البلدين مسافة يمكن قطعها في الأجل الذي بين الشهادتين وتضبط عدتها من يوم شهادة الأخير ا ه\rقال الأصل وينبغي حمل كلامه أي ابن يونس على العدة في القضاء أما في الحكم فما تعتقده الزوجة تاريخ الطلاق ا ه\rوقال اللخمي لو شهد أحدهما بالثلاث قبل أمس والثاني باثنتين أمس والثالث بواحدة اليوم لزم الثلاث لأن ضم الثاني للأول يوجب اثنتين قبل سماع الثالث فلما سمعه الثالث ضم للباقي من الأول وكذلك لو شهد الثاني بواحدة والأخير باثنتين لأن الثاني مع الأول طلقتان يضم إليهما طلقة أخرى وكذلك لو شهد الأول باثنتين والثاني بثلاث والأخير بواحدة هذا إذا علمت التواريخ فإن جهلت يختلف في لزوم الثلاث أو اثنتين لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك\r","part":3,"page":323},{"id":1044,"text":"وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر باثنتين لم يحكم بشيء لعدم حصول النصاب في شهادة منهما فلو شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية ضمت الشهادتان لأن الاختلاف ها هنا إنما هو في الصفة قال الأصل واعتمد الأصحاب في الفرق المذكور بين الأقوال والأفعال على أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد وقاعدة أن الأصل في الاستعمال الإنشاء وتجديد المعاني بتجدد الاستعمالات لأنه مقصود الوضع حتى يدل دليل على التأكيد وإن كانت مقتضى عدم ضم الأقوال\rوالأفعال لعدم وجود نصاب الشهادة في لفظ واحد منهما إلا أنه قد عارض هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتق قبل زمن النطق وكذلك بعت واشتريت وسائر صيغ العقود فإذا أجمعنا على أن القول الأول في المرة الأولى الذي في شهادة الشاهد الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر ضرورة القضاء فيه بالطلاق والعتاق ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو أنه متردد بينهما على السواء لم يقض بطلاق ولا بعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة كان القول الثاني في المرة الثانية الذي في شهادة الشاهد الآخر صالحا للإخبار والإنشاء لأنه إنما ينصرف عن أصله الذي هو الخبر إلى إنشاء هذه المعاني واستحداثها بالقرائن أو النقل العرفي وشهادتهما بالقرائن شهادة بقول يصلح لهما فيحمل على الإخبار عملا بقاعدة ترجيح الأصل الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى ولذلك شبهه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به أي لاحتمال تكرر الإقرار بمال واحد مع أن الأصل براءة الذمة من الزائد\r","part":3,"page":324},{"id":1045,"text":"وكذلك ما نحن فيه من قوله عبدي فلان حر ثم كرر ذلك القول فإنه يحمل على أن الثاني خبر عن الأول بناء على أن الأصل الخبر فيكون حينئذ الشاهدان شهدا على شيء واحد وهو إنشاء العتق في العبد الذي سمي كما قاله ابن الشاط ولما كان لفظ الإنشاء ولفظ الخبر صورتهما واحدة شرع ضم الثاني إلى الأول فيجتمع نصاب الشهادة في شيء واحد فيلزم الطلاق والعتاق\rوأما الفعل الثاني فلا يمكن أن يكون عين الأول لأنه لا يصلح أن يكون خبرا عنه فإن الخبر من\rخصائص الأقوال فصار مشهودا به غير الأول فيحتاج إلى نصاب كامل في نفسه هذا هو سر الفرق نعم لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال في مقتضى كلام الأصحاب ومقتضى القواعد ا ه كلام الأصل بتهذيب وتعقبه الإمام ابن الشاط بوجوه\rالوجه الأول\rأن ما قاله من أن أصل قوله أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمان النطق ليس بصحيح فإن الخبر باسم الفاعل المطلق لا يكون إلا للحال ا ه بلفظه وفيه أنه إن أراد اتفاقا فغير مسلم لقول العلامة الخفاجي في طراز المجالس ذهب قوم إلى أنه لا دلالة أي لاسم الفاعل على زمان أصلا وآخرون إلى أنه حقيقة في الحال والماضي مجاز في غير ذلك وآخرون إلى أنه حقيقة في الحال والمستقبل وقوم إلى أنه حقيقة في الحال فقط وهو المشهور\r","part":3,"page":325},{"id":1046,"text":"ثم إنه هل هو كذلك مطلقا أم إذا ركب مع غيره أم إذا كان محمولا ذهب آخرون إلى أنه كذلك إذا عمل النصب فقط وآخرون فرقوا بين الأعراض السيالة والقارة وفرق قوم بين صفات الله وغيرها ا ه كما في حاشية كنون على عبق قال وعلى قوله أم إذا كان محمولا يأتي ما ذكره ابن الخطيب في الإحالة والسوداني في نيل الابتهاج والمقري في نفح الطيب عن أبي عبد الله المقري قال شهدت مجلسا بين يدي السلطان ابن تاشفين عبد الرحمن بن موسى بن حمو سلطان تلمسان الذي استولى على ملكه أبو الحسن المريني بعد قتله قرأ على أبي زيد ابن الإمام حديث مسلم لقنوا موتاكم إلخ فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السلوى هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازا فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم والأصل\rالحقيقة فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه وكنت قرأت على الأستاذ بعض التنقيح فقلت زعم القرافي أنه إنما يكون حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال مختلفا فيه في الماضي إذا كان محكوما به أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقا إجماعا وعلى هذا لا مجاز فلا سؤال لا يقال إنه احتج على ذلك بما فيه نظر لأنا نقول إنه نقل الإجماع وهو أحد الأربعة التي لا يطالب مدعيها بالدليل كما ذكره أيضا بل نقول إنه أساء حيث احتج في موضع الوفاق كما أساء اللخمي وغيره في الاستدلال على وجوب الطهارة ونحوها بل هذا أشنع لكونه مما علم من الدين بالضرورة\r","part":3,"page":326},{"id":1047,"text":"ثم إنا لو سلمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة لأن تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فهو يوحش فهو تنبيه على وقت التلقين أي لقنوا من تحكمون بأنه ميت أو نقول إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام ألا ترى إلى اختلافهم فيه هل أخذ من حضور الملائكة ولا شك أن هذه حالة خفية نحتاج في نصبها دليل الحكم إلى وصف ظاهر يضبطها وهو ما ذكرناه أو من حضور الموت وهو أيضا مما لا يعرف بنفسه بل بالعلامات فلما وجب اعتبارها وجب كون تلك التسمية إشارة إليها والله أعلم ا ه\rوذكر هذه الحكاية أيضا في نوازل الجنائز من المعيار وزاد ما نصه وقال سيدي أبو عبد الله مق لعله من الإيماء إلى علة الحكم والإشارة إلى وقت نفع تلك الكلمة النفع التام وهو الموت عليها لا حال الحياة من احتضار أو غيره أي لقنوهم إياها ليموتوا عليها وتنفع ومثله ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون أي دوموا عليه لتموتوا عليه فيتم نفعه والله تعالى أعلم ا ه\rانتهى كلام كنون بلفظه وإن أراد عند الجمهور ورد أن المراد حال التلبس لا حال النطق كما زعم القرافي ففي جمع الجوامع والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن وإلا فآخر جزء\rوثالثها الوقف ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال أي حال التلبس لا النطق خلافا للقرافي ا ه\rكما في حاشية كنون على عبق ولا شك أن حال تلبسها بالطلاق والحرية هو الزمن الماضي الذي أنشأ القول الأول فيه فتأمل بإنصاف\rالوجه الثاني\r","part":3,"page":327},{"id":1048,"text":"أنه لا يدري ما الحامل على تكلف تقديره كون القول الثاني خبرا عن الأول مع أنه لو بين بقرينة حاله أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق وكذلك لو تبين بالقرائن أن القول الأول خبر عن أنه كان عقد عتقه والقول الثاني أيضا كذلك لحصلت شهادة شاهدين على إقراره بعتقه فلا فرق إذا بين ما إذا كان القولان إنشاء أو كانا خبرا أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء من حيث إن المقصود وهو وقوع عتقه إياه قد حصل على كل تقدير من تلك التقادير نعم إذا تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إنشاء كالأول فها هنا لا يصح ضم الشهادتين المختلفتي التاريخ لأنه لا يكون على عقد العتق إلا شاهد وهو الأول وأما الثاني فإنما شهد بما لا يصح عقد العتق به لأن العتق لا ينعقد فيمن تقدم عتقه ا ه\rوفيه أن قوله أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء يصدق بما إذا كان القول الأول خبرا عن أنه كان عقد عتقه والقول الثاني إنشاء لعتق ذلك العبد كما يصدق بالعكس مع أن كمال نصاب الشهادة إنما يظهر على صدقه على الثاني أما على الأول فلا لاحتمال أن يكون القول الثاني عليه تأسيس إنشاء فتكون الشهادة به شهادة بما لا يصح عقد العتق به لأن العتق إلخ نعم لو قامت قرينة مقاله أو حاله على أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد الذي شهد الشاهد الأول بإقراره به لكملت شهادة الشاهدين بذلك\rالعتق على الأول ولك أن تقول إن قوله نعم إن تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إلخ يشمل احتمال التأسيس على هذا الأول أيضا فتأمل بإمعان وإنصاف\rالوجه الثالث\r","part":3,"page":328},{"id":1049,"text":"أن ما بني عليه الفرق من كون القول الثاني خبرا عن الأول لا أحسبه صحيحا بل الذي ينبغي أن يكون أصلا في هذه المسائل سواء كانت قولا أو فعلا أم كيفما كان أن ينظر إليها فإن قبلت الضم ضمت وإلا فلا فبقي القول كمسألة الإقرار بمال كمن يقول في رمضان لفلان عندي دينار فسمعه شاهد ثم يقول في شوال لفلان عندي دينار فسمعه آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فتكمل الشهادة ويقضى عليه بالدينار وفي الفعل كمن يشرب الخمر في شوال فيشاهده شاهد ثم يشربها في ذي القعدة فيشاهده آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فإن الشاهدين معا قد اجتمعا على مشاهدتهما إياه يشرب الخمر فتمكن الشهادة فيلزمه الحد\rوأما القول الذي لا يقبل الضم فكما إذا قال في رمضان عبدي فلان حر على قصد تأسيس الإنشاء لعقده فشهد عليه بذلك شاهد ثم قال في شوال عبدي فلان حر على ذلك القصد بعينه فيشهد عليه بذلك شاهد آخر وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن عقد العتق لا يتعدد وأما الفعل الذي لا يقبل الضم فكما إذا شهد شاهد أنه شاهد زيدا قتل عمرا في شوال وشهد شاهد آخر أنه شاهد قتله في ذي القعدة وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن القتل لا يتعدد الوجه الرابع أن المسألة التي نقلها عن مالك رحمه الله تعالى من أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت تشكل على ما تقرر من حيث إن المدة التي بين رمضان وصفر أكثر من مدة العدة فعلى تقدير قصده تأسيس الإنشاء فالقول الثاني لا ينعقد به طلاق لأنها قد انحلت عصمته عنها قبل هذا التاريخ بمقتضى شهادة الأول وعلى تقدير قصد الخبر فالقول الثاني يبعد اطلاع الشاهد على هذا القصد لاحتمال القول الثاني قصد تأسيس الإنشاء وقصد تأكيده وقصد الخبر وترجيح قصد الخبر بأنه الأصل لا يخفى ضعفه والله أعلم ا ه بلفظه\r","part":3,"page":329},{"id":1050,"text":"هذا ومقابل المشهور المذكور أربعة أقوال كلها لمالك رحمه الله حكاها اللخمي قال قيل تضم الشهادتان في الأقوال والأفعال أو أحدهما قول والآخر فعل ويقضي بها وقيل لا يضمان مطلقا وقيل يضمان في الأقوال فقط وقيل يضمان إذا كانتا على فعل فإن كان إحداهما على قول والأخرى على فعل لم يضما ا ه قال الأصل والقول من الأربعة المذكورة لاحظ قاعدة الإنشاء وهو ظاهر لإجماعنا على أن اللفظ الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر وأنه لا يقضي إلا به ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو هو متردد بينهما على السواء لم يقض\rبالطلاق ولا بالعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة وضم الأفعال على القول الأول والرابع مع تعذر الإخبار فيها ملاحظة للمعنى دون حصول السبب فإن كل شاهد شهد بأنها مطلقة وبأي سبب كان ذلك لا يعرج عليه ولو صرحا بالطلاق هكذا انضمت الشهادات\r","part":3,"page":330},{"id":1051,"text":"وأما عدم الضم الذي صرح به الرابع إذا كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل فلان ذلك مختلف الجنس والضم إنما يكون في الجنس الواحد وضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه إلى غير جنسه فافهم تنبيه قال مالك في المدونة إذا شهد أحدهما أنه قال في محرم إن فعلت فامرأتي طالق وشهد الآخر أنه قال ذلك في صفر وشهدا عليه أو غيرهما بالفعل بعد صفر طلقت لاتفاقهما على التعليق والمعلق عليه كما لو اتفقا على المقر به وله واختلفا في زمن الإقرار وإن شهدا في مجلس على التعليق وشهد أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرط والآخر أنه فعله يوم السبت طلقت لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرط وكذلك لو نسبا قوله لمكانين ا ه قال الأصل وإنما تصح هذه الإطلاقات إذا حمل الثاني على الخبر أما لو صمم كل واحد على الإنشاء فلا يوجد في هذا التقدير الضم في الشهادات وإنما وجد في الإطلاقات المحتملة على ما تقدم بيانه على تلك القواعد المتقدمة قال فالقول في ألفاظ التعاليق كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف فإذا شهدا بتعليقين على شيء واحد في زمانين كرمضان وصفر كما قال يعني مالكا في ألفاظ الإنشاءات فإنه يجعل التعليق الثاني خبرا عن التعليق الأول أي عن ارتباط الطلاق بذلك المعنى لا إنشاء للربط وفي الأول إنشاء الربط بذلك المعنى ا ه قال ابن الشاط ما قاله من الحمل على الخبر أي حمل التعليق الثاني على الخبر فهو بناء على أصله أي وقد تقدم ما فيه وما قاله فيما إذا شهد له الإنشاء صحيح والله أعلم ا ه بلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السبعون والمائة بين قاعدة ما يلزم الكافر إذا أسلم وقاعدة ما لا يلزمه\r","part":3,"page":331},{"id":1052,"text":"من حقوق الله تعالى وحقوق العباد وضابط الفرق وسره أن حقوق الله لا تلزمه مطلقا كانت مما رضي به كالنذور والأيمان أو مما لم يرض به كالصلوات والصيام كان هو حربيا أو ذميا كما لم يرض الحربي حالة كفره بدفعه لمستحقه من العباد كالقتل والغصب ونحو ذلك مما هو من حقوق العباد التي دخل في الإسلام معتمدا على أنه لا يوفيها أهلها فهذا كله يسقط عن الكافر بإسلامه أما حقوق الله فلأمرين الأمر الأول قوله {صلى الله عليه وسلم} الإسلام يجب ما قبله الأمر الثاني الفرق بين حقوق الله وحقوق الآدميين من وجهين أحدهما أن الإسلام ونحو العبادات لما كانا حقين لجهة واحدة وهي جهة الله تعالى وكان الإسلام أصلا للعبادات ونحوها بحيث تتوقف صحتها عليه ناسب أن يقدم عليها بالترغيب فيه بإسقاطها نظرا لكونه حقا حاصلا لجهة الحق الساقط فتقدم مصلحته على مصلحة ما اتحد معه في الجهة لأصالته لا على ما خالفه فيها كحق الآدميين إذ المناسب أن لا يسقط حقهم بتحصيل حق غيرهم وثانيهما أن الله تعالى كريم جواد تناسب رحمته المسامحة وسقوط حقوقه مطلقا بخلاف العبد فإنه بخيل ضعيف يناسب التمسك بحقه مطلقا إلا أنه جرى فيه التفصيل الآتي لما ستعرفه\rوأما ما لم يرض الحربي حالة كفره بدفعه لمستحقه من العباد كالغصوب والنهوب والغارات ونحوها من حقوق العباد التي دخل إلخ فلأن في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا له عن الإسلام فقدمت مصلحة الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق وأما حقوق الآدميين التي رضي حالة كفره بدفعها لمستحقها من العباد واطمأنت نفسه بذلك فهذا\r","part":3,"page":332},{"id":1053,"text":"يلزم ولا يسقط عنه بالإسلام لأن إلزامه إياه ليس منفرا له عن الإسلام لرضاه به لكن هذا يختلف بالنسبة للحربي والذمي فالذمي كما يلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك كذلك يلزمه جميع المظالم وردها كالغصوب والنهوب والغارات ونحوها لأنه عقد الذمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة والحربي إنما يلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك مما رضي به حالة كفره واطمأنت نفسه به وأما الغصوب والنهوب والغارات ونحوها مما لم يرض به حالة كفره فلا يلزمه بل يسقط عنه بإسلامه لما علمت أفاده الأصل وقال ابن الشاط إنه صحيح والله أعلم\rالفرق الحادي والسبعون والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير مكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عنه\rقال الإمام ابن الشاط الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح فيه النيابة وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه\rالذي ذكره الأصل قبل هذا الفرق هو هذا الفرق بعينه غير أنه ذكر هنا مسائل لم يذكرها هناك ا ه فلنقتصر هنا على المسائل التي لم يذكرها هناك لتكون توضيحا للفرق السابق ونخلص من وصمة التكرار\rالمسألة الأولى","part":3,"page":333},{"id":1054,"text":"الزكاة إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه أو غير إذنه في ذلك فعلى ما قاله بعض أصحابنا من عدم اشتراط النية فيها تمسكا بقياسها على الديون ويأخذ الإمام لها كرها والإكراه مع النية متنافيان ينبغي أن يجزئ فعل الغير فيها مطلقا كالدين الوديعة ونحوهما مما تقدم في القسم المجمع على صحة فعل غير المأمور به عن المأمور وعلى ما قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم من اشتراط النية فيها لما فيها من شائبة التعبد من جهة مقاديرها في نصبها والواجب فيها وغير ذلك فإن كان المخرج غير الإمام فمقتضى قول أصحابنا في الأضحية يذبحها غير ربها بغير علمه وإذنه أنها تجزئه إن كان الفاعل لذلك صديقه ومن شأنه أن يفعل ذلك له بغير إذنه لأنه بمنزلة نفسه عنده لتمكن الصداقة بينهما أن يجري مثله هنا فيقال إن الزكاة تجزئه إن كان مخرجها من هذا القبيل ضرورة أن كلا منهما عبادة مأمور بها مفتقرة للنية وإن كان الفاعل ليس من هذا القبيل لا يجزئ عن ربها لافتقارها للنية على الصحيح من المذهب\rوإن أخذها الإمام كرها وهو عدل أجزأت عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى اعتمادا على فعل الصديق وتمسكا بظاهر قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم فإن ظاهر الأمر الوجوب الذي أقل مراتبه الإذن والإجزاء ولأن الإمام وكيل الفقراء فله أخذ حقهم قهرا\rكسائر الحقوق وقال أبو حنيفة لا يأخذها الإمام كرها لكن يلجئه إلى دفعها بالحبس وغيره لافتقارها للنية والإكراه مع النية متنافيان\rالمسألة الثانية\r","part":3,"page":334},{"id":1055,"text":"الصوم عن الميت إذا فرط فيه جوزه أحمد بن حنبل وروى الشافعية ذلك في مذهبهم أيضا لقوله عليه الصلاة والسلام من لم يصم صام عنه وليه ولم يجوزه مالك رحمه الله تعالى لقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقياسا على الصلاة ومن هذا الباب الحج عن الميت أيضا وسيأتي زيادة تحقيق لهذا فترقب المسألة الثالثة قال صاحب الجواهر في العتق عن الغير ثلاثة أقوال الإجزاء لابن القاسم وهو المشهور وعدم الإجزاء لأشهب وقال عبد الملك إن أذن في العتق أجزأ عنه وإلا فلا وقاله الشافعي رضي الله عنه ا ه\rوفي المدونة قال مالك من أعتق عبده عن ظهار غيره على جعل جعله له فالولاء للمعتق عنه وعليه الجعل ولا يجزئه أي عن ظهاره كالمشتري بشرط العتق أي في عدم إجزاء عتقه عن الظهار قال ابن القصار وإذا لم يكن في الجعل وضيعة عن الثمن جاز أي عتقه عن الظهار لأنه إذا جاز هبته أي هبة من يعتق في الظهار فبيعه أولى وقال اللخمي يجزئ العتق عن ظهار الغير عند ابن القاسم وإن كان أبا للمعتق وفرق بعض الأصحاب بين عتق الإنسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ في الثاني لأن الزكاة ليست في الذمة ويجزئ في الأول لأن الكفارة في الذمة قال اللخمي والحق الإجزاء فيهما لأنهما كالدين وهذه المسألة دائرة بين أربع قواعد القاعدة الأولى قاعدة التقادير الشرعية التي تقدمت في خطاب الوضع وهي إما إعطاء الموجود حكم المعدوم كالغرر والجهالة إذا قلا أو تعذر الاحتراز عنهما كأساس الدار وقطن الجبة ورداءة بواطن الفواكه ودم البراغيث ونجاسة ثوب المرضع والوارث الكافر أو العبد يقدر عتقه فلا يحجب\rوأما إعطاء المعدوم حكم الموجود كتقدير الإيمان في حق المسلم النائم والغافل حتى ينعصم الدم والمال وتقدير الكفر في الكافر النائم والغافل حتى تصح إباحة الدم والمال والذرية\rالقاعدة الثانية\r","part":3,"page":335},{"id":1056,"text":"أن الكفارات عبادة فيشترط فيها النية وهو المشهور عندنا وقيل لا تجب فيها النية القاعدة الثالثة أن الهبة إذا لم يتصل بها قبض بطلت القاعدة الرابعة قاعدة مذهب مالك التي نص عليها ابن أبي زيد في النوادر وصاحب الجواهر في كتاب الإجارات وهي أن كل من عمل عملا أو أوصل نفعا لغيره من مال أو غيره بأمره أو بغير أمره نفذ ذلك فإن كان متبرعا لم يرجع به أو غير متبرع وهو منفعة فله أجرة مثله أو مال فله أخذه ممن دفعه عنه كان ذلك مما يجب على المدفوع عنه كالدين أو مما لا يجب كغسل الثوب وخياطته ورمي التراب من الدار ونحو ذلك والقول قول العامل في عدم التبرع لكن شرط الغرم أن يكون المعمول له لا بد له من عمله بالاستئجار أو إنفاق المال أما إن كان شأنه فعله إياه بغير استئجار بنفسه أو بغلامه وتحصل تلك المصلحة بغير مال فلا غرم عليه فمالك يجعل لسان الحال قائما مقام لسان المقال فكأنه أذن له في ذلك بلسان مقاله وخالفنا الشافعي في هذه القاعدة وجعل الأصل في فعل الغير التبرع وأنه لا يرجع عليه بشيء إذا لم يأذن له المدفوع عنه بلسان المقال فمالك وابن القاسم لما لاحظا هذه القاعدة قالا المعتق قام عن المعتق عنه بواجب من شأنه أن يفعله إما بناء على قاعدة صحة النيابة في الأمور المالية عبادة كانت أو غيرها فلا يحتاج فيها حينئذ إلى الإذن ولا إلى تقدير الملك والوكالة ولا يكون في هذه المسألة ولا فيما نص عليه عبد الحق من أنه يجوز العتق عن\rالغير تطوعا بغير إذنه إشكال أصلا كما قال ابن الشاط ويؤيده قول الرهوني والصواب في الفرق بين مسألتي المدونة يعني قولي ابن القاسم ومالك المتقدمين ما قاله أبو الوليد الباجي في المنتقى ونصه قول ابن القاسم إنه معنى يجوز فيه النيابة لأن طريقه المال ولذلك يجوز أن يعتق عن الميت وسلمه ابن الماجشون ووجه قول ابن الماجشون أنه لو باعه منه على أن يعتقه هو لم يجز له ذلك\r","part":3,"page":336},{"id":1057,"text":"ولو وهبه إياه على أن يعتقه عن ظهاره لم يجزه فكذلك إذا أعتقه عنه والفرق بينهما على قول ابن القاسم أنه قد ملك الواهب أو البائع العتق في ذلك العبد قبل وقوعه ولزم الموهب له إيقاعه بالشرط\rفلذلك لم يجزه ألا ترى أنه لو باعه من ورثة الميت بشرط عتقه عنه أو وهبهم إياها بذلك الشرط لم يجزه الذي أنفذ عتقه عن المعتق عنه أعتقه ولذلك أن يعتقه عن الميت وقد روى في العتبية أبو زيد عن ابن القاسم في المرأة تعطي زوجها الرقبة يعتقها عن ظهاره أو عن الوجه إن كان بشرط العتق لم يجزه وإن كان بغير شرط أجزاه وذلك لما ذكرناه\rورواه في المدينة عيسى بن دينار وعبد الرحمن بن دينار عن ابن كنانة ا ه منه بلفظه وهو حسن وقد أغفله الجم الغفير والتوفيق بيد العلي الكبير ا ه محل الحاجة منه بلفظه وإما بناء على قاعدة التقادير فيقدر انتقال ملكه عنه للمعتق عنه قبل صدور العتق بالزمن الفرد حتى\rيثبت الولاء وتبرأ ذمته من الكفارة فيرد الإشكال بقاعدة النية فإن مالكا وابن القاسم يشترطانها\r","part":3,"page":337},{"id":1058,"text":"وهي متعذرة مع الغفلة ولا يدفعه الجواب بالقياس على العتق عن الميت للفرق بأن الحي متمكن من العتق عن نفسه بخلاف الميت فإنه قد تعذر عليه باب التقرب فناسب أن يوسع الشرع له في ذلك ولا بالقياس على أخذ الزكاة كرها مع اشتراط النية فيها للفرق أيضا بأنها حالة ضرورة لأجل امتناع المالك وها هنا المعتق عنه غير ممتنع وبأن مصلحة الزكاة عامة فيوسع فيها لعموم الضرورة بخلاف الكفارات فإنها قليلة وهي خاصة فلا يخالف فيها قاعدة النية فتبقى المسألة مشكلة على قولهما لا على قول الشافعي لأنه يعتبر قاعدة النية وهي منتفية حالة عدم الإذن ولا على قول أشهب لأنه يقول الإذن من باب الكلام والإباحة والنية من باب المقاصد والإرادة فلا يقوم أحدهما مقام الآخر ولا يستقيم قصد الإنسان لعتق ملك غيره ولا على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يقول إن دفع له جعلا أجزأ وإلا فلا للقاعدة الثالثة فتخرج بالجعل عن الهبة فلا تحتاج إلى قصد وأشكل منها على قولهما ما نص عليه عبد الحق من أنه يجوز العتق عن الغير تطوعا لأن الواجب فيه دلالة الحال دون المقال وها هنا لا دلالة حال ولا مقال فلا يتجه ويكون أبعد من العتق عن الواجب ومن يشترط الإذن يقول الإذن تضمن الوكالة في نقل ملكه للآذن وعتق عنه بعد انتقال الملك ويكون المأذون له وكيلا في الأمرين ومتوليا لطرفي العقد كما قال الأصل قال والموجب بهذه\rالتقادير كلها أنه لا يصح هذا التصرف إلا بها وما تعذر تصحيح الكلام إلا به وجب المصير إليه صونا للكلام عن الإلغاء ا ه وقد علمت أن المسألة إذا بنيت على قاعدة جواز النيابة في الأمور المالية لا يحتاج فيها إلى تقدير ولا غيره كما لابن الشاط فهذا تحرير مسائل هذا الفرق الذي سبق تحريره في الفرق العاشر والمائة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والسبعون والمائة بين قاعدة ما يصل ثوابه إلى الميت وقاعدة ما لا يصل ثوابه إليه\r","part":3,"page":338},{"id":1059,"text":"القربات باعتبار وصول ثوابها للغير اتفاقا وعدم وصول ثوابها للغير اتفاقا والخلاف في وصوله له وعدم وصوله ثلاثة أقسام القسم الأول ما اتفق الناس على أن الله حجر على عباده في ثوابه ولم يجعل لهم نقله لغيرهم كالإيمان والتوحيد والإجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى وكذلك حكي في الصلاة الإجماع نظرا في الخلاف الذي نقل في مذهب الشافعي فيها عن الشيخ أبي إسحاق قد يقال إنه مسبوق بالإجماع كما تقدم القسم الثاني ما اتفق الناس على أن الله تعالى أذن في نقل ثوابه للميت وهو الدعاء والقربات المالية كالصدقة والعتق القسم الثالث ما اختلف فيه هل فيه حجر أم لا كالصيام والحج وقراءة القرآن فقيل لا يصل ثواب شيء من ذلك لمن أهدى له وهو المعروف من مذهب مالك وكذا هو مشهور مذهب الشافعي في القراءة فقط وقيل يصل وبه قال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وهو الأصح عند الشافعي في الحج عن الميت حجة الإسلام\rوكذا حج تطوع أوصى به وهو الراجح عنده في الصوم عمن مات وعليه صوم وقال به غير واحد من المالكية وجماعة من أصحاب الشافعي في القراءة فقط قال كنون قال أبو زيد الفاسي ولعل قول الشيخ عبد الله الورياجلي\rوأما الإجارة على القراءة فلا تجوز وذلك جرحة في آكلها إلا أن يقرأ القارئ على وجه التطوع ويعطيه ولي الميت على وجه الصلة والعطية لا على وجه الإجارة ا ه مبني على عدم النفع كما حكاه عن معروف مذهب مالك وفي جواب للعبديني الميت ينتفع بقراءة القرآن هذا هو الصحيح والخلاف فيه مشهور\rوالأجرة عليه جائزة ا ه\r","part":3,"page":339},{"id":1060,"text":"وحجة القول بعدم الوصول القياس على الصلاة ونحوها مما هو عمل بدني والأصل فيه أن لا ينوب فيه أحد عن أحد وظاهر قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وحديث إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به وصدقة جارية وولد صالح يدعو له وحجة القول بالوصول أولا القياس على الدعاء المجمع على وصله للنصوص الواردة في ذلك التي منها حديث إذا مات ابن آدم إلخ إذ الكل عمل بدني وثانيا قوله عليه السلام صل لهما مع صلاتك وصم لهما مع صيامك يعني أبويه وقوله أيضا من مات وعليه صوم صام عنه وليه ونص السنة أيضا على أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه وكذا الحج المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره وظاهر حديث كعب بن عجرة كما في المواهب وغيرها قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك\r","part":3,"page":340},{"id":1061,"text":"قلت النصف قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت أجعل صلاتي كلها لك قال إذا تكفى همك ويغفر ذنبك ويؤيده ما في العهود المحمدية عن أبي المواهب الشاذلي من أنه سأل النبي {صلى الله عليه وسلم} في المنام عن معناه فقال له أن تصلي علي وتهدي ثواب ذلك إلي لا إلى نفسك وثالثا دخول أولاد المؤمنين الجنة بعمل آبائهم وانتفاع الغلامين اليتيمين اللذين قال الله في قصتهما وكان أبوهما صالحا بصلاح أبيهما والنفع بالجار الصالح في المحيا والممات كما في الأثر ورحمة جليس أهل الذكر وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات وقوله تعالى لنبيه وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وقوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وقوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض فقد رفع الله العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وما ذلك إلا لانتفاعهم بأعمال غيرهم الصالحة وأجاب أصحاب هذا القول عن القياس على الصلاة بأنه معارض بهذه الأدلة وغيرها مما يدل على انتفاع الإنسان بعمل غيره وعن الآية إما بأنها عامة قد خصصت بأمور كثيرة وإما أن المراد بالإنسان الكافر والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بأن يوسع عليه في رزقه ويعافى في بدنه حتى لا يبقى له في الآخرة خير وإلا بأن قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى من باب العدل وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وأما بغير ذلك الجمل على الجلالين وعن حديث إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلخ ونحوه مما ورد في ذلك بأنه {صلى الله عليه وسلم} لم يقل انقطع انتفاعه\rوإنما أخبر عن انقطاع عمله وأما عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر وكذلك الحديث الآخر وهو قوله عليه السلام إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله بعد موته عملا\r","part":3,"page":341},{"id":1062,"text":"عمله ونشره أو ولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أكراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته فإنه لم ينف أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته قاله ابن القيم في كتاب الروح وأجاب أصحاب القول الأول عن القياس على الدعاء بأنه غير صحيح لأن في الدعاء أمرين أحدهما متعلقه كالمغفرة في قولك اللهم اغفر له وهذا هو الذي يرجى حصوله للمدعو له إذ له طلب لا للداعي وإن ورد أن الملك يقول له ولك مثله والأمر الثاني ثوابه وهو للداعي فقط وعما ورد من الأحاديث بالانتفاع بعمل الغير البدني من الصوم والحج والصلاة بأنها مع احتمالها التأويل معارضة بما تقدم من الأدلة المعضودة بأنها على وفق الأصل الذي هو عدم الانتقال فتقدم وعن الأحاديث والآيات الدالة على دخول الجنة وحصول الرحمة ورفع العذاب بعمل الغير الصالح بأن الحاصل في نحو هذا بركة المؤمنين لا ثواب أعمالهم وبركة صلاح الأب لا ثواب عمله وبركة أهل الذكر لا ثواب عملهم وبركة الرسول لا ثواب عمله وهكذا والبركات لعدم توقفها على الأمر والنهي لا ينكر حصولها للغير حتى للبهائم التي لا يتأتى فيها أمر ولا نهي فقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تحصل بركته للخيل والحمير وغيرها من البهائم كما روي أنه ضرب فرسا بسوط فكان بعد ذلك لا يسبق\r","part":3,"page":342},{"id":1063,"text":"وقد كان قبل ذلك بطيء الحركة وروي أن حماره {صلى الله عليه وسلم} كان يذهب إلى بيوت أصحابه عليه السلام فينطح برأسه الباب يستدعيهم إليه إلى غير ذلك مما هو مروي في معجزاته وكراماته عليه السلام من ذلك وأما الثواب فقد انعقد الإجماع بأنه يتبع الأمر والنهي بدليل المباحات وأهل الفترات لا يحصل إلا لمن توجه له الأمر والنهي فمن هنا يتضح عدم صحة قول بعض الفقهاء يعني أحمد بن حنبل وأبا حنيفة كما في المعيار إذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع إذ الموتى قد انقطعت عنها الأوامر والنواهي فكما أن البهائم تسمع أصواتنا بالقراءة ولا ثواب لها لعدم الأمر لها بالاستماع كذلك الموتى لا يكون لهم ثواب وإن كانوا مستمعين لعدم الأمر لهم بالاستماع والذي يتجه أن يقال ولا يقع فيه خلاف أنه يحصل لهم بركة القراءة لا ثوابها كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده فإن البركة لا تتوقف على الأمر والنهي بخلاف الثواب كما علمت لكن الذي ينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه المسألة فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى فإن هذه أمور مغيبة عنا وليس فيها اختلاف في حكم شرعي وإنما هو في أمر واقع هل هو كذلك أم لا وكذلك التهليل الذي جرت عادة الناس يعملونه اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى وما ييسره ويلتمس فضل الله بكل سبب ممكن ومن الله الجود والإحسان ا ه\rقال الرهوني وكنون ونقل هذا عن القرافي صاحب المعيار وابن الفرات والشيخ مصطفى الرماصي قال كنون ونقل أبو زيد الفاسي في باب الحج من جواب للفقيه المحدث أبي القاسم\rالعبدوسي وأما القراءة على القبر فقد نص ابن رشد في الأجوبة وابن العربي في أحكام القرآن والقرطبي في التذكرة على أن الميت ينتفع بالقراءة قرئت على القبر أو في البيت أو في بلاد إلى بلاد ووهب الثواب ا ه محل الحاجة منه\r","part":3,"page":343},{"id":1064,"text":"وقال ابن الشاط وما قاله في هذا الفرق صحيح نعم قال ابن الحاج في المدخل من أراد وصول قراءته بلا خلاف فليجعل ذلك دعاء بأن يقول اللهم أوصل ثواب ما أقرأ إلى فلان ا ه كما في حاشية الرهوني وكنون قال الرهوني والتهليل الذي قال فيه القرافي ينبغي أن يعمل هو فدية لا إله إلا الله سبعين ألف مرة حسبما ذكره السنوسي وغيره هذا الذي فهمه منه الأئمة انظر الحطاب هنا أي في باب الجنائز ومصطفى الرماصي في باب الإجارة وأما ما يفعله الناس اليوم من التهليل عند حمل الميت وتوجههم به إلى الدفن فجزم في المعيار في الفصل الذي عقده في البدع قبيل نوازل النكاح أنه بدعة ونقل في غير ذلك المحل من المعيار من كلام شيخ الشيوخ أبي سعيد بن لب وأبي محمد سيدي عبد الله العبدوسي ما هو شاهد لما جزم به في الفصل المذكور وانظر تقييده المسمى بالتحصن والمنعة ممن اعتقد أن السنة بدعة والله سبحانه الموفق\rا ه\rفائدة\rقال الرهوني وكنون في المعيار عن الإمام المنثوري ما نصه حدثني الأستاذ ابن عمر عن الأستاذ أبي الحسن القرطبي عن الراوية أبي عمر بن حوط الله عن القاضي أبي الخطاب عن أبي القاسم بن بشكوال عن أبي محمد بن يربوع عن أبي محمد الخزرجي قال أخبرنا أبو عبد الله القروي في المسجد الجامع بقرطبة قال كنت بمصر فأتاني نعي أبي فوجدت عليه وجدا شديدا فبلغ ذلك الشيخ أبا الطيب بن غلبون المقري فوجه لي فأتيته فجعل يصبرني ويذكر ثواب الصبر عن المصيبة والرزية ثم قال لي ارجع إلى ما هو أعود عليك وعلى الميت من أفعال البر والخير مثل الصدقة وما شاكلها وأمرني أن أقرأ عنه قل هو الله أحد عشر مرات كل ليلة\r","part":3,"page":344},{"id":1065,"text":"ثم قال لي أحدثك في ذلك بحديث قال كان رجل معروف بالخير والفضل فرأى في منامه كأنه في مقبرة مصر وكأن الناس نشروا من مقابرهم وكأنه مشى خلفهم ليسألهم عما أوجب نهوضهم إلى الجهة التي توجهوا إليها فوجد رجلا على حفرته قد تخلف عن جماعتهم فسأله عن القوم إلى أين يريدون فقال إلى رحمة جاءتهم يقتسمونها فقال له فهلا مضيت معهم فقال إني قد قنعت بما يأتيني من ولدي عن أن أقاسم فيما يأتيهم من المسلمين فقلت له وما الذي يأتيك من ولدك فقال يقرأ قل هو الله أحد في كل يوم عشر مرات ويهدي إلي ثوابها فذكر الشيخ ابن غلبون لي أنه منذ سمع هذه الحكاية كان يقرأ عن والديه قل هو الله أحد في كل يوم عشر مرات عن كل واحد منهما ولم يزل بهذه الحالة إلى أن مات أبو العباس الخياط فجعل يقرأ عنه كل ليلة قل هو الله أحد عشر مرات ويهدي إليه ثوابها قال الشيخ ابن غلبون فمكثت على هذه النية مدة ثم عرض لي فتور قطعني عن ذلك فرأيت أبا العباس في النوم فقال لي يا أبا الطيب لم قطعت عنا ذلك الشكر الخالص الذي كنت توجه به إلينا فانتبهت من منامي وقلت الخالص كلام الله عز وجل وإنما كنت أوجه إليه ثواب قل هو الله أحد فرجعت أقرؤها عنه رحمه الله\rا ه\r","part":3,"page":345},{"id":1066,"text":"ولا يخفاك أن تمسك مثل الشيخ ابن غلبون بالرؤيا التي سمعها من الرجل المعروف بالخير والفضل وبرؤياه التي رآها بعد إنما هو على وجه التأييد والاستئناس للأدلة التي استدل بها من قال بوصول ثواب قراءة القرآن أو شيء من القرب للنبي {صلى الله عليه وسلم} أو غيره من الأموات فهو من قبيل ما وقع لابن ذكري بل أولى من أنه اعترض على قول الحطاب في شرحه مختصر خليل عند قوله في باب الحج وتطوع وليه عنه ما نصه وجلهم أي العلماء أجاب بالمنع أي منع إهداء ثواب قراءة القرآن للنبي {صلى الله عليه وسلم} أو شيء من القرب لأنه لم يرد فيه أثر ولا شيء عمن يقتدى به من السلف انظره بأنه ورد فيه حديث كعب بن عجرة المتقدم استند إلى ما نقله عن العهود المحمدية عن أبي المواهب الشاذلي من أنه سأل النبي {صلى الله عليه وسلم} في المنام عن معناه إلى آخر ما تقدم\rوقال ولفظ الحديث يدل لكلام العهود فهو أقوى وأظهر من قول الشيخ زروق وغير واحد كالحافظ المنذري في الترغيب والترهيب إن معنى الحديث أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك إذ لو أريد لقيل فكم أصرف لك من وقت دعائي مثلا قال الشيخ كنون بعد أن ذكر كلامه في باب الحج عند قوله في المختصر وتطوع عنه وليه ما نصه فأنت تراه إنما ذكر رؤيا أبي المواهب وغيره على وجه التأييد والاستئناس لظاهر لفظ الحديث لا على وجه الاحتجاج حتى يرد عليه أن رؤيته {صلى الله عليه وسلم} وإن كانت حقا ولا سيما من مثل أبي المواهب لكن الأحكام الشرعية لا تثبت بالرؤيا فلذلك قبل كلامه المذكور تلميذه جسوس وغيره فتأمل والله أعلم انظره والله أعلم\r","part":3,"page":346},{"id":1067,"text":"الفرق الثالث والسبعون والمائة بين قاعدة ما يبطل التتابع في صوم الكفارات والنذر وغير ذلك وبين قاعدة ما لا يبطل التتابع وذلك أن ما يبطله ثلاثة أنواع الأول وطء المظاهر منها على خلاف فيه بين الأئمة فقال مالك رحمه الله تعالى في المدونة إذا حصل منه ابتدأ الصوم مطلقا ليلا كان أو نهارا أول صومه أو آخره ناسيا كان لظهاره أو عامدا ووافقه في ذلك أحمد بن حنبل قال في الإقناع وإن أصاب المظاهر منها ليلا أو نهارا ولو ناسيا أو مع عذر يبيح الفطر أي كمرض وسفر انقطع أي التتابع ا ه\rوكذلك أبو حنيفة إلا أنه اشترط في ذلك العمد\rوقال الشافعي لا يستأنف على حال كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وسبب الخلاف تشبيه كفارة الظهار بكفارة اليمين والشرط الذي ورد في كفارة الظهار أعني أن تكون قبل المسيس في قوله تعالى من قبل أن يتماسا فإن المفهوم من قول القائل افعل كذا قبل كذا أن التقدم شرط ولذلك يصدق لنا استأذن المرأة في النكاح وأحضر الولي قبل العقد أن هذين شرطان\rوكذلك قولنا استتر قبل الصلاة وتطهر وانو أن هذه الأمور شروط فمن اعتبر هذا الشرط قال يستأنف الصوم إذ المراد بالآية أن يتقدم الصوم وطء المظاهر منها بعد الظهار ومن شبهه بكفارة اليمين قال لا يستأنف لأن الكفارة في اليمين ترفع الحنث بعد وقوعه باتفاق ا ه بتوضيح\rالنوع الثاني\rالاستمتاع بالمظاهر منها بما دون الوطء على خلاف فيه أيضا قال حفيد ابن رشد في بدايته فذهب مالك إلى أنه كما يحرم الجماع يحرم ما دونه من الوطء فيما دون الفرج واللمس والتقبيل والنظر للذة ما عدا وجهها وكفيها ويديها من سائر بدنها ومحاسنها وبه قال أبو حنيفة إلا أنه إنما كره النظر للفرج فقط قال الشافعي إنما يحرم الظهار لوطء في الفرج فقط المجمع عليه لا ما عد بذلك ا ه\r","part":3,"page":347},{"id":1068,"text":"ومذهب أحمد ما في الإقناع وشرحه من أنه إن لمس المظاهر منها أو باشرها دون الفرج على وجه يفطر به بأن أنزل قطع التتابع لفساد صومه وإلا بأن لم يكن على وجه يفطر به بأن لم ينزل فلا يقطع التتابع لعدم فساد الصوم ا ه قال حفيد ابن رشد في بدايته ودليل قول مالك أن ظاهر لفظ التماس في قوله تعالى من قبل أن يتماسا يقتضي المباشرة فما فوقها ولأنه أي الظهار لفظ حرمت عليه به فأشبه لفظ الطلاق ودليل قول الشافعي أولا أن المباشرة وإن كانت تدل على ما فوق الجماع إلا أنها دلالة مجازية لأنهم قد اتفقوا على أنها تدل على الجماع فيكون هو الحقيقة التي تنتفي بها الدلالة المجازية إذ لا يدل لفظ واحد دلالتين حقيقة ومجازا نعم لا يبعد عند من يرى أن اللفظ المشترك له عموم أن يكون اللفظ الواحد يتضمن المعنيين جميعا أعني الحقيقة والمجاز وإن كان لم يجر به عادة للعرب حتى عد القول به لذلك في غاية الضعف لكن لو علم أن للشرع فيه تصرفا لجاز وثانيا أن الظهار مشبه عندهم بالإيلاء فوجب أن يختص عندهم بالفرج ا ه ملخصا\rقلت ودليل قول أحمد أن الجماع يطلق شرعا على موجب الغسل وفساد الصوم فتأمل بإمعان النوع الثالث وطء غير المظاهر منها والأكل نهارا على خلاف فيه أيضا فقال مالك في المدونة إذا تعمد الأكل في صوم الظهار أو القتل أو النذر المتتابع نهارا أو تعمد وطء غير المظاهر منها نهارا ابتدأه ا ه\r","part":3,"page":348},{"id":1069,"text":"بالمعنى وقال أبو الطاهر من أصحابنا وفي إلحاق الجاهل أي بالعامد قولان وفي السهو والخطأ ثلاثة أقوال ثالثها التفرقة بين السهو فيجزئ والخطأ فلا يجزئ ويبتدئ لأن معه تمييزه بخلاف السهو ومثل ما لمالك في الجملة لأحمد بن حنبل كما يفيده كلام الإقناع الآتي وقال الشافعي وأبو حنيفة الفطر يبطل التتابع مطلقا أي ناسيا أو جاهلا لأنه باختياره بخلاف المرض فقط عند أبي حنيفة وبخلاف المرض ونحوه كالإغماء والحامل والمرضع عند الشافعي قال الأصل وسبب الخلاف هل التتابع مأمور به فيقدح فيه النسيان أو التفريق محرم فلا تضر ملابسته سهوا فإن المحرمات لا يأثم الإنسان بملابستها مع عدم القصد كشرب الخمر ساهيا أو وطئ أجنبية جاهلا بأنها أجنبية أوأكل طعاما نجسا أو حراما مغصوبا غير عالم به فإن الإجماع منعقد في هذه الصور كلها على عدم الإثم ا ه\rمنه بلفظه يعني أن سبب الخلاف هذان الاحتمالان اللذان ذكرهما ابن بشير وسيأتي ما في الاحتمال الثاني فترقب وأن ما لا يبطله فأنواع أيضا على الخلاف المتقدم فقال مالك رحمه الله تعالى في المدونة إذا أكل نهارا في صوم الظهار أو القتل أو النذر المتتابع ناسيا أو مجتهدا أو مكرها أو وطئ نهارا غير المظاهر منها ناسيا قضى يوما متصلا بصومه فإن لم يفعل ابتدأ الصوم من أوله\r","part":3,"page":349},{"id":1070,"text":"ا ه فأولى إذا أفطر لعذر كمرض وقد تقدم حكاية الخلاف في الجهل والسهو والخطأ عن أبي الطاهر من أصحابنا ومثل ما لمالك في الجملة لأحمد بن حنبل قال في الإقناع وإن تخلل صومهما أي الشهرين صوم رمضان أو فطر واجب كفطر العيدين وأيام التشريق أو الحيض أو نفاس أو جنون أو إغماء أو مرض ولو غير مخوف أو لسفر مبيحان أي المرض والسفر الفطر أو فطر الحامل أو المرضع لخوفهما على أنفسهما أو ولديهما أو فطر لإكراه أو نسيان أو لخطأ لا لجهل أو وطئ غير المظاهر منها ليلا ولو عمدا أو نهارا ناسيا للصوم أو لعذر يبيح الفطر لم ينقطع التتابع أي بجميع ذلك فيبنى على ما قدمه ويتمه ا ه محل الحاجة منه\rوقال أبو حنيفة الفطر لمرض لا يبطله وبه قال الشافعي إلا أنه قال الإغماء كالمرض والحامل والمرضع كالمريض وقد تقدم عن حفيد ابن رشد في البداية عن الشافعي أنه قال إن وطئ المظاهر منها لا يستأنف على حال نظرا لكون كفارة الظهار ككفارة اليمين ترفع الحنث بعد وقوعه باتفاق وحكى الأصل عنه أنه قال إن وطئ المظاهر\rمنها ليلا لم يبطل صومه\rا ه\r","part":3,"page":350},{"id":1071,"text":"فحرر هذا توضيح الفتاوى على المذاهب الأربعة والفرق بين القاعدتين حاصل على كل فتوى مذهب منها إلا أن سره لا يظهر إلا على الفتوى من مذهبي مالك وأحمد بن حنبل رحمهما الله وذلك أنهما جعلا وطء المظاهر منها مطلقا ليلا أو نهارا أول الصوم أو آخره ناسيا أو عامدا موجبا لابتداء الصوم ووطء غير المظاهر منها والأكل نهارا عمدا فقط موجبا لابتدائه وأما الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله فعلى عكس ذلك فقد جعلا وطء غير المظاهر منها والأكل نهارا مطلقا أي ناسيا أو جاهلا موجبا لابتداء الصوم وأبو حنيفة وطء المظاهر منها عمدا فقط لابتدائه والشافعي وطؤها إما لا يوجب الابتداء على حال وأما ليلا فقط لا يوجبه كما توضح وسر الفرق هو أن التتابع صفة الصوم المكلف بوجوبه وصفة المكلف بوجوبه مكلف بوجوبها وعدم وطء المظاهر منها قبل التكفير عن الظاهر شرط لقوله تعالى من قبل أن يتماسا فإن المفهوم من قول القائل افعل كذا أن التقدم شرط كما تقدم والقاعدة التي تقدمت مبسوطة أن الوجوب كسائر الأحكام الخمسة من قبيل خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته وإرادته فما لا قدرة له عليه لا يكلف لك وكذبه ما لم يبلغه لا يلزمه حتى يعلم به\r","part":3,"page":351},{"id":1072,"text":"غير أن التمكن من العلم يقوم مقام العلم في التكليف فيسقط بالنسيان والإكراه والمرض والإغماء ونحوها لمنافاتها التكليف بمنافاتها لشرطه لطفا من الله بالعباد وأن الشرط كالسبب والمانع ونحوهما من قبيل خطاب الوضع لا يشترط فيه علم ولا قدرة ولا إرادة كالتوريث بالأنساب والإنسان لا يعلم بذلك ولا هو من قدرته ولا إرادته فيقدح فيه النسيان وغيره لأن ما لا يشترط فيه العلم والقدرة يثبت مطلقا وما يثبت مطلقا اعتبر مطلقا فيكون شرطا في جميع الحالات وعلى هذه القاعدة فالمفهوم من قوله تعالى فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا أنه بعد الظهار يجب عليه أن يصوم شهرين ليس قبلهما وطء ولا في أثنائهما وطء لأن الآية إما خبر معناه الأمر أي ليصم شهرين متتابعين وإما خبر باق على حقيقته حذف منه\rوإما المبتدأ أي فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين وإما الخبر أي فصيام شهرين متتابعين واجب عليه وكونهما ليس قبلهما وطء ولا في أثنائهما وطء أمران قد يتغير أحدهما بتقدم الوطء فيستحل بعد ذلك أي بعد تغير أحدهما بتقدم الوطء أن يصدق أنه يصوم شهرين متتابعين ليس قبلهما وطء ويبقى الآخر وهو أن يصوم شهرين متتابعين ليس في خلالهما وطء والقاعدة أن المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف لقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم ولقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فلذلك قلنا نحن وأحمد بن حنبل يبتدئ الصوم متتابعين إذا وطئها قبله مطلقا وأبو حنيفة عمدا فقط\r","part":3,"page":352},{"id":1073,"text":"وإن كان وصف تقدم عدم الوطء قد تعذر لأنه أي التتابع هو الممكن الباقي وأما في فطره ناسيا النذر المتتابع ونحوه من أنواع الصوم المتتابع فيأتي بيوم غير اليوم الذي أفطر فيه ناسيا يصله بآخر صيامه تكملة للعدة لا لتحصيل وصف التتابع في جميع الصوم بل في آخره فقط لأن تحصيله في أثناء الصوم قد تعذر وبقي تحصيله في آخره ممكنا فوجب الممكن وسقط المتعذر على القاعدة المتقدمة وبهذا يندفع الإشكال الوارد هنا على الفتاوى المذكورة كلها من جهة أن قوله تعالى فصيام شهرين متتابعين على كل تقدير من التقادير المتقدمة أعني كونه خبرا بمعنى الأمر أو على حقيقته حذف منه المبتدأ أو الخبر هو متعلق بطلب لا يدفع فكيف يتخيل أنه من باب النهي عن التفريق فيكون محرما\rوالمحرم لا يأثم الإنسان بملابسته مع عدم القصد كما هو على أحد الاحتمالين المتقدمين عن ابن بشير ويبعد الاعتماد في ذلك على أن التتابع إذا كان واجبا كان تركه محرما فإن كل واجب تركه محرم وكل محرم تركه واجب فالوجوب من لوازم التحريم والتحريم من لوازم الوجوب في النقيض المقابل فالذي يصح في الآية أن التتابع من باب الواجب وأن المطلوب طلبا أكيدا صوم شهرين متتابعين والمكلف الناسي والمجتهد والمكروه كل واحد منهم قد فرق ولم يقع فعله مطابقا لمقتضى الطلب فوجب البقاء في العهدة كما أن الله تعالى طلب الصلاة بالنية والطهارة والستارة ونحوها من الشروط فمن نسي أحد هذه الأشياء أو اجتهد فأخطأ فيها أو أكره على عدمها بطلت الصلاة\r","part":3,"page":353},{"id":1074,"text":"وكذلك إذا أكره على الأكل أو الشرب في رمضان أو نسي أو اجتهد فأخطأ فإن صومه يبطل ونظائره كثيرة في الشريعة فما بال التتابع خرج عند مالك وأحمد بن حنبل عن هذا النمط في الكفارات والمنذورات وكذلك عند الشافعي في قوله في الإغماء فينبغي أن يبطل التتابع كما تبطل الصلاة والصوم بالإغماء وكذلك عنده في الحامل والمرضع فينبغي أن يبطلا التتابع كما تبطل الصلاة والصوم بهما وكذلك عنده وعند أبي حنيفة في قولهما في المرض والذي يظهر في بادئ الرأي أن التفريق متى حصل أي طريق كان وجب ابتداء الصوم كما قلنا في جميع النظائر المتقدمة لأن الصوم بوصف التتابع لم يحصل ومتى لم يحصل المطلوب الشرعي مع إمكان الإتيان به وجب الإتيان به هذه هي القاعدة وحاصل الدفع أن النظائر المذكورة شروط من قبيل خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه علم المكلف ولا قدرته ولا إرادته فهي شروط في جميع الحالات فيؤثر فقدها والتتابع المذكور ليس كذلك لأنه صفة الصوم المكلف بوجوبه وصفة المكلف بوجوبه مكلف بوجوبها فهو من قبيل خطاب التكليف الذي يشترط فيه علم المكلف وقدرته وإرادته\rوالقاعدة أن المتعذر منه يسقط اعتباره والممكن منه يستصحب فيه التكليف لما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم\rمسألة\rقال\rمالك رحمه الله إذا تطوع بالصوم أو بالصلاة ونحوهما مما يجب بالشروع أي من النوافل السبع المجموعة في قول ابن كمال باشامن النوافل سبع تلزم الشارع أخذا لذلك مما قاله الشارع صوم صلاة عكوف حجه الرابع طوافه عمرة إحرامه السابع\rوأراد بقوله إحرامه السابع الائتمام في قول ابن عرفة السابق صلاة وصوم ثم حج وعمرة طواف عكوف وائتمام تحتما وفي غير ذا كالوقف والطهر خيرن فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما وعرض عارض يقتضي فساده ناسيا أو مجتهدا لم يجب قضاء الصوم والصلاة وإن أفطر متعمدا أو أبطل الصلاة وجب القضاء ا ه\r","part":3,"page":354},{"id":1075,"text":"وهذا وإن توجه عليه إشكال كبير هو أن قاعدة الوجوب بالشروع تقتضي أن يكون ما يجب بالشروع نظير الواجب المتصل كالصلوات الخمس وصوم رمضان في كون ما فسد من كل يقضي بأي طريق كان فإن الواجب ينبغي أن لا يختلف حاله إلا أن وجهه هو أن وجوب التطوعات عنده مأخوذ من قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم حيث نهى سبحانه وتعالى عن الإبطال فيكون الإكمال واجبا مكلفا به والتكليف يشترط فيه القدرة والعلم على القاعدة المتقدمة فلا يجب الإتمام حالة عدم القدرة والعلم\rوإذا لم يجب الإتمام حالة القدرة والعلم فإذا تعمد الإفساد ولم يحصل الإتمام حالة القدرة والعلم وجب القضاء لاندراج هذه الحالة في التكليف نعم لما كان المشهور في علم الأصول أن القضاء إنما يجب بأمر جديد فيتبع ذلك الأمر على حسب وروده وقد ورد الأمر بالقضاء مع العذر وعدمه في الواجب المتصل كالصوم في رمضان لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر فإنه أوجب القضاء مع المرض وهو عذر ولم يرد لنا في التطوعات التي تجب بالشروع مثل ذلك بل إنما ورد فيها الأمر بالقضاء في صورة عدم العذر خاصة لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح لعائشة وحفصة رضي الله عنهما في صوم التطوع اقضيا يوما مكانه وكانتا عامدتين لإفساد ذلك\rاليوم في حالة يثبت فيها التكليف على مقتضى الأصل أوجبنا القضاء في الواجب المتصل مطلقا واقتصرنا على القضاء بصورة عدم العذر خاصة في التطوعات التي تجب بالشروع فهذا هو تلخيص الفرق بين قاعدة ما يبطل التتابع وقاعدة ما لا يبطله وشرط قاعدة خطاب الوضع وقاعدة خطاب التكليف مع تنقيح كلام الأصل في ذلك على ما قاله ابن الشاط وما في بداية المجتهد وما في الإقناع وشرحه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":3,"page":355},{"id":1076,"text":"الفرق الرابع والسبعون والمائة بين قاعدة المطلقات يقضي بالطلاق وأمد العدة قبل علمهن بذلك فيكتفين بما تقدم على علمهن من أمدها ولا يلزمهن استئنافه وبين قاعدة المرتابات يتأخر الحيض ولا يعلم لتأخيره سبب فيمكثن عند مالك وأحمد رحمهما الله تسعة أشهر غالب مدة الحمل استبراء فإن حضن في خلالها احتسبن بذلك الحيض وانتظرن بقية الأقراء إلى تسعة أشهر ولا يزلن كذلك حتى يكمل لهن ثلاثة قروء أو تسعة أشهر فإذا انقضت تسعة أشهر ليس في خلالها حيض استأنفن ثلاثة\r","part":3,"page":356},{"id":1077,"text":"أشهر كمال السنة فإن حضن قبل السنة ولو بلحظة استأنفن الأقراء حتى ينقضي الأقراء أو سنة لا حيض فيها قال حفيد ابن رشد في بدايته واختلف عن مالك من متى تعتد بتسعة الأشهر فقيل من يوم طلقت وهو قوله في الموطإ وروى ابن القاسم عنه من يوم رفعتها حيضتها ا ه بلفظه وقال الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى تنتظر الحيض إلى سن الإياس وقول مالك وأحمد رحمهما الله وإن كانت حجتهما عليه بأمرين أحدهما قول عمر رضي الله عنه أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت عنها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر وثانيهما أنهن بعد التسعة يئسن من المحيض إذ لو كان لظهر غالبا بدليل أن الحامل قد تحيض فحيث لم تحض في مدة الحمل كانت مدة الحمل كافية في العلم ببراءة الرحم المقصود بالعدة بل هي قاطعة على ذلك فيندرجن في واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إلا أنه يقال عليه ما الفرق بين هذه الثلاثة وبين الثلاثة تمضي قبل العلم والمقصود براءة الرحم بمضي ثلاثة أشهر لم يظهر فيها حمل وقد حصلت في كلا البابين وجوابه أن هذه النسوة المرتابات وإن انكشف الغيب عن إياسهن إلا أن العدة لما كانت لا تحصل بمجرد العلم بحصول براءة الرحم وإلا لحصلت لامرأة من غاب عشر سنين ثم طلقها بعد العشرة وهو غائب عنها حيث إن تلك المدة قد دلت على براءة الرحم وليس كذلك إجماعا بل إنما تحصل بالعلم بحصول براءة الرحم بعد سببها لا قبل سببها إذ الواقع قبل السبب من جميع الأحكام لا يعتد به كالصلاة قبل الزوال والصوم قبل رؤية الهلال وإخراج الزكاة قبل ملك النصاب فإذا انعقد الإجماع على أن امرأة من غاب عشر سنين ثم طلقها بعد العشر وهو غائب عنها تستأنف العدة بعد تلك المدة المتقدمة وإن دلت على براءة الرحم إلا أنها وقعت قبل سبب العدة الذي هو الطلاق\r","part":3,"page":357},{"id":1078,"text":"كان الواقع للمرتابات من الأشهر قبل كمال التسعة واقعا قبل إياسنا وإياسهن من الحيض والله سبحانه وتعالى جعل الإياس سببا للعدة ثلاثة أشهر فإن قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر يدل على السببية في الإياس من وجهين أحدهما أنه تعالى رتبه على عدة ثلاثة الأشهر بفاء الجزاء وثانيهما أن الموصول مع صلته في قوة المشتق وقد ترتب عليه حكم عدة ثلاثة الأشهر والقاعدة أن ترتب الحكم على المشتق عليه مأمنة يدل على الاشتقاق وهو المصدر لذلك الحكم فنحو اقطعوا السارق واجلدوا الزاني يدل على علية السرقة للقطع والزنا للجلد فكذلك الآية تدل على علية الإياس لعدة ثلاثة الأشهر فيكون الواقع من الأشهر قبل كمال التسعة للمرتابات وإن كان دالا على براءة الرحم لا يعتد به في عدة ثلاثة الأشهر لوقوعه قبل سببها فيتعين استئناف ثلاثة بعد تحقق السبب الذي هو الإياس\rوأما المطلقات تمضي لهن ثلاثة أشهر بعد الطلاق وقبل العلم به والمتوفى عنهن أزواجهن يمضي لهن أربعة أشهر وعشر بعد الوفاة وقبل علمهن بها فإنهن وإن لم يعلمن بأن تلك الآجال عدد وقعت بعد أسبابها التي هي الوفاة والطلاق إلا إنهن يعتددن بتلك الآجال في عددهن لأن العلم ليس بسبب إجماعا والسبب إنما هو الوفاة والطلاق وقد وقعت تلك الآجال بعده فظهر سر الفرق بين البابين والتباين بين القاعدتين على مذهبي مالك وأحمد بن حنبل رحمهما الله وأما أبو حنيفة والشافعي والجمهور فقال حفيد ابن رشد في بدايته إنهم صاروا إلى ظاهر قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والتي هي ليست\rمن أهل الحيض ليست بيائسة\r","part":3,"page":358},{"id":1079,"text":"وهذا الرأي فيه عسر وحرج ولو قيل إنها تعتد بثلاثة أشهر لكان جيدا إذا فهم من اليائسة التي لا يقطع بانقطاع حيضتها وكان قوله إن ارتبتم راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض على ما تأوله مالك عليه فكأن مالكا لم يطابق مذهبه تأويله الآية فإنه فهم من اليائسة هنا من انقطع على أنها ليست من أهل الحيض وهذا لا يكون إلا من قبل السن ولذلك جعل قوله تعالى إن ارتبتم راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض أي إن شككتم في حكمهن ثم قال في التي تبقى تسعة لا تحيض وهي في سن من تحيض إنها تعتد بالأشهر وأما إسماعيل وابن بكير من أصحابه أي مالك فذهبوا إلى أن الريبة ها هنا في الحيض وأن اليائس في كلام العرب هو ما لم يحكم عليه بما يئس منه بالقطع فطابقوا بتأويل الآية مذهبهم الذي هو مذهب مالك ونعم ما فعلوا لأنه فهم ها هنا من اليائس القطع فقد يجب أن تنتظر الدم وتعتد به حتى تكون في هذا السن أعني سن اليائس وإن فهم من اليائس ما لا يقطع بذلك فقد يجب أن تعتد التي قطع دمها عن العادة وهي في سن من تحيض بالأشهر وهو قياس قول أهل الظاهر لأن اليائسة في الطرفين ليست هي عندهم من أهل العدة لا بالأقراء ولا بالشهور وأما الفرق في ذلك بين ما قبل التسعة وما بعدها فاستحسان ا ه والله أعلم\rالفرق الخامس والسبعون والمائة بين قاعدة الدائر بين النادر والغالب يلحق بالغالب من جنسه وبين قاعدة إلحاق الأولاد بالأزواج إلى خمس سنين وقيل إلى أربع سنين وهو قول الشافعي رحمه الله وقيل إلى تسع سنين وكلها روايات عن مالك وقال\r","part":3,"page":359},{"id":1080,"text":"أبو حنيفة رضي الله عنه أي سنتين حيث إن الشارع هاهنا قدم النادر على الغالب دون العكس وإلا لما لحق هذا الحمل الآتي بعد خمس سنين بالأزواج وهو دائر بين أن يكون من الوطء السابق وبين أن يكون من الزنا ووقوع الزنى في الوجود أكثر وأغلب من تأخر الحمل هذه المدة بل كان مقتضى تلك القاعدة أن يجعل زنى عملا بالغالب لكن الله سبحانه وتعالى شرع لحوقه بالزوج لطفا بعباده وسترا عليهم وحفظا للأنساب وسد الباب ثبوت الزنى كما أنه تعالى اشترط مع ثبوته أربعة مجتمعين سدا لبابه حتى يبعد ثبوته وأمرنا أن لا نتعرض لتحمل الشهادة فيه وأمرنا إذا تحملناها أن لا نؤديها وأن نبالغ في الستر على الزاني ما استطعنا فإنه تعالى كما شرع كل ذلك طلبا للستر على العباد ومنة عليهم كذلك شرع لحوق الحمل الآتي بعد تلك المدة بالأزواج وهو نادر لذلك بخلاف جميع الحقوق فطلب الستر وما تقدم معه هو سبب استثناء هذه القاعدة من قاعدة جميع الحقوق وجعلها على خلاف قاعدة الإلحاق بالغالب دون النادر والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والسبعون والمائة بين قاعدة العدد وقاعدة الاستبراء\rمن حيث إن العدة تجب وإن علمت البراءة للرحم كبنت المهد يتوفى عنها زوجها وكمن طلقها أو توفي عنها زوجها الغائب عنها بعد عشر سنين والاستبراء لا يجب حيث علمت البراءة للرحم قال في الجواهر لا يجري الاستبراء قبل البيع إلا فيمن كانت تحت يده للاستبراء أو وديعة وسيدها لا يدخل عليها أو اشتراها من امرأته أو ولده الصغير الذي في عياله وسكنه أو اشتراها من سيدها عند قدومه من الغيبة\rقبل أن تخرج إليه أو أخرجت حائضا أو الشريك يشتري من شريكه وهي تحت يد المشتري\r","part":3,"page":360},{"id":1081,"text":"وقال الإمام أبو عبد الله كل من أمن عليها الحمل فلا استبراء فيها ومن غلب على الظن حملها أو شك فيها استبرأت وإن غلب على الظن براءتها مع جواز الحمل فقولان كالصغيرة والآيسة تستبرآن لسوء الظن والوحش من الرقيق ومن باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم منها والمشهور إيجابه وأشهب ينفيه ويجوز اتفاق البائع والمشتري على استبراء واحد لحصول المقصود به ا ه\rوسر الفرق هو أن العدة وإن كانت من جهة أنها شرعت لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب هي معقولة المعنى إلا إنها لما كان فيها شائبة التعبد من جهة أنها تجب في الوفاة على بنت المهد وفي الطلاق والوفاة على الكبيرة المعلوم براءتها بسبب وغيرها وجب فعلها بعد سببها مطلقا في جميع الصور علمت البراءة أم لا توفية لشائبة التعبد والاستبراء لما لم ترد فيه هذه الشائبة بل إنما شرع لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب بحيث لم يكن إلا معقول المعنى لم يجب حيث حصل المعنى وهو البراءة ضرورة أنه وسيلة لذلك المعنى فتسقط حيث حصل لحصول المقصود وبدونها هذا هو الموجب لخروج تلك الصور عن الحاجة للاستبراء وعدم خروج مثلها في قاعدة العدد والله سبحانه وتعالى أعلم\r360\rالفرق السابع والسبعون والمائة بين قاعدة الاستبراء بالأقراء يكفي قرء واحد وبين قاعدة الاستبراء بالشهور\r","part":3,"page":361},{"id":1082,"text":"لا يكفي شهر واحد وهو أن الشهر الواحد وإن كان يحصل قرء واحد في حق من يحيض فيقتضي الاكتفاء به كما اكتفى بقرء واحد نظرا لكون غالب النساء ذوات حيض إلا أنه لما كان في حق من لا تحيض لا يحصل به براءة الرحم وعدم الحمل بل جوف الحامل فيه مساو في الظاهر لغير الحامل لأن المني يمكث منيا في الرحم نحو الشهر ثم يصير مضغة بعد أن صار علقة فلا يظهر الحمل في الغالب إلا في ثلاثة أشهر فتكبر الجوف وتحصل مبادئ الحركة لم يعتبر الشهر الواحد واعتبر القرء الواحد من الحيض لأنه دال على براءة الرحم وعدم الحمل عادة إذ لا يجتمع الحيض مع الحمل غالبا والله سبحانه وتعالى أعلم\rمسألة\rفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد اختلف في أم الولد يتوفى عنها سيدها الذي أولدها فقال مالك والشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة عدتها حيضة وبه قال ابن عمر وقال مالك وإن كانت ممن لا تحيض اعتدت بثلاثة أشهر ولها السكنى\rوقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري عدتها ثلاث حيض وهو قول علي وابن مسعود وقال قوم عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها زوجها وقال قوم عدتها عدة الحرة أربعة أشهر وعشر وحجة مالك أنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة ولا مطلقة فتعتد ثلاث حيض فلم تبق إلا استبراء رحمها وذلك يكون بحيضة تشبيها بالأمة يموت عنها سيدها وذلك ما لا خلاف فيه وحجة أبي حنيفة أن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة وليست بزوجة فتعتد عدة الوفاة ولا بأمة فتعتد عدة أمة فوجب أن تستبرأ رحمها بعدة الأحرار\rوأما الذين أوجبوا لها عدة الوفاة فاحتجوا بحديث روي عن عمرو بن العاص قال لا تلبسوا علينا سنة نبينا عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر وضعف أحمد هذا الحديث ولم يأخذ به\r","part":3,"page":362},{"id":1083,"text":"وأما من أوجب عليها نصف عدة الحرة فشبهها بالزوجة الأمة فسبب الخلاف إنها مسكوت عنها وهي مترددة الشبه بين الأمة والحرة وأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة وهو مذهب أبو حنيفة ا هـ\rالفرق الثامن والسبعون والمائة بين قاعدة الحضانة يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على النساء\rوهو أن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته التامة البالغة كثرة بكاء الأطفال منفعة لهم أما أولا فلأن في أدمغتهم رطوبات لو بقيت فيها لأحدثت أحداثا عظيمة والبكاء يسيل ذلك ويحدره من أدمغتهم فتقوى أدمغتهم وتصح\rوأما ثانيا فلأن البكاء والعياط يوسع عليهم مجاري النفس ويفتح العروق ويصلبها ويقوي الأعصاب واقتضت أيضا أن تكون هذه الدار الدنيا ممزوجة عافيتها ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها وأنها دار ابتلاء تدفع بعض آفاتها ببعض كما قال القائل أصبحت في دار بليات أدفع آفات بآفات حتى صارت آلام الأطفال كآلام البالغين من لوازم النشأة الإنسانية التي لا ينفك عنها الإنسان ولا الحيوان كالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب والهم والغم والضعف والعجز بحيث إن الإنسان لو تجرد عنها لم يكن إنسانا بل كان ملكا أو خلقا آخر إلا أن البالغين لما صارت لهم عادة سهل موقعها عندهم بخلاف الأطفال كما في مفتاح السعادة لابن قيم الجوزية افتقرت حضانتهم إلى وفور الصبر عليهم في كثرة بكائهم وتضجرهم من الهيئات العارضة لهم وإلى مزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق بهم ولما كانت النسوة أتم من الرجال في ذلك لأن أنفات الرجال وإباية نفوسهم وعلو هممهم تمنعهم من الانسلاك في أطوار الصبيان وما يليق بهم من اللطف والمعاملات وملابسة","part":3,"page":363},{"id":1084,"text":"القاذورات وتحمل الدناءات وقاعدة الشرع في كل موطن وكل ولاية تقديم من هو أقوم بمصالحها قدمهن الشرع على الرجال في الحضانة كما قدم الرجال عليهن في غيرها من جميع الولايات على حسب أحوالهم المناسبة لأي ولاية من الولايات فقدم في الخلافة من الرجال من هو كامل العلم والدين وافر العقل والرأي قوي النفس شديد الشجاعة عارف بأهليات الولايات حريص على مصالح الأمة قرشي من قبيلة النبوءة المعظمة كامل الحرمة والهيبة في نفوس الناس وقدم في ولاية الحرب من هو أقوم بمصالح الحروب من سياسة الجيوش ومكائدة العدو وقدم في القضاء من هو أكثر تفطنا لحجاج الخصوم وقواعد الأحكام ووجود الخدع من الناس وقدم في الفتوى من هو أنقل للأحكام وأشفق على الأمة وأحرصهم على إرشادها لحدود الشريعة وقدم في سعاية الماشية وجباية الزكاة والعمل عليها من هو أعرف بنصب الزكوات ومقادير الواجب فيها وأحكام اختلاطها وافتراقها وضم أجناسها وقدم في أمانة الحكم من هو أعرف بمقادير النفقات وأهليات الكفارات وتنمية أموال الأيتام والمناضلة عنهم وهكذا بقية الولايات فهذا هو الفرق بين قاعدة الحضانات وقاعدة غيرها من الولايات والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والسبعون والمائة بين قاعدة معاملة أهل الكفر وقاعدة معاملة المسلمين\rوذلك إن لمعاملة المسلمين حالتين الحالة الأولى ما إذ لم يظهر الربا بينهم\rوالحالة الثانية ما إذا ظهر الربا بينهم في الحالة الأولى رجح مالك والشافعي وابن حنبل معاملتهم على معاملة أهل الكفر قال مالك أكره الصيرفي من صيارفة أهل الذمة لقوله تعالى وأخذهم الربا وقد نهوا عنه\r","part":3,"page":364},{"id":1085,"text":"وقال وأكره معاملة المسلم بأرض الحرب للحربي بالربا أي لأن الربا مفسدة في نفسه فيمتنع من الجميع ولأنهم مخاطبون بفروع الشريعة لقوله تعالى وحرم الربا وعموم نصوص الكتاب والسنة يتناول الحربي وفي الحالة الثانية قال اللخمي وغيره من أصحابنا معاملة أهل الذمة أولى لوجهين الأول أنهم ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة على أحد القولين للعلماء فلا يكون ما أخذه الربا محرما على هذا القول بخلاف المسلم فإنه مخاطب بفرع الشريعة قولا واحدا فكانت معاملته إذا كان يتعاطى الربا وهو غير متحذر أشد من الذمي الوجه الثاني أن الكافر إذا أسلم ثبت ملكه على ما اكتسبه بالربا والغصب وغير ذلك وإذا تاب المسلم لا يثبت ملكه على شيء من ذلك لقوله تعالى فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم وما هو بصدد الثبوت المستمر وقابل للثبوت أولى مما لا يقبل ثبوت الملك عليه بحال ولملاحظة هذين الوجهين وهما الفرق بين القاعدتين اعتمد جماعة من المتورعين على معاملة أهل الكفر أكثر وجوز أبو حنيفة الربا مع الحربي أي مطلقا ظهر الربا بين المسلمين أم لا لقوله عليه السلام لا ربا بين مسلم وحربي لا ربا إلا بين المسلمين والحربي ليس بمسلم والله سبحانه وتعالى أعلم\r364\rالفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف\rالملك سبب عام يترتب على أسباب مختلفة البيع والهبة والصدقة والإرث وغير ذلك فهو غيرها وبينه وبين التصرف عموم وخصوص وجهي بحيث يجتمعان في صورة وينفرد كل واحد منهما بنفسه في صورة كالحيوان والأبيض فيجتمعان في البالغين الراشدين النافذين للكلمة الكاملين الأوصاف وينفرد الملك عن التصرف في الصبيان والمجانين وغيرهم من المحجور عليهم فإنهم يملكون ولا يتصرفون وينفرد التصرف عن الملك في الوصي والوكيل والحاكم وغيرهم فإنهم يتصرفون ولا ملك لهم\r","part":3,"page":365},{"id":1086,"text":"واختلف في أن الملك صفة للمملوك أو صفة للمالك وفي أنه من خطاب التكليف أو من خطاب الوضع فذهب إلى الأول منهما الأصل وإلى الثاني منهما ابن الشاط وخلاصة كلام الأصل أن الملك في اصطلاح الفقهاء حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك وأن دليل كونه حكما شرعيا أمران أحدهما الإجماع وثانيهما أنه يتبع الأسباب الشرعية وكل ما يتبعها فهو حكم شرعي قال والذي يظهر لي أن ذلك الحكم من أحد الأحكام الخمسة وهو الإباحة الخاصة في التصرفات الخاصة وأخذ العوض عن\rذلك المملوك على وجه خاص كما تقررت قواعد المعاوضات في الشريعة وشروطها وأركانها وخصوصيات هذه الأيام هي الموجبة للفرق بين الملك وغيره من جميع الحقائق وأما إنه مقدر فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع الذي هو الإباحة والتعلق عدمي من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان بل في الأذهان فهي أمر يفرضه العقل كسائر النسب والإضافات كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر وغير ذلك ولأجل ذلك لنا أن نغير عبارة الحد فنقول إن الملك إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بذلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض عنهما من حيث هي كذلك ويستقيم الحد بهذا اللفظ أيضا ويكون الملك من خطاب التكليف\rلأن الاصطلاح إن خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة المشهورة وخطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية وليس هذا منها بل هو إباحة خاصة وقول بعضهم إنه من خطاب الوضع لأنه سبب الانتفاع بعيد ضرورة أن كل حكم شرعي سبب لمسببات تترتب عليه من مثوبات وتعزيرات ومؤاخذات وكفارات وغيرها\r","part":3,"page":366},{"id":1087,"text":"وليس المراد بخطاب الوضع مطلق الترتيب ألا ترى أن وجوب الظهر مع كونه مسببا على الزوال هو سبب لأن يكون فعله سبب الثواب وتركه سبب العقاب ووجوبه سببا لتقديمه على غيره من المندوبات ومع ذلك وهو لا يسمى سببا ولا يقال إنه من خطاب الوضع بل الضابط للبابين أن الخطاب متى كان متعلقا بفعل مكلف على وجه الاقتضاء\rأو التخيير فهو من خطاب التكليف ومتى لم يكن كذلك وهو من أحد الأمور المتقدمة فهو من خطاب الوضع وقد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف وقد تقدم بسط ذلك فيما تقدم من الفروق وإن معنى قولنا في العين أو المنفعة في منافع العين مع عدم رد العين أو في المنفعة مع رد العين لما قاله المازري رحمه الله في شرح التلقين من أن تحقيق الملك أنه إن ورد على المنافع مع عدم رد العين بل يبذلها لغيره بعوض أو بغير عوض فهو البيع والهبة وإن ورد على المنافع مع رد العين فهو الإجارة وفروعها من المساقات والمجاعلة والقراض ونحو ذلك والعقد في الجميع إنما يتناول المنفعة دون الأعيان لأنها لا يملكها إلا الله تعالى بالإيجاد والإعدام والإماتة والإحياء ونحو ذلك وتصرف الخلق إنما هو في المنافع فقط\rبأفعالهم من الأكل والشرب والمحاولات والحركات والسكتات ا ه\rمحل الحاجة منه وإن قيد يقتضي انتفاعه بالمملوك لإخراج التصرف بالوصية والوكالة وتصرف القضاة في أموال الغائبين والمجانين فإن هذه الطوائف لهم التصرف بغير ملك وقيد والعوض عنه لإخراج الإباحات في الضيافات فإن الضيافة مأذون فيها\r","part":3,"page":367},{"id":1088,"text":"وليست مملوكة على الصحيح ولإخراج الاختصاصات بالمساجد والربط والخوانق ومواضع المطاف والسكك ومقاعد الأسواق فإن هذه الأمور لا ملك فيها مع المكنة الشرعية من الانتفاع بهذه الأمور وقيد من حيث هو كذلك لإدخال المحجور عليهم فإنهم وإن كان لهم الملك وليس لهم المكنة من التصرف في تلك الأعيان المملوكة إلا أن الأملاك في تلك الصور بالنظر لذاتها وقطع النظر عما عرض لها من الأسباب الخارجة عنها تقتضي مكنة التصرف المذكور ولا تنافي بين القبول الذاتي والاستحالة لأمر خارجي ألا ترى أن جميع أجزاء العالم لها القبول للوجود والعدم بالنظر إلى ذواتها مع أنها إن علم الله تعالى وجودها كانت واجبة لغيرها وإن علم الله عدمها كانت مستحيلة لغيرها وكذلك لإدخال الأوقاف إذا قلنا إنها على ملك الواقفين فإنهم وإن كان لا يجوز لهم البيع وملك العوض عنها بسبب ما عرض من الوقف الذي هو كالحجر في المنع من البيع إلا أن ملكهم بالنظر لذاته وقطع النظر عن ذلك المانع يجوز لهم البيع وملك العوض عنها فقد انطبق هذا الحد على جميع أفراد الملك ومنع غيرها والحق أن الضيافات ليست بتمليكات لا بالمضغ ولا بالبلع ولا بغير ذلك خلافا للشافعية\r","part":3,"page":368},{"id":1089,"text":"بل هي إباحات كما أباح الله السمك في الماء والطير في الهواء والحشيش والصيد في الفلاة لمن أراد تناوله فكما لا يقال إن هذه الأمور مملوكة للناس كذلك لا يقال إن الضيافات مملوكة للضيوف وإنما الضيف أبيح له أن يأكل منها إن أراد أو يترك والقول بأنه يملك لا سيما بعد البلع مشكل فإن الملك لا بد فيه من سلطان التصرف من حيث الجملة وبعد إن بلع الطعام كيف يبقى سلطان بعد ذلك على الانتفاع بتلك الأعيان لأنها فسدت عادة ولم تبق مقصودة التصرف ألبتة وقول المالكية من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا قولان قد تقدم أنها عبارة رديئة جدا أو أنها لا حقيقة لها فلا يصح إيراد النقض بها على الحد بأنه كيف يصح تصريحهم بحقيقة ملك من ملك أن يملك من حيث الجملة مع أنه لا يتمكن من التصرف ولا أخذ العوض من ذلك الشيء الذي ملك أن يملكه وذلك لأنا نمنع الحكم فيها والملك في قول المالكية وغيرهم أن بيوت المدارس والأوقاف والربط\rونحوها يملك من قام به شرط واقفيها الانتفاع دون المنفعة ويرجع إلى الإذن والإباحة كما في الضيافة فتلك المساكن مأذون فيها لمن قام به شرط الواقف لا إنها فيها لغير الواقف بخلاف ما يطلق من الجامكيات فإن الملك فيها يحصل لمن حصل له شرط الواقف فلا جرم صح أخذ العوض بها أو عنها ا ه\rوخلاصة كلام ابن الشاط أن حد الأصل فاسد من وجوه\rأحدها\r","part":3,"page":369},{"id":1090,"text":"أن الملك من أوصاف المالك لا المملوك لكنه وصف متعلق والمملوك هو متعلقه وثانيها أن الملك وإن صح أنه أمر شرعي على الجملة لا يصح أنه الإباحة التي هي حكم الله تعالى إلخ كما هو معنى سائر الأحكام الخمسة لأن الحكم عند أهل الأصول خطاب الله تعالى وخطابه كلامه فكيف يكون الملك الذي هو صفة المالك على ما ارتضيته أو صفة المملوك على ما ارتضاه هو كلام الله تعالى هذا ما لا يصح بوجه أصلا فالصحيح أن مسبب الإباحة هو التمكن والإباحة هي التمكين من الانتفاع والانتفاع متعلق الملك والملك سبب الإباحة فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف وثالثها إن في قوله مقدر لأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع والتعلق عدمي إلخ بناء على قول المتكلمين أن النسب والإضافات السبع وهي ما عدا الجوهر والكم والكيف من المقولات العشر أمور عدمية نظرا يريد أن وجهه هو أن مسائل التعاريف اصطلاح للفلاسفة لا للمتكلمين فالواجب بناؤها على قول الفلاسفة أن النسب والإضافات السبع المذكورة أعراض موجودة فافهم ورابعها أنه ليس مقتضيا للتمكن من الانتفاع بل المقتضي لذلك كلام الشارع وخامسها أنه لا يقتضي الانتفاع بالمملوك وبالعوض بل بأحدهما وسادسها أن المملوك مشتق من الملك فلا يعرف إلا بعد معرفته أي لأنه مصدر ومعرفة المشتق فرع معرفة ما منه الاشتقاق وهو المصدر على الصحيح فيلزم الدور أي توقف الملك على المملوك لأنه من أجزاء تعريفه وبالعكس لما ذكر نعم قد يقال المراد بالمملوك الذات فافهم والصحيح في حد الملك أنه تمكن الإنسان شرعا بنفسه أو بنيابته من الانتفاع بالعين أو المنفعة ومن أخذ العوض عن العين أو المنفعة هذا إن قلنا إن الضيافة ونحوها من السمك في الماء والطير في الهواء والحشيش والصيد في الفلاة وبيوت المدارس والأوقاف والربط وكل ما فيه الإذن بالانتفاع فقط لا يملكها من سوغت له\r","part":3,"page":370},{"id":1091,"text":"وأما إن قلنا إنه يملكها بالتناول وهو الصحيح لأن إباحة التناول هو تمكنه شرعا من التناول فهو سبب ملكها إذ الملك لا بد فيه من سلطان الانتفاع لا التصرف والسلطان هو التمكن بعينه فإذا تناول الضيف مثلا لقمة من الضيافة لا يجوز لغيره انتزاعها من يده فإن ابتلعها فقد كان سبق ملكه لها قبل البلع وإن لم يبتلعها ونبذها من يده فقد عادت إلى ملك صاحبها وجاز لغيره تناولها لأن صاحبها لم يمكنه منها إلا ليأكلها فلما لم يأكلها بقيت على ملك صاحبها والانتفاع الموقوف فيه الملك لغير الواقف وهو من توفرت فيه شروط الوقف\r","part":3,"page":371},{"id":1092,"text":"وأما عين الموقوف فلا ملك عليه إلا للواقف ولا لغيره على الصحيح لأنه لا يتمكن أحد من الانتفاع بتلك العين ولا من التصرف فيها ولا من أخذ العوض عنها وإذا لم يكن شيء من ذلك فلا ملك إذ لا معنى للملك إلا التمكن من الانتفاع ومن أخذ العوض نعم إن أو من الانتفاع خاصة من كان مقتضى الوقف سكنى الموقوف عليه الموضع الموقوف فلا يتعدى الموقوف عليه السكنى لأنه لم يسوغ له غيره وإن كان الاستغلال فالعلة مسوغة بعينها فيصح أخذ العوض عنها فافهم فإنا حينئذ نزيد في الحد ونقول أنه يمكن الإنسان شرعا بنفسه أو بنيابته من الانتفاع بالعين أو المنفعة ومن أخذ العوض أو تمكنه من الانتفاع خاصة ولا حاجة بنا إلى بيان صحة هذا الحد فإنه لا يخفى ذلك على المتأمل المنصف وقد تقدم الكلام على قول المالكية أن من ملك أن يملك هل يعد مالكا أو لا قولان فلا تغفل وبالجملة فموجب الملك الانتفاع والانتفاع يكون بوجهين انتفاع يتولاه المالك بنفسه وانتفاع يتولاه النائب عنه والنائب قد يكون باستنابة المالك وقد يكون بغير استنابته فغير المحجور عليه يتوصل إلى الانتفاع بملكه بنفسه ونيابته والمحجور عليه لا يتوصل إلى الانتفاع بملكه إلا بنيابته ونائبه لا يكون إلا باستنابته والانتفاع إما مع أخذ العوض أو بدونه وإما مع رد العين أو بدونه ا ه والسيد الجرجاني قدس سره جعل الملك صفة مشتركة بين المالك والمملوك فقال في تعريفاته والملك في اصطلاح الفقهاء اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقا ليتصرفه فيه وحاجزا عن تصرف غيره فيه ا ه\rولكن هذا الحد لا يكون جامعا إلا بأمرين الأول النعيم في قوله لتصرفه فيه بأن يقال بالانتفاع أما مع أخذ العوض أو بدونه وأما مع رد العين أو بدونه بنفسه أو نائبه والثاني التقييد في قوله عن تصرف غيره فيه بأن يقال بدون استنابته فتأمل وقال عقب الحد\r","part":3,"page":372},{"id":1093,"text":"المذكور فالشيء يكون مملوكا ولا يكون مرفوقا ولكن لا يكون مرفوقا إلا ويكون مملوكا ا ه يريد أن المملوك أعم مطلقا من المرفوق وقال قبل ذلك الحد والملك في إصلاح المتكلمين حالة تعرض للشيء بسبب ما يحيط به وينتقل بانتقاله كالتعميم والتقمص فإن كلا منهما حالة لشيء بسبب إحاطة العمامة برأسه والقميص ببدنه ا ه\rوالله أعلم\rالفرق الحادي والثمانون والمائة بين قاعدة الأسباب العقلية وبين قاعدة الأسباب الشرعية نحو بعت واشتريت وأنت طالق وأعتقت ونحوه من الأسباب وهو مبني على طريقة غير الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني من إبطال الشبه بين البابين وأنه ينبغي أن لا يكون تقدير مسببات الأسباب الشرعية إلا عقيب آخر حرف وإن عدمت جملة الصيغة لأن السبب إنما يتحقق عادة حينئذ بخلاف الأسباب العقلية فإن العلل العقلية لا توجب معلولها إلا حالة وجودها وإذا عدمت لا يوجد معلولها كالعلم مع العالمية والإرادة مع المريدية من العقليات والنار مع الإحراق والماء مع الإرواء من العاديات\rوأما على طريقة الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله من أنه لا بد من تحقق حصول الشبه بين البابين وأنه لا ينبغي أن توجد الأسباب الشرعية حكما إذا عدم آخر جزء منها حتى عدمت جملتها بل تقدر مسببات هذه الأسباب الشرعية مع آخر حروفها حتى يتحقق المسبب حالة وجود سببه لا حالة عدمه لأن وجود آخر حرف هو الوجود الممكن في الصيغ لأنها مصادر سيالة يستحيل وجودها بجملتها فيكتفى\r","part":3,"page":373},{"id":1094,"text":"بوجود آخر حرف منها لأنه القدر الممكن فيها فيحصل به الشبه بين العقليات والشرعيات فلا يكون بين القاعدتين فرق على هذه الطريقة قال ابن الشاط والفرق بينهما لا طائل وراءه والكلام فيه تعمق في الدين وتكلف ولا يتوصل فيه إلى اليقين نعم يحصل الفرق بينهما من وجه آخر وهو أن هذه الأسباب الشرعية تنقسم أولا إلى ما يوجب مسببه إنشاء نحو عتق الإنسان عن نفسه والبيع الناجز والطلاق الناجز وإلى ما يوجب استلزاما كالعتق أو الوطء في زمن الخيار إذا كان الخيار للمشتري فإن الملك ينتقل إليه حينئذ بسبب عتقه أو وطئه الأمة التزاما لأن الملك في زمن الخيار للبائع على الأصح والأشهر حتى ينتقل\rبالتصريح من المشتري بنحو قوله قبلت أو اخترت الإمضاء مما يقتضي الملك مطابقة أو يعتق أو يطأ أو نحو ذلك مما يقتضي الملك التزاما وفي كون الملك في هذا يقدر ثبوته قبل العتق حتى يقع العتق عن الغير وهو في ملكه أو يثبت معه لأن التقدم على خلاف الأصل خلاف بين جماعة من العلماء وبعض الشافعية والظاهر أنه لفظي لا حقيقي\r","part":3,"page":374},{"id":1095,"text":"وذلك لأنه يتعين أن يكون المراد بالعتق على الأول دخول الحرية في الرقيق لا إنشاء الصيغة لأن إنشاء الصيغة بعينه هو المستلزم لإمضاء البيع الذي به يحصل الملك إذ لم يصدر من المشتري غير ذلك فالملك لا يحصل قبل ذلك أصلا لأنه لا موجب لحصوله وأن يكون المراد على الثاني نفس إنشاء الصيغة لا دخول الحرية في الرقيق لأنه مضاد الملك واجتماع الضدين محال فعليك بتأمل المنصف وثانيا إلى ما يقتضي ثبوتا كالبيع والهبة والصدقة وإلى ما يقتضي إبطالا لمسبب سبب آخر كفوات المبيع قبل القبض يقتضي إبطال مسبب السبب السابق وهو البيع وكالطلاق يقتضي إبطال العصمة السابقة المترتبة على النكاح وكالعتاق يقتضي إبطال الملك المترتب في الرقيق على سببه وإذا قلنا بأن الفوات يوجب الفسخ فهل يقتضيه معه وهو الأصح لأن الأصل عدم التقدم على السبب أو قبله لأن الانقلاب والفسخ يقتضي تحقق ما يحكم عليه بذلك خلاف بين العلماء والعلل العقلية لا تنقسم كذلك فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم\r376\rالفرق الثاني والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه مسببه\r","part":3,"page":375},{"id":1096,"text":"وهو مبني على ما للأصل من وقوع ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية وتمثيله بمثالين المثال الأول إتلاف المبيع قبل القبض بناء على القول بأنه يوجب الفسخ قبله بأن تقدر الانفساخ في المبيع قبل تلفه ليكون المحل قابلا للانفساخ لأن المعدوم الصرف لا يقبل انقلابه لملك البائع كما تقدم في الفرق الذي قبل هذا الفرق والمثال الثاني القتل خطأ بالنسبة لوجوب الدية لا لوجوب الكفارة بناء على أن الدية إنما تجب بالزهوق لا بإنفاذ المقاتل وأن الزهوق سبب استحقاقها من جهة كونها موروثة والإرث إنما يكون فيما تقدم فيه ملك الميت فتدعو الضرورة إلى أن يقدر تقدير ملكه لها في حالة تقبل الملك وهي حالة حياته لأن الميت لا يقبله ولا ضرورة تدعو لتقديم لزوم الكفارة على القتل الخطأ وأن ما لا يتقدم عليه مسببه من الأسباب الشرعية ثلاثة أقسام لأنه إما سبب فعلي تام فيقارنه مسببه كالأسباب في حيازة المباح كالحشيش والصيد والسلب في الجهاد حيث سوغناه بإذن الإمام على رأينا أو مطلقا على رأي الشافعية وكشرب الخمر والزنى والسرقة للحدود وكالتعاليق اللغوية فإنها كلها أسباب شرعية فإذا علق على شرط\rالطلاق أو غيره قارن لزوم المعلق وقوع ذلك الشرط المعلق عليه قال الشافعي رضي الله عنه إذا قال لامرأته إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ففعلت طلقت لكن هذه الصورة تشكل جدا على أصل الشافعي وقاعدته من أن المعطاة والفعل والمناولة لا يوجب شيء من ذلك انتقال ملك فإنه إن أراد بالإعطاء الإقباض فينبغي أن تطلق ولا يستحق شيئا كما لو قال إن أقبضتني وهو بعيد وإن أراد بالإعطاء التمليك وهو الظاهر كان تمليكا بمجرد المناولة فيعضد المالكية في بيع المعاطاة بالقياس على هذه الصورة ويكون نقضا على أصله\r","part":3,"page":376},{"id":1097,"text":"ولا يمكن أن يقال اللفظ السابق في التعليق حصل به انتقال الملك لأن لفظ التعليق إنما اقتضى ربط الطلاق بالإعطاء ولم يقتض حصول الملك في المعطي ولعلها لا تعطيه شيئا فإن اللفظ الدال على الملك لم يوجد ألبتة فلا يمكن الاعتماد عليه إلا أن يريد الشافعي بقوله ففعلت أي ملكته الألف بشرط التمليك الذي هو التلفظ بما يقتضيه فيندفع الإلزام عنه\rوأما سبب فعلي غير تام فيتأخر مسببه إلى تمامه كبيع الخيار يتأخر فيه نقل الملك عن العقد إلى الإمضاء على الصحيح لأن البيع إنما ثبت من أحد الطرفين دون الآخر فهو عقد غير تام فتأخر مسببه إلى تمامه وكالطلاق الرجعي مع البينونة فإنها تتأخر إلى خروج المطلقة من العدة وكالوصية يتأخر نقل الملك في الموصى به بعد الموت وكالسلم والبيع إلى أجل يتأخر عنه بوجه المطالبة إلى انقضاء الأجل\rوأما سبب قولي تام كالعتق والبيع والإبراء وتحريم الوطء وتنصيص العدد في الطلاق وكالأمر والنهي والشهادات فيجري فيه الخلاف السابق بين الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وجماعة من الفقهاء هل تقع مسبباته مع آخر حرف منه أو عقيب آخر حرف منه وذهب إلى الأول أيضا الشيخ أبو الحسن الأشعري فإنه كان من الفقهاء الأجلة كما كان شيخ المتكلمين هذا خلاصة كلام الأصل مع تنقيح وزيادة وكتب عليه ابن الشاط ما حاصله أن الصحيح في الأسباب الشرعية المطرد فيها أن تعقبها مسبباتها أو تقارنها فلا يصح تقدير الانفساخ في المبيع قبل تلفه ولا تقدير ملك الدية قبل الموت على أنه لا حاجة إلى تقدير الانفساخ في المبيع قبل تلفه لأن انقلاب المبيع إلى ملك البائع لا حاجة لأن الداعي إلى ادعاء الحاجة إلى انقلابه إلى ملكه إنما هو كون ضمانه منه\rوكون ضمانه منه لا يستلزم كونه على ملكه للزوم الضمان بدون الملك كما في المتعدي\r","part":3,"page":377},{"id":1098,"text":"وإنما كان ضمانه من البائع وإن لم يكن على ملكه لأنه بقي عليه فيه حق التوفية ولا إلى تقديم ملك الدية بل هو محقق بناء على أن السبب هو الإنفاذ لا الزهوق فلا ضرورة لتقديمها كما لا ضرورة لتقديم الكفارة قال والأمر في الخلاف في الأسباب القولية قريب ولا أراه يئول إلى طائل والله سبحانه وتعالى أعلم\rقال تنبيه قال الشافعي رضي الله عنه إلى آخر الفرق قلت الظاهر أن ما قاله وألزمه الشافعي صحيح إلا أن يريد الشافعي بقوله ففعلت أي ملكته الألف بشرط التمليك الذي هو التلفظ بما يقتضيه فيندفع الإلزام عنه والله أعلم\rالفرق الثالث والثمانون والمائة بين قاعدة الذمة وبين قاعدة أهلية المعاملة وهو أنهما وإن اشتركا في جهتين جهة كونهما تعلقا ونسبة خاصة في المحل وجهة كونهما من باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف من حيث إن كلا منهما سبب في شيء كما سيفتح لا من\rحيث إنهما تعلق ونسبة خاصة والتعلقات أمور عدمية فيقدرها صاحب الشرع في المحل عند سببها موجودة وتكون من قبيل التقادير الشرعية التي هي إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود خلافا للأصل لكنهما يفترقان من جهتين أيضا إحداهما أن الذمة أما كون الإنسان قابلا للزوم الحقوق والتزامها شرعا فيكون الصبي لازمة له وأما كونه قابلا شرعا للزوم الحقوق دون التزامها فيكون الصبي له ذمة للزوم أروش الجنايات وقيم المتلفات وأهلية المعاملة والتصرفات قبول خاص ليس فيه إلزام ولا التزام والجهة الثانية أن الذمة قال الأصل يشترط فيها التكليف من غير خلاف أعلمه بخلاف أهلية التصرف فاشترط الشافعي فيهما أيضا التمييز والتكليف ومالك وأبو حنيفة التمييز فقط وابن حنبل التمييز مع إذن الولي\rفلا يصح عنده تصرفه بدون إذنه\rوقال ابن الشاط إذا صح الاتفاق على اشتراط التكليف في الذمة فلا ذمة للصبي ويتعين حد الذمة أو رسمها بأنها قبول الإنسان شرعا للزوم الحقوق دون التزامها ا ه\r","part":3,"page":378},{"id":1099,"text":"أي حتى تكون للصبي ذمة للزوم أروش الجنايات وقيم المتلفات له كما علمت فبين الذمة وأهلية التصرف عموم وخصوص وجهي يجتمعان معا في حق الحر البالغ الرشيد فإن له أهلية التصرف وله ذمة كما لا يخفى وتنفرد الذمة عن أهلية التصرف في العبيد فإنهم محجور عليهم لحق السادات سدا لذريعة إفساد ما لهم وحق السادات متعلق به ولو جنى العبد جناية ولم يقع الحديث فيها ولا الحكم كانت متعلقة بذمته إذا عتق طولب بها فيكون قد تقدم في حقه السبب واللزوم وتأخرت المطالبة\rوإذا تزوج بغير إذن سيده وفسخ نكاحه بقي الصداق في ذمته يطالب به بعد العتق فاللزوم سابق والمطالبة متأخرة في حقه وتنفرد\rأهلية التصرف عن الذمة في الصبيان المميزين فإن في الصبي المميز أهلية التصرف عندنا وعند أبي حنيفة وابن حنبل فقط من غير ذمة له عند الجميع بناء على صحة الاتفاق على اشتراط التكليف في الذمة كما تقدم قلت ولا ينافي هذا قول السيد الجرجاني في تعريفاته الذمة لغة العهد لأن نقضه يوجب الذم ومنهم من جعلها وصفا فعرفها بأنها وصف يصير الشخص به أهلا للإيجاب له وعليه ومنهم من جعلها ذاتا فعرفها بأنها نفس لها عهد فإن الإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه عند جميع الفقهاء بخلاف سائر الحيوانات ا ه\rبلفظ كما أنه لا منافاة بين قوله فإن الإنسان يولد وله ذمة\r","part":3,"page":379},{"id":1100,"text":"وقوله صالحة للوجوب له وعليه لأن مراده أنها من الطبائع الملازمة للإنسان كالناطقية بمعنى مبدئية النطق والإدراك وإن منع من تحققها في بعض أفراده مانع كما يشهد لذلك قوله بخلاف سائر الحيوانات فتأمل بإمعان وبالجملة فسبب القبول الذي هو الذمة عند الجميع التمييز مع التكليف وسبب القبول الذي هو أهلية التصرف عندنا وعند أبي حنيفة التمييز دون الإجازة والتكليف ودون الإباحة أيضا عندنا فإن الفضولي عندنا له أهلية التصرف وتصرفه حرام وللمالك عندنا إمضاء ذلك التصرف من غير تجديد عقد آخر ينفذ ذلك التصرف فدل على أن العقد المتقدم قابل للاعتبار وإنما تعلق به حق آدمي كتصرف العبد بغير إذن سيده والصبي المميز بغير إذن الولي فإن تصرفه صحيح يتوقف لزومه على إجازة السيد والولي عندنا وعند أبي حنيفة وعند ابن حنبل التمييز مع الإجازة دون التكليف فإنه عقد الصبي المميز بإذن الولي صح وإلا فلا وعند الشافعي التمييز مع التكليف فلا ينعقد عقد الصبي المميز أصلا وإن أذن له الولي والله سبحانه وتعالى أعلم\r383\rالفرق الرابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يقبل الملك من الأعيان والمنافع وبين قاعدة ما لا يقبله منهما\rيحصل الفرق بينهما أمران\r","part":3,"page":380},{"id":1101,"text":"الأمر الأول ما تقدم من أن الملك إذن شرعي خاص وأن الأعيان لا تقبله إلا باعتبار منافعها فما لا منفعة له كالخشاش وما له منفعة محرمة كالخمر والمطربات المحرمة وما له منفعة تعلق بها حق آدمي كالحر لتعلق حقه بنفسه وكأم الولد لتعلق حقها بالعتق وكالوقف لتعلق حق الموقوف عليه به فلا يقبل واحد من هذه الأنواع الثلاثة الملك أما الأول فلأن الإذن فيه عبث وأما الثاني فلأن الإذن فيه متناقض وأما الثالث فلأن الإذن فيه مبطل لذلك الحق وبقي النوع الرابع وهو ما فيه منفعة ليست محرمة ولا تعلق بها حق آدمي فيقبل الملك لأجل منفعته إلا أنه قسمان قسم يمتنع صونا لمكارم الأخلاق عن الفساد ككلب الصيد وإجارة الأرض إذا قلنا بإنها لا تؤجر مطلقا لأن ذلك كان قديما من الأمور المنافية لمكارم الأخلاق ولذلك قال عليه السلام من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه فإن الحسن والقبح في هذه الأمور عادي وقسم سلم من هذه الموانع فهو القابل للملك والتصرف بأسباب الملك عن اختلافها ونظائره كثيرة معروفة كالبر والأنعام وغيرهما الأمر الثاني قاعدة إن كل تصرف كان من العقود كالبيع أو غير العقود كالتعزيرات وهو لا يحصل\rمقصوده لا يشرع ويبطل إن وقع والمقصود من البيع ونحوه إنما هو انتفاع كل واحد من المتعارضين بما يصير إليه فإذا كان عديم المنفعة أو محرمها أو تعلق بمنفعته حق الغير لم يحصل مقصوده فيبطل عقده والمعارضة عليه لهذه القاعدة كما يمتنع نكاح ذوات المحرم لأن مقاصد عقده لا تحصل بها ويمتنع تعزير من لا يعقل الزجر كالسكران والمجنون ونحوهما لأن الزجر لا يحصل بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه وقاعدة ما لا يجوز بيعه\r","part":3,"page":381},{"id":1102,"text":"وهو أن ما يجوز بيعه عبارة عما اجتمع فيه شروط خمسة أربعة منها في صحته وجوازه ولزومه معا الأول الطهارة لقوله عليه السلام في الصحيحين إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل له يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويستصبح بها فقال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها\r386\rالشرط\rالثاني\rأن يكون منتفعا به انتفاعا شرعيا حالا أو مآلا ليصح مقابلة الثمن له الشرط الثالث أن يكون مقدورا على تسليمه حذرا من الطير في الهواء والسمك في الماء ونحوهما لنهيه عليه السلام عن بيع الغرر الشرط الرابع أن يكون معلوما للعاقدين لنهيه عليه السلام عن أكل المال بالباطل والشرط الخامس وهو أن يكون الثمن والمبيع مملوكين للعاقد والمعقود له أو من أقيما مقامه شرط في الجواز واللزوم معا دون الصحة لأن بيع الفضولي وشراءه وإن كان صحيحا علم المشتري أنه فضولي أم لا كما في المختصر إلا أنه محرم على المشهور وغير لازم يتوقف لزومه على رضا المالك كما في المختصر وغيره وبقي شرط سادس أخذه عبق من قول خليل في المختصر ووقف مرهون على رضا مرتهنه ا ه\rوعده من شروط الصحة وهو أن لا يكون لغير العاقد والمعقود له أو من أقيما مقامه حق في المعقود عليه ثمنا أو مثمنا وتعقبه الشيخ مصطفى الرماصي كما في البناني بأنه شرط في اللزوم فقط أي دون الصحبة وكذا دون الجواز كما هو ظاهر قال والظاهر أن المصنف أي خليلا لذلك لم يجر فيه على أسلوب ما قبله فلم يدرجه في شروط الصحة ا ه\r","part":3,"page":382},{"id":1103,"text":"يعني الأربعة الأول فافهم وما لا يجوز بيعه عبارة عما فقد منه أحد شروط الجواز الخمسة الأول فتحقق الشروط الخمسة وعدم تحققها هو الفرق بين القاعدتين المذكورتين والله أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بالشروط المذكورة المسألة الأولى في الشرط الأول قال حفيد بن رشد في بدايته النجاسات على ضربين الضرب الأول ما لا تدعوا الضرورة إلى استعماله فاتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي أنواع\rالأول\rالخمر ولذا اتفقوا على أنها نجسة إلا خلافا شاذا الثاني الميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة الثالث الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة واختلف في الانتفاع بشعره فأجازه ابن القاسم ومنعه أصبغ الضرب الثاني ما تدعو الضرورة إلى استعماله كالترجيع والزبل الذي يتخذ في البساتين فاختلف في بيعه في المذهب فقيل بمنعه مطلقا وقيل بالفرق بين العذرة والزبل أعني إباحة الزبل ومنع العذرة واختلفوا فيما يتخذ من أنياب الفيل لاختلافهم هل هو نجس أم لا فمن رأى أنه ناب جعله ميتة ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن والخلاف فيه في المذهب ا ه بتصرف\rقال البناني وقد حصل الحطاب في بيع العذرة أربعة أقوال المنع لمالك على فهم الأكثر للمدونة والكراهة على ظاهر المدونة وفهم أبي الحسن لها والجواز لابن الماجشون والفرق بين الاضطرار لها فيجوز وعدمه فيمنع لأشهب في كتاب محمد\rوأما الزبل فذكر ابن عرفة فيه ثلاثة أقوال قياسه على العذرة في المنع عند مالك وقول ابن القاسم بجوازه وقول أشهب في المدونة المشتري أعذر من البائع وتزاد الكراهة على ظاهر المدونة في العذرة وفهم أبي الحسن انظر الحطاب رحمه الله وفي التحفة ونجس صفقته محظورة ورخصوا في الزبل للضرورة وهو يفيد أن العمل على بيع الزبل دون العذرة وصرح به ابن لب كما نقله عنه في المعيار أول نوازل المعاوضات وهو الذي به العمل عندنا للضرورة ا ه\r","part":3,"page":383},{"id":1104,"text":"منه بلفظه وفي حاشية كنون قال الحطاب والدليل على منع بيع النجس نهيه تعالى عن أكل المال بالباطل لأنه لا تحصل به منفعة للمسلم أصلا أو حكما\rودليله من السنة حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم}\rقال إن الله ورسوله حرم بيع الخمر الحديث الذي أخرجه البخاري باللفظ المذكور ومسلم بلفظ إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها ثم باعوه فأكلوا ثمنه ومعنى أجملوه أذابوه وقوله حرم قال القرطبي صحت الرواية بإسناده إلى ضمير الواحد تأدبا منه عليه الصلاة والسلام أن يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين كما رد على الخطيب قوله ومن يعصهما فقال له بئس خطيب القوم قل ومن يعص الله انظره والله أعلم ا ه\rوفي الإكمال ما نصه\rوأما شحم الميتة فالجمهور على أنه لا ينتفع من الميتة بشيء ألبتة لأنها نجسة العين ولعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلا ما خصصته السنة من الجلد وأجاز عطاء الاستصباح بشحمها وأن يطلى به السفن ا ه\rوفي النوادر عن ابن الجهم والأبهري لا بأس بوقيده إذا تحفظ منه ا ه\rولا يلزم من ذلك جواز البيع والحديث يرد عليهم راجع ما تقدم عند قوله وينتفع بمتنجس إلخ ومن شحم الميتة ما يجلب من بلاد الروم من الصابون والشمع المصنوعين من شحم غير الحيوان البحري والله أعلم ا ه\rالمسألة الثانية\rفي الشرط الثاني قال صاحب الجواهر يكفي أصل المنفعة وإن قلت وقلت قيمتها فيصح بيع التراب والماء ا ه\r","part":3,"page":384},{"id":1105,"text":"أي بمكانها المعد لهما وهو التل والبحر وقيد المحلي والرملي وابن حجر صحة بيعهما فيه بأن يجوز الماء في قربة مثلا أو يكوم التراب فصورة المسألة أنه باع قربة ماء مثلا على شط البحر كما في حاشية البجيرمي على شرح شيخ الإسلام على المنهج قال شيخ الإسلام ولا يقدح فيه إمكان تحصيل مثلهما بلا تعب ولا مؤنة وما لا منفعة فيه كالحشرات التي لا تنفع وهي صغار دواب الأرض كحية وعقرب وفأرة وخنفساء لا يصح تملكه ولا بيعه إذ لا نفع في الحشرات المذكورة يقابل بالمال وإن ذكر لها منافع في الخواص بخلاف ما ينفع كضب لمنفعة أكله وعلق لمنفعة امتصاص الدم كما في شرح شيخ الإسلام على المنهج قال البناني ذكر المازري وابن رشد وغيرهما إن مثل ما لا منفعة فيه ما منافعه كلها محرمة كالدم أو جل المقصود منها محرم كالزيت النجس بخلاف ما منافعه كلها أو جلها محللة كالزبيب فإن كانت المنافع المقصودة منها محلل ومنها محرم ككلب الصيد أشكل الأمر وينبغي أن يلحق بالممنوع ا ه\rولعل المصنف يعني خليلا رحمه الله لإشكال هذا لم يقنع بأخذه من شرط الانتفاع لخفائه وهو واضح ا ه\rأي فاحتاج إلى زيادة شرط الإباحة لكون أخذه منه ظاهرا لا خفاء فيه وفي حاشية كنون وقول البناني ما منافعه كلها محرمة أي فلا يصح تملكه ولا بيعه ومثله التداوي بالخمر والخنزير وآلة اللهو وقال الحطاب مثله القرافي بالخمر والمطربات وقال في المتيطية ومن اشترى من آلة اللهو شيئا كبوق وغيره فسخ بيعه وأدب أهله وفي المسائل الملقوطة لا يجوز بيع أشياء منها الصور والقرد وآلة الملاهي ا ه\rوقال ابن جزي\rفي قوانينه ما نصه وإن كانت المنفعة لا تجوز فهي كالعدم كآلات اللهو ا ه\r","part":3,"page":385},{"id":1106,"text":"وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن الآدمية إذا حلب فمالك والشافعي يجوزانه وأبو حنيفة لا يجوزه وسبب اختلافهم تعارض أقيسة الشبه وذلك أن عمدة المجيز أنه لبن أبيح شربه فأبيح بيعه قياسا على لبن سائر الأنعام وعمدة المانع أن الإنسان حيوان لا يؤكل لحمه فلا يجوز بيع لبنه قياسا على لبن الخنزير والأتان وإنه إنما أبيح شربه لمكان ضرورة الطفل إليه ا ه ملخصا\rوقال صاحب الجواهر إثر ما تقدم عنه أو يصح بيع لبن الآدميات أي في مذهبنا وقاله الشافعي وابن حنبل قياسا على لبن الغنم وقال أبو حنيفة رضي الله عنهم أجمعين لا يجوز بيعه ولا أكله لأنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته فيحرم أكله فيمتنع بيعه ويفرق بينه وبين لبن الغنم بشرف الآدمي أي فلا يتم القياس المتقدم ولا يرد إباحة لبنه لأنه استثني منه من الرضاع للضرورة وبقي ما عداه على الأصل بخلاف الأنعام بدليل تحريم لحمه تشريفا له نعم يندفع الفرق بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أرضعت كبيرا فحرم عليها فلو كان حراما لما فعلت ذلك ولم ينكر عليها أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعا على إلغاء هذا الفرق ا ه\rقال ابن الشاط لقائل أن يقول لا يندفع بذلك لجعل رضاع الكبير لقصد ثبوت التحريم داخلا فيما استثني للضرورة ا ه\rالمسألة الثالثة\rفي الشرط الخامس قال صاحب الجواهر مقتضى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق إن هذا الشرط شرط في الصحة أي للبيع والشراء وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة هو شرط في الشراء في صحته دون البيع ا ه\r","part":3,"page":386},{"id":1107,"text":"وأطلق الأصحاب صحة بيع الفضولي وشرائه والأصل بعد قول صاحب الجواهر إثر ما تقدم عنه وقال ابن يونس يمتنع أن يشتري من رجل سلعة ليست في ملكه ويوجب على نفسه تحصيل ثمنها لأنه غرر وقال سحنون إن نزل ذلك فلربها إمضاء البيع كمن غصب سلعة والمشتري يعلم بالغصب ومنع أشهب ذلك في الغصب لدخولهما على الفساد والغرر وقال ابن يونس وهو أي المنع القياس في المسألتين أي مسألتي الفضولي والغصب ا ه\rقال ظاهر وهذا النقل يقتضي أن إطلاق الأصحاب محمول على ما إذا كان المشتري غير عالم بعدم الملك فالمشهور أن له الإمضاء أما إذا علم أي بعدم الملك فلا على هذا الخلاف أي فليس له الإمضاء ا ه\rوفي مختصر خليل وملك غير على رضاه ولو علم المشتري قال عبق ما حاصله أي وتصرف ملك غير أي فيه أوله فيشمل البيع والشراء لأن حكمهما واحد كما في الإرشاد قاله التتائي والمعتمد حرمة بيعه وشرائه كما قال القرافي إنه المشهور لا جوازه ولا بد به كما للطراز قاله الحطاب والحق أنه يختلف بحسب المقاصد وما يعلم من حال المالك إنه الأصلح له فإذا تصرف في ملك غير فهو لازم من جهته منحل من جهة المالك فله إجازته ولو علم المشتري بأنه فضولي ويطالب الفضولي فقط بالثمن لأنه بإجازته بيعه صار وكيلا ويأتي في\rالوكالة وطولب بثمن ومثمن ما لم يصرح بالبراءة ولا طلب له على المشتري وله رده لكن بالقرب فإن سكت مع العلم عاما فلا رد له وليس له إلا طلب الثمن فإن سكت مدة الحيازة لم يكن له شيء انظر الحطاب وقيد المصنف بثلاثة قيود\rأحدها\rأن لا يكون المالك حاضرا بيع الفضولي فإن حضره وسكت لزمه البيع فإن سكت بعد انقضاء المجلس الحاضر له حتى مضى عام ونحوه ولم يطالب بالثمن فلا شيء له على البائع ثانيها في غير الصرف وأما فيه فيفسخ كما سيأتي في قوله إن لم يخبر المصطرف ثالثها في غير الوقف\r","part":3,"page":387},{"id":1108,"text":"وأما فيه فباطل لا يتوقف على رضا واقفه وإن كان الملك له كما سيذكره المصنف لأن الملك له في شيء خاص وهو ما أشار له بقوله فإنه ولوارثه منع من يريد إصلاحه وإن تصرف لملك غير أي اشترى لغيره ولم يجزه لزم الشراء للمشتري ولا يرجع رب المال على البائع بماله إلا أن يكون المشتري أشهد أن الشراء لفلان بماله والبائع يعلم ذلك أو صدق المشتري فيه أو تقوم بينة أن الشيء الذي اشترى به ملك للمشتري له فإن أخذ المشتري له ماله ولم يجز الشراء انتقض البيع فيما إذا صدق البائع أنه اشترى لغيره أو قامت بينة أن البائع يعلم ذلك ولم ينتقض مع قيام البينة أن المال للمشتري له بل يرجع على المشتري بجميع الثمن ويلزمه البيع هذا قول ابن القاسم وأصبغ ا ه\rوسلمه البناني والتاودي والرهوني وكنون فهو المذهب وأصل قوله والمعتمد حرمة بيعه وشرائه إلخ قول الأصل ظاهر كلام الطراز الجواز لحديث عروة البارقي الآتي والمراد بالجواز الندب لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى لكن قول القاضي أي عياض في التنبيهات أن ما يقتضي الفساد لأمر خارجي كبيع الأم دون ولدها وبيع يوم الجمعة وبيع مال الغير بغير أمره ا ه\rيقتضي تحريمه بل قد وقع التصريح بالتحريم من مالك والأبهري في قول الأبهري قال مالك يحرم بيع السلع أيام الخيار حتى يختار لنهيه عليه السلام عن بيع ما لم يضمن قال الأبهري يحرم ذلك عليه حتى يتقرر ملكه عليها قال ومعنى نهيه عليه السلام عن بيع ما لم يضمن بيع الإنسان لملك غيره ا ه\rويجاب عن حديث عروة البارقي بأن حالة الصحبة أوجبت الإذن بلسان الحال الذي يقوم مقام التوكيل بلسان المقال الموجب للإباحة ونفي الإثم بخلاف الأجنبي مطلقا ا ه\r","part":3,"page":388},{"id":1109,"text":"وحجة الشافعية والحنابلة ثلاثة أمور الأول قوله عليه السلام لا بيع ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم الأمر الثاني قاعدة أن وجود السبب بكماله بدون آثاره يدل على فساده الأمر الثالث القياس على الطلاق والعتاق ووجه الفرق عند أبي حنيفة بين الشراء والبيع أن الشراء يقع للمباشرة فيفتقر نقل الملك إلى عقد آخر وكذلك الوكيل عنده يقع العقد له ثم ينتقل بخلاف البائع فإنه مخرج للسلعة لا جالب لها وأجاب المالكية عن الحديث بأنه إن أريد لا شيء من الثلاثة لازم فيما إلخ قلنا بموجبه وإن أريد لا شيء منها صحيح فيما إلخ حملناه على ما قبل الإجازة لأن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال سلمنا عمومه في\rالأحوال لكنه معارض بأنه عليه السلام دفع لعروة البارقي دينارا ليشتري له به أضحية فاشترى به أضحيتين ثم باع إحداهما بدينار وجاء بدينار وأضحية إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال بارك الله لك في صفقة يمينك فكان إذا اشترى التراب ربح فيه خرجه أبو داود ولأنه تعاون على البر فيكون مشروعا لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وعن القاعدة بأنها تنتقض ببيع الخيار وعن القياس بالفرق بأن الطلاق والعتاق لا يقبلان الخيار فكذلك لا يقبلان الإيقاف والبيع يقبل الخيار فيقبل الإيقاف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه جزافا وقاعدة ما لا يجوز بيعه جزافا\rفي حاشية البناني على عبق قال في المسائل الملقوطة الجزاف مثلث الجيم فارسي معرب وهو بيع الشيء بلا كيل ولا وزن ولا عدد ا ه\rوحد ابن عرفة بيع الجزاف بأنه بيع ما يمكن علم قدره دون أن يعلم والأصل منعه وخفف فيما شق علمه أو قل جهله ا ه\rفقوله شق علمه يريد في المعدود وقل جهله في المكيل والموزون إذ لا تشترط المشقة فيهما كما يأتي ا ه\r","part":3,"page":389},{"id":1110,"text":"منها بلفظها وما يجوز بيعه جزافا عبارة عما اجتمع فيه شروط جوازه وصحته معا سواء كان المبيع مما يكال أو يوزن أو كان مما يعد فلا يعد من شروط الجواز كونه مما يكال أو يوزن خلافا للخمي حيث عده من شروط الجواز\rوقال لا يجوز في المعدود غير أن مالكا أجاز بيع صغار الحيتان والعصافير جزافا إذا ذبحت لأن الحية يدخل بعضها تحت\rبعض والمكيل والموزون يقصد كثرته وقلته والمحصل لهما الحزر وما يقصد آحاد جنسه لا يجوز بيعه جزافا كالثياب فإن الغرض يتعلق بثوب دون ثوب ولا يتعلق الغرض بقمحة دون قمحة بل المطلوب الجنس والمقدار دون الآحاد بخصوصياتها ا ه\rوإن اقتصر الأصل على كلامه نعم يختص جواز بيع المعدود وكذا صحته كما صرح بذلك عبق وسلمه البناني وغيره بشرطين ذكرهما خليل في مختصره بقوله ولم يعد بلا مشقة ولم تقصد إفراده إلا أن يقل ثمنه ا ه\rقال عبق منطوق قوله ولم يعد بلا مشقة أن يعد بمشقة ا ه\rقال البناني جرى على قولهم قاعدة النفيين إن تكررا حذفهما منطوق قول قد جرى وحذف واحد فقط مفهوم فافهم فذا القول هو المعلوم لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها بل هي مقصورة على سلب السلب نحو ليس زيد ليس هو بعالم وليست عبارة المصنف إلا من قبيل السالبة المعدولة وهي التي جعل فيها السلب جزأه من مدخولها وقد صرحوا أنها لا تقتضي وجودا لموضوع فمنطوقها أعم مما ذكره لصدقه به ويكون المبيع مما لا يعد أصلا وهو صحيح ا ه\rثم قال قال القباب في شرح بيوع ابن جماعة ما نصه قيدوا الجواز في المعدود بما تلحق المشقة في عده لكثرته وتساوي أفراده كالجوز والبيض أو يكون المقصود مبلغه لا آحاده كالبطيخ فإنه يجوز الجزاف فيه وإن اختلفت آحاده والنصوص بذلك في العتبية والموازية ا ه\r","part":3,"page":390},{"id":1111,"text":"وفي العتبية من قول سحنون ما نصه قال سحنون عن ابن وهب عن مالك لا يباع الجوز جزافا إذا باعه وقد عرف عدده ولا بأس بأن يباع القثاء جزافا لأنه مختلف فيه صغير وكبير ويكون العدل الذي هو أقل عدد أكبر من العدل الذي هو أكثر عددا ا ه\rابن رشد معرفة عدد القثاء لا تأثير له في المنع من بيعه جزافا إذ لا يعرف قدر وزنه بمعرفة عدده لاختلافه في الصغر والكبر بخلاف الجوز الذي يقرب بعضه من بعض وهذا أهون\rقال وعلى ظاهر ابن بشير يكون المراد بقوله إلا أن يقل ثمنه فله جملة ثمنه لا قلة ثمن تفاوت الأفراد فيما بينها ونصه المعدودات إن قلت جاز بيعها جزافا ا ه\rوهو أيضا ظاهر قول ابن عبد السلام فيما يتعلق الغرض بعدده يمتنع بيعه جزافا إلا أن يقل ثمن هذا النوع فقد وقع في المذهب ما يدل على جواز بيعه جزافا ا ه\rقلت بل مآل قول اللخمي غير أن مالكا أجاز إلخ يرجع لما ذكر من جواب بيع المعدود جزافا بزيادة الشرطين المذكورين فتأمل بإنصاف وبالجملة فما يباع جزافا من المعدود إما أن يعد بمشقة أم لا وفي كل إما أن يقصد أفراده أم لا وفي كل إما أن يقل ثمنها أم لا فمتى عد بلا مشقة لم يجز جزافا قصدت أفراده أم لا قل ثمنها أم لا ومتى عد بمشقة فإن لم نقصد أفراده جاز بيعه جزافا قل ثمنها أم لا وإن قصدت جاز جزافا إن قل ثمنها ومنع إن لم يقل فالمنع في خمسة والجواز في ثلاثة كما في عبق وشروط الجواز والصحة معا في المبيع جزافا مطلقا معدودا كان أو مكيلا أو موزونا سبعة وافق خليل في مختصره الأصل في ثلاثة ووافقه عبق في الرابع وزاد الأصل عليهما الخامس وزاد خليل على الأصل السادس والسابع\rالشرط الأول\rالرؤية لمبيع الجزء في حين العقد كما في رواية ابن القاسم عن مالك في المدينة\r","part":3,"page":391},{"id":1112,"text":"واعتمده الحطاب وحمل عليه قول خليل إن رأى فقال مرادهم المرئي الحاضر كما يفيده كلام ضيح ويلزم من حضوره رؤيته أو رؤية بعضه لأن الحاضر لا يكتفى فيه بالصفة على المشهور إلا لعسر الرؤية كقلال الخل المختومة إذا كان في فتحها مشقة وفساد فيجوز بيعها دون فتح ا ه\rوسلمه البناني وغيره وهو معنى قول الأصل أن يكون معينا للحس حتى يستدل بظاهره على باطنه لا مطلق الرؤية فلا تكفي الرؤية السابقة على العقد خلافا لما لابن رشد عن الواضحة نعم اختلف كلام الأصحاب في بيع الزرع القائم والثمار في رءوس الأشجار لا على الكيل بناء على قبول غير واحد قول مالك وكذلك حوائط الثمر الغائبة يباع ثمرها كيلا أو جزافا وهي على خمسة أيام لا يجوز النقد فيها بشرط ا ه\rالمقتضي جواز بيعها غائبة جزافا قال ابن عرفة ويلزم مثله في الزرع الغائب هل هو من بيع الجزاف الحقيقي الذي شرط له أئمتنا الشروط المعروفة المذكورة في المختصر وشروحه أو هو أصل مستقل خارج عن الجزاف الحقيقي وإنما يطلق عليه بالحقيقة اللغوية والمجاز العرفي وردت به السنة وهو كبيع العروض والحيوان وبهذا الثاني جزم الرهوني لوجهين الوجه الأول أنه يتضح به ما\rرواه ابن القاسم عن الإمام في المدينة وسلمه ويظهر وجهه ولا يرد عليه شيء أصلا بخلافه على الأول فإنه يرد عليه أولا اعتراض ابن رشد على الإمام بأن تفرقته بين حوائط الثمر الغائبة يجوز بيع ثمرها جزافا\r","part":3,"page":392},{"id":1113,"text":"وكذا الزرع الغائب وبين غيرهما من المكيل والموزون والمعدود لا يجوز بيعه جزافا إلا بشرط الرؤية حين العقد تفرقة لا حظ لها من النظر وثانيا اعتراض ابن عرفة على أهل المذهب بأن في اشتراطهم الرؤية للجزاف حين العقد مع قبولهم قول الإمام يجوز بيع الزرع القائم والثمر في رءوس الشجر وذلك غائب تنافيا قال الرهوني وجواب الحطاب عن الأول بأن الذي يظهر من كلام المدينة أنه يغتفر عدم حضور الزرع والثمار حالة العقد عليها جزافا لظهور التغير فيهما إن حصل بعد الرؤية المتقدمة إلخ فيه نظر وإن سلمه غير واحد لأن المقصود من الرؤية حين العقد عند من اشترطها حصول المعرفة بالمبيع وانتفاء الجهالة عنه حين حصول العقد وانبرامه وهذا يستوي فيه الصبرة والزرع القائم والثمرة في رءوس الأشجار وكون الزرع والثمرة إذا أخذ منهما شيء بعد العقد يدرك بخلاف الصبرة شيء آخر لا يلزم من إدراك النقص في الزرع والثمرة بعد العقد إن وقع فيهما معرفة قدرهما وقت العقد وغاية ما يدرك إذ ذاك إن هذا المبيع الآن نقص عن حاله عند الرؤية السابقة على العقد وهل الأخذ منهما وقع قبل العقد أو بعده وهل نقص منهما قدر وسق مثلا أو ما أقل أو أكثر لا دليل يدل عليه ثم لو سلمنا تسليما جدليا أنه يدرك بذلك قد كانا رما عليه حال العقد معرفة حادثة متأخرة عن العقد وهي لا تفيد قطعا ولا يرتفع بها الفساد للجهالة الواقعة حين العقد وهذا أمر بديهي عند من له في الإنصاف أدنى نصيب ا ه قال كنون وفي نظره نظر تأمله والله أعلم\rقال الرهوني وجواب من كتب على طرة ابن عرفة عن اعتراضه بما نصه لا منافاة لأنها تباع على رؤية تقدمت إذ لا يجوز بيع الجزاف على صفته قاله عياش آخر الجعل من تنبيهاته ا ه\rوجواب\rشيخنا حيث قال بعد ما ذكر كلام المدونة ما نصه وهو محمول على أنه رآها قبل العقد عليها كما لابن رشد في التحصيل والبيان وفي موضع آخر من المدونة فاعتراض ابن عرفة مدفوع ا ه\r","part":3,"page":393},{"id":1114,"text":"وقول بعضهم يرد ما قاله ابن عرفة ما لأبي الحسن ونصه انظر إن كان حبا فيجوز على الكيل إذا كان على رؤية متقدمة أو صفة وإن كان جزافا لا يجوز إلا على رؤية متقدمة انظر تمامه ا ه\rكلها ترجع في المعنى إلى شيء واحد ومبنية على ما تقدم لابن رشد عن الواضحة من أن الرؤية السابقة على العقد كافية في بيع الجزاف وبحث ابن عرفة مبني على مختاره من أنه لا بد من الرؤية حين العقد لأن لذلك تأثيرا وهي رواية ابن القاسم عن الإمام في المدينة وعلى هذا اعتمد الحطاب وسلمه البناني وشيخنا ج ولا خفاء أن البحث المبني على أن المراد بالرؤية الواقعة حين العقد لا يندفع بأن المراد بها الرؤية مطلقا فالمنافاة حاصلة قطعا لا تندفع بها فكيف يحمل بمن سلم ما للحطاب تبعا لابن عرفة أن يقبل الجواب المذكور ا ه\rوسلمه كنون\rالوجه الثاني\rأنه يشهد لما قاله كلام ابن عرفة وكلام المدونة وغيرهما أما ابن عرفة فإن حده للجزاف لا يصدق على ما ذكر لقوله في حده بيع ما يمكن علم قدره إلخ إذ لا يمكن علم قدر ما ذكر حين البيع وإن أمكن في ثاني حال ويأتي التصريح بذلك في نقل التوضيح فأما المدونة ففيها إلخ وأما كلام غيرهما ففي ضيح إلخ وساق النصوص على الترتيب فانظره الشرط الثاني أن يكون المشتري والبائع جاهلين بقدره خلافا للشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لأنه غش إذ عدولهما عن الكيل أي مع علمها به يشعر بطلب المغابنة ولقوله عليه السلام من علم كيل طعام فلا يبعه جزافا حتى يبينه قال الرهوني إنما احترز بهذا الشرط عن علم أحدهما فقط بقرينتين إحداهما معنوية وهي أن هذا الشرط كغيره من بقية الشروط في الصحة فلا يصح الاحتراز به عن علمها معا به حين العقد لأنه يقتضي فساد البيع فيها ولا وجه له حتى على حد غير ابن عرفة للجزاف وثانيهما لفظية وهي قول خليل في محترزه فإن علم أحدهما فقط بعلم الآخر بقدرة خير وإن أعلمه أولا فسد كالمغنية ا ه\r","part":3,"page":394},{"id":1115,"text":"الشرط الثالث أن يعتاد الحزر في ذلك وأن يحذرا بالفعل فإن لم يعتد أو اعتاد أحدهما لم يجز خلافا للشافعي رضي الله عنه في اكتفائه بالرؤية فإن الرؤية لا تنفي الغرر في المقدار نعم قال عبق إن اختلفت عادتهما في حزر قدر كيله ووكلا من يحزره بالفعل جاز كذا يظهر ا ه\rوسلمه محشوه الشرط الرابع عدم المزابنة المنهي عنها وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه كبيع صبرة جير أو جبس بمكيلة من ذلك الجنس الشرط الخامس نفي ما يتوقع معه الربا فلا يباع أحد النقدين بالآخر جزافا ولا طعام بطعام من جنسه جزافا الشرط السادس أن يكون كثيرا لا جدا فإن كثر جدا بحيث يتعذر حزره أو قل جدا بحيث يسهل عدده لم يجز بيعه جزافا\rوأما ما قل جدا بحيث يسهل كيله أو وزنه فيجوز جزافا لأن المشقة لا تعتبر في جواز بيع المكيل والموزون جزافا كما تقدم\rالشرط السابع\rأن تستوي أرضه فإذا علما أولا عدم الاستواء فسد وإذا دخلا على الاستواء فظهر عدمه فالخيار كما في الحطاب والمواق أفاده البناني وسلمه الرهوني وكنون وما لا يجوز بيعه جزافا عبارة عما فقد واحدا من الشروط السبعة من المكيل والموزون ومن الشروط التسعة من المعدود فتحقق هذه الشروط وعدم تحققها هو الفرق بين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم\rمسألة في الشرط الأول قال البناني أحوال الزرع خمسة قائم وغير قائم وغير القائم إما قت وإما منفوش وإما في تبن وإما مخلص والمبيع إما الحب وحده وإما السنبل بما فيه من الحب فإن كان المبيع لحب وحده جاز جزافا في المخلص فقط دون غيره لأنه غير معين للحس حتى يستدل بظاهره على باطنه فيمكن حزره وإن كان المبيع السنبل بما فيه من الحب جاز بيعه جزافا في القت والقائم دون المنفوش وما في تبنه الباجي لا خلاف أنه لا يجوز أن يفرد الحنطة في سنبلها بالشراء دون السنبل وكذلك الجوز واللوز والباقلا لا يجوز أن يفرد بالبيع دون قشره على الجزاف ما دام فيه\r","part":3,"page":395},{"id":1116,"text":"وأما شراء السنبل إذا يبس ولم ينقعه الماء فجائز وكذلك الجوز واللوز والباقلا ا ه\rنقله المواق عند قوله في التداخل وصح بيع ثمر ونحوه بعد إصلاحه أهو في حاشية الرهوني والمنفوش قال أبو علي هو المخلوط بحيث لا يبقى سنبله لناحية كما هو محقق في كلام ابن عبد السلام وغيره ثم قال ومن خدم الزرع ومارس خدمته علم أن ما أشار إليه ابن عبد السلام حق لا مرية فيه وذلك أن الزرع إذا خلط في الأندر وهو القاعة في لغتنا لا يمكن حزره والقت في لغتنا إنما يطلق على القليل فإذا جمع بعضه إلى بعض في محله سمي مطا فإذا جعل في القاعة سمي نادرا والحزر إنما يكون في القت كما لا يخفى فافهمه ا ه منه ملخصا بلفظه وهو حق لا شك فيه فنقل ابن عرفة عن ابن رشد أن الصواب جواز بيع القمح في أندره قبل درسه لأنه يحزر ويرى سنبله ويعرف قدره قال وهو نقل الجلاب عن المذهب ا ه\rإنما هو فيما يرى سنبله وهو ما كان فرشة واحدة أو حزما أو قبضا بدليل تعليله بقوله لأنه يحزر إلخ وهو الذي يفيده أيضا نقل ابن عرفة عن عياض ونصه والحب إذا اختلط في أندره وكدس بعضه على بعض قال عياض لا يجوز بيعه وإن كان حزما أو قبضا يأخذها الحزر فقولان وسمع ابن القاسم لا يباع القمح في أندره بعد ما يحصد في تبنه وهو غرر ابن رشد يريد في تبنه بعد درسه وأما قبل درسه فجائز لأنه يحزر ويرى سنبله ويعرف قدره وقيل لا يجوز\rوقاله التونسي وحمل غير السماع عليه والصواب الأول وهو نقل الجلاب عن المذهب ا ه منه بلفظه\rفإن قوله وأما قبل درسه فجائز إلخ وقوله وقيل لا يجوز وقاله التونسي يدل على ذلك أيضا لأنهما القولان في كلام عياض فيما كان حزما أو قبضا يأخذها الحزر ولنسبة مقابل الجواز للتونسي وهو يقول بالمنع فيما كان حزما أو قبضا كما في ضيح عند قول ابن الحاجب وبخلاف الزرع قائما\r","part":3,"page":396},{"id":1117,"text":"وكذا محصودا على الأشهر ونصه والأشهر في المحصود الجواز قياسا على القائم وقيل بالمنع قياسا على ما كان منه حال الدرس وهو قول التونسي وظاهر كلامه أن الجواز أعم من أن يكون حزما أم لا وينبغي أن يقيد بما إذا كان حزما فقد قال صاحب الإكمال لا خلاف أنه لا يجوز بيعه إذا خلط في الأندر ا ه\rوالصواب الأول وهو نقل الجلاب عن المذهب ومراده بالأول القول بالجواز لأن محله إذا كان حزما ونحوها مما يأخذه الحزر بدليل عزوه للجلاب ونص الجلاب ولا بأس ببيع الزرع إذا يبس واشتد ولا بأس ببيعه بعد جزازه إذا كان حزما ا ه\rمنه بلفظه ا ه\rكلام الرهوني ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة\rوهو أن ما يجوز بيعه وهو غائب عن مجلس العقد على الصفة قال إلا الأصل عبارة عما اجتمع فيه ثلاثة شروط الأول أن لا يكون قريبا جدا تمكن الرؤية من غير مشقة كأن يكون ببلد العقد لأنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر الشرط الثاني أن لا يكون بعيدا جدا لتوقع تغيره قبل التسليم أو يتعذر تسليمه الشرط الثالث أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها وهي شروط التسليم ليكون مقصود المالية حاصلا ا ه\rوسلمه ابن الشاط لكن الذي يفيده قول خليل في مختصره أو وصفه غير بائعه إن لم يعد كخراسان من إفريقية ولم تمكن رؤيته بلا مشقة ا ه\rأن شروط الجواز المعتمدة اثنان الأول والثاني في كلام الأصل وإن اشتراط أن يكون الواصف له غير بائعه ضعيف فقد قال عبق والرهوني في حله قوله أو وصفه غير بائعه هو مصدر مجرور بالعطف على المصدر قبله فهو مدخول للنفي أي وجاز بيع غائب ولو بلا وصفه غير بائعه بأن وصفه بائعه وما\r","part":3,"page":397},{"id":1118,"text":"ذهب عليه المصنف قال في ضيح هو ظاهر المذهب وأخذ جماعة من المدونة ابن العطار وبه العمل وفي الموازية والعتبية اشتراط ذلك لأن البائع لا يوثق بصفته إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لتنفق سلعته ا ه\rمحل الحاجة منه بلفظه ا ه\rفالمصنف رد بلو على من قال بالمنع لأنه قد يتجاوز في وصفه لنفاق سلعته ا ه\rوتعقبه عبق والرهوني في قوله ولم تمكن رؤيته بلا مشقة فقال الرهوني تبع المصنف ما في الموازية مع قبوله في ضيح قول ابن عبد السلام فالأشهر الجواز أي جواز بيع غير حاضر مجلس العقد بالصفة ولو بالبلد وإن لم يكن في إحضاره مشقة عليه لأنه منصوص عليه في المدونة في خمسة مواضع وإنما منعه في كتاب ابن المواز ا ه\rوما كان ينبغي له ذلك وقد بين في التوضيح المواضع الخمسة وكلها تقيد ما قالوه إلا الأول منها في كلامه وهو قوله ففي آخر السلم الثالث وإن بعت من رجل رطل حديد بعينه في بيتك ثم افترقتما قبل قبضه وزنته جاز ذلك ا ه فإنه لم يظهر لي وجه الدليل منه إذ يحتمل أن يكون البيع وقع على رطل معين سبقت رؤيته فتأمله ا ه\rكلام الرهوني بتوضيح\rوأما حاضر مجلس العقد فلا بد من رؤيته إلا ما في فتحه ضررا وفسادا كما مر ا ه\rعبق وأما شرط أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها فلم يعدوه من شروط الجواز كما فعل الأصل بل قال ابن عرفة يشترط في لزوم بيع الغائب وصفه بما تختلف الأغراض فيه لأنه المعتبر في السلم المقيس هذا عليه ا ه\rكما في البناني عن الرماصي\rوقد قال حفيد بن رشد في بدايته وينبغي أن تعلم أن التقدير في السلم يكون بالوزن فيما يمكن فيه الوزن وبالكيل فيما يمكن فيه الكيل وبالذرع فيما يمكن فيه الذرع وبالعدد فيما يمكن فيه العدد وإن لم يمكن فيه أحد هذه التقديرات انضبط بالصفات المقصودة من الجنس من ذكر الجنس إن كان أنواعا مختلفة أو مع تركه إن كان واحدا ا ه\r","part":3,"page":398},{"id":1119,"text":"محل الحاجة منه بلفظه ولا يلزم من كونه شرطا في اللزوم أن يكون شرطا في الجواز فافهم وقد قال الأصل فإن لم يذكر الجنس أي مع صفات المقصودة فيما كان أنواعا مختلة بأن يقول ثوب أو عبد امتنع إجماعا واختلف فيما إذا اقتصر على\rذكر الجنس فجوزه أبو حنيفة إذا عينه بمكانه فقط فيقول بعتك ثوبا في مخزني بالبصرة أو بعتك ما في كمي وللمشتري الخيار عند الرؤية فلا ضرر عليه ومنع بيع ثوب من أربعة وأجازه من ثلاثة أثواب لاشتمالها على الجيد والرديء والوسط والرابع إذا انضاف إليها غرر لغير ضرورة وكذلك أجاز خيار ثلاثة أيام فقط ومنع مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم الاقتصار على الجنس فقط لبعد العقد عن اللزوم بسبب توقع مخالفة الغرض عند الرؤية ووافق مالك وابن حنبل أبا حنيفة على الجواز إذا أضاف للجنس صفات السلم إلا أنهما ألزما البيع إذا رآه موافقا وأثبت أبو حنيفة له الخيار عند الرؤية وإن وافق الصفة ومنع بيع الحيوان على الصفة لعدم انضباطه بالصفة وهي سبب نفاسته وخساسته ومنع الشافعي صحة بيع الغائب بالصفة مطلقا وبالجملة فالصفة عند أبي حنيفة رضي الله عنه في غير الحيوان توجب الصحة دون اللزوم\rوعند الشافعي لا توجبها مطلقا وعندنا توجبهما مطلقا ا ه وقال حفيد بن رشد في بدايته واختلف العلماء في مبيع غائب أو متعذر الرؤية فقال قوم بيع الغائب لا يجوز بحال من الأحوال لا وصف ولا لم يوصف وهذا أشهر قولي الشافعي وهو المنصوص عند أصحابه أعني أن بيع الغائب على الصفة لا يجوز وقال مالك وأكثر أهل المدينة يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه قبل قبض صفته\r","part":3,"page":399},{"id":1120,"text":"وقال أبو حنيفة يجوز بيع العين الغائبة من غير صفة ثم له إذا رآها الخيار فإن شاء أنفذ البيع وإن شاء رده وكذلك المبيع على الصفة من شرطه عندهم خيار الرؤية وإن جاء على الصفة وعند مالك إذا جاء على الصفة فهو لازم وعند الشافعي لا ينعقد البيع أصلا في الموضعين أي على الصفة وعلى غير الصفة وقد قيل في المذهب يجوز بيع الغائب من غير صفة على شرط الخيار خيار الرؤية وقع ذلك في المدونة وأنكره عبد الوهاب وقال هو مخالف لأصولنا ا ه\rلكن قال عبق أو أباعه على خياره بالرؤية من غير وصف ولا تقدم رؤية فلا يجوز ولو بعد جدا انظر الحطاب ا ه\rوفي حاشية الرهوني قال الحطاب بعد نقله كلام ابن عبد السلام وضيح ما نصه ويفهم من كلامهما إن ذلك مع الصفة\rوأما مع عدم الوصف إذا بيع بالخيار فلا والظاهر أنه كذلك ا ه\rوتبعه أبو علي قائلا ما نصه وعليه يدل كلام المقدمات الذي قدمناه ا ه\rوالذي قدمه هو قوله وقال ابن رشد في مقدماته وبيع الغائب على مذهب ابن القاسم جائز ما لم يتفاحش بعده ا ه\rولم يزد على هذا شيئا ا ه\r","part":3,"page":400},{"id":1121,"text":"كلام أبي علي بلفظه فانظر كيف يكون كلام المقدمات هذا دليلا على ما زعمه والظاهر أنه يشترط ذلك أي عدم البعد جدا لأنه إذا كان شرطا في بيع الخيار الحقيقي مع أنه مجمع على جوازه فكيف بهذا الخيار الذي منعه الشافعي رضي الله عنه وفيه في المذهب ما قد علمت من ظهور وجه منعه لأنه خروج بالأوضاع الشرعية عن محالها وعبث وأفعال العقلاء تصان عنه وقياس ذلك على بيع الحاضر بخيار لهما لا يصح وإن كان الشيخ محمد البناني أشار إلى صحته بقوله على أن ذلك لا يخرجه عن بيع الخيار بمنزلة جعله لهما لوضوح الفرق بينهما وذلك أن مسألة الخيار المجعول لهما معا ليس فيها غرر والتأخير فيها لإمضاء البيع باختيارهما فعلاه لمصلحة التروي وهما حين العقد قادران على بته وإمضائه وما من لحظة تمضي بعد العقد إلا وهما قادران فيها على إبرامه وإمضائه فالتأخير حق لهما لا حق لله فيه بخلاف مسألتنا فهما ممنوعان لحق الله من إمضائه حال العقد وبعده إلا إذا حصلت الرؤية فافترقا فتأمله بإنصاف والله أعلم ا ه\r","part":3,"page":401},{"id":1122,"text":"فظهر أن ما وقع في المدونة هو المذهب بشرط عدم البعد جدا ولا عبرة بإنكار عبد الوهاب المذكور وإن وصفه بصفاته المقصودة شرط في اللزوم لا في الجواز فتنبه قال الأصل وحجة أبو حنيفة رضي الله عنه أربعة أمور الأمر الأول إن الجهل إنما وقع في الصفات دون الذوات ونهيه عليه السلام عن بيع المجهول إنما هو فيما جهلت ذاته لأن الجهل بالذات أقوى لأن الصفة تبع للذات وجوابه إن تفاوت المالية إنما هو بتفاوت الصفات دون الذوات ومقصود الشرع حفظ المال عن الضياع الأمر الثاني قوله عليه السلام من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه وجوابه الدارقطني هو موضوع الأمر الثالث إنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الصفة كالنكاح وباطن الصبرة والفواكه في قشرها وجوابه إنا نقلبه عليهم فنقول عقد معاوضة فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح وكل من قال بانتفاء خيار الرؤية قال باشتراط الصفة فنشترط ثم الفرق سترة المخدرات عن الكشف لكل خاطب لئلا يتسلط عليهن السفهاء وباطن الصبرة مساو لظاهرها والعلم بأحد المتساويين علم بالآخر وليست صفات المبيع مساوية لجنسه الأمر الرابع القياس على الأخذ بالشفعة لا يشترط معرفة أوصافه وجوابه أن الأخذ بالشفعة دفع للضرر فلا يلحق به ما لا ضرر فيه وحجة الشافعي رضي الله عنه أمران الأمر الأول القياس على السلم في المعين وإن وصف وجوابه الفرق بأن من شرط السلم أن يكون في الذمة والمعين لا يكون في الذمة بدليل أنه لو رآه وأسلم فيه لم يصح\rالأمر الثاني نهيه عليه السلام بيع المجهول وجوابه بوجهين الأول أن الصفة تنفي الجهالة لقوله تعالى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين فأخبر تعالى أن رسوله محمدا {صلى الله عليه وسلم} كان معروفا عندهم لأجل الإحاطة بصفته في كتبهم الوجه الثاني القياس على السلم ا ه\r","part":3,"page":402},{"id":1123,"text":"أي في أن المعتبر في السلم فيه أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها كما يفيده كلام ابن عرفة المتقدم وقال حفيد ابن رشد في بدايته وسبب الخلاف أي المذكور بين الأئمة هل نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالحس هو جهل مؤثر في بيع الشيء فيكون من الغرر الكثير أم ليس بمؤثر وأنه من الغرر اليسير المعفو عنه الشافعي رآه من الغرر الكثير ومالك رآه من الغرر اليسير\rوأما أبو حنيفة فإنه رأى أنه إذا كان له خيار الرؤية أنه لا غرر هناك وإن لم تكن له رؤية وأما مالك فرأى أن الجهل المقترن بعدم الصفة مؤثر في انعقاد المبيع ولا خلاف عند مالك أن الصفة إنما تنوب عن المعاينة لمكان غيبة المبيع أو لمكان المشقة التي في نشره وما يخاف أن يلحقه من الفساد بتكرار النشر عليه ولهذا أجاز البيع على البرنامج على الصفة ولم يجز عنده بيع السلاح في جرابه ولا الثوب المطوي في طيه حتى ينشر أو ينظر إلى ما في جرابها واحتج أبو حنيفة بما روي عن ابن المسيب أنه قال قال أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} وددنا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف تبايعا حتى نعلم أيهما أعظم جدا في التجارة فاشترى عبد الرحمن من عثمان بن عفان فرسا بأرض له أخرى بأربعين ألفا أو أربعة آلاف فذكر تمام الخبر وفيه بيع الغائب مطلقا ولا بد عند أبي حنيفة من اشتراط الجنس ويدخل البيع على الصفة أو على خيار الرؤية من جهة ما هو غائب غرر آخر وهو هل هو موجود وقت العقد أو معدوم ولذلك اشترطوا فيه أن يكون قريب الغيبة إلا أن يكون مأمونا كالعقار ومن هاهنا أجاز مالك بيع الشيء برؤية متقدمة أعني إذا كان من القرب بحيث يؤمن أن تتغير فيه صفته فأعلمه ا ه\r","part":3,"page":403},{"id":1124,"text":"وما لا يجوز بيعه وهو غائب عن مجلس العقد على الصفة عبارة عما فقد واحدا من الشروط الثلاثة على ما للأصل وابن الشاط وعما فقد شرطا أن لا يكون بعيدا جدا كخراسان من إفريقية بأن يكون قريب الغيبة بحيث يؤمن أن تتغير فيه صفته على ما حققته وعليه يدل كلام حفيد ابن رشد الذي قدمته فتحقق الثلاثة الشروط التي في كلام الأصل أو هذا الشرط فقط وعدم تحقق ذلك هو الفرق بين القاعدتين تنبيه قال الأصل حيث اشترطنا الصفات في الغائب والسلم كان المعتبر أن ينزل كل وصف على أدنى رتبة يصدق مسماه لغة عليها لعدم انضباط مراتب الأوصاف في الزيادة والنقص فيؤدي ذلك للخصام والقتال والجهالة بالمبيع والله أعلم\rالفرق الثامن والثمانون والمائة بين قاعدة تحريم بيع الربوي بجنسه وبين قاعدة عدم تحريم بيعه بجنسه\r","part":3,"page":404},{"id":1125,"text":"واتفق الأئمة الأربعة على جواز بيع الربوي بجنسه إذا كان الربويان مستويين في المقدار ولم يكن معهما ولا مع أحدهما عين أخرى ولا جنس آخر واتفق الجميع على المنع إذا كان الربويان مستويين في المقدار ومع أحدهما عين أخرى لأنها تقابل من أحدهما جزءا فيبقى أحدهما أكثر من الآخر بالضرورة فيذهب ما يعتمد عليه أبو حنيفة من حسن الظن بالمسلمين واختلفوا فيما إذا اتحد جنس الربوي من الطرفين وكان معهما أو مع أحدهما جنس آخر يمتنع حينئذ البيع أو يجوز فذهب إلى الأول مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم محتجين بثلاثة وجوه الوجه الأول أن المضاف يحتمل أن يقابله من الآخر ما لا يبقى بعد المقابلة إلا أقل من مساوي المضاف إليه والمماثلة إليه والمماثلة شرط والجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط فلا يقضي بالصحة الوجه الثاني أنه ذريعة إلى التفاضل فيجب سدها لا سيما وقد قال {صلى الله عليه وسلم} لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل فجعل الجميع على المنع إلا في حالة المماثلة وهذه الحالة غير معلومة في صورة النزاع فوجب بقاؤها على المنع الوجه الثالث في مسلم عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه أتي بقلادة وهو بخيبر فيها ذهب وخرز فمنع بيعها حتى تفصل وذهب إلى الثاني أبو حنيفة رضي الله عنه بناء على أمرين الأول أن ظاهر حال المسلمين يقتضي الظن بحصول المماثلة والظن كاف في ذلك كالطهارات وغيرها وأجاب الحنفية\r","part":3,"page":405},{"id":1126,"text":"الأمر الثاني أن قضية القلادة واقعة عين لم يتعين المنع فيها لما ذكر أي من أن المضاف يحتمل أن يقابله من الآخر ما لا يبقى بعد المقابلة إلا أقل من مساوي المضاف إليه إلخ بل لأن الحلي الذي كان فيها كان مجهول الزنة ونحن لا نجيزه مع الجهل بالزنة فإذا فصلت القلادة ووزنت علم وزنها فجاز بيعها فلم قلتم أن المنع ما كان لذلك والجواب عن الأول إنا لا نسلم أن الظن يكفي في المماثلة في باب الربا بل لا بد من العلم بشهادة الميزان والمكيال وباب الربا أضيق من باب الطهارة فلا يقاس عليه وعن الأمر الثاني بأنا لم نقل إن المنع في قضية القلادة كان لأن الحلي الذي كان فيها كان مجهول الزنة بل قلنا إن المنع فيها كان لما ذكرناه اعتمادا على حديث لا تبيعوا الذهب بالذهب إلخ لأن حالة المماثلة الذي مفاد الحديث اشتراطها في جواز البيع غير معلومة في صورة النزاع فوجب بقاؤها على المنع كما تقدم على أنه يلزم على أصل أبي حنيفة أن يجوز بيع دينار في قرطاس بدينارين لاحتمال مقابلة الدينار الزائد بالقرطاس وهو قد جوزه وهو شنيع فتأمل وهذه القاعدة تسمى بمد عجوة ودرهم بدرهمين والله سبحانه وتعالى أعلم\rمسألة قال حفيد بن رشد في بدايته اختلف العلماء في السيف والمصحف المحلى يباع بالفضة وفيه حلية فضة أو بالذهب وفيه حلية ذهب فقال الشافعي لا يجوز ذلك لجهل المماثلة المشترطة في بيع الفضة بالفضة في ذلك والذهب بالذهب وقال مالك إن كان قيمة ما فيه من الذهب أو الفضة الثلث فأقل جاز بيعه أعني بالفضة إن كانت حليته فضة أو بالذهب إن كانت حليته ذهبا وإلا لم يجز وكأنه رأى أنه إذا كانت الفضة قليلة لم تكن مقصودة في البيع وصارت كلها هبة\r","part":3,"page":406},{"id":1127,"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة إذا كانت الفضة أكثر من الفضة التي في السيف وكذلك الأمر في بيع السيف المحلى بالذهب لأنهم رأوا أن الفضة فيه أو الذهب يقابل مثله من الذهب أو الفضة المشتراة به ويبقى الفضل قيمة السيف وحجة الشافعي عموم الأحاديث والنص الوارد في ذلك من حديث فضالة بن عبد الله الأنصاري أنه قال أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالذهب الذي في القلادة ينزع وحده ثم قال لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الذهب بالذهب وزنا بوزن خرجه مسلم ا ه\rمحل الحاجة منه بلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والثمانون بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه\rقال القاضي عبد الوهاب المبيع على ثلاثة أقسام سلم في الذمة وغائب على الصفة وحاضر معين ا ه\rأي متعلق العقود بيعها أو نحوه لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة المعين وغيره والذي فيه شبه منهما فالسلم في الذمة هو المتعلق الغير المعين إذ هو أشخاص غير معينة مما يدخل تحت الكلي ولذلك صح الوفاء بأي فرد كان من ذلك الجنس إذا وافق الصفات المشروطة في العقد والأرجح بفرد غيره وتبينا أن المعقود عليه باق في الذمة إلى الآن حتى يقبض من ذلك الجنس فرد مطابق للصفات في العقد هذا متفق عليه والغائب على الصفة هو المتعلق الذي فيه شبه بالمعين وغير المعين وذلك أنه من جهة أنه غير مرئي أشبه ما في الذمة ولذلك قيل ضمانه من البائع ومن جهة أن العقد لم يقع على جنس بل على مشخص معين أشبه المعين ولذلك قيل ضمانه من المشتري قاله الأصل وهو ضعيف والراجح أن الغائب المبيع معين وأما كون ضمانه من البائع أو من المبتاع فلأمور غير كونه معينا أو غير معين كما قال ابن الشاط والحاضر المعين هو المتعلق المعين أي مشخص الجنس وخاصته أنه إذا فات ذلك المشخص قبل\r","part":3,"page":407},{"id":1128,"text":"القبض انفسخ العقد اتفاقا لكن وقع الخلاف في صورتين استثنيتا من قاعدة المشخصات الصورة الأولى أن يكون لك دين على أحد فتأخذ فيه سكنى دار أو خدمة عبد أو ثمرة يتأخر قبضها فقال ابن القاسم في المدونة لا يجوز إن كان المفسوخ فيه معينا يتأخر قبضه أو منافع معين وأجراه مجرى فسخ الدين في الدين لأجل صورة التأخير في القبض أي إما في الكل وإما في الأجزاء وإن عين محل المعاوضة أي وهذا هو الراجح\rوقال أشهب يجوز ذلك إذا كان المفسوخ فيه معينا أو منافع معين لأن المعين لا يكون في الذمة وما لا يكون في الذمة لا يكون فليس هاهنا فسخ الدين وهو أوجه كما في الأصل ووافقه ابن الشاط قال عبق ولأن المنافع إذا أسندت لمعين أشبهت المعينات المقبوضة وصححه المتأخرون لأنها لو كانت كالدين يمنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراؤها بدين والمذهب جوازه وكذا شراؤها به اتفاقا كما في المواق ا ه\rقال الدسوقي وقد كان عج يعمل به فكانت له حانوت ساكن فيها مجلد يجلد الكتب فكان إذا ترتب له جرة في ذمته يستأجره بها على تسفير كتب وكان يقول هذا قول أشهب وصححه المتأخرون وأفتى به ابن رشد ا ه\rعلى أن البناني قال قال ابن رشد إنما يمنع ابن القاسم فسخ الدين في منافع المعين في الاختيار\rوأما في الضرورة فهو عنده جائز مثل أن يكون في صحراء ولا يجد كراء ويخشى على نفسه الهلاك فيجوز له أخذ منافع دابة عن دينه قاله في رسم السلم من سماع عيسى من البيوع ا ه\r","part":3,"page":408},{"id":1129,"text":"منه بلفظه قال عبق وظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة أنه لا فرق في المنع بين كون الدين حالا أو مؤجلا وإذ كان مؤجلا فلا فرق بين كون المنافع تستوفى من المعين قبل حلوله أو معه أو بعده بقرب الأجل أو بعده وأجازه أشهب بل في المواق إن ابن سراج قال لم يجعل في المدونة اليوم واليومين أجلا فيجوز فسخ الدين في خدمة المعين اليوم واليومين ولا إشكال في ذلك على قول أشهب وقد رشحه أي رجحه ابن يونس ومنه يستفاد جواز من له عند شخص دين فيقول له احرث معي اليوم أو تنسج معي اليوم وأعطيك مما عليك من الدين في نظير هذا درهما وكذا إذا استعمله في زمن كثير من غير شرط أن يقتطع له أجرة مما عليه فله أن يقاصه مما ترتب له في ذمته من الأجرة من الدين الذي له عليه على قول أشهب وبه أفتى ابن رشد لكنه مخالف لابن القاسم ولم يكن يخفى على ابن رشد قول ابن القاسم\rوما خالفه إلا لظهوره أي قول أشهب عنده ا ه باختصار وبعض إيضاح قلت وبهذا يخرج عن حرمة تقليد الضعيف لما رجحه الأشياخ وصححه المتأخرون وأفتى ابن رشد ولعل وجه ظهوره أنه ليس في هذا فسخ دين في دين\rوإنما فيه المقاصة كما أشار له بقوله يقاصه بل الظاهر أن ابن القاسم لا يخالف في هذه حيث لا شرط ولا عرف ولا نوى الاقتطاع ولكن المتبادر من فتوى ابن رشد جوازه مع نية الاقتطاع أيضا حيث لم يشترطه ا ه كلام عبق بتصرف ما\rوتعقب البناني قوله لكنه مخالف لابن القاسم إلخ غير صحيح وليس ذلك في المواق بل هو تحريف لكلامه ونصه وكان ابن سراج يقول إذ خدم معك من لك عليه دين بغير شرط فإنه يجوز لك أن تقاصه عند الفراغ من الدين الذي عليه قال وبهذا أفتى ابن رشد في نوازله لظهوره عنده إذ ما كان ابن رشد يخفى عليه قول ابن القاسم ا ه\rفهذا يدل على موافقته لابن القاسم لا مخالفته له تأمله ا ه\r","part":3,"page":409},{"id":1130,"text":"وسلمه الرهوني وكنون ولم يسلما تعقبه على قوله وظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة إلخ بأن الذي في المواق من نقل ابن يونس عن مالك أن استعمال المدين في اليسير والدين لم يحل جائز وإن حل فلا يجوز في يسير ولا كثير ا ه\rبل قالا ليس في نقل المواق عن ابن يونس ولا في كلام ابن يونس ما ذكره البناني عنه والله أعلم ا ه\rقال عبق واتفق ابن القاسم وأشهب على منع فسخ الدين في منافع مضمونة كركوب دابة غير معينة وسكنى دار كذلك قاله الشارح واعترض بأن الدار والحانوت لا بد من تعينها في الكراء ولو اكتريا بالنقد ا ه\rمن عج تبعا لبعض الشارحين أي فكيف يتأتى أن تكون مضمونة وقد يقال لا مانع كما يفيده ما مر في الحج من قوله فالمضمونة كغيره وما يأتي في قوله وإن ضمنت فجنس ا ه\rلكن قال البناني أن ما تقدم في الحج وما سيأتي كلاهما في غير الرباع وسيقول وعين متعلم ورضيع ودار وحانوت فلا يصح قوله وقد يقال لا مانع إلخ ا ه\rوسلمه الرهوني وكنون الصورة الثانية النقود إذا شخصت وتعينت للحس بدون أن تختص بصفة الحلي أو رواج السكة أو نحوهما ففي تعينها وعدم تعينها أقوال ثالثها إن شاء بائعها لأنه أملك بها لقابضها الأول نسبه الأصل للشافعي وابن حنبل والثاني نسبه لمشهور مذهب مالك وقول أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين والثالث لم ينسبه لأحد قال وأما إذا اختص النقد بصفة نحو الحلي أو رواج السكة فإنها تتعين اتفاقا واحتج الشافعي رضي الله عنه للقول الأول بثلاثة أمور\rالأمر الأول إن غرضه متعلق بها عند الفلس والنقد المعين آكد من الذي في الذمة لتشخصه فإذا تعين النقدان في الذمة وجب أن يتعينا إذا شخصا بطريق الأولى وجوابه أن المفلس نادر والنادر ملحق بالغالب في الشرع\r","part":3,"page":410},{"id":1131,"text":"الأمر الثاني أن الدين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذمة أخرى فوجب أن يتعين النقدان بالقياس على الدين وجوابه أن الدين إنما تعين ولم يجز أن ينقله إلى ذمة أخرى لأن الذمم تختلف باللدد وقرب الإعسار فلذلك تعين الدين ولو حصل في النقد اختلاف لتعينت أيضا اتفاقا وإنما الكلام عند عدم الاختلاف أي فالقياس على الدين قياس مع الفارق فلا يصح الأمر الثالث أن ذوات الأمثال كأرطال الزيت من خابية واحدة وأقفزة القمح من صبرة واحدة لا يتعلق بخصوصياتها غرض بل كل قفيز منها يسد مسد الآخر عند العقلاء ومع ذلك فلو باعه قفيزا من أقفزة كيلت من صبرة واحدة أو رطلا من أرطال زيت وزنت من جرة واحدة وجعله مورد العقد وعينه لم يكن له إبداله بغيره بل يتعين بالتعيين مع عدم الغرض فكذلك النقدان وجوابه أن السلع وإن كانت ذوات أمثال فإنها مقاصد والنقدان وسيلتان لتحصيل المثمنات والمقاصد أشرف من الوسائل إجماعا فلشرفها اعتبر تشخيصها فأثرت بشرفها في تعيين تشخيصها بخلاف الوسائل فإنها لضعفها لم يعتبر تشخيصها فلم تؤثر بضعفها في تعيين تشخيصها إذا قام غيرها مقامها ولم يختص بمعنى فيها فظهر الفرق بين ذوات الأمثال من السلع وبين النقدين ولا قياس مع الفارق ويتضح الفرق بينهما بثلاث مسائل المسألة الأولى مقتضى مذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما أن خصوص النقدين لا يملك ألبتة\rولا يتناوله عقد وإنما المعاملات بين الناس بالجنس والمقدار فقط بخلاف خصوصيات المثليات وقد انبنى على ذلك فروع\r","part":3,"page":411},{"id":1132,"text":"منها أنه إذا غصب غاصب دينارا لا يتمكن المغصوب منه من طلب خصوصه لأنه إنما يستحق الزنة والجنس دون الخصوص فللغاصب أن يعطيه دينارا غيره وإن كره ربه إذا كان الدينار الذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا للسكة وللمقاصد في الدينار المغصوب ومنها أنه إذا قال المشتري للبائع في بيع المعاطاة بعني بهذا الدرهم هذه السلعة فباعه إياها به كان له أن يمتنع من دفعه ويعطيه غيره ومنها أن العقود في النقدين لا تتناول إلا الذمة خاصة عند الإمامين ومن وافقهما فلا فرق عندهما بين قول القائل بعني بدرهم وبين قوله بعني بهذا الدرهم ويعينه إذ العقد في الصورتين إنما يرد على الذمة دون ما عين نعم مالك وأصحابه وإن كانت نصوصهم تقتضي ذلك إلا أنهم إذا قيل لهم إن خصوص النقدين لا تملكه وإن خصوص كل دينار لا يملك قد يستشنعون ذلك وينكرونه وهو لازم مذهبهم بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب المسألة الثانية قال الشيخ أبو الوليد في المقدمات النقدان يتعينان باليقين في الصرف عند مالك وجمهور أصحابه وإن لم تعين تعينت بالقبض وبالمفارقة ولذلك جاز الرضى بالزائف بالصرف ا ه\rوقال سند في الطراز إذا لم يتعين النقدان فالعقد إنما يتناول التسليم والقبض وإذا صرف رديئا وقد افترقا قبل القبض لا يتناوله العقد فيفسد فإن قلنا بأن القبض يبرئ الذمة وتعين صح العقد والطارئ بعد ذلك من استحقاق أو عيب فهو حكم متجدد لنفي الظلامة كعقد النكاح مبرم للميراث وحل الوطء\rوإذا ظهر بعد الموت عيب بأحد الزوجين يوجب الرد فإذا رضي بالعيب بقي العقد على حاله وإن كره الآخر وإن أراد البدل منعه مالك إلا أن يدلس بائعه وفي\rالمسألة خلاف في كتب الفروع\r","part":3,"page":412},{"id":1133,"text":"وقال العبدلي لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين الصرف والكراء ا ه واستثناء هاتين المسألتين يحوج إلى ذكر الفرق بينهما وبين سائر المسائل وهو أن يصعب في الصرف إذ يمكن أن يقال إنما قال فيه مالك بالتعيين لضيق بابه من حيث إن الشرع أمر فيه بسرعة القبض ناجزا والتعيين من حيث إنه يحصل الجزم بالقبض والتناجز فيحصل مقصود القبض ناجزا يناسب الضيق بخلاف ما إذا قلنا إن الصرف إنما ورد على الذمة فإنه يحتمل أن يكون موافقا فيكون هذا القبض مبرئ لما في الذمة وأن لا يكون موافقا فلا يكون مبرئ لكن الفرق يصعب في الكراء إذ غاية ما يقال فيه إن الكراء يرد على المنافع المعدومة فلو لم يكن النقدان معينين فيه بل كانا في الذمة والكراء أيضا في الذمة لكان يشبه بيع الدين بالدين وهو حرام بخلاف جميع الأعيان فإنها تتعين ولا شك أن هذا الفرق مشكل فإن الكراء يجوز على الذمة تصريحا ويعينه بعد ذلك فليطلب له فرق يليق به\rالمسألة الثالثة\rإذا جرى غير النقدين من العروض مجراهما في المعاملة كالفلوس أو غيرهما كالنوط قال سند من أجرى الفلوس مجرى النقدين في تحريم الربا جعلها كالنقدين ومنع البدل في الصرف إذا وجد بعضها رديئا وقول مالك في المدونة إذا اشتريت فلوسا بدراهم فوجدت بعد التفرق بعض الفلوس رديئا استحق البدل للخلاف فيها مبني على مذهبه أن الفلوس يكره الربا فيها من غير تحريم وفيها ثلاثة أقوال التحريم والإباحة والكراهة ا ه\rكلام الأصل بتصرف وهذه الأقوال الثلاثة مبنية على أن كل عرض جرى مجرى النقدين في المعاملة كالفلوس النحاس وورق النوط يتحقق فيه وجهان وجه كونه كالعرض فقط في كونه غير ربوي قال الدسوقي على الدردير على مختصر خليل\rوهو المعتمد وعليه يقال في بيع الفلوس السحاتيت المتعامل بها بالفلوس الديوانية إن تماثلا عددا فأجز وإن جهل عدد كل فإن زاد أحدهما\r","part":3,"page":413},{"id":1134,"text":"زيادة تنفي المزابنة فأجز وإلا فلا ا ه المحتاج منه بتصرف وهو أيضا مذهب الشافعية\rوالقول المقابل للصحيح عند الحنابلة إلا أن الشافعية ومن يقول بهذا القول من الحنابلة يقولون بوجوب زكاة قيمته على التاجر مطلقا ولو محتكرا\rوأما عندنا فقال الشيخ عليش في فتاويه إن ورق النوط والفلوس النحاس المختومة بختم السلطان المتعامل بها لا زكاة في عينها لخروجها عما وجبت في عينه من النعم والأصناف المخصوصة من الحبوب والثمار والذهب والفضة ومنهما قيمة عرض المدير وثمن عرض المحتكر قال في المدونة ومن حال الحول على فلوس عنده قيمته مائتا درهم فلا زكاة عليه فيها إلا أن يكون مديرا فيقومها كالعروض ا ه وفي الطراز بعد أن ذكر عن أبي حنيفة والشافعي وجوب الزكاة في عينها واتفاقهما على تعلقها بقيمتها وعن الشافعي قولين في إخراج عينها أي في جواز إخراج عين الفلوس الجدد في زكاة النقد وقيمة عروض التجارة التي منها الفلوس\rوهو ما أفتى به البلقيني أو عدم جواز خراج عينها وهو أصل مذهب الشافعي قال والمذهب أنها لا تجب في عينها إذ لا خلاف أنها لا يعتبر وزنها ولا عددها وإنما المعتبر قيمتها فلو وجبت في عينها لاعتبر النصاب من عينها ومبلغها لا من قيمتها كما في عين الورق والذهب والحبوب والثمار فلما انقطع تعلقها بعينها جرت على حكم جنسها من النحاس والحديد وشبهه ا ه\rوالقول بالتحريم مبني على اعتبار جهة كونه كالنقد قوة في كونه ربويا قال الدسوقي وعلى أن الفلوس ربوية لا يجوز بيع الفلوس السحاتيت المتعامل بها بالفلوس الديوانية إلا إذا تماثلا وزنا أو عددا ا ه\rوقال أبو الحسن وفي السلم الأول من المدونة والصغر والنحاس عرض ما لم يضرب فلوسا فإذا ضرب فلوسا جرى مجرى الذهب والورق مجراهما فيما يحل ويحرم وفي الصرف منها ومن لك عليه درهم ثم قال وكذلك الفلوس ا ه\r","part":3,"page":414},{"id":1135,"text":"نقله الرهوني في حاشيته على عبق ونقل قبله قول عياض في التنبيهات اختلف لفظه أي مالك في الفلوس في مسائله بحسب اختلاف رأيه في أصليا هي كالعرض أو كالعين فله هنا التشديد وأنه لا يصح فيها النظرة ولا تجوز وشبهها بالعين وظاهره المنع جملة كالفضة والذهب ا ه\rوقال قبل وجزم ابن عرفة بأن بيع أحد النقدين بالفلوس صرف حيث قال الصرف ببيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس لقولها أي المدونة متى صرف دراهم بفلوس والأصل الحقيقة ا ه يقيد حرمة التأخير في ذلك جزما مع أنه قد قال بعد ذلك ما نصه وفي كون الفلوس ربوية كالعين ثالث الروايات يكره فيها ا ه\rوقال أيضا ما نصه روى محمد في الفلوس والتمائم من الرصاص تباع بعين لأجل لم يبلغه تحريمه عن أحد وليس بحرام وتركه أحب إلي اتهب بفسخ إن نزل إلا أن تفوت الفلوس بحوالة سوق أو تبطل ا ه كلام الرهوني ومفهوم قول الطراز المتقدم والمذهب أنها أي الزكاة لا تجب في عينها إلخ أنها تجب في عينها على مقابل المذهب المبني على اعتبار جهة أن نحو الفلوس كالعين فقط كما لا يخفى والقول بالكراهة مبني على اعتبار أن له مرتبة وسطى بين الجهتين المتحققتين فيه فتراعى فيه جهة كونه كالعين في\rنحو الصرف والربا ويراع فيه جهة كونه كالعرض في غير ذلك عندنا ففي حاشية الرهوني قال ابن عرفة ما نصه روى محمد في الفلوس والتمائم من الرصاص تباع بعين لأجل لم يبلغه تحريمه عن أحد وليس بحرام وتركه أحب إلي كما تقدم وفي الإرشاد المنصوص كراهة التفاضل والنساء في الفلوس ا ه\rونحوه في التلقين والتفريع والمدونة في موضعين وساق نصوص الجميع فانظره وقال قال عياض في التنبيهات بعد ما تقدم عنه ليست الفلوس كالدنانير والدراهم في جميع الأشياء\r","part":3,"page":415},{"id":1136,"text":"وليست كالدراهم العين وأجاز بدلها إذا أصابها رديئة وقال في ثاني السلم إن باع بها وكيل ضمن لأنها كالعرض إلا في سلعة يسيرة الثمن وفي الزكاة لا تزكى إلا في الإدارة كالعرض وفي السلم الثالث منع بيعها جزافا كالعين وفي الأول يسلم فيها الطعام والعرض لا غير وفي القرض من رواية عبد الرحيم جواز بيعها بالعين نظرة وفي العارية إن أعارها فهو قرض كالعين وفي الاستحقاق إن استحقت وكانت رأس مال سلم أتى بمثلها كالعين وفي الرهون إن رهنت طبع عليها كالعين ا ه المحتاج إليه من الرهوني\rوخلاصته أن هذه الرواية تراعي وجه كونه كالعرض في الزكاة فقط فتوجب زكاة قيمته على المدير وزكاة ثمنه على المحتكر وتراعي وجه كونه كالعين والنقد في الربا بنوعيه والصرف فتكره فيه تنزيها الربا بنوعيه وتستحب فيه شروط الصرف لكونه بمنزلة الربوي لا ربويا صرفا والصحيح عند الحنابلة وإن كانا فيهما مراعاة الجهتين أيضا إلا أن الأحناف راعوا في الزكاة جهة كونه كالعين فأوجبوا في قيمته الزكاة في الربا بنوعيه والصرف جهة كونه كالعرض فلم يشترطوا في بيعه بالدراهم أو الدنانير شروط الصرف وأجازوا فيه الربا بنوعيه والصحيح عند الحنابلة راعى جهة كونه كالعرض في الزكاة وربا الفضل فأوجب زكاته على التاجر مطلقا وأجاز فيه ربا الفضل وراعى جهة كونه كالعين والنقد في الصرف وربا النساء فشرط في صرفه بالدراهم أو الدنانير شروط الصرف ومنع فيه ربا النساء انظر رسالتي شمس الإشراق في حكم التعامل بالأوراق هذا وقال الإمام ابن الشاط الذي يقوي عندي مذهب الشافعي أي بأن النقود تتعين بالشخص على قاعدة المشخصات وأقوى حججه قياس النقدين على ذوات الأمثال وما أجيب به من أن ذوات الأمثال مقاصد والنقدين وسائل ليس بفرق يقدح مثله في مثل ذلك القياس قال وما\r","part":3,"page":416},{"id":1137,"text":"قاله الشهاب في فرع الغاصب ضعيف والصحيح في النظر لزوم رد الدينار المغصوب بعينه ما دام قائما أما إذا فات فله رد غيره وكل ما قاله في الفروع بعده فهو عندي غير صحيح والقول بأن الدينار الذي في يد الإنسان بميراثه من أبيه أو بأخذه عوضا عن سلعة معينة كانت ملكه ليس ملكا له من أشنع قول يسمع وأفحش مذهب ببطلانه يقطع ولما كانت المسألة الثانية مبنية على عدم تعين النقدين بالتعيين أشكل الفرق بين مسألتي الصرف والكراء والصحيح أن ذلك الأصل غير صحيح فلا إشكال والله أعلم ا ه\rالفرق التسعون والمائة بين قاعدة ما يدخله ربا الفضل وبين قاعدة ما لا يدخله ربا الفضل\rأجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح لا يجوز إلا مثلا بمثل يدا بيد فلا يجوز في صنف واحد منها التفاضل ولا النساء بإجماعهم إلا ما روي عن ابن عباس ومن تبعه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كزيد بن أرقم وغيره فإنهم أجازوا بيع ما ذكر متفاضلا ومنعوه نسيئة فقط تمسكا بظاهر ما\rرواه ابن عباس عن أسامة بن زيد عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهو حديث صحيح ظاهره حصر الربا المحرم في النسيئة فلا يحرم الفضل\r","part":3,"page":417},{"id":1138,"text":"وأما الجمهور فتمسكوا بحديث الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد وإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد وغيره من الأحاديث الصحيحة التي هي نص فيما قالوه كحديث عمر بن الخطاب قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء التمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء الشعير بالشعير ربا إلا هاء وإلا هاء فتضمن حديث عبادة مع التفاضل في الصنف الواحد وإباحته في الصنفين ومنع النساء في الصنفين وتضمن حديث عمر منع النسيئة في صنف واحد من هذه الأصناف وكحديث أبي سعيد الخدري الذي\rرواه مالك عن نافع عنه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل\rولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز وهو من أصح ما روي في هذا الباب وهو يتضمن منع التفاضل في الصنف الواحد من النقدين ومنع النسيئة مطلقا أي في الصنف الواحد منهما وفي الصنفين ولم يأخذوا بحديث ابن عباس لوجهين\rالوجه الأول\r","part":3,"page":418},{"id":1139,"text":"أنه ليس بنص في ذلك لأنه روي فيه لفظان أحدهما أنه قال إنما الربا في النسيئة وهذا لا يفهم منه إجازة التفاضل إلا من باب دليل الخطاب وهو ضعيف ولا سيما إذا عارضه النص وثانيهما أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهذا وإن اقتضى ظاهره أن ما عدا النسيئة فليس بربا لكنه يحتمل أن يريد بقوله لا ربا إلا في النسيئة من جهة أنه الواقع في الأكثر والنص إذا عارضه المحتمل وجب تأويل المحتمل على الجهة التي يصح الجمع بينهما الوجه الثاني أنه وإن سلم أنه نص عام في أفراد الربا لكنه قول بالموجب بكسر الجيم أي السبب لما روي أنه عليه السلام سئل عن مبادلة الذهب بالفضة والقمح بالشعير فقال إنما الربا في النسيئة ولا يحرم ما ذكرتم إلا أن يتأخر فسمع الراوي الجواب دون السؤال على أنه لو لم يثبت هذا فالقاعدة في أصول الفقيه أن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال والبقاع والمتعلقات فهذا عام في أفراد الربا مطلق فيما يقع فيه فيحمل على اختلاف الجنس جمعا بين الأدلة والمطلق إذا عمل به في صورة سقط الاستدلال به فيما عداها وجواز التفاضل في الصنفين من تلك الستة متفق عليه من الفقهاء إلا البر والشعير كامتناع النساء في هذه الستة فقط اتفقت الأصناف أو اختلفت إلا ما حكي عن\r","part":3,"page":419},{"id":1140,"text":"ابن علية أنه قال إذا اختلف الصنفان جاز التفاضل والنسيئة ما عدا الذهب والفضة واختلفوا فيما سوى هذه الستة المنصوص عليها فقال قوم منهم أهل الظاهر النساء ممتنع في هذه الستة فقط اتفقت الأصناف أو اختلفت كالتفاضل في صنف من هذه الستة فقط ولا يمتنع التفاضل في صنف واحد مما عدها كالنساء مطلقا نظرا إلى أن النهي المتعلق بأعيان هذه الستة من باب الخاص أريد به الخاص واتفق الجمهور من فقهاء الأمصار على أن النهي المتعلق بأعيان هذه الستة من باب الخاص أريد به العام واختلفوا في المعنى العام الذي وقع التنبيه عليه بهذه الأصناف من جهتين الجهة الأولى جهة مفهوم علة منع التفاضل فقد حكى الأصل في ذلك عشرة مذاهب خمسة منها خارج مذهبنا أحدهما تعليله بالجنس لابن سيرين قال الجنس الواحد هو الضابط والعلة في منع ربا الفضل فلا يجوز التفاضل في جنس على الإطلاق كان طعاما أو غيره لذكره عليه السلام أجناسا لا تجمعهما علة واحدة فلم تبق إلا الجنسية ولأن المعاوضة تقتضي المقابلة وفي الجنس الواحد يكون الزائد لا مقابل له فلم يتحقق موجب العقد والقاعدة أن كل عقد لا يفيد مقصوده يبطل ويرد عليه أو لا ما في الصحيحين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هاجر إليه عبد فاشتراه بعبدين من سيده وقضاؤه {صلى الله عليه وسلم} على أشياء مختلفة الأسماء فلو كان المراد الجنسية لكان اللائق بفصاحته {صلى الله عليه وسلم} أن يقول لا تبيعوا جنسا واحدا بجنسه إلا مثلا بمثل وثانيا أن المعاوضة تتبع غرض المتعاقدين فقد يقصد جعل قباله الجملة فلا يخرج شيء عن المقابلة وثانيها تعليله بكونه زكويا لربيعة رضي الله عنه قال الضابط والعلة في منع ربا الفضل هو أن يكون مما تجب فيه الزكاة فلا يباع بعير ببعير ويرد عليه ورود النص في الملح وليس بزكوي\r","part":3,"page":420},{"id":1141,"text":"وثالثها تعليله بكونه مكيلا أو موزونا من الطعام والشراب من الجنس الواحد للشافعي رحمه الله في القديم قال لأن ذلك مشترك بين الستة الواردة في الحديث والحكم المشترك تكون علته مشتركة ورابعا تعليله بالطعام للآدمي في الجنس الواحد للشافعي رحمه الله في الجديد قال فيمنع التفاضل فيما كان قوتا أو إداما أو فاكهة أو دواء للآدميين دون ما تأكله البهائم فإن أكله الآدميون وغيرهم روعي الأغلب فإن لم يكن طعاما للآدميين كالورد والرياحين ونوى التمر لم يدخله الربا لقوله {صلى الله عليه وسلم} الطعام بالطعام مثلا بمثل حيث رتب منع التفاضل على اسم الطعام والقاعدة في الأصول أن ترتيب الحكم على الوصف يقتضي عليه ذلك الوصف لذلك الحكم نحو الزانية والزاني فاجلدوا والسارق والسارقة فاقطعوا\rويرد عليه فيها أنه أهمل أفضل أوصاف الاشتراك وهو الاقتيات ولم يعتبره كما سيتضح وخامسها تعليله بكونه مكيلا أو موزونا من الجنس الواحد ولو ترابا لأبي حنيفة رحمه الله قال لأن المذكورات في الحديث من الأطعمة مكيلات ولقوله عليه الصلاة والسلام في بعض الطرق وكذا كل ما يكال أو يوزن ومثله لأحمد بن حنبل ففي كشاف القناع للشيخ منصور الحنبلي والأشهر عن إمامنا ومختار عامة الأصحاب أن علة الربا في النقدين كونهما موزوني جنس وفي الأعيان الباقية كونها مكيلات جنس فيجري الربا في كل مكيل أو موزون جنس ا ه منه بلفظه ويرد عليهما أنهما وإن اعتبرا الوصف الطردي إلا أنهما أهملا المناسب المقدم عليه وهو الاقتيات وخمسة منها لمالك وأصحابه الأول تعليله بالمالية والثاني تعليله بالاقتيات والادخار مع الغلبة قال أبو الطاهر وعن عبد الملك التعليل بالمالية وقيل بالاقتيات والادخار مع كونه غالب العيش ا ه\r","part":3,"page":421},{"id":1142,"text":"والثالث تعليله بالأكل والادخار مع اتحاد الجنس ففي الموطإ عن مالك أن العلة الأكل والادخار مع اتحاد الجنس فيجري الربا في الفواكه اليابسة ويختلف فيما يقل ادخاره كالخوخ والرمان فأجرى ابن نافع فيه الربا نظرا لجنسه وإجازة مالك في الكتاب نظرا للغالب والرابع تعليله بالاقتيات والخامس تعليله بكونه مقتاتا مدخرا قال سند في الطراز قال القاضي إسماعيل وجماعة العلة كونه مقتاتا فيمتنع الربا في الملح والبيض دون الفواكه اليابسة لأنها لا تقتات وهو جار على ظاهر المذهب وعن مالك رحمه الله الادخار مع الاقتيات فلا ربا في الفواكه اليابسة كاللوز والجوز ولا في البيض لأنه لا يدخر قال وقال الباجي هو أجرى على المذهب ا ه وفي الجواهر المعول عليه في المذهب مجموع الاقتيات والادخار ا ه\rولأصحابنا في الملح ثلاثة مذاهب فمنهم من علله بالاقتيات وصلاح القوت فألحقوا به التوابل وقيل بالأكل والادخار وقيل بكونه إداما فلا يلحق به الفلفل ونحوه وليس في المذهب الاقتصار على مطلق الإصلاح حتى يرد إلزام الشافعية عليه جريان الربا في الأحطاب والنيران لأنهما مما يصلح الأقوات\rوأما إلزامهم لنا جريان الربا في الأقاوية فنحن نلتزمه نعم من الأصحاب من علل البر بالقوت غالبا والشعير بالقوت عند الضرورة والتمر بالتفكه غالبا والملح بإصلاح القوت فيحصل في المذهب قولان هل العلة في الجميع واحدة أو متعددة واختلف الأصحاب أيضا هل اتحاد الجنس جزء علة للتوقف عليه أو شرط في اعتبار العلة لعروه عن المناسبة وهو الصحيح وزاد حفيد بن رشد في بدايته على الخمسة التي لمالك وأصحابه مذهبان حيث قال وقد قيل إن سبب منع التفاضل الصنف الواحد المدخر وإن لم يكن\rمقتاتا ومن شرط الادخار عندهم أي المالكية أن يكون في الأكثر وقال بعض أصحابه الربا في الصنف المدخر وإن كان نادر الادخار ا ه\r","part":3,"page":422},{"id":1143,"text":"وهذه المذاهب عند المالكية في سبب منه التفاضل في الأربعة غير الذهب والفضة وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف الواحد أيضا مع كونهما رءوسا للأثمان وقيما للمتلفات كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد قال وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة قال ووافق الشافعي مالكا في علة منع التفاضل في الذهب والفضة أعني أن كونهما رءوسا للأثمان وقيما للمتلفات إذا اتفق الصنف\rوأما الحنفية فعلة منع التفاضل عندهم في هذه الستة واحدة وهو الكيل أو الوزن مع اتفاق الصنف ا ه المحتاج منه بلفظه\rوأما مفهوم علة منع النساء التي لا تجوز فيها النسيئة قسمان ما لا يجوز فيها التفاضل وقد تقدم ذكرها وما يجوز فيها التفاضل فأما الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل فعلة امتناع النسيئة فيها هو الطعم والادخار عند مالك والطعم فقط عند الشافعي ومطعومات الكيل والوزن عند أبي حنيفة فإذا اقترن بالطعم اتفاق الصنف حرم التفاضل عند الشافعي وإذا اقترن وصف ثالث وهو الادخار حرم التفاضل عند مالك وإذا اختلف الصنف جاز التفاضل وحرمت النسيئة\rوأما الأشياء التي يجوز التفاضل فيها فهي عند مالك صنفان مطعومة وغير مطعومة فأما المطعومة فلا يجوز عنده النساء فيها وعلة المنع الطعم\rوأما غير المطعومة فالمشهور عنه أن ما اتفقت منافعه منها لا يجوز فيه مع التفاضل النساء فلا يجوز عنده شاة واحدة بشاتين إلى أجل\rوما اختلفت منافعه منها يجوز فيه مع التفاضل النساء فيجوز عنده شاة حلوبة بشاتين أكولة مثلا إلى أجل وقيل إنه يعتبر اتفاق المنافع دون التفاضل فعلى هذا لا يجور عنده شاة حلوبة بشاة حلوبة إلى أجل فإن اختلفت المنافع فالتفاضل والنسيئة عنده جائزان وإن كان الصنف واحدا وقيل يعتبر اتفاق الأسماء مع اتفاق المنافع والأشهر أن لا يعتبر أي اتفاق الأسماء مطلقا وقد قيل يعتبر أي اتفاق الأسماء مطلقا\r","part":3,"page":423},{"id":1144,"text":"وأما أبو حنيفة فالمعتبر عنده في منع النساء فيما عدا التي لا يجوز عنده فيها التفاضل هو اتفاق الصنف اتفقت المنافع أو اختلفت فلا يجوز عنده شاة بشاة ولا بشاتين نسيئة وإن اختلفت منافعها وأما الشافعي فكل ما يجوز التفاضل عنده في الصنف الواحد يجوز فيه النساء فيجيز شاة بشاتين نسيئة ونقدا وكذلك شاة بشاة وسبب اختلافهم تعارض حديث عمرو بن العاص أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة مع حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نهى عن بيع الحيوان بالحيوان فكان الشافعي ذهب مذهب الترجيح لحديث عمرو بن العاص قال أصحابه\rوفيه التفاضل في الجنس الواحد مع النساء والحنفية لحديث سمرة مع التأويل له لأن ظاهره يقتضي أن لا يجوز الحيوان بالحيوان نسيئة اتفق أو اختلف بل قد قيل عن الكوفيين الأخذ بظاهر حديث سمرة وكان مالكا ذهب مذهب الجمع فحمل حديث سمرة على اتفاق الأغراض وحديث عمرو بن العاص على اختلافها وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه ولكن صححه الترمذي ويشهد لمالك ما\rرواه الترمذي عن جابر قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحيوان اثنان واحد لا يصلح لنساء ولا بأس به يدا بيد\rوقال ابن المنذر ثبت أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اشترى عبدا بعبدين أسودين واشترى جارية بسبعة أرؤس وعلى هذا الحديث يكون بيع الحيوان بالحيوان يشبه أن يكون أصلا بنفسه لا من قبل سد ذريعة واختلفوا فيما لا يجوز بيعه نساء هل من شرطه التقابض في المجلس قبل\rالافتراق في سائر الربويات بعد اتفاقهم في اشتراط ذلك في المصارفة لقوله عليه الصلاة والسلام لا تبيعوا منها غائبا بناجز فمن شرط فيها التقابض في المجلس شبهها بالصرف ومن لم يشترط ذلك قال إن القبض قبل التفرق ليس شرطا في البيوع إلا ما قام الدليل عليه ولما قام الدليل على الصرف فقط بقيت سائر الربويات على الأصل ا ه\rبتلخيص وإصلاح قال\r","part":3,"page":424},{"id":1145,"text":"وأما ما يجوز فيه التفاضل والنساء فعند الشافعي ما لم يكن ربويا وعند مالك ما لم يكن ربويا ولا كان صنفا واحدا متماثلا عند أبي حنيفة ما كان صنفا واحدا بإطلاق فمالك يعتبر في الصنف المؤثر في التفاضل في الربويات وفي النساء في غير الربويات اتفاق المنافع واختلافها فإذا اختلف جعلها صنفين وإن كان الاسم واحدا وأبو حنيفة يعتبر الاسم وكذلك الشافعي وإن كان الشافعي ليس الصنف عنده مؤثرا إلا في الربويات فقط أعني أنه يمنع التفاضل فيه وليس هو عنده علة النساء أصلا ا ه\rالمحتاج منه وفي كشاف القناع على الإقناع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي ما حاصله مع المتن إن ربا النساء يحرم بين كل شيئين من جنس أو جنسين بشرطين أحدهما أن يكون أحدهما نقدا ذهبا أو فضة وثانيهما أن تتحد علة ربا الفضل وهو الكيل والوزن فيهما كمكيل بمكيل من جنسه أو غيره بأن باع مد بر بجنسه أي ببر أو بشعير ونحوه وموزون بموزون بأن باع رطل حديد بجنسه أي بحديد أو بنحاس ونحوه فيشترط لصحة البيع في ذلك الحلول والقبض في المجلس لما ذكر ثم إن اتحد الجنس اعتبر التماثل\rوإلا جاز التفاضل ويجوز النساء بين كل شيئين أحدهما نقدا واختلف علة ربا الفضل فيهما ولا يبطل العقد بتأخير القبض فيجوز النساء في صرف فلوس نافقة بنقد كما اختاره الشيخ وغيره كابن عقيل وذكره الشيخ رواية قال في الرعاية إن قلنا هي عرض جاز وإلا فلا خلافا لما في التنقيح من أنه يشترط الحلول والتقابض في صرف نقد بفلوس نافقة والذي قاله في التنقيح قدمه في المبدع\rوذكر في الإنصاف أنه الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب ونص عليه في المحرر والفروع والرعايتين والحاويين والفائق ا ه\r","part":3,"page":425},{"id":1146,"text":"وجزم به في المنتهى ويجوز النساء أيضا في بيع مكيل بموزون وفي بيع ما ليس بمكيل ولا موزون كثياب وحيوان وغيرهما سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه متساويا أو متفاضلا لأمر النبي {صلى الله عليه وسلم} عبد الله بن عمر أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين أي إلى إبل الصدقة\rرواه أحمد والدارقطني وصححه وإذا جاز في الجنس الواحد ففي الجنسين أولى ا ه\rهذا والخلاف المذكور في مفهوم علة منع التفاضل والنساء في الستة المنصوص عليها قال الأصل مبني على قاعدة تخريج المناط وهي أن الحكم إذا ورد مقرونا بأوصاف كما في حديث الصحيحين فإن كانت كلها مناسبة كان الجميع علة أو بعضها كان المناسب علة واحدة فأسعد الناس أرجحهم تخريجا وعلة مالك أرجح لسبعة أوجه\rأحدها\r","part":3,"page":426},{"id":1147,"text":"أنها صفة ثابتة والكيل عارضها وثانيها أنها صفة مختصة بالكيل وغيره غير مختص وثالثها أنها المقصودة عادة من هذا الأعيان وغيرها ليس كذلك ورابعها أنها جامعة للأوصاف المناسبة كلها وخامسها أنها سابقة على الحكم والكيل لاحق مخلص من الربا كالقبض لا أنه علته وسادسها أنها جامعة للقليل والكثير كما في النقدين والكيل يمتنع في التمرة والتمرتين ونحوهما فمن هنا قال الحفيد والحنفية تعتبر في المكيل قدرا يتأتى فيه الكيل ا ه وسابعها أنها تختص بحالة الربا دون حالة كون الحبوب حشيشا ابتداء ورمادا انتهاء والكيل غير مختص فحجة مالك رحمه الله قائمة على الفرق كلها أما أولا فلأنه {صلى الله عليه وسلم} جعل التحريم أصلا في الحديث إلا ما استثناه من المماثلة وليس المراد المماثلة في الجنس لاختلاف صفاته ولا في الزكوية لعدم تحققها في الملح فتعين المقدار ولما كان معقول المعنى في الربا إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضا وأن تحفظ أموالهم كان الواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الأقوات وأما ثانيا فلأنه {صلى الله عليه وسلم} اختص النقدين لشرفهما بأنهما رءوس الأموال وقيم المتلفات المناسب لأن لا يبذل الكثير في القليل فيضيع الزائد فشدد فيهما فشرط التساوي والحضور والتناجز في القبض واختص تلك الأصناف الأربعة أي البر والشعير والتمر والملح وهي أقواتهم بالحجاز لاشتراكهما كلها في الاقتيات والادخار والطعم وهي صفات شرف تناسب أن لا يبذل الكثير من موصوفها بالقليل\rوأما ثالثا فلأنه {صلى الله عليه وسلم} لما لم يكتف بالتثنية على الطعم وحده بالنص على واحد من تلك الأصناف الأربعة المذكورة\r","part":3,"page":427},{"id":1148,"text":"بل ذكر تلك الأصناف كلها علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه فنبه بالبر على قوت الرفاهية وبالشعير على قوت الشدة من أصناف الحبوب المدخرة وبالتمر على المقتات من الحلاوات المدخرة كالزبيب والعسل والسكر وبالملح على مصالح الأقوات من جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام وأنه قصد ما يجمعها من الاقتيات والادخار لا الطعم وحده فلذا زاد مالك على الطعم صفة واحدة وهو الادخار كما في الموطإ أو صنفين وهما الادخار والاقتيات كما في غيره واختاره جميع البغداديين وأما رابعها فلأن الشرف لما كان يقتضي كثرة الشروط وتمييزه على الخسيس ألا ترى تمييز النكاح عن ملك اليمين بالشروط كالولي والشهود والصداق والإعلان وإن الملوك لا تكثر الحراس إلا على الخزائن النفيسة فكلما عظم شرف الشيء عظم خطره عقلا وشرعا وعادة وكان للطعام مزية على غيره وللمقتات منه شرف على غير المقتات لعظم مصلحته في نوع الإنسان وغيره من الحيوان إذ هو سبب بقاء الأبنية الشريفة لطاعة الله تعالى مع طول الأزمان ناسب ذلك للصون عن الضياع بأن لا يبذل الكثير بالقليل فيضيع الزائد من غير عوض وإنما جاز التفاضل في الجنسين وإهدار الزائد لمكان الحاجة في تحصيل المفقود وامتنع النساء إظهارا لشرف الطعام وأما خامسها فلأن التعليل بالكيل وإن كان طرديا إلا أنه يقدم عليه المناسب نعم قال الحفيد في البداية إذا تؤمل الأمر من طريق المعنى ظهر والله أعلم أن علة الحنفية أولى العلل وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي فيه وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة الذوات جعل الدينار والدرهم لتقويمها أعني تقديرها ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات أعني غير الموزونة والمكيلة العدل فيها إنما هو في وجود النسبة أعني أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة الشيء الآخر","part":3,"page":428},{"id":1149,"text":"إلى جنسه مثال ذلك أن العدل فيما إذا باع إنسان فرسا بثياب هو أن تكون نسبة قيمة ذلك الفرس إلى الأفراس هي نسبة قيمة ذلك الثوب إلى الثياب فإن كان ذلك الفرس قيمته خمسون فيجب أن تكون تلك الثياب قيمتها خمسون فليكن مثلا الذي يساوي هذا القدر عددها وهو عشرة أثواب فحينئذ اختلاف المبيعات بعضها ببعض في العدد واجب في المعاملة العدلة أعني أن يكون عديل فرس عشرة أثواب في المثل والأشياء المكيلة والموزونة لما كانت لا تختلف كل الاختلاف وكانت منافعها متقاربة ولم تكن حاجة ضرورية لمن كان عنده منها صنف أن يستبدله بذلك الصنف بعينه إلا على جهة السرف كان العدل في هذه الأشياء يوجب أن لا يقع فيها تعامل لكون منافعها غير مختلفة والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع المختلفة فحينئذ منع التفاضل في هذه الأشياء أعني المكيلة والموزونة له علتان إحداهما وجود العدل فيها والثانية منع المعاملة إذ كانت المعاملة بها من باب السرف\rوأما الدينار والدرهم فعلة المنع فيها أظهر إذا كانت هذه ليس المقصود منها الربح وإنما\rالمقصود بها تقدير الأشياء التي لها منافع ضرورية وروى مالك عن سعيد بن المسيب أنه كان يعتبر في علة الربا في هذه الأصناف الكيل والطعم وهو معنى جيد لكون الطعم ضروريا في أقوات الناس فإنه يشبه أن يكون حفظ العين وحفظ السرف فيما هو قوت أهم منه فيما ليس هو قوتا ا ه\r","part":3,"page":429},{"id":1150,"text":"لكن لا يخفاك أن الكيل ليس بصفة ثابتة بل عارض وليس بصفة مختصة بل غير مختص وليس بصفة مقصودة عادة من هذه الأعيان وليس بصفة جامعة للأوصاف المناسبة كلها بل ليس هو بصفة سابقة على الحكم وإنما هو لاحق ملخص من الربا كالقبض فلا يصلح أن يكون علته على أنه يمتنع في القليل كالتمرة والتمرتين ونحوهما بخلاف علة مالك كما تقدم نعم لو صحت الأحاديث التي ربما احتج بها الأحناف لأن فيها وإن لم يكن مشهورة تنبيها قويا على اعتبار الكيل أو الوزن منها أنهم رووا في بعض الأحاديث المتضمنة المسميات المنصوص عليها في حديث عبادة زيادة وهي كذلك ما يكال ويوزن وفي بعضها\r","part":3,"page":430},{"id":1151,"text":"وكذلك المكيال والميزان لكان نصا في ذلك وبالجملة فالمذاهب اثنا عشر عشرة منها في علة الربا ومذهبان لا تعليل فيهما وهما قصر منع ربا الفضل والنساء على المنصوص عليه وقصر منع الربا على النساء وإباحة التفاضل مطلقا والله أعلم الجهة الثانية جهة كون المعنى العام المفهوم من هذه الأصناف التي وقع التنبيه بها عليها ليتأدى به إلحاق غير هذه الأصناف بها في منع التفاضل والنساء هل يؤدي إلى قياس الشبه أو قياس العلة قال الحفيد في البداية جميع من الحق المسكوت هاهنا بالمنطوق به إنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك المالية وقال علة منع الربا إنما هي حياطة الأموال يريد منع العين قال ولكل واحد من القائسين دليل في استنباط الشبه الذي اعتبره في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من هذه الأربعة يعني ما عدا النقدين أما الشافعية فإنهم قالوا في تثبيت علتهم الشبهية أن الحكم إذا علق باسم مشتق دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم وقد جاء من حديث سعيد بن عبد الله أنه قال كنت أسمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول الطعام بالطعام مثلا بمثل فمن البين أن الطعم هو الذي علق به الحكم وأما المالكية فزادوا على الطعم إما صفة واحدة وهو الادخار على ما في الموطإ وإما صفتين وهو الادخار والاقتيات على ما اختاره البغداديين وتمسكوا في استنباط هذه العلة أولا بأنه لو كان المقصود الطعم وحده لاكتفى بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الأربعة الأصناف المذكورة لكنه لم يكتف بواحد منها بل ذكرها كلها لينبه بالبر والشعير على أصناف الحبوب المدخرة وبالتمر على جميع أنواع الحلاوات المدخرة وبالملح على جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام وثانيا بأن معقول المعنى في الربا لما كان إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضا وأن تحفظ أموالهم كان الواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الأقوات وأما الحنفية فعمدتهم في","part":3,"page":431},{"id":1152,"text":"اعتبار المكيل والموزون أنه {صلى الله عليه وسلم} لما علق التحليل باتفاق الصنف واتفاق القدر وعلق التحريم باتفاق الصنف واختلاف الصنف في قوله {صلى الله عليه وسلم} لعامله بخيبر من حديث أبي سعيد وغيره إلا\rكيلا بكيل يدا بيد رأوا أن التقدير أعني الكيل أو الوزن هو المؤثر في الحكم كتأثير الصنف ا ه\rالمحتاج منه ملخصا\rوقال الأصل والأظهر أنه من باب قياس العلة لا من باب قياس الشبه وذلك أن قياس الشبه إما في الحكم كقياس الوضوء على وجوب في التيمم النية لأنهما طهارتان والطهارة حكم شرعي\rوأما في الصورة كقياس الخل على الدهن في منع إزالة النجاسة به أو في المقاصد كقياس الأرز على البر بجامع اتحادهما في المقصود منهما عادة وإن لم نطلع على أن ذلك المقصد يناسب منع الربا وقياس العلة لا يكون الجامع فيه إلا وصفا مناسبا وضابط المناسب ما يتوقع من ترتيب الحكم عليه حصول مصلحة أو درء مفسدة كترتيب تحريم الخمر على الإسكار لدرء مفسدة ذهاب العقل وكإيجاب القصاص لتحصيل مصلحة حفظ النفس أي المناسبة الحاصلة هنا من كون الأعيان شريفة بالقوت أو رءوس الأموال وقيم المتلفات كما تقدم هي أظهر في أن يتوقع من ترتيب منع الربا عليها حصول مصلحة صون الشريف عن الغبن بذهاب الزائد هدرا وتمييزه عن الخسيس بكثرة الشروط من أن يقال هذا شبه في مقصد لم نطلع أنه يناسب منع الربا فافهم هذا توضيح خلاف من ذهب إلى أن النهي المتعلق بأعيان هذه الستة المنصوص عليها من باب الخاص أريد به العام\r","part":3,"page":432},{"id":1153,"text":"وأما من ذهب إلى أن النهي المتعلق بها من باب الخاص أريد به الخاص وقصروا الربا على الستة فقال ابن رشد في كتاب القواعد هم إما منكرو القياس أي استنباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية أو منكرو قياس الشبه خاصة وإن القياس في هذا الباب شبه فلم يقولوا به وهو القاضي أبو بكر الباقلاني فلا جرم لم يلحق بما ذكر في الحديث إلا الزبيب فقط لأنه من باب قياس لا فارق وهو قياس المعنى وهو نوع آخر غير قياسي الشبه والعلة لأنه مثل إلحاق الذكور بالإناث من الرقيق في تشطير لأن قوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب لم يتناول الذكور فألحقوا بهن لعدم الفارق خاصة لا لحصول الجامع وكذلك ألحق بالعبد الأمة في التقويم في العتق لقوله {صلى الله عليه وسلم} من أعتق شركا له في عبد إلخ لأنه لا فارق بينهما ولم يجر القاضي أبو بكر الباقلاني قياس المعنى إلا بين التمر والزبيب دون بقية الستة هذا خلاصة ما في الأصل من الفرق بين قاعدة ما فيه الربا وقاعدة ما لا ربا فيه وحكاية المذاهب في ذلك ومداركها وسلمه ابن الشاط مع زيادة من البداية وغيرها ليحصل الاطلاع على جميع ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والتسعون والمائة بين قاعدة اتحاد الجنس وقاعدة تعدده في باب ربا الفضل فإنه يجوز مع تعدده\rوهو مبني على قاعدتين القاعدة الأولى أن مقصود الشارع من الدنيا أن تكون مزرعة الآخرة ومطية السعادة الأبدية وأما ما عداه فمعزول عن مقصد الشارع في الشرائع فلا يعتبر في نظر الشرع من الربويات إلا ما هو عماد\r","part":3,"page":433},{"id":1154,"text":"الأقوات وحافظ قانون الحياة ومقيم بنية الأشباح التي هي مراكب الأرواح إلى دار القرار ويلغى في نظره تفاوت الجودة والرداءة لأنه داعية السرف ولا يقصد إلا للترف فلو رتب الشرع عليه أحكامه لكان ذلك دليل اعتباره ومنبها على رفعة قدره ومناره وهو خلاف الوضع الشرعي والقانون الحكمي ففروع باب اتحاد الأجناس واختلافها وإن كثرت وانتشرت كلها راجعة إلى هذه القاعدة وعليها بنى تلك الفروع العلماء رضي الله عنهم فمن تلك الفروع أن السلت والشعير عند مالك جنس واحد لأنهما وإن اختلفا جودة ورداءة إلا أنهما اتفقا في المنافع والمتفقة المنافع لا يجوز التفاضل فيها باتفاق ومنها أن قوما ذهبوا إلى أن القمح والشعير جنس واحد وبه قال مالك والأوزاعي وحكاه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب وعمدة مالك في ذلك أنه عمل سلفة بالمدينة وعمدة أصحابه فيه أولا قوله {صلى الله عليه وسلم} الطعام مثلا بمثل والطعام يتناول البر والشعير وثانيا أنهم عددوا كثيرا من اتفاقهما في المنافع والمتفقة المنافع لا يجوز التفاضل فيها باتفاق وذهب قوم إلى أنهما صنفان وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وعمدتهم أولا قوله {صلى الله عليه وسلم} لا تبيعوا البر بالبر والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل فجعلهما صنفين لا سيما وفي بعض طرق حديث عبادة بن الصامت وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم والبر بالشعير كيف شئتم والملح بالتمر كيف شئتم يدا بيد ذكره عبد الرزاق ووكيع عن الثوري وصحح هذه الزيادة الترمذي وثانيا قياسهما من حيث إنهما شيئان اختلفت أسماؤهما ومنافعهما على الفضة والذهب وسائر الأشياء المختلفة في الاسم والمنفعة فكما وجب كون الفضة والذهب ونحوهما بذلك صنفين كذلك وجب كون البر والشعير بذلك صنفين\r","part":3,"page":434},{"id":1155,"text":"ومنها أن القطنية وهي العدس واللوبيا والحمص والفول والترمس والجلبان والبسلة عند مالك صنف واحد في الزكاة لأن الزكاة لا يعتبر فيها المجانسة القبلية وإنما يعتبر فيها تقارب المنفعة وإن اختلفت العين بخلاف البيع ألا ترى أن الذهب والفضة جنس واحد في الزكاة وهما جنسان في البيع وعنه في البيوع روايتان إحداهما قوله الثاني أنها صنف واحد والأخرى قوله الأول أنها أصناف وسبب الخلاف تعارض اتفاق المنافع فيها واختلاف أعيانها فمن غلب الاتفاق قال صنف واحد ومن غلب الاختلاف قال صنفان أو أصناف قال الحطاب والمشهور من مذهب مالك أنها أجناس متباينة يجوز الفضل بينهما وهو قول الإمام الأول واختاره ابن القاسم قال صاحب الطراز لاختلاف صورها وأسمائها الخاصة بها ومنافعها وعدم استحالة بعضها إلى بعض ولأن المرجع في اختلاف الأجناس إلى العرف وهي في العرف أجناس وقيل جنس واحد وهو قول الإمام الثاني في البيوع ومنها أن الأرز والدخن والذرة عند مالك صنف واحد كما في البداية ولكن المذهب أنها أجناس يجوز الفضل بينها ومنها أن التمر بأصنافه كلها جنس واحد بلا خلاف وكذلك الزيت بأصنافه كلها ومنها أن اللحوم على أحد قولي الشافعي كلها جنس واحد وقوله الآخر يوافق قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أنها أنواع كثيرة يجوز التفاضل فيها إلا في النوع الواحد بعينه\r","part":3,"page":435},{"id":1156,"text":"وقال مالك اللحوم ثلاثة أصناف مختلفة يجوز التفاضل فيها ولا يجوز في الصنف الواحد منها فلحم ذوات الأربع صنف واحد ولحم ذوات الماء صنف واحد ولحم الطير كله صنف واحد فبيع الغنم لحم بالبقر متفاضلا يجيزه أبو حنيفة دون مالك والشافعي وبيع لحم الطير بلحم الغنم متفاضلا يجيزه مالك وأبو حنيفة دون الشافعي وعمدة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام الطعام بالطعام مثلا بمثل ولأنها إذا فارقتها الحياة زالت الصفات التي بها تختلف وتناولها اسم اللحم تناولا واحدا وذلك لأنها وإن كانت مختلفة الألوان إلا أنها متساوية في الجنسية لأن مهمها الإدام وعمدة المالكية أن هذه أجناس مختلفة فوجب أن يكون لحمها مختلفا والحنفية تعتبر الاختلاف الذي في الجنس الواحد من هذه وتقول إن الاختلاف الذي بين الأنواع التي في الحيوان أعني في الجنس الواحد منه كالطائر وهو وزان الاختلاف الذي بين التمر والبر والشعير ومنها أن الأخباز متساوية في الجنسية لأن مهمها الاغتذاء القاعدة الثانية قال أبو الطاهر الضعة إذا كثرت أو بعد الزمان صيرت الجنس الواحد جنسين وإن قلت وقرب الزمان لم تصيره على أصل المذهب وعلى هذا فالصناعة في الجنس إما بنار وإما بغير نار فإن كانت بنار فإما أن تنقص المقدار أو لا فإن لم تنقصه صيرت الجنس الواحد جنسين كقلي القمح والخبز وإن نقصته فإن كانت بإضافة شيء إليه صيرته جنسين كتخفيف اللحم بالأبزار والطبخ بالمرقة\r","part":3,"page":436},{"id":1157,"text":"وإن كانت بغير إضافة شيء لم تصيره جنسين كشي اللحم وتجفيفه بلا إبراز وطبخه من غير مرقة ومنه تجفيف التمر والزبيب وإن كانت أي الصناعة بغير نار فإن طال الزمان فقولان المشهور تأثيرها كخل التمر وخل الزبيب وإن لم يطل الزمان فالمشهور عدم التأثير والشاذ التأثير كالنبيذ من التمر والزبيب والنظر في ذلك كله إلى الأغراض في التفاوت في المقاصد والتقارب فيها هذا ما في الأصل وسلمه ابن الشاط مع زيادة من البداية وغيرها وفي البداية للحفيد واختلفوا من هذا الباب فيما تدخله الصنعة مما أصله منع الربا فيه مثل الخبز بالخبز فقال أبو حنيفة لا بأس ببيع ذلك متفاضلا ومتماثلا لأنه خرج بالصنعة عن الجنس الذي فيه الربا\rوقال الشافعي لا يجوز متماثلا فضلا عن متفاضل لأنه قد غيرته الصنعة تغيرا جهلت به مقاديره التي تعتبر فيها المماثلة ومثله لأحمد بن حنبل ففي كشاف القناع على الإقناع مع المتن ولا يصح بيع حب بدقيقه ولا بسويقه لأن كل واحد منهما مكيل ويشترط في بيع المكيل بجنسه التساوي وهو متعذر هنا لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن والنار أخذت من السويق ا ه\rالمحتاج منه فانظره\rوأما مالك فالأشهر في الخبز عنده أنه يجوز متماثلا وقد قيل فيه إنه يجوز فيه التفاضل والتساوي وسبب الخلاف خلافهم هل الصنعة تنقله من جنس الربويات وهو قول أبي حنيفة أو لا تنقله وهو قول مالك والشافعي وخلاف من قال بهذا هل تمكن المماثلة حينئذ فيه أو لا تمكن فكان مالك يجيز اعتبار المماثلة في الخبز واللحم بالتقدير والحرز فضلا عن الوزن أي بخلاف الشافعي\r","part":3,"page":437},{"id":1158,"text":"وأما إذا كان أحد الربويين لم تدخله صنعة والآخر قد دخلته الصنعة فإن مالكا يرى في كثير منها أن الصنعة تنقله من الجنس أعني من أن يكونا جنسا واحدا فيجيز فيها التفاضل وفي بعضها لا يرى ذلك وتفصيل مذهبه في ذلك عسير الانفصال فاللحم المشوي والمطبوخ عنده من جنس واحد والحنطة المقلوة عنده وغير المقلوة جنسان وقد رام أصحابه التفصيل في ذلك والظاهر عن مذهبه أنه ليس في ذلك قانون من قول حتى ينحصر فيه قوله فيها وقد رام حصرها الباجي في المنتقى وكذلك أيضا يعسر حصر المنافع التي توجب عنده الاتفاق في شيء من الأجناس التي يقع بها التعامل وتمييزها من التي لا توجب ذلك أعني في الحيوان والعروض والنبات وسبب العسر أن الإنسان إذا سئل عن أشياء متشابهة في أوقات مختلفة ولم يكن عنده قانون يعمل عليه في تمييزها إلا ما يعطيه بادي النظر في الحال جاوب فيها بجوابات مختلفة فإذا جاء من بعده أحد فرام أن يجري تلك الأجوبة على قانون واحد وأصل واحد عسر ذلك عليه وأنت تتبين ذلك من كتبهم ا ه\rالمحتاج من البداية بزيادة\r","part":3,"page":438},{"id":1159,"text":"والذي رامه الباجي في المنتقى من حصرها هو ما يفيده قوله الأصل في تبيين المنافع المقصودة التي يتبين بها معنى الجنس أن معنى الجنس عندنا في الباب أي باب البيع ما انفرد بالمنفعة المقصودة منه فإذا اختلف الشيئان في المنفعة المقصودة منهما كانا جنسين مختلفين وإن سميا باسم واحد وإذا اتفقا في المنفعة المقصودة وافترقا في الاسم فالذي يقتضيه قول ابن القاسم في البغال والحمير أنهما جنس واحد أن لا اعتبار باختلاف الأسماء والذي يقتضيه قول ابن حبيب أنهما أي البغال والحمير جنسان الاعتبار أيضا بالأسماء والدليل على صحة ذلك إننا إنما منعنا التفاضل في الجنس الواحد للزيادة في السلف وأجزناه في الجنسين لتعريه من ذلك فوجب أن تراعى المنفعة المقصودة من العين لأن من طلب الزيادة في السلف فإنما يطلبها مع استرجاع ما سلف وبقاء تلك المنفعة المقصودة فإذا استرجع ما فيه منفعة أخرى بغير منفعة العين التي سلف لم تحصل له الزيادة في السلف ولذلك جوزنا التفاضل بين التمر العربي والتمر الهندي أي المعروف الآن بالجمر وبين الجوز الهندي والذي ليس بهندي وفرع على هذا ثلاثة مطالب المطلب الأول إن اختلاف المنافع في الجنس يكون على ضربين أحدهما أن تختلف للصغر والكبر والثاني أن تختلف للتناهي في المنفعة المقصودة من ذلك الجنس وعدم التناهي فأما الصغر والكبر فإنه يختلف باختلاف جنس الحيوان لأنه إما أن يكون مما تصح فيه الحرية كبني آدم أو يكون مما لا تصح فيه الحرية فإن كان من الأول ففي الواضحة أن الرقيق صنف واحد ذكوره وإناثه صغاره وكباره عجمية وعربية قال الباجي والقياس عندي أن يكون صغيره جنسا مخالفا لكبيره لأن المنافع التي يتميز بها الجنس من التجارة والصنائع لا تصح من الصغير وإن كان من الثاني أي مما لا تصح فيه الحرية فلا يخلو إما أن يكون مما المقصود منه الأكل أو مما لا يقصد منه الأكل فإن كان مما لا يقصد منه الأكل كالخيل والبغال والحمير كان","part":3,"page":439},{"id":1160,"text":"صغارها جنسا مخالفا لكبارها لأن المقصود من كبارها غير المقصود من\rصغارها وإن كان مما يقصد منه الأكل كالإبل والبقر والغنم والطير كان على ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\r","part":3,"page":440},{"id":1161,"text":"أن يكون فيه مع ذلك أي قصد الأكل عمل مقصود كالإبل والبقر وهذا لا خلاف في أن صغاره مخالف لكباره والقسم الثاني أن لا يكون فيه مع ذلك عمل مقصود ولا منفعة مقصودة وهذا لا خلاف في أن صغاره من جنس كباره كالحجل واليمام والقسم الثالث أن لا يكون فيه مع ذلك عمل مقصود ولكن يكون معه فيه منفعة مقصودة من لبس ونحوه كالغنم وفي هذا روى ابن المواز عن مالك روايتين إحداهما لا يختلف جنسها في الصغر والكبر لأن المقصود من هذا الحيوان الأكل ويستوي في ذلك صغاره وكباره والثانية يختلف جنسها بالصغر والكبر لأن المقصود من كبار الغنم الدر والنسل وهو منفعة مقصودة كالعمل في الإبل والبقر وكذلك الدجاج قال ابن القاسم كلها صنف ذكورها وإناثها وقال أصبغ لا يسلم في بعض إلا الدجاج ذات البيض فإنها صنف تسلم الدجاجة البيوض أو التي فيها بيض في الديكين المطلب الثاني السن الذي هو حد بين الصغر والكبر أن يبلغ حد الانتفاع بها المنفعة المقصودة منها وفيما تصح فيه الحرية كالرقيق إن فرقنا بين صغارهم وكبارهم أن يبلغ سن ما يطيق التكسب بعمله أو تجارته وذلك عند الباجي الخمسة عشر سنة ونحوها أو الاحتلام وفي الإبل روى ابن المواز عن مالك لا خير في ابنتي مخاض في حقة ولا حقة في جذعتين فيحتمل أنه منع ابنتي مخاض في حقة لأنهما من سن الصغر ومنع حقة في جذعتين على رواية من منع صغيرا في كبير فإن الجذع أول أسنان الكبير في الإبل ويحتمل أنه منع بنتي مخاض في حقة على رواية من منع صغيرين في كبير ومنع حقة في جذعتين لأنهما من سن الكبر فتكون الحقة في حيز الكبير لأن ذلك سن يستعمل في المنفعة المقصودة وهو الحمل وفي ذكور البقر أن يبلغ حد الحرث وفي إناثها على قول ابن القاسم مثل ذلك وعلى قول ابن حبيب أن يبلغ سن الوضع واللبن وذلك أن المنفعة المقصودة من البقر القوة على الحرث لأنه العمل الذي تتخذ له ولا خلاف في ذكورها\r","part":3,"page":441},{"id":1162,"text":"وأما إناثها فحكى ابن حبيب أن المقصود منها كثرة اللبن والظاهر من مذهب ابن القاسم أن حكمها حكم الذكور والفرق بين إناث البقر وإناث الغنم أن إناث البقر لها منفعة لا تخص بذكورها بل توجد أيضا في إناثها وإناث الغنم ليس فيها شيء من ذلك فإذا قلنا برواية ابن حبيب جاز تسليم البقرة الكثيرة اللبن\rوإن كانت قوية على الحرث في الثور\rوأما الغنم فمعز وضأن فالمعز من حيث إنها تختلف بكثرة اللبن لأنه المقصود منها إن فرقنا بين صغارها وكبارها حد الكبير أن يضع مثلها ويكون فيها اللبن ويجب على هذا أن يكون ذكورها من جنس صغارها لأنه ليس فيها غير اللحم إلا النزو ولا اعتبار به في اختلاف الجنس كالخيل والحمر والضأن فيها رواية يحيى عن ابن القاسم أن كثرة اللبن لا يكاد يتباين إلا في الماعز\rوأما الضأن فمتقاربة في اللبن وقول ابن القاسم في المدونة أن اللبن معتبر في الغنم من غير تفصيل ووجه ذلك أن هذا حيوان ذو لبن ولا يقصد به العمل فوجب أن يختلف جنسه بكثرة اللبن وقلته كالماعز فافهم وأما الطير فضربان ما يقصد منه البيض وما لا يقصد منه البيض ذكوره وإناثه وصغاره وكباره جنس واحد وما يقصد منه البيض كالدجاج اختلف أصحابنا فيه فروى عيسى عن ابن القاسم ليس مما يختلف فيه الجنس لوجهين\rالأول\r","part":3,"page":442},{"id":1163,"text":"أن البيض في الدجاج ليس مما يقصد بالاقتناء له في الأغلب وإنما يقصد باللحم وذلك متساو في جميعها والثاني أن هذه ولادة والولادة لا يعتبر بها في الجنس قلت أو كثرت كسائر الحيوان وقال أصبغ يختلف به الجنس ووجه أن البيض معنى مقصود من هذا الجنس من الحيوان كاللبن في الغنم المطلب الثالث أن المنفعة المقصودة من العبد أن يكون قادرا على التكسب بمعنى يستفاد في التعليم لا يكون شائعا في الجنس كالتجارة والصناعة فالتجارة والصناعة كالجزارة والبناء والخياطة مع الفصاحة والحساب جنس مقصود كذلك والكتابة والقراءة إذا تقدمها نفاذ يمكنه التكسب بها وهكذا ما جرى هذا المجرى\rوليس كذلك الأعمال المعتادة التي يعملها أكثر الناس كالحرث والحصاد في الرجال والغزل في النساء فليس من يعملها بجنس يباين به من لا يعمل ذلك العمل لأنه لما كان هذا العمل معتادا يمكن أكثر هذا الجنس كان بمنزلة المشي وسائر أنواع التصرف المعتاد\rوأما الصناعة في الإماء فكالطبخ والخبز والرقم والنسج وكل نوع من ذلك مخالف للآخر إلا الطبخ والخبز فإنه صناعة واحدة وجنس واحد وأما الكتابة فروى محمد عن ابن القاسم ليست بجنس في الإماء وروى عيسى عنه أنها إن كانت فائقة فيها إنه جنس تبين به من غيرها وفي كونهما قولا واحدا بحملهما على أن المراد أن النفاذ في ذلك والتقدم حتى يمكن التكسب به جنس مقصود وإن الكتابة اليسيرة التي لا يمكن الاكتساب بها ليست بجنس مقصود أو قولين بحمل الأولى على أن المراد أنها ليست بجنس في الإماء مع النفاذ بخلاف العبيد والثانية على أن المراد أن حكم الإماء في الكتابة حكم العبيد وجهان وروى عيسى أن ابن القاسم أن الجمال ليس بجنس ووجه أنه معنى لا يتكسب به الإماء وروى محمد عن أصبغ أنه جنس مقصود وكان بعض فقهاء القرويين يحكي أن ابن وهب\rرواه ووجهه من أن الأثمان تختلف باختلافه وتتفاوت بتفاوته وليس الغزل ولا عمل الطيب بجنس لأن الغزل معتاد في\r","part":3,"page":443},{"id":1164,"text":"النساء شامل وعمل الطيب ليس مما يكاد أن تنفرد بالتكسب به بل ذلك شائع في جميع النساء وهذا معنى ما احتج به ابن المواز في هذه المسألة والمقصود من الخيل السبق والجودة لأنها بها تباين سائر الحيوان المتحد فإذا كان سابقا فائقا فليس من جنس ما ليس بسابق من الخيل والمقصود من الإبل القوة على الحمل فإن كان مما يباين غيرها في القوة على ذلك فهو من غير جنسه وليس السبق بمقصود فيها لأنها لا تراد للسبق وكذلك لا يسهم لها وإن جاز أن يكون منها ما يساق فإن ذلك ليس بمنفعة أفضل هذا الجنس وأغلبه ألا ترى أن من الخيل ما تكون فيه القوة على الحمل ولا يتخذ لذلك ولا يتميز به في الجنس عما ليس بقوي على الحمل لأن الحمل ليس بمقصود من أفضل هذا الجنس ولا أكثر\rوأما البغال والحمير فقال ابن القاسم إن البغال كلها مع الحمر المصرية جنس مخالف للأعرابية ولا يختلف بالسير والقيم وإنما تختلف بالصغر والكبر ووجهه أن المقصود منها الركوب للجمال وهي متقاربة فيه وقال ابن حبيب تختلف باختلاف السير لأن السير هو المقصود منها فيجب أن تختلف باختلافه قال فأبى ابن القاسم أن الأسماء بها فلما اتفقت في المعنى المقصود منها كانت جنسا واحدا وإن لم يشملها اسم واحد\rوهذا أشبه بمذهب مالك رحمه الله ووجه ما قاله ابن حبيب أن اختلاف الأسماء الخاصة يوجب اختلاف الجنس وإنما يراعى اختلاف المنافع واتفاقها في الجنس الواحد ولا خلاف في أن المقصود من ذكور البقر القوة على الحرث وهل هو كذلك في إناثها أو المقصود منها كثرة اللبن قولان لابن القاسم وابن حبيب والمقصود من المعز كثرة اللبن وفي كون الضأن كذلك أولا روايتا سحنون ويحيى عن ابن القاسم والمقصود من الطير اللحم فقط وفي كون البيض كالدجاج معنى مقصودا من هذا الجنس من الحيوان أولا قول أصبغ ورواية عيسى عن ابن القاسم ا ه\rملخصا مع إصلاح\r","part":3,"page":444},{"id":1165,"text":"ولا يخفاك أن ما بنى الأصل عليه الفرق بين قاعدة اتحاد الجنس وتعدده في باب ربا الفضل من القاعدتين المذكورتين مع ما ذكره الباجي في المنتقى هو القانون الذي ينحصر فيه أقوال مالك في الربويات وتنحصر فيه المنافع التي توجب عنده الاتفاق في شيء من الأجناس التي يقع بها التعامل كالحيوان والعروض والنبات ويحصل به تفصيل الأقوال وتميز تلك المنافع من التي لا توجب ذلك الاتفاق بدون أدنى عسر ويتحد الجواب في تمييزها فتأمل بإنصاف هذا والجنس الذي يمتنع في أنواعه التفاضل عند الإمام أحمد بن حنبل كما الإقناع وشرحه كشاف القناع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي هو ما له اسم خاص يشمل أنواعا أي الجنس هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها والنوع هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهو جنس كذهب وأنواعه المغربي والدكروري وفضة وأنواعها الريال والبنادقة ونحوها وبر وأنواعه البحيري والصعيدي أي والبطراوي وشعير\rكذلك وتمر وأنواعه البرني والمعقلي والصيحاني وغيرها وملح وأنواعه المنزلاوي والدمياطي وكل شيئين فأكثر أصلهما واحد فهما جنس واحد وإن اختلفت مقاصدهما كدهن ورد ودهن بنفسج ودهن زنبق ودهن ياسمين ودهن بان إذا كانت كلها من دهن واحد كالشيرج فهي جنس واحد لاتحاد أصلها وإنما طيبت بهذه الرياحين فنسبت إليها فلم تصر أجناسا وقد يكون الجنس الواحد مشتملا على جنسين كالتمر يشتمل على النوى وما عليه وهما جنسان بعد النزع لأن كلا منهما اسم خاص يشمل أنواعا وكاللبن يشتمل على المخيض والزبد وهما جنسان لما تقدم فما دام التمر والنوى أو المخيض والزبد متصلين اتصال خلقة فهما جنس واحد لاتحاد الاسم وإذ ميز أحدهما عن الآخر صارا جنسين\r","part":3,"page":445},{"id":1166,"text":"ولو خلطا يجوز التفاضل بينهما وفروع الأجناس أجناس كأدقة وأخباز وأدهان وخلول لأن الفرع يتبع أصله فلما كانت أصول هذه أجناسا كانت هذه أجناسا إلحاقا للفروع بأصولها فعلى هذا دقيق الحنطة جنس وخبزها جنس ودقيق الشعير جنس وخبزه جنس ودهن السمسم جنس ودهن الزيتون جنس وخل التمر جنس وخل العنب جنس وهكذا فعسل النحل وعسل القصب جنسان واللحوم أجناس باختلاف أصولها لأنها فروع أصولها وهي أجناس فكانت أجناسا كالأخباز وكذلك اللبن أجناسا باختلاف أصوله فضأن ومعز نوعا جنس لا يباع أحدهما بالآخر إلا مثلا بمثل يدا بيد وكذا البقر والجواميس والبخاتي والعراب وسمين ظهر وسمين جنب ولحم أحمر جنس واحد يتناوله اسم اللحم والشحم والألية والكبد والطحال بكسر الطاء والرئة والرءوس والأكارع والدماغ والكرش والمعي والقلب والجلود والأصواف والعظام ونحوها أجناس لأنها مختلفة في الاسم والخلقة فكانت أجناسا كبهيمة الأنعام فلا يحرم التفاضل بين أجناسها ولو شحما بلحم لأنهما جنسان كالنقدين ا ه\rالمحتاج منه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والتسعون والمائة بين قاعدة ما يعد تماثلا شرعيا في الجنس الواحد وقاعدة ما لا يعد تماثلا فيه\rوهو عندنا أن لفظ الشرع يحمل على عرفه فإن تعذر حكمت فيه العوائد كالأيمان والوصايا وغيرهما وتوضيحه أن ضابط تماثل الحبوب الجافة والنقد هو أن ما فيه معيار شرعي اعتبر فيه ما اعتبره صاحب الشرع من كيل أو وزن مثلا جاء في الحديث البر بصيغة الكيل في البيع وفي الزكاة بالأوسق وصرح في النقدين بالوزن لقوله عليه السلام ليس فيما دون خمس أواق من الفضة صدقة فيكون المعتبر في ذلك ما\r","part":3,"page":446},{"id":1167,"text":"اعتبره وما ليس فيه معيار شرعي اعتبرت فيه العادة العامة هل يكال أو يوزن فإن اختلفت العوائد فعادة البلد فإن جرت العادة بالوجهين خير فيهما ووافقنا أبو حنيفة رضي الله عنه كما في الأصل قال وباعتبار هذا الفرق يظهر بطلان قول من جوز بيع القمح بالدقيق وزنا فإن عادة القمح الكيل فاعتبار التماثل فيه بالوزن غير معتبر بل ذلك سبب الربا فإن القمح الرزين يقل كيله ويكثر وزنه والخفيف بالعكس وقس على هذه القاعدة بقية فروعها ولا نخرج عنها ا ه\rوسلمه ابن الشاط وعليه فمعتمد مذهبنا يوافق قول أبي حنيفة بمنع بيع الدقيق بالحنطة مثلا بمثل من قبل أن أحدهما مكيل والآخر موزون ولا يظهر قول الحفيد في البداية الأشهر عن مالك جواز بيع الدقيق بالحنطة مثلا بمثل وهو قول مالك في موطئه وروي عنه أنه لا يجوز وهو قول الشافعي وأبي حنيفة أي وأحمد بن حنبل أيضا إلا أن الشافعي وأحمد يعللان بتعذر التماثل بخلاف أبي حنيفة كما تقدم وكذا هو قول ابن الماجشون من أصحاب مالك\rوقال بعض أصحاب مالك ليس هو اختلافا من قوله وإنما رواية المنع إذا كان اعتبار المثلية بالكيل لأن الطعام إذا صار دقيقا اختلف كيله ورواية الجواز إذا كان الاعتبار بالوزن لأن مالكا يعتبر الكيل أو الوزن والعدد فيما لا يكال ولا يوزن ا ه بزيادة فافهم\rوأما الفرق على مذهب الشافعي ففي الأصل ما كان يكال أو يوزن بالحجاز اعتبر بتلك الحالة لقوله عليه السلام المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة فذكر أحد البلدين تنبيها على الآخر ليرد البلاد إليهما وما تعذر كيله اعتبر فيه الوزن وإن أمكن الوجهان ألحق بمشابهه في الحجاز كجزاء الصيد فإن شابه أمرين نظر إلى الأغلب فإن استويا قيل يغلب الوزن لأنه أحصر وقيل يجوز الوجهان نظرا للتساوي\r","part":3,"page":447},{"id":1168,"text":"وقيل يمتنع بيعه نظرا لتعذر الترجيح هذا فإن مذهب الشافعي رضي الله عنه لنا أن لفظ الشرع يحمل على عرفه فإن تعذرت حكمت فيه العوائد كالأيمان والوصايا وغيرهما كما تقدم ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والتسعون والمائة بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر\rالغرر لغة قال القاضي عياض رحمه الله هو ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه ولذلك سميت الدنيا متاع الغرور قال وقد يكون من الغرارة وهي الخديعة ومنه الرجل الغر بكسر الغيرة للخداع ويقال للمخدوع أيضا ومنه قوله عليه السلام المؤمن غر كريم ا ه\rوالمجهول لغة ضد المعلوم كما في المختار والغرر اصطلاحا ما لا يدري هل يحصل أم لا جهلت صفته أم لا كالطير في الهواء والسمك في الماء والمجهول اصطلاحا ما علم حصوله وجهلت صفته كبيع الشخص ما في كمه فهو يحصل قطعا لكنه لا يدري أي شيء هو فكل واحد من الغرر والمجهول اصطلاحا أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فيجتمعان في نحو شراء العبد الآبق المجهول قبل إباقه صفته فهو مجهول الصفة وغرر لأنه لا يدري أيحصل أم لا ويوجد الغرر بدون الجهالة في نحو شراء العبد الآبق المعلوم قبل إباحة صفته فهو معلوم قبل الإباق لا جهالة فيه وهو غرر لأنه لا يدري هل يحصل أم لا وتوجد الجهالة بدون الغرر في نحو شراء حجر يراه لا يدري أهو زجاج أم ياقوت فمشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر وعدم معرفته تقتضي الجهالة به نعم قد يتوسع العلماء فيهما فيستعملون أحدهما موضع الآخر نظرا إلى أن الغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل بأحد سبعة أشياء الأول الجهل بتعيين العقد أي الجهل بوجود المعقود به عليه كالآبق قبل الإباق والثاني الجهل بتعيين المعقود عليه كثوب من ثوبين مختلفين\r","part":3,"page":448},{"id":1169,"text":"والثالث الجهل بجنسه كسلعة لم يسمها والرابع الجهل بنوعه كعبد لم يسمه الخامس الجهل بالحصول إن علم الوجود كالطير في الهواء والسادس الجهل بالمقدار كالبيع إلى مبلغ رمي الحصاة والسابع الجهل بالبقاء كالثمار قبل بدو صلاحها وبقي الجهل بالأجلي إن كان هناك أجل والجهل بالصفة فهذه تسعة موارد للغرر من جهة الجهالة وهي ترجع إلى ثلاثة أقسام للغرر من جهة الجهالة الأول كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء ومن ذلك جميع البيوع التي نهي عنها {صلى الله عليه وسلم} كبيع حبل الحبلة لأنه إما عبارة عن بيع يؤجلونه إلى أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم ينتج ما في بطنها والغرر في هذا من جهة جهل الأجل بين وإما عبارة عن بيع جنين الناقة وهذا من باب النهي عن بيع المضامين والملاقيح والمضامين هي ما في بطون الحوامل والملاقيح ما في ظهور الفحول وكبيع ما لم يخلق وبيع الملامسة وكانت صورته في الجاهلية أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه وسبب تحريمه الجهل بالصفة وكبيع المنابذة وصورته أن ينبذ كل واحد من المتبايعين إلى صاحبه الثوب من غير أن يعين أن هذا بهذا بل كانوا يجعلون ذلك راجعا إلى الاتفاق وكبيع الحصاة وصورته أن يقول المشتري أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي وقيل أيضا إنهم كانوا يقولون إذا وقعت الحصاة من يدي فقد وجب البيع\rوهذا قمار فهذه ونحوها كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها وهي محرمة لكثير الغرر الحاصل من جهات الجهالة المذكورة والقسم الثاني قليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة والقسم الثالث متوسط اختلف فيه هو يلحق بالأول أو الثاني فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل\r","part":3,"page":449},{"id":1170,"text":"وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة هذا خلاصة ما في الأصل وسلمه ابن الشاط بزيادة من بداية الحفيد قال ومن البيوع التي توجد فيها هذه الضروب من الغرر بيوع منطوق بها وبيوع مسكوت عنها والمنطوق به أكثره متفق على تحريمه وبعضه اختلفوا فيه ومنه ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من النهي عن بيع السنبل حتى يبيض والعنب حتى يسود وذلك أن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز بيع الحنطة في سنبلها دون السنبل لأنه بيع ما لم تعلم صفته ولا كثرته واختلفوا في بيع السنبل نفسه مع الحب فجوز ذلك جمهور العلماء مالك وأبو حنيفة وأهل المدينة وأهل الكوفة\rوقال الشافعي لا يجوز بيع السنبل نفسه وإن اشتد فإنه من باب الغرر وقياسا على بيعه مخلوطا بتبنه بعد الدرس وحجة الجمهور ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نهى عن بيع النخيل حتى تزهي وعن السنبل حتى تبيض وتؤمن العاهة نهي البائع والمشتري وهي زيادة على ما\rرواه مالك من هذا الحديث والزيادة إذا كانت من الثقة مقبولة وروي عن الشافعي أنه لما وصلته\rهذه الزيادة رجع عن قوله وذلك أنه لا يصح عنده قياس مع وجود الحديث\rثم قال وأما المسائل المسكوت عنها في هذا الباب المختلف فيها بين فقهاء الأمصار فكثيرة لكن نذكر منها أشرها لتكون كالقانون للمجتهد النظار وهي خمسة مسائل\rالمسألة الأولى\rالمبيعات نوعان مبيع حاضر مرئي فهذا لا خلاف في بيعه ومبيع غائب أو متعذر الرؤية فهنا اختلف العلماء فقال قوم بيع الغائب لا يجوز بحال من الأحوال لا وصف ولا لم يوصف وهذا أشهر قول الشافعي وهو المنصور عند أصحابه أعني أن بيع الغائب على الصفة لا يجوز وقال مالك وأكثر أهل المدينة يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه قبل القبض صفته\r","part":3,"page":450},{"id":1171,"text":"وقال أبو حنيفة يجوز بيع العين الغائبة من غير صفة ثم له إذا رآها الخيار فإن شاء نفذ البيع وإن شاء رده وكذلك المبيع على الصفة من شرطه عندهم خيار الرؤية وإن جاء على الصفة وعند مالك إنه إن جاء على الصفة فهو لازم وعند الشافعي لا ينعقد البيع أصلا في الموضعين وقد قيل في المذهب يجوز بيع الغائب من غير صفة على شرط الخيار خيار الرؤية وقع ذلك في المدونة وأنكره عبد الوهاب وقال هو مخالف لأصولنا وسبب الخلاف هل نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالحس هو جهل مؤثر في بيع الشيء فيكون من الغرر الكثير أم ليس بمؤثر وإنه من الغرر اليسير\r","part":3,"page":451},{"id":1172,"text":"وأما أبو حنيفة فإنه رأى أنه إذا كان له خيار الرؤية إنه لا غرر هناك وإن لم تكن له رؤية وأما مالك فرأى أن الجهل المقترن بعدم الصفة مؤثر في انعقاد البيع ولا خلاف عند مالك أن الصفة إنما تنوب عن المعاينة لمكان غيبة المبيع أو لمكان المشقة التي في نشره وما يخاف أن يلحقه من الفساد بتكرار النشر عليه ولهذا أجاز البيع على البرنامج على الصفة ولم يجز عنده بيع السلاح في جرابه ولا الثوب المطوي في طيه حتى ينشر أو ينظر إلى ما في جرابها واحتج أبو حنيفة بما روي عن ابن المسيب إنه قال قال أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} وددنا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف تبايعا حتى نعلم أيهما أعظم جدا في التجارة فاشترى عبد الرحمن من عثمان بن عفان فرسا بأرض له أخرى بأربعين ألفا أو أربعة آلاف فذكر تمام الخبر وفيه بيع الغائب مطلقا ولا بد عند أبي حنيفة من اشتراط الجنس ويدخل البيع على الصفة أو على خيار الرؤية من جهة ما هو غائب غرر آخر وهو هل هو موجود وقت العقد أو معدوم ولذلك اشترطوا فيه أن يكون قريب الغيبة إلا أن يكون مأمونا كالعقار ومن هاهنا أجاز مالك بيع الشيء برؤية متقدمة أعني إذا كان من القرب بحيث يؤمن أن تتغير فيه فاعلمه المسألة الثانية أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل وإن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر عقد الصفة إلا أن مالكا وربيعة وطائفة من أهل المدينة أجازوا بيع الجارية الرفيعة على شرط المواضعة ولم يجيزوا فيها كما لم يجزه مالك في بيع الغائب وإنما منع ذلك الجمهور لما يدخله من الدين بالدين ومن عدم التسليم ويشبه أن يكون بيع الدين بالدين من هذا الباب أعني لما يتعلق بالغرر من عدم التسليم من الطرفين لا من باب الربا ومن هذا الباب ما كان\r","part":3,"page":452},{"id":1173,"text":"يرى ابن القاسم أنه لا يجوز أن يأخذ الرجل من غريمه في دين له عليه ثمرا قد بدا صلاحه ويراه من باب الدين بالدين وكان أشهب يجتز ذلك ويقول إنما الدين بالدين ما لم يشرع في قبض شيء منه أعني أنه كان يرى أن قبض الأوائل من الأثمان يقوم مقام قبض الأواخر وهو القياس عند كثير من المالكين وهو قول الشافعي وأبي حنيفة\rالمسألة الثالثة\r","part":3,"page":453},{"id":1174,"text":"أجمع فقهاء الأمصار على بيع التمر الذي يثمر بطنا واحدا يطيب بعضه وإن لم تطب جملته معا واختلفوا فيما يثمر بطونا مختلفة وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن البطون المختلفة لا تخلو أن تتصل أو لا تتصل فإن لم تتصل لم يكن بيع ما لم يخلق منها داخلا فيما خلق كشجر التين يوجد فيه الباكور والعصير ثم إن اتصلت فلا يخلو أن تتميز البطون أو لا تتميز فمثال المتميز جز القصيل الذي يجز مدة بعد مدة ومثال المتميز المباطخ والمقاثي والباذنجان والقرع ففي الذي يتميز عنه وينفصل روايتان إحداهما الجواز والأخرى المنع وفي الذي يتصل ولا يتميز قول واحد وهو الجواز وخالفه الكوفيون وأحمد وإسحاق والشافعي في هذا كله فقالوا لا يجوز بيع بطن منها بشرط آخر وحجة مالك فيما لا يتميز أنه لا يمكن حبس أوله على آخره فجاز أن يباع ما لم يخلق منها مع ما خالق وبدا صلاحه أصله جواز بيع ما لم يطب من الثمر مع ما طاب لأن الغرر في الصفة شبهه بالغرر في عين الشيء وكأنه رأى أن الرخصة هاهنا يجب أن تقاس على الرخصة في بيع الثمار أعني ما طاب مع ما لم يطب لموضع الضرورة والأصل عنده أن من الغرر ما يجوز لموضع الضرورة ولذلك منع على إحدى الروايتين عنده بيع القصيل بطنا أكثر من واحد لأنه لا ضرورة هناك إذا كان متميزا وأما وجه الجواز في القصيل فتشبيها له بما لا يتميز وهو ضعيف وأما الجمهور فإن هذا كله عندهم من بيع ما لم يخلق ومن باب النهي عن بيع الثمار معاومة المسألة الرابعة بيع اللفت والجزر والكرنب جائز عند مالك إذا بدا صلاحه وهو استحقاقه للأكل ولم يقلع ولم يجزه الشافعي إلا مقلوعا لأنه من باب بيع المغيب ومن هذا الباب بيع الجوز واللوز والباقلا في قشره أجازه مالك ومنعه الشافعي والسبب في اختلافهم هل هو من الغرر المؤثر في البيوع أم ليس من المؤثر وذلك أنهم اتفقوا على أن الغرر ينقسم بهذين القسمين وإن غير المؤثر هو اليسير الذي تدعو إليه الضرورة أو ما جمع الأمرين","part":3,"page":454},{"id":1175,"text":"المسألة الخامسة اختلفوا أيضا في بيع السمك في الغدير أو البركة فقال أبو حنيفة يجوز ومنعه مالك والشافعي فيما أحسب وهو الذي تقتضي أصوله ومن ذلك الآبق أجازه قوم بإطلاق ومنعه قوم بإطلاق\rومنهم الشافعي\rوقال مالك إن كان معلوم الصفة معلوم الموضع عند البائع والمشتري جاز وأظنه اشترط أن يكون معلوم الإباق ويتواضعان أعني أنه لا يقبضه البائع حتى يقبضه المشتري لأنه يتردد عند العقد بين بيع وسلف وهذا أصل من أصوله يمنع به النقد في بيع المواضعة وفي بيع الغائب غير المأمون وفيما كان من هذا الجنس وممن قال بجواز بيع الآبق والبعير والشارد عثمان البتي والحجة للشافعي حديث شهر بن حوشب عن سعيد الخدري أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نهى عن شراء العبد الآبق\rوعن شراء ما في بطون الإماء حتى تضع وعن شراء ما في ضروعها وعن شراء الغنائم حتى تقسم وأجاز مالك بيع لبن الغنم أياما معدودة إذا كان ما يحلب منها معروفا في العادة ولم يجز ذلك في الشاة الواحدة\rوقال سائر الفقهاء لا يجوز ذلك إلا بكيل معلوم بعد الحلب ومن هذا الباب منع مالك بيع اللحم في جلده ومن هذا الباب بيع المريض أجازه مالك إلا أن يكون ميئوسا منه ومنعه الشافعي وأبو حنيفة وهي رواية أخرى عنه ومن هذا الباب بيع تراب المعدن والصواغين فأجاز مالك بيع تراب المعدن بنقد يخالفه أو يعرض ولم يجز بيع تراب الصاغة ومنع الشافعي البيع في الأمرين جميعا وأجازه قوم في الأمرين جميعا وبه قال الحسن البصري ا ه\rمحل الحاجة من البداية والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يسد من الذرائع وقاعدة ما لا يسد منها\r","part":3,"page":455},{"id":1176,"text":"الذريعة بالذال المعجمة الوسيلة إلى الشيء وأصلها عند العرب ما تألفه الناقة الشاردة من الحيوان لتضبط به ثم نقلت إلى البيع الجائز صورة المتخيل به على ما لا يجوز وهو السلف الجار نفعا وكذا غير البيع على وجه التخيل به على ما لا يجوز من كل شيء كان وسيلة لشيء ما عدا المعنى الحقيقي كأن يكرم بائع من أريد الشراء منه لأجل أن يغره بالبيع له بثمن مرتفع أو نحو ذلك على طريق\rالاستعارة التصريحية بتشبيه كل شيء كان وسيلة لشيء غير المعنى الحقيقي بالمعنى الحقيقي بجامع مطلق التوسل في كل ثم صارت حقيقة عرفية وانقسمت ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\rما أجمع الناس على عدم سده أي على إلغاء حكمه كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر والمنع من التجاور في البيوت خشية الزنى فلم يمنع شيء من ذلك ولو كان وسيلة وسببا للمحرم القسم الثاني ما أجمعوا على سده أي إعمال حكمه كالمنع من سب الأصنام عند من يعلم أنه يسب الله تعالى حينئذ والمنع من حفر الآبار في طريق المسلمين إذا علم وقوعهم فيها أو ظن والمنع من إلقاء السم في أطعمة المسلمين إذا علم أو ظن أنهم يأكلونها فيهلكون والمنع من البيع والسلف مجتمعين خشية الربا وحوارهما مفترقين لقوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم وقوله تعالى ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت حيث ذمهم لكونهم تذرعوا للصيد يوم السبت المحرم عليهم بحبس الصيد يوم الجمعة وقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها\r","part":3,"page":456},{"id":1177,"text":"وقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله شهادة خصم ولا ظنين خشية الشهادة بالباطل ومنع {صلى الله عليه وسلم} شهادة الآباء للأبناء والعكس فقد اعتبر الشرع سد الذرائع في الجملة وليس المذهب المالكي مختصا بسدها كما يحكى ذلك عنه القسم الثالث ما اختلفوا فيه كالنظر إلى المرأة الأجنبية من حيث إنه ذريعة للزنى قال العدوي على الخرشي أي بغير شهوة فمالك يجيزه وغيره يمنعه\rأما بشهوة فمتفق على منعه ا ه\rوكالتحدث مع الأجنبية من حيث ما ذكر قال العدوي أيضا فمذهبنا يجوز ذلك بغير شهوة على المعتمد خلافا لمن يقول إن صوتها عورة وإن ذكره بعض الشراح ا ه\r","part":3,"page":457},{"id":1178,"text":"أي شراح خليل وكبيوع الآجال فمذهب مالك منعها بخمسة شروط أحدهما أن تكون البيعة الأولى لأجل ثانيها أن يكون المشتري ثانيا هو البائع أو لا أو من تنزل منزلته وثالثها أن يكون البائع ثانيا هو المشتري أو لا أو من تنزل منزلته والمنزل منزلة كل واحد وكيله سواء علم الوكيل أو الموكل بيع الآخر وشراءه أو جهلا وعبد كل إن كان غير مأذون له أو مأذونا له وهو يتجر للسيد كوكيله ورابعها أن يكون المشتري ثانيا هو المبيع أولا وخامسها أن يكون الشراء الثاني من صفة ثمنه الذي باع به أولا لأنها وإن كانت على صورة بيع جائز في الظاهر إلا أنها لما كثر قصد الناس التوصل إلى ممنوع في الباطن كبيع بسلف وسلف بمنفعة منعت قياسا على الذرائع المجمع على منعها بجامع أن الأغراض الفاسدة في كل هي الباعثة على عقدها لأنه المحصل لها بخلاف نحو بيع السيف من نحو قاطع الطريق فإنه ليس محصلا لقطع الطريق حتى يقال إن الفساد في قطع الطريق أعظم من سلف جر نفعا لما فيه من ذهاب النفوس والأموال إذ الفساد ليس مقصودا من البيع بالذات حتى يكون باعثا على عقده كصورة النزاع فافهم قال الحفيد في البداية والصور التي يعتبرها مالك في الذرائع في هذه البيوع هي أن يتذرع منها إلى أنظرني أزدك أو إلى بيع ما لا يجوز متفاضلا أو بيع ما لا يجوز نساء أو إلى بيع وسلف أو إلى ذهب وعرض بذهب أولى ضع وتعجل أو بيع الطعام قبل أن\rيستوفى أو بيع وصرف قال هذه هي أصول الربا ا ه\r","part":3,"page":458},{"id":1179,"text":"ومما يدل على منع صورة النزاع حديث العالية عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعتها وقد قالت لها امرأة كانت أم ولد لزيد بن أرقم يا أم المؤمنين إني بعت من زيد عبدا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته من قبل محل الأجل بستمائة أي نقدا فقالت عائشة بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن لم يتب قالت أرأيت إن تركت وأخذت الستمائة دينار قالت نعم وفي رواية الموطإ قالت أرأيتني إن أخذته برأس مالي فقالت عائشة رضي الله عنها فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله فهذا التغليظ العظيم لا تقوله رضي الله عنها إلا عن توقيف فتكون هذه الذرائع واجبة السد وهو المقصود قال صاحب المقدمات أبو الوليد بن رشد هذه المبايعة كانت بين أم ولد زيد بن أرقم ومولاها قبل العتق فيتخرج قول عائشة رضي الله عنها على تحريم الربا بين السيد وعبده مع القول بتحريم هذه الذرائع ولعل زيد بن أرقم لا يعتقد تحريم الربا بين السيد وعبده قال ولا يحل لمسلم أن يعتقد في زيد أنه واطأ أم ولده على شراء الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل ا ه\rفاندفع ما يقال كيف يليق بزيد بن أرقم وهو من خيار الصحابة فعل ما يقال فيه ذلك والصحابة كلهم رضي الله عنهم عدول سادة أتقياء والإحباط إحباط إن أحدهما إحباط إسقاط وهو إحباط الكفر للأعمال الصالحة فلا يفيد شيء منها معه وثانيها إحباط موازنة وهو وزن العمل الصالح السيئ فإن رجح السيئ فأمه هاوية أو الصالح فهو في عيشة راضية كلاهما معتبر غير أنه يعتبر أحدهما بالآخر ومع الكفر لا عبرة ألبتة والإحباط في حديث عائشة إحباط موازنة كالإحباط في قوله عليه السلام من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله أي بالموازنة ومرادها رضي الله عنها إما المبالغة في الإنكار لا التحقيق\r","part":3,"page":459},{"id":1180,"text":"وأما الإحباط في مجموع المتحصل من الجهاد من حيث هو مجموع فيكون الباقي بعد هذه السيئة بعضه وظاهر الإحباط والتوبة أنه معصية إما بترك التعلم لحال هذا العقد قبل القدوم عليه لأنه اجتهد فيه رأت أن اجتهاده مما يجب نقضه وعدم إقراره فلا يكون حجة له أو هو ممن يقتدى به فخشيت أن يقتدي به الناس فينفتح باب الربا بسببه فيكون ذلك في صحيفته فيعظم الإحباط في حقه\rقال اللخمي اختلف في وجه المنع في بيوع الآجال قال أبو الفرج لأنها أكثر معاملات أهل الربا\rوقال ابن مسلمة بل سدا لذرائع الربا فعلى الأول من علم من عادته تعمد الفساد حمل عقده عليه وإلا أمضي فإن اختلف العادة منع الجميع وإن كان من أهل الدين والفضل وعليه يحمل قول عائشة رضي الله عنها فإن زيدا من أبعد الناس عن قصد الربا قال في الجواهر وضابط هذا الباب أن المتعاقدين إن كانا يقصدان إظهار ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز فينفسخ العقد إذا كثر القصد إليه اتفاقا من المذهب كبيع وسلف جر نفعا فإن بعدت التهمة بعض البعد وأمكن القصد به كدفع الأكثر مما فيه ضمان وأخذ الأقل إلى أجل فقولان مشهوران فأما مع ظهور ما يبرئ من التهمة لكن فيه صورة المتهم عليه كما لو تصور العين بالعين غير يد بيد وتظهر البراءة بتعجيل الأكثر فجائز لانتفاء التهمة وقيل يمتنع حماية للذريعة والأصل أن ينظر ما خرج من اليد وما خرج إليها فإن جاء العامل به صح وإلا فلا ولا تعتبر أقوالهما بل أفعالهما فقط ا ه\rووافقنا أبو حنيفة وابن حنبل في سد ذرائع بيوع الآجال التي هي صورة النزاع وإن خالفنا أبو حنيفة في تفصيل البعض وقال يمتنع بيع السلعة من أب البائع بما تمتنع به من البائع وفي الإقناع من شرحه\rومن باع سلعة بنسيئة أي بثمن مؤجل أو بثمن حال\r","part":3,"page":460},{"id":1181,"text":"لم يقبضه صح الشراء حيث لا مانع وحرم عليه أي على بائعها شراؤها ولم يصح منه شراؤها نصا بنفسه أو بوكيله بنقد من جنس الأول أقل مما باعها به بنقد أي حال أو نسيئته ولو بعد حل أجلها أي أجل الثمن الأول نصا نقله ابن القاسم وسند لما روي عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية قالت دخلت أنا وأم ولد ابن زيد بن أرقم على عائشة إلخ ولأنه ذريعة إلى الربا ليستبيح بيع ألف بنحو خمسمائة إلى أجل والذرائع معتبرة في الشرع بدليل منع القاتل من الإرث بها إلا أن تتغير صفتها لما ينقصها كعبد قطعت يده أو يقبض ثمنها بأن باع السلعة وقبض ثمنها ثم اشتراها فيصح لأنه لا توسل به إلى الربا وإن اشتراها أبوه أو ابنه ونحوهما كغلامه أو مكاتبه أو زوجته ولا حيلة جاز وصح لأن كل واحد منهما كالأجنبي بالنسبة إلى الشراء أو اشتراها بائعها من غير مشتريها كما لو اشتراها من وارثه أو ممن انتقلت إليه منه بتبيع أو نحوه جاز لعدم المانع أو اشتراها بائعها بمثل الثمن الأول أو بنقد آخر غير الذي باعها به أو اشتراها بعوض أو باعها بعوض ثم اشتراها بنقد صح الشراء ولم يحرم لانتفاء الربا المتوسل إليه به وإن قصد بالعقد الأول العقد الثاني بطلا أي العقدان قاله الشيخ\rوقال هو قول أحمد وأبي حنيفة ومالك قال في الفروع ويتوجه أنه مراد من أطلق لأن العلة التي لأجلها بطل الثاني وهو كونه ذريعة للربا موجودة إذن في الأول وهذه المسألة تسمى مسألة العينة لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بها عينا أي نقدا حاضرا قال الشاعر أنعتان أم ندان أم ينبري لنا فتى مثل نقل السيف ميزت مضاربه ومعنى نعتان نشتري عينة كما وصفنا\rوروى أبو داود عن ابن عمر سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ا ه\r","part":3,"page":461},{"id":1182,"text":"وخالفنا الشافعي فقال هو وأصحابه لا يثبت حديث عائشة على أن زيدا قد خالفها وإذا اختلفت الصحابة فمذهبنا القياس واحتجوا بثلاثة أمور\rأحدها\rقوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا وجوابه أن هذا عام وما ذكرناه خاص والخاص مقدم على العام على ما تقرر في علم الأصول الأمر الثاني ما جاء في الصحيح أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتى بتمر جنيب فقال أتمر خيبر كله هكذا فقالوا إنا نبتاع الصاع بالصاعين من تمر الجمع فقال عليه السلام لا تفعلوا هذا ولكن بيعوا تمر الجمع بالدراهم واشتروا بالدراهم جنيبا فهو بيع صاع بصاعين وإنما توسط بينهما عقد الدراهم فأبيح وجوابه إنا إنما نمنع أن يكون العقد الثاني من البائع الأول وليس ذلك مذكورا في الخبر مع أن بيع النقد إذ تقابضا فيه ضعف التهمة وإنما المنع حيث تقوى\rالأمر الثالث إن العقد المقتضي للفساد لا يكون فاسدا إذا صحت أركانه كبيع السيف من قاطع الطريق والعنب من الخمار مع أن الفساد في قطع الطريق أعظم من سلف جر نفعا لما فيه من ذهاب النفوس والأموال وجوابه أن محل ذلك إذا لم يكن الأغراض الفاسدة هي الباعثة على العقد وإلا منع كما في عقود صور النزاع كما تقدم توضيحه قال الحفيد في البداية وروي مثل قول الشافعي عن ابن عمر ا ه\r","part":3,"page":462},{"id":1183,"text":"هذا توضيح ما في الأصل من الفرق بين الذرائع التي يجب سدها والذرائع التي لا يجب سدها والخلاف فيه والوفاق والمدارك في ذلك وسلمه ابن الشاط مع زيادة من الخرشي وحاشيته والبداية وغيرها لكن رأيت في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع أن صاحب جمع الجوامع قال وقد أطلق القرافي هذه القاعدة أي قاعدة سد الذرائع على أعم منها ثم زعم أن كل أحد يقول ببعضها مع أن الشافعي لا يقول بشيء منها كما سيتضح وأن ما ذكر أن الأمة أجمعت عليه ليس من مسمى سد الذرائع في شيء نعم حاول ابن الرفعة تخريج قول الشافعي رضي الله عنه في باب إحياء الموات من الأم عند النهي عن منع الماء أيمنع به الكلأ إن كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل وكذا ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله ا ه فقال في هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحرام والحلال تشبه معاني الحلال والحرام ا ه\rونازعه الشيخ الإمام الوالد يعني والده تقي الدين السبكي وقال إنما أراد الشافعي رحمه الله تعالى تحريم الوسائل لا سد الذرائع والوسائل تستلزم المتوسل إليه ومن هذا منع الماء فإنه يستلزم منع الكلأ الذي هو حرام ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل ولذلك نقول من حبس شخصا ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له وما هذا من سد الذرائع في شيء قال الشيخ الإمام وكلام الشافعي في نفي الذرائع لا في سدها وأصل النزاع بيننا وبين المالكية إنما هو في سدها ا ه\rفتنبه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والتسعون والمائة بين قاعدة الفسخ وقاعدة الانفساخ\r","part":3,"page":463},{"id":1184,"text":"وهو من جهتين الجهة الأولى أن الفسخ فعل المتعاقدين أو الحاكم إذا ظفروا بالعقود المحرمة والانفساخ صفة العوضين الجهة الثانية أن الفسخ سبب شرعي والانفساخ حكم شرعي مسبب عنه وذلك أن الفسخ قلب كل واحد من العوضين لصاحبه والانفساخ انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه فالأول من مقولة الفعل والثاني من مقولة الانفعال وبتحرير هذا الفرق يعلم أن حقيقة الفسخ منتفية عن الخلع لعدم تعيين انقلاب الصداق لباذله بل يجوز بغير الصداق إجماعا وبذلك يتضح وجه الرد على من جعل الخلع فسخا كما في الأصل وسلمه ابن الشاط قال الحفيد في بدايته جمهور العلماء على أن الخلع طلاق وبه قال مالك وسوى أبو حنيفة بين الطلاق والفسخ\rوقال الشافعي هو فسخ وبه قال أحمد وداود ومن الصحابة ابن عباس وقد روي عن الشافعي أنه كناية فإن أراد به الطلاق كان طلاقا وإلا كان فسخا وقد قيل عنه في قوله الجديد أنه طلاق وفائدة الفرق هل يعتد به في التطليقات أم لا وجمهور من رأى أنه طلاق يجعله بائنا لأنه لو كان للزوج في العدة منه الرجعة عليها لم يكن لافتدائها معنى وقال أبو ثور إن لم يكن بلفظ الطلاق لم يكن له عليها رجعة وإن كان بلفظ الطلاق كان له عليها الرجعة احتج من جعله طلاقا بأن الفسوخ إنما هي التي تقتضي الفرقة الغالبة للزوج في الفراق مما ليس يرجع إلى اختياره\r","part":3,"page":464},{"id":1185,"text":"وهذا راجع إلى اختيار فليس بفسخ واحتج من لم يره طلاقا بأن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الطلاق فقال الطلاق مرتان ثم ذكر الافتداء ثم قال فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فلو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع وعند هؤلاء إن الفسوخ تقع بالتراضي قياسا على فسوخ البيع أعني الإقالة وعند المخالف أن الآية إنما تضمنت حكم الافتداء على أنه شيء يلحق جميع أنواع الطلاق لا أنه شيء غير الطلاق فسبب الاختلاف هل اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أم ليس يخرجها ا ه\rكلامه بلفظه وقد علمت أن\rلوجه عدم الإخراج إذ الإخراج ينافي الإجماع على جوازه بغير الصداق فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والتسعون والمائة بين قاعدة خيار المجلس وقاعدة خيار الشرط\rأما عند من قال بخيار المجلس كالشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما وحكاه أبو الطاهر عن ابن حبيب منا فهو أن خيار المجلس من خواص عقد البيع وما في معناه كالإجارة والصرف والسلم والصلح على غير جنس الحق وهو حطيطة لا بيع وكالقسمة بناء على أنها بيع ومن اللوازم له بحيث يحصل بمجرد حصول ذلك من غير شرط وخيار الشرط عارض يحصل عند اشتراطه وينفى عند انتفاء الاشتراط\rوأما عند من لا يقول بخيار المجلس كمالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما فهو إن خيار المجلس مشتمل على الغرر ومخالفة القواعد والأدلة وغير ذلك وخيار الشرط ليس كذلك أما اشتمال خيار المجلس على الغرر فلأن الأصل في العقود اللزوم لذوي الحاجات من الأعواض فإن العقد لا يقع إلا لحاجة إذ العقود أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان والأصل ترتيب المسببات على أسبابها حتى تندفع بذلك الحاجة لأنها إنما تندفع بالتخيير وللزوم ثبوت خيار المجلس إذ لا يدري كل\rواحد منهما ما يحصل له من الثمن والمثمن فيحصل الغرر ولا تندفع الحاجة فافهم\r","part":3,"page":465},{"id":1186,"text":"وأما اشتماله على مخالفة القواعد والأدلة فهو أن ما في البخاري وغيره من أنه {صلى الله عليه وسلم} قال المتعاقدان بالخيار ما لم يتفرقا إلا ببيع الخيار أو يقول أحدهما للآخر اختر وإن احتج الشافعي ومن وافقه بظاهره على ثبوت خيار المجلس إلا أن مقتضى البناء على ثلاث قواعد أنه يدل على بطلان خيار المجلس عكس ما تدعيه الشافعية\rالقاعدة الأولى أن اسم الفاعل حقيقة في الحال مجاز إذا مضى معناه على الأصح القاعدة الثانية أن ترتيب الحكم على الوصف يقتضي عليه ذلك الوصف لذلك الحكم نحو اقتلوا الكافر وارجموا الزاني واقطعوا السارق ونحوها فإن ترتيب هذه الأحكام على هذه الأوصاف يقتضي عليه تلك الأوصاف المتقدمة لهذه الأحكام القاعدة الثالثة أن عدم العلة علة لعدم المعلوم فعدم الإسكار علة لعدم التحريم وعدم الكفر علة لعدم إباحة الدماء والأموال وعدم الإسلام في الردة علة لعدم العصمة وهو كثير وذلك أن المتبايعين حقيقة في حالة الملابسة عملا بالقاعدة الأولى ووصف المبايعة هو علة عدم الخيار عملا بالقاعدة الثانية\rفإذا انقطعت أصوات الإيجاب والقبول انقطعت المبايعة فتكون العلة قد عدمت فيعدم الخيار المرتب عليها فلا يبقى خيار بعدها عملا بالقاعدة الثالثة وهو المطلوب على أن لنا عشرة أوجه تسقط دلالة الخبر على ثبوت خيار المجلس\rالوجه الأول","part":3,"page":466},{"id":1187,"text":"حمل المتبايعين على المتفاعلين بالبيع أي المتساومين مجازا وذلك لأن هذه القواعد كما دلت على عدم خيار المجلس فهي تدل على تعين الحمل المذكور فإن الخيار على هذا التقدير لا يثبت إلا في هذه الحالة وينقطع بعدها ويكون الافتراق الأقوال مجازا أيضا الوجه الثاني أن أحد المجازين المذكورين لازم في الحديث وذلك أن المتبايعين إذا لم يحملا على المعنى المجازي المذكور بل على الحقيقي وهو حالة المبايعة لأن اسم الفاعل حقيقة حالة الملابسة لزم حمل الافتراق على معناه المجازي وهو الافتراق في الأقوال نحو قوله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته\rوقوله {صلى الله عليه وسلم} افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي الحديث أي بالأقوال والاعتقادات لا على معناه الحقيقي وهو الافتراق في الأجسام نحو افتراق الخشبة وفرق البحر وإذا حملنا المتبايعين على المعنى المجازي المذكور أعني من تقدم\rمنه البيع كتسمية الإنسان نطفة لزم كون الافتراق في الأجسام حقيقة وحينئذ فإما أن نقول ليس أحدهما أولى من الآخر فيكون الحديث مجملا فيسقط به الاستدلال وإما أن ترجح المجاز الأول أعني في المتبايعين لكونه معضودا بالقياس والقواعد\rالوجه الثالث\r","part":3,"page":467},{"id":1188,"text":"قوله {صلى الله عليه وسلم} في بعض الطرق في أبي داود والدارقطني المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله فلو كان المجلس مشروعا لم يحتج للإقالة فإن من توجهت نفسه يختار الفسخ فلما صرح بما يقتضي احتياجه للآخر وهو الإقالة دل على بطلان خيار المجلس بعد العقد وإنما هو ثابت قبل العقد وأن المتبايعين هما المتشاغلان بالبيع كما تقدم في الوجه الأول وهذا دليل ذلك المجاز أيضا الوجه الرابع المعارضة بنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر وهذا من الغرر كما علمت الوجه الخامس قوله تعالى أوفوا بالعقود والأمر للوجوب المنافي للخيار الوجه السادس لو صح خيار المجلس لتعذر تولي طرفي العقد كشراء الأب لابنه الصغير والوصي\rوالحاكم لكن ذلك غير متعذر بل مجمع عليه فيلزم على صحة خيار المجلس ترك العمل بالدليل ولا يلزم على عدم صحته ذلك وكذلك يلزم على الصحة ذلك فيما يسرع إليه الفساد من الأطعمة كالهرائس والكنائف ولا يلزم على عدمها فيه ذلك\rالوجه السابع\r","part":3,"page":468},{"id":1189,"text":"أن خيار المجلس مجهول العاقبة إذ ليس له ضابط إلا الافتراق وقد يطول وقد يقصر وكل مجهول العاقبة أو النهاية في الزمان من خيار الشرط الذي صرح به مجمع على بطلانه فأولى أن يقتضي بطلان ما لم يصرح به في العقد من خيار المجلس الوجه الثامن عقد وقع الرضى به فيبطل خيار المجلس فيه كما بعد الإمضاء الوجه التاسع أن الحديث يحمل على ما إذا قال المشتري بعني فيقول البائع بعتك فإن أبا يوسف قال له الخيار ما دام في المجلس وهذه صورة تفرد بها الحنفية فلا بد أن يقول عندهم اشتريت وإن كان قد استدعى البيع وحملوا عليه قوله عليه الصلاة والسلام في البخاري في آخر الحديث أو يقول أحدهما للآخر اختر أي اختر الرجوع عن الإيجاب أو الاستدعاء ونحن نحمله على اختيار شرط الخيار فيكون معنى الحديث المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا فلا خيار أو يقول أحدهما لصاحبه اختر فلا تنفع الفرقة ولذلك لم يرو إلا بيع الخيار مع هذه الزيادة الوجه العاشر عمل أهل المدينة وهو مقدم على خبر الواحد فإن تكرر البيع عندهم مع الأنفاس فعدم المجلس بين أظهرهم يدل على عدم مشروعيته دلالة قطعية والقطع مقدم على الظن هذا ما رجح به الأصل قول مالك ومن وافقه بعدم صحة خيار المجلس ولم يرتض ابن الشاط من الأوجه العشرة في إسقاط دلالة الخبر إلا العاشر فقد قال ليس للمالكية كلام يقوى غير هذا أي الوجه العاشر فإذا ثبت عمل أهل المدينة رجح على خبر الواحد قال\rوأما كون الأصل في العقود اللزوم إلخ فيقال بموجبه بعد خيار المجلس لا قبله\r","part":3,"page":469},{"id":1190,"text":"واحتجاج الشافعي بالخبر المذكور قوي والعادة غالبا لا يطول مجلس المتبايعين طولا يفوت المقصود من العوضين كيف وقد قال {صلى الله عليه وسلم} أو يقول أحدهما للآخر اختر أي اختر الإمضاء ويأتي جواب الوجه الأول عند ذكر دليله أي الذي هو الوجه الثالث والوجه الثاني صحيح إذا أريد بالحقيقة كون الفاعل ملابسا لما صدر منه أو وصف به لا إذا أريد بالحقيقة كون لفظ متبايعين موضوعا لمحاولي البيع والابتياع فإنه لا دليل على ما ذهب إليه في ذلك هو وغيره من أن اسم الفاعل لا يكون حقيقة إلا في حال الملابسة وقوله وإن حملنا المتبايعين على من تقدم من البيع إلى قوله معضودا بالقياس والقواعد مبني على ذلك الذي ذهب إليه وهو ليس بصحيح بل الصحيح أن اسم الفاعل حقيقة في الماضي وفي الحال وفي الاستقبال من حيث إنه مستعمل في الأزمان الثلاثة في اللسان\rوالأصل الحقيقة والمجاز على خلاف الأصل فلا بد له من دليل ولا دليل لمن ادعى ذلك فيما أعلمه غير ما يتوهم من أن الحقيقة اللغوية تلزم الحقيقة الوجودية وليس الأمر كذلك فإن الحقيقة اللغوية المراد بها أن اللفظ موضوع للمعين لا لعلاقة بين ذلك المعنى ومعنى آخر وضع له ذلك اللفظ قبل هذا والحقيقة الوجودية المراد بها كون الصفة بالموصوف موجودة فالمعنيان متغايران لا ملازمة بينهما بوجه ا ه\r","part":3,"page":470},{"id":1191,"text":"قلت والذي حققه ابن قاسم في آياته على محلى جمع الجوامع أخذا من كلام التقي السبكي هو أن مقتضى كلام علماء المعاني كالشيخ عبد القاهر وغيره أن أصل مدلول الوصف كاسم الفاعل ذات ما متصفة بمعنى المشتق منه من غير اعتبار زمان أو حدوث في ذلك المدلول فإذا أطلق بهذه الحالة كان متناولا حين الإطلاق حقيقة لا مجازا لكل ذات ثبت لها ذلك الاتصاف باعتبار قيام تلك الصفة بالذات بالفعل وإن تأخر الاتصاف عن الإطلاق أو تقدم لأن الزمان غير معتبر في مدلوله ولا يتناول ذاتا لم يثبت لها ذلك الاتصاف أي حين الإطلاق باعتبار عدم ثبوته لها وإن سبق الاتصاف الإطلاق أو تأخر عنه والمراد لا يتناولها على سبيل الحقيقة\rوإن تناولها على سبيل المجاز باعتبار ما كان أو يكون إن ثبت لها ذلك الاتصاف سابقا أو لاحقا فإذا قيل الزاني عليه الحد كان تعلق وجوب\rالحد بكل ذات اتصفت بالزنى باعتبار اتصافها به وإن تأخر اتصافها به عن النطق بهذا الكلام أو تقدم عليه فيدخل فيه زيد المتصف بالزنى حال النطق باعتبار اتصافه به الآن والمتصف به قبله أو بعده باعتبار اتصافه به السابق أو اللاحق ويكون معنى قولهم اسم الفاعل حقيقة في الحال إنه حقيقة باعتبار حال التلبس أي الاتصاف بالوصف سواء كان ذلك الاتصاف سابقا على التلفظ أو مقارنا له أو لاحقا ولا يتناول ذاتا لم تتصف به حال النطق أو قبله أو بعده حقيقة بل إذا لوحظ نحو زيد باعتبار عدم اتصافه به حين النطق بهذا الكلام وجعل الإطلاق بذلك الاعتبار لكن بسبب أنه ذو حالة أخرى سابقة أو لاحقة كان داخلا فيه مجازا لعلاقة ما كان أو ما يكون ومثل هذا ما إذا لوحظ زيد باعتبار عدم اتصافه به في الماضي وجعل الإطلاق بذلك الاعتبار لكن بسبب أنه ذو حالة أخرى وهي اتصافه به الآن وفي المستقبل\r","part":3,"page":471},{"id":1192,"text":"فيكون داخلا فيه مجازا لعلاقة ما يكون وما إذا لوحظ باعتبار عدم اتصافه به في المستقبل وجعل الإطلاق بذلك الاعتبار لكن بسبب أنه ذو حالة أخرى وهي اتصافه به في الماضي أو الآن فيكون داخلا فيه مجازا لعلاقة ما كان وإنما كان ما ذكر مجازا لعلاقة ما يكون أو ما كان لما قالوه من أن السبق واللحوق المعتبر في المجاز باعتبار ما كان عليه وباعتبار ما يئول إليه بالنظر إلى ثبوت الحكم المنسوب لا بالنظر إلى الإخبار بذلك الحكم كما حققه في التلويح ومقتضى كلام علماء النحو أن اسم الفاعل ونحوه يقصد به الحدوث أي حدوث معنى المشتق منه من تلك الذات بمعونة القرائن فهو وإن لم يجز أن يقصد به الحدوث بالوضع كالفعل يجوز قصد الحدوث بالقرائن لأنها باعتبار الوضع لا يقصد بها إلا مجرد الثبوت أي الحصول دون الحدوث وباعتبار القرائن لا يقصد بها إلا مجرد الدوام مع الثبوت دون الحدوث\rولم يقصد بها الحدوث مع القرائن فإذا أطلق اسم الفاعل ونحوه بهذه الحالة أعني أن يقصد به الحدوث في زمن مخصوص كان الزمان ملحوظا فيه ومدلولا له التزاما فإذا قيل الزاني وجب حده فإن أريد الذي حدث زناه في الزمان الحاضر لم يتناول لفظا من لم\r","part":3,"page":472},{"id":1193,"text":"يحدث زناه في ذلك الزمان ولو باعتبار اتصافه فالزنا في غيره على سبيل الحقيقة وإنما يتناوله على سبيل المجاز وكذا يقال إذا أريد الذي حدث زناه في الزمان الماضي أو المستقبل ويوضح ذلك ما في شرح المنهاج لابن السبكي مما حاصله أنه إذا استعمل الوصف في الزمان فإن أريد به ذات ثبت لها هذا الوصف في ذلك الزمان كان حقيقة كما نريدها غدا أو أمس إذا أريد بضارب ذات يقع منها الضرب غدا أو وقع منها الضرب أمس وإن أريد به ذات ثبت لها الوصف الآن أي متصفة الآن بهذا الوصف الذي سيقع أو وقع كان مجازا هو يعني أنه إذا أريد بالوصف ذات ثبت لها الآن وقوع الحدث منها في الاستقبال أو في الماضي كما إذا قيل زيد ضارب الآن وأريد أنه متصف الآن بأنه يضرب غدا أو ضرب أمس وهو غير ضارب الآن كان مجازا لأنه حينئذ لم يرد به ما وضع له وهو أنه يحصل منه الحدث الآن إذ وصف الذات في هذا الزمن الحال بوقوع الحدث منها إنما هو باعتبار ما يكون أو ما كان ومثل هذا ما إذا أريد بالوصف ذات ثبت لها في الماضي وقوع الحدث الآن أو في المستقبل فإنه مجاز باعتبار ما يكون وما إذا أريد به ذات ثبت لها في المستقبل وقوع الحدث في الماضي أو الآن فإنه مجاز باعتبار ما كان هذا خلاصة ما في بيانية الصبان والأنبابي عليها قال الأنبابي ويمكن أن يجمع بين مقتضى كلامي علماء المعاني وعلماء النحو بأن للوصف استعمالين أحدهما وهو الأكثر ما قاله أهل المعاني\rوالثاني وهو الأقل ما قاله أهل النحو كما يشعر بذلك قول السيد وقد يقصد به الحدوث بمعونة القرائن انتهت باختصار لكن في كلام الرضا التصريح بأن اسم الفاعل موضوع للحدوث والحدوث فيه أغلب قال ولهذا اطرد تحويل الصفة المشبهة إن قصد بها الحدوث إلى صيغته كحاسن وضائف إلى أن يكون ذلك منه أخذ بظاهر كلام مصنفه ابن الحاجب حيث اعتبر في اسم الفاعل كونه بمعنى الحدوث فقال اسم الفاعل ما اشتق من فعل لمن قام به بمعنى الحدوث ا ه والله أعلم ا ه\r","part":3,"page":473},{"id":1194,"text":"فإذا علمت هذا ظهر لك أن كلام الأصل مبني على\rالاستعمال الأكثر في الوصف الذي لا يفتقر للقرائن بخلاف ما اختاره ابن الشاط فإنه مبني على الاستعمال الأقل المفتقر للقرائن ولا يتم قوله بفساد القاعدة الأولى من القواعد الثلاث التي قال الأصل إن مقتضى البناء عليها أن حديث المتعاقدان بالخيار ما لم يتفرقا يدل على بطلان خيار المجلس عكس ما يدعيه الشافعية فيسقط ا ه\rقول ابن الشاط أن ما قاله في ذلك لا يصح لأنه مبني على القاعدة الأولى وهي فاسدة فكل ما بني عليها فاسد ا ه\rوحينئذ فلا يتجه قوله والأصل الحقيقة والمجاز على خلاف الأصل فلا بد له من دليل فتأمل بإنصاف\rوقال ابن الشاط في الجواب عن الوجه الثالث ما نصه لا دلالة للفظ الإقالة على بطلان خيار المجلس إنما هي بالضمن لا بالصريح على تقدير أن لفظ الإقالة حقيقة لا مجاز ويلزم عن ذلك مخالفة آخر الكلام أوله فإن أول الكلام يقتضي صريحا ثبوت خيار المجلس ويلزم عن ذلك أيضا أن مقتضى الحديث التأكيد لما هو مقرر من أن المتبايعين أو المتساومين بالخيار وذلك مرجوح فإن حمل كلام الشارع عن التأسيس إذا تحمله أولى ويلزم عن ذلك أيضا عدم الفائدة في الاستثناء بقوله إلا أن تكون صفقة خيار فإنه لا شك أن المتساومين أو المتعاقدين للبيع والابتياع ما لم يقع بينهما العقد بالخيار في كل حال من أحوالهما وفي صفقة الخيار وغيرها وبالجملة ففي حمل لفظ المتبايعين على المجاز وحمل لفظ الإقالة على الحقيقة ضروب من ضعف الكلام وتعارضه وعدم الفائدة وكل ذلك غير لائق بفصاحة صاحب الشرع وفي حمل الإقالة على المجاز وأن المراد بها اختيار الفسخ وحمل المتبايعين على المتعاقدين قوة للكلام أو استقامته وثبوت فائدته والله تعالى أعلم ا ه بلفظه\r","part":3,"page":474},{"id":1195,"text":"وقال في جواب الوجه الرابع أن الغرر المعفو عنه فإنه ليس مما يعظم فإن المجلس وغالب العادة لا يطول طولا يقتضي ذلك وفي جواب الوجه الخامس الآية مطلقة فتحمل على ما بعد الخيار جمعا بين الأدلة وفي جواب الوجه السادس إنما خرج كلام الشارع في خيار المجلس على الغائب\rوحيث لا يتعذر أي لا مطلقا حتى يرد هذا الوجه وفي جواب الوجه السابع خيار المجلس مضبوط بالاعتبار وما يلزمه غالبا من التفاوت معفو عنه بخلاف ما نظر به من خيار الشرط المجهول الزمان وفي جواب الوجه الثامن هذا قياس فاسد الوضع فإنه في معارضة النص وفي جواب الوجه التاسع لا خفاء بضعف هذا الوجه من وجوه أيسرها كونه بني على مذهب الغير ا ه\rقلت ولا يخفاك أن البناء على مذهب الغير الموافق للمذهب في أصل الدعوى من بطلان خيار المجلس وجعل الرد على المخالف القائل بعدم بطلان خيار المجلس من جهة مذهب ذلك الغير لا من جهة مذهبنا لا يقتضي ضعف هذا الوجه أصلا فافهم وصل يتعلق بالنظر في أصول باب الخيار أي خيار الشرط سبع مسائل المسألة الأولى قال الحفيد في البداية في جوازه وعدم جوازه قولان وعلى الجواز الجمهور وعمدتهم حديث حبان بن منقذ وفيه ولك الخيار ثلاثا وما روي في حديث ابن عمر البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار والثوري وابن أبي شبرمة من أهل الظاهر على عدم الجواز وعمدتهم أنه غرر وأن الأصل\rهو اللزوم في البيع إلا أن يقوم دليل على جواز البيع على الخيار من كتاب الله أو سنة ثابتة أو إجماع قالوا وحديث حبان إما أنه ليس بصحيح وإما أنه لما شكي إليه {صلى الله عليه وسلم} أنه يخدع في البيوع قالوا وأما حديث ابن عمر وقوله فيه إلا بيع الخيار فقد فسر المعنى المراد بهذا اللفظ وهو ما ورد فيه من لفظ آخر وهو أن يقول أحدهما لصاحبه اختر ا ه\rالمسألة الثانية\r","part":3,"page":475},{"id":1196,"text":"قال الحفيد أيضا في مدة الخيار عند من قالوا بجوازه خلاف فرأى مالك أن ذلك ليس له قدر محدود في نفسه وأنه إنما يتقدر بقدر الحاجة إلى اختلاف المبيعات وذلك يتفاوت بتفاوت المبيعات قال فمثل اليوم واليومين في اختيار الثوب والجمعة والخمسة الأيام في اختيار الجارية والشهر ونحوه في اختيار الدار وبالجملة فلا يجوز عنده الأجل الطويل الذي فيه فضل عن اختيار المبيع\rوقال الشافعي وأبو حنيفة أجل الخيار ثلاثة أيام لا يجوز أكثر من ذلك\rوقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن يجوز الخيار لأي مدة اشترطت وبه قال داود واختلفوا في الخيار المطلق دون المقيد بمدة معلومة فقال الثوري والحسن بن جني وجماعة بجواز اشتراط الخيار مطلقا ويكون له الخيار أبدا وقال مالك يجوز الخيار المطلق ولكن السلطان يضرب فيه أجل مثله وعمدة أصحابه هو أن المفهوم من الخيار هو اختيار المبيع وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون ذلك محدودا بزمان إمكان اختيار المبيع وذلك يختلف بحسب مبيع فكان النص إنما ورد عندهم تنبيها على هذا المعنى فهو عندهم من باب الخاص أريد به العام وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز بحال الخيار المطلق ويفسد المبيع\rواختلف أبو حنيفة والشافعي إن وقع الخيار في الثلاثة الأيام جاز وإن مضت الثلاثة أيام فسد البيع وعمدته هو أن الأصل أن لا يجوز الخيار فلا يجوز منه إلا ما ورد فيه في حديث منقذ بن حبان أو حبان بن منقذ لأنه من باب الخاص أريد به الخاص وذلك كسائر الرخص المستثناة من الأصول مثل استثناء العرايا من المزابنة وغير ذلك قالوا وقد جاء تحديد الخيار بالثلاث في حديث المصراة وهو قوله {صلى الله عليه وسلم} من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام\rوأما حديث منقذ فأشبه طرقه المتصلة ما\r","part":3,"page":476},{"id":1197,"text":"رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لمنقذ وكان يخدع في المبيع إذا بعت فقل لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثا وقال الشافعي بل هو فاسد على كل حال ودليله ما تقدم فهذه هي أقاويل فقهاء الأمصار في مدة الخيار وحاصلها هل يجوز مطلقا أو مقيدا وإن جاز مقيدا فكم مقداره وإن لم يجز مطلقا فهل من شرط ذلك أن لا يقع الخيار في الثلاث أم لا يجوز بحال وإن وقع في الثلاث ا ه المسألة الثالثة قال الحفيد أيضا في جواز اشتراط النقد فيه وعدم جوازه قولان والقول بعد الجواز عند مالك وجميع أصحابه لتردده عندهم بين السلف والبيع وفيه ضعف ا ه\rالمسألة الرابعة قال الحفيد أيضا اختلفوا في ضمان المبيع في مدة الخيار ممن يكون مالك وأصحابه والليث والأوزاعي مصيبته من البائع والمشتري أمين سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما وعمدتهم أنه عقد غير لازم فلم ينتقل الملك عن البائع كما لو قال بعتك ولم يقل المشتري قبلت وقد قيل\rفي المذهب إنه إن كان هلك بيد البائع فلا خلاف في ضمانه إياه وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية إن كان مما يغلب عليه فضمانه منه وإن كان مما لا يغلب عليه فضمانه من البائع وقال أبو حنيفة إن كان شرط الخيار لكليهما أو للبائع وحده فضمانه من البائع والمبيع على ملكه لأنه هو المشترط وحده ومع المشتري\rوأما إن كان شرطه المشتري وحده فقد خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري وبقي معلقا حتى ينقضي بالخيار لأنه لما لم يشترط البائع خيارا كان خارجا عن ملكه ولم يلزم أن يدخل في ملك المشتري لأنه بشرط الخيار في رد الآخر له ولكن هذا القول يمانع الحكم فإنه لا بد أن تكون مصيبة من أحدهما وقد قيل عنه المشتري الثمن\r","part":3,"page":477},{"id":1198,"text":"وهذا يدل على أنه قد دخل عنده في ملك المشتري ووجهه أنه لما كان هو المشترط فقط كان البائع قد صرفه عن ملكه وأبانه فوجب أن يدخل في ملك المشتري وللشافعي قولان أشهرهما أن الضمان من المشتري لأيهما كان الخيار تشبيها لبيع الخيار بالبيع اللازم وهو ضعيف لقياسه موضع الخلاف على موضع الاتفاق وهذا الخلاف آيل إلى أن الخلاف هل هو مشترط لإيقاع الفسخ في البيع أو لتتميم البيع فإذا قلنا بفسخ البيع فقد خرج من ضمان البائع وإذا قلنا بتتميمه فهو في ضمانه ا ه\rالمسألة الخامسة\rقال الحفيد أيضا هل يورث خيار البيع أم لا فقال مالك والشافعي وأصحابهما يورث وإنه إذا مات صاحب الخيار فلورثته من الخيار مثل ما كان له وقال أبو حنيفة وأصحابه يبطل الخيار بموت من له الخيار ويتم البيع وهكذا عنده خيار الشفعة وخيار قبول الوصية وخيار الإقالة وسلم لهم أبو حنيفة خيار الرد بالعيب أعني أنه قال يورث\rوكذلك خيار استحقاق الغنيمة قبل القسم وخيار القصاص وخيار الرهن وسلم لهم مالك خيار رد الأب ما وهبه لابنه أعني أنه لم ير لورثة الميت من الخيار في رد ما وهبه لابنه ما جعل الشرع من ذلك له أي للأب الميت وكذلك خيار الكتابة والطلاق واللعان ومعنى خيار الطلاق أن يقول الرجل لرجل آخر طلق امرأتي متى شئت فيموت الرجل المجعول له الخيار فإن ورثته لا يتنزلون منزلته عند مالك وسلم الشافعي ما سلمت المالكية للحنفية من هذه الخيارات وسلم زائد خيار الإقالة والقبول قال لا يورثان وموضع الخلاف هل الأصل أن تورث الحقوق كالأموال أو أن تورث الأموال دون الحقوق فكل واحد من الفريقين يشبه من هذا ما لم يسلمه له خصمه منها بما يسلمه منها له ويحتج على خصمه فالمالكية والشافعية تحتج على أبي حنيفة وراثة خيار الرد بالعيب ويشبه سائر الخيارات التي يورثها به والحنفية تحتج أيضا على المالكية والشافعية بما تمنع من ذلك وكل واحد منهم يروم أن يعطي فارقا يختلف فيه\r","part":3,"page":478},{"id":1199,"text":"قوله ومشابها فيما يتفق فيه قوله ويروم في قوله خصمه بالضد أعني أن يعطي فارقا فيما يمنعه الخصم متفقا ويعطي اتفاقا فيما يضعه الخصم متباينا مثلا\rتقول المالكية إنما قلنا إن خيار الأب في رد هبته لا يورث لأن ذلك خيار راجع إلى صفة في الأب لا توجد في غيره وهي الأبوة فوجب أن لا تورث إلى لا صفة في العقد وهذا هو سبب اختلافهم في خيار أعني أنه من انقدح له في شيء منها أنه صفة للعقد ورثه ومن انقدح له أنه صفة خاصة بذي الخيار لم يورثه هو سيأتي توضيح هذه المسألة في الفرق الذي تلو هذا الفرق فترقب\rالمسألة السادسة\rقال الحفيد أيضا اتفقوا على صحة خيار المتبايعين واختلفوا في اشتراط خيار الأجنبي فقال مالك يجوز ذلك والبيع صحيح\rوقال الشافعي في أحد قوليه لا يجوز إلا أن يوكله الذي جعل له الخيار ولا يجوز الخيار عنده على هذا القول لغير العاقد وهو قول أحمد وللشافعي قول آخر مثل قول مالك وبقول مالك قال أبو حنيفة واتفق المذهب على أن الخيار للأجنبي إذا جعله اختلف له المتبايعان وإن قوله لازم لهما واختلف المذهب إذا جعله أحدهما فاختلف البائع ومن جعل له البائع الخيار وهو المشتري ومن جعل له المشتري الخيار فقيل القول في الإمضاء والرد قول الأجنبي سواء اشترط خياره البائع والمشتري\r","part":3,"page":479},{"id":1200,"text":"وقال عكس هذا القول من جعل خياره هنا كالمشورة وقيل بالفرق بين البائع والمشتري أي إن القول في الإمضاء والرد قول البائع دون الأجنبي وقول الأجنبي دون المشتري إن كان المشتري هو مشترط الخيار وقيل القول قول من أراد منهما الإمضاء فإن أراد البائع الإمضاء وأراد الأجنبي الذي اشترط البائع أو المشتري خياره الرد ووافقه المشتري فالقول قول البائع الرد وأراد الأجنبي المذكور الإمضاء ووافقه المشتري فالقول قول المشتري وقيل بالفرق في هذا بين البائع والمشتري أي إن اشترطه البائع فالقول قول من أراد الإمضاء منهما وإن اشترطه المشتري فالقول قول الأجنبي وهو ظاهر ما في المدونة وهذا كله ضعيف ا ه\rالمسألة السابعة قال الحفيد أيضا اختلفوا فيمن اشترط من الخيار ما لا يجوز مثل أن يشترط أجلا مجهولا أو خيارا فوق الثلاث عند من لا يجوز الخيار فوق الثلاث أو خيار رجل بعيد الموضع بعينه أعني أجنبيا فقال مالك والشافعي لا يصح البيع وإن أسقط الشرط الفاسد وقال أبو حنيفة يصح البيع مع إسقاط الشرط الفاسد فأصل الخلاف هو الفساد الواقع في البيع من قبل الشرط يتعدى إلى العقد أم لا يتعدى وإنما هو في الشرط فقط فمن قال يتعدى أبطل البيع وإن أسقطه ومن قال لا يتعدى قال البيع يصح إذا أسقط الشرط الفاسد لأنه يتبقى العقد صحيحا ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام غير الأموال وبين قاعدة ما لا ينتقل من الأحكام\rقد علمت من كلام الحفيد في المسألة الخامسة من مسائل خيار الشرط أنه لا خلاف في انتقال الأموال إلى الأقارب ومن الخلاف بين فقهاء الأمصار في الحقوق\rوذلك أنه","part":3,"page":480},{"id":1201,"text":"وإن روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من مات عن حق فلورثته إلا أن الحقوق لما لم تكن كلها بمعنى واحد بل منها ما يتعلق بالمال كخيار الشفعة وخيار الشرط في البياعات وخيار الرد في البيع وخيار تعدد الصفقة وخيار التعيين كأن يشتري عبدا من عبدين على أن يختار وخيار الوصية إذا مات الموصى له بعد موت الموصي وخيار الإقالة والقبول ومنها ما يدفع ضررا عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه كحد القذف وقصاص الأطراف والجراح والمنافع في الأعضاء ومنها ما يتعلق بنفس الموروث وعقله وشهوته كالولايات والمناصب والأمانة والوكالة واللعان والفيئة والعود واختيار إحدى الأختين ونحو ذلك لم يبقوا لفظ الحديث المذكور على عمومه بل خصوه بما ينتقل منها للوارث وضابطه أنه كل ما كان متعلقا بالمال أو يدفع ضررا عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه\rوأما ما لا ينتقل إلى الوارث منها فلا يشمله لفظ الحديث وضابطه أنه كل ما كان متعلقا بنفس الموروث والسر في الفرق أن الورثة يرثون المال فيرثون ما يتعلق به تبعا له ولا يرثون عقل مورثهم ولا شهوته ولا نفسه فلا يرثون ما يتعلق بذلك ضرورة أن ما لا يورث لا يورث كما ما يتعلق به لحما أنهم لا يرثون كل ما يخرج عن حقوق الأموال إلا صورتين إحداهما القذف وثانيتها قصاص الأطراف والجراح والمنافع فإن هاتين الصورتين وإن خرجتا عن حقوق الأموال تنتقلان للوارث لأجل شفاء غليله بما دخل على عرضه من قذف مورثه والجناية عليه ولما لم يثبت للمجني عليه قبل موته قصاص النفس وإنما ثبت للوارث ابتداء لأن استحقاقه فرع زهوق النفس لم يكن قصاص النفس مما ينتقل للوارث لأنه لا يقع\rإلا للوارث بعد موت المورث فمن هنا لما كان اللعان يرجع إلى أمر يعني الموروث لا يشاركه فيه غيره غالبا والاعتقادات ليست من باب المال وكانت الفيئة شهوته والعود إرادته\r","part":3,"page":481},{"id":1202,"text":"وكان اختيار نحو إحدى الأختين متعلقا بنفسه لأن النسوة إربه وميله وكان قضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ورأيه وكذا سائر مناصبه وولاياته وآرائه واجتهاداته وكانت أفعاله الدينية هي دينه لم يكن شيء من هذه الحقوق وإن كانت للموروث بمنتقل لوارثه عند فقهاء الأمصار إذ من حقوق الإنسان أن يلاعن عند سبب اللعان وأن يفيء بعد الإيلاء وأن يعود بعد الظهار وأن يختار من نسوة إذا أسلم عليهن وهن أكثر من أربع وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهما ومن حقه إذا جعل المتبايعان له الخيار أن يملك إمضاء البيع عليهما وفسخه ومن حقه ما فوض إليه من الولايات والمناصب كالقصاص والإمامة والخطابة والإفتاء وغيرها وكالأمانة والوكالة ومن حقه جميع أفعاله الدينية فلا ينتقل شيء من ذلك للوارث لأنه لم يرث مستنده وأصله وكذلك خيار الهبة في الأب للابن بالاعتصار وخيار العتق والكتابة والطلاق بأن يقول طلق امرأتي متى شئت فيموت المقول له ولما كان نحو خيار الرد بالعيب وخيار تعدد الصفقة وحق القصاص وحق الرهن وحبس المبيع وخيار ما وجد من أموال المسلمين في الغنيمة فمات ربه قبل أن يختار أخذه بعد القسمة من حقوق الموروث المتعلقة بالمال قطعا كان عند الأئمة من الحقوق المنتقلة للوارث قطعيا ولما كان خيار الشرط في المبيعات ونحوه مما يتردد بين كونه صفة للعقد أو صفة للعاقد اختلف الأئمة في\rانتقاله للوارث وعدم انتقاله فذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما إلى انتقاله لأنه صفة العقد وأثر من آثاره فينتقل معه للوارث وذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما إلى عدم انتقاله لثلاثة وجوه\rالوجه الأول\r","part":3,"page":482},{"id":1203,"text":"أنه صفة للعاقد لأنها مشيئته واختياره فتبطل بموته كما تبطل سائر صفاته وجوابه إن اختياره وإن كانت صفته إلا أنها صفة متعلقة بالمال كاختياره الأكل والشرب وأنواع الانتفاع في المال فينتقل كما ينتقل جميع ذلك تبعا للمال الوجه الثاني إن الأجل في الثمن لا يورث فكذلك في الخيار وجوابه إن الأجل معناه تأخير المطالبة وتأخير المطالبة صفة للدين فلا جرم أن الدين لما انتقل للوارث انتقل مؤجلا ضرورة أن الصفة تنتقل لمن انتقل إليه الموصوف وكذلك هاهنا فهذا لنا لا علينا الوجه الثالث أن البائع رضي بخيار واحد فكيف تثبتونه أنتم لجماعة لم يرض بهم وهم الورثة مع أن الواجب أن لا يتعدى الخيار من اشترط له كما لا يتعدى الأجل من اشترط له وجوابه أنه ينتقض بخيار التعيين وبشرط الخيار للأجنبي وقد أثبتوه للوارث وبما إذا جنى فإنه ينتقل إلى الولي ما لم يوص به البائع هذا تهذيب ما في الأصل من تلخيص هذا الفرق ببيان سره ومداركه والخلاف فيه وسلمه الإمام ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والتسعون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه قبل قبضه وقاعدة ما لا يجوز بيعه قبل قبضه\rقال الحفيد في البداية يتحصل في اشتراط قبض المبيع ومنع البيع قبل قبضه سبعة أقوال\rالأول والثاني\rروايتان عن مالك رضي الله عنه أشهرهما اشتراطه في الطعام بإطلاق فيمتنع بيعه قبل قبضه والرواية الأخرى اشتراطه في الربوي فقط فيجوز بيع غير الربوي من الطعام قبل قبضه الثالث لأحمد وأبي ثور اشتراطه في الطعام المكيل والموزون أي والمعدود الرابع لأبي حنيفة اشتراطه في كل شيء ينقل أما المبيعات التي لا تنتقل ولا تحول وهي الدور والعقار فيجوز فيها البيع قبل القبض الخامس للشافعي والثوري اشتراطه في كل شيء ولو كان مما لا ينقل وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس","part":3,"page":483},{"id":1204,"text":"السادس لأبي عبيد وإسحاق اشتراطه في المكيل والموزون فكل شيء لا يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه السابع لابن حبيب وعبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة اشتراطه في المكيل والموزون والمعدود ا ه\rمحل الحاجة منه نعم يؤخذ تقييد أشهر الروايتين عن مالك بما إذا كان في الطعام حق توفية من كيل أو وزن أو عدد من قوله بعد ورخص مالك فيما بيع من الطعام جزافا أن يباع قبل القبض وأجازه ا ه\rفتكون هذه الرواية عين القول الثالث لابن حنبل وتكون الأقوال ستة لا سبعة وبالتقييد وموافقة قول ابن حنبل صرح الأصل حيث قال قال صاحب الجواهر يمتنع أي في مشهور مالك بيع الطعام قبل قبضه إذا كان فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عدد لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح من ابتاع طعاما فلا يبعه\rحتى يستوفيه فلا يجوز لمن صار إليه هذا الطعام بيعه قبل قبضه\rوأما ما بيع جزافا فيجوز أي لمبتاعه بيعه قبل نقله إذا خلى البائع بينه لحصول الاستيفاء ووافق مشهور مالك هذا ابن حنبل رضي الله عنه ومنع الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما بيعه قبل نقله واحتجا بقول ابن عمر رضي الله عنهما كنا نبتاع الطعام على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيبعث علينا من يأمرنا بنقله من المكان الذي نبتاعه فيه إلى مكان سواه وقول عمر رضي الله عنه كنا إذا ابتعنا الطعام جزافا لم نبعه حتى نحوله من مكانه وجوابه وأن مالكا روى حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن نافع بدون ذكر الجزاف وهو مقدم في حفظ حديث نافع على غيره فرواية جماعة وجود الجزاف عن عبد الله بن عمر وغيره لا ترد على مذهبه على أن الجزاف عند المالكية ليس فيه حق توفية فهو عندهم من ضمان المشتري بنفس العقد نعم هذا من قبيل تخصيص العموم بالقياس المظنون للعلة فافهم وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما يمتنع التصرف في المبيع قبل قبضه مطلقا إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار لأن العقد لا يخشى انفساخه بهلاكه قبل قبضه واحتجا أولا بأربعة أحاديث\r","part":3,"page":484},{"id":1205,"text":"أحدها\rقوله عليه الصلاة والسلام ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك وثانيها حديث حكيم بن حزام قال قلت يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم فقال يا ابن أخي إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه قال أبو عمر وحديث حكيم بن حزام\rرواه يحيى بن أبي كثير عن يوسف بن ماهك أن عبد الله بن عصمة حدثه أن حكيم بن حزام قال ويوسف بن ماهك وعبد الله بن عصمة لا أعرف لهما جرحة إلا أنه لم يرو عنه إلا رجل واحد فقط وذلك في الحقيقة ليس بجرحة وإن كرهه جماعة من المحدثين وثالثها ما أخرجه الترمذي من نهيه {صلى الله عليه وسلم} عن ربح ما لم يضمن ورابعها ما روي من أنه {صلى الله عليه وسلم} لما بعث عتاب بن أسيد أميرا على مكة أمره أن ينهاهم عن بيع ما لم يقبضوا أو ربح ما لم يضمنوا وثانيا بقياس غير الطعام على الطعام وجواب الأول أن هذه الأحاديث المراد بها نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عندك فينهى الإنسان عن بيع ملك غيره ويضمن تخليصه لأنه غرر ودليله قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان والغلة للمشتري\rفيكون الضمان منه فما باع إلا مضمونا فلم يتناول الحديث محل النزاع وجواب الثاني أنه قياس مع الفارق فإن الطعام أشرف من غيره لكونه سبب قيام البنية وعماد الحياة فشدد فيه النزاع على عادته في تكثير الشروط فيما عظم شرفه كاشتراط الولي والصداق والشهود في عقد النكاح دون عقد البيع وشرطه في منصب القضاء ما لم يشترطه في منصب الشهادة قيل ويتأكد ما ذكرناه معاشر المالكية بمفهوم نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الطعام حتى يستوفى فإن مفهومه أن غير الطعام يجوز بيعه قبل أن يستوفى وبقوله تعالى وأحل الله البيع لكن يرد على تأكيده بمفهوم الحديث أن الحديث خاص بالطعام والأحاديث الأربعة التي استدل بها\r","part":3,"page":485},{"id":1206,"text":"الخصوم أعني الشافعية والأحناف عامة في الطعام وغيره والقاعدة الأصولية أن اللفظ العام لا يخصص بذكر بعضه إذ من شرط المخصص أن يكون منافيا ولا منافاة بين الجزء والكل ولا يستقيم الاعتماد في تخصيص تلك الأحاديث على عمل أهل المدينة لأن الخصم لا يسلم أنه حجة فضلا عن أن يكون مخصصا للأدلة ويرد على تأكيده بالآية أن الآية أعم من الأحاديث الأربعة والقاعدة الأصولية أن الخاص مقدم على العام عند التعارض قال الأصل وهما إيرادان صحيحان متجهان لا يحضرني عنهما جواب فتأمل عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده هذا ما يتعلق باشتراط القبض في خصوص البيع\rوأما غيره من سائر التصرفات فقال صاحب الجواهر لا يتوقف شيء من التصرفات على القبض إلا البيع ا ه\rوقال العبدي يجوز الطعام قبل قبضه في خمسة مواضع الهبة والميراث والاستهلاك والقرض والصكوك وهي أعطيات الناس من بيت المال واختلف في طعام أهل الصلح ووقعت الرخصة في الشركة في الطعام قبل قبضه والإقالة والتولية تنزيلا للثاني منزلة الأول المشتري على وجه المعروف بشرط أن لا يفترق العقدان في أجل أو مقدار أو غيرهما لأن ذلك يشعر بالمكايسة ومنع الشافعي وأبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهم الجميع نظرا للنقل والمعاوضة ا ه\rوقال الحفيد في البداية والعقود تنقسم إلى قسمين قسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات وقسم يكون بمعاوضة وهو ينقسم ثلاثة أقسام\rأحدها\r","part":3,"page":486},{"id":1207,"text":"يختص بقصد المغابنة والمكايسة وهي البيوع والإجارات والمهور والصلح والمال المضمون بالتعدي وغيره والقسم الثاني لا يختص بقصد المغابنة وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض والقسم الثالث ما يصح أن يقع على الوجهين جميعا أعني على قصد المغابنة وعلى قصد الرفق كالشركة والإقالة والبتولية وتحصيل أقوال العلماء في هذه الأقسام أن ما كان بيعا وبعوض فلا خلاف في اشتراط القبض فيه وذلك في الشيء الذي يشترط فيه القبض واحد من العلماء وأن ما كان خالصا للرفق أعني القرض فلا خلاف أيضا أن القبض ليس شرطا في بيعه أعني أنه يجوز للرجل أن يبيع القرض قبل أن يقبضه واستثنى أبو حنيفة مما يكون بعوض المهر والخلع والجعل فقال يجوز بيعها قبل القبض وأن العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة وهي التولية والشركة والإقالة إذا وقعت على وجه الرفق من غير أن يكون الإقالة أو التولية بزيادة أو نقصان فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده\rوقال أبو حنيفة والشافعي لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض وتجوز الإقالة عندهما لأنها قبل القبض فسخ بيع لا بيع فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه وإنما استثنى مالك من ذلك التولية والإقالة والشركة للأثر والمعنى أما الأثر فما\rرواه من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى\rيستوفيه إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة\rوأما من طريق المعنى فإن هذه إنما يراد بها الرفق لا المغابنة ما لم تدخلها زيادة أو نقصان وإنما استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع والجعل لأن العوض في ذلك ليس بينا إذا لم يكن عينا ا ه\rهذا تنقيح ما في الأصل من تلخيص الفرق بين القاعدتين وبيان الخلاف ومداركه وسلمه ابن الشاط مع زيادة من البداية والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يتبع العقد عرفا وقاعدة ما لا يتبعه\r","part":3,"page":487},{"id":1208,"text":"وهو أن الألفاظ التي حكمت العوائد بأنها تتبع بشيء إذا وقع العقد عليها ثمانية لفظ الشركة ولفظ الأرض ولفظ البناء ولفظ الدار ولفظ المرابحة ولفظ الشجر ولفظ الثمار ولفظ العبد ويتعلق ببيان ما يتبعها والخلاف في البعض ثمان مسائل المسألة الأولى لفظ الشركة قال صاحب الجواهر وغيره إذا قال أشركتك معي في السلعة يحمل على النصف المسألة الثانية لفظ الأرض قال صاحب الجواهر وغيره بيع الأرض يندرج تحته الأشجار والبناء دون الزرع الظاهر كمأبور الثمار فإن كان كامنا في الأرض اندرج على إحدى الروايتين كما تندرج الحجارة\rالمخلوقة فيها دون المدفونة إلا على القول بأن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها وقال الشافعي رضي الله عنه لا يندرج في الأرض البناء الكثير ولا الغرس وعندنا يندرج المعدن في لفظ الأرض دون الكنز لأن المعدن من الأجزاء فليس من هذا الباب وقال ابن حنبل يندرج في الأرض البناء والغرس\rالمسألة الثالثة\r","part":3,"page":488},{"id":1209,"text":"لفظ البناء قال صاحب الجواهر وغيره إذا باع البناء يندرج فيه عندنا الأرض المسألة الرابعة لفظ الدار قال صاحب الجواهر وغيره يندرج في لفظ الدار عندنا الخشب المسمر والتوابيت ومرافق البناء كالأبواب والرفوف والسلم المثبت دون المنقولات وقال ابن حنبل يندرج في لفظ الدار الأبواب والخوابي المدفونة والرفوف المسمرة وما هو من مصالحها دون الحجر المدفون لأنه كالوديعة وتندرج الحجارة المخلوقة فيها والمعدن دون الكنز المسألة الخامسة لفظ المرابحة قال صاحب الجواهر وغيره لفظ المرابحة عندنا يقتضي أن كل صنعة قائمة كالصبغ والخياطة والكماد والطرز والفتل والغسل يحسب ويحسب له ربح إذا لم يتول ذلك بنفسه وإلا لم يحسب ولا يحسب له ربح لأنه كمن وصف ثمنا على سلعة باجتهاده وما ليس له عين قائمة ولا يسمى السلعة ذاتا ولا سوما لا يحسب ولا يحسب له ربح لأنه لم ينتقل للمشتري ولا يقابل بشيء فهذه الأحكام عندنا تتبع قوله بعتك هذه السلعة مرابحة للعشرة أحد عشرة أو بوضيعة للعشرة أو عشرة يقول للعشرة عشرة وضيعة أو مرابحة فإذا قال للعشرة اثنا عشر كان معناه في الوضيعة ينقص السدس وفي المرابحة يزيد السدس لأن الاثنين سدس اثني عشر وإذا قال للعشرة عشرة كان معناه يضاف للعشرة عشرة فيكون الزيادة أو النقصان النصف لأن إخراج عشرة من عشرة محال قال الأصل\rوهذا الكلام مع بقية تفاريع هذا الباب كلها مبنية على العوائد أي القديم وإلا فمن أين لنا ما يحسب ويحسب ربحه وعكسه ولولا العوائد القديمة لكان هذا تحكما صرفا وبيع المجهول والغرر في الثمن غير جائز إجماعا فلذا لو أطلق هذا اللفظ في زماننا لم يصح به بيع لعدم فهم المقصود منه لغة ولا عرفا\rالمسألة السادسة\r","part":3,"page":489},{"id":1210,"text":"لفظ الشجر قال صاحب الجواهر وغيره لفظ الشجر تتبعه الأرض واستحقاق البناء مغروسا والثمرة غير المؤبرة دون المؤبرة وقال ابن حنبل لا تندرج الأرض في لفظ الشجر ووافقنا الشافعي وابن حنبل في الثمار وقال أبو حنيفة هي للبائع مطلقا وفي الموطإ قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع ومفهومه يقتضي أنه إذا لم تؤبر للمبتاع لأنه عليه السلام إنما جعلها للبائع بشرط الإبار فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط فالأول مفهوم الصفة والثاني مفهوم الشرط وهذا ضعيف من جهة أن الحنفية لا يرون المفهوم حجة فلا يحتج عليهم به بل نحتج عليهم أولا بقياس الثمرة على الجنين إذا خرج لم يتبع وإلا اتبع وثانيا بقياس الثمرة على اللبن قبل الحلاب فإن استتار الثمار في الأكمام كاستتار الأجنة في الأرحام واللبن في الضروع وثالثا بقياس الثمرة على الأغصان والورق ونوى التمر فهذه الأقيسة أقوى من قياسهم بكثير لقوة جامعها وأما قياسهم غير المؤبرة على المؤبرة ففارقه ظاهر وجامعه ضعيف وفي بداية الحفيد جمهور الفقهاء على أن من باع نخلا فيها ثمر قبل أن يؤبر فإن الثمر للمشتري وإذا كان البيع بعد الإبار فالثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع إلا والثمار كلها في هذا المعنى في معنى النخيل\rوقال أبو حنيفة وأصحابه هي للبائع قبل الإبار وبعده وقال ابن أبي ليلى سواء أبر أو لم يؤبر إذا بيع الأصل فهو للمشتري اشترطها أو لم يشترطها وسبب الخلاف في هذه المسألة بين أبي حنيفة والشافعي ومالك ومن قال بقولهم معارضة دليل\r","part":3,"page":490},{"id":1211,"text":"الخطاب لدليل مفهوم الأخرى والأولى وهو الذي يسمى فحوى الخطاب في حديث ابن عمر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال من باع نخلا قد أبرت إلخ فقال مالك والشافعي وابن حنبل ومن قال بقولهم لما حكم {صلى الله عليه وسلم} بالثمر للبائع بعد الإبار علمنا بدليل الخطاب أي مفهوم المخالفة أنها للمشتري قبل الإبار بلا شرط وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا وجبت للبائع بعد الإبار فهي بالأحرى أن تجب له قبل الإبار وشبهوا خروج الثمر بالولادة قالوا فكما أن من باع أمة لها ولد فولدها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع كذلك الأمر في الثمر لكن مفهوم الأحرى هاهنا ضعيف\rوإن كان في الأصل أقوى من دليل الخطاب وأما سبب مخالفة ابن أبي ليلى لهم فمعارضة القياس للسماع لأنه رأى أن الثمر جزء من المبيع فرد الحديث بالقياس ولا معنى لذلك إلا إن كان لم يثبت عنده الحديث هذا والإبار عند العلماء أن يجعل طلع ذكور النخل في طلع إناثها وفي سائر الشجر أن تنور وتعقد والتذكير في شجر التين التي تذكر في معنى الإبار وإبار الزرع مختلف فيه في المذهب فروى ابن القاسم عن مالك أن إباره أن يفرك قياسا على سائر الثمر وهل الموجب لهذا الحكم هو الإبار أو وقت الإبار قيل الوقت وقيل الإبار وعلى هذا ينبني الاختلاف إذا أبر بعض النخل ولم يؤبر البعض هل يتبع ما لم يؤبر ما أبر أو لا يتبعه واتفقوا فيما أحسبه على أنه إذا بيع ثمر وقد دخل وقت الإبار فلم يؤبر أن حكمه حكم المؤبر ا ه\rبتلخيص\rالمسألة السابعة\rلفظ الثمار قال صاحب الجواهر وغيره لفظ إطلاق الثمار في رءوس النخل يقتضي عندنا التبقية بعد الزهو وقاله الشافعي وقال أبو حنيفة يقتضي القطع كسائر المبيعات ولما فيه من الجهالة\rوالجواب أن العقد معارض بالعادة ومثل هذه الجهالة لا تقدح في العقود كما لو اشترى طعاما كثيرا فإنه يؤخره زمانا طويلا لقبضه وتحويله وكبيع الدار فيها الأمتعة الكثيرة لا يمكن خلوها إلا في زمان طويل\rالمسألة الثامنة\r","part":3,"page":491},{"id":1212,"text":"لفظ العبد قال صاحب الجواهر وغيره لفظ العبد يتبعه ثيابه التي عليه إذا أشبهت مهنته دون ماله ا ه\rوفي بداية الحفيد في كون مال العبد يتبعه في البيع والعتق ثلاثة أقوال أحدها للشافعي والكوفيين أن ماله في البيع والعتق لسيده وكذلك في المكاتب والثاني لمالك والليث أنه تبع له في العتق لا في البيع إلا أن يشترطه المبتاع أي المشتري فوافق الأول في البيع وحجتهما حديث ابن عمر المشهور عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع وخالفه في العتق حيث جعله فيه تابعا للعبد تغليبا للقياس على السماع على أنه قد روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من أعتق فماله له إلا أن يستثنيه سيده وجعله الأول فيه للسيد قياسا على البيع كما خالفه فيما إذا اشترط ماله المشتري فقال في الموطإ الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أو عرضا أو دينا فيجوز عند مالك أن يشتري العبد وماله بدراهم وإن كان مال العبد دراهم أو فيه دراهم وقال أبو حنيفة والشافعي إذا كان مال العبد نقدا وقالوا العبد وماله كان بمنزلة من باع شيئين فلا يجوز فيهما إلا ما يجوز في سائر البيوع نعم اختلف أصحاب مالك في اشتراط المشتري لبعض مال العبد في صفقة البيع فقال ابن القاسم لا يجوز ووجهه تشبيهه بثمر النخل بعد الإبار وقال أشهب جائز أن يشترط بعضه ووجهه تشبيهه الجزء بالكل وفرق بعضهم فقال إن كان ما اشتري به العبد عينا وفي مال العبد عين لم يجز ذلك لأنه يدخله دراهم بعرض ودراهم وإن كان ما اشتري به عروضا أو لم يكن في مال العبد دراهم جاز القول الثالث لداود وأبي ثور أن ماله تبع له في البيع والعتق وهو مبني على كون العبد مالكا عندهم وهي مسألة اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا أعني هل يملك العبد أو لا يملك ويشبه أن يكون هؤلاء إنما غلبوا القياس على السماع لأن حديث ابن عمر هو حديث خالف فيه نافع سالما لأن نافعا\r","part":3,"page":492},{"id":1213,"text":"رواه عن ابن عمر عن عمر وسالم\rرواه عن ابن عمر عن النبي {صلى الله عليه وسلم} ا ه\rبتلخيص قال الأصل فجميع هذه المسائل وهذه الأبواب التي سردتها ما عدا مسألة الثمار المؤبرة وغير المؤبرة مبنية على العوائد فمدركها العرف والعادة فإذا تغيرت العادة أو بطلت بطلت هذه الفتاوى وحرمت الفتوى بها لعدم مدركها بل تتبع الفتاوى هذه العوائد كيفما تقبلت كما تتبع النقود في كل عصر وحين وتعيين المنفعة من الأعيان المستأجرة إذا سكت عنها فتنصرف بالعادة للمنفعة المقصودة منها عادة لعدم اللغة في البابين\rوأما مسألة الثمار المؤبرة وغير المؤبرة فبسبب أن مدركها النص والقياس لا تتبع العوائد ولا تختلف باختلافها ولا يقال إن العرف اقتضاه ككل ما صرح به في العقد واقتضته اللغة هذا تنقيح ما في الأصل من تلخيص هذا الفرق وسلمه ابن الشاط مع زيادة من البداية\rتتمة قال الحفيد في البداية من مشهور مسائلهم في هذا الباب الزيادة والنقصان اللذان يقعان في الثمن الذي انعقد عليه البيع بعد البيع مما يرضى به المتبايعان أعني أن يزيد المشتري البائع بعد البيع على الثمن الذي انعقد عليه البيع أو يحط منه البائع هل يتبع حكم\r","part":3,"page":493},{"id":1214,"text":"الثمن أم لا وفائدة الفرق أن من قال هي من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق وفي الرد بالعيب وما أشبه ذلك وأيضا من جعلها في حكم الثمن الأول إن كانت فاسدة فسد البيع ومن لم يجعلها من الثمن أعني الزيادة لم يوجب شيئا من هذا فذهب أبو حنيفة إلى أنها من الثمن إلا أنه قال لا تثبت الزيادة في حق الشفيع ولا في بيع المرابحة بل الحكم للثمن الأول وبه قال مالك وقال الشافعي لا تلحق الزيادة والنقصان بالثمن أصلا وهو في حكم الهبة واستدل من ألحق الزيادة بالثمن بقوله عز وجل ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة قالوا وإذا لحقت الزيادة في الصداق لحقت في البيع بالثمن واحتج الفريق الثاني باتفاقهم على أنها لا تلحق في الشفعة وبالجملة من رأى أن العقد الأول قد تقرر قال الزيادة هبة ومن رأى أنها فسخ للعقد الأول وعقد ثان عدها من الثمن ا ه\rبلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق المائتان بين قاعدة ما يجوز من السلم وبين قاعدة ما لا يجوز منه\rوهو أن السلم يجوز إذا اجتمع فيه شروط الجواز ويمتنع إذا انخرم فيه شرط منها وشروط جوازه أوصلها الأصل إلى أربعة عشرة وقال ولم أر من أوصلها للعشرة وسلمه ابن الشاط\rقال الشرط الأول تسليم جميع رأس المال حذرا من بيع الدين بالدين قال الحفيد في البداية اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير نقد\rالثمن في المدة الكثيرة مطلقا لا باشتراط ولا بدونه واختلفوا في اشتراط تأخير نقده اليومين والثلاثة فأجاز مالك كما أجاز تأخيره بلا شرط أي اليومين والثلاثة وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن من شرطه التقابض في المجلس كالصرف ا ه\rنعم قال عبق على المختصر مع المتن وجاز السلم على أن يكون رأس المال ملتبسا بمنفعة معين كسكنى دار وقبضت ولو تأخر استيفاؤها عن قبض المسلم فيه بناء على أن قبض الأوائل كقبض الأواخر ا ه\r","part":3,"page":494},{"id":1215,"text":"قال الرهوني يعني ولو تأخر عن قبض المسلم فيه بعد حلول أجله إذ هذا هو المتوهم وبه يلغز قال المواق وعند القراءة على هذا الموضع أنشدني بعض الحاضرين لنفسه وما سلم قبض المسلم قبل أن يوفي الذي يعطي المسلم جائز أجب إن علم الفقه روض ودوحة جنى ذاك في الأوراق ذخر وناجز قال الرهوني والأحسن في جوابه إذا نفع دار شهرا أسلم في كذا لأدنى فمعطى ذاك بالقبض فائز فهذا جواب ما سألت وقس تصب وأخلص فبالإخلاص يغبط حائز\rوالأصل في منع بيع الدين بالدين نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الكالئ بالكالئ وسره قاعدة أن مطلوب صاحب الشرع صلاح ذات العين البين وحسم مادة الفساد والفتن حتى بالغ في ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذمتين توجهت المطالبة\rمن الجهتين فكان ذلك سببا لكثرة الخصومات والعداوات فمنع الشرع ما يفضي لذلك وهو بيع الدين بالدين والكالئ بالكالئ في الحديث\r","part":3,"page":495},{"id":1216,"text":"أما اسم فاعل باق على معناه من الكلاءة التي هي الحراسة فيكون إما راجعا للبائع والمشتري بتقدير مضاف أي نهى عن بيع مال الكالئ بمال الكالئ لأن الرجلين لا يباع أحدهما بالآخر بل يراقب كل واحد منهما صاحبه لأجل ما له عنده وإما راجعا للدينين على أنه اسم لهما لأن كل دين يحفظ صاحبه عند الفلس عن الضياع فيستغنى حينئذ عن الحذف لقبولهما البيع وإما اسم فاعل بمعنى اسم المفعول كالماء الدافق بمعنى المدفوق وحينئذ يستثنى عن الحذف أيضا وعلى التقادير الثلاثة ففي كون الوصف مجازا لأنه إطلاق اسم الفاعل الذي هو حقيقة في حال التلبس بالحدث باعتبار المستقبل لأمرين أحدهما أن الكلاءة لا تحصل حالة العقد وثانيهما أن ورود النهي قبل الوقوع فإذا حصل الدين في المسلم فيه فقط جاز بشروطه الأربعة عشر لأن لنا قاعدة وهي أن المصالح ثلاثة أقسام كما تقرر في أصول الفقه ضرورية كنفقة الإنسان على نفسه وحاجية كنفقة الإنسان على زوجاته وتمامية كنفقة الإنسان على أقاربه لأنها تتمة مكارم الأخلاق والرتبة الأولى مقدمة على الثانية عند التعارض والثانية مقدمة على الثالثة والسلم من المصالح التمامية لأنه من تمام المعاش وكذلك المساقاة وبيع الغائب وفي كونه أي وصف كالئ في الحديث حقيقة لأن اسم الفاعل حقيقة\rفي حال الماضي والحال والاستقبال على أن الصحيح أن الكلاءة تحصل حال العقد وتستمر لأن العقد هو سببها والمسبب يحصل عند حصول سببه وأن السلم وإن سلم أنه من تمام المعاش إلا أن المعاش كله للإنسان ابتداؤه وتمامه من الضروريات في حق نفسه ومن الحاجيات في حق عياله ومن التماميات في حق أقاربه فلا يصح إطلاق القول بأنه من التماميات قولان للأصل وابن الشاط فافهم\rالشرط الثاني\r","part":3,"page":496},{"id":1217,"text":"السلامة من السلف بزيادة فلا يجوز أن تسلم شاة في شاتين متقاربي المنفعة لأن الله عز وجل شرع السلف قربة للمعروف والإحسان حتى صار أصلا قائما بنفسه غير البيع بحيث اندفع دينار لأخذ عوضه دينارا لأجل إن كان على وجه القرض كان من شأنه عادة وعرفا المسامحة والمكارمة فلا يكون ممنوعا وإن كان على وجه البيع كان من شأنه عادة وعرفا المكايسة والمغابنة فيكون ممنوعا فإذا دخل السلف غرض انتفاع المسلف بطلت حقيقته التي هي قصد المعروف والإحسان قربة لله تعالى وآل الآمر إلى حقيقة قصد المكايسة والمغابنة فيترتب عليها التحريم وضابط هذا الشرط ما قاله أبو الطاهر من أن المسلم فيه إن خالف الثمن جنسا ومنفعة جاز لبعد التهمة أو اتفقا امتنع إلا أن يسلم الشيء في مثله فيكون قرضا بلفظ السلم فيجوز وإذا كانت المنفعة للدافع امتنع اتفاقا وإن دارت بين الاحتمالين فكذلك لعدم تعين مقصود الشارع فإن تمحضت للقابض فالجواز وهو ظاهر والمنع لصورة المبايعة وللمسلف رد العين وهاهنا اشترط الدافع رد المثل فهو غرض له وإن اختلف الجنس دون المنفعة فقولان\rالجواز للاختلاف والمنع لأن مقصود الأعيان منافعها وإن اختلفت المنفعة دون الجنس جاز لتحقق المبايعة\rالشرط الثالث\r","part":3,"page":497},{"id":1218,"text":"السلامة من الضمان بجعل فلا يجوز أن يسلم جذع في نصف جذع من جنسه وسره قاعدة أن الأشياء ثلاثة أقسام قسم اتفق الناس على أنه قابل للمعاوضة كالبر والأنعام وقسم اتفق الناس على عدم قبوله للمعاوضة كالدم والخنزير ونحوهما من الأعيان والقبل والتعانق والنظر إلى المحاسن ونحوها من المنافع ولذلك لم نوجب فيها شيئا عند الجناية عليها لأنها غير متقومة شرعا ولو كانت تقبل القيمة الشرعية لوجب فيها شيء عند الجناية عليها كسائر المنافع الشرعية وقسم اختلف الناس فيه هل يقبل المعاوضة أم لا كالأزبال وأرواث الحيوان من الأعيان وكالأذان والإمامة من المنافع فمن العلماء من أجازه ومنهم من منعه وذلك أن الضمان في الذمم وإن كان منفعة مقصودة للعقلاء إلا أن المعاوضة فيها لا تصح لأن صحة المعاوضة حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي ولم يدل دليل عليه فوجب نفيه وأما لأنها كالقبلة وأنواع الاستمتاع مما هو مقصود للعقلاء ولا تصح المعاوضة عليه الشرط الرابع السلامة من النساء في الربوي فلا يجوز أن يسلم النقدان في تراب المعادن قال الحفيد في البداية لا خلاف في امتناع السلم فيما لا يجوز فيه النساء وذلك إما اتفاق المنافع على ما يراه مالك رحمه الله وإما اتفاق الجنس على ما يراه أبو حنيفة\rوإما اعتبار الطعم مع الجنس على ما يراه الشافعي في علة النساء ا ه\rوإما على ما يراه ابن حنبل رحمه الله ففي الإقناع مع شرحه كل شيئين من جنس أو جنسين ليس أحدهما نقدا علة ربا الفضل وهو الكيل والوزن كما تقدم فيهما واحدة كمكيل بمكيل من جنسه أو غيره بأن باع مد بر جنسه أي يبرأ وباع مد بر بشعير ونحوه كباقلا وعدس وأرز وموزون بموزون بأن باع رطل حديد بجنسه أي بحديد أو باع رطل حديد بنحاس ونحوه كرصاص وقطن وكتان لا يجوز النساء فيهما بغير خلاف نعلمه ا ه محل الحاجة منه\rالشرط الخامس\r","part":3,"page":498},{"id":1219,"text":"أن يكون المسلم فيه يمكن ضبطه بالصفات فيمتنع سلم خشبة في تراب المعادن نعم سيأتي عن الحفيد في البداية أن الضبط باتحاد النوع يقوم مقام الضبط بالصفات واعلم أن هذا الشرط لا يغني عن الشرط السابع الآتي لا سيما إذا أريد الإمكان العام لقول صاحب سلم العلوم ولو استقريت علمت أن الممكنة العامة أعم القضايا والممكنة الخاصة أعم المركبات والمطلقة العامة أعم الفعليات والضرورية المطلقة أخص البسائط والمشروطة الخاصة أخص المركبات على وجه ا ه\rولا شك أن الشرط السابع يتضمن الإطلاق العام والأعم لا يستلزم الأخص فافهم الشرط السادس أن يقبل أي المسلم فيه النقل حتى يكون في الذمة فلا يجوز السلم في الدور قال الحفيد في البداية اتفقوا على امتناع السلم فيما لا يثبت في الذمة وهي\rالدور والعقار وعلى جوازه في كل ما يكال أو يوزن لما روي عن ابن عباس أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قدم المدينة وهم يسلمون الثمار السنتين والثلاث فقال من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم متفق عليه\rوأما سائر ذلك من العروض والحيوان فاختلفوا فيها فمنع ذلك داود وطائفة من أهل الظاهر مصيرا إلى ظاهر هذا الحديث والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة فمن ذلك الحيوان والرقيق فذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث إلى أن السلم فيهما جائز وهو قول ابن عمر من الصحابة\r","part":3,"page":499},{"id":1220,"text":"وقال أبو حنيفة والثوري وأهل العراق لا يجوز السلم في الحيوان وهو قول ابن مسعود وعن عمر في ذلك قولان وعمدة أهل العراق في ذلك ما روي عن ابن عباس أن النبي {صلى الله عليه وسلم} نهى عن السلف في الحيوان وهذا الحديث ضعيف عند الفريق الأول وربما احتجوا بنهيه أيضا عليه الصلاة والسلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وعمدة من أجاز السلم في الحيوان ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة\rوحديث أبي رافع أيضا أن النبي {صلى الله عليه وسلم} استسلف بكرا قالوا وهذا كله يدل على ثبوته في الذمة فسبب اختلافهم شيئان أحدهما تعارض الآثار في هذا المعنى والثاني تردد الحيوان بين أن يضبط بالصفة أو لا يضبط فمن نظر إلى تباين الحيوان في الخلق والصفات وبخاصة صفات النفس قال لا تنضبط ومن نظر إلى تشابهها قال تنضبط ومن ذلك اختلافهم في البيض والدر وغير ذلك فلم يجز أبو حنيفة السلم في البيض وأجازه مالك بالعدد وكذلك في اللحم أجازه مالك والشافعي ومنعه أبو حنيفة وكذلك في الرءوس والأكارع أجازه مالك\rومنعه أبو حنيفة واختلف في ذلك قول الشافعي وكذلك في الدر والغصوص أجازه مالك ومنعه الشافعي ا ه\rالشرط السابع\r","part":3,"page":500},{"id":1221,"text":"أن يكون معلوم المقدار فلا يسلم في الجزاف قال الحفيد في البداية أجمعوا على اشتراط أن يكون أي المسلم فيه مقدرا لا جزافا ثم قال واختلفوا في اشتراط أن يكون الثمن مقدرا لا جزافا والتقدير في السلم يكون بالكيل فيما يمكن فيه الكيل وبالوزن فيما يمكن فيه الوزن وبالذرع فيما يمكن فيه الذرع وبالعدد فيما يمكن فيه العدد وما لا يمكن فيه أحد هذه التقريرات انضبط بالصفات المقصودة من الجنس مع ذكر الجنس إن كان أنواعا مختلفة أو مع تركه إن كان نوعا واحدا فاشترط ذلك أي التقدير في الثمن أبو حنيفة ولم يشترط فيه الشافعي ولا صاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد قالوا وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف إلا فيما يعظم الغرر فيه\rوعند ابن حنبل رحمه الله تعالى في كشاف القناع السلم عوض يثبت في الذمة فاشتراط العلم به كالثمن وطريقه الرؤية أو الصفة والأول يمتنع فتعين الوصف ا ه\rالشرط الثامن ضبط الأوصاف التي تختلف المالية باختلافها نفيا للغرر أي أوصاف المسلم فيه التي تختلف بها الأثمان عند المتبايعين اختلافا يتغابن الناس في مثله عادة كالنوع أي الصنف كرومي وحبشي والجودة والرداءة والتوسط في كل مسلم فيه واللون في الحيوان والثوب والعسل ومرعاه وفي التمر والحوت والناحية والقدر وفي البر وجدته وملئه إن اختلف الثمن بهما وسمراء ومحمولة ببلدهما به ولو بالحمل بخلاف مصرفا لمحمولة والشام فالسمراء ونفي الغلت وفي الحيوان وسنه والذكورة والسن وضديهما وفي اللحم وخصيا وراعيا ومعلوفا لا من كجنب وفي الرقيق والقد والبكارة واللون وكالدعج وتكلثم الوجه وفي الثوب والرقة والصفاقة وضديهما وفي الزيت المعصر منه وبما يعصر انظر خليلا وشراحه وبهذا قال الإمام أحمد بن حنبل كما في الإقناع وشرحه\rالشرط التاسع أن يكون مؤجلا فيمتنع السلم الحال عند أبي حنيفة بلا خلاف عنه في ذلك\r","part":3,"page":501},{"id":1222,"text":"وكذا عند ابن حنبل وعلى ظاهر مذهب مالك والمشهور عنه وقد قيل إنه يتخرج من بعض الروايات عنه جواز السلم الحال وبه قال الشافعي محتجا رضي الله عنه أولا بقوله تعالى وأحل الله البيع وثانيا بأنه عليه الصلاة والسلام اشترى جملا من أعرابي بوسق من تمر الذخرة\rفلما دخل البيت لم يجد التمر فقال للأعرابي إني لم أجد التمر فقال الأعرابي واغدراه فاستقرض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسقا وأعطاه فجعل الجمل قبالة وسق في الذمة وهو السلم الحال وثالثا بالقياس على غيره من البيوع ورابعا بالقياس على الثمن في البيوع لا يشترط فيها الأجل وخامسا بأن السلم إذا جاز مؤجلا فليجز منجزا بطريق الأولى لأنه أنفى للغرر وجواب الأول أن قوله عليه الصلاة والسلام من أسلم فليسلم إلى أجل معلوم أخص من الآية فيقدم عليها وهو أمر والأمر للوجوب وجواب الثاني إنا لا نسلم أنه سلم كيف وقد وقع العقد على تمر معين موصوف إذ لا يقال في الذي في الذمة لم أجد شيئا لتيسره بالشراء لكن لما رأى رغبة البدوي في التمر اقترض له تمرا آخر على أنه أدخل الباء على التمر فيكون ثمنا لا مثمونا لأن الباء من خصائص الثمن وجواب الثالث والرابع والخامس أن الثابت فيها التباين لا الشركة ولا يصح قياس بدونها أما في الثالث والرابع فبوجهين الوجه الأول موضوع البيع المكايسة والتعجيل يناسبها وموضوع السلم الرفق والتأجيل يناسبه والوجه الثاني أن التعجيل ينافي موضوع السلم وبه يبطل مدلول الاسم والتأجيل لا ينافي موضوع البيع ولا يبطل به مدلول الاسم فلذلك صحت مخالفة قاعدة البيع في المكايسة بالتأجيل ولم تصح مخالفة قاعدة السلم في الرفق بالتعجيل\rوأما في الخامس فلأن الأولوية فرع الشركة والرفق الذي يحصل بالتأجيل لا يحصل بالحلول فكيف يقول بطريق الأولى على أنا وإن سلمنا حصول الرفق بالحلول أيضا لا نسلم عدم الغرر مع الحلول بل\r","part":3,"page":502},{"id":1223,"text":"الحلول في السلم غرر لأنه إن كان فهو قادر على بيعه معينا حالا فعدوله إلى السلم قصد للغرر وإن لم يكن عنده فالأجل بعينه على تحصيله والحلول يمنع ذلك ويعين الغرر وهذا هو الغالب لأن ثمن المعين أكثر فلو كان عنده لعينه لتحصيل فضل الثمن فيندرج الثمن الحال في الغرر فيمتنع قوله أن جوازه بطريق الأولى وهذا الكلام في هذا القياس عزيز فإن الشافعية يظنون بهذا القياس أنه قطعي أنه يقتضي الجواز بطريق الأولى ويحكون هذه العبارة عن الشافعي رضي الله عنه وقد ظهر بهذا البحث انعكاسه عليهم وظهر أنه غرر لا أنه أنفى للغرر بل أوجد للغرر ثم نقول هو أحد العوضين في السلم فلا يقع إلا على وجه واحد كالثمن على أنه إذا لم يشترط فيه الأجل كان من باب بيع ما ليس عند البائع المنهي عنه نعم وذهب اللخمي من أصحابنا إلى التفصيل في ذلك فقال إن السلم في المذهب يكون على ضربين سلم حال وهو الذي يكون ممن شأنه بيع تلك السلعة وسلم مؤجل وهو الذي يكون ممن ليس من شأنه بيع تلك السلعة واختلفوا في الأجل في موضعين أحدهما هل يقدر بغير الأيام والشهور مثل الجذاذ والقطاف والحصاد والموسم والثاني في مقدار زمن الأيام وتحصيل مذهب مالك في مقداره من الأيام أن المسلم فيه على ضربين ضرب يقتضي بلد المسلم فيه وضرب يقتضي بغير البلد الذي وقع فيه السلم فإن اقتضاه في البلد المسلم فيه فقال ابن القاسم إن المعتبر في ذلك أجل تختلف فيه الأسواق وذلك خمسة عشر يوما أو نحوها وروى ابن وهب عن مالك أنه يجوز لليومين والثلاثة وقال ابن عبد الحكم لا بأس به إلى اليوم الواحد\rوأما ما يقتضى ببلد آخر فإن الأجل عندهم فيه هو قطع المسافة التي بين البلدين قلت أو كثرت وقال أبو حنيفة لا يكون أقل من ثلاثة أيام فمن جعل الأجل شرطا غير معلل اشترط منه أقل ما ينطلق عليه الاسم ومن جعله شرطا معللا باختلاف الأسواق اشترط من الأيام ما تختلف فيه الأسواق غالبا\r","part":3,"page":503},{"id":1224,"text":"وأما الأجل إلى الجذاذ والحصاد وما أشبه ذلك فأجازه مالك ومنعه أبو حنيفة والشافعي فمن رأى أن الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسير جاز ذلك إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع وشبهه\rبالاختلاف الذي يكون في الشهور من قبل الزيادة والنقصان ومن رأى أنه كثير وإنما كثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نقصان الشهور لم يجزه هذا ما في الأصل والبداية وقيد ابن حنبل الأجل بقيدين أحدهما أن يكون معلوما وثانيهما أن يكون له وقع في الثمن عادة كالشهر كما في الإقناع قال وفي الكافي أو نصفه أو نحوه ه وفي شرحه وفي المغني والشرح وما قارب الشهر قال الزركشي وكثير من الأصحاب يمثل بالشهر والشهرين فمن ثم قال بعضهم أقله شهر\rالشرط العاشر\rأن يكون الأجل معلوما نفيا للغرر قال الخرشي واشترط في الأجل أن يكون معلوما ليعلم منه الوقت الذي يقع فيه قضاء المسلم فيه فالأجل المجهول غيره مقيد بل مفسد للعقد ا ه\rوفي الإقناع مع شرحه وأن شرطه إلى العيد أو إلى ربيع أو إلى جمادى أو إلى النفر من منى ونحوهما مما يشترك فيه شيئان لم يصح السلم حتى يعين أحدهما للجهالة ا ه\rوقد علمت الخلاف في تقديره بغير الأيام مثل الجذاذ والحصاد ونحوهما فأجازه مالك ومنعه أبو حنيفة الشافعي وكذا أحمد كما هو مقتضى كلام الإقناع المتقدم الشرط الحادي عشر أن يكون الأجل زمن وجود المسلم فيه فلا يسلم في فاكهة الصيف ليأخذها في الشتاء قال الخرشي الشرط وجوده أي المسلم فيه عند حلول أجله ولو انقطع في أثناء الأجل بل ولو انقطع في الأجل ما عدا وقت القبض بل ولو انقطع عند حلول الأجل نادرا خلافا لأبي حنيفة ا ه بزيادة من العدوي عليه\rوقال الحفيد في البداية لم يشترط مالك الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور أن يكون جنس المسلم فيه موجودا حين عقد السلم وقالوا يجوز السلم في غير وقت إبانه\r","part":3,"page":504},{"id":1225,"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي لا يجوز السلم إلا في إبان الشيء المسلم فيه وحجة من لم يشترط الإبان ما ورد في حديث ابن عباس أن الناس كانوا يسلمون في الثمر السنتين والثلاث فأقر ذلك ولم ينهوا عنه وعمدة الحنفية ما روي من حديث ابن عمر أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال لا تسلموا في النخل حتى يبدو صلاحها وكأنهم رأوا أن الغرر يكون فيه أكثر إذا لم يكن موجودا في حال العقد وكأنه يشبه بيع ما لم يخلق أكثر وإن كان ذلك معينا وهذا في الذمة وبهذا فارق السلم بيع ما لم يخلق ا ه\rوقال الأصل السلم فيما ينقطع في بعض الأجل وأجازه مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم ومنعه أبو حنيفة رضي الله عنه واشترط استمرار وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين القبض محتجا بوجوه\rالأول\r","part":3,"page":505},{"id":1226,"text":"احتمال موت البائع فيحل السلم بموته فلا يوجب المسلم وفيه جوابه أنه لو اعتبر لكان الأجل في السلم مجهولا لاحتمال الموت فيلزم بطلان كل سلم وكذلك البيع بثمن إلى أجل بل الأصل عدم تغيير ما كان عند العقد وبقاء الإنسان إلى حين التسليم فإن وقع الموت وقفت التركة إلى الإبان فإن الموت لا يفسد البيع الوجه الثاني أنه إذا كان معدوما قبل الأجل وجب أن يكون معدوما عنده عملا بالاستصحاب فيكون غررا فيمتنع إجماعا وجوابه أن الاستصحاب معارض بالغالب فإن الغالب وجود الأعيان في إبانها الوجه الثالث أنه معدوم عند العقد فيمتنع كبيع الغائب على الصفة إذا كان معدوما وجوابه أن الحاجة تدعو إلى العدم في السلم إذ لا يحصل مقصود الشارع من الرفق في السلم إلا مع العدم وإلا فالموجود يباع بأكثر من ثمن السلم ولا يلزم من ارتكاب الغرر للحاجة ارتكابه لغير حاجة كما في بيع الغائب إذ لا ضرورة تدعو إلى ادعاء وجوده بل نجعله سلما فقياس بيع السلم على بيع الغائب قياس مع الفارق فلا يصح الوجه الرابع أن المعدوم أبلغ في الجهالة من المجهول الموجود لأن المجهول الموجود له ثبوت من بعض الوجوه بخلاف المعدوم فإنه نفي محض وبيع المجهول الموجود باطل قطعا فيبطل بطريق الأولى بيع المعدوم وجوابه أن المالية منضبطة مع العدم بالصفات وهي مقصود عقود التهمة بخلاف الجهالة على أن الإجارة تمنعها الجهالة دون العدم فينتقض بذلك ما ذكره الوجه الخامس أن ابتداء العقود آكد من انتهائها بدليل اشتراط الولي وغيره في ابتداء النكاح ومنافاة اشتراط أجل معلوم فيه وهو المتعة فينافي التحديد أوله دون آخره وكذلك البيع يشترط أن يكون المبيع معلوما مع شروط كثيرة ولا يشترط ذلك بعد فكلما ينافي أوله ينافي آخره من غير عكس لغوي والعدم ينافي آخر الأجل فينافي أول العقد بطريق الأولى وجوابه إنا نسلم أن ابتداء العقود آكد من استمرار آثارها ونظيره هاهنا بعد القبض ألا ترى أن كل ما يشترط من","part":3,"page":506},{"id":1227,"text":"أسباب المالية عند العقد يشترط في المعقود عليه عند التسليم وعدم المعقود عليه عند العقد مع وجوده عند التسليم لا مدخل له في المالية ألبتة بل المالية مصونة بوجود المعقود عليه عند التسليم فهذا العمل حينئذ طردي فلا يعتبر في الابتداء ولا في الانتهاء مطلقا\rبل يتأكد مذهبنا بالحديث الصحيح أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قدم المدينة فوجدهم يسلمون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال عليه\rالصلاة والسلام من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وهذا يدل لنا من وجوه أحدها أن ثمر السنين معدوم وثانيها أنه عليه السلام أطلق ولم يفرق وثالثها أن الوجود لو كان شرطا لبينه عليه السلام لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع أو نقول إنه لم يجعله وقت المتعاقدان محلا للمسلم فيه فلا يعتبر وجوده كما بعد الأجل لأن القدرة على على التسليم إنما تطلب في وقت اقتضائه أما ما لا يقتضيه فيستوي فيه قبل الأجل لتوقع الموت وبعده لتعذر الوجود فيتأخر القبض فكما أن أحدهما ملغى إجماعا فكذلك الآخر وقياسا على بيوع الآجال قبل محلها ا ه\rبتصرف وسلمه ابن الشاط\rالشرط الثاني عشر\r","part":3,"page":507},{"id":1228,"text":"أن يكون مأمون التسليم عند الأجل نفيا للغرر فلا يسلم في البستان الصغير لا يقال يغني عن هذا الشرط ما بعده لأن صورة المسألة الشخص إذا اشترى ثمر حائط معين فإن كان بلفظ السلم اشترط فيه ستة شروط أحدها الإزهاء للنهي عن بيع الثمر قبله والزهو في كل شيء بحسبه وثانيها سعة الحائط لإمكان استيفاء القدر المشترى منه وانتفاء الغرر وثالثها كيفية قبضه متواليا أو متفرقا وقدر ما يؤخذ منه كل يوم لا ما شاء ورابعها أن يسلم لمالكه إذ قد لا يجيز بيعه المالك فيتعذر التسليم وخامسها شروعه في الأخذ حين العقد أو بعد أيام يسيرة نحو خمسة عشر يوما لا أكثر بشرط أن لا يستلزم أجل الشروع صيرورته تمرا وإلا فسد وسادسها أن يشترط أخذه لكل ما اشتراه حال كونه بسرا أو رطبا ويأخذه بالفعل كذلك فيفسد إن شرط تتمر الرطب وأبقاه بالفعل على أصوله حتى يتتمر لبعد ما بينهما وبين التمر فيدخله الخطر\rوأما إن كان بلفظ البيع فيشترط فيه ما عدا كيفية قبضه من الشروط الستة المذكورة على قول بعض القرويين واعتمده ابن يونس وأبو الحسن كما في الخرشي والبناني وسلمه الرهوني وكنون لأنا نقول التفرقة المذكورة لما لم تكن نظرا لحقيقة السلم بل كانت نظرا للفظه وإلا فهو على كل بيع في الحقيقة لأن الغرض أن الحائط معين كما في الخرشي وحقيقة السلم لا تكون في معين كما سيأتي لم يكن الشرط الذي بعد هذا مغنيا عنه نعم قد يقال إنه على هذا ليس شرطا خاصا بلفظ السلم ولا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصا به وشرط كيفية القبض وإن كان خاصا بلفظ السلم إلا أنه ربما يؤخذ منه أنه لا يصح أخذه حالا مع أنه يصح كما في العدوي على الخرشي فافهم الشرط الثالث عشر أن يكون أي المسلم فيه دينا في الذمة فلا يسلم في معين لأنه سلم في معين بتأخر قبضه فهو غرر قال العدوي على الخرشي وذلك أن المسلم حين أسلم في معين صار الضمان منه\r","part":3,"page":508},{"id":1229,"text":"لكونه معينا ولما شرط تأخيره فقد نقل الضمان إلى البائع المسلم إليه ورأس المال حينئذ بعضه في مقابلة المسلم فيه ثمنا وبعضه في مقابلة الضمان جعالة قال وهذا إذا كان المعين عند المسلم إليه أما إذا كان عند غيره ففيه بيع معين ليس عنده ا ه\rقال الحفيد في البداية ولم يختلفوا أن السلم لا يكون إلا في الذمة وإنه لا يكون في معين نعم أجاز مالك السلم في قرية معينة إذا كانت مأمونة وكأنه رآها مثل الذمة ا ه وفي عبق على المختصر قال الشيخ أحمد قيل هذا الشرط يغني عنه ما تقدم من تبيين صفاته ولا تبيين في الحاضر المعين فتعين أن التبيين إنما هو لما في الذمة فكان ينبغي الاستغناء عنه بما قبله والجواب أن التبيين قد يكون في غائب معين موجود عند المسلم إليه فلهذه احتيج لهذا الشرط ا ه\rالشرط الرابع عشر\rتعيين مكان القبض باللفظ أو العادة نفيا للغرر قال الحفيد في البداية اختلفوا في اشتراط مكان دفع المسلم فيه فاشترطه أبو حنيفة تشبيها بالزمان ولم يشترط الأكثر وقال القاضي أبو محمد الأفضل اشتراطه وقال ابن المواز ليس يحتاج إلى ذلك ا ه\rفاقتصر الأصل على اشتراطه معتمدا قول القاضي أبي محمد وسلمه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذي اصطفى والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الرسل الكرام وعلى آله وأصحابه السادة القادة الأعلام هذا ما يسره الله من إتمام الجزء الثالث من تهذيب الفروق والقواعد السنية على ما يرام وأسأل الله بوجاهة وجه نبيه الكريم {صلى الله عليه وسلم} أن يبلغني إكمال الجزء الرابع ليكمل بكماله المقصود بحسن الختام والفوز برضا المولى الكريم المتفضل بجزيل الإنعام إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة لما يؤمله الآمل من فضله حقيق وجدير","part":3,"page":509},{"id":1231,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله على نعمائه المزهرة الرياض وآلائه المترعة الحياض والصلاة والسلام على سيدنا محمد الموضح محجة الدين بأبين حجة وعلى آله وأصحابه المهتدين إلى تشييد قواعد الحق وقمع كل لجة أما بعد فأسأل الله بوجاهة وجه نبيه الكريم أن يسهل لي تكميل هذا الجزء كما يسر لي تكميل ما قبله على أحسن تقويم\rالفرق الحادي والمائتان بين قاعدة القرض وقاعدة البيع\rالقرض في اللغة القطع وسمي المدلول الشرعي قرضا لأنه قطعة من مال المقرض أي ذو قطعة منه وفي الشرع قال المناوي تمليك شيء على أن يرد بدله وقال ابن عرفة دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلا تفضلا فقط لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلق بالذمة ا ه\rقال الرهوني وكنون تبعا للشيخ على المسناوي الأولى أن يقول تمليك متمول إلخ لأن القرض يوجد قبل الدفع لأنه يلزم بالقول ا ه قال الخرشي وأخرج بقوله متمول ما ليس بمتمول أي كقطعة نار إذ دفعه ليس بقرض إذ لا يقرض مثل ذلك وقوله في عوض أخرج به دفعه هبة وقوله غير مخالف له أي لذلك المتمول وقوله لا عاجلا أخرج به المبادلة المثلية فإنه يصدق الحد عليها كما يصدق على القرض الفاسد لولا أن يخص الصحيح بزيادة قوله تفضلا فقط إلخ أي حال كون الدفع تفضلا بأن يقصد المسلف نفع المتسلف فقط لا نفعه ولا نفعهما ولا نفع أجنبي بأن يقصد بالدفع لزيد نفع عمرو ولكون عمرو يعود عليه منفعة من ذلك القرض كأن يكون لعمرو دين على زيد فيقرض زيدا لأجل أن يدفع\rلعمرو دينه لأن ذلك سلف فاسد فاندفع تنظير البناني في الحد بأنه لا يشمل الصور الفاسدة وشأن التعريف شمول الصحيح والفاسد ا ه\rفافهم وقوله لا يوجب إلخ أي حال كون الدفع لا يوجب إمكان نفس العارية التي لا تحل احترازا من قرض يوجب إمكان العارية التي لا تحل فلا يجوز قرض جارية تحل للمستقرض لما في ذلك من عارية الفروج ا ه","part":4,"page":1},{"id":1232,"text":"بزيادة من العدوي عليه وفي الرهوني وكنون قال الحطاب ويستثنى من منع قرض جارية تحل إلخ ما لو أمرت شخصا يبتاع لك عبد فلان مثلا بجاريته هذه ويكون عليك مثلها وكذا لو أمرته أن يقضي عنك دينا بها ويكون عليك مثلها إذ لا يتأتى فيها غاية الفروج لأنها لا تصل ليد المستقرض قال أبو الحسن وربما ألغزت فيقال أين يجوز قرض الجارية من غير المحرم منها فيقال في مثل هذه الصورة أي الأولى أو تقضي عنه في الدين ا ه\rأي التي هي الصورة الثانية قال البناني في التوضيح أجاز ابن عبد الحكم في الحمديسية قرضهن أي الجواري إذا اشترط عليه أن لا يرد عينها وإنما يرد مثلها ثم قال وعلى هذا وهو نفل الموثوق بهم لا تبعد موافقته للمشهور ا ه\rونحوه لابن عبد السلام ا ه\rقال الخرشي وقوله متعلق بالذمة صفة لمتمول فيجوز جره ونصبه مراعاة للفظ متمول ولمحله ا ه قال العدوي عليه والأولى زور بما يقدم قوله متعلق على قوله لا عاجلا ويقرأ بالجر ا ه وبالجملة قال البناني على عبق إن كل ما يصح أن يسلم فيه إلا الجواري يصح أن يقرض وكل ما يصح أن يقرض يصح أن يسلم فيه غير أن هذا العكس لا يحتاج معه إلى استثناء شيء ولا يصح بكل اعتبار القول بأن جلد الميتة المدبوغ يصح قرضه ولا يصح أن يسلم فيه كما في التوضيح ويؤيده قول ابن عرفة دفع متمول إلخ\rوأما مسألة قرض بمكيال مجهول على أن يرد مثله ومسألتنا قرض ويبات وحفنات فغير واردة لأن الطعام مثلا من حيث ذاته يجوز قرضه والسلم فيه والاختلاف من حيث الوصف لا يضر ا ه\rقال كنون وقال البناني ويؤيده قول ابن عرفة إلخ لأنه جعله معاوضة وهذا هو الذي رجحه أبو علي قائلا والقرض نفس بيع كما ذكره غير واحد إلا أنه مبني على غير المكايسة فكيف يقرض ما لا يجوز بيعه ولا المبادلة فيه أي كلحم الأضحية ا ه\r","part":4,"page":2},{"id":1233,"text":"ولا يرد على قول خليل يجوز قرض ما يسلم فيه فقط إلا جارية تحل للمستقرض ا ه العين لأنه يسلم فيها عند عبد الوهاب وعياض والباجي خلافا لابن عرفة ا ه\rوعلى هذا قول الأصل وسلمه ابن الشاط القرض وإن كان نفس بيع إلا أنه خولف فيه ثلاث قواعد شرعية\rالقاعدة الأولى\rالربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام والقاعدة الثانية المزابنة وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان في الحيوان ونحوه من غير المثليات والقاعدة الثالثة بيع ما ليس عندك في المثليات وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف ا ه\rحتى قال {صلى الله عليه وسلم} كما أخرجه البيهقي عن أنس قرض شيء خير من صدقته وقال {صلى الله عليه وسلم} كما أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أنس أيضا رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر وعزاه في الجامع الصغير للطبراني في الكبير عن أبي أمامة ولفظه قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دخلت الجنة فوجدت على بابها الصدقة بعشر والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبريل كيف صارت الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر قال الصدقة في يد الغني والفقير والقرض لا يقع إلا في يد من يحتاج إليه قال المناوي في شرحه فيه أن درهم القرض بدرهمين صدقة\rوذلك لأن فيه تنفيس كربة وإنظارا إلى قضاء حاجته ورده ففيه عبادتان فكان بمنزلة درهمين وهما بعشرين حسنة فالتضعيف ثمانية عشر وهو الباقي فقط لأن القرض يسترد ومن ثم لو أبرئ منه كان له عشرون ثواب الأصل والمضاعفة وتمسك به من فضل القرض على الصدقة ا ه\r","part":4,"page":3},{"id":1234,"text":"أفاده الرهوني قال الأصل فلذلك متى خرج عن باب المعروف امتنع إما لتحصيل منفعة المقرض أو لتردد بين الثمن والسلف لعدم تعين المعروف مع تعين المحذور وهو مخالفة القواعد أي الثلاثة المذكورة وكون العارية معروفا كالقرض إلا أنها تفارقه في أنها تجوز إذا وقعت إلى أجل بعوض بخلاف القرض وذلك أن العارية بعوض إجارة والإجارة لا يتصور فيها الربا ولا تلك المفاسد الثلاث والقرض بالعوض بيع فيتصور فيه الربا وكذلك إذا وقع القرض في العروض هو ربا فيحرم للآية إلا ما خصه الدليل ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والمائتان بين قاعدة الصلح وقاعدة غيره من العقود وهو كما يشير له كلام الأصل أن غيره من العقود إما معاوضة في أعيان فقط وهو البيع إن لم يكن فيه أحد النقدين عن الآخر أو الصرف إن كان فيه ذلك ولكل واحد منها شروط تخصه موضحة في كتب الفقه وإما معاوضة في منافع فقط معينة أو مضمونة وهو الإجارة ولها شروط تخصها موضحة كذلك في كتب الفقه وإما إحسان وهو الهبة ولها شروط تخصها موضحة\rكذلك في كتب الفقه وهكذا وأما الصلح في الأموال فقد قال عياض هو معاوضة على دعوى ا ه قال كنون أي ثابتة أم لا ا ه\r","part":4,"page":4},{"id":1235,"text":"فالدعوى الثابتة كان ثبوتها بإقرار أو بسكوت بناء على المشهور وهو قول مالك وابن القاسم معا من أن حكم السكوت حكم الإقرار ورجحه عياض إما أن تكون المعاوضة عليها ببعض المدعى به فيكون الصلح حينئذ هبة وإما أن تكون بغيره وحينئذ فالمدعى به إما أعيان وإما منافع فإن كان أعيانا فغيره المصالح به إما أعيان فيكون الصلح بيعا إن لم يكن فيه أحد النقدين عن الآخر وصرفا إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر وإما منافع فيكون إجارة وإن كان أي المدعى به منافع فإن وقع الصلح عليها بغيرها مطلقا قبل أن يستوفيها المدعى عليه فالصلح إجارة أيضا وإن وقع بعد أن استوفاها المدعى عليه كانت الدعوى في عوض المنافع وهو في الغالب عين فيكون الصلح بغيره بيعا إن لم يكن فيه أحد النقدين عن الآخر وصرفا إن كان فيه ذلك وببعضه هبة والدعوى الغير الثابتة لا تكون على المشهور إلا عن إنكار المدعى عليه ويدخل فيه الافتداء بمال عن يمين توجهت على المدعى عليه ولو علم براءة نفسه كما هو ظاهر المدونة ابن ناجي وهو المعروف خلافا لمن منعه حيث علم براءة نفسه قال البناني يجري في المعاوضة عليها بالنظر للمدعى به ما جرى على الصلح على الإقرار أي ولو حكما من كونه إما هبة وإما بيعا وإما صرفا وإما إجارة إلا أن المعاوضة على غير الثابتة تنفرد عن صلح الإقرار بشروط ثلاثة كما سيأتي ا ه\rبزيادة قد سلمه الرهوني وكنون وعليه فلا يكون الصلح في الأموال على كل إلا دائرا بين أربعة أمور البيع إن كانت المعاوضة عن أعيان والصرف إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر والإجارة إن كان عن منافع والإحسان إن كان عن بعض المدعى به وهو ما يسقطه المدعي عن المدعى عليه ويفهم من كلام الأصل وبه صرح عبق أن المعاوضة على غير الثابتة لا يتعين\rفيها شيء مما ذكر من بيع أو صرف أو إجارة أو هبة بل هو دفع عن الخصومة نظرا إلى أن مالكا رحمه الله تعالى خصه بثلاثة شروط\rالأول\r","part":4,"page":5},{"id":1236,"text":"أن يكون الصلح جائزا على دعوى المدعي والثاني أن يكون جائزا على دعوى المدعى عليه أي على تقدير أن المنكر يقر والثالث أن يكون جائزا على ظاهر الحكم قال البناني أي على ظاهر ما يطرأ بينهما في المخاصمة ومجلس الفصل وسلمه الرهوني وكنون واعتبر ابن القاسم الشرطين الأولين فقط وأصبغ أمرا واحدا وهو أن لا تتفق دعواهما على فساد انظر شراح المختصر فلذا قال الأصل إن الصلح في الأموال دائر بين خمسة أمور البيع إن كانت المعاوضة عن أعيان والصرف إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر والإجارة إن كان عن منافع ودفع الخصومة إن لم يتعين شيء من ذلك والإحسان وهو ما يعطيه المصالح من غير الجاني فمتى تعين أحد هذه الأبواب روعيت فيه شروط ذلك الباب لقوله عليه الصلاة والسلام الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ا ه\rمنه بلفظه يعني أن النبي {صلى الله عليه وسلم} ضبط شروط الصلح المختلفة بهذا الحديث قال العدوي على الخرشي والمراد بالجواز الإذن فلا ينافي قول ابن عرفة الصلح في حد ذاته مندوب ا ه\r","part":4,"page":6},{"id":1237,"text":"إذا علمت هذا علمت أنه لا يظهر وجه لقول الإمام ابن الشاط ما قاله أي الأصل فيه أي في هذا الفرق غير صحيح لأنه لم يبد فرقا بين الصلح وغيره ولكنه تكلم على حكم الصلح وكلامه في ذلك صحيح ا ه بلفظه فتأمله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وصل قال الحفيد في البداية اتفق المسلمون على جواز الصلح على الإقرار واختلفوا في جوازه على الإنكار فقال مالك وأبو حنيفة يجوز على الإنكار وقال الشافعي لا يجوز على الإنكار ا ه محل الحاجة منه واحتج الشافعي بوجوه ثلاثة الوجه الأول أن الصلح على الإنكار من أكل المال بالباطل لأنه ليس عن مال لعدم ثبوته ولا عن اليمين وإلا لجازت إقامة البينة بعده ولجاز أخذ العقار والمصالح به بالشفعة وقد انتقل بغير مال ولا هو عن الخصومة وإلا لجاز عن النكاح والقذف وجوابه إنا لا نسلم أنه ليس عن مال إذ لا يلزم من عدم ثبوته عدمه نعم من علم أنه على باطل حرم عليه أخذ ذلك المال سلمنا أنه ليس عن مال لكن لا نسلم أنه من أكل المال بالباطل حينئذ بل نقول هو عوض إما عن اندفاع اليمين عنه ونلتزم جواز إقامة البينة بعده قال الشيخ أبو الوليد تتخرج إقامة البينة بعده على الخلاف فيمن حلف خصمه وله بينة فله إقامتها عند ابن القاسم مع العذر وعند أشهب مطلقا ا ه\rوإما عن سقوط الخصومة عنه ونلتزم الجواز في النكاح قال الشيخ أبو الوليد قال أصحابنا إذا أنكرت المرأة الزوجية أن من الناس من يوجب عليها اليمين فتفتدي بيمينها ا ه\rونلتزم الشفعة\rوأما القذف فلا مدخل للمال فيه ولا يجوز فيه الصلح مع الإقرار فكذلك مع الإنكار والوجه الثاني أنه عاوض عن ملكه فيمتنع كشراء ماله من وكيله وجوابه بالفرق بأنه مع وكيله متمكن من ماله بخلاف صورة النزاع فإنها لدرء مفسدة الخصومة\r","part":4,"page":7},{"id":1238,"text":"والوجه الثالث أنها معاوضة فلا تصح مع الجهل كالبيع وجوابه أن الضرورة هنا تدعو للجهل بخلاف البيع قال أبو الوليد لو ادعى عليه ميراثا من جهة مورث صح الصلح فيه مع الجهل ا ه\rوالعجب من الشافعي رضي الله عنه أنه يقول للمدعي أن يدخل دار المدعى عليه بالليل ويأخذ قدر حقه فكيف يمنع مع الموافقة من الخصم على الأخذ على أن قولنا يتأكد بوجوه الوجه الأول ما ورد من الكتاب والسنة في الصلح فمن الكتاب قوله تعالى والصلح خير وقوله تعالى وأصلحوا ذات بينكم وقوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن السنة حديث ألا أنبئكم بصدقة يسيرة يحبها الله تعالى قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين إذا تقاطعوا وما روي عن الحسن عنه {صلى الله عليه وسلم} أنه قال أفضل الناس عند الله يوم القيامة المصلحون بين الناس وما رواه الترمذي أنه {صلى الله عليه وسلم} قال ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال من أراد فضل العابدين فليصلح بين الناس وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة وما أحسن قول القائل إن الفضائل كلها لو جمعت رجعت بأجمعها إلى ثنتين تعظيم أمر الله جل جلاله والسعي في إصلاح ذات البين قال الشبرخيتي ومن أجل ما في الصلح من الصدقة على المتخاصمين لوقايتهما ما يترتب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال جاز الكذب فيه مبالغة في وقوع الألفة لئلا تدوم العداوة ا ه\rوقال الفشني ويجوز الكذب في الصلح الجائز وهو ما لا يحل حراما ولا يحرم حلالا مبالغة في وقوع الألفة بين المسلمين قيل تمنى جبريل عليه السلام أن يكون في الأرض يسقي الماء ويصلح بين المسلمين ا ه كما في حاشية كنون على عبق\r","part":4,"page":8},{"id":1239,"text":"قلت فإذا جاز الكذب الذي قال الله تعالى فيه إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون للمصلح من أجل ما في الصلح من الصدقة إلخ فكيف لا يجوز فيه دفع أحد المتخاصمين للآخر المال بغير حق مع الجهل لدرء مفسدة الخصومة ولا يخفاك أنه يؤخذ من هنا فرق آخر غير ما مر بين الصلح وغيره من العقود وهو أن الصلح يجوز فيه دفع المال بغير حق مع الجهل بخلاف غيره من العقود فافهم\rالوجه الثاني أنا أجمعنا على بذل المال بغير حق في فداء الأسارى والمخالعة والظلمة والمحاربين والشعراء فكذلك ها هنا لدرء الخصومة\rالوجه الثالث أنه قاطع للمطالبة فيكون مع الإقرار والإنكار كالإبراء فكما يصبح الإبراء مع الإنكار كذلك يصح الصلح عليه قياسا ولا يرد أن الإبراء بغير مال من الجهتين إذ الصلح أيضا يجوز مع عدم المال من الجهتين كالصلح على دم العمد والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات\rوهو أن المنفعة متى اجتمعت فيها ثمانية شروط ملكت بالإجارة ومتى انخرم منها شرط من الثمانية لا تملك والمنفعة قال ابن عرفة ما لا تمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه فتخرج الأعيان ونحو العلم والقدرة ونصف العبد ونصف الدابة مشاعا وهي ركن لأنها المشتراة ا ه\rوباقي أركانها أربعة كما في شراح خليل المؤجر والمستأجر والعوض والصيغة\rالشرط الأول إباحة المنفعة وذكر المنفعة احتراز من الغناء وآلات الطرب ونحوهما أي كالإجارة على إخراج الجان والدعاء وحل المربوط ونحو ذلك لعدم تحقيق المنفعة كما في الخرشي قال العدوي يفيد أنه لو تحقق المنفعة جاز فقد قال الأبي\r","part":4,"page":9},{"id":1240,"text":"وأما ما يؤخذ على حل المعقود فإن كان يرقيه بالرقية العربية جاز وإن كان بالرقى العجمية لم يجز وفيه خلاف وكان الشيخ أي ابن عرفة يقول إن تكرر منه النفع جاز انتهى ا ه وقال خليل في المختصر عاطفا على ما لا يجوز من الإجارة ولا تعليم غناء أو دخول حائض لمسجد أي لخدمته أو دار لتتخذ كنيسة كبيعها لذلك ا ه\rقال عبق ومثل تعليم الغناء تعليم آلات الطرب كالعود والمزمار لأن ثبوت الملك على العوض فرع ثبوته على ملك المعوض ولخبر أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ا ه\rوقال العدوي على الخرشي قضية أن حكم الغناء المجرد عن مقتضى التحريم الكراهة أن تكون الإجارة على تعليم الغناء مكروهة لا حراما ا ه\rوقال الحفيد في البداية أجمعوا على إبطال كل منفعة كانت لشيء محرم العين وكذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع مثل أجر النوائح وأجر المغنيات ا ه\rأي ومثل الاستئجار على صنعة آنية من نقد كما في شراح المختصر\rالشرط الثاني\rقبول المنفعة للمعاوضة احترازا من النكاح كذا في الأصل وسلمه ابن الشاط ولا يظهر إلا إذا أراد نكاح المتعة ففي بداية الحفيد المجتهد ابن رشد أكثر الصحابة وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها\rلأن الأخبار تواترت بذلك عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وإنما اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر وفي بعضها يوم الفتح وفي بعضها في غزوة تبوك وفي بعضها في حجة الوداع وفي بعضها في عمرة القضاء وفي بعضها عام أوطاس ا ه محل الحاجة منه بتصرف\rوأما إجارة الفحول من الإبل والبقر والدواب للنزو ففي البداية أيضا أجاز مالك أن يكري الرجل فحله على أن ينزو أكواما معلومة ولم يجز ذلك أبو حنيفة ولا الشافعي وحجة من لم يجز ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل ومن أجازه شبهه بسائر المنافع وهذا ضعيف لأنه تغليب القياس على السماع ا ه المحتاج منه\r","part":4,"page":10},{"id":1241,"text":"وأما الإجارة فيما حكى الله تعالى عن نبيه شعيب مع موسى عليهما الصلاة والسلام إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإنها وإن قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ولم يرد هنا ناسخ إلا أنها إجارة عين أجلها وسمى عوضها وهو عقده على إحدى ابنتيه وكثير من المفسرين أنها الصغرى التي أرسلها في طلبه وقيل الكبرى ولا يرد عدم تبعيض البضع إذ لا يلزم تبعيض العوض فلذا زاد ابن عرفة لفظة بعضه في تعريف الإجارة بقوله بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعضها ا ه\rونمنع كون الانتفاع بالبضع ليس متمولا بدليل أن من غصب امرأة ووطئها يلزمه مهرها كما في الخرشي والعدوي عليه فتأمل بإمعان\rالشرط الثالث\rكون المنفعة متقومة احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض أي بالمال في نظر الشرع كاستئجار نار ليوقد منها سراجا وقد نص ابن يونس أن من قال ارق هذا الجبل ولك كذا أنه لا شيء له كما في الحطاب قال وقد اختلف في فروع نظرا إلى أن المنفعة هل هي متقومة أم لا كالمصحف والأشجار للتجفيف كما في البناني على عبق قال الخرشي يجوز استئجار المصحف لمن يقرأ فيه لجواز بيعه خلافا لابن حبيب في منعه إجارته ا ه\rقال العدوي عليه أي لأن إجارته كأنها ثمن القرآن\rبخلاف بيعه فإنه ثمن للورق والخط فابن حبيب يوافق على جواز بيعه ويخالف في إجارته فقد بيعت المصاحف في أيام عثمان رضي الله عنه فلم ينكر أحد من الصحابة ذلك فكان إجماعا ا ه\rوفي الأصل واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب فمنعه ابن القاسم ا ه أي وأجزأه ابن عبد السلام نظرا إلى أن الانتفاع به على هذا الوجه مما يتأثر الشجر به وينقص منفعة كثيرة منه فهي منفعة تتقوم كما في عبق وفي الخرشي قال في التوضيح والخلاف فيها خلاف في حال هل هذه منفعة متقومة أم لا ا ه\rالشرط الرابع\r","part":4,"page":11},{"id":1242,"text":"أو تكون أي المنفعة مملوكة احترازا من الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس والخوانق وكذا كل بلاد فتحها المسلمون عنوة وقد وقع الخلاف في مكة فذهب الشافعي إلا أنها فتحت صلحا محتجا بما روي أن خالد بن الوليد قتل قوما فوداهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو دليل الصلح ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنها فتحت عنوة محتجين باتفاق الأئمة على أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا قالوا ويجب أن يعتقد أن النبي {صلى الله عليه وسلم} إنما ودى الطائفة الذين قتلهم خالد بن الوليد لكونه {صلى الله عليه وسلم} أمنهم وعصم دماءهم جميعا بين الأدلة وكان مقتضى اتفاق المالكية على أن مكة فتحت عنوة أن لا يقولوا بجواز كراء دورها لا سيما ومشهور مذهب مالك أن أرض العنوة تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها سواء كانت أرض زراعة أو أرض دور كما في تحفة المريد السالك للبناني المكي لكن قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات عن مالك\rالأولى المنع وهو المشهور قال الشيخ محمد البناني المكي في رسالته تحفة المريد السالك وإليه ذهب جماعة من أهل المذهب وهو سماع ابن القاسم عن مالك ا ه\rوقاله أبو حنيفة والثانية الجواز قال الشيخ محمد البناني المكي أيضا وفي مقدمات ابن رشد أن الظاهر من مذهب ابن القاسم إجازة ذلك وهو مروي عن مالك أيضا كما في تبصرة اللخمي ثم قال وهو أشهر الروايات وهو المعتمد الذي به الفتوى وعليه جرى العمل من أئمة الفتوى والقضاة بمكة المشرفة قال وبه قال عمرو بن دينار وطاوس والشافعي وأحمد وأبو يوسف وابن المنذر كما في شرح العيني على البخاري ا ه\r","part":4,"page":12},{"id":1243,"text":"والثالثة الكراهة قال البناني المكي في تحفة المريد السالك ومن أهل المذهب من ذهب إلى كراهة بيع دور مكة وكرائها وهو مروي عن مالك أيضا ثم قال فيها أيضا قال في الموازنة وقد سمعت أن مالكا ا يكره كراء بيوت مكة ثم قال فإن قصد بالكراء الآلات والأخشاب جاز وإن قصد فيه البقعة فلا خير فيه ا ه\rقال الحطاب وظاهره أن الكراهة على بابها أي للتنزيه ا ه\rوالرابعة تخصيصها أي الكراهة بالموسم لكثرة الناس واحتياجهم للوقف قال البناني المكي أيضا قال ابن رشد في المقدمات وحكى الداودي عنه أي عن مالك أنه كره كراءها في أيام الموسم خاصة انتهى وهكذا حكاه اللخمي عنه أيضا ا ه\rوذلك لأمرين\r","part":4,"page":13},{"id":1244,"text":"الأمر الأول أنهم استثنوا في مشهورهم المذكور مكة نظرا إلى أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قد من بها على أهلها بأنفسهم وأموالهم فلا يقاس عليها غيرها فتكون أرض مكة ودورها ملكا لأهلها قال السهيلي في شرح البردة إنها فتحت عنوة غير أنه {صلى الله عليه وسلم} من على أهلها أنفسهم وأموالهم ولا يقاس عليها غيرها فأرضها إذا ودورها لأهلها ولكن أوجب الله عليهم التوسيع على الحجاج إذا قدموها فلا يأخذوا منهم كراء في مساكنها فهذا حكمها فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا وإن كانت ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة انتهى كما في تحفة المريد للبناني المكي الأمر الثاني قال الأصل ومثله لسند في الذخيرة كما في تحفة المريد السالك للبناني المكي اختلف العلماء في أرض العنوة هل تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها وهو الذي حكاه الطرطوشي في تعليقه عن مالك أو للإمام قسمها كسائر الغنائم أو هو مخير في ذلك والقاعدة المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين القول به وارتفع الخلاف وتعين ما حكم به الحاكم وبهذا يجاب أيضا عما قيل إن مقتضى أن أرض العنوة لا تملك أنه يحرم كراء دور مصر وأراضيها فإن مالكا رحمه الله صرح في الكتاب أي في كتاب المدونة وغيره بأنها فتحت عنوة ويلزم على ذلك تخطئة القضاة في إثبات الأملاك وعقود الإجارات والأخذ بالشفعاء ونحو ذلك فيها وكذا في كل ما قيل إنها فتحت عنوة كمكة زاد الأصل على أن القول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها الفتح أما إذا انهدمت تلك الأبنية وبنى أهل الإسلام دورا غير دور الكفار فهذه الأبنية لا تكون وقفا إجماعا وحيث قال مالك لا تكرى دور مكة مثلا يريد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح واليوم قد ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك خطأ نعم يختص ذلك أي تخطئة القضاء بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها باقية ثابتة ا ه\r","part":4,"page":14},{"id":1245,"text":"كلام الأصل قال ابن الشاط ما قاله في ذلك أي هذا الجواب صحيح وأما جوابه عن الإيراد المذكور بأنا لا نسلم أنه يلزم على قول مالك أنها فتحت عنوة تخطئة القضاة فيما ذكر إلا إذا سلمنا أن قوله ذلك فتيا يقلد فيها ومذهب له يجب على مقلده اتباعه فيه ونحن لا نقول إلا أن قوله ذلك شهادة منه رحمه الله بمنزلة قوله فلان أخذ ماله غصبا وخالع امرأته وذلك أن المذهب الذي يقلد فيه الإمام مشروط بشرطين الأول أن يكون أحد خمسة أمور لا سادس لها أحدها الأحكام كوجوب الوتر وثانيها الأسباب كالمعاطاة وثالثها الشروط كالنية في الوضوء ورابعها الموانع كالدين في الزكاة\rوخامسها الحجاج كشهادة الصبيان والثاني أن يختص بالقول بأحد هذه الخمسة ويخالفه غيره فيه إذ لا يفهم من مذهب الإنسان في العادة إلا ما اختص به كقولك هذه طريق زيد إذا اختص به أو هذه عادته إذا اختصت به أما إذا انتفى الاختصاص بأن اتفق الجميع على شيء منها فإنه لا يكون مذهبا لأحد فلا يقال إن وجوب رمضان مذهب مالك ولا غيره بل ذلك ثابت بالإجماع\r","part":4,"page":15},{"id":1246,"text":"وأما ما عدا هذه الخمسة فلا يقال إنها مذهب يقلد فيه بل هو إما رواية أو شهادة أو غيرهما بل هو بمنزلة قول إمام زيد زنى فكما لا نوجب الرجم بذلك بل نقول هذه شهادة هو فيها أسوة جميع العدول إن كمل النصاب بشروطه رجمناه وإلا فلا كذلك قول مالك فتحت مصر أو مكة عنوة شهادة وإذا كانت شهادة وهو لم يباشر الفتح تعين أحد أمرين الأول أن يقال إنه نقل هذه الشهادة عن غيره وحينئذ لا يدرى هل أذن له ذلك الغير في النقل عنه أم لا وإن سلمنا أنه أذن له فقد عارضت هذه البينة بينة أخرى وهي أن الليث بن سعد والشافعي وغيرهما قالوا الفتح وقع صلحا فهل يمكن أن يقال إن أحد البينتين أعدل فتقدم أو يقال هذا لا سبيل إليه إذ العلماء أجل من أن نفاوت نحن بين عدالتهم ولو سلمنا الهجوم عليهم في ذلك فالمذهب أنه لا يقضى بأعدل البينتين إلا في الأموال وليس العنوة والصلح من هذا الباب فلم قلتم إنه يقضى فيه بأعدل البينتين والأمر الثاني أن يقال إنه لم ينقل هذه الشهادة عن أحد بل هي استقلال وحينئذ لا يتأتى أن يقال مستندها السماع لأن الأصحاب عدوا المسائل التي تجوز فيها الشهادة بالسماع خمسا وعشرين ليست هذه منها وسلمنا أنها منها لكن حصل المعارض المانع من الحكم بهذه الشهادة وإذا ثبت بهذا أن قوله رحمه الله إنها فتحت عنوة شهادة لا مذهب له حتى يقلد فيه فتجري مجرى الشهادات ظهر تخطئة من أفتى بتحريم البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قوله فيها ذلك وكذلك يظهر تخطئة من يفتي من الشافعية بإباحة البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قول الشافعي إنها فتحت صلحا ويجعلون هذا مما يقلد فيه وإنما هو شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بذلك ألا ترى أن الشافعي رحمه الله لو جاء حاكما شافعيا فقال له إن فلانا صالح امرأته على ألف دينار نقدا وقد صارت خلعا منه هل يقضي بقوله وحده فيخرق الإجماع أو يقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع","part":4,"page":16},{"id":1247,"text":"الشافعي يشهد بالخلع فكما يقول في مثل هذا ذلك ينبغي أن يقوله هنا كذلك وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع ا ه\rبتصرف فقد تعقبه ابن الشاط بما ملخصه أن قول مالك إنها فتحت عنوة لا يتعين كونه\rشهادة إذ من شرط الشهادة أن تكون خبرا يقصد المخبر به أن يترتب عليه فصل قضاء ولا إشعار في قول مالك المذكور بذلك القصد فتعين أن يكون نوعا من الخبر غير الشهادة فما بسطه في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام من المسائل إن كانت من نوع ما قاله هنا مما لا دليل عليه ولا حاجة إليه فليس ذلك الكتاب بنفيس ا ه\rقلت وفي الحواشي الشربيني على محلى جمع الجوامع أن خبر الواحد مع القرائن المنفصلة يفيد العلم الضروري كالمتواتر إلا أن حصوله في المتواتر بواسطة ما لا ينفك التعريف عنه عادة من القرائن المتصلة فكأنه من نفس الخبر بخلاف الواحد المذكور فحصوله فيه بواسطة القرائن المنفصلة ا ه\rولا شك أن قول مالك أن مكة فتحت عنوة كذلك لما تقدم من أن مالكا والشافعي وغيرهما قد اتفقوا على أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا على أن في جمع الجوامع أن خبر الواحد بدون تلك القرائن يجب العمل به إجماعا في سائر الأمور الدينية سمعا ا ه\rقال المحلي أي لا عقلا بشرطه لأنه {صلى الله عليه وسلم} كان يبعث الآحاد إلى القبائل والنواحي لتبليغ الأحكام كما هو معروف فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم يكن لبعثهم فائدة ا ه\rقال العطار عن زكريا وشروطه عدالة وسمع وبصر وغيره مما هو معروف في محله ا ه\rفتعين الجواب الأول عن الإيراد المذكور فتأمل بدقة وسبب الخلاف في كراء دور مكة أمران\rالأول\r","part":4,"page":17},{"id":1248,"text":"ما مر من الخلاف في أنها فتحت عنوة أو صلحا وعلى الأول فهل ينظر إلى أنه قد من على أهلها بأنفسهم وأموالهم مطلقا أم لا مطلقا أم ينظر إليه في غير أيام الموسم\rوالأمر الثاني تعارض الأدلة قال الشيخ محمد البناني المكي في رسالته تحفة المريد السالك فاستدل القائل بالمنع بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد قالوا المراد بالمسجد الحرام مكة لما روى ابن حاتم وغيره عن ابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد أن المسجد الحرام في هذه الآية الحرم كله وقد وصفه الله تعالى بقوله الذي جعلناه للناس سواء أي المؤمنين جميعا ثم قال سواء العاكف فيه والباد أي سواء المقيم في الحرم ومن دخل مكة من غير أهلها أو المقيم فيه والغريب سواء فدلت هذه الآية على منع بيع دور مكة وإجارتها لأن الله عز وجل جعلها للناس سواء فلا يختص أحد بملك فيها دون أحد قال القسطلاني على البخاري في قوله تعالى والمسجد الحرام ما نصه وأوله أبو حنيفة بمكة واستشهد له بقوله تعالى الذي جعلناه للناس سواء على عدم جواز بيع دورها وإجارتها ثم قال في موضع آخر وذهب ابن عباس وابن جبير وقتادة وغيرهم إلى أن التسوية بين البادي والعاكف في منازل مكة وهو مذهب أبي حنيفة\rوقال محمد بن الحسن فليس المقيم بها أحق بالمنزل من القادم عليها انتهى وقال العيني في شرحه على البخاري وممن ذهب إلى عدم جواز بيع دور مكة وإجارتها أبو حنيفة ومحمد والثوري\r","part":4,"page":18},{"id":1249,"text":"وعطاء بن أبي رباح ومجاهد ومالك وإسحاق انتهى وأما السنة فأحاديث منها ما أخرجه الطحاوي عن علقمة بن فضلة الكناني قال كانت الدور على عهد النبي {صلى الله عليه وسلم} وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ما تباع ولا تكرى ولا تدعى إلا السواد لم تبع رباعها في زمن النبي {صلى الله عليه وسلم} ولا أبي بكر ولا عمر فمن احتاج سكن ومن استغنى أسكن ومنها ما أخرجه الطحاوي من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها ومنها ما رواه عبد الرزاق عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء ومنها ما رواه الطحاوي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحجاج ومنها ما أخرجه الطحاوي أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال من أكل كراء بيوت أهل مكة فإنما يأكل نارا في بطنه واستدل القائل بالجواز بما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قال يا رسول الله أين تنزل غدا في دارك بمكة فقال هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب لم يرثه جعفر ولا علي شيئا وكان عقيل وطالب كافرين فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرث المؤمن الكافر قال الفاكهي هذه الدار كانت لهاشم بن عبد مناف ثم صارت لابنه عبد المطلب فقسمها بين ولده فمن ثم صار للنبي {صلى الله عليه وسلم} حق أبيه عبد الله وفيها ولد النبي {صلى الله عليه وسلم} ا ه\rقال القسطلاني وظاهر قوله وهل ترك لنا عقيل من رباع أنها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه ثم قال وكان قد استولى عليها طالب وعقيل على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما وباعتبار ترك النبي {صلى الله عليه وسلم} لحقه منها بالهجرة وفقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها\r","part":4,"page":19},{"id":1250,"text":"وقال العيني كان أبو طالب أكبر ولد عبد المطلب احتوى على أملاكه وحده على عادة الجاهلية من تقديم الأسن فتسلط عليها عقيل بعد هجرة النبي {صلى الله عليه وسلم} فباعها وقال الداودي باع عقيل ما كان للنبي {صلى الله عليه وسلم} ولمن هاجر من بني عبد المطلب كما كانوا يفعلون بدور من هاجر من المؤمنين وإنما أمضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تصرفات عقيل إما كرما وجودا وإما استمالة لعقيل وإما تصحيحا لتصرفات الجاهلية كما أنه يصح أنكحة الكفار ا ه\rحكى الفاكهي أن هذه الدار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار ا ه\rكما في العيني والقسطلاني ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي {صلى الله عليه وسلم} لما أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها دل ذلك على جواز بيعها قال الخطابي احتج بهذا الحديث على جواز بيع دور مكة لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها وكان عقيل وطالب ورثا أباهما لأنهما إذ ذاك كانا كافرين فورثاها ثم أسلم عقيل فباعها ا ه\rوأما ما استدل به على المنع فقد أجابوا عنه فأما عن حديث عبد الله بن\r","part":4,"page":20},{"id":1251,"text":"عمرو المار فهو لأنه يقاوم حديث أسامة هذا في صحته لأن في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وضعفه يحيى والنسائي والأصل في باب المعارضة التساوي ولئن سلمنا المساواة على تقدير فرض صحة حديث عبد الله بن عمرو فلا يكتفى بها بل يكشف عن وجه ذلك من طريق النظر فوجدنا أن ما يقضي به حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله بن عمرو وذاك أن المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحد لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناء ولا يحجر موضعا منها ألا ترى أن موضع الوقوف بعرفة لا يجوز أن ينبني فيه بناء وكذلك منى لا يجوز لأحد أن يبني فيها دارا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ألا تتخذ لك بمنى بيتا أو بناء يظلك قال لا يا عائشة إنها مناخ لمن سبق فقال أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والطحاوي ووجدنا مكة على خلاف ذلك لأنه قد أجيز فيها البناء وأيضا فإن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال يوم دخل مكة في غزوة الفتح من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن فأثبت لأبي سفيان ملك داره\r","part":4,"page":21},{"id":1252,"text":"وأثبت لهم أملاكهم على دورهم حيث أضافا إليهم فهذا يدل على أن مكة مما يبنى فيها الدور ومما يغلق عليها الأبواب فإذا كان كذلك تكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك وتقع فيها المواريث فحينئذ يجوز بيع الدور التي فيها وتجوز إجارتها قال ابن قدامة أضاف النبي {صلى الله عليه وسلم} الدار لأبي سفيان إضافة ملك بقوله من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ولأن أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} كانت لهم دور بمكة دار لأبي بكر وللزبير بن العوام وحكيم بن حزام وغيرهم مما يكثر تعدادهم فبعض بيع وبعض في يد أعقابهم إلى اليوم وإن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة إحداهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم وهذه قصص اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعا ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأراضي ا ه\rكما في العيني قال الحطاب في حاشيته على منسك خليل قال القاضي تقي الدين الفاسي والقول بمنع ذلك فيه نظر لأن غير واحد من علماء الصحابة وخلفائهم عملوا بخلافه في أوقات مختلفة ثم ذكر وقائع من ذلك عن عمر وعثمان وابن الزبير ومعاوية رضي الله عنهم قال الحطاب وعلى القول بجواز البيع والكراء اقتصر ابن الحاج فإنه قال في مناسكه واختلف أهل العلم في كراء بيوت مكة وبيعها فذكر الخلاف بين العلماء ثم قال وأباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة وكراء منازلها منهم طاوس وعمرو بن دينار وهو قول مالك والشافعي ثم ذكر حجج كل قول وقال والدليل على صحة قول مالك ومن قال بقوله قول الله عز وجل الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقوله {صلى الله عليه وسلم} يوم الفتح من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن فأثبت لأبي سفيان ملك داره وأثبت لهم أملاكهم على دورهم\r","part":4,"page":22},{"id":1253,"text":"وقوله {صلى الله عليه وسلم} في حجة الوداع هل ترك لنا عقيل منزلا يدل على أنها ملك لأربابها وأن عمر ابتاع دارا بأربعة آلاف درهم وأن دور أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} بأيدي أعقابهم منهم أبو بكر والزبير بن العوام وحكيم بن حزام وعمرو بن العاص وغيرهم\rوقد بيع بعضها وتصدق ببعضها ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا في أملاكهم وهم أعلم بالله ورسوله ممن بعدهم ا ه\rوأما عن قوله تعالى والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس الآية فهو أن المراد بالمسجد المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دور مكة قال ابن خزيمة إذ لو كان المسجد الحرام واقعا على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن ولا دخول الجنب والحائض الحرم والجماع فيه ولا نعلم عالما منع من ذلك ولا كره لجنب وحائض دخول الحرم ولا الجماع فيه ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها ولا يقول بذلك أحد كما في القسطلاني وأما عن حديث علقمة بن فضلة الكناني الذي أخرجه الطحاوي والبيهقي فهو أنه منقطع لأن علقمة ليس بصحابي والمنقطع لا تقوم به حجة كما قامت بحديث أسامة المسند الصحيح وأما عن حديث عبد الله بن عمر فهو أنه موقوف على ابن عمر والموقوف لا يقاوم حديث أسامة المرفوع وأما عما رواه عبد الرزاق عن منصور عن مجاهد والطحاوي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما فهو أن المراد منهما كراهة الكراء رفقا بالوفود ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء والإجارة فيها ألا ترى أن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية داره بأربعة آلاف درهم كما تقدم فلو كان بيع دور مكة حراما لما اشتراها منه فدل شراؤه رضي الله عنه على الجواز ا ه\r","part":4,"page":23},{"id":1254,"text":"كلام الشيخ محمد البناني المكي في تحفة المريد بتصرف وزيادة ما تنبيه في المدونة قال مالك أكره البنيان الذي أحدثه الناس بمنى قال سند وجملة ذلك أن منى لا ملك لأحد فيها وليس لأحد أن يحجر فيها موضعا يحوزه له إلا أن ينزل منها منزلا فيختص به حتى يفرغ من منسكه ويخرج منها والأصل في ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت قلنا يا رسول الله ألا تبني لك موضعا يظلك بمنى قال لا منى مناخ لمن سبق خرجه الترمذي والنسائي وهذا يمنع أن يحجر أحد فيها بنيانا إلا أن يكون نازلا بالبنيان الذي بها ثم وإن كان بها كره له أيضا قال مالك في الموازية لأنه تضييق على الناس وكره إجارة البنيان الذي بها والله أعلم أفاده البناني المكي في تحفة المريد\rالشرط الخامس أن لا يتضمن استيفاء عين احترازا عن إجارة الأشجار لثمارها والغنم لنتاجها قاله الأصل وسلمه ابن الشاط ومثله في مختصر خليل إلا أنه زاد قيد قصد حيث قال بلا استيفاء عين قصد فقال بهرام احترز به من إجارة الثياب ونحوها فإن بعضها وإن ذهب بالاستعمال لكن بحكم التبع ولم يقصد بخلاف الثمرة والشاة والحاصل أن محط الفائدة قوله قصد\rوذلك لأن في الإجارة استيفاء عين لكن لا قصدا أفاده العدوي على الخرشي\rوقال تبعا لعبق لا يخفى أن إطلاق الإجارة عليهما أي على الأشجار والغنم لما ذكر مجاز لأنه ليس فيهما بيع منفعة وإنما فيهما بيع ذات كما علم من كلامه فلا يحتاج لذكرهما في محترز هذا الشرط نعم يصح جعلهما محترزه إن استأجر الشجر لأمرين التجفيف عليها وأخذ ثمرتها والشاة للانتفاع بها في شيء يجوز الانتفاع بها فيه ولأخذ لبنها ا ه\rوسلمه محشوا عبق قال الأصل واستثني من ذلك أي من منع ما يتضمن استيفاء عين إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة ا ه\r","part":4,"page":24},{"id":1255,"text":"قال الخرشي ولنص القرآن سواء كانت أجرة الظئر نقدا أو طعاما ولا يكون من باب بيع الطعام بالطعام إلى أجل للعلة السابقة ولو كان الرضيع محرم الأكل أي كجحش صغير أو مهر صغير أو غيرهما فيجوز أن تكرى له حمارة ترضعه للضرورة ا ه\rقال العدوي عليه فالولد الصغير إذا لم يجد امرأة ترضعه يرضع على الحمار قاله شيخنا عبد الله ا ه\rالشرط السادس\rأن يقدر على تسليمها احترازا من استئجار الأخرس للكلام والأعمى للخط قال الخرشي من شروط المنفعة التي تحصل للمستأجر أن يكون مقدورا على تسليمها للمستأجر حسا فلا تجوز إجارة الأعمى للخط والأخرس للكلام وشرعا فلا تجوز الإجارة على إخراج الجان والدعاء وحل المربوط ونحو ذلك لعدم تحقق المنفعة ولا على تعليم الغناء ودخول الحائض المسجد ا ه\rوكتب العدوي على قوله وشرعا ما نصه قد يقال يستغنى عن ذلك بقول المصنف ولا حظر كما في عبق ا ه\rالشرط السابع أن تحصل للمستأجر احترازا من العبادات كالصوم ونحوه أي مما لا يقبل النيابة سواء كان واجبا عينا كصلاة الفرض أو كفائيا كصلاة الجنازة أو كان سنة كصلاة الوتر أو رغيبة كركعتي الفجر أو نفلا كأربع قبل الظهر وبعده\rوقبل العصر قال البناني وأما الصلاة والصوم من سائر المندوبات كقراءة القرآن وسائر الأذكار فتجوز الإجارة عليها قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب بعد ذكر قول ابن عبد السلام ولا يلزم من تعين العبادة وجوبها لأن أكثر مندوبات الصلاة أي والصوم متعينة كصلاة الفجر والوتر وصيام عاشوراء وعرفة فهذه يمنع الاستئجار عليها وإن لم تكن واجبة على المكلف ومعنى تعينها على المكلف أنه لا يصح وقوعها من غير من خوطب بها فلو أجيز الاستئجار عليها لأدى ذلك إلى أكل المال بالباطل ا ه\r","part":4,"page":25},{"id":1256,"text":"قالوا هذا حكم الصلاة والصوم الواجب من ذلك والمندوب وأما قراءة القرآن فالإجارة عليها مبنية على وصول ثواب القراءة للميت ثم استدل على أن الراجح وصول ذلك له بكلام ابن رشد وغيره انظر مصطفى الرماصي ا ه\rكلام البناني قال وقد نص ابن عبد السلام وغيره على منع الاستئجار على صلاة الجنازة\rقال ابن فرحون فإن قلت صلاة الجنازة عبادة لا يتعين فعلها على أحد ولا يجوز الاستئجار عليها قلت لما كانت عبادة من جنس الصلاة المتميزة بصورتها للعبادة والصلاة لا تفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليها\rوأما الغسل فيكون للعبادة والنظافة وغير ذلك وكذا الحمل للميت شاركه في الصورة أشياء كثيرة فلم يتمحض بصورته للعبادة في جميع أنواعه بخلاف صلاة الجنازة فألحقت بما أشبهته ا ه\rانظر مصطفى الرماصي\rا ه\rقال العدوي على الخرشي وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن الاستئجار فيه كما أفاده في حاشية اللقاني ا ه\r","part":4,"page":26},{"id":1257,"text":"أي لأن كلا منهما لما لم يفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليه وفي بداية الحفيد واتفقوا على إبطال كل منفعة كانت فرض عين على الإنسان بالشرع مثل الصلاة وغيرها واختلفوا في إجارة المؤذن على الأذان فقوم لم يروا فيه بأسا وقوم كرهوا ذلك محتجين بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اتخذوا مؤذنا لا يتخذ على أذانه أجرا والمبيحون قاسوه على الأفعال غير الواجبة وهذا هو سبب الاختلاف في أنه هل هو واجب أم ليس بواجب واختلفوا أيضا في الاستئجار على تعليم القرآن فأجازه قوم محتجين بما روي عن خارجة بن الصامت عن عمه قال أقبلنا من عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأتينا على حي من أحياء العرب فقالوا إنكم جئتم من عند هذا الحبر فهل عندكم دواء أو رقية فإن عندنا معتوها في القيود فقلنا لهم نعم فجاءوا به فجعلت أقرأ عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل عليه فكأنما نشط من عقال فأعطوني جعلا فقلت لا حتى أسأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسألته فقال كل لعمري من أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حق وبما روي عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كانوا في غزاة فمروا بحي من أحياء العرب فقالوا هل عندكم من راق فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له قال فرقى رجل بفاتحة الكتاب فبرئ فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبلها فسأل عن ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال بم رقيته قال بفاتحة الكتاب قال وما يدريك أنها رقية قال ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم\rوكرهوه أي حرمه قوم آخرون قائلين هو من باب الجعل على تعليم الصلاة قالوا ولم يكن الجعل المذكور في الإجارة على تعليم القرآن وإنما كان على الرقي والاستئجار والرقي عندنا جائز سواء كان بالقرآن أو غيره لأنه كالعلاجات وليس واجبا على الناس وأما تعليم القرآن فهو واجب على الناس ا ه بتصرف فافهم\rالشرط الثامن\r","part":4,"page":27},{"id":1258,"text":"كونها معلومة احترازا من المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها أو دارا لمدة غير معلومة وذلك أن شرط الإجارة التي هي عقد من العقود أن تكون صادرة من عاقد كالعاقد الصادر منه البيع\rوأن تكون بأجر كالأجر الذي مراد به العوض الذي هو الثمن وأما المثمن وهو المنافع فلما كان من شأنها أن تكون وقت العقد معدومة كان في العقد عليها غرر وبيع لما لم يخلق حتى حكي عن الأصم وابن علية منع الإجارة لذلك إلا أن جميع فقهاء الأمصار والصدر الأول قالوا بجوازها نظرا إلى أنها وإن كانت معدومة لكنها مستوفاة في الغالب والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفى في الغالب أو يكون استيفاؤه وعدم استيفائه على السواء ولا يتحقق ما يستوفى إلا بتعينه واستدلوا على جوازها من الكتاب بقوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقوله تعالى إني أريد أن أنكحك الآية ومن السنة الثابتة ما خرجه البخاري عن عائشة قالت استأجر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما وحديث جابر أنه باع من النبي {صلى الله عليه وسلم} بعيرا وشرط ظهره إلى المدينة وما جاز استيفاؤه بالشرط جاز استيفاؤه بالأجر كما في بداية الحفيد والله أعلم\r","part":4,"page":28},{"id":1259,"text":"تنبيه ما تقدم عن الأصل من أن الأصحاب عدوا المسائل التي تجوز فيها الشهادة بالسماع خمسا وعشرين هو بحسب ما عنده وحضره وإلا فهي تزيد على ذلك وفي حاشية الصاوي على شرح أقرب المسالك أنهى بعضهم مسائل ما تجوز فيه شهادة السماع لاثنتين وثلاثين مسألة وقد جمعت في أبيات ونصها أيا سائلي عما ينفذ حكمه ويثبت سمعا دون علم بأصله ففي العزل والتجريح والكفر بعده وفي سفه أو ضد ذلك كله وفي البيع والأحباس والصدقات والرضاع وخلع النكاح وحله وفي قسمة أو نسبة وولاية وموت وحمل والمضر بأهله ومنها الهبات والوصية فاعلمن وملك قديم قد يضن بمثله ومنها ولادات ومنها حرابة ومنها الإباق فليضم لشكله وقد زيد فيها الأسر والفقد والملا ولوث وعتق فاظفرن بنقله فصارت لدي عد ثلاثين اتبعت بسنتين فاطلب نصها في محله ا ه\rوفي شرح التاودي على نظم ابن عاصم جملة ما ذكره الناظم من مسائل ما تجوز فيه شهادة السماع تسعة عشر وعدها ابن العربي إحدى وعشرين فقال أيا سائلي إلى آخر البيت الرابع وزاد ولده ستة فقال منها الهبات إلى قوله فليضم لشكله فدونكها عشرين من بعد سبعة تدل على حفظ الفقيه ونبله أبي نظم العشرين من بعد واحد فأتبعتها ستا تماما لفعله وزاد ابن عبد السلام خمسة ونظمها بعضهم فقال\rوقد زيد فيها إلى قوله فاطلب نصها في محله ونظمها أيضا العبدوسي وذيله ابن غازي بما زاده عليه إلى أن قال في آخره لولا التداخل بعد ذي في الزائد لبلغت عشرين دون واحد ا ه بإصلاح البيت الأخير والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والمائتان بين قاعدة ما للمستأجر أخذه من ماله بعد انقضاء الإجارة وبين قاعدة ما ليس له أخذه\r","part":4,"page":29},{"id":1260,"text":"وهو أن ما لا قيمة له من الزرع بعد القلع ومن البناء بعد الهدم وإن عظمت قيمته قبل القلع والهدم لا يقبل في قلعه أو هدمه قول المستأجر بل يتعين عليه إبقاؤه في الأرض المستأجرة ينتفع به صاحب الأرض ويحصل له بسببه تلك المالية العظيمة وكذلك المستحق منه والغاصب ونحوهما لأن قلعه أو هدمه بمجرد الفساد لا لحصول مصلحة تستحصل للقالع والهادم ولا لدرء مفسدة عنه والقاعدة أن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة\rولذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة التي لا يتشاح العقلاء فيها عادة كالسمسمة ونحوها وإذا أعطى المستأجر أو المستحق منه أو الغاصب ونحوهم لصاحب الأرض ما ذكر من الزرع أو البناء اللذين لا قيمة لهما بعد الإزالة بالقلع أو الهدم فهو يعطيه له بغير شيء ضرورة أنه مستحق الإزالة شرعا وعلى تقدير الإزالة تبطل تلك المالية فهي مالية مستهلكة على واضعها شرعا والمستهلك شرعا لا يجب فيه قيمة\rويؤيد ذلك نهيه عليه السلام عن إضاعة المال وهدم مثل هذا البناء وقلع مثل هذا الشجر إضاعة للمال فوجب المنع منه وأما ما له قيمة من الزرع بعد القلع ومن البناء بعد الهدم فيقبل في قلعه أو هدمه قول المستأجر وكذلك المستحق منه والغاصب ونحوهما لأن قلعه أو هدمه لحصول مصلحة تحصل للقالع والهادم لا لمجرد الفساد كذا قال الأصل وفي فصل الاستحقاق من مختصر خليل مع شرح عبق وإن زرع غاصب أرض أو منفعتها فاستحقت الأرض أي أقام مالكها فإن لم ينتفع بالزرع قبل ظهوره أو بعده أخذ بلا شيء في مقابلة بذره أو أجرة حرثه أو غيره أي قضي للمستحق بأخذه إن شاء مجانا ونص التوضيح إن أقام رب الأرض بعد الحرث وقبل الزراعة ففي اللخمي وغيره أنه يأخذه بغير شيء وإن كان قيامه بعد الزراعة وقبل ظهور الزرع أو بعد ظهوره وقبل أن ينتفع به فله أن يأمره بقلعه أو يأخذه ابن القاسم وأشهب بغير ثمن ولا ذريعة ا ه\r","part":4,"page":30},{"id":1261,"text":"وليس له إبقاؤه وأخذ كراء الأرض لأنه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه كما يأتي نحوه عن ابن يونس وإلا بأن بلغ أن ينتفع به ولو لرعي البهائم فله أي للمستحق به قلعه أي أمره بذلك وبتسوية الأرض وذكر شرطا في قوله أخذ بلا شيء وقوله فله قلعه فقال إن لم يفت أي إبان ما أي زرع تراد له مما زرع فيها كما حمل عبد الحق وغيره\rالمدونة عليه وهو الذي يدل عليه كلام التوضيح وابن عرفة ونص العتبية ومن تعدى فزرع أرض رجل فقام عليه بعد إبان الزرع وقد كبر الزرع واشتد فأراد قلع الزرع وقال أريد أكريها مقثأة أو أزرعها بقلا وهي أرض سقي يمكنه الانتفاع بها فليس له ذلك وليس له بعد إبان الزرع إلا كراؤه وإن كانت أرض سقي ينتفع بها لما ذكرت وإنما له ذلك إن لم يفت إبان الزرع الذي فيها ولا حجة له أنه يريد قلبها والكراء له عوض من ذلك ا ه\r","part":4,"page":31},{"id":1262,"text":"وأشار لقسيم قوله فله قلعه وهو الشق الثاني من التخيير بقوله وله أي لرب الأرض أخذه بقيمته على المختار مقلوعا تقديرا ويبقيه في الأرض ويسقط من قيمته مقلوعا عنه كلفة قلعه أن لو قلع حيث كان الغاصب شأنه أن لا يتولاها بنفسه أو خدمه على ما لابن المواز في بناء الغاصب وغرسة وهو المعول عليه هناك فينبغي أن يعول عليه هنا أيضا فإذا كان شأنه توليه بنفسه أو خدمه أخذه بقيمته مقلوعا من غير إسقاط كلفة قلعه لو قلع وكما له أخذه بقيمته مقلوعا له إبقاؤه لزارعه وأخذ كراء السنة منه في الفرض المذكور أي بلغ أن ينتفع به ولم يفت وقت ما ترد له دون القسم الأول في المصنف وهو ما إذا لم ينتفع به فليس له إبقاؤه وأخذ كرائها منه وفرق ابن يونس أي وابن المواز بأنه فيه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه لأن مالك الأرض لما مكنه الشرع من أخذه بلا شيء وإبقاء لزارعه بكراء فكان ذلك الكراء عوضا عنه في المعنى فهو بيع له على التبقية وهو مبني على أن من خير بين أمرين عد منتقلا كما قال المازري وإلا بأن فات وقت ما ترد له فكراء مثلها في السنة لازم للغاصب واعتمد المصنف في هذا على ما نقله في التوضيح عن اللخمي ونصه وإن كان قيامه بعد الإبان فقال مالك الزرع للغاصب وعليه كراء الأرض وليس لربه قلعه اللخمي وهو المعروف من قوله وذكر رواية أخرى أن للمستحق أن يقلعه ويأخذ أرضه بقوله {صلى الله عليه وسلم} ليس لعرق ظالم حق وروي عن مالك أيضا أن الزرع للمغصوب منه الأرض وإن طاب وحصد واختار هذه الرواية الثالثة غير واحد لما في الترمذي من زرع أرضا لقوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه نفقته ا ه\r","part":4,"page":32},{"id":1263,"text":"وذكر ابن يونس في الرواية الثانية أنها أصح كما في المواق فظهر ترجيح كل من الروايات الثلاث لكن الثالثة شاذة عن الإمام وقد بحث ابن عرفة في الفتوى بها بذلك وأجيب كما في المعيار بأن التشديد على الظلمة والمحدثين من أهل البغي والفساد مألوف من الشرع وقواعد المذهب وهل فوات الإبان بالنظر إلى زمن الخصام أو إلى يوم الحكم والظاهر أنه يجري فيه القولان اللذان ذكرهما ابن عرفة في ذي الشبهة ومال إلى يوم الحكم إن كانت المخاصمة بما له وجه انظر الرهوني ا ه\rمع اقتصار على ما عول عليه البناني والرهوني وكنون وزيادة منهم نعم انظر ابن الشاط في كلام الأصل بأن تقدير بناء أو شجر ونحو ذلك لا تكون له قيمة بعد القلع كفرض محال والله تعالى أعلم ا ه بلفظه\rفائدة\rقال الأصل القاعدة أن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح إلخ أجمع الناس على أن العروض تتعين بالتعيين وكذلك الحيوان والطعام لأن لهذه الأشياء من الخصوصيات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة وتميل إليه العقول السليمة والنفوس الخالصة لما في تلك المعينات من الملاذ الخاصة في تلك الأعيان ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا عين صاعا من صبرة وباعه أنه لا يتعين لأن الأغراض الصحيحة مستوية في أجزاء الصبرة غير أني لا أعلم أحدا قال بعدم التعيين واختلفوا في الدنانير والدراهم إذا عينت هل تتعين أم لا ثلاثة أقوال ثالثها إن عينها الدافع تعينت لأنه أملك بها وهو مالكها وإن عينها القابض لا تتعين إلا أن تختص بصفة حلي أو سكة رائجة أو غير ذلك تعينت اتفاقا وهذه الأقوال الثلاثة عندنا وبالتعيين قال الشافعي والمشهور عندنا عدم التعيين ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":33},{"id":1264,"text":"الفرق الخامس والمائتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن وهو أنه يرجع بضمان ما يطرح منها للهول من أموال التجارة فيما سلم منها لا فيما سلم من غيرها ضرورة أن المقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة لا نفس المركب ولا صاحبه ولا النواتية ولو عبيدا أو لا ما يراد للنفقة أو للقنية أما أولا فلأن هذه كلها وسائل ولا يرجع بالمقاصد إلا في المقاصد\rوأما ثانيا فلأن شأن المركب أن يصل برجاله سالما إلى البر وإنما يغرقه ما فيه عادة وإزالة السبب المهلك لا يوجب شركة بل فعل السبب المنجي هو الذي يوجبه ألا ترى أن فاعل الضرر شأنه أن يضمن فإذا زال ضرره ناسب أن لا يضمن لعدم سبب الضمان وفاعل النفع محصل لعين المال فناسب أن يستحقه أو بعضه لأن موجد الشيء شأنه أن يكون له وهو فرق حسن\rوعليه قال مالك إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح له شيء في متاعهم وما طرح وسلم لجميعهم في تمامه ونقصه بثمنه يوم الشراء إن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة لأنهم صانوا بالمطروح ما لهم والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر وهو سبب سلامة جميعهم فإن اشتروا من مواضع أو اشترى بعض دون بعض أو طال زمان الشراء حتى تغيرت الأسواق اشتركوا بالقيم يوم الركوب دون يوم الشراء لأنه وقت الاختلاط وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أم لا قال ابن أبي زيد ولا يشارك من لم يرم بعضهم بعضا لأنه لم يطرأ سبب يوجب ذلك بخلاف المطروح له مع غيره ا ه قال ابن حبيب وليس على صاحب المركب ولا النواتية ضمان كانوا أحرارا أو عبيدا إلا أن يكونوا للتجارة فتحسب قيمتهم ولا على من لا متاع له لأن هذه كلها وسائل والمقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة ويرجع بالمقاصد في المقاصد ومن معه دنانير كثيرة يريد بها التجارة فكالتجارة بخلاف النفقة وما يراد للقنية ا ه\r","part":4,"page":34},{"id":1265,"text":"قال الأصل فإن صالحوا صاحب المطروح بدنانير ولا يشاركهم جاز إذا عرفوا ما يلزمهم في القضاء ا ه\rوبالفرق المذكور يجاب عن قول ابن بشير لا يلزم في العين شيء من المطروح لأنه لا يحصل الغرق بسببها لخفتها ا ه\rوعن قول سحنون أيدخل المركب في قيمة المطروح لأنه مما سلم بسبب الطرح ا ه\rوعن قول أبي محمد إن خيف عليه بصدم قاع البحر فطرح لذلك دخل في القيمة ا ه\rوعن قول أهل العراق يدخل المركب وما فيه للقنية أو التجارة من عبيد وغيرهم لأن أثر المطروح سلامة الجميع ا ه\rفتأمل بإمعان والله أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى إن خرج المطروح بعد الطرح من البحر سالما فهو لمالكه وتزول شركته لمن لم يطرح لهم شيء أو خرج وقد نقص نصف قيمته انتقص نصف الصلح ويرد نصف ما أخذ والفرق بين المطروح المصالح عليه ها هنا إذا خرج يكون لصاحبه وبين الدابة المصالح عليها في التعدي والعارية إذا وجدت تكون لمن صالح عليها لا لصاحبها هو أن التعدي ينقل المتعدى عليه للذمة بالقيمة فيكون له لأن القيمة للمتعدى عليه فلا يجمع له بين العوض والمعوض عنه والطرح في البحر شيء توجبه الضرورة فلا يحصل الصلح فيه بيعا لا ينتقض المسألة الثانية إن لم يكن في السفينة غير الآدميين لم يجز رمي واحد منهم لطلب نجاة الباقين وإن كان ذميا قال الطرطوشي في تعليقه ويبدأ بطرح الأمتعة ثم البهائم لشرف النفوس قال وهذا الطرح عند الحاجة واجب ولا يجري القولان اللذان للعلماء في دفع الداخل عليك البيت لطلب النفس أو المال ولا من اضطر إلى أكل الميتة فإن فيهما قولين أحدهما يجب الدفع والأكل وثانيهما\r","part":4,"page":35},{"id":1266,"text":"لا يجبان لقصة ابني آدم لقوله عليه السلام كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل وعليه اعتمد عثمان رضي الله عنه في تسليم نفسه والفرق بينهما وبين ما هنا من وجهين الأول أن التارك للقتل والأكل فيهما تارك لئلا يفعل محرما وهو أكل الميتة وسفك الدم وليس طرح المال ها هنا إلا لبقاء المال واقتناؤه ليس واجبا فافهم\rالوجه الثاني أن المال ما وضع إلا لبقاء النفس ولم يوضع قتل الغير وأكل الميتة وسيلة لذلك المسألة الثالثة لا يضمن الطارح هنا ما طرحه عند مالك اتفاقا كما لا يضمن إذا قتل الفحل بدفعه لأنه كان يجب على صاحبه قتله صونا للنفس فقد قام عن صاحبه بواجب وفي ضمان مال الغير إذا أكل للمجاعة وعدم ضمانه قولان عنده\rوقال أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما لا يضمن أحد من أهل السفينة إلا الطارح إن طرح مال غيره وإن طرح مال نفسه فمصيبة منه ولو استدعى غيره منه ذلك ووافقونا إذا قال اقض عني فقضاه وفي اقتراض المرأة على زوجها الغائب واقتراض الوصي لليتيم فإنه يأخذ من ماله نظرا له وحجتنا القياس على الصورة المذكورة كما تقدمت الإشارة إليه بجامع السعي في القيام عن الغير بواجب لأنهم أجمعين يجب عليهم حفظ نفوسهم وأموالهم فمن بادر منهم قام بذلك الواجب وحجتهم أمران الأمر الأول أن السلامة بالطرح غير معلومة بخلاف الصائل الأمر الثاني القياس على الآدميين وأموال القنية\rوالجواب عن الأول أنه ينتقض بطعام المضطر فإن المضطر يضمن مع احتمال هلاكه بما أكل بل يعتمد\rفي ذلك على العادة فقط وقد شهدت العادة بأن ذلك سبب السلامة فيهما مع احتمال النقيض\rوعن الثاني ما تقدم من الفرق بين ما يضمن بالطرح من السفن وما لا يضمن مع أن الطرطوشي قال القياس التسوية بين القنية والتجارة لأن العلة صون الأموال والكل يثقل السفينة والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":36},{"id":1267,"text":"الفرق السادس والمائتان بين قاعدة من عمل من الأجراء النصف مما استؤجر عليه يكون له النصف وبين قاعدة من عمل النصف لا يكون له النصف\rقال العلامة ابن الشاط ما خلاصته هذا الفرق فاسد الوضع فاحش الخطأ بسبب بنائه على توهم الأغبياء أن من استؤجر على أن يحفر بئرا عشرة في عشرة تكون مربعة من كل جهة عشرة ويكون عمقها عشرة أو على أن يعمل صندوقا عشرة في عشرة فعمل فيهما خمسة في خمسة فقد عمل النصف وهو غير صحيح\rبل إنما عمل في المسألة الأولى أعني مسألة البئر الثمن وفي المسألة الثانية أعني مسألة الصندوق الربع وذلك أن البئر كلما نزل فيها ذراعا فقد شال من التراب بساطا مساحته عشرة في عشرة وذلك مائة فكل ذراع ينزله في البئر حينئذ مائة ذراع والأذرع عشرة وعشرة في مائة بألف فالمستأجر عليه ألف ذراع فلما عمل خمسة في خمسة شال في الذراع الأول تراب خمسة في خمسة وذلك خمسة وعشرون فكل ذراع من هذا المعمول خمسة وعشرون والأذرع المعمولة خمسة وخمسة في خمسة وعشرين بمائة وخمسة وعشرين وذلك ما عمله ونسبته إلى الألف نسبة الثمن فيستحق الثمن\rوأما الصندوق فمن حيث إنه ليس فيه نقر يكون قد استؤجر على ستة ألواح وذلك دائره أربعة وقعره وغطاؤه وكل لوح منها عشرة في عشرة فهو مائة ذراع والألواح ستة فالمستأجر عليه ستمائة ذراع عمل ستة في خمسة فيكون كل لوح منها خمسة وعشرين المتحصلة من ضرب خمسة في خمسة وخمسة وعشرون في ستة بمائة وخمسين ونسبتها إلى ستمائة كنسبة الربع فيستحق الربع فظهر بهذا بطلان أن هناك قاعدة إن عمل النصف لا يكون له النصف وأنه لم يكن ثم إلا قاعدة واحدة وهي أن كل من عمل النصف فله النصف لا محالة ا ه\rقال الأصل وهاتان المسألتان أعني مسألتي البئر والصندوق من أبدع ما يلقى في مسائل المطارحات على الفقهاء فتأملهما\r","part":4,"page":37},{"id":1268,"text":"فكم يخفى على الفقيه والحاكم الحق في المسائل الكثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم فلم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والمائتان بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ما لا يضمنونه\rوهو أن الهلاك خمسة أقسام يضمن الأجراء المهلوك في قسمين أحدهما ما غرروا فيه بضعف حبل يضمنون قيمته بموضع الهلاك لأنه موضع أثر التفريط ولهم من الكراء بحسابه وقيل بموضع الحمل لأنه منه ابتداء التعدي وثانيهما ما هلك بقولهم من الطعام لا يصدقون فيه لقيام التهمة ولهم الكراء كله لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه لأنهم استحقوه بالعقد ولا يضمنونه في ثلاث أقسام أحدها ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل لم يغرر به أو ذهاب دابة أو سفينة بما فيها فلا ضمان ولا أجرة ولا عليه أن يأتي بمثله ليحمله قاله مالك وقال غيره ما هلك بعثار كالهالك بأمر سماوي\rوقال ابن نافع لرب السفينة بحساب ما بلغت وثانيها ما هلك بأمر سماوي بالبينة فله الكراء كله وعليه حمل مثله من موضع الهلاك لأن أجزاء المنفعة مضمونة عليه وثالثها ما هلك بأيديهم من العروض يصدقون فيه لعدم التهمة ولهم الكراء كله وعليهم حمل مثله من موضع الهلاك لأنهم لما صدقوا أشبه ما هلك بأمر سماوي\rوقال ابن حبيب لهم من الكراء بحسب ما بلغوا ويفسخ الكراء لأنه لما كان لا يعلم إلا من قولهم أشبه ما هلك بعثار وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد أن الضمان عند الفقهاء على وجهين أحدهما ما كان بالتعدي وهو أن مالكا جعل عثار الدابة لو كانت عثورا تعديا من صاحب الدابة يضمن بها الحمل وكذلك إن كانت الحبال رثة\r","part":4,"page":38},{"id":1269,"text":"وثانيهما ما كان لمكان المصلحة وحفظ الأموال وهو ضمان الصناع وذلك أنه لا خلاف عندهم أن الأجير ليس بضامن لما هلك عنده مما استؤجر عليه إلا أن يتعدى ما عدا حامل الطعام والطحان فإن مالكا ضمنه ما هلك عنده إلا أن تقوم له بينة على هلاكه من غير سببه ومشهور مالك في صاحب الحمام أنه لا يضمن\rوقد قيل يضمن وشذ أشهب فضمن الصناع ما قامت البينة على هلاكه عندهم من غير تعد منهم ولا تفريط وأما ما ادعوا هلاكه من المصنوعات المدفوعة إليهم فإنهم اختلفوا في تضمينهم فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف يضمنون ما هلك عندهم\rوقال أبو حنيفة لا يضمن من عمل بغير أجر ولا الخاص ويضمن المشترك ومن عمل بأجر وللشافعي قولان في المشترك والخاص عندهم هو الذي يعمل في منزل المستأجر وقيل هو الذي لم ينتصب للناس وهو مذهب مالك في الخاص وهو عنده غير ضامن وتحصيل مذهب مالك على هذا أن الصانع المشترك يضمن سواء عمل بأجر أو بغير أجر وبتضمين الصناع قال علي وعمر وإن كان قد اختلف عن علي في ذلك وعمدة من لم ير الضمان عليهم أنه شبه الصانع بالمودع عنده والشريك والوكيل وأجير الغنم ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة وسد الذريعة\rوأما من فرق بين أن يعملوا بأجر أو لا يعملوا بأجر فلأن العامل بغير أجر إنما قبض المعمول لمنفعة صاحبه فقط فأشبه المودع وإذا قبضها بأجر فالمنفعة لكليهما فغلبت منفعة القابض فأشبه القرض والعارية عند الشافعي وكذلك أيضا من ينصب نفسه لم يكن في تضمينه سد ذريعة ولا خلاف أن الصناع لا يضمنون ما لم يقبضوا في منازلهم واختلف أصحاب مالك إذا قامت البينة على هلاك المصنوع وسقط الضمان عنهم هل تجب لهم الأجرة أم لا إذا كان هلاكه بعد إتمام الصنعة أو بعد تمام بعضها فقال ابن القاسم لا أجرة لهم\r","part":4,"page":39},{"id":1270,"text":"وقال ابن المواز لهم الأجرة ووجه ما قال ابن المواز أن المصيبة إذا نزلت بالمستأجر فوجب أن لا يمضي عمل الصانع باطلا ووجه ما قال ابن القاسم أن الأجرة إنما استوجبت في مقابلة العمل فأشبه ذلك إذا هلك بتفريط من الأجير\rوقول ابن المواز أقيس وقول ابن القاسم أكثر نظرا إلى المصلحة لأنه رأى أن يشتركوا في المصيبة ومن هذا الباب اختلافهم في ضمان صاحب السفينة فقال مالك لا ضمان عليه وقال أبو حنيفة عليه إلا من الموج\rوأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما أتى على أيديهم من خرق أو كسر في المصنوع أو قطع إذا عمله في حانوته وإن كان صاحبه قاعدا معه إلا فيما كان فيه تغرير من الأعمال مثل ثقب الجوهر ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران والطبيب يموت العليل من معالجته وكذلك البيطار إلا أن يعلم أنه تعدى فيضمن حينئذ\rوأما الطبيب وما أشبهه إذا أخطأ في فعله وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس والدية على العاقلة فيما فوق الثلث وفي ماله فيما دون الثلث وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية قيل في ماله وقيل على العاقلة ومسائل هذا الباب كثيرة ا ه\rالمحتاج إليه منه مع بعض إصلاح والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":40},{"id":1271,"text":"الفرق الثامن والمائتان بين قاعدة ما يمنع فيه الجهالة وبين قاعدة ما يشترط فيه الجهالة بحيث لو فقدت فيه الجهالة فسد اعلم أن الأصل في الشريعة أن الوصف يبعد اقتضاؤه للضدين أو النقيضين فإذا ناسب حكما نافى ضده وقد يناسب الوصف الإثبات والنفي أو الضدين ويترتبان عليه في الشريعة وهو وإن كان قليلا في الفقه إلا أنهم جعلوه قاعدة شرعية تعرف عندهم بجمع الفرق وضابطها أن كل معين يوجب مصلحة أو مفسدة في محل وباعتبار نسبة ويوجب نقيضها في محل آخر وباعتبار نسبة أخرى فإنه يوجب الضدين وسمي بجمع الفرق لأنه يجمع المفرقات وهي الأضداد وله نظائر منها الحجر فإنه عبارة عن صون مال المحجور عليه على مصالحه وهو يقتضي رد تصرفاته في حالة حياته وتنفيذها بوصاياه لأنا لو رددنا الوصايا لحصل المال للوارث ولم ينتفع به المحجور عليه ومنها القرابة للمكلف توجب برهم بدفع ماله لهم إذا كان غير زكاة وتوجب منعهم من دفع ماله إذا كان زكاة فيحرموا إياها وتعطى لغيرهم بسبب القرابة ومنها أقرباء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يجب برهم بسد خلاتهم بالمال إذا كان غير زكاة ويحرم دفع المال إليهم إذا كان زكاة فصار قربهم من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوجب دفع المال ومنع المال باعتبار مالين ونسبتين ومنها الجهالة وجودها يوجب في البياعات\rوأكثر أنواع الإجارات الإخلال بمصالح العقود فكانت في ذلك مانعة ويوجب في قسم من الإجارات وهو الأعمال في الأعيان كخياطة الثياب ونحوها\r","part":4,"page":41},{"id":1272,"text":"وفي الجعالة تحصيل مصلحة عقد ذلك القسم من الإجارات وعقد الجعالة فكانت في ذلك شرطا بحيث لو فقدت فيه فسد فلا يجوز أن يعين زمان الخياطة بأن يقول له اليوم مثلا بل يفسد العقد بذلك لأنه يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم بل مصلحته ونفي الغرر عنه أن يبقى مطلقا ولا يجوز أن يكون العمل في الجعالة محدودا معلوما لأن ذلك يوجب الغرر في العمل وذلك لأنا إذا قيدنا عليه العمل وقدرناه معلوما فإذا فعل ذلك العمل المعلوم ولم يجد الآبق في ذلك الوقت ولا بذلك السفر المعلوم ذهب عمله مجانا فضاعت مصلحة العقد فلذا كان نفي الغرر عن الجعالة بحصول الجهالة فيها وبالجملة فالجعالة في هذين القسمين شرط وإن كانت في غيرهما مانعا قال التسولي عند قول ابن عاصم في فصل ولا يحد بزمان لائق ما نصه أي لا يجوز أن يؤجل عمل الجعل بأجل ولا يقدر بزمن كيوم أو عشرة مثلا لأنه لا ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب سعيه باطلا قال خليل في مختصره بلا تقدير زمن إلا بشرط ترك متى شاء فيجوز حينئذ ضرب الأجل فيه كما مر وذلك لأنه مع عدم الشرط دخل على التمام فقوي الغرر بسبب ذلك مع ضرب الأجل بخلاف ما إذا شرط الترك متى شاء مع الأجل فقد دخل على التخيير فخف بذلك الغرر\rوقال فيما مر فالجعالة تفارق الإجارة من وجوه فمنها إن ضرب الأجل يفسدها إلا أن يشترط المجهول الترك متى شاء بخلاف الإجارة فلا تصح بدون أجل ومنها أنها عقد غير لازم بخلاف الإجارة فإنها تلزم بالعقد ومنها أنه لا شيء له إلا بتمام العمل بخلاف الإجارة فإن له فيها بحساب ما عمل ا ه\rالمحتاج إليه منه\r","part":4,"page":42},{"id":1273,"text":"وقال عند قوله في فصل أحكام الإجارة العمل المعلوم من تعيينه يجوز فيه الأجر مع تبيينه وللأجير أجرة مكمله إن تم أو بقدر ما قد عمله إن العمل المعلوم من أجل تعين حده بالعمل أو بالأجل وذكر صفته فالأول كقوله أؤاجرك على صبغ هذا الثوب أو دبغ هذا الجلد أو خياطة هذا الثوب وبين له صفة الصبغ والدبغ والخياطة والثاني كقوله أؤاجرك على بناء يوم أو خياطة شهر أو حراثة يومين ونحو ذلك فالعمل الذي هو الدبغ والصبغ ونحوهما لا بد أن يكون معلوما لهما ولا بد أيضا أن يكون محدودا\rإما بالفراغ منه كخياطة ثوب وطحن إردب وإما بضرب أجل كخياطة يوم أو صبغه أو دبغه أو طحنه فالمصنوعات إما أن تحدد بالفراغ أو بالأجل وغيرها كالرعاية والخدمة المعروفة ونحوهما يحد بضرب الأجل لا غير فإن جمع بين الأجل والعمل كقوله خط هذا الثوب في هذا اليوم بدرهم أو أكتري منك دابتك لتركبها إلى محل كذا في هذا اليوم أو أؤاجرك لتوصل الكتاب لمحل كذا في هذا اليوم أو الشهر بدرهم فهل تفسد مطلقا أو إنما تفسد إن كان الأجل مساويا للعمل أو أنقص منه لا إن كان الأجل أكثر من العمل فلا تفسد فيه خلاف خليل وهل تفسد إن جمعهما وتساوي أو مطلقا خلاف ومن ذلك الاستئجار على بيع ثوب مثلا لكن لما لم يكن البيع في مقدور الأجير كان جعالة إن حده بالعمل وهو تمام العمل وإجارة إن حده بالزمن ويستحق أجره بمضي الزمن حينئذ وإن لم يبع ا ه\rالمحتاج إليه منه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والمائتان بين قاعدة ما مصلحته من العقود في اللزوم وبين قاعدة ما مصلحته منها في عدم اللزوم\r","part":4,"page":43},{"id":1274,"text":"اعلم أن الأصل في العقد اللزوم لأنه إنما شرع لتحصيل المقصود من المعقود به أو المعقود عليه ودفع الحاجات والمناسب لذلك هو اللزوم إلا أن العقود مع هذا الأصل بالنسبة إلى لزومها بالقول وعدم لزومها به على ثلاثة أقسام ما يلزم اتفاقا أو على الراجح وهو أربعة النكاح والبيع والكراء والمساقاة وما لا يلزم به وهو أربعة الجعل والقراض والتوكيل والتحكيم وما هو مختلف فيه هل يلزم به أم لا وفي ذلك يقول ابن غازي أربعة بالقول عقدها فرا بيع نكاح وسقاء وكرا لا الجعل والقراض والتوكيل والحكم بالفعل بها كفيل لكن في الغراس والمزارعه والشركات بينهم منازعه وفرا آخر الشطر الأول بالفاء بمعنى قطع ومنه فرى الأوداج أي قطعها كما في شرح التاودي والتسولي على العاصمية فالقسم الأول جرى على الأصل المذكور اتفاقا كما في غير المساقاة من الأربعة المذكورة في نظم ابن غازي وعلى الراجح كما في المساقاة قال ابن عرفة وفيما يلزم به أربعة أقوال الأول العقد وهو نقل الأكثر عن المذهب ومذهب المدونة والثاني الشروع وهو قول أشهب والمتيطي والصقلي والثالث حوز المساقى فيه وهو ما حكاه الباجي عن بعض القرويين من أنه لو مات قبل الحوز بطلت المساقاة وليس كالعقود اللازمة\rوإن لم تقبض ولعله تعلق بما روي في عين السقي تغور إن كان قبل العمل فلا شيء على رب الحائط وإن كان بعده لزمه أن ينفق بقدر ما يقع له من الثمرة قلت ظاهره إن غارت بعد العمل لزم رب الحائط أن ينفق بقدر حظه وهو خلاف قولها في أكرية الدور من أخذ نخلا مساقاة فغار ماؤها بعد أن سقى فله أن ينفق فيها بقدر حظ رب النخل من ثمرته تلك السنة وهذا إنما هو بالعمل لا بالجواز والرابع أولها لازم وآخرها كالجعل إذا عجز وترك قبل تمامها فلا شيء له وهو قول سحنون كما حكاه عنه اللخمي لكن هذا حكم العجز على القول الأول لا قول غير الأول وإن كان هو مقتضى كلام اللخمي ا ه\r","part":4,"page":44},{"id":1275,"text":"كلام ابن عرفة بتصرف قال الرهوني وكنون فالمسلم عنده إنما هو القول الأول والثاني ا ه\rقال الأصل وهذا القسم كالبيع والإجارة والنكاح والهبة والصدقة وعقود الولايات فإن التصرف المقصود بالعقد عقيب العقد ا ه\rوالقسم الثاني قال الأصل لا يستلزم مصلحة مع اللزوم بل مع الجواز وعدم اللزوم وهو خمسة عقود الجعالة والقراض والمغارسة والوكالة وتحكيم الحاكم ما لم يشرع في الحكومة فاشترك الجميع في عدم انضباط العقد بحصول مقصوده فكان الجميع على الجواز\rأما الجعالة فلأنها لو شرعت لازمة مع أنه قد يطلع على فرط بعد مكان الآبق أو عدمه مع دخوله على الجهالة بمكانه فيؤدي ذلك لضرورة فجعلت جائزة لئلا تجمع الجهالة بالمكان واللزوم وهما متنافيان\rوأما القراض فلأن حصول الربح فيه مجهول فقد يتصل به أن السلع متعذرة أو لا يحصل فيه ربح فإلزامه بالسفر مضرة بغير حكمة ولا يحصل مقصود العقد الذي هو الربح وأما المغارسة وهي كما في التوضيح أن يعطي الرجل أرضه لمن يغرس فيها عددا من الأشجار فإذا بلغت كذا وكذا كانت الأرض والأشجار بينهما ا ه\rفلأنها مجهولة العاقبة في ثبات الشجر وجودة الأرض ومؤنات الأسباب على مؤنات الشجر مع طول الأيام فقد يطلع على تعذر ذلك أو فرط بعده فإلزامه بالعمل ضرر من غير حصول المقصود وأما الوكالة فقد يطلع فيما وكل عليه على تعذر أو ضرر فجعلت على الجواز وأما تحكيم الحاكم فلأنه خطر على المحكوم عليه لما فيه من اللزوم إذا حكم وقد يطلع الخصمان على سوء العاقبة في ذلك فنفيا للضرر عنهما لم يشرع اللزوم في حقيهما ا ه\r","part":4,"page":45},{"id":1276,"text":"كلام الأصل بزيادة والقسم الثالث أهمله الأصل بل عد المغارسة التي جعلها ابن غازي منه وتبعه التاودي والتسولي من القسم الثاني وحصره في خمسة عقود المغارسة مع الأربعة التي في نظم ابن غازي ولم يحصر القسم الأول في الأربعة التي حصره فيها ابن غازي بل زاد عليها الهبة والصدقة وعقود الولايات وأدخل بالكاف المزارعة والشركات كما أدخل بها المساقاة وصحح العلامة ابن الشاط كلامه حتى صار مقتضى كلامهما أن الذي ترجح عندهما من المنازعة في المغارسة قول بعدم اللزوم بالقول وفي المزارعة والشركات القول باللزوم بالقول وكذلك في الهبة والصدقة وعقود الولايات فإن مفاد كلام\rالتاودي والتسولي أنها من القسم الثالث لتصريحهما بحصر الأول وكذا الثاني في أربعة دون الثالث فتأمل ذلك والله أعلم\rالفرق العاشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من القراض الفاسد إلى قراض المثل وبين قاعدة ما يرد منه إلى أجرة المثل\rالقراض قال ابن عرفة هو تمكين مال لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ إجارة قال ابن عاصم والنقد والحضور والتعيين من شرطه ويمنع التضمين ولا يسوغ جعله إلى أجل وفسخه مستوجب إذا نزل ولا يجوز شرط شيء ينفرد به من الربح وإن يقع يرد قال التسولي في شرحه عليه ذكر الناظم من شروط القراض ثلاثة النقد والحضور والتعيين ومن الموانع ثلاثة الضمان والأجل واشتراط شيء ينفرد به أحدهما والشرط ما يطلب وجوده والمانع ما يطلب عدمه\rوقد بقي عليه شروط أخر وموانع أخر انظرها في خليل وغيره ا ه","part":4,"page":46},{"id":1277,"text":"والأصل في فاسده الرد إلى قراض المثل كسائر أبواب الفقه ولأنه العمل الذي دخل عليه إلا أن صاحب القبس حكى فيه خمسة أقوال الأول عن مالك الرد إلى قراض المثل مطلقا جريا على الأصل المذكور الثاني عن الشافعي وأبي حنيفة وعبد الملك الرد إلى الأجرة مطلقا نظرا لاستيفاء العمل بغير عقد صحيح وإلغاء الفاسد بالكلية والثالث عن ابن القاسم إن كان الفساد في العقد فقراض المثل أو لزيادة فأجرة المثل الرابع عن محمد بن المواز الأقل من قراض المثل والمسمى\rوالخامس تفصيل ابن القاسم الذي ذكره عياض في التنبيهات حيث قال مذهب المدونة إن الفاسد من القراض يرد إلى أجرة مثله إلا في تسع مسائل القراض بالعروض وإلى أجل وعلى الضمان والمبهم وبدين يقتضيه من أجنبي وعلى شرك في\rالمال وعلى أنه لا يشتري إلا بالدين فاشترى بالنقد وعلى أنه لا يشتري إلا سلعة معينة لما لا يكثر وجوده فاشترى غيرها وعلى أن يشتري عبد فلان بمال القراض ثم يبيعه ويتجر بثمنه قال الأصل ولحق بالتسعة عاشرة من غير الفاسد ففي الكتاب أي المدونة إذا اختلفا أي في الربح وأتيا بما لا يشبه له قراض المثل والضابط كل منفعة اشترطها أحدهما على صاحبه ليست خارجة عن المال ولا خالفته فهي لمشترطها ومتى كانت خارجة عن المال أو كانت غررا حراما فأجرة المثل فعلى هذه الأمور الثلاثة تدور المسائل قال وقال بعض الأصحاب وضابطها كل ما يشترط فيه رب المال على العامل أمرا قصره به على نظره أو يشترط زيادة لنفسه أو شرطها العامل لنفسه فأجرة المثل وإلا فقراض المثل\r","part":4,"page":47},{"id":1278,"text":"ومنشأ الخلاف أمران أحدهما أن المستثنيات من العقود إذا فسدت هل ترد إلى صحيح أنفسها وهو الأصل كفاسد البيع أو إلى صحيح أصلها لأن المستثنى إنما استثني لأجل مصلحته الشرعية المعتبرة في العقد الصحيح فإذا لم توجد تلك المصلحة بطل الاستثناء ولم يبق إلا الأصل فيرد إليه والشرع لم يستثن الفاسد فهو مبني على العدم وله أصل يرجع إليه وسر الفرق بينه وبين البيع أن البيع ليس له أصل آخر يرجع إليه بخلاف القراض الأمر الثاني أن أسباب الفساد إذا تأكدت في القراض أو غيره بطلت حقيقة المستثنى بالكلية فتتعين الإجارة وإذا لم تتأكد اعتبرنا القراض ثم بقي النظر بعد ذلك في المفسد هل هو متأكد أم لا نظرا في تحقيق المناط قال\rوقد نظم بعضهم مسائل ابن القاسم فقال وأجرة مثل في القراض تعينت سوى تسعة قد خالف الشرع حكمه قراض عروض واشتراط ضمانه وتحديد وقت والتباس يعمه\rوأن شرطا في المال شركا لعامل وأن يشتري بالدين فاختل رسمه وأن يشتري غير المعين للشرا وأعط قراض المثل من حال غرمه وأن يقتضي الدين الذي عند غيره ويتجر فيه عاملا لا يذمه وأن يشتري عبدا لزيد يبيعه ويتجر فيما ابتاعه ويلمه ا ه\r","part":4,"page":48},{"id":1279,"text":"كلام الأصل قال التاودي في شرحه على العاصمية وفيما يجب لعامل القراض عند فساده ثلاث روايات كما في ابن الحاجب عن مالك فروى عنه أشهب أن الواجب قراض المثل وروى غيره أجرة المثل والفرق بين أجرة المثل وقراض المثل من جهتين الأولى أجر المثل في الذمة وقراض المثل في الربح فإن لم يكن فلا شيء والثانية أجرة المثل يحاصص بها الغرماء وقراض المثل يقدم فيه عليهم والثالثة بالتفصيل بين ما يرد لأجرة المثل وما يرد لقراض المثل به ثم اختلف فقيل التفصيل بالحد وقيل بالعد وعليه اقتصر خليل في مختصره وفي القراض بالعروض أو من وكل على دين أو ليصرف ثم يعمل فأجرة مثله في توليه ثم قراض مثله في ربحه كلك شرك ولا عادة أو مبهم أو أجل أو اشتر سلعة فلان ثم اتجر في ثمنها أو بدين أو ما يقل كاختلافهما في الربح وادعيا ما لا يشبه وفيما فسد غيره أجرة مثله في الذمة ونظم ذلك بعضهم فقال لكل قراض فاسد أجر مثله سوى تسعة قد فصلت ببيان قراض بدين أو بعرض ومبهم وبالشرك والتأجيل أو بضمان ولا يشتري إلا بدين فيشتري بنقد وأن يبتاع عقد فلان ويتجر في أثمانه بعد بيعه فهذي إن عدت تمام ثمان ولا يشتري ما لا يقل وجوده فيشري سواه اسمع لحسن بيان كذا ذكر القاضي عياض وإنه خبير بما يروي فصيح لسان وزيدت عاشرة فقال ابن غازي والحق بها ترك الشراء لبلدة بقيد به أضحى مقود جران يشير به لقول مالك في المدونة أيعطيه المال ويقود كما يقود البعير ا ه\rكلام التاودي ببعض تصرف ويتحصل من كلامه وكلام الأصل أمور\rالأول\r","part":4,"page":49},{"id":1280,"text":"أن القول الأول الذي حكاه في القبس عن مالك هو رواية أشهب عنه والثاني الذي حكاه عن الشافعي وأبي حنيفة وعبد الملك هو مروي عن مالك أيضا وأن الثالث والخامس هما رواية ابن القاسم عن مالك التفصيل وإما بالحد أو بالعد وأن الربع لم يرو عن مالك بل حكاه في القبس عن محمد الأمر الثاني أن المعتمد في المذهب من الأقوال الخمسة المذكورة هو رواية ابن القاسم عن مالك التفصيل لكن بخصوص العد لأنه الذي اقتصر عليه خليل في مختصره وسلمه من كتب عليه من المحققين وإن اقتصر ابن عاصم على القولين الأولين حيث قال\rوأجر مثل أو قراض مثل لعامل عند فساد الأصل الأمر الثالث أن المسألة العاشرة التي ألحقها الأصل بالتسعة غير العاشرة التي ألحقها ابن غازي بها فإن عاشرة الأصل من غير الفاسد وهي ما في قول خليل كاختلافهما في الربح وادعيا ما لا يشبه وعاشر ابن غازي من الفاسد وعليه فالملحق مسألتان وجملة المسائل التي يجب فيها للعامل قراض المثل إحدى عشرة وما عداها يجب فيه له أجرة المثل\rوقد نظمت عاشرة الأصل بقولي والحق بهذي الاختلاف بربحه وما ادعيا شبها جرى بزمان وفي شرح التسولي على العاصمية نصه ما ذكر ابن مغيث وصاحب النهاية أن العمل جرى بقراض المثل في أربعة فقط وهي القراض بالعروض أو بالجزء المبهم أو إلى أجل أو بضمان ويجمعها قولك ضمن العروض إلى أجل مبهم وما عدا هذه لأربع فيه أجرة المثل وذكر البرزلي عن ابن يونس أن كل ما يرجع لقراض المثل يفسخ ما لم يشرع في العمل فيمضي وكذا المساقاة وكل ما يرجع إلى أجر المثل بفسخ أبدا ا ه\rبلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي عشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من المساقاة الفاسدة إلى قراض المثل وبين ما يرد منها إلى أجرة المثل المساقاة قال ابن عرفة هي عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا غير غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل فيدخل قولها لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل ومساقاة البعل ا ه","part":4,"page":50},{"id":1281,"text":"وهي مستثناة من المخابرة أي كراء الأرض بما يخرج منها عياض ولا تنعقد عند ابن القاسم إلا بلفظها خليل بساقيتك سحنون بما يدل ا ه\rتاودي على العاصمية وفي التسولي على العاصمية قال أبو الحسن المساقاة تجوز بثمانية شروط أولها أنها لا تصح إلا في أصل بثمر أو ما في معناه من ذوات الأزهار والأوراق المنتفع بها كالورد والآس يعني الريحان ثانيها\rأن تكون قبل طيب الثمرة وجواز بيعها وثالثها أن تكون إلى مدة معلومة ما لم تطل جدا أو إلى الجذاذ إذا لم يؤجلا رابعها أن تكون بلفظ المساقاة لأن الرخص تفتقر إلى ألفاظ تختص بها خامسها أن تكون بجزء مشاع لا على عدد من آصع أو أوسق سادسها أن يكون العمل كله على العامل سابعها أن لا يشترط أحدهما من الثمرة ولا من غيرها شيئا معينا خاصا بنفسه ثامنها أن لا يشترط على العامل أشياء خارجة عن الثمار أو متعلقة بالثمرة ولكن تبقى بعد الثمرة مما له قدر وبال ا ه\rوزاد بعضهم تاسعا وهو أن يكون الشجر مما لا يخلف ا ه\r","part":4,"page":51},{"id":1282,"text":"وقد تقدم عن التاودي ما في الشرط الرابع من الخلاف والأصل في فاسدها الرد إلى مساقاة المثل كما مر في القراض إلا أنهم خصوا هذا الأصل بمسائل قال أبو الطاهر في كتاب النظائر يرد العامل إلى أجرة المثل إلا في خمس مسائل فله مساقاة المثل إذا ساقاه على حائط فيه ثمر قد أطعم وإذا شرط العمل معه واجتماعها مع البيع ومساقاة سنتين على جزأين مختلفين وإذا اختلفا وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما أو نكلا وقد نظمها بعضهم فقال وأجرة مثل في المساقاة عينت سوى خمسة قد خالف الشرع حكمها مساقاة إبان بدو صلاحها وجزءان في عامين شرط يعمها وإن شرط الساقي على مالك له مساعدة والبيع معها يضمها وإن حلفا في الخلف من غير شبهة أو اجتنبا الأيمان والجزم ذمها كما في الأصل ونص خليل في مختصره وفسخت فاسدة بلا عمل أو في أثنائه أو بعد سنة من أكثر إن وجبت أجرة المثل وبعده أجرة المثل إن خرجا عنها كأن ازداد عينا أو عرضا وإلا فمساقاة المثل ا ه\r","part":4,"page":52},{"id":1283,"text":"يعني أن المساقاة إذا وقعت فاسدة لأجل خلل بركن أو شرط أو وجود مانع فإن عثر عليها قبل شروع العامل في العمل وجب فسخها مطلقا وإن عثر عليها في أثناء العمل أو بعد سنة من أكثر منها فإنها تفسخ ويكون للعامل أجرة المثل فيما عمل أي له بحساب ما عمل كالإجارة الفاسدة إن وجبت له أجرة المثل أما إن وجب له مساقاة المثل فإنما يفسخ ما لم يعمل فإذا فات بابتداء العمل بما له بال لم تفسخ المساقاة إلى انقضاء أمدها وكان فيما بقي من الأعوام على مساقاة مثله للضرورة لأنه لا يدفع للعامل نصيبه إلا من الثمرة فلو فسخت لزم أن لا يكون له شيء لما علمت أن المساقاة كالجعل لا تستحق إلا بتمام العمل وإن اطلع على فسادها بعد الفراغ من العمل فإن خرجا عن المساقاة إلى الإجارة الفاسدة أو إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها كأن زاد رب الحائط عينا أو عرضا من عنده وجب للعامل أجرة المثل وإن لم يخرجا عنها إلى ذلك وجب له مساقاة المثل ثم ذكر خليل المسائل التي تجب فيها له مساقاة المثل وعدها تسعا فقال كمساقاة مع ثمر أطعم أو مع بيع أو اشترط عمل ربه أو دابة أو غلام وهو صغير أو حمله لمنزله أو يكفيه مؤنة آخر أو اختلف الجزء\rبسنين أو حوائط ا ه\rالمسألة الأولى\rأن يساقيه على حائطين أحدهما قد أطعم ثمره والآخر لم يطعم أو يساقيه على حائط واحد فيه ثمر قد أطعم وفيه ثمر لم يطعم وليس تبعا لأنه بيع ثمر مجهول بشيء مجهول لا يقال أصل المساقاة كذلك لأنا نقول خرجت من أصل فاسد لا يتناول هذا فبقي على أصله\rالمسألة الثانية أن تجتمع مع بيع كأن يبيعه سلعة مع المساقاة ومثل البيع الإجارة وما أشبه ذلك مما يمتنع اجتماعه مع المساقاة قاله بعضهم بلفظ ينبغي\rالمسألة الثالثة إذا اشترط العامل على رب الحائط أن يعمل معه في الحائط لجولان يده على حائطه وأما لو كان المشترط رب الحائط ففيه أجرة المثل\r","part":4,"page":53},{"id":1284,"text":"المسألة الرابعة إذا اشترط العامل عمل دابة رب الحائط والحال أن الحائط صغير المسألة الخامسة إذا اشترط العامل عمل غلام رب الحائط والحال أن الحائط صغير لأنها حينئذ زيادة على رب الحائط ويجوز ذلك إذا كان الحائط كبيرا وفي شرح الشبرخيتي والظاهر الفساد في الرابعة والخامسة ولو أسقط الشرط المسألة السادسة إذا اشترط رب الحائط على العامل عند عقد المساقاة أن يحمل ما يخصه من الثمرة من الأندر إلى منزله للعلة السابقة وهذا إذا كان فيه بعد ومشقة وإلا جاز وكذلك لو اشترط العامل على رب الحائط أن يحمل ما يخصه إلى منزله أو اشترط رب الحائط على العامل ذلك كان له مساقاة مثله ما لم تكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان الشرط للمساقى بفتح القاف أو أقل وإن كان الشرط للمساقي بكسر القاف كما في المقدمات المسألة السابعة إذا اشترط رب الحائط على العامل أن يكفيه مؤنة حائط آخر بأن يعمل نفسه بغير عوض أو بكراء فإن وقع وفات بالعمل فللعامل مساقاة مثله وفي الحائط الآخر أجرة مثله المسألة الثامنة إذا ساقاه على حائط واحد سنين معلومة سنة على النصف وسنة على الثلث وسنة على الربع ولعل المراد بالجمع ما زاد على سنة واحدة المسألة التاسعة إذا ساقاه على حوائط صفقة واحدة حائط على النصف وآخر على الثلث مثلا لاحتمال أن يثمر أحدهما دون الآخر وأما في صفقات فتجوز المساقاة ولو مع اختلاف الجزء ولعل المراد بالجمع ما فوق الواحد ثم ألحق بالتسعة عاشرة المساقاة فيها صحيحة مشبها لها في الرجوع إلى مساقاة المثل فقال كاختلافهما ولم يشبها ا ه\r","part":4,"page":54},{"id":1285,"text":"والمعنى أنهما إذا اختلفا بعد العمل في الجزء المشترط للعامل فقال دخلنا على النصف مثلا وقال رب الحائط بل على الربع مثلا والحال أنهما لم يشبه واحد منهما فإنهما يتحالفان أي يحلف كل على ما يدعيه مع نفي دعوى صاحبه ويرد العامل لمساقاة مثله ومثله إذا نكلا ويقضى للحالف على الناكل فإن أشبها معا فالقول للعامل مع يمينه فإن انفرد رب الحائط بالشبه فالقول قوله مع يمينه وأما إن اختلفا قبل فإنهما يتحالفان ويتفاسخان ولا ينظر لشبه ولا عدمه ونكولهما كحلفها وهذا بخلاف القراض فإنه لا تحالف فيه بل العامل يرد المال لأن القراض عقد جائز غير لازم ا ه\rخرشي بتلخيص وزيادة من العدوي عليه وقد نظمت المسائل التسع وألحقت العاشرة بها فقلت وأجرة مثل في المساقاة إن عرا فساد سوى تسع ففيها تقررا\rمساقاة مثل إن مع البيع أو ثمر غدا مطعما عقد المساقاة قررا وإن يك شرطا صنع رب بحائط كذا من غلام في صغير تحررا كذلك إن من دابة في صغيرة غدا الشرط أو حملا لمنزله جرى كذا إن غدا شرطا كفاية آخر أو الخلف في جزء بعامين صورا كذا إن جرى في حائطين بصفقة والحق بذي أن يحلفا عندما انبرا بلا شبهة خلف بجزء لعامل أو اجتنبا الأيمان في ذا بلا مرا قال في الأصل وسر الفرق أي بين ما يرد لأجرة المثل وما يرد لمساقاة المثل ما تقدم في القراض أي من الضابطين الذي ذكره هو والذي حكاه عن بعض الأصحاب ومن الأمرين اللذين ذكرهما في منشأ الخلاف قال والقواعد واحدة بينهما أي بين الفرض أو المساقاة فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني عشر والمائتان بين قاعدة الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية\rقال العلامة المحقق ابن الشاط ما خلاصته إن الصحيح أنه لا فرق بين الأمرين والدليل على ذلك أمور منها ما هو معلوم لا شك فيه من أن من ملك موضعا له أن يبني فيه ويرفع فيه البناء ما شاء ما لم يضر","part":4,"page":55},{"id":1286,"text":"بغيره وأن له أن يحفر فيه ما شاء ويعمق ما شاء إن لم يضر بغيره وإذا كانت القاعدة الشرعية أن لا يملك إلا ما فيه الحاجة فإن قيل لا حاجة فيما تحت الأبنية من تخوم الأرض فلا يشرع فيه الملك قلنا أي حاجة في البلوغ إلى عنان السماء وإن قيل إن البلوغ إلى عنان السماء مما فيه الحاجة فيملك بخلاف ما تحت الأبنية من تخوم الأرض فإن الدواعي لا تتوفر فيه على أكثر مما يتمسك به البناء من الأساسات فلا يملك إلا ما ألجأت الضرورة إليه قلنا ليس بصحيح كيف\rوقد توفرت دواعي كثير من الناس على أكثر مما ذكر كحفر الأرض للجبوب والمصانع والآبار العميقة فما المانع من ملك ما تحت البناء لنحو ما ذكر من حفر بئر يعمقها حافرها ما شاء ومنها أن من أراد أن يحفر مطمورة تحت ملك غيره يتوصل إليها من ملك نفسه يمنع من ذلك بلا ريب ولا خلاف فلو كان ما تحت الأبنية ليس له حكم الأبنية بل هو باق على حكم قبوله للإحياء لما منع من ذلك ومنها أن فيما ورد عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين بلا ريب إشعارا بملك ما تحت الشبر من الأرضين من جهة أن القاعدة أن العقوبة تكون بقدر الجناية وما قيل من أنه لا يلزم من العقوبة به أن يكون مملوكا لغير الله تعالى لا يدفع ذلك الإشعار نعم ظاهر المذهب أن ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية إلى جهة السفل مخالف لحكم الأبنية\rأما أولا فلأن صاحب الطراز قد نص على أن المسجد إذا حفر تحته مطمورة يجوز أن يعبره الجنب والحائض وقال لو أجزنا الصلاة في الكعبة وعلى ظهرها لم نجزها في مطمورة تحتها ا ه\r","part":4,"page":56},{"id":1287,"text":"وأما ثانيا فلأنهم اختلفوا فيمن ملك أرضا هل يملك ما فيها وما تحتها أم لا وأما الأهوية فقد اتفقوا فيها على قاعدة أن حكمها تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف وهواء الطلق طلق وهواء الموات موات وهواء المملوك مملوك وهواء المسجد له حكم المسجد فلا يقربه الجنب والحائض ومن ثم لم يختلفوا في ملك ما فوق البناء من الهواء اختلافهم في ملك ما تحته من تخوم الأرض بل قد نص أصحابنا على بيع الهواء لمن ينتفع به ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع بيع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان السماء لمن أراد غرز خشب حولها ليجعل على رءوس الخشب سقفا عليه بناء وأن يمنع إخراج الرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طريق المسلمين وإن لم تكن مستدة إلا أن يرضى أهلها كلهم أو يقتصر على ما تلجئ الضرورة إليه والمحكم في ذلك العادة فيكون قول صاحب الجواهر يجوز إخراج الرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طريق المسلمين إذا لم تكن مستدة فإذا كانت مستدة امتنع إلا أن يرضى أهلها كلهم ا ه\rموضع نظر فهذا كله لا شك تصريح بمخالفة الأهوية لما تحت الأبنية وأن بينهما فرقا إلا أن سره الذي ذكره الشهاب لم يظهر بل بقي سرا كما كان ا ه\rفتأمل بإمعان لعلك تظفر بسره والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث عشر والمائتان بين قاعدة الأملاك الناشئة عن الإحياء وبين قاعدة الأملاك الناشئة عن غير الإحياء\rبناء على مذهبنا في الإحياء من أنه إذا ذهب الملك وصار مواتا كما كان وكان لغير من أحياه أولا أن يحييه فهو عندنا مخالف لغيره من أسباب الملك القولية فإنها لا يبطل الملك ببطلان أصواتها وانقطاعها وذلك أن الإحياء لما كان من الأسباب الفعلية التي لا ترد إلا على غير ملك سابق ضرورة أنه سبب تملك به المباحات من الأرض كان ضعيفا يذهب الملك الناشئ عنه بذهابه كما يبطل تملك الصيد الحاصل بالاصطياد بتوحشه وتملك السمك برجوعه في النهر وتملك الماء باختلاطه بالنهر وتملك الطير والنحل بانفلاته وتوحشه\r","part":4,"page":57},{"id":1288,"text":"وأما غير الإحياء من الأسباب القولية فإنه لما كان يرد غالبا على مملوك قد تأصل فيه الملك قبله قويت إفادته للملك لاجتماع إفادته مع إفادة ما قبله حتى إن الملك الحاصل به لا ينقض بعد بطلان أصوات تلك الأسباب القولية وانقطاعها\rونظير ذلك أمران\rالأول\rما إذا ورد البيع على الإحياء فإن الملك الحاصل به لا ينتقض بعد ذلك لتظافر الأسباب والثاني تملك الملتقط فإنه لما ورد على ما تقدم فيه الملك وتقرر قوي بحيث لا ينتقض بعود اللقطة إلى حال الالتقاط ويؤكد لك ذلك أن الأسباب القولية ونحوها ترفع ملك الغير كالبيع ونحوه فهي في غاية القوة\rوأما الفعل بمجرده فليس له قوة رفع ملك الغير بل يبطل ذلك الفعل كمن بنى في ملك غيره فلذلك ذهب أثره بذهابه والإقطاع وإن كان سببا قوليا واردا على مملوك للمسلمين إلا أنه بدون الإحياء حكم بدون سبب أو علة فلذا لا يملك بيعه فهو عكس النقيض للذي ادعيناه وهو إبداء العلة التي هي الإحياء بدون حكمها الذي هو استمرار الملك وعدم قصوره لضعفها وعدم بطلان ملك الإقطاع إذا أحيا فيه ببطلان إحيائه إنما هو لتحقق سبب غير الإحياء حينئذ وهو أن الإقطاع حكم من أحكام الأئمة فلا ينقض لأن أحكام الأئمة تصان عن النقض والملك الذي جعله {صلى الله عليه وسلم} للمحيي بقوله من أحيا أرضا ميتة فهي له مرتب على وصف\rالإحياء والقاعدة أن ترتب الحكم على الوصف يدل عليه ذلك الوصف لذلك الحكم فيكون الإحياء سببه وعليته\r","part":4,"page":58},{"id":1289,"text":"والقاعدة أن الحكم ينتفي بانتفاء علته وسببه فهذا الحديث لهاتين القاعدتين إنما يقتضي الملك عند ذلك كما يدعي الخصم على أن قوله {صلى الله عليه وسلم} فهي له لفظ يقتضي مطلق الملك لأن لفظ له ليس من صيغ العموم بل ذلك على أصل ثبوت الملك ولا داع في ثبوت مطلق الملك بالإحياء بل نحن نقول بموجبه أيضا ولا يقتضي الملك بوصف الدوام حتى يحصل به مقصود الخصم إذا علمت هذا ظهر لك اندفاع الإشكال الوارد على مذهبنا في ظاهر الأمر وأنه فقه حسن على القواعد وأن مقابله لم يكن أقوى منه إلا في بادئ الرأي فتأمل كذا قال الأصل\rوأما على مقابل مذهبنا وهو قول سحنون والشافعي رضي الله عنهما لا يزول الملك بزوال الإحياء لوجوه\rالأول\rأنه {صلى الله عليه وسلم} جعل له في الحديث السابق الملك والأصل عدم إبطاله واستصحابه والثاني قياس الإحياء على البيع والهبة وسائر أسباب التمليك والثالث القياس على من تملك لقطة ثم ضاعت منه فإن عودها إلى حال الالتقاط لا يسقط ملك متملكها فلا يسلم الفرق بين الإحياء وغيره من أسباب التمليك قال العلامة ابن الشاط ما خلاصته ومذهب الشافعي أقوى من مذهبنا على الإطلاق لا في بادئ الرأي فقط كما زعم الشهاب لوجهين الأول أن ما قاله في الفرق بينهما مجرد دعوى يقابل\rبمثلها بأن يقال إن الأسباب القولية هي الضعيفة لورودها على ملك سابق فيتعارض الملكان السابق واللاحق\rوأما المملوك بالإحياء فلم يسبقه ما يعارضه فهو أقوى\rالوجه الثاني\r","part":4,"page":59},{"id":1290,"text":"أن ما قاله في الجواب عن الحديث السابق من أنه يدل بسبب القاعدتين المذكورتين على بطلان الملك بذهاب الإحياء غير صحيح فإن القاعدتين وإن كانتا صحيحتين مسلمتين لكن لا يلزمهما ما قاله من بطلان هذا الحكم لأن الإحياء قد ثبت فترتب عليه مسببه ولم يرتفع الإحياء بل لا يصح ارتفاعه لأن ذلك من باب الارتفاع الواقع وهو محال وإنما مغزاه أن الإحياء لم يستمر وذلك غير لازم في الأسباب كلها فإن الملك المرتب على الشراء أو على الإرث أو على الهبة لم تستمر أسبابه فكان يلزم على قياس قوله أنه متى غفل الإنسان عن تجديد شراء مشتراه أن يبطل ملكه عليه ذلك باطل قطعا وما قاله من أن الحديث لا يقتضي الملك بوصف الدوام وإن كان صحيحا إلا أن هنا قاعدة شرعية وهي أن الملك يدوم بعد ثبوت سببه إلا أن يلزمه ما يناقضه ا ه\rفتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم\r51\rالفرق الرابع عشر والمائتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب\rاعلم أن الأدلة الشرعية على قسمين\rالقسم الأول\rما ظاهره الفرق بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد كحديث الموطإ قال رجل لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} أأكذب لامرأتي فقال {صلى الله عليه وسلم} لا خير في الكذب فقال يا رسول الله أعدها وأقول لها فقال عليه الصلاة والسلام لا جناح عليك وحديث أبي داود قال عليه الصلاة والسلام إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه ونحو ذلك من الأدلة التي تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح والكذب ليس بمباح فلا يدخل الكذب في الوعد والقسم الثاني ما ظاهره عدم الفرق بينهما كقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فإن الوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذبا محرما وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا\rوقوله عليه الصلاة والسلام من علامة المنافق ثلاث\r","part":4,"page":60},{"id":1291,"text":"إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف فذكره في سياق الذم دليل على التحريم وما روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال وأي المؤمن واجب أي وعده واجب الوفاء به فلما كان ظاهر القسم الأول معارضا لظاهر القسم الثاني حين صار بحيث لو أخذ به وقيل بالفرق بينهما وأن الوعد لا يدخله الكذب لزم مخالفة ظاهر القسم الثاني بل\rوقوله تعالى وعدكم وعد الحق وصدق الله وعده الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء هل وجدتم ما وعد ربكم حقا إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دخول الصدق في وعد الله تعالى ووعيده والأصل في الاستعمال الحقيقة وكان ظاهر الثاني كذلك معارضا لظاهر الأول حتى صار بحيث لو أخذ به وقيل بعدم الفرق بينهما وأن الوعد يدخله الكذب لزم مخالفة ظاهر الأول وتعين الجمع بين هذه الظواهر المتعارضة اختلف الفقهاء فيما يقرب أن يؤخذ به منهما وما يؤول على قولين\rالقول الأول\rتمسك بعضهم بظاهر القسم الأول وتأويل ظاهر القسم الثاني والفرق بين وعد الله تعالى ووعيده وبين وعد غيره تعالى قال الكذب يختص بالماضي والحاضر والوعد إنما يتعلق بالمستقبل\rوذلك لأن قولنا الصدق القول المطابق للواقع والكذب القول الذي ليس بمطابق للواقع ظاهر في وقوع وصف المطابقة وعدمها بالفعل وذلك مختص بالحال والماضي\rوأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها أما أولا فلأنا إذا حددنا بوصف بأن قلنا في الإنسان مثلا الحيوان الناطق إنما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقوة وإلا كان الجماد والنبات كله إنسانا لأنه قابل للحياة والنطق\rوأما ثانيا فلأن حديث الموطإ يدل على أمرين أحدهما أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب وثانيهما أن إخلاف الوعد لا حرج فيه إذ لو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه ولما ذكره مقرونا بالكذب ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه\r","part":4,"page":61},{"id":1292,"text":"وكذلك حديث أبي داود يقتضي أن عدم الوفاء بالوعد مباح عكس ظاهر الآية ونحوها فظهر الفرق بينهما أولا باختصاص الوعد بالمستقبل والكذب بالماضي والحال\rوثانيا بعدم التأثيم في الأول والتأثيم في الثاني كما هو ظاهر حديثي الموطإ وأبي داود السابقين والجواب عن ظاهر الآية ونحوها أما أولا فلأنه محمول إما على أن الموعد أدخل الموعود في سبب يلزمه بوعده كما لمالك وابن القاسم وسحنون أما مالك وابن القاسم فقالا إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت نعم ثم بدا لك لا يلزمك ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله لزمك لإبطاله مغرما بالتأخير\rوأما سحنون فقال الذي يلزم من الوعد قوله اهدم دارك وأنا أسلفك ما يبنى به أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك لأنك أدخلته بوعدك في ذلك أما مجرد الوعد فلا يلزمك الوفاء به بل الوفاء به من مكارم الأخلاق ا ه\rوأما على أنه وعده مقرونا بذكر السبب كما لأصبغ حيث قال يقضى عليك به تزوج الموعود أم لا وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا لزمك تسبب في ذلك أم لا والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غير ذكر سبب فيقول لك أسلفني كذا فتقول نعم بذلك قضى عمر بن عبد العزيز رحمه الله وإن وعدت غريمك بتأخير الدين لزمك\rلأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له أؤخرك أو أخرتك وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك ا ه\r","part":4,"page":62},{"id":1293,"text":"وأما ثانيا فلأنه قد قيل إن الآية نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا وما جاهدوا وفعلنا أنواعا من الخيرات وما فعلوه ولا شك أن هذا محرم لأنه كذب وتسميع بطاعة وكلاهما محرم ومعصية اتفاقا وما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق معناه أنه سجية له ومقتضى حاله الإخلاف ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال سجية تقتضي البخل والمنع فمن كان صفته تحث على الخير مدح أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا والفرق بين وعد الله تعالى ووعيده وبين وعد غيره هو أن الله تعالى يخبر عن معلوم وكل ما تعلق به العلم تجب مطابقته بخلاف واحد من البشر فإنه إنما ألزم نفسه أن يفعل مع تجويز أن يقع ذلك منه وأن لا يقع فلا تكون المطابقة وعدمها معلومين ولا واقعين فانتفيا بالكلية وقت الإخبار\rواختار هذا القول الأصل فقال هذا هو الذي ظهر لي لأنه أقرب الطرق في الجمع بين هذه الظواهر المتعارضة والقول الثاني تمسك بعضهم بظاهر القسم الثاني وتأويل ظاهر القسم الأول قال يفسر الكذب\rبالخبر الذي لا يطاق الواقع وكل من المستقبل والماضي والحال يدخله وصف المطابقة وعدمها وليس الوقوع بالفعل شرطا فيدخل الكذب في الكل ويلزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف فلا فرق بين الكذب والوعد قال العلامة ابن الشاط ما خلاصته وهذا القول هو الصحيح لوجوه\rالوجه الأول\r","part":4,"page":63},{"id":1294,"text":"أنا لا نسلم أن الحدود تستلزم أن تكون الأوصاف فيها بالفعل إذ لو استلزمت ذلك لخرج الطفل الرضيع عن الإنسان ضرورة أن النطق الذي هو العقل مفقود فيه بالفعل مع أنه عند أرباب الحدود وهم الفلاسفة إنسان ودعوى أنه إذا لم تستلزم ذلك كان الجماد والنبات كله إنسانا لأنه قابل للحياة والنطق جهل بمذهب أرباب الحدود وهم الفلاسفة في الحقائق وأنها مختلفة بصفاتها الذاتية فلا تقبل حقيقة منها صفة الأخرى فالحيوان لا يقبل أن يكون جمادا والجماد لا يقبل أن يكون حيوانا وإذا كان الأمر في الحدود لا يستلزم أن تكون الأوصاف فيها بالفعل بطل كل ما قاله هؤلاء من أن الوعد لا يدخله الكذب لأنه مستقبل وصح قول من يقول يدخله بمعنى أنه قابل لذلك وهذا هو القول الذي لا يصح سواه\rالوجه الثاني أنه لا معنى لحديث الموطإ عندي إلا أنه {صلى الله عليه وسلم} منع السائل له من أن يخبر زوجته بخبر يقتضي تغيظها به كأن\rيخبرها عن فعله مع غيرها من النساء بما لم يفعله أو من غير ذلك مما يكون فيه تغيظا بزوجته وسوغ له الوعد لأنه لا يتعين فيه الإخلاف لاحتمال الوفاء به سواء كان عازما عند الوعد على الوفاء أو على الإخلاف أو مضربا عنهما ويتخرج ذلك في قسم العزم على الإخلاف على الرأي الصحيح المتصور عندي من أن العزم على المعصية لا مؤاخذة به إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع من الإخلاف وأن السائل له {صلى الله عليه وسلم} إنما قصد الوعد على الإطلاق وسأل عنه لأن الاحتمال في عدم الوفاء إضرارا أو اختيارا قائم ورفع {صلى الله عليه وسلم} عنه الجناح لاحتمال الوفاء ثم إنه إن وفى فلا جناح وإن لم يف مضطرا فكذلك وإن لم يف مختارا فالظواهر المتضافرة قاضية بالحرج فتبين أنه {صلى الله عليه وسلم} لم يجعل الوعد قسيما للكذب من حيث هو كذب وإنما جعله قسيما للخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلا وذلك غير مستقبل أو من جهة كونه قد تعين أنه كذب والوعد لا يتعين أنه كذب\r","part":4,"page":64},{"id":1295,"text":"وما قيل من أنه {صلى الله عليه وسلم} منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل فمجرد دعوى لم تقم عليها حجة ولا يتعين أن المراد ما قاله كيف وأن ما قاله هو عين الوعد فإنه لا بد أن يكون ما يخبرها عن وقوعه في المستقبل متعلقا بها وإلا فلا حاجة لها فيما يتعلق بغيرها وما قيل إن السائل لم يقصد الوعد الذي نفى به بل قصد الوعد الذي لا نفي فيه على التعيين فمجرد دعوى كذلك إذ من أين يعلم أنه لا يفعله وعلى أن يكون في حال الوعد غير متمكن مما وعد به من أين يعلم عدم تمكنه منه في المستقبل وإذا تعذر علمه بذلك تعين أن يكون سواه لاحتمال عدم الوفاء أو العزم على عدم الوفاء فسوغ له {صلى الله عليه وسلم} ذلك وأن عدم الوفاء لا يتعين أو لأن العزم على عدم الوفاء على تقدير أن عدم الوفاء معصية ليس بمعصية\rالوجه الثالث\rأن في حمل حديث الموطإ على ما ذكر وحمل حديث أبي داود على أنه لم يف مضطرا قربا وفي حمل الآية ونحوها على ما قاله الشهاب بعدا أما أولا فلأن النصوص الدالة على دخول الصدق في وعده تعالى ووعيده وأن الأصل في الاستعمال\r","part":4,"page":65},{"id":1296,"text":"يخبرها عن فعله مع غيرها من النساء بما لم يفعله أو من غير ذلك مما يكون فيه تغيظا بزوجته وسوغ له الوعد لأنه لا يتعين فيه الإخلاف لاحتمال الوفاء به سواء كان عازما عند الوعد على الوفاء أو على الإخلاف أو مضربا عنهما ويتخرج ذلك في قسم العزم على الإخلاف على الرأي الصحيح المتصور عندي من أن العزم على المعصية لا مؤاخذة به إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع من الإخلاف وأن السائل له {صلى الله عليه وسلم} إنما قصد الوعد على الإطلاق وسأل عنه لأن الاحتمال في عدم الوفاء إضرارا أو اختيارا قائم ورفع {صلى الله عليه وسلم} عنه الجناح لاحتمال الوفاء ثم إنه إن وفى فلا جناح وإن لم يف مضطرا فكذلك وإن لم يف مختارا فالظواهر المتضافرة قاضية بالحرج فتبين أنه {صلى الله عليه وسلم} لم يجعل الوعد قسيما للكذب من حيث هو كذب وإنما جعله قسيما للخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلا وذلك غير مستقبل أو من جهة كونه قد تعين أنه كذب والوعد لا يتعين أنه كذب\rوما قيل من أنه {صلى الله عليه وسلم} منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل فمجرد دعوى لم تقم عليها حجة ولا يتعين أن المراد ما قاله كيف وأن ما قاله هو عين الوعد فإنه لا بد أن يكون ما يخبرها عن وقوعه في المستقبل متعلقا بها وإلا فلا حاجة لها فيما يتعلق بغيرها وما قيل إن السائل لم يقصد الوعد الذي نفى به بل قصد الوعد الذي لا نفي فيه على التعيين فمجرد دعوى كذلك إذ من أين يعلم أنه لا يفعله وعلى أن يكون في حال الوعد غير متمكن مما وعد به من أين يعلم عدم تمكنه منه في المستقبل وإذا تعذر علمه بذلك تعين أن يكون سواه لاحتمال عدم الوفاء أو العزم على عدم الوفاء فسوغ له {صلى الله عليه وسلم} ذلك وأن عدم الوفاء لا يتعين أو لأن العزم على عدم الوفاء على تقدير أن عدم الوفاء معصية ليس بمعصية\rالوجه الثالث\r","part":4,"page":66},{"id":1297,"text":"أن في حمل حديث الموطإ على ما ذكر وحمل حديث أبي داود على أنه لم يف مضطرا قربا وفي حمل الآية ونحوها على ما قاله الشهاب بعدا أما أولا فلأن النصوص الدالة على دخول الصدق في وعده تعالى ووعيده وأن الأصل في الاستعمال\rالحقيقة وارد لازم على ما اختاره الشهاب والجواب عنه ساقط من حيث إن الحقائق لا تتغير بحسب الأحوال المخبر بها عنها ولا بحسب حال دون حال فالخبر القابل للصدق والكذب قابل لهما والخبر القابل لأحدهما دون الآخر كذلك\rوأما ثانيا فلأن الصحيح عندي القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا أي ولو لم يدخله في سبب يلزم بوعده أو لم يكن مقرونا بذكر السبب فيتعين تأويل ما يناقض ذلك ويجمع بين الأدلة على خلاف الوجه الذي اختاره الشهاب والله تعالى أعلم ا ه\rقلت وفي قول العلامة ابن الشاط رحمه الله تعالى إذ لو استلزمت ذلك لخرج ذلك الطفل الرضيع عن حد الإنسان ضرورة إلخ نظر إذ يلزم من كون النطق هو العقل دخول الملائكة والجن في حد الإنسان لقولهم العقلاء ثلاثة الإنسان والملائكة والجن فيكون غير مانع والحق كما في شرح الزلفى وغيره أن المراد بالناطق في حد الإنسان ما هو مبدأ النطق والتكلم أو الإدراك المخصوص الذي هو الصورة النوعية الإنسانية ا ه\r","part":4,"page":67},{"id":1298,"text":"وهذه الصورة جوهر عند المشائين محمول على الإنسان في مرتبة لا يشترط شيء على ما حقق في محله ولا توجد في غير الإنسان كما في رسالتي السوانح الجازمة في التعاريف اللازمة وحينئذ فالصواب أن يقول إذ لو استلزمت ذلك لخرج ما لم يتحقق فيه النطق بمعنى الصورة النوعية بالفعل من أفراد الإنسان التي لم توجد مع أن من شرط عند أرباب علم المنطق وهم الحكماء لأنه إما جزء من الحكمة أو مقدمة لها كما قالوا أن يكون جامعا لجميع أفراد الماهية ما تحقق منها في الخارج وما لم يتحقق فمن تراهم بعد تعريفهم الكلي بما يمنع نفس تصور مفهومه من حيث إنه متصور وقوع الشركة فيه بحيث يصح حمله على كل فرد من أفراده يقولون سواء وجدت أفراده في الخارج وتناهت كالكوكب فإن أفراده السيارة والثوابت والسيارة سبعة مجموعة في قول بعضهم زحل شر مريخه من شمسه فتزاهرت لعطارد الأقمار وعدد المرصود من الثوابت ذكر في الهيئة والسيارة كل واحد في تلك والثوابت كلها في الفلك الثامن كما حقق في علم الهيئة أم وجدت فيه ولم تتناه ككمال الله تعالى فإن أفراده موجودة قديمة لا تتناهى ولم يقم دليل على استحالة عدم التناهي في القديم أم لم توجد فيه أما مع امتناعها كالجمع بين الضدين\rوأما مع إمكانها كجبل من ياقوت وبحر من زئبق أم وجد منها فرد واحد فقط أما مع امتناع وجود غيره كالإله عند من يفسره بالمعبود بحق وأنه في الأصل صفة ثم غلبت عليها العلمية إذ الدليل الخارجي قطع عنه عرق الشريك لكنه عند العقل لم يمتنع صدقه على كثيرين وإلا لم يفتقر إلى دليل الوحدانية وأما مع إمكان وجود غيره كالشمس أي الكوكب النهاري المضيء منها إذ الموجود منها واحد ويمكن أن يوجد منها شموس كثيرة كما في شرح\rشيخ الإسلام على أيسا غوجي المنطق وحاشية العطار عليه فتأمل بإنصاف ولا تأخذ الحق بالرجال بل الرجال بالحق كما هو أدب أهل الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":68},{"id":1299,"text":"الفرق الخامس عشر والمائتان بين قاعدة ما يقبل القسمة وقاعدة ما لا يقبلها\rالقسمة قال التسولي على العاصمية تصيير مشاع مملوك لمالكين فأكثر معينا بقرعة أو تراض بل ولو باختصاص تصرف فيه وقوله معينا مفعول ثان لتصيير وقوله بقرعة أو تراض متعلق به وقوله بل ولو باختصاص إلخ مبالغة عليه يعني هي أن يصير القاسم المشاع المملوك لمالكين فأكثر معينا باختصاص في الرقاب بقرعة أو تراض بل ولو كان التعيين باختصاص في المنافع فقط أي بقرعة أو تراض مع بقاء الأصل مشاعا كسكنى دار وخدمة عبد هذا شهرا وهذا شهرا\rقال ثم هي ثلاثة أنواع الأول قسمة قرعة بعد تعديل وتقويم وهي بيع عند مالك وصوبه اللخمي والأصح عند عياض وابن رشد أنها تمييز حق وعليه عول خليل إذ قال في مختصره وهي تمييز حق النوع الثاني قسمة مراضاة بعد تعديل وتقويم كذلك وهي بيع على المشهور النوع الثالث قسمة مراضاة من غير تعديل ولا تقويم وهي بيع بلا خلاف ا ه\rالمراد بتصرف وزيادة وفي شرح عبد الباقي على مختصر خليل عند قوله ومراضاة فكالبيع ما حاصله أن قوله فكالبيع أفاد أمرين الأول أنه يجوز هنا بالتراضي ما لا يجوز في البيع ولذلك نظائر منها ما عارض به ابن رشد قولهم إنها بيع وسلمه في التوضيح من مسألة وفي قفيز أخذ أحدهما ثلثه والآخر ثلثيه نعم قال الرماصي إن مسألة القفيز صبرة واحدة\rوقد قالوا إن قسمة\rالصبرة الواحدة ليست حقيقة لاتحاد الصفة والقدر انظره ومنها أنه يجوز قسمة ما أصله أن يباع مكيلا مما يجوز فيه التفاضل مع ما أصله أن يباع جزافا مع خروج كل منهما عن أصله كأن يقتسما فدانا من الزعفران مزارعة ما فيه من الزعفران فقد قسم الزعفران جزافا وأصله الوزن والأرض كيلا وأصلها الجزاف ولا يجوز جمعهما في البيع ومنها أنه يجوز قسم ما زاد غلته على الثلث ولم يجيزوا بيعه\r","part":4,"page":69},{"id":1300,"text":"الأمر الثاني أنه يجوز بالتراضي ما لا يجوز ولذلك نظائر منها أن قسمة التراضي تكون فيها تماثل أو اختلاف جنس ومنها أنها تكون في المكيل والموزون وفي غيره ومنها أنه لا يقام فيها بالغبن حيث لم يدخلا مقوما ومنها أنه لا يجبر عليها أباه ومنها أنها لا تحتاج لتعديل وتقويم ومنها أنه يجمع فيها بين حظ اثنين فأكثر بخلاف القرعة في الجميع على خلاف منافع في البعض كما سيأتي ا ه\rببعض إصلاح من البناني فالمقسوم نوعان الأول رقاب الأموال والثاني الرقاب وهما إما قابلان للقسمة بالقرعة وإما غير قابلين لها فما لا يقبلها أحد أربعة أمور الأول ما في قسمة الغرر كمشروعية القرعة في المختلفات فإن الغرر يعظم والمختلفات إما من الرباع وإما من العروض وإما مما يكال أو يوزن فإن كانت من الرباع فقال حفيد ابن رشد في بدايته لا خلاف في أنه لا يجمع بين أنواع الرباع المختلفة مثل أن يكون منها دور ومنها حوائط ومنها أرض في القسمة بالسهمة وإن كانت من العروض فقال التسولي على العاصمية وليس لهم أن يجعلوا البقر مثلا في ناحية العقار أو الإبل التي تعادلها في القيمة في ناحية ويقترعون لأن القرعة لا يجمع فيها بين جنسين ولا بين نوعين على المشهور لما في ذلك من الغرر ا ه\r","part":4,"page":70},{"id":1301,"text":"محل الحاجة منه وقال حفيد ابن رشد في البداية وإذا كانت أكثر من جنس واحد اتفق العلماء على قسمتها على التراضي واختلفوا في قسمتها بالتعديل والسهمة فمنعها مالك في غير الصنف الواحد وذهب ابن حبيب إلا أنه يجمع في القسمة ما تقارب من الصنفين مثل القز والحرير والقطن والكتان وأجاز أشهب جمع صنفين في القسمة بالسهمة مع التراضي وذلك ضعيف لأن الغرر لا يجوز بالتراضي وإن كانت مما يكال أو يوزن فقال الحفيد أيضا أما ما كان منها صبرتين فإن كان ذلك مما لا يجوز فيه التفاضل فعلى جهة الجمع لا تجوز قسمتها على مذهب مالك إلا بالكيل المعلوم فيما يكال وبالوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن لأن أصل مذهبه أنه يحرم التفاضل في الصنفين إذا تقاربت منافعها مثل القمح والشعير وإذا كانت بمكيال مجهول لم يدر كم يحصل فيه من الكيل المعلوم من الصنف الواحد منهما\rوإن كان ذلك مما يجوز فيه التفاضل فعلى جهة الجمع تجوز قسمتها على الاعتدال والتفاضل البين المعروف بالكيل المعلوم أو الصنجة المعروفة وهذا الجواز كله في المذهب على جهة الرضاء\rوأما في واجب الحكم فلا تنقسم كل صبرة إلا على حدة بالمكيال المعلوم والمجهول ا ه بتلخيص وإصلاح\rالأمر الثاني ما في قسمة الربا كقسم الثمار بشرط التأخير إلى الطيب بما يدخله من بيع الطعام بالطعام غير معلوم التماثل لأن القسمة إما بيع باتفاق أو على الخلاف كما علمت فإن تباين الجنس الواحد بالجودة والرداءة ففي جوازه\rبالقرعة قولان حكاهما اللخمي كما في الأصل وفي بداية حفيد ابن رشد لا تجوز القرعة في المكيل والموزون باتفاق إلا ما حكى اللخمي ا ه\r","part":4,"page":71},{"id":1302,"text":"فمفاد الأصل أن القولين بجواز القرعة ومنعها حكاهما اللخمي عن المذهب في خصوص ما إذا تباين الجنس الواحد بالجودة والرداءة بلا ترجيح لأحدهما ومفاد الحفيد أن القول بمنعها في المكيل والموزون مطلقا اتفق عليه أهل المذهب وأن القول بجوازها في ذلك ضعيف حكاه اللخمي مخالفا لإجماعهم وسيأتي عن البناني على عبق ما سلم له الرهوني وكنون من أن القولين في المكيل والموزون مطلقا بلا ترجيح لأحدهما وأن القول بالجواز أخذه اللخمي وأبو الحسن من كلام المدونة مقيدا بما إذا استوى الوزن والقيمة فإن اختلفت القيمة منعت القرعة فانظر ذلك الأمر الثالث ما كان في قسمه إضاعة المال لحق الله تعالى كقسم الياقوتية الأمر الرابع ما كان في قسمه إضاعة المال لحق آدمي كقسم الدار اللطيفة والحمام والخشبة والثوب والمصراعين قال الأصل ولكون إضاعة المال في هذا الأمر لحق آدمي يجوز عندنا قسمه بالتراضي لأن للآدمي إسقاط حقه بخلاف حق الله تعالى في إضاعة المال وغيره ومنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل قسم ما فيه ضرر أو تغير نوع المقسوم ا ه\rبتوضيح ما وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قسمة واحد من الحيوان والعروض للفساد الداخل في ذلك ا ه\rوظاهره أن اتفاقهم على منع قسمة ذلك لمطلق الفساد كان لحق الله أو لحق آدمي ولكن الأولى حمله على الفساد لحق الله فقط كما في الأصل فافهم قال الحفيد واختلفوا إذا تشاح الشريكان في العين الواحدة منهما وإن لم يتراضيا بالانتفاع بها على الشياع وأراد أحدهما أن يبيع صاحبه معه فقال مالك وأصحابه يجبر على ذلك فإن أراد أحدهما أن يأخذه بالقيمة التي أعطى فيها أخذه\r","part":4,"page":72},{"id":1303,"text":"وقال أهل الظاهر لا يجبر لأن الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع وحجة مالك أن في ترك الإجبار ضررا وهذا من باب القياس المرسل وقد قلنا في غير ما موضع أنه لا يقول به أحد من فقهاء الأمصار إلا مالك ولكنه كالضروري في بعض الأشياء ا ه\rقلت ولعل مراده بالقياس المرسل المصلحة المرسلة وقد حققت في رسالتي انتصار الاعتصام وجهها وأن مالكا لم يختص بالقول بها فانظرها إن شئت\rوأما ما يقبل القسمة بالقرعة فهو ما عري عن هذه الأمور الأربعة وتوضيح الكلام فيه أن المقسوم كما مر إما رقاب أموال وإما منافع الرقاب وأقسام الرقاب ثلاثة لأنها إما أن تنقل وتحول أم لا والثاني هو الرباع والأصول والأول إما مكيل أو موزون وإما غير مكيل ولا موزون وهو الحيوان والعروض أما الحيوان والعروض فقال حفيد ابن رشد في بدايته اتفق الفقهاء على جواز قسمة المتعدد منهما على التراضي واختلفوا في قسمته بالتعديل والسهمة\rفأجازها مالك وأصحابه في الصنف الواحد ومنع من ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون واختلف أصحاب مالك في تمييز الصنف الواحد الذي تجوز فيه السهمة من الذي لا تجوز فيه فاعتبر أشهب بما لا يجوز تسليم بعضه في بعض\rوأما ابن القاسم فاضطرب فمرة أجاز القسم بالسهمة فيما لا يجوز تسليم بعضه في بعض فجعل القسمة أخف من السلم ومرة منع القسمة فيما منع فيه السلم وقد قيل إن مذهبه أن القسمة في ذلك أخف وأن مسائله التي يظن من قبلها أن القسمة عنده أشد من السلم تقبل التأويل على أصله الثاني ا ه\r","part":4,"page":73},{"id":1304,"text":"محل الحاجة منه وقال التسولي على العاصمية ولا بد فيما تفاوتت أجزاؤه من التقويم فتجمع الدور على حدتها والأقرحة أي الفدادين على حدتها والأجنات على حدتها والبقر صغيرها وكبيرها على حدتها والإبل كذلك على حدتها والرقيق كذلك على حدتها والحمير صغيرها وكبيرها على حدته والبغال كذلك وهكذا ثم يجزأ المقسوم من كل نوع بالقسمة على أقلهم نصيبا ويقترعون ا ه\rبلفظه وقال الأصل منع أبو حنيفة قسم الرقيق وأجازه الشافعي وحجة أبي حنيفة أن منافعه مختلفة بالعقل والشجاعة وغيرهما فلا يمكن فيه التعديل وجوابه أنه لو امتنع تعديله لامتنع بيعه وتقويمه لأنهما مبنيان على معرفة القيمة وليس كذلك ا ه\rوأما المكيل والموزون فإما أن يقع قسمهما بالكيل أو الوزن المعلوم أو المجهول أو جزافا بلا تحر أو بتحر فما وقع بالكيل أو الوزن المعلوم أو المجهول يجوز بالتراضي بلا خلاف كانا مما يجوز فيه التفاضل أم لا قال الرماصي وما في الحطاب من منع المراضاة فيما فيه التفاضل محمول على قسم ما ليس صبرة واحدة كقمح وشعير أو محمولة وسمراء أو مغلوت وغيره لأنه مبادلة ا ه\rوفي جوازه بالقرعة ومنعه بها قولان الأول للخمي في قول المدونة ومن هلك وترك متاعا وحليا قسم المتاع بين الورثة بالقيمة والحلي بالوزن فإنه قال يريد أو يتراضيان أحدهما هذا والآخر هذا أو بالقرعة إذا استوى الوزن والقيمة فإن اختلفت القيمة لم يجز بالقرعة ا ه\rوقال أبو الحسن عقب كلام المدونة المذكورة يقوم منه جواز القرعة في الوديعة إذا استوت في الوزن والقيمة وكذلك في جميع المدخرات ا ه\rوالثاني لابن رشد والباجي كما قال ابن عرفة قال وعزاه ابن زرقون لسحنون ا ه\r","part":4,"page":74},{"id":1305,"text":"عليه اقتصر صاحب المعين وصاحب التحفة ووجه المنع أنه إذا كيل أو وزن فقد استغنى عن القرعة فلا معنى لدخولها وما وقع جزافا بلا تحر قال في البداية لا يجوز يعني كان بالتراضي أو بالقرعة كما يفيده تفصيل ابن رشد الآتي فتنبه وما وقع بالتحري قد تقدم عن عبد الباقي ما يفيد جوازه بالتراضي فلا تغفل وقد حكى البناني على عبق في جوازه بالقرعة أقوالا الجواز مطلقا عن الباجي قال فقد سئل سيدي عيسى بن علال عن صفة قسمة الوزيعة بالقرعة التي جرى بها العرف عندنا فقال كان شيخنا سيدي موسى العبدوسي يقول إن قسمت وزنا فإن شاءوا اقترعوا أو تركوا على ما قاله اللخمي في قسمة الحلي وإن قسمت تحريا فهذا موضع القرعة ثم قال قال الباجي في قسمة الثمار في رءوس النخل بالتحري عندي أنها لا تجوز إلا بالقرعة وهو ظاهر قول أصحابنا لأنها تمييز حق ا\rه\rوالمنع مطلقا عن ابن زرقون فقد قال ومثل ما قسم بالكيل والوزن في منع القرعة عندي ما قسم بالتحري لأن ما يتساوى في الجنسين والجودة والقدر لا يحتاج إلى سهم كالدنانير والدراهم ا ه\rقال العبدوسي والظاهر ما قاله الباجي والوزيعة تجري عليه ا ه\rنقله في تكميل التقييد وعن ابن رشد القول بالتفصيل بين القسم بالكيل أو الوزن فيجوز التفاضل أو بالتحري فيجوز أي التفاضل في الموزون دون المكيل أو بدونهما فيمتنع مطلقا للمزابنة قال وذلك التفصيل إنما هو في الصبرة الواحدة كما صرح به ابن رشد لأن قسم الصبرة الواحدة غير حقيقي لاتحاد الصفة والقدر ا ه\r","part":4,"page":75},{"id":1306,"text":"بتلخيص وسلمه الرهوني وأن ما وكنو الرباع والأصول فقال حفيد ابن رشد في بدايته اتفق أهل العلم اتفاقا مجملا على جواز قسمة الرباع والأصول بالتراضي سواء كانت بعد تقويم وتعديل أو بدون ذلك كانت الرقاب متفقة أو مختلفة لأنها بيع من البيوع فلا يحرم فيها إلا ما يحرم فيها في البيوع وكذا على جوازها بالسهمة إذا عدلت بالقيمة لكنهم اختلفوا في محل ذلك وشروطه فأما بيانه في محله أن القسمة لا تخلو من أن تكون في محل واحد أو في محال كثيرة فإذا كانت في محل واحد فإن انقسمت إلى أجزاء متساوية بالصفة ولم تنقص بالانقسام منفعة الأجزاء فلا خلاف في جوازها ويجبر الشريكان على ذلك\rوإن انقسمت على ما لا منفعة فيه فقال مالك إنها تقسم بينهم إذا دعا أحدهما لذلك ولو لم يصر لواحد منهم إلا ما لا منفعة فيه مثل قدر القدم وبه قال ابن كنانة من أصحابه فقط وهو قول أبي حنيفة والشافعي وعمدتهم في ذلك قوله تعالى مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا\rوقال ابن القاسم لا يقسم إلا أن يصير لكل واحد في حظه ما ينتفع به من غير مضرة داخلة عليه في الانتفاع من قبل القسمة وإن كان لا يراعي في ذلك نقصان الثمن وقال ابن الماجشون يقسم إذا صار لكل واحد منهم ما ينتفع به وإن كان من غير جنس المنفعة التي كانت في الاشتراك أو كانت أقل\rوقال مطرف من أصحابه إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم وإن صار في حظ بعضهم ما ينتفع به وفي حظ بعضهم ما لا ينتفع به قسم وجبروا على ذلك سواء دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل أو الكثير وقيل يجبر إن دعا صاحب النصيب القليل ولا يجبر إن دعا صاحب النصيب الكثير وقيل بعكس هذا وهو ضعيف هذا وبقي ما إذا انتقلت منفعة المقسوم إلى منفعة أخرى مثل الحمام فقال مالك يقسم إذا طلب كأحد الشريكين وبه قال أشهب وعمدتهما ذلك قوله تعالى مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا\r","part":4,"page":76},{"id":1307,"text":"وقال ابن القاسم لا يقسم وهو قول الشافعي وعمدتهما قوله {صلى الله عليه وسلم} لا ضرر ولا ضرار وحديث جابر عن أبيه لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم والتعضية التفرقة يقول لا قسمة بينهم\rوأما إذا كانت القسمة في أكثر من محل واحد فإن كانت المحال مختلفة الأنواع كأن يكون منها دور ومنها حوائط ومنها أرض فقد تقدم حكمها وإن كانت متفقة الأنواع قسمت بالتقويم والتعديل والسهمة عند مالك لأنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة نعم اختلف أصحابه فيما إذا اختلف الأنواع المتفقة في النفاق وإن تباعدت مواضعها على ثلاثة أقوال\rوقال أبو حنيفة والشافعي بل يقسم كل عقار على حدة لأن كل عقار قائم بنفسه لأنه تتعلق به الشفعة ا ه\rكلام الحفيد في البداية بتصرف وفي\r64\rالأصل وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل لا يجوز أن يجمع بين دارين في القسم وإن تقاربتا لأمرين\rالأول\rأن الشفعة تكون في إحداهما دون الأخرى فكذلك تكون القسمة الثاني أن الجمع بينهما يفضي إلى كثرة الغرر لأن كل واحد منهما يزول ملكه عن كل واحدة من الدارين بغير رضاه\rوالجواب عن الأول أن الشركة إذا عمت فيهما والبيع عمت الشفعة فنقيس القسم على الشفعة فينقلب الدليل عليكم ولأن استقلال كل واحد منهما بإحداهما أتم في الانتفاع من الانتفاع ببعض دار وعن الثاني المعارضة والنقض بالاختلاف في الدار الواحدة بل ها هنا أولى لأنا إنما نجمع المتقارب وهنالك نجمع المختلف ا ه\rوأما بيان الخلاف في الشروط فهو أن من شرط قسمة الحوائط المثمرة أن لا تقسم مع الثمرة إذا بدا صلاح باتفاق في المذهب لأنه يكون بيع الطعام بالطعام على رءوس الشجر وذلك مزابنة\rوأما قسمتها قبل بدو الصلاح فاختلف فيه أصحاب مالك فابن القاسم لا يجيز ذلك قبل الإبان بحال من الأحوال ويعتل لذلك بأنه يؤدي إلى بيع طعام بطعام متفاضلا ولذلك زعم أن مالكا لم يجز شراء الثمر الذي لم يطب بالطعام لا نسيئة ولا نقدا\r","part":4,"page":77},{"id":1308,"text":"وأما إن كان ذلك بعد الإبان فإنه لا يجوز عنده إلا بشرط أن يشترط أحدهما على الآخر أن ما وقع من الثمر في نصيبه فهو داخل في نصيبه وما لم يدخل فهو فيه على الشركة والعلة في ذلك عنده أنه يجوز اشتراط المشتري الثمر بعد الإبان ولا يجوز قبل الإبان فكان أحدهما اشترط حظ صاحبه من جميع الثمرات التي وقعت في القسمة بحظه من الثمرات التي وقعت لشريكه واشترط الثمر وصفة القسم بالقرعة أن تقسم الفريضة وتحقق وتضرب إن كان في سهامها كسر إلى أن تصح السهام ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراساتها ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة فربما عدل جزء من موضع ثلاث أجزاء من موضع آخر على قيم الأرضين ومواضعها فإذا قسمت على هذه الصفات وعدلت كتبت في بطائق أسماء الاشتراك وأسماء الجهات فمن خرج اسمه على جهة أخذ منها فإن كان أكثر من ذلك السهم ضوعف له حتى يتم حظه فهذه هي حال قرعة السهمة في الرقاب كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وأما قسمة منافع الرقاب فقال الحفيد أيضا هي عند الجميع بالمهايأة والمهايأة إما أن تكون بالأزمان بأن ينتفع كل واحد منهما بالعين مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه وتجوز فيما لا ينقل ولا يحول في المدة البعيدة والأجل البعيد عند مالك وأصحابه\rولا تجوز فيما ينتقل ويحول إلا في المدة اليسيرة واختلف فيها أما في الاغتلال فقيل اليوم الواحد ونحوه وقيل لا يجوز ذلك في الدابة والعبد\rوأما في الانتفاع فقيل مثل الخمسة أيام وقيل الشهر وأكثر من الشهر قليلا وإما أن تكون بالأعيان بأن يستعمل هذا دارا مدة من الزمان وهذا دارا تلك المدة بعينها فقيل تجوز في سكنى الدار وزراعة الأرضين ولا يجوز ذلك في الغلة والكراء وقيل يجوز على قياس التهايؤ بالأزمان وكذلك القول في استخدام العبد والدواب يجري على الاختلاف في قسمتها بالزمان ا ه\r","part":4,"page":78},{"id":1309,"text":"ملخصا وفي شرح عبد الباقي على مختصر خليل عند قوله القسمة تهايؤ كخدمة عبد شهرا وسكنى دار سنين كالإجارة ما نصه فهم من التشبيه أي بالإجارة أن المهايأة إنما تكون بتراض وهو كذلك لأن الإجارة كالبيع فلا يجبر عليها من أباها ولا ينافي ذلك جعل المصنف قسمة المراضاة قسيما لها لأنه باعتبار تعلقها بملك الذات والمهايأة متعلقة بملك المنافع مع بقاء الذات بينهما ا ه\rبلفظه وفي الرهوني وكنون وقسيم قسمة المنافع هو قسمة الذوات وأما المراضات والقرعة فتكونان في كل منهما ا ه\rمحل الحاجة منهما بلفظهما\rفائدة\rفي بداية حفيد ابن رشد إنما جعل الفقهاء السهمة في القسمة تطييبا لنفوس المتقاسمين وهي موجودة في الشرع في مواضع منها قوله تعالى فساهم فكان من المدحضين وقوله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ومن ذلك الأثر الثابت الذي جاء فيه أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته فأسهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بينهم فأعتق ثلث ذلك الرقيق ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس عشر والمائتان بين قاعدة ما يجوز التوكيل فيه من الأفعال وبين قاعدة ما لا يجوز التوكيل فيه منها\rكتب العلامة ابن الشاط فيما مر عند قول الأصل الفرق الحادي والسبعون والمائة إلخ أن هذا الفرق بين هاتين القاعدتين قريب من الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح فيه النيابة\rوقاعدة ما لا تصح النيابة فيه أو هو هو ا ه قلت وأوفى كلامه لحكاية الخلاف ففي شرح عبق على خليل والبناني عليه ما","part":4,"page":79},{"id":1310,"text":"خلاصته وسلمه الرهوني وكنون أن قول خليل في مختصره صحت الوكالة في قابل النيابة إلخ أي شرعا وهو ما لا يتعين فيه المباشرة أي ما تجوز فيه النيابة تصح فيه الوكالة وما لا تجوز فيه النيابة لا تصح فيه الوكالة مبني على ما لابن رشد وعياض من مساواة النيابة للوكالة كما نقل ابن عرفة عنهما من جعلهما نيابة الأمراء وكالة لا على أن النيابة أعم الذي هو مقتضى تعريف ابن عرفة للوكالة بقوله نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير مشروطة بموته فتخرج نيابة إمام الطاعة أميرا أو قاضيا أو صاحب شرطة أو إمام الصلاة والوصي ا ه\rقال البناني ولو أسقط ذي من قوله ذي إمرة وجعل غير نعتا لحق لكان تعريفه شاملا لتوكيل الإمام في حق له قبل شخص تأمل ا ه\rقال واعلم أنه وقع في كلام ابن عرفة هنا أنه ذكر أن شرط النيابة بمقتضى دلالة الاستقراء والاستعمال استحقاق جاعلها فعل ما وقعت النيابة فيه قال فإذا جعل الإنسان غيره فاعلا أمرا فإن كان يمتنع أن يباشره أو لا حق له في مباشرته فهو أمر وإن صحت مباشرته وكان له فيه حق فهو نيابة فجعل الإنسان غيره يقتل رجلا عمدا عدوانا هو أمر لا نيابة وجعله يقتله قصاصا نيابة ووكالة ا ه\rورد بهذا على ابن هارون الذي أبطل طرد تعريف ابن الحاجب الوكالة بأنها نيابة فيما لا تتعين المباشرة بالنيابة في المعاصي كالسرقة والغصب وقتل العدوان ثم ناقض ابن عرفة كلامه بما ذكره بعد من أن الوكالة التي هي أخص من النيابة تعرض لها الحرمة بحسب متعلقها ومثل ذلك بالبيع الحرام وهو ممنوع المباشرة فتأمله قاله الشيخ المناوي ا ه\r","part":4,"page":80},{"id":1311,"text":"وقد تقدم في الفرق العاشر والمائة توضيح الفرق بين ما تصح النيابة فيه وبين ما لا تصح النيابة فيه وفي الفرق الحادي والسبعين والمائة ما يوضحه من المسائل وبقي هنا مسألة وهي أنه قد تقدم أن ما كان من العبادة كالصلاة العينية من حيث إن مصلحتها الخضوع والخشوع وإجلال الرب سبحانه وتعالى وإظهار العبودية له لا تصح النيابة فيها لذاتها فرضا أو سنة أو رغيبة أو مندوبة لعدم سقوطها عن المستنيب إذا فعلها النائب عنه لفوات المصلحة التي طلبها الشارع حينئذ إذ لا يلزم من خضوع الوكيل خضوع الموكل وقال عبق على خليل وأما النيابة على إيقاعها بمكان وزمن مخصوصين فتصح كالقارئ مطلقا وكنيابة في أذان وإمامة ونحوهما كقراءة بمصحف بمكان مخصوص لضرورة ا ه\rالمراد قال البناني وفي التوضيح في باب الحج لما ذكر أن أجير الحج لا يجوز له أن يصرف ما أخذه من الأجرة إلا في الحج ولا يقضي بها دينه ويسأل الناس وأن ذلك جناية منه لأن ذلك خلاف غرض الميت الموصي كما أشار إليه في مختصره بقوله وجنى إن وفى دينه ومشى ما نصه وكان شيخنا يعني المنوفي رحمه الله تعالى يقول ومثل هذا المساجد ونحوها يأخذها الوجيه بوجاهته ثم يدفع من مرتباتها شيئا قليلا لمن ينوب عنه فأرى أن الذي أبقاه لنفسه حرام لأنه اتخذ عبادة الله متجرا ولم يوف بقصد صاحبها إذ مراده التوسعة ليأتي الأجير بذلك مشروح الصدر قال رحمه الله تعالى وأما إن اضطر إلى شيء من الإجارة على ذلك فإني أعذره لضرورته ا ه\rفكلام المنوفي هذا صريح في\rأمرين\rالأول\rأن النائب مع الضرورة ليس له إلا ما اتفق عليه مع المنوب عنه من قليل أو كثير\r","part":4,"page":81},{"id":1312,"text":"الثاني أن النائب مع عدم الضرورة مستحق لجميع الخراج وصريح كلام القرافي الموافقة للمنوفي في الأمر الأول ومخالفته في الأمر الثاني وأن الاستنابة إذا وقعت مع عدم الغدر لم يكن للنائب ولا للمنوب عنه شيء من خراج الوقف حيث قال في الفرق الخامس عشر والمائة ما نصه إذا وقف الواقف على من يقوم بوظيفة الإمامة أو الأذان أو الخطابة أو التدريس فلا يجوز لأحد أن يتناول من ريع ذلك شيئا إلا إذا قام بذلك الشرط على مقتضى ما شرطه الواقف فإن استناب غيره في هذه الحالة عنه في غير أوقات الأعذار فإنه لا يستحق واحد منهما شيئا من ريع ذلك الوقف أما النائب فلأن من شرط استحقاقه صحة ولايته وهي مشروطة بأن تكون ممن له النظر وهذا المستنيب ليس له نظر إنما هو إمام أو مؤذن أو خطيب أو مدرس فلا تصح الولاية الصادرة منه وأما المستنيب فلا يستحق شيئا أيضا بسبب أنه لم يقم بشرط الواقف فإن استناب في أيام الأعذار جاز له تناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك الريع ا ه\rوسلمه أبو القاسم بن الشاط وأبو عبد الله القوري ا ه\r","part":4,"page":82},{"id":1313,"text":"كلام البناني بتصرف وفي حاشية كنون قال الشيخ المسناوي رحمه الله تعالى ويبقى النظر فيما يعد عذرا ويعتبر في ذلك شرعا فإن الأسباب العارضة للمرء منها ما تتعذر معه مباشرة الوظيفة عادة كالمرض الشديد والحبس والغيبة الجبرية ومنها ما تمكن المباشرة معه بترك ذلك العارض غير أن في تركه فوات منفعة أو ترتيب مضرة كخروج من لا كافي له إلى مطالعة ضيعته أو تفقد بعض شئونه أو شهود وليمة دعي إليها في وقت الوظيفة أو تشييع جنازة قريب أو صديق أو غيرهما وما أشبه ذلك ومنها ما تمكن معه أيضا مع عدم ترتب شيء من ذلك كقصد الاستراحة وكتعاطي أسباب غير حاجيته والظاهر أن المراد القسمان الأولان دون الثالث كما يدل له ما نقله في آخر نوازل الصلاة من المعيار عن إمامي المتأخرين من الشافعية عز الدين بن عبد السلام ومحيي الدين النووي من قول الأول ولا يستنيب إلا لعذر جرت العادة بالاستنابة فيه كالمرض والحبس وقول الثاني لعذر لا يعد بسببه مقصرا وما نقله أيضا في أثناء نوازل الحبس عن أبي محمد عبد الله العبدوسي من تمثيله للعذر بالخروج إلى الضيعة وانظر السفر للزيارة هل هو من القسم الثالث كما هو المتبادر أو من الثاني لجريان العادة به في الجملة ا ه\rواعلم أن متولي الوظيفة إذا عطلها رأسا بأن لم يباشر القيام بها بنفسه ولا استناب فيها من يقوم مقامه لا يخلو حاله من أن يكون ذلك لعذر أو لغيره وفي كل إما أن تكون المدة كثيرة أو يسيرة والحكم أنه لا يستحق المرتب المجعول لمتوليها إلا في صورة واحدة وهي أن يكون عدم قيامه بها لعذر لا يعد بسببه مقصرا عادة والمدة مع ذلك يسيرة عرفا كما أفاده السيد عبد الله العبدوسي في جواب له مذكور في المعيار ونصه قال علماؤنا كل من جعل له مرتب على قراءة أو غيرها ثم لم يقم بذلك لعذر من مرض أو خوف أو لغير عذر فإنه لا يستحق ذلك\r","part":4,"page":83},{"id":1314,"text":"المرتب كالأجير على شيء لا يقوم بحق المنفعة المستأجر عليها فإنه لا يستحق الأجرة إلا أن يكون ما عطل مدة يسيرة كخروجه إلى ضيعته وتفقد شئونه أو يمرض المدة اليسيرة فإنه لا يحرم الأجرة ا ه\rومثل للمدة اليسيرة في جواب له آخر مذكور فيه أيضا بالجملة ونحوها وكذا نقل ابن عرفة عن ابن فتوح انظر القول الكاشف ا ه\rبلفظها وقد قدمت في الفرق الخامس عشر والمائة عن الشيخ منصور الحنبلي في شرحه على الإقناع أن مذهبهم جواز استنابة الأجير في مثل تدريس وإمامة وخطابة ونحوها جائزة ولو نهى الواقف عن ذلك إذا كان النائب مثل مستنيبه في كونه أهلا لما استنيب فيه فلا تغفل والله سبحانه وتعالى أعلم\rفائدة\rفي حاشية الرهوني على عبق ما نصه ابن يونس الأصل في جواز الوكالة قوله تعالى فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة وقوله فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم والأوصياء كالوكلاء ومن السنة حديث فاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها وجعل وكيله ينفق عليها وأن النبي {صلى الله عليه وسلم} أمر رجلا أن يشتري له أضحية بدينار فاشترى شاتين بدينار فباع واحدة بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له النبي {صلى الله عليه وسلم} بالبركة والإجماع على جواز الوكالة للمريض والغائب والحاضر مثل ذلك ا ه منه بلفظه ا ه\rالفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه أقول هذا الفرق مكرر مع ما تقدم من الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن\rوقد وضحته هناك أتم توضيح وضممت ما زاده هذا على ما ذكره هناك مع زيادة من بداية المجتهد وغيره لكنه ذكر هنا مسألتين تتعلق بهذا الفرق ولم أذكرها هناك\rالمسألة الأولى مشهور مذهبنا الذي حكاه اللخمي عن مالك وابن القاسم أن الضمان على الغاصب يوم الغصب دون ما بعده وأن صداق المثل يجب للموطوءة في وطء الشبهة أول يوم الشبهة دون ما بعده\r","part":4,"page":84},{"id":1315,"text":"ووافقنا أبو حنيفة وحجتنا في الغصب أمور ثلاثة الأمر الأول القاعدة الأصولية وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في قوله على اليد ما أخذت حتى ترده قد رتب الضمان على الأخذ باليد فيكون الأخذ باليد هو سبب الضمان\rوقوله {صلى الله عليه وسلم} ما أخذت قرينة تدل على ذلك كما يدل قولنا على الزاني الرجم وعلى السارق القطع على سببية هذين الوصفين فمن ادعى أن غير الأخذ باليد سببا بعد ذلك فعليه الدليل لأن الأصل عدم سببية غير ما دل عليه قوله {صلى الله عليه وسلم} ما ذكر\rالأمر الثاني القاعدة الأصولية الفقهية وهي أن الأصل ترتب المسببات على أسبابها من غير تراخ فيترتب حين وضع اليد لا ما بعد ذلك والمضمون لا يضمن لأنه تحصيل الحاصل\rالأمر الثالث القياس على حوالة الأسواق فإنها كما لا تضمن عند الشافعية كذلك لا يضمن المغصوب بعد يوم الغصب وحجتنا في وطء الشبهة إما القياس على الغصب لأنه لا قائل بالفرق بينهما وإما لأن الصداق ترتب في ذمته بالوطأة الأولى\rوالأصل عدم انتقاله وما قال أحد بوجوب صداقين وخالفنا الشافعي فيهما فقال تعتبر في المغصوب الأحوال كلها ويضمن الغاصب أعلى القيم ويعتبر في وطء الشبهة أعلى الرتب فيجب لها صداق المثل في أشرف أحوالها كما يجب أعلى القيم في الغصب ووافقه في تضمين أعلى القيم أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابنا إلا أن الجماعة من الأصحاب اعتبروا الأخذ بأرفع القيم في حوالة الأسواق حكى اللخمي عن أشهب وعبد الملك أخذ أرفع القيم إذا حالت الأسواق والشافعي لم يعتبر التضمين بحوالة الأسواق كما علمت وقد يفرق له بين حوالة الأسواق وزيادة صفات السلع بأن الحوالة والأسواق رغبات الناس وهي بين الناس خارجة عن السلع فلا تضمن بخلاف زيادة صفاتها وتظهر فائدة الخلاف في مسائل منها ما إذا غصبها ضعيفة مشوهة معيبة بأنواع من العيوب فزالت تلك العيوب عنده فعندنا القيمة الأولى وعند الشافعي الثانية لأنها أعلى وعلى\r","part":4,"page":85},{"id":1316,"text":"مذهبه لو تعلم العبد صنعة ثم نسيها ضمنها الغاصب واحتج الشافعي وموافقوه بوجوه\rالأول\rبأن الغاصب في كل وقت مأمور بالرد فهو مأمور برد الزيادة فما لم يردها يكون غاصبا لها فيضمنها\rالثاني أن الزيادة نشأت عن ملكه وفي ملكه فتكون ملكه ويد العدوان عليها فتكون مغصوبة فيضمن كالعين المغصوبة\rالثالث أنه في الحالة الثانية ظالم والظلم علة الضمان فيضمن\rوالجواب أن الوجوه الثلاثة وإن كانت مسلمة إلا أنا لا نسلم أنها سبب الضمان فلا يلزم من الأمر ولا من الظلم ولا من غيرهما الضمان لعدم نصبها شرعا سببا له والأسباب الشرعية تفتقر إلى نصب شرعي ولفظ صاحب الشرع إنما اقتضى سببية وضع اليد ومفهومه أن غيره ليس بسبب فلا بد لسببية غيره من دليل ولم يوجد وضع اليد في أثناء الغصب بل استصحابها واستصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه بدليل نظائر منها أن استصحاب النكاح لا يقوم مقام العقد الأول لصحته مع الاستبراء والعقد لا يصح مع الاستبراء\rومنها أن الطلاق يوجب ترتب العدة عقيبه واستصحابه لا يوجب عدة\rومنها وضع اليد عدوانا يوجب التفسيق والتأثيم ولو جن بعد ذلك وهي تحت يده لم يأثم حينئذ ولم يفسق\rومنها ابتداء العبادة يشترط فيها النيات وغيرها من التكبير ونحوه ودوامها لا يشترط فيه ذلك فعلمنا أن استصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه لا سيما وسبب الضمان هو الأخذ عدوانا ولا يصدق عليه بعد زمن الأخذ أنه أخذ الآن إلا على سبيل المجاز لأن حقيقة الأخذ تجري مجرى المناولة والحركات الخاصة لا يصدق شيء منها مع الاستصحاب فعلم أن سبب الضمان منفي في زمن الاستصحاب قطعا ونحن إنما نضمنه الآن بسبب متقدم لا بما هو حاصل الآن فاندفع ما ذكروه وأن القيمة إنما هي يوم الغصب زادت العين أو نقصت المسألة الثانية اختلفت المذاهب وتشعبت الآراء وطرق الاجتهاد فيما إذا ذهب جل منفعة العين كقطع\rذنب بغلة القاضي ونحو ذلك فعندنا يضمن الجميع في جميع صور ذلك\r","part":4,"page":86},{"id":1317,"text":"وقال الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما ليس له في جميع صور ذلك إلا ما نقص لأن الأصل بقاء ما بقي على ملكه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد والثوب كقولنا في الأكثر في أنه إذا ذهب النصف أو الأقل باعتبار المنفعة عادة فليس له إلا ما نقص وقال فإن قلع عين البهيمة فربع القيمة استحسانا والقياس عندهم أن لا يضمن إلا النقص واختلفوا في تعليل هذا القول فمنهم من قال لأنه ينتفع بالأكل والركوب معا وعليه فيتعدى الحكم للإبل والبقر دون البغال والحمير ومنهم من قال بالركوب فقط وعليه فيتعدى الحكم للبغال والحمير أيضا فيضمن ربع القيمة فإذا قطع يدي العبد أو رجليه فأبو حنيفة يوافقنا في تخيير السيد بين تسليم العبد وأخذ القيمة كاملة وبين إمساكه ولا شيء\rوقال الشافعي رضي الله عنه تتعين القيمة كاملة ولا يلزم تسليم العبد على خلاف قوله في المسألة الأولى أعني مسألة قطع ذنب بغلة القاضي ومنشأ الخلاف خلافهم في الملك هل يضاف للضمان وسببه معا وهو قول المخالف فلذا قال الضمان الذي سببه عدوان لا يوجب ملكا لأنه سبب للتغليط لا سبب للرفق أو يضاف للضمان فقط لا لسببه وهو قولنا وعليه فالضمان قدر مشترك بين العدوان وغيره وبسط ذلك في المسألة الأولى لنا وجوه\rالأول\rأن نقول إنه أتلف المنفعة المقصودة فيضمن كما لو قتلها أما أنه أتلف المنفعة المقصودة فلأن ذا الهيئة إذا قطع ذنب بغلته لا يركبها بعد والركوب هو المقصود وأما قياس ذلك على قتلها فلأنه إذا قتلها ضمنها اتفاقا مع بقاء انتفاعه بإطعامها لكلابه وبزاته وبدبغ جلدها فينتفع به أو بغير دباغ إلى غير ذلك من المنافع غير المقصودة عادة فلما لم يمنع ذلك من الضمان علمنا أن الضمان مضاف للقدر المشترك بينهما منها وهو ذهاب المقصود فيستويان في الحكم عملا باشتراكهما في الموجب\rالوجه الثاني أنه لو غصب عسلا وشيرجا ونشا فعقد الجميع فالوذجا ضمن عندهم مع بقاء منافع كثيرة من المالية فكذلك ها هنا\r","part":4,"page":87},{"id":1318,"text":"الوجه الثالث أنه لو غصب عبدا فأبق أو حنطة فبلها بللا فاحشا ضمن عندهم مع\rبقاء التقرب في الأول بالعتق وبقاء المالية في الثاني لكن جل المقصود ذهب فكذلك ها هنا وكما أنه في الآبق حال بينه وبين جميع العين وفي الحنطة أفسدها عليه ناجزا بالبلل لتداعي الفساد إليها به كذلك صورة النزاع حال بينه وبين مقصوده وأفسده عليه ناجزا مع إمكان تجفيف الحنطة وعملها سويقا وغير ذلك من المنافع وأما ما احتجوا به من الأمرين\rالأول\rقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والاعتداء حصل في البعض فتلزمه قيمة البعض\rوالثاني أن مقتضى أن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس بل إنما يختلف باختلاف البلاد والأزمان أن تكون الجنابة في بغلة القاضي أو الأمير مثلها في غيرها كما لو جنى على عبده أو داره في عدم لزوم قيمة الجميع بل البعض ويؤيد ذلك أنه لو قطع ذنب حمار التراب أو خرق ثوب الحطاب لم يلزمه جميع القيمة مع تعذر بيع ذلك من الأمير والقاضي فإنهما لا يلبسان ذلك الثوب بسبب ذلك القطع اليسير وأنه لو قطع أذن الأمير نفسه أو أنف القاضي لما اختلفت الجناية فكيف بدابته مع أن شين القاضي بقطع أنفه أشد فالجواب عن الأول بأحد ثلاثة وجوه الأول أن ظاهر الآية يقتضي أن يعور فرس الجاني كما عور فرسه وهذا الظاهر متروك إجماعا\rالثاني أنها وردت في الدماء لا في الأموال\rالثالث أن قوله تعالى عليكم أي أنفسكم إنما تناول أنفسنا لأنه ضمير الأنفس وعن الثاني بثلاثة وجوه الأول أن الدار جل مقصودها حاصل بخلاف الفرس\rالثاني أنا لا نسلم قولهم لا يختلف التقويم باختلاف الناس بل باختلاف البلاد والأزمان ألا ترى أن الدابة الصالحة للخاصة والعامة كالقضاة والخطباء أنفس قيمة لعموم الأغراض فيها ولتوقع المنافسة في المزايدة فيها أكثر من التي لا تصلح إلا لأحد الفريقين\rالثالث\r","part":4,"page":88},{"id":1319,"text":"أن القياس على أذن الأمير وأنف القاضي باطل لأن القاعدة أن المعتبر في باب الدماء مزايا الأموال لا مزايا الرجال فإن دية أشجع الناس وأعلمهم كدية أجبن الناس وأجهلهم فأين أحد البابين من الآخر\rوبالجملة فالنقص عند العلماء ثلاثة أقسام الأول ما تذهب به العين بالكلية فيوجب طلب القيمة اتفاقا\rوالثاني ما لا يبطل المقصود فلا تلزم به القيمة اتفاقا\rوالثالث ما يخل بالمقصود فهو محل الخلاف المذكور ولذلك قال الشيخ أبو الحسن اللخمي في مذهبنا إن التعدي في مذهب مالك أربعة أقسام يسير لا يبطل الغرض المقصود به ويسير يبطله وكذلك كثير لا يبطل المقصود وكثير يبطله فهذه أربعة أقسام متقابلة أما القسم الأول وهو اليسير الذي لا يبطل المقصود فلا يضمن العين وكذلك الكثير الذي لا يبطل المقصود وهو القسم الثالث وأما القسم الرابع وهو الكثير الذي يبطل المقصود فيخير فيه كما تقدم وعلى القول بتضمينه القيمة لو أراد به أخذه وما نقصه فذلك له عند مالك وابن القاسم\rوقال محمد لا شيء له لأنه ملك أن يضمنه فامتنع فذلك رضى بنقصه وأما القسم الثاني وهو اليسير الذي يبطل المقصود فقاعدة مالك تقتضي تضمينه كما تقدم في ذنب بغلة القاضي قال وتستوي في ذلك المركوبات والملبوسات هذا هو المشهور وعن مالك لا يضمنه بذلك وفرق ابن حبيب بين الذنب فيضمن وبين الأذن فلا يضمن لاختلاف الشين فيهما واتفقوا في حوالة الأسواق على عدم التضمين لأنها رغبات الناس فالنقص في رغبات الناس لا في المغصوب هذا تهذيب ما في الأصل وسلمه أبو القاسم ابن الشاط وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد والنقصان الطارئ على المغصوب إما من قبل المخلوق وإما من قبل الخالق كأن يكون بأمر من السماء وليس له في الثاني إلا أن يأخذه\rناقصا أو يضمنه قيمته يوم الغصب وقيل إن له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب\r","part":4,"page":89},{"id":1320,"text":"وأما الأول فإما أن يكون بجناية الغاصب وإما أن يكون بجناية غيره عليه وهو عنده فالمغصوب في الأول مخير في المذهب بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه وما نقصته الجناية يوم الجناية عند ابن القاسم وعند سحنون ما نقصته الجناية يوم الغصب وذهب أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمنه القيمة أو\rيأخذه ناقصا ولا شيء له في الجناية كالذي يصاب بأمر من السماء وإليه ذهب ابن المواز وسبب إلا في اختلاف الخلاف جعل ما حصل في المغصوب من نماء ونقصان كأنه حدث في ملك صحيح فتجب للغاصب الغلة\rولا يلزمه شيء في النقصان سواء كان من سببه أو من عند\rالله وهو قياس قول من يضمنه قيمته يوم الغصب فقط كأبي حنيفة وسحنون أو جعل المغصوب مضمونا على الغاصب في كل حال وهو قياس قول أشهب وابن المواز أو أنه إن كانت يده عليه أخذه بأرفع القيم وأوجب عليه رد الغلة وضمان النقصان سواء كان من فعله أو من عند الله وهو قول الشافعي أو قياس قوله أو أن جناية الغاصب على الشيء الذي غصبه هو غصب ثان متكرر منه كما لو جنى عليه وهو في ملك صاحبه وهو قياس الشبه الذي هو عمدة مشهور مذهب مالك من التفرقة بين الجناية التي تكون من الغاصب وبين الجناية التي تكون بأمر من السماء والمغصوب في الثاني وهو ما إذا كان نقص الشيء الذي غصب منه بجناية غير الغاصب عليه وهو عند الغاصب مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب ويتبع الغاصب الجاني وبين أن يترك الغاصب ويتبع الجاني بحكم\rالجنايات فهذا حكم الجنايات على العين في يد الغاصب\r","part":4,"page":90},{"id":1321,"text":"وأما الجنايات على العين من غير أن يغصبها غاصب فإنها تنقسم عند مالك إلى قسمين جناية تبطل يسيرا من المنفعة والمقصود من الشيء باق فهذا يجب فيه ما نقص يوم الجناية وذلك بأن يقوم صحيحا ويقوم بالجناية فيعطي ما بين القيمتين وجناية تبطل الغرض المقصود فصاحبه يكون مخيرا إن شاء أسلمه للجاني وأخذ قيمته وإن شاء أخذ قيمة الجناية وقال الشافعي وأبو حنيفة ليس له إلا قيمة الجناية وسبب الاختلاف الالتفات إلى الحمل على الغاصب وتشبيه إتلاف أكثر المنفعة بإتلاف العين ا ه\rبتخليص فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب استحقاق بعضه إبطال العقد في الكل وبين قاعدة ما لا يقتضي إبطال العقد في الكل وهو أن ما اشتريته أو صالحت عليه إذا استحق بعضه أو وجدت به عيبا فله ستة أحوال تنقسم إلى ثلاثة أقسام القسم الأول ما يقتضي فيه ذلك تخييرك في التماسك والرجوع بحصة البعض المستحق أو المعيب من الثمن وفي رده وذلك في ثلاث حالات الحالة الأولى أن يكون البعض المستحق أو المعيب شائعا مما لا ينقسم وليس من رباع الغلة فيخير فيما ذكر لأن حصة ذلك البعض معلومة بغير تقويم فيستصحب العقد بحسب الإمكان ولضرر الشركة سواء استحق الأقل أو الأكثر\rالحالة الثانية أن يكون ذلك البعض معينا مثليا وهو الأكثر فتخير فيما ذكر لذهاب مقصود العقد في المعنى\rالحالة الثالثة أن يكون ذلك البعض شائعا مما ينقسم أو من المتخذ للغلة وهو الثلث فتخير فيما ذكر أيضا لأن حصته من الثمن معلومة قبل الرضا به\rالقسم الثاني ما لا يقتضي فيه ذلك إبطال العقد في الكل بل لزوم التمسك بالباقي وذلك في حالتين\rالحالة الأولى أن يكون ذلك البعض شائعا مما ينقسم أو متخذا لغلة وهو دون الثلث فيجب التمسك والرجوع بحصة ذلك البعض من الثمن\r","part":4,"page":91},{"id":1322,"text":"الحالة الثانية أن يكون ذلك البعض معينا وهو الأقل سواء كان من مقوم كالعروض والحيوان أو من مثلي أي مكيل أو موزون فيجب التمسك والرجوع في المقوم بحصة ذلك البعض بالقيمة لا بالقسمة وفي المثلي بحصة ذلك البعض من الثمن قال الأصل لأن القليل لا يخل بمقصود العقد لبقاء جل المعقود عليه والأصل لزوم العقد لك\rالقسم الثالث ما يقتضي تعين رد الباقي وذلك في حالة واحدة وهي أن يكون ذلك البعض معينا من المقوم وهو وجه الصفقة فيتعين حينئذ إبطال العقد في الكل ويرد الباقي لفوات مقصود العقد ويحرم التمسك بما بقي بحصته من الثمن لأن حصته لا تعرف حتى تقوم فهو بيع بثمن مجهول ففي حاشية البناني على عبق عند قول خليل في مختصره من فصل الاستحقاق وإن استحق بعض فكالبيع أي المعيب ما نصه حاصل استحقاق البعض أن تقول لا يخلو إما أن يكون شائعا أو معينا فإن كان شائعا مما لا ينقسم وليس من رباع الغلة خير المشتري في التماسك والرجوع بحصة المستحق من الثمن وفي رده لضرر الشركة سواء استحق الأقل أو الأكثر وإن كان مما ينقسم أو كان متخذا لغلة خير في استحقاق الثلث ووجب التمسك فيما دونه وإن استحق جزء معين فإن كان خصوصا كالعروض والحيوان رجع بحصة البعض المستحق بالقيمة لا بالتسمية وإن استحق وجه الصفقة تعين رد البناني\rولا يجوز التمسك بالأقل وإن كان مثليا فإن استحق الأقل رجع بحصته من الثمن وإن استحق الأكثر خير في التمسك والرجوع بحصته من الثمن وفي الرد وكذلك يخير في التمسك والرد في جزء شائع مما لا ينقسم لأن حصته من الثمن معلومة قبل الرضا به انظر الحطاب ا ه\rكلام البناني بلفظه وسلمه الرهوني وكنون وهو عين ما في الأصل وسلمه ابن الشاط إلا أنه زاد على ما في الأصل بيان حكم حالتي البعض الشائع إن كان مما ينقسم أو كان متخذا لغلة وهو ثلث أو دونه فلذا عولت عليه في بيان الفرق لا على ما في الأصل فتنبه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":92},{"id":1323,"text":"الفرق التاسع عشر والمائتان بين قاعدة ما يجب التقاطه وبين قاعدة ما لا يجب التقاطه\rوهو أن الالتقاط بحسب حال الملتقط بكسر القاف وحال الزمان الحاضر وأهله ينقسم كما في التوضيح ثلاثة أقسام إجمالا وأربعة تفصيلا الأول أن يعلم من نفسه الخيانة فيحرم التقاطها\rالثاني أن يخاف ولا يتحقق أي بأن يشك فيكره\rالثالث أن يتيقن أمانة نفسه وهو ينقسم إلى قسمين إما أن يخاف عليها الخونة أم لا فإن خاف وجب عليه الالتقاط وإن لم يخف فثلاثة أقوال لمالك الاستحباب والكراهة والاستحباب فيما له بال والترك لغيره أفضل ا ه\rباختصار أفاده البناني على عبق يعني أن الترك لغير ما له بال أفضل من الالتقاط فهو مكروه لأن الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به والحقير كالدرهم ونحوه كما سيأتي عن اللخمي قال البناني واختار التونسي من هذه الأقوال الكراهة أي مطلقا كما في الجواهر وإليه أشار المصنف يعني الشيخ خليلا بقوله الخيانة فيما إذا علم خيانة على الأحسن واستظهر ابن عبد السلام وجوب الالتقاط عليه وتركه نفسه أي وهو القسم الأول الذي قال في التوضيح فيه بحرمة التقاطها وفيما إذا شك فيها أنه هو القسم الثاني الذي قال في التوضيح فيه بكراهته ولا يكون ذلك عذرا يسقط عنه ما وجب عليه من حفظ مال الغير قال الحطاب وما قاله حسن ا ه\rوالله أعلم ا ه\rكلام البناني وسلمه الرهوني وكنون ويتحصل من هذا أن وجوب الالتقاط على كلام التوضيح\rفي قسم واحد من الأقسام الأربعة وهو ما تحقق فيه أمران الأول أن يتيقن أمانة نفسه والثاني أن يخاف على اللقطة الخونة وأن عدم الوجوب فيما عداه فيحرم في قسم وهو ما إذا علم خيانة نفسه ويكره جزما في قسم وهو ما إذا شك في خيانة نفسه ويكره على الأحسن من الأقوال الثلاثة في قسم وهو ما تحقق فيه أمران الأول أن يتيقن أمانة نفسه والثاني أن لا يخاف على اللقطة الخونة\r","part":4,"page":93},{"id":1324,"text":"وأما وجوب الالتقاط على ما استظهره ابن عبد السلام واستحسنه الحطاب ففي ثلاثة أقسام الأول ما تحقق فيه أمران تيقن أمانة نفسه وخوف الخونة على اللقطة والثاني والثالث ما إذا علم خيانة نفسه أو شك فيها ولا يكون علم الخيانة أو الشك فيها عذرا بل يجب عليه تركها وعدم وجوب الالتقاط في قسم واحد وهو ما تحقق فيه أمران تيقن أمانة نفسه وعدم خوف الخونة على اللقطة ففي كراهته ثالثها إن كانت حقيرة كالدرهم ونحوه والمختار الأول\rوانظر وجه عدم استحسانه وجوب الالتقاط في هذا القسم أيضا فإنه لم يظهر حتى فيما إذا كانت حقيرة ضرورة أن كون الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به ليس أولى من تيقن خيانة نفسه التي أوجب عليه تركها فليتأمل بإمعان وهذا التفصيل إنما يجري على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرها الشيخ أبو الوليد في المقدمات حيث قال في الأصل في لقطة المال ثلاثة أقوال الأفضل تركها من غير تفصيل لأن ابن عمر كان يمر باللقطة فلا يأخذها والأفضل أخذها لأن فيه صون مال الغير الثالث أخذ الجليل أفضل وترك الحقير أفضل وهذا إذا كان بين قوم مأمونين والإمام عدل أما بين الخونة ولا يخشى السلطان إذا عرفت فالأخذ واجب اتفاقا وبين خونة ويخشى من الإمام يخير بين أخذها وتركها بحسب ما يغلب على ظنه أي الخوفين أشد ويستثنى لقطة الحاج فلا يجري فيها هذا الخلاف كله لأنها بالترك أولى لأن ملتقطها يرحل إلى قطره وهو بعيد فلا يحصل مقصود التعريف ا ه\r","part":4,"page":94},{"id":1325,"text":"بلفظه نعم التفصيل في القول الثالث في كلام أبي الوليد غيره في كلام صاحب التوضيح وإنما يقرر منه في كلام صاحب التوضيح التفصيل في قول اللخمي الالتقاط قد يكون واجبا ومستحبا ومحرما ومكروها بحسب حال الملتقط وحال الزمان الحاضر وأهله ومقدار اللقطة فإن كان الواجد مأمونا ولا يخشى السلطان إذا أشهرها وهي بين قوم أمناء لا يخشى عليها منهم ولها قدر فأخذها وتعريفها مستحب وهذه صورة السائل لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال خذها ولأنه أحوط لصاحبها خوف أن يأخذها من ليس بمأمون ولا ينتهي إلى الوجوب لأنه بين قوم أمناء وبين غير الأمناء يجب الالتقاط لأن حرمة المال كحرمة النفس ولنهيه عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال وإن كان السلطان غير مأمون إذا أشهرها أخذها أو الواجد غير أمين حرم عليه أخذها لأنه تسبب لضياع مال المسلم وإن كانت حقيرة كره أخذها لأن الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به والحقير كالدرهم ونحوه كما في الأصل\rتنبيهات الأول قال الأصل ولم أر أحدا فصل\rوقسم أخذ اللقطة إلى الأحكام الخمسة إلا أصحابنا بل كلهم أطلقوا فقال الشافعي رحمه الله تعالى بالوجوب والندب كما قال بهما مالك قياسا على الوديعة بجامع حفظ المال فيلزم الندب أو قياسا على إنقاذ المال الهالك فيلزم الوجوب وقال أبو حنيفة أخذها مندوب إلا عند خوف الضياع فيجب وعند أحمد بن حنبل رضي الله عنه الكراهة لما في الالتقاط من تعريض نفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من التعريف فكان تركه أولى كتولي مال اليتيم وتخليل الخمر وقد ذم الله تعالى الدخول في التكاليف لقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا أي ظلوما لنفسه بتوريطها وتعريضها للعقاب وجهولا بالعواقب والحزم فيها والأمانة قال العلماء هي ها هنا التكاليف ا ه\r","part":4,"page":95},{"id":1326,"text":"التنبيه الثاني قال الأصل أيضا وجوب حفظ اللقطة عن الضياع لقاعدة أن خمسا أجمعت الأمم مع الأمة المحمدية عليها وهي وجوب حفظ النفوس فيحرم القتل بإجماع الشرائع ويجب فيه القصاص ووجوب حفظ العقول فتحرم المسكرات بإجماع الشرائع ويجب فيها الحد وإنما اختلفت في شرب القدر الذي لا يسكر فحرم في هذه الملة تحريم الوسائل وسد الذريعة بتناول القدر المسكر وأبيح في غيرها من الشرائع لعدم المفسدة فيه ووجوب حفظ الأعراض فيحرم القذف وسائر السباب ويجب في ذلك الحد أو التعذير ووجوب حفظ الأنساب فيحرم الزنا في جميع الشرائع ويجب فيه إما الرجم أو الحد ووجوب حفظ الأموال في جميع الشرائع فتحرم السرقة ويجب فيها القطع أو التعزير وكذا نحوها ا ه بزيادة من محلى جمع الجوامع وزاد في جمع الجوامع سادسا وهو وجوب حفظ الدين المشروع له قتل الكفار وعقوبة الداعين إلى البدع ا ه\rمع شرح المحلى فافهم\rالتنبيه الثالث قال الأصل أيضا أن ما تقدم في بيان الفرق بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين بأن فرض الكفاية ما لا يتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق فإن تكرير فعل النزول بعد شيل الغريق لا يحصل مصلحة بعد ذلك وفرض الأعيان ما تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس فإن مصلحتها الإجلال والتعظيم لله تعالى وهو يتكرر حصوله بتكرر الصلاة وحينئذ يظهر منه أن أخذ اللقطة من فروض الكفاية ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق العشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه العدالة وبين قاعدة ما لا تشترط فيه العدالة\r","part":4,"page":96},{"id":1327,"text":"وهو مبني على القاعدة الأصولية وهي أن المصالح التي منها اشتراط العدالة في التصرفات لحصول الضبط بها ضرورة أنه لا انضباط مع الفسقة ومن لا يوثق به أربعة أقسام القسم الأول أن تكون في محل الضروريات فينعقد الإجماع اشتراطها فيه ولهذا هنا نظائر منها الشهادات فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع فلو قبل فيها قول الفسقة ومن لا يوثق به لضاعت هذه الأمور\rوقد تقدم أنها مما أجمعت الأمم مع الأمة المحمدية على وجوب حفظه ومنها الولايات كالإمامة والقضاء وأمانة الحكم فإن هذه الولايات وغيرها مما في معنى هذه لو فوضت لمن لا يوثق به لحكم بالجور وانتشر الظلم وضاعت المصالح وكثرت المفاسد نعم لم يشترط بعضهم في الإمامة العظمى العدالة لغلبة الفسوق على ولاتها فلو اشترطت لتعطلت\rالتصرفات الموافقة للحق في تولية من يوثق به من القضاة والسعاة وأخذ ما يأخذونه وبذل ما يبذلونه وفي هذا ضرر عظيم فلذا أفسح من فوات عدالة السلطان ولما كان تصرف القضاة أعم من تصرف الأوصياء وأخص من تصرف الأئمة اختلف في إلحاقهم بالأئمة أو بالأوصياء فيجري فيهم الخلاف في عدالة الوصي وإذا نفذت تصرفات القضاة بالإجماع مع القطع بعدم ولايتهم فأولى نفوذ تصرفات الولاة والأئمة مع غلبة الفجور عليهم ومع قدرة البغاة وعموم الضرورة للولاة\rالقسم الثاني\r","part":4,"page":97},{"id":1328,"text":"أن تكون في محل الحاجيات فيجري الخلاف في اشتراطها نظرا لداعية الحاجة أو عدم اشتراطها نظرا لما يعارض داعيتها إن كان ولهذا هنا نظائر منها إمامة الصلاة فإن الأئمة شفعاء والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع عند المشفوع عنده وإلا لا تقبل شفاعته فيشترط فيهم العدالة لكن عند مالك وجماعة معه نظرا لما ذكر وأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام وأن فسقه يقدح في صحة الربط ولم يشترطها الشافعي رحمه الله نظرا إلى أن الفاسق تصح صلاته في نفسه إجماعا وكل مصل يصلي لنفسه عنده فلم تدعه حاجة لصلاح حال الإمام\rومنها المؤذنون الذين يعتمد على أقوالهم في دخول الأوقات وإيقاع الصلوات فإن حاجة الاعتماد على قول المؤذن فقط تدعو إلى اشتراط عدالته إذ لو كان المؤذن غير موثوق به حتى يؤذن قبل الوقت لتعدى خلله للصلاة فإن الصلاة قبل وقتها باطلة\rفلذا لم يختلف العلماء في اشتراط العدالة في الأذان وهو وسيلة واختلفوا في إمامة الصلاة وهي مقصد والعناية بالمقاصد أولى من الوسائل لأنه لو كان الإمام الفاسق غير متطهر وأخل بشرط باطن لا يطلع عليه المأموم لم يقدح عنده في صلاة المأموم لأن المأموم حصل ذلك الشرط فلا يقدح عنده تضييع غيره له وإن أخل بركن ظاهر كالركوع والسجود ونحوهما فالاطلاع عليه ضروري فلا يحتاج إلى العدالة فيه لأن العلم الظاهر ناب عن العدالة في ضبط المصلحة فاستغنى عنها فظهر الفرق بين الإمامة والأذان وأما من يؤذن لنفسه من غير أن يعتمد على قوله فلا يشترط فيه عدالة كسائر الأذكار وتلاوة القرآن فإن جميع ذلك يصح من البر والفاجر\rالقسم الثالث\r","part":4,"page":98},{"id":1329,"text":"أن تكون في محل التتمات فيجري الخلاف في اشتراطها وعدم اشتراطها لتعارض شائبتين فيه ولهذا نظائر هنا أيضا منها الولاية في النكاح فإنها تتمة وليست بحاجية بسبب أن الوازع الطبيعي في الشفقة على المولى عليها يمنع من الوقوع في العار ومن السعي في الإضرار فقرب ذلك عدم اشتراط العدالة فيها كالإقرارات لقيام الوازع الطبيعي فيها إلا أن الفاسق لما كان قد يوالي أهل شيعته فيؤثرهم بتوليته كأخته وابنته ونحو ذلك فيحصل لها المفسدة العظيمة فاشترطت العدالة تتمة لأجل تعارض هاتين الشائبتين\rولهذا التعارض وقع الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في ولاية النكاح وهل تصح ولاية الفاسق أم لا وفي مذهب مالك قولان ومنها الأوصياء لأن الغالب على الإنسان أنه لا يوصي على ذريته إلا من يثق بشفقته فوازعه الطبيعي يحصل مصلحة الوصية إلا أنه لما كان قد يولي أهل شيعته من الفسقة فتحصل المفاسد من ولايتهم في المعاملات والتزويج تعارضت هاتان الشائبتان فكان تعارضهما سببا في كون اشتراط العدالة في الأوصياء تتمة كما تقدم في ولاية النكاح وفي الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في الأوصياء\rالقسم الرابع\rأن تكون فيما خرج عن الأقسام الثلاثة الضرورة والحاجة والتتمة فينعقد الإجماع على عدم اشتراطها فيه ولذلك نظائر هنا منها الإقرار لأنه على خلاف الوازع الطبيعي فإنه إنما يقر على نفسه في ماله أو نفسه أو أعضائه أو نحو ذلك والطبع يمنع من المسامحة بذلك من غير سبب يقتضيه بل هو مع السبب المقتضي له شأن الطباع جحده فلا يعارض الطبع هنا موالاته لأهل شيعته فإن الإنسان مطبوع على تقديم نفسه على غيره كان من أهل شيعته وأصدقائه أم لا فلذا انعقد الإجماع على عدم اشتراطها فيه ولم ينعقد في ولاية النكاح والوصية لما علمت من أن الولي والوصي يتصرفان لغيرهما فيمكن فيهما مراعاة الأصدقاء في ذلك على غيرهم لأنه ترجيح لأحد الغيرين على الآخر\r","part":4,"page":99},{"id":1330,"text":"ومنها الدعاوى فإن المدعي وإن كان إنما يدعي لنفسه فدعواه على وفق طبعه عكس الأقارير إلا أن إلزامه البينة على وفق دعواه أو اليمين مع شاهد أو مع نكول على الخلاف في صحة القضاء بالشاهد مع اليمين أو النكول لأنهما يبعدان التهمة عن الدعوى ويقر بأنها من الصحة قائم مقام العدالة لرجحان الصدق على الكذب حينئذ كما ترجح بالعدالة وقس على هذه النظائر في هذه الأقسام الأربعة ما هو في معناها فيحصل لك الفرق بين ما يشترط فيه العدالة إجماعا إذا كان من الضرورة أو على الخلاف إذا كان من الحاجة وثم معارض وإلا فلا خلاف أو كان من التتمة لتعارض الشائبين فيه وبين ما لا يشترط فيه العدالة إذا كان مما خرج عن الثلاثة كما في الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم\rتنبيهان الأول قال العلامة الشربيني عند قوله في جمع الجوامع وليس منه أي من المرسل أي المطلق عن الاعتبار والإلغاء المعبر عنه بالمصلحة المرسلة مصلحة ضرورية كلية قطعية لأنها مما دل الدليل على اعتبارها فهي حق قطعا واشترطها الغزالي للقطع بالقول به لا لأصل القول به قال والظن القريب من القطع كالقطع ا ه\rما خلاصته نقلا عن السعد في التلويح أن الإمام الغزالي قسم المصالح إلى ثلاثة أقسام القسم الأول ما شهد الشرع باعتباره وهي أصل في القياس وحجة وهي المحافظة على مقصود الشرع من المحافظة على الخمسة الضرورية أي التي هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال فكل ما يتضمن حفظ هذه\rالخمسة الضرورية وكل ما يقويها فهي مصلحة ودفعها مفسدة وإذا أطلقنا المعين المخيل والمناسب في باب القياس أردنا به هذا الجنس\rالقسم الثاني\rما شهد الشرع ببطلانه كنفي الصوم في كفارة الملك أي السلطان\r","part":4,"page":100},{"id":1331,"text":"القسم الثالث ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالبطلان وهذا في محل النظر وهي المصالح الحاجية والتحسينية فلا يجوز الحكم بمجردها ما لم تعضد بشهادة الأصول لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي وإذا اعتضد بأصل فهو قياس ا ه\rوما مشي عليه في هذا القسم المسمى بالمرسل وبالمصلحة المرسلة هو أحد أقوال ذكرها الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الاعتصام وعزى هذا القول إلى القاضي وطائفة من الأصوليين\rوالثاني وهو اعتبار ذلك وبناء الأحكام عليه على الإطلاق لمالك والثالث وهو اعتبار ذلك بشرط قربه من معاني الأصول للشافعي ومعظم الحنفية قال هذا ما حكى الإمام الجويني ا ه\rومن نظائر هذا القسم رمي بعض المسلمين من السفينة في البحر لنجاة الباقين فعند أصحابنا يقرع بينهم من غير تفرقة بين الحر والرقيق لأجل نجاة الباقين لكن بعد رمي الأموال غير الرقيق وقال المحلي لا يجوز رمي البعض بالقرعة لأن القرعة لا أصل لها في الشرع في ذلك لأن نجاة الباقين ليس كليا أي متعلقا بكل الأمة ا ه\r","part":4,"page":101},{"id":1332,"text":"وفي العطار عليه ذكر الصلاح الصفدي أن مركبا كان في البحر وفيه مسلمون وكفار فأشرفوا على الغرق وأرادوا ليرموا بعضهم إلى البحر لتخف المركب وينجو الباقي فقالوا نقترع ومن وقعت عليه القرعة ألقيناه فقال الريس نعد الجماعة فكل من كان تاسعا في العدد ألقيناه فارتضوا بذلك فلم يزل يعدهم ويلقي التاسع فالتاسع إلى أن ألقى الكفار أجمعين وسلم المسلمون وكان وضعهم على هيئة مخصوصة بأن وضع أربعة مسلمين وخمسة كفارا ثم مسلمين ثم كافرا إلى آخر ذلك ووضع لهم ضابطا وهو قول بعضهم الله يقضي بكل يسر ويرزق الضعيف حيث كانا فمهمل الحروف للمسلمين ومعجمها للكفار والابتداء بالمسلمين والسير إلى جهة الشمال بالعدد فتأمل ذلك وفيه أيضا قبل ذلك عن اللغز والصحيح أن الاستدلال بالمرسل في الشرع لا يتصور حتى يتكلم فيه بنفي أو إثبات إذ الوقائع لا حصر لها وكذا المصالح وما من مسألة تعرض إلا وفي الشرع دليل عليها إما بالقبول أو بالرد فإنا نعتقد استحالة خلو واقعة عن حكم الله تعالى فإن الدين قد كمل\rوقد استأثر الله برسوله وانقطع الوحي\rولم يكن ذلك إلا بعد كمال الدين قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم والذي يدل على عدم تصوره أن أحكام الشرع تنقسم إلى مواقع التعبدات والمتبع فيها النصوص وما في معناها وما لم ترشد النصوص إليه فلا تعبد به\r","part":4,"page":102},{"id":1333,"text":"وإلى ما ليس من التعبدات وهو ينقسم إلى ما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والمعاملات والطلاق وقد أحالها الشرع في موجباتها إلى قضايا العرف فيها بنفي أو إثبات إلا ما استثناه الشارع عليه الصلاة والسلام كالاكتفاء بالعثكال الذي عليه مائة شمروخ إذا حلف أن يضرب مائة لما ورد في قصة أيوب عليه السلام ولم ينسخ في شرعنا وإلى ما يتعلق بغير الألفاظ وهو منقسم إلى ما ينضبط في نفسه كالنجاسات والمحظورات وطرق تلقي الملك فهذه الأقسام منضبطة ومستنداتها معلومة وإلى ما لا ينضبط إلا بالضبط في مقابله كالأشياء الطاهرة والأفعال المباحة تنضبط بضبط النجاسة والحظر وكذلك الأملاك منتشرة تنضبط بضبط طرق النقل والإيذاء محرم على الاسترسال من غير ضبط وينضبط بضبط ما استثنى الشرع في مقابلته فالوقائع إن وقعت في جانب الضبط ألحقت به وإن وقعت في الجانب الآخر ألحقت به وإن ترددت بينهما وتجاذبها الطرفان ألحقت بأقربهما ولا بد وأن يلوح الترجيح لا محالة فخرج منه أن كل مصلحة تتخيل في كل واقعة محبوسة بالأصول المتعارضة لا بد أن تشهد الأصول بردها أو قبولها ا ه\r","part":4,"page":103},{"id":1334,"text":"وفي التلويح عنه أنه قال وأما المصلحة الضرورية فلا بعد في أن يؤدي إليها رأي مجتهد وإن لم يشهد له أصل معين ولها نظائر منها رمي الكفار المتترسين بأسرى المسلمين في الحرب المؤدي إلى قتل الترس معهم إذا قطع أو ظن ظنا قريبا من القطع بأنهم إن لم يرموا استأصلوا المسلمين بالقتل الترس وغيره وإن رموا سلم غير الترس فيجوز رميهم لحفظ باقي الأمة فإنا نعلم قطعا بأدلة خارجة عن الحصر أن تعليل القتل مقصود للشارع كمنعه بالكلية لكن قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معنا ونحن إنما نجوز عند القطع أو ظن قريب من القطع وبهذا الاعتبار تخصص الحكم من العمومات الواردة في المنع عن القتل بغير حق لما نعلم قطعا أن الشرع يؤثر الحكم الكلي على الجزئي وأن حفظ أصل الإسلام أهم من حفظ دم مسلم واحد وهذا وإن سميناه مصلحة مرسلة لكنها راجعة إلى الأصول الأربعة لأن مرجح المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع المعلومة بالكتاب والسنة والإجماع ولأن كون هذه المعاني عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات سميناها مصلحة مرسلة لا قياسا إذ القياس أصل معين\rا ه بتوضيح من المحلي قال الشربيني فعلم من قوله ونحن إنما نجوزه إلخ أنه هو لا يقول به أي المرسل عند فقد الشروط\rأما غيره فيجوز أن يقول به عند الفقد كما يؤخذ من قوله قبل ذلك فلا بعد في أن يؤدي إليها رأي مجتهد ومن قوله ولأن كون هذه المعاني إلخ أنه إنما جعل هذه من المصالح المرسلة لعدم تعين الدليل وإن رجعت إلى الأصول الأربعة لا لعدم الدليل كما في غيرهما من المصالح المرسلة فإطلاق المرسل عليها بطريق المشابهة في عدم تعين الدليل وإن كان في غيرها لا لعدمه فليتأمل ا ه\rوفي حاشية العطار عنه في المنخول أنه ذكر من نظائرها أنا لو فرضنا انقلاب أموال العالم بجملتها محرمة لكثرة المعاملات الفاسدة واشتباه الغصوب بغيرها عسر الوصول إلى الحلال المحض\r","part":4,"page":104},{"id":1335,"text":"وقد وقع فنبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال لأن تحريم التناول يفضي إلى الهلاك وتخصيصه بمقدار سد الرمق يكف الناس عن معاملاتهم الدينية والدنيوية ويتداعى ذلك إلى فساد الدنيا وخراب العالم فلا يتفرغون وهم على حالتهم مشرفون على الموت إلى صناعتهم وأشغالهم والشرع لا يرضى بمثله قطعا فنبيح لكل غني من ماله مقدار كفايته من غير سرف ولا اقتصار على سد الرمق ونبيح لكل مقتر في مال من فضل منه هذا القدر مثله ويشهد له قاعدة وهو أن الشخص الواحد إذا اضطر إلى طعام غيره أو إلى ميتة يباح له مقدار الاستقلال محافظة على الروح فالمحافظة على الأرواح أولى وأحق ا ه\rقال العطار\rوقول الغزالي وقد وقع أي هذا حصل في عصره وأما العصر الذي نحن فيه الآن فالحال أقوى وأشد نسأل الله العافية والسلامة فالتمسك بما قاله الغزالي فيه أحرى سيما وقد ذكر صاحب جمع الجوامع في كتابه توشيح الترشيح كلاما يقرب مما قاله الغزالي حيث نقل عن والده الإمام تقي الدين السبكي في ذكر المسائل التي انفرد بها واستخرجها قال من جاءه شيء من المال وهو غير مشرف ولا سائل يأخذه حراما كان أم حلالا ثم إن كان حلالا لا تبعة فيه تموله وإلا رده في مرده إن عرف مستحقه وإلا فهو كالمال الضائع قال وهذا هو ظاهر الأمر في قوله {صلى الله عليه وسلم} ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك قال وليس في قوله {صلى الله عليه وسلم} هذا ما يدفع ما نقوله لأنا على القطع بأنه لم يعن خصوص ذلك المال الذي دفعه هو {صلى الله عليه وسلم} فلم يبق إلا أعم منه من كل حلال أو الأعم مطلقا من كل مال قال وهذا هو الراجح المتبادر إلى الذهن ا ه\r","part":4,"page":105},{"id":1336,"text":"المراد وفي حاشية كنون على عبق وبنان أول باب البيوع قال القلشاني اختلف في تعريف الحلال فقيل هو ما لم يعرف أنه حرام وقيل ما عرف أصله والأول أرفق بالناس لا سيما في هذا الزمان قال بعض الأئمة وعندي في هذا الزمان أن من أخذ قدر الضرورة لنفسه وعياله من غير سرف ولا زيادة على ما يحتاج إليه لم يأكل حراما ولا شبهة وقد قال القاسم بن محمد لو كانت الدنيا حراما لما كان لك بد من العيش ألا ترى أنه يحل أكل الميتة ومال الغير للمضطر فما ظنك بما ظاهره الإباحة هذا مما لا يكاد يختلف فيه والحاصل أنه يطلب الأشبه فالأشبه بحسب الإمكان ا ه\rومراده ببعض الأئمة الفاكهاني كما في ابن ناجي ا ه\rالمراد وفيه غير ذلك فانظره وأما القسم الثاني في كلام الغزالي وهو ما شهد الشرع ببطلانه فهو الغريب لبعده عن الاعتبار كما في المحلي وإلى تمثيل الغزالي له بقوله كنفي الصوم إلخ يشير إلى قول أبي إسحاق الشاطبي في كتابه الاعتصام حكى ابن بشكوال أن الحكم أمير المؤمنين أرسل في الفقهاء وشاورهم في مسألة نزلت به فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه أي عقائل نسائه الحرائر ووطئها في رمضان فأفتوا بالإطعام وإسحاق بن إبراهيم ساكن فقال له أمير المؤمنين ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه فقال له لا أقول بقولهم وأقول بالصيام فقيل له أليس مذهب مالك الإطعام فقال لهم تحفظون مذهبه إلا أنكم تريدون مصانعة أمير المؤمنين إنما أمر مالك بالإطعام لمن له مال وأمير المؤمنين لا مال له إنما هو بيت مال المسلمين فأخذ بقوله أمير المؤمنين وشكر له عليه ا ه وهو صحيح ا ه\r","part":4,"page":106},{"id":1337,"text":"أي لأن إفتاءه بغير الصوم مع ذلك مما شهد الشرع ببطلانه كما أن إفتاءه بالصوم نظرا إلى أنه يرتدع به إذ يسهل بذل المال في شهوة الفرج كذلك مما شهد الشرع ببطلانه كما في المحلي قال أبو إسحاق الشاطبي أيضا حكى ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في رمضان فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته فقال يحيى أي ابن يحيى المغربي الأندلسي تصوم شهرين متتابعين ولما سئل عن حكمة مخالفته لإمام مذهبه الإمام مالك وهو التخيير بين العتق والصيام والإطعام فقال لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق فحملته على أصعب الأمور عليه وهو الصوم قال أبو إسحاق فإن صح هذا عن يحيى رحمه الله وكان كلامه على ظاهره كان مخالفا للإجماع ا ه\rنعم قال القرافي إفتاء يحيى له بالصوم هو الأوفق بكون مشروعية الكفارات للزجر ولم يفته يحيى على أنه أمر لا يجوز غيره ا ه\rأي حتى يكون مخالفا للإجماع فاحتفظ على هذا التحقيق\rالتنبيه الثاني نظم الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي نظائر الصلاة التي تفسد على الإمام دون المأموم بقوله وأي صلاة للإمام فسادها تبين فالمأموم في ذاك تابع سوى عدة ساوت كواكب يوسف وها أنا مبديها إليك وجامع ففي حدث ينسي الإمام وسبقه وقهقهة والخوف في العد رابع وإعلام مأموم يفوز إمامه بتنجيسه والبعض فيه منازع وقطع إمام حين كشف لعورة على ما لسحنون وقد قيل واسع ومستخلف لفظا لغير ضرورة لأجل رعاف وهي في العد سابع ومستخلف بالفتح لم ينو ثم من بتسليمه فات التدارك تابع وتارك قبلي الثلاث وطال إن همو فعلوا لكن به الخلف واقع ومنحرف لا يستجاز انحرافه وهذا غريب بالتمتمة طالع\rوذا في صلاة ما الجماعة شرطها وإلا فبطلان على الكل شائع والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":107},{"id":1338,"text":"الفرق الحادي والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه وهو أن ما كان سببا في معاملة يشترط حال وقوعه مقارنة ما هو معتبر فيما ينشأ منه من اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وما كان دليل تقدم سبب لمعاملة لا يشترط حال وقوعه مقارنة شروط ذلك المسبب وأسبابه وانتفاء موانعه والأول هو الإنشاءات كلها كالبياعات والإجارات والنكاح والطلاق والعتق وغير ذلك فشأن الإنشاءات كلها أنه يشترط في جميع ما ينشأ منها مقارنة ما هو معتبر فيه حالة الإنشاء\rوالثاني هو الإقرارات فلا يشترط فيها حضور ما هو معتبر في المقر به حالة الإقرار لأن الإقرار\rليس سببا لاستحقاق المقر به بل هو دليل تقدم السبب لاستحقاقه في زمن سابق فيحمل على أن السبب مع ما هو معتبر فيه قد تقدم على الوجه المعتبر الشرعي فمن قال هو يستحق علي دينارا من ثمن دابة حملنا هذا الإقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في ذات تقبل البيع لا خمر ولا خنزير على ما هو معتبر في البيع لأن التصرف محمول على الغالب وعلى مقتضى هذا الفرق تتفرع مسألتان\rالمسألة الأولى\r","part":4,"page":108},{"id":1339,"text":"قال العلماء رضي الله عنهم إذا باعه بدينار وفي البلد نقود مختلفة السكة تعين الغالب منها هنا لأن التصرف محمول على الغالب ولو أقر بدينار في بلد وفيها نقد غالب لا يتعين الغالب بل يقبل تفسيره في إقراره بأي سكة ذلك الدينار لأن الإقرار دليل على تقدم السبب لاستحقاق الدينار فلعل السبب واقع في بلد آخر في زمان متقدم تقدما كثيرا والغالب حينئذ في ذلك الوقت وفي ذلك البلد سكة غير هذا الغالب المتجدد ناسخا لذلك الغالب الواقع قبله والاستحقاق يتبع زمن وقوع السبب لا زمن الإقرار به وهكذا جميع النظائر التي تكون الشروط فيها فائتة حالة الإقرار ويمكن اعتبارها في الزمن الماضي الذي هو زمن وقوع السبب كما لو أقر المجنون الآن أو سكران الآن أو مغمى عليه الآن بدينار من ثمن بيع قبل إقراره فيحمل على أن ذلك البيع وقع من المجنون حالة عقله ومن السكران حالة صحوه ومن المغمى عليه حالة إفاقته وأن شروط البيع الآن مفقودة في حقهم وكما لو أقر أنه يستحق عليه ثمن بيع هذه الدار الموقوفة الآن فيصح إقراره ويحمل على حالة تكون فيه هذه الدار طلقا وأما النظائر التي تتعذر فيها الشروط في الماضي والحاضر كما لو أقر بدينار من ثمن\rهذا الخنزير فإن الخنزير لا يكون في الماضي غير خنزير فيبطل الإقرار في ذلك\rالمسألة الثانية\rإذا أوصى لجنين أو ملكه فالشرط المقارنة وإذا أقر له فالشرط تقدم السبب على الإقرار فإن حصل الشك في تقدم الجنين لم يلزم الإقرار لأنا شككنا في المحل القابل للملك وهو شرط والشك في الشرط يمنع ترتب المشروط على ما تقدم في أول الفروق أفاده الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":109},{"id":1340,"text":"الفرق الثاني والعشرون والمائتان بين قاعدة الإقرار الذي يقبل الرجوع عنه وبين قاعدة الإقرار الذي لا يقبل الرجوع عنه وهو أنه وإن كان الأصل في الإقرار اللزوم من البر والفاجر لأنه على خلاف الطبع كما تقدم ولذا قال ابن عرفة الإقرار خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه لكنه من حيث إنه قد يكون للمقر في الرجوع عنه عذر عادي وقد لا يكون له ذلك انقسم قسمين الأول ما لا يجوز الرجوع عنه وضابطه ما ليس للمقر في رجوعه عنه عذر عادي وهذا هو الغالب إلا أن في نفوذه تفصيلا أشار له ابن عاصم بقوله ومالك لأمره أقر في صحته لأجنبي اقتفي وما لوارث ففيه اختلفا ومنفذ له لتهمة نفى ورأس متروك المقر ألزما وهو به في فلس كالغرما وإن يكن لأجنبي في المرض غير صديق فهو نافذ الغرض\rولصديق أو قريب لا يرث يبطل ممن بكلالة ورث وقيل بل يمضي بكل حال وعندما يؤخذ بالإبطال قيل بإطلاق ولابن القاسم يمضي من الثلث بحكم جازم إلخ وخلاصته أن المالك لأمره تارة يقر في صحته وتارة في مرضه وفي كل منهما إما أن يكون المقر له وارثا أو أجنبيا انظر شروح العاصمية والقسم الثاني ما يجوز الرجوع عنه وضابطه ما للمقر عذر عادي في رجوعه عنه ومثل له الأصل بثلاث مسائل فقال\rالمسألة الأولى إذا أقر الوارث للورثة أن ما تركه أبوه ميراث بينهم على ما عهد في الشريعة وما تحمل عليه الديانة ثم جاء شهود أخبروه أن أباه أشهدهم أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار وحازها له أو أن والده أقر أنه ملكها عليه بوجه شرعي فإنه يقبل رجوعه عن إقراره وأنه كان بناء على العادة ومقتضى ظاهر الشريعة وعذره بأنه لم يكن عالما بما أخبرته البينة به من أن التركة كلها موروثة إلا هذه الدار المشهود بها له دون الورثة لأنه عذر عادي يسمع مثله فيقيم بينته ولا يكون إقراره السابق مكذبا للبينة وقادحا فيها ا ه\r","part":4,"page":110},{"id":1341,"text":"وسلمه أبو القاسم بن الشاط وفي شرح التسولي على العاصمية ما نصه قال أبو العباس الملوي اعتمد ما للقرافي غير واحد من الحفاظ المتأخرين وتلقوه بالقبول منهم أبو سالم إبراهيم اليزناسني ا ه\rوبه يعلم ضعف ما في الحطاب عن سحنون من أن إقراره الأول مكذب للبينة فلا ينتفع بها نقله في بابي الإقرار والقسمة بعد أن نقل عن المازري أنه أفتى بمثل ما للقرافي وبالجملة فالمعتمد ما للقرافي وبه كنت أفتيت انظر شرحنا للشامل ويؤيده ما مر أول الاستحقاق ا ه\rبلفظه وما مر أول الاستحقاق هو ما نقله عن ابن عرفة من أن حكم الاستحقاق الوجوب عند تيسر أسبابه في الربع والعقار بناء على عدم يمين مستحقه وعلى يمينه هو مباح كغير العقار والربع لأن الحلف مشقة ا ه\rقال ومراد ابن عرفة إذا لم تسمح نفسه بذلك لما فيه حينئذ من إطعام الحرام لغيره مع القدرة على منعه منه وقد قال عليه السلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه\rوقال انصر أخاك وإن\rظالما ونصره أن تمنعه عن ظلمه فالمستحق حينئذ آثم بعدم قيامه بالاستحقاق لأنه ترك واجبا عليه فهو راجع إلى تغيير المنكر وهو واجب على كل من قدر عليه والمستحق من ذلك القبيل وهذا عام سواء كان الاستحقاق من ذي الشبهة أو من غاصب لأن المستحق يجب عليه أن يعلم ذا الشبهة بأنه لا ملك له فيه وأنه يستحقه منه وإن لم تسمح نفسه به ويطلعه على بيان ملكه للشيء المستحق وإذا لم يعلمه كان قد ترك واجبا عليه آثما بذلك وهو معنى وجوب قيامه بالاستحقاق خلافا لما للشيخ الرهوني من أنه لا يظهر وجوبه بالنسبة لذي الشبهة ا ه انتهى المراد بلفظه وقال الأصل\rالمسألة الثانية\rفي الجواهر إذا قال له علي مائة درهم إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حتى يحلف أو مع يمينه أو بعد يمينه فحلف المقر له فنكل المقر وقال ما ظننت أنه يحلف لا يلزمه شيء لأن العادة جرت بأن هذا الاشتراط يقتضي عدم اعتقاد لزوم ما أقر له\r","part":4,"page":111},{"id":1342,"text":"وقال ابن عبد الحكم إن قال له علي مائة إن حلف أو دعاها أو مهما حلف بالعتق أو إن استحق ذلك أو إن كان يعلم أنها له أو إن أعارني داره فأعاره أو إن شهد علي بها فلان فشهد عليه بها لا يلزمه في هذا كله شيء لأن العادة جرت على أن هذا ليس بإقراره فإن قال إن حكم بها على فلان فحكم بها عليه لزمته لأن الحكم سبب فيلزمه عند سببها والأول كله شروط لا أسباب بل استبعادات محضة مخلة بالإقرار ا ه\rالمسألة الثالثة إذا أقر فقال له عندي مائة من ثمن خمر أو ميتة لم يلزمه شيء لأن الكلام بآخره والقاعدة أن كل كلام لا يستقل بنفسه إذا اتصل بكلام مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وقوله من ثمن خمر لا يستقل بنفسه فيصير الأول المستقل غير مستقل وكذلك الصفة والاستثناء والغاية والشرط ونحوها مما لا يستقل بنفسه ا ه\rكلام الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rفائدة قال التسولي على العاصمية والمراد بالكلالة هنا الفريضة التي لا ولد فيها ذكرا أو أنثى وإن سفل بأن كان فيها أبوان أو زوجة أو عصبة وأما الكلالة في باب الميراث فهي الفريضة التي لا ولد ولا والد وفيها يقول القائل ويسئلونك عن الكلاله هي انقطاع النسل لا محاله لا والد يبقى ولا مولود فانقطع الأبناء والجدود ا ه بلفظه\rالفرق الثالث والعشرون والمائتان بين قاعدة ما ينفذ من تصرفات الولات والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفذ من ذلك\r","part":4,"page":112},{"id":1343,"text":"وهو أن ما نفذ من ذلك ولا ينقض هو ما اجتمع فيه خمسة أمور الأول ما تتناوله الولاية بالأصالة مما دل قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وقوله عليه الصلاة والسلام من ولي من أمر أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام على أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بما هو أحسن أو ما فيه بذل الجهد وعلى أن قاعدة الولاية أنها إنما تتناول واحدا من أربعة أمور هي جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة ودرء المفسدة الخالصة أو الراجحة\rوالثاني الموافقة لدليل الحكم والثالث الموافقة لسببه وحجته وقد تقدم الفرق بين الأسباب والأدلة والحجاج وأن القضاة يعتمدون الحجاج والمجتهدين يعتمدون الأدلة وأن المكلفين يعتمدون الأسباب والرابع انتفاء التهمة فيه والخامس وقوعه على الأوضاع الشرعية كان مجمعا عليه أو مختلفا فيه وأما ما لا ينفذ من ذلك وينقض فهو ما انتفى فيه واحد من هذه الخمسة المذكورة فلذا انقسم خمسة أقسام القسم الأول ما لا تتناوله الولاية بالأصالة وهو نوعان النوع الأول ما دلت النصوص المتقدمة على أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية يكون معزولا عنها إذا أجراه في ولايته\rوذلك كل ما ليس هو بأحسن وليس فيه بذل الجهد مما خرج عن قاعدة الولاية المذكورة وصار واحدا من الأربعة الساقطة التي هي المفسدة الراجحة والمصلحة المرجوحة والمساوية وما لا مصلحة فيه ولا مفسدة فمن هنا قال الشافعي رضي الله عنه لا يبيع الوصي صاعا بصاع لأنه لا فائدة في ذلك ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين ويجب عليه عزل الحاكم إذا ارتاب فيه دفعا لمفسدة الريبة عن المسلمين ويعزل المرجوح عند وجود الراجح تحصيلا لمزيد المصلحة للمسلمين\r","part":4,"page":113},{"id":1344,"text":"واختلف في عزل أحد المتساويين بالآخر فقيل يمتنع لأنه ليس أصلح للمسلمين لأنه يؤذي المعزول بالعزل والتهم من الناس ولأن ترك الفساد أولى من تحصيل الصلاح للمتولى\rوأما الإنسان في نفسه فيجوز له ذلك أي بيع صاع بصاع وما يساوي ألفا بمائة فيما يختص به حصلت مصلحة أم لا وضابط ما يحجر به أن كل تصرف خرج عن العادة ولم يستجلب به المتصرف حمدا شرعيا وقد تكرر منه فإنه يحجر به فخرج بالقيد الأول ما فوت مصلحة لم تخرج عن العادة كما هنا وبالثاني ما استجلب به حمد الشراب والمساخر وبالثالث ما لم يتكرر كمن رمى درهما في البحر فإنه لا يحجر عليه حتى يتكرر ذلك منه تكررا يدل على سفهه وعدم اكتراثه بالمال\rالنوع الثاني\rالقضاء من القاضي بغير عمله فإنه لا تتناوله الولاية لأن صحة التصرف إنما يستفاد من عقد الولاية وعقد الولاية إنما يتناول منصبا معينا فكان معزولا عما عداه لا ينفذ فيه حكمه وعلى هذا\rأصحابنا ففي الجواهر إن شافه قاض قاضيا لم يكف في ثبوت ذلك الحكم لأن أحدهما بغير عمله فلا يؤثر إسماعه وسماعه إلا إذا كانا قاضيين ببلدة واحدة أو تجاذبا في ذلك في طرفي ولايتهما فيكون ذلك أقوى من الشهادة على كتاب القاضي فيعتمد ا ه\rوقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم قال الأصل وما علمت فيه خلافا وفي هذا القسم فروع في كتب الفقه\rالقسم الثاني\rما تتناوله الولاية لكن حكم بمستند باطل بأن حكم فيه على خلاف أحد أربعة أمور الإجماع السالم عن المعارض والنص السالم عن المعارض والقياس الجلي السالم عن المعارض\rوقاعدة من القواعد السالمة عن المعارض فلا بد في نقض الحكم المخالف لواحد من جميع هذه الأربعة من اشتراط السلامة عن المعارض أي المعارض الراجح فإن خالفه وثم معارض أرجح لم ينقض قضاؤه ولكل من المخالفة لواحد منها مع المعارض الراجح أو مع عدمه نظائر\r","part":4,"page":114},{"id":1345,"text":"أما الأول فمن نظائره أنه لو قضى في عقد الربا بالفسخ لم ينقض قضاؤه على خلاف قوله تعالى وأحل الله البيع لأنه عورض بالنصوص الدالة على تحريم الربا ومنها أنه لو قضى في لبن المصراة بالثمن لم ينقض قضاؤه وإن كان على خلاف قاعدة إتلاف المثليات أنه يجب جنسها لأجل ورود النص في ذلك\rوأما الثاني فعلى أربعة أنواع الأول ما قضى فيه بمدرك شاذ مخالف لمدرك إمامه الذي لم يثبت عند جميع أصحابه له معارض راجح ومن نظائره أنه لو قضى بصحة نكاح بلا ولي فسخناه لكونه على خلاف قوله عليه الصلاة والسلام أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ومنها أنه لو قضى باستمرار عصمة من لزمه الطلاق أي الثلاثة بناء على المسألة السريجية نقضناه لكون شرط السريجية لم يجتمع مع مشروطه أبدا فإن تقدم الثلاث لا يجتمع مع لزوم الطلاق بعدها\rفكان على خلاف قاعدة صحة اجتماع الشرط مع مشروطه\rوالنوع الثاني ما قضى فيه بالشاذ المخالف لمدرك إمامه الذي لم يثبت عند جمهور أصحابه له معارض راجح ومن نظائره ما نقله ابن يونس عن عبد الملك أنه قال ينقض عند مالك قضاء القاضي لمخالفة السنة كالقضاء باستسعاء العبد لعتق بعضه فإن الحديث ورد بأنه لا يستسعى وكالشفعة للجار أو بعد القسمة لقوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم أو يحكم بشهادة النصراني لقوله تعالى ذوا عدل منكم أو بميراث العمة والخالة والمولى الأسفل لقوله عليه السلام ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر وكل ما هو على خلاف عمل أهل المدينة ولم يقل به إلا شذوذ العلماء فإن جمهور الأصحاب على نقضه وخالفهم ابن عبد الحكم\rوقال لا تنقض شفعة الجار وما ذكر معه من الفروع لضعف موجب النقض عنده\r","part":4,"page":115},{"id":1346,"text":"والنوع الثالث ما قضي فيه بنقض ما لم ينقض ففي النوادر لأبي محمد قال محمد مما ينقض نقض ما لا ينقض فإذا قضى قاض بأن ينقض حكم الأول وهو مما لا ينقض نقض الثالث حكم الثاني لأن نقضه خطأ ويقر الأول وكذلك لو تصرف السفيه الذي تحت حجر القاضي بالبيع والنكاح وغيرهما فرده فجاء قاض ثان فأنفذه نقض الثالث هذا التنفيذ وأقر الأول وكذلك لو فسخ الثاني الحكم بالشاهد واليمين رده الثالث لأن النقض في مواطن الاجتهاد خطأ\rونقض الخطأ متعين والنوع الرابع ما لو حكم حدسا وتخمينا من غير مدرك شرعي فإنه ينقض إجماعا وهو فسق ممن فعله قاله ابن محرز من أصحابنا\rالقسم الثالث ما حكم به على خلاف السبب فإذا قضى القاضي بالقتل على من لم يقتل أو بالبيع على من لم يبع أو الطلاق على من لم يطلق أو الدين على من لم يستدن كان قضاء على خلاف الأسباب فإذا اطلع عليه وجب نقضه عند الكل إلا أن أبا حنيفة رضي الله عنه خالف في قسم منه وهو ما كان فيه عقد أو فسخ فيجعل حكم الحاكم كالعقد فيما لا عقد فيه أو كالفسخ فيما لا فسخ فيه فإذا شهد عنده شاهدا زور بطلاق امرأة فحكم بطلاقها جاز لذلك الشاهد أن يتزوجها مع علمه بكذب نفسه لأن حكم الحاكم فسخ لذلك النكاح وإذا شهدا عنده ببيع جارية فحكم ببيعها جاز لكل واحد منهما أن يشتريها ممن حكم له بها ويطأها مع علمه بكذب نفسه لأن حكم الحاكم تنزل منزلة البيع لمن حكم له وهكذا كل ما فيه عقد أو فسخ ووافقنا فيما لا عقد فيه ولا فسخ من الديون وما يجري مجراها فقال إنه باق على ما كان عليه قبل الحكم\rوقال إذا قضى بنكاح أخت المقضي له أو ذات محرم فلا تحل له لفوات قبول المحل للنكاح بالمحرمية\rوقال إذا تبين أن الشهود عبيد والحكم في عقد نكاح لم ينزل حكمه منزلة العقد لأن الشهادة هنا شرط بخلاف الأموال ولأن الحاكم لم يحكم بالملك بل بالتسليم وهو لا يوجب الملك وهذا هو معنى قول\r","part":4,"page":116},{"id":1347,"text":"المالكية والشافعية والحنابلة حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا في نفس الأمر خلافا لأبي حنيفة وحجتنا أمران الأول قوله عليه السلام إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من النار وهو عام في جميع الحقوق\rوالثاني القياس على الأموال بطريق الأولى لأن الأموال أضعف فإذا لم يؤثر فيها فأولى الفروج وحجتهم خمسة أمور الأول قضية هلال بن أمية في الصحيح أن النبي {صلى الله عليه وسلم} حين فرق بينه وبين امرأته باللعان قال فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك فجاءت به على تلك الصفة وتبين الأمر على ما قال هلال وأن الفرقة لم تكن موجودة ومع ذلك لم يفسخ تلك الفرقة وأمضاها فدل ذلك على أن حكم الحاكم يقوم مقام الفسخ والعقد وجوابه أن الفرقة في اللعان ليست بسبب صدق الزوج بدليل أنه لو قامت البينة بصدقه لم تعد إليه وإنما كانت بسبب أنهما وصلا إلى أسوأ الأحوال في المقابحة بالتلاعن فلم ير الشارع اجتماعهما بعد ذلك لأن الزوجية مبناها السكون والمودة وما تقدم من اللعان يمنع ذلك فعلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالكذب كالبينة إذا قامت والثاني ما روي عن علي رضي الله عنه أنه ادعى عنده رجل نكاح امرأة وشهد له شاهدان فقضى بينهما بالزوجية فقالت والله يا أمير المؤمنين ما تزوجني فاعقد بيننا عقدا حتى أحل له فقال شاهداك زوجاك فدل ذلك على أن النكاح\rثبت بحكمه وجوابه أنه وإن صح فلا حجة له لأنه رضي الله عنه أضاف التزوج للشهود لا لحكمها ومنعها من العقد لما فيه من الطعن على الشهود فأخبرها بأنه زوجها ظاهرا ولم يتعرض للفتيا وما النزاع إلا فيها\r","part":4,"page":117},{"id":1348,"text":"والثالث القياس على اللعان فإنه يفسخ به النكاح وإن كان أحدهما كاذبا فالحكم أولى لأن للحاكم ولاية عامة على الناس في العقود وجوابه أن كذب أحدهما لم يتعين باللعان ولم يختص به أما عدم تعيينه فلأنه قد يكون مستنده في اللعان كونه لم يطأها بعد حيضتها مع أن الحامل قد تحيض أو قرائن حالية مثل كونه رأى رجلا بين فخذيها مع أن القرائن قد تكذب كأن يكون ذلك الرجل لم يولج أو أولج وما أنزل وأما عدم اختصاصه باللعان فلأن المتداعيين في النكاح أو غيره قد يكون أحدهما كاذبا فاجرا يطلب ما يعلم خلافه ولا نسلم أن الحكم يقوم مقام الفسخ والعقد بل لما بينا أن التلاعن يمنع الزوجية والرابع أن الحاكم له أهلية العقد والفسخ بدليل أنه لو أوقع العقد على وجه لو فعله المالك نفذ وجوابه أن صاحب الشرع إنما جعل للحاكم العقد للغائب والمحجور عليهم ونحوهم بطريق الوكالة لتعذر المباشرة منهم وها هنا لا ضرورة لذلك والأصل أن يلي كل واحد مصالح نفسه ولا يترك الأصل عند عدم المعارض والخامس أن المحكوم عليه لا يجوز له المخالفة ويجب عليه التسليم فصار حكم الله تعالى في حقه ما حكم له الحاكم وإن علم خلافه فكذلك غيره قياسا عليه وجوابه أن المحكوم عليه إنما حرمت عليه المخالفة لما فيها من مفسدة مشاقة الحكام وانخرام النظام وتشويش نفوذ المصالح\rوأما مخالفته بحيث لا يطلع عليه حاكم ولا غيره فجائزة\rالقسم الرابع\r","part":4,"page":118},{"id":1349,"text":"ما تتناوله الولاية وصادف فيه الحجة والدليل والسبب غير أنه متهم فيه كقضائه لنفسه فإنه يفسخ لأن القاعدة أن التهمة تقدح في التصرفات إجماعا من حيث الجملة وإلا فالتهمة على ثلاث مراتب أعلاها كقضائه لنفسه معتبر إجماعا وأدناها كقضائه لجيرانه وأهل صقعه وقبيلته مردود إجماعا والمتوسط منها مختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني وأصلها أي القاعدة المذكورة قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين أي متهم قال ابن يونس في الموازية كل من لا تجوز شهادته له لا يجوز حكمه له\rوقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم لأن حكم الحاكم لازم للمقضي عليه فهو أولى بالرد من الشهادة لأن فوق الشاهد من ينظر عليه فيضعف الإقدام على الباطل فتضعف التهمة قال ولا يحكم لعمه إلا أن يكون مبرزا وجوزه أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم\rوقال عبد الملك لا يحكم لولده الصغير أو يتيمه أو امرأته ويجوز لغير هؤلاء الثلاثة كالأب والابن الكبير وإن امتنعت الشهادة فإن منصب القضاء أبعد عن التهم لوفور جلالة القاضي دون الشاهد\rوقال أصبغ إن قال ثبت عندي ولا نعلم أثبت أم لا ولم يحضره الشهود لم ينفذ فإن حضر الشهود وكانت شهادة ظاهرة بحق بين جاز فيما عدا الثلاثة المتقدمة أعني حكمه لولده الصغير أو يتيمه أو امرأته لأن اجتماع هذه الأمور أي حضور الشهود وكون الشهادة ظاهرة وبحق بين تضعف التهمة وهو الفرق بينه وبين الشهادة وعن أصبغ الجواز في الولد والزوجة والأخ والمكاتب والمدبر والمديان إن كان من أهل القيام بالحق وصح الحكم\r","part":4,"page":119},{"id":1350,"text":"وقد يحكم للخليفة وهو فوقه وتهمته أقوى ولا ينبغي له القضاء بين أحد من عشيرته وخصمه وإن رضي الخصم بخلاف رجلين رضيا بحكم رجل أجنبي فينفذ ذلك عليهما ولا يقضي بينه وبين غيره وإن رضي الخصم بذلك فإن فعل فيشهد على رضاه ويجتهد في الحق فإن قضى لنفسه أو لمن يمتنع قضاؤه له فليذكر القصة كلها ورضي خصمه وشهادة من شهد برضى الخصم\rوإذا فعل ذلك في مواطن خلاف العلماء ورأى أفضل منه فالأحسن فسخه فإن مات أو عزل فلا يفسخه غيره إلا في الخطأ البين فإن اجتمع في القضية حقه وحق الله عز وجل كالسرقة قال محمد يقطعه\rوقال ابن عبد الحكم يرفعه لمن فوقه وأما ما له فلا يحكم له\rالقسم الخامس\rما اجتمع فيه أنه تناولته الولاية وصادف السبب والدليل والحجة وانتفت التهمة فيه غير أنه اختلف فيه من جهة الحجة هل هي حجة أم لا وفيه مسألتان المسألة الأولى اتفق جميع الأئمة على جواز حكم الحاكم بعلمه في التجريح والتعديل واختلفوا في منعه فيما عداهما مطلقا وهو مذهبنا ومذهب ابن حنبل وجوازه في ذلك مطلقا وهو مشهور مذهب الشافعي رضي الله عنه\rوقال أبو حنيفة لا يحكم في الحدود بما شاهده من أسبابها إلا في القذف ولا في حقوق الآدميين فيما علمه قبل الولاية لنا سبعة وجوه الأول قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما أنا بشر مثلكم وإنكم\rتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع الحديث فدل ذلك على أن القضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم\rالثاني\rقوله {صلى الله عليه وسلم} شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك فحصر الحجة في البينة واليمين دون علم الحاكم وهو المطلوب\r","part":4,"page":120},{"id":1351,"text":"الثالث ما رواه أبو داود من أن النبي {صلى الله عليه وسلم} بعث أبا جهم على الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي {صلى الله عليه وسلم} فأعطاهم الأرش ثم قال أفأخطب فأعلم الناس برضاكم قالوا نعم فخطب فأعلم فقالوا ما رضينا فأرادهم المهاجرون والأنصار فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} لا ونزل فجلسوا إليه فأرضاهم فقال أأخطب الناس فأعلمهم برضاكم قالوا نعم فخطب فأعلم الناس فقالوا رضينا وهو نص في عدم الحكم بالعلم\rالرابع ما جاء في الصحيحين في قصة هلال وشريك من قوله {صلى الله عليه وسلم} إن جاءت به كذا فهو لهلال يعني الزوج وإن جاءت به كذا فهو لشريك ابن سحماء يعني المقذوف فجاءت به على النعت المكروه فقال {صلى الله عليه وسلم} لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها فدل ذلك على أنه لا يقضي في الحدود بعلمه لأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يقول إلا حقا\rوقد وقع ما قال فيكون العلم حاصلا له ومع ذلك ما رجم وعلل بعدم البينة الخامس قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فأمر بجلدهم عند عدم البينة وإن علم صدقهم\rالسادس أن الحاكم غير معصوم فيتهم بالقضاء بعلمه فلعل المحكوم له ولي أو المحكوم عليه صديق ولا نعلم نحن ذلك فحسمنا المادة صونا لمنصب القضاء عن\rالمتهم\rالسابع\rأن أبا عمر بن عبد البر قال في الاستذكار اتفقوا على أن القاضي لو قتل أخاه لعلمه بأنه قاتل أنه كالقاتل عمدا لا يرث منه شيئا للتهمة واحتجوا بتسعة وجوه أحدها ما في مسلم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قضى على أبي سفيان بالنفقة بعلمه فقال لهند خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف ولم يكلفها البينة وجوابه أن قصة هند فتيا لا حكم لأنه الغالب من تصرفاته {صلى الله عليه وسلم} لأنه مبلغ عن الله تعالى والتبليغ فتيا لا حكم والتصرف بغيرها قليل فيحمل على الغالب ولأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد ولا خلاف أنه لا يقضى على حاضر من غير أن يعرف\r","part":4,"page":121},{"id":1352,"text":"وثانيها ما رواه الاستذكار أن رجلا من بني مخزوم ادعى على أبي سفيان عند عمر رضي الله عنه أنه ظلمه حدا في موضع فقال عمر رضي الله عنه إني لأعلم الناس بذلك فقال عمر انهض إلى الموضع فنظر عمر رضي الله عنه إلى الموضع فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ها هنا فضعه ها هنا فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال لا أفعل فعلاه عمر بالدرة وقال خذه لا أم لك وضعه هنا فإنك ما علمت قديم الظلم فأخذه فوضعه حيث قال واستقبل عمر رضي الله عنه القبلة فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام فاستقبل القبلة أبو سفيان فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي ما ذللت به لعمر وجوابه أنه من باب إزالة المنكر الذي يحسن من آحاد الناس لا من باب القضاء فلم قلتم إنه من باب القضاء على أنا لو سلمنا أنها واقعة مترددة بين الأمرين لكانت مجملة فلا يستدل بها\rوثالثها قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط وقد علم القسط فيقوم به وجوابه القول بالموجب فلم قلتم إن الحكم\rبالعلم من القسط بل هو عندنا محرم\rورابعها أنه إذا جاز أن يحكم بالظن الناشئ عن قول البينة فالعلم أولى ومن العجب جعل الظن خيرا من العلم وجوابه أن العلم أفضل من الظن إلا أن استلزامه للتهمة وفساد منصب القضاء أوجب مرجوحيته لأن الظن في القضاء يخرق الأبهة ويمنع من نفوذ المصالح\rوخامسها أن التهمة قد تدخل عليه من قبل البينة فيقبل من لا يقبل وجوابه أن التهمة مع مشاركة الغير أضعف بخلاف ما يستقل به وقد تقدم أن التهم كلها ليست معتبرة بل بعضها\rوسادسها أن العمل واجب بما نقلته الرواة عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فما سمعه المكلف أولى أن يعمل به ويحكم به بطريق الأولى لأن الفتيا تثبت شرعا عاما إلى يوم القيامة والقضاء في فرد لا يتعدى لغيره فخطره أقل وجوابه أن الرواية والسماع والرؤية استوى الجميع لعدم المعارض الذي تقدم ذكره في العلم بخلاف الحكم\r","part":4,"page":122},{"id":1353,"text":"وسابعها أنه لو لم يحكم بعلمه لفسق في صور منها أن يعلم ولادة امرأة على فراش رجل فتشهد البينة أنها مملوكته فإن قبل البينة مكنه من وطئها وهي ابنته وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب\rومنها أن يعلم قتل زيد لعمرو فتشهد البينة بأن القاتل غيره فإن قبلها وقتله قتل البريء وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب\rومنها لو سمعه يطلق ثلاثا فأنكر فشهدت البينة بواحدة فإن قبل البينة مكن من الحرام وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب وجوابه أن تلك الصور لم يحكم فيها بعلمه بل ترك الحكم وتركه عند العجز عنه ليس فسقا\rوترك الحكم ليس بحكم وثامنها أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اشترى فرسا فجحده البائع فقال عليه السلام من يشهد لي فقال خزيمة يا رسول الله أنا أشهد لك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كيف تشهد ولا حضرت فقال خزيمة يا رسول الله تخبرنا عن خبر السماء فنصدقك أفلا نصدقك في هذا فسماه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذا الشهادتين فهذا وإن استدل به المالكية على عدم القضاء بالعلم فهو يدل لنا من جهة حكمه عليه السلام لنفسه فيجوز أن يحكم لغيره بعلمه لأنه أبعد في التهمة من القضاء لنفسه بالإجماع وجوابه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما حكم لنفسه وليس في الحديث أنه أخذ الفرس قهرا من الأعرابي فقد اختلف هل حكم أم لا وهل جعل شهادة خزيمة بشهادتين حقيقة أو مبالغة فما تعين ما ذكرتموه\rوقد ذكر الخطابي أنه عليه السلام إنما سمى خزيمة ذا الشهادتين مبالغة لا حقيقة\r","part":4,"page":123},{"id":1354,"text":"وتاسعها القياس على التجريح والتعديل وجوابه أنه قياس مع الفارق لأنه في التجريح أو التعديل يحكم بعلمه نفيا للتسلسل الحاصل إذا لم يحكم به لأنه يحتاج إلى بينة تشهد بالجرح أو التعديل وتحتاج البينة بينة أخرى وهكذا بخلاف صورة النزاع على أن القاضي قال في المعونة قد قيل هذا ليس حكما وإلا لم يتمكن غيره من نقضه بل لغيره ترك شهادته وتفسيقه وإذا لم يكن حكما لا يقاس عليه المسألة الثانية وهي مرتبة على الأولى قال الشيخ أبو الحسن اللخمي إذا حكم بما كان عنده من العلم قبل الولاية أو بعدها في غير مجلس الحكومة أو فيه فللقاضي الثاني نقضه فإن أقر\rالخصم بعد جلوسهما للحكومة ثم أنكر فقال مالك وابن القاسم لا يحكم به\rوقال سحنون وابن الماجشون يحكم به فلو جحد أحدهما ثم أقر في موضع يقبل ما رجع إليه من حجة أو غيرها بعد الجحود عند مالك وله ذلك عند ابن الماجشون وسحنون قال اللخمي والأول أحسن ولا أرى أن يباح هذا اليوم لأحد من القضاة واختلف إذا حكم فقال محمد أرى أن ينقض حكمه هو نفسه ما كان قاضيا لم يعزل فأما غيره من القضاة فلا أحب له نقضه قال ومعنى قوله ينقضه هو إذا تبين له خلاف القول الأول من رأيه وقيل لا ينقضه لأنه ينتقل من رأي إلى رأي فإن كان ليس من أهل الاجتهاد لم يكن حكمه الأول شيئا وينظر إلى من يقلده فإن كان ممن يرى الحكم بمثل الأول لم ينقضه إلا أن يتبين له أن مثل ذلك يؤدي مع فساد حال القضاة اليوم إلى القضاء بالباطل لأن كلهم حينئذ يدعي العدالة فينقضه لما في ذلك من الذريعة فهذا ضرب من الاجتهاد ا ه\rقال الأصل فقد صرح بأن القضاء بالعلم ينقض وإن كان مدركا مختلفا فيه فإن كان المدرك في النقض كونه مدركا مختلفا فيه فالذي ينقض به لا يعتقده فالحكم وقع عنده بغير مدرك والحكم بغير مدرك ينقض فنقضه لذلك فيلزم على هذا نقض الحكم إذا وقع بالشاهد واليمين عند من لا يعتقده\r","part":4,"page":124},{"id":1355,"text":"وقد نص على نقضه أبو حنيفة رضي الله عنه وقال هو بدعة أول من قضى به معاوية رضي الله عنه\rوليس الأمر كما قال بل أكثر العلماء على القضاء به وكذلك شهادة امرأتين فإن الشافعي لا يجيز الحكم إلا بأربع نسوة والحكم الواقع بشهادة الصبيان عند الشافعي وغيره فإنها مدرك ضعيف مختلف فيه فيتطرق النقض لجميع هذه الأحكام لأن الحكم عند المخالف بغير مدرك وإن كان المستند في نقض القضاء بالعلم ليس كونه مدركا مختلفا فيه وأنا لا نعتقده مدركا بل مستندا لنفي التهمة كما ينقضه إذا حكم لنفسه فلا يشاركه في النقض جميع غيره من المدارك المختلف فيها من هذا الوجه مع أني قد ترجح عندي فيما وضعته في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام أن القضاء بالمدرك المختلف فيه يرفع الخلاف فيه ويعينه لأن الخلاف في ذلك المدرك موطن اجتهاد فيتعين أحد الطرفين بالحكم فيه كما يتعين أحد الطرفين بالاجتهاد في المسألة نفسها المختلف فيها ا ه\rكلام الأصل بلفظه وسلمه وسائر ما قاله في هذا الفرق أبو القاسم بن الشاط ويوضحه قول التسولي على العاصمية إن حكم في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية فحكمه إنشاء رفع للخلاف فإذا قضى المالكي مثلا بلزوم الطلاق في التي علق طلاقها على نكاحها فقضاؤه إنشاء نص خاص وارد من قبله سبحانه وتعالى في خصوص هذه المرأة المعينة فليس للشافعي أن يفتي فيها بعدم لزوم الطلاق استنادا لدليله العام الشامل لهذه الصورة ولغيرها لأن حكم الحاكم جعله الله تعالى نصا خالصا واردا من\r","part":4,"page":125},{"id":1356,"text":"قبله رفعا للخصومات وقطعا للمشاجرة والقاعدة الأصولية إذا تعارض خاص وعام قدم الخاص نعم للشافعي أن يفتي ويحكم في غيرها بمقتضى دليله كذا لو حكم الشافعي في الصورة المذكورة باستمرار الزوجية بينهما خرجت عن دليل المالكي ولزمه أن يفتي فيها بلزوم النكاح ودوامه وفي غيرها بلزوم الطلاق وهكذا حكمه في مواطن الخلاف كان داخل المذهب أو خارجه وهو معنى قول خليل ورفع الخلاف إلخ قلت وهذا في المجتهد أو المقلد الذي معه في مذهب إمامه من النظر ما يرجح به أحد الدليلين على الآخر\rوأما غيرهما فمحجر عليه الحكم بغير المشهور أو الراجح أو ما به العمل فحكمه بذلك إخبار وتنفيذ محض نعم إذا تساوى القولان في الترجيح فحكمه إنشاء رفع للخلاف وخرج باجتهادية حكم حكمه في مواضع الإجماع فإنه إخبار محض لا إنشاء فيه لتعيين الحكم بذلك وثبوته ويقيد التقارب إلخ المدرك الضعيف كالشفعة للجار واستسعاء المعتق بعضه فالحكم بسقوطهما إخبار محض والحكم بثبوتهما ينقض لضعف المدرك عند القائل به ويقيد المصلحة الدنيوية العبادات وتحريم السباع وطهارة الأواني والمياه ونحو ذلك مما اختلف فيه أهل الاجتهاد لا للدنيا بل للآخرة فهذه تدخلها الفتوى فقط إذ ليس للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة بخلاف المنازعة في الأملاك والأوقاف والرهون ونحوها مما اختلفت فيها المصلحة الدنيا\rوكذا أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فهو حكم من جهة أنه تنازع بين الفقراء والأغنياء لا إن أخبر عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة ففتوى فقط ا ه\rالمراد بتوضيح ما هو عين ما يأتي للأصل في الفرق بين الفتوى والحكم ويأتي فيه ما لأبي القاسم بن الشاط من البحث فترقب\r","part":4,"page":126},{"id":1357,"text":"فائدتان الأولى القول بالموجب بفتح الجيم ما يقتضيه الدليل وبكسرها الدليل وهو عند الأصوليين تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع بأن يظهر عدم استلزامه الدليل لمحل النزاع وشاهده أي الدال على اعتباره قوله تعالى ولله العزة ولرسوله في جواب ليخرجن الأعز منها الأذل المحكي عن المنافقين أي صحيح ذلك لكن هم الأذل والله ورسوله الأعز وقد أخرجاهم فقد سلم موجب الدليل ومقتضاه مع بقاء النزاع في الأعز من هو والأذل من هو وليس هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب فقط الذي اصطلح عليه أرباب المعاني كما في جمع الجوامع وشرح المحلي وعطاره وكذا قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط مسلم مقتضاه وهو وجوب القيام بالقسط أي العدل مع بقاء النزاع في كون الحكم بالعلم منه أم لا وهو الذي نقوله لأنه محرم عندنا فتنبه قال العطار على محلى جمع الجوامع وجعل الأصوليون القول بالموجب من القوادح لأنه لا ينافي تسليمه ليس المراد تسليم الدليل على مدعي المستدل بل تسليم صحته على خلافه فهو قادح في العلة ا ه\rبتوضيح الثانية في شرح التسولي على العاصمية مثل التجريح والتعديل في جواز الحكم بعلمه تأديب من أساء عليه وضرب خصم له إلخ فما يستند فيه لعلمه جنس تحته أنواع ا ه فافهم والله تعالى أعلم\rالفرق الرابع والعشرون والمائتان بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم\r","part":4,"page":127},{"id":1358,"text":"وهو أن كلا منهما وإن كان خبرا عن الله تعالى ويجب على السامع اعتقاد ذلك ويلزم ذلك المكلف من حيث الجملة إلا أن بينهما فرقا من جهتين الجهة الأولى أن الفتوى محض إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة والحكم إخبار ما له الإنشاء والإلزام أي التنفيذ والإمضاء لما كان قبل الحكم فتوى فالمفتي مع الله تعالى كالمترجم مع القاضي ينقل عنه ما وجده عنده واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينفذ ويمضي بين الخصوم ما كان قبل ذلك فتوى وليس بناقل ذلك عن مستنيبه بل مستنيبه قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمي فكما أن كلا من المترجم عن القاضي ونائب القاضي موافق للقاضي ومطيع له وساع في تنفيذ مراده غير أن\rأحدهما ينقل نقلا محضا من غير اجتهاد له في التنفيذ والإمضاء بين الخصوم والآخر ينفذ ويمضي ما يجتهد فيه من الأحكام على وفق القواعد بين الخصوم كذلك المفتي والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى قابل لحكمه غير أن المفتي مخبر محض والحاكم منفذ وممض هذا وتقرير هذه الجهة على ما ذكر هو ما صححه أبو القاسم بن الشاط رحمه الله تعالى قال التسولي على العاصمية ومن قوله ويجب على السامع اعتقاد ذلك إلخ قال قاض لخصمه اتهمه في حكمه أي وهو موافق للقواعد الشرعية لست بمؤمن فقال وبم كفرتني قال له قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ا ه\rالجهة الثانية أن كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى ولا عكس وذلك أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ألبتة بل إنما تدخلها الفتيا فقط فكل ما وجد بها من الإخبارات فهي فتيا فقط فليس لحاكم أن\r","part":4,"page":128},{"id":1359,"text":"يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون بحلول قليل نجاسة فيه لم تغيره نجسا فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله بل ما يقال في ذلك إنما هو فتيا إن كانت مذهب السامع عمل بها وإلا فله تركها والعمل بمذهبه قاله الأصل وصححه ابن الشاط رحمه الله تعالى قال الأصل ويلحق بالعبادات أسبابها فإذا شهد بهلال رمضان شاهد واحد فأثبته حاكم شافعي ونادى في المدينة بالصوم لا يلزم ذلك المالكي لأن ذلك فتيا لا حكم وكذلك إذا قال حاكم قد ثبت عندي أن الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلي المتخذ لاستعمال مباح سبب لوجوب الزكاة فيه أو أنه لا يوجب الزكاة أو غير ذلك من أسباب الأضاحي والعقيقة والكفارات والنذور ونحوها من العبادات المختلف فيها أو في أسبابها لا يلزم شيء من ذلك من لا يعتقده بل يتبع مذهبه في نفسه\rولا يلزمه قول ذلك القائل لا في عبادة ولا في سببها ولا شرطها ولا مانعها وبهذا يظهر أن الإمام لو قال لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكما وإن كانت مسألة مختلفا فيها هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا وللناس أن يقيموها بغير إذن الإمام إلا أن يكون في ذلك صورة المشاقة وخرق أبهة الولاية وإظهار العناد والمخالفة فتمتنع إقامتها بغير أمره لأجل ذلك لا لأنه موطن خلاف اتصل به حكم حاكم وقد قاله بعض الفقهاء وليس بصحيح ا ه بلفظه\rقال أبو القاسم بن الشاط رحمه الله تعالى وفيما قاله في ذلك نظر إذ لقائل أن يقول إن حكم الشافعي بثبوت هلال رمضان بشهادة شاهد واحد حكم يلزم جميع أهل البلد وكذلك يلزم غير ذلك الحاكم ممن يخالف مذهبه مذهبه ما بني على ذلك الثبوت كما إذا ثبت عنده أن الدين لا يسقط الزكاة وأراد أخذها ممن يخالف مذهبه مذهبه أنه لا يسوغ له الامتناع من دفعها له\r","part":4,"page":129},{"id":1360,"text":"وكذلك ما أشبه وحينئذ فقول الإمام لا تقيموا الجمعة إلا بإذني حكم حاكم اتصل بأمر مختلف فيه فيتعين الوقوف عند حكمه كما قاله ذلك الفقيه فهو الصحيح والله أعلم ا ه\rقلت وخالفه ابن فرحون في تبصرته في قوله وحينئذ فقول الإمام إلخ حيث وافق ما نقله عن الشيخ سراج الدين عمر البلقيني رحمه الله تعالى من قوله ولقد عجبت من قاض حضر عند سلطان ووقع الكلام في صحة إقامة الجمعة في جامع بناه ذلك السلطان فلما تكلموا في الخلاف في ذلك قال القاضي نحكم بصحة إقامة الجمعة فيه وهذا الكلام باطل إذ لا يتصور أن يدخل ذلك ولا نحوه تحت الحكم استقلالا ولا تضمنا على الإطلاق لكن يدخل بالنسبة إلى واقعة خاصة من تعليق الطلاق أو غيره على صحة إقامة الجمعة في هذا المكان بالنسبة إلى إلزام الشخص لا مطلقا ا ه\rوأما ما يتأتى فيه حكم الحاكم فضبطه الأصل بأربعة قيود فقال إنما يؤثر حكم الحاكم إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب في المدارك لأجل مصلحة دنيوية قال فقيد الإنشاء احتراز من حكمه في مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار وتنفيذ محض وأما في مواضع الخلاف فهو ينشئ حكما وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة من ذلك الباب قد جعل الله تعالى في مواطن الخلاف نصا ورد من قبله في خصوص تلك الصورة فإذا قضى المالكي فيمن مس ذكره بعد وضوءه بنقض وضوئه أو قضى في امرأة علق طلاقها قبل الملك بوقوع الطلاق تناول هذه الصورة الدليل الدال على عدم نقض الوضوء وعدم لزوم الطلاق عند الحنفي والشافعي وكان حكم\r","part":4,"page":130},{"id":1361,"text":"المالكي بالنقض ولزوم الطلاق نصا خاصا تختص به هذه المرأة المعينة وهو نص من قبل الله تعالى فإن الله جعل ذلك للحكام رفعا للخصومات والمشاجرات وهذا النص الوارد من هذا الحكم أخص من ذلك الدليل العام فيقدم عليه ويصير حكم المالكي مثلا مذهبا لغيره لأن القاعدة الأصولية تقديم الخاص على العام إذا تعارضا فلذلك لا يرجع الشافعي يفتي بمقتضى دليله العام الشامل لجملة هذه القاعدة في هذه الصورة منها لأنها قد تناولها نص خاص بها مخرج لها عن مقتضى ذلك الدليل العام وإنما يفتي الشافعي بمقتضى دليله العام فيما عدا هذه الصورة من هذه القاعدة\rوكذلك إذا حكم الشافعي باستمرار الزوجية بينهما خرجت هذه الصورة عن دليل المالكي ولزمه أن يفتي بها بلزوم النكاح ودوامه وفي غيرها بلزوم الطلاق لأجل ما أنشأه الشافعي من الحكم تقديما للخاص على العام فهذا هو معنى الإنشاء وقيد في مسألة اجتهادية احترازا عن مواقع الإجماع فإن الحكم هنالك ثابت بالإجماع فيتعذر فيه الإنشاء لتعينه وثبوته إجماعا وقيد تتقارب مداركها احترازا من الخلاف الشاذ المبني على المدرك الضعيف فإنه لا يرفع الخلاف بل ينقض في نفسه إذا حكم بالفتوى المبنية على المدرك الضعيف وقيد لأجل مصالح الدنيا احترازا من العبادات كالفتوى بتحريم السباع وطهارة الأواني وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة بخلاف الاختلاف في العقود والأملاك والرهون والأوقاف ونحوها مما لا يكون إلا لمصالح الدنيا\rوبهذا يظهر أن الأحكام الشرعية قسمان\rالأول\r","part":4,"page":131},{"id":1362,"text":"ما يقبل حكم الحاكم مع الفتوى فيجتمع الحكمان والثاني ما لا يقبل إلا الفتوى ويظهر لك بهذا أيضا تصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا وقع هل هو من باب الفتوى أو من باب القضاء والإنشاء وأيضا يظهر أن إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة فتوى وأما أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فحكم وفتوى من جهة أنه تنازع بين الفقراء والأغنياء في المال الذي هو مصلحة دنيوية ولذلك أن تصرفات السعاة والجباة في الزكاة أحكام لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها ا ه\rووافقه على هذا الضابط العلامة التسولي في شرحه على العاصمية إلا أنه جعل القيود ثلاثة مستغنيا عن قيد الإنشاء بقيد في مسألة اجتهادية لاتحاد المخرج بكل منهما كما ترشد لذلك عبارة الأصل\rوقد تقدمت عبارة التسولي في الفرق الذي قبل هذا فلا تغفل وخالفه العلامة ابن فرحون في تبصرته أولا في كون غير العبادات يدخلها الحكم مطلقا كانت من مواطن الخلاف أو الإجماع فقال إن دخول الحكم في النكاح وتوابعه بالصحة والموجب استقلال واضح وكذا سائر المعاوضات من البيع والقراض والرهن والإجارة والمساقات والقسمة والشفعة والعارية\rالوديعة والحبس والوكالة والحوالة والحمالة والضمان وغير ذلك من أبواب المعاوضات كلها يدخلها الحكم بالصحة وبالموجب فلا نطول بالتمثيل ومنها الصيد فإذا تنازع اثنان في صيد وترافعا إلى الحاكم وتصادقا على فعلين صدرا منهما على الترتيب مثلا أو قامت البينة على ذلك وكان مقتضى مذهب الحاكم أنه للأول أو للثاني فحكم له بأنه المالك كان ذلك حكما مستقلا صحيحا وثابتا في العبادات فقسمها باعتبار دخول الحكم إلى ثلاثة أقسام\rالأول\r","part":4,"page":132},{"id":1363,"text":"ما يدخله الحكم استقلالا وهو الزكاة والصوم قال أما الزكاة فيدخلها الحكم استقلالا وذلك مثل ما لو حكم حاكم يرى جواز إخراج القيمة في الزكاة بصحة الإخراج أو بموجبه عنده وهو سقوط الفرض بذلك كان الحكم بالصحة والموجب في ذلك سواء وليس للساعي إذا كان ذلك الحكم مخالفا لمذهبه أن يطالب المالك بإخراج الواجب عنده سواء حكم بالصحة أو حكم بالموجب\rوأما الصوم فيدخله أيضا وذلك إذا صام الولي الوارث عن الميت وطلب الوصي أن يخرج الطعام فامتنع الوارث منه وترافعا إلى حاكم يرى صحة الصوم عن الميت فحكم بصحته أو بموجبه فليس للوصي أن يخرج الطعام حينئذ ولا أن يطالب الوارث بذلك بخلاف ما قبل الحكم\rوالثاني ما لا يدخله الحكم استقلالا بل بطريق التضمن فقط وهو الطهارة والصلاة والأضحية قال أما الطهارة فلا يدخلها شيء من الحكم بالصحة ولا بالموجب استقلالا لكن يدخلها الحكم بطريق التضمن كتعليق عتق أو طلاق على طهارة ماء أو نجاسة فإذا ثبت عند الحاكم وقوع الطلاق لوجود الصفة فحكم بصحة الطلاق أو بموجب ما صدر من المعلق لوجود صفته كان ذلك متضمنا للحكم بالنجاسة أو بالطهارة\rوأما الصلاة فيدخلها الحكم بالتضمن مثل من صلى المكتوبة بوضوء خال عن النية أو مع وجود مس الذكر لاعتقاده صحة الصلاة مع ذلك فإذا حكم حاكم بعدالة من فعل ذلك والحاكم معتقد صحة ذلك كان حكمه متضمنا صحة وضوءه وعلى هذا قياس الصلاة الخالية عن قراءة الفاتحة وعن الطمأنينة ونحو ذلك وأما الأضحية فهي عبادة لا يدخلها الحكم استقلالا وقد يدخلها بطريق التضمن في التعليق كما تقدم\r","part":4,"page":133},{"id":1364,"text":"والثالث ما يدخله الحكم استقلالا وتضمنا وهو الاعتكاف والحج قال أما الاعتكاف فيدخله استقلالا في مسائل منها أنه يقضي للمكاتب على سيده بالاعتكاف اليسير ومنها من اعتكفت بغير إذن زوجها فله منعها وكذلك العبد وكذا لو اعتكف المديان هروبا من أداء الحق فإن الحاكم يرى فيه رأيه ومنها إذا وطئ المعتكف أدبه الحاكم ويدخله تضمنا كما تقدم في الطهارة والصلاة أي مثل ما إذا حكم حاكم بعدالة من اعتكف بدون صوم والحاكم معتقد صحة ذلك الاعتكاف كان حكمه بعدالته متضمنا صحة اعتكافه\rوأما الحج فيدخله استقلالا في نحو ما لو فسخ حنبلي حجه إلى عمرة حيث يسوغ عنده ذلك وله زوجة ليس معتقدها ذلك فامتنعت من تمكينه بعد التحلل فارتفعا إلى حاكم حنبلي فحكم عليها بصحة ما فعل زوجها الحنبلي أو بموجب ذلك عنده فهما مستويان ويدخله تضمنا فيما إذا حكم عليها بالتمكين لتضمنه الحكم بصحة ما فعله الزوج وهو نفس الموجب ا ه\rقلت ومخالفته في غير العبادات سيتضح لك وجهها وأما مخالفته له في العبادة فلم يظهر وجهها ويخلق ما لا تعلمون وقد صرح بتلخيص بعض كلامه في العبادات وغيرها من كلام البلقيني الشافعي رحمه الله تعالى وبعضه من كلام أهل المذهب فلعل مما لخصه من كلام البلقيني مخالفته للأصل في العبادات فافهم\rوأما العلامة المحقق أبو القاسم بن الشاط فنظر في كلامه في مواضع\rالأول\r","part":4,"page":134},{"id":1365,"text":"قوله إن مواقع الإجماع لا يدخلها الحكم بل الإخبار حيث قال إنه لا يصح بوجه أصلا إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ ومما يوضح ذلك أن الحاكم لو ثبت عنده بوجه الثبوت أن لزيد عند عمرو مائة دينار فأمره أن يعطيه إياها أن ذلك الأمر لا يصح بوجه أن يكون إخبارا وهذا الموضع وما أشبهه من مواقع الإجماع قال وتفريقه بين الحكم في مواقع الإجماع وفي مواقع الخلاف بتعذر الإنشاء في الأول لتعينه وثبوته إجماعا بخلاف الثاني ساقط إذ كما أن الحكم في مواقع الإجماع ثابت بالإجماع فالحكم في مواقع الخلاف ثابت بالخلاف فعلى القول بالتصويب كلاهما حق وحكم الله تعالى وعلى القول بعدم التصويب أحدهما حق وحكم الله تعالى ولكن ثبت العذر للمكلف في ذلك وما أوقعه فيما وقع فيه إلا الاشتراك الذي في لفظ الحكم فإنه يقال الحكم في الطلاق المعلق على النكاح اللزوم للمقلد المالكي ويقال الحكم الذي حكم به الحاكم الفلاني على فلان معلق الطلاق لزوم الطلاق والمراد بالحكم الأول لزوم الطلاق لكل معلق للطلاق من مالكي أو مقلد لمالكي والمراد بالحكم الثاني لزوم الطلاق بإلزام الحاكم المحكوم عليه من مالكي أو غير مالكي ا ه\rقلت ويوافقه إطلاق ابن فرحون أن غير العبادات يدخله الحكم مطلقا كما تقدم الموضع الثاني قوله ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة من ذلك الباب حيث قال إنه لا يصح بوجه إذ كيف يكون إنشاء ويكون مع ذلك خبرا وقد تقدم له الفرق بين الإنشاء والخبر الموضع الثالث قوله قد جعل الله تعالى إنشاءه في مواطن الخلاف نصا ورد من قبله في خصوص تلك الصورة إلى قوله فهذا معنى الإنشاء حيث قال لا كلام أشد فسادا من قوله هذا في هذا الفصل إذ كيف يكون إنشاء الحاكم الحكم في مواقع الخلاف نصا خاصا من قبل الله تعالى وقد قال النبي {صلى الله عليه وسلم} إذا اجتهد أحدكم فأصاب فله\r","part":4,"page":135},{"id":1366,"text":"أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد وكيف يصح الخطأ فيما فيه النص من قبل الله تعالى هذا بين الخطأ بلا شك فيه وما تخيل هو أو غيره من ذلك لا يصح ولا حاجة إليه وإنما هو يعين في القضية المعينة أحد القولين أو الأقوال إذا اتصل به حكم الحاكم لما في ذلك من المصلحة في نفوذ الحكم وثباته ولما فيه من المفسدة لو لم ينفذ لا لما قاله من أنه إنشاء من الحاكم موضوع كنص خاص من قبل الله تعالى وحينئذ فلا يصير حكم الشافعي مثلا مذهبا لنا ولغيرنا من الأحناف والحنابلة ولكنا لا ننقضه ولا رجوع هنا للقاعدة الأصولية التي هي قاعدة الخاص والعام ولكن ما هنا يرجع إلى قاعدة فقهية وهي أن الحكم إذا نفذ على مذهب ما لا ينتقض ولا يرد وذلك لمصلحة الأحكام ورفع التشاجر والخصام قال وللكلام في القول الشاذ والمدرك الضعيف مجال ليس هذا موضعه ا ه\r","part":4,"page":136},{"id":1367,"text":"قال وما قاله في الاحتراز بقيد لأجل مصالح الدنيا إلى قوله لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها صحيح ا ه كلام ابن الشاط وحاصله أن ضابط الفتيا أنها مجرد إخبار عن حكم الله تعالى المتعلق بمصالح الآخرة والدنيا يختص لزومه بالمقلد للمذهب المفتى به وضابط الحكم إخبار عن حكم الله المتعلق بمصالح الدنيا وما في معناها من إسناد العبادات فقط وتنفيذ له سواء كان من مواقع الإجماع أو من مواقع الخلاف بحيث لا يخص لزومه بمقلد أي مذهب من المذاهب لكن لا للقاعدة الأصولية من تقديم الخاص على العام إذا تعارضا بل للقاعدة الفقهية وهي أن الحكم إذا نفذ على مذهب لا ينتقض إلخ فالفتيا أعم من الحكم موقعا وأخص لزوما والحكم بالعكس ثم هل يترتب حكمه على قوله حكمت فإذا لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة أو سكوته لم يكن حكما وهو قول ابن الماجشون أو لا يتوقف فإذا لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة أو سكوته كان حكما وهو قول ابن القاسم قال صاحب الجواهر ما قضي به من نقل الأملاك وفسخ العقود فهو حكم فإن لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة لما رفعت إليه كامرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فأقره وأجازه ثم عزل وجاء قاض بعده فقال عبد الملك ليس بحكم ولغيره فسخه\rوقال ابن القاسم هو حكم لأنه أمضاه والإقرار عليه كالحكم بإجازته فلا ينقض واختاره ابن محرز وقال إنه حكم في حادثة باجتهاده ولا فرق بين أن يكون حكمه فيها بإمضائه أو فسخه أما لو رفع إليه هذا النكاح فقال أنا لا أجيز هذا النكاح بغير ولي من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه فهو فتوى وليس بحكم أو رفع إليه حكم بشاهد ويمين فقال أنا لا أجيز الشاهد واليمين فهو فتوى ما لم يقع حكم على عين الحكم قال ولا أعلم في هذا الوجه خلافا قال وإن حكم بالاجتهاد فيما طريقه التحريم والتحليل وليس بنقل ملك لأحد الخصمان إلى الآخر ولا فصل خصومة بينهما\r","part":4,"page":137},{"id":1368,"text":"وإلاثبات عقد ولا فسخه مثل رضاع كبير فيحكم بأنه رضاع محرم ويفسخ النكاح لأجله فالفسخ حكم والتحريم في المستقبل لا يثبت بحكمه بل هو معرض للاجتهاد أو رفعت إليه امرأة تزوجت في عدتها ففسخ نكاحها وحرمها على زوجها ففسخه حكم دون تحريمهما في المستقبل وحكمه بنجاسة ماء أو طعام أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة فهو فتوى ليس حكما على التأبيد وإنما يعتبر من ذلك ما شاهده وما حدث بعد ذلك فهو موكول لمن يأتي من الحكام والفقهاء ا ه\rقال الأصل وقد وضعت في هذا المقصد كتابا سميته الإحكام في الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وفيه أربعون مسألة في هذا المعنى وذكرت فيه نحو ثلاثين نوعا من تصرفات الحكام ليس فيها حكم ولنقتصر هنا على هذا القدر في هذا الفرق ا ه\rقلت وقول ابن محرز أما لو رفع إليه هذا النكاح فقال أنا لا أجيز هذا النكاح إلى قوله ولا أعلم في هذا الوجه خلافا هو قول ابن شاس وتبعه غيره وقال ابن عرفة الظاهر أنه حكم فليس لغيره نقضه قال التسولي على العاصمية وقول ابن عرفة هو الموافق لما مر لأن قوله أنا لا أجيز النكاح بغير ولي إخبار عن رأيه ومعتقده ولا يلزم من ذلك فسخه وإذا لم يلزم بقي ساكتا عنه والسكوت تقرير له وهو حكم عند ابن القاسم لا عند ابن الماجشون ا ه\rالمراد وظاهر قول الأصل أن التقريرات من الحكام ليست أحكاما فتبقى الصورة قابلة لحكم جميع تلك الأقوال المنقولة فيها أنه اختار قول ابن الماجشون وقال ابن الشاط وقول ابن القاسم هو الصحيح عندي ا ه\rفتحصل مما ذكر في هذا الفرق واختاره ابن الشاط أمور الأمر الأول\rالفرق بين الفتوى والحكم بأن الفتوى أعم موقعا وأخص لزوما والحكم بالعكس\rالأمر الثاني الفرق بين ما يدخله الحكم من أبواب الفقه كالنكاح وتوابعه وسائر المعاوضات وما لا يدخله كالعبادات بأن ما كان متعلقا بمصالح الآخرة لا يدخله بخلاف ما كان متعلقا بمصالح الدنيا فيدخله\r","part":4,"page":138},{"id":1369,"text":"الأمر الثالث الفرق بين ألفاظ الحكم التي جرت بها عادة الحكام وبين ما لم تجر به عادتهم لكن على قول ابن الماجشون\rوأما على قول ابن القاسم فقال التسولي على العاصمية التي جرت بها عادتهم نحو قوله حكمت بثبوت العقد وصحته فيلزم ذلك وقفا كان العقد أو بيعا أو غيرهما والتي لم تجر بها نحو قوله أسفل الرسم أو على ظهره ورد علي هذا الكتاب فقبلته قبول مثله وألزمت العمل بموجبه أو بمضمونه فليس بحكم لاحتمال عود الضمير في موجبه ومضمونه على الكتاب وأن ما تضمنه من إقرار أو إنشاء ليس بزور مثلا فيكون مراده تصحيح الكتاب وإثبات الحجة فلمن بعده النظر فيه فإن قال حكمت بموجب الإقرار أو الوقف الذي تضمنه الكتاب فهو حكم بصحة ذلك ا ه\rوخلاصته أن ما كان نصا في الحكم بصحة الإقرار والإنشاء فهو لفظ الحكم الذي جرت به عادتهم فيلزم وما كان محتملا لصحة مضمون الإقرار ونحوه وصحة مضمون الكتاب\rفليس بلفظ الحكم الذي جرت به عادتهم فلا يلزم بل لمن بعده النظر فيه والله سبحانه وتعالى أعلم\rفائدة\rقال التسولي على العاصمية علما القضاء والفتوى أخص من العلم بالفقه لأن متعلق الفقه كلي من حيث صدق كليته على جزئيات فحال الفقيه من حيث هو فقيه كحال عالم بكبرى قياس الشكل الأول فقط وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها مع علمه بصغراه ولا خفاء أن العلم بها أشق وأخص وأيضا فقها القضاء والفتوى مبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما استملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها فيلغي طرديها ويعمل معتبرها قاله ابن عرفة فقوله وأيضا فقها إلخ هو بيان وجه كونهما بعد أن بينه بالمثال\r","part":4,"page":139},{"id":1370,"text":"وقوله طرديها أي الأوصاف الطردية التي لا تنبني على وجودها أو فقدها ثمرة وهذا وجه تخطئة المفتين والقضاة لبعضهم بعضا فقد يبني القاضي والمفتي حكمه وفتواه على الأوصاف الطردية المختلفة بالنازلة ويغفل عن أوصافها المعتبرة وأصل ما ذكره ابن عرفة لابن عبد السلام ونصه وعلم القضاء وإن كان أحد أنواع علم الفقه ولكنه يتميز بأمور لا يحسنها كل الفقهاء وربما كان بعض الناس عارفا بفصل الخصام وإن لم يكن له باع في غير ذلك من أبواب الفقه كما أن علم الفرائض كذلك ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه وإنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وتطبيقها على جزئيات الوقائع وهو عسير فتجد الرجل يحفظ كثيرا من العلم ويفهم ويعلم غيره وإذا سئل عن واقعة ببعض العوام من مسائل الأيمان ونحوها لا يحسن الجواب عنها وللشيوخ في ذلك حكايات نبه ابن سهل أول كتابه على بعضها ا ه\rوبه تعلم أن معنى قول خليل في التوضيح وعلم القضاء وإن كان أحد أنواع الفقه لكنه يتميز بأمور لا يحسنها كل الفقهاء وقد يحسنها من لا باع له في الفقه ا ه\rهو أنه من لا باع له في حفظ مسائل الفقه لكن معه من الفطنة ما يدخل به الجزئيات تحت كلياتها بخلاف غيره فهو وإن كان كثير الحفظ لمسائله لكن ليس معه من تلك الفطنة شيء كما يرشد إليه كلام ابن عبد السلام ولذلك نقلته برمته وكثير من الحمقاء اغتر بظاهر كلام التوضيح حتى قال إن القضاء صناعة يحسنه من لا شيء معه من الفقه وجرى ذلك على ألسنة كثير منهم واحتجوا بقول ابن عاصم ويستحب العلم فيه والورع مع كونه الحديث للفقه جمع وهو احتجاج ساقط قال ابن رشد ليس العلم الذي هو الفقه في الدين بكثرة الرواية والحفظ إنما هو نور يضعه الله حيث شاء والله أعلم ا ه قلت ومن هذا تعلم حقيقة القاضي التي هي أحد أركان القضاء الستة الآتية فتنبه\rالفرق الخامس والعشرون والمائتان بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت\r","part":4,"page":140},{"id":1371,"text":"وهو من وجهين الأول أن الثبوت نهوض الحجة كالبينة وغيرها السالمة من المطاعن يعني في ظنه واعتقاده لأنه يستند لعلمه في ذلك قاله التسولي فمتى وجد شيء من ذلك يقال في عرف الاستعمال ثبت عند القاضي ذلك والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام أو إطلاق يترتب على هذا الثبوت أعني نهوض الحجة فالثبوت مقدم على الحكم فهو غيره قطعا قال التسولي على العاصمية وتعلم منه أن قول القاضي أعلم بثبوته أو باستقلاله أو ثبت عندي ونحوه يكون بعد كمال البينة وقبل الإعذار فيها لأن الإعذار فرع ثبوتها وقبولها فلا يعذر للخصم في شيء لم يثبت عنده وفعله جهل إذ الإعذار سؤال الحاكم من توجه عليه الحكم هل له ما يسقطه ويمتنع سؤاله قبل الأداء والقبول والثبوت ا ه\rالوجه الثاني أن كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه والأعم من الشيء كذلك غيره بالضرورة وذلك أن الثبوت بالمعنى المذكور يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعا فيثبت هلال شوال وهلال رمضان وتثبت طهارة المياه ونجاستها ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بسبب الرضاع والتحلل بسبب العقد ومع ذلك لا يكون شيء من ذلك حكما والحكم أيضا يوجد بدون الثبوت كالحكم بالاجتهاد ويجتمعان فيما عدا ما ذكر قاله الأصل قال\rأبو القاسم بن الشاط ما قاله صحيح نعم قد يطلق على الثبوت حكم فالخلاف فيهما هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم لفظي والله تعالى أعلم ا ه\rبتوضيح قلت وقوله نعم قد يطلق إلخ أي بناء على قول ابن القاسم بأن تقريره الحادثة أو سكوته ونحو ذلك حكم كما تقدم فافهم\r","part":4,"page":141},{"id":1372,"text":"تتمة التنفيذ غير الثبوت والحكم وذلك أنه إن كان تنفيذ حكم غيره فإما أن يوافقه في المذهب ويقول في تنفيذ حكمه ثبت عندي أنه ثبت عند فلان من الحكم كذا فهذا ليس حكما من المنفذ ألبتة وكذا إذا قال ثبت عندي أن فلانا حكم بكذا وكذا ألا ترى أنه يصح منه أن يقول ذلك ولو اعتقد أن ذلك على خلاف الإجماع لأن التصرف الفاسد والحرام قد يثبت عند الحاكم ليرتب عليه موجب ذلك وحينئذ فلا يعتد بكثرة الإثبات عند الحكام فهو كله كحكم واحد وهو راجع إلى الحاكم الأول إلا أن يقول الثاني حكمت بما حكم به الأول وألزمت بموجبه ومقتضاه وإما أن يخالفه في المذهب ففي كونه يقف عن تنفيذه وإبطاله لأنه إن نفذه وألزم المحكوم عليه ما فيه ألزمه ما لا يرى أنه الحق عنده أو كونه ينفذه ويلزم المحكوم عليه ما تضمنه الحكم لأن توقفه عن إنفاذه كإبطاله\rوقد قلنا إنه ممنوع من نقض الأحكام المجتهد فيها وإن كان تنفيذ حكم نفسه كان معناه الإلزام بالحبس وأخذ المال بيد القوة ودفعه لمستحقه وتخليص سائر الحقوق وإيقاع الطلاق على من يجوز له إيقاعه عليه ويجوز ذلك وهو غير الثبوت والحكم فالثبوت هو الرتبة الأولى والحكم هو الرتبة الوسطى والتنفيذ هو الرتبة الثالثة وليس كل الحكام لهم قوة التنفيذ لا سيما للحاكم الضعيف القدرة على الجبابرة فهو ينشئ الإلزام ولا يخطر له تنفيذه لتعذر ذلك عليه فالحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما ألا ترى أن المحكم ليس له قوة التنفيذ ا ه\rملخصا من ابن فرحون والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا وهو أن ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل أحد أمرين الأمر الأول العلم واليقين قال صاحب المقدمات كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم يشهد به قال ومدارك العلم أربعة العقل\r","part":4,"page":142},{"id":1373,"text":"وإحدى حواس الخمس والنقل المتواتر والاستدلال فتجوز الشهادة بما علم بأحد هذه الوجوه قال وشهادة هذه الأمة لنوح عليه السلام ولغيره على أممهم بإخبار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن ذلك أي فهي من قبيل الشهادة بالنقل المتواتر كشهادة النسب وولاية القاضي وعزله وضرر الزوجين قال وصحت شهادة خزيمة ولم يحضر شراء الفرس أي شراء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الفرس من خصمه المنكر ذلك لأنها كانت بالنظر والاستدلال كشهادة أبي هريرة أن رجلا قاء خمرا فقال له عمر تشهد أنه شربها\rقال أشهد أنه قاءها فقال عمر رضي الله عنه ما هذا التعمق فلا وربك ما قاءها حتى شربها\rوكشهادة الطبيب بعدم العيب\rالأمر الثاني الظن القريب من اليقين قال صاحب الجواهر ما لا يثبت بالحس بل بقرائن الأحوال كالإعسار يدرك بالخبرة الباطنة بقرائن كالصبر على الجوع والضرر فيكفي فيه الظن القريب من اليقين\rوأما اختلاف العلماء في شهادة الأعمى وشهادة البصير على الخط ونحو ذلك فليس خلافا في الشهادة بالظن بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط فالمالكية يقولون الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال فيشهد بها ويحصل للبصير القطع ببعض الخطوط فيشهد بها فما شهد إلا بالعلم والشافعية يقولون لا يحصل العلم في ذلك لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط فهذا هو مدرك التنازع بينهم قال الأصل والأصل في الشهادة العلم واليقين لقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف عليهم السلام وما شهدنا إلا بما علمنا وقوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وقوله عليه السلام على مثل هذا فاشهد أي مثل الشمس فهذا ضابط ما يجوز التحمل في الشهادة به وقد يجوز بالظن والسماع قال صاحب القبس ما اتسع أحد في\r","part":4,"page":143},{"id":1374,"text":"شهادة السماع كاتساع المالكية في مواطن كثيرة الحاضر منها على الخاطر خمسة وعشرون موضعا الأحباس الملك المتقادم الولاء النسب الموت الولاية العزل العدالة الجرحة ومنع سحنون ذلك فيهما قال علماؤنا وذلك إذا لم يدرك زمان المجروح والعدل فإن أدرك فلا بد من العلم الإسلام الكفر الحمل الولادة الترشيد السفه الصدقة الهبة البيع في حاله المتقادم الرضاع النكاح الطلاق الضرر الوصية إباق العبد الحرابة وزاد بعضهم البنوة والأخوة وزاد العبدي في الحرية القسامة فهذه مواطن أرى الأصحاب أنها مواطن ضرورة فيجوز تحمل الشهادة بالظن الغالب انتهى بلفظه قال التاودي على العاصمية وترجع شهادة السماع كما في المتيطي للشهادة التي توجب الحق مع اليمين\rابن عرفة هي لقب لما يصرح فيه الشاهد باستناد شهادته لسماع من غير معين فتخرج شهادة البت والنقل أي لأن المنقول عنه في شهادة النقل معين قال ابن فرحون عن ابن رشد وشهادة السماع لها ثلاث مراتب المرتبة الأولى تفيد العلم وهي المعبر عنها بالتواتر كالسماع بأن مكة موجودة فهذه بمنزلة الشهادة بالمروية وغيرها مما يفيد العلم\r","part":4,"page":144},{"id":1375,"text":"المرتبة الثانية شهادة الاستفاضة وهي تفيد ظنا يقرب من القطع ويرتفع عن السماع مثل الشهادة بأن نافعا مولى ابن عمر وأن ابن عبد الرحمن هو ابن القاسم والهلال إذا رآه الجم الغفير من أهل البلد واستفاضة العدالة أو الجرح فيستند لذلك ولا يسأل عن عدالة المشهودين المرتبة الثالثة شهادة السماع وهي التي تكلم عليها الفقهاء وهي المرادة هنا والكلام عليها في صفتها وفي محالها وفي شروطها فأما صفتها فقال ابن عرفة والباجي شرط شهادة السماع أن يقولوا سمعنا سماعا فاشيا من أهل العدل وغيرهم وإلا لم تصح قاله ابن حبيب عن الأخوين وقاله محمد قالا ولا يسموا من سمعوا منه فإن سموا خرجت من شهادة السماع إلى الشهادة على الشهادة وقاله ابن القاسم وأصبغ وفي اشتراط العدالة في المسموع ثالثها إلا في الرضاع ا ه وسيقول الناظم وشرطها استفاضة حيث لا يحضر من عنه السماع نقلا مع السلامة من ارتياب يفضي إلى تغليط أو إكذاب ويكتفى فيها بعدلين على ما تابع الناس عليه العملا\rوأما محالها وما تقبل فيه ففيه طرق إحداها لعبد الوهاب أنها مختصة بما لا يتغير حاله ولا ينتقل الملك فيه كالموت والنسب والوقف قال وفي قبولها في النكاح قولان الثانية لابن رشد أن فيها أربعة أقوال تصح في كل شيء ألا تصح في شيء\rالثالث تجوز في كل شيء إلا في أربعة أشياء النسب والقضاء والنكاح والموت إذ من شأنها أن تستفيض فيشهد فيها على القطع\r","part":4,"page":145},{"id":1376,"text":"الرابع عكسه قال أبو محمد صالح ويجمعها قولك فلان ابن فلان القاضي نكح فمات الطريقة الثالثة لابن شاس وابن الحاجب وغير واحد أنها تجوز في مسائل معدودة وقع النص عليها وإياها سلك الناظم فقال وأعملت شهادة السماع في الحمل والنكاح والرضاع والحيض والميراث والميلاد وحال إسلام أو ارتداد والجرح والتعديل والولاء والرشد والتسفيه والإيصاء وفي تملك لملك بيد يقام فيه بعد طول المدد وحبس من حاز من السنين عليه ما يناهز العشرين وعزل حاكم وفي تقديمه وضرر الزوجين من تتميمه وجملة ما ذكره تسعة عشر وهذا فيما عنده وحضره الآن وعدها ابن العربي إحدى وعشرين فقال أيا سائلي عما ينفذ حكمه ويثبت سمعا دون علم بأصله ففي العزل والتجريح والكفر بعده وفي سفه أو ضد ذلك كله وفي البيع والأحباس والصدقات والرضاع وخلع والنكاح وحله وزاد ولده ستة فقال وفي قسمة أو نسبة أو ولاية وموت وحمل والمقر بأهله ومنها الهبات الوصية فاعلمن وملك قديم قد يظن بمثله ومنها ولادات ومنها حرابة ومنها الإباق فليضم بشكله فدونكما عشرين من بعد سبعة تدل على حفظ الفقيه ونبله\rأبي نظم العشرين من بعد واحد وأتبعتها ستا تماما لفعله وزاد ابن عبد السلام خمسة ونظمها بعضهم فقال وقد زيد فيها الفقر والأسر والملا ولوث وعتق فاظفرن بنقله فصارت لدى عد ثلاثين أتبعت بثنتين فاطلب نصها في محله ونظمها أيضا العبدوسي وذيله ابن غازي بما زاده عليه إلى أن قال في آخره لولا التداخل عند عد الزائد لبلغت خمسين دون واحد ا ه كلام التاودي مع بعض إصلاح\r","part":4,"page":146},{"id":1377,"text":"وحذف شرحه لأبيات العاصمية فانظره وأما ما لا يصلح أن يكون مستندا فهو ما عدا الأمرين المذكورين ومنه الظن الضعيف وقول الأصل يجوز للشاهد الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور فلو شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف وكذلك الثمن في البيع مع احتمال دفعه ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورثه ويشهد بالإجازة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب فالحاصل في هذه الصور كلها إنما هو الظن الضعيف بل لا يكاد يوجد ما يبقى فيه العلم إلا القليل من الصور ومن ذلك النسب والولاء فإنه لا يقبل النقل فيبقى العلم على حاله ومن ذلك الشهادة بالإقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي وذلك لا يرتفع ومن ذلك الوقف إذا حكم به حاكم أما إذا لم يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما يحصل فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه فتأمل هذه المواطن فأكثرها إنما فيها الظن فقط وإنما العلم في أصل المدرك لا في دوامه فقول العلماء لا تجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علما فقط ا ه بتصرف\rقال المحقق أبو القاسم بن الشاط ما قاله من أن الشاهد في أكثر الشهادات لا يشهد إلا بالظن الضعيف غير صحيح وإنما يشهد بأن زيدا ورث الموضع الفلاني مثلا أو اشتراه جازما بذلك لا ظانا واحتمال كونه باع ذلك\rالموضع لا تتعرض له شهادة الشاهد بالجزم لا في نفيه ولا في إثباته ولكن تتعرض له بنفي العلم ببيعه أو خروجه عن ملكه على الجملة فما توهم أنه مضمن الشهادة ليس كما توهم والله تعالى أعلم ا ه\rالفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة به وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها به\r","part":4,"page":147},{"id":1378,"text":"وهو جار على مذهب الشافعي رضي الله عنه من اشتراط ألفاظ معينة في العقود وغيرها لا على مذهب مالك رحمه الله تعالى من عدم اشتراط معينات الألفاظ لا في العقود ولا غيرها وهو على مذهب الشافعي مبني على أن العرف لما وضع في الشهادة المضارع للإخبار الخاص الذي يقصد به فصل القضاء وفي العقود الماضي لإنشائها وفي الطلاق والعتاق الوصف أعني اسمي الفاعل والمفعول لإنشائها صح من الحاكم الاعتماد على المضارع في الشهادة دون غيره لكونه غير صريح فيها عرفا والاعتماد على الصريح هو الأصل ولا يجوز الاعتماد على غير الصريح لعدم تعين المراد منه فلو اتفق أن العوائد تغيرت وصار الماضي موضوعا في الشهادة للإخبار الخاص الذي يقصد به فصل القضاء والمضارع موضوعا في العقود\rلإنشائها جاز للحاكم الاعتماد على ما صار موضوعا في البابين ولا يجوز له الاعتماد على العرف الأول فالفرق بين هذه الألفاظ ناشئ عن العوائد وتابع لها بحيث ينقلب وينفسخ بتغيرها وانتقالها فلا يبقى بعد ذلك خفاء في الفرق بين قاعدة ما يصح أن تؤدى به الشهادة وقاعدة ما لا يصح به أداء الشهادة هذا خلاصة ما صححه أبو القاسم بن الشاط من كلام الأصل هنا وسلمه قلت لكن من حيث جريانه على مذهب الشافعي لا على مذهب مالك رضي الله تعالى عنهما كان على الأصل أن يبدل هذا الفرق بقوله الفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يجوز أن يشهد به من النفي وقاعدة ما لا يجوز أن يشهد به منه وهو أنه وإن اشتهر على ألسنة الفقهاء إطلاق عدم قبول الشهادة على النفي إلا أن في قبولها وعدمه تفصيلا يحصل الفرق بين القاعدتين ويظهر به أن قولهم الشهادة على النفي غير مقبولة ليس على عمومه وهو أن النفي ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\rنفي يكون معلوما بالضرورة فتجوز الشهادة به اتفاقا كما لو شهد أنه ليس في هذه البقعة التي بين يديه فرس ونحوه فإنه يقطع بذلك وليس مع القطع مطلب آخر\r","part":4,"page":148},{"id":1379,"text":"القسم الثاني نفي يكون معلوما بالظن الغالب الناشئ عن الفحص فتجوز الشهادة به في صور منها\rالتفليس وحصر الورثة فإن الحاصل فيه إنما هو الظن الغالب لأنه يجوز عقلا حصول المال للمفلس وهو يكتمه وحصول وارث لا يطلع عليه ومنها قول المحدثين ليس هذا الحديث بصحيح بناء على الاستقراء\rومنها قول النحويين ليس في كلام العرب اسم آخره واو قبلها ضمة ونحو ذلك قلت ومرادهم اسم عربي أصالة ليس منقولا من فعل معتل كيدعو ولا من اسم عجمي كمسمند ووقمدوا فافهم والقسم الثالث نفي يعرى عما ذكر من الضرورة والظن الغالب الناشئ عن الفحص نحو أن زيدا ما وفى الدين الذي عليه أو ما باع سلعته ونحو ذلك فهذا هو محمل ما اشتهر على ألسنة الفقهاء لأنه نفي غير منضبط وإنما يجوز في النفي المنضبط قطعا أو ظنا غالبا كما في الأمثلة المتقدمة وكما في نحو أن زيدا لم يقتل عمرا أمس لأنه كان عنده في البيت أو إنه لم يسافر لأنه رآه في البلد فاعلم ذلك ليظهر لك أن قولهم الشهادة على النفي غير مقبولة ليس على عمومه ويظهر لك الفرق بين قاعدة ما يجوز أن يشهد به من النفي وقاعدة ما لا يجوز أن يشهد به منه وحينئذ فيكون حاصل الشهادة باعتبار قصد النفي منها أو الإثبات أنها ثلاثة أقسام القسم الأول ما عرفته من أن المقصود منها مجرد النفي\rفيقتصر عليه\r","part":4,"page":149},{"id":1380,"text":"والقسم الثاني ما كان المقصود منها مجرد الإثبات فيقتصر عليه نحو أشهد أنه باع نعم قال ابن يونس لو شهدوا بالأرض ولم يحدوها وشهد آخرون بالحدود دون الملك قال مالك تمت الشهادة وقضى بهم لحصول المقصود من المجموع قال ابن حبيب شهدوا بغصب الأرض ولم يحدوها قيل للمدعي حدد ما غصب منك واحلف عليه قال مالك وإن شهدت بالحق وقالت لا نعرف عدده قيل للمطلوب قر بحق واحلف عليه فتعطيه ولا شيء عليك غيره فإن جحد قيل للطالب إن عرفته احلف عليه وخذه فإن قال لا أعرفه أو أعرفه ولا أحلف عليه سجن المطلوب حتى يقر بشيء ويحلف عليه فإن لم يحلف أخذ المقر به وحبس حتى يحلف وإن كان الحق في دار حيل بينه وبينها حتى يحلف ولا يحبس لأن الحق في شيء بعينه قال الباجي في المنتقى وعن مالك رد الشهادة بنسيان العدد وجهله لأنه نقص في الشهادة قال الباجي نسيان بعض الشهادة يمنع من أداء ذلك البعض إلا في عقد البيع والنكاح والهبة والحبس والإقرار ونحوه مما لا يلزم الشاهد حفظه بل مراعاة الشهادة في آخره وكذلك سجلات الحاكم لا يلزم حفظها عند الأداء لأنه يشهد بما علم من تقييد الشهادة والقسم\r134\rالثالث\r","part":4,"page":150},{"id":1381,"text":"ما كان المقصود منها الجمع بين النفي والإثبات وهو الحصر فلا بد من التصريح بهما في العبارة قال مالك في التهذيب لا يكفي أنه ابن للميت حتى يقولوا في حصر الورثة لا نعلم له وارثا غيره وكذلك هذه الدار لأبيه أو جده حتى يقولوا ولا نعلم خروجها عن ملكه إلى الموت حتى يحكم بالملك في الحال فإن قالوا هذا وارث مع ورثة آخرين أعطي هذا نصيبه وترك الباقي بيد المدعى عليه حتى يأتي مستحقه لأن الأصل دوام يده ولأن الغائب قد يقر له بها قال سحنون وقد كان يقول غير هذا وعن مالك ينزع من المطلوب ويوقف لتيقنها أنها لغيره فإن قالوا لا نعرف عدد الورثة لم يقض لهذا بشيء لعدم تعينه ولا ينظر إلى تسمية الورثة وتبقى الدار بيد صاحب اليد حتى يثبت عدد الورثة لئلا يؤدي لنقض القسمة وتشويش الأحكام ثم أنه لا بد من الجزم بالنفي في موضعه قال صاحب البيان لا نقبل شهادة من يقول فلان وارث وهذا العبد له ما باع ولا وهب ولا يدري ذلك لأنه جزم بالنفي في غير موضعه نعم قال مالك يكفي أن يقول لا أعلم له وارثا غيره ولا أعلم أنه باع ولا وهب وقال عبد الملك لا يجوز إلا الجزم بأن يقول ما باع ولا وهب لأن الشهادة بغير الجزم لا تجوز قال وقول عبد الملك أظهر\rوفي الجواهر لو شهد أنه ملكه بالأمس ولم يتعرض للحال لم يسمع حتى يقول لم يخرج عن ملكه في علمي ولو شهد أنه أقر بالأمس ثبت الإقرار واستصحب موجبه ولو قال للمدعى عليه كان ملكه بالأمس نزع من يده لأنه أخبر عن تحقيق فيستصحب كما لو قال الشاهد هو ملكه بالأمس بشراء من\rالمدعى عليه ولو شهدوا أنه كان بيد المدعى عليه بالأمس لم يفد حتى يشهدوا أنه ملكه ولو شهدت أنه غصبه جعل المدعي صاحب اليد ولو ادعيت ملكا مطلقا فشهدت بالملك والسبب لم يضر لعدم المنافاة هذا تهذيب ما قاله الأصل في المسائل الأربع قال أبو القاسم بن الشاط وما قاله فيها صحيح أو نقل لا كلام فيه ا ه\r","part":4,"page":151},{"id":1382,"text":"قلت وأما الشهادة باعتبار ما يكفي منها في المشهور فلابن شاس وابن الحاجب وخليل أنها أربعة أقسام وسموها مراتب عدلان عدل وامرأتان أو أحدهما مع اليمين امرأتان وأما باعتبار ما توجبه فللجزيري في وثائقه وتبعه ابن عاصم في نظمه أنها بالاستقراء خمسة أقسام الأول قال في العاصمية تختص أولاها على التعيين أن توجب الحق بلا يمين والثاني قال في العاصمية ثانية توجب حقا مع قسم في المال أو ما آل للمال تؤم والثالث قال فيها ثالثة لا توجب الحق نعم توجب توقيفا به حكم الحكم والرابع قال فيها رابعة ما تلزم اليمينا لا الحق لكن للمطالبينا والخامس قال فيها خامسة ليس عليها عمل وهي الشهادة التي لا تقبل\rانظر العاصمية وشراحها والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح\rوهو أن ما خرج عن ضابط قاعدة ترجيح البينات لا يقع به الترجيح وما كان داخلا تحت ذلك الضابط يقع به الترجيح وضابط قاعدة ترجيح البينات أنه كل ما تحقق فيه من البينات أحد ثمانية أوجه ثبت ترجيحه عند تعارضها الوجه الأول زيادة العدالة كما في الجواهر وإن منع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم الترجيح بها محتجين بثلاثة وجوه الأول أن الشهادة مقدرة في الشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية لا تختلف بزيادة المأخوذ فيه فدية الصغير الحقير كدية الكبير الشريف العالم العظيم\r","part":4,"page":152},{"id":1383,"text":"والثاني أن الجمع العظيم من الفسقة يحصل الظن أكثر من الشاهدين وهو غير معتبر فعلم أنها تعبد لا يدخلها الاجتهاد وكذلك الجمع من النساء والصبيان إذا كثروا والثالث أنه لو اعتبرت زيادة العدالة وهي صفة لاعتبرت زيادة العدد وهي بينات معتبرة إجماعا فيكون اعتبارها أولى من الصفة والعدد غير معتبر فالصفة غير معتبرة وذلك لأن لنا وجهين الأول أن البينة إنما اعتبرت لما تثيره من الظن والظن في الأعدل أقوى لأن مقيم الأعدل أقرب للصدق فيكون هو المعتبر لقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمرت أن أحكم بالظاهر فيقدم حينئذ كأخبار الآحاد إذا رجح أحدهما\rوالثاني أن الاحتياط مطلوب في الشهادة أكثر من الرواية دون الشهادة فإذا كان الاحتياط\rمطلوبا أكثر في الشهادة وجب أن لا يعدل عن الأعدل والظن أقوى فيها قياسا على الخبر بطريق الأولى والمدرك في هذا الوجه الاحتياط وفي الوجه الأول الجامع إنما هو الظن وإذا اختلفت الجوامع في القياسات تعددت وأما الوجوه التي احتجوا بها فالجواب عن الأول أن وصف العدالة مطلوب في الشهادة وهو موكول إلى اجتهادنا وهو يتزايد في نفسه فما رجحنا في موطن تقدير وإنما رجحنا في موطن اجتهاد\rوعن الثاني إنا لا ندعي أن الظن يعتبر كيف كان بل ندعي أن مزيد الظن معتبر في الترجيح بعد حصول أصل معتبر ألا ترى أن قرائن الأحوال لا تثبت بها الأحكام والفتاوى وإن حصلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع لم يجعلها مدركا للفتوى والقضاء وأن الأخبار والأقيسة لما جعلت مدركا للفتيا دخلها الترجيح فكذا هنا أصل البينة معتبر بعد العدالة والشروط المخصوصة فاعتبر فيها الترجيح\r","part":4,"page":153},{"id":1384,"text":"وعن الثالث أن الترجيح بالعدد يفارق الترجيح بالأعدلية من جهتين الأولى أن الترجيح بالعدد يفضي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات ضرورة أنه إذا ترجح أحدهما بمزيد عدد سعى الآخر في زيادة عدد بينته فتطول الخصومة وتعطل الأحكام وليس الأعدلية كذلك إذ ليس في قدرته أن يجعل بينته أعدل فلا يطول النزاع\rوالثانية أن العدد يمتنع الاجتهاد فيه لأنه لا يختلف ألبتة بخلاف وصف العدالة فإنه يختلف باختلاف الأمصار والأعصار فعدول زماننا لم يكونوا مقبولين في زمن الصحابة رضوان الله عليهم على أنا نلتزم الترجيح بالعدد على أحد القولين عندنا الوجه الثاني قوة الحجة كالشاهدين يقدمان على الشاهد واليمين كما في الجواهر\rالوجه الثالث اليد عند التعادل كما في الجواهر قال الأصل فعندنا يقدم صاحب\rاليد عند التساوي أو هو مع البينة الأعدل كانت الدعوى أو الشهادة بمطلق الملك أو مضافا إلى سبب نحو هو ملكي نسجته أو ولدته الدابة عندي في ملكي كان السبب المضاف إليه الملك يتكرر كنسج الخز وغرس النخل أو لا يتكرر كالولادة وقاله الشافعي\rوقال ابن حنبل الخارج أولى ولا تقبل بينة صاحب اليد أصلا وقال أبو حنيفة تقدم بينة الخارج إن ادعى مطلق الملك فإن كان إلى سبب يتكرر فادعاه كلاهما فكذلك تقدم بينة الخارج أو لا يتكرر كالولادة وادعياه وشهدت البينة به فقالت كل بينة ولد على ملكه قدمت بينة صاحب اليد\rلنا على أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه تحاكم إليه رجلان في دابة وأقام كل واحد البينة أنها له فقضى بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لصاحب اليد ولأن اليد مرجحة كما لو لم يكن لهما ولنا على أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول ما تقدم والثاني القياس على المضاف إلى سبب لا يتكرر واحتجوا بأربعة وجوه\rالأول\r","part":4,"page":154},{"id":1385,"text":"قوله عليه الصلاة والسلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو يقتضي صنفين مدعيا والبينة حجته ومدعى عليه واليمين حجته فبينته غير مشروعة فلا تسمع كما أن اليمين في الجهة الأخرى لا تفيد شيئا وجوابه القول بالموجب فإن الحديث جعل بينة المدعى عليه وأنتم تقولون به فتعين أن تكون المراد بها بينة ذي اليد لأنها هي التي عليه سلمنا عدم القول بالموجب لكن المدعي إن فسر بالطالب فصاحب اليد طالب لنفسه ما طلبه الآخر لنفسه فتكون البينة مشروعة في حقه وإن فسر بأضعف المتداعيين سببا فالخارج لما أقام بينة صار الداخل أضعف فوجب أن يكون مدعيا تشرع البينة في حقه سلمنا دلالته أي الحديث المذكور على أن بينة المدعى عليه غير مشروعة لكنه معارض بقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والعدل التسوية في كل شيء حتى يقوم المخصص فلا تسمع بينة أحدهما دون الآخر وبقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه لا تقض\rلأحدهما حتى تسمع من الآخر وهو يفيد وجوب الاستماع منهما وأن من قويت حجته حكم بها وأنتم تقولون لا تسمع بينة الداخل\rالثاني\r","part":4,"page":155},{"id":1386,"text":"أن البينتين لما تعارضتا في سبب لا يتكرر كالولادة شهدت هذه بالولادة والأخرى بالولادة تعين كذبهما فسقطتا فبقيت اليد فلم يحكم له بالبينة فأما ما يتكرر ولم يتعين الكذب فلم تفد ببينته إلا ما أفادته يده فسقطت لعدم الفائدة وجوابه أنه ينتقض بما إذا تعارضتا في دعوى طعام ادعيا زراعته وشهدا بذلك والزرع لا يزرع مرتين كالولادة ولم يحكموا به لصاحب اليد وبالملك المطلق في الحال ولأنه لو حكم باليد دون البينة لما حكم له إلا باليمين لأنه لما حكم له حيث كذبت بينته كان الأولى أن يحكم له إذا لم تكذب بينته ولأن اليد أضعف من البينة بدليل أن اليد لا يقضى بها إلا باليمين والبينة يقضى بها بغير يمين ولو أقام الخارج بينة قدمت على يد الداخل إجماعا فعلمنا أن البينة تفيد ما لا تفيده اليد والثالث أن صاحب اليد إذا لم يقم الطالب بينة لا تسمع بينته وإذا لم تسمع في هذه الحالة وهي أحسن حالتيه فكيف إذا أقام الطالب بينته وهو في هذه الحالة أضعف فعدم سماعها حينئذ بطريق الأولى وجوابه أنه إنما تسمع بينة الداخل عند عدم بينة الخارج لأنه حينئذ قوي باليد والبينة إنما تسمع من الضعيف فوجب سماعها للضعف ولم يتحقق إلا عند إقامة الخارج بينته\rوالرابع أنا إنما أعلمنا بينته في صورة النتاج لأن دعواه أفادت الولادة ولم تفدها يده وشهدت البينة بذلك فأفادت البينة غير ما أفادت اليد فقبلت\rوجوابه أن الدعوى واليد لا يفيدان مطلقا شيئا وإلا لكان مع المدعي حجج اليد والدعوى والبينة يخيره الحاكم بينها أيها شاء أقام كمن شهد له شاهدان وشاهد وامرأتان خير بينهما وبين اليمين مع إحداهما فعلم أن المفيد إنما هو البينة واليد لا تفيد ملكا وإلا لم يحتج معها لليمين كالبينة بل تفيد التبقية عنده حتى تقوم البينة ولأنها لو أفادت وأقام المدعي بينة أنه\rاشتراها منه لم يحتج إلى يمين\rالوجه الرابع\rزيادة التاريخ كما في الجواهر\r","part":4,"page":156},{"id":1387,"text":"الوجه الخامس الزيادة بالتفصيل قال ابن أبي زيد في النوادر وترجح البينة المفصلة على المجملة والنظر في التفصيل والإجمال مقدم على النظر في الأعدلية ومنها شهادة أحدهما بحوز الصدقة قبل الموت وشهدت الأخرى برؤيته يخدمه في مرض الموت فتقدم بينة عدم الحوز إذ لم تتعرض الأخرى لرد هذا القول\rالوجه السادس الاختصاص بمزيد الاطلاع قال ابن أبي زيد إن اختصت إحداهما بمزيد الاطلاع كشهادة إحداهما بحوز الرهن والأخرى بعدم الحوز لأنها مثبتة للحوز وهي زيادة اطلاع قاله ابن القاسم وسحنون وقال محمد يقضى به لمن هو في يده ومن هذا ما إذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو الزنا وشهدت الأخرى أنه كان بمكان بعيد فنقل عن ابن القاسم أنه تقدم بينة القتل ونحوه لأنها مثبتة زيادة ولا يدرأ عنه الحد قال سحنون إلا أن يشهد الجمع العظيم كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صلى بهم العيد في ذلك اليوم فلا يحد لأن هؤلاء لا يشتبه عليهم أمره بخلاف الشاهدين ا ه\rقلت ومن هذا الوجه أيضا قول النحويين من حفظ حجة على من لم يحفظ\rالوجه السابع\rاستصحاب الحال والغالب ومنه شهادة إحداهما أنه أوصى وشهدت الأخرى أنه أوصى وهو مريض قال ابن القاسم تقدم بينة الصحة لأن ذلك هو الأصل والغالب\rالوجه الثالث ظاهر الحال اعتبره سحنون فقال إذا شهدت بأنه زنى عاقلا وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا إن كان القيام عليه وهو عاقل قدمت بينة العقل وإن كان القيام عليه وهو مجنون قدمت بينة الجنون ا ه\rولم يعتبره ابن اللباد فقال يعتبر وقت الرؤية لا وقت القيام ا ه هذا تنقيح ما قاله الأصل في هذا الفرق قال أبو القاسم بن الشاط وما قاله فيه نقل وترجيح ولا كلام في ذلك ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":157},{"id":1388,"text":"الفرق التاسع والعشرون والفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كبيرة مانعة من قبول الشهادة وقاعدة المعصية التي ليست بكبيرة مانعة من الشهادة وبين قاعدة المباح المخل بقبول الشهادة والمباح الذي لا يخل بقبولها\rاعلم أن لقبول الشهادة ركنين الركن الأول العدالة قال ابن رشد الحفيد في بدايته اتفق المسلمون على عدم قبول شهادة الشاهد بدونها لقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ولقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ الآية ولم يختلفوا أن الفاسق تقبل شهادته إذا عرفت توبته إلا من كان\rفسقه من قبل القذف فإن أبا حنيفة يقول لا تقبل شهادته وإن تاب والجمهور يقولون تقبل إذا تاب وسبب الخلاف هل يعود الاستثناء في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك إلى أقرب مذكور إليه أو على الجملة إلا ما خصصه الإجماع وهو أن التوبة لا تسقط عند الحد ا ه\rقال الباجي قال مالك لا يشترط في قبول توبة القاذف ولا قبول شهادته تكذيبه لنفسه بل صلاح حاله بالاستغفار والعمل الصالح كسائر الذنوب وقال القاضي أبو إسحاق والشافعي لا بد في توبة القاذف من تكذيبه نفسه لأنا قضينا بكذبه في الظاهر وإلا لما فسقناه فلو لم يكذب نفسه لكان مصرا على الكذب الذي فسقناه لأجله في الظاهر وعليه إشكالان أحدهما أنه قد يكون صادقا في قذفه فتكذيبه لنفسه كذب فكيف تشترط المعصية في التوبة وهي ضدها وكيف نجعل المعاصي سبب صلاح العبد وقبول شهادته ورفعته وثانيهما أنه إن كان كاذبا في قذفه فهو فاسق أو صادقا\rفهو عاص لأن تعبير الزاني بزناه معصية فكيف ينفعه تكذيب نفسه مع كونه عاصيا بكل حال","part":4,"page":158},{"id":1389,"text":"والجواب عن الأول أن الكذب لأجل الحاجة جائز كالرجل مع امرأته وللإصلاح بين الناس وهذا التكذيب فيه مصلحة الستر على المقذوف وتقليل الأذية والفضيحة عند الناس وقبول شهادته في نفسه وعوده إلى الولاية التي يشترط فيها العدالة وتصرفه في أموال أولاده وتزويجه لمن يلي عليه وتعرضه للولايات الشرعية وعن الثاني تعيير الزاني بزناه صغيرة لا تمنع الشهادة ا ه وقال في البداية قبل ما ذكر وإنما تردد الفقهاء في مفهوم اسم العدالة المقابلة للفسق فقال الجمهور هي صفة زائدة على الإسلام وهو أن يكون ملتزما لواجبات الشرع ومستحباته مجتنبا للمحرمات والمكروهات وقال أبو حنيفة يكفي في العدالة ظاهر الإسلام وأن لا تعلم منه جرحة ا ه وقال الأصل اتفق العلماء على أن المعاصي تختلف بالقدح في العدالة وأنه ليس كل معصية يسقط بها العدل عن مرتبة\rالعدالة وإنما وقع الخلاف بينهم في الإطلاق فقط فمنع إمام الحرمين في أصول الدين من إطلاق لفظ الصغيرة على شيء من معاصي الله وكذلك جماعة من العلماء وقالوا لا يقال في شيء من معاصي الله صغيرة بل جميع المعاصي كبائر لعظمة الله تعالى فيكون جميع معاصيه كبائر\rوقال غيرهم يجوز ذلك وقد ورد الكتاب العزيز بالإشارة إلى الفرق في قوله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان فجعل للمعصية رتبا ثلاثا كفرا وفسوقا وهو الكبيرة وعصيانا وهي الصغيرة ولو كان المعنى واحدا لكان اللفظ في الآية متكررا لا بمعنى مستأنف وهو خلاف الأصل ا ه\rإذا تقرر هذا فالضابط لما ترد به الشهادة من المعاصي الذي به الفرق بين القاعدتين المذكورتين هو ما دل على الجرأة على مخالفته الشارع في أوامره ونواهيه أو احتمل الجرأة كما اختاره أبو القاسم بن الشاط قال فمن دلت قرائن حاله على الجرأة ردت شهادته كمرتكب\r","part":4,"page":159},{"id":1390,"text":"الكبيرة المعلوم من دلائل الشرع أنها كبيرة أو المصر على الصغيرة إصرارا يؤذن بالجرأة ومن احتمل حاله إن فعل ما فعل من ذلك جرأة أو فلتة توقف عن قبول شهادته ومن دلت دلائل حاله أنه فعل ما فعله من ذلك أعني ما ليس بكبيرة معلومة الكبر من الشرع فلتة غير متصف بالجرأة قبلت شهادته وذلك لأن السبب رد الشهادة ليس إلا التهمة بالاجتراء على الكذب كالاجتراء على ما ارتكبه من المخالفة فإذا عري عن الاتصاف بالجرأة واحتمال الاتصاف بها بظاهر حاله سقطت التهمة والله تعالى أعلم ا ه\rقال الأصل وصححه ابن الشاط وبالجملة فذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة والقرائن المصاحبة وصورة الفاعل وهيئة الفعل والمعتمد في ذلك ما يؤدي إلى ما يوجد في القلب السليم عن الأهواء المعتدل المزاج والعقل والديانة العارف بالأوضاع الشرعية فهذا هو المتعين لوزن هذه الأمور فإن من غلب عليه التساهل في طبعه لا يعد الكبيرة شيئا ومن\rغلب عليه التشديد في طبعه يجعل الصغيرة كبيرة فلا بد من اعتبار ما تقدم ذكره في العقل الوازن بهذه الاعتبارات ا ه\rقال ابن الشاط والإصرار المصير للصغيرة كبيرة مانعة من قبول الشهادة إنما هو المعاودة لها معاودة تشعر بالجرأة على المخالفة لا المعاودة المقترنة بالعزم عليها لأن العزم مما لا يتوصل إليه لأنه أمر باطن كالجرأة نفسها بخلاف الإشعار بها الذي اشترطته فإنه مما يدركه من يتأمل أحوال المواقع للمخالفة كما قال بعض العلماء ينظر إلى ما يحصل من ملابسة أدنى الكبائر من عدم الوثوق بملابستها في أداء الشهادة والوقوف عند حدود الله تعالى ثم ينظر لذلك التكرر في الصغيرة فإن حصل في النفس من عدم الوثوق ما حصل من أدنى الكبائر كان هذا الإصرار كبيرة تخل بالعدالة إلخ ا ه والله أعلم ا ه\r","part":4,"page":160},{"id":1391,"text":"قال الأصل ومتى تخللت التوبة الصغائر فلا خلاف أنها لا تقدح في العدالة وكذلك ينبغي إذا كانت من أنواع مختلفة وإنما يحصل الشبه واللبس إذا تكررت من النوع الواحد وهو موضع النظر ا ه الركن الثاني الوثوق بالضبط فلذا اشترطوا البلوغ فيها والحرية ونفي التهمة أما البلوغ فقال في البداية اتفقوا على اشتراطه فيها حيث تشترط العدالة واختلفوا في شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح وفي القتل فردها جمهور فقهاء الأمصار لما قلناه من وقوع الإجماع على أن من شرط الشهادة العدالة ومن شرط العدالة البلوغ ولك ليست في الحقيقة شهادة عند مالك وإنما هي قرينة حال ولذلك اشترط فيها أن لا يتفرقوا لئلا يجنبوا واختلف أصحاب مالك هل تجوز إذا كان بينهم كبير أم\rلا ولم يختلفوا أنه يشترط فيها العدة المشترطة في الشهادة واختلفوا هل يشترط فيها الذكورة أم لا واختلفوا أيضا هل تجوز في القتل الواقع بينهم ولا عمدة لمالك في هذا إلا أنه من باب إجازته قياس المصلحة وإما أنه مروي عن ابن الزبير فقال الشافعي إن ابن عباس قد ردها والقرآن يدل على بطلانها نعم قال بقول مالك ابن أبي ليلى وقوم من التابعين ا ه\rبتصرف وأما الحرية ففي البداية أيضا جمهور فقهاء الأمصار على اشتراطها في قبول الشهادة وقال أهل الظاهر تجوز شهادة العبد لأن الأصل إنما هو اشتراط العدالة والعبودية ليس لها تأثير في الرد إلا أن يثبت ذلك من كتاب الله أو سنة أو إجماع وكأن الجمهور رأوا أن العبودية أثر من أثر الكفر فوجب أن يكون لها تأثير في رد الشهادة ا ه\r","part":4,"page":161},{"id":1392,"text":"وأما نفي التهمة فأما التهم بالاجتراء على الكذب التي سببها ارتكاب بعض المعاصي فقد تضمنها اشتراط العدالة كما عرفت وأما التهمة التي سببها المحبة والقرابة أو البغضة للعداوة الدنيوية ففي البداية أجمعوا على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية فقال بردها فقهاء الأمصار إلا أنهم اتفقوا في مواضع على أعمال التهمة وفي مواضع على إسقاطها واختلفوا في مواضع فأعملها بعضهم وأسقطها بعضهم ا ه\rالمراد فانظرها وسيأتي في الفرق بعد توضيح ذلك فترقب وأما التهمة المشعرة بخلل في عقله فبفعل بعض المباح المخل بقبول الشهادة كالأكل في الأسواق ونحوه قال أبو القاسم بن الشاط والضابط أن مخالفة العادة الجارية من الشاهد في أموره المباحة ربما أشعرت بخلل في عقله فيتطرق الخلل إلى ضبطه وربما لم تشعر وذلك بحسب قرائن الأحوال فإن أشعر بذلك أو احتمل ردت شهادته أو توقف في قبولها وإلا فلا ا ه بلفظه\rتنبيه قال الأصل المشهور عندنا قبول شهادة القاذف قبل جلده بدون توبته وإن كان القذف كبيرة اتفاقا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وردها عبد الملك ومطرف والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم لنا أنه قبل الجلد غير فاسق لأنه ما لم يفرغ من جلده يجوز رجوع البينة أو تصديق المقذوف له فلا يتحقق الفسق إلا بعد الجلد والأصل استصحاب العدالة والحالة السابقة واحتجوا بثلاثة وجوه الأول أن الآية اقتضت ترتيب الفسق على القذف\rوقد تحقق القذف فيتحقق الفسق سواء جلد أم لا وجوابه أن الآية اقتضت صحة ما ذكرناه\rوبطلان ما ذكرتموه لأن الله تعالى قال فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون فرتب رد الشهادة والفسق على الجلد وترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم فيكون الجلد هو السبب المفسق فحيث لا جلد لا فسوق وهو مطلوبنا وعكس مطلوبكم والوجه\rالثاني\r","part":4,"page":162},{"id":1393,"text":"أن الجلد فرع ثبوت الفسق فلو توقف الفسق عليه لزم الدور والوجه الثالث أن الأصل عدم قبول الشهادة إلى حيث تيقن العدالة ولم تتيقن هنا فترد وجوابهم أن كون الجلد فرع ثبوت الفسق ظاهر ظهورا ضعيفا لجواز رجوع البينة أو تصديق المقذوف فإذا أقيم الجلد قوي الظهور بإقدام البينة وتصميمها على أذيته وكذلك المقذوف وحينئذ نقول أن مدرك رد الشهادة إنما هو الظهور القوي لأنه المجمع عليه والأصل بقاء العدالة السابقة ا ه بإصلاح والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا يرد به\rقد علمت مما تقدم أن التهمة ثلاثة أقسام الأول تهمة الاجتراء على الكذب التي سببها ارتكاب بعض المعاصي وقد تضمنها الركن الأول من ركني الشهادة والثاني تهمة خلل العقل التي سببها فعل بعض المباحات والثالث تهمة الاجتراء على الكذب التي سببها المحبة بنحو القرابة أو البغضة بالعداوة وقد تضمن\rهذين القسمين الركن الثاني منهما والمراد هنا القسم الثالث والأمة مجمعة على رد الشهادة بتهمة سببها ما ذكر من حيث الجملة إلا أن هذه التهمة ثلاثة أقسام أيضا\rالقسم الأول","part":4,"page":163},{"id":1394,"text":"مجمع على اعتبارها لفوتها كشهادة الإنسان لنفسه وكشهادة الأب لابنه والأم لابنها وبالعكس فقد ذهب شريح وأبو ثور وداود إلى أن شهادة الأب لابنه تقبل فضلا عمن سواه إذا كان الأب عدلا لوجهين الأول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين فإن الأمر بالشيء يقتضي إجراء المأمور إلا ما خصصه الإجماع من شهادة المرء لنفسه الثاني إن رد الشهادة بالجملة إنما هو لموضع اتهام الكذب وهذه التهمة إنما اعتملها الشرع في الفاسق ومنع إعمالها في العادل فلا تجتمع العدالة مع التهمة والقسم الثاني مجمع على إلغائها لخفتها كشهادة الإنسان لرجل من قبيلته قال في البداية ومنه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارا على ما قال مالك وما لم يكن منقطعا إلى أخيه يناله بره وصلته فقد اتفقوا على إسقاط التهمة فيها ما عدا الأوزاعي فإنه قال لا يجوز ومفاد كلام الأصل أن التهمة فيها تلغى عند أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وتعتبر عندنا مطلقا وسلمه ابن الشاط فانظر ذلك والقسم الثالث مختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع ومن أمثلته شهادة الزوجين أحدهما للآخر فإن مالكا وأبا حنيفة وابن حنبل ردوها وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن وقال ابن أبي ليلى تقبل شهادة الزوج لزوجتيه ولا تقبل شهادتها له وبه قال النخعي ومنها شهادة الشاهد لصديقه الملاطف فترد عندنا وتقبل عند أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل ومنها شهادة العدو على عدوه فقال أبو حنيفة تقبل مطلقا وقال مالك لا تقبل مطلقا وقال الشافعي لا تقبل إلا أن تكون في الدين\rلنا وجوه\rسقط تكون في الدين لنا وجوه\rالأول قوله عليه الصلاة والسلام\rلا تقبل شهادة خصم ولا ظنين\rالثاني ما خرجه أبو داود من قوله {صلى الله عليه وسلم}\r","part":4,"page":164},{"id":1395,"text":"لا تقبل شهادة بدوي على حضري لقلة شهود البدوي ما يقع في المصر الثالث القياس على ما أجمع الجمهور عليه من تأثير العداوة في الأحكام الشرعية مثل إجماعهم على عدم توريث القاتل المقتول وعلى توريث المبتوتة في المرض وإن كان فيه خلاف واحتجوا بظواهر منها قوله تعالى شهيدين من رجالكم وقوله تعالى ذوي عدل منكم والفقه مع من كانت القواعد والنصوص معه أظهر ومن أمثلة هذا القسم من ردت شهادته لفسقه أو كفره أو صغره أو رقه ثم أداها بعد زوال هذه الصفات فإنه يتهم في تنفيذ ما رد فيه فنحن وابن حنبل منعناها وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما يقبل الكل إلا الفاسق والفرق أن الفاسق تسمع شهادته ثم ينظر في عدالته فيتحقق الرد بالظهور على الفسق وأولئك لم تسمع شهادتهم لما علم من صفاتهم فلا يتحقق الرد الباعث على التهمة ولنا وجوه الأول شهادة العوائد الثاني أنه مروي عن عثمان رضي الله عنه\rالثالث أن العلم بفسقهم لو وقع قبل الأداء لما وقع الأداء وإنما منعنا حيث وقع الأداء فصفاتهم حينئذ تكون مجهولة فسقط الفرق وعكسه لو حصل البحث عن الفسق قبل الأداء قبلت شهادته إذا لم ترد ومن أمثلة ذلك شهادة أهل البادية إذا قصدوا في التحمل دون أهل الحاضرة فنحن منعناها في البياعات والنكاح والهبة ونحوها لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة في إبطال ما شهدوا به\r","part":4,"page":165},{"id":1396,"text":"وقال ابن حنبل لا تقبل شهادة بدوي على قروي مطلقا وقال أبو حنيفة والشافعي تقبل مطلقا لنا وجهان الأول حديث لا تقبل شهادة خصم إلخ والثاني حمل حديث أبي داود على موضع التهمة جمعا بينه وبين العمومات المتقدمة الدالة على قبول الشهادة وحجتهم من وجوه الأول حمل حديث أبي داود على من لم تعلم عدالته من الأعراب قالوا وهو أولى لقلة التخصيص حينئذ في تلك العمومات وجوابه أن جمعنا أولى لأنه لو كان لأجل عدم العدالة لم يكن لتخصيصه بصاحب القرية بل للتهمة والثاني ما في الصحيحين أن أعرابيا شهد عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على رؤية الهلال فقبل شهادته على الناس وجوابه أنا نقبله في الهلال لعدم التهمة المتقدم ذكرها والثالث أن من قبلت شهادته في الجراح قبلت في غيرها كالحضري ولأن الجراح آكد من المال ففي المال أولى وجوابه أن الجراح يقصد لها الخلوات دون المعاملات فكانت التهمة في المعاملات موجودة دون الجراح هذا خلاصة ما قاله الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة من بداية الحفيد والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدتي الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة\r","part":4,"page":166},{"id":1397,"text":"وهو أن الباطلة ما كانت غير معتبرة شرعا بأن اختل منها شرط من شروطها والصحيحة ما كانت معتبرة شرعا بأن استوفت شروطها وشروطها خمسة الشرط الأول بيان المدعي فيه بأن يكون متصورا في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي بأحد نوعين النوع الأول ببيان عينه كدعوى أن هذا الثوب أو الفرس اشتراه منه أو أن هذه الدراهم غصبت منه أو بيان صفته كلي في ذمته ثوب أو فرس صفتهما كذا أو دراهم يزيدية أو محمدية أو سبني أو شتمني أو قذفني بلفظ كذا إذ ليس كل سب وشتم يوجب الحد والنوع الثاني بيان سبب المدعي فيه المعين كدعوى المرأة الطلاق أو الردة لتحرر نفسها وهي معينة أو بيان سبب ما في ذمة المعين كدعوى المرأة المسيس أو القتل خطأ ليترتب الصداق أو الدية في ذمة الزوج أو العاقلة المعينة بالنوع قال تستوي العاصمية وهذا النوع بمثاليه راجع في المعنى للنوع الأول لأن المدعي يقول فيهما أحرزت نفسي لأنك طلقتني ولي عليك صداق أو دية لأنك مسستني أو قتلت وليي وكذا لو قال بعت لك داري أو أجرتها منك فادفع لي ثمنها أو أجرتها ولذكر السبب في هذا النوع لا يحتاج المدعي فيه لبيان السبب بخلاف النوع الأول فإن في كون بيان السبب فيه كان يقول من تعد أو بيع قال خليل وكفى بعت وتزوجت وحمل على الصحيح وإلا فليسأله الحاكم عن السبب ثم قال وللمدعى عليه السؤال عن السبب ا ه\rليس من تمام صحة الدعوى أو من تمام صحتها خلافان الأول للحطاب قال بدليل قول خليل والمدعى عليه إلخ والثاني الرماحي محتجا بكلام المجموعة وابن عرفة قال التسولي واعتراض بناني عليه بأنه\rلو كان شرطا لبطلت الدعوى مع عدم ادعاء النسيان ساقط لما علمت من أن هذا إنما هو شرط صحة إذا لم يدع النسيان كما أن الدعوى بالمجهول ساقطة مع القدرة على التفسير عند المازري وغيره كما يأتي ثم قال ويؤيد القول بأن بيان السبب من تمام صحة الدعوى أنه يمكن أن يكون سبب ما يدعيه فاسدا كونه ثمن خمر أو ربا ونحو ذلك\r","part":4,"page":167},{"id":1398,"text":"ولذا قال ابن حارث إذا لم يسأله القاضي عنه أي السبب كان كالخابط خبط عشواء قال فإن سأله الحاكم أو المدعى عليه عنه وامتنع من بيانه لم يكلف المطلوب بالجواب فإن ادعى نسيانه قبل بغير يمين ا ه\rقال التسولي وينبني على بيانه أن المطلوب إذا قال في جوابه لا حق لك علي لا يكتفى منه بذلك بل حتى ينفي السبب الذي بينه المدعي ا ه\rوفي الأصل قالت الشافعية ولا يلزم ذكر سبب ملك المال بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم هاهنا بالعمد والخطأ وهل قتله وحده أو مع غيره بخلاف المال ولأن إتلافه لا يستدرك بخلاف المال وهذا لا يخالفه أصحابنا وقواعدنا تقتضيه\rوأما قول الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما لا تسمع الدعاوى في النكاح حتى يقول تزوجتها بولي ورضاها وشاهدي عدل بخلاف دعوى المال وغيره محتجين بثلاثة وجوه الأول أن النكاح خطر كالقتل إذ الوطء لا يستدرك\rالثاني أن النكاح لما اختص بشروط زائدة على البيع من الصدق وغيره خالفت دعواه\rالدعاوى قياسا للدعوى على المدعى به الثالث أن المقصود من جميع العقود يدخله البدل والإباحة بخلافه فكان خطرا فيحتاط فيه فهو خلاف مذهبنا من أن الدعوى في النكاح تسمع وإن لم يقل تزوجتها بولي وبرضاها بل يكفيه أن يقول هي زوجتي\rوقاله أبو حنيفة رضي الله عنه لنا وجهان الأول القياس على البيع والردة والعدة فلا يشترط التعرض لهما فكذلك غيرهما الثاني أن ظاهر عقود المسلمين الصحة وأما ما احتجوا به فالجواب عن الأول أن غالب دعوى المسلم الصحة كما علمت فالاستدراك حينئذ نادر لا عبرة به والقتل خطره أعظم من حرمة النكاح والنذر وهو الفرق المانع من القياس وعن الثاني أن دعوى الشيء يتناول شروطه بدليل البيع فكما لا يحتاج البيع في دعواه إلى الشروط كذلك النكاح لا يحتاج في دعواه إليها وعن الثالث أن الردة والعدة لا يدخلهما البدل ويكفي الإطلاق فيهما ا ه\r","part":4,"page":168},{"id":1399,"text":"قال تسولي العاصمية وخرج بهذا الشرط الدعوى بمجهول العين أو الصفة كلي عليه شيء لا يدري جنسه ونوعه أو أرض لا يدري حدودها أو ثوب لا يدري صفته أو دراهم لا يدري صفتها ولا قدرها ونحو ذلك فلا نسمع لأن المطلوب لو أقر وقال نعم على ما يدعيه أو أنكر وقامت البينة بذلك لم يحكم عليه بهذا الإقرار ولا بتلك الشهادة إذ الكل مجهول والحكم به متعذر فليس الحكم بالهروي بأولى من المروي مثلا ولا باليزيدية بأولى من المحمدية إذ من شرط صحة الحكم تعيين المحكوم به ولا تعيين هاهنا\rوهكذا نقله غير واحد وهو ظاهر على أحد القولين في قول ابن عاصم ومن لطالب بحق شهدا ولم يحقق عند ذاك العدد إلخ وقال المازري تسمع الدعوى بالمجهول البساطي وهو الصواب لقولهم يلزم الإقرار بالمجهول ويؤمر بتفسيره فكذلك هذا يؤمر بالجواب لعله يقر فيؤمر بالتفسير ويسجن له\rفإن ادعى المقر الجهل أيضا فانظر ما يأتي عند قوله ومن لطالب بحق شهدا إلخ وانظر شرحنا للشامل أول باب الصلح قال الحطاب مسائل المدونة مريحة في صحة الدعوى بالمجهول المازري وليس منه الدعوى على سمسار دفع إليه ثوبا ليبيعه بدينارين وقيمته دينار ونصف لأن الدعوى هنا تعلقت بأمر معلوم في الأصل ولا يضره كونه لا يدري ما يجب له على السمسار هل الثمن الذي سماه إن باع أو قيمته إن استهلكه أو غيبه إن لم يبع ا ه إلخ\rقلت الدعوى هنا إنما هي في الثوب وهو معين فهو يطالبه برده لكن إن استهلك أو باع فيرد الثمن أو القيمة لقيامهما مقامه تأمل\rا ه\r","part":4,"page":169},{"id":1400,"text":"كلام التسولي وفي الأصل قالت الشافعية لا يصح دعوى المجهول إلا في الإقرار والوصية لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال والمال غير معلوم وصحة الملك في الإقرار بالمجهول من غير حكم ويلزمه الحاكم بالتعيين وقاله أصحابنا وقالت الشافعية إن ادعى بدين فإن كان من الأثمان ذكر الجنس دنانير أو دراهم والنوع مصرية أو مغربية والصفة صحاحا أو مكسرة والمقدار والسكة وإن كان من غير الأثمان فإن كان مما تضبطه الصفة ذكر الصفات المعتبرة في السلم والأحوط أن يذكر معها القيمة وإن كان مما لا تضبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد ويذكر في الأرض والدار اسم الصقع والبلد وفي السيف المحلى بالذهب قيمته فضة وبالفضة قيمته ذهبا أو بهما قومه بما يشاء لأنه موضع ضرورة وهذا لا يخالفه أصحابنا وقواعدنا تقتضيه ا ه\rالشرط الثاني\rتحقق الدعوى بالمدعى فيه أي جزمها وقطعها بأن يقول لي عليه كذا احترازا من نحو أشك أو أظن أن لي كذا فإنها لا تسمع قال الأصيل وفي اشتراط أصحابنا والشافعية هذا نظر لأن من وجد وثيقة في تركة موروثه أو أخبره عدل بحق له فلا يفيده ذلك إلا الظن ومع ذلك يجوز له الدعوى به وإن شهد بالظن كما لو شهد بالاستفاضة والسماع والفلس وحصر الورثة وصرح بالظن الذي هو مستنده في الشهادة فلا يكون قادحا فكذلك هاهنا لأن ما جاز الإقدام معه لا يكون النطق به قادحا قال التسولي على العاصمية وأجاب بعضهم بأن الظن هاهنا لقوته نزل منزلة القطع ألا ترى أنه قد جاز له الحلف معه\rقال خليل واعتمد الباب على ظن قوي كخطه أو خط أبيه إلخ ثم عدم سماعها في الظن الذي لا يفيد القطع مبني على الفول بأن\rيمين التهمة لا تتوجه أبو الحسن والمشهور توجهها ابن فرحون يريد بعد إثبات كون المدعى عليه ممن تلحقه التهمة ا ه\rوعليه فتسمع فيمن ثبتت تهمته وإلا فلا خليل واستحق به بيمين إن حقق ويمين تهمة بمجرد النكول إلخ\r","part":4,"page":170},{"id":1401,"text":"وقال ابن عاصم وتهمة إن قويت بها تجب يمين متهوم إلخ قال التسولي ولقائل أن يقول إن الدعوى تسمع هاهنا ولو قلنا بعدم توجه عين التهمة فيؤمر بالجواب لعله يقر فتأمله فلو قال أظن أن لي عليه ألفا فقال الآخر أظن أني قضيته لم يقض عليه بشيء لتعذر القضاء بالمجهول إذ كل منها شاك في وجوب الحق له أو عليه فليس القضاء بقول المدعي بأولى من القضاء بقول الآخر فلو قال المطلوب نعم كان له الألف علي وأظن أني قضيته لزمه الألف قطعا وعليه البينة أنه قضاه ثم قال التاودي والتسولي والتحقق في هذا الشرط راجع للتصديق والعلم والبيان في الشرط الأول راجع للتصور فلا يغني أحدهما عن الآخر كما لابن عبد السلام في كلام ابن الحاجب ا ه\rالشرط الثالث\rكون المدعى فيه ذا غرض صحيح أي يترتب عليه نفع شرعي احتراز من الدعوى بقمحة أو شعيرة أو عشر سمسمة ونحو ذلك ولذا لا يمكن المستأجر للبناء ونحوه من قلع ما لا قيمة له\rالشرط الرابع كون المدعي فيه مما لو أقر به المطلوب لقضى عليه به احترازا من الدعوى بأنه قال داري صدقوا بيمين مطلقا أو بغيرها ولم يعين إلخ ومن الدعوى عليه بالوصية للمساكين ومما يؤمر فيه بالطلاق من غير قضاء كقوله إن كنت تحبيني أو تبغضيني ومن الدعوى على المحجور ببيع ونحوه من المعاملات فلا يلزمه ولو ثبت بالنية بخلاف ما إذا ثبت عليه الاستهلاك أو الغصب ونحوهما خليل وضمن ما أفسد إن لم يؤمن عليه ا ه\r","part":4,"page":171},{"id":1402,"text":"قال التسولي وظاهر هذا أن المحجور لا تسمع الدعوى عليه في المعاملات ولو نصبه وليه لمعاملات الناس بمال دفعه إليه للتجارة ليختبره وهو كذلك إذ الدين اللاحق لا يلزمه لا فيما دفع إليه ولا فيما بقي ولا في ذمته لأنه لم يخرج بذلك من الولاية قاله في المدونة وقيل يلزمه ذلك في المال المدفوع إليه خاصة وهذا إذا لم يصن به ماله وإلا فيضمن في المال المصون وهو محمول على عدم التصوين وانظر ما يأتي لنا عند قوله وجار للوصي فيما حجرا إعطاء بعض ماله مختبرا قال والظاهر أن هذا الشرط يغني عن الذي قبله ولا يحترز به عن دعوى الهبة والوعد لأنه يؤمر بالجواب فيهما ولو على القول بعدم لزومهما بالقول لاحتمال أن يقر ولا يرجع عن الهبة ولا يخلف وعده ا ه كلام التسولي قلت وأشار بقوله ولا يحترز به إلخ لدفع قول التاودي أنه احتراز من دعوى الهبة على القول الشاذ وهو أنها لا تلزم بالقول ا ه\rالشرط الخامس كون العادة لا تكذب الدعوى بالمدعى فيه قال التسولي واحترز به من الدعوى بالغصب والفساد على رجل صالح خليل وأدب مميز كمدعيه على صالح ا ه ومن مسألة الحيازة المعتبرة فإن الدعوى لا تسمع فيها وقيل تسمع ويؤمر المطلوب بجوابها لعله\rيقر أو ينكر فيحلف قاله الحطاب وهو المعتمد ا ه\rوفي الأصل أنه احتراز عن الدعوى التي تكذبها العادة كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار في يد زيد وهو حاضر يراه يهدم ويبني ويؤاجر مع طول الزمان من غير وازع يزعه عن الطلب من رهبة أو رغبة فلا تسمع دعواه لظهور كذبها والسماع إنما هو لتوقع الصدق فإذا تبين الكذب عادة امتنع توقع الصدق\r","part":4,"page":172},{"id":1403,"text":"واختلفوا في طول الزمان الذي تكذب به العادة دعوى الحاضر الأجنبي فلم يحده مالك بالعشيرة بل قال من أقامت بيده دار سنين يكري ويهدم ويبني فأقمت ببينة أنها لك أو لأبيك أو لجدك وثبتت المواريث وأنت حاضر تراه يفعل ذلك فلا حجة لك فإن كنت غائبا أفادك إقامة البينة والعروض والحيوان والرقيق كذلك وكذلك قال الأصحاب في كتاب الإجارات إذا ادعى بأجرة من سنين لا تسمع دعواه إن كان حاضرا ولا مانع له وكذلك إذا ادعى بثمن سلعة من زمن قديم ولا مانع من طلبه وعادتها تباع بالنقد وشهدت العادة أن هذا الثمن لا يتأخر وقال ربيعة عشر سنين تقطع الدعوى للحاضر إلا أن يقيم ببينة أنه أكرى أو أسكن أو أعار ولا حيازة على غائب وعن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من حاز شيئا عشر سنين فهو له ولقوله تعالى وأمر بالعرف فكل شيء يكذبه العرف وجب أن لا يؤمر به بل يؤمر بالملك لحائزه لأن العرف\rوقال ابن القاسم الحيازة من الثمانية إلى العشرة وأما في الأقارب فقال مالك الحيازة المكذبة للدعوى في العقار نحو الخمسين سنة لأن الأقارب يتسامحون لبر القرابة أكثر من الأجانب إما لدون هذا القدر من الطول فلا تكون الدعوى كاذبة وخالفنا الشافعي رضي الله عنه وسمع الدعوى في جميع هذه الصور لنا النصوص المتقدمة وهذا قسم من أقسام الدعوى الثلاثة ويبقى قسمان داخلان تحت قاعدة الدعوى الصحيحة\rالأول\rما تصدقها العادة كدعوى القريب الوديعة\rوالثاني ما لم تقض العادة بصدقها ولا بكذبها كدعوى المعاملة ويشترط فيها الخلطة وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في بيان قاعدتي من يحلف ومن لا ا ه كلام الأصل وصححه ابن الشاط\rتنبيهان الأول قال التسولي علم مما مر أن هذه الشروط كلها مبحوث فيها ما عدا الشرط الرابع ا ه فافهم\r","part":4,"page":173},{"id":1404,"text":"التنبيه الثاني قال التاودي على العاصمية هذه شروط الدعوى وأما الدعوى نفسها فقال القرافي هي طلب معين كهذا الثوب وما في ذمة معين كالدين والسلم وادعاء ما يترتب عليه أحدهما أي ما يترتب عليه المعين كدعوى المرأة على زوجها الطلاق أو الردة لتحرر نفسها وهي معينة وما يترتب عليه ما في ذمة معين كدعوى المسيس أو القتل ليترتب الصداق والدية في ذمة العاقلة المعينة بالنوع ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والثلاثون والمائتان بين قاعدتي المدعي والمدعى عليه\rوفيه اختلفت عبارة العلماء تحقيقا لمن هو المدعي الذي عليه البينة ولمن هو المدعي الذي يحلف في قوله {صلى الله عليه وسلم} البينة على من ادعى واليمين على من أنكر لأن بينهما التباسا وعلم القضاء يدور على التمييز بينهما لقول سعيد بن المسيب رضي الله عنه من ميز بينهما فقد عرف وجه القضاء كما في تسولي العاصمية فقيل كل طالب فهو مدفوع وكل مطلوب فهو مدعى عليه\rوقال ابن المسيب رضي الله عنه كل من قال قد كان فهو مدع وكل من قال لم يكن فهو مدعى عليه ا ه\rوللأصحاب فيه عبارتان توضح ثانيهما الأولى أحدهما أن المدعي هو أبعد المتداعيين سببا والمدعى عليه هو أقرب المتداعيين سببا والثانية أن المدعي من كان قوله على خلاف أصل أو عرف أي مجردا عنهما معا فأو هنا بمعنى الواو والمدعى عليه من كان قوله على وفق أصل أو عرف قال التسولي وبمعنى العرف العادة والشبه والغالب كما يعلم مما سيأتي من الأمثلة وأو هنا مانعة خلو فقط فتجوز الجمع ومن أمثلة ما وافق المدعى عليه فيه الأصل وحده وخالفه المدعي من ادعى على شخص دينا أو غصبا أو جناية ونحوهما فإن الأصل عدم هذه الأمور\r","part":4,"page":174},{"id":1405,"text":"والقول قول المطلوب منه مع يمينه لأن الأصل يعضده ويخالف الطالب وهذا مجمع عليه ومنها اختلاف اليتيم بعد بلوغه ورشده مع وصية في الدفع فإن اليتيم متمسك بالأصل الذي هو عدم الدفع فهو مدعى عليه وإن كان طالبا فعليه اليمين والوصي مدع وإن كان مطلوبا لأنه غير أمين في الدفع عند التنازع لقوله تعالى فأشهدوا عليهم فعليه البينة ومن أمثلة ما وافق المدعى عليه فيه العرف وحده من ادعى الشراء أو الهبة من حائز للمدعي فيه مدة الحيازة فالحائز مدعى عليه لأنه تقوى جانبه بالحيازة والقائم مدع ومنها جزار ودباغ تداعيا جلدا تحت يدهما ولا يد عليه فالجزار مدعى عليه والدباغ مدع فإن كانت تحت يد أحدهما فالحائز مدعى عليه ومنها قاض وجندي تداعيا رمحا تحت يدهما أو لا يد عليه فالجندي مدعى عليه\rوالقاضي مدع ومنها عطار وصباغ تداعيا مسكا وصبغا فالعطار مدع في الصبغ مدعى عليه في المسك والصباغ بالعكس ومنها اختلاف الزوجين في متاع البيت فللمرأة المعتاد للنساء ما لم يزد على نقد صداقها وهي معروفة بالفقر ومنه النكول ودعوى الشبه عند الاختلاف في الصداق أو البيع أو غيرهما ومنها دعوى العامل في القراض أو المودع عنده الرد حيث قبضا بغير إشهاد فالمدعى عليه في هذه الأمثلة هو من تقوى جانبه بسبب من حيازة أو شبه أو نكول صاحبه أو أمانة أو كون المتنازع فيه مما شأنه أن يكون له والمدعي من تجرد قوله عن ذلك السبب كما في التسولي على العاصمية\r","part":4,"page":175},{"id":1406,"text":"ومن أمثلة ما وافق المدعى عليه فيه الأصل والعرف معا طالب الوديعة التي سلمها للمودع عنده ببينة لأنه لو ائتمن المودع عنده لما أشهد عليه فالقول قول صاحب الوديعة بيمينه فهو المدعى عليه وإن كان طالبا والمودع عنده مدع عليه البينة وإن كان مطلوبا لأن ظاهر حاله لما قبض ببينة أنه لا يعطي إلا ببينة والأصل أيضا عدم الدفع فالأصل والغالب معا يعضدان صاحب الوديعة ويخالفان المودع عنده وكذلك القراض إذا قبض ببينة قال التسولي على العاصمية وإذا تمسك كل منهما بالعرف كما إذا أشبها معا فيما يرجع فيه للشبه كتنازع جزار مع جزار في جلد ونحو ذلك ولم يكن بيد أحدهما حلفا وقسم بينهما وإذا تمسك كل منهما بالأصل كدعوى المكتري للرحى أو الدار أنه انهدمت أو انقطع الماء عنها ثلاثة أشهر وقال المكتري شهران فقط اختلف فيمن يكون مدعى عليه منهما فقيل المكتري لأن الأصل براءة ذمته من الغرامة فيستصحب ذلك وقيل المكري لأن عقد الكراء أوجب دينا في ذمة المكتري وهو يدعي إسقاط بعضه فلا يصدق وكذلك لو قبض شخص من رجل دنانير فلما طلبه بها الدافع زعم أنه قبضها من مثلها المرتب له في ذمته فإن اعتبرنا كون الدافع بريء الذمة من سلف هذا القابض كان الدافع مدعى عليه وهو الراجح كما لابن رشد وأبي الحسن وغيرهما وإن اعتبرنا حال القابض وأن الأصل فيه أيضا براءة الذمة فلا يؤاخذ بأكثر مما أقر به جعلناه هو المدعى عليه فافهم فبهذه الوجوه صعب علم القضاء قال وإذا تعارض الأصل والغالب قدم الشافعية الأصل في جميع صور التعارض\rوقدم المالكية الغالب لقوله تعالى وأمر بالعرف فكل أصل كذبه العرف كما إذا\r","part":4,"page":176},{"id":1407,"text":"شهدت البينة بدين ونحوه فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه وجب أن لا يعمل به إلا في مسألة ما إذا ادعى الصالح التقي الكبير العظيم المنزلة والشأن من العلم والدين بل أبو بكر الصديق أو عمر الفاروق ابن الخطاب على أفسق الناس وأدناهم درهما واحدا فإن الغالب صدقه والأصل براءة الذمة فيقدم الأصل على الغالب في هذه عند المالكية ا ه بتصرف وتوضيح\rلكن قال الأصل أن إلغاء الأصل في البينة إذا شهدت بدين ونحوه أجمعت عليه الأمة كما أن إلغاء الغالب في مجرد دعوى الدين ونحوه وإن كان الطالب أصلح الناس وأتقاهم لله تعالى على أفسق الناس بدرهم واحد كذلك أجمعت عليه الأمة فليس في كون الملغى الأصل أو الغالب عند تعرضهما على الإطلاق وبهذا الإجماع احتج الشافعية علينا في تقديم الغالب على الأصل في دعوى المرأة المسيس وعدم الإنفاق ونحوهما مما شهد العرف فيه للمدعي كما مر ويوضحه ما في حاشية العطار على محلي جمع الجوامع قال زكريا وفي قواعد الزركشي تعارض الأصل والغالب فيه قولان ولجريان القولين ثلاثة شروط\rأحدها\rأن لا تطرد العادة بمخالفة الأصل وإلا قدمت قطعا ولذا حكم بنجاسة الماء الهارب في الحمام لاطراد العادة بالبول فيه الثاني أن تكثر أسباب الظاهر فإن ندرت لم ينظر إليه قطعا\rولذا اتفق الأصحاب بالأخذ بالوضوء فيمن تيقن الطهارة وغلب على ظنه الحدث مع إجزائهم القولين فيما يغلب على الظن نجاسته هل يحكم بنجاسته وفرق الإمام بأن الأسباب التي تظهر بها النجاسة كثيرة جدا وهي في الأحداث قليلة ولا أثر للنادر والتمسك باستصحاب اليقين أولى\rالثالث\r","part":4,"page":177},{"id":1408,"text":"أن لا يكون مع أحدهما ما يعتضد به وإلا فالعمل بالترجيح متعين والضابط أنه إذا كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعا كالشهادة والرواية فهو مقدم على الأصل قطعا وإن لم يكن كذلك بل كان سنده العرف أو القرائن أو غلبة الظن فهذه يتفاوت أمرها فتارة يعمل بالأصل وتارة يعمل بالظاهر وتارة يخرج خلاف فهذه أربعة أقسام الأول ما قطعوا فيه بالظاهر كالبينة الثاني ما فيه خلاف والأصح تقدم الظاهر كما في اختلاف المتعاقدين في الصحة والفساد فالقول لمدعي الصحة على الأظهر لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة وإن كان الأصل عدمها الثالث ما قطعوا فيه بالأصل وإلغاء القرائن الظاهرة كما لو اشتبه محرمة بنسوة قرية كبيرة فإن له نكاح من شاء منهن لأن الأصل الإباحة\rالرابع ما فيه خلاف والأصح تقديم الأصل كما في ثياب مدمني النجاسة وطين الشارع الذي يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسة والمقابر التي يغلب على الظن نبشها فإن الأصح فيها الطهارة ا ه المراد بتلخيص فافهم\rهذا والذي تحصل من بيان ما للأصحاب من الفرقين الأخيرين بين المدعي والمدعى عليه بالأمثلة المذكورة وأنها بمعنى واحد وأنهما مطردان وأن الفرق الأول غير مطرد لنقضه بما تقدم في الوديعة مع الإشهاد واليتيم مع وصية ونحو ذلك كدعوى المرأة المسيس على زوجها في خلوة الاهتداء وادعى هو عدمه فإن كلا منهم طالب مع أنه مدعى عليه فلذا قال الأصل فليس كل طالب مدعيا وليس كل مطلوب منه مدعى عليه ا ه وسلمه ابن الشاط\r","part":4,"page":178},{"id":1409,"text":"وأما فرق ابن المسيب فكذلك قيل أنه غير مطرد لنقضه بدعوى المرأة على زوجها الحاضر أنه لم ينفق عليها وقال هو أنفقت وبدعوى المرأة المسيس على زوجها في خلوة الاهتداء وادعى عدمه فهو مدعى عليه في الأولى لشهادة العرف له وهي مدعية وهما في الثانية على العكس وفرق ابن المسيب يقتضي أنها في الأولى مدعى عليها لأنها تقول لم يكن وفي الثانية مدعية لأنها تقول قد كان كما في التسولي على العاصمية قال وأجيب بأن الرد المذكور للتعريفين أي للمدعي والمدعى عليه بما ذكر أي الفرق الأول\rوفرق ابن المسيب إنما يتم ولو كان القائل بهما يسلم أن الطالب ومن يقول قد كان فيما ذكر أي من المسائل التي تقضي بها الراد كلا من التعريفين المذكورين مدعى عليه وإلا فقد يقول إنه مدع قام له شاهد من عرف أو أصل ولا يحتج على الإنسان بمذهب مثله واختار هذا الجواب ابن رحال والحاصل على ما يظهر من كلامهم وهو الذي يوجبه النظر أن المتداعيين أن يتمسك أحدهما بالعرف فقط كالاختلاف في متاع البيت ودعوى الشبه واختلاف القاضي والجندي في الرمح والجزار والدباغ في الجلد ونحو ذلك مما لم يتعارض فيه العرف والأصل وأما أن يتمسك بالأصل فقط كالاختلاف في أصل الدين وفي قضائه وفي دعوى الحائز نفسه\r","part":4,"page":179},{"id":1410,"text":"الحرية ودعوى رب المال والمودع عدم الرد مع دفعهما بإشهاد ودعوى اليتيم عدم القبض ونحو ذلك فالمدعى عليه في هذين أي أمثلة شهادة العرف فقط أو الأصل فقط هو المتمسك بذلك العرف أو الأصل على تعريف الأصحاب وهو المطلوب ومن يقول لم يكن على التعريفين الأولين وإما أن يتمسك أحدهما بالأصل والآخر بالعرف فيأتي الخلاف كدعوى الزوج على سيد الأمة أنه غره بتزويجها فالأصل عدم الغرور وبه قال سحنون والغالب عدم رضا الحر بتزويج الأمة وبه قال أشهب وهو الراجح وكمسألة اختلاف المتراهنين في قدر الدين فإن الرهن شاهد عرفي والأصل براءة ذمة الراهن وكمسألة الحيازة المتقدمة ودعوى عامل القراض والمودع عنده الرد مع عدم الإشهاد لأن الغالب صدق الأمين ودعوى المرأة المسيس وعدم الإنفاق ونحو ذلك فالمدعى عليه في مثل هذا على تعريف الأصحاب هو المتمسك بالعرف لأن قولهم أو عرف أعم من كونه عارضه أصل أم لا وعلى التعريفين الأولين\rهو المطلوب ومن يقول لم يكن لكن لما ترجح جانب المدعي فيها بشهادة العرف لأنه أقوى صار المدعي مدعى عليه ويدل لهذا قول ابن رشد ما نصه المعنى الذي من أجله وجب على المدعي إقامة البينة تجرد دعواه من سبب يدل على صدقه فيما يدعيه فإن كان له سبب يدل على صدقه أقوى من سبب المدعى عليه كالشاهد الواحد أو الرهن وما أشبه ذلك من إرخاء الستر وجب أن يبدأ باليمين دون المدعى عليه ا ه\rونقله القلشاني وغيره فتأمل كيف سماه مدعيا وجعل الرهن وإرخاء الستور والشاهد الحقيقي سببا لصيرورته مدعى عليه لكونه في ذلك أقوى من سبب خصمه المتمسك بالأصل وقد اختلف في العرف هل هو شاهد أو كشاهد أن البرزلي القاعدة إحلاف من شهد له العرف فيكون بمثابة الشاهد وقيل هو كالشاهدين ا ه\r","part":4,"page":180},{"id":1411,"text":"وقد درج خليل في مواضع على أنه كالشاهد منها قوله في الرهن وهو كالشاهد في قدر الدين وقد عقد في التبصرة بابا في رجحان قول المدعي بالعوائد وقال القرافي أجمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه ا ه فهذا كله يوضح لك الجواب المتقدم عما ورد على التعريفين الأولين\rويدلك على عدم الفرق بين التعاريف الثلاثة لأن المدعي قد ينقلب مدعى عليه لقيام سبب أقوى من سبب خصمه كان ذلك السبب حقيقيا أو عرفيا إلا أن العرفي لا يقوى عندهم قوة الحقيقي فليست اليمين معه تكملة للنصاب حتى يؤدي ذلك لنفي يمين الإنكار بدليل أنه إذا انضم إليه شاهد حقيقي لا يثبت الحق بدون اليمين كما نقله بعضهم عن المتيطي عند قول خليل وهو كالشاهد إلخ فاعتراض التاودي على الجواب السابق بكونه يؤدي لنفي يمين الإنكار إلخ ساقط ا ه بتوضيح المراد فانهم\rتنبيه قال الأصل خولفت قاعدة الدعاوى أي من قبول قول المطلوب دون الطالب في خمس مواطن يقبل فيها قول الطالب أحدها اللعان يقبل فيه قول الزوج لأن العادة أن الرجل ينفي عن زوجه الفواحش\rفحيث أقدم على رميها بالفاحشة مع أيمانه أيضا قدمه الشرع\rوثانيها في القسامة يقبل فيها قول الطالب لترجحه باللوث\rوثالثها قبول قول الأمناء في التلف لئلا يزهد الناس في قبول الأمانات فتفوت مصالحها المترتبة على حفظ الأمانات والأمين قد يكون أمينا من جهة مستحق الأمانة وقد يكون من جهة الشرع كالوصي والمتلقط ومن ألقت الريح ثوبا في بيته\rورابعها قبول قول الحاكم في التجريح والتعديل وغيرهما من الأحكام لئلا تفوت المصالح المرتبة على الولاية للأحكام\r","part":4,"page":181},{"id":1412,"text":"وخامسها قبول قول الغاصب في التلف مع يمينه لضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس ا ه وسلمه ابن الشاط لكن قال التسولي على العاصمية فتأمل عده اللعان والقسامة والأمانة فإن الظاهر أن ذلك مما قدم فيه الغالب على الأصل كما مر فلم تكن فيه مخالفة وبعضهم يعبر عن الأمين أن الغالب صدقه أي في الرد والتلف وبعد أن ذكرها المكناسي في مجالسه قال ومنها اللصوص إذا قدموا بمتاع وادعى شخص أنه له وأنهم نزعوه منه فيقبل قوله مع يمينه ويأخذه ومنها السمسار إذا ادعى عليه أنه غيب ما أعطى له للبيع وكان معلوما بالعداء وبإنكار الناس فيصدق المدعي بيمينه ويغرم السمسار ومنها السارق إذا سرق متاع رجل وانتهب ماله وأراد قتله وقال المسروق أنا أعرفه فيصدق المسروق بيمينه وهذه المسائل التي زادها لا تحملها الأصول كما لأبي الحسن ولا يخالف ما للمكناسي من قبول قول من ادعى على\rاللصوص أنهم أخذوا ما قدموا به منه ويأخذه ونحو ذلك قول القرافي الآتي في الفرق بين ما يقدم فيه النادر على الغالب وما لا ما نصه أخذ السراق المنهومين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة الغالب مصادفته للصواب والنادر خطؤه ومع ذلك ألغى الشارع هذا الغالب صونا للأعراض والأطراف عن القطع ا ه\rفإنه يفهم منه أنه إنما ألغى الشارع هذا الغالب بالنسبة للأعراض والأطراف لا بالنسبة للغرامة فإنه يغرم فيوافق ما للمكناسي ولهذا درج ناظم العمل على ذلك حيث قال لوالد القتيل مع يمين القول في الدعوى بلا تبيين إذا ادعى دراهما وأنكرا القاتلون ما ادعاه وطرا فلا مفهوم لقوله القتيل بل المدار على كون المدعى عليه معروفا بالغصب والعداء انظر شرحه وانظر ما يأتي في الغصب ولا بد ا ه\r","part":4,"page":182},{"id":1413,"text":"وفي الغصب لما ذكر كلام ناظم العمل في شرحه للبيتين ونقله عن ابن النعيم ما نصه الذي جرى به العمل عندنا في هذه النازلة ومثلها أن القول لوالد القتيل مع يمينه أي إذا ادعى دراهم من جملة المنهوب وأنكرها القاتلون والظالم أحق أن يحمل عليه وإن كان المشهور خلافه أي من القول للغاصب في القدر والوصف كما في خليل وكم من مسألة جرى الحكم فيها بخلاف المشهور ورجحها العلماء للمصالح العامة ا ه وعن العربي الفاسي في تأييده ساق بعده كلاما طويلا فراجعه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يحتاج للدعوى وقاعدة ما لا يحتاج إليها\rوهو أن ما لا يحتاج للدعوى ويجوز أخذه من غير رفع إلى الحاكم هو ما اجتمعت فيه خمسة قيود القيد\rالأول أن يكون مجمعا على ثبوته\rالقيد الثاني أن يتعين الحق فيه بحيث لا يحتاج للاجتهاد والتحرير في تحقيق سببه ومقدار مسببه\rالقيد الثالث أن لا يؤدي أخذه لفتنة وشحناء\rالقيد الرابع أن لا يؤدي إلى فساد عرض أو عضو\rالقيد الخامس أن لا يؤدي إلى خيانة الأمانة ومثل له الأصل بمن وجد عين سلعته التي اشتراها أو ورثها فأخذها أو أخذ عين المغصوب منه وهو لا يخاف من الأخذ ضررا تسولي العاصمية نقلا عن ابن فرحون بتحريم المحرمات المتفق عليها ورد الودائع والغصوب قال ومنه العتق بالقرابة ومن أعتق جزءا في عبد بينه وبين غيره فيكمل من غير حكم على المشهور ا ه وما يحتاج للدعوى ولا يجوز أخذه إلا بعد الرفع للحاكم هو ما خلا عن قيد من القيود الخمسة المذكورة فهو خمسة أنواع\rالنوع الأول\r","part":4,"page":183},{"id":1414,"text":"ما اختلف في كونه ثابتا أم لا فلا بد فيه من الرفع للحاكم حتى يتوجه بثبوته لعم افتقار هذا النوع إلى الحاكم من حيث الجملة وإلا فالكثير من مسائله لا يفتقر للحاكم منها من وهب له مشاع في عقار أو غيره أو اشترى مبيعا على الصفة أو أسلم في حيوان ونحو ذلك فإن المستحق المعتقد لصحة هذه الأسباب يتناول هذه الأمور من غير حاكم والمفتقر من مسائله للحاكم قليل منها استحقاق الغرماء لرد عتق المديان وتبرعاته قبل الحجر عليه فإن الشافعي رضي الله عنه لا يثبت لهم حقا في ذلك ومالك رضي الله عنه يثبت فيحتاج لقضاء الحاكم بذلك وفي الفرق بين ما يفتقر من مسائله للحاكم وما لا يفتقر منها له\rعسر\rالنوع الثاني\rما يحتاج للاجتهاد والتحرير في تحقيق سببه ومقدار مسببه فإنه يفتقر إلى الحاكم ومن أمثلته الطلاق بالإعسار والطلاق بالإضرار والطلاق على المولي وعلى نحو الغالب والمعترض قال الأصل فإن في الطلاق على المولي تحرير عدم فيئته وعلى المعسر مع قول الحنفية بمنعه تحرير إعساره وتقديره وما مقدار الإعسار الذي يطلق به فإنه مختلف فيه فعند مالك رحمه الله لا يطلق بالعجز عن أصل النفقة والكسوة اللتين تفرضان بل بالعجز عن الضروري المقيم للبينة وإن كنا لا نفرضه ابتداء ا ه\r","part":4,"page":184},{"id":1415,"text":"وقال ابن فرحون في التبصرة لأنه يفتقر إلى تحقيق الإعسار وهل هو ممن يلزمه الطلاق بعدم النفقة أم لا كما لو تزوجت فقيرا علمت بفقره فإنها لا تطلق عليه بالإعسار بالنفقة وكذلك تحقيق حاله وهل هو مما يرجى له شيء أم لا وكذلك تحقيق صورة الإضرار وكذلك يمين المولي ينظر هل هي لعذر أو لغير عذر كمن حلف أن لا يطأها وهي مرضع خوفا على ولده فينظر فيما ادعاه فإن كان مقصوده الإضرار طلقت عليه وإن كان لمصلحة لم تطلق عليه وكذلك التطليق على الغائب وكذلك التطليق على المفترض ونحو هؤلاء ثم نقل عن ابن عتاب ما خلاصته أن الحق إذا كان للمرأة خالصا فإنقاذ الطلاق إليها مع إباحة الحاكم لها ذلك بأن يقول للقائمة عنده بعدم النفقة بعد كمال نظره بما يجب إن شئت أن تطلقي نفسك وإن شئت التربص عليه فإن طلقت أشهدت على ذلك وحجة ذلك من السنة حديث بريرة فقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنت أملك بنفسك إن شئت أقمت مع زوجك وإن شئت فارقتيه وقد روي عن ابن القاسم في امرأة المعترض تقول لا تطلقوني وأنا أصبر إلى أجل آخر قال ذلك لها ثم تطلق نفسها متى شاءت بغير سلطان وكذلك الذي يحلف ليقضين فلانا حقه أنه يوقف عن امرأته فإذا جاءت أربعة أشهر قيل له فيء وإلا طلقنا عليك فتقول امرأته أنا أنظره شهرين أو ثلاثة فذلك لها ثم تطلق متى شاءت بغير أمر سلطان ا ه فهذه الرواية ظاهرة في أن المرأة تطلق نفسها ولا اعتراض بما في السؤال من قول المرأة لا تطلقوني لأنها جهلت أن ذلك لها ولأنه أعقب ذلك بالبيان بأنها هي المطلقة بعد التأخير فكذلك تكون هي المطلقة في المسألة السابقة إن أحبت ذلك وكذلك لا اعتراض بقوله في مسألة المولي وإلا طلقنا عليك لأن معناه أنا نجعل ذلك إلى المرأة فتنفذ هي طلاقها إن شاءت وطلاق المولي على قسمين قسم توقعه المرأة وهو في الصورة المتقدمة وقسم يوقعه الحاكم\r","part":4,"page":185},{"id":1416,"text":"وهو إذا قال لها إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا ففيها أقوال أحدها أنه مول ولا يمكن من وطئها لأن باقي وطئه بعد التقاء الختانين حرام فإذا رفعته إلى الحاكم فإن الحاكم ينجز عليه الطلاق قاله ابن القاسم وإن لم ترفعه ورضيت بالمقام بلا وطء فلها ذلك قال ابن سهل سمعت أبا مروان بن مالك القرطبي يستحسن إيراد هذه المسألة من الشيخ ابن عتاب\rويقول لو كانت لأحد من المتقدمين لعدت من فضائله قال ابن سهل وفي سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن تزوج حرة على أنه حر فإذا هو عبد قال لها أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان فما طلقت به نفسها جاز عليه وأما المجزوم فلا خيار لها حتى ترفع ذلك إلى السلطان ثم ليس للسلطان أن يفوض إليها أمرها تطلق متى شاءت ولكن على السلطان إذا كرهته وأرادت فراقه أن يفرق بينهما بواحدة إذا يئس من برئه وكذلك المجنون إلا أنه يضرب له أجل سنة كان موسوسا أو يغيب مرة ويفيق أخرى وهذا يوضح المعنى الذي قصده أبو عبد الله بن عتاب من تقسيم الطلاق المحكوم به إلى قسمين قسم توقع المرأة خاصة دون الحاكم وقسم ينفذه الحاكم بغير إذن المرأة وإن كرهت إيقاعه كزواجها بغير ولي وتزويجها ممن ليس بكفء ونكاحها للفاسق ومن تزوجت مع وجود ولدها ولم يستأذنه وليها الذي زوجها على ما فيه من التفصيل وأنواع الأنكحة الفاسدة وهو باب يطول تعدده ا ه كلام ابن فرحون قال ومن أمثلة هذا النوع أيضا تفليس من أحاط الدين بماله وكذا بيع أعتقه المديان لتعارض حق الله تعالى في العتق وحق الغرماء في المالية\r","part":4,"page":186},{"id":1417,"text":"وكذلك إذا هرب الجمال وكان الزمان غير معين ولم يفت المقصود فإذا رفع ذلك إلى السلطان نظر في ذلك فيفسخه عنه إن كان في الصبر مضرة ولا ينفسخ بغير حكم الحاكم من كتاب قيد المشكل وحل المعضل لابن ياسين ومنها من أعتق نصف عبده فإنه لا يعتق عليه بقية العبد إلا بالحكم لتعارض حق الله تعالى في العتق وحق السيد في الملك وحق العبد في تخليص الكسب وأيضا لقوة الخلاف في التكميل عليه ومنها تعجيز المكاتب إذا كان له مال ظاهر لا يكون إلا بالحكم فلو رضي بتعجيز نفسه هو وسيده لم يكن لهما ذلك ومنها ما إذا حلف ليضربن عبده ضربا مبرحا فعتقه عليه يفتقر لحكم الحاكم لأنه لا يدري هل ثم جناية تقتضي مثل هذا الضرب أم لا ويحتاج بعد وقوع الضرب من السيد إلى تحقيق كون ذلك الضرب مبرحا بذلك العبد وهل السيد عاص به فيعتق عليه لأن الحلف على المعصية يوجب تعجيل العتق أو ليس عاصيا فلا يلزمه عتق ا ه ومنها كما في الأصل تقدير النفقات للزوجات والأقارب\rالنوع الثالث ما يؤدي أخذه للفتنة والشحناء قال ابن فرحون في التبصرة ومن أمثلته الحدود فإنها تفتقر إلى حكم الحاكم وإن كانت مقاديرها معلومة لأن تفويضها لجميع الناس يؤدي إلى الفتن والشحناء والقتل وفساد الأنفس والأموال قال ومنها قسمة الغنائم\rوإن كانت معلومة المقادير وأسباب الاستحقاقات فلا بد فيها من الحاكم إذ لو فوضت لجميع الناس لدخلهم الطمع وأحب كل إنسان لنفسه من كرائم الأموال ما يطلبه غيره فيؤدي إلى الفتن ومنها جباية الجزية وأخذ الخراجات من أراضي العنوة ولو جعلت للعامة لفسد الحال ا ه ومنها كما في الأصل القصاص في النفس والأعضاء إذ لو لم يرفع للأئمة لأدى بسبب تناوله تمانع وقتل وفتنة أعظم من الأولى\rوكذلك التعزير وفيه أيضا الحاجة للاجتهاد في تحرير مقدار الجناية وحال الجاني والمجني عليه بخلاف الحدود في القذف والقصاص في الأطراف\rالنوع الرابع\r","part":4,"page":187},{"id":1418,"text":"ما يؤدي إلى فساد عرض أو عضو كمن ظفر بالعين المغصوبة أو المشتراة أو الموروثة وخاف من أخذها بنفسه أن ينسب إلى السرقة فلا يأخذها إلا بعد رفعها للحاكم دفعا لهذه المفسدة\rالنوع الخامس ما يؤدي إلى خيانة الأمانة ومن أمثلته ما إذا أودع عندك من لك عليه حق وعجزت عن أخذه منه لعدم اعترافه أو عدم البينة عليه ففي منع جحد وديعته إذا كانت قدر حقك من جنسه أو من غير جنسه لقوله عليه السلام أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وهو لمالك رحمه الله تعالى وإجازته لقوله {صلى الله عليه وسلم} لهند ابنة عتبة امرأة أبي سفيان لما شكت إليه أنه بخيل لا يعطيها وولدها ما يكفيهما فقال لها عليه السلام خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف بناء على أنه فتيا وهو للشافعي رحمه الله تعالى وأما على أنه قضاء منه عليه السلام فيصح ما قاله مالك قولان ثالثها لبعضهم الجواز إن كان من جنس حقك\rوالمنع إن كان من غير جنسه هذا توضيح ما قاله الأصل وصححه أبو القاسم بن الشاط بزيادة من تبصرة ابن فرحون وبقي ما اختلف في كونه يحتاج إلى الحاكم أو لا قال ابن فرحون في تبصرته ومن أمثلته قبض المغصوب من الغاصب إذا كان المغصوب منه غائبا أي في افتقاره إلى الحاكم وعدم افتقاره خلاف ومنها من أعتق شركا له في عبد قال ابن يونس اتفق أصحابنا على أن باقيه يعتق بمجرد التقويم من غير حاجة إلى حكم الحاكم وقال غيره يفتقر عتق باقيه إلى الحاكم ومنها عتق القريب إذا ملكه الحر المليء المشهور عدم افتقاره للحكم وقيل لا بد فيه من الحكم ومنها العتق بالمثلة قال مالك رضي الله عنه لا يعتق إلا بالحكم وقال أشهب لا يفتقر ومنها فسخ البيع بعد تخالف المتبايعين يجري فيه الخلاف ومنها فسخ النكاح بعد التخالف فيه الخلاف أيضا\r","part":4,"page":188},{"id":1419,"text":"ومنها اليتيم المحجور عليه بوصي من قبل الأب هل يكفي إطلاقه لليتيم من الحجر دون مطالعة الحاكم في ذلك أو لا بد من استئذان الحاكم في ذلك حتى يكون إطلاق الوصي له بإذن الحاكم فيه خلاف ومنها وقوع الفرقة بين المتلاعنين قال مالك وابن القاسم تقع الفرقة بتمام التحالف دون حكم حاكم وقال ابن حبيب لا تقع الفرقة بتمام تلاعنهما حتى يفرق الإمام بينهما\rومنها ما إذا تزوجت الحاضنة فهل يسقط حقها من الحضانة بالدخول أو بالحكم بأخذ الولد منها قولان ومنها ما إذا قال لزوجته إن لم تحيضي فأنت طالق فإنه يحنث على المشهور وعليه فهل يفتقر الطلاق إلى حكم الحاكم أو يقع بمجرد نطقه قولان اختار اللخمي أنه لا يقع إلا بالحكم ومنها السلم المختلف في فساده اختلف هل يفتقر إلى حكم الحاكم أو لا وعلى الأول فهو كالسلم الصحيح حتى يباشره الحكم بالفسخ ومنها ما إذا هرب الجمال وكان الكراء لقصد أمر له أبان يفوت بفواته كالحج والخروج إلى البلاد الشاسعة مع الرفقة العظيمة فجاءه الجمال بالجمال بعد فوات الوقت قيل ينفسخ بفوات ذلك كالزمن المعين وقيل لا ينفسخ لتوقع الحج والسفر في وقت ثان وفي المدونة لا ينفسخ إلا في الحج وحده ولا\rيختلف أنه إذا رفعه إلى الحاكم ففسخه أنه ينفسخ من كتاب قيد المشكل ومنها القاضي إذا فسق هل ينعزل بمجرد فسقه أو لا حتى يعزله الإمام قولان\rومنها المفلس إذا قسم ماله وحلف أنه لم يكتم شيئا ووافقه الغرماء على ذلك فهل ينفك عنه الحجر ويكون له التصرف فيما يكون بعد ذلك من المال من غير أن يزيل عنه الحاكم حجر التفليس وعليه أكثر نصوصهم واختاره اللخمي أو لا ينفك عنه إلا بحكم حاكم وهو قول القاضي عبد الوهاب والقاضي أبي الحسن بن القصار وتتبع هذا يخرج عن المقصود ا ه كلام ابن فرحون والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":189},{"id":1420,"text":"الفرق الرابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة اليد المعتبرة المرجحة لقول صاحبها وقاعدة اليد التي لا تعتبر\rوهو أن اليد المرجحة عبارة عن حيازة أي قرب واتصال إما مع جهل أصل الملك لمن هو فيكفي فيها عشرة أشهر فأكثر كان المحوز عقارا أو غيره وأما مع علمنا نحن بأنفسنا أو بالبينة بأن أصل ملكها يحق للحائز فيكفي فيها عشرة سنين فأكثر في العقار وعامان فأكثر في الدواب والعبيد والثياب قلت لكن قد تقدم أن هذا في حق غير القريب فتنبه ولليد مراتب مترتبة فأعظمها ثياب الإنسان التي عليه ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها ويليه الدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم استيلائه على جميعها قال بعض العلماء فتقدم أقوى اليدين على أضعفهما فراكب الدابة يقدم مع يمينه على السائق عند تنازعهما وإذا تنازع الساكنان الدار سوى بينهما بعد أيمانهما وهو متجه\rوأما اليد التي لا تعتبر في الترجيح ألبتة فعبارة عن حيازة أي قرب واتصال علمنا نحن بأنفسنا أو بالبينة أنها بطريق تقتضي عدم الملك بحق كالغصب والعارية هذا تهذيب ما قاله الأصل وصححه أبو القاسم بن الشاط مع زيادة من تسولي العاصمية والله تعالى أعلم وصل في أربع مسائل يتعلق بهذا الفرق\rالمسألة الأولى قال ابن أبي زيد في النوادر إذا ادعياها في يد ثالث فقال أحدهما آجرته إياها وقال الآخر أودعته إياها صدق من علم سبق كرائه أو إيداعه ويستصحب الحال له والملك إلا أن تشهد بينة\rللآخر أنه فعل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره ولم ينكر فيقضي له فإن جهل السبق قسمت بينهما قال أشهدت فلو شهدت بينة أحدهما بغصب الثالث منه وبينة الآخر أن الثالث أقر له بالإيداع قضي لصاحب الغصب لتضمين بينته اليد السابقة\rالمسألة الثانية","part":4,"page":190},{"id":1421,"text":"قال في النوادر لو كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما فادعاها الثلاثة قسمت بينهم أثلاثا إن كان العبد تاجرا وإلا فنصفين لأن العبد في يد مولاه أفادهما الأصل\rالمسألة الثالثة قال تسولي العاصمية لا بد في الشهادة بكل قسم من قسمي الحيازة المرجحة من ذكر اليد وتصرف الحائز تصرف المالك في ملكه والنسبة وعدم المنازع وطول عشرة أشهر في الأولى يعني الحيازة مع جهل أصل الملك لمن هو وعشر سنين في الثانية يعني الحيازة مع علم أصل الملك لمن هو وعدم التفويت في علمهم فإذا فقدت هذه الأمور أو واحد منها لا تقبل شهادة الشاهد على المعمول به إلا إن كان من أهل العلم كما بيناه في حاشية اللامية وهل يشترط زيادة مال من أمواله ابن عرفة وفي لغو شهادة الشاهد في دار بأنها ملك فلان حتى يقول ومال من أمواله وقبولها مطلقا ثالثها إن كان الشهود لهم نباهة ويقظة الأول لابن سهل عن مالك قائلا شاهدت القضاء به\rا ه المسألة الرابعة قال تسولي العاصمية كيفية وثقية ذلك أن تقول يشهد الواضع شكاه أثره بمعرفته لفلان ومعها يشهد بأنه كان بيده وعلى ملكه مالا من أمواله وملكا خالصا من جملة أملاكه جميع كذا المحدود بكذا يعرف فيه تصرف المالك في ملكه وينسبه لنفسه والناس إليه من غير علم منازع ولا معارض مدة من عشرة أشهر أو عشر سنين ولا يعلمون أنها أخرجت عن ملكه إلى الآن أو إلى أن تعتدي عليها فلان أو إلى أن غاب أو إلى أن توفي وتركها لمن أحاط بميراثه إلخ فإذا ثبت هذه الوثيقة هكذا وأعذر فيها للمقوم عليه فلم يجد مطعنا فلا إشكال أنها تدل دلالة ظنية على أن الملك لهذا القائم ولا تفيد القطع لأن الشهادات من حيث هي إنما تفيد غلبة الظن فقط وهو معنى قولهم إنما تقبل فيما جهل أصل ملكه لأن أصل الملك لمن هو مجهول عندنا حتى شهدت به البينة لهذا القائم\r","part":4,"page":191},{"id":1422,"text":"وحينئذ فيقضي له به حيث لا مطعن بعد أن يسأل الحائز أو لا هل لك حجة ولعله يقر أن الملك للقائم وأنه دخل بكراء أو\rعارية فإن قال حوزي وملكي وبيدي وأثبت حيازة ذلك عنه عشر سنين في الأصول أو عامين في غيرها بالقيود المذكورة أيضا من اليد والنسبة ودعوى الملك والتصرف وعدم المنازع إلخ والحال أن القائم حاضر ساكت بلا مانع إلخ فقد سقط حق القائم وتبقى الأملاك بيد حائزها ولا يكلف بيان وجه تملكه ولا غير ذلك وبالجملة فمهما ثبتت الحيازة عشرة أشهر فأكثر بالقيود أولا لا تقطعها الحيازة الواقعة بعدها إلا أن تكون عشر سنين فأكثر بالقيود المذكورة أيضا ومهما ثبتت الحيازة عشرة أعوام مع علم أصل الملك لمن هو قطعت حجة القائم مع علم أصل ملكه حيث لم يعلم أصل مدخله أما إذا علم ككونه دخل بكراء من القائم أو إسكان أو مساقات ونحو ذلك فإنها لا تقطعها ولو طالت فأصل الملك وأصل المدخل شيئان متغايران وهما وإن كان كل منهما يشترط جهله لكن الأول شرط في قبول بينة القائم إذ هي لا تقبل إلا إذا لم يعلم أن أصل ذلك لغيره والثاني شرط في أعمال حيازة المقوم عليه إذ لا يعلم بحيازته إلا إذا جهل مدخله\r","part":4,"page":192},{"id":1423,"text":"أما إذا علم بإسكان ونحوه فإنها لا تنقطع حجة الأول بل هي حينئذ كالعدم وانظر الكلام على القيود المذكورة من اليد والنسبة وغيرهما في حاشيتنا على اللامية ا ه كلام التسولي بتصرف وستأتي مسائل أخر في الحيازة إن شاء الله تعالى في الفرق بين ما هو حجة وما ليس بحجة عند الحكام فترقب والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه\rاعلم أن دعوى المدعي التي يذكرها للحاكم ويوجهها على المطلوب ثلاثة أقسام القسم الأول أن تكون مجردة عما يظهر به صحتها مما مر وعن دليل وشبهة واختلف في هذا القسم هل يجب به الإجابة على من كان على مسافة العدوى فما دونها لأعلى من فوقها وهو ما نقل عن الشافعي وأبي حنيفة وعن أحمد في رواية ولا تجب مطلقا وهو ما ذهب إليه جماعة من أصحابنا ونقل عن أحمد أيضا في رواية أخرى\rوفي الحطاب على المختصر نقلا عن المسائل الملقوطة وهذا أولى لأن الدعوى قد لا تتوجه فيبعث إليه من مسافة العدوى ويحضره لما لا يجب فيه شيء ويفوت عليه كثير من مصالحه وربما كان حضور بعض الناس والدعوى عليه بمجلس الحكام مزرية فيقصد من له غرض فاسد أذى من يريد بذلك من التبصرة ا ه\rالقسم الثاني\rأن تكون مع ما تظهر به صحتها مما مر دون أن يأتي بدليل وشبهة وفي هذا القسم قال الأصل إن دعا من مسافة العدوى فما دون وجبت الإجابة لأنه لا تتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين من الظالمين إلا بذلك ومن أبعد من المسافة لا تجب الإجابة ا ه","part":4,"page":193},{"id":1424,"text":"وقال ابن الحاجب ويجلب الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول إذا لم يزد على مسافة العدوى فإن زاد لم يجلبه ا ه وقال خليل وجلب الخصم بخاتم أو رسول إن كان على مسافة العدوى لا بأكثر كستين ميلا ا ه يعني أن الخصم إذا كان حاضرا في البلد يرفع بالإرسال إليه لا بالخاتم على ما به العمل كما في اليزناسي وظاهره وظاهر قول ابن أبي زمنين أنه يرفع وإن لم يأت بشبهة ابن عرفة وبه العمل وإذا كان على مسافة العدوى يرفع بكتابة كتاب إليه أن احضر مجلس الحكم ويطيع ويدفع للطالب الآتي بالدعوى المذكورة كما في تسولي العاصمية قال ومسافة العدوى ثمانية وأربعون ميلا فهي مسافة القصر كما في التبصرة الجوهري العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم منه يقال استعديت على فلان الأمير فأعداني أي استعنت به فأعانني عليه ا ه\rالقسم الثالث أن تكون مع ما تظهر به صحتها مما مر ومع الإتيان بدليل وشبهة أي لطخ كجرح أو شاهد أو أثر ضرب ونحو ذلك وفي هذا القسم قال ابن الحاجب فإن زاد أي على مسافة العدوى لم يجلبه ما لم يشهد شاهد فيكتب إليه إما أن يحضر أو يرضى أي خصمه ا ه يعني أنه تجب فيه على المطلوب ولو كان على ما يزيد على مسافة العدوى إما الإجابة أو إرضاء خصمه لكن محل ذلك إذا كان المطلوب الذي على ما يزيد على مسافة العدوى من محل ولاية الحاكم أما إن كان من غير محل ولايته فعلى قول ابن عاصم والحكم في المشهور حيث المدعى عليه في الأصول والمال معا وحيث يلفيه بما في الذمه يطلبه وحيث أصل ثمه وحاصله أن المدعى عليه إذا لم يخرج من بلده فليست الدعوى إلا هنالك كان المتنازع فيه هناك أم لا وإن خرج من بلده فإما أن يلقاه في محل الأصل المتنازع فيه أو يكون المال المعين معه أو لا فيجيبه لمخاصمته هناك في الأول دون الثاني وأما ما في الذمة فيخاصمه حيث ما لقيه كما في شرح التسولي\r","part":4,"page":194},{"id":1425,"text":"تنبيه قال الأصل وسلمه ابن الشاط والحطاب متى طولب الشخص بحق وجب عليه على الفور كرد المغصوب ولا يحل له أن يقول لا يدفعه إلا بالحاكم لأن المطل ظلم ووقوف الناس عند الحاكم صعب نعم إذا كان الحق نفقة للأقارب وجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها فإن كانت النفقة للزوجة أو للرقيق خير بين إبانة الزوجة وعتق الرقيق وبين الإجابة كما يخبر في كل حق موقوف على الحاكم أي أو يمكن فيه التخيير كأجل العنين يخير الزوج بين الطلاق فلا تجب الإجابة\rوبين الإجابة فليس له الامتناع منها وكالقسمة المتوقفة على الحاكم يخبر بين تمليك حصته لغريمه وبين الإجابة فليس له الامتناع منها وكالفسوخ المتوقفة على الحاكم أما إن كان الحق لا يتوقف على الحاكم فلا تجب الإجابة بل إن كان قادرا على أدائه لزمه أداء ولا يذهب إليه ومتى علم خصمه إعساره حرم عليه طلبه ودعواه إلى الحاكم فإن دعاه وعلم أنه يحكم عليه بحوز لم تجب الإجابة وتحرم في الدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية\rهذا إذا كان الحق متفقا على ثبوته أما إن دعاه إلى حق مختلف في ثبوته فإن كان خصمه يعتقد ثبوته وجبت الإجابة عليه لأنها دعوى حق وإن كان يعتقد عدم ثبوته لم تجب لأنه مبطل نعم إن دعاه الحاكم وجب لأن المحل قابل للحكم والتصرف والاجتهاد وإن لم يكن له عليه حق لم تجب الإجابة ا ه بتصرف قال التسولي على العاصمية ومحل هذا التفصيل والله أعلم إذا كان هناك من يعينه على الحق ويتثبت في أمره وأما إذا فقد ذلك كما في زماننا اليوم فتجب الإجابة في الجميع لئلا يقع فيما هو أعظم ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rفرق بين قاعدة ما يلزم فيه الأعذار وقاعدة ما لا يلزم فيه الأعذار\r","part":4,"page":195},{"id":1426,"text":"وهو كما يؤخذ من كلام ابن فرحون في تبصرته أن ما يلزم فيه الأعذار ثلاثة أنواع الأول كل ما قامت عليه بينة بحق من معاملة أو نحوها والنوع الثاني كل من قامت عليه دعوى بفساد أو غضب أو تعد ولم يكن من أهل الفساد الظاهر ولا من الزنادقة المشهورين بما ينسب إليهم النوع الثالث كل من قامت عليه بينة غير مستفيضة بالأسباب القديمة والحديثة وبالموت القديم والحديث وبالنكاحات القديمة والحديثة وبالولاء القديم وبالأحباس القديمة وبالضرر يكون بين الزوجين وأما ما لا يلزم فيه الإعذار فثلاثة أنواع أيضا الأول كل من قامت عليه بينة بغير حق معاملة ونحوها انتفت الظنون والتهمة عنهم ويتحقق بمسائل المسألة الأولى قال إسحاق بن إبراهيم النجيبي ومما لا أعذار فيه استفاضة الشهادات المشهود بها عند الحكام في الأسباب القديمة والحديث وفي الموت القديم والحديث وفي النكاحات القديمة والحديثة وفي الولاء القديم وفي الأحباس القديمة وفي الضرر يكون بين الزوجين وفي أشياء غيرها يطول ذكرها قال ابن فرحون قوله والضرر معناه أنه يسقط الأعذار في الشهادة بالضرر ولهذه الشهادات باب مستوعب يأتي إن شاء الله تعالى المسألة الثانية قال ابن فرحون إذا انعقد في مجلس القاضي مقال بإقرار أو إنكار وشهدت به شهود المجلس عند القاضي أنفذ تلك المقالة على قائلها ولم يعذر إليه في شهادة شهودها لكونها بين يديه وعلمه بها وقطعه بحقيقتها وهذا هو الإجماع من المتقدمين والمتأخرين\rقاله أبو إبراهيم إسحق بن إبراهيم النجيبي وقال ابن العطار وبه جرى الحكم والعمل عند الحكام لكن قال ابن سهر ورأيت في غير كتاب ابن العطار أن شهود المجلس إذا كتبوا شهادتهم على مقال مقر أو منكر في مجلس القاضي ولم يشهدوا بها عند القاضي في ذلك المجلس ثم أرادوا في المجلس الذي كان فيه المقال وكذلك لو حفظوها ولم يكتبوها ثم أدوها بعد ذلك إذا طلبوا بها\r","part":4,"page":196},{"id":1427,"text":"وكانوا عدولا فإنه يعذر فيها إلى من شهدوا عليه بها ا ه\rلمسألة الثالثة\rقال ابن فرحون الشهود الذين يحضرون تطليق المرأة نفسها وأخذها بشرطها في الطلاق في مسائل الشروط في النكاح لا يحتاج إلى تسميتهم لأنه لا أعذار فيهم ا ه والنوع الثاني كل من قامت عليه بغير حق معاملة ونحوها بينة أقامهم الحاكم مقام نفسه ويتضح بمسائل المسالة الأولى قال أبو إبراهيم لا يعذر القاضي فيمن أعذره إلى مشهود عليه من امرأة أو مريض لا يخرجان المسألة الثانية قال أبو إبراهيم لا يعذر في الشاهدين الذين يوجههما الحاك لحضور حيازة الشهود لما شهدوا فيه من دار أو عقار وقال ابن سهل وسألت ابن عتاب عن ذلك فقال لا أعذار فيمن وجه للإعذار\rوأما الموجهان للحيازة فيعذر فيهما وقد اختلف في ذلك المسألة الثالثة قال ابن فرحون الشاهدان الموجهان لحضور اليمين لا يحتاج إلى تسميتهم لأنه لا أعذار فيهما في المشهور من القول لأن الحاكم أقامهما مقام نفسه وقيل لا بد من الإعذار فيهما ا ه ومن هذا النوع تعديل السر فلا يعذر القاضي في المعدلين سرا كما تقدم ومنه أيضا حكم الحكمين فيسقط الأعذار فيه قال ابن رشد لأنهما يحكمان في ذلك بما خلص إليهما بعد النظر والكشف وليس حكمهما بالشهادة القاطعة ا ه\r","part":4,"page":197},{"id":1428,"text":"والنوع الثالث كل من قامت عليه دعوى بفساد أو غضب أو تعد وهو من أهل الفساد الظاهر أو من الزنادقة المشهورين بما ينسب إليهم فلا يعذر إليهم فيما شهد به عليهم ففي آخر الجزء الثاني من كتاب ابن سهل أن أبا الخير الزنديق لما شهد عليه بما يتعاطاه من القول المصرح بالكفر والانسلاخ من الإيمان وقامت البينة عليه بذلك وكانوا ثمانية عشر شاهدا وكان القاضي يومئذ منذر بن سعيد قاضي الجماعة فأشار بعض العلماء بأن يعذر إليه فيما شهد به عليه وأشار قاضي الجماعة وإسحاق بن إبراهيم النجيبي وصاحب الصلاة أحمد بن مطرف بأنه يقتل بغير أعذار لأنه ملحد كافر وقد وجب قتله بدون ما ثبت عليه فقتل بغير أعذار فقيل لأبي إبراهيم أشرح أصل الفتيا في قتله بغير إعذار الذي اعتمدت عليه فذكر أنه اعتمد في ذلك على قاعدة مذهب مالك رضي الله عنه في قطع الإعذار عمن استفاضت عليه الشهادات في الظلم وعلى مذهبه في السلابة والمغيرين وأشباههم إذا شهد عليهم المسلوبون والمنتهبون بأن تقبل شهادتهم عليهم إذا كانوا من أهل القبول وفي قبولها عليهم سفك دمائهم وفي الرجل يتعلق بالرجل وجرحه يدمي فيصدق عليه وفي التي تتعلق بالرجل في المكان الخالي وقد فضحت نفسها بإصابته لها فتصدق بفضيحة نفسها وفي الذي وجده مالك رضي الله تعالى عنه عند أحد الحكام وهو يضرب بدعوى صبي قد تعلق به وهو يدمي فضربه الحاكم فيما أدعاه عليه من إصابته له فلم يزل يضرب ومالك جالس عنده حتى ضرب ثلثمائة سوط وهو ساكت لا ينكر ذلك مع ما تقدم له من الضرب قبل وصول مالك رضي الله عنه وقد بلغني أنه انتهى به الضرب إلى ستمائة سوط\r","part":4,"page":198},{"id":1429,"text":"وفي أهل حصن من العدو يأتون مسلمين رجالا ونساء حوامل فيصدقون في أنسابهم ويتوارثون إذا كانوا جماعة لهم عدد قال ابن القاسم والعشرون عندي جماعة فأين الإعذار في هؤلاء كلهم قال وإذا كان مالك يرى في أهل الظلم للناس والسلابين والمحاربين ونحوهم أن يقطع عنهم الإعذار فالظالم لله تعالى ولكتابه ولرسوله {صلى الله عليه وسلم} أحق بأن يقطع عنه الإعذار فيما ثبت عليه وأني متقرب إلى الله تعالى بإسقاط التوسعة عليه في طلب المخارج له بالإعذار وقد ثبت عنه {صلى الله عليه وسلم} في الموطأ أنه قال أنا بشر مثلكم يوحي إلي وأنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو ما أسمع منه وهذا الحديث هو أم القضايا ولا إعذار فيه\rوكذلك كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح وإلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم وهما أيضا ملاذ الحكام في الأحكام ولا إعذار فيهما ولا إقالة من حجة ولا من كلمة غير أن الإعذار فيما يتحاكم الناس فيه من غير أسباب الديانات استحسان من أئمتنا وأنا على اتباعهم فيه والأخذ به على بصيرة مستحكمة فيما أوجبوا الإعذار فيه من الحقوق والتزم التسليم لما استحسنوه إذ هم القدوة والهداة فأما في إقامة الحدود في الإلحاد والزندقة وتكذيب القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام فلم أسمع به ولم أره لأحد ممن وصل إلينا علمه قال فإلى هذه الأمور نزعت في ترك الإعذار إلى هذا الملحد قال ابن سهل لقد أحسن أبو إبراهيم رحمه الله تعالى في هذا التبيين والنصح للمسلمين وإن كان في فصول من كلامه اعتراض على الأصول وفي بعضها اختلاف والحق البين إن من تظاهرت الشهادات عليه في إلحاد أو غيره هذا التظاهر\r","part":4,"page":199},{"id":1430,"text":"وكثرت البينة العادلة عليه هذه الكثرة فالإعذار إليه معدوم الفائدة لأنه لا يستطيع تجريح جميعهم ولا يمكنه الإتيان بما يسقط من شهادتهم ومن قال بالإعذار أفاد أصله المتفق عليه عند العلماء والحكام في لزوم الإعذار في الأموال ومن اجتهد أصاب والله الموفق للصواب ا ه\rكلام ابن فرحون في تبصرته وكله بنص لفظه إلا النوع الثالث مما يلزم فيه الإعذار فإنه مأخوذ من مفهوم المسألة الأولى من النوع الأول مما لا يلزم فيه الإعذار فافهم قال والإعذار لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط وتمام النظر فإن الإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئا قال ابن سهل وفي مفيد الحكام وقد اختلف في وقت الإعذار إلى المحكوم عليه فقيل يحكم عليه وبعد ذلك يعذر إليه والذي به العمل أنه يعذر إليه وحينئذ يحكم عليه ا ه قال ابن الحاجب ويحكم بعد أن يسأله أبقيت لك حجة فيقول لا فإن قال نعم انظره ما لم يتبين لدده والمحكوم عليه أعم من المدعي المدعي عليه والمتبادر الذهن هو المدعى عليه لأنه قد تقوي حجة المدعى عليه فيتوجه الحكم على المدعي بالإبراء أو بغيره من وجوه الحكم ا ه\rوإذا حصلت التزكية للشهود فلا بد من الإعذار في المزكي\rوالمزكي ثم هل يعذر إليه قبل أن يسأله ذلك أبو بعد أن يسأله في المذهب أربعة أقوال قال ابن نافع يقول له دونك فخرج وإلا حكمت عليك وقال مالك في رواية أشهب لا يقول له ذلك وذلك وهن للشاهد وقال أشبه بقوله ذلك إن كان قبولهم بالتزكية ولا يقول في المبرزين قول ابن القاسم يقوله لمن لا يدري ذلك كالمرأة والضعيف ثم حيث قلنا بالإعذار فما الذي يسمع منه قال ابن شاس يسمع في متوسط العدالة القدح فيها\r","part":4,"page":200},{"id":1431,"text":"وأما المبرز المعروف بالصلاح فيسمع فيه القدح بالعدواة والقرابة والهجرة وقال سحنون يمكن أن التجريح ولم يفرق وإذا قلنا بسماع الجرح في المبرز فقال سحنون لا يقبل ذلك إلا من المرز في العدالة وقال ابن الماشجون يجرح الشاهد من هو مثله وفوقه ولا يجرح من دونه إلا بالعداوة والهجرة أما القدح في العدالة فلا وقال مطرف يجرحه من هو مثله وفوقه ودونه بالإسفاه وبالعداوة إذا كان عدلا عارفا فوجوه الجراح واختاره اللخمي وقال عبد الحكم لا يقبل التجريح في المبرز إلا أن يكون المجرحون معروفين بالعدالة منه ويذكرون ما جرحوه به مما يثبت بالكشف وقال ابن القطان لا يجرح الشاهد من دونه بالعداوة وأجازه ابن العطار وفي معين الحكام ويعذر في تعديل العلانية دون تعديل السر فلا يعذر القاضي في المعدلين سرا والأصل في الإعذار قوله تعالى في قصة الهدهد لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين النمل 21 وقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا الإسراء 15 قوله تعالى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا طه 134 الآية وقوله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل النساء 165 ومثل هذا كثير قال ابن سهل والإعذار المبالغة في العذر ومنه قد أعذر من أنذر أي قد بالغ في الإعذار من تقدم إليك فأنذرك ومنه أعذار القاضي إلى من ثبت عليه حتى يؤخذ منه فتعذر عليه فيمن شهد عليه بذلك ا ه\r","part":4,"page":201},{"id":1432,"text":"المراد من التبصرة من مواضع تنبيهان الأول زدت هذا الفرق على ما ذكره الأصل فيما تقدم من أجزاء كيفية القضاء التسعة لتكمل وتتضح بها كيفيته التي هي أحد أركانه الستة التي تستفاد من كلام الأصل المتقدم والآتي وذكرها تستولي العاصمية تبعا لابن فرحون بقوله الأول القاضي والثاني والثالث المدعي والمدعى عليه قال والحكم على كل منهما بأنه مدع أو مدعى عليه فرع تصوره وتعرف حاله فافهم والرابع المدعي فيه والخامس المقضي به يعني من كتاب أو سنة أو إجماع بالنسبة للمجتهد أو المتفق عليه أو المشهور أو الراجح أو ما به العمل بالنسبة فلا يتعقب لأن حكم المجتهد يرفع الخلاف\rوأما المقلد فلا يرفع حكمه الخلاف وما ليس بحكم كقوله أنا لا أجيز النكاح بغير ولي أو لا أحدكم بالشاهد واليمين فيتعقب فلمن بعده من حنفي أن يحكم بصحة النكاح أو مالكي أن يحكم بالشاهد واليمين الثاني معرفة ما يفتقر لحكم وما لا يفتقر الثالث معرفة ما يدخله الحكم من أبواب الفقه وما لا يدخله الرابع معرفة الفرق بين ألفاظ الحكم التي جرت بها عادة الحكام وما لم تجر العادة به الخامس معرفة الفرق بين الثبوت والحكم السادس معرفة الدعوى الصحيحة وشروطها السابع معرفة حكم جواب المدعي عليه من إقرار أو إنكار أو امتناع منهما الثامن معرفة كيفية الإعذار التاسع معرفة صفة اليمين ومكانها والتغليظ فيها ا ه المراد بتوضيح ما التنبيه الثاني قال تستولي العاصمية رسالة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه المعروفة برسالة القضاء هي بسم الله الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري سلام عليك\rأما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة معينة فأفهم إذا أدلى إليك وانفذ إذا تبين لك فإنه لا ينفع\r","part":4,"page":202},{"id":1433,"text":"تكلم لحق لا نفاذ له وسوء بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق ومراجعته خير من الباطل والتمادي فيه الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة أعرف الأمثال والأشباه\rوقس الأمور عند ذلك وأعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى واجعل لمن أدعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه فإن أحر بينة أخذت له بحقه وإلا أوجبت له القضاء فإن ذلك انفى للشك وأبلغ للعذر الناس عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حدا أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا والتأذي بالناس والتنكير عند الخصومات فإن الحق في مواطن الحق يعظم به الأجر ويحسن عليه الذخر فإن من يصلح ما بينه وبين الله تعالى وهو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما يعلم الله منه غيره شأنه الله فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام قال ابن سهل هذه الرسالة أصل فيما تضمنته من فصول الفضاء ومعاني الإحكام قال في التوضيح فينبغي حفظها والإعتناء بها ابن سهل وقوله فيها المسلمون عدول بعضهم على بعض الخ رجع عنه بما رواه مالك في الموطأ قال ربيعة قدم رجل من أهل العراق على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال قد جئتك على أمر لا رأس له ولا ذنب فقال عمر ما هو فقال شهادة الزور ظهرت بأرضنا فقال عمر والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير عدول وهذا يدل على رجوعه عما في هذه الرسالة وأخذ الحسن والليث بن سعيد من التابعين بما في هذه الرسالة من أمر الشهود والأكثر على خلافه لقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم ممن ترضون من الشهداء والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":203},{"id":1434,"text":"الفرق الثامن والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع منه\rالحبس عشرة أقسام بما زاده ابن فرحون على ما اقتصر عليه الأصل الأول حبس الجاني لغيبة المجني عليه حفظا لمحل القصاص الثاني حبس الآبق سنة حفظا للمالية رجاء أن يعرف ربه الثالث حبس\rالممتنع من دفع الحق ولو درهما وهو يقدر عليه دفعه وعجزنا عن أخذه منه إلا به لجاء إليه فلا يطلق حتى يدفعه ولا يقال قواعد الشرع تقتضي تقدير العقوبات بقدر الجنايات وتخليده في الحبس عقوبة عظيمة كيف تكون في جناية حقيرة وهي الامتناع من دفع درهم وجب عليه لأنا نقول لا نسلم أن التخليد عقوبة واحدة عظيمة حتى يرد مخالفة القواعد لم لا يجوز أن تقابل كل ساعة من ساعات الحبس كل ساعة من ساعات الامتناع فهي جنايات وعقوبات متكررة متقابلة فلم تخالف القواعد كما للأصل سلمنا أنه عقوبة واحدة عظيمة لكن لا نسلم أن الامتناع من دفع درهم وجب عليه جناية حقيرة بل هو جناية عظيمة فإن مطل الغني ظلم والإصرار على الظلم والتمادي عليه جناية عظيمة فاستحق ذلك التخليد والظالم أحق أن يحمل عليه كما لابن فرحون في تبصرته\rالرابع\rحبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختبار لحاله فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسرا أو يسرا\rالخامس حبس الجاني تعزيرا أو ردعا عن معاصي الله تعالى\rالسادس حبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة كحبس من\rأسلم عن أختين أو عشرة نسوة أو امرأة وابنتها وامتنع من التعيين\rالسابع\rحبس من أقر بمجهول عين أو في الذمة وامتنع من تعيينه فيحبس حتى يعينه فيقول المقر به هو هذا الثواب أو هذه الدابة أو الشيء الذي أقررت به في ذمتي هو دينار","part":4,"page":204},{"id":1435,"text":"الثامن حبس الممتنع من حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عندنا وعند الشافعي كالصوم والصلاة فيقتل فيه قال ابن فرحون ولا يدخل في ذلك عندنا من امتنع من فعل الحج وإن قلنا أنه على الفور مراعاة للقول بأنه على التراخي وأما ترك السنن فمثاله ترك الوتر قال أصبغ بتأديب تارك الوتر ا ه هذا ما اقتصر عليه الأصل\rالتاسع من يحبس اختبار لما ينسب إليه من السرقة والفساد\rالعاشر حبس المتداعي فيه قال تسولي العاصمية وحاصله أن الطالب إما أن يأتي بعدلين أو بعدل أو بمجهول مرجو تزكيته أو بمجهولين كذلك أو بلطخ أو بمجرد الدعوى فالتوقيف في الأول ليس إلا للإعذار ما لا خراج له من العقار بالغلق وما له خراج يوقف خراجه وغير العقار من العروض والثمار والحبوب بالوضع تحت يد أمين وبيع ووضع ثمنه عنده في الثمار إن كان مما يفسد وفي الثاني للإعذار فيه أو لإقامة ثان إن لم يرد أن يحلف معه لرجاء شاهد آخر فالمنع من التفويت فقط في العقار ولا ينزع من يده لكن يوقف ماله خراج منه وفي غير العقار بالوضع تحت يد أمين وبيع ما يفسد أيضا إلا أن يقول إن لم أجد ثانيا فلا أحلف مع هذا ألبتة فلا يباع حينئذ بل يترك للمطلوب وفي الثالث التزكية والإعذار بعدها وحكمه على ما لابن رشد وأبي الحسن وابن الحاجب حكم الذي قبله في سائر الوجوه قال ابن رحال في شرحه هو كالعدل المقبول في وجوب الإيقاف به إلا أنه لا يحلف معه وفي الرابع التزكية والإعذار أيضا وحكمه كالذي قبله إلا في بيع ما يفسد فيباع على كل حال\r","part":4,"page":205},{"id":1436,"text":"وفي الخامس ولا يتأتى إلا في غير العقار بالوضع عند أمين ما لم يكن مما يفسد فيخلي بينه وبين حائزه فيما يظهر لأنه كالعدل الذي لا يريد صاحبه الحلف معه وفي السادس لا عقل أي لا حبس أصلا إذ لا يعقل على أحد بشيء بمجرد دعوى الغير فيه على المنصوص وجرى العمل بالإيقاف بمجرد الدعوى في غير العقار قال ناظمه وكل مدع للاستحقاق مكن من الإثبات بالإطلاق لكن حكى ابن ناجي الاتفاق على أن هذا إن صح مستنده ففيه ما لا يخفى من الإخلال بحق والمحافظة على حق الطالب فإن كان ولا بد فينبغي أن يضع قيمة كرائها في أيام الذهاب والإيقاف زيادة على قيمتها فإن لم يثبت شيئا أخذه المطلوب لأن هذا قد اعترض مال غيره وعطله عن منافعه من غير أن يستند إلى لطخ بخلاف ما إذا استند له فلا يضمن الكراء الشبهة ولم أر ذلك منصوصا لأحد ممن قال بهذا العمل وقد حكى كثير من الناس أنهم كانوا إذا تعذر عليهم المعاش يذهبون للفنادق فيعترضون دواب الواردين حتى يصالحوهم بقليل أو كثير ولا سيما إن كان رب الدابة مزعوجا يريد الخروج في الحين وقد شاهدنا من ذلك العجب العجاب وقد قال في الذخيرة إذا التزم المدعى عليه إحضار المدعي فيه لتشهد البينة على عينه فإن ثبت الحق فالمؤنة على المدعى عليه لأنه مبطل وإلا فعلى المدعي لأنه مبطل في ظاهر الشرع\rولا تجب أجرة تعطيل المدعى به في مدة الإحضار انتهى فتأمل قوله لأنه مبطل في ظاهر الشرع إلخ\rمع أن ما قاله من وجوب الإحضار إنما هو مع قيام اللطخ انتهى المراد من كلام التسولي هذا ما زاده ابن فرحون في تبصرته على ما اقتصر عليه الأصل من حصر الأسباب الموجبة للحبس في الأقسام الثمانية الأول فلذا قال أبو القاسم بن الشاط ليس كما قاله وفي ذلك نظر أهو ما عدا هذه الأقسام العشرة لا يجوز الحبس فيه\r","part":4,"page":206},{"id":1437,"text":"قال الأصل ولا يجوز الحبس في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه مثل أن يمتنع من دفع الدين ونحن نعرف ماله فإنا نأخذ منه مقدار الدين ولا يجوز لنا حبسه وكذلك إذ ظفرنا بداره أو بشيء يباع له في الدين كان هنا أم لا فإنا نفعل ذلك ولا نحبسه فإن في حبسه استمرار ظلمه ودوام المنكر من المطل وضرره هو مع إمكان أن يبقى شيء من ذلك كله قال وكذلك إذا رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه أخذه من عليه قهرا وباعه فيما عليه ولا يحبسه تعجيلا ابن المناصف في تنبيه الحكام على مأخذ الأحكام وإذا ضرب الأجل للطالب في إثبات ما ادعاه قبل المطلوب فسأل أن يأخذ من المطلوب كفيلا بوجهه لأجل الخصومة فعليه ذلك فإن عجز عن الكفيل لم يحبس ولم يلزمه شيء وقيل للطالب لازمه إن شئت وفي المدونة فيمن ادعى على رجل دينا أو شيئا مستهلكا وسأل القاضي أن يأخذ له منه كفيلا بذلك الحق فإنه إن كان للمدعي بينة على المخالطة والمعاملة\rوما يوجب اللطخ وهم حضور فإنه يوكل بالمطلوب حتى يأتي بذلك اللطخ فيما قرب من يومه وشبهه انظر تمامها في التهذيب أفاده ابن فرحون في التبصرة وقد عقد فصلا لأمثلة الأقسام العشرة مع تقسيمه القسم الثالث وهو حبس الممتنع من دفع الحق إلى ثلاثة أقسام حبس تضييق وتنكيل وحبس تعزير وتنكيل وحبس تعزير وتأديب وحبس ملوم واختيار وبيان من لكل قسم وأمثلته وفصلا لبيان أن قدر مدة الحبس يختلف باختلاف أسبابه وموجباته فانظر\rفائدة\r","part":4,"page":207},{"id":1438,"text":"قال ابن فرحون في التبصرة في وثائق ابن الهندي أن السجن مشتق من الحصر قال الله تعالى وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي سجنا وحبسا قال أو السجن وإن كان أسلم العقوبات فقد تأول بعضهم قوله تعالى إلا أن يسجن أو عذاب أليم أن السجن من العقوبات البليغة لأنه سبحانه وتعالى قرنه مع العذاب الأليم وقد عد يوسف عليه الصلاة والسلام الانطلاق من السجن إحسانا إليه في قوله وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ولا شك أن السجن الطويل عذاب وقد حكى الله تعالى عن فرعون إذ أوعد موسى لأجعلنك من المسجونين ونسأل الله العافية ولما استخلف مروان بن الحكم ابنه على بعض المواضع أوصاه أن لا يعاقب في حين الغضب وحضه على أن لا يسجن حتى يسكن غضبه ثم يرى رأيه وكان يقول إن أول من اتخذ السجن كان حليما ولم يرد مروان طول السجن وإنما أراد السجن الخفيف حتى يسكن غضبه وقال ابن قيم الجوزية الحنبلي اعلم أن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه حيث شاء سواء كان في بيت أو في\rمسجد أو كان يتوكل نفس الغريم أو وكيله عليه وملازمته له\rولهذا أسماه النبي {صلى الله عليه وسلم} أسيرا ففي سنن أبي داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال أتيت النبي {صلى الله عليه وسلم} لغريم لي فقال الزمه ثم قال لي يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك وفي رواية ابن ماجه مر بي آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم وهذا كان هو الحبس في زمن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبي بكر الصديق رضي الله عنه ولم يكن له حبس معد لحبس الخصوم فلما انتشرت الرعية في زمن عمر رضي الله عنه ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها وجاء أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم وجعلها حبسا وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الحبس ا ه\r","part":4,"page":208},{"id":1439,"text":"وقال أبو عبد الله محمد بن الفرج المعروف بابن الطلاع الأندلسي المالكي في كتابه المسمى بأحكام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اختلفت الآثار هل سجن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحدا أم لا فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن ولا سجنا أحدا وذكر بعضهم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سجن في المدينة في تهمة دم رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما وفي غير المصنف أنه {صلى الله عليه وسلم} حبس في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه\rووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح عن أيوب بن سليمان أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه قال في الحديث حتى باع غنيمة له\rوقال ابن شعبان في كتابه وقد روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه حكم بالضرب والسجن فثبت بهذا أن النبي {صلى الله عليه وسلم} سجن وإن لم يكن ذلك في سجن متخذ لذلك وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان له سجن وأنه سجن الحطيئة على الهجو وسجن ضبعا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن وأمره الناس بالتفقه في ذلك وضربه مرة بعد مرة ونفاه إلى العراق وقيل إلى البصرة وكتب أن لا يجالسه أحد قال المحدث فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه ثم كتب أبو موسى إلى عمر أنه قد حسنت توبته فأمره عمر رضي الله تعالى عنه فخلى بينه وبين الناس وسجن عثمان رضي الله تعالى عنه صابئ بن حارث وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في الحبس وسجن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الكوفة وسجن عبد الله بن الزبير في مكة وسجن أيضا في سجن عارم محمد بن الحنفية إذ امتنع من بيعته ا ه والله أعلم\rمسجد أو كان يتوكل نفس الغريم أو وكيله عليه وملازمته له\r","part":4,"page":209},{"id":1440,"text":"ولهذا أسماه النبي {صلى الله عليه وسلم} أسيرا ففي سنن أبي داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال أتيت النبي {صلى الله عليه وسلم} لغريم لي فقال الزمه ثم قال لي يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك وفي رواية ابن ماجه مر بي آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم وهذا كان هو الحبس في زمن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبي بكر الصديق رضي الله عنه ولم يكن له حبس معد لحبس الخصوم فلما انتشرت الرعية في زمن عمر رضي الله عنه ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها وجاء أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم وجعلها حبسا وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الحبس ا ه\rوقال أبو عبد الله محمد بن الفرج المعروف بابن الطلاع الأندلسي المالكي في كتابه المسمى بأحكام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اختلفت الآثار هل سجن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحدا أم لا فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن ولا سجنا أحدا وذكر بعضهم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سجن في المدينة في تهمة دم رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما وفي غير المصنف أنه {صلى الله عليه وسلم} حبس في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه\rووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح عن أيوب بن سليمان أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه قال في الحديث حتى باع غنيمة له\r","part":4,"page":210},{"id":1441,"text":"وقال ابن شعبان في كتابه وقد روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه حكم بالضرب والسجن فثبت بهذا أن النبي {صلى الله عليه وسلم} سجن وإن لم يكن ذلك في سجن متخذ لذلك وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان له سجن وأنه سجن الحطيئة على الهجو وسجن ضبعا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن وأمره الناس بالتفقه في ذلك وضربه مرة بعد مرة ونفاه إلى العراق وقيل إلى البصرة وكتب أن لا يجالسه أحد قال المحدث فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه ثم كتب أبو موسى إلى عمر أنه قد حسنت توبته فأمره عمر رضي الله تعالى عنه فخلى بينه وبين الناس وسجن عثمان رضي الله تعالى عنه صابئ بن حارث وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في الحبس وسجن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الكوفة وسجن عبد الله بن الزبير في مكة وسجن أيضا في سجن عارم محمد بن الحنفية إذ امتنع من بيعته ا ه والله أعلم\rالفرق السابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة من يشرع إلزامه بالحلف وقاعدة من لا يلزمه الحلف\rوهو أن الدعوى الصحيحة المستكملة لشروطها المتقدمة إما أن تثبت بدون الشاهدين وإما أن لا تثبت إلا بشاهدين فهي قسمان وفي القسم الثاني قال أبو عمرو بن الحاجب كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها ولا ترد كالقتل العمد والطلاق والعتق والنسب والولاء\rوالرجعة وألحق ابن فرحون في تبصرته بهذه أمثلة كثيرة وقال وهذا باب واسع وسيأتي كثير منه في باب القضاء بقول المدعي والمدعى عليه ا ه فانظره\rوفي القسم الأول قال الأصل وسلمه ابن الشاط كل من توجهت عليه دعوى صحيحة أي مستكملة لشروطها المتقدمة التي منها أن لا يكذبها العرف وكانت مما تثبت بدون الشاهدين نوعان الأول ما يشهد بها العرف فيشرع التحليف بمجردها بلا شرط خلطة ونحوها وتتفق الأئمة فيها وحصر أبو عمر هذا النوع في خمس مواطن الموطن الأول أهل التهم والعداء والظلم لكل من كان متهما بما ادعى عليه من المعاملات\r","part":4,"page":211},{"id":1442,"text":"الموطن الثاني الصناع فيما ادعى عليه من أعمالهم أنهم استصنعوهم والتجار لمن تاجرهم وأهل الأسواق وأهل الحوانيت فيما ادعى عليهم أنهم باعوه مما يريدونه ويتجرون فيه بخلاف غير ما يريدونه ويتجرون فيه فلا يمين فيه إلا بشبهة\rالموطن الثالث القائل عند موته لي عند فلان دين أو تدعي ورثة المتوفى على رجل بأن لمورثهم مالا عليه من وجه نصوه لأن من ادعى بسبب متوفى فهو بخلاف الحي عند أهل العلم\rالموطن الرابع المتضيف عند الرجل فيدعي عليه\rالموطن الخامس العارية الوديعة كأن ينزل الغريب المدينة فيدعي أنه استودع رجلا مالا وزاد في التبصرة موطنا سادسا وهو القاتل يدعي أن ولي المقتول عفا عنه ففي أحكام ابن سهل عن مالك رضي الله عنه أنه يحلف وأنكره أشهب وموطنا سابعا وهو من باع سلعة رجل وادعى أنه أمره ببيعها وأنكره صاحبها وهي قائمة بعينها فإنه يحلف ويأخذها وموضعا ثامنا وهو من ادعى على من لقيه بقية كراء حلف المدعى عليه أنه ما اكترى منه شيئا وكذلك إن كان المدعى عليه هو صاحب الدابة حلف إن كان منكرا\rالنوع الثاني ما لم يتعرض العرف لتكذيبها ولا تصديقها فلا يشرع فيها التحليف إلا بإثبات خلطة مشهور الدعوى دين على غير من تقدم في المواطن المذكورة وكما إذا ادعى على الرجل المبرز من ليس من شكله ولا نمطه لم تجب له اليمين عليه إلا بثبوت الخلطة كما في التبصرة عن وثائق ابن الهندي ولأصحابنا في الخلطة التي اشترطت في هذا النوع على مشهور المذهب أربعة أقوال الأول لابن القاسم هي أن يسالفه أو يبايعه مرارا وإن تقابضا في ذلك الثمن أو السلعة وتفاصلا قبل التفرقة\rوالثاني لسحنون لا بد من البيع بين المتداعيين\rوالثالث للأبهري هي أن تكون الدعوى تشبيه أن يدعي مثلها على المدعى عليه وإلا فلا يحلف إلا أن يأتي المدعي بلطخ\r","part":4,"page":212},{"id":1443,"text":"والرابع للقاضي أبي حسن بن القصار لا بد أن يكون المدعى عليه يشبه أن يعامل المدعى عليه كما في الأصل قال ابن فرحون في التبصرة وفي المتيطية وفسر أصبغ الخلطة فلم ير الذين يصلون في مسجد واحد ولا الجلساء في الأسواق ولا الجيران خلطة ولم يرها إلا بتكرر المبايعة وأن يبيع منه بالنسيئة ا ه\rقلت والظاهر أن هذا هو مراد سحنون فافهم قال ابن فرحون وفائدة اشتراط كل من تكرار المبايعة والنسيئة أنه لو بايعه مرة بالنقد وقبض الثمن وتفاصلا لم يكن ذلك خلطة لأنه لم يبق بينهما بقية توجب اليمين قال ووقع في كلام ابن راشد التفرقة بين خلطة المبايعة وبين خلطة المصاحبة والمؤاخاة فإنه بعد قوله في المدونة عن ابن القاسم إذا ادعى رجل على رجل كفالة فقال ابن القاسم لا بد من الخلطة قال يريد خلطة صحبة ومؤاخاة لا خلطة مبايعة قال ابن محرز ظاهر المدونة أن الخلطة تعتبر بصحبة مدعي الدين والمدعى عليه بالحمالة والصواب عندي أنه يراعي ذلك من الغريم والمدعى عليه الحمالة\rووجه ابن يونس ظاهر المدونة بأن الذي له الدين يقول إنما وثقت بمبايعة من لا أعرف لكفالتك إياه فلذلك توجهت له عليه اليمين ا ه\rقلت والظاهر أن هذا قول خامس في الخلطة ومقابل المشهور قول ابن نافع أن الخلطة لا تشترط في هذا النوع كما في تبصرة ابن فرحون قال وفي المتيطية عن ابن عبد الحكم مثله وأن اليمين تجب على المدعى عليه دون خلطة وبه أخذ ابن لبابة وغيره من المتأخرين لقوله {صلى الله عليه وسلم} البينة على المدعي واليمين على من أنكر ا ه\r","part":4,"page":213},{"id":1444,"text":"وفي الأصل وبه قال الشافعي وأبو حنيفة لنا ما رواه سحنون أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة وزيادة العدل مقبولة وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يدعي الحاكم على الخصم إلا أن يعلم أن بينهما معاملة ولم يرو له مخالف من الصحابة فكان إجماعا ولأن عمل المدينة كذلك ولأنه لولا ذلك لتجرأ السفهاء على ذوي الأقدار بتبذيلهم عند الأحكام بالتحليف وذلك شاق على ذوي الهيئات وربما التزموا ما لا يلزمهم من الجمل العظيمة من المال فرارا من الحلف كما فعله عثمان رضي الله عنه وقد يصادفه عقب الحلف مصيبة فيقال هي بسبب الحلف فيتعين حسم الباب إلا عند قيام مرجح لأن صيانة الأعراض واجبة والقواعد تقتضي درء مثل هذه المفسدة\rوأما احتجاجهم بالحديث السابق بدون زيادة من جهة أنه عام في كل مدعى عليه فيسقط اعتبار ما ذكر من الشرط فجوابه من جهتين\rالأولى\rأن مقصود الحديث بيان من عليه البينة ومن عليه اليمين لا بيان حال من تتوجه عليه والقاعدة أن اللفظ إذا ورد لمعنى لا يحتج به في غيره لأن المتكلم معرض عن ذلك الغير ولهذه القاعدة وقع الرد على أبي حنيفة في استدلاله على وجوب الزكاة في الخضراوات بقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر بأن مقصود الحديث بيان الجزء الواجب في الزكاة لا بيان ما تجب فيه الزكاة\r","part":4,"page":214},{"id":1445,"text":"الجهة الثانية أن العام في الأشخاص غير عام في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات كما تقرر في علم الأصول فيكون الحديث مطلقا في أحوال الحالفين المحتملة على الحالة المحتملة وهي المتقدمة التي فيها الخلطة لأنها المجمع عليها فلا يحتج به في غيرها وإلا لكان عاما في الأحوال وليس كذلك وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ولم يذكر مخالطة فجوابه من جهتين أيضا الأولى أن مقصوده بيان الحصر وبيان ما يختص به منهما لا بيان شرط ذلك ألا ترى أنه أعرض عن شرط البينة من العدالة وغيرها الجهة الثالثة أنه ليس عاما في الأشخاص لأن المخالطة للشخص الواحد لا تعم فيحمل على الحالة التي ذكرناها للحديث الذي رويناه وأما احتجاجهم بأن الحقوق قد تثبت بدون الخلطة فاشتراطها يؤدي إلى ضياع الحقوق وتختل حكمة الحكام فجوابه أنه معارض بما ذكرناه من تسلط الفسقة السفلة على الأتقياء الأخيار عند القضاة وأنه يفتح باب دعوى أحد العامة على الخليفة أو القاضي أنه استأجره أو على أعيان العلماء أنه قاوله وعاقده على كنس مرحاضه أو خياطة قلنسوته ونحو ذلك مما يقطع بكذبه فيه فما ذكرناه من اشتراط الخلطة هو المنهج القويم في الجمع بين النصوص والقواعد وسلمه ابن الشاط والله أعلم\rوصل في مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى قال في الجواهر تثبت الخلطة حيث اشترطت بإقرار الخصم والشاهدين والشاهد واليمين لأنها أسباب الأموال فتلحق بها في الحجاج وفي كتاب ابن المواز من أقام بالخلطة شاهدا واحدا حلف معه وتثبت الخلطة ثم يحلف المطلوب حينئذ وقاله ابن نافع وابن كنانة وفي أحكام ابن بطال أن المدعي إذا حضر خط المدعى عليه وثبت أنه خطه فهو كثبوت إقراره تجب به الخلطة\rوقال ابن لبابة تثبت بشهادة رجل واحد وامرأة وجعله من باب الخبر وروي عن ابن القاسم وقول ابن لبابة هو المشهور قال ابن كنانة أيضا تثبت الخلطة بشهادة رجل\r","part":4,"page":215},{"id":1446,"text":"واحد وامرأة واحدة بغير يمين قال ابن رشد وقول ابن كنانة أحسن وهو مروي عن ابن القاسم لأن المراد إثبات لطخ الدعوى وذلك يحصل بالمرأة ا ه من الأصل وابن فرحون في التبصرة\rالمسألة الثانية\rفي التبصرة ثبوت الخلطة يوجب اليمين على المطلوب في دعوى السلف الوديعة أو المقارضة أو الشركة أو ما أشبه ذلك إن كانت هذه الدعوى بعد المدة التي يحدها الشهود ولذلك يحتاج إلى تحديدها ويعقد في إثبات الخلط شهد من يسمى أسفل هذا العقد من الشهداء أنهم يعرفون فلانا وفلانا معرفة صحيحة تامة بعينهما واسمهما ويعرفون فلانا مخالطا لفلان ابن فلان ومداخلا له من كذا وكذا عاما ولا يعلمون ذلك انقطع بينهما في علمهم إلى حين إيقاع شهادتهم في تاريخ كذا ويذكر فيه تعريف الشاهدين بهما إن لم يكن القاضي يعرفهما وفائدة التحديد بالتاريخ أن تكون الدعوى داخلة في هذا التحديد فلو كانت قبلها لم تجب اليمين إلا بثبوت الخلطة وهذه المسألة من جملة المسائل التي لا بد من تحديد الأمد فيها وكذلك شهادة السماع في الحبس وشهادة الضرر للاختلاف في مدة الحيازة في ذلك وإن قال إن ذلك كان في مدة الأمد الذي تحده الشهود للخلطة لم يجب اليمين فيه إلا بثبوت الخلطة في مدة الدعوة ولا تجب بمثل هذه الخلطة يمين في دعوى مبايعة في عقار أو متاع أو عبيد أو حيوان أو عروض ا ه\rالمسألة الثالثة في التبصرة قال ابن سهل قال غير واحد من المتأخرين إنما تراعى الخلطة فيما يتعلق بالذمم من الحقوق وأما الأشياء المعينة التي يقع التداعي فيها بينهما فاليمين لاحقة من غير خلطة وقيل لا تجب اليمين إلا بالخلطة في الأشياء المعينة وغيرها قال عبد الحق وهذا أبين عندي لأن الخلطة إنما رآها العلماء للمضرة الداخلة لو سمع مع كل مدع ا ه\r","part":4,"page":216},{"id":1447,"text":"المسألة الرابعة في التبصرة اختلف إذا شهد عليه شاهدان فدفعهما بدعوى العداوة هل تجب له عليه يمين بغير خلطة أم لا قولان المشهور لا يجب ا ه قال الأصل لأن العداوة مقتضاها الإصرار بالتحليف والبذلة عند الحكام ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن و الثلاثون والمائتان بين قاعدة ما هو حجة عند الحكام وقاعدة ما ليس بحجة عندهم\rوهو أن الحجة واحد الحجاج التي هي شأن القضاة والمتحاكمين بخلاف الأدلة فشأن المجتهدين وبخلاف الأسباب فإنها تعتمد المكلفين كما تقدم في الفرق بينها فلا تغفل والحجاج التي يقضي بها الحاكم منحصرة عندنا في سبع عشرة حجة الأولى الأربعة الشهود الثانية الشاهدان الثالثة الشاهدان واليمين الرابعة الشاهد واليمين الخامسة المرأتان واليمين السادسة الشاهد والنكول السابعة المرأتان\rوالنكول\rالثامنة\rاليمين والنكول التاسعة أربعة أيمان العاشرة خمسون يمينا الحادية عشرة المرأتان فقط الثانية عشرة اليمين وحدها الثالثة عشرة الإقرار الرابعة عشرة شهادة الصبيان الخامسة عشرة القافة السادسة عشرة قمط الحيطان وشواهدها السابعة عشرة اليد وما عدا هذه السبع عشرة لا يقضى به عندنا وبيان كل حجة من السبع عشرة بانفرادها بتوضيح ما تكون فيه وما فيها من اشتباه واختلاف بين العلماء يستدعي أبوابا ووصولا ليحصل بذلك تمام الفائدة إن شاء الله تعالى\rالباب الأول في بيان ما تكون فيه الحجة الأولى ودليلها وشروطها وفيه وصلان الوصل الأول تكون هذه الحجة في عشرة\rمواضع كما في تبصرة ابن فرحون\rالأول\rالزنا فلا بد فيها من أربعة لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون وهي على أربعة أوجه الأول على معاينته وهو المتفق على أنه لا بد فيه من أربعة شهود\r","part":4,"page":217},{"id":1448,"text":"الوجه الثاني على الإقرار به ولو مرة خلافا لمن يشترط الإقرار به أربع مرات واختلف هل لا بد في الشهادة على الإقرار به أربعة لأنها تئول إلى إقامة الحد فساوت الشهادة على المعاينة لتساوي موجبها أو يكفي فيها رجلان كما هو الأصل في الشهادات على الإقرارات إجراء للإقرار بالزنا على ذلك الأصل الوجه الثالث على الشهادة به واختلف هل يكفي اثنان على شهادة كل واحد من الأربعة الذين شهدوا على المعاينة أي فتكون ثمانية أو لا بد من أربعة على كل من الأربعة فتكون ستة عشر أو يكفي أربعة فقط يشهدون على كل واحد من الأربعة الوجه الرابع على كتاب القاضي بثبوته والحكم به واختلف أيضا في ذلك هل يكفي اثنان أو لا بد من أربعة\rالموضع الثاني الملاعنة بين الزوجين فإن المذهب أن أقل من يحضر لعان الزوجين أربعة شهود الموضع الثالث شهادة الأبدان في النكاح وهي كما في المختصر أن ينكح الرجل ابنته البكر من رجل ولم يحضرهما شهود بل إنما عقد النكاح وتفرقا وقال كل واحد منهما لصاحبه أشهد من لاقيت فلا تتم الشهادة إلا بأربعة شاهدان على الأب وشاهدان على الزوج فإن أشهد كل منهما الشهود الذين أشهدهم صاحبه لم تسم هذه أبدادا فلو كانت\rالزوجة مالكة أمر نفسها لم تكمل الشهادة على النكاح إلا بستة اثنان على الناكح واثنان على المنكح واثنان على الزوجة\rالموضع الرابع شهادة جلد حد الزنا لمن قذفه شخص فلا تنفع القاذف إلا إذا كان الشهود بذلك أربعة نعم قال ابن رشد في البيان والقياس أنه يدخل الخلاف في هذه المسألة من اختلافهم في كتاب القاضي بثبوت الزنا أنه يكفي فيه اثنان وقد تقدم ذلك الموضع الخامس شهادة عقوبة الزاني فلا أقل من أربعة شهود يحضرونه\rالموضع السادس شهادة السماع في الأحباس وغيرهما فلا يجزي فيها أقل من أربعة على قول ابن الماجشون نعم المشهور أنه يجزئ فيها اثنان\rالموضع السابع الشهادة في باب\r","part":4,"page":218},{"id":1449,"text":"الاسترعاء فأقلهم أربعة أيضا على قول ابن الماجشون والمشهور اثنان\rالموضع الثامن من الشهادة في الترشيد والتسفيه قال ابن الماجشون وغيره من أصحاب مالك يشترط فيهم الكثرة وأقلهم أربعة شهود والمشهور أنه يجزئ في ذلك اثنان\rالموضع التاسع شهادة من قطع اللصوص عليهم الطريق قال تقبل شهادتهم عليهم إذا كانوا كثيرا وأقل الكثير أربعة وقال ابن الماجشون والمغيرة وابن دينار لا يجزئ في ذلك أقل من أربعة وقال مطرف وابن القاسم يجوز عدلان\rالموضع العاشر الشهادة في الرضاع قال ابن عبد السلام حكى بعضهم عن أبي بكر بن الجهم من أصحابنا أنه لا يقبل فيه أقل من أربعة والمشهور أنه يثبت بشاهدين وبامرأتين ا ه المراد من التبصرة فانظرها الوصل الثاني في تبصرة ابن فرحون يشترط في الشهادة على الزنا أن يكونوا أربعة رجال ذكور عدول يشهدون بزنا واحد مجتمعين في أداء الشهادة غير مفترقين بأنه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة وظاهر المذهب جواز النظر إلى الفرج قصدا للتحمل وللحاكم أن يسألهم كما يسأل الشهود في السرقة ما هي ومن أين وإلى أين وفروع هذا الباب مشهورة في محالها ا ه بلفظه\rوقال الأصل في نظائر أبي عمران يشترط اجتماع الشهود عند الأداء في الزنا والسرقة ولا يشترط في غيرهما وصعب على دليل يدل على ذلك وقد تقدم أن المناسبات بمجردها لا تكفي في اشتراط الشروط بل لا بد من قياس صحيح أو نص وأما قولنا ذلك أبلغ في طلب الستر على الزناة وحفظ الأعضاء عن الضياع فهذا لا يكفي في هذا الشرط وإلا لأمكن على هذا السياق أن يشترط التبريز في العدالة أو أن يكون الشاهد من أهل العلم والولاية وغير ذلك من المناسبات أيضا وهي على خلاف الإجماع فلم يبق إلا اتباع موارد النصوص والأدلة الصحيحة وغير ذلك صعب جدا ا ه وسلمه ابن الشاط فافهم والله أعلم\r","part":4,"page":219},{"id":1450,"text":"الباب الثاني في بيان ما تكون فيه الحجة الثانية وشروطها وفيه وصلان الوصل الأول في التبصرة القضاء بشاهدين لا يجزئ غيرهما في النكاح والرجعة والطلاق والخلع\rوالتمليك والمبارأة والعتق والإسلام والردة والولاء والنسب والكتابة والتدبير والبلوغ والعدة والجرح والتعديل والشرب والقذف والحرابة والشركة والإحلال والإحصان وقتل العمد وكذلك الوكالة والوصية عند أشهب وفي التنبيه لابن المناصف واختلف في الشاهد الواحد على التوكيل بالمال عن غائب هل يحلف الوكيل معه ليثبت التوكيل أو لا الأشهر المنع واستحسنه اللخمي إلا أن يتعلق بذلك التوكيل حق للوكيل مثل أن يكون على الغائب دين أو لأنه يقر المال في يده قراضا وما أشبه ذلك فيحلف ويستحق ا ه المراد الوصل الثاني في التبصرة هذه الأحكام لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين حرين عدلين قاله ابن رشد وغيره ا ه\rوفي الأصل والعدالة فيهما شرط عندنا وعند الشافعي وأحمد بن حنبل وهي حق لله تعالى عندنا يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها والمنقول عن أبي حنيفة أن العدالة حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا وقال متأخرو الحنفية إنما كان قول المجهول مقبولا في أول الإسلام حيث كان الغالب العدالة فألحق النادر بالغالب فجعل الكل عدولا وأما اليوم فالغالب الفسوق فيلحق النادر بالغالب حتى تثبت العدالة نعم استثنى أبو حنيفة الحدود\rفقال لا يكتفى فيها بمجرد الإسلام بل لا بد فيها من العدالة لأن الحدود حق لله تعالى وهو ثابت فتطلب العدالة وإذا كان المحكوم به حقا لآدمي وجب بجرحها البحث عنها لنا أربعة وجوه\rالأول\r","part":4,"page":220},{"id":1451,"text":"إجماع الصحابة وذلك أن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما ولا يضركما فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما في سفر يتبين عن جواهر الناس قال لا قال فأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما قال لا قال أعاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع بهما الأرحام قال لا قال ابن أخي ما تعرفهما ائتياني بمن يعرفكما\rوهذا بحضرة الصحابة لأنه لم يكن يحكم إلا بحضرتهم ولم يخالفه أحد فكان إجماعا والظاهر أنه ما سأل عن تلك الأسباب من السفر وغيره إلا وقد عرف إسلامهما لأنه لم يقل أتعرفهما مسلمين وليس ذلك استحبابا لأن تعجيل الحكم واجب على الفور عند وجود الحجة لأن أحد الخصمين على منكر غالبا وإزالة المنكر واجب على الفور والواجب لا يؤخر إلا لواجب\rالوجه الثاني\rقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم فإن مفهومه أن غير العدل لا يستشهد وقوله منكم إشارة إلى المسلمين فلو كان الإسلام كافيا لم يبق في التقييد فائدة والعدل مأخوذ من الاعتدال في الأقوال والأفعال والاعتقاد فهو وصف زائد على الإسلام وغير معلوم بمجرد السلام الوجه الثالث قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ورضاء الحاكم بهم فرع معرفتهم\rالوجه الرابع القياس على الحدود وعلى طلب الخصم العدالة فإن فرقوا بأن العدالة حق للخصم فإذا طلبها تعينت وأن الحدود حق لله وهو ثابت عن الله منعنا أن العدالة حق لآدمي بل لله تعالى في الجميع فيتجه القياس ويندفع الفرق وأما احتجاجهم بقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم ولم يشترط العدالة فجوابه أنه مطلق فيحمل على المقيد وهو قوله ذوي عدل منكم فقيد بالعدالة وإلا لضاعت الفائدة في هذا التقييد وأيضا برضاء الحاكم وهو مشروط بالبحث ولأن الإسلام لا يكفي فيه ظاهر الدار فكذلك لا يكفي الإسلام في العدالة\r","part":4,"page":221},{"id":1452,"text":"وأما احتجاجهم بقول عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في حد فجوابه أن قوله عدول يدل على اعتبار وصف العدالة إذ لو لم يكن معتبرا لسكت عنه على أنه معارض بقوله في آخر الأمر لا يؤسر مسلم بغير العدول والمتأخر ناسخ للمتقدم ولأن ذلك كان في صدر الإسلام حيث العدالة غالبة بخلاف غيره وأما احتجاجهم بأن النبي {صلى الله عليه وسلم} قبل شهادة الأعرابي بعد أن قال له أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول\rالله فلم يعتبر غير الإسلام فجوابه أن السؤال عن الإسلام لا يدل على عدم سؤاله من غيره فلعله سأل أو كان غير هذا الوصف معلوما عنده\rوأما احتجاجهم بأن الكافر لو أسلم بحضرتنا جاز قبول قوله مع أنه لم يتحقق منه إلا الإسلام فجوابه أنا لا نقبل شهادته حتى نعلم سجاياه وعدم جرأته على الكذب أو أنا قبلناه لأجل تيقننا عدم ملابسته ما ينافي العدالة بعد إسلامه وأما احتجاجهم بأن البحث لا يؤدي إلى تحقق العدالة وإذا كان المقصود الظاهر فالإسلام كاف في ذلك لأنه أتم وازع ولأن صرف الصدقة يجوز بناء على ظاهر الحال من غير بحث وعمومات النصوص والأوامر تحمل على ظاهرها من غير بحث فكذلك هاهنا يتوضأ بالمياه ويصلي بالثياب بناء على الظواهر من غير بحث فلذلك هاهنا قياسا عليها فجوابه أن البحث كما لا يؤدي إلى تحقق العدالة كذلك لا يؤدي إلى تحقق الإسلام والقضية التي لا نص فيها ولا إجماع يحكم الحاكم فيها مع أن بحثه لا يؤدي إلى يقين ويفرق بين الفقر والماء والثوب وبين العدالة بأن العدالة ليست هي الأصل بل إذا علمت عدالته في الأصل فلا تبحث عن مزيلها لأن الأصل عدمه\r","part":4,"page":222},{"id":1453,"text":"وأما الفقر فهو الأصل فلا بد من البحث عنه وأما الماء فأصله الطهارة ولا يخرج عن ذلك إلا بتغير لونه أو طعمه أو ريحه وذلك معلوم بالقطع فلا يحتاج إلى البحث وكذلك أصل الثوب الطهارة فيحمل عليها ولا يبحث عن مزيلها ولا نسلم الاكتفاء بظاهر العمومات والأوامر بل لا بد من البحث عن الصارف المخصص وغيره لأن الأصل بقاؤها على ظاهرها\rمسألة\rفي بداية حفيد ابن رشد وفي الأصل وسلمه ابن الشاط اتفقوا على أن الإسلام شرط في قبول الشهادة وأنه لا تجوز شهادة الكافر إلا ما اختلفوا فيه من جوازها في الوصية في السفر أي وعلى أهل ملته فعندنا وعند الشافعي لا تقبل شهادة الكافر على المسلم أو الكافر على أهل ملته ولا غيرها ولا في\rوصية ميت مات في سفر وإن لم يحضر مسلمون وتمنع شهادة نسائهم في الاستهلال والولادة بل قال أبو زيد من أصحابنا في كتابه النوادر لو رضي الخصم بالحكم بالكافر والمسخوط لم يحكم له به لأنه حق لله تعالى\rوقال أبو حنيفة يقبل اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي مطلقا لأن الكفر ملة واحدة وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم وهم ذمة يحلفان بعد العصر ما خانا ولا كتما ولا اشتريا به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين وروي عن قتادة وغيره يقبل الكافر على ملته دون غيرها لنا قوله تعالى وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وقال عليه السلام لا تقبل شهادة عدو على عدوه وقياسا على الفاسق بطريق الأولى وذلك أن الله تعالى أمر بالتوقف في خبر الفاسق وهنا أولى إذ الشهادة آكد من الخبر وقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وفي الحديث قال عليه السلام لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينه إلا المسلمين فإنهم عدول عليهم وعلى غيرهم ولأن من لا تقبل شهادته على المسلم لا تقبل على غيره كالعبد\r","part":4,"page":223},{"id":1454,"text":"وأما احتجاجهم بقوله تعالى شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم قالوا فإن معناه من غير المسلمين من أهل الكتاب وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وغيره وقال غير ابن حنبل وإذا جاز على المسلم جازت على الكافر بطريق الأولى فجوابه بوجوبه\rالأول\rأن الحسن قال من غير عشيرتكم وعن قتادة قال من غير حلفكم فما تعين ما قالوه\rالثاني أن معنى الشهادة التحمل ونحن نجيزه أو اليمين فيقسمان بالله كما قال في اللعان\rالثالث أن الله تعالى خير بين المسلمين وغيرهم ولم يقل به أحد فدل على نسخه\rوأما احتجاجهم بما في الصحيح من أن اليهود جاءت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومعهم يهوديان فذكرت له عليه السلام أنهما زنيا فرجمهما عليه السلام وظاهره أن رجمهما بشهادتهم وروى الشعبي أنه عليه السلام قال إن شهد منكم أربعة رجمتهما فجوابه بوجوه\rالأول\rإنهم لا يقولون به لأن الإحصان من شرط الإسلام\rالثاني أنه نقل أنهما اعترفا بالزنا فلم يرجمهما بالشهادة\rالثالث أن الصحيح أنه إنما رجمهما بالوحي لأن التوراة لا يجوز الاعتماد عليها لما فيه من التحريف وشهادة الكفار غير مقبولة وقال ابن عمر كان حد المسلمين يومئذ الجلد فلم يبق إلا الوحي الذي يخصهما وأما احتجاجهم بأن الكافر من أهل الولاية لأنه يزوج أولاده فجوابه أن الفسق عندنا لا ينافي الولاية لأن وازعها طبيعي وينافي الشهادة لأن وازعها ديني فافترقا لأن تزويج الكفار عندنا فاسد والإسلام يصححه\rوأما احتجاجهم بأنهم يدينون في الحقوق قال تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك فجوابه أن هذا معارض بقوله تعالى في آخر الآية ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل\r","part":4,"page":224},{"id":1455,"text":"فأخبر تعالى أنهم يستحلون ما لنا بل جميع أدلتكم معارضة بقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فنفى تعالى التسوية فلا تقبل شهادتهم وإلا حصلت التسوية قال الأصحاب وناسخ الآية قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم ا ه والله أعلم\rالباب الثالث\rفي بيان ما تكون الحجة الثالثة وشروطها اليمين زيادة على شروط الشاهدين المذكورة والمدرك وفيه وصول الوصل الأول في التبصرة قال ابن رشد ويمين القضاء متوجهة على من يقوم أي بالنية التامة على الميت أو على الغائب أو على اليتيم أو على الإحباس أو على المساكين وعلى كل وجه من وجوه البر وعلى بيت المال وعلى من استحق شيئا من الحيوان ولا يتم الحكم إلا بها ا ه\rقال الباجي في مفيد الحكام أجمع من علمت من أصحاب مالك أنه لا يتم لمستحق غير الرباع والعقار حكم إلا بعد يمينه قال ورأى بعض مشايخنا ذلك لازما في العقار والرباع وبعضهم لم ير في ذلك يمينا ا ه\rوفي معين الحكام اختلف فيمن استحق شيئا من الرباع أو الأصول هل عليه يمين أم لا وهذا الثاني هو الذي ذهب إليه مالك وجرى عليه العمل ووجهه أن الرباع مما جرت العادة بكتب الوثائق فيها عند انتقال الملك عليها والإعلان بالشهادة فيها فإذا لم يكن عند المدعى عليه شيء من العقود والمكاتب وقامت البينة للطالب قويت حجته واكتفي بالبينة عن إحلافه بخلاف سائر المتمولات التي يخفى وجه انتقالها ويقل حرص الناس على المشاحنة في كتب الوثاق فيها فتوجهت اليمين لذلك وعلى أن عليه\rيمينا مطلقا وهو قول ابن وهب وابن القاسم في كتاب الاستحقاق من العتبية لا بد من يمين من استحق شيئا من ذلك أنه ما باع وما وهب كالعروض والحيوان\r","part":4,"page":225},{"id":1456,"text":"واتفقوا في غير الأصول أنه لا يقضي لمستحق شيئا من ذلك حتى يحلف أو ليس على من أقام بينة في أرض أو حيوان أو سلعة يمين إلا أن يدعي الذي ذلك في يديه أمرا يظن بصاحبه أنه قد فعله فيحلف ما فعله ويأخذ وهو قول ابن كنانة\rوقال بعض المتأخرين هذا إذا استحقت من يد غير غاصب وأما إن استحقت من يد غاصب فلا يمين على مستحقها إذا ثبت ملكها له ا ه\rقال ابن فرحون ومما يحكم فيه باليمين مع الشاهدين كما في الطرر من شهد له شاهدان على خط غريمه بما ادعاه عليه والغريم جاحد فلا يحكم له بمجرد الشهادة على خطه حتى يحلف معهما فإذا حلف أنه لحق وما اقتضيت شيئا مما كتب به خطه أعطى حقه ومن ذلك شهادة السماع قال ابن محرز لا يقضي لأحد بشهادة السماع إلا بعد يمينه لاحتمال أن يكون أصل السماع من شاهد واحد والشاهد الواحد لا بد معه من اليمين ومن ذلك أيضا إذا جعل الزوج لزوجته إن غاب عنها أكثر من سنة مثلا فأمرها بيدها وأشهد على ذلك وغاب فأرادت الأخذ بشرطها عند الأجل وأثبت عند الحاكم الزوجية والغيبة واتصالها والشرط بذلك فلا بد أن تحلف أنها ما تركت ما جعله بيدها وأنه غاب أكثر من المدة التي شرطها وهذه يمين استبراء ومن ذلك إذا أقامت للغريم المجهول الحال بأنه معدم فلا بد من يمينه أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن\rوإن وجد مالا ليؤدين حقه عاجلا لأن البينة إنما شهدت على الظاهر ولعله غيب مالا ومن ذلك المرأة\r","part":4,"page":226},{"id":1457,"text":"تدعي على زوجها الغائب النفقة وتقيم البينة بإثبات الزوجية والغيبة واتصالها وأنهم ما علموه ترك لها نفقة فلا بد من يمينها على ما هو مذكور في محله وضابط هذا الباب أن كل بينة شهدت بظاهر فإنه يستظهر بيمين الطالب على باطن الأمر قاله في التوضيح في باب التفليس ا ه الوصل الثاني يمين المستحق على البت أنه ما باع ولا وهب ويمين الورثة على العلم أنه ما خرج عن ملك مورثهم بوجه من الوجوه كلها وأن ملك جميعهم يعني الورثة باق إلى حين يمينهم وهذه التتمة في اليمين تكون على البت قال ابن سهل وإذا شهد لرجل شاهدان على دين لأبيه حلف أنه لا يعلم أن أباه اقتضى من ذلك شيئا وإن كان شيئا معينا فاستحقه بشاهدين حلف أنه ما يعلم أن أباه ما باع ولا وهب ولا خرج من يده بوجه من وجوه الملك واليمين في ذلك على من يظن به علم ذلك ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير ومن نكل ممن يلزمه اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط قال في رواية يحيى بعد يمين الذي عليه الحق من ابن يونس من قوله واليمين في ذلك قال ابن سهل ولا يكلف الورثة أن يزيدوا في يمينهم أن الشيء المستحق كان في ملك مورثهم لأن البينة قد شهدوا بذلك وقطعوا به\rوقد أنكر هذا على بعض القضاة لما فعله فلا ينبغي للحاكم أن يحكم إلا فيما لا بد منه فينبغي التحفظ في هذه الزيادة وشبهها وفي المدونة من أقام ببينة على حاضر بدين فلا يحلف مع بينته على إثبات الحق ولا على أنه ما قبض منه حتى يدعي المطلوب أنه دفعه إليه أو دفعه عنه دافع من وكيل أو غيره فحينئذ يحلف ا ه من تبصرة ابن فرحون الوصل الثالث في تبصرة ابن فرحون يمين\r","part":4,"page":227},{"id":1458,"text":"القضاء لا نص على وجوبها لعدم الدعوى على الحالف بما يوجبها إلا أن أهل العلم رأوا ذلك على سبيل الاستحسان نظرا للميت والغائب وحياطة عليه وحفظا لماله للشك في بقاء الدين عليه ا ه فمن هنا قال الأصل قول مالك رضي الله عنه لو شهد الشاهدان لشخص بعين في يد واحد لا يستحقها حتى يحلف ما باع ولا وهب ولا خرجت عن يده بطريق من الطرق المزيلة للملك وهو الذي عليه الفتوى والقضاء وإن علله الأصحاب بأنه يجوز أن يكون باعها لهذا المدعى عليه أو لمن اشتراها هذا المدعى عليه منه ومع قيام الاحتمال لا بد من اليمين مشكل بأنا لا نعلم عندنا ولا عند غيرنا خلافا في قبول شهادة شاهدين مسلمين عدلين في الدماء والديون مع أنه يجوز أن يكون أبرأه من الدين أو دفعه له أو عارضه عليه ويجوز أيضا العفو عن القاتل الذي يقتل بهما فكما لا اعتبار بهذه الاحتمالات في الدماء والديون لا سيما وجل الشهادات في الدماء وغيرها الاستصحاب كذلك لا اعتبار بها في الأموال فكان الشأن أن يقضي بمجرد الشاهدين في الأموال بطريق الأولى من القضاء بمجردها في الدماء والديون\rوبالجملة فاشتراط اليمين مع الشاهدين ضعيف مخالف لظاهر النصوص كقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه وقوله تعالى شهيدين من رجالكم ونحو ذلك مما ظهره أنهما حجة تامة وما علمت أنه ورد حديث صحيح في اشتراط اليمين\rوإثبات شرط بغير حجة بل بمجرد الاحتمالات والمسببات والمناسبات سواء كان في الأموال أو في الدماء كأن يقال لا نقبل في الدماء من في طبعه خور أو خوف من القتل مع تبريزه في العدالة لأن ذلك يبعثه على حسم مادة القتل ولا يقبل في الدماء وأحكام الأبدان\r","part":4,"page":228},{"id":1459,"text":"الشبان من العدول في الشيوخ لعظم الخطر في أحكام الأبدان ونحو ذلك خلاف الإجماع ومروق من القواعد ومنكر من القول لا سيما والقياس على الدين يمنع من ذلك والفرق في غاية العسر وإن ثبت الفرق فمذهب الشافعي وغيره عدم هذا الشرط وهو الصحيح ا ه كلام الأصل وسلمه ابن الشاط\rقلت لكن في قوله وإن ثبت الفرق إلخ نظر فإنه إذا ثبت الفرق ظهر وجه اشتراط هذا الشرط في الأموال دون الدماء والديون لا سيما عند من يقول بالاستحسان كما يشهد لذلك كلام الإمام أبي إسحاق الشاطبي في كتابه الاعتصام حيث قال إن الاستحسان يراه معتبرا في الأحكام مالك وأبو حنيفة بخلاف الشافعي فإنه منكر له جدا حتى قال من استحسن فقد شرع والذي يستقري من مذهبهما أنه يرجع إلى العمل بأقوى الدليلين هكذا قال ابن العربي قال فالعموم إذا استمر\rوالقياس إذا اطرد فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى قال ويستحسن مالك أن يختص بالمصلحة ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس قال ويريان معا تخصيص القياس ونقص العلة ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصا\rوقال في موضع آخر الاستحسان إيثارك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته وقسمه أقساما عد منها أربعة أقسام وهي ترك الدليل للعرف وتركه للمصلحة وتركه لليسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة وحده غير ابن العربي من أهل المذهب بأنه عند مالك استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي قال فهو تقويم الاستدلال المرسل على القياس وعرفه ابن رشد فقال الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون\r","part":4,"page":229},{"id":1460,"text":"أعم من القياس هو أن يكون طرحا لقياس يؤدي إلى علو في الحكم ومبالغة فيه فعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع وهذه تعريفات قريب بعضها من بعض وإذا كان هذا معناه عن مالك وأبي حنيفة فليس بخارج عن الأدلة ألبتة لأن الأدلة يقيد بعضها ويخصص بعضها كما في الأدلة السنية مع القرآنية ولا يرد الشافعي مثل هذا أصلا كيف وقد جاء عن مالك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم ورواه أصبغ عن ابن القاسم عن مالك وقال أصبغ في الاستحسان قد يكون أغلب من القياس وجاء عن مالك أن الفرق في القياس يكاد يفارق السنة ا ه\rالمراد بلفظه مع تقديم وتأخير وقول ابن السبكي في جمع الجوامع بتوضيح من المحلي وفسر الاستحسان بعدول عن الدليل إلى العادة للمصلحة\rورد بأنه إن ثبت أنها أي العادة حق لجريانها في زمنه عليه الصلاة والسلام أو بعده من غير إنكار منه ولا من غيره فقد قام دليل من السنة والإجماع فيعمل بها قطعا وإلا ثبتت حقيقتها ردت قطعا أي فلا تصح محلا للنزاع لم يسلمه العلامة العطار بل قال فيه أن من القواعد أن الضرورات تبيح المحظورات وإذا ضاق الأمر اتسع فالحق أن هذا مما يجري فيه الخلاف بلفظه ا ه ولم يتعقبه العلامة الشربيني فتأمله بإنصاف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالباب الرابع\rفي بيان ما تكون فيه الحجة الرابعة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في التبصرة قال الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار ويحكم بالشاهد واليمين في كل حق يدعيه على صاحبه من بيع أو شراء من أي\r","part":4,"page":230},{"id":1461,"text":"السلع كان من دور أو أرضين أو حيوان أو رقيق أو ثياب أو طعام أو كراء أو إجارة أو شركة أو معاوضة أو مساقاة أو مقارضة أو جعل أو صناعة أو تسلف أو وديعة أو غصب أو سرقة أو عتق أو هبة لله تعالى أو للثواب أو صدقة أو نحلة أو عطية أو بضاعة أو عارية أو حبس أي على معينين أو سكنى أو خدام أو صداق أو صلح من إقرار أو إنكار في عمد وخطأ أو جراحة عمدا أو خطأ أو جراحة عمدا أو خطأ أو تولية أو إقالة أو خيار أو تبر من عيب أو رضي به بعد العلم من غير تبر أو وكالة في شيء مما ذكرناه مما يكون مالا أو يئول إلى مال فإذا أقام المدعي على شيء مما تقدم شاهدا واحدا عدلا وحلف معه أخذا ما يدعي ويثبت في القتل عمده وخطؤه إلا أنه مع القسامة ا ه\rقال ابن فرحون اليمين مع الشاهد إنما تكون في الأموال كما تقدم وتكون في المشاتمة ما عدا الحدود في الفرية والسرقة والشرب والنكاح والرجعة والطلاق والعتاق وما تقدم أنه لا يثبت إلا بشاهدين وكذلك لا يكون اليمين مع الشاهد الواحد في الشهادة على شهادة الشاهد واختلف في الوكالة بالمال والوصية به هل يجوز فيها الشاهد واليمين والرجل والمرأتان وهو قول مالك وابن وهب أو لا يجوز فيها ذلك وهو قول أشهب وابن الماجشون قال ابن راشد ومنشأ القولين فيهما أن الشهادة فيهما باشرت ما ليس بمال لكنها تئول إلى المال فاعتبر مالك وابن القاسم وابن وهب المال فأجازوا في ذلك الشاهد واليمين فلذلك شهره ابن الحاجب واعتبر أشهب وابن الماجشون ما ليس بمال فلم يجيزا ذلك فيهما وفي المتيطية وإن شهد على غائب في وكالة شاهد فروى أنه يحلف الوكيل وتثبت وكالته والأكثر والذي جرى عليه العمل أنه لا يحلف معه\rقال ابن فرحون يلزم من أجاز شهادة للنساء على الوكالة في المال أن يجيز شاهدا أو يمينا على الوكالة في المال لأنها تئول إلى المال\r","part":4,"page":231},{"id":1462,"text":"وزاده القرافي فيما نقله عن العبدي من أن ما يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالك أربعة الأموال والكفالة والقصاص في جراح العمد والخلطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأحوال وأن ما لا يثبت بهما ثلاثة عشر النكاح والطلاق والعتاق والولاء والأحباس والوصايا لغير المعين وهلال رمضان وذي الحجة واللوث والقذف والإيصاء وترشيد السفيه ونقل الشهادة قال والمواضع المختلف فيها خمسة الوكالة بالمال والوصية به والتجريح والتعديل ونكاح امرأة قد ماتت يعني أنه إذا شهد على النكاح بعد موت المرأة شاهد أو أن أحد الوارثين مات قبل الآخر فهل يحلف مع الشاهد\rويثبت الميراث أو لا وكذا لو شهد بذلك رجل وامرأتان قال ابن القاسم يورث مع الشاهد واليمين والشاهد والمرأتين وأشهب يمنع لترتيب ثبوت النكاح على ذلك قال ويتوجه الإشكال على موضعين من مذهب مالك في ذلك\rالأول\rقبوله الشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد اعتمادا على أنها يصالح عليها بالمال في بعض الأحوال فإنه إلغاء للأصل واعتبار للطوارئ البعيدة وذلك لازم له في النفس أيضا وهو خلاف الإجماع فهو مشكل جدا\rوالموضع الثاني عدم قبوله هذه الحجة في الأحباس مع أنها منافع ولا في الولاء ومآله إلى الإرث وهو مال ولا في الوصايا وهي مال ولا في ترشيد السفيه الذي يئول لصحة البيع وغيره وهو مال بل المال في هذه الصور أقرب من المال في جراح العمد لا سيما وهو يبيح القصاص بذلك وهو الغالب إذ متى يقع الصلح فيها وقاعدة المذهب أن كل ما مآله إلى المال يثبت بهذه الحجة وكل ما لا يئول إلى المال لا يثبت بها فعدم قبولها في هذا الموضع مشكل كقبولها في الموضع الأول فتأمل ذلك إلا أن يريد في الحبس على غير المعين فإنه يتعذر الحلف من غير المعين\rوهو الذي تقتضيه قواعد المذهب ا ه نعم قال ابن فرحون الولاء\r","part":4,"page":232},{"id":1463,"text":"وإن كان لا يثبت إلا بشاهدين إلا أنه لو أقام شاهدا واحدا على ميت أنه مولاه وأنه أعتقه فكان ابن القاسم يقول أنه يحلف مع شاهده ويستحق المال ولا يستحق الولاء وقال أشهب لا يستحق المال ولا الولاء لأنه لم يثبت الولاء الذي يستحق به المال فلا يستحق المال قبل أن يستحق الولاء قال وقد تكون الشهادة بهذه الحجة على ما هو مال تئول إلى الشهادة على غير المال فيثبت بها تبعا\rوذلك في مسائل منها قال مالك رضي الله تعالى عنه قد تكون الشهادة في المال تؤدي إلى الطلاق مثل أن يقيم شاهدا واحدا أنه اشترى امرأته من سيدها فيحلف معه ويستحقها ويكون فراقا ومنها أن يقيم المكاتب شاهدا على أداء الكتابة فإنه يحلف معه ويتم العتق ومنها ما لو ثبت على رجل دين بشهادة رجل ويمين المدعي فإنه يرد بهذه الشهادة العتق الذي وقع به الدين ومنها أن يقذف رجل رجلا ظاهر الحرية فيجب عليه فيأتي من يستحق رقبة المقذوف بشاهد ويمين فيسقط عن القاذف الحد ومنها أن يقذف رجل مكاتبا فيأتي المكاتب بشاهد أنه أدى كتابته فيحلف معه فيجب الحد لتمام العتق ا ه المراد من كلام ابن فرحون يتصرف وزيادة من الأصل فانظره\rتنبيهان الأول في تبصرة ابن فرحون حيث قلنا يحكم باليمين مع الشاهد فهل ذلك منسوب إلى الشاهد فقط واليمين كالاستظهار واليمين كشهادتان فيه خلاف ويظهر أثر ذلك الخلاف إذا رجع الشاهد هل يغرم الحق كله أو نصفه ا ه بلفظه\rالتنبيه الثاني حيث يحكم باليمين مع الشاهد فإن كانت الدعوى على يهودي أو نصراني أو مجوسي أو عبد مملوك أو أمة لك يكن عليه إلا يمينه بالله تعالى وإن كانت الدعوى لواحد من هؤلاء فإنه يحلف مع شاهده ويستحق ما حلف عليه ا ه بإصلاح\rالوصل الثاني القضاء باليمين مع الشاهد قال به مالك والشافعي\r","part":4,"page":233},{"id":1464,"text":"وابن حنبل وقال أبو حنيفة ليس بحجة وبالغ في نقض الحكم أن حكم به قائلا هو بدعة وأول من قضى به معاوية وليس كما قال بل أكثر العلماء قال به والفقهاء السبعة وغيرهم لنا وجوه\rالأول\rما في الموطإ أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قضى باليمين مع الشاهد وروي في المسانيد بألفاظ متقاربة وقال عمرو بن دينار رواية عن ابن عباس ذلك في الأموال\rالوجه الثاني إجماع الصحابة على ذلك فقد قضى به جماعة من الصحابة ولم يرو أحد منهم أنه أنكره فقد روى النسائي وغيره ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وعدد كثير من غير مخالف\rالوجه الثالث أن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه وقد ظهر ذلك في حقه بشاهده\rالوجه الرابع أنه أحد المتداعيين فتشرع اليمين في حقه إذا رجح جانبه كالمدعى عليه\rالوجه الخامس قياس الشاهد على اليد\rالوجه السادس أن أبا حنيفة حكم بالمرأتين مع الشاهد فيحكم باليمين معه لأن اليمين أقوى من المرأتين لدخولها في اللعان دون المرأتين\rالوجه السابع قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وذلك أن البينة مشتقة من البيان والشاهد واليمين يبين الحق\rالوجه الثامن قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وهذا ليس بفاسق فوجب أن يقبل قوله مع اليمين لأنه لا قائل بالفرق وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فحصر المشروع عند عدم الشاهدين في الرجل والمرأتين والشاهد واليمين زيادة في النص والزيادة نسخ وهو لا يقبل في الكتاب بخبر الواحد وجوابه أنا لا نسلم أنه زيادة سلمناه لكن تمنع أنه نسخ لأمور الأول النسخ الرفع ولم يرتفع شيء وارتفاع الحصر يرجع إلى أن غير المذكور غير مشروع\rوكونه غير مشروع يرجع إلى البراءة الأصلية والبراءة الأصلية ترجح بخبر الواحد اتفاقا\rالثاني\r","part":4,"page":234},{"id":1465,"text":"أن الآية واردة في التحمل دون الأداء إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه والشرع للاستقبال فهو للتحمل ولقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى واليمين مع الشاهد لا تدخل في التحمل فالحصر في التحمل باق ولا نسخ على التقديرين\rالثالث أن اليمين تشرع في حق من ادعى رد الوديعة وجميع الأمناء والقسامة واختلاف المتبايعين وينتقض ما ذكرتموه بالنكول وهو زيادة في حكم الآية والوجه الثاني قوله عليه السلام لحضرمي ادعى على كندي شاهداك أو يمينه ولم يقل شاهداك ويمينك وجوبه أن الحصر ليس مرادا بدليل الشاهد والمرأتين ولأنه قضاء يختصر باثنين لخصوص حالهما فيعم ذلك النوع ونحن نقول كل من وجد في حقه تلك الصفة لا يقبل منه إلا شاهدان وعليكم أن تبينوا أن تلك الحالة مما قلنا نحن فيها بالشاهد واليمين\rوالوجه الثالث قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فحصر البينة في جهة المدعي واليمين في جهة المنكر لأن المبتدئ محصور في خبره واللام للعموم فلم تبق يمين في جهة المدعي\rوالوجه الرابع أنه لما تعذر نقل البينة للمنكر تعذر نقل اليمين للمدعي وجوابهما أن اليمين التي على المنكر لا تتعداه لأن اليمين التي عليه هي اليمين الدافعة واليمين مع الشاهد هي الجالبة فهي غيرها فلم يبطل الحصر ولم يكن قولنا بيمين المدعي مع الشاهد تحويلا من يمين المنكر بل إثبات ليمين أخرى بالسنة فلا يرد أنه لما تتحول البينة لم تتحول اليمين مع أن التحويل واقع غير منكر لأنه لو ادعى عليه فأنكر لم يكن للمنكر إقامة البينة ولو ادعى القضاء كان له إقامة البينة مع أنها بينة ثابتة في الحالين\rوالوجه الخامس أن اليمين لو كان كالشاهد لجاز تقديمه على الشاهد كأحد الشاهدين مع الآخر ولجاز إثبات الدعوى بيمين\r","part":4,"page":235},{"id":1466,"text":"وجوابه الفرق بأن الشاهدين معناهما متساويان فلا مزية لأحدهما على الآخر في التقديم وأما اليمين فإنما تدخل لتقوية جهة الشاهد فقبله لا قوة فلا تدخل ولا تشرع وشرع الشاهدان لأنهما حجة مستقلة مع الضعف\rوالوجه السادس القياس على أحكام الأبدان وجوابه أن أحكام الأبدان أعظم ولذلك لا يقبل فيها النساء ولا نثبت باليمين مع النكول عندنا وعند أبي حنيفة خلافا للشافعي حيث قال بحلف المدعى عليه قبل قيام شاهد فإن نكل حلف المدعي لنا وجوه الأول قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فأخبر عليه السلام أنه لا يثبت إلا بهما فمن قال باليمين مع النكول فعليه البيان\rوالوجه الثاني قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وإنما أمر بهذه الشهادة لأنها سبب الثبوت فينحصر الثبوت فيها عملا بالمفهوم وإلا لزم تأخير البيان في تأسيس القواعد وهو خلاف الأصل والوجه الثالث أن الشاهدين والمرأتين أقوى من اليمين مع النكول لأنها حجة من جهة المدعي ولم تثبت أحكام الأبدان بها فلا تثبت باليمين مع النكول\rوالوجه الرابع أن ما ذكروه يؤدي إلى استباحة الفروج بالباطل لأنه إذا أحبها ادعى عليها فتنكر فيحلفها فتنكل فيحلف ويستحقها بتواطؤ منهما\rوالوجه الخامس أن المرأة قد تكره زوجها فتدعي عليه في كل يوم فتحلفه وكذلك الأمة تدعي العتق وهذا ضرر عظيم\rوأما الوجوه التي احتجوا بها فالوجه الأول قضية حويصة ومحيصة في قضية عبد الرحمن بن سهل وهي في الصحاح وقال فيها عليه السلام تحلف لكم يهود خمسين يمينا وجوابه والأيمان تثبت بعد اللوث وهو وجوده مطروحا بينهم وهو أعداؤه وغلظت خمسين يمينا بخلاف صورة النزاع في المقيس ولأن القتل نادر في الخلوات حيث يتعذر الإشهاد فغلظ أمره لحرمة الدماء\rوالوجه الثاني أن كل حق توجهت اليمين فيه على المدعى عليه\rفإذا نكل ردت على المدعي قياسا على المال وجوابه أن المدعى عليه هاهنا لا يحلف بمجرد الدعوى فانحسمت المدة\r","part":4,"page":236},{"id":1467,"text":"والوجه الثالث القياس على اللعان فإن المرأة تحد بيمين الزوج ونكولها عن اليمين وجوابه أن اللعان مستثنى للضرورة فجعلت الأيمان مقام الشهادة لتعذرها وضرورة الأزواج لنفي العار وحفظ النسب ولا ضرورة هاهنا\rالوجه الرابع قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو عام يتناول صورة النزاع وجوابه أنه مخصوص بما ذكرناه من الضرورات وخطر الباب\rوالوجه الخامس أنه عليه السلام قال لركانة لما طلق امرأته ألبتة ما أردت بالبتة قال واحدة فقال له عليه السلام الله ما أردت إلا واحدة فقال الله ما أردت إلا واحدة فحلفه بعد دعوى امرأته الثلاث وجوابه الفرق بين دعوى المرأة الثلاث ودعواها أصل الطلاق بأن الثاني ليس فيه ظهور بل مرجوح باستصحاب العصمة بخلاف الأول فإنه يثبت بلفظ صالح بل ظاهر فيه قاله الأصل وصححه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم\rالباب الخامس في بيان ما تكون فيه الحجة الخامسة والخلاف في قبولها وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون القضاء بامرأتين ويمين المدعي يجري فيما يجري فيه الشاهد واليمين من الأموال على ما تقدم في باب الشاهد واليمين وكذا الوراثة كما لو ولدت امرأة ثم ماتت هي وولدها فشهدت امرأتان أن الأم ماتت قبل ولدها فإن الأب يحلف أو أورثته على ذلك ويستحقون ما يرث عن أمه لأنه ماله قاله ابن القاسم واختلف في مسائل منها لو شهد النساء في طلاق ودين شهادة واحدة جازت مع اليمين في الدين دون الطلاق ومنها ما إذا شهدت امرأتان على ميت أنه أوصى لرجل قال في المدونة لا تجوز شهادتهما إن كان في\r","part":4,"page":237},{"id":1468,"text":"الوصية عتق وإبضاع النساء يريد نكاح البنات فأبطل الوصية كلها قال ابن رشد وقد اختلف في هذا الأصل وهو ما إذا اشتملت الشهادة على ما تجيزه السنة وما لا تجيزه والمشهور جواز ما أجازته السنة دون ما لم تجزه وقيل يرد الجميع ا ه الوصل الثاني في الأصل المرأتان واليمين هي حجة عندنا وقاله أبو حنيفة ومنعه الشافعي وكذا ابن حنبل ووافقنا في الشاهد واليمين لنا وجوه الأول أن الله تعالى أقام المرأتين مقام الرجل فيقضي بها مع اليمين كالرجل ولما علل عليه السلام نقصان عقلهن قال عدلت شهادة امرأتين بشاهدة رجل ولم يخص موضعا دون موضع الثاني أنه يحلف مع نكول المدعى عليه فمع المرأتين أقوى\rالثالث أن المرأتين أقوى من اليمين لأنه لا يتوجه عليه يمين معهما ويتوجه مع الرجل وإذا لم تعرج على اليمين إلا عند عدمهما كانتا أقوى فيكونان كالرجل فيحلف معهما وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول أن الله تعالى إنما شرع شهادتين مع الرجل فإذا عدم الرجل ألغيت وجوابه أن النص دل على أنهما يقومان مقام الرجل ولم يتعرض لكونهما لا يقومان مقامه مع اليمين فهو مسكوت عنه وقد دل عليه الاعتبار المتقدم كما دل الاعتبار على اعتبار القمط في البنيان والجذوع وغيرها\rوالوجه الثاني أن في المال إذا خلت عن رجل لم تقبل كما لو شهد أربع نسوة فلو أن امرأتين كالرجل لتم الحكم بأربع ويقبلن في غير المال كما يقبل الرجل ويقبل في غير المال رجل وامرأتان\rوالوجه الثالث أن شهادة النساء ضعيفة فتقوى بالرجل واليمين ضعيفة فيضم ضعيف إلى ضعيف وجوابهما إن قد بينا أن امرأتين أقوى وإنما لم يستقل النسوة في أحكام الأبدان لأنها لا يدخلها\rالشاهد واليمين ولأن تخصيص الرجال بموضع لا يدل على قولهم لأن النساء قد خصصن بعيوب الفرج وغيرها وإن لم يدل ذلك على رجحانهن على الرجال ا ه وسلمه ابن الشاط والله أعلم\rالباب السادس\r","part":4,"page":238},{"id":1469,"text":"في بيان ما تكون فيه الحجة السادسة والسابعة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون الشاهد والنكول يجري في كل موضع يقبل فيه الشاهد واليمين والمرأتان واليمين صورة ذلك أن يشهد على المدعى عليه شاهد وامرأتان فإذا توجهت اليمين على المدعي وردها على المدعى عليه فإن نكل عن اليمين قضي عليه بنكوله وليس له أن يردها على المدعي لأن اليمين المردودة لا ترد قال فينبغي للحاكم أن يبين للمدعى عليه حكم النكول إن كانت الدعوى في مال بل وحكمه أيضا إن كانت في طلاق أو عتق فقد اختلف في القضاء بالشاهد والنكول في الطلاق والعتاق فعن مالك في ذلك روايتان وقال قبل بأوراق إذا ادعى العبد أو الأمة العتق وأقام أحدهما شاهدا حلف السيد فإن نكل فقيل يعتق عليه وقيل يسجن حتى يحلف وقيل يخلى من السجن إذا طول والطول سنة قال وإن أقامت المرأة شاهدا بالطلاق وأنكر الزوج حلف وخلى بينه وبينها وإن نكل سجن حتى يحلف أو يطول أمره والطول في ذلك سنة وقيل يسجن أبدا حتى يحلف أو يطلق وقيل يطلق عليه لتمام أربعة أشهر لمشابهته الإيلاء ا ه\rالوصل الثاني في الأصل الشاهد والنكول حجة عندنا خلافا للشافعي لنا وجوه الأول أن النكول سبب مؤثر في الحكم فيحكم به مع الشاهد كاليمين من المدعي وتأثيره أن يكون المدعى عليه ينقل اليمين للمدعي الثاني أن الشاهد أقوى من يمين المدعي بدليل\rأنه يرجع لليمين عند عدم الشاهد\rالثالث\rأن الشاهد يدخل في الحقوق كلها بخلاف اليمين\r","part":4,"page":239},{"id":1470,"text":"وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول أن السنة إنما وردت بالشاهد واليمين وهو تعظيم الله تعالى ولا تعظيم في النكول وجوابه أن التعظيم لا مدخل له هنا بدليل أنه لو سبح وهلل ألف مرة لا يكون حجة مع الشاهد وإنما الحجة في إقدامه على موجب العقوبة على تقدير الكذب وهذا كما هو وازع ديني أما النكول ففيه وازع طبيعي لأنه إذا قيل له إن حلفت برئت وإن نكلت غرمت فإذا نكل كان ذلك على خلاف الوزاع الطبيعي والوزاع الطبيعي أقوى ألا ترى أن الشهادة لا تقبل إلا من العدل لأن وازعها شرعي فلا يؤثر إلا في المتقين من الناس والوجه الثاني أن الحنث في اليمين يوجب الكفارة ويذر الديار بلاقع إذا أقدم عليها غموسا وليس كذلك النكول وجوابه أن الكفارة قد تكون أولى من الحق المختلف فيه والمجتلب وهو الغالب فقدم عليه اليمين الكاذبة لأن الوازع حينئذ إنما هو الوازع الشرعي وقد تقدم أنه دون الوزاع الطبيعي والوجه الثالث أن النكول لا يكون أقوى حجة من جحده أصل الحق وجحده لا يقضي به مع الشاهد وإلا كان قضاء مع الشاهد وحده وهو خلاف الإجماع فكذلك النكول وجوابه أن مجرد الجحد لا يقضي به عليه فلا يخافه والنكول يقضي به عليه بعدم تقدم اليمين فيخافه طبعه فظهر أن النكول أقوى من اليمين وأقوى من الجحد قال الأصل والمرأتان والنكول عندنا أيضا خلافا للشافعي رضي الله عنه والمدرك هو ما تقدم سؤالا وجوابا وعمدته أنه قياس على اليمين بطريق الأولى كما تقدم تقريره ا ه وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالباب السابع\r","part":4,"page":240},{"id":1471,"text":"في بيان ما تكون فيه الحجة الثامنة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول اليمين من المدعي بعد نكول المدعى عليه عن اليمين الرافعة للدعوى فيستحق ما ادعى به تكون فيما إذا ادعى رجل على رجل حقا وليس له بينة على ذلك فينكر المدعى عليه فتتوجه عليه اليمين على نفي ما ادعى به عليه وهي اليمين الرافعة للدعوى فينكل عنها فتنقلب اليمين على الطالب وهي اليمين المنقلبة فيحلف ويستحق فإن جهل المطلوب ردها فإنه يجب على الحاكم أن يعلمه بذلك ولا يقضي حتى يردها فإن نكل الطالب فلا شيء له قال في مختصر الواضحة فإن حلف المدعي حين نكل المدعى عليه وأخذ ما ادعاه ثم إن المدعى عليه وجد بينة ببراءته من ذلك نفعه ذلك واستعاد ما أخذه من المدعي ا ه وتكون أيضا فيما إذا ادعى المطلوب العدم وقال إن المدعي عالم بذلك فله أخذ اليمين الرافعة للدعوى فإن نكل المدعي فلا مقال وحلف المطلوب أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن وهذه اليمين تسمى اليمين المصححة والمدعي في هذه الصورة مدعى عليه انظر المتيطية أفاده ابن فرحون في التبصرة والله أعلم الوصل الثاني في الأصل اليمين والنكول حجة عندنا وعند الشافعي وقال أحمد بن حنبل يقضي بالنكول ولا ترد اليمين على الطالب وقال أبو حنيفة إن كانت الدعوى في مال كرر عليه ثلاثا فإن لم يحلف لزمه الحق ولا ترد اليمين وإن كانت في عقد فلا يحكم بالنكول بل يحبس حتى يحلف أو يعترف وفي النكاح والطلاق والنسب وغيره لا مدخل لليمين فيه فلا نكول\rوقال ابن أبي ليلى يحبس في جميع ذلك حتى يحلف لنا وجوه الأول قوله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ولا يمين بعد يمين وهو خلاف الإجماع فتعين حمله على يمين بعد رده يمين على\rحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لأن اللفظ إذا ترك من وجه بقي حجة في الباقي\rالثاني\r","part":4,"page":241},{"id":1472,"text":"ما روي أن الأنصار جاءت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقالت إن اليهود قتلت عبد الله وطرحته في قفير أي بئر فقال عليه السلام أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا لا قال فتحلف لكم اليهود قالوا كيف يحلفون وهم كفار فجعل عليه السلام اليمين في جهة الخصم أخرجه صاحب الموطإ وغيره الثالث ما روي أن المقداد اقترض من عثمان سبعة آلاف درهم فلما كان وقت القضاء جاء بأربعة آلاف درهم فقال عثمان أقرضتك سبعة آلاف درهم فترافعا إلى عمر فقال المقداد يحلف عثمان فقال عمر لعثمان لقد أنصفك فلم يحلف عثمان فنقل عمر اليمين إلى المدعي ولم يختلف في ذلك عمر وعثمان والمقداد ولم يخالفهم غيرهم فكان إجماعا الرابع القياس على النكول في باب القود والملاعنة لاتحد بنكول الزوج الخامس لو نكل عن الجواب في الدعوة لم يحكم عليه مع أنه نكول عن اليمين والجواب فاليمين وحده أولى بعدم الحكم السادس أو البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه في النفي ولو امتنع من إقامة البينة لم يحكم عليه بشيء فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين لم يحكم عليه السابع أن المدعي إذا امتنع من إقامة البينة كان للمدعى عليه إقامتها فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين فيكون للآخر فعلها الثامن أن النكول إذا كان حجة تامة كالشاهدين وجب القضاء به في الدماء أو ناقصة كالشاهدين والمرأتين أو كالشاهد ويمين وجب استغناؤه عن التكرار أو كالاعتراف يقبل في القود ولا يفتقر أي إلى تكرار بخلافه النكول\r","part":4,"page":242},{"id":1473,"text":"وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا يمنع سبحانه أن يستحق بيمينه على غيره حقا فلا ترد اليمين لئلا يستحق بيمينه مال غيره وجوابه أن معنى الآية أن لا تنفذ اليمين الكاذبة ليقطع بها مال غيره ليست كذلك ومجرد الاحتمال لا يمنع وإلا لمنع المدعى عليه في اليمين الدافعة لئلا يأخذ بها مالا بل يحكم بالظاهر وهو الصدق والوجه الثاني الملاعن إذا نكل حد بمجرد النكول وجوابه أن الموجب لحد الملاعن قذفه وإنما أيمانه مسقطة فإذا فقد المانع عومل بالمقتضى والنكول عندكم مقتضى فلا جامع بينهما والوجه الثالث أن ابن الزبير ولى ابن أبي مليكة قضاء اليمن فجاء إلى ابن عباس فقال إن هذا الرجل ولاني هذا البلد وأنه لا غناء لي عنه فقال له ابن عباس اكتب لي بما يبدو لك فكتب إليه في جاريتين جرحت أحدهما الأخرى في كفها فكتب إليه ابن عباس احبسها إلى بعد العصر واقرأ عليها إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا قال ففعل ذلك واستحلفها فأبت فألزمها ذلك وجوابه أنه روي عن ابن أبي مليكة أنه قال اعترفت فألزمتها ذلك ولعله برأيه لا برأي ابن عباس فإن ابن عباس لم يأمره بالحكم عليها بذلك والتابعي لا حجة في فعله والوجه الرابع قوله {صلى الله عليه وسلم} البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فجعل اليمين في حجة المدعى عليه فلم يبق يمين تجعل في جهة المدعي وجعل حجة المدعي البينة وحجة المدعى عليه اليمين ولما لم يجز نقل حجة المدعي إلى حجة المدعى عليه لم يجز أيضا نقل حجة المدعى عليه إلى جهة المدعى عليه وجوابه أنه ورد لمن توجه عليه اليمين ابتداء ونحن نقول به وأما ما نحن فيه فلم يتعرض له الحديث ألا ترى أن المنكر قد يقيم البينة إذا ادعى الدين\r","part":4,"page":243},{"id":1474,"text":"فكذلك قد توجد في حق المدعي في الرتبة الثانية والوجه الخامس قوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ولم يقل أو يمينك وجوابه أنه لبيان من تتوجه عليه اليمين ابتداء في الرتبة الأولى كما تقدم تقريره والوجه السادس أن البينة للإثبات ويمين المدعى عليه للنفي فلما تعذر جعل البينة للنفي تعذر أيضا جعل اليمين للإثبات وجوابه أنا لم نجعل اليمين وحدها للإثبات بل اليمين مع النكول على أن البينة قد تكون للنفي كما تقدم تقريره مثل بينة القضاء فإنه نفي ا ه وسلمه ابن الشاط والله أعلم الباب الثامن في بيان ما تكون فيه الحجة التاسعة وفي صفتها وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون لا يحكم باللعان إلا بعد ثبوت الحمل بشاهدة امرأتين وثبوت الزوجية إن كانا من أهل المصر والأمكنة من اللعان قبل ثبوت الزوجية والحمل ولا يحده بخلاف ما إذا كانا من أهل المصر فإنه يحد إذا لم يثبت ذلك بحال ولا يكون اللعان إلا بمجلس الحاكم أو في مجلس رجل من أعيان الفقهاء بأمر الحاكم وقال قيل ويجب أن يكون في أشرف أمكنة البلد عند المنبر في المدينة وعند الركن بمكة وعند المحراب في غيرهما في الجامع الأعظم والمختار أن يكون بعد صلاة العصر وتحلف الذمية في كنيستها لا في المسجد والمريض بموضعه ويكون ذلك بحضور جماعة أقلها أربعة قال وحقيقة اللعان يمين الزوج على زوجته بزنا أو نفي حملها أو ولدها ويمين الزوجة على تكذيبه وسميت أيمانهما لعانا لأن فيها ذكر اللعن ولكونها سببا في بعد كل واحد من صاحبه ا ه وفي الأصل وسلمه ابن الشاط وأيمان اللعان متفق عليها فيما علمت من حيث الجملة ا ه الوصل الثاني صفة اللعان أنه إن لاعن من دعوى الزنا\r","part":4,"page":244},{"id":1475,"text":"واعتمد على الرؤية قال أربع مرات أشهد بالله وقال محمد يزيد الذي لا إله إلا هو إني لمن الصادقين لرأيتها تزني كالمرود في المكحلة ثم يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تقول المرأة أربع مرات أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنه لمن الكاذبين وما رآني أزني ثم تقول في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين وإن لاعن من دعوى لنفي الحمل واعتمد على الرؤية وحدها على أحد الأقوال زاد في الأربع وما هذا الحمل متى وتزيد المرأة وأن هذا الحمل منه ويقول في اللعان إذا اعتمد على الاستبراء وحده على أحد القولين إني لمن الصادقين لقد استبرأتها من كذا فاعتمد عليها مع ذكرهما معا في الأربع الأيمان وإن لاعن من دعوى الغصب قال أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ما هذا الحمل مني وأني لمن الصادقين\rوقال في الخامسة وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وتقول المغتصبة إذا التعنت لنفي الولد أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ما زنيت ولا أطعت وتقول في الخامسة إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيتعين لفظ الشهادة ولفظ اللعن والغضب بعدها وفي معين الحكام والحرة المسلمة التي لم تبلغ المحيض وقد جومعت تلاعن زوجها لأن من قذفها يحد والمشهور قول مالك وابن القاسم أن الفرقة تقع بينهما بتمام التحالف دون حكم حاكم وقال ابن حبيب لا تقع حتى يفرق الإمام بينهما\rوقال ابن نافع يستحب له أن يطلقها ثلاثا عند فراغه من اللعان فإن لم يفعل أجريا على سنة المتلاعنين أنهما لا يتناكحان أبدا\rوقال ابن لبابة إن لم يفعل طلقها الإمام ثلاثا ولم يمنعه من مراجعتها بعد زوج وفي كتاب ابن شعبان وفرقة المتلاعنين ثلاثا ويتزوجها بعد زوج آخر وفي الجلاب فرقة المتلاعنين فسخ بغير طلاق أفاده ابن فرحون في التبصرة والله أعلم\rالباب التاسع\r","part":4,"page":245},{"id":1476,"text":"في بيان ما فيه تكون القسامة وصفتها وفيه وصلان الوصل الأول قال ابن رشد القسامة موجبة مع اللوث للقتل في العمد والدية في الخطأ ولا قسامة في الأطراف ولا في الجراح ولا في العبيد ولا في الكفار قال ابن فرحون اللوث بثاء مثلثة المراد الوجوه التي يقع بها التلويث والتلطيخ في الدماء وهي كثيرة ومع كثرتها لا يتوصل بها إلى التمكن من الدماء لعظم خطرها ورفيع قدرها فوجب الإعراض عنها إلا لمن فيها ماله قوة لأجل ما أضيف به من القرائن الحاملة على صدق مدعيه ولذلك اختلف العلماء في تعيين ما يقبل من ذلك فعند مالك رضي الله تعالى عنه عنه أن اللوث هو الشاهد العدل على معاينة القتل ووجه ذلك أن يقوي جهة المدعيين ولا تأثير في نقل اليمين إلى جهة المدعيين وأخذ ابن القاسم بما قاله مالك ووافقه ابن وهب وابن عبد الحكم وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث يوجب القسامة ولا يوجب ذلك شهادة امرأة واحدة وروى ابن المواز وأشهب أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة قال ابن المواز عن أشهب ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن العبد والذمي ليس بلوث\rووجهه رواية أشهب وهو اختياره أنه لوث فلم يعتبر فيه العدالة كالذي يقول دمي عند فلان فلا يشترط فيه العدالة بل يقبل قوله في العمد والخطأ ولو كان فاسقا وفي تنبيه الحكام لابن المناصف وروى أشهب عن مالك أن القسامة تجب بشهادة امرأة واحدة عدل وقيل تقسم مع جماعة النساء والصبيان والقوم ليسوا بعدول فإذا وقعت القسامة بشيء من هذا على القول فيه بالجواز استحق أولياء المقتول الدم قال ووجه ذلك أن القود إنما يجب بمجرد القسامة عند مالك ولا حكم للشاهد الواحد في\r","part":4,"page":246},{"id":1477,"text":"ثبوت القود وإن كان عدلا لأنه من حقوق الأبدان التي لا تستحق بالشاهد واليمين وإنما الواحد لوث ولطخ بقوى الدعوى في إباحة القسامة لا على جهة الشاهد واليمين الذي في حقوق الأموال ولذلك لا يقبل في قسامة العمد إلا رجلان فصاعدا أو لا مدخل فيها لنساء ولا حكم للواحد لأنهما أقيما في ثبوت الحق بإثباتهما مقام الشاهدين بخلاف القسامة في الخطأ لأنه مال فإذا أثبت أن شهادة الواحد في ذلك لوث لأنصف شهادة تكمل باليمين فكذلك قد يكون اللوث بغير العدل وباللفيف من النساء والصبيان لأنه لطخ لا شهادة والقسامة في هذا الباب أصل مخصص لنفسه لا يعترض عليه بغيره على ما وردت به السنة بخلاف سائر الحقوق\rوالأصح أن لا تجب القسامة بشيء من ذلك ولا يراق دم مسلم بغير العدول وذكر القاضي أبو محمد في المعونة أن من أصحابنا من يجعل شهادة العبيد والصبيان لوثا وبه قال ابن ربيعة ويحيى بن سعيد وهذا حكم القتل على غير وجه الغيلة أما قتل الغيلة فقال ابن المواز إن شهد عدل أنه قتله غيلة لم يقسم مع شهادته ولا يقبل في هذا إلا شاهدان نعم قال أبو محمد رأيت ليحيى بن عمر أن يقسم معه من المنتقى للباجي ا ه المراد\rالوصل الثاني في التبصرة صفة القسامة أن يحلف الأولياء خمسين يمينا أن فلانا قتل ولينا فلانا أو أنه ضربه ومن ضربه مات إن كان قد عاش بعد ذلك ويقتصر على قوله بالله الذي لا إله غيره\rوقال المغيرة يزيد الرحمن الرحيم ويحلفون في المدينة النبوية عند المنبر وفي غيرها بالجامع قياسا دبر الصلاة بمحضر الناس ويؤتى إلى المساجد الثلاثة من مسيرة عشرة أيام وإلى سائر الأمصار من مسيرة عشرة أميال ويحلف في العمد من له القصاص من الرجال المكلفين وفي الخطأ المكلفون من الورثة\r","part":4,"page":247},{"id":1478,"text":"رجالا ونساء على قدر ميراثهم ولا قسامة فيمن ليس له وارث إذ تحليف بيت المال غير ممكن ولا قسامة إلا بنسب أو ولاء ولا يقسم من القبيلة إلا من التقي معه في نسب ثابت ولا يقسم المولى الأسفل ولكن ترد الأيمان على المدعى عليه فيحلف خمسين يمينا فإن نكل سجن أبدا حتى يحلف أو يموت ا ه المراد منها فانظرها في الأصل وأيمان القسامة متفق عليها أيضا من حيث الجملة ا ه وسلمه ابن الشاط والله أعلم\rالباب العاشر\rفي بيان ما تكون فيه الحجة الحادية عشر والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في التبصرة القضاء بقول امرأتين بانفرادهما فيما لا يطلع عليه إلا النساء كالولادة والبكارة والثيوبة والحيض والحمل والسقط والاستهلال والرضاع وإرخاء الستور وعيوب الحرائر والإماء وفي كل ما تحت ثيابهن ووجه ذلك أنه لما كانت هذه الأمور مما لا يحضرها الرجال ولا يطلعون عليها أقيم فيها النساء مقام الرجال للضرورة قال وتجوز القسامة مع شهادة امرأتين على أحد الأقوال فيما تجوز معه القسامة قال وأما شهادتهن فيما يقع بينهن في المأتم والحمام من الجراح والقتل ففي ذلك خلاف والأصل الجواز للضرورة كالصبيان فيما يقع بينهم من ذلك قال ابن المناصف وكذلك إن لم يكونا عدلين لأنه موضع لا يحضره العدول ورأي اللخمي أن يقسم معهما في القتل ثم يقاد ويحلف في الجراح ثم يقتص قال وإن عدل منهن في ذلك اثنتان قيد في القتل بغير قسامة واقتص في الجراح بغير يمين فنحا بهن منحى الرجال والصحيح أن شهادة النساء بعضهن على بعض في المواضع التي لا يحضرها الرجال كما لحمام العرس والمآتم وما أشبه ذلك ولا تجوز فيما يقع بينهن من الجراح\r","part":4,"page":248},{"id":1479,"text":"والقتل لأن الغالب عدم ضرورتهن إلى الاجتماع في ذلك وقيل تجوز لحاجتهن إلى ذلك قاله ابن رشد قال ولم يزل النساء يجمعهن في الأعراس والمآتم في زمنه {صلى الله عليه وسلم} وهلم جرا فإذا لم يقبل قول بعضهن على بعض ذهبت دماؤهن وفي الإملاء على الجلاب المقيد عن ابن زيد البرناسي قال وهذا إذا كان في العرس المباح الذي لا يختلط فيه الرجال مع النساء ولم يكن هناك منكر بين وكان دخولهن الحمام بالمئزر في هذه مسألة الخلاف\rوأما إذا كن في الحمام بغير مئزر وفي الأعراس التي يمتزج فيه الرجال والنساء فلا يختلف في المذهب أن شهادة بعضهن لبعض لا تقبل وكذلك المأتم لا يحصل حضوره إذا كان فيه نوح وما أشبه ذلك مما حرمه الشارع لأن بحضورهن في هذه المواضع تسقط عدالتهن والله تعالى اشترط العدالة في الرجال والنساء بقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ا ه المراد فانظرها والله أعلم الوصل الثاني في الأصل وقع خلاف الأئمة لنا في قبول شهادة النساء وعدم قبولها في ثلاث مسائل المسألة الأولى خالفنا أبو حنيفة في قبول النساء منفردات في الرضاع ولنا أنه معنى لا يطلع عليه الرجال غالبا فتجوز منفردات كالولادة والاستهلال المسألة الثانية خالفنا الشافعي في قبول المرأتين فيما ينفردان فيه وقال لا بد من أربع وقال أبو حنيفة إن كانت الشهادة ما بين السرة والركبة قبلت فيه واحدة وقبل أحمد بن حنبل واحدة مطلقا فيما لا يطلع عليه الرجال وعندنا لا بد من اثنتين مطلقا ويكفيان لنا وجهان الأول أن كل جنس قبلت شهادته في شيء على الانفراد كفى منه اثنان ولا يكفي منه واحد كالرجل في سائر الحقوق الثاني أن شهادة الرجال أقوى وأكثر ولم يكف واحد فالنساء أولى\rوأما الوجوه التي احتجوا بها فأربعة\rالأول\r","part":4,"page":249},{"id":1480,"text":"ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إيهاب فأتت أم سورة فقالت أرضعتكما فأتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكرت له ذلك فأعرض عني ثم أتيته فقلت يا رسول الله إنها كاذبة قال كيف وقد علمت وزعمت ذلك متفق على صحته وجوابه أنه حجة لنا فإن أمره {صلى الله عليه وسلم} فيه بطريق الفتيا لا بطريق الحكم والإلزام لأمرين الأول أن معناه أن أخبار الواحد يفيد الظن والقاعدة أن من غلب على ظنه تحريم شيء بطريق من الطرق كان ذلك الطريق يفضي إلى الحكم أم لا فإن ذلك الشيء يحرم عليه فمن غلب على ظنه طلوع الفجر في رمضان حرم عليه الأكل أو أن الطعام نجس حرم عليه أكله ونحو ذلك الأمر الثاني أن المرأة الواحدة لو كفت في كمال الحجة لأمره بالتفريق من أول مرة كما لو شهد عدلان لأن التنفيذ عند كمال الحجة واجب على الفور لا سيما في استباحة الفروج فلا يدل ذلك على أن الواحدة كافية في الحكم بل على أن معناه ما علمت الوجه الثاني ما روي عن علي أنه قبل شهادة القابلة وحدها في الاستهلال وجوابه أنه معارض بأدلتنا المتقدمة فيحمل على الفتيا جمعا بين الأدلة الوجه الثالث ما روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال في الرضاع شهادة امرأة واحدة تجزئ وجوابه أنه معارض كذلك بأدلتنا فيحمل على الفتيا إلخ الوجه الرابع القياس على الرواية وجوابه الفرق بينهما بأن الرواية تثبت حكما عاما في الأمصار والأعصار لا على معين فليست مظنة العداوة فلا يشترط فيها العدد فتقبل الواحدة في الرواية ولا تقبل في الشهادة اتفاقا\r","part":4,"page":250},{"id":1481,"text":"المسألة الثالثة قال مالك والشافعي وابن حنبل لا يقبل النساء في أحكام الأبدان وقال أبو حنيفة يقبل في أحكام الأبدان شاهد وامرأتان إلا في الجراح الموجبة للقود في النفوس والأطراف لنا وجوه الأول قوله تعالى في مسائل المداينات فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فكان كل ما يتعلق بالمال مثله ومفهومه أنه لا يجوز في غيره فلا تجوز في أحكام الأبدان الثاني قوله تعالى في الطلاق والرجعة وأشهدوا ذوي عدل منكم الآية وهو حكم بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك إلا موضع لا يطلع عليه الرجال للضرورة في ذلك الثالث قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وهو حكم بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك وأما الوجوه التي احتجوا بها فثمانية الأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم الآية فأقام المرأتين والرجل مقام الرجلين في ذلك مطلقا لا عند عدم الشاهدين فقط إذ لا يصح الحمل عليه لجوازهما مع وجود الشاهدين إجماعا فتعين أنهما يقومان مقامهما فيكونان مرادين لقوله {صلى الله عليه وسلم} وشاهدي عدل لوجود الاسم وجوابه أن معنى الآية أنهما يقومان مقام الرجل في الحكم بدليل الرفع في لفظ رجل وامرأتين وليس معناها ما ذكرتم وإلا لقال فرجلا وامرأتين بالنصب لأنه خبر كان ويكون التقدير فإن لم يكن الشاهدان رجلين يكونا رجلا وامرأتين فلما رفع على الابتداء كان تقديره فرجل وامرأتان يقومان مقام الشاهدين بحذف الخبر الوجه الثاني قوله تعالى فرجل وامرأتان أطلق وما خص موضعا فيعم\r","part":4,"page":251},{"id":1482,"text":"جوابه أن آخر الآية مرتبط بأولها وأولها إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ثم قال تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم على أنا لو سلمنا العموم خصصناه بالقياس على جراح القود بجامع عدم قبولهن منفردات ولأن الحدود أعلاها الزنا وأدناها السرقة ولم يقبل في أحدهما ما يقبل في الآخر فكذلك الأبدان أعلى من الأموال فلا يقبل فيها ما يقبل في الأموال ولأن القتل وحد القطع في السرقة وحد الخمر ليس ثبتا بالنص ولا بالقياس على الزنا لعدم اشتراط أربعة فيه ولا بالقياس على الأموال لأنها لا تثبت بالنساء فتعين قياسها على الطلاق والوجه الثالث أنها أمور لا تسقط بالشبهات فتقبل فيها النساء كالأموال وجوابه الفرق بينهما بأن أحكام الأبدان أعظم رتبة لأن الطلاق ونحوه لا يقبلن فيه منفردات فلا يقبلن فيه مطلقا كالقصاص ولأنا وجدنا النكاح آكد من الأموال لاشتراط الولاية فيه ولم يدخله الأجل والخيار والهبة والوجه الرابع أن النكاح والرجعة عقد منافع فيقبل فيهما النساء كالإجارات وجوابه أن المقصود من الإجارة المال والوجه الخامس أن الخيار والآجال ليست أموالا ويقبل فيهما النساء فكذلك بقية صور النزاع وجوابه أن المقصود منهما أيضا المال بدليل أن الأجل والخيار لا يثبتان إلا في موضع فيه المال والوجه السادس أن الطلاق رافع لعقد سابق فأشبه الإقالة وجوابه أن مقصود الطلاق غير المال ومقصود الإقالة المال على أن حل عقد لا يثبت بالنساء والنكول والوجه السابع أنه أي الطلاق يتعلق به تحريم كالرضاع والوجه الثامن أن العتق إزالة ملك كالبيع وجوابه أن الرضاع يثبت بالنساء منفردات بخلاف الطلاق والعتق وأيضا مآل العتق إلى غير ملك بخلاف البيع ا ه كلام الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم الباب الحادي عشر في بيان ما تكون فيه الحجة الثانية عشرة وكونها دافعة أو جالبة ودليل قبولها وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون القضاء بالتحالف من الجهتين فيقضي","part":4,"page":252},{"id":1483,"text":"لكل واحد منهما بيمينه وينقسم المدعى فيه بينهما أو يفسخ عن كل واحد منهما ما لزمه بموجب العقد بيمينه والحكم بالفسخ بينهما يدخل في أبواب كثيرة منهما اختلاف المتبايعين واختلافهما يرجع إلى ثمانية عشر نوعا يقع التحالف في أحد عشر نوعا النوع الأول أن يختلفا في جنس الثمن فيقول أحدهما هذه دنانير ويقول الآخر ثوب فإنهما يتحالفان ويتفاسخان إذ ليس تصديق أحدهما بأولى من الآخر ويرد المبتاع قيمة السلعة عند الفوات نعم في مفيد الحكام القول قول مدعي البيع أو الشراء بالنقد مع يمينه وعلى الآخر البينة لأن الدراهم هي الأثمان وبها يقع البيع النوع الثاني أن يختلفا في نوع الثمن فيقول أحدهما هو قمح ويقول الآخر هو شعير فإنهما يتحالفان ويتفاسخا النوع الثالث أن يختلفا في مقدار الثمن فيقول أحدهما بعشرين ويقول الآخر بعشرة ولا خلاف أنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم يقبض المشتري السلعة إذ لا مزية لأحدهما على الآخر وإذا ترجحت دعوى المشتري بقبض السلعة ففيها أربع روايات أحدهما أن المشتري يصدق في الثمن مع يمينه لقوة اليد الثانية أنهما يتحالفان ويتفاسخان وأن قبضهما ما لم يبن بها ويصدق حينئذ بالبينونة والروايتان لابن وهب الثالثة أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها وبان بها ما لم تفت بتغير سوق أو بدن فيكون القول قول المشتري وهي رواية ابن القاسم في المدونة وبها أخذ الرابعة أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن فاتت في يد المشتري ويرد القيمة بدل العين وهي رواية أشهب وبها أخذ\rوقال المازري وبهذه الرواية كان يفتي شيخنا وأنا أفتي به أيضا قال ابن رشد\rوإنما يرد القيمة ما لم تكن أقل أو أكثر وحيث قلنا بالتحالف فالبداءة بالبائع وقيل بالمشتري وقيل يقرع بينهما فلو تناكلا فقال ابن القاسم يفسخ كما إذا تحالفا\r","part":4,"page":253},{"id":1484,"text":"وقال ابن حبيب يمضي العقد بما قال البائع وإذا فرعنا على قول ابن القاسم فهل لأحدهما أن يلزم صاحبه البيع بما ذكر قولان وإذ قلنا بقول ابن حبيب فهل يفتقر البائع إلى يمين أم لا قولان وهل ينفسخ البيع بتمام التحالف أو يفتقر إلى الحكم قولان الأول قول سحنون والثاني قول ابن القاسم وابن عبد الحكم وثمرة الخلاف إن رضي أحدهما بقول الآخر فعلى قول ابن القاسم له ذلك وعلى قول سحنون ليس له ذلك وقال بعض القرويين إن تحالفا بأمر القاضي فلا بد من الحكم وإلا انفسخ بتمام التحالف\rالنوع الرابع\r","part":4,"page":254},{"id":1485,"text":"إذا اختلفا في تعجيل الثمن وتأجيله فقال البائع بعت بنقد وقال المشتري بل بنسيئة القول قول من ادعى العرف مع يمين فإن لم يكن لتلك السلعة عرف فقال القاسم يتحالفان ويتفاسخان وقال ابن وهب إن كانت السلعة بيد البائع فهو مصدق مع يمين وإن قبضها المبتاع صدق مع يمين وإن ادعى ما يشبه وقيل إن ادعى المبتاع أجلا قريبا يتحالفان ويتفاسخان إن كانت السلعة قائمة ويكون القول قول المشتري مع الفوات وإن ادعى أجلا بعيدا فالقول قول البائع وإن اتفقا على الأجل واختلفا في قدره فالقول قول المبتاع مع الفوات ويتحالفان ويتفاسخان إن كانت السلعة قائمة وإن اتفقا على الأجل واختلفا في انقضائه فالأصل عدم الانقضاء فيكون القول قول مدعيه مع يمين النوع الخامس إذا اختلفا في الخيار والبت فقال ابن القاسم القول قول المدعي البت مع يمين وقال أشهب القول قول مدعي الخيار وقيل يجري فيه الخلاف الذي تقدم اختلافهما في مقدار الثمن فإن ادعى كل واحد منهما أنه اشترط الخيار لنفسه دون الآخر فاختلف هل يتحالفان ويتفاسخان أو يتحالفان ويثبت البيع قولان لابن القاسم النوع السادس اختلافهما في الرهن والحميل وذلك كاختلافهما في قدر الثمن لأن الثمن يزيد مع نقدهما فينقص مع وجودهما النوع السابع إذا اختلفا في عين المبيع فلا يخلو أن يختلفا في ذلك قبل القبض أو بعده فإن اختلفا فيه قبل القبض فقال البائع بعت منك هذا الثوب وقال المبتاع بل هذا تحالفا وتفاسخا وإن اختلفا فيه بعد القبض فالقول في ذلك قول البائع مع يمين وكذلك لو قال رددته عليك بعد التحالف والتفاسخ لأن الأصل أنه من ضمان المبتاع فلا يزال في ضمانه حتى يقر له البائع بالقبض أو تقوم له البينة النوع الثامن إذا اختلفا في قدر المثمون في بيع النقد وفيه الأقوال المتقدمة في اختلافهما في قدر الثمن ذكره المازري النوع التاسع إذا اختلفا في قدر المسلم فيه فحكى ابن يونس عن ابن المواز أنهما إذا اختلفا في القدر","part":4,"page":255},{"id":1486,"text":"بالقرب من عقد السلم تحالفا وتفاسخا وإن اختلفا في ذلك عند حلول الأجل فالقول قول المسلم إليه مع يمينه إن أتى بما لا يشبه وإن أتى بما لا يشبه فالقول قول المسلم إليه فيما يشبه قال محمد فإن أتيا بما لا يشبه حملا على الوسط مما يشبه من سلم الناس النوع العاشر إذا اختلفا في الجودة فقال رب السلم سمراء وقال المسلم إليه محمولة فقال ابن حبيب القول قول المسلم إليه وقال فضل بن سلمة يتحالفان ويتفاسخان النوع الحادي عشر إذا اختلفا في موضع القضاء صدق مدعي موضع العقد فإن لم يدعه واحد منهما فالقول قول المسلم إليه فإن تباعد قولهما وأتيا بما لا يشبه تحالفا وتفاسخا وذلك إذا تباعدت المواضع جدا حتى لا يشبه قول واحد منهما\rومما يجري فيه التحالف والتفاسخ اختلاف المتكاريين في الدور والأرضين والدواب في مقدار الأجرة أو في جنسها أو في مدة الإجارة فالحكم في ذلك كاختلاف المتبايعين في التحالف والتفاسخ ومن ذلك اختلاف رب الحائط وعامل المساقات في غلمان الحائط والدواب فقال العامل كانوا فيه وأنكر رب الحائط فإنهما يتحالفان ويتفاسخان وكذلك إذا اختلفا في جزء المساقاة قبل العمل تحالفا وتفاسخا ومن ذلك أيضا اختلاف الدائن والمدين الذي عليه دينان أحدهما برهن والآخر بغير رهن فقضى أحدهما في أن الذي قضاه أي واحد منهما فقال رب الدين هو الذي ليس فيه رهن وقال المطلوب هو الذي فيه الرهن تحالفا وقسم ذلك بين الحقين وهذا إذا ادعيا أنهما بينا ذلك عند دفع الحق وأما لو دفعه المطلوب ولم يذكر شيئا فلم يختلف أنه يقسم إذا كانا حالين أو مؤجلين لاستوائهما وإلا فالقول قول من ادعى أنه من الحال ومن ذلك أيضا اختلاف الزوجين في نوع الصداق وعدده قبل البناء من غير موت ولا طلاق فإنهما يتحالفان ويتفاسخان ووجب صداق المثل ومن ذلك ما إذا تنازعا دارا ليست في أيدهما قسمت بينهما بعد إيمانهم ا ه كلام ابن فرحون بتصرف\r","part":4,"page":256},{"id":1487,"text":"وقوله ليست في أيديهما أي بأن كانت في يد ثالث قال هي لا تعدوهما وقوله قسمت بينهما بعد إيمانهما أي في الصورة المذكورة بسبب إقرار الثالث لهما سواء كانت دعوى كل منهما مجردة عن البينات أو مع البينات المستوية وكذا إذا كانت بأيديهما كانت دعوى كل مجردة أو مع البينات المستوية ففي كل صورة من هذه الصور الأربع يقضي لكل بمجرد يمينه لوجود الترجيح باليمين وأما إذا كانت في يد ثالث لم يقل ما ذكر فإن أقر لهما على نسبة اتفقا عليها قسم بينهما بغير يمين وإن قال لا أعلم هي لهما أو لغيرهما فهو موضع نظر وتوقف كما في الأصل\rوقاله ابن الشاط والله أعلم الوصل الثاني في الأصل قال الشافعي رضي الله عنه هذه الحجة أقل حجة في الشريعة بسبب أنا لم نجد مرجحا عند الاستواء إلا اليمين فقلنا بالترجيح به لقوله عليه السلام أمرت أن أقضي بالظاهر والله متولي السرائر وهذا قد صار ظاهرا باليمين فيقضى به لصاحبه قال الأصل ولأنها إن كانت في أيديهما أو أقر الثالث بأنها لا تعدوهما كان كل واحد منهما يده على النصف أو له النصف بإقرار الثالث فتدفع عنه بيمينه كما تدفع يمين سائر من ادعى عليه فتندرج هذه اليمين في قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر\rوقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه لأن المراد في هذه الأحاديث اليمين الدافعة وهي هذه بعينها وليست هي الجالبة التي تقضي بالملك كما اعتقد كثير من الفقهاء ا ه كلام الأصل وسلمه ابن الشاط وقال ابن فرحون والأصل في جريان التحالف والتفاسخ من المتبايعين في الأنواع المذكورة حديث إذا اختلف المتبايعان تحالفا وتفاسخا ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالباب الثاني عشر في بيان حقيقة الإقرار وحكمه وأركانه في تبصرة ابن فرحون قال ابن رشد حقيقة الإقرار الإخبار عن أمر يتعلق به حق للغير وحكمه اللزوم وهو أبلغ من الشهادة قال أشهب قول كل أحد على نفسه أوجب من دعواه على غيره\r","part":4,"page":257},{"id":1488,"text":"ومن لم يجز إقراره على نفسه من صغير وشبهه لم يجز شهادته على غيره\rوللأول أركان أربعة الصيغة والمقر والمقر له والمقر به فالركن الأول وهي الصيغة نوعان\rالأول\rلفظ يدل بلا خفاء على توجه الحق قبل المقر والنوع الثاني ما يقوم مقامه من الإشارة والكتابة والسكوت فأما الإشارة فمن الأبكم ومن المريض فإذا قيل للمريض لفلان عندك كذا فأشار برأسه أن نعم فهذا إقرار إذا فهم عنه مراده وأما الكتابة فهي مثل أن يكتب بمحضر قوم ويقول اشهدوا علي بما فيه فذلك لازم له وإن لم يقرأه عليهم أو يكتب أو على رسالة لرجل غائب بطلاق وغيره كذلك على كذا ويعترف أو تقوم البينة أنه كتبه أو أملاه فيلزمه كل ما فيه من طلاق وغيره خلا الحدود فله أن يرجع عن الحد نعم يؤخذ بغرم السرقة ولا يحد أو يكتب في الأرض لفلان علي كذا ويقول اشهدوا علي بهذا فيلزمه فإن لم يقل اشهدوا لم يلزمه في هذا ويلزمه مطلقا إذا كتب ذلك في صحيفة أو لوح أو خرقة إن شهد أنه خطه وأما السكوت فكالميت تباع تركته وتقسم وغريمه حاضر ساكت لم يقم فلا قيام له إلا أن يكون له عذر قال ابن القاسم وكمن أتى إلى قوم فقال اشهدوا أن لي كذا وكذا على هذا الرجل والرجل ساكت ولم يسأله الشهود عن شيء فلما طولب أنكر قال بل يلزمه سكوته\rوأما من سئل عند موته هل لأحد عندك شيء فقال لا قيل له ولا لامرأتك فقال لا والمرأة ساكتة وهي تسمع فقال ابن القاسم إنها تحلف أن حقها عليه تريد إلى الآن وتأخذه إن قامت لها به بينة ولا يضرها سكوتها من المذهب لابن رشد وكذا من قال لرجل فلان الساكن في منزلك لم أسكنته فقال أسكنته بلا كراء والساكن يسمع ولا ينكر ولا يغير ثم ادعى أن المنزل له\r","part":4,"page":258},{"id":1489,"text":"قال ابن القاسم لا يقطع بسكوته دعواه إن أقام البينة أن المنزل له ويحلف لأنه يقول ظننته يداعبه فرعان الأول في أحكام ابن سهل قال مالك في الرجل يقر لقوم أن أباهم أسلفه مالا وأنه قد قضاه إياه أنه إن كان أمد ذلك قريبا والزمن غير متطاول لم يصدق إلا ببينة على القضاء وإن تطاول زمان ذلك حلف المقر وكان القول قوله ولم يحد الطول فانظره الفرع الثاني وثائق أبي إسحاق الغرناطي من أقر لرجل أنه لا حق له عليه برئ من الحقوق الواجبة من الضمانات والديون وإن أقر أنه لا حق له عنده أو قبله برئ من الضمانات والأمانات والركن الثاني وهو المقر له ثلاثة أحوال الحالة الأولى أن يقر على نفسه وهو رشيد طائع فإن أقر بمال أو بقصاص لزمه ولا ينفعه الرجوع وإن أقر بما يوجب عليه الحد كالزنا والسرقة فله الرجوع لكن يلزمه الصداق والمال فلو كان مكرها لم يلزمه ولو كان محجورا عليه فإن كان لحق نفسه كالمجنون والصغير لم يلزمه إلا أن يدعي الصغير أنه احتلم في وقت إمكانه إذ لا يعرف إلا من جهته\rوإن كان لحق غير كالمفلس والعبد والمريض فأحكام إقرارهم مشهورة مبسوطة في كتب الفقه الحالة الثانية أن يقر على غيره فإن كان سببه منه كقتل الخطأ وجراح الخطأ التي فيها ثلث الدية فإقراره غير لازم أما ما فيها دون ثلثها فتلزمه في ما له وإن لم يكن سببه منه كإقراره في عبد زيد أنه لعمرو فلا يقبل إقراره الحالة الثالثة أن يقر على نفسه وغيره فيقبل في حق نفسه ويكون شاهدا لغيره فلو قال لفلان علي وعلى فلان ألف درهم فعليه النصف ويحلف\r","part":4,"page":259},{"id":1490,"text":"الطالب معه فإن نكل أو كان غير عدل فلا شيء للطالب غير النصف ولم يذكر الأصل إلا الحالة الأولى والثانية وقسم الأولى إلى ما يؤثر فيه الإقرار ويقضي فيه بالملك وما يؤثر ولا يقضي فيه بمجرد التسليم فقال من أقر لغيره بحق أو عين قضى عليه بإقراره كان المقر برا أو فاجرا فإن كان المقر به في الذمة كالدين أو عينا أقر بها من سلم أخذت منه وقضى في جميع ذلك بالملك للمقر له وإن كان المقر به عينا قضى على المقر بتسليمها للمقر له إن كانت في يد المقر ولا يقضى بالملك بل بإلزام التسليم لاحتمال أن تكون الثالث وإن كان المقر به بيد الغير لم يقض به لأنه إنما يؤثر الإقرار فيما في يد المقر وينتقل بيده يوما من الدهر فيقضى عليه حينئذ بموجب إقراره ا ه وسلمه ابن الشاط الركن الثالث وهو المقر له يشترط فيه شرطان أحدهما أن يكون أهلا للاستحقاق فلا يصح الإقرار للجماد والحيوان وثانيهما أن لا يكذب المقر وإلا فلا يصح الإقرار ولو رجع عن تكذيبه لم يفده رجوعه إلا أن يرجع المقر إلى الإقرار والركن الرابع وهو المقر به ضربان نسب ومال فالأول هو الاستلحاق ومسائله مشهورة والثاني مطلق ومقيد فالمطلق ما صدر غير مقترن بما يقيده أو يرفع حكمه أو حكم بعضه والمقيد عشرة أنواع لأنه إما أن يقيد بالمحل أو بالعلم أو بالغاية أو بالخيار أو بالشرط أو بالاستثناء أو بكونه على جهة الشكر أو الذم أو الاعتذار أو بتعقيبه بما يبطله فالمحل كقوله غصبت فلانا ثوبا في منديل فقال سحنون يؤخذ بالثوب والمنديل ويصدق في صفتهما وقال ابن عبد الحكم لا يلزمه المنديل والعلم كقوله له علي ألف درهم فيما أعلم أو فيما أظن أو فيما حسبت أو فيما رأيت فقال سحنون هو إقرار وقال ابن المواز وابن عبد الحكم إذا قال فيما أعلم أو في علمي أو فيما يحضرني فهو شك لا يلزم والغاية كقوله علي ما بين درهم إلى مائتي درهم فيلزمه مائة وتسعة وتسعون وكقوله على ما بين درهم إلى عشر فيلزمه تسعة\r","part":4,"page":260},{"id":1491,"text":"وقيل يلزمه عشرة أي بناء على دخول الغاية وكذلك قوله من درهم إلى ثلاثة فيلزمه ثلاثة والخيار كقوله له علي ألف درهم على أني بالخيار يومين أو ثلاثة فقيل يلزمه ويكون الخيار كالأجل وقيل الخيار باطل والشرط كقوله له علي مائة إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف فقال المقر ما ظننت أنه يحلف لم يلزمه إقراره إجماعا والاستثناء لقوله له علي ألف إن شاء الله لزمه ولا ينفعه الاستثناء بالمشيئة وقال ابن عبد الحكم لا يلزمه لأنه أدخل ما يوجب الشك وكذا يلزمه إن قال إن قضى الله ذلك قال سحنون وقاله ابن المواز وابن عبد الحكم لا يلزمه ولو قال إلا أن يبدو لي أو إلا أن أرى غير ذلك لزمه\rولو قال له علي مائة إلا شيئا لزمه أحد وتسعون ومسائل هذا النوع مذكورة في محلها فلا نطيل بذكرها\rوالشكر مثل قوله اشهدوا أني قبضت من فلان مائة دينار كانت لي عليه وأحسن قضائي جزاه الله خيرا فقال الدافع إنما أسلفتها له فالذي قال أسلفتها له مصدق إلا أن يأتي الآخر ببينة أنه كان يتقاضاه في دينه قبل ذلك وقيل هو أي الآخر مصدق وإن كان إقراره بذلك في مجلس القاضي لم يصدق إلا ببينة وإن كان على وجه الحكاية لقوم صدق قال أصبغ عن ابن القاسم سمعت مالكا يقول في الإقرار بالسلف وقضائه على وجه الشكر والثناء لا يلزم المقر وهو مصدق فيما طال زمانه وإن كان فيما وقته قريب أخذ بإقراره\rوقال مطرف وابن الماجشون كل من\r","part":4,"page":261},{"id":1492,"text":"أقر بحق عند قوم في مساق حديث يحدثهم أو شكر شكر به أحدا فأثنى عليه به لما قدم من سلف أو غيره من الحقوق ثم ادعى المقر له ذلك وقال قد أسلفته كما ذكر ولم أقبض وقال الآخر قد قضيته وإنما ذكرت إحسانه إلي وأثنيت عليه به فلا يلزمه ذلك المقر به إذا كان على هذه الجهة ولا ينبغي للقوم أن يشهدوا بذلك فإن جهلوا وشهدوا بذلك على جهته وكان ساقه لم يجز للسلطان أن يأخذ به وهكذا سمعت مالكا يقول وجميع أصحابنا والذم كقوله كان لفلان علي دينار فأساء تقاضي ذلك لا جزاه الله خيرا وقد دفعته له فقال الآخر ما تقاضيت منك شيئا فإن المقر يغرم الدينار قاله ابن القاسم وليس هذا عندي كالمقر على الشكر\rوقال ابن الماجشون فيمن قال لقوم أسلفني فلان مائة دينار وقضيته إياها أنه مصدق ولو قالها عند سلطان لم يصدق إلا ببينة قال ابن حبيب إن ما كان من أمر جره الحديث والإخبار عن حال الشكر والذم فلا يأخذ به أحد بخلاف الإقرار في موضع القضاء والاعتذار مثل أن يقول للسلطان في الجارية ولدت مني أو العبد مدبر لئلا يأخذهما منه فلا يلزمه ذلك كذلك لو سأله ابن عمه منزلا فقال هو لزوجتي ثم سأله فيه ثان وثالث من بني عمه وهو يقول ذلك فقامت امرأته بذلك فقال إنما قلته اعتذار قال مالك لا شيء لها\r","part":4,"page":262},{"id":1493,"text":"وقد روى ابن القاسم فيمن سئل أن يكري منزله فقال وهو لابنتي حتى أشاورها ثم مات فقامت الابنة فيه قال لا ينفعها ذلك إلا أن تكون حازت ذلك ولها على الصدقة والحيازة بينة قيل له ولو كانت صغيرة قال ليس لها شيء قد يتعذر بهذا يريد منعه وفي وثائق الغرناطي ومن سئل عن شيء فقال هو لفلان لم يلزمه هذا الإقرار بخلاف ما إذا قال وهبته أو بعته من فلان فإنه يلزمه والرافع مثل أن يقر بشيء ثم يعقبه بما يبطله ويرفع حكمه فإنه يبطل إلا أن يخالفه المقر له مثل أن يقول له عندي ألف من ثمن خمر أو خنزير قال ابن شاس لا يلزمه شيء إلا أن يقول المقر له بل هي ثمن بر فيلزم يمين الطالب ا ه كلام ابن فرحون بتصرف وزيادة من الأصل\rالباب الثالث عشر\rفي بيان ما تكون فيه شهادة الصبيان والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان\rالوصل الأول في تبصرة ابن فرحون وفي قبول شهادة الصبيان في الجراح والقتل ثلاثة أقوال الجواز لمالك والمنع لابن عبد الحكم والجواز في الجراح دون القتل قاله أشهب وعلى الجواز فإنما تجوز بأحد عشر شرطا الأول أن يكون ممن يعقل الشهادة الثاني أن يكونا حرين قال مالك لا تجوز شهادة الصبيان المماليك بعضهم على بعض لأنهم ليسوا من جنس من يشهد\r","part":4,"page":263},{"id":1494,"text":"الثالث أن يكونا ذكرين نعم قد روي عن مالك رضي الله تعالى عنه جواز قبول شهادة إناث الأحرار اعتبارا بالبالغات في كونها لوثا في القسامة على إحدى الروايتين الرابع أن يكون محكوما لهما بالإسلام لأن الكافر لا يقبل في قتال ولا في جراح لأن الضرورة إنما دعت لإجماع الصبيان لأجل الكفار نعم قيل تقبل في الجراح لأنها شهادة ضعيفة فاقتصر فيها على أضعف الأمرين الخامس أن يكون ذلك فيما بين الصبيان لا لكبير على صغير ولا صغير على كبير السادس أن يكون اثنين فصاعدا لأنهم لا يكون حالهم أتم من الكبار السابع أن تكون الشهادة قبل تفرقهم لئلا يلقن الكذب الثامن أن تكون الشهادة متفقة غير مختلفة التاسع أن تكون الشهادة في قتل أو جرح على الخلاف المتقدم لا في الأموال العاشر أن لا يحضر ذلك أحد من الكبار فمتى حضر كبار فشهدوا سقط اعتبار شهادة الصبيان كان الكبار رجالا أو نساء لأن شهادة النساء تجوز\rفي الخطأ وعمد الصبي كالخطأ الحادي عشر قال القرافي رأيت بعض المعتبرين من المالكية يقول لا بد من حضور الجسد المشهود بقتله وإلا فلا تسمع الشهادة ونقل عن ابن عطاء الله مؤلف البيان والقريب عن جماعة من الأصحاب أنه لا بد من شهادة العدول على رؤية الجسد المقتول ولا يلتفت إلى رجوعه عن شهادته بل ولو بلغوا وشكوا أخذ بقولهم الأول نعم إن قالوا لم تكن على وجهها ولم تكن قضى بها لم يقض بها ولا يعتبر في الصبيان العدالة والجرح واختلف في اعتبار القرابة والعدالة قال ابن القاسم لا تجوز شهادة القريب لقريبه قال محمد وعلى مذهبه فلا تجوز شهادة القريب العدو وأجازها عبد الملك وعلى مذهبه فيجوز مع القرابة مسألتان الأولى ستة صبية في البحر غرق واحد منهم فشهد ثلاثة على اثنين واثنان على ثلاثة أنهم غرقوه قال مالك رضي الله تعالى عنه العقل عليهم كلهم لأن كل واحد يدرأ عن نفسه وليس البعض أولى من البعض فلزمت الدية عواقلهم\r","part":4,"page":264},{"id":1495,"text":"المسألة الثانية إذا تعارض بينتان من الصبيان في شجة هل شجها فلان أو فلان سقطتا لأن كل فريق ينفي ما يثبته الآخر وأرش الشجة على جماعة الصبيان ا ه بتصرف وزيادة من الأصل الوصل الثاني في التبصرة وفي الأصل ما حاصله أن المنع من شهادة الصبيان هو الأصل وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وابن عباس من الصحابة والجواز لعلة الاضطرار إذ لو أهملوا الأذى ذلك إلى ضرر كبير وهدر جنايات تعظم ودليله وجهان الأول قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة واجتماع الصبيان للتدريب على الحرب من أعظم الاستعداد ليكونوا كبارا أهلا لذلك ويحتاجون في ذلك لحمل السلاح حيث لا يكون معهم كبير وهدر دمائهم لا يجوز فتدعو الضرورة لقبول شهادتهم على الشروط المتقدمة والغالب مع تلك الشروط الصدق وندرة الكذب فتقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة لأنه دأب صاحب الشرع كما جوز الشرع شهادة النساء منفردات في الموضع الذي لا يطلع عليه الرجال ضرورة الوجه الثاني إنه قول جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعلي وعبد الله بن الزبير وعروة وربيعة ومعاوية رضي الله تعالى عنهم وأما الوجوه التي احتج بها على المنع فثمانية الأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم وهو يمنع شهادة غير البالغ والثاني قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم والصبي ليس بعدل الثالث قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وهو نهي ولا يتناول النهي الصبي فدل على أنه ليس من الشهداء والجواب عن الثلاثة أن هذه الظواهر عامة ودليلنا خاص فيقدم عليها على أن الأمر بالاستشهاد في الآية الأولى والثانية إنما يكون في المواضع التي يمكن إنشاء الشهادة فيها اختيارا لأن من شرط النهي الإمكان وهذا موضع ضرورة تقع فيه الشهادة بغتة فلا يتناول الأمر فيكون مسكوتا عنه على أن نمنع عدم اندراج الصبيان مع الرجال في الآية الأولى لاندراجهم معهم في قوله تعالى وإن كانوا إخوة","part":4,"page":265},{"id":1496,"text":"رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين والوجه الرابع أنه لا يعتبر إقراره فلا تعتبر شهادته والوجه الخامس أن الإقرار أوسع من الشهادة لقبوله من البر والفاجر فإذا كان لا يقبل فلا تقبل الشهادة والجواب عنهما أن إقرار الصبي إن كان في المال فنحن نسويه بالشهادة فإنهما لا يقبلان في المال أو في الدماء إن كانت عمدا أو عمد الصبي خطأ فيئول إلى الدية فيكون إقرارا على\rغيره فلا يقبل كالبالغ\rوالوجه السادس القياس على غير الجراح وجوابه الفرق بتعظيم حرمة الدماء بدليل قبول القسامة ولا يقسم على درهم والوجه السابع أنها لو قبلت لقبلت إذا افترقوا كالكبار وليس كذلك وجوابه أن الافتراق يحتمل التعليم والتغيير والصغير إذا خلي وسجيته لا يكاد يكذب والرجال لهم وازع شرعي إذا افترقوا بخلاف الصبيان والوجه الثامن أنها لو قبلت لقبلت في تخريق ثيابهم في الخلوات أو لجازت شهادة النساء بعضهن على بعض في الجراح وجوابه الفرق بتعظيم حرمة الدماء وبأن اجتماعهم ليس لتخريق ثيابهم بخلاف الضرب والجراح وأما النساء فلا يجتمعن للقتال ولا هو مطلوب منهن ا ه كلام ابن فرحون والأصل الذي سلمه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم الباب الرابع عشر في بيان ما تكون فيه حجة القافة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في الأصل القافة حجة شرعية عندنا في القضاء بثبوت الأنساب ووافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل قال ابن القصار وإنما يجيزه مالك في ولد الأمة يطؤها رجلان في طهر واحد وتأتي بولد يشبه أن يكون منهما والمشهور عدم قبوله في ولد الزوجة وعنه قبوله وأجازه الشافعي فيهما ا ه\r","part":4,"page":266},{"id":1497,"text":"وفي التبصرة ولا تعتمد القافة إلا على أب موجود بالحياة قال بعضهم أو مات ولم يدفن قيل وتعتمد على العصبة قال ولا يحكم بقول القائف إلا في أولاد الإماء من وطء سيدين في طهر واحد دون أولاد الحرائر على المشهور وقيل يقبل في أولاد الحرائر قاله ابن وهب واختاره اللخمي قال ابن يونس وهو أقيس والفرق على المشهور بين الحرائر والإماء ما ذكره الشيخ أبو عمران قال إنما خصت القافة بالإماء لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطئونها في طهر واحد فقال تساووا في الملك والوطء وليس أحدهما بأقوى من الأخرى فراشا فالفراشان مستويان وكذلك الأمة إذا ابتاعها رجل وقد وطئها البائع ووطئها المبتاع في ذلك الطهر لأنهما استويا في الملك وأما الحرة فإنها لا تكون زوجا لرجلين في حالة واحدة فلا يصح فيها فراشان مستويان وأيضا فولد الحرة لا ينتفي إلا باللعان وولد الأمة ينتفي بغير اللعان والنفي بالقافة إنما هو ضرب من اجتهاد فلا ينقل ولد الحرة من يقين إلى الاجتهاد ولما جاز نفي ولد الأمة بمجرد الدعوى جاز نفيه بالقافة ا ه بلفظه والله أعلم الوصل الثاني خالفنا أبو حنيفة في قبول القافة في القضاء بثبوت الأنساب فقال الحكم بالقافة باطل قال الأصل لنا خمسة وجوه الأول ما في الصحيحين قالت عائشة رضي الله عنها دخل علي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري إلى مجزز المدلجي نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وسبب ذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان تبنى زيد بن حارثة وكان أبيض وابنه أسامة أسود فكان المشركون يطعنون في نسبه فشق ذلك على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لمكانته منه فلما قال مجزز ذلك سر به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يدل من وجهين أحدهما أنه لو كان الحدس باطلا شرعا لما سر به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأنه عليه السلام لا يسر بالباطل وثانيهما أن إقراره عليه السلام على الشيء من جملة الأدلة على المشروعية وقد أقر مجززا على ذلك فيكون حقا","part":4,"page":267},{"id":1498,"text":"مشروعا لا يقال النزاع إنما هو إلحاق الولد وهذا كان\rملحقا بأبيه في الفراش فلم يتعين محل النزاع لأنا نقول مرادنا هاهنا أن الشبه الخاص معتبر وليس مرادنا أن النسب ثبت بمجزز ولا يقال أيضا أن سروره عليه السلام لتكذيب المنافقين لأنهم كانوا يعتقدون صحة القيافة وتكذيب المنافقين حاصل بأي سبب كان بقوله عليه السلام إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فقد يفضي الباطل للخير والمصلحة وعدم إنكاره {صلى الله عليه وسلم} هذا الباطل وهو لا يقره لأن مجززا لم يتعين أنه أخبر بذلك لأجل القيافة فلعله أخبر به بناء على القرائن إذ يحتمل أن يكون رآهما قبل ذلك لأنا نقول كيف يستقيم السرور مع بطلان مستند التكذيب كما لو أخبر عن كذبهم رجل كاذب وإنما يثبت كذبهم إذا كان المستند حقا فيكون الشبه حقا وهو المطلوب فاندفع بهذا قولكم أن الباطل قد يأتي بالخير والمصلحة فإنه على هذا التقرير ما أتى بشيء وقولكم أخبر به لرؤية سابقة لأجل القرائن يقتضي أمرين الأول نفي فائدة اختصاص السرور بقوله لأن الناس كلهم يشركونه في ذلك حينئذ الثاني نفي فائدة ذكر الأقدام إذ أنه حكم بشيء غير الذي كان طعن المشركين ثابتا معه لما كان لكل من اختصاص السرور وبقوله وذكر الأقدام فائدة\r","part":4,"page":268},{"id":1499,"text":"والوجه الثاني قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في حديث العجلاني إن جاءت به على نعت كذا وكذا فأراه قد كذب عليها وإن أتت به على نعت كذا وكذا فهو لشريك فلما أتت به على النعت المكروه قال عليه السلام لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فصرح عليه السلام بأن وجود صفات أحدهما أي الوالد في الآخر أي الولد يدل على أنهما من نسب واحد ومجيء الوحي بأن الولد ليس يشبهه مؤسس لما يقوله والحكم بالشبه أولى من الحكم بكونه في الفراش لأن الفراش يدل عليه من ظاهر الحال والشبه يدل على الحقيقة وكونه عليه السلام لم يعط علم القيافة ممنوع لأنه عليه السلام أعطي علم الأولين والآخرين سلمنا لكن عن ضابط القائفين أن الشبه متى كان كذا فهم يحكمون بكذا لا أنه ادعى علم القيافة بل كما يقول يقول الإنسان الأطباء يداوون المحموم بكذا وإن لم يكن طبيبا وإنما لم يحكم بالولد لشريك لأنه زان والولد إنما يحكم به في وطء البائع والمشتري الأمة في طهر واحد لأن كلا وطء شبهة وأما عدم الحد فلأن المرأة قد تكون من جهتها شبهة أو تكون مكرهة أو لأن اللعان يسقط الحد لقوله تعالى يدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله الآية أو لأنه عليه السلام لا يحكم بعلمه فاندفع ما أوردوه من أن مما يدل على عدم اعتبار الشبهة في حديث المدلجي أو لأن أخباره عليه كان من جهة الوحي لا من جهة القيافة لأنها ليست في بني هاشم وإنما هي في بني مدلج ولم يقل أحد أنه عليه السلام كان قائلها وثانيا أنه عليه السلام لم يحكم به لشريك وأنتم توجبون الحكم بما أشبه وثالثا أن المرأة لم تحد وبالجملة فحديث المدلجي يدل دلالة قوية على أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} استدل بالشبه على النسب ولو كان بالوحي لم يحصل فيه ترديد في ظاهر الحال بل كان يقول هي تأتي به على نعت كذا وهو لفلان فإن الله تعالى بكل شيء عليم فلا حاجة إلى الترديد الذي لا يحسن إلا في مواطن الشك وإنما يحسن هذا بالوحي إذا كان لتأسيس قاعدة القيافة وبسط صورها","part":4,"page":269},{"id":1500,"text":"بالأشباه وذلك مطلوبنا فالحديث يدل على أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما سر إلا بسبب حق وهو المطلوب ويؤيده أيضا قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة في الحديث تربت يداك ومن أين يكون الشبه فأخبر أن المني يوجب الشبه فيكون دليل النسب والوجه الثالث أن رجلين تداعيا ولدا فاختصما\rلعمر فاستدعى له القافة فألحقوه بهما فعلاهما بالدرة واستدعى حرائر من قريش فقلن خلق من ماء الأول وحاضت على الحمل فاستحشف الحمل فلما وطئها الثاني انتعش بمائه فأخذ شبها منهما فقال عمر الله أكبر وألحق الولد بالأول والوجه الرابع أن الشبه علم عند القافة من باب الاجتهاد فيعتمد عليه كالتقويم في المتلفات ونفقات الزوجات وخرص الثمار في الزكوات وتحرير جهة الكعبة في الصلوات والمثل في جزاء الصيد من النعم وكل ذلك تخمين وتقريب والوجه الخامس أنه إذا لم يعتبر الشبه لم يكن إلا إلحاق الولد بجميع المتنازعين كما لأبي حنيفة ولم يجعل الله للولد آباء بل أبا واحدا في قوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وقوله تعالى وورثه أبواه\r","part":4,"page":270},{"id":1501,"text":"وأما الوجوه الثمانية التي عارض بها أبو حنيفة حديث العجلاني فالأول ما في الصحاح أن رجلا حضر عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وادعى أن امرأته ولدت ولدا أسود فقال له عليه السلام في إبلك من أورق فقال له نعم قال له ما ألوانها قال سود فقال ما السبب فقال الرجل لعل عرقا نزع فلم يعتبر الشبه وجوابه أن تلك الصورة ليست صورة النزاع لأنه كان صاحب فراش وإنما سأله عن اختلاف اللون فعرفه عليه السلام السبب ونحو لا نقول القيافة هي اعتبار الشبه كيف كان والمناسبة كيف كانت بل نقول هي شبه خاص ولذلك ألحق مجزز أسامة بن زيد مع سواده بأبيه الشديد البياض ولم يعرج على اختلاف الألوان إذ لا معارضة بينها وبين غيرها وهذا الرجل لم يذكر مجرد اللون فليس فيه شرط القيافة حتى يدل إلغاؤه على إلغاء القافة والوجه الثاني قوله عليه السلام الولد للفراش ولم يفرق وجوابه أنه محمول على الغالب والعادة والوجه الثالث إن خلق الولد مغيب عنا فجاز أن يخلق من رجلين وقد نص عليه بقراط في كتاب سماه الحمل على الحمل وجوابه أنه خلاف العوائد وظواهر النصوص المتقدمة تأباه والشرع إنما يعني أحكامه على الغالب وبقراط تكلم على النادر فلا تعارض والوجه الرابع أن الشبه لو كان معتبرا مع أنه قد وقع من الولد وجماعة لوجب إلحاقه بهم بسبب الشبه ولم يقولوا به وجوابه أن الحكم ليس مضافا لما يشاهد من شبه الإنسان لجميع الناس وإنما يضاف لشبه خاص يعرفه أهل القيافة والوجه الخامس أن الشبه لو كان معتبرا لبطلت مشروعية اللعان واكتفى به وجوبه أن القيافة إنما تكون حيث يستوي الفراشان واللعان يكون لما يشاهده الزوج فهما بابان متباينان لا يسد أحدهما مسد الآخر والوجه السادس أنه لا حكم له مع الفراش فلا يكون معتبرا مع عدمه كغيره وجوابه الفرق بأن وجود الفراش وحده سالما عن المعارض يقتضي استقلاله بخلاف تعارض الفراشين\r","part":4,"page":271},{"id":1502,"text":"الوجه السابع أن القيافة لو كانت علما لأمكن اكتسابه كسائر العلوم والصنائع وجوابه أن قوة في النفس وقوى النفس خواصها لا يمكن اكتسابها كالعين التي يصاب بها فتدخل الجمل القدر والرجل القبر وغير ذلك مما دل الوجود عليه من الخواص فالقيافة كذلك فيتعذر اكتسابها والوجه الثامن أنه حزر وتخمين فوجب أن يكون باطلا كأحكام النجوم وجوابه أنه لو ثبتت أحكام النجوم كما ثبتت القيافة وأن الله تعالى ربط بها أحكاما لاعتبرت في تلك الأحوال المرتبطة بها كما اعتبرت الشمس في الفصول ونضج الثمار وتجفيف الحبوب والكسوفات\rوأوقات الصلوات وغير ذلك مما هو معتبر من أحكام النجوم وإنما ألغي منها ما هو كذب وافتراء على الله تعالى من ربط الشقاوة والسعادة والإماتة والإحياء بتثليثها أو تربيعها أو غير ذلك مما لم يصح فيها ولو صح لقلنا به والقيافة صحت بما تقدم من الأحاديث والآثار فافترقا ا ه كلام الأصل بتهذيب وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم\rالباب الخامس عشر\r","part":4,"page":272},{"id":1503,"text":"في بيان ما تكون فيه حجة القمط وشواهد الحيطان والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول هذه الحجة من أنواع الأمارات والعلامات التي يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بها فيما لا تحضره البينات كما سيأتي عن ابن العربي قال ابن العربي وعلى الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضي بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها وقد جاء بها في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة وبعضها قال بها المالكية خاصة وقد ذكر ابن فرحون في فصل بيان عمل فقهاء الطوائف الأربعة بالحكم بالقرائن والأمارات من تبصرته خمسين مسألة منها أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وطء الرجل والمرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عقدت عليها وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته اعتمادا على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة ومنها أن الناس قديما وحديثا لم يزالوا يعتمدون على الصبيان والإماء المرسل معهم الهدايا وأنه مرسلة إليهم فيقبلون أقوالهم ويأكلون الطعام المرسل به ونقل القرافي أن خبر الكافر في ذلك كاف وقال ومنها قولهم في الركاز إذا كان عليه علامة المسلمين سمي كنزا وهو كاللقطة\rوإن كان عليه شكل الصليب أو الصور أو اسم ملك من ملوك الروم فهو ركاز فهذا عمل بالعلامات قال ومنها جواز دفع اللقطة لواصف عفاصها ووكائها اعتمادا على مجرد القرينة قال ابن الغرس واختلف أصحابنا في الوديعة والسرقة وشبهها إذا جهل صاحبها هل تقبل في ذلك الصفة كاللقطة أم لا ومنها إذا تنازعا جدارا حكم به لصاحب الوجه ومعاقد القمط والطاقات والجذوع وذلك حكم بالأمارات ا ه المراد فانظر التبصرة\r","part":4,"page":273},{"id":1504,"text":"وفي الأصل قال ابن أبي زيد في النوادر قال أشهب إذا تداعيا جدارا متصلا ببناء أحدهما وعليه جذوع للآخر فهو لمن اتصل ببنيانه ولصاحب الجذوع موضع جذوعه لأنه حوزه ويقضى بالجدار لمن إليه عقود الأربطة وللآخر موضع جذوعه وإن كان لأحدهما عليه عشر خشبات وللآخر خمس خشبات ولا ربط لا غير ذلك فهو بينهما نصفان لا على عدد الخشب وبقيت خشباتهما بحالها وإذا انكسرت خشب أحدهما رد مثل ما كان ولا يجعل لكل واحد ما تحت خشبه منه أي من الجدار ولو كان عقده لأحدهما من ثلاثة مواضع وللآخر من موضع قسم بينهما على عدد العقود وإن لم يعقد لواحد ولأحدهما عليه خشب معقودة بعقد البناء متقوية فعقد البناء يوجب ملك الحائط في العادة إنما يكون للمالك وقيل لا يوجبه وقال في المتقوية نظر لأنها طارئة على الحائط والكوة كعقد البناء توجب الملك وكوى الضوء المنفوذة لا دليل فيها قال ابن عبد الحكم إذا لم يكن لأحدهما عقد وللآخر عليه خشب ولو واحدة فهو له وإن لم يكن إلا كوى غير منفوذة أوجبت الملك وإن لم يكن الأخص القصب لأحدهما والقصب والطوب سواء ا ه\rقال الأصل المدرك في هذه الفتاوى كلها شواهد العادات فمن ثبتت عنده عادة قضى بها وإن اختلفت العوائد في الأمصار والأعصار وجب اختلاف هذه الأحكام فإن القاعدة\rالمجمع عليها أن كل حكم مبني على عادة إذا تغيرت العادة تغير كالنقود ومنافع الأعيان وغيرها\rمسألة\r","part":4,"page":274},{"id":1505,"text":"قال بعض العلماء إذا تنازعا حائطا مبيضا هل هو متعلق لدارك أو لداره فأمر الحاكم بكشف البياض لينظر إن جعلت الأجرة في الكشف عليه فمشكل لأن الحق قد يكون لخصمك والأجرة ينبغي أن تكون على من يقع له العمل وينفعه ولا يمكن أن تقع الإجارة على من يثبت له ملك لأنكما جزمتما بالملكية فما وقعت الإجارة إلا جازمة وكذلك القائف لو امتنع إلا بأجر قال ويمكن أن يقال يلزم الحاكم كل واحدة منهما باستجارة ويلزم الأجرة في الأخير لمن يثبت له ذلك الحق كما يحلف في اللعان وغيره وأحدهما كاذب ا ه\rكلام الأصل وسلمه ابن الشاط والله أعلم الوصل الثاني في الأصل قال بالقمط وشواهد الحيطان مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة من العلماء ا ه\rوفي التبصرة ودليل القضاء بما يظهر من قرائن الأحوال والأمارات من الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى تعرفهم بسيماهم فدل على أن السيماء المراد بها حال يظهر على الشخص حتى إذا رأيناه ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء وقد اختلف في المذهب إن وجد هذا المذكور مخنونا ففي كتاب ابن حبيب أنه لا يصلى عليه لأن النصارى يختتنون\rوقال ابن وهب يصلى عليه وقوله تعالى وجاءوا على قميصه بدم كذب الآية وقال عبد المنعم بن الغرس روي أن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم ير فيه خرقا ولا أثر ناب فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه قال القرطبي في تفسير القرآن العظيم قال علماؤنا لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة صدقهم قرن الله بهذه العلامة تعارضها وهي سلامة القميص من التمزيق إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص\r","part":4,"page":275},{"id":1506,"text":"وأجمعوا على أن يعقوب عليه الصلاة والسلام استدل على كذبهم بصحة القميص فاستدل الفقهاء بهذه الآية على إعمال الأمارات في مسائل كثيرة من الفقه وقوله تعالى وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم\rقال ابن الغرس هذه الآية يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بالأمارات والعلامات فيما لا يحضره البينات\rوكون تلك الشريعة لا تلزمنا لا يسلم لأن كل ما أنزله الله علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا قال الله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فآية يوسف صلوات الله وسلامه عليه مقتدى بها معمول عليها\rوأما ما ورد في السنة النبوية فمواضع منها أنه {صلى الله عليه وسلم} حكم بموجب اللوث في القسامة وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة والحديث فيه ذكر العداوة بينهم وأنه قتل في بلدهم وليس فيها غير اليهود أو أنه قد قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه ولكن جهلوا عين القاتل ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثا فلذلك جرى حكم القسامة فيه ومنها ما ورد في الحديث الصحيح في قصة الأسرى من قريظة لما حكم فيهم سعد أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية فكان بعضهم عدم البلوغ فكان الصحابة يكشفون عن مؤتزرهم فيعلمون بذلك البالغ من غيره\rوذلك من الحكم بالأمارات ومنها أنه {صلى الله عليه وسلم} أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها وجعل وصفه لعفاصها ووكائها قائما مقام البينة ومنها حكم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخلفائه من بعده بالقافة وجعلها دليلا على ثبوت النسب\r","part":4,"page":276},{"id":1507,"text":"وليس فيها إلا مجرد الأمارات والعلامات ومنها أن ابنا عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر فقال لهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هل مسحتما سيفيكما قالا لا فقال {صلى الله عليه وسلم} أرياني سيفيكما فلما نظر فيهما قال لأحدهما هذا قتله وقضى له بسلبه ومنها أنه {صلى الله عليه وسلم} أمر الزبير بعقوبة الذي اتهمه بإخفاء كنز ابن أبي الحقيق فلما ادعى أن النفقة والحروب أذهبته قال {صلى الله عليه وسلم} العهد قريب والمال أكثر ومنها أنه {صلى الله عليه وسلم} فعل بالعرنيين ما فعل بناء على شاهد الحال ولم يطلب بينة بما فعلوا ولا وقف الأمر على إقرارهم ومنه حكم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والصحابة معه متوفرون برجم المرأة إذا ظهر بها حمل ولا زوج لها وقال بذلك مالك وأحمد بن حنبل اعتمادا على القرينة الظاهرة ومنها ما رواه ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال أردت السفر إلى خيبر فقال لي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا جئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته فأقام العلامة مقام الشهادة ومنها قوله {صلى الله عليه وسلم} الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها فجعل صماتها قرينة على الرضا وتجوز الشهادة عليها بأنها رضيت\rوهذا من أقوى الأدلة على الحكم بالقرائن ومنها حكم عمر بن الخطاب وابن مسعود وعثمان رضي الله تعالى عنهم ولا يعلم لهم مخالف بوجوب الحد على من وجد من فيه رائحة الخمر أو قاءها اعتمادا على القرينة الظاهرة وهو مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالباب السادس عشر\r","part":4,"page":277},{"id":1508,"text":"في بيان الحجة السابعة عشرة التي هي اليد قال الأصل وليس هي للقضاء بالملك بل للترجيح فيرجح بها إما أحد الدعوتين المتساويتين مثل أن يدعي كل واحد جميع المدعى به وهو بيد أحدهما ولا بينة لواحد منهما فيبقى المدعى به لصاحب اليد منهما ولا يقضي له بملك بل يرجح التعدي فقط وأما إحدى البينتين وغيرهما من الحجاج كما إذا كان في يد أحدهما وأقام كل واحد منها بينة وتساويتا في العدالة رجح جانب الذي بيده ذلك لكونه حائزا فيحكم له به مع اليمين وهذا معنى قولهم تقدم بينة الداخل على بينة الخارج عند التكافؤ هذا هو المشهور وقال عبد الملك لا ينتفع الحائر ببينته ولا ببينة المدعي أولى لقوله {صلى الله عليه وسلم} البينة على المدعي فإن نكل الحائز حلف المدعي وحكم له به فإن نكل أقر على يد من هو في يده\rوعلى المشهور فإن كانت بينة الخارج أرجح قدمت لأن اليد لا اعتبار لها مع الحجة الضعيفة ثم هل يحلف الخارج لأجل اقتران اليد بالبينة قولان قال القاضي عبد الوهاب وسواء كانت الدعوى في ملك مطلق غير مضاف إلى سبب أو في ملك غير مطلق وهو المضاف إلى سبب يتكرر أو لا يتكرر فالمطلق أن يقيم بينة بأن هذا الشيء له ملكا مطلقا وغير مطلق هو المضاف إلى سبب وهو أن يبين سبب الملك مثل أن يقيم بينة بأن هذا العبد ملكه ولد في ملكه وأن هذه الدابة نتجت في ملكه وأن هذا الثوب ملكه نسج في ملكه ثم هذا السبب على ضربين منه ما يمكن أن يتكرر في الملك مثل الغراس إذا قال كل واحد منهما غرسته في ملكي فهذا يمكن أن يتكرر بأن يغرس دفعتين\rوهكذا نسج الثوب الخز على ما يقوله أهل صنعته يمكن أن ينسج دفعتين ومنه ما لا يمكن تكراره كالودة والنتاج ونسج ثوب القطن ا ه كلام الأصل بتوضيح من تبصرة ابن فرحون وقد تقدم الكلام على هذه الحجة في الفرق السادس والثلاثين والمائتين بين اليد المعتبرة المرجحة لقول صاحبها واليد التي لا تعتبر فلا تغفل والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":278},{"id":1509,"text":"الفرق التاسع و الثلاثون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب\rأما مع اعتبار النادر أو مع إلغائه أيضا وذلك كما في الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط أن الفرق بينهما لا يتيسر على المبتدئين ولا على ضعفة الفقهاء بل لا يحصل إلا لمتسع في الفقيهات والموارد الشرعية وذلك أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر وهو شأن الشريعة وأمثلته لا تحصى كثرة منها تقديم طهارة المياه وعقود المسلمين لأنه الغالب ومنها أنه يقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة ومنها أنه يمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف ولكن جرى على خلاف هذا الأصل أجناس كثيرة استثنيت منه ستتضح لك فإذا وقع لك غالب ولا تدري هل هو من\rقبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص والفتاوى استقراء حسنا ولا يتأتى لك ذلك إلا إذا كنت حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا تحققت بذلك إلغاؤه فذاك ظاهر وإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر والأجناس المستثناة من هذا الأصل على قسمين\rالقسم الأول","part":4,"page":279},{"id":1510,"text":"ما ألغى الشرع فيه الغالب وقدم النادر عليه أي أثبت الشرع فيه حكم النادر دون حكم الغالب رحمة بالعباد والقسم الثاني ما ألغى الشرع فيه الغالب والنادر معا رعاية للضرورة ورحمة بالعباد ولكل واحد من القسمين أمثلة كثيرة في الشريعة تفتقر على التمثيل لكل منهما بعشرين مثالا في الوصلين الاثنين لتجزم بشيئين أحدهما أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق بالغالب ليس على إطلاقه قلت بل مقيد بثلاثة قيود الأول أن يطرد الغالب بمخالفة الأصل الثاني أن تكثر أسبابه الثالث أن لا يكون مع النادر ما يعتضد به وإلا قدم على الغالب عملا بالترجيح لتعينه كما يؤخذ مما نقله العطار على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي الثاني أن قول الفقهاء إذا اجتمع الأصل والغالب فهل يغلب الأصل على الغالب أو الغالب على الأصل قولان ليس على عمومه وفي العطار على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي بل لجريان القولين ثلاثة شروط الأول أن لا تطرد العادة بمخالفة الأصل وإلا قدم حكم العادة والغالب قطعا ومن ذلك الماء الهارب في الحمام لاطراد العادة بالبول فيه الثاني أن تكثر أسباب الظاهر والغالب\rفإن ندرت لم ينظر إليه قطعا ومن ذلك ما إذا تيقن الطهارة وغلب على ظنه الحدث اتفق أصحاب الشافعي على أن له الأخذ بالوضوء ولم يجروا فيه القولين كما أجروهما فيما يغلب على الظن نجاسته هل يحكم بنجاسته وفرق الإمام الشافعي بأن الأسباب التي تظهر بالنجاسة كثيرة جدا وهي قليلة في الأحداث ولا أثر للنادر والتمسك باستصحاب اليقين أولى\rالثالث\r","part":4,"page":280},{"id":1511,"text":"أن لا يكون مع أحدهما ما يعتضد به وإلا فالعمل بالترجيح متعين قال الزركشي فإذا جزمت بذلك علمت أن الضابط فيما يجري قولان فيه وما لا يجريان فيه هو أنه إذا كان الظاهر والغالب حجة يجب قبولها شرعا كالشهادة والرواية والأخبار فهو مقدم الأصل قطعا وإذا لم يكن الظاهر والغالب حجة بل كان سنده العرف أو القرائن أو غلبة الظن فهذه يتفاوت أمرها فتارة يعمل بالأصل قطعا وتارة يعمل بالظاهر والغالب قطعا وتارة يخرج الخلاف هل يقدم الأصل على الصحيح أو لا أو الظاهر والغالب على الصحيح أولا فهذه أربعة أقسام الأول ما قطعوا فيه بالظاهر كالبينة فإن الأصل براءة ذمة المشهود عليه ومع ذلك يلزمه المال المشهود به قطعا لأن الغالب صدق البينة وهي حجة وكاليد في الدعوى فإن الأصل عدم الملك والظاهر من اليد الملك وهو ثابت بالإجماع الثاني ما قطعوا فيه بالأصل وإلغاء القرائن الظاهرة كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث أو ظنه فإنه يبنى على تيقن الطهارة عملا بالأصل أو شك في طلوع الفجر في رمضان فإنه يباح له الأكل حتى يتيقن طلوعه أو اختلط الحرام بالحلال وكان الحرام مغمورا أو اشتبه عليه محرمه بنسوة قرية\rكبيرة فإن له نكاح من شاء منهن فإن الأصل الإباحة وأشبهت ميتة بمذكاة بلد أو إناء بول بأواني بلد فله أخذ بعضها بالاجتهاد قطعا\rالثالث\r","part":4,"page":281},{"id":1512,"text":"ما فيه خلاف والأصح تقديم الظاهر كما لو شك بعد الصلاة في ترك فرض منها فلا يؤثر على المشهور لأن الظاهر جريانها على الصحة وإن كان الأصل عدم إتيانه به وكذا حكم غيرها من العبادات كالوضوء والصوم والحج وكاختلاف المتعاقدين في الصحة والفساد فالقول لمدعي الصحة على الأظهر لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة وإن كان الأصل عدمها وكما إذا قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق ولم يقصد تأكيدا ولا استئنافا بل أطلق فالأظهر يقع ثلاث لأنه موضع الإيقاع اللفظ الأول ولهذا يقال إذا دار الأمر بين التأسيس والتوكيد فالتأسيس أولى وهذا يرجع إلى الحمل على الظاهر ووجه مقابله أن الأصل المتيقن عدم ذلك الرابع ما فيه خلاف والأصح تقديم الأصل ومن أمثلته ما لو شك في صلاة يوم من الأيام الماضية هل صلاها أم لا قال الروياني إن كان مع بعد الزمان لأن الإنسان لا يقدر على ضبط ما يقع منه في الماضي ويغيب عليه تذكره وإن كان مع قرب الزمان كمن شك في آخر الأسبوع في صلاة يوم من أوله وجبت الإعادة قال بعضهم وينبغي حمل كلام الروياني على من كانت عادته مواظبة الصلاة أما من اعتاد تركها أو بعضها فالظاهر وجوب الإعادة عليه وهذا متعين لا بد منه ومنها ثياب مدمني النجاسة وطين الشارع الذي يغلب على الظن اختلاطه\r","part":4,"page":282},{"id":1513,"text":"بالنجاسة والمقابر التي يغلب نبشها فالأصح الطهارة ولطين الشارع أصول يبنى عليها أحدهما ما ذكر من تعرض الأصل والظاهر وهو الذي اقتصر عليه الأصحاب ثانيهما طهارة الأرض بالجفاف والريح والشمس على القديم ثالثها طهارة النجاسة بالاستحالة إذا استهلكت فيها عين النجاسة وصارت طينا وأما الذي يظن نجاسة ولا نتيقن طهارته فقال المتولي والروياني أنه على القولين وخالفهما النووي فقال المختار الجزم بطهارته ومنها ما لو اختلفا في ولد الأمة المبيعة فقال البائع وضعته قبل العقد وقال المشتري بل بعده قال الإمام في آخر النهاية كتب الحليمي إلى الشيخ أبو زيد يسأله عن ذلك فأجاب بأن قول البائع لأن الأصل بقاء ملكه وحكى الدارمي فيها وجهين ا ه ما نقله العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي والله سبحانه وتعالى أعلم\rالوصل الأول في عشرين مثالا من أمثلة ما ألغي فيه الغالب وقدم عليه النادر المثال الأول غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون زنا وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود فألغى الشارع الغالب وأثبت حكم النادر وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم عن الهتك المثال الثاني إذا تزوجت فجاءت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد وهو الغالب أو من وطء\r","part":4,"page":283},{"id":1514,"text":"بعده وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر وإنما يوضع في السنة سقطا في الغالب فألغى الشارع على حكم الغالب وأثبت حكم النادر وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم المثال الثالث ندب الشرع للنكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله تعالى والإقدام على المعاصي وعلى رأي أكثر العلماء أن من لم يعرف الله تعالى بالبرهان فهو كافر لم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر كما حكاه الإمام في الشامل والإسفراييني ومقتضى هذا أن ينهى عن الذرية لغلبة الفساد عليهم فألغى الشرع حكم الغالب واعتبر حكم النادر ترجيحا لقليل الإيمان على كثير الكفر والمعاصي تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم رحمة بهم المثال الرابع طين المطر الواقع في الطرقات وممر الدواب والمشي بالأمدسة التي يجلس بها في المراحيض الغالب عليها وجود النجاسة من حيث الجملة وإن كنا لا نشاهد عينها والنادر سلامتها منها ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فيصلي به من غير غسل المثال الخامس النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لا سيما نعل مشى بها سنة وجلس بها في موضع قضاء الحاجة سنة ونحوها فالغالب عليها النجاسة والنادر سلامتها من النجاسة ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم إن قلع\r","part":4,"page":284},{"id":1515,"text":"النعال في الصلاة بدعة ذلك رحمة وتوسعة على العباد المثال السادس الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم لها والنادر سلامتها وقد جاءت السنة بصلاته عليه السلام بأمامة يحملها في الصلاة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد المثال السابع ثياب الكفار التي ينسجونها بأيديهم مع عدم تحرزهم من النجاسات بل الغالب نجاسة أيديهم لما يباشرونه عند حاجة الإنسان ومباشرتهم الخمور والخنازير ولحوم الميتات وجميع أوانيهم نجسة بملابسة ذلك ويباشرون النسج والعمل مع بلة أيديهم وعرقها حالة العمل ويبلون تلك الأمتعة بالنشاء وغيره مما يقوي لهم الخيوط ويعينهم على النسج فالغالب نجاسة هذا القماش والنادر سلامته من النجاسة وقد سئل عنه مالك فقال ما أدركت أحدا يتحرز من الصلاة في مثل هذا فأثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز لبسه توسعة على العباد المثال الثامن ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم فالغالب نجاسته لما تقدم والنادر طهارته ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب فجوزا كله توسعة على العباد المثال التاسع الغالب على ما يصنعه المسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون بالماء ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة نجاستها والنادر سلامتها فألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر وجوز أكلها توسعة ورحمة للعباد المثال العاشر الغالب على ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم النجاسة وقد أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغائب فجوز الصلاة فيه لطفا بالعباد المثال\r","part":4,"page":285},{"id":1516,"text":"الحادي عشر الغالب نجاسته ما يصبغه أهل الكتاب بل هو أشد مما ينسجونه لكثرة الرطوبات الناقلة للنجاسة ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر رفقا بالعباد فجوز الصلاة فيها المثال الثاني عشر الغالب نجاسة ما يصنعه عوام المسلمين الذين لا يصلون ولا يتحرزون من النجاسات والنادر سلامته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب توسعة ولطفا بالعباد المثال الثالث عشر الغالب نجاسة ما يلبسه الناس ويباع في الأسواق ولا يعلم كون لابسه كافرا أو مسلما يحتاط ويتحرز أو لا وهو الغالب على أهل البلاد فإن غالبهم عوام وفسقة وتراك صلاة ومن لا يتحرز من النجاسات والنادر سلامته فألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد المثال الرابع عشر الغالب مصادفة الحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما قد لبست يمشي عليها الحفاة والصبيان ومن يصلي ومن لا يصلي والنادر سلامتها ومع ذلك قد جاءت السنة بأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء والنضح لا يزيل النجاسة بل ينشرها فقدم الشرع حكم النادر على حكم الغالب المثال الخامس عشر الغالب مصادفة الحفاة النجاسة لا سيما في الطرقات ومواضع قضاء الحاجات والنادر سلامتهم ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافي من غير غسل رجليه كما جوز الصلاة بالنعل فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمشي حافيا ولا يعيب ذلك في صلاته لأنه رأى النبي {صلى الله عليه وسلم} يصلي بنعله\r","part":4,"page":286},{"id":1517,"text":"ومعلوم أن الحفاء أخف من تحمل النجاسة من النعل فقدم الشارع حكم النادر على حكم الغالب توسعة على العباد المثال السادس عشر الغالب صدق الصالح الولي التقي في دعواه على الفاجر الشقي الظالم أنه غصب منه درهما والنادر كذبه ومع ذلك جعل الشرع القول قول الفاجر فقدم حكم النادر على الغالب لطفا بالعباد بإسقاط الدعاوى عنهم واندراج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة المثال السابع عشر الغالب استمرار الكفار على الكفر وموتهم عليه بعد الاستمرار فألغى الشارع حكمه وأثبت حكم النادر وهو توقع إسلام بعضهم فعقد الجزية لذلك التوقع النادر رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل وحسم مادة الإيمان عنهم المثال الثامن عشر الغالب في إشغال الناس بالعلم أن يكون وسيلة للرياء وعدم الإخلاص والنادر أن يكون وسيلة للإخلاص فلم يعتبر الشارع حكم الغالب الذي هو النهي عنه لأن وسيلة المعصية معصية وأثبت حكم النادر فرغب في الاشتغال بالعلم رحمة بالعباد المثال التاسع عشر أحد المتداعيين والمتلاعنين كاذب قطعا والغالب أن يعلم الكاذب منهما بكذبه فيكون تحليفه سعيا في وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غايته أنه يعارضه أخذ الحق وإلجاؤه إليه وذلك إما مباح أو واجب\rوإذا تعارض الواجب والمحرم قدم المحرم ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر الذي هو وقوع شبهة لكل واحد من المتداعيين أو المتلاعنين لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم والستر عليهم\rالمثال العشرون غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء\r","part":4,"page":287},{"id":1518,"text":"ولذلك الشيوخ أقل يعني أنه لو كان الشباب يعيشون لصاروا شيوخا فتكثر الشيوخ فلما كان الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر وحياته للشيخوخة نادرا ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم قال الأصل ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل قوم في الطهارات فدخل عليهم الوسواس وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية هي الحكم بالغالب نعم هو غالب كما قالوا من حيث إنهم يعتقد أن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونه النجاسة فيغسلون ثيابهم وأنفسهم من جميع ذلك بناء على القاعدة الشرعية وهي الحكم بالغالب ولم يفهموا بأن هذا وإن كان هو الغالب كما قالوا لكن الشارع ألغى حكمه وقدم عليه حكم النادر وإن كان مرجوحا في النفس وظنه معدوم بالنسبة للظن الناشئ عن الغالب إذ لصاحب الشرع أن يصنع في شرعه ما شاء ويستثني من قواعده ما يشاء هو الأعلم بمصالح عباده فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن لا يعتمد عليه مطلقا كيف كان بل حتى ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا إذ الاعتماد على مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره خلاف الإجماع ا ه وسلمه ابن الشاط\r","part":4,"page":288},{"id":1519,"text":"تنبيه قال الأصل وسلمه ابن الشاط حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه وعلى العموم دون الخصوص وإن أمكن أن يقال إنه من باب تقديم النادر على الغالب نظرا لغلبة المجاز على الحقيقة في كلام العرب حتى قال ابن جني كلام العرب كله مجاز وغلبة الخصوصات على العمومات حتى روي عن ابن عباس أنه قال ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى والله بكل شيء عليم وحينئذ فينبغي إذا ظفرنا بلفظ ابتداء أن نحمله على مجازه تغليبا للغالب على النادر وأن نحمل العموم ابتداء على التخصيص لأنه الغالب فحيث عكسنا وحملنا اللفظ ابتداء على حقيقته والعموم ابتداء على العموم كان ذلك تغليبا للنادر على الغالب إلا أن التحقيق أن ذلك ليس من هذا الباب وذلك لأن شرط الفرد المتردد بين النادر والغالب فيحمل على الغالب أن يكون من جنس الغالب وإلا فلا يحمل على الغالب\rوبيانه بالمثال أن الشقة إذا جاءت من القصار جاز أن تكون طاهرة وهو الغالب أو نجسة بأن يصيبها بول فأر أو غيره من الحيوان وهو النادر فإنا لو كنا نحكم بطهارتها بناء على الغالب لأنا قد حكمنا بطهارة الثياب المقصورة لأنها خرجت من القصارة لكان هذا الثوب المتردد بين النادر والغالب الذي خرج من القصارة من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فيحكم به\rوأما لو كنا لا نقضي بطهارة الثياب المقصورة لكونها خرجت من القصارة بل نقضي بطهارتها لأنها\r","part":4,"page":289},{"id":1520,"text":"تغسل بعد ذلك لم يكن هذا الثوب المتردد بين النادر والغالب الذي لم يغسل بعد ذلك من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فلا نقضي بطهارته لأجل عدم الغسل بعد القصارة الذي لأجله حكمنا بالطهارة وكذا يقال في الألفاظ فإذا لم نقض على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص بمجرد كونه لفظا بل نقض عليه بذلك لأجل اقترانه بالقرينة الصادقة من الحقيقة إلى المجاز واقترانه بالمخصص الصارف عن العموم للتخصيص كان هذا اللفظ الوارد ابتداء الذي حملناه على حقيقته دون مجازه والعموم دون الخصوص ليس معه صارف من قرينة صارفة عن الحقيقة\rولا مخصص صارف عن العموم فهو حينئذ ليس من ذلك الغالب فلو حملناه على المجاز أو التخصيص لحملناه على غير غالب فإنه لم يوجد لفظ من حيث هو لفظ حمل على المجاز ولا على الخصوص ألبتة فضلا عن كونه غالبا بل هو اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها ليس فيها غالب ونادر بل شيء واحد وهو الحقيقة مطلقا والعموم مطلقا فتأمل ذلك فهو شرط خفي في حمل الشيء على غالبه دون نادره ليظهر لك جليا أن حمل اللفظ على حقيقة دون مجاز ابتداء والعموم دون الخصوص ابتداء ليس من باب الحمل على النادر دون الغالب فهذا سؤال حسن لقد أوردته على جمع كثير من الفضلاء قديما وحديثا فلم يحصل عنه جواب وهذا جوابه حسن جدا ا ه\r","part":4,"page":290},{"id":1521,"text":"الوصل الثاني فيه عشرين مثالا من أمثلة ما ألغى الشارع فيه الغالب والنادر معا المثال الأول الغالب صدق شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جدا والنادر كذبهم فأهملهم الشرع ولم يعتبر صدقهم ولا قضى بكذبهم رحمة بالعباد ولطفا بالمدعى عليه وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة للضرورة كما تقدم بيانه المثال الثاني الغالب صدق الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان والنادر كذبهم لا سيما مع العادلة فألغى صاحب الشرع صدقهن ولم يحكم به ولا حكم بكذبهن لطفا بالمدعى عليه المثال الثالث الغالب صدق الجمع الكثير من الكفار والرهبان والأحبار إذا شهدوا والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم المثال الرابع الغالب صدق شهادة الجمع الكثير من الفسقة والنادر كذبهم فلم يحكم الشرع بصدقهم لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم المثال الخامس الغالب صدق شهادة ثلاثة\r","part":4,"page":291},{"id":1522,"text":"عدول في الزنا فلم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفوه لا من حيث إنهم شهود زور المثال السادس الغالب صدق شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان والنادر كذبه فلم يحكم الشرع بصدقه لطفا بالعباد ورحمة بالمدعى عليه ولم يكذبه المثال السابع الغالب صدق حلف المدعي الطالب وهو من أهل الخير والصلاح والنادر كذبه فلم يقض الشارع بصدقه فيحكم له بيمينه بل اشترط في الحكم له البينة ولم يحكم بكذبه لطفا بالمدعى عليه المثال الثامن الغالب صدق الجمع الكثير في الرواية بخبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين لتحريم الكذب في دينهم والنادر كذبهم فلم يعتبر الشرع صدقهم لطفا بالعباد وسدا لذريعة أن يدخل في دينه ما ليس منه المثال التاسع الغالب صدق رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس ونهبة الأموال وهم رؤساء عظماء في الوجود إذا اجتمعوا على الرواية الواحدة عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا سيما إن منعوا من الكذب لوازع طبيعي لا تدينا لم يقبل الشرع روايتهم صونا للعباد عن أن يدخل في دينهم ما ليس منه بل جعل الضابط العدالة ولم يحكم بكذبهم المثال العاشر الغالب صدق الجمع الكثير من الجاهلين في روايتهم للحديث النبوي والنادر كذبهم فلم يحكم الشرع بصدقهم ولا بكذبهم لطفا بالعباد المثال الحادي عشر الغالب أن يكون أخذ السراق المتهمين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة مصادفا للصواب والنادر خطؤهم ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع المثال الثاني عشر الغالب أن يكون أخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد مصادفا للحق والنادر خطؤه ومع ذلك منعه الشارع منه وحرمه إذ لا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه المثال الثالث عشر الغالب على من وجد بين فخذي امرأة وهو","part":4,"page":292},{"id":1523,"text":"متحرك حركة الواطئ وطال الزمان في ذلك أنه قد أولج والنادر عدم ذلك فلم يحكم الشارع بوطئه ولا بعدمه إذا شهد عليه بذلك وألغى هذا الغالب سترا على العباد المثال الرابع عشر الغالب صدق شهادة العدل المبرز لولده والنادر كذبه فلم يحكم الشرع بصدقه ولا بكذبه بل ألغاها جملة المثال السادس عشر الغالب صدق شهادة العدل المبرز على خصمه والنادر كذبه فألغى الشارع صدقه وكذبه المثال السابع عشر الغالب صدق شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل وصدق شهادة الإنسان لنفسه مطلقا إذا وقعت من العدل المبرز والنادر كذبه فيها فألغى الشارع صدقه وكذبه المثال\rالثامن عشر الغالب أن حكم القاضي لنفسه وهو عدل مبرز من أهل التقوى والورع إنما يكون بالحق والنادر أن يكون بخلافه فألغى الشرع اعتبار صحة ذلك الحكم وبطلانه معا المثال التاسع عشر الغالب القرء الواحد في العدد براءة الرحم والنادر شغله معه فألغى الشارع اعتبار واحد منهما ولم يحكم ببراءة الرحم معه حتى ينضم إليه قرءان آخران المثال العشرون الغالب براءة رحم من غاب عنها زوجها سنين ثم طلقها أو مات عنها والنادر شغله بالولد فألغى الشرع اعتبار واحد منهما وأوجب عليها استئناف العدة بعد الوفاة أو الطلاق لأن وقوع الحكم قبل سببه غير معتد به قال ونظائر هذا الغالب الذي ألغاه صاحب الشرع ولم يعتبره إما مع المبالغة في إلغائه بعدم اعتبار نادره أيضا كما هنا وإما مع المبالغة في إلغائه باعتبار نادره دونه كما تقدم كثيرة في الشرع وهذه أربعون مثالا قد سردت في ذلك من أربعين جنسا فهي أربعون جنسا ألغيت ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":293},{"id":1524,"text":"الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه\rوضابطه كما في الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط أن ما تحقق فيه شرطان الأول تساوي الحقوق والمصالح والثاني قبول الرضا بالنقل فهو موضع القرعة عند الشارع دفعا للضغائن والأحقاد والرضا بما جرت به الأقدار وما فقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة فمتى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين غيره لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة ومتى لم يقبل الشيء الرضا بالنقل كحرية الرقيق حالة الصحة لا يجوز الإقراع فيه كما سيتضح من المباحث والاختلافات والاتفاقات الآتية قال ابن فرحون وهي مشروعة في مواضع أحدهما بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية ثانيهما بين الأئمة للصلاة إذا استووا ثالثها بين المؤذنين في المغرب مع\rالاستواء أيضا على ما ذكره ابن شاس\rرابعها","part":4,"page":294},{"id":1525,"text":"في التقدم في الصف الأول عند الزحام خامسها في تغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم في الطبقات سادسها في الحضانة ففي التوضيح وتدخل القرعة بين الأب والأم عند إثغار الذكر لحديث ورد في ذلك وهو اختيار ابن القصار وابن رشد وغيرهما انظره في قول ابن الحاجب وحضانة الذكر حتى يحتلم سابعها بين الزوجات عند إرادة السفر ثامنها في باب القسمة بين الشركاء في الأصول والحيوان والعروض والنقود إذا استوى فيه الوزن والقيمة وفي ذلك تفصيل واختلاف محله كتب الفقه تاسعها بين الخصوم في التقدم إلى الحاكم في الحكم عاشرها بين الخصمين فيمين تكون محاكمتها عنده حادي عشرتها إذا ازدحم اثنان على اللقيط فالسابق أولى وإلا فالقرعة ثاني عشرتها إذا اختلف المتبايعان وقلنا أنهما يتحالفان ويتفاسخان واختلفا فيمن يبدأ باليمين ففيه أقوال أحدهما أنه يقرع بينهما والمشهور تقدمة البائع وكذلك الزوجان يختلفان في قدر الصداق فيتحالفان ثالث عشرتها في المتيطية أن كتابة الوثائق والمكاتيب فرض على من يعلمها إذ لم يكن في البلد سواه وإن كانوا جماعة كانت من فروض الكفاية فإن قام بها أحدهم سقط الطلب عن الباقين وإن امتنعوا جميعهم اقترعوا فمن خرج اسمه كتب رابع عشرتها في شرع الجلاب فيمن يبدأ به من الوصايا إذا اجتمع عتق الظهار وعتق كفارة القتل وضاق الثلث فأحد الأقوال في المسألة أنه يقرع بينهما لأنه لا يصح عتق بعض الرقبة فيقرع بينهما فيصح العتق لأحدهما خامس عشرتها إذا انكسرت يمين على الأولياء\r","part":4,"page":295},{"id":1526,"text":"فالمشهور أنها على أكثرهم نصيبا من الأيمان وقيل أكثرهم نصيبا من الكسر وقيل يقرع بينهم عليها سادس عشرتها إذا تقاربت الأنادر وأرادوا الذرو وكان يختلط نبتهم إذا ذروا جميعا فيقال اقترعوا على الذرو فإن أبوا لم يجبر واحد منهم على قطع أندره ويقال لمن أذرى على صاحبه أتلفت نبتك لا شيء لك من الطرر سابع عشرتها إذا زفت إليه امرأتان في ليلة أقرع بينهما على القول بأن ذلك حق له يختار ثامن عشرتها يقرع الحاكم بين الخصمين إذا تنازعا فيمن هو المدعي منهما وأشكل على الحاكم معرفة المدعي تاسع عشرتها تقسيم الغنيمة خمسة أخماس فإذا اعتدلت ضرب عليها بالقرعة فإذا تعين الخمس أفرد ثم جمعت الأربعة فبيعت وقسم ثمنها أو قسمت الغنيمة بأعيانها بين أهل الجيش على ما في ذلك من الخلاف فانظر شرح الرسالة للتادلي في باب الجهاد الموفي عشرين إذا اجتمعت الجنائز من جنس واحد واستوت الأولياء في الفضل وتشاحوا في التقدم أقرع بينهم الحادي والعشرون إذا اجتمع الخصوم عند القاضي وفيهم مسافرون ومقيمون وخاف المسافرون فوات الرفقة قدموا إلا أن يكثروا كثرة يلحق المقيمين منها ضرر فيقرع بينهم ذكره المازري الثاني والعشرون في عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم مات ولم يحملهم الثلث عتق مبلغ الثلث منهم بالقرعة ا ه زاد الأصل ولو لم يدع غيرهم عتق ثلثهم أيضا بالقرعة وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما\rوقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تجوز القرعة فيما إذا أوصى بهم ويعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في باقي قيمته للورثة حتى يؤديها فيعتق لنا ستة وجوه\rالأول\r","part":4,"page":296},{"id":1527,"text":"ما في الموطإ أن رجلا أعتق عبيدا له عند موته فأسهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأعتق ثلث العبيد قال مالك وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم الثاني ما في الصحاح أن رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه لا مال له غيرهم فدعاهم النبي {صلى الله عليه وسلم} فجزأهم فأقرع بينهم اثنين ورق أربعة الثالث إجماع التابعين رضي الله عنهم على ذلك قال عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد وأبان بن عثمان وابن سيرين وغيرهم ولم يخالفهم من مصرهم أحد الرابع القياس على قسمة الأرض التي وافقنا فيها أبو حنيفة رضي الله عنه إذ لا مرجح الخامس أن في الاستسعاء مشقة وضررا على العبيد بالإلزام وعلى الورثة بتأخير الحق وتعجيل حق الموصي له والقواعد تقتضي تقديم حق الوارث لأن له الثلثين السادس أن مقصود الوصي كمال العتق في العبد ليتفرغ للطلعات ويحوز الاكتساب والمنافع من نفسه وتجزئة العتق تمنع من ذلك وقد لا يحصل الكمال أبدا وأما الأوجه الستة التي احتجوا بها فالأول قول النبي {صلى الله عليه وسلم} لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم والمريض مالك الثلث من كل عبد فينفذ عتقه فيه ولأن الحديث المتقدم واقعة عين لا عموم فيها ولأن قوله اثنين يحتمل شائعين لا معينين ويؤكده أن العادة تقتضي اختلاف قيم العبيد فيتعذر أن يكون اثنان معينان ثلث ماله وجوابه أن العتق إنما وقع فيما يملك وما قال العتق في كل ما يملك فإذا نفذ العتق في عبدين وقع العتق فيما يملك وقولهم إنه قضية عين فنقول هي وردت في تمهيد قاعدة كلية كالرجم وغيره فتعم ولقوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وقوله إنه يحتمل أن يكون شائعا باطل بالقرعة لأنها لا معنى لها مع الإشاعة واتفاقهم في القيمة ليس متعذرا عادة لا سيما مع الجلب ووخش الرقيق والوجه الثاني أن القرعة على خلاف القرآن لأنها من الميسر وعلى خلاف القواعد لأن فيه الحرية بالقرعة وجوابه أن الميسر هو القمار وتمييز الحقوق ليس قمارا وقد أقرع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين أزواجه وغيرهم\r","part":4,"page":297},{"id":1528,"text":"واستعملت القرعة في شرائع الأنبياء عليهم السلام فساهم فكان من المدحضين الآية و إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وليس فيها نقل الحرية لأن عتق المريض لم يتحقق لأنه إن صح عتق الجميع وإن طرأت ديون بطل وإن مات وهو يخرج من الثلث عتق من الثلث فلم يقع في علم الله تعالى من العتق إلا ما أخرجته القرعة والوجه الثالث أنه لو أوصى بثلث كل واحد صح فينفذ هاهنا قياسا على ذلك وعلى حال الصحة وجوابه أن مقصود الهبة والوصية والتمليك وهو حاصل في ملك الشائع كغيره ومقصود العتق التخليص للطاعات والاكتساب ولا يحصل مع التبعيض ولأن الملك شائعا لا يؤخر حق الوارث كما تقدم في الوصية وهاهنا يتأخر بالاستسعاء والوجه الرابع أنه لو باع ثلث كل عبد جاز والبيع يلحقه الفسخ والعتق لا يلحقه الفسخ فهو أولى بعدم القرعة لأن فيها تحويل العتق كما تقدم والوجه الخامس أنه لو كان مالكا لثلثهم فأعتقه لم يجتمع ذلك في اثنين منهم والمريض لم يملك غير الثلث فلا يجمع لأنه لا فرق بين عدم الملك والمنع من التصرف في نفوذ العتق وجوابه أنه إذا ملك الثلث فقط لم يحصل تنازع في العتق ولا حرمان من تناوله لفظ العتق والوجه السادس أن القرعة إنما تدخل في جميع الحقوق فيما يجوز التراضي عليه لأن الحرية حالة الصحة لما لم يجز التراضي على انتقاضها لم يجز القرعة فيها والأموال يجوز التراضي فيها قد خلت القرعة فيها وجوابه أن الوارث لو رضي تنفيذ عتق الجميع لصح فهو يدخله الرضا ا ه كلام الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط\rالفرق الحادي و الأربعون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كفر وقاعدة ما ليس بكفر\rالاحتياج للفرق بينهما مبني على ما للأصل من التباس الكفر بالكبائر نظرا لما ادعاه من أن الكفر يشارك مطلق المعصية كبيرة كانت أو صغيرة في أمرين\rالأمر الأول في مطلق انتهاك حرمة الربوبية\r","part":4,"page":298},{"id":1529,"text":"الأمر الثاني في مطلق المفسدة وذلك أن كلا من الكفر والمعصية منهي عنه والنواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح ولكن أعلى رتب المفاسد الكفر وأدناها الصغائر والمتوسط بين الرتبتين الكبائر فأعلى رتب الكبائر يليها أدنى رتب الكفر وأدنى رتب الكبائر يليها أعلى رتب الصغائر وحينئذ فأكثر التباس الكفر إنما هو بالكبائر\rقال ما تهذيبه والمجال في تحرير الفرق بينهما صعب بل التعرض إلى الحد الذي يمتاز به أعلى رتب الكبائر من أدنى رتب الكفر عسير جدا وذلك أن أصل الكفر إنما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية إما بالجهل بوجود الصانع أو صفاته تعالى\rوإما بالجرأة على الله تعالى بكرمي المصحف في القاذورات أو السجود للصنم أو التردد للكنائس في أعيادهم بزي النصارى ومباشرة أحوالهم أو جحد ما أجمع عليه وعلم من الدين بالضرورة ولو كان ذلك من بعض المباحات فجحد إباحة الله التين والعنب كفر كجحد الصلاة والصوم ومعنى علمه من الدين بالضرورة أن يشتهر في الدين حتى يصير ضروريا فجحد المسائل المجمع عليها إجماعا لا يعلمه إلا خواص الفقهاء بحيث يخفى الإجماع فيها ليس كفرا قال بل قد جحد أصل الإجماع جماعة كبيرة من الروافض والخوارج كالنظام ولم أر أحدا قال بكفرهم من حيث إنهم جحدوا أصل الإجماع\rوسبب ذلك أنهم بذلوا جهدهم في أدلته فما ظفروا بها كما ظفر بها الجمهور فكان ذلك عذرا في حقهم كما أن متجدد الإسلام إذا قدم من أرض الكفر وجحد في مبادئ أمره معنى شعائر الإسلام المعلومة لنا من الدين بالضرورة لا نكفره لعذره بعدم الاطلاع وإن كنا نكفر بذلك الجحد غيره فعلم من هذا أنا لا نكفر بالمجمع عليه من حيث هو مجمع عليه حتى يقال كيف تكفرون جاحد المسائل المجمع عليها ولا تكفرون جاحد أصل الإجماع\r","part":4,"page":299},{"id":1530,"text":"وكيف يكون الفرع أقوى من الأصل بل نكفر به من حيث الشهرة المحصلة للضرورة فمن جحد إباحة القراض لا نكفره وإن كان مجمعا عليه لأن انعقاد الإجماع فيه إنما يعلمه خواص الفقهاء أو الفقهاء دون غيرهم فلم يجعل الفرع أقوى من الأصل فافهم وألحق الأشعري بالكفر أي جرأة على الله تعالى إرادة الكفر كبناء الكنائس ليكفر فيها أو قتل نبي مع اعتقاده صحة رسالته ليميت شريعته ومنه تأخير إسلام من أتى ليسلم على يديك فتشير عليه بتأخير الإسلام لأنه إرادة لبقاء الكفر ولا يندرج في إرادة الكفر الدعاء بسوء الخاتمة على من تعاديه وإن كان فيه إرادة الكفر لأنه ليس مقصودا فيه انتهاك حرمة الله بل إذاية المدعو عليه\rوليس منه أيضا اختيار الإمام عقد الجزية على الأسارى الموجب لاستمرار الكفر في قلوبهم على قتلهم الموجب لمحو الكفر من قلوبهم لأن مقصوده توقع الإسلام منهم أو من ذريتهم إذا بقوا أحياء وعدم سد باب الإيمان منهم ومن ذريتهم بقتلهم\rفحصول الكفر بإبقائهم أحياء وقع بالعرض فهو مشروع مأمور به بل واجب عند تعين مقتضيه ويثاب عليه الإمام الفاعل بخلاف الدعاء بسوء الخاتمة فإنه منهي عنه ويأثم قائله وإن لم يكفر بذلك\rقال والانتهاك الخاص المميز للكفر عن الكبائر والصغائر إنما يتبين خصوصه ببيان أقسام الجهل بالله تعالى وبيان ما يتعلق بالجرأة على الله تعالى فأما أقسام الجهل فعشرة\rأحدها\rما لم نؤمر بإزالته أصلا ولم نؤاخذ ببقائه لأنه لازم لنا لا يمكن الانفكاك عنه وهو جلال الله تعالى وصفاته التي لم تدل عليها الصنعة ولم يقدر العبد على تحصيله بالنظر فعفا عنه لعجزنا عنه وإليه الإشارة بقوله {صلى الله عليه وسلم} لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقول الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك\rوثانيها ما أجمع المسلمون على أنه كفر قال القاضي عياض في\r","part":4,"page":300},{"id":1531,"text":"كتاب الشفاء انعقد الإجماع على تكفير من جحد أن الله تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة ولم ينفها كفره الطبري وغيره وقيل لا يكفر وإليه رجع الأشعري لأنه لم يصمم على اعتقاد ذلك ويعضده حديث القائل لئن قدر الله علي ليعذبني الحديث وحديث السوداء لما قال لها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أين الله قالت في السماء قال ولو كوشف أكثر الناس على الصفات لم يعلمها\rقال الأصل فنفي الصفات والجزم بنفيها هو المجمع عليه وليس معناه نفي العلم أو الكلام أو الإرادة ونحو ذلك بل العالم والمتكلم والمريد فالمجمع على كفره هو من نفى أصل المعنى وحكمه وهذا هو مذهب جمع كثير من الفلاسفة والدهرية دون أرباب الشرائع\rوالثالث ما اختلف في التكفير\rبه وهو من أثبت الأحكام دون الصفات فقال إن الله تعالى عالم بغير علم ومتكلم بغير كلام ومريد بغير إرادة وحي بغير حياة وهكذا بقية الصفات وهذا هو حقيقة مذهب المعتزلة وللأشعري ومالك وأبي حنيفة والشافعي والباقلاني في تكفيرهم قولان\rوالرابع ما اختلف أهل الحق فيه هل هو جهل تجب إزالته أم هو حق لا تجب إزالته فعلى القول الأول هو معصية وما رأيت من يكفر به وذلك كالقدم والبقاء فهل يجب أن ينعقد أن الله تعالى باق ببقاء قديم ويعصي من لم يعتقد ذلك أو يجب أن لا يعتقد ذلك بل الله تعالى باق بغير بقاء وقديم بغير قدم واعتقاد خلاف ذلك جهل حرام عكس المذهب الأول والفرق بين البقاء والقدم وغيرهما من الصفات مذكور في كتب أصول الدين\rوالصحيح هنالك أن البقاء والقدم لا وجود لهما في الخارج بخلاف العلم والإرادة وغيرهما\rمن صفات المعاني السبعة\r","part":4,"page":301},{"id":1532,"text":"والخامس جهل يتعلق بالصفات لا بالذات نحو تعلق قدرة الله تعالى بجميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق أو لم يتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب المعتزلة وكتعلق إرادة الله تعالى بتخصيص جميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق أو لم تتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب المعتزلة وللعلماء في تكفيرهم بذلك قولان والصحيح عدم تكفيرهم\rوالسادس جهل يتعلق بالذات لا بصفة من الصفات مع الاعتراف بوجودها كالجهل بسلب الجسمية والجهة والمكان وهو مذهب الحشوية ومذهب أهل الحق استحالة جميع ذلك على الله تعالى وفي تكفير الحشوية بذلك قولان والصحيح عدم التكفير\rوأما سلب الأبوة والبنوة والحلول والاتحاد ونحو ذلك مما هو مستحيل على الله تعالى من هذا القبيل فأجمع المسلمون على تكفير من يجوز ذلك على الله تعالى بخلاف تجويز غيره من المستحيلات كالجهة ونحوها مما تقدم ذكرها والفرق بين القسمين أن القسم الأول الذي هو الجسمية ونحوها فيه عذر عادي فإن الإنسان ينشأ عمره كله وهو لا يدرك موجودا وهو جسم أو قائم بجسم إلا في جهة\rفكان هذا عذرا عند بعض العلماء ولم يضطر الإنسان في مجاري العادات إلى الأبوة والبنوة والحلول والاتحاد ونحوها فكم من موجود في العالم لم يلد ولم يولد كالأملاك والأفلاك والأرض والجبال والبحار فلما انتفت الشبهة الموجبة للضلال انتفى العذر فلذا انعقد الإجماع على التكفير في هذا القسم واختلف في التكفير في القسم الأول\rوالسابع الجهل بقدم الصفات لا بوجودها وتعلقها كقول الكرامية بحدوث الإرادة ونحوها وفي التكفير بذلك أيضا قولان الصحيح عدم التكفير\rوالثامن والتاسع الجهل بما وقع أو يقع من متعلقات الصفات وهو قسمان أحدهما كفر إجماعا وهو المراد هاهنا كجهل الفلاسفة ومن تابعهم بأن الله تعالى أراد بعثة الرسل وأرسلهم لخلقه بالرسائل الربانية وكجهلهم ببعثة الخلائق يوم القيامة وإحيائهم من قبورهم وجزائهم على أعمالهم على التفصيل الوارد في الكتاب والسنة\r","part":4,"page":302},{"id":1533,"text":"وثانيهما ما لا خلاف في أنه ليس بمعصية كالجهل بخلق حيوان في العالم أو إجراء نهر أو إماتة حيوان ونحو ذلك\rنعم قد يكلف الشرع بمعرفة بعض الصور من ذلك لأمر يخص تلك الصورة لا لأن الجهل به في حق الله تعالى منهي عنه\rوالعاشر الجهل بما وقع من متعلقات الصفات وهو تعلقها بإيجاد ما لا مصلحة فيه للخلق هل يجوز هذا على الله تعالى أم لا فأهل الحق يجوزونه وأن يفعل لعباده ما هو الأصلح لهم وأن لا يفعله كل ذلك له تعالى فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل والخلائق دائرون بين فضله وعدله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون\rوالمعتزلة لا يجوزون ذلك ويوجبون عليه تعالى الصلاح والأصلح وفي تكفيرهم بذلك قولان والصحيح عدم تكفيرهم كما تقدم وبتفصيل هذه الأقسام على ما ذكر تبين ما هو كفر منها مما ليس بكفر\rوأما ما يتعلق بالجرأة على الله تعالى فهو المجال الصعب في التحرير لأن مخالفة أمر الملك العظيم في جميع المعاصي صغائرها وكبائرها جرأة عليه كيف كان فتمييز ما هو كفر منها مبيح للدم موجب للخلود في النار مما ليس\rكذلك هو المكان الحرج في التحرير والفتوى فمن هنا استشكل بعض العلماء الفرق بين السجود للشجرة والسجود للوالد بأن الأول كيف يكون كفرا دون الثاني والساجد في الحالين يعتقد ما يجب لله تعالى وما يستحيل وما يجوز عليه وإنما أراد التشريك في السجود وهو يعتقد بذلك التقرب إلى الله تعالى في الحالين وقد قالت عبدة الأوثان ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى\r","part":4,"page":303},{"id":1534,"text":"والقاعدة أن الفرق بين الكفر والكبيرة مع اشتراكهما في المفسدة والنهي والتحريم إنما هو بعظم المفسدة وصغرها ولم يظهر عظمها هنا ولا يمكن أن يقال إن الأمر والنهي عن السجود كان مفسدة وإن أمر به كان مصلحة لأن هذا يلزم منه الدور لأن المفسدة حينئذ تكون تابعة للنهي مع أن النهي يتبع المفسدة فيكون كل واحد منهما تابعا لصاحبه فيلزم الدور بل الحق أن المفسدة يتبعها النهي والنهي يتبعه العقاب وما لا مفسدة فيه لا يكون منهيا عنه ولا معاقبا عليه واستقراء الشرائع يدل على النهي عما فيه\rمفسدة وعدم النهي عما لا مفسدة فيه\rألا ترى أن السرقة لما كان فيها ضياع المال نهى عنها وأن القتل لما كان فيه فوات الحياة نهى عنه وأن الزنا لما كان فيه اختلاط الأنساب نهى عنه وأن الخمر لما كان فيه ذهاب العقول نهى عنه وأن العصير لما كان لا يفسد العقل لم يكن منهيا عنه وأن الخمر إذا صار خلا انتفى عنه فساد العقل فذهب عنه النهي ويدل أيضا على أن المفاسد والمصالح سابقة على الأوامر والنواهي وأن الثواب والعقاب تابع للأوامر والنواهي فما فيه مفسدة ينهى عنه فإذا فعل حصل العقاب وما فيه مصلحة أمر به فإذا فعل حصل الثواب فالثواب والعقاب في الرتبة الثالثة والأمر والنهي في الرتبة الثانية والمفسدة والمصلحة في الرتبة الأولى فلو علل الأمر والنهي بالثواب والعقاب لزم تقدم الشيء على نفسه برتبتين فقول الأغبياء من الطلبة مصلحة هذا الأمر أنه يثاب عليه غلط\rوحيث علمت ذلك فالطريق المحصل للحد الذي يمتاز به أعلى رتب الكبائر من أدنى رتب الكفر هو أن يكثر من حفظ فتاوى المتقدمين المقتدى بهم من العلماء في ذلك\r","part":4,"page":304},{"id":1535,"text":"وينظر ما وقع له من النوازل هل هو من جنس ما أفتوا فيه بالكفر أو من جنس ما أفتوا فيه بعدم الكفر فيلحقه بعد إمعان النظر وجودة الفكر بما هو من جنسه فإن أشكل عليه الأمر أو وقعت المشابهة بين أصلين مختلفين أو لم تكن له أهلية النظر في ذلك لقصوره وجب عليه التوقف ولا يفتي بشيء فهذا هو الضابط لهذا الباب\rويوضحه ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى\rأن السجود للشجرة إنما اقتضى الكفر دون السجود للوالد لأن فيه من المفسدة التي نعلمها ما يقتضي الكفر دون السجود للوالد إذ الشجرة ليست من المقصود بالتعظيم شرعا وقد عبدت مدة بخلاف الوالد فإنه من المقصود بالتعظيم شرعا ولم يعبد مدة وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا له ولم يكن قبلة على أحد القولين بل هو المقصود بالتعظيم بذلك السجود ولم يقل أحد إن الله تعالى أمر هنالك بما نهى عنه من الكفر ولا أنه أباح الكفر لأجل آدم ولا أن في السجود لآدم مفسدة تقتضي كفرا لو فعل من أمر غير ربه فافهم\rالمسألة الثانية قال الأصل اتفق الناس فيما علمت على تكفير إبليس بقضيته مع آدم عليه السلام\rوليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس الأمر كذلك ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته عند الله تعالى وإلا لكان كل حاسد كافرا وليس كذلك ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه من حيث هو عصيان وفسوق وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا وليس كذلك\rوقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء بل ينبغي أن تعلم أن مدرك كفره فيها إنما هو بنسبة الله تعالى إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي كما ظهر ذلك من فحوى قوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من التصرف الرديء والجور والظلم وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فقد كفر لأنه من الجرأة العظيمة\rالمسألة الثالثة\r","part":4,"page":305},{"id":1536,"text":"قال الأصل أطلق المالكية وجماعة معهم الكفر على الساحر وأن السحر كفر ولا\rشك أن هذا قريب من حيث الجملة غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع فيه الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي والسبب في ذلك أنه إذا قيل للفقيه ما هو السحر وما حقيقته حتى يقضى بوجوده على كفر فاعليه يعسر عليه ذلك جدا فإنك إذا قلت له السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفوس شيء واحد وكلها سحر أو بعض هذه الأمور سحر وبعضها ليس بسحر فإن قال الكل سحر يلزمه أن سورة الفاتحة سحر لأنها رقية إجماعا وإن قال بل لكل واحدة من هذه خاصية تختص بها فيقال بين لنا خصوص كل واحدة منها وما به تمتاز وهذا لا يكاد يعرفه أحد من المعترضين للفتيا وأنا طول عمري ما رأيت من يفرق بين هذه الأمور فكيف يفتي أحد بعد هذا بكفر شخص معين أو بمباشرة شيء معين بناء على أن ذلك سحر وهو لا يعرف السحر ما هو ولقد وجد في بعض المدارس عند بعض الطلبة كراسة فيها آيات للمحبة والبغض والتهيج والنزيف وغير ذلك من هذه الأمور التي تسميها المغاربة علم المخلات فأفتوا بكفره وإخراجه من المدرسة بناء على أن هذه الأمور سحر وأن السحر كفر وهذا جهل عظيم وإقدام على شريعة الله بجهل وعلى عباده بالفساد من غير علم فاحذر هذه الخطة الرديئة المهلكة عند الله وستقف في الفرق الذي بعد هذا على الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى\rا ه كلام الأصل وذهب الإمام أبو القاسم بن الشاط إلى عدم صحة قوله بالتباس الكفر بالكبائر قال فإن قوله أن النهي يعتمد المفاسد إن أراد المفاسد بمقتضى الشرع فلا شك أن الكفر أعظم المفاسد وما عداه من المعاصي تتفاوت رتبته على أنه كيف يلتبس بها والكفر أمر اعتقادي والكبائر أعمال\r","part":4,"page":306},{"id":1537,"text":"وليست باعتقاد سواء كانت أعمال قلبية أو بدنية قال وليس الكفر انتهاك حرمة الربوبية إذ لا يصدر عادة ممن يدين بالربوبية بل يتعذر عادة مع العلم بالله تعالى وإنما يكون مع الجهل به تعالى فالكفر إما الجهل بوجود الصانع أو صفاته خاصة عند من لا يصحح الكفر وإما الجهل بالله تعالى أو جحده عند من يصحح الكفر عنادا قال ولا نسلم أن مجرد رمي المصحف في القاذورات كفر بل رميه فيها إن كان مع الجهل فالكفر هو الجهل لا عين رميه وإن كان مع العلم بالله تعالى فإن كان مع التكذيب به هو كفر وإن لم يكن معه فهو معصية غير كفر\rولا أن مجرد السجود للصنم كفر بل إن كان مع اعتقاد كونه إلها فهو كفر وإلا فلا بل يكون معصية إن كان لغير إكراه وجائزا إن كان للإكراه ولا أن مجرد التردد إلى الكنائس في أعيادهم بزي النصارى ومباشرة أحوالهم كفر بل ليس هو بكفر إلا أن يعتقد معتقدهم قال وجحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كفر إن كان جحد بعد علمه فيكون تكذيبا وإلا فهو جهل وذلك الجهل معصية لأنه مطلوب بإزالة مثل هذا الجهل على وجه الوجوب وحينئذ فلا يكفي الاقتصار على اشتراط شهرة ذلك الأمر من الدين بل لا بد مع اشتهار ذلك من وصول ذلك إلى هذا الشخص وعلمه به فيكون إذ ذاك مكذبا لله تعالى ولرسوله فيكون بذلك كافرا أما إذا لم يعلم ذلك الأمر وكان من معالم الدين المشتهرة فهو عاص بترك التسبب إلى علمه ليس بكافر بذلك وما يفيده كلام الشهاب من نقص شرط علم الشخص بذلك الأمر المشتهر ليس بصحيح قال ولا نسلم أن الكبائر والصغائر انتهاك لحرمة الله تعالى وإنما هي جرأة على مخالفة تحمل عليها الأغراض والشهوات\rقال وبناء الشخص الكنائس ليكفر فيها إن كان الاعتقاد رجحان الكفر على الإسلام فهو كفر لا شك فيه وإن كان لكافر إرادة التقرب إليه والتودد له بذلك فهو معصية لا كفر وقتل الشخص نبيا مع\r","part":4,"page":307},{"id":1538,"text":"اعتقاده صحة رسالته ليميت شريعته لا يتأتى فرض كونه كفرا إلا على قول من يجوز الكفر عنادا وإشارة الشخص على من أتى ليسلم على يديه بتأخير الإسلام لا تكون كفرا إلا إن كانت لاعتقاده رجحان الكفر أما إن كانت لكونه لا يريد لهذا الشخص الإسلام لحقد له عليه أو نحو ذلك مما لا يستلزم أن يعتقد المشير رجحان الكفر فلا تكون كفرا قال ويوافق قولنا في مسألة الإشارة بتأخير الإسلام من أنها ليست بكفر من أنه جهة لم يشر بذلك عليه إلا لقصد إثباته لا لاعتقاده رجحان الكفر قول شهاب الدين ولا يندرج في إرادة الكفر الدعاء بسوء الخاتمة على من تعاديه وإن كان فيه إرادة الكفر لأنه ليس مقصودا فيه انتهاك حرمة الله تعالى بل إذاية المدعو عليه\rوقوله وليس منه أيضا اختيار الإمام عقد الجزية على الأسارى الموجب لاستمرار الكفر في قلوبهم على القتل إلى قوله وقع بالعرض فإن معناه أن استبقاء الأسارى وضرب الجزية عليهم لا يتعين أنه إيثار لاستمرار الكفر وإذا لم يتعين أن يكون لذلك لم يكن كفرا وأما ما قاله من أنه مشروع مأمور به عند تعين مقتضيه فنقول كذلك يكون لو تعين المقتضي ومتى يتعين عندنا ونحن لا نعلم ما عاقبة أمر الأسير\rقال وكل واحد من الساجد للشجرة والساجد للوالد إن سجد مع اعتقاد أن المسجود له شريك لله تعالى فهو كفر وإن سجد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما عاريا عن ذلك الاعتقاد فهو معصية لا كفر وإن سجد الساجد للشجرة مع اعتقاد أنه شريك لله تعالى وسجد الساجد للوالد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما فالأول كفر والثاني معصية غير كفر أو كان الأمر بالعكس فبالعكس\rوأما إذا قلنا إن مجرد السجود للشجرة كفر لأنها عبدت مدة ومجرد السجود للوالد ليس بكفر لأنه لم\r","part":4,"page":308},{"id":1539,"text":"يعبد مدة قال ذلك يفتقر إلى توقيف قال ومعنى تبعية الأمر بالمأمور به الواجب مثلا لمصلحته والمراد بها أنه لولا القصد إلى حصول المصلحة ما شرع ومعنى تبعية المصلحة للأوامر والمراد بها أنه لولا شرعية الأمر الباعث على فعل المأمور به ما حصلت فالمأمور به تابع للمصلحة وجوبا والمصلحة تابعة له وجودا وحينئذ فلا غرو أن يكون أحد الشيئين تابعا للآخر من وجه ويكون الآخر تابعا له من وجه آخر كما أن الشجرة تابعة للثمرة وجوبا أي لولا القصد إلى تحصيل الثمرة ما زرعت الشجرة والثمرة تابعة للشجرة وجودا أي لولا زرع الشجرة ما حصلت الثمرة فصح ما قاله الأغبياء من الطلبة من أن الثواب هي المصلحة وهي تابعة وجود الفعل الواجب وفعل الواجب تابع وجوبا بالتحيل المصلحة وبطل ما ادعاه الشهاب من الدور الممتنع وإنما الموجب لتوهمه هو الغفلة عن تغاير جهتي التبعية فانزاح الإشكال والحمد لله ذي المن والأفضال قال وكلام الشهاب في القسم الأول من أقسام الجهل العشرة يقتضي الجزم بأن هناك صفة زائدة على ما دلت عليه الصنعة لكننا لا نعلمها فإن أراد أنا لا نعلمها لا جملة ولا تفصيلا فقد تناقض كلامه فإن مساق كلامه يقتضي الجزم بثبوتها على الجملة وإن كنا لا نعلمها على التفصيل وإن أراد أنا لا نعلمها على التفصيل وإن علمناها على الجملة كان قوله ذلك دعوى لا دليل عليها وقوله عليه السلام لا أحصي إلخ يحتمل أن يريد لا أستطيع المداومة والاستمرار على الثناء عليك للقواطع عن ذلك بكالنوم وشبهه قول الصديق العجز إلخ يحتمل أن يريد أن العجز عن الاطلاع على\rجميع معلومات الله تعالى اطلاع على الفرق بين الرب والمربوب والمالك والمملوك والخالق والمخلوق وذلك هو صريح الإيمان وصحيح الإيقان\r","part":4,"page":309},{"id":1540,"text":"قال وهذا المقام مما اختلف الناس فيه فمنهم من يقتضي كلامه أنه لا صفة وراء ما علمناه ومنهم من يقتضي كلامه أن هناك صفات لا نعلمها ومنهم من يقتضي كلامه الوقف في ذلك وهو الصحيح ويترتب على ذلك أنه لا تكليف بإزالة هذا الجهل ولا مؤاخذة ببقائه كما قال الشهاب قال وفي الاستدلال بالحديثين على ما نقله في القسم الثاني عن شفاء عياض نظر فإنه موضع قطع لا يكفي في مثله الظواهر مع تعين التأويل في الحديثين من جهة أن ظاهر حديث لئن قدر الله علي ليعذبني بنفي أن الله تعالى قادر ويحتمل أن يكون الله تعالى تارة قادرا أو تارة غير قادر وليس ظاهره نفي أنه قادر بقدرة وكذلك ظاهر حديث السوداء أن الله تعالى مستقر في السماء استقرار الأجسام وهذا وإن كان غير مجمع على أنه كفر إلا أنه باطل قطعا لقيام الدليل على ذلك وقد أقرها النبي {صلى الله عليه وسلم} على ذلك فتعين التأويل هنا لأن إقرار النبي {صلى الله عليه وسلم} على الباطل لا يجوز قال وما قاله في القسم الثالث صحيح وكذا ما قاله في القسم الرابع غير أن قوله باق بغير بقاء لم يرد من عبر به ظاهره لما فيه من التناقض بل مراده أن البقاء ليس بصفة ثبوتية وما قاله في القسم الخامس صحيح وكذا ما قاله في السادس إلا أنه كان الأولى له إبدال قوله جهل يتعلق بالذات بقوله جهل بالصفات السلبية وأن يحذف قوله مع الاعتراف بوجودها فإنه في كلامه كالمتناقض مع أن الجهل بسلب الجسمية ليس مذهب الحشوية بل مذهبهم إثبات الجسمية وما في معناها إلا أن يطلق على كل مذهب باطل أنه جهل فذلك له وجه وما قاله في القسم السابع صحيح وكذا ما قاله في الثامن\r","part":4,"page":310},{"id":1541,"text":"لكن إطلاق لفظ الجهل على المذهب الباطل لا على خصوص مذهب الفلاسفة وإلا فمذهبهم الجزم بأن لا بعثة للأجسام والجهل في التاسع إن أراد به الجهل بأن الله تعالى خلق شيئا من الحيوانات الموجودات المعلوم وجودها فذلك كفر لا شك فيه وإن أراد به الجهل بأن الله تعالى خلق حيوانا لا يعلم وجوده فذلك ليس بكفر ولا معصية لأن ذلك ليس براجع إلى الجهل لتعلق صفات الله تعالى به بل بوجود هذا المتعلق وبعض الصور التي قد يكلف الشرع بمعرفتها من ذلك لأمر يخصها إن أراد بها مثل السحر الذي يكفر به فذلك وإلا فلا أدري ما أراد وما قاله في العاشر نقل وترجيح وما قاله فيما يتعلق بالجرأة على الله تعالى\rليس بصحيح فإن التكفير لا يصح إلا بقاطع سمعي وما ذكره ليس كذلك فلا معول عليه ولا مستند فيه فما قاله في المسألة الأولى جوابا عما استشكله بعض العلماء من الفرق بين كون السجود للشجرة كفرا والسجود للوالد ليس بكفر قد تقدم أنه يفتقر إلى توقيف وتقدم ما يدفع الإشكال فلا تغفل وما قاله في المسألة الثانية من لزوم الكفر لكل ممتنع من السجود ولكل حاسد ولكل عاص ليس بصحيح لأنه لا يمنع في العقل أن يجعل الله تعالى حسدا ما وامتناعا وعصيانا ما دون سائر ما هو من جنسه كفرا إذ كون أمر ما كفرا أو غير كفر أمر وضعي وضعه الشارع لذلك فلا مانع من أن يكون كفره لامتناعه أو لحسده وما قاله في مدرك كفر إبليس في قضيته مع آدم هو الظاهر مع احتمال أن يكون كفره لامتناعه أو لحسده أو لهما أو مع ما ذكره من التجوير أو للتجوير خاصة إذ لا مانع من عقل ولا نقل من ذلك وما قاله من الإجماع صحيح لكن لا بما علله به بقوله لأنه من الجرأة العظيمة فإنه ليس بصحيح بل إنما كان ذلك لأنه من الجهل العظيم بجلال الله تعالى وأنه منزه عن التصرف الرديء والجور والظلم وأن ذلك ممتنع في حقه عقلا وسمعا وما قاله في المسألة الثالثة صحيح إن كان ما بنى عليه كلامه صحيحا والله أعلم\r","part":4,"page":311},{"id":1542,"text":"ا ه كلامه ملخصا\rقلت ومراده بما بنى عليه كلامه قوله فإن قال الكل سحر يلزمه أن سورة الفاتحة سحر وقد علمت مما مر عنه أن هذا اللزوم ونحوه ليس بصحيح إذ لا يمتنع عقلا جعل نوع من الرقى سحرا دون ما عداه بل سيصرح الأصل بالفرق الذي بعد هذا بذلك فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم\r277\rالفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو سحر يكفر به وبين ما هو قاعدة ما ليس كذلك\rوهو أن أنواع السحر أربعة\rالأول\rالسيمياء وهو عبارة عما يركب من خواص أرضية كدهن خاص أو مائعات خاصة أو كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة وإدراك الحواس الخمس أو بعضها لحقائق خاصة من المأكولات والمشمومات والمبصرات والملموسات والمسموعات وقد يكون لذلك وجود حقيقي بخلق الله تعالى تلك الأعيان عند تلك المحاولات وقد لا تكون له حقيقة بل تخيل صرف وقد يستولي ذلك على الأوهام حتى يتخيل الوهم مضي السنين المتداولة في الزمن اليسير وتكرر الفصول وتخيل السن وحدوث الأولاد وانقضاء الأعمار في الوقت المتقارب من الساعة ونحوها\rويسلب الفكر الصحيح بالكلية وتصير أحوال الإنسان مع تلك المحاولات كحالات النائم من غير فرق ويختص ذلك كله بمن عمل له وأما من لم يعمل له فلا يجد شيئا من ذلك\rقال سيدي عبد الله العلوي في شرح رشد الغافل وهذا تخييل لا حقيقة له بخلاف ما يقع لبعض الأولياء فإن له حقيقة خرقا للعادة فقد خرج بعضهم لصلاة الجمعة وارتفع لأرض أخرى سكن بها وتزوج وحصلت له عدة أولاد في عدة بطون من امرأة واحدة ثم قدر له الرجوع إلى ذلك البلد فوجدهم ينتظرونه في تلك الجمعة بعينها وقد قرأ بعضهم عشر ختمات في شوط واحد من الطواف قراءة مرتلة والطائف يسمع ذلك والشوط الواحد قدر ما يقرأ فيه ثمن حزب من القرآن وذلك كثير جدا فإن الله تعالى قد يطول الزمان لبعض الناس دون بعض ا ه بلفظه\rالنوع الثاني\r","part":4,"page":312},{"id":1543,"text":"الهيمياء وهي عبارة عما تقدم مضافا للآثار السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها من أحوال الأفلاك\rفيحدث جميع ما تقدم ذكره فخصصوا هذا النوع بهذا الاسم تمييزا بين الحقائق\rالنوع الثالث\rبعض خواص الحقائق أي الذوات من الحيوانات والنباتات وغيرهما المغيرة لأحوال النفوس كأخذ سبعة أحجار فيرجم بها نوع من الكلاب الذي من شأنه أن يعض ما يرمى به من الأحجار فإذا عضها كلها لقطت وطرحت في ماء فمن شرب منه ظهرت فيه آثار عجيبة خاصة نص عليها السحرة وكجمع مشط بتثليث الميم ومشاطة بضم الميم وتخفيف الشين أي ما سقط من الشعر أو الكتان عند المشط ووعاء طلع الذكر من النخل أو نحو ذلك من العقاقير وجعلها في الأنهار والآبار أو زير الماء أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينهما وبين الآثار عند صدق العزم\rالنوع الرابع ما يحدث ضررا مما ليس بمشروع من نحو رقى الجاهلية\rوالهند وغيرهم بل ربما كان كفرا فهذا النوع من الرقى يقال له السحر ولا يقال عليه لفظ الرقى فمتى وقعت أنواع السحر المذكورة بما هو كفر من أحد ثلاثة أمور\rالأول\rاعتقاد كاعتقاد انفراد الكواكب أو بعضها بالربوبية فيقوم الساحر إذا أراد سحر سلطان لبرج الأسد قائلا خاضعا متقربا له ويناديه يا سيداه يا عظيماه أنت الذي إليك تدين الملوك والجبابرة والأسود أسألك أن تذلل لي قلب فلان الجبار\rوالثاني لفظ كالسب المتعلق بمن سبه كفر بالله تعالى والأنبياء والملائكة\r","part":4,"page":313},{"id":1544,"text":"والثالث فعل كإهانة ما أوجب الله تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره كان ذلك السحر كفرا لا مرية فيه ضرورة أنه واقع باعتقاد هو كفر أو بلفظ هو كفر أو بما هو كفر بالفعل كإلقاء شيء من القرآن ولو حرفا بقدر قاله سيدي عبد الله في شرح رشد الغافل ومتى وقعت الأنواع المذكورة بشيء مباح لم يكن ذلك السحر كفرا بل إما محرم إن كان لا يروج ذلك المباح إلا بنحو الزنا واللواط\rوإما مباح إن راج بدون ذلك نعم ويكون كفرا من جهة خارجة كقصد إضراره {صلى الله عليه وسلم} كما في شرح سيدي عبد الله على رشد الغافل نقلا عن ابن زكري في شرح النصيحة والمباح إما فعل كما تقدم في وضع الأحجار في الماء فإنها مباحة وإما قول مع قوة نفس كقول من يسحر الحيات العظام من السحرة موسى بعصاه محمد بفرقانه يا معلم الصغار علمني كيف آخذ الحية والحوية وكانت له قوة نفس يحصل منها مع هذه الكلمات إقبال الحيات إليه وتموت بين يديه ساعة ثم تفيق ثم يعاود ذلك الكلام فيعود حالها كذلك أبدا فإن هذه الكلمات مباحة ليس فيها كفر وقوة نفسه التي جبل عليها ليست من كسبه فلا يكفر بها كما أن الإنسان لا يعصي بما جبلت عليه نفسه من الإصابة بالعين وتأثيرها في قتل الحيوانات\rوغير ذلك وإنما يأثم بتصديه واكتسابه لذلك بما حرم الشرع أذيته أو قتله أما لو تصدى صاحب العين لقتل أهل الحرب أو السباع المهلكة فإنه يكون طائعا لله تعالى بإصابته بالعين التي طبعت عليها نفسه فكذلك هاهنا قال الأصل وأما جمع مشط ومشاق وكور طلع من النخل وجعل الجميع في بئر لسحر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فإن لم يكن مع هذه الأمور الموضوعة في البئر كلمات أخرى أو شيء آخر فهي أمر مباح إلا من جهة ما يترتب عليه فإنه قد يكون كفرا في صورة كما في قصد إضراره {صلى الله عليه وسلم} بذلك\r","part":4,"page":314},{"id":1545,"text":"وقد تقتضي القواعد الشرعية وجوبه في صورة أخرى أو إن كان مع هذه الأمور الموضوعة في البئر كلمات أخرى أو شيء آخر وهو الظاهر نظر فيه هل يقتضي كفرا أو هو مباح مثلها وللسحرة فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرا كما أن لهم ما يقطع بأنه كفر فيجب حينئذ التفصيل بما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله به أو يكون سحرا مشتملا على كفر كما قاله الشافعي رضي الله عنه\rأما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرا كفر فصعب جدا وإن قال ابن عبد السلام والمذهب أن الساحر كافر وقال الطرطوشي في تعليقه قال مالك وأصحابه الساحر كافر يقتل ولا يستتاب سحر مسلما أو ذميا كالزنديق قال محمد إن أظهره قبلت توبته قال أصبغ إن أظهره ولم يتب فقتل فماله لبيت المال وإن استتر فلورثته من المسلمين ولا آمرهم بالصلاة عليه فإن فعلوا فهم أعلم قال وتعلمه وتعليمه عند مالك كفر قال ودليل المالكية قوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي بتعلمه وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ولأنه لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه يقدر على تغيير الأجسام\rوالجزم بذلك كفر أو نقول هو علامة الكفر بإخبار الشرع فلو قال الشارع من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر الداخل وإن لم يكن الدخول كفرا وإن أخبرنا هو أنه مؤمن لم نصدقه قال فهذا معنى قول أصحابنا إن السحر كفر أي دليل الكفر لا أنه كفر في نفسه كأكل الخنزير\r","part":4,"page":315},{"id":1546,"text":"وشرب الخمر والتردد إلى الكنائس في أعياد النصارى فنحكم بكفر فاعله وإن لم تكن هذه الأمور كفرا لا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته كمن أراد أن يتعلم الزمر أو ضرب العود والسحر لا يتم إلا بالكفر كقيامه إذا أراد سحر سلطان لبرج الأسد قائلا خاضعا متقربا له ويناديه يا سيداه يا عظيماه أنت الذي إليك تدين الملوك والجبابرة والأسود أسألك أن تذلل لي قلب فلان الجبار ا ه\rوقال الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه الأحكام قد بينا في كتاب المشكلين أن من أقسام السحر فعل ما يفرق به بين المرء وزوجه ومنه ما يجمع بين المرء وزوجه ويسمى التولة وكلاهما كفر والكل حرام كفر قاله مالك وقال الشافعي السحر معصية إن قتل به الساحر قتل وإن أضر به أدب على قدر الضرر وهذا باطل من وجهين\rأحدهما أنه لم يعلم السحر وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات\rوالثاني أن الله سبحانه وتعالى صرح في كتابه بأنه كفر لأنه تعالى قال واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان أي من السحر وما\rكفر سليمان أي بقول السحر ولكن الشياطين كفروا أي به وبتعليمه وهاروت وماروت يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر وهذا تأكيد للبيان ا ه\r","part":4,"page":316},{"id":1547,"text":"وذلك لأن مسألة إطلاق أن كل ما يسمى سحرا كفر في غاية الإشكال على أصولنا فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة تكفيرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار أو الآبار أو زير الماء أو قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم كما تقدم فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عن ذلك الفعل لأنهم جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء حصول الآثار عند شرب العقاقير لخواص طبائع تلك العقاقير وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم ولا كفر بغير مكتسب وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى\rفهذا خطأ لأنها لا تفعل ذلك ولا ربط الله تعالى ذلك بها وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله تعالى بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب خطأ كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال فإنه خطأ وأما تكفيره بذلك فلا\rوإن اعتقدوا أن الكواكب والشياطين تفعل ذلك بقدرتها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض علماء الشافعية هذا هو مذهب المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى فكما لا تكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء وتفريق بعضهم بأن الكواكب مظنة العبادة فإن انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرا مدفوع بأن تأثير الحيوان في القتل والضر والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغير هذا\r","part":4,"page":317},{"id":1548,"text":"وأما كون المشترى أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين من المنجمين لا صحة له وقد عبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هذا الشائبة مشتركة بين الكواكب وغيرها\rفهو موضع نظر والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى لأن هذا مذهب الصابئة وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها\rوبهذا البحث يظهر ضعف قول الحنفية إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر وإن اعتقد أنه تخيل وتمويه لم يكفر بل ينبغي لهم أن يفصلوا في هذا الإطلاق فإن الشياطين كانت تصنع لسليمان عليه السلام ما يأمرها به من محاريب وتماثيل وغير ذلك فإن اعتقد الساحر أن الله عز وجل سخر له الشياطين بسبب عقاقيره مع خواص نفسه ضعف القول بتكفيره\rوأما قول الأصحاب إنه علامة الكفر فمشكل لأنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك والشرع لا يخبر على خلاف الواقع وإن أرادوا الخاتمة فمشكل أيضا لأنا لا نكفر في الحال بكفر واقع\rفي المآل كما أنا لا نجعل من يعبد الأصنام الآن مؤمنا في الحال بإيمان واقع في المآل بل الأحكام الشرعية تتبع أسبابها وتحققها لا توقعها وإن قطعنا بوقوعها كما أنا نقطع بغروب الشمس وغير ذلك من الأسباب ولا تترتب مسبباتها قبلها وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس وأكل الخنزير وغيره فإنما قضينا بكفره في القضاء دون الفتيا وقد يكون فيما بينه وبين الله تعالى مؤمنا وأما قول مالك إن تعلمه وتعليمه كفر ففي غاية الإشكال فقد قال الطرطوشي وهو من سادات العلماء أنه إذا وقف لبرج الأسد وحكى القضية إلى آخرها فإن هذا سحر فقد تصوره وحكم عليه بأنه سحر فهذا هو تعلمه فكيف يتصور شيئا لم يعلمه وليس الأمر كما قال أنه لا يتصور التعلم إلا بالمباشرة\r","part":4,"page":318},{"id":1549,"text":"كضرب العود بل كتب السحر مملوءة من تعليمه ولا يحتاج إلى ذلك بل هو كتعلم أنواع الكفر الذي لا يكفر به الإنسان كما تقول إن النصارى يعتقدون في عيسى عليه السلام كذا والصابئة معتقدون في النجوم كذا ونتعلم مذاهبهم وما هم عليه على وجه حتى نرد عليهم ذلك فهو قربة لا كفر\rوقد قال بعض العلماء إن كان تعلم السحر ليفرق بينه وبين المعجزات كان ذلك قربة وكذلك نقول إذا عمل السحر بأمر مباح ليفرق به بين المجتمعين على الزنا أو قطع الطريق بالبغضاء والشحناء أو ليقتل جيش الكفر ملكهم به أو ليوقع به المحبة بين الزوجين أو بين جيش الإسلام وملكهم فهذا كله قربة فتأمل هذه المباحث كلها فالموضع مشكل جدا\rوأما قول الطرطوشي إذا قال صاحب الشرع من دخل الدار فهو كافر قضينا بكفره عند دخول الدار فهو فرض محال إذ لا يخبر صاحب الشرع عن إنسان بالكفر إلا إذا كفر وقولهم هو دليل الكفر ممنوع وقولهم لأن صاحب الشرع أخبر بذلك في الكتاب العزيز مسلم إذ لا محال في حمل الآية على ما هو كفر إنما المحال في أنه هل يدخل التخصيص في\r","part":4,"page":319},{"id":1550,"text":"عمومها بالقواعد كما هو الشأن في العمومات وهو ما نقول أو لا يدخل كما يقولون فيلزم التكفير بغير سبب الكفر وهو خلاف القواعد ولا شاهد له في الاعتبار والاستدلال على أن تعلم السحر أو تعلمه لا يكون بالكفر بقوله تعالى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر خبر مبني على أن قوله يعلمون الناس السحر تفسير لقوله كفروا ونحن نمنع أنه تفسير له بل هو إخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر سلمنا أنه تفسير له لكن يتعين حمله على أن ذلك السحر كان مشتملا على الكفر وكانت الشياطين تعتقد موجب تلك الألفاظ كالنصراني إذا علم المسلم دينه فإنه يعتقد موجبه وأما الأصولي إذا علم تلميذه المسلم دين النصراني ليرد عليه ويتأمل فساد قواعده فلا يكفر المعلم ولا المتعلم وهذا التقييد على وفق القواعد وأما جعل التعلم والتعليم مطلقا كفرا فهو خلاف القواعد ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على غور هذه المسألة هذا خلاصة كلام الأصل\rوفي التبصرة قال ابن الغرس قول ابن عبد السلام روى ابن نافع\rعن مالك في المبسوط في المرأة تقر أنها عقدت زوجها عن نفسها أو عن غيرها من النساء أنها تقتل ولا تنكل قال ولو سحر نفسه لم يقتل بذلك يؤخذ منه مع قول مالك فيمن يعقد الرجال عن النساء يعاقب ولا يقتل ا ه أن ليس كل سحر كفرا والله سبحانه وتعالى أعلم\rا ه بتصرف وأيد الإمام أبو القاسم بن الشاط إبقاء وقوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر على عمومها وأن قوله تعالى يعلمون الناس السحر تفسير لقوله كفروا وتسويغ الطرطوشي القول بأنه علامة على الكفر بوجوه\rالوجه الأول\rأن قاعدة أن كون أمر ما كفرا أي أمر كان ليس من الأمور العلية بل هو من الأمور الوضعية الشرعية فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك سواء كان ذلك القول إنشاء أم إخبارا يقتضي صحة قول الطرطوشي إن الشارع لو قال من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر\r","part":4,"page":320},{"id":1551,"text":"الداخل وأن الدخول كفر ويكون ذلك القول إنشاء شريعة أو إخبارا عن إنشاء شرع لا إخبارا عن كفر من لم يكفر حتى يكون محال وصحة قوله أن معنى قول الأصحاب أن السحر كفر أي دليل الكفر إلى قوله وإن تكن هذه الأمور كفرا فهي كأكل الخنزير والتردد إلى الكنائس\rالوجه الثاني\rأن استدلال المالكية بقوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي بتعليمه ظاهر واضح لتعذر حمل قوله فلا تكفر على الكفر بغير التعليم لعدم التئام\rقوله فلا تكفر مع ما قبله على تقدير أن الكفر المنهي عنه غير التعلم فهو من هذه الجهة وبهذه القرينة نص في أن التعلم هو الكفر ولكن يبقى في ذلك أن الآية إخبار عن واقع قبلنا وخطاب عن غيرنا فلا يتم الاستدلال إلا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا وهو المشهور المنصوص في المذهب\rالوجه الثالث أن قوله تعالى يعلمون الناس السحر لا يليق بفصاحة الشارع أنه إخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر بل اللائق بها أنه تفسير لقوله كفرا ولا نسلم بغير حمله حينئذ على أنه كان ذلك السحر مشتملا على الكفر لاحتمال أن يكون تعليمه وتعلمه كفرا وهو الظاهر الذي لا معدل عنه\rالوجه الرابع أن تعلم السحر على وجهين أحدهما ليعرف حقيقته خاصة\rإما لتجنب أو لغير ذلك وهذا ليس بكفر وثانيهما أن يتعلمه قاصدا بتعلمه تحصيل أثره متى احتاج إلى ذلك وهذا هو الذي اقتضى ظاهر الكتاب أنه كفر وحينئذ فقول الشهاب لا يمكن التكفير بجمع العقاقير وغير ذلك من الأفعال صحيح إذا كان ذلك الجمع وسائر تلك الأفعال غير مقصود بها اجتلاب الآثار المطلوبة من ذلك\r","part":4,"page":321},{"id":1552,"text":"وأما إذا كانت مقصودا بها ذلك فهو السحر الذي هو كفر بنفسه لتضمنه اعتقاد تأثير هذه الأمور أو دليل الكفر على مذهب المالكية وقول الطرطوشي لا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته إلى قوله أن تذلل لي قلب فلان الجبار يعني أن تعلمه لتحصيل ثمرته لا لغير ذلك من المقاصد وذلك صحيح من جهة اشتراط أهل السحر ذلك بل الجزم بحصول الأثر على ما ذكره الفخر وقوله واحتجوا إلى قوله لم يأثم المالكية تقول بموجبه ولا يلزم مقصود الحنفية فإن ما ذكره الحنفية تعلم الكفر لا لنفسه بل لتصحيح يقتضيه وقول الشهاب إن من قال التعليم والتعلم مطلقا كفر فهو خلاف القواعد صحيح أيضا كقوله إن معلم الكفر ومتعلمه ليرد عليه ليس بكافر قال ابن الشاط وإذا صح أن كون أمر ما كفرا أمر وضعي شرعي وثبت بدليل شرعي أن السحر كفر وأنه علامة الكفر فلا إشكال لأنه يكون حينئذ من شرط المؤمن أن لا يعمل سحرا وعند ذلك يصح إيمانه إما ظاهرا وباطنا إن كان السحر بنفسه كفرا\rوإما ظاهرا فقط إن كان علامة الكفر بحسب الظاهر فسقط قول الشهاب في توجيه الإشكال لأنا نعلم إلى قوله على خلاف الواقع\r","part":4,"page":322},{"id":1553,"text":"قال ولا أعرف ما قالوه من ربط الله تلك الآثار بخواص نفوسهم عند اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى قال وقول الشهاب وإن اعتقدوا أن الكواكب والشياطين تفعل ذلك بقدرتها لا بقدرة الله تعالى إلى قوله فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء إن كان المراد أنها تفعل بقدرتها من غير تعلق قدرة الله تعالى بقدرتها فذلك كفر صريح وإن كان المراد أنها تفعل بقدرتها مباشرة مع تعلق قدرة الله تعالى بقدرتها فهو مذهب المعتزلة قال وقوله وتفريق بعضهم إلى قوله كان كفرا إن كان ذلك لاعتقاد أن الكواكب مستغنية بقدرتها عن قدرة الله تعالى فذلك كفر صريح وليس تأثير الحيوان بمشاهد وإنما المشاهد التأثر لا غير قال وفي قوله وكذلك نقول إذا عمل السحر بأمر مباح نظر إذ لقائل أن يقول إن عمل السحر المقصود به تحصيل أثره على أي وجه كان كفرا أو دليل الكفر بوضع الشارع وهو ظاهر الآية كما سبق وتوهم كونه إذا كان أثره أمرا مباحا التلبس به في الشرع كان عمله مباحا لا دليل عليه هذا ما رده ابن الشاط من كلام الأصل وأما ما عداه فصححه قلت فتحصل أن أقوال أصحابنا في السحر ثلاثة\rالأول\rأنه كفر مطلقا وهو الذي أيده ابن العربي في أحكامه والثاني أنه علامة الكفر مطلقا وهو الذي أيده ابن الشاط وعليهما\rفيقتل إذا عمل ذلك بنفسه وأما من ليس بمباشر عمله ولكن ذهب إلى من يعمله له ففي الموازية يؤدب أدبا شديدا كما في التبصرة\r","part":4,"page":323},{"id":1554,"text":"والثالث أنه كفر إن كان بما هو كفر وغير كفر إن كان بأمر مباح وهو الذي أيده الأصل وفي تعليمه وتعلمه قولان الأول أنهما كفر إن كانا بقصد تحصيل أثره متى احتاج إلى ذلك لا لغير ذلك من المقاصد وهو ما أيده ابن الشاط الثاني أنهما كفر إن كانا بمباشرة ما هو كفر وإلا فقد يكونان قربة وهو ما أيده الأصل وأما القول بأن تعليمه وتعلمه مطلقا كفر فقد علمت اتفاق الأصل وابن الشاط على أنه خلاف القواعد وينبني الخلاف المذكور في السحر على ما حكاه في التبصرة عن ابن الغرس من قوله واختلف السلف هل يجوز أن يسأل الساحر حل السحر عن المسحور أم لا فكره الحسن البصري ذلك لأنه عمل سحر وقال لا يعمل ذلك إلا ساحر ولا يجوز إتيان الساحر لما روي عن ابن مسعود من أتى إلى كاهن أو ساحر فقد كفر بما أنزل على محمد {صلى الله عليه وسلم} وأجازه ابن المسيب لأنه رآه نوعا من العلاج فيخصص بذلك في قوله يعلمون الناس السحر ذكره البخاري وأما ما حكاه فيها من قول ابن الغرس وانظر هل يجوز السحر في الإصلاح بين نفسين كالمرأة تبغي إصلاح زوجها واستئلافه وعلى القول بأن السحر كفر فإنما يراد ما شهد الشرع له بأنه كفر ا ه\rفمبني على ما أيده الأصل فافهم\rمسألة قال ابن فرحون في الطرر لابن عات قال لا يجوز الجعل على حل المربوط والمسحور\rوكذلك لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الرجل لأنه لا تعرف حقيقته ولا يوقف عليه ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه ونسب نقل ذلك إلى الاستغناء لابن عبد الغفور\rا ه بلفظه\rثم اعلم أن السحر من جهة الخلاف في أن له حقيقة وأنه يلتبس بالمعجزة ونحوها من خوارق العادات وأنه يلتبس بتسع حقائق من علوم الشرع التي جمعها سيدي عبد الله العلوي في نظمه رشد الغافل وشرحها وهي أنواعه الأربعة المذكورة والخواص المنسوبة للنفوس والطلسمات والأوفاق والعزائم والاستخدامات يفتقر إلى توضيح جهاته الثلاث المذكورة في ثلاث مقاصد\r","part":4,"page":324},{"id":1555,"text":"المقصد الأول القدرية على أن السحر لا حقيقة له والجمهور على أن له حقيقة واختلف فيه على هذا القول من ثلاث جهات\rالجهة الأولى قال الأصل اختلف الأصوليون في السحر فقال بعضهم لا يكون إلا رقى أجرى الله تعالى عادته أن يخلق عندها افتراق المتحابين ا ه\rيريد وقال بعضهم الآخر إنه كما يكون بالرقى المذكورة كذلك يكون بغيرها وينبني عليه ما حكاه عن الطرطوشي في تعليقه من أنه وقع في الموازية إن قطع أذنا ثم ألصقها أو أدخل السكاكين في بطنه فقد يكون هذا سحرا وقد لا يكون سحرا ا ه\rوعلى القول الثاني كلام الأصل المتقدم وعلى القول الأول ما مر عن ابن العربي من أن حقيقته أنه كلام إلخ\rإلا أنه خصه بالرقى المكفرة فافهم\rالجهة الثانية هل يؤثر في المسحور فيموت أو يتغير طبعه وعادته وإن لم يباشره وهو مذهبنا وبه قال الشافعي وابن حنبل أو يجوز أن يؤثر إن وصل إلى بدنه كالدخان ونحوه وإلا فلا وهو مذهب أبي حنيفة قولان\rالجهة الثالثة هل يقع فيه ما ليس مقدورا للبشر كأن يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم وقلب الجماد حيوانا وعكسه كما يقع فيه ما هو مقدور للبشر أو لا يقع فيه إلا ما هو مقدور للبشر قولان الثاني لجماعة منهم القاضي قال ولا يقع فيه إلا ما هو مقدور للبشر وأجمعت الأمة على أنه لا يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم ومنهم الأستاذ أبو إسحاق قال وقد يقع التغيير به والضني وربما أتلف وأوجب الحب والبغض والبله وفيه أدوية مثل المرائر والأكباد والأدمغة فهذا الذي يجوز عادة وأما طلوع الزرع في الحال أو نقل الأمتعة والقتل على الفور والعمى والصمم ونحوه وعلم الغيب فممتنع وإلا لم يأمن أحد على نفسه عند العداوة وقد وقع القتل والعناد من السحرة ولم يبلغ فيها أحد هذا المبلغ وقد وصل القبط فيه إلى الغاية ولم يتمكن سحرة فرعون من الدفع عن أنفسهم والتغيب والهروب عند قطع فرعون أيديهم وأرجلهم\r","part":4,"page":325},{"id":1556,"text":"ومنهم العلقمي قال كما في العزيزي على الجامع الصغير والحق أن لبعض أسباب السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وفي البدن بالألم والسقم وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانا وعكسه بسحر الساحر ونحو ذلك ا ه\rوحكى ابن الجويني أن أكثر علمائنا جوزوا أن يستدق جسم الساحر حتى يلج في الكوة ويجري على خيط مستدق ويطير في الهواء ويقتل غيره\rوالقول الأول أيده الإمام أبو القاسم بن الشاط بأن جميع ما هو مقدور للبشر وما هو غير مقدور لهم من جملة أفعال الله تعالى الجائزة عقلا فلا غرو أن ينتهي إلى الإحياء والإماتة وغير ذلك اللهم إلا أن يكون هنالك مانع سمعي من وقوع بعض تلك الجائزات\rقال وإجماع الأمة على أنه لا يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم الذي حكاه لا يصح أن يكون مستنده إلا التوقيف ولا أعرف الآن صحة ذلك الإجماع ولا التوقيف الذي استند إليه ذلك الإجماع ا ه\rوقال الأصل ووصوله إلى القتل وتغيير الخلق ونقل الإنسان إلى صورة البهائم هو الصحيح المنقول عنهم وقد كان القبط في أيام ملكة مصر بعد فرعون المسماة بدلوكا وضعوا السحر في البرايا وصوروا فيه عساكر الدنيا فأي عسكر قصدهم وأي شيء فعلوه من قلع الأعين أو ضرب الرقاب تخيل ذلك الجيش أو رجاله أنه وقع بذلك العسكر في موضعه فتحاشيهم العساكر فأقاموا ستمائة سنة والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجيوشه كما حكاه المؤرخون\rوأما الجواب عن سحرة فرعون فمن وجوه\rالأول أنهم تابوا فمنعتهم التوبة والإسلام العودة إلى معاودة الكفر الذي تكون به تلك الآثار ورغبوا فيما عند الله تعالى ولذلك قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون\rالثاني أنه يجوز أنهم لم يكونوا ممن وصلوا لذلك وإنما قصد من\rيقدر من السحرة في ذلك الوقت على قلب العصا حية لأجل موسى عليه السلام\rالثالث\r","part":4,"page":326},{"id":1557,"text":"أنه يجوز أن يكون فرعون قد علمه بعض السحرة حجبا وموانع يبطل بها سحر السحرة اعتناء به والحجب والمبطلات فيه مشتهرة عند أهله قال ودليل أن للسحر حقيقة الكتاب والسنة الإجماع أما الكتاب فقوله تعالى يعلمون الناس السحر وما لا حقيقة له لا يعلم ولا يلزم صدور الكفر عن الملائكة لأنه قرئ الملكين بكسر اللام أو هما ملكان وأذن لهما في تعليم الناس السحر للفرق بين المعجزة والسحر لأن مصلحة الخلق في ذلك الوقت كانت تقتضي ذلك ثم صعدا إلى السماء وقولهما فلا تكفر أي لا تستعمله على وجه الكفر كما يقال خذ المال ولا تفسق به أو يكون معنى قوله عز وجل يعلمون الناس السحر أي ما يصلح للأمرين\rوأما السنة ففي الصحيحين أنه {صلى الله عليه وسلم} سحر فكان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن الحديث وقد سحرت عائشة رضي الله عنها جارية اشترتها وفي الموطإ أن جارية لحفصة زوج النبي {صلى الله عليه وسلم} سحرتها وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت كما في التبصرة وأما الإجماع فقد كان السحر وخبره معلوما للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية ولأن الله عز وجل قادر على خلق ما يشاء عقب كلام مخصوص أو أدوية مخصوصة\rوأما الوجهان اللذان احتجوا بهما\rفالأول قوله تعالى يخيل إليه من\rسحرهم أنها تسعى فهو تخيل لا حقيقة له وجوابه أنه حجة لنا لأنه تعالى أثبت السحر وإنما لم ينهض بالخيال إلى السعي ونحن لا ندعي أن كل سحر ينهض إلى كل المقاصد\rوالثاني أنه لو كانت له حقيقة لأمكن الساحر أن يدعي به النبوة فإنه يأتي بالخوارق على اختلافها وجوابه أن إضلال الله تعالى للخلق ممكن لكن الله تعالى أجرى عادته بضبط مصالحهم فما يسر ذلك على الساحر وكم من ممكن يمنعه الله عز وجل عن الدخول في العالم لأنواع من الحكم مع أننا سنبين بعد إن شاء الله تعالى الفرق بين السحر والمعجزات من وجوه فلا يحصل اللبس والضلال\rا هـ بزيادة ما","part":4,"page":327},{"id":1558,"text":"المقصد الثاني السحر على الجملة نوعان الأول ما هو غير خارق للعوائد والثاني ما هو خارق للعوائد قاله ابن الشاط والنوع الثاني هو ما عرفه المناوي على الجامع الصغير بقوله هو مزاولة النفس الخبيثة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة ا ه\rوأشار بقوله مزاولة النفس الخبيثة إلى ما قاله الإمام فخر الدين بن الخطيب في كتابه الملخص السحر والعين لا يكونان من فاضل ولا يقعان ولا يصحان منه أبدا لأن من شرط السحر الجزم بصدور الأثر وكذلك أكثر الأعمال من شرطها الجزم والفاضل المتبحر في العلوم يرى وقوع ذلك من الممكنات التي يجوز أن توجد وأن لا توجد فلا يصح لفاضل أصلا وأما العين فلا بد فيها من فرط التعظيم للمرئي والنفس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تراه إلى هذه الغاية\rفلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان أو السودان ونحو ذلك من النفوس الجاهلة\rا ه\rلكن قال ابن الشاط وما قاله الفخر يتوقف على الاختبار والتجربة ولا نعلم صحة ذلك من سقمه قال وقول الشهاب في الفرق الواقع في نفس الأمر بين المعجزات في النبوات وبين السحر وأنواعه والطلسمات وغيرها من الحقائق ونحوها أن المعجزة ما خلق الله في العالم عند تحدي الأنبياء بلا سبب في العادة أصلا كفلق البحر وسير الجبال في الهواء فإن الله تعالى لم يجعل في العالم عقارا يفلق البحر أو يسير الجبال في الهواء ونحو ذلك\r","part":4,"page":328},{"id":1559,"text":"وأما السحر وأنواعه والطلسمات ونحوها فهي ما خلق الله في العالم بأسباب في العادة تترتب عليها غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس بل لقليل منهم فهي كالعقاقير التي تعمل منها الكيمياء أي نقل الشيء من حالة إلى حالة أعلى منها كتصيير النحاس ذهبا أو فضة إلا أنهما دون الخلقة الأصلية نعم ما كان فيه الكبريت الأحمر يكون ذهبه وفضته جيدا كالخلقة وقد رئي الكبريت الأحمر في تركة أيرم أبي زيد القيرواني وتركة أبي عمران الفاسي واستدل بذلك على جواز عمل الكيمياء إذا كان المعمول بها لا يتبدل ولا يتغير كما في شرح رشد الغافل للعلوي والحشائش التي يعمل منها النفط الذي يحرق الحصون والصخور والدهن الذي من ادهن به لم يقطع فيه حديد وكالسمندل الحيوان الذي لا تعدو عليه النار ولا يأوي إلا فيها ونحو ذلك من الأمور الغريبة قليلة الوقوع في العالم\rوإذا وجدت أسبابها وجدت على العادة فيها فليس فيها شيء خارق للعادة بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها\rا ه\rمع زيادة إن كان يريد أن جميع ما يحدث عن السحر فهو معتاد وليس فيه ما هو خارق فليس ذلك بصحيح فإن أكثر الأشعرية أو جميعهم يجوزون خرق العادة على يد الساحر إلا أن يقول بالجواز وعدم الوقوع فلا أدري من يعلم ذلك ا ه\rقلت وهذا الخلاف بين الأصل وابن الشاط في أنه هل يجوز أن يكون منه خارق أو لا بل جميع ما يحدث عنه معتاد مبني على الخلاف المار في أنه هل يقع فيه ما ليس مقدورا للبشر كالمقدور لهم أو لا يقع فيه إلا ما هو مقدور لهم وعلى ما لابن الشاط فلا يصلح فارقا ما ذكر عنه أنه فرق واقع في نفس الأمر بل يتعين الفرقان الباقيان في كلامه اللذان قال أنهما باعتبار الظاهر لكن لا كما قال بل باعتبار نفس الأمر\rالفرق الأول\r","part":4,"page":329},{"id":1560,"text":"أن السحر وما يجري مجراه يختص بمن عمل له حتى أن أهل هذه الحرف إذا استدعاهم الملوك والأكابر ليبينوا لهم هذه الأمور على سبيل التفرج يطلبون منهم أن تكتب أسماء كل من يحضر ذلك المجلس فيصنعون صنعهم لمن يسمى لهم فإن حضر غيرهم لا يرى شيئا مما رآه الذين سموا أولا بخلاف المعجزة فإنها تظهر لمن عملت له ولغيره قال العلماء وإليه الإشارة بقوله تعالى ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين أي كل ناظر ينظر إليها على الإطلاق ا ه\rقال ابن الشاط وإنما يظهر ذلك لمن جربه وتكررت منه التجربة وقل من يجربه ا ه\rوالفرق الثاني أن الظاهر من قرائن الأحوال المفيدة للعلم القطعي الضروري المحتفة بالأنبياء عليهم السلام مفقودة في حق غيرهم فتجد النبي عليه الصلاة والسلام أفضل الناس نشأة ومولدا ومزية وخلقا وخلقا وصدقا وأدبا وأمانة وزهادة وإشفاقا ورفقا وبعدا عن الدناءات والكذب والتمويه الله أعلم حيث يجعل رسالته ثم أصحابه يكونون في غاية العلم والنور والبركة والتقوى والديانة ألا ترى أن أصحاب رسول الله كانوا بحارا في العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسيات والعلوم الباطنة والظاهرة حتى يروى أن عليا رضي الله عنه جلس عند ابن عباس رضي الله عنهما يتكلم في الباء من بسم الله من العشاء إلى أن طلع الفجر مع أنهم لم يدرسوا ورقة ولا قرءوا كتابا ولا تفرغوا من الجهاد وقتل الأعداء وإنما كانوا على هذه الحالة ببركته {صلى الله عليه وسلم} حتى قال بعض الأصوليين لو لم يكن لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته\rوكذلك ما علم من فرط صدقه الذي جزم به أولياؤه وأعداؤه وكان يسمى في صغره الأمين إلى غير ذلك مما هو مبسوط في موضعه فما من نبي إلا وله من هذه القرائن الحالية والمقالية العجائب والغرائب بحيث إن من وقف عليها وعرفها من صاحبها جزم بصدقه فيما يدعيه جزما قاطعا وجزم أن هذه الدعوى حق\r","part":4,"page":330},{"id":1561,"text":"ولذلك لما أخبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا بكر بنبوته قال له الصديق صدقت من غير احتياج إلى معجزة خارقة فنزل فيهما قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أي محمد جاء بالصدق وأبو بكر صدق به\rوأما الساحر فعلى العكس من ذلك كله فلا تجده في موضع إلا ممقوتا حقيرا بين الناس ولا نجد أصحابه وأتباعه وأتباع كل مبطل إلا عديمين الطلاوة لا بهجة عليهم بحيث تنفر النفوس منهم ولا فيهم من نوافل الخير والسعادة أثر ا ه\rقال ابن الشاط وما قاله في هذا الفرق صحيح وهو الفرق بين الولي والساحر فكما أن الاتصاف بالصفات المحمودة دون المذمومة فرق بين النبي والساحر كذلك هو الفرق بين الولي وبينه ثم الفرق بين النبي والولي بالتحدي مبني على مذهب من يمنع تحدي الولي بالولاية وأما على مذهب من يجيز تحدي الولي بالولاية فيفرق النبي من الولي بالتحدي بالنبوة ا ه\rوقال العلقمي كما في العزيزي على الجامع الصغير والفرق أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد والكرامة لا تحتاج لذلك بل إنما تقع غالبا اتفاقا وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي أي دعوى الرسالة ا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالمقصد الثالث السحر لما كان اسم جنس عبارة عن اعتقاد ولا يكون إلا كفرا أو قول أو فعل ويكونان تارة كفرا وتارة غير كفر وعما هو خارق للعوائد وغير خارق كما علم مما تقدم عن الأصل وابن الشاط وكانت أنواعه الأربعة المتقدمة والحقائق الخمسة الأخر التي هي من علوم الشر وهي الخواص المنسوبة للنفوس والأوفاق والطلسمات والعزائم والاستخدامات كلها تجري مجراه فيما ذكر تحقق التباسه بهذه الحقائق التسع وافتقرت هذه الحقائق إلى أن تميز عنه إما ببيان الخصوص مطلقا وقد علم مما مر في السيمياء والهيمياء من أنواعه الأربعة وإما ببيان الخصوص من جهة كما في النوعين الباقيين من أنواعه والحقائق الخمسة الأخر المذكورة وهو يفتقر إلى سبعة وصول لبيان الحقائق السبع المذكورة\r","part":4,"page":331},{"id":1562,"text":"الوصل الأول الخواص المنسوبة للحقائق أي الذوات من الحيوانات وغيرها أسرار عظيمة وكثيرة أودعها الله تعالى في أجزاء العالم حتى لا يكاد يعرى شيء عن خاصيته فلا يدخلها فعل البشر بل هي ثابتة كاملة مستقلة بقدرة الله تعالى منها ما هو معلوم على الإطلاق كإرواء الماء وإحراق النار ومنها ما هو مجهول على الإطلاق ومنها ما يعلمه الأفراد من الناس وهذه إما مغيرة لأحوال النفوس وهي التي قدمنا أنها نوع من أنواع السحر وإما مختصة بانفعالات الأمزجة صحة أو سقما كالأغذية والأدوية من الجماد والنبات والحيوان المسطورة في كتب الأطباء والعشابين والطبائعيين وهذه من علم الطب لا من علم السحر قاله الأصل وسلمه ابن الشاط\rالوصل الثاني الرقى ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة وهذه الألفاظ منها ما هو مشروع كالفاتحة والمعوذتين\rوكقوله تعالى ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها تقرأ سبع مرات عند دخول محل لقضاء حاجة ما وكقوله تعالى ولما سكت عن موسى الغضب إلى يرهبون سبع مرات لتعطيف القلوب وتسكين غضب الملوك ومنها ما هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهم لأنه ربما كان كفرا أو محرما ولذلك نهى مالك وغيره عن الرقى بالعجمية وغير المشروع قد يحدث ضررا فيقال له السحر ولا يقال لفظ الرقى عليه كما تقدم قال الأصل وقد نهى علماء العصر عن الرقية التي تكتب في آخر جمعة من شهر رمضان لما فيها من اللفظ الأعجمي ولأنهم يشتغلون بها عن الخطبة ويحصل بها مع ذلك مفاسد ا ه\r","part":4,"page":332},{"id":1563,"text":"وفي الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي وإن كان أصل الدعاء والأذكار غير مشروع كالتي يزعم العلماء أنها مبنية على علم الحروف وهو الذي اعتنى به البوني وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه فهي بدعة حقيقة مركبة فإن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الأول وهو أرسطو طاليس فردوها إلى أوضاع الحروف وجعلوها هي الحاكمة في العالم وربما أشاروا عند العمل بمقتضى تلك الأذكار\rوما قصد بها إلى تحري الأوقات والأحوال الملائمة لطبائع الكواكب ليحصل التأثير عندهم وحيا فحكموا العقول والطبائع كما ترى وتوجهوا شطرها وأعرضوا عن رب العقل والطبائع وإن ظنوا أنهم يقصدونه اعتقادا في استدلالهم بصحة ما انتحلوا على وقوع الأمر وفق ما يقصدونه فإذا توجهوا بالذكر والدعاء المفروض على الفرض المطلوب حصل سواء عليهم أنفعا كان أم ضرا وخيرا كان أم شرا ويبنون على ذلك اعتقاد بلوغ النهاية في إجابة الدعاء أو حصول نوع من كرامات الأولياء كلا ليس طريق ذلك التأثير من مرادهم ولا كرامات الأولياء من نتائج أورادهم فلا تلاقي بين الأرض والسماء ولا مناسبة بين النار والماء وحصول التأثير حسبما قصدوا هو في الأصل من قبيل الفتنة التي اقتضاها في الخلق ذلك تقدير العزيز العليم فالنظر إلى وضع الأسباب والمسببات أحكام وضعها الباري تعالى في النفوس يظهر عندها ما شاء الله من التأثيرات على نحو ما يظهر على المعيون عند الإصابة وعلى المسحور عند عمل السحر بل هو بالسحر أشبه لاستمدادها من أصل واحد وشاهده ما جاء في الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني وفي بعض الروايات أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وشرح هذه المعاني لا يليق بما نحن فيه ا ه\r","part":4,"page":333},{"id":1564,"text":"الوصل الثالث خواص النفوس بمعنى مقتضى الأمزجة والطبائع نوع خاص من الخواص المودعة في العالم فالحيوانات لا تكاد تتفق طبائعها بل نقطع بأنه ولو عظم شبه فرد منها بفرد آخر لا بد من فرق بينهما وذلك أن التباين لما حصل في الصفات على الإطلاق وجب حصوله في الأمزجة على الإطلاق ألا ترى أن نفسا من الأناسي طبعت على الشجاعة إلى الغاية ونفسا على الجبن إلى الغاية ونفسا على الشر إلى الغاية ونفسا على الخير إلى الغاية ونفسا يهلك ما عظمته وهو المسمى بالعين وليس كل أحد يؤذي بالعين وأحوال من يؤذي بها مختلفة فمنهم من يصيد الطير في الهوى ويقلع الشجر العظيم من القرى ومنهم من لا يصل بها إلا إلى\rالتمريض اللطيف ونحوه ونفسا على صحة الحزر بحيث لا يخطئ الغيب عند شيء مخصوص ولا يتأتى له ذلك في غيره فلذلك تجد بعضهم لا يخطئ في علم الرمل أبدا وآخر لا يخطئ في أحكام النجوم أبدا وآخر لا يخطئ في علم الكف أبدا وآخر لا يخطئ في علم السير أبدا لأن نفسه طبعت على ذلك ولم تطبع على غيره فمن توجهت نفسه لطلب الغيب عند ذلك الفعل الخاص أدركته بخاصيتها فقط لا لأن النجوم فيها شيء ولا الكتف ولا الرمل ولا بقيتها بل هي خواص نفوس فقط\rألا ترى أن بعضهم يجد صحة أعماله في ذلك وهو شاب فإذا صار كبيرا فقدها لأن القوة نقصت عن تلك الحدة التي كانت في الشبوبية وقد ذهبت\rقلت ثم إن خواص النفوس على قياس ما تقدم في خواص الحقائق منها ما هو معروف على الإطلاق كخواص النفوس المذكورة ومنها ما هو مجهول على الإطلاق ومنها ما يعلمه من الناس الأفراد قال الأصل كجماعة في الهند إذا وجهوا أنفسهم لقتل شخص انتزعوا قلبه من صدره بالهمة والعزم وقوة النفس فإذا مات وشق صدره لا يوجد فيه قلبه ويجربون بالرمان فيجمعون عليه هممهم فلا توجد فيه حبة\rا ه\rومن حيث إن هذا لا يعلمه إلا الأفراد من الناس قال ابن الشاط وما حكاه عن الهند لا أدري صحته من سقمه ا ه\r","part":4,"page":334},{"id":1565,"text":"قال الشيخ عبد الله العلوي الشنقيطي في شرحه على نظمه رشد الغافل إن مص دماء القلب أو نزع القلب نفسه منه ما يكون عن طبع كما هو من جماعة في الهند إذا وجه أحدهم نفسه لقتل شخص انتزع قلبه من صدره بالهمة والعزم إلى آخر ما قاله الأصل وحكاه عن ابن زكري في شرح النصيحة قال والغالب حصول المص المذكور والنزع عن كسب وهذا كثير في السودان سواء ولد في أرضهم أو في أرضنا وقال قبل وبعض الناس يسمي المص المذكور والنزع بسغنيا بضم السين المهملة وضم الغين المعجمة ونون ساكنة ومثناة تحتية مفتوحة وبعضهم يسميه بالسلالة بفتح السين وتشديد اللام الأولى فألف فلام مخففة فهاء تأنيث ا ه وسيأتي في وصل الأوفاق ما قاله في شفاء من فعل به ذلك فترقب\rقلت وهذا النوع ونحوه من خواص النفوس هو الذي يلتبس به السحر كما لا يخفى قال الأصل وتبعه ابن زكري في شرح النصيحة وخواص النفوس كثيرة لا تعد ولا تحصى وإلى تباين الأخلاق والخلق والسجايا والقوى كما أن المعادن كذلك الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ا ه قال ابن الشاط وما قاله من أن في الحديث الإشارة إلى ما ذكره هو الظاهر منه ويحتمل غير ذلك والله تعالى أعلم ا ه\rالوصل الرابع الأوفاق وتسمى علم الأشكال وعلم الجداول وتسمى الأشكال والجداول بالمثلث والمربع والمخمس ونحوها أي كمسبع السلالة الآتي وهي من الباطل إذا قصد بها إضرار أو نفع من لا يستحق ذلك شرعا مع ما في ذلك من الجرأة على أسماء الله تعالى والتصرف فيها لأغراض دنيوية ولهذا يقول بعضهم بابن البوني وأشكاله\rأما إذا أريد بها غرض لا اعتراض للشرع عليه فلا بأس به كمثلث الغزالي أي مملوء الوسط لتيسير العسير وإخراج المسجون وإيضاع الجنين من الحامل وتيسير الوضع وكل ما هو من هذا المعنى ونسب للغزالي لأنه كان يعتني به كثيرا وإلا فقد قال بعضهم إن هذا المثلث بصورته الآتية يسمى بخاتم أبي سعيد ا ه\r","part":4,"page":335},{"id":1566,"text":"وكمسبع السلالة الآتي لكنهم ينهون عنها ألبتة سدا للذريعة كما في شرح سيدي عبد الله العلوي على نظمه رشد الغافل بتصرف وزيادة قال الأصل والأوفاق ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص\rا ه\rقال ابن الشاط تسامح في قوله أنها ترجع إلخ فإنها ليست كذلك بل هي راجعة إلى المساواة بحسب جمع ما في كل سطر من بيوت مربعاتها وجميع ما في البيوت الواقعة على القطر\rا ه\rوالشكل المخصوص إما مثلث كمثلث بدوح يكتب إذا أريد جلب خير في كاغد أو رق غزال هكذا ومثلث أجهز يكتب إذا أريد دفع شر في كاغد أو رق غزال هكذا ثم يعلق في العنق وكمثلث الكلمتين المذكورتين يكتب إذا أريد كل من جلب الخير ودفع الشر ويرقم في خاناته إما حروف الكلمتين هكذا وإما أعداد كل حرف منهما بحساب الجمل الكبير هكذا\rوضابطه على اصطلاحهم أنك لو جمعت الحروف المفردة في كل خانة من الخانات الثلاث من أي جهة أفقية أو عمودية أو مستطيلة يكون مجموعها واحدا وهو عدد 15 وأن تكون الأرقام المكتوبة في الأركان الأربعة من الخاتم زوجية وتسمى مزدوجات المثلث والأرقام المكتوبة في الخانات الأخرى فردية وتسمى مفردات المثلث قاله بعضهم والخاتم المرقوم في خاناته كل من حروف الكلمتين أو أعدادها هو خاتم أبي حامد الغزالي مملوء الوسط\rقلت وذكر لي بعض الأفاضل أن للغزالي مثلثا أيضا خالي الوسط وبين لي كيفية وضعه وما يبدأ به من خاناته وما يليه وما يختم به برقم واحد على ما يبدأ به واثنين على ما يليه وهكذا إلى ثمانية وأن صورته هكذا وضابطه أنك لو جمعت أعداد الخانات العمودية أو المستطيلة أو الخانتين الأفقية لكان مجموع كل من الخانات والخانتين الأفقية واحدا وهو عدد 66 وإنك تكتب في وسطه الخالي حاجتك التي تريد قضاءها وتبتدئ بعدد 31 وتختم بعدد 35 فافهم\rوإما مربع كمربع بدوح الذي ذكره البوني في شمس المعارف\r","part":4,"page":336},{"id":1567,"text":"الكبرى وأنه يكتب في رق طاهر ويعلق على الشخص لتيسير الفهم والحفظ والحكمة ولتعظيم القدر عند الناس وفي العالم العلوي والسفلي وعلى المسجون لإطلاقه من السجن سريعا وعلى الراية لهزم الأعداء من الكفرة والباغين وما في معنى ذلك بإذن الله تعالى وأنه إما أن يرقم بالأعداد هكذا وإما أن يوضع محل الأعداد حروف هكذا وذكر لكتابته شروطا وإما مخمس وإما مسدس وإما مسبع كمسبع السلالة الذي ذكر الشيخ عبد الله العلوي في شرحه على نظمه رشد الغافل أنه يكتب لشفاء من فعل به مص الدم أو نزع القلب المسمى بالسلالة هذه الآيات والجدول المسبع بعدها في ورقتين إحداهما تجعل على النار وتبخر له والأخرى تعلق عليه وصورة كتابة الآيات والجدول هكذا ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون كما يئس الكفار من أصحاب القبور وقد نظم بعضهم ضبطه بقوله وإن ترد لجدول السلالة فخذه بالنظم وع المقالة مجدول مسبع بعد الآيات معمر بذي الحروف بالثبات فج شث ظخز بصدر أول وابدأ بثانيها واختم بأول وانح لذاك النحو حتى تنتهي بيوته فخذ لذا النظم الشهي\rقال الأصل وللأوفاق كتب موضوعة لتعريف كيف توضع حتى تصبر على هذه النسبة من الاستواء وهي كلما كثرت كان وضعها أعسر والضوابط الموضوعة لها حسنة نفيسة لا تتخرم إذا عرفت أعني في صورة الوضع وأما ما ينسب إليها من الآثار فقليلة الوقوع أو عديمته ا ه\rوقال ابن الشاط ما قاله صحيح وتبعه ابن زكري في شرح النصيحة وكذا الشيخ عبد الله العلوي في شرحه على نظمه رشد الغافل إلا أنه قال بعد\r","part":4,"page":337},{"id":1568,"text":"ولشفاء من فعل به المص للدم والنزع للقلب المسمى بالسلالة تكتب هذه الآيات والجدول بعدها إلخ وللمعاصر الفاضل الشيخ محمد حبيب الله من أبيات نظمها في مسبع السلالة قوله هذا سبع لسحر دافع وأنه في بابه لنافع يعرف عند علماء السر مسبع السل مفيد الضر وهو مجرب فقد جربته ونفعه إذ ذاك قد وجدته وكيف لا وهو كلام طيب والعلما في أخذه قد رغبوا وفيه أسماء لمولانا علا يحصل نفعها لمن ذا استعملا ونفعه اشتهر في بلادي وطننا من حاضر وبادي وهو مضاف لكلام الله في خمس آيات على تناهي تناسب الدفع لكل شر لا سيما إن كان شر السحر\rوأفادني أن شيخ أشياخه سيدي محمد الخليفة ابن الشيخ سيدي المختار الكنتي في كتابه الطرائف اعترض قول الأصل أو عديمته بأنه غير صحيح بالتجربة\rقال وأما قوله فقليلة الوقوع فغير بعيد لفقد شرطها في الناس وهو التقوى أما إذا تحقق الشرط فتحقق المشروط ضروري ا ه والله تعالى أعلم\rالوصل الخامس الطلسمات حقيقتها نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهل الطلاسم في جسم من المعادن أو غيرها تحدث بها آثار خاصة ربطت بها في مجاري العادات ولا بد مع ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الأعمال فليس كل النفوس مجبولة على ذلك بل بعض الناس لا تجري الخاصية المذكورة على يده فلا بد في الطلسم من هذه الأربعة الأول الأسماء المخصوصة والثاني تعلقها ببعض أجزاء الفلك\rوالثالث جعلها في جسم من الأجسام\rوالرابع قوة النفس الصالحة لهذه الأعمال قاله الأصل\rوقال ابن الشاط وهي ممنوعة شرعا ثم من اعتقد لها فعلا وتأثيرا فذلك كفر وإلا فعلمها معصية غير كفر إما مطلقا وإما ما يؤدي منها إلى مضرة دون ما يؤدي إلى منفعة والله تعالى أعلم ا ه بلفظه\r","part":4,"page":338},{"id":1569,"text":"الوصل السادس العزائم قال الأصل حقيقتها كلمات وأسماء يزعم أهل هذا العلم أنها تعظمها الملائكة فمتى أقسم عليها بها أطاعت وأجابت وفعلت ما طلب منها فالمعزم يقسم بتلك الأسماء على ذلك الملك فيحضر القبيل من الجان الذي طلبه أو الشخص منهم فيحكم فيه بما يريد وذلك أنهم يزعمون أن سليمان عليه السلام لما أعطاه الله الملك وجد الجان يعبثون ببني آدم ويسخرون بهم في الأسواق ويخطفونهم من الطرقات فسأل الله تعالى أن يولي على كل قبيل من الجان ملكا يضبطهم عن الفساد فولى الله تعالى الملائكة على قبائل الجن فمنعوهم من الفساد ومخالطة الناس وألزمهم سليمان عليه السلام سكنى القفار والخراب من الأرض دون العامر ليسلم الناس من شرهم ويزعمون أيضا أن لكل نوع من الملائكة أسماء أمرت بتعظيمها فإذا عنى القبيل من الجان أو الشخص منهم ذكر المعزم الأسماء التي تعظمها تلك الملائكة ليحضروا له من عنى وأفسد من الجان ليحكم فيه بما يريد ويزعمون أيضا أن هذا الباب إنما دخله الخلل\rمن جهة عدم ضبط تلك الأسماء فإنها أعجمية لا يدرى وزن صيغها وأن كل حرف منها يشك فيه هل هو بالضم أو الفتح أو الكسر وربما أسقط النساخ بعض حروف الاسم من غير علم فيختل العمل فإن المقسم به لفظ آخر لا يعظمه ذلك الملك فلا يجيب فلا يحصل مقصود المعزم قاله الأصل وصححه ابن الشاط إلا أنه قال ولم يذكر حكم العزائم في الشرع وينبغي أن يكون حكمها حكم الرقى إذا تحققت وتحقق أن لا محذور في تلك الألفاظ ا ه فافهم\r","part":4,"page":339},{"id":1570,"text":"الوصل السابع الاستخدامات لروحانيات الكواكب ولملوك الجان حقيقتها كلمات خاصة موضوعة في كتب أهل هذا العلم يزعمون أنها إذا حصلت مع البخور الخاص واللباس الخاص على الذي يباشر البخور ومع الأفعال الخاصة التي استوعبوا في كتبهم اشتراطها كانت روحانية ذلك الكوكب مطيعة له وكذلك يكون كل ملك من ملوك الجان مطيعا له وذلك أنهم يزعمون أن للكواكب إدراكات روحانية فإذا قوبلت الكواكب أو ملوك الجان ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور وربما تقدمت منه أفعال خاصة منها ما هو محرم في الشرع كاللواط ومنها ما هو كفر صريح كالسجود للكواكب أو ملك الجن وكذلك الألفاظ التي يخاطب بها الكواكب أو ملك الجن منها ما هو كفر صريح كندائه بلفظ الآلهية ونحو ذلك ومنها ما هو غير محرم على قدر تلك الكلمات الموضوعة في كتبهم والغالب عليهم الكفر فلا جرم لا يشتغل بهذه الأمور مفلح قاله الأصل وسلمه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rخاتمة أسأل الله حسنها في تبصرة ابن فرحون قال الباجي قد ذكر الناس في أمر العين وجوها أصحها أن يكون الله سبحانه قد أجرى العادة عند تعجب الناظر من أمر ونطقه دون أن يبرك أن يمرض المتعجب منه أو يتلف أو يتغير لأن العائن إذا برك وهو أن يقول بارك الله فيه بطل المعنى الذي يخاف من العين ولم يكن له تأثير فإن لم يبرك أوقع الله ما أجرى به العادة عند ذلك وقد يتلافى ذلك بعد وقوعه بما أمر به النبي {صلى الله عليه وسلم} ا ه\rوقال ابن العربي الباري سبحانه هو الخالق لما في السموات والأرض وليس فيها حركة ولا سكنة ولا كلمة ولا لفظة إلا سبحانه خالقها في العبد وهو مقدرها له هو تعالى رتب أفعاله ورتب أسبابها ورتب العوائد على أسباب\r","part":4,"page":340},{"id":1571,"text":"مثال ذلك العين فإن النفس إذا رأت صورة تستحسنها فغلب ذلك عليها واستولى ذلك على القلب فإن لم تنطق بحرف لم يخلق الله شيئا وإن نطقت بالاستحسان والتعجب من الجمال فقد أجرى الله العادة بأنه إذا خلق النطق بالاستحسان والتعجب مثلا من العائن خلق الله تعالى في بدن المعين المرض والهلكة على قدر ما يريد الله عز وجل فلذلك نهى العائن عن القول والباري تعالى وإن كان قد سبق في حكمه الوجود بذلك فقد سبق من حكمته أن العائن إذا برك سقط حكم فعله ولم يظهر له أثر والباري سبحانه يرد قضاءه بقضائه ومن حكمته أن جعل وضوء العائن يسقط أثر عينه وذلك بخاصة لا يعلمها إلا خالق الخاص والعام وكذلك ما يحدث عند قول الساحر وفعله في جسم المسحور أو ماله وضعه الله تعالى في الأرض\rبمشيئته وحكمته\rومن فصول الشريعة وفضلها وحكمتها البالغة ما وضعه الله تعالى من الرقى من إذهاب الأمراض من الأبدان بها وإبطال سحر الساحر ورد عين العائن عند الاسترقاء بها ودفع كل ضرر بإذن الله تعالى\rوالبارئ تعالى هو الذي خلق الشفاء عند الاسترقاء كما خلق الشفاء من الداء عند استعمال الدواء ولا حظ للدواء في ذلك ولا يصح في عقل عاقل أن يكون جماد فاعلا وكما أن الله سبحانه يصرف الأعمال الغريبة داخل البدن بالأدوية كذلك يصرفها خارج البدن بالرقى والتعويذ وقد شاهدنا ذلك والشاهد أقوى من الدليل النظري\rا هـ والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والأربعون والمائتان بين قاعدة قتال البغاة وقاعدة قتال المشركين وكذا بينهم وقتالهم وبين المحاربين وقتالهم\rفيفرق بينهم وبين المحاربين بوجهين\rالأول البغاة قال ابن بشير هم الذين يخرجون على الإمام يبغون خلعه أو منع الدخول في طاعته ومنع حق واجب بتأويل في ذلك كله وقاله الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم قال الأصل وما علمت في ذلك خلافا\rا ه","part":4,"page":341},{"id":1572,"text":"والمحاربون جمع محارب وهو كما في خليل وأقرب المسالك قاطع الطريق لمنع سلوك أو آخذ مال محترم ولو لم يبلغ نصابا والبضع أحرى على وجه يتعذر معه الغوث أو مذهب عقل ولو انفرد ولو ببلد كمسقي نحو سيكران\rلذلك ومخادع مميز لأخذ ما معه بتعذر غوث وداخل زقاق أو دار ليلا أو نهارا لأخذ مال بقتال\rالوجه الثاني\rنقل صاحب الجواهر عن عبد الملك أن البغاة ولوا قاضيا أو أخذوا الزكاة وأقاموا حدا نفذ ذلك كله للضرورة مع التأويل وبه قالت الشافعية ورده ابن القاسم كله لعدم الولاية وليس كذلك المحاربون ويفرق بين قتالهم وقتال المحاربين بخمسة وجوه\rالأول أن المحاربين يقاتلون مدبرين بخلاف البغاة\rالثاني أنه يجوز تعمد قتلهم بخلاف البغاة\rالثالث أنهم يطالبون بما استهلكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها بخلاف البغاة\rالرابع أنه يجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم بخلاف البغاة\rالخامس أن ما أخذوه من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب بخلاف البغاة\rويفرق بين قتالهم وقتال المشركين بأحد عشر وجها الأول أن يقصد بقتالهم ردعهم لا قتلهم بخلاف المشركين\rالثاني أن يكف عن مدبرهم بخلاف المشركين\rالثالث أن لا يجهز على جريحهم بخلاف المشركين\rالرابع أن لا يقتل أسراهم بخلاف المشركين\rالخامس أن لا تغنم أموالهم بخلاف المشركين\rالسادس أن لا تسبى ذراريهم بخلاف المشركين\rالسابع أن لا يستعان على قتالهم بمشرك بخلاف المشركين\rالثامن أن لا ندعهم على مال بخلاف المشركين\rالتاسع أن لا تنصب عليهم الرعادات بخلاف المشركين\rالعاشر أن لا تحرق عليهم المساكن بخلاف المشركين\rالحادي عشر أن لا يقطع شجرهم بخلاف المشركين قاله الأصل وسلمه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو شبهة تدرأ بها الحدود والكفارات وقاعدة ما ليس كذلك\rوهو أن ضابط الشبهة المعتبرة في إسقاط الحدود والكفارات في إفساد صوم رمضان أمران","part":4,"page":342},{"id":1573,"text":"الأمر الأول أن لا تخرج عن شبهات ثلاث\rالأولى الشبهة في الواطئ كاعتقاد أن هذه الأجنبية امرأته أو مملوكته أو نحو ذلك فالاعتقاد الذي هو جهل مركب وغير مطابق يقتضي عدم الحد من حيث إنه معتقد الإباحة وعدم المطابقة في اعتقاده يقتضي الحد فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة\rالثانية الشبهة في الموطوءة كالأمة المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين فما فيها من نصيبه يقتضي عدم الحد وما فيها من ملك غيره يقتضي الحد فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة\rالثالثة الشبهة في الطريق كاختلاف العلماء\rفي إباحة الموطوءة كنكاح المتعة ونحوه فإن قول المحرم يقتضي الحد وقول المبيح يقتضي عدم الحد فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة\rالأمر الثاني تحقق شرطها وهو اعتقاد المقدم مقارنة السبب المبيح وإن أخطأ في حصول السبب وإلى أمثلة ذلك قال مالك في المدونة في كتاب الصيام إذا جامع في رمضان ناسيا فظن أن ذلك يبطل صومه فتعمد الفطر ثانية أو امرأة رأت الطهر في رمضان ليلا فلم تغتسل حتى أصبحت فظنت أنه لا صوم لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت أو مسافر قدم إلى أهله ليلا فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يجزئه وأن له أن يفطر فأفطر أو عبد بعثه سيده في رمضان يرعى غنما له على مسيرة ميلين أو ثلاثة فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة ا ه\rوقال الأصل ونظير هذه الأمثلة في الكفارات في الحدود أن يشرب خمرا يعتقد أنه في الوقت الحاضر خل أو يطأ امرأة أجنبية يعتقد أنها امرأته أو جاريته في الوقت الحاضر وضابط الشبهة التي لا تعتبر في إسقاط الحدود والكفارات في فساد صوم رمضان أيضا أمران الأمر الأول الخروج عن الشبهات الثلاث المذكورة كمن تزوج خامسة أو مبتوتة ثلاثا قبل زوج أو أخته من الرضاع أو النسب أو ذات محرم عامدا عالما بالتحريم أو انتهك حرمة رمضان بالفطر\r","part":4,"page":343},{"id":1574,"text":"الأمر الثاني أن لا يتحقق الشرط المذكور وإلى أمثلته قال ابن القاسم عقب ما تقدم عن مالك في المدونة في كتاب الصيام وما رأيت مالكا يجعل الكفارة في شيء من هذه الوجوه على التأويل إلا امرأة قالت اليوم أحيض وكان يوم حيضها ذلك فأفطرت أول نهارها وحاضت في آخره والذي يقول اليوم يوم جمادى فيأكل في رمضان متعمدا في أول النهار ولم يمرض في آخره مرضا لا يقدر على الصوم معه فقال عليهما القضاء والكفارة ا ه\rوقال الأصل ونظير الحائض والمريض في الكفارات في الحدود أن يشرب خمرا يعتقد أنه سيصير خلا أو يطأ امرأة يعتقد أنه سيتزوجها فإن الحد لا يسقط لعدم اعتقاد مقارنة العلم لسببه\rقال ووجه الفرق بين هذه المسائل وبين مسائل تحقق الشرط المتقدمة أن تلك اعتقد فيها المقدم عليها اقتران السبب المبيح فأوقعت الإباحة فيها قبل سببها فالمقدم في هاته مصيب من حيث إن كلا من المرض والحيض وصيرورة الخمر خلا والعقد على الأجنبية مبيح ومخطئ في التقدم للحكم على سببه والمقدم في تلك مخطئ في حصول السبب مصيب في اعتقاده المقارنة وأنه لم يقصد تقديم الحكم على سببه فعذر بالتأويل الفاسد في تلك ولم يعذر في هاته بالتأويل الفاسد وسر الفرق أن تقدم الحكم على سببه بطلانه مشهور غير\rملتبس في الشريعة فلا صلاة قبل الزوال ولا صوم قبل الهلال ولا عقوبة قبل الجنايات وهو كثير لا يعد ولا يحصى حتى لا يكاد يوجد خلافه ألبتة وما هو مشهور لا يكون اللبس فيه عذرا وأما اشتباه صورة الأسباب المبيحة وتحقيق شروطها ومقاديرها فلا يعلمه إلا فحول الفقهاء وتحقيقه عسير على أكثر الناس\rفكان اللبس فيه عذرا\rقال وحديث ادرءوا الحدود بالشبهات الذي يستدل به الفقهاء على هذه الأحكام وإن لم يصح إلا أن معتمدنا فيها ما قاله بعض الفضلاء من أنه حيث أجمعنا على إقامة الحد كان سالما عن الشبهة وما قصر عن محل الإجماع لا يلحق به عملا بالأصل حتى يدل بدليل على إقامة الحد في صور الشبهات\rا ه\r","part":4,"page":344},{"id":1575,"text":"وهو حسن هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والأربعون والمائتان بين قاعدة القذف إذا وقع من الزوج الواحد لزوجاته المتعددات يتعدد اللعان بتعددهن قذفهن في مجلس أو مجلسين وبين قاعدة الجماعة يقذفهم الواحد يتحد الحد فيه عندنا\rفإن قام به واحد من الجماعة سقط كل قذف قبله وقاله أبو حنيفة أيضا إلا أنه بناه على أن حد القذف حق لله فصح التداخل فيه وقال الشافعي وأحمد بن حنبل إن قذفهم بكلمات متفرقة فعليه لكل واحد حد أو بكلمة واحدة فقولان عندهما وبنيا ذلك على قولهما إن حد القذف حق لآدمي فيتعدد وعندنا في أن حد القذف حق لله تعالى أم لا قولان حكاهما العبدي واللخمي وغيرهما فكان يلزمنا أن يكون عندنا قولان بالتعدد كما قال الشافعي وابن حنبل بناء على أنه حق لآدمي وبالاتحاد كما قلنا نحن وأبو حنيفة بناء على أنه حق لله تعالى إلا أن حجتنا على الاقتصار على الاتحاد وجوه\rالوجه الأول أن هلال بن أمية العجلاني رمى امرأته بشريك ابن سحماء فقال له النبي {صلى الله عليه وسلم} حد في ظهرك أو تلتعن ولم يقل حدان\rالوجه الثاني أن عمر رضي الله عنه جلد الشهود على المغيرة حدا واحدا مع أن كل واحد منهم قذف المغيرة والمزني بها\rالوجه الثالث أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد حد قذفة عائشة رضي الله عنها ثمانين ثمانين رواه\rأبو داود مع أنهم قذفوا عائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل\rالوجه الرابع\rالقياس على حد الزنا\rالوجه الخامس أن احتجاجهم بالقياس على قذف الزوج لزوجاته الأربع يحتاج للعانات أربع مدفوع بالفرق بينهما بوجوه\rالأول أن اللعان أيمان والأيمان لا تتداخل فلو وجب لجماعة أيمان لم تتداخل بخلاف الحدود\r","part":4,"page":345},{"id":1576,"text":"الثاني أن أحكام اللعان لما تعددت واختلفت وهي توجه الحد على المرأة وانتفاء النسب والميراث وتأبد التحريم ووقوع الفرقة أمكن ثبوت براءة هذه دون هذه بحد أو بغير ذلك من الأحكام فناسب إفراد كل واحدة بلعان لتوقع ثبوت بعض تلك الأحكام في بعض دون الباقي والمقصود بحد القذف واحد وهو التشفي وذلك يحصل بجلد واحد\rوالثالث أن الزوجية مطلوبة للبقاء فناسب التغليظ بالتعدد وليس بين القاذف والمقذوف ما يقتضي ذلك\rالوجه السادس أن احتجاجهم بأن حد القذف حق لآدمي فلا يدخله التداخل كالغصب أو غيره وبأنه لا يسقط بالرجوع فلا يتداخل كالإقرار بالمال مدفوعان بأنه لا يتكرر في الشخص الواحد فلو غلب فيه حق الآدمي لم يتداخل في الشخص الواحد كما لم يتداخل الإتلاف\rالوجه السابع أن قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة لا يقتضي لغة من جهة مقابلة جمع المحصنات بجلد ثمانين أن حد الجماعة يكون حدا واحدا ويحصل التداخل وإن تخيله الطرطوشي من أصحابنا وجماعة من الفقهاء وذلك لأن القاعدة أن مقابلة الجمع بالجمع في اللغة تارة توزع الأفراد على الأفراد كقوله ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فلا يصح إلا التوزيع وأن من كل واحد رهنا يؤمر به وكقولنا الدنانير للورثة وتارة لا يوزع الجمع على الجمع بل يثبت أحد الجمعين لكل فرد من الجمع الآخر نحو الثمانون جلد القذف أو\r","part":4,"page":346},{"id":1577,"text":"جلد القذفة ثمانون وتارة يثبت الجمع للجمع ولا يحكم على الأفراد نحو الحدود للجنايات إذا قصد أن المجموع للمجموع وتارة يرد اللفظ محتملا للتوزيع وعدمه كقوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات فيحتمل أن يكون لكل واحد من المؤمنين عدد جنات بمعنى بساتين داخل الجنة ومنازل ويحتمل أن توزع فيكون لبعضهم جنة الفردوس ولبعض جنة المأوى ولبعضهم أعلى عليين وإذا اختلفت أحوال مقابلة الجمع بالجمع وجب أن يعتقد أنه حقيقة في أحد هذه الأحوال الثلاث لئلا يلزم الاشتراك أو المجاز فيبطل استدلال الطرطوشي وجماعة الفقهاء به على مقابلة الجماعة المقذوفة بحد واحد هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط\rقلت وفي نفسي شيء من قول الأصل وجب أن يعتقد أنه حقيقة إلخ وذلك أنه إن أراد حقيقة في أحد هذه الأحوال الثلاث بلا تعيين لذلك الأحد وإنما يتعين بالقرينة كان هذا عين الاشتراك فلا يصح قوله لئلا يلزم الاشتراك وأنه حقيقة في أحدها مع التعيين كان هذا هو الحقيقة والمجاز فلا يصح قوله أو المجاز نعم قد يقال أراد بالحقيقة الماهية الكلية الصادقة على الأفراد الثلاثة كالإنسان على أفراده فيصح قوله لئلا يلزم إلخ بشقيه ويكون استعماله في واحد من الثلاث حقيقة إن كان من حيث كونه فردا ومجازا إن كان من حيث خصوصه على الصحيح والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدتي الحدود والتعازير\rوهو من عشرة وجوه\r","part":4,"page":347},{"id":1578,"text":"الوجه الأول أن الحد مقدر شرعا والتعزير غير مقدر شرعا بل قد اتفقوا على عدم تحديد أقله واختلفوا في تحديد أكثره فعندنا هو غير محدود بل بحسب الجناية والجاني والمجني عليه وفي تبصرة ابن فرحون قال المازري في بعض الفتاوى وأما تحديد العقوبة فلا سبيل إليه عند أحد من أهل المذهب وقال في المعلم ومذهب مالك رحمه الله تعالى أنه يجيز في العقوبات فوق الحد وقال فيه أيضا ومشهور المذهب أنه يزاد على الحدود وقد أمر مالك بضرب رجل وجد مع صبي قد جرده وضمه إلى صدره فضربه أربعمائة فانتفخ ومات ولم يستعظم مالك ذلك\rا ه المراد قال الأصل لنا وجهان\rالأول إجماع الصحابة فإن معن بن زائدة زور كتابا على عمر رضي الله عنه ونقش خاتما مثل نقش خاتمه فجلده مائة فشفع فيه قوم فقال أذكرتموني الطعن وكنت ناسيا فجلده مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم يخالفه أحد\rفكان ذلك إجماعا وفي التبصرة قال المازري وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا أكثر من الحد أي ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وإلا لورد\rالثاني\rأن الأصل مساواة العقوبات للجنايات قال الأصل وقال أبو حنيفة لا يجاوز به أي بالتعزير أقل الحدود وهو أربعون حد العبد بل ينقص منه سوط وللشافعي في ذلك قولان وفي التبصرة وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وقال أيضا لا يبلغ عشرين وفيها أيضا ولم يزد أحمد بن حنبل في العقوبات على العشرة قال الأصل واحتجوا بما في الصحيحين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لا تجلدوا فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله\rوأجاب أصحابنا عنه بأجوبة منها قال ابن الشاط وأغفله الشهاب وهو أصحها وأقواها إن لفظ الحدود في لفظ الشرع ليس مقصورا على الزنا وشبهه بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناول لكل مأمور به ومنهي عنه فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى والمراد بغير حدود الله في الحديث جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم فافهم\rا ه\r","part":4,"page":348},{"id":1579,"text":"وعبارة المعلم كما في التبصرة وتأول أصحابنا الحديث على أن المراد بقوله في غير حد إلخ أي في غير حق من حقوق الله تعالى وإن لم يكن من المعاصي المقدر حدودها لأن المعاصي كلها من حدود الله تعالى ا ه ومنها أن الحديث مقصور على زمنه عليه الصلاة والسلام لأنه كان يكفي الجاني منه هذا القدر كما في المعلم قال الأصل أي هو محمول على طباع السلف رضي الله عنهم كما قال الحسن إنكم لتأتون أمورا هي في أعينكم أدق من الشعر وإن كنا لنعدها من الموبقات فكان يكفيهم قليل التعزير ثم تتابع الناس في\rالمعاصي حتى زوروا خاتم عمر رضي الله عنه وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور ولم يرد رضي الله عنه نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب\rومنها أنه لا يوافق ظاهر الحديث إلا مذهب أحمد بن حنبل وأما الأحناف والشافعية فإنهم يزيدون على العشر فظاهر الحديث خلاف مذهبهم\rوالوجه الثاني من الفروق أن الحدود واجبة النفوذ والإقامة على الأئمة واختلفوا في التعزير فقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إن كان لحق الله تعالى وجب كالحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب من الملامة والكلام مصلحة أي وإن كان لحق آدمي لم يجب وفي تبصرة ابن فرحون فإن تجرد التعزير عن حق آدمي وانفرد به حق السلطنة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح في العفو والتعزير وله التشفيع فيه روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال اشفعوا إلي ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء قال فلو تعافى الخصمان عن الذنب قبل الترافع إلى ولي الأمر سقط حق الآدمي وفي حق السلطنة والتقويم والأدب وجهان أظهرهما عدم السقوط فله مراعاة الأصلح من الأمرين والأصح أنه لا يسقط التعزير بإسقاط ما وجب بسببه ولو نص على العفو والإسقاط\r","part":4,"page":349},{"id":1580,"text":"ويسقط بإسقاطه ضمنا كما إذا عفا مستحق الحد عن الحد قبل بلوغ الإمام إذ ليس للإمام التعزير والحالة هذه لاندراجه في الحد الساقط وقيل لا يسقط إذ وجوب التعزير المقترن بالحد لمجرد حق السلطنة فلا ينبغي سقوطه\rبإسقاط الحد من الأحكام السلطانية قال فلو كان الخصمان المترافعان والدا وولدا فلا حق للولد في تعزير والده نعم يختص تعزيره لحق السلطنة فلولي الأمر فعل أحد الأمرين وتعزير الولد مشترك بين حقي الوالد والسلطنة\rا ه بلفظه\rوقال الشافعي رحمه الله تعالى هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه أي مطلقا محتجا بوجهين\rالأول\rما في الصحيح أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لم يعزر الأنصاري الذي قاله في حق الزبير في أمر السقي أن كان ابن عمتك يعني فسامحته وجوابه أنه حق لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجاز له تركه بخلاف حق الله تعالى لا يجوز له تركه كقوله تعالى كونوا قوامين بالقسط فإذا قسط فتجب إقامته على أن تلك الكلمات كانت تصدر لجفاء الأعراب لا لقصد السب\rوالثاني أنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج وجوابه أن غير المقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب ونصيب الإنسان في بيت المال غير مقدر وهو واجب\rالوجه الثالث من الفروق أن الحدود وإن جرت على الأصل والقاعدة من اختلاف العقوبات باختلاف الجنايات من جهة أن الشارع جعل حد الزنا مائة وحد القذف ثمانين وحد السرقة القطع وحد الحرابة القتل إلا أنها جرت على خلاف الأصل المذكور في مسائل\rمنها أن الشرع سوى في الحد بين سرقة دينار وسرقة ألف دينار\rومنها أنه سوى في الحد بين شارب قطرة من الخمر وشارب جرة مع اختلاف مفاسدها حدا\rومنها أنه جعل عقوبة الحر والعبد سواء مع أن حرمة الحر أعظم لجلالة مقداره بدليل رجم المحصن دون البكر لعظم مقداره مع أن العبيد إنما ساوت الأحرار في\rالسرقة والحرابة لتعذر التجزئة بخلاف الجلد\rومنها أنه سوى بين الجرح اللطيف الساري للنفس والعظيم في القصاص مع تفاوتهما\r","part":4,"page":350},{"id":1581,"text":"ومنها أنه سوى بين قتل الرجل العالم الصالح التقي الشجاع البطل مع الوضيع\rوأما التعزير فهو على وفق الأصل المذكور أبدا فيختلف دائما باختلاف الجنايات قال ابن فرحون في التبصرة ولا يختص بفعل معين ولا قول معين ونذكر من ذلك بعض ما وردت به السنة فما قال ببعضه أصحابنا وبعضه خارج المذهب\rفمنها أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عزر الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم بالهجر فهجروا خمسين يوما لا يكلمهم أحد وقصتهم مشهورة في الصحاح\rومنها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب صبيغا الذي كان يسأل عن الذاريات وغيرها ويأمر الناس بالتفقه في المشكلات من القرآن ضربا وجيعا ونفاه إلى البصرة أو الكوفة وأمر بهجره فكان لا يكلمه أحد حتى تاب وكتب عامل البلد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبره بتوبته فأذن للناس في كلامه\rومنها أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عزر بالنفي فأمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم وكذلك الصحابة من بعده {صلى الله عليه وسلم}\rومنها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حلق رأس نصر بن الحجاج ونفاه من المدينة لما تشبب النساء به في الأشعار وخشى الفتنة بها\rومنها ما فعله {صلى الله عليه وسلم} بالعرنيين\rومنها أمره {صلى الله عليه وسلم} للمرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها\rومنها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه استشار الصحابة في رجل ينكح كما تنكح المرأة فأشاروا بحرقه في النار فكتب أبو بكر رضي الله عنه بذلك إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه ثم حرقهم عبد الله بن الزبير في خلافته ثم حرقهم هشام بن عبد الملك وهو رأي ابن حبيب من أصحابنا ذكره في مختصر الواضحة\rومنها أن أبا بكر رضي الله عنه حرق جماعة من أهل الردة\rومنها إباحته {صلى الله عليه وسلم} سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده\rومنها أمره {صلى الله عليه وسلم} بكسر دنان الخمر وشق ظروفها\rومنها أمره {صلى الله عليه وسلم} لعبد الله بن عمر رضي الله عنه بتحريق الثوبين المعصفرين\rومنها أمره {صلى الله عليه وسلم} يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر\r","part":4,"page":351},{"id":1582,"text":"الأهلية ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم فدل على جواز الأمرين لأن العقوبة بالكسر لم تكن واجبة\rومنها هدمه {صلى الله عليه وسلم} لمسجد الضرار\rومنها أمره {صلى الله عليه وسلم} بتحريق متاع الذي غل من الغنيمة\rومنها إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من التمر والكسر\rومنها إضعاف الغرم على كاتم الضالة\rومنها أخذه شطر مال مانع الزكاة غرمة من غرامات الرب تبارك وتعالى\rومنها أمره {صلى الله عليه وسلم} لابس خاتم الذهب بطرحه فطرحه فلم يعرض له أحد\rومنها أمره {صلى الله عليه وسلم} بقطع نخيل اليهود إغاظة لهم\rومنها تحريق عمر رضي الله عنه للمكان الذي يباع فيه الخمر\rومنها تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية وصار يحكم في داره ومنها مصادرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عماله بأخذ شطر أموالهم فقسمها بينهم وبين المسلمين\rومنها أنه رضي الله عنه ضرب الذي زور على نقش خاتمه وأخذ شيئا من بيت المال مائة ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة\rومنها أن عمر رضي الله تعالى عنه لما وجد مع السائل من الطعام فوق كفايته وهو يسأل أخذ ما معه وأطعمه إبل الصدقة\rومنها أنه رضي الله تعالى عنه أراق اللبن المغشوش وغير ذلك مما يكثر تعداده وهذه قضايا صحيحة معروفة قال ابن قيم الجوزية وأكثر هذه المسائل شائعة في مذهب أحمد رضي الله تعالى عنه وبعضها شائع في مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ومن قال إن العقوبة المالية منسوخة فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا وليس بمسلم دعواه نسخها كيف وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته {صلى الله عليه وسلم} مبطل لدعوى نسخها والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم إلا أن يقول أحدهم مذهب أصحابنا لا يجوز فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد ا ه\rقال ابن فرحون والتعزير بالمال قال به المالكية ولهم فيه تفصيل ذكرت منه في كتاب الحسبة طرفا فمن ذلك مسائل\rالمسألة الأولى سئل مالك عن اللبن المغشوش أيهراق\r","part":4,"page":352},{"id":1583,"text":"قال لا ولكن أرى أن يتصدق به إذا كان هو الذي غشه وقال في الزعفران والمسك المغشوش مثل ذلك وسواء كان ذلك كثيرا أو قليلا وخالفه ابن القاسم في الكثير فقال يباع المسك والزعفران إلى من لا يغش به ويتصدق بالثمن أدبا للغاش\rالمسألة الثانية أفتى ابن القطان الأندلسي في الملاحم الرديئة النسج بأن تحرق وأفتى ابن عتاب بتقطيعها والصدقة بها خرقا\rالمسألة الثالثة إذا اشترى عامل القراض من يعتق على رب المال عالما بأنه قريبه فإنه إن\rكان موسرا عتق العبد وغرم العامل ثمنه وحصة رب المال من الربح إن كان في المال يوم الشراء ربح وولاؤه لرب المال وذلك لتعديه فيما فعل\rالمسألة الرابعة\rمن وطئ أمة له من محارمه ممن لا يعتق عليه بالملك فإنه يعاقب وتباع عليه وإخراجها عن ملكه كرها من العقوبة بالمال\rالمسألة الخامسة الفاسق إذا آذى جاره ولم ينته تباع عليه الدار وهو عقوبة في المال والبدن\rالمسألة السادسة من مثل بأمته عتقت عليه وذلك عقوبة بالمال ا ه\rالوجه الرابع من الفروق أن الحدود المقدرة لم توجد في الشرع إلا في معصية عملا بالاستقراء بخلاف التعزير فإنه تأديب يتبع المفاسد وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحا لهم مع عدم المعصية قال الأصل ومن هنا يبطل على الشافعي قوله في الحنفي إذا شرب النبيذ ولم يسكر أحده وأقبل شهادته أما حده فللمفسدة الحاصلة من التوسل لإفساد العقل وأما قبول شهادته فلأنه لم يعص بناء على صحة التقليد عنده قال والعقوبات تتبع المفاسد لا المعاصي فلا تنافي بين عقوبته وقبول شهادته\rا ه\rلما علمت من أن هذا إنما هو في التعاذير لا في الحدود ويكون الحق فيه قول مالك أحده ولا أقبل شهادته لأن تقليده في هذه المسألة لأبي حنيفة لا يصح لمنافاتها للقياس الجلي على الخمر ومخالفة النصوص الصحيحة ما أسكر كثيره فقليله حرام فافهم\r","part":4,"page":353},{"id":1584,"text":"الوجه الخامس من الفروق أن الحدود لا تسقط بحال بخلاف التعزير فإنه قد يسقط وإن قلنا بوجوبه قال إمام الحرمين إذا كان الجاني من الصبيان والمكلفين قد جنى جناية حقيرة والعقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردعا والعظيمة التي تؤثر فيه لا تصلح لهذه الجناية سقط تأديبه مطلقا أما العظيمة فلعدم موجبها وأما الحقيرة فلعدم تأثيرها\rا ه\rقال الأصل وهو بحث حسن ما ينبغي أن يخالف فيه\rا ه\rوقال ابن الشاط وبيان ضعف قول إمام الحرمين أن الجناية الحقيرة تسقط عقوبتها بل بطلانه أن قوله العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردعا قول متناف من جهة أنه لا معنى لكون العقوبة صالحة للجناية إلا أنها تؤثر فيها العادة الجارية ردعا فإن كانت بحيث لا تؤثر ردعا فليست بصالحة لها هذا أمر لا خفاء به ولا إشكال والله تعالى أعلم ا ه\rالوجه السادس من الفروق أن التعزير يسقط بالتوبة قال الأصل ما علمت في ذلك خلافا والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة والكفر فإنهما يسقط حدهما بالتوبة إجماعا لقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ولقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا الآية لا يقال قياس نحو الزنا من باقي المفاسد الموجبة للحد على هذا المجمع\rعليه بأن يقال مفسدة الكفر أعظم المفاسد والحرابة أعظم مفسدة من الزنا فإذا أثرت التوبة في سقوط هاتين المفسدتين العظيمتين فلأن تؤثر فيما دونهما من المفاسد بطريق الأولى إذ المؤثر في سقوط الأعلى أولى أن يؤثر في سقوط الأدنى يقوي قول من يقول بسقوط الحدود بالتوبة فكيف يكون مقابل الصحيح لأنا نقول القياس المذكور لا يصح أما بالنسبة للكفر فمن وجوه\rأحدها\rأن سقوط القتال في الكفر يرغب في الإسلام وكونه يبعث على الردة مدفوع بأن الردة قليلة فاعتبر جنس الكفر وغالبه\rو ثانيها أن الكفر يقع للشبهات فيكون فيه عذر عادي ولا يؤثر أحد أن يكفر لهواه بخلاف نحو الزنا فإنه لا يزني أحد مثلا إلا لهواه فناسب التغليظ\r","part":4,"page":354},{"id":1585,"text":"وثالثها أن الكفر لا يتكرر غالبا وجنايات الحدود تتكرر غالبا فلو أسقطناها بالتوبة ذهبت مع تكررها مجانا وتجرأ عليها الناس في اتباع أهويتهم أكثر وأما بالنسبة للحرابة فلأنا لا نسقطها بالتوبة إلا إذا لم تتحقق المفسدة بالقتل أو أخذ المال أما متى قتل قتل إلا أن يعفو الأولياء عن الدم وإذا أخذ المال وجب الغرم وسقط الحد لأنه حد فيه تخيير بخلاف غيره فإنه محتم والمحتم آكد من المخير فيه\rالوجه السابع من الفروق أن التخيير يدخل في التعاذير مطلقا ولا يدخل في الحدود إلا في الحرابة إلا في ثلاثة أنواع منها فقط وتلك الثلاثة\rأحدها ما في قول أقرب المسالك وتعين قتله إن قتل\rوثانيها ما في تبصرة ابن فرحون إن طال أمره وأخذ المال ولم يقتل بحد فقد قال مالك وابن القاسم في الموازية يقتل ولا يختار الإمام فيه غير القتل\rا ه وثالثها ما في التبصرة عن الباجي قال أشهب في الذي أخذ بحضرة ذلك ولم يقتل ولم يأخذ المال هذا الذي قال فيه مالك لو أخذ فيه بأيسر ذلك قال عنه ابن القاسم أحب إلي أن يجلد وينفى ويحبس حيث نفي إليه\rا ه بلفظه\rوالمراد بالتخيير هاهنا الواجب المطلق بمعنى الانتقال من واجب إلى واجب بشرط الاجتهاد المؤدي إلى ما يتحتم في حق الإمام مما أدت إليه المصلحة لا التخيير بمعنى الإباحة المطلقة إذ لا إباحة هاهنا ألبتة ولا التخيير بمعنى الانتقال من واجب إلى واجب بهواه وإرادته كيف خطر له وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء فإن هذا هاهنا فسوق وخلاف الإجماع وذلك أن التخيير في الشريعة لفظ مشترك بين شيئين\rأحدهما الإباحة المطلقة كالتخيير بين أكل الطيبات وتركها\rوثانيهما الواجب المطلق وتحته نوعان\r","part":4,"page":355},{"id":1586,"text":"الأول انتقال من واجب إلى واجب بشرط الاجتهاد ليؤدي إلى ما تعين سببه وأدت المصلحة إليه فيجب عليه فعله ويأثم بتركه كتصرفات الولاة فمتى قلنا الإمام مخير في صرف مال بيت المال أو في أسارى العدو أو المحاربين أو في التعزير كان معناه ما تقدم ذكره والنوع الثاني انتقال من واجب إلى واجب بهواه وإرادته كيف خطر له وله أن يعرض عما شاء ويقبل ما شاء من تلك الواجبات وهذا نوعان أيضا\rالأول تخير متأصل بمعنى انتقال من واجب إلى واجب بهواه أصالة لا عروضا كما في تخيير المكفر في كفارة الحنث بين أنواعها الواجبة بهواه والثاني تخيير جر إليه الحكم بمعنى انتقال من واجب إلى واجب بهواه لا أصالة بل عروضا بحسب ما جر إليه الحكم كما في تخيير الساعي بين أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون في صدقة الإبل فإن الإمام هاهنا يتخير كما يتخير المكفر في كفارة الحنث إلا أن هذا تخيير أدت إليه الأحكام وفي الحنث تخيير متأصل فتأمل هذه التخييرات واحتفظ عليها بهذا التفصيل\rالوجه الثامن من الفروق أن التعزير يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه والجناية ففي تبصرة ابن فرحون قال ابن قيم الجوزية اتفق\rالعلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر وبحسب الجاني في الشر وعدمه\rا ه\rأي وبحسب المجني عليه في الشرف وعدمه وفيها أيضا بعد أن التعاذير تختلف بحسب اختلاف الذنوب وما يعلم من حال المعاقب من جلده وصبره على يسيرها أو ضعفه عن ذلك وانزجاره إذا عوقب بأقلها\rا ه\rوالحدود لا تختلف باختلاف فاعلها\rالوجه التاسع\rمن الفروق أن الحدود لا تختلف باختلاف الأعصار والأمصار فرب تعزير في عصر يكون إكراما في عصر آخر ورب تعزير في بلاد يكون إكراما في بلد آخر كقلع الطيلسان بمصر تعزير وفي الشام إكرام وككشف الرأس عند الأندلس ليس هوانا وبالعراق ومصر هوان\r","part":4,"page":356},{"id":1587,"text":"الوجه العاشر من الفروق أن التعزير يتنوع إلى حق الله تعالى الصرف كالجناية على الصحابة أو الكتاب العزيز ونحو ذلك وإلى حق العبد الصرف كشتم زيد ونحوه والحدود لا يتنوع منها حد بل الكل حق الله تعالى إلا القذف على خلاف فيه قد تقدم أما أنه تارة يكون حقا لله تعالى وتارة يكون حقا لآدمي فلا يوجد ألبتة هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة الإتلاف بالصيال وبين قاعدة الإتلاف بغيره\rمن نحو ترك الغذاء والشراب حتى يموت من حيث عدم الضمان في الصائل والضمان في غيره ومن حيث ترتب الإثم على ترك الطعام والشراب حتى يموت وعدم ترتب الإثم على ترك الدفع للصائل من الآدميين عن نفسه وهو من وجوه أربعة اثنان باعتبار الضمان وعدمه واثنان باعتبار ترتب الإثم وعدم ترتبه\rالوجه الأول من الفروق أن الضمان في غير الصائل لعدم المسقط وعدم الضمان في الصائل لاختصاصه بنوع من إسقاط اعتبار إتلافه بسبب عداه وعدوانه\rالوجه الثاني من الفروق وهو أقربها أن الضمان في غير الصائل لعدم تعارض مفسدتين عليا ودنيا فيه وعدم الضمان في الصائل لأنه\rتعارضت فيه مفسدة أن يفعل أو يمكن من القتل التمكين من المفسدة أخف مفسدة من مباشرة المفسدة نفسها والقاعدة سقوط اعتبار المفسدة الدنيا بدفع المفسدة العليا إذا تعارضتا\rالوجه الثالث\rمن الفروق أن ترك الغذاء والشراب سبب تام في الموت من غير إضافة شيء آخر إليه وترك دفع الصائل سبب في الموت ناقص لا يتم إلا بإضافة فعل الصائل إليه فلذا ترتب الإثم على الأول دون الثاني فافهم\rفإن قلت ما وجه حرمة ترك الغذاء وعدم حرمة ترك الدواء قلت الوجه أن الدواء غير منضبط النفع فإنه قد يفيد وقد لا يفيد ونفع الغذاء ضروري\r","part":4,"page":357},{"id":1588,"text":"الوجه الرابع من الفروق أن المانع من نفسه طعامها وشرابها حتى مات يعد قاتلا لنفسه فلذا ترتب عليه الإثم والساكت عن دفع الصائل من الآدميين عن نفسه لا يعد قاتلا لنفسه فلذا لم يترتب عليه الإثم وسر ذلك أن الدافع لصائل إنسانا كان أو غيره عن معصوم من نفس أو بضع أو مال لا يقصد قتله بل الدفع خاصة وإن أدى إلى القتل إلا أن يعلم أنه لا يندفع إلا بالقتل فيقصد قتله ابتداء لتعينه طريقا إلى الدفع فمن خشي شيئا من ذلك فدفعه عن نفسه بالقتل فهو هدر عندنا لا يضمن حتى الصبي والمجنون وكذلك البهيمة لأنه ناب عن صاحبها في دفعها نعم لو قدر المصول عليه على الهروب من غير مضرة تلحقه تعين ولم يجز له الدفع بالجرح ولذا لا يجوز الدفع بالجرح ابتداء لمن يخش شيئا من ذلك لأنه لم ينب عن غيره في القيام بذلك الإتلاف فإن لم يقدر على الهروب من غير ضرر يلحقه فله الدفع بما قدر عليه قال القاضي أبو بكر أعظم المدفوع النفس وأمره بيده إن شاء أسلم نفسه أو دفع عنها ويختلف الحال ففي زمن الفتنة الصبر أولى تقليلا لها وهو يقصد وحده من غير فتنة عامة فالأمر في ذلك سواء وإن عض الصائل يدك فنزعتها من فيه فقلعت أسنانه ضمنت دية الأسنان لأنها من فعلك وقيل لا تضمن لأنه ألجأك لذلك وإن نظر إلى حرم من كوة لم يجز لك أن تقصد عينه أو غيرها لأنه لا تدفع المعصية بالمعصية وفيه\rالقود إن فعلت ويجب تقدم الإنذار في كل موضع فيه دفع\rومستند ترك الدفع عن النفس وجهان\rالأول\rما في الصحيح عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل\r","part":4,"page":358},{"id":1589,"text":"والثاني قصة ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ثم قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ولم يدفعه عن نفسه لما أراد قتله وعلى ذلك اعتمد عثمان رضي الله عنه على أحد الأقوال ووافقنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في أنه لا يضمن الفحل الصائل والمجنون والصغير وقال أبو حنيفة يباح له الدفع ويضمن واتفقوا على أنه لا يضمن إذا كان آدميا بالغا عاقلا\rلنا وجوه الأول الأصل عدم الضمان الثاني القياس على الآدمي الثالث القياس على الدابة المعروفة بالأذى أنها تقتل ولا تضمن إجماعا ولا يلزمنا إذا غصبه فصال عليه لأنه ضمن هنالك بالغصب لا بالدفع وإلا إذا اضطر له لجوع فأكله فإنه يضمن لأن الجوع القاتل في نفس الجائع لا في نفس الصائل والقتل بالصيال من جهة الصائل وأما ما احتج به الأحناف من الوجوه الثلاثة\rفالأول أن مدرك عدم الضمان إنما يكون هو إذن المالك لا جواز الفعل لأنه لو أذن له في قتل عبده لم يضمن ولو أكله لمجاعة ضمنه وجوابه أن الضمان يتوقف على عدم جواز الفعل بدليل أن العبد إذا صال على محرم لم يضمنه أو صال على العبد سيده فقتله العبد والأب على ابنه فقتله ابنه لا يضمنون لجواز الفعل\rوالثاني أن الآدمي له قصد واختيار فلذلك لم يضمن والبهيمة لا اختيار لها لأنه لو حفر بئرا فطرح إنسان فيها لم يضمنه ولو طرحت بهيمة نفسها فيها ضمنت وجناية العبد تتعلق برقبته وجناية البهيمة لا تتعلق برقبتها وجوابه أن البهيمة لها اختيار اعتبره الشرع لأن الكلب لو استرسل بنفسه لم يؤكل صيده والبعير الشارد يصير حكمه حكم الصيد على أصلهم وإن فتح قفصا فيه طائر فقعد الطائر ساعة ثم طار لا يضمن لأنه طار باختياره\rوأما قولهم في الآدمي لو طرح نفسه في البئر لم يضمن بخلاف البهيمة فيلزمهم أنه لو نصب شبكة فوقعت فيها بهيمة لم يضمنها لأنها لم تختر ذلك وأنه لم يختره\r","part":4,"page":359},{"id":1590,"text":"وأما تعلق الجناية برقبة العبد فتبطل بالعبد الصغير فإنه تتعلق الجناية برقبته مع مساواته للدابة في الضمان\rوالثالث قوله عليه الصلاة والسلام جرح العجماء جبار فلو لم يضمن لم يكن جبارا كالآدمي وجوابه أن الهدر يقتضي عدم الضمان\rمسألة اختلف العلماء في القضاء فيما أفسدته المواشي والدواب على أربعة أقوال\rالقول الأول لمالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما أن الضمان على أرباب البهائم فيما أفسدته إن أرسلت بالليل للرعي كما لو كان صاحبها معها وهو يقدر على منعها فلم يمنعها ولا ضمان عليهم فيما أفسدته إن أرسلت لذلك بالنهار كما لو انفلتت فأتلفت قال في التبصرة والقول بنفي الضمان فيما أفسدته نهارا مقيد بقيدين الأول أن يكون معها راع لا يضيع ولا يفرط الثاني أن لا يكون ذلك إلا في المواضع التي لا يغيب أهلها عنها فإن انتفى قيد منها فربها ضامن لما أفسدت وإذا سقط الضمان عن أرباب المواشي فيما رعته نهارا فضمان ذلك على الراعي إن فرط فإن شذ منها شيء بغير تفريط فلا ضمان\rا ه ملخصا\rالقول الثاني لأبي حنيفة رضي الله عنه أن كل دابة مرسلة فصاحبها لا يضمن ما أفسدته قال الطحاوي وتحقيق مذهبه أنه لا يضمن إذا أرسلها محفوظة فأما إذا لم يرسلها محفوظة فيضمن وعمدة مالك والشافعي وجوه\rالأول قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم الآية والنفش رعي الليل والهمل رعي النهار ووجه الدليل أن داود عليه السلام قضى بتسليم الغنم لأرباب الزرع قبالة زرعهم وقضى سليمان عليه السلام بدفعها لهم ينتفعون بدرها ونسلها وخراجها حتى يخلف الزرع وينبت زرع الآخر قال حفيد ابن رشد في بدايته وهذا الاحتجاج على مذهب من يرى أنا مخاطبون بشرع من قبلنا\rا ه\rالثاني أنه فرط فيضمن كما لو كان حاضرا\r","part":4,"page":360},{"id":1591,"text":"الثالث المرسل عن ابن شهاب أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه فقضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن على أهل الحوائط بالنهار حفظها وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها أي مضمون وجهه أنه بالنهار يمكن التحفظ دون الليل\rالرابع أنكم قد اعتبرتم ذلك في قولكم إن رمت الدابة حصاة كبيرة\rأصابت إنسانا ضمن الراكب بخلاف الصغيرة فإنه لا يمكنه التحفظ منها والتحفظ من الكبير بالتنكيب عنه وقلتم يضمن ما نفحت بيدها لأنه يمكنه ردها بلجامها ولا يضمن ما أفسدت برجلها وذنبها\rوعمدة أبي حنيفة وجوه\rالأول\rقوله عليه السلام جرح العجماء جبار وجوابه أن الجرح عندنا جبار إنما النزاع في غير الجرح واتفقنا على تضمين السائق والراكب والقائد\rالثاني القياس على النهار وما ذكرتموه من الفرق بالحراسة بالنهار باطل لأنه لا فرق بين من حفظ ماله فأتلفه إنسان أو أهمله فأتلفه أنه يضمن في الوجهين وجوابه أن القياس على النهار لا يصح لأنا لا نسلم بطلان الفرق المتقدم بالحراسة بالنهار لأن إتلاف المال هاهنا كمن ترك غلامه يصول فيقتل فإنه لا يضمن لأنه بسبب المالك وأما ما ذكرتموه فليس كذلك\rالثالث القياس على جناية الإنسان على نفسه وماله وجناية ماله عليه وجنايته على مال أهل الحرب أو أهل الحرب عليه وعكسه جناية صاحب البهيمة وجوابه أنه قياس مخالف للآية لأنه بالليل مفرط وبالنهار ليس بمفرط على أن تلك النقوض لا يمكن فيها التضمين لأن أحدا منهم ليس من أهل الضمان وهاهنا أمكن التضمين\rالقول الثالث لليث أن كل دابة مرسلة فصاحبها ضامن وعمدته أنه تعد من المرسل والأصول على أن على المتعدي الضمان وجوابه أن محل كونه تعديا من المرسل إذا لم يتسبب المالك في الإتلاف وإلا فالتعدي من المالك لا من المرسل كما يؤخذ مما تقدم فافهم\r","part":4,"page":361},{"id":1592,"text":"القول الرابع وهو مروي عن عمر رضي الله عنه وجوب الضمان في غير المنفلت ولا ضمان في المنفلت لأنه لا يملك قال في البداية فسبب الخلاف في هذا الباب معارضة الأصل للسمع ومعارضة السماع بعضه لبعض وذلك أن الأصل يعارض قوله عليه السلام جرح العجماء جبار ويعارض أيضا التفرقة التي في حديث البراء\rوكذلك التفرقة التي في حديث البراء تعارض أيضا قوله عليه السلام جرح إلخ\rا ه\rفافهم\rتنبيهان الأول أن قوله تعالى ففهمناها سليمان وإن اقتضى ظاهره أن حكم سليمان عليه السلام كان أقرب للصواب من حكم داود وهو خلاف ما تقتضيه أصول شريعتنا من أن حكم سليمان عليه السلام إيجاب لقيمة مؤجلة ولا يلزم ذلك صاحب الحرث لأن الأصل في القيم الحلول إذا وجبت في الإتلافات ولأنه إحالة على أعيان لا يجوز بيعها وما لا يباع لا يعارض به في القيم فلذا لو وقع حكمه عليه السلام في شرعنا من بعض القضاة ما أمضيناه بخلاف ما لو وقع حكم داود عليه السلام في شرعنا فإننا نمضيه لأن قيمة الزرع يجوز أن يؤخذ فيها غنم لأن صاحبها مفلس مثلا أو غير ذلك وحينئذ فيلزم أحد الأمرين إما أن تكون شريعتنا أتم في المصالح وأكمل الشرائع أو يكون داود عليه السلام فهم دون سليمان عليه السلام وهو خلاف ظاهر الآية إلا أنا إذا قلنا أن اختلاف المصالح في الأزمنة كما اقتضى اعتباره حسن النسخ كذلك يقتضيه هاهنا فيندفع الإشكال وذلك أن المصلحة التي أشار إليها سليمان عليه السلام يجوز أن تكون أتم باعتبار ذلك الزمان بأن تكون مصلحة زمانهم كانت تقتضي أن لا يخرج عين مال الإنسان من يده إما لقلة الأعيان وإما لعدم ضرر الحاجة أو لعدم الزكاة للفقراء بأن تقدم للنار التي تأكل القربان أو لغير ذلك وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتم فيتغير الحكم بتغير المصلحة\r","part":4,"page":362},{"id":1593,"text":"التنبيه الثاني المراد بالشهادة في قوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين العلم لا بمعنى المكافأة كقوله تعالى قد يعلم ما أنتم عليه قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ونحوه لأن السياق ليس سياق تهديد أو ترغيب حتى يكون المراد ذلك بل بمعناه وفائدة ذكره لا التمدح به لأنه تعالى لا يتمدح بالعلم الجزئي بل الفائدة التمدح بأحكام التصرف في ملكه وضبطه وذلك أن هذه\rالقصص إنما وردت لتقرير أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقوله تعالى في صدر السورة حكاية عن الكفار هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون فبسط الله سبحانه القول في هذه القصص ليبين الله تعالى به ليس بدعاء من الرسل وأنه يفضل من شاء من البشر وغيره ولا يخرج شيء عن حكمه ولا يفعل ذلك غفلة بل عن علم وكذلك فهم سليمان دون داود عليهما السلام لم يكن غفلة بل نحن عالمون فهو إشارة إلى ضبط التصرف وإحكامه فكما أن الملك العظيم إذا قال عرضت عن زيد وأنا أعلم بحضوره لم يكن مقصوده التمدح بأعلم بل بإحكام التصرف في ملكه\rكذلك ههنا هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة من البداية والتبصرة والله أعلم\rالفرق الثامن والأربعون والمائتان بين قاعدة ما خرج عن المساواة والمماثلة في القصاص وبين قاعدة ما بقي على المساواة\rوهو أن ما خرج القصاص عن المساواة والمماثلة فيه هو ما يؤدي اشتراط المساواة فيه إلى تعطيل القصاص قطعا أو غالبا وله مثل أحدها أجزاء الأعضاء وسمك اللحم في الجاني إذ لو اشترط التساوي فيها لما حصل القصاص إلا نادرا وثانيها منافع الأعضاء وثالثها العقول ورابعها قلت إذ لو اشترط التساوي في هذه الثلاثة لما حصل القصاص أصلا أو لما حصل إلا نادرا وخامسها قتل الجماعة بالواحد وقطع الأيدي باليد الواحدة إذ لو اشترطت الواحدة لتساوي الأعداء ببعضهم وسقط القصاص وسادسها الحياة اليسيرة كالشيخ الكبير مع الشاب ومنفوذ المقاتل على الخلاف وسابعها تفاوت الصنائع والمهارة فيها\r","part":4,"page":363},{"id":1594,"text":"قلت إذ لو اشترط التساوي في هذين لما حصل القصاص أصلا أو لما حصل إلا نادرا وما بقي القصاص فيه على المساواة والمماثلة هو ما لا يؤدي اشتراط المساواة فيه إلى ذلك كالجراحات في الجسد فيجري على الأصل في القصاص فإن أصله من القص الذي هو المساواة لأن من قص شيئا من شيء بقي بينهما سواء من الجانبين فمن ثم قال السيد الجرجاني في تعريفاته القصاص هو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل ا ه\rوهاهنا ثلاث مسائل\rالمسألة الأولى في قتل الجماعة بالواحد أربعة أقوال للعلماء القول الأول لمالك والشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهم قتلهم به إذا قتلوه عمدا أو تعاونوا على قتله بالحرابة وغيرها حتى يقتل الناظور\rوعمدتهم أمور الأول إجماع الصحابة على قتل عمر سبعة من أهل صنعاء برجل واحد وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به وقتل علي ثلاثة\rوهو كثير ولم يعرف مخالف في ذلك الوقت الثاني أنها عقوبة تجب للواحد على الجماعة كما تجب له على الواحد كحد القذف وتفارق الدية فإنها تتبعض دون القصاص والثالث أن الشركة لو أسقطت القصاص كان ذلك ذريعة للقتل القول الثاني وهو مشهور أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه قتلهم به من حيث الجملة ففي الإقناع وتقتل الجماعة بالواحد إذا كان فعل كل واحد منهم صالحا للقتل به وإلا فلا ما لم يتواطئوا على ذلك أي الفعل ليقتلوه به فعليهم القصاص لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص ولأنه لو لم يشرع في الجماعة بالواحد لبطلت حكمة مشروعيته التي في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة بزيادة من كشاف قناعه\rالقول الثالث لأحمد وجماعة من الصحابة والتابعين أن عليهم الدية القول الرابع للزهري وجماعة يقتل واحد منهم وعلى الباقي حصصهم من الدية لأن كل واحد مكافئ له فلا يستوي إبدال في مبدل منه واحد كما لا تجب ديات ولقوله تعالى الحر بالحر ولقوله تعالى النفس بالنفس ولأن تفاوت الأوصاف يمنع كالحر والعبد فالعدد أولى بالمنع\rالمسألة الثانية\r","part":4,"page":364},{"id":1595,"text":"في قتل مسلم بذمي قولان للأئمة القول الأول لمالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم لا يقتل به لما في البخاري لا يقتل مسلم بكافر القول الثاني لأبي حنيفة يقتل به لعموم قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا وهذا قتل مظلوما فيكون لوليه سلطان وعموم قوله تعالى النفس بالنفس وكذا سائر العمومات والجواب أن ما ذكرنا خاص فيقدم على العمومات على ما تقرر في أصول الفقه\rالمسألة الثالثة في قتل ممسك المقتول للقاتل مع القاتل أو لا بل القاتل وحده قولان للأئمة الأربعة الأول لمالك رحمه الله تعالى للعمومات المتقدمة ولقول عمر المتقدم وللقياس على الممسك للصيد المحرم فإن عليه الجزاء وعلى المكره قلت وبهذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ففي الإقناع وكشاف قناعه وإن أكره مكلف مكلفا على قتل معين فقتله فالقصاص عليهما لأن المكره تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا\rوفيهما أيضا وإن أكره سعد زيدا على أن يكره عمرا على قتل بكر فقتله قتل الثلاثة جزم به في الرعاية الكبرى ومعناه في المنتهى المباشر لمباشرته القتل ظلما والآخران لتسببهما إلى القتل لما يفضي إليه غالبا\rا ه المراد فافهم\rوالثاني للشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة العينين وقاعدة كل اثنين من الجسد كالأذنين ونحوهما\rمن حيث إن في عين الأعور الدية كاملة عندنا وعند أحمد بن حنبل وإن أخذ في الأولى نصف الدية وأما إذا أذهب رجل بضربة سمع الأذن الأخرى ممن لم يسمع بأحد أذنيه مثلا فإنه لا يجب عليه إلا نصف الدية وقال الشافعي وأبو حنيفة لا فرق بين عين الأعور ونحو أذن من لم يسمع بأحد أذنيه في أنه لا يجب في كل منهما إلا نصف الدية\r","part":4,"page":365},{"id":1596,"text":"لنا أن عمر وعثمان وعليا وابن عمر قضوا بذلك من غير مخالف فكان ذلك إجماعا ووجه الفرق أن العين الذاهبة يرجع ضوءها للباقية لأن مجراهما في النور الذي يحصل به الإبصار واحد كما شهد به علم التسريج\rولذلك فإن الصحيح إذا غمض إحدى عينيه اتسع ثقب الأخرى بسبب ما اندفع لها من الأخرى وقوي إبصارها ولا يوجد ذلك في إحدى الأذنين إذا سدت الأخرى أو إحدى اليدين إذا ذهبت الأخرى أو قطعت وكذلك جميع أعضاء الجسد إلا العين لما تقدر من اتحاد المجرى فكانت العين الباقية في معنى العينين فوجب فيها دية كاملة وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام في العين خمسون من الإبل وبقوله عليه السلام في العينين الدية فجوابه حمل الحديثين على العين غير العوراء لأنهما عمومان مطلقان في الأحوال فيقيدان بما ذكرناه من الأدلة وأما احتجاجهم بأن ما ضمن بنصف الدية ومعه نظيره ضمن بنصفها منفردا كالأذن واليد فجوابه الفرق المتقدم بانتقال قوة العين الأولى بخلاف الأذن واليد ولو انتقلت القوة فيهما أيضا التزمناه وأما احتجاجهم بأنه لو صح القول بانتقال النور الباصر لم يجب على الأول نصف الدية لأنه لم يذهب نصف المنفعة فجوابه أنه لا يلزم اطراح الأول إذ لو جنى عليها فاحولتا أو عمشتا أو نقص ضوءهما فإنه يجب عليه العقل لما نقص ولا تنقص الدية عمن جنى ثانيا على قول عندنا وهذا السؤال قوي علينا وكان يلزمنا أن نقلع بعين الأعور عينين اثنين من الجاني\rتفريع\r","part":4,"page":366},{"id":1597,"text":"قال ابن أبي زيد في النوادر فيها أي في عين الأعور ألف وإن أخذ في الأولى ديتها قاله مالك وأصحابه وقال أشهب يسأل عن السمع فإن كان ينتقل فكالعينين وإلا فكاليد وإن أصيب من كل نصف بصرها ثم أصيب باقيهما في ضربة فنصف الدية لأنه ينظر بهما نصف نظرهما فإن أصيب باقي إحداهما فربع الدية فإن أصيب بعد ذلك بقية الأخرى فنصف الدية لأنه أقيم مقام نصف جميع بصره فإن أخذ صحيح نصف دية إحداهما ثم أصيب بنصف الصحيحة فثلث الدية لأنه أذهب من جميع بقية بصره ثلثه وإن أصيب ببقية المصابة فقط فربع الدية فإن ذهب باقيها\rوالصحيحة بضربة فالدية كاملة أو الصحيحة وحدها فثلثا الدية لأنها ثلثا بصره فإن أصيب بقية المصابة فنصف الدية بخلاف لو أصيبت والصحيحة باقية قاله أشهب وقال ابن القاسم ليس فيما يصاب من الصحيحة إذا بقي من الأولى شيء إلا من حساب نصف الدية ا هـ\rالفرق الخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة\rوهو أن أسباب التوارث التامة هي عبارة عن ماهية كل من القرابة والولاء والنكاح بشرط شيء أعني خصوص كون القرابة بنوة مثلا وخصوص كون الولاء علويا وخصوص كون النكاح زوجة أو زوجا وأجزاؤها العامة هي عبارة عن ماهية كل من الثلاثة المذكورة بشرط لا شيء أعني مطلق القرابة من حيث","part":4,"page":367},{"id":1598,"text":"هي مطلق القرابة ومطلق الولاء من حيث هو مطلق الولاء ومطلق النكاح من حيث هو مطلق النكاح وأجزاؤها الخاصة هي عبارة عن ماهية كل من الثلاثة المذكورة لا بشرط شيء أي من إطلاق أو خصوص وهي المشتركات أعني قرابة ما وولاء ما ونكاحا ما وهذه أخص من الأجزاء العامة وأعم من التامة وهي مراد الفرضيين بقولهم إن أسباب التوارث ثلاثة نسب وولاء ونكاح قال ابن الشاط وما توهمه الشهاب من الإشكال في كلامهم هذا ليس كما توهم وبيان ذلك أنهم بين أمرين أحدهما تعبيرهم عن الأسباب بلفظ التنكير وثانيهما التعبير عنها بلفظ التعريف فمن عبر منهم بلفظ التنكير لم يرد كل نسب ولا كل ولاء ولا كل نكاح بل أراد نسبا خاصا وولاء خاصا ونكاحا خاصا ولا نكر في التعبير بلفظ النكرة عن مخصوص فإن اللفظ عليه صادق وله صالح ومن عبر منهم بلفظ التعريف لم يرد أيضا كل نسب ولا كل ولاء ولا كل نكاح بل أراد ما أراده الأول وأحال الأول في تقييد ذلك المطلق على تعيين أصناف الوارثين والوارثات وأحال الثاني في بيان المعهود بالألف واللام على ما أحال عليه الأول وذلك أن أسباب التوارث التامة إجمالا سبعة عشر وتفصيلا ثمانية وعشرون لأن ذكور من ثبت له الميراث عشرة ويتفرعون إلى ثمانية عشر وإناث من ثبت له الميراث سبع ويتفرعن أيضا إلى عشرة نعم ذهب الحنفية إلى توريث ذوي الأرحام وأجزاء الأسباب العامة كلية لا تحقق لها إلا في الذهن قطعا فلا أقسام لها بخصوصها\r","part":4,"page":368},{"id":1599,"text":"فإنما أقسامها ما تحتها من الأسباب التامة وأجزاؤها الخاصة وأقسامهما فافهم قال الأصل والدليل على حصر الأسباب غير التامة في هذه الثلاث أن الأمر العام بين جميع الأسباب إما أن يمكن إبطاله أو لا فإن أمكن إبطاله فهو النكاح لأنه يبطل بالطلاق وإن لم يمكن إبطاله فإما أن يقتضي التوارث من الجانبين غالبا أو لا فإن اقتضى التوارث من الجانبين غالبا فهو القرابة والاحتراز ب غالبا من العمة ونحوها فإنه يرثها ابن أخيها ولا ترثه وإن لم يقتضه إلا من أحد الجانبين فهو الولاء لأنه يرث المولى الأعلى الأسفل ولا يرث الأسفل الأعلى\rا ه\rقال ابن الشاط وما ذكره وإن كان مفيدا للحصر ليس بسديد فإن ما ذكره في النكاح من كونه يمكن إبطاله أجنبي عن كون النكاح سبب الميراث لأنه إنما يكون سببا النكاح الذي لم يلحقه إبطال أما اللاحق به الإبطال فلا يصح أن يكون سببا وما ثبتت سببيته لم ترفع لاستحالة رفع الواقع وما ذكره في القرابة أمر ثان عن كون سبب الإرث ليس مطلق القرابة لأن السببية ثابتة عنه مع عدم اطراده وما ذكر في الولاء وكذلك أمر ثان عن كون سببيته ليست مطلقة والأولى أن يقال إنهم ما حصروها في ثلاثة إلا لكونها أمورا مختلفة ثم لم يوجد سبب الميراث سواها ثم إنها ليست أسبابا على الإطلاق بل مقيدة بتعيين من يرث\rا ه\rبل قال ابن عاصم\rجميعها أركانه ثلاثه مال ومقدار وذو الوراثه قال التسولي أي لا يصح الإرث بالعصمة أو الولاء أو النسب إلا باجتماع هذه الأركان الثلاثة أي معرفة مال متروك عن الميت ومقدار ما يرثه كل وارث ومن يرث ممن لا يرث ومهما اختل واحد منها لم يصح\rا ه\rقال التاودي على العاصمية وبقي عليه أسباب الملك والإسلام خليل ولسيد المعتق بعضه جميع إرثه وفي الزرقاني أن تسميته إرثا مجاز وإنما هو بالملك والظاهر أن الثاني لا يرد بحال لأنه هو الذي عبر عنه الناظم بقوله وبيت مال المسلمين يستقل البيت\rا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\r","part":4,"page":369},{"id":1600,"text":"الفرق الحادي والخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وقاعدة شروطه وموانعه\rوهو أن أسباب التوارث هي الثلاثة المتقدمة أعني القرابة والولاء والنكاح بالمعنى المتقدم بيانه لما تقدم أول الكتاب في الفروق أن ضابط السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه ولو شكا العدم وهذه الحقيقة قد وجدت في هذه الثلاثة الأسباب وأما موانعه\rفغالب الناس على أنها ثلاثة الكفر والقتل والرق وهو الصحيح لما تقدم أيضا من أن ضابط المانع ما يلزم من وجوده أي يقينا العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم كما لا يلزم من الشك في وجوده العدم بل يترتب الثبوت بناء على السبب وهذه الحقيقة قد وجدت في هذه الثلاثة الموانع وأما ما زاده بعضهم على الثلاثة الموانع المذكورة من الشك في أهل السفينة والردم واللعان وجعل الموانع خمسة فلا يصح لأن الشك المذكور إنما منع من الميراث لأنه من فقدان الشرط وهو العلم أو الحكم بتقدم موت المورث وكذلك اللعان ليس بمانع بل هو سبب في فقدان السبب وهو النسب وقد قال الفضلاء إذا اختلفتم في الحقائق فحكموا الحدود\rوقد حكمنا حد المانع المتقدم فلم نجده منطبقا على هذين كما علمت وأما شروطه فذكر الأصل أنها ثلاثة أيضا تقدم موت المورث على الوارث واستقرار حياة الوارث بعده كالجنين والعلم بالقرب والدرجة قال وهذه الثلاثة وإن لم يذكرها أحد من\r","part":4,"page":370},{"id":1601,"text":"الفرضيين في الأسباب التي ذكروها ولا في الموانع التي ذكروها بل أهملوها بالكلية ولم يذكر أحد منهم شروط التوارث قط مع أن له شروطا قطعا كسائر أبواب الفقه فإن كانوا قد تركوها لأنها معلومة ورد عليهم أن أسباب التوارث كذلك فالصواب استيعاب الثلاثة كسائر أبواب الفقه وإن قالوا لا شروط للتوارث بل أسباب وموانع فقط ورد عليهم أن هذه الثلاثة إنما يصدق عليها ضابط الشرط الذي تقدم أول الكتاب في الفروق من أنه ما يلزم من عدمه ولو شكا العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم فبتحكيم الحدود كما تقدم عن الفضلاء يظهر أن هذه الثلاثة شروط للتوارث لا أسباب ولا موانع وذلك لأن العلم بالقرب والدرجة أي التي اجتمعا فيها مثلا احتراز من موت رجل من مضر أو قريش لا يعلم\rله قريب فإن ميراثه لبيت المال مع أن كل قرشي ابن عمه ولا ميراث لبيت المال مع ابن عم لكنه لما فقد شرط إرثه الذي هو العلم بدرجته منه إذ ما من قرشي إلا لعل غيره أقرب منه جعل الميراث لبيت المال دونه فعلم أن هذه الشروط لا يؤثر وجودها إلا في نهوض الأسباب لترتب مسبباتها عليها يلزم من عدمها العدم\rولا يلزم من وجودها من حيث هو وجود ولا عدم بل الوجود إن وقع فهو لوجود الأسباب لا لها وإن وقع العدم عند وجودها فلعدم السبب أو لوجود المانع فهذه حقيقة الشرط قد وجدت في هذه الثلاثة فتكون شروطا\rا ه\rبتهذيب وتعقبه ابن الشاط أولا بأن الصحيح أن شرط الإرث واحد وهو العلم أو الحكم بحياة الوارث بعد موت الموروث وبنسبته ورتبته منه لوجهين\rالأول\r","part":4,"page":371},{"id":1602,"text":"أنه لا حاجة إلى ذكر تقدم موت الموروث وجعله شرطا وحياة الوارث بعده شرطا آخر الثاني أنه لا يصح أن يكون موت الموروث بنفسه قبل موت الوارث شرطا لأمرين أحدهما امتناع توريث من يتعذر العلم فيهما بالتقدم والتأخر وثانيهما صحة التوريث بالتعمير في المفقود وثانيا بأن جعله العلم بالقرب والدرجة التي اجتمعا فيها احتراز من موت رجل إلخ صحيح غير أنه نقضه الحكم بالقرب والدرجة إذا لم يكن ذلك معلوما ولكنه ثبت نسبه عند الحاكم\rا هـ\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثاني والخمسون والمائتان بين قاعدة ما يحرم من البدع وينهى عنه وبين قاعدة ما لا ينهى عنه منها\rوهو مبني على أحد الطريقتين في البدع اللتين في قول الأصل الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام الأول واجب وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا\rوإهماله حرام إجماعا الثاني محرم وهو ما تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشرع كالمكوس والمحدثات من المظالم المنافية لقواعد الشريعة كتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوارث نظرا لكون المنصب كان لأبيه وهو في نفسه ليس بأهل\rالثالث","part":4,"page":372},{"id":1603,"text":"مندوب وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته من الشرع كصلاة التراويح أي الذي عمل بها عمر رضي الله عنه فجمع الناس في المسجد على قارئ واحد في رمضان وقال حين دخل المسجد وهم يصلون نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل فإنه إنما سماها بدعة باعتبار ما وإلا فقيام الإمام بالناس في المسجد في رمضان سنة عمل بها صاحب السنة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وإنما تركها خوفا من الافتراض فلما انقضى زمن الوحي زالت العلة فعاد العمل بها إلى نصابه إلا أن ذلك لم يتأت لأبي بكر رضي الله عنه زمان خلافته لمعارضة ما هو أولى بالنظر فيه وكذلك صدر خلافة عمر رضي الله عنه حتى تأتى النظر فوقع منه لكنه صار في ظاهر الأمر كأنه أمر لم يجر به عمل من تقدمه دائما فسماه بذلك الاسم لأنه أمر على خلاف ما ثبت من السنة كما في الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي قلت وقد جرى على ما عمل عمر رضي الله تعالى عنه من صلاة التراويح بإمام واحد في المسجد عمل الأعصار إلى عصرنا في جميع الأمصار ما عدا مكة والمدينة فإنهما قد ابتدع فيهما شرفهما الله تعالى تعدد الجماعات في صلاة التراويح أسأل الله تعالى أن يوفق أهلها للعمل فيها بالسنة كسائر الأمصار قال الأصل وكإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه أمر الصحابة بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور فتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح وقد كان عمر يأكل خبز الشعير والملح ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه","part":4,"page":373},{"id":1604,"text":"وتجاسروا عليه بالمخالفة فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النظام ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية قد اتخذ الحجاب وأرخى الحجاب واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية وسلك ما يسلكه الملوك فسأله عن ذلك فقال إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا فقال له لا آمرك ولا أنهاك ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والقرون والأحوال فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما وربما وجبت في بعض الأحوال\rالرابع\rمكروه وهو ما تناولته قواعد الكراهة وأدلتها من الشرع كتخصيص الأيام الفاضلة وغيرها بنوع من العبادات لنهيه {صلى الله عليه وسلم} عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام كما في صحيح مسلم وغيره وكالزيادة في المندوبات المحدودات بأن يجعل التسبيح عقيب الصلوات مائة والوارد فيه ثلاثة وثلاثون والصاع الواحد الوارد في زكاة الفطر عشرة آصع بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وهو قلة أدب معه لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئا وقف عنده وعد الخروج عنه قلة أدب وأما الزيادة في الواجب أو عليه فهو حرام لا مكروه لأنه يؤدي إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه وذلك تغيير للشرائع وهو حرام إجماعا ولذلك نهى مالك عن إيصال ست من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان وخرج أبو داود في سننه أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين فقال عمر بن الخطاب اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له\rعليه السلام أصاب الله بك يا ابن الخطاب يريد عمر أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فاعتقدوا الجميع واجبا فهلكوا بتغييرهم للشرائع\rالخامس\r","part":4,"page":374},{"id":1605,"text":"مباح وهو ما تناولته قواعد المباح وأدلته من الشرع كاتخاذ المناخل للدقيق لأنه أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما في الآثار وتليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله كذلك وبالجملة فالبدعة إنما تنقسم لهذه الأقسام إذا نظر إليها باعتبار ما يتقاضاها ويتناولها من القواعد والأدلة فألحقت بما تناولها من قواعد وأدلة الوجوب أو التحريم أو الندب أو الكراهة أو الإباحة وأما إن قطع النظر عن ذلك ونظر إلى كونها بدعة من حيث الجملة لم تكن إلا مكروهة أي إما تنزيها وإما تحريما فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع ولبعض السلف الصالح ويسمى أبا العباس الأبياني من أهل الأندلس ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن وفيهن خير الدنيا والآخرة اتبع ولا تبتدع اتضع ولا ترتفع من تورع لا يتسع\rا ه\r","part":4,"page":375},{"id":1606,"text":"كلام الأصل بتهذيب وزيادة فقوله والحق التفصيل إلخ هي الطريقة التي بنى عليها الفرق بين القاعدتين المذكورتين وصححه ابن الشاط وإليها ذهب من المالكية غير واحد كالإمام محمد الزرقاني فقال في شرحه على الموطإ وتنقسم البدعة إلى الأحكام الخمسة وحديث كل بدعة ضلالة عام مخصوص قال والبدعة لغة ما أحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعا على مقابل السنة وهي ما لم تكن في عهده {صلى الله عليه وسلم} ا ه وغير واحد من الشافعية منهم الإمام النووي والعز بن عبد السلام شيخ الأصل ففي العزيزي على الجامع الصغير عن العلقمي قال النووي البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة وقال ابن عبد السلام في آخر القواعد البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة وللواجبة أمثلة منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم كلام الله تعالى وكلام رسوله {صلى الله عليه وسلم} ومنها حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة ومنها تدريس أصول الفقه ومنها الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم ومنها الرد على مذاهب نحو القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة إذ لا يتأتى حفظ الشريعة إلا بما ذكرناه وقد دلت قواعد الشريعة على أن\rحفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين وللمحرمة أمثلة منها مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة وللمندوبة أمثلة منها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل\r","part":4,"page":376},{"id":1607,"text":"ومنها جمع المحافل في الاستدلال على المسائل إن يقصد بذلك وجه الله والمكروهة أمثلة منها زخرفة المساجد وتزويق المصاحف وللمباحة أمثلة منها المصافحة عقب الصبح والعصر ومنها التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام وقد نختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فما بعده وذلك كالاستعاذة والبسملة في الصلاة\rا ه\rبتصرف فمشهور مذهب مالك كراهتهما في الفريضة دون النافلة إذا اعتقد أن الصلاة لا تصح بتركهما ولم يقصد الخروج من خلاف الإمام الشافعي ومذهب الإمام الشافعي سنيتهما في الصلاة مطلقا ومثلهما في كونه بدعة مكروهة أو سنة سجود الشكر ذهب الشافعي إلى أنه سنة مفعولة في عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وذهب مالك إلى كراهته وأنه ليس بمشروع ففي العتبية وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله عز وجل شكرا فقال لا يفعل هذا مما مضى من أمر الناس قيل له إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا لله أفسمعت ذلك قال ما سمعت ذلك وأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول هذا لم تسمعه مني قد فتح الله على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعلى المسلمين بعده أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا إذ ما قد كان في الناس وجرى على أيديهم سمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك فإنه لو كان لذكر لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدا منهم سجد فهذا إجماع\rوإذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه\rا ه\r","part":4,"page":377},{"id":1608,"text":"قال ابن رشد الوجه في ذلك أنه لم يرد مما شرع في الدين يعني سجود الشكر فرضا ولا نفلا إذ لم يأمر بذلك النبي {صلى الله عليه وسلم} ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الأمور قال واستدلاله على أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن في ذلك لو كان النقل صحيحا إذ لا يصح أن تتوفر الدواعي على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ قال وهذا أصل من الأصول وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجود الزكاة فيها لعموم قول النبي {صلى الله عليه وسلم} فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر لأنا نزلنا ترك نقل أخذ النبي {صلى الله عليه وسلم} الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة فيها فكذلك نزل ترك نقل السجود عن النبي {صلى الله عليه وسلم} في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيها ثم حكي خلاف الشافعي والكلام عليه والمقصود من المسألة توجيه مالك من حيث إنها بدعة لا توجيه أنها بدعة على\rالإطلاق أفاده الشاطبي في الاعتصام وحاصل هذه الطريقة هو ما أشار إليه العلامة الحفني في حاشيته على الجامع الصغير من أن البدعة بمعنى ما لم يكن في عهده {صلى الله عليه وسلم} نوعان حقيقية ومشتبهات فالحقيقية هي المقابلة للسنة فالسنة ما فعل في الصدر الأول وشهد له أصل من أصول الشرع والبدعة الحقيقية ما أحدث بعد الصدر الأول ولم يشهد له أصل من أصول الشرع قال زاد الشارح في الكبير وغلبت على ما خالف أصول أهل السنة في العقائد\r","part":4,"page":378},{"id":1609,"text":"وهي البدعة المحرمة سواء كفر بها كإنكار علمه تعالى بالجزئيات أو لا كالمجسمة والجهمية على الراجح إن لم تقل الأولى كالأجسام وهي المراد بالبدعة متى أطلقت وإن كانت في الأصل تطلق على المحرمة وغيرها فهي المراد بالحديث الذي خرجه ابن ماجه وابن أبي عاصم في السنة والديلمي عن ابن عباس أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته لإيراده في حيز التحذير منها والذم لها والتوبيخ عليها فنفي قبول العمل بمعنى إبطاله ورده إن كانت البدعة مكفرة له وبمعنى نفي الثواب إن كانت لا تكفره مثل ما ورد أن الشخص إذا لبس ثوبا بدراهم منها درهم حرام وصلى فيه لم تقبل صلاته أي لم يثب عليها والمشتبهات تعرض على أصول الشرع فإن وافقت الواجب كانت واجبة أو المندوب كانت مندوبة أو المكروه كانت مكروهة أو المباح كانت مباحة وبالجملة فتقسيم البدعة مع السنة على نحو تقسيم النحويين حرف الجر الأصلي مع الزائد إلى ثلاثة أقسام أصلي وهو ما دل على معنى خاص واحتاج لمتعلق يتعلق به وزائد وهو ما لا يدل على معنى خاص ولا يحتاج لمتعلق وشبيه بهما وهو ما دل على معنى خاص ولم يحتج لمتعلق فكما انقسم حرف الجر إلى هذه الثلاثة كذلك البدعة مع السنة تنقسم على هذه الطريقة إلى ثلاثة سنة وهي ما فعل في الصدر الأول وشهد له أصل من أصول الشرع وبدعة وهو ما لم يفعل في الصدر الأول ولم يشهد له الأصل\r","part":4,"page":379},{"id":1610,"text":"ومشتبهات وهو ما لم يفعل في الصدر الأول وشهد له الأصل وتوضيح الفرق بين القاعدتين المذكورتين على هذه الطريقة أن ما يحرم وينهى عنه من البدع هو المراد بالبدعة القبيحة في كلام النووي الصادقة على المحرمة وعلى المكروهة وأن ما لا ينهى عنه منها هو المراد بالبدعة الحسنة الصادقة على الواجبة والمندوبة والمباحة وقول الأصل والأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع إلخ هو طريقة نفي التفصيل في البدع وأنها لا تكون واجبة ولا مندوبة ولا مباحة بل إنما تكون قبيحة منهيا عنها فالكلام عليها من جهتين الجهة الأولى أن أمثلة البدع الواجبة والمندوبة والمباحة التي ذكرها القرافي وشيخه ابن عبد السلام لا تخرج عن كونها مما له أصل في الدين ومن المصالح المرسلة وعن كونها من العاديات وما كان مما له أصل في الدين ومن المصالح المرسلة لا يعد من البدع لأن خاصة البدعة أنها خارجة عما رسمه الشارع إذ هي طريقة في الدين ابتدعت على غير مثال تقدمها تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد فانفصلت بهذا القيد عن كل ما ظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها\rوإن لم توجد في\r","part":4,"page":380},{"id":1611,"text":"الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع إذ الأمر بإعراب القرآن منقول وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة فحقيقتها إذا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين وعند الطالب سهلة الملتمس وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن والسنة أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به كما كان الفقه تقرير الأدلة في الفروع العبادية وتصنيفها على ذلك الوجه وإن كان مخترعا إلا أن له أصلا في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة\r","part":4,"page":381},{"id":1612,"text":"وقد تقدم بسطها فعلى القول بإثباتها أصلا شرعيا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدلتها التي ليست بمأخوذة من جزء واحد فليست ببدعة ألبتة وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة لأن كل بدعة ضلالة من غير إشكال كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحا وهو باطل بالإجماع فليس إذا ببدعة ويلزم أن يكون له دليل شرعي وليس إلا هذا النوع من الاستدلال وهو المأخوذ من جملة الشريعة وإذا ثبت جزء في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه وأما ما كان من العاديات كإقامة صور الأئمة وولاة الأمور والقضاة واتخاذ المناخل وغسل اليدين بالأشنان ولبس الطيالس وتوسيع الأكمام وأشباه ذلك من الأمور العادية التي لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح فالتمثيل بها لمندوبات البدع ومباحاتها وكذا بالمكوس والمحدثات من المظالم\rوتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة لمحرمات البدع مبني على إحدى الطريقتين في العاديات وهي التي مال إليها القرافي وشيخه ابن عبد السلام وذهب إليها بعض السلف كمحمد بن أسلم من أن المخترعات منها تلحق بالبدع وتصير كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة لوجوه ثلاثة\rالوجه الأول\r","part":4,"page":382},{"id":1613,"text":"أنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت والوجه الثاني أنه لا فرق بينها وبين العبادات إذ الأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة تكون عادية فكلاهما مشروع من قبل الشارع فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر الوجه الثالث أن الشرع جاء بالوعد بأشياء تكون في آخر الزمان هي خارجة عن سنته فتدخل فيما تقدم تمثيله لأنها من جنس واحد ففي الصحيح عن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قال فما تأمرنا يا\rرسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا حقكم وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من كره من أمره شيئا فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية وفي الصحيح أيضا إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال يتقارب الزمان ويقبض العلم ويلقى ويظهر الجهل وتظهر الفتن ويكثر الهرج قال يا رسول الله أيما هو قال القتل القتل وعن أبي موسى رضي الله عنه قال قال النبي {صلى الله عليه وسلم} إن بين يدي لأياما ينزل فيها الجهل ويرتفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج والهرج القتل وعن حذيفة رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها ثم قال ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ويصبح الناس يتبايعون\r","part":4,"page":383},{"id":1614,"text":"ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال إن في بني فلان رجلا أمينا ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان الحديث وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم زعم أنه رسول وحتى يقبض العلم ثم قال وحتى يتطاول الناس في البنيان إلى آخر الحديث وعن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تخرج في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا فيبيع دينه بعرض الدنيا وفسر ذلك الحسن قال يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله ويمسي مستحلا له كأنه تأوله على الحديث الآخر لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض والله أعلم\rوعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنا ويشرب الخمر ويكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد\rومن غريب حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل وما هي يا رسول الله قال إذا صار المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجه وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا أو مسخا وقذفا\r","part":4,"page":384},{"id":1615,"text":"وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه قريب هذا وفيه ساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وفيه وظهرت القيان والمعازف وفي آخره فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع\rفهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه يكون في هذه الأمة بعده إنما هو في الحقيقة تبديل الأعمال التي كانوا أحق بالعمل بها فلما عوضوا منها غيرها وفشا فيها كأنه من المعمول\rبه تشريعا كان من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات\rوالطريقة الثانية وعليها الأكثرون أن العاديات إن كانت كالبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات مما لا بد فيها من التعبدات لكونها مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها كانت اقتضاء أو تخييرا فإن التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام حسبما تقر وبرهانه في كتاب الموافقات صح دخول الابتداع فيها كالعبادات\r","part":4,"page":385},{"id":1616,"text":"وإلا فلا وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب ويتبين ذلك بالأمثلة فما أتى به القرافي مثالا للبدعة المحرمة من وضع المكوس في معاملات الناس لا يخلو إما أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتا ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق وقطع القاطع للطريق وما أشبه ذلك أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائما أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك فمن الفرض الثاني يصير تشريعا زائدا وبدعة بلا شك ويصير للمكوس على هذا الفرض نظران نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم ونظر من جهة كونها اختراعا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف فاجتمع فيها نهيان نهي عن المعصية ونهي عن البدعة ومن الفرض الأول إنما يوجد بها النهي من جهة كونها تشريعا موضوعا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيها جهة أخرى يكون بها معصية بل نفس التشريع هو نفس الممنوع وكذلك تقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح لها بطريق التوريث فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيا في الدين ومعمولا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها محرم في الدين فقط\rوأما كون ذلك يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقا لرتبة الأب\r","part":4,"page":386},{"id":1617,"text":"وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بطريق الوراثة أو غير ذلك بحيث يشيع هذا العمل ويطرد ويرده الناس كالشرع الذي لا يخالف بأن يعبروا عنه كما يعبر عن القاعدة الشرعية الكلية من مات عن شيء فنصيبه لولده ففيه جهتان جهة كونه بدعة بلا إشكال وجهة كونه قولا بالرأي غير الجاري على العلم هو الذي بينه النبي {صلى الله عليه وسلم} بقوله حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وإنما ضلوا وأضلوا لأنهم أفتوا بالرأي إذ ليس عندهم علم وهو بدعة أو سبب البدعة وما أتى به القرافي مثلا للبدعة المندوبة من إقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمر على خلاف ما كان عليه السلف فإن البدعة لا تتصور فيه إلا بما فيه بعد جدا من تكلف فرض أن يعتقد في ذلك العمل أنه مما يطلب به الأئمة على الخصوص تشريعا خارجا عن قبيل المصالح المرسلة بحيث يعد من الدين الذي يدين به هؤلاء المطلوبون به أو يكون ذلك مما يعد خاصا بالأئمة دون غيرهم كما يزعم بعضهم أن خاتم الذهب جائز لذوي السلطان أو يقول إن الحرير جائز لهم لبسه دون غيرهم\rوهذا أقرب من الأول في تصور البدعة في حق هذا القسم ويشبهه على قرب زخرفة المساجد إذ كثير من الناس يعتقد أنها من قبيل ترفيع بيوت الله\rوكذلك تعليق الثريات الخطيرة الأثمان حتى يعد الإنفاق في ذلك إنفاقا في سبيل الله وكذلك إذا اعتقد في زخارف الملوك\rوإقامة صورهم أنها من جملة ترفيع الإسلام وإظهار معالمه وشعائره أو قصد ذلك في فعله أو لا أنه ترفيع للإسلام لما لم يأذن الله به\r","part":4,"page":387},{"id":1618,"text":"وما حكاه القرافي عن معاوية ليس من قبيل هذه الزخارف بل من قبيل المعتاد في اللباس والاحتياط في الحجاب مخافة من انخراق خرق يتسع فلا يرقع هذا إن صح ما قال وإلا فلا يعول على نقل المؤرخين ومن لا يعتبر من المؤلفين وأحرى في أن ينبني عليه حكم وما أتى به القرافي مثالا للبدعة المباحة من اتخاذ المناخل للدقيق فالمعتاد فيه أن لا يلحقه أحد بالدين ولا بتدبير الدنيا بحيث لا ينفك عنه كالتشريع فلا نطول به وعلى ذلك الترتيب ينظر فيما قاله ابن عبد السلام من غير فرق فتبين مجال البدعة في العاديات من مجال غيرها وقد يقصد بالسلوك المبالغة في التعبد لله تعالى في تعريف البدعة المتقدم ظاهر المعنى على طريقة الأكثرين في العاديات وأما على طريقة القرافي وشيخه وبعض السلف فيها فمعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه وإن تعلقت بالعادات فكذلك لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها فمن يجعل المناخل في قسم البدع فظاهر أن التمتع عنده بلذة الدقيق المنخول أتم منه بغير المنخول\rوكذلك البناءات المشيدة التمتع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر\r","part":4,"page":388},{"id":1619,"text":"وقد أباحت الشريعة التوسع في التصرفات فيعد المبتدع هذا من ذلك الجهة الثانية أن البدع على أنها إنما تكون قبيحة منهيا عنها هل لها حكم واحد أم متعدد طريقتان ذهب بعضهم إلى الأولى وأنها لا تكون إلا كبائر وأيدها بأن الصغيرة فضلا عن الكراهة وإن ظهرت في المعاصي غير البدع لا تظهر في البدع وذلك لأن البدع ثبت لها أمران أحدهما أنها مضادة للشارع ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له والثاني أن كل بدعة وإن قلت تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح وكل ذلك قد يكون على الانفراد وقد يكون ملحقا بما هو مشروع فيكون قادحا في المشروع ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عدا الكفر إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر فلا فرق بين ما قل منه وما كثر فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه وألحقه بالمشروع فإذا لم نكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر لأن الجميع لا تحملها الشريعة لا بقليل ولا بكثير لا سيما\rوعموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء وكلام السلف يدل على عموم الذم فيها فالأقرب أن يقال كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها\rوإن عظمت لما ذكرناه تتفاوت رتبها إذا نسب بعضها إلى بعض فيكون منها صغار وكبار أما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض فالأشد عقابا أكبر مما دونه\rوأما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل\r","part":4,"page":389},{"id":1620,"text":"انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل إلى الصغر والكبر من باب النسب والإضافات فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة لما هو أكبر منه فلا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدراك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب المعصية يتنصل منها مقرا لله بمخالفته لحكمها فحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة وحاصل البدعة مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ولذلك قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله خان الرسالة لأن الله يقول اليوم أكملت لكم دينكم إلى آخر الحكاية ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة\rوقال أي فتنة فيها إنما هي أميال أزيدها فقال وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى آخر الحكاية فإذا لا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة بل صار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفي الكراهية التنزيه عنها من الواضحات وإلى الطريقة الثانية أعني تعدد حكم البدع مال الإمام أبو إسحاق الشاطبي فقال في كتابه الاعتصام إن البدع\rوإن ورد النهي عنها على وجه واحد ونسبته إلى الضلالة واحدة في قوله {صلى الله عليه وسلم} إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وهو عام في كل بدعة إلا أنه لا يصح أن يقال إنها على حكم واحد هو التحريم فقط أو الكراهة فقط لوجوه\rالوجه الأول\r","part":4,"page":390},{"id":1621,"text":"أنها داخلة تحت جنس المنهيات وهي لا تعد والكراهة والتحريم فالبدع كذلك والوجه الثاني أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت متفاوتة فمنها ما هو كفر صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بنحو قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا الآية وقوله تعالى وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء وقوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح\rومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف هل هي كفر أم لا كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة النكاح والجماع ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال وقراءة القرآن بالإدارة والاجتماع للدعاء عشية عرفة وذكر السلاطين في خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام والشافعي وما أشبه ذلك والوجه الثالث أن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات فإن ما كانت في الضروريات أعظم الكبائر وما كانت في التحسينات فأدنى رتبة بلا إشكال وما وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل ولا يمكن أن يكون في رتبة المكمل فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد وأيضا الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه\r","part":4,"page":391},{"id":1622,"text":"فإن مرتبة النفس ليست كمرتبة الدين ألا ترى أن الكفر مبيح للدم وأن المحافظة على الدين تبيح تعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص فالقتل بخلاف العقل والمال وكذلك سائر ما بقي وإذا نظرت في مرتبة النفس وجدتها متباينة المراتب ألا ترى أن قطع العضو ليس كالذبح وأن الخدش ليس كقطع العضو\r","part":4,"page":392},{"id":1623,"text":"وهذا كله محل بيانه الأصول فقد ظهر تفاوت رتب المعاصي والبدع من جملة المعاصي فيتصور فيها التفاوت أيضا فمنها ما يقع في الضروريات إخلالا بها ومنها ما يقع في الحاجيات إخلالا بها ومنها ما يقع في التحسينات إخلالا بها وما يقع في رتبة الضروريات ومنه ما يقع في الدين كما تقدم في اختراع الكفار وتغييرهم ملة إبراهيم عليه السلام ومنه ما يقع في النفس كنحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلى في زعمهم والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج عن هذه الدار العاجلة ومبني على أصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها أعمالهم ومنه ما يقع في النسل كما في أنكحة الجاهلية التي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره بل كانت من جملة ما اخترعوا وابتدعوا وهي أنواع منها نكاح الاستبضاع وهو أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ومنه ما يقع في العقل كزعم بعض الفرق أن العقل له مجال في التشريع وأنه محسن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه ومنه ما يقع في المال كاحتجاج الكفار على استحلال العمل بالربا بقياس فاسد كذبهم الله تعالى فيه ورده عليهم بقوله تعالى ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا قال وأما ما تقدم في توجيه طريقة اتحاد حكم البدع فجوابه أنه لا يظهر إلا في حق من يكون عالما بكونها بدعة ويقر بالخلاف للسنة بحتا أما في حق من ليس كذلك فلا وشأن كل من حكمنا له بحكم أهل الإسلام أن لا يقر بالخلاف للسنة بحتا بل يكون غير عالم بأن ما عمله بدعة إذ لا يرضى منتم إلى الإسلام بإبداء صفحة الخلاف","part":4,"page":393},{"id":1624,"text":"للسنة أصلا لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه والنقصان منه والتحريف له فلا بد له من تأويل فإن كان مجتهدا ففي استنباطها وتشريعها كقوله هي بدعة ولكنها مستحسنة وكفعله لها مقرا بكونها بدعة لأجل حظ عاجل كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه أو فرارا من خوف على حظه أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه وما أشبه ذلك وإن كان مقلدا ففي تقليده كقوله إنها بدعة ولكنني رأيت فلانا الفاضل يعمل بها وإذا كان كذلك فقول مالك من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن النبي {صلى الله عليه وسلم} خان الرسالة وقوله لمن أراد أن يحرم\rمن المدينة أي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى آخر الحكاية أنها إلزام للخصم على عادة أهل النظر كأنه يقول يلزمك في هذا القول كذا لا أنه يقول قصدت إليه قصدا لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم ولازم المذهب وإن اختلف الأصوليون فيه هل هو مذهب أم لا إلا أن شيوخنا البجائيين والمغربيين كانوا يقولون إن لازم المذهب ليس بمذهب ويروى أنه رأي المحققين أيضا فلذلك إذا قرر على الخصم أنكره غاية الإنكار فاعتبار ذلك المعنى على التحقيق لا ينهض إذا وعند ذلك تستوي البدعة مع المعصية\rفكما تنقسم المعصية إلى صغائر وكبائر كذلك تنقسم البدع إلى صغائر وكبائر نعم لا تكون البدعة صغيرة إلا بشروط\rأحدها\r","part":4,"page":394},{"id":1625,"text":"أن لا يداوم عليها كما أن الصغيرة من المعاصي كذلك فلذلك قالوا لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها وقد لا يصر عليها وعلى ذلك ينبني طرح الشهادة وسخطة الشاهد بها وعدمه بخلاف البدعة فإن شأنها في الواقع المداومة والحرص على أن لا تزول من موضعها وأن تقوم على تاركها القيامة وتنطلق عليه ألسنة الملامة ويرمى بالتسفيه والتجهيل وينبز بالتبديع والتضليل ضد ما كان عليه سلف هذه الأمة والمقتدى بهم من الأئمة ودليل ذلك أولا الاعتبار فإن أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل السنة إن كان لهم عصبة أو لصقوا بسلطان تجري أحكامه في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار ومن طالع سير المتقدمين وجد من ذلك ما لا يخفى وثانيا النقل فقد ذكر السلف أن البدعة إذا أحدثت لا تزيد إلا مضيا والمعاصي ليست كذلك فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله تعالى بل قد جاء ما يشد ذلك في حديث الفرق ففي بعض الروايات تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه ومن هنا جزم السلف بأن المبتدع لا توبة له منها والشرط الثاني أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه فإنه الذي أثارها وسبب كثرة وقوعها والعمل بها فقد ثبت الحديث الصحيح أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا والصغيرة إنما تفاوت الكبيرة بحسب كثرة الإثم وقلته فربما تساوي الصغيرة من هذا الوجه الكبيرة أو تربى عنها والشرط الثالث أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها أعلام الشريعة فأما إظهارها في المجتمعات ممن يقتدى به أو ممن يحسن الظن به فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام فإنها لا تعدو أمرين إما أن يقتدى بصاحبها فيها فإن العوام أتباع كل ناعق لا سيما البدع","part":4,"page":395},{"id":1626,"text":"التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وعلى حسب كثرة الإتباع يعظم عليه الوزر كما تقدم وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها بالتصريح لأن عمل إظهار الشرائع الإسلامية توهم أن كل ما ظهر فيها فهو من الشعائر فكان المظهر لها يقول هذه سنة فاتبعوها والشرط الرابع أن لا يستصغرها ولا يستحقرها فإن ذلك وإن فرضناها صغيرة استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب\rفكان ذلك سببا لعظم ما هو صغير وكذلك معنى البدع المكروهة أنها أدنى رتبة في الذم من رتبة الصغيرة وليس معناها التنزيه الذي هو نفي إثم فاعلها ورفع الحرج عنه ألبتة لأن هذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما قال من قال أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر ما قالوا رد عليهم عليه السلام ذلك وقال من رغب عن سنتي فليس مني وهذه العبارات أشد شيء في الإنكار مع أن ما التزموا لم يكن إلا فعل مندوب آخر وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية فتأمل كيف جعل مالك القيام للشمس وترك الكلام والجلوس معاصي حتى فسر بها الحديث المشهور مع أنها في أنفسها أشياء مباحات لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان لله به صارت عند مالك معاصي لله وكلية قوله كل بدعة ضلالة شاهدة لهذا المعنى والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد\r","part":4,"page":396},{"id":1627,"text":"وهي خاصية المحرم قال وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هو اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع وأشباه ذلك وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله لا لأنه بدعة مكروهة على تفصيل يذكر في موضعه\rا ه\rمحل الحاجة من كلام الشاطبي في الاعتصام قلت وحاصل طريقتي عدم التفصيل في البدع أنها على الأولى لا تكون إلا كبائر\r","part":4,"page":397},{"id":1628,"text":"وإن تفاوتت أفرادها بكثرة العقاب وعدم كثرته وأنها على الثانية تكون كبائر أو صغائر أو مكروهة إلا أن صغائرها وإن كانت كصغائر غيرها من المعاصي لا يتحقق صغرها إلا بالشروط الأربعة المتقدمة لكن تحقق الشروط في صغائرها بعيد جدا ومكروهها ليس معناه التنزيه وعدم العقاب بل معناه أن عقابه أقل من عقاب الصغيرة فافهم والذي يتحصل من جميع ما ذكر أن طريقة أصحاب مالك المتقدمين على الأصل واختارها الشاطبي وبنى عليها كتابه الاعتصام من أن البدع لا تكون إلا قبيحة منهيا عنها مبنية على أمور ثلاثة الأول أن البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول ولم يكن له أصل من أصول الشرع ومجاز في غير ذلك الأمر الثاني أن جميع ما ورد في ذم البدع من نحو قوله {صلى الله عليه وسلم} كل بدعة ضلالة باق على عمومه الأمر الثالث القول بأن البدع لا تدخل إلا في العاديات التي لا بد فيها من التعبد وأن طريقة انقسام البدع إلى قبيحة وحسنة والقبيحة إلى حرام واصل إلى حد الكفر أو\rإلى حد الكبيرة أولا وإلى مكروه تنزيها والحسنة إلى واجبة ومندوبة ومباحة التي اختاره الأصل وابن الشاط ومحمد الزرقاني بل جرى عليها عمل أصحاب مالك المتأخرين كالزقاق وغيره وبنى عليها الأصل الفرق بين القاعدتين المذكورتين وإليها ذهب الإمام النووي والإمام ابن عبد السلام شيخ الشيخ القرافي وغير واحد من أصحاب الشافعي مبنية على ثلاثة أمور أيضا الأول أن البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول كان له أصل من أصول الشرع أم لا\rالأمر الثاني أن جميع ما ورد في البدع من نحو قوله {صلى الله عليه وسلم} كل بدعة ضلالة عام مخصوص\rالأمر الثالث القول بأن جميع المخترعات من العاديات ولو لم يلحقها شائبة تعبد تلحق بالبدع وتصير كالعبادات المخترعة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة المحرمة وقاعدة الغيبة التي لا تحرم","part":4,"page":398},{"id":1629,"text":"وهو أن الأصل في الغيبة الحرمة لنهي الله عنها بقوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا أي لا يتكلم أحد منكم في حق أحد في غيبته بما هو فيه مما يكرهه ففيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وطرقه كثيرة عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره كما في الزواجر وفي الأصل أن تذكر في المرء ما يكره إن سمع قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته قال الأصل فدل قوله {صلى الله عليه وسلم} إن سمع نصا على أنه لا يسمى ما يكرهه الإنسان إذا سمعه غيبة إلا إذا كان غائبا وليس بحاضر أي سواء كان حيا أو ميتا قال ولفظ ما من صيغ العموم فتتناول جميع ما يكره\rا ه\rأي سواء كان في بدنه كأحول أو قصير أو أسود أو ضدها أو في نسبه كأبوه هندي أو إسكاف أو نحوهما مما يكرهه كيف كان أو في خلقه كسيئ الخلق عاجز ضعيف أو\rفي فعله الديني ككذاب أو متهاون بالصلاة أو لا يحسنها أو عاق لوالديه أو لا يعطي الزكاة أو لا يؤديها لمستحقيها أو في فعله الدنيوي كقليل الأدب أو لا يرى لأحد حقا على نفسه أو كثير الأكل أو النوم أو في ثوبه كطويل الذيل أو قصيره وسخه أو في داره كقليلة المرافق أو في دابته كجموح أو في ولده كقليل التربية أو في زوجته ككثيرة الخروج أو عجوز أو تحكم عليه أو قليلة النظافة أو في خادمه كآبق أو غير ذلك من كل ما يعلم أنه يكرهه لو بلغه وحكمة تحريمها مع أنها صدق المبالغة في حفظ عرض المؤمن والإشارة إلى عظيم تأكد حرمته وحقوقه\r","part":4,"page":399},{"id":1630,"text":"وزاد تعالى ذلك تأكيدا وتحقيقا بتشبيه عرضه بلحمه ودمه مع المبالغة في ذلك أيضا بالتعبير فيه بالأحب فقال عز من قائل أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ووجه التشبيه أن الإنسان يتألم قلبه من قرض عرضه كما يتألم بدنه من قطع لحمه لأكله بل أبلغ لأن عرض العاقل عنده أشرف من لحمه ودمه وكما أنه لا يحسن من عاقل أكل لحوم الناس لا يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأنه ألم ووجه الآكدية في لحم أخيه أن الأخ لا يمكنه مضغ لحم أخيه فضلا عن أكله بخلاف العدو فإنه يأكل لحم عدوه من غير توقف منه في ذلك واندفع بميتا الواقع حالا إما من لحم أخيه أو أخيه ما قد يقال إنما تحرم الغيبة في الوجه لأنها التي تؤلم حينئذ بخلافها في الغيبة فإنه لا اطلاع للمغتاب عليها ووجه اندفاع هذا أن أكل لحم الأخ وهو ميت لا يؤلم أيضا ومع ذلك هو في غاية القبح كما أنه لو فرض الاطلاع لتألم به فإن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه فكذا الغيبة تحرم في الغيبة لأن المغتاب لو اطلع عليها لتألم وأيضا ففي العرض حق مؤكد لله تعالى فلو فرض أن الغيبة وقعت بحيث لا يمكن المغتاب العلم بها حرمت أيضا رعاية لحق الله تعالى وفطما للناس عن الأعراض والخوض فيها بوجه من الوجوه اللهم إلا للأسباب الآتية لأنها محل ضرورة فتباح حينئذ لأجل الضرورة كما أشارت الآية إلى ذلك أيضا بذكر ميتا إذ لحم الميت إنما يحل للضرورة\rالحاقة حتى لو وجد المضطر ميتة أخرى مع ميتة الآدمي لم تحل له ميتة الآدمي بخلاف ما لو لم يجد إلا ميتة الآدمي فإذا تحقق الفرض الصحيح الشرعي الذي لا يتوصل إليه إلا بالغيبة خرجت عن أصلها من الحرمة وحينئذ فتجب أو تباح\rوتنحصر التي لا تحرم للغرض الصحيح الشرعي في ستة أبواب نظمها الكمال بقوله القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر كما في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع وبيانها كما في الزواجر\rالأول\r","part":4,"page":400},{"id":1631,"text":"المتظلم فلمن ظلم أن يشكو لمن يظن أن له قدرة على إزالة ظلمه أو تخفيفه كأن يقول لولاة الأمور إن فلانا أخذ مالي وغصبني أو ثلم عرضي إلى غير ذلك من القوادح المكروهة لضرورة دفع الظلم عنه الثاني الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته بنحو فلان يعمل كذا فازجره عنه بقصد التوصل إلى إزالة المنكر وإلا كان غيبة محرمة ما لم يكن الفاعل مجاهرا لما يأتي الثالث الاستفتاء بأن يقول لمفت ظلمني بكذا فلان فهل يجوز له وما طريقي في خلاصي منه أو تحصيل حقي أو نحو ذلك والأفضل أن يبهمه فيقول ما تقول في شخص أو زوج كان من أمره كذا لحصول الغرض به وإنما جاز التصريح باسمه مع ذلك لأن المفتي قد يدرك من تعيينه معنى لا يدركه مع إبهامه فكان في التعيين نوع مصلحة لأن هند امرأة أبي سفيان رضي الله عنهما لما قالت للنبي {صلى الله عليه وسلم} إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه الرابع تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم كجرح الرواة والشهود والمصنفين والمتصدين لإفتاء أو إقراء مع عدم أهليته أو مع نحو فسق أو بدعة وهم دعاة إليها ولو سرا فيجوز إجماعا بل يجب وكان يذكر لمن له قدرة على عزل ذي الولاية وتولية غيره أو على نصحه وحثه\r","part":4,"page":401},{"id":1632,"text":"على الاستقامة ما يعلمه منه قادحا فيها كفسق أو تغفل لوجوب ذلك عليه وكان يشير ولو إن لم يستشر على مريد تزويج أو مخالطة لغيره في أمر ديني أو دنيوي وقد علم في ذلك الغير قبيحا منفرا كفسق أو بدعة أو طمع أو غير ذلك كفقر في الزوج لقوله عليه السلام لفاطمة بنت قيس حين شاورته عليه السلام لما خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه متفق عليه وفي رواية لمسلم وأما أبو الجهم فضراب للنساء وبه يرد تفسير الأول بأنه كناية عن كثرة أسفاره فذكر {صلى الله عليه وسلم} فيهما ما يكرهانه لو سمعاه وأبيح ذلك لمصلحة النصيحة ويشترط في هذا الباب أن تكون الحاجة ماسة لذلك وأن يقتصر الناصح من العيوب على ما يخل بتلك المصلحة خاصة التي حصلت المشاورة فيها أو التي يعتقد الناصح أن المنصوح شرع فيها أو هو على عزم ذلك فينصحه وإن لم يستشره فإن حفظ مال الإنسان وعرضه ودمه عليك واجب وإن لم يعرض لك بذلك فالشرط الأول احتراز من ذكر عيوب الناس مطلقا لجواز أن يقع بينهما من المخالطة ما يقتضي ذلك فهذا حرام لا يجوز إلا عند مسيس الحاجة ولولا ذلك لأبيحت الغيبة مطلقا لأن الجواز قائم في الكل والشرط الثاني احتراز من أن يستشار في أمر الزوج فيذكر العيوب المخلة بمصلحة الزواج والعيوب المخلة بالشركة والمساقاة أو يستشار في السفر معه فيذكر العيوب المخلة بمصلحة السفر والعيوب المخلة بالزواج فالزيادة على العيوب المخلة بما استشير فيه حرام مثلا إن كفى نحو لا يصلح لك لم يزد عليه وإن توقف على ذكر عيب ذكره ولا تجوز الزيادة عليه أو عيبين اقتصر عليهما وهكذا لأن ذلك كإباحة الميتة للمضطر فلا يجوز تناول شيء منها إلا بقدر الضرورة ويشترط أن يقصد بذلك بذل النصيحة لوجه الله تعالى دون حظ آخر وكثيرا ما يغفل الإنسان عن ذلك فيلبس عليه الشيطان ويحمله على التكلم به حينئذ لا نصحا ويزين\rله أنه نصح وخير\rالخامس\r","part":4,"page":402},{"id":1633,"text":"أن يتجاهر بفسقه أو بدعته كالمكاسين وشربة الخمر ظاهرا وذوي الولايات الباطلة وكقول امرئ القيس فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع بسقط اللوى بين الدخول فحومل فذكر مثل هذا عن هذه الطوائف لا يحرم فإنهم لا يتأذون بذلك بل يسرون ولأنه {صلى الله عليه وسلم} قال في الذي استأذن عليه ائذنوا له بئس أخو العشيرة متفق عليه وقد احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب وروى خبرا ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا قال الليث كانا منافقين هما مخرمة بن نوفل بن عبد مناف القرشي وعيينة بن حصن الفزاري لكن بشرط الاقتصار على ما تجاهروا به دون غيره فيحرم ذكرهم بعيب آخر إلا أن يكون لسبب آخر مما مر فمن هنا قال الأصل سألت جماعة من المحدثين والعلماء الراسخين في العلم عمن يروي قوله {صلى الله عليه وسلم} لا غيبة في فاسق فقالوا لي لم يصح ولا يجوز التفكه بعرض الفاسق فاعلم ذلك ونقل في الزواجر عن الخادم أنه وجد بخط الإمام تقي الدين بن دقيق العيد أن القفال في فتاويه خصص الغيبة بالصفات التي لا تذم شرعا بخلاف نحو الزنا فيجوز ذكره لقوله {صلى الله عليه وسلم} اذكروا الفاسق بما فيه تحذره الناس غير أن المستحب الستر حيث لا غرض فإن كان هناك غرض كتجريحه أو إخبار مخالطة فيلزم بيانه\rا ه\rقال الخادم وما ذكره من الجواز في الأول لا لغرض شرعي ضعيف لا يوافق عليه والحديث المذكور ضعيف وقال أحمد منكر وقال البيهقي ليس بشيء فإن صح حمل على فاجر معلن بفجوره أو يأتي بشهادة أو يعتمد عليه فيحتاج إلى بيان حاله لئلا يقع الاعتماد عليه\rا ه\rوهذا الذي حمله البيهقي عليه متعين ونقل عن شيخه الحاكم أنه غير صحيح وأورده بلفظ ليس للفاسق غيبة ويقتضى عليه عموم خبر مسلم الذي فيه حدا الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره وعليه أجمعت الأمة وهذا كله يرد ما قاله القفال\rا ه\r","part":4,"page":403},{"id":1634,"text":"المراد السادس التعريف بنحو لقب كالأعور والأعمش والأصم والأقرع فيجوز وإن أمكن تعريفه بغيره نعم إن سهل تعريفه بغيره فهو أولى والشرط أن يكون ذكر نحو الأعور على جهة التعريف لا التنقيص وإلا حرم فأكثر هذه الأسباب الستة مجمع عليه ويدل لها من السنة أحاديث صحيحة مشهورة\rا ه\rأي كالذي تقدم الاستدلال بها وزاد الأصل سابعا وهو ما إذا كنت\rوالمغتاب عنده قد سبق لكما العلم بالمغتاب به قال فإن ذكره بعد ذلك لا يحط قدر المغتاب عنده لتقدم علمه بذلك فقال بعض الفضلاء لا يعرى هذا القسم عن نهي لأنكما إذا تركتما الحديث فيه ربما نسي فاستراح الرجل المغيب بذلك من ذكر حاله وإذا تعاهدتماه أدى ذلك إلى عدم نسيانه هذا ما ذكره الأصل في تلخيص الفرق بين ما يحرم من الغيبة وما لا يحرم منها وصححه ابن الشاط مع زيادة من كتاب الزواجر لابن حجر والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة وقاعدة النميمة والهمز واللمز\r","part":4,"page":404},{"id":1635,"text":"وهو أنه قد تقدم تعريف الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره إن سمعه وتقدم أنها إنما حرمت لما فيها من مفسدة إفساد العرض وعرفوا النميمة بأنها نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم فحرمت لما فيها من مفسدة إلقاء البغضة بين الناس ويستثنى منها ما كان النقل فيها على جهة النصيحة كأن يقول له إن فلانا يقصد قتلك ونحو ذلك لأنها من النصيحة الواجبة كما تقدم في الغيبة قال في الإحياء وما ذكر في تعريف النميمة هو الأكثر ولا يختص بذلك بل هي كشف ما يكره كشفه سواء أكرهه المنقول عنه أو إليه أو ثالث وسواء كان كشفه بقول أو كتابة أو رمز أو إيماء وسواء في المنقول كونه فعلا أو قولا عيبا أو نقصا في المنقول عنه أو غيره فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه وحينئذ ينبغي السكوت عن حكاية كل شيء شوهد من أحوال الناس إلا ما في حكايته نفع لمسلم أو دفع ضر كما لو رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به بخلاف ما لو رأى من يخفي مال نفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر\rفإن كان ما ينم به نقصا أو عيبا في المحكي عنه فهو غيبة ونميمة\rا ه\rقال ابن حجر في الزواجر وما ذكره إن أراد بكونه نميمة أنه كبيرة في سائر الأحوال التي ذكرها ففيه بإطلاقه نظر ظاهر لأن ما فسروا به النميمة لا يخفى أن وجه كونه كبيرة ما فيه من الإفساد المترتب عليه من المضار والمفاسد ما لا يخفى والحكم على ما هو كذلك بأنه كبيرة ظاهر جلي وليس في معناه بل ولا قريبا منه مجرد الإخبار بشيء عمن يكره كشفه من غير أن يترتب عليه ضرر ولا هو عيب ولا نقص فالذي يتجه في هذا أنه وإن سلم للغزالي تسميته نميمة\r","part":4,"page":405},{"id":1636,"text":"لا يكون كبيرة ويؤيده أنه نفسه شرط في كونه غيبة كونه عيبا ونقصا حيث قال فإن كان ما ينم به نقصا إلخ فإذن لم توجد الغيبة إلا مع كونه نقصا فالنميمة الأقبح من الغيبة ينبغي أن لا توجد بوصف كونها كبيرة إلا إذا كان فيما ينم به مفسدة تقارب مفسدة الإفساد التي صرحوا به فتأمل ذلك فإني لم أر من نبه عليه وإنما ينقلون كلام الغزالي ولا يتعرضون لما فيه مما نبهت عليه نعم من قال إن الغيبة كبيرة مطلقا ينبغي أنه لا يشترط في النميمة إلا أن يكون فيها مفسدة كمفسدة الغيبة وإن لم تصل إلى مفسدة الإفساد بين الناس قال والباعث على النميمة منه إرادة السوء بالمحكي عليه أو الحب للمحكي له أو الفرح بالخوض في الفضول وعلاج النميمة هو نحو ما قالوه في علاج الغيبة\r","part":4,"page":406},{"id":1637,"text":"وهو إما إجمالي بأن تعلم أنك قد تعرضت بها لسخط الله تعالى وعقوبته كما دلت عليه الآية والأخبار التي وردت في ذلك وأنها تحبط حسناتك لما في خبر مسلم في المفلس من أنه تؤخذ حسناته إلى أن تفنى فإن بقي عليه شيء وضع عليه من سيئات خصمه ومن المعلوم أن من زادت حسناته كان من أهل الجنة أو سيئاته كان من أهل النار فإن استويا فمن أهل الأعراف كما جاء في حديث فاحذر أن تكون الغيبة سببا لفناء حسناتك وزيادة سيئاتك فتكون من أهل النار على أنه روي أن الغيبة والنميمة تحتان الإيمان كما يعضد الراعي الشجرة ومما ينفعك أيضا أنك تتدبر في عيوبك وتجتهد في الطهارة منها وتستحيي من أن تذم غيرك بما أنت متلبس به أو بنظيره فإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق إذ من ذم صنعة ذم صانعها فإن لم تجد لك عيبا وهو بعيد فاشكر الله إذ تفضل عليك بالنزاهة عن العيوب وينفعك أيضا أن تعلم أن تأذي غيرك بالغيبة كتأذيك بها فكيف ترضى لغيرك ما تتأذى به وإما تفصيلي بأن تنظر في باعثها فتقطعه من أصله إذ علاج العلة إنما يكون بقطع سببها وإذا استحضرت البواعث عليها وهي كثيرة منها الغضب والحقد وتشفي الغيظ بذكر مساوئ من أغضبك ومنها موافقة الإخوان ومجاملتهم بالاسترسال معهم فيما هم فيه أو إبداء نظير ما أبدوه خشية أنه لو سكت أو أنكر استثقلوه\r","part":4,"page":407},{"id":1638,"text":"ومنها الحسد لثناء الناس عليه ومحبتهم له ومنها قصد المباهاة وتزكية النفس ومنها السخرية والاستهزاء به تحقيرا له ظهر لك السعي في قطعها كأن تستحضر في الغضب أنك إن أمضيت غضبك فيه بغيبة أمضى الله غضبه فيك لاستخفافك بنهيه وجراءتك على وعيده وفي حديث أن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى وفي الموافقة أنك إذا أرضيت المخاليق بغضب الله عاجلك بعقوبته إذ لا أغير من الله تعالى وفي الحسد أنك جمعت بين خسار الدنيا بحسدك له على نعمته وكونه معذبا بالحسد وخسارة الآخرة لأنك نصرته بإهداء حسناتك إليه أو طرح سيئاته عليك فصرت صديقه وعدو نفسك فجمعت إلى خبث حسدك جهل حماقتك وربما كان ذلك منك سبب انتشار فضله كما قيل وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود وفي قصد المباهاة وتزكية النفس أنك بما ذكرته فيه أبطلت فضلك عند الله وأنت لست على ثقة من اعتقاد الناس فيك بل ربما مقتوك إذا عرفوك بثلب الأعراض وقبح الأغراض فقد بعت ما عند الله يقينا بما عند المخلوق العاجز وهما وفي الاستهزاء أنك إذا أخزيت غيرك عند الناس فقد أخزيت نفسك عند الله وشتان ما بينهما وعلاج بقية البواعث ظاهر مما تقرر فلا حاجة للإطالة به\rا ه\rقال الأصل والهمز تعييب الإنسان بحضوره واللمز تعييبه بغيبته فتكون هي الغيبة وقيل بالعكس\rا ه\rأي أن اللمز تعييبه بحضوره والهمز تعييبه بغيبته فتكون هي الغيبة على ما للأصل نظرا لزيادة إن سمع في حديث تفسير الغيبة وصححه ابن الشاط ووافقه غير واحد من المحققين كالسيد الجرجاني فقال في تعريفاته الغيبة ذكر مساوئ الإنسان في غيبته وهي فيه وإن لم تكن فيه فهي بهتان وإن واجهه بها فهو شتم\rا ه\rبلفظه\r","part":4,"page":408},{"id":1639,"text":"وقال ابن حجر في الزواجر علم من خبر مسلم السابق أي في تفسير الغيبة بدون الزيادة التي ذكرها الأصل فيه مع ما صرح به الأئمة أن الغيبة أن تذكر مسلما أو ذميا على الوجه بل الصواب معينا للسامع حيا أو ميتا بما يكره أن يذكر به مما هو فيه بحضرته أو غيبته والتعبير بالأخ في الخبر كالآية للعطف والتذكير بالسبب الباعث على أن الترك متأكد في حق المسلم أكثر لأنه أشرف وأعظم حرمة قال وعدم الفرق في الغيبة بين أن تكون في غيبة المغتاب أو بحضرته هو المعتمد وفي الخادم ومن المهتم به ضابط الغيبة هل هي ذكر المساوئ في الغيبة كما يقتضيه اسمها أو لا فرق بين الغيبة والحضور وقد دار هذا السؤال بين جماعة ثم رأيت ابن فورك ذكر في مشكل القرآن في تفسير الحجرات ضابطا حسنا فقال الغيبة ذكر الغير بظهر الغيب وكذا قال سليم الرازي في تفسير الغيبة أن تذكر الإنسان من خلفه بسوء وإن كان فيه وفي المحكم لا تكون إلا من ورائه وقال ابن حجر أيضا واللمز بالقول وغيره والهمز بالقول فقط وروى البيهقي عن ابن جريج أن الهمز بالعين والشدق واليد واللمز باللسان قال البيهقي وبلغني عن الليث أنه قال اللمزة الذي يعيبك في وجهك والهمزة الذي يعيبك بالغيب وفي الإحياء قال مجاهد ويل لكل همزة لمزة الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس\rا ه\rالمراد والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة ذات اليد\rالزهد في اللغة قال في المختار ضد الرغبة تقول زهد فيه وزهد عنه من باب سلم وزهد أيضا وزهد يزهد بالفتح فيهما زهدا وزهادة بالفتح لغة فيه والتزهد التعبد والتزهيد ضد الترغيب والمزهد بوزن المرشد القليل المحال وفي الحديث أفضل الناس مؤمن مزهد وفي تعريفات الجرجاني الزهد لغة ترك الميل إلى الشيء وفي اصطلاح أهل الحق هو بغض الدنيا والإعراض عنها وقيل هو ترك راحة الدنيا\rطلبا لراحة الآخرة وقيل هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك\r","part":4,"page":409},{"id":1640,"text":"ا ه\rوقال الأصل هو عدم الاحتفال بالدنيا والأموال وإن كانت في ملكه لا عدم المال\rا ه\rقلت وتعريفه له وإن كان عدميا عين التعريف الأول له في كلام الجرجاني وإن كان وجوديا وقريب منهما التعريف الثاني في كلام الجرجاني وذات اليد الغني ولو لم يزهد عما في يده من المال فبين الزهد على تعريف الأصل والأول والثاني من تعريفات الجرجاني وبين ذات اليد العموم والخصوص الوجهي لأنه قد يكون الزاهد من أغنى الناس وهو زاهد لأنه غير محتفل بما في يده وبذله الأموال العظيمة في طاعة الله تعالى أيسر عليه من بذل الفلس على غيره وقد يكون فقيرا كما أن ذا اليد قد يكون غير زاهد وقد يكون زاهدا وكذا بين الزهد وبين الفقر العموم والخصوص الوجهي لأن الشديد الفقر قد يكون غير زاهد بل في غاية الحرص لأجل ما اشتمل عليه قلبه من الرغبة في الدنيا وبين الزهد بالتعريف الثالث من تعريفات الجرجاني وبين ذات اليد التباين الكلي وبينه وبين الفقر العموم والخصوص المطلق كما لا يخفى فافهم قال الأصل وصححه ابن الشاط والزهد في المحرمات واجب وفي الواجبات حرام وفي المندوبات مكروه وفي المباحات مندوب وإن كانت مباحة لأن الميل إليها يفضي إلى ارتكاب المحرمات والمكروهات فتركها من باب الوسائل المندوبة\rا ه\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة الورع\rوهو أن الزهد على تعريف الأصل والأول والثالث من تعريفات الجرجاني المتقدمة هيئة في القلب وعلى الثاني من تعريفات الجرجاني فعل من أفعال الجوارح وأما الورع ففي الأصل هو ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس وفي تعريفات الجرجاني هو اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات وقيل هي ملازمة الأعمال الجميلة\rا ه\r","part":4,"page":410},{"id":1641,"text":"قلت ومآل الثلاثة أن الورع فعل من أفعال الجوارح وأصلها قوله عليه الصلاة والسلام الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه أي سلم دينه وعرضه وهو مندوب إليه وبينه وبين الزهد على تعريف الأصل والأول والثالث من تعريفات الجرجاني المتقدمة التباين الكلي وبينه وبين الزهد على الثاني من تعريفات الجرجاني المتقدم العموم والخصوص المطلق والزهد هو الأعم فليتأمل بإمعان وفي العزيزي بعد ما رواه في الجامع الصغير عما خرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عنه {صلى الله عليه وسلم} أنه قال إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق\rقال المناوي إرشاد يعني انتفع به وفيه إشارة إلى أن شرط قبول المبذول علم حله باعتبار الظاهر ويؤخذ من كلام العلقمي أنه إن علم حله استحب القبول وإن علم حرمته حرم القبول وإن شك فالاحتياط رده وهو الورع\rا ه\rقال الحفني أو من الشبهة لكن محله إن لم يعارضه حب الثناء كأن يقال فلان زاهد لا يقبل شيئا لأنه يرد ما فيه شبهة حينئذ أخر من قبوله ا ه وفي العزيزي ما رواه سعيد بن منصور في سننه وابن ماجه والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك من قوله {صلى الله عليه وسلم} إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى إليه طبقا فلا يقبله أو حمله على دابته فلا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك المراد أهدى إليه شيئا أو أراد أن يركبه دابته أو يحمل عليها متاعا له فلا يركبها أي لا يستعملها بركوب ولا غيره قال العلقمي هو محمول على التنزه والورع أي فهو خلاف الأولى والله تعالى أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى اختلف الأصل وابن الشاط في أن الخروج من خلاف العلماء بحسب الإمكان هل يعد من الورع أو لا يعد منه فذهب الأصل إلى أنه يعد منه وقال فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أو حرام فالورع الترك أو هو مباح أو واجب فالورع الفعل مع\r","part":4,"page":411},{"id":1642,"text":"اعتقاد الوجوب حتى يجزئ عن الواجب على المذهب وإن اختلفوا فيه هل هو مندوب أو حرام فالورع الترك أو مكروه أو واجب فالورع الفعل حذرا من العقاب في ترك الواجب وفعل المكروه لا يضره وإن اختلفوا هل هو مشروع أم لا فالورع الفعل لأن القائل بالمشروعية مثبت لأمر لم يطلع عليه النافي والمثبت مقدم على النافي كتعارض البينات وذلك كاختلاف العلماء في مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة فمالك يقول ليست بمشروعة والشافعي يقول هي مشروعة واجبة فالورع الفعل لتيقن الخلوص من إثم ترك الواجب على مذهبه وكالبسملة قال مالك هي في الصلاة مكروهة وقال الشافعي هي واجبة فالورع الفعل للخروج عن عهدة ترك الواجب وإن اختلفوا هل هو حرام أو واجب فالعقاب متوقع على كل تقدير فلا ورع إلا أن تقول إن المحرم إذا عارضه الواجب قدم على الواجب لأن رعاية درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح وهو الأنظر فيقدم المحرم ها هنا فيكون الورع الترك وإن اختلفوا هل هو مندوب أو مكروه فلا ورع لتساوي الجهتين على ما تقدم في المحرم والواجب ويمكن ترجيح المكروه كما تقدم في المحرم وعلى هذا المنوال تجري قاعدة الورع وهذا مع تقارب الأدلة أما إذا كان أحد المذهبين ضعيف الدليل جدا بحيث لو حكم به حاكم لنقضناه لم يحسن الورع في مثله\rوإنما يحسن إذا كان مما يمكن تقريره شريعة\rا ه\rوذهب الإمام ابن الشاط إلى أن الخروج من خلاف العلماء بحسب الإمكان لا يعد من الورع وقال لا يصح ما قاله الشهاب لوجوه\rالوجه الأول\r","part":4,"page":412},{"id":1643,"text":"أنه مبني على أن الورع في ذلك توقع العقاب وأي عقاب يتوقع في ذلك أما على القول بتصويب المجتهدين فالأمر واضح لا إشكال فيه وأما على القول بتصويب أحد القولين أو الأقوال دون غيره فالإجماع منعقد على عدم تأثيم المخطئ وعدم تعيينه فلا يصح دخول الورع في خلاف العلماء على هذا الوجه الوجه الثاني أنه لا دليل على دخول الورع في ذلك غير ما يتوهم من توقع الإثم والعقاب وذلك منتف بالدليل الإجماعي القطعي الوجه الثالث كيف يصح دخول الورع في ذلك والنبي {صلى الله عليه وسلم} يقول أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فأطلق القول من غير تقييد ولا تفصيل ولا تنبيه على وجه الورع في ذلك الوجه الرابع أنه لم يحفظ التنبيه في ذلك عن واحد من أصحابه يعني الصحابة رضي الله عنهم ولا غيرهم من السلف المتقدم الوجه الخامس أن الخروج عن الخلاف لا يتأتى في مثل ما مثل به الشهاب كما في مسألة الخلاف بالتحريم والتحليل في الفعل الواحد فإنه لا بد من الإقدام على ذلك الفعل والانكفاف عنه فإن أقدم المكلف فقد وافق مذهب المحلل وإن انكف عنه فقد وافق مذهب المحرم فأين الخروج عن الخلاف إنما\rذلك عمل على وفق أحد المذهبين لا خروج عن المذهبين ومثاله أكل لحوم الخيل فإنه مباح عند الشافعي ممنوع أو مكروه عند مالك فإن أقدم على الأكل فذلك مذهب الشافعي وإن انكف فذلك مذهب مالك قال وما قاله فيما إذا اختلفوا لنا في المشروعية وعدمها من أن القائل بها مثبت لأمر لم يطلع عليه الثاني والمثبت مقدم على النافي كتعارض البينات ليس بصحيح على الإطلاق فإنه إن عنى بتعارض البينات كما إذا قالت إحدى البينتين لزيد عند عمرو دينا وقالت الأخرى ليس عنده شيء فلا تعارض لأن النافية معنى نفيها أنها لا تعلم أن له عنده شيئا أو ليس عنده شيء فلا تعارض\r","part":4,"page":413},{"id":1644,"text":"وليس نفيها أنها تعلم أنه ليس له عنده شيء فإن ذلك أمر يتعذر العلم به عادة وإن عنى كما إذا قالت إحدى البينتين رأيناه يوم عرفة من عام سبعمائة بمكة وقالت الأخرى رأيناه في ذلك اليوم بعينه بالمدينة فهذا تعارض ولا يصح تقديم إحداهما على الأخرى إلا بالترجيح وهذه الصورة هي التي تشبه مسألة المجتهدين لا الصورة الأولى فإذا وقع الخلاف في مثل هذا الاجتهاد ثبت الخلاف من غير تقديم لأحد المذهبين على الآخر إلا عند من رجح عنده كالمجتهدين وكل من رجح عنده ذلك المذهب لا يسوغ له تركه فلا ورع باعتبار المجتهدين ولا بد لمن حكمه التقليد أن يعمل بالتقليد فإذا قلد أحد المجتهدين لا يتمكن له في تلك الحال وفي تلك القضية أن يقلد الآخر ولا أن ينظر لنفسه لأنه ليس من\rأهل النظر والمكلفون كلهم دائرون بين الاجتهاد والتقليد والمجتهد ممنوع من الأخذ بغير ما اقتضاه نظره والمقلد ممنوع من الأخذ بالذي يقتضي خلاف مذهب مقلده في حقه فلا يصح الورع الذي يقتضي خلاف نظر المجتهد في حقه وخلاف مذهب المقلد في حق المقلد وإذا كان هذا النوع من الورع لا يصح في حق المجتهدين ولا في حق المقلدين فليس بصحيح لأنه لا ثالث يصح ذلك الورع في حقه قال وبالجملة فلزوم عمل المجتهد ومقلده على حسب مقتضى اجتهاد المجتهد كما يمنع حصول الورع في اختلاف المذاهب بالإيجاب والتحريم إذ يتعين الفعل في الأول\r","part":4,"page":414},{"id":1645,"text":"والترك في الثاني كذلك يمنع حصوله في اختلافها بالإيجاب والندب والتحليل أو بالتحريم والكراهة حتى عند من يقول إن الثلاثة الأول مشتركة في جواز الفعل والاثنان مشتركان في رجحان الترك وأن توهم صحة ذلك ضرورة أن اللزوم المذكور يمنع من صحة ذلك إلا أن يقول قائل في المقلد إنه يسوغ له تقليد أحد القائلين بالوجوب والندب مثلا لا بعينه ويفعل الفعل بنية التفويض لكن لا أعرفه لأحد ولا أعرف له وجها قال وما وجه به الشهاب تسويغ تقليد أحد القائلين بالوجوب والندب مثلا من أن مقلد الشافعي يعتقد في مسح\rرأسه كله الندب على رأي الشافعي والوجوب على رأي مالك وإن كان الندب والوجوب والأحكام الشرعية أضدادا لكن الجمع بين الضدين إنما يمتنع إذا اتحد المتعلق والإضافة مع اتحاد المحل أما اتحاد المحل فقط مع اختلاف الإضافة كما هنا فإنه كما علمت اعتقد مسح الرأس واجبا على مذهب مالك ومندوبا على مذهب الشافعي فلا يمنع الجمع بينهما في ذهنه باعتبار الجهتين والإضافتين المذكورتين ألا ترى أن زيدا يصدق عليه أنه أب لعمرو وليس أبا لخالد فيجتمع فيه النقيضان باعتبار إضافتين\rا ه\rفهو وإن بناه على أن التناقض والتضاد لا يتحققان إلا بشرط اتحاد المحل والمتعلق والإضافة لا صحة له وإن كان اشتراط تلك الشروط في التناقض والتضاد صحيحا وذلك لما علمت من أنه يلزم المجتهد ومقلده موافقة اجتهاده في عمله واعتقاده ويحرم عليه وعلى مقلده مخالفته فما قاله جماعة من الفقهاء من أن الورع لا يدخل في مسح الشافعي مثلا جميع رأسه لأنه إن اعتقد الوجوب فقد ترك الندب فلم يجمع بين المذهبين بل هذا مذهب مالك فقط\rوإن لم يعتقد الوجوب لم يجزه المسح إلا بنية الندب فما حصل الجمع بين المذهبين وكذلك المالكي إذا بسمل وكل موضع اختلف فيه على هذا النحو\rا ه\rوهو القول الصحيح والله تعالى أعلم\rالمسألة الثانية\r","part":4,"page":415},{"id":1646,"text":"قال الأصل الورع في تقليد الشافعي مثلا مالكا في تدلكه في غسله وفي مسحه جميع رأسه ونحو ذلك ليس هو صحة العبادة وإن اعتقد كثير من الفقهاء أن المالكي يعتقد بطلان مذهب الشافعي إذا لم يتدلك في غسله أو لم يمسح جميع رأسه ونحوه وأن الشافعي يعتقد بطلان مذهب المالكي إذا لم يبسمل وأن الجمع بين المذاهب والورع في ذلك إنما هو لصون الصلاة ونحوها عن البطلان على قول المخالف بل عبادة كل مقلد لإمام معتبر صحيحة بالإجماع إذ لو لم يجمع كل فريق مع خصمه على صحة تصرفاته وعبادته على وجه التقليد المعتبر بل كان المالكي مثلا يعتقد بطلان صلاة الشافعي وبالعكس لكانت كل طائفة عند الأخرى من أعظم الناس فسقا لتركها الصلاة طول عمرها ولا تقبل لها شهادة وتجري عليها أحكام الفساق أبد الدهر ويطرد ذلك في الفرق كلها من جهة مخالفها وهذا فساد عظيم لم يقل به أحد بل مالك والشافعي وجميع الأئمة من أعدل الناس ولا يقول بفسق أحد منهم إلا منافق مارق من الدين\rا ه\rقال ابن الشاط وما قاله صحيح إلا أنه يرد عليه أن الورع ما فائدته وكيف يشرع بعد أن كانت العبادة الواقعة صحيحة\rولا يصح دفع الشهاب له بأن فائدة الورع وسبب مشروعيته الجمع بين أدلة المختلفين والعمل بمقتضى كل دليل فلا يبقى في النفوس توهم أنه قد أهمل دليلا لعل مقتضاه هو الصحيح فبالجمع ينتفي ذلك فأثر الجمع بين المذاهب في جميع مقتضيات الأدلة في صحة العبادة والتصرف\rا ه\rإذ كيف يصح الجمع بين مقتضى دليلين موجب ومحرم وأحدهما يقتضي لزوم الفعل والثاني يقتضي\rلزوم الترك والجمع بين الفعل والترك بالنسبة إلى الأمر الواحد محال ولا يغني في ذلك اعتقاد اختلاف الإضافة بالنسبة إلى الإمامين ا ه\rوكذلك ما قاله في المسألة الثالثة وجميع ما قال في الفروق الخمسة بعد هذا الفرق صحيح\rالمسألة الثالثة\r","part":4,"page":416},{"id":1647,"text":"قال الأصل وصححه ابن الشاط في دخول الورع والزهد في المباحات وعدم دخولها فيها خلاف وقع في أول العصر الذي أدركته يعني أوائل القرن السابع فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم وضيق بعضهم على بعض وأكثروا التشنيع فقال الأبياني في مصنفه لا يدخل الورع فيها لأن الله سوى بين طرفيها والورع مندوب إليه والندب مع التسوية متعذر وقال الشيخ بهاء الدين الحميري يدخل الورع في المباحات وما زال السلف الصالح على الزهد في المباحات ويدل على ذلك قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وغيره من النصوص وكل من الشيخين على الحق والصواب إذ لم يتواردا على محل واحد في الكلام\rوالجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع فيها من حيث هي مباحات وفيها الزهد والورع من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات بل قد يوقع في المحرمات وكثرة المباحات أيضا تقضي إلى بطر النفوس فإن كثرة العبيد والخيل والخول والمساكن العلية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها من الإعراض عن موقف العبودية وعن التضرع لعز الربوبية كما يفعل ذلك الفقراء أهل الحاجات والفاقات والضرورات وما يلزم قلوبهم من الخضوع والذلة لذي الجلال وكثرة السؤال من نواله وفضله آناء الليل وأطراف النهار لأن أنواع الضرورات تبعث على ذلك قهرا والأغنياء بعيدون عن هذه الخطة فدخول الزهد والورع في المباحات من هذه الجهة لا من جهة أنها مباحات ويدل على اعتبار الجهة الأولى فيها قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك أي من أجل أن أعطاه الله الملك فلو كان النمرود فقيرا حقيرا مبتلى بالحاجات والضرورات لم يحتد نفسه إلى منازعة إبراهيم ودعواه الإحياء\r","part":4,"page":417},{"id":1648,"text":"والإماتة وتعرضه لإحراق إبراهيم عليه السلام بالنيران وإنما وصل إلى هذه المعاطب والمهالك بسبب أنه ملك وكذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون وفي الآية الأخرى وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي فحصل من ذلك أن اتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمبادرين إلى تصديقهم إنما هم الفقراء والضعفاء وأن أعداء الأنبياء\rعليهم الصلاة والسلام ومعانديهم إنما هم الأغنياء لقوله تعالى وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل\rوفي الآية الأخرى إلا قال مترفوها ولم يقل إلا قال فقراؤها فهذه سنة الله تعالى في خلقه أن الأكثرين في هذه الدار هم الأقلون في تلك الدار وأن الأقلين في هذه الدار هم الأكثرون في تلك الدار فهذا وجه ما كان السلف يعتمدونه في دخول الزهد والورع في المباحات وهو وجه لزوم الذم المفهوم من قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وبه يجمع بين القولين\rا هـ\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والخمسون والمائتان بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب\rوهو مبني على أحد القولين لكثير من الفقهاء والمحدثين في علم الرقائق وهما هل بين هاتين القاعدتين تلازم بحيث لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب والاعتماد على الله تعالى وهو ما قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره وعليه فلا فرق بينهما أو أنه ما بين الشرط والمشروط أو لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب ولا هو هو أي بل التوكل أعم مطلقا من ترك الأسباب فافهم\rوهذا قول آخرين قال الأصل وهو الصحيح لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضر أي سواء كان مع ملابسة الأسباب أو مع عدم ملابستها نعم قال المحققون والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول أما المنقول فإن الله تعالى قد أمر بملابسة أسباب بالاحتياط والحذر","part":4,"page":418},{"id":1649,"text":"من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز فمن ذلك قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل فأمر بالاستعداد وقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار بقوله تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا أي تحرزوا منه مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو سيد المتوكلين يطوف على القبائل\rويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى والله يعصمك من الناس ودخل مكة مظاهرا بين درعين من الحديد في كتيبته الخضراء وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه تعالى يدخر قوت سنة لعياله وروى الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال اعقلها وتوكل أي شد ركبة ناقتك مع ذراعها بحبل واعتمد على الله تعالى فإن عقلها لا ينافي التوكل قال العزيزي على الجامع الصغير وسببه كما في الترمذي أن رجلا قال يا رسول الله أعقل ناقتي وأتوكل أو أطلقها وأتوكل فذكره\rا ه\rقال الأصل وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة عودهم بأيام لا يحسن إلا فيها وبأمكنة لا يدفع إلا فيها وبأبواب لا يخرج إلا منها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث جرت عادته بإجرائه فيه وأن لا يخالف عوائده بل يجري عليها والله تعالى ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك وقد رتب ملكه على عوائد أرادها وأسباب قدرها وربط بها آثار قدرته ولو شاء لم يربطها فجعل الري بالشرب والشبع بالأكل والاحتراق بالنار والحياة بالتنفس في الهواء فمن طلب من الله تعالى\rحصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله تعالى بل يلتمس فضله في عوائده والخلائق قد انقسموا في مقام طلبهم منه سبحانه وتعالى هذه الآثار إلى ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\r","part":4,"page":419},{"id":1650,"text":"عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب والعوائد فلججوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله تعالى وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في كتب الرقائق والقسم الثاني لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل وهم عامة الخلق وشر الأقسام فإنهم ربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر والقسم الثالث عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع عدم إهمال الأسباب والعوائد بل طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب وهم النبيون والصديقون وخاصة عباد الله تعالى والعارفون بمعاملته\rوهم خير الأقسام الثلاثة جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه قال والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعل التوكل عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب أنه إذا قيل الإيمان سبب لدخول الجنة والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا والآخرة وإن اعتبرهما فقال لا بد من الإيمان وترك الكفر قيل له ما بال غيرهما من الأسباب فإن هذين إن كانا لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك نعم الأسباب نوعان نوع مطرد في مجرى عوائد الله تعالى كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس ونحو ذلك ونوع أكثري غير مطرد أجرى الله فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك ولكن الأدب في الجميع التماس فضل الله تعالى في عوائده\r","part":4,"page":420},{"id":1651,"text":"ولذلك كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار فأمر بكي سعد وقال عليه الصلاة والسلام المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وصلاح كل جسم ما اعتاد وإذا كان حاله عليه السلام في الأسباب التي ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته فما ظنك بغير ذلك من العوائد فهذا هو الحق الأبلج والطريق الأنهج ا ه كلام الأصل بتهذيب وصححه ابن الشاط\rقلت وتعريفه التوكل على القول الذي اختاره بقوله هو اعتماد القلب إلخ هو بمعنى قول السيد الجرجاني في تعريفاته هو الثقة بما عند الله واليأس عما في أيدي الناس ا ه وقول شيخ الإسلام الشيخ زكريا هو الاعتماد على الله تعالى وقطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها وقوله ويقال هو ترك السعي فيما لا تسعه قوة البشر وأما قول الأصل على ما قاله الغزالي في الإحياء وغيره بحيث يجعل التوكل عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب فعلى الثاني يعرف قول شيخ الإسلام زكريا ويقال هو كلة الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته وعلى الأول يعرف بقول شيخ الإسلام أيضا أو يقال هو ترك الكسب وإخلاء اليد من المال قال شيخ الإسلام زكريا ورد بأن هذا تواكل لا توكل أفاده العزيزي على الجامع الصغير عن العلقمي والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الستون والمائتين بين قاعدة الحسد وقاعدة الغبطة\r","part":4,"page":421},{"id":1652,"text":"وهو أن القاعدتين وإن اشتركتا في أنهما طلب من القلب إلا أن الحسد تمني زوال النعمة عن الغير قال ابن حجر في الزواجر ويكون حراما وفسوقا إن كان من حيث كونها نعمة أما إن كان من حيث كونها آلة الفساد والإيذاء كما في نعمة الفاجر فلا حرمة ا ه قال الأصل كان المتمني زوالها عنه تمنى حصولها لنفسه أو لا فالحسد نوعان والثاني أشرهما لأنه طلب المفسدة الصرفة من غير معارض عادي أو طبيعي قال ودليل تحريم الحسد الكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب فقوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد وقوله تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقوله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض أي لا تتمنوا زواله بقرينة النهي وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام لا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا وفي الزواجر قال {صلى الله عليه وسلم} في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا\rتدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة رواه الشيخان ا ه قال الأصل وأما الإجماع على تحريمه فقد انعقد من الأمة المعصومة قال ويقال إن الحسد أول معصية عصي الله بها في الأرض حسد إبليس آدم فلم يسجد له\rا ه\rوفي الزواجر ومن آفات الحسد أن فيه سخطا لقضاء الله تعالى إذا أنعم على الغير بما لا مضرة عليك فيه وشماتة بأخيك المسلم قال الله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ا ه والغبطة تمني حصول مثل نعمة الغير لنفسك من غير تعرض لطلب زوالها عن صاحبها بل تشتهي مثلها لنفسك مع بقائها لذويها وقد تخص باسم المنافسة\r","part":4,"page":422},{"id":1653,"text":"وقد يعبر عنها بلفظ الحسد كما في قوله {صلى الله عليه وسلم} لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل آتاه الله تعالى مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار أي لا غبطة إلا في هاتين على وجه المبالغة وفي الزواجر وليست الغبطة والمنافسة بحرام أي لعدم تعلقها بمفسدة ألبتة بل هي إما واجبة وإما مندوبة وإما مباحة قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون سابقوا إلى مغفرة من ربكم والمسابقة تقتضي خوف الفوت فالواجبة تكون في النعم الدينية الواجبة كنعمة الإيمان والصلاة المكتوبة والزكاة فيجب أن تحب أن تكون مثل القائم بذلك وإلا كنت راضيا بالمعصية والرضا بها حرام والمندوبة تكون في الفضائل والعلوم وإنفاق الأموال في الميراث\rوالمباحة تكون في النعم المباحة كالنكاح والمنافسة في المباحات لا يترتب عليها إثم لكنها تنقص من الفضائل وتناقض الزهد والرضا بالمقضي والتوكل وتحجب عن المقامات الرفيعة نعم هنا دقيقة ينبغي التنبيه لها وإلا وقع الإنسان في الحسد الحرام من غير أن يشعر وهي أن من أيس أن ينال مثل نعمة الغير فبالضرورة أن نفسه تعتقد أنه ناقص عن صاحب تلك النعمة وأنها تحب زوال نقصها وزواله لا يحصل إلا بمساواة ذي النعمة أو بزوالها عنه وقد فرض يأسه عن مساواته فيها فلم يبق إلا محبته لزوالها عن الغير المتميز بها عنه إذ بزوالها يزول تخلفه\rوتقدم غيره بها فإن كان بحيث لو قدر على زوالها عن الغير أزالها فهو حسود حسدا مذموما وإن كان عنده من التقوى ما يمنعه عن إزالتها مع قدرته عليها وعن محبة زوالها عن الغير فلا إثم\r","part":4,"page":423},{"id":1654,"text":"عليه لأن هذا أمر جبلي لا تنفك النفس عنه ولعله المعنى بقوله {صلى الله عليه وسلم} كل ابن آدم حسود وفي رواية ثلاثة لا ينفك المسلم عنهن الحسد والظن والطيرة وله منهن مخرج إذا حسدت فلا تبغ أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به ويبعد ممن يريد مساواة غيره في النعمة فيعجز عنها سيما إن كان من أقرانه أن ينفك عن الميل إلى زوالها فهذا الحد من المنافسة يشبه الحسد الحرام فينبغي الاحتياط التام فإنه متى صفى إلى محبة نفسه ومال لاختياره إلى مساواته لذي النعمة بمحبة زوالها عنه فهو مرتبك في الحسد الحرام\rولا يتخلص منه إلا إن قوي إيمانه ورسخ قدمه في التقوى ومهما حركه خوف نقصه عن غيره جره إلى الحسد المحظور وإلى ميل الطبع إلى زوال نعمة الغير حتى ينزل لمساواته وهذا لا رخصة فيه بوجه سواء أكان في مقاصد الدين أم الدنيا قال الغزالي ولكن ذلك يعفى عنه ما لم يعمل به إن شاء الله تعالى وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له ا هـ والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والخمسون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة التجمل بالملابس والمراكب وغير ذلك\rوهو من جهتين الجهة الأولى أن الكبر من أعمال القلوب فلا يتعلق به الحسن وأما التجمل فمن أفعال الجوارح فيتعلق به الحسن والجهة الثانية أن أصل التجمل الإباحة لقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وقد يعرض له ما ينقله عن الإباحة إما إلى الوجوب كتوقف تنفيذ الواجب عليه في نحو ولاة الأمور فإن الهيئات الرثة لا تحصل معها مصالح العامة منهم","part":4,"page":424},{"id":1655,"text":"وإما إلى الندب كتوقف المندوب عليه كما في الصلوات لقوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد أي صلاة وفي الجماعات لقوله {صلى الله عليه وسلم} إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ببناء يرى للمجهول وقوله {صلى الله عليه وسلم} إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم وغيره في حديث طويل سيأتي وفي الحروب لرهبة العدو وفي المرأة لزوجها وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس وقد قال عمر أحب أن أنظر إلى قارئ القرآن أبيض الثياب\rوقد أنشد الإمام مالك لما اعترض عليه بعض معاصريه في التجمل بالثياب الثمينة حسن ثيابك ما استطعت فإنها زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التواضع في اللباس تخشنا فالله يعلم ما تسر وتعلن فرثيث ثوبك لا يزيدك رفعة عند الإله وأنت عبد مجرم وجديد ثوبك لا يضرك بعدما تخشى الإله وتتقي ما يحرم وإما إلى التحريم ككونه وسيلة لمحرم كمن يتزين للنساء الأجنبيات ليزني بهن فإذا عدم المعارض الناقل له عن الإباحة وعري عن هذه الأسباب بقيت الإباحة وأصل الكبر التحريم\rوقد يعرض له ما ينقله عن التحريم إما إلى الوجوب كما في الكبر على الكفار في الحروب وغيرها وإما إلى الندب كما في الكبر على أهل البدع تقليلا للبدعة والإباحة فيه بعيدة فإذا عدم المعارض الناقل عن التحريم استصحب فيه التحريم وهو إما كبر على الله تعالى وهو أفحش أنواعه ككبر فرعون ونمرود حيث استنكفا أن يكونا عبدين لله تعالى وادعيا الربوبية قال تعالى إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين لن يستنكف المسيح الآية وإما على رسوله {صلى الله عليه وسلم} بأن يمتنع من الانقياد له تكبرا جهلا وعنادا كما حكى الله ذلك عن كفار مكة وغيرهم من الأمم وإما على عباد الله تعالى بأن يستعظم نفسه ويحتقر غيره ويزدريه فيأبى على الانقياد له أو يترفع عليه\rويأنف من مساواته وهذا\r","part":4,"page":425},{"id":1656,"text":"وإن كان دون الأولين إلا أنه عظيم اسمه أيضا لأن الكبرياء والعظمة إنما يليقان بالملك القادر القوي المتين دون العبد العاجز الضعيف فتكبره فيه منازعة لله في صفة لا تليق إلا بجلاله وقد قال تعالى في الحديث إن من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه ولأن التكبر على عباده لا يليق إلا به تبارك وتعالى فمن تكبر عليهم فقد جنى عليه إذ من استذل خواص غلمان الملك منازع له في بعض أمره فيستحق مقته ومن لازم هذا الكبر بنوعيه مخالفة أوامر الحق لأن المتكبر\rومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصب تأبى نفسه من قبول ما سمعه من غيره وإن اتضح سبيله بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله فهو على حد قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله أن يقول عليك بنفسك وقال {صلى الله عليه وسلم} لرجل كل بيمينك فقال متكبرا لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد فإذن التكبر على الخلق يدعو إلى التكبر على الخالق ألا ترى أن إبليس لما تكبر على آدم وحسده بقوله أنا خير منه جره ذلك إلى التكبر على الله لمخالفته أمره فهلك هلاكا مؤبدا\r","part":4,"page":426},{"id":1657,"text":"ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر فقالوا يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس خرجه مسلم وغيره قال العلماء رضي الله عنهم بطر الحق بفتح الموحدة والمهملة رده ودفعه على قائله وغمص الناس بفتح المعجمة وسكون الميم وبالصاد المهملة احتقارهم وازدراؤهم وكذا عمصهم بالمهملة وقوله عليه السلام لن يدخل الجنة وعيد عظيم يقتضي أن الكبر من الكبائر وعدم دخول صاحبه الجنة مطلقا عند المعتزلة لأن صاحب الكبيرة عندهم مخلد في النار كالكافر وعند أهل السنة معناه لا يدخلها وقت يدخلها غير المتكبرين أي في المبدأ والنفي العام قد يراد به الخاص إذا اقتضته النصوص أو القواعد قال الأصل والكبر من أعظم ذنوب القلب نسأل الله تعالى العافية حتى قال بعض العلماء كل ذنوب القلب يكون معه الفتح إلا الكبر\rا ه\rهذا تهذيب ما في الأصل وسلمه ابن الشاط مع زيادة من الزواجر والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة العجب\rوهو من جهتين أيضا الجهة الأولى ما في الأصل وصححه ابن الشاط من أن الكبر راجع للخلق والعباد كما علم من حقيقته المتقدمة والعجب راجع للعبادة إذ هو رؤية العبادة واستعظامها من العبد فهو معصية تكون بعد العبادة ومتعلقة بها هذا التعلق الخاص كما يتعجب العابد بعبادته\rوالعالم بعلمه وكل مطيع بطاعته وهو وإن كان حراما لا يفسد العبادة لأنه يقع بعدها بخلاف الرياء فإنه يقع معها فيفسدها\r","part":4,"page":427},{"id":1658,"text":"وسر تحريم العجب أنه سوء أدب على الله تعالى فإن العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرب به إلى سيده بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده لا سيما عظمة الله تعالى ولذلك قال الله تعالى وما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق تعظيمه فمن أعجب بنفسه وعبادته فقد هلك مع ربه وهو مطلع عليه وعرض نفسه لمقت الله تعالى وسخطه ونبه على ضد ذلك قوله تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون معناه يفعلون من الطاعات ما يفعلون وهم خائفون من لقاء الله تعالى بتلك الطاعة احتقارا لها وهذا يدل على طلب هذه الصفة والنهي عن ضدها ا ه والجهة الثانية ما في الزواجر لابن حجر من أن الكبر إما باطن وهو خلق في النفس واسم الكبر بهذا أحق أي كما يرشد له قوله تعالى إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فجعل محله القلب والصدور وإما ظاهر وهو أعمال تصدر من الجوارح وهي ثمرات ذلك الخلق وعند ظهورها يقال له تكبر وعند عدمها يقال في نفسه كبر فالأصل هو خلق النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فهو يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به بخلاف العجب فإنه لا يستدعي غير المعجب به حتى لو فرض انفراده دائما أمكن أن يقع منه العجب دون الكبر ومجرد استعظام الشيء لا يقتضي التكبر إلا إن كان ثم من يرى أنه فوقه ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الحادي والستون والمائتان بين قاعدة العجب وقاعدة التسميع\r","part":4,"page":428},{"id":1659,"text":"وهو أنهما وإن اشتركا في كون كل منهما معصية لا تحبط العبادة لكونها تقع قبلهما خالصة بخلاف الرياء فإنه يقارنها فيحبطها وقد تبين مما تقدم كون العجب معصية لا تحبط العبادة إلخ وأما التسميع ففي الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم وغيره قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سمع سمع الله به يوم القيامة أي ينادى به يوم القيامة هذا فلان عمل عملا لي ثم أراد به غيري فهو عبارة عن إخبار الشخص بما عمله من العبادات التي أخلص فيها ليعتقد فيه ويكرم بخلاف الرياء فإنه كما في تعريفات الجرجاني قد سره ترك الإخلاص في العمل بملاحظة غير الله تعالى فيه إلا أن التسميع يفارق العجب من جهة أنه يكون باللسان والعجب يكون بالقلب كما علمت والله تعالى أعلم\rالفرق الثاني والستون والمائتان بين قاعدة الرضا بالقضاء وبين قاعدة عدم الرضا بالمقضي\rوهو أن القضاء قيل مرادف للقدر وهو خلاف قول الجمهور لكنه قوي وعليه فهل هما إرادة فقط أو إرادة وعلم أو هما وقدرة أقوال ثلاثة والذي عليه الجمهور تباينهما وعليه فقيل القضاء إرادة والقدر إيجاد ممكن وقيل بالعكس أي القضاء إيجاد ممكن والقدر إرادة وقال السنوسي القدر تعلق القدرة والعلم معا في الأزل بالممكن والقضاء إجراء الممكن على وفق ما مضى به القدر والعلم وقال القرافي القدر تعلق الإرادة في الأزل بالممكن والقضاء الإرادة بحكم خبري كإرادته تعالى لزيد بالسعادة مع إخباره بكلامه وقد نظم الرهوني حاصل هذا بقوله\r","part":4,"page":429},{"id":1660,"text":"وفي تباين القضاء والقدر أو الترادف خلاف اشتهر والأول المعزو للجمهور والثاني قول ليس بالمهجور ثم عليه هل هما إرادة أوتي وعلم أو هما وقدرة ثم على الأول أيضا اختلف على أقاويل فهاك ما عرف قيل القضاء إرادة ثم القدر إيجاد ممكن وعكس ذا اشتهر وللسنوسي الإمام وقعا تعلق القدرة والعلم معا في أزل قل قدر ثم القضا إجراء ممكن بوفق ما مضى أو قدر تعلق الإراده في أزل فحصل الإفاده ثم الإرادة بحكم خبري قضي وهذا للقرافي السري وعلى كل من هذه الأقوال فالرضا بالقضاء واجب إجماعا والسخط وعدم الرضا به حرام إجماعا لأنا مأمورون بأن لا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم ولا نتعرض عليه في ملكه بأن يقول أحدنا ساخطا لقضائه تعالى أي شيء عملت حتى أصابني مثل هذا وما ذنبي وما كنت أستأهل هذا وفي الزواجر أخرج أبو نعيم من سخط رزقه وبث شكواه ولم يصبر لم يصعد له إلى الله عمل ولقي الله وهو عليه غضبان\rا ه\rوأما المقضي والمقدور فهو أثر القضاء والقدر وليس الرضا به واجبا على الإطلاق كما هو زعم من يعتقد أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي حتى بعث هؤلاء ذلك على قولهم إن الرضا بالقضاء إنما يكون من جهة الأولياء خاصة فهو عزيز الوجود بل هو كالمتعذر وإنما الصواب أن الرضا به قد يكون واجبا كالإيمان بالله تعالى والواجبات إذا قدرها الله تعالى للإنسان وقد يكون مندوبا كما في المندوبات وحراما كما في المحرمات نعم الرضا بالكفر لا يكون كفرا كما زعم الأصل إلا إذا كان مع علمه بكفره وهو لا يتأتى إلا من الكافر عنادا بناء على القول بجواز ذلك عادة\r","part":4,"page":430},{"id":1661,"text":"أما على القول بامتناع ذلك عادة فلا على أن جواز الكفر عناد عادة من البعيد المشبه بالمحال لأنه لا كفر عنادا إلا لحامل يحمله عليه ويرجحه عنده وكراهيته إياه مع رجحانه عادة كالمتناقضين وأما كراهية المعصية فهي ممكنة لأن كل عاص عالم بعصيانه قاله ابن الشاط وقد يكون مباحا كما في المباحات من نحو البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث فإنا ما أمرنا بأن تطيب لنا إذ هو تكليف بما ليس في طبع المكلف والشريعة لم ترد بتكليف أحد بما ليس في طبعه فالأرمد مثلا لم يؤمر باستطابة الرمد المؤلم بل ذم الله قوما لا يتألمون ولا يجدون للبأساء وقعا بقوله تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون فمن لم يستكن ولم يذل للمؤلمات ويظهر الجزع منها ويسأل ربه إقالة العثرة منها فهو جبار عنيد بعيد عن طرق الخير وأن الرضا بالقضاء ليس بنادر ولا متعذر فإن أكثر العوام من المؤمنين إنما يألمون من المقضي فقط\rوأما التوجه إلى جهة الربوبية بالتجوير والقضاء بغير العدل فهذا لا يكاد يوجد إلا نادرا من الفجار والمردة وإنا نجزم بأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تألم لقتل عمه حمزة وموت ولده إبراهيم ورمي عائشة بما رميت به إلى غير ذلك لأن هذا كله من المقضي ونجزم بأن الأنبياء عليهم السلام طباعهم تتألم وتتوجع من المؤلمات وتسر بالمسرات وإذا كان الرضا بالمقضيات غير حاصل في طبائع الأنبياء فغيرهم بطريق الأولى وبالجملة فالحق تفسير الرضا بالقضاء بما قلنا لا بما قالوا وهو بتفسيرنا متيسر على أكثر العوام من المؤمنين فضلا عن الأنبياء والصالحين وبتفسيرهم لا طمع فيه فهو غلط هذا تهذيب ما صححه ابن الشاط من كلام الأصل مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم تنبيه كون المقضي يكون خيرا أو شرا ولا يجب الرضا به إنما هو بحسب كسبنا وأما باعتبار خلق الله إياه فحسن يجب الرضا به إذ كل ما صدر عنه سبحانه وتعالى فضل أو عدل في\r","part":4,"page":431},{"id":1662,"text":"عبيده ولسيدي محمد وفا رضي الله عنه سمعت الله في سري يقول أنا في الملك وحدي لا أزول وحيث الكل مني لا قبيح وقبح القبح من حيثي جميل وتوضيح ذلك أن الفعل له جهتان كونه مقضيا له تعالى وكونه مكتسبا للعبد فيجب على العبد الرضا بالقدر أي ما يقع من العبد المقدر في الأزل\rوهو المقدور من الجهة الأولى لا الثانية ولذلك قيل يجب الإيمان بالقدر ولا يحتج به روي عن علي رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر خيره وشره وروى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال {صلى الله عليه وسلم} كل شيء بقدر حتى العجز والكيس وأما نحو قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فوارد على سبيل الإنكار أي كيف تكون هذه التفرقة أو محمول على مجرد السببية روي لأصبغ بن نباتة أن شيخا قام إلى علي رضي الله عنه بعد انصرافه من صفين فقال أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر فقال الشيخ عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئا فقال له مه أيها الشيخ عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين\rولا إليها مضطرين فقال الشيخ كيف والقضاء والقدر ساقانا فقال ويحك لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ولا المسيء أولى بالذم من المحسن تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها إن الله أمر تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسيرا لم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها\r","part":4,"page":432},{"id":1663,"text":"ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فقال الشيخ وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما قال هو الأمر من الله والحكم ثم تلا قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ا ه أفاده العطار في حاشيته على محلى جمع الجوامع قلت ومن هنا يظهر أن ما للأصل من الرضا بالقضاء غير الرضا بالمقضي مبني على اعتبار الجهة الثانية للمقضي وأن اعتقاد من يعتقد أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي مبني على اعتبار الجهة الأولى للمقضي نعم لا يظهر قولهم إن الرضا بالقضاء إنما يكون من جهة الأولياء إلخ فتأمل بإنصاف ولا تنظر لمن قال بل لما قال كما هو دأب الرجال من ذوي الكمال\rالفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة المثوبات\rوهو مبني على طريقة الأصل وهي أن للمثوبات شرطين الأول أن تكون من كسب العبد ومقدوره لقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فحصر ماله فيما هو من سعيه وكسبه وقوله تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور والشرط الثاني أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به فلا ثواب فيما لا أمر فيه كالأفعال قبل البعثة وكأفعال الحيوانات العجماوات فإنها لعدم الأمر بها لا ثواب لها فيها وإن كانت مكتسبة مراده لها واقعة باختيارها وكالموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل إذ لا ثواب لهم فيه على الصحيح لأنهم بعد الموت غير مأمورين ولا منهيين وأن المكفرات لا يشترط فيها شيء من ذلك بل هي ثلاثة أنواع لأنها\r","part":4,"page":433},{"id":1664,"text":"إما من باب الحسنات فتكون مكتسبة مقدورة قال الله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات وإما من باب التوبة والعقوبات فتكفر السيئات وتمحو آثارها وإما من باب المصائب المؤلمات فتكفر الذنوب جزما سواء اقترن بها السخط الذي هو عدم الرضا بالقضاء لا التألم من المقضيات كما تقدم بيانه أو اقترن بها الصبر والرضا وإن لم تكن سببا في رفع الدرجات وحصول المثوبات ضرورة أنها غير مكتسبة وقال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ذنوبه خلافا لما يعتقده كثير من الناس من أنها تكون سببا في ذلك وما في بعض الأحاديث من ترتيبه المثوبات على المصائب فمحمول على ما إذا صبر ليس إلا فإنه إن صبر اجتمع له التكفير والأجر\rوإن تسخط فقد يعود الذي تكفر بالمصيبة بما جناه من السخط أو أقل\rمنه أو أكثر فقوله عليه السلام في مسلم وغيره لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار قالت قلت يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له وواحد لقال وواحد معناه أن مصيبة فقد الولد تكفر ذنوبا كان شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار من جهة مجاز التشبيه ثم إن تكفير موت الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام الداخلة على القلب من فقد المحبوب فإن كثر كثر التكفير وإن قل قل التكفير فلا جرم يكون التكفير على قدر نفاسة الولد في صفاته أو نفاسته في بره وأحواله فإن كان الولد مكروها يسر بفقده فلا كفارة بفقده ألبتة وإنما أطلق عليه السلام التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم قال فظهر بهذه التقارير والمباحث الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات وعليه فلا يجوز أن تقول لمصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك جعل الله لك هذه المصيبة كفارة لأنها كفارة قطعا والدعاء\r","part":4,"page":434},{"id":1665,"text":"بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز لأنه قلة أدب مع الله تعالى وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال اللهم عظم له الكفارة لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير فإنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم ذلك فيه وفي نظائره هذا خلاصة ما قاله الأصل في هذه الطريقة\rواختار ابن الشاط والجمهور من علماء المذاهب الأربعة الطريقة الثانية وهي أن رفع الدرجات وحصول المثوبات لا يشترط في أسبابها كونها مكتسبة ولا مأمورا بها وأنه لا فرق بينها وبين المكفرات بل هي نوع منها وأن تلك الأسباب نوعان ما يكون سببه غير مكتسب ولا مقدور ومن ذلك الآلام وجميع المصائب قال ابن الشاط وقد دلت على ذلك كله دلائل\rوظواهر الشرع متظاهرة يعضدها قاعدة رجحان جانب\rالحسنات المقطوع بها ا ه وقد نقل العلامة الجمل على الجلالين عن ابن تيمية وغير واحد من المحققين كالكرخي أن من تلك الظواهر أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم كما في آية واتبعتهم ذريتهم بإيمان إلخ ومنها قوله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين وكان أبوهما صالحا فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما ومنها أن الله تعالى قال لنبيه {صلى الله عليه وسلم} وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وقال تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وقال تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض فقد رفع تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير ومنها أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير ومنها أن النبي {صلى الله عليه وسلم} يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بسعي الغير ومنها أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض\rوذلك منفعة بعمل الغير\rومنها أن الله يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم\r","part":4,"page":435},{"id":1666,"text":"ومنها أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قد امتنع من الصلاة على المدين حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب فانتفع بصلاة النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو من عمل الغير ومنها أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال لمن صلى وحده ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير قال ابن تيمية ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فمن اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من هذه الوجوه وغيرها ا ه ومثله للكرخي قال ابن الشاط فيتعين حمل عموم قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقوله تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون وما أشبه ذلك من الآي والأخبار والخصوص جمعا بين الأدلة فإن قال قائل ذلك وإن كان سببا لرفع الدرجات وزيادة النعيم فلا يسمى ثوابا ولا أجرا ولا جزاء فإنها ألفاظ مشعرة بالإعطاء في مقابلة عوض فالأمر فيما يقوله قريب إذ لا مشاحة في الألفاظ وكيف يصح حمله أي الشهاب القرافي الآيتين وما أشبههما على العموم مع الإجماع المعلوم المنعقد على صحة النيابة في الأعمال المالية كلها مع الخلاف في البدنية كلها أو ما عدا الصلاة منها\rا ه\rففي حاشية\rالبناني على عبد الباقي على مختصر خليل نقل الحطاب عند قوله في المختصر وما تطوع وليه عنه ما للعلماء من الخلاف في جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للنبي {صلى الله عليه وسلم} أو شيء من القرب قال وجلهم أجاب بالمنع لأنه لم يرد فيه أثر ولا شيء عمن يقتدى به من السلف انظره\r","part":4,"page":436},{"id":1667,"text":"وقد اعترضه الشيخ ابن زكري بحديث كعب بن عجرة كما في المواهب وغيرها قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قال أجعل صلاتي كلها لك قال قال إذا تكفى همك ويغفر ذنبك ا ه بلفظه وفي حاشية كنون أن الشيخ الطيب بن كيران بعد أن ذكر قوله الحافظ المنذري ومن وافقه قوله أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك ا ه قال وفيه أن هذا التفسير خلاف ظاهر العبارة ولو أريد لقيل فكم أصرف لك من وقت دعائي مثلا ويؤيد إرادة ظاهر العبارة ما في المعهود للشهود فإنه بعد أن ذكر الحديث عن كعب بن عجرة وتفسير المنذري المتقدم ذكر عن أبي المواهب الشاذلي أنه قال فذكر رؤياه المتقدمة وقال عقبها انتهى وهو حسن\rوهذا مذهب جماعة من الصوفية قال أبو المواهب التونسي قال لي المصطفى في مبشرة أنت تشفع في مائة ألف قلت بم نلت هذا قال بإعطائك لي ثواب صلاتك علي وحج ابن الموفق حججا فجعل ثوابها للمصطفى فرآه يقول له هذه يد لك عندي أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك فأدخلك الجنة بغير حساب ولا يستلزم ذلك سوء الأدب كما زعموا\r","part":4,"page":437},{"id":1668,"text":"ومنهم سيدي زروق فإن المقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم وإعظامهم لا أنهم محتاجون لما يهدى لهم والهدية على قدر مهديها لا المهدى إليه والأعمال أنفس ما عند المهدي وهي جهد مقل فلا محذور في إهدائها مع رؤية قصورها وعدم أهليتها نعم إن استعظم ما أهدى فسوء أدب ويمكن حمل كلام سيدي زروق عليه والله أعلم ا ه وأصله لجسوس وزاد بل منهم من يجعل أعماله هدية للأولياء أو يجعل وردا لجميعهم أو للجهة التي يعتقدها ومنهم من يجعل ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو مآب حسن النية والتقرب لجانبه الكريم {صلى الله عليه وسلم} وأما قول الشيخ زروق في عدة المريد بعد نقل مذهب الصوفية المتقدم ليس الحق في ذلك إلا باتباع سنته وإكرام قرابته وكثرة الصلاة عليه لأنه غني عن أعمالنا وإني لأرى ذلك إساءة أدب معه لمقابلته بما لا يصلح أن يكون صاحبه مقبولا فكيف الاعتداد بثوابه ا ه فليس بقوي للحديث المتقدم فإنه ظاهر في الجواز كما تقدم وأيضا فإن المقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم إلى آخر ما تقدم ثم قال أشار إلى ذلك شيخنا العلامة سيدي محمد بن عبد الرحمن بن زكري رحمه الله تعالى في شرحه لصلاة القطب مولانا عبد السلام بن مشيش نفعنا الله ببركته آمين\rا ه\rوقد ذكر ابن زكري رحمه الله جميع ما تقدم عند قوله صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله إلا أن عبارته كلام العهود أقوى وأظهر لأن لفظ الحديث يدل له إذ لو أريد بيان كم يجعل للصلاة عليه من أوقات عبادته لقال فكم أصرف من أوقات عبادتي في الصلاة عليك ويؤيده رؤيا أبي المواهب المتقدمة ثم قال والصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} هدية له على كل حال كما في الأحاديث وإن لم ينو المصلي كون ثوابها له فمعنى الإهداء حاصل له في الجملة والمقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم وإعظامهم لا أنهم محتاجون إلى هدية المهدي\r","part":4,"page":438},{"id":1669,"text":"ولذلك يجزلون المثوبات على أدنى شيء وأيضا فينوي المصلي بذلك تحصين عمله من الرد ليقوى بذلك رجاؤه احتراما بالنبي {صلى الله عليه وسلم} فإن الهدايا للملوك إذا كانت لا تناسب جلالة مقاديرهم ويخشى ردهم لها دخلت في جملة هدايا واسطة عظيم عند الملك فتقبل حينئذ من جملة هداياه وهذا كله إذا احتقر العامل نفسه واعتقد قصوره وعدم أهليته لذلك وأما إذا رأى عمله شيئا معتبرا في نفسه معتدا به فسوء الأدب لازم له ويمكن حمل ما لسيدي زروق عليه ويمكن أن يريد غير الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} أما هي فحديث أبي ظاهر في خلافه كما سبق والله تعالى أعلم ا ه فأنت تراه إنما ذكر رؤيا أبي المواهب وغيره على وجه التأييد والاستئناس لظاهر لفظ الحديث لا على وجه الاحتجاج\r","part":4,"page":439},{"id":1670,"text":"وقبل ذلك تلميذه جسوس وغيره فتأمله والله أعلم ا ه المراد من كلام كنون ومراده دفع تنظير الرهون في مستند ابن زكري أولا بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بالرؤيا وإن كانت حقا لا سيما من مثل أبي المواهب وثانيا بأن ما فهم من الحديث معارض بما فهم منه غير واحد من الأئمة من غير ذكر خلاف فيه فانظره إن شئت قلت وقد وجه عدم ثبوت الأحكام الشرعية بالرؤيا العلامة العطار على محلى جمع الجوامع فقال ولا يلزم من صحة الرؤية التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي حكي أن رجلا رآه {صلى الله عليه وسلم} في المنام يقول له إن في المحل الفلاني ركازا اذهب فخذه ولا خمس عليك فذهب فوجده فاستفتى العلماء فقال العز بن عبد السلام أخرج الخمس فإنه ثبت بالتواتر وقصارى رؤيتك الآحاد ا ه فافهم وفي الخازن وأجمع العلماء على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها وعلى وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصل للميت ثوابها وقال جماعة من أصحابه يصله ثوابها وبه قال أحمد بن حنبل وأما الصلوات وسائر التطوعات فلا تصله عند الشافعي والجمهور وقال أحمد يصله ثواب الجميع والله أعلم ا ه قال ابن الشاط فلا بد من حمل الآيتين وشبههما على الإيمان أو عليه وعلى سائر الأعمال القلبية\rا ه\r","part":4,"page":440},{"id":1671,"text":"وفي الخازن وقيل أراد بالإنسان في قوله تعالى وأن ليس للإنسان الآية الكافر والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بأن يوسع عليه في رزقه ويعافى في بدنه حتى لا يبقى له في الآخرة خير وقيل إن قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى هو من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وكرمه ا ه وفي الخطيب وقال ابن عباس هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام بقوله تعالى ألحقنا بهم ذريتهم فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما روي أن امرأة رفعت صبيا لها وقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم\r","part":4,"page":441},{"id":1672,"text":"ولك أجر وقال رجل للنبي {صلى الله عليه وسلم} إن أمي قتلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم ا ه قال ابن الشاط وقول القرافي بأن التوبة والعقوبات تكفر السيئات وتمحو آثارها إن أراد به محوها من الصحائف فهو ليس بصحيح لأنه عين الإحباط وهو باطل عند أهل السنة قال ولا دليل له في قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير على كون المصائب مكفرة للذنوب أو غير مكفرة وإنما فيها المصائب سببها الذنوب وأن من الذنوب ما لا يقابل بمصيبة يكون سببا لها بل يسامح فيه ويعفى عنه قال وما قاله من أن المصيبة لا ثواب فيها قطعا ليس بصحيح وقد تبين قبل هذا أن ما استدل به من العمومات لا دليل فيه لتعين حملها على الخصوص بالإجماع على صحة النيابة في الأمور المالية وبالظواهر المتظاهرة بثبوت الحسنات في الآلام وشبهها قال فلم يظهر الفرق بين القاعدتين على الوجه الذي زعم أي وإنما يظهر على وجه آخر وهو ما أشار إليه قبل بقوله فإن قال قائل ذلك وإن كان مسببا إلخ قال وما قاله في رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أطلق التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم فهو تحكيم بتقييد كلام الشارع من غير دليل وتضييق لباب الرحمة الثابت سعته قال ولا مانع من الدعاء بتحصيل الحاصل أي المعلوم الحصول إذ ذلك مراده بقوله والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز لأنه إلخ ولا وجه لقوله إن ذلك قلة أدب مع الله تعالى كيف وقد ثبت أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يدعو لنفسه الكريمة بالمغفرة مع العلم بثبوتها له وما المانع أن يدعو بذلك غيره أو يدعو له لعدم علمه بحصول شرط التكفير والمغفرة وهو الموافاة على الإيمان ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والستون والمائتان بين قاعدة المداهنة المحرمة وبين قاعدة المداهنة التي لا تحرم وقد تجب\r","part":4,"page":442},{"id":1673,"text":"وهو أن المداهنة وهي معاملة الناس بما يحبون من القول وإن شاع بين الناس أنها كلها محرمة إلا أنها تجري عليها الأحكام الخمسة فقسم المحرمة ما كان وسيلة لتكثير الظلم والباطل من أهله كشكر الظالم على ظلمه والمبتدع على بدعته أو مبطل على إبطاله ومنه قوله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون القلم\r9 أي هم يودون لو أثنيت على أحوالهم وعباداتهم ويقولون لك مثل ذلك وقسم غير المحرمة ما لم يكن كذلك بل كان عبارة عن شكر الظلمة الفسقة والذين يتقى شرهم بالكلمات الحقة وبالتبسم في وجوههم وإليه أشار أبو موسى الأشعري رضي الله عنه بقوله إنا لنشكر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وهذا قد يكون مباحا إن لم يكن وسيلة لواجب أو مندوب أو مكروه وقد يكون واجبا إن كان يتوصل به القائل لدفع ظلم محرم أو محرمات لا تندفع إلا بذلك القول ويكون الحال يقتضي ذلك وقد يكون مندوبا إن كان وسيلة لمندوب أو من مندوبات وقد يكون مكروها إن كان عن ضعف لا ضرورة تتقاضاه بل خور في الطبع أو كان وسيلة للوقوع في مكروه هذا تهذيب كلام الأصل وصححه ابن الشاط قلت وقسم المداهنة المحرمة هو الذي عده العلامة ابن حجر في الزواجر من الكبائر لما أخرجه البيهقي من قوله {صلى الله عليه وسلم} من أسوأ الناس منزلة من أذهب آخرته بدنيا غيره وفي رواية أنه أشر الناس ندامة وفي أخرى أنه أشر الناس منزلة يوم القيامة وما أخرجه الترمذي عنه {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس أهـ والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الخامس والستون والمائتان بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى المحرم وقاعدة الخوف من غير الله تعالى الذي لا يحرم\rوهو أن الخوف من غير الله محرم إن كان مانعا من فعل واجب أو ترك محرم أو كان مما لم تجر العادة بأنه سبب للخوف كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة كالعبور بين الغنم يخاف أن لا تقضى حاجته بهذا السبب وعلى","part":4,"page":443},{"id":1674,"text":"هذا الخوف المحرم يحمل قوله تعالى ولم يخش إلا الله وقوله تعالى فلا تخشوهم واخشوني وقوله تعالى وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ونحو ذلك من النصوص كقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله لأن معناه أن من جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله تعالى وزجره له عن طاعة الله تعالى كما وضع الله تعالى عذابه حاثا على طاعته وزاجرا عن معصيته فقد سوى بين عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر فتشبيهه الفتنة بعذاب الله تعالى من هذا الوجه حرام قطعا موجب لاستحقاق الذم الشرعي وهو من باب خوف غير الله تعالى المحرم وهو سر التشبيه ها هنا وأن الخوف من غير الله تعالى غير محرم إن كان غير مانع من فعل واجب أو ترك محرم وكان مما جرت العادة بأنه سبب للخوف كالخوف من الأسود والحيات والعقارب والظلمة وكالخوف من أرض الوباء ومن المجذوم على أجسامنا من الأمراض والأسقام بل صون النفوس والأجسام والمنافع والأعضاء والأموال والأعراض عن الأسباب المفسدة واجب لقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة\rوقوله {صلى الله عليه وسلم} فر من المجذوم فرارك من الأسد وعلى هذه القواعد فقس يظهر لك ما يحرم من الخوف من غير الله تعالى وما لا يحرم وحيث تكون الخشية من الخلق محرمة وحيث لا تكون فاعلم ذلك هذا تنقيح ما في الأصل وصححه ابن الشاط قلت ومراده بالخوف من أرض الوباء خوف من لم يدخلها من دخولها ففي الجامع الصغير مما رواه أحمد في مسنده والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف والنسائي عن أسامة بن زيد قال {صلى الله عليه وسلم} إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه قال المناوي أي يحرم عليكم ذلك لأن الإقدام عليه جرأة على خطر\r","part":4,"page":444},{"id":1675,"text":"وإيقاع للنفس في التهلكة والشرع ناه عن ذلك قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال الشيخ النهي للتنزيه أفاده العزيزي فلا ينافي ما رواه الإمام أحمد في مسنده وعبد بن حميد عن جابر من قوله {صلى الله عليه وسلم} الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف وفي رواية عنه أيضا الفار من الطاعون كالفار من الزحف ومن صبر فيه كان له أجر شهيد كما في الجامع الصغير للحافظ السيوطي فإن معناه كما في شرح العزيزي أنه كما يحرم الفرار من الزحف يحرم الخروج من بلد وقع فيها الطاعون بقصد الفرار ا ه وفي حاشية الحفني فإن خرج لنحو زيارة أو تجارة فلا بأس بذلك\rا ه\rوسيأتي نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أنه قال معنى قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا عدوى أنه محمول على بعض الأمراض بدليل تحذيره عليه السلام من القدوم على بلد فيه الوباء ا ه كما حصل العزيزي على الجامع الصغير ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من قوله {صلى الله عليه وسلم} فمن أعدى الأول كما في الجامع الصغير على خصوص سببه فقال قاله لمن استشهد على العدوى بإعداء البعير الأجرب للإبل وهو من الأجوبة المسكتة إذ لو جلبت الأدواء بعضها بعضا لزم فقد الداء الأول لفقد الجالب فالذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني وهو الله سبحانه وتعالى الخالق القادر على كل شيء ا ه وذلك البعض هو ما لم تتمحض ولم تجر لا بطريق الاطراد ولا الغلبة عادة الله تعالى به في حصول الضرر من حيث هو هو كالجرب بخلاف ما كانت عادة الله تعالى به في حصول الضرر اضطرارية أو أكثرية كالجذام فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده وإذا لم تدل على شيء حرم اعتقاده كما سيتضح والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السادس والستون والمائتان بين قاعدة التطير وقاعدة الطيرة وما يحرم منهما ولا يحرم\r","part":4,"page":445},{"id":1676,"text":"وذلك أن التطير هو الظن السيئ الكائن في القلب والطيرة هو الفعل المرتب على هذا الظن من قرار أو غيره وإن الأشياء التي يكون الخوف منها المرتب على سوء الظن الكائن في القلب تنقسم أربعة أقسام الأول ما جرت العادة الثابتة باطراد بأنه مؤذ كالسموم والسباع والوباء والطاعون والجذام ومعاداة الناس والتخم وأكل الأغذية الثقيلة المنفخة عند ضعفاء المعدة ونحو ذلك فالخوف في هذا القسم من حيث إنه عن سبب محقق في مجاري العادة لا يكون حراما فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده كما نعتقد أن الماء مرور والخبز مشبع والنار محرقة وقطع الرأس مميت ومنع النفس مميت ومن لم يعتقد ذلك كان خارجا عن نمط العقلاء وما سببه إلا جريان العادة الربانية به باطراد والقسم الثاني ما كان جريان العادة الربانية به في حصول أمر أكثريا لا اطراديا ككون المجمودة مسهلة والآس قابضا إلى غير ذلك من الأدوية فالاعتقاد وكذا الفعل المرتب عليه في هذا القسم وإن لم يكن مطردا ليس بحرام بل هو حسن متعين لأكثريته إذ الحكم للغالب فهو كالقسم الأول قلت وعلى القسم الأول تحمل جملة أحاديث منها قوله {صلى الله عليه وسلم} فر من المجذوم فرارك من الأسد ومنها قوله {صلى الله عليه وسلم} من احتجم يوم الأربعاء ويوم السبت فرأى في جسده وضحا أي برصا فلا يلومن إلا نفسه كما\rفي الجامع الصغير والقسم الثالث ما لم تجر عادة الله تعالى به أصلا في حصول الضرر من حيث هو هو كشق الأغنام والعبور بينها يخاف لذلك أن لا تقضى حاجته ونحو هذا من هذيان العوام المتطيرين كشراء الصابون يوم السبت فالخوف في هذا القسم من حيث إنه من غير سبب حرام لما جاء في الحديث أنه عليه السلام كان يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة فالطيرة فيه محمولة على هذا القسم لأنها من باب سوء الظن بالله تعالى فلا يكاد المتطير يسلم مما تطير منه إذا فعله جزاء له على سوء ظنه\r","part":4,"page":446},{"id":1677,"text":"وأما غيره فلأنه لم يسئ ظنه بالله تعالى لا يصيبه منه بأس فمن هنا لما سأل بعض المتطيرين بعض العلماء فقال له إنني لا أتطير فلا ينخرم على ذلك بل يقع الضرر بي وغيري يقع له مثل ذلك السبب فلا يجد منه ضررا وقد أشكل ذلك علي فهل لهذا أصل في الشريعة قال له نعم قوله {صلى الله عليه وسلم} حكاية عن الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وفي بعض الطرق فليظن بي خيرا وأنت تظن الله تعالى يؤذيك عند ذلك الشيء الذي تطيرت منه فتسيء الظن بالله عز وجل فيقابلك الله على سوء ظنك به بإذايتك بذلك الشيء الذي تطيرت به وغيرك لا يسيء ظنه بالله تعالى ولا يعتقد أنه يحصل له ضرر عند ذلك فلا يعاقبه الله تعالى فلا يتضرر\rا ه\rوالقسم الرابع ما لم يتمحض به حصول ضرر لا بالعادة الاطرادية ولا الأكثرية ولا عدم حصوله أصلا بل استوى به الحصول وعدمه كالجرب فمن ثم قال {صلى الله عليه وسلم} لمن استشهد على العدوى بإعداء البعير الأجرب للإبل فمن أعدى الأول\rوهو من الأجوبة المسكتة إذ لو جلبت الأدواء بعضها بعضا لزم فقد الداء الأول لفقد الجالب فالذي فعله في الأول\rهو الذي فعله في الثاني\r","part":4,"page":447},{"id":1678,"text":"وهو الله سبحانه وتعالى الخالق القادر على كل شيء كما تقدم عن العزيزي على الجامع الصغير فالورع ترك الخوف من هذا القسم حذرا من الطيرة والمرض الذي من هذا القسم كالجرب هو المراد ببعض الأمراض فيما نقله صاحب القبس عن بعض العلماء من قوله إن قوله {صلى الله عليه وسلم} لا عدوى معناه قال ابن دينار لا يعدي خلافا لما كانت العرب تعتقده فبين عليه السلام أن ذلك من عند الله تعالى ا ه وهو محمول على بعض الأمراض بدليل تحذيره عليه السلام من الوباء والقدوم على بلد هو فيه ا ه قال الأصل وهذا حق فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده كما نعتقد أن الماء مر وإلى آخر ما تقدم والممرض في قوله عليه السلام لا يحل على الممرض المصح هو صاحب الماشية المريضة والمصح هو صاحب الماشية الصحيحة قال ابن دينار ومعنى الممرض المصح بإيراد ماشية على ماشيته فيؤذيه بذلك فنسخ بقوله لا عدوى وقيل معناه لا يحل المجذوم محل الصحيح معه يؤذيه وإن كان لا يعدي فالنفس تكرهه فهو من باب إزالة الضرر لا من العدوى\rوقيل هو ناسخ لقوله عليه الصلاة والسلام لا عدوى ا ه قال الأصل ومن هذا القسم الشؤم الوارد في الأحاديث ففي الصحيح أنه قال عليه السلام إنما الشؤم في ثلاث الدار والمرأة والفرس وفي بعضها إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس قال صاحب المنتقى فيحتمل أن يكون معناه كما قال بعض العلماء إن كان الناس يعتقدون الشؤم فإنما يعتقدونه في هذه الثلاث أو إن كان الشؤم واقعا في نفس الأمر ففي هذه الثلاث\r","part":4,"page":448},{"id":1679,"text":"وقيل أخبر رسول الله بذلك أولا مجملا ثم أخبر به واقعا في الثلاث فلذلك أجمل ثم فصل وجزم كما أنه {صلى الله عليه وسلم} أخبر بالدجال أولا مجملا ثم أخبر به مفصلا على حسب ما ورد الوحي به فقال عليه السلام إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن لم أكن فيكم فالمرء حجيج نفسه والله سبحانه خليفتي عليكم ثم قال عليه السلام إن الدجال إنما يخرج في آخر الزمان وكذلك سئل عليه السلام عن أكل الضب فقال إنه قال قد مسخت أمة من الأمم وأخشى أن يكون منهم أو ما هذا معناه ثم أخبر أن الممسوخ لم يعقب فقد أخبر بالمسخ أولا مجملا ثم أخبر به مفصلا وهو كثير في السنة فننبه لهذه القاعدة فبها يحصل لك الجمع بين كثير من الأحاديث ولا مانع أن يجري الله تعالى عادته بجعل هذه الثلاثة أحيانا سببا للضرر ففي الصحيح أنه عليه السلام قيل له يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال {صلى الله عليه وسلم} دعوها ذميمة وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت إنما تحدث رسول الله عن أقوال الجاهلية في الثلاث قال الباجي\rولا يبعد أن يكون ذلك عادة ا ه واختلف في الهامة وصفر في قوله {صلى الله عليه وسلم} من حديث الموطإ لا عدوى ولا هامة ولا صفر إلخ هل هما من هذا القسم أم لا قال الباجي ولا هامة قال مالك معناه لا تطير بالهامة كانت العرب تقول إذا وقعت هامة على بيت خرج منه ميت\rوقيل معناه أن العرب كانت تقول إذا قتل أحد خرج من رأسه طائر لا يزال يقول اسبقني حتى يقتل قاتله فعلى الأول يكون الخبر نهيا وعلى الثاني تكذيبا ولا\rصفر هو النسيء التي كانت الجاهلية تحرم فيه صفر لتبيح به المحرم وقيل كانت الجاهلية تقول هو داء في الجوف يقتل قال عليه السلام لا يموت إلا بأجله ا ه هذا تهذيب كلام الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السابع والستون والمائتان بين قاعدة الطيرة وقاعدة الفأل الحلال المباح والفأل الحرام\r","part":4,"page":449},{"id":1680,"text":"وهو أن بين الطيرة والفأل التباين الكلي وذلك أنه قد تقدمت حقيقة التطير والطيرة وأحكامها\rوأما الفأل فهو ما يظن عنده الخير عكس الطيرة والتطير فإن ما يتطير ويتشاءم به لرؤية أو سماع هو ما يظن عنده السوء والشر ففي العزيزي على الجامع الصغير عند قوله {صلى الله عليه وسلم} من الحديث الذي رواه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا أي وإذا خرجتم لنحو سفر أو عزمتم على فعل شيء فتشاءمتم به لرؤية أو سماع ما فيه كراهة فلا ترجعوا وفوضوا أموركم إلى الله تعالى لا إلى غيره والتجئوا إليه في دفع شر ما تطيرتم به ا ه قلت ولا ينافيه ما في الموطإ وغيره أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما دخل خيبر وأبصر مسحاة وزنبيلا قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين لما تقدم توضيحه فلا تغفل ما ذكر من كون الفأل والطيرة متباين تباينا كليا هو صريح قول صاحب المختار الفأل أن يكون الرجل مريضا فيسمع آخر يقول يا سالم أو يكون طالبا فيسمع آخر يقول يا واجد يقال تفاءل بكذا بالتشديد وفي الحديث\rكان يحب الفأل ويكره الطيرة ا ه بلفظه\rلكن ومقتضى قولهم إنه {صلى الله عليه وسلم} كان يحب الفأل الحسن أن الفأل أعم مطلقا من الطيرة وأنه عبارة عما يظن عنده الخير أو الشر وذلك أنه تارة يتعين للخير وتارة للشر وتارة يتردد بينهما فالمتعين للخير مثل الكلمة الحسنة يسمعها الرجل من غير قصد نحو يا فلاح يا مسعود ومنه تسمية الولد والغلام بالاسم الحسن حتى متى سمع استبشر القلب ومثل المنظر الحسن يراه الرجل من غير قصد فيستبشر به\r","part":4,"page":450},{"id":1681,"text":"ومنه إرسال الرسول الحسن الوجه لقضاء الحوائج وطلب الحوائج ممن كان حسن الوجه أملا في قضائها وفي الحديث اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه وعقده الصرصري رحمه الله تعالى بقوله ألا يا رسول الإله الذي هدانا به الله في كل تيه سمعت حديثا من المسندات يسر فؤاد النبيل النبيه وأنك قد قلت فيه اطلبوا الح وائج عند حسان الوجوه ولم أر أحسن من وجهك ال كريم فجد لي بما أرتجيه فهذا فأل حسن مقصود والمتعين للشر مثل الكلمة القبيحة يسمعها الرجل من غير قصد نحو يا خيبة يا ويل ومنه كراهة تسمية الولد والغلام بالاسم القبيح فمن ثم ورد في الصحيح أنه عليه السلام حول أسماء مكروهة من أقوام كانوا في الجاهلية بأسماء حسنة وخرج مالك في الموطإ عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل ما اسمك فقال جمرة فقال ابن من قال ابن شهاب قال ممن قال الحرة قال ابن مالك قال بحرة النار قال بأيها قال بذات لظى قال عمر أدرك أهلك فقد احترقوا قال فكان كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومثل المنظر القبيح يراه المرء من غير قصد فيتشاءم به كما تقدم أنه {صلى الله عليه وسلم} لما دخل خيبر ورأى زنبيلا ومسحاة قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ومنه كراهة إرسال الرسول الوخش لقضاء الحوائج أو كراهة طلب الحوائج ممن كان قبيح الوجه حذرا من عدم قضائها فهذا قال قبيح مباح والمتردد بينهما هو الفأل الحرام الذي بينه الطرطوشي في تعليقه فقال إن أخذ الفأل من المصحف\r","part":4,"page":451},{"id":1682,"text":"وضرب الرمل والقرعة والضرب بالشعير وجميع هذا النوع حرام لأنه من باب الاستقسام بالأزلام لأزلام أعواد كانت في الجاهلية مكتوب على أحدها افعل وعلى الآخر لا تفعل وعلى الآخر غفل فيخرج أحدها فإن وجد عليه افعل أقدم على حاجته التي يقصدها أو لا تفعل أعرض عنها واعتقد أنها ذميمة أو خرج المكتوب عليها غفل أعاد الضرب فهو يطلب قسمه من الغيب بتلك الأعواد فهو استقسام أي طلب القسم الجيد يتبعه والرديء يتركه\rوكذلك من أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنما يعتقد هذا المقصد إن خرج جيدا اتبعه أو رديئا اجتنبه فهو عين الاستقسام بالأزلام الذي ورد القرآن بتحريمه فيحرم ا ه قال الأصل وما رأيته يعني الطرطوشي حكى في ذلك خلافا والفرق بينه وبين ما هو متعين للخير أو للشر هو أن تحريمه لما فيه من سوء الظن بالله تعالى بغير سبب تقتضيه عادة ربانية فالحق بالطيرة وإباحة المتعين للخير لأنه وسيلة للخير من حيث إنه يبعث على حسن الظن بالله تعالى وإباحة المتعين للشر لأنه وإن كان وسيلة للشر وسوء ظن بالله تعالى إلا أنه بسبب تقتضيه عادة الله تعالى وقد تقدم أن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده فهذا هو تلخيص الفرق بين التطير والفأل المباح والفأل الحرام هذا توضيح وتنقيح ما في الأصل وصححه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثامن و الستون والمائتان بين قاعدة الرؤيا التي يجوز تعبيرها وقاعدة الرؤيا التي لا يجوز تعبيرها\r","part":4,"page":452},{"id":1683,"text":"وهو الرؤيا المنامية كما قال الكرماني في كتابه الكبير ثمانية أقسام سبعة منها لا تعبر وواحدة منها تعبر فأما السبعة فأحدها وثانيها وثالثها ورابعها ما نشأت عن الأخلاط الأربعة الغالبة على مزاج الرائي المعروف غلبة خلط منها عليه بالأدلة الظنية الدالة على تلك الغلبة فمن غلب عليه السوداء رأى الألوان السود والأشياء المحرقة والطعوم الحامضة لأنه طعم السوداء ومن غلبت عليه الصفراء رأى الألوان الصفر لطعوم المرة والسموم والحرور والصواعق ونحو ذلك لأن الصفراء مسخنة مرة ومن غلب عليه الدم يرى الألوان الحمر والطعوم الحلوة وأنواع الطرب لأن الدم مفرح حلو ومن غلب عليه\r","part":4,"page":453},{"id":1684,"text":"البلغم رأى الألوان البيض والأمطار والمياه والثلج وخامسها ما هو من حديث النفس ويفهم ذلك بجولانه في اليقظة وكثرة الفكر فيه فيستولي على النفس فتكيف به فيراه في النوم وسادسها ما هو من الشيطان ويعرف بكونه فيه حث على أمر تنكره الشريعة أو على أمر معروف جائز يؤدي إلى أمر منكر كما إذا أمره بالتطوع بالحج فتضيع عائلته أو يعتق بذلك أبويه وسابعها ما كان فيه احتلام والقسم الثامن الذي يجوز تعبيره هو ما خرج عن هذه السبعة وهو ما ينقله ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ فإن الله عز وجل وكل ملكا باللوح المحفوظ ينقل لكل أحد ما يتعلق به من اللوح المحفوظ من أمر الدنيا والآخرة من خير أو شر لا يترك من ذلك شيئا علمه من علمه وجهله من جهله ذكره من ذكره ونسيه من نسيه ا ه تنبيهان الأول قال صاحب القبس تقول العرب رأيت رؤية إذا عاينت ببصرك ورأيت رأيا إذا اعتقدت بقلبك ورأيت رؤيا بالقصر إذا عاينت في منامك وقد تستعمل في اليقظة ا ه قال الأصل والجمهور على أن الرؤيا في قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس في اليقظة ا ه قلت قال الجلال السيوطي وما جعلنا الرؤيا التي أريناك عيانا ليلة الإسراء إلا فتنة للناس أهل مكة إذ كذبوا بها وارتد بعضهم لما أخبرهم بها ا ه وفي الجمل عن الكرخي وما جعلنا الرؤيا في المعراج وعلى اليقظة فهي بمعنى الرؤية فتسميتها رؤيا لوقوعها بالليل وسرعة تقضيها كأنها منام ا ه\r","part":4,"page":454},{"id":1685,"text":"قال المحلي على جمع الجوامع واختلف في وقوع رؤيته تعالى في اليقظة له {صلى الله عليه وسلم} ليلة المعراج والصحيح نعم ا ه قال العطار عليه وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة وأجيب عما رواه مسلم عن أبي ذر سألت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هل رأيت ربك قال رأيت نورا وفي رواية نور أنى أراه برفع نور على الفاعلية بمحذوف وفتح همزة أنى وتشديد نونها بمعنى كيف أي حجبني نور كيف أراه أي الله تعالى بأنها ليست صريحة في عدم الرؤية وعلى تقدير صراحتها فأبو ذر ناف وغيره مثبت والمثبت مقدم على النافي ا ه المراد التنبيه الثاني خرج مالك في الموطإ أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإن رأى أحدكم الذي يكرهه فليتفل عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله تعالى قال الباجي قال ابن وهب يقول في الاستعاذة إذا نفث عن يساره أعوذ بمن استعاذت به ملائكة الله ورسله من شر ما رأيت في منامي هذا أن يصيبني منه شيء أكرهه ثم يتحول على جانبه الآخر ا ه والرؤيا الصالحة يحتمل أن يريد بها المبشرة أو الصالحة والحلم يحتمل أن يريد به ما يحزن أو الكاذبة يخيل بها ليفرح أو يحزن قال ابن رشد في المقدمات الفرق بين رؤيا الأنبياء وغيرهم أن رؤيا غيرهم إذا أخطأ في تأويلها لا تخرج كما أولت ورؤيا غير الصالح لا يقال فيها جزء من النبوة وإنما يلهم الله تعالى الرائي التعوذ إذا كانت من الشيطان أو قدر أنها لا تصيبه وإن كانت من الله تعالى فإن شر القدر قد يكون وقوعه موقوفا على عدم الدعاء ا ه وصل في ثمان مسائل تتعلق بالرؤيا المسألة الأولى خرج مالك في الموطإ أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة قال الباجي في المنتقى قال جماعة من العلماء معناه أن مدة نبوته {صلى الله عليه وسلم} كانت ثلاثا وعشرين سنة منها ستة أشهر نبوة بالرؤيا فأول ما بدئ به عليه السلام الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا\r","part":4,"page":455},{"id":1686,"text":"إلا جاءت كفلق الصبح ونسبة ستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءا وقيل أجزاء من النبوة لم يطلع عليها أحد وروي جزء من خمسة وأربعين وروي من سبعين فيحتمل أن يكون ذلك اختلافا في الرؤيا فيحمل الأول على الجلية والأكثر من العدد على الرؤيا الخفية أو تكون الستة والأربعون هي المبشرة والسبعون هي المحزنة والمخوفة لقلة تكرره ولما يكون جنسه من الشيطان ا ه قال الزرقاني وما قاله جماعة من العلماء من أن معناه أن مدة نبوته إلخ قال ابن بطال بعيد من وجهين أحدهما أنه اختلف في قدر المدة التي بعد البعثة والثاني أنه يبقى حديث سبعين جزءا لا معنى له وقال الخطابي\rهذا وإن كان وجها تحمله قسمة الحساب والعدد فأول ما يجب على قائله أن يثبت ما ادعاه خبرا ولم نسمع فيه أثرا ولا ذكر مدعيه فيه خبرا فكأنه قاله على سبيل الظن والظن لا يغني من الحق شيئا وليس كل ما خفي علينا علمه يلزمنا حجته كأعداد الركعات وأيام الصيام ورمي الجمار فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها\rولم يقع ذلك في موجب اعتقادنا للزومها قال ولئن سلمنا أن هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة لكنه يلحق بها سائر الأوقات التي أوحي إليه فيها مناما في طول المدة كرؤيا أحد دخول مكة فتلفق من ذلك مدة أخرى تزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها وأجيب عن هذا بأن المراد على تقرير الصحة وحي المنام المتتابع فما وقع في غضون وحي اليقظة يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمور في جانب وحيها فلم تعتبر به وقد ذكروا مناسبات غير ذلك يطول ذكرها ا ه وقول الباجي وروي جزء من خمسة وأربعين إلخ قال الزرقاني جملة الروايات عشر المشهور وهو ما في\r","part":4,"page":456},{"id":1687,"text":"أكثر الأحاديث من ستة وأربعين وفي مسلم من حديث أبي هريرة جزء من خمسة وأربعين وله أيضا عن ابن عمر جزء من سبعين جزءا وللطبراني عنه من ستة وسبعين وسنده ضعيف وعن ابن عبد البر عن ثابت عن أنس جزء من ستة وعشرين وعند ابن جرير عن ابن عباس جزء من خمسين وللترمذي عن أبي رزين جزء من أربعين ولابن جرير عن عبادة جزء من أربعة وأربعين وابن النجار عن ابن عمر جزء من خمس وعشرين ووقع في شرح مسلم للنووي وفي رواية عبادة من أربع وعشرين قال الحافظ ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد بأنه بحسب الوقت الذي حدث فيه {صلى الله عليه وسلم} بذلك كان يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك وذلك وقت الهجرة\rولما أكمل عشرين حدث بأربعين ولما أكمل اثنين وعشرين حدث أربعة وأربعين ثم بعدها بخمسة وأربعين ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته وما عدا ذلك من الروايات فضعيف ورواية خمسين يحتمل جبر الكسر والسبعين للمبالغة وعبر بالنبوة دون الرسالة لأنها تزيد بالتبليغ بخلاف النبوة فاطلاع على بعض الغيب وكذلك الرؤيا قال قائل فإذا كانت جزءا من النبوة فكيف يكون للكافر منها نصيب كرؤيا صاحبي السجن مع يوسف ورؤيا ملكهم وغير ذلك وقد ذكر أن جالينوس عرض له ورم في المحل الذي يتصل منه بالحجاب فأمره الله في المنام بفصد العرق الضارب من كفه اليسرى فبرأ أجيب بأن الكافر وإن لم يكن محلا لها فلا يمتنع أن يرى ما يعود عليه بخير في دنياه كما أن كل مؤمن ليس محلا لها ثم لا يمتنع رؤيته ما يعود عليه بخير دنيوي فإن الناس\r","part":4,"page":457},{"id":1688,"text":"في الرؤى ثلاث درجات الأنبياء رؤياهم كلها صدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير والصالحون والغالب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير وما عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهم ثلاثة مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق وكفار ويندر فيها الصدق جدا ويرشد لذلك خبر مسلم مرفوعا وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ا ه وفي القبس روي أيضا خمسة وستون جزءا من النبوة وخمسة وأربعون فاختلفت الأعداد لأنها رؤيا النبوة لا نفس النبوة وجعلت بشارات بما أعطاه الله من فضله جزءا من سبعين في الابتداء ثم زاد حتى بلغ خمسا وأربعين قال وتفسيرها بمدة {صلى الله عليه وسلم} باطل لأنه مفتقر لنقل صحيح ولم يوجد قال والأحسن قول الإمام الطبري عالم القرآن والسنة إن نسبة هذه الأعداد إلى النبوة إنما هو بحسب اختلاف الرائي فرؤيا الرجل الصالح على نسبته والذي دون درجته دون ذلك وقوله عليه السلام لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة حض على نقلها والاهتمام بها ليبقى لهم بعده عليه السلام جزء من النبوة فبشر بذلك أمته ولا يعبر الرؤيا إلا من يعلمها ويحسنها وإلا فليترك وسئل مالك رحمه الله تعالى أيفسر الرؤيا كل أحد قال أبالنبوة يلعب قيل له أيفسرها على الخير وهي عنده على الشر لقول من يقول الرؤيا على ما أولت فقال الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أفيتلاعب بأمر النبوة ا ه والله أعلم\rالمسألة الثانية\rقال صاحب القبس لأصحابنا أهل السنة في رؤيا المنام ثلاثة أقوال فقال القاضي هي خواطر واعتقادات وقال الأستاذ أبو إسحاق هي إدراك بأجزاء لم تحلها آفة النوم فإذا رأى\rالرائي أنه بالمشرق\r","part":4,"page":458},{"id":1689,"text":"وهو بالمغرب أو نحوه فهي أمثلة جعلها الله تعالى دليلا على تلك المعاني كما جعلت الحروف والأصوات والرقوم للكتابة دليلا على المعاني فإذا رأى الله تعالى أو النبي {صلى الله عليه وسلم} فهي أمثلة تضرب له بقدر حاله فإن كان موحدا رآه حسنا أو ملحدا رآه قبيحا وهو أحد التأويلين في قوله عليه السلام رأيت ربي في أحسن صورة قال بعض العلماء قال لي بعض الأمراء رأيت البارحة النبي {صلى الله عليه وسلم} في أشد ما يكون من السواد فقلت له ظلمت الخلق وغيرت الدين قال النبي {صلى الله عليه وسلم} الظلم ظلمات يوم القيامة فالتغيير فيه لا شك فيه وكان متغيرا علي وعنده كاتبه وصهره وولده فأما الكاتب فمات وأما الآخران فتنصرا وأما هو فكان مستندا فجلس على نفسه وجعل يتعذر وكان آخر كلامه وددت أن أكون حميا لنخلات أعيش بها بالثغر قلت له وما ينفعك أن أقبل أنا عذرك فخرجت فوالله ما توقفت لي عنده بعد حاجة وأما المعتزلة فقالوا هي تخاييل لا حقيقة لها ولا دليل فيها وجرت المعتزلة على أصولها في تخييلها على العادة في إنكار أصول الشرع في الجن وأحاديثها والملائكة وكلامها وإن جبريل عليه السلام لو كلم النبي {صلى الله عليه وسلم} بصوت لسمعه الحاضرون وقال صالح المعتزلي رؤيا المنام هي رؤية العين وقال آخرون هي رؤية بعينين في القلب يبصر بهما وأذنين في القلب يسمع بهما ا ه\rبتصرف\rالمسألة الثالثة\r","part":4,"page":459},{"id":1690,"text":"قال الأستاذ أبو إسحاق الإدراك يضاده النوم اتفاقا والرؤيا إدراك المثل كما تقدم فكيف تجتمع مع النوم وأجاب بأن النفس ذات جواهر فإن عمها النوم فلا إدراك وإن عمها الإدراك فلا منام وإن قام عرض النوم ببعضها أمكن قيام إدراك المنام بالبعض الآخر ولذلك إن أكثر المنامات آخر الليل عند خفة النوم ا ه المسألة الرابعة قال الإمام الغزالي في كتابه المسمى بالمضنون به على غير أهله لعل العالم الذي طبعه قريب من طبع العوام يفهم أن من رأى النبي {صلى الله عليه وسلم} في المنام فقد رأى حقيقة شخصه المودع في روضة المدينة بأن شق القبر وخرج مرتحلا إلى موضع الرؤية ولا شك في جهل من يتوهم ذلك فإنه قد يرى ألف مرة في ليلة واحدة في وقت واحد في ألف موضع بأشخاص مختلفة فكيف يتصور شخص واحد في مكانين في لحظة واحدة وكيف يتصور شخص واحد في حالة واحدة بصور مختلفة شيخ وشاب طويل وقصير إلخ ويرى على جميع هذه الصور ومن انتهى حمقه إلى هذا الحال فقد انخلع عن ربقة العقل فلا ينبغي أن يخاطب ثم حقق أن المرئي مثال صار واسطة بينه وبينه وذلك أن جوهر النبوة أعني الروح المقدسة الباقية من النبي {صلى الله عليه وسلم} بعد وفاته منزهة عن اللون والشكل والصور ولكن العبد ذاته بواسطة مثال محسوس من نور وغيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالا للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة له ولا لون ويكون ذلك المثال صادقا حقا وواسطة في التعريف فقول الرائي رأيت النبي {صلى الله عليه وسلم} في المنام لا بمعنى أني رأيت ذات روحه أو ذات شخصه بل بمعنى أنه\rرأى مثاله لا مثله إذ المثل المساوي في جميع الصفات والمثال لا يحتاج فيه إلى المساواة إذ العقل معنى لا يماثله غيره مماثلة حقيقية ولنا أن نضرب الشمس له مثالا لما بينهما من المناسبة في شيء واحد\r","part":4,"page":460},{"id":1691,"text":"وهو أن المحسوسات تنكشف بنور الشمس كما تنكشف المعقولات بالعقل فهذا القدر من المناسبة كاف في المثال ويمثل في النوم السلطان بالشمس والوزير بالقمر والسلطان لا يماثل الشمس بصورته ولا بمعناه ولا الوزير يماثل القمر إلا أن السلطان له استعلاء على الكل ويعم أمره الجميع والشمس تناسبه في هذا القدر والقمر واسطة بين الشمس والأرض في إفاضة النور كما أن الوزير والسلطان والرعية في نور العدل فهذا مثال وليس بمثل وقال الله تعالى الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة الآية ولا مماثلة بين نوره وبين الزجاجة والمشكاة وعبر النبي {صلى الله عليه وسلم} عن اللبن في المنام بالإسلام والحبل بالقرآن وأي مماثلة بين اللبن والإسلام وبين الحبل والقرآن إلا في مناسبة وهو أن الحبل يتمسك به في النجاة واللبن غذاء الحياة الظاهرة والإسلام غذاء الحياة الباطنة فكل من هذه مثال وليست بمثل ا ه المراد فمن هنا قال الأصل إن جواب الصوفية عن استشكال كون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كيف يرى في مكانين في الآن الواحد بأنه عليه السلام كالشمس ترى في أماكن عدة وهي واحدة باطل فإن الإشكال لم يرد في رؤيته عليه السلام من مواضع عدة وهو في مكان واحد حتى يصبح الجواب عنه بذلك بل إنما ورد فيه كيف يرى في مواضع عدة بجملة ذاته عليه السلام مع اتفاق العلماء على أن حلول الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين محال فأين أحدهما من الآخر فلا يتجه الجواب إلا بأن المرئي مثاله عليه السلام لا ذاته\r","part":4,"page":461},{"id":1692,"text":"وكذلك كل مرئي من بحر أو جبل أو آدمي أو غير ذلك إنما يرى مثاله لا هو بذاته وبه يظهر معنى قوله {صلى الله عليه وسلم} من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي وأن التقدير من رأى مثالي فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بمثالي وأن الخبر إنما يشهد بعصمة المثال عن الشيطان ونص الكرماني في كتابه الكبير في تأويل الرؤيا أن الرسل والكتب المنزلة والملائكة كذلك معصومة عن تمثل الشيطان بمثلها وما عدا ذلك من المثل يمكن حقا ويمكن أن يكون من قبل الشيطان وأنه تمثل بذلك المثال ا ه\rالمسألة الخامسة\rقال العلماء إنما تصح رؤية النبي عليه السلام لأحد رجلين أحدهما صحابي رآه فعلم صفته فالطبع في نفسه مثاله فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته عليه السلام وثانيهما رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته عليه السلام ومثاله المعصوم كما حصل ذلك لمن رآه فإذا رآه جزم برؤيته مثاله عليه السلام كما يجزم به من رآه فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته عليه السلام وأما غير هذين فلا يحل له الجزم بل يجوز أن يكون رآه عليه السلام بمثاله ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان ولا يفيد قول المرئي لمن رآه أنا رسول الله ولا قول من يحضر معه هذا رسول الله لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره فلا يحصل الجزم وهذا وإن كان صريحا في أنه لا بد من رؤية مثاله المخصوص لا ينافي ما تقرر في التعبير أن الرائي يراه عليه السلام شيخا وشابا وأسود وذاهب العينين وذاهب اليدين\r","part":4,"page":462},{"id":1693,"text":"وعلى أنواع شتى من المثل التي ليست مثاله عليه السلام لأن هذه الصفات صفات الرائين وأحوالهم تظهر فيه عليه السلام وهو كالمرآة لهم كما تقدمت الإشارة إليه قال الأصل قلت لبعض مشايخي فكيف يبقى المثال مع هذه الأحوال المضادة له فقال لي لو كان لك أب شاب تغيبت عنه ثم جئته فوجدته شيخا أو أصابه يرقان أصفر أو يرقان أسود أو أصابه برص أو جذام أو قطعت أعضاؤه أكنت تشك فيه أنه أبوك فقلت لا فقال لي ما ذاك إلا لما ثبت في نفسك من مثاله المتقدم عندك الذي لا تجهله بعروض هذه الصفات له فكذلك من ثبت عنده في نفسه مثال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكذا لا يشك فيه مع عروض هذه الأحوال له ومن لم يكن كذلك لا يثق بأنه رآه عليه السلام وإذا صح له المثال وانضبط فالسواد يدل على ظلم الرائي والعمى يدل على عدم إيمانه لأنه إدراك ذاهب وقطع اليد يدل على أنه يمنع من ظهور الشريعة ونفوذ أوامرها فإن اليد يعبر بها عن القدرة وكونه أمرد يدل على الاستهزاء به فإن الشاب يحتقر وكونه شيخا يدل على تعظيم النبوة لأن الشيخ يعظم وغير ذلك من الصفات الدالة على الأحكام المختلفة ا ه\rالمسألة السادسة\rقد تقدم عن العلامة العطار أنه قال في حاشيته على محلى جمع الجوامع ولا يلزم من صحة الرؤيا التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي على أن العز بن عبد السلام لما رأى رجل النبي {صلى الله عليه وسلم} في المنام يقول له إن في المحل الفلاني ركازا اذهب فخذه ولا خمس عليك فذهب ووجده واستفتى العلماء قال لذلك الرائي أخرج الخمس فإنه يثبت بالتواتر وقصارى رؤيتك الآحاد ا ه\r","part":4,"page":463},{"id":1694,"text":"فلذا لما اضطربت أراء الفقهاء فيمن رآه عليه السلام في المنام فقال له إن امرأتك طالق ثلاثا وهو يجزم أنه لم يطلقها بالتحريم وعدمه لتعارض خبره عليه السلام عن تحريمها في النوم وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له استظهر الأصل أن إخباره عليه السلام في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبطه المثال قال فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروء الطلاق مع الجهل به واحتمال طروء الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح ومن هو من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم إلا أفراد قليلة من الحفاظ لصفته عليه السلام وأما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس والعمل بالراجح متعين وكذلك لو قال عن حلال إنه حرام أو عن حرام إنه حلال أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم لما ذكرناه كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند أو باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره فكذلك خبر اليقظة وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة ا ه\rالمسألة السابعة\rفي جمع الجوامع ومحليه اختلف هل يجوز الرؤية له تعالى في المنام فقيل لا لأن المرئي فيه خيال ومثال وذلك على القديم محال وقيل نعم لأنه لا استحالة لذلك في المنام ا ه قال المحلي والعطار عليه وقد ذكر وقوعها في المنام لكثير من السلف منهم الإمام أحمد فقد روي عنه أنه قال رأيت رب العزة في المنام فقلت يا رب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون قال كلامي يا أحمد فقلت بفهم وبغير فهم قال بفهم وبغير فهم ورآه أحمد بن حضرويه فقال له يا أحمد كل الخلق يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه\r","part":4,"page":464},{"id":1695,"text":"يطالبني وعلى ذلك المعبرون للرؤيا فإنهم يعقدون في كتبهم بابا لرؤية الرب جل وعلا وبالغ ابن الصلاح في إنكاره لما تقدم في المنع وقال الغزالي في كتابه المسمى بالمضمون به على غير أهله الحق أنا نطلق القول بأن الله تعالى يرى في المنام كما يطلق القول بأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرى نعم ذات الله تعالى وذاته {صلى الله عليه وسلم} لا يريان وإنما الذي يجوز أن يرى مثال يعتقده النائم ذات الله تعالى وذات النبي {صلى الله عليه وسلم} وكيف ينكر ذاك مع وجوده في المنامات فإن من لم يره بنفسه فقد تواتر إليه من جماعة أنهم رأوا ذلك قال ولا يرد أن الله تعالى لا مثل له بخلاف النبي {صلى الله عليه وسلم} فإن له مثلا لما تقدم من الفرق بين المثل والمثال بأن المثل المساوي في جميع الصفات والمثال لا يحتاج فيه إلى المساواة إلخ ا ه فمن ثم قال الأصل رؤية الله تعالى في النوم تصح ولذلك أحوال ثلاثة\rأحدها\rأن يراه في النوم على النحو الذي دل عليه المعقول والمنقول من صفات الكمال ونعوت الجلال له والسلامة من الصفات الدالة على الحدوث من الجسمية والتحيز والجهة فهذا كما نجوزه في الآخرة ونجزم بوقوعه فيها للمؤمن كذلك نجوزه في الدنيا لكن من ادعى هذه الحالة إن كان من غير أهلها من العصاة أو من المقصرين كذبناه وإن كان من أهلها من الأولياء المتقين لا نكذبه ونسلم له حالة وقوله تعالى لا تدركه الأبصار فيه تأويلات وهو عموم يقبل التخصيص وإخبار الولي الموثوق بدينه المبرز في عدالته يصلح لتقوية بعض التأويلات ولتخصيص هذا العام وخبر العدل مقبول في تخصيص العموم ونحن نقبل خبر الأولياء في وقوع الكرامات التي هي من خوارق العادات المحصلة للعلوم القطعيات فكيف في تخصيص العمومات التي لا تفيد إلا الظن فتأمل هذا وثانيها أن يراه في صورة مستحيلة عليه كمن يقول رأيته في صورة رجل أو غير ذلك من الأجسام المستحيلة على الله تعالى وقد روي عن بعضهم\r","part":4,"page":465},{"id":1696,"text":"أنه قال رأيت الله تعالى في صورة فرس وفهم هذا الرائي أن هذا الجسم من إنسان وغيره خلق من خلق الله تعالى وأمر وارد من قبله يقتضي حالة من هذا الرائي ويتقاضاها منه أو يأمره بخير أو ينهاه عن شر ويقول له أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وامتثل أمري ونحو ذلك فهذه الحالة أيضا صحيحة جائزة على إطلاق لفظ الله تعالى على هذا الجسم ففي القرآن وجاء ربك والملك صفا صفا فعبر تعالى عن أمره الوارد من قبله باللفظ الخاص بالربوبية على وجه المجاز من باب إطلاق لفظ السبب على المسبب ولفظ المؤثر على الأثر وهو مجاز مشهور في لسان العرب ومسطور في كتب المجاز والحقيقة وفي التوراة جاء الله من سيناء وأشرق من ساغين واستعلن من جبال فاران إشارة إلى التوراة النازلة بطور سيناء والإنجيل النازل بساغين موضع بالشام والقرآن النازل بمكة فاران فيكون معناه أن الحق جاء من سيناء وهو التوراة وكثر ظهوره وعلنه بتقوية الإنجيل له فإن عيسى عليه السلام بعث لنصرة التوراة وتقويتها وإرادة العلانية والظهور واستكمل الحق واستوفيت المصالح ووصل البيان والكمال في الشرع إلى أقصى غايته بالقرآن الكريم والشريعة المحمدية وسميت هذه الكتب باسم الله تعالى لأنها من جهته وقبله على المجاز كما تقدم ومن ذلك ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل الحديث على أحد التأويلات أنه تنزل رحمته فسماها باسمه لكونها من قبله ومن أثره كذلك هذه المثل القائلة في النوم أنا الله هو صحيح جائز على المجاز كما تقدم وجاء في الحديث أن الله يأتي يوم القيامة للخلائق في صورة ينكرونها ويقولون لست ربنا فقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأتيهم في صورة وتسميته لهذه الصورة باسم الله تعالى هو على سبيل المجاز لأنها صورة من آثاره وفتنة يختبر بها خلقه فهذه الملازمة والعلاقة حسن إطلاق لفظ الله تعالى\r","part":4,"page":466},{"id":1697,"text":"عليها مجازا كما تقدم فكذلك هذه المثل في النوم حكمها حكم هذه الأجسام في اليقظة الحالة الثانية أن يرى هذه الصورة الحسنة الجسمية ولا يعتقد أنها الله عز وجل حقيقة ولا يخطر له في النوم معنى المجاز ألبتة فهذه الرؤية يحتمل أن تكون صحيحة ويكون المراد المجاز ولكنه جهل المجاز فكان الغلط منه لا في الرؤيا بل في المراد بها كما يرد اللفظ في اليقظة والمراد به المجاز والسامع يفهم الحقيقة كما اتفق للحشوية في آيات الصفات فكان الغلط منهم لا في الآيات الواردة بل في المراد بها ويحتمل أن تكون هذه كذبا ومحالا والشيطان يخيل له بذلك ليضله أو يخزيه أو غير ذلك من مكائده لعنه الله فهذه الرؤيا موضع التثبت والخوف من الغلط وإذا استيقظ هذا الرائي وجب عليه أن يجزم بأن الذي رآه ليس ربه على الحقيقة بل أحد الأمرين المتقدمين أعني من أنها صحيحة على المجاز أو كاذبة ومحال من تخييل الشيطان واقع له وينظر ما يقتضيه الحال منهما فيعتقده فإن أشكل عليه الأمر أعرض عن الرؤيا بالكلية حتى يتضح له الصواب ولا يعتقد مع ذلك الإشكال أنها حق وأن الذي رآه ربه وإلا فهو كافر لكن بناء على القول بتكفير الحشوية نعم قد يكون ذلك الجسم باعتبار ما في حالته من الحقارة ومنافاة الربوبية مما يجمع الأمة حتى الحشوية على التكفير من يعتقد فيها الربوبية كصورة الدجال وصورة فرس ونحوه من السباع أو غيرها وصورة رجل في طاق أو خزانة أو مطمورة أو نحو ذلك مما تحيله الحشوية وأهل السنة على الله تعالى إذ القول بأن الحشوية ليست كفارا إنما هو مع قولهم بالتنزه عن العور والعمى والآفات والنقائص بل اقتصروا على الجسمية خاصة مع التنزيه عن جميع ذلك فمن اعتقد الجسمية مع بعض صفات النقص فأول من يكفره الحشوية فتأمل ذلك فهذا تفصيل الأحوال في رؤية الله تعالى\rالمسألة الثامنة تحقيق مثل الرؤيا\r","part":4,"page":467},{"id":1698,"text":"وبيانها هو أن دلالتها على المعاني كدلالة الألفاظ الصوتية والرقوم الكتابية عليها فكما يقع في دلالة الألفاظ على معانيها من المشترك والمتواطئ والترادف والمتباين والمجاز والحقيقة والمفهوم والخصوص والعموم والمطلق والمقيد والتصحيف والقلب والجمع بينهما والصريح والكناية والمعارض ونحو ذلك كذلك يقع جميع ما ذكر في دلالة هذه المثل على المعاني حتى يقع فيها ما يقع في الألفاظ من قول العرب أبو يوسف أبو حنيفة وزيد زهير شعرا وحاتم جودا وجميع أنواع المجاز فالمشترك كالفيل هو ملك أعجمي وهو الطلاق الثلاث نقله الكرماني وذلك لأن عادة الهند إذا طلق أحد ثلاثا جرسوه على فيل فما كان من لوازم الطلاق عبر به عن الطلاق والمتواطئ كالشجرة فإنها تدل على القدر المشترك بين جميع الرجال والمقيد والمطلق فيما إذا كانت تنبت في العجم فهو رجل أعجمي أو عند العرب فهو رجل عربي أو لا ثمر لها فلا خير فيه أو لها شوك فهو كثير الشر أو ثمرها له قشر كالرمان فله خير لا يوصل إليه إلا بعد مشقة أو لا قشر له كالتفاح والخوخ فيوصل لخبره بلا مشقة إلى غير ذلك وكما وقع التقييد بالقيود الخارجة عن المرئي كذلك يقع بأحوال الرائي فالصاعد على المنبر يلي ولاية والولاية مشتركة بين الولايات ومطلقة\rفإن كان الرائي فقيها كانت الولاية قضاء أو أميرا فوال أو من بيت الملك فملك إلى غير ذلك وكذلك بقرينة الرائي وحاله تنصرف للخير وإن كان ظاهرها الشر وللشر وإن كان ظاهرها الخير فمن رأى أنه مات فالرجل الخير ماتت حظوظه وصلحت نفسه والرجل الشرير مات قلبه لقوله تعالى أومن كان ميتا فأحييناه الأنعام\r","part":4,"page":468},{"id":1699,"text":"122 أي كافرا فأسلم ومنه قوله تعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي أي الكافر من المسلم والمسلم من الكافر على أحد التأويلات والمترادفة كالفاكهة فالصفراء تدل على الهم وحمل الصغير يدل عليه أيضا والمتباين كالأخذ من الميت والدفع له فالأول جيد لأنه كسب من جهة ميئوس منها والثاني رديء لأنه صرف ورزق لمن ينتفع به وربما كان لمن لا دين له لأن الدين ذهب عن الموتى لذهاب التكليف عنهم والمجاز والحقيقة كالبحر هو السلطان حقيقة ويعبر به عن سعة العلم مجازا والعموم كمن رأى أن أسنانه سقطت في التراب ولم يكن ذلك في نفس الأمر فإنه يموت أقاربه كلها فإن كان في نفس الأمر فإنه يموت بعض أقاربه قبل موته فهو عام أريد به الخصوص\r","part":4,"page":469},{"id":1700,"text":"وأما أبو يوسف أبو حنيفة فكالرؤيا يراها الرائي لشخص والمراد غيره ممن هو يشبهه أو بعض أقاربه أو من تسمى باسمه أو نحو ذلك ممن يشاركه في صفته فيعبر عنه به كما عبرنا عن أبي يوسف بأبي حنيفة لمشاركته له في صفة الفقه وعبرنا عن زيد بزهير لمشاركته له في الشعر ونحو ذلك من المثل والقلب والتصحيف كما رأى المصريون أن رواسا أخذ منهم الملك فعبر لهم بأن شاور يأخذه وكان كذلك فقلب وصحف رواس والتصحيف فقط كما رأى ملك العرب قائلا يقول له خالف الحق من عذر فقيل له أنت تقصد النكث على بعض الناس فحذرت من ذلك في الرؤيا إذ المراد خالف الحق من غدر فدخله التصحيف وبسط هذه التفاصيل في كتب التعبير وإنما القصد بما ذكرناه التنبيه على أن هذه المثل كالألفاظ في الدلالة وأنها تشاركها في أحوالها هذا تنقيح ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة تنبيه قال الأصل ضوابط تفسير القرآن العظيم والتحدث في الفقه والكتاب والسنة وغير ذلك من العلوم محصورة أو قريبة من الحصر فيقدر أن يعتمد فيها على مجرد المنقولات وأما علم تفسير المنامات فقد اتسعت تقييداته وتشعبت تخصيصاته وتنوعت تعريفاته بحيث صارت منتشرة انتشارا شديدا لا يدخل تحت ضبط فلا يقدر أن يعتمد فيه على مجرد المنقولات لكثرة التخصيصات بأحوال الرائين بل لا جرم يحتاج الناظر فيه مع ضوابطه وقرائنه إلى قوة من قوة النفوس المعينة على الفراسة والاطلاع على المغيبات بحيث إذا توجه الحزر إلى شيء لا يكاد يخطئ بسبب ما يخلقه الله تعالى في تلك النفوس من القوة المعينة على تقريب الغيب أو تحقيقه كما قيل في ابن عباس رضي الله عنهما إنه كان ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق إشارة إلى قوة أودعه الله إياها فرأى بما أودعه الله تعالى في نفسه من الصفاء والشفوف والرقة فمن الناس من هو كذلك في جميع أنواع علوم الغيب من علم تعبير المنامات وحساب علم الرمل والكتف الذي للغنم وغير ذلك ومن الناس من يهبه الله تعالى","part":4,"page":470},{"id":1701,"text":"ذلك باعتبار علم المنامات فقط أو بحساب علم الرمل فقط أو الكتف الذي للغنم فقط أو غير ذلك فلا يفتح له\rبصحة القول والنطق في غيره ومن ليس له قوة نفس في هذا النوع صالحة لعلم تعبير الرؤيا لا يصح منه تعبير الرؤيا ولا يكاد يصيب إلا على الندرة فلا ينبغي له التوجه إلى علم التعبير في الرؤيا\rومن كانت له قوة نفس فهو الذي ينتفع بتعبيره قال ولا ينبغي لك أن تطمع في أن يحصل لك بالتعلم والقراءة وحفظ الكتب لأنك إذا لم تكن لك قوة نفس فلا تجد ذلك أبدا ومتى كانت لك هذه القوة حصل ذلك بأيسر سعي وأدنى ضبط فاعلم هذه الدقيقة فقد خفيت على كثير من الناس قال وقد رأيت ممن له قوة نفس مع هذه القواعد فكان يتحدث بالعجائب والغرائب في المنام اللطيف ويخرج منه الأشياء الكثيرة والأحوال المتباينة ويخبر فيه عن الماضيات والحاضرات والمستقبلات وينتهي في المنام اليسير إلى نحو المائة من الأحكام بالعجائب والغرائب حتى يقول من لا يعلم بأحوال قوى النفوس إن هذا من الجان أو المكاشفة أو غير ذلك وليس كما قال بل هو نفس يجد بسببها تلك الأحوال عند توجهه للمنام وليس هو صلاحا ولا كشفا ولا من قبل الجان قال وقد رأيت أنا من هذا النوع جماعة واختبرتهم فمن لم تحصل له قوة نفس عسر عليه تعاطي علم التعبير ا ه وصححه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق التاسع والسبعون والمائتان بين قاعدة ما يباح في عشرة الناس من المكارمة وقاعدة ما ينهى عنه من ذلك\rوهو أن ما يباح من إكرام الناس قسمان ما وردت به نصوص الشريعة وما لم ترد به نصوصها ولا كان في السلف ولكن تجددت في حصرنا أسباب اعتباره بمقتضى قواعد الشرع فتعين فعله وهذا هو مراد عمر بن عبد العزيز بقوله تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور\r","part":4,"page":471},{"id":1702,"text":"إذ معناه أنهم يحدثون أسبابا يقتضي الشرع فيها أمورا لم تكن قبل ذلك لأجل عدم سببها قبل ذلك لأنها شرع متجدد بل علم من القواعد الشرعية أن هذه الأسباب لو وجدت في زمن الصحابة لكانت هذه المسببات من فعلهم وصنعهم ولكن تأخر الحكم لتأخر سببه ولا يقتضي وقوع الحكم عند وقوع سببه تجديد شرع لم يكن في زمن الصحابة ألا ترى أن الله تعالى لو أنزل حكما في اللواط من رجم وغيره من العقوبات فلم يوجد اللواط في زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ووجد في زمننا اللواط فرتبنا عليه تلك العقوبة لم نكن مجددين\rلشرع بل متبعين لما تقرر في الشرع ولا فرق أن نعلم ذلك بنص أو بقواعد الشرع وما خرج عن هذين القسمين هو ما لا يباح من إكرام الناس\r","part":4,"page":472},{"id":1703,"text":"وذلك أن ما وردت نصوص الشرع به من إكرام الناس هو نحو ما هو مبسوط في كتب الفقه من إفشاء السلام وإطعام الطعام وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء والاستئذان عند الدخول وأن لا يجلس على تكرمة أحد أي على فراشه إلا بإذنه ولا يؤم في منزله إلا بإذنه لقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يؤمن أحد أحدا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه وما لم ترد نصوص الشرع به ولا كان في السلف بل تجددت أسباب اعتباره في عصرنا فتعين بمقتضى القواعد الشرعية فعله من إكرام الناس قال الأصل هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان ومن إحناء الرأس له إن عظم قدره جدا ومن المخاطبة بجمال الدين ونور الدين وعز الدين وغير ذلك من نعوت التكرمة وأنواع المخاطبات للملوك والأمراء والوزراء وأولي الرفعة من الولاة والعظماء والإعراض عن الأسماء والكنى ومن المكاتبات بنعوت التكريم أيضا لكل واحد على قدره كتسطير اسم الإنسان الكاتب بالمملوك ونحوه من ألفاظ التنزل والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس العالي والسامي والجناب ونحو ذلك من الأوصاف العرفية والمكاتبات العادية ومن ترتيب الناس في المجالس والمبالغة في ذلك قال فهذا كله ونحوه من الأمور العادية لم تكن في السلف ونحن اليوم نفعله في المكارمات والموالات\rوهو جائز مأمور به مع كونه بدعة مكروهة تنزيها لا تحريما لأنه لما تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة فتعارض في فعلها المكروه وفي تركها المحرم وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادته وإن وقع المكروه كما هو قاعدة الشرع في زمن الصحابة وغيرهم لكن هذا التعارض ما وقع إلا في زمننا فاختص الحكم به فعلى هذا القانون يجري هذا القسم بشرط أن لا يبيح محرما ولا يترك واجبا وحينئذ فما خرج عن هذين القسمين من إكرام الناس نوعان\rالأول\rمحرم\r","part":4,"page":473},{"id":1704,"text":"وهو ما أباح محرما أو أدى إلى ترك واجب كما لو كان الملك أو غيره من الناس لا يرضى منا إلا بشرب الخمر وغيره من المعاصي فلا يحل لنا أن نواده بذلك إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وكالقيام تعظيما لمن يحبه تجبرا من غير ضرورة فلا تجوز الموادة به لأن الواجب تركه لتهذيب نفس المتجبر وتأديبه والنوع الثاني مكروه تنزيها من حيث كونه بدعة مكروهة لم يعارض بمحرم حتى يباح فعله كالقيام تعظيما لمن لا يحبه لأنه\rيشبه فعل الجبابرة وبوقع فساد قلب الذي يقام له فافهم قال وبالجملة فالقيام لإكرام الناس إما أن يكون من القسم الأول الذي وردت به نصوص الشريعة أو من القسم الثاني المباح فعله لتجدد سببه فينقسم إلى ثلاثة أقسام واجب ومندوب ومباح فالواجب هو ما أدى تركه إلى محرم كالمقاطعة والمدابرة فمن هنا لما حضرت يوما عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان من أعيان العلماء وأولي الجد في الدين والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة والثبات على الكتاب والسنة غير مكترث بالملوك فضلا عن غيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم وقدمت إليه فتيا فيها ما تقول أئمة الدين وفقهم الله في القيام الذي أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف هل يجوز أم لا يجوز ويحرم كتب ما نصه من غير زيادة ولا نقصان قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدا\rا ه\rقلت ومن هذا القيام عند ذكر مولده {صلى الله عليه وسلم} في تلاوة القصة فقد قال المولى أبو السعود أنه قد اشتهر اليوم في تعظيمه {صلى الله عليه وسلم} واعتيد في ذلك فعدم فعله يوجب عدم الاكتراث بالنبي {صلى الله عليه وسلم} وامتهانه فيكون كفرا مخالفا لوجود تعظيمه {صلى الله عليه وسلم} ا ه\r","part":4,"page":474},{"id":1705,"text":"أي إن لاحظ من لم يفعله تحقيره {صلى الله عليه وسلم} بذلك وإلا فهو معصية والمندوب هو ما كان للقادم من السفر فرحا بقدومه وقد قام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك ليهنئه بتوبة الله تعالى عليه بحضوره عليه السلام ولم ينكر النبي عليه السلام عليه ذلك فكان كعب يقول لا أنساها لطلحة وقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إذا قام عليه السلام إلى بيته لم يزالوا قياما حتى يدخل بيته {صلى الله عليه وسلم} لما يلزمهم من تعظيمه لكن كان ذلك منهم قبل علمهم أنه عليه السلام كان يكره أن يقام له فلما علموا بذلك كانوا إذا رأوه لم يقوموا له إجلالا لكراهته لذلك قلت نعم خرج البيهقي في سننه أن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت أحدا أشبه كلاما وحديثا من فاطمة برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكانت إذا دخلت عليه رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها رحبت به وقامت وأخذت بيده فقبلتها وقد قال عليه السلام للأنصار قوموا لسيدكم بناء على كونه تعظيما له\rوهو الظاهر من قوله لسيدكم لا ليعينوه وإلا لقال لهم قوموا لمريضكم أو لمجروحكم وحينئذ فيقال في الجواب كراهيته عليه السلام لقيامهم أنه من قبيل التواضع\r","part":4,"page":475},{"id":1706,"text":"كما أن ذلك من جملة أجوبتهم عن قوله عليه السلام لمن قال له يا سيدنا لا تقل ذلك إنما السيد الله كما في رسالتي انتصار الاعتصام فتأمل ذلك قال الأصل والمباح هو ما إذا فعل إجلالا لمن لا يريده أي تكبرا وتجبرا بل أراده لدفع ضرر النقيصة عن نفسه لما سيأتي قال وإما أن يكون القيام مما خرج عن القسمين المذكورين فينقسم إلى قسمين محرم ومكروه فالمحرم ما إذا فعل تعظيما لمن يحبه تجبرا من غير ضرورة والمكروه ما إذا فعل تعظيما لمن لا يحبه لما تقدم قال والنهي الوارد عن محبة القيام في قوله عليه السلام من أحب أن يتمثل له الناس أو الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ينبغي أن يحمل على من يريد ذلك تجبرا أما من أراده لدفع الضرر عن نفسه والنقيصة به فلا ينبغي أن ينهى عنه لأن محبة دفع الأسباب المؤلمة مأذون فيها بخلاف التكبر والتجبر نعم لا ينهى عن المحبة للقيام تجبرا وتكبرا والميل لذلك الطبيعي فإن الأمور الجبلية لا ينهى عنها بل إنما ينهى عما يترتب على ذلك من أذية الناس إذا لم يقوموا ومؤاخذتهم عليه فالقيام لإكرام الناس ينقسم إلى خمسة أقسام محرم ومكروه وواجب ومندوب ومباح فتأمل ذلك فقد ظهر الفرق بين المشروع من الموادة وغير المشروع منها هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة\rقلت وهو مبني على مذهب الأصل وشيخه العز بن عبد السلام وابن الشاط وغير واحد المتقدم من أن البدعة تنقسم إلى الأحكام الخمسة أما على مذهب الإمام أبي إسحاق وغيره من متقدمي مذهب مالك رحمه الله تعالى المتقدم من أن البدعة لا تكون إلا ضلالة محرمة وإنما تتفاوت رتبها في التحريم فلا يباح من الموادة إلا ما وردت به نصوص الشريعة والله أعلم\rوصل في أربع مسائل تتعلق بالمصافحة والمعانقة وتقبيل اليد ورد السلام التي هي من أنواع المكارمة المسألة الأولى المصافحة قال ابن رشد مستحبة وهو المشهور وحجته ما في الموطإ قال عليه السلام\r","part":4,"page":476},{"id":1707,"text":"تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء وعن مالك كراهتها وحجة الكراهة قوله تعالى حكاية عن الملائكة لما دخلوا على إبراهيم عليه السلام فقالوا سلاما قال سلام قال مالك فذكر السلام ولم يذكر المصافحة أي والاقتصار محل البيان يفيد الحصر قال ولأن السلام ينتهي فيه للبركات ولا يزاد فيه قول ولا فعل ا ه قلت وظاهر كلام الأصل أن القولين في المصافحة عند اللقاء فإنه بعد أن قال قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا تلاقى الرجلان فتصافحا تحاتت ذنوبهما وكان أقربها إلى الله أكثرهما بشرا يدل على مشروعية المصافحة عند اللقاء\rوهو يقتضي أن ما يفعله أهل هذا الزمان من المصافحة عند الفراغ من الصلاة بدعة غير مشروعة وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ينهي عنه وينكره على فاعله ويقول إنما شرعت المصافحة عند اللقاء أما من هو جالس مع الإنسان فلا يصافحه ورأيت بعض الفقهاء يقول روي في مصافحة من هو جالس معك حديث ولا أعلم صحة قوله ولا صحة الحديث ا ه نعم ربما يدل له عموم حديث الموطإ تصافحوا يذهب الغل فتأمل\rالمسألة الثانية\rالمعانقة وردت بها السنة ولكن مالكا كان يكرهها ويقول لأنها لم ترد عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا مع جعفر ولم يصحبها العمل من الصحابة بعده قال ابن رشد في كتابه البيان والتحصيل ولأن النفوس تنفر عنها لأنها لا تكون إلا لوداع من فرط ألم الشوق أو مع الأهل\rا ه\rوكان سفيان بن عيينة يعتقد عموم مشروعيتها فقد روي أنه دخل على مالك فصافحه مالك وقال له لولا أن المعانقة بدعة لعانقتك فقال سفيان عانق من هو خير مني ومنك النبي {صلى الله عليه وسلم} عانق جعفرا حين قدم من الحبشة قال مالك ذلك خاص بجعفر قال سفيان بل عام ما يخص جعفرا يخصنا\r","part":4,"page":477},{"id":1708,"text":"وما يعم جعفرا يعمنا إذا كنا صالحين أفتأذن لي أن أحدث في مجلسك قال نعم يا أبا محمد قال حدثني عبد الله بن طاوس عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة اعتنقه {صلى الله عليه وسلم} وقبله بين عينيه وقال جعفر أشبه الناس بنا خلقا وخلقا يا جعفر ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة قال يا رسول الله رأيت وأنا أمشي في بعض أزقتها إذا سوداء على رأسها مكتل فيه بر فصدمها رجل على دابته فوقع مكتلها وانتشر برها فأقبلت تجمعه من التراب وهي تقول ويل للظالم من ديان يوم القيامة ويل للظالم من المظلوم يوم القيامة ويل للظالم إذا وضع الكرسي للفصل يوم القيامة فقال عليه السلام لا يقدس الله أمة لا تأخذ لضعيفها من قويها حقه غير متمتع ثم قال سفيان قد قدمت لأصلي في مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبشرك برؤيا رأيتها فقال مالك رأت عيناك خيرا إن شاء الله فقال سفيان رأيت كأن قبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} انشق فأقبل الناس يهرعون من كل جانب والنبي عليه السلام يرد بأحسن رد قال سفيان فأتى بك والله أعرفك في منامي كما أعرفك في يقظتي فسلمت عليه فرد عليك السلام ثم رمى في حجرك بخاتم نزعه من أصبعه فاتق الله فيما أعطاك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فبكى مالك بكاء شديدا قال سفيان السلام عليكم قالوا له أخارج الساعة قال نعم فودعه مالك وخرج\rالمسألة الثالثة\r","part":4,"page":478},{"id":1709,"text":"تقبيل اليد والرأس ممن ترجى بركته وتقصد مودته لداع مشروع دل عليه فعله {صلى الله عليه وسلم} وإقراره وعمل السلف والقياس الجلي أما الفعل والإقرار وعمل السلف ففي ما خرجه البيهقي في سننه أن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت أحدا أشبه كلاما وحديثا من فاطمة برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكانت إذا دخلت عليه رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها رحبت به وقامت وأخذت بيده فقبلتها كما تقدم وقال ابن رشد سألت اليهود رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن التسع آيات بينات الواردة في القرآن فقال لهم لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا\rببريء إلى السلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقاموا فقبلوا يديه ورجليه وقالوا نشهد إنك نبي\rقال فما يمنعكم أن تتبعوني قالوا إن داود عليه السلام دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود قال الترمذي حديث حسن صحيح فتقبيل اليهود ليديه ورجليه عليه السلام ولم ينكره دليل على مشروعيته وكان عبد الله بن عمر إذا قدم من سفره قبل سالما وقال شيخ يقبل شيخا قال فهذا جائز على هذا الوجه لا على وجه مكروه وقدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في بيته فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عريانا يجر ثوبه قالت عائشة والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله قال الترمذي حديث حسن غريب\r","part":4,"page":479},{"id":1710,"text":"وقبل عليه السلام جعفرا حين قدم من أرض الحبشة قال وأما في الفم الرجل للرجل فلا رخصة فيها بوجه ا ه وأما القياس الجلي فهو أنه قد ثبت بالتواتر تقبيله {صلى الله عليه وسلم} للحجر الأسود والمحجن الذي مس به الحجر الأسود فيد ورأس من ترجى بركته أو تقصد مودته لداع أولى بالتقبيل فمن هنا قال مالك رحمه الله تعالى إذا قدم الرجل من سفره فلا بأس أن تقبله ابنته وأخته ولا بأس أن يقبل خد ابنته وكره أن تقبله ختنته ومعتقته وإن كانت متجالة ولا بأس أن يقبل رأس أبيه ولا يقبل خد\rأبيه أو عمه ولأنه لم يكن من فعل الماضي ا ه لكن قال الأصل بلغني عن بعض العلماء أنهم كانوا يتحاشون عن تقبيل أولادهم في أفواههم ويقبلونهم في أعناقهم ورءوسهم محتجين بأن الله تعالى حرم الاستمتاع بالمحارم والاستمتاع هو أن يجد لذة بالقبلة فمن كان يجد لذة بالقبلة بها امتنع ذلك في حقه\rومن كان يستوي عنده الخد والفم والرأس والعنق وجميع الجسد عنده سواء وإنما يفعل ذلك على وجه الجبر والحنان فهذا هو المباح وأما غير ذلك فلا قال وهذا كلام صحيح لا مرية فيه ولقد رأيت بعض الناس يجد اللذة من تقبيل ولده في خده أو فمه كما يجده كثير من الناس بتقبيل امرأته ويعتقد أن ذلك بر بولده وليس كذلك بل هو لقضاء أربه ولذته وينشرح لذلك ويفرح قلبه ويجد من اللذة أمرا كبيرا\r","part":4,"page":480},{"id":1711,"text":"ومن المنكرات أن يعمد الإنسان لأخته الجميلة أو ابنته الجميلة التي يتمنى أن يكون له زوجة مثلها في مثل خدها وثغرها فيقبل خدها أو ثغرها أو هو يعجبه ذلك ويعتقد أن الله تعالى إنما حرم عليه قبلة الأجانب وليس كذلك بل الاستمتاع بذوات المحارم أشد تحريما كما أن الزنى بهن أقبح من الزنا بالأجنبيات وما من أحد له طبع سليم ويرى جمالا فائقا لا يميل إليه طبعه وقد يزغه عقله وشرعه ورأيت الناس عندهم مسامحة كثيرة في ذلك وقول مالك رحمه الله إنه يقبل خد ابنته محمول على ما إذا كان هذا وغيره عنده سواء أما متى حصل الفرق في النفس صار استمتاعا حراما والإنسان يطالع قلبه ويحكمه في ذلك ا ه\rالمسألة الرابعة\rاختلف العلماء في رد السلام هل الانتهاء فيه إلى البركات مأمور به مطلقا وفي صورة واحدة وهي ما إذا انتهى المبتدئ بالسلام إلى البركات فقط وهذا الخلاف مبني على الخلاف في قوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها قال ابن عطية في تفسيره قيل إن أو للتنويع لا للتخيير وقيل للتخيير ا ه قال الأصل ومعنى التخيير أن الإنسان مخير في أن يرد أحسن أو\rيقتصر على لفظ المبتدئ إن كان قد وقف دون البركات وإلا لبطل التخير لتعين المساواة ومعنى التنويع تنويع الرد إلى المثل إن كان المبتدئ انتهى للبركات وإلى الأحسن إن كان المبتدئ اقتصر دون البركات ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق السبعون والمائتان بين قاعدة ما يجب النهي عنه من المفاسد وما يحرم وما يندب\r","part":4,"page":481},{"id":1712,"text":"وهو أن النهي عن المنكر والأمر بالمعروف واجب إذا اجتمعت فيه شروط ثلاث الشرط الأول أن يعلم ما يؤمر به وينهى عنه الشرط الثاني أن يأمن من أن يؤدي إنكاره إلى منكر أكبر منه بأن لا يكون إذا نهاه عن منكر فعل ما هو أعظم منه إما في غير الناهي وإما في الناهي كأن ينهاه عن الزنا فيقتله الشرط الثالث أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر في تحصيله ومحرم إذا كان يعتقد الملابس تحريمه وإذا فقد أحد الشرطين الأولين فلا يحل للجاهل بالحكم النهي عما يراه ولا الأمر به ولا لمن لم يأمن أن يؤدي إنكاره عن المنكر إلى ما هو أعظم منه أما في غير الناهي فبالاتفاق\rوأما في نفس الناهي فعلى الخلاف الآتي ومندوب إذا كان لا يعتقد الملابس حله ولا حرمته وهو متقارب المدارك وإذا كان الفعل مكروها لا حراما والمتروك مندوبا لا واجبا وإذا عدم الشرط الثالث بأن لم يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر في تحصيله بل استوى الأمران الإزالة وعدمها والتأثير وعدمه أو غلب على ظنه عدم الإزالة وعدمها والتأثير وعدمه فحينئذ يسقط الواجب ويبقى الجواز والندب وتوضيح ذلك أن للوجوب حالة واحدة وهي ما إذا اجتمعت في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف الشروط الثلاثة المتقدمة وأن للتحريم ثلاث حالات الحالة الأولى ما إذا اعتقد الملابس للمنكر تحريمه والحالة الثانية ما إذا فقد الشرط الأول بأن لم يعلم ما يؤمر به وينهى عنه الحالة الثالثة ما إذا فقد الشرط الثاني وتحته قسمان الأول أن يؤدي إنكاره المنكر إلى ما هو أعظم منه في غير الناهي فيتفق الناس عليه أنه يحرم النهي عن المنكر القسم الثاني أن يؤدي إنكاره المنكر إلى ما هو أعظم منه في الناهي بأن\r","part":4,"page":482},{"id":1713,"text":"ينهاه عن الزنا فيقتله فيختلف الناس فيه فمنهم من سواه بالأول نظرا لعظم المفسدة ومنهم من فرق وقال هذا لا يمنع والتغرير بالنفوس مشروع في طاعة الله تعالى لقوله تعالى وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فمدحهم بسبب أنهم قتلوا بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا وهذا يدل على أن بذل النفوس في طاعة الله تعالى مأمور به وقتل يحيى بن زكريا صلوات الله عليهما بسبب أنه نهى عن تزويج الربيبة وقال {صلى الله عليه وسلم} أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ومعلوم أنه عرض نفسه للقتل بمجرد هذه الكلمة فجعله {صلى الله عليه وسلم} أفضل الجهاد ولم يفرق بين كلمة وكلمة كانت في الأصول أو الفرع من الكبائر أو الصغائر وقد خرج ابن الأشعث مع جمع كبير من التابعين في قتال الحجاج وعرضوا أنفسهم للقتل وقتل منهم خلائق كثيرة بسبب إزالة ظلم الحجاج وعبد الملك بن مروان وكان ذلك في الفروع لا في الأصول ولم ينكر أحد من العلماء عليهم ذلك ولم يزل أهل الجد والعزائم على ذلك من السلف الصالحين فيظهر من هذه النصوص أن المفسدة العظمى إنما تمنع إذا كانت من غير هذا القبيل أما هذا فلا وأن للندب ثلاث حالات الحالة الأولى ما إذا كان الملابس للمنكر لا يعتقد حله ولا حرمته وهو متقارب المدارك والحالة الثانية ما إذا كان الفعل مكروها لا حراما والمتروك مندوبا لا واجبا والحالة الثالثة ما إذا فقد الشرط الثالث بأن استوى الأمران الإزالة وعدمها والتأثير وعدمه أو غلب على ظنه عدم الإزالة وعدم التأثير هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط قلت ويؤخذ من الحالة الأولى للتحريم والحالة الأولى للندب أن للوجوب حالة ثانية هي ما إذا كان الملابس للمنكر المتفق على إنكاره أو المختلف فيه مع ضعف مدرك التحليل جدا يعتقد حله كما لا يخفى فتأمل والله أعلم وصل\r","part":4,"page":483},{"id":1714,"text":"مراتب الإنكار ثلاثة دل عليها ما خرجه أبو داود من قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك شيء من الإيمان ويروى وذلك أضعف الإيمان وفي الصحيح نحوه وأقواها أن يغيره بيده وهو واجب عينا مع القدرة فإن لم يقدر على ذلك انتقل للتغيير بالقول وهي المرتبة الثانية وليكن القول برفق لقوله عليه السلام من أمر مسلما بمعروف فليكن أمره كذلك قال الله عز وجل فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وقال عز وجل ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن فإن عجز عن القول انتقل للرتبة الثالثة وهي الإنكار بالقلب وهي أضعفها قال الأصل وعجزه عن الإنكار باليد أو بالقول وإن كان أعظم الناس إيمانا لا ينافي تعظيمه لله تعالى وقوة الإيمان لأن الشرع منعه أو أسقطه عنه بسبب عجزه عن الإنكار لكونه يؤدي لمفسدة أعظم أو نقول لا يلزم من العجز عن القربة نقص الإيمان وحينئذ يتعين أن المراد بالإيمان في قوله عليه السلام وذلك أضعف الإيمان الإيمان الفعلي الوارد في قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم لبيت المقدس والصلاة فعل وقال عليه السلام الإيمان سبع وخمسون شعبة وقيل بضع وسبعون أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهذه التجزئة إنما تصح في الأفعال وقد سماها إيمانا وأقوى الإيمان الفعلي إزالة اليد لاستلزامه إزالة المفسدة على الفور ثم القول لأنه قد لا تقع معه الإزالة وقد تقع والإنكار القلبي لا يؤثر إزالة ألبتة أو يلاحظ عدم تأثيره في الإزالة فيبقى الإيمان ا ه وقال العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام على جوهرة التوحيد ومعنى ضعفه دلالته على غرابة الإسلام وعدم انتظامه وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ا ه\r","part":4,"page":484},{"id":1715,"text":"يريد أن الإيمان في الحديث باق على حقيقته بمعنى التصديق القلبي والمراد بضعفه ضعفه في زمن عدم القدرة على الإنكار باليد أو بالقول كما يشير إليه حديث بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ لا ضعفه بالنسبة للمنكر بقلبه لأنه أدى ما هو الواجب عليه والله سبحانه وتعالى أعلم وصل في خمس مسائل تتعلق بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف ويكمل بها الفرق المسألة الأولى يأمر الولد والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر قال مالك ويخفض لهما في ذلك جناح الذل من الرحمة\rالمسألة الثانية قال بعض العلماء لا يشترط في النهي عن المنكر أن يكون ملابسه عاصيا بل يشترط أن يكون ملابسا لمفسدة واجبة الدفع أو تاركا لمصلحة واجبة الحصول وله أمثلة منها أمر الجاهل بمعروف لا يعرف وجوبه ونهيه عن منكر لا يعرف تحريمه كنهي الأنبياء عليهم السلام أممها أول بعثتها ومنها قتال البغاة وهم على تأويل ومنها ضرب الصبيان على ملابسة الفواحش ومنها قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء والأبضاع ولم يمكن دفعهم إلا بقتلهم ومنها أن يوكل وكيلا بالقصاص ثم يعفو ويخبر فاسق أو متهم الوكيل بالعفو فلا يصدقه فللفاسق أو المتهم الذي أخبره أن يدفعه عن القصاص إذا دفعا بالقتل الواردة لمفسدة القتل بغير حق ومنها أن يوكل سيد الجارية وكيلا في بيعها فيبيعها ويخبره المشتري أنه اشتراها من الوكيل فلم يصدقه ويريد وطأها ظنا منه أن الوكيل لم يبعها فللمشتري دفعه ولو بالقتل ومنها ضرب البهائم للتعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشماس والجماح\rالمسألة الثالثة قال العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور إجماعا فمن أمكنه أن يأمر بمعروف وجب عليه كمن يرى جماعة تركوا الصلاة فيأمرهم بكلمة واحدة قوموا للصلاة\rالمسألة الرابعة المختلف في تحريمه وتحليله إن رأينا من فعله معتقدا\r","part":4,"page":485},{"id":1716,"text":"تحريمه أنكرنا عليه لأنه منتهك للحرمة من جهة اعتقاده فإن رأيناه معتقدا تحليله لم ننكر عليه لأنه غير عاص لأن أحد القولين وإن لم يكن أولى من الآخر إلا أن المفسدة الموجبة لإباحة الإنكار لم تتعين نعم إن كان مدرك القول بالتحليل ضعيفا جدا ينقص قضاء القاضي بمثله لبطلانه في الشرع كواطئ الجارية بالإباحة معتقدا لمذهب عطاء وشارب النبيذ معتقدا لمذهب أبي حنيفة أنكرنا عليه وإن رأيناه غير معتقد تحريما ولا تحليلا والمدارك في التحريم والتحليل متقاربة أرشد للترك برفق من غير إنكار وتوبيخ لأنه من باب الورع المندوب والأمر بالمندوبات والنهي عن المنكرات هكذا أي المكروهات شأنها الإرشاد من غير توبيخ\rالمسألة الخامسة\rيدخل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المندوبات والمكروهات على سبيل الإرشاد للورع ولما هو أولى من غير تعنيف ولا توبيخ بل يكون ذلك من باب التعاون على البر والتقوى أفاده الأصل وصححه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث والسبعون والمائتان بين قاعدة ما يجب تعلمه من النجوم وبين قاعدة ما لا يجب\rوهو أن تعلم النجوم إن كان لما تعرف به القبلة كالفرقدين والجدي وما يجري مجراها في معرفة القبلة فظاهر كلام أصحابنا أن تعلم هذا القسم ففرض عين على كل أحد قال الأصل لأن ظاهر كلامهم من التوجه للكعبة لا يسوغ فيه التقليد مع القدرة على الاجتهاد ونصوا على أن القادر على التعلم يجب عليه التعلم ولا يجوز له التقليد ومعظم أدلة القبلة في النجوم فيجب تعلم ما تعلم به القبلة ا ه وإن كان لما تعرف به أوقات الصلاة فمقتضى القواعد أن يكون ما يعرف به منها فرضا على الكفاية قال الأصل لجواز","part":4,"page":486},{"id":1717,"text":"التقليد في أوقات الصلاة قال صاحب الطراز يجوز التقليد في أوقات الصلاة إلا الزوال فإنه ضروري يستغنى فيه عن التقليد فلذلك لم يكن فرضا على الأعيان ومن جهة أن معرفة الأوقات واجبة يكون ما تعرف به الأوقات فرض كفاية ا ه وإن كان لما يعين على الأسفار ويخرج من ظلمات البر والبحر فهو موطن الاستحباب قال الأصل قال ابن رشد يتعلم من أحكام النجوم ما يهتدي به في ظلمات البر والبحر وتعرف مواضعها من الفلك وأوقات طلوعها وغروبها وهو مستحب لقوله تعالى وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ا ه المراد وإن كان لما يعرف به نقصان الشهر ووقت رؤية الهلال والكسوفات فمكروه قال الأصل قال ابن رشد وأما ما يفضي إلى معرفة نقصان الشهر ووقت رؤية الهلال فمكروه ولا يعتمد عليه في الشرع فهو اشتغال بغير مفيد قال وكذلك ما يعرف به الكسوفات مكروه لأنه لا يغني شيئا ويوهم العامة أنه يعلم الغيب بالحساب فيزجر عن الإخبار بذلك ويؤدب عليه ا ه وإن كان لما يعرف به نزول الأمطار وغيره مما استأثر الله بعلمه من الغيب فهو إما زندقة أو ارتداد أو بدعة تسقط العدالة قال الأصل وذلك لأنه إن أداه إلى القول بأن الكواكب مستقلة بالتأثير قتل ولم يستتب إن كان يسره لأنه زنديق وإن أظهره فهو مرتد يستتاب وإن لم يؤده إلى ذلك بل اعتقد أن الله تعالى هو الفاعل عندها زجر عن الاعتقاد الكاذب لأنه بدعة تسقط العدالة ولا يحل لمسلم تصديقه قال فالاختلاف في كلام ابن رشد إذ قال وأما ما يخبر به المنجم من الغيب من نزول الأمطار وغيره فقيل ذلك كفر يقتل بغير استتابة لقول عليه السلام قال الله عز وجل أصبح من\r","part":4,"page":487},{"id":1718,"text":"عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب وقيل يستتاب فإن تاب وإلا قتل قاله أشهب وقيل يزجر عن ذلك ويؤدب ا ه ليس اختلافا في قول بل اختلاف في حال قال قال ابن رشد والذي ينبغي أن يعتقد فيما يصيبون فيه أن ذلك على وجه الغالب نحو قوله عليه السلام إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غدقة ا ه فهذا تلخيص ما يجب وما لا يجب من تعلم أحكام النجوم هذا تهذيب كلام الأصل وصححه ابن الشاط والله أعلم\rالفرق الرابع والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو من الدعاء كفر وقاعدة ما ليس بكفر\rقال ابن الشاط وليس هو بصحيح إلا على رأي من يكفر بالمآل أي ويقول بأن لازم المذهب مذهب وإن لم يقل به الأصل وذلك أن الأصل في الدعاء الندب لأنه من حيث ذاته طلب من الله تعالى وكل ما هو طلب منه تعالى مشتمل على خضوع العبد لربه وإظهار ذلته وافتقاره إلى مولاه وكل مشتمل على ذلك مأمور به أمر ندب وقد يعرض له من متعلقاته ما يوجبه أو يحرمه والتحريم قد ينتهي للكفر وقد لا ينتهي له وما ينتهي له لم تقم حجة على أنه بعينه كفر وإنما هو من باب التفكير بالمآل عند من يقول به والأصل لا يقول به وبيان ذلك أن أقسام ما ينتهي له على القول به أربعة\rالقسم الأول\rأن يطلب الداعي نفي ما دل السمع القاطع من الكتاب والسنة على ثبوته ومن أمثلته أن يقول اللهم لا تعذب من كفر بك أو اغفر له وقد دل قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وغير ذلك من النصوص السمعية القواطع على تعذيب كل واحد ممن مات كافرا ومنها أن يقول اللهم لا تخلد فلانا الكافر في النار وقد دلت النصوص القاطعة على تخليد كل واحد من الكفار في النار ومنها أن يسأل الداعي الله أن يريحه من البعث حتى يستريح من أهوال يوم القيامة وقد أخبر تعالى عن بعث كل واحد من الثقلين\r","part":4,"page":488},{"id":1719,"text":"والقسم الثاني أن يطلب الداعي من الله تعالى ثبوت ما دل القاطع على نفيه ومن أمثلته أن يقول اللهم خلد فلانا المسلم عدوي في النار ولم يرد به سوء الخاتمة وقد دل قوله تعالى ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ونحوه من القواطع على أن كل مؤمن لا يخلد في النار ولا بد له من الجنة ومنها أن يقول أحيني أبدا حتى أسلم من سكرات الموت وكربه وقد دل قوله تعالى كل نفس ذائقة\rالموت ونحوه من القواطع على أنه لا بد له من الموت ومنها أن يقول اللهم اجعل إبليس محبا ناصحا لي ولبني آدم أبد الدهر حتى يقل الفساد وتستريح العباد والله سبحانه وتعالى يقول إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ولا يخفاك أن غاية ما في هذين القسمين طلب التكذيب وهو وإن كان طلب مستحيل إلا أن القاعدة في طلب المستحيل أنه ليس بمستحيل عقلا ولا ممتنع على الصحيح وإن كان مستلزما لتجويز التكذيب عند من لا يجوز طلب المستحيل لا عند من يجوز طلبه إلا أن تجويز التكذيب لا يستلزم التكذيب وإن كان القصد مقتضى لفظ التكذيب فإنه يجوز تكذيب زيد لعمرو ولا يلزم أن يكون مكذبا لعمرو ولا مجوزا لكذبه فإن كان القصد بلفظ التكذيب الكذب لم يلزم أيضا أن يكون مكذبا له بل يلزم أن يكون مجوزا لوقوع الكذب منه عند من يجوز طلب المستحيل لا عند من لا يجوزه وعلى تقدير ذلك عند من لا يجوزه إنما يكون تكفير من يلزم من دعائه ذلك تكفيرا بالمآل وقد حكى الأصل وغيره من أهل السنة الخلاف في ذلك واختار الأصل عدم التكفير فجزمه هنا بتكفير الداعي بما في مثل القسمين ليس بصحيح إلا على\rرأي من يكفر بالمآل ويقول إن لازم المذهب مذهب وليس ذلك مذهب الأصل\r","part":4,"page":489},{"id":1720,"text":"والقسم الثالث أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي ما دل القاطع العقلي على ثبوته مما يخل بإجلال الله تعالى ومن أمثلته أن يسأل الداعي من الله تعالى سلب علمه أو عالميته القديمة حتى يستتر العبد في قبائحه ويستريح من اطلاع ربه على فضائحه وقد دل القاطع العقلي على وجوب ثبوت العلم لله تعالى أزلا وأبدا ومنها أن يسأل الله تعالى سلب استيلائه عليه وارتفاع قضائه وقدره حتى يستقل الداعي بالتصرف في نفسه ويأمن سوء الخاتمة من جهة القضاء وقد دل القاطع العقلي على شمول إرادة الله تعالى واستيلائه على جميع الكائنات\rوالقسم الرابع أن يطلب الداعي من الله تعالى ثبوت ما دل القاطع العقلي على نفيه مما يخل ثبوته بإجلال الربوبية ومن أمثلته أن يعظم شوق الداعي إلى ربه حتى يسأله أن يحل في بعض مخلوقاته ليجتمع به أو يعظم خوفه من الله تعالى فيسأله تعالى ذلك ليأخذ منه الأمان على نفسه فيستبدل من وحشته أنسا وقد دل القاطع العقلي على استحالة ذلك على الله تعالى ومنها أن تعظم حماقة الداعي وتجريه فيسأل الله تعالى\rأن يفوض إليه من أمور العالم ما هو مختص بالقدرة القديمة والإرادة الربانية من الإيجاد والإعدام والقضاء النافذ المحتم بأن يسأله تعالى أن يعطيه كلمة كن التي في قوله تعالى إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ولا يعلم معنى هذه الكلمة في كلام الله تعالى وما معنى إعطائها إن صح أنها أعطيت لأحد وهذا غور بعيد الروم على العلماء المحصلين فضلا عمن يسأل ذلك من الصوفية المتخرصين وقد دل القاطع العقلي على استحالة ثبوت ذلك لغير الله تعالى\r","part":4,"page":490},{"id":1721,"text":"ومنها أن يسأل الداعي ربه أن يجعل بينه وبينه نسبا فيحصل له الشرف على الخلائق في الدنيا والآخرة وقد دل القاطع العقلي على استحالة النسب وأسباب الاستيلاء الموجبة للأنساب ولا يخفاك أن طلب نفي العلم والقدرة ليس طلبا لضدهما وهما الجهل والعجز كما زعم الأصل لجواز غفلة الداعي وإضرابه عنهما وعلى تقدير عدم الغفلة والإضراب إنما يكون ذلك من التكفير بالمآل وإن طلب الداعي من الله تعالى الاستيلاء على نفسه وسلب استيلائه تعالى عليه وارتفاع قضائه وقدره تعالى حتى يستقل بالتصرف في نفسه ويأمن من سوء الخاتمة من جهة القضاء إن أراد أن عينه\rهو الكفر فلا يسلم إلا أن يثبت أن طلب ذلك كفر لما سبق من أن كون أمر ما كفرا إنما هو وضعي شرعي وإن أراد أنه يستلزم الكفر وهو الجهل بكون سلب الاستيلاء مما تتعلق به القدرة أو لا تتعلق فهو من التكفير بالمآل وكذلك يقال في طلب الداعي حلوله تعالى في بعض مخلوقاته حتى يجتمع به أو حتى يأخذ منه الأمان على نفسه فيستبدل من وحشته أنسا إلا أنه يقال في الشق الثاني وإن أراد أنه يستلزم الكفر وهو الجهل بكون سلب الحلول في بعض مخلوقاته مما تتعلق به القدرة أو لا إلخ فافهم ولا يخفى أيضا أن من يعتقد أن الله يعطي غيره كلمة كن إن عنى بأن الله تعالى يعطي غيره كن أنه يعطيه الاقتدار بالاستقلال فذلك جهل شنيع أو بقدرة يخلقها الله فيه فهو مذهب الاعتزال وكلاهما كفر بالمآل وإن عنى بأن الله يعطي غيره كن أن يكون لهذا الشخص الكائنات التي يريدها مقرونة بإرادته معبرا عن ذلك بإعطائه كلمة كن فلا محذور في ذلك إذا اقترن قوله بقرينة تفهم المقصود\rوكذلك يقال في طلب الداعي ربه أن يجعل بينه وبينه نسبا فيحصل له الشرف على الخلائق في الدنيا والآخرة فإنه إن عنى بجعل الله بينه وبينه نسبا أن يحصل له الشرف على الخلائق بالاستقلال فذلك جهل شنيع أو بقدرة يخلقها الله تعالى فيه فهو مذهب الاعتزال وكلاهما كفر بالمآل وإن عنى\r","part":4,"page":491},{"id":1722,"text":"بذلك أن يحصل له الشرف على الخلائق مقرونا بإرادته تعالى فلا محذور في ذلك إذا اقترن بقرينة تفهم المقصود فتأمل\rقال وقول الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه إن بناء المسلم الكنائس كفر يريد في الحكم الدنيوي وأما الأخروي فبحسب النية نعم فتواه بكفر المسلم إذا قتل نبيا يعتقد صحة رسالته لإرادته إماتة شريعته وإرادة إماتة الشريعة كفر ا ه ظاهر صحتها كقول الأصل إن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية لا يعذر الداعي به عند الله تعالى لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف رفعه لا يكون حجة للجاهل لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام فإن الذي لا يعلم اليوم يعلم في غد ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذرا لأن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسالته وأوجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها فالعلم والعمل بها واجبان فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين\rوإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل ومن علم وعمل فقد نجا ولذلك قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون\r","part":4,"page":492},{"id":1723,"text":"والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم فحكم على جميع الخلائق بالهلاك إلا العلماء منهم ثم ذكر شروطا أخر مع العلم في النجاة من الهلاك ولذلك ألحق مالك الجاهل في العبادات بالعامد دون الناسي لأنه جهل يمكنه رفعه فسقط اعتباره نعم الجهل الذي لا يمكن رفعه للمكلف بمقتضى العادة يكون عذرا كما لو تزوج أخته فظنها أجنبية أو شرب خمرا يظنه خلا أو أكل طعاما نجسا يظنه ظاهرا مباحا فهذه الجهالات يعذر بها إذ لو اشترط اليقين في هذه الصور وشبهها لشق ذلك على المكلفين فيعذرون بذلك ا ه فهذا كله صحيح وأما قوله الأصل أن الأصل في الدعاء التحريم مستدلا عليه بقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ففيه نظر والأظهر أن الأصل في الدعاء الندب إلا ما قام الدليل على منعه أهـ كلام ابن الشاط بتصرف والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الثالث و السبعون والمائتان بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر وبين قاعدة ما ليس محرما\rادعى الأصل أن المحرم الذي ليس بكفر من الدعاء ثبت حصره باستقرائه في اثني عشر قسما فتكون هي المحرمة وما عداها ليس محرما عملا بالاستقراء في القسمين\rقال فإن ظفر أحد بقسم آخر محرم أضافه لهذه الاثني عشر وساق الأقسام بمثلها ولم يسلم له الإمام ابن الشاط من الاثني عشر إلا ستة القسم الأول منها الدعاء المعلق على مشيئة الله وتعالى فلا يجوز للداعي أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت ولا اللهم اغفر لي إلا أن تشاء ولا اللهم إلا أن تكون قد قدرت غير ذلك وما أشبه هذه النظائر لما ورد في الصحيح لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم المسألة وسره","part":4,"page":493},{"id":1724,"text":"أن هذا الدعاء عري عن إظهار الحاجة إلى الله تعالى ومشعر بغنى العبد عن الرب هذا ما وجه به الأصل وسلمه ابن الشاط وأما توجيهه أيضا بأن هذا الحديث دل على طلب المغفرة على تقدير كونها مقدرة وإذا قدرت وهي واقعة جزما بغير دعاء وطلب تحصيل الحاصل محال لا يجوز لمناقضته لقواعد الشريعة والأدب مع الله تعالى فقال ابن الشاط هذا ليس بصحيح فقد دعا النبي {صلى الله عليه وسلم} لنفسه الكريمة بالمغفرة وهي معلومة الحصول عنده {صلى الله عليه وسلم} وعندنا وأمرنا أن ندعو له {صلى الله عليه وسلم} بإتيانه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وذلك كله معلوم الحصول عنده {صلى الله عليه وسلم} وعندنا ا ه\rوالقسم الثاني من الستة الدعاء المعلق بشأن الله تعالى وله أمثلة منها أن يقول اللهم افعل بي ما أنت أهله في الدنيا والآخرة لأنه قد سئل من الله تعالى أن يفعل به إما الخير وإما الشر وأن يغفر له أو يؤاخذه وهذا هو معنى\rقوله عليه الصلاة والسلام لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ولأن الدعاء بمثل ذلك فيه إظهار الاستغناء وعدم الافتقار فيكون معصية إلا أن ينوي الداعي ما أنت أهله من الخير الجزيل ولا يقتصر في نيته على مطلق الخير فيذهب حينئذ التحريم ولم يفته نية تعظيم المسألة الذي يرشد إليه قوله {صلى الله عليه وسلم} إذا سألتم الله فأعظموا المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء وإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس الأعلى ويقتصد في نيته على مطلق الخير فيذهب التحريم لكن يفوته نية تعظيم المسألة\r","part":4,"page":494},{"id":1725,"text":"قال ابن الشاط وكذا إن لم ينو شيئا أصلا وكان ممن لم يعتقد مذهب الاعتزال لأن قرينة الحال في كون الإنسان لا يريد لنفسه إلا الخير مع سلامته من اعتقاد الاعتزال تقيد مطلق دعائه فلا كفر ولا معصية خلافا لقول الأصل إن الداعي بذلك إذا لم ينو شيئا أصلا كان عاصيا ولو لم يعتقد مذهب الاعتزال من أن الله تعالى لا يفعل إلا الخير ولا يفعل الشر إلا شرير وأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة خلقها الله فيه وهو إما كفر أو فسوق بالإجماع من أهل السنة كمذهب الحشوية من اعتقاد جسمية الله تعالى الله عن ذلك علوا\rكبيرا بناء على أن كلا من هذين المذهبين يسبق إلى طبع الإنسان البشري بحسب العادة المألوفة حتى يرتاض بالعلوم العقلية والنقلية\rفمن حيث إن كل أحد إنما يريد بهذا الدعاء الخير وإنه يريد بمقتضى ما يسبق إلى طبعه البشري من شائبة الاعتزال أن ذلك هو شأن الله تعالى يثبت التحريم\rقال فاحذر شائبة الاعتزال التي تسبق إلى الطباع واقصد بنيتك ما يليق بجلال ربك ولم يلفت مع ذلك إلى قرينة الحال في كونه لا يريد لنفسه إلا الخير مع سلامته من اعتقاد الاعتزال من كونها تقيد مطلق دعائه كما التفت إليها ابن الشاط فقال لا كفر ولا معصية إذا لم ينو الداعي بهذا شيئا أصلا وكان ممن لم يعتقد مذهب الاعتزال لأن قرينة حاله تقيد مطلق دعائه ومنها أن يقول اللهم افعل بي في الدنيا والآخرة ما يليق بعظمتك أو بجلالك أو بكبريائك أو بذاتك أو بربوبيتك أو نحو ذلك من كل ما يأتي من هذا الباب ومنها أن يقول اللهم هبني ما يليق بقضائك وقدرتك فإن اللائق بعظمته تعالى ونحو ذلك الفضل والعدل وهما على حد سواء ليس أحدهما أولى من الآخر بالنسبة إلى عظمته واللائق بقضائه وقدره الكثير والحقير والخير والشر\rومحمود العاقبة وغير محمودها فالكلام على هذين المثالين كالكلام على المثال الأول بلا فرق\r","part":4,"page":495},{"id":1726,"text":"والقسم الثالث من الستة الدعاء بالألفاظ العجمية التي غلب على عادة مستعمليها من العجم الضلال والفساد لقوله تعالى لنوح عليه السلام فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين وقول نوح عليه السلام إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم فإن معناه أن أسألك ما ليس لي بجواز سؤاله علم فدل ذلك على أن العلم بالجواز شرط في جواز السؤال فما لم يعلم جوازه لا يجوز سؤاله وأكد الله تعالى ذلك بقوله إني أعظك أن تكون من الجاهلين واللفظ العجمي لا سيما الصادر ممن غلب عليهم من العجم الضلال والفساد غير معلوم الجواز لجواز اشتماله على ما ينافي جلال الربوبية فلذا منع العلماء من الدعاء بالألفاظ العجمية الصادرة ممن غلب على عادتهم من العجم ذلك حتى يعلم خلوصها من الفساد ومنع مالك رحمه الله تعالى من الرقي بها\rوأما الصادرة ممن لم يغلب على عادتهم من العجم ذلك فيكره الدعاء والرقي بها سدا للذريعة\rوالقسم الرابع من الستة الدعاء على غير الظالم لأن الله سبحانه وتعالى وإن كان عالما بأحوال العباد جملة وتفصيلا وأن هذا الدعاء إضرار بغير مستحق إلا أن المدعو عليه لا يخلو إما أن يكون قد اقترف ذنوبا أو اكتسب سيئات من غير جهة الداعي وهذا هو الغالب وإما أن يكون نقيا من الذنوب وطاهرا من جميع العيوب فيجوز على الأول أن يستجيب الله تعالى هذا الدعاء ويجعله سببا للانتقام من هذا المدعو عليه بذنوبه السالفة\rويجوز على الثاني أن يستجيب الله هذا الدعاء ليجعله سببا لرفع درجات هذا العبد صبر أم لا وسببا لوقوع الصبر من الصابر فيحصل له الجزيل من الثواب فافهم ويكون الداعي على كلا الوجهين ظالما بدعائه الذي أنفذه الله تعالى في المدعو عليه لأنه سعى في إضرار غير مستحق وكل المساعي الضارة بغير استحقاق حرام فيعاقبه الله تعالى على دعائه بغير حق ونظير\r","part":4,"page":496},{"id":1727,"text":"ذلك أن الله تعالى قد ينفذ في عبده المؤمن سهم العدو والكافر وسيف القاتل له ظلما كما يسلط عليه السباع والهوام وإن لم يصدر منه في حقها ما يوجب ذلك إما مؤاخذة له بذنوبه أو رفعا لدرجاته فكما أن صاحب السيف والرمح ظالم وينفذ الله سيفه ورمحه في المظلوم ويعاقبه على ظلمه كذلك صاحب الدعاء ظالم بدعائه وينفذ الله دعاءه في المظلوم ويعاقبه على ظلمه أيضا والكل عدل من الله تعالى\rتنبيه أجاز مالك وجماعة من العلماء الدعاء على الظالم وادعى الأصل أن دليله قوله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل\rقال ابن الشاط وليس كذلك وإنما الآية دليل على جواز الانتصار الذي هو الانتصاف منه على درجة لا يكون فيها زيادة على قدر الظلم وبالوجه الذي أبيح الانتصاف به وجواز الانتصاف لا يستلزم جواز الدعاء عليه إلا أن يكون الدعاء بتيسير أسباب الانتصاف منه فقد يسوغ دعوى دلالة الآية عليه ضمنا لا صريحا وأما الدعاء بغير ذلك\rفليس فيها دلالة على جوازه لا ضمنا ولا صريحا ا ه فمن هنا قال الأصل وسلمه ابن الشاط وحيث قلنا بجواز الدعاء على الظالم فلا تدعو عليه بمؤلمة من أنكاد الدنيا لم تقتضها جنايته عليك بأن يجني عليك جناية فتدعو عليه بأعظم منها فتكون جانيا عليه بالمقدار الزائد والله تعالى يقول فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم بل تدعو عليه بمؤلمة من أنكاد الدنيا تقتضيها جنايته ولا ينبغي أن تدعو عليه بملابسة معصية من معاصي الله تعالى ولا بالكفر صريحا أو ضمنا بأن تقول اللهم ارزقه سوء الخاتمة أو غير ذلك من العبارات الدالة على طلب الكفر\r","part":4,"page":497},{"id":1728,"text":"وإن كان الصحيح كما قال ابن الشاط أن مريد المعصية ليس بعاص إلا إن اقترن بإرادته المعصية قول في المعصية التي هي قول أو فعل في المعصية التي هي فعل فذلك معصية وأما مجرد الإرادة فليس بمعصية على ما اقتضاه قوله {صلى الله عليه وسلم} إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم فإرادة الكفر داخلة تحت عموم الحديث المذكور ولا أعلم لهذا\rالحديث الآن معارضا فلا كفر لمريد الكفر حيث لم يقع منه الكفر بقول إن كان ذلك الكفر قولا أو بفعل إن كان ذلك فعلا فأولى أن لا يكون مريد ما يلزم عنه الكفر كافرا لأنه إن كانت إرادته كفر الغير بقصد نفعه لرجحان الكفر عنده على الإيمان فهذا كفر وإن كانت إرادته كفر الغير بقصد إضراره فهي معصية غير كفر ا ه قلت وكذا إن أراد معصية الغير بقصد نفعه بالمعصية لرجحان المعصية على الطاعة عنده أو أراد معصية الغير بقصد إضراره فهي لمكان الرضا بالمعصية في الأول وإضرار الغير في الثاني فافهم\rبل الأحسن للمظلوم الصبر والعفو عن الظالم لقوله تعالى ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور أي من معزومها ومطلوبها عند الله تعالى\rفإن زاد في الإحسان على ذلك بأن دعا له بالإصلاح والخروج عن الظلم فقد أحسن إلى نفسه بمثوبة العفو وتحصيل مكارم الأخلاق وإلى الجاني بالتسبب إلى إصلاح صفاته وإلى الناس كافة بالتسبب إلى كفايتهم شره\rفهذه ثلاثة أنواع من الإحسان لا ينبغي أن تفوت اللبيب لا سيما وقد روي أن الإنسان إذا دعا بمكروه على بريء أو على جان بأزيد من جنايته تقول له الملائكة ولك مثله وإن دعا بخير لأحد جانيا أو بريئا تقول له الملائكة ولك مثله\rنعم ينبغي في الظالم الذي لا يردعه إلا إظهار الدعاء عليه أن يكون العفو عنه فيما بينك وبين الله تعالى وأن لا يظهر له ذلك بل أظهر ما فيه صلاحه من دعائك عليه وأما من يجود إذا جدت عليه فينبغي إظهار ذلك له\r","part":4,"page":498},{"id":1729,"text":"والقسم الخامس من الستة الدعاء بطلب وقوع المحرمات في الوجود إما لنفسه كأن يقول اللهم أمته كافرا أو اسقه خمرا أو أعنه على المكس الفلاني أو وطء الأجنبية الفلانية وهي مشتملة على معصية وإما لغيره عدوه كقوله اللهم لا تمت فلانا على الإسلام اللهم سلط عليه من يقتله أو يأخذ ماله أو صديقه كقوله اللهم يسر له الولاية الفلانية أو السفر الفلاني وصحبة الوزير فلان أو الملك فلان ويكون جميع ذلك مشتملا على معصية من معاصي الله تعالى\rفجميع ذلك محرم تحريم الوسائل ومنزلته من التحريم منزلة متعلقه فالدعاء بتحصيل أعظم المحرمات أقبح الدعاء ودليل أن الدعاء بالمحرم محرم ما روي من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى ومحبة معصية الله تعالى محرمة\rوالقسم السادس من الستة الدعاء الموهم استئناف صفتي القدرة والإرادة كقول الداعي اللهم قدر لنا أو اقض لنا بالخير واستئناف العلم كقول الداعي اللهم اجعل سعادتنا مقدورة في علمك\rقال الأصل ووجه ذلك أن الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل لأنه طلب والطلب في الماضي محال فيكون مقتضى الدعاء الأول والثاني أن يقع تقدير الله تعالى في المستقبل من الزمان والتقدير جميعه وقع في الأزل فيكون قوله في الأول اللهم قدر إلخ وكذا قوله في الثاني اللهم اقض إلخ لأن معنى اقض مساو في المعرف جميعه وقع في الأزل فيكون قوله في الأول اللهم قدر إلخ وكذا قوله في الثاني اللهم اقض إلخ لأن معنى اقض مساو في المعرف لمعنى قدر يقتضي مذهب من يرى أنه لا قضاء في الأزل وأن الأمر أنف كما خرجه مسلم عن الخوارج وهو فسق بالإجماع\rقال\rوكذلك يقال في الدعاء الثالث لأن الذي يتقدر في العلم هو الذي تعلقت به الإرادة القديمة فكلما يستحيل استئناف تعلق الإرادة به يستحيل استئناف تعلق العلم به فيستحيل استئناف تعلق العلم بالسعادة فيكون محرما لما مر\r","part":4,"page":499},{"id":1730,"text":"نعم لا يكون قوله اللهم اقدر أو اقض إلخ محرما للإيهام المذكور إلا عند الإطلاق وعدم النية أما إن أراد بالتقدير التيسير مجازا فلا حرمة ولا معصية وحينئذ يتعين أن يعتقد أن التقدير فيما ورد عن الشارع {صلى الله عليه وسلم} من قوله في الاستخارة واقدر لي الخير حيث كان ورضني به بمعنى التيسير مجازا ا ه وقال ابن الشاط ما خلاصته إن الدعاء بالأول والثاني وإن أوهما استئناف صفتي القدرة والإرادة لا يفتقرا إلى نية كما قال الأصل بعد أن ورد عن الشارع {صلى الله عليه وسلم} في قوله في الاستخارة واقدر لأن مقتضى استحالة استئناف صفتي القدرة والإرادة قرينة صارفة ومعينة للحمل على أن المراد بالدعاء الأول والثاني ما يجوز من استئناف المقدور والمراد فلا امتناع فيهما للإيهام المذكور وأما الدعاء الثالث فيمتنع لإيهامه استئناف العلم كما قال الأصل لأنه لم يرد عن الشارع استئناف\rالعلم فيما علمت مثل ما ورد في استئناف القدرة والإرادة من قوله {صلى الله عليه وسلم} في الاستخارة واقدر فليس الإيهام هنا مثل الإيهام في الأول والثاني لعدم ورود الإيهام هنا عن الشارع {صلى الله عليه وسلم} فيما علمت ووروده عنه {صلى الله عليه وسلم} هناك\rا ه\rقلت ووجه ما قاله ابن الشاط أن موهم ما يستحيل في حقه تعالى ثلاثة أقسام\rالقسم الأول\rما ورد هو نفسه في كتاب أو سنة صحيحة كالاستواء في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى والفوقية في قوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم والإتيان في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والمجيء في قوله تعالى وجاء ربك والوجه في قوله تعالى ويبقى وجه ربك واليد في قوله تعالى يد الله فوق أيديهم والنزول في حديث الصحيحين ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا والصورة في حديثهما أيضا إن الله خلق آدم على صورته فهذا يجوز إطلاقه على الله تعالى لكن أما مع التأويل التفصيلي كما هو طريقة الخلف بأن يقال المراد بالاستواء الاستيلاء والملك كما قال\r","part":4,"page":500},{"id":1731,"text":"قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق وبالفوقية التعالي في العظمة دون المكان وبالإتيان إتيان رسول عذابه أو رحمته وثوابه وكذا النزول وبالوجه الذات أو الوجود وباليد القدرة ويرجع ضمير على صورته إلى الأخ المصرح في الطريق الأخرى التي رواها مسلم بلفظ إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته والمراد بالصورة الصفة وأما مع التأويل الإجمالي ويفوض علم المعنى المراد من ذلك النص تفصيلا إليه تعالى كما هو طريق السلف كما قال الإمام مالك لما سئل عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة كما في شرح عبد السلام على جوهرة التوحيد\rوالقسم الثاني ما ورد نظيره في كتاب أو سنة صحيحة وإلى مثاله وحكمه أشار العلامة الأمير في حاشيته على شرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد بقوله واعلم أن من قال جسم كالأجسام فاسق ولا يعول على استظهار بعض أشياخنا كفره كيف وقد صح وجه لا كالوجوه ويد لا كالأيدي نعم لم ترد عبارة جسم فليتأمل ا ه بلفظها قلت ومن هذا القسم قول القائل إنه تعالى في مكان ليس كمكان الحوادث لأنه قد صح\rاستواء على العرش لا كالاستواء على السرير نعم لم ترد عبارة مكان بل قال إمام الحرمين حديث لا تفضلوني على يونس يفيد أنه تعالى منزه عن المكان أزلا إذ لولا تنزهه عن الجهة لكان محمد {صلى الله عليه وسلم} في معراجه أقرب من يونس في نزول الحوت به لقاع البحر كما أفاده الأمير في الحاشية المذكورة\r","part":4,"page":501},{"id":1732,"text":"والقسم الثالث ما لم يرد هو ولا نظيره في كتاب ولا سنة صحيحة وإلى مثاله وحكمه أشار العلامة الأمير في الحاشية المذكورة أيضا بقوله وذهب بعض المتصوفة والفلاسفة إلى أنه تعالى الوجود المطلق وأن غيره لا يتصف بالوجود أصلا حتى إذا قالوا الإنسان موجود فمعناه أن له تعلقا بالوجود وهو الله تعالى وهو كفر ولا حلول ولا اتحاد فإن وقع من أكابر الأولياء ما يوهم ذلك أول بما يناسبه كما يقع منهم في وحدة الوجود كقول بعضهم ما في الجبة إلا الله أراد أن ما في الجبة والكون كله لا وجود له إلا بالله إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده وذلك اللفظ وإن كان لا يجوز شرعا لإيهامه لكن القوم تارة تغلبهم الأحوال فإن الإنسان ضعيف إلا من تمكن بإقامة المولى\rسبحانه ورأيت في مفاتيح الكنوز أن الحلاج قال أنا وفيه بقية ما من شعوره بنفسه ثم فني بشهوده فقال الله فهما كلمتان في مقامين مختلفين لكن ممن أفتى بقتله الجنيد كما في شرح الكبرى عملا بظاهر الشريعة الذي هو أمر الباطن والظاهر وبالجملة فالمقام العظيم لا تحيط به العبارة والوجدان يختلف بحسب ما يريد الحق ورأيت وأظنه في كلام ابن وفا أن من أعظم إشارات وحدة الوجود قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط وصح في الحديث كنت سمعه وبصره إلخ ومن ألطف إشاراته قول أبي مدين التلمساني الله قل وذر الوجود وما حوى إن كنت مرتادا بلوغ كمال فالكل دون الله إن حققته عدم على التفصيل والإجمال واعلم بأنك والعوالم كلها لولاه في محو وفي اضمحلال من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده لولاه عين محال والعارفون فنوا به لم يشهدوا شيئا سوى المتكبر المتعالي\r","part":4,"page":502},{"id":1733,"text":"ورأوا سواه على الحقيقة هالكا في الحال والماضي والاستقبال ا ه بلفظها قلت ومما هو جار على مذهب بعض المتصوفة والفلاسفة المذكور قول صاحب التحفة المرسلة وإن ذلك الوجود محيط بجميع الموجودات إحاطة الملزوم باللوازم والموصوف بالصفات لا كإحاطة الظرف بالمظروف ولا كإحاطة الكل بالجزء تعالى عن ذلك علوا كبيرا ا ه كما لا يخفى على منصف ومما هو جار أيضا على ذلك بل أقبح منه قول القائل مكانه تعالى محيط بالعالم بذاته لا بصفاته كالعلم والقدرة إذ هو ظاهر في أن ذاته تعالى التي هي مكانه محيط بالعالم إحاطة الظرف بالمظروف أو الكل بالجزء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فتحصل أن في موهم ما يستحيل في حقه تعالى ثلاث قواعد\rالأولى\rأن كل ما ورد الإذن بإطلاقه نفسه في كتاب أو سنة صحيحة كاستئناف القدرة أو الإرادة في الدعاء الأول والثاني جاز إطلاقه عليه تعالى مع حمله على ما يليق بجلاله تعالى بقرينة استحالة معناه\rوالثانية أن كل ما ورد الإذن بنظيره في كتاب أو سنة صحيحة ولم يرد به نفسه كاستئناف العلم في\rالدعاء الثالث فهو حرام وليس بكفر\r","part":4,"page":503},{"id":1734,"text":"والثالث أن كل ما لم يرد الإذن به ولا بنظيره في كتاب ولا سنة صحيحة كقول بعض الصوفية والفلاسفة إن الله تعالى هو الوجود المطلق ولا وجود لغيره وإنما له تعلق بالوجود وهو الله تعالى فهو كفر فهذه الأدعية التي في الأقسام الستة كلها أدعية محرمة إما كبيرة أو صغيرة إن تكررت صارت كبيرة وفسقا باتفاق الأصل وابن الشاط والستة الباقية من الاثني عشر أقسام الدعاء المحرم الذي ليس بكفر التي استقرأها الأصل لم يسلم ابن الشاط ما ادعاه الأصل في وجه تحريمها وقال والعاقل الحريص على دينه أول ما يسعى في تحصيل السلام والخلوص من المهالك وحينئذ يطلب الأرباح فهذا ما حضرني من الأدعية المنهي عنها المحرمة وما عداها ليس بمحرم عملا بالاستقراء وهذا الفرق وهذه الأقسام قل أن توجد في الكتب مع التصريح بها على هذا الوجه بل الموجود في بعضها كلمات يسيرة مشيرة إليها فتأمله وألحق ما تجده بنظيره فينضبط لك المباح من غيره انتهى\rوصل في بيان وجه تحريم الأقسام الستة الباقية الذي ادعاه الأصل\rوبيان ما تعقبه به ابن الشاط\rالقسم الأول\r","part":4,"page":504},{"id":1735,"text":"أن يطلب الداعي من الله تعالى المستحيلات العقلية التي لا تخل بجلال الربوبية كأن يطلب من الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد ليكون مطلعا على أحوال الإقليمين أو يطلب منه تعالى الاستغناء في ذاته عن الأعراض ليسلم طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا فهذا أيضا من المستحيل عقلا لكن عند من لا يجوز العرو عن الأعراض لا عند من يجوزه فافهم ادعى الأصل تحريمه مطلقا نظرا لكونه سوء أدب على الله تعالى من جهة أن الملوك لا يطلب منهم إلا ما يعلم أنه في قدرتهم وإلا فقد عرضهم للعجز لا سيما والعبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه لئلا يكون متهكما بالربوبية ا ه وتعقبه ابن الشاط بأن ما قاله من تحريم الدعاء بالكون في مكانين في زمن واحد وأن العبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه وأنه يلزم من طلب ما لا يتصور وقوعه التهكم بالربوبية لا وجه لشيء من ذلك إلا القياس على الملوك وهو فاسد لجواز العجز عليهم وامتناعه عليه تعالى\rقال وما باله يقيسه\rتعالى عليهم في قصد التعجيز والتهكم ولا يقيسه عليهم في قصد المبالغة والغلو في التعظيم والتفخيم فقد خوطب الملوك بنسبة المستحيلات العقلية والعادية إليهم على وجه الغلو في ترفيقهم لا على قصد تعجيزهم بل لقائل أن يقول من خاطب الله تعالى بمثل ذلك تعين إما أن يكون قاصدا للمبالغة في التعظيم كما هو الواجب في حقه فيكون مطيعا مأجورا لا حرج عليه وإما أن يكون قاصدا للتعجيز فيكون عاصيا وإما أن يكون غير قاصد لهذا ولا لهذا فيكون مطيعا بصورة الدعاء مثابا عليه غير مطيع ولا عاص بالقصد لعروه عنه ا ه\r","part":4,"page":505},{"id":1736,"text":"والقسم الثاني أن يسأل الداعي من الله تعالى المستحيلات العادية وله أمثلة منها كما قال أن يسأل الله تعالى الاستغناء عن التنفس في الهواء ليأمن الاختناق على نفسه وأن يسأل الله العافية من المرض أبد الدهر لينتفع بقواه وحواسه وأعضائه أبد الدهر أو أن يسأل الله تعالى الولد من غير\rجماع أو الثمار من غير أشجار وغراس أو يقول اللهم لا ترم بنا في شدة أو أعطنا خير الدنيا والآخرة واصرف عنا شر الدنيا والآخرة على عمومه إذ لا بد أن يفوته رتبة النبوة ومرتبة الملائكة ودرجات الأنبياء في الجنة ولا بد أن يدركه بعض الشرور ولو سكرات الموت ووحشة القبر ومنها كمال قال ابن الشاط أن يسأل الله دوام إصابة كلامه من الحكم الدقيقة والعلوم الشريفة أبد الدهر ليفتخر بذلك على سائر الفضلاء وينتفع به في تصرفاته أكثر من سائر العلماء\rقال الأصل وقس على هذه نظائرها بل يجب على كل عاقل أن يفهم عوائد الله تعالى في خلقه وربطه المسببات بالأسباب في الدنيا والآخرة مع إمكان صدورها عن قدرته بغير تلك الأسباب أو بغير سبب ألبتة بل رتب الله تعالى مملكته على نظام دبره ووضعها على قانون قضاه وقدره لا يسأل عما يفعل وإذا سأل الداعي من الله تعالى تغيير مملكته ونقض نظامه وسلوك غير عوائده في ملكه كان مسيئا الأدب عليه عز وجل بل ذلك سوء أدب على أدنى الملوك بل الولاة\rقال والله تعالى يجب له من الإجلال\r","part":4,"page":506},{"id":1737,"text":"فوق ما يجب لخلقه فما نافى إجلال خلفه أولى أن ينافي في جلاله من كل نقص بل قد عاب الله تعالى جميع خلقه بقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق تعظيمه وقال عليه الصلاة والسلام لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك أي ثناؤك المستحق ثناؤك على نفسك أما ثناء الخلق فلا لأنه دون المستحق قال ولذلك عاب العلماء وغلطوا جماعة من العباد حيث توسطوا القفار من غير زاد ولججوا في البحار في زمن الهول أو في غير الزمن المعتاد طالبين من الله تعالى خرق عوائده لهم في هذه الأحوال فهم يعتقدون أنهم سائرون إلى الله وهم ذاهبون عنه ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل وأن ما عداها ينافي الاعتماد على الله تعالى وهذا غلط عظيم فقد دخل سيد المتوكلين محمد رسول الله مكة مخفوقا بالخيل والرجل والكراع والسلاح في كتيبته الخضراء مظاهرا بين درعين وعلى رأسه مغفر من حديد وقال أول أمره من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي وكان في آخر عمره عند أكمل أحواله مع ربه يدخر لعياله قوت سنة وهو سيد\rالمتوكلين\r","part":4,"page":507},{"id":1738,"text":"وتحقيق هذا الباب أن تعلم أن التوكل اعتماد القلب على الله تعالى فيما يطلبه من خير أو يكرهه من ضير لأجل أنه المستولي بقدرته وإرادته على سائر الكائنات من غير مشارك له في ذلك ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ومع ذلك فله عوائد في ملكه رتبها بحكمة فمقتضى شمول قدرته انقطاع القلب عن غيره ومقتضى سلوك أدبه التماس فضله من عوائده وقد انقسم الخلق في هذا المقام ثلاثة أقسام قسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته للخير والشر فحصلوا على حقيقة التوكل وأعرضوا عن الأسباب ففاتهم الأدب الواجب الاتباع وقسم لاحظوا الأسباب واستولت على قلوبهم فحجبتهم عن الله تعالى فهؤلاء فاتهم التوكل والأدب وهذا هو المهيع العام الذي هلك فيه أكثر الخلائق وقسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته وعوائده في مملكته فهؤلاء جامعون بين التوكل والأدب وهذا مقام الأنبياء من خواص العلماء والأولياء والأصفياء وما ذلك إلا أن قليل الأدب خير من كثير من العمل ولذلك هلك إبليس وضاع أكثر عمله بقلة أدبه فنسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة\rوقال الرجل الصالح لابنه يا بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا أي ليكن استكثارك من الأدب أكثر من استكثارك من العمل لكثرة جدواه ونفاسة معناه ويدل على تحريم طلب خرق العوائد قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم\r","part":4,"page":508},{"id":1739,"text":"إلى التهلكة أي لا تركبوا الأخطار التي دلت العادة على أنها مهلكة وقوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى أي الواقية لكم من الحاجة إلى السؤال والسرقة فإنهم كانوا يسافرون إلى الجهاد والحج بغير زاد فربما وقع بعضهم في إحدى المفسدتين المذكورتين السؤال والسرقة فأمرهم الله تعالى بالتزام العوائد وحرم عليهم تركها فإن المأمور به منهي عن ضده بل إضداده وقد قيل لبعضهم إن كنت متوكلا على الله ومعتمدا عليه وواثقا بقضائه وقدره فألق نفسك من هذا الحائط فإنه لا يصيبك إلا ما قدر لك فقال إن الله تعالى خلق عباده ليجربهم ويمتحنهم لا ليجربوه ويمتحنوه إشارة إلى سلوك الأدب مع الله تعالى جعلنا الله تعالى من أهل الأدب معه ومع عباده حتى نلقاه بمنه وكرمه\rنعم يجوز طلب خرق العادة من الله تعالى للأنبياء لأن عادتهم عليهم الصلاة والسلام خرقها وكذلك لمن له عادة مع الله تعالى بخرقها من الأولياء لجريانه على عادته فلا يعد ذلك من الفريقين قلة أدب\rوكذلك لمن لا يكون وليا حيث أراد بسؤاله خرقها أن يجعله وليا من أهل الولاية حتى يستحق خرق العادة\rفهذه الأقسام الثلاثة ليست حراما انتهى\rوتعقبه ابن الشاط بأن دعواه أن طلب خرق العوائد من الله تعالى إساءة أدب عرية عن الحجة إلا ما أشار إليه من القياس على الملوك وهو قياس لا شك في فساده والعيب والذم الذي دل عليه قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره الآية وقوله {صلى الله عليه وسلم} لا أحصي ثناء الحديث لا يلحق البشر إلا إن كان الثناء اللائق بجلاله تعالى مما يدخل تحت اكتسابهم ثم قصروا فيه\r","part":4,"page":509},{"id":1740,"text":"وأما إن كان مما لا يدخل فلا يلحقهم ذم لا يكلف الله نفسا إلا وسعها قال وتغليط من غلط من العلماء جماعة العباد فيما ذكره غلط من أولئك العلماء لأنه مبني على إساءتهم الظن بأولئك العباد وإساءة الظن بعامة المسلمين ممنوعة شرعا فكيف بالعباد منهم وذلك أن العباد الذين فعلوا ذلك لا يخلو أن يكونوا ممن تعود خرق العادة له فلا عيب عليهم أو ممن لم يتعود ذلك فلا عيب عليهم أيضا إن كانوا ممن غلب عليهم في ذلك أحوال لا يستطيعون دفعها وإلا لحقهم العيب لارتكابهم حينئذ لممنوع فما\rبال أولئك العلماء حكموا عليهم بأنهم من هذا الأخير دون القسم الأول والثاني أليس ذلك إساءة ظن في موطن يمكن فيه تحسينه وعدم إساءته فيظن أنهم ظانون أن ذلك حقيقة التوكل بل الظن بهم أنهم يعلمون حقيقة التوكل وأنه كما لا ينافي التسبب كذلك لا ينافي عدم التسبب وما ذكره من فعل النبي {صلى الله عليه وسلم} لا حجة له فيه على أن التوكل لا بد معه من التسبب إذ مساق كلامه يقتضي أن التوكل يصح مع التسبب ومع عدمه وما عدل النبي {صلى الله عليه وسلم} إلى التوكل مع التسبب إلا لأنه المعلم المقتدى به والاقتداء به ليس مختصا بالخواص بل يعمهم وغيرهم والجمهور قلما تطمئن نفوسهم إلا مع التسبب\rا ه\rقال الغزالي ولقد سمعت أبا المعالي رحمه الله تعالى يقول إن من جرى مع الله تعالى على عادة الناس جرى الله معه على ما هو عادة الناس في كفاية المؤنة وهذا كلام حسن جدا وفيه فوائد جمة لمن تأملها ا ه\rبلفظه قلت يعني أن من جرى مع الله تعالى على أن كفاية المؤنة بالسبب جرى الله معه على الكفاية بالسبب ومن جرى مع الله تعالى على أن كفايتها بدون السبب جرى الله معه على الكفاية بدون السبب\r","part":4,"page":510},{"id":1741,"text":"قال ابن الشاط والأحكام الشرعية واردة على الغالب لا على النادر مع أنه لقائل أن يقول إن التوكل وإن صح مع التسبب وعدمه فالتوكل مع التسبب راجح في حقه {صلى الله عليه وسلم} للحاجة لتعليم الجمهور كما سبق ولا منه من شائبة مراعاة الأسباب لعصمته {صلى الله عليه وسلم} والتوكل مع عدم التسبب راجح في حق غيره لعدم أمنه من شائبة مراعاة الأسباب لعدم عصمته ا ه وقال الغزالي في كتابه منهاج العابدين إن أخذ الزاد في السفر أفضل من تركه لمقتدى به يريد أن يبين أن أخذ الزاد مباح أو ينوي به عون مسلم أو إغاثة ملهوف أو نحو ذلك وتركه أفضل من أخذه لمن كان منفردا قوي القلب بالله سبحانه وتعالى لشغله بالزاد عن عبادة الله تعالى قال فالشأن إذا في القلب لا في حمل الزاد وتركه فكم من حامل للزاد وقلبه مع الله تعالى دون الزاد يقول الرزق مقسوم مفروغ منه\rوالله تعالى إن شاء أقام بنيتي بهذا أو بغيره أو ينوي بحمله أن يعين به مسلما أو نحو ذلك وكم من تارك للزاد وقلبه مع الزاد دون الله تعالى قال فحمل الزاد مباح غير حرام لوقوعه من النبي {صلى الله عليه وسلم} وكذا من الصحابة والسلف الصالح وإنما الحرام تعليق القلب بالزاد وترك التوكل على الله تعالى فافهم ذلك ثم ما ظنك برسول الله {صلى الله عليه وسلم} حيث قال الله تعالى له وتوكل على الحي الذي لا يموت أعصاه في ذلك وعلق قلبه بطعام أو شراب أو درهم أو دينار كلا وحاشا أن يكون ذلك بل كان قلبه مع الله تعالى وتوكله على الله تعالى كما أمره فإنه الذي لم يلتفت إلى الدنيا بأسرها ولم يمد يده إلى مفاتيح خزائن الأرض كلها وإنما كان أخذ الزاد منه ومن السلف الصالح بنيات الخير لا لميل قلوبهم عن الله تعالى إلى الزاد والمعتبر القصد على ما أعلمناك فافهم وانتبه ا ه بتصرف\rقال ابن الشاط على أن الأصل عند بيان حقيقة التوكل والأدب اعترف بأن حقيقة التوكل\r","part":4,"page":511},{"id":1742,"text":"المعاملة بمقتضى شمول القدرة والإرادة مع الإعراض عن الأسباب وهو عين ما عاب على العباد حيث قال ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل فقوله هنا مناقض لظاهره لذلك وقوله إن قلة الأدب ممنوعة مسلم ولكنه يفتقر إلى دليل على أن ما ذكره من الأدعية من جملة قلة الأدب وقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ليس فيهما دليل على منع طلب المستحيل وإنما دليل على المنع من ارتكاب العمل على خلاف العادة والعمل على خلاف العادة مغاير لطلب خرقها إذ لا يلزم من المنع من أحدهما المنع من الآخر ا ه قلت على أن الإمام الغزالي قال في المنهاج إن في قوله تعالى وتزودوا إلخ قولين أحدهما أنه زاد الآخرة ولذلك قال خير الزاد التقوى ولم يقل حطام الدنيا وأسبابها والثاني أنه كان قوم لا يأخذون زادا في طريق الحج لأنفسهم اتكالا على الناس ويسألون الناس ويشكون ويلحون ويؤذون الناس فأمروا بالزاد أمر تنبيه على أن أخذ الزاد من مالك خير من أخذ مال الناس والاتكال عليهم وكذلك نقول ا ه وقال ابن الشاط وعلى أن إجازة الأصل دعاء من ليس بولي بخرق العادة إجازة للدعاء بخرق العادة\r","part":4,"page":512},{"id":1743,"text":"فكل ما أنكره من ذلك فقد أجازه على الوجه الذي ذكره وإذا أجازه على ذلك الوجه فقد أجاز على الجملة فلا يصح له منعه بعد ذلك ولا حاجة إلى تكثيره الأمثلة ا ه وقد أطال الغزالي في تحقيق هذا المقام في منهاجه إلى أن قال ولعلك تقول أطنبت في هذا الفصل خلاف شرط الكتاب فأقول لعمر الله إنه لقليل في جنب ما يحتاج إليه في هذا المعنى إذ هو أهم شأنا في العبادة بل عليه مدار أمر الدنيا والعبودية فمن له همة في هذا الشأن فليستمسك بذلك وليراعه حقه وإلا فهو عن المقصود بمعزول والذي يدلك على بصيرة علماء الآخرة العارفين بالله أنهم بنوا أمرهم على التوكل على الله والتفرغ لعبادة الله وقطع العلائق كلها فكم صنفوا من كتاب وكم أوصوا بوصية وقيض الله لهم أعوانا من السادة وأصحابا حتى يتمشى لهم من الخير المحض ما لم يتمش لطائفة من طوائف الأئمة الأزهاد الكرامية فإنهم بنوا مذاهبهم على أصول غير مستقية وما زلنا أعزة ما دمنا على منهاج أئمتنا ا ه المراد منه\rوالقسم الثالث أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة منها أن يقول ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ومنها أن يقول ربنا لا تهلك هذه الأمة المحمدية بالخسف العام والريح العاصفة كما هلك من قبلنا ومنها أن أن يقول اللهم لا تسلط على هذه الأمة من يستأصلها ومنها أن يقول في دعائه لمريض أو مصاب اللهم اجعل له\rهذه المرضة أو هذه المصيبة كفارة ومنها أن يقول اللهم لا تغفر لفلان الكافر قال الأصل فإن كل واحد من هذه الأدعية الخمسة حرام ليس بكفر لأنه من باب طلب تحصيل الحاصل\rأما الأول فلأن قوله {صلى الله عليه وسلم} رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه قد دل على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد\rأما الثاني فلأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أخبر كما في الصحاح بأنه {صلى الله عليه وسلم} سأل ربه في إعفاء أمته من ذلك فأجابه\r","part":4,"page":513},{"id":1744,"text":"أما الثالث فلأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أخبر كما في الصحاح بأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة\rوأما الرابع فلأن النصوص قد دلت على أن المصائب كفارات لأهلها وقد تقدم بيان أن السخط لا يخل بذلك التكفير بل يجدد ذنبا آخر كمن قضى دينه ثم استدان فكما لا يقال إنه لم تبرأ ذمته من الدين الأول كذلك المصاب لا يقال أنه بسخطه لم يبرأ منها بل يقال برئ من عهدة الذنب الأول وإن كان قد جدد ذنبا آخر بسخطه\rوأما الخامس فلأن السمع قد دل على أن الله لا يغفر أن يشرك به قال وطلب تحصيل الحاصل سوء أدب على الله تعالى لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه تعالى إذ لو أن أحدنا سأل بعض الملوك أمرا فقضاه له ثم سأله إياه بعد ذلك عالما بقضائه له لعد هذا الطلب الثاني استهزاء بالملك وتلاعبا به ولحسن من ذلك الملك تأديبه فأولى أن يستحق التأديب إذا فعل ذلك مع الله تعالى ولو رأينا رجلا يقول اللهم افرض علينا الصلاة وأوجب علينا الزكاة واجعل السماء فوقنا والأرض تحتنا لبادرنا إلى الإنكار\rعليه لقبح ما صدر منه من التلاعب والاستهزاء في دعائه\rنعم محل حرمة قول الداعي ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا وقوله ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به إن أراد النسيان الذي هو الترك مع الغفلة الذي هو مشتهر في العرف لأن طلب العفو فيه وعنه قد علم بالنصر والإجماع وأراد بما لا طاقة لنا به التكاليف الشرعية فإنها مرفوعة بقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أما إن أراد النسيان الذي هو الترك مع التعمد وقوله تعالى اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا وقوله تعالى نسوا الله فنسيهم أي تركوا طاعته فترك الله الإحسان إليهم فهذا يجوز لأنه طلب العفو عما لم يعلم العفو فيه وكذلك إذا أراد ما لا طاقة لنا به من البلايا والرزايا والمكروهات جاز لأنه لم تدل النصوص على نفي ذلك\r","part":4,"page":514},{"id":1745,"text":"وأما إن أطلق العموم من غير تخصيص لا بالنية ولا بالعادة عصى لاشتمال العموم على ما لا يجوز فيكون ذلك حراما لأن فيه طلب تحصيل الحاصل وقول الله تعالى حكاية عن قوم في سياق المدح ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وإن كان طلب تحصيل الحاصل لأن وعد الله سبحانه لا بد من وقوعه\rوقد مدحهم الله تعالى إلا أن سؤال ما وعدهم الله به إنما جاز لهم لأن حصوله لهم مشروط بالوفاة على الإيمان وهذا شرط مشكوك فيه والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فما طلبوا إلا مشكوكا في حصوله لا معلوم الحصول وما نحن فيه بالعكس وقد علم من الشريعة بالضرورة ترك المؤاخذة بالخطإ والنسيان مطلقا\rوكون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لم يخبر بذلك مطلقا وإنما أخبر بالرفع عن أمته وأما ما يقال إن كون الداعي يموت وهو من أمته مجهول فما طلب إلا مجهولا بناء على التقرير المتقدم فلا يرد لأن كونه من الأمة ليس شرطا في هذا الرفع ودلالة الخبر على ذلك إنما هي من جهة المفهوم\rونحن نمنع كون المفهوم حجة لاختلاف العلماء فيه سلمنا أنه حجة لكنه متروك هاهنا إجماعا وتقريره أن نقول الكفارة إما أن نقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة أو لا فإن قلنا إنهم ليسوا مخاطبين بها فالرفع حاصل لهم في جميع الفروع النسيان وغيره فيبطل المفهوم واستوت الخلائق في الرفع حينئذ وإن قلنا إنهم مخاطبون بالفروع فلا يكون قد شرع في حقهم ما ليس سببا في حقنا بل كل ما هو سبب الوجوب أو التحريم أو الترخيص أو الإباحة في حقنا لهو سبب ما ذكر في حقهم أيضا فعلى هذا التقدير لا يكون خصوص الأمة شرطا في الرفع ولم يقل أحد إن الكفار في الفروع أشد حالا من الأمة فظهر أن هذا المفهوم باطل اتفاقا فليس هنالك في النسيان والخطإ شرط مجهول فيكون الشارع قد أخبر بالرفع في الأمور مطلقا فيحرم الدعاء به\r","part":4,"page":515},{"id":1746,"text":"وأما إخبار الله تعالى عن قوم في الدار الآخرة بأنهم يقولون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار فيكون دعاؤهم بتحصيل الحاصل لأنه قد وردت الأحاديث بأن من يدخل الجنة أو يكون في الأعراف لا يدخل النار ولم يعلم في هذا خلاف بين العلماء وهم قد سمعوا تلك النصوص في الدنيا وعلموا أن من سلم من النار في أول أمره لا يدخلها بعد ذلك ولم يذكر الله تعالى ذلك في سياق الذم لهم فلا يرد على منع طلب تحصيل الحاصل لقول المفسرين إن هؤلاء أصحاب الأعراف وهم على خوف من سوء العاقبة وأهوال القيامة\rتوجب الدهش عن المعلومات ألا ترى أن الرسل عليهم السلام لما قيل لهم ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا لاستيلاء الخوف من الله تعالى على قلوبهم من جهة هول المنظر على أن هؤلاء ليسوا مكلفين ولا ذم إلا مع التكليف\rا ه\rوتعقبه ابن الشاط بأنه لم يأت بحجة على ما ادعاه من أن طلب تحصيل الحاصل معصية إلا ما عول عليه من القياس على الملوك وهو قياس لا يصح لعدم الجامع وكيف يقاس الخالق بالمخلوق والرب بالمربوب والخالق يستحيل عليه النقص والمخلوق يجوز عليه النقص ثم ما قاله من أن طلب تحصيل الحاصل عري عن الحاجة ممنوع لجواز حمله على طلب مثله أو الإجابة بإعطاء العوض عنه في الدنيا أو في الآخرة ولم لا يكون الدعاء بما ذكره وبما أشبهه مما يمتنع ويتعذر عقلا وعادة متنوعا بحسب الداعي به فإن كان غافلا عن تعذره فلا بأس عليه لما ثبت من رفع الحرج عن الغافل وإذا كان غير غافل فإن كان قاصد الطلب ذلك المتعذر بعينه فلا مانع أن يعوضه الله تعالى\r","part":4,"page":516},{"id":1747,"text":"وإن لم يقصد العوض كما إذا طلب غير المتعذر وكان مما علم الله تعالى أنه لا يقع جزاء له على لجئه إلى الله تعالى وابتهاله إلى عظيم كماله وجلاله وإن كان قاصدا التلاعب والاستهزاء أو أو التعجيز أو ما أشبه ذلك فهاهنا يكون عاصيا بسبب قصده ذلك وبمجرد دعائه بالمتعذر كما هو مقتضى كلام الشهاب في هذه الأبواب\rوإنكار السامع لقول الداعي اللهم افرض علينا الصلاة إلخ مبني على كون العادة جارية بسبق الظن السيء بذلك الداعي إلى نفس السامع\rلذلك الدعاء ولا يلزم من جريان العادة بذلك أن تكون حال الداعي في دعائه ذلك موافقة لذلك الظن بل إن كانت موافقة لذلك الظن كان عاصيا وإلا فلا\rقال ولا نسلم أن النسيان العرفي الذي ذكره هنا من حيث إنه قد علم بالنص والإجماع طلب العفو فيه وعنه لا يجوز طلب العفو فيه بل لقائل أن يقول إنه لا يخلو أن يكون مما لا تسبب له فيه أو مما له فيه تسبب فإن كان من الأول فهو مفتقر إلى دليل على منع طلب العفو عنه وأن ذلك قلة أدب وإن كان من الثاني فلا شك أن طلب العفو حينئذ إنما هو عن التسبب وطلب العفو عن ذلك طلب للعفو عما لم يعلم عنه ا ه قلت على أن الجلال السيوطي في تكملته لتفسير الجلال المحلي قال ما توضيحه من حاشية الجمل عليه إن طلب رفع المؤاخذة بالخطإ والنسيان\rوإن سلمنا أنه طلب لتحصيل الحاصل لا نسلم أنه معصية لجواز أن يكون سؤاله اعترافا بنعمة الله تعالى ا ه قال الجمل أي فالقصد من سؤال هذا الرفع وطلبه الإقرار والاعتراف بهذه النعمة أي إظهارها والتحدث بها على حد وأما بنعمة ربك فحدث ا ه وهذا مناف جميع مواطن طلب تحصيل الحاصل فافهم\r","part":4,"page":517},{"id":1748,"text":"قال ابن الشاط ومساق قوله {صلى الله عليه وسلم} رفع عن أمتي الحديث أي الذي رواه الطبراني وغيره مشعر بالمدح لهذه الأمة فيتعين لذلك اختصاصها بذلك الرفع ويلزم القول بهذا المفهوم لقرينة المدح ويكون هنا في هذا المقام شرط مجهول كما قاله المورد كما حكاه الله تعالى عن قوم في سياق المدح من قولهم ربنا وآتنا ما وعدتنا إلخ على دعوى الشهاب أن طلب تحصيل الحاصل معصية ويكون ما أطال به الشهاب في الجواب عن هذا الإيراد ليس بصحيح بل باطل وعلى تسليم جوابه عما أورد على دعواه المذكورة من إخبار الله تعالى عن\rأهل الأعراف في سياق مدحهم لا ذمهم بأنهم يقولون ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين إلخ يبقى هو مطالبا بدليل المنع من مثل ذلك الدعاء ولم يأت بدليل ولا شبهة ا ه كلام ابن الشاط بتصرف\rوالقسم الرابع أن يسأل الداعي من الله تعالى ثبوت أمر دل السمع على ثبوته وله أمثلة منها أن يقول جعل الله موت من مات من أولادك حجابا من النار ومنها أن يقول اللهم اجعل صوم عاشوراء يكفر لي سنة ومنها أن يقول اللهم اجعل صلواتي كفارات لما بينهن\rقال الأصل فالدعاء بهذه الأدعية الثلاثة ونظائرها معصية لما مر من أنه طلب لتحصيل الحاصل\r","part":4,"page":518},{"id":1749,"text":"أما الأول فلأنه قد دل الحديث الصحيح على أن من مات له اثنان من الولد كانا حجابا له من النار وأما الثاني فلأنه قد جاء في الحديث الصحيح أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة وأما الثالث فلأن قوله {صلى الله عليه وسلم} في الحديث الصحيح الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما قال وأما ما يقال من أن أمره {صلى الله عليه وسلم} لنا بأن ندعو له بقولنا اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد مع إنه قد ورد في الحديث الصحيح أن الوسيلة درجة في الجنة لعبد صالح وأرجو أن أكون إياه وأن المقام المحمود هو الشفاعة وقد أخبرنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه أعطيها فيلزم أحد الأمرين إما إباحة الدعاء بما هو ثابت وإما الإشكال على الإخبار عن كونه أعطيها عليه السلام فيدفعه أن العلماء ذكروا في هذا الحديث أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعلم أنه أعطي هذه الأمور مرتبة\rعلى دعائنا وأعلم أن دعاءنا يحصل له ذلك فحسن أمرنا بالدعاء له لأنه سبب هذه الأمور وحسن الإخبار بحصولها لأنه أعلم بوقوع سبب حصولها والمحرم إنما هو الدعاء بحصول شيء قد علم حصوله من غير دعائنا\rا ه\rوتعقبه ابن الشاط بأن جوابه هذا عما ذكر من أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لنا بأن ندعو له بما ذكر مبني على أن الدعاء بمثل ذلك من تحصيل المعلوم الحصول ممنوع وذلك هو عين دعواه من غير حجة أتى بها على أنه يتجه في المثال الثاني والثالث أن يكون دعاء الداعي بها بتحسين عاقبته وذلك مجهول عنده ا ه\rقلت بل يتجه في جميع أمثلة هذا القسم كالذي قبله ما تقدم عن الجلال السيوطي أن من الدعاء بتحصيل الحاصل من قبيل التحدث بالنعمة أي أو الحمل عليه فافهم\r","part":4,"page":519},{"id":1750,"text":"والقسم الخامس أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي ما دل السمع الوارد بطريق الآحاد على ثبوته وله أمثلة منها أن يقول اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم ومنها أن يقول اللهم اكفني أمر العري يوم القيامة حتى تستتر عورتي عن الأبصار ومنها أن يقول اللهم إذا قبضتني إليك وأمتني فلا تحيني إلى يوم القيامة حتى أستريح من وحشة القبر\rقال الأصل فكل واحد من هذه الأدعية الثلاثة وأمثالها مستلزم لتكذيب حديث من أحاديث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الصحيحة والواردة بطريق الآحاد فيكون معصية لا كفرا لأن الكفر إنما يكون بجحد ما علم ثبوته بالضرورة أو بالتواتر أما الأول فلأنه قد دلت الأحاديث الصحيحة أنه لا بد من دخول طائفة من المسلمين النار وخروجهم\rمنها بشفاعة وبغير شفاعة ودخولهم النار إنما هو بذنوبهم فلو غفر للمسلمين كلهم ذنوبهم كلها لم يدخل أحد النار وما عد من آداب الدعاء من أن الإنسان إذا قال اللهم اغفر لي أن يقول ولجميع المسلمين فليس فيه رد على النبوة حيث أراد الداعي بقوله اللهم اغفر لي المغفرة من حيث الجملة وشرك معه جميع المسلمين فيما طلبه\rوكذا إن أراد مغفرة جميع ذنوبه وشرك معه جميع المسلمين مريدا في حقهم المغفرة من حيث الجملة وصح التعميم في حقه لأنه لم يتعين أن يكون من الداخلين النار الخارجين بالشفاعة أما إن شركهم معه في جملة ما طلبه لنفسه من مغفرة جميع الذنوب فإنه يكون فيه حينئذ رد على النبوة فيكون محرما فضلا عن كونه من آداب الدعاء\r","part":4,"page":520},{"id":1751,"text":"وإن أطلق الداعي قوله اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين من غير نية جاز لأن لفظة افعل في سياق الثبوت فلا تعم وكذلك الألفاظ التي أخبر الله تعالى عن الملائكة صلوات الله عليهم أنهم يطلبون بها المغفرة للمؤمنين بقولهم ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم أي تابوا من الكفر واتبعوا الإسلام وقوله تعالى ويستغفرون لمن في الأرض لا عموم فيها لكونها أفعالا في سياق الثبوت فلا تعم إجماعا ولو كانت للعموم لوجب أن يعتقد أنهم أرادوا بها الخصوص وهو المغفرة من الجملة للقواعد الدالة على ذلك وأما المثال الثاني فلأنه قد ورد في الصحيح أن الخلائق يحشرون حفاة عراة غرلا\rوأما الثالث فلأنه قد ورد في الحديث الصحيح رجوع الأرواح إلى الأجساد إن الميت يسمع خفق أنعلة المنصرفين وقد قال عليه الصلاة والسلام في قتلى بدر ما أنتم بأسمع منهم وليس ذلك خاصا بهم إجماعا ا ه قال ابن الشاط وما قاله من الدعاء بهذه الأدعية ونحوها معصية مجرد دعوى ومن أين يلزم أن لا يدعى إلا بما يجوز وقوعه لا أعرف لذلك وجها ولا دليلا\rوما المانع من أن يكلف الله خلقه أن يطلبوا منه المغفرة لذنوب كل واحد من المؤمنين مع أنه قد قضى بأن منهم من لا يغفر له ومن أين يلزم المنافاة بين طلب المغفرة ووجوب نقيضها هذا أمر لا أعرف له وجها إلا مجرد التحكم بمحض التوهم وما قاله من أنه لا عموم في قوله تعالى فاغفر للذين تابوا وقوله تعالى ويستغفرون لمن في الأرض لكونها أفعالا في سياق الثبوت خطأ فاحش لأنه التفت إلى الأفعال دون ما بعدها من معمولاتها والمعمولات في الآيتين لفظا عموم وبالجملة فقد كلف هذا الإنسان نفسه شططا وادعى دعوى لا دليل عليها ولا حاجة إليها وهما منه وغلطا وقد تقدم الكلام على أن طلب نفي ما دل السمع القاطع على ثبوته ليس بكفر إلا على رأي من يكفر بالمآل وليس ذلك مذهبه ا ه\r","part":4,"page":521},{"id":1752,"text":"قال القسم السادس من الدعاء الذي ليس بكفر أن يطلب الداعي من الله تعالى ثبوت أمر دل السمع الوارد بطريق الآحاد على نفيه وله أمثلة الأول أن يقول اللهم اجعلني أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة لأستريح من غمها ووحشتها مدة من الزمان قبل غيري وقد ورد في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام أنا أول من تنشق عنه الأرض فيكون هذا الدعاء ردا على النبوة فيكون معصية\rالثاني أن يقول اللهم اجعلني أول داخل الجنة وقد ورد في الصحيح أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أول داخل الجنة فيكون هذا الدعاء مضادا لما ثبت عنه {صلى الله عليه وسلم}\rالثالث أن يقول اللهم اجعل الأغنياء يدخلون الجنة قبل الفقراء لكونه من الأغنياء وقد ورد في الصحيح غير ذلك فيكون معصية قلت قد سبق أنه لا مضادة بين التكليف بطلب أمر ونفوذ القضاء بعدم وقوعه ومدعي ذلك مطالب بالدليل عليه ولم يأت على ذلك بدليل إلا مجرد دعوى المضادة\rالقسم السادس أن يطلب الداعي من الله تعالى ثبوت أمر دل السمع الوارد بطريق الآحاد على نفيه وله أمثلة منها أن يقول اللهم اجعلني أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة لأستريح من غمها ووحشتها مدة من الزمان قبل غيري ومنها أن يقول اللهم اجعلني أول داخل الجنة ومنها أن يقول اللهم اجعل الأغنياء يدخلون الجنة قبل الفقراء لكونه من الأغنياء\rقال الأصل فكل أحد من هذه الأدعية الثلاثة مضاد لخبر من أخبار النبوة فيكون معصية لا كفرا لأن الحديث هنا من أخبار الآحاد أما الأول فلأنه قد ورد في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة\r","part":4,"page":522},{"id":1753,"text":"وأما الثاني فلأنه قد ورد في الصحيح أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أول داخل الجنة وأما الثالث فلأنه قد ورد في الصحيح أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ا ه وتعقبه ابن الشاط بأنه قد سبق أنه لا مضادة بين التكليف بطلب أمر ما ونفوذ القضاء بعدم وقوعه ومدعي ذلك مطالب بالدليل عليه ولم يأت على ذلك بدليل إلا مجرد دعوى المضادة ا ه بلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم\rالفرق الرابع والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو مكروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه\rوقد تقدم أن الأصل في الدعاء من حيث هو دعاء الندب وقد يعرض له من جهة متعلقه ما يقتضي التحريم وقد تقدم وما يقتضي الكراهة وهو أحد خمسة أسباب السبب الأول الأماكن التي لا تليق بالقرب إلى الله تعالى كالحمامات ومواضع النجاسات والقاذورات والكنائس ومواضع اللهو واللعب والمعاصي والمخالفات كنحو الخانات والأسواق التي يغلب فيها وقوع العقود الفاسدة والأيمان الحانثة لنهيه {صلى الله عليه وسلم} عن الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق\rوالسبب الثاني الهيئات التي لا تليق بالقرب إلى الله تعالى كحالة النعاس وفرط الشبع ومدافعة الأخبثين وملابسة النجاسات والقاذورات وقضاء حاجة الإنسان فإن فعل الدعاء في الأماكن المذكورة أو على حالة من تلك الأحوال صح مع فوات رتبة الكمال\r","part":4,"page":523},{"id":1754,"text":"والسبب الثالث كونه سببا لحصول الكبر والخيلاء للداعي كدعاء أئمة المساجد والجماعات عقيب الصلوات المكتوبات جهرا للحاضرين فقد كرهه مالك وجماعة من العلماء رحمهم الله تعالى من حيث إنه يجتمع لهذا الإمام التقدم في الصلاة وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وعباده في تحصيل مصالحهم على يده بالدعاء فيوشك أن تعظم نفسه عنده فيفسد قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه وقد روي أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يدعو لقومه بعد الصلاة بدعوات فقال لا إني أخشى أن تشمخ حتى تصل إلى الثريا إشارة إلى ما ذكر ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره وخشي على نفسه الكبر بسبب ذلك فالأحسن له الترك حتى تحصل له السلامة\rوالسبب الرابع كون متعلقه مكروها فيكره كراهة الوسائل لا كراهة المقاصد كالدعاء على اكتساب الرزق بنحو الحجامة ونزو الدواب والعمل في الحمامات من الحرف الدنيئات مع قدرته على الاكتساب بغيرها\rوكذلك كل دعاء نص العلماء على كراهته يكره كراهة الوسائل\rوالسبب الخامس ما جرى على ألسنة نحو المتحدثين في مجالسهم من نحو قولهم ما أقوى فرس فلان أبلاها الله بدنية أو سبع وعلى ألسنة السماسرة في الأسواق عند افتتاح النداء على السلع من نحو قولهم عليه الصلاة والسلام على خير الأنام مما هو خبر في الأصل أريد به الدعاء على سبيل العادة من غير قصد التقرب إلى الله تعالى قال مالك كم يقولون هذا على سبيل العادة من غير قصد الدعاء والتقرب إلى الله تعالى وهو خير ومعناه الدعاء وكل ما يجري أي على لسان العامة وغيرهم هذا المجرى ولا يريدون شيئا من حقيقته فهو مكروه بل قد أشار بعض العلماء إلى تحريمه فقال كل ما يشرع قربة لله تعالى لا يجوز أن يقع إلا قربة له على وجه التعظيم والإجلال لا على وجه التلاعب ا ه\rقال الأصل وكلامنا هنا إنما هو في الألفاظ التي تنصرف بصراحتها للدعاء وتستعمل في غيره\r","part":4,"page":524},{"id":1755,"text":"وأما ما غلب استعماله في العرف في غير الدعاء حتى انتسخ منه حكم الدعاء وصار بحيث لا ينصرف بعد ذلك إلى الدعاء إلا بالقصد والسنة فلا حرج على مستعمله في غير الدعاء لأنه قد استعمله فيما هو موضوع له عرفا ومن ذلك قوله {صلى الله عليه وسلم} لعائشة رضي الله عنها تربت يداك ومن أين يكون الشبه لما تعجبت مما لم تعلم من كون المرأة تنزل المني كما ينزل الرجل وقوله {صلى الله عليه وسلم} عليك بذات الدين تربت يداك إذ من المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد أذية عائشة ولا غيرها بالدعاء إذ ليس من الإرشاد ما يقتضي الإضراب بالدعاء وإنما استعمل ذلك فيما غلب بالعرف استعماله فيه من غير الدعاء فيكون مباحا لا مكروها لأن منصبه {صلى الله عليه وسلم} منزه عن المكروهات في أقواله وأفعاله بل أقل الأحوال أن يكون كل منها مباحا لأنه يجب اتباعه {صلى الله عليه وسلم} فيها\rا ه\rقلت ويؤخذ مما مر عن الأصل وسلمه ابن الشاط أن لكراهة الدعاء سببا سادسا مما يعرض له فيقتضي كراهته وهو كونه بالألفاظ العجمية الصادرة ممن لم يغلب عليهم من العجم الضلال والفساد فيكره الدعاء والرقي بها قبل معرفة معناها سدا للذريعة فتنبه لذلك\rهذا تهذيب ما قاله الأصل في هذا الفرق وسلمه ابن الشاط وبه يتم ما قصدته من تهذيب الفروق والقواعد السنية بما وفق الله إليه وأعان عليه من الزيادة والفوائد العلية وأستغفره تعالى من كل قول لا يوافق العمل ومن كل ما ادعيته وأظهرته من العلم بدين الله تعالى مع التقصير فيه والزلل ومن كل خطرة دعتني إلى تزين وتصنع في كتاب سطرته أو كلام نظمته أو علم أفدته حتى أدى إلى الترفع وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلني وجميع المسلمين لما علمنا عاملين ولوجهه به مريدين وأن لا يجعله وبالا علينا وأن يضعه في ميزان الصالحات إذا ردت أعمالنا إلينا\r","part":4,"page":525},{"id":1756,"text":"إنه جواد كريم رءوف بعباده رحيم وإليه ترجع الأمور يوم الدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله تنزل البركات وصلى الله على خير مولود دعا إلى أفضل معبود محمد النبي المنقذ من حالك الضلال وآله وسلم تسليما كثيرا مباركا فيه على كل حال وكان تحرير خاتمته في بلد جمبن سمطرا يوم الاثنين الرابع من ثاني الثاني من الرابع بعد الأربعين من الرابع عشر من هجرة سيد الملائكة والجن والبشر {صلى الله عليه وسلم} وعلى آله ومن انتمى إليه","part":4,"page":526}],"titles":[{"id":3,"title":"مقدمة الكتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"مقدمة في فائدتين","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"والفرق بين المنقول والمشترك مع تعدد المعنى والوضع في كل","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"الفائدة الثانية الغالب استعمال العرب فرق بالتخفيف في المعاني وفرق بالتشديد في الأجسام","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"الفرق الأول بين الشهادة والرواية","lvl":1,"sub":1},{"id":27,"title":"الفرق الثاني بين قاعدتي الإنشاء والخبر","lvl":1,"sub":0},{"id":30,"title":"الفرق بين الخبر والإنشاء من أربعة أوجه","lvl":1,"sub":0},{"id":60,"title":"الفرق بين الصيغ التي يقع بها الإنشاء","lvl":1,"sub":0},{"id":65,"title":"الفرق بين وعد الله تعالى ووعيده","lvl":1,"sub":0},{"id":71,"title":"الفرق الثالث بين قاعدة الشروط اللغوية وقاعدة غيرها","lvl":1,"sub":0},{"id":72,"title":"الفرق بين الشرط والسبب والمانع عند الأصوليين","lvl":1,"sub":0},{"id":74,"title":"فصل في ثمانية مسائل من الشروط اللغوية فيها مباحث دقيقة وأمور غامضة وإشارات شريفة","lvl":1,"sub":0},{"id":115,"title":"الفرق الرابع بين قاعدتي إن ولو الشرطيتين","lvl":1,"sub":0},{"id":143,"title":"الفرق الخامس بين قاعدتي الشرط والاستثناء في الشريعة ولسان العرب","lvl":1,"sub":0},{"id":148,"title":"الفرق السابع بين قاعدتي أجزاء العلة والعلل المجتمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":149,"title":"الفرق التاسع بين قاعدتي الشرط والمانع","lvl":1,"sub":0},{"id":150,"title":"الفرق العاشر بين قاعدتي الشرط وعدم المانع","lvl":1,"sub":0},{"id":152,"title":"الفرق الحادي عشر بين قاعدتي توالي أجزاء المشروط مع الشرط وبين توالي المسببات مع الأسباب","lvl":1,"sub":0},{"id":159,"title":"الفرق الثالث عشر بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين وضابط كل واحد منها وتحقيقه بحيث لا يلتبس بغيره","lvl":1,"sub":0},{"id":165,"title":"الفرق الرابع عشر بين قاعدتي المشقة المسقطة للعبادة والمشقة التي لا تسقطها","lvl":1,"sub":0},{"id":167,"title":"الفرق بين قاعدتي الكبائر والصغائر وبين قاعدتي الكبائر والكفر وبين أدنى رتب الكبائر وأعلى رتب الصغائر وبين أدنى رتب الكفر وأعلى رتب الكبائر","lvl":1,"sub":0},{"id":173,"title":"الفرق بين السجود للصنم على وجه التذلل والتعظيم له","lvl":1,"sub":0},{"id":175,"title":"الفرق الخامس عشر بين قاعدة الأمر المطلق وقاعدة مطلق الأمر وكذلك الحرج المطلق ومطلق الحرج والعلم المطلق ومطلق العلم والبيع المطلق ومطلق البيع وجميع هذه النظائر","lvl":1,"sub":0},{"id":178,"title":"الفرق السابع عشر بين قاعدة الأدلة وبين قاعدة الحجاج","lvl":1,"sub":0},{"id":180,"title":"الفرق الثامن عشر بين قاعدة ما يمكن أن ينوى قربة وقاعدة ما لا يمكن أن ينوى قربة","lvl":1,"sub":0},{"id":183,"title":"الفرق التاسع عشر بين قاعدتي ما تشرع فيه البسملة وما لا تشرع فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":191,"title":"الفرق بين المحرم والمكروه لذاته وبين المحرم والمكروه لعارض","lvl":1,"sub":0},{"id":193,"title":"الفرق العشرون بين قاعدة الصوم وقاعدة غيره من الأعمال الصالحة","lvl":1,"sub":0},{"id":195,"title":"الفرق الحادي والعشرون بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى وقاعدة الحمل على أول أجزائه أو الكلية على جزئياتها وهو العموم على الخصوص","lvl":1,"sub":0},{"id":200,"title":"الفرق الثاني والعشرين بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق الآدميين","lvl":1,"sub":0},{"id":202,"title":"الفرق الثالث والعشرون بين قاعدة الواجب للآدميين على الآدميين وبين قاعدة الواجب للوالدين على الأولاد خاصة وبين قاعدة الواجب لذوي الأرحام غير الأبوين على قريبهم خاصة","lvl":1,"sub":0},{"id":203,"title":"الفرق بين العقوق وقطع الرحم","lvl":1,"sub":0},{"id":203,"title":"الفرق بين العقوق وقطع الرحم هو أن المراد بالعقوق الذي هو كبيرة أن يحصل من الولد","lvl":1,"sub":1},{"id":219,"title":"الفرق الرابع والعشرون بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر وقاعدة ما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات","lvl":1,"sub":0},{"id":223,"title":"الفرق الخامس والعشرون بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة النهي عن المشترك","lvl":1,"sub":0},{"id":228,"title":"الفرق السادس والعشرون بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع","lvl":1,"sub":0},{"id":246,"title":"الفرق السابع والعشرون بين قاعدة المواقيت الزمانية للحج وبين قاعدة المواقيت المكانية له","lvl":1,"sub":0},{"id":251,"title":"الفرق الثامن والعشرون بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ ويخصصها وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصها","lvl":1,"sub":0},{"id":260,"title":"الفرق التاسع والعشرون بين قاعدة النية المخصصة وبين قاعدة النية المؤكدة","lvl":1,"sub":0},{"id":265,"title":"الفرق الحادي والثلاثون بين قاعدتي حمل الإطلاق على التقييد في المطلق لا الكلية وفي الأمر لا النهي والنفي","lvl":1,"sub":0},{"id":270,"title":"الفرق الثاني والثلاثون بين قاعدة الإذن العام من قبل صاحب الشرع في التصرفات وبين إذن المالك الآدمي في التصرفات","lvl":1,"sub":0},{"id":275,"title":"الفرق الرابع والثلاثون بين قاعدة المعاني الفعلية وبين قاعدة المعاني الحكمية","lvl":1,"sub":0},{"id":285,"title":"الفرق الخامس والثلاثون بين قاعدة الأسباب الفعلية وقاعدة الأسباب القولية","lvl":1,"sub":0},{"id":289,"title":"الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه صلى الله تعالى عليه وسلم بالقضاء وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة","lvl":1,"sub":0},{"id":294,"title":"الفرق السابع والثلاثون بين قاعدة تعليق المسببات على المشيئة وقاعدة تعليق سببية الأسباب على المشيئة","lvl":1,"sub":0},{"id":295,"title":"الفرق بين الشرط اللغوي وغيره من الشروط","lvl":1,"sub":0},{"id":296,"title":"الفرق الثامن والثلاثون بين قاعدة النهي الخاص وبين قاعدة النهي العام","lvl":1,"sub":0},{"id":300,"title":"الفرق التاسع والثلاثون بين قاعدة الزواجر وبين قاعدة الجوابر","lvl":1,"sub":0},{"id":309,"title":"الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات وقاعدة المفسدات","lvl":1,"sub":0},{"id":322,"title":"الفرق الحادي والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف دون المكلف به وبين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به مع التكليف","lvl":1,"sub":0},{"id":325,"title":"الفرق الثاني والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به فقط وبين قاعدة كون الزمان ظرفا للإيقاع وكل جزء من أجزائه سبب للتكليف والوجوب","lvl":1,"sub":0},{"id":326,"title":"الفرق بين أجزاء أوقات الصلوات وأجزاء شهر الصوم","lvl":1,"sub":0},{"id":329,"title":"الفرق الثالث والأربعون بين قاعدة اللزوم الجزئي وبين قاعدة اللزوم الكلي","lvl":1,"sub":0},{"id":335,"title":"الفرق الخامس والأربعون بين قاعدة قبول الشرط وبين قاعدة قبول التعليق على الشرط","lvl":1,"sub":0},{"id":339,"title":"الفرق السادس والأربعون بين قاعدة ما يطلب جمعه وافتراقه وبين قاعدة ما يطلب افتراقه دون جمعه وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه","lvl":1,"sub":0},{"id":342,"title":"الفرق السابع والأربعون بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير وقاعدة المنهي عنه لا يصح مع التخيير","lvl":1,"sub":0},{"id":348,"title":"الفرق الثامن والأربعون بين قاعدة التخيير الذي يقتضي التسوية وبين قاعدة التخيير الذي لا يقتضي التسوية بين الأشياء المخير بينها","lvl":1,"sub":0},{"id":353,"title":"الفرق التاسع والأربعون بين قاعدة التخيير بين الأجناس المتباينة وبين قاعدة التخيير بين أفراد الجنس الواحد","lvl":1,"sub":0},{"id":355,"title":"الفرق الخمسون بين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه وبين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عاقبته لا من عقابه","lvl":1,"sub":0},{"id":356,"title":"الفرق الحادي والخمسون بين قاعدة الأعم الذي لا يستلزم الأخص عينا وبين قاعدة الأعم الذي يستلزم الأخص عينا","lvl":1,"sub":0},{"id":367,"title":"الفرق الثالث والخمسون بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين قاعدة تعين الواجب المخير","lvl":1,"sub":0},{"id":375,"title":"الفرق الرابع والخمسون بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل","lvl":1,"sub":0},{"id":382,"title":"الفرق الخامس والخمسون بين قاعدة ملك القريب ملكا محققا يقتضي العتق على المالك وبين قاعدة ملك القريب ملكا مقدرا لا يقتضي العتق","lvl":1,"sub":0},{"id":384,"title":"الفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ارتفاعها","lvl":1,"sub":0},{"id":387,"title":"الفرق السابع والخمسون بين قاعدة تداخل الأسباب وبين قاعدة تساقطها","lvl":1,"sub":0},{"id":392,"title":"الفرق بين المقاصد والوسائل","lvl":1,"sub":0},{"id":392,"title":"الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل","lvl":1,"sub":1},{"id":396,"title":"الفرق بين كون المعاصي أسبابا للرخص وبين مقارنة المعاصي لأسباب الرخص","lvl":1,"sub":0},{"id":397,"title":"الفرق التاسع والخمسون بين قاعدة عدم علة الإذن أو التحريم وبين عدم علة غيرهما من العلل","lvl":1,"sub":0},{"id":405,"title":"الفرق الحادي والستون بين قاعدة مفهوم اللقب","lvl":1,"sub":0},{"id":452,"title":"القاعدة الأولى الواجب الكلي هو الواجب المخير","lvl":1,"sub":0},{"id":455,"title":"القاعدة الثانية الواجب فيه هو الواجب الموسع كإيجاب الله تعالى الظهر من أول القامة إلى آخرها","lvl":1,"sub":0},{"id":459,"title":"القاعدة الثالثة الواجب به أي بسببه","lvl":1,"sub":0},{"id":461,"title":"القاعدة الخامسة الواجب عليه هو المكلف في فرض الكفاية","lvl":1,"sub":0},{"id":463,"title":"القاعدة السابعة الواجب منه","lvl":1,"sub":0},{"id":464,"title":"القاعدة العاشرة الواجب إليه","lvl":1,"sub":0},{"id":465,"title":"الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها","lvl":1,"sub":0},{"id":475,"title":"الفرق الثاني والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الأيمان","lvl":1,"sub":0},{"id":478,"title":"الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":480,"title":"الفرق الرابع والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الشروط وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الشروط خاصة دون بقية أبواب الاستثناء","lvl":1,"sub":0},{"id":481,"title":"الفرق الخامس والسبعون بين قاعدة إن وقاعدة إذا وإن اشتركا في كون كل منهما للشرط","lvl":1,"sub":0},{"id":488,"title":"الفرق السادس والسبعون بين قاعدة المسائل الفروعية يجوز الاقتداء فيها من أحد المجتهدين فيها بالآخر وبين قاعدة مسائل الأواني والثياب والكعبة ونحوها لا يجوز لأحد المجتهدين فيها أن يقتدي بالآخر","lvl":1,"sub":0},{"id":492,"title":"الفرق السابع والسبعون بين قاعدة الخلاف يتقرر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يبطل الخلاف فيها ويتعين قول واحد بعد حكم الحاكم","lvl":1,"sub":0},{"id":495,"title":"الفرق الثامن والسبعون بين قاعدة من يجوز له أن يفتي وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي","lvl":1,"sub":0},{"id":526,"title":"الفرق التاسع والسبعون بين قاعدة النقل وقاعدة الإسقاط","lvl":1,"sub":0},{"id":531,"title":"الفرق الحادي والثمانون بين قاعدة الرخصة وبين قاعدة إزالة النجاسة","lvl":1,"sub":0},{"id":538,"title":"الفرق الثاني والثمانون بين قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة وقاعدة إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة إلى الخف","lvl":1,"sub":0},{"id":542,"title":"الفرق الثالث والثمانون بين قاعدة الماء المطلق وبين قاعدة الماء المستعمل","lvl":1,"sub":0},{"id":545,"title":"الفرق الرابع والثمانون بين قاعدة النجاسات في الباطن من الحيوان وبين قاعدة النجاسات ترد على باطن الحيوان","lvl":1,"sub":0},{"id":547,"title":"الفرق الخامس والثمانون بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب","lvl":1,"sub":0},{"id":553,"title":"الفرق السادس والثمانون بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب","lvl":1,"sub":0},{"id":555,"title":"الفرق السابع والثمانون بين قاعدة ما يثبت في الذمم وبين قاعدة ما لا يثبت فيها","lvl":1,"sub":0},{"id":565,"title":"الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه وبين قاعدة الأمر","lvl":1,"sub":0},{"id":571,"title":"الفرق الحادي والتسعون بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية","lvl":1,"sub":0},{"id":575,"title":"الفرق الثاني والتسعون بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات","lvl":1,"sub":0},{"id":578,"title":"الفرق الرابع والتسعون بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرا فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":589,"title":"الفرق الخامس والتسعون بين قاعدة استقبال الجهة في الصلاة وبين قاعدة استقبال السمت","lvl":1,"sub":0},{"id":594,"title":"الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين تأخيره في الولايات والمناصب","lvl":1,"sub":0},{"id":598,"title":"الفرق السابع والتسعون بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة يعتبر عند مالك رحمه الله تعالى وبين قاعدة الشك في طريان غيره من الأسباب","lvl":1,"sub":0},{"id":604,"title":"الفرق الثامن والتسعون بين قاعدة البقاع جعلت المظان منها معتبرة في أداء الجمعات وقصر الصلوات وبين قاعدة الأزمان لم تجعل المظان منها معتبرة في رؤية الأهلة","lvl":1,"sub":0},{"id":609,"title":"الفرق التاسع والتسعون بين قاعدة البقاع المعظمة من المساجد تعظم بالصلاة ويتأكد طلب الصلاة عند ملابستها وبين قاعدة الأزمنة المعظمة كالأشهر الحرم","lvl":1,"sub":0},{"id":611,"title":"الفرق المائة بين قاعدة النواح حرام وبين قاعدة المراثي مباحة","lvl":1,"sub":0},{"id":616,"title":"الفرق الحادي والمائة بين قاعدة فعل غير المكلف لا يعذب به وبين قاعدة البكاء على الميت يعذب به الميت","lvl":1,"sub":0},{"id":619,"title":"الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها وبين قاعدة الأهلة","lvl":1,"sub":0},{"id":622,"title":"الفرق الثالث والمائة بين قاعدة الصلوات في الدور المغصوبة تنعقد قربة بخلاف الصيام في أيام الأعياد والجميع منهي عنه","lvl":1,"sub":0},{"id":627,"title":"الفرق الرابع والمائة بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل ومتى دار بين الندب والتحريم ترك تقديما للراجح على المرجوح","lvl":1,"sub":0},{"id":633,"title":"الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال","lvl":1,"sub":0},{"id":639,"title":"الفرق السادس والمائة بين قاعدة العروض تحمل على القنية حتى ينوي التجارة وقاعدة ما كان أصله منها للتجارة","lvl":1,"sub":0},{"id":644,"title":"الفرق السابع والمائة بين قاعدة العمال في القراض فإن الزكاة متى سقطت عن رب المال سقطت عن العامل وقاعدة الشركاء","lvl":1,"sub":0},{"id":648,"title":"الفرق الثامن والمائة بين قاعدة الأرباح تضم إلى أصولها في الزكاة","lvl":1,"sub":0},{"id":652,"title":"الفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه","lvl":1,"sub":0},{"id":655,"title":"الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":657,"title":"الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن","lvl":1,"sub":0},{"id":663,"title":"الفرق الثاني عشر والمائة بين قاعدة تداخل الجوابر في الحج وقاعدة ما لا يتداخل الجوابر فيه في الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":678,"title":"الفرق الثالث عشر والمائة بين قاعدة التفضيل بين المعلومات","lvl":1,"sub":0},{"id":679,"title":"القاعدة الأولى تفضيل المعلوم على غيره بذاته","lvl":1,"sub":0},{"id":680,"title":"القاعدة الثانية التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضل","lvl":1,"sub":0},{"id":682,"title":"القاعدة الثالثة التفضيل بطاعة الله تعالى","lvl":1,"sub":0},{"id":683,"title":"القاعدة الرابعة التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضل","lvl":1,"sub":0},{"id":684,"title":"القاعدة الخامسة التفضيل بشرف الموصوف","lvl":1,"sub":0},{"id":685,"title":"القاعدة السابعة التفضيل بشرف المدلول","lvl":1,"sub":0},{"id":686,"title":"القاعدة الثامنة التفضيل بشرف الدلالة لا المدلول","lvl":1,"sub":0},{"id":687,"title":"القاعدة الحادية عشرة التفضيل بكثرة التعلق","lvl":1,"sub":0},{"id":688,"title":"القاعدة الرابعة عشرة التفضيل اللفظي بسبب في الإضافة","lvl":1,"sub":0},{"id":691,"title":"القاعدة السادسة عشرة التفضيل بالثمرة والجدوى كتفضيل العالم على العابد","lvl":1,"sub":0},{"id":692,"title":"القاعدة السابعة عشرة التفضيل بأكثرية الثمرة بأن تكون لكل واحدة من الحقيقتين ثمرة إلا أن ثمرة إحداهما أعظم","lvl":1,"sub":0},{"id":694,"title":"القاعدة الثامنة عشرة التفضيل بالتأثير","lvl":1,"sub":0},{"id":696,"title":"القاعدة التاسعة عشر التفضيل بجودة البنية والتركيب","lvl":1,"sub":0},{"id":700,"title":"القاعدة العشرون التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء ولما يشاء على ما يشاء","lvl":1,"sub":0},{"id":713,"title":"الفرق الخامس عشر والمائة بين قاعدة الأرزاق وبين قاعدة الإجارات","lvl":1,"sub":0},{"id":734,"title":"الفرق السادس عشر والمائة بين قاعدة استحقاق السلب في الجهاد وبين قاعدة الإقطاع وغيره من تصرفات الأئمة","lvl":1,"sub":0},{"id":737,"title":"الفرق السابع عشر والمائة بين قاعدة إن أخذ الجزية على التمادي على الكفر يجوز وبين قاعدة إن أخذ الأعواض على التمادي على الزنا وغيره من المفاسد لا يجوز إجماعا","lvl":1,"sub":0},{"id":739,"title":"الفرق الثامن عشر والمائة بين قاعدة ما يوجب نقض الجزية وبين قاعدة ما لا يوجب نقضها","lvl":1,"sub":0},{"id":743,"title":"الفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة وبين قاعدة التودد لهم","lvl":1,"sub":0},{"id":748,"title":"الفرق العشرون والمائة بين قاعدة تخيير المكلفين في الكفارة وبين قاعدة تخيير الأئمة في الأسارى والتعزير وحد المحارب ونحو ذلك","lvl":1,"sub":0},{"id":755,"title":"الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات","lvl":1,"sub":0},{"id":758,"title":"الفرق الثالث والعشرون والمائة بين قاعدة عقد الجزية وبين قاعدة غيرها مما يوجب التأمين من عقدي المصالحة والتأمين","lvl":1,"sub":0},{"id":759,"title":"الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به توحيد الله تعالى بالتعظيم","lvl":1,"sub":0},{"id":777,"title":"الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة الألفاظ باعتبار جواز الحلف بها","lvl":1,"sub":0},{"id":807,"title":"الفرق السابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة إذا حلف به من أسماء الله تعالى وبين قاعدة ما لا يوجب","lvl":1,"sub":0},{"id":813,"title":"الفرق الثامن والعشرون والمائة بين قاعدة ما يدخله المجاز والتخصيص في الأيمان وقاعدة ما لا يدخله المجاز والتخصيص","lvl":1,"sub":0},{"id":817,"title":"الفرق التاسع والعشرون والمائة بين قاعدة الاستثناء وقاعدة المجاز في الأيمان والطلاق وغيرهما","lvl":1,"sub":0},{"id":839,"title":"الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت بتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا يتكرر بتكررها الكفارة","lvl":1,"sub":0},{"id":849,"title":"الفرق الثالث والثلاثون والمائة بين قاعدة النقل العرفي وبين قاعدة الاستعمال المتكرر في العرف","lvl":1,"sub":0},{"id":851,"title":"تعذر المحلوف عليه عقلا وبين قاعدة تعذره عادة أو شرعا","lvl":1,"sub":0},{"id":854,"title":"الفرق الخامس والثلاثون والمائة بين قاعدة المساجد الثلاثة يجب المشي إليها والصلاة فيها إذا نذرها وبين قاعدة غيرها من المساجد لا يجب المشي إليها إذا نذر الصلاة فيها","lvl":1,"sub":0},{"id":859,"title":"القاعدة الثانية إن صاحب الشرع لم يجعل شيئا سبب وجوب فعل على المكلف إلا وذلك السبب مشتمل على مصلحة","lvl":1,"sub":0},{"id":862,"title":"الفرق الثامن والثلاثون والمائة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة تحريم سباع الطير","lvl":1,"sub":0},{"id":876,"title":"الفرق الأربعون والمائة بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجازة والفسخ وبين قاعدة طلاقهم فإنه لا ينعقد مع أن كلا من النكاح والطلاق سبب لشيء","lvl":1,"sub":0},{"id":881,"title":"الفرق الثاني والأربعون والمائة بين قاعدة الأجداد في المواريث يسوون بالإخوة وبين قاعدتهم في النكاح وميراث الولاء وصلاة الجنازة تقدم الإخوة عليهم","lvl":1,"sub":0},{"id":882,"title":"الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح","lvl":1,"sub":0},{"id":902,"title":"الفرق الخامس والأربعون والمائة بين قاعدة تحريم المصاهرة في الرتب الأولى وبين قاعدة لواحقها","lvl":1,"sub":0},{"id":910,"title":"الفرق السادس والأربعون والمائة بين قاعدة ما يحرم بالنسب وبين قاعدة ما لا يحرم بالنسب","lvl":1,"sub":0},{"id":915,"title":"الفرق السابع والأربعون والمائة بين قاعدة الحصانة لا تعود بالعدالة وقاعدة الفسوق تعود بالجناية","lvl":1,"sub":0},{"id":919,"title":"القاعدة الثانية أن ما ورد مطلقا يحمل على ما ورد مقيدا حيث كان القيد واحدا وإلا حمل ما ورد مقيدا على المطلق لئلا يحصل الترجيح بلا مرجح","lvl":1,"sub":0},{"id":920,"title":"الفرق الثامن والأربعون والمائة بين قاعدة ما يلحق فيه الولد بالواطئ وبين قاعدة ما لا يلحق به","lvl":1,"sub":0},{"id":928,"title":"الفرق الخمسون والمائة بين قاعدة ما يحرم الجمع بينهن من النساء وقاعدة ما يجوز الجمع بينهن","lvl":1,"sub":0},{"id":933,"title":"الفرق الحادي والخمسون والمائة بين قاعدة الإباحة المطلقة وبين قاعدة الإباحة المنسوبة إلى سبب مخصوص","lvl":1,"sub":0},{"id":942,"title":"الفرق الثاني والخمسون والمائة بين قاعدة ما يقر من أنكحة الكفار وقاعدة ما لا يقر منها","lvl":1,"sub":0},{"id":947,"title":"الفرق الثالث والخمسون والمائة بين قاعدة زواج الرجل الإماء في ملك غيره والمرأة العبد في ملك غيرها وقاعدة نكاح الرجل الإماء في ملكه والمرأة العبد في ملكها","lvl":1,"sub":0},{"id":949,"title":"الفرق الرابع والخمسون والمائة بين قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع وبين قاعدة عدم الحجر عليهن في الأموال","lvl":1,"sub":0},{"id":962,"title":"الفرق الخامس والخمسون والمائة بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود بلا خلاف وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منها بالعقود مطلقا","lvl":1,"sub":0},{"id":964,"title":"الفرق السادس والخمسون والمائة بين قاعدة ما يجوز اجتماعه مع البيع من نحو الإجارة وقاعدة ما لا يجوز اجتماعه معه","lvl":1,"sub":0},{"id":970,"title":"الفرق السابع والخمسون والمائة بين قاعدة البيع توسع العلماء فيه حتى جوز مالك وأبو حنيفة وابن حنبل البيع بالمعاطاة","lvl":1,"sub":0},{"id":974,"title":"الفرق الثامن والخمسون والمائة بين قاعدة المعسر بالدين ينظر وبين قاعدة المعسر بنفقات الزوجات لا ينظر","lvl":1,"sub":0},{"id":977,"title":"الفرق التاسع والخمسون والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين الأدنين في إيجاب النفقة لهم خاصة وبين قاعدة غيرهم من القرابات","lvl":1,"sub":0},{"id":991,"title":"الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":1007,"title":"الفرق الثاني والستون والمائة بين قاعدة ما يشترط في الطلاق من النية وبين قاعدة ما لا يشترط","lvl":1,"sub":0},{"id":1019,"title":"الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات","lvl":1,"sub":0},{"id":1024,"title":"الفرق الرابع والستون والمائة بين قاعدة استثناء الكل من الكل وبين قاعدة استثناء الوحدات من الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1027,"title":"قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة","lvl":1,"sub":0},{"id":1032,"title":"الفرق السابع والستون والمائة بين قاعدة خيار التمليك في الزوجات وبين قاعدة تخيير الإماء في العتق","lvl":1,"sub":0},{"id":1043,"title":"الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادة في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال على مشهور مذهب مالك","lvl":1,"sub":0},{"id":1051,"title":"الفرق السبعون والمائة بين قاعدة ما يلزم الكافر إذا أسلم وقاعدة ما لا يلزمه","lvl":1,"sub":0},{"id":1053,"title":"الفرق الحادي والسبعون والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير مكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عنه","lvl":1,"sub":0},{"id":1058,"title":"الفرق الثاني والسبعون والمائة بين قاعدة ما يصل ثوابه إلى الميت وقاعدة ما لا يصل ثوابه إليه","lvl":1,"sub":0},{"id":1067,"title":"الفرق الثالث والسبعون والمائة بين قاعدة ما يبطل التتابع في صوم الكفارات والنذر وغير ذلك وبين قاعدة ما لا يبطل التتابع","lvl":1,"sub":0},{"id":1076,"title":"الفرق الرابع والسبعون والمائة بين قاعدة المطلقات يقضي بالطلاق وأمد العدة قبل علمهن بذلك فيكتفين بما تقدم على علمهن من أمدها ولا يلزمهن استئنافه وبين قاعدة المرتابات","lvl":1,"sub":0},{"id":1079,"title":"الفرق الخامس والسبعون والمائة بين قاعدة الدائر بين النادر والغالب يلحق بالغالب من جنسه وبين قاعدة إلحاق الأولاد بالأزواج إلى خمس سنين","lvl":1,"sub":0},{"id":1080,"title":"الفرق السادس والسبعون والمائة بين قاعدة العدد وقاعدة الاستبراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1083,"title":"الفرق الثامن والسبعون والمائة بين قاعدة الحضانة يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":1084,"title":"الفرق التاسع والسبعون والمائة بين قاعدة معاملة أهل الكفر وقاعدة معاملة المسلمين","lvl":1,"sub":0},{"id":1093,"title":"الفرق الحادي والثمانون والمائة بين قاعدة الأسباب العقلية وبين قاعدة الأسباب الشرعية","lvl":1,"sub":0},{"id":1095,"title":"الفرق الثاني والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه مسببه","lvl":1,"sub":0},{"id":1098,"title":"الفرق الثالث والثمانون والمائة بين قاعدة الذمة وبين قاعدة أهلية المعاملة","lvl":1,"sub":0},{"id":1100,"title":"الفرق الرابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يقبل الملك من الأعيان والمنافع وبين قاعدة ما لا يقبله منهما","lvl":1,"sub":0},{"id":1101,"title":"الفرق الخامس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه وقاعدة ما لا يجوز بيعه","lvl":1,"sub":0},{"id":1117,"title":"الفرق السابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة","lvl":1,"sub":0},{"id":1127,"title":"الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه","lvl":1,"sub":0},{"id":1137,"title":"الفرق التسعون والمائة بين قاعدة ما يدخله ربا الفضل وبين قاعدة ما لا يدخله ربا الفضل","lvl":1,"sub":0},{"id":1166,"title":"الفرق الثاني والتسعون والمائة بين قاعدة ما يعد تماثلا شرعيا في الجنس الواحد وقاعدة ما لا يعد تماثلا فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":1168,"title":"الفرق الثالث والتسعون والمائة بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر","lvl":1,"sub":0},{"id":1175,"title":"الفرق الرابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يسد من الذرائع وقاعدة ما لا يسد منها","lvl":1,"sub":0},{"id":1185,"title":"الفرق السادس والتسعون والمائة بين قاعدة خيار المجلس وقاعدة خيار الشرط","lvl":1,"sub":0},{"id":1200,"title":"الفرق السابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام غير الأموال وبين قاعدة ما لا ينتقل من الأحكام","lvl":1,"sub":0},{"id":1203,"title":"الفرق الثامن والتسعون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه قبل قبضه وقاعدة ما لا يجوز بيعه قبل قبضه","lvl":1,"sub":0},{"id":1207,"title":"الفرق التاسع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يتبع العقد عرفا وقاعدة ما لا يتبعه","lvl":1,"sub":0},{"id":1231,"title":"الفرق الحادي والمائتان بين قاعدة القرض وقاعدة البيع","lvl":1,"sub":0},{"id":1234,"title":"الفرق الثاني والمائتان بين قاعدة الصلح وقاعدة غيره من العقود","lvl":1,"sub":0},{"id":1239,"title":"الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات","lvl":1,"sub":0},{"id":1259,"title":"الفرق الرابع والمائتان بين قاعدة ما للمستأجر أخذه من ماله بعد انقضاء الإجارة وبين قاعدة ما ليس له أخذه","lvl":1,"sub":0},{"id":1264,"title":"الفرق الخامس والمائتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن","lvl":1,"sub":0},{"id":1268,"title":"الفرق السابع والمائتان بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ما لا يضمنونه","lvl":1,"sub":0},{"id":1271,"title":"الفرق الثامن والمائتان بين قاعدة ما يمنع فيه الجهالة وبين قاعدة ما يشترط فيه الجهالة","lvl":1,"sub":0},{"id":1273,"title":"الفرق التاسع والمائتان بين قاعدة ما مصلحته من العقود في اللزوم وبين قاعدة ما مصلحته منها في عدم اللزوم","lvl":1,"sub":0},{"id":1276,"title":"الفرق العاشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من القراض الفاسد إلى قراض المثل وبين قاعدة ما يرد منه إلى أجرة المثل","lvl":1,"sub":0},{"id":1280,"title":"الفرق الحادي عشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من المساقاة الفاسدة إلى قراض المثل وبين ما يرد منها إلى أجرة المثل","lvl":1,"sub":0},{"id":1285,"title":"الفرق الثاني عشر والمائتان بين قاعدة الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية","lvl":1,"sub":0},{"id":1287,"title":"الفرق الثالث عشر والمائتان بين قاعدة الأملاك الناشئة عن الإحياء وبين قاعدة الأملاك الناشئة عن غير الإحياء","lvl":1,"sub":0},{"id":1299,"title":"الفرق الخامس عشر والمائتان بين قاعدة ما يقبل القسمة وقاعدة ما لا يقبلها","lvl":1,"sub":0},{"id":1309,"title":"الفرق السادس عشر والمائتان بين قاعدة ما يجوز التوكيل فيه من الأفعال وبين قاعدة ما لا يجوز التوكيل فيه منها","lvl":1,"sub":0},{"id":1321,"title":"الفرق الثامن عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب استحقاق بعضه إبطال العقد في الكل وبين قاعدة ما لا يقتضي إبطال العقد في الكل","lvl":1,"sub":0},{"id":1323,"title":"الفرق التاسع عشر والمائتان بين قاعدة ما يجب التقاطه وبين قاعدة ما لا يجب التقاطه","lvl":1,"sub":0},{"id":1338,"title":"الفرق الحادي والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه","lvl":1,"sub":0},{"id":1340,"title":"الفرق الثاني والعشرون والمائتان بين قاعدة الإقرار الذي يقبل الرجوع عنه وبين قاعدة الإقرار الذي لا يقبل الرجوع عنه","lvl":1,"sub":0},{"id":1342,"title":"الفرق الثالث والعشرون والمائتان بين قاعدة ما ينفذ من تصرفات الولات والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفذ من ذلك","lvl":1,"sub":0},{"id":1357,"title":"الفرق الرابع والعشرون والمائتان بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم","lvl":1,"sub":0},{"id":1370,"title":"الفرق الخامس والعشرون والمائتان بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":1372,"title":"الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا","lvl":1,"sub":0},{"id":1377,"title":"الفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة به وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها به","lvl":1,"sub":0},{"id":1382,"title":"الفرق الثامن والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح","lvl":1,"sub":0},{"id":1388,"title":"الفرق التاسع والعشرون والفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كبيرة مانعة من قبول الشهادة وقاعدة المعصية التي ليست بكبيرة مانعة من الشهادة وبين قاعدة المباح المخل بقبول الشهادة والمباح الذي لا يخل بقبولها","lvl":1,"sub":0},{"id":1393,"title":"الفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا يرد به","lvl":1,"sub":0},{"id":1396,"title":"الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدتي الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة","lvl":1,"sub":0},{"id":1404,"title":"الفرق الثاني والثلاثون والمائتان بين قاعدتي المدعي والمدعى عليه","lvl":1,"sub":0},{"id":1413,"title":"الفرق الثالث والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يحتاج للدعوى وقاعدة ما لا يحتاج إليها","lvl":1,"sub":0},{"id":1420,"title":"الفرق الرابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة اليد المعتبرة المرجحة لقول صاحبها وقاعدة اليد التي لا تعتبر","lvl":1,"sub":0},{"id":1423,"title":"الفرق الخامس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":1434,"title":"الفرق الثامن والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع منه","lvl":1,"sub":0},{"id":1441,"title":"الفرق السابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة من يشرع إلزامه بالحلف وقاعدة من لا يلزمه الحلف","lvl":1,"sub":0},{"id":1447,"title":"الفرق الثامن و الثلاثون والمائتان بين قاعدة ما هو حجة عند الحكام وقاعدة ما ليس بحجة عندهم","lvl":1,"sub":0},{"id":1509,"title":"الفرق التاسع و الثلاثون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب","lvl":1,"sub":0},{"id":1524,"title":"الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":1528,"title":"الفرق الحادي و الأربعون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كفر وقاعدة ما ليس بكفر","lvl":1,"sub":0},{"id":1542,"title":"الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو سحر يكفر به وبين ما هو قاعدة ما ليس كذلك","lvl":1,"sub":0},{"id":1571,"title":"الفرق الثالث والأربعون والمائتان بين قاعدة قتال البغاة وقاعدة قتال المشركين وكذا بينهم وقتالهم وبين المحاربين وقتالهم","lvl":1,"sub":0},{"id":1572,"title":"الفرق الرابع والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو شبهة تدرأ بها الحدود والكفارات وقاعدة ما ليس كذلك","lvl":1,"sub":0},{"id":1575,"title":"الفرق الخامس والأربعون والمائتان بين قاعدة القذف إذا وقع من الزوج الواحد لزوجاته المتعددات يتعدد اللعان بتعددهن قذفهن في مجلس أو مجلسين وبين قاعدة الجماعة يقذفهم الواحد يتحد الحد فيه عندنا","lvl":1,"sub":0},{"id":1577,"title":"الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدتي الحدود والتعازير","lvl":1,"sub":0},{"id":1587,"title":"الفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة الإتلاف بالصيال وبين قاعدة الإتلاف بغيره","lvl":1,"sub":0},{"id":1593,"title":"الفرق الثامن والأربعون والمائتان بين قاعدة ما خرج عن المساواة والمماثلة في القصاص وبين قاعدة ما بقي على المساواة","lvl":1,"sub":0},{"id":1595,"title":"الفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة العينين وقاعدة كل اثنين من الجسد كالأذنين ونحوهما","lvl":1,"sub":0},{"id":1597,"title":"الفرق الخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة","lvl":1,"sub":0},{"id":1600,"title":"الفرق الحادي والخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وقاعدة شروطه وموانعه","lvl":1,"sub":0},{"id":1602,"title":"الفرق الثاني والخمسون والمائتان بين قاعدة ما يحرم من البدع وينهى عنه وبين قاعدة ما لا ينهى عنه منها","lvl":1,"sub":0},{"id":1628,"title":"الفرق الثالث والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة المحرمة وقاعدة الغيبة التي لا تحرم","lvl":1,"sub":0},{"id":1634,"title":"الفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة وقاعدة النميمة والهمز واللمز","lvl":1,"sub":0},{"id":1639,"title":"الفرق الخامس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة ذات اليد","lvl":1,"sub":0},{"id":1648,"title":"الفرق السابع والخمسون والمائتان بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب","lvl":1,"sub":0},{"id":1651,"title":"الفرق الستون والمائتين بين قاعدة الحسد وقاعدة الغبطة","lvl":1,"sub":0},{"id":1654,"title":"الفرق التاسع والخمسون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة التجمل بالملابس والمراكب وغير ذلك","lvl":1,"sub":0},{"id":1657,"title":"الفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة العجب","lvl":1,"sub":0},{"id":1658,"title":"الفرق الحادي والستون والمائتان بين قاعدة العجب وقاعدة التسميع","lvl":1,"sub":0},{"id":1659,"title":"الفرق الثاني والستون والمائتان بين قاعدة الرضا بالقضاء وبين قاعدة عدم الرضا بالمقضي","lvl":1,"sub":0},{"id":1663,"title":"الفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة المثوبات","lvl":1,"sub":0},{"id":1672,"title":"الفرق الرابع والستون والمائتان بين قاعدة المداهنة المحرمة وبين قاعدة المداهنة التي لا تحرم وقد تجب","lvl":1,"sub":0},{"id":1673,"title":"الفرق الخامس والستون والمائتان بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى المحرم وقاعدة الخوف من غير الله تعالى الذي لا يحرم","lvl":1,"sub":0},{"id":1675,"title":"الفرق السادس والستون والمائتان بين قاعدة التطير وقاعدة الطيرة وما يحرم منهما ولا يحرم","lvl":1,"sub":0},{"id":1679,"title":"الفرق السابع والستون والمائتان بين قاعدة الطيرة وقاعدة الفأل الحلال المباح والفأل الحرام","lvl":1,"sub":0},{"id":1682,"title":"الفرق الثامن و الستون والمائتان بين قاعدة الرؤيا التي يجوز تعبيرها وقاعدة الرؤيا التي لا يجوز تعبيرها","lvl":1,"sub":0},{"id":1701,"title":"الفرق التاسع والسبعون والمائتان بين قاعدة ما يباح في عشرة الناس من المكارمة وقاعدة ما ينهى عنه من ذلك","lvl":1,"sub":0},{"id":1711,"title":"الفرق السبعون والمائتان بين قاعدة ما يجب النهي عنه من المفاسد وما يحرم وما يندب","lvl":1,"sub":0},{"id":1716,"title":"الفرق الثالث والسبعون والمائتان بين قاعدة ما يجب تعلمه من النجوم وبين قاعدة ما لا يجب","lvl":1,"sub":0},{"id":1718,"title":"الفرق الرابع والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو من الدعاء كفر وقاعدة ما ليس بكفر","lvl":1,"sub":0},{"id":1723,"title":"الفرق الثالث و السبعون والمائتان بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر وبين قاعدة ما ليس محرما","lvl":1,"sub":0},{"id":1753,"title":"الفرق الرابع والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو مكروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه","lvl":1,"sub":0}]}