{"pages":[{"id":1,"text":"شرح جوهرة التوحيد\rللعلامة الشيخ إبراهيم الباجوري","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمقدمة\r\rالحمد لله الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، حمداً يوصلنا إلى حقيقة توحيده، والشكر على إنعامه و إفضاله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النور المبين، الداعي إلى توحيد الملك الخلاق والذي جاءنا بأتم مكارم الأخلاق وأزال الله بدعوته ظلمات الشرك وظلم الإنسان لأخيه، وجمع الله عليه - بما منحه من التواضع وحسن السيرة - قلوب أصحابه وتابعيه، ودعانا للإيمان بالله والرغبة فيه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لنكون من الفائزين برضوانه وقربه في الدنيا والآخرة وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وبإخوانه المرسلين، وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمته، رغبة في الآخرة بدخول جنته، وسلم تسليماً.\rأما بعد: فإن رسوخ العقيدة الإسلامية في قلب المؤمن هي السعادة العظمى في الدنيا والآخرة، لأنها مبنية على توحيد الخالق والإيمان به وبرسله الذين جاءوا منقذين للبشر من أهوائهم وضلالاتهم.\rهذا وإن من أجل فوائد علم التوحيد نفيه الشكوك والشبه وما ذهب إليه علماء الطبيعة والفلاسفة، وبذلك يعطي النفس راحة واطمئناناً في الحياة ولدينا من الأدلة والبراهين على ما جاء به الإسلام من صحة العقيدة بوحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله بما نراه من الآثار الكونية ونظامها البديع المتناسق، الذي يدل على عظمة الخالق وقدرته، فإن المتحقق بحقيقة التوحيد يدفعه تحققه إلى طاعة ربه وتقواه لأن التقوى هي سبب محبة الله لعبده فلا شك أن الله إذا أحبه يتولاه ويكلؤه بعنايته كما جاء في الحديث \"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به إلى آخر الحديث\" وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له فرقانا} يستبين به العبد طرق الهداية وسبل الرشاد وقال تعالى: { ومن يتق الله يجعل له نورا يمشي به في الناس} ومن ثمرة نور التقوى التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإيقان بما عند الله من الكرامة للموقنين، وهل رأيت موقناً فاقداً لهذا النور؟ وقال ابن عطاء الله \"إذا أشرق عليك نور اليقين رأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها\" ولا يحصل الإيقان إلا بإطلاق عنان العقل في هذا الملك والملكوت وصحبة أهل التقوى واليقين، فإن البيئة ليست إلا ممحصة ومطهرة للقلب من الأوباء والشهوات وتحت ظلال التمحيص والتطهير يتربى الإيمان ويترعرع ويثمر اليقين الذي لا يمكن أن يحل في هذا القلب مع وجود الشكوك والشهوات، ولا شيء أحرق للشهوات من الشوق والحنين إلى الله تعالى والخوف منه كما جاء في الحكم العطائية \"لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق\" ولا خوف ولا شوق ولا حنين إلا بالمعرفة الصحيحة التي تنفتح بها البصيرة على الله ويسقط كل حجاب ويغدو الكون مظهراً لتجلي أسماء الله تعالى وصفاته. المعرفة التي تشهد معنى قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} وتشهد أيضاً أن","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وأنه {الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. المعرفة التي عناها ابن عطاء الله حيث قال \"الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار\" المعرفة التي استنارت بالعزوف عن اللذات وإسهار الليل وإظماء النهار وسقتها دموع الندامة على ما فات، ودموع الشوق لما هو آت، ورعتها بيئة هدر لسانها لذيذ التسبيح، وأنين التوبة في محراب السحر حتى تلألأت أنوار التوبة على التائبين والعطاء للسائلين والإجابة للداعين مع ثمرات القبول.\rولعلك تقول وهل في الوجود مثل هذه البيئة التي ذكرتها؟ نعم فإن طائفة الحق ظاهرة حتى الساعة، فإن لم تعثر عليها فكن أنت أول وافد على الله، مقبل عليه لائذ بجنابه وسيقفو إثرك ثان وثالث. حتى يجمع الله القلوب على توحيده وما ذلك على الله بعزيز.\rوهذا الكتاب الذي بين أيدينا بحث العقيدة بحثاً فكرياً وأثبتها إثباتاً اعتمد على النقل والعقل، وقد بذل ما في الوسع لإخراجه كتاباً مبسطاً سهلاً يستطيع المسلم به تعلم أمور العقيدة فيخرج من التقليد في الإيمان ويستطيع أن يرد ما يعترضه من شبهات تلقى من شياطين الإنس والجن. وقد بسطنا البحث في بعض مسائل الكتاب لشدة خطرها وعظيم شأنها وذكرنا الأحاديث مسندة إلى مخرجيها والآيات مرقمة، واعتمدنا في شرحنا على شرح شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم الباجوري رحمه الله تعالى فحذفنا ما فيه من لغة ونحو وبلاغة، وأضفنا إليه ما وجدناه مناسباً للبحث من كتب أخرى أشرنا إليها في أماكنها.\rوقد تكرم فضيلة الشيخ عبد الكريم الرفاعي حفظه الله تعالى على قلة فراغه وكثرة أعماله بمراجعة الكتاب والتقديم له مما يجعلنا مطمئنين إلى أنه بات خالياً من الأوشاب والأخطاء، ولئن ظهر - بعد كل هذا - خطأ غير متعمد فقد أبى الله أن يعصم منه إلا كتابه الكريم.\rوختاماً نسأله سبحانه وتعالى أن يكلأنا بحفظه ورعايته ويرعانا من مضلات الفتن ومدلهماتها. وأن ينفعنا بما علمنا إنه سميع قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين.","part":1,"page":3},{"id":7,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالكتاب\r\rوابتدأ المؤلف بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، ولقوله صلى الله عليه وسلم: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر\". أي ناقص وقليل البركة، فهو وإن تم حِسّاً فلا يتم معنى، والأمر ذو البال هو ما يهتم به شرعاً شريطة ألا يكون من سفاسف الأمور (كلبس النعل والبصاق وهلم جرا) وألا يكون محرماً لذاته (كالسرقة والزنا) ولا مكروهاً لذاته، ولا ذكراً محضاً (كالهيللة والحمدلة والحوقلة) ولا مما جعل له الشارع مبدأ غير البسملة (كالصلاة فإن مفتاحها التكبير) فتحرم التسمية في المحرم لذاته وتكره في المكروه، ولا تسن في السفاسف ولا في الذكر المحض أما غير المحض (كتلاوة القرآن الكريم) فتسن، لاشتمال القرآن على التشريع الناظم لشؤون الحياة في كافة ميادينها، وغيره، وأما غير المحرم لذاته (كالوضوء بماء مغصوب) فلا تحرم، وغير المكروه لذاته (كأكل البصل) فلا تكره.\r-واعلم أن الابتداء على ضربين: حقيقي: وهو الابتداء بالشيء أمام المقصود بحيث لا يتقدم على ذلك الشيء شيء ما، وإضافي: وهو الابتداء بالشيء أمام المقصود سواء تقدم على ذلك الشيء شيء آخر غير المقصود أم لم يتقدم، فحملت البسملة على الابتداء الحقيقي كما حملت الحمدلة في حديثه صلى الله عليه وسلم: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر\" على الإضافي، لذا قال الناظم بعد أن سمى: \"الحمد لله على صلاته\" واستند في حمله هذا على القرآن الكريم، لأنه ابتدأ ابتداءً حقيقياً بالبسملة وإضافياً بالحمدلة.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"-ولما كانت الباء من حروف المعاني اختلف العلماء في تحديد معناها، فقيل هي للمصاحبة على وجه التبرك، ولا يسوغ جعلها للاستعانة، لأن الاستعانة إنما تكون بذات الله سبحانه وليس بأسمائه، ولأن باء الاستعانة إنما تدخل على الآلة كما في \"كتبت بالقلم\" فيكون اسم الله مقصوداً لغيره، وفيه سوء أدب * وقيل: هي للاستعانة على وجه التبرك، ورد القائلون بهذا على ما ورد: بأنه لا مانع من الاستعانة بالأسماء كما يستعان بالذات، كيف وقد ورد في الحديث الشريف \"وإذا استعنت فاستعن بالله\".\rوأن معنى الاستعانة باسمه تعالى أن الأمر المشروع فيه لا يتم على وجهه الأكمل، إلا باسمه تعالى * والاسم هو ما دل على مسمى، فإن أريد به مدلوله كان عين مسماه، وهو مشتق إما من السمو، لعلوه على مسماه، أو من السمة لكونه علامة على مسماه * والله: علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وهو علم لا بالغلبة، واختار الجمهور أنه اسم الله الأعظم، وإنما تخلفت الإجابة عند الدعاء به من بعض الناس لتخلف شروط الإجابة التي من أجلها أكل الحلال، واختار النووي أنه الحي القيوم.\r-الرحمن الرحيم: صفتان مشبهتان اشتقتا من الرحمة، لا بمعناها الأصلي الذي هو: رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان، لاستحالة ذلك في حقه سبحانه، وإنما بمعنى الإحسان أو إرادته، فهما بمعنى المحسن أو مريد الإحسان، لكن \"الرحمن\" بمعنى المحسن بجلائل النعم، \"والرحيم\" بمعنى المحسن بدقائقها، وإنما جمع بينهما إشارة إلى أنه لا ينبغي أن تطلب النعم إلا منه تعالى، سواء كانت بسيطة أو عظيمة، فكلاهما منه وحده. ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون الله كل شيء حتى شراك النعل.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"1- الحمد لله على صِلاته *** ثم سلام الله مع صَلاتِهِ.\rالحمد لله: الحمد لغة: وهو الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التعظيم والتبجيل، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا * والمدح لغة: هو الوصف بالجميل على الجميل مطلقاً، لا فرق في كونه اختيارياً أو اضطرارياً، ولا فرق في كون الممدوح من ذوي العلم أو لا، كما في مدح الجوهرة لصفاء لونها، ولا فرق في كونه في مقابلة نعمة أو لا * والشكر لغة: هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعماً على الشاكر أو غيره سواء كان ذلك قولاً أو اعتقاداً أو عملاً بالجوارح، فهو أعم من سابقيه لكونهما لا يتعديان الكلام، وهو قول وفعل واعتقاد، وأخص من سابقيه بأنه لا يكون إلا مقابلة نعمة من المشكور، سواء أعادت على الشاكر أو على غيره، وهما يكونان في نعمة وغيرها.\r-والثناء لغة: هو فعل ما يشعر بتعظيم المثنى عليه، ولم يشترط فيه كونه في مقابلة نعمة، فهو أعم الجميع.\r-وقد اشتهر أن الحمد عرفاً: هو نفس الشكر لغة، والشكر عرفاً هو: \"صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به فيما خلق من أجله\" * والحمد إما أن يكون قديماً، كحمده تعالى نفسه أو حمده تعالى رسله وعباده الصالحين، أو يكون حادثاً، كحمدنا لله سبحانه أو حمد بعضنا لبعض * وأل في الحمد إما للاستغراق، أو للجنس أو للعهد. واللام في الله إما للاستحقاق أو للاختصاص، ويجوز للملك إن لم نجعل أل عهدية، لئلا يترتب تمليك الحمد القديم، وهو لا يملك، فإن جعلنا المعهود حمد من يعتد بحمده ساغ.\r-على صلاته: الصلات جمع صلة، وهي العطية، والحمد على الصلات إما بمعنى العطايا فيكون حمداً على الصفة بواسطة، أو بمعنى الإعطاء، وهو أولى، لأنه حمد على الصفة بلا واسطة.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"-ثم سلام الله: أي تحيته اللائقة به صلى الله عليه وسلم بحسب ما عنده تعالى كما تشعر به إضافته له تعالى، فالمطلوب تحية عظمى بلغت الدرجة القصوى وتكون أعظم التحيات لأنه صلى الله عليه وسلم أعظم المخلوقات * والمراد بالتحية أن يسمعه كلامه القديم الدال على رفعة مقامه العظيم. ولم يرتض بعضهم تفسير السلام بالأمان، لأنه ربما أشعر بمظنة الخوف مع أن أتباعه {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. نعم يخاف صلى الله عليه وسلم لكنه خوف مهابة وإجلال لذلك قال: \"إني لأخوفكم من الله\".\r-مع صلاته أي رحمته المقرونة بالتعظيم، وهذا هو اللائق بالمقام، وقيل: هي مطلق الرحمة سواء قرنت بالتعظيم أم لم تقرن، وهذا بيان للصلاة مع قطع النظر عن المقام.\r-وفسر الجمهور الصلاة \"بأنها من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن غيرهم- ولو حجراً أو مدراً أو شجراً- التضرع والدعاء، فقد ورد أنها صلت عليه صلى الله عليه وسلم مع أن المشهور سلامها فقط، وإن شئت قلت: هي من الله الرحمة ومن غيره الدعاء.\r-واختلف العلماء في انتفاعه صلى الله عليه وسلم بصلاتنا عليه، فقيل: ينتفع كباقي الأنبياء، لكن لا ينبغي التصريح بذلك إلا في مقام التعليم، وقيل: المنفعة تعود للمصلي، لأنه صلى الله عليه وسلم أفرغت عليه جميع الكمالات، ورد بأنه ما من كمال إلا وعند الله أكمل منه. والكامل يقبل الزيادة في الكمال * وغاية الأمر أنه لا ينبغي للمصلي أن يلاحظ انتفاعه صلى الله عليه وسلم بل نلاحظ أنه يتقرب بالصلاة إلى الله تعالى.\r-ملاحظة: قال النووي: يستحب الحمد في ابتداء الكتب المصنفة ودرس المدرسين وقراءة الطالبين بين يدي معلميهم، وأحسن العبارات \"الحمد لله رب العالمين\".\r-فائدة: إن إثبات الصلاة والسلام في صدر الكتب والرسائل حدث في ولاية بني هاشم، ثم مضى العمل على استحبابه، ومن العلماء من يختتم بهما كتابه.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"2- على نبيٍ جاء بالتوحيد *** وقد خلا الدينُ عن التوحيد.\r\r2- على نبيٍ جاء بالتوحيد *** وقد خلا الدينُ عن التوحيد\rعلى نبي: النبي مشتق من النبأ أي الخبر، فهو بمعنى مخبر عن الله إن كان مع نبوته رسولاً، أو مخبر عن حال نفسه إن لم يكن رسولاً ليحترمه الناس وفي كلا الحالين ينزل عليه ملك الوحي يخبره عن الله تعالى، فعلى هذا هو مخبر * أما لو قلنا: إنه مشتق من النبوة أي الارتفاع، فبمعنى رافع ومرفوع، لأنه رافع لشأن من اتبعه على غيره ممن لم يتبعه، قال تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ولأنه مرفوع المنزلة.\r-وقد عبر المصنف بلفظ النبي ولم يعبر بالرسول للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}.\rوإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يستحق الصلاة والسلام بعنوان النبوة التي هي أعم من الرسالة، فيكون مستحقاً لها بعنوان الرسالة من باب أولى، فإن الرسالة حيث وجدت وجدت النبوة، ولا عكس\r-وعرّفوا النبي بأنه: إنسان ذكر، حر، سليم عن منفر طبعاً، أوحي إليه بشرع يعمل به، وإن لم يؤمر بتبليغه، والرسول يعرف بهذا إلا أننا نقول: وأوحي إليه بشرع يعمل به وأمر بتبليغه.\r-وبناء على التعريف السالف يخرج الجن والملائكة وبقية الحيوانات والإناث، وكفر من قال: إن معنى قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}. أن في كل جماعة من الحيوانات رسولاً * والقول بنبوة مريم وآسية وحواء وأم موسى وهاجر وسارة مرجوح، قال صاحب \"بدء الأمالي\" وما كانت نبياً قط أنثى * ولقمان لم يكن نبياً بل تلميذ الأنبياء.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"-ومن كان فيه منفر كعمى وبرص وجذام فلا يكون نبياً ولا رسولاً، وأما بلاء أيوب وعمى يعقوب فهما أمران ظاهريان، أو أنهما حصلا بعد تقرر النبوة، والكلام فيما قارنها، وأما قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ}. فمعناه ألم يأتكم رسل من بعضكم أي الإنس، وأما قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً}. فمعناه يصطفي سفراء بينه وبين أنبيائه ليبلغوهم عنه سبحانه شرائعه وأحكامه * وقد اختلف في عدد الأنبياء والرسل فقيل: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، لكن الأسلم أن نمسك عن ذلك، لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"-جاء بالتوحيد: المراد بالمجيء الإرسال، والمراد بالنبي المرسل نبينا صلى الله عليه وسلم، والجملة المخصصة بأن نبينا هو المراد قوله: \"وقد خلا الدين عن التوحيد\" لأنه لم يأت نبي بالتوحيد في حال خلو الدين عنه إلا هو صلى الله عليه وسلم * وقد أرسله الله تعالى على رأس الأربعين سنة إلى جميع المكلفين من الإنس والجن، أما الملائكة فقد أرسل إليهم إرسال تشريف، لأن طاعتهم جبلية لا يكلفون بها، هذا ما اعتمده الرملي في شرح المنهاج * وكونه صلى الله عليه وسلم مرسلاً لكافة الإنس والجن مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة، فيكفر منكره * والتعبير برأس الأربعين يفيد أنه بعث عند استكمالها من غير زيادة ولا نقصان، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور. والصحيح أن نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم مقترنتان * وإنما كان الإرسال على رأس الأربعين لأنه العادة المستمرة في معظم الأنبياء، أو جميعهم، كما جزم به كثيرون، منهم شيخ الإسلام في حواشي البيضاوي: وإنما استدلوا بالعادة المستمرة، ولم يستدلوا بحديث: \"ما نبئ نبي إلا على رأس الأربعين سنة\". لعد ابن الجوزي له في الموضوعات. وذكر العلامة الشيخ الأمير والعلامة الشيخ الشنواني: أن الحق هو أن هذا السن غالب فقط في النبوة، وإلا فقد نبئ عيسى ورفع إلى السماء وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، ونبئ يحيى صبياً، بناء على أن الحكم الذي أوتيه صبياً هو النبوة. لكن ذكر في حواشي التفسير نقلاً عن المواهب: أن هذا خلاف التحقيق، وقالوا: الصحيح أن عيسى ما رفع إلا بعد مضي ثمانين سنة من النبوة، وبعد نزوله من السماء يعيش أربعين سنة.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"-أما قوله تعالى عن يحيى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً}. فالمراد بالحكم العلم والمعرفة لا النبوة، وأما قوله عن عيسى: {آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}. فمعنى جعلني: سيجعلني، ومعنى آتاني: سيؤتيني، كما في قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ}. بمعنى سيأتي * وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بطلب التوحيد. والتوحيد لغة هو العلم بأن الشيء واحد وشرعاً هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتاً وصفات وأفعالاً فليس ثمة ذات تشبه ذاته تعالى، إذ لا تقبل ذاته الانقسام لا فعلاً ولا وهماً ولا فرضاً مطابقاً للواقع، ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تعدد فيها من جنس واحد بأن يكون له تعالى قدرتان أو علمان مثلاً.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ولا يدخل في أفعاله الاشتراك، إذ لا فعل لغيره سبحانه خلقاً أو إيجاداً، وإن نسب إلى غيره كسباً واكتساباً * وقيل: التوحيد هو إثبات ذات غير مشبه للذوات ولا معطلة عن الصفات * وخص الناظم التوحيد بالذكر - مع أنه صلى الله عليه وسلم أتى بنظام شامل للحياة كلها - لأنه أشرف العبادات ويليه الصلاة * وله تعريف شرعي بأنه علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية من أدلتها اليقينية * وموضوعه ذات الله تعالى من حيث ما يجب له وما يستحيل له وما يجوز في حقه وذات الرسل كذلك، والممكنات من حيث إنه يتوصل بها إلى وجود صانعها، والسمعيات من حيث اعتقادها * وثمرته معرفة الله تعالى بالبراهين القطعية والفوز بالسعادة الأبدية * وفضله أنه أشرف العلوم لكونه متعلقاً بذات الله تعالى وذوات رسله فهو أصل لما سواه، والذي حرر أدلته وألف كتبه ورد الشبه عنه أبو الحسن الأشعري ومن تبعه وأبو منصور الماتريدي ومن تبعه. وقد أتى بالتوحيد كل نبي من لدن آدم عليه الصلاة والسلام * وسمي علم التوحيد لأن مبحث الوحدانية أشهر مباحثه، ويسمى علم الكلام أيضاً * واستمد من الأدلة العقلية والنقلية * وأما حكم الشارع فيه فالوجوب العيني على كل مكلف من ذكر أو أنثى * وأما مسائله فهي قضاياه الباحثة عن الواجبات والجائزات والمستحيلات.\r-وعبارته \"قد خلا الدين عن التوحيد\": تقتضي أن ما عليه عبدة الأصنام سمي ديناً، وهو كذلك، لأن الدين ما يتدين به، ولو باطلاً. كما دل له قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"-ويطلق الدين لغة على عدة معان منها الطاعة، والعبادة، والجزاء، والحساب، واصطلاحاً: هو ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه من الأحكام. * وسمي ديناً: لأننا ندين له وننقاد، وملة: من حيث إن الملك يمليه على الرسول وهو يمليه عليناً، وشرعاً وشريعة: من حيث إن الله قد شرعه لنا أي بينه على لسان نبيه، فالله تعالى هو الشارع حقيقة في كل ما يأتينا به النبي، \"ولما كان القرآن الكريم منزلاً على النبي صلى الله عليه وسلم كان النبيّ طريقاً في البيان فأسند إليه الشرع بمعنى تبيين الأحكام\".\r-والأحكام الفقهية الاجتهادية: من الدين قطعاً، وهي موضوع إلهي غاية الأمر أنه يخفى علينا، والمجتهدون يعانون إظهارها والاستدلال عليها بقواعد الشرع، ولا دخل لهم في وضعها البتة.\r\r3 - فَأْرْشَدَ الخَلْقَ لِدِيْنِ الحقِّ *** بِسَيْفِهِ وَهَدْيِهِ لِلْحّقِّ.\r\r3 - فَأْرْشَدَ الخَلْقَ لِدِيْنِ الحقِّ *** بِسَيْفِهِ وَهَدْيِهِ لِلْحّقِّ","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"فأرشد الخلق: أي جاء بالتوحيد فأرشد الخلق بسيفه، ويقتضي أنه أرشد بالسيف عقب الإرسال، لأن الفاء تقتضي التعقيب مع أنه لم يشرع الجهاد إلا في صفر من السنة الثانية للهجرة، كما نبه عليه في السيرة الحلبية. وأجيب بأن التعقيب في كل شيء بحسبه، تقول: جاء فسلم، وتزوج فولد له ولد، أو يجاب بأن الفاء بمعنى ثم أي تفيد الترتيب والتراخي كقوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}- ومعنى الإرشاد إما تصييرهم راشدين، فيكون خاصاً بمن آمن، أو بمعنى الدلالة لهم على الهداية، فيكون عاماً بمن آمن وبمن لم يؤمن. والخلق: جميع الثقلين الإنس والجن إجماعاً، وكذا الملائكة بناء على أنه مرسل إليهم إرسال تكليف خلافاً للراجح من أنه إرسال تشريف.- وإنما استقام العموم في الخلق مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يرشد من لم يجتمع به لكون الإرشاد أعم من أن يكون بنفسه أو بواسطة، كمن جاء بعده أو كان في زمنه ولم يجتمع به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: \"ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع\".\r-لدين الحق: الحق هنا، هو اسم الله تعالى، ومعناه المتحقق وجوده دائماً وأبداً بحيث لا يسبقه عدم ولا يلحقه عدم.\r-بسيفه: السيف هو آلة الجهاد التي يباح قتال الحربيين بها حتى الحجارة، فقد رمى صلى الله عليه وسلم بالحجر يوم أحد. وقد كان له سيوف متعددة، منها المأثورة، وهو أول سيف ملكه إذ ورثه عن أبيه، ومنها القضيب، وذو الفقار، وقد دفع لعكاشة جزل حطب حين انكسر سيفه يوم بدر، وقال: اضرب به، فعاد في يده سيفاً صارماً طويلاً أبيض شديد المتن فقاتل به * والمراد بالسيف هنا السيف الذي جاء بمشروعية مقاتلة أعداء الله، سواء كان بيده، أو بيد من تبعه، ولو إلى يوم القيامة. وقد أرشد النبيّ الخلق لدين الله حال كونه متلبساً بسيفه، لأن الإرشاد والدلالة ليسا بالسيف قطعاً بل باللسان.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"-وهديه للحق: حمل بعضهم الهدي على القرآن الكريم والسنة الشريفة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يراسل الناس أولاً بالقرآن والدعوة للإسلام، فإن أجابوا للإسلام فظاهر، وإلا أعلمهم بالتهيؤ للجهاد. وهكذا خلفاؤه وأصحابه من بعده * وقد قدم الناظم السيف على الهدي مع أن الهدي سابق على الجهاد - بل لم يتوان الرسول صلى الله عليه وسلم لحظة واحدة عن أن يبلغ منذ ابتعثه الله سبحانه - لأن للجهاد أهمية عظمى، ولأن ما جاء به لا يظهر إلا بالجهاد خصوصاً في مبدأ دعوته.\r\r4- مُحمدُ العاقِبْ لرُسْلِ رَبِّهِ **** وآلِهِ وصَحْبِهِ وحِزْبِهِ.\r\r4- مُحمدُ العاقِبْ لرُسْلِ رَبِّهِ **** وآلِهِ وصَحْبِهِ وحِزْبِهِ\rمحمد: علم منقول من اسم مفعول المضعف، (حُمِّد) فهو أبلغ من محمود، والرسول صلى الله عليه وسلم أجل من حمد وأعظم من حمد. وهذا الاسم أشرف أسمائه، وهي توقيفية باتفاق، أما أسماؤه تعالى ففيها خلاف، والراجح أنها توفيقية، والحكمة في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بشر فربما تسوهل في شأنه فأطلق عليه ما لا يليق، فسدت الذريعة باتفاق، وأما مقام الألوهية فلا يتجاسر عليه أحد، فلذلك قيل بعدم التوقيف * والمسمي له صلى الله عليه وسلم بذلك الاسم جده على الصحيح، وقيل: أمه، وجمع بأنها أشارت عليه بالتسمية بسبب ما رأته من أن شخصاً يقول لها: فإذا ولدته فسميه محمداً فلما أخبرته بذلك سماه محمداً رجاء أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله تعالى رجاءه كما سبق في علمه تعالى * والمسمي له به حقيقة هو الله تعالى لأنه أظهر اسمه قبل ولادته في الكتب السماوية، فهو بتوقيف شرعي، قال تعالى على لسان السيد المسيح: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"-العاقب: إنما كان صلى الله عليه وسلم العاقب لرسل ربه ليكون شرعه ناسخاً للشرائع التي قبله، ولأنه الثمرة العظمى، إذ هو المقصود من هذا العالم، والثمرة في الأشياء لا تأتي إلا آخرها، ولا ينافي نزول السيد المسيح في آخر الزمن، لأنه سيحكم بالإسلام.\r-وكما أنه خاتم للرسل هو خاتم للأنبياء، وقد اقتصر المصنف على ذكر الرسل دون الأنبياء وهو يريد العاقب لرسل ربه وأنبيائه على حد قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} أي والبرد، واقتصر على ذكر الرسل - مع أنه لا يلزم من ختم الأخص الذين هم الرسل ختم الأعم الذين هم الأنبياء - حملاً على قول السعد من تساوي الرسول والنبي * وإنما اختار التعبير بالرسل لأنه أمدح: فإن الرسالة أشرف من النبوة لجمعها بين الحق والخلق خلافاً للعز بن عبد السلام في قوله: إن النبوة أفضل لأن فيها انصرافاً من الخلق إلى حضرة الحق، والرسالة فيها انصراف من حضرة الحق إلى الخلق، ورد هذا التفضيل: بأن الرسالة فيها الجمع بينهما.\r-ربه: أي خالقه أو مالكه أو نحو ذلك من معاني الرب.\r-وآلِه: أي وسلام الله مع صلاته على آله. والآل له معان باعتبار المقامات، ففي الدعاء - كما هنا - كل مؤمن ولو عاصياً، وفي المدح كل مؤمن تقي أخذاً مما ورد: \"آلُ محمدٍ كلُّ تقيٌ\" وإن كان ضعيفاً، وأما: \"أنا جَدُّ كلِّ تقِّيٍ\". فلم يرد.\r-وفي مقام الزكاة بنو هاشم وبنو المطلب عندنا معاشر الشافعية، وبنو هاشم فقط عند السادة المالكية والحنابلة، وخص الحنفية فرقاً خمساً \"آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وآل الحارث\" * والصلاة على غير الأنبياء والملائكة تبعاً جائزة اتفاقاً، بل مطلوبة للنهي عن الصلاة البتراء، وهي التي لم يذكر فيها الآل * أما الصلاة استقلالاً فقيل بمنعها، وقيل بكراهتها، وقيل بأنها خلاف الأولى والأصح الكراهة.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"-وصحبه: خصهم مع دخولهم في الآل بالمعنى الأعم لمزيد الاهتمام. والصاحب لغة: من طالت عشرتك به، والمراد هنا الصحابي وهو: من اجتمع بنبينا صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، بعد البعثة، في محل التعارف، بأن يكون على وجه الأرض، وإن لم يره، أو لم يَرْوِ عنه شيئاً، أو لم يميز على الصحيح، وأما قولهم: \"ومات على الإسلام\" فهو شرط لدوام الصحبة، لا لأصلها. فإن ارتد (والعياذ بالله) ومات مرتداً، فليس بصحابي، كعبد الله بن خَطَلْ، وأما من عاد إلى الإيمان كعبد الله بن أبي سرح فتعود له الصحبة، لكن مجردة من الثواب عندنا معاشر الشافعية. واشتهر أنها لا تعود عند المالكية، لكن المصرح به في كتبهم التردد. وفائدة عودها التسمية والكفاءة، فيسمى صحابياً، ويكون كفؤاً لبنت الصحابي * ويدخل في الصحابي عبد الله بن أم مكتوم أحد المؤذنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحو ابن أم مكتوم من العميان، وتدخل الملائكة الذين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم في الأرض. وعيسى عليه الصلاة والسلام آخر الصحابة من البشر الظاهرين، وأما الملائكة فباقون إلى النفخة.\r-وحزبه: أي جماعته. والحزب الجماعة الذين أمرهم واحد في خير أو في شر، ومنه قوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} والظاهر أن المراد به هنا من غلبت ملازمته له صلى الله عليه وسلم لأنهم أخص من الصحب الذين هم أخص من الآل، ويحتمل أن يراد به أتباعه مطلقاً، سواء كانوا في عصره أم لا، وهو الأولى، لما فيه من التعميم، ولا يغني عنه الآل لتخصيص بعضهم له بالأتقياء.\r\r5 - وبعدُ فالعلمُ بأصلِ الدينِ **** محتُمٌ يحتاجُ للتَّبيينِ.\r\r5 - وبعدُ فالعلمُ بأصلِ الدينِ **** محتُمٌ يحتاجُ للتَّبيينِ","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وبعد فالعلم: أي وبعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام فأقول: إن العلم بأصل الدين محتم * والعلم هو إدراك الشيء بحقيقته، كما قاله الراغب، وهو كقول شيخ الإسلام: إدراك الشيء على ما هو به، ويطلق حقيقة عرفية: أولاً - على القواعد المدونة. وثانياً - على الملكة التي يقتدر بها على إدراكات جزئية، والمراد هنا الأول بدليل الحكم عليه بالتحتم، فتكون حقيقة علم التوحيد على هذا: هي قواعده المدونة التي تشمل الإلهيات والنبويات والسمعيات * ويقابله الجهل، وهو بسيط ومركب، أما البسيط فعدم العلم بالشيء عما من شأنه العلم، والمركب: هو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، وسمي مركباً لاستلزامه جهلين، جهلاً بالشيء وجهلاً بجهله * والتعبير بالعلم بأصل الدين يشعر بمدح هذا الفن لابتناء الدين عليه، إذ كل أعمال الإسلام بمثابة الثمرة للتوحيد وقد ختم الشارع الحكيم هذا العلم وأوجبه، ولم يرخص بتركه فقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} فيجب على كل مكلف من ذكر أو أنثى وجوباً عينياً معرفة كل عقيدة بدليل، ولو إجمالياً، وأما معرفتها بالدليل التفصيلي ففرض كفاية، فيجب على أهل كل قطر يشق الوصول منه إلى غيره أن يكون فيهم من يعرفها بالدليل التفصيلي، لأنه ربما طرأت الشبهة فيدفعها * وبعضهم أوجب الدليل التفصيلي وجوباً عينياً، وفيه تضييق لرحمة الله الواسعة، وجعل الجنة مختصة بطائفة يسيرة، فالحق أن الواجب وجوباً عينياً إنما هو الدليل الإجمالي، وهو المعجوز عن تقريره وحل شبهه، أما الدليل التفصيلي فهو المقدور على تقريره وحل شبهه * فإذا قيل لك (ما الدليل على وجود الله تعالى) فقلت: هذا العالم، ولم تعرف جهة الدلالة فيه معرفة مصحوبة بذكرها على الوجه المعتبر عند المناطقة فهو دليل جملي، وكذلك إذا عرفت جهة الدلالة فيه، ولم تقدر على حل الشبه الواردة عليها، أما إذا عرفت جهة الدلالة معرفة مصحوبة بتقريرها على الوجه","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"المعتبر وقدرت على حل الشبه فهو دليل تفصيلي * فإذا قيل لك ما الدليل على وجوده تعالى؟ فقلت: هذا العالم، وعرفت جهة الدلالة، وهي الحدوث أو الإمكان، وقدرت على حل الشبه فيهما فهو دليل تفصيليّ، فتقول في تقريره: إما إن العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث. أو إن العالم ممكن وجوده، وعدمه، وكل ممكن لابد له من مرجح يخرجه من العدم إلى الوجود، أو بالعكس، والمرجح هو الصانع، إذاً فالعالم له صانع * لأن العالم قد سبقه العدم، وكل ما سبقه عدم فهو حادث، مهما تقادم عليه العهد، وخروجه من العدم إلى الوجود لا يكون إلا بمخرج، لأن العدم لا ينتج شيئاً. وقد قال الله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} وقال أيضاً: {أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً}. وجاء في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"كان الله ولم يكن شيء غيره\". ففي كل هذا لفتٌ رائع إلى أن الأكوان كانت في ثنايا العدم، غارقة في لججه، ولم يكن إلا الله الواجب الوجود، فيا عجباً كيف يسوغ في العقول أن الكون لا يحتاج لمحدث، مع أن كل شيء فيه يشهد عليه، ويرفض إلا الإشارة إليه؟ بل كيف يسوغ في بعضها أن الله تعالى الذي لا بداية لوجوده يحتاج لموجد؟! فترى بعضهم يتهافتون على السؤال: مَن خلق الله؟! ويلجون فيه دون أن يسمحوا لأنفسهم بالسؤال عمن خلق الكون، مع أن افتقار الكون للخالق إنما هو بديهي. ألا إنها وسوسة الشيطان نبهنا إليها الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: \"إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الله؟! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل \"آمنت بالله ورسوله\".","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وهذا السؤال وإن كان خطأ من أساسه، لأن الله تعالى واجب الوجود، بمعنى أنه لم يسبق وجوده عدم، كما أنه لا يعتور وجوده عدم، ومَن كان كذلك فكيف يسأل فيه هذا السؤال! إلا أنه لمّا كان يختلج بعض النفوس مثل هذا الخاطر أردنا أن نوضح الجواب بمثال يريح الضمير إن شاء الله تعالى فنقول: إذا وضعت كتاباً على مكتبك، ثم خرجت من الحجرة، وعدت إليها بعد قليل فرأيت الكتاب الذي تركته على المكتب موضوعاً في الدرج، فإنك تعتقد تماماً أنّ أحداً لابد قد وضعه في الدرج، لأنك تعلم من صفات هذا الكتاب أنه لا ينتقل بنفسه (احفظ هذه النقطة وانتقل معي إلى نقطة أخرى) * لو كان معك في حجرة مكتبك شخص جالس على الكرسي، ثم خرجت وعدت إلى الحجرة فرأيته جالساً على البساط - مثلاً - فإنك لا تسأل عن كيفية انتقاله، ولا يخطر لك أنّ أحداً نقله من موضعه، لأنك تعلم من صفات هذا الشخص أنه ينتقل بنفسه ولا يحتاج إلى مَن ينقله (احفظ هذه النقطة الثانية أيضاً ثم اسمع ما أقوله) إنه لما كانت هذه المخلوقات محدثة، ونحنّ نعلم من طبائعها وصفاتها أنها لا توجد بذاتها، بل لابد لها من موجد، كما سبق وبيناه، عرفنا أن موجدها هو الله تبارك وتعالى * ولما كان كمال الألوهية يقتضي عدم احتياج الإله إلى غيره، بل إن من صفاته قيامه بنفسه، ومعناه عدم احتياجه لموجد، عرفنا أن الله تعالى موجود بذاته أزلاً، وأنه غير محتاج إلى مَن يوجده * وإذا وضعت النقطتين السابقتين إلى جانب هذا الكلام، اتضح لك هذا المقام * ونعود إلى دليل الإمكان بعد أن شرحنا دليل الحدوث فنقول: الممكن هو كل أمر قابل في حد ذاته للانتفاء والثبوت، أفرأيت كفتي الميزان، وقبول كل منهما للارتفاع والانخفاض؟ فهل يتصور رجحان إحداها إلا بمثقال؟ والأكوان إنما هي ممكنة الوجود في ذاتها، لأنه لو وجب وجودها لما سبقه العدم، ولو استحال وجودها لما وجدت. فعليه لا يمكن أن يرجح وجودها على عدمها إلا بمرجح، وهذا المرجح","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"إما أن يكون ممكناً، أو مستحيلاً، أو واجب الوجود. إذ أن أقسام الحكم العقلي ثلاثة، الواجب والجائز والمستحيل. والممكن عاجز عن إظهار نفسه فكيف يظهر غيره؟! والمستحيل لا يقبل الوجود أصلاً، فكيف يمنحه غيره، فلم يبق من الأقسام الثلاثة إلا واجب الوجود * كذلك كل ممكن تعتوره حالات شتى من الإمكانّ، في الكم (أي المقادير) والكيف (أي الأحوال) والزمان والمكان، والجهة والصفات. فتخصيص كل ممكن على حالة ما دون سائر ما يجوز عليها منها - مع قبولها لها قبولاً ذاتياً، ودون أي تفاوت - لا يتحصل إلا بمخصص، يخصص هذه الحالة دون غيرها. وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى دلالة اختلاف الأحوال في الممكنات، وأنها تدل على خالقها الذي خصصها ببعض ما يجوز عليها فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} وقال أيضاً: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} وقال أيضاً: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} وقال: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} وقال: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ}. ألا من مستبصر حكيم، كبح جماح هواه، وانعتق من أمر الاستكبار وشهوة العلو في الأرض، فيتدبر هذا * ويقوم مقام معرفة كل عقيدة بدليل لو عرف العقائد بالكشف. أما من عرفها بالتقليد","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"فقد اختلف فيه، والصحيح أنه مؤمن عاص، إن قدر على النظر، وغير عاص إنّ لم يقدر على النظر. وقيل: إنه كافر، وجرى على هذا السنوسي في شرح الكبرى وشنع على القول بكفاية التقليد، لكن حكي عنه أنه رجع إلى القول بكفايته.\r-يحتاج للتبيين: إنما احتاج هذا الفن للتبيين لأنه لما حدثت المبتدعة وكثر جدالهم مع علماء الإسلام أوردوا شبهاً على ما قرره الأوائل، وخلطوا تلك الشبه بكثير من القواعد الفلسفية، فقصد المتأخرون إلى دفعها، واحتاجوا إلى إدراجها في كلامهم ليتمكنوا من ردها * وقد افترقت الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة منهم فرقة ناجية، وهي التي على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واثنان وسبعون في النار كما في حديث عبد الله بن عمر حيث قال: \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي\".\rوعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على، ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة\".\r\r6- لكنْ مِن التَّطْوِيلِ كَلَّتِ الهِمَمْ *** فَصَارَ فِيْهِ الاْختِصَارُ مُلَتَزَمْ.\r\r6- لكنْ مِن التَّطْوِيلِ كَلَّتِ الهِمَمْ *** فَصَارَ فِيْهِ الاْختِصَارُ مُلَتَزَمْ\rلكن من التطويل كلت الهمم: كأنه قال: هذا الفن وإن احتاج للتوضيح إلا أنه لا ينبغي المبالغة معه في تطويل العبارة لأنها تؤدي إلى الملل والسآمة، إذ أن الكلال لحق أصحاب الهمم.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"والهمة -لغة- هي القوة والعزم، وعرفاً: هي حالة للنفس يتبعها غلبة انبعاث إلى نيل مقصود ما، ثم إن تعلقت بمعالي الأمور فعلية، وإلا فدنية، وإن لم تتعلق بواحد منهما فلا علية ولا دنية.\r-فصار فيه الاختصار ملتزم: لكل ما مر كان الاختصار في هذا الفن ملتزماً.\rوقد كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني يقول: جميع ما قاله المتكلمون في التوحيد قد جمعه أهل الحقيقة في كلمتين، الأولى: اعتقاد أن كل ما تصور في الأوهام فالله تعالى بخلافه، والثانية: اعتقاد أن ذاته تعالى ليست مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات.\r\r7- وَهذِهِ أُرْجُوزَةٌ لَقبْتُها *** جَوْهَرَةَ التَّوْحِيْدِ قَدْ هذَّبتهُا\rوهذه أرجوزة: إن هذه الأبيات المنظومة على بحر الرجز ملقبة بجوهرة التوحيد وقد صفيتها ونقحتها من الشبه والعقائد الفاسدة، ومن الحشو والتطويل.\r-ومدح الإنسان كتابه يخرج مخرج التحدث بالنعمة والنصح لمن يتعاطاه حتى يكون بمنجاة من خطر التقليد، مع أن مدح الإنسان نفسه جائز في عدة مواضع.\rتنبيه: ينبغي اجتناب تسمية الكتب المصنفة بما يضاهي القرآن والوحي، كقول بعضهم (كتاب الاسراءات والمعاريج) أو (مفاتيح الغيب) أو (الآيات البينات) لأنها مزاحمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعارج، ومشاركة للحق سبحانه في علم الغيب، نقله بعضهم عن المنن لسيدي عبد الوهاب الشعراني، لكن الراجح الجواز.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"8- واللهَ أرْجُو في القَبُول نَافِعاً *** بها مُرِيْداً للثَّوَابِ طَامِعَاً\rوالله أرجو: أي لا أرجو إلا الله. والرجاء لغة: الأمل، وعرفاً: تعلق القلب بمرغوب فيه مع الأخذ بالأسباب وإلا فهو طمع، وهو مذموم، فالممدوح كرجاء الجنة مع ترك المعاصي وفعل الطاعات وقد ذكر الشيخ الخطيب في التفسير حديثاً قدسياً، وهو أن الله تعالى قال: \"مَا أَقَلَّ حَياءَ مَنْ يطمعُ في جنتي من غيرِ عملٍ، كيفَ أجودُ برحمْتي على منْ بخلِ بطاعتي\"\r-في القبول نافعاً: معنى القبول الإثابة على العمل الصحيح، والثواب مقدار من الجزاء يعلمه الله تعالى أعده لمن شاء من عباده في نظير أعمالهم الحسنة بمحض اختياره، لا بالإيجاب - كما قال الفلاسفة، وهو عندهم نشوء الثواب عن ذات الله سبحانه وتعالى قهراً كنشوء حركة الخاتم بتحريك الإصبع - ولا بالوجوب كما قال المعتزلة. وإنما قال الفلاسفة بالثواب - مع أنهم ينكرون حشر الأجساد - لإثباتهم حشر الأرواح وأنها تثاب باللذات المعنوية.\r-بها مريداً للثواب طامعاً: في كلامه هنا إشارة إلى أن العمل لله سبحانه وتعالى مع إرادة الثواب جائز، وإن كان غيره أكمل، فإن درجات الإخلاص ثلاث، عليا: وهي أن يعمل العبد لله وحده امتثالاً للأمر وقياماً بحق العبودية، ووسطى: وهي أن يعمل طالباً للثواب وهارباً من العقاب، ودنيا: وهي أن يعمل لإكرام الله له في الدنيا والسلامة من آفاتها، وما عدا هذه الثلاثة رياء، وإن تفاوتت أفراده، ذكره شيخ الإسلام في شرح الرسالة القشيرية * والمعنى لا أرجو في حصول القبول مني للأرجوزة إلا الله تعالى كونه سبحانه نافعاً بها للمريد، وإني أرجو الله في القبول حال كوني طامعاً في الثواب في الآخرة.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"9 - فَكُلُّ مَنْ كُلِّفَ شَرْعاً وَجَبَا *** عَلَيْه أَنْ يَعْرِفَ مَا قَدْ وَجبَا\rفكل من كلف شرعاً: أي وجوب معرفة الله تعالى إنما هو بلسان الشرع، وليس بلسان العقل كما ذهب المعتزلة. فكل فرد من المكلفين من الإنس والجن يجب عليه أن يعرف ما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل، وكذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام، ذكراً كان المكلف أو أنثى ولو عامياً أو من العبيد أو النساء، أو الخدم، حتى يأجوج ومأجوج، دون الملائكة -على القول بتكليفهم- لأن الخلاف في تكليفهم إنما هو في غير معرفة الله تعالى أما هي فجبلية لهم، فليس فيهم من يجهل صفاته سبحانه كما في الجن، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ}.\r-والتكليف إما إلزام ما فيه كلفه، وهو الراجح، فيقتصر على الوجوب والحرمة، أو هو طلب ما فيه كلفة، فيشمل الندب والكراهة مع الوجوب والحزمة.\r-وشروط التكليف، البلوغ، والعقل، وبلوغ الدعوة، وسلامة الحواس، هذا في الإنس، أما الجن فهم مكلفون من أصل الخلقة، فلا يتوقف تكليفهم على البلوغ.\r-والصبي ليس بمكلف، فمن مات قبل البلوغ فهو ناج، ولو من أولاد الكفار، ولا يعاقب على كفر غيره، خلافاً للحنفية حيث قالوا بتكليف الصبي العاقل بالإيمان لوجود العقل وهو كاف عندهم، فإن اعتقد الإيمان أو الكفر فأمره ظاهر، وإن لم يعتقد واحداً منهما كان من أهل النار لوجوب الإيمان عليه بمجرد العقل.\r-والمجنون ليس بمكلف، لكن محل ذلك إن بلغ مجنوناً واستمر على ذلك حتى مات، بخلاف ما لو بلغ عاقلاً ثم جن وكان غير مؤمن، ومات كذلك. فهو غير ناج.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"-والذي لم تبلغه الدعوة ليس بمكلف، وذلك بأن نشأ في شاهق جبل، على الأصح خلافاً لمن قال (بأنه مكلف) لوجود العقل الكافي لوجوب المعرفة عندهم، وإن لم تبلغه الدعوة * وعلى اشتراط بلوغ الدعوة فهل يكفي بلوغ دعوة أي نبي - لو سيدنا آدم؟ لأن التوحيد ليس أمراً خاصاً بهذه الأمة - أو لا بد من بلوغ دعوة الرسول الذي أرسل إليه؟ والتحقيق كما نقله العلامة الملوي عن الأبي في شرح مسلم خلافاً للنووي \"أنه لا بد من دعوة الرسول الذي أرسل إليه\".\r-فالمذهب الحق أن أهل الفترة (وهم من كان في أزمنة الرسل، أو في زمن الرسول الذي لم يرسل إليهم) ناجون، وإن بدلوا وغيروا أو عبدوا الأصنام.\r-فإن قيل \"كيف هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن جماعة من أهل الفترة في النار، كامرئ القيس وحاتم الطائي، وبعض آباء الصحابة؟ فإن بعض الصحابة سأله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال: \"أيْنَ أبيْ؟ فقال: في النَّارِ\" أجيب: بأن أحاديثهم أحاديث آحاد، وهي لا تعارض القطعية، وهو قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وبأنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر يختص به، يعلمه الله تعالى ورسوله.\r-وغير سليم الحواس ليس بمكلف، ولهذا قال بعض أئمة الشافعية: \"لو خلق الله إنساناً أعمى أصم لسقط عنه وجوب النظر والتكليف\"، وهو صحيح كما في شرح المصنف.\r-فائدة: إذا علمت أن أهل الفترة ناجون على الراجح علمت أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان لكونهما من أهل الفترة، بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر، ولا رجس ولا عيب، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية، بأدلة نقلية كقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}.\rوقوله صلى الله عليه وسلم: \"لم أزل أنتقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات\".","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر، وأما ما نقل عن أبي حنيفة في الفقه الأكبر من أن والدي المصطفى ماتا على الكفر فمدسوس عليه، وحاشاه أن يقول ذلك. وغلط ملا علي القاري -غفر الله له- في كلمة شنيعة قالها. فالحق الذي نلقى الله عليه أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان. على أنه قيل: إن الله تعالى أحياهما حتى آمنا به ثم أماتهما لحديث ورد في ذلك، وهو ما روي عن عروة عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي له أبويه فأحياهما، فآمنا به، ثم أماتهما) قال السهيلي: والله قادر على كل شيء، وله أن يخص نبيه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته. وقد أنشد بعضهم فقال:\rفأحيا أمه وكذا أباه *** لإيمان به فضلاً منيفاً\rفسلم فالقديم بذا قدير *** وإن كان الحديث به ضعيفاً\r-شرعاً، وجب عليه أن يعرف: المقصّود أن المعرفة وجبت بالشرع، لا بالعقل، وهذا مذهب الأشاعرة وجمع من غيرهم، فمعرفة الله وجبت عندهم بالشرع، وكذلك سائر الأحكام إذ لا حكم قبل الشرع لا أصلياً ولا فرعياً.\r\r10 - لِلهِ والجائِزَ والمُمتنِعَا *** ومَثلِ ذا لِرُسْلهِ فاستمِعا\rوذهبت المعتزلة إلى أن الأحكام كلها ثبتت بالعقل، ولذلك قال في جمع الجوامع: وحكمت المعتزلة العقل، وإن لم يرد الشرع. ويقولون: إن الشرع جاء مقوياً ومؤكداً للعقل، فلا ينفون الشرع أصلاً، وإلا كفروا قطعاً ويبنون كلامهم على التحسين والتقبيح العقليين، فالحسن عندهم ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، فإذا أدرك أن هذا الفعل حسن بحيث يذم على تركه ويمدح على فعله حكم بوجوبه، وهكذا. وأما عند أهل السنة فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"-ومذهب الماتريدية أن وجوب المعرفة بالعقل، بمعنى أنه لو لم يرد به الشرع لأدركه العقل استقلالاً لوضوحه لا بناء على التحسين العقلي كما قالت المعتزلة.\r-والحق أن العقل لا يستقل بشيء أصلاً. فتلخص أن المذاهب ثلاثة أولاً: مذهب الأشاعرة \"وهو أن الأحكام كلها ثبتت بالشرع، لكن بشرط العقل\" ثانياً: مذهب الماتريدية \"وهو أن وجوب المعرفة ثبت بالعقل دون سائر الأحكام\" ثالثاً: مذهب المعتزلة \"وهو أن الأحكام كلها ثبتت بالعقل\".\r-والمعرفة والعلم مترادفان على معنى واحد على التحقيق، وهذا المعنى الواحد \"هو الجزم القاطع المطابق للواقع عن دليل ولو جملياً * فالظن والشك والوهم ليسوا بمعرفة وكذلك الجزم غير المطابق للواقع كجزم النصارى بالتثليث، وكذلك التقليد * فيتحصل أن الظان والشاك والمتوهم والجازم جزماً غير مطابق للواقع كل منهم كافر اتفاقاً، وأما المتصف بالتقليد فسيأتي ذكر الخلاف فيه.\r-ما قد وجبا لله: أي يجب على المكلف وجوباً شرعياً أن يعرف جميع ما وجب لله، لكن ما قامت الأدلة العقلية أو النقلية عليه تفصيلاً، - وهو العشرون صفة الآتية - يجب على المكلف أن يعرفه تفصيلاً وما قامت عليه الأدلة إجمالاً وهو سائر الكمالات، يجب على المكلف أن يعرفه إجمالاً، وكذا يقال في المستحيل * ودليل ما يجب لله عقلي غالباً، لأن الصفات على ثلاثة أقسام، الأول: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل العقلي، وهو ما توقفت عليه المعجزة من الصفات، كوجوده تعالى وقدمه وبقائه وقيامه بنفسه ومخالفته للحوادث وقدرته وإرادته وعلمه وحياته \"بمعنى أن المعجزة - وهي الأكوان - لا توجد إلا ممن اتصف بتلك الصفات\" والثاني: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل السمعي، وهو كل ما لا تتوقف المعجزة عليه من الصفات، كالسمع والبصر والكلام. والثالث: اختلف فيهن وهو الوحدانية، والأصح أن دليلها عقلي.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"-وأعلم أن الأحكام المطلقة: إما شرعية أو عقلية أو عادية. والحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو الإباحة أو الوضع لهما. والطلب أربعة أقسام: طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو غير جازم. والوضع: هو جعل الشيء شرطاً (كالطهارة للصلاة) أو سبباً (كدخول الوقت) أو مانعاً (كالحيض) أو صحيحاً (ككونه موافقاً للشرع باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع) أو فاسداً (ككونه غير موافق للشرع).\r-وأما الحكم العادي فهو: إثبات الربط بين أمر وأمر وجوداً أو عدماً بواسطة تكرر القران بينهما على الحس وعدم تأثير أحدهما في الآخر ألبته. مثال ذلك: الحكم على النار بأنها محرقة، فهذا حكم عادي، إذ معناه أن الإحراق يقترن بمس النار في كثير من الأجسام لمشاهدة تكرر ذلك على الحس. وليس معنى هذا الحكم أن النار هي التي أثرت في الإحراق، أو في تسخين ما مسته - مثلاً - إذ هذا المعنى لا دلالة للعادة عليه أصلاً، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الاقتران فقط بين الأمرين. أما تعيين فاعل ذلك فليس للعادة فيه مدخل، ولا منها يتلقى علم ذلك. وقس على هذا سائر الأحكام العادية ككون الطعام مشبعاً، والشمس مضيئة، والسكين قاطعة، ونحو ذلك مما لا ينحصر. وإنما يتلقى العلم بفاعل هذه الآثار المقارنة لهذه الأشياء من دليلي العقل والنقل * وقد أطبق العقل والشرع على انفراد المولى جل وعز باختراع جميع الكائنات عموماً فأهل السنة يقولون: ثبوت الإحراق للنار من حيث إنها سبب عادي يخلق الله عنده الإحراق. وغيرهم يقولون: ثبوت الإحراق للنار من حيث إنها مؤثرة بقوة مودعة فيها.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"-والحق أن قدرة الله تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات إيجاداً وإعداماً وإمداداً، فقصرها على بعضها دون الآخر مع استوائها في الافتقار، لا برهان عليه إلا إتباع الهوى وظلمة الحجاب وقد قال الله تعالى: {كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ}. وقال أيضاً: {وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً} وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ} وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: \"اللهم بك أصول وبك أجول\". وقال: \"لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة\".\rوقد قال سيدنا العارف بن عطاء الله مستمداً من أنوار ما تقدم: \"نعمتان ما خرج عنهما موجود نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد\" وإنما سمي الحكم العادي عادياً لأن العادة هي المرتكز في إطلاقه. والتكرار يتحقق بمرتين، كما إذا قيل: لحم الضأن يذكي الفهم، وتكرر هذا مرتين، فإنه حكم عادي * أما إن حكم به العقل فإنه يدعى حكماً عقلياً، وهو: إثبات أمر لأمر (كإثبات القدم لله تعالى) أو نفيه عنه (كنفي القدم عن الخلق) من غير توقف على تكرار أو وضع واضع.\r-وينقسم الحكم العقلي إلى ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل أي إن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه واحد من هذه الثلاثة.\r-فالواجب: هو كل أمر - من ذات أو صفة أو نسبة - ثابت لا يقبل الانتفاء في ذاته، وهو قسمان ضروري، كالتحيز للجرم، فإنه ما دام الجرم موجوداً يجب أن يأخذ قسطاً من الفراغ، فهو واجب مقيد بدوام الجرم، ونظري كصفاته تعالى.\r-والمستحيل: هو كل أمر - من ذات أو صفة أو نسبة - لا يقبل الثبوت في ذاته. وهو قسمان: ضروري كخلو الجرم عن الحركة والسكون معاً، ونظري كالشريك له تعالى.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"-والجائز: هو كل أمر قابل في حد ذاته للانتفاء والثبوت، وهما قسمان: ضروري كحركة الجرم أو سكونه، ونظري كتعذيب المطيع - ولو معصوماً - لكن لا ينبغي التشدق به في حق الأنبياء بل بقدر ضرورة التعليم، وكإثابة العاصي - ولو كافراً - لأن الكلام في الإمكان العقلي، فلا ينافي أن ذلك ممتنع شرعاً.\r-الضروري هو البديهي، وهو ما يدركه العقل بلا تأمل (كاستحالة صنعة بلا صانع). والنظري هو ما يدركه العقل بعد التأمل (كحدوث الكون).\r-ملاحظة: ينبغي الاعتناء بهذه الأحكام: لأن إمام الحرمين قال: إن معرفتها هي العقل، بناء على أن العلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، أي تصور مفهوماتها، بأن يتصور أن الواجب ما لا يقبل العدم، والمستحيل ما لا يقبل الوجود، والجائز ما يصح وجوده وعدمه.\r-ومثل ذا لرسله: أشار المصنف بلفظ (مثل) إلى أن الواجب والجائز والمستحيل في حقهم - عليهم الصلاة والسلام - ليس هو عين الواجب والجائز والمستحيل في حقه تعالى فالمواد المثلية في مطلق واجب وجائز ومستحيل. وإنما خص الرسل لأن بعض ما يأتي - كالتبليغ - خاص بهم، دون الأنبياء.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"11 - إذْ كُلُّ مَنْ قَلَّدَ بالتَّوِحيْدِ *** إيمَانُهُ لمْ يَخْلُ مِنْ تَرْدِيْدِ\rإذ كل من قلد: هذا تعليل لوجوب المعرفة السابقة (باعتبار أن وجوبها يتضمن وجوب أمور ثلاثة هي: الجزم، وكونه مطابقاً للواقع، وكونه ناشئاً عن الدليل.\r-والتقليد: هو أن يأخذ المكلف بقول غيره من غير أن يعرف دليله، والمراد بالأخذ اعتقاد مضمون المأخوذ، ويشمل القول والفعل التقرير وكل ذلك من غير أن يعرف دليله. فخرج التلامذة بعد أن يرشدهم الأشياخ للأدلة، فهم عارفون لا مقلدون.وضرب لهم الشيخ السنوسي مثلاً للفرق بينهم وبين المقلدين (بجماعة نظروا للهلال، فسبق أحدهم لرؤيته فأخبرهم به، فإن صدقوه من غير معاينة كانوا مقلدين وإن أرشدهم بالعلامة حتى عاينوه لم يكونوا مقلدين).\r-بالتوحيد: أي في علم العقائد، ولو تعلقت بالرسل. فليس المراد بالتوحيد إثبات الوحدة بخصوصه.\r-إيمانه لم يخل من ترديد: المراد بإيمانه جزمه بأحكام التوحيد من غير دليل، وليس المراد به المعرفة، إذ لا معرفة عند المقلد والأولى أن المراد بإيمان المقلد تصديقه التابع للجزم، لا نفس الجزم، والمراد من الترديد، التردد والتحير.\r-واستشكل بأن العبارة تقتضي أن الجزم بجامع التردد مع أنه متى كان جازماً لا يكون متردداً أصلاً، فكيف يقول: إيمانه لم يخل من ترديد؟ وأجيب بأن المراد أن إيمانه لم يخل عن قبول الترديد، لا أن الترديد ممتزج بإيمانه، ولا يرد أن العارف لا يخلو أيضاً عن قبول الترديد لجواز أن تطمس عين معرفته (والعياذ بالله تعالى) لأن المراد بالقبول: القبول القريب من الفعل عادة، ولا يضر غيره.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"12 - فَفِيْهِ بَعْضُ القَوْم يَحْكي الخُلْفا *** وبَعْضُهُمْ حَقَق فِيْهِ الكَشْفَا\rففيه بعض القوم: أي فبسبب تحيره وتردده اختلف العلماء في إيمانه صحة وفساداً، وحاصل الخلاف فيه أقوال منها:\r1- عدم صحة إيمان المقلد، فيكون المقلد كافراً، وعليه السنوسي.\r2- الاكتفاء بالتقليد مع العصيان - إن كان فيه أهلية للنظر - وإلا فلا عصيان.\r3- إن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لإتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم.\r4- الاكتفاء به من غير عصيان مطلقاً، لأن النظر شرط كمال، فمن كان فيه أهلية النظر ولم ينظر، فقد ترك الأولى.\r-والقول الحق الذي عليه المعول من هذه الأقوال هو الثاني. والصواب أن هذا الخلاف جار في النظر الموصل لمعرفة الله تعالى دون غيره كالنظر الموصل لمعرفة الرسل.\r-وحكى الآمدي اتفاق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه لا يعرف القول بعدم صحة إيمانه إلا لأبي هاشم الجبائي من المعتزلة. وذكر ابن حجر عن بضعهم: أنه أنكر وجوب المعرفة أصلاً، وقال بأنها حاصلة بأصل الفطرة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}\rوبقوله صلى الله عليه وسلم: \"كل مولود يولد على الفطرة\".\rولذلك قال أبو منصور الماتريدي: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بربهم وأنهم حشو الجنة كما جاءت به الأخبار، وانعقد به الإجماع فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه، وحدوث ما سواه وإن عجزوا عن التعبير عنه باصطلاح المتكلمين، والله أعلم.\r-وبعضهم حقق فيه: وبعض القوم - كالتاج السبكي - حقق في إيمان المقلد البيان عن حاله بما يصير به الخلاف في الاكتفاء بالتقليد وعدم الاكتفاء به لفظياً، وحقق: أي ذكر الفصل في المسألة على الوجه الحق والكشف هو البيان.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"13 - فَقَالَ إنْ يَجْزِمْ بقَوْلِ الغَيرِ *** كَفَى وَإلاَّ لَمْ يَزَلْ في الضيَّرِ\rفقال إن يجزم: أي فقال من حقق الكشف في الخلاف: إن يجزم المقلِّد بصحة قول المقلِّد جزماً قوياً، بحيث لو رجع المتبوع لم يرجع التابع، كفاه في الإيمان.\r-وعلى هذا يحمل القول بكفاية التقليد، فكيفيه ذلك في الأحكام الدنيوية فيناكح ويؤم وتؤكل ذبيحته ويرثه المسلمون ويرثهم، ويسهم له، ويدفن في مقابر المسلمين. وفي الأحكام الآخروية أيضاً فلا يخلد في النار، إن دخلها، ومآله إلى النجاة والجنة، فهو مؤمن لكنه عاص بترك النظر، إن كان فيه أهلية النظر، أما إن لم يجزم المقلد بصدق قول المقلِّد جزماً قوياً قاطعاً، بأن كان جازماً، لكن لو رجع مقلِّده لرجع هو، فإنه لم يزل واقعاً في الضير، لأنه قابل للشك والتردد، وعلى هذا يُحمل القول بعدم كفاية التقليد * والخلاف إنما هو في المقلِّد الجازم، أما الشاك والظان فمتفق على عدم صحة إيمانهما، وإن كان كلام المصنف يوهم خلاف المراد. والخلاف في إيمان المقلِّد إنما هو بالنظر لأحكام الآخرة، وفيما عند الله، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فيكفي فيها الإقرار فقط، فمن أقر جرت عليه الأحكام الإسلامية ولم يُحكم عليه بالكفر إلا إن اقترن بشيء يقتضي الكفر كالسجود لصنم أو ما يدل على اعتقاده فكرة مكفرة، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة. كأن ينكر صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، أو ينكر شمول أحكام الإسلام لكافة مجالات الحياة.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"14 - واجْزِمْ بَأَنَّ أَولاً مِما يَجبْ *** مَعْرِفَةٌ وفيْهِ خُلْفٌ مُنْتَصِبْ\rواجزم: أي اعتقد اعتقاداً جازماً، والمخاطب بذلك كل مكلف، من ذكر أو أنثى حر أو عبد، جني أو أنسي. قال المصنف في شرحه: والكلام السابق من قوله (فكل من كلف) إنما أفاد أن المعرفة واجبة على المكلف، وهذا أفاد أنها أول واجب. ثم إن هذه المسألة ليست من أركان الدين المعتقدة، كيف والأصح كفاية التقليد!\r-بأن أولاً مما يجب معرفة: أي الأصل أن أول شيء مما يجب معرفته معرفة الله، والمراد معرفة صفاته وسائر أحكام الألوهية لا معرفة ذاته وكنه حقيقته، إذ لا يعرف ذاته وكنه حقيقته إلا هو، وفي الحديث:\r\"تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة\".\rوفي الحديث أيضاً: \"أن الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار\".\rوبالجملة لا يعرف الله إلا الله، والعجز عن درك الإدراك إدراك، والبحث في ذات الله إشراك.\r-وفيه خلف منتصب: أي في أول ما يجب معرفته خلاف قائم بين الأئمة، سنيين وغيرهم. وجعل الناظم الخلاف في الأولية لا في الوجوب. لأنه لم يقع خلاف بين المسلمين في وجوب المعرفة، ووجوب النظر الموصل إليها، كذا قال الشارح.\r-وأهم الأقوال في أول الواجبات:\rأولاً - ما قاله الأشعري إمام هذا الفن أنه: المعرفة.\rثانياً - ما قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني أنه: النظر الموصل للمعرفة، ويعزى للأشعري أيضاً.\rثالثاً - ما قاله القاضي الباقلاني أنه: أول النظر، أي المقدمة الأولى منه، نحو قولك: العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، فمجموع المقدمتين هو النظر، والمقدمة الأولى هي أول النظر.\rرابعاً - ما قاله إمام الحرمين أنه: القصد إلى النظر أي تفريغ القلب عن الشواغل، وعزي للقاضي أيضاً.\rخامساً - ما قاله بعضهم أنه: التقليد.\rسادساً: أنه: النطق بالشهادتين.\r-والأصح أن أول واجب - غاية - المعرفة. وأول واجب - وسيلة قريبة - النظر، وأول واجب - وسيلة بعيدة - القصد إلى النظر. وبهذا يجمع بين الأقوال الثلاثة.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"15 - فأنْظُرْ إلى نَفْسِكَ ثُمَّ انْتَقِلِ *** لِلعَالَمِ العُلْوِيِّ ثمَّ السُّفْلِي\rفانظر: أي إذا أردت المعرفة فانظر إلى نفسك، لأن النظر وسيلة لها، والمأمور به كل مكلف، وأمره بالنظر إلى نفسه - ابتداءً - لأنها أقرب الأشياء إليه. ثم أمره بالنظر إلى العالم العلوي لكونه أعظم وأبدع، ثم إلى العالم السفلي. على أن صحة النظر لا تتوقف على هذا الترتيب.\r-والنظر - لغةً - هو إدراك الشيء بحاسة البصر أو الفكر، أما هنا فالمراد به الإدراك بالفكر. وأما عرفاً فهو ترتيب أمرين معلومين (مقدمة كبرى - ومقدمة صغرى) ليتوصل بترتيبهما إلى علم مجهول (نتيجة)، كالترتيب بقولنا: العالم متغير، وكل متغير حادث، فإنه موصل إلى العلم بحدوث العالم. والعلم بحدوث العالم مجهول قبل هذا الترتيب.\r-إلى نفسك: أي فانظر في أحوالها، وعلى سبيل المثال: أنت تأكل الطعام، وهو يتركب من عدة عناصر نباتية أو حيوانية، يقسمها العلماء إلى مواد زلالية، أو نشوية، أو دهنية - مثلاً - فنرى أن اللعاب يهضم بعض المواد النشوية، ويذيب المواد السكرية، ونحوها مما يقبل الذوبان. ونرى أن عصارة المعدة تهضم المواد الزلالية كاللحم وغيره. والصفراء تساعد على هضم الدهنيات وتجزئها إلى أجزاء دقيقة يمكن امتصاصها. ثم يأتي البنكرياس بعد ذلك، فيفرز أربع عصارات، تتولى كل واحدة منها إتمام الهضم في عنصر من العناصر الثلاثة النشوية، أو الزلالية، أو الدهنية، والرابعة تحول اللبن إلى جبن. فتأمل هذا الارتباط العجيب بين عناصر الجسم، وقف خاشعاً أمام أنوار قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"-فالمراد إذاً بأحوال النفس ما اشتملت عليه من سمع وبصر ونطق وطول وعرض وعمق، وما يعتورها من رضا وغضب، ولذة وألم وغير ذلك مما لا يحصى * وكل هذه الأحوال متغيرة من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، فهي إذاً حادثة، وهي قائمة بالذات ملازمة لها. وملازم الحادث حادث مثله. وذلك دليل الافتقار إلى صانع قدير مريد عليم حي واجب الوجود. فتستدل بهذا النظر في أحوال النفس على وجوب وجود صانعك وصفاته * قال الله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}\rأي فيها آيات ودلائل لا ينبغي ترك النظر فيها. وقد ورد \"مَن عرف نفسه عرف ربه\" أي من عرف نفسه بالحدوث والفقر عرف ربه بالقدم والغنى، وهذا هو الأظهر في معنى الحديث، وقيل هو إشارة إلى التعجيز، أي أنت لا تعرف نفسك على حقيقتها فلا تطمع في معرفة كنه ربك، ذكره الشريف المقدسي في مفاتيح الكنوز وحل الرموز.\r-ثم انتقل للعالم العلوي: أي بعد ما نظرت في أحوال نفسك انتقل للنظر في أحوال العالم المنسوب إلى جهة العلو، والمراد به ما ارتفع من الفلكيات من سموات، وكواكب وغيرها. وقد قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"-ثم السفلي: أي ثم انتقل للنظر إلى العالم السفلي، والمراد به كل ما نزل من الفلكيات كالهواء والسحاب والأرض وما فيها، كالمعادن والبحار والنبات وغير ذلك، فتستدل بذلك على وجوب وجود الصانع وصفاته * وخذ مثلاً زهرة وتأملها، ترى أن لها أوراقاً جميلة جذابة، ملونة بألوان بهيجة. فإن سألت علماء النبات عن الحكمة في هذه الألوان أجابوك: بأن هذا إغراء للنحل وأشباهه من المخلوقات التي تمتص رحيق الأزهار، إغراء لها لتسقط على الزهرة، حتى إذا ما لامست مآبرها علقت حبوب اللقاح بأرجلها، وانتقلت بذلك من الزهرة الذكر إلى الزهرة الأنثى، فيتم التلقيح، فتكون هذه الأوراق الجميلة حلقة اتصال بين النبات والحيوان، (وهذا مبلغهم من العلم، وما يدرينا أن في خلقه أسراراً وأسراراً لم تبدُ لنا بعد) * ثم انظر إلى الهواء، وهو - على ما تعلم - مركب من عدة عناصر. ومن هذه العناصر جزءان هامان، جزء صالح لتنفس الإنسان وهو الأوكسجين، وجزء ضار به، وهو غاز الفحم. وفي الوقت الذي يطرح فيه الإنسان الجزء الضار ويستنشق الجزء النافع يكون النبات آخذاً لهذا الجزء الضار، وطارحاً لذلك الجزء النافع. فأي ترتيب هذا بين الإنسان والنبات والهواء، هذا الترتيب الذي يكون بفقده فقدان الحياة على الأرض * ثم انظر بعد هذا إلى قوله سبحانه وتعالى:\r{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"فإنك تجد كلاً منهما مشمولاً بجهات مخصوصة، وأمكنة معينة، وتجد بعضه متحركاً وبعضه ساكناً وبعضه نورانياً وبعضه ظلمانياً، وذلك دليل على الحدوث، والحدوث دليل على الافتقار لصانع حكيم متصف بالصفات. وحاصلة أن تقول: العالم حادث، وكل حادث لابد له من صانع حكيم متصف بالصفات، فالعالم لابد له من صانع. والعالم اسم لما سوى الله تعالى وصفاته من الموجودات.\r-بيد أن النظرة في الأكوان تختلف باختلاف صفاء البصيرة وحدتها، وقد قال سيدي ابن عطاء الله مشيراً إلى هذا الاختلاف: \"الفكرة فكرتان، فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار. والثانية لأرباب الشهود والاستبصار، وأنعم بالإسلام داعياً إلى الفكرة المبصرة التي تقدح في القلوب ضياء المعرفة الواعية، فهو لا يريد للمسلمين أن يغرقوا في لجج التقليد الأعمى، وكل شيء حولهم ينطق بالوحدانية ويدل على الله تعالى، ولقد قال ابن عطاء الله مبيناً قيمة الفكرة وأهميتها: الفكرة سراج القلوب، فإذا انطفأت فلا إضاءة له.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"16 - تَجِدْ بِهِ صُنْعَاً بدِيْعَ الحِكَمِ *** لَكِنْ بهِ قَامَ دَلِيْلُ العَدَمِ\rتجد به صنعاً: أي إن تنظر في أحوال ما ذكر تعلم فيه صنعة باهرة، وهي كناية عن الأعراض المخلوقة، من نقوش متقنة، وألوان مستحسنة، إلى ما لا يحصى من الصفات، ولا يحيط به إلا خالق الأرض والسماوات، وكل هذا دال على علم صانعه وقدرته وإرادته وحياته لأن ذلك لا يكون إلا ممن اتصف بما ذكر.\r-بديع الحكم، البديع هو المخترع لا على مثال سبق والحكم بمعنى الأحكام والاتقان.\r-لكن به قام دليل العدم: لكن هنا لمجرد التأكيد، والمراد بدليل العدم دليل جواز العدم، الذي هو عبارة عن ملازمة الأعراض الحادثة للعالم بمعنى الأجرام.\r\r17 - وكُلُّ ما جَازَ عَلَيْهِ العَدَمُ *** عَلَيهِ قَطْعَاً يَسْتَحِيْلُ القِدَمُ\rوكل ما جاز عليه العدم: وكل شيء جاز عليه الفناء عليه قطعاً يستحيل القدم، هذا قياس مطوي، وفي نشره تقول: هكذا: العالم من عرشه إلى فرشه جائز عليه القدم. وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم، فينتج أن العالم من عرشه إلى فرشه استحال عليه القدم، فيثبت حدوثه، وإذا ثبت حدوثه فلابد له من محدث وهو المطلوب. لأن أصل الكلام في النظر الموصل لمعرفة الله تعالى. وقد طوى المصنف بعض المقدمات وذكر بعضها، وحاصلها أن تقول الأعراض شوهد تغيرها من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود، وكل ما كان كذلك فهو حادث، ينتج أن الأعراض حادثة.\r-ثم يقال: العالم بمعنى الأجرام ملازم للأعراض الحادثة وكل ما كان كذلك فهو جائز العدم، ينتج العالم يجوز عليه العدم.\r-ثم يقال هكذا: العالم يجوز عليه العدم وكل ما كان كذلك استحال قدمه، وثبت حدوثه ينتج أن العالم استحال قدمه وثبت حدوثه.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"-ثم يقال هكذا: العالم استحال قدمه وثبت حدوثه، وكل ما كان كذلك فلابد له من محدث ينتج أن العالم لابد له من محدث، وهذا هو المقصود بالنظر. والمصنف بين أن دليل العدم قام بالعوالم مع أن الحدوث هو الذي قام بالأعراض، ولملازمة الأعراض للجواهر حكمنا على الجواهر بالحدوث أيضاً.\r-لقد أضحى للأعراض من الدلالة وجهان، الأول باعتبار حدوثها فإنها دالة على حدوث الأجرام، والثاني باعتبار اتقانها اتقاناً بديعاً فإنها دالة على كمال الصانع وعموم علمه وإرادته وقدرته.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"18 - وفُسِّرَ الإيمانُ بالتصدَّيقِ *** والنُطقُ فيهِ الخلفُ بالتحقيقِ\rوفسر الإيمان: أي وفسر جمهور الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من المعتزلة الإيمان بالتصديق المعهود شرعاً وهو، تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به وعلم من الدين بالضرورة، أي علم من أدلة الدين بشبه الضرورة، فهو نظري في الأصل إلا أنه لما اشتهر صار ملحقاً بالضروري.\r-والمراد بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: الإذعان لما جاء به، والقبول له، وليس المراد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان ولا قبول، حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا يعرفون أحقية نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، ومصداق ذلك قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}. قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيه كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ويكفي الإجمال فيما يعتبر التكليف به إجمالاً، كالإيمان بغالب الأنبياء والملائكة، ولابد من التفصيل فيما يعتبر التكليف به تفصيلاً، كالإيمان بجمع من الأنبياء والملائكة فالجمع الذين يجب معرفتهم تفصيلاً من الأنبياء خمسة وعشرون، فهؤلاء المذكورون في القرآن المتفق على نبوتهم، وأما المختلف في نبوتهم فثلاثة: ذو القرنين، والعزير، ولقمان، وأما الخضر فلم يصرح باسمه في القرآن وإن كان هو المراد في آية: {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا} وكذا يوشع بن نون فتى موسى لم يصرح باسمه في القرآن.\rومعنى كون الإيمان واجباً بهم تفصيلاً أنه لو عرض عليه. واحد منهم لم ينكر نبوته ولا رسالته، فمن أنكر نبوة واحد منهم أو رسالته كفر. لكن العامي لا يحكم عليه بالكفر إلا إن أنكر بعد تعليمه. وليس المراد أنه يجب حفظ أسمائهم، خلافاً لمن زعم ذلك.\r-والجمع الذي يجب معرفته تفصيلاً من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورضوان خازن الجنة، وأما منكر ونكير فلا يكفر منكرهما، لأنه اختلف في أصل السؤال. ويجب الإيمان بحملة العرش، والحافين به إجمالاً كسائر الملائكة * والتفصيلي أكمل من الإجمالي من حيث التفصيل وإلا فهو مثله من حيث الخروج من عهدة التكليف بكل منهما.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"-وبالجملة فالإيمان شرعاً هو التصديق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة، إجمالاً في الإجمالي وتفصيلاً في التفصيلي. وأما لغة، فهو مطلق التصديق ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي بمصدق.\r-تنبيه: إن الإيمان على خمسة أقسام:\rالأول - إيمان عن تقليد، وهو الإيمان الناشئ عن الأخذ بقول الشيخ من غير دليل.\rالثاني - إيمان عن علم، وهو الإيمان الناشئ عن معرفة العقائد بأدلتها.\rالثالث - إيمان عن عيان، وهو الإيمان الناشئ عن مراقبة القلب لله بحيث لا يغيب عن طرفة عين.\rالرابع - إيمان عن حق، وهو الإيمان الناشئ عن مشاهدة الله بالقلب.\rالخامس - إيمان عن حقيقة، وهو الإيمان الناشئ عن كونه لا يشهد إلا الله.\r-فالتقليد للعوام، والعلم لأصحاب الأدلة، والعيان لأهل المراقبة ويسمى مقام المراقبة، والحق للعارفين ويسمى مقام المشاهدة، والحقيقة للواقفين ويسمى مقام الفناء لأنهم يفنون عن غير الله، ولا يشهدون إلا إياه، وأما حقيقة الحقيقة فهي للمرسلين، وقد منعنا الله من كشفها فلا سبيل إلى بيانها.\r-- تنبيه آخر: المؤمن - إذا نام أو أغفل أو جن أو أغمي عليه أو مات - متصف جزماً بالإيمان حكماً فتجري عليه أحكام الإيمان في هذه الأحوال.\r-والنطق فيه الخلف: أي وفي النطق بالشهادتين للقادر عليه وقع الاختلاف بين العلماء، وموضوع هذا الخلاف \"كافر أصلي\" يريد الدخول في الإسلام، أما أولاد المسلمين فمؤمنون قطعاً، وتجري عليهم الأحكام الدنيوية ولو لم ينطقوا بالشهادتين طول عمرهم.\r-والأخرس لا يطالب بالنطق، لعدم تمكنه من ذلك وكذلك من اخترمته المنية قبل النطق من غير تراخ فهو مؤمن عند الله، بخلاف من تمكن وفرط.\r-ولا بد من لفظ أشهد، ثم تكريره - وإن أتى بمرادف له - لما فيه من معنى التعبد * ولا بد من التقريب بين الشهادتين، والموالاة ولا يشترط الإتيان بحرف العطف.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"-ولا بد من الاعتراف برسالته صلى الله عليه وسلم إلى غير العرب أيضاً، إذا كان يعتقد اختصاص رسالته للعرب.\r-وإذا كان كافراً باعتقاد قدم العالم - مثلاً - فلا بد من رجوعه عنه.\r-وما تقدم من الشروط المتعلقة بتحديد اللفظ بأشهد مبني على المعتقد في مذهب السادة الشافعية، لذلك لو أتى بالشهادتين بالعجمية لصح إسلامه، وإن أحسن العربية، وخالف الأبي شيخه ابن عرفه فقال \"لا يتعين القول بأشهد بل يكفي كل ما يدل على الإيمان\"، فلو قال: الله واحد ومحمد رسول لكفى، وتابعه بعض الشافعية على هذا وهما ابن حجر والنووي. قال المصنف في شرحه: القول الأول أولى بالتعويل عليه.\r--التحقيق: أي ملتبساً بالتحقيق، وهو الإثبات بالأدلة القائمة على دعوى كل من الفريقين، فيكون التقدير - وفي النطق بالشهادتين - في جهة اعتبار مدخلية النطق في الإيمان الاختلاف ملتبساً بالأدلة. وفصل الخلاف بقوله في البيت التاسع عشر.\r\r19 - فَقِيْلَ شَرطٌ كالعَمَلْ وقيْل بلْ *** شَطْرٌ والإسلامَ أَشْرِحَنَّ بالعَمَلْ\rفقيل شرط: أي خارج عن ماهيته (لأن الشرط ما قام به الشيء ولم يدخل في ماهيته) وهذا القول لمحققي الأشاعرة والماتريدية ولغيرهم.\r-وقد فهم الجمهور أن مرادهم أنه شرط لإجراء أحكام المؤمنين عليهم من التوارث والتناكح والصلاة خلفه، وعليه، والدفن في مقابر المسلمين، ومطالبته بالصلاة والزكوات، وغير ذلك لأن التصديق القلبي، وإن كان إيماناً إلا أنه باطن خفي، فلابد له من علامة ظاهرة تدل عليه لتناط به تلك الأحكام.\rفمن صدق بقلبه، ولم يقر بلسانه، من غير عذر مانع، أو إباء، بل اتفق ذلك له، فهو مؤمن عند الله، غير مؤمن في الأحكام الدنيوية.\rأما المعذور إذا قامت قرينة على إسلامه بغير النطق - كالإشارة - فهو مؤمن فيهما.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وأما الآبي - بأن طلب منه النطق بالشهادتين فأبى - فهو كافر فيهما، ولو أذعن في قلبه فلا ينفعه ذلك ولو في الآخرة.\r-ومن أقر بلسانه. ولم يصدق بقلبه - كالمنافق - فهو مؤمن في الأحكام الدنيوية، غير مؤمن عند الله تعالى، ومحل كونه مؤمناً في الأحكام الدنيوية ما لم يطلع على كفره بعلامة كسجود لصنم، أو اعتقاد لفكرة ضالة وإلا لجرت عليه أحكام الكفر.\r-وفهم الأقل أن مرادهم بالشرطية أنه شرط في صحة الإيمان، وهذا القول كالقول بالشطرية في الحكم\r-والقول بأنها شرط في إجراء أحكام المؤمنين هو الراجح، والنصوص بحسب المتبادر منها مقوية للقول بالشرطية دون الشطرية، كقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ} أي أثبته في قلوبهم، وقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: \"اللهم ثبت قلبي على دينك\"\r-كالعمل: أي النطق شرط مثل العمل، فالنطق شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، والعمل شرط كمال من المختار عند أهل السنة، فمن أتى به فقد حصل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوت على نفسه الكمال إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة.\r-وذهبت المعتزلة إلى أن العمل شطر من الإيمان لأنهم يقولون بأن الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد، فمن ترك العمل فليس هو بمؤمن لفقد جزء من الإيمان، وهو العمل، ولا هو بكافر، لوجود التصديق، فهو عندهم بين المؤمن والكافر ويخلد في النار، ويعذب بأقل من عذاب الكافر.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"-والخوارج يكفرون مرتكب الكبائر. والمختار هو القول بالشرطية في إجراء الأحكام الدنيوية، لأن الإيمان لغة - هو التصديق - فيستعمل شرعاً في تصديق خاص، ولا دليل على نقله للعمل والنطق والاعتقاد، كما زعمه المعتزلة. وكذلك قد دلت النصوص على ثبوت الإيمان قبل الأوامر والنواهي، وعلى أن الإيمان والعمل الصالح متغايران، وعلى أن الإيمان والمعاصي يجتمعان، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ} فإنه يفيد ثبوت الإيمان قبل الأمر بالصوم، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإن أصل العطف للمغايرة، وكقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} بناء على أن المراد من الظلم المعصية، فقد اقتضى بمفهومه اجتماع الإيمان مع المعاصي، وقيل: إن المراد بالظلم الشرك، لما روي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينالم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: \"ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}\". وعليه فمفهوم الآية من باب: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} فيكون المراد بالإيمان مطلق التصديق:\r-وقيل بل شطر: قال قوم محققون - كالإمام أبي حنيفة، وجماعة من الأشاعرة - ليس الإقرار بالشهادتين شرطاً، بل هو شطر. فيكون الإيمان - عند هؤلاء - اسماً لعملي القلب واللسان جميعاً وهما التصديق والإقرار.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"-واعترض بأن الإيمان يوجد في المعذور، كالأخرس، والشيء لا يوجد بدون شطره، وأجيب عن ذلك: بأنه ركن يحتمل السقوط، كما في الأخرس، أما التصديق الذي محله القلب فإنه ركن لا يحتمل السقوط، وعلى هذا القول - كما في القول بأنه شرط صحة - فمن صدق بقلبه، ولم يتفق له الإقرار في عمره، ولا مرة، مع القدرة على ذلك لا يكون مؤمناً، لا عندنا ولا عند الله تعالى. وكلا القولين ضعيف. والمعتمد أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط وإلا فهو مؤمن عند الله تعالى كما سلف وذكرناه.\r-والإسلام أشرحن بالعمل: أي أشرحنه بالعمل الصالح، أي بالامتثال والإذعان الظاهري للعمل الصالح، سواء عمل أو لم يعمل.\rفمعنى الإسلام شرعاً: الامتثال والانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة، والمراد بالامتثال الإقرار اللساني - بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم - الشامل لثبوت الوحدانية لله تعالى وثبوت الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وأما معناه - لغة - فهو مطلق الامتثال والانقياد فالنطق دليل على الإسلام والإيمان، والعمل كمال لهما، وقد ذكر الغزالي في الأحياء بحثاً عنوانه \"بحث في الإيمان والإسلام وما بينهما من الاتصال والانفصال\" فقال:.. الحق أن الإيمان - لغة - عبارة عن التصديق، وأن الإسلام عبارة عن التسليم والاستسلام بالإذعان والانقياد وترك التمرد والإباء والعناد. وللتصديق محل خاص، وهو القلب، واللسان ترجمانه، وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح، فبموجب اللغة يكون الإسلام أعم من الإيمان، ويكون الإيمان عبارة عن أشرف أجزاء الإسلام. وأما في إطلاق الشرع لهما فالحق أنهما قد وردا - أولاً - على سبيل الترادف والتوارد بأن جعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والظاهر جميعاً، فإن كل ذلك تسليم، وكذا الإيمان بعد تعميمه بإدخال الظاهر في معناه، وهو جائز لغة، لأن تسليم الظاهر في القول، والعمل ثمرة تصديق الباطن ونتيجته. ودليل هذا الاستعمال قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ} ولم يكن باتفاق إلا بيت واحد. وقال تعالى أيضاً: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"ووردا - ثانياً - على سبيل الاختلاف بأن جعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط، والإسلام عبارة عن التسليم ظاهراً، ودليل هذا الاستعمال الثاني قوله تعالى: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} ومعناه استسلمنا في الظاهر، فأراد بالإيمان - ههنا ـ: التصديق بالقلب فقط، وبالإسلام: الاستسلام ظاهراً باللسان والجوارح. ووردا - ثالثاً - على سبيل التداخل، بأن جعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعاً، والإيمان عبارة عن بعض ما دخل في الإسلام وهو التصديق بالقلب، وهو الذي عنيناه بالتداخل. ودليل هذا الاستعمال: ما رُوِي أنَّهُ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ. أيُّ الأَعمالِ أفْضَلُ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: الإِسلامُ. فقيلَ: أيُّ الإسلامِ أفضلُ؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم: الإيمانُّ.\rوهذا دليل على الاختلاف، وعلى التداخل، وهو أوفق الاستعمالات في اللغة لأن الإيمان عمل من الأعمال، وهو أفضلها، والإسلام هو تسليم، إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالجوارح، وأفضلها الذي في القلب، وهو التصديق الذي يسمى إيماناً.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"20 - مِثَالُ هذا الحجُّ والصَّلاةُ **** كذا الصيامُ فاْدرِ والزكاةُ\rمثال هذا: أي مثال العمل الحج والصلاة والصيام والزكاة. وقد ترك المصنف الركن الخامس - وهو النطق بالشهادتين لتقدم بيانه.\r-الحج والصلاة: قدم الناظم الحج - وإن كانت الصلاة أفضل منه - لضرورة النظم فإن بعضهم يكفر بتركها كسلاً بعد أمر الإمام، بل الصيام أفضل من الحج على المعتمد والحج - لغة - هو مطلق القصد، وشرعاً: قصد الكعبة للنسك المشتمل على الوقوف بعرفة. وقد اختلف في أي سنة فرض، فقيل: فرض قبل الهجرة، ونزول قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الذي كان بعدها إنما هو للتأكيد. وقيل: فرض بعدها، فقيل في السادسة، وصححه الشافعية، وقيل في التاسعة، وصححه ابن الكمال. والصلاة - لغة ـ: الدعاء مطلقاً، وقيل بخير. وشرعاَ: هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، بشرائط مخصوصة. وهي إما مأخوذة من الوصل، لأنها وصلة بين العبد وربه، أو مأخوذة من صليت العود بالنار، إذا قومته بها لأنها تقوم العبد على طاعة الله تعالى، وتنهاه عن العصيان، قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.\rوقال بعض المفسرين: الصلاة عرس الموحدين، فإنه يجمع فيها ألوان العبادة كما أن العرس يجمع فيه ألوان الطعام. وأعلم أن الصلاة فرضت قبل الهجرة بسنة. والأرجح أنه لم يفرض عليه صلى الله عليه وسلم صلاة قبلها، وقيل كان الواجب قبلها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء.\r-كذا الصيام: أي الصيام في كونه مثالاً للعمل مثل ما ذكر من الحج والصلاة. وهو - لغة - الإمساك، ولو عن نحو الكلام، ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً}. وشرعاً: الإمساك عن المفطر جميع النهار على وجه مخصوص. وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة. وهل كان قبله صوم واجب ونسخ أو لا؟ قولان، وعلى الأول فقيل: عاشوراء، وقيل ثلاثة أيام من كل شهر. وأعلم أنه صلى الله عليه وسلم صام تسع رمضانات ولم يكمل له إلا سنة واحدة على المعتمد.","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"-فادر والزكاة: أي فاعلم، والمخاطب كل من يتأتى منه الدراية والعلم. والزكاة - لغة - التطهير والمدح والنماء، وشرعاً إخراج جزء من المال على وجه مخصوص، هذا إذا كانت بمعنى الفعل - كما هنا - وإن كانت بمعنى القدر المخرج فهي اسم لمال مخصوص، يؤخذ من مال مخصوص، على وجه مخصوص، يصرف لطائفة مخصوصة، وفرضت في السنة الثانية من الهجرة، بعد زكاة الفطر.\r\r21 - وُرجِّحتْ زيَادةُ الإيمانِ **** بما تزيدُ طاعةُ الإنسانِ\rورجحت زيادة الإيمان: تقدم أن العمل من كمال الإيمان، عند أهل السنة، وهنا ذكر المصنف أن الإيمان يزيد بسبب زيادة طاعة الإنسان. ورجح جمهور الأشاعرة القول بزيادة الإيمان، إذا زادت الطاعة، وهي فعل المأمور به واجتناب المنهي عنه، كما ينقص الإيمان بسبب نقص الطاعة. وقد يزيده المولى سبحانه وتعالى بمحض اختياره من غير سبب يقتضيه.\r-والزيادة والنقصان في غير إيمان الأنبياء والملائكة. أما الأنبياء فيزيد ولا ينقص، لأن الكامل يقبل الكمال فحسب. ولا يرد أن الأنبياء يحصل لهم تجل عظيم في بعض الأحيان، كما كان في ليلة المعراج، فالإيمان بعده ليس بمنزلته قبله، لأن هذا لا يستلزم تفاوتاً في إيمانهم.\r-وإيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص كما ذكره المصنف في كبيره عن ابن القيم وهو المشهور لأن إيمانهم جبلي بأصل الطبيعة لا يتفاوت، وذكر الشيخ عبد البر الأجهوري أنه يزيد ولا ينقص، فجعله كإيمان الأنبياء.\r-فتلخص أن الأقسام الثلاثة: يزيد وينقص (وهو إيمان الأمة، إنساً وجناً) ولا يزيد ولا ينقص (وهو إيمان الملائكة على المشهور) ويزيد ولا ينقص (وهو إيمان الأنبياء) وزاد بعضهم قسماً رابعاً: وهو الذي ينقص ولا يزيد وهو إيمان الفساق.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"-وقول سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ليطمئن من قلقه لرؤية الكيفية. لأن الله سبحانه قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} أي أولم يكفك إيمانك وقوله صلى الله عليه وسلم: \"نحنُ أحقُّ بالشكِ منْ إبراهيمَ\". أي لو لحقه شك لتطرق لنا بالأولى نظراً لحال الأمة، لا لحاله صلى الله عليه وسلم، أو نظراً لحاله، ويكون منه تواضعاً.\r-وقد احتجوا على أن الإيمان يزيد وينقص بحجة عقلية ونقلية، أما العقلية فهي: أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان بالزيادة والنقص لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة وهو باطل.\r-وأما النقلية فهي النصوص الكثيرة الواردة على هذا المعنى: كقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً} وكقوله: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ} وقوله: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وكقوله عليه الصلاة والسلام لابن عمر لما سأله، الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعمْ، يَزيدُ حتَّى يُدخلَ صاحِبَه الجنةَ، ويَنقَصُ حتى يُدْخِلَ صاحِبهَ النارَ. وقوله صلى الله عليه وسلم: \"لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ هذه الأمةِ لرجحَ به\".\rوالآيات مع حديث لو وزن إيمان..، لا تدل على أن الإيمان ينقص بل ترشد إلى الزيادة فحسب، فنقول كل ما يقبل الزيادة يقبل النقص، فيتم الدليل على أنّ الإيمان يزيد وينقص غير أن إيمان الأنبياء يقبل الزيادة دون النقص لوجوب العصمة الدائمة المانعة من النقص.\r-بما تزيد طاعة الإنسان: أي ورجح جماعة من العلماء القول بقبول الإيمان الزيادة ووقوعها فيه بسبب زيادة طاعة الإنسان، وهي: فعل المأمور به، واجتناب المنهي عنه.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"22 - ونَقْصُهُ بنقصِها وَقِيْلَ: لا *** وَقِيْلَ: لا خُلْفُ كّذَا قَدْ نُقِلا\rونقصه بنقصها: أي ونقص الإيمان يحصل بنقص الطاعة فلا يرد الأنبياء والملائكة إذ لا يجوز على إيمانهم أن ينقص بنقصها إجماعاً، هذا مذهب جمهور الأشاعرة.\rقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.\r-وقيل لا قال جماعة - أعظمهم الإمام أبو حنيفة - لا يزيد ولا ينقص، لأنه اسم للتصديق البالغ نهاية الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه ما ذكر، لأن تلك النهاية لا مراتب لها. وبحث فيه. بأن التصديق مراتب، فإن تصديق المقلد ليس كتصديق العارف بالدليل، وهو ليس كتصديق المشاهد، وهو ليس كتصديق المستغرق الذي لا يشاهد إلا الله تعالى.\r-وقال الذين نفوا الزيادة: إن الآيات مصروفة إلى الزيادة بالمؤمن به، لأن الصحابة كانوا بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت الشريعة لم تتم، والأحكام تنزل شيئاً فشيئاً، فكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد، وقالوا أن الأحاديث مصروفة إلى الزيادة في الأعمال، وليست في التصديق.\r-وقيل لا خلف: قال جماعة - منهم الفخر الرازي، وإمام الحرمين - ليس الخلاف بين الفريقين حقيقياً بل لفظياً. ووجهه أن القول: بأنه يزيد وينقص محمول على ما به كماله، وهو الأعمال، والقول بأنه لا يزيد ولا ينقص محمول على التصديق الباطني وهو أصل الإيمان، فيرجع الخلاف لفظياً.\r-كذا قد نقلا: أي القول بأنه لا خلاف. والأصح أن التصديق\rالقلبي يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، وعدمها، وقد يزيد أيضاً بمحض التجلي كما سبق.\rولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه وعلى هذا يتبين أن الخلاف حقيقي.\r-والمعتقد أن الإيمان هو التصديق فقط وأن النطق شرط في إجراء الأحكام الدنيوية وأن الإيمان يزيد وينقص كما هو التحقيق، فاستفده، والله ولي التوفيق.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"23 - فَواجِبٌ لهُ الوجودُ والقِدَمُ *** كَذَا بَقَاءٌ لا يُشَابُ بالعَدَمُ\rفواجب له الوجود: تنقسم الصفات الواجبة إلى قسمين، ثبوتية وسلبية، فالثبوتية قسمان. منها ما يدل على نفس الذات، دون معنى زائدة عليها، وهي الوجود. ومنها ما يدل على معنى زائد على الذات وهي صفات المعاني والمعنوية إلا أن هذا المعنى الزائد وجودي في المعاني، وثبوتي في المعنوية، وكلاهما أربع عشرة صفة: القدرة والإرادة، والعلم والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وكونه تعالى: قديراً، مريداً، عليماً، حياً، بصيراً، سميعاً، بصيراً، متكلماً. فصفات المعاني دلت على معنى زائد على الذات، وكذلك المعنوية، إذ هي عبارة عن قيام المعاني بالذات.\r-والسلبية خمس صفات، وهي القدم، والبقاء، والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث، والوحدانية.\rوهنا شروع بما يجب لله تعالى، وأول واجب هو:\rالوجود: واعلم أن الأشاعرة يعرَّفون الوجود بأنه صفة نفسية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها. وإنما قدم الوجود على بقية الواجبات له تعالى لأنه أصل، وما عداه كالفرع، إذ الحكم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات، وجواز ما يجوز في حقه تعالى لا يتعقل إلا بعد الحكم بوجوب الوجود.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"-ومعنى كونه تعالى واجب الوجود أنه لا يجوز عليه العدم ولا يقبله لا أزلاً ولا أبداً، والدليل على ذلك أن نقول: العالم حادث، وكل حادث يجب افتقاره لمحدث، فوجب افتقار العالم إلى المحدث، وهو الله تعالى، وكل من وجب افتقار العالم إليه فهو واجب الوجود، فوجب وجود الله تعالى، ولو لم يكن واجب الوجود لكان جائزه، ولو كان جائز الوجود لما ظهرت الأكوان، كيف وقد ظهرت. لأنه لو كان جائز الوجود لاحتاج إلى محدث يحدثه كما احتاج الكون الحادث إلى محدث، ثم لاحتاج محدثه إلى محدث كذلك، لوقوع المماثلة بينهما، وهكذا، فإما أن يستمر الحال إلى ما لا نهاية وهو التسلسل أو يرجع الأمر إلى الأول، وهو الدور، وكلاهما باطل، وما أدى إليهما، وهو احتياجه سبحانه إلى محدث، باطل أيضاً، فيثبت عدم احتياجه، أي وجوب وجوده سبحانه.\r-وحقيقة الدور هي توقف الشيء على ما يتوقف عليه ذلك الشيء فإن كان التوقف بمرتبة واحدة سمي الدور المصرح، كما إذ توقف زيد على عمرو، في حال توقف عمرو على زيد، فكل واحد منهما ينتظر صاحبه أن يوجده. وإن كان بمراتب سمي الدور المضمر \"كما إذا توقف آ على ب، وتوقف ب على ج وتوقف ج على آ\" وبطلان أنه يلزم عليه كون الشيء الواحد سابقاً على نفسه مسبوقاً بهما، كما لو فرضنا أن زيداً أوجد عمراً وأن عمراً أوجد زيداً متقدماً على نفسه، متأخراً عنها، وأن يكون عمرو كذلك، وهذا يؤدي إلى اجتماع النقيضين، وهو باطل.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"-وأما حقيقة التسلسل فهو أن تفرض سلسلتين، إحداهما من الآن إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، وتبدأ الأخرى من قبل الآن - وليكن عهد الطوفان - إلى ما نهاية له في جانب الماضي، ثم تطبيق السلسلتان، إحداهما على الأخرى فلا يخلو حالهما إما أن تتساويا، وهو باطل لأنه يلزم تساوي الناقص بالزائد \"أي تساوي السلسلة الآنة بالطوفانية وإما أن تتفاوتا، وهو الصحيح، فإن مقدار التفاوت بينهما معلوم، وهو ما كان من الطوفان إلى الآن، وهو مقدار متناه، والذي يزيد بمقدار متناه يكون متناهياً أيضاً، ولابد من انتهاء الحوادث في جانب الماضي، ومعنى انتهائها أنها مسبوقة بعدم أي لم تكن ثم كانت.\r-والوجود: صفة نفسية، ونسبت للنفس بمعنى الذات لأنها لا تتحقق خارجاً بدونها.\r-والقدم: هذا شروع في الصفات السلبية، وهي التي دلت على سلب ما لا يليق به سبحانه أي تسلب من الذهن أضدادها، وهي غير منحصرة على الصحيح، وإنما عد المصنف منها خمساً لأنها من مهمات أمهاتها، ولأن الشارع الحكيم لم يكلفنا تفصيلاً إلا بها.\r-والمراد بالقدم في حقه تعالى: القدم الذاتي، وهو: عدم افتتاح الوجود، أو عدم الأولية للوجود. وأما القدم في حقنا فالمراد به الزماني، وهو طول المدة، وهذا مستحيل في حقه تعالى\rقال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فالأول: هو قبل كل شيء بلا بداية والآخر: هو بعد كل شيء بلا نهاية.","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وإن قلت: إن وجوب الوجود يستلزم القدم بل والبقاء، فذكرهما بعده محض تكرار! قلت: علماء هذا الفن لا يكتفون بدلالة الالتزام، بل يصرحون بالعقائد لشدة خطر الجهل بها * ودليل القدم: أنه لو لم يكن قديماً لكان حادثاً، ولو كان حادثاً لافتقر إلى محدث وهكذا محدثه يفتقر إلى محدث لانعقاد المماثلة بينهما، حتى ننتهي إلى الدور أو التسلسل وكلاهما باطل، ويلزم أن حدوثه باطل كذلك، وإذا ثبت بطلان الحدوث ثبت القدم، إذ لا واسطة بينهما.\r-فائدة: انشعبت الأقوال في القديم والأزلي إلى ثلاثة، الأول: أن القديم هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، والأزلي ما لا أول له، عدمياً كان أو وجودياً. فعليه الصفات السلبية لا توصف إلا بالأزلية، بخلاف الذات العلية، والصفات الثبوتية، فإنها توصف بالقدم والأزلية. الثاني: أنهما مترادفان، الثالث: أن القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده، والأزلي هو ما لا أول له، عدمياً كان أو وجودياً، قائماً بنفسه أو لا.\rفعليه الصفات مطلقاً لا توصف بالقدم لأنها غير قائمة بنفسها، وتوصف الذات العلية بكل منهما.\r-كذا بقاء: المراد بالبقاء في حقه تعالى عدم الآخرية للوجود، أو عدم اختتام الوجود. ودليله: أنه لو جاز عليه العدم لاستحال عليه القدم، إذ كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، وقد سبق دليل وجوب القدم قال تعالى: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وقال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}\r-تنبيه: عدمنا في الأزل لا أول له، وله آخر. والمخلوقات لها أول ولها آخر ما عدا نعيم الجنة وعذاب النار، فلهما أول وليس لهما آخر، فكل منهما باقي، لكن شرعاً لا عقلاً، لأن العقل يجوز عدمهما.\r-لا يشاب بالعدم: لا يلحق بقاء الله تعالى عدم، أو لا يشاب بجواز العدم، وهو معنى البطلان في قول لبيد رضي الله عنه: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"24 - وأَنهُ لمَّا ينالُ العَدمُ *** مخالفٌ بُرهانُ هَذا القِدَمُ\rوأنه لما ينال العدم مخالف: أي وواجب له تعالى أنه مخالف للحوادث التي يلحقها العدم. والمخالفة للحوادث عبارة عن سلب الجرمية ولازمها (التحيز) والعرضية ولازمها (القيام بالغير) والكلية ولازمها (الكبر) والجزئية ولازمها (الصغر) إلى غير ذلك من سمات الحوادث، كالفوقية والتحتية. فهو سبحانه ليس بجسم، لأن كل جسم مؤلف من جواهر، وكل جوهر متحيز لا يخلو عن أن يكون ساكناً في متحيزه أو متحركاً وكلا الحركة والسكون حادثان، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، إذاً فالجواهر حادثة وبالتالي يثبت حدوث الأجسام.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"-وهو سبحانه وتعالى ليس بعرض، لأن العرض لا يقوم بنفسه، بل لابد له من جسم يقوم به. وقد ثبت حدوث الأجسام فيثبت بالتالي حدوث الأعراض. ولأن الله سبحانه متصف بصفات المعاني (وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام) ولا تعقل هذه إلا لموجود قائم بنفسه، مستقل بذاته، ولهذا قال: برهان هذا القدم: أي دليل مخالفته سبحانه للحوادث وهو دليل القدم. وذلك بأنه لو لم يكن مخالفاً لها لكان مماثلاً، ولو كان مماثلاً لها لكان حادثاً، كيف وقد سبق ثبوت قدمه سبحانه، وقد قال الله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي لم يكن له أحد مكافئاً. وقال أيضاً: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} والفاطر هو الخالق على غير مثال سبق. وإذا ما ألقى الشيطان في الذهن أنه إذا لم يكن المولى جرماً ولا عرضاً، ولا كلاً، ولا جزءاً، فما حقيقته؟ فقل في رد ذلك: لا يعلم الله إلا الله، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بيد أنه قد ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قوماً تفكروا في الله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"تَفكَّروا في خلقِ اللهِ، ولا تَتَفكروا في الله فإنكم لن تَقدِروا قدْرَهُ\". وورد أيضاً \"أن الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار، وأن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه\" وسئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه هل يتأتى لبشر أن يدرك الله؟ فقال: العجز عن الإدراك إدراك وسئل سيدنا علي كرم الله وجهه: بم عرفت ربك؟ قال عرفته بما عرفني به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالقياس، ولا يشبه بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كل شيء، ولا يقال تحته شيء، وأمام كل شيء ولا يقال أمامه شيء. وقال الجنيد رضي الله عنه: لا يعرف الله إلا الله.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"بيد أن هذه النصوص وأمثالها إنما تنفي معرفة الله تعالى من حيث كنه ذاته وكنه صفاته، وأما معرفة الله تعالى من حيث وحدة ذاته أو وحدة صفاته أو وحدة أفعاله فهي واجبة على كل مكلف بل هي أول الواجبات عليه، ويليها معرفة أحكام العبادات والمعاملات، وتزكية النفس وتخليصها من آفاتها وأخلاقها المذمومة.\rوقد ذكر النسفي والخازن في تفسيريهما أن ابن عباس رضي الله عنهما قال في معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} أي وحدوا ربكم، وقال: كل ما ورد في القرآن من العبادة معناه التوحيد. وذكر النسفي في معنى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أن معناه إلا ليعرفوني، ثم قال: وهذا حسن، لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده. ونقل القرطبي عن مجاهد أن معنى قوله تعالى {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. إلا ليعرفوني. وها هو العلامة أحمد الصاوي يشرح هذه المعرفة المطلوبة بقوله: معرفة العبد ربه نور يقذفه في قلبه، فيدرك بذلك أسرار ملكه، ويشاهد به ملكوته ويلاحظ صفاته، وهذا معنى قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي منورهما ومنور قلوب المؤمنين فيهما. وقد عبر الصوفية رضي الله عنهم عن معرفة الله سبحانه بالوصول إليه وقال ابن عطاء الله: \"وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، إذ جل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء\". وقال النوري: الاتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار في مقام الذهول. وقال الإمام الغزالي: اعلم أن الاتصال والمواصلة - فيما أشار إليه الشيوخ - لكل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجد، وهو رتبة في الوصول، ثم يتفاوتون، فمنهم من يجد الله بطريق الأفعال، وهو رتبة في التجلي، فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع الله تعالى. ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال والجمال وهو تجل بطريق الصفات، وهو رتبة في الوصول، ومنهم من يرقى","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"إلى مقام الفناء مستملياً على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة، مغيباً في شهوده عن وجوده، وهذا ضرب من تجلي الذات لخواص المقربين، وهذه رتبة في الوصول وفوق هذا حق اليقين، ويكون من ذلك في الدنيا للخواص لَمُحٌ، وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى به روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه، وهذا من أعلى رتب الوصول. وقد بين معنى القرب من الله تعالى فقال \"وحقيقة الأنس: استبشار القلب وفرحه لما انكشف له من قرب الله تعالى وجماله وكماله\" وقال بعضهم: حقيقة القرب فقد حس الأشياء من القلب، وهدوء الضمير إلى الله تعالى قلت: وهذا هو الوسيلة لنيل القرب، لا نفس القرب، لأن هذا هو طهور القلب عما سوى الله تعالى، وإذا تطهر القلب عما سوى الله تعالى كان حاضراً معه، لأنه ليس بين العبد وبين الله إلا حجاب نفسه وعوارضها، فإذا فني عنها وعن عوارضها، وعلم قيام العالم كله بقدرة الله تعالى عرف قرب الله تعالى منه، وجملة ذلك أن كل ذرة من بدء العالم وبدء الإنسان قد تعلق علم الله تعالى بها كشفاً، وإرادته تخصيصاً، وقدرته إيجاداً وإبقاء، والصفات لا تفارق الموصوف بل صفاته قائمة بالموصوف، فإذا نطق العارف فلا ينطق بنفسه، وإذا سمع فلا يسمع بنفسه، وهكذا ورد في الحديث: (كنتُ سَمْعهُ الَّذي يَسمع بهِ وبصرهُ الذيْ يُبصِرُ به.. الحديث)\rفالعارفون تنشأ أحوالهم عن قرب الله تعالى، وأما الأبرار فتنشأ أحوالهم عن ملاحظة علمهم بوجود الرب مطلقاً، مع العلم باقتداره على المنح والعطاء والإسعاد والإشقاء. والعارفون يرون ربهم في الدنيا بعين الإيقان والبصائر، وفي الأخرى بالأبصار، فهو قريب منهم في الدارين، وليس قربه منهم في الأخرى مخالفاً لقربه في الدنيا إلا بمزيد اللطف والعطف، وإلا، فقد ارتفع هنا وهناك قرب المسافة ولم يكن بينه وبين مخلوق إضافة، لا في الدنيا، ولا في الآخرة البتة. وهذه المعرفة مثمرة للأنس بشرط الصفاء، والأنس يثمر السكينة.","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"25 - قيامُهُ بالنفسِ وَحدانيةْ *** مُنزَّهاً أَوصَافُهُ سَنِيَّةْ\rقيامه بالنفس: أي وواجب له تعالى قيامه بالنفس. والمراد بالنفس الذات، لأن الصحيح جواز إطلاق النفس على ذات الله تعالى والمراد بالقيام بالنفس عدم افتقاره تعالى إلى المحل والمخصص.\r-فأما عدم افتقاره إلى المحل فيراد به عدم افتقاره لذات يقوم بها، لا بمعنى عدم افتقاره إلى المكان، لأنه منف في حقه تعالى بصفة المخالفة للحوادث. وأما المراد بالمخصص فالموجد، وهذا - وإن كان مستغنياً عنه بالقدم - مذكور لعدم كفاية دلالة الالتزام في علم التوحيد. ودليل عدم الافتقار إلى المحل أنه: لو افتقر إليه لكان صفة ولو كان صفة لما اتصف بصفات المعاني والمعنوية، وهي واجبة القيام به تعالى وإذا بطل كونه صفة بطل افتقاره إلى محل، وثبت عدم الافتقار.\rودليل عدم الافتقار إلى المخصص أنه لو افتقر إليه لكان حادثاً، كيف وقد سبق وجوب وجوده، وقدمه، وبقائه ذاتاً وصفات.\r-تنبيه: علم مما تقدم أنه سبحانه مستغن عن المحل والمخصص معاً، أما صفاته فهي مستغنية عن المخصص، وقائمة بذاته تعالى. ولا يعبر عنها بالافتقار إلى الذات، لما فيه من الإيهام.\rوذوات الحوادث مفتقرة إلى المخصص، وصفاتها مفتقرة إلى الذات والمخصص معاً، وإذا ما تذوقت فقرك الذاتي وجدت أنه لا حول لك ولا قوة إلا بربك سبحانه، ووجدت أن كل مالك وارد من المنعم إليك، وناشر جنح التفضل عليك. ولقد قال الحكيم ابن عطاء الله: فاقتك لك ذاتية، وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي منها والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض.","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"-وحدانية: أي وواجب له سبحانه وحدانية. ومبحثها هذا أشرف المباحث، لذا سمي هذا الفن علم التوحيد. وأعلم أنه لما ثبت أنه لا خالق سوى الله تعالى لزم أنه لا يستحق العبادة غيره. إذ أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية - أي استحقاق العبادة - متلازمان عرفاً وشرطاً، فالقول بأحدهما قول بالآخر، والإشراك في أحدهما إشراك في الآخر. فمن اعتقد أنه لا رب ولا خالق إلا الله تعالى لم ير مستحقاً للعبادة إلا هو سبحانه. ومن اعتقد أنه لا يستحق العبادة غيره سبحانه كان ذلك بناء منه على أنه لا رب إلا الله. ومن أشرك مع الله غيره في العبادة كان لا محالة قائلاً بربوبية هذا الغير. هذا ما لا يعرف في الناس سواه، فإن من لا تعتقد له الربوبية استحال أن يتخذ معبوداً، لهذا نجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكتفون بالدعوى إلى التوحيد لأحدهما، ويضعون كلاً منهما موضع الآخر. ولما تقرر في عقول الناس أنهم لا يعبدون غير الله إلا إذا أشركوا هذا الغير في الربوبية فإذا انمحى عنهم هذا الإشراك تبعه التوحيد في العبودية. وابتداء كلامه سبحانه في فاتحة الكتاب بـ: (الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ) يشير إلى تقدير توحيد الربوبية، المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية. وهو ما يجب على العبد أولاً من معرفة الله سبحانه وتعالى. والحاصل: أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية، دون العكس في القضية، لقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وقوله حكاية عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} بل غالب سور القرآن وآياته متضمنة نوعي التوحيد. بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما، وتحقيق شأنهما. فإن القرآن، إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري وإما دعوة إلى عبادته وحده، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"الطلبي. وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. إذن فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله والثناء عليهم، وفي شأن ذم الشرك وأهله وجزائهم. والمراد هنا وحدة الذات والصفات، بمعنى عدم النظير فيهما.\rأما وحدة الذات بمعنى عدم التركب من أجزاء فسبقت في المخالفة للحوادث، ووحدة الصفات بمعنى عدم تعددها من جنس واحد، كقدرتين فأكثر - مثلاً - فستأتي في قوله \"ووحدة أوجب لها\". وأما وحدة الأفعال بمعنى أنه لا تأثير لغيره سبحانه في فعل من الأفعال فستأتي أيضاً في قوله: \"فخالق لعبده وما عمل\".\rوالحاصل أنّ الوحدانية الشاملة لوحدانية الذات والصفات والأفعال تعني أولاً - بالنسبة للذات أنها غير مركبة من أجزاء، وأنها غير متعددة بحيث يكون ثمة إله ثان، فهي واحدة من غير تركيب ولا تعدد.\rثانياً - بالنسبة للصفات تعني أنها غير متعددة من جنس واحد كقدرتين فأكثر - مثلاً - وأنه لا يوجد صفة لأحد تشبه صفته تعالى.\rثالثاً - وبالنسبة للأفعال فتعني أنه لا يوجد لغير الله فعل من الأفعال على وجه الإيجاد وإنما ينسب الفعل لغير الله تعالى على وجه الكسب والاختيار.\rوفي ذلك رد على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وإنما لم يكفروا بذلك لاعترافهم بأنّ إقدارهم عليها من الله تعالى، وبعضهم كفرهم وجعل المجوس أسعد حالاً منهم، إذ المجوس قالوا بمؤثرين اثنين، وهؤلاء أثبتوا مالا حصر له. والراجح عدم كفرهم.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"ودليل الوحدانية بالمعنى المراد هنا - وهو وحدة الذات والصفات بمعنى عدم النظير فيهما - أنه لو كان ثمة إلهان لما وجد شيء من الأكوان، ووجودها بالفعل مبطل للتعدد، فتثبت الوحدانية، وإنما لزم من التعدد عدم وجود العالم لأنه لو كانا إلهين، فإما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا فلا يمكن أن يوجداه معاً، لورود مؤثرين معاً على أثر واحد - كمطرقتي الحداد فإنهما لا تقعان معاً - ولا يمكن أن يوجداه مرتباً، لأنه إن أوجده الأول فالثاني لا محل له. ولا يمكن أن يختص أحدهما ببعضها والآخر ببعضها الآخر، لأنه إذا تعلقت قدرة الأول بشيء فمعناه انسداد الطريق أما قدرة الثاني للتعلق به، وهذا عجز يقضي بأنه ليس بإله.\rوإن اختلفا بأن أراد أحدهما إيجاد العالم، والآخر إعدامه، فلا يمكن أن ينفذ مرادهما معاً، لأنه يترتب عليه اجتماع الضدين، ولا يمكن أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، لأنه يعني عجز الذي لم ينفذ مراده، وهو بالتالي ليس بإله، إنما الذي نفذ مراده هو الإله.\rوإذا بطل التعدد لبطلان ما يترتب عليه ثبتت الوحدانية، وفقئت عين الشرك. وقد ذكر الله سبحانه هذا الدليل في قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} أي لو كان فيهما جنس الآلهة غير الله لم توجدا.\r-ملاحظة: يجوز اتفاق الإلهين - على فرض التعدد - إنما ببادئ الرأي وعند التأمل لا يصح الاتفاق لأن مرتبة الألوهية تقتضي الغلبة المطلقة، كما يشير له قوله تعالى: {إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}\r-منزهاً أوصافه سنية: هذا تأكيد للصفات السابقة، أي وجبت له هذه الصفات حال كونه منزهاً، وحال كون أوصافه سنية، أي رفيعة رفعة معنوية.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"26 - عَنْ ضِدِّ أَو شَبَهٍ شَرِيْكٍ مُطْلَقَاً *** وَوَالِدٍ كَذَا الوَلَدْ والأصْدِقَا\rعن ضد: أي منزهاً عن ضد، والضدان هما أمران وجوديان بينهما غاية الاختلاف لا يجتمعان بحال، ولو فرض أن له سبحانه ضداً في ذاته أو صفاته لوجب ارتفاع ذات الله سبحانه وصفاته ما دام الضد ثابتاً، كيف وقد ثبت وجوب الوجود والقدم وباقي الصفات.\r-أو شبه شريك مطلقاً: والشبه كالشبيه، وهو المساوي في أغلب الوجوه والنظير هو المساوي في بعضها، والمثيل هو المساوي في جميعها. والمراد بالشبه هنا مطلق المشابه فليس له تعالى شبيه في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لوجوب مخالفته تعالى للممكنات، ذاتاً وصفات وأفعالاً.\rومراده بالشبه نفي المشابه من الممكنات، ومراده بالشريك نفي المشارك من القدماء ويؤخذ في نفي الشريك دليل الوحدانية، ومراده بقوله:\r-مطلقاً: نفي الشريك في الذات أو الصفات أو الأفعال، كذلك نفي مطلق المشابه في الذات أو الصفات أو الأفعال.\r-ووالد: أي منزهاً عن أب وأم، فهو سبحانه ليس منفصلاً عن غيره.\r-كذا الولد: فكما تنزه عن الولد، فالوجوب تنزيهه عن الوالد كوجوب تنزيهه عن الولد، فليس سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ولداً بل خلقه الله تعالى بلا أب، كما خلق آدم عليه السلام بلا أب، بل آدم أغرب وأدل على القدرة، حيث خلقه من تراب بلا أب ولا أم. وكما أنه ليس منفصلاً من شيء، ليس منفصلاً عنه شيء.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"-والأصدقا: التنزيه منصب على الواحد والجمع، فمجال النفي أن يكون لله صديق على الوجه المعتاد من أن كلاً يعاون الآخر وينفعه، أما الصديق بمعنى المخلص في عبادته تعالى فلا ينافي، لكن لا يجوز أن يطلق \"صديق الله\" لأنه لم يرد، ويوهم المحال. وكما يستحيل على الله الأصدقاء يستحيل العداء على الوجه المعتاد، من أن كلاً يؤذي الآخر ويضره، أما بمعنى المخالف لأمره فقد ورد: {وَيَومَ يُحْشَرُ أعْداءُ الله إلى النَّارِ} والأصل القاطع في ذلك، المؤكد للدليل العقلي قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}\rوقد نفت هذه السورة أنواع الكفر الثمانية.\r1- فقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} نفي الكثرة والعدد، فهو متوحد في ذاته متفرد بصفاته.\r2- وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} الصمد هو الذي يقصد في الحوائج، المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد، وهنا نفي للقلة والنقص.\r3- وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} نفى أن يكون تعالى علة لغيره، أو أن يكون معلولاً، أي ليس هو سبحانه بمحل للحوادث ولا بحادث.\r4- وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} نفى الشبيه والنظير، أي ليس له أحد مماثلاً أو مجانساً أو مشابهاً.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"27 - وَقُدْرَةٌ إرَادَةٌ وَغَايَرَتْ *** أَمْرَاً وَعْلِمَاً والرِّضَا كما ثَبَتْ\rوقدرة: لما تكلم على الصفة النفسية، والصفات السلبية شرع يتكلم على صفات المعاني مقدماً لها على الصفات المعنوية، لكونها كالأصل لها، إذ أن المعنوية عبارة عن قيام المعاني بالذات. والمعاني جمع معنى، وهو كل صفة قائمة بموصوف موجبة له حكماً، كقيام القدرة بالذات، فإنه يوجب كونه قادراً.\rوبدأ المصنف من صفات المعاني بالقدرة لظهور تأثيرها، والقدرة صفة واجبة لله تعالى ومعناها - لغةً - القوة والاستطاعة، وعرفاً صفة أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة، وهذا التعريف مع سائر التعاريف المذكورة للصفات لا يتناول الحقيقة لأنه لا يعلم كنه ذاته وصفاته إلا هو سبحانه.\rوللقدرة تعلقات سبعة، أشار إلى واحد منها - وهو الصلوحي القديم بقوله: يتأتى بها. ومعنى التعلق الصلوحي صلاحيتها في الأزل للإيجاد وللإعدام. والتعلقات الستة الباقية هي: تعلق قبضة: وهو تعلقها بعدمنا فيما لا يزال قبل وجودنا. تعلق بالفعل: وهو تعلقها بإيجادنا بالفعل بعد العدم السابق. تعلق قبضة: وهو تعلقها باستمرار الوجود بعد العدم. تعلق بالفعل: وهو تعلقها بإعدامنا بالفعل بعد الوجود.\rتعلق قبضة: وهو تعلقها باستمرار العدم بعد الوجود. تعلق بالفعل: هو تعلقها بإيجادنا بالفعل حين البعث يوم القيامة. والتعلق هو: طلب الصفة أمراً زائداً على قيامها بالذات. وقيل: هو من مواقف العقول، فلا يعلمه إلا الله تعالى، والتحقيق هو التعريف الأول.\r-ومعنى تعلق القبضة: أن الممكن في قبضة القدرة، فإن شاء الله تعالى أبقاه على عدمه، وإن شاء أوجده، وإن شاء أعدمه. وأما العدم الأزلي فلا تتعلق به القدرة، لأنه واجب، لا جائز وإلا لجاز وجودنا في الأزل وهو باطل، لما يلزم عليه من تعدد ذوات القدماء.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وذهب الأشعري إلى أنها لا تتعلق بإعدامنا بعد وجودنا بل إذا أراد الله عدم الممكن قطع عنه الإمداد فينعدم بنفسه، كالفتيلة إذا ما انقطع عنها الزيت انطفأت بنفسها قال سيدي محمد الهاشمي: فلولا إنعامه على المكونات بإيجادها لم توجد، ولولا إنعامه عليها بإمدادها في كل لحظة لاضمحل وجودها، لأنها تقبل العدم في كل لحظة؟\rوقال ابن عطاء الله: \"نعمتان ما خرج موجود عنهما، ولابد لكل مكوّن منهما، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد. أنعم عليك أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الأمداد\". وهذا معنى كون الأكوان مسبوقة بالعدم، ويلحقها العدم، ويجوز عليها في كل لحظة من أزمنة وجودها العدم، وقد قال العلامة ملا علي القاري: إن (واجب الوجود): هو الصمد الغني الذي لا يفتقر إلى شيء، ويحتاج كل ممكن إليه في إيجاده وإمداده. ومعنى (القيوم): هو المتضمن كمال غناه، وكمال قدرته، وافتقار غيره إليه في ذاته وصفاته، إيجاداً وإمداداً، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره فلا قيام لغيره إلا بإقامته.\rوقد قال الدسوقي: إن القدرة تتعلق بوجود الممكن اتفاقاً تعلق تأثير، وكذا تتعلق بعدمه الطارئ بعد وجوده تعلق تأثير على المعتمد.\rبيد أن التأثير حقيقة إنما هو للذات، وإسناده للقدرة إنما هو بطريق المجاز لكونها سبباً فيه. ولذا يحرم أن يقال: القدرة فعّالة، أو انظر إلى فعل القدرة، أو نحو ذلك، لما فيه من إيهام أنها المؤثرة بنفسها، فإن قصد ذلك كفر.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"ولا تتعلق القدرة بالواجب، ولا بالمستحيل، لأنها إن تعلقت بالواجب، فإما لأن توجده، وهو موجود، إما لأن تعدمه، وهو لا يقبل العدم بحال. ولأنها إن تعلقت بالمستحيل، فإما لأن توجده وهو لا يقبل الوجود بحال، أو لأن تعدمه، وهو معدوم أصلاً ويظهر من هذا أنّ عدم تعلقها بالواجب أو بالمستحيل إنما كان لأنهما خارجان عن وظيفتها، وهي الإيجاد والإعدام، لا لعجز فيها، إذ أنّ العجز إنما يكون إذا كان المتعلَّق من وظائف القدرة، بأن كان يقبل الوجود لذاته، أو العدم لذاته. أفرأيت إلى العين ووظيفتها الإبصار، أفيعد نقصاً فيها إن لم تسمع الأصوات؟ وهكذا تقول في الأذن - ولله المثل الأعلى - إذ ليس عجزاً أن لا ترى الأذن، بل العجز فيها إن لم تسمع.\rوالقدرة تبرز ما خصصه الله تعالى بإرادته أزلاً. فيكون تعلق الإرادة - لكونه أزلياً - سابقاً على تعلق القدرة، لكونه تنجيزياً حادثاً، وهذا التعلق التنجيزي الحادث هو المعبّر عنه بالخلق والرزق والإحياء والإماتة المسمى عندنا بصفات الأفعال.\rوالتنجيز هو الإيجاد أو الإعدام بالفعل.\rودليل وجوب القدرة: أنه لو لم يتصف بها لاتصف بنقيضها وهو العجز، ولو كان متصفاً بالعجز لما ظهر شيء من الأكوان، كيف وقد ظهرت، فظهورها نافٍ للعجز، وبانتفائه تثبت القدرة.\r-إرادة: أي وواجب له إرادة، ويردفها المشيئة. وهي لغةً: مطلق القصد، وعرفاً: هي صفة قديمة زائدة على الذات، قائمة بها تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم. ومما يجوز على الممكن: الوجود أو العدم، وكونه في زمن مضى أو في زمن حاضر، أو في زمن مستقبل، وكونه أسود أو أبيض - مثلاً - وكونه طويلاً أو قصيراً، وفي جهة المشرق أو المغرب - مثلاً.\rوللإرادة تعلق صلوحي قديم، وهو صلاحيتها في الأزل للتخصيص، وتعلق تنجيزي قديم، وهو ثبوت التخيصيص بالفعل أزلاً أيضاً. فالله تعالى خصص الأشياء أزلاً بالصفات التي يعلم أنها توجد عليها في الخارج.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"-والإرادة -كالقدرة- لا تتعلق بالواجب، ولا بالمستحيل، ولكنها تتعلق بالممكن الذي يشمل الخير والشر، والنفع والضر خلافاً للمعتزلة في قصرها على الخير والنفع.\r-واختلف العلماء في جواز نسبة الشرور والقبائح إليه تعالى، والراجح جواز ذلك في مقام التعليم فقط. و هذا الخلاف نفسه جار في نسبة الأمور الخسيسة إليه تعالى، والأصح الجواز في مقام التعليم فقط فعليه لا يجوز أن يقال: الله خالق القردة والخنازير إلا في مقام التعليم.\rودليل الإرادة أن تقول: الله صانع للعالم بالاختيار، وكل من كان كذلك تجب له الإرادة فالله تجب له الإرادة. أضف إلى ذلك أنّ الفعل الصادر منه تعالى مختص بضروب من الجواز لا يتميز بعضها من بعض إلا بمرجح، ولا يكفي العلم في الترجيح، لأنه يتعلق بالمعلوم تعلق انكشاف، على ما هو عليه، دون أن يؤثر فيه أو يغيره. كما لا تكفي القدرة في الترجيح، لأن نسبتها إلى الضدين المتقابلين واحدة، إذاً لابد من صفة ثابتة للذات تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه، وهذه الصفة هي الإرادة، فالعلم كاشف، والإرادة مخصصة على وفق العلم، والقدرة تبرز ما خصصته الإرادة. كما أنه قد جرى اتفاق على إطلاق القول: بأنه تعالى مريد، وشاع ذلك في كلامه سبحانه وكلام أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. ولا يفهم من قولنا: مريد - بحسب اللغة - إلا ذات ثبتت لها الإرادة، إذ لا يتعقل مريد بلا إرادة، كما لا يتعقل عليم بلا علم، وإن نازع في ذلك المعتزلة.","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"وغايرت أمراً: أي باينت الإرادة أمراً بمعنى أنها ليست عينه، ولا مستلزمة له، فقد يريد ويأمر (كإيمان من علم الله منهم الإيمان، فإنه تعالى أراده منهم وأمرهم به) وقد لا يريد ولا يأمر (كالكفر من هؤلاء، فإنه تعالى لم يرده منهم ولم يأمرهم به) وقد يريد ولا يأمر (كالكفر الواقع ممن علم الله تعالى منهم عدم الإيمان، وكالمعاصي ممن علم الله تعالى وقوعهم فيها، فإنه أراد ذلك ولم يأمر به). وقد يأمر ولا يريد (كإيمان من علم الله تعالى كفرهم، وإنما أمرهم بالإيمان مع كونه لم يرده منهم سبحانه ليظهر في عالم الحكمة ما علمه الله تعالى أزلاً فيعاقبون عليه). وعلماً: أي وغايرت الإرادة علماً، بمعنى أنها ليست عينه ولا مستلزمة له، لتعلق العلم بالواجب والجائز والمستحيل، وعدم تعلق الإرادة إلا بالجائز فقط.\r-والرضا كما ثبت: أي وغايرت الإرادة رضاه تعالى، وهي قبول الشيء والإثابة عليه. والغرض بذلك الرد على من فسر الإرادة بالرضا، فإن الإرادة قد تتعلق بما لا يرضى به الله تعالى (كالكفر الواقع من الكفار) فإنه تعالى أراده، ولا يرضى به، وهذا التغاير واقع لثبوته عقلاً. وقد قال المحققون من أهل السنة: الإرادة في كتاب الله تعالى نوعان، إرادة قَدَرِيَّة، كَوْنِيِّة، خَلْقِيّة، وهي المشيئة الشاملة لجميع المكونات، وإرادة دينية، أمرية، شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا.","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"28 - وَعِلْمُهُ ولا يُقالُ مُكْتَسَبْ *** فاتْبَعْ سَبِيِلْ الحقِّ واطْرَحِ الرِّيْبْ\rوعلمه: أي وواجب له علمه، وهو صفة أزلية متعلقة بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق انكشاف على وجه الإحاطة على ما هي به من غير سبق خفاء. وتعلق العلم تعلق تنجيزي قديم، فيعلم الله سبحانه وتعالى الأشياء أزلاً على ما هي عليه وكونها وجدت في الماضي أو موجودة في الحال، أو توجد في المستقبل أطوار في المعلومات لا توجب تغييراً في تعلق العلم، فالمتغيّر إنما هو صفة المعلوم، لا تعلق العلم، وليس له تعلق صلوحي قديم، ولا تنجيزي حادث، وإلا لزم الجهل، لأن الصالح لأن يعلمِ ليس بعالم والتنجيزي الحادث يستلزم سبق الجهل، هذا ما عليه السنومي ومن تبعه وهو الصحيح، فيعلم الله سبحانه الأشياء أزلاً إجمالاً وتفصيلاً، ويعلم الكليات والجزئيات ويعلم ما لا نهاية له ككمالاته..\r-ودليل وجوب العلم له تعالى أن تقول: الله فاعل فعلاً متقناً محكماً بالقصد والاختيار وكل من كان كذلك يجب له العلم، فالله يجب له العلم. فإذا قيل: إن هذا الدليل إنما يفيد علمه بالجائزات فقط، فما الدليل على علمه بالواجبات والمستحيلات؟ أجيب بأن دليل ذلك هو دليل عدم افتقاره لمخصص، لأنه لو لم يعلم بهما لكان محتاجاً لمن يكمله، فيلزم أن يكون حادثاً، فيفتقر للمخصص، وقد تقدم دليل عدم الافتقار للمخصص أو تقول: أن الموجودات منقسمة إلى قديم وحادث، فأما القديم فذاته وصفاته. ومن علم غيره فهو بذاته وصفاته أعلم.","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"-ولا يقال مكتسب: أي لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يطلق أو يعتقد أن علمه سبحانه لاستحالته، لأن الكسبي - عرفاً - هو العلم الحاصل عن النظر والاستدلال، فإذا أقمت دليلاً على حدوث العالم بأن قلت: العالم متغير وكل متغير حادث ينتج العالم حادث فالعلم - هنا بحدوث العالم حاصل عن نظر واستدلال، فهو كسبي وقيل: الكسبي هو ما تعلقت به القدرة الحادثة، فيشمل العلم الحاصل بالإبصار أو بالشم - مثلاً - بخلافه على التعريف الأول، وعلى كل لا يقال لعلم الله كسبي، لأنه يلزم منه قيام الحوادث بذاته تعالى، ويلزم أيضاً سبق الجهل في حقه تعالى، وهو محال. وما ورد مما يوهم اكتساب علمه تعالى فمؤول كقوله جل جلاله: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً}\rفالمراد - والله أعلم: ثم بعثناهم ليظهر لهم متعلّق علمنا فيكون لنَعلم بمعنى لنُعلم، فاللام للعاقبة.\r-فاتبع سبيل الحق: أي إذا علمت وجوب القدرة والإرادة والعلم له تعالى فاتبع طريق الحق واسلك سبيل أهله، وهم أهل السنة حيث اعتقدوا وجوب صفات المعاني له تعالى.\r-واطرح الريب: أي ألق عنك الشبه، والشبه: هي التي لا يعلم فسادها ولا صحتها. وقصد المؤلف الرد على المعتزلة النافين لصفات المعاني حيث قالوا: قادر بذاته ومريد بذاته، وهو هذيان، لأنه لا يعقل قادر بلا قدرة ولا مريد بلا إرادة، وهكذا في باقي الصفات.","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"29 - حياتُهُ كَذا الْكلامُ الْسَمْعُ *** ثمَّ البَصَرْ، بِذي أَتانا السَمْعُ\rحياته: أي وتجب له الحياة، وقد عرف الشيخ السنوسي الحياة بتعريف يشمل الحياة القديمة والحادثة حيث قال: هي صفة تصحح لمن قامت به الإدراك، أي تصحح لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك. وبعضهم عرف الحياة القديمة فقال: هي صفة أزلية تقتضي صحة الاتصاف بالعلم وبغيره من الصفات الواجبة، وأما في حقنا فقد ينتفي العلم مع وجود الحياة، كما في المجنون، وحياة الله سبحانه لذاته، فهي ليست بروح، وحياتنا بسبب روح. ودليل وجوبها أن تقول: الله متصف بالقدرة والإرادة والعلم، وكل من كان كذلك تجب له الحياة، فالله تجب له الحياة.\rكذا الكلام: وتجب لله تعالى صفة الكلام، ودليل وجوبها، إما نقلي وحده، أو مع العقلي على وجه الترتيب، فالمعول عليه فيه الدليل السمعي كما سيذكره بقوله: بذي آتانا السمع. وقد اختلف أهل الملل والمذاهب في معنى كلامه تعالى، فقال أهل السنة هو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، منزهة عن التقدم والتأخر والإعراب والبناء، ومنزهة عن الكون النفسي (بأن لا يدبر في نفسه الكلام مع القدرة عليه) وعن الآفة الباطنية (بأن لا يقدر على ذلك) كما في حال الخرس والطفولية، فهما مانعان من الكلام الظاهري، والآفة الباطنية تمنع من الكلام النفسي، والله منزع عنها.\rوقال المعتزلة: كلامه هو الحروف والأصوات الحادثة وهي غير قائمة بذاته \"فمعنى كونه متكلماً عندهم: أنه خالق للكلام في بعض الأجسام، لزعمهم أن الكلام لا يكون إلا بحروف وأصوات، وهو مردود بأن الكلام النفسي ثابت لغة، كما في قوله تعالى: {يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}\rوقول عمر رضي الله عنه: إني زورت في نفسي مقالة، وقول الأخطل:\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلاً","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"وكلامه تعالى صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة مثلاً - أمر، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا - مثلاً - نهى، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام.\rوتعلقه بالنسبة لغير الأمر والنهي تنجيزي قديم، وأما بالنسبة لهما - فإن لم يشترط فيهما وجود المأمور والمنهي - فكذلك، اكتفاء بوجود المأمور والمنهي في علم الله تعالى وتقديره. وإن اشترط فيهما ذلك كان التعلق فيهما صلوحياً قبل وجود المأمور والمنهي، وتنجيزياً حادثاً بعد وجودهما.\rواعلم أن كلام الله تعالى يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى: أنه صفة قائمة بذاته تعالى، كما يطلق على الكلام اللفظي بمعنى: أنه خلقه، وليس لأحد في أصل تركيبه كسب، وعلى هذا المعنى يحمل قول السيدة عائشة: ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى. وكل من أنكر أن ما بين دفتي المصحف كلام الله فقد كفر، إلا إذا لم يرد به الصفة القائمة بذاته تعالى.\r-ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث، إلا في مقام التعليم، لأنه يطلق - أيضاً - على الصفة القائمة بذاته، فربما يتوهم من إطلاق أن \"القرآن حادث\" أن الصفة القائمة بذاته تعالى حادثة ولذلك ضرب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وحبس على أن يقول ذلك فلم يرض.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"قال السنوسي وغيره من المتقدمين: إن الألفاظ التي نقرأها تدل على الكلام القديم، والكلام النفسي يدل - أزلاً وأبداً على الواجبات والجائزات والمستحيلات، ولكون الألفاظ المقروءة دالة على الكلام النفسي ولكون الدال على شيء دال على ما دل عليه ذلك الشيء، كانت الألفاظ دالة من هذا الوجه على الواجبات والجائزات والمستحيلات. وعليه يكون بعض مدلول الألفاظ قديماً، وبعضه حادثاً، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى}\rوالحاصل أن الكلام اللفظي يدل على الكلام النفسي دلالة عقلية التزامية بحسب العرف، فإن من أضيف له كلام لفظي دل - عرفاً - على أن له كلاماً نفسياً، وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن - فإنه كلام الله قطعاً، بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ - فدل التزاماً على أن له تعالى كلاماً نفسياً وهذا هو المراد بقولهم \"القرآن حادث، ومدلوله قديم\" فأرادوا بمدلوله الكلام النفسي. ولو كشف عنا الحجاب وفهمنا من الكلام القديم طلب إقامة الصلاة - مثلاً - نفهم ذلك من قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}\rومن نسب القرآن لغير الله تعالى فهو كافر، قال الطحاوي: من سمعها - أي آيات القرآن - فزعم أنها كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} فلما أوعده الله تعالى بسقر على قوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} \"علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر\".","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"وقد دلل الإمام الغزالي على وجوب صفة الكلام له تعالى بقوله: من قال: إني رسول الجبل إليكم، فلا يصغى إليه، لاستحالة الكلام والرسالة من الجبل، كذلك من اعتقد استحالة الكلام في حقه تعالى استحال منه أن يصدق الرسول إذ المكذب بالكلام لابد وأن يكذب بتبليغ الكلام، فالرسالة عبارة عن تبليغ الكلام، والرسول عبارة عن المبلغ. كذلك الكلام للحي إما كمال أو نقص، ولا يقال هو نقص، فيثبت بالضرورة أنه كمال. وأن كلاً منهما غير الانكشاف بالعلم، ولكلٍ حقيقة يفوض علمها لله تعالى. وأما لسمع الحادث فهو قوة تدرك بها الأصوات على وجه العادة، وقد يدرك بها غير الأصوات فقد سمع سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام كلام الله تعالى القديم وهو ليس بحرف ولا بصوت.\r-قال السعد يتعلق السمع بالمسموعات. فإما أن مراده المسموعات في حقه تعالى وهي الموجودات \"الأصوات وغيرها\" فيوافق ما تقدم، أو أن مراده المسموعات في حقنا وهي الأصوات فقط، فيكون مخالفاً للسنوسي ومن تبعه.\r-ثم البصر: وكذا البصر فهو مثل ما ذكر في وجوب اتصافه تعالى به، وهو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات، الذوات وغيرها، وهي طريقة السنوسي ومن تبعه، وقال السعد تتعلق بالمبصرات، فإما مراده المبصَرات في حقه تعالى فيشمل الذوات وغيرها أو المبصَرات في حقنا فيشمل الذوات والألوان فقط، \"هذا ما يحتمله كلام السعد\" فيبصر سبحانه جميع الموجودات حتى الأصوات، ولو خفية، بمعنى أن ذلك انكشف لله ببصره، وليس الأمر على ما نعهده من أن البصر الحادث يفيد بالمشاهدة وضوحاً فوق العلم بل جميع صفاته تامة كاملة، فيستحيل عليها الخفاء والزيادة والنقص إلى غير ذلك.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"-بذي أتانا السمع: أي بهذه الصفات الثلاثة التي هي الكلام والسمع والبصر أتانا الدليل السمعي، والمراد أنه ورد الدليل بمشتقاتها، قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} أي أزال عنه الحجاب وأسمعه الكلام القديم، ثم أعاد الحجاب، وليس المراد أنه تعالى يبتدئ كلاماً ثم يسكت، لأنه لم يزل متكلماً أزلاً وأبداً خلافاً للمعتزلة في قولهم بأن المعنى، أنه تعالى خلق الكلام في شجرة وأسمعه موسى، ويرد كلامهم أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وأكثر ما اشتهر في المناجاة غير ما سبق فيه، كذب واختلاق. وللسمع وللبصر تعلقات ثلاثة:\rأولاً - صلوحي قديم، وهو صلاحيتهما في الأزل لاكتشاف ذوات الكائنات وصفاتها بهما فيما لا يزال.\rثانياً - تنجيزي قديم، وهو انكشاف الذات العلية وصفاتها بهما انكشافاً يغاير انكشاف العلم، إذ لكل صفة حقيقة تخالف حقيقة الأخرى، غير أنهما لا يتعلقان بالأمور العدمية (كالسلوب) والأمور الثبوتية (كالأحوال).\rثالثاً - تنجيزي حادث، وهو انكشاف الممكنات بعد وجودها بهما.\rوقد أتى الدليل على صفتي السمع والبصر في الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}\rوعن أبي موسى الأشعري قال: \"رَفعَ النَّاسُ أصواتَهم بالدعاءِ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. أيها الْنْاسُ ارْبَعوا على أنفسِكمْ، فإنكمْ لا تَدعونَ أصمَّ، ولا غائباً، إنَّ الذي تَدعونَ سميعٌ قريبٌ\". وارْبَعوا على أنفسكم: أشفقوا عليها.\r-وقد أراد سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام تقرير هاتين الصفتين حين قال لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً}. ولو كان لا يعتقد أن عدم السمع والبصر نقص لخاف أن ينقلب الدليل عليه في معبوده، فيقال له: وأنت تعبد ما لا يسمع ولا يبصر. أضف إلى ذلك أن أهل اللغة لا يفهمون من \"سميع، وبصير\" إلا ذاتاً قد ثبت لها السمع والبصر","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"30 - فَهلْ له إدراكٌ أوْلا، خُلْفُ *** وعندَ قومٍ صحَّ فيه الوَقْفُ\rفهل له إدراكُ أوْلاً: حاصل ما ذكره الناظم أنه قيل بثبوت صفة الإدراك، وقيل بانتفائها، وقيل بالوقف. وقد اختلف أيضاً في صفة التكوين، فأثبتها الماتريدية، وقالوا: هي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يوجد بها ويعدم، ولكن إن تعلقت بالوجود تسمى إيجاداً وإن تعلقت بالعدم تسمى إعداماً وإن تعلقت بالحياة تسمى إحياء، وهكذا، فصفات الأفعال عندهم قديمة، لأنها هي صفة التكوين القديمة وعلى هذه الطريقة وظيفة القدرة تهيئة الممكن بحيث تجعله قابلاً للوجود أو العدم، إذ أن للممكن قبولاً إمكانياً وقبولاً استعدادياً قريباً من الفعل، ومثال ذلك: قش رطيب، فقبوله للاشتعال يسمى قبولاً إمكانياً، فإذا ما جفف وأضحى يابساً، سمي قبوله للاشتعال قبولاً استعدادياً قريباً من الفعل، ونفاها الأشاعرة وقالوا: إن صفات الأفعال حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة، وصفة التكوين - عندهم - ليست سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاص، فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق، وكذا الترزيق. والصفات الفعلية هي التي يتوقف ظهورها على وجود الخلق، والحد بين صفات الذات وصفات الفعل أن ما يلزم من نفيه نقيضه، فهو من صفات الذات، فإنك لو نفيت الحياة للزم الموت، ولو نفيت القدرة للزم العجز، وكذا العلم مع الجهل، ولو نفيت الإرادة للزم منه الجبر والاضطرار، ولو نفيت عنه سبحانه الكلام للزم الخرس والسكوت، فثبت أنها من صفات الذات، وإن ما لا يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الفعل، فلو نفيت الأحياء أو الإماتة أو الخلق أو الرزق لم يلزم منه نقيضه، وصفات الأفعال حادثة - عند الأشاعرة - لأنها عبارة عن تعلقات القدرة، وتعلقاتها حادثة.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"والإدراك: في حق الحادث هو تصور حقيقة الشيء المُدرَكِ، وأما في حقه تعالى - على القول به - فهو صفة قديمة قائمة بذاته تعالى تسمى الإدراك، قيل إنه يدرك بها كل موجود، وقيل يدرك بها الملموسات (كالنعومة) والمشمومات (كالروائح) والمذوقات (كالحلاوة) من غير اتصال بمحالها التي هي الأجسام، ولا تكيف بكيفيتها لأن الاتصال والتكيف إنما هو عادي في حصول الإدراك وقد ينفك. وقد صرح بعض المتأخرين بأنها صفة واحدة، لكن الواقع في كتب علم الكلام أنها ثلاث صفات، إدراك الملموسات، وإدراك المشمومات، وإدراك المذوقات.\rودليل المثبتين لها كالباقلاني وإمام الحرمين: بأنها كمال، وكل كمال واجب لله، لأنه لو لم يتصف بها لاتصف بضدها، وهو نقص، والنقص عليه تعالى محال، فوجب أن يتصف بها على ما يليق به من غير اتصال بالأجسام، ومن غير وصول اللذات والآلام له تعالى.\rودليل النافين لها: أنه لو اتصف بها للزم الاتصال بمحالها لزوماً عقلياً، فلا يتصور انفكاكه، والاتصال مستحيل، فلذا يستحيل الاتصاف بها. وتقدم أن المثبتين قد جعلوه تلازماً عادياً بحيث يمكن انفكاكه. وأن دعواهم - أنه تعالى لو لم يتصف بها لاتصف بضدها - فاسدة، لأن العلم الواجب له تعالى ينفي الاتصاف بضدها، فعلمه سبحانه محيط بمتعلّقاتها، وهو كاف عنها، ولم يرد بهذه الصفة دليل سمعي، ولا يفهم من خلق المكونات ثبوتها له تعالى، لأن خلقها لا يتوقف عليها، كما يتوقف على القدرة والإرادة والعلم.\r-خُلْفُ: هذا الاختلاف مبني على الاختلاف في دليل الصفات الثلاثة السابقة التي هي الكلام، والسمع، والبصر، فمن أثبتها بالدليل العقلي - فقال: إنها صفات كمال، ولو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها، وأضدادها نقائص، والنقص عليه محال - أثبت هذه الصفة التي هي صفة الإدراك، ومن أثبت الصفات الثلاثة بالدليل السمعي نفى الصفة المذكورة لأنه لم يرد به سمع.\r-وعند قومٍ صح فيه الوقفُ: أي وصح التوقف عن القول بإثبات الإدراك أو نفيه عند قوم من المتكلمين - كالمقترح وابن التلمساني وبعض المتأخرين - لتعارض الأدلة، فهم لا يجزمون بالإثبات ولا بالنفي. وهذا القول أسلم وأصح من القولين الأولين. وقد اختلف أيضاً في كونه مدركاً أولاً، تبعاً للاختلاف في الإدراك، والأصح الوقف عن ذلك","part":1,"page":84},{"id":86,"text":"31 - حَيٌ عَليمٌ قادرٌ مُريدُ *** سَمِعٌ بَصيرٌ ما يَشَا يُريدُ\rحي: هذا شروع فيما هو كالنتيجة لما قبله، وهو الصفات المعنوية وهي سبع: وقيل لها: المعنوية نسبة للسبع المعاني، لأن الاتصاف بها كالفرع للاتصاف بالمعاني، باعتبار التعقل، لا باعتبار التأخر في الزمان. وإن اتصاف محل من المحالِ بكونه عالماً أو قادراً - مثلاً - لا يصح إلا إذا قام به العلم أو القدرة. وإن عد هذه السبع في الصفات هو على سبيل الحقيقة، إن قلنا بصفات الأحوال، وهي صفات ثبوتية، ليست بموجودة ولا بمعدومة، قائمة بموجود، فهذه الصفات ثابتة قائمة بذاته تعالى. وأما إن قلنا بنفي الأحوال، وأنه واسطة بين الوجود والعدم - كما عليه الأشعري وهو المعتمد - فالثابت من الصفات التي تقوم بالذات إنما هو السبع الأوَلُ، أي صفات المعاني. أما هذه فهي عبارة عن قيام تلك بالذات، لا أنها لها ثبوتاً بالخارج عن الذهن بحيث يقال فيها: إنها قائمة بالذات، وهذا لا ينافي أنها أمر اعتباري ثابت في نفسه بقطع النظر عن اعتبار المعتبر فالأحوال صفات قارة في الذات بخلاف الاعتبار الثابت في نفس الأمر فإنه غير قار فيها. وحيث وجبت له الحياة فهو سبحانه حي كما علم من الدين ضرورة، وثبت من الكتاب والسنة بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله. قال الله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقال: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} والقيوم: القائم بتدبير خلقه، والسَّنةُ: النعاس: وحقيقة الحي هو الذي تكون حياته لذاته، وليس ذلك لأحد من الخلق. والكون حياً عبارة عن قيام الحياة بالذات، وهو أمر اعتباري.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"لذلك تُعَرَّفُ الصفات المعنوية بأنها صفات ثبوتية، أي ثابتة للذات، وهي كل صفة ثابتة لا توصف بالوجود - كالمعاني - ولا بالعدم - كالسلبيات - ملازمة للسبع الأوَلُ.\rوالفرق بين المعاني والمعنوية أن المعاني صفات وجودية والمعنوية ثبوتية بمعنى أنها عبارة عن قيام المعاني بالذات، وهذا هو المعتمد. وأن المعاني ملزومة للمعنوية عقلاً والمعنوية لازمة للمعاني، بمعنى أنه يلزم من كونه قادراً أنه موصوف بالقدرة، كما يلزم من اتصافه بالقدرة كونه قادراً، وأن الصفات المعنوية واجبة له تعالى إجماعاً، على مذهب أهل السنة والمعتزلة.\r-تنبيه: التحقيق أن من ينفي المعنوية يكفر، إن أثبت ضدها، لأن الحق نفي صفات الأحوال، أما النافي لأن يكون له تعالى صفة قديمة يقال لها: الكون عالماً، وهو مثبت لانكشاف الأشياء له تعالى أزلاً بذاته فلا ضرر في ذلك. وأما صفات المعاني فنفي زيادتها على الذات مع إثبات أحكامها لها فموجب للفسق فقط، وأما نفيها مع إثبات أضدادها فهو كفر.","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"-عليم: أي وحيث وجب له العلم فهو عليم بمعنى عالم، وهو الذي علمه شامل لكل ما من شأنه أن يعلم. وصيغة المبالغة \"عليم\" باعتبار كثرة المعلوم، وإن كانت صفة العلم واحدة. قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} وقال تعالى أيضاً: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وقال تعالى حكاية عن لقمان: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} وقال حكاية عما وقع بين شعيب وقومه: \"وَسِعَ ربُّنا كلَّ شيءٍ عِلْماً\". وقال: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. وقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"وثمة آيات كثيرة مبثوتة في كتاب الله دالة على سعة علمه تبارك وتعالى وإحاطته بكل شيء قل أو كثر، دق أو عظم.\r-قادر: أي وحيث وجبت له القدرة فهو قادر. والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، فهو المتمكن من الفعل والترك، فيكون منه كل منهما بحسب ما خصصته الإرادة على وفق ما انكشف بالعلم. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ...} إلى أن قال: {وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} اللغوب: التعب. {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} والمرج: الإرسال، والفرات: شديد العذوبة، والأجاج شديد الملوحة، والبرزخ: الحاجز، والحجر المحجور: الستر المستور الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وخلق من الماء: أي من النطفة. وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ، وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. والودق: المطر، وسنا البرق: لمعانه.\r-مريد أي وحيث وجبت له الإرادة فهو مريد. والمريد هو الذي تتوجه إرادته إلى المعلوم فتخصصه بالوجود بدلاً عن العدم - مثلاً - قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقال أيضاً: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}.\rوأمرنا مترفيها: أي أمرنا رؤساءها بالطاعة - على لسان - الرسل ففسقوا فيها.\r-سمع: أي سميع \"حذفت الياء للضرورة\" وحيث وجب له السمع فهو سميع، والسميع هو الذي يسمع كل موجود. قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. ومعنى تجادلك: تراجعك وقال أيضاً: لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}.\r-بصير: وحيث وجب له البصر فهو بصير، وهو الذي يبصر الأشياء، فهو سبحانه يحيط بالمسموعات والمبصرات من غير أن يشغله شأن عن شأن قال: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.\r-ما يشا يريد: أشار - هنا - إلى اختيار مذهب الجمهور من اتحاد المشيئة والإرادة وأنه يطلق إحداهما على الأخرى، والمعنى: أن كل ما يشاؤه الله تعالى فهو - من حيث إنه مشاء له - مراد له، وكلما يريده فهو - من حيث إنه مراد له - مشاء له، خلافاً للكّرامية الزاعمين بأن المشيئة صفة واحدة أزلية تتناول ما يشاؤه الله بها، والإرادة حادثة متعددة بتعدد المرادات..\rومراداته سبحانه هي شؤونه بخلقه، وشؤونه يبديها ولا يبتديها، أي هي أحوال يظهرها للناس ولا يبديها علماً، لأنه تعالى يعلم الأشياء أزلاً، خلافاً لمن قال \"الأمرُ أنفٌ\" أي يستأنف الله الأشياء علماً وهم قومٌ كفار لأنهم أنكروا القدر.","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"32 - مُتَكَلِّمٌ ثُمَّ صِفَاتُ الذَاتِ *** لَيْسَتْ بغَيْرِ أو بِعَيْنْ الذَّاتِ\rمتكلم: وحيث وجب له الكلام فهو متكلم، ولا خلاف لأرباب المذاهب والملل في أنه تعالى متكلم، وإنما الخلاف في معنى كلامه وقد تقدم معناه، وقد اختلفوا في قدمه وقد تقدم بيانه أيضاً وسيأتي في قوله: ونزه القرآن أي كلامه * عن الحدوث واحذر انتقامه.\r-ثم صفات الذات: أورد النافون لصفات الذات شبهة هي: أن الصفات الوجودية إما أن تكون \"حادثة\" فيلزم قيام الحوادث بذاته تعالى، ويلزم خلوه تعالى في الأزل عنها. وإما أن تكون \"قديمة\" فيلزم تعدد القدماء وهو كفر بإجماع المسلمين، والغرض هنا بيان حكم صفات الذات، وهو أنها ليست بعين الذات، ولا بغيرها، ولم تكن عينها لأن حقيقة الذات غير حقيقة الصفات، وإلا لزم اتحاد الصفات والموصوف، وهو لا يعقل، ولم تكن غيرها لأنها قائمة بالذات، أي ليست غيراً منفكاً عن الذات، وإن كانت غيراً في المفهوم، وعلى هذا يظهر بطلان القول بتعدد القدماء، وإنما يلزم التعدد وقيام الحوادث بذاته تعالى فيما لو كانت كل صفة قائمة بنفسها. ولكون الصفات ليست غيراً بالمعنى المتقدم وقع التسامح بإضافة ما للذات إليها نحو: \"كل شيء تواضع لقدرته\" والمراد تواضع كل شيء لذاته لأجل قدرته، وإلا فعبادة مجرد الصفات كفر، وعبادة مجرد الذات فسق، والقول المستقيم عبادة الذات المتصفة بالصفات.","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"والصفات السلبية لا تدخل في الخلاف السابق لأنها غير قائمة بالذات فهي أمور عدمية وكذلك صفات الأفعال - كالإحياء والإماتة - فإنها غير قائمة بها أيضاً، لأنها منكفة، فهي تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة، كما سبق. والصفة النفسية - التي هي الوجود - مثل ما مر، من حيث عدم الدخول في الخلاف. إذ أن الوجود عين الموجود، فهو ليس زائداً على الذات.\r-ليست بغير: أي ليست بغير الذات، والمراد ليست غيراً منفكاً فلا ينافي أنها غير ملازم، أي قائم بالذات.\r-أو بعين الذات: أي ليست عين الذات، لأن حقائقها تخالف حقيقة الذات، فهي صفات مغايرة للذات، مفهوماً، لكنها قائمة بالذات، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه، وهي واجبة لذاتها، مثل وجوب الذات كما هو الحق، وليست ممكنة في ذاتها واجبة لغيرها بسبب اقتضاء الذات لها.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"33 - فقدرةٌ بُمْمكِنٍ تعلَّقَتْ *** بِلا تَنَاهِيْ ما بِهِ تعلَّقَتْ\rفقدرة بممكن تعلقت: القدرة لغةً: عبارة عن الصفة التي بها يتهيأ الفعل للفاعل، وبها يقع الفعل. ولما طوى ذيل مباحث الصفات شرع هنا في نشر مالها من التعلقات. والتعلق: هو طلب الصفة أمراً زائداً على الذات يصلح لها. والذي اعتمده المحققون أن التعلق لصفات المعاني فقط، وبعض المتكلمين قال: التعلق للمعنوية. ولم يقل أحد بهما معاً لئلا يجتمع مؤثرين على أثر واحد، في القدرة والكون قادراً، والإرادة والكون مريداً، وهكذا.\rواعلم أن صفات المعاني من حيث التعلق وعدمه، ومن حيث شموله للواجب والجائز والمستحيل أقسام:\rفالقدرة تتعلق بالممكنات إيجاداً أو إعداماً، والإرادة تتعلق بالممكنات تخصيصاً لها ببعض ما يجوز عليها، وتعلقها قديم، والعلم يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق انكشاف. والكلام يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق دلالة. والسمع والبصر والإدراك - على القول به - تتعلق بالموجودات، سواء قديمها وحادثها، لكنه في القديم قديم وفي الحادث حادث. والحياة لا تتعلق بشيء، فهي لا تقتضي أمراً زائداً على قيامها بالذات. ومعرفة هذه التعلقات غير واجبة على المكلف لأنها من غوامض علم الكلام. ولكنها ركن ركين في معرفة الله سبحانه، وفي شهود تجلياته.\rفالقدرة لا تتعلق إلا بالممكن فلا تتعلق بواجب ولا بمستحيل بل كل ممكن داخل في متعلقها، إذ لو خرج ممكن عنه لزم منه العجز وهو محال عليه تعالى. والممكن هو ما لا يجب وجوده، ولا عدمه لذاته، ولو وجب وجوده أو عدمه لغيره.\rفالذي تعلق علمه تعالى بوجوده من الممكنات، وخصصته إرادته، فهو، وإن كان ممكناً في ذاته، متساوياً وجوده وعدمه - واجب الوجود لغيره، كإيمان أبي بكر الصديق. والذي تعلق علمه تعالى بعدم وجوده من الممكنات، وخصصته الإرادة فهو - وإن كان ممكناً في ذاته - واجب الوجود لغيره، كإيمان أبي جهل. وقد قال سيدي محمد الهاشمي: والحاصل أن الحكم العقلي ينحصر في ثلاثة أقسام:\rأولاً - الواجب الذاتي (كوجود الله سبحانه وصفاته) ولا يتفرع عن هذا شيء أي لا يكون جائزاً عرضياً ولا محالاً عرضياً، لما يلزم عليه من قلب الحقائق.\rثانياً - المحال الذاتي: (كاستحالة وجود الشريك لله سبحانه) ولا يتفرع عن هذا شيء، أي لا يكون جائزاً عرضياً ولا واجباً عرضياً، لما يلزم عليه من قلب الحقائق.","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"ثالثاً - الجائز الذاتي: (كوجود المكونات) ولا يكون الجائز إلا ذاتياً، أي لا يكون جائزاً عرضياً متفرعاً عن الواجب الذاتي، ولا جائزاً عرضياً متفرعاً عن المحال الذاتي، كما سبق وبيناه، وقد يعرض الجائز الذاتي الوجوب (كوجود الجنة والنار) لإخبار الشرع بوقوعه فيسمى الواجب العرضي. أو قد يعرض له الاستحالة (كدخول الكافر الجنة) بإخبار الشرع بعدم وقوعه، ويسمى المستحيل العرضي. والعرضي لا ينافي الإمكان الذاتي، وإنما ينافيه الواجب الذاتي، والمحال الذاتي، لما فيه من قلب الحقائق.\rوالقدرة تتعلق بما وجب عدم وجوده لغيره تعلقاً صلوحياً قديماً، بمعنى أنها صالحة لإنجازه أزلاً، لا تنجيزياً حادثاً، وإلا لانقلب العلم جهلاً وهو محال، إذ أنه لو تعلقت به القدرة تعلقاً تنجيزياً حادثاً لوجد، ووجوده يناقض ما في العلم من عدم وجوده.\r-بلا تناه ما به تعلقت: أي متعلقات القدرة لا تنتهي إلى حد ونهاية في جانب المستقبل، إذ منها نعيم الجنان، وهو متجدد شيئاً فشيئاً، ومنها عذاب النيران وهو أبدي سرمدي. أما ما وجد منها في الخارج فهو متناه، لأن كل ما حصره الوجود من الممكن فهو متناه. وقد فسر قوله (بلا تناه) بأن القدرة لا تنتهي عند طائفة من الممكنات، بأن تتعلق بها دون غيرها بل هي عامة التعلق بجميعها، بحيث لا يشذ عنها ممكن.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"34 - وَوَحْدَةً أَوْجِبْ لَها وَمْثِلُ ذيْ *** إرَادَةٌ والعِلْمُ لكِنْ عَمَّ ذِيْ\rووحدة أوجب لها: أي اعتقد وجوب وحدتها، وهي أن الله تعالى قدرة واحدة لأن تعددها لا يقتضيه معقول ولا منقول، إذ لو كان له تعالى قدرتان للزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد فالقدرة واحدة والمقدور متعدد كالحركة والسكون وغيرهما.\r-ومثل ذي \"إرادة\": المعنى أن إرادة الله تعالى مثل قدرته في الأمور الثلاثة المتقدمة التي هي: تعلقها بكل ممكن، وعدم تناهي متعلقاتها، وإيجاب الوحدة لها بلا تفاوت بينهما. فالمثلية إنما هي في هذه الثلاثة، وإن اختلفت جهة التعلق فيهما * فالقدرة تبرز الممكن من العدم إلى الوجود، أو تخرجه عن الوجود إلى العدم، والإرادة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه * ويدل على عموم تعلق الإرادة أدلة عقلية كأن يقال: لو تعلقت ببعض الممكنات دون الآخر للزم عليه الترجيح بلا مرجح، والترجيح بلا مرجح باطل، فينتج أن التعلق ببعض الممكنات باطل، ويثبت تعلقها بجميعها. والأدلة السمعية على ذلك هي كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} والمراد من ذلك - والله أعلم - أنه متى تعلقت إرادته أزلاً وقدرته حالاً بشيء برز في الحال، فهو كناية عن سرعة وجود مراده تعالى، وعدم تخلفه، وليس المراد من ذلك ما هو ظاهره من أنه تعالى إذا أراد شيئاً يصدر منه أمر للكائنات بلفظ (كن).\rاعلم أن للإرادة تعلقين: صلوحياً قديماً، وهو صلاحيتها في الأزل لتخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه كتخصيصه بالوجود أو بالعدم بالغنى أو بالفقر، وهكذا. وتعلقاً تنجيزياً قديماً، وهو تخصيص الله بها أولاً الممكن ببعض ما يجوز عليه.\r-والعلم: هو مثل القدرة في الأمور الثلاثة، وهي تعلقه بالممكنات وعدم تناهي متعلقاته، وإيجاب الوحدة له بإجماع من يعتد بإجماعه، فإنه لم يذهب أحد إلى تعدد علمه تعالى بعدد المعلومات إلا أبا سهل الصعلوكي فقال بعلوم قديمة لا نهاية لها ولو كان له علوم لا نهاية لها، فكل علم هل يكشف كل المعلومات أم لا؟ فإن كشفها كلها فما يكون بالنسبة لبقية العلوم إلا تحصيل حاصل، إذ كل المعلومات مكشوفة لأحدها - كما فرض - وإن لم يكشفها كلها فهو علم ناقص لا يوصف به الله تعالى فتثبت وحدة صفة العلم.","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"35- وعَمَّ أَيْضَاً واجِبَاً والمُمْتَنِعْ *** ومِثْلُ ذَا كلامُهُ فَلْنَتَّبِع\rلكن عم ذي: استدرك هنا ليدخل الواجب والمستحيل في متعلقات العلم، لئلا يتوهم أن العلم متعلق بالممكنات فقط، كما يقتضيه تشبيهه بالقدرة فالعلم يشمل من حيث التعلق * الواجب العقلي (كذاته تعالى وصفاته) * والممتنعَ العقلي (كاستحالة الشريك له تعالى أو كاتخاذ ولد أو صاحبة) بمعنى أنه يعلم استحالة ذلك، ويعلم أنه لو وجد لترتب عليه من الفساد كذا وكذا. والجائز العقلي:\rوقد قال الله تعالى فيه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وليس للعلم إلا تعلق تنجيزي قديم فقط على التحقيق.\r-واعلم أنّ تعلقات القدرة والإرادة والعلم مترتبة - عند أهل الحق - باعتبار التعقل فقط في التعلقات القديمة أما في تعلقات الحادث منها (كتعلق القدرة التنجيزي الحادث) مع القديم (كتعلق العلم والإرادة) فالترتيب على الحقيقة، أي في التعقل والخارج.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"-فنتعقل أولاً تعلق العلم، ثم تعلق الإرادة، ثم تعلق القدرة الصلوحي، فتعلق القدرة تابع لتعلق الإرادة، وتعلق الإرادة تابع لتعلق العلم، وليس بين هذه التعلقات ترتيب في الخارج لأنّها كلها قديمة، والقديم لا ترتيب فيه خارجاً وإلاّ لزم أنّ المتأخر حادث. وأما بين تعلق القدرة التنجيزي الحادث وتعلقي الإرادة الصلوحي والتنجيزي القديمين، وتعلق العلم التنجيزي القديم فالترتيب في الخارج، وفي التعقل، لأن تعلق القدرة التنجيزي الحادث متأخر عن هذه التعلقات القديمة ضرورة تأخر الحادث عن القديم.\r-ومثل ذا كلامه: أي كلامه مثل علمه، فكلامه النفسي القديم القائم بذاته تعالى مثل العلم فهو عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، ولا تتناهى متعلقاته وهو واحد لأنه لم يرد السمع بالتعدد، بل انعقد الإجماع على نفي كلام ثان قديم. لكن تعلق العلم على سبيل الكشف، أما تعلق الكلام فعلى سبيل الدلالة، وهو تعلق تنجيزي قديم بالنظر لغير الأمر والنهي، فهو يدل أزلاً على أن ذاته وصفاته تعالى واجبة، وعلى أن الشريك والولد مستحيلان، وأن رزق زيد وعلمه جائزان، وأن من أطاع فله الجنة - ويسمى هذا وعداً - ومن عصى فله النار - ويسمى هذا وعيداً - أما بالنسبة للأمر والنهي فإن اشترط وجود المأمور والمنهي فتعلق تنجيزي حادث، وإلا فقديم.\r-فلنتبع: لغموض المحل وصعوبته يشير إلى أنه ليس لنا في هذا المقام إلا اتباع القوم، خصوصاً في إثبات التعلقات الأزلية.","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"36 - وكلُّ موجودٍ أنطْ للسَّمعِ بِهْ *** كَذَا البَصَرْ إِدْرَاكُهُ إِنْ قيلَ بِهْ\rوكل موجود أنط للسمع به: أي اعتقد تعلق السمع الأزلي بكل موجود.\r-كذا البصر: أي فهو مثل السمع في وجود اعتقاد تعلقه بكل موجود.\r-إدراكه إن قيل به: أي والإدراك كالسمع والبصر، على القول بثبوت الإدراك كما مر في قوله (فهل له إدراك أو لا؟ خلف) فهذه الصفات الثلاثة متحدة المتعلّق مع أنها متعددة، وكل منها له حقيقة من الانكشاف ليست عين حقيقة غيره، ولا يعلم تلك الحقيقة إلا الله تعالى. وكلام السعد وغيره على أن السمع الأزلي صفة تتعلق بالمسموعات، وأن البصر الأزلي صفة تتعلق بالمبصَرات، فإن قصد المسموعات في حقنا فهو مخالف لما عليه الشيخ السنوسي ومن تبعه من أن السمع يتعلق بكل موجود، وإن قصد المسموعات في حقه تعالى فهو موافق للسنوسي وهكذا يقال بالنسبة للمبصَرات. والإدراك على القول به يتعلق بكل موجود، وقول آخر أنه يتعلق بالملموسات والمشمومات والمذوقات من غير اتصال بمحالهَّا..\rوللسمع والبصر والإدراك - إن قيل به - ثلاثة تعلقات. تنجيزي قديم: وهو التعلق بذات الله سبحانه وصفاته. وصلوحي قديم: وهو صلاحية التعلق بنا قبل وجودنا، وتنجيزي حادث: وهو التعلق بنا بعد وجودنا.\rوأشار الناظم إلى عدم تناهي متعلقاتها بقوله: \"وكل موجود\" فإن: لفظ كلَّ: من أدوات العموم. وسكت عن وحدة هذه الصفات للعلم بها من وجوبها بنظائرها كالقدرة والإرادة، إذ لا فرق بينها.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"37 - وَغَيْرُ عِلْمٍ هذِهِ كَمَا ثَبَتْ *** ثمَّ الحياةُ ما بِشَيْ تَعَلَّقَتْ\rوغير علم هذه: هذه الصفات الأربع، وهي الكلام والسمع والبصر والإدراك، غير العلم. ودفع بهذا توهم اتحادها مع العلم، لاتحاد متعلق الكلام معه. واندراج متعلق السمع والبصر والإدراك في متعلقه. لاسيما وتعلق هذه الثلاثة تعلق انكشاف كتعلق العلم. وكما أنها تغاير العلم فكذلك تغاير بعضها بعضاً.\rكما ثبت: كالتغاير الذي ثبت عند القوم بالأدلة السمعية. لأن هذه الصفات إنما ثبتت بالسمع، بالنسبة لبعضها. فكل لفظة تدل على معنى مخالف للفظة الأخرى لغة. وإذا ثبت تغايرها - لغة - ثبت تغايرها شرعاً. فكنه كل واحدة غير كنه الأخرى. ونفوض علم كل ذلك إلى الله سبحانه وتعالى.\r-ثم الحياة ما بشيء تعلقت: المعنى أن الحياة لا تتعلق بشيء، سواء كان معدوماً أو موجوداً. فليست من الصفات المتعلقة. لأنها صفة مصححة لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك، ولا تقتضي أمراً زائداً على قيامها بمحلها (وهو الذات).","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"38- وَعِنْدَنَا أَسماؤهُ العَظِيْمَهْ *** كَذَا صِفَاتُ ذاتِهِ قَدِيْمهْ\rوعندنا: لما فرغ من الصفات وتعلقاتها شرع في مبحث يجب اعتقاده. فيجب على المكلف أن يعتقد أن أسماء الله العظيمة قديمة. وكذا صفات ذاته. فأسماؤه العظيمة -عندنا معاشر أهل الحق- قديمة، خلافاً للمعتزلة في قولهم \"بأن أسماءه تعالى حادثة، وأنها من وضع الخلق\" وهي قديمة لا باعتبار ذاتها إذ هي ألفاظ، والألفاظ حادثة قطعاً، وإنما باعتبار التسمية بها. والمراد بالتسمية القديمة، وهي دلالة الكلام أزلاً على معاني الأسماء من غير تبعيض ولا تجزئة في الكلام. فالله تعالى لم يزل مسمى بأسماء قبل وجود الخلق، وعند وجودهم، وبعد فنائهم. لأنه لا تأثير لهم في أسمائه، هذا ما يفهم من كلام القرطبي رحمه الله.\r-أسماؤه: المراد ما دل على الذات بمجردها (كالله، وَخُدَاي في الفارسية) أو ما دل على الذات باعتبار الصفة (كالعالم والقادر).\r-العظيمة: أي الجليلة المطهرة عن أن يسمى بها غيره سبحانه، أو عن أن تفسر بما لا يليق، أو أن تذكر على غير وجه التعظيم، كما قاله السعد. والحق أنها متفاضلة فيما بينها. وأعظمها لفظ الجلالة وهو الاسم الأعظم. وكان سيدي علي الوفا رضي الله عنه يذهب إلى التفاضل في الأسماء، وفي اليواقيت عن ابن العربي أن أسماء الله تعالى متساوية في نفس الأمر لرجوعها كلها إلى ذات واحدة، وإن وقع فيها تفاضل فإن ذلك لأمر خارج.\r-كذا صفات ذاته قديمة: كل من أسمائه وصفات ذاته قديم. وهي صفات المعاني السبع، أو الثمان، على الخلاف في ذلك. فليست أسماؤه تعالى من وضع خلقه. وليست صفاته حادثة، لأنها لو كانت حادثة للزم قيام الحوادث بذاته تعالى، وللزم كونه تعالى عارياً عنها في الأزل. فيلزم افتقارها إلى موجد وهو ينافي وجوب الغنى المطلق، الذي هو انتفاء الحاجات مطلقاً، وهو لا يكون إلالله تعالى، بخلاف الغنى المقيد، الذي هو قلة الحاجات، فهو غنى الحوادث، قال بعضهم: \"إلهي غناك مطلق وغنانا مقيد\". أما صفات الأفعال فحادثة عند الأشاعرة، قديمة عند الماتريدية. لأنها عند الأشاعرة عبارة عن تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة، \"وعند الماتريدية\" هي عين صفة التكوين القديمة. وأما الصفات السلبية فهي قديمة قطعاً.","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"39 - واْخِتْيرَ أَنَّ اسْماهُ تَوْقِيفيَّهْ *** كذَا الصِّفاتُ فاحفَظِ السّمعيَّهْ\rواختير: اختار جمهور أهل السنة أن أسماءه تعالى توقيفية، وكذا صفاته. فلا نثبت لله اسماً، ولا صفة إلا إذا ورد بذلك توقيف من الشارع ومال إليه الباقلاني، وتوقف فيه أمام الحرمين، وفصل الغزالي، فجوز إطلاق الصفة (وهي ما دلت على معنى زائد على الذات) ومنع إطلاق الاسم (وهو ما دل على نفس الذات). والحاصل أن علماء الإسلام اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء والصفات على الباري عز وجل إذا ورد بها الإذن من الشارع، وعلى امتناعه إذا ورد المنع منه. واختلفوا حيث لا إذن ولا منع، والمختار منع ذلك، وهو مذهب الجمهور.\r-أن اسْمَاه: المراد بالأسماء ما قابل الصفات لا الأسماء في مصطلح النحو. والاسم ما دل على الذات (إما وحدها كلفظ الجلالة، وإما مع الصفة كلفظ الرحمن). والصفة ما دلت على معنى زائد على الذات (كلفظ قدرة فإنه دل على المعنى القائم بذاته سبحانه وتعالى).","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"-توقيفية: أي يتوقف جواز إطلاق الأسماء عليه تعالى على ورودها في كتاب، أو \"سنة صحيحة، أو حسنة\"، أو إجماع، لأنه غير خارج عنها، بخلاف السنة الضعيفة إن قلنا: إن المسألة من الاعتقاديات بحيث يعتقد أن ذلك الاسم من أسمائه تعالى، وإن قلنا: إنها من العمليات بحيث نستعمله ونطلقه عليه تعالى فالسنة الضعيفة كافية في ذلك لأنهم قالوا: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال - وأما القياس، فقيل كالإجماع ما لم يكن ضعيفاً، وعليه يقاس واهب - لأنه لم يرد - على وَّهاب، وأطلق بعضهم منع القياس. قال المصنف في الشرح الصغير: وهو الظاهر لاحتمال إيهام أحد المترادفين دون الآخر كالعالم والعارف، والجواد والسخي، والحليم والعاقل أ.هـ. وبالجملة فما أذن الشارع في إطلاقه واستعماله جاز - وإن أوهم - كالصبَّور والشّكور والحليم فإن الصبور: يوهم وصول مشقة له تعالى، لأن الصبر حبس النفس على المشاق، فيفسر في حقه تعالى: بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. والشكور يوهم وصول الإحسان إليه لأن معناه كثير الشكر لمن أحسن إليه، مع أن الإحسان كله من الله تعالى، فيفسر في حقه تعالى: بالذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودات نعماً في الآخرة غير محدودة. والحليم يوهم وصول أذى إليه، فيفسر في حقه تعالى: بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فيرجع لمعنى الصبور. وقد تقدم أن أسماءه صلى الله عليه وسلم توقيفية اتفاقاً وسبقت حكمة ذلك فتفطن لها.\r-كذا الصفات: أي صفاته تعالى توقيفية مثل أسمائه، فلا يجوز إثبات صفة له تعالى إلا بتوقيف من الشارع لنا.\r-فاحفظ السمعية: أي فاحفظ الأسماء والصفات الواردة في السمع، كالواردة في الكتاب، أو السنة أو الثابتة بالإجماع: كالصانع والوجود والواجب والقديم.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"40 - وكُلُّ نصٍ أُوهَمَ التَّشْبِيها *** أَوِّلْهُ أَو فَوِّضْ، ورُمْ تَنْزِيها\rوكل نص: المراد بالنص - في هذا الموضع - ما قابل الإجماع والقياس والاستنباط، وهو منحصر في الدليل من الكتاب أو السنة، سواء أكان صريحاً أو ظاهراً، وليس المراد به ما قابل الظاهر كما هو مصطلح علماء أصول الفقه، إذ لو كان هذا المعنى هو المراد - هنا - لما أمكن تأويله.\r-والمراد من التشبيه - في هذا الموطن - المشابهة للحوادث، ومحل الشبهة أن ظاهر بعض النصوص يوهم أن لله تعالى مكاناً، أو جارحة، وهو مخالف لصريح قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}\rوقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}. والمراد من التأويل - هنا - حمل اللفظ على خلاف ظاهره مع بيان المعنى المراد فيحكم المكلف بأن اللفظ مصروف عن ظاهره قطعاً، ثم يؤول اللفظ تأويلاً تفصيلياً بأن يبين فيه المعنى الذي يظن أنه المقصود من اللفظ. والمراد من التفويض صرف اللفظ عن ظاهره، مع عدم التعرض لبيان المعنى المراد منه، بل يترك ويفوض علمه إلى الله تعالى، بأن يقول: الله أعلم بمراده.\rوقبل أن نبين مذهبي السلف والخلف نورد تعريف كل من المحكم والمتشابه.","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"-تعريف المحكم: المحكم - لغة - المتقن الذي لا يطرأ إليه الفساد، وأحكمه أتقنه فاستحكم ومنعه عن الفساد. واصطلاحاً: ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى. والآيات المحكمات هي التي أحكمت فلا يحتاج سامعها إلى تأويلها لبيانها، فلا تحتمل التصريف، ولا التحريف، ولا يحتاج سامعها إلى تأويلها، وهي قطعية الدلالة على المعنى المراد. قال ابن كثير فالآيات المحكمات هن حجة الرب، وعصمة العبد ودفع الخصم الباطل، ليس لهن تصريف، ولا تحريف عما وضعن عليه، ولا يطرأ عليهن احتمال أو اشتباه وقال الرازي: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً. وقال أبو السعود: هي قطعية الدلالة على المعنى المراد، محكمة العبارة، محفوظة من الاحتمال والاشتباه.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"تعريف المتشابه: والمتشابه - لغة - هو اسم لكل ما لا يهتدي إليه الإنسان لأن من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز بينها. والشبه: المثل، وشابهه: أمثله، وأمور مشتبهة: مشكلة والشبه والشبيه: حقيقتها في المماثلة من جهة الكيفية، كاللون والطعم، والعدالة والظلم. والشبهة: هو أن لا يتميز أحد الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه عيناً كان أو معنى وأصل التشابه: أن يشبه اللفظُ اللفظَ في الظاهر والمعنيان مختلفان، قال تعالى في وصف ثمار الجنة: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً} أي: متفق المناظر، مختلف الطعوم. وأما اصطلاحاً: فالمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته لغيره، إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى، وقال في شرح المنار: هو اسم لما انقطع معرفة الرجاء منه. وقال ابن كثير: فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم أي هو النص المشتبه من حيث لفظه أو من حيث معناه، والمحتمل للتصريف والتحريف، والذي يحتاج سامعه إلى تأويله فليس قطعي الدلالة على المعنى المراد، وتتظاهر الأدلة العقلية على أن ظاهره غير مراد، وقال القرطبي: المتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد. وقال الرازي: المتشابهات هي التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها، فذاك الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى به غير ظاهره. وقال أبو السعود: هن المحتملات لمعان متشابهة، لا يمتاز بعضها من بعض في استحقاق الإرادة بها، ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق فالتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني، وصف به الآيات على طريق وصف الدالَّ بوصف المدلول، وقال النسفي: المتشابهات: المحتملات، مثال ذلك: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء، ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم، وهو قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وعرّف السبكي المتشابه بأنه \"كل ما ورد في الكتاب أو السنة الصحيحة موهماً مماثلته تعالى للحوادث في شيء ما، وقامت الدلائل القاطعة على امتناع ظاهره في حق الله تعالى. ولذا أجمع السلف والخلف على تأويله تأويلاً إجمالياً (أي بصرف اللفظ عن ظاهره المحال على الله تعالى) لقيام الأدلة القاطعة على أنه تعالى ليس كمثله شيء.\rوبناء على التعريفين السابقين يتبين أن المحكم: 1- هو النص الذي لا تعرض فيه شبهة من حيث لفظه، ولا من حيث معناه، فلا يحتمل التصريف والتحريف. 2- وهو الذي لا يحتاج سامعه إلى تأويله فهو قطعي الدلالة على المعنى المراد. 3- وهو الذي تظاهرت الأدلة العقلية على أن ظاهره هو المراد.\rوالمتشابه هو: 1- النص المشتبه من حيث لفظه، أو من حيث معناه، فهو يحتمل التصريف والتحريف. 2- والذي يحتاج سامعه إلى تأويله فليس قطعي الدلالة على المعنى المراد. 3- والذي تتظاهر الأدلة العقلية على أن ظاهره غير مراد.\r-السلف والخلف: وقد اتفق السلف (وهم من كانوا من أهل العلم قبل نهاية القرن الثالث الهجري، وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم والأئمة الأربعة وكبار علماء مذاهبهم) والخلف (وهم من كان من العلماء بعد نهاية القرن الثالث الهجري) على صرف النصوص المتشابهة عن ظواهرها المستحيلة، واعتقاد أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعاً، كيف وهذه الظواهر باطلة بالأدلة القطعية، وبما هو معروف عن الشارع من الآيات المحكمات قال الإمام السبكي رحمه الله: أجمع السلف والخلف على تأويل الآيات المتشابهة تأويلاً إجمالياً بصرف اللفظ عن ظاهره المحال على الله تعالى، لقيام الأدلة القاطعة على أنه تعالى مخالف للحوادث.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"ثم بعد اتفاقهم على صرف النص عن ظاهره ذهب السلف إلى تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله تعالى وحده بعد تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة. وطريقتهم هذه تشتمل على السلامة من تعيين معنى لا نستطيع أن نجزم أنه مراد الله تعالى، ولأن التأويل التفصيلي أمر مظنون بالاتفاق، والقول في صفات الله تعالى بالظن غير جائز، وربما أوّلت الآية على غير مراد الله تعالى فيكون سبباً للوقوع بالزيغ.\r-وذهب الخلف إلى حمل اللفظ على معنى يسوغ في اللغة، ويليق بالله تعالى. وقد كان إمام الحرمين يذهب هذا المذهب ثم رجع عنه وقال: الذي نرتضيه ديناً، وندين الله به عقداً، اتباع سلف الأمة، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها. وطريقة الخلف تشتمل على مزيد إيضاح، ولا يلجأ إليها إلا عند الضرورة بأن نخشى على عقيدة إنسان من الذهاب. وحاصل المذهبين أن الخلف والسلف قد اتفقوا على وجوب تنزيه الله تعالى عما دل عليه ظاهر اللفظ، وتفسير المتشابه على ضوء المحكم من الآيات كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} فهاتان الآيتان من المحكم الذي لا شبهة في معناه، فاتفقوا على أن الله تعالى لا يشبهه شيء من المخلوقين وصفاتهم وأحوالهم، ثم وَكَلّ السلف تحليل معاني النصوص المتشابهة وشرحها إلى الله عز وجل مع الإيمان بأنه تعالى لا مثيل له، وبأنه منزه عن الجارحة والمكان. وأما الخلف فقد آثروا أن يحملوا ألفاظ الآيات المتشابهة على محمل يليق بذات الله تعالى، مع التزام الدلالة اللغوية وعدم الخروج عليها، أو التكلف في معالجتها. وحجتهم في التأويل: أن المطلوب صرف اللفظ عن مقام الإهمال الذي يوجب الحيرة، وما دام في الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم، دون معارضة القطعي المحكم، فالنظر قاض بوجوبه انتفاعاً بما ورد. وقد تقدم أن حمل الكلام على بعض المعاني المحتملة في النصوص القطعية لا يورث القطع بأنها مراد الله تعالى.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"-بعض النصوص المتشابهة: من النصوص المتشابهة قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}\rفهذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها ما يستحيل في حق الله تعالى، وكلمة الاستواء فيها تحمل عدة معان ولا يرجح إرادة أحدها دون الآخر مرجح، وقد تظاهرت الأدلة النقلية والعقلية على استحالة ظاهرها، لأن فيه مشابهته سبحانه بالمخلوقات، ويحتاج سامعها إلى تأويلها، فالاستواء يحتمل الاعتدال، والقصد، والاستيلاء، والعلو والارتفاع (الحسيين) والاقتدار.. إذن هي مشتبهة من حيث معناها.\rقال الإمام تقي الدين أبو بكر الحصني: وأعلم أن الاستواء في اللغة على وجوه، وأصله \"افتعال من السواء أي العدل والوسط\" وله وجوه في الاستعمال منها: الاعتدال، كقول بعض بني تميم: استوى ظالم العشيرة والمظلوم، أي اعتدلا. ومنها: إتمام الشيء كقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} ومنها القصد إلى الشيء كقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ومنها: الاستيلاء كقول الشاعر:\rإذا ما غزى قوماً أباح حريمهم *** وأضحى على ما مُلّكوه قد استوى\rومنها الاستقرار كقوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} وهذه صفة المخلوق الحادث قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} وقد نزه نفسه سبحانه عن ذلك في كتابه العزيز في أكثر من موضع. وقال النسفي في تفسيره: متشابهات: محتملات، مثال ذلك:\r{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فالاستواء يكون بمعنى الجلوس أو القدرة أو الاستيلاء. ولا يجوز الأول على الله بدليل المحكم، وهو قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقال السبكي: وللفظ الاستواء مجازات كثيرة لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بالإجماع.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"2- ومنها أيضاً قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} وقوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}\rفلفظة فوق تحتمل عدة معان، فهي تستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة، فهي مشتبهة من حيث معناها. قال الراغب، فوق: يستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة، وذلك أضرب.\rوقال الغزالي: إذا سمع لفظ \"فوق\" في قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} فَلْيُعْلَمْ أن الفوق اسم مشترك لمعنيين، أحدهما: نسبة جسم إلى جسم، بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل، أي أن الأعلى من جانب رأس الأسفل. وثانيهما: قد تطلق الفوقية ويراد بها الرتبة، كما يقال: الخليفة فوق السلطان. والمؤمن يعتقد أن المعنى الأول غير مراد قطعاً، وأنه على الله تعالى محال، لأنه من لوازم الأجسام، أو لوازم أعراض الأجسام. فالآيتان إذن من النصوص المتشابهة، لأن ظاهرهما المتبادر يستحيل في حق الله إذ أنه يوجب مماثلته سبحانه للحوادث، كما أنه لا يوجد فيهما دليلٌ قاطعٌ على المعنى المراد من المعاني المحتملة لهما. قال الإمام شمس الدين محمد اللبان: صفة الفوقية وقد جاء بها الكتاب والسنة كقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} وهو معدود من المتشابه.\r3- ومنها قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} فلفظة الوجه ظاهر معناها يفيد الجارحة، والله تعالى منزه عن الجوارح، لأن الوجه هو الذي تقع به المواجهة، فهي لفظة ظاهرها فيه تشبيه الخالق بالمخلوق. قال الراغب: أصل الوجه الجارحة. فهي إذن مشتبهة من حيث لفظها.","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"4- ومنها قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ} وقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} وقوله صلى الله عليه وسلم \"يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقىَ ثُلُتُ اللَّيْلِ الأخير، ويقول: (مَنْ يَدْعُوني فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسألُني فأُعْطِيهُ مَنْ يَسْتغْفِرُني فأغفِرَ لَهُ\". فهذه النصوص من المتشابه في الجسمية، كما تفيده كلمة: الإتيان، والمجيء والنزول. لأن كلاً من هذه الكلمات يفيد الانتقال الملازم للجسمية. قال الراغب: الإتيان مجيء بسهولة.. ويقال للمجيء بالذات، وبالأمر، وبالتدبير، ويقال في الخير، وفي الشر، وفي الأعيان، وفي الأعراض. قال تعالى: {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ} وقال: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} وقال الراغب: المجيء كالاتيان، لكن المجيء أعم، لأن الإتيان مجيء بسهولة..\rويقال: جاء في الأعيان والمعاني، ولما يكون مجيئة بذاته، وبأمره، ولمن قصد مكاناً أو عملاً أو زماناً. قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ} وقال: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} وقال: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً} وقال في معنى النزول: النزول في الأصل انحطاط من علو... وإنزال الله تعالى نِعَمَه ونِقَمَه على الخلق إما بإنزال الشيء نفسه، كإنزال القرآن، أو بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد واللباس. قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} وقال: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}.","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"وقال الغزالي: النزول اسم مشترك، قد يُطلق إطلاقاً يفتقر إلى ثلاثة أجسام، جسم عال، هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من السافل إلى العالي، ومن العالي إلى السافل، فإن كان من أسفل سُمي صعوداً وعروجاً ورقياً، وإن كان من عُلوٍ سمي نزولاً وهبوطاً. وقد يطلق على معنى آخر، ولا يفتقر إلى تقدير انتقال وحركة في الجسم، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ} وما رؤي البعير نازلاً من السماء بالانتقال، بل هي مخلوقة في الأرحام. وكما قال الشافعي: دخلت مصر فلم يفهموا كلامي، فنزلت ثم نزلت ثم نزلت. فلم يرو انتقال جسمه إلى أسفل ويتحقق المؤمن أن النزول في حق الله تعالى ليس بالمعنى الأول قطعاً، وهو انتقال من علو إلى أسفل، لأنه سبحانه ليس بجسم.\r5- ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ تَعَالىَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ). وقوله: \"إنّني رَأَيْتُ رَبِيَّ في أَحْسَنِ صُوَرةٍ\". فالصورة اسم مشترك، قد يُطلق ويُراد به الهيئة الحاصلة من أجسام مختلفة مرتبة ترتيباً مخصوصاً، مثل الأنف والعين وغيرهما، وقد يُطلق ويُراد به ما ليس بجسم ولا هيئة في جسم، كقولك: عرفت صورة المسألة والمعنى الأول يستحيل في حق الله تعالى.","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"-موقف السلف من المتشابهات: بعد ما سقنا بعضاً من النصوص المتشابهة آنفاً نذكر الآن موقف كلٍ من السلف والخلف تجاهها: إن الخلف ذهبوا - بعد أن نزّهوا الله تعالى عن الظاهر المتبادر من هذه النصوص - إلى التأويل التفصيلي، فقالوا إنّ المراد بالاستواء الاستيلاء والقهر من غير معاناة ولا تكلف، واللغة تتسع لهذا المعنى الذي عينوه، لأن استوى - لغة - تكون بمعنى استولى وقهر، أو دبر وحكم، أو اعتدل وقصد، أو علا وارتفع. وإن المراد بالوجه الذات، وباليد القدرة، وبالصورة الصفة من سمع وبصر وعلم وحياة، فهو على صفته على الجملة وإن كانت صفته تعالى قديمة وصفة الإنسان حادثة وإن المراد باليمين في قوله تعالى: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} القوة، وبالفوقية: العلو المعنوي دون الحسي، وبالمجيء: مجيء الأمر، وبالعندية في قوله: {وعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ} الإحاطة والتمكن، وبالعين في قوله:\r{ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي}. التربية والرعاية.\rوقد ذهب السلف إلى تفويض علم المراد من هذه النصوص إليه سبحانه.\r-قال الزّرْقاني: المذهب الأول مذهب السلف، ويُسمى مذهب المفوضية وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده بعد تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة، ويستدلون على مذهبهم بدليلين.\rأحدهما عقلي: وهو أنّ تعيين المراد من هذه المتشابهات إنما يجري على قوانين اللغة واستعمالات العرب، وهي لا تفيد إلا الظن مع أنّ صفات الله من العقائد التي لا يكفي فيها الظنّ بل لابد فيها من اليقين، ولا سبيل إليه، فلنتوقف، ولنكل التعيين إلى العليم الخبير.\rوثانيهما نقلي: ويعتمد على عدة أمور منها أن الوقف في الآية الكريمة: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ...} على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} ولا مناص لمن أراد الاحتراز عن الزيغ من أن يمتنع عن التأويل والتفسير والتصريف.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"-ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد أن قرأ قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} وما أخرجه ابن مردويه عن أبيه عن جده: (أَنه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ على أًصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَهُمْ يَتَراجَعونَ في القَدَرِ، فَخَرجَ مُغْضَباً حتَّى وَقَفَ عَلَيْهم فَقَالَ: يا قَوْمِ! بِهذَا ضَلَّتِ الأُمَمْ قبْلَكُمْ، باخْتِلافِهِمْ عَلى أَنْبِيائِهمْ وضَرْبِهِمُ الْكتابَ بَعْضَه بِبَعْضٍ، وإنَّ القُرآنَ لم يُنَزَّلْ لِتَضْرِبُوا بَعْضَه بِبَعْضٍ ولكِنْ نَزَلَ القرآنُ ليُصِّدَقَ بَعْضُهُ بَعْضاً، ما عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلوا بِهِ، وَمَا تَشَابَهَ فآمِنُوا بِهِ).\rوحديث أبي مالك الأشعري، وفيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا أَخافُ على أُمَّتي إلاَّ ثلاثَ خِلالِ: أَنْ يُكَثّرَ لَهُمُ المالُ فَيَتَحَاسَدُوا فَيَقْتَتلوا، وأنْ يُفْتَحَ لهُمُ الكتابُ فيأخذَهُ المؤمنُ يَبْتغَي تأويلَهُ، وما يعلمُ تأويلَهُ إلاَّ اللهُ. والراسخُونَ في العِلْمِ يَقُولونَ آمنَّا به، وأنْ يَزدَادَ عِلْمُهُمْ فَيْضيّعُوه، ولا يُسْألُ عَنْهُ\".","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"-ومنها ما رواه سليمان بن يسار أن رجلاً يقال له \"صَبيغ\" أو (صبْيَغ) قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه وقد أعد له عراجين النخل فقال له: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله ابن صبيغ. فأخذ عمر عرجوناً فضربه حتى دَمي رأسه، فتركه حتى برأ، ثم عاد، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري: \"ألا يجالسه أحد من المسلمين\". وقد ورد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فقالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر. وورد أن عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين قالوا عن الحروف التي في أوائل السور هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سرٌ، فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ويجب ألاَّ يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها، وتمرُّ كما جاءت. وقد روي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما.\r-وإليك بعض أقوال السلف رحمهم الله تعالى في المتشابه:\rقال جابر بن عبد الله: المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه. ونقل عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر: قال أبو بكر الأنباري: فهذا يوضّح أن حروفاً من القرآن استترت معانيها عن جميع العالم اختباراً من الله عز وجل وامتحاناً، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثمّ وبَعُدَ.\rوجاء عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال حين سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، ثم قال للسائل: وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني. وقد عقب العلامة ملا علي قاري على قول الإمام مالك بقوله: وهذه طريقة السلف، وهي أسلم.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وسئل الإمام الأوزاعي عن تفسير قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كما قال، وإني لأراك ضالاً. وقد عقب ابن الصلاح على هذا بقوله: على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها، وإياه اختار الأئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحدٌ من المتكلمين من أصحابنا يصدق عنها ويأباها.\rوقد سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال: استوى كما أخبر، لا كما يخطر للبشر.\rولما سئل الشافعي قال: آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي عن الإدراك، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك.\rوقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: نُثْبِتُ هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عن الله كما نفاه عن نفسه فقال: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءُ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}\rوقال الترمذي عند حديث: (إنْ اللهَ يَقْبلُ الصَّدقَةَ ويأْخْذُها بيمِيِنِه).\rوقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه: يؤْمَنُ به ولا بتَوَهّمْ، ولا يقال. كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: اْمِرُّوها بلا كيف \"وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة\".\rونقل الشهرستاني أن الأئمة: مالكاً والشافعي وأحمد لم يتعرضوا للتأويل واحترزوا عن التشبيه أيما احتراز، حتى قالوا: من حرك يده عند قراءة قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أو أشار بأصبعه عند رواية. \"قَلْبُ المؤِمْنِ بَيْن أصْبُعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ الرَّحمْنِ\". وجب قطع يده وقطع أصبعه.\rوقد قال الإمام النووي بعد أن ذكر حديث النزول.. وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان، أحدهما: تأويله على ما يليق بصفات الله تعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين.","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"ثانيهما: الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث. لقوله تعالى: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال: لا نعلم المراد بهذا، ولكن نؤمن به مع اعتقاد أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى.\rوقال الشيخ زين الدين قاسم الحنفي: قالت الشافعية: الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيفية، وكذلك جميع المتشابهات، وقال مشايخنا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} لا يعلم تأويله إلا الله، وكذلك جميع المتشابهات.\rوحكى التكساري وغيره أن سلفنا قالوا في جملة المتشابه: نؤمن به ونفوض تأويله إلى الله تعالى مع تنزيهه عما يوجب التشبيه والحدوث.\rوقال ابن الجوزي في زاد المسير: أجمع السلف على ألا يزيدوا على تلاوة الآية، فلا يقولون. مستو على العرش (لأن اسم الفاعل يدل على كون المشتق متمكناً ومستقراً، بخلاف لفظ الفعل، إذ دلالته على هذا المعنى ضعيفة) ولا يبدلون لفظة \"على\" بلفظة \"فوق\".\rوقال العيني: ثم إن الجمهور سلكوا في هذا الباب الطريقة الواضحة السالمة، وأجروا على ما ورد مؤمنين به، منزهين الله تعالى عن التشبيه والكيفية، وهم الزهري، والأوزاعي، وابن المبارك، ومكحول، وسفيان الثوري، ومنهم الأئمة الأربعة: مالك، وأبو حنيفة والشافعي، وأحمد.\rوقال القرطبي: إن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها (أي الآيات المتشابهات) مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون: أمِرُّوها كما جاءت.\rوقال الإمام فخر الرازي موضحاً مذهب السلف: حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها.","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"وقال العلامة اللقاني فالسلف ينزهونه سبحانه عما يوهمه ذلك الظاهر من المعنى المحال، ويفوضون علم حقيقته على التفصيل إليه تعالى، مع اعتقاد أن هذه النصوص من عنده سبحانه، فظهر مما قررنا: اتفاق السلف والخلف على تنزيه الله سبحانه عن المعنى المحال، وعلى الإيمان بأنه من عند الله.\rوقال صاحب الخريدة...: وأجاب أئمتنا، أي سلفهم: بأن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى إيثاراً للطريق الأسلم. {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ}\rوقال الإمام البيضاوي في تفسيره..: وعن أصحابنا أنّ الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف، والمعنى أن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزهاً عن الاستقرار والتمكين.\rولكي ينقض آخر حجر في بناء المشبهة والمجسمة وأصحاب الأهواء والبدع الضالة، ولكي لا تبقى شبهة في خاطر ضعيف، ولأجل أن تبقى شمس الحقيقة بازغة تذيب كل وسوسة شيطان، وتحرق كل زخرف قول، لكل هذا نورد - ختاماً - قول ابن كثير عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} قال: فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى، فإن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَمِيْعُ البَصِيْر}\r-حقيقة المذهب السلف:\rوقد جمع الإمام الغزالي في كتابه إلجام العوام نقاطاً لخص بها مذهب السلف فقال: وحقيقة مذهب السلف، وهو الحق عندنا أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث (أي المتشابهة) من عوام الخلق يجب عليه أمور:\rأولاً - التقديس: وهو تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها.","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"ثانياً - التصديق: وهو الإيمان بما قاله صلى الله عليه وسلم، وأن ما ذكره حق، وهو فيما قاله صادق، فإنه حق على الوجه الذي قاله وأراده.\rثالثاً - الاعتراف بالعجز: وهو أن يقرر بأن معرفة مراده ليس على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته.\rرابعاً - السكوت: وهو أن لا يسأل عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مُخاطِرٌ بِديِنِه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض.\rخامساً - الإمساك: وهو أن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى أو الزيادة فيه، والنقصان منه، والجمع والتفريق بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ، وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب، والتصريف، والصيغة.\rسادساً - الكف: وهو أن يكف باطنه عن التصرف فيه.\r-وَرُمْ تنزيهاً: بعد أن بين مذهب السلف والخلف في كل من المحكم والمتشابه قال: اقصد تنزيهاً له تعالى عما لا يليق به، مع تفويض علم المعنى المراد من النصوص المتشابهة، وقد ظهر مما قررناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي (وهو نفي الظاهر الموهم من النص) ثم فوض السلف معرفة حقيقته لله تعالى، وأول الخلف بما يتفق مع التنزيه واللغة.","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"-الحكمة من إنزال المتشابه: وأما الحكمة من إنزال المتشابه - مع أنه كتاب أنزل للقراءة والفهم - فهي كما قال ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها ومذاهبها في الإيجاز والاختصار والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقن، وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما خفي. ولو كان القرآن كله ظاهراً مكشوفاً حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة وماتت الخواطر. على أن الإعجاز القرآني - كما قاله الدكتور سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى - في جملته قائم على البحث والنظر في أمور، منها الخفي والجلي، ومنها الدقيق والأدق، واللطيف والألطف، وإلا فكيف تتبع المعاني، وتأتي الدهشة لها، إذا كان جميعها من الظهور بحيث تنكشف لكل ناظر مهما تفاوتت درجة العلم ورتبة الفهم. ونافلة في إظهار الحكمة من إنزال الآيات المتشابهات ما قاله ابن اللبان في كتابه \"رد الآيات المتشابهات\" إن الحكمة من ورود هذه الآيات هو: أنه من المعلوم أن أفعال العباد لابد فيها من توسط الجوارح، مع أنها منسوبة إليه تعالى، وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياتها مظهرين: مظهر عبادي منسوب لعباده، وهو الصور والجوارح الجسمانية، ومظهر حقيقي منسوب إليه، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية المنسوبة لعباده على سبيل التقريب لإفهامهم، والتأنيس لقلوبهم.\rوقد نبه تعالى في كتابه على القسمين، وأنه منزه عن الجوارح في الحالين: فنبه على الأول بقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} فهذا يُفْهِمُ أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى، ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: \"...ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها.. الخ\".\rوقد حقق الله تعالى ذلك لنبيه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}. وبقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"41- ونزِّه القرآنَ أيْ كلاَمهْ *** عنْ الحُدوْثِ واحْذَرِ انتِقامَهْ\rونزه القرآن: أي اعتقد أيها المكلف تنزه القرآن - بمعنى كلامه تعالى - عن الحدوث، خلافاً للمعتزلة القائلين به زعماً منهم أن من لوازمه الحروف والأصوات وذلك مستحيل عليه تعالى. فكلامه سبحانه - عندهم - مخلوق وأن الله تعالى خلقه في بعض الأجرام.\r-ومذهب أهل السنة أن القرآن الكريم - بمعنى الكلام النفسي - ليس بمخلوق وأما القرآن - بمعنى اللفظ الذي نقرؤه - فهو مخلوق. لكنه يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق، ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم. لأنه ربما أوهم أن القرآن - بمعنى الكلام النفسي - مخلوق. ولذلك امتنعت الأئمة عن القول بخلق القرآن، وقد وقع في ذلك امتحان كبير لخلق كثير من أهل السنة. فقد خَرَج البخاري رضي الله عنه فارْاً وقال: اللهم اقبضني إليك غير مفتون. فمات بعد أربعة أيام. وقد سجن عيسى بن دينار عشرين سنة. وسئل الشعبي رضي الله عنه فقال: أما التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فهذه الأربعة - وأشار إلى أصابعه - حادثة، فكانت سبب نجاته. وقد اشتهرت عن الشافعي رضي الله عنه أيضاً، وحبس الإمام أحمد، وضرب بالسياط حتى غُشي عليه ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للإمام الشافعي في الرؤيا: بشر أحمد بالجنة على بلوى تصيبه في خلق القرآن. فأرسل الشافعي لأحمد كتاباً ببغداد يخبره فيه برؤياه، فلما قرأه الإمام أحمد بكى، ودفع للرسول قميصه الذي يلي جسده، وكان عليه قميصان، فلما دفع للشافعي غسله وادهن بمائه.\r-أي كلامه: لما كان الأكثر إطلاق القرآن على اللفظ المقروء دفع توهم ذلك بتفسيره بكلامه تعالى. والمراد تنزيه القرآن - من حيث هو كلامه النفسي الأزلي.\r-عن الحدوث: أي الوجود بعد العدم، فليس مخلوقاً بل هو صفة ذاته العلية.\r-واحذر انتقامه: أي خف الانتقام منك إن قلت بحدوثه.","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"42 - فكلُّ نصٍ للحدوث دلا *** إحْمِلْ علىَ اللَّفْظِ الَّذي قد دلاَ\rفكل نص للحدوث دلا: هذا جواب عما تمسك به المعتزلة من النصوص الدالة على الحدوث، سواء وردت في القرآن الكريم أو في السنة، من مثل قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} فكل نص دل ظاهره على حدوث القرآن يحمل على اللفظ المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم أي على القرآن بمعنى اللفظ، لا بمعنى الكلام الذي هو المعنى النفسي الأزلي القائم بذاته تعالى. واللفظ المنزل هو اللفظ المتعبد بتلاوته، المتحدي بأقصر سورة منه. ومعنى المتعبد بتلاوته: أن من خصائص هذا الكتاب الكريم، أن مجرد قراءته تكسب القارىء أجراً ومثوبة من الله تعالى، وأن ذلك يعتبر نوعاً من العبادة المشروعة، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءة شيء منه. وهو الذي خلقه الله تعالى أولاً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا في محل يقال له: بيت العزة، في ليلة القدر.\rكما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}. وقال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}. ثم أنزله على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً بحسب الوقائع كما قال: \"نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمينُ على قَلْبِكَ\".\r-الذي قد دلا: أي كل نص دل على الحدوث يحمل على القرآن بمعنى اللفظ المقروء الدال على الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى بطريق الالتزام. لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم.","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"43 - وَيستحِيلُ ضِدُّ ذي الصِّفاتِ *** في حَقّهِ كالكوْنِ في الجِهاتِ\rويستحيل: هذا شروع في ثالث الأقسام المتقدمة في قوله: فكل من كلف شرعاً وجبا عليه أن يعرف ما قد وجبا، لله والجائز والممتنعا، ولاشك في علم استحالة هذا القسم من وجوب القسم الأول له تعالى، وإنما تعرض له المصنف - هنا - على طريق القوم من عدم اكتفائهم بدلالة الالتزام ولا بدلالة التضمن بل مالوا إلى الدلالة المطابقية لخطر الجهل في علم العقيدة. وضد الصفات الواجبة المار ذكرها يشمل الأمر الوجودي والعدمي. وليس المراد بالضد الأمر الوجودي فقط.\r-ضد ذي الصفات في حقه: أي يستحيل ضد الصفات الواجبة في حقه تعالى وهذه الأضداد المنفية هي: 1 - العدم 2 - الحدوث 3 - طرو العدم أي الفناء 4 - المماثلة للحوادث","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"فليس بجرم سواء كان جسماً مركباً، أو جوهراً فرداً غير مركب، وليس بعرض قائم بجرم (لأنه متصف بالحياة والعلم والإرادة والقدرة وغيرها من صفات المعاني، وليس العرض كذلك إذ لا تعقل هذه الأوصاف إلا لموجود قائم بنفسه) وليس في جهة للجرم، بأن يكون فوق العرش أو تحته أو عن يمينه أو عن شماله، ونحو ذلك، وليس له جهة بأن يكون له فوق أو تحت أو يمين أو شمال ونحو ذلك، لأن الجهات الست حادثة بإحداث الإنسان ونحوه يمشي على رجليه، فإن معنى الفوق ما يحاذي الرأس، وهكذا في سائر الجهات، فقبل خلق العالم لم تكن جهات، لذا كانت الجهات اعتبارية تقبل الانتفاء. فلو كان كل حادث مستديراً كالكرة - مثلاً - لما وجدت هذه الجهات. ولو كان الله سبحانه وتعالى في جهة لكان جوهراً أو جسماً، وهما باطلان في حقه تعالى. ومن أراد جهة غير الجهات الست المعروفة فقد أخطأ في التعبير لعدم وروده في اللغة - هذا إن قصد التنزيه - وإلا فيرد عليه لفساده فإن قيل فما بال الأيدي ترفع إلى السماء عند الدعاء، وهي جهة العلو؟ أجيب بأنها قبلة الدعاء تستقبل بالأيدي، كما أن البيت قبلة الصلاة يستقبل بالصدر والوجه، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه - قطعاً - عن الحلول بالبيت أو بالسماء، ولا يتصف سبحانه بالصغر أو الكبر، بمعنى قلة الأجزاء أو كثرتها، وهذا لا ينافي أنه تعالى كبير في المرتبة والشرف. قال سبحانه: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي}\rولا يتصف بالأغراض في الأفعال والأحكام، إذ ليس خلقه الأكوان لمصلحة باعثة على ذلك الخلق، وهذا لا ينافي أنه لحكمة، لأنه إن انتفت الحكمة كان عبثاً، وهو محال في حقه سبحانه. وكذلك إيجابه الصلاة - مثلاً - علينا، فهو ليس لغرض باعث، وإن كان لحكمة.\r5- ويستحيل عليه ألاّ يكون قائماً بنفسه، بأن يكون صفة يقوم بمحل، أو يحتاج إلى مخصص.","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"6- ويستحيل: ألاّ يكون واحداً بأن يكون مركباً، أو يكون له مماثل في ذاته، أو يكون في صفاته تعدد من نوع واحد، كقدرتين، أو إرادتين - مثلاً - أو يكون لأحد صفة كصفته تعالى، أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال. لهذا قال العلامة السعد:.. وقد يفسر شمول قدرته سبحانه بأن ما سوى الذات والصفات من الموجودات واقع بقدرته وإرادته ابتداء، بحيث لا مؤثر سواه، وهذا مذهب أهل الحق من المتكلمين، وقليل ما هم، وهذا كله ضد الوحدانية.\r7- ويستحيل أن يكون عاجزاً عن ممكن ما، وهذا ضد القدرة.\r8- ويستحيل أن يوجد شيئاً من العالم مع الإكراه، أو يعدمه مع الإكراه، أو مع النسيان، أو مع السهو، أو مع التعليل (بأن يكون سبحانه علة تنشأ عنه الخلائق من غير اختيار، كحركة الخاتم بحركة الإصبع). ونحو نقول: \"الخالق لحركة الإصبع ولحركة الخاتم هو الله تعالى من غير تأثير أحدهما في الآخر البتة\" أو مع الطبع بأن يكون البارئ سبحانه طبيعة تنشأ عنه الخلائق من غير اختيار، كالنار تحرق بشرط المماسة لها بطبعها عندهم، ونحن نقول:المؤثر في الإحراق هو الله تعالى، ولا تأثير للنار فيه أصلاً. وهذا كله ضد الإرادة.\r9- ويستحيل في حقه الجهل وما في معناه، كالظن والشك والوهم والنوم، وهذا ضد العلم. 10- ويستحيل في حقه الموت وهو ضد الحياة. 11- ويستحيل البكم النفسي، وهو ضد الكلام. 12- والعمى وهو ضد البصر. 13- والصمم هو ضد السمع. 14- حتى 20 ويستحيل كونه عاجزاً. أو مكرهاً. أو جاهلاً. أو ميتاً. أو أبكم. أو أعمى. أو أصم.","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"-كالكون في الجهات: هذا مثال من أمثلة المماثلة للحوادث، أي مما يستحيل في حقه تعالى أن يكون في جهة من الجهات الست. ولقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق، وأتوا في حديثهم عنها بما لم يأذن به الله، ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه، وتحتمل الكفر والإيمان، حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات، فهم قوم قد تصوروا الذات الإلهية كما صورتها لهم أخيلتهم، ثم راحوا يستنهضون ظواهر بعض آيات من كتاب الله تعالى إلى تلك الأخيلة لتصدقها ومن الزيغ أنهم يواجهون العامة وأشباههم بما اعتقدوه، ومن المؤسف أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح، ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون، ومن أقوالهم أن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وأن له من الجهات الست جهة الفوق، وأنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقياً، بمعنى: أنه استقر استقراراً حقيقياً غير أنهم يعودون للقول: بأنه ليس كاستقرارنا، وليس على ما نعرف، وليس لهم مستند في ذلك إلا التشبث بالظواهر، ولقد تجلى مذهب السلف والخلف آنفاً، وفيه: أن حمل متشابهات الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأياً لأحد من المسلمين، إنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى، وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة. أما المسلمون فأمور العقائد - عندهم - معتمدة على الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس بجسم، ولا متحيزاً، ولا متجزئاً ولا متركباً، ولا محتاجاً لأحد لا مكان ولا زمان، ولا حالاً فيهما. ولقد جاء القرآن الكريم بهذا في محكماته إذ قال: {لَيسَ كمثْلهِ شيءٌ}. وقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}. وقال: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}. وقال:","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. وغير هذا كثير في الكتاب والسنة، وكل ما جاء مخالفاً بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات الذي لا يجوز اتباعها. ثم إن هؤلاء المتشبهين بالسلف - وما هم منهم، ولا من الخلف - متناقضون في أنفسهم، لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث، كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقيقتها ينفون هذه اللوازم، مع أن القول بثبوت الحقائق ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه عاقل فضلاً عن طالب علم أو عالم فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة: إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم الجرمية والتحيز.\rوقولهم بعد ذلك: ليس هذا الاستواء على ما نعرف، يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم الجرمية والتحيز. فكأنهم يقولون: إنه مستو غير مستو، أو متحيز غير متحيز، وجسم غير جسم، أو الاستقرار فوق العرش ليس هو الاستقرار فوقه، إلى غير ذلك من الاسفاف والتهافت.","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"نعم، إن أرادوا بقولهم: \"الاستواء حقيقة\" أنه على حقيقته التي يعلمها الله تعالى، ولا نعلمها نحن، فقد اتفقنا، لكن يبقى أن تعبيرهم هذا موهم ولا يجوز أن يصدر عن مؤمن خصوصاً في مقام التعليم، وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول: \"بأن اللفظ حقيقة أو مجاز\" لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده، ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة، والاستواء لغة: يدل على ما هو مستحيل على الله تعالى في ظاهره، فلابد - إذن - من صرفه عن هذا الظاهر. واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة - لا محالة - إلى المجاز، ما دامت ثمة قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. ثم إن كلامهم هذا على هذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم، فكيف يواجهونهم به، وفي ذلك من الإضلال وتمزيق الأمة ما فيه؟ الأمر الذي نهانا القرآن الكريم عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بابن صبيغ وجعل مالكاً يقول ما يقول، كما مرّ في بحث سابق. ولو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الأخبار والآيات والمتشابهات، واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه، وفوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله تعالى وحده لكنهم: 1- لم يسلكوا في النصوص المتشابهة مسلكاً واحداً، فتراهم يجحنون إلى تأويل بعضها. كقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}. وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ}. وقوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْض}. ويتركون بعضها الآخر على ظواهرها ابتغاء إثبات ما قر في أنفسهم من عقيدة الجهة لله تعالى.\r2- ولم يأتوا إلى النصوص المتشابهة وهم مُنَزَّهون، بل هم قد اعتقدوا عقيدة وأرادوا إثباتها، فراحوا يتلمسون النصوص التي يوهم ظاهرها تأييداً لعقيدتهم.","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"-أدلة تهافت مسلكهم: 1- إن الأخذ بظاهر النصوص يوجب تناقضاً، وتشبيهاً لله تعالى بالحوادث، وإليك أمثلة ذلك: في النصوص الموهمة بالجارحة \"قال العلامة فخر الدين الرازي في كتابه أساس التقديس: وأعلم أن نصوص القرآن لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه:\rالأول - أن ظاهر قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} يقتضي أن يكون موسى عليه السلام مستقراً على تلك العين ملتصقاً بها مستعلياً عليها، وذلك لا يقوله عاقل.\rوالثاني - أن قوله تعالى: {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} يقتضي أن تكون آلة تلك الصنعة الأعين.\rوالثالث - أن إثبات الأعين في الوجه الواحد قبيح فثبت أنه لابد من المصير إلى التأويل (أي يصرف النص عن ظاهره المحال في حقه تعالى). ويقال لهم إذا كنتم تُعْمِلون النصوص على ظواهرها حقيقة فأخبرونا: أله عين أم أعين؟! كذلك ما تقولون في: قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} بإفراد اليد، وقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} بتثنيتها وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} بجمعها أله يد أم يدان أم له أيد؟! ويقال لهم أيضاً: إذا كنتم تأخذون بظواهر النصوص على حقيقتها، فكيف توفقون بين هذه النصوص. في النصوص الموهمة للجهة:\r-ورد من الآيات التي يوهم ظاهرها أنه سبحانه وتعالى في السماء. قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. وقوله: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}. وقوله: {أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}. وقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}.","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"-ومن الآيات التي يوهم ظاهرها أنه سبحانه وتعالى في الأرض، قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْض}. وقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ}. وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}. وقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}.\rوقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}. وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ}.\rأفتقولون: إنه في السماء حقيقة أم في الأرض حقيقة أم فيهما معاً حقيقة؟ وإذا كان في الأرض وحدها حقيقة فكيف تكون له جهة الفوق؟ وإذا كان فيهما حقيقة فلماذا يقال: له جهة الفوق، ولا يقال له جهة التحت؟!","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"-ثم ألا تعلمون أن الجهات أمور نسبية، فما هو فوق بالنسبة إلينا يكون تحتاً بالنسبة إلى غيرنا؟ فأين تذهبون؟! وإن راموا تأويل القسم الثاني من الآيات حتى يوافق اعتقادهم الجهة لله سبحانه فيسألون: كيف تسوغون تأويل بعض النصوص مع ترك النصوص الأخرى على ظاهرها، مع أنها كلها متشابهة، ومستحيلة الظاهر في حقه سبحانه؟! أضف إلى ذلك أنه يلزمهم التأويل في كل النصوص، إن أولوا بعضها، والعجيب أنهم قد أتوا إلى النصوص التي تهدم معتقدهم فأولوها بما يتناسب مع أهوائهم، وإلى النصوص التي يوهم ظاهرها تأييداً لما انطووا عليه من اعتقاد الجهة لله سبحانه فتشبثوا بها، ولم ينظروا إلى النصوص المتشابهة كلها نظرة واحدة، كما عليه السلف والخلف رضي الله عنهم بحيث يعتقدون استحالة ظواهرها على الله تعالى، ويفوضون المعاني المرادة منها إلى الله تعالى كما عليه السلف، أو يؤولونها كما هي طريقة الخلف. والحق أنه ليس أحد من السلف فعل ما فعلوه، ولا أحد من الخلف ذهب إليه. كذلك وردت بعض الأحاديث الشريفة المتشابهة التي منها ما يوهم ظاهره بأنه سبحانه في السماء ومنها ما يوهم ظاهره أنه تعالى في الأرض، فيقال فيها كما سبق وبيناه في الآيات، وإليك بعضها:\r-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يَنْزِلُ رَبُنَا في ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخيرْ.. الحديث\" وقد سأل صلى الله عليه وسلم جارية مرة فقال لها: \"أيْنَ الله؟ فَأشَارَت بأصْبُعِها السبّابَة إلى السّماء\".","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"-وقال صلى الله عليه وسلم: \"أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ ربِهِ وَهْوَ سَاجِدٌ، فأكثِروا الدُّعَاءَ\". وقال أيضاً: \"إنَّ اللهَ عز وجل قِبَلَ وَجْهِ أحَدِكُمْ إذا صَلَّى فَلاَ يَبْصُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ\". ويقال لمعتقدي الجهة: كيف تأخذون بظاهر حديث النزول وجلي أن الليل مختلف في البلاد لاختلاف المشارق والمغارب، وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولاً حقيقياً في ثلث ليلهم الأخير، فمتى يستوي على عرشه حقيقة - كما يزعمون - لأن الأرض لا تخلو من ليل في وقت من الأوقات، وهذا لا يماري فيه إلا جهول، كذلك لو كان جل جلاله كما زعموا في جهة، فكيف يكون فيها ويكون بين المصلي وقبلته؟ وكم من المصلين في الزمن الواحد في أقطار الأرض مختلفين متباينين؟\r-مناقضة: لربما جادل معتقدوا الجهة بالباطل فقالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم \"إنَّ اللهَ عزِّ وَجلََّ قِبَلَ وَجْهِ أَحَدِكُمُ..\" من الأحاديث المتشابهة. ويجاب: بأن حديث الجارية كذلك من الأحاديث المتشابهة.","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"ولئن قالوا: هو نص يجب تأويله. يجاب: بأنه لماذا يجب تأويله؟ ألأنه يعارض التنزيه؟ أم لأنه لا يعارض التشبيه؟ فإن وجب لأنه يوهم في ظاهره الحلول والاتحاد، وهما تشبيه له سبحانه بمخلوقاته، لزم أيضاً وجوب تأويل حديث الجارية لأنه يوهم بظاهره أنه سبحانه وتعالى في جهة، ولا يكون في جهة إلا الحادث. ولئن قالوا: حديث الجارية صحيح، وتؤيده النصوص القطعية. أجيبوا: بأن هذا الحديث صحيح أيضاً وتؤيده النصوص القطعية، فقد قال تعالى: {وَهُوَ اللَّهَ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْض} وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} وغيرها كثير. ولئن قالوا: هذا حديث ظني الثبوت. أجيبوا بأن حديث الجارية كذلك. أضف إلى ذلك أنه قد ورد في بعض الروايات أن هذه الجارية كانت خرساء، فأشارت إلى السماء. (فعن أَبي هريرة رضي الله عنه أنّ رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجاريةٍ سوداءَ أَعْجَمِيةٍ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةَ. فقال لها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَيْنَ اللهُ؟ فأشَارَتْ بِرَأْسِها إلى السَّمَاءِ، أو بأصْبُعِهَا السّبَابةِ، فَقَالَ لها رَسُولُ الله: مَنْ أَنَا؟ فأشَارَتْ بأُصُبُعِها إلى رَسُول اللهِ وإلى السّمَاءِ أَي أَنْتَ رَسُولُ اللهِ قال: اعْتِقْها). كذلك سؤال \"أين الله\" لم يكن القاعدة المطردة لمعرفة إيمان من دخل في الإسلام، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام كان يسأل: أتشهدين أن لا إله إلا الله، أو: من ربك؟ فقد ورد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: (أنَّ رجُلاً مِن الأَنْصَارِ جَاءَ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ فَقَالَ: يا رَسُول اللهِ، إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَإنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤِمْنَةً أَعْتِقهْا. فقال لَهَا رَسُولُ اللهِ: أَتَشْهَديْنَ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، ثُمّ قَالَ: تَشْهَدِيْنَ أَنّ","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"مُحمّداً رَسُولُ الله؟ قالتْ نَعَمْ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أعْتِقْهَا) وعن الشريد بن سويد الثقفي قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: إنَّ أمّيْ أَوَصت أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤِمْنَةً، وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ نَوْبِيّةً، أَفَأعْتِقُهَا؟ قالَ: ادعهَا. فَدَعَوْتُهَا فَجَاءَتْ، فَقالَ: مَنْ رَبّكِ؟ قَالَت: اللهُ. قَالَ: فَمَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: رَسُولُ اللهِ. قَالَ: أَعْتِقهَا فَإنَّها مُؤِمْنَةٌ. وقد قال الإمام النووي في شرحه حديث الجارية:.. \"لقد كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه انحصر في السماء، كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان التي بين أيديهم. فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان\".\rوقال العلامة الكوثري عند قوله صلى الله عليه وسلم للجارية: \"أين الله\".. على أن \"أين\" تكون للسؤال عن المكان، وللسؤال عن المكانة. وقال أبو بكر العربي: المراد بسؤال بـ \"أين\" عنه تعالى: \"المكانة\" فإن المكان يستحيل عليه\".","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"-والخلاصة أن مَنْ لم يصرف لفظ المتشابه - آية كان أو حديثاً - عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال، فقد ضل، ومن فسره تفسيراً بعيداً عن الحجة والبرهان قائماً على الزيغ والبهتان فقد ضل، كالباطنية. وكل هؤلاء يقال فيهم: إنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، أما من يصرف المتشابه عن ظاهره بالحجة القاطعة لا طلباً للفتنة ولكن منعاً لها، وتثبيتاً للناس على المعروف من دينهم، ورداً لهم إلى محكمات الكتاب القائمة، فأولئك هم هادون مهديون حقاً، وعلى ذلك درج سلف الأمة وخلفها، وأئمتها وعلماؤها، وهاؤم بعض النصوص في نفي الجهة عنه سبحانه، قال ابن اللبان:... لما ادعى فرعون الربوبية واعتقد الجهة لله تعالى قال: \"يا هَامَانُ ابْنِ لي صَرْحاً لَعَلّي أبْلُغُ الأسبْابَ، أسبابَ السَّمَاواتِ فأطّلعَ إلى إلَهِ مُوسىَ\". فرد الله تعالى عليه، وسخف رأيه بقوله: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ} أي عدل عن سبيل القرب والدنو من إله موسى فإنه سبحانه منزه عن علو المكان. وقول موسى صلى الله عليه وسلم: \"وَعَجِلتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى\". مع أنه لم يبنِ له صرحاً، ولا احتاج في الدنو والقرب إلى صعود السماء. وكذلك قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث جاء ربه بقلب سليم، فكان مجيئه إليه سبحانه، ووصوله إنما بسلامة القلب، لا بالتسور والصعود.","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"وقال الإمام الفخر الرازي: المشبهة احتجوا بقوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}. في إثبات الجهة. والجواب هو أن المراد الرفع إلى موضع لا يجري فيه حكم غير الله تعالى كقوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. وقد كانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة المنورة. وقد قال إبراهيم عليه السلام: \"إني ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهدْيِنِ\". قال العلامة النسفي: معنى قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}. أي إلى حيث لا حكم فيه لغير الله تعالى: قال ابن حجر قال الكرماني: قوله تعالى: {أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}. ظاهره غير مراد، إذ أن الله تعالى منزه عن الحلول في المكان لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات.\rوقال البيهقي: وليس معنى قول المسلمين \"إن الله استوى على العرش\" أنه مماس له، أو متمكن عليه، أو متحيز في جهة من جهاته، لكنه بائن من خلقه. وقد أوضح معنى البينونة هذه فقال: وأنه فوق الأشياء بائن منها، بمعنى أنها لا تحله ولا يحلها، ولا يمسها، ولا يشبهها، وليست البينونة بالعزلة، تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسة علواً كبيراً.","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"وقال الإمام الرازي: 1- لو وجب اختصاصه تعالى بالجهة لكان محتاجاً إليها، وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق. 2- قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. وقد سئل رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ولو كان سبحانه في السماء أو في العرش لما صح القول بأنه تعالى قريب من عباده. 3- قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ}. ظاهره يقتضي فناء العرش، وفناء جميع الأحياز والجهات، وحينئذ يبقى الحق سبحانه وتعالى منزهاً عن الحيز والجهة، وورد في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"كانَ اللهُ وَلمْ يَكُنْ شيئاً غيرُهُ\". وإذا ثبت ذلك امتنع أن يكون الآن في جهة، وإلا لزم وقوع التغير في الذات. 4- ولو كان سبحانه متحيزاً لكان متناهياً، وكل متناه ممكن، وكل ممكن حادث، فلو كان متحيزاً لكان محدثاً، وهو باطل، وقال العلامة الشيخ أحمد فهمي أبو سنة عند كلامه حول معرفة أسباب النزول: إن معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها عند نزول القرآن ضروري، لأن كثيراً من الألفاظ، إذا أريد تفسيرها بمجرد اللغة من غير رجوع إلى هذه العادات وقع المفسر في الغلط والجهل.. ومن ذلك قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ}. وقوله: {أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}. وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم من اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلاهية الواحد الحق، فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيهاً على نفي ما ادعوه في الأرض من الأوثان، فلا يكون فيه دليل على إثبات الجهة لله سبحانه، ومن ذلك قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} فعين هذا الكوكب مع أنه رب الكواكب كلها لأن خزاعة من العرب قد عبدته.\r-وقال القرطبي في تفسيره... ثم إن إضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت، وليس البيت للسكنى وكذلك العرش. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر، لأن هذا يوهم أن للحق سبحانه مكاناً، ومن توهم أن للحق مكاناً فهو مشبه.","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"44 - وجائزٌ في حقه ما أمكنا *** إيجاداً إعداماً كرزقه الغنى\rلما فرغ من الكلام على الواجب والمستحيل شرع يتكلم على الجائز الذي هو ثاني الأقسام الثلاثة في الإجمال وإنما أخره في التفصيل لما مر آنفاً من طول الكلام عليه..\r-وجائز في حقه... أي جائز في حقه تعالى إيجاد الممكن وإعدامه، أو بمعنى آخر: جائز في حقه فعل كل ممكن وتركه فلا يجب عليه شيء من الممكنات كما لا يستحيل، خلافاً للمعتزلة في قولهم بوجوب بعض الممكنات عليه تعالى، مثال ذلك: قولهم بوجوب الصلاح والأصلح عليه تعالى، أما أهل السنة فعندهم الصلاح والأصلح جائز في حقه تعالى كما هو مبين في هذا الكتاب.\r\r45 - فَخَالِقٌ لِعَبْدِهِ وَمَا عَمِلْ *** مُوَفِّقٌ لِمَنْ أَرَادَ أنْ يَصِلْ\rفخالق لعبده وما عمل: هذا تفريع على ما علم مما تقدم من انفراده تعالى بالإيجاد فإذا ثبت وجوب انفراده تعالى بالإيجاد فهو سبحانه خالق لعبده وما عمل. وهذا يسمى عند العارفين \"بوحدة الأفعال\"، ومنها يعلم بطلان دعوى أن شيئاً يؤثر بطبعه أو بقوة فيه، فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب يؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو بقوة خلقها الله فيها، ففي كفره قولان والأصح أنه ليس بكافر بل هو فاسق مبتدع.","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"ومن اعتقد أن المؤثر هو الله تعالى، لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازماً عقلياً بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر، فإنه قد ينكر معجزات الأنبياء لكونها على خلاف العادة. ومن اعتقد أن المؤثر هو الله تعالى، ولكن جعل بين الأسباب والمسببات تلازماً عادياً بحيث يصح تخلفها فهو المؤمن الناجي إن شاء الله تعالى، فالفِرَقُ في ذلك أربعة. والسلامة أن يعتقد أنه سبحانه خالق لعبده وعمله. والمراد بالعبد - هنا - كل مخلوق يصدر عنه الفعل، عاقلاً كان أو غيره، خلافاً لبعضهم حيث قصره على المكلف بدعوى أن بعض الأدلة التي ذكرها العلماء في هذه المسألة لا تجري في غير فعل المكلف. وإنما ذكر المصنف العبد، مع أنه متفق على خلق الله إياه، توصلاً لما بعده، واقتداء بقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} والتقدير في الآية: والله خلقكم وعملكم. أو: والله خلقكم والذي تعملونه وذلك رد على المعتزلة في قولهم: بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية. وهذه المسألة ذات فرعين أحدهما: بيان هل الموجد للفعل المنسوب إلى العبد هو قدرة الله تعالى أم قدرة العبد؟ وثانيهما: بيان هل للعبد فيه كسب أو لا؟","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"وقد ذكر المصنف الفرع الأول - هنا - وسيأتي قريباً كلامه عن الفرع الثاني بقوله: \"وعندنا للعبد كسب\" وخلاصة القول في هذه المسألة: أن أهل السنة ذهبوا إلى أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرة العباد تأثير فيها، بل الله تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن ثمة مانع أوجد فيه فعله المذكور مقارناً لهذه القدرة وهذا الاختيار اللذين أوجدهما الله تعالى فيه، فيكون فعل العبد - على هذا - مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد. والمراد بكسبه: مقارنة وجود الفعل بقدرته واختياره، من غير أن يكون ثمة تأثير منه أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً لظهور الفعل. هذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وسيأتي إيضاح الكسب في الكلام على الفرع الثاني من فرعي المسألة وقال أكثر المعتزلة: أفعال العباد واقعة بقدرتهم وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب، بل بالاختيار، وذهبت طائفة من المتكلمين إلى أنها واقعة بالقدرتين معاً، وهذه الطائفة تختلف فيما بينها. فمنهم من يقول: أفعال العباد واقعة بمجموع القدرتين. قدرة الله تعالى وقدرة العبد، على أن تتعلق القدرتان جميعاً بالفعل نفسه، وهذا مذهب الأستاذ من أهل السنة، والنجار من المعتزلة، وعندهما لا يمتنع اجتماع مؤثرين على أثر واحد، ومنهم من يقول: أفعال العباد واقعة بالقدرتين جميعاً، على أن تتعلق قدرة الله تعالى بأصل الفعل وتتعلق قدرة العبد بوصفه، من كونه طاعة أو معصية إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا توصف بها أفعاله سبحانه وتعالى. كما في لطم اليتيم تأديباً أو إيذاءً، فإن نفس اللطمة واقعة بقدرة الله تعالى وتأثيره، وأما كونها تعد طاعة إن قصد تأديبه، ومعصية إن قصد إيذاءه فواقع بقدرة العبد وتأثيره. وأما ما نقل عن الأستاذ والقاضي وإمام الحرمين من القول بوقوع التأثير من القدرتين لم يصح عنهم وهم منزهون عن مخالفة مشهور أهل","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"السنة، وهو أن التأثير لله سبحانه وتعالى وحده، إذ هو المتفرد بالإيجاد والإمداد. وقد استدل أهل السنة على ما ذهبوا إليه بالنصوص وبوجوه من المعقول، أما النصوص فقد قال سبحانه وتعالى في معرض التمدح والتفرد بالألوهية واستحقاق العبادة: {لا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} فيحمل قوله على العموم، ويدخل فيه أعمال العباد. وقال أيضاً: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}. وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء}. إزالة لما يتوهم من أن العبيد وإن لم يكونوا شركاء له في الملك على الإطلاق - يخلقون بعض الأشياء. قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. أي خلقنا كل موجود من الممكنات بتقدير وقصد وقال: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ}. وهذا يفيد حصر الخالقية فيه سبحانه. قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}. وفيه احتجاج على علمه - سبحانه - بما في القلوب من الدواعي والصوارف والعقائد والخواطر لكونه خالقاً لها، على طريق ثبوت العلم بثبوت الخلق، وفي أسلوب الآية إشارة إلى أن كلاً من ثبوت الخلق، والعلم به، واضح لا ينبغي أن يشك فيه. قال تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}. وقال: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً}. وهذا يتناول السيد المسيح عليه الصلاة والسلام والملائكة وغيرهم من الأحياء الذين يدّعونهم الكفار، فيجب أن لا يخلقوا شيئاً أصلاً. قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"وهذا يدل على أن من سوى الله تعالى لا يخلق شيئاً وإلا لكان للكفار أن يقولوا: نحن خلقنا كثيراً من الحركات والأوضاع والهيئات المحسوسة - إن أريد بالرؤية الإبصار - وإن أريد بها الإعلام فجميع الأفعال الظاهرة والباطنة. قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}. وقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً}. وقال: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}. وقال تعالى حكاية: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}. فجعل بمعنى صير، والتصيير تحصيل صفة مكان صفة، فإذا وقع مفعوله الثاني من أفعال العباد، أفاد أنه يجعل الله وبخلقه.","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"قال تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}. وهذه الآية تدل على أن الله تعالى يفعل كل ما تتعلق به إرادته، وهي متعلقة بالإيمان وسائر الطاعات، فتدل على أنه فاعلها. وقال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. هذه الآية تدل على أن جميع الحسنات والسيئات بخلق الله تعالى ومشيئته، لأن منشأ الاحتياج (أي الإمكان والحدوث) مشترك بينهما، بحيث لا ينبغي أن يخفى على العاقل، فما لهم لا يفهمون؟! وعليه يكون قوله تعالى بعد ذلك: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}. وارداً على سبيل الإنكار فكيف تكون هذه التفرقة، أو يحمل على مجرد السببية دون الإيجاد توفيقاً بين الكلامين. قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ}. وَقَالَ: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وأي ممكن يخرج عن إرادته سبحانه حتى يقال فيه: إنه ليس بتكوين الله تعالى؟ قال تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى}. وقال: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} وقال: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ}. فهو سبحانه الموجد لوقوف الطير في الهواء مع أنه فعل اختياري من الحيوان كما يبدو. ونصوص كثيرة أخرى كلها تصرح بتفرد الله تبارك وتعالى في الإيجاد والإمداد، وإنما للعباد الكسب فقط وليس لهم الخلق، إذ هو إبداع واختراع، وثمة أحاديث شريفة نقلها الثقات مثل البخاري ومسلم وغيرهما تؤكد خالقية الله تعالى لكل شيء، منها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله علي وسلم قال: \"كلُّ شيءٍ بِقَدَرٍ، حتى العجْزُ والكَيسُ\". وما رواه حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله علي وسلم قال:","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"\"إنَّ اللهَ تعالى يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعِ وصَنْعَتهُ\". ومنها قوله صلى الله على وسلم: \"مَا مِنْ قَلْبِ إلاّ وَهُوَ بَيْنَ أصْبُعَيْن مِنْ أَصَابع الرّحمْنَ إنْ شَاءَ أَنْ يُقِيْمَهُ أَقامَهُ، وإنْ شَاءَ أنْ يُزْيِغَهُ أزَاَغهُ\". وما رواه جابر من أنه صلى الله علي وسلم كان كثيراً ما يقول: \"يا مُقَلّبَ القلوبِ ثبِّتْ قَلْبي على دِينِكَ. فَقِيْل له يا رَسُولَ اللهِ: أَتَخافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمنَا بكَ وبما حَدّثْتَ به؟! فقالَ \"إنّ الْقلوبَ بينَ أْصْبُعَيْنِ مِنْ أصابعِ الْرَّحمنِ يُقلِّبُها هكذا، وأشارَ إلى السبَّابةِ والوْسطَى يُحرِّكُهما\".\rوإنما نسبت الأفعال والأعمال والصنع والخير للعباد في بعض النصوص لكونهم أسباباً عادية فيها، فهي من باب إسناد الفعل لما هو سببه كما في قولك \"بني الأمير المدينة\" وقد قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فأخبر سبحانه أنه رمى، وأن نبيه صلى الله علي وسلم قد رمى، فباعتبار أنه سبحانه خالق للحركة، ممض للرمية، خالق لمسيرها، نفاها عن نبيه صلى الله علي وسلم، وباعتبار أنه صلى الله علي وسلم محل ظهورها أثبتها له. وعلى هذا الغرار قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} وقد قال تعالى حاكياً عن سيدنا المسيح عيسى بن مريم: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} وقال مخبراً عن نفسه أنه هو الذي يحي ويميت فالإحياء من حيث خلقه منسوب له تعالى، ومن حيث محل ظهوره منسوب للسيد المسيح عليه السلام. وقد قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"فنسبته له تعالى لأنه مخترعه وخالقه ومنميه، ونسبته إلينا لأننا تحركنا في زرعه فظهرت الحركة المخلوقة فينا، فهذه كلها أفعال خلقها الله تعالى وأظهرها في عباده، وقس على هذا كل النصوص الواردة التي نسبت فيها الأفعال للجمادات والأعراض. كتحرك الفلك، ونزول المطر، وسيلان الوادي، وإحراق النار، وتبريد الثلج. قال تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ}. وقال: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}. وقال: {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً}. وقال: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.\rوقال: {وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}. وما نسبت الأفعال إلى هذه الجمادات إلا لأنها محل لظهورها أما موجدها فهو سبحانه وحده، لا شريك له.","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"-وأما وجوه المعقول على أنه سبحانه متفرد بالإيجاد فالأول: أن فعل العبد ممكن في نفسه، وكل ممكن فهو مقدور لله تعالى لما مر من شمول قدرته سبحانه للممكنات بأسرها، ولا تأثير لقدرة العبد في فعله لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين لمؤثر واحد، وإذا ما ثبت هذا دحض كون فعل العبد واقعاً بقدرة العبد وثبت أنه واقع بقدرة الله تعالى والثاني: لو كان العبد موجداً لأفعاله بالاستقلال لوجب أن يعلم تفاصيلها، لأن كل فعل من أفعاله يمكن وقوعه منه على وجوه متفاوتة بالزيادة والنقصان، وكل من الأزيد والأنقص مما أتى به كان ممكناً أن يقع، ووقوع الفعل على الوجه المعين دون سائر الوجوه التي كان يمكن وقوعه عليها لأجل القصد إليه بخصوصه والاختيار المتعلق به وحده، وهذا يستدعي العلم بالوجوه التي يمكن أن يقع كل فعل عليها، وبإيثار الوجه المعين دون غيره، وذلك مما تشهد به البديهة، فإذن تفاصيل الأفعال الصادرة منه باختياره لابد أن تكون مقصودة معلومة له، لكنه لا يعلم تفاصيلها بالتحقيق، لأن النائم والساهي قد يفعل كل منهما باختياره فعلاً كانقلابه من جنب إلى آخر ونحوه وهو لا يشعر بكمية ذلك الفعل ولا بكيفيته، وأيضاً المحرك منا لأصبعه محرك لكل أجزائها لا محالة، ولا شعور له بها، فكيف يتوهم أنه يعرف حركة الأجزاء ويقصدها؟! فيثبت ضرورة أن العبد غير موجد لأفعاله بالاختيار والاستقلال. والثالث: أنه لو كان العبد موجداً لفعله باختياره وقدرته استقلالاً لوجب أن يكون متمكناً من فعل كل عمل يقدم عليه وتركه، وإلا لم يكن قادراً عليه مستقلاً بإيجاده، ولوجب أيضاً أن يكون - ثمة - مرجح يرجح فعله على تركه، إذ لولم يتوقف على المرجح للزم ترجيح أحد الأمرين المتساويين بغير مرجح وهو محال، وإذا لزم وجود مرجح فهذا المرجح إما أن يكون من العبد باختياره فيلزم التسلسل بأنّا ننتقل إلى صدور هذا المرجح منه وهكذا، وإن كان المرجح من الله تعالى فهو المطلوب.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وههنا شيئان أنبهك إليهما :\rالأول: أنه قد تبين لك أن أهل الملة جميعاً متفقون على أن الله تعالى خالق للعباد، وعلى أنه تعالى خالق لأفعالهم الاضطرارية، كانتفاضة الحمى، وحركة القلب والمعدة وغيرهما، وحركة المرتعش. وتبين لك أيضاً أن مذهب أهل السنة هو أنه تعالى الخالق لأفعال العباد الاختيارية أيضاً، خيرها وشرها، وأن للعبد فيها الكسب فقط. فإذا ما أبصرت القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة تنسب الفعل الاختياري إلى العبد فمنشأ هذه النسبة من حيث ماله فيه من الكسب، وإذا وجدتهما ينسبان الأفعال إلى الله تعالى فهو بالنظر إلى حقيقة الحال، وأنه سبحانه هو الخالق لكل شيء. وقد قال سيدي محمد الهاشمي في هذا.. وبالجملة فمذهب أهل السنة أن الموجد لأفعال العباد هو الله تبارك وتعالى وحده، غير أن الاختيارية منها تقارنها قدرة حادثة، من غير تأثير لها فيها أصلاً. وهذه الأفعال هي التي في وسع المكلف على حسب ما دل عليه الشرع، قال جل من قائل: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} أي إلا ما تسعه طاقتها بحسب الظاهر والعادة، وأما بحسب ما في نفس الأمر فليس في وسعها فعل من الأفعال، فلا يقال الجبر لازم لأهل السنة حيث لم يجعلوا للعبد تأثيراً في أفعاله، لأنّا نقول: الجبر المحظور هو الحسي، كما ذهب إليه الجبرية، أما العقلي - وهو سلب الخالقية عن العبد - فهو متوجه على جميع الفِرْق، ولا يضر بل هو الإيمان فاعرفه. وبالجملة فأهل السنة جانبوا الجبرية بتقسيمهم الأفعال إلى قسمين: اختيارية واضطرارية، وإن الأولى مقدورة للعباد، بمعنى أن لهم قدرة حادثة تقارن تلك الأفعال الاختيارية، وتتعلق بها من غير تأثير. وجانبوا أيضاً القّدَرِيَّة، لأنهم لم يجعلوا لتلك القدرة الحادثة - المخلوقة لله تعالى في المخلوقات - تأثيراً البتة، في أثر ما، بدليل برهان الوحدانية، ووجوب عموم القدرة والإرادة لجميع الممكنات، ودل عليه الكتاب والسنة. وإجماع","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"السلف الصالح قبل ظهور البدع، وقال به الشيخ كمال الدين بن أبي الشريف. وقد كان الأوائل من المعتزلة لقرب عهدهم بإجماع السلف، على أنه لا خالق إلا الله تعالى. وقال الإمام جعفر رضي الله عنه يوماً لقَدَري: إقرأ الفاتحة. فلما بلغ قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال الإمام جعفر: على ماذا تستعين بالله؟ وعندك أن الفعل منك، وجميع ما يتعلق بالإقدار والتمكين والألطاف قد حصلت وتمت؟ فانقطع القدري. وقد قال سيدي الشيخ محمد الحامد رحمه الله: \"إن التوسط في الأمر فيه السلامة، فالله سبحانه خالق الأفعال ومُقَدِّرُها، والعبد كاسبها ومحصلها، يمدح ويثاب باختياره الخير، ويذم ويعاقب باختياره الشر\". وقد قال الشيخ محي الدين قدس الله سره: وإنما أضاف الله تعالى الأعمال إلينا لأننا محل الثواب والعقاب وهي لله حقيقة، ولكن لما شهدنا الأعمال بارزة على أيدينا، وادعيناها لنا، أضافها تعالى إلينا بحسب دعوانا، ابتلاءً منه لأجل الدعوى، ثم إذا كشف الله تعالى عن بصيرتنا رأينا الأفعال كلها لله تعالى، فهو تعالى خالق فينا ما نحن ما نحن العاملون، ثم مع هذا المشهد العظيم لابد من القيام بالأدب، فما كان من حسن شرعاً أضفناه إليه خلقاً، وإلينا محلاً، وما كان من سيئ أضفناه إلينا بإضافة الله تعالى. على هذا يقول الجنيد رحمه الله: إياك أن تقف في حضرة شهود الفعل لله تعالى وحده دون عباده فتقع في مَهْوَاةٍ من التلف، ولا ترى لك مع ذلك قط ذنباً، فتهلك مع الهالكين وفي ذلك هدم للشرائع كلها.","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"-الأمر الثاني: أن الأدب يقتضي أن ينسب الخير إلى الله تعالى، لأنه هو الفاعل الموجد، وينسب الشر إلى أنفسنا لأننا اكتسبناه لها، وقد جاء هذا الأدب العالي في كتاب الله تعالى، فانظروا في قوله سبحانه على لسان إبراهيم الخليل: {الَّذي خَلَقَني فَهوَ يَهْدينِ، والَّذي هُوَ يُطْعمنُي وَيَسْقينِ، وإذا مَرِضتُ فَهوَ يَشْفِينِ}. تجده قد أسند كل الأفعال ما خلا المرض إلى الله تعالى، لكونها خيراً، وفعلها منة من الله على عبده، فلما ذكر المرض أسنده إلى نفسه، مع أنه يعلم حق العلم أن الله تعالى خالق كل شيء. ثم تدبر قول العبد الصالح لموسى عليه الصلاة والسلام:{أمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمسَاكِينَ يَعْمَلونَ في البَحْرِ فأرَدْتُ أنْ أَعيبَها}. وقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا}. ترَ أن إحداث العيب قد نسبه إلى نفسه لكونه شراً في ظاهر الأمر فلما ذكر المنة على الغلامين، وظاهر أمرهما الخير، نسبها إلى الله تعالى، مع أن كلاً منهما من عنده سبحانه. على أنه يبنغي أن لا يغرب عنا أن قدرته تعالى لا تبرز إلا ما خصصته الإرادة بالوجود أزلاً. وأن إرادته سبحانه لا تخصص إلا وفق علمه تبارك وتعالى. ففي الحقيقة ما برز شيء إلى الوجود - من خير أو شر، من نفع أو ضر - إلا لتعلق العلم بوجوده، والثابت أن تعلق العلم إنما هو تعلق انكشاف، أي أن العلم يكشف الأمر على ما هو عليه من غير سبق خفاء، فهو لا يتعلق تعلق إجبار، فالذي تبرزه القدرة إنما هو وفق تخصيص الإرادة، والذي تخصصه الإرادة إنما تخصصه على وفق العلم. فقد علم الله أن أبا بكر سيؤمن ولا يعاند فخصصت الإرادة هذا الإيمان على الهيئة التي سيكون عليها، وفي الزمن الذي سيظهر به، ثم أبرزت القدرة ما خصصته الإرادة فظهر إيمانه على ما نعرفه، فالعلم تعلق بإيمان أبي بكر تعلق انكشاف لا إجبار فيه. كذلك قد علم الله تعالى أن أبا جهل سوف لا يؤمن","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"عناداً وحسداً، فخصصت الإرادة أزلاً عدم إيمانه على الهيئة المعروفة، وفي الزمن الذي سيظهر به ثم أبرزت القدرة هذا العناد على ما عرفناه، فتعلق العلم بكفر أبي جهل تعلق انكشاف لا إجبار فيه. وقد قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ، لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} ففعله سبحانه وتعالى - إذن - هو ظهور ما سبق في العلم الكاشف، بحيث لو فرضنا أن العبد لو ترك وشأنه بعد إعطائه القدرة على الفعل والترك لما ظهر منه إلا ما علمه الله تعالى، وخصصته إرادته ثم أبرزته قدرته.\r-موفق لمن أراد أن يصل: التوفيق - شرعاً - هو خلق قدرة الطاعة، والداعية إليها في العبد، كما قاله إمام الحرمين، وأراد بالقدرة سلامة الأسباب والآلات. وزاد قيدَ \"الداعية إليها\" ليخرج الكافر، والمراد أنْ مما يجب اعتقاده أنه سبحانه هو الخالق لقدرة الطاعة في من أراد توفيقه. وأراد أن يصل لرضاه ومحبته. وأما المراد من الأسباب والآلات في تعريف القدرة، فالأسباب هي الأشياء التي تكون حاملة على فعل الشيء، والآلات هي الأشياء التي تكون بها المعونة على فعل الشيء. فالرجل الذي يريد الصلاة مثلاً، فالماء المتوضأ به من الأسباب العرفية بفعل الصلاة، والأعضاء التي يحاول بها فعل هذه الطاعة آلات لها. ولما كان الكافر على هذا داخلاً في التعريف، إذ خلق الله فيه قدرة الطاعة بهذا المعنى، قال المُعرِّف \"خلق قدرة الطاعة، والداعية إليها في العبد\" والداعي إلى الطاعة مفقود في الكافر، لأن الداعية إلى الطاعة هو الميل النفساني السائق إليها المرغب فيها.","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"-والقدرة على فعل الطاعة ضربان: الأول - قدرة واستطاعة بمعنى تمكين الله العبد من أن يفعل الفعل، أو يتركه بمحض اختياره، وهذه هي مناط الأمر والنهي وهي المصححة للفعل، وهذه لاشك أنها لا يجب فيها مقارنة الفعل، والثاني: قدرة واستطاعة يجب معها وجود الفعل، وهي بغير شك مقارنة للفعل لا سابقة عليه، والكتاب والسنة أشارا لهذين الضربين. فقد أشير إلى الأول بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. وفي قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين: \"صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فعلى جَنْب\". ومعلوم أن الحج والصلاة واجبان على المستطيع بمعنى المتمكن من الفعل سواء أفعل أم لا، وأشير إلى الضرب الثاني بقوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}. وقوله: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}. فالمراد بعدم استطاعتهم مشقةُ ذلك عليهم، وصعوبته على نفوسهم، فنفوسهم لا تقبله ولا تريده، وإن كانوا قادرين على فعله متمكنين منه لو أرادوا. وبهذا ينجلي أن العبد قادر حين التكليف بالقوة القريبة لما اتصف به من سلامة الآلات وتوافر الأسباب. ويدخل في التوفيق المؤمن العاصي خلافاً لمن قال: الموفق لا يعصي، إذ لا قدرة له على المعصية، كما أن المخذول لا يطيع إذ لا قدرة له على الطاعة. وقد سئل الجنيد: أيعصي الولي؟ فأطرق ثم رفع فقال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً}. إذ العصمة لا تثبت إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"46 - وَخَاذِلٌ لِمَنْ أرَادَ بُعْدَهُ *** وَمُنْجِزٌ لِمَنْ أَرادَ وَعْدَهُ\rوخاذل لمن أراد بعده: الخذلان لغة ترك النصرة والإعانة، وشرعاً خلق المعصية في العبد والداعية إليها، أو خلق قدرة المعصية للذي أراد بعده عن رضاه ومحبته. واستغنى عن نسبة الهداية والضلال والختم والطبع والأكنة والمد في الطغيان بنسبة خلق التوفيق إليه تعالى، وبنسبة خلق الخذلان.\rوالأصل قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً}.\r-ومنجز لمن أراد وعده: ولما اختلف الأشاعرة والماتريدية في الوعد والوعيد أشار بذلك إلى قوله: ومما يجب شرعاً اعتقاده أن الله تعالى معط - لمن أراد به خيراً - وعده الذي سبقت به إرادته في الأزل، إذ المراد لا يتخلف عن الإرادة، لأنه لو تخلف إعطاء الموعود به لزم الكذب والسفه والخلف والتبديل في القول، وهو خلاف قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}. وقوله: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ}. فوعد الله المؤمنين بالجنة لا يتخلف - شرعاً - قطعاً، إذ الخلف في الوعد نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه، وأما الوعيد فلا بد من تحققه بالكافرين قطعاً، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}. وأما عصاة المؤمنين فيجوز أن يغفر الله لهم ويجوز أن يعذبهم ويدخلهم النار، إلا أنه يقطع بإنفاذ الوعيد في بعض المؤمنين لورود الأخبار بذلك، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وقال صلى الله عليه وسلم: \"من وعده الله على عملٍ ثواباً فهو منجز له، ومن أوعده على عملٍ عقاباً فهو بالخيار، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له\".","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"47 - فوزُ السَّعيْدِ عنْدَهُ في الأزَلِ *** كَذا الشَّقِي ثُمّ لمْ يَنَتِقلِ\rفوز السعيد عنده في الأزل: أي السعادة والشقاوة مقدرتان أزلاً، لا يتغيران ولا يتبدلان. لأن السعادة هي الموت على الإيمان، باعتبار تعلق علم الله تعالى أزلاً بذلك، والشقاوة هي الموت على الكفر بذلك الاعتبار. فالخاتمة تدل على السابقة. فإن من ختم له بالإيمان دل على أنه كان من السعداء في الأزل، وإن تقدم ذلك كفر. وإن ختم له بالكفر - والعياذ بالله تعالى - دل على أنه كان من الأشقياء في الأزل، وإن تقدم ذلك إيمان، كما يدل لذلك حديث الصحيحين، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال حدثنا الصادق المصدوق قال: \"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\". فظفر السعيد بحسن الخاتمة عنده تعالى في الأزل، والمراد من العندية العلم، ومن الأزل: عدم الأولية.\r-كذا الشقي: أي شقاؤه عنده في الأزل مثل فوز السعيد، فليس كلٌ من فوز السعيد وشقاء الشقي - باعتبار الوصف القائم به في الحال - من الإيمان في السعيد، والكفر في الشقي، بل باعتبار ما سبق أزلاً في علمه تعالى.","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"-ثم لم ينتقل: أي كلٌ من السعيد والشقي لم يتحول عما ختم له به، وإلا لزم انقلاب العلم جهلاً. وعلى هذا يصح قولك: \"أنا مؤمن إن شاء الله تعالى\" نظراً للمآل، وأما عند الماتريدية فلا يصح، نظراً للحال، إذ السعيد عندهم: هو المسلم باعتبار الآن، والشقي: هو الكافر بالاعتبار نفسه. أما لو قالها شاك فلا يجوز بالإجماع. لأن الشك في إيمان نفسه كفر. أما لو قالها وهو مريد للتبرك بذكر اسم الله تعالى فإنه جائز بالإجماع. والحاصل أن الشك على قسمين: إما أن يتردد في أنه هل يستمر على الإيمان أو يقطعه؟ فهذا هو الشك الممنوع، وإما أن يتردد الآن في أنه هل يكون مؤمناً عند الموت أو لا؟ فهذا غير ممنوع، لأن الخاتمة مجهولة، على أن الماتريدية لا يجوزون الارتداد على من علم الله موته على الإسلام، ولا الإسلام على من علم الله موته على الكفر. والخلاصة: أن العامة تخاف من الخاتمة، وأما خوف الخاصة فمن السابقة، وهو أشد، وإن تلازما. فيكون الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية لفظياً، فيتناول أن السعادة عند الأشاعرة هي الموت على الإيمان، فهي مستقبلة، لذلك صح تعليقها، وعند الماتريدية هي الإيمان الحالي، أي الحاصل بالفعل لذلك لا يعلق.","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"48 - وَعِنْدَنَا لِلْعَبْدِ كَسْبٌ كُلِّفَا *** وَلمْ يَكُنْ مُؤثِّراً فَلْتَعْرِفا\rوعندنا: أشار إلى المسألة المترجمة عندهم بمسألة الكسب فقال: وعندنا أهل السنة والحق خلافاً للجبرية والمعتزلة كسب للعبد وهذا هو الفرع الثاني من فروع المسألة على ما ذكرناها عند القول بأن الله تعالى خالق لأفعال العبد الاختيارية. وحاصل هذه المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب أهل السنة والجماعة، وحاصله: أن للعبد في أعماله الاختيارية كسباً، وأنه ليس له إلا ذلك الكسب. فليس هو مجبوراً عليها - كما يقول الجبرية - وليس هو خالقاً لها - كما يقول المعتزلة -. والثاني: مذهب الجبرية، وحاصله: أن العبد ليس له شيء في عمله الاختياري، لا خلق، ولا إبداع، ولا كسب. بل هو مجبور مقهور على فعله كريشة في الهواء تقلبها الريح كيف شاءت. والثالث: مذهب المعتزلة، وحاصله: أن العبد خالق لأفعاله الاختيارية بقدرة خلقها الله تعالى فيه. فأما الجبرية فقد أفرطوا. وأما المعتزلة فقد فرطوا، وأما أهل السنة فقد جاء مذهبهم وسطاً خارجاً من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. فإن قيل: قد قام البرهان على وجوب استقلاله تعالى بالأفعال، والمقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين كما يستلزمه إثباتكم للعبد كسباً؟ أجيب بأن المقدور الواحد يدخل تحت قدرتين بجهتين مختلفتين، فيدخل تحت قدرة الله تعالى بجهة الخلق والإيجاد والإمداد، وتحت قدرة العبد في جهة الكسب، إذ العبد محل لظهور قدرة الله تعالى.","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"-للعبد كسب: المراد بالعبد كل مخلوق يصدر عنه فعل اختياري، فيشمل حنين الجذع ومشي الشجر، وتسبيح الحصى، وتلك من معجزاته عليه الصلاة والسلام والكسب هو: \"ما يقع به المقدور بلا صحة انفراد القادر به\"، بخلاف الخلق فإنه: \"ما يقع به المقدور مع صحة انفراد القادر به\" وللعلماء اختلاف في تفسير الكسب - ههنا - على مذهب أهل السنة، وهناك أربعة أمور لا بد من بيانها أولها: الإرادة السابقة على الفعل. وثانيها: القدرة المقارنة للفعل. وثالثها: نفس الفعل المقارن للقدرة عليه. ورابعها: الارتباط والتعلق بين القدرة التي يكون بها الفعل وبين الفعل. فمن العلماء من جعل الكسب: هو الإرادة، التي هي العزم على الفعل وتوجيه القصد والنية إليه. ومنهم من جعله: هو التعلق بين القدرة والفعل. والتعريف السابق الذي هو: ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به، يتمشى على المذهبين جميعاً. والمقدور على هذا يراد به الفعل، كالحركة ونحوها وأما المراد بالقادر فالعبد. ومعنى قولهم (من غير صحة انفراد القادر به): من غير تجويز كون العبد منفرداً بفعل ذلك المقدور، بل ومن غير صحة كون العبد مشاركاً في فعل ذلك المقدور، إذ لا تأثير للعبد بوجه ما، لا على الاستقلال، ولا على المشاركة، والله سبحانه وتعالى هو المنفرد بعموم التأثير وليس للعبد إلا مجرد المقارنة أو توجه القصد.","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"-وهناك تعريف ثان للكسب، وهو قول بعضهم: الكسب هو: ما يقع به المقدور في محل قدرته، ومحل القدرة الجارحة التي بها الفعل، كاليد في الضرب. ولا شك أن ماهيات الممكنات كلها - ومنها الأفعال التي تنسب إلى العباد - معلومة لله سبحانه أزلاً، فهي في العلم متميزة في أنفسها أزلاً وتعلق العلم بها تعلق انكشاف وإحاطة بدون سبق خفاء، وبدون تأثير، كما هو معلوم. ومن تميزها في ذاتها أن لها أسباباً ناشئة عن استعدادات ذاتية غير مجعولة أيضاً. فإذا ما تعلق العلم الإلهي بها على ما هي عليه في أنفسها، وبأنها يقتضيها استعدادها، تعلقت الإرادة الإلهية بهذا الذي اختاره العبد بمقتضى استعداده، فيصير مراده - بعد تعلق الإرادة الإلهية - مراد الله تعالى. فاختياره المعلوم لله أزلاً - بمقتضى استعداده - متبوع للعلم، المتبوع للإرادة. واختيار العبد - فيما لا يزال - تابع للإرادة الأزلية المتعلقة باختياره. فالعباد منساقون إلى فعل ما يصدر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر، فليسوا مجبورين في اختيارهم المعلوم لله أزلاً، لأن علمه سبحانه كاشف له على ما هو عليه من غير سبق خفاء، ولا إجبار، فمعنا أربعة أشياء مترتبة، أولها: اختيار العبد المعلوم لله أزلاً، وهذا هو المعلوم. والثاني: تعلق علم الله تعالى بهذا الاختيار. والثالث: تعلق إرادة الله تعالى به، والرابع: وقوعه وفقاً للإرادة، وهذا الرابع هو الذي يقال إن العبد مجبور فيه، وعند التحقيق لا جبر، لأنه ما من شيء يبرزه الله بمقتضى الحكمة ويفيضه على الممكنات إلا وهو مطلوبها بلسان استعدادها، وما حرم الله تعالى من خلقه شيئاً من ذلك، وعلى هذا يقول الله تعالى في حق الكافرين المعرضين الذي نفروا من سماع الحق وأبَوْا الانصياع إليه. قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}. وفائدة إرسال الرسل وإنذارهم من أُرسلوا إليهم","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"بعد أن علم الله تعالى أن منهم من لا يثمر فيه الإنذار إنما هو استخراج سر ما سبق به العلم، من طواعيّة بعض المكلفين، وإباء بعضهم الآخر. قال تعالى: {لئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.\rفإن الله سبحانه لو أدخل فريقاً من الناس النار لسابق علمه بأنهم لا يؤمنون بل يعيثون في الأرض الفساد إنْ خلقهم لكان شأن المعذب منهم ما وصف الله تعالى بقوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى}. فأرسل سبحانه الرسل مبشرين ومنذرين ليستخرج ما في استعداد العباد من الطوع والإباء، بل ليظهر ما ثبت في الأعيان العلمية - أزلاً - في عالم الإمكان قال تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} إذ بعد الذكرى وتبليغ الرسالة تتحرك دواعي الطوع من الطائعين، أو الإباء من الآبين بحسب الاستعداد المعلوم لله أزلاً، فيترتب عليه الفعل أو الترك بمشيئة الله وإرادته السابقة، التابعة للعلم، ويترتب على ذلك الفعل والترك الثواب والعقاب. وإنما قامت الحجة على العصاة والمذنبين والكفار لأن الذي امتنعوا عن الإتيان به - بعد بلوغ الدعوة وظهور المعجزة - وهو الإيمان والطاعة، لم يكن أمراً ممتنعاً لذاته، إذ لو كان ممتنعاً لذاته لما وقع من أحد أصلاً، فوقوع الإيمان والطاعات من بعض العباد يدل على عدم الامتناع لذواتها، وإنما تمتنع لإباء بعض الناس وهذا الإباء ناشئ عن استعدادهم المعلوم لله أزلاً باختيارهم السيئ، وإن كان إباؤه الحادث واقعاً بخلق الله تعالى.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"ونعود لنقول: إن المعلوم - الذي هو استعداد العبد - من حيث ثبوته أزلاً غير مجعول، فعلم الله تعالى يتعلق به أزلاً على ما هو عليه في ثبوته غير المعجول، أي لا تأثير لتعلق علم الله تعالى بإيمان زيد أو بكفره، وتخصص الإرادة أزلاً ما سبق به العلم ثم تبرزه القدرة طبق الإرادة، قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} لكنه لم يشأ، إذ لم يسبق العلم بذلك، لكون العلم ليس إلا كاشفاً لما في الاستعداد المعلوم لله أزلاً، فلم تبرز القدرة إلا ما شاء الله تعالى، فصح أن له الحجة البالغة على من حاول أن يعتذر عن نفسه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: \"فمن وجد خيراً فليحمد الله\". لأن الله تعالى هو المتفضل بالإيجاد، ولا واجب عليه. \"ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه\". فلأنه سبحانه ما أبرز بقدرته إلا ما هو من مقتضى استعداد العبد. منكل ما تقدم يحصحص الحق المبين، وتبطل نزعات المنحرفين القائلين بالجبر. فنعوذ به سبحانه من أهل الزيغ والضلال.\r-كلفا به: أي بسبب الكسب ألزمه الله فعل ما فيه كلفة، فالكسب سبب في التكليف، وفي \"كلفا\" رد مذهب الجبرية.\r-ولم يكن مؤثراً فلتعرفا: أي لم يكن العبد مؤثراً في المقدور تأثير اختراع وإيجاد له، فهو وإن كان له كسب - يتعلق به التكليف - لأفعاله، غير موجد لها خلقاً. فليعرف المكلف هذا الحكم الخفي الإدراك، مع ظهوره عند مثبت الوحدانية المحضة له تعالى. وبقوله: \"ولم يكن مؤثراً\" رد مذهب المعتزلة. ولما كان القوم لا يكتفون إلا بالتصريح في مقام رد المذاهب الفاسدة قال:","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"49 - فَلَيْسَ مَجْبوراً ولا اخْتِيَاراً *** وَلَيْسَ كُلاً يَفْعَلُ اختِيارَا\rفليس مجبوراً ولا اختياراً: فغرض المصنف التصريح بالرد على الجبرية في قولهم: إن العبد مجبور لا اختيار له في صدور جميع أفعاله عنه، فهو كريشة معلقة في الهواء، فقال: أعتقد أيها المكلف أن العبد ليس مجبوراً، وليس القول بأنه \"لا اختيار له\" صحيحاً. بل هو مختار.\rوالواجب اعتقاده أن بعض أفعاله صادر باختياره وبعضها الآخر باضطراره لما يجده كل عاقل من الفرق الضروري بين حركتي يد المرتعش الارتعاشية والإرادية حال تناول بعض الأشياء. والاختيار هذا غير الكسب، لأن معناه كونه إن شاء فعل وإن شاء ترك، فيكون الاختيار هو التمكن من الفعل والترك، وهذا غير الكسب قطعاً. ومن أثبت الكسب أثبت الاختيار، ومن نفاه - وهم الجبرية - نفى الاختيار. وقد أجاب على مذهب المعتزلة بقوله:\r-وليس كلاً يفعل اختياراً: أي الواجب اعتقاده أيضاً أن العبد لا يفعل: أي لا يخلق كل فعل حال كون ذلك الفعل اختيارياً. لأن المعتزلة قالوا: إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية، والحق أن العبد لا يخلق أي فعل من أفعاله الاختيارية. وقد علم من وجوب انفراده تعالى بالخلق، ومن نفي تأثير العبد عما باشره من الأفعال، بطلان دعوى أن شيئاً يؤثر بطبعه، أو بقوة مودعة فيه، وإنما الله تعالى بحسب ما جرت به العادة يخلق ذلك الأثر عنده لا به، كالستر عند اللبس، والري عند الشرب، والاحتراق عند مماسة النار، وعليه فمن اعتقد أن شيئاً من الأسباب العادية يؤثر بطبعه فلا نزاع في كفره، وإن كان يعتقد حدوث الأسباب العادية، وأنها ليست مؤثرة بطبعها، وإنما الله تعالى خلق فيها قوة، هي التي تؤثر، فهو فاسق مبتدع، ومن اعتقد حدوث الأسباب وأنها لا تؤثر بطبعها ولا بقوة جعلها الله فيها، وإنما المؤثر هو الله تعالى، لكن التلازم بينها وبين ما قارنها عقلي لا يمكن تخلفه، فهذا جاهل بحقيقة الحكم العادي وربما جره ذلك إلى الكفر، بأن يجحد بعث الأجساد لأنه خلاف المعتاد، وكذلك المعجزات.","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"ومن اعتقد حدوثها، وأنها لا تؤثر بطبعها ولا بقوة فيها، ويعتقد صحة التخلف بأن يوجد السبب العادي ولا يوجد الشبع الذي هو المسبب عنه، وإنما المؤثر في المسبب هو الله تعالى، فهو الموحد الناجي بفضل الله عز وجل.\rثم فرع الناظم على وجوب انفراده تعالى بخلق أفعال العباد وأنه لا تأثير لهم فيها سوى الكسب فقال: إذا علمت أنه سبحانه هو الخالق لأفعالنا وحده خيراً، كانت أو شراً، وأن قدرتنا الحادثة ليست مؤثرة في أفعالنا، فأعتقد أنه تعالى إن يثبنا على الطاعة فإثابته إيانا إنما هي بفضله الخالص.\r\r50 - فإنْ يُثِبْنَا فَبِمَحْضِ الفَضْلِ *** وإنْ يُعذِّبْ فَبِمَحْضِ العَدْلِ\rفإن يثبنا فبمحض الفضل: إن الإنس مثابون ومعاقبون، والملائكة سيأتي الكلام في إثباتهم، وأما الجن فقد اتفقوا على أن كافرهم معذب في النار وأما مؤمنهم فمختلف فيه على أقوال، قيل: إنهم كالإنس، وقيل: ثوابهم نجاتهم من النار ثم يقال لهم: كونوا تراباً، وقيل: ثوابهم أن يكونوا في ربض الجنة، يراهم الإنس من حيث لا يرونهم، عكس ما كانوا في الدنيا. والقول الأول - وهو أنهم كالإنس - هو المعتمد.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"-والفضل المحض: هو الفضل الخالص بمعنى الإعطاء عن اختيار كامل، لا عن إيجاب - بحيث يثيبنا ولا اختيار له في الإثابة أبداً، لكون الطاعة علة تنشأ عنها معلولاتها من غير اختيار لها كما يقول الفلاسفة - ولا عن وجوب بحيث تصير الإثابة مستحقة لازمه يقبح تركها. فبالفضل الخالص رد مذهب المعتزلة والفلاسفة، ويدل لمذهب أهل السنة أن طاعات العبد - وإن كثرت - لا تفي بشكر بعض ما أنعم الله به عليه، فكيف يتصور استحقاقه عوضاً عليها، وقد ورد عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"خرج من عندي خليلي جبريل آنفاً فقال: يا محمد، والذي بعثك بالحق إن للله عبداً من عباده عبد الله خمسمائة سنة على رأس جبل في البحر. وقد أخرج له عيناً عذبة بعرض الأصبع تفيض بماء عذب فتستنقع في أسفل الجبل وشجرة رمان تخرج له في كل ليلة رمانة، يتعبد يومه فإذا أمسى نزل فأصاب من الوضوء وأخذ تلك الرمانة فأكلها، ثم قام بصلاته فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه ساجداً، وأن لا يجعل للأرض، ولا لشيء يفسده عليه سبيلاً حتى يبعثه الله وهو ساجد. قال ففعل. فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا، فنجد له في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله سبحانه فيقول له الرب: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: رب بل بعملي. فيقول: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: بل بعملي. فيقول الله عز وجل: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله. فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلاً عليه. فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار. فينادي رب برحمتك أدخلني الجنة. فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه، فيقول: يا عبدي: من خلقك ولم تك شيئاً؟ فيقول أنت يا رب. فيقول: من قواك لعبادة خمسمائة سنة؟ فيقول أنت يا رب... ويعدد عليه نعمه ثم يقول كذلك برحمتي أدخلك الجنة، أدخلوا عبدي الجنة، فنعم العبد كنت يا عبدي. فأدخله الله الجنة.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"قال جبريل: إنما الأشياء برحمة الله يا محمد\".\r-وإن يعذب فبمحض العدل: معنى العدل المحض وضع الشيء في محله من غير اعتراض على الفاعل. والظلم هو وضع الشيء في غير محله مع الاعتراض على فاعله وهذا رد على المعتزلة القائلين: بوجوب تعذيب العاصي، لقولهم بوجوب إثابة الطائع. وبنوا ذلك على قاعدتهم. من أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية التي منها الطاعة والمعصية، وأما أهل السنة فقاعدتهم: أن الله تعالى هو الخالق للأفعال كلها، ومنها الطاعة والمعصية. وبنوا على ذلك أن الإثابة بالفضل والتعذيب بالعدل، وليسا بواجبين عليه تعالى. وبالجملة فهو سبحانه لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. فليست الطاعة مستلزمة للثواب وليست المعصية مستلزمة للعقاب، وإنما هما أمارتان عاديتان تدلان على الثواب لمن أطاع، والعقاب لمن عصى. حتى لو عذب الله المطيع وأثاب العاصي، بأن جعل الطاعة أمارة على العذاب والمعصية أمارة على الثواب لكان منه ذلك حسناً سبحانه، لا يسأل عما يفعل، وهذا كله بحسب العقل، وأما بحسب الشرع فلا يجوز خُلف الوعد، لأنه سفه، وهو يستحيل عليه سبحانه. وأما الوعيد فهو في حق الكفار واقع لا محالة، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}. أما في حق المؤمنين فواقع في بعضهم لورود الأخبار بذلك، ثم يخرجون من النار، فلا يبقى فيها موحد، فتظل لأصحابها الطغاة الفجرة، الذين استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"51 - وَقَولُهُمْ إنَّ الصَّلاحَ واجِبُ *** عليه زُورٌ مَا عَلَيْهِ واجِبُ\rوقولهم إنّ الصلاح واجب: أي وقول المعتزلة بوجوب الصلاح والأصلح عليه سبحانه فهنا إشارة إلى هذه المسألة، ومضمونها: أنه إذا كان ثمة أمران، أحدهما صلاح، والآخر فساد، وجب على الله تعالى أن يفعل الصلاح منهما، دون الفساد، وإذا كان هناك أمران أحدهما صلاح، والآخر أصلح منه، وجب على الله تعالى أن يفعل الأصلح منهما دون الصلاح. فالصلاح والفساد كالإيمان في مقابلة الكفر. والصلاح والأصلح ككون العبد في أول مراتب الجنان في مقابلة أعلاها. والمصنف على هذا تعرض لإبطال مذهبهم \"بوجوب فعل الصلاح\" ولم يتعرض لنقض مذهبهم \"بوجوب فعل الأصلح إلا أنه لما أبطل الأول لزم منه بطلان الثاني، إذ أن الصلاح أعم من الأصلح ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص. ألا ترى أنه لو نفي كون الشيء حيواناً لزم أن ينتفي كونه إنساناً. والحاصل أن المعتزلة قالوا: فعل الصلاح والأصلح واجب على الله تعالى. وأنهم اختلفوا، فمنهم من قال: يجب مراعاة الصلاح والأصلح لعباده بالنظر إلى الدين والدنيا جميعاً. ومنهم من قصر الوجوب على الدين وحده. واختلفوا في معنى الأصلح فمفسر له: بالأوفق في الحكمة والتدبير، ومفسر له: بالأنفع والأكثر فائدة. وبالجملة فقد ذهبوا جميعاً إلى أنه يجب إقدار العبد وتمكينه وأن يفعل معه أقصى ما يمكن في معلومه سبحانه مما يؤمن عنده المكلف ويطيع. وأنه سبحانه فعل مع كل أحد غاية مقدوره من الأصلح. وليس في مقدوره لطف لو فعله بالكفار لآمنوا جميعاً، وإلا لكان تركه بخلاً منه وسفهاً. وعمدتهم القصوى في هذه المسألة (قياس الغائب على الشاهد) لقصور نظرهم في المعارف الإلهية واللطائف الخفية الربانية، ووفور غلطهم في صفات الواجب الحق وأفعال الغني المطلق، وما ضربوه من الأمثال مصروف إلى أن المخلوق عندما يفعل ما يفعل، إما اتقاء لضر، أو جلباً لمنفعة ما. أما في الغني كل الغنى عن موالاة الأولياء، القادر كل القدرة على الانتقام من الأعداء، فلا ينطبق عليه ما","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"ضربوه مثلاً وأنه لو وجب عليه الأصلح لعباده لما خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة سيما المبتلي بالأسقام والآلام والمحن والآفات. حكي أن الحافظ ابن حجر مر يوماً في السوق بموكب عظيم وهيأة جميلة، فهجم عليه يهودي، وأثوابه ملطخة بالدرن، وهو في غاية الرثاثة والبشاعة، فقبض على لجام بغلته، ثم قال له: يا شيخ الإسلام، أنت تزعم أن نبيكم قال: \"الدُّنَيا سِجْنُ المؤمنِ، وَجَنَّةُ الكافِرِ\". فأي سجن أنت فيه مع هذه النعمة؟ وأي جنة أنا فيها مع ما ترى؟ فقال له الحافظ رضي الله عنه: أما أنا فإن الذي أنا فيه بالنسبة لما أعده الله في الآخرة من النعيم للمؤمنين يُعَد سجناً، وأما أنت فإن الذي أنت فيه بالنسبة لما ينتظرك من العذاب الأليم يعد جنة. ولو وجب عليه فعل الأصلح لما استوجب عليه شكراً، لكونه مؤدياً للواجب عليه كمن يرد وديعة أودعها، وكمن يؤدي دَيْناً لزمه، مع أنه سبحانه قد طلب من عباده أن يشكروه على ما فعله معهم. ووجه آخر في دحض مذهبهم هو أنه يلزم على قولهم أن تكون إماتة الأنبياء والمرشدين بعد حين من حياتهم مع تبقية إبليس وذريته من الضالين المضلين إلى يوم الدين أصلح عندهم لعباد الله، وكفى بهذا فظاعة. وأخيراً حجة نسوقها على لسان أبي الحسن الأشعري حينما كان أحد تلامذة أبي هاشم الجبائي كبيرهم، فبينما كان الجبائي يقرر هذه المسألة في درسه يوماً، قال أبو الحسن: ما تقول في ثلاثة أخوة، مات أحدهم كبيراً طائعاً، ومات الثاني كبيراً عاصياً، ومات الثالث صغيراً؟ فقال الجبائي: الأول يثاب بالجنة، والثاني يعاقب بالنار، والثالث لا ثواب له ولا عقاب، (لأنهم يقولون بالمنزلة بين المنزلتين) فقال الأشعري: فإن قال الثالث: يا رب لم أمتني صغيرا ولم تبقني حتى أبلغ فأطيعك فأدخل الجنة، فقال الجبائي: يقول له ربه: علمت أنك لو كبرت عصيت، فتدخل النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيراً.","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"فقال الأشعري: فإن قال الثاني: يا رب لما علمت أني إن كبرت عصيت فدخلت النار فلم لم تمتني صغيراً حتى أكون كأخي؟ ماذا يقول الرب؟ فبهت الجبائي. وفي ذلك الحين ترك الأشعري درسه ومذهبه، واشتغل هو وأتباعه بإبطال مذهب المعتزلة. وإثبات ما وردت به السنة ومضى عليه الجماعة من السلف الصالح، ولذلك سموا أهل السنة والجماعة.\r-زور: أي قولهم في مذهبهم، إن الصلاح واجب زور. والزور هو الباطل فمذهبهم باطل ومن أسمج المذاهب لأنه لو وجب عليه سبحانه الأصلح لما بقي للتفضيل مجال ولم يكن له تعالى خيرة في الإنعام، وهو باطل في قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}. وقوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}.\r-ما عليه واجب، أي ليس عليه تعالى واجب من فعل أو ترك لأنه تعالى فاعل بالاختيار وأما الآيات الدالة على الوجوب عليه تعالى فمحمولة على أن المراد بها الوعد تفضلاً منه سبحانه، كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}. وكذلك الأحاديث الدالة على ذلك.\r\r52 - أَلَمْ يَرَوْا إيلاَمهُ الأطْفالا *** وَشِبْهَها فَحاذِرِ المُحالا\rألم يروا إيلامه الأطفالا: أي ألم ير المعتزلة بأبصارهم إيلامه الأطفال وينبه المصنف بهذا على فساد مذهب المعتزلة. والطفل هو من لم يبلغ الحلم، وحكمة إيلامهم حصول الثواب لأبويهم، لأن ذلك من المصائب التي يثاب الشخص عليها، ولهذا قال إمام الحرمين: شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها، لأنها نِعَم حقيقة. وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: \"ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى عليّ فيه أربع نعم، إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ لم أرجو الثواب عليه.\r-وشبهها: أي وشبه إيلام الأطفال كالعجزة والدواب، فإنهم لا نفع لهم في إنزال الأسقام بهم.\r-فحاذر المحالا: أي فاحذر عقاب الله تعالى النازل بهم على إضلالهم. قال تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}.\r-أو فاحذر المَحالا أي الشك في ذلك. أو فاحذر المُحالا أي الممتنع، وهو وجوب شيء عليه تعالى.","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"53 - وجَائزٌ عَليْه خَلْقُ الشَّرِّ *** والخيْرِ كالإسلامِ وجَهْلِ الكُفرِ\rوجائز عليه خلق الشر: هنا يرد على المعتزلة في قولهم: \"إن الله تعالى يمتنع عليه إرادة الشرور والقبائح\". زعموا أنه تعالى أراد من الكافر الإيمان وإن لم يقع منه، ولم يرد الكفر وإن وقع منه، وكذا أراد من الفاسق الطاعة لا الفسق، حتى أن أكثر ما يقع من العباد خلاف مراده تعالى، بنوا ذلك على أصلهم الفاسد من الحسن والقبيح العقليين، فقال: \"وجائز عليه\": أي عندنا جائز عقلاً عليه تعالى إرادة إيجاد الشر بإجرائه على أيدي العباد، وهو ما يعبرون عنه بالقبيح. والقبيح: ما يكون مُتَعَلّقَ الذم في العاجل والعقاب في الآجل، لأن الحسن عندنا ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع.\rوالمعتزلة استدلت على مذهبهم. بأن إرادة الشر شرٌ وإرادة القبيح قبيحة والله تعالى منزه عن الشرور والقبائح، ورد بأنه لا يقبح من الله تعالى شيء وغاية الأمر أنه يخفى علينا وجه حسنه. ويلزم على مذهبهم أن أكثر ما يقع في ملكه تعالى غير مراد له، لأن الشرور أكثر من الخيرات، ويرد مذهبهم قوله صلى الله عليه وسلم: \"ما شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ\".\rوالقبيح عندهم هو الحرام بخصوصه، والحسن ما يشمل الواجب، والمندوب والمباح، والمكروه، وخلاف الأولى إن لم ندخله في المكروه. واصطلح كثير من أهل السنة على أن المنهي عنه مطلقاً قبيح، والأحسن ما قاله إمام الحرمين: أن المكروه - ومنه خلاف الأولى - ليس بحسن ولا قبيح.","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"-والخير كالإسلام: \"أي وجائز عليه إرادة خلق الخير كالإسلام مثلاً، فمثل للخير بالإسلام، وللشر بجهل الكفر. لأن مذهب أهل السنة: أن الإرادة تتعلق بالممكنات بأسرها، لا يند عنها ممكن ما، كالقدرة في تعلقها بالممكنات، لكن الإرادة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه، والقدرة تبرز ما خصصته الإرادة، والإرادة غير العلم والرضا والأمر. ومذهب المعتزلة: أن الإرادة والرضا والأمر شيء واحد، ولا تتعلق إلا بما هو خير، فوافقوا أهل السنة في أنه سبحانه يريد الخير، وخالفوهم في أنه يريد الشر.\r-وجهل الكفر: لما مثل بالإسلام على إرادته الخير، مثل بجهل الكفر على إرادته خلق الشر. والكفر ضد الإيمان، فهو إنكار ما علم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به من الدين بالضرورة أو ما يستلزمه.\r\r54 - وَوَاجِبٌ إيمانُنَا بالقَدَرِ *** وَبالقَضَا كَمَا أَتَى في الخَبَرِ\rوواجب إيمانناً: غرض المصنف - هنا الرد على القدرية التي تنفي القدر وتزعم أنه تعالى لم يقدر الأمور أزلاً، وتقول: الأمر يستأنفه الله علماً حال وقوعه، ولقبوا بالقدرية لخوضهم في القدر حيث بالغوا في نفيه. وهؤلاء انقرضوا قبل الإمام الشافعي رضي الله عنه أي قبل انقضاء القرن الهجري الثاني. وثمة فرقة أخرى أطلقوا عليها اسم القدرية وهي إحدى فرق المعتزلة، وهم القائلون بأن العبد خالق لأفعال نفسه الاختيارية، والمثبتون - مع أهل السنة - أن الله تعالى عالم بالعبد أزلاً قبل وقوعها منه، وقد مضى الرد على هذه الطائفة في قوله: \"فخالق لعبده وما عمل\" فهما قدريتان، الأولى: وهي تنكر سبق علمه تعالى بالأشياء قبل وقوعها وتخوض في القدر حيث بالغت في نفيه. والثانية: تنسب أفعال العباد إلى قدرهم، ومذهب الثانية أخف من الأولى - الذي هو كفر - وإن كان باطلاً مثله.","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"وثمة مسألتان، الأولى: أن الإيمان بالقضاء والقدر يستدعي الرضا بهما، فيجب الرضا بهما، واستشكل بأنه يلزم على ذلك الرضا بالكفر والمعاصي لأن الله قضى بهما وقدرهما، مع أن الرضا بالكفر كفر، وبالمعاصي معصية! فقال السعد: إن الكفر والمعاصي مقضي ومقدر، لا قضاء وقدر، والواجب الإيمان به إنما هو القضاء والقدر وليس المقضي والمقدر، فالمؤمن بهما لا يعترض على الله في قضائه وقدره، ويعتقد أنه لحكمة وإن كنا لا نعلمها، وإنما يعترض على الكافر والفاسق في اختيارهما واكتسابهما. والمسألة الثانية: أنه وإن وجب الإيمان بالقدر لا يجوز الاحتجاج به قبل الوقوع توصلاً إليه أو بعد الوقوع تخلصاً من الحد أو نحوه، بأن يقول: قدر الله علي الزنا وغرضه التوصل إلى الوقوع فيه، أو قال بعد وقوعه في الزنا: قدر الله علي ذلك، فأما الاحتجاج به بعد الوقوع لدفع اللوم فقط فلا بأس به ففي الحديث الصحيح: \"أنَّ رُوحَ آدمَ التَقتْ مع روحِ موسى عليهما الصلاةُ والسلامُ فقالَ موسى لآدمَ أنتَ أبو الْبشَرِ الذي كنتَ سبباً لإخراجِ أولادِك من الجنّةِ بأكلكَ من الشجرةِ، فقالَ آدمُ: يا موسى فأنتَ الذي اصطفاكَ الله بكلامهِ وخطَّ لكَ التوراة بيدهِ، تلومنّي على أمرٍ قدْ قدَّرهُ اللهُ عليَّ قبْلَ أنْ يخلُقني بأربعين ألفَ سنةٍ. قال النبي صلى الله عليه وسلم فحجَّ آدمُ مُوسى. يريدُ أنّهُ غلبهُ بالحُجَّة\".","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"-بالقدر وبالقضاء: اختلف الأشاعرة والماتريدية في كل من القدر والقضاء فقال الأشاعرة: القدر إيجاد الله الأشياء على قدر مخصوص ووجه معين أراده تعالى فهو عبارة عن الإيجاد عندهم، وهو من صفات الأفعال. وقال الماتريدية: \"القدر هو تحديد الله أزلاً كل مخلوق بحده الذي يوجد عليه من حسن وقبح، ونفع وضر، إلى غير ذلك، فهو علمه تعالى أزلاً بصفات المخلوقات، وهو - عندهم - راجع لصفة العلم وهي من صفات الذات. وأما القضاء - عند الأشاعرة - فقد قالوا: هو إرادة الله الأشياء في الأزل على ما هي عليه فيما لا يزال، فهو من صفات الذات وعند الماتريدية: هو إيجاد الله الأشياء مع زيادة الإحكام والإتقان، فهو راجع لصفات الأفعال. وعلى هذا يكون القدر - عند الأشاعرة - حادث، والقضاء قديم. وعلى العكس عند الماتريدية، وحمل الشارح كلام المصنف على مذهب الماتريدية في القدر والقضاء. لأن القضاء لغة له نحو معان سبعة، أشهرها الحكم، وهو يرجع للفعل، فناسب أن يفسر - اصطلاحاً - بالفعل، وأما القدر فلم يرد أن معناه في اللغة الفعل، فناسب ألا يفسر في الاصطلاح بالفعل بل بالعلم.\rوبعد هذا كله فالقضاء والقدر راجعان لما تقدم من العلم والإرادة وتعلق القدرة، وأنه يجب على المكلف أن يؤمن بأن الله سبحانه علم أزلاً بجميع أفعال العباد، وخصص بإرادته - سبحانه - أزلاً هذه الأفعال على وفق العلم وأنه أوجدها - حين أوجدها فيما لا يزال - على القدر المخصوص والوجه المعين الذي سبق العلم به وخصصته الإرادة، بل إن ذلك مما لا يتحقق الإيمان إلا به.\r-كما أتى في الخبر: أشار المصنف - هنا إلى أن دليل القضاء والقدر سمعي. ومن جملة ما ورد في السمع ما روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"\"لا يُؤِمنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤمنَ بِأرَبعٍ: يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وأنِّي مُحَمَّدٌ رَسولُ الله بعثني بالحقِّ، ويؤِمنُ بالموتِ وبالبعثِ بَعْدَ الموتِ، ويؤِمنُ بالقَدَرِ\".\rوعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يُؤِمنُ عَبْدٌ حتَّى يُؤِمْنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، وحتَّى يَعْلَمَ أنَّ ما أَصابَهُ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَه وأّنَّ ما أَخطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ\".\rوإنما عوّلوا على الدليل السمعي لأنه للعامة أسهل، وإلا فقد علم مما مر أن القضاء والقدر يرجعان إلى الصفات المعول فيها على الدليل العقلي.\r\r55 - وَمِنْهُ أنْ يُنْظَرَ بالأبْصَارِ *** لكِنْ بِلاَ كَيْفٍ ولا انْحِصَارِ\rومنه أن ينظر: أي ومن بعض جزئيات الجائز عقلاً عليه تعالى أن ينظر الله تعالى بالأبصار، بمعنى أن العقل إذا خلي ونفسه لم يحكم بامتناع الرؤية ولا بوجوبها. ولقد ذهب أهل السنة إلى أنه تعالى يجوز أن يرى، والمؤمنون يرونه في الجنة منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان. فكما يعلمون أنه سبحانه ليس في جهة يرونه كذلك بلا جهة. فالرؤية جائزة عقلاً دنيا وآخرى، لأنه سبحانه موجود، وكل موجود يصح أن يرى، لكنها لم تقع في الدنيا إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهي واجبة شرعاً في الآخرة كما أطبق عليه أهل السنة، للكتاب والسنة والإجماع.\r-وقبل الخوض في سرد الأدلة نورد أسئلة تترتب من طبيعة المسألة، ثم نورد أجوبتها، والأسئلة هي: هل الرؤية مما يجوزه العقل؟ وهل في السمع ما يدل على جوازها. ؟ وهل في السمع ما يجوز وقوعها في الدنيا؟ أو أن ما ورد فيه - إن دل على الجواز - خاص بالآخرة ؟.\rالسؤال الأول: هل الرؤية مما يجوزه العقل؟","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"ذهب المعتزلة إلى عدم تجويز العقل رؤية العباد لربهم، بل إن العقل يحكم بامتناعها. وأجمع الأئمة من أهل السنة على أنها مما يجوزه العقل. واحتج المعتزلة على مقالتهم: بأننا نعلم علم اليقين أن الله تعالى ليس بجسم، ولا في جهة من الجهات، وأنه يستحيل عليه المقابلة والمواجهة وتقليب الحدقة نحوه. والرؤية لا تتحقق إلا إن كان المرئي في الجهة المقابلة لنظر الرائي، لهذا لا يمكن لعبد أن يرى ربه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.\rوأجاب أهل السنة: بأننا لا نسلم لكم ما زعمتموه من عدم تحقق الرؤية إلا إن كان المرئي مقابلاً للرائي، بل نحن نقول: إن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في عبده متى شاء من غير لزوم مقابلة المرئي، ولا لزوم كونه في جهة وحيز. ونقول: إن الله تعالى ليس بجسم ولا هو في جهة، وإنه يستحيل عليه المقابلة والمواجهة، ومع ذلك يصح أن ينكشف لعباده انكشاف القمر ليلة البدر كما ورد في صحيح الأحاديث.","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"السؤال الثاني: هل في السمع ما يدل على جوازها؟\rفقد ذهب المعتزلة إلى نفي الدليل السمعي الصريح في الرؤية، بل قالوا: إن في السمع ما يدل على أنها لا تجوز ولزمهم أن يؤولوا صريح القرآن وصحيح الأحاديث ليوافق ما ذهبوا إليه، كحمل الجبائي قوله تعالى: (ناظرة) في هذه الآية: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} على معنى الانتظار، وجعل (إلى) بمعنى النعمة، وكأنه قيل: وجوه يومئذ منتظرة نعمة ربها. وهو كلام عجيب، فيه من الهوى الجامح ما فيه، لأن الإخبار بانتظارهم النعمة والثواب لا يتلاءم والمقام، بل ينافيه أشد المنافاة، إذ أن في الانتظار موتاً أحمر، فهو بالغم والقلق والذم وضيق الصدر أجدر، أضف إلى ذلك أن النظر المتعدي بـ (إلى)، والمسند إلى الوجه مما لم يثبت عند الثقات بمعنى الانتظار. وعمدتهم في هذا المذهب قوله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام: \"رَبِّ أَرِني أْنظُرُ إلَيْكَ قَالَ: لَنْ تَراني، ولكْن انْظُرْ إلى الجَبَلِ، فإنِ استَقَرَّ مكانَه فَسَوفَ تراني. فَلمَّا تَجَلّى ربُّه للجَبلِ جَعلهُ دّكّا، وخَرّ موسى صَعقاً\". قالوا: أجاب الله بـ (لن تراني) فنفى الرؤية ثم علقها على استقرار الجبل وهو يعلم أنه لن يستقر، فكأنه علقها على أمر مستحيل، فتكون رؤيته سبحانه مستحيلة.","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"-وأهل السنة يقولون إن في السمع كثيراً من الآيات الكريمة، والأحاديث الصحيحة تدل صراحة على جوازها، بل إن الآية التي أحتج بها المعتزلة ودندوا حولها تدل نفسها على جوازها، ومن عدة وجوه، الأول: أن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام قد طلبها، ولاشك أنه أدرى من المعتزلة بما يجوز في حقه تعالى وبما لا يجوز، ولو كان يعمل استحالتها لما استساغ أن يطلبها. والثاني أنه سبحانه علق حصول الرؤية في آخر الآية على أمر جائز في نفسه، وهو استقرار الجبل، بل هو من حيث ذاته أقرب من صيرورته دكاً، وكل أمر يعلق على أمر جائز فهو جائز، وادعاء المعتزلة من أنه سبحانه يعلم أنه لا يستقر لا يخرجه عن كونه جائزاً. وقد قال المعتزلة في الآية حذف مضاف وهو: \"أرني آية من آياتك\" وهو فاسد، كيف وموسى عليه الصلاة والسلام اختص من الله تعالى بآيات كثيرة؟ واندكاك الجبل أعظم آية من آياته، فكيف يستقيم نفي الرؤية؟ بل كيف يصح تعلق رؤيتها بالاستقرار؟ وإنما الآية عند اندكاك الجبل وقالوا أيضاً: إنه إنما سألها لأجل قومه. وهو قول باطل أيضاً، لأن تجويز الرؤية باطل، بل هو كفر عند أكثر المعتزلة، فلا يجوز لموسى عليه الصلاة والسلام تأخير الرد عليهم، وتقرير الباطل. ألا ترى أنهم لما قالوا له: \"اجْعَل لَنا إلهاً كمَا لهمْ آلهَةٌ\". رد عليهم لساعته: \"إنَّكْم قومٌ تَجْهَلونَ\". ولأن القوم إنما يصدقون نبيهم فيكفيهم إخباره بامتناع الرؤية، هذا وإن لم يصدقوه فلا تفيدهم حكايته عن الله تعالى وإنما أخذتهم الصاعقة بقصدهم التعنت، لا لطلبهم الباطل. والحق أن السائلين القائلين: \"لَنْ نُؤِمْنَ لَكَ حتّى نَرَى اللهَ جَهْرةً\". لم يكونوا مؤمنين، ولم يكونوا حاضرين عند سؤاله عليه الصلاة والسلام للرؤية. وقد نقل ابن فورك عن الأشعري رحمه الله أنه قال: قال تعالى: {لَنْ تَرَانِي}. ولم يقل. لست بمرئي على ما هو مقتضى المقام لو امتنعت الرؤية. وإنه ليس معنى التجلي للجبل أنه","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"ظهر عليه بعدما كان محجوباً عنه، بل إنه خلق فيه الحياة والرؤية فرآه. واحتج المعتزلة على نفيها بقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} فقالوا إن الإدراك بالبصر هو الرؤية، والإدراك بالبصر منتف بهذه الآية. فأجابهم أهل السنة: بأن الإدراك بالبصر ليس مجرد الرؤية، بل هو رؤية مخصوصة، وهي التي تكون على وجه الإحاطة بحيث يكون المرئي منحصراً بحدود ونهايات. فالمنفي في الآية أخص من مجرد الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. وقد قال في المسايرة يدلل على جواز الرؤية عقلاً.. وأما عقلاً فلأنه غير مؤد إلى محال، فوجب ألا يُعدل عن ظاهر النصوص الواردة، إذ العدول عنه عند عدم إمكانه، وذلك أن الرؤية نوع كشف وعلم للمدرك بالمرئي يخلقه الله تعالى عند مقابلة الحاسة له عادة، فجاز أن يخلق هذا القدر من العلم بعينه من غير مقابلة بجهة أو إحاطة بمجموع المرئي. وكما أنا نرى السماء ولا نحيط بها، وكما يرانا الله تعالى من غير مقابلة في جهة باتفاق، بل كما قد يخلق الله تعالى الرؤية من غير مقابلة لحاسة البصر أصلاً نراه سبحانه وتعالى. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للصحابة: \"سَوّوا صُفوَفكُمْ فإنّي أراكُم مِنْ وراءِ ظَهْرِي\".\rالسؤال الثالث: هل في السمع ما يدل على جوازها في الدنيا، أو هو - إن وجد - خاص بالآخرة؟ ولا خفاء في أن إثبات وقوع الرؤية لا يمكن إلا بالأدلة السمعية. وقد اتفقت الأمة قبل حدوث المخالفين على وقوعها، ولكن من أهل السنة من قال: إن الوارد في السمع خاص في الآخرة. وعلى هذا تحمل الآيات التي تنفي جوازها، فقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }. إن سلمنا أن الإدراك المنفي هو الرؤية فهذا خاص في الدنيا، أما في الآخرة فقد ثبت بدليل آخر أنه يرى، وكذا قوله سبحانه: {لَنْ تَرَانِي}.","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"أي في الدنيا. وكانت السيدة عائشة ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يقولان: كانت رؤيا النبي لربه ليلة الإسراء والمعراج رؤية منام، ولم تكن يقظة، ولعلهما قالا ذلك بناء على اجتهاد منهما، وقد روى البخاري وغيره عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه، هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث، من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب ثم قرأت قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}. وقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}. ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً}. ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، وقرأت قوله تعالى:\r{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}. ولكن رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين. ولعلها قالت ذلك اجتهاداً منها، على أنها رضي الله عنها لم تكن في بيته صلى الله عليه وسلم حين أسري به، بل لم تكن تميز - إن سمعت - في وقت الحادث، على أن الراجح أنها لم تكن ولدت ورأت الدنيا، لأن المعراج حدث في أول البعثة وعائشة رضي الله عنها لم تكن قد بلغت العاشرة يوم الهجرة على الأرجح. وأما معاوية رضي الله عنه فلم يكن قد أسلم يوم هذا الحادث. وإن بعض الناس قد يوجه قولهما بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} لأن الرؤيا تطلق على رؤيا المنام، وأما الرؤية فتطلق على اليقظة. والصحيح أن الرؤيا كما تطلق على النوم تطلق على اليقظة. قال الشاعر:\rفَكَبّر للرؤيا وهَشّ فؤادُه *** وبشّر قلباً كان جماً بلابله","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"فإنه يصف راعياً رأى العشب والكلأ فاستبشر به، وطمأن نفسه، وهذا حاصل في اليقظة لا محالة. وقد قال تعالى عن هذه الرؤيا إنها كانت فتنة للناس، يعني ابتلاء لهم واختباراً، ليرى من يثبت على إيمانه ومن يرتد عن دينه لعدم تصديقه ذلك، وقد كان ذلك فعلاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح وأخبر أهل مكة بما كان من مسراه إلى بيت المقدس، وعروجه إلى السماوات وما فوقها، سخروا منه وكذبوه حتى ارتد ضعاف القلوب، وثبت أهل التقوى والمغفرة ومنهم أبو بكر الذي قال حين سمع ما يتندّرون به على النبي: إن كان قد قال ذلك فقد صدق. وليس من المعقول أن يكون حديث الإنسان عن رؤيا رآها في المنام فتنة وبلاء واختباراً، ويصدق به قوم، وينكر آخرون.\rوقد ذهب الأكثرون إلى أن في السمع ما يدل على جوازها في الدنيا لمن أراد الله له ذلك. ومن ذلك قصة معراجه صلى الله عليه وسلم. ويقول هذا الفريق إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه وهما في مكانهما الخلقي، لم يحولهما الله تعالى إلى قلبه كما زعم بعض الناس، وقد كان صلى الله عليه وسلم يرى ربه كذلك في كل مرة من مرات المراجعة التي كان يسأل فيها تخفيف الصلوات المفروضة. ورؤيته صلى الله عليه وسلم هذه منقولة عن جمهرة الصحابة فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"رأى محمد ربه، قال عكرمة: قلت أليس الله يقول: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}. قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"رأَيْتُ ربِي عزَّ وَجَلَّ\". وروى أيضاً عن ابن عباس. أنه رآه بعينه, وكذا عن أنس وأبي ذر وكعب والزهري. وعن ابن عباس أنه قال: بعد ما قرأ قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ}. هي رؤيا عين، أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. وروى شريك عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه) وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه، وحُكي أيضاً عن عكرمة، وبعض المتكلمين حكى هذا المذهب عن ابن مسعود، وأبي هريرة. وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس، بعينه رآه، رآه.. (حتى انقطع نفس أحمد) قال الماوردي: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقد اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: أما نحن بني هاشم فنقول إن محمداً قد رأى ربه فكبر كعب. وقال المناوي: والرؤية بالمشاهدة العينية التي لم يحتمل الكليم أدنى شيء منها، أو القلبية بمعنى التجلي التام. والأرجح أن الله تعالى جمع له بين الرؤية البصرية والجنانية (أي القلبية). وقد استدل أهل السنة على جواز رؤيته تعالى من الكتاب والسنة، أما الكتاب ففيه أكثر من آية غير قوله تعالى: {وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} منها قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}. قال جمهور المفسرين: الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم، وقد روي عن صهيب أنه قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية قال: \"إذا دَخَلَ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّةَ،","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، نادىَ مُنادٍ يا أْهلَ الجنَّةِ، إنَّ لَكْمِ عندَ اللهِ مَوْعِداً يُريدُ أنْ يُنجِز كُموهُ، قالُوا: ما هّذا الموعدُ؟ أَلْم يُثْقِلْ مَوازِيننا، ويُنَضّرْ وجُوهَنا، ويُدْخِلنا الجنَّةَ، ويُجِرْنا مَنَ النّارِ؟ قال: فَيُرَفع الحِجابُ فينْظْرونَ إلى وجْهِ اللهِ عزَّ وجَلْ. قال: فما أْعطوا شَيْئاً أحبَّ إليْهمْ مِنَ النَظَرِ\". وروى الإمام مسلم عن صهيب أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا دَخَلَ أهلُ الجنّةِ الجنّةَ، يَقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: تُريدُون شَيْئاً أزيدُكْم؟ فَيقولُونَ: ألمْ تُبيّض وُجوهَنا؟ ألمْ تُدْخِلنْا الجنَّةَ وتُنَجِنا مِنَ النّارِ؟ فيُكْشَفُ الحجابُ، فما أعطوا شَيئاً أحبّ إليهمْ مِنَ النَظَر إلى ربِّهمْ\". وخرجه ابن المبارك في وثائقه عن أبي موسى الأشعري، وخرج النسائي عن صهيب نحوه إلا أنه قال: \"يُكْشفُ الحجابُ فَيْنظرون إليْهِ، فو اللهِ ما أعطاهُم الله شيئاً أحَبَّ إلّيهمْ مِنَ النَظَرِ وَلاَ أَقرَّ لأَعْيُنهِمِ\". وخرج الترمذي الحكيم عن أبي ابن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله تعالى في قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}. قال: \"النظر إلى وجه الرحمن\". وعن قوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}. قال: {عشرون ألفاً}. وذكر القرطبي في تفسيره: أن أنساً رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَزِيَادَةٌ}. قال: \"للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى، وهي الجنة\"، والزيادة: \"النظر إلى وجه الله الكريم\".\rقال القرطبي: وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في رواية، وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية، وهو قول جماعة من التابعين، وهو الصحيح في الباب.","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"فإن قيل: إن الرؤية أجل الكرامات وأعظمها، فكيف يعبر عنها بالزيادة؟ قلنا: للتنبيه على أنها أجل من أن تعد في الحسنات، وفي أجزية الأعمال الصالحات، ومنها قوله تعالى: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}. وأما الأحاديث فمنها الحديث الذي ورد في الصحيح فيما روي عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:\r\"كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَنَظرَ إلى القَمرِ لَيْلَةَ البَدْرِ وقال: إنَّكمْ سَتَروْنَ ربَّكمِ عيانَاً كما تَرَوْنَ هذا القَمرَ، لا تُضامونَ في رؤيتهِ\". وعن أبي هريرة رضي الله عنه وجرير أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"هَلْ تُضامونَ في رُؤْيَةِ القمرِ لَيْلةَ البدِرْ، لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنهُ سحابٌ؟ كذلكَ تَرَوْنَ ربّكمْ\". والتشبيه للرؤية لا للمرئي، ووجه الشبه عدم الشك والخفاء.\rولم يختلف العلماء من الصحابة رضي الله عنهم في وقوع رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وكذلك من بعدهم من أهل العلم. قال الإمام مالك رضي الله عنه: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى يروه، ولو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعير الكافرون بالحجاب. قال تعالى: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}.\rوذكر الربيع أنه كان ذات يوم عند الشافعي، فجاء كتاب من الصعيد يسألونه فيه عن قوله عز وجل:\r{كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}. فكتب: لما حجب قوماً بالسخط دلّ على أن قوماً يرونه بالرضا. وقال ابن العربي: \"إن رؤية الله تعالى جُعلت تقوية للمعرفة الحاصلة في الدنيا، فما راءٍ كمن سمعا\". وقال محمد بن الفضل: \"كما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته\". وقال سيدي ابن عطاء الله: (أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته، وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته).","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"-بالأبصار: ظاهره أن الرؤية بالحدق فقط، وهو أحد أقوال ثلاثة. ثانيها: أنها بجميع الوجوه لظاهر قوله تعالى: {وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.\rثالثها: أنها بكل جزء من أجزاء البدن، كما نقل عن أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه.\r-لكن بلا كيف: لما كان قد يتوهم من إثبات الرؤية بالأبصار أنها تحصل بكيفية من كيفيات الحوادث، من مقابلة، وجهة، وتحيز، وغير ذلك، استدرك بقوله: \"لكن بلا كيف\"، والمراد بالرؤية بلا كيف خلوها عن الشروط والكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض، وكيف يكون شرط مقابلة المرئي عقلياً لا يتخلف. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتي هَاهُنَا؟ فَواللهِ ما يَخْفَى عَليّ خُشْوعُكُمْ ولا رُكُوعُكُمْ، إنِّي لأرَكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْري\". وقال أنس رضي الله عنه: \"صَلّى بِنا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَلاةً، ثُمَّ رَقَى المِنْبَرَ فقال: في الصَّلاةِ وَفِي الرُّكُوعِ إنَّي لأرَاكُمْ مِنْ ورائِي كما أَرَاكُم\". وعن مجاهد أنه صلى الله عليه وسلم كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. والضوء شرط عادي في الرؤية. قال ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري بعدما أورد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: \"لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلاً، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة خلافاً لأهل البدع لوقوفهم مع العادة\".\r-ولا انحصار: يعني ولا انحصار للمرئي عند الرائي بحيث يحيط به لاستحالة الحدود والنهايات عليه تعالى. والغرض بهذا الرد على الشبهة النقلية التي أوردها المعتزلة:","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"وهي قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}. والحاصل أنه تعالى يرى من غير تكيف بكيفية من الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام، ومن غير إحاطة، بل يحار العبد في العظمة والجلال حتى لا يعرف اسمه، ولا يشعر بمن حوله من الخلائق، فإن العقل يعجز هنالك عن الفهم ويتلاشى الكل في جنب عظمته تعالى. ولما كان النظر مضمناً معنى الانكشاف قال:\r\r56 - لِلْمْؤِمنينَ إذْ بِجائِزْ عُلِّقَتْ *** هّذا ولِلْمُخْتَارِ دُنْيَا ثَبتتْ\rللمؤمنين: يعني انكشافه تعالى بحاسة البصر انكشافاً تاماً لكل فرد ممن مات محكوماً له باتصافه بالإيمان، والتصديق الشرعي. فيخرج الكفار والمنافقون، لأنهم ليسوا من أهل الإكرام والتشريف. وقيل: إنهم يرونه تعالى ثم يحجبون عنه، لتكون الحجبة حسرة عليهم. وجعل الإمام النووي محل الخلاف في المنافق، فأما الكافر فلا.\rوالأقوى أن الرؤية حاصلة للملائكة أيضاً، ولمؤمني الجن، فيحصل لهم الرؤية في الموقف مع سائر المؤمنين قطعاً، وفي الجنة على الراجح، ولمؤمني الأمم السابقة، وهو الأظهر، ومحل الرؤية الجنة بلا خلاف فيراه أهلها في مثل يوم الجمعة والعيد، ويراه كل يوم خواصهم بكرة وعشياً. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: \"إنّ *** أدْنَى أهْلِ الجنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ جِنَانَهُ وأزْواجَهُ وَنَعِيْمَهُ وَخَدَمَهُ وسُررَهُ مَسِيرَ ألفِ سَنَةٍ، وأكْرَمَهُمْ على اللهِ مَنْ يَنْظُرُ إلى وَجْهِهِ غُدوَةً وَعَشَّيِةً، ثُمَّ قَرَأَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم \"وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها نَاظِرَةٌ\".","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"وبعضهم لا يزال مستمراً في الشهود حتى قال أبو يزيد البسطامي \"إن لله خواصاً من عباده، لو حجبهم في الجنة عن رؤيته ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها\". وأما في عرصات القيامة - كالموقف - فالصحيح وقوعها أيضاً، لأنه ورد في السنة ما يقتضي ذلك، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: \"هلْ تُضَارُّون فيرُؤْيِةَ الشّمسِ بالظهيرةِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فيهِ سَحَابٌ؟ قالوا: لا، قالَ: وَهلْ تُضارونَ في رُؤْيَة القَمَر لَيْلَةَ البَدْرِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فيهِ سَحَابٌ؟ قالوا: لا، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الله عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ كَمَا تُضاروُّنَ في رُؤْيِةِ أَحدِهِمَا. إذا كانَ يومُ القيامةِ أذّنَ مُؤذَِنٌ: تَتْبَعُ كلُّ أُمّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، فلا يَبْقَى مَنْ كانَ يَعْبُدْ غَيْرَ اللهِ مِنَ الأصنامِ والأنصابِ إلاَّ يتساقَطُونَ في النَّارِ حَتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلاّ مَنْ كانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرِّ أوْ فاجِرٍ وَغُبّراتِ أهْلِ الكتَابِ. فيُدْعَى اليَهودُ، فَيُقالُ لَهُمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبدُوُنَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْراً بن اللهِ. فيقالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، ما اتّخَذَ اللهُ مِنْ صاحِبَةٍ ولا وَلَدٍ فَماذا تَبْغونَ؟ قالوا: عَطِشنْا رَبَّنا فاسْقِنا، فَيُشَارُ: ألا تَرِدُونَ، فَيُحْشَرونَ إلى النَّار، كأنّها سَرابٌ، يحطمُ بعضُها بَعضاً، فَيَتَساقطونَ في النَّارِ، ثم يُدعى النَّصارى فَيْقَالُ لُهمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدون؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ المسيحَ بن اللهِ فَيُقالُ لهمْ كَذَبْتُمْ، مَا اتّخَذَ اللهِ مِنْ صَاحِبَةٍ ولا ولدٍ، فَيُقال لَهُم: ماذا تَبْغُوْنَ؟ فكذلكَ مثل الأُولى حتّى إذا لَمْ يَبْقَ إلاّ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرّ أو فاجرٍ أتاهُمْ ربٌ العَالْمِينَ في أدْنىَ صورةٍ مِنَ التي","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"رَأَوْه فيْها، فَيُقَالُ لَهُم:ماذا تَنْتَظِرونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أمةِ ما كانَتْ تَعْبُدُ، قالوا: فَارَقنَا النَّاسُ في الدُّنيا على أفْقَرِ ما كنُّا إليهمْ ولَمْ نُصَاحِبْهْمْ، وَنَحْنُ ننْتَظِرُ رَبنَّا الذي كنَّا نَعْبُدُ. فَيَقُولُ أنا ربُّكُمْ، فَيَقُولُون: لا نشْرِكُ باللهِ شَيئاً \"مَرَّتينِ أو ثَلاثةِ\". فَيَتَجلّى لَهُمْ تَجَليّاً لائقاً بِحَالِ المقامْ وَيَقولُ: أنا رَبُكمْ، فَيراهُ المؤّمِنونَ كما يَعْلَمُونَ، أي عَلَى وفْقِ ما يَعْتَقِدونَ فَيَخِرُّونَ سُجدَّاً إلاّ المنُافِقُ\". والغَبَرات: البقايا.\r-إذ بجائز علقت: كأنه قال حكمنا بجواز الرؤية عقلاً لأن الله تعالى علقها بأمر جائز في نفسه عقلاً، وهو استقرار الجبل.\r-هذا وللمختار دنيا ثبتت: أي كما علمت جواز وقوع الرؤية فانتقل عنه إلى الإخبار بوقوعها في الدنيا. وعبر بالمختار مناسبة لاختياره لهذا المقام. وإضافة لما مر في مبحث رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه نقول: إن السيدة عائشة رضي الله عنها قد نفت وقوعها، وابن عباس أثبتها، والمثبت مقدم على النافي. وإن مَعْمَرَ بن راشد قال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس.\rواختلف في وقوعها للأولياء على قولين، للأشعري، أرجحهما المنع، والحق أنها لم تثبت في الدنيا إلا له صلى الله عليه وسلم، ومن ادعاها غيره في الدنيا يقظة فهو ضال بإطباق المشايخ، حتى ذهب بعضهم إلى تكفيره.","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"-وأما رؤيته تعالى مناماً، فقد نقل عن القاضي عياض: أنه لا نزاع في وقوعها وصحتها فإن الشيطان لا يتمثل به تعالى، كما لا يتمثل بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال بعضهم لا يتمثل بالملائكة ولا بالشمس، ولا بالقمر، ولا بالنجوم المضيئة، ولا بالسحاب الذي فيه الغيم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: \"تَسَمُّوا باسْمِي، ولا تُكَنُّوا بكُنْيتَي، ومَنْ رآني في المَنام فَقَدْ رآني، فإنَّ الشيّطْانَ لا يَتَمثّل في صُورَتي، ومَن كذَبَ عَلَي مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\".\rوعنه أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ومَنْ رآني في المَنَام فَسَيَراني في اليَقَظَةِ، ولا يتَمثّلُ الشيَّطْانُ بي\". وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مَنْ رآني فَقَد رأى الحقَّ، فإنَّ الشيَّطْانَ لا يَتَكوّنُنِي\".","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"وحكي أن الإمام أحمد رأى المولى سبحانه في المنام تسعاً وتسعين مرة، وفي تمام المائة قال: سيدي ومولاي، ما أقرب ما يتقرب به المتقربون إليك؟ قال: تلاوة كلامي. والمرئي - إن كان بوجه لا يستحيل عليه تعالى - فهو هو تعالى، وإلا - بأن كان بصورة رجل مثلاً - فليس هو هو تعالى، بل خلق من خلقه، ويقال حينئذ: إنه رأى ربه في الجملة لحكمة تظهر للمعبرين، بأن يقولوا: إنها تدل على كذا وكذا. وقيل: هو هو أيضاً، وكونه بهذا الوجه إنما هو باعتبار ذهن الرائي، وأما في الحقيقة فليس تعالى كذلك. وعن معاذ بن جبل قال: احتَبَسَ عنَّا رسولُ اللهِ ذاتَ غداةٍ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتى كِدْنا نَتَراءى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرجَ سَريْعاً، فَثَوَّبَ بالصَّلاةِ، فصلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وتَجَوَّزَ في صلاتِهِ فَلَمَّا سلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ فقالَ لَنَا على مَصَافِّكُمْ كَمَا أنْتُمْ، ثُمَّ انْفَتَل إلْينَا فقَالَ: أَما إنّي سأحَدِّثُكُمْ ما حَبَسَنِيْ عَنْكُمْ الغَداةَ. إنّيِ قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتوضّأْتُ فَصَلّيْتُ ما قُدِّرَ ليْ، فَنَعِسْتُ في صَلاتِي فاسْتَثْقَلْتُ، فإذا أَنا بِربّي تَبارَكَ وتَعالى في أَحْسَنِ صُورَةٍ فقال يا مُحَمّدُ قُلْتُ: رَبِّ لَبَّيْك. قالَ: فرأيْتُهُ وَضَعَ كَفُّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، قَدْ وَجَدْتُ بَرْدَ أنامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجلّى ليْ كلُّ شيءٍ، وعَرفْتُ. قالَ: يا مُحَمّدُ. قُلْتُ: لَبِّيْكَ رَبّ. قالَ: فَيْمَ يخْتَصِمُ المّلأُ الأعلى؟ قُلْتُ في الكفَّاراتِ. قالَ ما هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأْقْدَامِ إلى الجَمَاعاتِ والجلوسُ في المَسَاجِدِ بَعْد الصَّلاةِ، وإسْباغُ الوضوءِ في المكروهاتِ. قالَ: ثُمَّ فيْمَ؟ قال: إطعامُ الطعامِ، ولينُ الكلامِ، والصلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ. قالَ: سَلْ. قلتُ: اللهُمَّ إنَّ أسألُكَ فِعْلَ الخيراتِ وَترْكَ المُنْكراتِ، وحُبَّ","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"المساكيْنِ، وأنْ تَغْفِرَ لي وتَرْحَمِني وإذا أردْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ فَتَوَفَّني غَيْرَ مَفْتُون، وأسألُكَ حُبِّكَ وحُبَِّ مَنْ يُحِبُّك وحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إلى حبُكَ. قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنّها حقّ فأدْرُسوها ثم تَعلمُها\".\rقال ابن صدقة: بعد كلام على حديث ابن عباس المرفوع: \"رأيْتُ رَبِّي في صُوَرِةِ شابِّ..\"\rفالحديث إن حمل على رؤية المنام فلا إشكال، أي فهو كحديث معاذ السالف، وإن حمل على اليقظة فأجاب عنه ابن الهمام: بأن هذا حجاب الصورة. وختاماً إن بعض الصوفية رآى ربه في منامه على وصفه فقيل له: كيف رأيته؟ فقال: انعكس بصري في بصيرتي فصرت كلي بصراً، فرأيت من ليس كمثله شيء. ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوات فقال:","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"57 - وَمِنْهُ إرْسَالُ جَمِيْعِ الرُّسْلِ *** تَلاَ وُجُوبَ بَلْ بِمَحْضِ الفَضْلَ\rومنه: تقريره أن مذهب أهل السنة والجماعة أن من أنواع الجائز العقلي على الله تعالى إرساله لجميع الرسل من لدن آدم أبي البشر إلى خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، فإرسالهم جائز، وليس بواجب - كما ذهب إليه المعتزلة والفلاسفة - ولا بمستحيل كما ذهب إليه السُّمْنية والبراهمة. أما المعتزلة فقد قالوا بالوجوب، ابتناء على ما أصُلوه من عند أنفسهم، وهو أنه يجب على الله تعالى فعل الصلاح والأصلح لعباده فقالوا: إن النظام المؤدي إلى صلاح حال النوع الإنساني على وجه العموم في معاشه ومعاده لا يتم إلا ببعثة الرسل، وكل ما هو كذلك فهو واجب على الله تعالى. وقد تقدم هدم هذه المقدمات إذ أن عنايته سبحانه فينا لا لشيء منا، وأين كنا حين واجهتنا عنايته وقابلتنا رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الافضال وعظيم النوال. فجلّ حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل. وأما الفلاسفة فبنوا الوجوب على قولهم بالتعليل أو الطبيعة فقالوا: يلزم من وجوده تعالى وجود العالم بالتعليل، بأن يكون سبحانه علة العالم، أو بالطبع، ويلزم من وجود العالم وجود من يصلحه. ويرد هذا أنه سبحانه فاعل بالاختيار لا بطريق الإجبار. وأما الطائفة الثانية القائلة بالاستحالة فقد عللت قولها: بأن إرسالهم عبث، لأنه يُستغنى عنهم بالعقل، بأن يجعل مناط فعل الشيء تحسين العقل إياه، ومناط ترك الشيء تقبيح العقل إياه، والعبث على الله تعالى محال، فيكون إرسال الرسل محال. ويرد على هذا: بأنّا لا نسلم أنّ إرسالهم عبث، لأن الأحوال إن انحصرت فيما ذكروا فالبعثة تعضد العقل، وإن لم تنحصر - وهو الواقع - فإنها تفيد حكم ما لا يستطيع العقل الاستقلال به، فإن ما يوافق العقل قد يستقل بمعرفته، فيعاضده النبي، ويؤكده، بمنزلة الأدلة العقلية على مدلول واحد، وقد لا يستقل به فيدل عليه النبي ويرشده إليه. وما يخالف العقل قد لا يكون مع","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"الجزم فيدفعه النبي أو يرفع عنه الاحتمال. وما لا يدرك حسنه ولا قبحه قد يكون حسناً يجب فعله أو قبيحاً يجب تركه، هذا مع أن العقول متفاوتة، فالتفويض إليها مظنة التنازع، على أن العمدة في باب البعثة هو التكليف، ومن شُبَهِهِمْ أنه ليس في التكاليف فائدة، لا للآمر بها لتعاليه عن أن ينتفع بعمل عبده، ولا للمأمور بها لأنه يتضرر باحتماله ما يشق عليه. وهذا ظاهر البطلان، بل إن فيها نفعاً عظيماً للعباد، وكل واحد منا يتحمل كثيراً من المشاق في سبيل تحصيل منفعة لا تقاس أبداً بما يعود عليه من ثواب عبادة الله عز وجل وطاعته، على أن الإسلام حينما نظم حياة الفرد والجماعة والأمة نظمها بشكلٍ لا يدع مجالاً للريبة في أنه إن طبقت أحكامه فلا أسعد ولا أرقى من تلك الأمة على وجه الأرض، وأية فائدة أسمى من هذه. فقول المصنف: \"فلا وجوب\" نفي لمذهب المعتزلة والفلاسفة، ولم يصرح بنفي المذهب الثاني، إما من باب الاكتفاء أي كأنه قال: فلا وجوب ولا استحالة، وإما لكون مذهبهم ظاهر البطلان بإرسال الرسل فعلاً، فهو مردود بالمشاهدة والعيان وإنما ادعاء الاستحالة مكابرة للحس.","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"-والخلاصة أن إرسالهم جائز، وأنه واقع منه سبحانه تفضلاً ورحمة لما فيه من الحكم والمصالح الغزيرة، ومنها معاضدة العقل فيما يمكنه أن يستقل بمعرفته كوجوده سبحانه وعلمه وقدرته. قال تعالى: {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ}. ومنها استفادة الحكم من الأنبياء فيما لا يستقل العقل به مثل مبحث الكلام ورؤيته تعالى، والمعاد الجسماني. ومنها بيان حال الأفعال التي تحسن تارة وتقبح أخرى من غير اهتداء العقل إلى مواطنها. ومنها تكميل النفوس البشرية بحسب استعداداتهم المختلفة في العلميات والعمليات، وتبين الأخلاق الفاضلة، الراجعة إلى الأشخاص، والسياسات الكاملة العائدة إلى الجماعات. فهم قد دلونا على الحكمة من وجود الأكوان، وأرشدونا إلى الله تبارك وتعالى، وبينوا لنا الطريق الموصل إلى رضوانه، وحذرونا من الطريق الموصول بالنار، ونظموا لنا الحياة بما يتلاءم مع واقعية العبودية وأصالتها.\r-إرسال جميع الرسل: أي من أفراد الجائز العقلي إرسال الله تعالى جميع رسل البشر حتى تقوم الحجة على المكلفين من الثقلين بالبينات، وتنقطع عنهم سائر التعللات. قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} وقال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وقال: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.\r-فلا وجوب: أي إذا علمت أن الإرسال مما يجوز في حقه تعالى فعله وتركه فاعلم: أنه لا وجوب عليه.\r-بل بمحض الفضل: أي إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو بخالص الإحسان وهو مما يحسن فعله، ولا يقبح منه تعالى تركه.\rولما كان قد يتوهم من كون الإرسال من الجائز العقلي، أن الإيمان بوقوعه ليس واجباً، استدرك بقوله:","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"58 - لَكِنْ بذا إيْمانُنَا قَدْ وَجَبا *** فَدَعْ هَوىَ قَوْمٍ بِهِمْ قدْ لَعِبِا\rلكن بذا إيماننا قد وجبا: أي قد وجب إيماننا بوقوع الإرسال. وقد سبق في أول الكتاب بيان من يجب الإيمان بهم تفصيلاً ومن يجب الإيمان بهم إجمالاً، وأن الأولى عدم حصرهم في عدد.\r-فدع هوى قوم: أي إذا عرفت أن إرسال الرسل من الجائز العقلي في حقه تعالى، وأن الإيمان به واجب، فدع هوى قوم، أي اعتقادهم حيث أنكروا بعدما زين لهم الشيطان ذلك.\r-بهم قد لعبا: أي قد تلاعب بهم هواهم الذي اتبعوه حتى أوقعهم في البدع والمعاصي أو في الكفر. فإن المعتزلة والحكماء قد أوجبوا الإرسال، وأحاله الآخرون. والهوى - عند الإطلاق - يصرف إلى الميل إلى خلاف الحق، وإنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.\rولما تمم الكلام على ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل وما يجوز شرع - هنا - في الكلام على ما يجب في حق الرسل وما يستحيل وما يجوز فقال:","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"59 - وَواجِبٌ في حَقِّهِمْ الأمَانَةْ *** وَصِدْقُهُمْ وَضِفْ لَهُ الفَطَانَه\rوواجب في حقهم: المراد بالوجوب - هنا - عدم قبول الانفكاك بالنظر للشرع لأن ما ذكر من الواجبات سمعي، نعم، تصديق المعجزة لهم في دعوى الرسالة وضعي لتنزيلها منزلة الكلام، \"أي صدق عبدي فيما يبلغ عني\"، ودلالة الكلام وضعية، فكذا ما نزل منزلته، وقيل: تصديقها عقلي لتنزهه تعالى عن تصديق الكاذب. والمتبادر عود الضمير بقوله \"في حقهم\" على الرسل، وقد فسره الشارح بالأنبياء قائلاً: لأن معظم هذه الأحكام لا يختص بالرسل، وإنما يختص بهم وبالأنبياء، فهم مشتركون بكل الأحكام ما عدا التبليغ، إذ أنه خاص بالرسل وحدهم. وبعضهم عممه للأنبياء، لأنه يجب على النبي أن يبلغ أنه نبي ليحترم.\r-الأمانة: أي العصمة، وللعلماء فيها عدة تعاريف، لكنها متقاربة، وأحسنها: \"أن العصمة ملكة نفسانية تمنع صاحبها الفجور\" فتكون الأمانة على هذا هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم عليهم الصلاة والسلام من التلبس بمنهي عنه، ولو نهي كراهة أو خلاف الأولى، فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب، كيف لا؟ وفي الأولياء الذين هم أتباعهم من يصير لمقام تصبح فيه حركاته وسكناته طاعة لله تعالى بالنيات، إذ أن النية تقلب العادة عبادة.","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"وقد اختلف في وقت وجوب هذه العصمة لهم عليهم الصلاة والسلام، فذهب بعضهم إلى أنها واجبة لهم من أول الولادة إلى آخر العمر، وذهب الآخرون إلى أنها تجب لهم في زمن النبوة، أما قبلها فهي غير واجبة. والذي عليه المعتمد في هذا ما قاله العلامة محمد بخيت المطيعي، من أنهم معصومون قبل النبوة وبعدها، فلا يصدر منهم ذنب لاستحالة صدور كل ما ينفر عنهم قبل النبوة، وما قاله كذلك في \"فواتح الرحموت\".. وأما قبل النبوة فالتحقيق الذي عليه أهل الله من الصوفية الكرام أنهم معصومون أيضاً من الكبائر والصغائر عمداً، كيف لا وهم إنما يولدون على الولاية، ولا يمر عليهم طرفة عين وهم غير مشاهدين لله تعالى، وولايتهم قوية عن ولاية الأولياء الذين ولايتهم مأخوذة منهم. وقد عقب الشيخ محمد بخيت على هذا بقوله: وقد قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فكان كل رسول مولوداً على الاستعداد التام لأن يكون رسولاً فلذلك كانت ولايته غير مكتسبة برياضات بل فضل من الله تعالى كرسالته، بخلاف الأولياء وما ورد من النصوص الموهمة خلاف العصمة يؤول على أنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا يجوز النطق به في غير مورده إلا في مقام البيان. ودليل وجوبها أنهم لو خانوا فعل محرم أو مكروه، أو خلاف الأولى لكنا مأمورين بذلك المحرم أو المكروه أو خلاف الأولى، لأن الله تعالى قد أمرنا باتباعهم في أقوالهم وأفعالهم من غير تفصيل.","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"-قال عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} والله تبارك وتعالى لا يأمر بمحرم ولا بمكروه ولا بخلاف الأولى. كذلك كانوا يأمرون بالطاعات وبترك المعاصي، ولو تركوا الطاعة وفعلوا المعصية لدخلوا تحت قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} وقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} ومعلوم أن هذا في غاية القبح، وقد أخبر سبحانه عن رسوله شعيب عليه السلام أنه قد برأ نفسه من ذلك فقال: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} وقال تعالى أيضاً في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}.","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"والألف واللام في صيغة الجمع (الخيرات) تفيد العموم، فدخل تحت لفظ (الخيرات) فعل كل ما ينبغي، وترك كل ما لا ينبغي، وذلك يدل على أنهم كانوا فاعلين لكل الطاعات وتاركين لكل المعاصي وقال تعالى أيضاً: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} ولفظ (المصطفين) و (الأخيار) يتناول جملة الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء، فيقال: فلان من المصطفين الأخيار إلا في كذا، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فدلت هذه الآية على أنهم كانوا من المصطفين الأخيار في كل الأمور، وهذا ينافي صدور الذنب عنهم وقال تعالى في حق موسى عليه السلام: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} وقال في حق غيره: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} وما ورد في حق موسى عليه السلام في قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}. فيحتمل أن يقال: إنه لكفر القبطي كان مستحقاً للقتل بيد أنه عليه السلام لم يقصد إلا تخليص الذي من شيعته فتأدى به ذلك إلى القتل من غير قصد. علاوة على ما تقدم نورد قوله تعالى حكاية عن إبليس: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ} فقد استثنى المخلصين من إغوائه وإضلاله، وشهد تعالى على إبراهيم وإسحق ويعقوب أنهم من المخلصين فثبت بذلك أن إغواء إبليس ووسوسته لا تصل إليهم، وهذا يوجب القطع بعدم صدور المعصية عنهم. كذلك، قال تعالى في حق إبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}. والإمام هو الذي يقتدى به، فلو صدر الذنب عن إبراهيم لكان اقتداء الخلق به في ذلك الذنب واجباً، وهو باطل، وقد ورد أن خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قد شهد على وفق دعوى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قد","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"اشترى فرساً من سواء بن قيس المحاربي، فجحده سواء، فشهد خزيمة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما حَمَلَكَ على الشَّهادَةِ وَلَمْ تَكُنْ مَعَنَا حَاضِراً؟ قال صَدّقْتُكَ بما جِئْتَ بِه وَعَلمْتُ أنه لا تَقُولُ إلاّ حَقَّاً\"، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: \"مَنْ شَهِدَ لهُ خُزَيْمَةُ أو عَلَيْهِ، فَهُوَ حَسْبُهُ\". ولو كان الذنب جائزاً على الأنبياء لكانت شهادة خزيمة غير جائزة.\r-وصدقهم: أي وواجب في حقهم الصدق، وهو مطابقة خبرهم للواقع، ولو بحسب اعتقادهم، ودليل وجوبه أنهم لو لم يصدقوا للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى: (صدق عبدي في كل ما يبلغ عني) وتصديق الكاذب كذب وهو محال في حقه تعالى فينتج أن عدم صدقهم محال، وإذا استحال عدم الصدق وجب الصدق وهو المطلوب.\r-وضف له الفطانة: أي وضم لما تقدم - مما يجب لهم عليهم السلام - وجوب الفطانة وهي التفطن والتيقظ لإلزام الخصوم وإبطال دعاويهم ودحض حججهم. ودليل وجوبها أن من لم يكن فطناً - بأن كان مغفلاً - لا تمكنه إقامة الحجة ولا المجادلة، وهم يتعرضون في دعوتهم - إلى الله عز وجل - لخصوم يجادلونهم، فلا يمكن دفعهم إلا بهذه الخصلة.","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"-وقدْ قال الله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}. وقال أيضاً: {يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ}. أي خاصمتنا فأطلت، أو أتيت بأنواعه. وقالَ أيضاً: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. فإن قيل هذه الآيات واردة في بعضهم، فلا تدل على ثبوتها لجميعهم أجيب: بأنه لما ثبت الكمال لبعضهم ثبت لكلهم، وإن كانوا أنبياء فقط، إذ اللائق بمنصب النبوة أن يكون عندهم من الفطانة ما يريدون به الخصم على تقدير وقوع جدال معه. نعم الواجب للأنبياء مطلق الفطنة، وإنما للرسل كمالها، إذ هم شهود الله على عباده والشاهد لا يكون مغفلاً.","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"60 - وَمِثْلُ ذا تَبْلِيْغُهُمِ لما أَتَوا *** وَيَسْتَحِيْلُ ضِدُّها كَما رَوَوْا\rومثل ذا تبليغهم: أي تبليغهم ما أمروا بتبليغه مثل الأمانة والصدق، والفطانة في الوجوب.\r-لما أتوا: أي تبليغهم لما جاؤوا به عن الله تعالى واجب بقيد أن يكون مما أمروا بتبليغه للخلق، بخلاف ما أمروا بكتمانه، أو ما خيروا فيه. ودليل وجوب التبليغ أنهم لو كتموا شيئاً مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم، إذ أننا مأمورون بالاقتداء بهم. وبما أنّا غير مأمورين بكتمان العلم، بل كاتمه ملعون، يلزم أنهم لا يكتمون. قال صلى الله عليه وسلم: \"مَنْ سُئلَ عَنْ عْلمٍ فَكَتمهُ ألِجْمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارِ\". وقال أيضاً: \"من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار\". وما ذكره الناظم شروط عقلية للنبوة، أما شروطها الشرعية العادية: فالبشرية، والحرية، والذكورة، وكمال العقل، والذكاء، وقوة الرأي ولو في الصبا كعيسى ويحيى عليهما السلام، والسلامة عن كل ما ينفر من الإتباع حين النبوة. ومنها كونه أعلم من جميع من بعث إليهم بأحكام الشريعة المبعوث بها، أصلية كانت أو فرعية.\r-ويستحيل ضدها: أي ضد الصفات الأربعة الواجبة. فالخيانة ضد الأمانة، والكذب ضد الصدق، والغفلة ضد الفطانة، وكتمان شيء مما أمروا بتبليغه ضد التبليغ. فهذه الأضداد مستحيلة في حقهم أي غير قابلة الثبوت.\r-كما رووا: أي استحالة الخيانة والكذب والغفلة والكتمان ثابتة بالدليل الشرعي لما رواه العلماء من: (كتاب وسنة وإجماع).","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"61 - وَجَائِزٌ في حَقّهِمْ كالأكلِ *** وكَالجِماعِ للِنِّسا في الحِلِّ\rوجائز..: هذا شروع بما يجوز في حقهم رسلاً وأنبياء، وهو ما لا يجب عقلاً ثبوته لهم، ولا نفيه عنهم، ومثل لما يجوز بالأكل والجماع الحلال ليشير إلى أنه لا فرق بين أن يكون الجائز في حقهم من توابع الصحة التي لا يستغنى عنها عادة كالأكل، أو التي يستغنى عنها كالجماع للنساء، لكن الجماع مشروط في حال الحل بأن كان بالملك أو بالنكاح، فيجوز لهم الوطء بالملك، ولو للأمة الكتابية، بخلاف المجوسية ونحوها كالوثنية، ويجوز عليهم سائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية كالمرض، ومنه الإغماء إلا أنه قيد بالإغماء غير الطويل، بخلاف الجنون قليله وكثيره لأنه نقص، وبخلاف الجذام والبرص والعمى وغير ذلك من الأمور المنفرة، ولم يثبت أن شعيباً كان ضريراً، وأما ما كان ليعقوب فهو حجاب على العين من تواصل الدموع، ولذلك لما جاءه البشير عاد بصيراً، وما كان بأيوب من البلاء لم يكن منفراً، أما ما اشتهر عنه من الحكايات المنفرة فهي باطلة من فعل اليهود.\rوأما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية وغير البلاغية. وجائز عليهم في الأفعال البلاغية وغيرها للتشريع، كالسهو في الصلاة، لكن سهوهم لم يكن ناشئاً عن اشتغالهم بغير ربهم، وفي ذلك قال بعضهم:\rقد غاب عن كل شيء سرُّه فسها *** عما سوى الله فالتعظيم لله","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"وأما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها، قولية كانت أو فعلية. وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر على أنه من الله تعالى، أما نسيان الشيطان فمستحيل عليهم، إذ ليس له عليهم سبيل. وقول يوشع: \"وما أنْسانِيْهُ إلاّ الشَّيْطانُ\". تواضع منه أو قيل نبوته وعلمه بحال نفسه، وإلا فهو رحماني بشهادة: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} ووسوسة الشيطان لآدم بتمثيل ظاهري، والممنوع في حقهم سلطانه على بواطنهم. وبالجملة فيجوز على ظواهرهم ما يجوز على البشر مما لا يؤدي إلى نقص، وأما بواطنهم فمنزهة أبداً متعلقة بربهم. وفي المنن كان معروف الكرخي رضي الله عنه يقول: \"لي ثلاثون سنة في حضرة الله ما خرجت فأنا أكلم الله والناس يظنون أني أكلمهم\". فإذا كان هذا حال أحد الأتباع، فما بالك بالأنبياء، خصوصاً رئيسهم الأعظم صلى الله عليه وسلم.\r\r62 - وجَامِعُ مَعْنى الَّذِي تَقَرَّرَا *** شَهادتا الإسْلامِ فاطْرَحِ المِرا\rوجامع معنى الذي تقررا: لما فصل فيما يجب لله وما يستحيل وما يجوز، وما يجب للرسل وما يستحيل وما يجوز، ذكر الكلمة المشرفة التي تتضمن كل ما قرره في السابق، وهو جميع العقائد الإيمانية مما يرجع إلى الألوهية والنبوة وجوباً وجوازاً واستحالة.\r-شهادتا الإسلام: أي الشهادتان الدالتان على الإسلام الذي هو الانقياد الظاهري، أو اللتان هما سبب في الإسلام، أو اللتان هما الجزء الأعظم من مسمى الإسلام، بناء على أن الهيأة المركبة من الأركان الخمسة المذكورة فيما رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال:","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"\"سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خمسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلاّ اللهُ وأنَّ مُحَمْداً رسُولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وحِجَّ البَيْتِ، وَصَومِ رَمضَانَ. رواه البخاري ومسلم\".\rوالجامع لما تقدم من العقائد إنما هو معنى الشهادتين لا لفظهما، فالجملة الأولى نفت الألوهية عن غيره تعالى، وأثبتتها له تعالى، ويلزم منها استغناء الإله عن كل ما سواه، وافتقار كل ما عداه إليه، فحقيقة الإله هو المعبود بحق، ويلزم منه أنه مستغن عن كل ما سواه. فالمعنى الحقيقي ل- \"لا إله إلا الله\": لا معبود بحق في الواقع إلا الله. فإذا علمت ذلك علمت أن الاستغناء يستلزم وجوب الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والتنزه عن النقائص، ويدخل في التنزه: السمع، والبصر والكلام، ولوازمها، وهي كونه سميعاً بصيراً متكلماً، إذ لو لم تجب له هذه الصفات لكان محتاجاً إلى المحدث أو المحل، أو إلى من يدفع عنه النقائص. فهذه إحدى عشرة عقيدة من الواجبات، وإذا وجبت هذه الصفات استحالت أضدادها. فهذه إحدى عشرة عقيدة من المستحيلات. ويستلزم الغنى أيضاً، نفي وجوب فعل شيء من الممكنات أو تركه، وإلا لزم افتقاره إلى فعل ذلك الشيء أو تركه ليتكمل به. فهذه عقيدة الجائز. فجملة ما استلزمه الاستغناء ثلاث وعشرون عقيدة. وأما افتقار كل ما عداه إليه سبحانه فيستلزم الحياة والقدرة والإرادة والعلم ولوازمها، وهي كونه حياً قادراً مريداً عالماً. ويستلزم أيضاً الوحدانية. فهذه تسع من العقائد الواجبات. ومتى وجبت هذه الصفات استحالت أضدادها. فهذه تسع من العقائد المستحيلات. فجملة ما استلزمه الافتقار ثماني عشرة عقيدة، فإن ضمت للسابقة كان المجموع واحداً وأربعين. الواجب له تعالى منها عشرون، والمستحيل عليه عشرون، والجائز له واحدة. فقد اشتملت الجملة الأولى \"لا إله إلا الله\" على أقسام الحكم","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"العقلي الثلاثة الراجعة له تعالى. وأما الجملة الثانية وهي \"محمد رسول الله\" ففيها الإقرار برسالته صلى الله عليه وسلم، ويلزم منه تصديقه في كل ما جاء به، ويندرج فيه وجوب صدق الرسل، وأمانتهم وفطانتهم، وتبليغهم لما أمروا بتبليغه للخلق، ويندرج فيه أيضاً استحالة الكذب والخيانة والغفلة والكتمان عليهم. ويندرج فيه جواز جميع الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية.\r-فاطرح المرا: إذا علمت أن كلمتي الشهادتين جمعتا جميع ما تقرر من العقائد الإيمانية فاترك الجدال في صحة جمعهما. ولعلهما لما كانتا بهذا المعنى العظيم جعلهما الشارع الحكيم ترجمة عما في القلب من الإيمان، ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بهما مع القدرة عليهما. وقد نص العلماء على أنه لابد من فهم معناهما ولو إجمالاً، وإلا لم ينتفع الناطق بهما. قال بعضهم: الأنفع للذكر بهما أن يلاحظ أخذهما من القرآن ليثاب عليهما مطلقاً. واختلف العلماء هل الأفضل المد فيهما أو القصر؟ فالجانحون إلى المد عللوا باستشعار المتلفظ بهما بنفي الألوهية عن كل موجود سواه تعالى، أما الجانحون للقصر فلئلا تخترم المنية ذاكرها قبل التلفظ بذكر \"الله\" تعالى.","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"63 - وَلَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ مُكْتَسَبَهْ *** وَلَوْ رَقَى في الخْيرِ أَعْلَى عَقَبَهْ\rولم تكن نبوة مكتسبة: أي لا يكتسب العبد النبوة بمباشرة أسباب مخصوصة، كملازمة الخلوة والعبادة، وتناول الحلال، كما زعمت الفلاسفة. فالذي ذهب إليه المسلمون جميعاً أن النبوة إنما هي خصوصية من الله تعالى، ولا يبلغ العبد أن يكتسبها، ويفسرونها: باختصاص العبد لسماع وحي من الله تعالى بحكم شرعي تكليفي، سواء أمر بتبليغه أم لا، وهكذا الرسالة، لكن بشرط أن يؤمر بالتبليغ. ويفسر الفلاسفة النبوة: بأنها صفاء وتجل للنفس يحدث لها من الرياضات، وبالتخلي عن الأمور الذميمة والتخلق بالأخلاق الحميدة. والقول بأنها مكتسبة، من أقوى المسائل التي كفرت بها الفلاسفة ويلزم على قولهم باكتسابها تجويز نبي بعد سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، أو معه. وذلك مستلزم لتكذيب القرآن والسنة. فقد قال تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: \"لا نَبِيَّ بَعْدِي\". وأجمعت الأمة على إبقاءه على ظاهره.\rوأما الولاية ففيها طريقتان، فمنها ما هو مكتسب، وهو امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وتسمى الولاية العامة. ومنها ما هو غير مكتسب، وهو العطايا الربانية، كالعلم اللدني، وغير ذلك.\r-ولو رقى في الخير أعلى عقبة: العقبة في اللغة، هي الطريق الصاعد في الجبل والمعنى لا يكتسب النبوة أحد، ولو فعل في الخير أشق العبادات. ثم قال:","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"64 - بَلْ ذَاكَ فَضْلُ اللهِ يؤتيهِ لِمَنْ *** يَشَاءُ جَلَّ اللهُ واهِبُ المِنَنْ\rبل ذاك فضل الله يؤتيه لمن يشاء: بعدما قرر أن النبوة والرسالة من غير اكتساب قرر - هنا - أنها تكون بفضل الله تعالى. والفضل هو إعطاء الشيء بغير عوض، لا عاجل ولا آجل، لذا لا يكون لغيره تعالى فعليه يكون الاصطفاء للنبوة والاختيار للرسالة إنما هو بفضل الله تعالى، كما قال عز وجل: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِي}. وقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.\rوقوله: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}. فهو سبحانه يعلم من كان مستجمعاً لشروط النبوة فيؤتيه إياها.\r-جل الله واهب المنن: أي تنزه الله عن أن ينال أحد شيئاً لم يرد إعطاءه إياه، فهو سبحانه واهب المنن، أي واهب العطايا.","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"65 - وَأَفْضَلُ الخَلْقِ عَلَى الإطْلاقِ *** نَبِيّنَا فَمِلْ عَنِ الشقَاقِ\rوأفضل الخلق: أي أفضل المخلوقات على العموم الشامل للعلوية منها والسفلية من البشر والجن والملك في الدنيا والآخرة في سائر خصال الخير وأوصاف الكمال هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وما ورد من النهي عن تفضيله صلى الله عليه وسلم. كقوله: \"لا تُفَضِّلُونِي عَلَى الأَنْبيَاء\" وقولِهِ: \"لا تُفَضّلُونِي عَلَى يُونُس بَنِ مَتّى\" وقولهِ: \"لا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى\". ونحو ذلك، فمحمول على تفضيل يؤدي إلى تنقيص غيره من الأنبياء أو قاله تأدباً وتواضعاً. وقيل معنى: \"لا تفضلوني على يونس بن متى\" أي لا تعتقدوا أني أقرب إلى الله تعالى من يونس في الحس حيث ناجيته سبحانه فوق السماوات السبع، وهو ناجى ربه في بطن الحوت في قاع البحر، لتنزهه تعالى عن الجهة والمكان فيستوي في حقه سبحانه من فوق السماوات، ومن في قاع البحار. وقد قال صلى الله عليه وسلم: \"أَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ والآخريِنَ عَلَى الله وَلاَ فَخْرَ\". أي ولا فخر أعظم من ذلك، أو ولا أقول ذلك فخراً بل تحدثاً بنعمة الله. وتفضيله هذا إنما هو بتفضيل الله سبحانه له.\r-فمل عن الشقاق: أي بعدما عرفت مما تقدم فضله، إعدل عن المنازعة فيه، إذ المنازعة خرق للإجماع.\r\r66 - والأَنِبِيَا يَلْونَهُ في الفَضْلِ *** وَبَعْدَهُمْ ملائِكَةْ ذِي الفَضْلِ\rوالأنبيا: فالأنبياء يتبعون نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم في الفضل، فمرتبتهم بعده، وإن تفاوتوا فيها فيليه سيدنا إبراهيم فموسى فعيسى فنوح، وهؤلاء هم أولوا العزم، صبروا وتحملوا مشاق الدعوة العظيمة، ويلي أولي العزم بقية الرسل ثم الأنبياء غير الرسل مع تفاوت مراتبهم عند الله تعالى.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"-وبعدهم ملائكة: وبعد الأنبياء ملائكة الله ذي الفضل فمرتبتهم تلي مرتبة الأنبياء في الجملة. والذي يلي الأنبياء من الملائكة رؤساؤهم جبريل فميكائيل فإسرافيل فملك الموت ثم بقية الملائكة. وجبريل أفضل الملائكة على المشهور. وذهب القاضي أبو عبد الله الحليمي مع آخرين - كالمعتزلة - إلى أن الملائكة أفضل من الأنبياء ما خلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم قال السعد: ولا قاطع في هذه المقامات. وقال تاج الدين السبكي: ليس تفضيل البشر على الملك مما يجب اعتقاده، والسلامة في السكوت عن هذه المسألة، والدخول في التفضيل من غير دليل قاطع دخول في خطر عظيم، وحكم في مكان لسنا أهلاً للحكم فيه. واعلم أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية، قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، حسنة، شأنها الطاعة، ومسكنها السماوات غالباً. قال تعالى فيهم: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ}. وقال: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. لا يوصفون بذكورة، فمن وصفهم بها فسق، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بها كفر لمعارضته قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثاً، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"خُلِقَت الملائِكةُ مِنْ نورٍ، وخُلِقَ الجانُ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مَّما وُصِفَ لكُمْ\".","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"67 - هذا وَقَوْم فَصَّلُوا إذ فَضلُوا *** وَبَعْضُ كُلِّ بَعْضَهُ قَدْ يَفْضُلُ\rهذا: أي افهم هذا المذكور من تفضيل الأنبياء على الملائكة، وتفضيل الملائكة على بقية البشر، من غير تفصيل كما هو طريقة جمهور الأشاعرة المرجوحة. وإنما قدمها الناظم لأن منظومته على مذهبهم.\r-وقوم فصلوا إذ فضلوا: وهم الماتريدية، فقالوا: إن الأنبياء أفضل من رؤساء الملائكة، ورؤساء الملائكة أفضل من عوام البشر، وليس المراد بالعوام هنا ما يشمل الفساق، وعوام البشر المذكورون أفضل من عوام الملائكة. ويدخل في الرؤساء حملة العرش، وهم ثمانية يوم القيامة لمزيد الجلال، وأربعة في الدنيا، والكروبيون، وهم حافون بالعرش، لقبوا بذلك لأنهم متصدون للدعاء برفع الكرب عن الأمة. وهذه هي الطريقة الراجحة. وأعلم أن العصمة لا دخل لها في التفضيل فلا ينظر إليها، لذلك فضل العوام على الملائكة المعصومين، وإنما ينظر للأكثرية في الثواب على العبادة، وعوام الخلق أكثر ثواباً لحصول المشقة لهم في عبادتهم، بخلاف عوام الملائكة، فإن الطاعة جِبِلَّية فيهم.\r-وبعض كل: أي بعض الأنبياء كأولي العزم أفضل من بعضهم الآخر، وبعض الملائكة كرؤسائهم أفضل من بعضهم الآخر.\r-والخلاصة: أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق على الإطلاق ثم سيدنا إبراهيم، ثم سيدنا موسى، ثم سيدنا عيسى، ثم سيدنا نوح وهؤلاء هم أولوا العزم، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء وهم متفاضلون فيما بينهم عند الله تعالى، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم بقية الرؤساء، ثم عوام البشر، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم عوام الملائكة، وهم متفاضلون فيما بينهم عند الله أيضاً. وقد سبق أنه يمتنع الهجوم فيما لم يرد فيه توقيف فلا تسه عنه.","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"68 - بالمُعْجِزَاتِ أُيِّدُوا تَكَرّمَا *** وَعِصْمَةَ الْبَارِيِ لكُلٍّ حَتَّما\rبالمعجزات أيّدوا: أي أيدهم الله تعالى بالمعجزات حيث أظهرها على أيديهم تصديقاً لهم في دعوى النبوة والرسالة، وفيما بلغوه عنه سبحانه، لأنها نازلة منزلة قوله تعالى: \"صدق عبدي في كل ما يبلغ عني\". ولا يشترط في ثبوت النبوة والرسالة عدد من المعجزات بل واحدة تكفي.\r-تكرماً: أي كان تأيدهم بالمعجزات تفضلاً وإحساناً من غير إيجاب ولا وجوب، وفيه رد على من أوجب المعجزة كما أوجب الإرسال. والحق أنه تعالى لا يجب عليه شيء لأحد من خلقه.\rوالمعجزة: - لغة - مأخوذة من العجز ضد القدرة.\r-وعرفاً: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي الذي هو دعوى الرسالة أو النبوة مع عدم المعارضة.\rوقال السعد: هي أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله، فحقيقة الإعجاز إثبات العجز. قال الشيخ أبو الحسن: هي فعل من الله تعالى، أو قائمة مقام الفعل يقصد بمثله التصديق.\rومعنى التحدي: طلب المعارضة فيما جعله شاهداً لدعوته، وتعجيز المنكرين عن الإتيان بمثل ما أبداه، وبالتحدي يحصل ربط الدعوى بالمعجزة، والمراد بعدم المعارضة ألا يظهر مثله ممن ليس بنبي وأما من نبي آخر فلا امتناع. والمراد بخوارق العادات أمور ممكنة في نفسها ممتنعة في العادة بمعنى أنها لم تجر العادة بوقوعها، كانقلاب العصا حية، فإمكانها ضروري، وإبداعها ليس أبعد من إبداع خلق الأرض والسماء وما بينهما. ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسالة أنها - عند التحقيق - بمنزلة صريح التصديق لما جرت العادة به من أن الله تعالى يخلق عقبها العلم الضروري بصدقه. كما إذا قام رجل في مجلس ملك بحضور جماعة، وادعى أنه رسول هذا الملك إليهم، فطالبوه بالحجة فقال: هي أن يخالف هذا الملك عادته، ويقوم عن سريره ثلاث مرات ويقعد. ففعل، فإنه يكون تصديقاً له، ومفيداً للعلم الضروري بصدقه من غير ارتياب. واعتبر المحققون في المعجزة سبعة قيود.","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"الأول: أن تكون قولاً - كالقرآن - أو فعلاً - كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ـ، أو تركاً - كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام - فأما الصفة القديمة - كما إذا قال: آية صدقي أن الله متصف بالقدرة - فليست بمعجزة.\rالثاني: أن تكون خارقة للعادة، والعادة ما درج عليه الناس واستمروا مرة بعد أخرى، فغير الخارق ليس بمعجزة، كما إذا قال: آية صدقي طلوع الشمس من المشرق وغروبها من حيث تغرب.\rالثالث: أن تكون على يد مدعي النبوة أو الرسالة، فتخرج الكرامة، والمعونة، والاستدراج، والإهانة من حد المعجزة. فأما الكرامة فهي ما يظهره الله تعالى على يد عبد ظاهر الصلاح. وأما المعونة فهي ما يظهره الله تعالى على يد العوام تخليصاً لهم من شدة، وأما الاستدراج فهو ما يظهر على يد فاسق خديعة ومكراً به، وأما الإهانة فهي ما يظهر على يد الفاسق تكذيباً له، كما وقع لمسيلمة الكذّاب، فإنه تفل في عين أعور لتبرأ فعميت الصحيحة، وتفل في بئر لتعذب مياهه فغارت.\rالرابع: أن تكون مقرونة بدعوى النبوة أو الرسالة حقيقة، أو حكماً بأن تأخرت بزمن يسير. ويخرج الإرهاص، وهو ما كان قبل النبوة والرسالة تأسيساً لها، كإظلال الغمام له صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، أو كظهور النور في جبين أبيه عبد الله.\rفقد نقل السهيلي وابن سعد في طبقاته والنويري أن أخت ورقة بن نوفل - واسمها رقية - قالت لعبد الله أن المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد ما افتدي من الذبح بمائة من الإبل نحرت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك اليوم إن قبلت أن أهب لك نفسي الساعة، وبعد أن تزوج آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم انصرفت عنه رقية وزهدت فيه، فسألها يوماً: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس؟! فأجابت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة.","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"وذكر ابن الأثير أن فاطمة بنت مر - وكانت كاهنة من خثعم قرأت الكتب، ومن أجمل النساء وأعفهن - دعت عبد الله يوماً إلى نكاحها، فنظر إليها وقال، أما الحرام فالممات دونه، والحل لا حل فأستبينه، فكيف بالأمر الذي تبغينه. ثم بعد زواجه بآمنة بنت وهب أعرضت عنه فاطمة وقالت: قد كان ذلك مرة فاليوم لا، وإني والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نوراً فأردت أن يكون لي، فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد، فما صنعت بعدي؟ فقال لها: زوجني أبي آمنة بنت وهب فأنشدت:\rلله ما زهرية سلبت *** منك الذي استلبت وما تدري\rوقيل كذلك: أن ليلى العدوية عرضت نفسها عليه ثم أعرضت وقالت: مررت بي وبين عينيك غرة بيضاء، فدعوتك فأبيت عليّ ودخلت على آمنة فذهبت بها.\rالخامس: أن تكون موافقة للدعوى. وخرج المخالف لها، كما إذا قال: آية صدقي انفلاق البحر، فانفلق الجبل.\rالسادس: أن لا تكون مكذبة له، فخرجت المكذبة، كما إذا قال: آية صدقي نطق هذا الجماد، فنطق بأنه مفتر كذاب، أما لو قال: آية صدقي نطق هذا الإنسان الميت وإحياؤه فأحيي، ونطق بأنه مفتر كذاب فلا يعتبر، والفرق بينهما أن الجماد لا اختيار له فاعتبر تكذيبه لأنه أمر إلهي، والإنسان مختار فلا يعتبر تكذيبه إذ أنه قد يختار الكفر على الإيمان.\rالسابع: أن تتعذر معارضته. فخرج السحر، ومنه الشعبذة وهي خفة في اليد، يرى أن لها حقيقة ولا حقيقة لها، كما يقع للحواة. وللسحر ليس من الخوارق، لأنه معتاد عند تعاطي أسبابه.\rثامناً: قد زاد بعضهم هذا الشرط، وهو أن لا تكون في زمن نقض العادة، كزمن طلوع الشمس من مغربها. وخرج أيضاً ما يقع من الدجال، كأمره للسماء فتمطر، وللأرض فتنبت.","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"-وعصمة الباري لكلٍ حتما: لما كان الجمهور على وجوب عصمتهم عليهم الصلاة والسلام مما ينافي مقتضى المعجزة، إذ أنها تقتضي الصدق في دعوى النبوة، وما يتعلق بها من التبليغ وشرعية الأحكام، قال: حتم أيها المكلف عصمة الباري لهم، أي اعتقد أن عصمة الباري لكل واحد من الأنبياء والملائكة واجبة، فلا تنفك، ولا تقبل الانتفاء بحال. وإنما تعرض للعصمة - هنا - رغم سبق بحثها لإدخال الملائكة في حكمها والاتصاف بها مع الأنبياء.\rوالعصمة لغة: مطلق الحفظ، واصطلاحاً: حفظ الله تعالى للمكلف من الذنب مع استحالة وقوعه، وبهذا المعنى لا يجوز أن نسألها، أما إن أريد معناها اللغوي فجائز. وما جاء عن هاروت وماروت فمن أكاذيب اليهود وافتراءاتهم، ولم يصح فيه شيء من الأخبار، وقد قيل إنهما كانا صالحين وسميا ملكين تشبيهاً.\r\r69- وخُصَّ خيرُ الخلق أنْ قد تمما *** بِهِ الجميعَ ربُّنا وعمَّما\rوخص: أي وخص الله خير الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم بأن ختم به جميع الأنبياء. قال تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}. ويلزم منه ختم المرسلين، لأنه لما ختم الأعم دل على ختم الأخص. وأما سيدنا المسيح فنزوله آخر الزمن لا يشكل، لأنه سيحكم بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا يشكل أنه حين نزوله سيحكم برفع الجزية عن أهل الكتاب، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا تعد، وقد ذكر المصنف - هنا - المهم منها فقال:","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"70- بِعثَتَهُ فشرعُهُ لا ينسخُ *** بغيره حتى الزمانُ يُنْسَخُ\rبعثته: أي وخص أيضاً بأن عمم الله بعثته، فالتعميم للرسالة مقصور عليه صلى الله عليه وسلم لا يتعداه إلى غيره، فهو مرسل إلى جميع المكلفين من الثقلين إرسال تكليف اتفاقاً، وأما الملائكة فالأصح أنه أرسل إليهم إرسال تشريف. وما كلف به الإنس تفصيلاً وإجمالاً فقد كلف به الجن كذلك، وشمل ذلك يأجوج ومأجوج، وهم أولاد يافث بن نوح، وقيل غير ذلك قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ}.\rوقال أيضاً: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: \"بعثت إلى الناس كافة\". فمنكر عموم بعثته كافر. وقد رد في ذلك على العيسوية، وهم فرقة يهودية زعمت تخصيص رسالته صلى الله عليه وسلم بالعرب.\r-فشرعه لا ينسخ: إذا علمت أنه خاتم النبيين وأن بعثته عامة فاعلم أن شرعه لا ينسخ بغيره لا كلاً ولا بعضاً. والنسخ والشرع - لغة - هو البيان. واصطلاحاً: هو الأحكام الشرعية. والنسخ - لغة - هو الإزالة والنقل. ومنه نسخت الشمس الظل: أي أزالته، ونسخت الكتاب: أي نقلته، واصطلاحاً: رفع حكم شرعي بدليل شرعي. والمراد بالرفع: انقطاع تعلقه بالمكلفين لأنه خطاب الله تعالى، ويستحيل رفعه لأنه قديم بخلاف التعلق فلا يستحيل رفعه لأنه حادث.\r-حتى الزمان ينسخ: فشرعه صلى الله عليه وسلم مستمر - رغم أنف الكافرين- إلى نسخ الزمان، أي حتى يزال الزمان ويرفع بحضور يوم القيامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: \"لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله -يعني الدين الحق- لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله\".\rوفي رواية للترمذي أنه قال: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله\". والمقصود بأمر الله: أي الساعة. فشرعه يبقى حتى قرب الساعة، لأن المؤمنين يموتون قبلها بريح لينة.","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"71- ونسخُهُ لشرع غيرِهِ وَقَع *** حتماً أذلَّ الله من له منعْ\rونسخه لشرع غيره وقع * حتماً: أي قد وقع بشكل متحتم نسخ شرع نبينا صلى الله عليه وسلم لشرع كل نبي غيره ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} مع أحاديث كثيرة بلغت جملتها مبلغ التواتر. فالنسخ واقع سماعاً بإجماع المسلمين، خلافاً لليهود والنصارى الزاعمين أن شرعه صلى الله عليه وسلم لم ينسخ شرع أحد من الأنبياء توسلاً للقول بنفي نبوته، واحتجوا بأن النسخ يلزم منه ظهور مصلحة كانت خافية على الله تعالى. فدحضت بأن المصلحة تختلف بحسب الأزمنة.\r-أذل الله من له منع: هذا دعاء على المانعين للنسخ، أي ألحق الله الذل باليهود والنصارى ومن تبعهما على هذا.\r\r72- ونسخُ بعضِ شرعِهِ بالبعض *** أجزْ وما في ذا له من غَضِّ\rونسخ بعض: أي مما ينبغي اعتقاده جواز نسخ بعض الشرع لبعضه الآخر جوازاً وقوعياً، لوقوعه بالفعل. نعم: معرفة الله تعالى، وتحريم الكفر لا ينسخان. وقد منع بعضهم كأبي موسى الأصفهاني أن ينسخ بعض القرآن بعضه الآخر احتجاجاً بقوله تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}.\rوالصحيح الجواز لأن الضمير فيه لا يأتيه إنما يعود لمجموع القرآن، ومجموعه لا ينسخ إتفاقاً، فالحاصل أن الكلام في مقامين: مقام جواز ومقام وقوع، فمن حيث الجواز -عقلاً- يجوز نسخ الشريعة كلاً أو بعضاً، وأما من حيث الوقوع فلا يجوز نسخ الجميع جوازاً وقوعياً.\r-وما في ذاله من غض: أي ليس في تجويز النسخ من نقص له يقتضي امتناعه، ودخل في تجويز النسخ:","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"أولاً - نسخ الكتاب بالكتاب، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فإنه منسوخ بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} لتأخره نزولاً وإن تقدم تلاوة.\rثانياً - نسخ السنة بالسنة، كما في حديث: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها\". فإنه نسخ النهي الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم أولاً بالأمر في هذا الحديث.\rثالثاً: - نسخ السنة بالكتاب، كما في استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، فإنه نسخ باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.\rرابعاً - نسخ الكتاب بالسنة، كما في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} فإنه نسخ بحديث: \"لا وصية لوارث\".\rخامساً - نسخ التلاوة والحكم جميعاً، كما في نحو \"عشر رضعات معلومات يحرمن\" فإنه كان مما يتلى فنسخ بـ \"خمس معلومات يحرمن\". ثم نسخ هذا الناسخ عندنا تلاوة لا حكماً، وعند المالكية تلاوة وحكماً.\rسادساً - نسخ التلاوة دون الحكم، كما في نحو: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم\". فإنه كان مما يتلى، فنسخ تلاوة لا حكماً.","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"سابعاً - نسخ الحكم دون التلاوة كما في الآية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} المار ذكرها، والحق أن النسخ لا يكون إلا إلى بدل، كما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه خلافاً لمن جوزه في البدل وغيره، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} وقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فهذا نسخ إلى بدل، وأما الذي إلى غير بدل فكما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.\rفإن وجوب تقديم الصدقة نسخ بلا بدل، وقال المانعون: بل إلى بدل بأن بدل وجوب تقديم الصدقة هو جواز التصدق أو استحبابه فلم يقع بلا بدل أصلاً.","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"73- ومعجزاتُه كثيرةٌ غُرَرْ *** منها كلامُ اللهِ معجزُ البشرْ\rومعجزاته: الغرض هنا التنبيه على كثرة معجزاته صلى الله عليه وسلم ووضوحها ووصفها بالكثرة المطلقة إيماء للعجز عن الإحاطة بها. والمعجزة هي تأييد الله تعالى للأنبياء. ومفهومها الأمر الخارق للعادة الظاهر على يده صلى الله عليه وسلم، سواء كانت مقرونة بالتحدي أم لا ومعجزاته صلى الله عليه وسلم واضحات مشهورات. وما كان منها معلوماً بالقطع منقولاً بالتواتر كالقرآن الكريم فلا شك في كفر منكره، وما لم يكن منها كذلك، فإن اشتهر كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم فسق منكره، وإن لم يشتهر وثبت بطريق صحيح أو حسن، عذر منكره. فقد جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضؤوا منه فرأيت الماء ينبع من أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم.\rقال راويه قلنا لأنس كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمائة. ونبع الماء كان في غزوة تبوك، وفي يوم الحديبية، وفي غزوة بواط، وفي مواطن كثيرة، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة لغيره صلى الله عليه وسلم، وهذا الماء هو أشرف المياه. ومن معجزاته انشقاق القمر ففي الصحيحين وغيرهما، وله طرق شتى بحيث لا يمتري في تواتره، عن ابن مسعود أنه قال: \"بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انشق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إشهدوا\".","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"وقال كفار قريش: \"هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق أرأوا مثل هذا أم لا؟ فأخبر أهل الأفاق بأنهم رأوه منشقاً. فقال كفار قريش: هذا سحر مستمر\" وقد انشق وهو في السماء، وإن كان قد يسبق إلى الوهم أنه نزل منها إلى الجبل. ومنها تسليم الحجر والشجر عليه صلى الله عليه وسلم فقد روى الترمذي وغيره عن عليّ رضي الله عنه قال: \"كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله\".\rومنها تسبيح الحصى في كفه، فقد روى البزار والطبراني في حديث أبي ذر أنه قال: \"كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفاً من حصى فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح، ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن، ثم في يد عمر فسبحن، ثم في يد عثمان فسبحن، ثم صبهن في أيدينا فما سبحن\".\rوقد أخرج البخاري من حديث ابن مسعود قال: \"كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع تسبيح الطعام\" وأما حنين الجذع الذي هو ساق النخلة فحديث مشهور متواتر، فقد أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر رجلاً، وقال عنه القاضي عياض إنه مشهور منتشر، والخبر به متواتر، وهو أنه: \"كان صلى الله عليه وسلم قبل أن يصنع له المنبر يخطب عنده، فلما صنع له المنبر انتقل إليه، فسمع له كل من كان في المسجد حنيناً وصوتاً عظيماً حتى كاد أن ينشق أسفاً على فراقه صلى الله عليه وسلم فضمه إليه، فصار يئن أنين الصبي الذي تضمه أمه إليها، فلما التزمه سكت ثم قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به فدفن تحت المنبر\". وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"-ومنها ردُّ عينِ قتادة رضي الله عنه حين سالت على خده، وذلك: أنه كان يتقي بوجهه السهام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، فأصاب عينه سهم فسالت على خده فأخذها بيده وسعى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها في كفه دمعت عيناه وقال: \"إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئاً، فقال: يا رسول الله إن لي امرأة أحبها وأخشى إن رأتني أن تَقْذُرَني فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى موضعها وقال: \"اللهم اكسُهُ جمالاً فكانت أحسن عينيه، وأحدَّ نظراً، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى\".\rوروى البخاري: \"أن سلمة بن الحكم أصيب يوم خيبر في ساقه بضربة، فنفث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث نفثات فما اشتكاها قط\".\rوذكر القاضي عياض في الشفاء عن ابن وهب: \"أن أبا جهل قطع يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فنفث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت\".\rوروى البيهقي في الدلائل: \"أنه صلى الله عليه وسلم دعا رجلاً إلى الإسلام فقال: لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي، فقال صلى الله عليه وسلم: أرني قبرها، فأراه إياه، فقال صلى الله عليه وسلم: يا فلانة، فقالت: لبيك وسعديك، فقال صلى الله عليه وسلم: أتحبين أن ترجعي إلى الدنيا؟ فقالت: لا والله يارسول الله، إني وجدت الله خيراً لي من أبوي، ووجدت الآخرة خيراً لي من الدنيا\".","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"-وروى البخاري ومسلم: \"أن جبل أحد رجف فرحاً والرسول صلى الله عليه وسلم عليه ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فضربه برجله وقال له: أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان\". وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا ما كان وما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا\".\r-منها كلام الله قد تقدم أن كلام الله تعالى يطلق على الصفة القديمة وعلى اللفظ المنزل المتعبد بتلاوته، المتحدي بأقصر سورة منه، كما يطلق عليهما القرآن الكريم، لكن قد غلب كلام الله في الصفة القديمة، والقرآن في اللفظ المنزل، وهو المراد هنا وقد نص عليه بخصوصه لأنه أفضل معجزاته صلى الله عليه وسلم وأدومها لبقائه إلى يوم القيامة.\r-معجز البشر: أي مصيرهم عاجزين عن معارضته والإتيان بمثله بل كل المخلوقات كذلك إجماعاً، قال تعالى: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}. وخص الإنس والجن لأنه يتصور منهما المعارضة، بخلاف الملائكة لعصمتهم. وخص الناظم البشر وحدهم لأنهم الذين تصدوا لذلك فعلاً. وقد وقع الخلاف فيما يقع به الإعجاز من أبعاضه، وفي وجه الإعجاز. والمعتمد أن أقله، وهو أقصر سورة منه، أو ثلاث آيات يقع بهن الإعجاز وكذا الآية الطويلة معجزة كالثلاثة. وأما الاختلاف في وجه الإعجاز فعلى قولين:\rالأول: كون الله صرفهم عن الإتيان بمثله مع كونهم قادرين على ذلك ويسمى القول بالصرفة، وهو ما ذهب إليه المعتزلة.\rوالثاني: وهو ما ذهب إليه الجمهور، أن وجه إعجازه كونه في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة مع اشتماله على الإخبار بالمغيبات ودقائق العلوم وأحوال المبدأ والمعاد وغير ذلك مما لا يحصى، وهذا هو الصحيح في وجه الإعجاز.","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"74 - واجزِمْ بمعراجِ النبي كما رَوَوا *** وبرِّئَنْ لعائشهْ مما رَمَوا\rواجزم بمعراج النبي كما رووا: أي اعتقد اعتقاداً جازماً بعروج النبي صلى الله عليه وسلم وصعوده إلى السماوات السبع إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء الله بعد الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حال كون العروج الذي جزمت به مثل الذي رواه أهل الحديث والتفسير والسير. وقد استغنى الناظم بذكر المعراج عن الإسراء لشهرة إطلاق أحد الاسمين على ما يعم مدلوليهما، وهو سيره صلى الله عليه وسلم ليلاً إلى أمكنة مخصوصة على وجه خارق للعادة. والحق أنه كان يقظة روحاً وجسداً خلافاً لما قصره على المنام والإسراء ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فمن أنكره كفر، وأما المعراج فثابت بالأحاديث المشهورة من المسجد الأقصى إلى السماوات السبع، ومنها إلى الجنة، ثم إلى المستوى أو العرش وبخبر الواحد، لذا لا يكفر منكره بل يفسق. والتحقيق أنه لم يصل إلى العرش.\r-وبرئن لعائشة مما رموا: أي اعتقد وجوباً براءتها مما رماها به المنافقون من الإفك وإن الذي تولى كبره وأشاعه منهم هو عبد الله بن أبي بن سلول لعنه الله وسلول اسم أمه وقد جاءت براءتها في القرآن الكريم وانعقد عليها إجماع الأمة، ووردت بها الأحاديث الصحيحة، فمن جحدها، أو شك فيها، كفر. قال السهيلي: إن من نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة كان كافراً، لأن ذلك تكذيب للنصوص القرآنية.","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"75 - وصَحْبُهُ خيرُ القُرونِ فاستمعْ *** فَتَابِعِيْ فتابعٌ لِمَنْ تبعْ\rوصحبه خير القرون: أي فأفضل القرون المتقدمة والمتأخرة -ما خلا النبيين والرسل- أصحابه. وقد ورد في الحديث أنه قال: \"إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين\" وقال: \"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفَه\".\rوإن كان شرف الصحبة حاصلاً للجميع إلا أنه لا يخفى ترجيح رتبة من لازمه وقاتل معه وقتل تحت رايته، على من لم يكن كذلك ومعنى القرن: أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، كالصحابة، فإنهم اشتركوا في الصحبة، وهكذا من بعدهم وإنما سمي قرناً لأنه يقرن أمة بأمة، وعالماً بعالم. واختلف في ساب الصحابي، فقال عياض: قال الجمهور يعزر، وقال بعض المالكية يقتل وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين وقواه السبكي، فيمن كفر الشيخين، وفيمن كفر من صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بإيمانه، أو بتبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر به.\r-فتابعي: التابعي من اجتمع بالصحابي اجتماعاً متعارفاً، ولا يشترط طول الاجتماع كما لا يشترط في الصحابي مع النبي وإنما يشترط التمييز فيه دون الصحابي، لكنهم اعتمدوا عدم اشتراطه أيضاً.\rواختلف الناس في أفضل التابعين، فأهل المدينة يقولون سعيد بن المسيب، وأهل البصرة يقولون الحسن البصري، وأهل الكوفة يقولون أويس القرني رضي الله عنهم. وقال بعض المتأخرين: الصحيح بل الصواب ما ذهب إليه أهل الكوفة، لما روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:\r\"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن خير التابعين رجل يقال له أويس\". وأفضل التابعيات حفصة بنت سيرين.","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"-فتابع لمن تبع: أي تلي رتبة التابعين أتباعهم، فتابع التابع يأتي في المرتبة بعد التابعي وأصل هذه الرتب قوله صلى الله عليه وسلم: \"خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم يحبون السمانة، ويشهدون قبل أن يستشهدوا\". وقوله: \"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيه السِّمَن\".\rويظهر من هذا أن ما بعد القرون الثلاثة سواء في الفضيلة وذهب جماعة إلى أن كل قرن أفضل من الذي بعده إلى يوم القيامة، لحديث: \"ما من عام إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم\" وعن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة\". لكنه ورد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أو أخره\". والعيان قاض بذلك.\r\r76 - وخيرُهم من وُلِّيَ الخِلافَه *** وأمرُهُم في الفَضْلِ كالخِلافَه\rوخيرهم من ولي الخلافة: أي أفضل الصحابة النفر الذي ولي الخلافة العظمى، وهي النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في عموم مصالح المسلمين، وقد قدر مدتها بقوله صلى الله عليه وسلم: \"الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك\" وبقوله: \"الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير مُلْكاً عضوداً\".","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"أي ثلاثون سنة ثم بعدها يصبح ملكاً ذا عض وتضييق، والنفر هم الخلفاء الأربعة، فلقد تولاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام. وتولاها عمر رضي الله عنه عشرة سنين وستة أشهر وثمانية أيام. وتولاها عثمان رضي الله عنه إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة أيام. وتولاها عليّ رضي الله عنه وكرم وجهه أربع سنين وتسعة أشهر وسبع أيام، فالمجموع تسعة وعشرون سنة وستة أشهر وأربع أيام، وبأيام الحسن بن علي رضي الله عنهما تكمل المدة التي قدرها النبي صلى الله عليه وسلم، كذا حرره السيوطي وإلى هذا التفضيل ذهب الجمهور.\r-وأمرهم في الفضل كالخلافة: أي وشأن الخلفاء الأربعة في ترتيبهم في الفضل بمعنى: كثرة الثواب على حسب ترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة، فأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم. ويدل على ذلك ما روي عن عليّ والزبير: قال صلى الله عليه وسلم: \"خير أمتي بعدي أبو بكر وعمر\" وحديث ابن عمر: \"كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فلم ينهنا\". وقد قال السعد: على هذا وجدنا السلف والخلف، وقال أبو منصور البغدادي من أكابر أئمة الشافعية: أجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة أبو بكر فعمر فعثمان فعليّ، فبقية العشرة المبشرة بالجنة، فأهل بدر، فباقي أهل أحد، فباقي أهل بيعة الرضوان، فباقي الصحابة رضي الله عنهم، والظاهر أنه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا به.","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"77- يَليهمُ قَومٌ كِرامٌ بَرَرَهْ *** عِدَّتُهُم سِتٌ تمامُ العَشَره\rيليهم: أي يلي آخر من ذكر ست رجال كرام برره، فيصبح العدد عشرة، وهم المبشرون بالجنة. وإن كان المبشرون بالجنة كثيرين إلا أنه ذكر العشرة هنا لأنهم جمعوا في حديث مشهور فقد روي من حديث عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة\" وورد أيضاً: \"أن فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء أهل الجنة، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة\".\r\r78- فأهلُ بَدْرٍ العظيمِ الشَّأْنِ *** فأهلُ أُحُدٍ بِبَيْعَةِ الرِّضْوانِ\rفأهل بدر: فرتبتهم تلي رتبة الستة من العشرة، ولا فرق بين من استشهد فيها وهم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار وبين من لم يستشهد فيها. ومقتضى كلام الناظم أن العشرة أفضل من الملائكة الذين حضروا بدراً، ويحمل هذا على غير رؤسائهم، لأن الرؤساء أفضل من عوام البشر كما سلف ذكره. وقد روى ابن ماجة عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: \"جاء جبريل أو ملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قال: خيارنا، قال: كذلك هم عندنا خيار الملائكة\".\r-العظيم الشأن: صفة لبدر، وغزوات بدر ثلاث. الأولى: لم يقع فيها قتال بل كانت لطلب إنسان أغار على مواشي المدينة.. والوسطى: هي العظمى لحضور الملائكة فيها. والثالثة: قد تواعد لها أبو سفيان قبل أن يسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتخلف أبو سفيان خوفاً.\r-فأهل أحد: فمرتبتهم تالية لمرتبة أهل غزوة بدر، والمراد من شهدها من المسلمين سواء استشهد بها كالسبعين أم لا.","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"-بيعة الرضوان: فرتبتهم تلي رتبة أهل غزوة أحد، وسميت بالرضوان لقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} وروى أبو داود والترمذي وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يدخلُ النارَ أحد ممن بايع تحت الشجرة\".\r\r79- والسابقون فَضلُهُم نصاً عُرِفْ *** هذا وفي تعيينهم قدِ اختُلِفْ\rوالسابقون فضلهم نصاً عرف: المعنى أن المتقدمين الأولين قد عرف فضلهم بمعنى كثرة ثوابهم على غيرهم ممن لم يشركهم في هذه الصفة من نص القرآن الكريم كقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}.\r-هذا وفي تعيينهم قد اختلف: أي إفهم هذا، وقد اختلف في تعيين السابقين من هم؟ فقال أبو موسى الأشعري وغيره: هم من الأكابر الذين صلوا إلى القبلتين، وهذا هو قول الأكثر، وهو الأصح. وقال محمد بن كعب القرظي وجماعة: أهل بدر. وقال الشعبي: أهل بيعة الرضوان. وقد علم من كلام الناظم أن التفضيل إنما يكون تارة باعتبار الإفراد وأخرى باعتبار الأصناف، وقد يكون سابقاً خليفة بدرياً أحدياً رضوانياً، كالمشايخ الأربعة، لكن عثمان بدري أجراً، لا بدري حضوراً، لأنه صلى الله عليه وسلم خلفه على ابنته رقية يمرضها، وقد ماتت في غيبته صلى الله عليه وسلم وقال: \"لك أجر رجل وسهمه\". ولقب بذي النورين لتزوجه ببنتيه صلى الله عليه وسلم، رقية وأم كلثوم.","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"80- وأولُ التَّشَاجُرِ الذي وَرَدْ *** إنْ خُضْتَ فيه واجْتَنِبْ داءَ الحَسَدْ\rوأول التشاجر: لما ذكر أن خير القرون قرن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض - هنا - للجواب عما وقع بينهم من المنازعات الموهمة قدحاً في حقهم، مع أنهم لا يصرون على عمد المعاصي، وإن لم يكونوا معصومين. وقد وقع تشاجر بين سيدنا علي وسيدنا معاوية رضي الله عنهما، وافترقت الصحابة فيه ثلاث فرق، الأولى اجتهدت فظهر لها أن الحق مع علي، فقاتلت معه، والثانية اجتهدت فظهر لها أن الحق مع معاوية، فقاتلت معه، والثالثة: توقفت. وقد قال العلماء: المصيب بأجرين والمخطئ بأجر، وقد شهد الله تعالى ورسوله لهم بالعدالة، ويصرف المكلف ما وقع بينهم إلى محمل حسن، لتحسين الظن بهم، فإنهم كانوا مجتهدين فيما حصل. وإن الذين يتدارؤون بخلاف الصحابة بغية تمكين ضلالهم في الأرض، إن هم إلا قوم فاسدون، لا يشعرون أنهم واختلافهم برمته في النار، والصحابة كلهم في الجنة، إذ أنهم آمنوا بالحق وحده وإنما حصل اختلافهم في الكيفية التي ينصرونه بها. وهؤلاء آمنوا بالطاغوت، وإنما اختلفوا في الكيفية التي يدعمونه بها. ولو قدر للمكلف أن يخوض فيما شجر فليأوله ولا ينقص أحداً منهم. على أنه ليس بمأمور أصلاً بالخوض فيما جرى بينهم، فإنه ليس من الاعتقاد في شيء، وليس مما ينتفع به في الدين، بل ربما ضر في اليقين فلا يباح الخوض فيه إلا للرد على المتعصبين أو للتعليم كتدريس الكتب التي تتناول دراسة الآثار، أما العوام فلا يجوز لهم الخوض فيه لشدة جهلهم وعدم معرفتهم بالتأويل.\r-واجتنب داء الحسد: أي واترك وجوباً -فيما إذا قدر لك الخوض فيما شجر بينهم- داء الحسد الحامل على الميل مع أحد الطرفين على وجه غير مرضي، وهو أن يشتمل ذلك الميل على سبّ وشتم، فالمراد بالحسد هنا مطلق الإيذاء والسب، لا تمني زوال النعمة كما هو تعريفه.","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"-وقد قال صلى الله عليه وسلم: \"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي. من آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه، فاتقوا الله، ثم اتقوا الله\". أي أنشدكم الله ثم أنشدكم الله في حق أصحابي وتعظيمهم، فلا تتخذوهم كالغرض الذي يرمى إليه بالسهام، فترموهم بالكلمات التي لا تناسب مقامهم. والإيذاء على الله تعالى محال، ومعناه هنا تعدي الحدود، والمخالفة للأحكام. ووشك الأخذ من الله: قرب العذاب. وفي رواية: \"لا تسبوا أصحابي، فمن سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً\". والصرف: الفرض، والعدل: النفل، واللعن إنما هو واقع في المستحل أو خارج مخرج المبالغة في الزجر.\r\r81 - ومالكٌ وسَائرُ الأئِمَّهْ *** كذا أبو القاسمْ هُداةُ الأمَّه\rومالك: أي اعلم أنه لم يصح في الأئمة الأربعة حديث بالخصوص، وإنما ورد: \"يوشك أن تضرب أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة\". فحمل على الإمام مالك، إذا كانوا يزدحمون على بابه لطلب العلم، فلقد أخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون وهم أئمة البلاد. وورد أيضاً: \"وعالم قريش يملأ طباق الأرض علماً\". فحمل على الشافعي وقيل هو ابن عباس. وورد: \"لو كان العلم بالثريا لناله رجال من فارس\" فحمل على أبي حنيفة وأصحابه وكل من هذه الأحاديث ظني.","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"-وسائر الأئمة: هم إما: الإمام الشافعي (المتوفى 204هـ في مصر) وأبو حنيفة (80-150هـ)، وأحمد بن حنبل (المتوفى 241هـ) والإمام مالك (المتوفى بالمدينة 179هـ) فقط، أو يدخل معهم الإمام الليث بن سعد، وسفيان الثوري، وإسحق بن راهويه، ومحمد بن جرير الطبري، وسفيان بن عيينه، وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، وأبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي. وسفيان الثوري كان يسمى أمير المؤمنين في الحديث. وابن عيينه كان يقول: إذا كان نفس المؤمن محبوسة عن مكانها في الجنة بدينه حتى يقضى عنه، فكيف بصاحب الغيبة، فإن الدين يقضى والغيبة لا تقضى، والأوزاعي كان يقول: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وتعرض على العبد يوم القيامة، فالساعة التي لا يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت ساعة مع ساعة، ويوم مع يوم!\r-كذا أبو القاسم: المعنى أن \"أبا القاسم محمداً الجنيد\" مَثَلُ من ذُكر في الهداية والاستقامة على طريق الحق، وهو سيد الصوفية علماً وعملاً، ولعل المصنف رأى شهرته بهذه الكنية فأوردها، ولو قال: جنيدهم أيضاً هداة الأمة لكان أوضح. ومن كلامه: \"الطريق إلى الله تعالى مسدود على خلقه إلا على المقتفين آثار الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها: \"لو أقبل صادق على الله تعالى ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة، لكان ما فاته أكثر مما ناله\" ومنها: \"إن بدت ذرة من عين الكرم والجود ألحقت المسيء بالمحسن وبقيت أعمالهم فضلاً لهم\".\r-هداة الأمة: أي هداة خير أمة بشهادة قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. فهم خيار الخيار. والحاصل: أن الإمام مالك ونحوه هداتها في الفروع، والإمام الأشعري ونحوه في العقائد، والجنيد ونحوه في التصوف. فجزاهم الله عنا خيراً ونفعنا بهم.","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"82 - فواجبٌ تَقليدُ حَبْرٍ مِنهُمُ *** كَذَا حَكَى القَوْمُ بِلَفْظٍ يُفْهَمُ\rفواجب تقليد: لما لم يكن كل واحد من الناس قادراً على الاجتهاد المطلق، وكان المذكورون أئمة هذه الأمة، ذكر أنه واجب على كل من لم يكن فيه أهلية الاجتهاد المطلق ولو كان مجتهد مذهب، أو فتوى تقليد إمام من الأئمة الأربعة في الأحكام الفرعية. وما جزم به الناظم هنا هو مذهب الأصوليين وجمهور الفقهاء والمحدثين واحتجوا بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فأوجب السؤال على من لا يعلم، ويترتب عليه الأخذ بقول العالم وذلك تقليد له وقال بعضهم: \"يأخذ فيما يقع له بهذا المذهب تارةً، وبغيره أخرى، فلا يجب عليه تقليد واحد بعينه، بل يجوز أن يصلي الظهر على مذهب مالك والعصر على مذهب الشافعي وهكذا\" ومنهم من منع الانتقال من مذهب إلى آخر. ومنهم من قيد بعدم الجمع بين المذهبين على صفة تخالف الإجماع، كمن تزوج بلا صداق، ولا ولي، ولا شهود، فإنها صورة لا يقول بها أحد. أما من كان فيه أهلية الاجتهاد المطلق فيحرم عليه التقليد فيما يقع له عند الأكثر، واختاره الآمدي وابن الحاجب والسبكي لتمكنه من الاجتهاد الذي هو أصل التقليد. وأما التقليد في العقائد فقد تقدم بحثه.\r-حبر منهم: أي تقليد عالم حاذق من الأئمة الأربعة ولا يجوز تقليد غيرهم، ولو كان من أكابر الصحابة لأن مذاهبهم لم تدون ولم تضبط كمذاهب هؤلاء.\r-كذا حكى القوم: أي حكى الأصوليون وجمهور الفقهاء والمحدثين\r-بلفظ يفهم: لوضوحه هذا الحكم الذي هو وجوب تقليد أحد الأئمة الأربعة.","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"83 - وَأَثْبِتَنْ للأَوْلِيَا الكَرَامَهْ *** وَمَنْ نَفَاها فَانْبِذَنْ كلامَهْ\rوأثبتن للأولياء: أي اعتقد جواز وقوع الكرامة، ووقوعها لهم في الحياة وبعد الممات كما ذهب إليه جمهور أهل السنة، وليس مذهب من المذاهب الأربعة قال بنفيها بعد الموت بل ظهورها حينئذ أولى، لأن النفس حينئذ صافية من الأكدار، فهي كالسيف سل من غمده، وعلى هذا قيل: \"من لم تظهر كرامته بعد موته كما كانت في حياته فليس بصادق\" واستدلوا على الوقوع بما جاء من قصة السيدة مريم رضي الله عنها في قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فقد كان يجد عندها فاكهة الصيف بالشتاء وبالعكس. وما جاء من قصة أصحاب الكهف حيث دخلوا غاراً فلبثوا فيه بلا طعام ولا شراب ثلاث مائة وتسع سنين نياماً بلا آفة. وما جاء من قصة آصف وزير سيدنا سليمان وقد كان يعرف اسم الله الأعظم فدعا به فأتى الله بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه، وما وقع من كرامات الصحابة والتابعين إلى وقتنا. فقد صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له جيش بنهاوند من بلاد العجم وكان سارية رضي الله عنه أميراً عليه، وكان العدو كامناً في أصل جبل، ولا يعلم به جيش المسلمين، فنادى عمر وهو في المدينة على المنبر يخطب الناس يوم الجمعة: يا سارية الجبل الجبل، فسمعوا صوته بنهاوند، وأن أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما كانا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة حتى ذهب من الليل ساعة وهي ليلة شديدة الظلمة، خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، ومشيا في ضوءها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للأخر عصاه فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله وأن خبيباً كان أسيراً بمكة المكرمة عند بني الحارث فكانت تقول بنت الحارث: ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقاً رزقه الله إياه. وأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جهز جيشاً فاستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، فأتى القوم الذين يريد غزوهم فوجدهم قد نذروا به وغوروا المياه، وكان الحر شديداً وقد أجهدهم العطش ودوابهم، فلما مالت الشمس صلّى العلاء بالجيش ركعتين ثم مدّ يده ما يرى في السماء شيء، يقول راوي الحديث: فوا الله ما حط يده حتى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً فأفرغت حتى ملأت الغدور الشعاب فشربنا وسقينا واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال يا عليّ يا عظيم يا كريم، ثم قال أجيزوا باسم الله، قال: فأجزنا، ما يبل الماء حوافر دوابنا إلا يسيراً.\r-والولي: هو العارف بالله تعالى وصفاته حسب الإمكان، المواظب على الطاعة المجتنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات المباحة، أما أصل التناول فلا مانع منه، لا سيما إذا كان يقصد التقوي على العبادة، وهو لا يرتكب معصية بدون توبة إذ أنه ليس معصوماً حتى لا تقع منه معصية بالكلية. وإنما سمي ولياً لأن الله تعالى تولى أمره فلا يكله إلى نفسه، ولا إلى غيره لحظة، ولأنه يتولى عبادة الله تعالى على الدوام من غير تخلل بمعصية، وكلا المعنيين واجب تحققه حتى يكون الولي عندنا ولياً في نفس الأمر.\r-الكرامة: هي أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح.","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"-ومن نفاها فانبذن كلامه: أي ومن قال بعدم جوازها فانبذن كلامه لأنه ما أنكرها إلا لأنه نظر إليها على أنها من فعل العبد، أما لو نظر إليها على أنها من فعل الله تعالى لما تطرق إليه الإنكار. وإنما تمسك المنكر بأنه لو ظهرت الخوارق من الأولياء لالتبس النبي بغيره، لأن الخارق إنما هو المعجز، ولو ظهرت لأصبحت كثيرة بكثرتهم فتخرج عن كونها خارقة للعادة، ويرد هذا بأن الفرق بين المعجزة والكرامة قائم بوجود دعوى النبوة في المعجزة، وبأن كثرتها لا تخرجها عن كونها خارقة للعادة لأنه يظل خرق وإن استمر، وسبب كثرتها في الأزمنة المتأخرة إنما هو لضعف يقين المتأخرين.\r\r84 - وَعِنْدَنا أن الدُّعاءَ يَنْفَعُ *** كما مِنَ القُرْآنِ وَعْدَاً يُسْمَعُ\rوعندنا أن الدعاء ينفع: الدعاء هو الطلب على سبيل التضرع، وقيل: رفع الحاجات إلى رافع الدرجات. وعند أهل السنة: الدعاء نافع للأحياء والأموات، وضار لهم إن دعوت عليهم، وهو ينفع في القضاء المبرم والمعلق، أما القضاء المعلق فلا استحالة في رفع ما علق رفعه منه على الدعاء، ولا في نزول ما علق نزوله منه على الدعاء.","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل ويتلقاه الدعاء، فيتعالجان إلى يوم القيامة\". وأما القضاء المبرم فنفعه فيه تنزيل اللطف منه سبحانه وتعالى بالداعي، وإن لم يرفعه البتة وانقسام القضاء إلى المبرم والمعلق، إنما هو بحسب اللوح المحفوظ، أما بحسب العلم فجميع الأشياء مبرمة إذ العلم لا يتغير البتة، لكنه لا يترك الدعاء اتكالاً على ذلك، كما لا يترك الأكل اتكالاً على إبرام الله الأمر في الشبع. وعند المعتزلة الدعاء لا ينفع، ولا يكفرون في هذا لأنهم أولوا الدعاء في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} بالعبادة وأولوا الإجابة بالثواب.\r-كما من القرآن وعداً يسمع: أي لأجل الذي يسمع داله من ألفاظ القرآن حال كونه موعوداً به.\rقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ}. وتخصيص القرآن إنما هو لتواتره لا لقصر الدلالة عليه، وإلا فالسنة تدل على نفع الدعاء، وكذا الإجماع وقد دعا صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة. وقد أجمع عليه السلف والخلف واعلم أن الإجابة تتنوع: فتارة يقع المطلوب على الفور، وأخرى يتأخر لحكمة، وتارة تقع الإجابة بغير المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة، أو يكون في غير المطلوب الذي وقع ما هو أصلح من المطلوب المدعو به، على أن الإجابة على كل الأحوال مقيدة بالمشيئة كما قال سبحانه: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ}.\rفهو مقيد لإطلاق الآيتين السالفتين.","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"85 - بكلِّ عَبْدٍ حافظونَ وُكِّلُوا *** وكاتِبونَ خِيْرَةٌ لَنْ يُهْمِلوا\rبكل عبد حافظون وكلوا: وكل الله تعالى بكل عبد ملائكة حافظين سوى الملائكة الكاتبين، فهم يحفظونه من المضار، فيلازمونه على كل حال، بخلاف الكتبة، فإنهم يفارقونه عند ثلاث مواطن، عند قضاء الحاجة، وعند الجماع، وعند الغسل ولا يمنع ذلك من كتب ما يصدر من العبد في هذه المواطن، إذ يجعل الله تعالى أمارة على ما بدر منه قولاً كان أو فعلاً أو اعتقاداً وبخلاف ملائكة الرحمة فإنهم لا يدخلون البيت الذي فيه كلب أو جرس أو صورة. وللجن حافظون كما للإنس، واختلف في عدد الحافظين ومكانهم، لكنه لما لم يرد نص قاطع في هذا كان الإمساك أولى وحفظهم للعبد إنما هو من القضاء المعلق أما المبرم فلا بد من إنفاذه، فإنهم يتنحون عنه حتى ينفذ أمر الله. قال سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}.","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"-وكاتبون خيرة لن يهملوا: تكلم ثمة عن الحافظين، وهنا يتكلم عن الكاتبين، وهما ملكان كل منهما رقيب وعتيد، لا يتغيران ما دام حياً فإذا ما مات قاما على قبره يسبحان ويهللان ويكبران ويكتبان ثوابه إلى يوم القيامة، إن كان مؤمناً، ويلعنانه إن كان كافراً وقيل: هم أربعة، ملكان في اليوم، وملكان في الليلة، يؤرخون ما يكتبون من أعمال العباد في الزمان والمكان، وملك الحسنات من ناحية اليمين والسيئات من ناحية اليسار والكتابة حق يكفر منكرها، ودليلها قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين، كِرَاماً كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} وهي بأدوات لا يعلمها إلا الله تعالى حملاً للنصوص على ظواهرها خلافاً لمن أول بأن الكتابة كناية عن الحفظ والعلم، والتفويض في هذا المقام أولى. وقد اعتمد بعضهم أن المباح لا يكتب وهذه الكتابة لا تقع على حاجة دعت إليها، وإنما فائدتها أن العبد إذا علم بها استحيى وترك المعصية، والله أعلم. وقد اختلف في مكانهما، والحاصل من الخلاف أنهما لا يلزمان محلاً واحداً.\r\r86 - مِنْ أَمْرِهِ شَيْئَاً فَعَلْ ولو ذَهِلْ *** حتى الأنِينَ في المرَضْ كما نُقِلْ\rمن أمره شيئاً فعل: أي لم يهمل الملائكة الكاتبون من أمر العبد شيئاً والأمر يشمل القول وغيره.\r-ولو ذهل: الذهول عن الشيء نسيانه والغفلة عنه فيكتب ما فعله العبد ناسياً وإن كان لا يؤاخذ به لأنه ليس الغرض من الكتابة المعاقبة ولا الإثابة كما سلف.","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"-حتى الأنين في المرض كما نقل: أي فيكتبون حتى الأنين الصادر منه في حال المرض، لذا لا ينبغي للمريض أن يقول: أخ، لأنه اسم من أسماء الشيطان بل عليه أن يقول آه لأنه ورد أنه من أسماءه تعالى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"دعوه \"أي المريض\" يئن، فإن الأنين اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه العليل\". وقد نقل أئمة الدين وعلماء المسلمين ومن أعظمهم الإمام مالك أن الملائكة تكتب كل شيء حتى الأنين في المرض متمسكين بقوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} فلفظة \"قول\" جاءت نكره في سياق النفي لذا اقتضت العموم.","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"87 - فَحَاسِبِ النفْسَ وقِلَّ الأمَلا *** فرُبَّ مَنْ جَدَّ لأمْرٍ وَصَلا\rفحاسب النفس وقل الأملا: أي إذا علمت أن عليك من يحفظ أعمالك ويكتبها فحاسب نفسك كل صباح على جميع ما عملته ليلاً، وكل مساء على جميع ما عملته نهاراً، فما وجدت من حسنة حمدت الله تعالى عليها، ومن سيئة استغفرت الله منها. وأقرب من ذلك إلى السلامة أن تحاسبها على كل فعل قبل الإقدام علي، حتى لا تتلبس به إلا بعد معرفة حكم الله تعالى فيه، فما وافق الشرع فعلته، وما خالفه نبذته وراءك ظهرياً، لأن من حاسب نفسه في الدنيا هان عليه حساب الآخرة، قال عمر رضي الله تعالى عنه: \"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزن عليكم\" وليكن أملك قليلاً، والأمل هو رجاء ما تحبه النفس، كطول عمر، وزيادة غنى، وهو مذموم إلا للعلماء العاملين الورعين، حيث أملوا بطول عمرهم أن ينفعوا المسلمين فيثابوا على نياتهم في ذلك والأصل فيما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: \"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور\". وقال بعضهم: من قصر أمله قل همه وتنوَّرَ قلبه ورضي بالقليل.\r-فرب من جد لأمر وصلا: أي جد في مطلوبك، لأنه رب من اجتهد لتحصيل أمر من أمور الدنيا والآخرة وصل إليه إن قدر الله تعالى أزلاً وصوله إليه.","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"87 - فَحَاسِبِ النفْسَ وقِلَّ الأمَلا *** فرُبَّ مَنْ جَدَّ لأمْرٍ وَصَلا\rفحاسب النفس وقل الأملا: أي إذا علمت أن عليك من يحفظ أعمالك ويكتبها فحاسب نفسك كل صباح على جميع ما عملته ليلاً، وكل مساء على جميع ما عملته نهاراً، فما وجدت من حسنة حمدت الله تعالى عليها، ومن سيئة استغفرت الله منها. وأقرب من ذلك إلى السلامة أن تحاسبها على كل فعل قبل الإقدام علي، حتى لا تتلبس به إلا بعد معرفة حكم الله تعالى فيه، فما وافق الشرع فعلته، وما خالفه نبذته وراءك ظهرياً، لأن من حاسب نفسه في الدنيا هان عليه حساب الآخرة، قال عمر رضي الله تعالى عنه: \"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزن عليكم\" وليكن أملك قليلاً، والأمل هو رجاء ما تحبه النفس، كطول عمر، وزيادة غنى، وهو مذموم إلا للعلماء العاملين الورعين، حيث أملوا بطول عمرهم أن ينفعوا المسلمين فيثابوا على نياتهم في ذلك والأصل فيما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: \"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور\". وقال بعضهم: من قصر أمله قل همه وتنوَّرَ قلبه ورضي بالقليل.\r-فرب من جد لأمر وصلا: أي جد في مطلوبك، لأنه رب من اجتهد لتحصيل أمر من أمور الدنيا والآخرة وصل إليه إن قدر الله تعالى أزلاً وصوله إليه.\r\r89 - ومَيِّتٌ بِعُمْرِهِ مَنْ يُقْتَلُ *** وغيرُ هذا باطلٌ لا يُقْبَلُ\rوميت بعمره من يقتل: أي كل ذي روح يفعل به ما يزهق روحه ميت بانقضاء عمره، وهو مذهب أهل الحق، فالأجل عندهم واحد، لا يقبل الزيادة ولا النقصان. قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}. وقال تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}.","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"وقد دلت الأحاديث الشريفة على أن كل هالك يستوفي أجله من غير تقدم عليه ولا تأخر عنه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\".\rوما ورد في بعض الأحاديث من أن صلة الرحم تزيد في العمر لا يرد هنا لأنه خبر آحاد، أو الزيادة فيه بحسب الخير والبركة. فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه\".\rوبالجملة فمختار أهل السنة أن كل مقتول ميت بانقضاء عمره، وحضور أجله في الوقت الذي علم الله حصول موته فيه أزلاً، بخلقه تعالى، من غير مدخلية للقاتل فيه، إلا الاكتساب، ولهذا وجب عليه القصاص من حيث أنه اكتسبه فقط.\rوعند أهل السنة أنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت، أو لا يموت فيه. لأنه لا اطلاع لنا على ما في علم الله، وإنما هذا التجوز ذاتي على فرض عدم قتله، كما هو ظاهر وإلا فقد بان بقتله أن الله تعالى علم موته في ذلك الوقت، فلا يتخلف، فبعد أن قتل نقول: لو لم يقتل لمات قطعاً، لأنه لو لم يمت للزم التغير في أمر العلم وهو محال، وقد وافق على هذا السنة أبو الهذيل من المعتزلة.\r-وغير هذا باطل لا يقبل: أي غير ما ذكر - من مذاهب المخالفين لأهل السنة - باطل وغير مطابق للواقع، ولا يقبل عند العقلاء المتمسكين بالحق ومنها مذهب الكعبي: وهو أن المقتول له أجلان، أجل بالقتل، وأجل بالموت. فلو لم يقتل لعاش إلى أجله بالموت، ودليله قوله تعالى: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ}. قال: والعطف يقتضي المغايرة، وأهل السنة يقولون: المعنى لئن متم من غير سبب ظاهر، أو قتلتم بأن متم بسبب.","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"90 - وفي فَنَا النَّفْسِ لَدَى النَّفْخِ اخْتُلِفْ *** واستظْهَرَ السُّبكي بقاها الَّذْ عُرفْ\rوفي فنا النفس: ذهب العلماء في حكم فناء النفس مذهبين: فطائفة قالت بذهاب صورة النفس التي هي الروح عند نفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى لظاهر قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. وطائفة ذهبت إلى عدم الفناء عند ذلك، أما قبل النفخة الأولى فلا خلاف في بقائها، ولو بعد فناء الجسم، وتكون إما منعمة أو معذبة فعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"القبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة\".\rوالنفخة الأولى تسمى نفخة الفناء، إذ لا يبقى عندها حي إلا مات، إن لم يكن مات قبل ذلك، وإلا غشي عليه إن كان مات قبل ذلك، كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا من شاء الله كالملائكة الأربعة الرؤساء، والحور العين، وموسى عليه الصلاة والسلام لصعقه في الدنيا مرة فجوزي بها. فجميع الأنبياء بعد الموت تعود إليهم أرواحهم ثم يغشى عليهم عند النفخة الأولى إلا موسى عليه السلام ثم ينفخ الثانية وتسمى نفخة البعث، فيجمع الله تعالى الأرواح في الصور عند النفخة، وفيه ثقب بعددها، فتخرج منه الأرواح إلى أجسادها فلا تخطئ روح جسدها. وبين النفختين أربعون عاماً على ما في بعض الطرق: فعن أبي هريرة قال: \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين النفختين أربعون، قيل أربعون يوماً؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة قال: أبيت، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة\".","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"-واستظهر السبكي: اختار الإمام السبكي في تفسيره من هذا الاختلاف القول ببقائها الذي عهد سابقاً، لأنه متفق على بقائها بعد الموت لسؤالها في القبر وتنعيمها أو تعذيبها فيه، والأصل في كل باق استمراره حتى يظهر ما يصرف عنه، فالدليل على بقائها الاستصحاب، فتكون من المستثنى بقوله تعالى: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}. وهو المختار عند أهل الحق وإنما خص المصنف السبكي بالذكر لتبحره في الفنون حتى أحاط بالمعقول منها والمنقول.\r\r91 - عَجْبُ الذَّنَبْ كالرُّوحِ لكنْ صَحَّحَا *** المُزَنيُّ لِلْبِلَى وَوَضَّحا\rعجب الذنب كالروح: أي العجب الشبيه بالذنب وهو عظم كالخردلة في آخر سلسلة الظهر في العصعص، مختص بالإنسان كمغرز الذنب للدابة، والمشهور أنه لا يفنى إلا وقت النفخ، لكن صحح الإمام إسماعيل بن يحيى المزني القول بأن عجب الذنب يبلى ويفنى تمسكاً بظاهر قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}. وفناء الكل يستلزم فناء الجزء، فقد وضح صحة ما ذهب إليه ووافقه ابن قتيبة. والأقوى أنه لا يبلى لما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، منه يركب الخلق يوم القيامة، قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب\". وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: مثل حبة خردل، منه تُنَشَّؤون\".","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"92- وكُلُّ شَيءٍ هالكٌ قدْ خَصَّصوا *** عُمُومَهُ فاطلب لما قَدْ لخَّصُّوا\rوكل شيء هالك ..: لما كان القول ببقاء الروح، وعجب الذنب هو الراجح أشار - هنا - إلى إيراد قد يرد بقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}. فمقتضاه أن كل ما سواه تعالى محكوم عليه بالهلاك، فقال المصنف: من العلماء من قصر العموم الوارد في الآية على غير الأمور الواردة في الأحاديث كالروح، وعجب الذنب، وأجساد الأنبياء، والشهداء، والعرش، والكرسي، والجنة والنار، والحور العين ونحو ذلك، فالآية من قبيل العام المخصوص، ومنهم من قال: معنى \"هالك\" في الآية قابل للهلاك، كما هو معنى \"فانٍ\" أيضاً، لذا لخص العلماء الأمور الوارد فيها ذكر الديمومة.\r\r93 - ولا تَخُضْ في الروحِ إذْ ما وَرَدَا *** نَصٌّ مِنَ الشارِعِ لَكِنْ وُجِدَا\rولا تخض في الروح ..: أي أيها المكلف لا تخض في بيان حقيقة الروح، فالخوض في ذلك مكروه لعدم التوقيف فيه، وكلام الجنيد رحمه الله تعالى يدل على الحرمة حيث قال: \"الروح شيء استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنها بأكثر من أنها موجودة:","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. وفي ذلك إظهار لعجز المرء حيث لم يعلم حقيقة نفسه التي بين جنبيه مع القطع بوجودها، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أطلعه الله تعالى على جميع ما أبهمه عنه من الروح وغيرها مما يمكن علم البشر به، وليس على جميع معلوماته تعالى وإلا لزم مساواة الحادث بالقديم. وما ذكر من عدم الخوض في الروح هو المختار، فنمسك عن بيان حقيقتها، وبيان مقرها من الجسد، والمشهور عدم تعدد الروح في كل جسد. وصرح العز بن عبد السلام بأن في كل جسد روحين، إحداهما روح اليقظة التي أجرى الله تعالى العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظاً فإذا خرجت منه نام، ورأت تلك الروح المنامات، والأخرى روح الحياة التي أجرى الله تعالى العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حياً، فإذا ما فارقته مات. وهاتان الروحان في باطن الإنسان لا يعرف مقرهما إلا من أطلعه الله على ذلك، وقد كان بعض الأرواح -يوم خاطبها الله تعالى قبل تعلقها بالأبدان بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}- مقبلاً على بعض بالوجه، وبعضها مولياً ظهره لبعض، وبعضها جاعلاً جنبه لبعض، فالإقبال بالوجه غاية في المودة، وعكسه بالظهر والجنب، وقد جاء في الحديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف\".\r-إذ ما وردا * نص من الشارع: إن ما تقدم من المنع في الخوض مبني على أنه لم يرد دليل عن الله تعالى ببيانها، وكل ما هو كذلك فالأولى عدم الخوض فيه.","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"94 - لمالكٍ هِيَ صُورَةٌ كالجسدِ *** فَحَسْبُك النصُّ بهذا السَّنَدِ\rلمالك هي صورة: وجد لأهل مذهب مالك من خاض في بيان حقيقة الروح، وأنها جسم ذو صورة كصورة الجسد في الشكل والهيأة، وهذا قول عبد الرحيم بن خالد، وإنما نسب لمالك لاستناده إليه فيه،\rوقال النووي: هو أصح ما قيل فيها على الطريقة المبيحة للخوض، وهي غير مختارة. وما قاله إمام الحرمين: إنها جسم لطيف شفاف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر، فتكون سارية في جميع البدن، فإذا ما انقطع عضو انشمرت عنه الروح بسرعة للطافتها. هذا في الحياة، أما بعد الموت فأرواح السعداء بأفنية القبور، على الصحيح، وأرواح الكفار في سجين.\r-فحسبك النص: إذا ما علمت النقل عن أهل مذهب مالك بالخوض في حقيقتها فيكفيك النص عنهم، فلا تخض بأكثر منه. وقد قال مبيح الخوض: إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. تصديقاً لما في كتب اليهود من أن الإمساك عن ذلك من علامات نبوته، وأدلة رسالته صلى الله عليه وسلم.\r\r95 - والعقْلُ كالرُّوحِ وَلكنْ قَرَّرُوا *** فيهِ خِلافاً فانْظُرَنْ ما فَسَّرُوا\rوالعقل كالروح: أي العقل من حيث الخوض في حقيقته مثل الروح. وطريق الوقف هو المختار فيه لأنه من المغيبات. والعقل -لغة- المنع، من عقل البعير إذا منعه. وسمي بذلك لمنعه صاحبه من العدول عن سواء السبيل.\r-ولكن قرروا: هذا الاستدراك لا محل له -هنا- لأن الخلاف وقع في الروح أيضاً.","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"-فانظرن ما فسروا: أي فانظر التفاسير التي ذكرها القوم في كتبهم. وقد تطابقت أقوال أهل السنة في عرضيته، فقال بعضهم: إنه العلم ببعض العلوم الضرورية كالعلم بوجوب تحيز الجرم واستحالة عروه عن الحركة والسكون، وجواز إحراق النار وغير ذلك. وعرفه الشيرازي: بأنه صفة يميز بها بين الحسن والقبيح. وأحسن ما قيل فيه: أنه نور روحاني، به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية. وقال بعضهم: إن ثمة لطيفة ربانية لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى عقلاً، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى روحاً، ومن حيث شهوتها تسمى نفساً، فالعقل والروح والنفس أسماء لمسمى واحد، وفي كلام الغزالي: أنه جوهر مجرد. وقد اختلف في محله والصحيح أن محله القلب، وله نور متصل بالدماغ كما ذهب إليه الإمام الشافعي والإمام مالك رضي الله عنهما وجمهور المتكلمين. وقالت الحكماء وبعض الفقهاء: بأن محله الدماغ لفساده بفساد الدماغ، وهذا لا يدل على ما ذكروه، لجواز أن تكون سلامة الدماغ شرطاً لاستمراره وإن كان محله القلب.","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"96 - سُؤَالُنا ثَّم عَذَابُ القَبرِ *** نَعِيْمُهُ واجِبْ كَبَعْثِ الحشرِ\rسؤالنا: أي سؤال منكر ونكير إيانا معاشر أمة الدعوة، مؤمنين ومنافقين وكافرين. وإنما سمي الملكان بذلك لأنهما يأتيان الميت بصورة منكرة كما ورد في الحديث، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قبر الميت \"أو قال أحدكم\" أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول، هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقاً، قال: سمعت الناس يقولون قولاً فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك\". وقيل: هما للمؤمن الموفق مبشر وبشير، وأما الكافر والمؤمن العاصي فلهما منكر ونكير وسؤالهما بعد تمام الدفن وعند انصراف الناس ففي الحديث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا النبي محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعاً وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين\".","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"هذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو ظاهر الأحاديث، وثمة أقوال بعدد الأيام التي يسأل فيها الميت، منها أن المؤمن يسأل سبعة أيام والكافر أربعين. ويسألان كل أحد بلسانه على الصحيح. ولا بد من سؤال الميت، ولو تمزقت أعضاءه أو أكلته السباع في أجوافها، إذ لا يبعد أن الله تعالى يعيد له الروح في أعضائه ولو كانت متفرقة لأن قدرته تعالى صالحة لذلك. وإن مات جماعة في وقت واحد بأقاليم مختلفة، فقد ذهب القرطبي إلى جواز أن الملكين يعظمان فيسألان الجميع بوقت واحد أو أن ملائكة السؤال عديدون، كما ذهب إليه الحافظ السيوطي ووافقه عليه الحليمي والذي يشبه أن يكون أن للسؤال ملائكة كثيرين فيبعث إلى كل ميت اثنان منهم والله أعلم. واختلف في كيفية السؤال، فمنهم من يسأل عن بعض اعتقاداته ومنهم عن كلها. قال ابن عباس يسألان عن الشهادتين، وقال عكرمة: يسألان عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن التوحيد، وورد أنهما يقولان: ما تقول في هذا الرجل؟ فالمرتاب يجيب بلا أدري، فيشقى أبد الآبدين. وهذا السؤال هو فتنة القبر. وقيل: فتنتها ما ورد من حضور إبليس في زاوية من زوايا القبر مشيراً إلى نفسه وذلك عند قول الملك للميت من ربك؟ حتى يقول الميت هذا ربي. والأنبياء لا يسألون وقيل يسألون عن الوحي وجبريل، وكذلك الصديقون والشهداء والمرابطون والملازمون لقراءة سورة الملك كل ليلة من حين بلوغ الخبر إليهم ولا يضر الترك مرة بعذر، وذكر بعضهم سورة السجدة كذلك، وكذلك من قرأ بمرض موته سورة الإخلاص، ومريض البطن، والميت بالطاعون أو بغيره في زمنه صابراً محتسباً، والميت ليلة الجمعة أو يومها. والراجح أن غير الأنبياء وشهداء المعركة يسألون سؤالاً خفيفاً. والظاهر كما جزم به الجلال السيوطي وغيره اختصاص السؤال بالمكلفين بخلاف الأطفال. وحكمة السؤال - والله أعلم- إظهار ما كتمه العباد في الدنيا من إيمان أو كفر أو طاعة. فالمؤمنون الطائعون يباهي الله بهم الملائكة ،غيرهم يفضحون.","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"-ثم عذاب القبر: مما يجب اعتقاده عذاب القبر، وإنما أضيف العذاب للقبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه عذب قبر أو لم يقبر، ولو غرق أو صلب أو التهمته الضواري أو حرق ثم ذرته الرياح، وتفتت الأعضاء لا يمنع من وجود العذاب ومن وقوعه على الروح والبدن جميعاً باتفاق أهل الحق إذ جائز أن يخلق الله تعالى في ذرة ما أشد الآلام وأرقى اللذات. فقد ورد أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فسئل عن ذلك، وقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد\". وورد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر\".\rوذهب محمد الطبري وعبد الله بن كرام وطائفة إلى القول بأن المعذب هو البدن فقط، وذلك بأن يخلق الله فيه إدراكاً به يسمع ويبصر، ويتألم ويلتذ، وهذا خلاف الحق. والعذاب للكافر والمنافق دائم ديمومة البرزخ. وينقطع عن المؤمن العاصي إن خفت جرائمه كما يرفع بالدعاء أو الصدقة، أو غير ذلك، كما قال ابن القيم وكل من لا يسأل في القبر لا يعذب. وضغطة القبر من عذابه، وهي التقاء حافتيه التقاءً برزخياً يتناسب مع عالم البرزخ، وما يحكمه من قوانين، فتضمه الأرض حتى تختلف أضلاعه ولا ينجو من الضمة أحد حتى الصلحاء، ما خلا الأنبياء وفاطمة بنت أسد، ومن قرأ سورة الإخلاص في مرض موته.","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن للقبر ضغطة، ولو سلم أو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ\". وهو الذي اهتز عرش الرحمن لموته فعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"اهتز العرش لموت سعد بن معاذ\" وأما المؤمنون الصالحون الذين قدر الله لهم ألا يعذبوا فهم في نعيم القبر. وقد بلغت النصوص في نعيمه مبلغ التواتر. وكما أن العذاب لا يختص بالقبر فكذلك النعيم، فهو يشمل كل ميت قدر له، قبر أو لم يقبر، ولا يختص بالمؤمنين من هذه الأمة، ولا بالمكلفين. ومن النعيم توسيع القبر، وفتح طاقة فيه من الجنة، وامتلاؤها بالريحان وجعله روضة من رياض الجنة وتنويره حتى يغدو كالقمر ليلة البدر، وكل هذا بما يتناسب مع عالم البرزخ، وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى موسى: تعلم الخير وعلمه الناس، فإني منور لمعلم العلم ومتعلمه قبورهم، حتى لا يستوحشوا لمكانهم. وعن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: \"من نور في مساجد الله نور الله له في قبره\".\rوكل هذا محمول على حقيقته عند العلماء بما يتناسب مع البرزخ والحاصل أن كلاً من السؤال والعذاب والنعيم واجب سمعاً، فهو في حد ذاته أمر ممكن عقلاً، أخبر به الصادق فأضحى واجباً شرعاً، هذا ما عليه أهل السنة وجمهور المعتزلة ولا ينكره إلا ملحد مطموس البصيرة.","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"-كبعث الحشر: البعث عبارة عن إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم بعد جمع الأجزاء الأصلية وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ولو قطعت قبل موته بخلاف التي ليس من شأنها ذلك، كالظفر مثلاً، والحشر عبارة عن سوقهم جميعاً إلى الموقف، وهو الموضع الذي يقفون فيه لفصل القضاء، ووزن الأعمال، ومنه إما إلى جنة أو إلى نار، وهو أرض لم يعص الله عليها، فعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد\". ولا فرق في الحشر من يجازى ومن لا يجازى، كالبهائم والوحوش، على ما ذهب إليه المحققون، وصححه النووي. وذهبت طائفة إلى أنه لا يحشر إلا من يجازى، أما السقط - إن لم ينفخ فيه الروح - فكسائر الأجسام التي لا روح فيها، وأما - إن نفخت فيه - فيحشر ويصير عند دخوله الجنة كأهلها في الجمال والطول. وأول من تنشق عنه الأرض نبينا صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم أتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين\".\rفهو صلى الله عليه وسلم أول مبعوث، وأول وارد للمحشر، وأول من يدخل الجنة وبعده سيدنا نوح، وورد أن بعده أبا بكر، وحمل على أنه بعد الأنبياء. ومراتب الناس في الحشر متفاوتة، فمنهم الراكب وهو المتقي ومنهم الماشي وهو قليل العمل، ومنهم الماشي على وجهه، وهو الكافر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم. قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك\".","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"وعن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه؟ قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا\" وهذا هو أول نوع من أنواع الحشر، وثانيها: صرف الناس من الموقف إلى الجنة والنار، وثالثها في الدنيا: وهو إخراج اليهود من جزيرة العرب إلى الشام وهو المذكور في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ}. ورابعها: سوق النار الخارجة من أرض عدن للكفار وغيرهم قرب قيام الساعة إلى المحشر فتبيت معهم حيث باتوا وتقيل حيث قالوا، فتدور الدنيا كلها، وتطير ولها دوي كدوي الرعد القاصف. فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من الشرق إلى الغرب\". وحكمتها الامتحان والاختبار، فمن علم أنها مرسلة من الله تعالى وانساق معها سلم منها، ومن لم يكن كذلك أحرقته، وبعد سوقها لهم إلى المحشر يموتون بالنفخة الأولى بعد مدة.","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"97 - وَقُلْ يُعَادُ الجُسمُ بالتحقيقِ *** عَنْ عَدَمٍ وَقِيلَ عَن تفريقِ\rوقل يعاد الجسم: ينبغي اعتقاد أن الله تعالى سيعيد الجسم إعادة محققه لا شك فيها بعد عدم، وأن الجسم المعاد هو الجسم الأول بعينه، لا مثله، وليس هذا من قبيل الرأي إنما هو بالدليل، فالجسم ينعدم بالكلية إلا عجب الذنب، ثم يعيده الله تعالى كما أوجده أولاً. قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}. أو يقال: إن الجسم لا تنعدم عينه بل يفرق الله أجزاءه بحيث لا يبقى فيه جوهران فردان على الاتصال. فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن رجلاً كان قبلكم رغسه الله مالاً \"أي أكثر له منه، وبارك له فيه\" فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فإني لم أعمل خيراً قط، فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في ريح عاصف. ففعلوا. فجمعه الله فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: مخافتك، فتلقاه برحمته\". والصحيح أنه ينعدم بالكلية لذا قدمه المصنف جازماً، به وحكى القول الثاني بصيغة التضعيف.\r\r98 - مَحْضَين لكنْ ذا الخلافِ خُصَّا *** بالأنبيا ومن عليهم نُصَّا\rمحضين: أي إن الإعادة بعد عدم محض خالص عن شائبة الوجود أو بعد تفريق محض خالص عن شائبة الاتصال في أجزائه.\r-لكن ذا الخلاف: إن الخلاف الحاصل في الإعادة سواء بعد العدم أو التفريق لا يشمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الأرض لا تأكل أجسامهم ولا تبليها اتفاقاً، وكذلك لا يشمل من نص الشارع الحكيم على أن الأرض لا تأكل أبدانهم كالشهداء، والمؤذنين احتساباً، والعلماء العاملين، وحملة القرآن الملازمين لتلاوته العاملين بما فيه، المعظمين له بضبط لسانهم وطهارتهم، وآدابهم، إلى غير ذلك مما نقل عن الشارع، فإن المسألة توقيفية، والشهيد كل مقتول على الحق ولو لم يكن من شهداء المعركة.","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"99 - وفي إعادةِ العَرَضْ قولانِ *** ورُجِّحَتْ إعادةُ الأعيانِ\rوفي إعادة العرض: ذهب الأكثرون إلى أن العرض يعاد حين إعادة الجسم، ومال إليه الأشعري. ولا فرق بين العرض الذي يطول بقاؤه، كاللون، وبين غيره، كالصوت، وبين ما هو مقدور للعبد كالضرب وبين غيره، كالعلم، فما كان من الأعراض الملازمة للذات من بياض وطول ونحوه فإنه يعاد متعلقاً بها، وما كان من غير ذلك كالكفر والمعاصي والإيمان والطاعة فإنه يعاد مصوراً بصور حسية، فتكون حسنة من الحسنات وقبيحة في السيئات، هذا هو الظاهر. وهذه الإعادة ليست دفعة واحدة بل هي على التدريج حسبما كانت في الدنيا، لكنها تمر كلمح البصر، وربك على كل شيء قدير. قال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}، والتفويض في مثل هذه المواطن أفضل. وذهب بعض أصحابنا إلى امتناع إعادة العرض مطلقاً، فقالوا يوجد الجسم بعرض آخر، إذ لا ينفك جسم عن عرض ما، لكن الراجح إعادة الأعراض بأعيانها وهي التي كانت في الدنيا.\r\r100 - وفي الزَّمَنْ قولانِ والحِسَابُ *** حَقٌّ، وما في حقٍّ ارْتِيَابُ\rوفي الزمن قولان: الأرجح أن جميع أزمنة الأجسام التي مرت عليها في الدنيا تعاد لتشهد للإنسان وعليه، بما أوقع فيها من الطاعات والآثام، لكنها إعادة على التدريج حسبما مرت في الدنيا وإن كانت في الآخرة أسرع. ومال بعضهم إلى امتناع إعادة الأزمان لبطلان اجتماع المتنافيات كالماضي والحال والاستقبال. وهذا مدفوع بأن الإعادة تدريجية.","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"-والحساب حق: أي ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وهو توقيف الله الناس على أعمالهم خيراً كانت أو شراً، قولاً كان أو فعلاً، بعد أخذهم كتبها، ويشمل الحساب المؤمن والكافر من الإنس والجن، إلا من استثنى الله تعالى منهم، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثياته\".\rفمن كان أدنى إلى الرحمة أدخل الجنة بلا حساب، ومن كان من الكافرين أكفى إلى الغضب، أدخل النار بلا حساب، ثم طائفة ثالثة توقف للمحاسبة، فقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:\rسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من نوقش الحساب عذب. فقلت: أليس يقول الله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} قال: إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك\".\rوقد اختلف في المراد من توقيف الله الناس على أعمالهم، فقيل: هو أن يخلق الله تعالى في قلوبهم علوماً ضرورية بمقادير أعمالهم في الثواب والعقاب، وهذا قول الفخر. وقيل: إن المراد أن يوقفهم بين يديه سبحانه، ويؤتيهم كتب أعمالهم، وفيها سيئاتهم وحسناتهم، وهذا القول منقول عن ابن عباس وفيه قصور، لأن الحساب غير قاصر على هذا المقدار إذ ورد أن الكافر ينكر فتشهد عليه جوارحه.\rقال تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: \"كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهداً إلا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً والكرام الكاتبين شهوداً. قال: فيختم على فيه، ويقول لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام، فيقول بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل\". وورد أن الأرض تشهد كذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها\".","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"وقيل: المراد به أن يكلمهم في شأن أعمالهم وكيفية مالها من الثواب وما عليها من العقاب فيسمعهم كلامه القديم وهذا ما تشهد له الأحاديث الصحيحة. فعن علي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة، وليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى شيئاً إلا شيئاً قدمه ثم ينظر أشأم منه فلا يرى شيئاً، إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار. قال صلى الله عليه وسلم: من استطاع منكم أن يقي وجهه حر النار ولو بشق تمرة فليفعل\" ولا يشغله سبحانه محاسبة أحد عن أحد بل يحاسب الناس جميعاً معاً، حتى أن كل أحد يرى أنه المحاسب وحده وكيفية الحساب مختلفة، فمنه اليسير والعسير، والسر والجهر، والتوبيخ والفضل والعدل، وحكمته إظهار تفاوت المراتب في الكمال، وفضائح أهل النقص، ففيه ترغيب في الحسنات وزجر عن السيئات. ولا ينبغي الشك فيه لأنه حق، وما في حق ارتياب، ورد عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى \"يريد مناجاة الله تعالى للعبد يوم القيامة\"؟ قال: سمعته يقول: \"يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله\".","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"101 - فالسيئاتُ عِنْدَهُ بالمثلِ *** والحسناتُ ضُوْعِفَتْ بالفَضْلِ\rفالسيئات عنده بالمثل: أي يجازي الله على السيئات بعقاب يليق بها، إن جازى عليها، وله أن يعفو عنها إن لم تكن كفراً، إلا خلد صاحبه في النار، والسيئة ما يذم فاعلها عليها شرعاً، صغيرة كانت أو كبيرة. وسميت سيئة لأن فاعلها يساء عند المقابلة عليها يوم القيامة. والمراد بها التي عملها العبد حقيقة، أو حكماً بأن طرحت عليه لظلامة اجترحها بعد نفاد حسناته، فإنه يؤخذ من حسنات الظالم ويعطى للمظلوم، فإذا نفدت حسنات الظالم طرح عليه من سيئات المظلوم، ثم قذف بالظالم في النار. قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هل تدرون من المفلس؟ قلنا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا دينار، ولا متاع. قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار\". أما الحسنات فيضاعفها الله تعالى بفضله، إذ لا يجب عليه ذلك. والحسنة ما يمدح فاعلها عليها شرعاً، وسميت حسنة لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها يوم القيامة، والمراد الحسنات المقبولة المعمولة للعبد أو ما في حكمها بأن عملها عنه غيره كما إذا تصدق غيره عنه بصدقة. أما الحسنات المأخوذة نظير ظلامة فلا تضاعف. والحسنات المردودة ما خالطها الرياء، فهذه لا ثواب فيها أصلاً. والحسنة التي يهم الإنسان بفعلها ولكنه لا يفعلها تكتب حسنة واحدة من غير تضعيف. والتضعيف من خصائص هذه الأمة، أما غيرها من الأمم فحسنتهم بحسنة واحدة. وأقل مراتب التضعيف عشر مراتب، وقد تضاعف إلى سبعين، إلى سبعمائة، أو أكثر من غير انتهاء إلى حد تقف عنده. وتفاوت هذه المراتب إنما هو تبع لما يقترن بالحسنة من إخلاص، وحسن نية.","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"102 - وَباجْتِنَابٍ لِلْكبَائرْ تُغْفَرُ *** صَغَائِرٌ وَجَا الوُضُو يُكَفِّرُ\rوباجتناب للكبائر: الكبائر هي الذنوب العظيمة من حيث المؤاخذة بها، والمراد أن باجتناب الكبائر تكفر الذنوب الصغائر، سواء اجتنبها فلم يقترفها أصلاً، أو تاب منها بعد فعلها، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. والسيئات هي الصغائر. قال صلى الله عليه وسلم: \"ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام\". قال أبو هريرة: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"والذي نفسي بيده، ثلاث مرات، ثم أكب، فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشرى، وكان أحب ألينا من حمر النعم، فقال: الحديث السالف\". والسبع ليست بقيد بل غيرها من الكبائر مثلها. والمراد بها الموبقات السبع. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\". وفي حديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر\". ولكن ذهب أئمة الكلام إلى أن ترتب التفكير على الاجتناب غير قطعي، وهو الحق، بخلاف من قال بأنه قطعي، كالمعتزلة وجماعة من الفقهاء والمحدثين. وغفران الذنب هو عدم المؤاخذة به إما بستره عن أعين الملائكة مع بقائه في الصحيفة، وإما بمحوه. وحكى بعضهم: أن الستر هو الصحيح عند المحققين.","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"-وجا الوضو يكفر: وقد جاء في السنة أن الوضوء يكفر الذنوب. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط\". وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه، حتى تخرج من تحت أظفاره\". وفي الحديث أيضاً، عن عثمان أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه\". يعني لا يحدث نفسه بسوء، والتكفير غير متوقف على الصلاة لأن ذكرها - هنا - إنما هو للترغيب في سنة الوضوء ليزيد ثوابه، فعن عثمان رضي الله عنه قال: \"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة\".","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"والحاصل أن التكفير غير مقصور على اجتناب الكبائر بل يحصل بالوضوء والصلوات والصوم والحج المبرور. والذنوب كالأمراض، والطاعات كالأدوية، فلكل ذنب طاعة تكفره، كما أن لكل داء دواء ينجع فيه، كما يدل له حديث: \"إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صوم ولا صلاة ولا جهاد وإنما يكفرها السعي على العيال\". فلا يرد أنه إذا كفر الوضوء الصغائر فلا يبقى للصيام وغيره ما يكفر. هذا في الذنوب المتعلقة بحق الله تعالى. أما ما يتعلق بحقوق الآدميين فلا بد فيها من المقاصة بأن يؤخذ من حسنات الظالم فتعطى للمظلوم. لكن ورد عن أنس بن مالك مرفوعاً: \"من تلا {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مائة ألف مرة، فقد اشترى نفسه من الله، ونادى مناد من قبل الله تعالى في سماواته، في أرضه: ألا إن فلانا عتيق الله، فمن له قبله تبعة فليأخذها من الله عز وجل\". فهذه هي العتاقة الكبرى إذ تشمل الكبائر أيضاً. ومن جملة المكفرات الغزو، فقد ورد \"أن الغزو في البر يكفرها إلا التبعات، وفي البحر يكفرها حتى التبعات\". فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يغفر الله للشهيد كل شيء إلا الدين\"، وعن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال. فقام رجل فقال يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله: نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك\". وعن عمران بن حصين قال: \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غزا في سبيل الله غزوة في البحر -والله أعلم بمن يغزو في سبيله- فقد أدى إلى الله طاعته كلها، وطلب الجنة كل مطلب، وهرب من النار\rكل مهرب\".","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"103 - واليومُ الآخِرُ ثمَّ هَوْلُ الموقِفِ *** حَقٌّ فَخَفِّفْ يا رحيمٌ واسْعِفِ\rواليوم الآخر: إن أول اليوم الأخر من وقت الحشر إلى مالا يتناهى على الصحيح. وقيل حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وإنما سمي آخراً لأنه متصل بآخر أيام الدنيا لا أنه آخرها. وسمي يوم القيامة لقيام الناس فيه من قبورهم بين يدي خالقهم، ولقيام الحجة لهم أو عليهم. وله أسماء نحو الثلاثمائة. واليوم الآخر حق مثل الهول الحاصل فيه وإن الناس ينالهم من الشدائد في الموقف الشيء الكثير. فطوله ألف سنة، وقيل: خمسون ألفاً، ولا تنافي لأن العدد لا مفهوم له، فيطول على الكفار، قال الحسن: مقداره خمسين ألف سنة، لا يأكلون فيها أكلة ولا يشربون فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشاً واحترقت أجوافهم جوعاً، انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية، قد آن حرها، واشتد لفحها، فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به كلم بعضهم بعضاً في طلب من يكرم على مولاه ليشفع في حقهم، فلم يتعلقوا بنبي إلا دفعهم. ويتوسط على الفساق. ويخفف على الطائعين حتى يكون كصلاة ركعتين، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يَهُونُ ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب\". وروي أيضاً بلفظ: \"إن الله ليخفف على من يشاء من عباده طوله كوقت صلاة مفروضة\". وفيه يلجم الناس بالعرق الذي هو أنتن من الجيفة فيبلغ آذانهم ويذهب في الأرض سبعين ذراعاً. ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم\". والناس في العرق على قدر أعمالهم، ففي الحديث: \"تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه\". وفيه سؤال الملائكة لهم عن أعمالهم وتفريطهم فيها: قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ}. وفيه شهادة الألسنة والأيدي والأرجل والسمع والجلد والأرض والليل والنهار والحفظة. أما الأنبياء والأولياء وسائر الصلحاء فهم عن كل هذا مبعدون. قال تعالى فيهم: {لَا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ}. فهم آمنون من عذاب الله تعالى، لكنهم يخافون خوف إجلال وإعظام.\r-ويجب الإيمان بعلامات اليوم الآخر المتواترة، فهي حق ثابت كثبوت اليوم الآخر، وعلاماته الصغرى، منها ما قد وقع، ومنها ما لم يقع. وأما الكبرى فهي عشر علامات، قال حذيفة بن أسيد الغفاري: \"اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان. والدجال. والدابة. وطلوع الشمس من مغربها. ونزول عيسى بن مريم. ويأجوج ومأجوج. وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب. وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\".\r-ومنها رفع القرآن من المصاحف والصدور وخراب الكعبة بعد موت عيسى على يد الحبشة، ورجوع أهل الأرض كلهم كفاراً. والحاصل أن العلامات الكبرى متتابعة، فما أن تظهر واحدة حتى تتبعها بقية العلامات الأخر، وقد ورد عن عبد الله بن عمرو رفعه: \"الآيات - أي العلامات الكبرى لقيام الساعة - خرزات منظومات في سلك، إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضاً\".","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"104 - وواجبٌ أَخْذُ العِبَادِ الصُّحُفَا *** كما مِنَ القُرآن نَصَّا عُرِفَا\rوواجب أخذ العباد الصحفا: إن أخذ الصحف واجب لوروده بالكتاب والسنة ولانعقاد الإجماع عليه، فمن أنكره كفر، والصحف هي الكتب التي كتبت فيها الملائكة ما فعله العباد في الدنيا، ولكل مكلف صحيفة واحدة يوم القيامة، وإن كانت متعددة في الدنيا كما يدل عليه حديث: \"ما من مؤمن إلا وله كل يوم صحيفة، فإذا طويت وليس فيها استغفار، طويت وهي سوداء مظلمة، وإذا طويت وفيها استغفار، طويت ولها نور يتلألأ\". فقيل: تنسخ كلها في صحيفة واحدة. وظواهر الآيات والأحاديث شاهدة بعمومه لجميع الأمم ما خلا الأنبياء والملائكة والداخلين إلى الجنة بغير حساب، ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كما أنه لا ميزان لهم كذلك، لأن الميزان فرع من الحساب. ورد أن كل أحد يدعى فيعطى كتابه، وورد أن الريح تطير الصحف من خزانة تحت العرش فلا تخطئ صحيفة عنق صاحبها، فحمل هذا على تعلق الصحف بالأعناق بالريح، والخبر الثاني على أن الملائكة تنادي كل واحد وصحيفته في عنقه، فتنزع الصحيفة منه ثم تعطيه إياها في يده. فالمؤمن المطيع يأخذها بيمينه، والكافر بشماله من وراء ظهره، والمؤمن من الفاسق -جزم الماوردي- بأنه يأخذ صحيفته بيمينه، وقال: هو المشهور، ثم قال بالوقف، وأنه لا طائل بأنه يأخذه بشماله. وأول من يعطى كتابه بيمينه، مطلقاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعده أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد. وأول آخذ له بشماله أخوه الأسود بن عبد الأسد لأنه أول المبادرين للنبي صلى الله عليه وسلم للحرب يوم بدر. وروى أنه يمد يده ليأخذه بيمينه فيجذبه الملك فيخلع يده. فيأخذه بشماله من وراء ظهره. وقد جاء أخذ الصحف منصوصاً عليه في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَؤُوا كِتَابِيه، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَه}. فالأول جازم باللقاء، فرح بالإعطاء والثاني مبلس متحسر. وظاهر كلامهم أن القراءة حقيقية، وهو الراجح. وقيل: مجاز عن علم كل أحد بما له وما عليه، لكن من الآخذين من لم يقرأ كتابه ذهولاً ودهشة لما فيه من قبائح، والمؤمن يأتيه كتابه أبيض بكتابة بيضاء، فيأخذه بيمينه فيقرأه فيبيض وجهه، والكافر يأتيه أسود فيسود وجهه بعد قراءته.","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"105 - وَمِثْلُ هَذا الوَزْنُ والميزانُ *** فَتُوْزَنُ الكُتْبُ أوِ الأعْيانُ\rومثل هذا الوزن: أي وزن أفعال العباد والميزان مما يجب اعتقاده، كأخذ العباد الصحف. قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام يقول الله تعالى: {يا جبريل زن بينهم، فرد من بعض على بعض}.\r-والميزان: هو ميزان واحد على الراجح له قصبة وعمود وكفتان، كل منهما أوسع من أطباق السماوات والأرض، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه وميكائيل أمين عليه، ومحله بعد الحساب. وقيل لكل عامل موازين يوزن بكل منها صنف من عمله. ودليل الوزن والميزان سمعي: قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ}، ولقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، وقوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}. والجمع في قوله الموازين إنما هو للتعظيم على المشهور من أنه ميزان واحد لجميع الأمم، ولجميع الأعمال. واختلف بالمراد من الثقل والخفة، فقيل: على صورته في الدنيا، وقيل: على عكس صورته في الدنيا فالثقيل يصعد والخفيف ينزل. وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، فيجب الإيمان به، ونمسك عن تعيين حقيقته، وقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: \"ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قلت: ذكرت النار فبكيت. فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً، عند الميزان، حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف، حتى يعلم أين يقع كتابه، في يمينه، أم في شماله، أم وراء ظهره، وعند الصراط، إذا وضع بين ظهري جهنم، حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثير، يحبس الله بها من يشاء من خلقه، حتى يعلم أينجو أم لا\".","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"ولا مانع من وزن سيئات الكفار ليجاوزا عليها بالعقاب. قال ابن عباس رضي الله عنهما: توزن الحسنات والسيئات في ميزان، له لسان وكفتان. فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفة الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}. ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه حتى يقع في النار.\rوأما قوله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً}. فمعناه: فلا نقيم لهم وزناً نافعاً. قال عبيد بن عمير: يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، وعقَّب القرطبي على هذا بقوله إن هذا لا يقال من جهة الرأي وقد ثبت معناه مرفوعاً في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا إن شئتم: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً}. وقد يرد أن وزن أعمال المؤمنين ظاهر لتقابل الحسنات والسيئات، أما وزن سيئات الكفار فغير ظاهر، لانعدام الحسنات المقابلة للسيئات. فيجاب: بأنه قد يكون منهم صلة رحم ومواساة، ونحوها من الأعمال التي لا تتوقف صحتها على نية فتجعل هذه الأمور -إن صدرت منهم- في مقابلة سيئاتهم، ما خلا الكفر. أما الكفر فلا فائدة في وزنه، لأن عذابه دائم، وقد ورد في كلام القرطبي ما يدل على أنه يوزن حيث قال: فتجمع له هذه الأمور وتوضع في ميزان الكافر فيرجح الكفر بها.","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"-فتوزن الكتب: اختلف العلماء في الموزون فذهب جمهور المفسرين، إلى أن الموزون هي الكتب المشتملة على أعمال العباد بناء على أن الحسنات مميزة بكتاب، والسيئات بآخر، وقد قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد، ويشهد له حديث البطاقة وهو ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إن الله تعالى يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يارب فيقول: أفلك عذر؟ قال: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى إنّ لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتُخْرَجُ بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: إحضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فقال: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء\".\rوهذا ليس لكل عبد بل لعبد أراد الله به خيراً. وذهب بعضهم إلى أن الموزون أعيان الأعمال، فتصور الأعمال الصالحة بصورة حسنة نورانية، ثم تطرح في كفة النور، وهي اليمنى، فتثقل بفضل الله سبحانه. وتصور الأعمال السيئة بصورة قبيحة ظلمانية، ثم تطرح في كفة الظلمة، وهي الشمال، فتخف. وهذا في المؤمن. أما الكافر فتخف حسناته وتثقل سيئاته بعدل الله سبحانه وتعالى. وقيل: قد يوزن الشخص نفسه، لأنه ورد أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان يصعد نخلة فضحك الصحابة من حمش ساقه \"أي دقتها\" فقال لهم صلى الله عليه وسلم: \"تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض\". فدل هذا على أن الأشخاص توزن. وفائدة الوزن جعله علامة لأهل السعادة والشقاوة، وتعريف العباد بما لهم وعليهم من الخير والشر وإقامة الحجة عليهم.","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"106 - كذا الصِّراطُ، فالعِبَادُ مُخْتلِفْ *** مُرورُهُمْ، فسالمٌ وَمُنْتَلِفْ\rكذا الصراط: الصراط في وجوب الإيمان به، لورود الدليل السمعي، مثل أخذ العباد الصحف ومثل الوزن والميزان. ومعناه - لغة - الطريق الواضح، لأنه يصرط المارة أي يبتلعهم، وشرعاً: هو جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون حتى الكفار. إلا أن الحليمي ذهب إلى أنهم لا يمرون، ويجوز أنه قصد بالكفار الذين لا يمرون من تلقي بهم الملائكة في النار من الموقف. وكل من يمر ساكت إلا الأنبياء يقولون: \"اللهم سلِّم سلِّم\". كما في الصحيح فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف، تختطف الناس يميناً وشمالاً، وعلى جنبتيه ملائكة يقولون: اللهم سلم، اللهم سلم، فمن الناس من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس المجرى، ومنهم من يسعى سعياً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من يزحف زحفاً. فأما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون، وأما ناس فيؤخذون بذنوب وخطايا فيحترقون، فيكونون فحماً، ثم يؤذن في الشفاعة ..\".","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجيز بأمته من الرسل، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم، اللهم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان. هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، يختطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو ..\". وفي بعض الروايات \"أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف\" وهو المشهور. ونازع في ذلك العز بن عبد السلام والشيخ القرافي، وغيرهما كالبدر الزركشي. قالوا: على فرض صحة ذلك فهو محمول على غير ظاهره، بأن يؤول: بأنه كناية عن شدة المشقة، وحينئذ فلا ينافي ما ورد في الأحاديث الدالة على قيام الملائكة على جنبيه، وكون الكلاليب فيه. وزاد القرافي: والصحيح أنه عريض، وفيه طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات، كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم. وقال بعضهم: إنه يدق ويتسع بحسب ضيق النور وانتشاره. فعرض صراط كل أحد بقدر انتشار نوره فإن نور كل إنسان لا يتعداه إلى غيره. ومن هنا كان دقيقاً في حق قوم، عريضاً في حق آخرين. وطوله ثلاثة آلاف سنة، ألفٌ صعود، وألفٌ هبوط، وألفٌ استواء.","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"وفي كلام الشيخ محي الدين بن عربي ما يفيد عدم التعويل على ظاهر هذه الآلاف، مع أن مآله الامتداد للعلو حتى يوصل للجنة، فإنها عالية جداً. وأفاد الشعراني: أنه لا يوصل لها حقيقة بل يوصل لمرجها الذي فيه الدرج الموصل لها، قال: ويوضع لهم -ثمة- مائدة، ويقوم أحدهم فيتناول مما تدلى هناك من ثمار الجنة. وقد ورد به الكتاب والسنة: قال تعالى: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} قال صلى الله عليه وسلم: \"يجمع الله الناس... إلى أن قال: فيأتون محمداً، فيقوم ويؤذن له، وترسل معه الأمانة والرحم فيقومان على جنبتي الصراط، يميناً وشمالاً. فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم صلى الله عليه وسلم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجئ الرجل فلا يستطيع السير إلا زاحفاً، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوش في النار\" قال راوي الحديث: \"والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفاً\".","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"وجبريل في أول الصراط، وميكائيل في وسطه يسألان الناس عن عمرهم، فيم أفنوه؟ وعن شبابهم فيم أبلوه؟ وعن علمهم ماذا عملوا به. وقد كان عبد الله بن رواحة واضعاً رأسه في حجر امرأته فبكى فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ولا أدري أنجو منها أم لا؟ وعن أنس رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال: أنا فاعل إن شاء الله تعالى. قلت: فأين أطلبك؟ قال: أول ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن\". وتفاوتهم في المرور إنما هو بحسب تفاوتهم في الإعراض عن حرمات الله تعالى، فمن كان منهم أسرع إعراضاً عما حرم الله كان أسرع مروراً في ذلك اليوم. وإنما الحكمة من المرور على الصراط، ظهور النجاة من النار وتحسر الكفار، بفوز المؤمنين بعد اشتراكهم في المرور.\r\r107 - والعَرْشُ والكُرْسيُّ ثَّم القَلَمُ *** والكاتبونَ اللوحُ كُلٌّ حِكَمُ\rوالعرش: هو جسم عظيم نوراني علوي. والأولى الإمساك عن القطع بتعيين حقيقته، لعدم العلم بها. فهو مما يجب الإيمان بوجوده لوروده بالدليل السمعي قال تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}.\r-والكرسي: وهو جسم عظيم نوراني تحت العرش ملتصق به فوق السماء السابعة، بينه وبينها مسيرة خمسمائة عام كما نقل عن ابن عباس، والأولى أن نمسك عن الجزم بتعيين حقيقته لعدم العلم بها. وهو غير العرش، خلافاً للحسن البصري. قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"-ثم القلم: هو جسم عظيم نوراني خلقه الله، وأمره بكتب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. والأولى أن نمسك عن الجزم بتعيين حقيقته.\r-والكاتبون: أقسام ثلاثة، كاتبون على العباد أعمالهم في الدنيا. وكاتبون من اللوح المحفوظ ما في صحف الملائكة الموكلين بالتصرف في العالم كل عام. وكاتبون من صحف الملائكة كتاباً يوضع تحت العرش.\r-اللوح: ليس اللوح معمولاً للملائكة الكاتبين، كما قد يتوهم. بل القلم يكتب فيه بمجرد القدرة، وهو جسم نوراني، كتب فيه القلم بإذن الله تعالى ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وهو يكتب فيه الآن، على التحقيق من أنه يقبل المحو والتغيير. ونمسك عن الجزم بحقيقته.\r-كل حكم: لكل واحد من المذكورين حكم يعلمها الله تعالى، وإن قصرت عقولنا عن الوقوف عليها، والحكمة هي الأمر الصائب، وهو سر العقل، وفائدته المترتب عليه.\r\r108 - لا لاحتياجٍ وبها الإيمانُ *** يجبْ عَلَيكَ أيَّها الإنْسَانُ\rلا لاحتياج: أي لم يخلق الله تعالى الأمور المسرودة لحاجة، كيف وهو الغني عن العالمين غنى مطلقاً، لا يخدشه شيء. فلم يخلق العرش للارتقاء، ولا الكرسي للجلوس، ولا القلم لاستحضار ما غاب عن علمه، إذ لا يغيب عن علمه سبحانه وتعالى شيء، وقد كان سبحانه ولم يكن عرش ولا كرسي، فقد ورد: \"كان الله ولا شيء معه\" ولم يخلق الكاتبين ولا اللوح لضبط ما يخاف نسيانه.\r-وبها الإيمان يجب: فهذه المذكورات يجب على المكلف أن يؤمن بها كغيرها من كل ما ثبت بصحيح الأحاديث، كالحجب، والأنوار. فالإيمان بها واجب شرعي. غير أن الحجاب هو ما يعتري الإنسان من كدورات نتيجة إقباله على الدنيا عن غير طريق الشرع.","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"109 - والنارُ حقٌّ أُوجدَتْ كالجنَّه *** فلا تَمِلْ لجاحدٍ ذي جِنَّه\rوالنار حق أوجدت: النار التي هي دار العذاب ثابتة بالكتاب والسنة، واتفاق علماء الأمة. أوجدها الله تعالى فيما مضى كالجنة التي هي دار الثواب. فالنار حق كالجنة، وهما موجودتان الآن، لا كما زعمه أبو هاشم وعبد الجبار من المعتزلة من أنهما توجدان يوم القيامة. والدليل قصة آدم وحواء على ما جاء به القرآن الكريم والسنة الشريفة وانعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالف. ولا حاجة تدفع إلى تأويل الجنة الواردة في القرآن الكريم ببستان على ربوة، والإخراج منها هو إنزال إلى بطن الوادي. فهذا التأويل إلحاد في الدين. ولم يرد نص صريح في تعيين مكانهما، كما في شرح المقاصد. إلا أن الكثيرين على أن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، وأن النار تحت الأرضين السبع. والحق تفويض علم ذلك إلى اللطيف الخبير.\rوروي أن طِباقَ النارِ سبعٌ، أعلاها جهنم -وهي لمن يعذب على قدر ذنبه من المؤمنين، وتصير خراباً بخروجهم منها- وتحتها لظى لليهود ثم الحطمة للنصارى، ثم السعير للصابئين، ثم سقر للمجوس، ثم الجحيم لعبدة الأصنام، ثم الهاوية للمنافقين. \"والنار أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة كالليل المظلم\". وحرها هواء محرق، ولا جمر لها سوى بني آدم والأحجار المؤلهة من دون الله قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"واختلف في الجنة هل هي سبع جنات متجاورات، أو أربع، أو جنة واحدة؟ فذهب ابن عباس إلى أنها سبع، أفضلها وأوسطها الفردوس وهي أعلاها، والمجاورة لا تنافي العلو، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تتفجر أنهار الجنة، ويليها في الأفضلية \"عدن\" ثم \"الخلد\" ثم \"النعيم\" ثم \"المأوى\" ثم \"دار السلام\" ثم \"دار الجلال\" وكلها متصلة بمقام الوسيلة لتنعيم أهل الجنة بمشاهدته صلى الله عليه وسلم لظهوره لهم منها، لأنها تشرف على أهل الجنة، كما أن الشمس تشرق على أهل الدنيا. ورجح جماعة أنها أربع لقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ثم قال: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} فالأوليان جنة النعيم وجنة المأوى، والأخريان جنة عدن وجنة الفردوس. وذهب الجمهور إلى أنها واحدة، وهذه الأسماء كلها جارية عليها لتحقق معانيها فيها، إذ يصدق على الجميع جنة عدن، فالعدن الإقامة. وجنة المأوى، لأنها مأوى المؤمنين وجنة الخلد، ودار السلام لأن جميعها للخلود والسلامة من كل خوف وحزن. وجنة النعيم، لأنها كلها مشحونة بأصنافه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أهل الجنة ليتراءَون الغرف في الجنة كما تراءَون الكوكب في السماء\". \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق، أو المغرب لتفاضل ما بينهم\" قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: \"بلى، والذي نفسي بيده، رجال أمنوا بالله وصدقوا المرسلين\"،\r-فلا تمل لجاحد: أي لا تصغ لقول منكرهما لكفره كالفلاسفة أو منكر لوجودهما فيما مضى لبدعته كأبي هاشم وعبد الجبار من المعتزلة لأن إنكارهما لا يكاد يصدر عن ذي عقل، إذ يؤدي إلى إحالة ما علم من الدين بالضرورة.\r\r110 - دارَاْ خُلُودٍ للسَّعيدِ والشَّقِيْ *** مُعَذَّبٍ مُنَعَّمٍ مَهْمَا بَقِيْ.","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"110 - دارَاْ خُلُودٍ للسَّعيدِ والشَّقِيْ *** مُعَذَّبٍ مُنَعَّمٍ مَهْمَا بَقِيْ\rدارا خلود: أي إن الجنة والنار دارا بقاء مؤبد. وقد كفر الجهمية القائلين بفنائهما وفناء أهلهما، لمخالفتهم الكتاب والسنة. فالجنة دار خلود للسعيد منعم فيها، وهو من مات على الإسلام. والنار دار خلود للشقي معذب فيها وهو من مات على الكفر. أما عصاة المؤمنين فدار خلودهم الجنة، إذ أنهم لا يلبثون في النار إن دخلوها إلا مدة لا يدوم فيها عذابهم، إذ أنه يلقى عليهم الموت بعد الدخول بمدة ما يعلم إلا الله مقدارها، فلا يحيون حتى يخرجوا منها. والمراد بموتهم فقدان الإحساس بألم العذاب فحسب وإن اختار بعضهم الموت الحقيقي. عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم\" أو قال: بخطاياهم\" فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة. فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الجنة تكون في حميل السيل\".","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية وينبغي ألا يغتر بهذا، إذ يكفي أنهم لا يدخلون الجنة مع الداخلين، بله عذاب القبر. ويدخل في الشقي الكافر الجاهل والمعاند، ومن بالغ في النظر فلم يصل إلى الحق وترك التقليد الواجب عليه. وأولاد المشركين في الجنة على الصحيح، ولا فرق في السعادة والشقاوة بين إنسي وجني كما أن الخلود لازم للسعيد والشقي. وأما قوله تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيد، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} فالمراد هنا بالسماوات والأرض سقف النار وأرضها وسقف الجنة وأرضها لا السماء والأرض في الدنيا، لتبدلهما. ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار. ثم يذبح ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم. ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم\" روي عن ابن عمر.\rوللعذاب أنواع هائلة، منها الزمهرير والحيات والعقارب، وأشدها الحجاب عن الله سبحانه. روي عن ابن عباس أنه قال: \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف من يكون طعامه ذلك\".","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"وعن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أدنى أهل النار عذاباً يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه\". وفي النعيم أنواع أعلاها رؤية وجه الله تعالى الكريم وما نقل من أن أهل النار يلتذون بالعذاب حتى لو ألقوا في الجنة لتألموا، مدسوس على القوم كيف؟ وقد قال تعالى: {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً}.\r-فائدة: الناس في الموقف على حالتهم التي ماتوا عليها. ثم يدخل المؤمنون الجنة جرداً مرداً أبناء ثلاث وثلاثين سنة، طول كل واحد منهم ستون ذراعاً وعرضه سبعة أذرع، ثم لا يزيدون ولا ينقصون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً\". وقال صلى الله عليه وسلم: \"أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدّ كوكب دري في الإضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة \"عود الطيب\" أزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء\". أما أجسام الكفرة فمختلفة المقادير حتى ورد أن ضرس الكافر في النار مثل أحد وفخذه مثل ورفان -وهما جبلان في المدينة- ليتحملوا العذاب الأليم. قال صلى الله عليه وسلم: \"ضرس الكافر في النار مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث وقال أيضاً: .. وعرض جلده سبعون ذراعاً، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة وقال: ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع، وقال:....وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قديد ومكة، وكثافة جسده اثنان وسبعون ذراعاً بذراع الجبار.\r","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"111 - إيمانُنَا بحوضِ خَيرِ الرُّسْلِ *** حَتْمٌ كَمَا قَدْ جَاءَنَا في النَّقلِ.\r\r111 - إيمانُنَا بحوضِ خَيرِ الرُّسْلِ *** حَتْمٌ كَمَا قَدْ جَاءَنَا في النَّقلِ\rإيماننا بحوض: أي يجب إيماننا بالحوض الذي يعطاه أفضل المرسلين في الآخرة لكن لا يكفر من أنكره. بل يفسق. وقد نفته المعتزلة. وهو جسم مخصوص كبير متسع الجوانب، يكون على الأرض المبدلة وهي الأرض البيضاء كالفضة. من شرب منه لا يظمأ أبداً ترده هذه الأمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبداً\". وورد أن لكل نبي حوضاً ترده أمته. وتخصيص حوض نبينا صلى الله عليه وسلم إنما لوروده بالأحاديث البالغة مبلغ التواتر، بخلاف غيره لوروده بالآحاد. ففي الصحيح من حديث أبي ذر قال: \"قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية، من شرب منه لم يظمأ، يَشْخَبُ فيه ميزابان من الجنة، عرضه مثل طوله، ما بين عُمان وأيْلة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل\".\rوعن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إني لَبِعُقْرِ حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرقُضَ عليهم، فَسُئِلَ عن عرضه؟ فقال: من مقامي إلى عُمان، وسئل عن شرابه، فقال: أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل يَغُتُّ فيه ميزابان يُمِدَّانِه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق\".","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"وما جاء من روايات تعين غير هذا فإنما تعود إلى أنه سبحانه تفضل على الرسول صلى الله عليه وسلم باتساعه شيئاً فشيئاً، فأخبر أولاً بالمسافة القصيرة ثم بالطويلة. وقد ورد أن حوضه صلى الله عليه وسلم أعرض الأحواض، فعن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارداً. وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً\".\rوللحوض لون كل شراب الجنة، وطعم كل ثمارها، وقد بين صلى الله عليه وسلم في أول الوارد إليه وفيمن يطرد عنه. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"حوضي كما بين عدن وعُمان. أبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك.... إلى أن قال: أول الناس عليه وروداً صعاليك المهاجرين. قال قائل: من هم يا رسول الله؟ قال: الشَّعِثَةِ رؤوسُهم، الشَّحِبَة وجوههم الدنِسَة ثيابهم، لا تفتح لهم السُّدُد، ولا يِنْكِحون المنعمات، الذين يعطون كل الذي عليهم ولا يأخذون كل الذي لهم\".\rوعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"بينا أنا قائم على الحوض، إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم؟ فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القَهْقَرى، ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم هلم، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَلِ النعم\". وقال أيضاً: ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبي الله، تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون عليَّ غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون. فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟\".","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"وذهب الجمهور إلى أنه قبل الصراط، وصححه بعضهم، لأن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً فيردون الحوض للشرب منه، وعلى كل فإن الجهل بكونه قبل الصراط أو بعده لا يضر.\r\r112 - يَنَالُ شُرْباً منهُ أقوامٌ وَفَوا *** بعهدهِم وَقُلْ يُذَادُ مَنْ طَغَوا.\r\r112 - يَنَالُ شُرْباً منهُ أقوامٌ وَفَوا *** بعهدهِم وَقُلْ يُذَادُ مَنْ طَغَوا\rينال شرباً: المراد بالأقوام الذين يتعاطون الشرب من الحوض الذكور والإناث. ويختلف الحال في الشرب، فشارب دفعاً للظمأ وشارب للتلذذ، ومنهم يشرب لتعجيل المسره، وأطفال المسلمين حول الحوض وعليهم أقبية الديباج، ومناديل من نور وبأيديهم أباريق الفضة وأقداح الذهب يسقون آبائهم وأمهاتهم إلا من سخط في فقدهم فلا يؤذن لهم بسقياه.\r-وفوا بعهدهم: والوفاء بالعهد هو القيام بحق الميثاق المأخوذ حين أخرج الله تعالى من ظهر آدم ذريته، وأشهدهم على أنفسهم. {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}. وأول من قال: \"بلى هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل أمة ترد حوض نبيها إن وفت بالعهد، غير أن الظالمين لأنفسهم، بأن غيروا وبدلوا العهد، يطردون عن الحوض فيشمل الطرد كل مرتد، ومحدث في الدين، ومخالف للجماعة -كالخوارج، والروافض، والمعتزلة على اختلاف فرقهم- وكل ظالم جائر، وكل معلن للكبائر مستخف بالمعاصي، وكل مبتدع. بيد أن المبدل لدينه بالردة خالد في نار جهنم أبد الآبدين ودهر الداهرين. والمبدل لدينه بالمعاصي ففي مشيئة الله، إما أن يعذبه وإما أن يغفر له. والذي عليه المحققون أن الكفار إنما يطردون طرد حرمان، فلا يذوقونه أبداً، والعصاة إنما يطردون طرد عقوبة ثم يشربون منه قبل دخولهم النار على الصحيح.\r\r113 - وَوَاجِبٌ شَفَاعَةُ المُشفَّعِ *** محمدٌ مقدَّماً لا تَمْنَعِ.\r","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"113 - وَوَاجِبٌ شَفَاعَةُ المُشفَّعِ *** محمدٌ مقدَّماً لا تَمْنَعِ\rوواجب شفاعة: أي وواجب سمعاً عند أهل الحق شفاعة الذي تقبل شفاعته. والشفاعة لغة: الوسيلة والطلب، وعرفاً: سؤال الخير من الغير للغير. وشفاعة الله سبحانه وتعالى عبارة عن عفوه، فإنه تعالى يشفع فيمن قال: لا إله إلا الله، مثبتاً رسالة الرسول الذي أرسل إليه ولم يعمل خيراً قط، فيتفضل الله تعالى عليه بعدم دخول النار بلا شفاعة أحد، والمقصود بالمشفع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فهو المقدم على غيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فهو الذي يفتح باب الشفاعة لغيره، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إني لقائم أنتظر أمتي تعبر، إذ جاء عيسى عليه السلام. قال: فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون، أو قال: يجتمعون إليك يدعون الله أن يفرق بين جمع الأمم إلى حيث يشاء لعظم ما هم فيه، فالخلق ملجمون في العرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيتغشاه الموت، قال يا عيسى: انتظر حتى أرجع إليك. قال: وذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش فلقي مالم يلق ملك مصطفى ولا نبي مرسل، فأوحى الله إلى جبريل عليه السلام أن اذهب إلى محمد فقل له ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، قال فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنساناً واحداً، قال فما زلت أتردد على ربي فلا أقوم فيه مقاماً إلا شفعت حتى أعطاني الله من ذلك أن قال: أدخل من أمتك من خلق الله من شهد أن لا إله إلا الله يوماً واحداً مخلصاً، ومات على ذلك\".","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كل نبي سأل سؤالاً، أو قال: لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي\". وهذه هي الشفاعة العظمى المختصة به قطعاً، وهي أول المقام المحمود المذكور في قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}. أي يحمدك فيه الأولون والآخرون. وآخره استقرار أهل الجنة وأهل النار في النار. روى أبو سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من بني آدم يومئذ فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر. قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم فذكر الحديث إلى أن قال: فيأتوني فأنطلق معهم، قال ابن جدعان: قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها، فقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون فيقولون: مرحباً، فأخر ساجداً، فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى. الآية\". وله صلى الله عليه وسلم شفاعات أخرى منها شفاعته في إدخال قوم الجنة بغير حساب ففي حديث طويل، قال صلى الله عليه وسلم: \"أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى\". ومنها شفاعته في عدم دخول قوم النار بعد أن استحقوها، وفي إخراج الموحدين من النار، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا الله بما عصوا الله واجترؤوا على معصيته","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعة، فأثني على الله ساجداً، كما أثني عليه قائماً، فيقال لي: إرفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع\"!. ومنها شفاعته في زيادة الدرجات لأهل الجنة وغيرها كما ذكره السيوطي. والمعتزلة ذهبوا إلى إنكار الشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها. وإنما يثبون الشفاعة العظمى وزيادة الدرجات. وحجتهم حديث: \"لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي\". وهو موضوع باتفاق، وبتقدير صحته يحمل على من ارتد منهم، وقد ورد عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\".\r\r114 - وغيْرُهُ من مُرْتَضَى الأخْيَارِ *** يَشْفَعْ كما قَدْ جاءَ في الأخْبارِ.\r\r114 - وغيْرُهُ من مُرْتَضَى الأخْيَارِ *** يَشْفَعْ كما قَدْ جاءَ في الأخْبارِ\rوغيره من مرتضى: أي غير النبي صلى الله عليه وسلم ممن ارتضاه الله من الأخيار -كالأنبياء والمرسلين، والملائكة والصحابة والشهداء، والعلماء العاملين، والأولياء- يشفع في أرباب الكبائر على قدر مقامه عند الله تعالى قال أبو أمامه رضي الله تعالى عنه: \"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين، ربيعة ومضر. فقال رجل: يا رسول الله، أَوَ مَا ربيعةَ ومضر؟ قال: إنما أقول ما أقول\". وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة\".\rوشفاعة الملائكة على الترتيب: وأولهم سيدنا جبريل وآخرهم التسعة عشر التي على النار وشفاعة غيره صلى الله عليه ثابتة بالنص، مجمع عليها من أهل السنة، ولا يشفع أحد ممن ذكر إلا بعد انتهاء مدة المؤاخذة، فتكون الشفاعة على هذا إظهاراً لمزية الشافع على غيره، على أنه لولا الشفاعة لجوزنا البقاء وعدمه بحسب الظاهر لنا.\r","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"115 - إذْ جَاءَ غُفْرانُ غيِر الكُفْرِ *** فلا نُكَفِّرْ مؤمناً بالوِزْرِ.\r\r115 - إذْ جَاءَ غُفْرانُ غيِر الكُفْرِ *** فلا نُكَفِّرْ مؤمناً بالوِزْرِ\rإذ جاء غفران غير الكفر: هذا تعليل الشفاعة. فيجوز -عقلاً وسمعاً- غفران غير الكفر من الذنوب بلا شفاعة، فبالشفاعة من باب أولى. وأما غفران الكفر، فهو -وإن جاز عقلاً- ممتنع شرعاً. والحكمة في غفران الذنوب -دون الكفر- أنها لا تنفك عن خوف عقاب، ورجاء عفو ورحمة، بخلاف الكفر. فمرتكب الذنوب مسلم يعتقد نقص نفسه، فيخاف ويرجو، ومعتقد الكفر لا يعتقد نقص نفسه، فلا يخاف عقاباً، ولا يرجوا عفواً ورحمة وثواباً. ولا يخفى أن هذا التعليل قاصر على الشفاعة في الذنوب. وإنما الشفاعة تشمل الشفاعة في فصل القضاء، وفي غفران الذنوب.\r-فلا نكفر مؤمناً بالوزر: فلا نكفر نحن معاشر أهل السنة أحداً من المؤمنين بارتكاب الذنب صغيراً كان أو كبيراً، عالماً كان مرتكبه أو جاهلاً إلا أن يكون الذنب من المكفرات، كإنكار علمه تعالى بالجزئيات، وإلا أن يكون مرتكبه مستحلاً له، وهو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنا. وذهبت الخوارج إلى تكفير مرتكب الذنوب، وجعلوها جميعها كبائر ولا يكفرون بمذهبهم هذا، مع أن تكفير المؤمن كفر، لأنه كان بتأويل واجتهاد. وذهب المعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين. فمرتكبها - عند الخوارج - مخلد في النار، ويعذب عذاب الكفار. وعند المعتزلة مخلد في النار ويعذب عذاب الكفار.\r\r116 - وَمَنْ يَمُتْ ولم يَتُبْ مِنْ ذَنْبِهِ *** فأمرُهُ مُفَوَّضٌ لِرَبِّهِ.\r\r116 - وَمَنْ يَمُتْ ولم يَتُبْ مِنْ ذَنْبِهِ *** فأمرُهُ مُفَوَّضٌ لِرَبِّهِ","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"ومن يمت ولم يتب ..: أي من يمت بعد أن ارتكب ذنباً من الكبائر غير المكفرة، بلا استحلال، والحال أنه لم يتب من ذنبه، فأمره مفوض وموكول إلى ربه تعالى. فلا نقطع بالعفو عنه لئلا تكون الذنوب في حكم المباحة، ولا بالعقوبة، لأنه تعالى يجوز عليه أن يغفر ما عدا الكفر. وعلى تقدير العذاب فإنا نقطع له بعدم الخلود فيه، هذا هو مذهب أهل الحق. وقد استدلوا له بالآيات والأحاديث الدالة على أن المؤمنين يدخلون الجنة البتة، كقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه}. وقوله صلى الله عليه وسلم: \"من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، حرم الله عليه النار\" ومن دخل الجنة لا يخرج منها قال تعالى: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}.\r\r117 - وَوَاجِبٌ تَعْذِيبُ بَعْضٍ ارْتَكَبْ *** كبيرةً ثم الخلودُ مُجْتَنَبْ.\r\r117 - وَوَاجِبٌ تَعْذِيبُ بَعْضٍ ارْتَكَبْ *** كبيرةً ثم الخلودُ مُجْتَنَبْ","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"وواجب تعذيب بعض: إن تعذيب بعض غير معين، من عصاة هذه الأمة، ارتكبوا الكبيرة، من غير تأويل ويعذرون به، وماتوا بلا توبة - ثابت وواقع شرعاً، بخلاف من ارتكب صغيرة أو كبيرة بتأويل، كما يقع من البغاة المتأولين، أو ارتكبها من غير تأويل لكنه مات بعد التوبة. والمقصود هنا أمة الإجابة. والمراد ببعض طائفة، ولو واحد من كل صنف من أصناف العصاة، كالزناة، وقتلة الأنفس، وشاربي الخمر. فلا بد من نفوذ الوعيد في طائفة من كل صنف، أقلها واحد. وهذه المسألة على طريقة الماتريدية، من أنه لا يجوز تخلف الوعيد. وذهب الأشاعرة إلى جواز تخلفه، لأنه على تقدير المشيئة، فإن شاء عذب، وإن شاء غفر. نعم، قد ورد تعذيب الموحدين، والشفاعة فيهم، لكن لا يعم الأنواع كلها. والحاصل: أن الناس قسمان مؤمن وكافر، فالكافر مخلد - إجماعاً- في النار. والمؤمن قسمان، طائع وعاص، فالمؤمن -إجماعاً - في الجنة، والعاصي على قسمين، تائب وغير تائب فالتائب - إجماعاً - في الجنة، وغير التائب متروك للمشيئة، وعلى تقدير عذابه لا يخلد في النار.\r\r118 - وَصِفْ شَهِيْدَ الحرْبِ بالحياةِ *** وَرِزْقِهِ مِنْ مُشْتَهى الجنَّاتِ.\r\r118 - وَصِفْ شَهِيْدَ الحرْبِ بالحياةِ *** وَرِزْقِهِ مِنْ مُشْتَهى الجنَّاتِ","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"وصف شهيد الحرب ..: أي اعتقد وجوباً اتصاف شهيد الحرب بالحياة الكاملة، وإن كانت كيفيتها غير معلومة لنا، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: \"ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة\". والأنبياء - وإن كانوا جميعهم أحياء حياة برزخية- أكمل حياة من الشهداء، والشهداء أكمل حياة من بقية الأموات، وهي حياة حقيقية ثابتة للروح والذات جميعاً. فالروح متصلة بالأجسام اتصالاً قوياً وإن كان مقرها حواصل الطيور الخضر الراتعة في رياض الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة، أو شجر الجنة\". وعلى كل فهي أمور خارقة للعادة فلا يقاس عليها غيرها، ويجب اعتقاد أن الله تعالى يرزق شهيد الحرب من محبوب نعيم الجنات، إلا أنه يتناولون الأكل والشرب للتلذذ، لا للاحتياج، قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. وليس هناك ضرر من كون أرواحهم في حواصل الطيور، لأن أجوافها شفافة لا تحجبها أو أن الطيور كناية عن سرعة قطع المسافة البعيدة. والشهداء ثلاثة\" شهيد الدنيا والآخرة، وهو من قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى وهو المقصود هنا، وشهيد الدنيا فقط، وهو الذي قاتل لأجل غنيمة، فليس له الثواب الكامل وإن جرت عليه أحكام الشهداء في الدنيا، وشهيد الآخرة فقط كالمطعون والمبطون ونحوهما، فهو كالأول في الثواب، لكنه دونه في الحياة والرزق ولا تجري عليه أحكام الشهداء في الدنيا، فيغسل ويصلى عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"القتلى ثلاثة، رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو وقاتلهم حتى يقتل، فذلك الشهيد الممتَحَن، في جنة الله، تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة، ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"حتى يقتل، فتلك ممصمصة محت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محاء للخطايا وأدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض، ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله عز وجل حتى يقتل فذلك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق\" ووردت أحاديث في أصناف الشهداء منها ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما تعدون الشهداء فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل. قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات من البطن فهو شهيد، والغريق شهيد\".\rوقال أيضاً: \"الشهداء خمسة، المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله\".\rوعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد: المقتول في سبيل الله شهيد، والغريق في سبيل الله شهيد، والمبطون في سبيل الله شهيد، والمطعون في سبيل الله شهيد، والنفساء في سبيل الله شهيد\". وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال هو في النار\".","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"وإنما سمي الشهيد شهيداً لشهادة الله وملائكته له بالجنة والرضا عنه، روى البخاري عن أنس قال: أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرآناه، ثم نسخ بعد \"بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه\". ولأن روحه شهدت دار السلام بخلاف غيره، فإنه لا يشهدها إلا يوم القيامة. وقد قال النسفي: بأن أرواح المسلمين - إن دخلت الجنة الآن، كما دلت عليه الأحاديث - لا تكون كالشهيد في الحياة والرزق بل لا تأكل فيها ولا تتمتع.\r\r119 - والرِّزْقُ عِنْدَ القَوْمِ ما بِهِ انْتُفِعْ *** وقيلَ: لا، بلْ ما مُلِكْ، وما اتُّبِعْ.\r\r119 - والرِّزْقُ عِنْدَ القَوْمِ ما بِهِ انْتُفِعْ *** وقيلَ: لا، بلْ ما مُلِكْ، وما اتُّبِعْ\rوالرزق عند القوم ما به انتفع: أي الشيء المرزوق -عند أهل السنة- هو ما ساقه الله إلى المخلوقات فانتفع به بالفعل. وقوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. يدل على أن غير المنتفع به بالفعل رزق، إلا إذا كان الرزق فيه بمعنى الإعطاء، أي: ومما أعطيناهم ينفقون فالمراد ما هيئ لكونه رزقاً. ودخل في الرزق على هذا التعريف رزق الإنسان والدواب وغيرها، وشمل المأكول وغيره مما انتفع به. وخرج ما لم ينتفع به بالفعل، فمن ملك شيئاً ولم ينتفع به بالفعل فليس ذلك الشيء رزقاً. وبهذا يظهر قول أكابر أهل السنة: إن كل أحد يستوفي رزقه، وإنه لا يأكل أحد رزق غيره، ولا يأكل غيره رزقه. وفي الخبر:\r\"إن روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته\".\rوالرزق رزقان، ظاهر أي مادي، كالأقوات للأبدان، وباطن أي معنوي، كالعلوم والمعارف للقلوب.","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"-وقيل لا ..: ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن الرزق هو ما ملك، لا ما انتفع به، فلا يعتبر الانتفاع، وإنما تعتبر المملوكية. ويلزم على هذا أنه لا يستوفي أحد رزقه، وأنه قد يأكل رزق غيره، ويأكل غيره رزقه. لهذا لم يتبع أئمتنا هذا القول لفساده. لأن الله تعالى مالك لجميع الأشياء، ولا يسمى ملكه رزقاً اتفاقاً، وإلا لكان مرزوقاً، ولأنه يخرج رزق الدواب والعبيد والإماء عند بعض الأئمة -كالشافعي- فإنه يقول: لا ملك للعبيد والإماء أصلاً.\r\r120 - فيرزُقُ الله الحلالَ فاعْلَمَا *** ويرزُقُ المكرُوْهَ والمحرَّما.\r\r120 - فيرزُقُ الله الحلالَ فاعْلَمَا *** ويرزُقُ المكرُوْهَ والمحرَّما\rفيرزق الله الحلال: الحلال هو ما كان مباحاً بنص، أو إجماع أو قياس جلي. ولا ينبغي اليوم أن يسأل عن أصل الشيء، لأن الحلال ما جهل أصله، والأصول قد فسدت واستحكم فسادها فأخذ الشيء على ظاهر الشرع أولى من السؤال عن شيء يتبين تحريمه. قال القزويني: ومن قال إن الحلال ليس بموجود فقد طعن في الشريعة وهو أحمق حصل له ذلك من جهله، فإن الله تعالى لم يكلف الخلق عين الحلال في علمه تعالى بل كلفهم أن يصيبوا الحلال في اعتقادهم وظنهم. والمكروه ما نهي عنه نهياً غير أكيد. والمحرم ما نهي عنه نهياً أكيداً. وتفصيل هذا في كتب الفقه. وقد ذهبت المعتزلة إلى أن الله تعالى لا يرزق الحرام، قال الشيخ كمال الدين: إن أراد المعتزلة بهذا، الأدب اللفظي فلا بأس به، وإن أرادوا غير ذلك فهم مخطئون بإجماع. والمراد بالأدب اللفظي: أنه لا ينسب لله سبحانه إلا الخير وإن كان الكل منه.\r\r121 - في الاكتِسابِ والتوَّكلِّ اخْتُلِفْ *** والراجحُ التفصيلُ حَسْبَما عُرِفْ.\r\r121 - في الاكتِسابِ والتوَّكلِّ اخْتُلِفْ *** والراجحُ التفصيلُ حَسْبَما عُرِفْ","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"اختلف العلماء في أفضلية الاكتساب والتوكل. فرجح قوم الاكتساب، وهو مباشرة الأسباب بالاختيار -كالبيع والشراء- لأجل الربح، ومثله تعاطي الدواء لأجل الصحة ونحو ذلك، ورجحوه لما فيه من كف النفس عن التطلع لما في أيدي الناس، ومنعها عن الخضوع لهم والتذلل بين أيديهم، مع حيازة منصب التوسعة على عباد الله ومواساة المحتاجين وصلة الأرحام بتوفيق الله تعالى. ورجح قوم التوكل، وهو الاعتماد على الله تعالى، وقطع النظر عن الأسباب مع التمكن منها وإنما رجحوه لما فيه من ترك ما يشغل عن الله تعالى والاتصاف بالرغبة إليه سبحانه، والوثوق بما عنده، مع حيازة مقام السلامة من فتنة المال والمحاسبة عليه. فعن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يدك رزقاً، يا ابن آدم لا تُبَاعِد مني أملأ قلبك فقراً، وأملأ يدك شغلاً\". وقد أخرج القضاعي: من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. وقال سليمان الخواص: لو أن رجلاً توكل على الله بصدق النية لاحتاج إليه الأمراء ومن دونهم، وكيف يحتاج هو إلى أحد ومولاه هو الغني الحميد. وقد سبق ترجيح تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر.","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"-والراجح التفصيل: أي إن الراجح من المذهبين التفصيل في القول، مما عرف من الإحياء للغزالي، والرسالة القشيرية للقشيري، وحاصله: أنهما يختلفان باختلاف أحوال الناس؛ فمن صبر على ضيق معيشته، بحيث لا يتسخط، ولا يتطلع لسؤال أحد فالتوكل في حقه أرجح، لما فيه من مجاهدة النفس على ترك شهواتها ولذاتها، والصبر على شدتها. ومن لم يكن كذلك فالأرجح في حقه الاكتساب حذراً من التسخط وعدم الصبر بل ربما وجب في حقه الاكتساب. وهذا كله يتمشى على أن التوكل ينافي الكسب كما هو طريقة أبي جعفر الطبري ومن وافقه. وإنما الجمهور على أنه لا تنافي بين الكسب والتوكل، فقد يكون متوكلاً وهو مكتسب. إذ التوكل هو الثقة بالله سبحانه وتعالى والاعتماد عليه، والاعتقاد بأن الأمر كله منه وإليه وهذا محله القلب. أما مباشرة الأسباب فمحلها الجوارح، لذا لا تنافي بين عمل القلب والجوارح واجتماعهما ممكن، وقد ورد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ -يشير إلى ناقته- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إعقلها وتوكل\". وفيه جمع بين الأخذ بالأسباب ونفي التأثير عنها بالتوكل على الله تعالى.\r\r122 - وعندَنا الشيءُ هوَ الموجودُ *** وثابتٌ في الخارجِ الموجودُ.\r\r122 - وعندَنا الشيءُ هوَ الموجودُ *** وثابتٌ في الخارجِ الموجودُ","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"وعندنا الشيء هو الموجود: أي عندنا معاشر أهل الحق، أشاعرة وغيرهم الشيء هو الموجود. فباعتبار تميزه في الخارج عما عداه يسمى شيئاً، وباعتبار تحققه -في الخارج- يسمى موجوداً. فكل شيء موجود. والشيئية هي تميزه في الخارج عما عداه، والوجود هو تقرره -في الخارج- بحيث تصح رؤيته، أما المعدوم فليس بشيء سواء كان ممكناً أو ممتنعاً، خلافاً للمعتزلة. فالمعدوم عندهم شيء، لأن الأشياء -قبل وجودها- ثابتة في نفسها، إلا أنها مستترة كاستتار الثوب في الصندوق. لذلك يقولون: إن الحقائق ليست بجعل جاعل، فالقدرة ما تعلقت بها إلا لإخراجها من الاستتار إلى الظهور. وأهل السنة يقولون إنها بجعل جاعل، تعلقت القدرة بوجودها لعدم ثبوتها قبل ذلك.\r-وثابت في الخارج: أي أن الحقائق التي نتعقلها، ونطلق عليها الأسماء -كمسمى الإنسان والأرض والسماء- ثابتة في الواقع. وهذا رد على السوفسطائية الزاعمين أن حقائق الأشياء إنما هي خيالات لا ثبوت لها في الواقع. وقد أتى أحدهم على بغلة له إلى الإمام أبي حنيفة يناظره. فأمر الإمام رحمه الله بعض تلامذته أن يذهب بالبغلة ويسترها. فلما خرج السوفسطائي ولم يجدها طلبها، فقال له الإمام: أنت تزعم أنه لم يكن لبغلتك حقيقة فلم تطلبها؟ فتاب على يديه ورد إليه بغلته.\r\r123 - وجودُ شَيءٍ عينُهُ والجَوهَرُ *** الفردُ حادثٌ عندنا لا يُنْكَرُ.\r\r123 - وجودُ شَيءٍ عينُهُ والجَوهَرُ *** الفردُ حادثٌ عندنا لا يُنْكَرُ","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"وجود شيء عينه ..: ذهب الإمام الفخر الرازي إلى أن وجود الشيء ليس عين حقيقته وفسره بأنه الحال الثابتة للذات ما دامت الذات، وهذه الحال غير معللة بعلة، كما في \"العليم\" -مثلاً- فإنها معللة بقيام العلم بالذات. وذهب الأشعري، ومن تبعه، إلى أن وجود شيء من الموجودات هو عين حقيقته. وأبقى بعضهم عبارة الأشعري على ظاهرها وجعل في عد الوجود صفة تسامحاً. وأول العبارة بعض المحققين -كالسعد - بأن المراد: أن وجود الشيء ليس زائداً في الخارج بحيث يرى كالقدرة والإرادة، فلا ينافي أنه أمر اعتباري، وهو ثبوت الشيء، وهذا هو التحقيق، وإن كان ظاهر عبارة المصنف يفيد أن الوجود عين الموجود حقيقة،كما هو ظاهر عبارة الأشعري.\rوالمقصود بالجوهر ما لا يتجزأ، لا قطعاً، ولا كسراً، ولا وهماً، ولا فرضاً مطابقاً للواقع، وإلا فقد يفرض العقل المحال. فكل جوهر حادث، لأنه مسبوق بالعدم وجميع الأجسام متركبة من الجواهر، فهي حادثة أيضاً، والعالم بجميع أجزائه حادث، هذا هو مذهب المسلمين. وقالت الفلاسفة: جميع الأجسام متركبة من الهيولى، أي المادة الأولية، ومن الصورة. وهم منكرون لجوهر الفرد، وإنما المقصود هنا الحكم عليه بالوجود والحدوث.\r\r124 - ثم الذُّنُوبُ عندَنَا قِسْمَانِ *** صغيرةٌ كبيرةٌ فالثاني.\r\r124 - ثم الذُّنُوبُ عندَنَا قِسْمَانِ *** صغيرةٌ كبيرةٌ فالثاني","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"ثم الذنوب: عند جمهور أهل السنة قسمان، صغائر وكبائر. خلافاً للمرجئة حيث جعلوها كلها صغائر ولا تضر مرتكبها ما دام على الإسلام، وخلافاً للخوارج حيث ذهبوا إلى أنها كلها كبائر وكل كبيرة كفر. وخلافاً لمن ذهب إلى أنها كلها كبائر نظراً لعظمة من عصي بها، ولكن لا يكفر مرتكبها إلا بما هو كفر منها، كسجود لصنم، أو رمي بمصحف في قاذورة أو قول عن الجور بأنه عدل. وليست الكبائر منحصرة في عدد وهي كل ذنب كبر كبراً يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة. ولها أمارات، منها إيجاب الحد، والايعاد عليها بالعقاب، ووصف فاعلها بالفسق، واللعن، وأكبرها الشرك بالله تعالى. ثم قتل النفس المحرم قتلها. وأما الزنا واللواطة وعقوق الوالدين والسحر والقذف والفرار من الزحف وأكل الربا فمن الكبائر، إلا أنه مختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المتربة عليه، فيقال لكل منها هي من أكبر الكبائر. وكذلك الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال الشيخ الجويني: إن من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفر كفراً يخرجه من الملة، وتبعه على ذلك طائفة. وكل ما خرج عن حد الكبيرة وضابطها فهو صغيرة. والإصرار هو معاودة الذنب مع نية العودة إليه عند الفعل، فإن عاوده من غير نية العود لم يكن إصراراً على الأصح، والتهاون هو الاستخفاف وعدم المبالاة والفرح والافتخار بها،وصدورها من عالم يقتدى به فيها.\r\r125 - منه المتابُ واجبٌ في الحالِ *** ولا انتقاضٌ إنْ يعدْ للحالِ.\r\r125 - منه المتابُ واجبٌ في الحالِ *** ولا انتقاضٌ إنْ يعدْ للحالِ","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"منه المتاب واجب: أي الكبائر واجب على مرتكبها أن يتوب منها فوراً حال تلبسه بها فتأخيرها ذنب واحد ولو تراخى. نعم يتفاوت باعتبار طول الزمان وقصره خلافاً للمعتزلة القائلين بتعدد الذنب بتعدد الزمان، حتى لو أخرها لحظة بعد لحظة، فالذنب بأربعة ذنوب. الذنب الأول، وتأخير توبته في اللحظة الأولى، وتأخير التوبة من هذين في الثانية. وعبارة النووي: واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة. والتوبة - لغة - مطلق الرجوع، وشرعاً ما استجمع أركاناً ثلاثة: الإقلاع من الذنب، والندم على فعلها خوفاً من الله تعالى، والعزم على أن لا يعود إلى مثلها أبداً، فلا تصح توبة من لم يعزم. هذا إن لم تتعلق المعصية بالآدمي، فإن تعلقت به فلها شرط رابع، وهو: رد الظلامة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه، تفصيلاً - عندنا معاشر الشافعية - أو إجمالاً - عند المالكية - وفيه فسحة. فإن لم يقدر - بأن كان مستغرق الذمم - فالمطلوب منه الإخلاص وكثرة التضرع إلى الله تعالى. لعله يرضي عنه خصماءه يوم القيامة. وثمة شروط لصحة التوبة تتعلق بالوقت، منها صدورها قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها. ولا فرق عند الأشاعرة بين الكافر والمؤمن العاصي وعند الماتريدية تصح من المؤمن العاصي فحسب. ووجوب التوبة عيني \"أي يجب على كل مكلف\"، ودليله سمعي فقد وردت آيات كريمة كثيرة وأحاديث شريفة تحض على التوبة وتأمر بها.\r-ولا انتقاض: أي لا تنقض التوبة الشرعية إن عاد التائب للحال التي كان عليها من التلبس بالذنب، فلا يعود ذنبه الذي تاب منه بعوده إلى مثله، خلافاً للمعتزلة حيث قالوا: بانتقاض التوبة بعوده للذنب، لأن من شروطها - عندهم- ألا يعاود الذنب بعد التوبة. وعند الصوفية: معاودة الذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنباً بلا توبة.\r","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"126 - لَكِنْ يجدِّدْ توبةً لما اقترفْ *** وفي القَبُولِ رأيهُمْ قَدِ اخْتَلَفْ.\r\r126 - لَكِنْ يجدِّدْ توبةً لما اقترفْ *** وفي القَبُولِ رأيهُمْ قَدِ اخْتَلَفْ\rلكن يجدد توبة: أي لكن يجب على المعاود تجديد التوبة للذنب المرتكب ثانية، فلا يضره إلا الإصرار على المعاصي، بخلاف ما إذا كان كلما وقع في معصية تاب منها. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}.\rوهم الذين كلما أذنبوا تابوا. واختلف العلماء في قبول توبة غير الكافر، فقال أبو الحسن الأشعري: إنها تقبل قطعاً، بدليل قطعي، كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}. وما الدعاء بقبولها إلا لعدم الوثوق بشروطها. وقال إمام الحرمين والقاضي: إنها تقبل ظناً، بدليل ظني، لكنه قريب من القطعي إذ يحتمل قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ}. أنه يقبلها إن شاء. وأما توبة الكافر فمقبولة قطعاً بدليل قطعي اتفاقاً لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}.\rوذهب إمام الحرمين إلى وجوب ندم الكافر على ما مضى مع إعلان إسلامه، وذهب غيره إلى كفاية إعلان الإسلام لأنه بالإيمان يمحى الكفر. ثم شرع فيما يسمى بالكليات الست، إن جعل العرض مستقلاً عن النسب. وسميت بالكليات لما يتفرع عليها من أحكام، ولوجوبها في كل ملة. ولا عبرة بكون الخمر مثلاً كان جائزاً في صدر الإسلام ثم حرم، لأن الأمر منوط بما استقر عليه الأمر، لا بما ابتدئ به.\r\r127 - وَحِفْظُ دِيْنٍ ثمَّ نفسٍ مال نسبْ *** ومثلُهَا عقلٌ وعرضٌ قدْ وجبْ.\r\r127 - وَحِفْظُ دِيْنٍ ثمَّ نفسٍ مال نسبْ *** ومثلُهَا عقلٌ وعرضٌ قدْ وجبْ","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"وحفظ دين: إن آكد هذه الأمور هو حفظ الدين، لأن حفظ غيره وسيلة لحفظه. ثم النفس، لأن قتل النفس يلي الكفر. ثم النسب، وهو الارتباط بين الوالد وولده. ثم العقل، وقدم النسب عليه لأن الزنا أشد تحريماً من شرب الخمر. ثم المال، وفي مرتبته العرض، إن لم يؤد الطعن فيه إلى قطع النسب فإن أدى إلى ذلك - كأن قذف زوجته في الزنا، ونفى ولدها عنه - فهو في مرتبة النسب، والعرض هو موضع المدح والذم من الإنسان وهو وصف اعتباري، تقوية الأفعال الحميدة، وتزري به الأفعال القبيحة، وإنما قدم المال لأن العقوبة على أخذ المال سرقة أو قطعاً للطريق - أعظم من العقوبة المترتبة على الخوض في الأعراض كما في القذف.\rوالدين: هو ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام. وحفظه صيانته عن الكفر وانتهاك حرمة المحرمات ووجوب الواجبات، بأن يفعل المحرمات غير مبالٍ بحرمتها ويترك الواجبات غير مبالٍ بوجوبها. ولحفظه شرع قتال الكفار الحربيين وغيرهم، كالمرتدين. ولحفظ النفس العاقلة شرع القصاص. ولحفظ المال شرع حد السرقة، وحد قطع الطريق. ولحفظ النسب شرع حد الزنا. ولحفظ العقل شرع حد شرب الخمر والدية ممن أذهبه جناية. ولحفظ العرض شرع حد القذف بمن قذف عفيفاً، والتعزير لمن قذف غير عفيف. وقد وجب حفظ جميع ما ذكر مع ملاحظة الآكد منها.\r\r128 - وَمَنْ لمعلومٍ ضرورةً جَحَدْ *** مِنْ ديننا يُقْتَلُ كُفْراً ليسَ حدْ.\r\r128 - وَمَنْ لمعلومٍ ضرورةً جَحَدْ *** مِنْ ديننا يُقْتَلُ كُفْراً ليسَ حدْ","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"ومن لمعلوم: ومن جحد أمراً معلوماً من أدلة ديننا يشبه الضرورة بحيث يعرفه خواص المسلمين وعوامهم، وهو ما ثبت بالقرآن الكريم، وكان قطعي الدلالة، أو بالسنة المشهورة المتواترة كذلك، وليس فيه شبهة، أو بإجماع جميع الصحابة المتواتر إجماعاً قطعياً، قولياً غير سكوتي. -كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الزنا، وشرب الخمر، يقتل لأجل كفره- لأن جحده مستلزم لتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس قتله حداً وكفارة لذنبه كما في سائر الحدود فإنها كفارات للذنوب.\r\r129 - ومثلُ هذا مَنْ نَفَى لِمُجْمعِ *** أو استباحَ كالزنا فلتَسْمَعِ.\r\r129 - ومثلُ هذا مَنْ نَفَى لِمُجْمعِ *** أو استباحَ كالزنا فلتَسْمَعِ\rومثل هذا من نفى: أي وأما من نفى حكماً مجمعاً عليه إجماعاً قطعياً فحكمه مثل حكم من جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، والإجماع -هنا- هو ما اتفق المعتبرون على كونه إجماعاً، بخلاف الإجماع السكوتي، فإنه ظني. لا قطعي. فظاهر النظم أن من نفى مجمعاً عليه يكفر، وإن لم يكن معلوماً من الدين بالضرورة، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وهو ضعيف وإن جزم به الناظم. والراجح أنه لا يكفر من نفى المجمع عليه إلا إذا كان معلوماً من الدين بالضرورة، وإلا إذا اعتقد إباحة محرم مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة ولو صغيرة، سواء كان تحريمه لعينه -كالزنا وشرب الخمر، أو لعارض. وقد ذهب بعض الماتريدية إلى أن من اعتقد حل محرم لعارض لا يكفر، ولا يخفى أنه يلزم من استباحة المحرم المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة نفي مجمع عليه، فهو داخل فيما قبله، وإنما ذكره زيادة في الإيضاح.\r\r130 - وواجبٌ نَصْبِ إمامِ عدلِ *** بالشرعِ فاعلمْ لا بحكمِ العقلِ.\r\r130 - وواجبٌ نَصْبِ إمامِ عدلِ *** بالشرعِ فاعلمْ لا بحكمِ العقلِ","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"وواجب ..: أن نصب إمام عادل واجب على الأمة عند عدم النص من الله تعالى أو رسوله على معين، أو عند عدم الاستخلاف من الإمام السابق. والنص من الله تعالى كقوله: {يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ}. والاستخلاف كما وقع من أبي بكر في استخلاف عمر رضي الله عنهما. ولا فرق -عند أهل السنة وأكثر المعتزلة- في وجوب نصب الإمام بين زمن الفتنة وغيره. والمراد بالعدل عدل الشهادة، ولا يتحقق إلا بشروط خمسة: الإسلام، والبلوغ والعقل والحرية، وعدم الفسق فالكافر لا يراعي مصلحة المسلمين، والصبي والمجنون لا يليان أمر نفسيهما فكيف يليان أمر غيرهما. والرقيق مشغول بخدمة سيده، ومستحقر في أعين الناس، فلا يهاب ولا يمتثل أمره. والفاسق لا يوثق به في أمر أو نهي ويكفي العدل الظاهر لأنه ما كلفنا به. أما العدالة الباطنية فلا تشترط. ووجوب نصب الإمام إنما تحقق بالشرع عند أهل السنة، لا بالعقل، كما ذهب إليه بعض المعتزلة كالجاحظ وغيره. ومن الوجوه الدالة على وجوبه شرعاً أن الشارع أمر بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيش، وذلك لا يتم إلا بإمام يرجعون إليه في أمورهم وقد اجتمعت الصحابة عليه بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جعلوه أهم الواجبات، واشتغلوا به عن دفنه صلى الله عليه وسلم لأنه توفي يوم الاثنين عند الزوال، ودفن صلى الله عليه وسلم في آخر ليلة الأربعاء. وقد قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ولا بدا لهذا الأمر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم، رحمهم الله تعالى فقالوا من كل جانب من المسجد: صدقت صدقت، ولم يقل أحد منهم لا حاجة بنا إلى الإمام. واجتمع المهاجرون في شأن الخلافة. فقال لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا الأنصار ندخلهم معنا في أمر الخلافة. فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فقال عمر: من ثبت له مثل هذه الفضائل التي لأبي بكر؟ وقال الله تعالى: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. فأثبت بذلك صحبته ومعية كمعية نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: \"إن الله معنا\". ثم مدّ يده فبايع أبا بكر وبايعه الناس ثم أمرهم بجهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلفوا: هل يجرد من ثيابه أم يغسل فيها؟ فألقى الله تعالى عليهم النوم، ثم سمعوا من ناحية البيت قائلاً يقول لا تغسلوه فإنه طاهر. فقال العباس: لا نترك سنة لصوت لا ندري ما هو، فغشيهم النعاس. وسمعوا قائلاً يقول غسلوه، وعليه ثيابه، فإن ذلك إبليس، وأنا الخضر، فغسله عليّ رضي الله عنه وعليه قميصه، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران مولى المصطفى يصبون الماء، وأعينهم معصوبة وكفن في ثلاثة أثواب بيض قطن، ولم يكن في كفنه قميص ولا عمامة، وصلوا عليه فرادى، يدخل جماعة ويخرج جماعة. واختلفوا في الموضع الذي يدفن فيه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا يدفن نبي إلا حيث قبض\". فدفن في بيت عائشة رضي الله عنها.\r\r131 - فليسَ رُكْناً يُعْتَقَدْ في الدينِ *** ولا تزغْ عنْ أمرِهِ المبينِ.\r\r131 - فليسَ رُكْناً يُعْتَقَدْ في الدينِ *** ولا تزغْ عنْ أمرِهِ المبينِ","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"فليس ركناً: لئن كان نصب الإمام واجباً فإن طريقة اختياره ليست بواجبه، وما هي ركن من الأركان التي يجب اعتقادها. إذ أن ثمة طرقاً ثلاثة سلكت في اختياره أولها: النص، وقال به الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري، وطائفة من الخوارج. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر إشارة، وأبا بكر نص على عمر، فإما أن ينص المستخلف على واحد معين كما فعله الصديق - وهذا هو الطريق الثاني- وإما أن ينص على جماعة، كما فعل عمر ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في تعيين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه والثالث: هو إجماع أهل الحل والعقد، وذلك أن جماعة في مصر ما إذا ما مات لهم إمام ولم يستخلف، فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماماً لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه، فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام، إذا لم يكن الإمام معلناً بالفسق والفساد. ولا يسع أحد التخلف وعلى كل لا نزاع في أن مباحث الإمامة أليق بعلم الفروع لرجوعها إلى القيام بالإمامة، ونصب الإمام الموصوف المخصوص من فروض الكفاية، ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية. وإنما ذكرت هنا للتنبيه على أنها من المسائل التي يتميز بها أهل السنة عن المعتزلة والشيعة وسائر المبتدعة.\r-ولا تزغ عن أمره: أي لا تخرج عن امتثال أمره ونهيه الواضح الجاري على قوانين الشرع ولا عن أمر خلفائه ونوابه، لأن طاعته واجبة على جميع الرعايا بالظاهر والباطن لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}. ولقوله صلى الله عليه وسلم: \"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني\".","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"لكن لا يطاع في الحرام والمكروه، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة\".\rأما المباح فإن كان فيه مصلحة عامة للمسلمين وجبت طاعته فيه، وإلا فلا يطاع. فلو نادى بعدم شرب الدخان - مثلاً - وجبت عليهم طاعته لأن في إبطاله مصلحة عامة إذ في تعاطيه خسة لذوي الهيئات ووجوه الناس، خصوصاً إذا كان في الأماكن العامة.\r\r132 - إِلا بِكُفْرٍ فانْبِذَنَّ عهدَهُ *** فالله يَكْفينا أذاهُ وَحْدَهُ.\r\r132 - إِلا بِكُفْرٍ فانْبِذَنَّ عهدَهُ *** فالله يَكْفينا أذاهُ وَحْدَهُ\rإلا بكفر فانبذن: أي إلا إذا أمر الإمام بكفر فعندها اطرحن بيعته جهراً، فإن لم تقدر فسراً، فعن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع!. قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة\". واعلم أنك إذا طرحت بيعته، فالله تعالى وحده يكفينا أذى ذلك الإمام الآمر بالكفر، إذ هو الذي ناصيته بقدرته.\r\r133 - بغيرِ هذا لا يباحُ صَرْفُهُ *** وليسَ يعزلْ إنْ أزيلَ وصفُهُ.\r\r133 - بغيرِ هذا لا يباحُ صَرْفُهُ *** وليسَ يعزلْ إنْ أزيلَ وصفُهُ\rبغير هذا لا يباح: أي بغير هذا الكفر لا يجوز خلعه، لا جهراً ولا سراً وإذا ارتكب المعاصي من غير استحلال لها لا يخلع. كذلك إن ابتدأ مستكملاً لشروط الإمامة ثم أزيل وصفه السابق -وهو العدالة- بطرو الفسق فإنه لا يعزل عند الله تعالى، وإن استحق العزل خلافاً لطائفة ذهبوا إلى أنه يعزل.\r\r134 - وَأْمُرْ بعرفٍ واجتنبْ نميمهْ *** وغيبةً وخصلةً ذميمهْ.","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"\r134 - وَأْمُرْ بعرفٍ واجتنبْ نميمهْ *** وغيبةً وخصلةً ذميمهْ\rوأمر بعرف: لما فرغ من الإمامة أعقبها بما يتوقف القيام به عليها غالباً، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال: وأمر بعرف وأنه عن منكر وجوباً كفائياً. وإنما ترك ذكر النهي عن المنكر لاستلزام الأمر بالمعروف له. والعرف لغة: المعروف، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع. أو هو ما عرف الشرع، وهو الواجب والمندوب. والمنكر ضده، وهو ما أنكره الشرع، وهو الحرام والمكروه. فيندب الأمر بالمندوب، والنهي عن المكروه. ويجب الأمر بالواجب والنهي عن الحرام. فإن قام به بعض الأمة سقط عن الباقي. وهو فوري إجماعاً ولا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمن لا يرتكب مثله بل من رأى منكراً وهو يرتكب مثله فعليه أن ينهى عنه. والدليل على الوجوب الكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ}. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\".","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"والمراد بالإيمان -هنا- الأعمال كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم. ومعنى ضعف الإنكار بالقلب دلالته على غرابة الإسلام وعدم انتظامه. فمراتب الإنكار ثلاث، أقواها التغيير باليد، وأضعفها الإنكار بالقلب بأن يكرهه بقلبه ولا يرضى به. وقد أجمع المسلمون الصدر الأول وما بعده على وجوب الأمر بالمعروف، وكانوا يتواصون بذلك ويوبخون تاركه مع الاقتدار عليه وأما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. فالمعنى إذا فعلتم ما كلفتم به، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يضركم فعل غيركم للمعصية. فالآية دالة على وجوب الأمر بالمعروف لا كما يفهمه بعض القاصرين. وقد قال ابن مسعود: إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد اتق الله فيقول عليك بنفسك. وفي الحديث: \"من قيل له: اتق الله، فغضب، وقف يوم القيامة فلم يبقى ملك إلا مرّ به وقال أنت الذي قيل لك اتق الله فغضبت، على جهة التوبيخ والتقريع\".","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"واعلم أن لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطاً: أحدها أن يكون المتولي لذلك عالماً بما يؤمر به وينهى عنه، فالجاهل بالحكم لا يحل له الأمر ولا النهي. فليس للعوام أمر ولا نهي فيما يجهلونه. وأما الذي استوى في معرفته العام والخاص ففيه للعالم وغيره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وثانيهما: أن يأمن أن يؤدي إنكاره إلى منكر أكبر منه، كأن ينهى عن شرب الخمر فيؤدي نهيه عنه إلى قتل النفس، أو نحوه فعدم هذين الشرطين يوجب التحريم. وثالثها: أن يغلب على ظنه أن أمره بالمعروف مؤثر في تحصيله، وأن نهيه عن المنكر مزيل له. وعدم هذا الشرط يسقط الوجوب، ويبقى الجواز إذا قطع بعدم الإفادة، والندب إذا شك فيها وقال أكثر العلماء كالشافعية لا يشترط هذا الشرط لأن الذي عليه هو الأمر والنهي وليس عليه قبولهما، قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ}. وقال أيضاً: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}. قال الإمام النووي: قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله.","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"-واجتنب نميمة: أي انفر منها وتباعد عنها، واجتنابها واجب عيني وحقيقتها: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم. قال الإمام الغزالي: وليست النميمة مختصة بذلك. بل حدها: كشف ما يكره كشفه، سواء كان الكشف بالقول، أو الكتابة أو الرمز، أو نحوه، وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأحوال، وسواء كان عيباً أو غيره. قال النووي: فحقيقتها إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه قال: وكل من حملت إليه نميمة لزمه ستة أمور: أن لا يصدقه، لأن النمام فاسق، والفاسق مردود. وأن ينهاه عن ذلك وينصحه. وأن يبغضه، لأنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض من أبغضه الله. وأن لا يظن بالمنقول عنه السوء، لأن الله تعالى قال: {اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}.\rوأن لا يحمله ما حكي له على التجسس لأن الله تعالى قال: {وَلَا تَجَسَّسُوا}.\rوأن لا يحكى نميمة عنه، فيقول: فلان حكى لي كذا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: \"لا يدخل الجنة نمام\". والمراد بعدم الدخول عدمه مع السابقين، لا عدمه مطلقاً، إلا أن غفر له. وكل ذلك ما لم تدع الحاجة إليها وإلا جازت، لأنها حينئذ ليست بنميمة، بل نصيحة. كما إذا أخبرك شخص بأن فلاناً يريد البطش بمالك أو بأهلك مثلاً لتكون على حذر فليس ذلك بحرام، لما فيه من دفع المفاسد وقد يكون بعضه واجباً، كما إذا تيقن وقوع ذلك لو لم يخبرك بهذا الخبر. وقد يكون بعضه مستحباً، كما إذا شك في ذلك، ذكره النووي.","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"-وغيبة: أي واجتنب غيبة. والأمر فيه للوجوب العيني. والغيبة: هي ذكرك أخاك بما يكره ولو بما فيه. فلو ذكرته بحضوره سمي بهتاناً، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد زاد إثم الكذب. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\". ومن الضلال قول بعض العامة: ليس هذا غيبة وإنما هو إخبار بالواقع. وربما جر ذلك إلى كفر الاستحلال، والعياذ بالله. وليست الغيبة مختصة بالذكر فقط بل ضابطها كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا \"قال بعض الرواة: تعني قصيرة\" قال: \"لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته\". وهذا الحديث من أبلغ الزواجر عن الغيبة. ومن الغيبة قول المصنفين قال فلان كذا، وهو غلط أو خطأ، إلا إن أريد بذلك بيان الغلط، أو الخطأ لئلا يقلد. فذلك نصيحة لا غيبة والغيبة محرمة بالقلب كحرمتها باللسان بالنسبة لمن لم يشاهد، أما من شاهد فيعذر في الاعتقاد، إلا أنه ينبغي عليه أن يذهب إلى أنه تاب. عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه أتى برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً. فقال: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. وقال جمع: لا غيبة في الكافر الحربي وحكم الغيبة التحريم بالإجماع. وفي كتاب الله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}. وفي هذه الآية تنفير شديد لاشتمالها على خمسة أمور هي: كونه لحماً، وميتاً، ونيئاً، ومن آدمي، وأخ. وكما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة يحرم على السامع سماعهاوإقرارها فيجب على كل من سمع إنساناً يذكر غيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخف ضرراً ظاهراً. عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من رد عن أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة\" فإن لم يستطع النهي باليد ولا باللسان، فارق المجلس. فإن قال المنكر بلسانه للمغتاب: اسكت، وهو يشتهي بقلبه استمراره، فذلك نفاق، كما قاله الغزالي فلا بد من كراهته بقلبه ومن غيبة المتفقهين والمتعبدين أنه يقال لأحدهم: كيف حال فلان؟ فيقول: الله يصلحنا، أو نسأل الله العافية، وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقيصه. وكل ذلك غيبة محرمة واعلم أن العلماء ذكروا أن الغيبة تباح في أحوال خاصة للمصلحة، بل ربما وجبت. وهذه الأحوال هي أولاً: التظلم: كأن يقول المظلوم لمن له ولاية أو قدرة على إنصافه على ظالمه: فلان ظلمني بكذا. ثانياً: الاستعانة على تغيير المنكر، كأن يقول لمن يرجوا قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فأعني على منعه. بشرط أن يكون قصده التوصل إلى إزالة المنكر. فإن لم يقصد ذلك كان حراماً. ثالثاً: الاستفتاء، كأن يقول للمفتي ظلمني أخي أو فلان من الناس، فهل له ذلك؟ وما طريقي إلى الخلاص منه؟ والأحوط والأفضل: أن يقول ما تقول في رجل كان من أمره كذا؟ رابعاً: التحذير وذلك من وجوه، منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة أو مشاركة أو معاملة، أو إيداع أو مجاورة، وتذكر المساوئ بنية النصيحة، ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم فعليه نصيحته، ببيان حاله، بشرط قصد النصيحة. خامساً: أن يكون مجاهراً بفسقه، أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور الباطلة. فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم بغيره من العيوب. سادساً: التعريف، كأن يقول فلان الأعمش، أو الأصم، أو الأعمى، فيمن كان معروفاً بذلك بشرط أن يكون بنية التعريف، وإلا كان بنيته حرم.","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"والتوبة تنفع في الغيبة من حيث الإقدام عليها، وأما من حيث الوقوع في حرمة من هي له فلا بد فيها مع التوبة من الاستعفاء، إذا بلغت صاحبها. وإن لم تبلغه فيكفي الاستغفار له، وإن بلغته بعد ذلك بلغته ممحوة. ومما يساعد على ترك الغيبة شهود أن ضررها عائد على النفس، فقد ورد: أنه تؤخذ حسنات المغتاب لمن اغتابه وتطرح عليه سيئاته. وعن ابن المبارك: لو كنت مغتاباً لاغتبت والدي لأنه أحق بحسناتي. فالعاقل من اشتغل بعيوب نفسه. فإن قال لا أعلم لي عيباً فهذا أعظم عيب.\r-وخصلة ذميمة: أي واجتنب كل خصلة ذميمة شرعاً. وسيذكر المصنف -فيما يأتي- أنواعاً من الخصل الذميمة كالعجب والحسد اهتماماً بعيوب النفس. لأن بقاء عيوبها مع إصلاح الظاهر إنما هو بمثابة لبس ثياب حسنة على جسد ملطخ بالقاذورات. ومن الخصل الذميمة: الظلم والبغي والغش، كأن يخلط الرديء بالجيد، والكذب لغير مصلحة شرعية. \"ويجب الكذب لإنقاذ مسلم أو لإصلاح ذات بين\". ومنها عقوق الوالدين، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، والمداهنة إن كان فيها إفساد الدين، كأن يشكر ظالماً على ظلمه، أو مبطلاً على باطله. أما إذا توقف عليها دفع محرم فتجب، وتكره إن كانت وسيلة لمكروه، وإن خلت عن كل ذلك أبيحت اهـ. وقد قيل: المداهنة هي بذل الدين لأجل الدنيا، وأما بذل الدنيا لأجل الدين فتسمى مدارة، وهي محمودة.","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"135 - كالعُجْبِ والكِبْرِ وداءِ الحَسَدِ *** وكالمراءِ والجدلْ فاعتمدِ\rكالعجب: يبين هنا بعض الخصال الذميمة التي نوه بوجوب اجتنابها. والعجب: هو رؤية العبادة واستعظامها، كما يعجب العابد بعبادته، والعالم بعلمه، فهذا حرام غير مفسد للطاعة. والرياء حرام غير مفسد للطاعة، خلافاً لمن قال بأنه يفسدها. فإن الذي صرح به بعض المحققين أنه محبط للثواب فقط مع وقوع العمل صحيحاً. وإنما حرم العجب لأنه سوء أدب مع الله تعالى إذ لا ينبغي للعبد أن يستعظم ما يتقرب به لسيده، بل يستصغره بالنسبة لعظمة سيده، لا سيما عظمته سبحانه وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. أي ما عظموه حق عظمته. ومما يعين على دفع العجب أن الصادق المصدوق أخبر بأنه مهلك، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه\". فإذا أرادت نفسك العجب فقل: عوضك الله في العمل خيراً، ولا معنى للعجب بما لم يعلم أقبل أم لم يقبل؟. على أنه حيث يشهد أن كل شيء من الله تعالى لا يبقى له شيء يعجب به.","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"-والكبر: هو بطر الحق وغمص الخلق أو غمط الخلق، قال صلى الله عليه وسلم \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان\". وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي\". والمراد بعدم دخول الجنة عدمه مع السابقين، أو عدمه نهائياً إن استحل. وقيل لأول متكبر: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِرِينَ}. ولا يدخل في الكبر التجمل بالملابس وغيرها، إذ أنه مندوب في الصلوات والجماعات ونحوها، وفي حق المرأة لزوجها، وفي حق العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس، ويكون واجباً في حق ولاة الأمور وغيرهم إذا توقف عليه تنفيذ الواجب، فإن الهيئة المزرية لا تصلح معها مصالح العامة في العصور المتأخرة، لما طبعت عليه النفوس الآن من التعظيم بالصور ويكون حراماً إذا كان وسيلة لمحرم، ومكروهاً إذا كان وسيلة لمكروه، ومباحاً إذا خلا عن هذه الأسباب. قال العلماء بطر الحق: رده على قائله، أي عدم قبوله منه. وغمص الناس، واحتقارهم والتهاون بهم. وله دواء عقلي وشرعي وعادي. أما العقلي فبأن يعلم أن التأثير لله، وأنه لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعاً ولا ضراً فلا ينبغي لعاقل أن يتكبر، فإنه قد استوى القوي والضعيف والرفيع والوضيع في الذل الذاتي وقد قيل لسيد الكائنات: {لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ}.","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"وأما الشرعي فهو الوعيد الوارد فيه. وأما العادي فبأن ينظر لأصله ومآله وتقلباته، فإن أصله نطفة قذرة أصلها من دم، وأقام مدة وسط القاذورات، ثم هو الآن محشو بها، ومآله جيفة منتنة، فمن تأمل صفات نفسه عرف مقداره. والمتواضع من عرف الحق ورأى جميع ما معه من فضل الله تعالى، ولا يحقر شيئاً في مملكة سيده. ومحل كون الكبر حراماً إذا كان على عباد الله الصالحين وأئمة المسلمين، وهو حينئذ من الكبائر، ومن أعظم الذنوب القلبية. وأما إذا كان على أعداء الله تعالى فهو مطلوب شرعاً، والمراد به احتقارهم لأجل كفرهم ومعصيتهم.\r-وداء الحسد: وهو تمني زوال نعمة غيره سواء تمناها لنفسه، أو لا. بخلاف ما إذا تمنى مثل نعمة غيره فإنه غبطة محمودة في الخير، وقال صلى الله عليه وسلم: \"لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً، فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار\".\rودليل تحريمه الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: \"إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال العشب\". ودواء الحسد النظر للوعيد مع أنه إساءة أدب مع الله تعالى كأنه لا يسلم له حكمه.\r-وكالمراء: هو لغة الاستخراج. يقال: مارى فلان فلاناً، إذا استخرج ما عنده، وعرفاً: منازعة غيره فيما يدعي صوابه. ومحل كونه مذموماً إذا كان لتحقير غيرك، وإظهار مزيتك عليه. وقد ورد في الحديث: \"هلك المتنطعون - ثلاثاً -. أي المتعمقون في البحث. وورد أيضاً: \"سيكون في أمتي أقوام يغلقون فقهاءهم بعضل المسائل أولئك شرار أمتي\". وأما إذا كان المراء لإحقاق حق، وإبطال باطل فممدوح شرعاً، ولو من ولد لوالده، فيكون عقوقاً محموداً.","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"-والجدل: وهو دفع الشخص خصمه عن إفساد قوله بحجة، قاصداً به تصحيح كلامه. وعليه فالفرق بينه وبين المراء: أن الجدال يكون من قبل صاحب القول، يدفع عن قوله الإفساد، والمراء يكون من قبل الخصم. وإذا حققت النظر وجدتهما بمعنى واحد، وحينئذ تقول في تعريفهما: مقابلة الحجة بالحجة. ومحل حرمته إذا كان لإفساد قول غيره، بخلاف ما إذا كان لإحقاق حق أو إبطال باطل. قال الإمام الشافعي: ما ذاكرت أحداً وقصدت إفحامه، وإنما أذاكره لإظهار الحق من حيث هو حق.\r-فاعتمد: يشير المصنف -هنا- إلى انقضاء فن العقائد. فيقول: فاعتمد على ما ذكرته قبل، لأنه مذهب أهل السنة والجماعة.\r\r136 - وكُنْ كَمَا كانَ خيارُ الخلقِ *** حليفَ حِلْمٍ تابعاً للحقِّ\rوكن كما كان ..: هذا من باب التخلص من التخلية المنوه عنها باجتنب، إلى التحلية بالفضائل المشار إليها بقوله: وكن. وقد ذكر المصنف شيئاً من فن التصوف ومنه مباحث النميمة وما بها من المهلكات، فهي تصوف. وقد عرفوه: بأنه علم بأصول يعرف بها إصلاح القلب وسائر الحواس. وفائدته: صلاح أحوال الإنسان لما فيه من الحث على تصفية الاعتقاد، وكمال الأعمال بالسداد. قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: هو تجريد القلب لله تعالى، واحتقار ما سواه، بمعنى تخليص القلب لله تعالى، واعتقاد أن ما سواه لا ينفع ولا يضر، فلا يعول إلا على الله، وليس المراد به الازدراء والتنقيص. والحق أن التصوف ثمرة جميع علوم الشريعة، وليس قواعد مخصوصة مدونة. قال سهل بن عبد الله: الصوفي من صفى من الكدر وامتلأ من العبر وانقطع إلى الله عن البشر وتساوى عنده الذهب والمدر.","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"-خيار الخلق: أي كن متصفاً بأخلاق مثل الأخلاق التي كان عليها خيار الخلق. وخيار الخلق هو الرسول صلى الله عليه وسلم. لأنه جمع ما تفرق في غيره من الخصال الحميدة، فهو الخيار المطلق. والأولى أن يراد بالخيار كل من ثبتت له الخيرية، ولو بالنسبة لمن دونه، فيشمل الرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء والعلماء والشهداء والأولياء، والزهاد، والعباد، وإذا كانت المجاهدة على يد شيخ من العارفين-وهو من بدت عليه علائم الورع والزهد والتواضع والتمسك بالشرع والحض عليه، والحرص على خدمة المؤمنين- كانت أنفع. وقد قيل: حال رجل في ألف رجل أنفع من وعظ ألف رجل في رجل. فينبغي لزوم شيخ عارف مستقيم على الكتاب والسنة بأن يزنه قبل الأخذ عنه، فإن وجده على الكتاب والسنة لازمه وتأدب معه، فعساه يكتسب من حاله ما يكون به صفاء باطنه، والله يتولى الهداية.\r-حليف حلم: الحليف بمعنى المحالف والملازم. والحلم بمعنى تحمل مشاق عباد الله بحيث لا يستفزك الشيطان، ولا الهوى، ولا يحركك الغضب إلا في إنكار المنكرات، فليس الشجاعة بالصرعة، إنما الشجاع من يملك نفسه عند الغضب، فكن حليف حلم، وخص الحلم مع دخوله في عموم ما كان عليه خيار الخلق اهتماماً به، ولأنه وصف جامع لأوصاف الخير، لكن الحلم فيما يغضب الله تعالى مذموم.\r-تابعاً للحق: المراد بالحق -هنا- الله تعالى، لأن الحق من أسمائه. ويحتمل أن يكون المراد بالحق الأحكام الحقة. ولا يخفى عليك - أيها الموفق - إنك لا تكون تابعاً للحق إلا إذا كنت متمسكاً به ممتثلاً لأوامره، مجتنباً لنواهيه، عارضاً جميع أقوالك وأفعالك واعتقاداتك على الشريعة الغراء.","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"137 - فكلِّ خيرٍ في اتباعِ من سلفْ *** وكلُّ شَرٍّ في ابتداعِ مَنْ خَلَفْ\rفكل خير في اتباع من سلف: لما أمر في قوله: وكن كما كان.... علل هنا بأن كل خير إنما هو في إتباع من تقدم من الصالحين الأبرار، خصوصاً الأئمة الأربعة المجتهدين الذين انعقد الإجماع على امتناع الخروج عن مذاهبهم في الإفتاء والحكم. فكن كما كان خيار الخلق ولا تكن كما كان شرارهم، لأن كل شر في ابتداع من خلف. وهم من تأخر من الخلف السيئ الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. واعلم أن البدعة إنما تعتريها الأحكام الخمسة. فتارة تكون واجبة، كضبط المصاحف وتدوين الشريعة، وتارة تكون محرمة كالمكوس وسائر المحدثات المنافية للقواعد الشرعية والعقائد الفاسدة الزائغة التي ابتدعها أناس ملئوا حقداً وضغناً على الإسلام وأهله وتارة تكون مندوبة، كصلاة التراويح جماعة، لذا قال سيدنا عمر رضي الله عنه في التراويح عندما جمع الناس عليها: نعمة البدعة هذه، رواه البخاري.\rوتارة تكون مكروهة، كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف. وتارة تكون مباحة، كاتخاذ المناخل للدقيق، وإنما كانت مباحة لأن لين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله مباحة.\r\r138 - وكلُّ هديٍ للنبيِّ قدْ رَجَحْ *** فما أبيحَ افْعَلْ وَدَعْ ما لم يُبَحْ\rوكل هدي: أي وكل هدي منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم قد رجح على ما لم ينسب له صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال والاعتقاد، فأفضل الأحوال أحواله صلى الله عليه وسلم التي لم تنسخ، بخلاف ما نسخ كقيام الليل كله، وليس المقصود بها مجرد بيان الجواز، كوضوئه صلى الله عليه وسلم مرة مرة، ولا ما قام الدليل على اختصاصه به صلى الله عليه وسلم.\r-فما أبيح أفعل: أي فما لم ينه عنه -ولو تنزيهاً- أفعله. فالمراد بما أبيح الواجب والمندوب والمباح. والمباح هو ما استوى طرفاه، أي فعله وتركه. أما ما لم يبح فعله -وهو المنهي عنه- بأن كان محرماً، أو مكروهاً، أو خلاف الأولى، فدعه ولا تلتفت إليه.","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"139- فتابعِ الصالَح ممنْ سَلَفا *** وجانِبِ البدعةَ ممن خَلَفا\rفتابع الصالح: أي فتابع في عقائدك وأقوالك وأفعالك، الفريق الصالح ممن سلف. قال عليه الصلاة والسلام: \"أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجز، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة\". والصالح هو من قام بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، ويطلق على النبي كما يطلق على الولي إلا أن الصلاح في الأنبياء أكمل، ومهما بلغ الولي في رتبة الصلاح فإنه لن يبلغ أولى مراتب النبوة.\r-وجانب البدعة: أي واترك البدعة المذمومة ممن جاء بعد خواص الصحابة وعلمائهم. وقد علمت أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة. والحاصل أن كل ما وافق الكتاب والسنة أو الإجماع والقياس فهو سنة، وما خرج عن ذلك فهو بدعة مذمومة.","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"140- هذا وأرجو الله في الإخلاصِ *** من الرياءِ ثم في الخلاصِ\rهذا وأرجو الله: أي افهم هذا، أو هذا المذكور لك في المنظومة إنما هو مذهب أهل السنة. وقد أتى بهذا للانتقال من الأمر بمتابعة السلف ومجانبة البدعة ممن خلف إلى غرض آخر، وهو - هنا - رجاء الإخلاص. والرجاء هو تعلق القلب بمرغوب فيه مع الأخذ في الأسباب. قال ابن الجوزي: مثل الراجي مع الإصرار على المعصية كمثل من رجا حصاداً، وما زرع، أو ولداً وما تزوج، قال الشاعر:\rما بال دينك ترضى أن تدنسه *** وثوبك -الدهر- مغسول من الدنس\rترجو النجاة، ولم تسلك طريقتها *** إن السفينة لا تجري على اليبس\rوقد رجا الناظمُ الله تعالى بأن يهبه الإخلاص في عمله، والإخلاص: هو قصد الله وحده بالعبادة، وهو سبب الخلاص من أهوال يوم القيامة، وواجب عيني على كل مكلف في جميع الطاعات، قال تعالى:\r{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. وقال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}. ومما يعين على الإخلاص استحضار أن ما سوى الله تعالى لا شيء بيده، وأن كل شيء إنما هو بيد الله عز وجل. والصادق في إخلاصه لا يحب اطلاع الناس على حسن عمله، ولا يكره أن يطلع الناس على سيئه، ولا يبالي بخروج قدره من قلوب الخلق.","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"-من الرياء: أي بدل الرياء، والمعنى: وأرجو الله في الإخلاص بدل الرياء. والرياء هو أن يعمل العبد القربة ليراه الناس. وأما التسميع فهو أن يعمل العمل وحده ثم يخبر به الناس لأجل تعظيمهم له أو لجلب خير منهم. وكل من الرياء والتسميع محبط للثواب مع صحة العمل، خلافاً لما نص عليه السادة المالكية من أنه مبطل للعبادة. وقول الحسن: ومن أعطى غيره شيئاً حياء منه، له فيه أجر. وقول ابن سيرين من تبع جنازة حياء من أهلها فله أجر. وكل من هذين القولين محمول على ما إذا قصد جبر خاطر من أعطاه، وخاطر أهل الجنازة، لله تعالى، وإلا فهو رياء. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّين، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}.\rوالرياء قسمان: جلي وخفي، فالأول: أن يفعل الطاعة بحضرة الناس ليس غير، فإن خلا بنفسه لا يفعل شيئاً. والثاني: أن يفعلها مطلقاً حضر الناس، أو لا، لكنه يفرح عند حضورهم. قال الفضيل بن عياض: العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. فمن عزم على عبادة فتركها خوف الناس فهو مراء، إلا أن يتركها ليفعلها في الخلوة فهو مستحب.","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"-ثم في الخلاص ..: أي وأرجو الله في الخلاص من الوقوع في كيد الشيطان الرجيم وحبائله. ومن مكايد نفسي التي هي أشد، وفي الهوى. قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}. أي فأعلنوا عداوته ومخالفته في عقائدكم وأقوالكم وأفعالكم، وكونوا منه على حذر في جميع الأحوال. والمراد بالنفس -هنا النفس الأمارة - وهي التي تأمر بالسوء ولا تأمر بالخير إلا نادراً، بخلاف اللوامة، وهي التي تغلب صاحبها ثم ترجع عليه باللوم على ما وقع منه، لكونها أذعنت للحق بسبب المجاهدة؛ وبخلاف الملهمة، وهي التي ألهمت فجورها وتقواها بسبب المجاهدة، والمطمئنة، وهي التي اطمأنت إلى مكارم الأخلاق، والراضية، وهي التي رضيت بالله تعالى رباً من غير منازعة باطنية بسبب المجاهدة، والمرضية، وهي التي تجلى الله تعالى عليها بالرضى والعفو عما مضى، والكاملة، وهي التي صارت الكمالات لها طبعاً وسجية، ومع ذلك تترقى في الكمال. ثم بعد كمال النفس لا يجوز للشخص أن يتصدى للإرشاد إلا بإذن صريح. والهوى: هو ميل النفس إلى مرغوبها ولو كان فيه هلاكها، وإذا ما أطلق انصرف الميل إلى خلاف الحق، وقد يستعمل في الميل للحق، وذلك إذا قيد وإنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.\r\r141- من الرجيمِ ثم نفسي والهوى *** فمنْ يَمِلْ لهؤلاء قدْ غوى\rفمن يمل ..: أي فمن يمل للشيطان أو للنفس أو للهوى فقد غوى، فهذه الثلاثة التي هي منشأ كل فتنة، من ملكته، وغلبت عليه، فقد فارق الرشد، وخرج عن الاستقامة.","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"142 - هذا وأرجو الله أن يمنَحَنَا *** عندَ السؤالِ مُطْلَقاً حُجَّتَنا\rهذا وأرجو الله ..: أي هذا مطلوبي، أو أسال هذا، وإنما أتى بلفظ: هذا للتخلص من بحث إلى غيره. فهو يرجو الله تعالى رجاء متجدداً بتجدد الأحوال والأزمنة والأمكنة أن يمنحنا - نحن معاشر المسلمين، أو أهل العلم، أو الناظم ويكون تعبيره بضمير العظمة لإظهار سبب العظمة، وهو تأهيل الله تعالى إياه لطلب الدعاء، أو لطلب العلم، تحدثاً بالنعمة، وهذا لا ينافي أنه متذلل متخاضع لمولاه - الحجة عند ورود السؤال علينا، سواء كان السؤال في الدنيا أو في عالم القبر أو في عالم يوم القيامة، كما يفهم من قوله.\r-عند السؤال مطلقاً: والحجة إن كانت لسؤال في الدنيا فمعناها: امنحنا ما نحتج به على جواب ذلك السؤال احتجاجاً صحيحاً شرعياً بحيث لا مطعن فيه، ولا امتناع من قبوله. وإن كان لسؤال في الآخرة، فمعناها: امنحنا نفس الجواب النافع لنا، لأنه لم يرد أن الملائكة يطلبون من الميت بعد جوابه على سؤالهم إياه دليلاً يثبت به الجواب، بل متى وفقه الله تعالى وأجابهم انصرفوا عنه، وقالوا له: نم نومة العروس. وقال بعض العارفين: من ألطف منح الله تعالى الحجة للإنسان عند السؤال قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}. فإنه ألهمه الحجة بأن يقول: غرني كرمك يا رب.","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"143- ثم الصلاةُ والسلامُ الدائمُ *** على نبيٍّ دأبُهُ المراحمُ\rثم الصلاة والسلام: تقدمت مباحث الصلاة والسلام. وإنما قدم المؤلف الصلاة والسلام وختم بهما رجاء لقبول ما بينهما، لأن الصلاة مقبولة لا مردودة، والله تعالى أكرم من أن يقبل صلاتين ويرد ما بينهما، ولا ينبغي لمن أوردهما في آخر عمله أن يقصد بهما الإعلام بالتمام، فإن فعل وقع في الكراهة، مثل قول بعضهم: الله أعلم، عند التمام، إن قصد به الإعلام، وإنما ينبغي به التفويض إلى علم الله عز وجل.\r-الدائم على نبي: يحتمل السلام الدائم، أو الصلاة الدائمة مع السلام الدائم على نبي عادته المستمرة الرحمة للعالمين، ففيه تلميح لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.\r\r144- محمدٍ وآله وعِتْرَتِهْ *** وتابعٍ لنهجه من أُمَّتِهْ\rمحمد: ترك الناظم وصفه صلى الله عليه وسلم بالسيادة لضرورة النظم، إذ يستحب وصفه بها أدباً، كما قال الجلال المحلي.\r-وآله وعترته: تقدم الكلام على الآل، والعترة هم أهل البيت.\r-وتابع لنهجه: أي كل متبع لطريقته ولو في الإيمان فقط، فيدخل العصاة. والقصد بها التعميم في الدعاء لأنه أفضل.","part":1,"page":321}],"titles":[{"id":1,"title":"شرح جوهرة التوحيد","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"مقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"الكتاب","lvl":1,"sub":0}]}