{"pages":[{"id":1,"text":"كشف التباريح في بيان صلاة التراويح\rجمع :\rالعلامة أبي الفضل بن عبد الشكور\rالسنوري الطوباني الجاوي","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله الحق المبين , القوي المتين , الذي أخرج قوما من ظلمات الجهل وجعلهم من المهتدين , وترك آخرين في مهامة الضلالات وجعلهم من الغاوين , وصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين وأفضل الشافعين , وعلى آله وأصحابه أجمعين .\rأما بعد : فهذه رسالة سميتها \" كشف التباريح في بيان صلاة التراويح \" والذي حملني على تأليفها أني سمعت أن طائفة من الناس قالوا : إن فعل صلاة التراويح عشرين ركعة بدعة مذمومة خارجة عن السنة , وإن الصواب فعلها ثماني ركعات معللا بأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم . فلما سمع الناس هذه المقالة كثر التساؤل بينهم عن هذه وأوقعت كثيرا منهم في الدهشة والحيرة , وكادوا يزيغون عن طريق السلف الصالحين الخيرة , لما كانوا في غفلة وتفريط عن تفتيش أدلة الأحكام في هذه الأزمان المتأخرة وكانوا في رقدة عن ترقية الهمم إلى معرفة الأدلة المتكاثرة فناجتني نفسي إن دراك الناس دراك , من قبل أن يتردوا في مهاوى الردى وحفر الهلاك , فأجبتها مستعيناً بالله ومعتمداً عليه , وهو حسب كل من استند إليه , فأقول مستمداً مما لديه .","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"الباب الأول\rفي الأخبار الواردة في صلاة التراويح\rمنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقم من ذنبه \" رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه ومالك في الموطأ .\rومنها ما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال : قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض لكم وذلك في رمضان . رواه البخاري ومسلم وأبو داود .\rومنها ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال : أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها رواه البخاري .\rومنها ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله صلى عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال : أما بعد فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها . رواه مسلم .\rومنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر . رواه الشيخان وأبو داود , وفي هذا القدر كفاية .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"الباب الثاني\rفي كيفية صلاة التراويح\rروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه , قال ابن شهاب : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك , ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما . قال القسطلاني : يعني على ترك الجماعة في التراويح . اهـ\rوروى البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ عن عبد الرحمن ابن عبد القاري أنه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون ( أي جماعات متفرقون اهـ قسطلاني ) يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئٍ واحد لكان أمثل فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم . قال عمر : نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يق ومون أوله .\rوإذا تأملت هذين الحديثين عرفت أن ظاهرهما يدل على أن التراويح لا تصلى جماعة بعد تلك الليالي الأربع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن جمعهم عمر على إمام واحد . ولذا ذهب بعض العلماء المتقدمين إلى أن فعلها فرادى في البيت أفضل لكونه عليه الصلاة والسلام واظب على ذلك وتوفي والأمر على ذلك حتى مضى صدر من خلافة عمر وقد اعترف عمر رضي الله عنه بأنها ( أي الجماعة في التراويح ) مفضولة كما مر . وبهذا قال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية . وذهب آخرون إلى الأفضل فيها أن تفعل في المسجد جماعة لكونه صلى الله عليه وسلم صلى معه ناس في تلك الليالي وأقرهم على ذلك وإنما تركه لمعنى قد أمن بوفاته صلى الله عليه وسلم وهو خشية الافتراض . وبهذا قال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية . وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن علي وابن مسعود وأبي بن كعب وسويد بن غفلة وزاذان وأبي البختري واستمر عليه عمل الصحابة وسائر المسلمين وصار من الشعائر الظاهرة كصلاة العيد , وأما قول عمر رضي الله عنه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون فليس فيه ترجيح الانفراد ولا ترجيح فعلها في البيت وإنما فيه ترجيح آخر الليل على أوله كما صرح به الراوي بقوله : يريد آخر الليل . ثم لقائل أن يقول : إن المراد بأنها لا تصلى جماعة في المسجد بإمام واحد وإنما فعلها الناس جماعات بأئمة كثيرة , كما أشار إليه الحديث المتقدم ذكره بقوله فإذا الناس أوزاع متفرقون ويؤيده ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعا فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربت له حصيرا فصلى عليه بهذه القصة قالت فيه تعني النبي صلى الله عليه وسلم : أيها الناس أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلا ولا خفى على مكانكم . وما رواه أبو داود في سننه أيضا عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذاً أناس","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"في رمضان يصلون في ناحية المسجد فقال : ما هؤلاء ؟ فقيل : هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي وهو يصلون بصلاته , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أصابوا ونعم ما صنعوا . قال أبو داود : ليس هذا الحديث بالقوي مسلم بن خالد ضعيف . اهـ وقال شارح الإحياء والشافعي يوثقه اهـ . ففي هذين الحديثين إثبات الجماعة في التراويح وإبطال قول من زعم أنها محدثة . فإذا عرفت ذلك فالذي سماه عمر رضي الله عنه بدعة بقوله : نعمت البدعة هذه إنما هو جمع الناس على إمام واحد في المسجد لا الجماعة في التراويح . والله أعلم .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"الباب الثالث\rفي عدد ركعات التراويح\rإذا نظرنا في الأحاديث الواردة في صلاة التراويح التي منها ما قدمناه في البابين الأول والثاني وتأملناها حق التأمل لم نجد فيها نصا على عدد ركعاتها إلا ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان في غير جماعة بعشرين ركعة والوتر . وما رواه ابن خبان عن جابر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ثمان ركعات ثم أوتر فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا يا رسول الله الحديث . وما رواه البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأل عائشة رضي اله عنها كيف كانت صلاة رسول الله عليه وسلم ؟ قالت : ما كان يزيد في رمضان وغيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً فقلت : يا رسول الله أ تنام قبل أن توتر ؟ قال : يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي . فهذه الأحاديث الأربعة على تعارضها لا تخلو عن مقال في إسناد بعضها وعن احتمال في البعض الآخر . وإذا تعارضت الأدلة تساقطت ووجب العدول إلى غيرها , وكذا إذا طرأ الاحتمال على وقائع الأحوال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال .\rفإذا عرفت ذلك فاعلم أن حديث ابن عباس المذكور ضعفه البيهقي وغيره , وأنه مع ضعفه معارض بالأحاديث الثلاثة المذكورة , فلا تقوم به الحجة .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وأما حديث جابر رضي الله عنه فإن كانت القصة واحدة فقد احتمل أن جابرا ممن جاء في الليلة الثانية فلذا اقتصر على وصف ليليتين كما قاله الزرقاني في شرح الموطأ . واحتمل أن جابرا رضي الله عنه جاء إلى المسجد ولم يبق من صلاته صلى الله عليه وسلم إلا ثمان ركعات فأخبر عما أدركه ورآه مع أنه لم ينف الزائد عليها بل ولو نفاه أيضا لم تقم به الحجة لذلك الاحتمال كما نفى أنس رضي الله رفعه صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء إلا في الاستسقاء مع أن غيره روى عنه صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في غير الاستسقاء كرفعه صلى الله عليه وسلم يديه عند الدعاء ببدر وغير ذلك , وكما أنكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائما مع أن غيرها روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتى سباطة قوم فبال قائما كما رواه الشيخان , فلم تقم الحجة بنفي أنس ولا بإنكار عائشة رضي الله عنها .\rوأما حديث عائشة المتقدم ذكره فمحمول على الوتر بدليل حديث البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنهما أنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة , وحديث الموطأ عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن . وبهذا اللفظ أيضا أبو داود . وع هذا الاحتمال عارضه أحاديث آخر , فمنها ما رواه أبو داود عن القاسم ابن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويسجد بسجدتي الفجر فذلك ثلاث عشرة ركعة .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"ومنها ما رواه أبو داود أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيسلم .\rومنها ما رواه الشيخان وأبو داود ومالك في الموطأ وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته قال : فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده استيقظ رسول الله فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قال يصلي قال عبد الله فقمت فصنعت مثل صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي فأخذ بأذني يفتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين . قال القعنبي ست مرات ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح . وهذا اللفظ لأبي داود .\rومنها ما رواه مالك في الموطأ ومسلم وأصحاب السنن عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : لأرمقن الليلة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فتوسدت عتبته أو فسطاطاه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فتلك ثلاث عشرة ركعة , ولو ذهبنا نعد تلك الأحاديث المعارضة لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم ذكره وهو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد إلخ لطال بنا الكلام وفيما ذكرناه كفاية .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"ولما كانت الأحاديث متعارضة ومحتملة للتأويل لم تقم بها الحجة في إثبات ركعات التراويح لتساقطها , فعدلنا عن الاستدلال إلى الدليل القاطع وهو الإجماع وهو إجماع المسلمين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على فعلها عشرين ركعة . روى البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة .\rوروى مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال : كان الناس يقومون في زمن عمر رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة , يعني أنهم صلوا التراويح عشرين ركعة ثم أوتروا بثلاث .\rوروى البيهقي بإسناد صحيح أنهم كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة وعلى عهد عثمان وعلي بمثله فصار إجماعا . وقال ابن الهمام كونها عشرين ركعة سنة الخلفاء الراشدين . اهـ\rوإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذين صلوا التراويح اليوم ثمان ركعات مخالفون للإجماع , ومخالف الإجماع إن كان في أمر معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر وإلا فهو فاسق , وهم مخالفون أيضا لسنة الخلفاء الراشدين ومن خالف سنة الخلفاء الراشدين فقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال : فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي . رواه أبو داود والترمذي .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"مسألة:\rإذا قال قائل : إن عمر رضي الله عنه مخطئ في قوله : نعمت البدعة هذه , إذ كيف مدح فعلا هو بدعة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكل بدعة ضلالة . رواه أبو داود والترمذي .\rفالجواب : أن لفظ البدعة له استعمالان . الأول أن يستعمل اسماً لكل ما أحدثه محدث لم يسبق غيره وهذا لا يحكم بأن جميعه ضلالة , لأن ما أحدثه المحدث إما أن يكون من غير أمر الدين وإما أن يكون من أمر الدين فإن كان من غير أمر الدين ولم يكن منتهكا لحرمات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فليس ضلالة كاتخاذ المناخل والأشنان والموائد وركوب الدراجات والسيارات وغير ذلك .\rوإن كان من أمر الدين فإما أن يكون مصادماً لقواعد الدين أولا , فالمصادم لقواعد الدين هو الضلالة وفاعله ضال , وغير المصادم إما أن يكون فيه إذن عام من الشارع أولا , فالثاني داخل في البدعة المذمومة , والأول إما أن يتوقف عليه واجب أو مندوب أو مباح أو لا . فالأول واجب والثاني مندوب والثالث مباح والرابع حسن .\rوالاستعمال الثاني أن يستعمل اسماً لما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم باسم الدين وخالف الكتاب والسنة أو صادم قاعدة من قواعد الشريعة , وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : كل بدعة ضلالة . فالحاصل أن قوله صلى الله عليه وسلم المذكور ليس على عمومه بل هو عام مخصوص .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"قال الزرقاني في شرح الموطأ عند قول عمر رضي الله عنه \" نعمت البدعة هذه \" وصفها بنعمت , لأن أصل ما فعله سنة وإنما البدعة المذمومة خلاف السنة وقال ابن عمر في صلاة الضحى : نعمت البدعة . وقال تعالى : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله }. وأما ابتداع الأشياء من عمل الدنيا فمباح . قال ابن عبد البر : وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد , لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره فابتدعه عمر وتابعه الصحابة والناس إلى هلم جرا , وهذا يبين صحة القول بالرأي والاجتهاد انتهى , فسماها بدعة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسن لها الاجتماع ولا كان في زمان الصديق . وهي لغة ما أحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعا على مقابل السنة وهي ما لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم . ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة . وحديث كل بدعة ضلالة عام مخصوص وقد رغب فيها عمر بقوله : نعمت البدعة وهي كلمة تجمع المحاسن كلها كما أن بئس تجمع المساوي كلها . وقد قال صلى الله عليه وسلم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال عنه اسم البدعة انتهى ما قاله الزرقاني .\rفإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالاقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كنا مطيعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهما , ومن خالفهما فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى أبو داود والترمذي عن العرباض ابن سارية رضي الله عنه أنه قال : وعظنا رسول الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصانا قال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وأن تأمر عليكم عبد وأنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"إذا قال قائل : إنما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكذا بالخلفاء الراشدين فيما لم يخالفوا فيه السنة فلم يأمرنا بالاقتداء بهم فيه .\rقلنا له : قل لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك القول قاله عن جهل أو علم . فإن قال عن جهل قلنا له : قد قلت قولا يجب تطهير الفم عنه , وإن قال عن علم , قلنا له : أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما من الخلفاء الراشدين سيخالفون بعده سنته فلا يقتدي بهم في الدين أو علم أنهم لا يخالفون بعده سنته فلا يقتدي بهم في الدين ؟ فإن قال بالأول قلنا له : لزمك أن تعقد أنه صلى الله عليه وسلم غاش لأمته إذ أمر باقتداء من لا يقتدى به . وإن قال بالثاني قلنا له : لم منعتنا من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم باقتدائهم ؟ فإن قال : نقتدى بهم فيما لم يخالفوا فيه السنة . قلنا له : لزمك أن تسويهم بغيرهم فما فائدة تخصيصهم بالذكر في الحديثين المذكورين ؟\rوبالجملة عرفنا مما تقدم أن الذي خطأ عمر رضي الله عنه هو المخطئ على أن الذي سماه عمر بدعة ليس هو نفس فعل التراويح ولا فعلها عشرين ركعة ولا الجماعة فيها وإنما هو الاجتماع على إمام واحد كما تقدم . فإن تجرأ متجرئ على تسمية عمر رضي الله عنه مبتدعا بمعنى أنه مخالف للسنة فلا يشك عاقل في أنه هو المبتدع .\rوبهذه اللوائح من الكشف والبيان عرفنا سقوط قول القائل : إن فعل التراويح عشرين ركعة بدعة مذمومة وأن السنة فعلها ثمان ركعات . وأنه ليس في محله , وإن قائله زائع عن طريق الحق الصواب . وفي هذا القدر كفاية لمن من الله عليه بالتوفيق والهداية , ولكن من لم يرد الله صلاحه تعبت فيه الأقاويل . ولذا قلنا : حسبنا الله ونعم الوكيل .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"تمت الرسالة بعون الله وتوفيقه في ليلة الثلاثاء وهو اليوم الرابع والعشرون من شهر رمضان المبارك سنة 1382 من الهجرية النبوية على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم بقلم مؤلفها الفقير إلى مغفرة ربه الغفور أبي الفضل بن عبد الشكور السنوري الطوباني غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين .","part":1,"page":13}],"titles":[{"id":1,"title":"كشف التباريح في بيان صلاة التراويح","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"مقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"الباب الأول","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"الباب الثاني","lvl":1,"sub":0},{"id":6,"title":"الباب الثالث","lvl":1,"sub":0},{"id":10,"title":"مسألة:","lvl":2,"sub":0}]}