{"pages":[{"id":1,"text":"الباء في بسم الله حرف التضمين؛ أي بالله ظهرت الحادثات ، وبه وجدت المخلوقات ، فما من حادث مخلوق ، وحاصل منسوق ، من عين وأثر وغبر ، وغيرٍ من حجر ومدر ، ونجم وشجر ، ورسم وطلل ، وحكم وعلل - إلا بالحق وجوده ، والحق مَلِكُه ، ومن الحق بدؤه ، وإلى الحق عوده ، فبه وَجَدَ من وَحَّد ، وبه جحد من الحد ، وبه عرف من اعترف ، وبه تخلَّف من اقترف .\rوقال : { بسم الله } ولم يقل بالله على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم ، وللفَرْقِ بين هذا وبين القَسَم عند الآخرين ، ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء ، ولاستصفاء القلوب من العلائق ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان ، ليكون ورود قوله { الله } على قلبٍ مُنقَّىً وسرٍ مُصَفَّىً . وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكرون من الباء ( بره ) بأوليائه ومن السين سره مع أصفيائه ومن الميم منته على أهل ولايته ، فيعلمون أنهم ببره عرفوا سرّه ، وبمنته عليهم حفظوا أمره ، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره . وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالباء براءة الله سبحانه وتعالى من كل سوء ، وبالسين سلامته سبحانه عن كل عيب ، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه ، وآخرون يذكرون عند الباء بهاءه ، وعند السين سناءه ، وعند الميم ملكه ، فلما أعاد الله سبحانه وتعالى هذه الآية أعني بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة وثبت أنها منها أردنا أن نذكر في كل سورة من إشارات هذه الآية كلمات غير مكررة ، وإشارات غير معادة ، فلذلك نستقصي القول ها هنا وبه الثقة .","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"قوله جل ذكره : { الحَمْدُ للهِ } .\rحقيقة الحمد الثناء على المحمود ، بذكر نعوته الجليلة وأفعاله الجميلة ، واللام ها هنا للجنس ، ومقتضاها الاستغراق؛ فجميع المحامد لله سبحانه إمَّا وصفاً وإمَّا خلقاً ، فله الحمد لظهور سلطانه ، وله الشكر لوفور إحسانه . والحمد لله لاستحقاقه لجلاله وجماله ، والشكر لله لجزيل نواله وعزيز أفضاله ، فحمده سبحانه له هو من صفات كماله وحَوْله ، وحمد الخَلْق له على إنعامه وطوْلِه ، وجلاله وجماله استحقاقه لصفات العلو ، واستيجابه لنعوت العز والسمو ، فله الوجود ( قدرة ) القديم ، وله الجود الكريم ، وله الثبوت الأحدي ، والكون الصمدي ، والبقاء الأزلي ، والبهاء الأبدي ، والثناء الديمومي ، وله السمع والبصر ، والقضاء والقدر ، والكلام والقول ، والعزة والطوْل ، والرحمة والجود ، والعين والوجه والجمال ، والقدرة والجلال ، وهو الواحد المتعال ، كبرياؤه رداؤه ، وعلاؤه سناؤه ، ومجده عزه ، وكونه ذاته ، وأزله أبده ، وقدمه سرمده ، وحقه يقينه ، وثبوته عينه ، ودوامه بقاؤه ، وقدره قضاؤه ، وجلاله جماله ، ونهيه أمره ، وغضبه رحمته ، وإرادته مشيئته ، وهو الملك بجبروته ، والأحد في ملكوته . تبارك الله سبحانه!! فسبحانه ما أعظم شأنه!\rفصل : عَلمَ الحق سبحانه وتعالى شدة إرادة أوليائه بحمده وثنائه ، وعجزَهم عن القيام بحق مدحه على مقتضى عزه وسنائه فأخبرهم أنه حَمِد نفسه بما افتتح به خطابه بقوله : { الحمد لله } فانتعشوا بعد الذِّلة ، وعاشوا بعد الخمود ، واستقلت أسرارهم لكمال التعزز حيث سمعوا ثناء الحق عن الحق بخطاب الحق ، فنطقوا ببيان الرمز على قضية الأشكال . وقالوا :\rولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل\rهذا خطيب الأولين والآخرين ، سيد الفصحاء ، وإمام البلغاء ، لمَّا سمع حمده لنفسه ، ومدحه سبحانه لحقِّه ، علم النبي أن تقاصر اللسان أليق به في هذه الحالة فقال : « لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك »\rداود لو سمعت أذناه قالتَها ... لما ترنّم بالألحان داود\rغنت سعاد بصوتها فتخاذلت ... ألحان داود من الخجل\rفصل : وتتفاوت طبقات الحامدين لتباينهم في أحوالهم؛ فطائفة حمدوه على ما نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعي صفة نفعِه ودفعِه ، وإزاحته وإتاحته ، وما عقلوا عنه من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم قال جل ذكره : { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا } [ النحل : 18 ] ، وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب لطائفه ، وأودع سرائرهم من مكنونات بره ، وكاشف أسرارهم به من خفي غيبه ، وأفرد أرواحهم به من بواده مواجده . وقوم حمدوه عند شهود ما كاشفهم به من صفات القدم ، ولم يردوا من ملاحظة العز والكرم إلى تصفح أقسام النعم ، وتأمل خصائص القِسَم ، و ( فرق بين ) من يمدحه بعز جلاله وبين من يشكره على وجود أفضاله ، كما قال قائلهم :\rوما الفقر عن أرض العشيرة ساقنا ... ولكننا جئنا بلقياك نسعد","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وقوم حمدوه مُسْتَهْلَكِين عنهم فيما استنطقوا من عبارات تحميده ، بما اصطلم أسرارهم من حقائق توحيده ، فهم به منه يعبِّرون ، ومنه إليه يشيرون ، يُجري عليهم أحكام التصريف ، وظواهرهم بنعت التفرقة مرعية ، وأسرارهم مأخوذه بحكم جمع الجمع ، كما قالوا :\rبيان بيان الحق أنت بيانه ... وكل معاني الغيب أنت لسانه\rقوله جل ذكره : { رَبِّ العَلَمِينَ } .\rالرب هو السيد ، والعالمون جميع المخلوقات ، واختصاص هذا الجمع بلفظ العالمين لاشتماله على العقلاء والجمادات فهو مالك الأعيان ومُنشيها ، ومُوجِد الرسوم والديار بما فيها .\rويدل اسم الرب أيضاً على تربية الخلق ، فهو مُربٍ نفوس العابدين بالتأييد ومربٍ قلوب الطالبين بالتسديد ، ومربٍ أرواح العارفين بالتوحيد ، وهو مربٍ الأشباح بوجود النِّعم ، ومربٍ الأرواح بشهود الكرم .\rويدل اسم الرب أيضاً على إصلاحه لأمور عباده من ربيت العديم أربه؛ فهو مصلح أمور الزاهدين بجميل رعايته ، ومصلح أمور العابدين بحسن كفايته ، ومصلح أمور الواجدين بقديم عنايته ، أصلح أمور قوم فاستغنوا بعطائه ، وأصلح أمور آخرين فاشتاقوا للقائه ، وثالث أصلح أمورهم فاستقاموا للقائه ، قال قائلهم :\rما دام عزُّك مسعوداً طوالعه ... فلا أبالي أعاش الناس أم فقدوا","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"اسمان مشتقان من الرحمة ، والرحمة صفة أزلية وهي إرادة النعمة وهما اسمان موضوعان للمبالغة ولا فضل بينهما عند أهل التحقيق .\rوقيل الرحمن أشد مبالغة وأتم في الإفادة ، وغير الحق سبحانه لا يسمى بالرحمن على الإطلاق ، والرحيم ينعت به غيره ، وبرحمته عرف العبد أنه الرحمن ، ولولا رحمته لما عرف أحد أنه الرحمن ، وإذا كانت الرحمة إرادة النعمة ، أو نفس النعمة كما هي عند قوم فالنعم في أنفسها مختلفة ، ومراتبها متفاوتة فنعمة هي نعمة الأشباح والظواهر ، ونعمة هي نعمة الأرواح والسرائر .\rوعلى طريقة من فرَّق بينهما فالرحمن خاص الاسم عام المعنى ، والرحيم عام الاسم خاص المعنى؛ فلأنه الرحمن رزق الجميع ما فيه راحة ظواهرهم ، ولأنه الرحيم وفق المؤمنين لما به حياة سرائرهم ، فالرحمن بما روَّح ، والرحيم بما لوَّح؛ فالترويح بالمَبَارِّ ، والتلويح بالأنوار : والرحمن بكشف تَجَلِّيه والرحيم بلطف تولِّيه ، والرحمن بما أولى من الإيمان والرحيم بما أسدى من العرفان ، والرحمن بما أعطى من العرفان والرحيم بما تولَّى من الغفران ، بل الرحمن بما ينعم به من الغفران والرحيم بما يَمُنُّ به من الرضوان ، بل الرحمن بما يكتم به والرحيم بما ينعم به من الرؤية والعيان ، بل الرحمن بما يوفق ، والرحيم بما تحقق ، والتوفيق للمعاملات ، والتحقيق للمواصلات ، فالمعاملات للقاصدين ، والمواصلات للواجدين ، والرحمن بما يصنع لهم والرحيم بما يدفع عنهم؛ فالصنع بجميل الرعاية والدفع بحسن العناية .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"المالك من له المُلك ، ومُلك الحق سبحانه وتعالى قدرته على الإبداع ، فالملك مبالغة من المالك وهو سبحانه الملك المالك ، وله المُلك . وكما لا إله إلا هو فلا قادر على الإبداع إلا هو ، فهو بإلهيته متوحد ، وبملكه متفرد ، ملك نفوس العابدين فصرفها في خدمته ، وملك قلوب العارفين فشرِّفها بمعرفته ، وملك نفوس القاصدين فتيَّمها ، وملك قلوب الواجدين فهيَّمها . ملك أشباح منْ عبَدَه فلاطفها بنواله وأفضاله ، وملك أرواح مَنْ أحبهم ( . . . . ) فكاشفها بنعت جلاله ، ووصف جماله . ملك زمام أرباب التوحيد فصرفهم حيث شاء على ما شاء ووفَّقهم حيث شاء على ما شاء كما شاء ، ولم يَكِلْهم إليهم لحظة ، ولا مَلَّكَهم من أمرهم سِنَّةٌ ولا خطرة ، وكان لهم عنهم ، وأفناؤهم له منهم .\rفصل : مَلَكَ قلوبَ العابدين إحسانُه فطمعوا في عطائه ، وملك قلوب الموحدين سلطانُه فقنعوا ببقائه . عرَّف أربابَ التوحيد أنه مالكهم فسقط عنهم اختيارهم ، علموا أن العبد لا ملك له ، ومن لا ملك له لا حكم له ، ومن لا حكم له لا اختيار له ، فلا لهم عن طاعته إعراض ولا على حكمه اعتراض ، ولا في اختياره معارضة ، ولا لمخالفته تعرّض ، { ويوم الدين } . يومُ الجزاء والنشر ، ويوم الحساب والحشر - الحق سبحانه وتعالى يجزي كلاً بما يريد ، فَمِنْ بين مقبولٍ يوم الحشر بفضله سبحانه وتعالى لا بفعلهم ، ومن بين مردودٍ بحكمه سبحانه وتعالى لا بِجُرْمِهم . فأمَّا الأعداء فيحاسبهم ثم يعذبهم وأمَّا الأولياء فيعاتبهم ثم يقربهم :\rقومٌ إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"معناه نعبدك وتستعين بك . والابتداء بذكر المعبود أتمُّ من الابتداء بذكر صفته - التي هي عبادته واستعانته ، وهذه الصيغة أجزل في اللفظ ، وأعذب في السمع . والعبادة الإتيان بغاية ما في ( بابها ) من الخضوع ، ويكون ذلك بموافقة الأمر ، والوقوف حيثما وقف الشرع .\rوالاستعانة طلب الإعانة من الحق .\rوالعبادة تشير إلى بذل الجهد والمُنَّة ، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول والمِنَّة ، فبالعبادة يظهر شرف العبد ، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد . في العبادة وجود شرفه ، وبالاستعانة أمان تلفه . والعبادة ظاهرها تذلل ، وحقيقتها تعزز وتجمُّل :\rوإذا تذللت الرقاب تقرباً ... مِنَّا إليك ، فعزُّها في ذُلِّها\rوفي معناه :\rحين أسلَمْتَني لذالٍ ولام ... ألقيتني في عينِ وزاي\rفصل : العبادة نزهة القاصدين ، ومستروح المريدين ، ومربع الأنس للمحبين ، ومرتع البهجة للعارفين . بها قُرَّةُ أعينهم ، وفيها مسرة قلوبهم ، ومنها راحة أرواحهم . وإليه أشار A بقوله : « أرِحنا بها يا بلال » ولقد قال مخلوق في مخلوق :\rيا قوم ثاري عند أسمائي ... يعرفه السامع والرائي\rلا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أصدق أسمائي\rوالاستعانة إجلالك لنعوت كرمه ، ونزلك بساحة جوده ، وتسليمك إلى يد حكمه ، فتقصده بأمل فسيح ، وتخطو إليه بخطو وسيع ، وتأمل فيه برجاء قوي ، وتثق بكرم أزلي ، وتنكل على اختيار سابق ، وتعتصم بسبب جوده ( غير ضعف ) .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"الهداية الإرشاد ، وأصلها الإمالة ، والمهديُّ من عرف الحق سبحانه ، وآثر رضاه ، وآمن به . والأمر في هذه الآية مضمر؛ فمعناه اهدنا بنا - والمؤمنون على الهداية في الحال - فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة . والصراط المستقيم الطريق الحق وهو ما عليه أهل التوحيد . ومعنى اهدنا أي مِلْ بنا إليك ، وخُذْنا لك ، وكن علينا دليلنا ، ويَسِّرْ إليك سبيلنا ، وأقم لنا هممنا ، واجمع بك همومنا .\rفصل : اقطعْ أسرارنا عن شهود الأغيار ، ولوِّح في قلوبنا طوالع الأنوار ، وأفْرِدْ قصودنا إليك عن دَنَس الآثار ، ورقِّنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جَمْع ساحات القُرب والوصال .\rفصل : حُلْ بيننا وبين مساكنة الأمثال والأشكال ، بما تلاطفنا به من وجود الوصال ، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال .\rفصل : أرْشِدْنَا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات ، ويقع على وجه التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال .\rاهدنا الصراط المستقيم أي أزِلْ عنَّا ظلمَاتِ أحوالنا لنستضيء بأنوار قُدْسِك عن التفيؤ بظلال طلبنا ، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك ، فنجدك بك .\rفصل : اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان ووساوسه ، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها ، أو يصدنا عن الوصول تعريج في أوطان التقليد ، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لي معتاد من التلقين ، وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة ، وظن أو عادة ، وكلل أو ضعف إرادة ، وطمع مالٍ أو استزادة .\rفصل : الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل ، وليس للبدعة عليه سلطان ولا إليه سبيل . الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد ، ونبهت عليه شواهد التحقيق ، الصراط المستقيم ما دَرَجَ عليه سَلَفُ الأمة ، ونطقت بصوابه دلائل العبرة . الصراط المستقيم ما باين الحظوظَ سالكُه ، وفارق الحقوقَ قاصدُه . الصراط المستقيم ما يُفْضِي بسالكه إلى ساحة التوحيد ، ويُشْهِدُ صاحبَه أثرَ العناية والجود ، لئلا يظنَّه موجَبٌ ( ببدل ) المجهود .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"يعني طريق من أنعمتَ عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم ، وهم الأولياء والأصفياء . ويقال طريق من ( أفنيتهم ) عنهم ، وأقمتهم بك لك ، حتى لم يقفوا في الطريق ، ولم تصدهم عنك خفايا المكر . ويقال صراط من أنعمت عليهم بالقيام بحقوقك دون التعريج على استجلاب حظوظهم .\rويقال صراط من ( طهرتهم ) عن آثارهم حتى وصلوا إليك بك .\rويقال صراط من أنعمت عليهم حتى تحرروا من مكائد الشيطان ، ومغاليط النفوس ومخاييل الظنون ، وحسبانات الوصول قبل خمود آثار البشر ( ية ) .\rويقال صراط من أنعمت عليهم بالنظر والاستعانة بك ، والتبري من الحول والقوة ، وشهود ما سبق لهم من السعادة في سابق الاختيار ، والعلم بتوحيدك فيما تُمضيه من المَسَار والمضار .\rويقال صراط الذين أنعمت عليهم بحفظ الأدب في أوقات الخدمة ، واستشعار نعت الهيبة .\rويقال صراط الذين أنعمت عليهم بأن حفظت عليهم آداب الشريعة وأحكامها عند غلبات ( بواده ) الحقائق حتى لم يخرجوا عن حد العلم ، ولم يُخِلُّوا بشيء من أحكام الشريعة . ويقال صراط الذين أنعمت عليهم حتى لم تطفئ شموسُ معارفهم أنوارَ ورعهم ولم يُضيِّعُوا شيئاً من أحكام الشرع .\rويقال صراط الذين أنعمتَ عليهم بالعبودية عند ظهور سلطان الحقيقة .\rقوله جل ذكره : { غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } .\rالمغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان ، وأدركتهم مصائب الحرمان ، وركبتهم سطوة الرد ، وغلبتهم بَوَاده الصد والطرد .\rويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان ، وأصابهم سوء الخسران ، فشغلوا في الحال باجتلاب الحظوظ - وهو في التحقيق ( شقاء ) ؛ إذ يحسبون أنهم على شيء ، وللحق في شقائهم سر .\rويقال هم الذين أنِسُوا بنفحات التقريب زماناً ثم أظهر الحق سبحانه في بابهم شانا؛ بُدِّلوا بالوصول بعاداً ، وطمعوا في القرب فلم يجدوا مراداً ، أولئك الذين ضلّ سعيُهم ، وخاب ظنهم .\rويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق ، والتعامي عن رؤية التأييد . ولا الضالين عن شهود سابق الاختيار ، وجريان التصاريف والأقدار .\rويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة ، وتقصيرهم في أداء شروط الطاعة .\rويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا في مفاوز الغيبة ، وتفرّقت بهم الهموم في أودية وجوه الحسبان .\rفصل : ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين ، والتأمين سُنَّة ، ومعناه يا رب افعل واستجب ، وكأنه يستدعي بهذه القالة التوفيق للأعمال ، والتحقيق للآمال ، وتحط رِجْلُه بساحات الافتقار ، ويناجي حضرة الكرم بلسان الابتهال ، ويتوسل ( بتبريه ) عن الحول والطاقة والمُنَّة والاستطاعة إلى حضرة الجود . وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"هذه الحروف المقطعة في أوائل السورة من المتشابِه الذي لا يعلم تأويله إلا الله - عند قوم ، ويقولون لكل كتاب سر ، وسر الله في القرآن هذه الحروف المقطعة . وعند قوم إنها مفاتح أسمائه ، فالألف من اسم ( الله ) ، واللام يدل على اسمه « اللطيف » ، والميم يدل على اسمه « المجيد » و « الملك » .\rوقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه .\rوقيل إنها أسماء السور .\rوقيل الألف تدل على اسم « الله » واللام تدل على اسم « جبريل » والميم تدل على اسم « محمد » A ، فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى محمد A .\rوالألِف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة ، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه ، واستغنائه عن الجميع .\rويقال يتذكر العبد المخلص مِنْ حالة الألف تَقَدُّسَ الحق سبحانه وتعالى عن التخصص بالمكان؛ فإن سائر الحروف لها محل من الحَلقْ أو الشفة أو اللسان إلى غيره من المدارج غير الألف فإنها هويته ، لا تضاف إلى محل .\rويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى فيكون كالألف لا يتصل بحرف ، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه .\rويقال يطالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى ، وعند مخاطبته باللام بلين جانبه في ( مَراعاة ) حقه ، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه .\rويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة ، والتميز عن الاتصال بشيء من أضرابها من الحروف ، فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرَّد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حَظِي بالرتبة العليا ، وفاز بالدرجة القصوى ، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة ، على سنة الأحباب في ستر الحال ، وإخفاء الأمر على الأجنبي من القصة - قال شاعرهم :\rقلت لها قفي قالت قاف ... لا تحسبي أَنَّا نسبنا لا يخاف ... ولم يقل وقفت ستراً على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل : « قالت قاف » .\rويقال تكثر العبارات للعموم والرموز والإشارات للخصوص ، أَسْمَعَ موسى كلامَه في ألف موطن ، وقال لنبيّنا محمد A : أَلِفْ . . . وقال عليه السلام : « أوتيتُ جوامْع الكلِم فاختُصِرَ لي الكلامُ اختصاراً » وقال بعضهم : قال لي مولاي : ما هذا الدنَف؟ قلت : تهواني؟ قال : لام ألف .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"قوله جلّ ذكره : { ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } .\rقيل ذلك الكتاب أي هذا الكتاب ، وقيل إشارة إلى ما تقدم إنزاله من الخطاب ، وقيل ذلك الكتاب الذي وعدْتُك إنزاله عليك يوم الميثاق .\rلا ريب فيه ، فهذا وقت إنزاله . وقيل ذلك الكتاب الذي كتبتُ فيه الرحمةَ على نفسي لأمتك - لا شك فيه ، فتحقق بقولي .\rوقيل الكتاب الذي هو سابق حكمي ، وقديم قضائي لمن حكمت له بالسعادة ، أو ختمت عليه بالشقاوة لا شك فيه .\rوقيل ( حكمي الذي أخبرت أن رحمتي سبقت على غضبي لا شك فيه ) .\rوقيل إشارة إلى ما كتب في قلوب أوليائه من الإيمان والعرفان ، والمحبة والإحسان ، وإن كتاب الأحباب عزيز على الأحباب ، لا سيما عند فقد اللقاء ، وبكتاب الأحباب سلوتهم وأنسهم ، وفيه شفاؤهم ورَوْحهم ، وفي معناه أنشدوا :\rوكتْبُكَ حولي لا تفارق مضجعي ... وفيها شفاء للذي أنا كاتم\rوأنشدوا :\rورد الكتاب بما أقَرَّ عيوننا ... وشفى القلوب فَنِلْن غايات المنى\rوتقاسم الناسُ المسرةَ بينهم ... قِسَماً وكان أجلهم حَظّاً أنا\rقوله جلّ ذكره : { هَدىً لِلمُتَّقِينَ } .\rأي بياناً وحجة ، وضياء ومحجة ، لمن وقاه الحق سبحانه وتعالى من ظلمات الجهل ، وبصَّره بأنوار العقل ، واستخلصه بحقائق الوصل . وهذا الكتاب للأولياء شفاء ، وعلى الأعداء عمًى وبلاء . المُتَّقي من اتقى رؤية تقاه ، ولم يستند إلى تقواه ، ولم يَرَ نجاته إلا بفضل مولاه .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ } .\rحقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق ، وموجب الأمرين التوفيق . والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد ، في حفظ العهد ، ومراعاة الحد . فالمؤمنون هم الذين صدَّقوا باعتقادهم ثم الذين صَدَقُوا في اجتهادهم .\rوأمَّا الغيب فما يعلمه العبد مما خرج عن حد الاضطرار؛ فكل أمر ديني أدركه العبد بضرب استدلال ، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غَيْبِيٌّ . فالرب سبحانه وتعالى غيب . وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر ، والثواب والمآب ، والحساب والعذاب - غيب .\rوقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب ، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم و إشارة اليقين ، فأوْرَدَهم صدقُ الاستدلال ساحاتِ الاستبصار ، وأوصلهم صائبُ الاستشهاد إلى مراتب السكون؛ فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعي الريب . ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار ، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية ، وطلب بخواطر ذكية ، وردِّ وردع لدواعٍ ردية ، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم ، وفي معناه أنشدوا :\rلَيْلِي من وجهك شمس الضحا ... وظلامه في الناس ساري\rوالناس في سدف الظلا ... م ونحن في ضوء النهار\rوأنشدوا :\rطلعت شمس من أحبَّك ليلاً ... فاستضاءت وما لها من غروب\rإن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب\rومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب في شهود الغيب فصار غيباً يغيب .\rوأمَّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية مَنْ يُصَلَّى له فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه ، وهو عن ملاحظتها محو ، فنفوسهم مستقبلة القِبْلة ، وقلوبهم مستغرقة في حقائق الوصلة :\rأراني إذا صَلَّيْت يَمَّمْت نحوها ... بوجهي وإنْ كان المُصَلَّى ورائيا\rأصلي فلا أدري إذا ما قضيتها ... اثنتين صليت الضحا أم ثمانيا؟\rوإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون من الفرض ، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون . أما أهل الخصوص فيردون قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون؛ فشتَّان بين غائبٍ يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة ، وبين غائبٍ يرجع إلى أحكام الشرع ولكن عند حقائق الوصلة .\rقوله جلّ ذكره : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .\rالرزق ما تمكَّن الإنسان من الانتفاع به ، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمَّا نَفْلاً وإما فرضاً على موجب تفصيل العلم . وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله سبحانه وتعالى شيئاً من ميسورهم؛ فينفقون نفوسهم في آداب العبودية ، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية . فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال ، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال ، فهؤلاء يكتفي منهم عِشْرين بنصفٍ ومن المائتين بِخَمس ، وعلى هذا السَّنَن جميع الأموال يعتبر فيه النِّصاب .","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وأمَّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم - لأنفسهم ولحظوظهم - لحظةً قامت عليهم القيامة .\rفصل : الزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم ، فآثروا رضاء الله على مناهم ، والعابدون أنفقوا في سبيل الله وسعهم وقواهم ، فلازموا سراً وعلناً نفوسهم . والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شيء من دنياهم وعقباهم . والعارفون أنفقوا في سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرَّبهم الحق سبحانه وأجزاهم ، ويحكم الإفراد به لقَّاهم .\rفصل : الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم . والفقراء أنفقوا من هممهم على مَنَابَتِهمْ . ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله فبإيمانهم بالغيب قاموا بقلوبهم ، وبصلاتهم قاموا بنفوسهم ، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم ، فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم ، وحين قاموا لِحَقِّه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"إيمانهم بالغيب اقتضى إيمانهم بالقرآن ، وبما أنزل الله من الكتب قبل القرآن ، ولكنه أعاد ذكر الإيمان ها هنا على جهة التخصيص والتأكيد ، وتصديق الواسطة A في بعض ما أخبر يوجب تصديقه في جميع ما أخبر ، فإن دلالة صِدْقه تشهد على الإطلاق دون التخصيص ، وإنما أيقنوا بالآخرة لأنهم شهدوا على الغيب فإن حارثة لما قال له رسول الله A : « كيف أصبحت؟ » قال : أصبحت مؤمناً بالله حقاً ، وكأني بأهل الجنة يتزاورون وكأني بأهل النار يتعاوون وكأني بعرش ربي بارزاً فقال رسول الله A : « أصبْتَ فالْزَمْ »\rوهذا عامر بن عبد القيس يقول : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً » . وحقيقة اليقين التخلص عن تردد التخمين ، والتقصي عن مجوزات الظنون .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"يعني على بيان من ربهم ويقين وكشف وتحقيق ، وذلك أنه تجلَّى لقلوبهم أولاً بآياته ثم تجلَّى لها بصفاته ثم تجلى لها بحقه وذاته .\rوقوم { على هدىً ربهم } بدلائل العقول؛ وضعوها في موضعهما فوصلوا إلى حقائق العلوم ، وقوم على بصيرة ملاطفات التقريب فبمشاهدة الرحمة والكرم وصلوا إلى بيان اليقين ، وآخرون ظهرت الحقيقة لأسرارهم فشهدوا بالغيب حقيقة الصمدية ، فوصلوا بحكم العرفان إلى عين الاستبصار .\r{ وأولئك هم المفلحون } الفلاح الظفر بالبُغية ، والفوز الطِلبة ، ولقد نال القوم البقاء في مشهد اللقاء فظفروا بقهر الأعداء ، وهي غاغة النفوس من هواجسها ، ثم زلات القلوب من خواطرها ، فوقفوا بالحق للحق بلا واسطة من عقل ، أو رجوع إلى ذكر وفكر .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"من كان في غطاء وصفه محجوباً عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلَّه على الحق ، وقول من أعانه على استجلاب الحظ ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل ، وفي الإصغاء إليها أرغب . كيف لا؟ وهو بِكَيِّ الفرقة موسوم ، وفي سجن الغيبة محبوس ، وعن محل القربة ممنوع ، لا يحصل منهم إيمان ، لأنه ليس لهم من الحق أمان؛ فلمَّا لم يؤمنوا لم يؤمِنوا . حكم سبق من الله حتم ، وقول له فصل ، وإن القدرة لا تُعارَض ، ومن زاحم الحق في القضية كبسته سطوات العزة ، وقَصَمتهْ بواده الحكم .\rويقال إن الكافر لا يرعوي عن ضلالتهِ لِمَا سَبَق من شقاوته ، وكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه ، فهو لا يبصر رشده ، ولا يسلك قصده . ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المُبْطِلين ، لأن الله سبحانه وتعالى نزع عن أحواله بركاتِ الإنصاف ، فلا يدرك بسمع القبول ، ولا يُصغي إلى داعي الرشاد ، كما قيل :\rوعلى النصوح نصيحتي ... وعليَّ عصيان النصوح\rويقال من ضلَّ عن شهود المِنَّةِ عليه في سابق القسمة تَوَهَّمَ أن الأمر من حركاته وسَكَنَاته فاتَّكَلَ على أعماله ، وتعامى عن شهود أفضاله .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"الختم على الشيء يمنع ما ليس فيه أن يدخله وما فيه أن يخرج منه ، وكذلك حَكَمَ الحقُّ سبحانه بألا يُفارقَ قلوبَ أعدائه ما فيها من الجهالة والضلالة ، ولا يدخلها شيء من البصيرة والهداية . على أسماع قلوبهم غطاء الخذلان ، سُدَّت تلك المسامع عن إدراك خطاب الحق من حيث الإيمان ، فوساوس الشيطان وهواجس النفوس شغلتها عن استماع خواطر الحق . وأمَّا الخواص فخواطر العلوم وجولان تحقيقات المسائل في قلوبهم شغلت قلوبهم عن ورود أسرار الحق عليهم بلا واسطة ، وإنما ذلك لخاص الخاص ، لذا قال رسول الله A : « لقد كان في الأمم مُحَدَّثُون فإن يكن في أمتي فعمر » فهذا المحدَّث مخصوص من الخواص كما أن صاحب العلوم مخصوص من بين العوام . وعلى بصائر الأجانب غشاوة فلا يشهدون لا ببصر العلوم ولا ببصيرة الحقائق ، ولهم عذاب عظيم لحسبانهم أنهم على شيء ، وغفلتهم عما مُنُوا من المحنة ( و . . . ) في الحال والمال ، في العاجل فُرقَته ، وفي الآجل حُرقته .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"ثبتوا على نفاقهم ، ودأبوا على أن يلبِّسوا على المسلمين ، فهتَكَ الله أستارهم بقوله : { وما هم بمؤمنين } كذا قيل :\rمن تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان ما يَدَّعِيه\rولما تجردت أقوالهم عن المعاني كان وبال ما حصلوه منها أكثر من النفع الذي توهموه فيها ، لأنه تعالى قال : { إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } [ النساء : 145 ] ولولا نفاقهم لم يزدد عذابهم .\rويقال لما عَدِموا صدق الأحوال لم ينفعهم صدق الأقوال ، فإن الله تعالى قال : { واللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [ المنافقون : 1 ] فكانوا يقولون نشهد إنك لرسول الله ، وكذلك من أظهر من نفسه ما لم يتحقق به افتضح عند أرباب التحقيق في الحال ، وقيل :\rأيها المدعي سليمى هواها ... لستَ منها ولا قلامة ظفر\rإنما أنت في هواها كواوٍ ... أُلْصِقت في الهجاء ظلماً بعمرو","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"عاد وبال خداعهم والعقوبة عليه إلى أنفسهم فصاروا في التحقيق كأنهم خادعوا أنفسهم ، فما استهانوا إلا بأقدارهم ، وما اسْتَخَفُّوا إلا بأنفسهم ، وما ذاق وبالَ فعلهم سواهم ، وما قطعوا إلا وتينَهم . ومن كان عالماً بحقائق المعلومات فمن رام خداعه إنما يخدع نفسه .\rوالإشارة في هذه الآية أن من تناسى لطفه السابق وقال لي وبي ومني وأنا يقع في وهمه وظنه لك وبك ومنك وأنت ، وهذا التوهم أصعب العقوبات لأنه يرى سراباً فيظنه شراباً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"في قلوب المنافقين مرض الشك ، ويزيدهم الله مرضاً بتوهمهم أنهم نجوا بما لبَّسوا على المسلمين ، ثم لهم عذاب أليم مؤلم ، يَخْلُص وجعه إليهم في المآل . ( وفي ) الإشارة يحصل لمن خلط قصده بحظِّه ، وشاب إرادته بهواه ( أن ) يتقدم في الإرادة بِقَدَم ، ويتأخر بالحظوظ ومتابعة النَفْس بأخرى ، فهو لا مريدٌ صادقٌ ولا عاقلٌ متثبت . ولو أن المنافقين أخلصوا في عقائدهم لأَمِنوا في الآخرة من العقوبة كما أَمِنوا في الدنيا من نحو بذلك الجزية وغير ذلك مما هو صفة أهل الشرك والذمة ، كذلك لو صدق المريد في إرادته لوصل بقلبه إلى حقائق الوصلة ، ولأدركته بركات الصدق فيما رامه من الظفر بالبُغية ، ولكن حاله كما قيل :\rفما ثبتنا فيثبت لنا عدل بلا حنف ... ولو خلصنا تخلصنا من المحن\rوإن من سقمت عبادته حيل بينه وبين درجات الجنات ، ومن سقمت إرادته حيل بينه وبين مواصلات القُرْبِ والمناجاة . وأمَّا من ركن إلى الدنيا واتَّبع الهوى فسكونُهم إلى دار الغرور سقم لقلوبهم ، والزيادة في علتهم تكون بزيادة حرصهم؛ كلما وجدوا منها شيئاً - عَجَّلَ لهم العقوبة عليه - يتضاعف حرصهم على ما لم يجدوه .\rثم من العقوبات العاجلة لهم تشتتُ همومهم ثم تَبَغض عيشهم فيبغون بها عن مولاهم ، ولم يكن لهم استمتاع ولا راحة فيما آثروه من متابعة هواهم ، وهذا جزاء من أعرض عن صحبة مولاه ، وفي معناه قيل :\rتبدلت فتبدلنا واحسرتا ... لمن ابتغى عوضاً ليسلو فلم يجد\rوالإشارة في العذاب الأليم بما كانوا يكذبون إنما هي الحسرة يوم الكشف إذا رأوا أشكالهم الذين صدقوا كيف وصلوا ، ورأَوْا أنفسهم كيف خسروا .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"الإشارة منها : أنه إذا دعاهم واعظ في قلوبهم من خفي خواطرهم إلى ما فيه رشدهم تتبعوا رخص التأويل ، ولبَّسوا على أنفسهم ما يشهد بقساوة قلوبهم ، وحين جحدوا برهان الحق من خواطر قلوبهم نزع الله البركة من أحوالهم ، وأبدلهم تصامُماً عن الحق ، وابتلاهم بالاعتراض على الطريقة وسلبهم الإِيمان بها .\rوكما أن المرتد أشد على المسلمين عداوة كذلك من رجع عن الإرادة إلى الدنيا والعادة فهو أشد الناس إنكاراً لهذه الطريقة ، وأبعد من أهلها ، وفي المَثَل : من اخترق كُدسه تمنى أن يقع بجميع الناس ما أصابه .\rوإرفاق المرتدين عن طريق الإرادة - عند الصادقين منهم - غير مقبول كما أن رسول الله A لم يقبل زكاة ثعلبة .\rويقال كفى لصاحب الكذب فضيحة بأن يقال له في وجهه كذبتَ ، فهم لمَّا قالوا إنما نحن مصلحون ، أكذبهم الحق سبحانه فقال : { ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون } : إنَّا نَعْلَمُهم فَنَفْضَحُهم .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"الإشارة منها أن المنافقين لما دُعُوا إلى الحق وصفوا المسلمين بالسَّفَه ، وكذلك أصحاب الغنى إذا أُمِروا بِتَرْكِ الدنيا وصفوا أهل الرشْد بالكسل والعجز ، ويقولون إن الفقراء ليسوا على شيء ، لأنه لا مال لهم ولا جاه ولا راحة ولا عيش ، وفي الحقيقة هم الفقراء وهم أصحاب المحنة؛ وقعوا في الذل مخافة الذل ، ومارسوا الهوان خشية الهوان ، شيَّدوا القصور ولكن سكنوا القبور ، زيَّنوا المهد ولكن أُدرجوا اللحد ، ركضوا في ميدان الغفلة ولكن عثروا في أودية الحسرة ، وعن قريب سيعلمون ، ولكن حين لا ينفعهم علمهم ، ولا يغني عنهم شيء .\rسوف ترى إذا انجلى الغبارُ ... أَفَرَسٌ تَحْتَكَ أم حمارُ","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"أراد المنافقون أن يجمعوا بين عِشْرة الكفار وصحبة المسلمين ، فإِذا برزوا للمسلمين قالوا نحن معكم ، وإذا خَلَوْا بأضرابهم من الكفار أظهروا الإخلاص لهم ، فأرادوا الجمع بين الأمْرَيْن فَنُفُوا عنهما . قال الله تعالى : { مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ } [ النساء : 143 ] وكذلك من رام أن يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يلتئم ذلك ، فالضدان لا يجتمعان ، و « المُكَاتَبُ عَبدٌ ما بَقِيَ عليه درهم » ، وإذا ادلهم الليل من ها هنا أدبر النهار من ها هنا ، ومن كان له في كل ناحية خليط ، وفي زاوية من قلبه ربيط كان نهباً للطوارق ، ينتابه كل قوم ، وينزل في قلبه كل ( . . . ) ، فقلبه أبداً خراب ، لا يهنأ بعيش ، ولا له في التحقيق رزق من قلبه ، قال قائلهم :\rأراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام\rولما قال المنافقون : { إنما نحن مستهزئون } قال الله تعالى : { الله يستهزئ بهم } أي يجازيهم على استهزائهم ، كذلك لما ألقى القوم أزِمَّتهم في أيدي الشهوات استهوتهم في أودية التفرقة ، فلم يستقر لهم قدم على مقام فتطوحوا في متاهات الغيبة ، وكما يمد المنافقين في طغيانهم يعمهون يطيل مدة هؤلاء في مخايل الأمل فيكونون عند اقتراب آجالهم أطول ما كانوا أملاً ، وأسوأ ما كانوا عملاً ، ذلك جزاء ما عملوا ، ووبال ما صنعوا . وتحسين أعمالهم القبيحة في أعينهم من أشد العقوبات لهم ، ورضاؤهم بما فيه من الفترة أَجَلُّ مصيبة لهم .","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"الإشارة منها أن من بقي عن الحقوق بالبقاء في أوطان الحظوظ خسرت صفقتهم ، وما ربحت تجارتهم . والذي رضي بالدنيا عن العقبى لفي خسران ظاهر .\rومن آثر الدنيا أو العقبى على الحق تعالى لأشد خسرانا .\rوإذا كان المصاب بفوات النعيم مغبونا فالذي مُنِيَ بالبعاد عن المناجاة وانحاز بقلبه عن مولاه ، وبقي في أسْرِ الشهوات ، لا إلى قلبه رسول ، ولا لروحه وصول ، ولا معه مناجاة ، ولا عليه إقبال ، ولا في سرّه شهود - فهذا هو الْمُصَابُ والْمُمْتَحَن .\rوإن من فاته وقت فقد فاته ربه ، فالأوقات لا خَلَفَ عنها ولا بَدَلَ منها ، ولقد قال بعضهم :\rكنتَ السوادَ لمقلتي ... فبكى عليك الناظر\rمن شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"هذا مثل ضربه الله سبحانه للمنافقين بمن استوقد ناراً في ابتداء ليلته ثم أطفئت النيران فبقي صاحبها في الظلمة ، كذلك المنافق ظهر عليه شيء من العوافي في الدنيا بظاهره ثم امْتُحِنُوا في الآخرة بأليم العقوبة ، أو لاح شيء من إقرارهم ثم بقوا في ظلمة إنكارهم .\rوالإشارة من هذه الآية لمن له بداية جميلة؛ يسلك طريق الإرادة ، ويتعنَّى مدة ، ويقاسي بعد الشدّة شدة ، ثم يرجع إلى الدنيا قبل الوصول إلى الحقيقة ، ويعود إلى ما كان فيه من ظلمات البشرية . أورق عُودُه ثم لم يثمر ، وأزهر غصنه ثم لم يدركه ، وعجَّل كسوف الفترة على أقمار حضوره ، وردّته يد القهر بعد ما أحضره لسان اللطف ، فوطن عن القرب قلبه ، وغلّ من الطالبين نفسه ، فكان كما قيل :\rحين قرّ الهوى وقلنا سُرِرْنا ... وَحِسْبناً من الفراق أمِنَّا\rبعث البَيْن رُسْل في خفاءٍ ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا\rوكذلك تحصل الإشارة في هذه الآية لمن له أدنى شيء من المعاني فيظهر الدعاوى فوق ما هو به ، فإِذا انقطع عنه ( . . . ) ماله من أحواله بقي في ظلمة دعاواه .\rوكذلك الذي يركن إلى حطام الدنيا وزخرفها ، فإِذا استتبت الأحوال وساعد الأمل وارتفع المراد - برز عليه الموت من مكامن المكر فيترك الكُل ويحمل الكَلَّ .","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"صم عن سماع دواعي الحق بآذان قلوبهم ، بكم عن مناجاة الحق بألسنة أسرارهم ، عمي عن شهود جريان المقادير بعيون بصائرهم ، فهم لا يرجعون عن تماديهم في تهتكم ، ولا يرتدعون عن انهماكهم في ضلالتهم .\rويقال صم عن السماع بالحق ، بكم عن النطق بالحق ، وعمي عن مطالعة الخلق بالحق . لم يسبق لهم الحكم بالإقلاع ، ولم تساعدهم القسمة بالارتداع .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"معنى قوله أو لإباحته ضرب مثلهم إمَّا بهذا وإما بذلك شبَّه القرآن بمطرٍ ينزل من السماء ، وشبَّه ما في القرآن من الوعد والوعيد بما في المطر من الرعد والبرق ، وشبه التجاءهم إلى الفرار عند سماع أصوات الرعد . كذلك الإشارة لأصحاب الغفلات إذا طرق أسماعَهم وعظُ الواعظين ، أو لاحت لقلوبهم أنوار السعادة؛ ولو أقلعوا عمَّا هم فيه من الغفلة لَسَعِدُوا ، لكنهم ركنوا إلى التشاغل بآمالهم الكاذبة ، وأصروا على طريقتهم الفاسدة ، وتعللوا بأعذار واهية ، ويحلِفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ، يهلكون أنفسهم ، ويسعون في الخطرِ بأيْمانهم :\rإن الكريم إذا حباك بوُدِّه ... سَتَرَ القبيحَ وأظهر الإحسانا\rوكذا الملول إذا أراد قطيعةً ... ملّ الوِصال وقال كان وكانا","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"من تمام مثل المنافقين - كذلك أصحاب الغفلات - إذا حضروا مشاهد الوعظ ، أو جنحت قلوبهم إلى الرقة ، أو داخلهم شيء من الوهلة تَقْرُبُ أحوالهم من التوبة ، وتقوى رغبتهم في الإنابة حتى إذا رجعوا إلى تدبرهم ، وشاوروا إلى قرنائهم ، أشار الأهل والولد عليهم بالعَوْدِ إلى دنياهم ، وبسطوا فيهم لسان النصح ، وهَدَّدُوهم بالضعف والعجز ، فيضعف قصودُهم ، وتسقط إرادتهم ، وصاروا كما قيل :\rإذا ارعوى ، عاد إلى جهله ... كَذِي الضنى عاد إلى نكسه\rوقال : { وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } يعني سمع المنافقين الظاهر وأبصارهم الظاهرة ، كما أصمهم وأعماهم بالسر ، فكذلك أرباب الغفلة ، والقانعون من الإسلام بالظواهر - فالله تعالى قادر على سلبهم التوفيق فيما يستعملونه من ظاهر الطاعات ، كما سلبهم التحقيق فيما يستبطنونه من صفاء الحالات .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"العبادة موافقة الأمر ، وهي استفراغ الطاقة في مطالبات تحقيق الغيب ، ويدخل فيه التوحيد بالقلب ، والتجريد بالسر ، والتفريد بالقصد ، والخضوع بالنفس ، والاستسلام للحكم .\rويقال اعبدوه بالتجرد عن المحظورات ، والتجلد في أداء الطاعات ، ومقابلة الواجبات بالخشوع والاستكانة ، والتجافي عن التعريج في منازل الكسل والاستهانة .\rقوله : { لعلكم تتقون } : تقريب الأمر عليهم وتسهيله ، ولقد وقفهم بهذه الكلمة - أعني لعلَّ - على حد الخوف والرجاء .\rوحقيقة التقوى التحرز والوفاء ( بالطاعة ) عن متوعدات العقاب .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"تعرَّف إليهم بذكر ما مَنَّ به عليهم من خَلْقِ السماء لهم سقفاً مرفوعاً ، وإنشاء الأرض لهم فرشاً موضوعاً ، وإخراج النبات لهم بالمطر رزقاً مجموعاً . ويقال أعتقهم عن مِنَّة الأمثال بما أزاح لهم من العلة فيما لا بُدَّ منه ، فكافيهم السماء لهم غطاءً ، والأرض وطاءً ، والمباحات رزقاً ، والطاعة حرفةً ، والعبادة شغلاً ، والذكر مؤنساً ، والرب وكيلاً - فلا تجعلوا لله أنداداً ، ولا تُعلِّقوا قلوبكم بالأغيار في طلب ما تحتاجون إليه؛ فإن الحق سبحانه وتعالى مُتَوَحدِّ بالإبداع ، لا مُحْدِثَ سواه ، فإذا توهمتم أن شيئاً من الحادثات من نفع أو ضرر ، أو خيرٍ أو شر يحدث من مخلوق كان ذلك - في التحقيق شِرْكاً .\rوقوله D : { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن من له حاجة في نفسه لا يَصْلُحُ أن تَرفَع حاجتك إليه . وتعلُّقُ المحتاج بالمحتاج ، واعتماد الضعيف على الضعيف يزيد في الفقر ، ولا يزيل هو أجم الضُر .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"لبَّس على بصائر الأجانب حتى لم يشهدوا حبيبه صلوات الله عليه ، فتاهوا في أدوية الظنون لما فقدوا نور العناية ، فلم يزدد الرسول عليهم إتياناً بالآيات ، وإظهاراً من المعجزات إلا ازدادوا ريباً على ريب وشَكًّا على شك ، وهكذا سبيل من أعرض عن الحق سبحانه ، لا يزيده ضياء الحجج إلا عمًى عن الحقيقة؛ قال الله تعالى : { وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } [ يونس : 101 ] ، وليبلغ عليهم في إلزام الحجة عرّفهم عجزهم عن معارضة ما آتاهم من معجزة القرآن الذي قهر الأنام من أولهم إلى آخرهم ، وقدَّر عليهم أنهم لو تظاهروا فيما بينهم ، واعتضدوا بأشكالهم ، واستفرغوا كُنْه طاقتهم واحتيالهم لم يقدروا على الإتيان بسورة مثل سورة القرآن . ثم قال : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا } وأخبر أنهم قطعاً لا يقدرون على ذلك ولا يفعلون فقال : { وَلَن تَفْعَلُوا } فكان كما قال - فانظروا لأنفسكم ، واحذروا الشِّرْكَ الذي يوجب لكم عقوبة النار التي من سطوتها بحيث وقودها الناس والحجارة ، فإذا كانت تلك النار التي لا تثبت لها الحجارة مع صلابتها ( ) فكيف يطيقها الناس مع ضعفهم ، وحين أشرفت قلوب المؤمنين على غاية الإشفاق من سماع ذكر النار تداركها بحكم التثبيت فقال : { أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ } ففي ذلك بشارة للمؤمنين . وهذه سُنَّةٌ من الحق سبحانه : إذا خوَّف أعداءه بَشَّر مع ذلك أولياءه .\rوكما أنَّ كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسل عليهم السلام فكذلك دعاوى المُلْبِسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين ، وأمارةُ المُبْطِل في دعواه رجوعٌ الزجر منه إلى القلوب ، وعلامة الصادق في معناه وقوع القهر منه على القلوب . وعزيزٌ من فصّل وميَّز بين رجوع الزجر وبين وقوع القهر .","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } .\rهذه البشارة بالجنان تتضمن تعريفاً بِنعِم مؤجلة لعموم المؤمِنين على الوصف الذي يُشْرَح بلسان التفسير . ويشير إلى البشارة للخواص بنعم مُعَجَّلة مضافة إلى تلك النعم يتيح ( ها ) الله لهم على التخصيص ، فتلك المؤجلة جنان المثوبة وهذه جنان القُربَة ، وتلك رياض النزهة وهذه رياض الزُّلفة ، بل تلك حدائق الأفضال وهذه حقائق الوِصال ، وتلك رفع الدرجات وهذه رَوْح المناجاة ، وتلك قضية جوده ، هذه الاشتعال بوجوده ، وتلك راحة الأبشار وهذه نزهة الأسرار ، وتلك لطف العَطاء للظواهر وهذه كشف الغِطاء عن السرائر ، وتلك لطف نواله وأفضاله وهذه كشف جماله وجلاله .\rقوله جلّ ذكره : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rكما أن أهل الجنة تتجدد عليهم النعم في كل وقت ، فالثاني عندهم - على ما يظنون - كالأول ، فإِذا ذاقوه وجدوه فوق ما تقدّم - فكذلك أهل الحقائق : أحوالهم في السرائر أبداً في الترقي ، فإِذا رُقيِّ أحدهم عن محلِّه توهَّم أن الذي سيلقاه في هذا النَّفَس مثل ما تقدم فإِذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف ، كما قال قائلهم :\rما زلت أنزل من ودادك منزلاً ... تتحيَّرُ الألباب دون نزوله","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِى أن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } .\rالاستحياء من الله تعالى بمعنى التَرْك ، فإِذا وصف نفسه بأنه يستحي من شيء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحي فمعناه لا يبالي بفعل ذلك .\rوالخَلْقُ في التحقيق - بالإضافة إلى وجود الحق - أقلُّ من ذرةٍ من الهباء في الهواء ، لأن هذا استهلاك محدود في محدود ، فسِيَّان - في قدرته - العرش والبعوضة ، فلا خَلْقٌ العرش أشق وأعسر ، ولا خَلْق البعوضة أخف عليه وأيسر ، فإِنه سبحانه مُتَقَدِّسٌ عن لحوق العُسْر واليُسْر .\rفإذا كان الأمر بذلك الوصف ، فلا يستحي أن يضرب بالبعوضة مثلاً كما لا يستحي أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلاً .\rوقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فَرَّتْ وطارت ، وإذا شبعت تشققت فَتَلِفَتْ - كذلك { إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى } [ العلق : 6 ] .\rوقيل ما فوقها يعني الذباب ، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته ، حتى أنه ليعود عند البلاغ في الذب ، ولو كان ذلك في الأسد لم ينجُ منه أحد من الخَلْق ، ولكنه لمَّا خَلَق القوة في الأسد خلق فيه تنافراً من الناس ، ولما خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف ، تنبيهاً منه سبحانه على كمال حكمته ، ونفاذ قدرته .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَمَّا الَّذِينَ ءامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً } .\rفأمّا من فتحت أبصار سرائره فلا ينظر إلى الأغيار والآثار إلا بنظر الاعتبار ، ولا يزداد إلا نفاذ الاستبصار ، وأمَّا الذين سكرت أبصارهم بحكم الغفلة فلا يزيدهم ضربُ الأمثال إلا زيادة الجهل والإشكال والأنكال .\rقوله جلّ ذكره : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِينَ } .\rهذا الكتاب لقومٍ شفاءٌ ورحمة ، ولآخرين شقاء وفتنة . فمن تعرَّف إليه يوم الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [ الأعراف : 172 ] تذكَّروا عند ورود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - قديم عهده ، وسابقَ وُدِّه فازدادوا بصيرة على بصيرة ، ومَنْ رَسَمَهُ بِذُلِّ القطيعة ، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة ما ازدادوا عند حصول الدعوة النبوية إلا جُحداً على جُحد ، وما خفي عليهم اليوم صادق الدلالة ، إلا لِمَا تقدم لهم سابقُ الضلالة . لذلك قال الله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ } .","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"الإشارة فيه إلى حال من سلك طريق الإرادة ، ثم رجع إلى ما هو عليه أهل العادة ، قال بتَرْكِ نفسه ثم لم يَصْدُق حين عزم الأمر ، ونزل من إشارة الحقيقة إلى رخص الشريعة ، وكما أنَّ من سلك الطريق بنفسه - ما دام يبقى درهم في كيسه - فغيرُ محمودٍ رجوعُه فكذلك من قصد بقلبه - ما دام يبقى نَفَسٌ من روحه - فغير مَرْضيِّ رجوعهُ :\rإن الأُلى ماتوا على دين الهدى ... وجدوا المنية منهلاً معلولا\rويقطعون ما أمر الله به أن يُوصَل : وصل أسباب الحق بقطع أسباب الخَلْق ، ولا يتم وصل مَا لَهُ إلا بقطع ما لَكَ ، فإذا كان الأمر بالعكس كان الحال بالضد .\rومما أُمِرَ العبد بوصله : حفظه دِمام أهل هذه الطريقة ، والإنفاق على تحصيل ذلك بصدق الهمم لا يبذل النِّعَم ، فهممهم على اتصال أسباب هذه الطريقة وانتظام أحوالها موقوفة ، وقلوبهم إلى توقع الحراسة من الله تعالى لأهلها مصروفة . وفساد هذه الطريقة في الأرض : أما مَنْ لهم حواشي أحوالهم ، وإطراق أمورهم فيتشاغلون عن إرشادِ مريدٍ بكلامهم ، وإشحاذِ قاصدٍ بهممهم؛ وذلك مما لا يرضى به الحق سبحانه منهم .\rومِنْ نَقْضِ العهد أيضاً أن يحيد سِرُّك لحظةً عن شهوده ، ومِنْ قَطْع ما أُمِرْتَ بِوَصْلِه أن يتخلل أوقاتك نَفَسٌ لحظِّك دون القيام بحقه ، ومِنْ فسادِكَ في الأرض ساعة تجري عليك ولم تَرَهُ فيها . أَلاَ إن ذلك هو الخسران المبين ، والمحنة العظمة ، والرزية الكبرى .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"هذه كلمة تعجيب وتعظيم لما فيه العبد ، أي لا ينبغي مع ظهور الآيات أن يجنح إلى الكفر قلبُه .\rويقال تعرَّف إلى الخلق بلوائح دلالاته ، ولوامع آياته . فقال : { وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً } يعني نطفة ، أجزاؤها متساوية ، { فَأَحْيَاكُمْ } : بَشَراً اختصَّ بعض أجزاء النطفة بكونه عظماً ، وبعضها بكونه لحماً ، وبعضها بكونه شَعْراً ، وبعضها بكونه جِلداً . . إلى غير ذلك .\r{ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } بأن يجعلكم عظاماً ورفاتاً ، { ثُمَّ يُحْييكُمْ } بأن يحشركم بعدما صرتم أمواتاً ، { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي إلى ما سبق به حكم من السعادة والشقاوة .\rويقال : { كُنْتُمْ أمْوَاتاً } بجهلكم عنّا ، ثم { فَأَحْيَاكُمْ } بمعرفتكم بنا ، « ثم يميتكم » عن - شواهدكم ، « ثم يحييكم » به بأن يأخذكم عنكم ، { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي بحفظ أحكام الشرع بإجراء الحق .\rويقال { وكُنتُمْ أمْواتاً } لبقاء نفوسكم فأحياكم بفناء نفوسكم ثم يميتكم عنكم عن شهود ذلك لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم ، ثم يحييكم بأن يأخذكم عنكم ثم إليه ترجعون بتقلبكم في قبضته سبحانه وتعالى .\rويقال يحبس عليهم الأحوال؛ فلا حياة بالدوام ولا فناء بالكلية ، كلّما قالوا هذه حياة - وبيناهم كذلك - إذ أدال عليهم فأفناهم ، فإذا صاروا إلى الفناء أنبتهم وأبقاهم ، فهم أبداً بين نفي وإثبات ، وبين بقاء وفناءَ ، وبين صحو ومحو . . كذلك جرت سنته سبحانه معهم .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"قوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً } .\rسخر لهم جميع المخلوقات على معنى حصول انتفاعهم بكل شيء منها ، فعلى الأرض يستقرون وتحت السماء يسكنون ، وبالنجم يهتدون ، وبكل مخلوق بوجه آخر ينتفعون ، لا بل ما من عين وأثر فكروا فيه إلا وكمال قدرته وظهور ربوبيته به يعرفون .\rويقال مَهَّدَ لهم سبيل العرفان ، ونبَّهَهُم إلى ما خصَّهم به من الإحسان ، ثم علمهم علوَّ الهمة حيث استخلص لنفسه أعمالهم وأحوالهم فقال : { لاَ تَسْجُدُوا للشَّمْسِ وَلاَ لِلقَمَرِ } [ فصلت : 37 ] .\rقوله جلّ ذكره : { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ } .\rفالأكوان بقدرته استوت ، لا أن الحق سبحانه بذاته - على مخلوق - استوى ، وأَنَّى بذلك! والأحدية والصمدية حقه وما توهموه من جواز التخصيص بمكان فمحال ما توهموه ، إذ المكان به استوى ، لا الحق سبحانه على مكانٍ بذاته استوى .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"هذا ابتداء إظهار سِرِّه في آدم وذريته . أَمَرَ حتى سلَّ من كل بقعة طينة ثم أمر بأن يخمر طينه أربعين صباحاً ، وكل واحد من الملائكة يفضي العَجَبَ : ما حكم هذه الطينة؟ فلمَّا ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها في بديع الصنعة وعجيب الحكمة ، فحين قال : { إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ } تَرَجَّمَتْ الظنون ، وتقسَّمت القلوب ، وتجنَّت الأقاويل ، وكان كما قيل :\rوكم أبصرتُ من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري\rويقال إن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلق من الأشياء ولم يَقُلْ في شأن شيء منه ما قال في حديث آدم حيث قال : { إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً } ، فظاهر هذا الخطاب يشبه المشاورة لو كان من المخلوقين . والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها ، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة ، ولم يقل إني خالق عرشاً أو جنة أو مَلَكاً ، وإنما قال تشريفاً وتخصيصاً لآدم إني جاعل في الأرض خليفة .\rفصل : ولم يكن قول الملائكة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على جهة الاستفهام ، فإن حَمْلَ الخطاب على ما يُوجِب تنزيه الملائكة أَوْلى لأنهم معصومون . . قال تعالى : { لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ } [ التحريم : 6 ] .\rويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكنَّ في قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب؛ فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } . ثم إن الحق سبحانه عرَّفهم أن الفضيلة بالعلم أتمُّ من الفضيلة بالفعل ، فهم كانوا أكثر فعلاً وأقدمه ، وآدم كان أكثر علماً وأوفره ، فظهرت فضيلته ومرتبته .\rويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال : { إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ، مِنْ غفراني لهم .\rويقال : في تسبيحهم إظهارُ فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم ، ومن غفرانه لمعاصي بني آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته ، والحق سبحانه غني عن طاعات كل مطيع ، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه .\rويقال إني أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم في محبتنا ، وذكاء سرائرهم في حفظ عهودنا وإن تدنَّس بالعصيان ظاهرهم ، كما قيل :\rوإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ ... جاءت محاسنُه بأَلْفِ شفيع\rويقال إني أعلم ما لا تعلمون من محبتي لهم ، وأنتم تظهرون أحوالكم ، وأنا أخفي عليهم أسراري فيهم ، وفي معناه أنشدوا :\rما حطَّك الواشون عن رتبة ... عندي ولا ضرك مغتاب\rكأنهم أثْنَوْا - ولم يعلموا - ... عليك عندي بالذي عابوا\rويقال إني أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم ، وصولةَ قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم ، فأنتم في رتبة وفاقكم وفي عصمة أفعالكم ، وفي تجميل تسبيحكم ، وهم مُنْكَرون عن شواهدهم ، متذللون بقلوبهم ، وإن لانكسار قلوب العباد عندنا لذماماً قوياً .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"ويقال أي خطر لتسبيحكم لولا فضلي ، وأي ضرر من ذنوبهم إذا كان عفوي؟ ويقال لبَّسْتُكم طاعتكم ولبستهم رحمتي ، فأنتم في صدار طاعتكم وفي حُلَّةِ تقديسكم وتسبيحكم ، وهم في تغمد عفوي وفي ستر رحمتي ألبستهم ثوب كَرَمي ، وجللتهم رداء عفوي .\rويقال إن أسعدتكم عصمتي فلقد أدركتهم رحمتي .\rوإيصال عصمتي بكم عنده وجودكم وتعلُّق رحمتي بهم في أزلي .\rويقال : لئن كان مُحسِنْكم عتيق العصمة فإن مجرمَهُم غريق الرحمة .\rويقال : اتكالهم عليَّ زكّى أحوالهم فألجأهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى يتبرأوا عن المعارف إلا بمقدار ما منّ به الحق عليهم فقالوا : { سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } .","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"عموم قوله الأسماء يقتضي الاستغراق ، واقتران قوله سبحانه بكُلها يوجب الشمول والتحقيق ، وكما علّمه أسماء المخلوقات كلها - على ما نطق به تفسير ابن عباس وغيره- علَّمه أسماء الحق سبحانه ، ولكن إنما أظهر لهم محل تخصصه في علمه أسماءالمخلوقات وبذلك المقدار بأن رجحانه عليهم ، فأما انفراده بمعرفة أسمائه - سبحانه - فذلك سِرٌّ لم يَطَّلِع عليه مَلَكٌ مُقَرَّب . ومن ليس له رتبة مساواة آدم في معرفة أسماء المخلوقات فأي طمعٍ في مداناته في أسماء الحق ، ووقوفه على أسرار الغيب؟\rوإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يتقضى أن يصحَّ ( به سجود ) الملائكة فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه؟ ما الذي يُوجَبُ لِمَنْ أُكْرِمَ به؟\rويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين؛ فإنَّ الطاعةَ سِمَةُ العبيد ولا تتعداهم ، والعلم في الجملة صفة مدح يجب في نعت الحق سبحانه واجباً لا يصحُّ لغيره ، فالذي يُكْرِمهُ بما يتصف هو سبحانه ( بيانه وإن كان للمساواة أتم من الكرام بما يكون مخلوقاً على جنس المخلوقات ) .\rويقال أكرمه في السر بما علَّمه ثم بيَّن تخصيصه يوم الجهر وقدَّمه . ويقال قوله : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } ثم : حرف تراخٍ ومهلة . . إمّا على آدم؛ فإنه أمهله من الوقت ما تقررذلك في قلبه ، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذٍ استخبره عما تحقَّق به واستيقنه . وإمّا على الملائكة؛ فقال لهم على وجه الوهلة : « أنبئوني » فلمَّا لم يتقدم لهم تعريف تحيَّروا ، ولمَّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ، ونطق وأفلح ، إظهاراً لعنايته السابقة - سبحانه - بشأنه .\rوقوله : { إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فيه إشارة إلى أنهم تَعَرَّضوا لدعوى الخصوصية ، والفضيلة والمزية على آدم ، فعرَّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه في قديم تخصيصه . ولمَّا عَلِمَ الحقُّ سبحانه تَقَاصُرَ علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ثم كلَّفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنَّ الأمر أمرهُ ، والحكمَ حُكمُه ، فَلَهُ تكليف المستطيع ، ردَّاً على من تَوَهَّمَ أن أحكام الحق سبحانه مُعَلَّلَة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول ، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء ، الحَسَنُ ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"قدَّموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به ، ونزَّهوا حقيقة حُكْمِه عن أن يكون يَعرِض وهم المعترضون ، يعني لا علم لنا بما سألتنا عنه ، ولا يتوجَّه عليكَ لوم في تكليف العاجز بما علمتَ أنه غير مستطيع له ، إنك أنت العليم الحكيم أي ما تفعله فهو حقٌّ صِدْقٌ ليس لأحد عليكَ حكمٌ ، ولا منك سَفَهٌ وقبح .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"من آثار العناية بآدم عليه السلام أنَّه لمَّا قال للملائكة : « أنبئوني » دَاخَلَهُم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم ، لا سيما حين طالَبَهم بإنبائهم إياه ما لم تُحِطْ به علومهم . ولما كان حديث آدم عليه السلام ردَّه في الإنباء إليهم فقال : { أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } ومخاطبة آدم عليه السلام الملائكة لم يوجب له الاستغراق في الهيبة . فلما أخبرهم آدم عليه السلام بأسماء ما تقاصرت عنها علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال : { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ } يعني ما تقاصرت عنه علوم الخَلْق ، وأعلم ما تبدون من الطاعات ، وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم عليه السلام والصلاة .\rفصل : ولمَّا أراد الحق سبحانه أن يُنَجِيَ آدمَ عصمهِ ، وعلَّمه ، وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به ، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نَسِيَ في الحضرة عهده ، وجاوز حدَّه ، فقال الله تعالى : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } [ طه : 115 ] فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإِحسان ، والوقت الذي أمضى عليه الحكم ردَّه إلى حال النسيان والعصيان ، كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجري وتمضي ، ذلَّ بحكمه العبيد ، وهو فعَّال لما يريد .\rفصل : ولمَّا توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرَّفهم أن بِساط العز مقدس عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزلة جاحد عنيد ، فَرَدُّهم إلى السجود لآدم أَظهرَ الغَنَاء عن كل وفاق وخلاف .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"السجود لا يكون عبادة لِعَيْنهِ ولكن لموافقة أمره سبحانه ، فكأن سجودَهم لآدم عبادةٌ لله؛ لأنه كان بأمره ، وتعظيماً لآدم لأنه أمرهم به تشريفاً لشأنه ، فكأن ذلك النوعَ خضوعٌ له ولكن لا يسمى عبادة ، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحُّ لغيره سبحانه .\rويقال بَيَّن أن تقدُّسَه - سبحانه - بجلاله لا بأفعالهم ، وأن التَجمُّلَ بتقديسهم وتسبيحهم عائدٌ إليهم ، فهو الذي يجل من أَجَلَّه بإجلاله لا بأفعالهم ، ويعز من أعزَّ قدره سبحانه بإعزازه ، جَلَّ عن إجلال الخلق قدْرُه ، وعزّ عن إعزاز الخَلْق ذِكْرُه .\rقوله تعالى : { فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ } أبى بقلبه ، واستكبر عن السجود بنفسه ، وكان من الكافرين في سابق حكمه وعلمه . ولقد كان إبليس مدةً في دلال طاعته يختال في صدار موافقته ، سلَّموا له رتبة التقدم ، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص ، فصار أمره كما قيل :\rوكان سراج الوصل أزهر بيننا ... فهبَّت به ريحٌ من البيْن فانطفا\rكان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية ، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية :\rفبات بخير والدني مطمئنة ... وأصبح يوماً والزمان تقلبا\rفلا سالِفَ طاعةٍ نَفَعَه ، ولا آنِفَ رجعةٍ رفعه ، ولا شفاعةَ شفيعٍ أدركتهْ ، ولا سابقَ عنايةٍ أَمْسكتهْ . ومن غَلَبَه القضاء لا ينفعه العناء .\rولقد حصلت من آدم هفوة بشرية ، فتداركتهْ رحمة أحدية ، وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية ، وغلبته قسمة وقضية . خاب رجاؤه ، وضلَّ عناؤه .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"أسْكَنَه الجنةَ ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة ، ولولا سابق التقدير لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولاً ، وبالخضرة يبساً ، وبالوجود فقداً ، وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه - ويقع منه ما يقع .\rولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدَّها لم يقع في شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم .\rولا مكانَ أفضل من الجنة ، ولا بَشَرَ أكيس من آدم ، ولا ناصح يقابل قوله إشارة الحق عليه ، ولا غريبة ( منه ) قبل ارتكابه ما ارتكب ، ولا عزيمة أشد من عزيمته - ولكنَّ القدرةَ لا تُكابَرَ ، والحُكْمَ لا يُعَارض .\rويقال لما قال له : { اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً } كان فيه إشارة إلى أن الذي يليق بالخَلْق السكون إلى الخَلْق ، والقيام باستجلاب الحظ ، وآدم عليه السلام وَحْدَه كان بكل خير وكل عافية ، فلمَّا جاء الشكلُ والزوجُ ظهرت أنياب الفتنة ، وانفتح باب المحنة؛ فحين سَاكَنَ حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل ، فوقع فيما وقع ، ولقد قيل :\rداءٌ قديمٌ في بني آدم ... صبوةُ إنسان بإنسان\rفصل : وكلُّ ما منِع منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه .\rفهذا آدم عليه السلام أبيحت له الجنة بجملتها ونُهِيَ عن شجرة واحدة ، فليس في المنقول أنه مدَّ يده إلى شيء من جملة ما أبيح ، وكان عِيلَ صبره حتى واقع ما نُهِيَ عنه - هكذا صفة الخَلْق .\rفصل : وإنما نبَّه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها حين قال : { إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً } فإذا أخبر أنه جاعله خليفته في الأرض كيف يمكن بقاؤه في الجنة؟\rويقال أصبح آدم عليه السلام محمود الملائكة ، مسجود الكافة ، على رأسه تاج الوصلة ، وعلى وسطه نطاق القُرَبة ، وفي جيده ( . . . ) الزلفة ، لا أحد فوقه في الرتبة ، ولا شخص مثله في الرفعة ، يتوالى عليه النداء في كل لحظة يا آدم يا آدم . فلم يُمْسِ حتى نُزِعَ عنه لباسهُ ، وسُلِبَ استئناسه ، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخْرج بغير مُكْثٍ :\rوأَمِنْتُهُ فأتاح لي من مَأْمني ... مكراً ، كذا من يأمن الأحبابا\rولمّا تاه آدم عليه السلام في مِشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف عتاب ، وكان كما قيل :\rلله دَرُّهُمُ من فِتْيةٍ بَكَرُوا ... مثلَ الملوكِ وراحوا كالمساكين\rفصل : نهاه عن قرب الشجرة بأمره ، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره ، ولبَّس عليه ما أخفاه فيه من سِرِّه .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } .\rأزلَّهما أي حَمَلَهما على الزَّلة ، وفي التحقيق : ما صَرَّفَتْهُما إلا القدرة ، وما كان تقلبهما إلا في القضية ، أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة جهراً ، ولكن ما ازداد - في حكم الحق سبحانه - شأنُهما إلا رفعةً وقدراً .\rقوله جلّ ذكره : { وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ } .\rأوقع العداوة بينهما و بين الشيطان ، ولكن كان سبحانه مع آدم ( وحرب وهو معهم محالهم بالظفر ) .\rفصل : لم يكن للشيطان من الخطر ما يكون لعداوته إثبات ، فإن خصوصية الحق سبحانه عزيزة قال تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الحجر : 42 ] .\rفصل : لو كان لإبليس سلطان على غواية غيره لكان له إمكانٌ في هداية نفسه ، وكيف يكون ذلك؟ والتفرد بالإبداع لكل شيء من خصائص نعته سبحانه .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } .\rمشهد الأشباح ومألفها أقطار الأرض ، و معهد الأرواح ومرتعها رداء العرش ، ولفظ الرداء استعارة وتوسع فكيف يكون للهمم بالحِدْثان تَعَلُّق ، ولصعود القصود إلى الحقائق على الأغيار وقوع .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"جرت على لسان آدم مع الحق - سبحانه - كلماتٌ ، وأسمع الحقُّ - سبحانه - آدمَ كلماتٍ ، وأنشدوا :\rوإذا خِفْنا من الرقباء عينا ... تكلمت السرائر في القلوب\rوأجمل الحقُّ سبحانه القولَ في ذلك إجمالاً ليُبْقي القصة مستورة ، أو ليكون للاحتمال والظنون مساغ ، ولما يحتمله الحال من التأويل مطرح .\rويحتمل أن تكون كلمات آدم عليه السلام اعتذاراً وتنصلا ، وكلمات الحق سبحانه قبولاً وتفضلاً . وعلى لسان التفسير أن قوله تعالى له : أفراراً منا يا آدم؟ كذلك قوله عليه السلام : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أنفُسَنَا } [ الأعراف : 230 ] وقوله : أمخرجي أنت من الجنة؟ فقال : نعم ، فقال أتردني إليها؟ فقال : نعم .\rويقال حين أمر بخروجه من الجنة جعل ما أسمعه إياه من عزيز خطابه زاداً ، ليكون له تذكرة وعتاداً :\rوأذكر أيام الحمى ثم انْثَني على ... على كبدي من خشية أن تَقطَّعا\rومخاطبات الأحباب لا تحتمل الشرح ، ولا يحيط الأجانب بها علماً ، وعلى طريق الإشارة لا على معنى التفسير والتأويل ، والحكم على الغيب بأنه كان كذلك وأراد به الحق سبحانه ذلك يحتمل في حال الأحباب عند المفارقة ، وأوقات الوداع أن يقال إذا خرجت من عندي فلا تنسَ عهدي ، وإن تَقَاصَر عنك يوماً خبري فإياك أن تؤثر عليّ غيري ، ومن المحتمل أيضاً أن يقال إن فاتني وصولك فلا يتأخَّرَنَّ عني رسولُك .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"سوء الأدب على البساط يوجب الرد إلى الباب ، فلما أساء آدم عليه السلام الأدب في عين القربة قال الله تعالى : { اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } بعد أن كان لكم في محل القربة قرار ومتاع إلى حين ، يستمتعون يسيراً ولكن ( في ) آخرهم يعودون إلى الفقر ، وأنشدوا :\rإذا افتقروا عادوا إلى الفقر حسبة ... وإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر\rوحين أخرجه من الجنة وأنزله إلى الأرض بَشَّره بأنه يردَّه إلى حاله لو جنح بقلبه إلى الرجوع فقال : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"والذين قابلوا النعمة بغير الشكر ، وغفلوا عن التصديق والتحقيق فلهم عذاب أليم مؤجَّل ، وفراق معجَّل .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا بَنِى إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } .\rحقيقة النعمة على لسان العلماء لذة خالصة عن الشوائب ، وما يوجب مثلها فهي أيضاً عندهم نعمة ، وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المُنْعم أو ما ذكرَّك بالمنعم أو ما أوصلك إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم .\rوتنقسم إلى نعمة أَبشار وظواهر ، ونعمة أرواح وسرائر ، فالأولى وجوه الراحات والثانية صنوف المشاهدات والمكاشفات . فمن النعم الباطنة عرفان القلوب ومحاب الأرواح ومشاهدات السرائر .\rفصل : ويقال أمَرَ بني إسرائيل بذكر النِّعَم وأمَرَ أَمَّةَ محمد A بذكر المُنعِم ، وفرق بين من يقال له : { اذْكُرْ نِعْمَتِى } [ المائدة : 110 ] وبين من يقال له : { فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ } .\rعهدهُ - سبحانه - حفظ المعرفة وعهدنا اتصال المغفرة ، عهده حفظ محابه وعهدنا لطف ثوابه ، عهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب .\rأوفوا بعهدي بحفظ السر أوفِ بعهدكم بجميل البِر ، أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم الميثاق أوفِ بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق ، أوفوا بعهدي في ألا تؤثروا عليّ غيري أوف بعهدكم في ألا أمنع عنكم لطفي وخيري ، أوفوا بعهدي برعاية ما أثبتُّ فيكم من الودائع أوفِ بعهدكم بما أُديم لكم من شوارق اللوامع وزواهر الطوالع ، أوفوا بعهدي بحفظ أسراري أوف بعهدكم بجميل مَبَارِّي ، أوفوا بعهدي باستدامة عرفاني أوفِ بعهدكم في إدامة إحساني ، أوفوا بعهدي في القيام بخدمتي أوفِ بعهدكم في المِنَّةِ عليكم بقبولها منكم ، أوفوا بعهدي في القيام بحسن المجاهدة والمعاملة أوفِ بعهدكم بدوام المواصلة والمشاهدة ، أوفوا بعهدي بالتبري عن الحوْل والمُنَّة أوف بعهدكم بالإكرام بالطول والمِنَّة ، أوفوا بعهدي بالتفضيل والتوكل أوفِ بعهدكم بالكفاية والتفضل ، أوفوا بعهدي بصدق المحبة أوفِ بعهدكم بكمال القربة ، أوفوا بعهدي اكتفوا مني بي أوفِ بعهدكم أرضي بكم عنكم ، أوفوا بعهدي في دار الغيبة على بساط الخدمة بشدِّ نطاق الطاعة ، وبذل الوسع والاستطاعة أوفِ بعهدكم في دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأُنْس والرؤية وسماع الخطاب وتمام الزلفة ، أوفوا بعهدي في المطالبات بترك الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطالبات ، أوفوا بعهدي بأن تقولوا أبداً : ربي ربي أوفِ بعهدكم بأن أقول لكم عبدي عبدي . وإياي فارهبون ، أي أَفْرِدُوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الإيجاد فلا تصح الخشية ممن ليس له ذرة ولا مِنَّة .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"الإشارة أن يقرن ( العبد ) إيمانه من حيث البيان بإيمانه من حيث البرهان ، وجمهور المؤمنين لهم إيمان برهان بشرط الاستدلال ، وخواص المؤمنين لهم إيمان من حيث البيان بحق الإقبال ، وأقبل الحق سبحانه عليهم فآمنوا بالله ، وآخر أحوالهم الإيمان من حيث العيان ، وذلك لخواص الخواص .\rولا تكونوا أول كافرٍ به ، ولا تَسُنُّوا الكفر سُنَّةً فإن وِزْرَ المبتدئ فيما يَسُنُّ أعظم من وزر المقتدي فيما يتابع .\r{ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً } لا تؤثروا على عظيمِ حقي خسيسَ حظِّكم . { وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ } كثيرٌ من يتقي عقوبته وعزيز من يهاب اطلاعه ورؤيته .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"لا تتوهموا أن يلتئم لكم جمع الضدين ، والكون في حالة واحدة في محلين ، ( فالعبد ) إما مبسوط بحق أو مربوط بحظ ، وأمّا حصول الأمْرَيْن فمحالٌ من الظن .\r{ وَلاَ تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ } تدنيس ، { وَتَكْتُمُوا الحَقَّ } تلبيس ، { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن حق الحق تقديس ، وأنشدوا :\rأيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله ، كيف يلتقيان؟!\rهي شامية إذا ما استهلت ... وسهيلٌ إذا استهل يماني!","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"احفظوا آداب الحضرة؛ فحفظ الآداب أتمُّ في الخدمة من الخدمة ، والإشارة في إيتاء الزكاة إلى زكاة الهِمَم كما تؤدَّى زكاةُ النِّعم ، قال قائلهم :\rكلُّ شيءٍ له زكاةٌ تُودّى ... وزكاةُ الجمال رحمةُ مثلى\rفيفيض من زوائد هممه ولطائف نظره على المُتَبِّعين والمَربين بما ينتعشون به و ( . . . ) ، { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } : تقتدي بآثار السلف في الأحوال ، وتجتنب سنن الانفراد فإن الكون في غمار الجمع أسلم من الامتياز من الكافة .","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"أتُحَرِّضون الناس على البِدار وترضَوْن بالتخلُّف؟ ويقال أتدعون الخلْقَ إلينا وتقعدون عنَّا؟ أتسرحون الوفود وتقصرون في الورود؟ أتنافسون الخلق وتنافرونهم بدقائق الأحوال وترضون بإفلاسكم عن ظواهرها؟\rويقال أتبصرون من الحق مثقالَ الذَّرِ ومقياسَ الحَبِّ وتساهمون لأنفسكم أمثال الرمال والجبال؟ قال قائلهم :\rوتبصر في العين مني القذى ... وفي عينك الجذع لا تبصر؟!\rويقال أَتُسْقَوْنَ بالنُّجُب ولا تشربون بالنُّوَب؟\r{ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ } ثم تعاندون بخافايا الدعاوى وتجحدون بما شام قلوبكم من فضيحات الخواطر وصريحات الزواجر .\r{ أفَلاَ تَعْقِلُونَ } إن ذلك ذميمٌ من الخِصال وقبيحٌ من الفِعال .","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"الصبر فطم النفس عن المألوفات ، والصلاة التعرُّض لحصول المواصلات ، فالصبر يشير إلى هجران الغَيْر ، والصلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب ، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلا على من تجلَّى الحق لِسِرِّه فإِن في الخبر المنقول : « إن الله تعالى إذا تجلَّى لشيءٍ خشع له » وإذا تجلَّى الحق ، خَفَّ وسَهُلَ ما توقَّى الخلْق؛ لأن التوالي للطاعات يوجب التكليف بموجب مقاساة الكلفة ، و التجلي بالمشاهدات - بحكم التحقيق - يوجب تمام الوصلة ودوام الزلفة .\rويقال استعينوا بي على الصبر معي ، واستعينوا بحفظي لكم على صلاتكم لي ، طحتى لا تستغرقكم واردات الكشف والهيبة ، فلا تقدرون على إقامة الخدمة .\rوإن تخفيف سطوات الوجود على القلب في أوان الكشف حتى يقوى العبد على القيام بأحكام الفرق لِمَنَّةٌ عظيمة من الحق .\rوأقسام الصبر كلها محمودة الصبر في الله ، والصبر لله ، والصبر بالله والصبر مع الله إلا صبراً واحداً وهو الصبر عن الله :\rوالصبر يحسن في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"الظن يُذكَر ، ويقال المراد به اليقين ، وهو الأظهر ها هنا .\rويذكر ويراد به الحسبان فَمَنْ ظنَّ ظن يقين فصاحب وصلة .\rومن ظنَّ ظن تخمين فصاحب فرقة . ومُلاقو ربهم ، صيغة تصلح لماضي الزمان والحاضر وهم ملاقون ربهم في المستقبل . ولكن القوم لتحققهم بما يكون من أحكام الغيب صاروا كأن الوعدَ لهم تَقَرَّرَ ، والغيب لهم حضور .","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"أشْهَدَ بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال : { وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ } .\rوأشهد المسلمين من أمة محمد A فضل نفسه فقال : { قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فِبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } [ يونس : 58 ] .\rفشتّان بين مَنْ مشهودُه فضلُ نفسه ، وبين مَنْ مشهودُه فضل ربه؛ فشهود العبد فضل نفسه يوجب له الشكر وهو خطر الإعجاب ، وشهود العبد فضل الحق - الذي هو جلاله في وصفه وجماله في استحقاق نعته - يقتضي الثناء وهو يوجب الإيجاب .","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"العوام خوَّفهم بأفعاله فقال : { وَاتَّقُوا يَوْماً } « واتقوا النار » .\rوالخواص خوَّفهم بصفاته فقال : { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } [ التوبة : 105 ] وقال : { وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } إلى قوله : { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } [ يونس : 61 ] .\rوخاص الخاص خوَّفهم بنفسه فقال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } [ آل عمران : 28 ] .\rوالعدل : الفداء .\rيوم القيامة لا تسمع الشفاعة إلا لمن أمر الحق بالشفاعة له ، وأَذِنَ فيه ، فهو الشفيع الأكبر - على التحقيق - وإن كان لا يطلق عليه لفظ الشفيع لعدم التوقيف . وفي معناه قيل :\rالحمد لله شكرا ... فكلُّ خيرٍ لديه\rصار الحبيب شفيعاً ... إلى شفيع إليه\rوالذين أصابتهم نكبة القسمة لا تنفعهم شفاعة الشافعين ، وما لهم من ناصرين ، فلا يُقْبَل منهم فداء ، ولو افتدوا بملء السموات وملء الأرضين .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"من صبر في الله على بلاء أعدائه عوَّضه الله صحبة أوليائه ، وأتاح له جميل عطائه؛ فهؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه فجعل منهم أنبياءهم ، وجعلهم ملوكاً ، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين . { وَفِى ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ } : قيل نعمة عظيمة و قيل محنة شديدة . وفي الحقيقة ما كان من الله - في الظاهر - محنةً فهو - في الحقيقة لمن عرفه - نعمةٌ ومِنَّة .","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"تقاصرت بصائر بني إسرائيل فأراهم المعجزات عياناً ، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سراً ، وبذلك جرت سُنَّتُه سبحانه ، وكل من كان أشحذَ بصيرةً كان الأمر عليه أغمض ، والإشارات معه أوفر ، قال A : « أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً » .\rوحين شاهدوا ظاهر تلك الآيات من فلق البحر وإغراق آل فرعون - دَاخَلَهُمْ ريبٌ؛ فقالوا : إنه لم يغرق حتى قذفهم البحر ، فنظر بنو إسرائيل إليهم وهم مغرقون . وهذه الأمة لفظ تصديقهم لرسول الله A وعلى آله ، وقوة بصائرهم ( أن ) قال واحد من أفتاء الناس : « كأني بأهل الجنة يتزاورون وكأني بأهل النار يتعاوون وكأني أنظر عرش ربي بارزاً » فشتَّان بين من يُعاين فيرتاب مع عيانه ، وبين مَنْ يسمع فكالعيان حالُه من قوة إيمانه .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"شتَّان بين أمة وأمة؛ فأُمَّةُ موسى عليه السلام - غاب نبيُّهم عليه السلام أربعين يوماً فاتخذوا العِجْلَ معبودَهم ، ورضوا بأن يكون لهم بمثل العجل معبوداً ، فقالوا : { هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ } [ طه : 88 ] وأمة محمد المصطفى A مضى من وقت نبيِّهم سنون كثيرة فلو سمعوا واحداً يذكر في وصف معبودهم ما يوجب تشبيهاً لما أبْقَوْا على حشاشتهم ولو كان في ذلك ذهاب أرواحهم .\rويقال إن موسى - صلوات الله عليه - سلَّم أمته إلى أخيه فقال : اخلفني في قومي ، وحين رجع وجدهم وقعوا في الفتنة ، ونبيُّنا - صلوات الله عليه - توكَّل على الله فلم يُشِرْ على أحَدِ في أمر الأمة وكان يقول في آخر حاله : الرفيق الأعلى . فانظر كيف تولَّى الحق رعاية أمته في حفظ التوحيد عليهم . لعمري يُضَيِّعون حدودَهم ولكن لا ينقضون توحيدَهم .","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"سرعة العفو على عظيم الجُرْم تدل على حقارة قدرة المعفو عنه ، يشهد لذلك قوله تعالى : ( مخاطباً أمهاتِ المسلمين ) : { من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } [ الأحزاب : 30 ] هؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال الله تعالى : { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ } ، وقال لهذه الأمة ( يقصد أمة محمد A ) : { وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [ الزلزلة : 8 ] .","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"فرقان هذه الأمة الذي اخْتَصُّوا به نورٌ في قلوبهم ، به يُفَرِّقون بين الحق والباطل ، قال النبي A لوابصة : « استفتِ قلبك » .\rوقال : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله » .\rوقال الله تعالى : { إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } [ الأنفال : 29 ] وذلك الفرقان ميراث ما قدَّموه من الإِحسان .","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ } .\rأي ما أضررتم إلا بأنفسكم فيما ارتكبتم من ذنوبكم ، فأمَّا الحق سبحانه فعزيز الوصف ، لا يعود إلى عِزِّه من ظلم الظالمين شيء ، ومن وافق هواه واتَّبع مناه فَعِجْلُه ما علَّق به همَّه وأفرد له قصده .\rقوله جلّ ذكره : { فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ } .\rالإشارة إلى حقيقة التوبة بالخروج إلى الله بالكلية .\rقوله جلّ ذكره : { فَاقتُلُوا أَنفُسَكُمْ } .\rالتوبة بقتل النفوس غير ( . . . ) إلا أن بني إسرائيل كان لهم قتل أنفسهم جهراً ، وهذه الأمة توبتهم بقتل أنفسهم في أنفسهم سراً ، فأَوَّلُ قَدَمِ في القصد إلى الله الخروجُ عن النفس .\rفصل : ولقد توهم الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق ، ولا كما توهموا؛ فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة ، وأمَّا أهل الخصوص من هذه ( الأمة ) ففي كل لحظة قتل ، ولهذا :\rليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء\rوقتل النفس في الحقيقة التبري عن حوْلِها وقوتها أو شهود شيءٍ منها ، ورد دعواها إليها ، وتشويش تدبيرها عليها ، وتسليم الأمور إلى الحق - سبحانه - بجملتها ، وانسلاخها من اختِيارها وإرادتها ، وانمحاء آثار البشرية عنها ، فأمَّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطرَ له ولا عبرةَ به .\rقوله جلّ ذكره : { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .\rكونه لكم عنكم أتمُّ من كونكم لأنفسكم :","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"التعرض بمطالعة الذات على غير نعمة إلهية إفصاحٌ بِتَرْكِ الحرمة ، وذلك من أمارات البعد والشقوة .\rوإثبات نعت التولي بمكاشفات العزة مقروناً بملاطفات القربة من علامات الوصلة ودلالات السعادة .\rفلا جَرَمَ لما أطلقوا لسان الجهل بتقوية ترك الحشمة أخذتهم الرجفة والصعقة .","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"أعادهم إلى حال الإحساس بعد ما استوفتهم سطوات العذاب إملاء لهم بمقتضى الحكم ، وإجراء للسنَّةِ في الصفح عن الجُرْم ، ومن قضايا الكرم إسبال الستر على هناتِ الخَدَم .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"لمّا طرحهم في متاهات الغُربة لم يرضَ إلاَّ بأن ظلَّلَهُم ، وبلبسة الكفايات جَلَّلَهُم ، وعن تكلف التكسُّب أغناهم ، وبجميل صنعه فيما احتاجوا إليه تولاَّهم؛ فلا شُعُورُهم كانت تَطُول ، ولا أظفارهم كانت تنبُت ، ولا ثيابهم كانت تتسِخ ، ولا شعاعُ الشمس عليهم كان ينبسط . وكذلك سُنَّتُه لمن حال بينه وبين اختياره ، يكون ما يختاره سبحانه له خيراً مما يختاره لنفسه .","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"( . . . ) بنو إسرائيل على تضييع ما كانوا يُؤْمَرون ، حتى قالةٍ أُوصُوا بحفظها فَبَدّلوها ، وحالةٍ من السجود أُمروا بأن يدخلوا عليها فحوّلوها ، وعَرَّضوا أنفسَهم لِسهام الغيب . ثم لم يطيقوا الإصابة بقَرْعِها ، وتعرضوا المفاجآت العقوبة فلم يثبتوا عند صدمات وَقْعِها .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"لم يمكنهم أن يردوا باب السماء باحتيالهم ، أو يصدوا مِنْ دونهم أسبابَ البلاء بما ركنوا إليه من أحوالهم ، فزعوا من الندم لما عضّهم ناب الألم ، وهيهات أن ينفعهم ذلك لأنه محال من الحسبان .","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"إن الذي قدر على إخراج الماء من الصخرة الصمَّاء كان قادراً على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار المعجزة فيه ، وإيصال محل الاستغاثة إليه ، وليكون على موسى عليه السلام - أيضاً في نقل الحجر - مع نفسه شغل ، ولتكليفه أن يضرب بالعصا مقاساةُ نوعٍ من معالجةِ ما أمضى حكمه عند استسقائه لقومه .\rثم أراد الحق سبحانه أن يكون كل قوم جارياً على سُنَّتْ ، ملازماً لحَدّه ، غير مُزَاحِمٍ لصاحبه فأفرد لكل سبطة علامةً يعرفون بها مشربهم ، فهؤلاء لا يَرِدُون مشرب الآخرين ، والآخرون لا يَرِدُون مشرب الأولين .\rوحين كفاهم ما طلبوا أمرَهُم بالشكر ، وحِفْظِ الأمرِ ، وتَرْكِ اختيار الوِزر ، فقال : { وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ } .\rوالمناهل مختلفة ، والمشارب متفاوتة ، وكلٌّ يَرِدَ مَشْرَبه فمشربٌ عَذْبٌ فُرات ، ومشربٌ مِلْح أُجاج ، ومشربٌ صافِ زلال ، ومشرب رتق أوشال . وسائقُ كلِّ قوم يقودهم ، ورائد كُلِّ طائفة يسوقهم؛ فالنفوس تَرِدُ مناهل المنى والشهوات ، والقلوب ترد مشارب التقوى والطاعات ، والأرواح ترد مناهل الكشف والمشاهدات ، والأسرار ترد مناهل الحقائق بالاختطاف عن الكون والمرسومات ، ثم عن الإحساس والصفات ثم بالاستهلاك في حقيقة الوجود والذات .","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"لم يرضَوْا بحسن اختياره لهم ، ولم يصبروا على قيامه بتولي ما كان يَهُمُّهُم من كفاية مأكولهم وملبوسهم ، فنزلوا في التحير إلى ما جرت عليه عاداتهم من أكل الخسيس من الطعام ، والرضا بالدون من الحال ، فردَّهم إلى مقاساة الهوان ، وربطهم بإدامة الخذلان ، حتى سفكوا دماء الأنبياء وهتكوا حرمة الأمر بِقِلَّة الاستحياء ، وتَرْكِ الاروعاء ، فعاقبهم على قبيح فعالهم ، وردَّهم إلى ما اختاره لأنفسهم من خسائس أحوالهم ، وحين لم تنجح فيهم النصيحة ، أدركتهم النقمة والفضيحة . ويقال كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم مُشَتَّتِي القصود؛ لم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ، ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد ، حتى قالوا لموسى عليه السلام - لمَّا رأوا قَوماً يعبدون الصنم - يا موسى : اجعل لنا إلهًا كما لهم إله ، وهكذا صفة أرباب التفرقة . والصبر مع الواحد شديد ، قال تعالى : { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [ الإسراء : 46 ] .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول ، فمن صدَّق الحق سبحانه في آياته ، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته ، فتبايُن الشرع واختلاف وقوع الاسم غيرُ قادح في استحقاق الرضوان ، لذلك قال : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذَِينَ هَادُوا } ثم قال : { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } . أي إذا اتفقوا في المعارف فالكُلُّ لهم حُسْنُ المآب ، وجزيلُ الثواب . والمؤمن مَنْ كان في آمان الحق سبحانه ، ومَنْ كان في أمانه - سبحانه وتعالى - فَبالحريِّ { أَلاَّ خَوْفَ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ آل عمران : 170 ] .","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"أخذ سبحانه ميثاقَ جميع المُكَلَّفِين ، ولكنَّ قوماً أجابوا طوعاً لأنه تعرَّف إليهم فوَحَّدوه وقوماً أجابوه كرهاً لأنه ستر عليهم فجحدوه ، ولا حُجَّة أقوى من عيان ما رفع فوقهم من الطور - وهو الجبل - ولكن عَدِموا نورَ البصيرة ، فلا ينفعهم عيانُ البصر . قال الله تعالى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ } ، أي رجعتم إلى العصيان بعد ما شاهدتم تلك الآيات بالعيان ، ولولا حكمه بإمهاله ، وحِلْمُه بأفضاله لعَاجَلكُم بالعقوبة ، وأحلَّ عليكم عظيمَ المصيبة ولخَسِرَتْ صفقتُكم بالكُلِّيَة .","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"مسْخُ هذه الأمة حصل على القلوب ، فكما أنهم لما تركوا الأمر واستهانوا بما أُلزموا به من الشرع - عجلت عقوبتهم بالخسف والمسخ وغير ذلك من ضروب ما ورد به النَّصُّ ، فهذه الأمة مِنْ نَقْضِ العهدِ ورفض الحدِّ عوقبت بمسخ القلوب ، وتبديل الأحوال ، قال تعالى : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 110 ] وعقوبات القلوب أنكى من عقوبات النفوس ، وفي معناه أنشدوا :\rيا سائلي : كيف كنتَ بَعْده؟ ... لقيتُ ما ساءني وسَرَّه\rما زلت أختال في وِصالي حتى ... أمِنت من الزمانِ مَكره\rطال عليَّ الصدود حتى ... لم يُبْقِ مما شَهِدَت ذرَّه","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"هكذا مَنْ مُنِيَ بالهجران ، ووُسِمَ بالخذلان؛ صارت أحوالُه عِبْرة ، وتجرَّع - مِنْ مُلاحَظته لحاله - عليه الحسرة ، وصار المسكين - بعد عِزِّه لكلِّ خسيسٍ سُخْرَة . هكذا آثار سُخْطِ الملوك وإعراض السادة عن الأصاغر :\rوقد أحدق الصبيان بي وتَجمعوا ... عليَّ وأشلوا بالكلاب ورائيا","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } .\rكان الواجب عليهم استقبال الأمر بالاعتناق ولكنهم تعللوا ببقاء الأشكال توهماً بأن يكون لهم ( . . . ) تُفضِي بالإخلاد إلى الاعتدال عن عهدة الإلزام فتضاعفت عليهم المشقة وحل بهم ما حَذِرُوه من الافتضاح .\rفصل : ولما قال : { إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ } أي ليست بِفَتيَّةٍ ولا مُسِنَّة بل هي بين السِّنَّيْنِ . حصلت الإشارة أن الذي يصلح لهذه الطريقة مَنْ لا يستهويه نَزَقُ الشباب وسُكْره ، ولم يُعَطِّلْه عجزُ المشيب وضعفُه ، بل هو صاحٍ استفاق عن سُكْرِه ، وبقيت له - بَعْدُ - نضارةٌ من عمره .\rقوله جلّ ذكره : { صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِىَ إنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ } .\rكما كان يأخذ لونها الأبصار فالإشارة منها أن من كان من أهل القصة يستغرق شاهدُه القُلوبَ لِمَا أُلبس من رداء الجبروت ، وأقيم به من شاهد الغيب حتى أن من لاحَظَه تناسى أحوال البشرية واستولى عليه ذكر الحق ، كذا في الخبر المنقول : « أولياء الله الذين إذا رأوا ذكر الله »","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"كما أنَّ تلك البقرة لم يُذلِلْها العملُ ، ولم تُبْتَذَلُ في المكاسب ، لا لونَ فيها يخالف عِظَمَ لَوْنِها فالإشارة منه أن أهل الولاية الذين لم يتبذلوا بالأغيار لتحصيل ما طلبوا من الأسباب ، ولم يركنوا بقلوبهم إلى الأشكال والأمثال ، ولم يتكلوا على الاختيار والاحتيال ، وليسوا نهباً لمطالبات المنى ، ولا صيداً في مخلب الدنيا ، ولا حكمَ للشهوات عليهم ، ولا سلطان للبشرية تَمَلَّكهم ، ولم يسعَوْا قط في تحصيل مرادهم ، ولم يشقوا لدرك بُغيتهم ، وليس عليهم رقم الأغيار ، ولا سِمَةُ الأسباب - فَهُمْ قائمون بالله ، فانون عما سوى الله ، بل هم محو ، مُصْرِّفُهم الله . والغالب - على قلوبهم - الله .\rوكما أن معبودَهم الله كذلك مقصودهم الله .\rوكما أن مقصودهم الله كذلك مشهودهم الله ، وموجودهم الله ، بل هم محو بالله و ( . . . ) عنهم الله ، وأنشد قائلهم :\rإذا شِئتِ أن أرْضَى وترضي وتملكي ... زِمَامِيَ - ما عشنا معاً - وعناني\rإذن فارمُقي الدنيا بعيني واسمعي ... بأذني وانطقي بلساني\rقوله جلّ ذكره : { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } .\rطلبوا الحيلة ما أمكنهم فلما ضاقت بهم الحِيَل استسلموا للحكم فتخلصوا من شدائد المطالبات ، ولو أنهم فعلوا ما أمِروا به لما تضاعفت عليهم المشاق .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"الخائن خائف ، ولخشية أن يظهر سرُّه يركن إلى التلبيس والتدليس ، والإنكار والجحود ولا محالة ينكشف عوارُه ، وتتضح أسرارُه ، وتهتك عن شَيْنِ فعله أستارُه . قال الله تعالى : { وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } .","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"أراد الله سبحانه أن يحي ميتهم ليفضح بالشهادة على قاتله فأمر بقتل حيوان لهم فجعل سبب حياة مقتولهم قتل حيوان لهم ، صارت الإشارة منه :\rأن من أراد حياة قلبه لا يصل إليه إلا بذبح نفسه؛ فمن ذبح نفسه بالمجاهدات حَيِيَ قلبُه بأنوار المشاهدات ، وكذلك من أراد الله حياةَ ذِكْرِه في الأبدال أمات في الدنيا ذكره بالخمول .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"بَيَّن أنهم - وإن شاهدوا عظيم الآيات وطالعوا واضح البينات - فحين لم تساعدهم العناية ولم يخلق الله ( لهم ) الهداية ، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة ، ولم تبرز لهم من مكامن التقدير إلا شقوة ( على شقوة ، وشبَّه قلوبهم بالحجارة لأنها لا تنبت ولا تزكو ، وكذلك قلوبهم لا تفهم ، ولا تغنى . ثم بيَّن أنها أشد ( . . . . ) من الحجارة ، فإنَّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار ، ومنها ما تظهر عليه آثار خشية الله ، وأمَّا قلوبهم فخالية عن كل خير ، وكيف لا وقد مُنِيَتْ بإعراض الحقِّ عنها ، وخُصَّتْ بانتزاع الخيرات منها .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"أنبأهم عن إيمانهم ، وذكر أنهم بعد سماع الخطاب من الله - سبحانه - حرَّفوا وبدّلوا فكيف يؤمنون لكم وإنما يسمعون بواسطة الرسالة ، ومن لم يَبقَ على الإيمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان ، والذي لم يصلح للحق لا يصلح لكم ، ومن لم ( يحتشم من الحق ) فكيف يحتشم منكم؟ .","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"تواصوا فيما بينهم بإنكار الحق ، وإخفاء الحال على المسلمين ، ولم يعلموا أن الله يُطْلِعُ رسولَه عليه السلام على أسرارهم ، وأن نوراً أظهره الغيب لا ينطفئ بمزاولة الأغيار . وموافقةُ اللِّسانِ مع مخالفة العقيدة لا يزيد إلا زيادة الفُرقة .","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاَّ أمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } .\rأخبر أنهم متفاوتون في نقائص كفرهم ، فقومٌ منهم أخَسُّ درجةً وأكثر جهلاً ركنوا إلى التقليد ، ولم يملكهم استيلاء شبهة بل اغتروا بظنِّ وتخمين ، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها ، دون معرفة معانيها . ومنهم مَنْ أكثرُ شأنه ما يتمناه في نفسه ، ولا يساعده إمكان ، ولا لظنونه قط تحقيق . ثم أخبر عن سوء عاقبتهم بقوله جل ذكره :\r{ فَوَيْلُ لَّهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } .\rأي خَسِروا في الحال والمآل ، والإشارة في هذه الآية لمن عَدِم الإخلاص في الصحبة في طريق الحق؛ يَنْضَمُّ إلى الأولياء ظاهراً ثم لا تَصْدُقُ له إرادة فهو مع أهل الغفلة مُصَاحِب ، وله مع هذه الطريقة جانب ، كلما دَعَتْهُ هواتف الحظوظ تَسَارَعَ إلى الإجابة طوعاً ، وإذا قادته دواعي الحق - سبحانه - يتكلف شيئاً ، فَبِئْسَتْ الحالة حين لم يخلص ، وما أشد ندمه فيما ادَّخَرَ عن الله ثم لا يُفْلحْ .","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"الإشارة في هذه الآية لمن مرت على قلبه دعاواه العريضة ، وغلب عليه حسبانه ، فحكم لنفسه - لفرط غفلته - بأنه من أهل القصة ويَخْلَدُ إلى هواجس مناه ، فيحكم على الغيب بأنه يُتَجاوز عنه؛ نَسِيَ قبائح ما أسلفه ، ويذكر مغاليط ما ظنَّه ، فهو عَبْدُ نَفْسِه يغلب عليه حسن ظنه ، وفي الحقيقة تعتريه نتائج غفلته ومكره ، قال تعالى : { وَذَلِكَم ظَنُّكُمْ الَّذِى ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الخَاسِرِينَ } [ فصلت : 23 ] .","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"الذي أحاطت به خطيئته هو الكافر - على لسان العلم .\rولكنّ الإشارة منه إلى مَنْ سكن قلبُه على استغاثاته على وجه الدوام ، فإن أصحاب الحقائق كالحب على المَقْلَى - في أوقات صحوهم ، فَمَنْ سَكَنَ فَلِفَرْطِ عَزّتِه - لا يفترون .\rومَنْ استند إلى طاعة يتوسَّلُ بها ويَظن أنه يقرب بها ينبغي أن يتباعد عن السكون إليها ومَنْ تَحَقَّقَ بالتوحيد علِمَ ألا وسيلة إليه إلا به .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"في الحال جنان الوصل . . . . . . . . . . . . . . . .\r. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\r. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\r. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"قوله جلّ ذكره : { ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ } .\r. . . أضرابكم وقرنائكم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ، الإشارة فيه أن نصرتكم لإخوانكم على ما فيه بلاؤهم نصرة عليهم بما فيه شقاؤهم ، فالأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } .\rأي كما تراعون - بالفداء عنهم - حقوقهم ، فكذلك يُفْتَرَضُ عليكم كَفُّ أيديكم عنهم ، وتَرْكُ إزعاجهم عن أوطانهم ، فإذا قُمتم ببعض ما يجب عليكم فما الذي يقعدكم عن الباقي ، حتى تقوموا به كما أُمِرْتُم؟ أما علمتم أن مَنْ فَرّقَ بين ما أُمِرَ به فآمن ببعضٍ وكَفَرَ ببعضٍ فقط حبط - بما ضيَّعه - أجرُ ما عَمِلَهُ .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } .\rأي ظنوا أن ما فعلوه نَفَعهم ، فانكشف لهم في الآخرة أن جميع ما فعلوه - لمَّا مزجوه بالآفات وجرَّدُوه عن الصدق والإخلاص - غيرُ مقبولٍ منهم .\rوالأُسَرَاء أصناف : فَمِنْ أسير غَرِقَ في بحار الهوى فإنقاذُه بأن تدلَّه على الهُدَى . ومِنْ أسيرٍ بقي في أيدي الوساوس فافتداؤه أن ترشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذَه من الشك والتخمين ، وتخرجه عن ظلمات التقليد فيما تقوده إلى اليقين . ومن أسيرٍ تجده في أسر هواجسه استأسرته غاغة نفسه ، فَفَكُّ أسْرهِ بأن تدلَّه على شهود المِنن ، بِتَبَرِّيه عن حسبانِ كلِّ حَوْلٍ بِخلْقٍ وغَيْر . ومن أسيرٍ تجده في ربيطة ذاته ففكُّ أسره إنشاده إلى إقلاعه ، وإنجاده على ارتداعه . ومن أسير تجده في أسر صفاته فَفَكُّ أسْرِه أن تدله على الحق بما يحل عليه من وثائق الكون ، ومن أسيرٍ تجده في قبضة الحق فتخبره أنه ليس لأسرائهم فداء ، ولا لقتلاهم عَوْد ، ولا لربيطهم خلاص ، ولا عنهم بُدُّ ، ولا إليهم سبيل ، ولا مِنْ دونهم حيلة ، ولا معَ سِواهم راحة ، ولا لحكمهم رَدٌّ .","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"إن الذين آثروا عليه شيئاً خسروا في الدنيا والآخرة كما قالوا :\rأناسٌ أعرضوا عنَّا ... بلا جُرْمٍ ولا معنى\rفإن كانوا قد استَغْنَوْا ... فإنَّا عنهم أغنى","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"الإشارة : أوصلنا لهم الخطاب ، وأردفنا رسولاً بعد رسول ، والجميع دَعَوْا إلى واحد . ولكنهم أضغَوْا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى ، فما استلذته النفوس قَبلُوه ، وما استثقلته أهواؤهم جحدوه ، فإذا كان الهوى صفتهم ثم عبدوه ، صارت للمعبود صفات العابد ، فلا جَرَمَ الويل لهم ثم الويل! .","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"لو كان منهم شيء بمجرد الدعوى لهان وجود المعاني ، ولكن عند مطالبات التحقيق تَفْتَرُّ أنيابُ المُتَلَبِّسِين عن أسنانٍ شاحذة بل ( . . . . ) وقيل :\rإذا انسكبت دموعٌ في خدود ... تبيَّن مَنْ بكى ممن تباكى","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"الإشارة فيه لمن عزم على الصفاء ، ووعد من نفسه تحقيق الوفاء ، ونشر أعلام النشاط عند البروز إلى القتال ، تنادى بالنِّزال وصدق القتال - انهدم عند التفات الصفوف ، وانجزل عن الجملة خشية هجوم المحذور ، قال تعالى : { فَإذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } [ محمد : 21 ] .","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"أنزلهم التحاسُد عن مقر العِزِّ إلى حضيض الخزي ، وسامهم ذُلَّ الصّغِرَ حين لم يَرْضُوا بمقتضى الحُكْم ، فأضافوا استيجاب مقتٍ آنفٍ إلى استحقاق مَقْتٍ سالف .","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"الإشارة فيه : إذا قيل لهم حَقِّقُوا ما أظهرتم من حكم الوفاق بتحقيق الحال وإقامة البرهان سَمَحَتْ نفوسُهم ببعض ما التبس عندهم لما يوافق أهواءهم ، ثم يكفرون بما وراء حظوظهم ، ( . . . . ) بُعداً عن زمرة الخواص ، غير معدودين في جملة أرباب الاختصاص .","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"أي دعاكم إلى التوحيد ، وإفراد المعبود عن كل معبود ومحدود ، ولكنكم لم تجنحوا إلا إلى عبادة ما يليق بكم من عِجْلٍ اتخذتموه ، وصنمٍ تمنيتموه . فرفع ذلك من بين أيديهم ، ولكن بقيت آثاره في قلوبهم وقلوب أعقابهم ، ولذلك يقول أكثرُ اليهود بالتشبيه .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"كرَّرَ الإخبار عن غُلُوِّهم في حُبِّ العجل ، ونُبُوِّهم عن قبول الحق ، و ( . . . . ) وتعريفهم معاجلتهم بالعقوبة على ما يسيئون من العمل ، فلا النصحُ نَجَعَ فيهم ، ولا العقوبةُ أوجبت إقلاعهم عن معاصيهم ، ولا بالذم فيهم احتفلو ، ولا بموجب الأمر عملوا .","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"من علامات الاشتياق تمنى الموت على بساط العوافي؛ فمن وَثِقَ بأن له الجنة قطعاً - فلا محالةَ - يشتاق إليها ، ولمَّا لم يتمنوا الموت - وأخبر الله سبحانه أنهم لن يتمنوهُ أبداً - صار هذا التعريف معجزةً للرسول صلوات الله عليه وعلى آله إذ كان كما قال .\rوفي هذا بشارة للمؤمنين الذين يشتاقون إلى الموت أنهم مغفور لهم ، ولا يرزقهم الاشتياق إلا وتحقق لهم الوصول إلى الجنة ، وقديماً قيل : كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء . قال الله تعالى : { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمِتْ أَيْدِيهِمْ } .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"حُبُّ الحياة في الدنيا نتيجة الغفلة عن الله ، وأشد منه غفلة أَحبُّهم للبقاء في الدنيا . . وحالُ المؤمن من هذا على الضدِّ . وأما أهل الغفلة وأصحاب التهتك فإنما حرصهم على الحياة لعلمهم بما فقدوا فيها من طاعتهم؛ فالعبد الآبِق لا يريد رجوعاً إلى سَيِّده . والانقلابُ إلى مَنْ هو خيرُه مَرجوٌ خيرٌ للمؤمنين من البقاء مع مَنْ شَرُّه غيرُ مأمون ، ثم إن امتداد العمر مع يقين الموت ( لا قيمة له ) إذا فَاجَأ الأمرُ وانقطع العُمْرُ . وكلُّ ما هو آتٍ فقريب ، وإذا انقضت المُدَّةُ فلا مردَّ لهجوم الأجل على أكتاف الأمل .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"زعمت اليهود أن جبريل لا يأتي بالخير ، وأنهم لا يحبونه ، ولو كان ميكائيل لكانوا آمنوا به ، فأكذبهم الحقُّ سبحانه فقال : { مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ } لأنه لا يأتي بالخير فأي خير أعظم مما نزل به من القرآن؟!\rثم قال إن مَنْ عادى جبريل وميكائيل فإِن الله عدو له ، فإنَّ رسولَ الحبيبِ إلى الحبيبِ العزيزِ المَوْرِد - كريمُ المنزلة ، عظيم الشرف . وما ضرَّتْ جبريلَ - عليه السلام - عداوةُ الكفار ، والحق سبحانه وتعالى وليُّه ، ومَنْ عَادَى جبريلَ فالحقُّ عَدُوُّه ، وما أَعْزِزِ بهذا الشرف وما أَجَلَّه! وما أكبر علوه!","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"لم يكفر بواضح آياته إلا من سُدَّتْ عن الإدراك بصائرُه ، وسبقت من الله بالشقاوة قِسْمَتُه ، ولا عقلَ لِمَنْ يجحدُ أنَّ النهارَ نهار ، وكذلك لا وَصْلَ لمن لم تساعده من الحق أنوارٌ واستبصار . أوَ كُلَّما عاهدوا عهداً سابقُ التقدير لهم كان يشوِّش عليهم ، وينقض عَهْدَهُم لاحِقُ التدبيرُ منهم ، والله غالبٌ على أمره .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"جحدوا رُسلَ الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر ، وكذَّبوا رسلهم الذين أتوهم في الظاهر ، فيا جهلاً ما فيه شظية من العرفان! ويا حرماناً قَارَنَه خِذلان!","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِّنْ أحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقْ } .\rمَنْ فرَّقَتْه الأهواء وقع في كل مطرح من مطارح الغفلة ، فيستقبله كل جنس من قضايا الجهالة ، ثم إن مَنْ طالت به الغيبة صار للناس عِبْرة ، ولِمَنْ سلك طريقه فتنة ، فمن اقتدى به في غيِّه انخرط في سِلْكِه ، والتحق بجنسه ، هكذا صفة هاروت وماروت فيما استقبلهما ، صارا للخلْق فتنة بل عبرة ، فمَنْ أصغى إلى قيلهما ، ولم يعتبر بجهلهما تعلَّق به بلاؤهما ، وأصابه في الآخرة عناؤهما .\rوالإشارة من قصتهما إلى مَنْ مآلَ في هذه الطريقة إلى تمويهٍ وتلبيس ، وإظهار دعوى بتدليس ، فهو يستهوي مَنْ اتّبعه ، ويلقيه في جهنم بباطله ، ( . . . . . . ) .\rومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتكت أستارُه ، وظهر لذوي البصائر عوارُه . وإن هاروت وماروت لما اغتَّرا بحاصل ما اعتاداه من المعصية بَسَطَا لسان الملامة في عُصاة بني آدم ، فَلِمَا رُكِّب فيهما من نوازع الشهوات ، ودواعي الفتن والآفات ، اقتحما في العصيان ، وظهر منهما ما انتشر ذِكْرُه على ألسنة القصاص ، وهما مُنَكَّسَان إلى يوم القيامة ولولا الرفق بهما وبشأنهما لَمَا انتهى في القيامة عذابُهما ، ولكنَّ لطفَ الله مع الكافة كثيرٌ . ولَمَّا قال الله تعالى : { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ } عَلِم أهل التحصيل أن العلم بكل معلوم - وإن كان صفةَ مدح - ففيه غيرُ مرغوبٍ فيه ، بل هو مستعاذٌ منه قال النبي A : « أعوذ بك من علم لا ينفع » .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .\rلو علم المغبونُ ماذا أبقى وماذا أبلى لتقطعت أحشاؤه حسراتٍ ، ولكن سيعلم : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } [ الطارق : 9 ] الذي فاته من الكرائم .","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"ولو آثروا الإقبالَ على الله على اشتغالهم عن الله ، لحصَّلُوا ذُخْرَ الداريْن ، ووصلوا إلى عِزِّ الكَوْنَيْن ، ولكن كَبَسَتْهُمْ سطواتَ القهر ، فأثبَتَهُمْ في مواطن الهجر .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"قصودُ الأعداء في جميع أَحوالهم - من أعمالهم وأقوالهم - قصودٌ خبيثة؛ فهم - على مناهجهم - يبنون فيما يأتون ويَذَرُون . فسبيلُ الأولياء التَّحرزُ عن مشابهتهم . والأخذ في طريق غير طريقهم .","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"كراهية الأعداء لانتظام صلاح الأولياء متصِلَةٌ مُستَدامةٌ ، ولكن الحسود لا يسود ، ولا يحصُل له مقصود . وخصائص الرحمة للأولياء كافية - وإنْ زَعَمَ مِنَ الأعداء أفَّاكٌ أنه انهدمت من أوطان فرحهم أكناف وأطراف .","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"النسخُ الإزالة أي ما ينقلك من حال إلى ما هي فوقها وأعلى منها ، فغُصنُ وَصْلِك أبداً ناضر ، ونجمُ عِزِّكَ أبداً ظاهر ، فلا ننسخُ من آثار العبادةِ شيئاً إلا وأبدلنا عنه أشياء من أنوار العبودية ، ولا نسخنا من أنوار العبودية أشياء إلا أقمنا مكانها أشياء من أقمار العبودةِ .\rفأبداً سِرُّك في الترقي ، وقدرك في الزيادة بحسن التَوَلِّي .\rوقيل ما رقَّاكَ عن محل العبودية إلا سَلكَكَ بساحات الحرية ، وما رَفَعَ شيئاً من صفات البشرية إلا أقامك بشاهدٍ من شواهد الألوهية .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"سُنَّتُه - سبحانه - أن يجذب أولياءه عن شهود مُلْكِه إلى رؤية مِلْكِه ، ثم يأخذهم من مُطالعةِ مِلْكه إلى شهود حقِّه ، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية صفاته ، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"إنَّ بني إسرائيل آذَوْا موسى عليه السلام ، فنُهِيَ المسلمون عن فِعْل ما أسلفوه ، وأُمِروا بمراعاة أن حشمة الرسول A بغاية ما يتسع في الإمكان . فكانوا بحضرته كأنَّ على رؤوسهم الطير . قال تعالى : { وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } [ الفتح : 9 ] وحسنُ الأدب - في الظاهر - عنوانُ حسن الأدب مع الله في الباطن .","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"مَنْ لَحِقَه خسران الفهم من أصحاب الغفلة ودَّ أَلاّ يطلع لأحدٍ بالسلامة نجمٌ ، ومَنْ اعتراه الحسد أراد ألاتنبسط على محسوده شمسٌ .\rوكذلك كانت صفات الكفار ، فأرغم اللهُ أَنْفَهُم ، وكبَّهم على وجوههم .\rوالإشارة من هذا إلى حال أصحاب الإرادة في البداية إذا رغبوا في السلوك ، فمن لم يساعده التوفيق ( في الصحبة ، وعاشر أناساً متمرِّسين بالظواهر ) فإنهم يمنعون هؤلاء من السلوك ولا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح ، والتخويف بالعجز والتهديد بالفقر حتى ينقلوهم إلى سبيل الغفلة ، ويقطعوا عليهم طريق الإرادة ، أولئك أعداء الله حقاً ، أدركهم مقت الوقت . وعقوبتهم حرمانهم من أن يشموا شيئاً من روائح الصدق .\r{ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا } فسبيل المريد أن يحفظ عن الأغيار سِرَّه ، ويستعمل مع كل أحدٍ ضلة ، ويبذل في الطلب رفعة ، فعن قريب يفتح الحق عليه طريقه .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"الواجب على المريد إقامة المواصلات ، وإدامة التوسل بفنون القُربات ، واثقاً بأن ما يقدمه من صدق المجاهدات تُدرك ثمرته في أواخر الحالات .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .\rكلُّ حِزْبٍ يُمَهِّد الأملَ لنفسه ، ويظنُّ النجاة لحاله ، ويدعي الوسل من سهمه .\rولكنّ مجرد الحسبان دون تحقق البرهان لا يأتي بحاصل ، ولا يجوز بطائل .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"أسلم وجهه أي أخلص لله قصده ، وأفرد لله وجهه ، وطهَّر عن الشوائب عقله . { وَهُوَ مُحْسِنٌ } . عالِمٌ بحقيقة ما يفعله وحقيقة ما يستعمله ، وهو محسن في المآل كما أنه مسلم في الحال .\rويقال : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه » فتكون مستسلماً بظاهرك ، مشاهداً بسرائرك ، في الظاهر جهد وسجود وفي الباطن كشف ووجود .\rويقال : { أَسْلَمَ وَجْهَهُ } بالتزام الطاعات ، { وَهُوَ مُحْسِنٌ } قائمٌ بآداب الخدمة بحسن آداب الحضور ، فهؤلاء ليس عليهم خوف الهجر ، ولا يلحقهم خفيُّ المكر ، فلا الدنيا تشغلهم عن المشاهدة ولا الآخرة تشغلهم غداً عن الرؤية .","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"الإشارة في هذه الآية على العكس من حكم الظاهر؛ فالأعداء يتبرأ بعضهم من بعض اليوم ، والأولياء من وجه كذلك ، ولذا قالوا : لا زالت الصوفية بخبرٍ ما تنافروا ، ولا يَقْبَلُ بعضهم بعضاً لأنه لو قَبِل بعضُهم بعضاً بقي بعضُهم مع بعض .\rلكنّ الأعداء كلهم على الباطل : عند تَبَرِّي بعضهم من بعض أمَّا الأولياء فكُلُّهم على الحق - وهذه ما ذكرنا من حكم العكس .","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"الإشارة فيه أن الظالم مَنْ خَرَّبَ أوطان العبادة بالشهوات ، وأوطان العبادة نفوس العابدين . وخَرّبَ أوطان المعرفة بالمُنى والعلاقات ، وأوطان المعرفة قلوب العارفين . وخَرَّب أوطان المحبة بالحظوظ والمُسَاكنات ، وهي أرواح الواجدين . وخرَّب أوطان المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين .\rقوله جلّ ذكره : { لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\rلأهل الإشارة خزي الدنيا بذل الحجاب ، وعذاب الآخرة الامتناع بالدرجات .","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"الإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها . وللقلوب شوارق وطوارق . وطوارقها هواجس النفوس تطرق في ظلمات المنى والشهوات .\rوشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف .\rفما دامت الشوارق طالعة فَقِبلْةُ القلوب ، واضحة ظاهرة ، فإذا استولت الحقائق خَفَى سلطانُ الشوارق ، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس ، كذلك عند ظهور الحق يحصل اصطلام وقهر ، فلا شهود رسم ، ولا بقاء حِسِّ وفَهْم ، ولا سلطان عقل وعلم ، ولا ضياء عرفان . فإن وجدان هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية ، وإذا صار الموصوف محواً فأنَّى لهم ببقاء الصفة .\rقال تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } ما دام يبقى من الإحساس والتمييز بقية - ولو شظية - فالقِبْلة مقصودة ، فإن لم تكن معلومة تكون مطلوبة . وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائلُ بكلِّ وِجْهَةٍ ، ولا معرفةَ بالقِبْلة تَسَاوَتْ الجهاتُ في جواز الصلاة إلى كل واحدٍ منها إذا لم يكن للنية ترجيح .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ } .\rمَكَرَ بهم لم يُفْنِهم - من الإفناء - في الحال ، بل جعل موجب اغترارهم طول الإمهال ، فنطقوا بعظيم الفِرْية على الله ، واستنبطوا عجيب المِرْية في وصف الله ، فوصفوه بالولد! وأنَّى بالولد وهو أحدي الذات؟! لا حدَّ لذاتِه ، ولا تجوز الشهوة في صفاته .\rقوله جلّ ذكره : { بَل لَّهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } .\rأي ليس في الكون شيء من الآثار المفتقرة أو الأعيان المستقلة إلا وتنادي عليه آثار الحِلْقَة ، وتفصح منه شواهد الفطرة ، وكل صامتِ منها ناطق ، وعلى وحدانيته - سبحانه - دليلٌ وشاهد .","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"البديع عند العلماء مُوجِد العين لا على مِثْل ، وعند أهل الإشارة الذي ليس له شيء مِثله . فهذا الاسم يشير إلى نفي المثل عن ذاته ، ونفي المثال عن أفعاله ، فهو الأحد الذي لا عدد يجمعه ، والصمد الذي لا أَمَدَ يقطعه ، والحق الذي لا وهم يصوِّره ، والموجود الذي لا فهم يقدره . وإذا قضى أمراً فلا يعارض عليه مقدور ، ولا ينفكُ من حكمه محظور .","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"كلام الله سبحانه متعلق بجميع المخلوقات بأعيانها وآثارها ، وأمر التكوين ( يتناول المكلفين وأفعال المكلفين ) ، لكن من عَدم سمع الفهم تصامم عن استماع الحق ، فإنه - سبحانه - خاطب قوماً من أهل الكتاب ، وأسمعهم خطابه ، فلم يطيقوا سماعه ، وبعدما رأوا من عظيم الآيات حرَّفوا وبدَّلوا . وفي الآيات التي أظهرها ما يزيح العِلَّة من الأغيار ، ويشفي الغُلَّة من الأخيار ، ولكن ما تُغْنِي الدلائل - وإنْ وَضُحَتْ - عمن حُقَّتْ لهم الشقاوة وسبقت؟","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"أفردناكَ بخصائص لم نُظْهِرْها على غيرك؛ فالجمهور والكافة تحت لوائك ، والمقبول من وافَقَك ، والمردود من خالفَك ، وليس عليك من أحوال الأغيار سؤال ، ولا عنك لأحدٍ ( . . . ) .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"لا تبالِ برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا ، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم ، ودون ذلك لهم حظ القتال فَأَعْلِنْ التبري منهم ، وأظهر الخلاف معهم ، وانصب العداوة لهم ، واعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة ، فاحرص ألا يخطر ذلك بِبالِك ، وادعُ - إلى البراءةِ عنهم وعن طريقتهم - أُمَّتَكَ ، وكُنْ بِنا لَنَا ، مٌتَبرِّياً عمن سوانا ، واثقاً بنصرتنا ، فإنَّكَ بِنَا وَلَنَا .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"الذين فتحنا أبصارهم بشهود حقنا وَكَلْنَا أسماع قلوبهم بسماع خطابنا ، وخصصناهم بإسبال نور العناية عليهم ، وأيَّدناهم بتحقيق التعريف في أسرارهم ، يقومون بحق التلاوة ، ويتصفون بخصائص الإيمان والمعرفة فهم أهل التخصيص ، ومَنْ سِواهم أصحابُ الرد .","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"جرت سُنتُه - سبحانه - في الخطاب مع قوم موسى عليه السلام أن يناديهم بنداء العلامة فيقول : يا بني إسرائيل اذكروا ، أي يا بني يعقوب ، ومع هذه الأُمة أن يخاطبهم بنداء الكرامة فيقول : { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } .","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"أَمَّا الأعداء فلا يَقْبَلُ منهم شيئًا ، وأمَّا الأولياء فقال A : « اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة » ، والكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين فهذا حكم كل أمةٍ مع نبيِّها ، وأمَّا المؤمنون - فعلى التخصيص - تنفعهم شفاعة نبيِّهم A .\rوكلُّ أحدٍ يقول يومئذٍ نفسي نفسي ونبيُّنا A يقول : « أمتي أمتي » .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } .\rالبلاء تحقيق الولاء ، فأصدقهم ولاءً أشدُّهم بلاء .\rولقد ابتلى الحق - سبحانه - خليلَه عليه السلام بما فرض عليه وشرع له ، فقام بشرط وجوبها ، ووَفَّى بحكم مقتضاها ، فأثنى عليه سبحانه بقوله : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى } [ النجم : 37 ] - من التوفيه - أي لم يُقَصِّر بوجهٍ ألبتة .\rيقال حملَّه أعباء النبوة ، وطالبه بأحكام الخُلَّة ، وأشد بلاء له كان قيامه بشرائط الخلة ، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شيء ، فقام بتصحيح ذلك مختليًا عن جميع ما سواه ، سِرًّا وعَلَنًا .\rكذلك لم يلاحظ جبريلَ عليه السلام حين تعرض له وهو يُقْذف في لُجة الهلاك ، فقال : هل من حاجة؟ فقال : أمَّا إِليكَ . . . فلا .\rومن كمال بلائه تعرض جبريل عليه السلام في تلك الحالة ، وأي بقية كانت بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائنًا من كان؟!\rوفي هذا إشارة دقيقة إلى الفَرْقِ بين حال نبيِّنا A وحال إبراهيم عليه السلام ، لأنه تعرض جبريل للخليل وعَرَضَ عليه نفسه :\rفقال : أمَّا إليكَ . . . فَلاَ . ولم يُطِقْ جبريل صحبة النبي A فنطق بلسان العجز وقال :\rلو دنوتُ أنملة لاحترقتُ .\rوشتّان بين حالة يكون فيها جبريل عليه السلام من قُوَّتِه بحيث يعرض للخليل عليه السلام نفسه ، وبين حالةٍ يعترف للحبيب - صلوات الله عليه - فيها بعجزه .\rقوله جلّ ذكره : { إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } .\rالإمام مَنْ يُقْتَدى به ، وقد حقَّق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم القيامة بالاقتداء به فقال : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } [ الحج : 78 ] أي اتبعوا ملة إبراهيم يعني التوحيد ، وقال : { وَاتَّخَذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى } .\rهذا هو تحقيق الإمامة . ورتبة الإمامة أن يَفْهَم عن الحق ثم يُفْهِمَ الخَلق؛ فيكون واسطة بين الحق والخَلْق ، يكون بظاهره مع الخَلْق لا يفتر عن تبليغ الرسالة ، وبباطنه مشاهدًا للحق ، لا يتغير له صفاء الحالة ، ويقول للخلْق ما يقوله له الحق .\rقوله جلّ ذكره : { وَمِن ذُرِّيَّتِى } .\rنطق بمقتضى الشفقة عليهم ، فطلب لهم ما أُكرِم به . فأخبره أن ذلك ليس باستحقاق نَسَب ، أو باستيجاب سبب ، وإنما هي أقسام مضت بها أحكام فقال له : { لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ } وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها ، فهي لا ادِّخَار لها عن أحد وإن كان كافرًا ، ولذلك قال جلّ ذكره : { وَارزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } .\rفقال الله تعالى : { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً } .\rيعني ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار ، ولكن عهدي لا يناله إلا مَنْ اخترته مِنْ خواص عبادي .","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"أمَّا الطعام والشراب فغير ممنوع من أحد .\rأمَّا الإسلام والمحاب فغير مبذول لكل أحد .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } .\rواذكر يا محمد حين جعلنا البيت - يعني الكعبة - مثابة للناس إليه يثوبون ، ومأمنًا لهم إليه يرجعون ، وإياه من كل نحوٍ يقصدون .\rهو بيت خلقتُه من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل؛ فمن نظر إلى البيت بعين الخِلْقَة انفصل ، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل ، وكلُّ من التجأ إلى ذلك البيت أَمِنَ من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام ، والتوبة عن الآثام .\rويقال بُنيَ البيتُ من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد .\rبيتٌ من وقع عليه ظِلُّه أناخ بعَقْوَةِ الأمن .\rبيتٌ مَنْ وقع عليه طَرْفُه بُشِّرَ بتحقيق الغفران .\rبيتٌ مَنْ طاف حَوْلَه طافت اللطائف بقلبه ، فطَوْفَة بطوفة ، وشَوْطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان .\rبيتٌ ما خَسِرَ مَنْ أنفق على الوصول إليه مَالَه .\rبَيت ما ربح مَنْ ضَنَّ عليه بشيءٍ؛ مَنْ زاره نَسِيَ مزارَه ، وهجر ديارَه .\rبيت لا تُسْتَبْعَدُ إليه المسافة ، بيت لا تُنْرَك زيارته لحصول مخافة ، أو هجوم آفة ، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة .\rبيت من قعد عن زيارته فَلِعدَمِ فُتَوَّتِه ، أو لقلة محبته .\rبيتٌ من صَبِرَ عنه فقلبه أقسى من الحجارة . بيت من وقع عليه شعاعُ أنواره تَسَلَّى عن شموسه وأقماره .\rبيت ليس العجب ممن بقي ( عنه ) كيف يصبر ، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع!\rقوله جلّ ذكره : { وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى } .\rعَبْدٌ رفع لله سبحانه قَدمًا فإلى القيامة جعل أثر قَدَمِه قِبْلَةً لجميع المسلمين إكرامًا لا مدى له .","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"الأمر في الظاهر بتطهير البيت ، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب .\rوتطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس والأوضار ، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار .\rوطوافُ الحجاج حول البيت معلومٌ بلسان الشرع ، وطوافُ المعاني معلومٌ لأهل الحق؛ فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة ، وقلوب الموحدين الحقائق فيها عاكفة ، فهؤلاء أصحاب التلوين وهؤلاء أرباب التمكين .\rوقلوبُ القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدًا واقفة .\rوقلوب الموحدِّين على بساط الوصل أبدًا راكعة .\rوقلوب الواجدين على بساط القرآن أبدًا ساجدة .\rويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدًا واقفة ، وسوامي قصود المريدين بمشهد الجود أبدًا طائفة ، ووفود هِمَمِ العارفين بحضرة العِزِّ أبداً عاكفة . .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا } .\rالسؤال إذا لم يكن مشوبًا بحظِّ العبد كان مستجابًا ، ولم يكن سؤال إبراهيم هذا لحظِّ نفسه ، وإنما كان لِحقِّ ربِّه عزَّ وجلَّ .\rولمَّا حفظ شرط الأدب طلب الرزق لمن آمن منهم على الخصوص أجيب فيهم وفي الذين لم يؤمنوا . ولمَّا قال في حديث الإمامة : « ومن ذُرِّيتي » من غير إذن مُنِعَ وقيل له : { لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ } .","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"نجْحُ السؤال في صدق الابتهال؛ فلما فزعا إلى الخضوع في الدعاء أتاهما المدد ، وتحقيق السؤال .\r{ إنك أنت السميع } لأقوالنا { العليم } بأحوالنا .","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"« مسلمين » : منقادين لحكمك حتى لا يتحرك مِنّا عرْق بغير رضاك ، واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك لتقوم بعدنا مقامنا في القيام بحقوقك ، وشتان بين من يطلب وارثاً لماله ، وبين من يطلب نائباً بعده يقوم بطاعته في أحواله .\r{ وأرنا مناسكنا } إذ لا سبيل إلى معرفة الموافقات إلا بطريق التوفيق والإعلام .\r{ وتب علينا } : بعد قيامنا بجميع ما أَمَرْتَنَا حتى لا نلاحظ حركاتِنا وسكناتِنا ، ونرجع إليه عن شهود أفعالنا لئلا يكونَ خطرُ الشِّرْك الخفيِّ في توهُّمِ شيءِ مِنّا بِنَا .","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"إن الواجبات لمّا كانت من قِبَلِ الرسل دون مجرد المعقول سأل ألا يتركهم سُدّى ، وألا يخليهم عن رسول وشرع . وطلب في ذلك الموقف أن يكون الرسول « منهم » ليكونوا أَسْكَنَ إليه وأَسْهَلَ عليهم ، ويصحُّ أن يكون معناه أنه لما عَرَّفَهُ - سبحانه - حالَ نبيِّنا A سأل إنجاز ما وعده على الوجه الذي به ( أمره ) .","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية ، فجعل الدينَ دينَه ، والتوحيدَ شِعارَه والمعرفةَ صِفته؛ فمن رَغِبَ عن دينه أو حاد عن سُنَّتِه فالباطل مطرحه ، والكفر مهواه؛ إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره .","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"الإسلام هو الإخلاص وهوا الاستسلام ، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس ، قال : { أسلمت لرب العالمين } : قابلت الأمر بالسمع والطاعة ، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة . ولم يدخل شيئًا من ماله وبدنه وولده ، وحين أُمِرَ بذبح الولد قصد الذبح ، وحين قال له خلِّه من الأسر ( عمل ) ما أُمِرَ به ، فلم يكن له في الحالين « اختيار » ولا تدبير .\rويقال إن قوله : { أسلمتُ } : ليس بدعوى من قِبَلِه لأن حقيقة الإسلام إنما هو التَّبري من الحَوْل والقوة ، فإذا قال : { أسلمت } فكأنه قال أَقِمْني فيما كلفتني ، وحَقِّق مني ما بِه أمرتني . فهو أحال الأمر عليه ، لا لإظهار معنى أو ضمان شيء من قِبَلِ نفسه .\rويقال أَمَرَه بأن يستأثر بمطالبات القدرة؛ فإن من حلَّ في الخلَّة محلَّه يحل به - لا محالة - ما حَلَّ به .\rويُسأَلُ ها هنا سؤال فيقال : كيف قال إبراهيم صلوات الله عليه : { أسلمت } ولم يَقُلْ نَبيُّنا A حينما قيل له اعْلم « علمت »؟ .\rوالجواب عن ذلك من وجوه : منها أن النبي A قال « أنا أعلمكم بالله » ولكن لم يَرِد بعده شرع فكان يخبر عنه بأنه قال علمت .\rويقال إن الله سبحانه أخبر عن الرسول عليه السلام بقوله : { آمن الرسول } لأن الإيمان هو العلم بالله سبحانه وتعالى ، وقول الحق وإخباره عنه أتمُّ من إخباره - عليه السلام - عن نفسه .\rوالآخر أن إبراهيم لما أخبر بقوله : { أسلمت } اقترنت به البلوى ، ونبيُّنا - A - يتحرز عما عو صورة الدعوى فَحُفِظَ وكُفِيَ .\rوالآخر أن إبراهيم عليه السلام أُمِرَ بما يجري مجرى الأفعال ، فإن الاستسلامَ به إليه يشير . ونبينا A أُمِر بالعلم ، ( ولطائف العلم أقسام ) .","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبَ يَا بَنِىَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } .\rأخبر أن إبراهيم عليه السلام وصَّى بنيه ، وكذلك يعقوب عليه السلام قال لبنيه لا يصيبنكم الموت إلا وأنتم بوصف الإسلام . فشرائعهم - وإن اختلفت في الأفعال - فالأصل واحد ، ومشرب التوحيد لا ثاني - له في التقسيم - وقوله تعالى : { إن الله اصطفى لكم الدين } بِشارة بما تقوي به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام ، لأنهم إذا تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل عليهم القيام بحق الإسلام .","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ } .\rجروا كلهم - صلوات الله عليهم - على منهاج واحد في التوحيد والإسلام ، وتوارثوا ذلك خَلَفًا عن سَلَف ، فهم أهل بيت الزلفة ، ومستحقو القربة ، والمُطَهَّرون من قِبَل الله - على الحقيقة .\rقوله جلّ ذكره : { إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .\rلم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قَدْره ، حيث سلموا له المزية ، ورأوا أنفسهم ملحقين بمقامه ، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طُيَّع له بقولهم { ونحن له مسلمون } .","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"أنزل الحقُّ - سبحانه - كُلاًّ بمحلِّه ، وأفرد لكل واحدٍ قَدْراً بموجِبِ حكمه ، فلا لهؤلاء عن أشكالهم خبر ، ولا بما خَصَّ به كل طائفة إلى آخرين أثر ، وكلُّ في إقليمه مَلِك ، ولكلٍ يدور بالسعادة فَلَك .","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"معناه إذا تجاذبتك الفِرَق ، واختلف عليك المطالبات بالموافقة ، فاحكم بتقابل دعاواهم ، وأَزِد من توجهك إلينا ، جارياً على منهاج الخليل عليه السلام في اعتزال الجملة ، سواء كان أباه ، أو كان ممن لا يوافق مولاه ، ولذا قال { وَأَعْتَّزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } [ مريم : 48 ] للحق بالحق .","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"لمَّا آمن نبيُّنا A بجميع ما أُنْزِلَ من قَبْلهِ أُكْرِمَ بجميع ما أَكْرَمَه من قبله ، فلمَّا أظهر موافقة الجميع أَمَرَ الكُلَّ بالكَوْنِ تحت لوائه فقال : « آدمُ ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة » .\rولمَّا آمنت أُمتَّهُ بجميع ما أَنزل الله على رسله ، ولم يفرقوا بين أحدٍ فهم ضربوا في التكريم بالسَّهم الأعلى فتقدموا على كافة الأمم .","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"إن سلكوا طريقتكم ، وأخذوا بسبيلكم ، أُكرِموا بما أُكْرمتم ، ووصلوا إلى ما وصلتم ، وإنْ أبَوْا إلا امتيازاً أبَيْنَا إلا هوانهم ، فإنَّ نَظَرَنا لمن خدمك يا محمد بالوصلة ، وإعراضنا عمن بَايَنَك وخالفك ( . . . ) ، من خالفك فهو في شق الأعداء ، ومن خَدَمَك فهو في شق الأولياء .\r{ فسيكفيكم الله وهو السميع العليم } : كفاية الله متحققة لأن عناية الله بكم متعلقة ، فمن نابذكم قصمته أيادي النصرة ، ومن خالفكم قهرته قضايا القسمة ، وهو السميع لمناجاة أسراركم معنا على وصف الدوام ، العليم باستحقاقكم ( منا ) خصائص اللطف والإكرام .","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"معناه الزموا صبغةَ الله ، فهو نصب بإضمار فعل .\rوالإشارة أن العبرة بما وضع الحق لا بما جمع العبد ، فما يتكلفه الخلْقُ فإلى الزوال مآله ، وما أثبت الحقُّ عليه الفطرة فإثباته العبرة .\rوللقلوب صبغة وللأرواح صبغة وللأسرار صبغة وللظواهر صبغة . صبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق ، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق .","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"كيف تصحُّ محاجة الأجانب وهم تحت غطاء الغيبة ، وفي ظلال الحجبة . والأولياء في ضياءُ الكشف وظُهْر الشهود؟\rومتى يستوي حال من هو بنعت الإفلاس بِغَيْبَتهِ مع حال من هو حكم الاختصاص والإخلاص لانغراقه في قُرْبَتِه؟ هيهات لا سواء!","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"مَنْ نظر مِنْ نفسه إلى الخَلْقِ يتخيَّل كُلاًّ بِرَقمِه ، ويحسب الجميع بنعت مثله؛ فلمَّا كانوا بحكم الأجنبِيَّة حَكَم الأنبياء - عليهم السلام - بمثل حالتهم ، فردَّ الحقُّ - سبحانه - عليهم ظنَّهم و ( . . . ) فيهم رأيهم . وهل يكون المجذوب عن شاهده كالمحجوب في شاهده؟ وهل يتساوى المختطف عن كُلِّه بالمردود إلى مثله؟\rذلك ظن الذين كفروا فتعساً لهم!","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"حالت بينكم وبينهم حواجز من القِسمةِ؛ فهم على الفُرقة والغفلة أسسوا بنيانهم ، وأنتم على الزلفة والوصلة ضربتم خيامكم . وعتيق فضلنا لا يشبه طريد قهرنا .","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"قوله جلّ ذكره : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمْ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا } .\rسقمت بصائر الكفار فلم يَلُحْ لهم وجهُ الصواب في جميع أحوال المؤمنين ، فطالعوها بعين الاستقباح ، وانطلقت ألسنتهم بالاعتراض في كل ما كان ويكون منهم ، فلم يروا شيئاً جديداً إلا أَتَوْا عليه باعتراض جديد .\rفمن ذلك تغير أمر القِبْلة حينما حُوِّلَتْ إلى الكعبة قالوا إن كانت قبلتهم حقاً فما الذي ولاَّهم عنها؟ فقال جلّ ذكره :\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ للهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .\rيتعبَّد العباد إلى قطرٍ و ( . . . ) ونحو شاؤوا ، وكذلك أصحابُ الغيبة والحُجبة - عن شهود تصريف الحق لأوليائه - يطلبون وجوهاً من الأمر ، يحملون عليها أحوالهم ، ولو طالعوا الجميع من عين واحدة لتخلصوا عن ألمِ تَوَزُّع الفِكْر ، وشِغْل تَرَجُّم الخاطر ، ومطالبات تَقَسُّم الظنون ، ولكنَّ الله يهدي لنوره من شاء .","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } .\rالوسط الخيار ، فجعل هذه الأمة خيار الأمم ، وجعل هذه الطائفة خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار . فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة فهذه الطائفة هم الأصول ، وعليهم المدار ، وهم القطب ، وبهم يحفظ الله جميع الأمة ، وكلُّ من قَبِلَتْهُ قلوبهم فهو المقبول ، ومن رَدَّتْه قبولهم فهو المردود . فالحكم الصادق لفراستهم ، والصحيح حكمهم ، والصائب نظرهم عصم جميع الأمة ( عن ) الاجتماع عن الخطأ ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ في النظر والحكم ، والقبول والرد ، ثم إن بناءَ أمرهم مُسْتَنِدٌ إلى سُنَّة الرسول A . وكل ما لا يكون فيه اقتداءٌ بالرسول عليه السلام فهو عليه ردٌّ ، وصاحبه على لا شيء .\rقوله جلّ ذكره : : { وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانِت لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤوفٌ رَّحِيمٌ } .\rبيَّن أن الحكم في تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل ، وتحويلها من وقت التبديل كان اختباراً لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق ، ومَنْ نَظر إلى الأم بعين التفرقة لكبُر عليه أمر التحويل ، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت لبصيرته وجوه الصواب . ثم قال : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي من كان مع الله في جميع الأحوال على قلبٍ واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة ، فسواءٌ غيَّر أو قرَّر ، وأثبت أو بدَّل ، وحقَّق أو حوَّلَ فَهُمْ بِهِ لَهُ في جميع الأحوال ، قال قائلهم :\rكيفما دارت الزجاجة دُرْنا ... يحسب الجاهلون أنَّا جُنِنَّا\rفإنْ قابلوا شرقاً أو واجهوا غَرْباً ، وإنْ استقبلوا حجراً أو قارباً مدراً ، فمقصودُ قلوبهم واحدٌ ، وما كان للواحد فحُكْمُ الجميع فيه واحد .","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } .\rحَفِظَ - صلوات الله عليه - الآدابَ حيث سكت بلسانه عن سؤال ما تمنَّاه من أمر القبلة بقلبه ، فَلاَحَظَ السماءَ لأنها طريق جبريل عليه السلام ، فأنزل الله عزَّ وجل : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } أي علمنا سؤلك عمَّا لم تُفْصِحْ عنه بلسان الدعاء ، فلقد غيَّرنا القِبْلَةَ لأجلك ، وهذه غاية ما يفعل الحبيب لأجل الحبيب .\rكلَّ العبيد يجتهدون في طلب رضائي وأنا أطلب رضاك { فلنولينك قِبْلَةً ترضاها } { فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام } : ولكن لا تُعَلِّقْ قلبَكَ بالأحجار والآثار ، وأَفْرِد قلبك لي ، ولتكن القِبلةُ مقصودَ نَفْسِك ، والحقُّ مشهودَ قلبك ، وحيثما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطره ، ولكن أَخْلِصوا قلوبَكم لي وأَفرِدوا شهودكم بي .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ }\rولكنه عِلْمٌ لا يكون عليهم حجة ، ولا تكون لهم فيه راحة أو منه زيادة ، { وما اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } تهويلاً على الأعداء ، وتأميلاً على الأولياء .","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"سبق لكم من قديم الحكم ( . . . ) انفرادٌ بطريق الحق ، ووقوع أعدائكم في شق البُعْد ، فبينكما برزخٌ لا يبغيان ، فما هم بِتَابعي قبلتكم وإنْ أريتهم من الآثار ما هو أظهر من الشموس والأقمار ، ولا أنت - بتابعٍ قبلتهم وإن أتَوا بكل احتيال ، حُكْماً من الله - سبحانه - بذلك في سابق الأزل .","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"حَمَلَتْهُمْ مُسْتَكنَّاتُ الحَسَدِ على مكابرة ما علموه بالاضطرار ، فكذلك المغلوب في ظلمات نفسه ، ألقى جلباب الحياء فلم ينْجع فيه مَلاَم ، ولم يَرْدَعْه عن انهماكه كلام .","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"أي بعدما طلعت لك شموس اليقين فلا تَذْعَنْ إلى مجوزات التخمين . والخطاب له والمراد به الأمة .","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"الإشارة منه : أنَّ كل قوم اشتغلوا عنَّا بشيءٍ حَالَ بينهم وبيننا ، فكونوا أنتم أيها المؤمنون لنا وبنا ، وأنشد بعضهم :\rإذا الأشغالُ أَلْهَوْني عنك بشُغْلِهم ... جعلتك أشغالي فأَنْسَيْتَني شُغْلي","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ } .\rكما تستقبلون أينما كنتم القِبْلَة - قَرُبتُم منها أم بَعُدْتُم - فكذلك أَقْبَلُوا علينا بقلوبكم كيفما كنتم ، ؛ حَظَيتم منا أو مُنِيتُم .\rقوله جلّ ذكره : { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } .\rإذا أردت ألا يكون لأحد عليك سبيلٌ ، ولا يقع لمخلوق عليك ظِلٌّ ، ولا تصل إليك بالسوءِ يَدٌ ، فحيثما كنتَ وأينما كنتَ وكيفما كنت كن لَنَا وكُن مِنّا ، فإِنَّ من انقطع إلينا لا يتطرق إليه حدثان .\rقوله جلّ ذكره : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِى } .\rإذا كانوا محوا عن كونهم رسوماً تجري عليهم أحكامنا - فأنَّى بالخشية منهم!؟\rقوله جلّ ذكره : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } .\rإتمام النعمة إضافة الكشف إلى اللطف ، فإن من كفاه بمقتضى جوده دون من أغناه بحق وجوده ، وفي معناه أنشدوا :\rنحن في أكمل السرورِ ولكنْ ... ليس إلا بكم يَتمُّ السرور\rعيبُ ما نحن فيه - يا أهلَ وُدِّي - ... أنّكم غُيَّبٌ ونحن الحُضُور","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"إرسال الرسول مفاتحة لأبواب الوصول ، فكان في سابق علمه - سبحانه - أن قلوب أوليائه متعطشة إلى لقائه . ولا سبيل لأحد إليه إلا بواسطة الرسل؛ فأقوام ألزمهم - بإرسال الرسل إليهم - الكُلَف ، وآخرون أكرمهم - بإرسال الرسل إليهم - بفنون القُرَب والزُّلَف ، وشَتّان بين قوم وقوم!","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور ، ثم استهلاكه في وجود المذكور ، حتى لا يبقى منك أثر يذكر ، فيقال قد كان مرةً فلان .\r{ فاذكروني أذكركم } أي كونوا مستهلكين في وجودنا ، نذكركم بعد فنائكم عنكم ، قال الله تعالى : { إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [ الذاريات : 16 ] كانوا وقتاً ولكنهم بانوا دائماً :\rأناس حديث حسن ... فكن حديثاً حسناً لمن وعنى\rوطريقة أهل العبارة { فاذكروني } بالموافقات { أذكركم } بالكرامات ، وطريقة أهل الإشارة { فاذكروني } بِتَرْكِ كل حظ { أذكركم } بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم .\r{ فاذكروني } مكتفين بي عن عطائي وأفضالي { أذكركم } راضياً بكم دون أفعالكم .\r{ فاذكروني } بذكري لكم ما تذكرون ، ولولا سابق ذكري لما كان لاحِقُ ذكركم .\r{ فاذكروني } بقطع العلائق { أذكركم } بنعوت الحقائق .\rويقال اذكرني لكل مَنْ لَقِيتَه أذكرك لمن خاطَبتُه ، « فمن ذكرني في مَلأٍ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم » .\rويقال { واشكروني } على عظيم المِنَّةِ عليكم بأن قُلْتُ : { فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } .\rويقال الشكر من قبيل الذكر ، وقوله : { ولا تكفرون } النهي عن الكفران أمرٌ بالشكر ، والشكر ذكر ، فكرر عليك الأمر بالذكر ، والثلاث أول حدِّ الكثرة ، والأمر بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأنَّ في الخبر : « من أحب شيئاً أكثر ذكره » فهذا - في الحقيقة - أمرٌ بالمحبة أي أحْبِبْني أحبك؛ { فاذكروني أذكركم } أي أحبوني أحببكم .\rويقال : { فاذكروني } بالتذلل { أذكركم } بالتفضُّل .\r{ فاذكروني } بالانكسار { أذكركم } بالمبار .\r{ فاذكروني } باللسان { أذكركم } بالجِنان .\r{ فاذكروني } بقلوبكم { أذكركم } بتحقيق مطلوبكم .\r{ فاذكروني } على الباب من حيث الخدمة { أذكركم } بالإيجاب على بساط القربة بإكمال النعمة .\r{ فاذكروني } بتصفية السِّر { أذكركم } بتوفية البرِّ .\r{ فاذكروني } بالجهد والعناء { أذكركم } بالجود والعطاء .\r{ فاذكروني } بوصف السلامة { أذكركم } يومَ القيامة يومَ لا تنفع الندامة .\r{ فاذكروني } بالرهبة { أذكركم } بتحقيق الرغبة .","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"استعينوا بالصبر على الصلاة أي بصبركم - عند جريان أحكام الحق عليكم - استحقاقكم صلاة ربكم عليكم ، ولذا فإنه تعالى بعد { وبشر الصابرين } يقول : { أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ } .\rويقال استوجب الصابرون نهاية الذخر ، وعلو القدر حيث نالوا معَيَّة الله قال تعالى : { إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"فاتتهم الحياة في الدنيا ولكن وصلوا إلى الحياة الأبدية في العُقْبَى ، فهم في الحقيقة أحياء ، يجدون من الله فنون الكرامات .\rويقال هم أحياء لأن الخَلَفَ عنهم اللهُ ومَنْ كان الخلفُ عنه الله لا يكون ميتاً ، قال قائلهم في مخلوق :\rإن يكن عنَّا مضى بسبيله فما ... مات من يبقى له مثل خالد\rويقال هم أحياء بذكرِ الله لهم ، والذي هو مذكور الحق بالجميل بذكره السرمدي ليس بميت .\rويقال إنَّ أشباحهم وإنْ كانت متفرقة ، فإنَّ أرواحهم - بالحق سبحانه - متحققة .\rولئن فَنِيَتْ بالله أشباحُهم فلقد بَقِيَتْ بالله أرواحهم لأنَّ من كان فناؤه بالله كان بقاؤه بالله .\rويقال هم أحياء بشواهد التعظيم ، عليهم رداء الهيبة وهُمْ في ظلال الأُنْس ، يبسطهم جَمَالُه مرةً ، ويستغرقهم جلاله أخرى .","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"ابتلاهم بالنعمة لِيُظْهِرَ شكرهم ، وابتلاهم بالمحنة ليظهر صبرهم ، فلما أدخل المعلوم من حالهم في الوجود ، ورسمهم بالرقم الذي قَسَمَه ، وأثبتهم على الوصف الذي علمه ، ( ابتلاهم ) بالخوف وفيه تصفية لصدورهم ، وبالجوع وفيه تنقية لأبدانهم ، وبنقص من الأموال تزكو به نفوسهم ، وبمصائب النفوس يعظم بها عند الله أجرهم ، وبآفة الثمرات يتضاعف من الله خلفهم .\r{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } يعني الذين لا اعتراض لهم على تقديره فيما أمضاه .\rويقال طالبهم بالخوف ( ابتعاداً ) عن عقوبته ثم بمقاساة الجوع ابتغاء قربته وكرامته ، ونقصٍ من الأموال بتصَدُّقِ الأموال والخروج عنها طلباً للخير منه بحصول معرفته .\r« والأنفس » تسليماً لها إلى عبادته « والثمرات » القول بترك ما يأملونه من الزوائد في نعمته { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } على استحسان قضيته ، والانقياد لجريان قدرته .\rومطالبات الغيب إما أن تكون بالمال أو بالنفس أو بالأقارب؛ فمن أوقف المال لله فله النجاة ، ومن بذل لحكمه النَّفْسَ فله الدرجات ، ومن صبر عند مصائب الأقارب فله الخلف والقُرُبات ، ومن لم يدخر عنه الروح فله دوام المواصلات .\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ } . . . الآية .\rقابلوا الأمر بالصبر لا بل بالشكر لا بل بالفرح والفخر .\rومن طالع الأشياء مِلْكاً للحق رأى نفسه أجنبياً بينه وبين حكمه؛ فمِنشِئُ الخَلْقِ أولى بالخَلْق من الخَلْق .\rويقال من شهد المصائب شهد نفسه لله وإلى الله ، ومن شاهد المُبْلِي عَلِمَ أن ما يكون من الله فهو عبد بالله ، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله؛ الذي كان لله فصابرٌ واقفٌ ، والذي هو بالله فساقط الاختيار والحكم ، إنْ أثبته ثَبَتَ ، وإنْ محاه انمحى ، وإنْ حرَّكه تحرك ، وإن سَكَّنَه سَكَن ، فهو عن اختياراته فانٍ ، وفي القبضة مُصْرَّفٌ .","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"بصلواته عليهم ابتداءً وصلوا إلى صبرهم ووقوفهم عند مطالبات التقدير ، لا بصبرهم ووقوفهم وصلوا إلى صلواته ، فلولا رحمته الأزلية لما حصلت طاعتهم بشرط العبودية ، فعنايته السابقة أوجبت لهم هداية خالصة .\rقال تعالى : { وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ } لما رحمهم في البدية اهتدوا في النهاية .","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ } .\rتلك المشاهد والرسوم ، وتلك الأطلال والرقوم ، تُعَظَّم وتُزَار ، وتُشدُّ إليها الرحال لأنها أطلال الأحباب ، وهنالك تلوح الآثار :\rأهوى الديار لمن قد كان ساكنها ... وليس في الدارِ همٌّ ولا طَرَبُ\rوإن لتُرابِ طريقهم بل لغبار آثارهم - عند حاجة الأحباب - أقداراً عظيمة ، وكل غبرة تقع على ( حافظات طريقهم ) لأعزُّ من المِسْك الأذفر :\rوما ذاك إلا أن مشت عليه أميمةٌ ... في ترِبها وجرَّت به بُردا\rقوله جلّ ذكره : { فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } .\rحَظَى الصفا والمروة بجوار البيت فَشُرعَ السعي بينهما كما شرع للبيت الطواف ، فكما أن الطواف ركن في النُّسك فالسعي أيضاً ركن ، والجارُ يُكْرَمُ لأجل الجار .","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"الإشارة في هذا الآية لمن كاشفه الحقُّ سبحانه بعلم من آداب السلوك ثم ضنّ بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت في الوقت ، ويخشى عليه نزع البركة عن علمه متى قصَّر فيه لما أخَّر من تعليم المستحِق .","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحسن الرُّجْعَى ، والقيام للمريدين على وجه النصيحة ، وبيَّنوا لهم - بجميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون - حسنَ قيامهم بمعاملاتهم . فإنَّ أظهرَ الحجَج لبيانِ أفعالك وأصدقَ الشهادةِ لتصحيح ما تدعو به الخلْق إلى الله - ألا يُخالِفَ بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك ، قال الله تعالى : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [ هود : 88 ] .","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"الإشارة فيه أن الذين بدا لهم بعدما سلكوا طريق الإرادة ( أنْ ) يرجعوا إلى أحوال العادة ، ثم في تلك الوحشة قُبضوا ، وعلى تلك الحالة من الدنيا خرجوا ، أولئك أصحاب الفُرقة ، فلا على أرواحهم إقبال ولا لمصيبتهم جبران ، ولا لأحد عليهم ترحم ، خسروا في الدنيا والآخرة ، يلعنهم البقُّ في الهواء والنقعُ على الماء .\r{ خَالِدِينَ } أي مقيمين أبداً في هوانهم وصغرهم ، لا تخفيف ولا إسعاف ولا رفق ولا ألطاف .","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"شَرَّفهم غايةَ التشريف بقوله { وَإِلَهُكُمْ } . وإن شيوخ هذه الطائفة قالوا : علامةُ من يَعُدُّه من خاصَّ الخواص أن يقول له : عبدي ، وذلك أتمُّ من هذا بكثير لأن قوله : { وَإِلَهُكُمْ } : وإضافة نَعْتِهِ أتمُّ من إضافته إياك إلى نفسه لأن إلهيته لَكَ بلا عِلَّة ، وكونُك له عبد يُعوِّض كل نقصك وآفتك . ومتى قال لكم { وَإِلَهُكُمْ } .\rحين كانت طاعتك وحركاتك وسكناتك أو ذاتك وصفاتك لا بل قبل ذلك أزل الأزل حين لا حِينَ ، ولا أوَانَ ، ولا رسم ولا حدثان .\rو { الوَاحِدُ } من لا مِثْلَ له يدانيه ، ولا شكل يلاقيه . لا قسيم يجانسه ولا نديم يؤانسه . لا شريكَ يعاضده ولا مُعِين يساعده ولا منازعَ يعانده .\rأحديُّ الحق صمديُّ العين ديموميُّ البقاء أبديُّ العز أزليُّ الذات .\rواحدٌ في عز سنائه فَردٌ في جلال بهائه ، وِتْرٌ في جبروت كبريائه ، قديم في سلطان عِزِّه ، مجيد في جمال ملكوته . وكل مَنْ أطنب في وصفه أصبح منسوباً إلى العمى ( ف ) لولا أنه الرحمن الرحيم لتلاشى العبدُ إذا تعرَّض لعرفانه عند أول ساطعٍ من بادياتِ عزِّه .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"تَعَرَّف إلى قلوب الطالبين من أصحاب الاستدلال وأرباب العقول بدلالات قدرته ، وأمارات وجوده ، وسمات ربوبيته التي هي أقسام أفعاله . ونبههم على وجود الحكمة ودلالات الوحدانية بما أثبت فيها من براهينَ تلطف عن العبارة ، ووجوهٍ من الدلالات تَدِقُّ عن الإشارة ، فما من عينٍ من العدم محصولة - من شخصٍ أو طلل ، أو رسم أو أثر ، أو سماء أو فضاء ، أو هواء أو ماءٍ ، أو شمسٍ أو قمر ، أو قَطْرٍ أو مطر ، أو رَمل أو حجرٍ ، أو نجم أو شجرٍ - إلا وهو على الوحدانية دليل ، ولِمَنْ يقصد وجوده سبيل .","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يّتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } .\rهؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة ، فَشَغَلهم بمحبة الأغيار حتى رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هَوَتَهْ أنفسهم ، فرضوا بمعمولٍ لهم أن يعبدوه ، ومنحوت - من دونه - أن يحبوه .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ } .\rليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام ، ولكن المراد منه مدح المؤمنين على محبتهم ، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار للأصنام ، ولكن من أحبَّ حبيباً استكثر ذكره ، بل استحسن كل شيء منه .\rويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن ( هذه ) محبة الجنس للجنس ، وقد يميل الجنس إلى الجنس ، وتلك محبةُ من ليس بجنسٍ لهم فذلك أعزُّ وأحق .\rويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه ، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود ، وأمَّا المؤمنون فإنهم أحبوا من حَالَ بينهم وبين ( شهوده ) رداء الكبرياء على وجهه .\rويقال الذين آمنوا أشد حباً لله لأنهم لا يتبرأون من الله سبحانه وإنْ عَذَّبَهُم . والكافر تبرأ من الصنم والصنمُ من الكافر كما قال تعالى : { إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } الآية .\rويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهي أتم ، قال تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة : 54 ] ومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم .\rويقال محبة المؤمنين أتمُّ وأشدُّ لأنها على موافقة الأمر ، ومحبة الكفار على موافقة الهوى والطبع ، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم ، واتسعت ذات يدهم اتخذوا أصناماً أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك في حال فقرهم؛ فكانوا يتخذون من الفضة - عند غناهم - أصناماً ويهجرون ما كان من الحديد . . . وعلى هذا القياس! وأمَّا المؤمنون فأشَدُّ حباً لله لأنهم عبدوا إلهاً واحداً في السّراء والضراء .\rقوله جلّ ذكره : { إِذْ تَبَرَّاَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذَابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ } .\rإذا بَدَتْ لهم أوائلُ العذاب اتضح أنهم لم يقفوا من الصدق على قَدَم ، وأمّا المؤمنون فيسلبهم أرواحهم وأملاكهم وأزواجهم وأولادهم ، ويُسْكِنُ ( أولئكَ ) في القبور سنين ثم يبتليهم في القيامة بطول الآجال وسوء الأعمال ثم يلقيهم في النار .\r( أما المؤمنون ) فيأتي عليهم طول الأيام والأعمال فلا يزدادون إلا محبة ( على محبة ) ولذلك قال : { والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ } .","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"عند ذلك يعرفون مرارة طعم صحبة المخلوقين ولكن لا يحصلون إلا على حسرات .","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"الحرام - وإنْ اسْتُلِذَّ في الحال - فهو وبيء في المآل ، والحلال - وإن اسْتُكْرِه في الحال - فهو مريء في المآل .\rوالحلال الصافي ما لم ينسَ مُكْتَسِبُه الحقَّ في حال اكتسابه .\rويقال الحلال ما حصله الجامع له والمكتسب على شهود الحق في كل حال .\rوكلُّ ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان .","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"لاجترائه على الله يدعوك به إلى افترائك على الله .","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"لا ترفع أبصارهم عن أشكالهم وأصنافهم ، من أضرابهم وأسلافهم ، فَبَنَوْا على منهاجهم ، فلا جَرَمَ انخرطوا في النار ، وانسلكوا في سلكهم ، ولو عَلِمُوا أن أسلافهم لا عقل يردعهم ، ولا رشد يجمعهم لنابذوهم مناصبين ، وعائدوهم مخالفين ، ولكن سلبوا أنوار البصيرة ، وحُرِموا دلائل اليقين .","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"عدموا سمع الفهم والقبول ، فلم ينفعهم سمع الظاهر ، فنزلوا منزلة البهائم في الخلوِّ عن التحصيل ، ومَنْ رضي أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة .","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"الحلال ما لا تَبِعَه عليه ، والطيب الذي ليس لمخلوقٍ فيه مِنَّة ، وإذا وجد العبد ( طعا ) ماً يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب .\rوحقيقة الشكر عليه ألا تتنفس في غير رضاء الحق ما دام تبقى فيك القوة لذلك الطعام .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"حرَّم على الظواهر هذه المعدودات وهي ما أهل به لغير الله ، وحرَّم على السرائر صحبة غير الله بل شهود غير الله ، فمن اضطر - أي لم يجد إلى الاستهلاك في حقائق الحق وصولاً - فلا يَسْلكَنَّ غير سبيل الشرع سبيلاً ، فإما أن يكون محواً في الله ، أو يكون قائماً بالله ، أو عاملاً لله ، والرابع همجٌ لا خَطَرَ له .","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"العلماء مُطَالَبُون بنشر دلائل العلم ، والأولياء مأمورون بحفظ ودائع السِّر فإنْ كَتَم هؤلاء براهين العلوم ألجموا بلجام من النار ، وإن أظهر هؤلاء شظية من السر عُوجِلُوا ببعاد الأسرار ، وسَلْبِ ما أوتوا من الأنوار . ولكُلٍ جدٌّ ، وعلى كل أمرٍ قطيعة .","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"إن الذين آثروا الغَيْرَ على الغيب ، والخَلْقَ على الحقِّ ، والنَفْسَ على الأُنْسِ ، ما أقسى قلوبهم ، وما أوقح محبوبهم ومطلوبهم ، وما أخس قدرهم ، وما أفضح لذوي الأبصار أمرهم! ذلك بأن الله نَزَّل الكتاب بالحق ، وأمضى القضاء والحكم فيه بالصدق ، وأوصلهم إلى مَالَهُ أَهَّلَهُمْ ، وأثْبَتَهُم على الوجه الذي عليه جَبَلَهُمْ .","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"والإشارة أن الظواهِرَ ليس لها كثيرُ اعتبار إنما الخبر عن الله عزيز .\rوكثرة الأوراد - وإن جلَّت - فحرفة العجائز ، وإخلاص الطاعات - وإن عزَّ - فصفة العوام ، وَوَصْلُ الليل بالنهار في وظائف كثيرة ومجاهدات غزيرة عظيم الخطر في استحقاق الثواب ، ولكنَّ معرفة الحق عزيزة .\rوما ذُكِر في هذه الآية من فنون الإحسان ، ووجوه قضايا الإيمان ، وإيتاء المال ، وتصفية الأعمال ، وصلة الرحم ، والتمسك بفنون الذّمم والعِصَم ، والوفاء بالعهود ، ومراعاة الحدود - عظيم الأثر ، كثير الخطر ، محبوب الحق شرعاً ، ومطلوبه أمراً لكنّ قيام الحق عنك بعد فنائك ، وامتحائك مِنْ شاهِدِك ، واستهلاكك في وجود القِدَم ، وتعطل رسومك عن مساكنات إحساسك - أتمُّ وأعلى في المعنى؛ لأن التوحيد لا يُبقِي رسماً ولا أثراً ، ولا يغادر غَيْراً ولا غَبَراً .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"حق القِصاص مشروع ، والعفو خير ، فمن جنح إلى استيفاء حقه فمُسَلَّمٌ له ، ومن نزل عن ابتغاء حقه فمحسن ، فالأول صاحب عبادة بل عبودية ، والثاني صاحب فتوة بل حرية .\rوالدم المراق يجري فيه القِصاص على لسان أهل العلم ، وأمَّا على لسان الإشارة لأهل القصة فدماؤهم مطلولة وأرواحهم هدرة قال :\rوإن فؤداً رعته لَكَ حامدٌ ... وإنَّ دماً أجريته بِكَ فاخِرُ\rوسفك دماء الأحباب ( فوق ) بِساط القرب خلوف أهل الوصال ، قال النبي A : « اللونُ لونُ الدم والريحُ ريح المِسك » .","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"في استيفاءِ القصاص حياة لأنه إذا عَلِمَ أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ أمْسَكَ عن القتل وفي ذلك حياة القاتل والمقتول .\rولكن ترك القصاص - على بيان الإشارة - فيه أعظم الحياة لأنه إذا تَلِفَ فيه ( سبحانه ) فهو الخَلَفُ عنه ، وحياته عنه أتم له من بقائه بنفسه . وإذا كان الوارثَ عنهم الله والخَلَفَ عنهم اللهُ فبقاءُ الخلفِ أعزُّ مِنْ حياةِ مَنْ ورد عليه التلف .","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"مَنْ تَرَكَ مالاً فالوصية له مالِه مُسْتَحبةٌ ، ومَنْ لم يترك شيئاً فأنَّى بالوصية!! في حالة الأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث ، أمّا الأولياء فيخرجون في حياتهم عن الكُلِّ ، فلا تبقى منهم إلا همةٌ انفصلت عنهم ولم تتصل بشيءٍ؛ لأن الحق لا سبيل للهمة إليه ، والهمة لا تَعَلُّقَ لها بمخلوق ، فبقيت وحيدة منفصلة غير متصلة ، وأنشدوا :\rأحبكُم ما دمتُ حياً فإنْ أمُتْ ... يُحبكم عظمى في التراب رميم\rهذه وصيتهم : وقال بعضهم :\r. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... لا بل كما قال قائلهم :\rوأتىلرسول فأخبر أنهم رحلوا قريبا ... رجعوا إلى أوطانهم فجرى له دمعي صبيبا ...","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"من حرّف نُطْقَاً جرى بِحقِّهِ لِحَقَه شؤمُ ذلك ووباله .\rوعقوبته أن يُحرَم رائحة الصدق أن يشمه . فمن أعان الدينَ أعانه الله ، ومن أعان على الدين خذله الله .","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"الإشارة فيه : أن من تَفرسَ في بعض المريدين ضعفاً ، أو رأى في بعض أهل البداية رخاوةَ قصدٍ أو وجد بعض الناصحين يتكلم بالصدق المحض على من لم يحتمله - فرأى أن يرفق بذلك المريد بما يكون ترخيصاً له أو استمالة له أو مداراة أو رضا بتعاطي مباح - فلا بأسَ به فإن حَمْلَ الناس على الصدق المحض مما لم يثبت له كثيرُ أجر . فالرِّفق بأهل البداية - إذا لم يكن لهم صارم عزم ، ولا صادق جهد - ركْنٌ في ابتغاء الصلاح عظيم .","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"الصوم على ضربين : صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوباً بالنية ، وصوم باطن وهو صَوْنُ القلب عن الآفات ، ثم صون الروح عن المساكنات ، ثم صون السِّرِّ عن الملاحظات .\rويقال صوم العابدين شرطه - حتى يَكْمُلَ - صونُ اللسان عن الغيبة ، وصون الطَرْف عن النظر بالريبة كما في الخبر : « مَنْ صام فَلْيَصُمْ سمعه وبصره . . . . » الخبر ، وأما صوم العارفين فهو حفظ السر عن شهود كل غيره .\rوإن من أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل ، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق ، قال A : « صوموا وأفطروا لرؤيته » الهاء في قوله عليه السلام - لرؤيته - عائدة عند أهل التحقيق إلى الحق سبحانه ، فالعلماءُ يقولون معناه عندهم صوموا إذا رايتم هلال رمضان وأفطروا لرؤية هلال شوال ، وأما الخواص فصومهم لله لأن شهودهم الله وفطرهم بالله وإقبالهم على الله والغالب عليهم الله ، و الذي هم به محو - الله .","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"قوله جلّ ذكره : { أيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُ } .\rمن شهد الشهر صام لله ، ومن شهد خالق الشهر صام بالله ، فالصوم لله يوجب المثوبة ، والصوم بالله يوجب القربة . الصوم لله تحقيق العبادة والصوم بالله تصحيح الإرادة . الصوم لله صفة كل عابد والصوم بالله نعت كل قاصد . الصوم لله قيام بالظواهر والصوم بالله قيام بالضمائر . الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة .\rمن شهد الشهر أمسك عن المفطرات ومن شهد الحق أمسك في جميع أوقاته عن شهود المخلوقات .\rمن صام بنفسه سُقِيَ شرابَ السلسبيل والزنجبيل ، ومن صام بقلبه سُقِيَ شراب المحاب بنعمة الإيجاب .\rومن صام بِسِرِّهِ فهم الذين قال فيهم الله تعالى : { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } [ الإنسان : 21 ] .\rشراب يا له من شراب!! شراب لا يُدار على الكف لكنه يبدو له من اللطف .\rشراب استئناس لا شراب كأس .\rقوله تعالى : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي من أفطر لهذه الأعذار فعليه صوم عدة أيام بعدد ما أفطر قضاء لذلك . الإشارة لمن سقمت إرادته عن الصحة فيرجع إلى غيره إما لرخصة تأويل أو لقلة قوة واحتمال ، أو عجز للقيام بأعباء أحكام الحقيقة فليُمْهَل حتى تقوى عزيمته وتستد إرادته ، فعند ذلك يُسْتَدْرَك منه ما رُخِّص له بالأخذ بالتأويل ، وتلك سُنَّةُ الله سبحانه وتعالى في التسهيل على أهل البداية ، ثم استيفاءُ ذلك منهم واجبٌ في آخر الحال .\rقوله جلّ ذكره : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ( . . . . . ) طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .\rالإشارة منه أَنَّ مَنْ فيه بقية من القوة للوقوف لمطالبات الحقيقة ويرجع إلى تسهيل الشريعة وينحط إلى رخصة التأويل فعليه الغرامة بواجب الحال وهو الخروج عما بقي له من معلوم مال أو مرسوم حال ويبقى مجرداً للواحد .\rفصل : ويقال إنه لما علم أن التكليف يقتضي المشقة خففه عليك ذلك بأن قلَّل أيام الصوم في قلبك فقال : { أَيّامًا مَّعْدُودَاتٍ } أي مدة هذا الصوم أيام قليلة فلا يهولنكم سماع ذكره ، وهذا كقوله تعالى : { وَجَاهِدُوا فِى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [ الحج : 78 ] ثم قال : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] أي لا يلحقكم كثير مشقة في القيام بحق جهاده .","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"قوله جلّ ذكره : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى للنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rرمضان يُرْمِضُ ذنوب قوم ويرمض رسوم قوم ، وشتان بين من تحرِق ذنوبَه رحمتُه وبين من تحرِق رسومَه حقيقتُه .\rشهر رمضان شهر مفاتحة الخطاب ، شهر إنزال الكتاب ، شهر حصول الثواب ، شهر التقريب والإيجاب . شهر تخفيف الكلفة ، شهر تحقيق الزلفة ، شهر نزول الرحمة ، شهر وفور النعمة . شهر النجاة ، شهر المناجاة .\rقوله جلّ ذكره : { يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ } .\rأراد بك اليسر ( وأنت تظن ) أنه أراد بك العسر .\rومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه ( أقامه ) بطلب اليسر؛ ولو لم يُرِدْ به اليسر لَمَا جعله راغباً في اليسر ، قال قائلهم :\rلو لم تُرِدْ نَيْلَ ما أرجو وأطلبهُ ... من فيضِ جودِك ما علمتني الطلبا\rحقَّق الرجاء وأكَّد الطمع وأوجب التحقيق حيث قال : { وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ } لينفيَ عن حقيقة التخصيص مجوزاتِ الظنون .\rقوله جلّ ذكره : { وَلِتُكْمِلُو العِدَّةَ } .\rعلى لسان العلم تكملوا مدة الصوم .\rوعلى لسان الإشارة لتقرنوا بصفاء الحال ( وفاء ) ( المآل ) .\r{ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } في النَّفَسِ الأخير ، وتخرجوا من مدة عمركم بسلامة إيمانكم . والتوفيق في أن تكمل صوم شهرك عظيم لكن تحقيق أنه يختم عمرك بالسعادة - أعظم .","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ } .\rسؤال كل أحدٍ يدلُّ على حاله؛ لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دين ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى } . وليس هؤلاء من جملة من قال : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ } [ طه : 105 ] ، ولا من جملة من قال : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى } [ البقرة : 220 ] ولا من جملة من قال : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ } [ البقرة : 222 ] ، ولا من جملة من قال : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ } [ الإٍسراء : 85 ] ، ولا من جملة من قال : و { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ } [ البقرة : 219 ] ، و { يَسْئَلُونَكَ عِنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } [ البقرة : 217 ] .\rهؤلاء قوم مخصوصون : { وَإِذَا سَأَلَكَ . . . عِبَادِى عَنِّى } .\rأي إذا سألك عبادي عني فبماذا تجيبهم؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد ، فأنت وإنْ كنتَ السفير بيننا وبين الخلْق فهذا الجواب أنا أتولاه { فَإِنِّى قَرِيبٌ } ( رَفَعَ الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يَقُل قل لهم إني قريب بل قال جل شأنه : { فَإِنِّى قَرِيبٌ } ) .\rثم بَيَّن أن تلك القربة ما هي : حيث تقدَّس الحقُّ سبحانه عن كل اقتراب بجهة أو ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال : { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } وإن الحق سبحانه قريب - من الجملة والكافة - بالعلم والقدرة والسماع والرؤية ، وهو قريب من المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة ، وجلَّ وتقدَّس عن أن يكون قريباً من أحد بالذات والبقعة؛ فإنه أحديٌّ لا يتجهَ في الأقطار ، وعزيز لا يتصف بالكُنْهِ والمقدار .\rقوله جلّ ذكره : { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتِجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } .\rلم يَعِدْ إجابة من كان باستحقاق زهد أو في زمان عبادة بل قال دعوة الداعي متى دعاني وكيفما دعاني وحيثما دعاني ثم قال : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى } هذا تكليف ، وقوله : { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } تعريف وتخفيف ، قدَّم التخفيف على التكليف ، وكأنه قال : إذا دعوتني - عبدي - أَجَبْتُك ، فأَجِبنِي أيضاً إذا دَعَوْتُك ، أنا لا أرضى بِرَدِّ دعائِك فلا تَرْضَ - عبدي - بردِّي من نفسك . إجابتي لك بالخير تحملك - عبدي - على دعائي ، ولا دعاؤك يحملني على إجابتك . { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى } : وليثقوا في ، فإني أجيب من دعاني ، قال قائلهم :\rيا عَزُّ أُقْسِم بالذي أنا عبده ... وله الحجيج وما حوت عرفات\rلا أبتغي بدلاً سِواكِ خليلة ... فشقِي بقولي والكرامُ ثِقات\rثم قال في آخر الآية : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } أي ليس القصد من تكليفك ودعائك إلا وصولك إلى إرشادك .","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"قوله جلّ ذكره : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةُ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } .\rأخبر أنه - في الحقيقة - لا يعود إليه عائد من أوصاف الخَلْق؛ إنْ كُنتَ في العبادة التي هي حق الحق أو في أحكام العادة من صحبة جِنْسِك التي هي غاية النفس والحظ ، فَسِيَّان في حالك إذا أورد فيه الإذن .\rنزلت الآية في زَلَّةٍ بَدَرَتْ من الفاروق ، فَجَعَلَ ذلك سببَ رُخْصةٍ لجميع المسلمين إلى القيامة . وهكذا أحكام العناية .\rويقال علم أنه لا بُدَّ للعبد عن الحظوظ فقسم الليل والنهار في هذا الشهر بين حقه وحظِّك ، فقال أما حقي { أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } ، وأما حظك { وَكَلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ } .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى المَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } .\rأخبر أن محل القدرة مقدَّس عن اجتلاب الحظوظ ، وقال إذا كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين بِكُم فيكم ، وإذا كنتم قائمين بِنَا فلا تعودوا منَّا إليكم .\rويقال غيرة الحق سبحانه على الأوقات أن يُمزَجَ الجدُّ بالهزلِ ، قالت عائشة Bها : يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك فقال عليه السلام : « ذريتي يا ابنة أبي أبكر أتعبد ربي » وقال A « لي وقت لا يسعني غير ربي » .","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"إذا تحاكمتم إلى المخلوقين فاعلموا أن الله مطلع عليكم ، وعِلْمه محيط بكم ، فراقبوا موضع الاستحياء من الحق سبحانه ، ولئن كان المخلوقون عالمين بالظواهر فالحق - سبحانه وتعالى - متولي بالسرائر .","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ للنَّاسِ وَالحَجِّ } .\rالأهلة - جمعُ هلال - مواقيت للناس؛ لأشغالهم ومحاسباتهم .\rوهي مواقيت لأهل القصة في تفاوت أحوالهم؛ فللزاهدين مواقيت أورادهم ، وأما أقوام مخصوصون فهي لهم مواقيت لحالاتهم ، قال قائلهم :\rأعد الليالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد كنت قدماً لا أعد اللياليا\rوقال آخر :\rثمانٍ قد مضَيْنَ بِلا تلاقٍ ... وما في الصبر فضل عن ثمانٍ\rوقال آخر :\rشهورٌ يَنْقُضَين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سِرار\rقوله جلّ ذكره : { وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\rيعني ليس البر مراعاة الأمور الظاهرة ، بل البر تصفية السرائر وتنقية الضمائر .","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"لتكن نفوسُكم عندكم ودائعَ الحق؛ إنْ أَمَر بإِمساكها أَمْسِكُوها وصونوها ، وإنْ أَمَرَ بتسليمها إلى القتل فلا تدَّخروها عن أمره ، وهذا معنى قوله : { وَلاَ تَعْتَدُوا } وهو أن تقف حيثما أُوقِفْتَ ، وتفعل ما به أُمِرْتَ .","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"قوله جلَّ ذكره : { وَاقْتُلُواهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } .\rيعني عليكم بنصب العداوة مع أعدائي - كما أن عليكم إثبات الولاية والموالاة مع أوليائي - فلا تُشْفِقُوا عليهم وإن كان بينكم واصد الرحم ووشائج القرابة .\r{ وأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } : أولاً أَخْرِجُوا حبَّهم وموالاتهم من قلوبكم ، ثم ( . . . . . ) عن أوطان الإسلام ليكون الصغار جارياً عليهم .\rقوله جلّ ذكره : { والفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ } .\rوالإشارة : أنَّ المحنةَ التي تَرِدُ على القلوب من طوارق الحجب أشد من المحنة التي تَرِدُ على النفوس مِنْ بذل الروح ، لأن فوات حياة القلب أشد من فوات حياة النَّفْس ، إذ النفوس حياتها بمألوفاتها ، ولكن حياة القلب لا تكون إلا بالله .\rويقال الفتنة أشد من القتل : أن تنأى عن الله أعظم من أن تنأى عن روحك وحياتك .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلَكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ } .\rالإشارة منه : لا تشوش وقتك مع الله إذا كان بوصف الصفات بما تدخله على نفسك وإنْ كانت نوافل من الطاعات ، فإن زاحمك مزاحم يشغلك عن الله فاقطع مادة ذلك عن نفسك بكل ما أمكنك لئلا تبقى لك علاقة تصدك عن الله .","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rالإشارة منه : إذا انقطعت عنك غاغة خواطرك وأعداء نفسك ، مما يخرجك عنه ويزاحمك ، فَلُمْ حديثَ النفس ودَعْ مجاهداتها؛ فَإنَّ مَنْ طولب بحفظ الأسرار لا يتفرغ إلى مجاهدات النفوس بفنون المخالفات .","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"الإشارة من الآية إلى مجاهدات النفوس؛ فإنَّ أعدى عدوِّك نَفْسُك التي بين جنبيك . أي استوفِ أحكام الرياضات حتى لا يبقى للآثار البشرية شيء ، وتُسلِم النَّفْسَ والقلبَ لله ، فلا يكون مُعارِض ولا مُنازعُ منك لا بالتوقي ولا بالتلقي ، لا بالتدبير ولا بالاختيار - بحالٍ من الأحوال؛ تجري عليك صروفه كما يريد ، وتكون محواً عن الاختيارات ، بخلاف ما يرد به الحكم ، فإذا استسلمت النفس فلا عدوان إلا على أرباب التقصير ، فأمّا من قام بحق الأمر تقصى عن عهدة الإلزام .","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"الإشارة فيه : إذا تقابل حقان كلاهما لله فَسَلِّم الوقت بحكم الوقت ، ودَلْ مع إشارات الوقت ، وإياك أن ترجح أحدهما على الآخر بمالَكَ من حظ - وإنْ قَلَّ - فتُحَجَب عن شهود الحق ، وتَعْمَى بصيرةُ قلبك . وكلُّ ما كان إلى خلاف هواكَ أقرب ، وعن استجلابِكَ وسكونكَ إليه أبعد - كان ذلك في نفسه أصوبَ .\r{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ } : الذين اتقوا إيثار هواهم على ما فيه رضاه ، فإذا قاموا لله - فيما يأتون - لا لَهُم فإن الله تعالى بالنصرة معهم ، قال تعالى : { إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ } [ محمد : 7 ] .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"إنفاق الأغنياء من أموالهم ، وإنفاق العابدين بنفوسهم لا يدخرونها عن العبادات والوظائف ، وإنفاق العارفين بقلوبهم لا يدخرونها عن أحكامه ، وإنفاق المحبين بأرواحهم لا يدخرونها عن حُبِّه .\rإنفاق الأغنياء من النِّعم وإنفاق الفقراء من الهِمَم .\rإنفاق الأغنياء إخراج المال من الكيس ، وإنفاق الفقراء إخراج الروح عن أنفس النفيس ، و إنفاق الموحِّدين إخراج الخَلْق من السِّر .\rقوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } الإشارة فيه ألى إمساك يدك عن البذل؛ فمن أمسك يده وادَّخر شيئاً لنفسه فقد ألقى بيده إلى التهلكة . ويقال : إلى إيثار هواك على رضاه .\rويقال { وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } أي الغفلة عنه بالاختيار .\rويقال تَوَهُّمُ أنك تعيش من دون لطفه وإقباله لَحْظَةً .\rويقال الرضا بما أنت فيه من الفترة والحجاب .\rويقال إمساك اللسان عن دوام الاستغاثة في كل نَفَسٍ .\rقوله تعالى : { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } الإحسان أن ترفق مع كل أحد إلا معك؛ فإحسانُك إلى نفسك في صورةٍ إساءتُك إليها في ظن الاعتماد ، وذلك لارتكابك كل شديدة ، ومقاساتك فيه كل عظيمة . والإحسان أيضاً ترك جميع حظوظك من غير بقية ، والإحسان أيضاً تفرغك إلى قضاء حق كل أحد علَّق عليك حديثه . والإحسان أن تعبده على غير غفلة . والإحسان أن تعبده وأنت بوصف المشاهدة .","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ للهِ } .\rإتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته ، وإراقة الدماء التي تدب فيها ( دون ) التقصير في بعض أحوالها .\rوفي التفسير أن تحرم بهما من دويرة أهلك .\rوعلى لسان الإشارة الحج هو القَصْد؛ فَقَصْدٌ إلى بيت الحق وقصد إلى الحق ، فالأول حج العوام والثاني حج الخواص .\rوكما أن الذي يحج بنفسه يُحْرِمُ ويَقِفُ ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق ، فكذلك من يحج بقلبه؛ فإحرامه بعقد صحيح على قصد صريح ، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته ، ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره ، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى ، وإطلاق خواطر المنى ، وما في هذا المعنى . ثم الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع ، ثم تلبية الأسرار باستجابة كل جزء منك .\rوأفضل الحج الشُّج والعجَّ؛ الشَّجُّ صَبُّ الدَّم والعجُّ رفع الصوت بالتلبية ، فكذلك سفك دم النفس بسكاكين الخلاف ، ورفع أصوات السِّر بدوام الاستغاثة ، وحسن الاستجابة ثم الوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة . وموقف النفوس عَرَفات وموقف القلوب الأسامي والصفات لِعِزِّ الذات ( عند ) المواصلات . ثم طواف القلوب حول ( مشاهدة ) العز ، والسعي بالأسرار بين صَفَّيِّ كشف الجلال ولطف الجمال .\rثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيارات ، والمنى والمعارضات : بكل وجه .\rقوله جلّ ذكره : { فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ } .\rالحصر بأمرين بعدو أو مرض .\rوالإشارة فيه إنْ استولى عدو النفس فلم تجد بداً من الإناخة بعقوة الرُّخَص وتأويلات العلم فعند ذلك تتحلل بموجب العذر والاضطرار إذ لا مزاحمة مع الحُكمْ . { الهَدْىِ } الذي يهدي به عند التحلل بالعذر ، والخروج عن المعلوم ، وتسليمه للفقراء ، وانتظار أن يزول الحصر فيستأنف الأمر . وإن مَرِضَتْ الواردات وسَقِمتْ القصود وآل الأمرُ إلى التكليف فليجتهد ألا ينصرف كما أنه في الحج الظاهر يجتهد بألا ينصرف لكل مرض أو إن احتاج إلى اللبس والحلق وغير ذلك - بشرط الفدية .\rثم إن عجز ، اشترط أن محله حيث حسبه فكذلك يقوم ويقعد في أوصاف القصد وأحكام الإرادة ، فإِن رجع - والعياذ بالله - لم يُقابَلْ إلا بالردِّ والصد ، وقيل :\rفلا عن قِلى كان التقرب بيننا ... ولكنه دهر يُشِتُّ ويجمع\rوقال الآخر :\rولستُ - وإنْ أحببتُ مَنْ يَسْكُن الفضا ... بأولِّ راجٍ حاجة لا ينالها\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } .\rيبذل ما أمكنه ، ويخرج عن جميع ما يملكه ، وعليه آثار الحسرة ، واستشعار أحزان الحجبة .\rفمن كان منكم مريضاً . . . الخ : الإشارة منه أن يبتهل ويجتهد بالطواف على الأولياء ، والخدمة للفقراء ، والتقرب بما أمكنه من وجود الاحتيال والدعاء .","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِى الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } .\rفإذا تجلت أقمار القصود عن كشوف التعزز ، وانجلت غيابة الحجبة عن شموس الوصلة وأشرف نون الإقبال في تضاعيف أيام الوقفة ، فليستأنِف للوصلة وقتاً ، وليفرش للقربة بساطاً ، وليجدد للقيام بحق السرور نشاطاً ، ولَيَقُلْ : حَيِّ على البهجة فقد مضت أيام المحنة .\rوليُكْمِل الحج والعمرة ، وَلْيَسْتَدِم القِيَام بأحكام الصحبة والخدمة .\r{ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } بالحجاب لمن لم يُرِه أَهِلَّة الوصلة والاقتراب .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"قوله جلّ ذكره : { الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ } .\rكما أن الحج بالنفوس أَشْهُرٌ معلومات لا ينعقد الإحرام به إلا فيها ، ولا يجوز فعل الحج في جميع السَّنَةِ إلا في وقت مخصوص ، من فاته ذلك الوقت فاته الحج - فكذلك حج القلوب له أوقات معلومة لا يصح إلا فيها ، وهي أيام الشباب؛ فمن لم تكن له إرادة في حال شبابه فليست له وصلة في حال مشيبه ، وكذلك من فاته وقت قصده وحال إرادته فلا يصلح إلا للعبادة التي آخرها الجنة ، فأما الإرادة التي آخرها الوصلة . . فلا .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِى الحَجِّ } .\rكذلك الإشارة لمن سلك طريق الإرادة ألا يُعرِّج على شيء في الطريق ، ولا يمزج إرادته بشيء . فمن نَازَعه أو عَارَضَهُ أو زاحمه - سَلَّم الكل للكل ، فلا لأجل الدنيا مع أحدٍ يخاصم ، ولا لشيء من حظوظ النَّفْس والجاه مع أحد يزاحم ، قال تعالى : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا } [ الفرقان : 63 ] .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ } .\rتكتفي بِعِلْمِه وحُكْمِه عن شهود خَلْقِه وحُكْم خلْقِه وعلم خلْقِه .\rقوله جلّ ذكره : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِى الأَلْبَابِ } .\rتقوى العامة مُجانبة الزلات ، وتقوى الخواص مجانبة الأغيار بالسرائر .\rقوله جلّ ذكره : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَبِّكُمْ } .\rالإشارة فيه أن ما تبتغي من فضل الله مما يُعينك على قضاءِ حقِّه ، ويكون فيه نصيب للمسلمين أو قوة للدين - فهو محمود . وما تطلبه لاستيفاء حظك أو لما فيه نصيب لنفسك - فهو معلول .\rقوله جلّ ذكره : { فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعِرِ الحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ } .\rالإشارة فيه إذا وقفت حتى فمت بحق طلبه فاذكر فضله معك؛ فلولا أنه أَرَادَكَ لما أَرَدْتَهُ ، ولولا أنه اختارك لما آثرتَ رضاه .","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"الإشارة فيه ألا تعلم نفسك بما تمتاز عن أشكالك في الظاهر؛ لا بلبسة ولا بخرقة ولا بصفة ، بل تكون كواحد من الناس ، وإذا خطر ببالك أنك فعلت شيئاً ، أو بك أو لك أو معك شيء فاستغفرْ اللهَ ، وجَدِّدْ إيمانك فإنه شِرْكٌ خَفِيٌّ خَامَرَ قلبَك .","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أشَدَّ ذِكْرًا } .\r{ قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمٍ } إشارة إلى القيام بحق العبودية .\r{ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } إشارة إلى القيام بحق المحبة .\rقضاء المناسك قيامٌ بالنفس .\r{ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قيامٌ له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق العمر .\rويقال كما أنَّ الأغيار يفتخرون بآبائهم ، ويستبشرون بأسلافهم فَلْيَكُنْ افتخاركم بنا واستبشاركم بنا .\rويقال إن كان لآبائكم عليكم حقُّ التربية فحقُّنا عليكم أوجب ، وأفضالنا عليكم أتم .\rويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب ، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما لآبائكم من حسن الحال .\rويقال إنك لا تملُّ ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك ، فاسْتَدِمْ ذِكرنا ، ولا تَعْترِضَنَّكَ ملالة أو سآمة أو نسيان .\rويقال إنْ طَعَنَ في نَسَبِكَ طاعِنٌ لم ترضَ فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل الضلال والبِدَعِ فَذُبَّ عنَّا .\rويقال الأبُ يُذكَرُ بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف القربة بحسن التربية .\rوقال { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يُذكَر احتراماً والأم تُذكَر شفقةً عليها ، والله يَرْحَم ولا يُرْحَم .\r{ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } لأن الحقَّ أحقُّ ، ولأنك قد تستوحش كثيراً عن أبيك ، والحقُّ سبحانه مُنَزَّهٌ عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضي الواجب حتى إن كان ذرة . وقوله { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } الأب علىما يستحقه والرب على ما يستحقه .\rقوله جلّ ذكره : { فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } .\rخطاب لو قاله مخلوقٌ لَكَ كان شاكراً ، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك لساءت الحالة ، ولكن بفضله أَحَلَّكَ محل أن يشكو إليك فقال : مِنَ الناس من لا يجنح قلبه إلينا ، ويرضى بدوننا عنَّا ، فلا يبصر غير نفسه وحظِّه ، ولا يمكن إيمان له بربه وحقِّه .","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"إنما أراد بها حسنة تنتظم بوجودها جميع الحسنات ، والحسنةُ التي بها تحصل جميع الحسنات في الدنيا - حفظُ الإيمان عليهم في المآل؛ فإِنَّ مَنْ خرج من الدنيا مؤمناً لا يخلد في النار ، و بفوات هذا لا يحصل شيء . والحسنة التي تنتظم بها حسنات الآخرة - المغفرة ، فإذا غفر فبعدها ليس إلا كل خير .\rويقال الحسنة في الدنيا العزوف عنها ، والحسنة في الآخرة الصون عن مساكنتها . والوقاية من النار ونيران الفُرقة إذ اللام في قوله { النَّارَ } لام جنس فتحصل الاستغاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة جميعاً .\rويقال الحسنة في الدنيا شهود بالأسرار وفي الآخرة رؤية بالأبصار .\rويقال حسنة الدنيا ألا يُغنيك عنك وحسنة الآخرة ألا يردك إليك .\rويقال حسنة الدنيا توفيق الخدمة وحسنة الآخرة تحقيق الوصلة .","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"قوله جلّ ذكره : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا } .\rإن كان خيراً فخير وإن كان غيراً فغير . { واللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ } للعوام في الفرصة ، وللخواص في كل نَفَس .\rويقال ذكر فريقين : منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا ، والثاني يقول في الدنيا والعقبى ، وثالث لم يذكرهم وهم الراضون بقضائه ، المستسلمون لأمره ، الساكنون عن كل دعاء واقتضاء .","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"هذه صفة أواخر النسك ، وهو الرمي في أيام مِنًى لما قدموا بأركان الحج خَفَّفَ عنهم بأن خَيَّرهم في المقام والإفاضة والتعجيل في التفريق .\rوالإشارة منه أَنَّ مَنْ خمدت نفسهُ ، وَحى قلبُه واستدام بحقائق الشهود ( سِرُّه ) .\rفإنْ سَقطَ عنه شيء من فروع الأوراد ففيما هو له مستديمُ من آداب الحضور عِوَضٌ عن الذي يفوت .","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"أخبر أن قوماً أعرض الحق سبحانه وتعالى عن قلوبهم فأعطاهم في الظاهر بَسْطَةً في اللسان ولكن ربط على قلوبهم أسباب الحرمان؛ فَهُمْ في غطاء جهلهم ، ليس وراءهم معني ، ولا على قولهم اعتمادٌ ، ولا على إيمانهم اتِّكَالٌ ، ولا بهم ثقةٌ بوجهٍ .\rوالإشارة إلى أهل الظاهر الذين لم تساعدهم أنوار البصيرة فهم مربوطون بأحكام الظاهر؛ لا لهم بهذا الحديث إيمان ، ولا بهذه الجملة استبصار ، فالواجبُ صونُ الأسرار عنهم فإنهم لا يقابِلون هذا الحديث إلا بالإنكار ، وإن أهل الوداعة من العوام الذين في قلوبهم تعظيم لهذه الطريقة ، و لهم إيمان على الجملة بهذا الحديث لأقرب إلى هذه الطريقة من كثيرٍ ممن عدَّ نفسه من الخواص وهو بمعزل عن الإيمان بهذا الأمر .","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"الإشارة لِمَنْ سَعْيُه مقصورٌ على استجلاب حظوظه ، فهو لا يبالي بما يَنْحَلُّ من عُرى الدين ، ويهيئ من أسباب الإسلام ، بعدما تَشتد حبال دنياهم ، و تنتظم أسباب مناهم ، من حرام جمعوه ، وحُطام حَصلَّوه . فإذا خَلَوْا لوساوسهم وقصودهم الردية سَعَوْا بالفساد بأحكام أسباب الدنيا ، واستعمالهم مَنْ يستعينون بهم في تمشية أمورهم مِنَ القوم الذين نزع الله البصيرة من قلوبهم .\r{ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } : ما كان فيه خراب الأمور الدينية ونظام الأحوال الدنيوية فهو الفاسد الظاهر .","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"هؤلاء أقوام استولى عليهم التكبُّر ، وزال عنهم خضوعُ الإنصاف؛ فَشَمَخَتْ آنافُهم عن قبول الحق فإِذا أمرته بمعروف قال : ألمثلى يقال هذا؟!\rوأنا كذا وكذا! ثم يكبر عليك ( . . . ) فيقول : وأنت أَوْلى بأن تؤمر بالمعروف وتُنهى عن المنكر فإن من حالك وقصتك كذا وكذا .\rأو لو ساعده التوفيق وأدركته الرحمة ، وتقلَّد المنة بمن هداه إلى رؤية خطئه ، ونبهه على سوء وصفه ، لم يطوِ على نصيحة جنبيه وتبقى في القلب - إلى سنين - آثارها .\rقال تعالى : { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } يعني ما هو فيه في الحال من الوحشة وظلمات النَّفْس وضيق الاختيار حتى لا يسعى في شيء غير مراده ، فيقع في كل لحظة غير مرة في العقوبة والمحنة ، ثم إنه منقول من هذا العذاب إلى العذاب الأكبر ، قال الله تعالى : { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ } [ السجدة : 21 ] .","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"أولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة ، ونعتتهم سوابق القسمة ، فآثروا رضاء الحق على أنفسهم ، واستسلموا بالكلية لمولاهم ، والله رؤوف بالعباد : ولرأفته بهم وصلوا إلى هذه الأحوال ، لا بهذه الأحوال استوجبوا رأفته .","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"كلَّف المؤمِنَ بأن يُسالِمَ كل أحدِ إلا نَفْسَه فإنها لا تتحرك إلا بمخالفة سيده؛ فإن مَنْ سَالَم نَفْسَه فَتَرَ عن مجاهداته ، وذلك سبب انقطاع كل قاصد ، وموجِبُ فترةِ كل مريد .\rو { خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } ما يوسوسه إليك من عجزك عن القيام باستيفاء أحكام المعاملة ، وتركِ نزعاتٍ لا عِبْرة بها ، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها ، بل كما قال الله تعالى : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلقِيهِ فِى اليَمِّ } [ القصص : 7 ] ثم أَبْصِرْ ما الذي فعل به حين أَلْقَتْه ، وكيف ردَّه إليها بعدما نجَّاه .","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"الزَّلةُ الواحدةُ بعد كشف البرهان أقبحُ من كثيرٍ منها قبل ذلك ، ومَنْ عُرِفَ في الخيانة لا يُعْتَمد عليه في الأمانة . ومحنة الأكابر إذا حلَّت كان فيها استئصالهم بالكلية .","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"قوله جلّ ذكره : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةِ } .\rاستبطأ القومُ قيامَ الساعةِ فإُخبروا عن شدة الأمر إذا قامت الساعة بتفصيل ما ذكر .\rوتلك أفعال في معنى الأحوال ، يظهرها الله سبحانه بما يزيل عنهم الإشكال في علو شأنه سبحانه وتعالى ، ونفاذ قدرته فيما يريد . { وَقُضِىَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ } أي انهتك ستر الغيب عن صريح التقدير السابق . ولقد استغنت قلوب الموحدين لما فيها من أنوار البصائر عن طلب التأويل لهذه الآية وأمثالها إذ الحق سبحانه مُنَزَّهُ عن كل انتقال وزوال ، واختصاص بمكان أو زمان ، تقدس عن كل حركة وإتيان .","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"فائدة السؤال ليقرر عليهم بالسؤال الحجة ، لا ليُقرِر للرسول A بسؤالهم ما أشكل عليهم من واضح المحبة .\r{ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } بزوال تلك النعمة . وعند ذلك يعرفون قدرها ، ثم يَنْدُبُونَها ولا يصلون إليها قط ، قال قائلهم :\rستهجرني وتتركني ... فتطلبني فلا تَجَدِ","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"مكروا فلم يشعروا ، وحملهم اشتداد الظلمة على بصائرهم على الوقيعة في أوليائه سبحانه ، والسخرية منهم ، وحين تقشعت غواية الجهل عن قلوبهم ( . . . . ) علموا مَنْ الخاسر منهم مِن الذي كان في ضلال بعيد .","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"يعني الغيبة عن الحق جمعتهم ، فلما أتتهم الرسل تباينوا على حسب ما رُزقوا من أنوار البصيرة وحُرِموها . ويقال كانوا على ما سبق لهم من الاختيار القديم ، وبمجيء الرسل تهود قوم وتَنَصَّر قوم ، ثم في العاقبة يُرَدُّ كل واحد إلى ما سبق له من التقدير ، وإن الناس اجتمعوا كلهم في علمه سبحانه ثم تفرَّقوا في حكمه ، فقوم هداهم وقوم أغواهم ، وقوم حجبهم وقوم جذبهم ، وقوم ربطهم بالخذلان وقوم بسطهم بالإحسان ، فلا مِنْ المقبولين أمر مكتسب ، ولا لمردِّ المردودين سبب ، بل هو حُكْمُ بُتَّ وقضاءٌ جُزِم .","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"خلق الله الجنة وحفَّها بالمصاعب ، وخلق النار وحفَّها بالشهوات والرغائب ، فَمنْ احتشم ركوب الأهوال بقي عن إدراك الآمال . ثم إن الحق سبحانه ابتلى الأولين بفنونٍ من مقاساة الشدائد ، وكلُّ من أُلحِقَ بهم من خلف الأولياء أدخلهم في سِلْكِهِمْ ، وأدرجهم في غمارهم ، فمن ظنَّ غير ذلك فَسَرَابٌ ظَنَّه ماءً ، وحكم لم يحصل على ما ظَنه تأويلاً . ولقد مضت سُنَّة الله سبحانه مع الأولياء أنهم لا يُنيخُونَ بعقوة الظفر إلا بعد إشرافهم على عرصات اليأس ، فحين طال بهم التَرَقُّبُ صَادَفَهم اللطفُ بغتةً وتحقق لهم المُبْتَغَى فجأة . قال تعالى : { أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } .","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"علموا أن العبد غير منفردٍ بالفاعلية أن يفعل ، فإنَّ العبد ليس له فعل شيء إلا بإذن مولاه فتوقفوا في الإنفاق على ما يشير إليه تفصيل الإذن ، لأنَّ العبوديَة الوقوفُ حيثما أوقفك الأمر .\rويقال لم ينفقوا على إشارات الهوى . وإنَّ ما طالعوه تفاصيلُ الأمر وإشارات الشرع . والواو في هذه الآية في قوله : { وَالأَقْرَبِينَ وَاليَتَامَى } تشير إلى نوعٍ من الترتيب؛ فالأوْلى بمعروفك والداك ثم أقاربك ثم على الترتيب الذي قاله .","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"صعبت على النفوس مباشرة القتال ، فبيَّن أن راحات النفوس مؤجلة لأنها في حكم التأديب ، وبالعكس من هذا راحات القلوب فإنها معجلة إذ هي في وصف التقريب ، فالسعادة في مخالفة النفوس؛ فمن وافقها حاد عن المحبة المثلى ، كما أن السعادة في موافقة القلوب فمن خالفها زاغ عن السُنَّة العليا .\rوبشرى ضمان الحق باليُسْر أَوْلَى ان تُقْبَل من محذرات هواجس النفوس في حلول العسر وحصول الضر .","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ } .\rمن المعاصي ما يكون أشد من غيره وأصعب في المعنى ، فسوء الأدب على الباب لا يُوجِب ما يُوجبه على البساط؛ فإذا حصلت الزلة بالنَّفْس فأثرها بالعقوبة المؤجلة وهي الاحتراق ، وإذا زلّ القلب فالعقوبة معجلة وهي بالفراق ، وأثر الغفلة على القلوب أعظم من ضرر الزلة على النفوس ، فإن النفس عن الحظ تبقى ، والقلب عن الحق يبقى .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عِن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rالإشارة من هذا أن أهل الغفلة إذا راودوك أرادوا صَرْفَكَ إلى ما هم عليه من الغفلة ، فلا يرضون إلا بأن تفسخ عقد إرادتك بما تعود إليه من سابق حالتك ، ومَنْ فسخ مع الله عهده مَسخَ قلبه .","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"إن الذين صدقوا في قصدهم ، وأخلصوا في عهدهم ، ولم يرتدوا في الإرادة على أعقابهم ، أولئك الذين عاشوا في رَوْحِ الرجاء إلى أن يصلوا إلى كمال البقاء ودار اللقاء .","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَسْئِلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا } .\rالخمر ما خامر العقول ، وكما أن الخمر حرام بعينها بالسُكْر حرام بقوله A : « حُرِّمت الخمر بعينها ، والسُكْر من كل شراب » ، فمن سَكِرَ من شراب الغفلة استحق ما يستحق شارب الخمر من حيث الإشارات ، فكما أنَّ السكران ممنوع من الصلاة فصاحب السُكْر بالغفلة محجوب عن المواصلات وأوضح شواهد الوجود ، فمَنْ لم يُصَدِّقُ فَلْيُجَرِّب .\rومعنى القمار موجود في أكثر معاملات أهل الغفلة إذا سلكوا طريق الحِيَل والخداع والكذب في المقال . وبذلُ الصدقِ والإنصاف عزيزٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } .\rقيل العفوُ ما فضل عن حاجتك ، وهذا للخواص يخرجون من فاضل أموالهم عن قدر كفاياتهم ، فأمَّا خواص الخواص فطريقهم الإيثار وهو أن يُؤثِر به غيرَه على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحبه الذي يؤثِر به غيباً .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } .\rإصلاح حالهم بما يكون في تأديبهم أتَمّ من إصلاح مالهم ، ثم الصبر على الاحتمال عنهم مع بذل النصح ، و ( مفارقة المال مَنْ مِنْ إرشادهم خير من الترخص بأن يقول إنه لا يتوجه على فرضيهم ) .\rقوله جلّ ذكره : { وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .\rفيُعاملُ كلاً على سواكن قلبه من القُصُود لا على ظواهر كَسْبِه من جميع الفنون .","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"صلة حبل الدين والتمسك بعصمة المسلمين أتم من الرضا بأن تنتهي إلى أحدٍ يسلك إلى الكفر ، ولئن كانت رخصة الشريعة حاصلة في فعله فإشارة الحقيقة مانعة من حيث التبرئة عن اختياره ، هذا في الكتابيات اللاتي يجوز مواصلتهن ، فأما أهل الشِرْك فحرامٌ مواصلتهم قطعاً ، وأوجهُ مباينتهم في هذا الباب حُكْمٌ جَزْمٌ .","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ اَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ } .\rليس كل ما يكون موجب الاستحياء والنفور مما هو باختيار العبد ، فقد يكون من النقائص ما ليس للعبد فيه كسب ، وهو ابتداءً حكمُ الحق ، فمن ذلك ما كتب الله على بنات آدم من تلك الحالة ، ثم أُمِرْنَ باعتزال المُصَلَّى في أوان تلك الحالة ، فالمصلِّى مناجٍ ربَّه ، فَيُحيِّن عن محل المناجاة حكماً من الله لا جُرْماً لهن . وفي هذا إشارة فيقال : إنهن - وإنْ مُنِعْنَ عن الصلاة التي هي حضور بالبدن فلم يحجبن عن استدامة الذكر بالقلب واللسان ، وذلك تعرض بساط القرب ، قال A مخبراً عنه تعالى : « أنا جليس من ذكرني » .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ } .\rيقال يحب التوابين من الذنوب ، والمتطهرين من العيوب .\rويقال التوابين من الزلة ، والمتطهرين من التوهم أن نجاتهم بالتوبة .\rويقال التوّابين من ارتكاب المحظورات ، والمتطهرين من المساكنات والملاحظات .\rويقال التوّابين بماء الاستغفار والمتطهرين بصوب ماء الخجل بنعت الانكسار .\rويقال التوَّابين من الزلة ، والمتطهرين من الغفلة .\rويقال التوَّابين من شهود التوبة ، والمتطهرين من توهم أن شيئاً بالزلة بل الحكم ابتداء من الله تعالى .","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"لمَّا كانت النفوس بوصف الغيبة عن الحقيقة أباح لها السكون إلى أشكالها إذا كان على وصف الإذن ، فلمَّا كانت القلوب في محل الحضور حرم عليها المساكنة إلى جميع الأغيار والمخلوقات .\r{ وَقَدِّموا لأَنْفُسِكُمْ } من الأعمال الصالحة ما ينفعكم يوم إفلاسكم ، لذلك قال :\r{ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُّلاقُوهُ } فانظروا لأنفسكم بتقديم ما يسركم وجدانه عند ربكم .","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"نزهوا ذكْرَ ربكم عن ابتذاله بأي حظ من الحظوظ .\rويقال لا تجعلوا ذكر الله شركاً يُصْطَاد به حطام الدنيا .","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"ما جرى به اللسان على مقتضى السهو فليس له كثير خطرٍ في الخير والشر ، ولكن ما انطوت عليه الضمائر ، واحتوت عليه السرائر ، من قصود صحيحة ، وعزائم قوية فذلك الذي يؤخذ به إن كان خيراً فجزاءٌ جميل ، وإن كان شراً فعناءٌ طويل .","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"قوله جلّ ذكره : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .\rإذا كان حق صحبة الأشكال محفوظاً عليك - حتى لو أَخْلَلْتَ به - وأخَذَكَ بحكمه : فحقُّ الحقِّ أَحَقُّ بأن تجب مراعاته . « فإن فاؤوا » أي رجعوا إلى إحياء ما أماتوا ، واستدراك ما ضيَّعوا ف { إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } فلما تقاصر لسان الزوجة - لكونها أسيراً في يد الزوج - تَوَلَّى الله - سبحانه - الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها .","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"إنْ ملَّ حق صحبتها ، وأكَّد العزم على مفارقتها فإن الله مطلع على حاله وسره ، فإن بدا له بادٍ من ندم فلا يُلبِس بأركان الطلاق فإن الله سبحانه عليم أنه طلَّقها .\rولمَّا كان الفراق شديداً عَزَّى المرأة بأن قال إنه { السَّمِيعُ } أي سمعنا موحش تلك القالة ، فهذا تعزية لها من الحق سبحانه .","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ } .\rأمَرَ المطلقات بالعِدَّة احتراماً لصحبة الأزواج ، يعني إنْ انقطعت العلاقة بينكما فأقيموا على شرط الوفاء لما سَلَفَ من الصحبة ، ولا تقيموا غيره مقامه بهذه السرعة؛ فاصبروا حتى يمضي مقدار من المدة . ألا ترى أن غير المدخول بها لم تؤمر بالعدة حيث لم تقم بينهما صحبة؟\rثم قال جلّ ذكره : { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } .\rيعني إنْ انقطع بينكما السبب فلا تقطعوا ما أثبت الله من النَّسَبِ .\rثم قال جلّ ذكره : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } .\rيعني مَنْ سَبَقَ له الصحبة فهو أحق بالرجعة لما وقع في النكاح من الثلمة .\r{ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا } .\rيعني أن يكون القصد بالرجعة استدراك ما حصل من الجفاء لا تطويل العدة عليها بأن يعزم على طلاقها بعدما أرجعها .\r{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ } .\rيعني إن كان له عليها حق ما أنفق من المال فلها حق الخدمة لما سلف من الحال . { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .\rفي الفضيلة ، ولهن مزية في الضعف وعجز البشرية .","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"قوله جلّ ذكره : { الطَّلاَقُ مّرَّتَانِ } .\rندب إلى تفريق الطلاق لئلا تسارع إلى إتمام الفراق ، وقيل في معناه :\rإنْ تَبْيَنْتُ أَنَّ عَزْمَكِ قتلى ... فذريني أضني قليلاً قليلا\rثم قال جلّ ذكره : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .\rإمَّا صحبة جميلة أو فُرْقة جميلة . فأمَّا سوء العشرة وإذهاب لذة العيش بالأخلاق الذميمة فغير مَرَْضِيٍ في الطريقة ، ولا محمود في الشريعة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً } .\rفإِن في الخبر « العائد في هبته كالعائد في قَيْئِه » والرجوع فيما خرجتَ عنه خِسَّة .\rثم قال جلّ ذكره : { إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } .\rيعني إنْ أرادت المرأة أن تتخلص من زوجها فلا جناح عليها فيما تبذل من مال ، فإنَّ النفس تساوي لصاحبها كل شيء ، والرجال إذا فاتته صحبة المرأة فلو اعتاض عنها شيئاً فلا أقلَّ من ذلك ، حتى إذا فاتته راحة الحال يصل إلى يده شيء من المال .\rقوله جلّ ذكره : { تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .\rهذه آداب يُعَلِّمكمها الله ويَسُنُّها لكم ، فحافظوا على حدوده ، وداوموا على معرفة حقوقه .","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .\rالرجلُ يَشُقُّ عليه أن ينكحَ زوجتَه غيرُه فمنعه عن اختيار الفراق بغاية الفراق بُغْية المنع لما بيَّن أنها لا تحل له إن فارقها إلا بأن تفعل غاية ما يشق عليه وهو الزواج الثاني لِيَحْذَرَ الطلاق ما أمكنه . ثم قال : « فإنْ طَلَّقَها » يعني الزوج { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا } يعني تتزوج بالزوج الأول .\rوالإشارة فيه أن استيلاء المحبة على القلب يُهَوِّن مُقاساة كلِّ شديدة؛ فلو انطوى الزوجان بعد الفرقة على التحسُّر على ما فاتهما من الوصلة ، وندما على ذلك غاية الندامة فلا جناح عليهما أن يتراجعا ، والمرأة في هذه الحالة كأنها ( . . . ) من الزوج الأول بمكان الزوج الثاني والزوج كالآتي على نفسه في احتمال ذلك .\rثم قال جلّ ذكره : { إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .\rيعني لا يعودان بعد ذلك إلى الفراق ثانياً إذا علما حاجة أحدهما إلى صاحبه ، قال قائلهم :\rولقد حلفت لئن لقيتك مرةً ... ألا أعود إلى فراقك ثانية","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"تضمنت الآية الأمر بحسن العِشْرة ، وتَرْكِ المغايظَة مع الزوجة ، والمحك على وجه اللجاج؛ فإِمَّا تخلية سبيلٍ من غير جفاء أو قيامٌ بحق الصحبة على شرط الوفاء .","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"تضمنت الآية نهي الأولياء عن مضارتهن ، وتركَ حمية الجاهلية ، والانقيادَ لحكم الله في تزويج النساء إنْ أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية .\rبل إذا رضيت بكفوٍ يخطبها فحرام عليكم ظلمها . والتذويبُ عن أوصاف البشرية بقهر النفس أشَدُّ مجاهدةً وأصدقُ معاملة لله .","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } .\rغايةُ الرحمة التي يُضْرب بها المَثَلُ رحمةُ الأمهات؛ فأَمَرَ الله سبحانه الأمهاتِ بإكمال الرحمة بإرضاع المولود حَوْلَين كاملين ، وقطعُ الرضاعة عنه قبل الحولين إشارةٌ إلى أن رحمة الله بالعبد أتمُّ من رحمة الأمهات .\rثم قال جلّ ذكره : { وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ } .\rيعني الأب عليه رزقهن وكسوتهن - أي المرضعات - بالمعروف . لمَّا يَنُبْن عنك وَجَبَ حَقَّهُن عليك ، فإِنَّ مَنْ لك كله فعليك كله .\rثم قال جلّ ذكره : { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } .\rادخارُ المستطاع بُخْلٌ ، والوقوفُ - عند العجز - عذر .\rثم قال جلّ ذكره : { لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } .\rفي الإرضاع وما يجب عليه .\r{ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\rيعني الوالد بولده يعني فيما يلزم من النفقة والشفقة . فكما يجب حق المولود على الوالدين يجب حق الوالدين على المولود .\rثم قوله جلّ ذكره : { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَّا آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .\rيعني فطاماً قبل الحولين ، فلا جناح بعدما كان القصد الصلاح . اشتملت الآية على تمهيد طريق الصحبة ، وتعليم محاسن الأخلاق في أحكام العسرة وإن من لا يَرْحَم لا يُرْحَم .\rوقال A لمن ذكر أنه لم يُقَبِّل أولاده : « إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي » .","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"لمّا كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له أطول . وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام سَنَةً ، ثم رُدت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتتحقق براءة الرحم عن ماء الزوج ، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوجٍ آخر . والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحدٌ كما قيل :\rوكما تَبْلى وجوهٌ في الثرى ... فكذا يَبْلَى عليهن الحَزَن","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِى أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا } .\rأبيح من ذلك ما كان فيه استجلاب للمودة ، وتأسيس لحال الوصلة . وحُرِّمَ منه ما فيه ارتكاب المحظورات من إلمام بذنب أو عِدةٌ بِجُزْمٍ .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } .\rأي تنقضي عدة الأول فإِن حُرْمة الماضي لا تضيع .","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"إنْ ابتلاءَ تَمَّ بوصيلة أشكالكم ثم بدالكم فلا جناح عليكم في اختيار الفرقة - إذا أردتم - فإن الذي لا يجوز اختيار فرقته - واحد؛ فأَما صحبة الخَلْق بعضهم مع بعض فليس بواجب ، بل غاية وصفة أنه جائز .\rولمَّا وقع عليهن اسمكم فنصف المسمَّى يجب لهن ، فإِن الفراق - كيفما كان - فهو شديد ، فجعل ما يستحق من العوض كالخَلفِ لها عند تجرع كأس الفرقة .\rفإن لم يكن مسمًّى فلا يخلو العقد من متعة؛ فإن تجرع الفرقة - مجرداً عن الراحة - بلاء عظيم .","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } .\rثم ذكر أن العفو أتم وأحسن ، إمَّا من جهة المرأة في النصف المستحق لها ، أو من قِبَل الزوج في النصف العائد إليه .\rثم قال جلّ ذكره : { وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .\rيقال من أخذ بالفضل واقتصر على الفرض فعن قريب يخل بالفرض .\rويقال نسيان الفضل يقرب صاحبه من البخل ، وإن من سُنَّةِ الكرام إذا خفيت عليهم مواضع الكرم أن يشحذوا بصائر الجود لتطالع لطائف الكرم فتتوفر دواعيهم في اقتناء أسباب الفضل .","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"المحافظة على الصلاة أن يدخلها بالهيبة ، ويخرج بالتعظيم ، ويستديم بدوام الشهود بنعت الأدب ، والصلاة الواسطى أيهم ذكرها على البيت لتراعي الجميع اعتقاداً منك لكل واحدة أنها هي لئلا يقع منك تقصير في شيء منها .","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"أي لا تُخِلُّوا بمناجاتي لأوقاتها على الوصف الذي أمكنكم فإن ما تحسونه من أعدائكم أنا سلّطتُهم عليكم ، فإذا خلوتم بي بقلوبكم قصرت أيديهم عنكم ، وجعلت لكم الظفر عليهم ، ثم إذا زال عنكم الخوف وأمنتم فعودوا إلى استقراركم باستفراغ أوقاتكم في الاعتكاف بحضرتي سراً وجهراً .","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"كانت عِدَّةُ الوفاة في ابتداء الإسلام سَنَةً مستديمة كقول العرب وفعلهم ذلك حيث يقول قائلهم :\rإلى الحول ثم اسم السلام عليكم ... ومَنْ لبَّاك حولاً كاملاً فقد اعتذر\rثم نُسِخَ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرة أيام إذ لا بد من انتهاء مدة الحداد ولقد قال قائلهم :\rقال : لو مِتَّ لم أَعِشْ ... قلتُ : نافقتَ فاسْكُتِ\rأي حيٍ رأيْتَه ... ماتَ وَجْداً بِمَيِّتِ؟!","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلِلمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ } .\rالإشارة ألا تجمعوا عليهن الفراق والحرمان فيتضاعف عليهن البلاء .","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"الدلائلَ ، فتتأدبوا بما أشير عليكم ، وتفلحوا بما تعقلون من إشارات حكمي .","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"لمّا استبعدوا قدرة الله في الإعادة أراهم في أنفسهم عياناً ، ثم لم ينفع إظهار ذلك لِمَنْ لم يشحذ بصيرته في التوحيد . ومن قويت بصيرته لم يضره عدم تلك المشاهدات فإنهم تحققوا بما أُخْبِرُوا ، لِمَا آمنوا به بالغيب .","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"يعني إنْ مَسَّكم ألمٌ فتصاعد منكم أنين فاعلموا أن الله سميع لأنينكم ، عليم بأحوالكم ، بصير بأموركم . والآية توجِبُ تسهيل ما يقاسونه من الألم ، وقالوا :\rإذا ما تمنى الناسُ روحا وراحةً ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمع","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } .\rسُمِّي القرض قرضاً لأنه يقطع من ماله شيئاً ليعطيه للمقترض ، والمتصدِّق لما يقطع الصدقة من ماله سميت صدقته قرضاً ، فالقرض القطع ، ولكن هذه التسمية لحفظ قلوب الأحباب حيث خاطبك في باب الصدقة باسم القرض ولفظه .\rويقال دلّت الآية على عِظَم رتبة الغَنِيِّ حيث سأل منه القرض ، ولكن رتبة الفقير في هذا أعظم لأنه سأَل لأَجْله القَرضَ ، وقد يسأل القرض من كل أحد ولكن لا يسأل لأجل كل أحد . وفي الخبر « مات رسول الله A ودرعه مرهونة عند أبي شحمة اليهودي على شعير أخذه لقوت عياله أَبْصِرْ مِمَّن اقترض ولأجل مَنْ اقترض » .\rويقال القرض الحسن ما لا تتطلع عليه لجزاء ولا تطلب بسببه العِوَض .\rويقال القرض الحسن ألا يعطى على الغفلة ، وإنما يعطى عن شهود .\rويقال القرض الحسن من العلماء إذا كان عند ظهر الغني ، ومن الأكابر إذا كان بشرط الإيثار يعطى ما لا بد منه .\rويقال القرض الحسن من العلماء عن مائتين خَمْسَة ، وعلى لسان القوم بذل الكل ، وزيادة الروح على ما يبذل .\rقوله جلّ ذكره : { وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .\rيقبض الصدقة من الأغنياء قبض قبوله ، ويبسط عليهم بسط خَلَفِه .\rويقال يقبض الرزق أي يُضَيق ، يبسط الرزق أي يوسِّع؛ يقبض على الفقراء ليمتحنَهم بالصبر ، ويبسط على الأغنياء ليطالبهم بالشكر .\rويقال يقبض تسلية للفقراء ليطالبهم حتى لا يروا من الأغنياء ، ويبسط لئلا يتقلدوا المِنَّةَ من الأغنياء .\rويقال قال للأغنياء : إذا أنا قبضت الرزق على الفقراء فلا تذروهم ، وإذا أنا بسطت عليكم فلا تروا ذلك لفضيلة لكم .\rويقال قَبَضَ القلوب بإعراضه وبَسَطَها بإقباله .\rويقال القبض لما غلب القلوب من الخوف ، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء .\rويقال القبض لقهره والبسط لِبِرَّه .\rويقال القبض لِسرِّه والبسط لكشْفِه .\rويقال القبض للمريدين والبسط للمُرادين .\rويقال القبض للمتسابقين والبسط للعارفين .\rويقال يقبضك عنك ثم يبسطك به .\rويقال القبض حقه ، والبسط حظك .\rويقال القبض لمن تولَّى عن الحق ، والبسط لمن تجلى له الحق .\rويقال يقبض إذا أَشْهَدَكَ فِعْلَكَ ، ويبسط إذا أشهدك فضله .\rويقال يقبض بذكر العذاب ويبسط بذكر الإيجاب .","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا } .\rاستقبلوا الأمر بالاختيار ، واقترحوا على نبيِّهم بسؤال الإذن لهم في القتال ، فلمَّا أجيبوا إلى ما ضمنوه من أنفسهم ركنوا إلى التكاسل ، وعرَّجوا في أوطان التجادل والتغافل . ويقال إنهم أظهروا التصلب والجد في القتال ذَبَّاً عن أموالهم ومنازلهم حيث :\r{ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } .\rفلذلك لم يتم قصدهم لأنه لم يَخْلُص - لحقِّ الله - عزمُهم ، ولو أنهم قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله لأنه قد أمرنا ، وأوجب علينا ، فإنه سيدنا ومولانا ، ويجب علينا أمره - لعلَّهم وُفِّقُوا لإتمام ما قصدوه .","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"نسوا حق الاختيار فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فاستبعدوا أن يكون طالوت ملكاً لأنه كان فقيراً لا مال له ، فبيَّن لهم أن الفضيلة باختيار الحق ، وأنه وإن عَدِمَ المالَ فقد زاده الله علماً فَفَضَلَكم بعلمه وجسمه ، وقيل أراد أنه محمود خصال النفس ولم يُرِدْ عظيم البِنْيَة فإن في المثل : « فلان اسم بلا جسم » أي ذكر بلا معنى .","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"إن الله سبحانه إذا أظهر نوراً أمدَّه بتأييد من قِبَلهِ ، فلما ملك طالوت عليهم أزال الإشكال عن صفته بما أظهر من آياته الدالة على صدق قول نبيِّهم في اختياره ، فردَّ عليهم التابوت الذي فيه السكينة ، فاتضحت لهم آية ملكه ، وأن نبيهم عليه السلام صَدَقَهم فيما أخبرهم .\rويقال إن الله تعالى جعل سكينة بني إسرائيل في التابوت الذي رَضوا عن الألواح ، وعصا موسى عليه السلام ، وآثار صاحب نبوتهم . وجعل سكينة هذه الأمة في قلوبهم ، فقال : « هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين » ثم إن التابوت كان تتداوله أيدي الأعداء وغيرهم؛ فَمرَّةً كان يُدْفَن ومرة كان يُغلب عليه فيُحمَل ، ومرة يُرَد ومرة ومرة . . . وأما قلوب المؤمنين فَحَالَ بين أربابها وبينها ، ولم يستودعها ملكاً ولا نبياً ، ولا سماء ولا هواء ، ولا مكاناً ولا سخصاً ، وقال A :\r« قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » يعني في قبضة الحق سبحانه ، وتحت تغليبه وتصريفه ، والمراد منه « القدرة » ، وشتَّان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليه تَسَلُّط وأمةٍ سكينتهم فيما ليس لمخلوق عليه لسلطان .","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } .\rالإشارة من هذه الآية أن الله سبحانه ابتلى الخَلْق بصحبة الخلْق وبالدنيا وبالنَّفس ، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حدِّ الاضطرار بمقدار القوام ، وما لا بد منه نجا وسَلِمَ ، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط في صحبته مع شيء من ذلك من الدنيا والنفس والخلْق بموجب الشهادة والاختيار - فليس من الله في شيء إنْ كان ارتكاب محظور ، وليس من هذه الطريق في شيء إن كان على جهة الفضيلة وماله منه بُدٌّ .\rثم قال جلّ ذكره : { فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ } .\rكذلك الخواص في كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم .\rقوله جلّ ذكره : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } .\rفنظروا إلى الحال بعين الظاهر فَدَاخَلَهم شيء من رعب البشرية ، فربط الله على قلوبهم بما ذكَرهم من نصرة الحق سبحانه لأوليائه إذا شاء .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } .\rلا بهم ولكن بإذن الله ، بمشيئته وعونه ونصرته ، والله مع الصابرين بالنصرة والتأييد والقوة .","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"كان أهم أمورهم الصبر والوقوف للعدو ، ثم بعده النصرة عليهم فإن الصبر حق الحق ، والنصرة نصيبهم ، فقدَّموا تحقيق حقه - سبحانه - وتوفيقه لهم ، ثم وجود حظِّهم من النصرة ، ثم أشاروا إلى أنهم يطلبون النصرة عليهم - لا للانتقام منهم لأَجْل ما فاتهم من نصيبهم - ولكن لكونهم كافرين ، أعداء الله .\rفقاموا بكل وجهٍ لله بالله؛ فلذلك نُصِرُوا وَوَجدوا الظفر .","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } .\rهيب الله الأعداء بطالوت لما زاده من البسطة في الجسم ولكن عند القتال جعل الظفر على يدي داود . وكان كما في القصة رَبْعَ القامة غير عظيم الجثة ، مختصر الشخص ، ولم يكن معه من السلاح إلا مقلاع ، ولكن الظفر كان له لأن نصرة الله سبحانه كانت معه .\rقوله جلّ ذكره : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ } .\rفلم يبق منهم أثر ولا عين ، وقتل داودُ جالوتَ وداود بالإضافة إلى جالوت في الضخامة والجسامة كان بحيث لا تُتَوهَم غلبته إياه ولكن كما قال قائلهم :\rاستقبلني وسيفه مسلول ... وقال لي واحدنا معذول\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ } .\rلو تظاهر الخلْق وتوافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء ولكن شغل بعضهم ببعض ليدفع بتشاغلهم شرَّهم عن قوم .","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"لم يكن في علمك ولا في وسع احتيالك الوقوف على هذه الغائبات من الكائنات التي سلفت ، وإنما وقَفْتَ عليها بتعريفٍ من قِبَلِ الله سبحانه .","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"قوله جلّ ذكره : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَاَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ } .\rجمعتهم الرسالة ولكن تباينوا في خصائص التفضيل ، لكل واحدٍ منهم أنوار ، ولأنوارهم مطارح ، فمنهم من هو أعلى نورا ، وأتم من الرفعة وفوراً . فلم تكن فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم ، بل حُكْمٌ بالحسنى أدركهم ، وعاقبة بالجميل تداركتهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّن ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } .\rولكنهم مُصَرّفون بالمشيئة الأزلية ، ومسلوبون من الاختيار الذي عليه المدار وبه الاعتبار . والعبودية شدُّ نطاق الخدمة وشهود سابق القسمة .","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"يعني اغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان قبل فتور الجَلَد وانقضاء الأمل .","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"قوله جلّ ذكره : { اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَىُّ القَيُّومُ } .\r« الله » اسم تفرّد به الحق - سبحانه فلا سمِيّ له فيه . قال الله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } [ مريم : 65 ] اي هل تعرف أحداً غيره تسمَّى « الله »؟ .\rمن اعتبر في هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض ، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال .\rقوله : { لا إله إلا هو } : إخبار عن نفي النظير والشبيه ، بما استوجب من التقديس والتنزيه . ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذَرّةً من الإثبات بغيره أو من غيره؛ فلا يرفع إلى غيره حاجته ، ولا يشهد من غيره ذرة ، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعه ، ويديم لوجوده انفرادَه ، فلا يسمع إلا من الله وبالله ، ولا يشهد إلا بالله ، ولا يُقْبِلْ إلا على الله ، ولا يشتغل إلا بالله ، فهو محوٌ عما سِوى الله ، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى ، ولا يتحرك منه لغيره عِرْقٌ ، فإذا استوفى الحق عبداً لم يَبْقَ للحظوظ - ألبتة - مساغ .\rثم إن هذه القالة تقتضي التحقق بها ، والفناء عن الموسومات بجملتها ، والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق - سبحانه ، فلا وصل ولا فصل ولا قُرْبَ ولا بُعدَ ، فإن ذلكَ أجمعَ آفاتٌ لا تليق بالقِدَم .\rوقوله : { الحي القيوم } : المتولي لأمور عباده ، القائم بكل حركة ، و ( المحوي ) ، لكل عين وأثر .\r{ لا تأخذه سنة ولا نوم } لأنه أحدي لا ترهقه غفلة ، وصمد لا تمسه علة ، وعزيز لا تقاربه قلة ، وجبار لا تميزه عزلة ، وفَرْدٌ لا تضمه جثة ، ووتر لا تحده جهة ، وقديم لا تلْحَقُه آفة ، وعظيم لا تدركه مسافة .\rتَقَدَّس مِنْ جمالِه جلالُه ، وجلالُه جمالُه ، وسناؤه بهاؤه ، وبهاؤه سناؤه ، وأزله أبده ، وأبده سرمده ، وسرمدهِ قدَمُه ، وقدمه وجوده .\rقوله جلّ ذكره : { لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأرْضِ }\rمِلْكاً وإبداعاً ، وخَلْقاً واختراعاً .\r{ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } .\rمن ذا الذي يتنفس بنَفَس ( . . . ) إلا بإجرائه ، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه . ومن ظنَّ أنه يتوسل إليه باستحقاقٍ أو عمل ، أو تذلل أو أمل ، أو قربة أو نسب ، أو علة أو سبب - فالظنُّ وطنه والجهل مألفه والغلظ غايته والبعد قُصاراه .\rقوله جلّ ذكره : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }\rلأنه لا يخرج عن علمه معلوم ، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم .\r{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ } .\rيعني من معلوماته ، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه .\rفأي طمع لها في الإحاطة بذاته وحقه؟ وأَنَّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عِزِّه أَمَد ، ولا يدركه حَدٌّ؟! .\rقوله جلّ ذكره : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } .\rخطاب لهم على قدر فهمهم . وإلا فأي خَطَرٍ للأكوان عند صفاته؟\rجلَّ قَدْرُه عن التعزز بعرش أو كرسي ، والتجمل بجنٍ أو إنْسِي .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِىُّ العَظِيمُ } .\rكَيف تُتْعِبُ المخلوقاتُ مَنْ خَلْقُ الذرة والكونِ بجملته - لو سواء؛ فلا من القليل له تَيَسُّر ، ولا من الكثير عليه تَعَسُّر .","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ } .\rفإن الحجج لائحة ، والبراهين ظاهرة واضحة .\r{ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَىِّ } .\rوامتاز الليل بظلامه عن النهار بضيائه ، والحقوق الأزلية معلومة ، والحدود الأولية معلولة فهذا بنعت القدم وهذا بوصف العَدَم .\r{ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ } .\rوطاغوتُ كلِّ واحدٍ ما يشغله عن ربه .\r{ وَيُؤْمِنُ بِاللهِ } .\rوالإيمان حياة القلب بالله .\r{ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقِى } .\rالاستمساك بالعروة الوثقى الوقوف عند الأمر والنهي ، وهو سلوك طريق المصطفى A وعلى آله .\r{ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .\rفمن تحقق بها سراً ، وتعلَّق بها جهراً فاز في الدارين وسَعِد في الكونين .","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"قوله جلّ ذكره : { اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا } .\rالولي بمعنى المتولي لأمورهم ، والمتفرد بإصلاح شؤونهم ، ويصح أن يكون الولي على وزن فعيل في معنى المفعول فالمؤمنون يقولون طاعته . وكلاهما حق : فالأول جمع والثاني فرق ، وكلُّ جمع لا يكون مقيداً بفرقٍ وكلُّ فرقٍ لا يكون مؤيداً بجمع فذلك خطأ وصاحبه مبطل والآية تُحْمَلُ عليهما جميعاً .\r{ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } .\rيعني بحكمه الأزلي صانهم عن الظلمات التي هي الضلال والبدع ، لأنهم ما كانوا في الظلمات قط في سابق علمه .\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ } .\rما استهواهم من دواعي الكفر .\r{ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rباستيلاء الشُبَه على قلوبهم ، فيجحدون الربوبية ، أولئك الذين بقوا عن الحق بقاء أبدياً .\rويقال بخرجهم من ظلمات تدبيرهم إلى سعة شهود تقديره .\rويقال يخرجهم من ظلمات ظنونهم أنهم يتوسلون أو يَصِلُون إليه بشيء من سكناتهم وحركاتهم .\rويقال يخرجهم من ظلماتهم بأن يرفع عنهم ظِلْ أنفسهم ويدخلهم في ظل عنايته .\rويقال يخلصهم عن حسبان النجاة بهم .\rويقال يحول بينهم وبين الاعتماد على أعمالهم والاستناد إلى أحوالهم .","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"عَجَّل الحق سبحانه لأعدائه عقوبة الفرقة قبل أن يعاقبهم بالحرقة ، وهذه العقوبة أشد أثراً في التحقيق - لو كانت لهم عين البصيرة . وإن الحق سبحانه أخبر أن إبراهيم عليه السلام انتقل مع العدو اللعين من الحجة الصحيحة إلى أخرى ، أَوْضَحَ منها - لا لِخَلَلٍ في الحجة - ولكنْ لقصورٍ في فهم الكافر ، ومحكُّ مَنْ سُدَّتْ بصائره عن التحقيق تضييعُ الوقت بلا فائدة تُجدِي ، لا بمقدار ما يكون من الحاجة لأمرٍ لا بُدَّ منه .","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"لم يكن لك سؤال جحدٍ ، ولا قضية جهل ، ولا دلالة شكٍ في القدرة ، فإن هذا الخبر عن عُزَيْر النبي عليه السلام ، والأنبياءعليهم السلام لا يجوز عليهم الشّكُّ والجهل ، ولكنه كان سؤال تعجُّب ، وأراد بهذه المقالة زيادة اليقين ، فأراه الله ذلك في نفسه ، بأن أماته ثم أحياه ثم بعث حماره وهو ينظر إليه ، فازداد يقيناً على يقين . وسؤالُ اليقين من الله ، والحيلةُ في ردِّ الخواطر المشكلةُ ، دَيْدَنُ المتعرفين ، ولذلك ( . . . . ) الله سبحانه عُزيراً في هذه المقالة حتى قدَّر عليه ما طلب من زيادة اليقين فيه . ثم قال { واعلم أن الله على كل شيء قدير } من الإحياء والإماتة أي ازددت معرفة بذلك ، وأراني من عظيم الآيات ما أزداد به يقيناً؛ فإنَّ طعامه وشرابه لم يتغيرا في طول تلك المدة ، وحماره مات بلا عظام والطعام والشراب بالتغيير أَوْلى .","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"قيل كان في طلب في زيادة اليقين ، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له حاصلاً من عين اليقين .\rوقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه : { أو لم تؤمن قال بلى } كنت أومن ولكني اشتقتُ إلى قولك لي : أَوَلم تؤمن ، فإن بقولك لي : { أو لم تؤمن } تطميناً لقلبي . والمحبُّ أبداً يجتهد في أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه .\rوقيل : إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فَمُنِعَ منها بالإشارة بقوله { وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . وإن موسى - عليه السلام - لما سأل الرؤية جهراً وقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] فَرُدَّ بالجهر صريحاً وقيل له { لَن تَرَانِى } .\rوقيل إنما طلب حياة قلبه فأُشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور ، وفي الطيور الأربعة طاووس ، والإشارة إلى ذبحه تعني زينة الدنيا ، وزهرتها ، والغراب لحِرصِه ، والديك لمشيته ، والبط لطلبه لرزقه .\rولما قال إبراهيم عليه السلام { أرِنِى كَيْفَ تُحْيِ المَوْتَى } ؟ قيل له : وأرني كيف تذبح الحي؟ يعني إسماعيل ، مطالبة بمطالبة . فلمَّا وَفَّى بما طولب به وفَّى الحق سبحانه بحكم ما طلب .\rوقيل كان تحت ميعاد من الحق - سبحانه - أن يتخذه خليلاً ، وأمارة ذلك إحياء الموتى على يده ، فجرى ما جرى .\rووصل بين قصة الخليل A فيما أراه وأظهره على يده من إحياء الموتى وبين عُزَير إذ أراه في نفسه؛ لأن الخليل يَرْجُح على عزير في السؤال وفي الحال ، فإن إبراهيم - عليه السلام - لم يَرُدَّ عليه في شيء ولكنه تَلَطَّف في السؤال ، وعُزَير كلمه كلام من يُشْبِه قولُه قولَ المسْتَبْعِد ، فأراد الحق أن يظهر له أقوى معجزة وأتمَّ دلالة حيث أظهر إحياءَ الموتى على يده حين التبس على نمرود ما قال إبراهيم - عليه السلام - ربي الذي يحيي ويميت ، فقال : { أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ } أراد إبراهيم أن يُرِيَه الله سبحانه إحياء الموتى ليعلم أنه ليس هو الذي ادَّعى .\rوفي هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادةَ اليقين من الله سبحانه وتعالى في حال النظر .\rويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام ، فقيل له : { أَوَلَمْ تُؤْمِن } يعني أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شيء رأيته { هَذَا رَبِّى } [ الأنعام : 77 ] فلم تَدْرِ كيف بَلَّغْنَاكَ إلى هذه الغاية ، فكذلك يوصلك إلى ما سَمَتْ إليه هِمَّتُك .\rوالإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعني النفس؛ فَمَنْ لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يَحْيَى قلبُه بالله .\rوفيه إشارة أيضاً وهو أنه قال قَطِّعْ بيدك هذه الطيور ، وفَرِّقْ أجزاءها ، ثم ادْعُهُنَّ يأتينك سعياً ، فما كان مذبوحاً بيد صاحب الخلة ، مقطعاً مُفَرَّقاً بيده - فإذا ناداه استجاب له كل جزء مُفَرَّق . . كذلك الذي فَرَّقه الحق وشتَّته فإذا ناداه استجاب :\rولو أنَّ فوقي تُرْبةً وَدَعَوْتَنِي ... لأجَبْتُ صَوْتَكَ والعِظَامُ رُفَاتُ","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"فالخَلَفُ لهم الجنة ، والذين ينفقون أرواحهم في سبيل الله فالخَلَفُ عنهم الحقُّ سبحانه ، وشتان بين خلف من أنفق ماله فوجد مثوبته ، ومَنْ أنفق حاله فوجد قربته؛ فإنفاق المال في سبيله بالصدقة ، وإنفاق الأحوال في سبيله بملازمة الصدق ، وبنفي كل حظ ونصيب ، فترضى لجريان حكمه عليك من غير تعبيس القلب ، قال قائلهم :\rأُريد وصاله ويريد هجري ... فأتركُ ما أريد لما يريد\rوالإنفاق على ضربين : إنفاق العابدين وإنفاق الواجدين . أمَّا العابدون فإذا أنفقوا حَبَّةً ضاعَفَ لهم سبعين إلى ما ليس فيه حساب ، وأما الواجدون فكما قيل :\rفلا حَسَنٌ نأتي به يقبلونه ... ولا إن أسأنا كان عندهم محو","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"المنُّ شهود ما تفعله ، والأذى تذكيرُك - لمن أحسنت إليه - إحسانَك .\rويقال ينفقون ما ينفقون ثم لا يشهدون ألبتة أفعالهم ولا أعمالهم .\rويقال كيف يمنون بشيء تستعذرونه وتستحقونه .\rويقال لا يمنون بفعلهم بل يشهدون المنة لله بتوفيق ذلك عليهم .","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"يعني قولٌ - للفقير المجرد - يرد به من تعرض له بإظهار العذر خير وأتم من صدقة المعجَبِ بفعله ، وما يتبع من إلزام المنة فيه .\rويقال إقرار منك مع الله بعجزك وجُرْمك ، وغفران الله لك على تلك القالة - خبرٌ مِنْ صَدَقَةٍ بالمنِّ مشوبة ، وبالأذى مصحوبة .","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"إنما يُحْمَلُ جميلُ المنة من الحق سبحانه ، فأمَّا من الخلْق فليس لأحد على غيره مِنَّةَ؛ فإنَّ تحمل المنن من المخلوقين أعظم محنة ، وشهود المنة من الله أعظم نعمة ، قال قائلهم :\rليس إجلالُكَ الكبار بِذُلِّ ... إنما الذُّلُّ أنْ تُجِلَّ الصِّغَارا\rويقال أفقرُ الخلْق مَنْ ظنَّ نفسَه موسِراً فيَبِين له إفلاسه ، كذلك أقل الخلْق قدراً من ظن أنه على شيءٍ فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسبه .","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"هذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق : لمن أنفق في سبيل الله ، ولمن أنفق ماله في الباطل؛ فهؤلاء يحصل لهم الشرف والخلف ، وهؤلاء لا يحصل لهم في الحال إلا الردّ ، وفي المآل إلا التلف . وهؤلاء ظلَّ سعيهم مشكوراً ، وهؤلاء يدعون ثبوراً ويَصْلَوْنَ سعيراً . هؤلاء تزكو أعمالهم وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم ، وهؤلاء حَبِطَتْ أعمالهم وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وَبالهم .\rويقال مَثَلُ هؤلاء كالذي أنبت زرعاً فزكا أصله ونما فصله ، وعلا فَرْعُه وكثر نَفْعُه . ومَثَلُ هؤلاء كالذي خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت - على كبره - حيلته وتواترت من كل وجهٍ وفي كل وقت محنته . . . هل يستويان مثلاً؟ هل يتقاربان شَبَها؟","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"لينظرْ كلُّ واحدٍ ما الذي ينفقه لأجل نفسه ، وما الذي يخرجه بأمر ربه . والذي يخرج عليك من ديوانك : فما كان لحظِّك فنفائس ملكك ، وما كان لربك فخصائص مالك الذي لله ( فاللُّقْمَةُ لُقْمَتُه ) ، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة .\rثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقبله منك بل أبصر كيف يعوضك عليه ، بل أبصر كيف يقلبه منك ، بل أبصر كيف يمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك؛ الكلُّ منه فضلاً لكنه ينسبه إليك فعلاً ، ثم يُولِي عليك عطاءه ويسمي العطاء جزاءً ، يوسعك بتوفيقه بِرًّاً ، ثم يملأ العَالَم منك شكراً .","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"يَعِدُ الشيطانُ الفقرَ لفقره ، والله يَعِدُ المغفرةَ لكرمه .\rالشيطانُ يعدكم الفقر فيشير عليكم بإحراز المعلوم ، ويقال يشير عليكم - بطاعته- بالحرص؛ ولا فقرَ فوقه .\rيعدكم الفقر بالإحالة على تدبيركم واختياركم .\rيعدكم الفقر بنسيان ما تَعَوَّدْتُموه من فضله - سبحانه .\rويقال يعدكم الفقر بأنه لا يزيد شكايتك .\rويقال يعدكم الفقر بتعليق قلبك بما لا تحتاج إليه .\rويقال بالتلبيس عليك رؤية كفايته .\r{ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ } أي الرغبة في الدنيا ، ويقال بالأسباب التي تقوي الحرص ، ويقال بكثرة الأمل ونسيان القناعة ، ويقال بمتابعة الشهوات ، ويقال بإيثار الحظوظ ، ويقال بالنظر إلى غيره ، ويقال بإخطار شيء سواه ببالك .\rويقال بالانحطاط إلى أوطان الرُّخص والتأويلات بعد وضوح الحق .\rويقال بالرجوع إلى ما تركته لله .\r{ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً } : الفضل الموعود - في العاجل - القناعة ، وفي الآجل الثواب والجنان والرؤية والرضوان و ( . . . . ) والغفران .\rويقال في العاجل الظفر بالنفس ، ويقال فتح باب العرفان ، ونشر بساط القرب ، والتلقي لمكاشفات الأنْس .","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"الحكمة : يحكم عليكم خاطرُ الحقِّ لا داعي النفس ، وتحكم عليكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان .\rويقال الحكمة صواب الأمور .\rويقال هي ألا تحكم عليك رعوناتُ البشرية .\r( ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره ) .\rويقال الحكمة موافقة أمر الله تعالى ، والسَّفَهُ مخالفة أمره .\rويقال الحكمة شهود الحق والسَّفَهُ شهود الغير .","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"قوم تَوَعَّدَهم بعقوبته ، وآخرون توعدهم بمثوبته . . وآخرون توعدهم بعلمه؛ فهؤلاء العوام وهؤلاء الخواص . قال تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [ الطور : 48 ] فلا شيء يوجب سقوط العبد من عين الله كمخالفته لعهوده معه بقلبه ، فليحذر المريد من إزلال نفسه في ذلك غايةَ الحذر .","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"إن أظْهَرْتَ صحبتَكَ معنا وأعلنتَ فلقد جوَّدْتَ وأحْسنْتَ ، وإنْ حفظت سِرَّنَا عن دخول الوسائط بيننا صُنْتَ شروط الوداد ، وشَيَّدت من بناء الوصلة العماد .","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"لكَ المقام المحمود ، واللواء المعقود ، والرتب الشريفة ، والمنازل العلية ، والسنن المرضية . وأنت سيد الأولين والآخرين ، ولا يدانيك أحدُ - فضلاً عن أن يساميك ، ولكن ليس عليك هداهم فالهداية من خصائص حقنا ، وليس للأغيار منه شطية . يا محمد : أنت تدعوهم ولكن نحن نهديهم .","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"أخذ عليهم سلطانُ الحقيقة كلَّ طريق ، فلا لهم في الشرق مذهب ، ولا لهم في الغرب مضرب . كيفما نظروا رأوا سرادقات التوحيد محدقة بهم :\rكأنَّ فجاجَ الأرض ضاقَتْ بِرَحْبِها ... عليهم فما تزداد طولاً ولا عرضا\rولا يسلم لهم نفس مع الخلق ، وأنَّى بذلك ولا خَلْق!! وإذا لم يكن فإثبات ما ليس شِرْكٌ ( . . . . . ) في التوحيد .\rوالفقير الصادق واقف مع الله بالله ، لا إشراف للأجانب عليه ، ولا سبيل لمخلوق إليه تنظره عين الأغيار في لبسة سوى ما هو به؛ قال تعالى : { يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } فأما من كان ذا بصيرة فلا إشكال عليه في شيء من أحوالهم . تعرفهم يا محمد - أنت - بسيماهم ، فليست تلك السيماء مما يلوح للبصر ولكنها سيماء تدركها البصيرة . لا إشراف عليهم إلا بنور الأحدية .\rويقال : { تَعرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } : استبشار قلوبهم عند انكسار نفوسهم ، وصياح أسرارهم إلى العرش ( نشاطاً عنه ) عند ذبول ظاهرهم عن الانتعاش .\rويقال تكسر الظاهر عند تكسر الباطن وبالعكس من هذه لا يسألون الناس إلحافاً ، فإن جرى منهم من الخلق بدون الإلحاف سؤال - لما يشير إليه دليل الخطاب - فذلك صيانة لهم ولسر قصتهم ، لئلا يلاحظهم الخلْق بعين السؤال ، وليس على سرّهم ذرة من الإثبات للأغيار .\rويقال : { أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللهِ } : وقفوا على حكم الله ، وأحْصَرُوا نفوسَهم على طاعته وقلوبَهم على معرفته ، وأرواحَهم على محبته ، وأسرارَهم على رؤيته .","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"ما دام لهم مال لا يفترون ساعة عن إنفاقه ليلاً ونهاراً ، فإذا نفد المال لا يفترون عن شهوده لحظةً ليلاً ونهاراً .","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"مَنْ أعرض عن الأمر ، ورخَّص لنفسه بما يسوِّله له خاطره من التأويل فلا استقلال لهم في الحال ولا انتعاش في المآل؛ خسروا في عاجلهم ولم يربحوا في آجلهم .\rومَنْ انتبه بزواجر الوعظ ، وكَبَحَ لجامَ الهوى ، ولم يُطْلِقْ عنان الإصرار فَلَهُ الإمهال في الحال ، فإنْ عاد إلى مذموم تلك الأحوال فَلْيَنْتَظِرُوا أوشكَ الاستئصالِ وفجاءة النّكال .","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"ما كان بإذن منه - سبحانه - من التصرُّفات فمقرون بالخيرات ، ومصحوب بالبركات . وما كان بمتابعة الهوى يُسَلِّط عليه المَحْقَ ، وكانت عاقبة أمره الخسران .","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"إن الذين كانوا لنا يكفيهم ما يجدون مِنَّ ، لا نضيع أجر من أحسن عملاً .","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"الاكتفاء بموعود الربِّ خيرٌ للمسلم من تعليق قلبه بمقصود نفسه .\rومقصودُك من تسويلات النفس ، وموعودك مما ضمنه الحق .","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"إن صاحب الإصرار ليس له عندنا وزن ولا مقدار ، ولا قَدْرٌ ولا أخطار .","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"إذا تقرر عند القاضي إفلاس المحبوس فلا تحل له استدامة حَبْسه ، وإن ظهرت لذي الحق حجة المفلس فذلك مرتهن بحق خصمه ، ولكنه في إمهال وإنظار . والرب لا يحكم بهذا علينا؛ فمع علمه بإعسارنا وعجزنا ، وصدق افتقارنا إليه وانقطاعنا له - يرحمنا .\rقوله : { إِلَى مَيْسَرَةٍ } . ليس للفقير المفلس وجه يحصل له منه شيء إلا من حيث ما جعل الله سبحانه من سهم الغارمين ، فأمَّا من جهة الغلات فالغلة تدخل من رقاب الأموال والعقد . . وأنَّى للمفلس به؟!\rوأمَّا الربح في التجارة من تقليب رأس المال والتصرُّف فيه . . فأنَّى للمفلس به؟!\rما بقي للمفلس إلا قول من قال من الفقهاء ( . . . . ) وإن كان ضعيفاً ، فلذلك لمن بقيت له منه الحراك أما المفلس عن قوته - كما هو مفلس عن ماله - ما بقي له وجه إلا ما يسبب له مولاه .","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"الرجوع على ضربين : بالأبشار والنفوس غداً عند التوفي ، وبالأسرار والقلوب في كل نَفَسٍ محاسبة؛ نقدٌ ووعد ، فنَقْدُ مطالبته أحقُّ مما سيكون في القيامة من وعده .\rوقال للعوام : { وَاتَّقُوا يَوْمًا } وقال للخواص : { وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ } .","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"أمَرَ الله سبحانه الخلْقَ بالقيام بالصدق ، وعلَّمَهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم ، والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يُجْرِيَ - بعضُهم على بعض - حيفاً ، وذلك من مقتضى رحمته سبحانه عليهم ، وموجب رِفقِه بهم كيلا يتخاصموا . فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد ، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة .\rومن شرع اليومَ ما يقطع الخصومة بينهم فبالحري أن يجري ما يرفع في الآخرة آثار الخصومة بينهم ، وفي الخبر المنقول : « تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت منكم مالي عليكم ، فإن الكريم إذا قدر غفر » .\rوفيما شرع من الدَيْن رِفْق بأرباب الحاجات ، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال على الاحتيال ، ويضيق به الصدر عن الاحتمال ، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية والسؤال ، فأذِنَ له في الاستدانة ليَجْبُرَ أمرهَ في الحال ، وينتظرَ فضل الله في المآل ، وقد وعد على الإدانة الثوابَ الكثير ، وذلك من لطفه تعالى :","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"من المعاني والدعاوى ، ويقال من القصود والرغائب ، وفنون الحوائج والمطالب .\rويقال ما « تبديه » : العبادة ، « وما تخفيه » الإرادة .\rويقال ما « تخفيه » : الخطرات و « ما تبديه » : « العبارات » .\rويقال ما « تخفيه » : السكنات والحركات .\rويقال الإشارة فيه إلى استدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة ، فلا تغفل خطرة ولا تحمل وقتك نَفَساً .","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"هذه شهادة الحق - سبحانه - لنبيِّه - A وعلى آله - بالإيمان ، وذلك أتمُّ له من إخباره عن نفسه بشهادته .\rويقال آمن الخَلْق كلُّهم من حيث البرهان وآمن الرسول - عليه السلام - من حيث العيان .\rويقال آمن الخَلْق بالوسائط وآمن محمد - A - بغير واسطة .\rويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القَدْر فقال : { آمَنَ الرَّسُولُ } ، ولم يقل آمَنتَ ، كما تقول لعظيم الشأن من الناس : قال الشيخ ، وأنت تريد قلتَ .\rويقال : { آمَنَ الرَّسُولً كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } ، ولكن شتان بين إيمان وإيمان ، الكلُّ آمنوا استدلالاً ، وأنت يا محمد آمنتَ وصالاً .","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } .\rلكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير ، كل ذلك رِفق منه وفضل . { لَهَا مَا كَسَبَتْ } .\rمن الخيرات .\r{ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } .\rما تكسبه من التوبة التي تُنَجِّي من كسب .\rقوله جلّ ذكره : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } .\rكان إذا وقعت حاجة كلَّموه بلسان الواسطة . قالوا : { يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ } [ الأعراف : 134 ] وهذه الأمة قال لهم : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] .\rوكانت الأمم ( السالفة ) إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضي مدة لقبول التوبة ، وفي هذه الأمة قال A : « الندم توبة » .\rوكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم ، وخصائصُهم أكثر من أن يأتي عليه الشرح .\rقوله جلّ ذكره : { وَاعْفُ عَنَّا } .\rفي الحال .\r{ وَاغْفِرْ لَنَا } .\rفي المآل .\r{ وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ } .\rفي جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك ، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك .\rولمَّا قالوا : { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } خَسَفَ الله ذنوبهم بدل خسف المتقدمين ، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم ، وأمطر عليهم الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة .\rوالحمد لله رب العالمين .","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"قوله جلّ ذكره : { الم اللهُ } .\rأشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك ، فأنت في أسر الغفلة لا تهتدي إلى صلاحك ورشدك ، وهو مجرٍ ما يجبرك ، وكافٍ بما ينصرك ، فبغير سؤالك - بل بغير علمك بحالك - يكفيك من حيث لا تشعر ، ويعطيك من غير أن تطلب .\rوالإشارة من اللام إلى لطفه بك في خفيِّ السرِّ حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه . والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطِّلْبَةِ من الأولياء ، فلا يتحرك في العالم شيء ، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلاً لو قال في قوله : { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأنٍ } [ الرحمن : 29 ] إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء - لم يكن ذلك ببعيد .\rويقال تفرَّق عن القلوب - باستماع هذه الحروف المقطعة التي هي خلاف عادة الناس في التخاطب - كلُّ معلوم ومرسوم ، ومعتاد وموهوم ، من ضرورة أو خِسٍّ أو اجتهاد ، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات ، وصفَّى الأسرار عن المعتادات والمعهودات يَرِدُ هذا الاسم وهو قوله : « الله » على قلب مقدَّسٍ من كل غَيْرٍ ، وسِرٍّ مصفىً عن كل كيف؛ فقال : { الم اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَىُّ القَيُّومُ } .\rفهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك ، ولا يسهو فتبقى عنه ، فهو على عموم أحوالك رقيبُ سِرِّك؛ إنْ خلوتَ فهو رقيبك ، وإن توسطت الخَلْقَ فهو رقيبك ، وفي الجملة - كيفما دارت بك الأحوال - فهو حبيبك .","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"قوله جلّ ذكره : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ } .\rوما كنتَ يا محمد تدري ما الكتاب ، ولا قصة الأحباب ، ولكنما صادفك اختيار أزليّ فألقاك في أمرٍ عجيبٍ شأنُه ، جَلِيٌّ برهانُه ، عزيزٍ محلُّه ومكانُه .\r{ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } .\rأي محققاً لموعوده لك في الكتاب على ألسنة الرسل عليهم السلام .\r{ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى للنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرْقَانَ } .\rأي إنا أنزلنا قبلك كُتُبَنَا على المرسلين فما أخْلَيْنَا كتابًا من ذِكْرِكْ ، قال قائلهم :\rوعندي لأحبابنا الغائبين ... صحائفُ ذِكرُك عنوانُها\rوكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيَّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } .\rوهو ذُلُّ الحجاب ، ولكنهم لا يشعرون .\r{ واللهُ عَزِيرٌ } على أوليائه { ذُو انْتِقَامٍ } من أعدائه ، عزيز يطلبه كل أحد ، ولكن لا يجده - كثيراً - أحد .","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"لا يتنفس عبدٌ نَفَساً إلا والله سبحانه وتعالى مُحْصِيه ، ولا تحصل في السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه مُحْدِثهُ ومُبْدِيه ، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو متوليه .\rهذا على العموم ، فأمَّا على الخصوص : فلا رَفَعَ أحدٌ إليه حاجةً إلا وهو قاضيها ، ولا رجع أحدٌ إليه في نازلة إلا وهو كافيها .","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"قوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } .\rهذا فيما لا يزال من حيث الخلقة ، وهو الذي قدَّر أحوالكم في الأزل كيف شاء ، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة .\r{ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } .\rفلا يُعَقِّبُ حكمهُ بالنقض ، أو يُعَارَضُ تقديره بالإهمال والرفض .","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"جَنَّسَ عليهم الخطاب؛ فمِنْ ظاهرٍ واضح تنزيله ، ومن غامض مشكل تأويله . القِسْم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر ، والقِسْم الثاني لصيانة الأسرار عن اطلاع الأجانب عليها ، فسبيلُ العلماء الرسوخُ في طلب معناه على ما يوافق الأصول ، فما حصل عليه الوقوف فمُقَابَلٌ بالقبول ، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلَّموه إلى عالم الغيب .\rوسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب ، فما سنح لفهومهم من لائح التعريفات بَنَوْا ( عليه ) إشارات الكشف .\rإنْ ( طولبوا ) باستدامة الستر وطيِّ السِّر تخارسوا عن النطق ، وإنْ أُمِروا بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق ، ونطقوا عن تعريفات الغيبة ، فأمَّا الذين اُيِّدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم ، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب ، وحرموا لطائف التحقيق ، فتتقسم بهم الأحوال وتَتَرجَّمُ بهم الظنون ، ويطيحون في أودية الرَّيْبِ والتلبيس ، فلا يزدادون إلا جهلاً على جهل ، ونفوراً على شك .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ } .\rومَنْ وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل عن صريحات الظهور ، وصافيات اليقين . وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففي صحبة التذكر ، لظهور البراهين و ( . . . . ) أحكام التحصيل .","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"ما ازدادوا قرباً إلا ازدادوا أدباً ، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب ويقال حين صدقوا في حسن الاستغانة أُمِدُّوا بأنوار الكفاية .","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"اليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب ، وغداً جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب ، اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال ، وغداً جمع الأبشار لشهود الأحوال ، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال .","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"فلا فداء ينفعهم ، ولا غناء يدفعهم ، ولا مال يُقبَلُ منهم ، ولا حجاب يُرفَع عنهم ، ولا مقال يسمع فيهم ، بهم يُسَعَّرُ الجحيم ، ولهم الطرد الأليم ، والبعد الحميم .","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"أصرُّوا في العتوِّ على سَنَنهم ، وأدَمْنَا لهم في الانتقام سَنَنَا ، فلا عن الإصرار أقلعوا ، ولا في المَبَارِّ طَعِمُوا ، ولعمري إنهم هم الذين نَدِموا وتحسَّرُوا على ما قدَّموا - ولكن حينما وجدوا البابَ مسدوداً ، والندمَ عليهم مردوداً .","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُل لّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } .\rأخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق في الآجل ، ولا تكون لهم لذةُ عيشٍ في العاجل ، والذي يلقونه في الآخرة من شدة العقوبة بالحُرْقة فوق ما يصيبهم في الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة ، ولكن سَقِمتْ البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب .","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"إذا أراد اللهُ إمضاءَ أمرٍ قلَّل الكثير في أعين قوم ، وكثَّر القليل في أعين قوم ، وإذا لبَّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم ، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم .","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"يذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو في معناها ، وفي الجملة ما يحجبك عن الشهود فهو من جملتها . وأصعب العوائق في هذه الطريق الشهوة الخفية . وأداء الطاعات على وجه الاستحلاء معدودٌ عندهم في جملة الشهوة الخفية . ومن المقاطع المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك ، وكأنه في حال ما يناجيك يناغيك ، فإنه بكل لطيفة يصفك فيطريك وتحتها خُدَعٌ خافية . ومن أدركته السعادة كاشفه بشهود جلاله وجماله ( لا ) بإثباته في لطيف أحواله وما يخصه به من أفضاله وإقباله .","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"بيَّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا ، فقال : هؤلاء لهم متابعة المنى وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العُلى ، والله بصير بالعباد؛ أنزل كل قوم مَنْزِلَه ، وأوصله إلى ما لَهُ أَهَّله .","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"أي ينقطعون إلينا بالكلية ، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية ، أولئك ينالون منا القربة والخصوصية ، والدرجات العليَّة ، والقِسَم المُرضيَّة .","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"الصبرُ حبسُ النَّفْس ، وذلك على ثلاث مراتب :\rصبر على ما أُمرَ به العبد ، وصبر عما نُهي عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد؛ إمَّا في فوات محبوبك أو هجومَ ما لا تستطيعه .\rفإذا ترقيتَ عن هذه الصفة - بألا تصيبك مشقةٌ أو تنال راحةً - فذلك رضاً لا صبر ويقال الصابرين على أمر الله ، والصادقين ، فيما عاهدوا الله .\rو { القَانِتِينَ } ، بنفوسهم بالاستقامة في محبة الله .\rو { المُسْتَغْفِرِينَ } عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم في الله .\rويقال : { الصّابِرِينَ } بقلوبهم و { وَالصَّادِقِينَ } بأرواحهم و { وَالقَانِتِينَ } بنفوسهم ، و { المُسْتَغْفِرِينَ } بألسنتهم .\rويقال « الصابرين » على صدق القصود « الصادقين » في العهود « القانتين » بحفظ الحدود و « المستغفرين » عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد .\rويقال « الصابرين » الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب ، وهجروا كل راحة وطلب . وصبروا على البلوى ، ورفضوا الشكوى ، حتى وصلوا إلى المولى ، ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى .\rو « الصادقين » الذين صدقوا في الطلب فقصدوا ، ثم صدقوا حتى وردوا ، ثم صدقوا حتى شهدوا ، ثم صدقوا حتى وجدوا ، ثم صدقوا حتى فقدوا . . فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود .\rو « القانتين » الذين لازموا الباب ، وداوموا على تجرّع الاكتئاب ، وتركوا المحاب ، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب .\rو { وَالمُنفِقِينَ } الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال ، ( ثم جادوا بميسورهم من الأموال ) ، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال ، ثم جادوا بترك كل حظٍ لهم في العاجل والآجل ، استهلاكاً عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال .\rو { وَالمُسْتَغْفِرِينَ } عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الأسحار يعني ظهور الإسفار ، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر في الأقطار .","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"قوله جلّ ذكره : { شَهِدَ اللهَ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } .\rأي عَلِمَ اللهُ وأخبر اللهُ وحَكَمَ اللهُ بأنه لا إله إلا هو ، فهو شهادة الحق للحق بأنه الحق ، وأوَّلُ مَنْ شهد بأنه اللهُ - اللهُ ، فشهد في آزاله بقوله وكلامه وخطابه الأزلي ، وأخبر عن وجوده الأحدي ، وكونه الصمدي ، وعونه القيومي ، وذاته الديمومي ، وجلاله السرمدي ، وجماله الأبدي . فقال : { شَهِدَ اللهُ } ثم في آباده ، « شهد الله » أي بيَّنَ اللهُ بما نَصَبَ من البراهين ، وأثبت من دلائل اليقين ، وأوضح من الآيات ، وأبدى من البينات . فكلُّ جزءٍ من جميع ما خلق وفطر ، ومن كتم العدم أظهر ، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل ، من أعيان مستقلة ، وآثار في ( ثاني ) وجودها مضمحلة ، وذوات للملاقاة قابلة ، وصفات في المَحَالِّ متعاقبة - فهو لوجوده مُفْصِح ، ولربوبيته موضَّح ، وعلى قِدَمِه شاهد ، وللعقول مُخْبِر بأنه واحد ، عزيز ماجد ، شهد سبحانه بجلال قَدْره ، وكمال عزه ، حين لا جحد ولا جهود ولا عرفان لمخلوق ولا عقل ، ولا وفاق ، ولا كفر ، ولا حدثان ، ولا غير ، ولا إلحاد ، ولا شِرْك ، ولا فهم ولا فكر ، ولا سماء ولا فضاء ، ولا ظلام ولا ضياء ، ولا وصول للمزدوجات ، ولا فضول باختلاف الآفات .\rقوله جلّ ذكره : { وَالمَلاَئِكَةِ } .\rلم يؤيِّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيَّدُهم ، حين وفَّقَهم بشهادة وسدَّدهم ، وإلى معرفة وحدانيته أرشدهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَأُولُوا العِلْمِ } .\rوهم أولياء بني آدم إذ علموا قدرته ، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم ، فشهدوا عن شهود وتعيين ، لا عن ظن وتخمين ، إن لم يدركوه - اليوم - ضرورة وحِسَّاً ، لم يعتقدوه ظنّاً وحَدْساً؛ تعرَّف إليهم فعرفوه ، وأشهدهم فلذلك شهدوا ، ولو لم يقُلْ لهم إنه مَنْ هو لَمَا عرفوا مَنْ هو .\rولكنَّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم ، والمُوَحِّدُون يشهدون بعد خمودهم؛ فهم كما قيل :\rمُسْتَهْلَكُون بقهر الحق قد هَمَدُوا ... واستُنْطِقُوا بعد افتنائهمُ بتوحيد\rفالمُجْرِي عليهم ما يبدو منهم - سواهم ، والقائمُ عنهم بما هم عليه وبه - غيرُهم ، ولقد كانوا لكنهم بانوا ، قال قائلهم :\rكتابي إليكم بعد موتي بليلة ... ولم أدرِ أنِّي بعد موتي أكتب\rوأولو العلم علىمراتب : فَمِنْ عالِم نَعْتُه وفاق ورهبانية ، ومن عالم وصفه فناء وربانية ، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه ، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره ، وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله ، ومحكمه وتنزيله ، وعالم يعلم صفاته ونعوته ويستقوي حججه وتوحيده بحديث يخرجه ( . . . . ) ، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم كاشفه فقهره ، فالاسم باقٍ ، والعين محو ، والحكم طارق والعبد محق ، قال قائلهم :\rبنو حق غدوا بالحق صِرفاً ... فنعت الخلْق فيهمو مستورُ\rوليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم ، وعند عِلْمِهم بأنفسهم ، فأما أعمالهم أعيانهم فمخلوقة ، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة ، وذات الحق لا توصف بقبول حدثان ، وصفات ذاته لا تقبل اتصالاً بالغير ولا انفصالاً عن الذات ، تقدَّس الحق عن كل ضدِّ وندِّ ، ووصل وفصل ، وجمع وفرق ، وعين وخلق ، وملك وفلك ، ورسم وأثر ، وعبد وبشر ، وشمس وقمر ، وشخص وغَبَر .","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"قوله جلّ ذكره : { إنَّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ } .\rالدِّينُ الذي يرتضيه ، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه ، وبالفضل يُلَقِّيه - هو الإِسلام .\rوالإسلام هو الإخلاص والاستسلام ، وما سواه فمردود ، وطريق النجاة على صاحبه مسدود .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ } .\rجاءهم العلم الذي عليهم حجة ، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة ، فأصروا على الجحود ، لأنهم حُجِبُوا عن محل الشهود .","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"طالِعْهُم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال في شهود اختلافهم وتباين أطوارهم؛ فإنَّ مَنْ طالَعَ الكائناتِ بعين القدرة علم أن المُثْبِتَ للكلِّ - على ما اختص به كل واحد من الكل - واحدٌ .\rفادْعُهم جهراً بجهر ، واشهد تصريفنا إياهم سِرَّاً بسر ، واشغل لسانك بنصحهم ، وفرِّغ قلبك عن حديثهم ، وأفرد سِرَّك عن شهودهم ، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ ، والمُجرِي للأمور والمبدي - نحن .","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان - أخْبِرْهم بأن إعراضنا عنهم مؤبد ، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان ، من الخذلان والحرمان إلى العقوبة والنيران .","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"أولئك الذين ليس لهم - اليومَ - توفيق بأعمالهم ، ولا غداً تحقيق لآمالهم ، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا ، ولم يشهدوا عِزَّنا وقدرتنا .","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون ، فاصبر على ما أُمِرْتَ فيهم ، واعلم سوء أحوالهم ، فإنهم أهل التولِّي عن الإجابة ، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة .","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"قوله جلّ ذكره : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } .\rعاقبناهم في الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب ، وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم ، ويحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون .\rظن المخطئون حكماً . . .","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"هذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر ، وتفخيم الشأن عند بهتة عقولهم ودهشة أسرارهم ، وانقطاع دواعيهم ، وانخلاع قلوبهم من مكامنها ، وتراقيها إلى تراقيهم ، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب ، والعذاب والعقاب ، وعدم الإكرام والإيجاب ، وما في هذا الباب .\rوقيامةُ الكفار يومَ الحشر ، وقيامة الأحباب في الوقت ، ولِشَرْحِ هذا تفسير طويل .","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ } .\r« اللهم » معناها يا الله والميم في آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا . فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق ، أي صِفْني بما أسْتَحِقُّه من جلال القَدْر فَقُلْ : يا مالكَ المُلْكِ لا شريكَ لكَ ولا مُعينَ ، ولا ظهير ولا قرين ، ولا مُقاسِمَ لكَ في الذات ، ولا مُسَاهِمَ في المُلْك ، ولا مُعَارِضَ في الإبداع .\r{ تُؤْتِى المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } .\rحتى نعلم أن الملك لك ، والمَلِكُ من المخلوقين مَنْ تَذَلَّلَ له ، ومنزوعٌ المُلْكُ ممن تكبَّر عليه؛ فَتَجمُّلُ الخَلْقِ في تذللهم للحق ، وعِزُّهم في محوهم فيه ، وبقاؤهم في فنائهم به .\r{ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ } .\rبعز ذاتك .\r{ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ } .\rبخذلانك .\rوتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك ، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك وتعزُّ من تشاء بيُمْنِ إقبالك ، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك . و تعزُّ من تشاء بأن تؤنسه بك ، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك . وتعز من تشاء بأن تشغله بك ، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك . وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه ، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه . وتعز من تشاء بطوالع أُنسه وتذل من تشاء بطوارق نفسه . وتعز من تشاء ببسطه بك ، وتذل من تشاء بقبضه عنك .\rو { تُؤتِى المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } يشد نطاق خدمتك ، { وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } بنفيه عن بساط عبادتك . توتي الملك من تشاء بإفراد سِرِّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق ، { وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ } بإقامته بالإرادة ، { وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ } يردُّه إلى ما عليه أهل العادة .\r{ بِيَدِكَ الخَيْرُ } .\rولم يذكر الشر حفظاً لآداب الخطاب ، وتفاؤلاً بذكر الجميل ، وتطيراً من ذكر السوء .\r{ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ } .\rمن الحجب والجذب ، ( والنصرة ) والخذلان ، والأخذ والرد ، والفرق والجمع ، والقبض والبسط .","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"تولج الليل في النهار حتى يَغْلِبَ سلطانُ ضياءِ التوحيد فلا يَبْقَى من آثار النفس وظلماتها شيءٌ ، وتولج النهار في الليل حتى كأن شموسَ القلوب كُسِفَت ، أو كأن الليل دام ، وكأن الصبح فُقِد .\rوتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن ، وعهد الوصال رجع فَتيَّاً ، وعُودُ القلوبِ غضّاً طريَّاً .\rوتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أورقت شوكاً وأزهرت شوكاً ، وكأن اليائس لم يجد خيراً ، ولم يشم ريحاً ، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة .\r{ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .\rحتى لا ( كدر ) ولا جُهْدَ ولا عَرَقَ جبينٍ ، ولا تَعَبَ يمينٍ ، لَيْلَهُ روحْ وراحة ، ونهارُه طرب وبهجة ، وساعاته كرامات ، ولحظاته قُرُبات ، وأجناس أفعاله على التفصيل لا يحصرها لسان ، ولا يأتي على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان .\rوفيما لوَّحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه .\rويقال لما قال : { وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } انكسر خُمَارُ كلِّ ظانٍّ أنه مَلِكٌ لأنه شاهد مُلكِهِ يعرض للزوال فَعَلِمَ أن التذلل إليه في استبقاء ملكه أولى من الإعجاب والإدلال .\rويقال المَلِكُ في الحقيقة - مَنْ لا يشغله شيء بالالتفات إليه عن شهود من هو المَلِكُ على الحقيقة .","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنُونَ } .\rمن حقائق الإيمان الموالاةُ في الله والمعاداة في الله .\rوأوْلى مَنْ تسومه الهجرانَ والإعراضَ عن الكفار - نَفْسُك؛ فإنها مجبولةٌ على المجوسية حيث تقول : لي ومني وبي ، وقال الله تعالى : { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ } [ التوبة : 123 ] .\rوإن الإيمان في هذه الطريقة عزيز ، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام - وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغاً عظيماً - فليسوا بأهل لموالاتك ، والشكل بالشكل اليق .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِى شَيءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ } .\rصحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم - ألبتة .\r{ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } : هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة ، فأمَّا الذين نزلت رُتْبَتُهم عن هذا فقال لهم : { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى } [ آل عمران : 131 ] وقال : { واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ . . } [ البقرة : 281 ] . إلى غير ذلك من الآيات .\rويقال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } أن يكون عندكم أنكم وصلتم؛ فإن خفايا المكر تعتري الأكابر ، قال قائلهم :\rوأمِنْتُه فأتاح لي من مأمني ... مكراً ، كذا مَنْ يأمن الأحبابا\rويقال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } لأن يجري في وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق ، أو يطأ بساطَ العِزِّ قَدَمُ همة بشر ، جلَّتْ الأحدية وعزَّت!\rوإنَّ من ظن أنه أقربهم إليه ففي الحقيقة أنه أبعدهم عنه .","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"لا يَعْزُبُ معلوم عن علمه ، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك ، فعن قريب سيأتيك الغوث والإجابة ، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة ، ويُعَجِّلُ المدَدَ والكفاية .","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } .\rوَدَّ أهل الطاعات أَنْ لو استكثروا منها ، ووَدَّ أهل المخالفات أَنْ لو كبحوا لجامهم عن الركض في ميادينهم ، قال قائلهم :\rولو إنني أُعْطِيتُ من دهري المُنَى ... وما كلُّ مَنْ يُعْطَى المنى بِمُسَدَّدِ\rلَقُلْتَ لأيامٍ مَضَيْن : ألا ارجعي ... وقلتُ لأيام أتيْن ألا ابعدي\rقوله جلّ ذكره : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ } .\rالإشارة من قوله : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَه } للعارفين ، ومن قوله { وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ } للمستأنفين ، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة ، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة .\rويقال لمَّا قال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَه } اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم فقال مقروناً به { وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ } لتحقيق تأميلهم ، وكذلك سُنَّتُه يطمعهم في عين ما يروعهم .\rويقال أفناهم بقوله { وَيُحَذِّركُمُ اللهُ نَفْسَهُ } ثم أحياهم وأبقاهم بقوله { وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ } .","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"{ تُحِبُّونَ اللهَ } فرق ، و { يُحْبِبْكُمُ اللهُ } جمع .\r{ تُحِبُّونَ اللهَ } مشوب بالعلة ، و { يُحْبِبْكُمُ اللهُ } بِلا عِلّة ، بل هو حقيقة الوصلة . ومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه ، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره على الرضا دون الكراهية ، وتقتضي منه تلك الحالة إيثاره - سبحانه - على كل شيء وعلى كل أحد .\rوشرطُ المحبةِ ألا يكون فيها حظٌّ بحال ، فَمنْ لم يَفْنَ عن حظوظه بالكلِّية فليس له من المحبة شظيَّة .\rومحبة الحق للعبد إرادته إحسانَه إليه ولطفَه به ، وهي إرادةُ فضلٍ مخصوص ، وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له ، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه ، فعلى هذا تكون من صفات فعله .\rويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك في محبوبك ، قال قائلهم :\rوما الحبُّ حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا\rوهذا فرق بين الحبيب والخليل؛ قال الخليل : { فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى } [ إبراهيم : 36 ] .\rوقال الحبيبُ : { فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ } .\rفإن كان مُتَّبعُ الخليل « منه » إفضالاً فإن متابعَ الحبيبِ محبوبُ الحقِّ سبحانه ، وكفى بذلك قربة وحالاً .\rويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحدٍ نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين والآخرين محمد A .\rويقال في هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة ، أو التجرد عن آفة لأنه قال : { يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } بيَّن أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحبُّ اللهَ ويحبُّه الله .\rويقال قال أولاً : { يُحْبِبْكُمُ اللهُ } ثم قال : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } والواو تقتضي الترتيب ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ سابقةٌ على الغفران؛ أولاً يحبهم ويحبونه ( وبعده ) يغفر لهم ويستغفرونه ، فالمحبة توجِب الغفران لأن العفو يوجب المحبة .\rوالمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حَبَبُ الأسنان وهو صفاؤها .\rوالمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب في السر .\rويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب .\rوالحبُّ حرفان حاء وباء ، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البَدَن ، فالمُحِبُّ لا يَدَّخِر عن محبوبه لا قلبَه ولا بَدَنَه .","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ } .\rأمرهم بالطاعة ثم قال : { فَإِن تَوَلَّوْأ } أي قَصَّرُوا في الطاعة بأن خالفوا ، ثم قال : { فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ } لم يَقُلْ العاصين بل قال الكافرين ، ودليل الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عُصَاة .","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"اتفق آدم وذريته في الطينة ، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قِبَلِه ، لا بالنَّسَب ولا بالسبب .","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"المُحَرَّرُ الذي ليس في رِقِّ شيء من المخلوقات ، حرَّرَه الحق سبحانه في سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال . فلمَّا نذرت أمُّ مريم ذلك ، ووضعتها أنثى خَجِلت ، فلمَّا رأتها قالت { رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى } وهي لا تصلح أن تكون محرراً فقال تعالى : { وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ولعمري ليس الذكر كالأنثى في الظاهر ، ولكن إذا تَقَبَّلَها الحقُّ - سبحانه وتعالى - طلع عنها كل أعجوبة .\rولما قالت { إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا } قالت { فَتَقَبَّلْ مِنِّى } فاستجاب ، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها ، ونجا بحديثها عَالَمٌ وَهَلَكَ بسببها عَالَمٌ ، ووقعت الفتنة لأجلهما في عَالَم .\rقالت : { وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } استجارت بالله من أن يكون للشيطان في حديثها شيء بما هو الأسهل ، لتمام ما هم به من أحكام القلوب .","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } .\rحيث بَلَّغَها فوق ما تَمَنَّتْ أمها ، ويقال تقبَّلها بقبول حسنٍ حتى أفردها لطاعته ، وتولاّهَا بما تَولَّى به أولياءه ، حتى أفضى جمع مَنْ في عصرها العَجَبَ من حُسْنِ توليه أمرها ، وإن كانت بنتاً .\rويقال القبولُ الحَسَنُ حُسْنُ تربيته لها مع علمه - سبحانه - بأنه يُقال فيه بسببها ما يُقال ، فلم يُبالِ بِقُبْح مقال الأعداء :\rأجد الملامة في هواكِ لذيذةً ... حُبَّاً لذكرك فليلمني اللُّوَمُ\rوكما قيل :\rليقل من شاء ما ... شاء فإني لا أُبالي\rويقال القبول الحسن أَنْ ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول : { إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } [ مريم : 18 ] .\r{ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } حتى استقامت على الطاعة ، وآثرت رضاه - سبحانه - في جميع الأوقات ، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السلام ، وهذا هو النبات الحسن ، وكفلها زكريا . ومن القبول الحسن والنبات الحسن أَنْ جعل كافَلَها والقَيَّمَ بأمرها وحفظها نبياً من الأنبياء مثل زكريا عليه السلام ، وقد أوحى الله إلى داود عليه السلام : إنْ رأيْتَ لي طالباً فكُنْ له خادماً .\rقوله جلّ ذكره : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هّذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يرزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }\r. مِنْ إمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا في المحراب ، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبَّدُ فيه وهناك يوجد المحراب - فذلك عَبْدٌ عزيز .\rويقال مِنَ القبول الحسن أنه لم يطرح أمرَها كُلَّه وشُغْلُها على زكريا عليه السلام : فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وَجَدَ عندها رزقاً لِيَعْلَمَ العاملون أن الله - سبحانه - لا يُلْقِي شُغْلَ أوليائه على غير ، ومن خدم ولياً من أوليائه كان هو في رفق الولي لا إنه تكون عليه مشقة لأجل الأولياء . وفي هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم أنه في رفق الفقراء .\rثم كان زكريا عليه السلام يقول : { أَنَّى لَكِ هَذَا } ؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة ، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية شُغْلها ، فكان يسأل ويقول : { أَنَّى لَكِ هَذَا } ومن أتاكِ به؟\rوكانت مريم تقول : هو من عند الله لا من عند مخلوق ، فيكون لزكريا فيه راحتان : إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى ، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها ، ولم يسبق به . قوله : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ } فلفظة كلَّما للتكرار وفي هذا إشارة : وهو أن زكريا عليه السلام لم يَذَرْ تَعهُّدَها - وإنْ وجد عندها رزقًا - بل كل يومٍ وكل وقتٍ كان يتفقد حالها لأن كراماتِ الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعاً؛ فيجوز أن يُظهِرَ الله ذلك عليهم دائماً ، ويجوز ألا يظهر ، فما كان زكريا عليه السلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها ، ثم كان يُجَدِّدُ السؤال عنها بقوله : { يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا } ؟ لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس ، فإنه لا واجب على الله سبحانه .\rوقوله : { إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إيضاح عن عين التوحيد ، وأن رزقه للعباد ، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته ، دون أن يكون مُعَلَّلاً بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم .","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"أي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقيناً على يقين ، ورجاء على رجاء؛ فسأل الوَلَدَ على كبر سِنِّه ، وإجابتُه إلى ذلك كان نقضاً للعادة .\rويقال إن زكريا عليه السلام سأل الوَلَدَ ليكونَ عوناً له على الطاعة ، ووارثاً من نَسْلِه في النبوة ، ليكون قائماً بحقِّ الله ، فلذلك استحق الإجابة؛ فإن السؤال إذا كان لحقِّ الحقِّ - لا لحظِّ النَّفْسِ - لا يكون له الرد .\rوكان زكريا عليه السلام يرى الفاكهة الصيفية عند مريم في الشتاء ، وفاكهة الشتاء عندها في الصيف ، فسأل الولد في حال الكِبَر ليكون آية ومعجزة .","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى المِحْرَابِ } .\rلما سأل السؤال ، ولازم البال أَتَتْهُ الإجابةُ .\rوفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة .\rويقال حكم الله - سبحانه - أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو مُعَانِقٌ لخدمته ، فأمَّا مَنْ أعرض عن الطاعة ألقاه في ذُلِّ الوحشة .\rقوله جلّ ذكره : { أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ } .\rقيل سمَّاه يحيى لحياة قلبه بالله ، ولسان التفسير أنه حي به عقر أمه .\rويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه .\rقوله : مصدقاً بكلمة من الله : أن تصديقه بكلمة « الله » فيما تعبده به أو هو مكوَّن بكلمة الله .\rوقوله { وَسَيِّدًا } : السيدُ من ليس في رق مخلوق ، تحرَّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق ، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه ، ويقال السيد من فاق أهل عصره ، وكذلك كان يحيى عليه السلام .\rويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقامًا ، ولا شَاهَدَ لنفسه قَدْرًا . ولما أخلص في تواضعه لله بكل وجهٍ رقَّاه على الجملة وجعله سيداً للجميع .\rوقوله { وَحَصُورًا } أي مُعْتَقاً من الشهوات ، مكفياً أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر . ويقال متوقياً عن المطالبات ، مانعاً نفسه عن ذلك تعززاً وتقرباً ، وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فَضْلٌ لحظِّ .\r{ وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ } أي مستحقاً لبلوغ رتبتهم .","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"قيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال : أنَّى يكون لي غلام؟\rويحتمل أنه قال : بأي استحقاقٍ مني تكون له هذه الإجابة لولا فضلك؟\rويحتمل أنه قال أنَّى يكون هذا : أَعَلَى وَجهِ التبني أم على وجه التناسل؟\rويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت في السن أو من جهة التَّسرِّي بمملوكة؟ أمْ مِنْ هذه؟\rفقيل له : لا بَلْ مِنْ هذه؛ فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معاً ، فكذلك تكون بشارة الولد لكما جميعاً .","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِى آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا } .\rطلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لِشك له في أصل الإجابة .\rوجعل آية ولايته في إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح ، أي لا تمتنع عن خطابي فإني لا أمنع أوليائي من مناجاتي .\rقوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيرًا } .\rبقلبك ولسانك في جميع أوقاتك .\r{ وَسَبِّحْ بِالعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ } .\rفي الصلاة الدائبة .","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"يجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قِبَلِهم رفعاً بشأنها ، ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم ، ويجوز أنها لم تشاهدهم وأنهم هتفوا بها : إن الله اصطفاك بتفضيلك ، وإفرادكِ من أشكالك وأندادك ، وطَهَّرَكِ من الفحشاء والمعاصي بجميل العصمة ، وعن مباشرة الخلْق ، واصطفاك على نساء العالمين في وقتك .\rوفائدة تكرار ذكر الاصطفاء : الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة والثاني اصطفاكِ بأَنْ حَمَلْتِ بعيسى عليه السلام من غير أب ، ولم تشبهك امرأة - ولن تشبَهك - إلى يوم القيامة ، ولذلك قال { عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ } .","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"لازمي بساط العبادة ، وداومي على الطاعة ، ولا تُقَصِّرِى في استدامة الخدمة ، فكما أفردكِ الحقُّ بمقامك ، كوني في عبادته أوحد زمانك .","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"أي هذه القصص نحن عرفناكها و ( خا ) طبناك بمعانيها ، وإنْ قَصَصْنَا نحن عليك هذا - فعزيزٌ خطابُنا ، وأعزُّ وأتم مِنْ أَنْ لو كنتَ مشاهداً لها .","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"لم يُبَشرها بنصيب لها في الدنيا ولا في الآخرة من حيث الحظوظ ، ولكن بَشَّرها بما أثبت في ذلك من عظيم الآية ، وكونه نبياً لله مؤيَّداً بالمعجزة .\rويقال عرَّفها أن مَنْ وقع في تغليب القدرة ، وانتهى عند حكمه يَلْقَى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد . ولقد عاشت مريم مدةً بجميل الصيت ، والاشتهار بالعفة ، فشوَّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام ، ولكن - في التحقيق - ليس كما ظَنَّهُ الأغبياء الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير .\rوقيل إنه ( . . . . ) عَرَّفها ذلك بالتدريج والتفصيل ، فأخبرها أن ذلك الولَدَ يعيش حتى يُكَلِّمَ الناس صبيَّا وكهلا ، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه .\rوقيل كهلاً بعد نزوله من السماء .\rويقال ربط على قلبها بما عرَّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة سَاحتها يُنْطِقُ اللهُ عيسى عليه السلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها .","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَت رَبِّ أنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } .\rكما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة في رزقنا فكذلك ننقض العادة في خلق ولدٍ من غير مسيس بشر .\rقوله جلّ ذكره : { إِذَا قَضَى أَمْرًا } .\rأي أراد إمضاء حُكْم .\r{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .\rفلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء .\rولمَا بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى عليه السلام وهو ابن يومٍ حتى قال :\r{ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } .","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"وتلك آياته الظاهرة ، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمة والأبرص ، والإخبار عما عملوه مُسِرِّين به ، إلى غير ذلك من معجزاته . وأخبر أنه مصدِّق لما تقدمه من الشرائع ، ومختص بشريعةٍ تنسخ بعض ما تقدمه ، وأقرهم على البعض - على ما نطق به تفصيل القرآن .","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ } الآية .\rحين بَلَّغهم الرسالة واختلفوا - فمنهم من صدَّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون - عَلِمَ أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء ، فقطع عنهم قلبه ، وصدق إلى الله قصده ، وقال لقومه : مَنْ أنْصاري إلى الله ليساعدوني على التجرد لحقِّه والخلوص في قصده؟ فقال مَنْ انبسطت عليهم آثار العناية ، واستخلصوا بآثار التخصيص : نحن أنصار الله ، آمنا بالله ، واشهد علينا بالصدق ، وليس يشكل عليك شيءٌ مما نحن فيه .","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"وأما الباقون فجدُّوا في الشقاق ، وبالغوا في العداوة ، ودسُّوا له المكائد ، ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم ، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى عليه السلام وقتلوه ، وذلك جهل منهم ، ولَبْسٌ عليهم . فاللهُ - سبحانه - رفع عيسى عليه السلام نبيَّه ووليَّه ، وحُقُّ الطردُ واللَّعنُ على أعدائه ، وهذا مَكْرُهُ بهم :\r{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ } .\rالإشارة فيه إني متوفيك عنك ، وقابضك منك ، ورافعك من نعوت البشرية ، ومطهرك من إرادتك بالكلية ، حتى تكون مُصَرَّفاً بنا لنا ، ولا يكون عليك من اختيارك شيء ، ويكون إسبال التولي عليك قائماً عليك . وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى ، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة - جّلَّتْ .\rويقال طَهَّرَ قلبه عن مطالعة الأغيار ، ومشاهدة الأمثال والآثار ، في جميع الأحوال والأطوار .\r{ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَة } .\rبالنصرة والقهر والحجة .\rومتبعوه مَنْ لم يُبَدِّل دِينه ومَنْ هو على عقيدته في التوحيد - وهم المؤمنون ، فَهُمْ على الحقِّ ، إلى يوم القيامة لهم النصرة ، ثم إن الله سبحانه يحكم - يوم القيامة - بينه وبين أعدائه . فأمّا الكفار ففي الجحيم وأمّا المؤمنون ففي النعيم .","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"ذلك نتلوه عليك يا محمد ، نعرفك معانيه بما نوحي إليك ، لا بتكلفك ما تصل إلى عِلْمِه ، أو بِتَعلُّمِك من الأمثال ، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال .","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ } الآية .\rخَصَّهما بتطهير الروح عن التناسخ في الأصلاب وأفرد آدم بصفَةِ البدء؛ وعيسى عليه السلام بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز ، وهما وإنْ كانا كبيري الشأن فنِقْصُ الحدثان والمخلوقية لازِمٌ لهما :\r{ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"قوله جلّ ذكره : { الحَقُّ مِن رَّبِّكَ } الآية .\r{ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ } يا محمد ، فلا تَشُكَّن في أنه - سبحانه - لا يماثله في الإيجاد أَحَدٌ ، ولا على إثبات بينه لمخلوق قدرة . والموجودات التي ( . . . . ) ، وجودها عن كتم العَدَم - من الله مبدؤها وإليه عَوْدُها .","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } الآية .\rيعني بعدما ظَهَرْتَ على صدق ما يُقال لك ، وتَحقَّقْتَ بقلبك معرفة ما خاطبناك ، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة ، وثقْ بأن لك القهر والنصرة ، وأَنَّا توليناك ، وفي كنف قُرْبنا آويناك ، ولو أنهم رغبوا في هذه المباهلة لأحرقت الأودية عليهم نيراناً مؤججة ، ولكن أخَّر الله - سبحانه - ذلك عنهم لعلمه بِمَنْ في أصلابهم من المؤمنين .\rوالإشارة في هذه الآية لِمَنْ نزلت حالته عن أحوال الصديقين ، فإنه إذا ظهرت أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار ، ولا عنهم آثار .","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ } .\rلا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة ، ولا يدرك سر حكمه وهم مخلوق ، ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود ، أو موهوم يصوره التقدير .","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"فإن تولوا - يا محمد - فإنه لا ثَبَاتَ عند شعاع أنوارك لشبهة مُبْطِل .\r{ فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ } إمَّا يجتاحهم ، أو يحلم حتى إذا استمكنَتْ ظنونُهم يأخذهم بغتَةً وهم لا يُنْصَرون .","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُل يَا أهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } الآية .\rهي كلمة التوحيدِ وإفرادِ الحق سبحانه في إنشاء الأشياء بالشهود .\rوقوله : { أَلاَّ نَعْبُدُ إِلاَّ اللهَ } : لا تطالع بِسِرِّك مخلوقاً . وكما لا يكون غيرُه معبودَك فينبغي ألا يكون غيرُه مقصودَك ولا مشهودَك ، وهذا هو اتِّقاء الشِرْك ، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم .\r{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًاْ } ويظهر صدقُ هذا بترك المدح والذم لهم .\rونفي الشكوى والشك عنهم ، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم . قال A « أصدق كلمة قالتها العربُ قول لبيد »\rألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيمٍ لا مَحالة زائل\rفإنَّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد . وأمَّا أهل البداية فالأمر مُضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد ، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب ، لفراغهم بقلوبهم من المعاني ، فمن ظنَّ بخلاف هذا فقد غلط .","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"{ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرَاهِيمَ } الآية .\rضرب على خليله - صلوات الله - نقاب الضنَّة وحجاب الغيرة ، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادِّعاء الكل فيه ، وحَكَمَ بتعارض شُبُهَاتِهم ، وكيف يكون إبراهيم - عليه السلام - على دين مَنْ أتى بعده؟! إن هذا تناقضٌ من الظن .","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"يعني ما كان في كتابكم له بيان ، ويصح أن يكون لكم عليه برهان ، فَخَصَّهُمْ في ذلك إمَّا بحق وإما بباطل ، فالذي ليس لكم ألبتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه ، وادِّعاء الإحاطة به؟!","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا } .\rالحنيف المستقيم على الحق ، والأحنف هو المستقيم في حلقة الرِّجْل ، ويسمى مائل القَدَم بذلك على التفاؤل وإبراهيم عليه السلام كان حنيفاً لا مائلاً عن الحق ، ولا زائغاً عن الشرع ، ولا مُعَرِّجاً على شيء وفيه نصيب للنفس ، فقد سَلَّم مَالَه ونَفْسَه ووَلدَه ، وما كان له به جملةً - إلى حكم الله وانتظار أمره .","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"لما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر ، بقي أهل الحقِّ في كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى ، فكانوا حزباً واحداً ، فبعضهم أَوْلى ببعض . وإبراهيم صاحب الحق ، ومن دان بدينه - كمثل رسولنا A وأمته - على الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام وهو توحيد الله سبحانه وتعالى .\r{ وَاللهُ وَلِىُّ المُؤْمِنِينَ } لأنهم تولَّوْا دينه ، ووافقوا توحيده ، وولاية الله إنما تكون بالعَوْن والنصرة والتخصيص والقربة .","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَدَّت طِّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَو يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } .\rمن حلَّت به فتنة ، وأصابته محنة ، واستهوته غواية - رَضِي لجميع الناس ما حلّ به ، فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق ، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره ، وأن يعودَ إليهم وبالُ فعلهم .","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"قَبْلَ بعثه - A - على صحة نبوته ، فما الذي يحملكم على غيكم حتى جحدتم ما علمتم؟","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"تكتمون الحق في شأن محمد عليه السلام وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق ، وهل هذا حكم الخذلان وقضية الحرمان ، ثم أخبر أَنَّ منهم من ينافق في حالته ، فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين ، ولا يخالف إخوانه من الكافرين ، فتواصوا فيما بينهم بموافقة الرسول عليه السلام والمسلمين جهراً ، والخلوص في عقائدهم الفاسدة بعضهم مع بعض سِرَّاً .","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"فبين اله سبحانه أن نفاقهم كُشِف للمسلمين ، وأن ذلك لا ينفعُهم أمَّا في الدنيا فَلإِطْلاع الله نبيُّه عليه السلام والمؤمنين - عليه ، وأَمَّا في الآخرة فَلِفَقْدِ إخلاصهم فيه .","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } .\rيحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين ، والإشارة فيه ألا تعاشروا الأضداد ، ولا تفشوا أسراركم للأجانب .\r{ قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ } .\rفهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف ، ويختص من يشاء بالخذلان والحرمان .","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"يختص من يشاء بفنون إنعامه ، فالرحمة على هذا سبب لتخصيص النعمة لمن أراده . ولا بُدَّ من إضمار فيحتمل أن يختص بالرحمة من يشاء فلا تجري الرحمة مجرى السبب فالرحمة على هذا التأويل تكون بمعنى النبوة وتكون بمعنى الولاية .\rوبمعنى العصمة وجميع أقسام الخيرات التي يختصُّ - بشيء منها - عبداً من عباده ، فيدخل تحت قوله : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } أي بنعمته .\rفقومٌ اختصهم بنعمة الأخلاق وقوم اختصهم بنعمة الأرزاق ، وقوم اختصهم بنعمة العبادة وآخرين بنعمة الإرادة ، وآخرين بتوفيق الظواهر وآخرين بعطاء الأبشار ، وآخرين بلقاء الأسرار ، قال تعالى : { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] .\rويقال لمَّا سمعوا قوله : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } ، علموا أن الوسائل ليست بهادية ، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة .\rويقال : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار ويلقيه إليه من فنون التعريفات .","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنَهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } الآية .\rأخبر أنهم - مع ضلالتهم وكفرهم - متفاوتون في أخلاقهم ، فكُلُّهمْ خَوَنَةٌ في أمانة الدِّين ، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة ، ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق فلا ينفعهم ذلك في إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب؛ إذ الكفار مُطَالَبُون بتفصيل الشرائع ، فإذا كانوا في كفرهم أقلَّ ذنباً كانوا بالإضافة إلى الأخسرين أقلَّ عذاباً ، وإن كانت عقوبتهم أيضاً مؤبَّدة .\rثم بيَّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا :\r{ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } .\rفلا تجري عليهم هذه الحالة ، أو تنفعهم هذه القالة ، بل الحكم لله تعالى .","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"الذين آثروا هواهم على عُقباهم ، وقدَّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا نصيب لهم في الآخرة؛ فللاستمتاع بما اختاروا من العاجل خسروا في الدارين .\rبقوا عن الحق ، وما استمتعوا بحظِّ ، جَمَعَ عليهم فنون المِحَن ولكنهم لا يدرون ما أصابهم ، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ، ثم مع هذا يُخَلِّدُم في العقوبة الأبدية .","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين في الدعاوى في هذه الطريقة .\rيزيِّنون العبارات ، ويطلقون ألسنتهم بما لا خَبَرَ في قلوبهم منه ، ولا لهم بذلك تحقيق ، تلبيساً على الأغبياء والعوام وأهل البداية؛ يوهمون أن لهم تحقيق ما يقولونه بألسنتهم . قال تعالى في صفة هؤلاء { لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ } ، كذلك أرباب التلبيس والتدليس ، يُرَوِّجون قالتَهم على المستضعفين ، فأما أهل الحقائق فأسرارهم عندهم مكشوفة .\rقال الله تعالى : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، أي يعلمون أنهم كاذبون ، كذلك أهل الباطل والتلبيس في هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خَرِبةَ ، وأسرار محجوبة ، نعوذ بالله من استحقاق المقت!","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"أي ليس من صفة مَنْ اختراناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه ، أو يقول بإثبات نفسه وحظِّه ، لأن اختياره - سبحانه - إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عَمَّا لا يجوز ، فتجويز ذلك في وصفهم مُنافٍ لحالهم ، وإنما دعاء الرسل والأولياء - للخلق - إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو معنى قوله تعالى : { وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين ، والربَّاني منسوبٌ إلى الرب كما يقال فلان دقياني ولحياني . . . وبابه .\rوهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله ، المستهلكة حظوظهم ، المستغرِقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم ، ينطقون بالله ويسمعون بالله ، وينظرون بالله ، فهم بالله مَحْوٌ عمَّا سنى الله .\rويقال الرباني من ارتفع عنه ظِلِّ نفسه ، وعاش في كنف ظلِّه - سبحانه .\rويقال الرباني الذي لا يُثْبِتُ غير ربِّه مُوَحَّداً ، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات لغيره أو مِنْ غيره .\rويقال الربَّاني من هو مَحْقٌ في وجوده - سبحانه - ومحو عن شهوده ، فالقائم عنه غَيْرُه ، والمُجْرِي لِمَا عليه سواه .\rويقال الربَّاني الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها .\rويقال الربَّاني الذي لا تُغَيِّره محنة ولا تَضُرُّه نِعْمة - فهو على حالة واحدة في اختلاف الطوارق .\rويقال الربَّاني الذي لا يتأثر بورود واردٍ عليه ، فَمَنْ استنطقته رقة قلبِ ، أو اسْتَمَالَه هجومُ أمر ، أو تفاوتت عنده أخطار حادث - فليس برباني .\rويقال إنَّ الربَّاني هو الذي لا يبالي بشيء من الحوادث بقلبه وسِرِّه ، ومن كان لا يقصر في شيء من الشرع بفعله .\r{ بِمَا كُنتُْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } مِنْ توالي إحساني إليكم ، وتضاعف نعمتي لديكم .","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"أي لا تنسبون إليهم ذرة من الإثبات في الخير والشر .\rويقال يعرفكم حدَّ البشرية وحقَّ الربوبية .\rويقال يأمركم بتوقيرهم من حيث الأمر والشريعة ، وتحقير قدر الخلق - بالإضافة إلى الربوبية . { أَيَأْمُرُكُم بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } أيأمركم بإثبات الخلق بعد شهود الحق؟\rويقال : أيأمركم بمطالعة الأشكال ، ونسبة الحدثان إلى الأمثال ، بعد أن لاحت في أسراركم أنوار التوحيد ، وطلعت في قلوبكم شموس التفريد .","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ } الآية .\rأخذ الله ميثاق محمد A على جميع الأنبياء عليهم السلام ، كما أخذ ميثاقهم في الإقرار بربوبيته - سبحانه ، وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام ، فقد قَرَنَ اسمه باسم نفسه ، وأثبت قَدْرَة كما أثبت قدر نفسه ، فهو أوحد الكافة في الرتبة ، ثم سَهَّلَ سبيلَ الكافة في معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات .","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"الإشارة فيه : فَمَنْ حاد عن سُنَّتِه ، أو زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله ، ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خَبُثَتْ درجتهم ، ووجب المقت عليهم لجحدهم ، وسقوطهم عن تعلُّق العناية بهم .","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } .\rمَنْ لاحظه على غير الحقيقة ، أو طالع سواه في توهم الأهلية كَرَاءِ السراب ظَنَّه ماءً فلمَّا أتاه وجده هباءً . ومغاليط الحسبانات مُقَطّعِةٌ مُشِكلَةٌ فَمَنْ حَلَّ بها نَزَلَ بوادٍ قَفْرٍ .\r{ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } لإجراء حكم الإلهية على وجه القهر عليهم .","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"آمنا بالله لا بنفوسنا أو حَوْلنا أو قوتنا .\rوآمنا بما أنزل علينا بالله ، وأَنَّا لا نُفَرِّق بين أحد منهم -بالله سبحانه - لا بحولنا واختيارنا ، وجهدنا واكتسابنا ، ولولا أنه عرَّفنا أنه مَنْ هو ما عرفنا وإلا فمتى عَلِمْنا ذلك .","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"مَنْ سَلَكَ غير الخمود تحت جريان حكمه سبيلاً زَلَّتَ قَدَمُه في وهدة من المغاليط لا مدى لقعرها .\rويقال من توسَّل إليه بشيء دون الاعتصام به فخُسْرانه أكثر من رِبْحِه .\rويقال من لم يَفْنَ عن شهود الكل لم يصل إلى مَنْ به الكل .\rويقال مَنْ لم يَمْشِ تحت راية المصطفى A المُعظَّم في قَدْره ، المُعَلَّى في وصفه ، لم يُقْبَلْ منه شيء ولا ذرة .","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"قوله جلّ ذكره : { كَيْفَ يَهْدِى اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ } الآية .\rمَنْ أبعده عن استحقاق الوصلة في سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة بفعله في وقته؟\rويقال : الذي أقصاه حكم ( الأول ) متى أدناه صدق العمل؟ والله غالبٌ على أمره .","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"أولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه في ابتداء أمرهم ، ابتداؤهم ردُّ القسمة ، ووسائطهم الصدُّ عن الخدمة ، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة .","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"خالدين في تلك المذلة لا يفتر عنهم العذاب لحظة ، ولا يخفف دونهم الفراق ساعة .","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"أولئك هم الذين تداركتهم الرحمة ، ولم يكونوا في شق السبق من تلك الجملة ، وإن كانوا في توهم الخلق من تلك الزمرة .","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"الإشارة منه : أن الذين رجعوا إلى أحوال أهل العادة بعد سلوكهم طريق الإرادة ، وآثروا الدنيا ومطاوعة الهوى على طلب الحق سبحانه وتعالى ، ثم أنكروا على أهل الطريقة ، وازدادوا في وحشة ظلماتهم - لن تُقبلَ توبتهم ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ } عن طريق الحق فإنه لا يقبل الأمانة بعد ظهور الخيانة . وعقوبتهم أنهم على ممر الأيام لا يزدادون إلا نفرة قلب عن الطريقة ، ولا يتحسرون على ما فاتهم من صفاء الحالة . ولو أنهم رجعوا عن إصرارهم لها لقُبِلت توبتهم ، ولكن الحق سبحانه أجرى سنته مع أصحاب الفترة في هذه الطريقة إذا رجعوا إلى أصول العادة ألا يتأسَّفوا على ما مضى من أوقاتهم .\rقال تعالى : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 110 ] وإن المرتدَّ عن الإسلام لأشدُّ عداوة للمسلمين من الكافر الأصلي ، فكذلك الراجع عن هذه الطريقة لأشد إنكاراً لها وأكثر إعراضاً عن أهلها من الأجنبيِّ عنها .","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"الإشارة منه : لِمنْ مات بعد فترته - وإن كانت له بداية حسنة - فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه القصة ، ولو تشفع له ألف عارف ، بل من كمال المكر به أنه يلقى شبهه في الآخرة على غيره حتى يتوهم معارفه من أهل المعرفة أنه هو - فلا يخطر ببال أحد أنه ينبغي أن يشفع له .","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"لمَّا كان وجود البرِّ مطلوباً ذكر فيه « مِنْ » التي للتبعيض فقال : { مِمَّا تُحِبُّونَ } ؛ فَمنْ أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض ، وَمَنْ أراد البَارَّ فلينفقْ جميع ما يحبه . ومن أنفق محبوبه من الدنيا وَجَدَ مطلوبه من الحق تعالى ، ومن كان مربوطاً بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربِّه .\rويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البارّ وأنت تؤثر عليه حظوظك . { وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } منهم من ينفق على ملاحظة الجزاء والعِوض ، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحَزن ، ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه ، قال قائلهم :\rويهتز للمعروف في طلب العلى ... لتُذكَرَ يوماً - عند سلمى - شمائلُه","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"الأصل في الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم ، فما لا يوجد فيه حدٌّ فذلك من الحق - سبحانه - توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع؛ فإنَّ الله - سبحانه - وسَّعَ أحكام التكليف على أهل النهاية ، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به من أحكام القلوب ، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد . وأما أهل البداية فالأمر مضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد؛ فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم بقلوبهم من المعاني ، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط .\rوالإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله : { فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ } إلى أحوال أهل الدعاوى والمغاليط؛ فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله - سبحانه - هواجسها ، والله بريء عنها . وعزيزٌ عبدٌ يفرِّق بين الخواطر والهواجس .","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"مِلَةُ إبراهيم الخروج إلى الله بالكلية ، والتسليم لحُكْمِه من غير أن تبقى بقية؛ فإثبات ذرة في الحِسبان من الحدثان شِرْكٌ - في التحقيق .","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"البيت حَجَرةٌ والعبد مَدَرَةٌ ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة ، فالمدر مع الحجر . وتعزَّز وتَقَدَّس من لم يزل .\rويقال البيت مطاف النفوس ، والحق سبحانه مقصود القلوب!\rالبيت أطلال وآثار وإنما هي رسوم وأحجار ولكن :\rتلك آثارنا تدلُّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار\rويقال البيت حجر ، ولكن ليس كل حجر كالذي يجانسه من الحجر .\rحَجَرٌ ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج ، لا بل لقلوب قومٍ مِثْلِجٌ مبهج ، ولقلوب الآخرين منفج مزعج .\rوهم على أصناف : بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم ، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم .\rبيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسرٍ خراب ، ومن لاحظه بعين الإضافة حظي بكل تقريب وإيجاب ، كما قيل :\rإن الديار - وإن صَمَتَتْ - فإنَّ لها ... عهداً بأحبابنا إذ عندها نزلوا\rبيت من زاره بنفسه وجد ألطافه ، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته .\rويقال قال سبحانه : { وَطَهِّرْ بَيْتِىَ } [ الحج : 26 ] وأضافه إلى نفسه ، وقال ها هنا : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } وفي هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع .\rوسميت ( بكة ) لازدحام الناس ، فالكلُّ يتناجزون على البدار إليه ، ويزدحمون في الطواف حواليْه ، ويبذلون المهج في الطريق ليصلوا إليه .\rوالبيت لم يخاطِب أحداً منذ بنِيَ بُمْنَيةٍ ، ولم يستقبل أحداً بحظوة ، ولا راسل أحداً بسطر في رسالة ، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر - هذا وصفه في التعزز فما ظنُّك بِمَن البيتُ له . قال A مخبراً عنه سبحانه : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري » .\rويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربِّ البيت بالهوينى دون تحمُّل المشقات ومفارقة الراحات؟!\rويقال لا تُعِلِّق قلبك بأول بيتٍ وضع لَكَ ولكن أَفْرِدْ سِرَّكَ لأول حبيبٍ آثرك .\rويقال شتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أول بيتٍ وُضِع له وبين عبدٍ لازم حضرة أول عزيز كان له .\rويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بِقَدَمِهم ، فالأغنياء يزورون البيت ، ويطوفون بِقَدَمِهم ، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم .\rويقال الكعبة بيت الحق سبحانه في الحجر ، والقلب بيت الحق سبحانه في السِّر ، قال قائلهم :\rلستُ من جملة المحبين إنْ لم ... أجعل القلبَ بيته والمقاما\rوطوافي إجالة السِّر فيه ... وهو ركني إذا أردت استلاما\rفاللطائف تطوف بقلوب العارفين ، والحقائق تعتكف في قلوب الموحِّدين ، والكعبة مقصود العبد بالحج ، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد .\rقوله جلّ ذكره : { مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ } .\rبركاته اتصال الألطاف والكشوفات ، فَمَنْ قصده بهمته ، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رُشْدِه .\rقوله جلّ ذكره : { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } .\rولكن لا تُدْرَكُ تلك الآيات بأبصار الرؤوس ولكن ببصائر القلوب ، ومقام إبراهيم - في الظاهر - ما تأثر بِقَدَمِه ، وفي الإشارة : ما وقف الخليل عليه السلام بهممه .","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"ويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أَثَرُ الخليل ، ولأثر الخليل خطر عظيم .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } .\rيقال مَنْ دَخَلَ مقام إبراهيم كان آمناً ، ومقام إبراهيم التسليم ، ومن كان مسلماً أموره إلى الله لم يبق له اختيار ، وكان آمناً؛ فالأمن ضده الخوف ، والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد ، فإِذا لم تكن للعبد إرادة واختيار فأيُّ مساغٍ للخوف في وصفه؟\rويقال إن الكناية بقوله : { دَخَلَهُ } راجعة إلى البيت ، فمن دخل بيته - على الحقيقة - كان آمناً ، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب ، ولا محالة أدب دخول البيت تسليم الأمور إلى رب البيت ، فإنَّ من لم يكن صاحب تسليم فهو معارضٌ للتقدير . ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولاً على التسليم دون المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم .\rوإن جعلتَ الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبَه سلطان الحقيقة أَمِنَ مِنْ نوازع البشرية وهواجسِ غاغة النفس ، فإنَّ من التجأ إلى ظل المَلِكِ لم يمتطِ إليه محذوراً .\rويقال لا يكون دخول البيت - على الحقيقة - إلا بخروجك عنك ، فإذا خرجت عنكَ صَحَّ دخولُك في البيت ، وإذا خرجتَ عنكَ أَمِنْتَ .\rويقال دخول بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك ، فإن الشخص الواحد لا يكون في حالة واحدة في مكانين؛ فمن دخل بيت ربِّه فبالحريِّ أن يخرج عن معاهد نفسه .\rقوله جلّ ذكره : { وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } .\rشرط الغَنيِّ ألا يَدَّخِر عن البيت شيئاً مِنْ مالِه ، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نَفَساً من روحه .\rويقال الاستطاعة فنون؛ فمستطيع بنفسه ومَالِه وهو الصحيح السليم ، ومستطيع بغيره وهو الزَّمِنُ المعصوب ، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا .\rويقال حج البيتِ فَرْضٌ على أصحاب الأموال ، وربِّ البيتِ فَرْضٌ على الفقراء فرض حتم؛ فقد يَنْسَدُّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدُّ الطريق إلى رب البيت ، ولا يُمْنَعُ الفقير عن ربِّ البيت .\rويقال الحج هو القصد إلى مَنْ تُعَظِّمه : فقاصدٌ بنفسه إلى زيارة البيت ، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت ، فشتان بين حج وحج ، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فَرضِهم ، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم ، فأمَّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام ، وأمَّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ } .\rضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت ، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء في كدِّ التأويل ، ثم قال : { فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ } وهذا زيادة تهديد تدل عَلى زيادة تخصيص .","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج ، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عَقْدٍ يصدُّه عن هذا الطريق ، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق ، وإذا طَهَّرَ تَطَهَّرَ عن كل دَنَسٍ من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء ، فإذا تجرَّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوسٍ له من الأخلاق الذميمة ، وإذا لبَّى بلسانه وجب ألا تبقى شَعْرَةٌ مِنْ بَدَنِهِ إلا وقد استجابت لله . فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسِرِّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام ، ولا تعرض لتخصيص؛ فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه ، وعرف له تعالى حقَّه على نفسه ، ويتعرَّف إلى الله تعالى بِتَبَرِّيه عن مُنَّتِه وحَوْلِه ، والحقُّ سبحانه يتعرَّف إليه بِمِنَّته وطَوْله ، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه ، ولا يصحُّ ذكرُه لربِّه مع ذكره لنفسه ، فإذا بلغ مَنيّ نفى عن قلبه كل طَلَبٍ ومُنَى ، وكلَّ شهوةٍ وهوى .\rوإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى .\rوإذا ذبح ذبح هواه بالكلية ، وتَقَرَّب به إلى الحق سبحانه ، فإذا دخل الحَرَمَ عَزَمَ على التباعد عن كل مُحرَّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة .\rوإذا وقع طَرْفُه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت ، فإذا طاف بالبيت أخذ سِرُّه بالجولان في الملكوت .\rفإذا سعى بين الصفا والمروة صفَّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية .\rفإذا حَلَقَ قطع كلَّ علاقة بقيت له .\rوإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربِّه استأنف إحراماً جديداً بقلبه ، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى .\rفمن أكمل نُسْكَه فإنما عمل لنفسه ، ومن تكاسل فإنَّ الله غني عن العالمين وقال A : « الحاج أشعث أغبر » ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر .","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"الخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم ، ومن حيث الحقيقة والقهر يَسُدُّ الحجة عليهم ، فهم مدعوون - شرعاً وأمراً ، مطرودون - حُكْماً وقهراً .","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"كيف يصد غيره مَنْ هو مصدودٌ في نَفْسِه؟ إنَّ في هذا لَسِرَّا للربوبية .","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"الوحشة ليست بلازمة لأصحابها ، بل هي متعدية إلى كل من يحوِّم حول أهلها ، فَمَنْ أطاع عدوَّ الله إلى شؤم صحبة ( الأعداء ) ألقاه في وهدته .","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"لا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يوقع الكفرُ عليه ظِلَّه ، فإنه إذا أقبل النهارُ من ها هنا أدبر الليل من ها هنا .\rوقوله : { وَمَن يَعْتَصِم } الآية إنما يعتصم بالله مَنَّ وَجَدَ العصمة من الله ، فأمَّا مَنْ لم يَهْدِه الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهدايةُ منه في البداية توجِبُ اعتصامك في النهاية ، لا الاعتصام منك يوجب الهداية .\rوحقيقةُ الاعتصام صدق اللُّجوء إليه ، ودوامُ الفرار إليه ، واستصحاب الاستغاثة إليه . ومَنْ كشف عن سِرِّه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة ، فهذا الإنسان يعتصم به ممن يُعْتَصَمُ به؛ قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله : { أَعُوذُ بِكَ مِنْ } .\rومَنْ اعتصم بنفسه دون أن يكون محواً عن حوله وقوته في اعتصامه - فالشِرْكُ وطنُه وليس يشعر .","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } .\rحقُّ التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قِبَلِ نَفْسِه ولا ينقص .\rهذا هو المعتمد من الأقاويل فيه ، وأمره على وجهين : على وجه الحَتْم وعلى وجه الندب وكذلك القول في النهي على قسمين : تحريم وتنزيه ، فيدخل في جملة هذا أن يكون حق تقاته أولاً اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل خلة ثم التنقي من كل عِلَّة ، فإذا تَقِيتَ عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتَّقَيْت حقَّ تقواك .\rوحق التقوى رفض العصيان ونفي النسيان ، وصون العهود ، وحفظ الحدود ، وشهود الإلهية ، والانسلاخ عن أحكام البشرية ، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب كل جُرْم وظلم ، واستشعار الأنفة عن التوسل إليه بشيء من طاعتك دون صرف كرمه ، والتحقق بأنه لا يَقْبل أحداً بعِلَّة ولا يَرُدُّ أحداً بعلة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } .\rلا تُصَادِفَنَّكم الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء .","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"الاعتصامُ بحبله - سبحانه - التمسك بآثار الواسطة - العزيز صلوات الله عليه - وذلك بالتحقق والتعلُّق بالكتاب والسُّنَّة .\rويصح أن يقال : الخواص يُقال لهم { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ } ، وخاص الخاص قيل لهم { وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ } ، ولِمَنْ رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله ، أو فكرته واستدلاله ، أو معارفه وأشكاله ، والتجأ إلى ظل تدبيره ، واستضاء بنور عقله وتفكيره - فمرفوع عنه ظل العناية ، وموكول إلى سوء حاله .\rوقوله : { وَلاَ تَفَرَّقُوا } : التفرقة أشد العقوبات وهي قرينة الشِرْك .\rوقوله : { وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أعداءً } . وكانوا أعداء حين كانوا قائمين بحظوظهم ، مُعَرِّجِين على ضيق البشرية ، متزاحمين بمقتضى شُحِّ النفوس .\r{ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } : بالخلاص من أسْرِ المكونات ، ودَفَعَ الأخطار عن أسرارهم ، فصار مقصودُهم جميعاً واحداً؛ فلو ألَّفَ ألْفَ شخص في طلبٍ واحدٍ - فهم في الحقيقة واحد .\r{ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } نعمته التي هي عصمته إياكم ، إخواناً مُتَّفقِي القصدَ والهمة ، متفانين عن حظوظ النَّفْس وخفايا البخل والشحُّ .\r{ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ } : بكونكم تحت أسْرِ مُنَاكم ، ورباط حظوظكم وهواكم .\r{ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا } : بنور الرضاء ، والخمود عند جريان القضاء ، وتلك حقاً هي المكانة العُظمى والدرجة الكبرى ، ويدخل في هذه الجملة تَرْكُ السكون إلى ما مِنْك من المناقب والتُّقى ، والعقل والحجا ، والتحصيل والنُّهى ، والفرار إلى الله - عزَّ وجلَّ - عن كل غَيْر وسوى .","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"هذه إشارة إلى أقوامٍ قاموا بالله لله ، لا تأخذهم لومة لائم ، ولا تقطعهم عن الله استنامة إلى علة ، وقفوا جملتهم على دلالات أمره ، وقصَرُوا أنفاسَهم واستغرقوا أعمارَهم على تحصيل رضاه ، عملوا لله ، ونصحوا الدين لله ، ودَعَوْا خَلْقَ الله إلى الله ، فَرَبِحَتْ تجارتُهم ، وما خَسِرتْ صفقتهم .","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"هؤلاء أقوام أظهر عليهم في الابتداء رقومَ الطلب ، ثم وسمهم في الانتهاء بِكَيِّ الفُرقة ، فباتوا في شق الأحباب ، وأصبحوا في زمرة الأجانب .","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"أرباب الدَّعاوَى تسودُّ وجوههم ، وأصحابَ المعاني تبيض وجوههم ، وأهل الكشوفات غداً تبيضُّ بالإشراق وجوهُهُم ، وأصحاب الحجاب تسودُّ بالحجبة وجوهُهُم ، فتعلوها غَبَرة ، وترهقها قَتَرَة .\rويقال مَنْ ابيض - اليومَ - قلبُه ابيضَّ - غداً - وجهُه ، ومَنْ كان بالضد فحاله العكس .\rويقال مَنْ أعرض عن الخلق - عند سوانحه - ابيضَّ وجهه بروح التفويض ، ومَنْ علَّق بالأغيار قلبَه عند الحوائج اسودّ محيَّاه بغبار الطمع؛ فأمّا الذين ابيضت وجوههم ففي أُنُسٍ وروح ، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففي محن ونَوْح .","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"نُدِيمُ مخاطبتنا معك على دوام الأوقات في كل قليل وكثير ، عمارة لسبيل الوداد : { وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا للعَالَمِينَ } وأنَّى يجوز الظلم في وصفه تقديراً ووجوداً - والخلق كلُّهم خَلْقُه - والحكمُ عليهم حُكْمُه؟\r{ وَللهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ } حُكماً .","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"قوله جلّ ذكره : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ } .\rلمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرفَ الأنبياء كانت أُمَّتُه - عليه السلام - خيرَ الأمم . ولمَّا كانوا خيرَ الأمم كانوا أشرفَ الأمم ، ولمَّا كانوا أشرف الأمم كانوا أشْوَقَ الأمم ، فلمَّا كانوا أشوق الأمم كانت أعمارُهم أقْصَرَ الأعمار ، وخَلقَهم آخِرَ الخلائق لئلا يطولَ مُكْثُهم تحت الأرض . وما حصلت خيريتُهم بكثرة صلواتهم وعبادتهم ، ولكن بزيادة إقبالهم ، وتخصيصه إياهم . ولقد طال وقوف المتقدمين بالباب ولكن لما خرج الإذنُ بالدخول تقدَّم المتأخرون :\rوكم باسطين إلى وَصْلِنا ... أكُفَّهُم لم ينالوا نصيبا\rقوله جلّ ذكره : { تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ } .\rالمعروف خدمة الحق ، والمنكر صحبة النفس .\rالمعروف إيثار حقِّ الحق ، والمنكر اختيار حظ النفس .\rالمعروف ما يُزْلِفُك إليه ، والمنكر ما يحجبك عنه .\rوشرط الآمر بالمعروف أن يكون متصفاً بالمعروف ، وحقُّ النَّاهي عن المنكر أن يكون منصرفاً عن المنكر .\r{ وَلَو آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمْ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ } .\rلو دَخَلَ الكافةُ تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العزِّ في الدنيا والعقبى ، ولكن بَعُدُوا عن القبول في سابق الاختيار فصار أكثرُهم موسوماً بالشِّرْك .","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"إن الحق سبحانه وتعالى لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله فرارهم ، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم ، وإن استطالوا على الأولياء بموجب حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان .","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"علَمُ الهجران لا ينكتم ، وسِمَةُ البُعْد لا تَخْفَى ، ودليل القطيعة لا يستتر؛ فهم في صغار الطرد ، وذُلِّ الرد ، يعتبر بهم أولو الأبصار ، ويغترُّ بهم أضرابُهم من الكفار الفُجَّار .","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"كما غَايَرَ بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال الأولياء وأحوال الأعداء ، ومتى يستوي الضياء والظلمة ، واليقين والتُّهمة ، والوصلة والفرقة ، و البعاد والألفة ، والمعتكف على البِساط والمنصرف عن الباب ، والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان؟!","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"لن يخيبَ عن بابه قاصد ، ولم يخسر عليه ( تاجر ) ، ولم يستوحش معه مصاحب ، ولم يَذِلّ له طالب .","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"لا في الحال لهم بدل ولا في المآل عنهم خلف . في عاجلهم خَسِروا ، وفي آجلهم في قطعٍ وهجْرٍ ، وبلاءٍ وخُسْرٍ ، وعذابٍ ونُكْر :\rتبَدَّلَتْ وتبدلنا واحسرةً ... لمن ابتغى عِوَضاً لسلمى فلم يَجدَ","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"ما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسراتٍ متتابعة ، وما حصلوا من حسباناتهم إلا على محن مترادفة ، وذلك جزاء من أعرض وتولّى .","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"الركون إلى الضد - بعد تبين المشاق - إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد العدو ، فأشار الحقُّ - سبحانه - على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض ، وإظهار البراءة عن كل غير ، ودوام الخلوص للحق - سبحانه - بالقلب والسر . وأخبر أن مضادات القوم للرسول A أصلية غير طارئة عليهم ، وكيف لا؟ وهو صلوات الله عليه محلُّ الإقبال وهم محل الإعراض . ومتى يجتمع الليلُ والنهار؟!","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"قوله جلّ ذكره : { هَا أَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ } .\rأنتم بقضية كرمكم تصفو - عن الكدورات - قلوبكم؛ فتغلبكم الشفقة عليهم ، وهم - لعتوِّهم وخُلْفِهم - يكيدون لكم ما استطاعوا ، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا قطرات غيظهم . فَفَرِّغْ - يا محمد - قلبك منهم .\r{ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .\rدَعْهُمْ ينفردوا بمقاساة ما تداخلهم من الغيظ ، واستريحوا بقلوبكم عمَّا يَحِلُّ بهم ، فإن الله أولى بعباده؛ يوصل إلى مَنْ يشاء ما يشاء .","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"الإشارة من هذه الآية إلى المنصرفين عن طريق الإرادة ، الراجعين إلى أحوال أهل العادة؛ لا يعجبهم أن يكون لمريد نفاذ ، وإذا رأوا فترةً لقاصِد استراحوا إلى ذلك . وإنَّ الله - بفضله ومِنَّته - يُتِمُّ نورَه على أهل عنايته ، ويَذَرُ الظالمين الزائغين عن سبيله في عقوبة بعادهم ، لا يبالي بما يستقبلهم .","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"أقامَه - A - بتبوئه الأماكن للقتال ، فانْتُدِب لذلك بأمره ثم أظهر في ذلك الباب مكنونات سِرِّه ، فالمدار على قضائه وَقَدَرِه ، والاعتبار بإجرائه واختياره .","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"يُبْرِزُ الجميعَ في صدار الاختيار؛ كأنَّ الأمر إليهم في نفيهم وإتيانهم ، وفعلهم وتركهم ، وفي الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة ، وتقليب القدرة .","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"تذكير ما سَلَفَ من الإنْعَام فتحٌ لباب التملق في اقتضاء أمثاله في المُسْتَأنَف .","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"كان تسكينُ الحقِّ سبحانه لقلبِ المصطفى - A - بلا واسطة من الله - سبحانه ، والربطُ على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول A - فلولا بقية بقيت عليهم ما ردَّهم في حديث النصرة إلى إنزال المَلَك ، وأنَّى بحديث المَلَك - والأمرُ كلُّه بِيَدِ المَلِك؟!","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ } .\rأجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه مع أوليائه أنه إذا ضعفت نِيَّاتُهم ، أو تناقصت إرادتهم أو أشْرفت قلوبهم على بعض فترة - أراهم من الألطاف ، وفنون الكرامات ما يُقَوِّي به أسباب عِرْفانهم ، وتتأكد به حقائق يقينهم .\rفعلى هذه السُّنَّة أنزل هذا الخطاب . ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار بالكلية فقال : { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ } .","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"إنَّ الله لا يُشْمِتُ بأوليائه عدواً؛ فالمؤمن وإن أصابته نكبة ، فعدوُّه لا محالة يكبه الله في الفتنة والعقوبة .","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"الإله من له الأمر والنهي ، فلمَّا لم يكن له في الإلهية نظير لم يكن له - ( A ) - من الأمر والنهي شيء .\rويقال جرَّده - بما عرَّفه وخاطبه - عن كلِّ غيرٍ ونصيب ودعوى ، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شيء ، فإذا لم يَجُزْ أن يكون لسيِّد الأولين والآخرين شيء من الأمر فَمَنْ نزلت رتبتُه عن منزلته فمتى يكون له شيء من الأمر؟\rويقال استأثر ( بِسَتْرِ عباده في حكمه ) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادي وأعذِّب من أشاء ، والعواقب عليك مستورة ، وإنك - يا محمد - لا تدري سرى فيهم .\rويقال أقامه في وقتٍ مقاماً فقالت : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } [ الأنفال : 17 ] رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه ، وقال له في وقت آخر : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ } ثم زاد في البيان فقال : { وَللهِ مَا فِى السَّمَواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ } . فإذا كان المُلْك ملكه ، والأمر أمره ، والحكم حكمه - فَمَنْ شاء عذَّبه ، ومن شاء قرَّبه ، ومن شاء هداه ، ومن شاء أغواه .","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"حرَّم الربا على العِباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما ، وسأل منك القرض الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له ، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخَلْق وإنما هو صفة الحق سبحانه .\r{ واتَّقُوا النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ } : دليل الخطاب أنَّ المؤمن لا يُعذِّبُ بها ، وإن عُذِّب بها مُدَّةٌ فلا يُخَلَّدُ فيها .","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"قَرَنَ طاعة الرسول صلوات الله عليه بطاعة نفسه تشريفاً لِقَدْرِه ، وتخفيفاً على الأمة حيث ردَّهم إلى صحبة شخص من أنفسهم ، فإنَّ الجنسَ إلى الجنسِ أسكنُ .","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"معناه سارعوا إلى علم يوجب لكم المغفرة ، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمرٌ شديد فقال A : « الندم توبة » وإنما توجب المغفرةَ التوبةُ لأن العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران .\rوالناس في المسارعة على أقسام : فالعابدون يسارعون بقَدَمِهم في الطاعات ، والعارفون يسارعون بهممهم في القربات ، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرُّع الحسرات . فَمَنْ سارع بِقَدَمِه وجد مثوبته ، ومن سارع بهممه وجد قربته ، ومن سارع بندمه وجد رحمته .\rولمَّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض ، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول في مقابلة العَرْض ، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض ، فقومٌ قالوا : المغفرة من صفات الذات وهي بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حُكْمُه بالتجاوز عن العبد وهو كلامه ، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض .\rومن قال : مغفرته من صفات فِعْلِه قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية ، إشارةً إلى استغراقه جميع الذنوب .\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ } .\rلا يدَّخِرُونَ عن الله شيئاً ، ويؤثِرونه على جميع الأشياء ، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد ، وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوبجوه الصدقات ، وقلوبهم في الطلب ثم دوام المراعاة ، وأرواحهم على صفاء المحبَّات والوفاء على عموم الحالات ، وينفقون أسرارهم على المشاهدات في جميع الأوقات؛ ينتظرون إشارات المطالبات ، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات .\rقوله : { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ } : يتجاوزون عن الخَلْق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة ، وأقوام يَحْلُمون على الخلق علماً بأن ذلك بسبب جُرْمِهم فيشهدونهم بعين التسلط ، وآخرون يكظمون الغيظ تحققاً بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل ، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافِيَ الدرجات في الذُّلِّ لأن نفوسهم ساقطة فانية ، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار في الإنشاء والإجراء؛ فعلموا أنَّ المنشئ الله؛ فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمَّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه؛ فلم يروا معه وجهاً غير التسليم لحكمه ، فأكرمهم الحق سبحانه بِبَرْدِ الرضاء ، فقاموا له بشرط الموافقة .\rقوله : { والعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } فرضاً رأوه على أنفسهم لا فضلاً منهم على الناس ، قال قائلهم :\rرُبَّ رام لي بأحجار الأذى ... لم أجِدْ بُدَّاً من العطف عليه\r{ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه . . هذا في معاملة الحق ، وأما في معاملة الخلق فالإحسان أن تَدَعَ جميع حقِّك بالكلية كم كان على من كان ، وتقبل ( . . . ) منه ولا تقلده في ذلك مِنَّة .","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام « قل للظلمة حتى لا يذكروني فإني أوجبت أن أذكر من ذكرني وذكري للظلمة باللعنة » . وقال لظَلَمَةِ هذه الأمة .\r{ أَوْ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ ذِكَرُوا اللهَ } ثم قال في آخر الآية : { وََمن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ } .\rويقال فاحشةُ كلِّ أحد على حسب حاله ومقامه ، وكذلك ظلمهم وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفِعْلها من الأغيار ، قال قائلهم :\rأنت عيني وليس من حق عيني ... غضُّ أجفانها على الأقذاء\rفليس الجُرْم على البساط كالذَّنب على الباب .\rويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم ، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم ، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علماً منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به ، فخلصهم من ظلمات نفوسهم . وإن رؤية الأحوال والأفعال لَظُلُمَاتٌ عند ظهور الحقائق ، ومَنْ طَهَّره الله بنور العناية صانه عن التورط في المغاليط البشرية .\r{ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } بردِّهم إلى شهود الربوبية ، وما سبق لهم من الحسنى في سابق القسمة .\r{ وَجَنَاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } مؤجلاً من الفراديس ، ومُعَجلاً في روح المباحات وتمام الأنْس .","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"يعني اعتبروا بمن سلف ، وانظروا كيف فعلنا بمن وَالَى وكيف انتقمنا ممن عَادَى ، وقوله تعالى : { هَذَا بَيَانٌ للنَّاسِ } : بيان لقوم من حيث أدلة العقول ، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب ، ولآخرين من حيث تجلّى الحق في الأسرار .","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"يعني إذا قلتم بالله ( ووصلتم ) بالله فلا ينبغي أن تخافوا من غير الله ، ولا تَهِنوا ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله ، والغالب الله ، وما سوى الله فليس منهم ذرة ولا منهم سينة .\rقوله : { إن كُنتُم مُّؤمِنِينَ } أي ينبغي للمؤمن ألا تظله مهابةٌ من غير الله .","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"إن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم ، ومُنوا بمثل ما به مُنيتم ، فمن صبر منهم ظفر ، ومَنْ ضجر مِنْ حَمْلِ ما لقي خَسِر ، والأيام نُوَبٌ والحالات دُوَلٌ ، ولا يخفى على الحق شيء .","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"اختبارات الغيب سبك للعبد فباختلاف الأطوار يخلصه من المشائب فيصير كالذهب الخالص لا خَبَثَ فيه ، كذلك يصفو عن العلل فيتخلص لله .\r{ وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ } في أودية التفرقة . { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً } [ الرعد : 17 ] .","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"من ظنَّ أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة الهلاك ، وإنَّ من عرف قَدْر مطلوبه سَهُلَ عليه بَذْلُ مجهوده : ( . . . . ) وهو بلذاته على من يظن يخلع العذار وقال قائلهم :\rإذا شام الفتى برق المعاني ... فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرُّقاد","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"طوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن :\rإذا انسكبت دموعٌ في خُدُودٍ ... تبيَّن من بكى ممن تباكى","part":1,"page":396},{"id":397,"text":"إن الرسل موقوفون حيثما وُقِفُوا ، ومخبرون عمَّا عُرِّفوا بمقدار ما عَرفُوا؛ فإذا أُيِّدُوا بأنوار البصائر اطَّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أُعْطُوا من الإشراق بوظائف البلوغ .\r{ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } لما تُوُفّى المصطفى - A - سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق Bه فأمدَّه الله بقوة السكينة ، وأفرغ عليه قوة التولي فقال : « من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات » فصار الكل مقهورين تحت سلطان قالته لِمَا انبسط عليهم من نور حالته ، كالشمس بطلوعها تندرج في شعاعها أنوارُ الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم .\rوإنما قال : { أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } لأنه A مات . وقيل أيضاً لأنه قال : « ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري » .","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"الأنفاس محصورة؛ لا زيادة فيها ، ولا نقصان منها .\r{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } : للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة .\r{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } : وثواب الآخرة أوله الغفران ثم الجِنان ثم الرضوان .\r{ وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ } : وجزاء الشكرِ الشكرُ .","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"إنَّ الذين درجوا على الوفاء ، وقاموا بحق الصفاء ، ولم يرجعوا عن الطريق ، وطالبوا نفوسهم بالتحقيق ، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق - وجدوا محبةَ الحقِّ سبحانه ميراثَ صبرِهم ، وكان الخَلَف عنهم الحقُّ عند نهاية أمرهم ، فما زاغوا عن شرط الجهد ، ولا زاغوا في حفظ العهد ، وسلّموا تسليماً ، وخرجوا عن الدنيا وكان كلٌّ منهم للعهد مقيماً مستديماً ، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيماً .","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"تحققوا بحقائق المعنى فَخَرِسُوا عن إظهار الدعوى ، ثم نطقوا بلسان الاستغفار ، ووقفوا في موقف الاستحياء ، كما قيل :\rيتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها ... فكأنَّما حسناتُه آثامُ","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا } .\rوأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأُنس في الجلوس بين يديه ثم كمال الفرح بلقائه ، ثم استقلال السرِّ بوجوده .\r{ وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } .\rيعني دخولهم الجنة محررون عنها ، غير داخلين في أسرها .\rويقال ثوابُ الدنيا والآخرة الغيبةُ عن الدارين برؤية خالقهما .\rولمّا قال { ثَوَابَ الدُّنْيَا } قال في الآخرة { وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ } فوجب أن يكون لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصَّه بوصف الحسن ، وتلك المزية دوامها وتمامها وثمارها ، وأنها لا يشوبها ما ينافيها ، ويوقع آفةً فيها .","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"يعني إن طاوعتم الأضداد جرّوكم إلى أحوالهم ، فألقوكم في ظلماتهم ، بل الله مولاكم : ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم ، { وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ } : لأنه يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرَّها ، ومَنْ سواه يزيد في بلائكم إذا ناصروكم لأنهم يعينون أنفسكم عليكم .\r{ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ } لأن مَنْ سواه بمن عليك بنصرته إياك ، وهو يجازيك على استنصارك به .\rويقال كل من استنصرت به احتجتَ إلى أن تُعْطِيَه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك ، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كلّ لطيفة ، ولا يرضى بألا ينصرك .","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"إن الله سبحانه خصّ نبيّنا - A - بإلقاءِ الرعبِ منه في قلوب أعدائه ، قال عليه السلام : « نُصِرْتُ بالرعب » فكذلك أجرى هذه السُّنّة مع أوليائه؛ يطرح الهيبة منهم في القلوب ، فلا يكاد يكون محق إلا ومنه - على المبطلين وأصحاب الدعوى والتمويه - هيبةٌ في القلوب وقهرٌ .","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّنْ بَعْدِ مَا أرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ } .\r( إنه سبحانه يجازيك على استنصارك به ، ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن تعطيه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك ، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كل لطيفة ، ولا يرضى بألا ينصرك ) .\rالإشارة من هذه الآية إلى أن الحق سبحانه أقام أولياءه بحق حقه ، وأقعدهم عن تحصيل حظوظهم ، وقام سبحانه بكفايتهم بكل وجه ، فمن لازم طريق الاستقامة ، ولم يزغ عن حدِّه ولم يُزغْ في عهده ، فإنه سبحانه يصدق وعده له بجميل الكفاية ودوامها ، ومن ضلّ عن الاستقامة - ولو خطوة - عثر في مشيته ، واضطربت عليه - بمقدار جُرْمه - حاله وكفايته ، فمن زَادَ زِيدَ له ، ومن نَقَصَ نُقِصَ له .\rقوله جلّ ذكره : { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤمِنِينَ } .\rقيمة كل أحدٍ إرادته؛ فَمَنْ كانت همتُه الدنيا فقيمتُه خسيسةٌ حقيرة كالدنيا ، ومن كانت همتُه الآخرة فشريفٌ خطره ، ومن كانت همتُه ربانية فهو سيد وقته .\rويقال مَنْ صفا عن إرادته وصل إليه ، ومن وصل إليه أقبل - بلطفه - عليه ، وأزلفه بمحل الخصوصية لديه .\rقوله : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } : الإشارة منه أنه صرف قوماً عنه فشغلهم بغيره عنه ، وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له؛ فالزاهدون صرفهم عن الدنيا ، والعابدون صرفهم عن اتباع الهوى ، والمريدون صرفهم عن المنى ، والموحِّدون صرفهم عما هو غيرٌ وسوى .","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"قوله : { إِذْ تُصْعِدُونَ } الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة ، ودواعي الحق سبحانه - من أنفسهم ، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجارَ من الشوارع واللَّبِنَ من الجدران - تناديه : لا تفعل يا عبد الله! وهو مُصِرٌّ في ليِّه ، مقيمٌ على غيِّه ، جاحد لِمَا يعلم أنه هو الأحقُّ والأولى من حاله ، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته ، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه ، ويقف عن ركضه في ميدانه ، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة ، وحسراتٍ متواترة؛ فأورثه الحقُّ - سبحانه - وحشةً على وحشة . حتى إذا طال في التحسُّر مقامه تداركه الحق - سبحانه - بجميل لطفه ، وأقبل عليه بحسن عطفه ، وأنقذه من ضيق أسره ، ونقله إلى سعة عفوه وفضله ، وكثيرٌ مِنْ هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله ( . . . . ) ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب .\rقال تعالى : { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ } : فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم إلى القول بتَرْكِ أنفسهم ، وغَسلِ أيديهم منهم ، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله ، بلا ملاحظة طمع وطلبة ، بل على عقيدة اليأس عن كل شيء . عليه أكّدُوا العهد ، وبدَّلُوا اللحظ ، وتركوا كل نصيب وحظ ، وهذه صفة مَنْ أنزل عليه الأمَنةَ .\rفأمَّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم ، ومِنْ عاجل عقوبتهم سوءُ عقيدتهم في الطريقة بعد إيمانهم بها؛ قال تعالى : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 110 ] .\rوالإشارة في قوله تعالى : { هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ شَىءٍ } لهؤلاء أنهم يتحيَّرون في أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة ، ولا إعراض بالكلية ، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم ، ويضيفون صفوة - لو كانت لقلوبهم - إلى اجتهادهم ، وينسَوْن ربَّهم في الحالين ، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه . قال تعالى :\r{ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ } : فَمَنْ عَرَفَ أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشَّعْرِ عن العجين ، وسَلَّمَ أموره إلى الله بالكلية . وأمارة مَنْ تحقق بذلك أن يستريح من كدِّ تدبيره ، ويعيش في سعة شهود تقديره .\rوقوله : { يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } : لم يُخْلِصُوا في عقائدهم ، وأضمروا خلاف ما أظهروا وأعلنوا غير ما ستروا ، وأحالوا الكائنات على أسبابٍ توهموها .\rقال تعالى : { قُلْ لَّوْ كُنتُم فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } .\rأخبر أن التقدير لا يُزَاحَم ، والقَدَر لا يُكابَرَ ، وأن الكائناتِ محتومة ، وأن الله غالب على أمره .\rوقوله : { وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } : فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفةٍ وحجبة ، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة ، فتصبح قلوبهم خالصةً من الشوائب ، صافيةً عن العلائق ، منفردةً للحق ، مجرَّدَةً عن الخلق ، مُحَرَّرة عن الحظِّ والنَّفْس ، ظاهرةً عليها آثارُ الإقبال ، غالباً عليها حُسْنُ التَوَلِّي ، باديةً فيها أنوارُ التجلي .","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"الإشارة من هذه الآية إلى أحوال من سَقِمَتْ إرادتُهم ، وضَعُفَتِ نِيَّاتُهم ، وقادهم الهوى ، ومَلَكَتهُم الفترة .\rقابَلَهم نصحُ الناصحين ، ودعوة المنى ، ووساوس الشياطين فركنوا إلى الغيبة ، وآثروا الهوى على التُّقَى فبقوا عنه ، ولم يتهنَّوا بما آثروه عليه .","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"مَنْ تعوَّد أن يتلهف على ماضيه وسالفه ، أو يتدبر في مستقبله وآنِفِه ، فأقلُّ عقوبة له ضيق قلبه في تفرقة الهموم ، وامتحاء نعت الحياة عن قلبه لغفلته وقالته ليت كذا ولعلَّ كذا ، وثمرةُ الفكرة في ليت ولعلَّ - الوحشةُ والحسرةُ وضيق القلبِ والتفرقة .","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"بذل الروح في الله خير من الحياة بغير الله ، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله من البقاء مع غير الله ، وما يؤثره العبدُ على الله فغير مبارك ، إنْ شِئتَ : والدنيا ، وإنْ شِئْتَ : والعقبى .\rقوله : { وَلَئِن مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ } : إذا كان المصير إلى الله طاب المسيرُ إلى الله : وإنَّ سَفْرةً إليه بعدها نَحُطُّ رِحَالَنا لَمُقَاسَاتُها أحلى من العسل! .","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"جرَّده عن أوصاف البشرية ، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية ، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي ، لا من آثار الوفاق والتبري ، ولولا أنه استخلقه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة؟!\rويقال إن من خصائص رحمته - سبحانه - عليه أنْ قَوّاه حتى صَحِبَهُم ، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم ، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم - مع سلطان ما كان مستغرقاً له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه ، فلولا قوة إلهية لستأثره الحق بها وإلا متى أطلق صحبتهم؟!\rألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه؟\rويقال لولا أنه A شاهدهم محواً فيما كان يَجْرِي عليهم من أحكام التصريف ، وتحقَّق أن منشئها الله - لما أطاق صحبتهم .\rقوله تعالى : { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } : لو سَقْيتَهم صِرْفَ شراب التوحيدِ غيرَ ممزوجٍ بما فيه لهم حظٌّ لتفرقوا عنك ، هائمين على وجوههم ، غير مطيقين للوقوف لحظةً ، { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فيما يكون تقصيراً منهم في حقك وتوقيرك ، وما عثرت عليه مِنْ تفريطهم في خدمتنا وطاعتنا - فانتصِبْ لهم شفيعاً إلينا .\rويقال : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فاعف - أنت - عنهم فإن حكمك حكمُنا ، فأنت لا تعفو إلا وقد عَفَوْنا ، ثم ردَّه عن هذه الصفة بما أثبته في مقام العبودية ، ونقله إلى وصف التفرقة فقال : ثم قِفْ في محل التذلل مبتهلاً إلينا في استغفارهم . وكذا سُنَّتُه - سبحانه - مع أنبيائه عليهم السلام وأوليائه ، يردُّهم مِنْ جمعٍ إلى فرقٍ ومن فَرْقٍ إلى جمع ، فقوله : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } جمع ، وقوله : { وَاسْتَغْفِرْ لهُمْ } فرق .\rويقال : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } وتجاوز عنهم في حقوقك ، ولا تكتفِ بذلك ما لم تستغفِرْ لهم إكمالاً للكرم؛ ولهذا كان يقول : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » .\rويقال ما يُقصِّرون في حقِّك تعلَّق به حقَّان : حقك وحقي ، فإذا عفوتَ أنت فلا يكفي هذا القَدْرُ بل إنْ لَمْ أتجاوز عنهم في حقي كانوا مستوجبين للعقوبة؛ فمن أرضى خصمَه لا يَنْجَبِر حالُه ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره .\rوقوله : { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ } أي أثْبِتْ لهم محلاً؛ فإنَّ المعفوَ عنه في صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكَرامة ، فإذا شاورتَهم أزَلْت عنهم انكسارهم ، وطيَّبْتَ لهم قلوبهم .\rويقال تجَنَّسوا في أحوالهم : فَمِنْ مُقَصِّر في حقه أُمِرَ بالعفو عنه ، ومن مرتكب لذنوبه أُمِرَ بالاستغفار له ، ومن مطيعٍ غير مقصرٍ أُمِرَ بمشاورته .\rثم قال : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ } أي لا تتكل على رأي مخلوق وكِلْ الأمور إليّ ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبض بحالٍ .\rوحقيقة التوكل شهود التقدير ، واستراحة القلوب عن كد التدبير .\r{ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ } يذيقهم بَرْدَ الكفاية ليزول عنهم كل لغبٍ ونَصَبٍ ، وإنه يعامل كلاً بما يستوجبه؛ فقومٌ يغنيهم - عند توكلهم - بعطائه ، وآخرون يكفيهم - عند توكلهم - بلقائه ، وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه ، ويقفون معه به له - على تلوينات قَدَرِه وقضائه .","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"المؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح .\rويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد السرائر .\rويقال للنصرة إنما تكون على العدو ، وأعدى عدوك نَفْسُكَ التي بين جنبيك . والنصرة على النَّفْس بأن تهزم دواعي مُنَّتِها بعواصم رحمته حتى تَنْفَضَّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصةً من شبهات الدواعي التي هي أوصاف البشرية ، وشهوات النفوس وأمانيها ، التي هي آثارالحجبة وموانع القربة .\r{ وَإِن يَخْذُلْكُمْ } الخذلان التخلية مع المعاصي ، فَمَنْ نَصَرَه قبض على يديه عن تعاطي المكروه ، ومن خَذَلَه أَلقى حَبْله على غاربه ، وَوَكَلَه إلى سوء اختياره ، فيفترق عليه الحال في أودية الشهوات ، فمرة يُشَرِّق غير محتشِم ، وتارة يُغَرِّب غير مُحترِم ، ألا ومن سبَّبه الحق فلا آخذ بيده ، ومن أسلمه فلا مجيرَ له .\r{ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ } : في وجدان الأمان عند صدق الابتهال ، وإسبال ثوب العفو على هناة الجُرْم عند خلوص الالتجاء ، بالتبري من المنَّة والحول .\rويقال لما كان حديث النصرة قال : { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } ، ولما كان حديث الخذلان لم يقل « فلا ناصر لكم » بل قال بالتلويح والرمز : { فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّن بَعْدِهِ } : وفي هذا لطيفةٌ في مراعاة دقائق أحكام الخطاب .","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"نزَّه أحوال الأنبياء عن الدَّنَس بالخيانات ، فمن حَمَّلْنَاه من الرسالة إلى عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجباً ، ولا يعتني بشأنِ حميمٍ له مِنْ دون أمرنا ، ولا يمنع نصيب أحدٍ أمرناه بإيصاله إليه ، بحقدٍ ينطوي عليه . ألا ترى كيف قال : « اذْهب فوارِه » لأبي طالب لمَّا قال له أمير المؤمنين عليٌّ Bه : مات عمُّك الضال . وكيف قَبِلَ الوحشي قاتِلَ حمزة لمَّا أسلم؟\rويقال ما كان لنبي من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يضل أسرارنا في غير أهلها ، بل يُنْزِلون كل أحدٍ عندما يستوجبه ، وفي الأثر « أُمِرْنَا أن نُنْزِلَ الناسَ منازلهم » .","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"لا يستوي مَنْ رضي عنه في آزاله ومَنْ سخط عليه فخذله في أحواله ، وجعله متكلاً على أعماله ، ناسياً لشهود أفضاله ، واتباع الرضوان بمفارقة زُجِر عنه ، ومعانقة ما أُمِرَ به ، فَمَنْ تجرَّد عن المزجور ، وتجلَّد في اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان ، واستوجب الجنان .\r{ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ } : أي هم أصحاب درجات في حكم الله ، فَمِنْ سعيدٍ مُقَرَّب ، ومِنْ شَقِيٍّ مُبْعَد .","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"أجزل لديهم العارفة ، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد الورى صلوات الله عليه وعلى آله ، وعرَّفهم دينهم ، وأوضح لهم براهينهم ، وكان لهم بكل وجه فلا نِعَمَهُ شكروا ، ولا حَقَّه وقَروا ، ولا بما أرشدهم استبصروا ، ولا عن ضلالتهم أقصروا . . هذا وصف أعدائه الذين جحدوا واستكبروا . وأمَّا المؤمنون فتقلدوا المِنَّة في الاختيار ، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار ، فسَعِدُوا في الدنيا والعُقْبَى ، واستوجبوا من الله الكرامة والزُّلفى .","part":1,"page":413},{"id":414,"text":"عادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان ، والرجوع إلى الله بالتهمة فيما بتصل بهم من المحن والخسران ، وفنون المكاره والافتتان ، وإنَّ مَنْ تَعاطى ( . . . . ) الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام .","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"هوَّن على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أُحُد ، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله ، وإنَّ بلاءً يصيب بإذن الله لِمَن العسلِ أحلى ، ومِنْ كل نعيم أشهى . ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم في الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا :\rوكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً ... ملَّ الوصال وقال كان وكانا\rقوله تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } فلا جَرَم ( سَقَوْا العَسَل ودَسُّوا له فيه الحنظل ) ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين .","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"الذين ركنوا إلى ما سوَّلت لهم نفوسهم من إيثار الهوى ، ثم اعترضوا على من يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تَحَرَّزُوا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درحة السلامة . . لمَذْمُومةٌ تلك الظنون ، ولَذَاهِبَةٌ عن شهود التحقيق تلك القلوب .\rقُلْ لهم - يا محمد - استديموا لأنفسكم الحياة ، وادفعوا عنها هجوم الوفاة!\rومتى تقدرون على ذلك؟! هيهات هيهات! .","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"الحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس في رضاء الحق أتَمُّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق .\rويقال إن الذي وارثُه الحي الذي لم يزل فليس بميت - وإن قُتِل :\rوإن كانت العبدان للموت أُنْشِئَتْ ... فقتل امرئ في الله - لا شكَّ - أفضلُ\rقوله : { وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ } : مَنْ علم أن أحباءه ينتظرونه وهم في الرَّفَه والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم .","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"عِلَّةُ استبشارهم وموجبه فضلٌ من الله ونعمة منه ، أي لولا فضله ونعمته بهم وإلا متى استبشروا؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عبادُه وأنه مولاهم ، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة .","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"للاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية وهو أنه يستجيب طوعاً لا كرهاً ، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء تحمُّل الحُكْم . فالاستجابة للحق بوجوده ، والاستجابو للرسول - عليه السلام - بالتخلُّق بما شرع من حدوده .\rاستجابة الحق بالتحقق بالصفاء في حق الربوبية ، واستجابة الرسول عليه السلام بالوفاء في إقامة العبودية .\r{ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ } : في ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم ، وابتسام الحقائق في أسرارهم .\r{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ } : « الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه . . . » - وهو المشاهدة والتقوى - . . . « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » - وهو المراقبة في حال المجاهدة .\r{ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لأهل البداية مؤجَّلاً ، ولأهل النهاية مُعجَّلاً .","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"لم يلتَبِسْ على ظواهرهم شيءٌ مِنْ أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم - في أسرارهم - طوالع من الكشوفات ، فازدادوا يقيناً على يقين .\rومن أمارات اليقين استقلالُ القلوب بالله عند انقطاع المُنَى مِن الخَلْق في توهم الإنجاد والإعانة .","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"كذا سُنَّة الحق - سبحانه - مع مَنْ صَدَق في التجائه إليه أن يمهد مقيله في ظل كفايته؛ فلا البلاء يمسه ، ولا العناء يصيبه ، ولا النَّصَبَ يُظِلُّه .","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"الإشارة في تسليط دواعي الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى الله؛ كالصبيِّ الذي يُخوَّف بشيء يفزع الصبيان ، فإذا خاف لم يهتدِ إلى غير أمه ، فإذا أتى إليها آوَتْه إلى نفسها ، وضمَّتهُ إلى نَحْرِها ، وألصقَتْ بِخَدِّه خدَّها .\rكذلك العبد إذا صدق في ابتهاله إلى الله ، ورجوعه إليه عن مخالفته ، آواه إلى كنف قربته ، وتداركه بحسن لطفه .","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"زاد في قوة قلبه بما جدَّدَ من تأكيد العهد ، بأنه لا يشْمِتُ به عدوًّا ، ولا يُوَصِّل إليه من قِبَلِهم سوءاً .","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"إنْ أضَرُّوا فما أضروا إلا بأنفسهم ، وإنْ أصَرُّوا فما أصَرُّوا إلا على خسرانهم :\rفما نحن عذِّبْنَا بِبُعْدِ ديارهم ... ولا نحن ساقتنا إليهم نوازعُ","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"ومن تمام المكر بهم ، والمبالغة في عقوبتهم أَنَّا نعذِّبهم وهم لا يشعرون؛ { سِنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 182 ] نملي لهم فيظنون ذلك إنعاماً ، ولا يحسبونه انتقاماً ، فإذا برزت لهم كوامنُ التقدير عند مغاراتهاعلموا أنهم لفي خسران ، وقد اتَّضح لكلِّ ذي بصيرة أن ما يكون سببَ العصيان وموجبَ النسيان غيرُ معدودٍ من جملة الإنعام .","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"جمعهم اليومَ من حيث الأشخاص والمباني ، ولكنه فرَّقهم في الحقائق والمعاني؛ فَمِنْ طيِّبةٍ سجيته ، وزمن خبيئةٍ طِينَتُه . وهم وإن كانوا مشائب ففي بصيرة الخواص هم ممتازون .\r{ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ } : فإنَّ أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين بأدناس البشرية ، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جلَّ وقلَّ ، فيختص من يشاء من أنبيائه بمعرفة بعض أسراره .","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"مَن آثرَ شيئاً على الله لم يبارِك له فيه؛ فلا يدوم له - في الدنيا - بذلك استمتاع ، ولا للعقوبة عليه - في الآخرة - عنه دفاع .\rوالبخل - على لسان العلماء - منع الواجب ، وعلى مقتضى الإشارة إبقاءُ شيءٍ ولو ذرةً من المال أو نَفَساً من الأحوال .","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى . والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سُنَّةُ الأحباب .\rويقال علم أن في المؤمنين مَنْ يغتاب الناس ، وذلك قبيح من قالتهم ، فَأَظْهَرَ قُبْحاً فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار ، فكأنه قال : لئن قبحت قالتهم في الاغتياب فأقبحُ من قولهم قولُ الكفار حيث قالوا في وصفنا ما لا يليق بنعمتنا .\rوفيه أيضاً إشارة إلى الدعاء إلى الخَلْق ، والتجاوز عن الخَصْم ، فإن الله - سبحانه - لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير في حقوقه .\rقوله : { سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } : هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة؛ يعني أنهم وإنْ نَسُوا أحوالهم وأقوالَهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم :\rصحائفُ عِنْدِي للعِتاب طويتها ... سَتُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطولُ\rسأصبر حتى يجمع الله بيننا ... فإنْ نلتقِ يوماً فسوف أقول\rقوله : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيدِ } هذا لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به ، فكأنه - سبحانه - يقول : « عبدي : هذا الذي تلقاه - اليوم - من العقوبة لأن الذنب لك ، ولو لم تفعله لما عذَّبنُك » .","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"تقوَّلوا على الله - سبحانه - فيما تعللوا به من تَرْكِ الإيمان ، فقالوا : لقد أُمِرْنَا ألا نصدِّق أحداً إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء ، وتنزل نار من السماء ، فتأخذ القربان عياناً ببصر ، فقال تعالى قلْ لهم إن من تقدَّمني من الأنبياء عليهم السلام أَتَوْكم بما اقترحتم عليّ من القربان ، ثم لم تؤمنوا ، فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضاً؛ فإن مَنْ أقصته السوابق - فلو خاطَبَتْه الشمسُ بلسان فصيح ، أو سجدت له الجبالُ رآها بلحظٍ صحيح - لم يَلِجْ العرفان في قلبه ، وما ازداد إلا شكاً على شك .","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"أي عادة الكفار تكذيب الرسل : وعلى هذا النحو درج سَلَفُهمْ ، وبهديهم اقتدى خَلَفُهم .","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"أي كأسُ الموت توضع على كفِّ كلِّ حيٍّ فمن تحلاَّها طيِّبَةً نفُسه أوْرَثَتْهُ سُكْرَ الوَجْد ، ومن تجرَّعَها على وجه التعبس ، وقع في وهْدَةِ الرّدِّ ، وَوُسِمَ بِكَيِّ الصَّدّ ، ثم يوم القيامة : فمن أُجِير من النار وصل إلى الراحة الكبرى ، ومن صُلِّيَ بالسعير وقع في المحنة الكبرى .\r{ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلآَّ مَتَاعُ الغُرُورِ } : لأن ما هو آتِ فقريبٌ .","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"كفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم ، وعرّفهم أن خير الأمْرَيْن لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجاري الأقدار .","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"أخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا عن وفائه ، ولكنهم نقضوا أسباب الذِّمام بما صاروا إليه من الكفران ، ثم تبيَّن أنَّ ما اعتاضوا من ذهاب الدين من أعراض يسيرة لم يُبارَكْ لهم فيه .","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"إن مَنْ باشر رؤيةَ الخلْق قلبُه ، ولاَحَظَهم بِسِرِّه فلا تظننَّ أنَّ عقوبتَهم مؤخرةٌ إلى يوم القيامة ، بل ليسوا من العذاب - في الحال - بمفازة ، وأيُّ عذابِ أشدُّ من الردِّ إلى الخلْق والحجاب عن الحق؟","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"الإشارة من هذا الآية ها هنا إلى غناه - سبحانه - عمَّا في الكون ، وكيف يحتاج إليهم؟! ولكنهم لا يجدون عنه خَلَفاً ، ولا عليه بَدَلاً .","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاختِلاَفِ الَّيْلِ والنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِى الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } .\rالآيات التي تعرَّف الحق سبحانه وتعالى بها إلى العوام هي التي في الأقطار من العبَرِ والآثار ، والآيات التي تعرَّف بها إلى الخواص فالتي في أنفسهم . قال سبحانه : { سَنُرِيَهُمْ آيَاتِنَا فِى الآفاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } [ فصلت : 53 ] ؛ فالآيات الظاهرة توجِب علم اليقين ، والآيات الباطنة توجِب عين اليقين .\rوالإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالي العباد؛ فليالي أهل الوصلة قصيرة ، وليالي أهل الفراق طويلة؛ فهذا يقول :\rشهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سِرار\rويقول :\rصباحك سكر والمساء خمار ... فنمت وأيام السرور قصار\rوالثاني يقول :\rليالي أقر الظاعنين ( . . . ) ... شَكَوْتَ وليلُ العاشقين طويلُ\rوثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قِصَرِه فهو لِمَا غَلَبَ عليه يقول :\rلستُ أدري أطال لَيْلِيَ أمْ لا؟ ... كيف يدري بذاك من يَتَقَلَّى؟!\rلو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي ... ورعَيْتُ النجوم كنتُ مُحِلاَّ\rقوله تعالى : { لأُوْلِى الأَلْبَابِ } : أولو الألباب هم الذين صَحَتْ عقولُهم من سِكْر الغفلة . وأمارة مَنْ كان كذلك أن يكون نظرُه بالحق؛ فإذا نظر من الحقِّ إلى الحقِّ استقام نظره ، وإذا نظر من الخَلْق إلى الحق انتكست نعمته ، وانقلبت أفكاره مُورِّثَةً للشبهة .\rقوله تعالى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا } الآية .\rاستغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم؛ فإن قاموا فبذكره ، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر ، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره ، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها .\rويذكرون الله قياماً على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة .\rومَنْ لم يَسْلَمْ في بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعودٌ في نهايته بوصف الحضور .\rوالذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقاً أصحَّ وأوضح من طريق الذكر ، وإن لم يكن فيه سوى قوله : « أنا جليس من ذكرني » لكان ذلك كافياً .\rوالذاكرون على أقسام ، وذلك لتباين أحوالهم : فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نَقْصٍ سَلَفَ له ، أو قُبْحٍ حصل منه ، فيمنعه خجله عن ذكره ، فذلك ذكر قبض .\rوذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم تقريب الحقِّ إياه بجميل إقباله عليه .\rوذاكر هو محو في شهود مذكوره؛ فالذكر يجري على لسانه عادةً ، وقلبه مُصْطَلَمٌ فيما بدا له .\rوذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه ، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له في الدنيا والآخرة ( ثناء ) ولا بقاء ، ولا كون ولا بهاء ، قال قائلهم :\rما إن ذكرتك إلا همّ يلعنني ... قلبي وروحي وسرى عند ذكراكا\rحتى كأنَّ رقيباً منك يهتف بي ... إياك ويحك والتذكار إياكا","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"والذكر عنوان الولاية ، وبيان الوصلة ، وتحقيق الإرادة ، وعلامة صحة البداية ، ودلالة صفاء النهاية ، فليس وراء الذكر شيء ، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ، ومُنْشَأَةٌ عن الذكر .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ } .\rالتفكر نعمة كل طالب ، وثمرته الوصال بشرط العلم ، فإذا سلم الذكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق ، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر ، فالذكر سرمد .\rثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكرة زهداً فيها .\rوفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبةً فيه .\rوفكر العارفين في الآلاء والنعم فيزدادون محبةً للحق سبحانه .\rقوله جلّ ذكره : { سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .\rالتسبيح يشير إلى سبح الأسرار في بحار التعظيم .","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"من ابتليته في الآجل بالحرقة فقد أخزيته ، ومن ابتليته بالفرقة في العاجل فقد أشقيته ، ومن أوليته بِيُمْنِ الوصلة فقد آويته وأدنيته .","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"يعني أَجَبْنَا الداعي ولكن أنت الهادي ، فلا تَكِلْنَا إلينا ، ولا ترفع ظلَّ عنايتك عَنَّا .\rوالإيمان الدخول في مُوجِبات الأَمَان ، وإنما يؤمِن بالحق من أَمَّنَه الحق ، فأَمَانُ الحق للعبد - الذي هو إجارته - يوجِب إيمانَ العبدِ بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته .\r{ وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ } : وهم المختصون بحقائق التوحيد ، القائمون لله بشرائط التفريد ، والواقفون مع الله بخصائص التجريد .","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"حَقِّق لنا ما وعدتنا على ألسنة الوسائط من إكمال النُّعمى ( . . . . ) وغفران كل ما سبق منا من متابعك الهوى .","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"كيف لا يستجيب لهم وهو الذي لَقَّنَهُم الدعاء ، وهو الذي ضمن لهم الإجابة ، ووَعْدُه جميل الثواب على الدعاء زائدٌ على ما يدعون لأَجْل الحوائج .\r{ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا } : يعني الديار والمزار ، وجميع المخالفين والموافقين من الأغيار .\r{ وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } : إلى مفارقة معاهدهم من مألوفاتهم .\r{ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى } : عُيِّروا بالفقر والملام ، وفتنوا بفنون المحن والآلام .\r{ وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا } : ذاقوا من اختلاف الأطوار الحلو والمر .\r{ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } : يعني لنعطينَّهم فوق آمالهم وأكثر ، مما استوجبوه بأعمالهم وأحوالهم .","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"لا تتداخلنك تهمة بأنَّ لهم عندنا قدراً وقيمة إنما هي أيام قلائل وأنفاس معدودة ، ثم بعدها حسرات مترادفة ، وأحزان متضاعفة .","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"الذين وسمناهم بذُلِّ الفرقة بئست حالتهم ، والذين رفعوا قَدَماً لأجلنا فنعمت الحالة والزلفة؛ وصلوا إلى الثواب المقيم ، وبقوا في الوصلة والنعيم ، وما عند الله مما ادَّخرنا لهم خيرٌ مما أمَّلوه باختيارهم .","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"يريد منْ ساعَدَتْهم القسمةٌ بالحسنى فهم مع أولياء الله نعمةً كما كانوا معهم قسمةً .","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"الصبر فيما تفرد به العبد ، والمصابرة مع العدو .\rوالرباط نوع من الصبر ولكن على وجه مخصوص .\rويقال أول الصبر التصبر ، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية .\rويقال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات ، وتصابروا في ترك الهوى والشهوات ، وقطع المنى والعلاقات ، ورابطوا بالاستقامة في الصحبة في عموم الأوقات والحالات .\rويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم ، ورابطوا بأسراركم .\rويقال اصبروا على ملاحظة الثواب ، وصابروا على ابتغاء القربة ، ورابطوا في محل الدنوِّ والزلفة - على شهود الجمال والعِزَّة .\rوالصبر مُرٌّ مَذَاقُه إذا كان العبد يتحسَّاه على الغيبة ، وهو لذيذٌ طعمُه إذا شربه على الشهود والرؤية .\r{ واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } : الفَلاَحُ الظَّفَرُ بالبُغْيَة ، وهِمَّتُهم اليوم الظفر بنفوسهم ، فعند ذلك يتم خلاصهم ، وإذا ظفروا بنفوسهم ذبحوها بسيوف المجاهدة ، وصلبوها على عيدان المكابدة ، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاءهم بالله .","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"الناس اسم جنس ، والاشتقاق فيه غير قوي . وقيل سمي الإنس إنساً لظهوره فعلى هذه الإشارة : يا مَنْ ظهرتم عن كتم العَدَم بحكم تكليفي ، ثم خصصتُ مَنْ شئتُ منكم بتشريفي ، وحرمتُ من شئت منكم هدايتي وتعريفي ، ونقلتكم إلى ما شئتُ بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفي .\rويقال لم أُظْهِرٍ منَ العَدَمِ أمثالكم ، ولم أُظْهِرْ على أحدٍ ما أظْهَرٍتُ عليكم من أحوالكم .\rويقال سمِّيتَ إنساناً لنسيانك ، فإن نسيتني فلا شيء أَخَس منك ، وإنْ نسيت ذكري فلا أحد أَحَط منك .\rويقال من نَسِيَ الحق فلا غاية لمحنته ، ومن نسي الخَلْقَ فلا نهاية لعلوِّ حالته .\rويقال يقول للمُذْنِبين ، يا مَنْ نسِيتَ عهدي ، ورفضتَ ودي ، وتجاوزت حدِّي حانَ لك أن ترجع إلى بابي ، لتستحقَّ لطفي وإيجابي . ويقول للعارفين يا مَنْ نسيت فينا حظَّكَ ، وصُتَ عن غيرنا لَحْظَكَ ولَفْظَك - لقد عظُم علينا حَقُّك ، وَوَجَبَ لدينا نصرُك ، وجلَّ عندنا قَدْرُك .\rويقال يا من أَنِستَ بنسيم قرْبي ، واستروحتَ إلى شهود وجهي ، واعتززت بجلال قَدْري - فأنت أجلُّ عبادي عندي .\rقوله : { اتَّقُوا رَبَّكُمْ } : التقوى جماع الطاعات ، وأوله ترك الشِّرْكِ وآخره اتقاء كل غير ، وأولُ الأغيار لك نفسُكَ ، ومَنْ اتَّقَى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال ، و ( وقف ) لله . . لا لشهود حظِّ في الدنيا والعقبى .\rقوله : { الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } : وهو آدم عليه السلام ، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضاً كذلك ، لمَّا ظهرت مزية آدم عليه السلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفُنا ، قال تعالى : { أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةْ } [ البيّنة : 7 ] .\rولفظ « النفس » للعموم والعموم يوجب الاستغراق .\rقوله : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } : حَكَمَ الحقُّ - سبحانه - بمساكنة الخلق مع الخلق لبقاء النسل ، ولردِّ المِثْل إلى المِثْل فربَطَ الشكلَ بالشكلِ .\rقوله : { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً } : تعرَّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة؛ حيث خَلق جميع هذا الخلق من نسل شخصٍ واحدٍ ، على اختلاف هيئتهم ، وتفاوت صورهم ، وتباين أخلاقهم ، وإن اثنين منهم لا يتشابهان ، فلكلٍ وجه في الصورة والخلق ، والهمة والحالة ، فسبحان من لا حدَّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته .\rثم قال : { واتَّقُوا اللهَ } تكريرالأمر بالتقوى يدلُّ على تأكيد حكمه .\rوقوله : { تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ } : أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فَمَنْ قَطَعَ الرحمَ قُطِع ، ومَنْ وَصَلَها وَصَل .\r{ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } : مطلعاً شهيداً ، يعدُ عليك أنفاسكَ ، ويرى حواسَك ، وهو مُتَوَّلٍ خطراتِك ، ومنشئٌ حركاتِك وسكناتِك . ومَنْ عَلِمَ أنه رقيب عليه فبالحريِّ أن يستحيَ منه .","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"مَنْ أُقيم بمحلِّ الرعاية فجاء على رعيَّتِه فَخَصْمُه ربُّه؛ فإنه - سبحانه - ينتقم لعباده ما لا ينتقم لنفسه . فَوَلِيُّ اليتيم إنْ أَنْصَفَ وأَحْسَنَ فحقُّه على الله ، وإنْ أَساء وتعدَّى فَخَصْمُه اللهُ .","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُم أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } .\rأباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة ، وأوجب العدل بينهن ، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح ، وإنْ عَلِم أنه يقصُر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح ، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىٍ مِّنْهُ فَكُلُوهُ نَفْسًا هَنِيئًا مَّرِيئًا } .\rدلَّ هذا على أن طعامَ الفتيان والأسخياء مريء لأنهم لا يُطعِمون إلا عن طيب نَفْسٍ ، وطعام البخلاء رديء لأنهم يرون أنفسهم ، وإنما يُطعِمون عن تكلّف لا عن طيب نَفْس . قال A : « طعامُ السخيِّ دواء وطعام البخيل داء » .","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"السَّفيه من يمنعك عن الحقِّ ، و يشغلك عن الربِّ .\rوالسَّفيه من العيال والأولاد من تؤثر حظوظَهم على حقوق الله تعالى .\rقوله : { الَّتِى جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا } : حفظ التجمل في الحال أجدى عليكم من التعرض للتبذل والسؤال ، والكدية والاحتيال . وإنما يكون البذل خيراً من الإمساك على تَحرُّرِ القلب والثقةِ بالصبر . فأمّا على نية الكدية وأن تجعل نفسك وعيالك كَلاًّ على الناس فَحِفْظُك ما جعله الله كفايةً لنفسك أَوْلَى ، ثم الجود بفاضل كفايتك .\rقوله : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } : إذا كان ذات يدك يتسع لكفاية يومهم ويَفْضُل فلا تدَّخره عمّا تدعو إليه حاجتهم معلومك خشيةَ فقرٍ في الغد ، فإِنْ ضاقت يدُك عن الإنفاق فلا يَتَّسِعَنَّ لسانك بالقبيح من المقال .\rويقال إذا دَعَتْكَ نَفْسُك إلى الإنفاق في الباطل فأنت أسفه السفهاء فلا تُطِعْ نَفْسَكَ .","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"إيناس الرشد العفة والديانة ، والسخاء والصيانة ، وصحبة الشيوخ ، والحرص على مشاهدة الخير ، وأداء العبادات على قضية الأمر .\rويقال الرشيد من اهتدى إلى ربِّه ، وعندما تسنح له ( حاجة ) من حوائجه لا يتَّكل على حَوْله وقُوَّتِه ، وتدبيره واختياره .","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"حكم الميراث لا يختلف بالفضل والمنقبة ، ولا يتفاوت بالعيب والنقص والذنب؛ فلو مات رجلٌ وخلف ابنين تساويا في الاستحقاق وإنْ كان أحدهما براً تقياً والآخر فاجراً عَصِياً ، فلا للتقي زيادة لتقواه ، ولا للفاجر بخس لفجوره ، والمعنى فيه أن الميراث ابتداء عطيّةٍ من قِبَل الله ، فيتساوى فيه البر والفاجر . كذلك حكم الإيمان ابتداء عطيةً للمسلمين : قال الله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [ فاطر : 32 ] ، ثم قال : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ . . . } [ فاطر : 32 ] الآية .","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"يريد إذا حضر قسمة الميراث ذوو السهمان والمستحقون ، وحضَرَ من لا نصيب لهم في الميراث من المساكين فلا تحرموهم من ذلك . فإن كان المستحقُ مُوَّلًى عليه ، فَعِدوهم وعداً جميلاً وقولوا : « إِذا بلغ الصبي قلنا له حتى يعطيك شيءاً » وهذا معنى قوله : { وَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا } . وفي هذا إِشارة لطيفة للمذنبين إذا حضروا لعرصته غداً ، والحق سبحانه يغفر للمطيعين ويعطيهم ثواب أعمالهم ، فمن كان منكم من فقراء المسلمين لا يحرمهم الغفران إن شاء الله بعدما كانوا من أهل الإيمان ، وكذلك يوم القسمة لم تكن حاضراً ، ولا لَكَ استحقاق سابق فبفضله ما أهَّلَكَ لمعرفته مع علمه بما يحصل منك في مستأنف أحوالك من زلتك .","part":1,"page":452},{"id":453,"text":"بَيَّن في هذه الآية أن الذي ينبغي للمسلم أن يدخره لعياله التقوى والصلاح لا المال؛ لأنه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار وليخلفوا الأثاث بل قال : { فَلْيَتَّقُوا اللهَ } فإنه يتولى الصالحين .","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"إنما تولَّى الحق سبحانه خصيمة اليتيم ، لأنه لا أحدَ لليتيم غيرُه ، وكلُّ من وَكلَ أمره إليه فَتَبَرَّأ من حوله وقوته فالحق سبحانه ينتقم له بما لا ينتقم لنفسه .","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"قوله جلّ ذكره : { يُوصِيكُمُ اللهُ فِى أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أوْ دَيْنْ } .\rالوصية ها هنا بمعنى الأمر ، فإنه سبحانه جعل الميراث بين الورثة مستحقاً بوجهين :\r1- الفرض 2- التعصيب ، والتعصيب أقوى من الفرض لأن العَصَبَةَ قد تستغرق جميع المال أما أكثر الفروض فلا يزيد على الثلثين ، ثم إن القسمة تبدأ بأصحاب الفروض وهم أضعف استحقاقاً ، ثم العَصَبَة وهم أقوى استحقاقاً . قال A :\r« ما أبْقَتْ الفرائض فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَر » كذلك أبداً سنته ، كما في قوله تعالى :\r{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [ فاطر : 32 ] أعطاهم الكتاب بلفظ الميراث ثم قدَّم الظالم على السابق ، وهو أضعف استحقاقاً إظهاراً للكرم مع الظالم لأنه مُنْكسِر القلب ولا يحتمل وقته طول المدافعة .\rوقوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ } . لو كان الأمر بالقياس لكانت الأنثى بالتفضيل أَوْلَى لضعفها ، ولعجزها عن الحراك ، ولكنَّ حُكْمَه - سبحانه - غيرُ معلَّل .\rقوله جلّ ذكره : { آباؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } .\rالأبناء ينفعونكم بالخدمة ، والآباء بالرحمة؛ الآباء في حال ضعفِك في بداية عمرك ، والأبناء في حال ضعفك في نهاية عمرك .","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"الإشارة في ثبوت الميراث للأقربين من الورثة بالنَّسب؛ والسبب أنَّ الميت إذا مات تحمَّل القريبُ أحزانَه فعوَّض اللهُ الوارثَ على ما يقاسيه ويخامر قلبه من التوجُّع مالَ الموروث . . وكذا سُنَّتُه - سبحانه - التعويضُ على مقاساة الأذى - جوداً منه لا وجوباً عليه - كما توهَّم قوم . وكلُّ مَنْ كان أقربَ نسباً أو أقوى سبباً من الميت كان أكثر استحقاقاً لميراثه ، وفي معناه أنشدوا :\rوما بات مطوياً على أريحية ( . . . . ... . . . ) عقب النوى موت الفتى ظل مغرما","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"حدوده : أوامره ونواهيه ، وما تعبَّد به عباده .\rوأصل العبودية حفظ الحدود ، وصون العهود ، ومَنْ حَفظَ حَدَّه لم يُصِبْهُ مكروه ولا آفة ، وأصلُ كلِّ بلاء مجاوزة الحدود .","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"وإنما هما عقوبتان : معجلة ومؤجلة ، ويقترن بهما جميعاً الذُّلُّ؛ فلو اجتهد الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم يقدموا عليها : لذلك قال قائلهم : من بات مُلِماً بذنب أصبح وعليه مذلته ، فقلت ومن أصبح مُبِرَّاً بِبِرٍ ظلَّ وعليه مهابته .","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"إنما اعتبر في ثبوت الفاحشة - التي هي الزنا - زيادة الشهود إسبالاً لِسَتْرِ الكَرِمِ على إجرام العِباد ، فإنَّ إقامة الشهود - على الوجه الذي في الشرع لإثبات تلك الحالةَ - كالمُتَعَذِّرِ .\rوفي قوله - A - لمَا عِز لما قال له : يا رسول الله - صلوات الله عليك - إنِّي زنيتُ فَطَهِّرْني . فقال : « لعلِّك قَبَّلَتَ . . » ثم قال في بعض المرات : « استنكهوه » .\rففي هذا أقوى دليل لما ذكرت من إسباله الستر على الأعمال القبيحة .","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"الأمر بفنون العقوبات لهم على فعل ذلك أبلغ شيءٍ في الردع والمنع منه بالرفع ، لعلّ العبد يحذر ذلك فلا يستحق التعذيب الأعظم .","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"لا استغفار مع الإصرار : فإن التوبة مع غير إقراعِ سِمَةٌ الكذَّابين .\rوقوله : { السُّوءَ بِجَهَالَةٍ } : يعني عَمِلَ عَمِلَ الجُهّال .\rوذنب كل أحدٍ يليق بحاله ، فالخواص ذنوبهم حسبانهم أنهم بطاعاتهم يستوجبون محلاً وكرامة ، وهذا وَهَنٌ في المكانة؛ إذ لا وسيلة إليه إلا به .\rقوله : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } : على لسان أهل العلم : قبل الموت ، وعلى لسان المعاملة : قبل أن تتعود النفس ذلك فيصير لها عادة ، قال قائلهم :\rقلتُ للنَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً ... فارجعي قبل أَنْ يُسدَّ الطريقُ","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"يعني إذا كُشِف الغطاءُ وصارت المعارف ضرورية أُغْلِقَ بابُ التوبة؛ فإن مِنْ شرط التكليف أن يكون الإيمان غيبياً . ثم إن في هذه الطريقة إذا عُرِفَ بالخيانة لا يشم بعده حقيقة الصدق . قال داود - عليه السلام - في آخر بكائه لما قال الله تعالى لِمَ تبكي يا داود ، وقد غفرت لك وأرضيت خصمك وقبلت توبتك؟\rفقال : إلهي ، الوقت الذي كان بي رُدَّه إليَّ .\rفقال : هيهات يا داود ، ذاك وُدٌّ قد مضى!!\rوفي معناه أنشدوا :\rفَخَلِّ سبيلَ العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"التلبيسُ على المستضعفين ، والتدليسُ على أهل السلامة والوداعة من المسلمين - غيرُ محموديْنَ عند الله . فمن تعاطَ ذلك انتقم الله منه ، ولم يبارِك له فيما يختزل من أموال الناس بالباطل والاحتيال . ومن استصغر خصمه في الله فأهون ما يعاقبه الله به أنْ يَحْرِمَه الوصولَ إلى ما يأمل من محبوبه .\rوقوله : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ } : أي بتعاليم الدين والتأدب بأخلاق المسلمين وحُسْنِ الصحبة على كراهة النفس ، وأن تحتمل أذاهن ولا تحملهن كلف خدمتك ، وتتعامى عن مواضع خجلتهن .\rقوله : { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا . . . } كل ما كان على نفسك أشقَّ كانت عاقبته أهْنَأَ وأَمْرَأَ .\rواعلم أن الحقَّ سبحانه لم يُطْلِعْ أحداً على غَيْبِه ، فأكثر ما يعافه الإنسان قد تكون الخيرة فيه أتم . وقد حكم الله - سبحانه - بأن مخالفة النفس توصل صاحبها إلى أعلى المنازل ، وبعكس ذلك موافقتها ، كما أَن مخالفة القلوب توجب عمى البصيرة ، وبعكس ذلك موافقتها .","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"يعلمهم حسنَ العهد ونعتَ الكرم في العِشْرة ، فيقول لا تجمعْ الفرقةَ واستردادَ المال عليها ، فإن ذلك تَرْكُ الكرم؛ فإنْ خَوَّلْتَ واحدة مالاً كثيراً ثم جفوتها بالفراق فما آتيتها يَسيرٌ في جنب ما أَذَقْتَها من الفراق .\rقوله : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ . . . . } : يعني أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة ، فقفوا عند مراعاة الذمام ، وأوفوا بموجب الميثاق .","part":1,"page":464},{"id":465,"text":"تشير الآية إلى حفظ الذمام ، والوقوف على حدّ الاحترام ، فإن السَّجيَّةَ تتداخلها الأَنَفةُ من أن ينكح فِراشَه غيرُه ، فنهى الأبناء عن تخطي حقوق الآباء في استفراش منكوحة الأب .","part":1,"page":465},{"id":466,"text":"تكلُّفُ انتزاع المعاني التي لأجلها حصل هذا التحريم محالٌ من الأمر؛ لأن الشرعَ غيرُ مُعَلَّلٍ ، بل الحق تعالى حرَّم ما شاء على من شاء ، وكذلك الإباحة ، ولا عِلَّةَ للشرائع بحال ، ولو كانت المحرَّمَاتُ من هؤلاء محلَّلاتٍ [ محرمات ] لكان ذلك سائغاً .","part":1,"page":466},{"id":467,"text":"إذا حافظت الحدود ، وراعيت العهود ، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع فما لا يكون فيه للخلق خصيمة ، ولا من الحق سبحانه من تبِعة ، فذلك مباحٌ طلقٌ .","part":1,"page":467},{"id":468,"text":"الرخص جعلت للمستضعفين ، فأما الأقوياء فأمرهم الجِدّ ، والأخذ بالاحتياط والتضييق؛ إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق ، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن مراعاة القلوب فالأخذ في الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أوْلى من الاستقصاء فيما يمنع من مراعاة السر ، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجَلُّ ، فمن نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص .\rثم قال في آخر الآية : { وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ } : يعني على مقاساة ما فيه الشدة ، وفي هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال : { وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ } .","part":1,"page":468},{"id":469,"text":"لما عرَّف النبي - A - وأمَّته أخبار مَنْ مضى من الأمم ، وما عملوا ، وما عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم؛ فإن فيهم أيضاً من ارتكب ما لا يجوز ، فقالوا : ليت شِعْرنا بأيِّ نوع يعاملنا . . . أبا لخسف أو بالمسخ أو بالعذاب أو بماذا؟\rفقال تعالى : { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } نعرِّفكم ما الذي عملنا بهم .\r{ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أمَّا أنتم فأتوب عليكم ، أمّا من تقدَّم فلقد دمّرتُ عليهم .\rويقال : { يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } : أي يكاشفكم بأسراره فيظهر لكم ما خفي على غيركم .\rويقال يريد الله ليبيِّن لكم انفرادَه - سبحانه - بالإيجاد والإبداع ، وأنه ليس لأحد شيء .\r{ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض والرضاء ، والاستسلام للحكم والقضاء .\rوقيل : { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أي يتقَبَّلُ توبتكم بعدما خلقَ توبتكم ، ثم يُثيبُكُم على ما خلق لكم من توبتكم .","part":1,"page":469},{"id":470,"text":"عزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين .\rومن أراد اللهُ توبتَه فلا يُشمِتُ به عدوَّا ، ولا يناله في الدارين سوء .\r{ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ } : إرادتهم منكوسة ، وهي عند إرادة الحق - سبحانه - ضائعة مردودة .\r{ يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } : يعني ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم ، ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار المشاهدات .\rويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات .\rويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم .\rويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول .\r{ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا } : وصف بهذا فقرهم وضُرّهم ، و ( . . . . ) بها عذرهم .","part":1,"page":470},{"id":471,"text":"كل نفقة كانت لغير الله فهي أكل مالٍ بالباطل .\rويقال القبض إذا كان على غفلةٍ ، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة ، فكل ذلك باطل ، { وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } : يعني بارتكاب الذنوب ، ويقال تعريضها لمساخطته سبحانه . ويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها .\rويقال باستحسانكم شيئاً منها بإيثارها دون رضاء الحق .\rومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فإنَّا لا نُخليه من عقوبة شديدة ، وهو أن نَكِلَها إلى صاحبها ، ونلقي حبْلَها على غاربها .","part":1,"page":471},{"id":472,"text":"الكبائر - على لسان العلم - ها هنا الشِّرْكُ بالله ، وعلى بيان الإشارة أيضاً الشِّركُ الخَفِيّ . ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق ، واستحلاء قبولهم ، والتودد إليهم ، والإغماض على حق الله بسببهم .\rويقال إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة الحد فهو بعيد عن التكفير .\rويقال أكبر الكبائر إثباتك نَفْسَك فإذا شاهدت نَفْيَها تخلَّصْتَ من أسر المحن . { وَنُدْخِلْكُم } في أموركم { مُدْخَلاً كَرِيمًا } إدخالاً حسناً لا ترون منكم دخولكم ولا خروجكم وإنما ترون المُصَرِّفَ لكم .","part":1,"page":472},{"id":473,"text":"لسان المعاملة أن الأمر بالتعني لا بالتمني ، ولسان التوحيد أن الأمر بالحُكْم والقضاء لا بالإرادة والمنى . ويقال اسلكوا سبيل من تقدَّمكم في قيامكم بحق الله ، ولا تتعرضوا لنَيْلِ ما خُصُّوا به من فضل الله . قوموا بحقِّ مولاكم ولا تقوموا بمتابعة هواكم واختيار مناكم .\rويقال لا تتمنوا مقام السادة دون أن تسلكوا سُبُلَهُم ، وتلازموا سيرهم ، وتعملوا عملهم . . فإن ذلك جَوْرٌ من الظن .\rويقال : كُن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت : دنيا وآخرة ( وإلاَّ ) أشركت في توحيدك من حيث لم تشعر .\rويقال لا تتمنَّ مقامات الرجال فإنَّ لكل مقام أهلاً عند الله ، وهم معدودون؛ فما لم يمت واحد منهم لا يورثَ مكانه غيرُه ، قال تعالى : { جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ } [ الأنعام : 165 ، وفاطر : 39 ] والخليفة من يخلف من تقدَّمه ، فإذا تمنَّيْتَ مقام وليَّ من الأولياء فكأنَّكَ استعجلتَ وفاتَه؛ على الجملة تمنيت أو على التفصيل ، وذلك غير مُسَلَّم .\rويقال خمودُك تحت جريان حكمه - على ما سبق به اختياره - أحظَى لكَ من تعرضك لوجود مناك ، إذ قد يكون حتفك في مُنيتك .\rويقال مَنْ لم يؤدّب ظاهرهُ بفنون المعاملات ، ولم يهذِّب باطنه بوجوه المنازلات فلا ينبغي أن يتصدَّى لنيل المواصلات ، وهيهات هيهات متى يكون ذلك!\r{ وَسْئَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ } : الفرق بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه : يكون التمني للشيء مع غفلتك عن ربك؛ فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير توقعه من الله ، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره ، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق نفسه فيحْمِلُه صِدْقُ الإرادة على التملُّق والتضرع ، والتمني يخلو عن هذه الجملة .\rوالآخر أن الله نهى عن تمني ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما أعطاه ويعطيك إياه ، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك .\rويقال لا تتمنَّ العطاء وسَلْ الله أن يعطيك من فضله الرضا بِفَقْدِ العطاء وذلك أتمُّ من العطاء ، فإنَّ التَّحرُّرَ من رقِّ الأشياء أتمُّ مِنْ تملُّكِها .","part":1,"page":473},{"id":474,"text":"جعل المعاقدة في ابتداء الإسلام نظيرةَ النَّسَبِ في ثبوت الميراث بها فَنَسَخَ حكم الميراث وبقي حكم الاحترام ، فإذا كانت المعاقدة بين الناس بهذه المثابة فما ظنُّك بالمعاهدة مع الله؟ قال الله تعالى : { رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ } [ الأحزاب : 23 ] . وأنشدوا :\rإنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنيَّةَ منهلاً معسولا","part":1,"page":474},{"id":475,"text":"خصَّ الرجال بالقوة فزيد بالحمل عليهم؛ فالحمل على حسب القوة . والعبرة بالقلوب والهمم لا بالنفوس والجثث .\rقوله : { وَاللاَّتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعَظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ } : أي ارتقوا في تهذيبهن بالتدريج والرفق ، وإنْ صَلُحَ الأمر بالوعظ فلا تستعمل العصا بالضرب ، فالآية تتضمن آداب العِشْرة .\rثم قال : { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } : يعني إن وَقَفَتْ في الحال عن سوء العشرة ( . . . . . ) ورجعت إلى الطاعة فلا تَنْتَقِمْ منها عمَّا سَلَفَ ، ولا تتمنع من قبول عذرها والتأبِّي عليها .\rيقال : { فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } بمجاوزتك عن مقدار ما تستوجب من نقمتك .","part":1,"page":475},{"id":476,"text":"يقال لك عليها الطاعة بالبدن ، فأمَّا المحبة والميل إليك بالقلب فذلك إلى الله ، فلا تكلِّفها ما لا يرزقك الله منها؛ فإن القلوب بقدرة الله ، يُحبِّبُ إليها من يشاء ، ويُبَغِّضُ إليها من يشاء .\rويقال : { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } أي لا تَنسَ وفاءها في الماضي بنادر جفاءٍ يبدو في الحال فربما يعود الأمر إلى الجميل .","part":1,"page":476},{"id":477,"text":"قوله : { وَاعْبُدُوا اللهَ } : العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر .\r{ وَلاَ تُشْرِكُوا } الشِّركُ جَلِيُّه اعتقادُ معبودٍ سواه ، وخفِيُّه : ملاحظةُ موجود سواه ، والتوحيد أن تعرف أنَّ الحادثاتِ كلَّها حاصلةٌ بالله ، قائمةٌ به؛ فهو مجريها ومنشيها ومبقيها ، وليس لأحد ذوة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع .\rودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلْق ، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمِّهم - كلُّ ذلك من الشِّرْكِ الخَفِّي .\rقوله : { وَبِالوَالِدَيْنِ } الإحسان إلى الوالدين علىوجه التدريج إلى صحبة فإنك أُمِرْتَ أولاً بحقوقهما لأنهما من جِنْسِك ومنها تربيتك ، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك وتتحقق بمعرفتك . وإذا صَلُحْتَ للصحبة والعِشْرة مع ذوي القربى والفقراء والمساكين واليتامى ومن في طبقتهم - رُقِّيتَ عن ذلك إلى استيجاب صحبته - سبحانه .\rقوله : { وَالجَارِ ذِى القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ } . . . الآية من جيرانك ( . . . . ) فلا تؤذوهما بعصيانك ، وراعِ حقهما بما تُولِي عليهما من إحسانك .\rفإذا كان جار دارك مستوجباً للإحسان إليه ومراعاة حقه فجارُ نفسِك - وهو قلبك - أوْلى بألا تضيِّعه ولا تَغْفَل عنه ، ولا تُمكِّنَ حلول الخواطر الرديئة به .\rوإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك - وهو روحك - أوْلى أن تحامي على حقِّها ، ولا تُمكِّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها . وجار روحك - وهو سِرُّك - أوْلى أن ترعى حقّه ، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات .\rقوله : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد : 4 ] الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوي التحقيق .\rقوله : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } . . . الآية البخل على لسان العلم منع الواجب ، وعلى بيان الإشارة ترك الإيثار في زمان الاضطرار . وأمرُ الناسِ بالبخل معناه مَنْعُهم عن مطالبات الحقائق في معرِض الشفقة عليهم بموجب الشرع ، وبيان هذا أن يقع بلسانك الانسلاخ عن العلائق وحذف فضولات الحالة فَمَن نصحه بأن يقول : « ربما لا تَقْوَى على هذا ، ولأن تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكدياً ، وربما تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون كَلاًّ على المسلمين - ويَرْوِي له في هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا . . . » فلولا بُخْلُه المستكن في قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه بَدَلَ أن يمنع عنه ما ( يجب أن ) يقول في معرض النصح . ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك المُسْتَضْعَفِ بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة في الشرع .\rوقوله : { وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ } : إن كان الله أغناهم عن طلب الفضيلة بما خوَّلهم وآتاهم كتموا ذلك طمعاً في الزيادة على غير وجه الإذن .\rويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريدٌ شيئاً عندهم فيه نجاته ، وضنوا عليه بإرشاده .\rويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة ، وبخْلُ الفقراء بمنع الهمة .","part":1,"page":477},{"id":478,"text":"أدخل هؤلاء أيضاً تحت قوله : { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا } فعقوبتهم في العاجل أنهم ليسوا من جملة مُحِبِّيه ، وكفى بذلك محنة .\rوالمختال الذي ينظر غلى نفسه والمرائي الذي ينظر إلى أبناء جنسه ، وكلاهما مُسَوَّمَان بالشرك الخفيِّ والله لا يحب المشركين . والفخور من الإبل كالمصراة من الغنم وهو الذي سُدَّت أخلافه ليجتمع فيها الدر ، فيتوهم المشتري أن جميع ذلك معتاد لها وليس كذلك ، فكذلك الذي يرى من نفسه حالاً ورتبة وهو في ذلك مدعٍ وهو الفخور ، والله لا يحبه ، وكذلك المرائي الذي ينفق ماله رئاء الناس .","part":1,"page":478},{"id":479,"text":"ليس في إيمانهم بالله عليهم مشقة ، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عِزِّ الدنيا والآخرة ، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة .","part":1,"page":479},{"id":480,"text":"لا ينقص من ثوابهم شيئاً بل يبتدئهم - من غير استحقاقهم - بفضله ، ويضاعف أجورَهم على أعمالهم؛ فأمَّا الظلم فمحالٌ تقديره في وصفه لأن الخلقَ خلْقُه ، والمُلْكَ ملكه . والظالم من يعتدي حداً رُسِمَ له - وهو في وصفه مُحال لِعزِّه في جلال قدره .","part":1,"page":480},{"id":481,"text":"إذا كان الرسول - A - الشهيد على أمته ، وهو الشفيع لهم ، فإنما يشهد بما يُبْقي للشفاعة موضِعَها .\rقوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } . . . الآية : يحصلون على ندم ثم لا ينفعهم ، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم ، فيتقنعون بِخِمار الذُّل ، وينقلبون إلى أوطان المحن والضر .","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"النُّهيُ عن موجب السكر من الشراب لا من الصلاة ، أي لا تصادفنكم الصلاة وأنتم بصفة السُّكْر ، أي امتنعوا عن شُرْبِ ما يُسْكِر فإنكم إن شربتم سكرتم ، ثم إذا صادفكم الصلاة على تلك الحالة لا تُقْبَل منكم صلاتكم .\rوالسُّكْر ذهاب العقل والاستشعار ، ولا تَصحُّ معه المناجاة مع الحق .\rالمُصَلِّي يناجي ربَّه؛ فكلُّ ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملحق بهذا من حيث الإشارة؛ ولأجل هذه الجملة حَصَلَ ، والسُكْرُ على أقسام :\rفسُكْرٌ من الخمر وسُكْرٌ من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا .\rوأصعب السكر سكرك من نفسك فهو الذي يلقيك في الفرقة عنه ، فإنَّ مَنْ سَكِرَ من الخمر فقصاراه الحرقة - إن لم يُغْفَر له . ومن سكر من نفسه فحاله الفرقة - في الوقت - عن الحقيقة .\rفأمَّا السُكْر الذي يشير إليه القوم فصاحبه محفوظٌ عليه وقته حتى يصلي والأمر مخفف عليه : ( فإذا خرج عن الصلاة هجم عليه غالبُه فاختطفه عنه ومن لم يكن محفوظاً ) عليه أحكام الشرع ( فمشوبُ بحظ ) .\rوقوله تعالى : { وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } . . . الآية : أذن للمضطر أن يترخَّص في عبور المسجد وهو على وصف الجنابة ، فإذا عرج زائداً على قدر الضرورة فمُعَاتَبٌ غيرُ معذور ، وكذلك فيما يحصل من محاذير الوقت في القيام بشرائط الوقت فمرفوعةٌ عن صاحبه المطالبة به .\rثم إنه - سبحانه - بفضله جعل التيمم بدلاً من الطهارة بالماء عند عَوَزِ الماء كذلك النزولُ إلى ساحات الفَرْقِ عن ارتقاء ذرة الجمع - بِقَدْر ما يحصل من الضعف - بَدَلٌ لأهل الحقائق .\rثم إن التيمم - الذي هو بَدَلُ الماء - أعمُّ وجوداً من الماء ، وأقلُّ استعمالاً من الأصل ، فإن كل من كان أقرب كانت المطالبات عليه أصعب .\rثم في الظاهر أمَرْنا باستعمال التراب وفي الباطن باستشعار الخضوع واستدامة الذبول .\rوردَّ التيمم إلى التقليل ، وراعى فيه صيانةً لرأسِك عن التُّراب ولقَدَمِك؛ فإنَّ العزَّ بالمؤمن - ومولاه باستحقاق الجلال - أوْلى من الذل لِمَا هو مفلس فيه من الحال ، ولئن كان إفلاسه عن أعماله يوجب له التذلُّل فعرفانُه بجلال سيِّده يوجب كل تَعَزُّزٍ وتَجَمُّل .","part":1,"page":482},{"id":483,"text":"ومكروا مكراً ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أُعْطُوا الكتابَ ثم حُرِمُوا بركاتِ الفهم حتى حرَّفوا وأصَرُّوا .\rقوله : { مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا } . . . الآية : تركوا حشمة الرسول - A - ورفضوا حرمته ، فعوقبوا بالشك في أمره ، ولذلك لم يترك أحد حشمته ( محتشم ) إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته . ولو أنهم عاجلوا في نفي ما دَاخَلَهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته ، فأُسْعِدوا به في الدارين ، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط الخدمة؟ وإنَّ مَنْ قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال .","part":1,"page":483},{"id":484,"text":"صرف القلوب عن الإرادة إلى أحوال أهل العادة حتى كانت دواعيه يتوفر في رفض الدنيا فعاد لا يصبر عن جمعِها ومنعِها .","part":1,"page":484},{"id":485,"text":"العوام طولبوا بترك الشِرْكِ الجليّ ، والخواص طولبوا بترك الشرك الخفيّ ، فمن توسَّل إليه بعمله ويظنه منه ، أو توهَّم أن أحكامه - سبحانه - معلولة بحركاته وسكناته ، أو راعى خَلْقاً أو لاحظ نَفْساً فوطنه الشرك عند أهل الحقائق .\rوالله لا يغفر أن يُشْرَكَ به وكذلك من توهَّم أن مخالفته حصلت من غير تقديره فهو ملتحق بهم .","part":1,"page":485},{"id":486,"text":"مَن ركن إلى تزكية الناس له ، واستحلى قبول الخواص له - فضلاً عن العوام - فهو من زكَّى نَفْسه ، ورؤية النَّفْس أعظم حجاب ، ومن توهَّم أنه بِتَكَلُّفِه يزكِّي نفسه : بأوراده أو اجتهاده ، بحركاته أو سكناته - فهو في غطاء جهله .\rقوله : { انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ } . . . الآية . الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من غير تحقيق ، والمُفْتَرِي - في قالته في هذا الأمر - ينطق بشيءٍ إلا أجبَّتْه الآذان وانزجرت له القلوب ، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب .","part":1,"page":486},{"id":487,"text":"طاغوتُ كلِّ أحدٍ نَفسُه وهواه وجِبْتُه وهو ( . . . . ) مقصوده من الأغيار ، فمن لاحظ شخصاً أو طالع سبباً أو عرَّجَ على عِلَّةٍ أو طاع هوىً ، فذلك جبته وطاغوته . وأصحاب الجبت والطاغوت يستوجبون اللعن؛ وهو الطرد عن بساط العبودية ، والحجاب عن شهود الربوبية .","part":1,"page":487},{"id":488,"text":"مَنْ جُبِلَ على الشُّحِّ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفاً على راحةٍ ينالها الخلق ، كأنَّ مَنْ شَرِبَ قطرة ماءٍ قد تحسَّى بل رَشَفَ من ماء حياته! .\rقوله : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ } : بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسداً من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال ، وسُنَّةُ الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير لهم . ودأبُ الكافرين جرى بالارتياب في القدرة؛ فمنهم من آمن بهم ، ومنهم من ردَّ ذلك وجحد ، وكفى بعقوبة الله منتقماً عنهم .\rقوله : { وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا } : المُلْك العظيم معرفة المَلِك ، ويقال هو المُلْكُ على النَّفس .\rويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شيء .\rويقال الاطلاع على أسرار الخلق .","part":1,"page":488},{"id":489,"text":"الإشارة منه إلى الجاحدين لآيات الأولياء ، يُقيمهم بوصف الصغار ويبقيهم في وحشة الإنكار؛ كلَّما لاح لقلوبهم شيء من هذه القصة جرَّهم إنكارُهم إلى ترك الإيمان بها والإزراء بأهلها على وجه الاستبعاد ، فهم مؤبدة عقوبتهم .","part":1,"page":489},{"id":490,"text":"هم اليوم في ظل الرعاية ، وغداً في ظل الحماية والكفاية ، بل هم في الدنيا والعقبى في ظل العناية .\rوالناس في هذه الدنيا متفاوتون : فمنهم من هو في ظل رحمته ، ومنهم من هو في ظل رعايته ، ومنهم من هو في ظل كرامته ، ومنهم من هو في ظل عنايته ، ومنهم من هو في ظل قربته .","part":1,"page":490},{"id":491,"text":"ردُّ الأمانات إلى أهلها تسليم أموال الخلق لهم بعد إشرافك عليها بحيث لا تفسد عليهم .\rويقال لله - سبحانه وتعالى - أماناتٌ وَضَعَها عِنْدَك؛ فردُّ الأمانة إلى أهلها تسليمها إلى الله - سبحانه - سالمةً مِنْ خيانتِكَ فيها؛ فالخيانة في أمانة القلب ادعاؤك فيها ، والخيانة في أمانة السِّرِّ ملاحظتك إياها .\rوالحُكْمُ بين الناس بالعدل تسويةُ القريب والبعيد في العطاء والبذل ، وألا تحملك مخامرةُ حقدٍ على انتقام لنفسٍ .","part":1,"page":491},{"id":492,"text":"قَرَنَ طاعته بطاعة الرسول - A - تفخيماً لشأنه ورفعاً لِقَدْرِه .\rوأمَّا أولو الأمر - فعلى لسان العلم - السلطان ، وعلى بيان المعرفة ا لعارفُ ذو الأمر على المستأنف ، والشيخُ أولو الأمر على المريد ، وإمامُ كل طائفة ذو الأمر عليهم .\rويقال الولي أولى بالمريد ( من المريد ) للمريد .\rقوله : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَئٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ } على لسان العلم - إلى الكتاب والسُّنَّة ، وعلى بيان التوحيد فوَّض ذلك وَوَكلَ علمَهُ إلى الله سبحانه ، وإذا اختلف الخاطران في قلب المؤمن فإن كان له اجتهاد العلماء تأمل ما يسنح لخاطره بإشارة فهمه ، ومن كان صاحب قلب وكَلَ ذلك إلى الحق - سبحانه - وراعى ما خوطب به في سرائره ، وأُلْقِيَ - بلا واسطة - في قلبه .","part":1,"page":492},{"id":493,"text":"أظهروا الإخلاص ، ونافقوا في السِّر ، ففضحهم - سبحانه - على لسان جبريل عليه السلام بقوله { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ } أي يرفضوه . فمن حاد عن طريقه ورجع إلى غير أستاذه استوجب الحرمان والذم .","part":1,"page":493},{"id":494,"text":"كل شيء سوى كلمة الحق فهو خفيف على المنافقين ، فأمّا التوحيد فلا يسمع كلمته إلا مخلص ، وأهل الفترة في الله وأصحاب النفرة لا يسمعون ما هو الحق؛ لأن خلافَ الهوى يَشُقُّ على غير الصديقين . وكما أن ناظِرَ الخلق لا يقوى على مقابلة الشمس فكذلك المنافقون لم يطيقوا الثبات له - A - فلذلك كان صدودهم .","part":1,"page":494},{"id":495,"text":"تَضَرُّعُ غير المخلص عند هجوم الضُّر لا أصل له ، فلا ينبغي أن يكون به اعتبار لأن بقاءه إلى زوال المحنة ، والمصيبة العظمى ترك المبالاة ( بما يحصل من التقصير ) .\rويقال من المصيبة أن يمحقك وقتك فيما لا يجدي عليك .","part":1,"page":495},{"id":496,"text":"أُبْسُطْ لهم لسانَ الوعظِ بمقتضى الشفقة عليهم ، ولكن انْقَبِضْ بقلبك عن المبالاة بهم والسكون إليهم ، واعلم أن من لا نكون نحن له لا يغني عنه أن تعينه شيئاً .","part":1,"page":496},{"id":497,"text":"ما أَمَرْنَا الرسلَ إلاَّ بدعوة الخلْقِ إلينا .\rوقوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ } . لو جعلوك ذريعتهم لوصلوا إلينا ، ويقال لو لازموا التذلل والافتقار وركبوا مطية الاستغفار لأناخوا بعقوة المبار .","part":1,"page":497},{"id":498,"text":"سدَّ الطريق - إلى نفسه - على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد A ، فمَنْ لم يمشِ تحت رايتِه فليس له من الله نفس .\rثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضات بالكلية بقلبك .\rقوله : { ثُمَّ لاَ يَجِدُوا } : فلا بُدَّ لك من ( . . . ) تلك المهالك بوجه ضاحك ، كما قال بعضهم :\rوحبيبٍ إنْ لم يكن منصفاً كنتُ منصفا ... أتحسّى له الأمَرَّ وأسقيه ما صفا\rإن يقل لي انشقَّ ... اخترتُ رضاً لا تَكَلَّفَا","part":1,"page":498},{"id":499,"text":"أخبر عن سُقم إخلاصهم وقوة إفلاسهم ، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم .\rخلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة ، وشدُّوا نطاق الطاعة لكان ذلك خيراً لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم . ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثواباً عظيماً ، ولأرشدناهم صراطاً مستقيماً ولأوليناهم عطاء مقيماً .\rوالأمر - على بيان الإشارة - يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن المألوفات ، والخروج من ديار ( تَقَبُّل النَّفْس } ، ومفارقة أوطان ( إرادة ) الدنيا .","part":1,"page":499},{"id":500,"text":"جعل طاعة المصطفى - A - مفتاحَ الوصول إلى مقامات النبيين والصيديقين والشهداء على الوجه الذي يصحُّ للأُمة وكفى له عليه السلام بذلك شرفاً .\rثم قال : { ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ } : جرَّد عليهم محلّهم عن كل علة واستحقاق وسبب؛ فإن ما لاح لهم وأصابهم صرفُ فضله وابتداء كرمه .","part":1,"page":500},{"id":501,"text":"الفرار إلى الله من صفات القاصدين ، والفرار مع الله من صفات الواصلين؛ فلا يجد القرار مع الله إلا من صدق في الفرار إلى الله . والفرارُ من كل غَيْرٍ شأنُ كل مُوَحِّد .\rقوله تعالى : { وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِئَنَّ } الآية : أي لم تستقر عقائدهم على وصفٍ واحد ، فكانوا مرتبطين بالحظوظ؛ فإذا رأوا مكروهاً يظِلُّ المسلمين شكروا وقالوا : الحمد لله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم ، وإن كانت لكم نعمة وخير سكنوا إليكم ، وتمنوا أن لو كانوا معكم ، خسروا في الدنيا والآخرة : فَهُمْ لا كافرٌ قبيحٌ ولا مؤمنٌ مخلصٌ .\rقوله : { كََأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } : يعني طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم .","part":2,"page":1},{"id":502,"text":"مَن لم يَقْتُلْ نَفْسَه في نَفْسِه لا يصحُّ جهادُه بنفسِه؛ فأولا ( إخراج خطر الروح ) من القلب ثم تسليم النفس للقتل .\rوقوله : { فَسَوْفَ نُؤْتِيهَ أَجْرًا عَظِيمًا } يعني بقاؤنا بعده خيرٌ له من حياته بنفسه لنفسه ، قال قائلهم :\rألست لي عِوَضاً مني؟ كفى شَرَفاً ... فما وراءك لي قصدٌ ومطلوب","part":2,"page":2},{"id":503,"text":"أي شيء يمنعكم عن القتال في سبيل الله؟ وما الذي لا يُرَغِّبُكُم في بذل المهجة لله؟ وماذا عليكم لو بذلتم أرواحكم في الله ولله؟ أتخافون أن تخسِرُوا على الله؟ أم لا تعلمون أنكم تُحشَرُونَ إلى الله؟ فلم لا تكتفون ببقائه بعد فنائكم في الله؟","part":2,"page":3},{"id":504,"text":"المخلصَون لله لا يؤثِرُون شيئاً على الله ، ولا يضنون بشيء عن الله ، فهم أبداً على نفوسهم لأجل الله ، والذين كفروا على العكس من أحوال المؤمنين . ثم قوَّاهم وشجعهم بقوله : { فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ } أي لا تُضْمِرُوا لهم مخافة ، فإني متوليكم وكافيكم على أعدائكم .","part":2,"page":4},{"id":505,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } .\rأخْرِجُوا أيديَكُمْ عن أمورِكم ، وكِلُوها إلى معبودكم .\rويقال اقصروها عن أخذ الحرام والتصرف فيه .\rويقال امْتَنِعُوا عن الشهوات .\rويقال : { كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ } إلا عن رَفْعِها إلى الله في السؤال بوصف الابتهال .\rفلمَّا كتب عليهم القتال استثقلوا أمره ، واستعجلوا لطفه . والعبودية في تَرْكِ الاستثقال ، ونفي الاستعجال ، والتباعد عن التبرم والاستثقال .\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاُ } .\rمَكَّنَكَ من الدنيا ثم قال : { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ } فلم يَعُدَّها شيئاً لك ثم لو تَصَدَّقْتَ منها بِشقِّ تمرةٍ لتَخَلَّصْتَ من النار ، وحظيت بالجنة ، وهذا غاية الكرم .\rواستقلالُ الكثير من نفسك - لأجل حبيبك - أقوى أمارات صُحْبتك .\rويقال لما زَهَّدَهم في الدنيا قلَّلَها في أعينهم ليهون ( عليها ) تركها .\rويقال قل متاعُ الدنيا بجملتها قليلٌ ، والذي هو نصيبك منها أقلُّ من القليل ، فمتى يناقشك لأجلها ( بالتخليل ) ، ولو سَلِم عهدك من التبديل؟\rوإذا كانت قيمة الدنيا قليلة فأخَسُّ من الخسيس مَنْ رَضِيَ بالخسيس بدلاً عن النفيس .\rوقد اخْتَلَعَ المؤمن من الكون بالتدريج . فقال أولاً : { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ } ( فاحفظهم ) عن الدنيا بالعقبى ، ثم سلبهم عن الكونين بقوله : { وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [ طه : 73 ] .","part":2,"page":5},{"id":506,"text":"الموت فرح للمؤمن ، فالخبرُ عن قرْبه بِشارةٌ له ، لأنه سببٌ يوصله إلى الحق ، ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءه .\rويقال إذا كان الموت لا بد منه فالاستسلام لحكمه طوعاً خيرٌ من أن يحمل كرهاً .\rثم أخبر أنهم - لضَعْفِ بصائرهم ومرض عقائدهم - إذا أصابتهم حَسَنَةٌ فَرِحُوا بها ، وأظهروا الشكر ، وإن أصابتهم سيئة لم يهتدوا إلى الله فجرى فيهم العرْقُ المجوسي فأضافوه إلى المخلوق ، فَرَدَّ عليهم وقال : قل لهم يا محمد كلُّ من عند الله خلقاً وإبداعاً ، وإنشاء واختراعاً ، وتقديراً وتيسيراً .","part":2,"page":6},{"id":507,"text":"ما أصابك من حسنة فمن الله فضلاً ، وما أصابك من سسيئة فمن نفسك كسباً وكلاهما من الله سبحانه خَلْقاً .","part":2,"page":7},{"id":508,"text":"هذه الآية تشير إلى الجَمْع لحال الرسول - A ، فقال سبحانه طاعته طاعتنا ، فمن تقرَّبَ منه تقرَّبَ منا ، ومقبولُه مقبولُنا ، ومردودُه مردودنا .","part":2,"page":8},{"id":509,"text":"يعني إذا حضروك استسلموا في مشاهدتك ، فإذا خرجوا انقطع عنهم نور إقبالك ، فعادوا إلى ظلمات ، كما قالوا :\rإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه","part":2,"page":9},{"id":510,"text":"تدبرُ إشارة المعاني بغوص الأفكار ، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاستنباط .\rقوله : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ } : لمَّا كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل إليه أسرارهم فأظهروا السرَّ بعضُهم لبعض . فأمَّا المؤمنون فعالِمُ أسرارهم مولاهم ، وما يسنح لهم خَاطَبُوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السِّر لمخلوق؛ فسامِعُ نجواهم الله ، وعالِم خطابهم الله .\rقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ } أي لو بَثوا أسرارهم عند من هو ( . . . . ) ومَنْ هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال ، وأمدوهم بنور الهداية والإرشاد .\r{ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ } مع أوليائه لهاموا في كل وادٍ من التفرقة كأشكالهم في الوقت .","part":2,"page":10},{"id":511,"text":"اسْتَقِمْ معنا بتسليم الكُلِّ مِنْكَ إلى أمرنا؛ فإنَّك - كما لا يقارنُكَ أحَدٌ في رتبتك لعلوِّك على الكل - فنحن لا نكلِّف غيرك بمثل ما تكلفت ، ولا نُحَمِّل غيرك ما تحملت لانفرادك عن أشكالك في القدوة .","part":2,"page":11},{"id":512,"text":"الشفيع يخلِّص للمشفوع له حاله . ويستوجب الشفيعُ - من الله سبحانه على شفاعته - عظيمَ الرتبة ، ومَنْ سعى في أمرنا بالفساد تحمَّل الوِزْرَ واحتقب الإثم .","part":2,"page":12},{"id":513,"text":"تعليم لهم حُسْنَ العِشْرة وآداب الصحبة . وإن من حمَّلَكَ فَضلاً صار ذلك - في ذمتك - له قرضاً ، فإمَّا زِدْتَ على فِعله وإلاَّ فلا تنقص عن مثله .","part":2,"page":13},{"id":514,"text":"هذا الخطاب يتضمن نفياً وإثباتاً؛ فالنفي يعود إلى الأغيار ويستحيل لغيره ما نفاه ، والإثبات له بالإلهية ويستحيل له النفي فيما أثبته .","part":2,"page":14},{"id":515,"text":"( . . . . . ) العهد فيهم أنهم أعدائي ، لا ينالون مِنِّي في الدنيا والعقبى رضائي ، وإنكم لا تُنْقِذون بهممكم من أقمته بقسمتي فإن المدار على القُسَم دون ( . . . . ) .","part":2,"page":15},{"id":516,"text":"الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون منهم ، وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! وما دام المخالفون لكم غير موافقين فبائنوهم وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال ، ولا تعاشروهم ، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً؛ وموافِقٌ لك في قصدِك خيرٌ لك من مخالفٍ على الكره تعاشره .\rقوله : { إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ } الإشارة من هذه الآية أن عند الأعذار أذِن في معاشرة في الظاهر رفقاً بالمستضعفين .\r{ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ } الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة معرجين في أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلِّموا لهم أحوالهم . فإن أمكنكم أن تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم وإلا فسلِّموا لهم أحوالهم .","part":2,"page":16},{"id":517,"text":"إن من رام الجمع بين الضدين خاب سعيُه ، ولم يرتفع عزمُه ، فكما لا يكون شخص واحد منافقاً وملسماً لا يكون شخص واحد مريداً للحق ومقيماً على أحكام أهل العادة . فإن الإرادة والعادة ضدان ، والواجب مباينة الأضداد ، ومجانبة الأجانب .","part":2,"page":17},{"id":518,"text":"خفَّف أمْرَ الخطأ على فاعله حتى حَمَّل موجب قتل الخطأ على العاقلة؛ فالخواص عاقلة المستضعفين من الأمة ، وأهل المعرفة عاقلة المريدين ، والشيوخ عاقلة الفقراء؛ فسبيلُهم أن يحْمِلوا أثقال المستضعفين فيما ينوبهم .","part":2,"page":18},{"id":519,"text":"كما يُحرَّم قتلُ غيرك يحرَّمُ قتلُ نفسك عليك ، ومن اتَّبعَ هواه سعى في دَمِ نفسه ، ومن لم ينصح مريداً بحسنِ وعظِه ولم يُعِنْه بهمته فقد سعى في دمِه ، وهو مأخوذ بحاله وخليق بأن تكون له عقوبة الأذية بألا يتمتع بما ضنّ به على المريدين من أحواله : ولقد قال - سبحانه - : يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له ( خادماً ) .","part":2,"page":19},{"id":520,"text":"عَاشِرُوا الناسَ على ما يُظْهِرُون من أحوالهم ، ولا تَتَفَرَّسوا فيهم بالبطلان؛ فإنَّ مُتَوَلِّيَ الأسرار الله . هذا إذا كان غرضٌ فاسدٌ يحملكم عليه من أحكام النَفْس ، فأمَّا من كان نظرُه بالله ولم يَنْسَتِرْ عليه شيءٌ فَلْيَحْفَظْ سِرَّ الله فيما كوشِفَ به ، ولا يظهر لصاحبه ما أراد الله فيه .","part":2,"page":20},{"id":521,"text":"الحقُّ سبحانه جمع جميع أوليائه في أفضاله لكنه غَايَرَ بينهم في الدرجات ، فَمِنْ غنيٍّ ومن عبدٍ هو أغنى منه ، ومِنْ كبيرٍ ومن هو أكبر منه ، هذه الكواكب دُرِّية ولكن القمرَ فوقها ، وإذا طلعت الشمسُ بهرت الجميع بنورها!","part":2,"page":21},{"id":522,"text":"الإشارة منه إلى من أدركه الأجلُ وهو في أسْر نَفْسه وفي رِقِّ شهواته - ليس له عذر حيث لم يهاجر إلى ظِلِّ قُربته ليتخلَّصَ مِنْ هوى نفسِه إذ لا حجابَ بينك وبين هذا الحديث إلا هواك .","part":2,"page":22},{"id":523,"text":"الإشارة منه إلى الذين مَلَكَتْهُم المعاني فأفنتهم عنهم ، فَبَقُوا مُصَرَّفِين له ، لا لهم حَوْلٌ ولا قوة ، يبدو عليهم ما يُجْرِيه - سبحانه - عليهم ، فهم بعد عود نفوسهم بحق الحقّ محوٌ عنهم ، فلا يهتدون إلى غيره سبيلاً ، ولا يتنفَّسون لغيره نَفَساً .\rويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن يتفضَّل الحقُّ - سبحانه - عليهم بالعفو .","part":2,"page":23},{"id":524,"text":"مَنْ هَاجَرَ في الله عما سوى الله ، وصحح قَصَده إلى الله وَجَدَ فسحة في عقوة الكَرَم ، ومقيلاً في ذرى القبول ، وحياة وَسَعةً في كنف القرب .\rوالمهاجر - في الحقيقة - من هجر نَفْسَه وهواه ، ولا يصحُّ ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته ، ومَنْ قَصَدَه ثم أدركه الأجلُ قبل وصوله فلا ينزل إلا بساحات وصله ، ولا يكون محطُّ روحه إلا أوطان قربه .","part":2,"page":24},{"id":525,"text":"القَصْرُ في الصلاة سُنَّةٌ في السفر ، وكان في ابتداء الشرع عند الخوف ، فأقرَّ ذلك مع زوال الخوف رفقاً بالعباد ، فلما دخل الفرضَ القَصرُ لأجل السفر عوضوا بإباحة النَّفل في السفر على الراحلة أينما توجهت به دابته من غير استقبال ، فكذلك الماشي؛ ليُعْلَم أنَّ الإذنَ في المناجاة مستديمٌ في كل وقت؛ فإن أردْتَ الدخول فمتى شئت ، وإن أردت التباعد مترخصاً فلك ما شئت ، وهذا غاية الكرم ، وحفظ سُنَّة الوفاء ، وتحقق معنى الولاء .","part":2,"page":25},{"id":526,"text":"تدل هذه الآية على أن الصلاة لا ترتفع عن العبد ما دام فيه نَفَسٌ من الاختيار لا في الخوف ولا في الأمن ، ولا عند غلبات أحكام الشرع إذا كنت بوصف التفرقة ، ولا عند استيلاء سلطان الحققة إذا كنتَ بعين الجمع .","part":2,"page":26},{"id":527,"text":"الوظائف الظاهرة مُوَقته وحضور القلب بالذكر مسرمد غير منقطع؛ أمَّا بالرسوم فوقتاً دون وقت ، وأمَّا بالقلوب فإياكم والغيبة عن الحقيقة لحظة كيفما اختلفت بكم الأحوال . . الذكرُ كيفما كنتم وكما كنتم ، وأما الصلاةُ فإذا اطمأننتم .","part":2,"page":27},{"id":528,"text":"قوموا بالله وليكن استنادكم في جهادكم إلى الله .\r{ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ } : القومُ شاركوكم في إحساس الألم ، ولكن خالفوكم في شهود القلب ، وأنتم تشهدون ما لا يشهدون ، وتجدون لقلوبكم ما لا يجدون ، فلا ينبغي أن تستأخروا عنهم في الجد والجهد .","part":2,"page":28},{"id":529,"text":"لم يأمرُك بالحكم بينهم على عمًى ولكن بما أراك الله أي كاشفك به من أنوار البصيرة حتى وقفت عليه بتعريفنا إياك وتسديدنا لك ، وكذلك من يحكم بالحق من أمتك .\rقوله : { وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } : أي لا تناضِل عن أرباب الحظوظ ولكن مع أبناء الحقوق ، ومن جنح إلى الهوى خان فيما أودع نفسه من التقوى ، ومَنْ رَكَنَ إلى أنواع نوازع المنى خان فيما طولب به من الحياء لاطلاع المولى .\r{ وَاسْتَغْفِرِ اللهَ } لأمتك؛ فإنا قد كفيناك حديثك بقولنا : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك .","part":2,"page":29},{"id":530,"text":"هم المؤثرون حظوظهم على حقوقه ، والراضون بالتعريج في أوطان هواهم دون النقلة إلى منازل الرضا ، إن الله لا يحب أهل الخيانة فيذلهم - لا جَرَم - ولا يكرمهم .\rقوله : { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ } الغالب على قلوبهم رؤية الخلق ولا يشعرون أنَّ الحق مُطَّلِعٌ على قلوبهم أولئك الذين وَسَمَ الله قلوبهم بوسم الفرقة .","part":2,"page":30},{"id":531,"text":"أي ندفع عنهم - بحرمتك - لأنك فيهم ، فكيف حالهم يوم القيامة إذ زالت عنهم بركاتكم أيها المؤمنون؟!","part":2,"page":31},{"id":532,"text":"« ثم » : حرفٌ يدل على التراخي؛ أي يزجون عمرهم في البطالات والمخالفات ثم في آخر أعمارهم يستغفرون الله .\rوقوله : { يَجِدِ اللهَ } : الوجود غاية الحديث ، والعاصي لا يطلب غير الغفران ، ولكن الله - سبحانه يوصله إلى النهاية بفضله - إذا شاء ، فسُنَّتُه تحقيق ما فوق المأمول لمن رجاه .","part":2,"page":32},{"id":533,"text":"الحَقُّ غنيٌّ عن طاعة المطيعين ، وزلة العاصين ، فمن أطاع فحظُّه حَصَّلَ ، ومن عصى فحظه أخذ .","part":2,"page":33},{"id":534,"text":"من نسب إلى بريء ما هو صفته من المخازي عكس الله عليه الحال ، وألبس ذلك البريء ثواب محاسن راميه ، وسحب ذيل العفو على مساويه ، وقَلَبَ الحال على المتعدِّي بما يفضحه بين أشكاله ، في عامة أحواله .","part":2,"page":34},{"id":535,"text":"الفضلُ إحسانٌ غيرُ مستحق ، والإشارة ههنا - من الفضل - إلى عصمته إياه ، فالحقُّ - سبحانه - عَصَمَه تخصيصاً له بتلك العصمة ، وكما عصمه عن تَرْكِ حقه - سبحانه - عصمته بأن كفَّ عنه كيد خلقه فقال : { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } الآية .\rكلاَّ ، لن يكونَ لأحدٍ سبيلُ إلى إضلالك فأنت في قبضة العزة ، وما يُضِلُّونَ إلا أنفسهم ، وما يضرونك بشيء ، إذ المحفوظ منا محروس عن كل غير ، وإنَّ الله سبحانه قد اختصك بإنزال الكتاب ، واستخلصك بوجوه الاختصاص والإيجاب ، وعلَّمك ما لم تكن تعلم ، ولم يمن عليك بشيءٍ بمثل ما مَنَّ به على من خصَّه به من العلم . ويحتمل أنه أراد به علمه - A - بالله وبجلاله ، وعلمه بعبودية نَفْسه ، ومقدار حاله في استحقاق عِزِّه وجماله .\rويقال علَّمك ما لم تكن تعلم من آداب الخدمة إذ لم تكن ملتبساً عليك معرفة الحقيقة .\rويقال أغناك عن تعليم الأغيار حتى لا يكون لأحدٍ نور إلا مُقْتَبَساً مِنْ نورِك ، ومَنْ لم يمشِ تحت رايتك لا يصل غلى جميع برِّنا ، ولا يحظى بقربنا وَوصْلنا .\r{ وَكَان فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } : في الآباد؛ أنَّكَ كنت - لنا بشرف العز وكرم الربوبية في الآزال - معلوماً . ويقال وعلَّمك ما لم تكن تعلم من عُلُوِّ رُتْبَتِكَ على الكافة .\rويقال : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } أنَّ أحَداً لا يُقَدِّرُ قَدْرَنا إلا بمقدار مُوافَقَتِه لأمْرِنا .","part":2,"page":35},{"id":536,"text":"أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبَه إلى غيره؛ ففضيلة الصَدَقَة يتعدى نفعها إلى من تصل إليه ، والفُتُوةُ أن يكون سعيك لغيرك ، ففي الخبر : « شَرُّ الناسِ مَنْ أكَلَ وَحْدَه » وكلُّ أصناف الإحسان ينطبق عليها لفظ الصدقة .\rقال A في قَصْرِ الصلاة في السفر : « هذه صدقة تصدَّقها الله عليكم فاقبلوا صَدَقَته » .\rوالصدقة على أقسام : صدقتك على نفسك ، وصدقتك على غيرك؛ فأمَّا صدقتك ( على نفسك فَحْملُها على أداء حقوقه تعالى ، ومَنْعُها عن مخالفة أمره ، وقصرُ يدها عن أذية الخَلْق وصَوْنُ خواطرها وعقائدها عن السوء . وأمَّا صدقتك ) على الغير فَصَدقةٌ بالمال وصدقة بالقلب وصدقة بالبدن .\rفصدقة بالمال بإنفاق النعمة ، وصدقة بالبدن بالقيام بالخدمة ، وصدقة بالقلب بحسن النية وتوكيد الهمة .\rوالصدقة على الفقراء ظاهرة لا إشكالَ فيها ، أمَّا الصدقة على الأغنياء فتكون بأن تجود عليهم بهم ، فتقطع رجاءك عنهم فلا تطمع فيهم .\rوأمّا المعروف : فكلُّ حَسَنٍ في الشرع فهو معروف ، ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله ، وزلفى عنده ، وإعلاء النواصي بالطاعة .\rومن تصدَّق بنفسه على طاعة ربه ، وتصدَّقَ بقلبه على الرضا بحكمه ، ولم يخرج بالانتقام لنفسه ، وحثَّ الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربه ، وأصلح بين الناس بِصِدْقه في حاله - فإنَّ لسان فعله أبلغ في الوعظ من لسان نطقه ، فهو الصِّدِيق في وقته . ومن لم يؤدِّبْ نَفْسَه لم يتأدبْ به غيرُه ، وكذلك من لم يهذِّب حالَه لم يتهذَّبْ به غيره .\r{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ } غيرَ سائلٍ به مالاً أو حائزٍ لنفسه به حالاً فعن قريب يبلغ رتبة الإمامة في طريق الله ، وهذا هو الأجر الموعود في هذه الآية .","part":2,"page":36},{"id":537,"text":"خواطر الحق سفراؤه تعالى إلى العبد ، فمن خَالَفَ إشارات ما طولب به مِنْ طريق الباطن استوجب عقوبات القلوب ، ومنها أنْ يَعْمَى عن إبصار رشده . وكما أن مخالفَ الإجماع عن الدين خارجٌ فمخالِفُ ما عرف من الحقيقة بعد ما تبين له الطريق - ساقط .","part":2,"page":37},{"id":538,"text":"قوله : { إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } : إثبات الغير في توهم ذرة من الإبداع عين الشِرْك ، فلا للعفو فيه مساغ . وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ ، ومن توسَّل إليه سبحانه بما توهَّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم . كلاّ ، بل هو الله الواحد .\rقوله : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا } : أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ ، وانخرطوا في سلك التوهم ، وركنوا إلى مغاليط الحسبان ، فَضَلُّوا عن الحقيقة .\r{ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ اللهُ } ، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته ، وأسحقه بِبُعده ، وما إبليس غلا مُقَلَّبٌ في القبضة على ما يريده المنشئ ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية . كلاَّ ، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلْقِ أحوالاً ، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً ، فهو الهادي والمُضِل ، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل ، فيخلق ( . . . . ) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال ، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال ، ثم لا يجعل لأمانيِّهم تحقيقاً ، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً ، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً ، ويضيفها إلى الشيطان مرةً ، وإلى الكافر مرة ، وهذا معنى قوله : { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ } . . . الآية ومعنى قوله تعالى : { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ } .","part":2,"page":38},{"id":539,"text":"الذين قسم لهم الضلالة في الحال حكم عليهم بالعقوبة في المآل ، ولولا أنه أظهر ما أظهر بقدرته وإلا متى كانت شظية من الضلالة والهداية لأربابها؟! والوقوفُ على صدق التوحيد عزيزٌ ، وأربابُ التوحيد قليلٌ .","part":2,"page":39},{"id":540,"text":"الذين أسعدناهم حكماً وقَوْلاً ، أنجدناهم حين أوجدناهم كرماً وطَوْلاً ، ثم إنَّا نُحقِّق لهم الموعودَ من الثواب ، بما نُكْرِمُهم به من حسن المآب .","part":2,"page":40},{"id":541,"text":"مَنْ زَرَعَ الحنظل لم يجتْنِ الورد والعبهر ، ومن شرب السُّمَّ الزَّعاف لم يجد طعم العسل ، كذلك مَنْ ضيَّعَ حقَّ الخدمة لم يستمكِنْ على بساط القربة ، وَمَنْ وُسِمَ بالشِّقوة لم يُرْزَقْ الصفوة ، ومَنْ نَفَتْه القضية فلا ناصرَ له من البَريَّة .\rقوله : { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } الآية . مَنْ تَعَنَّي في خدمتنا لم يبق عن نَيْلِ نعمتنا ، بل من أغنيناه في طلبنا أكرمناه بوجودنا ، بل من جرَّعْنَاه كأسَ اشتياقنا أنلناه أُنْسَ لقائنا .","part":2,"page":41},{"id":542,"text":"لا أحدَ أحسنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله؛ يعني أفرد قصده إلى الله ، وأخلص عقده لله عما سوى الله ، ثم استسلم في عموم أحواله لله بالله ، ولم يدَّخِرْ شيئاً عن الله؛ لا من ماله ولا من جَسَدِه ، ولا من روحه ولا من جَلَدِه ، ولا من أهله ولا من وَلَدِه ، وكذلك كان حال إبراهيم عليه السلام .\rوقوله : { وَهُوَ مُحْسِنٌ } : الإحسان - بشهادة الشرع - أن تعبد الله كأنك تراه ، ولا بد للعبد من بقية من عين الفرق حتى يصحّ قيامه بحقوقه - سبحانه - لأنه إذا حصل مستوفيّ بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه ، وهذا اتِّباع إبراهيم عليه السلام الحنيف الذي لم يبق منه شيء على وصف الدوام .\rوقوله : { وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } : جرَّد الحديث عن كل سعي وكدٍ وطلبٍ وجهدٍ حيث قال : { وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } فعُلِمَ أَنَّ الخلَّة لُبسةٌ يُلبِسها الحقُّ لا صفةٌ يكتسبها العبد .\rويقال الخليل المحتاج بالكلية إلى الحق في كل نَفَسٍ ليس له شيء منه بل هو بالله لله في جميع أنفاسه وأحواله ، اشتقاقاً من الخُلَّة التي هي الخَصَاصة وهي الحاجة .\rويقال إنه من الخلة التي هي المحبة ، والخلة أن تباشِر المحبةُ جميع أجزائه ، وتتخلل سِرَّه حتى لا يكون فيه مساغ للغير .\rفلمَّا صفَّاه الله - سبحانه - ( عليه السلام ) عنه ، وأخلاه منه نَصَبَه للقيام بحقه بعد امتحائه عن كل شيء ليس لله سبحانه .\rثم قال : { وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً } [ الحج : 27 ] لا يلبي الحاج إلا لله ، وهذه إشارة إلى جمع الجمع .","part":2,"page":42},{"id":543,"text":"نهاهم عن الطمع الذي يحملهم على الحيف والظلم على المستضعفين من النِّسْوان واليتامى ، وبَيَّنَ أنَّ المنتقِمَ به لهم الله ، فَمَنْ راقب الله فيهم لم يخسر على الله بل يجد جميل الجزاء ، ومن تجاسر عليهم قاسى لذلك أليمَ البلاء .","part":2,"page":43},{"id":544,"text":"صحبة الخلق بعضهم مع بعض إن تجردت عن حديث الحق فإنها تتعرض للوحشة والملامة ، وممازجة النفرة والسامة . فمَنْ أعرض عن الله بقلبه أعرض الخلْقُ عن مراعاة حقه ، وخرج الكافة عليه باستصغار أمره واستحقار قَدْرِه . ومَنْ رجع إلى الله بقلبه ، استوى له - في الجملة والتفصيل - أمرُه ، واتسع لاحتمال ما يستقبل من سوء خُلُقِ الخَلْق صدرُه فهو يسحب ذيلَ العفو على هَنَاتِ جميعهم ، ويُؤثِرُ الصلح بترك نصيبه وتسليم نصيبهم قال الله تعالى : { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } .\rواتضاعك في نفسك عن منافرة مَنْ يخاصمك أجدى عليك ، وأحرى لك من تطاولك على خصمك باغياً الانتقام ، وشهودِ مَالَكَ في مزية المقام . وأكثر المنافقين في أسْرِ هذه المحنة .\rقوله تعالى : { وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ } : وشُحُّ النَفْس قيام العبد بحظِّه .\rفلا محالة مَنْ حُجِبَ عن شهود الحق رُدَّ إلى شهود النَّفْس .\rقوله تعالى : { وَإِن تُحْسِنُوا } : يعني يكن ذلك خيراً لكم . والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه .\r{ وَتَتَّقُوا } : يعني عن رؤيتكم مقامَ أنفسكم ، وشهود قَدْرِكم ، يعني وأنْ تروا ربَّكم ، وتفنوا برؤيته عن رؤية قدْرِكم .\r{ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } يعني إذا فنيتم عنكم وعن عملكم ، فكفى بالله عليماً بعد فنائكم ، وكفى به موجداً عقب امتحائكم .","part":2,"page":44},{"id":545,"text":"يعني أنْكم إذا ( . . . . ) في أموركم انعكس الحال عليكم ، وانعكس صلاح ذات بينكم فساداً لكم ، فإذا قمتم بالله في أموركم استوى العيشُ لكم ، وصفا عن الكدر وقتكم .\rويقال مَنْ حَكَم الله بنقصان عقله في حاله فلا تقتدرون أن تجبروا نقصانهم بكفايتُكم .\rقوله تعالى : { فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ } : يعني لا تزيغوا عن نهج الأمر .\rقِفوا حيثما وُقْفتم ، وأنفذوا فيما أُمِرْتُم .\rوقوله : { فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ } يعني أنكم إذا منعتموهن عن صحبة أغياركم ثم قطعتم عنهن ما هو حظوظهن منكم أضررتم بهن من الوجهين؛ لا منكم نصيب ، ولا إلى غيركم سبيل ، وإن هذا الحيف عظيم . والإشارة من هذا أنه إذا انسد عليك طريق حظوظك فَتَحَ - سبحانه - عليك شهود حقه ، ووجود لطفه؛ فإنَّ من كان في الله تلَفُه فالحق - سبحانه - خَلَفُه ، وإنْ تُصْلِحوا ما بينكم وبين الخَلْق ، وتثقوا فيما بينكم وبين الحق فإن الله غفور لعيوبكم ، رحيم بالعفو عن ذنوبكم .","part":2,"page":45},{"id":546,"text":"الصحبة التي لا بُدَّ منها صحبةُ القلب مع دوام افتقارٍ إلى الله؛ إذ الحقُّ لا بُدَّ منه . فأمَّا الأغيار فلا حاجة لبعضهم إلى بعض إلا من حيث الظاهر ، وذلك في ظنون أصحاب التفرقة ، فأمَّا أهل التحقيق فلا تحرية لهم أن حاجة الخلق بجملتها إلى الله سبحانه .","part":2,"page":46},{"id":547,"text":"كلَّف الكافة بالرجوع إليه ، ومجانبة مَنْ سِواه ، والوقوف على أمره ، ولكن فريقاً وُفِّق وَفَرِيقًا خُذِل . ثم عَرَّفَ أهلَ التحقيق أنه غَنِيٌّ عن طاعة كلِّ وليِّ ، وبريء عن زلة كل غويٍّ .","part":2,"page":47},{"id":548,"text":"قَطَعَ الأسرار عن التَّعلُّق بالأغيار بأن عرَّفهم انفراده بمُلْكِ ما في السموات والأرض ، ثم أطمعهم في حسن تولِّيه ، وقيامه بما يحتاجون إليه بجميل اللطف وحسن الكفاية بقوله : { وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً } يصلح يملك حالك ولا يختزل مالك .","part":2,"page":48},{"id":549,"text":"من استغنى عنه في آزاله فلا حاجة له إليه في آباده . ويقال لا يحتاج إلى أحدٍ والعبد لا يستغني عنه في نَفَسٍ .\rويقال لا نهاية للمقدورات فإن لم يكن عمرو فَزَيْدٌ ، وإن لم يكن عبدٌ فعبيد ، والذي لا بَدَلَ عنه ولا خَلَفَ فهو الواحد أحد .","part":2,"page":49},{"id":550,"text":"لمَّا علَّقوا قلوبهم بالعاجل من الدنيا ذكَّرهم حديث الآخرة ، فقال : { فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } تعريفاً لهم أنَّ فوق هممهم من هذه الخسيسة ما هو أعلى منها من نعيم الآخرة ، فلمَّا سَمَتْ إلى الآخرة قصودُهم قطعهم عن كل مرسوم ومخلوق بقوله : { وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [ طه : 73 ] .","part":2,"page":50},{"id":551,"text":"القسط العدل ، والقيام بالله العدل بإيفاء حقوقه من نفسك ، واستيفاء حقوقه مِنْ كلِّ مَنْ هو لَكَ عليه أمر ، وإلى تحصيل ذلك الحق سبيل إمَّا أمر بمعروف أو زجر عن مكروه أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع أو هداية إلى حق .\rومَنْ بقي لله عليه حق لم يباشر خلاصة التحقيق سره لله .\rوأصل الدِّين إيثار حق الحق على حق الخلق ، فمن آثر على الله - سبحانه أحداً إمَّا والداً أو أُمّاً أو وَلَداً أو قريباً أو نسيباً ، أو ادَّخر عنه نصيباً فهو بمعزل عن القيام بالقسط .","part":2,"page":51},{"id":552,"text":"يا أيها الذين آمنوا من حيث البرهان آمِنوا من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث الكشف والعيان .\rويقال يا أيها الذين آمنوا تصديقاً آمنوا تحقيقاً بأن نجاتكم بفضله لا بإيمانكم .\rويقال يا أيها الذين آمنوا في الحال آمنوا باستدامة الإيمان إلى المآل .\rويقال يا أيها الذين آمنوا وراء كل وصل وفصل ووجد وفقد .\rويقال يا أيها الذين آمنوا باستعمال أدلة العقول آمنوا إذا أنختم بعقوة الوصول ، واستمكنت منكم حيرة البديهة وغلبات الذهول ثم أفقتم عن تلك الغيبة فآمنوا أن الذي كان غالباً عليكم كان شاهد الحق لا حقيقة الذات فإن الصمدية منزهة متقدسة عن كل قرب وبعد ، ووصل وفصل .","part":2,"page":52},{"id":553,"text":"الذين تبدَّلَتْ بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم انتعضوا ثم ختم بالسوء أحوالهم ، أولئك الذين قصمتهم سطوة العزة حكماً ، وأدركتهم شقاوة القسمة خاتمة وحالاً - فالحقُّ سبحانه لا يهديهم لقصد ، ولا يدلهم على رشد ، فبَشِّرْهم بالفُرْقة الأبدية ، وأخبرهم بالعقوبة السرمدية .","part":2,"page":53},{"id":554,"text":"من اعتصم بمخلوقٍ فقد التجأ إلى غير مُجير ، واستند إلى غير كهفٍ ، وسقط في مهواة من الغلط بعيد قعرها ، شديد مكرها . أيبتغون العِزَّ عند الذي أصابه ذلّ التكوين؟! متى يكون له عزٌّ على التحقيق؟ ومَنْ لا عزَّ له يلزمه فكيف يكون له عز يتعدَّى إلى غيره؟\rويقال لا ندري أي حالتهم أقبح : طلب العز وهم في ذل القهر وأسر القبضة أم حسبان ذلك وتوهمه من غير الله؟\rويقال مَنْ طَلَبَ الشيء من غير وجهه فالإخفاق غاية جهده ، ومن رام الغنى في مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كدِّه .\rويقال لو هُدُوا بوجدان العِزِّ لما صُرِفَتْ قُصُودُهم إلى من ليس بيده شيء من الأمر .\rقوله : { فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا } العزُّ على قسمين : عزٌّ قديمٌ فهو لله وصفاً ، وعزٌّ حادثٌ يختص به سبحانه من يشاء فهو له - تعالى - مِلْكاً ومنه لطفاً .\rقوله : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكِتَابِ } الآية : لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلماتِ أنفسِهم تتعدى إلى قلوبكم عند استنشاقكم ما يَرُدُّون من أنفاسهم ، فمن كان بوصفٍ ما متحققاً شاركه حاضروه فيه؛ فجليسُ مَنْ هو في أُنْسٍ مستأنِسِ ، وجليسُ من هو في ظلمةٍ مستوحِش .\rويقال هجرانُ أعداء الحقِّ فرضٌ ، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين ، والركون إلى أصحاب الغفلة قَرْعُ بابِ الفرقة .\rقوله : { إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } : أوضحُ برهانٍ على سريرة ( . . . . . ) صحبة من يقارنه وعِشْرة مَنْ يخادنه؛ فالشكل مقيد بشكله ، والفرعُ منتشِرٌ عن أصله .","part":2,"page":54},{"id":555,"text":"لمّا عَدِمُوا الإخلاص في الحقيقة ، وما ذقوا فيما استشعروا من العقيدة ، امتازوا عن المسلمين في الحُكْم ، وباينوا الكافرين في الاسم ، وواجبٌ على أهل الحقِّ التحرُّزُ عنهم والتحفُّظ منهم ، ثم ضمن لهم - سبحانه - جميلَ الكفاية بقوله : { وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } وهذا على العموم؛ فإن وبال كيدهم إليهم مصروف ، وجزاء مَكْرِهم عليهم موقوف ، والحقُّ - من قِبَلِ الحقِّ سبحانه - منصورٌ أهلُه ، والباطلُ - بنصر الحقِّ سبحانه - مُجْتثٌ أصلُه .","part":2,"page":55},{"id":556,"text":"خداع المنافقين : إظهار الوفاق في الطريقة واستشعار الشِرْك في العقيدة .\rوخداع الحق إياهم : ما توهموه من الخلاص ، وحكموا به لأنفسهم من استحقاق الاختصاص ، فإذا كُشِفَ الغطاء أيقنوا أن الذي ظنُّوه شراباً كان سراباً ، قال تعالى : { وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } [ الزمر : 47 ] .\rوقوله : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا } الآية : علامة النفاق وجود النشاط عند شهود الخلق ، وفتور العزم عند فوات رؤية الخلق .\rوقوله : { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ } الآية : أخَسُّ الخَلْقِ من يَدَعُ صدار العبودية ، ولم يجد سبيلاً إلى حقيقة الحرية ، فلا بد له من العز شظية ، ولا في الغفلة عيشة هنية .","part":2,"page":56},{"id":557,"text":"كرَّر عليهم الوعظ ، وأكَّد بمباينة الأعداء عليهم الأمر ، إبلاغاً في الإنذار ، وتغليظاً في الزجر ، وإلزاماً للحجة ( . . . . ) موضع العذر .\rقوله : { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا للهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا } : تَوَعَّدَهم على موالاتهم للكفار بما لم يتوعَّد على غيره من المخالفات ، لما فيه من إيثار الغير على المعبود؛ وإيثارُ الغير على المحبوب من أعظم الكبائر في أحكام الوداد . فإذا شَغَلَ من قلبه محلاً - كان للمؤمنين - بالأغيار استوجب ذلك العقوبة فكيف إذا شغل محلاً من قلبه - هو للحق - بالغير؟!\rوالعقوبة التي تَوَعَّدَهم بها أنْ يَكِلهَم وما اختاروه من موالاة الكفار ، وبئس البدل!\rكذلك مَنْ بقي عن الحق تركه مع الخَلْق؛ فيتضاعف عليه البلاءُ للبقاء عن الحق والبقاء مع الخلق ، وكلاهما شديدٌ مِنَ العقوبة .","part":2,"page":57},{"id":558,"text":"دلَّت الآية على أنَّ المنافق ليس بمُسْتأمنٍ لأنَّ الإيمان ما يوجب الأمان ، فالمؤمن يتخلَّص بإيمانه من النار ، فما يكون سبب وقوعه في الدرك الأسفل من النار لا يكون إيماناً ، ويقال هذا تحقيق قوله : { وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ } [ آل عمران : 54 ، والأنفال : 30 ] أي مَكْرُه فوق كل مَكْرٍ . لمَّا أظهر المنافق ما هو مكر مع المؤمنين كانت عقوبتهم أشد من عقوبة من جاهر بكفره .\rويقال نقلهم في آجلهم إلى أشد ما هم عليه في عاجلهم ، لِمَا في الخبر : « من كان بحالةٍ لقي الله بها » فالمنافق - اليومَ - في الدرك - الأسفل من الحجر - فكذلك ينقلون إلى الدرك الأسفل من النار . والدرك الأسفل من الحجر - اليوم - لهم ما عليهم من اسم الإيمان وليس لهم من الله شظية وهذا هو البلاء الأكبر .\rويقال استوجبوا الدرك الأسفل من النار لأنهم صحبوا اليوم اسم الله الأعظم لا على طريقة الحرمة . ويقال استوجبوا ذلك لأنهم أساءوا الأدب في حال حضورهم بألسنتهم ، وسوءُ الأدبِ يوجِبُ الطردَ .","part":2,"page":58},{"id":559,"text":"لم يشترط كل هذه الشرائط في رجوع أحدٍ عن جُرْمِه ما اشترط في رجوع المنافقين عن نفاقهم لصعوبة حالهم في كفرهم . وبعد تحصيلهم هذه الشروط قال لهم : { فَأُوْلَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ } ولم يقل من المؤمنين ، وفي هذا إشارة أيضاً إلى نقصان رتبتهم وإن تداركوا بإخلاصهم ما سبق من آفتهم ، وفي معناه أنشدوا :\rوالعُذر مبسوطٌ ولكنما ... شتان بين العذر والشكر\rويقال إن حرف ( مع ) للمصاحبة ، فإذا كانوا مع المؤمنين استوجبوا ما يستوجب جماعة المؤمنين ، فالتوبة ههنا أي رجعوا عن نفاقهم ، وأصلحوا - بصدقهم في إيمانهم ، واعتصموا بالله بالتبرؤ من حولهم وقوتهم ، وشاهدوا المِنَّة لله عليهم حيث هداهم ، وعن نفاقهم نجَّاهم .\rقوله : { وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ } : ونجاتهم بفضل ربهم لا بإيمانهم في الحال ، ورجوعهم عن نفاقهم فيما مضى عليهم من الأحوال .\rويقال أخلصوا دينهم لله وهو دوام الاستعانة بالله في أن يثبتهم على الإيمان ، ويعصمهم عن الرجوع إلى ما كانوا عليه من النفاق .\rويُقال : تابوا عن النفاق ، وأصلحوا بالإخلاص في الاعتقاد ، واعتصموا بالله باستدعاء التوفيق وأخلصوا دينهم لله في أن نجاتهم بفضل الله ولطفه لا بإتيانهم بهذه الأشياء - في التحقيق .","part":2,"page":59},{"id":560,"text":"هذه الآية من الآيات التي توجب حُسْنَ الرجاء وقوة الأمل ، لأنه جعل من أمارات الأمان من العقوبات شيئين اثنين : الشكر والإيمان ، وهما خصلتان يسيرتان خفيفتان؛ فإن الشكر قالة ، والإيمان حالة ، ولقد هوَّن السبيل على العبد حين رضي منه بقالته وحالته . والشكر لا يصح إلا من المؤمنين فأمَّا الكافر فلا يصح منه الشكر؛ لأن الشكر طاعته والطاعة لا تصح من غير المؤمن .\rوقوله : { وَآمَنتُمْ } يعني في المآل؛ فكأنه بيَّن ان النجاة إنما تكون لمن كانت عاقبته على الإيمان ، فمعنى الآية لا يعذبكم الله عذاب التخليد ، إن شكرتم في الحال وآمنتم في المآل .\rويقال : إن شكرتم وآمنتم صدقتم بأن نجاتكم بالله لا بشكركم وبإيمانكم .\rويقال الشكر شهود النعمة من الله والإيمان رؤية الله في النعمة ، فكأنه قال : إن شاهدتم النعمة من الله فلا يقطعنَّكم شهودها عن شهود المُنْعِم .\rوقوله : { وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } أي والله شاكر عليم ، ومعنى كونه شاكراً أنه مادِحٌ للعبد ومُشْهِدٌ عليه فيما يفعله لأن حقيقة الشكر وحَدَّه الثناء على المُحْسِن بذكر إحسانه؛ فالعبد يشكر الله أي يثني عليه بذكر إحسانه إليه الذي هو نعمته عليه ، والربُّ يشكر للعبد أن يثني عليه بذكر إحسانه الذي هو طاعته له ، فإن الله يثني عليه بما يفعله من الطاعة مع علمه بأن له ذنوباً كثيرة .\rويقال يشكره - وإنْ عِلِمَ أنه سيرجع في المستأنف إلى قبيح أعماله .\rويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه ، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصي وقَصْدُه مخالفةُ ربِّه ولكنه يُذْنِبُ لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة .\rويقال يشكره لأن العبد يعلم في حالة ذنوبه أنه له ربّاً يغفر له .","part":2,"page":60},{"id":561,"text":"قول المظلوم في ظالمه - على وجه الإذن له - ليس بسوءٍ في الحقيقة ، لكنه يصح وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى : { وَجَزَاؤاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] والجزاء ليس بسيئة .\rويقال مَنْ عَلِمَ أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثيرٍ مما تدعو نفسه إليه .\rويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تُحدِّثُ في نفسك من مساءة الخلق؛ فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون في أنفسهم بما ( يعد ) لا يُطالَب به كثيرٌ من العوام فيما يَسمعُ منهم الناس .\rقوله : { إلاَّ مَن ظُلِمَ } : قيل ولا من ظُلِمَ . وقيل معناه ولكن مَنْ ظُلِمَ فله أنْ يذكرَ ظالمَه بالسوء .\rويقال من لم يُؤثِرْ مدحَ الحقِّ على القَدْحِ في الخَلْق فهو المغبون في الحال .\rويقال من طَالَعَ الخلْقَ بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد الله لم يبسط فيهم لسان اللوم؛ يقول الرجل لصاحبه : « أنا أحْتَمِل من ( . . . . ) خدمتك لك ما لا أحتمله من ولدي » ، فإذا كان مثل هذا معهوداً بين الخلق فالعبد بمراعاة هذا الأدب - بينه وبين مولاه - أوْلى .\rويقال لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام ، ولا يحب ذلك بخطوره من الخواص .\rويقال الجهر بالسوء من القول من العوام أن يقول في صفة الله ما لم يَرِدْ به الإذن والتوفيق .\rوالجهر بالسوء من القول في صفة الخَلْق أن تقول ما ورد الشرع بالمنع منه ، وتقول في صفة الحق ما لا يتصف به فإنك تكون فيه كاذباً ، وفي صفة الخلق عن الخواص ما اتصفوا به من النقصان - وإن كنت فيه صادقاً .\rقوله : { وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } : سميعاً لأقوالكم ، عليماً بعيوبكم ، يعني لا تقولوا للأغيار ما تعلمون أنكم بمثابتهم .\rويقال سميعاً لأقوالكم عليماً ببراءةِ ساحةِ مَنْ تَقَوَّلْتُم عليه ، فيكون فيه تهديد للقائل - لبرئ الساحة - بما يتقوَّلُ عليه .\rويقال سميعاً : أيها الظالم ، عليمًا : أيها المظلوم؛ تهديدٌ لهؤلاء وتبشيرٌ لهؤلاء .","part":2,"page":61},{"id":562,"text":"{ إِن تُبْدُوا خَيْرًا } تخلقاً بآداب الشريعة ، وتخفوه تحققاً بأحكام الحقيقة .\r{ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ } أخذاً من الله ما ندبكم إليه من محاسن الخُلُق .\r{ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا } لعيوبكم { قَدِيرًا } على تحصيل محبوبكم وتحقيق مطلوبكم .\rويقال إن تبدوا خيراً لتكونوا للناس قدوة فيما تُسِنُّون وما تعينون غيركم على ما يُهَدْون به من سلوك سُنَّتكم ، وإن تخفوه اكفاءً بعلمه ، وصيانة لنفوسكم عن آفات التصنَّع ، وثقةً بأن من تعملون له يرى ذلك ويعلمه منكم ، وإن تعفوا عن سوءٍ أي تتركوا ما تدعوكم إليه نفوسكم فالله يجازيكم بعفوه على ما تفعلون ، وهو قادر على أن يبتليكم بما ابتلى به الظالم ، فيكون تحذيراً لهم من أن يغفلوا عن شهود المنَّة ، وتنبيهاً على أن يستعيذوا أن يُسلَبوا العصمة ، وأنْ يُخْذَلُوا حتى يقعوا في الفتنة والمحنة .\rويقال إنْ تبدوا خيراً فتحسنوا إلى الناس ، أو تخفوه بأن تدعوا لهم في السرِّ ، أو تعفوا عن سوءٍ إنْ ظُلِمْتم .\rويقال من أحسن إليك فأبْدِ معه خيراً جهراً ، ومن كفاك شرَّه فأخلِصْ بالولاء والدعاء له سِرَّاً ، ومن أساء إليك فاعفُ عنه كرمًا وفضلاً؛ تجِدْ من الله عفوَه عنك عما ارتكبت ، فإن ذنوبَك أكثرُ ، وهو قادرٌ على أنْ يُعطيَك من الفضل والإنعام ما لا تصل إليه بالانتصاف من خصمك ، وما تجده بالانتقام .","part":2,"page":62},{"id":563,"text":"أخبر عنهم أنهم أضافوا إلى قبيح كفرهم ما عُدَّ من ذميم فعلهم ، ثم بَيَّنَ أنه ضاعف من عذابهم ما كان جزاء جرمهم ، لِتَعْلَمَ أنه لأهل الفساد بالمرصاد .","part":2,"page":63},{"id":564,"text":"لما أمنوا بجميع الرسل ، وصَدَقُوا في جميع ما أُمِروا به استوجبوا القبول وحسن الجزاء . وتقاصر الإيمان عن بعض الأعيان كتقاصره عن بعض الأزمان ، فكما أنه لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع ( . . . . ) إلى آخر ما له - كذلك لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع من أُمِرَ بالإيمان به؛ إذ جعل ذلك شرط تحقيقه وكماله . فالإشارة في هذا أن من لم يخرج عن عهدة الإلزام بالكلية فليس له من حقيقة الوصل شظية ، قال A : « الحجُّ عرفة » فمن قطع المسافة - وإن كان من فج عميق - ثم بقي عن عرفات بأدنى بقية لم يُدْرِك الحج .\rوقال A : « المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم » .","part":2,"page":64},{"id":565,"text":"اشتملت الآية على جنسين من قبيح ما فعلوه : أحدهما سؤالهم الرؤية والثاني عبادة العجل بعدما ظهرت لهم الآيات الباهرة .\rفأمّا سؤالهم الرؤية فَذُمُّوا عليه لأنهم اقترحوا عليه ذلك بعد ما قطع عذرهم بإقامة المعجزات ، ثم طلبوا الرؤية لا على وجه التعليم ، أو على موجب التصديق به ، أو على ما تحملهم عليه شدة الاشتياق ، و كل ذلك سوء أدب .\rالإشارة فيه أيضاً أنْ مَنْ يكتفي بأن يكون العجلُ معبودَه - متى - يسلم له أن يكون الحقُّ مشهودَه؟\rويقال القومُ لم يباشِرْ العرفانُ أسرارَهم فلذلك عكفوا بعقولهم على ما يليق بهم من محدودٍ جوَّزوا أنْ يكون معبودَهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا } .\rحجةً ظاهرةً ، بل تفرداً صَانَه من التمثيل والتعطيل .\rوالسلطان المبين التحصيل والتنزيه المانع من التعطيل والتشبيه .\rويقال السلطان المبين القوة بسماع الخطاب من غير واسطة .\rويقال السلطان المبين لهذه الأمة غداً ، وهو بقاؤهم في حال لقائهم - قال A : « لا تضامون في رؤيته » - في خبر الرؤية .","part":2,"page":65},{"id":566,"text":"ما زادهم في الظاهر آيةً إلا زادوا في قلوبهم جحداً ونُكْراً ، فلم تنفعهم زيادة نصيب الإعلام؛ لمَّا لم تنفتح لشهودها بصائرُ قلوبهم ، قال تعالى : { وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنَّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } [ يونس : 101 ] .","part":2,"page":66},{"id":567,"text":"معناه لارتكابهم هذه المناهي ، ولاتصافهم بهذه المخازي ، أحللناهم منازل الهوان ، وأنزلنا بهم من العقوبة فنون الألوان .\rويقال لَحِقَهُمْ شؤم المخالفات حالة بعد حالة ، لأن من عقوبات المعاصي الخذلان لغيرها من ارتكاب المناهي؛ فَبِنَقْضِهم الميثاق ، ثم لم يتوبوا ، جرَّهم إلى كفرهم بالآيات ، ثم لشؤم كفرهم خذِلُوا حتى قتلوا أنبياءهم - عليهم السلام- بغير حقٍ ، ثم لشؤم ذلك تجاسروا حتى ادَّعوا شدةَ التفَهُّم ، وقالوا : قلوبنا أوعية العلوم ، فَرَدَّ الله عليهم وقال : { بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } فحَجَبَهُمْ عن محلِّ العرفان ، فعمهوا في ضلالتهم .","part":2,"page":67},{"id":568,"text":"مجاوزةُ الحدِّ ضلالٌ ، كما أن النقصانَ والتقاصرَ عن الحقِّ ضلالٌ ، فقومٌ تَقَوَّلُوا على مريم ورموها بالزنا ، وآخرون جاوزوا الحدَّ في تعظيمها فقالوا : ابنُها ابنُ الله ، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال .\rويقال مريم - Bها - كانت وليَّةَ الله ، فَشَقِيَ بها فرقتان : أهل الإفراط وأهل التفريط . وكذلك كان أولياؤه - سبحانه - فمُنْكِرُهَم يَشْقَى بِتَرْكِ احترامهم ، والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يَشْقَوْن بالزيادة في إعظامهم ، وعلى هذه الجملة دَرَجَ الأكثرون من الأكابر .\rقوله تعالى : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ } .\rقوله تعالى : { وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ } { عَزِيزًا حَكِيمًا } قيل أوقع الله شَبَهَهُ على الساعي به فقُتِلَ وصُلِبَ مكانه ، وقد قيل : مَنْ حفر بئراً لأخيه وقع فيها .\rوقيل إن عيسى عليه السلام قال : مَنْ رَضِيَ بأن يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل دوني فله الجنة ، فرضي به بعضُ أصحابه ، فيقال لمَّا صبر على مقاساة التلف لم يعدِم من الله الخلف ، قال الله تعالى : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [ الكهف : 30 ] .\rويقال لمَّا صَحَّتْ صحبةُ الرجل مع عيسى - عليه السلام - بِنَفْسِهِ صَحِبَه بروحه ، فلمَّا رُفِعَ عيسى - عليه السلام - إلى محل الزلفة ، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى محل القربة .","part":2,"page":68},{"id":569,"text":"لما حكم بأن لا أمَان لهم في وقت اليأس لم ينفعهم الإيمان في تلك الحالة ، فعُلِمَ أنَّ العِبْرَةَ بأمان الحقِّ لا بإيمان العبد .","part":2,"page":69},{"id":570,"text":"يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المُبَاحَات .\rفَمَنْ ركب محظوراً بظاهره حُرِم ما كان يجده من الأحوال المباحة ، والألطاف الحاصلة في سرائره .","part":2,"page":70},{"id":571,"text":"الراسخ في العلم هو ألا يكون في الدليل مُقَلِّداً ، كما لا يكون في الحكم مقلداً ، بل يضع النظر موضعه إلى أن ينتهي إلى حد لا يكون للشكِّ في عقله مساغ .\rويقال الراسخ في العلم من يرتقي عن حد تأمل البرهان ويصل إلى حقائق البيان .\rويقال الراسخ في العلم أن يكون بعلمه عامِلاً حتى يفيد عِلمَ ما خفي على غيره ، ففي الخبر : « من عمل بما علمه ورَّثه الله علم ما لم يعلم » .\rوخَصَّ { وَالمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ } في الإعراب فَنَصَب اللفظ بإضمار أعني على المدح لِمَا للصلاة من التخصيص من بين العبادات لأنها تالية الإيمان في أكثر المواضع في القرآن ، ولأن الله - سبحانه - أمر الرسول A ( بها ) ليلةَ المعراج بغير واسطة جبريل عليه السلام . . . وغير هذا من الوجوه .\rقوله تعالى : { أَجْرًا عَظِيمًا } : الأجر العظيم هو الذي يزيد على قدر الاستحقاق بالعمل .","part":2,"page":71},{"id":572,"text":"إفراد النبي A من الأنبياء بالإيمان لإفرادهم بالتخصيص والفضيلة؛ فأفرد نوحاً على ما استحقه من المقام وأفرد رسولنا عليه السلام على ما استحقه هو ، فاشتركا في الإفراد لكنهما تباينا في الفضيلة على حسن المقام ، فتفرَّد واحد من بين أشكاله بغير فضائل ، وتفرَّد آخر من بين أضرابه بألف فضيلة .","part":2,"page":72},{"id":573,"text":"سُنَّةُ الله في أوليائه سترُ قومٍ ، وشَهْرُ قومٍ ، وبذلك جَرَتْ سُنَّتُه أيضاً في الأنبياء - عليهم السلام - أظهر أسماء قومٍ وأجمل تفصيل آخرين . والإيمان واجب بجميع الأنبياء جملة وتفصيلاً ، كما أنّ الاحترام واجب لجميع الأولياء جملة وتفصيلاً ، وكذلك أحوال العباد ستر عليهم بعضاً وأظهر لهم بعضها ، فما أظهرها لهم - طالبهم بالإخلاص فيها ، وما سترها عليهم - فلأنه غار على قلوبهم من ملاحظة أحوالهم تأهيلاً لهم للاختصاص بحقائق أفردهم بمعانيها .\r{ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } : إخبار عن تخصيصه إياه باستماع كلامه بلا واسطة .","part":2,"page":73},{"id":574,"text":"قوله جلّ ذكره : { رُّسُلاً مُّبَشْرِينَ وَمُنذِرِينَ } .\rوقَفَ الخلْقَ عند مقاديرهم؛ وبيَّن أنه أرسل إليهم الرسل فتفردوا عليهم إلى اجتباء ثوابهم ، واجتناب ما فيه استحقاق عذابهم ، وأنه ليس للخلْق سبيل إلى راحة يطلبونها ولا إلى آفة يجتنبونها إما في الحال أو في المآل .\rقوله جلّ ذكره : { لِئِلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } .\rأنَّى يكون لمن له إلى الله حاجة على الله حُجَّة؟! ولكنَّ الله خاطبهم على حسب عقولهم .","part":2,"page":74},{"id":575,"text":"سلاّه الله عن تكذيب الخلق إياه بما ذكره من علم الله بصدقه ، ولذلك قال : { وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا } .","part":2,"page":75},{"id":576,"text":"جعْل صدَّهم المؤمنين من اتباع الحقِّ كفرهم بالله ، واللهُ تعالى عظَّم حقوق أوليائه كتعظيم حقِّ نفسه ، ثم قال : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا } جعل ظُلْمَهُم سبيلَ كفرهم ، فَعَلَّقَ استحقاق العقوبة المؤبَّدة عليها جميعاً . والظلم - وإنْ لم يكن كالكفر في ا ستحقاق وعيد الأبد - فَلِشُؤْمِ الظلم لا يبعد أن يخذلَه اللهُ حتى يُوَافِيَ ربَّه على الكفر .","part":2,"page":76},{"id":577,"text":"{ يَا أَهْلَ الكِتَابِ } : أخبر أنه سبحانه غني عنهم ، فإنْ آمنوا فحظوظ أنفسهم اكتسبوها وإن كفروا فَبَلاَيَاهُم لأنفسهم اجتلبوها . والحقُّ - تعالى - مُنَزَّه الوصف عن ( الجهل ) لوفاق أحدٍ ، والنقص لخلاف أحد .\rقوله : { وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } يعني إن خرجوا عن استعمال العبودية - فعلاً ، لم يخرجوا عن حقيقة كونهم عبيده - خلْقاً ، قال تعالى : { إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ أَتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 93 ] .","part":2,"page":77},{"id":578,"text":"غُلُوُّهم في دينهم جَرْيهُم على مقتضى حسبانهم؛ حيث وصفوا - بمشابهة الخلْق - معبودَهم ، ثم مناقضتهم؛ حيث قالوا الواحد ثلاثة والثلاثة واحد ، والتمادي في الباطل لا يزيد غير الباطل .","part":2,"page":78},{"id":579,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً فَأَمَّأ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيَوَفِّيهِم أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } .\rكيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شَرَفُه ، وكيف يستكبر عن التذلُّلِ وفي استكباره تَلَفُه ، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله : إني عبد الله ، وتجمُّل العبيد في التذلل للسَّادة ، هذا معلوم لا تدخله ريبة .\rوقوله : { وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ } لا يدل على أنهم أفضل من المسيح ، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم ، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بني آدم .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } .\rالعذاب الأليم ألا يصلوا إليه أبداً بعدما عرفوا جلاله ، فإذا صارت معارفُهم ضروريةً فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا ، فَحَسَراتُهم حينئذ على ما فاتهم أشدُّ عقوبة لهم .","part":2,"page":79},{"id":580,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ } .\rالبرهان ما لاح في سرائرهم من شواهد الحق .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } .\rوهو خطابه الذي في تأملهم معانيه حصولُ استبصارِهم .","part":2,"page":80},{"id":581,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ } .\r{ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةِ } : والسين للاستقبال أي يحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي ، كما أكرمهم بالعرفان والإيمان في الحال .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَهْدِيَهُمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } .\rهذه الهداية هي إكرامهم بأن عرفوا أن هذه الهداية من الله فضل لا لأنهم استوجبوها بطلبهم وجهدهم ، ولا بتعبهم وكدِّهم .","part":2,"page":81},{"id":582,"text":"قطع الخصومة بينهم في قسمة الميراث فيما أظهر لهم من النصِّ على الحكم ، فإن المال محبَّبٌ إلى الإنسان ، وجُبِلَت النفوس على الشحِّ؛ فلو لم ينص على مقادير الاستحقاق ( لقابلة الأشباه ) في الاجتهاد ، فكان يؤدي ذلك إلى التجاذب والتواثب؛ فَحَسَمَ تلك الجملة بما نصَّ على المقادير في الميراث قطعاً للخصام . ولتوريثه للنسوان - وإن لم يوجد منهن الذبُّ عن العشيرة - دلالة على النظر لضعفهن . وفي تفضيل الذكور عليهن لِمَا عليهم مِنْ حَمْلِ المؤن وكذا السعي في تحصيل المال ، والقيام عليهن .","part":2,"page":82},{"id":583,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ } [ المائدة : 1 ] .\r« يا » حرف نداء ، و « أي » اسم منادى ، « ها » تنبيه و { الَّذِينَ آمَنُوا } صلة المنادى . ناداهم قبل أن بداهم ، وسمَّاهم قبل أن يراهم ، وأَهَّلهم في آزالهِ لِمَا أوصلهم إليه في آباده .\rشَرَّفهم بقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } وكلَّفهم بقوله { أوفوا } ولمَا عَلِمَ أن التكليف يوجب المشقة قَدَّم التشريف بالثناءِ على التكليف الموجِب للعناءِ .\rويقال الإيمانُ صنفان : أحدهما يشير إلى عين الجود ، والثاني إلى بذل المجهود . فَبَذْلُ المجهودِ خِدْمَتُك ، وعين الجود قِسْمَتُه؛ فبخدمتك عناءُ الأشباح ، وبقسمته ضياءُ الأرواح .\rوحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب .\rويقال { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } : يا مَنْ دخلوا في إيماني ، ما وصلتم إلا أَماني إلا بسابق إحساني . ويقال يا مَنْ فتحتُ بصيرتَهم لشهود حقي حتى لا يكونوا كمن أعرضتُ عنهم مِنْ خَلْقِي .\rقوله جلّ ذكره : { أَوْفُوا بِالعُقُودِ } .\rكُلُّ مُكلَّفٍ مُطَالَبٌ بالوفاء بعقده ، والعقد ، ما ألزمك بسابق إيجابه ، ثم وفَّقكَ - بعدما أظهرك عند خطابه - بجوابه ، فانبرم العقد بحصول الخطاب ، والقبول بالجواب .\rويدخل في ذلك - بل يلتحق به - ما عَقَدَ القلبُ معه سِرًّا بِسِرٍّ؛ من خلوصٍ له أضمره ، أو شيء تبيَّنه ، أو معنًى كوشف به أو طولب به فقَبِله .\rويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد ، ولا يكون ذلك إلا بالتبرِّي من المُنَّة ، والتحقق بتولي الحق - سبحانه - بلطائف المِنَّة .\rقوله جلّ ذكره : { أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .\rتحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جُرْم سَبَق منها ، وتحريم بعضها والمنع من ذبحها من غير طاعة حصلت منها - دليلٌ على ألاَّ عِلَّةَ لصنعه .\rوحرَّم الصيد على المُحْرِم خصوصاً لأن المُحْرِمَ متجرِّدٌ عن نصيب نفسه بقصده إليه ، فالأليق بصفاته كُفُّ الأذى عن كل حيوان .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } .\rلا حَجْرَ عليه في أفعاله ، فيخصُّ من يشاء بالنُّعْمى ، ويفرد من يشاء بالبلوى؛ فهو يُمْضِي الأمور في آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى في آزاله .","part":2,"page":83},{"id":584,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ } .\rالشعائر معالم الدِّين ، وتعظيم ذلك وإجلاله خلاصة الدين ، ولا يكون ذلك إلا بالاستسلام عند هجوم التقدير ، والتزام الأمر بجميل الاعتناق ، وإخلال الشعائر ( يكون ) بالإخلال بالأوامر .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الهَدْىَ وَلاَ القَلاَئِدَ } .\rتعظيم المكان الذي عظَّمه الله ، وإكرامُ الزمان الذي أكرمه الله . وتشريف الإعلام على ما أمر به الله - هو المطلوب من العبيد أمراً ، والمحبوب منه حالاً .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا } .\rوبالحريِّ لمن يقصد البيت ألا يخالف ربَّ البيت .\rوالابتغاء للفضل والرضوان بتوقِّي موجبات السخط ، ومجانبة العصيان .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا } .\rوإذا خرجتم عن أمر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم ، فأمّا ما دمتم تحت قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم ، وإنكم لنا .\rقوله { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ . . . } أي لا يحملكم بغضُ قوم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام على ألا تجاوزوا حدَّ الإذن في الانتقام ، أي كوّنوا قائمين بنا ، متجردين عن كل نصيب وحَظٍّ لكم .\rقوله جلّ ذكره : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى } .\rالبِرُّ فِعْلُ ما أُمِرْتَ به ، والتقوى تَرْكُ ما زُجِرتَ عنه .\rويقال البِرُّ إيثار حقه - سبحانه ، والتقوى تركُ حظِّك .\rويقال البِرُّ موافقة الشرع ، والتقوى مخالفةُ النَّفْس .\rويقال المعاونة على البِرِّ بحُسْنِ النصيحة وجميل الإشارة للمؤمنين ، والمعاونة على التقوى بالقبض على أيدي الخطائين بما يقتضيه الحال من جميل الوعظ وبليغ الزجر ، وتمام المنع على ما يقتضيه شرط العلم .\rوالمعاونة على الإثم والعدوان بأن تعمل شيئاً مما يقتدى بك لا يرضاه الدِّين ، فيكون قولُك الذي تفعله ويقتدى بك ( فيه ) سُنَّةً تظهرها و ( عليك ) نبُوُّ وِزْرِها . وكذلك المعاونة على البر والتقوى أي الاتصاف بجميل الخِصال على الوجه الذي يُقْتدَى بكل فيه .\rقوله جلّ ذكره : { وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } .\rالعقوبة ما تعقب الجُرْم بما يسوء صاحبه . وأشد العقوبة حجاب المُعَاقَبِ عن شهود المُعَاقِب؛ فإنَّ تَجرُّعَ كاساتِ البلاء بشهود المُبْلِي أحلى من العسل والشهد .","part":2,"page":84},{"id":585,"text":"قوله جلّ ذكره : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ } .\rوأكل الميتة أن تتناول من عِرْضِ أخيك على وجه الغيبة ، وليس ذلك مما فيه رخصةٌ بحالٍ لا بالاضطرارِ ولا بالاختيارِ ، وغير هذا من المَيْتَةِ مباحٌ في حالِ الضرورة .\rويقال كما أَنَّ في الحيوان ما يكون المزكى منه مباحاً والميتة منه حراماً فكذلك من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطَهَّرَ نفسه - مُبَاحٌ قربه ، حلال صحبته . ومَنْ ماتت نفسه في ظلمة غفلته حتى لا إحساسَ له بالأمور الدينية فخبيثةٌ نفسه ، محظورٌ قُربُه ، حرام معاشرته ، غيرُ مباركةٍ صحبتِه .\rوإنَّ السلف سموا الدنيا خنزيرةً ، ورأوا أَنَّ ما يُلْهِي قربُهُ ، ويُنْسِي المعبودَ ركونُه ، ويحمل على العصيان جنوحُه - فهو مُحرَّمٌ على القلوب؛ ففي طريقة القوم حبُّ الدنيا حرامٌ على القلوب ، وإن كان إمساكُ بعضها حلالاً على الأبدان والنفوس .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ } .\rكما أنَّ المذبوح على غير اسمه ليس بطيِّبٍ فَمَنْ بَذَلَ رُوحَه فيه وَجَدَ رُوْحه منه ، ومن تهارشته كلاب الدنيا ، وقلته مخالب الأطماع ، وأَسَرَتْهُ مطالبُ الأغراض والأعراض - فحرامٌ ماله على أهل الحقائق في مذهب التعزز ، فللشريعَةِ الظرف والتقدير .\rوأما المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك في حِبال المنى والرغائب ، وأخذه خناقُ الطمع ، وخنقته سلاسل ( الحِرْص ) فحرامٌ على السالكين سلوك خطتهم ، ومحظور على المريدين متابعة مذهبهم .\rوأمَّا الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جُبِلَت على طلب الخسائس حتى استملكتها كلها فهي التي ذهبت بلا عوض حصل منها ، وأمثال ذلك حرامٌ على أهل هذه القصة .\rوالإشارة من التردية إلى من هلك في أودية التفرقة ، وعمي عن استبصار رشد الحقيقة؛ فهو يهيم في مفاوز الظنون ، وينهك في متاهات المنى .\rوالإشارة من النطيحة إلى من صَارَعَ الأمثال ، وقارع الأشكال ، وناطح كلاب الدنيا فحطموه بكلب حرصهم ، وهزموه بزيادة تكلبهم ، وكذلك الإشارة من :\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } .\rوأكيلة السبع ما ولغت فيه كلاب الدنيا ، فإن الدنيا جيفة ، وأَكَلَةُ الجيفِ الكلابُ ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله؛ لأن زادَ المؤمِنِ من الدنيا : ما كان لله فهو محمود ، وما كان للنَّفْس فهو مذموم .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ } .\rفهو ما أُرْصِدَ لغير الله ، ومقصودُ كلِّ حريص - بموجب شرعه - معبودُه من حيث هواه قال الله تعالى : { أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } [ الجاثية : 23 ] يعني اتخذ هواه إلهه .\r{ وَأَن تَسَتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ } ، الإشارة منه إلى كل معاملة ومُصَاحبةٍ بُنِيَتْ على استجلاب الحظوظ الدنيوية - لا على وجه الإذن - إذ القمار ذلك معناه . وقَلَّتْ المعاملات المجرَّدَة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت .","part":2,"page":85},{"id":586,"text":"قوله جلّ ذكره : { ذَلِكُمْ فِسْقٌ } .\rأي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدين .\rقوله جلّ ذكره : { اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشُونِ } .\rأي بعدما أزَحتُم عن قلوبكم آثار الحسبان ، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع نحن فلا تلاحظوا سواي ، ولا يُظَلِّلَنْ قلوبكم إشفاقٌ من غيري .\rويقال إذا كانت البصائرُ متحققة بأن النَّفع والضر ، والخير والشر لا تحصل شطية منها إلا بقدرة الحق - سبحانه ، فمن المحال أن تنطوي - من مخلوق - على رَغَبٍ أو رَهَبٍ .\rقوله جلّ ذكره : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }\rإكمالُه الدين - وقد أضافه إلى نفسه - صَوْنُه العقيدة عن النقصان؛ وهو أنه لما أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أَمَّلها بأنوار تأييده وتسديده ، حتى وضعوا النظر مَوْضِعَه من غير تقصيرٍ ، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور .\rويقال إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبُولِ في المآلِ ، كما أن ابتداءَ الدِّين توفيقُ الحصول في الحال : فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول ، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول .\rويقال إكمال الدين أنه لم يبق شيء يعلمه الحق - سبحانه - من أوصافه وقد علَّمك .\rويقال إكمال الدين أن ما تقصر عنه عقلك من تعيين صفاته - على التفصيل - أكرمك بأن عرَّفك ذلك من جهة الإخبار .\rوإنما أراد بذكر { اليَوْمَ } وقتَ نزول الآية . وتقييد الوقت في الخطاب بقوله { اليَوْمَ } لا يعود إلى عين إكمال الدِّين ، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت .\rوالدِّين موهوبٌ ومطلوبٌ؛ فالمطلوب ما أمكن تحصيله ، والموهوبُ ما سبق منه حصوله .\rقوله جلّ ذكره : { وََأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } .\rالنعمة - على الحقيقة - ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه والنعمة المذكورة ها هنا نعمة الدِّين ، وإتمامها وفاء المآل ، واقتران الغفران وحصوله . فإكمال الدين تحقيق المعرفة ، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة . وهذا خطاب لجماعة المسلمين ، ولا شك في مغفرة جميع المؤمنين ، وإنما الشك يعتري في الآحاد والأفراد هل يبقى على الإيمان؟\rقوله جلّ ذكره : { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } .\rوذلك لما قَسَمَ للخَلْق أديانَهم؛ فخصّ قوماً باليهودية ، وقوماً بالنصرانية ، إلى غير ذلك من النِّحَلِ والمِلَلِ ، وافرد المسلمين بالتوحيد والغفران .\rوقدَّمَ قومٌ الإكمالَ على الإتمام ، فقالوا : الإتمام يقبل الزيادة ، فلذلك وَصَفَ به النعمة لقبول النِّعم للزيادة ، ولا رتبةَ بعد الكمال فلذلك وصف به الدين .\rويقال لا فرق بين الدِّين والنعمة المذكورة ها هنا ، وإنما ذُكِرَ بلفظين على جهة التأكيد ، ثم أضافه إلى نفسه فقال : { نِعْمَتِى } وإلى العبد فقال : { دِينِكُمْ } . فَوَجْهُ إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب ، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث الخَلْق . فالدين من الله عطاء ، ومن العبد عناء ، وحقيقة الإسلام الإخلاص والانقياد والخضوع لجريان الحكم بلا نزاعٍ في السِّرِّ .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rالإشارة من هذه الآية أنه لو وقع لسالكٍ فترة ، أو لمريدٍ في السلوك وقفة ، ثم تنبَّه لعظيم وقاعة فبادر إلى جميع الرَّجْعَةِ باستشعار التحسّر على ما جرى تَدارَكَتْه الرحمةُ ، ونظر الله - سبحانه - إليه بقبول الرجعة .\rوالإشارة من قوله { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } أي غير معرِّج على الفترة ، ولا مستديم لعُقْدةِ الإصرار ، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رُخَصِ العلم لضعفٍ وَجَدَه في الحال فربما تجري معه مُساهلةٌ إذا لم يفسخ عَقْدَ الإرادة .","part":2,"page":86},{"id":587,"text":"لما علموا أن الحَسَنَ من أفعالهم ما ورد به الأمر وحصل فيه الإذن تعرَّفوا ذلك من تفصيل الشرع ، فقال : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } ثم قال :\r{ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } وهو الحلال الذي تحصل من تناوله طيبةُ القلوب فإنَّ أَكْلَ الحرام يُوجِبُ قسوة القلب ، والوحشةُ مقرونةُ بقسوةِ القلبِ ، وضياءُ القلوب وطِيبُ الأوقات متصلٌ بصَوْن الخُلُق عن تناول الحرام والشبهات .\rوقوله : { وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } : ولمَّا كان الكلب المُعَلَّمَ تركَ حظَّه ، وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلت فريسته ، وجاز اقتناؤه ، واستغرق في ذلك حكم خساسته فكذلك مَنْ كانت أعماله وأحواله لله - سبحانه مختصة ، ولا يشوبها حظ تَجِلُّ رتبتُه وتعلو حالته .\rويقال حُسْنُ الأدب يُلْحِقُ الأَخِسَّة برتبة الأكابر ، وسوء الأدب يَرُدُّ الأعِزَّة إلى حالة الأصاغر .\rثم قال : { وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ } : بيَّن أنَّ الأكلَ - على الغفلة - غير مَرْضِيٍّ عنه ( في القيمة ) .\r{ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ } بحيث لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ ، وسريعُ الحساب - اليومَ - مع الأحباب والأولياء ، فهم لا يُسَامَحون في الخطوة ولا في اللحظة ، معجَّلٌ حسابُهم ، مُضَاعَفٌ - في الوقتِ - ثوابُهم وعقابُهم .","part":2,"page":87},{"id":588,"text":"ليس الطَّيِّبُ ما تستطيبه النفوس ، ولكن الطيب ما يوجد فيه رضاء الحق - سبحانه - فتوجد عند ذلك راحةُ القلوب .\r{ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } : القَدْرُ الذي بيننا وبينهم من الوفاق في إثبات الربوبية لم يَعْرَ من أثرٍ في القربة فقال الله تعالى : { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } [ المائدة : 82 ] .\rوكذلك الأمر في المحصنات من نسائهم . وأُحِلَّ الطعامُ والذبيحةُ بيننا وبينهم من الوجهين فيحلّ لنا أكل ذبائحهم ، ويجوز لنا أن نطعمهم من ذبائحنا ، ولكن التزوج بنسائهم يجوز لنا ، ولا يجوز تزوجهم بنسائنا لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى .\rثم قال { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } يعني إنهم وإن كانوا كفاراً فلا تجب صحبتهن بغير نكاح تعظيماً لأمرِ السِّفاح ، وتنبيهاً على وجوب مراعاة الأمر من الحق . وكذلك { وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } لأنه إذا لم يجز تعلق قلبك بالمؤمنين على وجه المخادنة فمتى يسلم ذلك مع الكفار الذين هم الأعداء؟","part":2,"page":88},{"id":589,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وَجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ } .\rكما أنَّ في الشريعة لا تصحُّ الصلاةُ بغيرِ الطهور فلا تصحُّ - في الحقيقة - بغير طهور .\rوكما أن للظاهر طهارةً فللسرائر أيضاً طهارة ، وطهارةُ الأبدان بماء السماء أي المطر ، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل ، ثم بماء الحياء والوجل .\rوكما يجب غسلُ الوجهِ عند القيام إلى الصلاة يجب - في بيان الإشارة - صيانة الوجه عن التبذُّل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض .\rوكما يجب غسلُ اليدين في اليدين في الطهارة يجب قصرهما عن الحرام والشبهة .\rوكما يجب مسحُ الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد .\rوكما يجب غسل الرِجْلين في الطهارة يجب صونهما في الطهارة الباطنة عن التنقل فيما لا يجوز .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُمْ مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } .\rكما يقتضي غسل جميع البدن في الطهارة ، كذلك في الطهارة الباطنة ما يوجب الاستقصاء؛ وذلك عندما تقع للمريد فَتْرةٌ فيقوم بتجديد عقدٍ ، وتأكيد عهد ، والتزام عزامة ، وتسليم وقتٍ ، واستدامة ندامة ، واستشعار خجل .\rوكما أنه إذا لم يجد المتطهرُ الماءَ فَفَرْضُه التَّيَمُمْ فكذلك إذا لم يجد المريد مَنْ يفيض عليه صَوْبَ همته ، ويغسله ببركات إشارته ، ويعينه بما يؤوب به من زيادة حالته - اشتغل بما تيسَّر له من اقتفاء آثارهم ، والاستراحة إلى ما يجد من سالف سِيَرِهِم ، وما ورد من حكاياتهم .\rوكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف .\rقوله جلّ ذكره : { مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ } .\rوتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة فلْيَحْطُطْ رِجْلَه بساحات العبادة ، فإذا عَدِمَ اللطائف في سرائره فَلْيَسْتَدِمْ الوظائف على ظاهره ، وإذا لم يتحقَّقْ بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة ، وإن لم يتحرج عن تَرْكِه الفضيلة فلا يدنسْ تصرفه بالحرام والشبهة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } .\rأي يظهر ظواهركم عن الزلة بعصمته ، ويظهر قلوبكم عن الغفلة برحمته .\rويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال ، ويطهر ظواهركم عن الوقوع في شِباك الأشغال .\rويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنُّسَ المقادير بالأعلال .\rقوله جلّ ذكره : { وَلِيُتِمَّ نَعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .\rإتمام النعمة على قومٍ بنجاة نفوسهم ، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم ، وشتَّان بين قوم وقوم! .\rويقال إتمام النعمة في وفاء العاقبة؛ فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان والإيمان فقد تَمتْ سعادته ، وصَفَتْ نعمته .\rويقال إتمام النعمة في شهود المنعِم؛ فإنَّ وجودَ النعمة لكل أحد ولكنَّ إتمامَها في شهود المنعِم .","part":2,"page":89},{"id":590,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرُوا نعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ } .\rالإشارة منه إلى التعريف السابق الذي لولاه ما علمْتَ أنه من هو .\rويقال أمرهم بتذكّر ما سبق لهم من القِسَمِ وهم في كَتْمِ العَدَم ، فلا للأغيار عنهم خبر ، ولا لهم عين ولا أثر ، ولا وقع عليهم بصيرة ، وقد سماهم بالإيمان ، وحكم لهم بالغفران قبل حصول العصيان ، ثم لما أظهرهم وأحياهم عرَّفهم التوحيد قبل أن كلَّفهم الحدود ، وعرض عليهم بعد ذلك الأمانة وحذّرهم الخيانة ، فقابلوا قوله بالتصديق ، ووعَدُوا من أنفسهم الوفاءَ بشرط التحقيق ، فأمدَّهم بحسن التوفيق ، وثَبَّتهم على الطريق ، ثم شكرهم حيث أخبر عنهم بقوله جل ذكره : { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } .\rثم قال : { وَاتَّقُوا اللهَ } : يعني في نقض ما أبرمتم من العقود ، والرجوع عمَّا قدمتم من العهود ، { إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } لا يخفى عليه من خطرات قلوبكم ونيات صدوركم .","part":2,"page":90},{"id":591,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالقِسْطِ } .\rلا يُعَوِّقنَّكم حصولُ نصيبٍ لكم في شيء عن الوفاء لنا ، والقيام بما يتوجَّب عليكم من حقنا .\rويقال من لم يقسط عند مواعد رغائبه ، ولم يمحُ عنه نواجم شهواته ومطالبه لم يقم لله بحق ولم يفِ لواجباته بشرط .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .\rأي لا تحملكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف فإنَّ مرتعَ الظلمِ وبيءٌ ، ومواضع الزيغ مهلكة .\rثم صرَّح بالأمر بالعدل فقال : { اعدلوا } ولا تكون حقيقة العدل إلا بالعدول عن كل حظٍ ونصيب .\rوالعدلُ أقربُ إلى التقوى ، والجَوْزُ أقربُ من الرَّدَى ، ويُوقِعُ عن قريبٍ في عظيم البلوى .","part":2,"page":91},{"id":592,"text":"والمغفرة لا تكون إلاَّ للذنب ، فوصفهم بالأعمال الصالحات ، ثم وعدهم المغفرة لِيُعْلَمَ أن العبد تكون له أعمال صالحة وإن كانت له ذنوب تحتاج إلى غفرانها ، بخلاف ما تَوَهَّمَ مَنْ قال إن المعاصي تَحْبِطُ الطاعات .\rويقال بيَّن أن العبد وإن كانت له أعمال صالحة فإنه يحتاج إلى عَفْوِه وغفرانه ، ولولا ذلك لَهلَكَ ، خلافاً لمن قال إنه لا يجوز أن يَعذِّبَ البريءَ ويجب أن يثيب المحسنين .\rويقال لو كان ثوابُ المحسنين واجباً ، وعقوبةُ البريء غيرَ حسنة لكان التجاوزُ عنه واجباً عليه ، ولم يكن حينئذ فضل يمن به عليهم .","part":2,"page":92},{"id":593,"text":"لهم عقوبتان : معجلة وهي الفراق ، ومؤجلة وهي الاحتراق .","part":2,"page":93},{"id":594,"text":"يذكِّرهم ما سلف لهم من نِعَم الدفع وهو ما قصر عنهم أيدي الأعداء ، وذلك من أمارات العناية . ولقد بالغ في الإحسان إليك مَنْ كان يُظْهر لك الغيبَ من غير التماسٍ أو سَبْق شفاعة فيك ، أو رجاءِ نفع من المستأنف منك ، أو حصول ربحٍ في الحال عليك ، أو وجود حق في المستأنف لك .\rثم قال : { وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ } يعني كما أحسنت إليكم في السالف من غير استحقاق فانتظروا جميل إحساني في الغابر من غير استيجاب .","part":2,"page":94},{"id":595,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ } .\rيذكرهم حُسْنَ أفضاله معهم ، وقبح ( فعلهم ) في مقابلة إحسانه بنقضهم عهدهم .\rوعرف المؤمنين - تحذيراً لهم - ألا ينزلوا منزلتَهم فيستوجبوا مثل ما استوجبوه من عقوبتهم .\rقوله جلّ ذكره : { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } .\rأي لئن قمتم بحقي لأوصلن إليكم حظوظكم ، ولئن أجللتم أمري في العاجل لأجِلَّن قَدْرَكم في الآجل .\rوإقامة الصلاة أن تشهد مَنْ تعبده ، ولذا قال النبي A : « اعْبد اللهَ كأنَّكَ تراه » .\rويقال إقامة الصلاة شرطها أَنْ تُقْبِلَ على ما مَنْ تناجيه بأن تستقبل القُطْرَ الذي الكعبة فيه .\rوأمَّا إيتاء الزكاة فحقُّه أن تكسب المال من وجه ، وتصرفه في حقه ، ولا تمنع الحق الواجب فيه عن أهله ، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته ، ولا تُحْوِج الفقير إلى طلبه فإنَّ الواجبَ عليكَ أن توصل ذلك إلى مستحقه .\rوتعزير الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال ، واعتناق أمرهم بتمام الجد والاستقلال ، وإيثارهم عليك في جميع الأحوال .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا } .\rالأغنياء ينفقون أموالهم في سبيل الله ، والفقراء يبذلون مهجَتهم وأرواحَهم في طلب الله ، ( فأولئك ) عن مائتي درهم يُخْرِجُونَ خَمْسَة ، وهؤلاء لا يدخرون عن أمره نَفَساً ولا ذرَّة .\rقوله جلّ ذكره : { لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ولأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } .\rالتكفير هو الستر والتغطية ، وإنه يستر الذنوب حتى عن العاصي فيمحو من ديوانه ، وينسِي الحَفظَة سوالف عصيانه . وينفي عن قلبه تذكر ما أسلفه ، ولا يوفقه في العرصة على ما قَدَّم من ذنبه ، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما قال : { وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } ، كما قيل :\rولما رضوا بالعفو عن ذي زلة ... حتى أنالوا كفَّه وازدادوا\rقوله جلّ ذكره : { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } .\rفَمَنْ جَحَدَ هذه الأيادي بعد اتضاحها فقد عَدَلَ عن نَهْجِ أهل الوفاء ، وحاد عن سَنَنِ أصحاب الولاء .","part":2,"page":95},{"id":596,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ } .\rجعل جزاءَ العصيان الخذلانَ للزيادة في العصيان .\rقوله جلّ ذكره : { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } .\rوتحريفُهم الكلم عن مواضعه نوعُ عصيان منهم ، وإنما حرَّفوا لقساوة قلوبهم . وقسوة القلب عقوبة لهم مِنْ قِبَل الله تعالى على ما نقضوه من العهود ، ونقض العهد أعظمُ وِزْرٍ يلم به العبد ، والعقوبة عليه أشد عقوبة يُعَاقَبُ بها العبد ، وقسوة القلب عدم التوجع مما يُمتَحَنَ به من الصدِّ ، وعن قريبٍ يُمتَحَن بمحنة الرد بعد الصدِّ ، وذلك غاية الفراق ، ونهاية البعد .\rويقال قسوة القلب أولها فَقْدُ الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم استحكام القسوة ، فإن لم يتفق إقلاع من هذه الجملة فهو تمام الشقوة .\rومن تحريف الكلم - على بيان الإشارة - حَمْلُ الكلم على وجوه من التأويل مما تسوِّل لصاحبِه نَفْسُه ، ولا تشهد له دلائلُ العلم ولا أصله .\rقوله جلّ ذكره : { وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } .\rأوَّلُ آفاتِهِم نسيانُهم ، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا ، فالنسيان أول العصيان ، والنسيانُ حاصلٌ من الخذلان .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ } .\rالخيانة أمرها شديد وهي من الكبار أبعد ، وعليهم أشد وأصعب . ومن تعوَّد اتباع الشهوات ، وأُشْرِبَ في قلبه حُبَّ الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخُلُق إلى آخر عمره ، اللهم إلا أن يجودَ الحقُّ - سبحانه - عليه بجميل اللطف .\rقوله جلّ ذكره : { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } .\rقد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحدٍ أهلاً للعقاب . وللصفح على العفو مزية وهي أن في العفو رفع الجناح ، وفي الصفح إخراج ذكر الإثارة من القلب ، فمن تجاوز عن الجاني ، ولم يلاحظه - بعد التجاوز - بعين الاستحقار والازدراء فهو صاحب الصفح .\rوالإحسان تعميمٌ - للجمهور - بإسداء الفضل .","part":2,"page":96},{"id":597,"text":"الإشارة في هذه الآية أن النصارى أثبت لهم الاسم بدعواهم فقال : { قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } وسموا نصارى لتناصرهم ، وبدعواهم حرَّفوا وبدَّلوا؛ وأما المسلمون فقال : { هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ } [ الحج : 78 ] .\rكما قال : { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [ المائدة : 2 ] فلا جَرَمَ ألا يسموا بالتناصر . ولمَّا سمَّاهم الحقُّ بالإسلام ورَضِيَ لَهم به صانهم عن التبديل فَعُصِمُوا .\rولما استمكن منهم النسيان أبدلوا بالعداوة فيما بينهم ، وفساد ذات البين؛ فأرباب الغفلة لا ألفة بينهم . وأهل الوفاء لا مباينة لبعضهم من بعض ، قال A : « المؤمنون كنفس واحدة » ، وقال تعالى في صفة أهل الجنة : { إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [ الصافات : 44 ] .","part":2,"page":97},{"id":598,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَهْلَ الكِتَابِ قَد جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مَنَ الكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ } .\rوصف الرسول - A - بإظهار بعض ما أخفوه ، وذلك علامة على صدقه؛ إذ لولا صدقه لما عَرَفَ ذلك . ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم ، وذلك من أمارات خُلُقِه؛ إذ لولا خُلُقُهُ لَمَا فعل ذلك؛ فإظهار ما أبداه دليل عِلْمه ، والعفو عما أخفى برهانِ حِلْمِه .\rقوله جلّ ذكره : { قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النَّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .\rأنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغني عند فقد البصيرة ، فمن استخلصه بقديم العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سِرِّه شواهد الأغيار ، وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى .","part":2,"page":98},{"id":599,"text":"مَنْ اشتملت عليه أرحامُ الطوامثُ متى يفارقه نَقْصُ الخِلْقة؟\rومَنْ لاحت عليه شواهدُ التغيُّر أَنَّى يليق به نعت الربوبية؟\rولو قَطَعَ البقاءَ عن جميع ما أوجد فأي نقصٍ يعود إلى الصمد؟","part":2,"page":99},{"id":600,"text":"البنوة تقتضي المجانسة ، والحقُّ عنها مُنضزَّهٌ ، والمحبةُ بين المتجانسين تقتضي الاحتفاظ والمؤانسة ، والحق سبحانه عن ذلك مُقدَّس .\rفردَّ الله - سبحانه - عليهم فقال تعالى : { بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ } .\rوالمخلوق لا يصلح أن يكون بعضاً للقديم؛ فالقديم لا بعضَ له لأن الأحدية حقه ، فإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد . وإذا لم يجز له ولد لم تجز - على الوجه الذي اعتقدوه - بينهم وبينه محبة .\rويقال في الآية بشارة لأهل المحبة بالأمان من العذاب والعقوبة به لأنه قال : { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } .\rويقال بيَّن في هذه الآية أن قصارى الخلْق إمَّا عذاب وإمّا غفران ولا سبيل إلى شيء وراء ذلك .","part":2,"page":100},{"id":601,"text":"يقال في : كل زمان تقع فَتْرَة في سبيل الله ثم تجدد الحال ، ويُعَمُّ الطريق بإبداء السالكين من كتم العَدَم ، ولقد كان زمانُ الرسولِ - A - أكثرَ الأزمنة بركةً ، فأحيا بظهوره ما اندرس من السبيل ، وأضاء بنوره ما انطمس من الدليل ، وبذلك مَنَّ عليهم ، وذكَّرهم عظيمَ نعمتِه فيهم .","part":2,"page":101},{"id":602,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَآءَ } .\rكان الأمر لبني إسرائيل - على لسان نَبِيِّهم - بأن يتذكروا نعمة الله عليهم ، وكان الأمر لهذه الأمة - بخطاب الله لا على لسان مخلوق - بأن يذكروه فقال : { فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] وشتان بين من أمره بذكره - سبحانه - وبين من أمره بذكر نعمته! ثم جعل جزاءَهم ثوابَه الذي هو فضله ، وجعل جزاء هذه الأمة خطابه الذي هو قوله تعالى : { فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] .\rقوله جلّ ذكره : { وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا } .\rالمَلِكُ مِنَ المخلوقين مَنْ عَبَدَ المَلِكَ الحقيقي .\rويقال المَلِكُ مَنْ مَلَكَ هواه ، والعبد من هو في رِقِّ شهواته .\rويقال { وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا } : لم يخرجكم إلى أمثالكم ، ولم يحجبكم عن نفسه بأشغالهم ، وسَهَّلَ إليه سبيلَكم في عموم أحوالِكم .\rقوله جلّ ذكره : { وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ العَالَمِينَ } .\rلئن آتي بني إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا بوجوده ، والاستقلال بوجوده أتمَّ من الاستغناء بمقتضى جوده .","part":2,"page":102},{"id":603,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } .\rمن الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل أنه أباح لهم دخولَ الأرض المقدسة على الخصوص فقال : { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُمْ } ثم إنهم لم يدخلوها إلا بعد مدة ، وبعد جهد وشدة ، وقال في شأن هذه الأمة { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ } [ الأنبياء : 105 ] فأولئك كتب لهم دخول الأرض كتابةَ تكليف ثم قصروا ، وهذه الأمة كتب لهم جميع الأرض على جهة التشريف ، ثم وصلوا إلى ما كتب لهم وما قصروا .\rوقال : { ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } وقال لهذه الأمة : { هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ } [ الملك : 15 ] فهؤلاء ذلَّل لهم وسهَّل عليهم ، وأولئك صعَّب عليهم الوصول إلى ما أمرهم فيما أنزل الله عليهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ } .\rالارتداد على قسمين : عن الشريعة وإقامة العبودية وذلك يوجب عقوبة النفوس بالقتل ، وعن الإرادة وذلك يوجب الشِّقْوَة - التي هي الفراق - على القلوب .","part":2,"page":103},{"id":604,"text":"لاحظوا الأغيار بعين الحسبان فتوهموا أن شيئاً من الحدثان ، وداخلتهم هواجمُ الرعبِ فأصروا على ترك الأمر . ومَنْ طالع الأغيار بأنوار البصائر شاهدهم في أَسْرِ التقدير قوالبَ متعريةً عن إمكان الإيجاد ، ولم يقع على قلبه ظلُّ التُّوهم .","part":2,"page":104},{"id":605,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ } .\rأنعم الله ( عليهما ) بأنوار العرفان فلم يحتشما من المخلوقين ، وعلما أن من رجع إليه بنعت الاستكفاء تداركتْه عواجلُ الكفاية ثم قال :\r{ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .\rأي من شأن المؤمنين أن يتوكلوا ، وينبغي للمؤمن أن يتوكل .\rويحتمل أن يقال التوكل من شرط الإيمان . وظاهر التوكل الذي لعوام المؤمنين العلم بأن قضاءه لا رادَّ له ، وحقائق التوكل ولطائفه التي لخواص المؤمنين شهود الحادثات بالله ومِنْ الله ولله ، فإنَّ مَنْ فَقَدَ ذلك انتفى عنه اسم الإيمان .","part":2,"page":105},{"id":606,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَألُوا يَامُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلْهَآ أَبِداً مَّا دَامُوا فِيهَا } .\rمَنْ أَقْصَتْه سوابِقُ التقدير لم يزِدْه تواترُ ( العظة ) إلا نفوراً وجحوداً .\rقوله جلّ ذكره : { فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ } .\rتركوا آداب الخطابِ فصرَّحوا ببيان الجحد ولم يحتشموا من مجاهرة الرد .","part":2,"page":106},{"id":607,"text":"لما ادَّعى أَنَّه يملك نَفْسَه عرف عجزه عن مِلْكِه لنفسه حيث أخذ برأس أخيه يجرُّه إليه .\rويقال : لا أملك إلا نفسي أي لا أدخرها عن البذل في أمرك . لا أملك إلا أخي فإنه لا يؤثر نفسه عن الذي أكلفه مِنْ قِبَلِكَ .","part":2,"page":107},{"id":608,"text":"مجاهرة الرد تعجّل العقوبة؛ فإن من مَاكَر الحقيقة أبدت الحقيقة له من مكامن التقدير ما يُلْجِئُه إلى التطوُّح في أوطان الذُّلِّ .\rويقال حيَّرهم في مفاوزهم حتى عموا عن القَصد؛ فصاروا يبيتون حيث يصبحون ، بعد طول التعب وإدامة السير ، وكذلك من حيَّره اللهُ في مفاوز القلب يتقلب ليلاً ونهاراً في مطارح الظنون ثم لا يحصل إلا على مناهل الحيرة ، فيحطون بحيث يرحلون عنها ، فلا وجهَ للرأي الصائب يلوح لهم ، ولا خلاص من بعده للتجويز يساعدهم ، والذي التجأ إلى شهود الصمدية استراح عن نقلة فكره ، ووقع في روح الاستبصار بعد أتعاب التوهم .","part":2,"page":108},{"id":609,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الأَخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ } .\rكانت الدنيا بحذافيرها في أيديهما فحسد أحَدُهما صاحبَه ، فلم يصبر حتى أسرع في شيء بإتلافه ، وحين لم يُقْبَلْ قربانُه اشتد حسدُه على صاحبه ، ورأى ذلك منه فهدَّدَه بالقتل .\rفأجابه بنطق التوحيد .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ } .\rيعني إنما يُتَقَبَّلُ القربانُ مِمَّن طالَع في القربان مساعدةَ القدرة ، وألقى توهُّم كونه باستحقاقه واستيجابه .","part":2,"page":109},{"id":610,"text":"لئن بدأتني بالإثارة لم أقابلك كأوصاف أهل الجهل بل أَكِلُ أمري إلى من بيده مقاليد الأمور .","part":2,"page":110},{"id":611,"text":"تحقَّق بأنَّ العقوبة لاحِقةٌ به على ما يسلفه من الذَّنب فَرَضِيَ بانتقامِ اللهِ دون انتقامه لنفسه .\rوقوله : { أَن تَبُوأَ بإِثْمِى وَإِثْمِكَ } الذي تستوجبه بسبب قتلك إياي ، فأضافه إلى نفسه ، وإذا رأى المظلوم ما يحلُّ بالظالم من أليم البلاء يهون عليه ما يقاسيه ويطيب قلبه .","part":2,"page":111},{"id":612,"text":"لا تستولي هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق ، فإذا توالت العزائمُ الرديئةُ ، واستحكمت القصودُ الفاسدةُ من العبد صارت دواعي الحق خفيةً مغمورةً . والنَّفْسُ لا تدعو إلا إلى اتباع الشهوات ومتابعة المعصية ، وهي مجبولةٌ على الأخلاق المجوسية . فمن تابع الشهوات لا يلبث أن ينزل بساحات الندم ثم لا ينفعه ذلك .","part":2,"page":112},{"id":613,"text":"إرادة الحق - سبحانه - وصولُ الخلْقِ إلى لطف الاحتياط في أسباب التعيش ، فإذا أشكل عليهم وجهٌ من لطائف الحيلة سبَّب الله شيئاً يَعَرِّفُهم ذلك به .","part":2,"page":113},{"id":614,"text":"هذا قريب مما قال النبي A :\r« من سنَّ حسنة فله أَجْرُها وأجر من عمل بها إلى يوم والقيامة ، ومن سنَّ سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .","part":2,"page":114},{"id":615,"text":"السعي في الفساد على ضربين : بالظاهر وعقوبته معلومة في مسائل الفقه بلسان العلم ، وفي الباطن وعقوبته واردة على الأسرار ، وذلك بقطع ما كان متصلاً من واردات الحق ، وكسوف شمس العرفان ، والستر بعد الكشف ، والحجاب بعد البسط . والحجاب استشعار الوحشة بعد الأُنْس ، وتبديل توالي التوفيق بصنوف ا لخذلان ، والنفي على بساط العبادة ، والإخراج إلى متابعة النفوس ، وذلك - واللهِ - خِزْيٌ عظيم وعذابٌ أليم .","part":2,"page":115},{"id":616,"text":"من أقلع عن معاصيه ، وارتدع عن ارتكاب مساويه ، قبل أن يهتك عنه ستر السداد لا تقام عليه - في الظاهر - حدودُ الشريعة لاشتباهها على الإمام ، ولا يؤاخذه الحق سبحانه بقضايا إجرامه أخذاً بظاهرِ ما يثبت من حاله مَالَه في استيجاب السداد ، فإذا بدا للإمام جُرْمُه أُقيم عليه الحدُّ وإنْ تقنَّع بنقاب التقوى .\rوكذلك إذا سقط العبد عن عين الله لم يصل بعده إلى ما كان عليه من معاودة تقريب الحق - سبحانه .","part":2,"page":116},{"id":617,"text":"ابتغاء الوسيلة التبري عن الحول والقوة ، والتحقق بشهود الطول والمِنَّة .\rويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من إحسانه .\rويقال الوسيلة ما سبق لك من العناية القديمة .\rويقال الوسيلة اختياره لك بالجميل .\rويقال الوسيلة خلوص ( العقد ) عن الشك .\rويقال ابتغاء الوسيلة استدامة الصدق في الولاء إلى آخر العمر .\rويقال ابتغاء الوسيلة تجريد ا لأعمال عن الرياء ، وتجريد الأحوال عن الإعجاب ، وتخليص النَّفْسِ عن الحظوظ .","part":2,"page":117},{"id":618,"text":"اليومَ - يقبل من الأحباب مثقال ذرة ، وغداً - لا يقبل من الأعداء ملء الأرض ذهباً ، كذا يكون الأمر .\rويقال إفراط العدو في التقرب موجِبٌ للمقت ، وتستر الولي في التودد إحكامٌ لأسباب الحب .","part":2,"page":118},{"id":619,"text":"كما أن الأعداء لا محيص لهم من النار كذلك المُبْعَدُون عن التوفيق كلما أرادوا إقلاعاً عن التهتك أدركهم - من فجأة الخذلان - ما يركسهم في وهدة العناء .","part":2,"page":119},{"id":620,"text":"لو أنَّ ولياً من الأولياء سرق نصاباً من جرذ ، ووجد فيه استحقاق القطع ، أقيم عليه الحدُّ كما يقام على المتهتك ، ولا يَسْقُطُ الحدُّ لصلاحه . والإشارة فيه أن أَمْرَ الملك مُقَابَلٌ بالتعظيم ، بل كل من كان أعلى رتبةً فَخَطَرُه أتمُّ وأخفى ، والمطالبةُ عليه أشدُّ . فلا يَسْتَخِفَنَّ أحدٌ الإلمام بزلة { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ } [ النور : 15 ] .","part":2,"page":120},{"id":621,"text":"من استوفى أحكام التوبة فتَدَاركَ ما ضَيَّعه ، وندم على ما صنعه ، وأصلح من أمره ما أفسده - أقبل الله عليه بفضله فَغَفَره ، وعاد إليه باللطف فَجَبَرَهُ .","part":2,"page":121},{"id":622,"text":"بيَّنَ أنه لا يعذِّب مَنْ يعذِّبُ بِعَلَّة ، ولا يرحم من يرحم بعلة ، وإنما يتصرف في عبده بحق ملكه ، وأنَّ الحكمَ حكمه ، والأمرَ أمرُه .","part":2,"page":122},{"id":623,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكّذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يأْتُوكَ يُحَرِفُّونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً } .\rمَنْ أقصاه الحقُّ عن محلِّ التقريب ، وأرخى له عنان الإمهال وَكَلَه إلى مكره ، ولبَّسَ عليه حاله وسِرَّه ، فهو ينهمك في أودية حسبانه ، وإنما يسعى في أمر نفسه فيعمل بما يعود إليه وبالُه ، فأَمَرَ نَبيَّه - A - بترك المبالاة بأمثالهم ، وقلة الاهتمام بأحوالهم ، وعرَّفه أنهم بمعزلٍ عن رحمته؛ وإِنَّ مَنْ ردَّته القسمة الأزلية لا تنفعه الأعلال في الاستقبال ، فقال : { وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا } يعني إِنْ أَهَّلَه الله للحرمان ، وقيّده بشباك الخذلان فشفاعة الأغيار فيه غير مقبولة ، ولطائف القبول إليه غير موصولة .\rقوله جلّ ذكره : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبُهُمْ } .\rأولئك الذين لم تعجن طينتُهم بماء السعادة فَجُبِلوا على نجاسة الشِرْك فإن عدم الطهارة الأصلية لا يتنقَّى بفنون المعاملات .\rويقال : { وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ } : مَنْ أرسل عليه غاغة الهوى ، وسلَّط عليه نوازع المنى ، وأذلَّه ( . . . . ) القضاء ، فليس يلقى عليه غير الشقاء .\rقوله جلّ ذكره : { لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\rوَرَدُوا من الهوان إلى الهوان ، ووُعِدُوا بالفراق ، وَرُدُّوا إلى الاحتراق ، فلا تدري أي حالِهم أقرب من استيجاب الذل؟ بدايتهم في الرد أم نهايتهم في الشِرْك والجحد؟","part":2,"page":123},{"id":624,"text":"يعني إنهم طرحوا حشمة الدِّين ، وقنعوا بالحظوظ الخسيسة واكتفوا بالأعواض النذرة ، فإذا تحاكموا إليك فأُحلِلْهم من حِلْمك على ما يستحق أمثالهم من الأزال ، وأنت مُخيرٌ فيما تريد؛ فسواء أقبلت عليهم فحكمت أو أعرضت فرددت فالاختيار لك .\rقوله : { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ } : الإقساط الوقوف على حدِّ الأمر من غير ( حَنَفٍ ) إلى الحظ .","part":2,"page":124},{"id":625,"text":"يعني أنهم قارفوا الجحد ، وأصرُّوا على الغي ، وتعودوا الإعراض عن الإيمان ، فمتى تؤثر فيهم دعوتُكَ ، وقد سُدَّت مسامعُهم عن القبول ، وطُبعَ على قلوبهم سابقُ الحكم؟","part":2,"page":125},{"id":626,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ } .\rيخبر أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرَّفوها ، فلما وَكلَ إليهم حفظها ضيَّعوها .\rوأمَّا هذه الأمة فخصَّهم بالقرآن ، وتولَّى - سبحانه - حفظه عليهم فقال : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] فلا جَرَمَ لو غيَّرَ واحدٌ حركة أو سكوناً من القرآن لنادي الصبيان بتخطيئه .\rقوله جلّ ذكره : { فَلاَ تَخْشَوا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ } .\rإنَّ الخلْقَ تجري عليهم أحكامُ القدرة وأقسام التصريف؛ فالخشية منهم فرعٌ من المحال ، فإنَّ من ليس له شظية من الإيجاد فأنَّى تصحُّ منه الخشية؟!\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ } .\rلا تأخذوا على جحدِ أوليائي والركونِ إلى ما فيه رضاءُ أعدائي عِوَضاً يسيراً فتبقوا بذلك عنّي ، ولا يُبَارَكُ لكم فيما تأخذون من العوض .\r{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ . . . } فمن اتخذ بغيره حكماً ، ولم يجد - تحت جريان حكمه - رضى واستسلاماً ففي شِرْكٍ خَامَرَ قلبَه ، وكفرٍ قَارَنَ سِرَّه . وهيهات أن يكون على سَوَاء!","part":2,"page":126},{"id":627,"text":"بيَّن أن اعتبار العدالة كان حتماً في شرعهم ، ولمّا جنحوا إلى التضييع استوجبوا الملام . { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } ، يعني فمن آثر ترك مالهُ باعتناق العفو لم يخسِرْ علينا باستيجاب الشكر ، ومن أبى إلا تمادياً في إجابة دواعي الهوى فهم الذين وضعوا الشيءَ في غير موضعه؛ أي استبدلوا بلزوم الحقائق متابعةَ الحظوظ ، وبإيثار الفتوة موافقةَ البشرية .","part":2,"page":127},{"id":628,"text":"يعني أتبعناهم بعيسى ابن مريم ، وخصصناه بالإنجيل ، وفي الإنجيل تصديق لما تقدَّمه ، وتحقيقِ لِمَا أوجب الله وألزمه ، فلا الدِّينَ قضوا حقه ، ولا الإنجيلَ عرفوا فرضه ، ولا الرسولَ حفظوا أمره؛ ففسقوا وضلوا ، وظلموا وزلُّوا .","part":2,"page":128},{"id":629,"text":"قال الله تعالى في هذه السورة : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ } وقال في موضع آخر { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وقال في هذه الآية { . . . فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } أمّا في الأول فقال : { وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتىِ ثَمَنًا قَلِيلاً } { فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرِونَ } لأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو جاحد والجاحد كافر .\rوفي الثاني قال : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } لأن مَنْ جازو حدّ القصاص واعتبار المماثلة ، وتعدى على خصمه فهو ظالم لأنه ظَلَمَ بعضهم على بعض .\rوأمّا ها هنا فقال : { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ . . . فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } أراد به معصيةً دون الكفر والجحد .","part":2,"page":129},{"id":630,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } .\rقدَّم تعريفه - A - قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدَّمه فيستوجب ما استوجبوه .\rقوله جلّ ذكره : { فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ } .\rلا تتملكك مودَّةُ قريبٍ أو حميمٍ ، واعتنِقْ ملازمةَ أمرِ الله - تبارك وتعالى - بترك كل نصيبٍ لك .\rثم قال : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } يعني طريقةً وسُنَّة؛ أي أفردنا كلَّ واحدٍ منكم - معاشِرَ الأنبياء - بطريقة ، وأمَّا أنت فلا يدانيك في طريقتك أحد ، وأنت المقدَّمُ على الكافة ، والمُفَضَّلُ على الجملة ، ولو شاء الله لَسَوَّى مراتَبَكم ، ولكن غاير بينكم ابتلاء ، وفَضَّلَ بعضكم على بعض امتحاناً .\rقوله جلّ ذكره : { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .\rمسارعة كل أحدٍ على ما يليق بوقته؛ فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد ، والعارفون همتهم من حيث المواجد .\rويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا ، واستباق العابدين بقَطْعِ الهوى ، واستباق العارفين بنفي المُنى ، واستباق الموحدين بترك الورى ، ونسيان الدنيا والعُقبى .","part":2,"page":130},{"id":631,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } .\rقُمْ بالله فيما تحكم بينهم ، وأقِمْ حقوقه فيما تؤخر وتقدم ، ولا تلاحظ الأغيار فيما ( تُؤثِر ) أو تَذَر ، فإن الكلَّ محوٌ في التحقيق .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } .\rيعني ( عِظهم ) بلسان العلم فإنْ أبَوْا قبولاً فشاهِدْهم بعين الحكم . ويقال : أشْدُدْ عليهم باعتناق لوازم التكليف ، فإن أعرضوا فعاينهم بعين التصريف؛ فإنَّ الحقِّ - سبحانه - بشرط التكليف يلزمهم؛ وبحكم التصريف يؤخرهم ويقدمهم ، فالتكليف فيما أوجب ، والتصريف فيما أوجد ، والعبرة بالإيجاد والإيجاب .","part":2,"page":131},{"id":632,"text":"أيعودون في ظلمة الحجاب ووحشة الالتباس بعد ما سطع فَجْرُ العرفان ، وطلعت شموسُ التحقيق ، وانهتكت أستارُ الريب؟\rويقال أيطلبون منك أن تحيدَ عن المحبة المثلى ، وقد اتضحت لك البراهين وتجلَّى اليقين؟\rويقال أيطمعون في استتار الحقائق في السرائر وقد تجلت شموس اليقين؟ ويقال أتحسبون أن ( . . . . ) ظلمة الشك لها سلطان ، وقد متَتَعَ نهارُ الحقائق؟ . . . . كلاَّ ، فإن ذلك محال .","part":2,"page":132},{"id":633,"text":"لا تجنحوا إلى الموالاة مع أعدائه - سبحانه - إيثاراً للسكون إلى الحظ ، أو احتشاماً من القيام للحق ، أو ركوناً إلى قرابة نَسَبٍ ، أو استحقاقاً لمودة حميم ، أو تهيباً من استيحاش صديق . بل صمموا عقودكم على التبرِّي منهم بكل وجه فهم بعضهم أولياء بعض ، والضدية بينكم وبينهم قائمة إلى الدين . { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ } التحق بهم ، وانخرط في سِلكهم ، وعُدَّ في جملتهم .","part":2,"page":133},{"id":634,"text":"يعني إن الذين سقمت ضمائرهم ، وضعفت في التحقيق بصائرهم تسبق إلى قلوبهم مداراة الأعداء خوفاً من معاداتهم ، و طمعاً في المألول من صحبتهم ، ولو استيقنوا أنهم في أسر العجز وذل الإعراض ونفي الطرد لأَملَّوا الموعود من كفاية الحق ، و المعهود من جميل رعايته ، ولكنهم حُجِبُوا عن محل التوحيد؛ فتفرَّقوا في أودية الحسبان والظنون ، وعن قريبٍ يأتيكم الفَرَجُ - أيها المؤمنون ، وتُرْزَقُون الفتحَ بحسن الإقبال ، والظفر بالمسؤول لسابق الاختيار ، فيشعرون الندم ، ويقاسون الألم ، وأنتم ( تعلون ) رؤوسكم بعد الإطراق ، وتصفوا لكم مَشارِب الإكرام ، وتضيء بزواهر القرب مَشَارِقُ القلوب . حينئذٍ يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم يعاينون بأبصارهم ما تحققوه بالغيب في أسرارهم ، ويَصِلُون من موعودهم إلى ما يوفي ويربو على مقصودهم .","part":2,"page":134},{"id":635,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِيِنِهِ فَسَوفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحبُّونَهُ } .\rجعل صفة من لا يرتدُّ عن الدين أن اللهَ يحبه ويحبُّ الله ، وفي ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين لأنه يجب أن يُعْلَمَ أن من كان غير مرتد فإنَّ الله يحبه . وفي إشارة دقيقة فإن من كان مؤمناً يجب أن يكون لله محباً ، فإذا لم تكن له محبة فالخطر بصحة إيمانه . وفي الآية دليل على جواز محبة العبد لله وجواز محبة الله للعبد .\rومحبة الحق للعبد لا تخرج عن وجوه : إمَّا أن تكون بمعنى الرحمة عليه أو بمعنى اللطف والإحسان إليه ، والمدح والثناء عليه .\rأو يقال إنها بمعنى إرادته لتقريبه وتخصيص محله .\rوكما أن رحمته إرادته لإنعامه فمحبته إرادته لإكرامه ، والفرق بين المحبة والرحمة على هذا القول أن المحبة إرادة إنعامٍ مخصوصٍ ، والرحمة إرادة كل نعمة فتكون المحبةُ أخصَّ من الرحمة ، واللفظان يعودان إلى معنًى واحد فإن إرادة الله تعالى واحدة وبها يريد سائر مراداته ، وتختلف أسماء الإرادة باختلاف أوصاف المتعلق .\rوأمَّا محبة العبد لله - سبحانه - فهي حالة لطيفة يجدها في قلبه ، وتحمله تلك الحالة على إيثارِ موافقة أمره ، وتَرْكِ حظوظ نفسه ، وإيثارِ حقوقه - سبحانه - بكل وجه .\rوتحصل العبارة عن تلك الحالة على قدر ما تكون صفة العبد في الوقت الذي يعبَّر عنه؛ فيقال المحبة ارتياح القلب لوجود المحبوب ، ويقال المحبة ذهاب المُحِبِّ بالكلية في ذكر المحبوب ، ويقال المحبة خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه ، والمحبة بلاء كل كريم ، والمحبة نتيجة الهمة فمن كانت همته أعلى فمحبته أصفى بل أوفى بل أعلى .\rويقال المحبة سُكْرٌ لا صحوَ فيه ودَهَشٌ في لقاء المحبوب يوجِب التعطُّلَ عن التمييز ، ويقال المحبة بلاء لا يُرْجَى شفاؤه ، وسقام لا يعرف دواؤه . ويقال المحبة غريمٌ يلازمك لا يبرح ، ورقيبٌ من المحبوب يستوفي له منك دقائقَ الحقوق في دوام الأحوال ، ويقال المحبة قضية توجب المحبة؛ فمحبة الحق أوجبت محبة العبد .\rقوله جلّ ذكره : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .\rلولا أنه يحبهم لما أحبهم ، ولولا أنه أخبر عن المحبة فأنَّى تكون للطينة ذِكْرُ المحبة؟ ثم بيَّن الله تعالى صفة المحبين فقال : { أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ } . يبذلون المُهَجَ في المحبوب من غير كراهة ، ويبذلون الأرواح في الذَبِّ عن المحبوب من غير ادخار شظية من الميسور .\rثم قال تعالى في صفتهم : { يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ } أي يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعة ، ويجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات ، ويجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات ، ويجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات .\rثم قال : { وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ } أي لا يلاحظون نُصْحَ حميم ، ولا يركنون إلى استقلال حكم ، ولا يجنحون إلى حظ ونصيب ، ولا يزيغون عن سَنَنِ الوفاء بحالٍ .\rثم بيَّن - سبحانه - أن جيمع ذلك إليه لا منهم فقال : و { ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } متفضِّلٌ عليم بِمَنْ يَخُصَّ بذلك من عبيده .","part":2,"page":135},{"id":636,"text":"الولي أي الناصر ، ولا موالاة بين المؤمنين وبين أعداء الحق - سبحانه - فأعداء الحقِّ هم أعداء الدِّين .\rو « إنما » حرفٌ يقتضي أن ما عداه بخلافه ، وأعدى عدوِّك نَفْسُكَ - كما في الخبر - ومَنْ عادى نَفْسَه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلْق وبالمعارضة فيها مع الحق .","part":2,"page":136},{"id":637,"text":"الفائزون على حظوظهم الذين هم خصم لِلحقِّ على أنفسهم لا خصم لأنفسهم على مولاهم ، والغلبة بالحُجَّةِ والبرهان دون اليد .\rويقال من قام لله بصدق انخنس دونه كلُّ مُبْطِل . ويقال إذا طلعت أنوار الحق أدبر ليل أهل الباطل .","part":2,"page":137},{"id":638,"text":"نَبَّهَهُم على وجوب التحيز عنهم والتميز منهم ، فإن المخالف في العقيدة لا يكون موافقاً في الحقيقة .\rويقال : أَمَرَهم بأن يلاحظوهم بعين الاستصغار كما لاحظوا دين المسلمين بعين الاستحقار .","part":2,"page":138},{"id":639,"text":"الأَذانُ دعاءٌ إلى محلِّ النجوى ، فَمَنْ تحقَّقَ بعلوِّ المحلِّ فسماعُ الأذانِ يوجب له روْحَ القلب واسترواح الروح ، ومن كان محجوباً عن حقيقة الحال لاحَظَ ذلك بعين اللعب وأدركه بسمع الاستهزاء ، وذلك حكمُ الله : غايَرَ بين عباده على ما يشاء .","part":2,"page":139},{"id":640,"text":"ما لنا عندكم عيبٌ إلا أننا تحققنا أننا محو في الله وأنَّ الكائنات حاصلة بالله ولا نتقفى أثراً سوى لله في الله ، وهذا - واللهِ - عيبٌ زائلٌ ، ونقصٌ ليس له - في التحقيق - حاصل .","part":2,"page":140},{"id":641,"text":"يعني أخسُّ من المذكورين قَدْراً ، وأقل منهم خطراً من سقط عن عين الله فأذلَّة ، وأبعده عن نعت التخصيص فأضلَّه ، ومنعه عن وصف التقريب وأبعده ، وحجبه عن شهود الحقيقة وطرده .","part":2,"page":141},{"id":642,"text":"أظهروا الصدق ، وفي التحقيق نافقوا ، وافتضحوا من حيث أوهموا ولبَّسُوا؛ فلا حالُهم بقيت مستورة ، ولا أسرارهم كانت عند الله مكبوتة ، وهذا نعتُ كل مبطل . وعند أرباب الحقائق أحوالهم ظاهرة في أنوار فراستهم .","part":2,"page":142},{"id":643,"text":"تَملكتْهُم الأطماعُ فستهوتهم في متاهات العناء ، وذلك نعت كل ( طالع ) في غير مطمع؛ ذُلٌّ حاضر ، وصَغَارٌ مستولٍ .","part":2,"page":143},{"id":644,"text":"الربانيُّ من كان لله وبالله؛ لم تبق منه بقية لغير الله .\rويقال الربّانيُّ الذي ارتقى عن الحدود .\rوالربانيُّ مَنْ توقَّى الآفات ثم ترقَّى إلى الساحات ، ثم تلقَّى ما كوشِفَ به من زوائد القربات ، فخلا عن نفسه ، وصفا عن وصفه ، وقام لِرَبِّه وبربِّه .\rوقد جعل الله الربانيين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدِّين ، فهم خلفاءٌ ينهون الخلْقَ بممارسة أحوالهم أكثر مما ينهونهم بأقوالهم ، فإِنهم إذا أشاروا إلى الله حقق الله ما يُؤمِنُون إليه ، وتحقق ما علقوا هممهم به .","part":2,"page":144},{"id":645,"text":"صغَّر سوء قالة الموحِّدين - في اغتياب بعضهم لبعض بعد ما كانوا بالتوحيد قائلين وبالشهادة ناطقين - بالإضافة إلى ما قاله الكفار من سوء القول في الله؛ يعني أنهم وإن أساءوا قولاً فلقد كان أسوأ قولاً منهم مَنْ نَسبَنَا إلى ما نحن عنه مُنَزَّهٌ ، وأَطلق في وصفنا ما نحن عنه مُقدَّسٌ .\rثم إن الحق - سبحانه قال : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا } فلا ريح الصدق يشمون ، ولا نَفَساً من الحقِّ يجدون .\rثم أثنى على نفسه فقال : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي بل قدرته بالغة ومشيئته نافذة ، ونعمته سابغة وإرادته ماضية .\rويقال { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي يرفع ويضع ، وينفع ويدفع ، ولا يخلو أحدٌ عن نِعَمِ النفع وإن خلا عن نعم الدفع .","part":2,"page":145},{"id":646,"text":"إنما وعدهم الغفرانَ بشرط التقوى . ودليل الخطاب يقتضي أنه لا يغفر لمن لا يتق منهم .\rوقال لظالمي هذه الأمة : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } [ فاطر : 32 ] ثم قال في آخر الآية : { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } [ فاطر : 33 ] أي أهل التقوى لأنه أهل المغفرة ، فإِنْ تركتم التقوى فهو أهلٌ لأن يغفر .\rويقال لو أنهم راعوا أمرنا أصلحنا لهم أمرهم ، ولكنهم وَقَفُوا فوُقِفُوا .","part":2,"page":146},{"id":647,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } .\rأي لو سلكوا سبيلَ الطاعة لوسَّعنا عليهم أسباب المعيشة وسهَّلنا لهم الحال حتى إن ضربوا بيمينٍ ما لقوا غيرَ اليُمْن ، وإِنْ ذهبوا يعسْرةً ما وجدوا إلا اليُسْر .\rقوله جلّ ذكره : { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } .\rالمقتصد الواقف على حدِّ الأمر؛ لا يُقَصِّر فيُنْقِص ، ولا يجاوزُ فيزيد .\rويقال المقتصدُ الذي تساوى في هِمَّتِه الفقدُ والوجودُ في الحادثات .","part":2,"page":147},{"id":648,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيًّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ } .\rلا تكتم شيئاً مما أوحينا إليك مُلاَحَظَةً لِغَيْرٍ ، إذ لا غير - في التحقيق - إلا رسوم موضعة ، وأحكام القدرة عليها جارية .\rويقال بَيِّنْ للكافة أنك سيِّدُ ولد آدم ، وأنَّ آدم دون لوائك .\rويقال بلِّغْ ما أُنْزِلَ إليك أنِّي أغفر للعصاة ولا أبالي ، وأردُّ مِنَ المطيعين مَنْ شِئْتُ ولا أُبالي .\rقوله جلّ ذكره : { وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الكَافِرِينَ } .\rيحفظ ظاهرك من أن يَمَسَّكَ أذاهم ، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدوٌّ ، أو يصون سِرَّك عنهم حتى لا يقع احتشامٌ منهم .\rويقال يعصمك من الناس حتى لا تغرق في بحر التوهم؛ بل تشاهدهم كما هُمْ؛ وجوداً بين طرفي العَدَم .","part":2,"page":148},{"id":649,"text":"أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم ، ولا قَدْركم في الدنيا والعُقبى ، ولا مقداركم ولا منزلكم في حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهي ، والمحافظةِ على أحكام الشرع .","part":2,"page":149},{"id":650,"text":"بَيَّنَ أنهم - وإنْ تجنَّسَتْ أحوالهم - فبعدما تجمعهم أصولُ التوحيد فلهم الأمانُ من الوعيد ، والفوزُ بالمزيد .","part":2,"page":150},{"id":651,"text":"داروا مع الهوى فوقعوا في البلاء . ومِنْ أمارات الشقاء الإصرارُ على متابعة الهوى ، وحسبوا ألا تكون فتنة ، فعموا وصموا . واغتروا بطول الإمهال فأصروا على قبيح الأعمال ، فلما أَخَذَتْهم فجاءةُ الانتقام لم ينفعهم الندم ، وبَرَّحَ بهم الألم .","part":2,"page":151},{"id":652,"text":"سَقِمَتْ بصائرهم والتبست عليهم أمارات الحدوث ، فخَلَطُوا في عقائدهم استحقاقَ أوصافِ القِدَمِ بنعوت الحدوث! .","part":2,"page":152},{"id":653,"text":"بلغ الخذلانُ بهم حداً أَنْ كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة ، ولا يخفى فسادٌ هذا على مجنونٍ . . فكيف على عاقل؟!\rقوله : { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لم يُغْلِقُ بابَ التوبة عليهم - مع قبيح أقوالهم ، وفساد عقائدهم - تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته .","part":2,"page":153},{"id":654,"text":"مَنْ اشتملت عليه الأرحامُ ، وتناوبته الآثار المتعاقبة أنَّى يليق بوصف الإلهية؟\rثم مَنْ مَسَّتْه الحاجةُ حتى اتصف بالأكل وأصابته الضرورةُ إلى أن يَخْلُصَ من بقايا الطعام فَأَنَّى يليق به استيجابُ العبادة والتسميةُ بالإلهية؟\rانظر - يا محمد - كيف نزيد في إيضاح الحجة وكيف تلبَّس عليهم سلوكُ المحجة؟","part":2,"page":154},{"id":655,"text":"تعليقُ القلوب - بدون الرب - في استدفاع الشر واستجلاب الخير تمحيق للوقت فيما لا يُجْدِي ، وإذهابٌ للعمر فيما لا يُغْني؛ إذ المتفردُ بالإيجاد بريءٌ عن الأنداد .","part":2,"page":155},{"id":656,"text":"التعمقُ في الباطل قطعٌ لآمال الرجوع؛ فكلما كان بُعْدُ المسافةِ مِنَ الحقِّ أتمَّ كان اليأسُ من الرجعةِ أوجبَ ، ومُتَّبعُ الضلالة شرٌّ مِنْ مبتدِعها؛ لأن المبتدعَ يبني والمُتَّبع يُتِمُّ البناء ، ومنْ به كمالُ الشرِّ شرُّ ممن منه ابتداءُ الشر .","part":2,"page":156},{"id":657,"text":"أَمَر الأنبياء - عليهم السلام - حتى ذكروا الكفار بالسوء ، وأمَّا الأولياء فخصَّهم بذكر نفسه فقال : { هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ } [ الأحزاب : 43 ] فلعنةُ الكفار بلسان الأنبياء ، وذِكْرُ المؤمنين بالجميل بلسان الحقِّ - سبحانه ، ولو كان ذلك ذِكْراً بالسوء لكان فيه استحقاقُ فضيلةٍ ، فكيف وهو ذكرٌ بالجميل!؟ ولقد قال قائلهم :\rلئن ساءني أَنْ تَلْقَني بمساءةٍ ... فقد سرَّني أَني خَطَرْتُ ببالِكا","part":2,"page":157},{"id":658,"text":"الرضاءُ بمخالفة أمر الحبيب مُوَافَقَةٌ للمخالف ، ولا أَنْفَةَ بعد تميز الخلاف . والسكوتُ عن جفاءٍ تُعامَلْ به كَرَمٌ ، والاغضاءُ عما يُقَال في محبوبك دناءةٌ .","part":2,"page":158},{"id":659,"text":"شرُّ خِصال اللئام مطابقةُ مَنْ يضاد الصديق ، فإذا كان سخط الله في موالاة أعدائه فرحمته - سبحانه - في معاداة أعدائه .","part":2,"page":159},{"id":660,"text":"صَرَّحَ بأنَّ مُوَافِقَ مَنْ نَاوَءَكَ آثَرَ التباعدَ عنك؛ إذ لو كانت بينكما شَعْرَةٌ غيرُ مُنْقَطِعَةٍ لأخلصت في موالاته ، وأخلصَ في مصافاتك .","part":2,"page":160},{"id":661,"text":"بَيَّنَ أَنَّ صفة العداوة وإن كانت تجمعهم فمعاداةُ بعضهم تزيد على بعض ، وبقدر ما للنصارى من التَّرهُّب أثر فيهم بالمقاربة من أهل الحق؛ فإنهم وإن لم ينتفعوا بهم من حيث الخلاص فقد ذكرهم الله سبحانه - بمقاربة أهل الاختصاص .","part":2,"page":161},{"id":662,"text":"هذه صفة من نظر إليه الحق نظر القبول ، فإذا قَرَعَتْ سَمْعَهُم دعوةُ الحقِّ ابتسمت البصيرة في قلوبهم ، فسكنوا إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق .","part":2,"page":162},{"id":663,"text":"وأي عذر لنا في التعريج في أوطان الارتياب ، وقد تجلَّت لقلوبنا الحجج؟ ثم ما نؤمله من حُسْنِ العاقبة . . متى بدونه يمكن أن نطلبه؟ .","part":2,"page":163},{"id":664,"text":"لمَّا صَدَقَتْ آمالهم قابلها بالتحقيق ، سُنَّةً منه - سبحانه - ألا يخيب راجيه ، ولا يرد مؤمليه ، وإنما علَّق الثواب على قولِ القلب الذي هو شهادةٌ عن شهوده ، فأمّا النظر المنفردُ عن البصيرةِ فلا ثوابَ عليه ولا إيجاب .","part":2,"page":164},{"id":665,"text":"( هذا ) أثر الإعراض عن الأعداء في مقابلة أثر الإقبال على الأولياء معجَّلاً ومؤجلاً .","part":2,"page":165},{"id":666,"text":"من أمارات السعادة الوقوفُ على حد الأمر؛ إنْ أَبَاحَ الحقُّ شيئاً قَبِلَه ، وقابله بالخشوع ، وإنْ خَطَرَ شيئاً وقف ولم يتعرض للجحود .\rومما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب في أوطان الخلوة ، وتحريم ذلك : إنْ اسْتَبدَلَ تلك الحالة بالخلطة دون العزلة؛ والعِشْرَةِ دون الخلوة ، وذلك هو العدوان العظيم والخسران المبين .","part":2,"page":166},{"id":667,"text":"الحلال الصَّافي بأن يأكلَ العبدُ ما يأكلُ على شهوده - سبحانه - فإنْ نَزَلَتْ الحالةُ عن هذا فَعَلَى ذِكْرِ - سبحانه - فإنَّ الأكلَ على الغفلة حرامٌ في شريعة الإرادة .","part":2,"page":167},{"id":668,"text":"الإشارة منه إلى وقتٍ يغلب على قلبك التعطشُ إلى شيء من إقباله أو وصاله ، فَتُقْسِمُ عليه بجماله أو جلاله أن يرزقَك شظيةً من إقباله ، فكذلك في شريعة الرضا نوعٌ من اليمين ، فيعفو عنك رحمةً عليك لضعف حالك . والأوْلى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت ما يُجْرِي عليكَ من أحكامه في الردَّ والصد ، وأن تؤثِرَ استقامتَك في أداء حقوقه على إكرامك بحسن تقريبه وإقباله ، كما قال قائلهم :\rأُريدُ وِصالَه ويريد هجري ... فأتركُ ما أريد لما يريد\rومِنَ اللغْوِ في اليمين - عندهم - ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجْد من تجريد العهد وتأكيد العقد ، فيقول :\rوحقِّك ما نظرتُ إلى سواكا ، ولا قُلْت بغيرك . . ولا حُلْتُ عن عهدك ، وأمثال هذا . . .\rوكلُّه في حكم التوحيد لغو ، وعن شهود عهد الأحدية سهوٌ . . . ومَنْ أنتَ في الرِّفعةِ حتى تَعْدِمَ نَفْسَكَ؟ وأين في الدار ديَّار حتى تقول بتركه أو تتحقق بوصله أو هجره؟ كلا . . . بل هو الله الواحد القهار .\rوكما أن الكفَّارة الشرعيةَ إمَّا عِتْق أو إطعامٌ وإما كسوةٌ فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام : فكفَّارتهم - على موجب الإشارة - إمّا بذل الروح بحكم الوَجْدِ ، أو بذل القلب بصحة القصد ، أو بذل النفس بدوام الجهد ، فإن عجزتَ فإمساكٌ وصيامٌ عن المناهي والزواجر .","part":2,"page":168},{"id":669,"text":"الخمر ما خامر العقول ، والخمر حرام .\rوالإشارة فيه أنه يزيد نَفَادَ العقل بما يوجب عليه من الالتباس .\rومَنْ شَرِبَ من خمر الغفلة فسُكْرُه أصعب؛ فشرابُ الغفلةِ يوجب البعد عن الحقيقة .\rوكما أن من سَكِرَ من خمر الدنيا ممنوعٌ عن الصلاةِ فمن سَكِرَ من خمر الغفلة فهو محجوبٌ عن المواصلاتِ .\rوكما أنَّ مَنْ شَرِبَ من خمر الدنيا وجبَ عليه الحدُّ فكذلك من شَرِبَ شرابَ الغفلة فعليه الحَدُّ إذ يُضْرَبُ بسياط الخوف .\rوكما أنَّ السكرانَ لا يُقامُ عليه الحدُّ ما لم يُفِقْ فالغافل لا ينجح فيه الوعظُ ما لم ينته .\rوكما أن مفتاحَ الكبائر شربُ الخمر ( فالغفلة ) ، أصلُ كلِّ زَلَّة ، وسببُ كلِّ ذِلَّة وبدءُ كل بُعْد وحجبة عن الله تعالى .\rويقال لم يحرم عليه الشرابَ في الدنيا إلا وأباح له شرابَ القلوب؛ فشراب الكبائر محظور وشراب الاستئناس مبذول ، وعلى حسب المواجد حظى القوم بالشراب ، وحيثما كان الشرابُ كان السكْر ، وفي معناه أنشدوا :\rفما ملَّ ساقيها وما ملَّ شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللُّبَّا\rفصحوك من لفظي هو الوصل كله ... وسكرك من لحظي يبيح لك الشرابا\rوحُرِّم الميسر في الشرع ، وفي شريعة الحب القوم مقهورون؛ فمن حيث الإشارة أبدانهم مطروحة في شوارع التقدير ، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين المقادير ، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر ، عليها خرجت القُرْعةُ من ( . . . . ) ، قال تعالى { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ } [ الصافات : 141 ] .","part":2,"page":169},{"id":670,"text":"طال بُعْدُهم عن الحقيقة فقاسوا الهوان في مطارح الغربة ، وصاروا سخرة للشيطان؛ فبقوا عن الصلاة التي هي محل النجوى وكمال الراحة ، وفَسَدَتْ ذاتُ بَيْنِهِم بما تولد من الشحناء والبغضاء .","part":2,"page":170},{"id":671,"text":"كما كان العبد أعرفَ بربه كان أخوفَ من ربه ، وإنما ينتفي الحذر عن العبد عند تحقيق الموعد بقوله : { أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ } [ الأنعام : 82 ] وذلك عند دخول الجنة . وحقيقةُ الحذر نهوضُ القلب بدوام الاستغاثة مع مجاري الأنفاس .","part":2,"page":171},{"id":672,"text":"من حافظ على الأمر والنهي فليس للقمة يتناولها من الخطر ما يُضَايَق فيها ، وإنما المقصود من العبد التأدبُ بصحبة طريقه سبحانه ، فإذا اتَّقى الشِرْكَ تعَرّف ، ثم اتقى الحرامَ فما تصرّف ، ثم اتقى الشحَّ فآثر وما أسرف .\rوقوله { ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا } يعني اتقوا المنع وأحسنوا للخلْق - وهذا للعموم . ثم اتقوا شهود الخلْق؛ فأحسنُ الشهودِ الحقُّ ، والإحسانُ أَنْ تعبد الله كأنك تراه - وهذا للخواص .\rوالله يحب المحسنين أعمالاً والمحسنين ( آمالاً ) والمحسنين أحوالاً .","part":2,"page":172},{"id":673,"text":"أباح الصيد لمن كان حَلاَلاً ، وحرَّم الصيد على المُحْرِم الذي قَصْدهُ زيارة البيت . والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان ، لا يتأذى منه حيوان بحال ، لذا قالوا : البَرُّ مَنْ لا يؤذي الذر ولا يُضْمِر الشر .\rويقال الإشارة في هذا أَنْ مَنْ قصَدَنا فعليه نَبْذُ الأطماعِ جملةً ، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحالٍ من الأحوال .\rوكما أنَّ الصيدَ على المُحْرِم حرامٌ إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار - على الواجِد - حرامٌ ما دام مُحْرِمًا بقلبه .\rويقال العارفُ صيدُ الحق ، ولا يكون للصيد صيد .\rوإذا قَتَلَ المُحرِمُ الصيدَ فعليه الكفَّارة ، وإذا لاحظ العارفُ الأغيارَ ، أو طمع أو رغب في شيءٍ أو اختار لَزِمَتْه الكفَّارة ، ولكن لا يُكْتَفى منه بجزاء المثل ، ولا بأضعاف أمثال ما تصرَّف فيه أو طمع ، ولكن كفَّارته تجرده - على الحقيقة - عن كل غير ، قليلٍ أو كثير ، صغير أو كبير .","part":2,"page":173},{"id":674,"text":"حُكْمُ البحرِ خِلافُ حُكْم البر . وإذا غرق العبدُ في بحار الحقائق سَقَطَ حكمه ، فصيد البحر مباح له لأنه إذا غرق صار محواً ، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محوٌ ، واللهُ غالِبٌ على أمره .","part":2,"page":174},{"id":675,"text":"حَكَمَ الله سبحانه - بأن يكون بيتُه - اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمِّل ، ويستقيم ببركات زيارته كلُّ مائلٍ عن نهج الاستقامة ، ويستنجح بابتهاله هنالك كلُّ ذي أَرَبٍ .\rوالبيتُ حَجَرٌ والعبد مَدَرٌ ، والحق سبحانه ربط المدر بالحجر ليُعْلَمَ أنه الذي لم يَزَلْ لا سبيل إليه للحدثان والغير .","part":2,"page":175},{"id":676,"text":"شديد العقاب للأعداء ، غفور رحيم للأولياء .\rويقال شديد العقاب للخواص بتعجيل الحجاب إنْ زاغُوا عن الشهود لحظةً ، غفور رحيم للعوام إن رجعوا إليه بتوبة وحسرة .","part":2,"page":176},{"id":677,"text":"المتفرِّدُ بالإلهية اللهُ . والرسولُ - وإنْ جلَّ قَدْرُه - فليس عليه إلا البلاغ وهو أيضاً ( بتسييره ) .\rقوله : { قُل لاَّ يَسْتَوِى الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } : الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى في حالة اكتسابه ، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق .\rويقال الخبيث ما لم يُخْرَجْ منه حقُّ الله تعالى ، والطيب ما أُخْرجَ منه حقه - سبحانه . ويقال الخبيث ما ادخرتَه لنفسك ، والطيب ما قدَّمتَه لأمره .","part":2,"page":177},{"id":678,"text":"إذا أسبل عليكم ستر اللطف فلا تتعرضوا لعلم أُخْفِيَ عنكم ، فيتنغَص ( بالتج . . . ) - عليكم - عَيْشُكم .\rويقال لا تتعرضوا للوقوف على محل الأكابر - حيث لا تستوجبون ذلك - فيسوءكم تقاصرُ رتبتك .\rويقال إذا بدا من الإعراض علم فاطلبوا له عندكم وجهاً من التفال ولا تطلبوا أسرار الباري ، واركنوا إلى روْح المنى في استدفاع ما ظلكم ولا تبحثوا عن سر ذلك وراعوا الأمر مجملاً .","part":2,"page":178},{"id":679,"text":"يعني توهَّم قوم أنهم محرورون عن التأثر فيما يصادفهم في فجاءة التقدير ، وذلك منهم ظَنٌّ ، كما يقول بعضهم :\rتبيَّن يومَ البيْن أنَّ اعتزامَه ... على الصبر من إحدى الظنون الكواذب","part":2,"page":179},{"id":680,"text":"هذه أحكامٌ ابتدعوها ، فردَّهم الحقُّ - سبحانه - عن الابتداع ، وأمَرهم بحسن الاتِّباع ، وأخبر أنَّ ما صدر من عاداتهم لا يُعَدُّ من جملة عبادتهم .","part":2,"page":180},{"id":681,"text":"إذا هتفت بهم دواعي الحقِّ بالجنوح إلى وصف الصدق صَدَّهم عن الإجابة ما مرنوا عليه من سهولة التقليد ، وإن أسلافهم الذين وافقوهم لم يكونوا إلاَّ في ضلال .","part":2,"page":181},{"id":682,"text":"يكفي للفقير أن يمشيَ وقد جُبِرَ بعضُ كَسْرِه ، فأمَّا إذا ادَّعى التقدم أو الطمع في إنجادِ منْ سواه فمحال من الحدث والظن .\rويقال من يفرغ إلى غيره يتشاغل عن نفسه ، ومن اشتغل بنفسه لم يتفرَّغ إلى غيره .","part":2,"page":182},{"id":683,"text":"حكم هذه الآية كان ثابتاً في الشرع ونُسخ ، وفي بيان التفسير تفصيلُه .\rوالنسخُ هو الإزالة ، وذلك جائزٌ في العبادات .\rومعنى النسخ يوجد في سلوك المريدين؛ فهم في الابتداء فَرْضُهم القيام بالظواهر من حيث المجاهدات ، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شيء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أورادالظاهر ، فهو كالنسخ من حيث الصورة .\rقال تعالى : { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [ البقرة : 106 ] . واتصافهم بمراعاة القلوب أتمُّ بتأديبهم بأحكام المعاملات .","part":2,"page":183},{"id":684,"text":"يكاشفهم بنعت الجلال فتنخنس فهومُهم وعلومُهم حتى ينطقوا بالبراءة عن التحقيق ويقولون : { لاَعِلْمَ لَنَا } ، وهكذا تكون الحالة غداً : مَنْ قال لشيءٍ ، أو مَالَ يقولون : « ما عبدناك حق عبادتك » والأنبياء يقولن : { لاَ عِلْمَ لَنَا } .","part":2,"page":184},{"id":685,"text":"التذكيرُ بوجوه النعم يستخرج خلاصة الحُب والهيمان في المذكور وكلُّ وقتٍ للأحباب يمضي يصير لهم حديثاً يتلى من بعدهم : إما عليهم وإمَّا عنهم .","part":2,"page":185},{"id":686,"text":"وإنما خصَّهم بالوحي إلهاماً وإكراماً لانبساط ضياء عيسى عليهم ، وفي الأثر : « هُمُ القومُ لا يَشْقَى بهم جليسُ » .","part":2,"page":186},{"id":687,"text":"طلبوا المائدةَ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة ، فعُذِرُوا وأجيبوا إليها؛ إذ كان مرادُهم حصولَ اليقين وزيادةَ البصيرة .\rويقال كلٌ يطلب سُؤْله على حسب ضرورته وحالته ، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها ، ومنهم من يكون سكونه في ( فائدة ) من الموارد يَرِدُها ، وعزيز منهم من يجد الفناء عن برهان يتأمله ، أو بيان دليل يطلبه .","part":2,"page":187},{"id":688,"text":"شَتَّان بين أمة طلب لهم نبيُّهم سكوناً بإنزال المائدة عليهم ، وبين أمة بدأهم - سبحانه بإنزال السكينة عليهم ، من غير سؤال أحد ، قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ } [ الفتح : 4 ] .\rوقال في صفتهم : { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } [ الأنفال : 2 ] .\rوفَرْقٌ بين مَنْ زيادةُ إيمانه بآياته التي تتلى عليهم وبين من يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تُبَاحُ لهم .","part":2,"page":188},{"id":689,"text":"أجابه إلى سؤاله لهم ، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده لِيَعْلَمَ السالكون أَنَّ المراد إذا حصل ، وأَنْ الكرامة إذا تحققت - فالخطر أشدُّ والحالُ من الآفة أقربُ ، وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى ، ومحن الأكابر إذا حلَّت جلَّت .","part":2,"page":189},{"id":690,"text":"المراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى القول بالتثليث ، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف .\rثم إن عيسى - عليه السلام - حفظ أدب الخطاب فلم يُزَكِّ نَفْسَه ، بل بدأ بالثناء على الحق - سبحانه - فقال : تنزيهاً لك! إنني أنزهك عما لا يليق بوصفك .\rثم قال : { مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ } أي إني إن كنت مخصوصاً مِنْ قِبَلِكَ بالرسالة - وشرط النبوة العصمة - فكيف يجوز أن أفعل ما لا يجوز لي؟\rثم إني { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } : كان واثقاً بأن الحقَّ - سبحانه - عليم بنزاهته من تلك القالة .\r{ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى } : أي علمك محيطٌ بكل معلوم .\r{ وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } أي لا أطلع على غيبك إلا بقدر ما تُعَرِّفُني بإعلامك . { إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ } الذي لا يخرج معلوم عن علمك ، ولا مقدور عن حكمك .","part":2,"page":190},{"id":691,"text":"ما دعوتُهم إلا لعبادتك ، وما أمرتهم إلا لتوحيدك وتقديسك ، وما دمت حياً فيهم كنت ( . . . . ) على هذه الجملة ، فلما فارقتُهم كان تصرفهم في قبضتك على مقتضى مشيئتك ، فأنت أعلم بما كانوا عليه من وَصْفَي وفاقهم وخلافهم ، ونِعَمَتَيْ اقتصادهم وإسرافهم .","part":2,"page":191},{"id":692,"text":"بيَّن أن حكم المولى في عبيده نافذ بحكم إطلاق ملكه ، فقال إن تعذبهم يحسن منك تعذيبهم وكان ذلك لأنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي المُعِز لهم بمغفرتك لهم .\rويقال أنت العزيز الحكيم الذي لا يضركَ كُفْرُهم .\rويقال { العَزِيزُ } القادر على الانتقام منهم فالعفو ( عند ) القدرة سِمَةُ الكرمِ ، وعند العجز أمارةُ الذُّل .\rويقال إن تغفر لهم فإنك أعزُّ من أن تتجمل بطاعة مطيعٍ أو تنتقص بِزِلَّةِ عاصٍ . وقوله { الحَكِيمُ } ردٌّ على من قال : غفران الشّركِ ليس بصحيح في الحكمة .","part":2,"page":192},{"id":693,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً } .\rمَنْ تَعَجَّل ميراثَ صدقه في دنياه من قبولٍ حصل له من الناس ، أو رياسةٍ عقدت له ، له أو نفع وصل إليه من جاهٍ أو مالٍ . فلا شيء له في آجله من صواب صدقه ، لأن الحقَّ - سبحانه - نصّ بأنَّ يومَ القيامة ينفع فيه الصادقين صدقهم .\rقوله جلّ ذكره : { رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ } .\rورضاءُ الحق - سبحانه - إثباتُ مَحَلّ لهم ، وثناؤه عليهم ومدحُه لهم ، وتخصيصهم بأفضاله وفنون نواله . ورضاؤهم عن الحق - سبحانه في الآخرة وصولهم إلى مناهم؛ فهو الفوز العظيم والنجاة الكبرى .","part":2,"page":193},{"id":694,"text":"قوله جلّ ذكره : { لِلَّه مُلْكٌُ السَّمَاوَاتِِ والأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ } .\rتَمَدَّحَ لحقُّ - سبحانه - بقدرته القديمة الشاملة لجميع المقدورات ، الصالحة لإيجاد المصنوعات ، ولم يتجمل بإضافة غيرٍ إلى نفسه من اسمٍ أو أثرٍ ، أو عينٍ أو طلل .\rقوله جلّ ذكره : { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ } .\rمن الإبعاد والإسعاد ، والصد والرد ، والدفع والنفع ، والقمع والمنع .","part":2,"page":194},{"id":695,"text":"بدأ الله - سبحانه - بالثناء على نفسه ، فحمد نفسه بثنائه الأزليّ وأخبر عن سنائه الصمدي ، وعلائه الأحدي فقال : { الحمد لله } .\rوقوله D : { الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ } : « فالذي » إشارة و { خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ } عبارة . استقلت الأسرارُ بسماع « الذي » لتحققها بوجوده ، ودوامها لشهوده ، واحتاجت القلوب عند سماع « الذي » إلى سماع الصلة لأن « الذي » من الأسماء الموصولة بكوْنِ القلوب تحت ستر الغيب فقال : { خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ } .\rقوله جلّ ذكره : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } .\rخَلَقَ ظلمةَ الليل وضياءَ النهار ، ووحشةَ الكفر والشِرْك ، ونور العرفان والاستبصار .\rويقال جَعَلَ الظلماتِ نصيبَ قوم لا لجُرْمٍ سَلَفَ ، والنورَ نصيبَ قومٍ لا لاستحقاقٍ سبق ، ولكنه حُكْمٌ به جرى قضاؤه .\rويقال جعل ظلماتِ العصيان محنةَ قومٍ ، ونور العرفان نزهةَ قوم .","part":2,"page":195},{"id":696,"text":"أثبت الأصل من الطين وأدعها عجائب ( السير ) وأظهر عليها ما لم يظهر على مخلوق ، فالعِبْرَةُ بالوَصْلِ لا بالأصل؛ فالوَصْلُ قُرْبَةٌ وَالأصل تُرْبةٌ ، الأصل من حيث النَّطفة والقطرة ، والوصل من حيث القربة والنَّصرة .\rقوله { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ } : جعل للامتحان أجلاً ، ثم جعل للامتنان أجلاً ، فَأَجَلُ الامتحان في الدنيا ، وأَجَلُ الامتنان في العُقْبى .\rويقال ضَرَبَ للطلب أجلاً وهو وقت المهلة ، ثم عقبه بأجل بعده وهو وقت الوصلة؛ فالمهلة لها مدًى ومنتهى ، والوصلة بلا مدًى ولا منتهى؛ فوقتُ الوجودِ له ابتداء وهو حين تطلع شموس التوحيد ثم يتسرمد فلا غروب لها بعد الطلوع .","part":2,"page":196},{"id":697,"text":"وهو الذي هو معبودُ مَنْ في السماء ، مقصود مَنْ في الأرض ، وهو الموجود قبل كل سماءٍ وفضاء ، وظلام وضياء ، وشمس وقمر ، وعين وأثر ، وغيْر وغَبَر .","part":2,"page":197},{"id":698,"text":"أي لا يزيدهم كشفاً ولطفاً إلا قابلوهُ جحداً وكفراً ، ولا يُولِيهم إقبالاً إلا قابلوه بإعراض ، ولا يلقاهم بَسْطًا إلاَّ ( . . . . ) بانقباض .","part":2,"page":198},{"id":699,"text":"إنهم أصَرُّوا على الخلافِ مستكبرين ، وعن قريب يقاسون وبالَ أمرهم ، ويذوقون غِبَّ جُحْدِهم .","part":2,"page":199},{"id":700,"text":"يعني مَنْ تَقَدَّمَهُم كانوا أشدَّ تمكناً في إمهالنا ، وأكثرَ نصيباً - في الظاهر - من أقوالنا؛ سهَّلنا لهم أسبابَ المعاش ، ووسَّعنا عليهم أبواب الانتعاش ، فحين وَطَّنُوا على كواذب المنى قلوبَهم ، وأدركوا من الدنيا محبوبهم ومطلوبَهم فتحنا عليهم من مكامن التقدير ، وأبرزنا لهم من غوامض الأمور ما فزعوا عليه من النَّدّم ، وذاقوا دونه طعم الألم . ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ، وأورثناهم مساكنهم ، وأسكناهم أماكنهم ، فلمَّا انخرطوا - في الغيّ - عن سلكهم ، ألحقناهم في الإهلاك بهم ، سُنَّةً منا في الانتقام قضيناها على أعدائنا ، وعادةً في الإكرام أجريناها لأوليائنا .","part":2,"page":200},{"id":701,"text":"يُخْبِرُ عن كمالِ قدرته في إبداء ما يريده بعد ما قَضَى لهم الضلالَ ، فلو أشهدهم كُلَّ دليل ، وأوْضَحَ لهم كل سبيل ما ازدادوا إلاّ تمادياً في الضلال والنفرة ، وانهماكاً في الجهل والغيّ .","part":2,"page":201},{"id":702,"text":"بيَّنَ أَنَّ العبرة بالقسمة دون الاعتبار بالحجة ، وما يغني السراج عند مَنْ فَقَدَ البصر؟ كذلك ما تغني الحجَجُ عند مَنْ عدم عناية الأزل؟","part":2,"page":202},{"id":703,"text":"مَنْ لم يُقَدِّسْ سِرَّه لَبَّسَ عليه أَمْرَه .","part":2,"page":203},{"id":704,"text":"أي سَبَقَكَ - يا محمد - مَنْ كُذِّب به كما كُذِّبْتَ ، فحقَّ لهم نصرنا ، فانتقمنا ممن ناؤوهم ، فعاد إليهم وبالُ كيدهم .","part":2,"page":204},{"id":705,"text":"قُلْ دوخوا في الأرضِ ، وسيحوا في سيركم فيها من الطول والعَرْضِ ، ثم انظروا هل أفْلَتَ من حكمنا أحدٌ ، وهل وجد من دونَ أمرنا مُلْتَحداً؟ .","part":2,"page":205},{"id":706,"text":"سَلْهُم هل في الدار ديار؟ وهل للكوْنِ - في التحقيق - عند الحق مقدار؟ فإنْ بقوا عن جوابٍ يَشْفِي ، فَقُلْ : الله في الربوبية يكفي .\rقوله : { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } : أخبرَ وحَكَمَ وأرادَ على حسب ما عَلِمَ ، فَمَنْ تَعلَّقَ بنجاته عِلْمُه سَبَقَ بدرجاته حُكْمُه ، ومَنْ عَلِمَهُ في آزاله أنه يَشْقَى فبقدر شقائه في البلاء يبقى .","part":2,"page":206},{"id":707,"text":"الحادثاتُ للهِ مِلْكاً ، وباللهِ ظهوراً ، ومِنْ اللهِ بدءاً ، وإلى اللهِ رجوعاً . وهو { السَّمِيعُ } لأنين المشتاقين ، { العَلِيمُ } بحنين الواجدين .","part":2,"page":207},{"id":708,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } .\rأَبَعْدَ ما أكرمني بجميل ولايته أتولى غيره؟ وبعد ما وَقَعَ عليَّ ضياءُ عنايته أنظرُ في الدارين إلى أحد؟ إنَّ هذا محالٌ في الظنِّ والتقدير .\rقوله جلّ ركره : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } .\rله نعتُ الكَرَمِ فلذلك يُطْعِمُ ، وله حقُّ القِدَمِ فلذلك لا يُطْعَمْ .","part":2,"page":208},{"id":709,"text":"أي إنِّي بعجزي متحقق ، ومن عذاب ربي مُشْفِق ، وبمتابعة أمره مُتَخَلِّقٌ .","part":2,"page":209},{"id":710,"text":"من أدركه سابقُ عنايته صَرَفَ عنه لاحِقَ عقوبته .","part":2,"page":210},{"id":711,"text":"إنَّه مَنْ ينجيك من البلاء ، ومن يُلقيك في العناء . وإذ المتفرِّد بالإبلاغ واحد فالأغيارُ كلُّهم أفعاله؛ وإن الإيجاد لا يَصْلُحُ من الأفعال .","part":2,"page":211},{"id":712,"text":"عَلَتْ رُتبةُ الأحدية صفةَ البشرية ، فهذا لم يزل لم يكن فحصل . ومتى يكون بقاء للحدثان مع وضوح سلطان التوحيد؟","part":2,"page":212},{"id":713,"text":"غلَبَتْ شهادة الحق - سبحانه - كلَّ شهادة ، فهم إذا أقبلوا يشهدون فلا تحيط بحقائِقِ الشيء علومُهم ، والحقُّ - سبحانه - هو الذي لا يخفى عليه شيءٌ ، ثم أخبره - A أنه مبعوثٌ إلى الكافة ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة .","part":2,"page":213},{"id":714,"text":"أحاط علمُهم بصدقِ المصطفى - A - في نُبوَّتِه ، ولكن أدركتهم الشقاوة الأزلية فعقدت ألسنتهم عن الإقرار به؛ فجحدوه جهراً ، وعلموا صِدْقَه سِرًّا .","part":2,"page":214},{"id":715,"text":"شؤم الخذلان بلغ بالنكاية فيهم ما جرَّهم إلى الإصرار على الكذب على الله تعالى ، ثم لم يستحيوا من اطلاعه ، ولم يخشوا من عذابه .","part":2,"page":215},{"id":716,"text":"يجمعهم ليوم الحشر والنشر ، لكنه يفرقهم في الحكم والأمر ، فالبعث يجمعهم ولكن الحكم يفرقهم .","part":2,"page":216},{"id":717,"text":"هذا الذي أخبر عنهم غايةُ التمرد؛ حيث جحدوا ما كَذبُوا فيه وأقسموا عليه ، ولو كان لهم بالله عِلمٌ بأنه يعلم سِرَّهم ونجواهم ، ولا يخفى عليه شيءٌ من أُولاَهم وعُقباهم ، لكن الجهل الغالب عليهم استنطقهم بما فيه فضائحهم .","part":2,"page":217},{"id":718,"text":"هذه كلمة تعجب؛ يعني إنَّ قصتهم منها ما هو محلُّ التعجب لأمثالكم .","part":2,"page":218},{"id":719,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِِمْ أَكِنَّةٌ أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراًْ } .\rبيَّنَ أن السمعَ - في الحقيقة - سمعُ القبول ، وذلك عن عين اليقين يصدر ، فأما سَمْعُ الظاهر فلا عِبْرَةَ به .\rويقال مَنْ ابتلاه الحقُّ بقلبٍ مطبق ، ووضع فوق بصيرته غطاءَ التلبيس لم يزدْه ذلك إلا نفرة على نفرة .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن يَرَوا كُلَّ آيةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } .\rيعني مَنْ أَقصَته القسمة الأزلية لم تنعشه الحيلة الأبدية .","part":2,"page":219},{"id":720,"text":"في هذه الآية إشارة صعبة ( لمن ) يدعو إلى الحق جهراً ثم لا يأتي بذلك سراً .\rويقال خالَفَتْ أحوالُهم قضايا أقوالهم ، وجرى إجرامُهم مجرى مَنْ ألقوا حِبالَهم على غاربهم ، وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعلُه .","part":2,"page":220},{"id":721,"text":"يعني حين ينجز للعبد ما وعده له من القربة يشغل من شاء بنوعٍ من العلة حتى لا يطلع أحد على محل الأسرار .","part":2,"page":221},{"id":722,"text":"غداً يوم تنتهك الأستار ، وتظهر الأسرار - فكم من مُجَلَّل بثوب تقواه ، ويَحْكُم له معارفُه بأنه زاهدٌ في دنياه ، راغب في عقباه ، محبٌ لمولاه ، مُفَارِقٌ لهواه ، فَيُكْشَفُ الأمرعلى خلاف ما فهموه ، ويفتضح عندهم بغير ما ظنوه .\rوكم من متهتك ستر بما أظهر عليه! ظنَّ الكلُّ أنه خليع العذار هيِّن الأعلال ، مشوش الأسرار ، فظهر لذوي البصائر جوهره ، وبدت عن خفايا الستر حقيقته .\rثم قال : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } أخبر عما علم أنه لا يكون أنه لو كان كيف كان يكون؛ فقال لو رُدَّ أهل العقوبة إلى دنياهم لعادوا إلى جحدهم وإنكارهم ، وكذلك لو رُدَّ أهل الصفاء والوفاء إلى دنياهم لعادوا إلى حسن أعمالهم .","part":2,"page":222},{"id":723,"text":"يا حسرة عليهم من موقف الخجل ، محل مقاساة الوَجَل ، وتذكر تقصير العمل!\rفهم واقفون على أقدام الحسرة ، يقرعون أسنان النجز حين لا ندم ينفعهم ، ولا شكوى تُسْمَعُ منهم ، ولا رحمة تنزل عليهم .\rوحين يقول لهم : أليس هذا بالحق؟ يُقِرُّونَ كارهين ، ويصرخون بالتبري عن كل غَيْر .","part":2,"page":223},{"id":724,"text":"خسران وأي خسران! لم يخسروا مالاً ، و لا مقاماً ولا حالاً ، و لكن كما قيل :\rلعمري لئن أنزفتُ دمعي فإنه ... لفرقِه مَنْ أفنيتُ في ذكره عمري\rالمصيبة لهم والحسرة على غيرهم ، ومَنْ لم يَعْرِفْ جَلالَ قدره متى تأسَّف على ما يفوته من حديثه وأمره؟!\rوقوله : { وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } : ما كان للنفس فيه حظ ونصيب اليوم فهو من الدنيا ، وما كان من الدنيا فإنه - لا محالة - يُلهيك عن مولاك ، وما يشغلك عن الحق ركونُه فغيرُ مباركٍ قُرْبُه .\rقوله : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ } : هذه تعزية للرسول - A - وتسلية . أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسَببِنَا ولأَجْلِنا . ولقد كُنْتَ عظيمَ الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليكَ هذا الرقم؛ وكانوا يسمونك محمداً الأمين ، فإنْ أصابَكَ ما يصيبك فَلأَجْلِ حديثنا ، وغيرُ ضائعٍ لك هذا عندنا ، وحالُكَ فينا كما قيل :\rأشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ ... وكانوا لنا سِلْما فصاروا لنا حَربا","part":2,"page":224},{"id":725,"text":"يعني إنَّ مَنْ سَلَكَ سبيلَنا صبر على ما أصابه من حديثنا ، فلا خَسِرَتْ فينا صفقتُه ، ولا خَفِيَتْ علينا حالتُه ، وما قَابَلَ حُكْمَنَا مَنْ عَرَفَنَا إلا بالمُهج ، وما حملوا ما لقوا فينا إلا على الحدق :\rإنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنيةَ منهلاً معسولا","part":2,"page":225},{"id":726,"text":"لفرط شفقته - A - استقصى في التماس الرحمة من الله لهم ، وحمل على قلبه العزيز بسبب ما عَلِمَ من سوء أحوالهم ما أثَّر فيه من فنون الأحزان . فعرَّفه أنهم مُبْعَدُون عن التقريب ، منكوبون بسالف القسمة .\rولو أراد الحقُّ - سبحانه - لخَفَّفَ عنهم ، ولو شاء أن يهديَهم لكان لهم مقيل في الصدور ، ومثوى على النشاط ، ولكن مَنْ كبَسَتْهُ العِزَّةُ لم تُنْعِشْه الحيلة .","part":2,"page":226},{"id":727,"text":"مَنْ فقد الاستماع في سرائره عَدِمَ توفيقَ الاتِّباعِ بظاهره ، والاختيارُ السابقُ في معلومه - سبحانه - غالبٌ .","part":2,"page":227},{"id":728,"text":"استزادوا من المعجزات وقد حصل من ذلك ما يذبح العذر ، ولم يعلموا أن الله المانع لهم فلولا ما ( . . . ) من بصائرهم لما تواهموا من عدم دلائلهم .","part":2,"page":228},{"id":729,"text":"يعني تساوت المخلوقات ، وتماثلت المصنوعات في الحاجة إلى المُنْشِئ : في حال الإبداع ثم في حال البقاء ، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية توقفت عن الإيجاد والاختيار ، فما من شيء من عينٍ وأثر ، ورسم وطلل . . إلا وهو على وحدانيته شاهِدٌ ، وعلى كون أنه مخلوق . . دليلٌ ظاهرٌ .","part":2,"page":229},{"id":730,"text":"الذين فاتتهم العناية الأزلية سَدَّ الحرمانُ أسماعَهم ، وغَشَّى الخِذلان أبصارَهم . والإرادة لا تُعارَض ، والمشيئةُ لا تَزَاحَم ، والحقُّ - سبحانه - في جميع الأحوالِ غالبٌ .","part":2,"page":230},{"id":731,"text":"إذا مَسَّكم الضُرُّ ، ونَابَكُم أمرٌ فمِمَّنْ ترومون كَشْفَه؟ ومَنْ الذي تؤملون لُطْفَه؟ أمخلوقاً شرقياً أم شخصاً غربياً؟ أم مَلَكاً سماوياً أم عبداً أرضياً؟\rثم قال : { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } : أي إنكم - إنْ تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلاً بقلوبكم - لن تجدوا من دونه أحداً ، ولا عن حكمه مُلْتَحَداً ، فتعودون إليه في استكشاف الضر ، واستلطاف الخير والبرِّ ، كما قيل :\rويرجعني إليك - وإن تناءتْ ... دياري عنكَ - معرفةُ الرجال\rوقد تركناكَ للذي تريد ... فعسى إِنْ خَبَرْتَه أَنْ تعودا\rفإذا جرَّبْتَ الكُل ، وذُقْتَ الحُلْوَ والمُرَّ ، أفضى بك الضُرُّ إلى بابه ، فإذا رجعت بنعت الانكسار ، وشواهد الذل والاضطرار ، فإنه يفعل ما يريد : إِنْ شاء أتاح اليُسْر وأزال العُسر ، وإن شاء ضاعف الضُر وعوَّض الأجر ، وإنْ شاء ترك الحال على ما ( قبل ) السؤال والابتهال .","part":2,"page":231},{"id":732,"text":"يخبر عن سالف سنته في أبداء الأمم وما أوجب لمن أطاعه منهم من النعم والكرم ، وما أحلَّ بمن خالفه من الألم وفنون النِّقَم .","part":2,"page":232},{"id":733,"text":"يعني أنهم لما أَظَلَّهُم البلاء ، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال والتملق لكشفنا عنهم المحن ، ولأتحنا لهم المنن ، ولكن صدَّهم الخذلان عن العقبى فأصروا على تمردهم ، فَقَسَتْ قلوبُهم وتضاعفت أسباب شقوتهم .\rقوله تعالى : { فَلمّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } يخبر عن خَفِيَ مكره بهم ، وكيف أنه استدرجهم ، ثم أذاقهم وبالَ أمرهم فقال : لما طالتْ عن الحضرة غيبتُهم ، ولم تنجحْ مواعظُنا فيهم سَهَّلْنَا لهم أسبابَ العوافي وصببنا عليهم عزالي النِّعم ، وفتحنا لهم أبواب الرفاهية ، فلما استمكن الرجاءُ من قلوبهم أخذناهم بغتةً وعذبنَاهم فجأة ، وأذقناهم حسرةً فإذا هم من الرحمة قانطون ، ولِمَا خامر قلوبَهم - من أسباب الوحشة عن الاستراحة بدوام المناجاة - آيسون .","part":2,"page":233},{"id":734,"text":"فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى لم يبقَ منهم عين ولا أثر ، ولم يَرِدْ حديث منهم أو خبر ، والله - سبحانه وتعالى - بنعت العِزِّ واستحقاق الجلال لا عن فَقْدِهم له استيحاش ، ولا بوجودهم استرواح أَو استبشار .","part":2,"page":234},{"id":735,"text":"عَرَّفهم محلَّ عجزهم ، وحقيقة حاجتهم إلى القدرة القديمة لدوام فقرهم .\rوحذَّرهم فقال : إنْ لم يُدِمْ عليهم نعمة أسماعهم وأبصارهم ، ولم يوجِبْ لهم ما ألبسهم من العوافي - بكل وجهٍ في كل لحظة - فمن الذي يهب ما سلبه ، أو يضع ما منعه ، أو يعيد ما نفاه ، أو يَرُدُّ ما أبداه؟ كلا . . . بل هو الله تعالى .","part":2,"page":235},{"id":736,"text":"يقول إِنْ عجَّلَ موعودَه لكم من العقاب أفترون أن غيرَ المستوجِب يُبْتَلى؟ أو أن المستحِقَّ له يجد من دونه مهرباً ومَنْجَى؟ إِنَّ هذا محالٌ من الظن .","part":2,"page":236},{"id":737,"text":"يعني ليس أمرنا لهم إلا بالتزام ما فيه نجاتهم ، ثم بجميل الوعد لهم ، ومفارقة ما فيه هلاكهم ، ثم بأليم العقوبة في الآجل ما يحل من خلافهم .\rفَمَنْ آمن وصدَّق أنجزنا له الوعد ، ومَنْ كفر وجحد عارضنا عليه الأمر ، وأدخلنا عليه الضُّر .","part":2,"page":237},{"id":738,"text":"يعني قل لهم إني لا أتخطى خطي ، ولا أتعدَّى حدِّي ، ولا أُثْبِتُ من ذات نفسي شيئاً ، وإنما يقال لي أَبلَّغْتَ؟ وأقول : أَجَلَ ، أَوْصَلْتُ .\rثم قال : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالبَصِيرُ } : هل يتشاكل الضوءُ والظلام؟ وهل يتماثل الجُحْدُ والتوحيد؟ كلا . . . لا يكون ذلك .","part":2,"page":238},{"id":739,"text":"الإنذارُ إعلامٌ بمواضع الخوف ، وإنما خص الخائفين بالإنذار كما خصَّ المتقين بإضافة الهدى إليهم حيث قال : { هُدًى لِلمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] لأن الانتفاع والاتِّباع بالتقوى ، والإنذار اختص بهم .\rويقال : الخوف ها هنا العلم ، وإنما يخاف من علم ، فأمَّا القلوب التي هي تحت غطاء الجهل فلا تباشرها طوارقُ الخوف .\rقوله : { مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ شَفِيعٍ } [ السجدة : 4 ] يعني كما أنه لا ناصر لهم من الأغيار فلا معتمدَ لهم من أفعالهم ، ولا مستندَ من أحوالهم ، ولا يؤمنون شيئاً سوى صرف العناية وخصائص الرحمة .","part":2,"page":239},{"id":740,"text":"هذه وصية له - A - في باب الفقراء والمستضعفين ، وذلك لما قَصَرُوا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - مجلسه منهم ، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدي الله أرادَ أنْ يُبَيِّن له أَثرَ حُسْنِ الابتهال فتولَّى - سبحانه - خصيمتهم .\rوقال : { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : لا تنظر يا محمد إلى خِرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم .\rويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم ، ولولا أنه - سبحانه - قال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصاً مخلوقاً يريد الحق سبحانه؟\rويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق - في التحقيق - إلا بالحدوث ، وحقيقة الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان ، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة ، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها .\rفيقال تكلم الناس في الإرادة : وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل في القلوب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله؛ فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً ، ولا يجد من دون وصوله إليه - سبحانه - سكوناً ولا قراراً ، كما قال قائلهم :\rثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَةٍ ... لا أسداً أخشى ولا ذيبا\rيغلبني شوقي فأطوي السُّرى ... ولم يَزَلْ ذو الشوق مغلوبا\rويقال تقيَّدت دعوتهم بالغداة والعشيّ لأنها من الأعمال الظاهرة ، والأعمالُ الظاهرة مؤقتة ، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال الباطنة ، والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة ، فقال : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِىِّ } ثم قال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي مريدين وجهه فهي في موضع الحال .\rويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم ، و لا مطالبة من عقباهم ، ولا همَّ سوى حديث مولاهم ، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم ، فتولَّى حديثهم وقال : ولا تطردهم - يا محمد - ثم قال : ما عليك من حسابهم من شيء؛ فالفقير خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مؤنة؛ قال تعالى : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَئٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَئٍ } لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك ، بل كلٌّ يتولى الحقُّ - سبحانه - حسابَه؛ فإِن كان أمره خيراً فهو ملاقيه ، وإن كان شراً فهو مقاسيه .","part":2,"page":240},{"id":741,"text":"أمَّا الفاضل فَلْيشكرْ ، وأمَّا المفضول فليَصْبِرْ .\rويقال سبيل المفضول على لسان المحبة الشكر ، ولا يتقاصر شكره عن شكر الفاضل ، قال قائلهم في معناه :\rأتاني منكِ سبُّكِ لي فَسُبِّي ... أليس جَرَى بفيكِ اسمي؟ فَحَسْبِي\rوقال آخر :\rوإِنَّ فؤاداً بِعْتُه - لَكَ شاكرٌ ... وإِنَّ دَمَاً أجريتُه - لَكَ حامدُ","part":2,"page":241},{"id":742,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنًُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ } .\rأحلَّه محل الأكابر والسَّادة ، فإن السلام من شأن الجائي إلا في صفة الأكابر؛ فإن الجائي أو الآتي يسكت لهيبة المأتي حتى يبتدئ ذلك المقصودُ بالسؤال ، فعند ذلك يجيب الآتي .\rويقال إذا قاسوا تعبَ المجيء فأزِلُ عنهم المشقةَ بأن قُلْ : { سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ } .\rويقال السلام هو السلامة أي فَقُلْ لهم سلام عليكم؛ سَلِمْتُمْ في الحال عن الفُرقة وفي المآل عن الحُرْقة .\rقوله جلّ ذكره : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } .\rإِنْ وَكَلَ بك من كتب عليك الزلة فقد تولَّى بنفسه لك كتابة الرحمة .\rويقال كتب بمعنى حَكَمَ ، وإنه ما حكم إلا بما علم .\rويقال كتابته لك أزلية ، وكتابته عليك وقتية ، والوقتية لا تبْطِلُ الأزلية .\rقوله جلّ ذكره : { أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rيعني مَنْ تعاطى شيئاً من أعمال الجُهَّال ثم سوَّف في الرجوع والأوبة قابلناه ، يعني مَن تعاطى شيئاً بحسن الإمهال وجميل الأفضال ، فإذا عاد بتوبة وحسرة أقبلنا عليه بِكُلِّ لطف وقبول .","part":2,"page":242},{"id":743,"text":"نزيل الإشكال ، ونُفْصِحُ طريق الاستدلال ، ونُطْلِعُ شموسَ التوحيد ، ونمد أهله بحسن التأييد ، ونَسِمُ قلوبَ الأعداء بوسم الخذلان ، ونذيقهم شؤمَ الحرمان لئلا يبقى لأحدٍ عذرٌ ، ولا في الطريق إشكال .","part":2,"page":243},{"id":744,"text":"يعني صرِّح بالاعتراف بجميل ما خصصناكَ به من وجوه العصمة والنعمة ، وأخبرهم أنك في كنف الإيواء مُتقلَّب ، وفي قبضة ( الصون ) مُصَرَّفٌ؛ فلا للهوى عليك سلطان ، ولا لك من محل التحقيق تباعد أو عن الحضور غيبة .","part":2,"page":244},{"id":745,"text":"قلْ إنَّ الله - سبحانه - لم يغادرني في قطر الطلب والتباس التحيَّر ، وأغناني عن ( كَدِّ ) الاستدلال ، وَروَّحَني بشموس الحقيقة . ولئن بقيتم في ظلمة الالتباس فليس لي قدرة على إزالة ما مُنيتم به من التحير ، ونفي ما امتُحِنْتُم به من الجهالة والتردد .","part":2,"page":245},{"id":746,"text":"لو قدرتُ على إبداء ما طلبتم من إقامة البراهين لأجبتكم إلى كل ما اقترحتم عليَّ - شفقةً عليكم ، لكن المتفرِّد بالحكم لا يُعَارَضُ فيما يريد .\r{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ } : المفتاح ما به يرتفع الغَلْقُ ، والذي يحصل مقصود كلِّ أحد ، وهو قدرة الحق - سبحانه؛ فإنَّ التأثير لها في الإيجاد ، والموصوفُ بقدرةِ الإيجاد هو الله .\rويقال أراد بهذا شمول علمه ، أي هو المتفرِّد بالإحاطة بكل معلوم ، وقطعاً لا يُسأَل عن شيء ، ولا يخفى عليه شيء .\rويقال عندك مفاتح الغيب وعنده مفاتح الغيب فإنْ آمنتَ بغيبه مدَّ الشمس على غيبك .","part":2,"page":246},{"id":747,"text":"إنه يتوفَّى الأنفس في حال النوم وفي حال الوفاة ، وكما أنه لا يعاقبك بالليل فإنه لا يعذبك - إذا توفَّاك - على ما جرحت بالنهار مع علمه بأفعالك ، فبالحريِّ ألا يعذِّبَك عداً - إذا توفَّاك - على ما علمه من قبيح أحوالك .","part":2,"page":247},{"id":748,"text":"فوق عباده بالقهر والرفعة ، وفوقهم بالقدرة على أن يُعَذِّبهم من فوقهم بإنزال العقوبة عليهم والسخطة .","part":2,"page":248},{"id":749,"text":"ردَّهم إلى نفسه . وما غابوا عن القبضة .","part":2,"page":249},{"id":750,"text":"تذكير النعمة يوجب الزيادة في المحبة ، فإنه إذا عرف جميلاً أسداه تمكَّن من قلبه الحبُّ .","part":2,"page":250},{"id":751,"text":"المتفرِّدُ بالقدرة على إيجادكم اللهُ ، والذي هو ( الخَلَفَ ) عما يفوتكم اللهُ ، والذي حكَمَ بنجاتكم اللهُ ، والذي يأخذ بأيديكم كلما عَثرْتم اللهُ .","part":2,"page":251},{"id":752,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجَلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } .\rإذا أراد الله هلاك قومٍ أمر البلاء حتى يحيط بهم سرادقه كما يحيط بالكفار غداً إذا أدركتهم العقوبة ، وخرج بعضهم على بعض؛ حتى يتبرأ التابع من المتبوع ، والمتبوع من التابع .\rقوله جلّ ذكره : { وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } .\rلا طعمَ أردأ للإنسان من طعم الإنسان : إن شِئْتَ من الولاية والمحبة ، وإن شئت في العداوة والبغضة؛ فَمَنْ مُنِي بالبغضة مع أشكاله تنغَّصَ عليه عَيْشُه في الدنيا ، ومَنْ مُنِيَ بمحبة أمثاله تكدَّر عليه حالُه مع المولى ، ومن صانَه عن الخلق فهو المحفوظ ( المعاني ) .","part":2,"page":252},{"id":753,"text":"يعني قل لهم إنما على تبليغ الرسالة ، فأمَّا تحقيق الوصلة بالوجود والحال فَمِنْ خصائص القدرة وأحكام المشيئة الأزلية .","part":2,"page":253},{"id":754,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } .\rلا توافقهم في الحالة ، ولا ترد عليهم ببسط القالة . ذَرْهُم ووحشتَهم بِحُسْنِ الإعراض عنهم ، والبعد عن الإصغاء إلى تهاويشهم بحُسْنِ الانقباض .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ } .\rأي إنْ بَدَرَ منك تغافلٌ فتداركْتَه بحسن التذكر وجميل التَّنَبُّه ، فاجتهِدْ ألا ( تزل ) في تلك الغلطة قدمُك ثانيةً لئلا تقاسي أليمَ العقوبة مِنّا .","part":2,"page":254},{"id":755,"text":"أي من كان نقيَّ ( الثوب ) عن ارتكاب الإجرام يُعْزَل يوم نشره عن ملاقاة تلك الآلام .","part":2,"page":255},{"id":756,"text":"أي كِلْهم وما اختاروه فإِنَّا أَعْتَدْنَا لهم ( من خفيِّ المكر ما إذا أحللناه بهم كسرنا عليهم ) خُمار الوهم والغِلظة .","part":2,"page":256},{"id":757,"text":"أي كان الكفار يدعون المسلمين إلى الرجوع عن الدين والعوْد إلى الشِرْك ، فقال لهم الله : قل لهم - يا محمد - : أَنُؤْثِرُ الضلالَ على الهدى بعد طلوع شمس البرهان؟\rونَدَعُ الطريقة المُثْلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عِقوةَ الجَنَّةِ وقد نزلناها؟ ونطلب الجحيم مثوًى بعد ما كُفِيناها؟ إنَّ هذا بعيدٌ من المعقول ، محالٌ من الظنون .\rوكيف يساعد أتباعُ الشيطانِ مَنْ وَجَدَ الخلاصَ من صحبتهم ، وأبصر الغيَّ من صفتهم؟","part":2,"page":257},{"id":758,"text":"أي أَمَرَنا بملازمة محل المناجاة لأن اللسان إِنْ تعوَّد نجوى السلطان متى ينطق ( بمكالمه ) الأخَسِّ؟!","part":2,"page":258},{"id":759,"text":"يعني أنه لا يعترض على قدرته - سبحانه - حدوث مقصود ، ولا يتقاصر حكمه عن تصريف موجود .","part":2,"page":259},{"id":760,"text":"الأصل متَّهَمٌ في الجحود ، والنَّسْلُ متَّصِفٌ بالتوحيد ، والحقُّ - سبحانه - يفعل ما يريد .","part":2,"page":260},{"id":761,"text":"لاطَفه بسابق العناية ، ثم كاشفه بِلاحِق الهداية فأراه من دلالات توحيده ما لم يبق في قضاء سِرِّه شظية من غبار العيب ، فلمَّا صحا من غيم التجوز سما سِرُّه فقال بنفي الأغيار جملةً ، وتبرَّأ عن الجميع ولم يغادر منها تهمة .","part":2,"page":261},{"id":762,"text":"يعني أحاطت به ( سجوف ) الطلب ، ولم يتجل له بعد صباح الوجود ، فطلع نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان ، فقال : هذا ربي ثم يزيد في ضيائه فطلع له قمر العلم فطالعه بشرط البيان ، فقال : { هَذَا رَبِّى } .\rثم أسفر الصبح ومتع النهار فطلعت شموس العرفان من برج شرفها فلم يبقَ للطلب مكان ، ولا للتجويز حكم ، ولا للتهمة قرار فقال : { يَا قَوْمِ إِنِّى بَرِئٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } إذ ليس بعد العيان ريب ، ولا عَقِبَ الظهور ستر .\rويقال قوله - عند شهود الكواكب والشمس والقمر - { هَذَا رَبِّى } إنه كان يلاحظ الآثار والأغيار بالله ، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله ، ثم طالع الأغيار محواً في الله .","part":2,"page":262},{"id":763,"text":"أفردتُ قصدي لله ، وطهَّرت عقدي عن غير الله ، وحفظت عهدي في الله لله ، وخلصت وجدي بالله ، فإني لله وبالله ، بل محو في الله والله لله .","part":2,"page":263},{"id":764,"text":"يعني قال لهم أترومون سَتْرَ الشموسِ بإسبال أكمامكم عليها أو تريدون أن تجروا ذيولكم وأن تُسْدِلوا سجوفَكم على ضياء النهار وقد تعالى سلطانُه وتوالى بيانُه؟","part":2,"page":264},{"id":765,"text":"يعني وأي خوفٍ يقع على قلبي ظِله ولم أُلِمْ بِشِرْكٍ ولم أَجْنَحْ قطُّ إلى جحد؟ وأنتم ما شممتم رائحة التوحيد في طول عمركم ، ولا ذقتم طعم الإيمان في سالف دهركم! ثم بسوء ظنِّكم تجاسرتم وما ارعويتم ، وخسرتم وما باليتم . فأيُّنَا أَوْلى أن يُعْلِن بسرِّه ما هو بصدده من سوءِ مَكْرِه وعاقبةِ أَمْرِه؟","part":2,"page":265},{"id":766,"text":"أي الذين أشاروا إلى الله ثم لم يرجعوا إلى غير الله؛ فإن من قال « الله » ثم رجع بالتفضيل - عند حاجاته أو مطالباته أو شيءٍ من حالاته إلى غير الله فخِصْمُه - في الدنيا والعقبى - اللهُ .\rوالظلمُ - في التحقيق - وضعُ الشيء في غير موضعه ، وأصعبه حسبان أن من الحدثان ما لم يكن وكان؛ فإِنَّ المنشئَ اللهُ ، والمُجْرِىَ اللهُ ، ولا إله إلا الله ، وسقط ما سوى الله .","part":2,"page":266},{"id":767,"text":"أشار إلى ترقِّيه من شهود آياته إلى إثبات ذاته ، وذلك ترتيب أهل السلوك في وصولهم إلى الله ، فالتحقيق بالآيات التي هي أفعاله ومراعاة ذلك وهي الأولى؛ ثم إثبات صفاته وهي الثانية ، ثم التحقق بوجوده وذاته وهو غاية الوصول ، فبرسومه يعرف العبد نعوته ، وبنعوته يعرف ثبوته .","part":2,"page":267},{"id":768,"text":"ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم ، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف ، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف ، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق .\rثم قال : { ذَلِكَ هُدَى اللهِ . . . . . يَعْمَلُونَ } يعني لو لاحظوا غيراً ، أَو شاهدوا - من دوننا - شيئاً ، أو نسبوا شظية من الحدثان - إلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم ، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ ، وإن كان ( يغفر ) ما دونه لِمنْ أراد .","part":2,"page":268},{"id":769,"text":"يعني إِنْ أعرض قومُك - يا محمد - فليس كلُّ من ( . . . . ) على الجحود أظهرناهم ، بل كثير من عبادنا نزَّهنا - عن الجحود - قلوبَهم ، وعَجَنَّا بماء السعادة طينتهم وهم لا يحيدون عن التوحيد لحظةً ، ولا يزيغون عن التحصيل شمَّة .","part":2,"page":269},{"id":770,"text":"أولئك الذين طهَّر اللهُ عن الجحد أسرارَهم ، ورَفَعَ على الكافة أقدارَهم ، فاقْتَفِ - يا محمد - هداهم ، فإنّ مَنْ سلك الجادَّة أَمِن من العناء .","part":2,"page":270},{"id":771,"text":"مَنْ توهَّم أَنْ العلومَ تحيط بجلاله فالإحاطة غير سائغة في نعته ، كما أنَّ الإدراك غير جائزٍ في وصفه ، وكما أن الإشراف مُحالٌ على ذاته .\rثم قال : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا } أي سَلْهم عن الأحوال ، وخاطِبْهم في معاني أحكام الرسول والأطلال ، فَإِنْ بقوا في ظلمة ( الحيرة ) فَقُلْ : الله تعالى ، ثم ذَرْهُم . يعني صَرِّح بالإخبار عن التوحيد ، ولا يهولنَّك تماديهم في الباطل ، فإنَّ تمويهاتِ الباطلِ لا تأثير لها في الحقائق .","part":2,"page":271},{"id":772,"text":"كتابُ الأحبابِ عزيزُ الخَطَرِ جليلُ الأَثَرِ ، فيه سلوة عند غلبات الوجد ، ومن بقي عن الوصول تذلَّل للرسول ، وقيل :\rوكُتْبُك حولي لا تفارق مضجعي ... وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ\rكأني ملحوظٌ من الجِنِّ نظرةً ... ومِنْ حواليَّ الرُّقى والتمائمُ","part":2,"page":272},{"id":773,"text":"يعني إن الذين يَنْزِلُون منزلة المُحدَّثين ، ولم تُلق إلى أسرارهم خصائصُ الخطاب - فالحقُّ - سبحانه عنهم بريء . والمتَّبعُ بما لم يَسَلْ كلابسِ ثوبي زور ، وفي معناه أنشدوا :\rإذا اشتبكت دموع في خدود ... تبيَّن مَنْ بكى ممن تباكى","part":2,"page":273},{"id":774,"text":"دَخَلْتَ الدنيا بخرقةٍ ، وخَرَجْتَ منها بخرقة ، أَلاَ وتلك الخرقة أيضاً ( . . . . ) ، وما دخلت إلا بوصف التجرد ، ولا خرجتَ إلا بحكم التفرد . ثم الأثقالُ والأوزارُ ، والأحمالُ والأوضارُ لا يأتي عليها حَصْرٌ ولا مقدار؛ فلا ما لكم أغني عنكم ولا حالكم يَرْفُعُ منكم ، ولا لكم شفيعٌ يخاطبنا فيكم؛ فقد تَقَطَّعَ بَيْنُكم ، وتَفرَّق وَصْلُكم ، وتبدَّد شملُكم ، وتلاشى ظنُّكم ، وخانكم - في التحقيق - وسعُكم .","part":2,"page":274},{"id":775,"text":"موجِد ما في العالَم من الأعيانِ والآثار والرسوم والأطلال يُسَلِّط العَدَمَ على ما يريد من مصنوعاته ، ويحكم بالبقاء لما يريد من مخلوقاته ، فلا لحكمه ردٌّ ، ولا لحقِّه جحدٌ .","part":2,"page":275},{"id":776,"text":"وكما فَلَقَ صبحَ الكون فأشرقَتْ الأنوارُ كذلك فَلَقَ صبحَ القلوبِ فاستنارت به الأسرار ، وكما جعل الليل سَكَناً لِتَسْكَنَ فيه النفوس من كدِّ التصرف عن أسباب المَعَاش كذلك جعل الليلَ سَكَناً للأحباب يَسْكَنونَ فيه إلى روح المناجاة إذا هدأت العيونُ من الأغيار .\rوجعل الشمس والقمر يجريان بحسبان معلوم على حد معلوم ، فالشمس بوصفها مذ خُلِقَت لم تنقص ولم تزِدْ ، والقمر لا يبقى ليلةً واحدةً على حالة واحدة فأبداً في الزيادة والنقصان ، ولا يزال ينمو حتى يصير بدراً ، ثم يتناقص حتى لا يُرى ، ثم يأخذ في الظهور ، وكذلك دأبُه دائماً إلى أَنْ تُنْقضَ عليه العادة .","part":2,"page":276},{"id":777,"text":"كما أن نجوم السماء يُهتدى بها في الفلوات فكذلك نجوم القلوب يهتدى بها في معرفة ربِّ الأرضين والسموات .","part":2,"page":277},{"id":778,"text":"ذكَّرهم وصفهم حين خَلَقَهم من آدم عليه السلام . وكما أن للنفوس والأبشار مستقراً ومستودعاً فللأسرار والضمائر مستقر ومستودع ، فَمِنْ عَبْدٍ مُسْتَقَرٌّ قلبِه أوطانُ الشهواتِ والمنى ، ومن عبدٍ مستقره موقع الزهد والتُّقى ، ومن عبدٍ مستقره - حيث لا مسكن ولا مأوى - وراء الورى .","part":2,"page":278},{"id":779,"text":"تجانست أجزاءُ الأرض وتوافقت أقطارُ الكون ، وتباين النبات في اللون والطَّعم واختلفت الأشياء ، ودلَّ كلُّ مخلوقٍ بلسان فصيح ، وبيان صريح أنه بنفسه غير مُستَقِل .","part":2,"page":279},{"id":780,"text":"سُدَّت بصائرهم فاكتفوا بكل منقوصٍ أن يعبدوه ، وتلك عقوبةٌ لأرباب الغفلة عن الله تعالى عُجِّلَتْ .","part":2,"page":280},{"id":781,"text":"البديع الذي لا مثل له ، أو هو المنشئ لا على مثال ، وكلاهما في وصفه مستحق .\rوالواحد يستحيل له الوَلَدُ لاقتضائه البعضية ، والتوحيد ينافيه .","part":2,"page":281},{"id":782,"text":"تعرَّف إليهم بآياته ، ثم تعرَّف إليهم بصفاته ، ثم كاشفهم بحقائق ذاته .\rفقوله : { لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ } تعريف للسادات والأكابر ، وقوله : { خَالِقُ كُلِّ شَئٍ } تعريف للعوام والأصاغر .","part":2,"page":282},{"id":783,"text":"قدَّسَ الصمديةَ عن كل لحوقٍ ودَرَك ، فأنَّى بالإدراك ولا حدَّ له ولا طرف؟!\r{ وَهُوَ اللَّطِيفُ } الذي لا يخفى عليه شيء ، { الخَبِيرُ } الذي أحاط علمُه بكل معلوم .","part":2,"page":283},{"id":784,"text":"أوضحَ البيانَ وأَلاَحَ الدليلَ ، وأزاحَ العِلَل وأنارَ السبيلَ ، ولكن قيل :\rوما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوارُ والظُّلَمُ","part":2,"page":284},{"id":785,"text":"أوقع الفتنةَ في قلوبهم فَخَنِسَتْ عليهم الأحوال : فَمِنْ شُبْهةٍ دَاخَلْتُهم ومن حَيْرةٍ مَلَكَتْهُم . ومن تحقيق أدركه قوم ، وتعريفٍ توقف على آخرين .","part":2,"page":285},{"id":786,"text":"العَجَبُ ممن أقرَّ بقصور حاله عن استحقاق المدح ببقائه عن مراده ، وكيف يصف معبوده بجواز ألا يرتفع في ملكه مراده؟!","part":2,"page":286},{"id":787,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلّمِ } .\rيعني خَاطِبْهم بلسان الحجة والتزام الدلائل ونفي الشبهة ، ولا تُكلِّمْهم على موجب نوازع النَّفْس والعادة ، فَيَحْمِلَهم ذلك على ترك الإجلال لذكر الله .\rويقال لا تطابِقْهُم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في غيِّهم ، فسيكون فِْلُكَ سبباً وَعِلَّةً لزيادةِ كفرهم وفِسْقهم .\rقوله جلّ ذكره : { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\rلبَّسْنا عليهم حقائق الأشياء حتى ظنوا القبيحَ جميلاً ، ولم يَرَوْا لسوءِ حالتهم تبديلاً ، فركنوا إلى الهوى ، ولم يميزوا بين العوافي والبَلا .","part":2,"page":287},{"id":788,"text":"وعدوا من أنفسهم الإيمان لو شاهدوا البرهان ، ولم يعلموا أنهم تحت قهر الحكم ، وما يُغْنِي وضوحُ الأدلة لمن لا تساعده سوابقُ الرحمة ، ولواحق الحفظ بموجبات القسمة .","part":2,"page":288},{"id":789,"text":"العَجَبُ ممن تبْقَى على قلبه شبهةٌ في مسألة القَدَر ، والحقُّ - سبحانه - يقول : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَم يُؤْمِنُوا بِهِ } ، لا بل من حقائق التقليب بقاء إشكال هذا الأمر - مع وضوحه - على قلوب مَنْ هو مِنْ جملة العقلاء ، فسبحان مَنْ يُخْفِي هذا الأمر مع وضوحه! هذا هو قهر القادر وحكم الواحد .","part":2,"page":289},{"id":790,"text":"لأن الآيات وإنْ توالت ، وشموس البرهان وإنْ تعالَتْ فَمَنْ قَصَمَتْه العِزَّةُ وكَبَسْته القِسمة لم يَزِدْه ذلك إلا حيرة وضلالاً ، ولم يستنجز إلا للشقوة حالاً .","part":2,"page":290},{"id":791,"text":"كلمَّا كان المحلُّ أعلى كانت البلايا أوفى ، والمطالبات أقوى ، فلمَّا كانت رتبُ الأنبياء - عليهم - السلام - أشرفَ كانت العداوة معهم أشد وأصعب .","part":2,"page":291},{"id":792,"text":"وكلت أسماع الكفار باللغو وقلوبهم بالسوء فَرَضُوا لأنفسهم أخَسَّ الأنصباءَ .","part":2,"page":292},{"id":793,"text":"قلْ لهم أترون أني - بعد ظهور البيان ووضوح البرهان - أَذَرُ اليقين ، وأوثر التخمين وأفارق الحقَّ ، وأقارن الحظ؟ إن هذا محال من الظن .","part":2,"page":293},{"id":794,"text":"تقدَّسَتْ عن التغيير ذاتُه ، وتنزهت عن التبديل صفاتُه . والتمام ينفي النقصان . وكلُّ نقصانٍ فمن الحَدَثِ أصلُه ، وأَنَّى بالنقص - والقِدَمُ وصفُه؟","part":2,"page":294},{"id":795,"text":"أهلُ الله قليلون عدداً وإن كانوا كثيرين وزناً وخَطَراً ، وأمَّا الأعداء ففيهم كثرة . فإنْ لاحظْتَهُم - يا محمد - فَتَنُوكَ ، وإنْ صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوكَ .","part":2,"page":295},{"id":796,"text":"تقاصرت علومُ الخَلْق عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عَرَّفهم من أمره ، والذي لا يخفى عليه شيءٌ فهو الواحدُ - سبحانه .","part":2,"page":296},{"id":797,"text":"هذا في حكم التفسير مختص بالذبيحة ، وفي معنى الإشارة منع الأكل على الغفلة ، فإِن من أكل على الغفلة فما دامت تلك القوةُ باقيةً فيه فخواطره إما هواجس النَّفْس أو وساوس الشيطان .","part":2,"page":297},{"id":798,"text":"يعني أي شيء عليكم لو تركتم الغفلة؟ وما الذي يضركم لو استدمتم الذكر؟\rوقد تبيَّن لكم الفَرْقُ بين أُنْس الذكر ووحشة الغفلة في الحال والوقت ، أَلاَ تعرفوا حكم الثواب والعقاب في المآل .","part":2,"page":298},{"id":799,"text":"ظاهر الإثم ما للأغيار عليه اطلاع ، وباطن الإثم هو سرٌ بينك وبين الله ، لا وقوفَ لمخلوقٍ عليه .\rويقال باطن الإثم خَفِيُّ العقائد و ( . . . . ) الألحاظ .\rويقال باطن الإثم ما تمليه عليك نفسك بنوع تأويل .\rويقال باطن الإثم - على لسان أهل المعرفة - الإغماض عَمَّا لَك فيه حظ ، ويقال باطن الإثم - على لسان أهل المحبة - دوام التغاضي عن مطالبات الحق؛ وإنَّ بِناءَ مطالبات الحب على التجني والقهر ، قال قائلهم :\rإذا قلتُ : ما أذنبتُ؟ قالت مجيبةً : ... حياتُك ذنبٌ لا يقاس به ذنبُ\rويقال أسبغتُ عليكم النِّعم ظاهراً وباطناً ، فذروا الإثم ظاهراً وباطناً ، فإنَّ من شرط الشكر ترك استعمال النعمة فيما يكون إثماً ومخالفة .","part":2,"page":299},{"id":800,"text":"ما كانت ( . . . . ) من الأحوال عاصياً ولربِّه ناسياً فتوقِّيه شرط عند أصحاب ( . . . ) .\rثم قال : { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ } فهذا يدل على أنَّ مَنْ توقَّى ذلك اتحدت لله خواطِرُه ، وانقطعت عنه خواطر الشيطان . وأصلُ كل قسوةٍ متابعةُ الشهوات ، ومَنْ تعوَّد مُتَابَعَتها فليودِّعْ صفوةَ القلب .","part":2,"page":300},{"id":801,"text":"الإيمان عند هؤلاء القوم حياةُ القلب بالله . وأهل الغفلة إذْ لَهُمْ الذكر فقد صاروا أحياءً بعد ما كانوا أمواتاً ، وأربابُ الذكرِ لو اعتراهم نسيانٌ فقد ماتوا بعد الحياة . والذي هو في أنوار القرب وتحت شعاع العرفان وفي روْح الاستبصار لا يدانيه مَنْ هو في ( أسْرِ ) الظلمات ، ولا يساويه مَنْ هو رهين الآفات .","part":2,"page":301},{"id":802,"text":"لبَّسنا عليهم حقائق التوحيد ، وسوَّلت لهم ظنونهم أن بهم شظية من المحو والإثبات؛ فانهمكوا ظانين أنهم يَمْكرون ، وهم في التحقيق مخادعون ، وسيعلمون حين لا ينفعهم علم .","part":2,"page":302},{"id":803,"text":"بعد إزاحة العلة ، وبيان الحجة ، وزوال الشبهة ( فالتعلُّل ) باستزادة البصيرة إعلام عن سوء الأدب ، وذلك منهم من التعدي؛ لمساواة مَنْ جاء بالاستحقاق بمَنْ جاء بنوع من تسويلات النَّفْس يوجب مقاساة الهوان . وملازمةُ الحدود . وتركُ التعدي على الحقِّ قضيةُ التوفيق .","part":2,"page":303},{"id":804,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } .\rالمُسْلِمُ لا يتحرك في باطنه عِرْقٌ للمنازعة مع التقدير ، فإن الإسلام يقتضي تسليم الكل بلا استئثار ، ومَنْ استثقل شيئاً من التكليف أو بقي منه نَفَسٌ لكراهية شيء فيعدُّ غير مستسلمٍ لحُكْمِه .\rويقال نورٌ في البداية هو نور العقل ، ونورٌ في الوسائط هو نور العلم ونور في النهاية هو نور العرفان؛ فصاحب العقل مع البرهان ، وصاحب العلم مع البيان ، وصاحب المعرفة حكم العيان .\rويقال مَنْ وَجَدَ أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شيء من ذوات الصدور عند ظهور النور ، وقال A : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى » .\rويقال أول أثر لأنوار الغيب في العبد يُنَبِّهه إلى نقائص قَدَرِه ومساوئ غيِّه ، ثم يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه ، ثم غَلَباتُ الأنوار على سِرِّهِ حتى لا يشهد السرَّ بعد ما كان يشهد؛ كالنَّاطِر في قُرصِ الشمس تُسْتَهْلَكُ أنوار بصره في شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة في حقائق الشهود ، فيكون العبد صاحب الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية ، وبقاء الأحدية بنعت السرمدية .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرّجْسَ عَلَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } .\rوذلك حتى لا يسعى في غير مراد الحق سبحانه ، وحدُّ البشرية ضيق القلب ، وصاحبه في أسْرِ الحدثان والأعلال ، ولا عقوبةَ أشدُّ من عقوبة الغفلة عن الحق .","part":2,"page":304},{"id":805,"text":"الصراطُ المستقيمُ إقامة العبودية عند تحقق الربوبية فهو فرق مؤيَّدٌ بجمع ، وجمعٌ مقيدٌ بشرع ، وإثباتٌ للعرفان بغاية الوسع ، ونبو عن المخالفات بغاية الجهد ، والتحقق بأنَّ المُجْرِي واحدٌ لا شريك له ، ثم تركُ الاعتماد ونفي الاستناد ، لا على ( حركاته ) يعتمد ، ولا إلى سكناته يستند ، ( بل ) ينتظر ما يفتح به التقدير ، فإِن زاغَ صاحبُ الاستقامة لحظةً ، والتفت يمنةً أو يسرةً سقط سقوطاً لا ينتعش .","part":2,"page":305},{"id":806,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ } .\rدار السلام أي دار السلامة ، ومَنْ كان في رِقِّ شيء من ( الأغراض ) والمخلوقات لم يجد السلامة ، وإنما يجد السلامة مَنْ تحرر عن رِقِّ المُكُوِّنَات ، والآية تشير إلى أنَّ القومَ في الجنة لكنهم ليسوا في أَسْرِ الجنة ، بل تحرروا من رِقِّ كل مُكَوَّن .\rويقال مَنْ لم يُسلِّمْ - اليوم - على نفسه وروحه وكلِّ مالَه من كل كريمة وعظيمة تسليمَ وداعٍ لا يجد - غداً - ذلك الفضْل ، فمن أراد أن يُسلِّم عليه ربُّه - غداً - فَلْيُسَلِّمْ على ( الكون ) بجملته ، وأولاً على نفسه وروحه .\rويقال دار السلام غداً لمن سَلِمَ - اليوم - لسانُه عن الغيبة ، وجَنانه عن الغيبة ، وأبشاره وظواهره من الزَّلَّة ، وأسراره وضمائره من الغفلة ، وعقله من البدعة ، ومعاملته من الحرام والشبهة ، وأعماله من الرياء والمصانعة ، وأحواله من الإعجاب .\rويقال شرفُ قَدْرِ تلك الدار لكونها في محل الكرامة ، واختصاصها بِعِنْدية الزُّلفة ، وإلا فالأقطار كلها ديار ، ولكن قيمة الدار بالجار ، قال قائلهم :\rإنِّي لأحسد داراً في جِوارِكمُ ... طوبى لمن أضحى لدارك جارا\rيا ليت جارَكَ يعطيني من داره شِبراً ... إذاً لأعطيه بِشْبرٍ دارا\rويقال : وإن كانت الدارُ منزهةً عن قبول الجار ، وليس القرب منه بتداني الأقطار ، فإطلاق هذا اللفظ لقلوب الأحباب مؤنسٌ ، بل لو جاز القربُ في وصفه من حيث المسافة لم يكن لهذا كبير أثر ، وإنما حياة القلوب بهذا ، لأن حقيقته مقدسة عن هذه الصفات؛ فهو لأَجْلِ قلوب الأحباب يُطْلق هذا ويقع العلماء في كد التأويل ، وهذا هو أمارة الحب ، قال قائلهم :\rأنا من أَجْلِكَ حُمِّلْتُ الأ ... ذى الذي لا أستطيع\rقوله جلّ ذكره : { وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\rهذا شرف قدر تلك المنازل حيث قال : { وَهُوَ وَلِيُّهُم } لأنه إذا كان - سبحانه - هو وليَّهم فإنَّ المنازل بأَسرِها طابت كيفما كانت ، قال قائلهم :\rأهوى هواها لمن قد كان ساكنها ... وليس في الدار لي همٌّ لا وَطَرُ\rهو وليُّهم في دنياهم ، ووليُّهم في عقباهم ، هو وليهم في أولادهم وفي أخراهم ، وليهم الذي استولى حديثه على قلوبهم ، فلم يَدَعْ فيها لغيره نصيباً ولا سِوىً وليهم الذي هو أَوْلَى بهم منهم وليُّهم الذي آثرهم على أضرابهم وأشكالهم فآثروه في جميع أحوالهم وليهم الذي تطلب رضاهم ، وليهم الذي لم ( يَكْلهُم ) إلى هواهم ، ولا إلى دنياهم ، ولا إلى عقباهم .\rوليُّهم الذي بأفضاله يلاطفهم ، وبجماله وجلاله يكاشفهم .\rوليُّهم الذي اختطفهم عن كل حظ ونصيب ، وحال بينهم وبين كل حميم وقريب ، فحرَّرهم عن كل موصوف ومطلوب ومحبوب ، وليُّهم الذي هو مؤنِس أسرارهم .\rمَشَاهِدهُ مُعْتَكِفُ أبصارهم ، وحضْرَتهُ مَرْتُع أرواحهم .\rوليُّهم الذي ليس لهم سواه ، وليهم الذي لا يشهدون إلا إياه ، ولا يجدون إلا إياه ، لا في بدايتهم يقصدون غيره ، ولا في نهايتهم يجدون غيره ، ولا في وسائلهم يشهدون غيره .","part":2,"page":306},{"id":807,"text":"يعتذرون فلا يسمع ، ويحتجون بما لا ينفع ، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقلَّ منه قُبِلَ منهم ، لكنْ سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة .","part":2,"page":307},{"id":808,"text":"يعني نجمع بين الأشكال ، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض ، والأعداء مجموعون يفرُّ بعضهم من بعض .","part":2,"page":308},{"id":809,"text":"عرَّفهم أنه أزاح لهم العِلَلَ من حيث التزام الحجة ، لكنه حكم لهم بالشقوة في الأزل ، ( فَلبَّسَ ) عليهم المحجة .","part":2,"page":309},{"id":810,"text":"متى يصحُّ في وصفة توهم الظلم والمُلكُ مُلكه والخَلْقُ خلقُه؟\rومتى يقبح منه تصرُّفٌ في شخصٍ بما أراد ، والعبد عبده والحكم حكمه؟","part":2,"page":310},{"id":811,"text":"المحسن في روْح الثواب متنعِّم ، والمذنب في نوْح العذاب متألم .","part":2,"page":311},{"id":812,"text":"الغنيُّ يشير إلى كشفه وذو الرحمة يشير إلى لطفه .\rأخبرهم بقوله الغني عن جلاله ، وبقوله : ذو الرحمة عن أفضاله؛ فبجلاله يكاشفهم فيُفْتِيهم ، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم .\rويقال سماع غِنَاه يوجِب محوَهم ، وسماعه رحمته يوجب صحوهم ، فهم في سماع هذه الآية مترددون بين بقاء وبين فناءٍ ، وبين إكرام وبين اصطلام ، وبين تقريبٍ وبين تذويب ، وبين اجتياح وبين ارتياح .","part":2,"page":312},{"id":813,"text":"الإشارة من هذه الآية إلى قِصَر الأمل ، ومَنْ قصُرَ أملُه حَسُنَ عملُه ، وكل ما هو آتٍ فقريبٌ أجَلُه .","part":2,"page":313},{"id":814,"text":"هذا غاية الزجر لأنه تهديد وإن كان في صيغة الأمر .","part":2,"page":314},{"id":815,"text":"لما بَنَوا قاعدة أمرِهم على موجب الهوى صارت فروعُهم لائقةً بأصولهم؛ فهو كما قيل :\rإذا كان القضاءُ إلى ابن آوى ... فتعويل الشهود إلى القرود","part":2,"page":315},{"id":816,"text":"وسوست إليهم شياطينهم بالباطل فقبلت نفوسهم ذلك؛ إذْ الأشكالُ يتناصرون ، فالنَّفْسُ لا تدعو إلا إلى الأجنبية ، لأنها مُدَّعيةٌ تتوهم أن منها شيئاً ، وأصلُ كلِّ شرْكٍ الدعوى ، والشيطان لا يوسوس إلا بالباطل والكفر ، فهم أعوانٌ يتناصرون .\rثم قال : { وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ } صَرَّح بأن المراد على المشيئة ، والاعتبار ( بسابق ) القضية .","part":2,"page":316},{"id":817,"text":"أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا ، وأمورٍ شرعوها على الوجه الذي اعتادوا ، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل ، وشرعوها بلا حجةٍ من إذن رسول ، والإشارة فيه أن من ( نحا نحوهم ) في زيادة شيء في الدين ، أو نقصان شيءٍ من شرع المسلمين فمضاهٍ لهم في البطلان ، ينخرط في سلكهم في الطغيان .","part":2,"page":317},{"id":818,"text":"فسدت عليهم طريقة الثقة بالله فحملتهم خشيةُ الفقر على قتل الأولاد ، ولذلك قال أهل التحقيق : من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل .","part":2,"page":318},{"id":819,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ } .\rيعني كما أنشأ في الظاهر جناتٍ وبساتينَ كذلك أنشأ في السِّر جناتٍ وبساتين ، ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر؛ فأزهار القلوب مونِقة ، وشموس الأسرار مشقة ، وأنهار المعارف زاخرة .\rويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال ، وكما تختلف طعومها وروائحها مع تشاكلها من وجه ، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا ، وإن اشتركت في كونها أحوالاً .\rقوله جلّ ذكره : { وَآتُو حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .\rحَقُّ الواجبِ يومَ الحصاد إقامة الشكر ، فأمَّا إخراج البعض فبيانه على لسانه العلم ، وشهودُ المِنعم في عين النعمة أتمُّ من الشكر على وجود النعمة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ } .\rالإسراف - على لسان العلم - مجاوزة الحد .\rوعلى بيان الإشارة فالإسرافُ كلُّ ما أَنْفَقْتَه في حظِّ نَفْسِكَ - ولو كانت سمسمة ، وما أنفقته في سبيله - سبحانه - فليس بإسراف ، ولو أربى على الآلاف .","part":2,"page":319},{"id":820,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً } .\rيعني تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية في الفضيلة على المخلوقات . وكما سخَّر الأعيان للإنسان كذلك سخر الأزمان في تصريف الحدثان لخواصِّ الإنسان .\rقوله جلّ ذكره : { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ } إلى قوله : { إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى القَوْمِ الظَّالِمِينَ } .\rالرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائعٌ في جميع ما يحصل به الانتفاع . وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر ، ذلك وجود النعم وهذا شهود الكَرَم بل الخمود في وجود القِدَم .\rوللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان ، وللروح رزق وهو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان ، وللسِّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان .\rقوله { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ } الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدَّب العبدُ باستدامة السكون والتزام حُسْنِ الخُلُق ، فإِنَّ الضانية مستسلمةٌ لمن يلي عليها ، فلا بصياحها تُؤذِي ولا ( ب . . . . وها ) ، يعني كذلك سبيل من وَطُئَ هذا البساط .\rوكذلك « في الإبل آيات » منها انقيادها لمن جَرَّ زِمَامَها ، واستناختها حيثما تُنَاخ ، بلا نزاع ولا اختيار . ومنها ركوبها عند الحَمْل ، ومنها صبرها على مقاساة العطش ، وذوبانها في السير .","part":2,"page":320},{"id":821,"text":"بيَّن أَنَّ الشارعَ اللهُ ، والمانعَ عن الخلْق هو الله ، وما كان من غير الله فضائعٌ باطلٌ عند الله . بيَّن أنه إذا جاء الاضطرارُ زال حكمُ الاختيار .","part":2,"page":321},{"id":822,"text":"بيَّن أن ما حرَّم عليهم ضيَّعوه؛ إذ لمَّا لم يعاقبهم عليه لم يشهدوا مَكْرَه العظيم فيما ابتدعوه من قِبَلِ نفوسهم - فأهملوه ولم يحافظوا عليه ، فاستوجبوا عظيم الوِزْر وأليم العجز .","part":2,"page":322},{"id":823,"text":"الإشارة منه بيان تخصيص الأولياء بالرحمة وتخصيص الأعداءِ بالطرد واللعنة . والصورة الإنسانية جامعة ولكن القسمة الأزلية فاصلةٌ بينهم .","part":2,"page":323},{"id":824,"text":"كذبت إقالتُهم لأنها لم تَصْدُرْ عن تصديق ، فَذُمُّوا على جهالتهم وإن كانت ( . . . . ) في التحقيق .","part":2,"page":324},{"id":825,"text":"صَرَّحَ بان إرادته - سبحانه - لا تتقاصر عن مراد ، وليس عليه اعتراض .","part":2,"page":325},{"id":826,"text":"أشار إلى أَنَّ مَنْ تجرَّد عن برهانٍ يُصَرِّحه وبيان ( يوضِّحهُ ) فغيرُ مقبول من فاعله .","part":2,"page":326},{"id":827,"text":"هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشِرْك فإنه رأس المحرمات ، والذي لا يقبل معه شيءٌ من الطاعات ، وينقسم ذلك إلى شِرك جَلِيٍّ وشِرْك خَفِيِّ؛ فالجَليُّ عبادةُ الأصنامِ ، والخفيُّ ملاحظةُ الأنامِ ، بعين استحقاق الإعظام .\rوالثاني من هذه الخصال ترك العقوق ، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق .\rوبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق ، وإراقة دمائهم بغير استحقاق .\rثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما بدا وما استتر ، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام .\rثم قتل النَّفس بغير الحق ، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق .\rثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم .\rثم بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات .\rثم الصدق في القول والعدل في الفعل .\rثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل .\rفَمَنْ قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظي بعظائم منزلته .","part":2,"page":327},{"id":828,"text":"يهوِّن عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأنَّ الذين كانوا قبلنا كانوا في الضعف والعجز مثلها ، ثم صَبرُوا فظَفروا ، وأخْلَصُوا فخَلُصُوا .","part":2,"page":328},{"id":829,"text":"إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب ، وإذا بَقِيَ العبدُ عن سماع الخطاب تسلى بقراءة الكتاب ، ومن لم يجدْ في قراءة القرآن كمالَ العيشِ والإِنس فَلأنَّه يقرأ ترسماً لا تحققاً .","part":2,"page":329},{"id":830,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَن تَقُولُوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُم بيِّنَةٌ مِّن رَّبِكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ } .\rأزاح كلَّ عِلَة ، وأبدى كل وصلة ، فلم يُبْقِ لك تعللا ، ولا في آثار الالتجاء إلى العذر موضعاً .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزَى الَّذينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ } ؟\rعقوبةُ كلِّ جُرْمٍ مؤجلة ، وعقوبة التكذيب معجلة ، وهي ما يوجب بقاءهم في أَسْرِ الشك حتى لا يستقر قلبهم على شيء .","part":2,"page":330},{"id":831,"text":"أخبر أنه بعدما ( أزاح ) لهم العلل اقترحوا ما ليس لهم ، واغتروا بطول السلامة لهم ، ثم بيَّن أنه إذا أمضى عقوبة عبدٍ حُكْماً فلا معارِضَ لتقديره ، ولا مُناقِضَ لتدبيره .","part":2,"page":331},{"id":832,"text":"اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم ، فكانوا مجتمعين جهراً بجهر؛ متفرقين - في التحقيق - سِرَّاً بِسِرٍّ .\rقوله : { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَئٍ } . لا يجمعك وإياهم ، يعني شِقُّكَ شقُّ الحقائق ، وشِقُّهم شِقُّ الباطل ، ولا اجتماع للضدين .","part":2,"page":332},{"id":833,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَن جَآءَ بِألحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } .\rهذه الحسنات للظاهر : وأمَّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة .\rويقال الحسنة من فضله تعالى تَصْدُر ، وبلطفه تحصل ، فهو يُجْرِي ، ثم يَقْبَلُ ويثني ، ثم يجازي ويُعطي .\rويقال إحسانه - الذي هو التوفيق - يوجِبُ إحسانك الذي هو الوفاق ، وإحسانه - الذي هو خَلق الطاعة - يوجِبُ لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة؛ فالعناءُ منك فِعْلُه والجزاءُ لكَ فَضْلُه .\rويقال إحسان النفوس تَوْفِيَة الخدمة ، وإحسان القلوب حفظ الحرمة ، وإحسان الأرواح مراعاة آداب الحشمة .\rويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه في السرائر فالذي منك مجاهدتُك ، والذي إليك مشاهدتك .\rويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا ، وإحسان المريدين رفض الهوى ، وإحسان العارفين قطع المنى ، وإحسان الموحدين التخلِّي عن الدنيا والعقبى ، والاكتفاء بوجود المولى .\rويقال إحسان المبتدئين الصدق في الطلب ، وإحسان أصحاب النهاية حفظ الأدب ، فشرطُ الطلبِ ألا يبقى ميسورٌ إلاَّ بَذَلْتَه ، وشرط الأدب ألا تسمو لك هِمَّةٌ إلى شيءٍ إلا قطعته وتركته .\rويقال للزهاد والعبَّاد ، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاءٌ محصور معدود ولأهل المواحيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .\rيعني ( يُكالُ ) عليه بالكيل الذي يكيل ، ويُوقَفُ حيث يرضى لنفسه بأن يكون له موقفاً .","part":2,"page":333},{"id":834,"text":"أرشده إلى الطريق الصحيح . ولا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع إلى سواه . ومَنْ وَجَدَ سبيلاً إلى مخلوق عرج في أوطان الحسبان لأن الأغيار ليس لها من الإبداع شظية ، ومن سلك إلى مخلوق سبيلاً وأبرم فيهم تأميلاً أو قدَّم عليهم تعويلاً ، فقد استشعر تسويلاً ، وجُرِّعَ تضليلاً .\rو « الصراط المستقيم » ألاَّ ترى من دونه مثبتاً لذرةٍ ولا سنة .\rو « الدين القيم » ما لا تمثيلَ فيه ولا تعطيل ، ولا نفي للفَرْقِ الذي يشير إلى العبودية ، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية .\rوالحنيف المائل إلى الحق ، الزائغ عن الباطل ، الحائل عن ضد الحقيقة .","part":2,"page":334},{"id":835,"text":"مَنْ كوشِفَ بحقائق التوحيد شَهدَ أن القائم عليه والمجري عليه والممسك له والمُنَقَّل إياه من وصفٍ إلى وصف ، و ( . . . ) عليه فنون الحدثان - واحدٌ لا يشاركه قسيم ، وماجِدٌ لا يضارعه نديم .\rويقال مَنْ عَلمَ أنه بالله علم أنه لله ، فإذا علم لله لم يَبقَ فيه نصيب لغير الله؛ فهو مستسلمٌ لحكم الله ، لا مُعْتَرِضٌ على تقدير الله ، ولا معارِضٌ لاختيار الله ، ولا مُعْرِضٌ عن اعتناق أمر الله .","part":2,"page":335},{"id":836,"text":"كيف أوثِر عليه بَدَلاً وإني لا أجد عن حكمه حِوَلا ، وكيف أقول بغيرٍ أو ضدٍ أو شريك؟ أو أقول بدونه معبود أو مقصود؟ وإنْ لاحظتُ يمنةً ما شاهدتُ إلا مُلْكَه ، وإنْ طالعتُ يَسْرةً ما عايَنْتُ إلا مُلكَه! بل إني إنْ نظرتُ يمنةً شهدت يُمْنَه ، وإنْ نظرتُ يَسْرةً وجدتُ نحوي يُسْرَه! .","part":2,"page":336},{"id":837,"text":"صير التوبة إليكم ، وقَصَرَ حكم عصركم عليكم ، فأنتم المقصودون اليوم دون من هو سواكم . ثم إنه جعلكم أصنافاً ، وخلقكم أخْيافاً فمنْ مُسَخَّرٍ له ، مُرَفَّهٍ ، مُرَوَّحٍ ، يتعب لأَجْله كثيرٌ . ومن مُعَنَّيّ ، وذي مشقةٍ أُدِير عليه رأسهُ . وجاء البلاءُ ليختبركم فيما آتاكم ، ويمتحنكم فيما أعطاكم . إنَّ حسابه لكم لاحِقٌ ، وحكمه فيكم سابق . والله أعلم .","part":2,"page":337},{"id":838,"text":"هذه الحروف من المتشابه في القرآن على طريقة قوم من السَلَف ، والحق - سبحانه - مستأثر بعلمها دون خلقه . وعلى طريقة قوم فلها معانٍ تُعْرَف ، وفيها إشارات إلى أشياء توصَف : فالألِف تشير إلى أُلفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية مع بعض الأرواح العطرة ، فهي - في التحقيق - في ذلك المعنى كالمتحدة؛ فمنه تقع الألفة بين المتشاكلين ، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون .\rويقال أَلِفَ القلبُ حديثَه فلم يحتشم من بَذْل روحه .\rويقال الألف تجرُّد مَنْ قَصَدَه عن كل غَيْرٍ فلم يتصل بشيء ، وحين استغنى عن كل شيء اتصل به كل شيء على جهة الاحتياج إليه .\rويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات كسائر الحروف؛ فمرةً أصبحت مفتوحة ، ومرةً مسكونة ، ومرة مرفوعة ، وأمّا الألف التي هي بعيدة عن الاتصال بالعلاقات فباقية على وصف التجرد عن تعاقب الحركات عليها فهي على سكونها الأصلي .\rوأمّا الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين في القصد ، وصدق أحوال العارفين في الوجد ، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب ، إذ العطش نعت كلِّ قاصد ، كما أن الدهشة وصف كل واحد .\rويقال الصاد تبدي محبةً للصدورِ وهو بلاء الأحباب .\rويقال الصاد تطالبك بالصدق في الود ، وأمارة الصدق في الود بلوغ النهاية والكمال ، حتى لا يزيد بالبر ، ولا ينقص بالمنع .","part":2,"page":338},{"id":839,"text":"كتاب الأحباب تحفة الوقت ، وشفاءٌ لمقاساة ألم البعد ، وهو لداء الضنى مُزِيل ، ولشفاء الشكِّ مُقيل ، وقال تعالى : { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ } ولم يقل : في قلبك؛ فإن قلبه - عليه السلام - في محل الشهود ، ولذلك قال { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [ الحجر : 97 ] وكذلك قال موسى عليه السلام : { رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى } . وقال للمصطفى صلوات الله عليه : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [ الشرح : 1 ] . فإن القلب في محل الشهود ، وهو أبداً بدوام أُنْس القرب ، قال A : « تنام عيني ولا ينام قلبي » وقال : « أسألك لذة النظر » وصاحب اللذة لا يكون له حرج .","part":2,"page":339},{"id":840,"text":"اسْتَسْلِموا لمطالبات التقدير ، قِفُوا حيثما وقفتم ، وتحققوا بما عرفتم ، وطالعوا بما كوشفتم ، ولا تلاحظوا غيراً ، ولا تركنوا إلى عِلَّةٍ ، ولا تظنوا أن لكم من دونه وسيلة .","part":2,"page":340},{"id":841,"text":"يعني كم من قرية ركنوا إلى الغفلة ، واغتروا بطول المهلة؛ باتوا في ( خَفْضِ ) الدعة وأصبحوا وقد صادقتهم البلايا بغتة ، وأدركتهم القضيةُ فجأة ، فلا بلاء كُشِف عنهم ، ولا دعاءَ سُمِع لهم ، ولا فرار نَفَعَهم ، ولا صريخ أنقذهم . فما زالوا يفزعون إلى الابتهال ، ويصيحون : الويل! ويدعون إلى كشف الضر ، ويبكون من مسِّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر ، ولا لأحدٍ منهم ( خبر ) . تلك سُنَّة الله في الذين خَلَوْا من الكافرين ، وعادته في الماضين من الماردين .","part":2,"page":341},{"id":842,"text":"{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } سوال تعنيف وتعذيب .\r{ ولنسألن المرسلين } سؤال تشريف وتقريب .\r{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } عن القبول فيتقنَّعون بذل الخجل .\r{ ولنسألن المرسلين } عن البلاغ فيتكلمون ببيان الهيبة ، فالكلُّ بِسِمةِ العبودية والتوقير ، والحقُّ بنعت الكبرياء والتقدير .","part":2,"page":342},{"id":843,"text":"فلنخبرنهم يومَ الفضلِ ما هو عليه اليوم ، ونوقفهم على ما أسلفوه ، ونقيمنهم في مقام الصَّغَارِ ومحل الخزي ، وسيعلمون أنه لم يَغِبْ عن علمنا صغير ولا كبير .\rويقال أجرى الحقُّ - سبحانه - سُنَّتَه بتخويف العباد بعلمه مرة كما خوَّفهم بعقوبته تارة؛ فقال تعالى : { وَاتَّقُوا يَوْمًا } [ البقرة : 48 ] يعني العذاب الواقع في ذلك اليوم ، وقال في موضع آخر { ويحذِّركم الله نفسه } [ آل عمران : 28 ] وهذا أبلغ في التخويف ، وقال { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَى } [ العلق : 14 ] .","part":2,"page":343},{"id":844,"text":"يَزِنُ أعمالهم بميزان الإخلاص ، وأحوالهم بميزان الصدق . فَمَعنْ كانت أعمالُهم بالرياء مصحوبة لم يَقْبَل أعمالَهم ، ومَن كانت أحوالُهم بالإعجاب مشوبةً لم يرفع أحوالهم .","part":2,"page":344},{"id":845,"text":"سَهَّلنا عليكم أسباب المعيشة ، ويسَّرنا لكم أحوال التصرف ، ثم أراد منكم أَنْ تتخذوا إليه سبيلاً ، ولم يعتصِ عليه مراد .\r{ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } لاستعمالكم - في الخلاف - أبدانَكم ، ولإنفاقكم - بالإسراف - أحوالكم ، ولاستغراقكم - في الحظوظ - أوقاتكم . فلا نعمة الفراغ شكرتم ، ولا من مسِّ العقوبة شكوتم . . . خسرتم وما شعرتم!","part":2,"page":345},{"id":846,"text":"ثَبَّتْنَاكم على النعت الذي أردناكم ، وأقمناكم في الشواهد التي اخترنا لكم؛ فمِنْ قبيح صورته خَلْقاً ومن مليح ، ومن سقيم حالته خُلُقاً ، ومن صحيح . ثم إنا نعرفكم سابِق آيادينا إلى أبيكم ، ثم لاحِقَ خلافه بما بقي عِرْقٌ منه فيكم ، ثم ما علمنا به ( من مكان يحسدكم ) ويعاديكم .","part":2,"page":346},{"id":847,"text":"أي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما مُوجِبُ امتناعك عن السجودِ لآدم لو كُنْتَ تُعَظِّم أمري؟ فيتحقق الموحدون أن موجِبَ امتناعه عن السجود الخذلانُ الحاصلُ ، ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود .\rقال : { أنا خير منه } ادَّعى الخيرية ، وكان الواجب عليه - لولا الشقوة - أَنْ يؤثِرَ التذلَّلَ على التكبُّر ، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقِّ .\rثم إنه وإنْ سَلَكَ طريق القياس فلا وجه له مع النَّفس لأنه بِحَظٍّ ، فلم يزِدْه قياسُه إلا في استحقاق نفيه إذ ادَّعى الخيرية بجوهره ، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه - سبحانه - وقسمته .","part":2,"page":347},{"id":848,"text":"فارِقْ بساطَ القربة؛ فإنَّ التكبّرَ والترفَّعَ على البساط تركٌ للأدب ، وتركُ الأدبِ يوجِب الطرد .\rويقال مَنْ رأى لنفسه محلاً أو قيمة فهو متكبِّر ، والمتكبِّر بعيد عن الحق سبحانه ، ورؤية المقام قَدْحٌ في الربوبية إذ لا قَدْرَ لغيره تعالى ، فَمَنْ ادَّعى لنفسه محلا فقد نازع الربوبية .","part":2,"page":348},{"id":849,"text":"أجاب دعاءَه في الحال ولكن كان ذلك مكراً به لأنه مكَّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة ، فلم يَزِدْه بذلك التمكين إلا شِقوةً . ليعلمَ الكافةُ أنه ليس كل إجابة للدعاء نعمةً ولطفاً بل قد تكون بلاءً ومكراً .","part":2,"page":349},{"id":850,"text":"جَاهَرَ الحقيقةَ بالخلاف بعدما أظهر من نفسه غايةَ الخلوص في العبودية ، فَعُلِمَ أن جميع ما كان منه في سالف حاله لم يصدر عن الإخلاص والصدق .","part":2,"page":350},{"id":851,"text":"أخبر أنه يأخذ عليهم جوانَبهم ، ويتسلطُ عليهم من جميع جهاتهم ، ولم يَعْلَمْ أن الحقَّ سبحانه قادر على حفظهم عنه ، فإنَّ ما يكيد بهم مِنَ القدرةِ حَصَلَ ، وبالمشيئة يوجد ، ولو كان الأمر به أو إليه لَكَانَ أوْلى الخلْقِ بأنْ يُؤَثِّرَ فيه كدْحُه نَفْسَه ، وحيْث لم ينفعه جهدُه في سالِف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء أفعاله .","part":2,"page":351},{"id":852,"text":"أخرجه من درجته ، ومن حالته ورتبته ، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته ، ثم تخليده أبداً في عقوبته ، ولا يذيقه ذرةً من يَرْدِ رحمته ، فأصبح وهو مقدَّمٌ على الجملة ، وأمسى وهو أبعد الزُّمرة ، وهذه آثار قهر العِزَّة . فأيُّ كَبِدٍ يسمع هذه القصة ثم لا يتفتت؟! .","part":2,"page":352},{"id":853,"text":"لما أسكن آدمَ الجنةَ خَلَق معه سببَ الفتنةِ ، وهو ما أكرمه به من الزوجة ، وأي نقصٍ يكون في الجنة لو لم يخلق فيها تلك الشجرة التي هي شجرة المحنة لولا ما أخفى من سِرِّ القسمة؟ .","part":2,"page":353},{"id":854,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ } .\rنِسْبَتُه ما حَصَلَ منهما إلى الشيطان من أمارات العناية ، كانت الخطيئةُ منهما لكنَّه تعالى قال : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ } .\rويقال التقى آدمُ بإبليس بعد ذلك فقال : يا شَقِيُّ! وسوستَ إليَّ وفعلتُ! ، فقال إبليس لآدم . يا آدم! هَبْ أنِّي إبليسُك فَمَنْ كان إبليسي!؟ .\rقوله جلّ ذكره : { لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءاتِهِمَا } .\rوفي ذلك دلالة على عناية زائدة حيث قال : { لِيُبْدِىَ لَهُمَا } فلم يطلع على سوأتهما غيرهما .\rقوله جلّ ذكره : { وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ } .\rتاقت أنفسهما إلى أن يكونا مَلَكين - لا لأن رتبة الملائكة كانت أعلى من رتبة آدم عليه السلام - ولكن لانقطاع الشهوات والمنى عنهما .\rويقال لمَّا طمعا في الخلود وقعا في الخمود ، ووقعا في البلا والخوف؛ وأصلُ كلَّ محنةٍ الطمعُ .\rويقال إذا كان الطمع في الجنة - وهي دار الخلود - أَوْجَبَ كُلَّ تلك المحن فالطمع في الدنيا - التي هي دار الفناء - متى يسلم صاحبه من ذلك؟ ويقال إن يكونا إنما ركنا إلى الخلود فلا لنصيبِ أنفسهما ، ولكن لأجل البقاء مع الله تعالى ، وهذا أَوْلى لأنه يوجب تنزيه محلِّ النبوة . وقيل ساعاتُ الوصال قصيرة وأيام الفراق طويلة ، فما لبثا في دار الوصلة إلاَّ بعضاً من النهار؛ دَخَلاَ ضحوةَ النهار وخَرَجَا نِصْفَ النهار! ويقال إن الفراقَ عينٌ تصيب أهلَ الوصلة ، وفي معناه قال قائلهم :\rإنْ تكُنْ عينٌ أصابتك فما ... إلا لأنَّ العين تصيب الحَسَنَا\rويقال حين تمَّتْ لهما أسباب الوصلة ، وَوَطَّأَ نفوسهما على دوام البربة بدا الفراق من مكامنه فأباد من شملهما ما انتظم ، كما قيل :\rحين تمَّ الهوى وقلنا سُرِرْنا ... وحَسِبْنا مِنْ الفراق أَمنَّا\rبَعَثَ البَيْنُ رُسْلَه في خفاءٍ ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا","part":2,"page":354},{"id":855,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ } .\rحُسْنُ ظنِّ آدم - عليه السلام - حَملَه على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم يخطر بباله أن يكذب في يمينه بالله ، ثم لمَّا بان له أنه دلاَّهما بغرورٍ تاب إلى الله بصدق الندم ، واعترف بأنه أساء وأجرم ، فَعَلِمَ - سبحانه - صِدْقَه فيما ندم ، فتداركه بجميل العفو والكرم .\rقوله جلّ ذكره : { فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوءاتُهُمَا } .\rلم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشيرُ العقاب؛ وتَنَغُّصِ الحال ، وكذا صفة مَنْ آثر على الحق - سبحانه - شيئاً يبقيه عنه ، فلا يكون له بما آثر استمتاع . وكذلك مَنْ ادَّخَر عن الله - سبحانه - نَفْسَه أو مالَه أو شيئاً بوجهٍ من الوجوه - لا يبارك الله فِيه ، قال تعالى في صفة الأعداء : { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ } [ الحج : 11 ] .\rويقال مَّا بَدَتْ سوأتهما احتالا في السَّتْرِ ، وطَفِقَا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حُلَلَ الجنة ظَّلا يستتران بورق الجنة ، كما قيل :\rلله دَرُّهمُ مِنْ فِتْيَةٍ بكروا ... مثل الملوك ، وراحوا كالمساكين\rوأنشدوا :\rلا تعجبوا لمذلتي فأنا الذي ... عَبَثَ الزمان بمهجتي فأذَلَّها\rثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان في الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلُّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم - عليه السلام - شيئاً من أوراقها . وقيل ذلك كان لا يلاحِظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال :\rوكانت - على الأيام - نفسي عزيزة ... فلمَّا رأت صبري على الذلِّ ذلَّتِ\rولمّا أُخْرِج آدمُ من الجنة وأُسْكِن الأرض كلّف العملَ والسعيَ والزرع والغرس ، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه ، وجبريل - عليه السلام - يأتيه ويقول : أهذا الذي قيل لك : { إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى } [ طه : 118 ] .\rفَلَمْ تعرِف قدره . « فَذُقْ جزايا خِلافِك » فكان يسكن عن الجزع . ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل :\rوجاشَتْ إليَّ النفسُ أوَّلَ مرةٍ ... وزيدت على مكروهها فاستقرتِ\rقوله جلّ ذكره : { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةَ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .\rكانت لا تصل يدُه إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه ، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة - التي هي ضجرة المحنة - لكان ذلك عنايةً بشأنه ، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة ، تتمةً للبلاء والفتنة ، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر - إبلاغاً في القهر - لَمَا خالف الأمر ، ولَمَا حَصَلَ ما حَصَلَ .\r{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ } : فكان ما دَاخَلَهما من الخجل أشدَّ من كل عقوبة؛ لأنهما لو كانا من الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة ، فلما ناداهما بالعتاب حَلَّ بهما من الخجل ما حلّ ، وفي معناه أنشدوا :\rواخجلتا من وقوفي وَسْطَ دَارِهمُ ... إذ قال لي مغضبا : من أنت يا رجل؟","part":2,"page":355},{"id":856,"text":"اعترفا بالظلم جهراً ، وعرفا الحكم في ذلك سِرّاً؛ فقولهما : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } اعتراف بالظلم من حيث الشريعة ، وعرفان بأن المدارَ على الحكم من حيث الحقيقة ، فَمَنْ لم يعترف بظلم الخلْق طوى الشريعة ، ومن لم يعرف جريان حكم الحق فَقَدْ جَحَدَ الحقيقة ، فلمَّا أقرّا بالظلم قالا : { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ } نطقا على عين التوحيد حيث لم يقولا بظلمنا خَسِرْنا ، بل قالا : فَعَلْنَا فإنْ لم تغفر لنا خسرنا ، فبِتَرْكِ غفرانك تخسر لارتكاب ظلمنا .","part":2,"page":356},{"id":857,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } .\rأهْبَطَهم ، ولكنه أهبط إبليسَ عن رتبته فوقع في اللعنة ، وأهبط آدم عن بقعته فتداركتْه الرحمة .\rويقال لم يُخْرَج آدم عليه السلام من رتبة الفضيلة وإنْ أُخرِجَ عن دار الكرامة ، فلذلك قال الله تعالى : { ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ } [ طه : 122 ] وأما إبليس - لعنةُ الله عليه - فإنه أُخْرِجَ من الحالة والرتبة؛ فلم ينتعش قط عن تلك السَّقْطة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } .\r{ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } هذا عامٌّ { ومَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } : أراد به إبليسَ على الخصوص .","part":2,"page":357},{"id":858,"text":"أخبر أنه يستقبلهم اختلافُ الأحوالِ في الدنيا ، ويتعاقب عليهم تفاوتُ الأطوار ، فَمِنْ عُسْرٍ ومن يُسْر ، ومن خير ومن شر ، ومن حياةٍ ومن موت ، ومن ظَفَرٍ ومِنْ فَوْت . . . إلى غير ذلك من الأحوال .","part":2,"page":358},{"id":859,"text":"سترناكم عن الأسباب الظاهرة ، ويَسَّرنا لكم ما تدفعون به صنوفَ المضار عنكم بما مَكَّنَّا لكم من وجوه المنافع .\rثم قال : { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } فإن اللباس الظاهر يقي آفاتِ الدنيا ، ولباس التقوى يصون عن الآفات التي توجب سخط المولى ، ولباس التقوى بجميع أجزاء العبد وأعضائه . وللنَّفْس لباسٌ من التقوى وهو بذل الجهد والروح والقلب ، لباس من التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع . وللروح لباس من التقوى وهو ترك العلائق وحذف العوائق . وللسرِّ لباسٌ من التقوى وهو نفي المساكنات والتصاون من الملاحظات .\rويقال تقوى العُبَّاد ترك الحرام ، وتقوى العارفين نفي مساكنة الأنام . ويقال للعوام التقوى ، وللخواص للباس التقوى عن شهود التقوى .","part":2,"page":359},{"id":860,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَابَنِى ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ } .\rمن أصغى إلى وساوس نفسه بأسماع الهوى وجد الشكَّ بين وسواس الشيطان وهاجس النَّفْس ، ويتناصر الوسواس والهاجس وتصير خواطرُ وزواجرُ العلم مغمورةً مقهورةً - فعن قريبٍ تشمل تلك الهواجس والوساوس صاحبها ، وينخرط في سلك موافقة الهوى فيسقط في مهواة الزلة ، فإذا لم يحصل تداركٌ بوشيك التوبة صارت الحالةُ قسوةً في القلب ، وإذا قسا القلبُ فارقته الحياة وتمَّ له البلاء .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هَوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } .\rلا يحصل للعبد احتراس من رؤية الشيطان إياه وهو عنه غائب إلا برؤية العبد للحق - سبحانه - بقلبه ، فيستغيث إليه من كيده ، فيُدْخِلْه - سبحانه - في كنف عنايته فيجد الخلاص من مكر الشيطان .","part":2,"page":360},{"id":861,"text":"استروحوا في التعلل إلى سلوكهم نهجَ أسلافِهِم ، فاستمسكوا بحبلٍ واهٍ فزلَّت بهم أقدامُ الغرور ، وقعوا في وهدة المحنة .","part":2,"page":361},{"id":862,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالقِسْطِ } .\rالقِسط العدل ، ويقع ذلك في حق الله تعالى ، وفي حق الخلْق ، وفي حق نفسك؛ فالعدلُ في حقِّ الله الوقوفُ على حدِّ الأمر من غير تقصير في المأمور بِهِ أو إقدامٍ على المنهيِّ عنه ، ثم ألا تدخِّر عنه شيئاً مما خوَّلك ، ثم لا تُؤثِرَ عليه شيئاً فيما أحلَّ لك . وأمَّا العدل مع الخلْق - فعلى لسان العلم - بذلُ الإنصاف ، وعلى موجِب الفتوة ترك الانتصاف . وأمَّا العدل في حق نَفْسِك فإدخال العتق عليها ، وسدُّ أبواب الراحة بكل وجه عليها ، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال في كل نَفَس .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَقِيمُوا وَجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } .\rالإشارة منه إلى استدامة شهوده في كل حالة ، وألا تنساه لحظةً في كلِّ ما تأتيه وتذره وتقدمه وتؤخره .\rقوله جلّ ذكره : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الله وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ } .\rمن كانت قِسمتُه - سبحانه - له بالسعادة كانت فطرته على السعادة ، وكانت حالته بنعت السعادة ، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة ، ومن كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد ، قال رسول الله A : « من كان بحالةٍ لقي الله بها » .\rوجملة العلم بالقضاءِ والقَدَرِ أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون ، وأراد أن يكون كما علم . وما علم ألا يكون - مما جاز أن يكون أراده ألا يكون - أخبر أنه لا يكون . وهو على وجه الذي أخبر ، وقضى على العبد وقدَّر أجرى عليه ما سبق به الحكم ، وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف .","part":2,"page":362},{"id":863,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَابَنِى ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسّجِدٍ } .\rعلى لسان العلم : يجب سَتْرُ العَوْرة في الصلاة ، وعلى موجِب الإشارة : زينة العبد بحضور الحضرة ، ولزوم السُّدَّة ، واستدامة شهود الحقيقة .\rويقال زينة نفوس العابدين آثار السجود ، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود؛ فالعبد على الباب بنعت العبودية ، والعارف على البساط بحكم الحرية . وشتَّان بين عبدٍ وعبد! .\rقوله جلّ ذكره : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ } .\rالإسراف ما تناولته لَكَ ولو بقدر سمسمة .\rويقال الإسراف هوالتعدي عن حدِّ الاضطرار فيما يتضمن نصيباً لك أو حظّاً بأي وجهٍ كان .","part":2,"page":363},{"id":864,"text":"الإشارة منها إلى زينة السرائر؛ فزينة العابدين آثار التوفيق ، وزينة الواجدين أنوار التحقيق ، وزينة القاصدين ترك العادة ، وزينة العابدين حسن العبادة .\rويقال زينةُ النفوس صدارُ الخدمة ، وزينة القلوب حفظ الحرمة ، وزينة الأرواح الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة .\rويقال زينة اللسان الذكر وزينة القلب الشكر .\rويقال زينة الظاهر السجود وزينة الباطن الشهود .\rويقال زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات ، وزينة القلوب دوام المواصلة من حيث المشاهدات .\rومعنى قوله : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى } يعني إن الله لم يمنع هذه الزينة عمن تعرض لوجدانها ، فمن تصدى لطلبها فهي مباحة له من غير تأخير قصود .\rقوله جلّ ذكره : { وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ } .\rأرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه ، وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى .\rويقال أرزاق المريدين إلهام ذكر الله ، وأرزاق العارفين الإكرام بنسيان ما سوى الله .","part":2,"page":364},{"id":865,"text":"ما ظهر منها الزَّلَّة ، وما بطن منها الغفلة .\rويقال ما ظهر منها كان بنسيان الشريعة ، وما بطن بإشارة الحقيقة .\rويقال لقومٍ تركُ الرخص يكون علة ، والأوْلى بهم والأفضل لهم الأخذ به . وقومٌ لو ركنوا إلى الرُّخص لقامت عليهم القيامة .\rويقال فاحشة الخواص تتبع ما لأنفسهم فيه نصيب ولو بذرة ولو بذرة أو سِنَّة .\rويقال فاحشة الأحبابِ الصبر على المحبوب .\rويقال فاحشةُ الأحبابِ أن تبقى حيَّاً وقد منيت بالفراق ، قال قائلهم :\rلا عيش بعد فراقهم ... هذا هو الخطب الأَجَلُّ\rويقال فاحشة قومٍ أن يلاحظوا غيراً بعين الاستحقاق ، قال قائلهم :\rيا قُرَّةَ العين سَلْ عيني هل اكتحلت ... بمنظر حسنٍ مذ غبت عن عيني؟\rويقال فاحشة قوم أن تبقى لهم قطرةُ من الدمع ولم يسكبوها للفرقة ، أو يبقى لهم نَفَسٌ لم يَتَنَفُّسوا به في حسرة ، وفي معناه أنشدوا :\rلئن بقِيَتْ في العين منِّي دمعةٌ ... فإني إذاً في العاشقين دخيلُ","part":2,"page":365},{"id":866,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } .\rلكلِّ قوم مدةٌ مضروبةٌ ، فإذا تناهت تلك المدة زالت تلك الحالة؛ فلنعمةِ المُتْرَفِين مُدَّةٌ ، فإذا زالت فليس بعدها إلا الشِّدّة ، ولمحنةِ المستضعفين مدةٌ فإذا انقضت تلك المدة زالت تلك الشدة .\rويقال إذا سقط قرصُ الشمس زال سلطانُ النهار فلا يزداد بعده إلا تراكم الظلمة ، فإذا ارتحلت عساكرُ الظلام بطلوع الفجر فبعد ذلك لا تبقى فيه للنهار تهمةٌ .","part":2,"page":366},{"id":867,"text":"إذا أتاكم الرُّسُلُ فلا تركنوا إلى مجوزاتِ الظنون ، واحملوا الأمرَ على الجِدِّ فإنَّا - مع استغنائنا على الأغيار ، وتَقَدُّسِنا عن المنافع والمضار - نُطَالِبُ بالقليل والكثير ، ونحاسِبُ على النقير والقطمير .","part":2,"page":367},{"id":868,"text":"مَنْ قَابَلَ ربوبيتَنا بالجُحْدِ ، وحكمنا بالرد ، لقِيَ الهوانَ ، وقاسى الآلام الأحزان ، ثم العَجْزُ يلجئه إلى الخنوع ، ولكن بعد ألا ينفع ولا يسمع .","part":2,"page":368},{"id":869,"text":"يصيبهم من الكتاب ما سبق لهم به الحكم ، فمن جرى بسعادته الحكمُ وقع عليه رقم السعادة ، ومن سبق بشقاوته الحكمُ حُقَّ عليه عَلَمُ الشقاوة .\rويقال من سبقت له قسمة السعادة فلو وقع في قَعْرِ اللَّظَى تداركتْه العنايةُ وأخرجتْه الرحمةُ ، ومَنْ سَبَقَتْ له قسمةُ الشقاوةِ . . فلو نزل الفراديس تداركته السخطة وأخرجته اللعنة .","part":2,"page":369},{"id":870,"text":"آثار إعراض الحق عنهم أورثَتْ لهم وحشةَ الوقت؛ تبرَّم بعضُهم ببعض ، وضاق كلُّ واحدٍ منهم عن كل شيء حتى عن نفسه ، فدعا بعضهم على بعض ، وتبرَّأ بعضهم من بعض ، وكذلك صفة المطرودين .","part":2,"page":370},{"id":871,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِى سَمِّ الخيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المُجْرِمِينَ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } .\rفلا دعاؤهم يُسمَع ، ولا بكاؤهم ينفع ، ولا بلاؤهم يكشف ، ولا عناؤهم يُرْفَع .\rقوله جلّ ذكره : { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَخْزِى الظَّالِمِينَ } .\rكما أحاطت العقوبات بهم في الدنيا فَتَدَنَّس بالغفلة باطنُهم ، وتلوَّثَ بالزَّلة ظاهرهم ، فكذلك أحاطت العقوبات بجوانبهم؛ فَمِنْ فوقهم عذاب ومن تحتهم عذاب ، وكذلك من جوانبهم في القلب من ضيق العيش واستيلاء الوحشة ما يفي ويزيد على الكل .","part":2,"page":371},{"id":872,"text":"رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة العمل فيسَّرنا عليهم الطاعاتِ بحسن التوفيق ، وخَفَّفْنَا عنهم العباداتِ بتقليل التكليف .","part":2,"page":372},{"id":873,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ } .\rطهرنا قلوبهم من كل غش ، واستخلصنا أسرارهم عن كل آفة . وطَهَّرَ قلوب العارفين من كل حظ وعلاقة ، كما طهَّر قلوب الزاهدين عن كل رغبة ومُنْية ، وطهَّر قلوب العابدين عن كل تهمة وشهوة ، وطهَّر قلوب المحبين عن محبة كل مخلوق وعن غل الصدر - كل واحد على قدر رتبته .\rويقال لمَّا خَلَق الجنة وَكَلَ ترتبيها إلى رضوان ، والعرش ولي حفظه إلى الجملة ، والكعبة سلَم مفتاحها إلى بني شيبة ، وأمَّا تطهير صدور المؤمنين فتولاّه بنفسه .\rوقال : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } .\rويقال إذا نزع الغل من الصدور مِنْ قِبَله فلا محلّ للغرم الذي لزمهم بسبب الخصوم حيث كان منه سبحانه وجه آدائه .\rقوله جلّ ذكره : { وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ } .\rفي قولهم اعترافٌ منهم وإقرارٌ بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من جزيل تلك العطيات ، وعظيم تلك الرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم ، وإنما ذلك أجمع ابتداء فضل منه ولطف .\rقوله جلّ ذكره : { وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rتسكينٌ لقلوبهم ، وتطييبٌ لهم ، وإلا فإذا رأوا تلك الدرجات علموا أن أعمالهم المشوبة بالتقصير لم توجب لهم كل تلك الدرجات .","part":2,"page":373},{"id":874,"text":"اعترف أهل النار بحقيقة الدِّين ، وأقروا بسوء ما عملوا ، ولكن حين لم ينفعهم إقرارٌ بحالٍ من الأحوال .","part":2,"page":374},{"id":875,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَبَيْنَهُمَا حٍجَابٌ } .\rذلك الحجاب الذي بينهما حصل من الحجاب السابق؛ لمَّا حُجِبُوا في الابتداء في سابق القسمة عما خُصَّ به المؤمنون من القربة والزلفة حُجِبوا في الانتهاء عما خَصَّ به السعداء من المغفرة والرحمة .\rويقال حجاب وأي حجاب! لا يُرفَع بحيلة ولا تنفع معه وسيلة .\rحجابٌ سبق به الحكم قبل الطاعة والجُرْم .\rقوله جلّ ذكره : { وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ } .\rهؤلاء الأشراف خصوا بأنوار البصائر اليوم فأشرفوا على مقادير الخلْق بأسرارهم ، ويشرفون غداً على مقامات الكل وطبقات الجميع بأبصارهم .\rويقال يعرفونهم غداً بسيماهم التي وجدوهم عليها في دنياهم؛ فأقوامٌ موسومون بأنوار القرب ، وآخرون موسومون بأنوار الرد والحجب .\rقوله جلّ ذكره : { وَنَادَوْا أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } .\rسَلِمُوا اليومَ عن النكرة والجحودِ ، وأكرِمُوا بالعرفان والتوحيد .\rوسلموا غداً من فنون الوعيد ، وسَعِدُوا بلطائف المزيد . وتحققوا أنهم بلغوا من الرتب ما لم يَسْمُ إليه طرْفُ تأميلهم ، ولم يُحِطْ بتفصيله كُنْهُ عقولهم .","part":2,"page":375},{"id":876,"text":"إنما يصرف أبصارهم اليومَ تقديراً عليهم عظيم المِنّة التي بها نجاتُهم ، فيزيدون في الاستغاثة وصدق الابتهاء ، فتكمل بهم العارفة بإدامة ما لاطفهم به من الإيواء والحفظ .","part":2,"page":376},{"id":877,"text":"ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد ، وهي مما لا يخفى على ذي عينين ، فيقولون لهم : هل يُغْنِي عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم ، وسكنتم إليه من فاسد ظنونكم ، وباطل تأويلكم؟ فشاهِدوا - اليومَ - تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ضعفاؤكم ، وانظروا هل يغني عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم؟","part":2,"page":377},{"id":878,"text":"دلَّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشربَ؛ فإنهم في تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوعُ والعطش حتى يتضرعون كلَّ ذلك التضرع؛ فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم في غاية الآلام ، والعادة - اليومَ - أن من كان في ألم شديد لا يأكل ولا يشرب ، وهذا شديد .\rثم أَبْصِرْ كيف لا يسقيهم قطرةً - مع استغنائه عن تعذيبهم ، وقدرتِه على أن يعطيه ما يريدون! ولكنه قهر الربوبية وعِزُّ الأحدية ، وأنه فَعَّالٌ لما يريد . فكما لم يرزقهم - اليومَ - من عرفانه ذرة ، لا يسقيهم غداً في تلك الأحوال قطرة ، وفي معناه أنشدوا :\rوأَقْسَمْنَ لا يسقيننا - الدهرَ - قطرةً ... ولو فُجِّرت من أرضهن بحورُ\rويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعدما نفدت دموعهم ، وفي هذا المعنى قيل :\rيا نازحاً نَزَفَتْ دمعي قطيعتُه ... هَبْ لي من الدمعِ ما أبكي عليكَ به\rوفي هذا المعنى أنشدوا .\rجرف البكاءُ دموعَ عينك فاستعِرْ ... عيناً لغيرك دمعها مدرار\rمَنْ ذا يُعيرك عينَه تبكي بها ... أرأيتَ عيناً للبكاء تُعار؟\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا فَاليَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .\rكما تركوا أمره وضيَّعوه تركهم في العقوبة ، ولا ( . . . ) فيما يشكون ، فتأتي عليهم الأحقاب ، فلا كشف عذاب ، ولا بَرْد شراب ، ولا حسن جواب ، ولا إكرامٌ بخطاب . ذلك جزاءٌ لِمَنْ يعرف قَدْرَ الوصلة في أوقات المهلة .","part":2,"page":378},{"id":879,"text":"أنزلنا عليهم من الكتاب وأوحينا إليهم من الخطاب ما لو قابلوه بالتصديق وصاحَبُوه بالتحقيق لوجدوا الشفاء من محنة البعاد ، ونالوا لضياء بقرب الوداد ، ووصلوا في الدنيا والعقبى إلى جميل المراد ، ولكنه - سبحانه أَبَى القسمة في نصيبهم إلا الشِّقْوة .","part":2,"page":379},{"id":880,"text":"إذا كُشِفَ جلالُ الغيب ، وانتفت عن قلوبهم أغطيةُ الرَّيب ، فلا بكاء لهم يَنْفَع ، ولا دعاء منهم يُسْمَع ، ولا شكوى عنهم ترْفَع ، ولا بلوى من دونهم تُقْطَع .","part":2,"page":380},{"id":881,"text":"تعرّف إلى الخلق بآياته الظاهرة الدالة على قدرته وهي أفعاله ، وتعرّف إلى الخواص منهم بآياته الدالة على نصرته التي هي أفضاله وإقباله ، وظهر لأسرار خواص الخواص بنعوته الذاتية التي هي جماله وجلاله ، فشتان بين قومٍ وقوم! .\rثم كما يدخل في الظاهر الليل على النهار والنهارَ على الليل فكذلك يدخل القبض على البسط والبسط على القبض . ومنه الإشارة إلى ليل القلوب ونهار القلوب : فَمِنْ عبدٍ أحواله أجمع قبض ، ومن عبدِ أحواله أجمع بسط ، ومن عبيد يكون مرة بعين القبض ومرة بعين البسط كما أن بعض أقطار العالَم فيها نهار بلا ليل ، وفي بعضها ليل بلا نهار ، وفي بعضها ليل يدخل على نهار ونهار يدخل على ليل .\r{ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ } فمنه الخير والشر ، والنفع والضر ، فإن له الخلْقَ والأمر .\r{ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ } هذه الكلمة مجمع الدعاء لاشتمالها على إفادة معنى قِدَمِه ودوامِ ثبوته من حيث يُقال بَرَكَ الطيرُ على الماء .\rوأفادت معنى جلاله الذي هو استحقاقه لنعوت العِزِّ لأنه قد تبارك أي تعظَّم . وأشارت إلى إسداد النِّعم وإتاحة الإحسان من حيث إن البَرَكَة هي الزيادة فهي مجمع الثناء والمدح للحق سبحانه .","part":2,"page":381},{"id":882,"text":"الأمر بالدعاء إذنٌ - في التسلِّي - لأرباب المحنة ، فإنهم إلى أن يصلوا إلى كشف المحنة ووجود المأمول استروحوا إلى روْح المناجاة في حال الدعاء؛ والدعاء نزهةٌ لأرباب الحوائج ، وراحةٌ لأصاحب المطالبات ، ومعجل من الإِنس بما ( . . . ) إلى القلب عاجل التقريب . وما أخلص عبدٌ من دعائه إلى رَوَّحَ - سبحانه - في الوقت قلبَه .\rويقال علَّمهم آداب الدعاء حيث قال : { تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وهذا أدب الدعاء؛ أن يَدْعُوا بوصف الافتقار والانكسار ونشر الاضطرار . ومن غاية ما تقرر لديك نعت كرمه بك أنه جعل إمساكَكَ عن دعائه - الذي لا بد منه - اعتداء منك .","part":2,"page":382},{"id":883,"text":"من الإفساد بعد الإصلاح إحمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عذارها حتى تتبع هواها بعدما كَبَحْتَ لجامَها مدةً عن العَدْوِ في ميدان الخلاف ، ومن ذلك إرسالُ القلب في أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة ، ومن ذلك الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق ، ومن ذلك استشعارُ محبة المخلوق بعد تأكيد العقد معه بألا تحب سواه ، ومن ذلك الجنوحُ إلى تتبع الرُّخص في طريق الطلب بعد حمل النَّفْس على ملازمة الأَوْلى والأشَق ، ومن ذلك الانحطاطُ بِحَظٍّ إلى طلبِ مقامٍ منه أو إكرام ، بعد القيام معه بترك كل نصيب .\rوفي الجملة : الرجوعُ من الأعلى إلى الأدنى إفسادٌ في الأرض بعد الإصلاح .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ } .\rيقال المحسنين عملاً والمحسنين أملاً ، فالأول العابدون والثاني العاصون .\rويقال المحسن من كان حاضراً بقلبه غير لاهٍ عن ربِّه ولا ناسياً لِحقِّه .\rويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق .\rويقال المحسن الذي لم يخرج ( . . . ) عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة .","part":2,"page":383},{"id":884,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } .\rتباشير القرب تتقدم فيتأدّى نسيمُه إلى مشام الأسرار ، وكذلك آثار الإعراض تتقدم فتوجد ظلمة القبض في الباطن ، فظلُّ الوحشة يتقدمها ، ونسيم الوصلة بعدها ، وفي قريبٍ منه قال قائلهم :\rولقد تشمَّمْتُ القضاءَ لحاجتي ... فإذا له من راحتيك نسيم\rقوله جلّ ذكره : { حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلَّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .\rالإشارة منه أنه يحصل بالمهجور ما يتأذى به الصدر ويُبَرِّحُ به الوجه ويَنْحلُ به الجسم ، بل يُبْطِلُ كلَّه البعجُ ، فيأتيه القُرب فيعود عود وصاله بعد الذبول طرياً ، ويصير دارس حاله عقيب السقوط نديا ، كما قال بعضهم :\rكُنّا كمن أُلْبِسَ أكفانه ... وقرَّب النعشُ من اللَّحد\rفجالتْ الروحُ في جسمه ... وردَّه الوصلُ إلى المولد","part":2,"page":384},{"id":885,"text":"إذا زكا الأصلُ نما الفرع ، وإنْ خبُث الجوهر لم يَطبْ ما تحلَّل منه ، وإن طاب العنصر فالجزء يحاكي أصله ، والأَسِرَّةُ تدل على السريرة ، فَمَنْ صفا باطنُ قلبه زكا ظاهرُ فعله ، ومن كان بالعكس فحاله بالضد .","part":2,"page":385},{"id":886,"text":"بَلَّغَ الرسالةَ فلم ينجعْ فيهم ما أظهر من الآلاء ، لأنَّ محرومَ القسمة لا ينفعه مجهودُ الحيلة .","part":2,"page":386},{"id":887,"text":"قوله : { لَيْسَ بِى ضَلاَلةٌ } : نسبوا نوحاً - عليه السلام - إلى الضلالة ، فتولَّى إجابتهم بنفسه فقال : { يَا قَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلاَلَةٌ } ، ونبيُّنا - A - نُسِبَ إليه فتولَّى الحق - سبحانه - الردَّ عنه فقال : { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } [ النجم : 2 ] فشتان بين مَنْ دافع عن نفسه ، وبين مَنْ دَافَع عنه ونفى عنه ربُّهّ .","part":2,"page":387},{"id":888,"text":"إني أعلم أَنِّي وإنْ بالغت في تبليغ الرسالة فمَنْ سبقت له القسمة بالشقاوة لا ينفعه نصحي ، ولا يُؤَثِّرُ فيه قولي ، فمَنْ أسقطته القسمةُ لم تنعشه النصيحة .","part":2,"page":388},{"id":889,"text":"عجبوا مِنْ كوْنِ شخصِ رسولَ اللهِ ، ولم يتعجبوا من كون الصنمِ شريكاً لله ، هذا فَرْطُ الجهالة وغاية الغباء!","part":2,"page":389},{"id":890,"text":"تسربلوا غِبَّ التكذيب لمَّا ذاقوا طعم العقوبة ، فلم يسعدوا بما حملوه ولم يصلوا إلى ما أملَّوه .","part":2,"page":390},{"id":891,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لِنَرَاكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنَّكَ مِنَ الكّاذِبِينَ قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالِمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ }\rأخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم ، فوقعوا في وهدتهم ، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله ، ولا رَبحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله .\rقوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } .\rجعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض ، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس . فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم ، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم ، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله ، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء .\rقوله جلّ ذكره : { وَزَادَكُمْ فِى الخَلْقِ بَصْطَةً } .\rكما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخُلُق ، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني .\rقوله جلّ ذكره : { فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\rالنَّعماء عام ، والآلاء خاص ، فتلك تتضمن ترويح الظواهر ، وهذه تتضمن التلويح في السرائر ، تلك بالترويح بوجود المبار ، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار .","part":2,"page":391},{"id":892,"text":"طاحوا في أودية التفرقة فلم يجدوا قراراً في ساحات التوحيد ، فَشَقَّ عليهم الإعراضُ عن الأغيار ، وفي معناه قال قائلهم :\rأراكَ بقيةً من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام\rويقال شخص لا يُخْرِجُه من غش التفرقة ، وشخص لا يحيد لحظةً عن سَنَنِ التوحيد فهو لا يعبد إلا واحداً ، وكما لا يعبد إلا واحد لا يشهد إلا واحداً ، قال قائلهم :\rلا يهتدي قلبي إلى غيركم ... لأنه سُدَّ عليه الطريق","part":2,"page":392},{"id":893,"text":"إذا أراد اللهُ هوانَ عبدٍ طَرَحَه في مفازات التفرقة؛ وإنَّ من علامات غضبه وإعراضه ردَّ العبد إلى شهود الأغيار ، وتغريقَه إياه في بحار الظنون ، إذ لا تحصيل للأغيار في معنى الإثبات .","part":2,"page":393},{"id":894,"text":"لا رتبةَ فوق رتبة النبوة ، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة .\rوأخبر - سبحانه - أنه نجَّى هوداً برحمته ، وكذلك نجَّى الذين آمنوا معه برحمته ، ليُعْلَمَ أنَّ النجاةَ لا تكون باستحقاق العمل ، وإنما تكون بابتداء فضلٍ من الله ورحمته؛ فما نَجَا مَنْ نجا إلا بفضل الحق سبحانه .","part":2,"page":394},{"id":895,"text":"غاير الحقُّ - سبحانه - بين الرسل من حيث الشرائع ، وجمع بينهم في التوحيد؛ فالشرائع التي هي العبادات مختلفة ، ولكن الكل مأمورون بالتوحيد على وجه واحد .\rثم أخبر عن إمضاءِ سُنَّتِه تعالى بإرسال الرسل عليهم السلام ، وإمهال أُمَمِهم ريثما ينظرون في معجزات الرسل .\rثم أخبر عما دَرَجُوا عليه في مقابلتهم الرسل بالتكذيب تسليةً للمصطفى A وعلى آله - فيما كان يقاسي من بلاء قومه .","part":2,"page":395},{"id":896,"text":"أزاح علتهم في بسط الدلالة ، ووسع عليهم حالتهم بتمكينهم من العطايا على ما دعت إليه حالتُهم . . فلا الدليلَ تأمَّلُوه ، والسبيل لازموه ، ولا النعمة عرفوا قدرها ، ولا المِنَّة قدَّموا شكرها ، فصادفهم من البلاء ما أدرك أشكالهم .","part":2,"page":396},{"id":897,"text":"أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله ، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلاَّ مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال ، وأَلاَّ يوضحَ له قَدْرَه بين الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلِّ نبي إنما هم ضعفاء وقته ، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار ، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام ، ولا كما يعتقد فيهم الأنام ، بل الجواهر مستورة في معادتها ، وقيمة المَحَالِّ بساكنيها ، قال قائلهم :\rوما ضرَّ نصلَ السيف إخلاقُ غمده ... إذا كان غَصْباً حيث وجهته وترا\rوقال رسول الله A : « كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه » .\rقوله تعالى : { وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } الحيلة تدعو إلى وِفاق الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين ، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم الغائبون ، قال قائلهم :\rوكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ ... وقد يستفيد البغضة المتنصح","part":2,"page":397},{"id":898,"text":"أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر ، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوة استقبل هوانه ، واستوجب إذلاله ، واستجلب - باختياره - صغره .","part":2,"page":398},{"id":899,"text":"خسَّت هِممُ قومِ شعيبٍ فقنعوا بالتطفيف في المكيال والميزان عند معاملاتهم ، ثم إنّ الحقَ - سبحانه - لم يُساهِلْهم في ذلك ليُعْلَم أَنَّ الأقدار ليست من حيث الأخطار .","part":2,"page":399},{"id":900,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً } .\rمن المعاصي ما لا يكون لازماً لصاحبه وحدَه بل يكون متعدِّياً عنه إلى غيره . ثم بِقَدْرِ الأثر في التعدِّي يحصل الضر للمبتدئ .\rقوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرُوا إِذَا كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُم وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ } .\rمَنَّ عليهم بتكثير العدد لأن بالتناصر والتعاون تمشي الأمور ويحصل المراد .\rويقال كما أن كل أمرٍ بالأعوان والأنصار خيراً أو شراً ، فلا نعمة فوق اتفاق الأنصار في الخير ، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان في الشر .","part":2,"page":400},{"id":901,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } .\rكما أن ( أهل ) الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم فأهل الشر لا ينصرون إلا من رأوا بأنه يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم ، والأوحد في بابه مَنْ بايَنَ نهج أضرابه .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ } .\rنطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا : { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم } ، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا : { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا } ، ثم تبرأوا عن حولهم وقوتهم حيث قالوا : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا } يعني إِنْ يُلْبِسنا لِباسَ الخذلان نُرَدُّ إلى الصغر والهوان .\rثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا : { عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا } أي به وَثِقْنَا ، ومنه الخيرَ أَمَّلْنا .\rثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا : { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ } فتداركهم الحقُّ - سبحانه - عند ذلك بجميل العصْمة وحسن الكفاية .","part":2,"page":401},{"id":902,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَْتُمْ شُعَيْباً إِنّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ فَأَخذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } .\rتواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيِّهم ، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته ، وكانوا مخطئين في حكمهم ، مبطلين في ظنهم ، فعُلِمَ أنَّ كل نصيحة لا يجب قبولها ، وكل إشارة لا يَحْسُنُ اتباعُها .\rقوله تعالى : { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا } كانت لهم غلبتهم في وقتهم ، ولكن لما اندرست أيامُهم سَقَطَ صِيتُهم ، و ( خمد ) ذكرهم ، وانقشع سحابُ مَنْ تَوَهَّم أنَّ منهم شيئاً .\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ } .\rالحقُّ غالِبٌ في كل أمر ، والباطل زاهق بكل وصف ، وإذا كانت العِزَّةُ نعتَ مَنْ هو أزليُّ الوجود ، وكان الجلال حقَّ مَنْ هو المَلِك فأي أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي خطر للعلل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا في قريبٍ من هذا :\rاستقبلني وسيفه مسلول ... وقال لي واحدنا معذول","part":2,"page":402},{"id":903,"text":"بَيَّنَ أنه راعى حدَّ الأمر؛ فإذا خرج عن عهدة التكليف في التبليغ فما عليه من إقرارهم أو إنكارهم ، من توحيدهم أو جحودهم؛ إِنْ أحسنوا فالميراثُ الجميلُ لهم ، وإن أساءوا فالضررُ بالتألم عائدٌ عليهم ، ومَالِكُ الأعيان أوْلى بها من الأغيار ، فالخَلْقُ خَلْقُه والمُلْكُ مُلْكُه؛ إن شاءَ هداهم ، وإن شاء أغواهم ، فلا تأسُّفُ على نفيٍ وفقد ، ولا أثر من كَوْنٍ ووجود .","part":2,"page":403},{"id":904,"text":"حرَّكهم بالبلاء الأَهْوَنِ تحذيراً من البلاء الأصعب ، فإذا تمادوا في غيهم ، ولم ينتبهوا من غفلتهم مَدَّ عليهم ظلالَ الاستدراجِ ، ووسّعَ عليهم أسبابَ التفرقة مكراً بهم في الحال ، فإذا وَطَّنُوا - على مساعدة الدنيا - قلوبهم ، وركنوا إلى ما سوَّلت لهم من امتدادها ، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نَغَّصَ عليهم طيبَ الحياة ، واندق بغتةً عُنُقُ السرور ، وشَرِقُوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى ، فتبدّل ضياءُ نهارهم بِسُدفَةِ الوحشة ، وتكدّر صافي مشربهم بيد النوائب ، كما سبقت به القسمة .","part":2,"page":404},{"id":905,"text":"لو آمنوا بالله ، واتَّقُوا الشِّرْكَ لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض بأسبابِ العطاء - ولكنْ سَبَقَ بخلافه القضاء - وأبوابِ الرضاء ، والرضاءُ أتمُّ من العطاء .\rويقال ليست العِبْرة بالنعمة إنما العبرة بالبركة في النعمة ، ولذا لم يَقُلْ أضعفنا لهم النعمة ولكنه قال : باركنا لهم فيما خوَّلنا .","part":2,"page":405},{"id":906,"text":"أكثر ما ينزل البلاء ينزل فجأةً على غفلةٍ من أهله ، ويقال مَنْ حَذِرَ البيات لم يجدْ روْحَ الرُّقاد .\rويقال رُبَّ ليلةٍ مُفْتَتَحةٍ بالفَرَحِ مختتمةٌ ( بالترح ) . ويقال رُبّ يومٍ تطلع شمسه من أوج السعادة قامت ظهيرته على قيام الفتنة .","part":2,"page":406},{"id":907,"text":"يقال مَنْ عرف علوّ قدره - سبحانه - خشي خفيّ مكره ، ومَنْ أمِنَ خفيّ مكره نَسِيَ عظيم قَدْرِه .","part":2,"page":407},{"id":908,"text":"أَوَ لا يعلم المغترون بطول سترنا أَنْ لو أردنا لعجَّلنا لهم الانتقام ، أو بلغنا فيهم الاصطلام ، ثم لا ينفعهم ندم ، ولا يُشْكى عنهم ألم .","part":2,"page":408},{"id":909,"text":"سلكوا طريقاً واحداً في التمرد ، واجتمعوا في خطٍ واحد في الجحد والتَّبلُّد؛ فلا للإيمان جَنَحُوا ، ولا عن العدوان رجعوا ، وكذلك صفة من سَبَقَتْ بالشقاء قِسمتُه ، وحقت بالعذاب عليه كَلِمتُه .","part":2,"page":409},{"id":910,"text":"نجم في العذر طارِقُهم ، وأَقَلَ من سماء الوفاء شارِقُهم ، فَعَدِمَ أكثرُهم رعاية العهد ، وحقت من الحق لهم قسمة الرد والصد .\rويقال : شكا مِنْ أكثرِهم إلى أقلِّهم ، فالأكثرون مَنْ ردَّتهم القسمة ، والأقلون مَنْ قَبِلَتْهم الوصلة .","part":2,"page":410},{"id":911,"text":"لما انقرضت أيامُهم ، وتَقَاصَر عن بساط الإجابة إقْدامُهم بعث موسى نبيَّه ، وضمَّ إليه هارون صفيَّه ، فقُوبِلا بالتكذيب والجحود ، فسلك بهم مسلك إخوانهم في التعذيب والتبعيد .","part":2,"page":411},{"id":912,"text":"الرجوعُ إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعبٌ شديد ، ولكنه لمَّا وَرَدَ الأمرُ قابله بحسن القبول ، فلما ترك اختيار نفسه أيّده الحق - سبحانه - بنور التأييد حتى شَاهَدَ فرعونَ محواً في التقدير فقال : { حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ } فإذا لم يصح له أن يقول على الخلق؛ فالخلق محوٌ فيما هو الوجود الأزلي فأيُّ سلطانٍ لآثار التفرقة في حقائق الجمع؟\rقوله : { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } : من المعلوم أن مجرَّد الدعوى لا حجة فيه ، ولكن إذا ظهر برهانٌ لم يبق غيرُ الانقياد لِمَا هو الحق ، فَمَنْ استسلم ( . . . . ) ، ومَنْ جَحَدَ الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطاً لا ينتعش .","part":2,"page":412},{"id":913,"text":"إنما أظهر له المعجزةَ مِنْ عَصَاه لطولِ مقارنته إياها ، فالإنسانُ إلى ما أَلِفَه أَسْكَنُ بقلبه . فلمَّا رأى ما ظهر في العصا من الانقلاب أخذ موسى عليه السلام في الفرار لتحققه بأن ذلك من قهر الحقائق ، وفي هذا إشارة إلى أنَّ السكونَ إلى شيءٍ غِرَّةٌ وغفلةٌ ايش ما كان ، فإنَّ تقلب العبد في قَبْضِ القدرة ، وهو في أَسْر التقلُّب ، وليس للطمع في السكون مساغٌ بحال .","part":2,"page":413},{"id":914,"text":"العصا - وإِنْ كانت معه من زمنٍ - فَيَدُه أخصُّ به لأنها عضو له ، فكاشَفَه أولاً بِرَسْمٍ مِنْ رسْمِه ثم أشهده من ذاته في ذاته ما عَرَفَ أنه أوْلى به منه ، فلما رأى انقلابَ وصفٍ في يده عَلمَ أنه ليس بشيء من أمره بيده .","part":2,"page":414},{"id":915,"text":"إذا أراد اللهَ هوان عبدٍ لا يزيد الحقَّ حُجَّةً إلا ويزيد لذلك المُبْطِل فيه شبهةً؛ فكلَّما زاد موسى - عليه السلام - في إظهار المعجزات ازدادوا حيرةً في التأويلات .","part":2,"page":415},{"id":916,"text":"تَوهَّمَ الناسُ أنهم بالتأخير ، وتقديم التدبير ، وبذل الجهد والتشمير يُغَيِّرون شيئاً من التقدير بالتقديم أو بالتأخير ، ولم يعلموا أن القضاءَ غالِبٌ ، وأنَّ الحكمَ سابقٌ ، وعند حلول الحكم فلا سلطانَ للعلم والفهم ، والتسرع والحِلْم . . كلا ، بل هو الله الواحد القهار العلاَّم .","part":2,"page":416},{"id":917,"text":"ظنوا أنهم يَغلِبُون بما يسحرون ، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير سحرهم ، وأنه لا يرد عنهم ما زَوَّرُوه في أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكِيدَ لهم ، فهو كما قيل :\rورماني بأسهم صائباتٍ ... وتعمدته بسهم فطاشا\rفَبَيْنَاهم في توهِّم أنَّ الغلبة لهم فُتِحَ عليهم - من مكامن القدرة - جيشٌ ، فوجدوا أنفسهم - في فتح القدرة - مقهورين بسيف المشيئة .","part":2,"page":417},{"id":918,"text":"مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا ، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق ، وطاشت تلك الحِيَلُ ، وخاب منهم الأمل ، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة ، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود . فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو ، ثم يأبى الحلُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ .","part":2,"page":418},{"id":919,"text":"خاطبَهم معتقداً أنهم هم الذين كانوا ، وهم يعلمون أن تلك الأسرار قد خرجت عن رِقِّ الأشكال ، وأن قلوبهم طهرت عن توهم التفرقة ، وأن شمسَ العرفان طلعت في سماءِ أسرارهم ، فأشهدوا الحقَّ بنظر صحيح ، ولم يبقَ لتخويفات النفس فيهم سلطان ، ولا لشيء من العلل بينهم مساغ .","part":2,"page":419},{"id":920,"text":"لمَّا كان مصيرهم إلى الله سَهُلَ عليهم ما لقوا في مَسيرهم إلى الله .","part":2,"page":420},{"id":921,"text":"لما عَمِلُوا لله ، وأوذوا في الله ، صدقوا القصد إلى الله ، وطلبوا المعونة من قِبَلِ الله ، كذا سُنّةُ مَنْ كان الله أن يكون كلُّه على الله .","part":2,"page":421},{"id":922,"text":"لما استزادوا من فرعون في التمكين من موسى وقومه استنكف أن يقر بعجزه ، ويعترف بقصور قدرته ، فتوعد موسى وقومَه بما عكس الله عليه تدبيره ، وغلب عليه تقديره .","part":2,"page":422},{"id":923,"text":"أحالهم على الله فإن رجوعَه إليه ، فقال لهم : إن رجوعي - عند تحيري في أموري - إلى ربي ، فليكن رجوعُكم إليه ، وتوكَّلُكم عليه ، وتَعَرَّضوا لنفحات يُسْرِه ، فإنه حَكَمَ لأهل الصبر بجميل العُقبى .","part":2,"page":423},{"id":924,"text":"خفي عليهم شهودُ الحقيقة ، وغُشِيَ على أبصارهم حتى قالوا توالت علينا البلايا؛ ففي حالك بلاء ، وقَبْلكَ شقاء . . فما الفضل؟ فأجابهم موسى - عليه السلام - بما علق رجاءهم بكشف البلاء فقال : { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } فوقفهم على الانتظار . ومن شهد ببصر الأسراء شهد تصاريف الأقدار .","part":2,"page":424},{"id":925,"text":"شدَّد عليهم وطأة القدرة بعدما ضاعف لديهم أسباب النعمة ، فلا الوطأة أصلحتهم شِدَّتُها ولا النعمة نبهتهم كثرتها ، لا بل إنْ مَسَّهم يُسْرٌ لاحظوه بعين الاستحقاق ، وإن مَسَّهُم عُسْرٌ حملوه على التَّطَيُّرِ بموسى - عليه السلام - بمقتضى الاغترار .","part":2,"page":425},{"id":926,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِيبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ } .\rالكفورُ لا يرى فضل المنعم؛ فيلاحظ الإحسان بعين الاستحقاق ، ثم إذا اتصل بشيء مما يكرهه تجنَّى وحمل الأمر على ما يتمنَّى :\rوكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعة ... ملَّ الوصال وقال كان وكانا\rإن الكريم إذا حبَاكَ بودِّه ... سَتَر القبيح وأظهر الإحسانا\rقوله جلّ ذكره : { أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .\rالمتفرد بالإيجاد هو الواحد ولكن بصائرهم مسدودة ، وعقولهم عن شهود الحقيقة مصدودة ، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة .","part":2,"page":426},{"id":927,"text":"جعلوا الإصرارَ على الاستكبار شعارَهم ، وهتكوا بألسنتهم - في العتوِّ - أستارهم .","part":2,"page":427},{"id":928,"text":"جَنَّسَ عليهم العقوباتِ لمَّا نوَّعُوا وجَنَّسوا فنونَ المخالفات ، فلا إلى التكفير عادوا ، ولا إلى التطهير تصدوا ، وعوقبوا بِصَرْفِ قلوبهم عن شهود الحقائق وذلك أبلغُ مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا . . . . ونعوذُ بالله من السقوط عن عين الله .","part":2,"page":428},{"id":929,"text":"لم يقولوا ادع لنا ربَّنا ، بل { قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رِبُّكَ } فهم ما ازدادوا بزيادة تلك المحن إلا بعداً وأجنبية .","part":2,"page":429},{"id":930,"text":"أبرزوا العهد ثم نقضوه ، وقدموا العهد ثم رفضوه ، وكما قيل :\rإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه\rوالشيخُ لا يترك أخلاقَه ... حتى يُوارى في ثرى رمسه","part":2,"page":430},{"id":931,"text":"مَنْ صبر على مقاساة الذُّلِّ في الله وضع الله على رأسه قلنسوة العرفان ، فهو العزيز سبحانه ، لا يُشْمِتُ بأوليائه أعداءهم ، ولا يضيع من جميل عهده جزاءَهم .","part":2,"page":431},{"id":932,"text":"لم تَخْلُصْ في قلوبهم حقائقُ التوحيد فتاقت نفوسهم إلى عبادة غير الله ، حتى قالوا لنبيِّهم موسى - عليه السلام - : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة . وكذا صفة من لم يتحرر قلبُه من إثبات الأشغال والأعلال ، ومن المساكنة إلى الأشكال والأمثال .\rويقال مَنْ ابتغى بالصنم أن يكون معبودَه متى يُتَوَّهم في وصفِه أَنْ يُخلِصَ إلى اللهِ قصودَه؟","part":2,"page":432},{"id":933,"text":"ذكَّرهم انفرادَه - سبحانه - بإنشائهم وإبداعهم ، وأنه هو الإله المتفرد بالإيجاد ، ونَبَّهَهُم أيضاً على عظيم نعمته عليهم ، وأنه ليس حقُّ إتمام النعمة عليهم مقابلتَهم إياها بالتولِّي لغيره والعبادة لِمَنْ سواه .","part":2,"page":433},{"id":934,"text":"ما ازداد موسى - عليه السلام - في تعديد إنعام الله عليهم ، وتنبيهم على عظيم آلائه إلا ازدادوا جحداً ، وبُعداً بالقلوب - عن محل العرفان - على بُعْد ، وهذه أمارة من بلاه - سبحانه - في السابق بالقطع والرد .","part":2,"page":434},{"id":935,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } .\rعِدَةُ الأحباب عزيزة ، فإذا حصلت المواعدة بين الأحباب ، فهي عذبة حلوة كيفما كانت ، وفي هذا المعنى أنشدوا :\rأمطلينا وسَوِّفي ... وعِدِينا ولا تَفِي\rويقال عَلَّلَ الحقُّ - سبحانه - موسى بالوعد الذي وعده بأن يُسْمِعَه مرةً أخرى كلامَه ، وذلك أنه في المرة الأولى ابتلاه بالإسماع من غير وعد ، فلا انتظار ولا توقع ولا أمل ، فأخذ سماعُ الخطاب بمجامع قلب موسى - عليه السلام - فعلَّق قلبه بالميقات المعلوم ليكون تأميله تعليلاً له ، ثم إن وعد الحقِّ لا يكون إلا صدقاً ، فاطمأن قلبُ موسى - عليه السلام - للميعاد ، ثم لمَّا مضت ثلاثون ليلة أتى كما سَلَفَ الوعد فزاد له عشراً في الموعد . والمطل في الإنجاز غير محبوب إلا في سُنَّةِ الأحباب ، فإن المطل عندهم أشهى من الإنجاز ، وفي قريب من هذا المعنى أنشدوا :\rأقيمي لعمرك لا تهجرينا ... ومَنِّينا المنى ، ثم امطلينا\rعِدينا موعداً ما شِئْتِ إنَّا ... نحبُّ وإنْ مطلت تواعدينا\rفإِما تنجزي وعدَكِ أو فإنا ... نعيش نؤمل فيك حينا\rقوله جلّ ذكره : { وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ } .\rكان هارون - عليه السلام - حمولاً بحسن الخُلُق؛ لمَّا كان المرورُ إلى فرعونَ استصحب موسى - عليه السلام - هارونَ ، فقال الله - سبحانه - : { وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى } [ طه : 32 ] بعد ما قال : { وَأَخِى هَارُونَ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا } [ القصص : 34 ] . ولمَّا كان المرور إلى سماع الخطاب أفرده عن نفسه ، فقال : و { اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى } وهذا غاية لحَمْلِ من هارون ونهاية التصبر والرضاء ، فلم يَقُلْ : لا أقيم في قومك . ولم يقل : هلاَّ تحملني مع نفسك كما استصحبتني حال المرور إلى فرعون؟ بل صبر ورضي بما لزم ، وهذه من شديدات بلاء الأحباب ، وفي قريب منه أنشدوا :\rقال لي من أحب والبين قد ... حلَّ وفاقاً لزفرتي وشهيقي\rما تُرى في الطريق تصنع بعدي ... قلت : أبكي عليك طول الطريق\rثم إن موسى لما رجع من سماع الخطاب ، فرأى من قومه ما رأى من عبادة العِجْل أخذ برأس أخيه يجره إليه حتى استلطفه هارون - عليه السلام - في الخطاب ، فقال : { يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } [ طه : 94 ] .\rويقال لو قال هارون - عليه السلام : إن لم تعوضني عما فاتني من الصحبة فلا تعاتبني فيما لم أذنب فيه بحال ذرةً ولا حبَّةً . . لكان موضع هذه القالة .\rويقال الذنبُ كان من بني إسرائيل ، والعتاب جرى مع هارون ، وكذا الحديث والقصة ، فما كلُّ مَنْ عصى وجنى استوجب العتابَ ، فالعتابُ ممنوعُ عن الأجانب .","part":2,"page":435},{"id":936,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَمَّآ جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوفَ تَرَانِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً } .\rجاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المهيَّمِين ، جاء موسى بلا موسى ، جاء موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى . آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم يذكرهم أحد ، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى } .\rويقال لمَّا جاء موسى لميقات باسطِ الحقِّ - سبحانه - سقط بسماع الخطاب ، فلم يتمالك حتى قال : { أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } ، فإنَّ غَلَبَاتِ الوجد عليه استنطقته بطلب كمال الوصلة من الشهود ، وكذا قالوا :\rوأبرحُ ما يكونُ الشوقُ يوماً ... إذا دَنَتْ الخيامُ من الخيام\rويقال صار موسى - عليه السلام - عند سماع الخطاب بعين السُّكْر فنطق ما نطق ، والسكران لا يُؤخذ بقوله ، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف؟\rويقال أخذته عِزَّةُ السَّمَاعِ فخرج لسانه عن طاعته جرياً على مقتضى ما صحبه مِنَ الأَرْيَحَيَّةِ وبَسْطِ الوصلة .\rويقال جمع موسى - عليه السلام - كلماتٍ كثيرةً يتكلم بها في تلك الحالة؛ فإن في القصص أنه كان يتحمل في أيام الوعد كلمات الحق ، ويقول لمعارفه : ألكم حاجة إلى الله؟ ألكم كلام معه؟ فإني أريد أن أمضي إلى مناجاته .\rثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر - مما دبَّره في نفسه ، وتحمله من قومه ، وجمعه في قلبه - شيئاً لا حرفاً ، بل نطق بما صار في الوقت غالباً على قلبه ، فقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي معناه أنشدوا :\rفيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مهمة ... إذا جئتُكم ليلى فلم أدرِ ماهِيَا\rويقال أشدُّ الخَلْقِ شوقاً إلى الحبيب أقربُهم من الحبيب؛ هذا موسى عليه السلام ، وكان عريق الوصلة ، واقفاً في محل المناجاة ، محدقة به سجوفُ التولي ، غالبة عليه بوادِهُ الوجود ، ثم في عين ذلك كان يقول : { رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } كأنه غائب عن الحقيقة . ولكن ما ازداد القومُ شَرْباً إلا ازدادوا عطشاً ، ولا ازدادوا تيماً إلا ازدادوا شوقاً ، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال ، والحقُّ - سبحانه - يصونُ أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال .\rويقال نطق موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال { رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } ولا أقلَّ من نظرة - والعبد قتيل هذه القصة - فقوبل بالردِّ ، وقيل له : { لَنْ تَرَانِى } وكذا قهر الأحباب ولذا قال قائلهم :\rجَوْرُ الهوى أحسن من عَدْلِه ... وبخله أظرف من بذله\rويقال لمَّا صرَّح بسؤال الرؤية ، وجهر صريحاً رُدَّ صريحاً فقيل له : { لَن تَرَانِى } ، ولما قال نبيُّنا - A - بِسِرِّه في هذا الباب ، وأشار إلى السماء منتظراً الرد والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى :","part":2,"page":436},{"id":937,"text":"{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } [ البقرة : 144 ] فردَّه إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى أنه أعزُّ من أن يطمح إلى شهوده - اليوم - طَرْفٌ ، بل الألحاظ مصروفة موقوفة - اليومَ - على الأغيار .\rويقال لما سَمَتْ همَّتُه إلى أسنى المطالب - وهي الرؤية - قوبل « بِلَنْ ، ولمَّا رجِعَ إلى الخلْق وقال للخضر { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } [ الكهف : 66 ] ، قال الخضر : { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا } [ الكهف : 67 ] فقابله بلن ، فصار الردُّ موقوفاً على موسى - عليه السلام من الحق ومن الخلْق ، ليكون موسى بلا موسى ، ويكون موسى صافياً عن كل نصيب لموسى من موسى ، وفي قريب منه أنشدوا :\r( . . . . . . ) نحنُ أهلُ منازلٍ ... أبداً غرابُ البيْن فينا ينعق\rويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفَرْق . فزع موسى حتى خَرَّ صعقاً ، والجبل صار دَكَّاً . ثم الروْح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية ، ويكون الحقُّ - بعد امتحاء معالم موسى - خيراً لموسى من بقاء موسى لموسى ، فعلى الحقيقة : شهود الحقائق بالحقِّ أتمُ من بقاء الخلق بالخلق ، كذا قال قائلهم :\rولوجهها من وجهها قمرٌ ... ولعينها من عينها كحل\rويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } أتمُّ وأعظم منه قولُه : { لَن تَرَانِى } لأن ذلك صريحٌ في الرد ، وفي اليأس راحة . لكنَّه لما قال فسوف أطْمِعُه فيما مُنعِه فلما اشتد موقُفه جعل الجبل دكاً ، وكان قادراً على إمساك الجَبَل ، لكنه قهر الأحباب الذي به جَرَتْ سُنَّتُهم .\rويقال في قوله : { انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } بلاءٌ شديد لموسى لأنه نُفِيَ عن رؤية مقصوده ومُنِيَ برؤية الجبل ، ولو أذِنَ أَنْ يُغْمِضَ جفنَه فلا ينظر إلى شيء بعدما بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمرُ أسهلَ عليه ، ولكنه قال له : { لَن تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } .\rثم أشدُّ من ذلك أنه أعطى الجبل التَّجليَ؛ فالجبل رآه وموسى لم يَرَه ، ثم أَمَرَ موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال ، وهذا - واللهِ - لصعبٌ شديد!! ولكن موسى لم ينازع ، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرَكَ لا أنظر إلى غيرك بل قال : لا أرفع بصري عما أمرتني بأن أنظر إليه ، وفي معناه أنشدوا :\rأريدُ وصالَه ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد\rويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله : { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } تداركه قلبُ موسى - عليه السلام - حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل :\rفذريني أفني قليلاً قليلاً ... ويقال لما رُدَّ موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى رأس الأمر فقال : { تُبْتُ إِلَيْكَ } يعني إن لم تكن الرؤية هي غاية المرتبة فلا أقل من التوبة ، فَقَبِلَه - تعالى - لسمو همته إلى الرتبة العلية .\rقوله جلّ ذكره : { تُبْتُ إِلَيْكَ } .\rهذه إناخة بعقوة العبودية ، وشرط الإنصاف ألا تبرحَ محلّ الخدمة وإِنْ حيل بينك وبين وجود القربة؛ لأن القربةَ حظُّ نفسك ، والخدمةَ حقُّ ربك وهي تتم بألا تكون بحظ نفسك .","part":2,"page":437},{"id":938,"text":"هذا الخطاب لِتَدَارُكِ قلب موسى - عليه السلام - بكل هذا الرِّفق ، كأنه قال : يا موسى ، إني منعتُكَ عن شيء واحد وهو الرؤية ، ولكني خصصتُك بكثيرٍ من الفضائل؛ اصطفيتُك بالرسالة ، وأكرمتُك بشرف الحالة ، فاشكرْ هذه الجملة ، واعرفْ هذه النعمة ، وكنْ من الشاكرين ، ولا تتعرضْ لمقام الشكوى ، وفي معناه أنشدوا :\rإنْ أعرضوا فهم الذين تَعَطَّفُوا ... وإنْ جَنَوْا فاصبرْ لهم إن أخلفوا\rوفي قوله سبحانه : { وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ } إشارة لطيفة كأنه قال : لا تكن من الشاكين ، أي إِنْ منعتُكَ عن سُؤْلِك ، ولم أعْطِك مطلوبَك فلا تَشْكُنِى إذا انصرفتَ .","part":2,"page":438},{"id":939,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَىْءٍ } .\rوفي الأثر : أن موسى عليه السلام كان يسمع صريرَ القلم ، وفي هذا نوع لطف لأنه إنْ منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر .\rقوله جلّ ذكره : { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } .\rفيه إشارة إلى أن الأَخْذَ يُشير إلى غاية القرْبِ ، والمراد ها هنا صفاءُ الحال ، لأن قربَ المكانِ لا يَصِحُّ على الله سبحانه .\rقوله جلّ ذكره : { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } .\rفَرْقٌ بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ ، أَخْذُ موسى عليه السلام من الحق على وجهٍ من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة ، وأَخْذُهُم أخذُ قبولٍ من حيث التزام الطاعة ، وشتان ما هما! .\rقوله : { بِأَحْسَنِهَا } بمعنى بِحُسْنِهَا ، و يحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعني : بأحسنها ألا تعرِّج على تأويل وارجع إلى الأَوْلى .\rقوله جلّ ذكره : { سَأُورِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ } .\rيعني عليهاغَبَرةٌ العقوبة ، خاوية على عروشها ، ساقطة على سقوفها ، مُنْهَدٌّ بنيانُها ، عليه قَتَرةُ العِقاب .\rوالإشارة من دار الفاسقين إلى النُّفوس المتابعة للشهوات ، والقلوب التي هي معادن المنى وفاسد الخطرات ، فإنَّ الفِسقَ يوجب خرابَ المحل الذي يجري فيه؛ فمن جرى على نفسه فِسْق خربت نفسه . وآية خراب النفوس انتفاءُ ما كان عليها وفيها من سكان الطاعات ، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفي عنها لوازم الطاعات ومعتادها ، فبعد ما كان العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئاً من المحظورات يشق عليه فعل العبادة ، حتى لو خُيِّر بين ركعتي صلاة وبين مقاساة كثيرٍ من المشاق آثر تحمل المشاقِّ على الطاعة . . وعلى هذا النحو ظلمُ القلوب وفسادُها في إيجاب خراب محالها .","part":2,"page":439},{"id":940,"text":"قوله جلّ ذكره : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا } .\rسأَحْرُمُ المتكبرين بركاتِ الاتباع حتى لا يقابلوا الآياتِ التي يُكاشَفُون بها بالقبول ، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان .\rوالتكبُّر جحدُ الحق - على لسان العلم ، فَمَنْ جَحَدَ حقائقَ الحقِّ فجحودُه تكبُّره واعتراضُه على التقدير مما يتحقق جحودُه في القلب .\rويقال التكبُّر توهمُ استحقاقِ الحقِّ لك .\rويقال من رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر .\rويقال مَنْ ظَنَّ أَنَّ شيئاً منه أو له أو إليه - من النفي والإثبات - إلا على وجه الاكتساب فهو متكبِّر .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\rتبيَّن بهذا أنه لا يكفي شهودُ الحقِّ حقاً وشهودُ الباطلِ باطلاً بل لا بُدَّ من شهود الحق من وجود التوفيق للحق ، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل .\rويقال إِنَّ الجاحِدَ للحقِّ - مع تحققه به - أقبحُ حالةً من الجاهل به المُقصِّرِ في تعريفه .","part":2,"page":440},{"id":941,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } .\rلم يُطَهِّر قلوبَهم - في ابتداء أحوالهم - عن توهم الظنون ، ولم يتحققوا بخصائص القِدَمِ وشروط الحدوث ، فعثرت أقدام فكرهم في وهاد المغليط لما سلكوا المسير .\rويقال إن أقواماً رضوا بالعِجْلِ أن يكونَ معبودَهم متى تشم أسرارُهم نسيمَ التوحيد؟ هيهات لا! لا ولا مَنْ لاحظ جبريلَ وميكائيلَ والعرشَ أو الثَّرى ، أو الجِنَّ أو الورى . وإِنَّ مَنْ لَحِقَه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان ، أو صحَّ في التجويز أن ترتقي إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغيرُ صالحٍ لاستحقاق الإلهية .\rويقال شتَّان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين يوماً فعبدوا العِجْلَ ، وأمة خرج نبيُّهم - عليه السلام - من بينهم وأَتَى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئاً من الرسوم والأطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم .\rويقال لا فصلَ بين الجسم والجسد ، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسماً لا يصلح أن يكون متصفاً بما في معناه ، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مُصَاكَّةُ الأجرام الصلبة ، والتوحيد الأزلي ينافي هذه الجملة .\rويقال أَجْهِلْ بقوم آمنوا بأن يكونَ مصنوعُهم معبودَهم! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء - فأَيُّ عقلٍ يُقِرُّ مثل هذا التلبيس؟!\rقوله جلّ ذكره : { أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } .\rجعل من استحقاقه نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية ، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت بأن متكلِّمٌ في حقائق آزاله ، وأنه متفرِّد بهداية العبد لا هاديَ سواه . وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق - سبحانه - وتكليمه مع العبد ، وإنَّ الملوكَ إذا جلَّتْ رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحداً بلسانهم حتى قال قائلهم :\rوما عَجَبٌ تناسي ذِكْرِ عبدٍ ... على المولى إذا كَثُرَ العبيدُ\rوبخلاف هذا أجرى الحقُّ - سنَّتَه مع عباده المؤمنين ، أما الأعداء فيقول لهم : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] وأمَّا المؤمنون فقال A : « ما منكم إلا يكلمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان » ، وأنشدوا في معناه .\rوما تزدهينا الكبرياءُ عليهمُ ... إذا كلَّمونا أن نكلمهم مَرَدَّا\rقال تعالى : - { قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] .","part":2,"page":441},{"id":942,"text":"حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرَّعوا كاساتِ الأسف ندماً ، واعترفوا بأنهم خَسِروا إنْ لم يتداركهم من الله جميلُ لطْفِه .","part":2,"page":442},{"id":943,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ } .\rلو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار . . فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى :\rأَفِقدانُ سماع الخطابِ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل ، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه!\rقوله جلّ ذكره : { وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .\rإن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع ، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر .\rثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب .\rفقال : { ابْنَ أُمَّ } [ طه : 94 ] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام .\rوكذلك قوله : { تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى وَلاَ بِرَأْسِى } [ طه : 94 ] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه ، ولا تَزِدْ في بلائي ، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني . وتلك عليَّ شديدةٌ . ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني ، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة ، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي ، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي . فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء ، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء .\rوعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام ، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال : { رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ } وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال ، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ البريءِ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه ، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ .\rويقال : ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل ، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام ، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية .","part":2,"page":443},{"id":944,"text":"يعني إن الذين اتخذوا العِجْلَ معبوداً سَيَنالهُم في مستقبل أحوالهم جزاءُ أعمالهم . والسين في قوله « سينالهم » للاستقبال ، ومَنْ لا يضره عصيان العاصين لا يبالي بتأخير العقوبة عن الحال ، وفَرْقٌ بين الإمهال والإهمال ، والحق - سبحانه - يمهل ولكنه لا يهمل ، ولا ينبغي لِمَنْ يذنب ثم لا يُؤَاخَذُ في الحال أَنْ يَغْترَّ بالإمهال .","part":2,"page":444},{"id":945,"text":"وَصَفَهم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها ، ثم قال : { مَن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } . والإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة ، أو آمنوا بأن الحق سبحانه لم يُضِرْه عصيانٌ ، أو آمِنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل الله ، أو آمنوا أي عَدُّوا ما سبق منهم من نّقض العَهْدِ شِرْكاً .\rويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان .\rأو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله ، إذ ليس كل مرة تسلم الجرة .","part":2,"page":445},{"id":946,"text":"تشير إلى حسن إمهاله - سبحانه - للعبد إذا تغيَّر عن حدِّ التمييز ، وغَلَبَ عليه ما لا يطيق ردَّه من بواده الغيب .\rوإذا كانت حالة الأنبياء - عليهم السلام - أنه يغلبهم ما يعطلهم عن الاختيار فكيف الظن بِمنْ دونهم .","part":2,"page":446},{"id":947,"text":"شتان بين أمة وأمة؛ أمة يختارهم نبيُّهم - عليه السلام ، وبين أمة اختارها الحقُّ - سبحانه ، فقال : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ } [ الدخان : 32 ] .\rالذين اختارهم موسى قالوا : { أرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ } [ النساء : 153 ] والذين اختارهم الحق - سبحانه - قال الله تعالى فيهم : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [ القيامة : 22 ] .\rويقال إن موسى - عليه السلام - جاهر الحقَّ - سبحانه - بنعت التحقيق وفارق الحشمة وقال صريحاً : { إنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } ثم وَكَلَ الحكمَ إليه فقال : { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ } ثم عقَّبها ببيان التضرع فقال : { فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا } ، ولقد قدَّم الثناءَ على هذا الدعاء فقال : { أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا } .","part":2,"page":447},{"id":948,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الأَخِرَةِ } .\rنَطَقَ بلسان التضرع والابتهال حيث صَفَّى إليه الحاجة ، وأخلص له في السؤال فقال : { وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ } أي اهدنا إليك .\rوفي هذه إشارة إلى تخصيص نبيِّنا - A - في التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحقِّ لأن موسى - عليه السلام قال : { وَاكْتُبْ لَنَا فِى . . . . } ونبيُّنا A قال : « لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » ولا أقلَّ من ذلك ، وقال : « واكفلني كفالة الوليد » ثم زاد في ذلك حيث قال : « لا أحصي ثناء عليك » .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } .\rأي مِلْنَا إلى دينك ، وصِرْنَا لكَ بالكلية ، في غير أَنْ نترك لأنفسنا بقية .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ } .\rوفي هذا لطيفة؛ حيث لم يقل : عذابي لا أُخْلِي منه أحَداً ، بل علَّقَه على المشيئة . وفيه أيضاً إشارة؛ أنّ أفعاله - سبحانه - غيرُ مُعَلَّلَة بأكساب الخلق؛ لأنه لم يقل : عذابي أصيب به العصاة بل قال : { مَنْ أَشَاءُ } ؛ وفي ذلك إشارة إلى جواز الغفران لمن أراد لأنه قال : { أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ } فإذا شاء ألا يصيب به أحداً كان له ذلك ، وإلا لم يكن حينئذٍ مختاراً .\rثم لمَّا انتهى إلى الرحمة قال : { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ } لم يُعَلِّقها بالمشيئة؛ لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة ، والإرادة لا تتعلق بالقديم . فلمَّا كان العذابُ من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة ، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات .\rويقال في قوله تعالى : { وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ } مجالٌ لآمالِ العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم { شئٍ } .\rقوله جلّ ذكره : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } .\rأي سأوجبها لهم ، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحدٍ شيء على الله إذ لا يجب عليه شيءٍ لعزِّه في ذاته .\rقوله ها هنا : { لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } أي يجتنبون أَنْ يروا الرحمة باستحقاقهم ، فإذا اتقوا هذه الظنون ، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللةً بأكسابهم - استوجبوا الرحمة ، ويحكم بها لهم .\r{ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } أي بما يكاشفهم به الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال ، وبما يلاطفهم به في الأسرار مما يجدونه في أنفسهم من فنون الأحوال .","part":2,"page":448},{"id":949,"text":"قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَآئِثَ } .\rأظهر شرفَ المصطفى - A - بقوله : { النَّبِىِّ الأُمِّىّ } أي أنه لم يكن شيء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه ، أو من تعلُّمه وتكلُّفه ، أو من اجتهاده وتصرُّفه . . بل ظهر عليه كلُّ ما ظهر مِنْ قِبَله - سبحانه - فقد كان هو أميَّاً غير قارئٍ للكتب ، ولا مُتَتَبِّعٍ للسِّيرَ .\rثم قال : { يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ } : والمعروف هو القيام بحق الله ، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى ، والتعريج في أوطان المُنَى ، وما تصوِّره للعبد تزويراتُ الدعوى . والفاصلُ بين الجسمين ، والمميِّزُ بين القسمين - الشريعةُ ، فالحَسَنُ من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلَهُم ذلك ، والقبيح ما كان موافقاً لِلنَّهْيِ والزجرِ فليس لهم فعل ذلك .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } .\rالإصرُ الثُّقلُ ، ولا شيءَ أثقلُ من كَدِّ التدبير ، فَمَنْ ترك كد التدبير إلى روْح شهود التقدير ، فقد وُضِع عنه كلُّ إصر ، وكُفِيَ كُلَّ وِزر وأمر .\rوالأغلالُ التي كانت عليهم هي ما ابتدعوه مِنْ قبَلِ أنفسهم باختيارهم في التزامِ طاعات اله ما لم يُفْتَرضْ عليهم ، فَوُكِلُوا إلى حَوْلِهمُ ومُنَّتِهم فيها؛ فأهملوها ، ونقضوا عهودهم .\rومَنْ لَقِيَ - بخصائص الرضا - ما تجري به المقادير ، وشَهِدَ الحقَّ في أجناس الأحداث ، فقد خُصَّ بكل نعمة وفضل .\rقوله جلّ ذكره : { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } .\rاعترف لهم بنصرة الرسول - A - وإلا فالنبي A كان الله حسيبه ، ومَنْ كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق .","part":2,"page":449},{"id":950,"text":"صَرِّحْ بما رقَّيْنَاكَ إليه من المقام ، وأفصِحْ عما لقيناك به من الإكرام ، قُلْ إني إلى جماعتكم مُرسلٌ ، وعلى كافتكم مُفَضَّل ، وديني - لِمَنْ نظر واعتبر ، وفكَّر وسَبَرَ - مُفَصَّل . فإِلهي الذي لا شريكَ له ينازعه ، ولا شبيهَ يُضَارِعه له حقُّ التصرف في مُلْكِه بما يريد من حكمه . ومن جملة ما حكم وقضى ، ونفذ به التقدير وأَمْضى - إرسالي إليكم لتطيعوه فيما يأمركم ، وتحذروا من ارتكاب ما يزجركم . وإِنَّ مما أَمَرَكُم به أنه قال لكم : آمِنوا بالنبي الأُمِّي ، واتبعوه لتُفْلِحوا في الدنيا والعقبى ، وتستوجبوا الزُّلفى والحسنى ، وتتخلصوا من البلوى والهوى .","part":2,"page":450},{"id":951,"text":"هم الذين سبقت لهما لعناية ، وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل ، وأدركتهم الرحمةُ السابقةُ ، فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير ، ولا خفيُّ تبديل .","part":2,"page":451},{"id":952,"text":"فَرَّقهم أصنافاً ، وجعلهم في التحزب أخيافاً ، ثم كفاهم ما أَهَمهُم ، وأعطاهم ما لم يكن لهم بُدٌّ منه فيما نابَهم؛ فظللنا عليهم ما وقاهم أذى الحرِّ والبرد ، وأنزلنا عليهم المَنَّ والسَّلوى مما نفى عنهم تعبَ الجوعِ والجهد والسعي والكد ، وفجَّرنا لهم العيونَ عند النزول حتى كانوا يشاهدونهم عياناً ، وألقينا بقلوبهم من البراهين ما أوجب لهم قوة اليقين ، ولكن ليست العِبْرةُ بأفعال الخَلْقِ ولا بأعمالهم إنما المدارُ على مشيئة الحق ، سبحانه وتعالى فيما يُمضِي عليهم من فنون أحوالهم .","part":2,"page":452},{"id":953,"text":"يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود ، وما حصل منهم من نقض العهود . وعما ألزمهم من التكليف ، ولقَّاهم به من صنوف التعريف ، وإكرامه من شاءَ منهم بالتوفيق والتصديق ، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق ، ثم ما عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفاً ، وأذاقهم من سوء الجزاء ، حُكْماً - من الله - حتما ، وقضاء جزماً .","part":2,"page":453},{"id":954,"text":"جاء في التفسير أنهم زادوا حرفاً في الكلمة التي قيلت لهم فقالوا : حنطة بدل « حِطَّة » فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفاً أن الزيادةَ في الدين ، والابتداعَ في الشرع عظيمُ الخَطَرَ ، ومجاوزةُ حدِّ الأمر شديدُ الضرر .\rويقال إذا كان تغييرُ كلمةٍ هي عبارة عن التوبة يوجب كل ذلك العذاب - فما الظنُّ بتغيير ما هو خبرٌ عن صفات المعبود؟\rويقال إنَّ القولَ أَنْقَصُ من العمل بكلِّ وجهٍ - فإذا كان التغيير في القول يُوجِبُ كلَّ هذا . . فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل؟","part":2,"page":454},{"id":955,"text":"كان دينهم الأخذ بالتأويل ، وذلك رَوَغَانٌ - في التحقيق ، وإن الحقائق تأبى إلا الصدق ، وإنَّ التعريج في أوطان الحظوظ والجنوحَ إلى محتملات الرُّخَص فسْخٌ لأكيد مواثيق الحقيقة ، ومن شاب شوِّبَ له ، ومن صَفَّى صفي له .","part":2,"page":455},{"id":956,"text":"الحقائق - وإن كانت لازمة - فليست للعبد عند لوازم الشرع عاذِرةً بل الوجوبُ يُفْترَضُ شرعاً ، وإن كان التقدير غالباً بكل وجه .","part":2,"page":456},{"id":957,"text":"إذا تمادى العبد في تَهتُّكِه ، ولم يُبالِ بطول الإمهال والسَّتْر لم تُهْمِلْ يدُ التقرير عن استئصال العين ، ومحو الأثر ، وسرعة الحساب ، وتعجيل العذاب الأدنى قبل هجوم الأكبر . ثم البرءُ في فضاء السلامة ، وتحت ظِلِّ الحفظ ، ودوام روْح التخصيص وبَرْدِ عيش التقريب .","part":2,"page":457},{"id":958,"text":"إذا انتهت مدةُ الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال ، وإذا سقط العبدُ من عين الله لم ينتعشْ بعده أبداً ، فمن أسقطه حكمُ الملوك فلا قبول له بعد الردِّ ، وفي معناه أنشدوا :\rإذا انصرفَتْ نفسي عن الشيء لم تكَدْ ... إليه بوجهٍ آخرَ الدهرِ تُقْبَلُ","part":2,"page":458},{"id":959,"text":"إذا الحقُّ - سبحانه - أمضى سُنَتَه بالإنذار وتقديم التعريف بما يستحقه كلُّ أحد على ما يحصل منه من الآثار إبداءٌ للعذر - وإنْ جلت رتبته عن كل عذر - فإِنْ يَنْجَعْ فيهم القولُ وإلا دَمَّرَ عليهم بالعذاب .","part":2,"page":459},{"id":960,"text":"أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد ، ومَعَاص وفساد . ثم ابتلاهم بفنون الأفعال من محنٍ أزاحها ، ومن مِنَنٍ أتاحها ، وطالبهم بالشكر على ما أسدى ، والصبرِ على ما أبلى ، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرَهم في الخلاف والوفاق ، والإخلاص والنفاق؛ فأمَّا الحسناتُ فهي ما يُشْهِدهم المُجْرِي ، ولا يُلْهِيهم عن المُبْدي ، وأمَّا السيئاتُ فالتردد بين الإنجاز والتأخير ، والإباحة والتقصير .\rويقال الحسنة أن يُنْسِيَكَ نفسك ، والسيئة أَنْ يُشْهِدَكَ نفسك .\rويقال الحسنات بتيسير وقتٍ عن الغفلات خالٍ ، وتسهيل يومٍ عن الآفات بائن . والسيئاتُ التي ابتلاهم بها خذلانٌ حاصل وحرمانٌ متواصل .","part":2,"page":460},{"id":961,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيَغْفَرُ لَنَا } .\rاستوجبوا الذم بقوله - سبحانه : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } لأنهم آثروا العَرَض الأدنى ، وركنوا إلى عاجل الدنيا ، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا : { سَيُغْفَرُ لَنَا } .\rويقال من أمارات الاستدراج ارتكابُ الزلة ، والاغترارُ بزمان المُهْلة ، وحَمْلُ تأخيرِ العقوبة على استحقاق الوصلة .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوه } .\rأخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى ، وإيثار متابعة الهوى .\rقوله جلّ ذكره : { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ } .\rاستفهام في معنى التقرير ، أي أُمِروا ألا يَصِفُوا الحقَّ إلا بنعت الجلال ، واستحقاق صفات الكمال ، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأتِ منه خبر ، ولم يشهد بصحته برهانٌ ولا نظر .\rقوله جلّ ذكره : { وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .\rيعني تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان . يعني التعرضُ لنفحات فضله - سبحانه - خيرٌ لمن أَمَّلَ جودَه من مقاساة التعب ممن بَذَلَ - في تحصيل هواه - مجهودَه .","part":2,"page":461},{"id":962,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ يُمْسِّكُونَ بِالكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ } .\rيمسكون بالكتاب إيماناً ، وأقاموا الصلاة إحساناً ، فبالإيمان وجدوا الأَمَان ، وبالإحسان وجدوا الرضوان؛ فالأَمانُ مُعَجَّل والرضوان مؤجل . ويقال { يمسكون بالكتاب } سبب النجاة ، وإقامة الصلاة تحقق المناجاة . فالنجاة في المآل والمناجاة في الحال .\rويقال أفرد الصلاة ها هنا بالذكر عن جملة الطاعات ليُعْلمَ أنها أفضل العبادات بعد معرفة الذات والصفات .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُصْلِحِينَ } .\rمَنْ أَمَّلَ سببَ إنعامنا لم تَخْسِرْ له صفقة ، ولم تخْفِق له في الرجاء رفقة ، ويقال من نقل ( . . . ) إلى بابه قَدَمَه لم يَعْدم في الآجل نِعمَهَ ، ومَنْ رَفَعَ إلى ساحاتِ جوده هِمَمَه نالَ في الحالِ كرمه .\rويقال مَنْ تَوَصَّلَ غليه بجوده نال في الدارين شَرَفَه . ومن اكتفى بجوده كان اللهُ عنه خَلَفَه .","part":2,"page":462},{"id":963,"text":"ليس من يأتي طوعاً كمن يأتي جَبْراً ، فإن الذي يأتي قهراً لا يعرف للحق - سبحانه - قدراً ، وفي معناه أنشدوا :\rإذا كان لا يرضيك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون لشافعِ\rوأنشدوا :\rإذا أنا عاتبتُ الملولَ فإنَّما ... أَخُطُّ بأقلامي على الماء أَحْرُفَا\rوَهَبْهُ ارْعَوَى بعد العتاب ... ألم يكن تودده طبعاً ، فصار تكلُّفا؟\rويقال قصارى من أتى خيراً أن ينكص على عقبيه طوعاً ، كذلك لمَّا قابلوا الكتاب بالإجبار ما لبثوا حتى قابلوه بالتحريف .","part":2,"page":463},{"id":964,"text":"أخبر هذه الآية عن سابق عهده ، وصادق وعده ، وتأكيد عناج ودِّه ، بتعريف عبده ، وفي معناه أنشدوا :\rسُقياً لليْلَى والليالي التي ... كُنَّا بَلَيْلَى نلتقي فيها\rأفديكِ بل أيامُ دهري كلها ... يفدين أياماً عَرَفْتُكِ فيها\rويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بَصَرٌ ، أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أَثَرٌ ، أو كان لهم من حميمٍ أو قريب أو صديق أو شفيق خبر ، وفي معناه أنشدوا :\rأتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادق قلباً فارغاً فتمكنَّا\rويقال جمعهم في الخطاب ولكنه فَرَّقهم في الحال . وطائفةٌ خاطبهم بوصف القربة فعرَّفهم في نفس ما خاطبهم ، وفِرْقةٌ أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم .\rويقال أقوام لاطَفَهم في عين ما كاشَفَهم فأقروا بنعت التوحيد ، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود .\rويقال وَسَمَ بالجهل قوماً فألزمهم بالإشهاد بيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد ، وآخرين أشهدهم واضِحَ الحجة ( . . . ) .\rويقال تجلَّى لقوم فتولَّى تعريفهم فقالوا : « بلى » عن حاصل يقين ، وتَعَزَّزَ عن آخرين فأثبتهم في أوطان الجحد فقالوا : « بلى » عن ظنٍ وتخمين .\rويقال جمع المؤمنين في الأسماء ولكن غاير بينهم في الرتب؛ فَجَذَبَ قلوبَ قوم إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبَارِّ ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار .\rويقال فرقةٌ ردَّهم إلى الهيبة فهاموا ، وفِرْقَةٌ لاطفَهم بالقربة فاستقاموا .\rويقال عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتخليصهم ، ولَبَّسَ على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم .\rويقال أسمعهم وفي نفس أحضرهم ، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم ، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف ، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكامَ التكليف وكان - سبحانه - لهم مُكَلِّفاً ، وعلى ما أراده مُصَرِّفاً ، وبما استخلصهم له مُعَرِّفاً ، وبما رقاهم إليه مُشَرّقاً .\rويقال كاشف قوماً - في حال الخطاب - بجماله فطوحهم في هيمان حبه ، فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم؛ فإِذا سمعوا - اليومَ - سماعاً تجددت تلك الأحوال ، فالانزعاجُ الذي يَظْهَرُ فيهم لِتَذَكُّرِ ما سَلَفَ لهم من العهد المتقدم .\rويقال أسمع قوماً بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق ، وأَسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود .\rويقال أظهر آثارَ العناية بدءاً حين اختصَّ بالأنوار التي رشت عليهم قوماً ، فَمَنْ حَرَمَه تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة ، ومَنْ أصابَته تلك الأنوارُ أَفْصَحَ بما خُصَّ به من غير مقاساة كَلَفَة .","part":2,"page":464},{"id":965,"text":"إذا سُدَّت عيونُ البصائر فما ينفع وضوح الحُجَّة .","part":2,"page":465},{"id":966,"text":"الحقُّ - سبحانه - يظهر الأعداء في دار الخُلَّة ثم يردُّهم إلى سابق القسمة ، ويُبْرِزُ الأولياء بنعتِ الخلاف والزَّلَّة ، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة .\rويقال أقامه في محل القربة ، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعدَّ له من سابق التقدير؛ فأصبح والكلُّ دونه رتبة ، وأمسى والكلب فوقه - مع خساسته . . وفي معناه أنشدوا :\rفبينا بخيرٍ والدُّنى مطمئنة ... وأصبح يوماً - والزمان تَقَلَّبَا\rويقال ليست العِبْرَةُ بما يلوح في الحال ، إنما العبرة بما يؤول إليه في المآل .","part":2,"page":466},{"id":967,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } .\rلو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تَلْحَقْه الشقاوةُ الأبدية ، ولكن من قصمته السوابق لم تنعشه اللواحق .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ } .\rإذا كانت مساكنةُ آدم للجَنَّةِ وَطمعُه في الخلود فيها أوجبا خروجَه عنهان فالركونُ إلى الدنيا - متى يوجِب البقاءَ فيها؟ .\rقوله جلّ ذكره : { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } .\rموافقة الهوى تُنْزِلُ صاحبَها من سماءِ العِزِّ إلى تراب الذُّل ، وتلقيه في وهدة الهوان؛ ومن لم يُصَدِّقِ عِلْماً فعن قريبٍ يقاسيه وجوداً .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ } .\rمن أخلاق الكلب التعرُّضُ لِمَنْ لم يُخِفْه على جهة الابتداء ، ثم الرضاء عنه بلقمة . . كذلك الذي ارتدَّ عن طريق الإرادة يصير ضيق الصدر ، سيئ الخُلُق ، يبدأ بالجفاء كُلَّ بريءٍ ، ثم يهدأ طياشة بِنَيْل كُلِّ عَرَضٍ خسيس .\rقوله جلّ ذكره : { إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .\rالمحجوب عن الحقيقة عنده الإساءةُ والإحسانُ ( سيان ) ، فهو في الحالين : إمَّا صاحب ضَجَر أو صاحب بَطَر ، لا يحمل المحنة إلا زوال الدولة ، ولا يقابل النعمة إلا بالنهمة ، فهو في الحالين محجوبٌ عن الحقيقة .\rويقال الكلب نجاسته أصلية ، وخساسته كلية ، كذلك المردوده في الصفة؛ له نقصان القيمة وحرمان القسمة .","part":2,"page":467},{"id":968,"text":"أي صفته أدنى من نعت من بُلِيَ بالإعراضِ الأزليِّ ، وأيُّ نعتٍ أعلى من وصف مَنْ أُكْرِمَ بالقبول الأبديّ؟ وأيُّ حيلةٍ تنفع مع مَنْ يخلق الحيلة؟ وكيف تَصِحُّ الوسيلةُ إلا لمن منه الوسيلة؟ .","part":2,"page":468},{"id":969,"text":"ليست الهدايةُ من حيث السعايةُ ، إنما الهداية من حيث البداية ، وليست الهداية بفكر العبد ونَظَرِه ، إنما الهداية بفضل الحق وجميل ذكره .","part":2,"page":469},{"id":970,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ } .\rمَنْ خَلَقه لجهنم - متى يستوجب الجنَّاتِ؟\rومَنْ أَهَّلَه للسخطة - أنَّى يستحق الرضوان؟\rولولا انسداد البصائر وإلا فأيُّ إشكالٍ بقي بعد هذا الإيضاح؟\rويقال هم - اليومَ - في جحيم الجحود ، مُقَرَّنين في أصفاد الخذلان ، مُلْبَسِين ثياب الحرمان ، طعامُهم ضريع الوحشة ، وشرابهم حميم الفرقة ، وغداً هُمْ في جحيم الحرقة كما فَصَّلَ في الكتاب شرعَ تلك الحالة .\rقوله جلّ ذكره : { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ } .\rأي لا يفقهون معاني الخطاب كما يفهم المُحَدَّثون ، وليس لهم تمييز بين خواطر الحق وبين هواجس النفس ووساوس الشيطان ، ولهم أعينٌ لا يُبْصِرون بها شواهدَ التوحيد وعلاماتِ اليقين؛ فلا ينظرون إلا من حيث الغفلة ، ولا يسمعون إلا دواعي الفتنة ، ولا ينخرطون إلا مع من سلك ركوب الشهوة .\r{ أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } : لأنَّ الأَنْعَامَ قد رُفِعَ عنها التكليفُ ، وإن لم يكن لها وِفاقُ الشرع فليس منها أيضاً خلاف الأمر .\rوالأنعامُ لا يَهُمُّها إلا الاعتلاف ، وما تدعو الحيلة من مباشرة الجنس ، فكذلك مَنْ أُقيم بشواهد نفسه وكان من المربوطين بأحكام النَّفْس ، وفي معناه أنشدوا :\rنهارك يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ ... وليلك نومٌ والرَّدى لك لازِمٌ\rوسعيك فيها سوف تكره غِبَّه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ","part":2,"page":470},{"id":971,"text":"سبحان مَنْ تعرَّف إلى أوليائه بنعوته وأسمائه فعرَّفهم أنه مَنْ هو ، وبأي وصفٍ هو ، وما الواجب في وصفه ، وما الجائز في نعته ، وما الممتنع في حقِّه وحكمه؛ فتجلى لقلوبهم بما يكاشفهم به من أسمائه وصفاته ، فإن العقولَ محجوبةٌ عن الهجوم بذواتها بِمَا يَصِحُّ إطلاقُه في وصفه ، وإنْ كانت واقفةً على الواجب والجائز والممتنع في ذاته ، فللعقل العرفان بالجملة ، وبالشرع الإطلاق والبيان في الإخبار ، والقول فيما وَرَدَ به التوفيق يُطْلَقِ ، وما سَكَتَ عنه التوفيق يُمْنَع . ويقال مَنْ كان الغالب عليه وصفٌ من صفاته ذَكَره بما يقتضي هذا الوصف؛ فمن كان مكاشَفاً بعَطائه ، مربوطَ القلبِ بأفضاله فالغالبُ على قالته الثناء عليه بأنه الوهاب والبار والمُعْطِي وما جرى مجراه . ومن كان مجذوباً عن شهود الإنعام ، مكاشفاً بنعت الرحمة فالذي يغلب على ذكره وصفه بأنه الرحمن والرحيم والكريم وما في معناه . ومَنْ سَمتْ هِمَّتُه عن شهود وجوده ، واستهلك في حقائق وجوده فالغالب على لسانه الحق . ولذلك فأكثر أقوال العلماء في الإخبار عنه : « البارئ » لأنهم في الترقي في شهود الفعل إلى شهود الفاعل . وأمَّا أهل المعرفة فالغالب على لسانها « الحق » لأنهم مُخْتَطفُون عن شهود الآثار ، متحققون بحقائق الوجود .\rوقال إنَّ الله - سبحانه - وقف الخلْق بأسمائه فهم يذكرونها قالةً ، وتعزَّزَ بذاته ، والعقول - وإنْ صَفَتْ لا تهجم على حقائق الإشراف ، إذ الإدراك لا يجوز على الحق؛ فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عند التعرض للإحاطة ، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات ، والأبصار حسيرةٌ عند طلب الإدراك في أحوال الرؤية ، والحق سبحانه عزيز ، وباستحقاق نعوت التعالي مُتَفَرِّد .\rقوله : { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } : الإلحاد هو الميل عن القصد ، وذلك على وجهين بالزيادة والنقصان؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا ، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا .","part":2,"page":471},{"id":972,"text":"أجرى الحقُّ - سبحانه - سُنَّتَه بألا يُخْلِيَ البسيطةَ من أهل لها هم الغياث وبهم دوام الحق في الظهور ، وفي معناه قالوا :\rإذا لم يكن قطبٌ ... فمن ذا يديرها؟\rفهدايتهم بالحق أنهم يدعون إلى الحق ، ويدلون على الحق ، ويتحركون بالحق ، ويسكنون للحق بالحق ، وهم قائمون بالحق؛ يصرفهم الحق بالحق أولئك هم غياث الخَلْق؛ بهم يُسْقَوْنَ إذا قحطوا ، ويُمْطَرون إذا أجدبوا ، ويُجَابُون إذا دَعَوْا .","part":2,"page":472},{"id":973,"text":"الاستدراج أن يلقى في أوهامهم أنهم من أهل الوصلة ، وفي الحقيقة : السابقُ لهم من القسمة حقائقُ الفُرقة .\rويقال الاستدراجُ انتشار الصيت بالخير في الخلْق ، والانطواء على الشر - في السر - مع الحق .\rويقال الاستدراج ألا يزداد في المستقبل صحبةً إلا ازداد في الاستحقاق نقصان رتبة .\rويقال الاستدراج الرجوع من توهم صفاء الحال إلى ركوب قبيح الأعمال ، ولو كان صادقاً في حاله لكان معصوماً في أعماله .\rويقال الاستدراج دعاوى عريضة صدرت عن معانٍ مريضة .\rويقال الاستدراج إفاضة البرِّ مع ( . . . ) الشكر .","part":2,"page":473},{"id":974,"text":"أو لم يتأملوا بأنوار البصائر ليشهدوا أخلاق آثار التقريب بجملة أحواله - عليه السلام - ليعلموا أن ذلك الشاهد ليس بشاهد متخرص .\rويقال إن برود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - كانت بنسيم القربة معطرة ، ولكن لا يُدْرَكُ ذلك النَّشْرُ إلا بِشَمِّ العرفان ، فمَنْ فَقَدَ ذلك - فأي خبر له عن حقيقة حاله - صلوات الله عليه .","part":2,"page":474},{"id":975,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ } .\rأطلع الله - سبحانه - أقمار الآيات ، وأماط عن ضيائها سحاب الشبهات؛ فَمَنْ استضاء بها ترَّقى إلى شهود القدرة .\rويقال ألاح الله تعالى - لقلوب الناظرين بعيون الفكر - حقائق التحصيل؛ فَمَنْ لم يُعَرِّج في أوطان التقصير أَنْزَلَتْه مراكبُ السِّرِّ بساحات التحقق .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنْ عَسَى أَن يِكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } .\rالناس في مغاليط آمالهم ناسون لوشيك آجالهم ، فكم من ناسجٍ لأكفانه! وكم من بانٍ لأعدائه! وكم من زارعٍ لم يحصد زرعه!\rهيهات! الكبش يعتلف والقَصَّابُ مسْتَعِدٌّ له!\rويقال سرعة الأَجَل تُنَغِّص لذة الأمل .","part":2,"page":475},{"id":976,"text":"مَنْ حُرِمَ أنوار التحقيق فهو في ضباب الجهل ، فهو يَزِلُّ يميناً ويسقط شمالاً .","part":2,"page":476},{"id":977,"text":"السائلُ عن الساعةِ رجلان؛ مُنْكِرٌ يتعجَّبُ لفَرْطِ جهله ، وعارِفٌ مشتاقٌ يستعجل لِفَرْطِ شوقه ، والمتحقق بوجوده ساكِنٌ في حاله؛ فسيان عنده قيام القيامة ودوام السلامة .\rويقال الحق - سبحانه - استأثر بعلم الساعة؛ فلم يُطلِعْ على وقتها نَبيَّا ولا صفيَّا ، فالإيمان بها غيبيٌّ ، ويقين أهل التوحيد صادق عن شوائب الرِّيب . ثم مُعَجَّل قيامتهم يُوجِبُ الإيمانَ بمؤجَّلها .","part":2,"page":477},{"id":978,"text":"أَمَره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومُنتَّهِ ، وأن قيامه وأمرَه ونظامَه بطوْل ربِّه ومتِّه؛ ولذلك تتجنَّسُ عليَّ الأحوال ، وتختلف الأطوار؛ فَمِنْ عُسْرٍ يَمَسُّني ، ومِنْ يسرٍ يخصني ، ولو كان الأمر بمرادي ، ولم يكن بِيدِ غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر ، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر .","part":2,"page":478},{"id":979,"text":"قوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } .\rأخرج النَّسَمة من نَفْسٍ واحدة وأخلاقهم مختلفة ، وهممهم متباينة ، كما أن الشخص من نطفة واحدة وأعضاؤه وأجزاءه مختلفة . فَمَنْ قَدِرَ على تنويع النطفة المتشاكلة أجزاؤها فهو القادر على تنويع أخلاق الخَلْق الذين أخرجه من نَفْس واحدة .\rقوله جلّ ذكره : { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } .\rردَّ المِثْل إلى المِثْل ، وربط الشَّكلَ بالشكل ، ليَعْلَمَ العالمون أن سكون الخلْق مع الحقِّ لا إلى الحق ، وكذلك أنسل الخلْق من الخلق لا من الحق ، فالحقُّ تعالى قدوس؛ منه كل حظ للخلق خلْقاً ، منزه عن رجوع شيءٍ إلى حقيقته حقاً .","part":2,"page":479},{"id":980,"text":"شرُّ الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء ، وشدة التضرع والبكاء ، فإذا أزيلت شكاتِه ، ودُفِعت - بِمِنَّتهِ - آفاتُه ضيَّعَ الوفاء ، ونَسِيَ البلاء ، وقابل الرِّفْدَ بنقْضِ العهد وأبدل العقد برفض الود ، أولئك الذين أبعدهم الله في سابق الحكم ، وخرطهم في سِلْك أهل الرد .","part":2,"page":480},{"id":981,"text":"كما لا يجوز أن يكون الربُّ مخلوقاً لا يجوز أن يكون غير الرب خالقاً ، فَمَنْ وَصَفَ الحقَّ بخصائص وصف الخلْق فقد أَلْحَدَ ، ومَنْ نَعَتَ الخلَّقَ بما هو من\rخصائص حق الحق فقد جحَدَ .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنفُسَهُم يَنْصُرُونَ } .\rمَنْ حَكَمَ بأنه ليس في مقدور الحق شيء لو فعله اسم الجاهل طوعاً إلا فعله فقد وصف بأنه لا يقدر على نصره فَمُضَاهٍ الذي يعيد الجماد ونعوذ بالله من الضلالة عن الرشاد .","part":2,"page":481},{"id":982,"text":"المعبودُ هو القادر على هداية داعيه ، وعِلْمُ العبد بقدرة معبوده يوجِبُ تَبَرِّيه عن حوْله وقوته ، وإفراد الحق - سبحانه - بالقدرة على قضاء حاجته ، وإزالة ضرورته فتتقاصر عن قصْدِ الخلْق خطاه ، وتنقطع آماله عن غير مولاه .","part":2,"page":482},{"id":983,"text":"إذا قُرِنَتْ الضرورةُ بالضرورة تضاعف البلاء ، وترادف العناء؛ فالمخلوق إذا استعان بمخلوقٍ مثلِه ازداد بُعْدُ مرادِه عن النُّجح . وكيف تشكو لمن هو ذو شكاية؟! هيهات! إن ذلك خطأ من الظن ، وباطل من الحسبان .","part":2,"page":483},{"id":984,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } .\rبيَّن بهذه الآيات أن الأصنام التي عبدوها دونَهم فيما اعتقدوا فيه صفة المدح ، ثم لم يعبد بعضهم بعضاً ، فكيف استجازوا عبادةَ ما فاقهم في النقص؟ .\rقوله جلّ ذكره : { قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونَ } .\rصدق التوكل على الله يوجب ترك المبالاة بغير الله ، كيف لا . . . والمتفرِّدُ بالقدرة - على النفع والضرر ، والخير والشر - اللهُ؟","part":2,"page":484},{"id":985,"text":"مَنْ قام بحقِّ الله تولَّى أمورَه على وجه الكفاية ، فلا يخرجه إلى مثاله ، ولا يَدَعُ شيئاً من أحواله إلاَّ أجراه على ما يريده بِحُسْنِ أفضاله ، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبدَ راضياً بما يفعل ، ورَوْحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء على القلوب .","part":2,"page":485},{"id":986,"text":"شاهدوه بأبصارهم لكنهم حُجِبوا عن رؤيته ببصائر أسرارهم وقلوبهم فَلَمْ يُعْتَدَّ برؤيتهم .\rويقال رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم ، لكن بما يحصل للقلوب من مكاشفات الغيب ، وذلك على مقادير الاحترام وحصول الإيمان .","part":2,"page":486},{"id":987,"text":"من خصائص سُنَّةِ الله في الكرم أنه أمر نبيَّه - صلوات الله عليه وعلى آله - بالأخذ به ، إذ الخبر وَرَدَ بأنَّ المؤمن أخذ من الله خُلُقاً حسناً . وكلما كان الجُرْمُ أكبرَ كان العفو عنه أجرَّ وأكمل ، وعلى قَدْرِ عِظَم رتبة العبد في الكرم يتوقف العفو عن الأصاغر والخدم ، قال النبي A في الجراحات التي أصابته في حرب أحد : « اللهم اغفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون » .\rقوله { وَاْمُرْ بِالعُرْفِ } : أفضل العرف أن يكون أكمل العطاء لأكثر أهل الجفاء ، وبذلك عامل الرسول - صلى الله عليه وعلى آله - الناسَ .\rقوله : { وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ } : الإعراض عن الأغيار بالإقبال عن من لم يَزْل ولا يزال ، وفي ذلك النجاة من الحجاب ، والتحقق بما يتقاصر عن شرحه الخطاب .","part":2,"page":487},{"id":988,"text":"إنْ سَنَح في باطنك من الوساوس أَثَرٌ فاستعِذْ بالله يدركك بحسن التوفيق ، وإنْ هَجَسَ في صدرك من الحظوظ خاطر فاستعِذْ بالله يدركك بإزالة كل نصيب ، وإنْ لَحِقَتْكَ في بذل الجهد فَترَةٌ فاستعذْ بالله يدركك بإِدامة آلائه ، وإنْ اعْتَرتْكَ في الترقي إلى محل الوصول وقفةٌ فاستعِذْ بالله يدركك بإدامة التحقيق ، وإنْ تقاصر عنك شيء من خصائص القرب - صيانةً عن شهود المحل - فاستعِذْ بالله يُثْبِتْك له بدلاً مِنْ لَكَ بِكْ .","part":2,"page":488},{"id":989,"text":"إنما يمس المتقين طيفُ الشيطانِ في ساعات غفلتهم عن ذكر الله ، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان ، فإن الشيطانَ لا يَقرَبُ قلباً في حال شهوده الله؛ لأنه ينخنس عند ذلك . ولكن لكل صارمٍ نبوة ، ولكلِّ عالمٍ هفوة ، ولكل عابدٍ شدة ، ولكل قاصدٍ فترة ، ولكل سائر وقفة ، ولكل عارفٍ حجبة ، قال A : « إنه ليُغَان على قلبي . . . » أخبر أنه يعتريه ما يعتري غيرَه ، وقال صلى الله عليه و سلم : « الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي » ، فأخبر أنَّ الأمة - وإنْ جَلَّتُ رُتْبَتَهُم لا يتخلصون عن حِدَّةٍ تعتريهم في بعض أحوالهم فَتُخْرِجُهم عن دوام الحِلْم .","part":2,"page":489},{"id":990,"text":"إخوانُ الشيطانِ أربابُ دوام الغيبة؛ فهم في كمال الغفلة تدوم بهم الحجبة؛ فمنهم بالزَّلَّة مَنْ لم يُلِمْ ، أَو أَلَّم ولكن لَم يُصِرّفهم خِياره ، ومنهم مَنْ غَفَلَ واغترَّ ، وعلى دوام العيبة أَصَرَّ - فهم المحجوبون قطعاً ، والمُبْعَدُون - عن محلِّ القربِ - صدَّا وردَّا .","part":2,"page":490},{"id":991,"text":"مَنْ شَاهَدَ الحقَّ من حيث الخلْق سقط في مهواة المغاليط ، فهو في متاهات الشَّكِّ يجوب منازلَ الرِّيب ، ولا يزداد إلا عمًى على عمًى . ومَنْ طالَعَ الخَلْق بعين تصريف القدرة إياهم تحقق بأنهم لا يظهرون إلا في معرض اختيار الحق لهم ، فهو ينظر بنور البصيرة ، ويستديم شهود التصريف بوصف السكينة .","part":2,"page":491},{"id":992,"text":"اسْتَمِعُوا بسمعِ الإيمان والتصديق ، وأنْصِتوا ( بصون ) الخواطر عن معارضات الاعتراض ، ومطالبات الاستكشاف . ومن باشرَ التحقيقُ سِرَّه لازم التصديق قلبَه .\rوالإنصات - في الظاهر - من آداب أهل الباب ، والإنصات - بالسرائر - من آداب أهل البِساط ، قال الله تعالى في نعت تواصي الجنِّ بعضهم لبعض عند شهود الرسول A { فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا } [ الأحقاف : 29 ] ؛ فإذا كان الحضور إلى الواسطة عليه السلام يوجب هذه الهيبة فلزومُ الهيبة وحفظُ الأدب عند حضور القلب بشهود الربِّ أولى وأَحَق ، قال تعالى : { وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا } [ طه : 108 ] .","part":2,"page":492},{"id":993,"text":"التضرعُ إذا كوشِفَ العبدُ بوصف الجمال في أوان البسط ، والخيفة إذا كوشف بنعت الجلال في أحوال الهيبة ، وهذا للأكابر .\rفأمَّا مَنْ دونَهم فَتَنوُّعُ أحوالهم من حيث الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة . ومن فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناءِ ، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق مُثْبَتُون في أوطان التمكين ، فلا تَلَوُّنَ لهم ولا تجنُّسَ لقيامهِم بالحق ، وامتحائهم عن شواهدهم .","part":2,"page":493},{"id":994,"text":"أثبت لهم عندية الكرامة ، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم ، وهذه سُنَّة الله تعالى مع خواص عباده؛ يلقاهم بخصائص عين الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفَرْق لئلا يُخِلُّو بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة .","part":2,"page":494},{"id":995,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } .\rالأنفال ها هنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين ، وكان سؤالهم عن حكمها ، فقال الله تعالى : قُلْ لهم إنها للهِ مِلْكاً ، ولرسوله - عليه السلام - الحُكْمُ فيها بما يقضى به أمراً وشرعاً .\rقوله جلّ ذكره : { فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } .\rأي أجيبوا لأمر الله ، ولا تطيعوا دَوَاعِيَ مناكم والحكمَ بمقتضى أحوالحم ، وابتغوا إيثارَ رضاء الحقِّ على مراد النَّفْس ، وأصلحوا ذات بَيْنِكم ، وذلك بالانسلاخ عن شُحِّ النَّفْس ، وإيثار حقِّ الغير على مَالَكُم من النصيب والحظِّ ، وتنقية القلوب عن خفايا الحَسَد والحقد .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ } .\rأي في الإجابة إلى ما يأتيكم من الإرشاد .\rقوله جلّ ذكره : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .\rأي سبيلُ المؤمنِ ألا يخالِفَ هذه الجملة .","part":2,"page":495},{"id":996,"text":"الوَجَل شِدَّة الخوف ، ومعناه ها هنا أَن يُخْرِجَهم الوَجَلُ عن أوطان الغفلة ، ويزعجهم عن مساكن الغيبة . فإذا انفصلوا عن أوْدية التفرقة وفاؤوا إلى مَشَاهِدِ الذكر نالوا السكون إلى الله - D؛ فيزيدُهم ما يُتْلَى عليهم من آياته تصديقاً على تصديق ، وتحقيقاً على تحقيق . فإذا طالعوا جلال قَدْرِهِ ، وأيقنوا قصورَهم عن إدراكه ، توكلوا عليه في إمدادهم بالرعاية في نهايتهم ، كما استخلصهم بالعناية في بدايتهم .\rويقال سُنَّة الحقِّ - سبحانه مع أهل العرفان أن يُرَدِّدَهم بين كَشْفِ جلالٍ ولُطْف جمال ، فإذا كاشفهم بجلاله وَجِلَتْ قلوبُهم ، وإذا لاطفهم بجماله سَكَنَتْ قلوبهم ، قال الله تعالى : { وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ } [ الرعد : 28 ] . ويقال وجلت قلوبهم بخوف فراقه ، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروْح وصاله . وذكر الفراق يُفْنيهم وذكر الوصال يُصْحيهم ويُحْييهم .\rويقال الطالبون في نَوْحِ رهبتهم ، والواصلون في روْح قربتهم ، والموحِّدون في محو غيبتهم؛ استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقتٍ مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع ، ولا لهم إحساس فَتَمْلِكُهم لذة؛ إذ لمَّا اصْطُلِمُوا ببوادهِ ما مَلَكَهُمْ فَهُمْ عنهم مَحْوٌ ، والغالبُ عليهم سواهم .","part":2,"page":496},{"id":997,"text":"لا يرضَوْن في أعمالهم بإخلال ، ولا يتصفون بجمْعِ مال من غير حلال ، ولا يُعَرِّجون في أوطان التقصير بحال ، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم نكير ، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل .\r{ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا } أي حققوا حقاً وصدقوا صدقاً . ويقال حق لهم ذلك حقاً . قوله : { لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ } على حسب ما أَهَّلَهُمْ له من الرُّتَبِ؛ فَبِسَابقِ قِسْمَتِه لهم استوجبوها ، ثم بصادقِ خِدْمَتِهِم - حين وفَّقَهم لها - بلغوها .\rولهم مغفرةٌ في المآل ، والسَّتْرُ في الحال لأكابرهم ، فالمغفرة الستر ، والحق سبحانه يستر مثالِبَ العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم ، ويستر مناقِبَ العارفين عليهم لئلا يُعْجَبُوا بأعمالهم وأحوالهم ، و فَرْقٌ بين سَتْرٍ وَسَتْرٍ ، وشَتَّان ما هما!\rوأَمَّا الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يُحْتَسَبُ ، ويحتمل أنه الذي لا يَنْقُصُ بإجرامهم ، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق ، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات .","part":2,"page":497},{"id":998,"text":"بَيَّنَ - سبحانه - أن الجِدَالَ منهم عادةٌ وسَجِيَّة ، ففي كل شيء لهم جدال واختيار؛ فكرهُوا خروجَه إلى بَدْرٍ ، كما جادلوا في حديث الغنيمة ، قال تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ } وما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقربَ إلى الصفح عنه والتجاوز ، فأمَّا إذا صار ذلك عادةً فهو أصعب .\rويقال ما لم تباشر خلاصةُ الإيمان القلبَ يوجد كمالُ التسليم وترك الاختيار ، وما دام يتحرك من العبد عِرْقٌ في الاختيار فهو بعيدٌ عن راحة الإيمان .\rولقد أجرى الله سُنَّتَه مع أنبيائه ألا يفتح لهم كمالَ النُّعْمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان ، والتجرد عن مساكنة ما فيه حظ ونصيب مِنْ كل معهود .\rويقال إن في هجرة الأنبياء - عليهم السلام - عن أوطانهم أماناً لهم من عادية الأعادي ، وإحياءً لقلوب قوم تقاصرت أقْدَامُهم عن المسير إليهم .\rوكذلك هجرة الأولياء من خواصه؛ فيها لهم خلاصٌ من البلايا ، واستخلاصٌ للكثيرين من البلايا .","part":2,"page":498},{"id":999,"text":"جحودُ الحقِّ بعد وضوح برهانه عَلَمٌ لاستكبار صاحبه ، وهو - في الحال - في وحشة غَيِّه ، مُعَاقَبٌ بالصِّد وتَنعُّص العَيْشِ ، يَملُّ حياتَه ويتمنى وفاتَه؛ { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } .","part":2,"page":499},{"id":1000,"text":"التعريجُ في أوطان الكسل ، ومساكنة مألوفات الراحة من خصائص أحكام النَّفْس ، فهي بطبعها تؤثِر في كل حالٍ نصيبها ، وتتعجل لذَّةَ حظِّها . ولا يصل أحدٌ إلى جلائل النِّعم إلا بتجرُّع كاسات الشدائد ، والانسلاخ عن معهودات النصيب . { وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } أي إذا أراد اللهُ - سبحانه - تخصيصَ عبدٍ بولايته قضى على طوارقِ نفسه بالأفُول ، وحكم لبعض شهواته بالذبول ، وإلى طوالع الحقائق بإشراقها ، ولجامع الموانع باستحقاقها .","part":2,"page":500},{"id":1001,"text":"ليحق الحقَّ بالتوفيق فيما يحصل ببذل المجهود ، والتحقيق لما يظهر من عين الجود .\rويقال لِيُحِقَّ الحقّ بنشر أعلام الوصل ، ويُبْطِلَ الباطلَ بقهر أقسام الهزل .","part":3,"page":1},{"id":1002,"text":"الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة . والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على إزالة الشكاة تيسيرٌ للمسؤول وتحقيق للمأمول . فإذا صدقت الاستغاثة بتَعَجُّل الإجابة حَصُلَتْ الآمالُ وقُضِيَتْ الحاجة . . بذلك جَرَتْ سُنَّتُه الكريمة .\rويقال بَشَرَّهم بالإمداد بالمَلَك ، ثم رقَّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن الإنجاز من المَلِكِ ، ولم يَذرْهم في المساكنة إلى الإمداد بالمَلَك فقال : { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ } ثم قال : { إنَّ اللهَ عَزِيزٌ } فالنجاة من البلاء حاصلة ، وفنون الإنجاز والإمداد بالطاقة متواصلة ، والدعوات مسموعة ، والإجابة غير ممنوعة ، وزوائد الإحسان مُتَاحة ، ولكن الله عزيز .\rالطالبُ واجدٌ ولكن بعطائه ، والراغب واصل ولكن إلى مبارِّه . والسبيلُ سهلٌ ولكن إلى وجدان لطفه ، فأمّا الحقُّ فهو عزيز وراء كل وصل وفصل ، وقُرْبٍ وبُعْد ، وما وَصَلَ أحدٌ إلا إلى نصيبه ، وما بقي أحدٌ إلا عن حظه ، وفي معناه أنشدوا :\rوقُلْنَ لنا نحن الأهِلَّةُ إنما ... نضيءُ لمن يسري بليلٍ ولا نُقْرِي\rفلا بَذْلَ إلا ما تزوَّدَ ناظرٌ ... ولا وصلَ إلا بالجمال الذي يسري","part":3,"page":2},{"id":1003,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَِكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } .\rغَشيَهم النُّعاسُ تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم ونفوسهم كَدَّ الأغيار والكلال ، وأنزل على قلوبهم رَوْحَ الأمن ، وأمطرت السماءُ فاغتسلوا بعدما لزمتهم الطهارة الكبرى بسبب الاحتلام ، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب الأقدام في رَملِها ، وانتفى عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه سيصيبهم العناءُ بسلوك رَمْلِها وبالانتفاء عن الغُسْل ، فلمَّا ( . . . ) الإحساسِ ، واستمكن منهم النُّعاس ، وتداركتهم الكفاية والنصرة استيقنوا بأن الإعانة من قِبَل الله لا بسكونهم وحركتهم ، وأشهدهم صرف التأييد وإتمام الكفاية .\rوكما طَهَّرَ ظواهرهم بماء المساء طهَّر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كلِّ غير وكلِّ عِلَّة ، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس ، وربط على قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجري الحقُّ من فنون التصريف .\rقوله جلّ ذكره : { وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ } .\rأقدامَ الظاهر في مَشَاهِدِ القتال ، وأقدامَ السرائر على نهج الاستقامة بشهود مجاري التقدير .","part":3,"page":3},{"id":1004,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى المَلاَئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِتُّوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } .\rعَرَّفَنَا أنَّ الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد . وتثبيتُ الملائكة للمؤمنين : قيل كانوا يَظْهَرُون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم ، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة .\rوقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك مِنْ جهة الخواطر ، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك ، فكما يُوَصِّلُ الحق سبحانه - وساوسَ الشيطان إلى القلوب يوصل خواطرَ المَلَكِ ، وأَيَّدَهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار .\rقوله جلّ ذكره : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ } .\rوذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحي والكتاب ، ويكون معناه إباحة ضربهم ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم . ويحتمل فاضربوا فوق الأعناق ضرباً يوجِبُ قَتْلَهم؛ لأنه لا حياةَ بعد ضَرْبِ العُنُقِ . ولفظُ فوق يكون صلة .\r{ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } أي ضرباً يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين؛ لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ } بين أنهم في مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم والمُنْشِئُ - بكلِّ وجهٍ - اللهُ؛ لانفراده بقدرة الإيجاد .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } .\rيُمْهِلُ المجرمَ أياماً ثم لا يهمله ، بل يُذِيقه بأْسَ فِعله ، ويزيل عنه شُبْهةَ ظنِّه .\rقوله جلّ ذكره : { ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ } .\rذلك العذاب فذوقوه - أيها المشركون - مُعَجَّلاً ، واعلموا أن للكافرين عذاباً مُؤجَّلاً ، فللعاصين عقوبتان مُحَصَّلٌ بنقد ومؤخَّرٌ بوعد .","part":3,"page":4},{"id":1005,"text":"يقول إذا لقيتم الكفار في المعركة زحفاً مجتمعين فأثبتوا لقتالهم ، ولا تنهزموا فالشجاعة ثبات القلوب ، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفي الجهاد مع العدو ، فالواجب الثبات عند الصولة - هذا في الظاهر ، وفي الباطن جهاد مع الشيطان ، والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزَّلة؛ فَمَنْ وقف على حدِّ الإمساك عن إجابته ، بلا إنجازٍ لما يدعوه بوساوسه فَقَدْ وفَّى الجهاد حقَّه .\rوكذلك في مجاهدة النَّفس ، فإذا وقف العبدُ عن إجابة النَّفْس فيما تدعوه بهواجسها ، ولم يُطِعْ شهوتَه فيها تحمله النفسُ عليه من البلاء إلى ابتغاء حظِّه فقد وفَّى الجهادَ حقَّه .\rوالإشارة في قوله : { إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ } بإيثار بعض الرُّخص ليتقوَّى على ما هو أشد؛ كأكْله مثلاً ما يُقِيم صُلْبَه ليقوى على السَّهر ، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش ، أو نفي مقاساة جوع أو بَرْدٍ أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه ، ولاستدامة اتصال قلبه به ، فإنْ تَرَكَ بعضَ أورادِ الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في أحكام واردات السرائر أَخَذَ في حقِّ الجهاد بحزم .\rوالإشارة في قوله : { أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ } إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه في المجاهدة ، ويُبْقِي شهودُ ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته . ثم باستمداده من همم الشيوخ؛ فإن المريدَ ربيب هُمَّةِ شيخه ، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم ، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هِمَمِهم ، يجبرون كَسْرَهم ، ويتوبون منهم ، ويساعدونهم بحسن إرشادهم . ومَنْ أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه ، أو خالَفَ شيخاً وهو يعرف فضلَه وحَقَّه فقد باءَ من الله بسخطٍ ، واللهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه .","part":3,"page":5},{"id":1006,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ } .\rالذي نَفَى عنهم من القتل ، هو إماتة الروح وإثبات الموت ، وهو من خصائص قدرته - سبحانه ، والذي يُوصَفُ به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم ، ويحصل ذهاب الروح عقيبه .\rوفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلتُ فلاناً ، فقال : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبدئ هو الله عزَّ وجل . وصَانَهم بهذه الآية وصان نَبِيَّه - عليه السلام - عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } .\rأي ما رَمَيْتَ بنفسك ولكنك رميْت بنا ، فكان منه ( صلوات الله عليه ) قبضُ التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب ، وكَسْبَهُ مُوجَدٌ من الله بقدرته ، وكان التبليغ والإصابة مِن قِبَل الله خَلْقاً وإبداعاً ، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت إلا هو ، والفعلُ فِعْلُ واحدٍ ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه .\rفقوله : { إِذْ رَمَيْتَ } فَرْقٌ ، وقوله : { وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } جمع . والفرق صفة العبودية ، والجمع نعت الربوبية ، وكلُّ فرقٍ لم يكن مُضَمَّناً بجمعٍ وكلُّ جمع لم يكن - في صفة العبد - مُؤَيَّداً بفرق فصاحبُه غير سديد الوتيرة .\rوإن الحقَّ - سبحانه - يَكِلُ الأغيار إلى ظنونهم ، فيتيهون في أودية الحسبان ويتوهمون أنهم منفردون بإجراءٍ ما منهم ، وذلك منه مكرٌ بهم .\rقال الله تعالى : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [ الكهف : 104 ] وأما أرباب التوحيد فَيُشْهِدهم مطالِعَ التقدير ، ويعرِّفهم جريان الحُكمْ ، ويُريهم أَنْفُسَهم في أَسْرِ التصريف ، وقهر الحكمْ . وأمَّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيُجرِي عليهم ما يُجْرِي و ( ما ) لهم إحساس بذلك ، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير ، ويتولَّى حفظهم عن مخالفة الشرع .\rقوله جلّ ذكره : { وَلِيُبْلِىَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا } .\rالبلاء الاختبار ، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم ، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم ، أو ذِكْرَهم أو نسيانهم .\r« البلاء الحسن » : توفيق الشكر في المِنْحة ، وتحقيق الصبر في المحبة ، وكل ما يفعله الحقُّ فهو حَسَنٌ من الحقِّ لأنَّ له أَنْ يفعلَه . وهذه حقيقة الحَسَن : وهو ما للفاعل أن يفعله .\rويقال حَسُنَ البلاءُ لأنه منه و ( . . . ) البلاء لأنه فيه .\rويقال البلاء الحسن أن تَشْهَدَ المُبْلِي في عين البلاء .\rويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إنْ كان نعمة ، ولا شكوى إن كان محنة .\rويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إنْ كان عُسْراً ، ولا بطر إن كان يسراً .\rويقال بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسبِ حاله ومقامه؛ فأصفاهم ولاءً ، قال عليه السلام : « أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » .","part":3,"page":6},{"id":1007,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .\rتنفيسٌ لقوم وتهديدٌ لقوم؛ أصحابُ الرِّفق يقول لهم إن الله « سميعٌ » لأنينكم؛ فَيُرَوِّح عليهم بهذا ، وَقْتَهم ، ويحمل عنهم ولاءهم ، وأنشدوا :\rإذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً ... تمنيتُ أَنْ أشكو إليك فتسمعا\rوقالوا :\rقُلْ لي بألسنةَ التَّنفُّس ... كيف أنت وكيف حالك؟\rوأمَّا الأكابر فلا يُؤْذَنُ لهم في التَّنَفُّس ، وتكون المطالبةُ متوجِّهةً عليهم بالصبر ، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهارٍ ولا شكوى ، فيقول : لو ترشح منك ما كُلِّفْتَ بِشُرْبِه تَوَجَّهَتْ عليك الملامةُ ، فإِن لم يكن منك بيانٌ فإِنِّي لقالتك ، عليمٌ بحالتك .\rويقال في قوله « عليم » تسلية لأرباب البلاء؛ لأنَّ من عَلِم أنَّ مقصودَه يعلم حالَه سَهُل عليه ما يقاسيه فيه ، قال - سبحانه - لنبيَّه A : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [ الحجر : 97 ] .","part":3,"page":7},{"id":1008,"text":"موهن كدهم : بتقوية قلوب المؤمنين بنور اليقين ، والثبات على انتظار الفضل من قِبَلِ الله ، وموهن كيدهم : بأن يأخذَ الكافرين من حيث لا يشعرون ، ويظفر جندُ المسلمين عليهم .","part":3,"page":8},{"id":1009,"text":"قوله جلّ ذكره : { إن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَآءَكُمُ الفَتْحُ } .\rقال المشركون - يوم بدر - اللهم انصرْ أََحَبَّ الفِئتين إليك ، فاستجابَ دعاءَهم ونصر أحبَّ الفئتين إليه . . وهم المسلمون ، فسألوا بألسنتهم هلاكَ أنفسِهم ، وذلك لانجرارهم في مغاليط ما يُعَلِّقون من ظنونهم ، فهم توهَّموا استحقاق القربة ، وكانوا في عين الفرقة وحُكْمِ الشِّقْوَةِ ، موسومين باستيجاب اللعنة بدعائهم ، والوقوع في شقائهم؛ فاختيارهم مُنُوا ببَوارِهم .\rويقال ظنوا أنهم من أهل الرحمة فَزَلُّوا ، فلما كُشِفَ السترُ خابوا وذَلُّوا ، فعند ذلك علموا أنهم زاغوا في ظنهم وضلوا .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } .\rفيغفر لكم ما قد سَلَفَ من خلاف محمد A .\r{ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ليس المراد منه المبالغة؛ لأنه يقال هذا خير لك من هذا إذا كان الثاني ليس في شر ، وترك موافقتهم للرسول A - بكل وجهٍ - هو شرٌّ لهم ، ولكنه أراد به في الأحوال الدنيوية ، وعلى موجب ظنِّهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ } .\rيعني إنْ عُدْتُم إلى الجميل من السيرة عُدْنا عليكم بجميل المِنَّة ، وإنْ عاودتم الإقدام على الشَّرِّ أَعَدْنا عليكم ما أذقناكم من الضُّرِّ .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ } .\rمَنْ غَلَبَتْهُ قدْرُة الأحد لم تغْنِ عنه كثرة العدد .","part":3,"page":9},{"id":1010,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَأَيُّهَأ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .\rالناس في طاعة الله على أقسام : فمطيعٌ لخوفِ عقوبتِه ، ومطيعٌ طمعاً في مثوبته ، وآخر تحققاً بعبوديته ، وآخر تشرفاً بربوبيته .\rوكم بين مطيعٍ ومطيعٍ! وأنشدوا :\rأحبك يا شمسَ النهارِ وبَدْرَه ... وإنْ لامني فيك السُّها والفراقد\rوذاك لأنَّ الفضلَ عندك زاخِرٌ ... وذاك لأنَّ العَيْشَ عندك بارِدُ\rقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ } ولم يقل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، وفي ذلك نوع تخصيص ، وحزب تفضيل يَلْطُفُ عن العبارة ويَبْعُد عن الإشارة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } .\rأي تسمعون دعاءه إياكم ، وتسمعون ما أُنزِلَ عليه من دعائي إياكم .","part":3,"page":10},{"id":1011,"text":"لا تكونوا ممن يشهد جهراً ، ويجحد سِرًّا .\rويقال لا تُقِرُّوا بلسانكم ، وتصِرُّوا على كفرانكم .\rويقال مَنْ نطق بتلبيسِه تشهد الخِبرة بتكذيبه .","part":3,"page":11},{"id":1012,"text":"دواعي الحق بحسن البيان ناطقة ، وألسنة البرهان فيما ورد به التكليف صادقة ، وخواطر الغيب بكشف ظُلَمِ الريْبِ مُفْصِحة ، وزواجر التحقيق عن متابعة التمويه للقلوب ملازمة . فَمنْ صُمَّ عن إدراك ما خوطب به سرُّه ، وعمِيَ عن شهود ما كوشف به قلبه ، وخَرِسَ - عن إجابة ما أُرْشِدَ إليه من حجة - فَهْمُه وعقله فَدُونَ رُتْبةِ البهائم قدْرُه ، وفوق كل ( . . . ) من حكم الله ذُلُّه وصغره .","part":3,"page":12},{"id":1013,"text":"مَنْ أَقْصتْه سوابقُ القسمة لم تُدْنِه لواحقُ الخدمة ، ومنْ عَلِمه اللهُ بنعت الشِّقوة حَرَمَه ما يوجبُ عَفْوَه .\rويقال لو كانوا في متناولات الرحمة لألبسهم صدارَ العصمة ، ولكن سبَق بالحرمان حكمُهم ، فختم بالضلالةِ أمرُهم .","part":3,"page":13},{"id":1014,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ } .\rأجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد ، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية بأنها تكون طوعاً لا كرهاً ، وفَرْقٌ بين من يجيب لخوفٍ أو طمع وبين من يستجيب لا بِعِوَضٍ ولا على ملاحظة غَرَضٍ . وحقُّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أَنْ تَذَرَ من المستطاع بقية .\rوالمستجيبُ لربه محوٌ عن كلِّه باستيلاء الحقيقة ، والمستجيب للرسول - A وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه ، وبالاستجابة للرسول؛ فالعبدُ المستجيبُ - على الحقيقة - من قام بالله سرَّاً ، واتصف بالشرع جهراً فيُفْرِده الحقُّ - سبحانه - بحقائق الجمع و ( . . . ) في مشاهدة الفرق ، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه تكدير ، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير .\rقوله جلّ ذكره : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } .\rإذْ لمَّا أفناهم عنهم أحياهم به .\rويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته ، وأما العالِمون فأحياهم بدلائل ربوبيته ، بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم . وأمَّا الموَحِّدونَ فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير ، والملاحظة لكل حدثان .\rقوله جلّ ذكره : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .\rيصون القلب عن تقليب أربابها فيُقلِّبها كما يشاء هو ، من بيان هداية وضلال ، وغَيبةٍ ووصالٍ ، وحُجْبةٍ وقُرْبة ، ويقينٍ ومرية ، وأُنْسٍ ووحشة .\rويقال صان قلوب العُبَّادِ عن الجنوح إلى الكسل ، فجدُّوا في معاملاتهم ، وصان قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم ، وصان قلوب العارفين - على حدِّ الاستقامة - عن الميْل فتحققوا بدوام مواصلاتهم .\rويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى الله ، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل ، ولا على قلوبهم تعويل . وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه! كما قيل :\rلا يهتدي قلبي إلى غيركم ... لأنه سُدَّ عليه الطريق\rويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم ، قال تعالى : { إنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } [ ق : 37 ] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم .","part":3,"page":14},{"id":1015,"text":"احذروا أن ترتكبوا زلَّةً توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها ، بل يعمُّ شؤمُها من تعاطاها ومن لم بتعاطها .\rوغير المجرم لا يُؤْخَذ بِجُرْم من أذنب ، ولكن قد ينفرِد أحدٌ بجرم فيحمل أقوامٌ من المختصين بفاعل هذا الجُرْم ، كأن يتعصبوا له إذا أُخِذَ بحكم ذلك الجرم فبعد أن لم يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم؛ فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالماً في الحال بل إنها تصيب أيضاً ظالماً في المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم ومطابقته معه ، ورضاه به ، و هذا معنى التفسير من حيث الظاهر . فأمَّا من جهة الإشارة : فإن العبدَ إذا باشر زَلّةً بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة وهي العقوبة المعجلة ، وتصيب النَّفْس منها العقوبة المؤجلة ، والقلبُ إذا حصلت منه فتنة الزلة - عندما بهم بما لا يجوز - تَعدَّتْ فتنته إلى السِّر وهي الحُجْبَةُ .\rوالمُقَدَّمُ في شأنه إذا فعل ما لا يجوز انقطعت البركاتُ التي كانت تتعدى منه إلى مُتَّبِعِيه وتلامذته ، وكان لهم نصيبهم من الفتنة وهم لم يعملوا ذنباً . ويقال إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر عند تَرْكِهِم الأذكار أصابتهم فتنةُ ما فعلوه؛ فلقد قيل إنَّ السفيه إذا لم يُنْهَ مأمورُ . فعلى هذا تصيب فتنةُ الزَّلةِ مرتكبَها ومَنْ تَرَكَ النَّهي عن المنكر - مثل مَنْ ترك الأمر بالمعروف - يؤخذ بِجُرمه .\rويقال إنَّ الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا مما فوق الكفاية - وإن كان من وجهٍ حلال - تؤدي فتنته إلى من يخرج به من المبتدئين ، فبجملة ما أبدى من الرغبة في الدنيا ، وتَرْكِ التقلل يؤدي إلى الانهماك في أودية الغفلة والأشغال الدنيوية .\rوالعابد إذا جَنَحَ عن الأَشَقِّ وتَرَكَ الأوْلى تعدَّى ذلك إلى من كان ينشط في المجاهدة؛ فيستوطنون الكسل ، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصيرون كما قيل :\rإن الشبابَ والفراغ والجدة ... مَفْسَدةٌ للمرء أي مفسدة\rوهكذا يكون نصيبهم من الفتنة .\rوالعارف إذا رجع إلى ما فيه حَظٌّ له ، نَظَرَ إليه المريدُ ، فتتداخله فترة فيما هو به من صدق المنازلة ، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف .\rوفي الجملة إذا غفل المَلِكُ ، وتَشَاغَل عن سياسة رعيته تَعَطَّلَ الجندُ والرعية ، وعَظُمَ فيهم الخَلَلُ والبَليَّة ، وفي معناه أنشدوا :\rرُعَاتُك ضيَّعوا - بالجهل منهم - ... غُنَيْمَاتٍ فَاسَتْها ذِئابُ\r{ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } بتعجيله ذلك ، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبداً ليُعَاقِبَه لا يُمَكِّنه من تلافي موجب تلك العقوبة .","part":3,"page":15},{"id":1016,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَئَاوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصّرِهِ } .\rيُذَكرهم ما كانوا فيه من القِلَّة والذِّلة وصنوف ( . . . ) ثم ما نَقَلَهم إليه من الإِمْكان والبَسْطَة ، ووجوه الأمان والحيطة ، وقَرَّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القِسَم ، وإدامة الحمد على جميل تلك النِّعم ، فمهَّد لهم في ظل أبوابه مقيلاً ، ولم يجعل للعدوِّ إليهم - بيُمْنِ رعايته - سبيلاً .\rقوله جلّ ذكره : { وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .\rرَزَقَ الأشباحَ والظواهرَ من طيبات الغذاء ، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء . وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المُنْعم .","part":3,"page":16},{"id":1017,"text":"الخيانة الاستبطان بخلاف ما يُؤَمَّل منك بحق التعويل ، فخيانةُ اللهِ بتضييع ما ائتمنك عليه ، وذلك بمخالفة النُّصح في دينه ، وخيانة الرسولِ بالاتصاف بمخالفة ما تبدي من مشايعته .\rوالخيانة في الأمانات بترك الإنصاف ، والاتصاف بغير الصدق .\rوخيانة كل أحد على حسب ما وضع عنده من الأمانة ، فمن اؤتمِنَ في مالٍ فتصرَّفَ فيه بغير إذن صاحبه - خيانة ، ومن اؤتمن على الحُرَم فملاحظته إياهن - خيانة . فعلى هذا : الخيانةُ في الأعمال الدعوى فيها بأنها من قِبَلَك دون التحقيق بأنَّ مُنْشِئها اللهُ .\rوالخيانة في الأحوال ملاحظتُك لها دون غيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق ، إن لم يكن استهلاكك في وجود الحق . وإذا أَخْلَلْتَ بِسُنَّةٍ من السُّنَنِ أو أدبِ من آداب الشَّرع فتلك خيانة الرسول A .\rوالخيانة في الأمانات - بينك وبين الخلْق - تكون بإيثار نصيب نفسك على نصيب المسلمين ، بإرادة القلب فضلاً عن المعاملة بالفعل .","part":3,"page":17},{"id":1018,"text":"أموالكم وأولادكم سبب فتنتكم لأن المرءَ - لأجل جمع ماله ولأجل أولاده - يرتكب ما هو خلاف الأمر ، فيورثه فتنة العقوبة .\rويقال الفتنةُ الاختبارُ؛ فيختبرك بالأموال . . هل تؤثرها على حق الله؟\rوبالأولاد . . هل تتركُ لأجلهم ما فيه رضاء الله؟\rفإنْ آثرتم حقَّه على حقِّكم ظهرت به فضيلتُكم ، وإنْ اتصفتم بضدِّه عوملتم بما يوجِبه العكس من محبوبكم .\rويقال المالُ فتنةٌ إذا كان عن اللهِ يشغلكم ، والأولادُ فتنةٌ إذا لأَجْلِهم قَصَّرْتُم في حقِّ الله أو فَرَّطتُم .\rويقال المال - ما للكفافِ والعفافِ - نِعْمَةٌ ، وما للتقاصِر والتفاخرِ فتنةٌ ، وفي الجملة ما يشغلكَ عن اللهِ فهو فتنة .","part":3,"page":18},{"id":1019,"text":"الفرقان ما به يفرق بين الحق والباطل مِنْ عِلْمٍ وافر وإلهام قاهر ، فالعلماء فرقانُهم مجلوبُ برهانِهم ، والعارفون فرقانهم موهوب عرفانهم؛ فأولئك مع مجهود أنفسهم ، وهؤلاء بمقتضى جُودِ ربِّهم .\rوالعرفانُ تعريفٌ من الله ، والتكفيرُ تخفيفٌ من الله ، والغفرانُ تشريفٌ للعبد من الله .","part":3,"page":19},{"id":1020,"text":"ذكره عظيم مِنَّتِه عليه حيث خَلَّصَه من أعدائه حين خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة ، وهمَّوا بقتله ، وحاولوا أن يمكروا به في السِّر ، فأعلمه الله ذلك .\rوالمكرُ إظهارُ الإحسانِ مع قَصْدِ الإساءةِ في السِّر ، والمكرُ من الله الجزاءُ على المكر ، ويكون المكرُ بهم أَنْ يُلْقِيَ في قلوبهم أنه مُحْسِنٌ إليهم ثم - في التحقيق - يُعذِّبهم ، وإذا شَغَلَ قوماً بالدنيا صَرَفَ همومَهم إليها حتى يَنْسَوْا أمر الآخرة ، وذلك مكرٌ بهم ، إذ يُوظِّنُون نفوسهم عليها ، فيتيح لهم من مأمنهِم سوءاً ، ويأخذهم بغتةً .\rومن جملة مكره اغترارُ قومٍ بما يرزقهم من الصيت الجميل بين الناس ، وإجراءِ كثير من الطعات عليهم ، فأسرارهم تكون بالأغيار منوطةً ، وهم عن الله غافلون ، وعند الناس أنهم مُكْرَمُون ، وفي معناه قيل :\rوقد حسدوني في قرب داري منكم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد","part":3,"page":20},{"id":1021,"text":"فَرْطُ جهلهم ، وشؤم جحدهم سَتَرَ على عقولهم قُبْحَ دعاويهم في القدرة على معارضة القرآن فافتضحوا عند الامتحان بعدم البرهان ، والعجز عما وصفوا به أَنفسهم من الفصاحة والبيان ، وقديماً قيل :\rمَنْ تحلَّى بغير ما هو فيه ... فَضَحَ الامتحان ما يدَّعيه\rويقال لمَّا لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حُرِموا بركات الفهم فعدُّوه من جملة أساطير الأولين ، وكذلك منْ لا يراعي على حرمة الأولياء ، يعَاقَبُ بأَنْ تُسْتَرَ عليه أحوالُهم ، فيظنهم مثله في استحقاق مثالبه ، فيطلق فيهم لسان الوقيعة ، وهو بذلك أَحَقُّ ، كما قيل : « رَمَتْنِي بدائِها وانْسَلَّتْ » .","part":3,"page":21},{"id":1022,"text":"دَلَّ سؤالهم العذابَ على تصميم عقدهم على تكذيب الرسول A ، واستيقنوا عند أنفسهم بأنه لا يُسْتَجَابُ فيهم ما يدعونه على أنفسهم .\rوفي هذا أظهر دليل على أن سكون النفس إلى الشيء ليس بعلم؛ لأنه كما يوجد مع العلم يوجد مع الجهل .","part":3,"page":22},{"id":1023,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } .\rما كان الله معذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله ليعذِّبَ أسلافَهم وأنت في أصلابهم ، وليس يعذبهم اليوم وأنت فيما بينهم إجلالاً لقَدْرِك ، وإكراماً لمحلِّك ، وإذا خرجتَ من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون ، فالآية تجل على تشريف قَدْر الرسول - A .\rويقال للجوَارِ حُرْمةٌ ، فَجَارُ الكرام في ظل إنعامهم؛ فالكفار إن لم يَنْعَموا بقرب الرسول - A - منهم فقد اندفع العذاب - بمجاورته - عنهم :\rوأحبُها وأحبُّ منزلَها الذي ... نَزَلَتْ به وأُحِبُّ أهلَ المنزِل\rويقال إذا كان كون الرسول - A - في الكفار يمنع العذاب عنهم فكون المعرفة في القلوب أوْلى بدفع العذاب عنها .\rويقال إن العذاب - وإنْ تأَخَّر عنهم مدة مقامهم في الدنيا ما دام هو عليه السلام فيهم - فلا محالة يصيبهم العذابُ في الآخرة ، إذ الاعتبار بالعواقب لا بالأوقات والطوارق .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } .\rعلم أنه - عليه السلام - لا يتَأَبَّد مُكْثُه في أمته إذا قال له : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخُلْدَ } [ الأنبياء : 34 ] ، فقال إني لا أضيع أمَّتَه وإن قضى فيهم مُدَّتَه ، فما دامت ألسنتهم بالاستغفار مُتَطَلِّعةً فصنوف العذاب عنهم مرتفعة .","part":3,"page":23},{"id":1024,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَآءَهُ } .\rنَفَى العذابَ عنهم في آية ، وأَثْبَتَه في آية ، فالمنفيُّ في الدنيا والمثْبَتُ في الآخرة .\rثم بيَّنَ إيصالَ العذاب إليهم في الآخرة بقوله تعالى . { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ } دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب استحقاق القربة والثواب .\rوفي الآية دليلٌ على أنه لا يعذِّب أولياءه بقوله : { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ } فإذا عذَّبَ مَنْ يكونوا أولياءَه دلَّ على أنه يعذِّب من كان من جملة أوليائه . والمؤمنون كلُّهم أولياءُ الله لأنه قال : { اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا } [ البقرة : 257 ] . والمؤمِنَ - وإنْ عذِّب بمقدار جُرْمِه زماناً فإنه لا يُخَلَّد في دار العقوبة ، فما يُقاسون بالإضافة إلى تأبيد الخَلاصِ جَلَلٌ ، وقيل :\rإذا سَلِمَ العهدُ الذي كان بيننا ... فوُدِّي وإنْ شطَّ المزار سليمُ\rقوله جلّ ذكره : { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .\rوليس أولياؤه إلا المتقون ، وهم الذين اتقوا الشِّرك .","part":3,"page":24},{"id":1025,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصَدِيَةً } .\rتجردت أعمالهم بظواهرهم عن خلوص عقائدهم ، فلم يوجِدْ - سبحانه وتعالى - لها احتساباً؛ فزكاءُ القالة لا يكون إلا مع صفاء الحالة ، وعناء الظاهر لا يُقْبَلُ إلا مع ضياء السرائر .\rقوله جلّ ذكره : { فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } .\rكان العذابُ مُعَجَّلا وهو حسبانهم أنهم على شيء ، قال الله تعالى .\r{ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [ الكهف : 104 ] ، ومؤجَّلاً وهو كما قال الله تعالى : { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ } [ الرعد : 34 ] .","part":3,"page":25},{"id":1026,"text":"يرومون بإنفاقهم صنوفَ أموالهم صلاحاً ونظاماً لأحوالهم ، ثم لا يَحْظَوْن إلا بخسران ، ولا يحصلون إلا على نقصان . خَسِروا وهم لا يشعرون ، وخابوا وسوف يعلمون :\rسوف ترى إذا انجلى الغبارُ ... أَفَرَسٌ تحتك أم حِمارُ؟\rقوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهُنَّمَ يُحْشَرُونَ } إنَّهم وإن أَلْهَتْهُم أموالُهم فإلى الهوان والذِّلة مآلُهم ، لم تُغْنِ عنهم أموالهُم ، ولم تنفعهم أعمالُهم ، بل خُتِمَتْ بالشقاوة أحوالُهم .","part":3,"page":26},{"id":1027,"text":"الخبيث ما لا يصلح لله ، والطيب ما يصلح لله .\rالخبيث ما حكم الشرعُ بقبحه وفساده ، والطيب ما شهد العلم بحسنه وصلاحه .\rويقال الخبيث الكافرُ ، والطيِّبُ المؤمِنُ .\rالخبيثُ ما شَغَل صاحبَه عن الله ، والطيِّبُ ما أوصل صاحبه إلى الله .\rالخبيثُ ما يأخذه المرءُ وينفقه لحظِّ نفسه ، والطيب ما ينفقه بأمر ربه .\rالخبيث عملُ الكافرِ يُصَوَّر له ويُعَذَّب بإِلقائه عليه ، والطيِّبُ عملُ المؤمن يُصَورُ له في صورةٍ جميلة فيحمل المؤمن عليه .","part":3,"page":27},{"id":1028,"text":"إنْ كبحوا لجام التمرد ، وأقلعوا عن الركض في ميدان العناد والتَّجَبُّر أَزَلْنا عنهم صَغَارَ الهوان ، وأَوْجَبْنا لهم رَوْحَ الأمان .\rويقال إن حلُّوا نطاق العناد أطلقنا عنهم عقال البعاد .\rويقال إن أبصروا قُبْحَ فِعالهم جُدْنا عليهم بإصلاح أحوالهم .\rويقال إنْ جنحوا للاعتذار ألقينا عليهم حالة الاغتفار .\rويقال إن عادوا إلى التَّنّصُّل أبحنا لهم حُسْنَ التَّفَضُّل :\rأناسٌ أعرضوا عنّا ... بلا جُرْمٍ ولا معنى\rأساءوا ظَنَّهم فينا ... فهلاَّ أحسنوا الظنَّا\rفإن كانوا لنا - كُنَّا ، ... وإنْ عادوا لنا عُدْنا\rوإن كانوا قد اسْتَغْنَوْا ... فإنَّا عنهمُ أغنى","part":3,"page":28},{"id":1029,"text":"أمرهم بمقاتلة الكفار والإبلاغ فيها حتى تُسْتأصل شأفتُهم بحيث يأَمَن المسلمون مَضَرَّتَهم ، ويكفَونُ بالكلية فتنتهم . . وحَيَّةُ الوادي لا تُؤْمَنُ ما دامت تبقى فيها حركة؛ كذلك العدو إذا قُهِر فحقُّه أن تُقْتلعَ جميعُ عروقه ، وتُنَقَّى رِبَاعُ الإسلام من كل شكيرة تنبت من الشرك .","part":3,"page":29},{"id":1030,"text":"فإن أَبَوْا عُتُوَّا ، وعن الإيمان إلا نُبُوَّأ ، فَلاَ على قلوبكم ظِلُّ مخافةٍ منهم؛ فإن اللهَ - سبحانه - وليُّ نصرتكم ، ومتولِّي كفايتكم؛ إنْ لم تكونوا بحيث نِعْمَ العبيد فهو نِعْم المولى لكم ونِعْمَ الناصر لكم .\rويقال نِعمَ المولى لكم يوم قسمة العرفان ، ونِعْم الناصرُ لكم يوم نعمة الغفران ويقال نِعْم المولى لك حين لم تكن ، ونِعْمَ الناصر لك حين كنتَ .\rويقال نعم المولى بالتعريف قَبْلَ التكليف ، ونِعْم الناصر لكم بالتخفيف والتضعيف؛ يُخَفِّفُ عنكم السيئات ويضاعف الحسنات :\rوهواكِ أولُ ما عَرَفْتُ مِنَ الهوى ... والقلبُ لا ينسى الحبيبَ الأَوَّلا","part":3,"page":30},{"id":1031,"text":"الغنيمةُ ما أخذه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظَفِروا عند المجاهدة والقتال معهم . فإذا لم يكن قتال - أو ما في معناه - فهو فَيْءٌ .\rوالجهاد قسمان : جهاد الظاهر مع الكفار ، وجهاد الباطن مع النَّفْس والشيطان وهو الجهاد الأكبر - كما في الخبر .\rوكما أن في الجهاد الأصغر غنيمةً عند الظَّفَرِ ، ففي الجهاد الأكبر غنيمة ، وهو يملك العبدُ نَفْسَه التي كانت في يد العدو : الهوى والشيطان . فبعد ما كانت ظواهرُه مقَرًّا للأعمال الذميمة ، وباطنُه مستقراً للأحوال الدَّنِيَّة يصير محلُّ الهوى مَسْكَنَ الرِّضا ، ومَقَرُّ الشهواتِ والمُنَى مُسَلَّماً لِمَا يَرِدُ عليه من مطالبات المولى ، وتصير النَّفْسُ مُسْتَلَبةً مِنْ أَسْرِ الشهوات ، والقلبُ مُخْتَطَفاً من وصف الغفلات ، والرُّوحُ مُنْتَزَعَةٌ من أيدي العلاقات ، والسِّرُّ مصُونًا عن الملاحظات . وتصبح غاغةُ النَّفْسِ مُنْهَزِمةً ، ورياسةُ الحقوقِ بالاستجابة لله خافِقةً .\rوكما أن من جملة الغنيمة سَهْماً لله وللرسول ، وهو الخُمْسُ فمما هو غنيمة - على لسان الإشارة - سهمٌ خالِصٌ لله؛ وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب ، لا من كرائم العُقْبى ، ولا من ثمرات التقريب ، ولا من خصائص الإقبال ، فيكون العبدُ عند ذلك مُحَرَّراً عن رِقِّ كل نصيب ، خالصاً لله بالله ، كما قيل :\rمَنْ لم يكن بِك فانياً عن حظِّه ... وعن الهوى والإنْس والأحبابِ\rفكأنه - بين المراتب - واقِفٌ ... لمنَالِ حظٍّ أو لِحُسْنِ ثواب","part":3,"page":31},{"id":1032,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذْ أَنتُم بِالعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالعُدْوَةِ القُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِى المِيِعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } .\rيخبر - سبحانه - أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال ، وما حَصَلَ من فنون الأحوال كان بحكم التقدير ، لا بما يحصل من الخَلْق من التدبير ، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةُ التفكير . بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد ، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتَبَاعدُ ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا ، وحصل من الأمور ما سَبَقَ به التقدير .\rقوله جلّ ذكره : { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } .\rأي ليُضِلَّ منْ زاغ عن الحقِّ بعد لزومه الحجبة ، ويهتديَ مَنْ أقام على الحقِّ بعد وضوح الحُجَّة .\rويقال الحقُّ أوْضَحَ السبيلَ ونَصَبَ الدليلَ ، ولكن سَدَّ بصائرَ قومٍ عن شهود الرشد ، وَفَتح بصائرَ آخرين لإدراك طرق الحق .\rالهالك من وقع في أودية التفرقة ، والحيُّ مَنْ حَيِيَ بنور التعريف .\rويقال الهالك من كان بحظِّه مربوطاً ، والحيُّ من كان من أسْرِ كلِّ نصيبٍ مُسْتَلَباً مجذوباً .","part":3,"page":32},{"id":1033,"text":"قيل أراه إياهم في نومه A - بوصف القِلَّة ، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم .\rوقيل أراه في منامه أي في محل نومه أي في عينيه ، فمعناه قلَّلَهم في عينيه؛ لأنهم لو استكثروهم لفشلوا في قتالهم ، ولانكسرت بذلك قلوبُ المسلمين .\rوفي الجملة أراد اللهُ جريانَ ما حصل بينهم من القتال يومَ بدر ، وإنَّ اللهَ إذا أراد أمراً هَيَّأ أسبابَه؛ فقلَّلَ الكفارَ في أعين المسلمين فزادوا جسارةً ، وقلَّلَ المسلمين في أعين الكفار فازدادوا - عند نشاطهم إلى القتال - صغراً في حكم الله وخسارةً .\r{ واللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ آل عمران : 154 ] : وكيف لا؟ ومنه تصدُرُ المقاديرُ ، وإليه تُرْجَع الأمور .\rويقال إذا أراد الله نصرة عبدٍ فلو كَادَ له جميعُ البشر ، وأراده الكافةُ بكل ضَرَرٍ ، لا ينفع مَنْ شاءَ مَضَرَّتَه كَدٌّ ، ويحصل بينه وبين متاح لطفه به سَدٌّ .\rوإذا أراد بعبدٍ سوءاً فليس له رَدٌّ ، ولا ينفعه كَدٌّ ، ولا ينعشه بعد ما سقط في حكمه جَهْدٌ .","part":3,"page":33},{"id":1034,"text":"أراد إذا لقيتم فئةً من المشركين فاثبتوا . والثباتُ إنما يكون بقوة القلب وشدة اليقين ، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة ، والتحقق بالله ، وشهود الحادثات كلها مِنْهُ ، فعند ذلك يستسلم الله ، ويرضى بحكمه ، ويتوقع منه حُسْنَ الإعانة ، ولهذا أحالَهم على الذكر فقال : { وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا } .\rويقال إنَّ جميعَ الخيراتِ في ثبات القلب ، وبه تَبِينُ أقدارُ الرجالِ ، فإذا وَرَدَ على الإنسان خاطرٌ يزعجه أو هاجِسٌ في نفسه يهيجه . . . فَمَنْ كان صاحبَ بصيرةٍ تَوَقفَ ريثما تَتَبَيَّنُ له حقيقةُ الوارد ، فيثبُتُ لكونه رابطَ الجأش ، ساكنَ القلب ، صافيَ اللُّب . . وهذا نعت الأكابر .","part":3,"page":34},{"id":1035,"text":"الموافقة بين المسلمين أصلُ الدِّين . وأولُ الفساد ورأسُ الزَّلَلِ الاختلافُ . وكما تجب الموافقة في الدين والعقيدة تجب الموافقة في الرأي والعزيمة .\rقال تعالى في صفة الكفَّار : { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } [ الحشر : 14 ] ، وإنما تتحد عزائم المسلم لأنهم كلَّهم يجمعهم التبرِّي مِنْ حوْلِهم وقُوَّتهم ، ويتمحضون في رجوعهم إلى الله ، وشهودهم التقدير ، فيتحدون في هذه الحالة الواحدة .\rوأمَّا الذين تَوهَّمُوا الحادثاتِ من أنفسهم فَضَلُّوا في ساحات حسبانهم ، وأجْرَوْا الأمور على ما يسنح لرأيهم ، فكلٌّ يبني على ما يقع له ويختار ، فإذا تنازعوا تَشَعَّبَتْ بهم الآراءُ ، وافترقت بهم الطرقُ ، فيضعفون ، وتختلف طُرُقُهم . وكما تجب في الدين طاعةُ رسول الله - A - تجب طاعة أولي الأمر ، ولهذا يجب في كل وقت نَصْبُ إمام للمسلمين ، ثم لا تجوز مخالفته ، قال النبي - A - : « أطيعوه ولو كان عبداً مجده » وكان الرسول - A - إذا بعث سرِيَّةً أمَّر عليهم أميراً وقال : « عليكم بالسواد الأعظم » .\rوإجماعُ المسلمين حُجَّةٌ ، وصلاة الجماعة سُنَّةٌ مؤكَّدة ، والاتِّباعُ محمودٌ والابتداع ضلالة .\rقوله { واصْبِروا } الصبر حَبْسُ النَّفْس على الشيء ، والمأمور به من الصبر ما يكون على خلاف هواك .\r{ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } يتولى بالكافية إذا حصل منهم الثباتُ وحَسُنَ التفويضُ .","part":3,"page":35},{"id":1036,"text":"يريد أنَّ أهل مكة لما خرجوا من مكة عام بدر لنصرة العير مَلَكَتْهُم العِزَّةُ ، واستمكن منهم البَطَرُ ، وداخَلَهم رياءُ الناس ، فارتكبوا في شِبَاكِ غَلَطِهم ، وحصلوا على ما لم يحتسبوه . وأمَّا المؤمنون فَنَصَرَهم نَصْراً عزيزاً ، وأزال عن نبيِّه - عليه السلام - ما أظَلَّه من الخوف وبِصِدْقِ تبريه عن حوله ومُنَّتِه - حين قال : « لا تكلني إلى نفسي » - كفاه بحسن التولِّي فقال { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } .","part":3,"page":36},{"id":1037,"text":"الشيطان إذا زيَّن للإنسان بوساوسه أمراً ، والنَّفْسُ إذا سوَّلت له شيئاً عَمِيَتْ بصائرُ أرباب الغفلة عن شهود صواب الرُّشد ، فيبقى الغافل في قِياد وساوسه ، ثم تلحقه هواجمُ التقدير من كوامن المكر من حيث لا يرتقب ، فلا الشيطان يفي بما يَعِدُه ، ولا النفس شيئاً مما تتمنَّاه تجده ، وكما قال القائل :\rأحسنتَ ظنَّك بالأيام إذ حَسُنَتْ ... ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ\rوسالمتْكَ الليالي فاغتَررْتَ بها ... وعند صفوِ الليالي يَحْدُثُ الكَدرُ","part":3,"page":37},{"id":1038,"text":"إن أصحابَ الغفلة وأرباب الغِرَّة إذا هبَّتَ رياحْ صَوْلَتهِم في زمان غفلتهم يلاحظون أهلَ الحقيقة بعينِ الاستحقار ، ويَحْكمُون عليهم بضعف الحال ، وينسبونهم إلى الضلال ، ويعدونهم من جملة الجهَّال ، وذلك في زمان الفترة ومدة مُهْلةِ أهل الغيبة .\rوالذين لهم قوة اليقين ونور البصيرة ساكنون تحت جريان الحكم ، يَرَوْن الغائبات عن الحواس بعيون البصيرة من وراء ستر رقيق؛ فلا الطوارقُ تهزمهم ، ولا هواجم الوقت تستفزهم ، وعن قريب يلوح عَلَمُ اليُسْرِ ، وتنجلي سحائبُ العُسْر ، ويمحق اللهُ كيد الكائدين .","part":3,"page":38},{"id":1039,"text":"يُسَلِّيهم عندما يُقاسُون من اختبارات التقدير بما يُذَكِّرهم زوالَ المحنة ، ووَشْكَ رَوْح اليسر ، وسرعةَ حصول النصر ، وحلولَ النِّقَم بمرتكبي الظلم . والمؤمنُ كثيرُ الظَّفَرِ؛ فإذا شاهد بأرباب الجرائم حلولَ الانتقام رَقَّ قلبُه لهم ، فلا ينخرط في سِلْكِ الشماتة؛ إذ يخلو قلبه من شهوة الانتقام ، بل يجب أن يكون كل أحد بحُسْنِ الصفة ، وكما قيل :\rقومٌ إذا ظَفِروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا","part":3,"page":39},{"id":1040,"text":"يُعرِّفهم أنَّ ما أصابهم مِنْ شِدَّةِ الوَطْأَةِ جَزَاءٌ لهم على ما أسلفوه من قبيح الزَّلةَ ، كما قيل :\rسَنَنْتَ فينا سننا ... قذف البلايا عُقْبَه\rيصير على أهوالها ... مَنْ بَرَّ يوم ربَّه\r{ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ } أي كيفما يعاملهم في السَّراء والضرَّاء فذلك منه حَسَن وعَدْلٌ ، إذ المُلْكُ مُلْكُه ، والخلْقُ خَلْقُه ، والحكمْ حُكْمُه .","part":3,"page":40},{"id":1041,"text":"لمَّا سلكوا مسلكَ أَهلِ فرعون في الضلال ، سَلَكْنا بهم مسلكهم فيما أذقناهم من العذاب وسوء الحال ، وسُنَّةُ الله ألا تغيير في الإنعام ، وعادته ألا تبديلَ في الانتقام ، ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بما يشهد اعْتَبَرَ بما يصنعه به .","part":3,"page":41},{"id":1042,"text":"إذا أَنْعَمَ الحقُّ - سبحانه - على قوم نِعمةً وأراد إمهالهم أكرمهم بتوفيق الشكر ، فإذا شكروا نعمته فبقدر الشكر دامت فيهم .\rوإذا أراد - سبحانه - إزالةَ نعمةٍ عن عبدٍ أَذَلَّه بخذلان الكفر ، فإذا حَالَ عن طريق الشكر عرَّض النِّعمة للزوال . فما دام العبدُ يشكر النعمة مقيماً كان الحقُّ في إنعامه عليه مُديماً ، فإذا قابل النعمة بالكفر انتثر سِلْكُ نظامه ، فبقدر ما يزيد في إصراره يزول الأمر عن قراره .","part":3,"page":42},{"id":1043,"text":"تنوَّعَتْ من آل فرعون الذنوب فَنَوَّعَ لهم العقوبة ، وكذلك هؤلاء : عُوقِبوا بأنواعٍ من العقوبة لَمَّا ارتكبوا أنواعاً من الزَّلة .\rوفائدةُ تكرارِ ذِكْرِهم تأكيدٌ في التعريف أنه لا يهمل المُكَلَّفَ أصلاً ، وإنْ أهمله حيناً ودهراً .","part":3,"page":43},{"id":1044,"text":"{ عِنْدِ اللهِ } : في سابق علمه وصادق حكمه؛ فإذا كانوا في عِلْمهِ شَرَّ الخلائق فكيف يسعدون باختلاف السعايات وصنوف الطوارق؟\rهيهات أن تتبدل الحقائق! .\rوإذا قال : { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } - وكلامه صِدقٌ وقولُه حقٌّ - فلم يبقَ للرجاء فيهم مساغ ، ولا ينجع فيهم نُصْحٌ وإبلاغ .","part":3,"page":44},{"id":1045,"text":"أي الذين صار نقضُ العهد لهم سجيةً؛ فلم يَذَروا من استفراغ الوسع في جهلهم بقية .\rوإن من الكبائر التي لا غفران لها من هذه الطريق أن ينقض العبدُ عهداً ، أو يترك عقداً التزمه بقلبه مع الله . أولئك الذين سقطوا عن ( . . . . ) الله ، فرفع عنهم ظلَّ العناية والعصمة .","part":3,"page":45},{"id":1046,"text":"يريد إنْ صَادَفْتَ واحداً من هؤلاء الذين دأبُهم نقضُ العهد فاجعلهم عِبْرَةً لمن يأتي بعدهم لئلا يسلكوا طريقَهم فيستوجبوا عُقُوبَتَهُم .\rكذلك مَنْ فَسَخَ عقده مع الله بقلبه برجوعه إلى رُخَصِ التأويلات ، وتزوله إلى السكون مع العادات يجعله الله نكالاً لمن بعده ، بحرمانه ما كان خوَّلَه ، وتنغيصه عليه ما من حظوظه أَمَّلَه ، فيفوته حق الله ، ولا يكون له امتناع عما آثره على حق الله :\rتبدَّلت وتبدَّلنا واحسرتا لمن ... ابتغى عِوضاً لليلى فلم يجد","part":3,"page":46},{"id":1047,"text":"يريد إذا تحقَّقْتَ بخيانة قوم منهم فَصَرِّح بأنه لا عهدَ بينك وبينهم ، فإذا حصلت الخيانةُ زال سَمَتُ الأمانة ، وخيانةُ كلِّ أحدٍ على ما يليق بحاله ، ومَنْ ضَنَّ بميسورٍ له فقد خانَ في عهده ، وزاغ عن جده ، وعقوبته مُعَجَّلة ، فهو لا يحبُّه الله ، وتكون عقوبته بإذلاله وإهانته .","part":3,"page":47},{"id":1048,"text":"كيف يعارِضُ الحقَّ أو ينازعه مَنْ في قَبْضَتِه تَقَلُّبُه ، وبقدرته تَصرُّفه ، وبتصريفه إياه عَدَمه وثبوتُه .","part":3,"page":48},{"id":1049,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الخَيْلِ } .\rأعدوا لقتالِ الأعداءِ ما يبلغ وسعكم ذلك من قوة ، وأَتَمُّهَا قوةٌ القلبِ باللهِ ، والناسُ فيها مختلفون : فواحِدٌ يَقْوَى قلبُه بموعود نَصْرِه ، وآخرُ يَقْوى قَلْبُه بأنَّ الحقَّ عالِمٌ بحاله ، وآخر يقوى قلبه لتحققه بأن يشهد من ربه ، قال تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [ الطور : 48 ] ، وآخر يقوى قلبُه بإيثار رضاء الله تعالى على مراد نفسه ، وآخر يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه به .\rويقال أقوى محبة للعبد في مجاهدة العبد وتبرِّيه عن حاله وقوَّتِه .\rقوله جلّ ذكره : { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَئٍ فِى سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } .\rالإشارة فيه أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها ، أو لاشتفاء صدره من قضية حقد ، بل قصده أن تكون كلمة الله هي العليا .","part":3,"page":49},{"id":1050,"text":"بعث الله نبيه - A - بالرحمة والشفقة على الخلْق ، وبمسالمة الكفار رَجَاء أن يُؤمِنوا في المُسْتَأنف فإِنْ أَبَوْا فليس يخرج أَحدٌ عن قبضة العِزَّة .\rويقال العبوديةُ الوقوفُ حيثما وقفت؛ إنْ أُمِرْتَ بالقتال فلا تُقَصِّرْ ، وإنْ أُمَرْتَ بالمواعَدةِ فمرحباً بالمُسَالَمةِ ، { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ } في الحالين فإنه يختار لك ما فيه الخيرة ، فيوفِّقُك لِمَا فيه الأَوْلى ، ويختار لك ما فيه من قِسمي الأمر - في الحربِ وفي الصُّلحِ - ما هو الأعلى .","part":3,"page":50},{"id":1051,"text":"أي إنْ لَبَّسُوا عليك ، وراموا خِداعَك بطلب الصُّلح منك - وهم يستبطنون لك بخلاف ما يظهرونه - فإنَّ اللهَ كافِيكَ ، فلا تَشْغلْ قلبَك بغفلتك عن شرِّ ما يكيدونك؛ فإني أعْلَمُ ما لا تعلم ، وأقْدِر على ما لا تقدر .\rهو الذي بنصره أفْردَكَ ، وبلطفِه أيَّدَكَ ، وعن كل سوءٍ ونصيبٍ طَهَّرَك ، وعن رقِّ الأشياء جَرَّدَكَ ، وفي جميع الأحوال كان لك .\rهو الذي أيَّدك بمن آمن بك من المؤمنين ، وهو الذي ألَّف بين قلوبهم المختلفة فجَمَعَها على الدَّينِ ، وإيثارِ رضاء الحق . ولو كان ذلك بِحَيلِ الخلْق ما انتَظمَتْ هذه الجملة ، ولو أبلغتَ بكلِّ ميسورٍ من الأفعال ، وبذلتَ كُلَّ مُستطاعٍ من المال - لَمَا وَصَلَتْ إليه .","part":3,"page":51},{"id":1052,"text":"أحسنُ التأويلات في هذه الآية أن تكون « مَنْ » في محل النَّصب؛ أي ومَنْ اتبعك من المؤمنين يَكفيهم الله .\rومن التأويلات في العربية أن تكون « مَنْ » في محل الرفع أي حسبُك مَنْ اتبعك من المؤمنين .\rوقد عُلِمَ أن استقلال الرسول - A - كان بالله لا بمن سوى الله ، وكلُّ مَنْ هو سوى الله فمحتاجٌ إلى نصرة الله ، كما أن رسول الله محتاج إلى نصرة الله .","part":3,"page":52},{"id":1053,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ } .\rالمؤمن لا يزداد بنفسه ضعفاً إلاَّ ازداد بقلبه قوةً ، لأن الاستقلال بقوة النَّفس نتيجةُ الغفلة ، وقوةُ القلب بالله - سبحانه - على الحقيقة .\rقوله جلّ ذكره : { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } .\rهذا لهم ، فأمَّا النبي - A - فهو بتوحيده كان مُؤمِّلاً بأَنْ يَثْبُتَ لجميع الكفار لكمال قوَّته بالله تعالى ، قال عليه السلام : « بِكَ أصول » ، وفي تحريضه للمؤمنين على القتال كانت لهم قوة ، وبأمر الله كانت لهم قوة؛ فقوة الصحابة كانت بالنبي - E ، وتحريضه إياهم وقوتهم بذلك كانت بالله وبأمره إياه . . . وشتَّان ما هما!\rقوله : { الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } : والضَّعْفُ الذي علم فيهم كان ضَعْفَ الأشباح فخفَّفَ عنهم ، أما القلوبُ فلم يتداخلها الضعف فحُمِلَ من ممارسة القتال بالعذر المذكور في الكتاب .\rوالعوام يحملون المشاقَّ بنفوسهم وجسومهم ، والخواص بقلوبهم وهممهم ، وقالوا : « والقلبُ يحْمِلُ مَا لاَ يَحْمِلُ البَدَنُ » وقال آخر .\rوإنْ تَرَوْني أُعاديها فلا عَجَبٌ ... على النفوسِ جناياتٌ من الهِمَم","part":3,"page":53},{"id":1054,"text":"أي لا ينبغي لنبي من الأنبياء - عليهم السلام- أن يأخذ أسارى من أعدائه ثم يرضى بأن يأخذ منهم الفِداء ، بل الواجب عليه أن يُثْخِنَ في الأرض أي يبالغ في قتل أعدائه - إذ يُقال أثخنه المرضُ إذا اشتدَّ عليه . وقد أَخذ النبي - A - يوم بدرٍ منهم الفِداء ، وكان ذلك جائزاً لوجوب القول بعصمته ، ولكن لو قاتلتم كان أوْلى . وأراد « بعَرَضِ الدنيا » أخذ الفداء ، والله جعل الفداء ، والله جعل رضاه في أن يقاتلوهم ، وحرمة الشرع خلاف رحمة الطبع؛ فشرطُ العبودية أن يؤثر العبدُ الله ، وإذا كان الأمر بالغِلظة فكما قال تعالى : { وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللهِ } [ النور : 2 ] .\r{ وَاللهُ عَزِيزٌ } : بالانتقام من أعدائه « حكيمُ » : في جميع ما يصنع من التمليك والإملاك ، والتيسير والتدبير .","part":3,"page":54},{"id":1055,"text":"لولا أن حكم في آزاله بإحلال الغنيمة لمحمد A وأمته لَمَسَّكُم - لأَجْلِ ما أخذتُم من الفداء منهم يومَ بدر - عذابٌ عظيم ، ولكن الله أباح لكم الغنيمة فأَزال عنكم العقوبة .","part":3,"page":55},{"id":1056,"text":"الحلال ما كان مأذوناً فيه ، والحلالُ الطيِّبُ أنْ تعلم أن ذلك مِنْ قَبلِ الله فضلاً ، وليس لَكَ مِنْ قَبْلِكَ استحقاقاً .\rويقال الحلال الصافي ما لم يَنْسَ صاحبُه فيه معبوده .\rويقال هو الذي لا يكون صاحبُه عن شهود ربِّه - عند أخذه - غافلاً .","part":3,"page":56},{"id":1057,"text":"الذي يعْطَوْنه خيرٌ مما أُخِذَ منهم . ويحتمل أن يكون ما في الآخرة من حسن الثواب ، ويحتمل أن يكون ما في الدنيا من جميل العِوَض . ويقال هو ما يوصلهم إليه من توفيق الطاعات ، وحلاوة الإيمان ، وهو خيرٌ مما أُخِذَ منهم .\rويقال ما أعطاهم من الرضاء بما هم فيه من الفقر ، بعدما كانوا أغنياءَ في حال الشِّرْك .","part":3,"page":57},{"id":1058,"text":"يريد إنْ عادوا إلى قتالك بعدما مَنَنْتَ عليهم بالإطلاق وخانوا عَهْدَكَ ، فالخيانة لهم دأب وطريقة ، ثم إنَّا نُمَكِّنُكَ منهم ثانياً كما أمْكَنَّاكَ من أسْرهم أولاً ، وقيل :\rإنْ عَادَتْ العَقْربُ عُدنا لها ... وكانت النَّعْلُ لها حاضرة","part":3,"page":58},{"id":1059,"text":"ذَكَرَ صفةَ المهاجرين مع الرسول - A - وصفتهم أنهم آمنوا ثم هاجروا مع الرسول صلوات الله عليه وسلامه ، ثم { وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } هؤلاء هم المهاجرون .\rأما الذين آووا فهم الأنصار؛ أووا الرسول - عليه السلام - والمؤمنين .\rفهذان الفريقان بعضهم أولياء بعض في النصرة والدين .\rوأما الذين آمنوا ولكن لم يهاجروا فليست لهم هذه الموالاة إلى أن يهاجروا ، وإنْ استعانوا بكم فعليكم نصرهم .\r{ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ } وهم المُعاهِدون معكم .\rوكمالُ الهجرةِ مفارقَةُ الأخلاق الذميمة ، وهجران النَّفْس في تَرْكِ إجابتها إلى ما تدعو إليه من شهواتها . ومن ذلك هجران إخوان السوء ، والتباعد عن الأوطان التي باشر العبدُ فيها الزَّلة ، ثم الهجرة من أوطان الحظوظ إلى أوطان رضاء الحق .\rوأما قوله { وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوا } فهم الذين يؤثرون إخوانَهم على أَنْفُسِهم ولو كان بهم خصاصة ، عَوَامُّ هؤلاء في الأمور الدنيوية ، وخواصُّهم في الكرائم في الآخرة ، وخاصُّ الخاصِّ في كل ما يصحُّ به الإثبات من سنِّي الأحوال إلى ما لا يدرك الوهم .","part":3,"page":59},{"id":1060,"text":"قَطَعَ العصمةَ بينهم وبين المؤمنين ، فالمؤمنِ للأجانبِ مُجَانِبٌ ، وللأقارب مقارِبٌ . والكفَّارُ بعضهم لبعضهم ، كما قيل : « طيرُ السماءِ على أُلاَّفِها تقعُ » .","part":3,"page":60},{"id":1061,"text":"يريد مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهم في الحال ، ومَنْ سيلحق بهم في الاستقبال وآتى الأحوال فالألْفَةُ تجمعهم ، والولاية تشملهم ، فلهم من الله في العقبى جزيلُ الثواب ، والنجاةُ من العذابِ . ولهم في الدنيا الولايةُ والتناصُر ، والمودة والتقارب ، والله أعلم .","part":3,"page":61},{"id":1062,"text":"الفراقُ شديدٌ ، وأشدُّه ألا يَعْقُبَه وصال ، وفراقُ المشركين كذلك لأنه قال : { إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } [ النساء : 48 ] .\rويقال مَنْ مُنِيَ بفراق أحبائه فبئست صحبته . وقد كان بين الرسول عليه السلام وبين أولئك المشركين عهد ، ولا شكَّ أنهم كانوا قد وطَّنوا نفوسَهم عليه ، فنزل الخبرُ من الغيب بغتةً ، وأتاهم الإعلامُ بالفرقةِ فجأةً ، فقال : { بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ } [ التوبة : 1 ] ، أي هذه براءة من الله ورسوله ، كما قيل :\rفَبِتَّ بخيرٍ - والدُّنَى مطمئنةٌ ... وأصبحتَ يوماً والزمانُ تَقَلَّبَا\rوما أشدَّ الفُرقةَ - لا سيَّما إذا كانت بغتةً على غير تَرَقُّبٍ - قال تعالى : { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } [ مريم : 39 ] وأنشدوا :\rوكان سراجُ الوصلِ أزهر بيننا ... فهبَّتْ به ريحٌ من البَيْن فانطفا","part":3,"page":62},{"id":1063,"text":"إِنْ قَطَعَ عنهم الوصلةَ فقد ضَرَبَ لهم مدةً على وجه المُهْلَةِ ، فَأَمَّنْهُم في الحالِ ليتأهبوا لِتَحَمُّلِ مقاساةِ البراءةِ فيما يستقبلونه في المآلِ .\rوالإشارةُ فيه : أنهم إِنْ أقلعوا في هذه المهلة عن الغَيِّ والضلال وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال ، وإِنْ أَبَوْا إلا التمادي في تَرْكِ الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة .\rثم قال : { واعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِى الكَافِرِينَ } والإشارة فيه : إنْ أصررتم على قبيح آثاركم سعَيْتُم إلى هلاككم بِقَدَمِكُم . وندمتم في عاجلكم على سعيكم ، وحَصُلْتُم في آجِلِكم على خسرانكم؛ وما خَسِرْتُم إلا في صفقتكم ، وما ضَرَّ جُرْمُكم سواكم وأنشدوا :\rتبَدَّلَتْ وتبدَّلْنا واحسرتا ... مَنْ ابتغى عِوَضاً لليلى فلم يَجِدِ","part":3,"page":63},{"id":1064,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ } .\rأي لِيَكُنْ إعلامٌ من الله ورسوله للناس بنقض عهدهم ، وإِعلانٌ عنهم بأنهم ما انقطعوا عن مألوفهم من الإهمال ومعهودهم ، وقد برح الخفاء من اليوم بأنهم ليس لهم ولاءٌ ، ولم يكن منهم بما عقدوا وفاءٌ ، فَلْيَعْلَمْ الكافةُ أنهم أعداءٌ ، وأنشدوا :\rأشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قصةٍ ... وكانوا لنا سِلْماً فصاروا لنا حربا\rقوله جلّ ذكره : { أَنَّ اللهَ بَرِئٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ } .\rمَنْ رأى من الأغيار - شظيةً من الآثار ، ولم يَرَ حصولَهَا بتصريفِ الأقدار فقد أشرك - في التحقيق - واستوجب هذه البراءة .\rومَنْ لاَحَظَ الخلْق تَصَنُّعاً ، أو طالَعَ نَفْسَه إعجاباً فقد جعل ما للهِ لغير الله ، وظنَّ ما لله لغير الله ، فهو على خطرٍ من الشِّرْكِ بالله .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أليمٍ } .\rإنْ عادوا إلى البابِ لم يقطعْ رجاءهم ، ومدَّ إلى حدِّ وضوحِ العُذْرِ إرجاءَهم . وبيَّن أنهم إِنْ أَصَرُّوا على عُتُوِّهم فإلى ما لا يُطِيقون من العذاب مِنْقَلبهُم ، وفي النار مثواهم .","part":3,"page":64},{"id":1065,"text":"منْ وَفَّى الحقَّ في عقدِه فَزِدْه على حفظِ عهدهِ؛ إذ لا يستوي مَنْ وفَّاه ومنْ جفاه .","part":3,"page":65},{"id":1066,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ } .\rيريد إذا انسلخ الحُرُمُ فاقتلوا مَنْ لا عهدَ له من المشركين ، فإنَّهم - وإن لم يكن لهم عهد وكانوا حُرُماً - جعل لهم الأمانَ في مدة هذه المُهلَة ، ( . . . . ) فكرتم يأمر بترك قتال مَنْ أَبَى كيف يرضى بقطع وصال مَنْ أَتَى؟!\rقوله جلّ ذكره : { فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } .\rأَمَرَهم بمعالجة جميع أنواع القتال مع الأعداء .\rوأَعْدَى عدوِّك نَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك؛ فسبيلُ العبدِ في مباشرة الجهاد الأكبر مع النَّفْس بالتضييق عليها بالمبالغة في جميع أنواع الرياضات ، واستفراغ الوسع في القيام بصدق المعاملات . ومِنْ تلك الجملة ألا ينزلَ بساحات الرُّخَصِ والتأويلات ، ويأخذَ بالأشقِّ في جميع الحالات .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rحقيقة التوبة بالرجوعُ بالكلية من غير أن تتركَ بقية . فإِذا أَسْلَم الكافرُ بعد شِرْكه ، ولم يُقَصِّرْ في واجبٍ عليه من قِسْمَىْ فِعله وتَرْكِه ، حَصَلَ الإذنُ في تَخْلِيَةِ سبيله وفكِّه :\rإن وَجَدْنَا لِمَا ادَّعَيْتَ شهوداً ... لم تَجدْ عندنا لحقٍّ حدودا\rوكذلك النَّفْسُ إذا انخنست ، وآثارُ البشرية إذا انْدَرَسَتْ ، فلا حَرَجَ - في التحقيق - في المعاملات في أوان مراعاة الخطرات مع الله عند حصول المكاشفات . والجلوسُ مع الله أَوْلَى من القيام بباب الله تعالى ، قال تعالى فيما ورد به الخبر : « أنا جليس مَنْ ذكرني » .","part":3,"page":66},{"id":1067,"text":"إِذا استجار المُشْرِكُ - اليوم - فلا يُردُّ حتى يسمَع كلام الله ، فإِذا استجار المؤمنُ طول عمره من الفراق - متى يُمْنَعُ من سماع كلام الله؟ ومتى يكون في زمرة مَنْ يقال لهم : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] .\rوإذ قال - اليوم- عن أعدائه : { فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ } فإِن لم يؤمن بعد سماع كلامه نُهِيَ عن تعرضه حيث قال : { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } - أترى أنه لا يُؤَمِّنُ أولياءَه - غداً - مِنْ فراقه ، وقد عاشوا اليومَ على إيمانه ووفائه؟! كلا . . إنه يمتحنهم بذلك ، قال تعالى : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ } [ الأنبياء : 103 ] .\rثم قال : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } فإذا كان هذا بِرَّه بِمَنْ لا يَعْلَم فكيف بِرُّه بِمَنْ يعلم؟\rومتى نُضَيِّعُ مَنْ يَنِيخُ بِبَابِنَا ... والمُعْرِضون لهم نعيمٌ وافِرُ؟!","part":3,"page":67},{"id":1068,"text":"كيف يكون المُفْلِسُ من عرفانه كالمخلص في إيمانه؟\rوكيف يكون المحجوبُ عن شهوده كالمستهلَكِ في وجوده؟\rكيف يكون مَنْ يقول « أنا » كمن يقول « أنت »؟ وأنشدوا :\rوأحبابُنا شتَّان : وافٍ وناقِصٌ ... ولا يستوي قطٌّ مُحِبٌّ وباغِضُ\rقوله : { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لِهُمْ } ، إنْ تَمَسْكُوا بحبل وفائنا أحللناهم ولاءنا ، وإِنْ زاغوا عن عهدنا أبليناهم بصدِّنا ، ثم لم يَرْبَحُوا في بُعْدِنا .\r{ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ } : المُتَّقي الذي يستحق محبةَ مَنْ يُتَّقَى؛ وذلك حين يتقي محبَّةَ نَفْسِه ، وذلك بِتَرْكِ حظِّه والقيام بِحقِّ ربِّه .","part":3,"page":68},{"id":1069,"text":"وَصَفَهم بلؤم الطبع فقال : كيف يكونون محافظين على عهودهم مع ما أضمروه لكم من سوء الرضا؟ فلو ظَفِرُوا بكم واستولوا عليكم لم يُراعوا لكم حُرْمةً ، ولم يحفظوا لكم قرابةً أو ذِمِّةً .\rوفي هذا إشارة إلى أنَّ الكريمَ إذا ظَفِرَ غَفَرَ ، وإذا قدر ما غَدَرَ ، فيما أَسرَّ وَجَهَرَ .\rقوله : { يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } أي لا عَجَبَ مِنْ طَبْعِهِمْ؛ فإنهم في حقِّنا كذلك يفعلون : يُظْهِرُون لباسَ الإِيمان ويُضْمِرُون الكفر . وإنهم لذلك يعيشون معكم في زِيِّ الوفاق ، ويستبطنون عين الشِّقاق وسوءَ النِّفاق .","part":3,"page":69},{"id":1070,"text":"مَنْ رَضِيَ مِنَ الله بغير الله أرخص في صفقته ثم إنه خسر في تجارته؛ فَلاَ لَهُ - وهو عن الله - أثر استمتاع ، ولا له - في دونه سبحانه - اقتناع؛ بَقِيَ عن الله ، ولم يستمتع عن الله . وهذا هو الخسران المبين .","part":3,"page":70},{"id":1071,"text":"كيف يراعي حقَّ المؤمنين مَنْ لا يراعي حقَّ الله في الله؟ أخلاقُهم تَشَابهت في تَرْكِ الحُرْمة .","part":3,"page":71},{"id":1072,"text":"معناه : وإن قبلناهم وصَلُحُوا لولائنا فَلُحْمَةُ النّسَبِ في الدِّين بينكم وبينهم وشيجة ، وإلا فليكن الأجانبُ مِنا على جانبٍ منكم .","part":3,"page":72},{"id":1073,"text":"إذا جنحوا إلى الغَدْرِ ، ونكثوا ما قدَّموه من ضمان الوفاء بالعهد ، وبسطوا ألسنتَهم فيكم باللوم فاقصدوا مَنْ رحى الفتنةِ عليه تدور ، وغُصْنُ الشَّرِّ مِنْ أَصْلِه يَتَشَعَّبُ ، وهم سادةُ الكفار وقادتهم .\rوحقُّ القتالِ إعدادُ القوةِ جهراً ، والتبرِّي عن الحول والقوة سِرَّاً .","part":3,"page":73},{"id":1074,"text":"حَرَّضَهم على القتال - على ملاحظة أمرِ الله بذلك - لا على مقتضى الانطواء على الحقد لأحد ، فإِنَّ مَنْ غَضِبَ لنَفْسِه فمذمومُ الوصف ، ومَنْ غَضِبَ لله فإنَّ نصرَ اللهِ قريبٌ .\rوقال : { أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } : فالخشية من الله بشير الوَصْلة ، والخشية من غير الله نذير الفُرقة . وحقيقة الخشية نَفْضُ السِّرِّ عن ارتكاب الزَّجر ومخالفة الأمر .","part":3,"page":74},{"id":1075,"text":"هوَّن عليهم كلفةَ المخاطرة بالمهجة بما وَعَدَهُم مِن الظّفَرِ والنصرة ، فإنَّ شهودَ خِزْيِ العدوِّ مما يُهَوِّنُ عليهم مقاساة السوء . والظَّفَرُ بالأَرَب يُذْهِبُ تَعَبَ الطَّلَب .\rوشفاءُ صدور المؤمنين على حسب مراتبهم في المقام والدرجات؛ فمنهم مَنْ شفاءُ صدره في قَهْرِ عدوِّه ، ومنهم مَنْ شفاءُ صدره في نَيْلِ مَرْجُوِّه . ومنهم مَنْ شفاء صدره في الظَّفَر بمطلوبه ، ومنهم مَنْ شفاءُ صدرِه في لقاء محبوبه . و منهم من شفاء صدره في درك مقصوده ، ومنهم من شفاء صدره في البقاء بمعبوده .\rوكذلك ذهابُ غيظِ قلوبهم تختلف أسبابه ، وتتنوَّعُ أبوابُه ، وفيما ذَكَرْنَا تلويحٌ لِمَا تركنا .\r{ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ } حتى يكون استقلاله بمحوِّل الأحوال .","part":3,"page":75},{"id":1076,"text":"مَنْ ظَنَّ أنه يُقْنَعَ منه بالدعوى - دون التحقق بالمعنى - فهو على غَلَطٍ في حسبانه . والذي طالبهم به من حيث الأمر صِدْقُ المجاهدةِ في الله ، وتَرْكُ الركونِ إلى غير الله ، والتباعدُ عن مساكَنَةِ أعداءِ الله . . ثِقةً بالله ، واكتفاءً بالله ، وتبرِّياً من غير الله .\rوهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجةً فالمعنى فيه : ألا يُفْشُوا في الكفارِ أسرارَ المؤمنين .\rوأولُ مَنْ يهجره المسلمُ - لئلا تَطَّلِعَ على الأسرار - نَفْسُه التي هي أعدى عدوِّه ، وفي هذا المعنى قال قائلهم :\rكتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ... ولم أدرِ أَنِّي بعد مَوْتِيَ أكتب\rويقال : إن أبا يزيد - فيما أُخْبِرَ عنه - أنه قال للحقِّ في بعض أوقات مكاشفاته : كيف أطلبك؟ فقال له : فَارِقْ نَفْسَكَ .\rويقال إن ذلك لا يتمُّ ، بل لا تحصل منه شظيَّة إلا بكَيِّ عُرُوقِ الأطماعِ والمطالباتِ لِمَا في الدنيا ولِمَا في العُقبى ولِمَا في رؤية الحال والمقام - ولو بِذَرَّةٍ . والحريةُ عزيزةٌ . . . قال قائلهم :\rأتمنى على الزمانِ مُحَالاً ... أَنْ ترى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ","part":3,"page":76},{"id":1077,"text":"عمارةُ المساجد بإقامة العبادة فيها ، والعبادةُ لا تُقْبَلُ إلا بالإخلاص ، والمشرِكُ فاقِدُ الإخلاص ، وشهادتُهم على أنفسهم بالكفر دعواهم حصول بعض الحدثان بتأثير الأسباب ، فمن أثبت في عقده جوازَ ذَرَّة في العالم من غير تقديره - سبحانه - شارَكَ أربابَ الشِّرْكِ في المعنى الذي لزمَتْهم به هذه السِّمة .","part":3,"page":77},{"id":1078,"text":"لا تكون عمارةُ المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية ، فالعابد يُعَمِّرها بتخريب أوطان شهوته ، والزاهدُ يعمرها بتخريب أوطان مُنْيته ، والعارف يعمرها بتخريب أوطان علاقته ، والموَحِّدُ يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومُسَاكتِه . وكلُّ واحدٍ منهم واقفٌ في صفته؛ فلصاحب كلِّ موقفٍ منهم وصفٌ مخصوص .\rوكذلك رَتْبتهُم في الإيمان مختلفة؛ فإيمانٌ من حيث البرهان ، وإيمان من حيث البيان ، وإيمان من حيث العيان ، وشتان ما هم! قال قائلهم :\rلا تعْرِضَنَّ بِذِكْرِنا في ذِكْرِهِم ... ليس الصحيح - إذا مشى - كالمُقْعَدِ","part":3,"page":78},{"id":1079,"text":"ليس مَن قام بمعاملة ظاهره كمن استقام في مواصلة سرائره ، ولا مَنْ اقتبس من سراج علومه كمن استبصر بشموس معارفه ، ولا من نُصِبَ بالباب من حيث الخدمة كمن مُكِّنَ من البِسَاط من حيث القربة وليس نعْتُ مَنْ تَكلَّفُ نِفَاقاً كوصفِ مَنْ تَحقَّقَ وِفَاقاً ، بينهما بَوْن بعيدٌ!","part":3,"page":79},{"id":1080,"text":"{ آمَنُوا } أي شاهدوا بأنوار بصائرهم حتى لم يبقَ في سماءِ يقينهم سحابُ رَيْبٍ ، ولا في هواءِ معارفهم ضبابُ شك .\r{ وَهَاجَرُوا } : فلم يُعَرِّجُوا في أوطان التفرقة؛ فَتَمَحَّضَتْ حركاتُهم وسكناتهم بالله لله .\r{ وَجَاهَدُوا } : لا على ملاحظة غَرَض أو مطالعة عِوَضٍ؛ فلم يَدَّخِرُوا لأنفسِهم - مِنْ ميسورهم - شيئاً إلا آثروا الحقَّ عليه؛ فَظَفِروا بالنعمة؛ في قيامهم بالحقِّ بعد فنائهم عن الخَلْق .","part":3,"page":80},{"id":1081,"text":"البشارة من الله تعالى على قسمين : بشارة بواسطة المَلَكِ ، عند التوفي :\r{ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ } [ فصلت : 30 ] .\rوبشارة بلا واسطة بقول المَلَك ، إذ يُبَشِّرهم ربُّهم برحمةٍ منه ، وذلك عند الحساب . يبشرهم بلا واسطة بِحُسْنِ التولِّي؛ فعاجِلُ بشارتهم بنعمة الله ، وآجِل بشارتهم برحمة الله ، وشتان ما هما!\rويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان ، والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان ، فأصحاب الإحسان صَلُحَ أمرهم للشهرة فأَظْهَرَ أَمَرَهُم للمَلَكِ حتى بَشَّروهم جَهْراً ، وأهلُ العصيان صلح حالهم لِلسَتْرِ فتولَّى بشارتهم - من غير واسطة سِرَّاً .\rويقال إِنْ كانت للمطيع بِشارةٌ بالاختصاص فإنَّ للعاصي بشارة بالخلاص . وإن كان للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصي بشارة بالنجاة .\rويقال إنَّ القلوبَ مجبولةٌ على محبة من يُبَشِّر بالخير؛ فأراد الحقُّ - سبحانه - أن تكون محبةُ العبد له - سبحانه - على الخصوص؛ فتولَّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة ، فقال : { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } [ التوبة : 21 ] وفي معناه أنشدوا :\rلولا تَمتُّعُ مُقْلتي بلقائه ... لَوَهَبْتُها بُشْرَى بقرب إيابه\rويقال بَشَّرَ العاصِيَ بِالرحمة ، والمطيعَ بالرضوان ، ثم الكافةَ بالجنة؛ فَقَدَّمَ العاصِيَ في الذكر ، وقدَّم المطيع بالبرِّ ، فالذَّكر قوْلُه وهو قديم والبِرُّ طَوْلُه وهو عميم . وقولُه الذي لم يَزَلْ أعَزُّ مِنْ طوْله الذي حصَلَ . قدَّم العصاة على المطيعين لأنَّ ضَعْفَ الضعيف أَوْلى بالرِّفق من القوي .\rويقال قدَّم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يومُ العَرْضِ وحضورِ الجمعِ لا يفتضح العاصي .\rويقال : { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ } يُعَرِّفُهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تلك الدرجات بسعيهم وطاعتهم ، ولكن برحمته - سبحانه - وصلوا إلى نعمته ، قال رسول الله A : « ما منكم من أحدٍ يُنَجِّيه عمله . قالوا : ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال : ولا أنا ، إِلا أن يتغمدني الله برحمته » .\rقوله : { لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ } : قومٌ نعيمُهم عطاءُ ربِّهم على وصف التمام ، وقومٌ نعيمُهم لقاءُ ربهم على نعت الدوام؛ فالعابدون لهم تمام عطائه ، والعارفون لهم داوم لقائه .\rثم قال : { خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا } والكناية في قوله « فيها » كما ترجع إلى الجنة تصلح أن ترجع إلى الحالة ، سيما وقد ذكر الأجر بعدها؛ فكما لا يَقْطَعُ عطاءَه عنهم في الجنة لا يمنع عنهم لقاءَه متى شاءوا في الجنة ، قال تعالى : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة : 33 ] أي لا مقطوعةٌ عنهم نعمتُه ، ولا ممنوعةٌ منهم رؤيتُه .","part":3,"page":81},{"id":1082,"text":"مَنْ لم يَصْلُحْ بطاعته لربه لا تَسْتَخْلِصْه لصحبة نَفْسِك .\rويقال من آثر على الله شيئاً يُبَارِكْ له فيه؛ فيَبْقى بذلك عن الله ، ثم لا يُبْقِي ذلك معه ، فإنْ استبقاه بجهده - كيف يستبقي حياته إذا أَذِنَ الله في ذهاب أَجَلِه؟ وفي معناه أنشدوا :\rمَنْ لم تَزُلْ نعمتُه قَبْلَهُ ... زَالَ مع النعمة بالموتِ","part":3,"page":82},{"id":1083,"text":"ليس هذا تخييراً لهم ، ولا إذْناً لهم ، ولا إذْناً في إيثارِ الحظوظِ على الحقوقِ ، ولكنه غاية التحذير والزَّجر عن إيثار شيءٍ من الحظوظ على الدِّين ، ومرورُ الأيام حَكَمٌ عَدْلٌ يَكْشِفُ في العاقبة عن أسرار التقدير ، قال قائلهم :\rسوف ترى إذا انجلى الغبارُ ... أَفَرَسٌ تحتك أم حمار؟\rويقال علامةُ الصدقِ في التوحيد قطعُ العلاقات ، ومفارقهُ العادات ، وهجران المعهودات والاكتفاءُ بالله في دوام الحالات .\rويقال مَنْ كَسَدَت سوقُ دِينِه كَسَدَتْ أسواقُ حظوظه ، وما لم تَخْلُ منك مَنَازِلُ الحظوظ لا تعْمُرُ بك مَشَاهِدُ الحقوق .","part":3,"page":83},{"id":1084,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرةٍ } .\rالنصرة من الله تعالى في شهود القدرة ، والمنصورُ مَنْ عَصَمه الله عزَّ وجلَّ عن التوهُّم والحسبان ، ولم يَكِله إلى تدبيره في الأمور ، وأثبته الحقُّ - سبحانه - في مقام الافتقار متبرياً عن الحَوْل والمُنَّة ، مُتَحَقِّقاً بشهود تصاريف القدرة ، يَأْخُذُ الحقُّ - سبحانه - بيدِه فيخرجه عن مهواة تدبيره . ويوقفه على وصف التصبُّر لقضاء تقديره .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بشمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } .\rيعني نَصَرَكم يومَ حُنَيْن حين تَفَرَّقَ أكثرُ الأصحاب ، وافترت أنياب الكَرَّةِ عن نِقاب القَهْر فاضطربت القلوبُ ، وخانت القوى أصحابَها ، ولم تُغْنِ عنكم كَثْرتُكم ، فاستخلص اللهُ أسرارَكم - عند صدق الرجوع إليه - بِحُسْنِ السكينةِ النازلة عليكم ، فَقَلَبَ اللهُ الأمرَ على الأعداء ، وخَفَقَتْ راياتُ النصرة ، ووقعت الدائرةُ على الكفار ، وارتدَّتْ الهزيمةُ عليهم فرجعوا صاغرين .","part":3,"page":84},{"id":1085,"text":"السكينةُ ثَلَجُ القلب عند جريان حُكْم الربِّ بنعت الطمأنينة ، وخمودُ آثار البشرية بالكلية ، والرضاءُ بالبادي من الغيب من غير معارضةِ اختيارٍ .\rويقال السكينة القرار على بساط الشهود بشواهد الصحو ، والتأدب بإقامة صفات العبودية من غير لحوق مشقة ، وبلا تحرُّكِ عِرْقٍ لمعارضةِ حُكْم . والسكينة المنزلةُ على { المُؤْمِنِينَ } خمودُهم تحت جريان ما وَرَدَ من الغَيْبِ من غير كراهةِ بنوازع البشرية ، واختطافُ الحقِّ إياهم عنهم حتى لم تستفزهم رهبةٌ من مخلوق؛ فَسَكَنَتْ عنهم كلُّ إرادةٍ واختيار .\r{ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } من وفور اليقين وزوائد الاستبصار .\r{ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا } بالتطوح في متاهات التفرقة ، والسقوط في وهدة ضيق التدبير ، ومِحنَةِ الغَفْلَةِ ، والغَيْبَةِ عن شهود التقدير .","part":3,"page":85},{"id":1086,"text":"ردهم من الجهل إلى حقائق العلم ، ثم نَقَلَهم من تلك المنازل إلى مشاهد اليقين ، ثم رقَّاهم عن تلك الجملة بما لقَّاهم به من عين الجمع .","part":3,"page":86},{"id":1087,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } .\rفقدوا طهارة الأسرار بماءِ بالتوحيد؛ فبقوا في قذورات الظنون والأوهام ، فَمُنِعُوا قُربانَ المساجدِ التي هي مشاهدُ القرب . وأمَّا المؤمنون فطهَّرَهم عن التدنُّس بشهود الأغيار ، فطالعوا الحقَّ فَرْداً فيما يُبَيِّنهُ مِنَ الأمرِ ويُمضِيه من الحُكْم .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنْ خِفْتُمْ عِيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rتَوَقُّعُ الأرزاقِ من الأسبابِ من قضايا انغلاق باب التوحيد ، فَمَنْ لم يفْرِدْ معبودَه بالقسمة بَقِيَ في فقرٍ مُسَرْمَدٍ .\rويقال مَنْ أنَاخَ بعُقْوةِ كَرَم مولاه ، واستمطر سحَابَ جودِه أغناه عن كل سبب ، وكفاه كلَّ تَعَبٍ ، وقضى له كلَّ سُؤْلٍ وأرَب ، وأعطاه من غير طلب .","part":3,"page":87},{"id":1088,"text":"مَنْ استوجب الهوانَ لا ينْجِيكَ مِنْ شَرِّه غير ما يستحقه من الإذلال على صغره ، ومَنْ دَاهَن عدوَّه فبالحريِّ أنْ يلقى سوءَه .\rوَمِنْ أشدِّ الناس لَكَ عداوة ، وأبعدهِم عن الإيمان - نَفْسُكَ المجبولةُ على الشرِّ فلا تُقْلِعُ إلاَّ بذبحها بِمُدْيَةِ المجاهدات . وهي لا تؤمِن بالتقدير ، ولا يزول شَكها قط ، وكذلك تَخَلدُ إلى التدبير ، ولا تسكن إلا بوجود المعلوم ، ولا تقبل منك إلا كاذِبَ المواعيد ، ولذلك قالوا :\rوأَكْذِبْ النَّفْسَ إذا حَدَّثْتَها ... فإِنَّ صِدْقَ القول يذري بالأمل","part":3,"page":88},{"id":1089,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ } .\rلو كان هذا في تخاطب المخلوقين لكان عينَ الشكوى؛ والشكوى إلى الأحباب تشير إلى تحقق الوصلة .\rشكا إليهم ما حصل من قبيح أعمالهم ، وكم بين مَنْ تشكو منه وبين مَنْ تشكو إليه!!\rقوله جلّ ذكره : { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } .\rالكفار قبلهم جحدوا الربوبية ، وهؤلاء أقروا بالله ، ثم لما أثبتوا له الوَلَدَ نقضوا ما أقروا به من التوحيد ، فصاروا كالكفار قَبْلَهم .\rويحتمل أن تكون مضاهاةُ قولهم في وصف المعبود بأنَّ عيسى ابنه وعزيراً ابنه كقولِ الكفار قَبْلَهم إنَّ الملائكة بناتُ الله .\rويقال لمَّا وصفوا المعبود بما يتعالى عن قولهم لم ينفَعُهم صِدْقُهم في الإقرار بربوبيته مما أضافوا إليه من سوء القالة . وكلُّ مَنْ أطلق في وصفه ما يتقدَّسُ - سبحانه - عنه فهو للأعداء مُشَاكِلٌ في استحقاق الندم والتوبيخ .","part":3,"page":89},{"id":1090,"text":"كما لا تجوز مجاوزة الحد في وَضْع القدْرِ لا تجوز مجاوزة الحد في رَفْع القَدْر ، وفي الخبر : « أُمِرْنا أَنْ نُنْزِلَ الناسَ منازِلَهم » .\rفَمَنْ رأى من المخلوقين شظيةً من الإبداع أنْزَلَهم منزلةَ الأرباب ، وذلك - في التحقيق - شِرْك ، وما أخلص في التوحيد مَنْ لم يَرَ جميعَ الحادثات بصفاتها ( . . . . ) من الله .\r{ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا وَاحِدًا } : فمن رفع في عقده مخلوقاً فوق قدره فقد أشرك بربِّه .","part":3,"page":90},{"id":1091,"text":"من رام أن يستر شعاع الشمس بدخان يوجهه من نيرانه ، أو عالج أنْ يمنع حكم السماء بحيلته ، وتدبيره ، أو يُسْقِطَ نجوم الفَلَكِ بسهام قوسِه - أظهرَ رُعونَته ثم لم يَحْظَ بمراده . كذلك مَنْ توهَّم أن سُنَّةَ التوحيد يعلوها وَهَجُ الشُّبَه فقد خاب في ظنِّه ، وافتضح في وهمه .","part":3,"page":91},{"id":1092,"text":"أزاحَ العِلَل بما ألاح من الحُجَج ، وأزال الشُّبَهَ بما أفصح من النهج؛ فشموسُ الحقِّ طالِعةٌ ، وأدلة الشرع لامعة ، كما قالوا :\rهي الشمسُ إلا للشمس غيبةً ... وهذا الذي نعنيه ليس يَغيب","part":3,"page":92},{"id":1093,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } .\rالعالِمُ إذا ارتفق بأموال الناس عِوَضاً عما يُعلِّمُهم زالَتْ بركاتُ عِلْمِه ، ولم يَطِبْ في طريق الزهد مَطْعَمُه .\rوالعارِفُ إذا انتفع بخدمة المريد ، أو ارتفق بشيءٍ من أحواله وأعماله زالت آثارُ هِمَّتِه ، ولم تُجْدِ في حكْمِ التوحيد حالتُه .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَها فِى سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .\rلهم في الآجل عقوبةٌ . والذين لا يؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فلهم في العاجل حجبة . وقليلٌ مِنْ عبادهِ مَنْ سَلِمَ من الحجاب في مُحتَضَرِه والعقاب في مُنْتَظرِه .","part":3,"page":93},{"id":1094,"text":"لمَّا طلبوا الجاهَ عند الخلْقِ بمالِهم ، وَبَخُلوا بإخراج حقِّ الله عنه شَانَ وجوهَهم . ولمَّا أسندوا ظهورَهم إلى أموالهم . قال تعالى : { فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } .\rويقال : لمَّا ( عبسوا ) في وجوه العفاة وعقدوا حواجِبَهم وُضِعَتْ الكيَّةُ على تلك الجباه المقبوضة عند رؤية الفقراء ، ولمَّا طَوَوْا كَشْحَهُم دون الفقراء - إذا جالسوهم - وَضَعَ المِكوَاةَ على جُنُوبِهم .","part":3,"page":94},{"id":1095,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ } .\rلمَّا عَلِم أنهم لا يُداوِمُون على مُلازَمَةِ القُرْبِ أَفْرَدَ بعضَ الشهور بالتفضيل ، ليخُصُّوها باستكثار الطاعة فيها . فأمَّا الخواصُ مِنْ عبادِه فجميعُ الشهورِ لهم شعبانُ ورمضانُ ، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة ، وجميع البقاع لهم مسجد . . . وفي معناه أنشد بعضهم :\rيا ربُّ إنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ ... وكُلُّ أرضٍ لي ثَغْرُ طرسوس\rقوله جلّ ذكره : { فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ } .\rقال للعوام : لا تَظْلِموا في بعض الشهور أَنْفُسَكُم ، يعني بارتكاب الزَّلَّة . وأَمَّا الخواص فمأمورون ألا يَظْلِمُوا في جميع الشهور قلوبَهم باحتقاب الغفلة .\rويقال : الظلم على النَّفْس أن يجعلَ العبدُ زمامَه بيد شهواته ، فَتُورِدُه مَواطِنَ الهلاك .\rويقال : الظلم على النَّفْس بخدمة المخلوقين بَدَل طاعة الحقِّ .\rويقال : مَنْ ظَلَم على قلبه بالمضاجعات امْتُحِنَ بِعَدمِ الصفوة في مرور الأوقات .\r{ وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً } : ولا سِلاحَ أمضى على العدوِّ مِن تَبَرِّيكَ عن حَوْلِكَ وقُوَّتِك .","part":3,"page":95},{"id":1096,"text":"الدِّينُ ملاحظةُ الأمر ومجانَبَةُ الوِزر وتركُ التقدم بين يدي الله سبحانه - في جميع أحكام الشرع ، فالآجالُ في الطاعاتِ مضروبة ، والتوفيقُ في عرفانه متَّبع ، والصلاح في الأمور بالإقامة على نعت العبودية؛ فالشهرُ ما سمَّاه الله شهراً ، والعامُ والحوْلُ ما أعْلمَ الخَلْقَ أنه قَدْرُ ما بَيَّنه شرعاً .","part":3,"page":96},{"id":1097,"text":"عاتَبهم على تَركِ البدار عند توجيه الأمر ، وانتهاز فُرْصَةِ الرُّخصَة .\rوأَمَرَهم بالجد في العزم ، والقَصْدِ في الفعل؛ فالجنوحُ إلى التكاسل ، والاسترواحُ إلى التثاقل أماراتُ ضعفِ الإيمان إذ الإيمان غريمٌ مُلازِمٌ لا يرضى من العبد بغير ممارسة الأشْقِّ ، وملابسة الأحَقِّ .\rقوله : { أَرَضِيتُم بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا } : وهل يَجْمُل بالعابِد أَنْ يختارَ دنياه على عقْباه؟\rوهل يحسُن بالعارف أَنْ يُؤْثِرَ هواه على رضا مولاه؟ وأنشدوا .\rأيجملُ بالأحبابِ ما قد فعلوا ... مضَوْا وانصرفوا يا ليتهم قَفَلُوا\rإنَّ غيبةَ يوم للزاهد عن الباب تَعْدِل شهوراً ، وغيبةُ لحظةٍ للعارف عن البِساط تعدل دهوراً ، وأنشدوا :\rالإلْفُ لا يصْبِرُ عن إِلْفِه ... أَكْثَرَ من طَرْفَةِ عَيْنِ\rوقد صبَرْنا عَنكُمُ ساعةً ... ما هكذا فِعْلُ مُحِبيْنِ","part":3,"page":97},{"id":1098,"text":"العذابُ الأليمُ إذا أعرض العَبْدُ عن الطاعةِ ألا يبعث وراءه من جنود التوفيق ما يردُّه إلى الباب .\rالعذابُ الأليمُ أنْ يَسْلُبَه حلاوةَ النَّجوى إذا آب .\rالعذابُ الأليمُ الصدُودُ يومَ الورود ، وقيل :\rواعدوني بالوصال - والوصالُ عَذْبٌ- ... ورَمَوني بالصُّدودِ والصدُّ صعبُ\rالعذابُ الأليمُ الوعيدُ بالفِراق ، فأمَّا نَفْسُ الفِراق فهو تمامُ التَّلَفِ ، وأنشدوا :\rوزَعَمْتَ أَنَّ البَيْنَ مِنْكَ غداً ... هَدِّدْ بذلك مَنْ يعيش غدا\rقوله : { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } يصرف ما كان مِنْ إقباله عليه إلى غيره من أشكاله ، وليس كلُّ مَنْ حَفَرَ بئراً يشربُ مِنْ معِينها ، وأنشدوا :\rتَسْقِي رَيَاحِينَ الحِفَاظِ مدامعي ... وَسِوَايَ في رَوْضِ التواصُل يَرْتَع","part":3,"page":98},{"id":1099,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } .\rمِنْ عزيزِ تلك النصرة أنه لم يستأنِسْ بثانية الذي كان معه بل رد الصِّدِّيقَ إلى الله ، ونهاه عن مساكنته إياه ، فقالَ : « ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ » .\rقال تعالى : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } .\rويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه في كشوفاته في تلك الحالة ، ولولا نصرتُه لتلاشى تحت سطواتِ كَشْفِه .\rويقال كان - عليه السلام - أمانَ أهل الأرض على الحقيقة ، قال تعالى :\r{ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِم } [ الأنفال : 33 ] ، وجعله - في الظاهر - في أمان العنكبوت حين نَسَجَ خَيْطَه على باب الغار فَخَلَّصَه من كيدهم .\rويقال لو دخل هذا الغار لا تشقَّ نسيج العنكبوت . . . فيا عجباً كيف سَتَرَ قصةَ حبيبه - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟! .\rويقال صحيحٌ ما قالوا : للبقاع دول ، فما خَطَرَ ببالِ أحدٍ أنَّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيِّد - A ! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } [ البقرة : 105 ] .\rويقال ليست الغِيران كلها مأوى الحيَّاتِ ، فمنها ما هو مأوى الأحباب . ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه ، وهو تعالى يقول :\r{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } فهو سبحانه - وإن تقدَّس عن كل مكان - ولكن في هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، وأنشدوا :\rيا طالبَ الله في العرشِ الرفيعِ به ... لا تطلب العرشَ إن المجد في الغار\rوفي الآية دليل على تحقيق صحبة الصدِّيق - Bه - حيث سمَّاه الله سبحانه صاحبَه ، وعَدَّه ثانِيه ، في الإيمان ثانية ، وفي الغار ثانيه ثم في القبر ضجيعه ، وفي الجنة يكون رفيقه .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } .\rالكناية في الهاء من « عليه » تعود إلى الرسول عليه السلام ، ويحتمل أن تكون عائدةٌ إلى الصديق Bه ، فإن حُمِلَتْ على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد ، فقد قال Dّ لجميع المؤمنين : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } [ الفتح : 4 ] .\rوقال للصدِّيق - على التخصيص - فأنزل الله سكينته عليه ، كما قال النبي A : « إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلَّى لأبي بكر خاصة » .\rوإنما كان حزنُ الصديقِ ذلك اليوم لأجل الرسول - A إشفاقاً عليه . . لا لأجل نَفْسِه . ثم إنه - عليه السلام - نفى حزنه وسلاّه بأن قال : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } ، وحُزْنٌ لا يذهب لِمَعِيَّة الحقِّ لا يكون إلاَّ « لحقِّ الحق » .","part":3,"page":99},{"id":1100,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .\rيريد به النبي A . وتلك الجنودُ وفودُ زوائد اليقين على أسراره بتجلِّي الكشوفات .\r{ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } بإظهار حُجج دينه ، وتمهيد سُبُل حقِّه ويقينه؛ فراياتُ الحقِّ إلى الأبدِ عالية ، وتمويهات الباطل واهية ، وحِزْبُ الحقِّ منصورون ، ووفد الباطل مقهورون .\rويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام في الغار ، وأشرقت على سِرِّه أنوار صحبة الرسول عليه السلام ، ووقع عليه شعاعُ أنواره ، واشتاق إلى الله تعالى لفَقْدِ قراره - أزال عنه لواعِجه بما أخبره مِنْ قُرْبه - سبحانه - فاستبدل بالقلق سكوناً ، وبالشوق أُنساً ، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة .\rويقال كان الرسول - A - ثاني اثنين في الظاهر بشبه ولكن كان مُسْتَهْلَكَ الشاهد في الواحِد بِسِرِّه .","part":3,"page":100},{"id":1101,"text":"أمرهم بالقيام بحقه ، والبدار إلى أداء أمره في جميع أحوالهم .\r« خفافاً » يعني في حال حضور قلوبكم ، فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات .\r« وثقالا » إذا رُدِدْتُم إليك في مقاساة تعب المكابدات . فإنَّ البيعةَ أُخِذَتْ عليكم في ( . . . ) و ( . . . ) .\rويقال « خفافا » إذا تحررتم من رِقِّ المطالبات والاختيار ، « وثقالا » إذا كان على قلوبكم ثقل الحاجات ، وأنتم تؤمِّلُون قضاءَ الحقِّ مآرِبَكم .","part":3,"page":101},{"id":1102,"text":"يريد به المتخلفين عنه في غزوة « تبوك » ، بيَّنَ سبحانه أنه لو كانت المسافةُ قريبةً ، والأمرُ هيِّناً لَمَا تخلَّفوا عنك؛ لأنَّ مَنْ كان غيرَ متحقِّقٍ في قَصْدِه كان غيرَ بالغ في جهده ، يعيش على حَرْفٍ ، ويتصرَّف بحرف ، فإِنْ أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإنْ أصابَتْه فتنةٌ انقلبَ على وجهه . وقال تعالى : { فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ } [ محمد : 21 ] .\rفإذا رأيتَ المريدَ يتبعُ الرُّخَصَ ويَجْنَحُ إلى الكسل ، ويتعلَّلُ بالتأويلاتِ . . فاعلَمْ أنه مُنْصَرِفٌ عن الطريق ، متخلِّفٌ عن السلوك ، وأنشدوا :\rوكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً ... مَلَّ الوصال وقال : كان وكانا\rومَنْ جَدَّ في الطلب لم يُعَرِّج في أوطان الفشل ، ويواصل السير والسُّرى ، ولا يحتشم من مقاساة الكدِّ والعناء ، وأنشدوا :\rثم قطعتُ الليلَ في مهمهٍ ... لا أسداً أخشى ولا ذئبا\rيغلبني شوقي فأطوي السُّرى ... ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا\rقوله : { وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ } [ التوبة : 42 ] : يمين المتعلِّلِ والمُتَأَوِّلِ يمينٌ فاجرةٌ تشهد بكذبها عيون الفراسة ، وتنفر منها القلوب ، فلا تجد من القلوب محلاً .","part":3,"page":102},{"id":1103,"text":"لم يكن منه A خرْقُ حَدٍّ أو تعاطي محظورٍ ، وإنما نذر منه ترك ما هو الأَوْلى . قَدَّم الله ذِكْرَ العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله : { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } .\rأو مِنْ جواز الزَّلة على الأنبياء - عليهم السلام - إذ لم يكن ذلك في تبليغ أمر أو تمهيد شرع بقول قائله : أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر وكذا سُنَّة الأحباب مع الأحباب ، قال قائلهم :\rما حطَّك الواشون عن رتبة ... عندي ولا ضَرَّك مُغْتَابُ\rكأنهم أَثْنَوْا - ولم يعلموا - ... عليكَ عندي بالذي عابوا\rويقال حسناتُ الأعداء - وإن كان حسنات - فكالمردودة ، وسيئات الأحباب - وإن كانت سيئات - فكالمغفورة :\rمَنْ ذا يؤاخِذُ مَنْ يحبُّ بِذَنْبِه ... وله شفيعٌ في الفؤاد مُشَفِّع","part":3,"page":103},{"id":1104,"text":"المخلصُ في عقده غيرُ مُؤثِرٍ شيئاً على أمره ، ولا يدَّخر مستطاعاً في استفراغ وُسْعِه ، وبَذْلِ جُهْدِه ، ومقاساة كَدِّه ، واستعمال جِدِّه .","part":3,"page":104},{"id":1105,"text":"مَنْ رام عن عهدة الإلزام خروجاً انتهز للتأخير والتخلُّف فرصةً لِعَدمِ إيمانه وتصديقه ، ولاستمكان الريبة في قلبه وسِرِّه . أولئك الذين يتقلبون في ريبهم ، ويترددون في شكِّهم .","part":3,"page":105},{"id":1106,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً } .\rأي لو صدقوا في الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة ، ولكن سَقِمَتْ إرادتُهم ، فحصلت دون الخروج بَلادَتُهم ، وكذلك قيل :\rلو صحَّ منكَ الهوى أُرْشِدْتَ للحِيَلِ .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَكِن كَرِهَ الله انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ } .\rألْزَمَهم الخروجَ من حيث التكليف ، ولكن ثبَّتهم في بيوتهم بالخذلان؛ فبالإلزام .","part":3,"page":106},{"id":1107,"text":"أخبر عن سابق علمه بهم ، وذكر ما علم أنه لا يكون أَنْ لو كان كيف يكون ، فقال : ولو ساعدوكم في الخروج لكان ما يلحقكم من سوء سيرتهم في الفتنة بينكم ، والنميمة فيكم ، والسعي فيما يسوؤكم أكثر مما نالكم بتخلُّفِهم من نقصان عددكم . ومَنْ ضررُه أكثرُ من نفعِه فَعَدَمَهُ خيرٌ مِنْ وجودِه ، ومَنْ لا يحصل منه شيء غيرُ شرورهِ فتخَلُّفُه أَنْفَعُ مِنْ حضوره .","part":3,"page":107},{"id":1108,"text":"إنَّهم وإِنْ أظهروا وِفاقَكم فقد استبطنوا نِفاقكم؛ أعلنوا أنهم يؤازرونكم ولكن راموا بكيْدِهم تشويشَ أموركم ، حتى كَشَفَ اللهُ عوراتِهم ، وفَضَحَهم ، حتى تَحَذَّرْتم منهم بما تحققتم من أسرارهم .","part":3,"page":108},{"id":1109,"text":"أبرزوا قبيحَ فِعالِهم في مَعْرِض التخرج ، وراموا أَنْ يُلَبِّسُوا على الرسول - صلى الله وسلم وعلى آله - وعلى المسلمين خبث سيرتهم وسريرتهم ، فَبَيَّنَ الله أَنَّ الذين ( . . . ) بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم ، وكذلك المتجلِّدُ بما يهواه متطوح في وادي بلواه ، وسَيَلْقَى في الآخرة من الهَوَان ما يَغْنِي عن الحاجة إلى البرهان .","part":3,"page":109},{"id":1110,"text":"هكذا صفة الحسود ، يتصاعد أنينُ قلبه عند شهود الحسنى ، ولا يَسُرُّ قلبَه غيرُ حلولِ البلوى ، ولا دواءَ لجروح الحسود؛ فإنه لا يرضى بغير زوال النعمة ولذا قالوا :\rكلُّ العداوةِ قد تُرْجَى إماتَتُها ... إلا عداوةَ مَنْ عاداك من حَسَدِ\rوإنَ اللهَ تعالى عَجَّلَ عقوبةَ الحاسد ، وذلك : حزنُ قلبِه بسلامة محسوده؛ فالنعمة للمحسود نقد والوحشة للحاسد نقد .","part":3,"page":110},{"id":1111,"text":"المؤمن لا تلحقُه شماتةُ عدوِّه لأنه ليس يرى إلا مُرادَ وليِّه ، فهو يتحقق أنَّ ما ينالُه مرادُ مولاه فيسقطُ عن قلبِه ما يهواه ، ويستقبله بروح رضاه فَيَعْذُبُ عنده ما كان يَصْعُبُ مِنْ بلواه ، وفي معناه أنشدوا :\rإنْ كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا ... فما لِجُرْحٍ - إذا أَرْضَاكُم - أَلمُ .\rويقال شَهودُ جريانِ التقدير يخفف على العبد تَعَبَ كلِّ عسير .\rقوله { هُوَ مَوْلاَنَا } : تعريفٌ للعبد أن له - سبحانه - أن يفعل ما يريد ، لأنه تصرفُ مالكِ الأعيانِ في مُلْكِه ، فهو يُبْدِي ويُجْرِي ما يريد بحقِّ حُكْمِه .\rثم قال : { وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ } : وأولُ التوكلِ الثقةُ بوعده ، ثم الرضا باختياره ، ثم نسيانُ أمورِك بما يغْلِبُ على قلبك من أذكاره .\rويقال التوكل سكونُ السِّرِّ عند حلول الأمر ونهاية التفويض ، وفيها يتساوى الحلوُ والمرُّ ، والنعمةُ والمحنةُ .","part":3,"page":111},{"id":1112,"text":"بَيَّنَ اللهُ في هذه الآية الفَرْقَ بين المؤمنين وبين الكفار ، فقال قُلْ للذين ينتظرون : أيها الكفار إن كان من شأن المؤمنين وقوعُ الدائرة عليهم في القتال ، أَو أنَّ القَتْلَ ينالهُم فأيُّ واحدٍ من الأمْرَيْن ينالهم فهو لهم من الله نعمة؛ لأنَّا إنْ ظَفِرْنا بكم فَنَصْرٌ وغنيمة ، وعِزٌّ للدِّين ورفعة ، وإنْ قُتلْنَا فشهادةٌ ورحمة ، ورضوانٌ من الله وزُلْفَى . وإنْ كان الذي يصيبنا في الدنيا هزيمة ونكبةٌ ، فذلك مُوجِبٌ للأجْرِ والمثوبة ، فإذاً لن يستقبِلَنا إلا ما هو حُسْنَى ونعمة .\rوأمَّا أنتم ، فإنْ ظَفِرْنَا بكم فتعجيلُ لذُلِّكم ومحنة ، وإن قُتِلتُم فعقوبةٌ من اللهِ وسخطه ، وإن كانت اليد لكم في الحال فخذلانٌ من اللهِ ، وسببُ عذابٍ وزيادةُ نقمة .\rويقال : { هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ } أمَّا قيامُ بحقّ الله في الحال فنكون بوصف الرضاء وهو - في التحقيق - الجنَّةُ الكبرى ، وإمَّا وصولٌ إلى الله تعالى في المآل بوصف الشهادة ، ووجدان الزلفى في العقبى وهو الكرامة العظمى .","part":3,"page":112},{"id":1113,"text":"المردودُ لا يقبلُ منه توصُّل ، ولا يُغَيَّر حُكمُ شقاوته بتكثير التكلُّف والتعمل .\rويقال تقُرُّبُ العدوِّ يوجِبُ زيادةَ المقت له ، وتحبُّبُ الحبيب يقتضي زيادةَ العطف عليه ، قال تعالى : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [ الفرقان : 70 ] .","part":3,"page":113},{"id":1114,"text":"فقدوا الإخلاص في أموالهم فعدموا الاختصاص في أحوالهم ، وحُرِموا الخلاصَ في عاجلهم وفي مآلهم .\rقوله : { وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى } : مَنْ أَطَاعَ من حيث العادة - مِنْ غَيْرِ أن تحملَه عليها لوعةُ الإرادة - لم يَجِدْ لطاعته راحةً وزيادة .\rويقال مَنْ لاَحظَ الخَلْقَ في الجهر من أعماله ، ورَكَنَ إلى الكسلِ في السِّرِّ من أحواله فقد وُسِمَ بالخذلان ، وخُتِمَ بالحرمان ، وهذه هي أمارة الفرقة والقطيعة ، قال تعالى : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ } [ آل عمران : 54 ] .","part":3,"page":114},{"id":1115,"text":"بَيَّنَ أن ما حسبوه نعمة واعْتَدُّوه من الله مِنَّةٌ فهو - في التحقيق - مِحْنَةٌ ، وسببُ شقاءٍ وفُرْقة ، وإنما دَسَّ التقديرُ لهم سُمومَ الصَّابِ ، فيما استلذوه من الشرابِ؛ { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالِ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } [ المؤمنون : 56 ] .","part":3,"page":115},{"id":1116,"text":"التَّقَرُّبُ بالأَيْمانِ الفاجِرةِ لا يوجِبُ للقلوب إلا بُعْداً عن القُبول .\rويقال إنَّ إظهارَ التلبيس لا ( . . . ) الأسرارَ بَرَدِّ السكون ، ولا يَشْفِي البصائر بِرَدِّ الثقة واليقين . . فما لا يكون فلا يكون بحيلةٍ أبداً ، وما هو كائنٌ سيكون .","part":3,"page":116},{"id":1117,"text":"إن المماذِق في الخُلَّة ينسلُّ عن سِلْكِها بأضعف خلَّة ، وإنْ وَجَدَ مهرباً آوَى إليه ، ويأمل أن ينال فرصةً ما يتعللُ بها عند ذلك .","part":3,"page":117},{"id":1118,"text":"أولئك أصحاب الأطماع؛ يتملقون في الظاهر ما دامت الأرفاقُ واصلةً إليهم ، فإنْ انقطَعَتْ انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة .\rويقال مَنْ كان رضاؤه بوجدان سبب ، وسُخْطُه في عدم ما يوصِّله إلى نصيبه فهو ليس من أهل الولاء ، إنما هو قائم بحظِّه ، غيرُ صالحٍ للصحبة ، وأمَّا المتحقِّقُ فكما قيل :\rفَسِرْتُ إليكَ في طلبِ المعالي ... وسَارَ سِوَايَ في طلب المعاش","part":3,"page":118},{"id":1119,"text":"لو وقفوا مع الله بِسِرِّ الرضا لأَتَتْهُم فنونُ العطاء وتحقيقات المنى ، ولحفظوا مع الله - عند الوجدان - مالهم من الأدب ، من غير معاناة تَعبٍ ، ولا مُقاساة نَصَبٍ . . ولكنهم عَرَّجُوا في أوطانِ الطمعِ فوقعوا في الذُّلِّ والحَرب .","part":3,"page":119},{"id":1120,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا الصَدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَألمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ } .\rتكلَّم الفقهاءُ في صفةِ الفقيرِ ، والفرقِ بينه وبين المسكين لما احتاجوا إليه في قسمة الزكاة المفروضة . . فأبو حنيفة رحمة الله عليه - يقول : المسكينُ الذي لا شيء له . والفقيرُ الذي له بُلْغَةٌ من العيش .\rويقول الشافعي رحمة الله عليه : الفقير الذي لا شيء له ، والمسكين الذي له بُلْغَةٌ من العيش - أي بالعكس .\rوأهل المعرفة اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال بالأول ، ومنهم من قال بالقول الثاني ، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء؛ وذلك لأن كلَّ واحدٍ منهم أشار إلى ما هو حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه . فَمِنْ أهل المعرفة مَنْ رأى أَنَّ أَخْذَ الزكاةِ حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه . فَمِنْ أهل المعرفة مَنْ رأى أَنَّ أَخْذَ الزكاةِ المفروضة أَوْلى ، قالوا إلى الله تعالى جعل ذلك مِلْكا للفقير ، فهو أَحَلُّ له مما يُتَطَوَّعُ به عليه .\rومنهم من قال : الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام ، ورأوا الإيثار على الإخوان أوْلى من أن يزاحموا أرباب السهمان - مع احتياجهم أخذ الزكاة - وقالوا : نحن آثرنا الفَقْرَ اختياراً . . فَلِمَ نأخذ الزكاة المفروضة؟\rثم على مقتضى أصولهم في الجملة - لا في أخذ الزكاة - للفقر مراتب :\rأوَّلُها الحاجةُ ثم الفقرُ ثم المسكنةُ؛ فذو الحاجة مَنْ يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا فقرَه ، والفقير مَنْ يكتفي بعقباه وتجبُرُ الجنة فقرُه . والمسكين مَنْ لا يرضى بغير مولاه؛ لا إلى الدنيا يلتفت ، ولا بالآخرة يشتغل ، ولا بغير مولاه يكتفي؛ قال رسول الله A « اللهم أحيني مسكيناً وأمتني سكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين » وقال A « أعوذ بك من الفقر » لأن عليه بقية؛ فهو ببقيته محجوبٌ عن ربِّه .\rويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شيء ، والمسكنة المطلوبة أن تكون له بُلْغَةٌ ليتفرَّغَ بوجود تلك البلغة إلى العبادة؛ لأنه إذا لم تكن له بلغة شَغَلَه فَقْرُه عن أداء حقِّه ، ولذلك استعاذ منه .\rوقوم سَمَتْ هِمَمهُم عن هذا الاعتبار - وهذا أَوْلى بأصولهم - فالفقير الصادق عندهم مَنْ لا سماءَ تُظِله ولا أرضَ تُقِلُّه ولا معلومَ يشغله ، فهو عبدٌ بالله لله ، يردُّه إلى التمييز في أوان العبودية ، وفي غير هذا الوقت فهو مُصطَلَم عن شواهده ، واقِفٌ بربِّه ، مُنْشَقٌّ عن جملته .\rويقال الفَقِيرُ من كُسِرَتْ فقاره - هذا في العربية .\rوالفقير - عندهم - مَنْ سَقَطَ اختياره ، وتعطلت عنه دياره ، واندرست - لاستيلاء مَنْ اصْطَلمَه - آثارُه ، فكأنه لم تبقَ منه إلا أخبارُه ، وأنشدوا :\rأَمَّا الرسومُ فَخَبَّرتْ أنهم رحلوا قريباً ... ويقال المسكين هو الذي أسكنه حالُه بباب مقصوده ، لا يبرح عن سُدَّتِه ، فهو مُعْتَكِفٌ بقلبه ، ولا يغفل لحظةً عن ربِّه .","part":3,"page":120},{"id":1121,"text":"وأمَّا { وَالعَالَمِينَ عَلَيْهَا } فعلى لسان العلم : مَنْ يتولى جمع الزكاة على شرائطها المعلومة . وعلى لسان الإشارة : أَوْلَى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة مَنْ صَدَقَ في أعماله لله ، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عِوَضاً ، ولا يتطلبون في مقابلة أحوالهم عَرَضا ، وأنشدوا :\rوما أنا بالباغي على الحب رِشْوَةٌ ... قبيحٌ هوىً يُرجَى عليه ثواب\rوأمّا المؤلَّفة قلوبهم - على لسان العلم - فمَنْ يُسْتَمَالُ قلبه بنوع إرفاقٍ معه ، ليتوفَّر في الدين نشاطُه؛ فلهم من الزكاة سهمٌ استعطافاً لهم ، وبيان ذلك مشهورٌ في مسائل الفقه .\rوحاشا أن يكون في القوم مَنْ يكون حضورُه بسبب طَمَع أو لنَيْل ثوابٍ أو لرؤية مقام أو لاطلاع حال . . فذلك في صفة العوام ، فأما الخواص فكما قالوا .\rمن لم يكن بك فانياً عن حظه ... وعن الهوى والإنْسِ والأحباب\rأو تيمته صبابة جمعت له ... ما كان مفترقاً من الأسباب\rفلأنَّ بين المراتب واقفٌ ... لِمَنَالِ حظٍّ أو الحُسْنِ مآبِ\rقوله جلّ ذكره : { وَفِى الرِّقَابِ } .\rوهم على لسان العلم : المكاتَبُون ، وشرحه في مسائل الفقه معلوم .\rوهؤلاء لا يتحررون ولهم تعريج على سبب ، أو لهم في الدنيا والعقبى أرب ، فهم لا يستفزُّهم طلب ، فَمَنْ كان به بقية من هذه الجملة فهو عبدٌ لم يتحرر ، قال رسول الله A وعلى آله : « المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم » وأنشد بعضهم :\rأتمنى على الزمان مُحَالاً ... أَنْ ترى مقلتاي طَلْعَةَ حُرِّ\rقوله جلّ ذكره : { وَالغَارِمِينَ } .\rوهم على لسان العلم : مَنْ عليهم دَيْنٌ في غير معصية .\rوهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق ، ولهذا قيل المعرفة غريم لا يُقْضَى دَيْنُه .\rقوله جلّ ذكره : { وَفِى سَبِيلِ اللهِ } .\rوعلى لسان العلم : مَنْ سلك سبيلَ الله وَجبَ له في الزكاة سهمٌ على ما جاء بيانُه في مسائل الفقه .\rوفي هذه الطريقة : مَنْ سلك سبيلَ الله تتوجَّبُ عليه المطالبات؛ فيبذل أولاً مالَه ثم جاهَه ثم نَفْسه ثم روحَه . . وهذه أول قَدَمٍ في الطريق .\rقوله جلّ ذكره : { وَابْنِ السَّبِيلِ } .\rوهو على لسان العلم : مَنْ وقع في الغُربة ، وفارَقَ وطَنه على أوصاف مخصوصة .\rوعند القوم : إذا تَغَرَّبَ العَبدُ عن مألوفات أوطانه فهو في قِرَى الحقِّ؛ فالجوعُ طعامُه ، والخلوةُ مجلسُه ، والمحبةُ شرابُه ، والأُنْسُ شهوده ، والحقُّ - تعالى - مشهودُه . قال تعالى : { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } [ الإنسان : 21 ] : لقوم وَعْدٌ في الجنة ، ولآخرين نَقْدٌ في الوقت؛ اليوم شرابُ المحابِّ وغداً شراب الثواب ، وفي معناه أنشدوا :\rوَمُقعدِ قومٍ قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثاً فأَبْصَرَا\rوأخرسَ لم ينطِقْ ثلاثين حِجَّةً ... أَدِرْنا عليه الكأسَ يوماً فأخبرا","part":3,"page":121},{"id":1122,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } .\rعين العداوة بالمساوئ مُوَكَّلَة ، وعين الرضا عن المعايب كليلة .\rبسطوا اللائمة في رسول الله A فعابوه بما هو أمارة كرمه ، ودلالة فضله ، فقالوا : إنه بحسن خُلُقِه يسمع ما يقال له ، فقال عليه السلام : « المؤمِن غِرٌّ كريم والمنافق خَبٌّ لئيم » .\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rوقيل : مَنْ العاقلُ؟ قالوا : الفَطِنُ المُتَغافِل . وفي معناه أنشدوا :\rوإذا الكريمُ أتيْتَه بخديعةٍ ... ولقِبتَه فيما ترومُ يُسارعُ\rفاعلمُ بأنَّكَ لم تُخادِعْ جاهلاً ... إنَّ الكريم - بفضله - يتخادع","part":3,"page":122},{"id":1123,"text":"أخبر أنَّ من تزيَّن للخَلْق ، وتقرَّب إليهم وأَدامَ رضاهم ، واتَّبَعَ في ذلك هواهم ، فإن اللهَ سبحانه يُسْقِط به عن الخَلْق جاهَهُم ، ويُشِينُهم فيما توهَمُّوا أنه يزينهم ، والذي لا يَضِيعُ ما كان الله ، فأمَّا ما كان لغير الله فَوَبَالٌ لِمَنْ أصابه ، ومُحالٌ ما طَلَبَه .\rويقال إنَّ الخَلْق لا يصدقونك وإنْ حَلَفْت لهم ، والحقُّ يَقْبَلُكَ وإِنْ تخَلَّفْتَ عنه؛ فالاشتغالُ بالخلْقِ محنةٌ أنت غيرُ مأجورٍ عليها ، والإقبالُ على الحقِّ نعمةٌ أنت مشكورٌ عليها . والمغبونُ مَنْ تَرَكَ ما يُشْكَرُ عليه ويُؤثِر ما لا يؤجرُ عليه .","part":3,"page":123},{"id":1124,"text":"مَنْ كَفرَ بالله واشرك في توحيده بإثباتِ موهوم استحق ما هو حقٌّ لله : تعَجَّلُ عقوبته في الحال بالفُرقة ، وفي المآلِ بالخلود في الحرقة .\rفليس كلُّ مَنْ مُنِي بمصيبة يعلم ما ناله من المحنة ، وأنشدوا :\rغَداً يَتَفَرَّقُ أهلُ الهوى ... ويكْثُر باكٍ ومُسْتَرْجِع","part":3,"page":124},{"id":1125,"text":"ظَنُّوا أَنَّ الحقَّ - سبحانه - لا يفضحهم ، فَدَلَّسُوا عليكم ، وأنكروا ما انطوت عليه سرائرهم ، فأرخى الله - سبحانه - عنانَ إمهالهم ، ثم هتك الستر عن نفاقهم؛ فَفَضَحَهم عند أهل التحقيق ، فتقنعوا بِخِمار الخجل ، وكشف لأهل التحقيق مكامنَ الاعتبار . ونعوذ بالله من عقوبة أهل الاغترار! { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ } [ آل عمران : 54 ] .","part":3,"page":125},{"id":1126,"text":"مَنْ استَهانَ بالدِّين ، ولم يَحْتَشِمْ مِنْ تَرْكِ حُرْمةِ الإسلام جعله الله في الحال نكالاً ، وسامَه في الآخرة صِغَراً وإذلالاً ، والحقُّ - سبحانه - لا يرضى دون أن يذيق العُتَاةَ بَأْسَه ، ويَسْقِيَ كُلاًّ - على ما يستوجبه - كأسَه .","part":3,"page":126},{"id":1127,"text":"جَرَّدَ العفوَ والعذابَ من عِلَّة الجُرْمِ ، وسببَ الفِعْل مِنْ حُجّةِ العبد؛ حيث أَحالَ الأمر على المشيئة . . إذ لو كان الموجِبُ لعفوِه أو تعذيبِه صفةَ العبد لَسَوَّى بينهم عند تساويهم في الوصف ، فَلَمَّا اشتركوا في الكفر بعد الإيمان ، وعفا عن بعضهم وعذَّب بعضَهم دَلَّ على أنه يفعل ما يشاء ، ويختصُّ من يشاء بما يشاء .","part":3,"page":127},{"id":1128,"text":"قوله جلّ ذكره : { المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ } .\rالمؤمِنُ بالمؤمِن يَتَقَوَّى ، والمنافقُ بالمنافق يتعاضد ، وطيور السماء على أُلاَّفِها تَقَعُ . فالمنافِقُ لصاحبه أسٌّ به قوامه ، وأصلٌ به قيامه؛ يُعِينُه على فساده ، ويُعَمِّي عليه طريقَ رشادِه .\rوالمؤمِنُ ينصر المؤمنَ ويُبَصِّره عيوبَه ، ويُبغضُ لديه ويُقَبِّحُ - في عينيه - ذنوبَه ، وهو على السدادِ يُنْجِدُه ، وعن الفسادِ يُبْعِده .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } .\rعن طلب الحوائج من الله تعالى .\rقوله جلّ ذكره : { نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ } .\rجازاهم على نسيانهم ، فسمَّى جزاءَ النسيانِ نسياناً . تركوا طاعتَه ، وآثروا مُخالَفَته ، فَتَرَكَهُم وما اختاره لأنفسهم ، قال تعالى : { وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } [ البقرة : 17 ] .","part":3,"page":128},{"id":1129,"text":"وَعَدَهم النارَ في الآخرة ، ولهم العذابُ المقيمُ في الحاضرة ، فمؤجَّلُ عذابِهم الحُرقَةُ ، ومُعَجَّلُه الفُرْقةُ .","part":3,"page":129},{"id":1130,"text":"يقال : سلكتم طريقَ مَنْ قَبْلَكم من الكفار وأهل النفاق وأهل النفاق وقد كافأناهم . ويقال الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافئ أهل الشقاق والنفاق؛ في كثرة المدَّةِ وقوةِ العُدَّةِ ، والاستمتاع في الدنيا ، والاغترار بالانخراط في سِلْك الهوى . . ولكن لم تَدُمْ في الراحة مُدَّتُهم ، ولم تُغْنِ عنهم يومَ الشِدَّةِ عُدَّتُهم ، وعما قريبٍ يَلْحَقُ بِكُم ما لَحِقَ بالذين هم قبلكم .","part":3,"page":130},{"id":1131,"text":"ألم يَنْتَهِ إليهم خبرُ القرون الماضية ، ونبأُ الأمم الخالية كيف دَمَّرْنا عليهم جَمْعَهُم ، وكيف بَدَّدْنَا شمْلَهم؟ قَضَيْنَا فيهم بالعدْل ، وحَكَمْنَا باستئصالِ الكُلِّ ، فلم يَبْقَ منهم نافخُ نار ، ولم يحصلوا إلاَّ على عارٍ وشنار .","part":3,"page":131},{"id":1132,"text":"يُعين بعضُهم بعضاً على الطاعات ، ويتواصَوْن بينهم بترك المحظورات؛ فَتَحَابُّهم في الله ، وقيامُهم بحقِّ الله ، وصحبتُهم لله ، وعداوتُهم لأجْلِ الله؛ تركوا حظوظَهم لحقِّ الله؛ وآثروا على هواهم رِضاءَ الله . أولئك الذين عَصَمَهم اللهُ في الحالِ ، وسيرحمهم في المآل .","part":3,"page":132},{"id":1133,"text":"وَعَدَهُم جميعاً الجنةَ ، ومساكنَ طيبة ، ولا يطيب المَسْكَنُ إلا برؤيةِ المحبوبِ ، وكلُّ مُحِبٍ يطيب مَسْكَنُه برؤية محبوبه ، ولكنهم مختلفون في الهمم؛ فَمِنْ مربوطٍ بحظِّ مردودٍ إلى الخَلْق ، ومِنْ مجذوب بحقِّ موصول بالحق ، وفي الجملة كما يقال :\rأجيرانَنَا ما أوحشَ الدارَ بَعْدَكُم ... إذا غِبْتُمُ عنها ونحن حضورُ!\rويقال قومٌ يطيب مسكنُهم بوجودِ عَطَائِه ، وقومٌ يطيب مسكنُهم بشهود لقائه ، وأنشدوا :\rوإنِّي لأَهْوى الدارَ لا يستقرُّ لي ... بها الودُّ إلا أَنَّها من دِيارِكا\rثم قال : { وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ } : وأمارةُ أهلِ الرضوانِ وجدانُ طَعْمِه؛ فهم في روْح الأُنْسِ ، وروْح الأنْسِ لا يتقاصر عن راحة دار القُدْس بل هو أتمُّ وأعظم .","part":3,"page":133},{"id":1134,"text":"دعا نَبِيُّنا - A - كافةَ الخَلْقِ إلى حُسْن الخُلُق .\rقال لموسى عليه السلام : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا } [ طه : 44 ] .\rوقال لنبيِّنا - A - : { واغلُظْ عليهم } [ التحريم : 9 ] ويقال إنما هذا بعد إظهار الحجج ، وبعد أن أزاح عُذْرَهُم بأيام المهلة؛ ففي الأول أَمَرَه بالرِّفق حيث قال : { إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ } [ سبأ : 46 ] ، فلما أصروا واستكبروا أَمَرَه بالغِلظة عليهم . والمجاهدة أولها اللسان لشرح البرهان ، وإيضاح الحجج والبيان ، ثم إنْ حَصَلَ من العدوِّ جُحْدٌ بعد إزاحة العذر ، فبالوعيد والزجر ، ثم إنْ لم ينجعْ الكلامُ ولم ينفع الملامُ فالقتالُ والحربُ وبَذْلُ الوسعِ في الجهاد .","part":3,"page":134},{"id":1135,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلََقدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ } .\rتَسَتَّروا بأَيْمانِهم فَهتَكَ اللهُ أستارهم وكشف أسرارهم .\rقوله : { وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ } : وهي طَعْنُهُم في نُبوَّةِ رسول الله - A - وكلُّ مَنْ وَصَفَ المعبودَ بصفاتِ الخَلْق أو أضاف إلى الخلْق ما هو من خصائص نعت الحقِّ فقد قال كلمة الكفر .\rقوله جلّ ذكره : { وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } .\rأي أظهروا من شعار الكفر ما دَلَّ على جُحْدِهم بقلوبهم بعد ما كانوا يُظْهِرون الموافقة والاستسلامَ ، وهمُّوا بما لم ينالوا من قتلٍ لرسول الله A ، وما سوَّلت أنفسهم أنه يُخْرِج الأَعَزُّ منها الأذلَّ ، وغير ذلك .\rيقال تمنوا زوالَ دولةِ الإسلام فأبى اللهُ إلا إعلاء أمْرِها .\rثم قال : { وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ } : أي ما عابوه إلا بما هو أَجَلّ خصاله ، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم فيه .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيمًا فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى الأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } .\rوأقوى أركان التوبة حلُّ عقْدة الإصرار عن القلب ، ثم القيام بجميع حقِّ الأمر على وجه الاستقصاء .","part":3,"page":135},{"id":1136,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مَنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخَلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ } .\rمنهم مَنْ أَكَّدَ العَقْدَ مع الله ، ثم نَقَضَه ، فَلَحِقَه شُؤْمُ ذلك؛ فَبقِي خالداً في نِفاقِه .\rويقال تطلَّبَ إحسانَ ربِّه ، وتقرَّبَ إليه بإبرام عهده فلمَّا حقَّق اللهُ مسؤولَه واستجاب مأموله ، فَسخَ ما أبرمه ، وانسلخ عما التزمه ، واستولى عليه البُخْلُ ، فَضَنَّ بإخراج حقه ، فَلَحِقَه شؤمُ نِفاقِه ، بأن بَقِيَ إلى الأبد في أَسْرِه .\rوحدُّ البخل - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب . وبُخْلِ كلِّ أحدٍ على ما يليق بحاله ، وكلُّ مَنْ آثر شيئاً من دون رضاء ربِّه فقد اتصف ببخله ، فَمَنْ يَبْخَلْ بماله تَزلْ عنه البركةُ حتى يؤول إلى وارثٍ أو يزول بحارث . ومَنْ يبخلْ بنَفْسِه ويتقاعس عن طاعته تفارقه الصحةُ حتى لا يستمتع بحيائه . والذي يبخل بروحِه عنه يُعاقَبُ بالخذلان حتى تكون حياتُه سبباً لشقائه .","part":3,"page":136},{"id":1137,"text":"أعقبهم ببخلهم نفاقاً في قلوبهم ، ويصحُّ أعقبهم الله نفاقاً في قلوبهم ، وفي الجملة : مَنْ نَقَضَ عهده في نفسه رفض الودَّ من أصله ، وكلُّ من أظهر في الجملة خيراً واستبطن شراً فقد نافق بقسطه . والمنافق في الصف الأخير في دنياه ، وفي الدَرْكِ الأسفل من النار في عقباه .","part":3,"page":137},{"id":1138,"text":"خوَّفَهم بعلمه كما خوَّفهم بفعله في أكثر من موضعٍ من كتابه .\rو { سِرَّهُمْ } ما لا يطلع عليه غير الله .\rو { نَجْوَاهُمْ } ما يتسارون بعضهم مع بعض . ويحتمل أن يكونَ ما لنفوسهم عليه إشرافٌ من خواطرهم .","part":3,"page":138},{"id":1139,"text":"عابوا الذين قَصُرَتْ أيديهم عن الإكثار في الصَدَقة وجادوا بما وصَلَتْ إليه أيديهم ، فَشَكَرَ اللهُ سَعْيَ من أخلص في صدقته بعدما عَلمَ صِدْقَه فيها . وقليلُ أهلِ الإخلاص أفضلُ مِنْ كثيرِ أهلِ النفاقِ .\rولمَّا أوجدوا المسلمين بسخريتهم وَصَفَ اللهُ - سبحانه وتعالى - نفْسَه بما يستحيل في وصفه - على التحقيق - هو السخرية بأحدِ . . تطيباً لقلوبِ أوليائه ، فقد تقدَّس عن ذلك لعِزَّة ربوبيته .","part":3,"page":139},{"id":1140,"text":"خَتَمَ القضايا بأنَّه لا يغفر لأهل الشِرْكِ والنفاق ، فلا تنفعهم الوسائل ، ولا ينتعش منهم الساقط .\rويقال : مَنْ غَلَبَتْه شِقْوتُنا لم ينفعه تضرعه ودعوته .\rويقال : صريعُ القدرة لا يُنْعِشُه الجُهد والحيلة .","part":3,"page":140},{"id":1141,"text":"استحوذ عليهم سرورُهم بتخلفهم ، ولم يعلموا أن ثبورَهم في تأخرهم وما آثروه من راحة نفوسهم على أداء حق الله ، والخروج في صحبة رسول الله - A ، فنزع الله الراحةَ بما عاقَبَهم ، وسَيَصْلَوْنَ سعيراً في الآخرة بما قدَّموه من نفاقهم ، وسوف يتحسَّرُون ولات حينَ تحسُّر .","part":3,"page":141},{"id":1142,"text":"قوله جل ذكره { فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } .\rبدل الله مَسَرَّتهم بِحَسرةِ ، وفَرْحَتَهم بتَرْحَةٍ ، وراحتهم بِعَبْرَةٍ ، حتى يكثر بكاؤهم في العقبى كما كثر ضحكهم في الدنيا ، وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّه .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ } .\rيقول : بعدما ظهرت خيانَتُهم ، وتقرر كذبهم ونفاقهم ، لا تَنْخَدِعْ بتملقهم ، ولا تَثِقْ بقولهم ، ولا تُمَكِّنْهم مِنْ صُحبتك فيما يُظْهِرونه مِنْ وفاقك . فإذا وَهَنَ سِلْكُ العهدِ فلا يَحْتَملُ بَعْدَهُ الشَّدَّ ، وإذا اتسع الخَرْقُ لا ينفع بَعءدَهُ الرَّقْعُ .","part":3,"page":142},{"id":1143,"text":"ليس بعد التَّبَرِّي التولي ، ولا بعدَ الفراق والوفاق ، ولا بعد الحجبة قربة . مضى لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة ، أو لرجائهم مساغ ، أو لظنِّهم تحقيق ، ولكن سَبَقَ لهم القضاءُ بالشقاوة ، ونعوذ بالله مِنْ سوءِ الخاتمة .","part":3,"page":143},{"id":1144,"text":"يقول لا تحسبنَّ تمكينَ أهل النِّفاق مِنْ تنفيذ مرادهم ، وتكثيرَ أموالهم إسداءَ معروف مِنَّا إليهم ، أو إسباغَ إنعام مِنْ لَدُنَّا عليهم ، إنما ذلك مَكْرٌ بهم ، واستدراجٌ لهم ، وإمهالٌ لا إهمال . وسيلقون غِبه عن قريب .","part":3,"page":144},{"id":1145,"text":"إذا تَوَجَّه عليهم الأمرُ بالجهاد ، واشتدَّ عليهم حكمُ الإلزام ، تعلَّلوا إلى السَّعَةِ ، وركنوا إلى اختيار الدَّعةَ واحتالوا في موجِبَاتِ التَّخَلُّفِ ، أولئك الذين خَصَّهم بخذلانه ، وصَرَفَ قلوبهم عن ابتغاء رضوانه .","part":3,"page":145},{"id":1146,"text":"بَعُدُوا عن بِساط العِبادة فاستطابوا الدّعة ، ورضوا بالتعريج في منازل الفرقة ، ولو أنهم رجعوا إلى الله تعالى بِصِدقِ النَّدم لَقَابَلهُم بالفضل والكرم ، ولكنْ القضاءَ غالِبٌ ، والتكلفَ ساقطٌ .","part":3,"page":146},{"id":1147,"text":"ليس مَنْ أَقْبَلَ كمَنْ أعرض وصُدَّ ، ولا مَنْ قُبِلَ أَمْرُه كَمَنْ رُدَّ ، ولا من وحَّدَ كمن جَحَد ، ولا من عَبَدَ كَمن عَنَدَ ، ولا مَنْ أَتَى كمن أَبَى . . . فلا جَرَمَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهم ، وجَلتْ رُتْبَتُهم .","part":3,"page":147},{"id":1148,"text":"تشير الآية إلى أن راحاتِهم موعودة ، وإِنْ كانت الأتعابُ في الحال موجودةً مشهودة .\rويقال صادِقُ يقينهم بالثوابِ يُهوِّن عليهم مقاساةَ ما يلقونه - في الوقت - من الأتعاب .","part":3,"page":148},{"id":1149,"text":"وهم أصحاب الأعذار - في قول أهل التفسير - طلبوا الإذنَ في التأخرِ عن رسول الله - A - في غزوة تبوك فسقط عنهم اللَّوْمُ .\rأما الذين تأخروا بغير عُذْرٍ فقد توجَّه عليهم اللوم ، وهو لهم في المستقبل الوعيد .","part":3,"page":149},{"id":1150,"text":"قيمةُ الفقرِ تظهر عند سقوط الأمر ، ولو لم يكن في القلة خيرٌ إلا هذا لكفي لها بهذا فضيلة؛ بقوا في أوطانهم ولم يتوجَّه عليهم بالجهادِ أمرٌ ، ولا بمفارقة المنزل امتحان . واكتفى منهم بنصيحة القلب ، واعتقادِ أَنْ لو قدروا لخرجوا .\rوأصحابُ الأموال امتُحِنوا - اليومَ - بِجَمْعِهَا ثم بِحِفْظِهَا ، ثم مَلَكَتْهُم محنتُها حتى شقَّتْ عليهم الغيبةُ عنها ، ثم توجَّه اللومُ عليهم في تَرْكِ إِنفاقها ، ثم ما يعقبه - غداً من الحسابِ والعذاب يربو على الجميع .\rوإِنَّما رفع الحَرَجَ عن أولئك بشرطٍ وهو قوله : { إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ } فإذا لم يوجد هذا الشرطُ فالحرجُ غيرُ مرتفع عنهم .\rقوله : { مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } : المُحْسِنُ الذي لا تكون للشرع منه مطالبة لا في حقِّ الله ولا في حقِّ الخَلْق .\rويقال هو الذي يعلم أَنَّ الحادثاتِ كلَّها من الله تعالى .\rويقال هو الذي يقوم بحقوقِ ما نِيط به أَمْرُه؛ فلو كان طيرٌ في حكمه وقَصَّرَ في عَلَفِه - لم يكن محسناً .","part":3,"page":150},{"id":1151,"text":"منَعَهم الفقرُ عن الحَرَاك فالتمسوا من الرسول - A - أن يحملهم معه ويهيئ أسبابهم ، ولم يكن في الحال للرسول عليه السلام سَعَةٌ ليوافقَ سُؤْلَهم ، وفي حالة ضيق صدره - A - حَلَفَ إنه لا يَحْمِلُهم ، ثم رآهم A يتأهبون للخروج ، وقالوا في ذلك ، فقال عليه السلام : « إنما يحملكم الله » .\rفلمَّا رَدَّهم الرسول - A - عن الإجابة في أن يحملهم رجعوا عنه بوصف الخيبة كما قال تعالى : { تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ } كما قال قائلهم :\rقال لي مَنْ أُحِبُّ والبيْن قد ... حَلَّ ودمعي مرافِقٌ لشهيقي\rما تُرى في الطريق تصنع بعدي؟ ... قلتُ : أبكي عليك طول الطريق\rقوله : { حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } شقَّ عليهم أنْ يكونَ على قلب الرسول - A - بسببهم شُغْلٌ فَتَمَنَّوْا أن لو أُزِيجَ هذا الشغلُ ، لا ميلاً إلى الدنيا ولكن لئلا تعودَ إِلى قلبه - عليه السلام - مِنْ قِبَلِهم كراهةً ، ولهذا قيل :\rمَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديقِ لِقاؤه ... وأخو الحوائجِ مُمْجِجُ مَمْلولُ\rثم إنَّ الحقَّ - سبحانه - لمَّا عَلِمَ ذلك منهم ، وتمحضت قلوبُهم للتعلُّق بالله ، وخَلَتْ عقائدُهم عن مُساكنةِ مخلوقِ تَدَارَكَ اللهُ أحوالَهم؛ فأمر اللهُ رسوله عليه السلام أَنْ يَحْمِلَهم . . بذلك جَرَتْ سُنَّتُه ، فقال : { وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا } [ الشورى : 28 ] .","part":3,"page":151},{"id":1152,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا السِّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ } .\rيريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون عنك في الخروج إلى الجهادِ ولهم الأُهبة والمُكْنَة ، وتساعدهم على الخروج الاستطاعةُ والقدرةُ؛ فإِذا استأذنوك للخروج وأظهروا لم يَصْدقُوا ، فهم مُسْتَوجِبُونَ للنكير عليهم ، لأنَّ مَنْ صَدَقَ في الولاء لا يحتشم من مقاساةِ العناء ، والذي هو في الولاءِ مما ذِقٌ وللصِّدقِ مفَارِقٌ يتعلَّلُ بما لا أصل له ، لأنه حُرِمَ الخلوصَ فيما هو أَهْلٌ له ، وكذا قيل :\rإنَّ الملولَ إذا أراد قطيعةً ... مَلَّ الوصَالَ وقال كان وكانا\rقوله جلّ ذكره : { رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ } .\rقيل في التفسير : مع النساء في البيوت .\rوالإسلام يثني على الشجاعة ، وفي الخبر : « إنْ الله تعالى يحب الشجاعة ، و لو على قتل حية » ، وفي معناه أنشدوا :\rكُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى المُحْصَنَاتِ جرُّ الذّيُولِ\rومَنْ استوطن مركبَ الكسلِ ، واكتسى لِبَاسَ الفَشَلِ ، ورَكَنَ إلى مخاريق الحِيَل - حُرِمَ استحقاقَ القُربة . ومَنْ أراد اللهُ - تعالى - هَوَانَه ، وأذاقه خِذْلانَه ، فليس له عن حكم الله مناصٌ .","part":3,"page":152},{"id":1153,"text":"أراد إذا تَقَوَّلُوا بما هم فيه كاذبون ، وضللوا عما كانوا في تخلفهم به يتَّصِفون - فأَخْبِرُوهم أنَّا عَرَّفَنَا اللهُ كَذبَكم فيما تقولون ، واتضحت لَنَا فضائحُكم ، وتَمَيَّزَ - بما أظهره الله لنا - سَيِّئُكُم وصالِحُكم ، فإِنَّ اللهَ تعالى لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِنْ أحوالكم ، وسَتَلْقَوْنَ غِبَّ أعمالكم في آجلكم .","part":3,"page":153},{"id":1154,"text":"يريد أنهم في حَلفِهِم باللهِ لكم أن يدفع السوءَ مِنْ قِبَلِكم ، وليس قصْدهم بذلك خلوصاً في اعتذارهم ، ولا ندامةً على ما احتقبوه من أوزارهم ، إنما ذلك لتُعْرِضُوا عنهم . . . فأَعْرِضوا عنهم؛ فإِنَّ ذلك ليس بمُنْجِيهم مما سيلقونه غداً من عقوبة الله لهم ، فإِنَّ اللهَ يُمْهِلُ العاصيَ حتى يتَوهَّمَ أنه قد تَجَاوَزَ عنه ، وما ذلك إلا مَكْرٌ عُومِل به ، فإذا أذاقه ما يستوجِبُه عَلِمَ أن الأمرَ بخلاف ما ظنّه ، وما ينفع ظاهرٌ مغبوطٌ ، والحال - في الحقيقة - يأسٌ من الرحمة وقنوطٌ ، وفي معناه قالوا :\rوقد حسدوني في قُرْبِ داري مِنْهُمُ ... وكم مِن قريبِ الدارِ وهو بعيدُ!","part":3,"page":154},{"id":1155,"text":"من كان مسخوطَ الحقِّ لا ينفعه أن يكون مرضيَّ الخَلْقِ ، وليست العِبْرَةُ بقولِ غيرِ اللهِ إِنَّما المدارُ على ما سَبَقَ من السعادة في حُكْمِ الله .","part":3,"page":155},{"id":1156,"text":"جُبِلَتْ قلوبُهم على القسوةِ فلم تَقْرَعْها هواجِمُ الصفوة ، وكانوا عن أشكالهم في الخِلْقَةِ مستأخرين بما ( . . . . ) من سوء الخُلُق؛ فَهُمْ مِنَ استبانةِ الحقائق أبعد ، ومن استيجاب الهوان أقرب .","part":3,"page":156},{"id":1157,"text":"خَبُثَت عقائدُهم فانتظروا للمسلمين ما تعلقت به مناهم من حلول المِحن بهم ، فأبى اللهُ إلا أن يَحيقَ بهم مكرُهم ، ولهذا قيل في المثل : إذا حَفَرْتَ لأخيك فَوَسِّعْ فربما يكون ذلك مقيلَك!\rويقال مَنْ نَظَر إلى ورائه يُوَفَّقْ في كثيرٍ من تدبيره ورأيه .","part":3,"page":157},{"id":1158,"text":"تَنَوَّعُوا؛ فمنهم مَنْ غَشَّ ولم يربح ، ومنهم مَنْ نَصَحَ فلم يَخْسِرْ ، فأمَّا الذين مذقوا فهم في مهواةِ هوانِهم ، وأما الذين صَدَقُوا ففي رَوْح إحسانهم .","part":3,"page":158},{"id":1159,"text":"السابقون مختلفون؛ فَمِنْ سابقٍ بِصِدقِ قَدَمِه ، ومِنْ سابقٍ بصدقِ هِمَمِه . ويقال السابقُ مَنْ ساعَدَتْه القسمةُ بالتوفيق ، وأسعَدَتْه القضية بالتحقيق ، فسبقت له من الله رحمتُه .\rويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له .\rويقال جَمَعَ الرِّضَاءُ صَفَّيْهِم : السابقَ منهم واللاحقَ بهم؛ قال تعالى : { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ } { رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } .\rويقال ليس اللاحق كالسابق ، فالسابقُ في روحِ الطلبِ ، واللاحِقُ في مقاساتِ التعبِ ، ومُعاناة النَّصَبِ ، وأنشدوا :\rالسِّبَاق السِّبَاق قولاً وفعلاً ... حَذِّروا النَّفسَ حَسْرَةَ المسبوقِ\rويقال رِضَاهُم عن اللهِ قضيةُ رضاء الله عنهم؛ فلولا أنه رَضِيَ عنهم في آزالِه . . . فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه؟!","part":3,"page":159},{"id":1160,"text":"تشاكل المخلِصُ والمنافِقُ في الصورة فلم يَتَمَيَّزا بالمباني ، وإن تنافَيا في الحقائق والمعاني وتقاصر عِلْمُهم عن العرفان فَهَتَك الله لنبيِّه أستارَهم . . فَعَرَفَهم ، وهم بإشرافه عليهم جاهلون ، وعلى الإقامة في أوطان نفاقهم مصروفون ، فلم ينفعهم طولُ إمهاله لهم .\r{ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } : الأولى في الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن والفتن والأمراض ، ولا يحصل لهم عليها في الآخرة عِوَضٌ ولا أَجْرٌ ولا مَسَرَّةٌ ، والثانية عذابُ القبر .\rوقيل المرة الأولى بِقَبْضِ أرواحهم ، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة يُمْتحنون بالعذاب الأكبر .\rويقال المرة الأولى ظنُّهم أنهم على شيء ، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ما لم يحتسبوه لهم .","part":3,"page":160},{"id":1161,"text":"إنْ اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم . والإقرارُ توكيدُ الحقوق فيما بين الخَلْق في مشاهد الحكم ، ولكن الإقرار بحق الله - سبحانه - يوجِبُ إسقاط الجُرْم في مقتضى سُنَّةِ . كَرَم الحقِّ - سبحانه ، وفي معناه أنشدوا :\rقيل لي : قد أَسَاءَ فيكَ فلانٌ ... وسكوتُ الفتى على الضيم عارُ\rقلتُ : قد جاءني فأَحْسَنَ عُذرا ... دِيَةُ الذَّنبِ عندنا الاعتذار\r{ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } : ففي قوله : { وَآخَرَ سَيِّئًا } بعد قوله : { صَالِحًا } دليلٌ على أن الزَّلَّةَ لا تحبِطُ ثوابَ الطاعةِ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العملُ صالحاً .\rوكذلك قوله : { عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } : وعسى تفيد أنه لا يجب على الله شيء فقد يتوب وقد لا يتوب . ولأنَّ قوله صِدْقٌ . . فإذا أخبر أَنَّه يجِيبُ فإنه يفعل ، فيجب منه لا يجب عليه .\rويقال قوله : { خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا } : يحتمل معناه أنهم يتوبون؛ فالتوبة عملٌ صالح . وقوله : { وَآخَرَ سَيِّئًا } : يحتمل أنه نَقْضُهم التوبة ، فتكون الإشارة في قوله : { عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زَلَّتهم فواجبٌ مِنَّا أن نتوب عليهم ، ولئن بطلت - بنَقْضِهم - توبتُهم . . لَمَا اخْتَلَّتْ - بفضلنا - توبتُنا عليهم .","part":3,"page":161},{"id":1162,"text":"تطهرهم مِنْ طَلَبِ الأَعواض عليها ، وتزكيهم عن ملاحظتهم إياها .\rتطهرهم بها عن شُحِّ نفوسهم ، وتزكيهم بها بألا يتكاثروا بأموالهم؛ فَيَرَوْا عظيم مِنَّةِ الله عليهم بوجدان التجرُّد منها .\r{ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } : إنْ تُعاشِرْهم بِهِمَّتِكَ معهم أثْمنُ لهم من استقلالهم بأموالهم .","part":3,"page":162},{"id":1163,"text":"تمدَّحَ - سبحانه - بقبول توبة العاصين إذ بها يُظْهِرُ كَرَمَه ، كما تمدَّح بجلال عِزِّه ونَبَّههم على أَنْ يَعرِفوا به جَلاله وقِدَمَه .\rوكما تَوحَّدَ باستحقاق كبريائه وعظمته تَفَرَّدَ بقبول توبة العبد عن جُرْمِه وزَلَّتِه . فكما لا شبيهَ له في جماله وجلاله لا شريكَ له في أفضاله وإقباله؛ يأخذ الصدقاتِ - قَلَّتْ أو كَثُرَتْ ، فَقَدْرُ الصَّدَقَةِ وخَطرُها بِأَخْذِه لها لا بكثرتها وقِلَّتها؛ قَلَّتْ في الصورة صَدَقَتَهُم ولكِنْ لمَّا أَخَذَها وقِبِلها جَلَّتْ بقبوله لها ، كما قيل :\rيكون أُجاجاً - دونكم ، فإِذا انتهى ... إليكم تَلَقى طيبَكم فيطيبُ","part":3,"page":163},{"id":1164,"text":"خوَّفَهم برؤيته - سبحانه - لأعمالهم ، فلمَّا عَلِمَ أَنَّ فيهم مَنْ تتقاصر حالتُه عن الاحتشام لاطِّلاع الحقِّ قال : { وَرَسُولِهِ } ، ثم قال لِمَنْ نَزَلَتْ رتبتُه : { وَالمُؤْمِنُونَ } . وقد خَسِرَ مَنْ لا يمنعه الحياءُ ، ولا يردعه الاحتشامُ ، وسَقَطَ من عينِ اللهِ مَنْ هَتَكَ جلبابَ الحياءِ ، كما قيل :\rإذا قَلَّ ماءُ الوَجْهِ قَلَّ حياؤه ... ولا خيرَ في وجهٍ إذا قَلَّ ماؤه\rومَنْ لم يَمْنَعْه الحياءُ عن تعاطي المكروهاتِ في العاجل سيلقى غِبَّ ذلك ، وخسرانُه عن قريبٍ في الآجل .","part":3,"page":164},{"id":1165,"text":"لم يُصَرِّحْ بقبول توبتهم ، ولم يَسِمْهُم باليأسِ من غفرانه ، فوقفوا على قَدَم الخَجلِ ، متميلين بين الرهبة والرغبة ، متردِّدِين بين الخوف والرجاءَ . أخبر اللهُ - سبحانه - أنَّه إنْ عَذَّبَهم فلا اعتراضَ يتوجّه عليه ، وإنْ رَحِمَهم فلا سبيلَ لأحدٍ إليه ، قال بعضهم :\rويشبعني من الأمال وعدٌ ... ومن علمي بتقصيري وعيد","part":3,"page":165},{"id":1166,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون } .\rمَنْ لم يكن مخلصاً في ولائه لم يأنس القلبُ بكدِّه وعنائه ، فَتَوَدُّدُه في الظاهر ينادي عليه بالتوائه ، وبقوله بالتكلُّفِ شهادةُ صِدْقٍ على عَدَمِ صَفَائه :\rمَنْ لم يكنْ للوصال أهلاً ... فكلُّ إحسانِه ذنوبُ","part":3,"page":166},{"id":1167,"text":"المقام في أماكن العصيان ، والتعريج في أوطان أهل الجحود والطغيان - من علامات الممالأة مع أربابها ، وسُكَّانِها وقُطَّانِها .\rوالتباعدُ عن مَسَاكِنِهم ، وهجرانُ مَنْ جَنَحَ إلى مَسالِكهم عَلَمٌ لِمَنْ أشرب قلبه مخالفتهم ، وباشرت سِرَّه عداوتُهم .\r{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا } : يتطهرون عن المعاصي وهذه سِمَة العابدين ، ويتطهرون عن الشهوات والأماني وتلك صفة الزاهدين ، ويتطهرون عن محبة المخلوقين ، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين .\rقوله : { وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ } : أسرارَهم عن المساكنةِ إلى كل مخلوق ، أو ملاحظةِ كل مُحْدَثٍ مسبوق .","part":3,"page":167},{"id":1168,"text":"المريدُ يجب أن يؤسِّسَ بنيانَه على يقينٍ صادقٍ فيما يعتقده ، ثم على خلوص في العزيمة ألا ينصرِفَ قبل الوصولِ عن الطريق الذي يسلكه ، ثم على انسلاخه عن جميع مُناه وشهواتِه ، ومآرِبه ومطالبِه ، ثم يبني أَمْرَه على دوام ذِكْرِه بحيث لا يعترِضُه نِسيان ، ثم على ملازمة حق المسلمين وتقديم مصالحهم . . . بالإيثار على نفسه . والذي ضَيَّع الأصولَ في ابتدائه حُرِمَ الوصول في انتهائه ، والذي يَحْكِمُ الأساسَ في بنائِه سَقَطَ السَّقْفُ على جدرانه .","part":3,"page":168},{"id":1169,"text":"عروقُ النِّفاقِ لا تُقْتَلَعُ من عَرَصَاتِ اليقين إلا بِمِنْجَل التَّحَقُّقِ بصحيح البرهان؛ فَمَنْ أُيِّدَ لإدامة المسير ، وَوفِّقَ لتأمل البرهان وَصَلَ إِلى ثَلَجِ الصدور ورَوْحِ العرفان .\rومَنْ أقام على مُعْتَادِ التقليد لم يسترِحْ قلبُه من كَدِّ التردُّدِ ، وظلمةِ التجويز ، وَجَوَلاَنِ الخواطر المشكلة في القلب .","part":3,"page":169},{"id":1170,"text":"لمّا كان من المؤمنين تسليمُ أَنفسهم وأموالهم لحُكْمِ الله ، وكان من الله الجزاءُ والثوابُ؛ أي هناك عِوَضٌ ومُعَوض ، فَلِمَا بَين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظَ الاشتراءِ ، وقد قال تعالى : { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ . . . } [ الصف : 10 ] ، وقال : { فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ } [ البقرة : 16 ] .\rوفي الحقيقة لا يصحُّ في وصف الحق - سبحانه - الاشتراء لأنه مَالِكُ سِوَاه ، وهو مالِكُ الأعيانِ كلِّها . كما أَنَّ مَنْ لم يستَحْدِثْ مِلْكاً لا يُقَال إنه - في الحقيقة - باع .\rوللمقال في هذه الآية مجال . . . فيقال : البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتنع عن تسليم المبيع ، فكذلك لا يستحق العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليمِ النَّفسِ والمالِ على موجب أوامر الشرع ، فَمَنْ قَعَدَ أو فَرَّطَ فغيرُ مستحقٍ للجزاء .\rويقال لا يجوز في الشرع أن يبيع الشخصُ ويشتري شيئاً واحداً فيكونَ بائعاً ومشترياً إلا إذا كان أباً وجَدَّاً! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة؛ فالحقُّ بإذنه كانت رَحْمَتُه بالعبد أتمَّ ، ونظرُه له أبلغَ ، وكان للمؤمِن فيه من الغبطة ، ما لا يخفى ، فصحَّ ذلك وإن كان حُكمه لا يقاس على حكم غيره .\rويقال إنما قال : { اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } ولم يقل « قلوبهم » لأنَّ النَّفْسَ محلُّ الآفات فجعل الجنة في مقابلتها ، وجعل ثَمَنَ القلبِ أَجَلَّ من الجنة ، وهو ما يخصُّ به أولياءه في الجنة مِنْ عزيزِ رؤيته .\rويقال النَّفْسُ محلُّ العيب ، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره .\rويقال مَنْ اشترى شيئاً لينتفع به اشترى خيرَ ما يجده ، ومن اشترى شيئاً لِيَنْتَفِعَ به غيرهُ يشتري ما رُدَّ على صاحبه لِيَنْفَعَه بثمنه .\rوفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء - عليهم السلام - : يا بني آدم ، ما خلقتُكم لأربحَ عليكم ولكن خَلَقْتُكم لتربحوا عليَّ .\rويقال اشترى منهم نفوسَهم فرهبوا على قلوبهم شكراً له حيث اشترى نفوسَهم ، وأمَّا القلبُ فاستأثره قهراً ، والقهر في سُنَّةِ الأحبابِ أعزُّ من الفضل ، وفي معناه أنشدوا :\rبُنِيَ الحبُّ على القَهْرِ فلو ... عَدَلَ المحبوبُ يوماً لَسَمُج\rليس يُسْتَحْسَنُ في حكم الهوى ... عاشِقٌ يَطْلُبُ تأليفَ الحُجَج\rوكان الشيخ أبو علي الدقاق C يقول : « لم يقل اشترى قلوبَهم لأن القلوبَ وَقْفٌ على محبته ، والوقفُ لا يُشترى » .\rويقال الطيرُ في الهواء ، والسَّمَكُ في الماءِ لا يصحُّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما ، كذلك القلبُ . . صاحبُه لا يمكنه تسليمه ، قال تعالى :\r{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ } [ الأنفال : 24 ] .\rوفي التوراة : « الجنَّةُ جنتي والمالُ مالي فاشتروا جنتي بمالي فإنْ ربحتم فلكم وإِنْ خَسِرْتُمْ فعليَّ » .\rويقال عَلِمَ سوءَ خُلقِك فاشتراك قبل أَنْ أوجدك ، وغَالِي بثمنك لئلا يكونَ لَكَ حقُّ الاعتراض عند بلوغك .","part":3,"page":170},{"id":1171,"text":"ويقال ليس للمؤمن أن يتعصَّبَ لنفسه بحالٍ لأنها ليست له ، والذي اشتراها أَوْلى بها من صاحبها الذي هو أجنبيٌّ عنها .\rويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يَدَّعِيَ العبدُ فيها؛ فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا يُعْجَبُ بها .\rقوله : { فَيَفْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } سيّان عندهم أن يَقْتُلُوا أو يُقْتَلُوا ، قال قائلهم :\rوإنَّ دَمَاً أجريتَه لك شاكرٌ ... وإِنَّ فؤاداً خِرْتَه لكَ حامدُ\rويقال قال : { فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ } ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن مِنَّا بَيْعٌ ، وإنما أخبر عن نفسه بقوله : { إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ } فجعل بَيْعَه بَيْعَنا ، وهذا مثلما قال في صفة نبيه - A - { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } [ الأنفال : 17 ] وهذا عين الجَمْع الذي أشار إليه القوم .","part":3,"page":171},{"id":1172,"text":"قوله جلّ ذكره : { التَّائِبُونَ العَابِدُونَ } .\rمَدَحَهُم بعد ما أوقع عليهم سِمَةَ الاشتراء بقوله : { التَّائِبُونَ العَابِدُونَ . . . } ومَنْ رَضِيَ بما اشتراه فإنَّ له حقَّ الردِّ إذا لم يَعْلَمْ العيبَ وقتَ الشِّراء ، فأَمَّا إذا كان عالماً به فليس له حقُّ الردِّ؛ قال تعالى : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ } [ الدخان : 32 ] .\rويقال مَنْ اشترى شيئاً فَوَجَدَ به عيْباً ردَّه على مَنْ منه اشتراه ولكنه - سبحانه - اشترى نفوسَنا منه ، فإذا أراد الردَّ فلا يردُّ إلا على نَفْسِه؛ قال تعالى : { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ } وكما أنَّ الردَّ إليه فلو ردَّنا كان الردُّ عليه .\rقوله تعالى : { التَّائِبُونَ } أي الراجعون إلى الله ، فَمِنْ راجعٍ يرجع عن زلَّتِه إلى طاعته ، ومِنْ راجع ، يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه ، ومِنْ راجعٍ يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه ، ومِنْ راجعٍ يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جِنْسِه إلى الاستغراق في حقائق حقِّه .\rويقال تَائِبٌ يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله؛ فيجد غداً فنونَ أفضاله ، وصنوفَ لطفه ونواله ، وتائبٌ يرجع عن كل غيرٍ وضدٍ إلى ربِّه بربِّه لربِّه بِمَحْوِ كلِّ أَرَبٍ ، وعَدَمِ الإحسان بكلِّ طلب .\rوتائب يرجع لحظِّ نَفْسِه من جزيل ثوابه أو حَذَراً - على نفسه - من أليم عذابه ، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه ، وتائب يرجع طلباً لفرح نفسه حين ينجو مِنْ أوضاره ، ويخلص من شؤم أوزاره ، وتائب يرجع لَمَّا سمع أنه قال : إنَّ اللهَ أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه من الأعرابي الذي وَجَدَ ضَالَّتَه - كما في الخبر ، « وشتَّان ما هما »! وأنشدوا :\rأيا قادماً من سَفْرَة الهَجْر مَرْحَبَا ... أُنَادِيكَ لا أنساكَ ما هبَّتْ الصَّبَا\rوأمَّا قوله { العَابِدُونَ } : فهم الخاضعون بكلِّ وجه ، الذين لا تَسْتَرِقُّهم كرائمُ الدنيا ، ولا تستعبدهم عظائمُ العُقْبَى . ولا يكون العبدُ عبداً لله - على الحقيقة - إلا بعد تجرُّدِه عن كل شيءٍ حادثٍ . وكلُّ أحدٍ فهو له عَبْدٌ من حيث الخِلْقة؛ قال تعالى : { إن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ ءاتِى الرَّحْمَنَ عَبْدًا } [ مريم : 93 ] . ولكنَّ صاحبَ العبودية خاصٌّ .\rقوله جلّ ذكره : { الحَامِدُونَ } .\rهم الشاكرون له على وجود أفضاله ، المُثْنُونَ عليه عند شهود جلاله وجماله .\rويقال : الحامدون بلا اعتراضٍ على ما يحصل بقدرته ، وبلا انقباضٍ عما يجب من طاعته .\rويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه .\rويقال الحامدون إذا اشتكى مَنْ لا فُتُوَّة له المادحون إذا بكى مَنْ لا مروءةَ له .\rويقال الشاكرون له إنْ أدناهم ، الحامدون له إن أقصاهم .\rقوله جلّ ذكره : { السَّائِحُونَ } .\rالصائمون ولكن عن شهود غير الله ، الممتنعون عن خدمة غير الله ، المكتفون من الله بالله .\rويقال السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار طلباً للاستبصار ، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكُّر في جوانبها ومناكبها ، والاستدلال بتغيُّرها على مُنْشِئِها ، والتحقق بحكمةِ خالِقها بما يَرَوْنَ من الآيات فيها ، ويسيحون بأسرارهم في الملكوتِ فيجدون رَوْحَ الوصال ، ويعيشون بنسيم الأنْسِ بالتحقق بشهود الحق .","part":3,"page":172},{"id":1173,"text":"قوله جلّ ذكره : { الرَّاكِعُونَ } .\rالخاضعون لله في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلِّي ، وفي الخبر . « إن الله ما تجلَّى لشيءٍ إلا خَشَع له » .\rوكما يكون - في الظاهر - راكعاً يكون في الباطن خاشعاً ، ففي الظاهر بإحسان الحقِّ إليه يُحْسنِ تولِّيه ، وفي الباطن كالعيان للعيان للحقِّ بأنوار تجلِّيه .\rقوله جلّ ذكره : { السَّاجِدُونَ } .\rفي الظاهر بنفوسهم على بِساط العبودية ، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية . والسجود على أقسام : سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط الافتقار ، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال . وسجودٌ عند الشهود إذا تجلَّى الحقُّ لقلبه سَجِدَ بقلبه ، فلم ينظر بعده إلى غيره ، وسجودٌ في حال الوجود وذلك بخموده عن كليته ، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته .\rقوله جلّ ذكره : { الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ } .\rهم الذين يَدْعُون الخَلْقَ إلى الله ، ويُحَذرونهم عن غير الله . يتواصَوْن بالإقبال على الله وتَرْكِ الاشتغال بغير الله . يأمرون أنفسَهم بالتزام الطاعات بِحَمْلِهم إياها على سَنَن الاستقامة ، ويَنْهَوْن أنفسَهم عن اتِّباع المنى والشهوات بِتَرْكِ التعريج في أوطان الغفلة ، وما تعودوه من المساكنة والاستنامة .\rوالحافظون لحدود الله ، هم الواقفون حيث وقفهم الله ، الذين لا يتحركون إلا إذا حَرَّكَهم ولا يَسْكنُون إلا إذا سكنهم ، ويحفظون مع الله أنْفَاسَهُمْ .","part":3,"page":173},{"id":1174,"text":"أصلُ الدين التَبَرِّي من الأعداء ، والتولِّي للأولياء ، والوليُّ لا قريبَ له ولا حميم ، ولا نسيبَ له ولا صَديق؛ إنْ وَالَى فبأمر ، وإنْ عادى فَلِزَجْر .","part":3,"page":174},{"id":1175,"text":"لما أمَرَ المسلمين بالتبرِّي عن المشركين والإعراض عنهم والانقباض عن الاستغفار لهم بَيَّنَ أنَّ هذا سبيلُ الأولياء ، وطريقُ الأنبياء عليهم السلام ، وأَنَّ إبراهيمَ - عليه السلام - وإنْ استغفر لأبيه فإِنما كان مِنْ قَبْل تَحَقُّقِهِ بأنه لا يُؤْمِنُ ، فلمَّا عَلِمَ أنه عدوٌّ لله أَظْهَرَ البراءةَ منه .","part":3,"page":175},{"id":1176,"text":"إنَّ الله لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعد ما تبيَّن لكم أنكم مُنْهِيُّون عنه ، فإذا علمتم أنكم نُهِيتُمْ عن استغفارَكم لهم فإنْ أَقْدَمْتُمْ على ذلك فحينئذ ذللتم عن الحقِّ بفعلكم بعد ما نُهيتم عنه . . . هذا بيان التفسير للآية ، والإشارة فيها أنه لا سَلْبَ لعطائه إلا بِتَرْكِ أدب منكم .\rويقال مَنْ أَحَلَّه بِسَاطَ الوصلة ما مُنِيَ بعده بعذاب الفرقة ، إلا لِمَنْ سَلَفَ منه تَرْكُ حُرْمة .","part":3,"page":176},{"id":1177,"text":"الحقُّ لا يَتَجمَّلُ بوجود مملوكاته ، ولا يلحق نَقْصٌ بِعَدَم مخلوقاته ، فَقَبْلَ أَنْ أوجد شيئاً من الحادثات كان مَلِكاً - والمَلِكُ أكثر مبالغةً من المالك - ومُلْكُه قدرتُه على الإبداع؛ والمعدوم مقدوره ومملوكه ، فإذا أَوْجَدَه فهو في حال حدوثه مقدوره ومملوكه ، فإذا أعدمه خرج عن الوجود ولم يخرج عن كونه مقدوراً له .\r{ يُحْىِ وَيُمِيتُ } يحيي مَن يشاء بعرفانه وتوحيده ، ويميت من يشاء بكفرانه وجحوده .\rويقال يُحيي قلوبَ العارفين بأنوار المواصلات ، ويُميتُ نفوسَ العابدين بآثار المنازلات .\rويقال يُحيي مَنْ أقبل عليه بِتَفَضُّله ، ويميت من أعرض بِتَكَبُّرِه .","part":3,"page":177},{"id":1178,"text":"قَبِلَ توبتهم ، وتاب على نبيِّه - A - في إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك ، وأَمَّا على المهاجرين والأنصار الذين قد خرجوا معه حين هَمُّوا بالانصراف لِمَا أَصَابهم من العُسْرة من الجوع والعطش والإعياء في غزوة تبوك ، كما قال : { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ } : وتوبته عليهم أنه تدارَكَ قلوبَهم حتى لم تزغ ، وكذا سُنَّةَ الحقِّ - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العَطَبِ ، وقاربوا من التّلفِ ، واستمكن اليأسُ في قلوبهم من النصر ، ووَطَّنوا أنفسهم على أنْ يذوقوا البأسَ - يُمْطِرُ عليهم سحائبَ الجود ، فيعود عودُ الحياةِ بعد يَبْسِه طريّاً ، ويُرَدُّ وَرْدُ الأُنْس عقب ذبوله غضاً جَنِيَّاً ، وتصير أحوالهم كما قال بعضهم :\rكُنَّا كَمَنْ أُلْبِسَ أكفانَه ... وقُرِّب النَّعْشُ من اللَّحد\rِ فجال ماءُ الرُّوحِ في وَحْشَةٍ ... وردَّه الوصل إلى الورْدِ\rتبارك الله سبحانه ... ما ( . . . ) هو بالسرمد","part":3,"page":178},{"id":1179,"text":"لمَّا صَدَقَ منهم اللجاء تداركهم بالشِّفاء وأسقط عنهم البلاء ، وكذلك الحقُّ يكَوِّرُ نهار اليُسْرِ على ليالي العُسْر ، ويُطلِعُ شموسَ المحنة على نحوس الفتنة ، ويُدِير فلكَ السعادة فيمحق تأثير طوارق النكاية؛ سُنَّةٌ منه - تعالى - لا يُبَدِّلها ، وعادةٌ منه في الكَرَمِ يُجْرِيها ولا يحوِّلها .","part":3,"page":179},{"id":1180,"text":"يا أيها الذين آمنوا برُسُلِ الله ، يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب . . . كونوا مع الصادقين المسلمين ، يا أيها الذين آمَنُوا في الحال كونوا في آخر أحوالكم مع الصادقين؛ أي استديموا الإيمان . استديموا في الدنيا الصدقَ تكونوا غداً مع الصادقين في الجنة .\rويقال الصادقون هم السابقون الأولون وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي Bهم وغيرهم .\rويقال الصدق نهاية الأحوال ، وهو استواءُ السِّرِّ والعلانية ، وذلك عزيز . وفي الزَّبور : « كذب مَنْ ادَّعَى محبتي وإذا جَنَّة الليلُ نام عنِّي » .\rوالصدقُ - كما يكون في الأقوال يكون في الأحوال ، وهو أَتَمُّ أقسامِهِ .","part":3,"page":180},{"id":1181,"text":"لا يجوز لهم أن يؤثِروا على النبيِّ - A - شيئاً من نَفْسٍ وروح ، ومالٍ ووَلَدٍ وأهلٍ ، وليسوا يخسرون على الله وأنَّى ذلك . . ؟ وإنهم لا يرفعون لأجْلِه خطوةً إلاَّ قابَلَهم بأَلفِ خطوة ، ولا ينقلون إليه قَدَماً إلا لقَّاهم لطفاً وكرماً ، ولا يُقاسُون فيه عَطَشاً إلا سقاهم من شراب محابِّه كاسا ، ولا يتحملون لأجله مشقةً إلا لقَّاهم لطفاً وإيناساً ، ولا ينالون من الأعداء أَذَىً إلا شَكَرَ اللهُ سَعْيَهم بما يوجب لهم سعادة الدارين! .","part":3,"page":181},{"id":1182,"text":"لو اشتغل الكُلُّ بالتَّفَقُّه في الدِّين لَتَعَطَّل عليهم المعاش ، ولبقي الكافة عن درك ذلك المطلوب ، فجعل ذلك فرضاً على الكفاية .\rويقال جعل المسلمين على مراتب : فعوامُّهم كالرعية للمَلِك ، وكَتَبَةُ الحديثِ كخُزَّان المَلِك ، وأهلُ القرآن كحُفَّاظ الدفاتر ونفائس الأموال ، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للمَلِك إذ الفقيه ( . . . ) عن الله ، وعلماءُ الأصول كالقُوَّادِ وأمراء الجيوش ، والأولياءُ كأَركان الباب ، وأربابُ القلوبِ وأصحابُ الصفاء كخواص المَلِكِ وجُلَسائه .\rفيشتغل قومٌ بحفظ أركان الشرع وآخرون بإمضاء الأحكام ، وآخرون بالردِّ على المخالفين ، وآخرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقوم مُفْرَدُون بحضور القلب وهم أصحاب الشهود ، وليس لهم شُغْلٌ ، يراعون مع الله أنفاسَهم وهم أصحاب الفراغ ، لا يستفزُّهم طَلَبٌ ولا يهزُّهم أَرَبٌ ، فَهُمْ بالله لله ، وهم محو عما سوى الله .\rوأمَّا الذين يتفقهون في الدِّين فهم الداعون إلى الله ، وإنما يُفْهمُ الخلْقَ عن الله مَنْ كان يَفْهَمْ عن الله .","part":3,"page":182},{"id":1183,"text":"أقربُ الأعداء إلى المسلم من الكفار ، الذي يجب عليه منازعته هو أعدى عدوِّه أي نَفْسُه . فيجب أن يبدأ بمقاتلة نَفْسِه ثم بمجاهدة الكفار ، قال عليه السلام : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » .\rقوله : { وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً } من حابى عدوه قهره ، وكذلك المريد الذي ينزل عن مطالباتِ الحقيقة إلى ما يتطلبه من التأويلات فيفسخ عَهْدَه ، وينقض عَقْدَه ، وذلك كالرِّدَّةِ لأهل الظاهر .","part":3,"page":183},{"id":1184,"text":"جَعَلَ الله - سبحانه - إنزالَ القرآن لقومٍ شِفَاءً . ولقوم شَقَاءً؛ فإِذا أُنْزِلَتْ سورةٌ جديدةٌ زاد شكُّهم وتحيُّرهم ، فاستعلم بعضُهم حالَ بعضٍ ، ثم لم يزدادوا إلا تحسُّراً؛ قال تعالى : { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } [ فصلت : 44 ] وأمَّا المؤمنون فزادتْهم السورةُ إيماناً فارتقوا مِنْ حدِّ تأمل البرهان إلى روْح البيان ، ثم مِنْ روْح البيان إلى العيان ، فالتجويز والتردد و ( . . . . ) والتحيُّر مُنْتَفًى بأجمعه عن قلوبهم ، وشموسُ العرفانِ طالِعةٌ على أسرارهم ، وأنوار التحقيق مالكة أسرارهم ، فلا لَهُم تعبُ الطلب ، ولا لهم حاجة إلى التدبير ، ولا عليهم سلطان الفكر . وأَشِعةُ شموس العرفان مستغرقة لأنوار نجوم العلم ، يقول قائلهم :\rولما استبانَ الصبحُ أدرك ضوءُه ... بإِسْفارِه أنوارَ ضوءِ الكواكب","part":3,"page":184},{"id":1185,"text":"لم يُخْلِ الحقُّ - سبحانه - أربابَ التكليف من دلائل التعرِيف ، التعريفُ لهم في كل وقت بنوع من البيان ، والتكليفُ في كل أوان بضرب من الامتحان؛ فما لم يزد لهم في إيضاح البرهان لم يتجدد لهم من الله إلا زيادة الخذلان والحجبة عن البيان .\rوأمَّا أصحاب الحقائق فما للأغيار في كل عام مرة أو مرتين فلهم في كل نَفَسٍ مرة ، لا يخليهم الحقُّ - سبحانه - من زواجِرَ توجِبُ بصائر ، وخواطر تتضمن تكليفاتٍ وَأوَامِرَ قال قائلهم :\rكأنَّ رقيباً منك حَلَّ بمهجتي ... إذا رُمْتُ تسهيلاً عليَّ تَصَعَّبَا","part":3,"page":185},{"id":1186,"text":"تَقَنَّعوا بِخمارِ التلبيس ظانِّين أنهم يبقون في سِرٍّ بتكلفهم ، والحقُّ أَبى إلا أن فَضَحَهم ، وكما وَسَمَهم برقم النَّكَرَة أَطْلَعَ أسرارَ الموحِّدِين على أحوالهم فعرفوهم على ما هم عليه من أوصافهم .","part":3,"page":186},{"id":1187,"text":"جاءكم رسولٌ يشاكِلُكم في البشرية ، فَلِمَا أفردناه به من الخصوصية ألبسناه لباسَ الرحمة عليكم ، وأقمناه بشواهد العطف والشفقة على جملتكم ، قد وَكَلَ هِمَمَه بشأنكم ، وأكبرُ هَمِّه إيمانُكم .","part":3,"page":187},{"id":1188,"text":"أَمَره أَنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى التوحيد ، ثم قال : فإنْ أعرضوا عن الإجابة فكُنْ بنا بنعت التجريد .\rويقال قال له : يأيها النبي حسبُك الله ، ثم أمره بأن يقول حسبي الله . . . وهذا عين الجمع ، وقوله { فَقُلْ حَسْبِىَ اللهُ } فَرْق . . . بل هو جمع الجمع أي : قُلْ ، ولكنك بنا تقول ، ونحن المتولي عنك وأنت مُسْتَهْلَكٌ في عين التوحيد؛ فأنت بنا ، ومَحْوٌ عن غيرنا .","part":3,"page":188},{"id":1189,"text":"قوله جل ذكره : { الر تِلْكَ ءَايَتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ } .\rالألف مفتاح اسم « الله » ، واللام مفتاح اسم « اللطيف » والراء مفتاح اسم « الرحيم » ، أقسم بهذه الأسماء إن هذا الكتابَ هو الموعودُ لكم يوم الميثاق ، والإشارة فيه أنا حققْنَا لكم الميعاد ، وأَطْلنا لكم عِنان الوداد . . . وانقضى زمانُ الميعاد ، فالعَصَاةُ مُلقَاة ، والأيامُ بالسرور مُتَلْقَاة ، فبادِروا إلى شُرْبِ كاساتِ المحابِّ ، واستقيموا على نَهْجِ الأحباب .","part":3,"page":189},{"id":1190,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَكَانَ لِلنَّاس عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ } .\rتعجبوا من ثلاثة أشياء : من جواز البعث بعد الموت ، ومن إرسال الرسل إلى الخَلْق ، ثم من تخصيص محمد A بالرسالة مِنْ بين الخلق ، ولو عرفوا كمال مُلْكِه لم يُنْكِروا جواز البعث ، ولو علموا كمال ملكه لم يجحدوا إرسالَ الرُّسل إلى الخلْق ، ولو عرفوا أنَّ له أنْ يفعلَ ما يريد لم يتعجبوا من تخصيص محمد- A بالنبوة مِنْ بين الخَلْق ، ولكنْ سُدَّتْ بصائرُهم فتاهوا في أودية الحيرة ، وعَثَرُوا- من الضلالة - في كل وَهْدَةٍ . وكان الأستاذ أبو علي الدَّقاق- C - يقول : جَوَّزُوا أن يكون المنحوتُ من الخشب والمعمولُ من الصخر إلهاً معبوداً ، وتعجبوا أن يكون مثلُ محمد- A - في جلالةِ قَدْرِه رسولاً . . . !!هذا هو الضلال البعيد .\rقوله جلّ ذكره : { وَبَشِّرِ الَّذِنَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } .\rوهو ما قدَّموه لأنفسهم من طاعاتٍ أخلصوا فيها ، وفنونِ عباداتٍ صَدَقُوا في القيام بقضائها .\rويقال هو ما قَّدم الحقُّ لهم يومَ القيامة ، مع مقتضى العناية بشأنهم ، وما حَكَمَ لهم من فنون إحسانه بهم ، وصنوفِ ما أفردهم به من امتنانهم .\rويقال : { قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } : هو ما رفعوه من أقدامهم في بدايتهم في زمان إرادتهم ، فإنّ لأقدام المريدين المرفوعِة لأَجْلِ اللَّه حُرْمَةً عند الله ، ولأيامِهم الخاليةِ في حالِ تردُّدِهم ، وليالَيهم الماضية في طلبه وهم في حُرْقَةِ تحيّرهم . . . مقاديرَ عند الله . وقيل :\rمَنْ يَنْسَ داراً قد تخونها ... رَيْبُ الزمان فإني لست أنساكا\rوقيل :\rتلك العهودُ تشدُّها لتَحُلَّها ... عندي كما هي عقدها لم يُحللِ","part":3,"page":190},{"id":1191,"text":"لا يحتاج فِعْله إلى مُدّةٍ ، وكيف ذلك ومن جملة أفعاله الزمان والمدة؟ فَخَلَقَ السموات والأرضَ في ستة أيام ، وتلك الأيام أيضاً من جملة ما خَلَق الله سبحانه وتعالى .\r{ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } أي تَوَحَّدَ بجلال الكبرياء بوصف الملكوت . وملوكنا إذا أرادوا التجلّي والظهورَ للحَشَم والرعية برزوا لهم على سرير مُلْكِهم في ألوان مشاهدهم . فأخبر الحقُّ- سبحانَه- بما يَقْرُب من فَهْم الخلْقِ ما ألقى إليهم من هذه الجملة : استوى على العرش ، ومعناه اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية ، وانفراده بنعت الجبروت وعلاء الربوبية ، تقدَّس الجبَّارُ عن الأقطار ، والمعبودُ عن الحدود .\r{ يُدّبّرُ الأَمْرَ } : أي الحادثاتُ صادرةٌ عن تقديره ، وحاصلةٌ بتدبيره ، فلا شريكَ يعضده ، وما قضى فلا أحد يردُّه . { مَا مِن شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعدِ إذْنِهِ } : هو الذي يُنْطِقُ مَنْ يخاطبه ، وهو الذي يخلق ما يشاء على من يشاء إذا التمس يُطالِبهُ .\r{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ } : تعريف وقوله : { فَاعْبُدُوهُ } : تكليف؛ فحصولُ التعريف بتحقيقه ، والوصولُ إلى ما وَرَدَ به التكليف بتوفيقه .","part":3,"page":191},{"id":1192,"text":"الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح ، فإن لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة ، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند مُحبِّيه وذويه ، كما قيل :\rأيا قداماً من سَفْرةِ الهجر مرحباً ... أناديك لا أنساك ما هبَّت الصِّبا\rويقال المطيع إذا رجع إلى الله فله الزُّلفى ، والثواب والحسنى ، والعاصي إذا رجع إلى ربِّه فَبَنَعْتِ الإفلاس وخسران الطريق؛ فيتلقى لِباس الغفران ، وحُلَةَ الصفح والأمان ، فرحمةُ مولاه خيرٌ له من نُسْكِه وتقواه .\rقوله : { وَعْدَ اللَّهِِ حَقَاً } : موعودُ المطيع الفرادِيسُ العَلَى ، وموعودُ العاصي الرحمة والرِّضى . والجنَّةُ لُطْفُ الحقِّ والرَّحمةُ وصفُ الحق؛ فاللُّطفُ فِعْلٌ لم يكن ثم حصل ، والنَّعْتُ لم يزل .\rقوله : { إنَّهُ يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } : مَنْ كان له في جميع عمره نَفَسٌ على وصفِ ما ابتدأَ الحقُّ سبحانه به ففي الإشارة : تكون لذلك إعادة ، وأنشدوا :\rكلُّ نَهْرٍ فيه ماءٌ قد جَرَى ... فإِليه الماءُ يوماً سيعودُ","part":3,"page":192},{"id":1193,"text":"أنوار العقول نجومٌ وهي للشياطين رجوم ، وللعلوم أقمار وهي أنوار واستبصار ، وللمعارف شموس ولها على أسرار العارفين طلوع ، كما قيل :\rإنَّ شمسَ النهار تغْرُبُ بالليل ... وشمسُ القلوب ليست تَغِيبُ\rوكما أَنّ في السماء كوكبين شمساً وقمراً؛ الشمسُ أبداً بضيائها ، والقمرُ في الزيادة والنقصان؛ يُسْتَرُ بمحاقه ثم يكمل حتى يصير بدراً بنعت إشراقه ، ثم يأخذ في النقص إلا أَنْ لا يبقى شيءٌ منه لتمام امتحاقه ، ثم يعود جديداً ، وكل ليلة يجد مزيداً ، فإذا صار بدراً تماماً ، لم يَجِدْ أكثر من ليلةٍ لكَمَالِه مقاماً ، ثم يأخذ في النقصان إلى أن يَخْفَى شَخْصُه ويتِمَّ نَقْصُه .\rكذلك مِنَ النَّاسِ مَنْ هو مُتَرَدِّدٌ بين قَبْضِه ويَسْطِه ، وصَحْوِه ومَحْوِه ، وذهابه وإيابه؛ لا فَنَاءَ فيستريح ، ولا بقاءَ له دوامٌ صحيحٌ ، وقيل :\rكلَّما قُلْتُ قد دنا حَلُّ قيدي ... كَبَّلوني فأوثقوا المِسْمَارا","part":3,"page":193},{"id":1194,"text":"اخْتُصَّ النهارُ بضيائه ، وانفرد الليلُ بظلماته ، من غير استيجاب لذلك ، ومن غير استحقاق عقاب لهذا ، وفي هذا دليلٌ على أَنَّ الردَّ والقبولَ ، والمَنْعَ والوصولَ ، ليست معلولةً ولا حاصلةً بأمرِ مُكْتَسبٍ؛ كلاَّ . . . إنها إرادةٌ ومَشِيئَةٌ ، وحُكْمٌ وقضية .\rالنهارُ وقتُ حضور أهلِ الغفلة في أوطان كَسْبِهم ، ووقتُ أربابِ القربة والوصلة لانفرادهم بشهود ربِّهم ، قال قائلهم :\rهو الشمس ، إلا أنَّ للشمس غَيبةً ... وهذا الذي نعنيه ليس يغيبُ\rوالليلُ لأحدِ شخصين : أمَّا للمُحِبِّ فَوقْتُ النَّجوى ، وأَمّا للعاصي فَبَثُّ الشكوى .","part":3,"page":194},{"id":1195,"text":"أنكروا جواز الروّية فَلَمْ يرجوها ، والمؤمِنون آمنوا بِجَوَازِ الرؤية فأملوها .\rويقال : لا يرجون لقاءَه لأنهم لم يشتاقوا إليه ، ولم يشتاقوا إليه لأنهم لم يُحبُّوه لأنهم لم يعرفوه ، ولم يعرفوه لأنهم لم يطلبوه لأنه أراد ألاَّ يطلبوه ، قال تعالى : { وَأَنَّ إلَى رَبِّكَ المُنْتَهَى } [ النجم : 42 ] .\rويقال لو أراد أن يطلبوه لطلبوه ، ولو طلبوا لعرفوا ، ولو عرفوا لأحبُّوا ، ولو أحبُّوا لاشتاقوا ، ولو اشتاقوا لرجوا ، ولو رجعوا لأمَّلوا لقاءَه ، قال تعالى : { وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُداهَا } [ السجدة : 31 ] .\rقوله تعالى : { وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيَا وَاطمَأَنُّوا بِهَا } : أصحابُ الدنيا رضوا بالحياة الدنيا فَحُرِمُوا الجنةَ ، والزُّهَّادُ والعُبَّاد رَكَنُوا إلى الجنة ورضوا بها فبقوا عن الوصلة ، وقد عَلِمَ كلُّ أناسٍ معشْرَبهم ، ولكلُّ أحدٍ مقامٌ .\rويقال إذا كانوا لا يرجون لقاءَه فمأواهم العذابُ والفرقة ، فدليلُ الخطاب أن الذي يرجو لقاءَه رآه ، ومآلُه ومنتهاه الوصلةُ واللقاء الزُّلْفة .","part":3,"page":195},{"id":1196,"text":"كما هداهم اليومَ إلى معرفته من غير ذريعة يهديهم غداً إلى جنته ومثوبته من غير نصيرٍ من المخلوقين ولا وسيلة .\rويقال أَمَّا المطيعون فنورهم يسعى بن أيديهم وهم على مراكب طاعاتهم ، والملائكةُ تتلقَّاهم والحقُّ ، قال تعالى : { يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً } [ مريم : 85 ] نحشرهم ، والعاصون يَبْقَوْن منفردين متفرقين ، لا يقف لهم العابدون ، ويتطوحون في مطاحات القيامة .\rوالحقُّ- سبحانه- يقول لهم : عِبَادي ، إنَّ أصحابَ الجنة- اليومَ- في شُغلٍ عنكم ، إنهم في الثواب لا يتفرَّغون إليكم ، وأصحابُ النار من شدة العذابِ لا يرقبون لكم معاشِِرَ المساكين .\rكيف أنتم إنْ كان أشكالكم وأصحابكم سبقوكم؟ وواحدٌ متهم لا يهديكم فأنا أهديكم . لأني إنْ عاملتكم بما تستوجبون . . . فأين الكرمُ بحقنا إذا كنا في الجفاء مِثلهم وهجرناكم كما هجروكم؟","part":3,"page":196},{"id":1197,"text":"قالتُهم الثناءُ على الله ، وذلك في حال لقائهم . وتحيتهم في تلك الحالة من الله : « سلام عليكم » { وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } : والحمد ها هنا بمعنى المدح والثناء ، فيثنون عليه ويحمدونه بحمدِ أبديٍّ سرمديٍّ ، والحقُّ- سبحانه- يُحَييِّهم بسلامٍ أزليٍّ وكلام أبدي ، وهو عزيزٌ صمديٍّ ومجيدٌ أحديٍّ .","part":3,"page":197},{"id":1198,"text":"أي لو أَجبناهم إذا دعوا على أنفسهم عند غيظهم وضَجَرِهم لعَجلَّنا إهلاَكهم ، ولكن تَحَمَّلْنَا ألا نُجِيبَهم ، وبرحمتنا عليهم لا نسمع منهم دعاءَهم ، وربما يشكو العبدُ بأنّ الربَّ لا يجيب دُعاءه ، ولو عَلِمَ أنه تَرَكَ إجابَتَهُ لُطْفاً منه وأَنَّ في ذلك بلاءً لو أجابه ، كما قيل :\rأُنَاسً أعرضوا عنَّا ... بلا جُرْمٍ ولا معنى\rأساءوا ظنَّهم فينا ... فهلاَّ أحسنوا الظنَّا","part":3,"page":198},{"id":1199,"text":"إذا امتُحِنَ العبدُ وأصابه الضُّرُّ أزعجته الحالُ إلى أَنْ يرومَ التخلُّصَ مما ناله ، فيعلمَ أنَّ غيْر الله لا يُنْجِيه ، فتحمله الضرورةَ على صِدْق الالتجاءِ إلى الله ، فإذا كَشَفَ اللَّهُ عنه ما يدعو لأَجْلِهِ شَغَلَتْه راحةُ الخلاصِ عن تلك الحالة ، وزَايَلَه ذلك الالتياع ، وصار كأنه لم يكن في بلاءِ قط :\rكأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى ... ولم يكً صُعلوكاً إذا ما تَموَّلاَّ\rويقال بلاءُ يُلْجِئُك إلى الانتصاب بين يَدَيْ معبودِك أجدى من عطاءٍ ينْسِيك ويكفيك عنه .","part":3,"page":199},{"id":1200,"text":"أخبر الحقُّ سبحانه بإهلاك الظالمين ، كما في الخبر : « لو كان الظلم بيتاً في الجنَّة لسلّط اللَّهُ عليه الخراب » . والظلمُ وَضْعُ الشيء في غير موضعه ، فإذا وَضَعَ العبدُ قَصْدَه- عند حوائجه - في المخلوقين ، وتعلَّق قلبُه بهم في الاستعانة ، وطََلَبَ المأمول فقد وَضَعَ الشيءَ في غير موضعه ، وهو ظلم؛ فعقوبة هذا الظلم خرابُ القلب ، وهو انسداد طريق رجوع ذلك القلب إلى الله؛ لأنه لو رجع إلى الله لأعانه وكفاه ، ولكنه يُصِرُّ على تعليق قلبه بالمخلوق فيبقى عن الله ، ولا ترتفع حاجتُه من غيره ، وكان من فقره وحاجته في مَضَرَّةِ . فإنْ صار إلى مضرة المذلة والحاجة إلى اللئيم فتلك محنةٌ عظيمةٌ .\rوعلى هذا القياس إذا أحبَّ مخلوقاً فقد وَضَعَ محبته في غير موضعها ، وهذا ظلم ، وعقوبته خراب روحه لعدم صفاء ودّه ومحبته لله ، وذهاب ما كان يجده من الأنُس بالله ، إذا بقي عن الله يُذيقه الحَقُّ طعمَ المخلوقين ، فلا له مع الخْلقِ سَلْوة ، ولا من الحق إلا الجفوة ، وعدم الصفوة .","part":3,"page":200},{"id":1201,"text":"عرَّفناكم بِسِرِّ مَنْ قَبْلَكُم ، وما أصابهم بسب ذنوبهم ، فإذا اعتبرتم بهم نَجْوتُم ، ومن لم يعتبرْ بما سمعه اعتبر به من تبعه .\rويقال أحللنا بهم من العقوبة ما يعتريكم ، ومَنْ لم يعتبرُ بِمَنْ سَبَقَه اعتبرْ به مَنْ لَحِقه .","part":3,"page":201},{"id":1202,"text":"إذا اقترحوا عليك بأَنْ تأتيهَم بما لم نأمركَ به ، أو تُرَيهُم ما لم نُظْهِرْ عليك من الآياتِ . . فأَخْبِرْهم أنَّكَ غير مُسْتَقَلٍ بِك ، ولا موكولٍ إليكَ؛ فنحن القائمُ عليكَ ، المصَّرفُ لكَ ، وأنتَ المتَّبعُ لما نُجريه عليك مُبْتَدِعٍ لِما يَحصُل منك .","part":3,"page":202},{"id":1203,"text":"قد عِشْتُ فيكم زماناً ، وعرفتم أحوالي فيما تطلبون مني عليه برهاناً ، فما ألفيتموني ( . . . ) بل وجدتموني في السداد مستقيماً ، وللرشاد مستديماً ، فلولا أَنَّ الله تعالى أرسلني ، ولِمَا حَمَّلني مِنْ تكليفه أَهَّلَني لمَا كنتُ بهذا الشرع آتِياً ولا لهذا الكتاب تالياً .\r{ اَفَلاَ تَعْقِلُونَ } مالكم تعترضون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟","part":3,"page":203},{"id":1204,"text":"الْكَذِبُ في الشرع قبيحٌ ، وإذا كان على الله فهو أقبح .\rومِنَ المْفتَرين على الله : الذين يُظْهِرون من الأحوال ما ليسوا فيه صادقين ، وجزاؤهُم أَنْ يُحْرَمُوا ذلك أبداً ، فلا يَصلِون إلى شيء .","part":3,"page":204},{"id":1205,"text":"ذَمَّهُم على عبادة ما ليس منه ضَرٌّ ولا نَفَعٌ .\rفدليلُ الخطاب يقتضي أَنْ يكونَ المعبودُ منه الضَّرُ والنفع ، ومِنْ فَرْطِ غباوتهم أنهم انتظروا في المآلِ الشفاعةَ ممن لا يوجَدُ منه الضَّرُّ والنَّفْعُ في الحال ، ثم أخبر أنهم يخبرون عما ليس على الوجه الذي قالوا معلوماً ، ولو كان كما قالوا لَعلِموا أنه سبحانه لا يَعْزُبُ عن علمه معلومُ .\rومعنى قوله : { لاَ يَعْلَمُ } : خلافه . ومَنْ تَعَلَّقَ قلبُه بالمخلوقين في استدفاع المضَارِّ واستجلاب المسَارِّ فكالسالِك سبيلَ مَنْ عَبَدَ الأصنام؛ إذ المنْشِئُ والموجِدُ للشئِ مِنَ العَدم هو الله- سبحانه .","part":3,"page":205},{"id":1206,"text":"وذلك مِنْ زمان آدم عليه السلام إلى أن تحاربوا ، والحق- سبحانه- سَبَق قضاؤه بتأخير حسابهم إلى الآخرة ، ولذلك لا يُجِيبُهم إلى ما يستعجلونه من قيام القيامة .\rوإنما اختلفوا لأنَّ الله خَصَّ قوماً بعنايته وقبوله ، وآخرين بإهانته وإبعاده ، ولولا ذلك لَمَا كانت بينهم هذه المخالفة .","part":3,"page":206},{"id":1207,"text":"أخبر أنه - عليه السلام- في سَتْرِ الغَيْبَة وخفاء الأمر عليه في الجملة لتقاصُرِ علمه عما سيحدث ، فهو في ذلك بمنزلتهم ، إلا في مواطن التخصيص بأنوار التعريف ، فكما أنهم في الانتظار لما يحدث في المستأنف فهو أيضاً في انتظار ما يوجِدُ- سبحانه-من المقادير . والفَرْقُ بينه- عليه السلام- وبينهم أنه يشهد ما يحصل به-سبحانه- ومنه ، وهم مُتَطَوُحون في أودية الجهالة؛ يُحيلُون الأمرَ مرةً على الدَّهْرِ ، ومرةً على النجم ، ومرةٌ على الطبع . . . وكلُّ ذلك حَيْرَةٌ وعَمى .","part":3,"page":207},{"id":1208,"text":"يعني إذا أصابهم ضُرُّ ومحنة فرحمناهم وكَشْفنا عنهم ، أحالوا الأمر على غيرنا ، وتوهموه ما هو سوانا مثل قولهم : « مُطِرْنَأ بنوء كذا » ، ومثل قولهم إن هذه سعادة نجَمْ أو مساعدةُ دولة أو تأثيرُ فَلَكٍ أو خيراتُ دهر .\rفهذا كان مكرُهم أما مكر الله - سبحانه - بهم فهو جزاؤهم على مكرهم . والإشارة في هذا أنه ربما يكون للمريد أو للطالب حجبة أو فترة . . . فإذا جاء الحقُّ بكشفٍ أو تجلِّ أو إقبال فَمِنْ حقِّهم ألا يلاحظوها فضلاً عن أن يساكنوها ، لأنهم إذا لم يرتقوا عن ملاحظة أحوالهم إلى الغيبة بشهود الحقِّ مَكَرَ الله بهم بأَنْ شتَّتهم في تلك الأحوال من غير تَرَقٍّ عنها أو وجود زيادة عليها ، وهذا مَكْرُهُ بخَوَاصِّهم .","part":3,"page":208},{"id":1209,"text":"يريد أنهم يُصْبحون في النّعم يجرُّون أذيالَهُم ، ثم يُمْسُون يبكون لَيَالِيَهُم . وقد يَبِيتُون والبهجةُ مَلكَتْهُم ثم يصبحون وخفايا التقدير أهلكتْهُم ، وأنشدوا :\rأقمتَ زماناً والعيونُ قريرةٌ ... وأصبحتَ يوماً والجفونُ سوافِكُ\rفإذا رجعوا إلى الله بإخلاص الدعاء يجود عليهم بكَشْفِ البلاء .\rفلمَّا أنجاهم بالإجابة لدعائهم إذا هم إلى غيره يرجِعون ، وعلى مناهجهم- في تمردهم يسلكون .","part":3,"page":209},{"id":1210,"text":"{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُم } معناه : تُمَتِّعكم أياماً قلائلَ ، ثم تَلْقَوْن غِبَّ ذلك وتبدأون تقاسون عذاباً طويلاً .","part":3,"page":210},{"id":1211,"text":"شَبّهَ الحياةَ الدنيا بالماء المُنَزَّلِ من السماء يَنْبُتُ به النباتُ وتَخْضَرُّ الأرضُ وتَظْهَرُ الثمار ، ويوطِّن أربابُها عليها نفوسَهم فتصيبهم جائحةٌ سماوية بغتةً ، وتصير كأن لم تكن .\rكذلك الإنسانُ بعد كمال سنَّه وتمام قُوَّتِه واستجماع الخصال المحمودة فيه تخْتَرمُه المَنِيَّة ، وكذلك أموره المنتظمةُ تبطل وتختلُّ لوفاته ، كما قيل :\rفَقَدْنَاه لمَّا تمَّ واختمَّ بالعُلَى ... كذاك كسوفُ البدرِ عند تمامه\rومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المُنَزَّلِ من السماء أن المطرَ لا ينزل بالحيلة ، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة .\rثم إن المطر إن كان لا يجئ إلا بالتقدير فقد يُسْتَسْقَى . . . كذلك الرزق - وإنْ كان بالقسمة- فقد يُلْتَمَسُ من الله ويُسْتَعْطى .\rومنها أن الماء في موضعه سببُ حياة الناس ، وفي غير موضعه سببُ خراب الموضع ، كذلك المال لمستحقه سببُ سلامته ، وانتفاع المتصلين به ، وعند مَنْ لا يستحقه سبب طغيانِه ، وسببُ بلاءِ مَنْ هو متصل به ، كما قيل : يعمُ الله لا تُعاب ولكنه ربما استعجم على إنسان ، وكما قيل :\rيا دولةً ليس فيها من المعالي شظيَّةْ ... زولي فما أنتِ ألا على الكرام بَلِيَّةْ\rومنها أن الماء إذا كان بمقدارٍ كان سببَ الصلاح ، وإذا جاوز الحدَّ كان سببَ الخراب . . . كذلك المال إذا كان بقَدْرِ الكفاية والكفاف فصاحبه مُنَعَّمٌ ، وإذا زاد وجاوز الحدَّ أوجب الكُفران والطغيان .\rومنها أن الماءَ ما دام جارياً كان طيباً ، فإذا طال مكثه تغيَّر . . كذلك المال إذا أنفقه صاحبُه كان محموداً ، فإذا ادَّخَره وأمسكه كان معلولاً مذموماً .\rومنها أن الماءً إذا كان طاهراً كان حلالاً يصلح للشرب ويصلح للطهور ولإزالة الأذى ، وإذا كان غيرَ طاهرٍ فالبعكس . . . كذلك المال إذا كان حلالاً ، وبعكسه لو كان حراماً .\rويقال كما أن الربيعَ تتورد أشجارُه ، وتظهر أنوارُه ، وتخضرُّ رباعُه ، وتتزين بالنبات وهاده وتِلاعه لا يُؤْمَن أَنْ تصيبه آفة من غير ارتقاب ، وينقلب الحال بما لم يكن في الحساب . كذلك مِنَ الناسِ مَنْ تكون له أحوالٌ صافية ، وأعمالٌ بشرط الخلوص زاكية؛ غصونُ أُنسِه مُتَدَلِّية ، ورياضُ قربِه مونقةٌ . . . ثم تصيبه عَيْنٌ فيذبل عودُ وِصاله ، وأتنسدُّ أبوابُ عوائد إقباله ، كما قيل :\rعينٌ أصابَتْكَ إنّ العينَ صائبةٌ ... والعينُ تُسْرعُ أحياناً إلى الحَسَدِ","part":3,"page":211},{"id":1212,"text":"دعاهم إلى دار السلام ، وفي الحقيقة دعاهم إلى ما يوجب لهم الوصول إلى دار السلام؛ وهو اعتناق أوامره والانتهاء عن زواجره . والدعاء من حيث التكليف ، وتخصيص الهداية لأهلها من حيث التشريف .\rويقال الدعاء تكليف والهداية تعريف؛ فالتكليف على العموم والتعريف على الخصوص .\rويقال التكليف بحقّ سلطانه ، والتعريف بِحُكْمِ إحسانه .\rويقال الدعاء قوْلُه والهداية طَوْلُه؛ دَخَلَ الكلُّ تحت قوله ، وانفرد الأولياءُ بتخصيص طَوْلِه . دار السلام دار الله لأن السلام اسم مِنْ أسمائه .\rويكون السلام بمعنى السلامة فهي دار السلامة أي أهلها سالمون فيها؛ سالمون من الحُرقَة وسالمون من الفُرقة؛ سَلِموا من الحرقة فحصلوا على لذة عطائه ، وسَلِموا من الفُرْقَة فوصلوا إلى عزيز لقائه .\rويقال لا يصل إلى دار السلام إلا من سَلِمَتْ نَفْسُه عن السجود للِصَنَم ، وسِلَم قلبُه عن الشِّرْكِ والظُلم .\rويقال تلك الدار درجات؛ والذي سَلِمَ قلبُه عن محبة الأغيار درجتُه أعلى من درجة مَنْ سَلِمَتْ نَفْسُه من الذنوب والأوضار .\rويقال قوم سلمت صدورُهم من الغِلّ والحسد والحقد؛ وسَلِمَ الخْلقُ منهم ، فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة ، وليس لهم على أحد شيء؛ « فالمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ، والمحسنُ من سَلِمَ الخْلقُ بأجمعهم من قلبه » .\r{ الْصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } : طريق المسلمين ، فهذا للعوام بشرط علم اليقين ، ثم طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين ، ثم طريق المحسنين وهو طريق خاص الخاص بشرط حق اليقين؛ فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان ، وهؤلاء بكشف العلم أصحاب البيان ، وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف كالعيان ، وهم الذين قال A فيهم : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه » .","part":3,"page":212},{"id":1213,"text":"قوله جلّ ذكره : { لِّلَّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ }\r{ أَحْسَنُوا } : أي عَمِلُوا وأحسنوا إذ كانت أفعالُهم على مقتضى الإذن .\rويقال : « أحسنوا » : لم يُقَصِّروا في الواجبات ، ولم يُخِلُّوا بالمندوبات .\rويقال : « أحسنوا » : أي لم يَبْقَ عليهم حقٌّ إلا قاموا به؛ إن كان حقَّ الحقِّ فَمِنْ غير تقصير ، وإن كان من حقِّ الخَلْق فأداءٌ من غير تأخير .\rويقال : « أحسنوا » : في المآل كما أحسنوا في الحال؛ فاستداموا بما فيه واستقاموا ، والحسنى التي لهم هي الجنة وما فيها من صنوف النِّعم .\rويقال : الحسنى في الدنيا توفيق بدوام ، وتحقيق بتمام ، وفي الآخرة غفران مُعَجَّل ، وعيان على التأبيد مُحصَّل .\rقوله : { وَزِيَادَةٌ } : فعلى موجِب الخبر وإجماع السلف النظرُ إلى الله ، ويحتمل أن تكون « الحسنى » : الرُّؤية ، « والزيادة » : دوامُها ، ويحتمل أن تكون « الحسنى » : اللقاء ، « والزيادةُ » : البقاء في حال اللقاء .\rويقال الحسنى عنهم لا مقطوعة ولا ممنوعة ، والزيادة لهم لا عنهم محجوبة ولا مسلوبة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَرْهَقُ وَجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَةٌ أُولَئكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rلا يقع عليهم غبارُ الحجاب ، وبعكسه حديث الكفار حيث قال : { وَوُجُوهٌ يَومَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } [ عبس : 40 ] .\r« والذلة » التي لا تصيبهم أي لا يُرَدُّوا مِنْ غير شهودٍ إلى رؤية غيره ، فهم فيها خالدون في فنون أفضالهم ، وفي جميع أحوالهم .","part":3,"page":213},{"id":1214,"text":"والذين كسبوا السيئاتِ وعملوا الزَّلاتِ لهم جزاء سيئة مثلها ، والباء في « بمثلها » : صلة أي للواحد واحد .\r{ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } : هو تأبيد العقوبة .\r{ مَّا لَهُ مِنّ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } أي ما لهم من عذابه من عاصم ، سِيمُوا ذُلَّ الحجاب ، ومُنُوا بتأبيد العذاب ، وأصابهم هوان البعاد ، وآثارُ الحجاب على وجوههم لائحة فإنَّ الأَسِرَّةَ تدلُّ على السريرة .","part":3,"page":214},{"id":1215,"text":"يجمع بين الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله ، فتقول الأصنام : ما أمرناكم بعبادتنا . فيدعون على الشياطين التي أطاعوها ، وعلى الأصنام التي أمرتهم أن يعبدوها ، وتقول الأصنام : كفى بالله شهيداً ، على أنَّا لم نأمركم بذلك؛ إذ كُنَّا جماداً . وذلك لأنَّ اللَّهِ يُحْيِيها يوم القيامة ويُنْطِقها .\rوفي الجملة . . يتبرأ بعضُهم مِنْ بعض ، ويذوقُ كلُّ وبالَ فِعْلِه .\rوفائدةُ هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبالٌ عليهم؛ فاشتغالُهم - اليوم- بذلك مُحَالٌ ، ولهم في المآلِ- مِنْ ذلك - وبالُ .","part":3,"page":215},{"id":1216,"text":"إنما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طَعْمَ هوانِهم؛ فإذا رُدُّوا إلى الله لم يجدوا إلا البعدَ عن الله ، والطرْدَ من قِبَل الله ، وذلك جزاءُ مَنْ آثَرَ على اللَّهِ غيرَ الله .","part":3,"page":216},{"id":1217,"text":"كما تَوَحَّد الحقُّ- سبحانه- بكونه خالقاً تَفَرَّدَ بكونه رازقاً ، وكما لا خالِقَ سواه فلا رازقَ سواه .\rثم الرزق على أقسام : فللأشباح رزق : وهو لقوم توفيق الطاعات ، ولآخرين خذلان الزَّلات . وللأرواح رزق : وهو لقومٍ حقائق الوصلة ، ولآخرين - في الدنيا- الغفلة وفي الآخرة العذاب والمهلة .\r{ أَمَّن يَمْلِكُ الْسَّمَعَ وَالأَبْصَارَ } : فيكمل بعض الأبصار بالتوحيد ، وبعضها يعميها عن التحقيق .\r{ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ } : يخرج المؤمنَ من الكافر ، والكافرَ من المؤمن .\r{ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } : ولكنْ ظَنَّا . . . لا عن بصيرة ، ونَطْقاً . . لا عن تصديق سريرة .","part":3,"page":217},{"id":1218,"text":"ما يكون من موضوعات الحق ، ومتعلقاتِ الإرادة ، ومتناولاتِ المشيئة ، ومُجنَّساتِ التقدير ، ومُصَرِّفاتِ القدرة- فهي أشباحٌ خاوية ، وأحكامُ التقديرِ عليها جارية .","part":3,"page":218},{"id":1219,"text":"سَبَق لهم الحُكْمُ ، وصَدَقَ فيهم القولُ؛ فلا لِحُكْمِه تحويل ولا لقوله تبديل ، فإنَّ العلَلَ لا تُغَيِّر الأزل .","part":3,"page":219},{"id":1220,"text":"كَشف قبيحَ ما انطوت عليه عقائدُهم من عبادتهم ما لا يصحُّ منه الخْلقُ والإعادة ، وأثبت أن المعبودَ مَنْ منه الخَلْقُ والإعادة .\rقومٌ جعلوا له في الإيجاد شركاءَ بدعوى القَدَرِ ، وقوم منعوا جواز قدرته على الإعادة . وكل هذا جنوحٌ إلى الْكفْرِ وذهابٌ عن الدِّين .","part":3,"page":220},{"id":1221,"text":"الحقُّ اسمٌ من أسمائه سبحانه ، ومعناه أنه موجود ، وأنه ذو الحق ، وأنه مُحِقُ الحقِّ .\rوالحقُّ من أوصاف الخَلْق ما حَسُنَ فعله وصحُّ اعتقاده وجاز النطق به .\rو { اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ } : أي إلى الحق هدايته . وهداه له وهداه إليه بمعنىً؛ فَمَنْ هداه الحقُّ للحقِّ وَقَفَه على الحقِّ ، وعزيزٌ منْ هداه الحقُّ إلى الحقِّ للحقِّ ، فماله نصيبٌ وماله حَظٌ .","part":3,"page":221},{"id":1222,"text":"الظَّنُّ يُنافي اليقين ، فإنه ترجيح أحد طَرَفَيْ الحكم على الآخر من غر قَطْعِ .\rوأربابُ الحقائق على بصيرة وقطع؛ فالظنُّ في أوصاف الحقِّ معلولٌ ، والقطع- في أوصاف النَّفُس- لكل أحدٍ معلول . والعَبْدُ يجب أن يكون في الحال خالياً عن الظن إذّ لا يَعْرفُ أحدٌ غيْبَ نَفْسه في مآلِه .\rوفي صفة الحقِّ يجب أن يكونَ العبدُ على قطع وبصيرة؛ فالظنُّ في الله معلول ، والظن فيما مِنَ الله غير محمود . ولا يجوز بوجهٍ من الوجوه أن يكون أهلُ المعرفةِ به سبحانه- فيما يعود إلى صفته - على الظن ، كيف وقد قال الله تعالى فيما أمر نبيِّه- عليه السلام- أَنْ يقول : { أَدْعُوا إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَبَعَنِى } [ يوسف : 108 ] ؟ وكما قلنا :\rطَلَعَ الصباحُ فلات حين سراج ... وأتى اليقين فلات حين حجاج\rحصل الذي كُنَّا نؤمِّل نَيْلَه ... من عَقْد ألويةٍ وحلِّ رتاج\rوالبعد قَوْضَ بالدَّنو خيامه ... والوصلُ وَكَّدَ سَجْلَه بِعاج\rقَدْ حَانَ عَهْدٌ للسرور فحيهلا ... لهواجم الأحزان بالإزعاج","part":3,"page":222},{"id":1223,"text":"انسدَّتْ بصائرهم فلا يزدادون بكثرة سماع القرآن إلا عمى على عمى ، كما أن أهل الحقيقة ما ازدادوا إلا هُدىً على هدى ، فسبحان مَنْ جعل سماعَ خطابه لقومٍ سببَ تحَيُّرهم ، ولآخرين موجِبَ تَبصُّرِهم .","part":3,"page":223},{"id":1224,"text":"كلَّتْ القرائح ، وخَمَدَتْ نيرانُ الفصاحة ، واعترف كلُّ خطيب مصقْعٍ بالعجز عن معارضة هذا الكتاب ، فلم يتعرَّض لمعارضته إلا مَنْ افتضخ في قالته .","part":3,"page":224},{"id":1225,"text":"قابلوا الحقَّ بالتكذيب لِتَقاصُر علومهم عن التحقيق ، فالتحقيقُ من شرط التصديق ، وإنما يؤمن بالغيب مَنْ لوَّح- سبحانه- لقلبه حقائق البرهان ، وصَرَفَ عنه دواعي الرِّيَب .","part":3,"page":225},{"id":1226,"text":"فأمَّا الذين آمنوا فهم الذين كَحَلَ الحقُّ أبصارَ قلوبهم بنور اليقين ، والذين لم يؤمنوا فهم الذين وَسَمَ قلوبَهم بالعمي فزلُّوا - بالضلالة - عن الهُدَى . . تلك سُنَّةُ الله في الطائفتين ، ولن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تحويلاً .","part":3,"page":226},{"id":1227,"text":"بَرِحَ الخفاءُ ، واستبانت الحقائق ، وامتاز الطريقان ، فلا المحسنُ بِجُرْمِ المسئِ مُعَاقَبٌ ، ولا المسئُ بِجُرْمِ المحسن مُعاتَب ، كُلُّ على حِدَةٍ بما يعملون وعلى ما يفعله مُحَاسَب .","part":3,"page":227},{"id":1228,"text":"من استمع بتكلفه ازداد في تَخَلُّفِه بزيادة تصرفه ، ومَنْ استمع الحقَّ بتَفَضُّلِه- سبحانه- استغنى في إدراكه عن تَعَمُّلِه . والحقُّ - سبحانه - يُسْمِعُ أولياءَه ما يناجيهم به في أسرارهم ، فإذا سمعوا دعاء الواسطة قابلوه بالقبول لِمَا سَبَقَ لهم من استماع الحقِّ . ومَنْ عَدِمَ استماعَ الحقِّ إياه من حيث التفهيم لم يَزِدْه سماعُ الخَلْقِ إلا جحَداً على جحد ، ولم يحْظَ به إلا بُعْداً على بُعْد .","part":3,"page":228},{"id":1229,"text":"مَنْ سُدَّتْ بصيرتُه بالغفلة والغيبة لم يَزدْه إدراكُ البَصَرِ إلا حجبةً على حجية ، ومَنْ لم ينظر إلى الله بالله ، ولم يسمع من الله بالله ، فقصاراه العمى والصمم ، { فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ } [ الحج : 46 ] وقال عليه السلام فيما أخبر عن الله : « فبي يسمع وبي يبصر »\rوأنشد قائلهم :\rتأمَّلْ بعين الحقِّ إنْ كنتَ ناظراً ... إلى منظرٍ منه إليه يعود","part":3,"page":229},{"id":1230,"text":"نَفَى عن نَفْسِه ما يستحيل تقديره في نعته ، وكيف يوصَفُ بالظلم وكلُّ ما يُتَوهَّمُ أَنْ لو فَعَلَه كان له ذلك؟ إذ الحقُّ حقُّه والمُلْكُ مُلْكَه . وَمَنْ لا يَصِحُّ تقديرُ قبيحٍ منه- أَنَّى يوصف بالظلم جوازاً أو وجوباً؟!","part":3,"page":230},{"id":1231,"text":"الأيامُ والشهور ، والأعوام والدهور بعد مُضيها في حُكْمِ اللحظة لمن تفكَّرَ فيها ، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟ والآتي من الوقت قريب ، وكَأنَّ قَدْرَ الماضي من الدهر لم يُعْهَدْ .","part":3,"page":231},{"id":1232,"text":"معناه أن خبره صدق ، ووعده ووعيده حق ، وبعد النَّشْرِ حَشْرٌ ، وفي ذلك الوقت مُطَالَبَةٌ وحسابٌ ، ثم على الأعمال ثواب وعقاب ، وما أسرع ما يكون المعلومُ مُشَاهَداً موجوداً!","part":3,"page":232},{"id":1233,"text":"لم يُخْلِ زماناَ مِنْ شَرِعٍ ، ولم يُخْلِ شرعاً مِنْ حُكْم ، ولم يُخْلِ حُكْماً مما يُعْقُبُه من ثواب وعقاب .","part":3,"page":233},{"id":1234,"text":"الاستعجال بهجوم الموعود من أمارات أصحاب التكذيب ، فأمَّا أهل التحقيق فليس لهم لواردٍ يرَدُ عليهم اشتغالٌ قبل وجوده ، أو استعجالٌ على حين كَوْنِه ، ولا إذا وَرَدَ استقالٌ لما تضمنه حُكْمُه؛ فهم مطروحون في أسْرِ الحُكْم ، لا يتحرك منهم - باختيارهم- عِرْقٌ .","part":3,"page":234},{"id":1235,"text":"المملوكُ متى يكون له مِلْك؟!\rوإذا كان سيِّدُ البرايا- E - لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً . . فَمَنْ نَزَلَتْ رُتْبَتُه ، وتقاصرَتْ حالتُه متى يملك ذرةُ أو تكون باختياره وإيثاره شمةٌ؟\rطاح الذي لم يكن - في التحقيق ، وتفرَّدَ الجبارُ بنعت الملكوت .","part":3,"page":235},{"id":1236,"text":"مَنْ عَرَفَ كمالَ القدرة لم يأمَنْ فجأةَ الأخذِ بالشدة ، ومن خاف البيات لم يستلذ السُّبات .\rويقال مَنْ توسَّدَ الغفلة أيقظْته فجاءةُ العقوبة ، ومَنْ استوطن مركب الزَّلَّة عَثَرَ في وَهْدَةِ المحنة .","part":3,"page":236},{"id":1237,"text":"بعد انتهاك سِتْرِ الغيب لا يُقْبَلُ تضرعُ المعاذير .\rويقال لا حُجَّة بعد إزاحة العلة ، ولا عذْرَ بعد وضوح الحجة .","part":3,"page":237},{"id":1238,"text":"لا تُكَلَفُ نَفْسٌ إلا تجرع ما منه سَقَتْ ، ولا يحصد زارعٌ غَلَّةً ما منه زرع ، وفي معناه قالوا :\rسَنَنْتِ فينا سَنَناً ... قَذَفَ البلايا عقبه\rيصبر على أهوالها ... مَنْ برَّ يوماً رَبَّه","part":3,"page":238},{"id":1239,"text":"صرِّحْ بالإخبار عند استخبارهم ، وأَعْلِمْ بما يزيل الشُّبْهَةَ عمَّا التَبس على جُهَّالِهم ، وأَكِّدْ إخبارَكَ بما تذكره مِنَ القَسَم واليمين ، مضافاً ذلك إلى ما تُسْلِفُه من التَّبيين . على أنه لا ينفَعهم نُصحُك ، ولا يُؤثّر فيهم وعظُكَ . . كيف لا؟ وقد جُرِّعوا شرابَ الحُجبة ، وَوِسُمُوا بَكِيَّ الفُرقة؛ فلا بصيرة لهم ولا ( . . . ) ولا فهمَ ولا حصافة .","part":3,"page":239},{"id":1240,"text":"لا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا سَرَفٌ ، ولا يحصل فيما سَبَقَ لهم من الوعيد خَلَفَ . ولا ندامة تنفعهم وإنْ صَدَقوها ، ولا كرامة تنالهم وإنْ طلبوهَا ، ولا ظُلْمَ يجري عليهم ولا حيف ، كلا . . . بل هو اللَّهُ العَدْلُ في قضائه ، الفَرْدُ في علائه بنعت كبريائه .","part":3,"page":240},{"id":1241,"text":"الحادثات بأسْرِها له مِلْكاً ، وبه ظهوراً ، ومنه ابتداءً ، وإليه انتهاء؛ فقولُه حقٌّ ، ووعدهُ صِدْقُ ، وأمره حَتْمٌ وقضاؤه باتٌ . وهو العَلِيُّ ، وعلى ما يشاء قويٌّ .","part":3,"page":241},{"id":1242,"text":"يحيي القلوبَ بأنوار المشاهدة ، ويميت النفوسَ بأنواع المجاهدة فنفوسُ العابدين تَلَفُها فنون المجاهدات ، وقلوب العارفين شَرفُها عيون المشاهدات .\rويقال يحيي مَنْ أقبل عليه ، ويميتَ مَنْ أعرض عنه .\rويقال يحيي قلوب قوم بجميل الرجاء ، ويميت قلوبَ قوم بِوَسْم القنوط .","part":3,"page":242},{"id":1243,"text":"الموعظة للكافة . . . ولكنها لا تنجع في أقوام ، وتنفع في آخرين؛ فَمَنْ أصغى إليها بَسْمعِ سِرَّه اتضح نورُ التحقيق في قلبه ، ومَنْ استمع إليها بنعت غَيْبَته ما اتصف إلا بدوام حجبته .\rويقال الموعظة لأربابِ الغيبة لِيَؤوبُوا ، والشِّفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا .\rويقال « الموعظة » : للعوام ، « والشفاء » : للخواص ، « والهُدى » لخاص الخاص ، « الرحمة » لجميعهم ، وبرحمته وصَلوا إلى ذلك .\rويقال شفاءُ كلِّ أحدٍ على حَسَبِ دائه ، فشفاءُ المذنبين بوجود الرحمة ، وشفاء المطيعين بوجود النعمة ، وشفاء العارفين بوجود القربة ، وشفاء الواجدين بشهود الحقيقة .\rويقال شفاء العاصين بوجود النجاة ، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات ، وشفاءُ العارفين بالقرب والمناجاة .","part":3,"page":243},{"id":1244,"text":"« الفضل » : الإحسانُ الذي ليس بواجبٍ على فاعله « والرحمة » إرادة النعمة وقيل هي النعمة .\rوالإحسان على أقسام كذلك النعمة ، ونِعَمُ اللَّهِ أكثر من أَنْ تحْصَى .\rويقال الفضل ما أتاح لهم من الخيرات ، والرحمة ما أزاحَ عنهم من الآفات .\rويقال فضل الله ما أكرمهم من إجراء الطاعات ، ورحمته ما عَصَمَهم به من ارتكاب الزَّلات .\rويقال فضل الله دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق .\rويقال فضل الله ما يًُخصُّ به أهل الطاعات من صنوف إحسانه ، ورحمته يخصُّ به أهلَ الزلاَّت من وجوه غفرانه .\rويقال فضل الله الرؤية ، ورحمته إبقاؤهم في حالة الرؤية .\rويقال فضل الله المعرفة في البداية ، ورحمته المغفرةُ في النهاية .\rويقال فضل الله أَنْ أَقَامَكَ بشهود الطلب ، ورحمته أن أشهدك حقَّه بحكم البيان إلى أنْ تراه غداً بكشف العيان .\rقوله جلّ ذكره : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } أي بما أهَّلَهم له ، لا بما يتكلَّفون من حَرَكاتهم وسَكَنَاتهم ، أو يَصِلُونَ إليه بنوعٍ من تكلفهم وتعملهم . { هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } : أي ما تُتْحَفُونَ به من الأحوال الزاكية خيرٌ مِمَّا تجمعون من الأموال الوافية .\rويقال الذي لَكَ منه- في سابق القسمة- خيرٌ مما تتكلَّفُه من صنوف الطاعة والخدمة .","part":3,"page":244},{"id":1245,"text":"يعَنِّفُهم ويُقَرِّعهُم على ما ابتدعوه من التحليل والتحريم ، ويُظْهِر كذبهم فيما تقوَّلُوه من نسبتهم ذلك إلى إذن وشرع .","part":3,"page":245},{"id":1246,"text":"هذا على جهة التهويل والتعظيم لما أسلفوه من الكذب .\rثم قال : { إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } في إمهال مَنْ أجْرَم ، والعصْمِة لَمِنْ لم يُجْرِمْ .","part":3,"page":246},{"id":1247,"text":"خوَّفَهم بما عرفَّهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم ، ورؤية ما سيفعلونه من فنون أعمالهم . والعلْمَ بأنه يراهم يوجِبُ استحياءَهم منه ، وهذه الحال المراقبة ، والعبد إذا عَلمَ أن مولاه يراه استحي منه ، وتَركَ متابعة هواه ، ولا يحُوِّم حَوْلَ ما نهاه ، وفي معناه أنشدوا :\rكأنَّ رقيباً منك حَالُّ بمهجتي ... إذا رُمتُ تسهيلاً عليَّ تَصعَّبَا\rوأنشدوا :\rأُعاتِبُ عَنْكَ النَّفُسَ في كلِّ خَصْلَةٍ ... تعاتبني فيها وأنت مقيم\r{ وما يعزُبُ عن ربك من مثقال ذرة } : وكيف يخفى ذلك عليه ، أو يتقاصر علمه عنه ، وهو منشئُه وموجِدُه؟ وبعض أحكامه الجائزة مخصصة ، وإنما قال : { إلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } : ردَّهم إلى كتابته ذلك عليهم- لعدم اكتفائهم في الامتناع عمَّا نُهُوا عنه - برؤيته وعلمه .","part":3,"page":247},{"id":1248,"text":"قوله جلّ ذكره : { ألاَ إنًّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم } الوليُّ على وزن فعيل مبالغة من الفاعل ، وهو مَنْ تَوَالَت طاعاته ، من غير أن يتخللها عصيان .\rويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول؛ فيكون الوليُّ مَنْ يتوالى عليه إحسانُ الله وأفضاله ، ويكون بمعنى كونه محفوظاً في عامة أحواله من المحن .\rوأشدُّ المحن ارتكابُ المعاصي فيعصمه الحقُّ- سبحانه- على دوام أوقاته من الزلاَّت .\rوكما أن النبيَّ لا يكون إلا معصوماً فالوليُّ لا يكون إلا محفوظاً .\rوالفَرْقُ بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يُلِمُّ بِذَنْبٍ ألْبَتَّةَ ، والمحفوظُ قد تحصُل منه هَنَات ، وقد يكون له - في الندرة- زَلاَّتٌ ، ولكن لا يكون له إصرار : { أولئك الذين يتوبون من قريب } [ النساء : 17 ] .\rقوله جلّ ذكره : { أَلاَ إنَّ أوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .\rحسنٌ ما قيل إنه { لا خوف عليهم } : في الدنيا ، { ولا هم يحزنون } : في العاقبة . ولكن الأوْلى أَنْ يقال إن الخواص منهم لا خوفٌ عليهم في الحال - لأنَّ حقيقةَ الخوفِ توقُّع محذورٍ في المستقبل ، أو ترقُّب محبوب يزول في المستأنف . . وهم بِحُكْمِ الوقت؛ ليس لهم تطلّعُ إلى المستقبل . والحزن هو أن تنالهم حُزُونة في الحال ، وهم في رَوْحِ الرضا بكلِّ ما يجري فلا تكون لهم حزونة الوقت . فالولىُّ لا خوفٌ عليه في الوقت ، ولا له حزن بحال ، فهو بحكم الوقت .\rولا يكون وليَّاً إلا إذا كان موفَّقاً لجميع ما يلزمه من الطاعات ، معصوماً بكل وجه عن جميع الزلات . وكلُّ خصْلَةٍ حميدة يمكن أن يُعْتَبَرَ بها فيقال هي صفة الأولياء .\rويقال الوليُّ مَنْ فيه هذه الخصلة .\rويقال الوليُّ من يُقَصِّر في حقِّ الحق ، ولا يؤخِّر القيام بحق الخَلق؛ يطيع لا لخوف عقاب ، ولا على ملاحظةِ حسن مآب ، أو تطلع لعاجلٍ اقتراب ، ويقضي لكلِّ أحدٍ حقاً يراه واجباً ، ولا يقتضي من أحدٍ حقاً له ، ولا ينتقم ، ولا ينتصف ولا يشمت ولا يحقد ، ولا يقلد أحداً مِنّةً ، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قَدْرَاً ولا قيمة .","part":3,"page":248},{"id":1249,"text":"هذه صفة الأولياء؛ آمنوا في الحال ، واتقوا الشّرْكَ في المآل . ويقال { ءَامَنُوا } أي قاموا بقلوبهم من حيث المعارف . { وَكَانُوا يَتَّقُونَ } : استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف .\rويقال « آمنوا » بتلقي التعريف . « واتقوا » : بالتقوى عن المحرمات بالتكليف .","part":3,"page":249},{"id":1250,"text":"القيام بالأمر يدل على الصحة؛ فإذا قاموا بما أُمِروا به ، واستقاموا بِتَرْكِ ما زُجروا عنه بَشَّرَتْهُم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام ، وبشَّرتهم الحقيقة باستجياب الإكرام ، بما كوشِفوا به من الإعلام . . . وهذه هي البشرى في عاجلهم . وأما البُشرى في آجلِهم : فالحقُّ- سبحانه- يتولَّى ذلك التعريف ، قال تعالى : { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ } [ التوبة : 21 ] .\rويقال البشارة العُظْمَى ما يجدون في قلوبهم مِنْ ظَفَرِهم بنفوسهم بسقوط مآربهم ، وأيُّ مُلْكٍ أتمُّ من سقوط المآرب ، والرضا بالكائن؟ هذه هي النعمة العظمى ، ووجدانُ هذه الحالة هو البشرى الكبرى .\rويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي للخلْق أنَّ للخلْق عِدَةٌ بالجميل ، والذي له نَقْدٌ ومحصول .","part":3,"page":250},{"id":1251,"text":"العبدُ ما دام متفرقاً يضيقُ صدرُه ويستوحش قلبُه بما يسمع ويشهد من الأغيار والكفارِ ما تَتَقدَّسُ عنه صفةُ الحقّ ، فإنْ صار عارفاً زالَتْ عنه تلك الصفة لتحققه بأنَّ الحقَّ سبحانه وراء كلّ طاعةٍ وزَلَّةٍ ، فلا له - سبحانه - من هذا استيحاش ، ولا بذلك استئناس .\rثم يتحقق العارفُ بأنَّ المُجَرِيَ لطاعةِ أربابِ الوفاق- اللَّهُ ، والمُنشِئُ لأحوال أهل الشِّقاقِ - اللَّهُ . لا يبالي الحقُّ بما يجري ولا يبالي العبد بشهود ما يجري ، كما قيل :\rبنو حقٍّ قضوا بالحقٍّ صِرْفا ... فَنَعْتُ الخَلْقِ فيهم مستعار","part":3,"page":251},{"id":1252,"text":"لله مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض مِلْكاً ، ويبدي عليهم ما يريد ، حكما جَزْماً؛ فلا لقبوله عِلَّة ، ولا موجِبَ لردِّه زَلَّة ، كلا . . . إنها أحكامٌ سابقة ، لم تُوجِبْها أجرامٌ لاحقة ، ولا طاعاتً وعباداتٌ صادقة .","part":3,"page":252},{"id":1253,"text":"الليل لأهل الغفلة بُعْدٌ وغيبة ، ولأهل الندم توبة وأوبة ، وللمحبين زُلفَةٌ وقربة؛ فالليل بصورته غير مُؤْنِسٍ ، لكنه وقت القربة لأهل الوصلة كما قيل :\rوكم لظلام الليل عندي من يَدٍ ... تُخَبِّر أن المانوية تكذب","part":3,"page":253},{"id":1254,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِىُّ لَهُ مَا فِى الْسّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانِ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْمَلُونَ } .\rالوَلَدُ بعض الوالد ، والصمدية تَجِلُّ عن البغيضة ، فَنَزَّهَ الله نَفْسَه عن ذلك بقوله { سبحانه } .\rثم إنه لم يعجِّلْ لهم العقوبة - مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك - تنبيهاً على طريق الحكمة لعبادة .\rولا تجوز في وصفه الولادة لِتَوَحُّده ، فلا قسيمَ له ، ولا يجوز في نعته التبني أيضاً لِتَفَردِه وأنه لا شبيهَ له .\rقوله : { هٌوَ الْغَنِىُّ } : الغِنَى نَفْيُ الحاجة ، وشهوةُ المباشرةِ حاجة ، ويتعالى عنها سبحانه .\rقوله جل ّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكّذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } .\rليس لهم بما هم فيه استمتاع ، إنما هو أيامٌ قليلة ثم تتبعها آلامٌ طويلة ، فلا قَدَمٌ لهم بعد ذلك تُرْفَع ، ولا نَدَمٌ ينفع .","part":3,"page":254},{"id":1255,"text":"أنزل الله هذه الآية على وجه التسلية لنبيِّه - A - لِمَا كان يمسُّه من مقاساة الشِّدَّة من قومه ، فإنَّ أيامَ نوحٍ- وأنْ طالَت- فما لَبِثَتْ كثيراً إلا وقد زالت ، كما قيل :\rوأحْسَن شيءٍ في النوائب أنها ... إذا هي نابت لم تكن خلدا\rثم بيَّنَ أنه كان يتوكل على ربِّه مهما فعلوا . ولم يحتشم عبدٌ - ما وَثِقَ بربِّه- منْ كلِّ ما نَزَلَ به . ثم إن نوحاً - عليه السلام- قال : « إني توكلت على الله » وهذا عين التفرقة ، وقال لنبيِّه A : { يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ } [ الأنفال : 64 ] وهذا عين الجمع فبانت المزية وظهرت الخصوصية .","part":3,"page":255},{"id":1256,"text":"إذا كان عملِه لله لم يَطْلُبْ الأجْرَ عليه من غير الله ، وهكذا سنَّته في جميع أولياء الله .","part":3,"page":256},{"id":1257,"text":"أغرق قومَه بأمواج القَطْرة ، وفي الحقيقة أغرقهم بأمواج الأجكام والقدرة ، وحفظ نوحاً- عليه السلام - وقومه في السفينة ، وفي الحقيقة نَجَّاهم في سفينة السلامة . وكان نوحٌ في سابق حكمه من المحروسين ، وكان قومُه في قديم قضائه من جملة المُغْرِقين ، فَجرَتْ الأحوال على ما جرَتْ به القسمةُ في الأزل .","part":3,"page":257},{"id":1258,"text":"قصَّ عليه - صلوات الله عليه وسلامه- أنباءَ الأولين ، وشرح له جميع أحوال الغابرين ، ثم فضَّلَه على كافتهم أجمعين ، فكانوا نجوماً وهو البدر ، وكانوا أنهاراً وهو البحر ، ثم به انتظم عِقْدُهم ، وبنورِه أَشْرَقَ نهارُهم ، وبظهوره خُتِم عددُهم ، كما قيل :\rيومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِه ... حيَّا غدٌ والتفت الأمسُ","part":3,"page":258},{"id":1259,"text":"ما زَادَهم الحقُّ سبحانه بياناً إلا ازدادوا طغياناً ، وذلك أنه تعالى أجرى سُنَتَّه في المردودين عن معرفته أنه لا يزيد في الحجج هدًى إلا ويزيد في قلوبهم عَمَىً ، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات الله عليهم أجمعين .\r{ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الشعراء : 35 ] : نظروا من حيث كانوا لم يعرفوا طعماً غير ما ذاقوا ، وكذا صفةُ مَنْ أَقصتْه السوابقُ ، وردَّته المشيئة .","part":3,"page":259},{"id":1260,"text":"ركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا ، واستحبُّوا استدامة ما عليه كانوا . . . فلحقهم شؤمُ العقيدةِ وسوءُ الطريقة حتى توهموا أن الأنبياءَ عليهم السلام إنما دَعَوْهم إلى الله لتكونَ لهم الكبرياءُ على عباد الله ، ولم يعلموا أنهم إنما دَعَوْهم إلى الله بأمر الله .","part":3,"page":260},{"id":1261,"text":"لما استعان في استدفاع ما استقبله بغير الله لم يلبث إلا يسيراً حتى تَبَرَّأَ منهم وتَوَعدَّهم بقوله : لأفعلنَّ ولأصنعنَّ ، وكذلك قصارى كل حجة وولاية إذا كانت في غير الله فإنها تؤول إلى العداوة والبغضة ، قال تعالى : { الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ } [ الزخرف : 67 ] .","part":3,"page":261},{"id":1262,"text":"أمَرَهُم أمراً يُظْهِرُ به بُطْلاَنَهم ليُدخل الحقَّ على ما أتوا به من التموية ، فلذلك قال موسى عليه السلام : « إن الله سيبطله »؛ فلمَّا التقمت عصا موسى - جميع ما جاءوا به من حِبَالِهم وعِصِيَّهِم - حين قَلَبَها اللَّهُ حيَّةً . . عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ أبطل تلك الأعيان وأفناها .","part":3,"page":262},{"id":1263,"text":"قوله جلَّ ذكره : { وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ } .\rمن جملة ما أَحقَّه أن السَّحَرَةَ كان عندهم أنهم يَنْصُرون فرعون ويجيبونه فكانوا يُقْسِمون بِعِزَّته حيث قالوا « بِعِزَّةِ فرعونَ إنا لنحن الغالبون » وقال الحقُّ- سبحانه : بعزتي إنكم لمغلوبون ، فكان على ما قال تعالى : دون ما قالوه ، وفي معناه قالوا :\rكم رَمَتْني بِأَسْهُم صائباتٍ ... وتَعَمَّدْتُها بِسَهْمٍ فطاشا","part":3,"page":263},{"id":1264,"text":"أهل الحقيقة في كل وقتٍ قليلٌ عَدَدُهم ، كبيرٌ عند الله خَطَرُهم .","part":3,"page":264},{"id":1265,"text":"بيَّن أن الإيمان ليس من حيث الأقوال . . بل لا بد فيه صدق الأحوال قصداً .\rوحقيقةُ التوكل تَوَسُّلٌ تقديمُه مُتَّصِلٌ ، ثم يعلم أنه بفضله- سبحانه- تَحْصُلُ نجاتُه ، لا بما يأتي به من التكلُّف- هذه هي حقيقة التوكل .","part":3,"page":265},{"id":1266,"text":"تبرأنا مما مِنَّا ِنَ الحوْل والمُنَّة ، وتحققنا بما منك من الطوْل والمِنَّة .\rفلا تجعلنا عرضةً لسهام أحكامك في عقوبتك بانتقامك ، وارحمنا بلطفك وإكرامك ، ونجِّنا مِمَّنْ غَضِبْتَ عليهم فَأَذْللْتَهم ، وبِكَيَّ فراقك وسَمْتَهُم .","part":3,"page":266},{"id":1267,"text":"مَهِّدْ إليهم لعبادتنا مَحَالَّ وهي نفوسهم ، ولمعارفنا منازلَ وهي قلوبهم ، ولمحبتنا مواضعَ وهي أرواحهم ، ولمشاهدتنا معاهِدَ وهي أسرارهم؛ فنفوس العابدين بيوت الخدمة ، وقلوب العارفين أوطان الحشمة ، وأرواح المهيمين مشاهد المحبة ، وأسار الموحدين منازل الهيبة .","part":3,"page":267},{"id":1268,"text":"لما يَئِس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله دعا عليهم بإنزال السُّخْطَة وإذاقة الفرقة . ومن المعلوم أنّ الأنبياء- عليهم السلام- مِنْ حقهم العصمة ، فإذا دعا موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قِبَل الله تعالى في الحقيقة .","part":3,"page":268},{"id":1269,"text":"الاستقامةُ في الدعاء تَرْكُ الاستعجال في حصول المقصود ، ولا يَسْقُطُ الاستعجالُ من القلب إلا بوجدان السكينة فيه ، ولا تكون تلك السكينة إلا بِحُسْن الرضاء بجميع ما يبدو من الغيب .\rويقال ينبغي للعبد أن يستقلَّ بالله ما أمكنه فعند هذا يقلُّ دعاؤه . ثم إذا دعاه بإشارة من الغيب - في جوازه- فالواجب ألا يستعجل ، وأن يكون ساكِنَ الجأشِ .\rويقال من شرط الدعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء ، ثم حُسْنُ الانتظار في الانتهاء ، وكمال هذا الرضا بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار .\rويقال الاستقامة في الدعاء سقوط التقاضي على الغيب والخمود عن الاستعجال بحسن الثقة وجميل الظن .\rويقال في الآية تنبيهٌ على أنَّ للأمورِ آجالاً معلومة ، فإذا جاء الوقت فلا تأخير للمقسوم في الوقت المعلوم .","part":3,"page":269},{"id":1270,"text":"حَمَلَتْ العِزَّةُ فِرعونَ على تَقَحُّمِ البحر على إثرهم ، فلمَّا تحقَّقَ الهلاكُ حَمَلَتْه ضرورةُ الحِيلةِ على الاستعاذة ، فلم ينفَعه ذلك لفوات وقت الاختيار .\rويقال لما شهد صوْلَةَ التقدير أفاق من سُكْرِ الغلطة ، لكن : « بعد شهود البَاسْ لا ينفع التخاشعُ والابتئاسْ » .","part":3,"page":270},{"id":1271,"text":"أَبْعَدَ طولِ الإمهال ، والاصرار على ذميم الأفعال ، والرَّكْضِ في ميدان الاغترار ، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجَبْتَ أن تُرَدَّ في وجهك ، فلا لِعُذْرِك قَبُولٌ ، ولا لَكَ إلى ما ترومه وصولٌ .","part":3,"page":271},{"id":1272,"text":"لَنُشْهِرَنَّ تعذيبَكَ ، ونُظْهِرَنَّ- لَمِنْ استبصر- تأديبَك ، لِتكونَ لِمَنْ خَلْفَكَ عِبْرة ، وتزدادَ حين أَفَقْتَ أَسَفَاً وحسرةً .","part":3,"page":272},{"id":1273,"text":"أذْلَلْنَا لهم الأيام ، وأكثرنا لديهم الإنعامَ ، وأكرمنا لهم المقامَ ، وأتَحْنَا لهم فنونَ الحسناتِ ، وأدَمْنَا لهم جميع الخيراتِ . . . فلمَّا قابلوا النعمة بالكفران ، وأصَرُّوا على البَغْيِ والعدوان أذقناهم سوءَ العذاب ، وسَدَدْنا عليهم أبوابَ ما فتحنا لهم من التكريم والإيجاب ، وذلك جزاءُ مَنْ حَادَ عن طريق الوفاق ، وجَنَحَ إلى جانب الشَّقِاق .","part":3,"page":273},{"id":1274,"text":"ما شكَّ- A - فيما عليه أُنْزِل ، ولا عن أحدٍ منهم ساءَل ، وإنما هذا الخطابُ على جهة التهويل ، والمقصود منه تنبيهُ القوم على ملازمة نهج السبيل .\rويقال صفة أهل الخصوص ملاحظة أنفسهم وأحوالهم بعين الاستصغار .\rويقال فإنْ تَنَزَّلْتَ منزلةَ أهلِ الأدب في تَرْكِ الملاحظات فَسَلْ عَمَّن أرسلنَا قَبْلَكَ فهل بَلَّغْنَا أحداً من منزلتك؟ وهل خَصَصْنَا أحداً بمثل تخصيصك؟","part":3,"page":274},{"id":1275,"text":"ما كان منهياً عنه ، وكان قبيحاً فبالشرع كان قبيحاً ، فلا بدّ من ورود الأمر به حتى تكون منه طاعة وعبادة . وإنما لم يَجُزْ في صفته - A - التكذيبُ بآياتِ الله؛ لأنه نُهِيَ لا لكونه قبيحاً بالعقل حتى يقال كيف نُهِيَ عنه وكان ذلك بعيداً منه؟","part":3,"page":275},{"id":1276,"text":"فالأعداء حقَّتْ عليهم كلمةٌ بالعقاب ، والأولياء حقت عليهم كلمةٌ بالثوابِ؛ فالكلمة أزليَّة ، والأحكام سابقة ، والأفعال في المستأنف على ممر الأوقات على موجب القضية لاحقة ، فالذين نصيبهم من القسمة الشِقْوةُ لا يؤمِنون وإن شاهدوا كل دلالة ، وعاينوا كل معجزة .","part":3,"page":276},{"id":1277,"text":"قومُ يونس تداركتْهم الرحمةُ أزليةُ فيما أجرى من توفيقِ التضرع ، فَكَشَفَ عنهم العذابَ ، وصَرَفَ عنهم ما أظلَّ عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك الأبواب؛ فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم ، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته .","part":3,"page":277},{"id":1278,"text":"كيف يعتصي عليه سبحانه مرادٌ- والذي يبقي شيءٌ عن مراده ساهٍ أو مغلوبٌ؟ والذي يستحق جلالَ العِزَّةِ لا يفوته مطلوب .","part":3,"page":278},{"id":1279,"text":"لا يمكن حَمْل الإذن في هذه الآية إلا على معنى المشيئة؛ لأنه للكافة بالإيمان ، والذي هو مأمورٌ بالشيء لا يقال إنه غير مأذون فيه . ولا يجوز حملُ هذه الآية على معنى أنه لا يُؤْمِنُ أحدٌ إلا إذا ألجأه الحقُّ إلى الإيمان واضطره- لأنَّ موجِبَ ذلك ألا يكون أحدٌ في العَالَم مؤمناً بالاختيار ، وذلك خطأ ، فدلَّ على أنه أراد به إلا أنْ يشاءَ اللَّهُ أنْ يُؤمِنَ هو طوَعاً . ولا يجوز بمقتضى هذا أنه يريد من أحدٍ أن يؤمِن طوعاً ثم لا يؤمِن؛ لأنه يُبْطِلُ فائدةَ الآية ، فَصَحَّ قولُ أهل السُّنَّة بأنَّ ما شاءَ اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن .","part":3,"page":279},{"id":1280,"text":"الأدلة- وإنْ كانت ظاهرة- فما تغْنِي إذا كانت البصائر مسدودةً ، كما أن الشموسَ- وإن كانت طالعة- فما تُغْنِي إذا كانت الأبصار عن الإدراك بالعمى مردودة ، كما قيل :\rوما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته ... إذا استوَتْ عنده الأنوارُ والظُلَمُ؟","part":3,"page":280},{"id":1281,"text":"تَمَنِّي الطاف أنوارِ الحقيقةِ تَعَنِّ في تسويل ، واستنادٌ إلى غير تحصيل ، وتمادٍ في تضليل .","part":3,"page":281},{"id":1282,"text":"حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض فقوله تعالى : { عَلَيْنَا } ها هنا معناها « منَّا » فلا شيء يجب على الله لكونه إلهاً مَلِكاً ، فيجب الشيءُ من الله -لصدقه- ولا يجب عليه - لِعِزَّتِه .\rوكما لا يجوز أن يَدْخُلَ نبيٌّ من الأنبياء- عليهم السلام- في النار لا يجوز أن يُخلَّدَ واحدٌ من المؤمنين في النار لأنه أخبر أنه يُنَجِّي الرسلَ والمؤمنين جميعاً .","part":3,"page":282},{"id":1283,"text":"إن كنتم غطاء الرَّيْبِ فأنا في ضياءِ مِنَ الغيبِ ، إِنْ كنتم في ظلمة الجهل فأنا في شموس الوَصْلِ ، إن كنتم في سدفة الضَّلالة فأنا في خلعة الرسالة وعلى أنوار الدلالة .\rويقال قد تميزنا على مفرق الطريق : فأنتم وقعتم في وهدة العِوَجِ ، وأنَا ثابِتٌ على سَوَاء النَّهَجْ .","part":3,"page":283},{"id":1284,"text":"أي أَخْلِصْ قلبَك للدّين ، وجَرِّدْ قلبَكَ عن إثبات كلِّ ما لَحِقَه قهرُ التكوين ، وكنْ مائلاً عن الزيغ والبدع ، وداخِلاً في جُمْلَةٍ مَنْ أخلص في الحقيقة .","part":3,"page":284},{"id":1285,"text":"لا تعبدْ ما لا تنفعكَ عِبَادتُه ولا تَضُرُّك عبادتُه ، وتلك صفة كل ما يعبْد من دون الله . واستعانة الخْلق بالخَلْق تمحيقٌ للوقتِ بلا طائلٍ؛ فَمَنْ لا يَمْلكُ لِنَفْسِه ضَرَّاً ولا نَفْعَاً كيف يستعين به مَنْ هو في مثل حاله؟ وإذا انضاف الضعيفُ إلى الضعيف ازدادَ الضعفُ .","part":3,"page":285},{"id":1286,"text":"كما تفرَّد بإبداع الضُرِّ واختراعه فلا شريكَ يُعْضِّدُه . . . كذلك توحَّدَ بكشف الضُرِّ وصَرْفِه فَلا نصيرَ يُنْجِدُه .\rويقال هوَّنَ على المؤمِن الضرِّ إليه بقوله : { وَإِن يَمْسسْكَ اللّهُ بِضُرٍ } حيث أضافه إلى نفسه ، والحنظلُ يُسْتَلذُّ مِنْ كفَّ مَنْ تحبه .\rوفَرَّقَ بين الضُرِّ والخير بإضافة الضرِّ إليه فقال : { وَإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ } ولم يقل : وإنْ يُرِدْكَ بضرٍ- وإنْ كان ذلك الضرُّ صادراً عن إرادته- وفي ذلك من حيث اللفظ دِقّة .\rويقال : عَذُبَ الضرّ حيث كان نفعه؛ فلمَّا أوجب مقاساة الضُّرِّ من الحرَبَ أبدل مكانَه السرورَ والطَّرَب .","part":3,"page":286},{"id":1287,"text":"مَنْ استبصر رَبحَ رُشْدَ نفسِه ، ومَنْ ضلَّ فقد زاغ عن قَصْدِه؛ فهذا بلاءٌ اكتسب ، وذلك ضياء وشِفاء اجتلب .","part":3,"page":287},{"id":1288,"text":"قِفْ عند جريان أحكامنا ، وانسلِخْ عن مرادِك بالكلية ، ليُجْرِيَ عليك ما يريد ، والله أعلم بالصواب .","part":3,"page":288},{"id":1289,"text":"الألف إشارة إلى انفراده بالربوبية .\rواللام إشارة إلى لُطْفِه بأهل التوحيد .\rوالراء إشارة إلى رحمته بكافة البَرِيَّةِ .\rوهي في معنى القَسَم : أي أقسم بانفرادي بالربوبية ولطفي بمن عَرَفَني بالأحدية ، ورحمتي على كافة البرية - إنَّ هذا الكتابَ أُحْكِمَتْ آياتُه .\rومعنى { أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ } أي حُفِظَتْ عن التبديل والتغيير ، ثم فُصِّلتْ ببيان نعوتِ الحقِّ فيما يتصف به من جلال الصمدية ، وتعبَّد به الخْلقُ من أحكام العبودية ، ثم ما لاح لقلوب الموحِّدين والمحبين من لطائف القربة ، في عاجِلهم البُشْرى بما وَعَدَهم به من عزيز لقائه في آجِلهم ، وخصائصهم التي امتازوا بها عَمَّنْ سواهَم .","part":3,"page":289},{"id":1290,"text":"أي فصلَتْ آياتُه بألا تعبدوا إلا الله .\rويقال معناه في هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله ، إني لكم « نذيرٌ » مبينٌ بالفرقة ، « وبشيرٌ » بدوام الوصلة ، ( فالفرقة بل في عاجله واحداً ) .","part":3,"page":290},{"id":1291,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ } .\rاستغفروا ربَّكم أولاً ثم توبوا إليه بعده .\rوالاستغفار طلب المغفرة ، يعني قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النَّظرة ، وحَمْل الرجاء والثقة بأنه لا يُخَلِّد العاصِيَ في النار ، فلا محالةَ يُخْرِجُه منها . . . فابْتَدِثوا باستغفاركمْ ، ثم توبوا بِتَرْكِ أوزاركم ، والتَنَقِّي عن إصراركم .\rويقال استغفروا في الحال مما سلف ، ثم إنْ ألْمَمْتُم بزِلَّةٍ أخرى فتوبوا .\rويقال استغفروا في الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة - إلى مآلِكم- مما أسلفتم من قبيح أعمالكم .\rويقال : { اسْتَغْفِرُوا } : الاستغفار هو التوبة ، والتنقي من جميع الذنوب ، ثم « توبوا » منْ تَوَهُّم أنكم تُجابُون بتوبتكم ، بل اعلموا أنه يُجِيبكم بِكَرَمِه لا بأعمالكم .\rويقال « الاستغفار » : طَلبُ حظوظكم مِنْ عَفونا . . فإذا فعلْتُم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب ، وارجعوا إلينا ، واكتفوا بنا ، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به .\rقوله جلّ ذكره { إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعَاً حَسَنَاً إلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً } .\rأي نُعَيِّشكم عيشاً طيباً حسناً مباركاً .\rويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص .\rويقال هو القناعة بالموجود .\rويقال هو ألا يخرجَه إلى مخلوق ، ولا يجعل لأحد عليه مِنَّةً لا سيما للئيم .\rويقال هو أن يوفقه لاصطناع المعروف إلى المستحقين .\rويقال هو أن تُقْضَى على يديه حوائج الناس .\rويقال هو ألا يُلِمَّ في حال شبابه بِزَلَّةٍ ، وألا يتصفَ بأنه عن الله في غفلة .\rويقال هو أن يكون راضياً بما يجري عليه من نَوْعَي العسر واليسر .\rقوله جلّ ذكره : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضَلٍ فَضْلَهُ وَإن تَوَلَّوْا فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } .\rمَنْ زادتْ حسناتُه على سيئاتِه أعطاه جزاءَ ما فَضَلَ له من الطاعات ، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات . . . هذا بيان التفسير .\rويقال مَنْ فَضَّلَه بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده . .\rويقال هو أن يستر عليه فضلَه حتى لا يلاحظ حالَه ومقامه ، بل ينظر إلى نفسه ، وما منه ومَا لَه . . . بِعَيْن الاستحقار والاستصغار .\rويقال هو أن يرقيه عن التعريج في أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية ، ويُنقيِّه عن ( . . . . . ) البشرية ، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير .\rويقال هو ألا يُوحِشَه شيء بما يجري في الوقت .\rويقال هو أن يُحَقِّقَ له ما تسمو إليه هِمَّتُه ، ويُبَلِّغَه فوق ما يستوجبه محلَّه .","part":3,"page":291},{"id":1292,"text":"تنقطع الدعاوى عند الرجوع إلى الله ، وتنتفي الظنونُ ، ويحصل اليأسُ مِنْ غير الله بكل وجه ، ويبقى العبدُ بنعتِ الاضطرار ، والحقُّ يُجْرِي عليه ما سَبَقَتْ به القسمة من أنواع الأقدار .","part":3,"page":292},{"id":1293,"text":"أي يسترون ما تنطوي عليه عقائدهم ، ويُضْمِرون للرسول - عليه السلام- وللمؤمنين خِلاَفَ ما يُظْهِرون ، والحقُّ- سبحانه - مُطَّلِعٌ على قلوبهم ، ويعلم خفايا صدورهم ، فتلبيسُهم لا يُغْنِي عنهم من الله شيئاً ، وكان الله - سبحانه - يُطْلِعُ رسولَه- عليه السلام- على ما أخْفَوْه إمَّا بتعريفِ الوحي ، أو بإشهادٍ لِقُوَّةِ نورٍ ، وكذلك المؤمنون كانوا مخصوصين بالفراسة ، فكل مؤمن له بِقَدْرِ حاله من الله هداية ، قال A : « اتقوا فراسةَ المؤمن ينظر بنور الله » ولقد قال قائلهم .\rأَبِعَيْنِي أَرَاكَ أَمْ بفؤادي؟ ... كلُّ ما في الفؤاد للعين بادِ","part":3,"page":293},{"id":1294,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ زِزْقُهَا } .\rأراح القلوبَ من حيرة التقسيم ، والأفكارَ من نَصَبِ التفكير في باب الرزق حيث قال : { إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } فَسكَنَتْ القلوبُ لمَّا تَحَقَّقَتْ أنَّ الرزقَ على الله .\rويقال إذا كان الرزق على الله فصاحبُ الحانوتِ في غَلَطٍ من حسبانه . ثم إن اللَّهَ سبحانه بيَّنَ أَنَّ الرزقَ الذي « عليه » ما حالُه فقال : { وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ } [ الذاريات : 22 ] ، وما كان في السماءِ لا يوجد في السوق ، ولا في التَّطواف في الغرب والشرق .\rويقال الأرزاق مختلفة فَرِزْقُ كل حيوانٍ على ما يليق بصفته .\rويقال للنفوسِ رزقٌ هو غذاءُ طريقُه الخْلقُ ، وللقلوب رزق وهو ضياءٌ مُوجِدُهُ الحق .\rويقال لم يقل ما يستهيه أو مقدار ما يكفيه بل هو موكولٌ إلى مشيئته؛ فَمِنْ مُوَسَّعٍ عليه ومِنْ مُقَتَّرِ .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .\rقيل أراد به أصلابَ الآباءِ وأرحامً الأمهات ، أو الدنيا والآخرة . ويقال مُسْتَقرُّ المريد بباب شيخِه كمستقرُّ الصبي بباب والديه ، ويقال مستقر العابدين المساجد ، ومستقر العارفين المشاهد ، فالمساجد مستقر نفوسِ العابدين ، والمشاهِدُ مُسْتَقَرُّ قلوب العارفين .\rويقال مستقرُّ المحب رأسُ سِكَّةِ محبوبِه لعلَّه يشهده عند عبوره .\rويقال المساجِدُ للعابدين مستقرُّ القَدَم ، والمشاهِدُ للعارفين مستقرُّ الهِمَم ، والفقراء مستقرهم سُدَّةُ الكَرَم .\rويقال الكلُّ له مثوىً ومستقر ، أما الموحِّد فإنه مأوى له ولا مستقر ولا مثوى ولا منزل .\rويقال النفوس مستودَعُ التوفيق من الله ، والقلوبُ مستودعُ التحقيق من قِبَلِ الله .\rويقال القلوبُ مستودعُ المعرفة؛ فالمعرفة وديعة فيها ، والأرواح مستودع المحبة فالمحابُ ودائع فيها . والأسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع فيها .","part":3,"page":294},{"id":1295,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الَمآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } .\rوأَحْسَنُ الأعمالِ موافقةُ الأمرِ ، ولم يَقُلْ أكثر عملاً .\rويقال أحسن الأعمال ما كان صاحبُه أشدَّ إخلاصاً فيه .\rويقال أحسنهم عملاً أبعدُهم عن ملاحظة أعماله .\rويقال أحسن الأعمال ما ينظر إليه صاحبه بعين الاستصغار .\rويقال أحسن الأعمال ما لا يطلبُ صاحبُه عليه عِوَضَاً .\rويقال أحسن الأعمال ما غابَ عنه صاحبه لاستغراقه في شهود المعبود .\rقوله : { لِيَبْلُوَكُمْ } الابتلاءُ مِنْ قِبَلِه تعريفُ الملائكة حالَ من يبتليه في الشكر عند اليُسْر والصبر عند العُسر .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوتِ لِيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } .\rاستبعدوالنَّشْرَ لِتَقاصُرِ علومهم عن التحقُّق بكمال قدرة الحق ، ولو عرفوا ذلك لأيقنوا أن البث ليس بمعتاص في الإيجاد ولا يمستحيلٍ في التقدير .","part":3,"page":295},{"id":1296,"text":"يقول : إنْ أَمْهَلْنَا ، وأخَّرْنا عليهم العذابَ لا يَرْعَوُون ، بل يستعجلون العقوبة . ولئن عَجَّلْنا لهم العقوبةَ لا يتوبون ولا يستغفرون . . . استولى عليهم الجهلُ في الحاليْن ، وعَمِيَتْ بصائرُهم عن شهودِ التقدير والإيمان بالغيب في النوعين . ويوم يأتيهم العذابُ فلا مناصً ولا منجاةَ ولا مراحَ لهم منه .","part":3,"page":296},{"id":1297,"text":"تَكَدُّرُ ما صفا من النِّعم ، وتَغيُّرُ ما أُتيح من الإحسان والمِنَن حالٌ معهودةٌ وخُطَّة عامة ، فلا أحدَ إلا وله منها خِطَّه فَمْنْ لم يرجع بالتأسُّفِ قلبه ، ولم يتضاعفْ في كل نَفَسٍ تَلَهفُّهُ وكَرْبُه ففي ديوان النسيان ، وأثبت اسمه في جملة أهل الهجران . ومن استمسك بعروة التضرع ، واعتكف بعقوة التذلل ، احتسى كاساتِ الحسرة عُلَلاً بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة ، وجَدَّدَ له ما اندرس من أحوال القربة ، وأطْلَعَ عليه شمسَ الإقبال بعد الأفول والغيبة ، كما قيل .\rتَقَشَعَ غَيمُ الهجرِ عن قمر الحبِّ ... وأشرق نورُ الصبح في ظلمة الغيب\rوليس للأحوال الدنيوية خَطَرٌ في التحقيق ، ولا يُعدُّ زوالها وتكدُرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل ، لكنَّ المحنة الكبرى والرزيةَ العظمى ذبولُ غصنِ الوصال؛ وتكدرُ مشرب القرب ، وأفولُ شوارق الأُنْسِ ، ورَمَدُ بصائر أرباب الشهود . . . فعند ذلك تقوم قيامتُهم ، وهناك تُسْكَبُ العَبَراتُ . ويقال إذا نَعَقَ في ساحاتِ هؤلاء غرابُ البيْن ارتفع إلى السماء نُوَاحُ أسرارهم بالويل ، ومن جملة ما يبثون نحيبهم ما قلتُ :\rقولاً لَمِنْ سَلَبَ الفؤادَ فراقُه ... ولقد عَهِدنا أن يُبَاحَ عِتَاقُه\rبَعُدَ الفراق . . . فبالذي هو بيننا ... هَلاَّ رحمتم مَنْ دنا إزهاقُه؟\rعهدي بمن جحد الهوى أزمان كُ ... نَّا بالصبابةِ- لا يَضيق نِطاقُه\rوالآن مُذْ بَخلَ الزمانُ بوصلنا ... ضاق البسيطة حين دام فراقُه\rهل تُرتَجى من وصل عِزَّك رجعةٌ ... تحنو على قمرٍ يدوم محاقُه؟\rإن كان ذاك كما تروم فأخْبِروا ... أنَّى له أن يعودَ شروقَه؟","part":3,"page":297},{"id":1298,"text":"إذا كشفنا الضُرَّ عنهم رحمةً مِنَّا عادوا إلى تهتكهم بدلاً من أن يتقربوا إلينا ، وأساءوا بخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا ، وكلما أتَحْنَا لهم من إمهالنا أَمِنوا بمكرنا ولم يخافوا أنْ نأخذَهم فجأة بقهرنا .","part":3,"page":298},{"id":1299,"text":"الإنسان في الآية السابقة اسم جنس .\rوإلا للاستثناء منه ، وقيل بمعنى « لكن » ، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة بطروا ، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك ، أي لكنَّ الذين آمنوا بخلاف ذلك ، فإنهم لصبرهم على ما به أُمِروا ، وعما عنه زُجِروا ، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم الزَّلات . . . فلهم مغفرة وأجر ، مغفرة لعصيانهم ، وأجرٌ على إحسانهم . والفريقان لا يستويان ، قال قائلهم .\rأَحْبَابُنا شَتَّان وافٍ وناقِصٌ ... ولا يستوي قطٌُّ مُحبٌّ وباغض","part":3,"page":299},{"id":1300,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلَعَلَّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ } .\rاقترحوا عليه أن يأتي بكتاب ليس فيه سَبُّ آلهتهم ، وبيَّن الله - سبحانه- له ألا يتركَ تبليغ ما أُنزِل عليه لأجْلِ كراهتهم ، ولا يُبدِّلَ ما يُوحَى إليه .\rقوله جلّ ذكره : { وَضَآئِقٌ بهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلٍ شَئٍ وَكِيلٌ } .\rوهذا على وجه الاستبعاد؛ أي لا يكون منك تركُ ما أُوحِيَ إليك ، ولا يضيق صَدرُك بما يبدو من الغيب . . . ومَنْ شرح الله بالتوحيد صدرَه ، ونوَّر بشهود التقدير سِرَّه -متى يلحقه ضيق صدْرٍ أو استكراهُ أَمْرٍ؟ ثم قال : { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ } : أي أنت بِالإرسال منصوبٌ ، وأحكامُ التقدير عليكَ مُجْرَاةٌ .","part":3,"page":300},{"id":1301,"text":"في الآية بيانٌ أنَّ المكلَّفَ مُزَاحُ العِلَّةِ لِمَا أُقِيمَ له من البرهانِ وأُهِّلَ له من التحقيق . وأَنَّ الإيمانَ بالواسطة- A وآله- واجِبٌ لِما خُصَّ به من المعجزات التي أوضحها الكتابُ المُنَزَّلُ والقرآنُ المُفَصَّلُ الذي عجز الكفار عن معارضته .","part":3,"page":301},{"id":1302,"text":"يعني فإن لم يستجيبوا لكم يعني إلى الإتيان بمثله- وهم أهل بلاغة- فتحققوا أنه من قِبَلِ الله ، وليس على سنة التحقيق ( . . . . ) إنما العمى في بصائر من ضلُّوا عن الحقِّ ، وتاهوا في سدفة الحيرة .","part":3,"page":302},{"id":1303,"text":"مَنْ قَنَع منهم بدنيا الدناءةُ صِفَتُها وَسَّعْنَا عليه في الاستمتاع بأيام فيها ، ولكن عَقِبَ اكتمالِها سيرى زوالَها ، ويذوق بعد عسلِها حَنْظَلَها .","part":3,"page":303},{"id":1304,"text":"أولئك الذين خَابَتْ آمالُهُم ، وظهرت لهم - بخلاف ما احتسبوا- ألامُهم ، حَبِطَتْ أعمالُهم- وحاق بهم سوء حالهم .","part":3,"page":304},{"id":1305,"text":"فيه إضمار ومعناه أفمن كان على بينة كمن ليس على بينة . . . لا يستويان .\rوالبيِّنَةُ لأقوامٍ برهانُ العِلْمِ ، ولآخرين بيانُ الأمر بالقطع والجزم؛ يُشْهِدهم الحقُّ ما لا يطلع عليه غيرهم ، كما قلت :\rليلى من وجهك شمس الضحا ... ( . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . )\rفالناس في الظلمة من ليلهم ... ونحن من وجهك في الضوء والشاهد\rفالذي يتولاه فهو مشاهِدٌ ، وفي الخبر « أولياءُ الله الذين إذا أرادوا ذكر الله . . . . . . . . . »\rقال تعالى : { وَلَوْ نَشَآء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } [ محمد : 30 ] .","part":3,"page":305},{"id":1306,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً } .\rمَنْ ادَّعى على الله حالاً لم يكن متحققاً بها فقد افترى على الله كذباً ، واستوجب المقت ، وعقوبته ألاَّ يُرْزَق بركةً في أحواله ، ثم إنه يكشف للشهداء عيوبَه ، يفضحه بين الخْلق ، والشهداءُ قلوبُ الأولياء ، ومَنْ شهدت القلوبُ عليه بالردِّ فهو غيرُ مقبولٍ عند الحقِّ .","part":3,"page":306},{"id":1307,"text":"قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ . . . } الآية .\rهذا من جملة صفات المفترين على الله الكذب ، ومِنْ صدِّهم عن السبيل أن يُظهِروا من أنفسهم أحوالاً تُخِلُّ بأحكام الشريعة ، ولا يَرَوْن ذلك كبيرةً في الطريقة ، ويُوهمون المُسْتَضْعفين من أهل الاعتراض عليهم أنَّ لهم في ذلك رخصة ، فَيضِلُّون وُيُضِلُّون . ومن جملة صدَّهم عن السبيل تغريرهم بالناس ، وإيقاعهم في الغَلَطِ ، ويرتقون بشيءٍ مما في أيديهم من حطام الدنيا ، ولا يَسْتَحُون منْ أَخْذِ شيءٍ لا يستوجبونه بأي وجه حقِّ ، ويُدَاهِنُون في دين الله .","part":3,"page":307},{"id":1308,"text":"قوله جلّ ذكره : { أوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ . . . } الآية .\rمَنْ هذه صفتهم لا يربحون في تجارتهم ، ولا يلحقون غايةً طلبوها؛ فيبقون عن الحق ، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخْلق . خَسِرتْ صفْقتُهُمْ ، وبَارَتْ بضاعتُهم ، لَقُوا الهوان ، وذاقوا اليأس والحرمان .","part":3,"page":308},{"id":1309,"text":"لا محالةَ أنهم في الآخرة أشدُّ خسراناً ، وأوفر- من الخيرات - نقصاناً .","part":3,"page":309},{"id":1310,"text":"قوله جلّ ذكره : { إنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا } .\rالإخباتُ التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار ، ومن علامته الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستغاثة بالسر .","part":3,"page":310},{"id":1311,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ . . . وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ . . . } الآية .\rمثل الكافر في كفره كالأعمى والأصم ، ومَثْلُ المؤمن في إيمانه كالسميع والبصير- هذا بيان التفسير .\rوالإشارة فيه أن الأعمى مَنْ عَمِيَ عن الإبصار بِسرِّه ، والأصمُّ الذي طَرِش بسَمْع قلبه؛ فلا باستدلاله شَهِدَ سر تقديره في أفعاله ، ولا بنور فراسةٍ توهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه ، ولا بسَمْع القبولِ استجابَ لدواعي الشريعة ، ولا بِحُكْم الإنصاف انْقَادَ لما يتوجَّب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لِسرِّه من تلويحات الحقيقة .\rوأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين ، ويشهد صفاته بعين اليقين ، ويشهد ذاته بحق اليقين ، والغائبات له حضور ، والمستورات له كشف . فالذي يسمع فَصِفَتُه ألا يسمعَ هواجسَ النَّفْس ولا وساوس الشيطان؛ فيسمع من جواعي العلم شرعاً ، ثم من خواطر التعريف قدراً ، ثم يكاشف بخطاب من الحق سِرَّا .\rفهؤلاء لا يستويان ، ولا في طريق يلتقيان :\rراحَتْ مُشَرِّقةً ورُحْتُ مُغَرباً ... فمتى التقاءُ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ؟!","part":3,"page":311},{"id":1312,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينُ لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } .\rكان نوحٌ عليه السلام أطولَ الأنبياء عُمْراً وأشدَّهم بلاءً ، وسمي نوحاً لكثرة نَوْحِه على نَفْسِه . . . . وسببُ ذلك أنه مرَّ بكلبٍ فقال : ما أقبحه! فأوحى الله إليه أَنْ اخلقْ أنت أَحْسَنَ من هذا . فأخذ يبكي وينوح على نفسه كلَّ ذلك النَّوْح . فكيف بحالِ مَنْ لم يذكر يوماً مما مضى من عمره في مدة تكليفه- ولم يحصل منه لله كثير من ولاية!؟","part":3,"page":312},{"id":1313,"text":"أنكروا صحة كوْنهِ نبيَّا لمشاكلته إياهم في الصورة ، ولم يعلموا أن المباينة بالسريرة لا بالصورة .\rثم قال : { وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي } : نظروا إلى أتباعه نَظْرَةَ استصغارٍ ، ونَسَبُوهم إلى قِلَّةِ التحصيل . . . وما استصغر أحدٌ أحداً من حيث رؤية الفضل عليه إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عليه ، وأذاقه ذُلَّ صَغَارِه ، فبالمعاني يحصل الامتيازُ لا بالمباني :\rترى الرجلَ النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور\rفإن أَكُ في شِراركم قليلاً ... فإني في خِياركم كثير","part":3,"page":313},{"id":1314,"text":"الصُّبحُ لا خَلَلَ في ضيائه لِكَوْن الناظرين عمياناً ، والسيفُ لا خَلَلَ في مُضَائِه لِكَوْنِ الضاربين صبياناً . . . . . . . وكيف لِبَشَرٍ من قدرةٍ على هداية مَنْ أَضَلَّه اللَّهُ- ولو كان نبيَّا؟\rهيهات لا ينفع مع الجاهل نُصحٌ ، ولا ينجح في المُصِرِّ وعظٌ!","part":3,"page":314},{"id":1315,"text":"سُنَّة الأنبياء - عليهم السلام_ ألا يطلبوا على رسالتهم أجراً ، وأَلاَّ يُؤَمِّلُوا لأنفسهم عند الخْلق قَدْراً ، عَمَلُهُم لله لا يطلبون شيئاً من غير الله . فَمَنْ سَلكَ من العلماء سبيلَهم حُشِرَ في زمرتهم ، ومَنْ أَخَذَ على صلاحِه مِنْ أحدٍ عِوَضَاً ، أو اكتسب بسداده جاهاً لم يَرَ من الله إلا هواناً وصَغَاراً .","part":3,"page":315},{"id":1316,"text":"مجالسةُ الفقراءِ اليومَ - وهم جَُلساءُ الحقِّ غداً- أجدى من مجالسة قومٍ من الأغنياء هم من أهل الردِّ .\rومَنْ طَرَدَ مَنْ قَرَّبَه الله وأدناه استوجب الخِزْيَ في دنياه ، والصَّغَارَ في عقباه .","part":3,"page":316},{"id":1317,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلآَ أَقُولُ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلآَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلآَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ } .\rلا أتخطَّى خَطِّي عما أبلغ مما حملتُ من رسالتي ، ولا اتعدَّى ما كُلِّفْتُ به ، ولا أزيد عما أُمِرْتُ ، ولن أخرجَ عن الذي أنبأوني ، بل أنتصب بشاهدي فيما أقاموني .\rقوله جلّ ذكره : { وَلآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرَاً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } .\rإن أولياء الله سبحانه في أثوابهم ولا يراهم إلا من قرَبَهم في معناهم . اللَّهُ أعلمً بأحوالهم وفي الجملة : طيرُ السماءِ على أُلاَّفها تقع .","part":3,"page":317},{"id":1318,"text":"أوضح لهم من البراهين مالوا أنعموا النظر فيه لتمَّ لهم اليقين ، ولكنهم أصروا على الجحود ، ولم يقنعوا من الموعود بغير المشهود .","part":3,"page":318},{"id":1319,"text":"أقَرَّ بالعبودية ، وتَبرَّأ عن الحول والقوة ، وأحال الأمرَ على المشيئة . ولقد أنصف مَنْ لم يُجَاوِزْ حَدَّه في الدعوى . والأنبياء عليهم السلام- وإن كانوا أصحاب التحدي للناس بمعجزاتهم فهم معترفون بأنهم موقوفون عند حدودهم .","part":3,"page":319},{"id":1320,"text":"مَنْ لم يُساعده تعريفُ الحقِّ- بما له بحكم العناية- لم ينفعه نُصْحُ الخَلْقِ في النهاية .\rويقال مَنْ لم يُوَصِّلْه الحقُّ للوصال في آزله لم ينفعه نُصْحُ الخَلْقِ في حاله .\rويقال مَنْ سَبَقَ الحُكْمُ له بالضلالة أَنَّى ينفعه النصحُ وبَسْطُ الدلالة؟\rويقال من لم تساعدْه قسمةُ السوابق لم ينفعه نُصْحُ الخلائق .\rقوله : { إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } : من المحال اجتماع الهداية والغواية؛ فإذا أراد اللَهُ بقوم الغواية لم يصح أن يقال إنهم من أهل الهداية .\rثم بيَّن المعنى في ذلك بأن قال : { هُوَ رَبَّكُمْ } لِيَعْلَم العالِمون أَنَّ الربَّ تعالى له أن يفعل بعباده ما شاء بحكم الربوبية .","part":3,"page":320},{"id":1321,"text":"ومهما وصفتموني فإني أُجِيبُ اللّهَ . . . وكُلٌّ مُطَالَبٌ بفعله دون فِعْلِ صاحبِه .","part":3,"page":321},{"id":1322,"text":"عرَّفه الحقُّ أنَّه غنيٌّ عن إيمانهم ، فكَشَفَ له أحكامَهم ، وأَنَّ مَنْ لم يؤمن منهم قد سبق الحكمُ بشقائهم ، فعند ذلك دعا لعيهم نوحٌ- عليه السلام- بالإهلاك .\rويقال لم يدعُ عليهم ما دام للمطمع في إيمانهم مساغٌ ، فلما حََصَل العكسُ نطق بالتماس هلاكهم .","part":3,"page":322},{"id":1323,"text":"أي قُمْ - بشرط العبودية- بصنع السفينة بأمرنا ، وتحقق بشهودنا ، وأنَّك بمرأىً منا . ومَنْ عَلِمَ اطلاَعه عليه يلاحِظْ نَفْسَه ولا غيرَه ، لا سيما وقد تحقق بأنَّ المُجْرِي هو سبحانه .\rوقال له : راعِ حَدَّ الأدَبِ ، فما لم يكن لك إذْنٌ منا في الشفاعة لأحدٍ فلا تُخاطِبْنا فيهم .\rويقال سبق لهم الحكمُ بالغَرَقِ- وأمواج بحر التقدير تتلاطم- فكلُّ في بحار القدرة مُغْرَقُون إلا من أهَّلَه الحقُّ بِحُكْمِه فَحَمَلَه في سفينة العناية .\rويقال كان قومُ نوحٍ من الغَرْقَى في بحار القَطْرِة ، ومِنْ قبلُ كانوا غرقى في بحار القدرة .","part":3,"page":323},{"id":1324,"text":"لما تَحقَّق بما أمر اللَّهُ به لم يأْبَه عند إمضاءِ ما كُلِّفَ به بما سَمِعَ من القيل ، ونظر إلى الموعود بطَرْفِ التصديق فكان كالمُشاهِد له قبلَ الوجود .","part":3,"page":324},{"id":1325,"text":"لا طاعةَ لمخلوقٍ في مقاساة تقديره- سبحانه - إلا من تحمل عنه بفضله ما يحمله بحُكْمه .","part":3,"page":325},{"id":1326,"text":"قوله جلّ ذكره : { حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ } .\rطال انتظارُهم لِمَا كان يَتَوَعَّدُهم به نوحٌ عليه السلام على وجه الاستبعاد ، ولم يَزِدْهُم تطاولُ الأيامٍ إلا كفراً؛ وصَمَّمُوا على عقد تكذيبهم .\rثم لمَّا أتاهم الموعودُ إياهم بغتةً ، وظهر من الوضع الذي لم يُحِبُّوه فآرَ الماءُ من التنور المسجور ، وجادت السماءُ بالمطر المعبور .\r{ قُلْنَا احْمِل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَينِ } : استبقاءً للتناسل .\rويقال : قد يؤْتَى الحَذِرُ من مَأْمَنِه؛ فإن إبليسَ جاء إلى نوح- عليه السلام- .\rوقال : احْمِلني في السفينة فأَبَى نوحٌ عليه السلام ، فقال له إبليس : أَمَا عَلِمْتَ أَني من المُنْظَرين إلى يوم معلومٍ ، ولا مكانَ لي اليومَ إلا في سفينتك؟\rفأوحى الله إلى نوح أن يَحْمِلَه معه .\rويقال لم يكن لابن نوح معه مكان ، وأُمِرَ بِحَمْل إبليس وهو أصعب الأعداء! وفي هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجري على قياس الخَلْق؛ كأنه قيل له : يا نوح . . . ابنك لا تحمله ، وعدوك فَأدْخُلْه ، فالله سبحانه فعَّالٌ لما يريد .\rقوله جلّ ذكره : { إلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِيلٌ } .\r{ إلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ } بالشقاوة . وفيه تعريف بأن حُكْمَ الأَزَل لا يُرَدُّ ، والحقُّ -سبحانه- لا يُنَازَعُ ، والجبَّارُ لا يُخَاصَمُ ، وأن مَنْ أقصاه ربُّه لم يُدْنِه تنبيهٌ ولا بِرٌّ ولا وعظ .\r{ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قِلِيلٌ } ولكن بَارَكَ الحقُّ - سبحانه - في الذين نجَّاهم من نَسْلِه ، ولم يدخل خَللٌ في الكونِ بعد هلاكِ مَنْ أَهْلَك مِنْ قومه .","part":3,"page":326},{"id":1327,"text":"عَرَفَ أَنَّ نجاتَه من القَطْرةِ لمَّا تقَاطرَتْ ليست بالحِيَلِ- وإنْ تَنوّعَتْ وكَثُرَتْ ، فباسم اللّهِ سلامتُه ، وبتوكلِه على الله نجاتُه وراحتُه ، وبتفضله- سبحانه- صلاحُه وعافيته .","part":3,"page":327},{"id":1328,"text":"وكان في معزل بظاهره ، وكان في سرِّ تقديره أيضاً بمعزلٍ عما سبق لنوح وقومه ما سابق فضله . فحينما نطق بِلسانِ الشفقةِ وقال : { يَآبُنَيَ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ } - لم يقل له : ولا تكن من الكافرين؛ لأن حالته كانت مُلْتَبِسةُ على نوح إذ كان ابنُه ينافقه- فقيل له : يا نوح إنه مع الكافرين لأنه في سابق حُكْمِنا من الكافرين .","part":3,"page":328},{"id":1329,"text":"أَخْطأَ مِنْ وجهين : رأى الهلاكَ من الماءِ وكان مِنَ اللَّهِ ، ورأى النجاةَ والعِصمةَ من الجبل وهما من الله ، فقال له نوح : لا عاصِمَ اليومَ من أمرِ الله . قيل أراد لا معصومَ اليوم من الله . وقيل لا أحدَ يَعْصِم أحداً من أمر الله ، لكنْ مَنْ رَحِمَه ربُّه فهو معصومٌ من ذلك ، وله عاصمٌ وهو الله .\rولقد كان نوح- عليه السلام- مع ابنه في هذه المخاطبات فجاءت أمواجُ الماءِ وحالََتْ بينهما وصار من المُغْرَقِين ، فلا وعظُه ونُصْحُه نفعاه ، ولا قولُه وتذكيره نَجَّيَاه وخَلصَّاه .\rويقال احتمل أن لو قيل له نوح عرَّفْنَا العَالَم بدعائك ولا عليكَ إِنْ عَرَفَ .","part":3,"page":329},{"id":1330,"text":"فلما غَرِقَ ابنُ نوح سَكَنَ الموجُ ونضَبَ الماءُ وأقلعت السماء ، وكأنه كان المقصودُ من الطوفانِ أَنْ يغرِقَ ابن نوحٍ- عليه السلام- وقيل :\rعَجِبْتُ لِسَعْيِ الدهرُ بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سَكَنَ الدهرُ","part":3,"page":330},{"id":1331,"text":"خَاطَبَ الحقَّ- سبحانه- في باب ابنْهِ ، واستعطفَ في السؤال فقال :\rو { إِنَّ اْبنِي مِنْ أَهْلِي } : فقال له : إنَّه ليست مِنْ أهل الوصلة قِسْمَتُه- وإنْ كان من أَهْلِكَ نَسَباً ولْحُمَةً ، وإنَّ خطابَك في بابه عملٌ غيرُ صالح ، أو إنه أيضاً عَمِلَ غيرَ صالح .\r{ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } : أي سَتَرْتُ غيبي في حال أوليائي وأعدائي ، فلا يُعلَمُ سِرُّ تقديري .\rقوله : { إِنّي أَعِظُكَ } : وذلك لحُرمِة شيخوخته وكِبَرِه ، ولأنه لم يَسْتَجِبْ له في وَلَدِه ، فتَدارَكَ بِحُسْنِ الخطابِ قَلْبَه .\rوقل إن ابنَ نوح بَنَي من الزجاج بيتاً وقتَ اشتغال أبيه باتخاذ السفينة ، فلما ركب نوحٌ السفينةَ دَخَلَ ابنُه في البيت الذي اتخذه من الزجاج ، ثم إن الله تعالى سلَّطَ عليه البوْلَ حتى امتلأ بيْتُ الزجاج من بَوْلِه؛ فَغَرِق الكلُّ في ماء البحر ، وغرق ابنُ نوحٍ في بَوْلِه! ليُعلَمَ أنه لا مفرَّ مِنَ القَدَر .","part":3,"page":331},{"id":1332,"text":"نَسِيَ نوحٌ- عليه السلام- حديثَ ابنه في حديث نفسه ، فاستعاذ بفضله واستجار بلطِفه ، فوجد السلامةَ من ربِّه في قوله جل ذكره :","part":3,"page":332},{"id":1333,"text":"طَهَّرَ وجهَ الأرضِ من أعدائه ، وحفظ نوحاً عليه السلام من بلائه ، هو ومن معه من أصدقائه وأقربائه .\rوالأممُ التي أخبر أنه سَيُمَتِّعُهم ثم يَمَسُّهم العذابُ هم الذين ليسوا من أهل السعادة .","part":3,"page":333},{"id":1334,"text":"أعلمناكَ بهذه الجملة ، وأنبأناك بهذه القصص لما خصصناك من غير أن تتعلمَه من شخص ، أو من قراءةِ كتاب؛ فإِنْ قابَلَكَ قومك بالتكذيب فاصبِرْ ، فَعَنْ قريبٍ تنقلب هذه الأمور .","part":3,"page":334},{"id":1335,"text":"كَلَّفَ الأنبياء - عليهم السلام- بالذهاب إلى الخَلْق لا سيما وقد عاينوا- بالحق- مَنْ تَقَدَّمَهُم من فترة الملأ ، ولكنهم تَحَمَّلُوا ذلك حين أَمَرهُم الحقُّ بالتوجُّهِ إليهم فَرَضُوا ، وأظهروا الدلالةَ ، وأَدَّوْا الرسالةَ ، ولكن ما زاد الناسُ إلا نفرةً على نفرة .","part":3,"page":335},{"id":1336,"text":"لم يأتِ نبيٌّ من الأنبياء- عليهم السلام- إلاَّ وأَخْبَرَ أنه ليس له أنْ يطلبَ في الجملة أجْرَاً من اللّهِ لا من غير الله .","part":3,"page":336},{"id":1337,"text":"استغفروا ربكم ثم توبوا إليه بعد الاستغفار ، مِنْ توهمكم أن نجاتَكم باستغفاركم . بل تَحقَّقُوا بأنكم لا تجدون نجاتَكم إلا بفضلِ ربِّكم؛ فَبِفَضْلِه وبتوفيقه توصَّلْتُم إلى استغفاركم لا باستغفاركم ، وصلتم إلى نجاتكم ، وبرحمته أهَّلَكُم إلى استغفاركم ، وإلاَّ لَمَا وصلتم إلى توبتكم ولا إلى استغفاركم .\rوالاستغفار قَرْع باب الرزق ، فإذا رجع العبد إلى الله بحسن تضرعه ، فتح عليه أبوابَ رحمته ، وَيَّسرَ له أسبابَ نعمته .\rويقال يُنَزِّل على ظواهركم أمطارَ النِّعمة ، وعلى ضمائرِكم وسرائركم يُنَزِّل أنواعَ المِنَّة ، ويزيدكم قوة على قوة؛ قوة تحصلون بها توسعة أنواع الرِزْقِ ، وقوةً تحصلون بها تحسين أصناف الخُلُقِ .","part":3,"page":337},{"id":1338,"text":"ما زادهم هودُ عليه السلام بَسُطا في الآية وإيضاحاً في المعجزة إلا زادهم اللَّهِ تعالى عَمىً على عَمىً ، ولم يرزقْهم بصيرةً ولا هديً ، ولم يزيدوا في خطابِهم إلا بما دَلُّواعلى فَرِطِ جهالتهم ، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وأنتهابهم .","part":3,"page":338},{"id":1339,"text":"وكيف ظَنُّوا أنَّ آلهتَهم تَمسُّ أعداءَهم بسوءٍ وهي تضرُّ أعداءها ولا تنفع أولياءَها؟ فهؤلاء الغوايةُ عليهم مُسْتَوْلية . ثم إن هوداً عليه السلام أفْصَحَ عن فضل ربِّه عليه؛ وصَرَّحَ بإخلاصه وحُسْنِ يقينه فقال : { إنِىّ بَرِىءٌ مِّمّا تُشرِكُونَ } .","part":3,"page":339},{"id":1340,"text":"فلم يَحْتَحْ معهم إلى تضرع واستخذاء ، ولا راوَدُهم في سْلم واستمهال ، ولم يَتَّصْفْ في ذلك بركونٍ إلى حَوْله ومُنَّته ، ولم يستند إلى جٍِدِّه وقوَّته بل قال :","part":3,"page":340},{"id":1341,"text":"أخبر أنه بموعودِ الله له بنُصْرتِه واثق ، وأنه في خلوص طاعته لربّه وفي صفاء معرفته ( غيرُ مُفَارِقِ ) .","part":3,"page":341},{"id":1342,"text":"أوحينا إليه أنْ قُلْ لهم : نْ تَوَلَّوْا ولم تُؤمنوا بي فقد بَلَّغْتُ ما حُمِّلت من رسالتي ، وإني واثقٌ بأَنَّ الله إذا أهلككم يأتِ بأقوام آخرين سواكم أطْوعَ له منكم ، وإنْ أفناكم ما اختلَّ مُلْكُه؛ إذْ الحقُّ- سبحانه - بوجود الأغيار لا يلحقه زيْنٌ- وإنْ وَحَّدُوا ، وبفقدهم لا يَمُّسه شَيْنٌ- وإنْ جحدوا وألحدوا .","part":3,"page":342},{"id":1343,"text":"ولما جاء أمْرنا بإهلاكِهم نَجَّينَا هوداً والذين آمنوا برحمتنا ، ولم يَقْلْ باستحقاقه النجاةَ بوسيلةِ نُبُوته ، أو لجسامة طاعته ورسالته بل قال : { بِرَحْمَةٍ مِّنَّا } ، ليَعْلَمَ الكافةُ أنَّ الأنبياء- عليهم السلام- ومَنْ دونَهم عتيقُ رحمته ، وغريقُ مِنَّتِه ، لا لاستحقاقِ أحدٍ ولا لواجب على الله في شيء .","part":3,"page":343},{"id":1344,"text":"في إنزالِ قصصهم تسلية للرسول - A وآله - فيما كان يقاسي من العناء ، وللمؤمنين فيما بذلوا من حسن البلاء ، والعِدَةُ بتبديل- ما كانوا يلقَوْنه من الشِدِّة- بالرجاء .","part":3,"page":344},{"id":1345,"text":"أخبر أنهم خسروا الدنيا والآخرة ، أمَّا في هذه الدنيا فبالاستئصال بأليم الشدة وما تَبِعَه من اللَّعنة ، ثم ما يلقونه في الآخرة من تأبيد العقوبة . وبقاؤهم عن رحمة الله أصعبُ من صنوف كل تلك المحنة ، كما قيل :\rتَبَدَّلَتْ وتبدلنا واحسرتا ... لِمَنْ ابتغى عوضاً لِسَلْمى فَلَمْ يَجِد","part":3,"page":345},{"id":1346,"text":"عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود ، وثمودهم قوم لصالح ، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم ، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم . ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم- عليه السلام- بالتكذيب ، ولم يقفوا على ما نبَّههم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب .\rثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ- في التبليغ- على تقصير .\rوبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب ، ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام - ، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة . . . سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها ، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها .","part":3,"page":346},{"id":1347,"text":"أخبر أن الملائكة أتوا إبراهيمَ- عليه السلام- بالبشارة . وأخبر أن إبراهيمَ - عليه السلام- أنْكَرَهُم ، ولم يَعْرِفْ أنهم ملائكةٌ . فيُحتمل أنَّه- سبحانه- أراد أن تكونَ تلك البشارة فجأةً من غير تنبيهٍ لتكونَ أتَمَّ وأبلغَ في إيجاد السرور ، ولا سيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال : { فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } .\rويقال إن إبراهيم - عليه السلام - كان صاحبَ النبوة والخُلَّة والرسالة فلا بُدَّ أن تكون فراستُه أعلى من فراسة كلِّ أحدٍ ، ولكنه في هذه الحالة لم يَعْرِفْ الملائكةَ ليُعْلَمَ أنَّ الحقَّ - سبحانه وتعالى - إذا أراد إمضاءِ حُكْمِ يَسُدُّ على مَنْ أرادَ عيونَ الفراسة ، وإنْ كان صاحبُ الفراسة هو خليل الله ، كما سَدَّ الفراسة ، على نبيِّنا - A - في قصة الإفْكِ إلى الوقت الذي نزل فيه الوحيُ ، وكذلك التبس على لوطٍ- عليه السلام- إلى أن تبيَّن له الأمر .\rوتكلموا في هذه « البشرى » ما كانت؛ فقيل كانت البشارة بإسحاق؟ أنَّه سيولد له ولد ومن نَسْله وسُلالته؛ قال تعالى : { وَمِن وَرَآءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ } .\rويقال بسلامة قومه- حيث كانوا مُرْسَلين بإهلاك قوم لوط - عليه السلام .\rويقال بشارة بالخُلَّة وتمام الوصلة .\rويقال إن الخُلَّة والمحبة بناؤهما كتمان السِّرِّ؛ فَيَعْلَمَ أنهم أُرْسِلُوا بشارةٍ ما ولم يكن للغير اطلاع ، قال قائلهم :\rبين المحبين قولٌ لست أفهمه ... ويقال إن تلك البشارة هي قولهم : « سلاماً » وأن ذلك كان من الله ، وأيُّ بشارة أتمُّ من سلام الحبيب؟ وأيُّ صباح يكون مُفْتَتَاً بسلام الحبيب فصَبَاحٌ مباركٌ ، وكذلك المبيتُ بسلام الحبيب فهو مباركٌ .\rقوله : { فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [ هود : 69 ] : لمَّا توهمهم أضيافاً بحقَّ الضيافة ، فقدَّم خَيْرَ ما عنده مما شكره الحقُّ عليه حيث قال في موضع آخر : { فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } [ الذاريات : 26 ] . والمحبةُ توجِبُ استكثارَ القليلِ من الحبيبِ واستقلالَ ما مِنْك للحبيب ، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا نَزَلَ الضيفُ فالواجبُ المبادرةُ إلى تقديم السُّفرة مِمَّا حضر في الوقت .\rقوله : { فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إٍلَيْهِ نَكِرَهُمْ } [ هود : 70 ] تمامُ إحسانِ الضيف أن تتناولَ يَدُه ما يُقَدَّم إليه من الطعام ، والامتناعُ عن أكل ما يُقَدَّم إليه معدودٌ في جملة الجفاء في مذهب أهل الظَّرْف . والأكل في الدعوة واجبٌ على أحد الوجهين .\r{ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } : أي خاف أنه وقع له خَلَلٌ في حاله حيث امتنع الضِّيفانُ عن أكل طعامه؛ فأوجس الخيفةَ لهم لا منهم .\rوقيل إن الملائكة في ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهراً إلا لعقوبة؛ فلمَّا امتنعوا عن الأكل ، وعَلِمَ أنهم ملائكةٌ خَافَ أنْ يكونوا قد أُرْسِلُوا لعقوبة قومه .","part":3,"page":347},{"id":1348,"text":"كانت امرأتُه قائمةً بخدمة الأضياف ، فضحكت تعَجُّّباً من أن يكون لمثلها في هذه السن ولد .\rوقيل كان سرورها السلامة . ويحتمل أنه ضحكت تعجباً من امتناع الضيِّفان عن الأكل . أو تَعَجبَتْ من كوْن الملائكة في صورة البشر لَمَّا عَلِمَتْ أنهم ملائكة ويحتمل أنها ضحكت لاستبشارها بالوَلَد وقد بُشِّرَتْ باستحقاقه ومن ورائه يعقوب ، ثم أفصَحَتْ عما ينطوي عليه قلبُها من التعجب فقالت : { ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِى شَيْخاً إنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ } !\rفأحال الملائكة خَلْقَ الوَلَدِ على التقدير : { قَالُوا أَتَعْجِبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } ؟ فزال موضِعُ التعجب ، وقالوا : { رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } فبقي الدعاء في شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي : كما صَلَّيْتَ وباركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .\rوالبركة الزيادة؛ فقد اتصل النَّسْلُ من الخليل ، وبنو إسرائيل منهم - وهم خَلْقٌ كثير ، والعرب من أولاد إسماعيل - وهم الجَمُّ الغفير .","part":3,"page":348},{"id":1349,"text":"لما كانت مراجعته مع الله في أمر قوم لوطٍ بحقِّ الله لا لحظِّ نَفْسِه سَلِمَ له الجِدال ، وهذا يدلُّ على علوِّ شأنه حيث تجاوزَ عنه ذلك .","part":3,"page":349},{"id":1350,"text":"والإشارة فيه أنه كان يقَابِل ما وَرَدَ على ماله ونفْسِه وولده بالاحتمال ، ولمَّا كان حقُّ الحقِّ في حديثِ قوم لوط أخَذَ في الجِدالِ إلى أن أبَانَ له سلامةَ لوط- عليه السلام- .","part":3,"page":350},{"id":1351,"text":"يا إبراهيم أعْرِضْ عن هذا فإنَّ الحُكْمَ بعذابِهم قد نَزَل ، ووقتُ الانتقامِ منهم قد حصل .","part":3,"page":351},{"id":1352,"text":"أي أنه حزن بسبب خوفه عليهم أن يَجْريَ عليهم من قومه ما لا يجوز في دين الله؛ فذلك الحزنُ كان لحقِّ الله لا لنصيبٍ له أو حظَّ لنفسه ، ولذلك حُمِدَ عليه لأنَّ مقاساةَ الحزنِ لحقِّ الله محمودةٌ .","part":3,"page":352},{"id":1353,"text":"قوله { هَؤُلآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } : قيل إنه أراد به نساء أمته ، فنبيُّ كلِّ أمةٍ مثل الوالد لأولاده في الشفقة والنصيحة .\rويقال إنه أراد بناتِه منْ صُلْبِه .\r« أليس منكم رجل رشيد » يرتدي جلبابَ الحشمة ، ويؤثِر حقَّ الله على ما هو مقتضى البشرية ، ويرعى حق الضيافة ، ويترك معصية الله؟ .","part":3,"page":353},{"id":1354,"text":"أصرُّوا على عصيانهم ، وزهدوا في المأذون لهم شرعاً ، وانجرُّوا إلى ما قادهم إليه الهوى طبعاً ، وهذه صفة البهائم؛ لا يَرْدَعُها عقلٌ ، قال تعالى : { أُوْلَئِكَ كَاْلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [ الأعراف : 179 ] .","part":3,"page":354},{"id":1355,"text":"لو أن لي قوةً فأمنعكم عن ارتكابِ المعصية؛ فإنَّ أهمَّ الأشياء على الأولياء ألا يَجْرِيَ من العصاةِ ما ليس الله فيه لا رضاء .\rويقال : لو كان لي قدرةٌ لإيصال الرحمةِ إليكم- مع ارتكابكم المعاصي- لَرَحِمْتُكم وتجاوزتُ عنكم .\rويقال لو أنَّ لي قوةً لهَدَيْتُكم إلى الدِّين ، ولَعَصَمْتُكم عن ارتكاب المخالفات .","part":3,"page":355},{"id":1356,"text":"لمَّا ضَاقَ به الأمُر كَشَف اللَّهُ عنه الضُرَّ فَعَرَّفَ إليه الملائكةُ وقالوا : لا عليكَ فإنهم لا يصلون إليكَ بسوءٍ وإنَّا رُسُلُ ربك جئنا لإهلاكهم ، فاخرُجْ أنت وقومُك من بينهم ، واعلمْ أنَّ مَنْ شَارَكَهم في عملهم بنوعٍ فَلَهُ مِنْ العذابِ حِصَّة . ومن جملتهم امرأتك التي كانت تدل القوم على المَلَكِ لفعلة الفاحشة ، وإن العقوبة لاحقةٌ بها ، مُدْرِكَة لها .\rوالإشارة منه أن الجسارةَ على الزَّلّةِ وخيمةُ العاقبةِ- ولو بعد حين ، ولا ينفع المرءَ اتصالُه بالأنبياء والأولياءِ إذا كان في الحكم والقضاء من جملة الأشقياء .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } .\rما هو كائِنٌ فقريبٌ ، والبعيدُ ما لا يكون . وإنَّ مَنْ أقْدَمَ على محظورٍ ثم حُوسِبَ عليه- ولو بعد دهورٍ خالية وأعوام غير محصورة ماضية- تصور له الحال كأنه وقتُ مَبَاشَرَتِه لتلك الزَّلة .","part":3,"page":356},{"id":1357,"text":"سُنَّةُ الله في عباده قلبُ الأحوال عليهم ، والانقلابُ مِنْ سِمَاتِ الحدوث ، أمّا الذي لا يزول ولا يحول فهو الذي لم يزل ولا يزال بنعوته الصمدية .\rوإنَّ مَنْ عاش في السرور دهراً ثم تبدل يُسْرُه عُسْراً فَكَمَنْ لم يَرَ قطُّ خيراً ، والذي قاسَى طولَ عمره ثم أُعطِي يُسْراً فكمن لم يَرَ عُسْراً .\rقال تعالى : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 110 ] .","part":3,"page":357},{"id":1358,"text":"ذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم ، ثم أخبر أنَّ تلك العقوبةَ لاحقةٌ بمن سَلَكَ سبيلَهم تحذيراَ لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقَهم ، كما قيل :\rومَنْ يَرَني ولم يعتبر بَعْدِي ... فإنًّ لكلِّ معصيةٍ عقابا","part":3,"page":358},{"id":1359,"text":"أخبر سبحانه عن قصتهم ، وما أصابهم من العذاب الأليم ، وما نالهم من البلاء العظيم .\rوفي الظاهر لهم كانت أجرامُهم كاليسيرة ، ولعدم الفهم يعدون أمثالها صغيرة ، ولا يقولون إنها كبيرة ، وإن ذلك تطفيف في المكيال .\rوليس قَدْرُ الأَجرام لأعيانها ، ولكن لمخالفة الجبارِ عَظُمَ شأنُها ، قال تعالى : { وَتَحْسَبُونَهُ هِيِْناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } [ النور : 15 ] .","part":3,"page":359},{"id":1360,"text":"يعني القليل من الحلالِ أجدى من الكثير المُعْقِب للوَبالِ لم يقابلوا نصيحَته لهم إلا بالعِناد والتمادي فيما هو دائمٌ من الجحد والكنود .","part":3,"page":360},{"id":1361,"text":"استوطؤوا مركب الجهل ، واستحلبوا مشْربَ التقليد ، وأعْفُوا قلوبَهم من استعمال الفكرِ ، واستبصارِ طريقِ الرُّشدِ .","part":3,"page":361},{"id":1362,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً } .\rالبَيِّنَةُ نورٌ تَسْتَبْصٍرُ به ما خَفِيَ عليك تحت غطاء الغفلة .\rوالرزق الحسن ما به دوام الاستقلال ، وما ذلك إلا مقتضى عنايته الأزلية ، وحُسْنُ توليه لشأنك- في جميع ما فيه صلاحك- من إتمام النعمة ودوام العصمة .\rوقيل الرزق الحسنُ ما تعنَّي صاحبُه لِطَلبِه ، ولم يصبْه نَصَبٌ بسببه .\rوقيل الرزق الحَسَنُ ما يستوفيه بشهود الرزق ويحفظه عند التنعم بوجود الرَّزَّاق .\rويقال الرزق الحسن ما لا يُنْسِي الرزَّاق ، ويحمل صاحبَه على التوسعة والإنفاق .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } .\rيمكن للواعظ أو الناصح أنْ يساهِل المأمورَ في كل ما يأمره به ، ولكن يجب ألا يجيز له ما ينهاه عنه؛ فإنَّ الإتيانَ بجميع الطاعات غير مُمْكن ، ولكنَّ التجرُّد عن جميع المحرَّمات واجبٌ .\rويقال مَنْ لم يكنْ له حُكْمٌ على نفسه في المنع عن الهوى لم يكن له حُكْمٌ على غيره فيما يرشده إليه من الهدى .\rقوله جلّ ذكره : { إِنّ أُرِيدُ إلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اْسْتَطَعْتُ } .\rمَدَارُ الأمر إلى الأغراض المقضية حُسْنُ القصد بالإصلاح ، فيَقْرِنُ اللَّهُ به حسن التيسير ، ومَنْ انطوى على قصدٍ بالسوء وَكَلَ الحقُّ بشأنه التعويق .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ } .\rحقيقةُ التوفيق ما ينفق به الشيء ، وفي الشريعة التوفيق ما تنفق به الطاعة ، وهو قدرة الطاعة ، ثم كل ما تقرب العبد به من الطاعة من توفير الدواعي وفنون المَنْهيات يُعدُّ من جملة التوفيق- على التوسُّع .\rوالتوفيق بالله ومن اللهِ ، وهو - سبحانه - بإعطائه متفضِّلٌ .\rقوله جلّ ذكره : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ } .\rالتوكل تفويض الأمر إلى الله ، وأمارته تركُ التدبير بشهود التقدير ، والثقة بالموعود عند عدم الموجود . ويتبين ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسباب .\rويقال التوكلُ السكون ، والثقةُ بالمضمون .\rويقال التوكل سكون القلب بمضمون الرَّبّ .","part":3,"page":362},{"id":1363,"text":"تورثكم مُخالَفَتُكم إياي فيما أدعوكم إليه من طاعةِ اللَّهِ أَنْ يلحقكم من أليم العقوبة ما أصاب مَنْ تقدَّمكم من الذين سِرْتُم على منهاجهم ، وما عهدُكم ببعيد بمن تحققتم كيف حَلَّتْ بهم العقوبة ، وكيف أنهم ما زادتْهم كثرةُ النصحيةِ إلاَّ غُلُوَّا في ضلالتهم ، وعُتُوَّا في جهالتهم ، وكما قيل .\rوكمْ صُغْتُ في آثاركم من نصيحةٍ ... وقد يستفيد البغضةَ المُتَنَصِّحُ","part":3,"page":363},{"id":1364,"text":"الاستغفار هو التوبة .\rومعنى قوله { ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ } أي توبوا ثم لا تُنْقِصُوا توبتَكم؛ فهو أمرٌ باستدامة التوبة؛ فإذا لم يتصل وفاءُ المآلِ بصفاءِ الحال لم يحصل قَبُولٌ ، وكأن لم يكن لِمَا سَلَفَ حصولٌ .\r{ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } : يرحم العصاةَ ويودُّهم .\rويقال يرحمهم ولذلك يودونه؛ فالودود يكون بمعنى المودود كَحلُوب بمعنى محلوب . والرحمة تكون للعاصي لأنَّ المطيعَ بوصف استحقاقه للثواب على طاعاته ، ثم ليس كلُّ من يُحِبُّ السلطانَ في محلّ الأكابر ، فالأصاغِرُ من الجُنْدِ قد يحبون المَلِكَ ، وأنشدوا :\rألا رُبَّ مَنْ يدنو ويزعم أنه ... يودُّك ، والنّائي أودُّ وأقربُ","part":3,"page":364},{"id":1365,"text":"لاحظوا شعيباً بعين الاستصغار فَحُرِمُوا فَهْمَ معاني الخطاب ، وأقَرُّوا على أنفسِهم بالجهل ، وأحالوا إعفاءًهم إياه من الأذى على حشمتهم من رهطه وعشيرته ، فعاتَبهُم عليه :","part":3,"page":365},{"id":1366,"text":"أترون مِنْ حقّ رهطي ما لا تَرَوْنَ من حقّ ربي؛ وإنَّ ربي يُكافئكم على أعمالكم بما تستوجبون في جميع أحوالكم .","part":3,"page":366},{"id":1367,"text":"أرخى لهم ستر الإمهال فلمَّأ أصَرُّوا على تماديهم في الغواية حلَّت بهم العقوبة ، وصاروا وكأن لم يكن بينهم نافخ نارٍ ، ولا في ديارٍ الظالمين ديَّار ، قال تعالى : { فَاْعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ } [ الحشر : 2 ] .","part":3,"page":367},{"id":1368,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ } .\rكَرَّر قصة موسى عليه السلام تفخيماً لشأنه ، وتعظيماً لأمره ، وتنبيهاً على علوِّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها ، ومعجزاته الباهرة ، وبراهينه القاهرة .\rويقال أصعبُ عدوِّ قَهَرَهُ أولا نَفْسُه ، وقد دَله - سبحانه- على ذلك لمَّا قال : إلهي! كيف أطلبك؟\rفقال : عند المنكسرةِ قلوبهُم من أجلي .\rفَنَبَّهَه إلى استصغارِه لنفسه ، وانكساره لله بقلبه ، فزادت صولتُه لما صار معصوماً عن شهود فضل لنفسه؛ والسلطانُ الذي خصَّه به استولى على قلوبِ مَن رآه ، كما قال : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنّي } [ طه : 39 ] فما رآه احدٌ إلا أحَبَّه ، ثم إنه لم يأخذه في الله ضعفٌ ، مثلما لَطَمَ وجهَ فرعون - وهو رضيع - كما في القصة ، ولَطَمَ وجهَ مَلَكِ الموت لمّا طالبه بقبض روحه . . . . كما في الخبر ، « وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة ، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية ، وقتل القبطيَّ لما استعان به مَنْ وافقه في العقيدة ، وقال الله { إِنْ هِىَ إلاَّ فِتْنَتُكَ } [ الأعراف : 155 ] لمَّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة . . . ففي جميع هذا تَجَاوَزَ اللّهُ عنه لمَا أعطاه من السلطان والقوة .\rقوله جلّ ذكره : { فَاتَّبِعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ الْنَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ } .\rرضوا بمتابعة فرعون ، فاستحقوا ما استحقه . لم بشعروا بخطئِهم ، وكانوا يحسبون أنهم يُحْسَنون صُنْعاً . وإذا ما أوردهم النارَ فهو إمامُهم ، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعُهم وبكاؤُهم ولا ينقطع عذابُهم وعناؤهم ، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم - وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بمعبوده ، وأسرف في مجاوزة حدوده .","part":3,"page":368},{"id":1369,"text":"بَعُدُوا في عاجلهم من الإيمان ، وفي آجلهم من الغفران والجِنان والذي لهم في الحال من الفُرقة أعظمُ - في التحقيق - من الذي لهم في المآلِ من الحُرقَة ، وهذه صفةُ مَنْ امتحنه اللَّهُ باللعنة .","part":3,"page":369},{"id":1370,"text":"لمن يكن في جملة مَنْ قصَّ عليه مِنَ الأنبياء عليهم السلام مَنْ أكثر منه\rتبجيلا ، ولا فيمن ذكره من الأمم أعظم من أمته تفضيلاً ، فكما تَقَدَّم على الأنبياء\rعليهم السلام تقدَّمَتْ أمتُه على الأمم ، قال تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [ آل عمران : 11 ] .","part":3,"page":370},{"id":1371,"text":"لا يجوز الظلمُ في وصفه؛ فَتَصرُّفُه في مُلْكه بحقِّ إلهيته - مطلقٌ؛ يحكم بحسب إرادته ومشيئته ، ولا يتوجه حقٌّ عليه ، فكيف يجوز الظلمُ في وصفه؟\rويقال هذا الخطاب لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر ، ولكن في صفته لا يجوز العذر إذ الخلقُ خلقُه ، والمُلْكُ مُلْكُه ، والحُكْمُ حُكْمُه .","part":3,"page":371},{"id":1372,"text":"إنَّ الحقَّ - سبحانه - يمهل ولكن لا يهمل ، ويحكم ولكن لا يعجّل ، وهو لا يُسأل عمَّا يفعل .\rوقيل إذا أخذ النفوسَ بالتوفيق فلا سبيل للخذلان إليها ، وإذا أخذ القلوبَ بالتحقيق فلا طريق للحرمان عليها . قال تعالى : { إنَّ بَطْشَ ربِّكَ لَشَدِيدٌ } [ البروج : 12 ] .","part":3,"page":372},{"id":1373,"text":"مشهودٌ يشهدِه مَنْ حُشِرَ من جميع الخلائق في ذلك اليوم .\rويقال الأيام ثلاثة : يومٌ مفقود وهو أمسِ ليس بيدك منه شيء ، ويومٌ مقصود وهو غدٌ لا تدري أتدركه أم لا ، ويومٌ مشهودٌ وهو اليوم الذي أنت فيه؛ فالمفقودُ لا يرجع ، والمقصود ربما لا تبلغ ، والمشهود وقتك وهو مُعَرَّضٌ للزوال . . . فاستغله فيما ينفع .","part":3,"page":373},{"id":1374,"text":"الأَجَلُ لا يَتَقَدَّم ولا يتأخر لكل ( . . . . . . . ) ، والآجالُ على ما عَلِمها الحقُّ - سبحانه - وأرادها جاريةٌ؛ فلا طلبٌ يُقَدَّمُ أو يؤخر وقتاً إذا جاء أجلُه ، وكذلك للوصول وقت ، فلا طلب مع رجاء الوصول ، ولا طلب مع خوف الزوال ، ولقد قيل :\rعيبُ السلامةِ أنَّ صاحبَها ... متوقِّعٌ لقواصم الظَّهرِ\rوفضيلةُ البلوى ترقبُ أهلِها ... عَقِبَ البلاء - مَسَرَّةَ الدهر","part":3,"page":374},{"id":1375,"text":"الشقيُّ من قُسِم له الحرمانُ في حاله ، والسعيد مَنْ رُزِق الإيمان في مآله .\rويقال الشقاء على قسمين : قومٌ شقاؤهم غير مؤيد ، وقومٌ شقاؤهم على التأييد وكذلك القول في السعادة . الشقيُّ مَنْ هو في أَسْرِ التدبير ونسيان جريان التقدير ، واسعيد مَنْ رَجِعَ من ظلماتِ التدبير ، وحصل على وصف شهود التقدير .\rويقال الشقيُّ من كان في رق العبودية ظانَّا أَنَّ منه طاعاته ، السعيد مَنْ تحرر عن رقِّ البشرية وعَلِمَ أن الحادثاتِ كلها لله سبحانه .\rوأمَّا الأشقياء - على التأبيد- فهم أهل الخلود في مقتضى الوعيد ، والسعداء- على التأبيد - من قال الله تعالى في صفتهم : { لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَأ مَزِيدٌ } [ ق : 35 ] .","part":3,"page":375},{"id":1376,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } .\r{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } أن يزيد على مُدَّةِ السموات والأرضِ .\r{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } أن ينقلهم إلى نوعٍ آخر من العذاب غير الزفير والشهيق .\r{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } ألا تلحقهم تلك العقوبة قبل أَنْ يُدْخِلَهم النار؛ فلا استثناء لبعض أوقاتهِم من العقوبة لا قَبْلَ إدخالهم فيها ولا بعده .\r{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } من إخراج أهل التوحيد من النار فيكون شقاؤهم غير مؤبَّد .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } .\rفيه إشارة إلى أن الذي يحصل بمشيئته لا باستحقاق عمل .","part":3,"page":376},{"id":1377,"text":"لهم اليوم جناب القُربة ، ولهم غداً جناب المثوبة . والكفار اليوم في عقوبة الفرقة ، وغداً في عقوبة الحرقة .\r{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } فلا استثناء لبعض أوقات أهل الجنة من أول أمرهم قبل دخولهم الجنة أو بعده . أو يحتمل أنه يزيد على مدة السموات والأرض .\rوفي قوله { عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } - أي عطاءً غير مقطوع - دليلٌ على أن تلك النعم غير مقطوعة ولا ممنوعة .","part":3,"page":377},{"id":1378,"text":"لا يريد أنَّه عليه السلام في شَكٍ ، ولكنه أراد به تحقيق كونهم مُضَاهين لآبائهم ، كما تقول : لا شكَّ أنَّ هذا نهارٌ .\rويقال الخطابُ له والمرادُ به لأُمَّتِه .\r{ وَإنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ } : تجازيهم على الخبر بخير وعلى الشر بضُر .","part":3,"page":378},{"id":1379,"text":"اختلفوا في الكتاب الذي أوتي ، وهو التوراة .\rواختلفوا في كونه رسولاً ، فمِنْ مُصَدِّقٍ ومِنْ مْكذِّب .\rثم أخبر أنه - سبحانه - حَكَمَ بتأخير العقوبة ، ولولا حكمته لعجَّل لهم العقوبة .\rوفائدةُ الآية من هذا التعريفِ التخفيفِ على المصطفى - A - فيما كان يلقاه من قومه من التكذيب ، ففي سماع قصة الأشكال - وبعضُهم من بعض- سلوة ، ولقد قيل :\rأجارتَنا إنَّا غريبان ها هنا ... وكلُّ غريبٍ للغريب نسيب","part":3,"page":379},{"id":1380,"text":"أعاد ذكر الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب ، وكرَّر ذلك في القرآن في كثير من المواضع إبلاغاً في التحذير ، وتنبيهاً على طريق الاعتبار بحسن التفكير .\rثم إن الجزاءً على الأعمال معجَّلٌ ومؤجَّل ، وكلُّ مَنْ أعرض عن الغفلة وجَنَحَ إلى وصف التيقظ وَجَدَ في معاملاته - عاجلاً - الربحَ لا الخُسران ، وآجلاً الزيادةَ لا النقصان ، وما يجده المرءُ في نفسه أتمُّ مما يدركه بعلمه بشواهد برهانه .","part":3,"page":380},{"id":1381,"text":"يحتمل أن تكون السين في الاستقامة سين الطلب؛ أي سَلْ من الله الإقامة لَكَ على الحقّ .\rويحتمل أن تكون الإقامة في الأمر بمعنى أقام عليه .\rوحقيقة الاستقامة على الطاعة المداومة على القيام بحقِّها من غير إخلالٍ بها ، فلا يكون في سلوك نهج الوِفاقِ انحرافٌ عنه .\rويقال المستقيمُ مَنْ لا ينصرف عن طريقه ، يواصل سيره بمسراه ، وورعه بتقواه ويتابع في ترك هواه .\rويقال استقامة النفوس في نفي الزَّلَّة ، واستقامة القلوب في نفي الغفلة ، واستقامة الأرواح بنفي العلاقة ، واستقامة الأسرار بنفي الملاحظة .\rاستقامة العابدين ألا يدخروا نفوسَهم عن العبادة وألا يُخِلُّوا بأدائها ، ويقضون عسيرَها ويسيرَها . واستقامة الزاهدين ألا يرجوا من دنياهم قليلها ولا كثيرها . واستقامة التائبين ألا يُلِمُّوا بعقوة زلة فَيَدَعْونَ صغيرَها وكبيرَها . . . وعلى هذا النحو استقامة كلِّ أحدٍ . قوله { وَمَن تَابَ مَعَكَ } : أي فَلْيَستَقِمْ أيضاً مَنْ معك .","part":3,"page":381},{"id":1382,"text":"لا تعملوا أعمالَهم ، ولا ترضوا بأعمالِهم ، ولا تمدحوهم على أعمالهم ، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف لهم ، ولا تأخذوا شيئاً من حرام أموالهم ، ولا تساكنوهم بقلوبكم ، ولا تخالطوهم ، ولا تعاشروهم . . . كل هذا يحتمله الأمرُ ، ويدخل تحت الخطاب .","part":3,"page":382},{"id":1383,"text":"أي اسْتَغْرِقْ جميعَ الأوقاتِ بالعبادات ، فإنَّ إخلالَكِ لحظةً من الزمان بِفَرَضٍ تؤديه ، أو نَفْلِ تأتيه حَسْرَةٌ عظيمةٌ وخُسرَانٌ مبينٌ .\rقوله { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ الْسَّيِئَاتِ } الحسنات ما يجود بها الحق ، والسيئات ما يذنبها العبد ، فإذا دخلت حسناتُه على قبائح العبد مَحَتْها وأَبْطَلَتْها .\rويقال حسناتُ القُربة تَذْهَبُ بسيئات الزَّلَّة .\rويقال حسناتُ الندم تَذْهَبُ بسيئات الجُرْم .\rويقال ( انسكاب ) العَبْرَةَ تُذْهِبَ سيئاتِ العَثْرَة .\rويقال حسنات الاستغفار تُذْهِبُ سيئات العصيان .\rويقال حسنات الاستغفار تُذْهِبُ سئيات الإصرار .\rويقال حسناتُ العناية تذهب سيئات الجناية .\rويقال حسنات العفو عن الإخوان تذْهِبُ الحقدَ عليهم .\rويقال حسنات الكَرَمَ تُذْهِب سيئات الخَدَم .\rويقال حسنُ الظنِّ يُذْهَبُ سوأتهم بكم .\rويقال حسنات الفضل من الله تُذْهِبُ سيئاتِ حسبان الطاعة من أنفسكم .\rويقال حسناتُ الصدق تَذْهَبُ بسيئات الإعجاب .\rويقال حسناتُ الإخلاص تَذْهَبُ بسيئات الرياء .","part":3,"page":383},{"id":1384,"text":"الصبر تجرُّع كاساتِ التقدير من غر تعبيس .\rويقال الصبرُ حَسْنُ الإقبال على معانقة الأمر ومفارقة الزجر .\r{ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } المحسنُ : العاملُ الذي يعلم أَنَّ الأجرَ على الصبر والطاعة بفضله - سبحانه - لا باستحقاق عملٍ .","part":3,"page":384},{"id":1385,"text":"معناه لم يكن فيكم مِنْ هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل .\rوقيل معناه لم يكن فيمن قبلكم من الأمم مَنْ يَنْهى عن الفساد ، ويحفظ الدِّين ، ويطيعون أنبياءَهم - إلا قليل .","part":3,"page":385},{"id":1386,"text":"اي لم يُهلِكْ اللَّهُ أحداً مصلحاً وإنما هلك مَنْ كان ظالماً .\rويقال معناه : لو أهلك الله أهلَ القرى وهم مصلحون لم يكن ذلك ظلماً من الله؛ لأن المُلكَ مُلكُه ، والخلْقَ عبيدُه .\rويقال : « المصلح » من قام بحقِّ ربِّه دون طلب حظِّه .\rويقال : « المصلح » من آثر نجاته على هلاكه .\rويقال مصلحٌ تُصلِحُ نَفْسَه طاعتُه ، ومصلحٌ تصْلِحٌ قلبَه معرفةُ سَيِّدِه . ومصلح تُصْلِحُ سِرَّه مشاهدةُ سيِّدِه .","part":3,"page":386},{"id":1387,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } .\rلو شاء لَجَعلهم أربابَ الوفاق ثم لا يوجبون لمُلْكِه زَينْاً ، ولو شاء لجعلهم أرباب الخلافِ ثم لا يوجِبُون لمُلْكِه شَيْنا .\rثم قال : { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } لأنه كذلك أراد بهم .\r{ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 119 ] في سباق حكمه فعصمهم عن الخلاف في حاصل أمورهم ، وأقامهم به ، ونصبهم له ، وأثبتهم في الوفاق والمحبة والتوحيد .\rقوله جلّ ذكره : { وتمت كملةُ ربك لأملأن جهنم من الجِنَّةِ والناسِ أجمعين } .\rأي لا تبديل لقوله ، ولا تحويل لحُكْمه .","part":3,"page":387},{"id":1388,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } .\rسكَّنَ قلبه بما قصَّ عليه من أنباء المرسلين ، وعرَّفه أنه لم يُرَقِّ أحداً إلى المحلِّ الذي رقّاه إليه ، ولم يُنْعِمْ على أحد بمثل ما أنعم عليه .\rويقال قَصَّ عليه قِصَصَ الجميع ، ولم يذكر قصَته لأحد تعريفاً له وتخصيصاً . ويقال لم يكن ثباتُ قلبه بما قصَّ عليه ولكن لاستقلال قلبه بِمَنْ كان يقص عليه ، وفَرْقٌ بين من يقعل بما يسمع وبين مَنْ يَستقل بِمَنْ منه يسمع ، وأنشدوا :\rوَحَدَّثَتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزْدْتَنِي ... حَنِيناً فَزِدْنِي مِنْ حديثِكَ يا سعدُ","part":3,"page":388},{"id":1389,"text":"إن الذين يجحدون التوحيد ، ويؤثِرون على الحقِّ غيرَ الحق ، ولم يُصَدِّقوا الوعيد ، يوشِكُ أَنْ يَنْصَبّ عليهم الانتقامُ فيغرقون في بحار العقوبة ، ويسقطون في وهاد الهوان ، فلا لويلهم انتهاءٌ ، ولا لِذُلِّهم انقضاءٌ .","part":3,"page":389},{"id":1390,"text":"عمَّى عن قلوبهم العواقبَ ، وأخفى دونهم السوابق ، وألزمهم القيامَ بما كَلَّفهم في الحال ، فقال : { فَاعْبُدْهُ } فإنْ تقسَّمَ القلبُ وتَرَجَّمَ الظَنُّ وخيف سوءُ العاقبة . . فتوكَّلْ عليه أي اسْتَدْفِعْ البلاَءَ عنك بِحُسْنِ الظَّنِّ ، وجميل الأمل ، ودوام الرجاء .\r{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } : أحاط بكل شيءٍ عِلْماً ، وأمضى في كل أمرٍ حُكْماً .","part":3,"page":390},{"id":1391,"text":"التخاطُب بالحروف المتفرقة غير المنظومة سُنَّةُ الأحباب في سَتْر المحابِّ؛ فالقرآنُ - وإنْ كان المقصودُ منه الإيضاحَ والبيانَ - ففيه تلويح وتصريح ، ومُفَصَّلٌ ومُجْمَلٌ ، قال قائلهم :\rأبكي إلى الشرق إنْ كانت منازْلُكم ... مما يلي الغربَ خوفَ القيل والقالِ\rويقال وقفت فهُومُ الخَلْق عن الوقوف على أسراره فيما خاطب به حبيبه - A - ، فهم تعبدوا به وآمنوا به على الجملة أفرد الحبيبَ بفهمه ، فهو سِرُّ الحبيب عليه السلام بحيث لا يطلع عليه الرقيب ، يقول قائلهم :\rبين المحيين سِرُّ ليس يُفْشيه ... قولٌ ، ولا قلم للخْلق يحكيه\rوفي إنزال هذه الحروف المقطعة إشارة : وهي أنَّ منْ كان بالعقل والصحو استنبط من اللفظ اليسير كثيراً من المعاني ، ومن كان بالغيبة والمحو يسمع الكثير فلا يفهم منه اليسير؛ ذاك لكمال عقله وهذا لتمام وَصْلِه؛ فأنزل اللَّهُ هذه الحروف التي لا سبيلَ إلى الوقوف على معانيها ، ليكون للأحباب فُرْجَةٌ حينما لا يقفون على معانيها بِعَدَم السبيل إليها فلا تتوجه عليهم مُطَالَبةٌ بالفهم ، وكان ذلك لائقاً بأحوالهم إذا كانوا مستغرِقين في عين الجَمْع ، ولذا قيل : استراح من العقل له .\rوقوله تعالى : { تِلْكَ } يحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا خَبَرُ الوعد الذي وعدناك .\rوقيل هذا تعريفنا : إليك بالتخصيص ، وأفرادُنا لك بالتقريب- قد حقَّقْناه لكَ؛ فهذه الحروف بيانٌ للإنجاز ولتحقيق الموعود .\rوالإشارة من { الْكِتَابِ الْمُبِينِ } ها هنا إلى حُكْمِه السابق له بأَنْ يُرَقِّيَه إلى الرتبة التي لا يبلغها غيرُه ، وقد قال تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } [ القصص : 46 ] أي حين كلَّمنا موسى عليه السلام ، وأخبرناه بعلوِّ قَدْرِك ، ولم تكن حاضراً ، وأخبرناه بأننا نُبَلِّغُك هذا المقامَ الذي أنت فيه الآن . وكذلك كلُّ مَنْ أوحينا إليه ذَكَرْنَا له قِصَتَكَ ، وشَرَحْنَا له خِلقَتك ، فالآنَ وقتُ تحقيق ما أخبرنا به ، وفي معناه أنشدوا :\rسُقْياً لمعهدِكَ الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا\rقال الله تعالى : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الْزَّبُورِ مِن بَعْدِ الْذِّكْرِ } [ الأنبياء : 105 ] يعني بعد التوراة { أَنَّ اَلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبادِىَ الْصَّالِحُونَ } يعني أمة محمد .","part":3,"page":391},{"id":1392,"text":"في إنزال الكتاب عليه ، وإرسالِ الرسول إليه - تحقيقٌ لأحكام المحبة ، وتأكيدٌ لأسباب الوصلة؛ فإنَّ مَنْ عَدِمَ حقيقة الوصول استأنس بالرسول ، وَمنْ بَقِيَ عن شهود الأحباب تَسَلّى بوجود الكتاب ، قال قائلهم :\rوكتُبكَ حَوْلي لا تُفارقُ مضجعي ... ففيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ","part":3,"page":392},{"id":1393,"text":"قوله جلّ ذكره : { نَحْنُ نَقُّصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ } .\r{ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } : لخلوِّه عن الأمر والنهي الذي سماعه يوجب اشتغال القلب بما هو يعرِّض لوقوع التقصير .\r{ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } : ففيه ذكر الأحباب .\r{ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } : لأن فيه عفوَ يوسف عن جناياتِ إخوته .\r{ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } : لما فيه من ذِكْرِ تَرْكِ يوسف لامرأة العزيز وإعراضه عنها عندما راودته عن نفسه .\r{ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } : بالإضافة إلى ما سألوه أن يقص عليهم من أحوال الناس .\r{ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } : لأنه غير مخلوق .\rويقال لمَّا أخبره الله - سبحانه - أن هذه القصةَ أحسنُ القصص وجد رسولُ الله - A - لنفسه مزايا وزوائد لتخصيصه؛ فَعَلِمَ أن الله تعالى لم يُرَقِّ أحداً إلى مثل ما رقاه .\rقوله جلّ ذكره : { وَإن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ } .\rأي الذاهبين عن فهم هذه القصة . أي ما كنتَ إلا من جملة الغافلين عنها قبل أن أوحينا إليك بها ، إي إنك لم تَصِلْ إلى معرفتها بكدَّك وجهدك ، ولا بطلبك وجِدِّك . . بل هذه مواهبُ لا مكاسب؛ فبعطائِنا وَجَدْتَها لا بعنائك ، وبِتَفَضُّلِنَا لا بتعلُّمِكَ ، وبِتَلَطُّفِنا لا بتكلٌّفِك ، وبنا لا بك .","part":3,"page":393},{"id":1394,"text":"لما ذكر يوسف - عليه السلام - رؤياه لأبيه عَلِمَ يعقوبُ- عليه السلام- صِدْقَ تعبيرها ، ولذلك كان دائم التذكُّر ليوسف مدةَ غيبته ، وحين تطاولتْ كان يَذْكُرُه حتى قالوا : { تَاْللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ } [ يوسف : 85 ] فقال : { إِنِى أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ يوسف : 96 ] فهو كان على ثقةٍ من صِدْقِ رؤياه .\rفإنْ قيل : فإذا كان الصبيُّ لا حُكْم لِفْعلِه فكيف يكون حكم لرؤياه؟ وما الفرق؟ فيقال : إن الفعل بتَعَمُّدٍ يحصل فيكون مُعْرَّضاً لتقصير فاعله ، أمَّا الرؤيا فلا تكون بتعمد منه فتنسب إلى نقصان .\rويقال إنَّ حقَّ السِّرِّ ولو كان على مَنْ هو قريب منك؛ فإن يوسف لما أظهر سِرَّ رؤياه على أبيه اتصل به البلاءُ .","part":3,"page":394},{"id":1395,"text":"إذا جاء القضاءُ لا ينفع الوعظ والحذر؛ فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ما نصح يعقوب ليوسف عليهما السلام ، ولكن لمَّا سبق التقديرُ في أمر يوسف - عليه السلام - حصل ما حصل .\rويقال إن يوسف خَالَفَ وصية أبيه في إظهارِ رؤياه إذ لو لم يُظْهِرْها لما كادوا له ، فلا جَرَم بسبب مخالفته لأبيه - وإن كان صبياً صغيراً - لم يَعْرَ مِنَ البلايا .\rويقال لما رأى يوسف في منامه ما كان تأويلُه سجودَ الأخوة له رأى ما تعبيره : وسجود أبيه وخالته حيث قال تعالى : { وَالْشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } ؛ فدخل الإخوة الحَسَدَ أما الأب فلم يدخله إلا بنفسه لِفَرْطِ شفقة الأبوة .\rويقال صَدَقَ تعبيره في الإخوة فسجدوا له حيث قال : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَاً } [ يوسف : 100 ] ولم يسجد الأبُ ولا خالته حيث قال : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ } [ يوسف : 100 ] فإن يوسفَ صانَهما عن ذلك مراعاةً لحشمة الأبوة .","part":3,"page":395},{"id":1396,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } .\rأي كما أمرك بهذه الرؤيا التي أَرَاكَها يجتبيك ويُحْسِنُ إليك بتحقيق هذه الرؤيا ، وكما أكرمك بوعد النعمة أكرمك بتحقيقها .\rويقال الاجتباء ما ليس للمخلوق فيه أثر ، فما يحصل للعبد من الخيرات - لا بتكلفه ولا بتعمده - فهو قضية الاجتباء .\rويقال من الاجتباء المذكور أَنْ عَصَمَه عن ارتكاب ما راودته امرأة العزيز عن نفسه .\rويقال من قضية الاجتباء إسباله الستر على فعل إخوته حيث قال : { وَقَدْ أْحْسَنَ بِى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ الْسِّجْنِ } [ يوسف : 100 ] ، ولم يذكر خلاصَه من البئر ومن قضية الاجتباء توفيفه لسرعة العفو عن إخوته حيث قال : { لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } [ يوسف : 92 ] .\rقوله جلّ ذكره : { وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } .\rأي لتعرفَ قَدْرَ كلَّ احد ، وتقفَ على مقدار كلِّ قائلٍ بما تسمع من حديثه . . لا مِنْ قوله بل لِحدَّةِ كياستك وفَرْطِ فراستك .\rقوله جلّ ذكره : { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أتَمَّهَا عَلَى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحَق إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rمِنْ إتمامِ النعمة توفيقُ الشكر على النعمة ، ومن إتمام النعمة صَوْنُها عن السَّلبِ والتغيير ، ومن إتمام النعمة التَّحرز منها حتى تَسْهُلَ عليكَ السماحةُ بها .","part":3,"page":396},{"id":1397,"text":"يعني لكلِّ ذي مِحنة حتى يعلم كيف يصبر ، ولكلَّ ذي نعمة حتى يعلم كيف يشكر .\rويقال في قصتهم كيفية العفو عن الزَلَّة ، وكيفية الخَجْلَةِ لأهل الجفاءِ عند اللقاء .\rويقال في قصتهم دلالاتُ لطفِ الله سبحانه بأوليائه بالعصمة ، وآياتٌ على أنَّ المحبة ( . . . . ) من المحنة .\rويقال فيها آياتٌ على أَنَّ من صَدَقَ في رجائه يُخْتَصُّ- يوماً - ببلائه .","part":3,"page":397},{"id":1398,"text":"عُرِّفُوا على ما سَتَرُوه من الحَسَدِ ، ولم يحتالوا في إخراج ذلك من قلوبهم بالوقيعة في أبيهم حتى قالوا : { إنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .\rويقال لما اعترضوا بقلوبهم على أبيهم في تقديم يوسف في المحبة عاقبهم بأن أمهلهم حتى بسطوا في أبيهم لسانَ الوقيعة فوصفوه بلفظ الضلال ، وإن كان المرادُ منه الذهابَ في حديث يوسف عليه السلام ، ولمَّا حسدوا يوسف على تقديم أبيهم له لم يَرْضَ - سبحانه - حتى أَقَامَهم بين يدي يوسف عليه السلام ، وخرُّوا له سُجَّداً ليْعلَموا أَنَّ الحسودَ لا يسود .\rويقال أطولُ الناسِ حُزْنا مَنْ لاَقى الناسَ عن مرارةٍ ، وأراد تأخيرَ مَنْ قَدَّمه اللَّهُ أو تقديمَ مَنْ أَخَّرَه اللَّهُ؛ فإخوةُ يوسف - عليه السلام - أرادوا أن يجعلوه في أسفل الجُبِّ فرفعه الله فوقَ السرير!","part":3,"page":398},{"id":1399,"text":"قوله جلّ ذكره : { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } .\rأي يخْلُصْ لكم إقبالُ أبيكم عليكم ، وقديماً قيل : مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فَاتَه الكلُّ؛ فلمَّا أرادوا أن يكون إقبالُ يعقوب- عليه السلام - بالكليَّةِ - عليهم قال تعالى : { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ } [ الأعراف : 93 ] .\rويقال كان قَصْدُهم ألا يكونَ يوسف عليه السلام أمامَ عينه فقالوا : إمَّا القتلُ وإمَّا النَّفيُ ، ولا بأسَ بما يكونُ بعد ألا يكونَ يوسف عليه السلام .\rقوله جلّ ذكره : { وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } .\rعَجَّلوا بالحرام ، وَعلَّقُوا التوبةَ بالتسويف والعزم ، فلم يمحُ ما أَجَّلُوا من التوبة ما عجَّلوا من الحَوْبة .\rويقال لم تَطِبْ نفوسُهم بأن يذهبوا عن بابِ اللَّهِ بالكليَّة فدبَّروا لُحسْنِ الرجوع قبل ارتكاب ما دعته إليه نُفُوسُهم ، وهذه صفة أهل العرفان بالله .","part":3,"page":399},{"id":1400,"text":"إخوةُ يوسف - وإنْ قابلوه بالجقاء - مَنَعَتْهُم شفقةُ النَّسَبِ وحُرْمةُ القرابةِ من الإقدام على قتله؛ فقالوا لا تقتلوه وغَيِّبُوا شَخْصَه .\rويقال إنما حَمَلَهم على إلقائه مرادُهم أن يخلوَ لهم وجهُ أبيهم ، فلمَّا أرادوا حصولَ مرادهم في تغييبه لم يبالغوا في تعذيبه .\rويقال لمَّا كان المعلومً له - سبحانه - في أمر يوسف تتليغَه إياه تلك القربة ألقى الله في قلبِ قائلهم حتى قال : { لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ } .\rثم إنه - وإن أبلاه في الحال - سَهَّلَ عليه ذلك في جَنْبِ ما رقَّاه إليه في المآل ، قال قائلهم :\rكم مرةٍ حَفَّت بِكَ المكارِه ... خَارَ لَكَ اللَّهُ - وأنت كاره","part":3,"page":400},{"id":1401,"text":"كلامُ الحسودِ لا يُسْمَع ، ووعدُه لا يُقْبل - وإنْ كانا في مَعْرِضِ النُّصحِ؛ فإِنَّهُ يُطْعِمُ الشَهْدَ ويَسْقِي الصَّابَ .\rويقال العَجَبُ من قبول يعقوب - عليه السلام - ما أبدى بنوه له من حفظ يوسف عليه السلام وقد تفرَّسَ فيهم قلبه فقال ليوسف : { فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدْاً } [ يوسف : 5 ] ويكن إذا جاء القضاءُ فالبصيرةُ تصير مسدودةً .\rويقال من قِبَلَ على محبوبه حديثَ أعدائه لَقِيَ ما لَقِي يعقوبُ في يوسف - عليهما السلامُ - من بلائه .","part":3,"page":401},{"id":1402,"text":"يقال أطمعوا يعقوبَ عليه السلام في تمكينهم من يوسف بما فيه راحةُ نَفْسٍ في اللعب ، فطابَتْ نَفْسُ يعقوب لإذهابهم إياه من بين يديه - وإنْ كان يشَقُّ عليه فراقُه ، ولكنَّ المحبَّ يؤثِرُ راحةَ محبوبه على محبةِ نَفْسِه .\rويقال ما رَكَنَ إلى قولهم : { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } - أي مِنْ قِبَلهِمِ - حتى قالوا : { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } [ يوسف : 17 ] ؛ فَمَنْ أسَلم حبيبَه إلى أعدائه غُصَّ بتحسِّي بلائه .","part":3,"page":402},{"id":1403,"text":"يَحْزُنني أن تذهبوا به لأني لا أصْبِر عن رؤيته ، ولا أطيق على فُرقتِه . . . هذا إذا كان الحالُ سلامته . . . فكيف ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب؟!\rويقال : لما خاف عليه من الذئب امتُحِنَ بحديث الذئب ، ففي الخبر ما معناه : « إنما يُسََلِطُ على ابن آدم ما يخافه » وكان في حقه أن يقول أخافُ الله لا الذئب ، وإنْ كانت مَحَالُّ الأنبياء - عليهم السلام - محروسةً من الاعتراض عليها .\rويقال لمَّا جرى على لسان يعقوب - عليه السلام - من حديث الذئب صار كالتلقين لهم ، ولو لم يسمعوه ما اهْتَدَوْا إلى الذئب .","part":3,"page":403},{"id":1404,"text":"لَحقَ إخوة يوسف عليه السلام ما وصفوا به أنفسهم من الخسران حيث قالوا :\r{ إِنَّآ إِذاً لَّخَاسِرُونَ } : لأنَّ مَنْ باع أخاً مثل يوسف بمثل ذلك الثمن حقيقٌ بأن يقال قد خسرت صفقتُه .\rويقال لمَّا عدُّوا القوة في أنفسهم حين قالوا : { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } خُذِلُوا حتى فعلوا .\rويقال لمَّا رَكَنَ يعقوبُ - عليه السلام - إلى قولهم : { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } لَقِيَ ما لَقِيَ .","part":3,"page":404},{"id":1405,"text":"الجوابُ فيه مُقَدَّر؛ ومعناه فلما ذهبوا بيوسف وعزموا على أن يلقوه في البئر فعلوا ما عزموا عليه . أو فلمَّا ذهبوا به وألقوه في غيابة الجُبِّ أوحينا إليه؛ فتكون الواو صلة . والإشارة فيه أنه لمَّ حَلَّتْ به البلوى عجَّلنا له التعريفَ بما ذكرنا من البُشرَى؛ ليكون محمولاً بالتعريف فيما هو محتمِّلٌ له من البلاء العنيف .\rويقال حين انقطعت على يوسف عليه السلام مراعاةٌ أبيه حَصَلَ له الوحيُ مَنْ قِبَل مولاه ، وكذا سُنَّتُه تعالى أنه لا يفتح على نفوس أوليائه باباً من البلاءِ إلا فَتَحَ على قلوبهم أبوابَ الصفاء ، وفنون لطائف الولاء .","part":3,"page":405},{"id":1406,"text":"قوله جلّ ذكره : { وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ } .\rتمكينُ الكذَّاب من البكاء سِمَةُ خذلان الله تعالى إياه ، وفي الخبر : « إذا كَمُلَ نفاقُ المرء مَلَكَ عَيْنَه حتى يبكي ما شاء » .\rويقال : لا يَبْعُدُ أَنْ يقال إنهم وإنْ جَنَوْا على يوسف عليه السلام فقد ندموا على ما فعلوا ، فَعَلاَهُمْ البكاءُ لنَدمهم - وإن لم يُظْهروا لأبيهم - وتَقَوَّلُوا على الذِّئبِ .\rقوله جلّ ذكره : { وجآءوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } .\rلم يُؤثِّرْ تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب - عليه السلام - لكذبهم بل أخبره قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال :\r{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرَاً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } .\rفَعلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل . . . وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين عواقبُ الأمور على وجه الإجمال ، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف .\rويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أُغفلوا عن تمزيق قميصه حتى عَلم يعقوب تَقَوُّلَهم فيما وصفوا .","part":3,"page":406},{"id":1407,"text":"ليس كلُّ من طلب شيئاً يُعطى مرادَه فقط بل ربما يُعْطَى فوق مأموله؛ كالسيارة كانوا يقنعون بوجود الماء فوجدوا يوسفَ عليه السلام .\rويقال ليس كل مَنْ وَجَدَ شيئاً كان كما وجده السيارة؛ توهموا أنهم وجدوا عبداً مملوكاً وكان يوسف - في الحقيقة - حُرَّاً .\rويقال لمَّا أراد اللَّهُ تعالى خلاصَ يوسف - عليه السلام - من الجُبِّ أزعج خواطر السِّيارة في قصد السفر ، وأعدمهم الماءَ حتى احتاجوا إلى الاستقاء لِيَصِلَ يوسف عليه السلام إلى الخلاص ، ولهذا قيل : ألا رّبَّ تشويشٍ يقع في العَالَم ، والمقصودُ منه سكونُ واحدٍ . كما قيل : رُبَّ ساع له قاعد .","part":3,"page":407},{"id":1408,"text":"لم يعرفوا خسرانهم في الحال ولكنهم وقفوا عليه في المآل .\rويقال قد يُبَاعُ مثل يوسف عليه السلام بثمن بخس ، ولكن إذا وقعت الحاجةُ إليه فعند ذلك يعلم ما يلحق من الغَبْن .\rويقال : لم يحتشموا من يوسف - عليه السلام - يوم باعوه ثمنٍ بَخْسٍ ، ولكن لمَّا قال لهم : أنا يوسف وقع عليهم الخجل ، ولهذا قيل : كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء .\rويقال لمَّا خَرُّوا له سُجَّداً علموا أنَّ ذلك جزاءُ مَنْ باع أخاه بثمنٍ بخسٍ .\rويقال لمَّا وصل الناسُ إلى رفق يوسف عاشوا في نعمته ، واحتاجوا إلى أن يقفوا بين يديه في مقام الذُّلِّ قائلين { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } [ يوسف : 88 ] ، وفي معناه أنشدوا :\rستسمع بي وتذكرني ... وتطلبني فلا تجدِ\rويقال ليس العَجَبُ ممن يبيع مثلَ يوسف - عليه السلام - بثمنٍ نَجْسٍ إنما العَجَبُ ممن ( . . . . ) مثل يوسف - عليه السلام - بثمن بخس ، لا سيَّما { وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ } الخرق لا غاية له ، وكذا العجب لا نباته له .\rويقال ليس العجب ممن يبيع يوسف- عليه السلام - بثمنٍ بخسٍ ، إنما العجب ممن يبيع وقته الذي أعزُّ من الكبريت الأحمر بعَرَضٍ حقيرٍ من أعراض الدنيا .\rويقال إنَّ السيارة لم يعرفوا قيمته فزهدوا في شرائه بدراهم ، والذين وقفوا على جماله وشيءٍ من أحواله غالوا - بمصر- في ثمنه حتى اشتروه بزنته دراهم ودنانير مراتٍ كما في القصة ، وفي معناه أنشدوا :\rإنْ كنتُ عندكَ يا مولاي مُطَّرَحاً ... فعند غيرِك محمولٌ على الحَدَقِ","part":3,"page":408},{"id":1409,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالَ الَّذِى اشْتَراهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } .\rلمَّا نودي على يوسف في مصر بالبيع لم يَرْضَ الحقُّ - سبحانه - حتى أصابتهم الضرورةُ ومَسَّتْهُمْ الفاقة حتى باعوا من يوسف - عليه السلام - جميعَ أملاكهم ، ثم باعوا كلُّهم منه أنْفُسَهم - كما في القصة - وفي آخر أمرهم طلبوا الطعام ، فصاروا بأجمعهم عبيدَه ، ثم إنه عليه السلام لما مَلَكَهم مَنَّ عليهم فأعتقهم؛ فَلَئنْ مَرَّ عليه بمصرَ يومٌ نودي فيه عليه بالبيع؛ فقد أصبح بمصر يوماً آخر وقد ملَكَ جميعَ أملاكهم ، ومَلَكَ رقابَ جميعهم؛ فيومٌ بيومٍ ، قال تعالى : { فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً } [ الشرح : 5 ] يومان شَتَّان بينهما!\rثم إنه أعتقهم جميعاً . . . وكذا الكريمُ إذا قدر غفر .\rقوله جل ذكره : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } .\rأراد مَنْ حَسَدَه أَلا تكونَ له فضيلةٌ على إخوته وذويه ، وأراد اللهُ أن يكونَ له مُلْكُ الأرضِ ، وكان ما أراد اللهُ لا ما أراد أعداؤه .\rقوله جلّ ذكره : { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } .\rأرادوا أن يكونَ يوسفُ عليه السلام في الجُبِّ ، وأراد اللَّهُ - سبحانه - أن يكون يوسف على سرير المُلْكِ؛ فكان ما أراد الله ، والله غالبٌ على أمره . وأرادوا أن يكون يوسفُ عبداً لمن ابتاعوه من السيارة ، وأراد اللهُ أن يكونَ عزيزَ مصر- وكان ما أراد اللَّهُ .\rويقال العِبْرَةُ لا ترى من الحقِّ في الحال ، وإنما الاعتبارُ بما يظهر في سِرِّ تقديره في المآل .","part":3,"page":409},{"id":1410,"text":"من جملة الحُكمْ الذي آتاه اللَّهُ نفوذُ حُكْمِه على نَفْسِه حتى غَلَبَ شهوته ، وامتنع عما رَاوَدَتْه تلك المرأةُ عن نَفْسِه؛ ومن لا حكم له على نفسه فلا حكْمَ له على غيره .\rويقال إنما قال : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي حين استوى شبابُه واكتملت قُوْته ، وكان وقت استيلاء الشهوة ، وتوفر دواعي مطالبات البشرية آتاه الله الحِكْمَ الذي حبسه على الحقِّ وصَرَفَه عن الباطل ، وعَلِمَ أنَّ ما يعقب اتباع اللذاتِ من هواجم النَّدم أشدُّ مقاساةً من كلفة الصبر في حال الامتناع عن دواعي الشهوة . . . فآثَرَ مَشَقَّةَ الامتناع على لَذَّةِ الاتباع . وذلك الذي أشار إليه الحقُّ - سبحانه - من جميل الجزاء الذي اعطاه هو إمدادُه بالتوفيق حتى استقام في التقوى والورع على سَوَاءِ الطريق ، قالَ تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [ العنكبوت : 69 ] أي الذين جاهدوا بسلوك طريق المعاملة لنهدينهم سُبَلَ الصبرِ على الاستقامة حتى تتبين لهم حقائقُ المواصلة .","part":3,"page":410},{"id":1411,"text":"لما غَلَّقَتْ عليه أبوابَ المسكنِ فَتَحَ الله عليه باب العصمة ، فلم يُضِرْه ما أُغْلِقَ بعد إكرامه بما فُتِحَ .\rوفي التفسير أنه حفظ حُرْمةَ الرجل الذي اشتراه ، وهو العزيز .\rوفي الحقيقة أشار بقوله : { إِنَّهُ رَبِى } إلى ربِّه الحقِّ تعالى : هو مولاي الحق تعالى ، وهو الذي خلَّصني من الجُبِّ ، وهو الذي جعل في قلب العزيز لي محلاً كبيراً فأكرم مثواي فلا ينبغي أَنْ أُقْدِمَ على عصيانه - سبحانه - وقد غمرني بجميل إحسانه .\rويقال إن يوسف عليه السلام قال لها : إن العزيز أمرني أَنْ أنفعَه . { عَسَى أَن يَنفَعَنَا } فلا أَخُونُه في حُرْمَتِه بظهر الغيب .\rويقال لمَّا حفظ حُرْمة المخلوقِ بظهر الغيب أكرمه الحقُّ سبحانه بالإمداد بالعصمة في الحال ومَكَّنَه من مواصلتها في المآل على وجه الحَلاَل .","part":3,"page":411},{"id":1412,"text":"ما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه- بغير اختياره ولا بِكَسْبِه- كان مرفوعاً لأنه لا يدخل تحت التكليف ، فلم يكن « الهمُّ » منه ولا منها زَلَّةً ، وإنما الزًّلَّةُ من المرأة كانت من حيث عَزَمَتْ على ما هَمَّتْ ، فأمّا نفسُ الهمّ فليس مما يَكْسِبُه العبد .\rويقال اشتركا في الهمِّ وأُفْرِد- يوسف عليه السلام- بإشهاده البرهان .\rوفي تعيين ذلك البرهان- ما الذي كان؟ - تكلُّفٌ غيرُ محمودٍ إذا لا سبيل إليه إلا بالخَبَرِ المقطوع به .\rوفي الجملة كان البرهانُ تعريفاً من الحقِّ إياه بآية من آيات صُنْعِه ، قال تعالى : { سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى الأَفَاقِ وفِى أَنفُسِهِم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ } [ فصلت : 53 ] .\rوقوله : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ } صَرَفَ عنه السُّوءَ حتى لم يوجَد منه العزمُ على ذلك الفعل - وإنْ كان منه همٌ - إلا أن ذلك لم يكن جُرْماً كما ذكرنا .\rوالصَّرْفُ عن الطريق بعد حصول الهمِّ - كشفٌ ، والسوءُ المصروفُ عنه هو العزمُ على الزنا والفحشاء أو نفْسُ الزنا ، وقد صرفها الله تعالى عنه .\rقوله : { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ } : لم تكن نجاتُه في خلاصه ، ولكن في صرفِ السوء عنه واستخلاصه .","part":3,"page":412},{"id":1413,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ } .\rاستبقا ، هذا ليَهْرَبَ ، وهذه للفعلة التي كانت تطلب .\rولم يضر يوسفَ - عليه السلام - أَنْ قَدَّتْ قميصه وهو لِبَاسُ دنياه بعد ما صحَّ عليه قميصُ تقواه .\rويقال لم تَقْصِدْ قَدَّ القميصِ وإنما تَعَلَّقَتْ به لتَحْبِسَه على نفسها ، وكان قصدُها بقاءَ يوسف - عليه السلام - معها ، ولكن صار فعلُها وَبالاً على نَفْسِها ، فكان بلاؤها من حيث طَلَبَتْ راحتهَا وشفاءَها .\rويقال تولَّد انخراقُ القميصِ من قبضها عليه وكان في ذلك افتضاح أمرها؛ لأن قَبْضَها على قميصه كان مزجوراً عنه . . ليُعْلَمَ أنَّ الفاسِدَ شَجُّه فاسدٌ .\rويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم في الحالِ أنها تقدُّ قميصه من ورائه أو من قُدَّامِه . . كذلك صاحبُ البلاءِ في الهوى مسلوبُ التمييز .\rويقال لمّا لم تَصِلْ ولم تتمكن من مرادها من يوسف خَرَقَتْ قميصَه ليكونَ لها في إلقائها الذَّنْبَ على يوسف - عليه السلام - حُجَّةٌ ، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمرَ حتى صار ذلك عليها حجة ، وليوسف دلالة صدق ، قال تعالى : { وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيىءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] .\rقوله تعالى : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ } : لمَّا فَتَحَا البابَ وجدا سيدها لدى الباب ، والإشارة فيه إلى أن ربك بالمرصاد؛ إذا خَرَجَ العبدُ عن الذي هو عليه من التكليف في الحال وقع في ضِيق السؤال .\rويقال قال : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا } ولم يقل سيدهما لأن يوسف في الحقيقة كان حراً ولم يكن العزيزُ له سيداً .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rشَغَلَتْهُ بإغرائها إياه بيوسف عن نَفْسِها بأن سَبَقَتْ إلى هذا الكلام .\rويقال لقنته حديث السجن أو العذاب الأليم لئلا يقصد قتلَه؛ ففي عين ما سَعَتْ به نظرت له وأَبْقتْ عليه .\rويقال قالت ما جزاء من فعل هذا إلا السجن فإن لم ترضَ بذلك ، وستزيد؛ فالعذاب الأليم يعني الضّرب المُبَرِّح . . كأنما ذكرت حديث العقوبة بالتدريج .\rويقال أوقعت السجن الذي يبقى مؤجَّلاً في مقابلة الضرب الأليم المعجل ليُعْلَم أَنّ السجنَ الطويل- وإنْ لم يكن فيه في الظاهر ألم - فهو في مقابلة الضرب الشديد الموجِع؛ لأنه - وإنْ اشتدّ فلا يقابله .\rويقال قالت : { مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً } فذِكْرُ الأهل ها هنا غايةُ تهييج الحميّة وتذكيرُ بالأَنَفَةِ .","part":3,"page":413},{"id":1414,"text":"أفصح يوسف عليه السلام بِجُرْمِها إذ ليس للفاسق حُرْمَة يجب حِفْظُهُا ، فلم يُبَالِ أَنْ هَتَك سترها فقال : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } فلمَّا كان يوسفُ صادقاً في قوله؛ ولم يكن له شاهدٌ أنطق اللَّهُ الصبيَ الصغير الذي لم يبلغ أوانَ النطق . ولهذا قيل إذا كان العبد صادقاً في نفسه لم يبالِ اللَّهُ أن يُنْطِقَ الحجرَ لأجله .\rقوله : { فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ . . . . } لما اتضح الأمرُ واستبان الحالُ وظهرت براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز : { إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ } : دلَّت الآية على أَنَّ الزنا كان مُحرَّماً في شرعهم .","part":3,"page":414},{"id":1415,"text":"لم يُردْ أن يهتك ستر امرأته فقال ليوسف : أَعرِضْ عن هذا الحديث ، ثم قال لها : { وَاسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ } : دلَّ على أنه لم يكن في شرعهم على الزنا حدٌّ- وإن كان مُحَرَّماً - حيث عَدَّه ذنباً .\rويقال ليس كلُّ أحد أهلاً للبلاء؛ لأن البلاء من صفة أرباب الولاء ، فأمَّا الأجانب فَيُتَجَاوَزُ عنهم ويُخْلَى سبيلُهم - لا لكرامةِ مَحَلِّهم - ولكن لحقارة قدرهم ، فهذا يوسف عليه السلام كان بريءَ السَّاحةِ ، وظهرت للكلِّ سلامةُ جانبه وابُتِليَ بالسجن . وامرأة العزيز في سوء فِعْلها حيث قال : { إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ } ، وقال لها : { وَاسَتَغْفِرِى لِذَنبِكَ } . . . ثم لم تنزل بها شظيةٌ من البلاء .","part":3,"page":415},{"id":1416,"text":"إنَّ الهوى لا ينكتم ، ولا تكون المحبة إلا وأبيح لها لسان عذول ، فلما تحققت محبتها ليوسف بسطت النِّسوةُ فيها لسانَ الملامة .\rولما كانت أحسن منهن قيمةً- فقد كُنَّ من جملة خَدَمِها - كانت أسرعَ إلى الملامة .","part":3,"page":416},{"id":1417,"text":"أرادتْ أن يغلب عليهن استحقاقُ الملامة ، وتَنْفِيَ عن نفسها أن تكون لها أهلاً ، ففعلت بهن ما عَمِلَتْ ، فلمَّا رأينه تَغَيَّرْنَ وتحيَّرْنَ ونطقن بخلاف التمييز ، فقلن : { مَا هَذَا بَشَرَاً } : وقد كان بشراً ، وقلن : { إنْ هَذَا إلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ } : ولم يكن مَلَكاً .\rقوله : { فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } : أثَّرَتْ رويتُهن له فيهن فَقَطَّعْنَ أيديَهن بدل الثمار ، ولم يشعرن ، وضعفن بذلك عندها فقالت : ألم أقل لكن؟ أنتن لم تتمالكن حتى قطّعْتنَّ أيديَكُنَّ! فكيف أصبر وهو في منزلي؟! وفي معناه أنشدوا :\r( أنت عند الخصام عدوي . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . )\rويقال إن امرأة العزيز كانت أَتَم في حديث يوسف - عليه السلام - من النسوة فَأَثَّرَتْ رؤيتُه فيهن ولم تُؤَثِّرْ فيها ، والتَّغَيُّرُ صفة أهل الابتداء في الأمر ، فإذا دام المعنى زال التغيُّر؛ قال أبو بكر الصديق - Bه - لمن رآه يبكي وهو قريب العهد في الإسلام : هكذا كُنَّا حتى قَسَتْ القلوبَ . أي وقَرَتْ وصَلُبَتْ . وكذا الحريق أول ما يطرح فيها الماء يُسْمَعُ له صوتٌ فإذا تَعَوَّدَ شُرْبَ الماء سَكَنَ فلا يُسْمعُ له صوت .","part":3,"page":417},{"id":1418,"text":"الاختبار مقرونٌ بالاختيار؛ ولو تمنَّى العافية بدل ما كان يُدْعى إليه لعلَّه كان يُعَافَى ، ولكنه لما قال : { الِسّجْنُ أَحَبُّ إلَّى مِمَّا يَدْعُونَنِى إلَيْهِ } طُولِبَ بِصِدْق ما قال .\rويقال إن يوسف عليه السلام نَطَقَ من عين التوحيد حيث قال : { وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } فقد عَلمَ أن نجاته في أن يَصْرِفَ - سبحانه - البلاَءَ عنه لا بتكلُّفِه ولا بتَجنبِه .\rويقال لمَّا آثر يوسفُ - عليه السلام - لحوقَ المشقة في اللَّهِ على لِّّذة نفسه آثره عَصْرُه حتى قيل له : { تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا } [ يوسف : 91 ] .","part":3,"page":418},{"id":1419,"text":"لمَّا رجع إلى الله بصدق الاستغاثة تداركه الله سبحانه بوشيكِ الإغاثة . . . كذلك ما اغبرَّ لأحدٍ - في الله تعالى - قَدَمٌ إلاَّ روَّحه بِكَرَمِه وتولاَّه بِنِعَمِه- إنه هو { السَّمِيعُ } لأقوال السائلين ، { العَلِيمُ } بأحوالهم .","part":3,"page":419},{"id":1420,"text":"لمَّا سجَنَ يوسفَ- عليه السلام - مع ظهور براءة ساحته اتقاءً على امرأته أن يُهتَكَ سترُها حوَّل اللَّهُ مُلْكه إليه ، ثم في آخر الأمر حَكَمَ اللَّهُ بأن صارت امرأتَه بعد مقاساتها الضُّر . . . وهذا جزاء مَنْ صَبَرَ .\rويقال لمَّا ظُلِمَ يوسفُ عليه السلام بما نُسِبَ إليه أنطق الله تلك المرأة حتى قالت في آخر أمرها بما كان فيه هنك سترها ، فقالت : { الآن حَصْحصَ الحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُهُ عَن نَفْسِهِ } [ يوسف : 51 ] .","part":3,"page":420},{"id":1421,"text":"لصحبة السجن أثرٌ يظهر ولو بعد حين؛ فإنَّ يوسف عليه السلام لمَّا قال لصاحبه اذكرني عند ربك فأنساه الشيطانُ ذكر ربِّه فبقي يوسف في السجن زماناً ، ثم إن خلاصه كان على لسانه حيث قال : فأَرْسِلوا إلى يوسف وقيل له : { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ أَفِتْنَا } الآية [ يوسف : 46 ] فالصحبة تُعْطى بَرَكاتِها وإن كانت تُبْطِي .\rقوله : { إنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ } : الشهادة بالإحسان ذريعةٌ ، بها يَتَوسُّلُ إلى استجلاب إحسانه .","part":3,"page":421},{"id":1422,"text":"التَّثَبُّتُ في الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم ، كيوسف عليه السلام وعدهما أن يجيبهَما ولم يُسْرعْ الإجابةَ في الوقت .\rويقال لمَّا أَخَّرَ الإجابة عَلَّقَ قلوبهمَا بالوعد؛ وإذا لم يكن نَقْدٌ فليكن وَعْدٌ .\rويقال لمَّا فاتحوه بسؤالهم قدَّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد فقال : { ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ . . . } .","part":3,"page":422},{"id":1423,"text":"ولما فرغَ من تفسير التوحيد ، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال :\r{ ياصاحبي السجن أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلك الدين القيم ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } .\rهكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكتَ حين أخذ في شرح التوحيد وذكر المعبود ، وفي الخبر : « مَنْ أحبَّ شيئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِه » .","part":3,"page":423},{"id":1424,"text":"اشتركا في السؤال واشتركا في الحكم وفي دخول السجن ، ولكن تباينا في المآلِ؛ واحدٌ صُلبَ ، وواحِدٌ قُرِّبَ ووُهِبَ . . . وكذا قضايا التوحيد واختيار الحق؛ فَمِنْ مرفوعٍ : فوق السَّماكِ مَطْلَعُه ، ومن مدفونٍ : تحت التراب مضجعُه .","part":3,"page":424},{"id":1425,"text":"يتبيَّن أنَّ تعبير الرؤيا- وإنْ كان حقاً- فهو بطريق غَلبَةِ الظَّنّ دون القطع .\rثم إنه عاتب يوسفَ عليه السلام لأنه نَسِيَ في حديثه مَنْ يستعين به حين قال : { ادْكُرْنىِ عِندَ رَبِّكَ } .\rويقال إنه طَلَبَ من بَشَرٍ عِوَضاً على ما عَلَّمَه ، وفي بعض الكتب المنزلة : يا ابن آدم ، عَلِّمْ مجانا كما عَلِّمْتَ مجاناً .\rولما استعان بالمخلوقِ طال مُكْثُه في السجن ، كذلك يجازي الحقُّ- سبحانه- مَنْ يُعَلِّقُ قلبَه بمخلوق .","part":3,"page":425},{"id":1426,"text":"كان ابتداءُ بلاءِ يوسف - عليه السلام- بسبب رؤيا رآها فَنَشَرَها وأظهرها ، وكان سببُ نجاتِه أيضاً رؤيا رآها المِلكُ فأظهرها ، ليُعْلَم أَنَّ اللَّهَ يفعل ما يريد؛ فكما جعل بَلاءَه في إظهار رؤيا جعل نجاته في إظهار رؤيا؛ لِيَعْلَم الكافةُ إن الأمر بيد الله يفعل ما يشاء .","part":3,"page":426},{"id":1427,"text":"حال الرؤيا لا يختلف بالخطأ في التعبير؛ فإنَّ القوم حكموا بأن رؤياه أضغاثُ أحلام فلم يُضِرْه ذلك ، ولم يؤثِّرْ في صحة تأويلها .\rقوله : { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } : مَنْ طلَبَ الشيءَ مِنْ غيرِ موضِعه لم يَنَلْ مطلوبه ، ولم يَسْعَد بمقصوده .","part":3,"page":427},{"id":1428,"text":"لمَّا كان المعلوم لله والمحكومُ أن يوسفَ عليه السلام يكون في ذلك الوقت هو مَنْ يُعَبِّر الرؤيا قَبَضَ القلوبَ حتى خَفِيَ عليها تعبيرُ تلك الرؤيا ، ولم يحصل للمَلِكِ ثَلَجُ الصَّدْرِ إلا بتعبير يوسف ، ليُعْلَم أنَّ اللَّهَ - سبحانه - إذا أراد أمراً سَهلَّ أسبابَه .\rويقال : إن الله تعالى أفْرَد يوسف عليه السلام من بين أشكاله بشيئين : بحُسْن الخِلْقة وبزيادة العلم؛ فكان جمالُه سببَ بلائه ، وصار علمُه سببَ نجاته ، لتُعْلَمَ مزيَّةُ العلمِ على غيره ، لهذا قيل : العلم يُعْطِي وإن كان يُبْطِي .\rويقال إذا كان العلم بالرؤيا يوجب الدنيا فالعلمُ بالمولى أَوْلَى أن يوجِبَ العقبى ، قال تعالى : { وَإذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكَاً كَبِيرَاً } [ الإنسان : 20 ] .","part":3,"page":428},{"id":1429,"text":"لم يقدِّم الدعاءَ إلى الله تعالى على تعبير هذه الرؤيا كما فعل في المرة الأولى ، لأن هذا السائل هو الذي دعاه في المرة الأولى . فإمَّا أنه قد قَبِلَ في المرة الثانية ، وإمَّا أنه لم يقبل فَيَئِسَ منه فأهمله .\rوصاحبُ الرؤيا الثانية كانت المَلِكَ وكان غائباً ، والوعظ والدعاء لا يكونا إلا في المشاهدة دون المغايبة .\rويقال يحتمل أن يكون قد تفرَّس في الفَتَيان قبولَ التوحيد فإنَّ الشباب ألينُ قلباً ، أمَّا في هذا الموضع فقد كان المَلِكُ أصلبَ قلباَ وأفظَّ جانِباً؛ فلذلك لم يَدْعُه إلى التوحيد لِمَا تفرَّسَ فيه من الغِلظة .","part":3,"page":429},{"id":1430,"text":"أراد عليه السلام ألا يلاحظه المِلكُ بعين الخيانة فيُسْقِطَه عيبُه من قلبه؛ فلا يؤثِّر فيه قوله ، فلذلك توقَّفَ حتى يَظْهَرَ أمرُه للمَلِكِ وتنكشفَ براءةُ ساحته .","part":3,"page":430},{"id":1431,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٌٍ } .\rالحقائق لا تنكتِم أصلاً ولا بُدَّ من أن تَبينَ . . . ولو بعد حين .\rنَسِبَ يوسفُ إلى ما كان منه بَريئاً ، وأُنِّبَ على ذلك مدةً ، وكان أمرهُ في ذلك خَفِيَّا . ثم إن الله تعالى دَفَعَ عنه التهمة ورفع عنه المّظَنّة ، وأنطق عِذّالَه ، وأظهر حالَه ، عما فرق به سرباله؛ فَقُلْنَ : { حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ } .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَتِ امرأة العزيز الآن حَصْحَصَ الحق أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } .\rلمّا كانت امرأةُ العزيز غيرَ تامّةٍ في محبة يوسف تركَتْ ذنبَهَا عليه وقالت لزوجها : { مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ولم يكن ليوسف عليه السلام ذنب . ثمَّ لمّا تناهَتُ في محبته أقَرَّت بالذنبِ على نفسها فقالت : { الآَنَ حَصْحصَ الْحَقُّ . . . . } فالتناهي في الحبِّ يوجب هتكَ الستر ، وقلة المبالاة بظهور الأمر والسِّر ، وقيل :\rلِيُقلْ مَنْ شاءَ ما ... شاء فإني لا أُبالي","part":3,"page":431},{"id":1432,"text":"إنما أراد اللَّهُ أن يُظْهِرَ براءةَ ساحةِ يوسف ، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح ، ولم يُرِدْ يوسف أن يصيبَهم بسببه - من قِبلِ اللَّهِ - عذابٌ شَفَقَةً منه عليهم ، وهذه صفة الأولياء : أن يكونوا خَصْمَ أَنفسِهم ، ولهذا قيل : الصوفي دمه هَدرٌ ومِلْكُه مُبَاحُ .","part":3,"page":432},{"id":1433,"text":"لمَّا تمدَّح بقوله : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّىِ لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } كأنه نودي في سِرِّه : ولا حين همَمْتَ؟ فقال : : { وًمَآ أُبْرِّىءُ نَفْسِى } .\rويقال : قوله : { لِيَعْلَمَ أَنّىِ لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } بيانُ الشكر على ما عصمه الله ، وقوله : { وَمَا أُبََرِّى نَفْسِى } بيانُ العُذْرِ لما قصَّر في أمر الله ، فاستوجب شكرُه زيادةَ الإحسان ، واستحقَّ بعذره العفوَ .","part":3,"page":433},{"id":1434,"text":"لما اتضحت للمِلك طهارةُ فِعْلِه ونزاهةُ حالِه استحضره لاستصفائه لنفسه ، فلمَّا كَلَّمَه وسَمِعَ بيانَه رَفَعَ مَحلَّه ومكانه ، وضمنه بِرَّه وإحسانَه ، فقال : { إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } .","part":3,"page":434},{"id":1435,"text":"إنما سأل ذلك ليضعَ الحقَّ مَوْضِعَه ، ليصلَ نصيبُ الفقراءِ إليهم ، فَطَلَبَ حقَّ الله تعالى في ذلك ، ولم يطلب نصيباً لنفسه .\rويقال لم يقل إني حَسَنٌ جميلٌ بل قال : { إِنّىِ حَفِيظٌ عَلِيمٌ } أي كاتِبٌ حاسِبٌ ، ليُعْلَمَ أَنَّ الفضلَ في المعاني لا في الصورة .","part":3,"page":435},{"id":1436,"text":"لمَّا لم تكن له دواعي الشهوات من نَفْسِه مَكّنَه اللَّهُ من مُلْكِه- قال تعالى : { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا } [ الشورة : 63 ] - فقال : { وَلاَ نُضِيعُ أَجرَ الْمُحْسِنِينَ } [ يوسف : 56 ] .\rثم أخبر عن حقيقة التوحيد ، وبيَّن أنه إِنما يوفِّي عبيادَه من ألطافه بفضله لا بفعلهم ، وبرحمته لا بِخُدْمِتهم؛ فقال : { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ } . ثم يرقى هممهم عما أولاهم من النَّعم .","part":3,"page":436},{"id":1437,"text":"ليُعْلَمَ أَنَّهُ لا بُدّ من التقوى ومخالفة الهوى .","part":3,"page":437},{"id":1438,"text":"عَرَفَ يوسفُ- عليه السلام - إخوتَه وأنكروه ، لأنهم اعتقدوا أنّه في رِقِّ العبودية لمّا باعوه ، بينما يوسف- في ذلك الوقت- كان قاعداً بمكانِ المَلِكِ . فَمَنْ طلب الملِكَ في صفة العبيد متى يعرفه؟\rوكذلك مًنْ يعتقد في صفات المعبودِ ما هو مِنْ صفات الخَلْق . . . متى يكون عارفاً؟ هيهات هيهات لما يحسبون!\rويقال لمَّا أَخْفَوْه صار خفاؤه حجَاباً بينهم وبين معرفتهم إياه ، كذلك العاصي . . بخطاياه وزلاتِه تقع غَبَرَةٌ على وجه معرفته .","part":3,"page":438},{"id":1439,"text":"المحِبُّ غيورٌ؛ فلمَّا كان يعقوبُ عليه السلام قد تَسَلَّى عن يوسف برؤية ابنه بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب .\rويقال تَلَطَّفَ يوسف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب ، وأما الترغيب ففي مالِه الذي أوصله إليهم وهو يقول : { أَلاَ تَرَوْنَ أَنّىِ أُوفِى الْكَيْلَ } وفي إقباله عليهم وفي إكرامه لهم وهو يقول : { وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ } .\rوأمّا الترهيب فبمنع المال .","part":3,"page":439},{"id":1440,"text":"أي فإن لم تؤامِنوني عليه فلا كيل لكم عندي ، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم .","part":3,"page":440},{"id":1441,"text":"لما عَلِمَ يوسفُ من حالهم أنهم باعوه بثمنٍ بَخْسٍ عَلِمَ أنهم يأتونه بأخيهم طمعاً في إيفاء الكيل ، فلن يَصْعُبَ عليهم الإتيان به .","part":3,"page":441},{"id":1442,"text":"جَعْلُ بضاعتهم في رحالهم - في باب الكَرَم - أتمُّ مِنْ أنْ وَهَبَها لهم جَهْرَاً؛ لأنه يكون حينئذٍ فيه تقليد منه بالمواجَهَةِ ، وفي تمليكها لهم بإشارةٍ تجَرُّدٌّ مِنْ تكلُّفِ تقليد منه بالمحاضرة .\rويقال عَلِمَ أنهم لا يَسْتحلُّون مالَ الغَيْر قَدَسَّ بضاعتَهم في رحالِهم ، لكن إذا رأَوْها قالوا : هذا وقع في رحالنا منهم بِغَلَطٍ ، فالواجبُ علينا ردُّها عليهم . وكانوا يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أَبَوْا .","part":3,"page":442},{"id":1443,"text":"لم يمنع يوسفُ منهم الكيْلَ ، وكيف مَنَعَ وقد قال : { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِى أُوفِى الْكَيْلَ } ؟\rولكنهم تجوزوا في ذلك تفخيماً للأمر حتى تسمح نَفْسُ يعقوب عليه السلام بإرسال بنيامين معهم .\rويقال أرادوا بقولهم : { مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ } وفي المستقبل إذا لم تَجْمِلْه إليه .\rويقال إنهم تَلَطَّفُوا في القول ليعقوبَ - عليه السلام - حيث قالوا : { أَخَانَا } إظهاراً لشفقتهم عليه ، ثم أكَّدوا ذلك بقولهم : { وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }","part":3,"page":443},{"id":1444,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عِلِى أَخِيهِ مِن قَبْلُ } .\rمَنْ عَرَفَ الخيانة لا يلاحظ الأمانة ، ولذا لم تَسْكنْ نَفْسُ يعقوب بضمانهم لِمَأ سَبَقَ إليه شأنهم .\rقوله جلّ ذكره : { فاللَّهُ خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين } .\r{ فاللّهُ خيرُ حافظاً } : يحفظ بنيامين فلا يصيبه شيءٌ من قِبَلِهم .\rولم يقل يعقوب فاللّه خيرُ مَنْ يَرُدُّه إليَّ ، ولو قال ذلك لعلَّه كان يرده إليه سريعاً .","part":3,"page":444},{"id":1445,"text":"بيّن يوسفُ - عليه السلام - أنه حين عاملهم لم يَحْتَجْ إلى عِوَضٌ يأخذه منهم ، فلمَّا باعهم وجَمَعَ لهم الكيلَ ما أخذ منهم ثمناً ، والإشارة من هذا إلى قوله تعالى : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ } [ الإسراء : 7 ] .\rوكلُّ مَنْ خطا للدِّين خطوةً كافأه اللَّهُ تعالى وجازاه ، فَجَمَع به بين رَوْحِ الطاعةِ ولذَّةِ العيش من حيث الخدمة .","part":3,"page":445},{"id":1446,"text":"إنَّ الحَذَرَ لا يُغْنى من القَدَر . وقد عَمِل يعقوب - عليه السلام - معهم في باب بنيامين ما أمكنه من الاحتياط ، وأخذ الميثاق ولكن لم يُغْنِ عنه اجتهادُه ، وحَصَلَ ما حكم به الله .","part":3,"page":446},{"id":1447,"text":"يحتمل أن يكون أراد تفريقهم في لدخول لعلَّ واحداً منهم يقع بَصَرُه على يوسف ، فإن لم يره أحدهم قد يراه الآخر .\rويقال ظنَّ يعقوب أنهم في أمر يوسف كانوا في شدة العناية بشأنِه ، ولم يعلم أنهم كارهون لمكانه .","part":3,"page":447},{"id":1448,"text":"إن لم يحصل مقصودُ يعقوب عليه السلام في المآل حصل مراده في الحال ، وفي ذلك القَدْرِ لأرباب القلوب استقلال .\rويقال على الأصاغر حفظُ إشاراتِ الأكابر ، والقولُ فيما يأمرون به هل فيه فائدةٌ أم لا - تَرْكٌ للأدب .\rويقال إذا كان مثل يعقوب عليه السلام يشير على أولاده ويتمنَّى به حصولَ مرادِه . .\rثم لا يحصل مرادُه عُلِمَ أنه لا ينبغي أن يُعْتَقَدَ في الشيوخ أنَّ جميع ما يريدون يتَّفِقُ كونُه على ما أرادوا؛ لأَنَّ الذي لا يكونُ إلا ما يريده واجباً وما أراده فهو كائن . . هو اللَّهُ الواحدُ القهارُ .","part":3,"page":448},{"id":1449,"text":"حديثُ المحبةِ وأَحكامها أقسام : اشْتَاقَ يعقوبُ إلى لقاء يوسف عليهما السلام فَبَقِيَ سنين كثيرة ، واشتاقَ يوسف إلى بنيامين فَرُزِقَ رؤيته في أَوْجِزِ مدةٍ .\rوهَكَذَا الأمر؛ فمنهم موقوفٌ به ، ومنهم صاحب بلاء .\rويقال لئن سَخِنَت عين يعقوب عليه السلام بمفارقة بنيامين فلقد قَرَّتْ عيْنُ يوسفَ بلقائه . كذا الأمر : لا تَغْرُبُ الشمس على قوم إلا وتطلع على آخرين .","part":3,"page":449},{"id":1450,"text":"احتمل بنيامينُ ما قيل فيه من السرقة بعدما التقى مع يوسف .\rويقال : ما نُسِبَ إليه من سوء الفعال هان عليه من جَنْبِ ما وجد من الوصال .\rويقال لئن نُسَبَ أخاه للسرقة تعرَّف إليه بقوله : { إِنِّى أََنَا أَخُوكَ } - سِرَّاً ، فكان مُتَحَمِّلاً لأعباء الملامة في ظاهره ، محمولاً بوجدان الكرامة في سِرِّهِ ، وفي معناه أنشدوا :\rأَجِدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حُبّاً لذكرك فَلْيَلُمْني اللُّومُ","part":3,"page":450},{"id":1451,"text":"يعني حُسْنُ سيرتنا في سير المعاملة يدلكم على حسن سريرتنا في الحالة . ويقال لو كُنَّا نسرق متاعكم لما رددناه عليكم ولَمَا وجدتموه في رحالنا بعد أَن غِبْنَا عنكم .","part":3,"page":451},{"id":1452,"text":"تَجَاسَرَ إخوةُ يوسف بجريان جزاءٍ السَّرِقةِ عليهم ثقةً بأنفسهم أنهم لم يُباشِروا الزَّلَّة ، وكان بنيامينُ شريكَهم في براءة السَّاحةِ ، فلما استُخْرِجَ الصَّاعُ مِنْ وعائه بَسَطَ الإخوةُ فيه لسانَ الملامةِ ، وبقي بنيامين فلم يكن له جوابٌ كأنَّه أقَرَّ بالسرقة ، ولم يكن ذلك صدقاً إذ أنه لم يَسْرِقْ ، ولو قال : لم أَفْعَلْ لأفشى سِرّ يوسف عليه السلام الذي احتال معهم ذلك لأجْلِه حتى يُبْقِيه معه ، فَسَكَتَ لسان بينامين ، وتحقَّق بالحالِ قَلْبُه .\rويقال لم يستصعب الملامة - وإنْ كان بريئاً - مما قُرِنَ به ، ولا يَضُرُّ سوءُ المقالةِ بالمكاشفين بعد حَسْنِ الحالةِ مع الأحباب .\rويقال سيىء بما أَظْهَرَتْ عليه المقالة ، ولكن حَصَلَ له بذلك صفاءُ الحالة .","part":3,"page":452},{"id":1453,"text":"كان بنيامينُ بريئاً مما رُميَ به من السرقة ، فأنطقهم الله تعالى حتى رَمَوْا يوسف عليه السلام بالسرقة ، واحدٌ بواحد ليَعْلَم العالمون أَنَّ الجزاءَ واجبٌ .\rويقال كان القُرْحُ بالقَدح أوجعَ ما سَمِعَه يوسف منهم حيث قالوا :\r{ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِن قَبْلُ } فقد كان ذلك أشدَّ تأثيراً في قلبه من الجفاءِ الأول .\rويقال إذا حَنِقَ عليك المِلكُ فلا تأمَنْ غِبَّه - وإنْ طالت المدة - فإن يوسف عليه السلام حَنِق عليهم فلقوا في المستأنف منه ما ساءَهم مِنْ حَبْسِ أخيه ، وما صاحبهَم من الخَجل من أبيهم .","part":3,"page":453},{"id":1454,"text":"لم تنفعهم كثرةُ التَّنَصُّل ، وما راموا بهمن ذكر أبيهم ابتغاءَ التوسُّل ، ولم ينفعهم ما قيل منهم حين عَرَضُوا عليه أن يأخذَ أحدَهم في البَدَل . . كذلك فكلٌّ مُطَالَبٌ بفعل نفسه : { لا تزِرُ وازرةٌ وزِرَ أخرى } [ الأنعام : 64 ] ؛ فلا الأبُ يُؤْخَذُ بَدَلَ الولد ، ولا القريب يُرضَى به عوضاً عن أحد .","part":3,"page":454},{"id":1455,"text":"توهموا أن الحديث معهم من حيث معاملة الأموال ، فعَرَضُوا أنفسهم كي يؤخذ واحدٌ منهم بَدَلَ أخيهم ، ولم يعلموا أن يوسف عليه السلام كادَهم في ذلك ، وأنَّ مقصودَه من ذلك ما استكَنَّ في قلبه مِنْ حُبِّ لأخيه ، وكلاَّ . . أَنْ يكونَ عن المحبوبِ بَدَلٌ أو لقوم مقامُ أحدٍ . . . وفي معناه أنشدوا :\rإذا أَوْصَلْتَنا الخُلْدَ كيما تُذِيقنا ... أَبَيْنا وقُلْنا : أنتَ أَوْلَى إلى القلب\rوقيل :\rأُحِبُّ لَيْلَى وبُغِّضَتْ إليَّ ... نساءٌ ما لَهُنَّ ذُنُوبُ","part":3,"page":455},{"id":1456,"text":"لما عَلِموا أن يوسف عليه السلام ليس يبرح عن أخيه خلا بعضُهم ببعضٍ فعملت فيهم الخجْلة ، وعلموا أن يعقوب في هذه الكرَّةِ يتجدد له مثلما أسلفوه من تلك الفَعْلة ، فلم يرجع ، أكبرهم إلى أبيهم ، وتناهى إلى يعقوبَ خَبَرُهم ، فاتهمهم وما صدّقهم ، واستخونهم وما استوثقهم .","part":3,"page":456},{"id":1457,"text":"كان لهم في هذه الكَرَّةِ حجة على ما قالوه ، ولكن لم يسكن قلبُ يعقوب عليه السلام إليها ، فإنَّ تعيُّنَ الجُرْمِ في المرة الأولى أَوْجَبَ التُّهمةَ في الكرَّةِ الأخرى .","part":3,"page":457},{"id":1458,"text":"ما ازدادوا إقامةَ حُجَّةٍ إلا ازداد يعقوبُ- عليه السلام- في قولهم شُبْهةً .\rويقال : في مُساءلة الأطلال أَخْذٌ لقلوب الأحباب ، وسَلْوةٌ لأسرارهم . . وهذا البابُ مما للشرح فيه مجال .","part":3,"page":458},{"id":1459,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ َجَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً } .\rلجأ إلى قُرْبِ خلاصه من الضُرِّ بالصبر .\rويقال لما وعد من نفسه الصبر فلم يُمْسِ حتى قال : { ياأسفى عَلَى يُوسُفَ } ليُعْلَمَ أنَّ عَزْمَ الأحبابِ على الصبر منقوضٌ غيرُ محفوظ .","part":3,"page":459},{"id":1460,"text":"تولَّى عن الجميع- وإن كانوا أولادَه- ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ لا تُبْقي ولا نَذَر .\rويقال أراد إخوةُ يوسفَ أن يكونَ إقبال يعقوب عليهم بالكليَّة فأَعْرَضَ ، وتولَّى عنهم ، وفَاتَهُم ما كان لهم ، ولهذا قيل : مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فاته الكلُّ .\rويقال لم يَجِدْ يعقوبُ مُساعِداً لنفسِه على تأسفه على يوسف فتولَّى عن الجميع ، وانفرد بإظهار ، أسفه ، وفي معناه أنشدوا :\rفريدٌ عن الخِلاَّنِ في كل بلدةٍ ... إذا عَظُمَ المطلوبُ قَلَّ المُساعِدُ\rويقال كان بكاءُ داود عليه السلام أكثرَ من بكاء يعقوب عليه السلام ، فلم يذهب بَصَرُ داود وذهْب بَصَرُ يعقوب؛ لأن يعقوب عليه السلام بكى لأَجْلِ يوسف ولم يكن في قدْرةِ يوسف أن يحفظَ بصره من البكاء لأجله ، وأمَّا داود فقد كان يبكي لله ، وفي قدرة الله - سبحانه - ما يحفظ بَصَرَ الباكي لأَجْلِه .\rسمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - C - يقول ذلك ، وقال C : إن يعقوبَ بكى لأجل مخلوقٍ فذهب بَصَرَهُ ، وداود بكى لأَجْل الله فبقي بَصَرُه .\rوسمعته- C - يقول : لم يقل الله : « عَمِيَ يعقوب » ولكن قال : { وَاْبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ } ، لأنه لم يكن في الحقيقة عَمَىً ، وإنما كان حجاباً عن رؤية غير يوسف .\rويقال كان ذهابُ بصرِ يعقوب حتى لا يحتاج إلى أن يرى غير يوسف ، لأنه لا شيءَ أشدُّ على الأحبابِ من رؤية غير المحبوب في حال فراقه ، وفي معناه أنشدوا :\rلما تَيَقَّنْتُ أني لَسْتُ أُبْصرِكم ... أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد\rوسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق C يقول : كان يعقوب عليه السلام يتسلَّى برؤية بنيامين في حال غيبة يوسف ، فلما بقي عن رؤيته قال : { ياأسفى عَلَى يُوسُفَ } أي أنه لما مُنِعَ من النظر كان يتسلى بالأثر ، فلمَّا بقي عن النظر قال : يا أسفا على يوسف .","part":3,"page":460},{"id":1461,"text":"هددوه بأن يصير حرضاً - أي مريضاً مشفياً على الهلاك - وقد كان ، وخوفُّوه مما لم يبالِ أن يصيبه حيث قالوا { أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ } .\rويقال أطيب الأشياء في الهلاك ما كان في حكم الهوى - فكيف يُخَوَّف بالهلاكِ من كان أحبُّ الأشياءِ إليه الهلاَك؟ .","part":3,"page":461},{"id":1462,"text":"شكا إلى الله ولم يَشْكُ مِنَ اللَّهِ ، ومَنْ شكا إلى الله وَصَلَ ، ومن شكا من الله انفصل .\rويقال لمَّا شكا إلى الله وَجَدَ الخَلَفَ من الله .\rويقال كان يعقوبُ - عليه السلام - مُتَحَمِّلاً بنفسه وقلبه ، ومستريحاً محمولاً بِسِرِّه وروحه؛ لأنه عَلِمَ من الله - سبحانه - صِدقَ حالِه فقال : { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفي معناه أنشدوا :\rإذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً ... تمنَّيْتُ أن أشكو إليكَ فَتَسْمَعَا","part":3,"page":462},{"id":1463,"text":"كان يعقوب عليه السلام يبعث بنيه في طلب يوسف ، وكان الإخوة يخرجون بطلب المسيرة وفي اعتقادهم هلاكُ يوسف . . . وكلُّ إنسانٍ وهمُّه .\rويقال قوله : { فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } أمرٌ بطلب يوسف بجميع حواسِّهم؛ بالبَصَرِ لعلَّهم تقع عليه أعينهم ، وبالسَّمْع لعلَّهم يسمعون ذِكْرَه ، وبالشمِّ لعلهم يجدون رِيحَه؛ وقد توهَّم يعقوبُ أنهم مثله في إرادةِ الوقوفِ على شأنه . ثم أحالهم على فضل الله حيث قال : { لاَ يَاْيْئَسُ مِن رُّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ } .\rويقال لم يكن ليعقوب أحدٌ من الأولاد بمكان يوسف ، فَظَهَر من قِلَّةِ الصبر عليه ما ظهر ، وآثَرَ غيْبَةَ الباقين من الأولاد في طلب يوسف على حضورهم عنده . . فشتَّان بين حاله معهم وبين حاله مع يوسف! واحدٌ لم يَرَهْ فابْيَضَّتْ عيناه من الحزن بفرقته ، وآخرون أَمرَهُم - باختياره - بِغَيْبَتِهم عنه .","part":3,"page":463},{"id":1464,"text":"لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضُّرِّ ، ومقاساة الجوع والفقر ، ولم يذكروا حديث يوسف عليه السلام ، وما لأجله وَجَّهَهُم أبوهم .\rويقال استلطفوه بقولهم : { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة بضاعتهم .\rويقال لمَّا طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا : وجئنا ببضاعة مزجاة - أي رديئة - ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا : { فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ } .\rويقال قالوا كلنا كيلاً يليق بفضلك لا بفقرنا ، وبكرمك لا بعدمنا ، ثم تركوا هذا اللسان وقالوا : { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } : نَزَلَوا أوْضَعَ مَنْزلٍ؛ كأنهم قالوا : إنْ لم نستوجِبْ معاملةَ البيع والشراء فقد استحققنا بَذْلَ العطاءِ ، على وجه المكافأة والجزاء .\rفإِنْ قيل كيف قالوا وتصدَّقْ علينا وكانوا أنبياء- والأنبياء لا تحل لهم الصدقة؟\rفيقال لم يكونوا بعد أنبياء ، أو لعلّه في شرعهم كانت الصدقةُ غيرَ مُحَرَّمةٍ على الأنبياء .\rويقال إنما أرادوا أنَّ مِنْ ورائنا مَنْ تَحِلُّ له الصدقة .","part":3,"page":464},{"id":1465,"text":"افتضحوا بحضرة بوسف عليه السلام وقالوا : { فَأَوفِ لَنَا الكَيْلَ } فعرفهم فعلمهم ووقفهم عند أحدهم فقال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ يعني إنَّ مَنْ عَامَل يوسفَ وأخاه بمثل معاملتكم فلا ينبغي له أن يتجاسَرَ في الخطاب كتجاسركم .\rويقال إن يوسف عليه السلام قال لهم : أنهيتم كلامكم ، وأكثرتم خطابكم ، فما كان في حديثكم إلا ذكر ضرورتكم . . أفلا يخطر ببالكم حديث أخيكم يوسف؟! وذلك في باب العتابِ أعظم من كلِّ عقوبة .\rولمَّا أخجلهم حديث العتاب لم يَرْضَ يوسفُ حتى بسط عندهم فقال : { إِذْ أَنتًمْ جَاهِلُونَ } .","part":3,"page":465},{"id":1466,"text":"في الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له في الخطاب : « يا أيها العزيز » فلمّا عرفوه قالوا : { أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ } ؛ لأنه لمَّا ارتفعت الأجنبيةُ سقط التكلُّف في المخاطبة ، وفي معناه أنشدوا :\rإذا صَفَتْ المودَّةُ بين قومٍ ... ودام ودادُهم قَبُحَ الثناءُ\rويقال إنَّ التفاصُلَ والتفارُقَ بين يوسف وإخوته سَبَقا التواصلَ بينه وبين يعقوب عليهما السلام؛ فالإخوةُ خَبَره عرفوه قبلَ أنْ عَرَفَه أبوه ليعلَم أن الحديث بلا شكٍ .\rويقال لم يتقدموا على أبيهم في استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته ، بل إنهم - وإن عرفوه- فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة ، وإنما كان غرضُهم حديثَ الميرة والطعام فقط ، فقال : { أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى } : يعني إني لأَخٌ لِمِثْلِ هذا لمثلكم؛ ولذا قال : { أَنَّا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى } ، ولم يقل وأنتم إخوتي ، كأنَّه أشار إلى طرفٍ من العتاب ، يعني ليس ما عاملتموني به فِعْلَ الإخوة .\rويقال هَوَّنَ عليهم حالَ بَدَاهَةِ الخجلة حيث قال { أَنَا يُوسُفُ } بقوله : { وَهَذَا أَخِى } وكأنه شَغَلَهم بقوله : { وَهَذَا أَخِى } كما قيل في قوله تعالى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } [ طه : 17 ] إنه سبحانه شَغَلَ موسى عليه السلام باستماع : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } [ طه : 17 ] بمطالعة العصا في عين ما كوشِف به من قوله : { إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ } [ طه : 14 ] .\rثم اعترف بوجدان الجزاء على الصبر في مقاساة الجهد والعناء فقال : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .\rوسمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق- C - يقول لما قال يوسف : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ } أحَالَ في استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر . . . فأنطقهم الله حتى أجابوه بلسان التوحيد فقالوا : { تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا } يعني ليس بِصْبرِك يا يوسفُ ولا بتقواك ، وإنما هو بإيثار اللَّهِ إياك علينا؛ فبه تقدمت علينا بحمدك وتقواك . فقال يوسف - على جهة الانقياد للحقِّ - : { لاَ تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوْمَ } ، فأسقط عنهم اللوم ، لأنه لمَّا لم يَرَ تقواه من نفسه حيث نبَّهوه عليه نَطَقَ عن التوحيد ، وأخبر عن شهود التقدير .","part":3,"page":466},{"id":1467,"text":"اعترفوا بالفضل ليوسف- عليه السلام - حيث قالوا : لقد آثرك الله علينا ، وأكَّدوا إقرارَهم بالقَسَم بقوله : { تَاللَّهِ } وذلك بعد ما جحدوا فَضْلَه بقولهم : { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } ، وهكذا من جحد فلأنه ما شهد ، ومن شهد فما جحد .\rويقال لمَّا اعترفوا بفضله وأقرُّوا بما اتصفوا به من جُرْمِهم بقولهم : { وإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ } وجدوا التجاوزَ عنهم .","part":3,"page":467},{"id":1468,"text":"أسرع يوسفُ في التجاوز عنهم ، وَوَعَد يعقوبُ لهم بالاستغفار بقوله : { سَوْفَ أَستَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى } لأنه كان أشدَّ حباَ لهم فعاتبهم ، وأما يوسف فلم يرهم أهلاً للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة ، وفي معناه أنشدوا :\rتركُ العتابِ إذا استحق أخ ... مِنك العتابَ ذريعةُ الهَجْرِ\rويقال أصابهم - في الحال - مِنَ الخجلة مقام كلِّ عقوبة ، ولهذا قيل :\rكفى للمقصِّر الحياءُ يوم اللقاء .","part":3,"page":468},{"id":1469,"text":"البلاءُ إذا هَجَمَ هَجَمَ مَرَّةً ، وإذا زال بالتدريج؛ حلَّ البَلاءُ بيعقوب مرةً واحدةً حيث قالوا : { فَأَكَلَهُ الذَئْبُ } ولما زال البلاءُ . . فأولاً وَجَدَ ريحَ يوسفَ عليه السلام ، ثم قميص يوسف ، ثم يوم الوصول بين يدي يوسف ، ثم رؤية يوسف .\rويقال لمَّا كان سببُ البلاءِ والعمى قميصَ يوسف أراد اللَّهُ أن يكونَ به سَبَبُ الخلاص من البلاء .\rويقال علم أن يعقوب عليه السلام - لِمَا يلحقه من فَرْطِ السرور- لا يطيقه عند أخذ القميص فقال : { فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجِهِ أَبِى } .\rويقال القميص لا يصلح إلا للباس إلا قميص الأحباب فإنه لا يصلح إلا لوجدان ريح الأحباب .\rويقال كان العمى في العين فأمر بإلقاء القميص على الوجه ليجدَ الشفاءَ من العمى .\rويقال لمَّا كان البكاء بالعين التي في الوجه كان الشفاء في الإلقاء على العين . التي في الوجه ، وفي معناه أنشدوا :\rوما بات مطوياً على أريحية ... عُقَيب النَّوى إلا فتىً ظلَّ مغرما\rوقوله { وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } : لما عَلِمَ حزنَ جميعَ الأهلِ عليه أراد أن يشترك في الفرح جميعُ من أصابهم الحزن .\rويقال عَلِمَ يوسفُ أن يعقوبَ لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف فاستحضَرَه ، إبقاءً على حالِه لا إخلالاً لِقَدْرِه وما وَجَبَ عليه من إجلاله .","part":3,"page":469},{"id":1470,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَمَّا فَصَلَتِ العِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } .\rما دام البلاءُ مُقْبِلاً كان أمرُ يوسفَ وحديثُه - على يعقوب - مُشْكِلاً ، فلما زالت المحنة بعثرت بكل وجهٍ حاله .\rويقال لم يكن يوسف بعيداً عن يعقوب حين ألقوه في الجُبِّ ولكن اشتبه عنيه وخَبَرُه وحالُه ، فلما زال البلاءُ وَجَدَ ريحَه وبينهما مسافة ثمانين فرسخاً - من مصر إلى إلى كنعان .\rويقال إنما انفرد يعقوبُ عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرادِه بالأسف عند فقدان يوسف . وإنما يجد ريح يوسف مَنْ وَجَدَ على فراق يوسف؛ فلا يعرف ريحَ الأحباب إلا الأحبابُ ، وأَمَّا على الأجانب فهذا حديثٌ مُشْكِل . . إذ أنَّى يكون للإنسان ريح!؟ .\rويقال لفظ الريح ها هنا توسع ، فيقال هبَّتْ رياحُ فلانٍ ، ويقال إني لأَجِدُ ريح الفتنة . . وغير ذلك .\rقوله جلّ ذكره : { لَوْلآ أَن تُفَنِّدُونِ } .\rتَفَرَّسَ فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قولُه ، فزادوا في الملامة .","part":3,"page":470},{"id":1471,"text":"قرنوا كلامهم بالشتم ، ولم يحتشموا أباهم ، ولم يُراعوا حقَّه في المخاطبة ، فوصفوه بالضلال في المحبة .\rويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرَّف من الريح نسيمَ يوسف عليه السلام ، وخبر يوسف كثير حتى جاء الإذن للرياح ، وهذه سُنَّةُ الأحباب : مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال وفي معناه أنشدوا :\rوإنِّي لأستهدي الرياح نسيمكم ... إذا هي أقبَلْت نحوكم بهُبُوب\rواسألها حَمْلَ السلام إليكمُ ... فإن هي يوماً بلَغَتْ فأَجِيبُوا","part":3,"page":471},{"id":1472,"text":"لو أُلقِيَ قميص يوسف على وجه مَنْ في الأرض مِنَ العميان لم يرتد بصرهم ، وإنما رجع بصرُ يعقوب بقميص يوسف على الخصوص؛ فإنَّ بَصَرَ يعقوبَ ذهب لفراق يوسف ، ولمّا جاءوا بقميصه أَنْطَقَ لسانَه ، وأَوْضحَ برهانهَ ، فقال لهم : { أَلَمْ أَقُل لَكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْمَلُونَ } عن حياة يوسف ، وفي معناه أنشدوا :\rوَجْهُك المأمولُ حُجَّتُنا ... يومَ يأتي النَّاسُ بالحجج","part":3,"page":472},{"id":1473,"text":"كلُّ إنسانٍ وهمُّه؛ وَقَعَ يعقوبُ ويوسفُ عليهما السلام في السرور والاستبشار ، وأَخَذَ إخوةُ يوسف في الاعتذار وطَلَبَ الاستغفار .\rويقال إخوة يوسف - وإنْ سَلَفَتْ منهم الجفوة - كلَّموا أباهم بلسان الانبساط لتقديم شفقةِ الأبوةِ على ما سَبَقَ منهم من الخطيئة .\rويقال يومٌ بيومٍ ، اليوم الذي كان يعقوب محزوناً بغيبة يوسف فلا جَرَمَ اليوم كان يعقوب مسروراً بقميص يوسف ، وكان الأخوة في الخَجلة مما عملوا بيوسف .","part":3,"page":473},{"id":1474,"text":"وَعدَهُم الاستغفارَ لأنه لم يَفْرَغْ من استبشاره إلى الاستغفار .\rويقال لم يُجِبْهُم على الوهلة ليدلَّهم على ما قَدَّمُوا من سوء الفَعْلةِ ، لأن يوسفَ كان غائباً وقتئذٍ ، فوعدهم الاستغفار في المستأنف - إذا رضِي عنهم يوسف حيث كان الحقُّ أكثرُه له ، لو كان كله ليعقوب لوهبهم على الفور .","part":3,"page":474},{"id":1475,"text":"اشتركوا في الدخول ولكن تباينوا في الإيواء فانفرد الأَبَوَان به لِبُعْدِهما عن الجفاء ، كذلك غداً ، إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون في وجود الجنان ، ولكنهم يتباينون في بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالاستواء .","part":3,"page":475},{"id":1476,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ } .\rأوقف كُلاًّ بمحلِّة؛ فَرَفَعَ أبويه على السرير ، وتَرَك الإخوةَ نازلين بأماكنهم .\rقوله : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَاً } : كان ذلك سجودَ تحيةٍ ، فكذلك كانت عادتهم . ودَخَلَ الأَبَوان في السجود - في حقِّ الظاهر- لأنَّ قوله { وَخَرُّوا } إخبارٌ عن الجميع ، ولأنه كان عن رؤياه قد قال : { إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً والشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] وقال ها هنا : { هَذَا تَأْوِيلُ رُءيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقَاً } .\rقوله جلّ ذكره : { أَحْسَنَ ِبِى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجِنْ وَجَاءَ بكُم مِّن البَدوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْن إِخْوَتِى إِنَّ رَبِىّ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ } .\rشهد حسانه فَشَكَرَه . . كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده .\rوذَكَرَ حديثَ السجن - دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر .\rوقيل لأن فيه تذكيراً بِجُرْمِ الإخوة وكانوا يخجلون . وقيل لأن { السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدئ يُرفَقُ به وفي السجن فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال ، وفي معناه أنشدوا :\rوأسررتني حتى إذا ماسَبَبْتَني ... بقولٍ يحل العُصْم سهل الأباطح\rتجافيتَ عنِّي حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح\rوفي قوله : { وَجَآءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ } إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإخوته- وإنْ كانوا أهل الجفاء ، لأنَّ الأُخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة .\rقوله : { مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىْ } أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر ، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان ، ثم لم يرض بهذا حتى قال { بينى وبني إخوتى } يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم ، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث قال : { بَيْنِى وَبَيْنَ إْخْوَتِى } .\rثم نطق عن عين التوحيد فقال : { إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ } فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني .","part":3,"page":476},{"id":1477,"text":"قوله جلّ ذكره : { رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } .\rفي حرف تبعيض؛ لأن المُلك- بالكمال - لله وحده .\rويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان : مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية ، ومُلْكٌ على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة .\rويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاَءَ على الخْلق ، إنما المُلْْكُ- على الحقيقة - صفاءُ الخُلُق .\rقوله : { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْويِلِ الأَحَادِيثِ } : التأويل للخواص ، وتفسير التنزيل للعوام . قوله جلّ ذكره : { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِّىِ فِى الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحَقْنِى بِالصَّالِحِينَ } .\r{ فَاطرَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } - هذا ثناء ، وقوله : { تَوَفَّنِى } - هذا دعاء .\rفَقَدَّمَ الثناء على الدعاء ، كذلك صفة أهل الولاء .\rثم قال : { أَنتَ وَلِىِّ في الدنيا والأخرة } هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار .\rويقال معناه : الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ ، فليس لي غيرك في الدارين .\rقوله : { تَوَفَّنِى مُسْلِماً } : قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة .\rوقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً ، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً ، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً ، ثم لماتمَّ له المُلْكُ ، واستقام الأمر ، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً ، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال :\r{ تَوَفَّنِى مُسْلِماً } فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه ( سبحانه ) .\rوسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - C يقول . قال يوسف ليعقوب : عَلِمْتَ أنَّا نلتقي فيما بعد الموت . . فلِمَ بَكيْتَ كلَّ هذا البكاء؟\rفقال يعقوب ، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً ، خِفْتُ أن أسلكَ طريقاً وأنت تسلك طريقاً ، فقال يوسف عند ذلك : { تَوَفَّنِى مُسْلِماً } .\rويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال : توفني مسلماً ، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال : يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك ، فلا تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ : توفَّنِي مسلماً .","part":3,"page":477},{"id":1478,"text":"تبيّن للكافة أن مثل هذا البيان لهذه القصة على لسان رجلٍ أميٍّ لا يكون إلا بتعريف سماويّ .\rويقال كونُ الرسولِ - A - أُميَّا في أول أحواله علامةُ شَرَفِه وعلوِّ قدْرِه في آخر أحواله ، لأنَّ صِدْقَهُ في أن هذا من قِبَل اللَّهِ إنما عُرِفَ بكونه أميا ، ثم أتى بمثل هذه القصة من غير مدارسة كتاب .","part":3,"page":478},{"id":1479,"text":"أخبر عن سابق علمه بهم ، وصادق حُكْمِه حكمته فيهم .\rويقال معناه : أَقَمْتُكَ شاهداً لإرادة إيمانهم ، وشِدَّةِ الحِرْصِ على تحقُّقهِم بالدِّين ، وإيقانهم . ثم إنِّي أعلم أنهم لا يؤمن أكثرُهم ، وأخبرتك بذلك ، وفُرِضَ عليكَ تصديقي بذلك ، وفرضتُ عليك إرادتي كونَ ما عَلِمْتُ أنه لا يكون من إيمانهم .","part":3,"page":479},{"id":1480,"text":"هذه سُنَّةُ الله - سبحانه - مع أنبيائه حيث أَمَرَهُم بألا يأخذوا على تبليغ الرسالة عِوَضَاً ولا أجراً ، وكذلك أمره للعلماءِ- الذين هم وَرثَةُ الأنبياء عليهم السلام- بأَلاّ يأخذوا مِنَ الخْلقِ عِوَضاً على دعائهم إلى الله . فَمنْ أخذ منهم حَظا من الناس لم يُبَارَكْ للمستمِع فيما يسمع منه؛ فلا له أيضاً بركة فيما يأخذ منهم فتنقطع به .","part":3,"page":480},{"id":1481,"text":"الآياتُ ظاهرة ، والبراهين باهرة ، وكلُّ جُزْءٍ من المخلوقات شاهِدٌ على أنَّه واحد ، ولكن كما أَنَّ مَنْ أغْمَضَ عينه لم يستمتع بضوء نهاره فكذلك مَن قَصَّرَ في نَظَرِه واعتباره لم يحظَ بعرفانه واستبصاره .","part":3,"page":481},{"id":1482,"text":"الشّرْكُ الجَليُّ أن يتَّخِذَ من دونه - سبحانه - معبوداً ، والشِّرْكُ الخفِيُّ أن يتخذ بقلبه عند حوائجه من دونه - سبحانه - مقصوداً .\rويقال شِرْكُ العارفين أن يتخذوا من دونه مشهوداً ، أو يطالعوا سواه موجوداً .\rويقال مِنَ الشِّركِ الخفيِّ الإحالةُ على الأشكال في تجنيس الأحوال ، والإخلاد إلى الاختيار والاحتيال عند تزاحم الأشغال .","part":3,"page":482},{"id":1483,"text":"أَفَأَمِنَ الذي اغتَرَّ بطول الإمهال ألا يُبْتلى بالاستئصال ، أَفَأَمِنَ مَنْ اغترَّ بطول السلامة ألا يقوم بالبلاءُ عليه يومَ القيامة .\rويقال الغاشيةُ حجابٌ من القسوة يحصل في القلب ، لا يزول بالتضرع ولا ينقشِع بالتخشع .\rويقال الغاشيةُ من العذاب أن تزولَ من القلب سرعةُ الانقلاب إلى الله تعالى ، حتى إذا تمادى صاحب الغفلة استقبله في الطريق ما يوجب قنوطه من زواله ، وفي معناه أنشدوا :\rقلتُ للنَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً ... فارجعي قَبْلَ أَنْ يُسَدَّ الطريقُ","part":3,"page":483},{"id":1484,"text":"« البصيرة » : اليقين الذي لا مِرْيَةَ فيه ، والبيان الذي لا شكَّ فيه . البصيرةْ يكون صاحبُها مُلاَطَفاً بالتوفيق جَهْراً ، ومكاشَفاً بالتحقيق سِرَّا .\rويقال البصيرة أن تطلع شموسُ العرفاِن فتندرِجُ فيها أنوارُ نجوم العقل .\rقوله : { أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى } أي ذلك سبيلي مَنْ اقتدى بهديي فهو أيضاً على بصيرة .","part":3,"page":484},{"id":1485,"text":"تعجبوا أن يبعثَ اللَّهُ إلى الخْلق بشراً رسولاً ، فبيَّن أنه أجرى سُنَّتَه - فيمن تقدَّمَ من الأمم - ألا يكونَ الرسولُ إليهم بَشَراً ، فإما أن جحدوا جوازَ بعثةِ الرسولِ أصلاً ، أو أنهم استنكروا أن يبعث بشرّاً رسولاً .\rثم أَمَرهُم بالاستدلال والتفكر والاعتبار والنَّظَر فقال : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الأَرْض . . . . } .","part":3,"page":485},{"id":1486,"text":"حتى إذا استيأس الرسلُ مِنْ إيمانِ قومهم ، وتَيَقَّنُوا أنهم كذبوهم - والظن ها هنا بمعنى اليقين - فعند ذلك جاءهم نصرُنا؛ للرسل بالنجاةِ ولأقوامهم بالهلاك ، ولا مَرَدَّ لبأسنا .\rويقال حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين شيئاً من الأحوال إلا بعد يأسهم منها ، قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُنّزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } [ الشورى : 28 ] ، فكما أنّه يُنَزِّلُ المَطر بعد اليأسِ فكذلك يفتح الأحوالَ بعد اليأس منها والرضا بالإفلاس عنها .","part":3,"page":486},{"id":1487,"text":"عِبْرةٌ منها للملوك في بَسْطِ العدل كما بسط يوسفُ عليه السلام ، وتأمينهم أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أَحسن إليهم ، وأعتقهم حين مَلَكَهم .\rوعبرة في قصصهم لأرباب التقوى؛ فإن يوسفَ لمَّا ترك هواه رقَّاه الله إلى ما رقَّاه .\rوعبرةٌ لأهل الهوى فيما في اتباع الهى من شدة البلاء ، كامرأة العزيز لمَّا تبعت هواها لقيت الضرَّ والفقر .\rوعبرةُ للمماليك في حضرة السادة ، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا مَلَكَ مُلْكَ العزيز ، وصارت زليخا امرأته حلالاً .\rوعبرةٌ في العفو عند المقدرة ، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته .\rوعبرةٌ في ثمرة الصبر ، فيقعوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوماً بلقاء يوسف عليه السلام .","part":3,"page":487},{"id":1488,"text":"قوله جلّ ذكره : { المر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق } .\rأقسم بما تدل عليه هذه الحروف من أسمائه إِنَّ هذه آيات الكتاب الذي أخبرتُ أَنِّي أُنَزِّلُ عليك .\rفالألف تشير إلى اسم « الله » ، واللام تشير إلى اسم « اللطيف » ، والميم تشير إلى « المجيد » ، والراء تشير إلى اسم « الرحيم » قال بسم الله اللطيف المجيد الرحيم إن هذه آياتُ الكتاب الذي أخبرتُ إني أنزله على محمد- A . ثم عَطَفَ عليه بالواو قوله تعالى : { وَالَّذِى أُنِزلَ إلَيك مِن رَّبِّكَ الحَقُّ } هو حق وصدق ، لأنه أنزله على نَبيِّه- A .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } .\rأي ولكن الأكثر من الناس من أصناف الكفار لا يؤمنون به ، فَهُمْ الأكثرون عدداً ، والأقلون قَدْراً وخَطَراً .","part":3,"page":488},{"id":1489,"text":"قوله جلّ ذكره : { اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ } .\rدلَّ على صفاته وذاته بما أخبر به من آياته ، ومن جملتها رفعُ السمواتِ وليس تحتها عمادٌ يَشُدُّها ، ولا أوتادٌ تُمْسِكها . وأخبر في غير هذه المواضع أنه زَيَّنَ السماءَ بكواكبها ، وخصَّ الأرض بجوانبها ومناكبها .\rو { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } : أي أحتوى على مُلْكِه احتواءَ قُدْرَةٍ وتدبير . والعرشُ هو المُلْكُ حيث يقال : أندكَّ عرشُ فلان إذا زال مُلْكُه .\rقوله جلّ ذكره : { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌ يَجْرِى لأَِجَلٍ مُّسَمّىً . . . . } .\rكلٌّ يجري في فَلَكٍ . ويدلُّ كل جزء من ذلك على أنه فِعلُ في مُلْكِه غير مشترك .","part":3,"page":489},{"id":1490,"text":"بَسَطَ الأرْضَ ودحاها ، الجبالَ أرساها ، وفَجَّرَ عيونها ، وأجرى أنهارها ، وجَنَّسَ بِحارها ، ونَوَّعَ من الحيوانات ما جعل البحرَ قرارها ، وأنبت أشجارها ، وصَنَّفَ أزهارَها وثمارَها ، وكوَّر عليها ليلَها ونهارَها . . ذلك تقديرُ العزيز العليم .","part":3,"page":490},{"id":1491,"text":"فَمِنْ سبخٍ ومن حَجَرٍ ومن رمل . . أنواع مختلفة ، وأزواج متفقة . وزروع ونبات وأشجار أشتات ، وأصل الكل واحد ، فأجزاؤها متماثلة ، وأبعاضها متشاكلة ، ولكن جعل بعضها غدقاً ، وبعضاه قشراً ، وبعضها غُصْناً ، وبعضها جذعاً ، وبعضها أزهاراً ، وبعضها أوراقاً . . ثم الكلُّ واحد ، وإن كان لكلِّ واحدٍ طبعٌ مخصوص وشكلٌ مخصوص ، ولون مخصوص وقشر مخصوص مع أنها تُسْقَى بماءٍ واحدٍ؛ إذ يصل إلى كل جزء من الشجر من الماء مقدارُ ما يحتاج إليه ، { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِ فِى الأُكُلِ } .","part":3,"page":491},{"id":1492,"text":"وإن تعجبُ- يا محمد- لقولهم فهذا موضعٌ يَتَعَجَّبُ منه الخَلْق ، فالعَجَبُ لا يجوز في صفة الحقِّ ، إذ إن التعجبَ الاستبعادُ والحقُّ لا يَسْتَبْعِدُ شيئاً ، وإنما أثبت موضعَ التعجب للخَلْق ، وحَسَنٌ ما قالوا : « إنما تعجب من حجب » لأنَّ مَنْ يَنَلْ عيونَ البصيرةِ لا يتعجَّبُ مِنْ شيء .\rوقومٌ أطلقوا اللفظ بأن هذا من باب الموافقة أي إنك إن تعجب فهذا عجب موافقتك له .\rوإطلاق هذا - وإن كان فيه إشارة إلى حالة لطيفة - لا يجوز ، والأدبُ السكوتُ عن أمثال هذا . والقوم عبّروا عن ذلك فقالوا : أعجبُ العجبِ قول ما لا يجوز في وصفه العجب . . وإنْ تعجَّب .\rوقوله تعالى : { أَءِذَا كُنَّا تُرَاَباً أءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } : استبعادُهم النشأةَ الثانيةَ- مع إقرارهم بالخَلْقِ الأولِ وهما في معنىً واحد - موضعُ التعجب ، إذ هو صريح في المناقضة ، وكان القومُ أَصحابَ تمييز وتحصيل ، فقياسٌ مثل هذا يدعو إلى العجب . ولكن لولا أن الله - سبحانه - لَبَّسَ عليهم كما قال : { فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [ يس : 9 ] - وإلا ما كان ينبغي أَنْ يخفي عليهم جواز هذا مع وضوحه .","part":3,"page":492},{"id":1493,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَهُ مَعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } .\rالكناية في : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ } راجعةٌ إلى العبد ، أي أن ألله وَكَلَ بكلِّ واحدٍ منهم معقباتٍ وهم الملائكة الذين يعقب بعضهم بعضاً بالليل والنهار يحفظون هذا المكلَّف وذَاكَ من أمر الله ، أي من البلاء الذي بقدرة الله . يحفظونهم بأمر الله من أمر الله ، وذلك أن الله - سبحانه - وَكَلَ لكلِّ واحدٍ من الخَلقْ ملائكةً يدفعون عنهم البلاَءَ إذا ناموا وغفلوا ، أو إذا انتبهوا وقاموا ومشوا . . . وفي جميع أحوالهم .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بقومٍ حتى يغيروا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .\rوإذا غيَّروا ما بهم إلى الطاعات غيَّر الله مابهم منه من الإحسان والنعمة ، وإذا كانوا في نعمة فغيَّروا مابهم من الشكر لله تغيَّر عليهم ما مَنَّ به من الإنعام فيسلبهم ما وهبهم من ذلك ، وإذا كانوا في شدة لا يغير ما بهم من البلاء حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أخذوا في التضرع ، وأظهروا العجز غيَّر ما بهم من المحنة بالتبديل والتحويل .\rويقال إذا غيَّروا ما بألسنتهم من الذِّكْرِ غيَّر الله ما بقلوبهم من الحظوظ فأبدلهم به النسيانَ والغفلة ، فإذا كان العبد في بسطةٍ وتقريب ، وكشفٍ بالقلب وترقب . . فاللَّهُ لا يُغَيِّر ما بأنفسهم بترك أدبٍ ، أو إخلال بحقٍ ، أو إلمام بذنبٍ .\rويقال لا يَكُفُّ ما أتَاحه للعبد من النعمة الظاهرة أو الباطنة حتى يتركَ ويُغَيِّر ما هو به من الشكر والحمد . فإذا قابل النعمة بالكفران ، وأبدل حضور القلب بالنسيان وما يُطيح به من العصيان . . أبدل اللَّهُ تعالى ما به من النعمة بالحرمان والخذلان ، وسَلَبَه ما كان يعطيه من الإحسان .\rويقال إذا توالت المحنُ وأراد العبدُ زوالَها فلا يصل إليه النَّفْضُ منها إلاَّ بأَنْ يغير ما هو به؛ فيأخذ في السؤال بعد السكوت ، وفي إظهار الجَزَع بعد السكون ، فإذا أخذ في التضرع غيَّر ما به من الصبر .\rقوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بَقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } : يقال إذا أراد اللَّهِ بقومٍ بلاءً وفتنة فما تعلَّقَتْ به المشيئة لا محالة يجري .\rويقال إذا أراد الله بقوم سوءاً ( . . . ) أعينهم حتى يعملوا ويختاروا ما فيه بلاؤهم ، فهم يمشون إلى هلاكهم بأقدامهم ، ويسعون - في الحقيقة - في دَمِهِم كما قال قائلهم :\rإلى حَتْفِي مَشَى قدمي ... إذا قَدَمِي أراق دمي","part":3,"page":493},{"id":1494,"text":"كما يريهم البرقَ - في الظاهر - فيكونون بين خوفٍ وطمعٍ؛ خوفٍ من إحباس المطر وطمع في مجيئه . أو خوفٍ للمسافر من ضرر مجيء المطر ، وطمع للمقيم في نفعه . . كذلك يُريهم البرقَ في أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم كالبرق في الصفاء ، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة .\r{ خَوْفَاً } : من أن ينقطع ولا يبقى ، { وَطَمَعاً } : في أن يدومَ فيه نقلُ صاحبه من المحاضرة إلى المكاشفة ، ثم من المكاشفة إلى المشاهدة ، ثم إلى الوجود ثم دوام الوجود ثم إلى كمال الخمود .\rويقال : { يَرِيكُمُ الْبَرْقَ } : من حيث البرهان ، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان ، ثم يصير إلى نهار العرفان . فإذا طلعت شموسُ التوحيدِ فلا خفاءَ بعدها ولا استتار ولا غروب لتلك الشموس ، كما قيل :\rهي الشمسُ إلا أَنَّ للشمس غيبة ... وهذا الذي نَعْنيه ليس يغيب\rويقال تبدو لهم أنوار الوصال فيخافون أن تجنَّ عليهم ليالي الفرقة ، فَقَلَّمَا تخلو فرحةُ الوصال من أن تعقبها موجة الفراق ، كما قيل :\rأي يوم سررتني بوصالٍ ... لم تَدَعْني ثلاثةً بصدود؟!\rقوله جلّ ذكره : { وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ } .\rإذا انتاب السحابةَ في السماء ظلامٌ في وقتٍ فإنه يعقبه بعد ذلك ضحكُ الرياض ، فَمَا لَمْ تَبْكِ السماءُ لا يضحكُ الروضُ ، كما قيل :\rومأتمٌ فيه السماءُ تبكي ... والأرضُ من تحتها عَرُوسُ\rكذلك تنشأ في القلب سحابة الطلب ، فيحصل للقلب ترددُ الخاطر ، ثم يلوح وجهُ الحقيقة ، فتضحكُ الروح لفنونِ راحاتِ الأُنْس وصنوفِ ازهارِ القُرْب .","part":3,"page":494},{"id":1495,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } .\rأي الملائكة أيضاً تسبح من خوفه تعالى .\rقوله جلّ ذكره : { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ } .\rقد يكون في القلب حنين وأنين ، وزفير وشهيق . والملائكة إذا حصل لهم على قلوب المريدين - خصوصاً - اطلاعٌ يبكون دَمَاً لأَجْلهم ، لا سيّما إذا وقعت لواحدٍ منهم فترةُ ، والفترةُ في هذه الطريقة الصواعقُ التي يصيب بها من يشاء ، وكما قيل :\rما كان ما أَوْلَيْتَ مِن وَصْلنا ... إلا سراجاً لاح ثم انْطَفا","part":3,"page":495},{"id":1496,"text":"قوله جلّ وذكره : { لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعَونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَلاغِهِ } .\rدواعي الحق تصير لائحةً في القلوب من حيث البرهان فمن استمع إليها بسمع الفهم ، استجاب لبيان العلم . وفي مقابلتها دواعي الشيطان التي تهتف بالعبد بتزيين المعاصي ، فمن أصغى إليها بسمع الغفلة استجاب لصوت الغَيّ ، ومعها دواعي النّفْس وهي قائدةٌ للعبد بزمام الحظوظ ، فمن رَكَنَ إليها ولاحَظَها وقع في هوانِ الحِجاب .\rودواعي الحقِّ تكون بلا واسطة مَلَكٍ ، ولا بدلالة عقل ، ولا بإشارة علم ، فمن أسمعه الحقُّ ذلك استجاب لا محالَة لله بالله .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِى ضَلاَلٍ } .\rهواجس النَّفسِ ودواعيها تدعو - في الطريقة - إلى الشّركِ ، وذلك بشهود شيءٍ منكَ ، وحسبان أمرٍ لَكَ ، وتعريجٍ في أوطان الفرْق ، والعَمَى عن حقائق الجَمْع .","part":3,"page":496},{"id":1497,"text":"المؤمن يسجد لله طوعاً ، وإذا نزل به ضر ألجأه إلى أَنْ يتواضع ويسجد ، وذلك معنى سجوده كرهاً- وهذا قول أهل التفسير . والكافر يسجد طائعاً مختاراً ، ولكن لمَّا كان سجودُه لطلبِ كَشْفِ الضُّرِّ قال تعالى : { إنه يسجد كرهاً } على مقتضى هذا كلُّ مَنْ يَسْجُدُ لابتغاءِ عِوَضٍ أو لكشفِ محنة .\rويقال السجود على قسمين : ساجدٌ بِنَفْسِه وساجدٌ بقلبه؛ فسجودُ النَّفْسِ معهود ، وسجودُ القلب من حيث الوجود . . وفَرْقٌ بين من يكون بنفسه ، وواجد بقلبه .\rويقال الكلُّ يسجدون لله؛ إِمَّا من حيث الأفعال بالاختيار ، أو من حيث الأحوال بنعت الافتقار والاستبشار : سجودٌ من حيث الدلالة على الوحدانية؛ فكلُّ جزءٍ من عين أو أثر فَعَلَى الوحدانية شاهدٌ ، وعلى هذا المعنى للَّهِ ساجدٌ . وسجود من حيث الشهادة على قدرة الصانع واستحقاقه لصفات الجلال .","part":3,"page":497},{"id":1498,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُل مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لآ يَمْلِكُونَ لأِنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً } .\rسَلْهُمْ - يا محمد- مَنْ موجِدُ السموات والأرض ومُقَدِّرُها ، ومُخْتَرعُ ما يحدث فيها ومدبِّرها؟ فإِنْ أَسْكَتهُمْ عن الجواب ما استكَنَّ في قلوبهم مِنَ الجهلِ فقُلْ الله منشيها ومجريها .\rثم قال : { أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } : يعني الأصنام ، وهي جمادات لا تملك لنفسها نَفْعَاً ولاَ ضَرَّاً ، ويلتحق في المعنى بها كلُّ مَنْ هو موسومٌ برقم الحدوث ، فَمَنْ علَّقَ قلبَه بالحدثان ساوَى - مِنْ وجهٍ - مَنْ عَبَدَ الأصنام ، قال تعالى : { وَمَأ يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [ يوسف : 106 ] .\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَمْ هَلْ تََسْتَوِى الظُّلُمَاتُ والنُّورُ } .\rالأعمى مَنْ على بصيرته غشاوة وحجبة ، والبصيرُ مَنْ كَحَّلَ الحقُّ بصيرة سِرِّه بنور التوحيد . . لا يستويان!\rثم هل تستوي ظلماتُ الشِّرك وأنوارُ التوحيد؟ ومن جملة النور الخروجُ إلى ضياء شهود التقدير .\rقوله جلّ ذكره : { أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَئٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ } .\rأي لو كان له شريك لَوَجَبَ أن يكون له نِدٌّ مُضاهٍ وفي جميع الأحكام له موازٍ ولم يجدِ حينئذٍ التمييزُ بين فِعْلَيْهِما .\rوكذلك لو كان له ندٌّ . . فإنَّ إثباتَهما شيئين اثنين يوجِب اشتراكَهما في استحقاق كل وصف ، وأن يكون أحدهما كصاحبه أيضاً مستحقاً له ، وهذا يؤدي إلى ألا يُعْرَفَ المَحَلُّ . . . وذلك محال .\rقوله جلّ ذكره : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَئٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ } .\r{ وَكُلُّ شَئٍ } تدخل فيه المخلوقات بصفاتها وأفعالها ، والمخاطِبُ لا يدخل في الخطاب .\r{ وَهُوَ الوَاحِدُ } : الذي لا خَلَفَ عنه ولا بَدَل ، الواحد الذي في فضله منزه عن فضل كل أحد ، فهو الكافي لكلِّ أحد ، ويستعين به كل أحد .\rو { الْقَهَّارُ } : الذي لا يجري بخلاف حُكْمِه - في مُلْكِه - نَفَسٌ .","part":3,"page":498},{"id":1499,"text":"هذه الآية تشتمل على أمثالٍ ضربها أللَّهُ لتشبيه القرآنِِ المُنَزَّلِ بالماءِ المُنَزَّلِ من السماء ، وشبَّه القلوب بالأودية ، وشبَّه وساوسَ الشيطان وهواجسَ النَّفْس بالزَّبِّدِ الذي يعلو الماء ، وشبَّه الخُلُق بالجواهر الصافية من الخَبَثِ كالذهب والفضة والنحاس وغيرها . وشبَّه الباطلَ بِخَبَثِ هذه الجواهر . وكما أن الأودية مختلفة في صغرها وكبرها وأن بقدرها تحتمل الماء في القلة والكثرة - كذلك القلوبُ تختلف في الاحتمال على حسب الضعف والقوة . وكما أَن السيلَ إذا حَصَلَ في الوادي يُطَهِّرُ الوادي فكذلك القرآن إذا حصل حِفْظُه في القلوب نَفَى الوساوسَ والهوى في الوادي عنها ، وكما أَنَّ الماءَ قد يصحبه ما يكدره ، يخلص بعضه مما يشوبه - فكذلك الإيمان وفَهُمْ القرآن في القلوب المؤمنين حين تخلص من نَزَعْاتِ الشيطان ومن الخواطر الرَّدِيَّة ، فالقلوب بين صافٍ وكَدِرٍ .\rوكما أنَّ الجواهَر التي تتخذ منها الأواني إذا أذيبت خَلَصتْ من الخَبَثِ كذلك الحق يتميز من الباطل ، ويبقى الحقُّ ويضمحل الباطل .\rويقال إن الأنوار إذا تلألأت في القلوب نَفَت آثار الكفلة ، ونور اليقين ينفي ظلمة الشك ، والعلم ينفي تهمة الجهل ، ونور المعرفة ينفي أثر النكرة ، ونور المشاهدة ينفي آثار البشرية ، وأنوار الجمع تنفي آثار التفرقة . وعند أنوار الحقائق تتلاشى آثار الحظوظ ، وأنوار طلوعِ الشمس من حيث العرفان تنفي سَدَفَةَ الليل من حيث حسبان أثر الأغيار .\rثم الجواهر التي تتخذ منها الأواني مختلفة فَمِنْ إناءٍ يتخذ من الذهب وآخر من الرصاص ، إلى غيره ، كذلك القلوب تختلف ، وفي الخبر : « إن لله تعالى أوانيَ وهي القلوب » فزاهد قاصدٌ ومحب واجِدٌ ، وعابدٌ خائفٌ ومُوحِّدٌ عارفٌ ، ومتعبِّدٌ متعفِّفٌ ومتهجِّدٌ متصوف ، وأنشدوا :\rألوانُها شتَّى الفنونِ وإنما ... تُسْقى بماءٍ واحدٍ من مَنْهَلِ","part":3,"page":499},{"id":1500,"text":"{ الحُسْنَى } : الوعد بقبول استجابتهم ، وذلك مِنْ أََجَلِّ الأشياءِ عندهم؛ فلا شيء أعزُّ على المحبِّ مِنْ قبولِ محبوبه منه شيئاً .\rأما الذين لم يستجيبوا له فلو أَنّ لهم جميع ما في الأرض وأنفقوه عَمْداً لا يُقْبَلُ منهم ، ولهم سوءُ الحساب ، وهو المناقشة في الحساب ، ثم مأواهم جهنم ودوام العذاب .","part":3,"page":500},{"id":1501,"text":"استفَهام في معنى النفي ، أي لا يستوي البصير و الضرير ، ولا المقبول بالمردود بالحجبة ، ولا المُؤَمَّل بالتقريب بالمُعَرَّض للتعذيب ، ولا الذي أقصيناه عن شهودنا بالذي هديناه بوجودنا . إنما يتَّعِظُ مَنْ عقله له تشريف ، دونَ مَنْ عقله له سببُ إقصاءً وتعنيف .","part":4,"page":1},{"id":1502,"text":"الوفاء بالعهد باستدامة العرفان ، والوفاء بشرط الإحسان ، والتوقيِّ من ارتكاب العصيان- بذلك أُبْرِمَ العقدُ يوم الميثاق و الضمان .\rوميثاقُ قومٍ ألا يعبدوا شيئاً ، وميثاق قومٍ ألا يسألوا سواه .","part":4,"page":2},{"id":1503,"text":"الذين يَصِلون الإيمان به بالإيمان بالأنبياء والرسل .\rويقال الذين يصلون أنفاسَهم بعضاً ببعض؛ فلا يتخلَّلُها نَفَسٌ لغير الله ، ولا بغير الله ، ولا في شهود غير الله .\rويقال يَصِلُون سَيْرَهم بِسُرَاهم في إقامة العبودية ، والتبرِّي من الحول والقوة .\rوقوله : { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } : الخشية لجامٌ يُوقفُ المؤمنَ عن الرَّكْضِ في ميادين الهوى ، وزِمامٌ يَجُرُّ إلى استدامة حكم التُّقَى .\rوقوله : { وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } هو أن يبدو من الله ما لم يكونوا يحتسبون .","part":4,"page":3},{"id":1504,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ } .\rالصبر يختلف باختلاف الأغراض التي لأَجْلِها يصبر الصابر ، فالعُبَّاد يصبرون لخوف العقوبة ، والزهاد يصبرون طمعاً في المثوبة ، وأصحاب الإرادة هم الذين صبروا ابتغاء وجهِ ربهم؛ وشرطُ هذا النوع من الصبر رَفْضُ ما يمنع من الوصول ، واستدامةُ التوقي منه ، فيدخل فيه ترك الشهوات ، والتجردُ عن جميع الشواغل والعلاقات ، فيصبر عن العِلَّةِ والزَّلةِ ، وعن كل شيءٍ يشغل عن الله .\rومما يجب عليه الصبر الوقوفُ على حكم تَعزُّزٍ الحق ، فإنَّه - سبحانه - يتفضِّل على الكافة من المجتهدين ، ويتعزز - خصوصاً- على المريدين ، فيمنحهم الصبر في أيام إرادتهم ، فإذا صَدَقُوا في صبرهم جَادَ عليهم بتحقيق ما طلبوا .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيةً } .\rالأغنياء ينفقون أموالَهم . والعُبَّاد ينفقون نفوسَهم ويتحملون صنوف الاجتهاد ، ويصبرون على أداء الفرائض والأوراد . والمريدون ينفقون قلوبهم فيسرعون إلى أداء الفرائض والأوراد ويصبرون إلى أن يبوحَ علم من الإقبال عليهم . وأمَّا المحبون فينفقون أرواحَهم . . وهي كما قيل :\rألستَ لي خَلَفاً؟ كفى شَرَفَاً ... فما وراءًكَ لي قَصْدٌ ومطلوبُ\rقوله جلّ ذكره : { وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيْئَةَ أُوَْلئِكَ لَهُمُ عُقْبَى الدَّارِ } .\rيعاشرون الناس بِحُسْنِ الخلُق؛ فيبدأون بالإنصاف ولا يطلبون الانتصاف ، وإِنْ عَامَلَهم أحدٌ بالجفاء قابلوه بالوفاء ، وإِنْ أذنب إليهم قومٌ اعتذروا عنهم ، وإن مرضوا عادوهم .","part":4,"page":4},{"id":1505,"text":"يتم النعمة عليهم بأن يجمع بينهم وبين مَن يُحبون صحبتهم مِنْ أقاربهم وأزواجهم ، وقد ورد في الخبر : « المرءُ مع مَنْ أَحَب » فَمَنْ كان محبوبُه أمثالَه وأقاربَه حُشِرَ معهم ، ومَنْ كان اليومَ بقلبه مع الله ، فهو غداً مع الله ، وفي الخبر : « أنا جليسُ مَنْ ذكرني » وهذا في العاجل ، وأمَّا في الآجل ، ففي الخبر : « الفقراء الصابرون جُلَسَاءُ الله يومَ القيامةِ » .","part":4,"page":5},{"id":1506,"text":"مَنْ كفر بعد إيمانه نَقَضَ عهدَ الإسلام في الظاهر ، ومن رجع إلى أحكام العادة بعد سلوكه طريق الإرادة ، فقد نقض عَهْدَه في السَّرَّاء . . . فهذا مُرْتَدٌّ جهراً ، وهذا مرتَدٌّ سِرَّاً ، والمرتد جهراً عقوبته قطعُ رأسِه ، والمرتد سِرَّاً عقوبته قَطْعُ سِرِّه .\rوقوله : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } ، هو نقض قوله : { يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } [ الرعد : 21 ] .\rويقال نقض العهد هو الاستعانة بالأغيار ، وتَرْكُ الاكتفاء بالله الجبّار .\rويقال نَقْضُ العهد الرجوع إلى الاختيار والتدبير بعد شهودِ الأقدار ، وملاحظة التقدير .\rويقال نقض العهد بِتَرْكِ نَفْسِه ، ثم يعود إلى ما قال بتركه .","part":4,"page":6},{"id":1507,"text":"قوله جلّ ذكره : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } .\rيبسط الرزق للأغنياء ويُطَالِبُهم بالشكر؛ ويُضَيِّقُ على الفقراء ويطالبهم بالصبر . وَعَدَ الزيادةَ للشاكرين ، ووعد المَعِيَّة للصابرين . للأغنياء الأموال بمزيدها ، وللفقراء التجرد في الدارين عن طريفها وتليدها .\rقوله جلّ ذكره : { وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ فِى الأَخِرَةِ إلاَّ مَتَاعٌ } .\rفَرِحَ الأغنياءُ بزكاء أموالهم ، وفَرِحَ الفقراء بصفاء أحوالهم .\r{ وَمَا الْحَيَاةُ فِى الأَخِرَةِ إلاَّ مَتَاعٌ } قليلٌ بالإضافة إلى ما وعدهم الله ، فأموالُ الأغنياء- وإنْ كَثُرَت - قليلةٌ بالإضافة إلى ما وعَدَهم من وجود أفضاله ، وأحوال الفقراء- وإنْ صَفَتْ - قليلة بالإضافة إلى ما وعدهم من شهود جماله وجلاله .","part":4,"page":7},{"id":1508,"text":"{ يُضِلُّ مَن يَشآءُ } : وهم الذين لم يشهدوا ما أعطى نبينا - A - من الشواهد والبرهان حتى ( . . . ) الزيادة .\r{ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ } [ النور : 46 ] : وهم الذين أبصروا بعيون أسرارهم ما خُصَّ به من الأنوار فسكنوا بنور استبصارهم .","part":4,"page":8},{"id":1509,"text":"قومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكرهم الله ، وفي الذكر وَجَدُوا سَلْوَتَهم ، وبالذكر وصلوا إلى صفوتهم . وقومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكر الله فَذَكَرَهُمْ الله - سبحانه - بلطفه ، وأَثْبَت الطمأنينةَ في قلوبهم على وجه التخصيص لهم .\rويقال إذا ذكروا أَنَّ الله ذَكَرَهم استروحت قلوبُهم ، واستبشرت أرواحُهم ، واستأنست أسرارُهم ، قال تعالى : { أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ } لِمَا نالت بِذِكْرِهِ من الحياة ، وإذا كان العبدُ لا يطمئن قلبُه بذكر الله ، فذلك لِخَللٍ في قلبه ، فليس قلبه بين القلوب الصحيحة .","part":4,"page":9},{"id":1510,"text":"طابت أوقاتُهم وطابت نفوسُهم .\rويقال طوبى لمن قال له الحقُّ : طوبى .\rطوبى لهم في الحال ، وحُسْنُ المآب في المآل .","part":4,"page":10},{"id":1511,"text":"لئن أرسلناك بالنبوة إليهم فلقد أرسلنا قبلك كثيراً من الرسل ، ولئن أصابك منهم بلاءٌ فلقد أصاب مَنْ قَبْلَكَ كثيرٌ من البلاء ، فاصْبِرْ كما صَبَرُوا تُؤْجَرْ كما أُجِرُوا .\rقوله جلّ ذكره { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّى لآَ إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } .\rلئن كفروا بنا فآمِنْ أنت ، وإذا آمنتَ فلا تبالِ بِمَنْ جَحَد ، فإِنَّك أنت المقصودُ من البَرِيَّة ، والمخصوصُ بالرسالة والمحبة .\rلو كان يجوز في وصفنا أن يكون لنا غرضٌ في أفعالنا .\rولو كان الغرض في الخِلْقَة فأنت سيد البَشَر ، وأنت المخصوص من بين البشرية بحسن الإقبال ، فهذا مخلوق يقول في مخلوق :\rوكنتُ أَخَّرْتُ أوطاري لوقت ... فكان الوقت وقتك والسلام\rوكنت أطالِبُ الدنيا بِحُبِّ ... فكنتَ الحُبَّ . . وانقطع الكلام","part":4,"page":11},{"id":1512,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلِ لِّلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً } .\rلو كان شيء من المخلوقات يظهر يغيرنا في الإيجاد لكان يحصل بهذا القرآن ، ولكن المنشئ الله ، والخير والشر جملةً من الله ، والأمر كله لله . فإذا لم يكن شيء من الحدثان بالقرآن - والقرآن كلام الله العزيز- فلا تكون ذرة من النفي والإثبات لمخلوق . . فإن ذلك محال .\rقوله جلّ ذكره { أَفَلَمْ يَايْئَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً } .\rمعناه أفلم يعلم الذين آمنوا ، ويقال أفلم ييأسوا من إيمانهم وقد علموا أنه من يهديه الحق فهو المهتدي؟\rقوله جلّ ذكره { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةُ أَوْ تَحُلَّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ } .\rيعني شؤمُ كُفْرِهم لا يزال واصلاً إليهم ، ومقتصُّ فعلهم لاحِقٌ بهم أبداً .","part":4,"page":12},{"id":1513,"text":"أنزل هذه الآية على جهة التسلية للرسول- A - عما كان يلاقيه منهم . وكما أن هؤلاء في التكذيب جَرَوْا على نهجهم فنحن أَدَمْنَا سُنَّتَنَا في التعذيب معهم .","part":4,"page":13},{"id":1514,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ } .\rالجواب فيه مضمر؛ أي أفمن هو مُجْرِي ومنشئ الخَلْقِ والمُطَّلِعُ عليهم ، لا يَخْفَى عليه منهم شيءٌ كَمَنْ ليس كذلك؟ لا يستويان غداَ أبداً .\rقوله جلّ ذكره : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِئُّونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْلِ } .\rقُل لهم أروني أي تأثير منهم ، وأي نفع لكم فيهم ، وأي ضرر لكم منهم؟ أتقولون ما يعلم الله بخلافه؟ وهذا معنى قوله : { بِمَا لاَ يَعْلَمُ } .\rقوله جلّ ذكره : { بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضِلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .\rأي قد تبين لكم أن ذلك من كيد الشيطان ، وزين للذين كفروا مكرهم ، وصاروا مصدودين عن الحق ، مسدودة عليهم الطُّرُقُ ، فإنَّ مَنْ أَضَلَّه حُكْمُه - سبحانه - لا يهديه أحدٌ قطعاً .","part":4,"page":14},{"id":1515,"text":"المَثَلُ أي الصفة ، فصفة الجنة التي وعد المتقون هي أنها جنة تجري من تحتها الأنهار ، وأُكُلُها دائم وظلها دائم ، أي أن اللذاتِ فيها متصلةٌ . وإنما لهم جنات معجلة ومؤجلة ، فالمؤجَّلَةُ ما ذكره الله - سبحانه - في نص القرآن ، والمعجلة جنة الوقت . . والدرجات - من حيث البسط - فيها متصلة ، ونفحاتُ الأُنْسِ لأربابها لا مقطوعة ولا ممنوعة .","part":4,"page":15},{"id":1516,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ } .\rيريد بهم مؤمني أهل الكتاب الذين كانوا يفرحون بما ينزل من القرآن لصدق يقينهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَمِنَ الأَحَزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } .\rأي الأحزاب الذين قالوا كان محمد يدعو إلى إله واحد ، فالآن هو ذا يدعو إلى إلهين لمَّا نزل : { قَلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادعُوا الرَّحَمْنَ } [ الإسراء : 110 ] .\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَئَابِ } .\rقل يا محمد : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ } . والعبوديةُ المبادرة إلى ما أُمِرْتُ به ، والمحاذرة مما زجُرْتُ عنه ، ثم التبرِّي عن الحَوْل والمُنَة ، والعتراف بالطوْل والمِنَّة .\rوأصل العبودية القيام بالوظائف ، ثم الاستقامة عند رَوْح اللطائف .","part":4,"page":16},{"id":1517,"text":"أي حُكْماً ببيان العرب؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أرسل الرسلَ في كلِّ وقتٍ كُلاً بلسان قومه ليهتدوا إليه .\rويقال مِنْ صفات العرب الشجاعة والسخاء ومراعاة الذِّمام وهذه الأشياء مندوبٌ إليها في الشريعة .\r{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوآءَهُم } : أي ولئن وافقتهم ، ولم تعتصم بالله ، ووَقَعَتْ على قلبك حشمةٌ من غير الله - فَمَا لَكَ من واقٍ من الله .","part":4,"page":17},{"id":1518,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِآيَةٍ إلا بِإِذِنِ اللَّهِ } .\rأي أرسلنا رسلاً من قبلك إلى قومهم ، فلم يكونا إِلا من جنسك ، وكما لكم أزواج وذرية كانت لهم أزواج وذرية ، ولم يكن ذلك قادحاً في صحة رسالتهم ، ولا تلك العلاقات كانت شاغلة لهم .\rويقال إن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الأشغال لا تؤثر في حاله؛ ولا يضره ذلك .\rقوله جلّ ذكره { لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ } .\rأي لكل شيء أجل مثبت في كتاب الله وهو المحفوظ ، وله وقت قُسِمَ له ، وأنه لا اطلاعَ لأحدٍ على علمه ، ولا اعتراضَ لأحدٍ على حُكْمه .","part":4,"page":18},{"id":1519,"text":"المشيئة لا تتعلق بالحدوث ، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث .\rفصفات ذات الحق - سبحانه - من كلامه وعلمه ، وقوْلِه وحُكْمِه لا تدخل تحت المحو والإثبات ، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله؛ المحوُ يرجع إلى العَدَم ، والإثباتُ إلى الإحداثِ ، فهو يمحو من قلوب الزُّهاد حُبَّ الدنيا ويُثْبِتُ بَدَلَه الزهدَ فيها ، كما في خبر حارثَةَ : « عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حَجَرُها وذَهبُها » .\rويمحو عن قلوب العارفين الحظوظَ ، ويُثْبِتُ بدلها حقوقَه تعالى ، ويمحو عن قلوب المُوحِّدين شهودَ غير الحق ويثبت بَدَلَه شهود الحق ، ويمحو آثار البشرية ويثبت أنوار شهود الأحدية .\rويقال يمحو العارفين عن شواهدهم ، ويثبتهم بشاهد الحق .\rويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقِّ فيكون محواً عن الخْلق مثبتاً بالحق للحق .\rويقال يمحو العبد فلا يجري عليه حكم التدبير ، ويكون محواً بحسب جريان أحكام التقدير ، ويثبت سلطانَ التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه على ما يشاء .\rويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذِكْرَ الحق ويثبت بَدَلَه غلبات الغفلةِ وهواجِمَ النسيان .\rويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة ، ويثبت بدلها الرجوعَ إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة .\rويقال يمحو أوضارَ الزَّلَّة عن نفوس العاصين ، وآثار العصيان عن ديوان المذنبين ( ويثبت ) يدل ذلك لَوْعَةَ النَّدم ، وإنكسار الحَسْرَةِ ، والخمودَ عن متابعة الشهوة .\rويقال يمحو عن ذنوبهم السئيةَ ، ويثبت بدلها الحسنة ، قال تعالى : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ } [ الفرقان : 70 ] .\rويقال يمحو الله نضارةَ الشباب ويثبت ضعفَ المشيب .\rويقال يمحو عن قلوب الراغبين في مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار صحبتهم ، ويثبت بدلاً مه الزهد في صحبتهم والاشتغال بعِشْرَتِهِم .\rويقال يمحو الله ما يشاء من أيام صَفَتْ من الغيب ، وليالٍ كانت مُضاءةً بالزلفة والقربة ويثبت بدلاً منه ذلك أياماً في أشدُّ ظلاماً من الليالي الحنادس ، وزمانا يجعل سَعَةَ الدنيا عليهم محابِس .\rويقال يمحو العارفين بكشف جلاله ، ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله .\rويقال يمحوهم إذا تجلَّى لهم ، ويثبتهم إذا تعزَّز عليهم .\rويقال يمحوهم إذا ردّهم إلى أسباب التفرقة لأنهم يبصرون بنعت الافتقار والانكسار ، ويثبتهم إذا تجلَّى لقلوبهم فيبصرون بنعت الاستبشار ، ويشهدون بحكم الافتخار .\rقوله جلّ ذكره { وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ } .\rقيل اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما سبق به عِلْمُه وحُكْمُه مما لا تبديلَ ولا تغييرَ فيه .\rويقال إنه إشارة إلى علمه الشامل لكل معلوم .","part":4,"page":19},{"id":1520,"text":"نفي عنه الاستعجال أمراً ، و ( . . . . ) في قلوبهم أنه يوشك أن يجعل الموعود جهراً .","part":4,"page":20},{"id":1521,"text":"في التفاسير : بموت العَلماء ، وفي كلام أهل المعرفة بموت الأولياء ، الذين إذا أصاب الناسَ بلاءٌ ومحنةٌ فزعوا إليهم فيدعون الله ليكشف البلاَءَ عنهم .\rويقال هو ذهاب أهل المعرفة حتى إذا جاء مسترشِدٌ في طريق الله لم يجد مَنْ يهديه إلى الله .\rويقال : في كل زمان لسانٌ ينطق عن الحقِّ سبحانه فإذا وَقَعتْ فترةٌ سكنَ ذلك اللسانُ - وهذا هو النقصان في الأطراف الذي تشير إليه الآية وأنشد بعضهم :\rطوى العصران ما نشراه مني ... وأبلى جدتي نشرٌ وطيُّ\rأراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ... ولا يبقى مع النقصان شيءُ\rويقال ينقصها مِنْ أطرافها أي بفتح المدائن وأطراف ديار الكفار ، وانتشار الإسلام ، قال تعالى : { لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } [ الفتح : 28 ] .\rويقال ينقصها من أطرافها بخرابِ البلدان ، قال تعالى : { كُلُّ شَئٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] وقال : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [ الرحمن : 26 ] فموعودُ الحقِّ خرابُ العَالَمِ وفناءُ أهلِه ، ووعدُه حقٌّ لأن كلامَه صِدْقٌ ، واللَّهُ يحكم لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه ، ولا ناقِضَ لما أبرمه ، ولا مُبْرِمَ لِمَا نَقَضَه ، ولا قابل لِمَنْ رَدَّه ، ولا رادَّ لِمَنْ قَبِلَه ولا مُعِزَّ لِمَنْ أهانه ، ولا مُذِلَّ لمن أعَزَّه .\r{ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ } [ الرعد : 41 ] : لأن ما هو آتٍ فقريب .\rويقال { سَرِيعُ الحِسَابِ } [ الرعد : 41 ] في الدنيا؛ لأَنَّ الأولياءَ إذا ألموا بشيءٍ ، أو هَمُّوا لمزجورٍ عُوتِبُوا في الوقت ، وطولِبوا بِحُسْنِ الرُّجعي .","part":4,"page":21},{"id":1522,"text":"مكرُهم إظهارُ الموافقة مع إسرارهم الكُفْرَ ، ومكرُ الله بهم تَوَهُّمُهُم أنهم مُحْسِنون في اعمالهم ، وحسبانهم أنهم سَنأْمَنُ أحوالُهم ، وظَنُّهم أنه لا يحيق بهم مكرُهم ، وتخليتُه إياهم - مع مَكِرهم - مِنْ أَعْظَم مَكْرِه بهم .","part":4,"page":22},{"id":1523,"text":"وَبالَ تكذيبهِم عائدُ إليهم ، فإنَّ اللَّهَ شهيدٌ لَكَ بِصَدْقِك . { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ } هو الله سبحانه وتعالى عنده عِلْمُ جميع المؤمنين . فالمعنى كفى بالله شهيداً فعنده علم الكتاب وكفى بالمؤمنين شهيداً؛ إذا المؤمنون يعلمون ذلك .","part":4,"page":23},{"id":1524,"text":"أقسم بهذه الحروف : إنَّه لَكِتَابٌ أُنْزِل إليك لتُخرِجَ الناسَ به من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ومنْ ظُلماتِ الشَّكِّ إلى نور اليقين ، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير ، ومن ظلمات الابتداع إلى نور الاتباع ، ومن ظلمات دَعَاوَى النَّفْسِ إلى نورِ معارفِ القلب ، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجَمْعِ - بإذن ربهم - وبإرادته ومشيئته ، وسابقِ حُكْمِه وقضائه إلى صراط رحمته ، وهو نهج التوحيد وشواهد التفريد .","part":4,"page":24},{"id":1525,"text":"عرَّف الخَلْقَ أَنَّ اللَّهَ هو الذي له ما في السموات وما في الأَرض .\rفَمَنْ عَرَف فله المآب الحميد ، ومَنْ جَحَدَ فله العذاب الشديد؛ وذلك العذاب هو جَهْلُه بأنه - سبحانه - مَنْ هو .","part":4,"page":25},{"id":1526,"text":"ثم ذكر ذميمَ أخلاقِهم ، فقال : هُمُ الذين يُؤْثِرُونَ اليسيرَ مِنْ حُطَامِ الدنيا على الخطير من نِعَم الآخرة ، وذلك من شدة جُحْدِهم ، ويبغون للدِّين عِوَجاً بكثرة جَمْعِهم ، أولئك لهم في الدنيا الفراق وهو أشد عقوبة ، وفي الآخرة الاحتراق وهو أجلٌّ محنة ومصيبة .","part":4,"page":26},{"id":1527,"text":"إنما كان كذلك ليكون آكَدَ في إلزام الحجة : وأَنَّى ينفع ذلك إذا لم يُوَفَّقُوا لِسُلُوكِ المحجَّةِ؟ فأهلُ الهدايةِ فازوا بالعنايةِ السابقة ، وأصحابُ الغواية وقعوا في ذُلِّ العداوة : فلا اعتراضَ عليه فيما يصنع ، ولا يُسأَلُ عما يفعل أو لم يفعل .","part":4,"page":27},{"id":1528,"text":"أَخْرجْ قومَك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين ، ومنْ إشكالِ الجهل إلى رَوْحِ العِلْم . وذَكِّرْهُم بأيام الله؛ ما سلف لهم من وقت الميثاق ، وما رفع عنهم من البلاء في سابق أحوالهم .\rويقال ذكِّرْهُم بأيام الله وهي ما سبق لأرواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد قبل حلولها في الأشباح :\rسقياً لها ولطيبها ولحسنها وبهائها ... أيام لم ( . . . . . . . . . . . . . . . ) ... ويقال ذكِّرْهم بأيام الله وهي التي كان العبدُ فيها في كتم العدم ، والحق يتولَّى عباده قبل أن يكون لِلعبادِ فِعْلٌ؛ فلا جُهْدَ للسابقين ، ولا عناءَ ولا تَرْكَ للمقتصدين ، ولا وقع من الظالم لنفسه ظلم .\rإذ كان متعلق العلم متناول القدرة ، والحكم على الإرادة . . ولم يكن للعبد اختيار في تلك الأيام .\rقوله : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } .\r{ صَبَّارٍ } : راضٍ بحكمه واقف عند كون لذيذ العيش يَسُرُّه .\r{ شَكُورٍ } : محجوبٌ بشهود النِّعم عن استغراقه في ظهور حقه . . . هذا واقفٌ مع صبره وهذا واقف مع شكره ، وكلٌّ مُلْزَمٌ بحده وقَدْرِه : والله غالب على أمره ، مقدّسٌ في نَفْسِه مُتعزَّزٌ بجلال قُدْسِه .","part":4,"page":28},{"id":1529,"text":"تَذَكُّرُ ما سَلَفَ من النِّعَم يوجِبُ تجديد ما سَبقَ من المحبة ، وفي الخبر :\r« جُبِلَتْ القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسن ‘إليها » فالحقُّ أَمَرَ موسى عليه السلام بتذكير قومه ما سبق إليهم من فنون إنعامه ، ولطائف إكرامه . . . وفي بعض الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - : « عبدي ، أنا لَكَ مُحِبُّ فبحقي عليكَ كنُ لي محباً » .","part":4,"page":29},{"id":1530,"text":"إن شكرتم لأزيدنكم من إنعامي وإِكرامي ، وإن كفرتم بإحساني لأعذبنكم اليوم بامتحاني ، وغداً بفراقي وهجراني .\rلئن عرفتم وصالي لأزيدنكم من وجود نوالي إلى شهود جمالي وجلالي .\rويقال لئن شكرتم وجوده توفيق العبادة لأزيدنكم بتحقيق الإرادة .\rويقال لئن شكرتم شهود المَكَافِي لأزيدنكم بشهود أوصافي .\rويقال لئن شكرتم صنوف إنعامي لأزيدنكم بشهود إكْرَامِي ثم إلى شهود إِقْدَامي .\rويقال لئن شكرتم مختص نعمائي لأزيدنكم مُنْتَظرَ آلائي .\rويقال لئن شكرتم مخصوص نِعَمي لأزيدنكم مأمول كَرَمِي .\rويقال لئن شكرتم ما خَوَّلناكُم من عطائي لأزيدنكم ما وعدناكم من لقائي .\rويقال لئن شكرتم ما لَوَّحْتُ في سرائركم زِدْناكُم ما أَلْبسْنَا من العصمة لظواهركم .\rويقال لئن كفرتم نِعْمَتِي بأَنْ توهمتم استحقاقَها لَجَرَّعْنَاكم ما تَسْتَمِرُّون مذاقها .","part":4,"page":30},{"id":1531,"text":"إن اجتمعتم أنتم ومن عَاضَدَكُم ، وكل من غاب عنكم وحضركم ، والذين يقتفون أثركم - على أن تكفروا بالله جميعاً ، وأخذتم كل يوم شركاء قطيعاً- ما أوجهتم لِعزِّنا شَيْنا ، كما لو شكرتم ما جعلتم بِمُلْكِنا زَيْنا . والحقُّ بنعوته ووصف جبروته عَلِيٌّ وعن العالَمِ بأَسْرِه غنيٌّ .","part":4,"page":31},{"id":1532,"text":"استفهام في معنى التقرير . أخبره أنه لما جاءتهم الرسلُ قابلوهم بالكنود . وعاملوهم بالجحود وردوا أيديهم في أفواههم ، وحَذَوْا سبيل أمثالهم في الكفر ، وبنوا على الشك والريبة قواعدَهم ، وأسسوا على الشِّرْكِ والغَيِّ مذاهبهم .","part":4,"page":32},{"id":1533,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأََرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَِّخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً } .\rاستفهام والمراد منه توبيخ ونفي . سبحانه لا يتحرك نَفَسٌ إلا بتصريفه .\rوكيف يبصر جلالَ قَدْرِهِ إلا من كَحَّله بنور بِرِّه؟\rثم قال : { يَدعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ } : ليس العجب ممن تكلف لسيده المشاق وتحمل ما لا يطاق ، وأَلاَّ يهربَ من خدمةٍ أو يجنحَ إلى راحة . . إنما العَجَبُ من سيدٍ عزيزٍ كريمٍ يدعو عَبْدَه ليغفرَ له وقد أخطأ ، ويعاملَه بالإحسان وقد جفا .\rوالذي لا يَكُفُّ عن العناد ، ولا يؤثر رضَاءَ سيده على راحة نفسه لا يُحْمَلُ هذا إلا على قِسمةٍ بالشقاء سابقة . . وإن أحكام الله بردِّه صادقة . ثم أخبر أنهم قالوا ِرُسلُهِم :\rقوله جلّ ذكره : { قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } .\rنظروا إلى الرسل من ظواهرهم ، ولم يعرفوا سرائرهم ، ومالوا إلى تقليد أسلافهم ، وأصروا على ما اعتادوه من شقاقهم وخلافهم .","part":4,"page":33},{"id":1534,"text":"قالت لهم الرسلُ ما نحن إلا أمثالكم ، والفرق بيننا أنه - سبحانه - مَنَّ علينا بتعريفه ، واسْتخلَصنا بما أَفْرَدَنا به من تشريفه . والذي اقترحتم علينا من ظهور الآيات فليس لنا إلى الإتْيَانِ به سبيلٌ إلاَّ أن يُظْهِرَه الله علينا إذا شاء بما شاء - وهو عليه قدير .","part":4,"page":34},{"id":1535,"text":"{ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ } : وقد رقَّانا من حدِّ التكليف بالبرهان إلى وجود روح البيان بكثرة ما أفاض علينا من جميل الإحسان ، فكفانا من مهان الشان . { وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ } : وقد حقَّق لنا ما سبق به الضمان من وجود الإحسان ، وكفاية ما أظلَّنا من الامتنان . { وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ } ولم نخرج إلى التقاضي على الله فيما وعدنا الله .\rقوله : { وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَا } : والصبر على البلاَءِ يهون إذا كان على رؤية المُبْلِي ، وفي معناه أنشدوا :\rيستقدمون بلاياهم كأنهمُ ... لا ييأسون من الدنيا إذا قبلوا","part":4,"page":35},{"id":1536,"text":"لما عجز الأعداءُ عن معارضة الأنبياء عليهم السلام في الإتيان بمثل آياتهم أخذوا في الجفاء معهم بأنواع الإنذار ، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن الأوطان ، والتشريد في البلدان وبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلَّهم من الأمر ، ومَكَّن لهم من مساكن أعدائهم بما قَوَّى قلوبهم على الصبرعلى مقاساة بلائهم فقال : { لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمينَ } ، وقال :","part":4,"page":36},{"id":1537,"text":"{ وَخَافَ وَعِيدِ } : أي خاف مقامه في محل الحساب غداً فأناب إلى نفسه على وجه التخصيص .\rويقال خاف مقامي أي هاب إطلاعي عليه ، فالأول تذكير المحاسبة في الآجل ، والثاني تحقيق المراقبة في العاجل .","part":4,"page":37},{"id":1538,"text":"الاستفتاح طلب الفتح ، الفتح القضاء ، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم : { إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمّطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ } [ الأنفال : 32 ] وغيره فلما نزل بهم البلاء ، وتحقق لهم الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم ، ولم تُقْبَلْ منهم صدقتُهم وفداؤهم ، وندموا حين لا ندامة ، وجزعوا بعدما عَدِموا السلامة .\rويقال : { وَاسْتَفْتَحُوا } : بغير الرسل ، ولما وجد الرسل إصرارَ قومهم سألوا النصرة عليهم من الله كقول نوح - عليه السلام : { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] ، وقول موسى عليه السلام : { رَبَّنَا اطمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } [ يوسف : 88 ] فأجابهم الله بإهلاكهم .\rويقال إذا اشتد البلاءُ وصَدَقَ الدعاءُ قَرُبَ النَّجاء .","part":4,"page":38},{"id":1539,"text":"قوله جلّ ذكره : { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } .\rلفظ « وراء » يقع على ما بين يديه وعلى ما خَلْف ، والوراء ما توارى عليك أي استتر؛ يريد الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان ، وعلى ما خَلْفَه؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله ، ويُسْقَى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة ، فلصعوبته مرارته لا يشربه مرةً واحدةً .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَأْتِيِهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } .\rيرى العذابَ- من شدته - في كل عضو ، وفي كل وقت ، وفي كل مكان وليس ذلك الموت؛ لأنَّ أهلَ النار لا يموتون ، ولكنه في الشدة كالموت . ثم { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } : وهو الخلود في النار ، وهذا جزاء مَنْ اغترَّ بأيامٍ قلائل ساعدته المشيئةُ فيها ، وانخدع فلم يشرع بما يليها .","part":4,"page":39},{"id":1540,"text":"أي وفيما يُتْلَى عليكَ - يا محمد - مَثَلٌ لأعمال الكفار في تلاشيها ، وكيف أنه لا يُقبَلُ شيءٌ منها كَرَمَادٍ في يوم عاصف ، فإنه لا يَبْقَى منه شيء- كذلك أعمالُهم . ومَنْ كان كذلك فقد خاب في الدارين ، وحلَّ عليه الويل .","part":4,"page":40},{"id":1541,"text":"خَلَقَ السمواتِ والأرض بالحُكْم الحق ، أي له ذلك بحقِّ ملكه ، وخلقهما بقوله الحق؛ فجعل كلَّ جزءٍ منهما على وحدانيته دليلاً ، ولِمَنْ أراد الوصول إلى ربِّه سبيلاً .\rثم قال : إِنْ يَشَأْ يذهبكم بالإفناء ، ويأتِ بِخَلْقٍ جديدٍ في الإنشاء ، وليس ذلك عليه بعزيز . . . وأنَّى ذلك وهو على كل شيء قدير؟! .","part":4,"page":41},{"id":1542,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَآءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عّذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ . . . } .\rلم يكونوا عن الحقِّ - سبحانه - متسترين حتى يظهروا له ، ولكن معناه صارت معارفهم ضرورية فحصلوا في مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم ، فصاروا كأنهم ظهروا لله . فقال الضعفاء للذين استكبروا : { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً } توهماً أن يرفعوا عنهم شيئاً من العناء ، فأجابهم المتكبرون : إنَّا جميعاً في العذاب مشتركون ، ولو أمكننا أَنْ ترفعَ عنكم من العذاب ، وقدرنا على أن نهديَكُم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما شكوتم ، وأجبناكم إلى ما سألتم ، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين ، ولا نحن لكم بمغيثين ، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين . . .\rفلا تلومونا ولوموا أنفسكم ، ولات حين ملام! إنما ينفع لومُ النَّفْس فيما تتعاطاه من الإساءة في زمان المُهْلَةِ وأوقات التكليف؛ فإنَّ أبوابَ التوبةِ مفتوحة ، ولكن لمن لم ينزع روحَه .","part":4,"page":42},{"id":1543,"text":"ذلك الذي مضى ذِكْرُ صفةُ الكفار والأعداء . وأمَّا المؤمنون والأولياء ، فقال : { وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا } والإيمان هو التصديق ، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } تحقيق التصديق . ويدخل في جملة الأعمال الصالحة ما قلَّ أو كَثُرَ من وجوه الخيرات حتى القَذَر تميطه عن الطريق .\rو { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } - وكذلك قال تعالى : { لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ } [ الأنعام : 127 ] ، فالوصفُ العام والتحيةُ لهم من الله السلامُ .\rويقال إن أحوالهم متفاوتة في الرتبة؛ فقومُ سَلِمُوا من الاحتراق ثم من الفراق ثم من العذاب ثم من الحجاب .","part":4,"page":43},{"id":1544,"text":"هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه ، فشبهه بشجرة طيبة ، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية . تؤتى أكلها كل وقت ، وينتفع بها أهلُها كل حين .\rوأصل تلك الشجرة المعرفة ، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين . وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي .\rوالواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه .\rوأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية ، وأزهارها الأخلاق الجميلة ، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة .\rوكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة . . كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين ، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين ، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين ، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين . وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما ، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين . . . إلى ما لا يفي بشرحه نطقٌ ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ . وذكرٍ من لوائح ولوامع ، وطوارق وشوارق ، كما قيل :\rطوارق أنوار تلوح إذا بدت ... فتُظْهِر كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع\rثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة ، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة . وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة : 33 ] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة ، ولا محجوبة ، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة .\rوثمرات الشجرة أشرف الثمار ، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار ، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر .\rويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية ، وللرسول - A - بالنبوة ، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص .\rوالشجرة الطيبة المعرفة ، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق ، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت . ثم لا بدَّ للشجرة من الماء ، وماء هذه الشجرة دوام العناية ، وإنما تُورِقُ بالكفاية ، وتَتَوَرَّدُ بالهداية .\rويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع .\rويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم ، والمحبة والشوق والرضا ، والأحوال الصافية الوافية ، والأخلاق العالية الزكية .\rومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر ، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك ، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه .\rوالشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض؛ لأن الكفر متناقض متضاد ، ليس له أصل صحيح ، ولا برهان موجب ، ولا دليل كاشف ، ولا علة مقتضية ، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال ، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار ، لأنها حاصلة من شُبَةٍ واهية وأصول فاسدة .","part":4,"page":44},{"id":1545,"text":"بالقول الثابت وهو البقاء على الاستقامة ، وترك العِوَج .\rويقال القول الثابت هو الشهادة الضرورية عن صفاء العقيدة وخلوص السريرة .\rويقال القول الثابت هو بنطق القلوب لا بذكر اللسان .\rويقال القول الثابت هو قول الله العزيز القديم الذي لا يجوز عليه الفناء والبطول فهو بالثبوت أَوْلَى من قول العبد؛ لأن قولَ العبد أَثَرٌ ، والآثار لا يجوز عليها الثبوت والبقاء وإنما يكون باقياً حُكْماَ ثباتُ العبد لقول الله؛ وهو حكمه بالإيمان وأخباره أنه مؤمن وتسميته بالإيمان . وقول الله لا يزول؛ ففي الدنيا يثبتُه حتى لا بِدْعَةَ تعتريه ، وفي الآخرة يثبتُه برسله من الملائكة ، وفي القيام يثبتُه عند السؤال والمحاسبة وفي الجنة يثبتُه لأنه لا يزول حمد العبد لله ، ومعرفته به ، وإذا تنوعت عليه الخواطر ورفع إليه- سبحانه - دعاءَه ثَبَّتَه حتى لا يحيد عن النهج المستقيم والدين القويم .\rويقال إذا دَعَتْه الوساوسُ إلى متابعةِ الشيطان ، وصيَّرتْه الهواجسُ إلى موافقة النَّفْس فالحق يثبته على موافقة رضاه .\rويقال إذا دَعَتْه دواعي المحبة من كل جنس كمحبة الدنيا ، أو محبة الأولاد والأقارب والأموال والأحباب أعانه الحقُّ على اختيار النجاة منها ، فيترك الجميع ، ولا يتَحسَّسُ إلا دواعيَ الحقِّ - سبحانه - كما قيل :\rإذا ما دَعَتْنا حاجةٌ كي تردَّنا ... أبيْنا وقلنا : مطلبُ الحقِّ أَوَّلا","part":4,"page":45},{"id":1546,"text":"وضعوا الكفران محل الشكر ، فاستعملوا النعمة للكفر ، بدلاً من استعمالها فيما كان ينبغي لها من الشكر . واستعمال النعمة في المعصية من هذه الجملة ، فأعضاءُ العبد كلها نِعَمٌ من الله على العبد ، فإذا استعمل العاصي بَدَنَه في الزَّلة بدلاً من أن يستعملها في الطاعة فقد بَدَلَّ النعمة كفراً ، وكذلك إذا أودع الغفلَة قلبَه مكانَ المعرفة ، والعلاقَة فيه مكان الانقطاع إليه ، وعلَّقَ قلبه بالأغيار بَدَلَ الثقة به ، ولَطَّخَ لسانَه بذكر المخلوقين ومَدْحِهِم بَدَلَ ذكرِ الله واشتغل بغير الله دون العناء في ذكره . . . كلُّ هذا تبديلُ نِعَمِ الله كفراً . وإذا كان العبدُ منقطعاً إلى الله ، مكفياً من قِبَلِ الله . . . وَجَدَ في فراغه مع الله راحةً عن الخَلْق ، ومن إقباله عليه - سبحانه - كفاية ، فإذا رجع إلى أسباب التفرقة ، ووقع في بحار الاشتغال ومعاملة الخلْق ومدحهم وذمهم ققد أحلَّ قومه دار البوار؛ على معنى إيقاعه قلبَه نَفْسَه وجوارحَه في المذلة من الخَلْق ، والمضرة في الحال ، وشأنه كما قيل :\rولم أَرَ قَبْلي مَنْ يُفَارِقُ جَنَّةً ... ويقرع بالتطفيل بابَ جهنمِ","part":4,"page":46},{"id":1547,"text":"وهي الجحيم المُعجَّل . . . وعذابُها بها الفُرْقَة لا الحُرْقَة .","part":4,"page":47},{"id":1548,"text":"رضوا بأن يكون معمولُهم معبودَهم ، ومنحوتُهم مقصودَهم ، فضلُّوا عن نَهْجِ الاستقامة ، ونأوا عن مقر الكرامة وسيلقون غِبَّ ما صنعوا يوم القيامة كما قيل :\rقد تركناكَ والذي تريد ... فعسى أن تَمَلَّهُم فتعودا\rقل تمتعوا أياماً قليلة فأيام السرور قِصارٌ ، ومُتَعُ الغفلة سريعة الانقضاء .","part":4,"page":48},{"id":1549,"text":"جعل الله راحةَ العبدِ - اليومَ - بكمالها في الصلاة؛ فإنَّها محلُّ المناجاة ، قال الرسول A : « أَرِحَنا يا بلال بالصلاة » والصلاة استفتاح باب الرزق ، قال تعالى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَواةِ واصْطَبِرْ عَليْهَا لاَ نَسْئَلُكَ رِزْقاً } [ طه : 132 ] .\rوفي الصلاة يبث العبد أسرارَه مع الحق؛ فإذا كان لقاءُ الإخوان - كما قالوا - مَسْلاَةً لهم كيف بمناجاتك مع الله ، ونشر قصتك بين يديه؟ كما قيل :\rقُلْ لي بألسنة التَنَفُّسِ ... كيف أنت وكيف حالك؟\r{ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُم } : أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره ، وإنفاق البَدَنِ على طاعته ، والوقتَ على شكره ، والقلبَ على عرفانه ، والروح على حبه ، والسِّرَّ على مشاهدته . . ولا يكلِّف الله نَفْساً إلا ما آتاها ، وإنما يطالبك بأن نحضر إلى الباب ، وتقف على البساط بالشاهد الذي آتاك . . يقول العبد المسكين : لو كان لي نَفْسٌ أطوع من هذه لأَتَيْتُ بها ، ولو كان لي قلبٌ أشذُّ وفاءً من هذا لَجُدْتُ به ، وكذلك بروحي وسِرِّي ، وقيل :\rيفديك بالروح صَبٌّ لو أنَّ له ... أعز من روحه شيئاً فداك به\r{ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَومٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } : وفي هذا المعنى أنشدوا :\rقلتُ للنَّفس إنْ أردتِ رجوعاً ... فارجعي قبل أن يُسدَّ الطريق","part":4,"page":49},{"id":1550,"text":"وفي الظاهر رفعَ السماءَ فأعلاها ، والأرض من تحتها دحاها ، وخلقَ فيها بحاراً ، وأجرى أنهاراً ، وأنبت أشجاراً ، وأثبت لها أنوار وأزهاراً ، وأمطر من السماء ماء مدراراً . وأخرج من الثمرات أصنافاً ، ونوَّع لها أوصافاً ، وأفرد لكلِّ منها طعماً مخصوصاً ، ولإدراكه وقتاً معلوماً .\rوأمَّا في الباطن فسماءُ القلوب زَيَّنَها بمصابيح العقول ، وأطلع فيها شمس التوحيد ، وقمر العرفان . ومَرج في القلوب بحري الخوف والرجاء ، وجعل بينهما برزخاً لا يبغيان؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف ، كما جاز في الخبر : « لو وزنا لاعتدلا » - هذا لعوام المؤمنين ، فأمَّا للخواص فالقبض والبسط ، ولخاص الخاص فالهيبة والأُنس والبقاء والفناء .\rوسَخَّر لهم الفُلْكَ في هذه البحار ليعبروها بالسلامة ، وهي فلك التوفيق والعصمة ، وسفينة الأنوار والحفظ ، وكذلك ليالي الطلب للمريدين ، وليالي الطرب لأهل الأُنْس من المحبين ، وليالي الحرب للتائبين ، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين .","part":4,"page":50},{"id":1551,"text":"ما سَمَتْ إليهِ هِمَمُكُم ، وتعلَّق به سؤالُكُم ، وخَطَر تحقيقُ ذلك ببالِكم ، أنلناكم فوق ما تُؤَمِّلُون ، وأعطيناكم أكثر مما تَرْجُون ، قال تعالى :\r{ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] .\rوقرأ بعض القراء : { مَّن كُلِّ مَأ سَأَلْتُمُوهُ } [ إبراهيم : 34 ] فَيُنُوِّنُ قوله : كلٍ ويجعل ما سألتموه ( ما ) للنفي أي كل شيء مما لم تسألوه .\rكذلك جاز أن يكون المعنى ، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني - وهذا لأرباب الطاعات ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني - وهذا لأصحاب الزلات . عَلِمَ قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكَّر ماعمله من الزلاَّت ، فأعطاه غفرانه ، وكفاه حشمةَ السؤال ، والتفضل؛ فقال : غفرتُ لكم قبل أن تستغفروني .\rولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهَّلَه الحق - سبحانه- من العرفان؟ وكيف يكون ذلك الحديث؟ . . . قَبْلَ أَنْ كان له إمكانٌ ، أو معرفة وإحسان ، أو طاعة أو عصيان ، أو عبادة وعرفان ، أو كان له أعضاء وأركان ، أو كان العبد شيخاً أو عيناً أو أثراً . . لا بَلْ :\rأتاني هواها قبل أَنْ أَعْرِف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فَتَمكَّنَا\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَأ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } .\rكيف يكون شكركم كفاء نِعَمِه . . ؟ وشكرُكُم نَزْرٌ يسير ، وإنعامُه وافر غزير .\rوكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟\rإنَّ نِعَمَه عُلُومُكُم عن تفصيلها متقاصرةٌ ، وفُهُومُكُم عن تحصيلها متأخِّرةٌ .\rوإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له . . . فكيف يأتي الحصر والإحصار على ما لا يتناهى؟\rوكما أن النَّفْعَ من نِعِمَه فالدفعُ أيضاً من نعمه .\rويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقُّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيقٍ آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه .","part":4,"page":51},{"id":1552,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ ءَامِناً وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً منَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى } .\rكما سأل أن يجعل مكةً بلداً آمناً طلب أن يجعل قلبَه محلاً آمناً؛ أي لا يكون فيه شيءٌ إلا بالله . { وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } : والصنم ما يعبد من دونه ، قال تعالى : { أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ } [ الجاثية : 23 ] فصنمُ كل أحدٍ ما يشغله عن الله تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ وطاعة وعبادة .\rويقال إنه لمَّا بنى البيتَ استعان بالله أن يجرِّدَه من ملاحظة نفسه وفعله . ويقال إنه - A - كان متردداً بين شهود فضل الله وشهود رفق فسه ، فلما لقي من فضله وجوده قال قال من كمال بسطه : { وَاغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ } [ الشعراء : 86 ] . ولما نظر من حيث فقر نفسه قال : { وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } .\rويقال شاهد غيره فقال : { وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } ، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال : { وَاغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ } [ الشعراء : 86 ] .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَن تَبِعَنِى فإِنَّهُ مِنِىّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } .\r{ فَإِنَّهُ مِنِىّ } : أي موافق لي ومن أهل مِلَّتِي ، ومن عصاني خالفني وعصاك .\rقوله : { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } : طلبٌ للرحمة بالإشارة ، أي فارحمهم .\rوقال : { وَمَنْ عَصَانِى } . . . ولم يَقُلْ : مَنْ عصاك ، وإنْ كان من عصاه فقد عصى الله ، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه ، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة .\rويقال إن قولَ نبينا A في هذا الباب أتمُّ في معنى العفو حيث قال : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » ، وإبراهيم - عليه السلام - عَرَّضَ وقال : { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } .\rويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب فقال : { وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } .","part":4,"page":52},{"id":1553,"text":"أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله : { إني أسكنت } وإنما رأى الرِّفقَ بهم في الجوارِ لا في المَبَارِّ قال : { عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ } ثم قال : { لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ } : أي أسكنتُم لإقامة حقِّكَ لِطَلَبِ حظوظهم .\rويقال اكتفى أن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعمته .\rثم قال : { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوَى إِلَيْهِمْ } أي ليشتغلوا بعبادتك ، وأقم قومي - ما بقوا- بكفايتك ، { وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ } : فإنَّ مَنْ قام بحقِّ الله أقام اللَّهُ بحقّه قَوْمَه ، واستجاب اللَّهُ دعاءَه فيهم ، وصارت القلوبُ من كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة تلك النسبة ، وأولئك المتصلين ، وسكان ذلك البيت .\rويقال قوله : { بِوَادٍ غَيرِ ذِى زَرْعٍ } [ إبراهيم : 37 ] : أي أسكنتهُم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبُهم ، ولا تشتغل بشَيءٍ أفكارهم وأسرارُهم ، فهم مطروحون ببَابِكَ ، مصونون بحضرتك ، مرتبطون بحُكْمِك؛ إنْ رَاعيتَهُم كَفَيْتَهُم وكانوا أَعَزَّ خَلْقِ الله ، وإنْ أقصيتَهم ونفيتهم كانوا أضعفَ وأذلَّ خَلْقِ الله .","part":4,"page":53},{"id":1554,"text":"استأثرتَ بعلم الغيب فلا يعْزُبُ عن علمك معلومٌ ، وحالي لا تخفى عليك ، فهي كما عرفتَ ، أنت تعلم سِرِّي وعَلَني . . . ومَنْ عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار ، واستروح قلبُه عن تَرَجُّمِ الأفكار ، والتَّقَسمِ في كون الحوادث من الأغيار .","part":4,"page":54},{"id":1555,"text":"أسعده بمنحه الولد علىلكبر ، ويلتحق ذلك بوجهٍ من المعجزات ، ؛ فحمد عليه . ولمَّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدَّم من ذكر نعمته - سبحانه - عليه ، وأكرامه بأنواره ، وهذا يكون بمعنى المَلقِ ، ويكون استدعاءَ نعمةٍ بنعمة ، فكأنه قال : كما أكرمتني بِهِبَة الوَلَدِ على الكِبَر؛ فأَكْرِمْني بهذه الأشياء التي سألتُها .\rويقال الإشارة في هذا أنه قال : كما مَنَنْتَ عليَّ فوهبتني على الكِبَر هذه الأولاد فأَجْنِبْنَا أن نعبد الأصنام لتكونَ النعمةُ كاملةً . وفي قوله : { إِنَّ رَبِىّ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } [ إبراهيم : 39 ] . . إشارة إلى هذه الجملة .","part":4,"page":55},{"id":1556,"text":"في قوله : { ربِّ اجعلني مقيم الصلاة . . . } إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة ، فمعناه اجعل صلاتي ، والجَعْلُ والخَلْقُ بمعنى ، فإذا جعله مقيمَ الصلاة فمعناه أن يجعل له صلاةً .\rوقوله : { وَمِن ذُرِّيَّتِى } أي اجعل منهم قوماً يُصَلُون ، لأنه أخبره في موضع آخر بقوله : لا ينال عهدي الظالمين [ البقرة : 124 ] .\rثم قال : { رَبَّنَا اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ } وهذا قيل أن يعلم أنه لا يُؤْمِن .\rويقال إن إجابة الدعاءِ ابتداءُ فضلِ منه ولا ينبغي للعبد أن يَتَّكِلَ على دُعاءِ أحد وإن كانْ عَلِيَّ الشأن ، بل يجب أن يعلق العبد قلبه بالله؛ فلا دعاءَ أتمُّ منْ دعاءِ إبراهيم عليه السلام ، ولا عنايةَ أتمُّ من عنايته بشأن أبيه ، ثم لم ينفعه ولا شفع الله له .\rويقال لا ينبغي للعبد أن يترك دعاءه أو يقطعَ رجاءَه في ألا يستجيبَ الله دعاءَه ، فإن إبراهيمَ الخليلَ عليه السلام دعا لأبويه فلم يُسْتَجَبْ له ، ثم إنه لم يترك الدعاء ، وسأل حينما لم يُجَبْ فيه . فلا غضاضةَ على العبد ولا تناله مَذَلَّةٌ إِنْ لم يُجِبْهُ مولاه في شيء؛ فإِنَّ الدعاءَ عبادةٌ لا بدَّ للعبد من فِعْلها ، والإجابةُ من الحقِّ فضل ، وله أن يفعل وله ألا يفعل .","part":4,"page":56},{"id":1557,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } .\rهذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظومين؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته ، وحق عليه تحمله .\rوالظلم على وجوه؛ ظلمٌ على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة ، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه ، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين .\rويقال من جملة الظالمين الشيطانُ ، فالعبدُ المؤمِنُ مطلومٌ من جهته ، والحقُّ- سبحانه- ينتصف له منه غداً ، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى . . . } .\rوهذا للعوام من المؤمنين ، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف ، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك ، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم ، كما قال النبي - A - : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » ، وفي معناه أنشدوا :\rوما رضوا بالعفو عن ذي زلة ... حتى أنالوا كفَّه وازدادوا\rوأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة ، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة ، ولا منه مطالبة ، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً .","part":4,"page":57},{"id":1558,"text":"أفسدوا في أول أُمورهم ، وقصَّروا في الواجب عليهم ، ولم يكن للخَلَلِ في أحوالهم جبران ، ولا لعذرهم قبول لتصحَّ الحجة عليهم ، فافتضح المجرم منهم ، وخاب الكافر ، وحُقَّ الحكمُ عليهم .","part":4,"page":58},{"id":1559,"text":"أحللنا بهم العقوبة ، وأشهدناكم ذلك مما اعتبرتم ، وجريتم على منهاجهم ، وفعلتم مثلَ فِعْلِهم ، وبإمهالنا لكم اغتررتم . . . فانْتَظِرَوا منَّا ما عاملناكم به جزاءً لكم على ما أسلفتم .\rويقال إن معاشرةَ أهل الهوى والفسق ومجاورتَهم مُشَارَكةٌ لهم في فِعْلِهم ، فيستقبلُ فاعلُ ذلك استقبالَهم ، ومَنْ سَلَكَهُم ينخرط في التردِّي نحو وَهْدَةِ هلاكهِ مثْلَهم .","part":4,"page":59},{"id":1560,"text":"أي لا تحسبنَّه يخلف رسله وعده؛ لأنه لا يخلف الوعد لصدقه في قوله ، وله أن يعذبهم بما وعدهم لحقِّه في مُلْكِه ، وهو { عَزِيزٌ } لا يصل إليه أحد ، وإن كان ولياً . { ذُو انتِقَامٍ } لا يفوته أحد وإن كان ( . . . ) .","part":4,"page":60},{"id":1561,"text":"لا يختلف عَيْنُها وإنما تختلف صورتها ، وكذلك إذا انكدرت النجوم ، وانشقت السماء يقال ما بدّل عينها وإنما بدَّل الأزمانَ والمكانَ على الناس باختلافهم أحوالهم في السرور والمحن؛ كَمَنْ صار من الرخاء إلى البلاء يقول : تغيَّر الزمانُ والوقتُ . . . وكذلك من صار من البلاء إلى الرخاء .\rويقال إن آدم لما قتل أحدُ ابنيه الآخرَ قال :\rتغيرت البلادُ ومَنْ عليها ... فوجهُ الأرضِ مُعْبَرٌّ قبيحُ\rوفي هذه القصة من كان صاحب بسطٍ فَرُدَّ إلى حال القبض ، ومن كان صاحب أُنسٍ فصار صاحب حجاب - يصحُّ أنيقال بدل له الأرض ، قال بعضهم :\rما الناس بالناس الذي عهدي بهم ... ولا البلاد بتلك التي كنت أعرفها\rوكذلك العبد المريد إذا وقعت له وقفة أو فترة كانت الشمس له كاشفة ، وكانت الأرض به راجفة ، وكان النهار له ليلاً ، وكان الليل له ويلا ، وكما قيل :\rفما كانت الدنيا بسهل ولا الضحا ... بِطَلْقٍ ولا ماءُ الحياة ببارد","part":4,"page":61},{"id":1562,"text":"الأصفاد الأغلال . الأصفاد تجمعهم ، والسلاسل تقيدهم ، والقطران سرابيلهم ، والحميم شُرْبُهم ، والنارُ محيطةٌ بهم . . وذلك جزاء مَنْ خَالَف إلهه .","part":4,"page":62},{"id":1563,"text":"الحجج ظاهرة ، والأمارات لائحة ، والدواعي واضحة ، والمهلة متسعة ، والرسول عليه السلام مُبَلِّغ ، والتمكين من القيام بحق التكليف مساعد . ولكنَّ القسمةَ سابقةٌ ، والتوفيقَ عن القيام ممنوعٌ ، والربُّ - سبحانه - فعَّالٌ لما يريد ، فَمَنْ اعتبر نجا ، ومن غفل تردَّى . ولله الأمر من قبل ومن بعد ، والله أعلم .","part":4,"page":63},{"id":1564,"text":"أسمعهم هذه الحروف مُقَطَّعَةً على خلاف ما كانوا يسمعون الحروف المنظومة في الخطاب ، فأعرضوا عن كل شيءٍ وسمعوا لها . ونبههم القرآنُ إلى أن هذه التي يسمعونها آياتُ الكتاب ، فقال لهم لما حضرت ألبابُهم ، واستعدت لسماع ما يقول آذانُهم : { تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ } .\rووصف القرآن بأنه مبين؛ لأنه يُبَينُ للمؤمنين ما يسكن قلوبهم ، وللمريدين ما يقوي رجاءَهم ، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم ، وللمشتاقين ما يثير لواعجَ أسرارهم ، ويبيِّن للمصطفى- A - تحقيقَ ما مَنَعَ غَيْرِه بعد سؤاله . . . ألم تر إلى ربك قال لموسى عليه السلام : « لن تراني » بعد سؤاله : { رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] .","part":4,"page":64},{"id":1565,"text":"إذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا ، وأي كأس رشفوا . ويقال إذا صارت المعارفُ ضروريةً أحرقَتْ نفوسَ أقوامٍ العقوبةُ ، وقطَّعَتْ قلوبَهم الحَسْرَةُ .\rويقال لو عرفوا حالَهم وحالَ المؤمنين لَعَلِمُوا أن العقوبةَ بإهلاكهم حاصلةٌ .","part":4,"page":65},{"id":1566,"text":"قيمة كل امرئٍ على حسب هِمَّتِه؛ فإذا كانت الهمةُ مقصورةً على الأكل والتمتع بالصفة البهيمية لا يُحَاسَبُ ، وعلى العقل لا يُطَالَبُ : فالتَّكليفُ يتبعه التشريف! وغداً سوف يعلمون .","part":4,"page":66},{"id":1567,"text":"الآجال معلومة ، والأحوال مقسومة؛ والمشيئة في الكائنات ماضية ، ولا تخفى على الحق خافيه .","part":4,"page":67},{"id":1568,"text":"الجنون معنى يوجب إسناد ما ينكشف للعقلاء من التحصيل على صاحبه ، فلمَّا كانوا بوصف التباس الحقائق عليهم فهم أَوْلَى بما وصوفه به ، فهم كان في المَثَل : رَمَتْنِي بِدَاْئِها وانْسَلَّت .","part":4,"page":68},{"id":1569,"text":"اقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أَيَّد به معجزاته ، فيتوجب اللَّوْمُ عليهم لسوءِ أَدَبِهم . وأخبر الحقُّ - سبحانه - أنه أجرى عادته أنه إذا أظهر الملائكةَ لأبصارِ بني آدم فيكون ذلك عند استبصارهم؛ لأنه تصير المعرفة ضرورية . وفي المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقتُ أَوَانَ هَلاَكِهم؛ لِعِلْمِه أنَّ في أصلابهم مَنْ يُؤْمِنُ بالله سبحانه في المستأنف .","part":4,"page":69},{"id":1570,"text":"أنزل التوراة وقد وَكَلَ حفظها إلى بني إسرائيل بم استحفظوا من كتاب الله ، فحرّفوا وبَدَّلوا ، وأنزل الفرقان وأخبر أنه حافظة ، وإنما يحفظه بقرائه؛ فقلوبُ القُرَّاءِ خزائنُ كتابهِ ، وهو لا يضيع كتابه .","part":4,"page":70},{"id":1571,"text":"أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب ، وأنه أدام سُنَّته معهم في التعذيب . ثم قال : { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ المُجرِمِينَ } : وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة ، وسَدَّ بالحرمان عليهم سلوكَ الطريقة ، وبيَّن أنه لو أراهم الآياتِ عياناً ما ازدادوا إلا عتواً وطغياناً ، وأن مَنْ سَبَقَ له الحُكْمُ بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سَبَقَ به القضاء .","part":4,"page":71},{"id":1572,"text":"مَنْ عليه التقدير كان بأمر التكليف مدعوا ، وبأمر التكوين مقضياً . فمتى ينفع فيه النصح؟ ومتى يكون للوعظ فيه مساغ؟ كلا . . إن البصيرةَ له مسدودةٌ ، و ( . . . ) الخذلان بِقَدَمِه مشدودة ، فهو يحمل النصيحة له على الوقيعة ، والحقيقة على الخديعة .","part":4,"page":72},{"id":1573,"text":"بروجاً أي نجوماً هي لها زينة ، ثم تلك النجوم للشياطين رجوم .","part":4,"page":73},{"id":1574,"text":"إذا رام الشياطينُ أن يسترقوا السمع كانت النجومُ لها رجوماً .\rكذلك للقلوب نجومٌ وهي المعارف وهي في الوقت ذاته رجوم على الشياطين؛ فلو دنا إبليسُ وجنودُه من قلب ولِّي من الأولياء أحرقَتْه بل محقَّتْه نجومُ عقلِه وأقمارُ علمِه وشموسُ توحيده .\rوكما أنَّ نجومَ السماءِ زينةٌ للناظرين إذا لاحظوها فقلوبُ العارفين إذا نظر إليها ملائكة السماءِ لهي زينة .","part":4,"page":74},{"id":1575,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ } .\rالنفوس أرض عبادة العابدين ، وقلوبُ العارفين أرض المعرفة وأرواح المشتاقين أرض المحبة ، والخوف ، والرجاء لها رواسٍ . وكذلك الرغبة والرهبة .\rويقال من الرواسي التي أثبتها في الأرض الأولياءُ فَبِهِمْ يثبت الناس إذا وَقَعَ بهم الفزعُ ومن الرواسي العلماءُ الذين بهم قِوَامُ الشريعة؛ فعلماءُ الأصول هم قِوامُ أصلِ الدِّين ، والفقهاء بهم نظامُ الشرع ، قال بعضهم :\rواحسرتا من فراق قوم ... هم المصابيحُ والأمنُ والمُزْنُ\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ } .\rكما أنبت فنوناً من النبات دَات أنوار أنبت في القلوب صنوفاً في الأنوار ، منها نور اليقين ونور العرفان ، ونور الحضور ونور الشهود ، ونور التوحيد . . . إلى غير ذلك من الأنوار .","part":4,"page":75},{"id":1576,"text":"سببُ عيشِ كلِّ مختلفٌ؛ فعْيْشُ المريدين من إقباله ، وعيش العارفين التجمل بأفضاله .","part":4,"page":76},{"id":1577,"text":"خزائنه في الحقيقة مقدوراته ، وهو - سبحانه - قادر على كل ما هو مرسوم بالحدوث .\rويقال خزائنه في الأرض قلوبُ العارفين بالله ، وفي الخزانة جواهر في كل صنف؛ فحقائقُ العقل جواهر وضعها في قلوب قوم ، ولطائف العلم جواهر بدائع المعرفة ، وأسرار العارفين مواضع سِرِّه ، والنفوس خزائن توفيقه ، والقلوب خزائن تحقيقه ، واللسان خزانةُ ذِكْرِه .\rويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خُطَاه عن التردد على منازل الناس في طَلَبِ الإرفاق منهم ، وسعى في الآفاق في طلب الأرازق منها ، قاطعاً أَمَلَه عن الخَلْق ، مُفرِداً قلبَه لله متجرِّداً عن التعلُّق بغير الله .\rقوله { وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } : عَرَفَ القِسْمَة منْ استراح عن كدِّ الطلب؛ فإِنَّ المعلومَ لا يتغير ، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص ، وإذا لم يَجِبْ عليه شيءٌ لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شيء .\rويقال أراح قلوب الفقراء مِنْ تَحمُّل المِنَّةِ من الأغنياء مما يعطونهم ، وأراح الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئاً ، فليس للفقير صَرْفُ القلب عن الله سبحانه إلى مخلوق واعتقادُ مِنَّةٍ لأحد ، إذ المُلْكُ كله لله ، والأمر بيد الله ، ولا قادر على الإبداع إلا الله .","part":4,"page":77},{"id":1578,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً } .\rكما أن الرياحَ في الآفاق مُقَدِّمَاتُ المطر كذلك الآمال في القلوب ، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر ، ونسيم النجاة في الطلب يحصل ، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَسْقَيْنَاكُمُوُهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } .\rأسفاه إذا جعل له السُّقيا؛ كذلك يجعل الحق - سبحانه- لأوليائه ألطافاً معلومة في أوقات محدودة! كما قال في وصف أهل الجنة : { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةَ وعَشِيّاً } [ مريم : 62 ] .\rكذلك يجعل من شراب القلوب لِكُلِّ ورداً معلوماً ، ثم قضايا ذلك تختلف : فمِنْ شراب يُسْكِر ، ومن شراب يُحْضِر ، ومن شراب يزيل الإحساس ، كما قيل :\rفصحوك من لفظي هو الصحو كله ... وسُكْرُكَ من لحظي يبيح لك الشُّرْبا\rويقال إذا هبَّت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية ، فلا للأغيار فيها أثر ، ولا عن الخلائق لهم خبر .\rويقال إذا هبَّت رياح القرب على قلوب العارفين عَطَّرَتْها بنفخات الأنس ، فيَسْقَوْن في نسيمها على الدوام ، وفي معناه أنشدوا :\rوهبَّتْ شمال آخر الليل قَرَّةٌ ... ولا ثوبَ إلا بُرْدَةَ ورائيا\rوما زال بُردِي لينا من ردائها ... إلى الحوْلِ حتى أصبح البُرْدُ باليا\rويقال إذا هبَّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مَسَاوِيه مناقِبَه ومثالبُه محاسنه .","part":4,"page":78},{"id":1579,"text":"نحيي قلوبهم بالمشاهدة ، ونميت نفوسهم بالمجاهدة .\rويقال نحييهم بأن نفْنِيَهمْ بالمشاهدة ، ونميتَهم بأَنْ نأخذَهم عن شواهدهم .\rويقال يحيي المريدين بذكره ، ويميت الغافلين بهجره .\rويقال يحيي قوماً بموافقة الأمر في الطاعات ، ويميت قوماً بمتابعة الشهوات .\rويقال يحيي قوماً بأن يلاطفهم بلطف جماله ، ويميت قوماً بأن يحجبهم عن أفضاله .","part":4,"page":79},{"id":1580,"text":"العارفون مستقدمون بِهَمَمَهم ، والعابدون مستقدمون بقَدَمهم ، والتائبون بندمهم وأقوام مستأخِرون بقدمهم وهم العُصاة ، وآخرون مستأخرون بهمومهم وهم الراضون بخسائس الحالات .\rويقال المستقدمون الذين يسارعون في الخيرات ، والمستأخرون المتكاسلون عن الخيرات .\rويقال المستقدمون الذين يستجيبون خواطرَ الحقِّ- من غير تَعريجٍ - إلى تفكر ، والمستأخِرون الذين يرجعون إلى الرُّخصِ والتأويلات .\rويقال المستقدمون الذين يأتون على مراكب التوفيق ، والمستأخرون الذين تثبطهم مشقة الخذلان .","part":4,"page":80},{"id":1581,"text":"يبعث كلاً على الوصل الذي خرجوا من الدنيا عليه : فمن منفرد القلب بربه ، ومن مُتَطَوِّحٍ في أودية التفرقة ، ثم يحاسبهم على ما يستوجبونه .","part":4,"page":81},{"id":1582,"text":"ذَكِّرَهم بِخِسَّتِهم لئلا يُعْجَبُوا بحالتهم .\rويقال القيمة في القُربةِ لا بالتُّربة؛ والنسب تربة ولكن النعتَ قربة .\r{ وَالجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ } : وإذا انطفأت النار صارت رماداً لا يجيء منها شيء ، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه ، كذلك العدو لمَّا انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده ، وأمَّا آدم - عليه السلام - فلمَّا اغْتَرَّ جَبَرَهُ ماءُ العناية ، قال تعالى : { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ } [ طه : 122 ] .","part":4,"page":82},{"id":1583,"text":"أظهرهم بهذا القول ، وفي عين ما أظهرهم سَتَرهم .\rويقال ليست العِبْرَة بقوالبهم . إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم .\rويقال الملائكة لاحظوه بعن الخِلْقَة فاستصْغروا قَدْرَه وحاله ، ولهذا عَجِبوا من أَمْرِ الله - سبحانه - لهم بالسجود له ، فكشف لهم شظية مما اختَصَّه به فسجدوا له .\rقوله : { إلاَّ إِبْلِيسَ أَبِى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } : وكذا أمرُ مَنْ حُجِبَ عن أحواله ادَّعى الخَيْرَةَ وَبَقِيَ في ظُلمة الحَيْرةِ .\rويقال بَخِلَ بسجدةٍ واحدةٍ ، وقال : أَسْتَنْكِفْ أَنْ أسجد لغير الله . ثم من شقاوته لا يبالي بكثرة معاصيهِ ، فإنه لا يَعْصِي أحدٌ إلاَّ وهو سببُ وسواسه ، وداعيه إلى الزِّلَّةِ . . وذلك هو عين الشَّقوة وقضية الخذلان .","part":4,"page":83},{"id":1584,"text":"سأله ومعلومٌ له حالُه ، ولو ساعدته المعرفةُ لقال : قُلْ لي مالك؟ وما مَنَعَكَ؟ وَمَنْ مَنَعَك حتى أقول أنت . . حيث أَشْقَيْتني ، وبقهرِك أَغْوَيْتَني ، ولو رَحِمْتَني ، لَهَدَيْتَنِي وفي كنف عصمتك آويتني . . . ولكنَّ الحرمانَ أدركه حتى قال : { لَمْ أَكُن لأَِسْجُدَ لِبَشَرٍ } .","part":4,"page":84},{"id":1585,"text":"ولمَّا أبعده الحقُّ- سبحانه - عن معرفته ، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث ، فأجابه . وظَنَّ اللَّعينُ أنه حصل في الخير مقصوده ، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذاباً شديداً ، فكأنه كان في الحقيقة مكراً- وإن كان في الحال في صورة إجابة السؤال بما يُشْبِهُ اللطفَ والبِرَّ .\rوبعض أهل الرجاء يقول : إن الحق - سبحانه - حينما يهين عدوَّه لا يَرُدُّ دعاءَه في الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار؛ فالمؤمن- إذ أَمْرُهُ الاستغفارُ السؤالُ بوصفِ الافتقارِ- أَوْلَى ألا يقنظَ مِنْ رحمتهِ ، لأنَّ إنظارَ اللعين زيادةُ شقاء له تحقيق عطاء .","part":4,"page":85},{"id":1586,"text":"الباء في { بِمَا أَغْوَيْتَى } باء القسم ، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يُقْسِم به لولا فَرْطُ جَهْلِه . ثم هو في المعنى صحيح ، لأنَّ الإغواء مما يتفرَّدُ بالحق بالقدرة عليه ، ولا يشاركه فيه أحد ، ولكن اللَّعِينَ لا يعرف الله الحقيقة ، إذ لو عَرَفَه لم يدعُ إلى الضلال ، لأنه لو قدر على إضلالِ غيره لاستبقى على الهدايةِ نَفْسَه . وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حَدْساً وهو لم يَعْرِفْ الله - على الحقيقة - قَطُّ .","part":4,"page":86},{"id":1587,"text":"الإخلاصُ هو تصفيةُ الأعمالُ عن الغَيْن وعن الآفات المانعة من صالح الأعمال . وقد عَلِمَ اللعينُ أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لمَّا تَحَقَقَ من عناية الحقِّ بشأنهم .\r{ قال هذا صراط عليَّ مستقيم } تهديدٌ ، كما تقول : افعل ما شِئْتَ . . وهذا طريقي .","part":4,"page":87},{"id":1588,"text":"السلطان الحجة ، وهي لله على خَلْقه ، وليس للعدوِّ حجة على مخلوق ، إذ لا تَتَعدَّى مقدرتُه محلَّه ، فلا تَسلَّطَ- في الحقيقة - لمخلوق بالتأثير فيه .\r{ إِنَّ عِبَادِى } : إذا سمى الله واحداً عبداً فهو من جملة الخواص ، فإذا أضافه إلى نفسه فهو خاص الخاص ، وهم الذين محاهم عن شواهدهم ، وحفظهم وصانهم عن أسباب التفرقة وجرَّدهم عن حَوْلهم وقُوَّتِهم ، وكان النائبَ عنهم في جميع تصرفاتهم وحالاتهم ، وحفظ عليهم آدابَ الشرع ، وألبَسُهم صِدارَ الاختيار في أوان أداء التكليف ، وأخذهم عنهم باستهلاكهم في شهوده ، واستغراقهم في وجوده . . فأيُّ سبيلٍ للشيطان إليهم؟ وأي يدٍ للعدو عليهم؟\rومَنْ أشهدِ الحقُّ حقائقَ التوحيد ، ورأى العالَمَ مُصَرَّفاً في قبضة التقدير ، ولم يكن نهباً للأغيار . . فمتى يكون لِلَّعين عليه تسلط ، وفي معناه قالوا :\rجحودي فيك تقديسُ ... وعقلي فيك تهويسُ\rفمن آدم إلاَّكَ ... ومَنْ في البيت إبليسُ","part":4,"page":88},{"id":1589,"text":"اجتمعوا اليومَ في أصل الضلالة ، ثم الكفر مِلَلٌ مختلفةٌ ، ثم يجتمعون غداً في العقوبة وهم زُمَرٌ مختلفون ، لكلِّ دَرَكَةٍ من دركات جهنم قوم مُخَصُّون .","part":4,"page":89},{"id":1590,"text":"المتقي مَنْ وقَّاه الله بفضله لا مَنْ اتَّقى بَتَكلُّفِه ، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلاَّ بعد أن وقَّاه الحقُّ - سبحانه - بفضله . هم اليومَ في جنات ولها دَرَجات بعضها أرفعُ من بعض ، كما أنهم غداَ في جنَّات ولها درجات بعضها فوق بعض .\rاليوم لقومٍ درجةُ حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة ، ولقوم درجة البسط والراحة ، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة ، ولآخرين درجة الأنْسِ والقربة ، قد علم كلُّ أناسٍ مشربَهم ولزم كلُّ قومٍ مذهبَهم .","part":4,"page":90},{"id":1591,"text":"معناه يقال لهم : { أدخلوها } ، وأَجْمَلَ ذلك ولم يقل مَنْ الذي يقول لهم . ويرى قومٌ أن المَلكَ يقول لهم : أدخلوها .\rويقال إذا وافَوْا الجنة وقد قطعوا المسافة البعيدةَ ، وقاسوا الأمورَ الشديدة َ ، فَمِنْ حقِّهم أن يدخلوا الجنة ، خاصةً وقد علموا أَنَّ الجنةَ مُبَاحةٌ لهم ، ولعلهم لا يفقهون حتى يقال لهم .\rويقال يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول المَلَكِ حتى يقول الحقُّ : أدخلوها ، كما قالوا :\rولا أَلْبَسُ النُّعمى وغيرُك مُلْبِسٌ ... ولا أَقْبَلُ الدنيا وغيرك واهبُ\rقوله : { بِسَلاَمٍ ءَامِنِينَ } : بمعنى السلامة ، وهي الأمان ، فيأمنون أنهم لا يخرجون منها .\rويقال كما لا يخرجون من الجنة لا يخرجون عما هم عليه من الحال؛ فالرؤية لهم وما هم فيه من الأحوال الوافية- مديدةٌ .","part":4,"page":91},{"id":1592,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } .\rأَمَرَ الخليلَ عليه السلام ببناء الكعبة وتطهيرها فقال : { وَطَهِّرْ بَيْتِىَ } [ الحج : 26 ] ، وأَمَرَ جبريلَ عليه السلام حتى غَسَلَ قلبَ المصطفى - صلىلله عليه وسلم - فَطَهَّرَهِ . وتولّى هو - سبحانه - بنفسه تطهيرَ قلوب العاصين ، فقال : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } [ الحجر : 47 ] وذلك رفقاً بهم ، فقد يصنع الله بالضعيف ما يتعجَّبُ منه القوي ، ولو وكل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لاشتهرت عيوبُهم ، فتولَّى ذلك بنفسه رفقاً بهم .\rويقال قال : { مَا فِى صُدُورِهِم } ولم يقل ما في قلوبهم لأن القلوب في قبضته يقلبها ، وفي الخبر : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » يريد بذلك قدرته ، فاستعمل لفظ الإصبع لذلك توسعاً . وقيل بين إصبعين أي نعمتين .\rقوله جلّ ذكره : { إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } .\rقابل بعضُهم بعضاً بالوجه ، وحفظ كلُّ واحدٍ عن صاحبه سِرَّه وقلبَه ، فالنفوس متقابلة ولكنَّ القلوبَ غيرُ متقابلة؛إذ لا يشتغل بعضهم ببعض ، قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ } .","part":4,"page":92},{"id":1593,"text":"أي لا يلحقهم تعبٌ؛ لا بنفوسهم ولا بقلوبهم . وإذا أرادوا أمراً لا يحتاجون إلى أن ينتقلوا من مكانٍ إلى مكان ، ولا تحار أبصارهم ، ولا يلحقهم دَهَشٌ ، ولا يتغير عليهم حالٌ عما هم عليه من الأمر ، ولا تشكل عليه صفة من صفات الحق .\r{ وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } أي لا يلحقهم ذلُّ الإخراج بل هم بدوام الوصال .","part":4,"page":93},{"id":1594,"text":"لمَّا ذَكَرَ حديثَ المتقين وما لهم من علوِّ المنزلة انكسرت قلوب العاصين ، فَتَدارَك اللَّهُ قلوبهم ، وقال لنبيِّه- A - أخبر عبادي العاصين أني غفور رحيم ، وأني إنْ كنتُ الشكورَ الكريمَ بالمطيعين فأنا الغفورُ الرحيمُ بالعاصين .\rويقال مَنْ سَمِعَ قوله : { أَنِّى أَنَا } بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساغٌ لسماع المغفرة والرحمة؛ لأنه يكون عندئذ مُخْتَطَفاً عن شاهده ، مُسْتَهَلكاً في أنيته .","part":4,"page":94},{"id":1595,"text":"العذابُ الأليم هنا هو الفراق ، ولا عذابَ فوق في الصعوبة والألم .","part":4,"page":95},{"id":1596,"text":"أَلا عرَّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة ، وقيامه بحقِّ الضيفان ، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان ، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه :\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ } .\rوَجلون أي خائفون ، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة . ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين . ولكن سكن رَوْعُه .","part":4,"page":96},{"id":1597,"text":"فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ لفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين ، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين .\rنحن { نبشرك بغلام عليم } : أي يعيش حتى يعلم ، لأن الطفل ليس من أهل العلم ، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب . BR&gt;","part":4,"page":97},{"id":1598,"text":"قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء . بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله ، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً .\rقال : كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟\rفلما فرغ قلبه من هذا الحديث ، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم .","part":4,"page":98},{"id":1599,"text":"قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟\rقالوا : أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط ، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد ، وكانت تدل على أضيافه ، فاستوجبت العقوبة .\rفلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر ، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمر عظيم ، قالوا : بل جئناك بما كان قومك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم ، وآتيناك بالحق ، أي بالحكم الحق .","part":4,"page":99},{"id":1600,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقْطِعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } .\rفأَسْرِ بأهلك بعدما يمضي شيءٌ من الليل ، وامش خلفهم ، وقدَّمهم عليك ، واتبع أدبارهم ، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يَرَوْا ما ينزل بقومهم من العذاب ، وإنا ننقذك وأهلَكَ إلا امرأَتَك ، فإنا نعذبها بمشاركتها مع قومك في العصيان . { وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } فلكم السلام ولقومكم العقوبة .\r{ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ } أي عَلَّمْناه وعَرَّفْناه : { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ } ؛ أي أنهم مُهْلَكون ومُسْتَأْصَلُون بالعقوبة .\rثم لما نزل الملائكةُ بلوط عليه السلام قال لقومه إن هؤلاء أضيافي ، فلا تتعرضوا لهم فتفضحوني ، واتقوا اللَّهَ ، وذروا مخالفة أمره ولا تخْجِلوني . فقال قومه : ألم نَنْهَكَ عن أن تحمي أحداً ، وأمرناك ألا تمنعَ مِنَّا أحداً؟ فقال : هؤلاء بناتي يعني نساء أمتي . وقال قومٌ : أراد بناتِه من صلبه ، عَرَضهن عليهم لئلا يُلِمُّوا بتلك الغلطة الفحشاء ، فلم تنجع فيهم نصيحة ، ولم يُقْلِعوا عن خبيثِ قَصْدِهم .\rفأخبره الملائكة ألا يخافَ عليهم ، وسكنوا من رَوْعه حين أخبروه بحقيقة أمرهم ، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة .","part":4,"page":100},{"id":1601,"text":"اقسم بحياته تخصيصاً له في شرفه ، وتفضيلاً له على سائر البرية ، فقال وحياتك - يا محمد - إنهم لفي ضلالتهم وسكرة غفلتهم يتردُّون ، وإنهم عن شِرْكهم لا يُقْلِعون .\rويقال أقسم بحياته لأنه لم يكن في وقته حياة أشرف من حياته- إنهم في خُمَارِ سُكْرِهم ، وغفلةِ ضلالتهم لا يترقبون عقوبةً ، ولا يخافون سوءاً .","part":4,"page":101},{"id":1602,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } .\rباتوا في حبور وسرور ، وأصبحوا في محنة وثبور ، وخرَّر عليهم سقوفُهم ، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها ، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً ، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر ، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر ، { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتِ لِلّمُتوسِمِينَ } .\rجاء في التفسير « المتفرسين » ، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ يرهانٍ عليه ، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة . مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر . والحق- سبحانه- يُطْلِعُ أولئاءه على ما خفي على غيرهم . وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا- A - كان يقول لعائشة - Bها- في زمان الإفك : « إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله » وكإبراهيم ولوط -عليهما السلام- لم يعرفا الرسل .","part":4,"page":102},{"id":1603,"text":"أصحاب الأيكة هم قوم شعيب ، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه ، فانتقمنا منهم .\rقوله : { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة . . . { لَِبإِمَامٍ مُّبِينٍ } : أي بطريق واضح مَنْ قصده ( . . . ) .\rوكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم ، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كنافِة صالح وغيرها ، وأنهم كانوا أخلدوا إلىلأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم ، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً ، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب .\rثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم .","part":4,"page":103},{"id":1604,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ } .\rدلَّت الآيةُ على أنَّ أكسابَ العباد مخلوقةٌ لله ألأنها بين السموات والأرض .\rقوله جلّ ذكره : { إِلاَّ بِالحَقِّ وَإِنََّ السَّاعَةَ لأَتِيَةٌ } .\r{ إِلاَّ بِالحَقِّ } : أي وأنا مُحقٌّ فيه ويقال { بِالحَقِّ } : بالأمرِ العظيم الكائن إنْ الساعة لآتيةٌ يعني القيامَةَ .\rقوله جلّ ذكره : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ } .\rيقال الصفح الجميل الذي تذكر الزَّلَّةُ فيه .\rويقال الصفح الجميل سحبُ ذيل الكَرَمِ على ما كان مِنْ غير عَقْدِ الزَّلَّة ، بلا ذِكْرٍ لما سَلَفَ من الذنب ، كما قيل :\rتعالوا نصطلح ويكون مِنَّا ... ( . . . . . . . . . . . . . . ) ... ويقال الصفح الجميل الاعتذار عن الجُرْم بلا عدِّ الذنوب من المجرم ، والإقرار بأن ، الذنب كان منك لا من العاصي ، قال قائلهم :\r( وتُذْنِبون فنسي ونعتذر )","part":4,"page":104},{"id":1605,"text":"{ هُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ } إذ لا يصح الفعل بوصف الانتظام والاتساق من غير عالِم .","part":4,"page":105},{"id":1606,"text":"أكثَرُ المفسرين على أنها سورة الفاتحة ، وسميت مثاني لأنها نزلت مرتين : مرة بمكة ومرة بالمدينة ، ولأنها شيء في كل صلاةِ يتكرر ، من « التثنية » وهي التكرير ، أو لأن بعضها يضاف إلى الحق وبعضها يضاف إلى الخلق . . ومعنى هذا مذكور في كتب التفاسير .","part":4,"page":106},{"id":1607,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } .\rلم يُسَلِّمْ له إشباع النظر إلى زَهْرَة الدنيا وزينتها .\rويقال غار على عينيه - A - أن يستعملَها في النظر إلى المخلوقات .\rويقال أَدَّبَه اللَّهُ - سبحانه - بهذا التأديب حتى لا يُعِيرَ طَرْفَه من حيث الاستئناس به .\rويقال أمره بحفظ الوفاء لأنه لمًّا لم يكن اليومَ سبيلٌ لأحد إلى رؤيته ، فلا تمدن عينيك إلى ملاحظة شيء من جملة ما خوَّلْناهم ، كما قال بعضهم :\rلمَّا تَيَقَّنْتُ أني لسْتُ أبصركم ... أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد\rويقال شَتَّانَ بينه وبين موسى - عليه السلام! قال له : { لَن تَرَانِى وَلَكِن انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } [ الأعراف : 143 ] ، ونبينا - A - مَنَعَه من النظر إلى المخلوقات بوصفٍ هو تمام النظر فقال : { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } [ الحجر : 88 ] .\rويقال إذا لم يسلم له إشباع النظر بظاهره إلى الدنيا فكيف يسلم له السكون بقلبه إلى غيرالله؟!\rويقال لما أُمِرَ بِغَضِّ بَصَرِه عما يتمتُّع به الكفارُ في الدنيا تَأَدَّبَ- عليه السلام- فلم ينظرْ ليلةَ المعراج إلى شيءٍ مما رأى في الآخرة ، فأثنى عليه الحقُّ بقوله : { مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى } [ النجم : 17 ] وكان يقول لكل شيءٍ رآه « التحيات لله » أي المُلْكُ لله .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِم } .\rأدّبه حتى لا يتغير بصفة أحد ، وهذه حال التمكين .\rقوله جلّ ذكره : { وَاخفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } .\rأي أَلمِنْ لهم جانبَكَ . وكان عليه السلام إذا استعانت به الوليدة في الشافعة إلى مواليها يمضي معها . . . إلى غير ذلك من حسن خُلُق - صلوات الله عليه - وكان في الخبر إنه كان يخدم بيته وكان في ( مهنة ) أهله . وتولَّى خدمة الوفد ، وكان يقول؛ « سيدُ القومِ خادمُهم » .","part":4,"page":107},{"id":1608,"text":"لمَّا لم يكن بنفسه وكان قائماً بحقه - سبحانه وتعالى - سَلّمَ له أن يقول : إني وأنا . وفي الخبر : أن جابراً دَقَّ عليه الباب ، فقال : « مَنْ؟ » قال : أنا . . . فقال النبي عليه السلام : « أنا أنا » . . كأنه كرهها .\rويقال : قُلْ لا حدَّ لاستهلاكك فينا ، سلَّمنا أن تقول : إني أنا ، لما كنتَ بنا ولنا .","part":4,"page":108},{"id":1609,"text":"قوله جلّ ذكره : { كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ } .\rأي قل إني أنا لكم مُنذِرٌ بعذابٍ كالعذاب الذي عذَّبْنا به المقتسمين؛ وهم الذين تقاسموا بالله لنبيِّه في قصة صالح عليه السلام . وقيل هم من أهل الكتاب الذين اقتسموا كتاب الله؛ فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضِه .\rويقال إني لكم نذير أخوفكم عقوبة المقتسمين الذين اقتسموا الجبال والطرق بمكة في الموسم ، وصدوا الناس . وكان الواحد منهم يقول لِمَنْ مَرَّ به : لا تُؤْمِنْ بمحمدٍ فإنه ساحر ، ويقول الآخر : إنه كاهن ويقول ثالث : إنه مجنون ، فهم بأقسامهم : { الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْءَانَ عِضِينَ } .\rففرقوا القول فيه ، فقال بعضهم إنه شعر ، وقال بعضهم إنه سحر ، وقال بعضهم إنه كهانة . . . إلى غير ذلك .","part":4,"page":109},{"id":1610,"text":"العوام يسألهم عن تصحيح أعمالهم ، والخواص يسألهم عن تصحيح أحوالهم .\rويقال يسأل قوماً عن حركات ظواهرهم ، ويسأل آخرين عن خطرات سرائرهم . ويسأل الصديقين عن تصحيح المعاني بفعالهم ، ويسأل المدَّعين عن تصحيح الدعاوى تعنيفاً لهم .\rويقال سماع هذه الآية يوجب لقوم أْنساً وسروراً حيث علموا أنه يكلِّمهم ونُسْمِعُهُم خطابَه لاشتياقِهم إليه ، ولا عَجَبَ في ذلك فالمخلوق يقول في مخلوق :\rفي الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جليسُها ... إذا مانتهت أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُهَا\rفلا أسعدَ مِنْ بَشَرٍ يعرف أَنَّ مولاه غداً سيكلمه .","part":4,"page":110},{"id":1611,"text":"كُنْ بنا وقُلْ بنا ، وإِذَا كنتَ بِنا ولَنَا فلا تجعلْ حِساباً لغيرنا ، وصرِّحْ بما خاطبناك به ، وأَفْصِحْ عَمَّا نحن خصصناكَ به ، وأَعْلْنْ محبتنا لك :\rفسبِّحْ باسم مَنْ تَهْوى ودَعْنا من الكُنى ... فلا خيرَ في اللَّذاتِ مِنْ بعدها سَتْرُ .","part":4,"page":111},{"id":1612,"text":"الذين دَفَعْنَا عنكَ عاديةَ شَرِّهم ، ودَرَأْنا عنكَ سوءَ مكرهم ، ونصرناك بموجب عنايتنا بشأنك . . فلا عليكَ فيما يقولون أو يفعلون ، فما العقبى إلا لَك بالنصر والظفر .","part":4,"page":112},{"id":1613,"text":"وقال : { يَضِيقُ صَدْرُكَ } ولم يقل يضيق قلبك؛ لأنه كان في محل الشهود ، ولا راحة للمؤمن دون لقاء الله ، ولا تكون مع اللقاء وحشة .\rويقال هَوَّنَ عليه ضيق الصدر بقوله : { ولقد نعلم } ويقال إن ضاق صدرُك بسماع ما يقولون فيك من ذمِّكَ فارتفع بلسانك في رياض تسبيحنا ، والثناءِ علينا ، فيكون ذلك سبباً لزوال ضيق صدرك؛ وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا وتقديسنا ، واستحقاق عِزِّنا .","part":4,"page":113},{"id":1614,"text":"قف على بساط العبودية معتنقاً للخدمة ، إلى أَنْ تَجلس على بِساط القربة ، وتطالَبَ بآداب الوصلة .\rويقال التزِمْ شرائطَ العبودية إلى أنْ تَرْقَى بل تُكْفَى بصفات الحرية . ويقال في { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ } : إن أشرف خصالك قيامك بحقِّ العبودية .","part":4,"page":114},{"id":1615,"text":"صيغة أتى للماضي ، والمراد منه الاستقبال لأنه بشأن ما كانوا يستعجلونه من أمر الساعة ، والمعنى « سيأتي » أمر القيامة ، والكائناتُ كلُّها والحادثات بأَسْرِها من جملة أمره ، أي حصل أمرُ تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصلٌ بتقديره وتيسيره ، وقَضَائه وتدبيره؛ فما يحصل من خير وشرَّ ، ونفع وضرِّ ، وحلو ومُرِّ . فذلك من جملة أمره تعالى .\r{ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئاً باختيارهم لأنهم قد سقطت عنهم الإرادات والمطالبات ، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار؛ فليس لهم إيثار ولا اختيار فلا يستعجلون أمراً ، وإذا أَمَّلوا شيئاً ، أو أُخْبِروا بحصول شيءٍ فلا استعجال لهم ، بل شأنهم التأنِّي والثباتُ والسكونُ ، وإذا بَدَا من التقدير حُكمٌ فلا استعجالَ لهم لما يَرِدُ عليهم ، بل يتقبلون مفاجأةَ التقدير بوجهٍ ضاحك ، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردِّ والقبول ، والمنع والفتوح بوصف الرضا ، ويحمدون الحق - سبحانه وتعالى - على ذلك .\r{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } : تعالى عما يشركون بربهم ، والكفار لم ييسر لهم حتى أَنَّه لا سكَنَ لقلوبهم من حديثه .","part":4,"page":115},{"id":1616,"text":"ينزل الملائكة على الأنبياء - عليهم السلام - بالوحي والرسالة ، وبالتعريف والإلهام على أسرار أرباب التوحيد وهم المُحَدَّثًُون . وإنزالُ الملائكةِ على قلوبهم غيرُ مردودٍ لكنهم لا يُؤْمَرُون أن يتكلموا بذلك ، ولا يكملون رسالةً إلى الخَلْق .\rويُراد بالروح الوحي والقرآن ، وفي الجملة الروح ما هو سبب الحياة؛ إمَّا حياة القلب أو حياة الدنيا .","part":4,"page":116},{"id":1617,"text":"خَلَقَها بالحق ، ويَحكُم فيها بالحق ، فهو مُحِقٌّ في خَلْقِها لأنَّ له ذلك ويدخل في ذلك أمرُه بتكليف الخَلْق ، وما يَعْقُبْ ذلك التكليفَ من الحَشْرِ والنَّشْرِ ، والثواب والعقاب .\r{ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } : تقديساً وتشريفاً له عن أن يكون له شريك أو معه مليك .","part":4,"page":117},{"id":1618,"text":"تَعرًّفَ إلى العقلاء بكمال قدرته حيث أخبر أنه ، قدر على تصوير الإنسان على ما فيه من التركيب العجيب ، والتأليف اللطيف؛ من نطفةٍ متماثلة الأجزاء ، متشاكلة في وقت الإنشاء ، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء ، والخروج من الخفاء . ثم رَكَّبَ فيه تمييز وعقل ، ويَسَّرَ له النقطَ والفعل ، والتدبير في الأمور والاستيلاء على الحيوانات على وجه التسخير .","part":4,"page":118},{"id":1619,"text":"ذكَّرهم بما تفَّضل عليهم ، وأخبرهم بما للحيوانات من النِّعم ، وما لهم فيها من وجوه الانتفاع في جميع الأحوال ، كالحْمِل وكالسفر عليها وقطع المسافات ، والتوصُّل على ظهورها إلى مآربهم ، وما لِنَسْلِها ولدرِّها من المنافع .","part":4,"page":119},{"id":1620,"text":"الغنيُّ له جمال بماله ، والفقير له استقلال بحاله . . وشتَّان ما هما! فالأغنياء يتجملون بأنعامهم حين يريحون وحين يسرحون ، والفقراء يستقبلون بمولاهم حين يصبحون وحين يمسون . أولئك تحمل أثقالَهم جِمالُهم ، وهؤلاء يحمل الحقُّ عن قلوبِهم أثقالَهم .\r{ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ } : قومٌ أحوالهم مقاساة الشدائد؛ يَصلُون سيرهم بسُراهم ، وقومٌ في حمل مولاهم؛ بعيدون عن كّدِّ التدبير ، مستريحون بشهود التقدير ، راضون باختيار الحقّ في العسير واليسير .","part":4,"page":120},{"id":1621,"text":"فالنفوس في حَمْلها كالدواب ، والقلوب معتقة عن التغنِّي في الأسباب . { وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ } : كما أن أهل الجنة من المؤمنين يجدون في الآخرة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خَطَرَ على قلب بَشَرٍ فكذلك أرباب الحقائق يجدون - اليومَ- ما لم يخطر قطُّ على بال ، ولا قرأوا في كتاب ، ولا تلقنوه من أستاذ ، ولا إِحاطة بما أخبر الحق أنه لا يعلم تفصيله سواه . . وكيف يعلم من أخبر الحقُّ - سبحانه - أنه لا يعلم؟ .","part":4,"page":121},{"id":1622,"text":"قومٌ هداهم السبيل ، وعرَّفَهم الدليل ، فصرفَ عن قلوبهم خواطر الشكِّ ، وَعصَمَهم عن الجُحْدِ والشِّرْك ، وأَطْلَعَ في قلوبهم شمسَ العرفان ، وأفردهم بنور البيان . وآخرون أضلّهم وأغواهم ، وعن شهود الحُجَجِ أعماهم ، وفي سابقُ حكْمِه من غير سببٍ أَذَلَّهم وقمعهم ، ولو شاء لعرَّفهم وهداهم .","part":4,"page":122},{"id":1623,"text":"أنزل المطر وجعل به سُقيا النبات ، وأجرى العادة بأن يديمَ به الحياة ، وينبت به الأشجار ، ويخرج الثمار ، ويجري الأنهار .\rثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ثم قال بعده بآيات : { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، ثم قال بعده : { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } ، وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة؛ فأولاً التفكر ثم العلم ثم التذكر ، أولاً يضع النظر موضعه فإذا لم يكن في نظره خَلَلٌ وجب له العلم لا محالة ، ولا فرق بين العلم والعقل في الحقيقة ، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر .\rويقال إنما قال : { لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } : على الجمع لأنه يحصل له كثير من العلوم حتى يصير عارفاً بربِّه آياتُ ودلائل ، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة ، فبدليل واحد يعلم وَجْهَ النظر ، وبأدلة كثيرة يصير عارفاً بربه .","part":4,"page":123},{"id":1624,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ } .\rالليل والنهار ظرفا الفعل ، والناس في الأفعال مختلفون : فموفَّقُ ومخذول؛ قالموفَّق يجري وقته في طاعة ربه ، والمخذول يجري وقته في متابعة هواه .\rالعابد ، يكون في فَرْضِ يقيمه أو نَفْلٍ يديمه ، والعارف في ذكره وتحصيل أوراده بما يعود على قلبه فيؤنسه ، وأما أرباب التوحيد فهم مُخْتَطَفُون عن الأحيان والأوقات بغلبة ما يَرِدُ عليهم من الأحوال كما قيل :\rلستُ أدري أطال لَيْلِي أم لا ... كيف يدري بذاك مَنْ يَتَقَلَّى؟\rلو تَفَرَّغْتُ لاستطالة لَيْلِي ... ورعيت النجومَ كنت مُخِلاَّ\rقوله جلّ ذكره : { وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتُ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .\rهذا في الظاهر ، وفي الباطن نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد .","part":4,"page":124},{"id":1625,"text":"أقوامٌ خَلَقَ لهم في الأرض الرياضَ والغياض ، والدور والقصور ، والمساكن والمواطن ، وفنون النِّعم وصنوف القِسَم . . وآخرون لا يقع لهم طير على وكر ، ولا لهم في الأرض شِبْر؛ لا ديار تملكهم ، ولا علاقة تُمْسِكُهُم- أولئك ساداتُ الناس وضياء الحق .","part":4,"page":125},{"id":1626,"text":"سخر البحر في الظاهر ، وسهّل ركوبه في الفُلْك ، ويَسَّر الانتفاع بما يستخرج منه من الحُلِيِّ كاللؤلؤ والدُّرِّ ، وما يقْتَاتُ به من السمك وحيوان البحر .\rومن وجوه المعاني خلق صنوفاً من البحر ، فقومٌ غَرْقَى في بحار الشغل وآخرون في بحار الحزن ، وآخرون في بحار اللهو . فالسلامةُ من بحر الشغل في ركوب سفينة التوكل ، والنجاة من بحر الحزن في ركوب سفينة الرضا ، والسلامة من بحر اللهو في ركوب سفينة الذكر ، وأنشد بعضهم .","part":4,"page":126},{"id":1627,"text":"الرواسي في الظاهر الجبال ، وفي الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخَلْق ، بهم يرحمهم ، وبهم يغيثهم . . ومنهم أبدال ومنهم أوتاد ومنهم القطب . وفي الخبر : « الشيخ في قومه كالنبي في أمته » وقال تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفال : 33 ] ، كما قال تعالى : { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤمنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ } ، [ الفتح : 45 ] وأنشد بعضهم :\rواحسرتا من فراق قوم ... هم المصابيح والأمن والمزن","part":4,"page":127},{"id":1628,"text":"الكواكبُ نجومَ السماء ومنها رجومٌ للشياطين ، والأولياء نجومٌ في الأرضِ . وكذلك العلماء وهم أئمة في التوحيد وهم رجومٌ للكُفَّار والملحدين .\rويقال فرْقٌ بين نجوم يهْتَدَى في فِجَاج الدنيا ، ونجومٍ يُهْتَدَى بهم إلى الله تعالى .","part":4,"page":128},{"id":1629,"text":"تدل هذه الآية على نفي التشيبه بينه - سبحانه - وبين خَلْقِه . وصفاتُ القِدَم لله مُسْتَحَقَّة ، وما هو من خصائصِ الحدثان وسِماتِ الخْلق يتقدَّس الحقُّ - سبحانه - عن جميع ذلك . ولا تُشَبّه ذاتُ القديم بذواتِ المخلوقين ، ولا صفاتُه بصافتِهم ، ولا حُكمُه بحُكمِهم ، وأصلُ كلِّ ضلالةٍ التشبيهُ ، ومِنْ قُبْحِ ذلك وفسادِه أنَّ كلَّ أحدٍ يتبرَّأْ منه وستنكِفُ من انتحاله .","part":4,"page":129},{"id":1630,"text":"الموجوداتُ لا تحصوها لِتقاصُرِ علومِكم عنها ، وما هو من نِعمَ الدفع نهاية له ، وهو غفور رحيم حيث يتجاوز عنكم إذا عجزتم عن شكره ، ويرضى بمعرفتكم ( . . . . ) لكم عن شكره .","part":4,"page":130},{"id":1631,"text":"ما تُسِرُّون من الإخلاص وملاحظة الأشخاص . . فلا يخفى عليه حسبان ، وما تعلنون من الوفاق والشقاق ، والإحسان والعصيان . والآيةُ توجِبُ تخويف أَربابِ الزَّلاَّت ، وتشريفَ أصحاب الطاعات .","part":4,"page":131},{"id":1632,"text":"أخبر أن الأصنامَ لا يَصحُّ منها الخُلقُ لكونها مخلوقةً ، ودلَّت الآيةُ على أنَّ من وْجِدَتْ له سِمَةُ الخْلق لا يصِحُّ منه الخْلق ، والَخْلق هو الإيجاد؛ ففي الآية دليلٌ على خْلقِ الأعمال .","part":4,"page":132},{"id":1633,"text":"لأنَّ مَنْ لَحِقَهُ وصفُ التكوين لا يصِحُّ منه الإيجاد . وفي التحقيق كُلُّ مَنْ عَلقَ قلبَه بشيءٍ ، وتَوَهَّم منه خيراً أو شراً فقد أشرك بالله بظنَّه ، وإنما التوحيد تجريدُ القلبِ عن حسبان شظيّةٍ من النفي والإثبات من جميع المخلوقين والمخلوقات .","part":4,"page":133},{"id":1634,"text":"لا قَسِيم لِذَاتِه جوازاً أو وجوباً ، ولا شبيهَ له ولا شريك . . ومَنْ لم يتحققْ بهذه الجملة قطعاً ، وبشهادة البراهين له تفصيلاً فهو في دَرَكَاتِ الشِّرك واقعٌ ، وعن حقائق التوحيج بمعزل ، قال تعالى في صفة الكفار : { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } أي في أَسْرِ الشِّرْكِ وغطاء الكفر ، ثم ليس فيه اتصاف لطلب العرفان؛ لأنَّ العلةَ - لِمَنْ أراد المعرفة- مُتاحة ، وأدلة الخْلق لائحة .","part":4,"page":134},{"id":1635,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } .\rفيفضحهم ويبيِّنُ نفاقَهم ، ويُعْلِنُ للمؤمنين كفرهم وشِقاقهم .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ } .\rدليل الخطاب أنه يحب المتواضعين المتخاشعين ، ويكفيهم فضلاً بشارة الحق لهم بمحبته لهم .","part":4,"page":135},{"id":1636,"text":"لَحقَهم شؤمُ تكذيبهم ، فأَصروا على إعراضهم عن النظر ، وقَسَتْ قلوبُهم ولم تجنح إلى الإقرار بالحق ، فَلَبِّسُوا على من يسائلهم ، وقالوا : هذا الذي جاء به محمد من أكاذيب العجم . فَضلُّوا وأَضَلوا .","part":4,"page":136},{"id":1637,"text":"لما سَعَوْا في الدنيا لغير الله لم تَصْفُ أعمالُهم ، وفي الآخرة حَمَلُوا معهم أوزارهم . . أولئك الذين خَسِروا في الدنيا والآخرة .","part":4,"page":137},{"id":1638,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } .\rاتصفوا بالمكر فحاق بهم مَكْرُهم ، ووقعوا فيم حفروه لغيرهم ، واغتروا بطول الإمهال ، فأخذهم العذابُ من مأْمَنِهم ، واشتغلوا بِلهوهِم فَنَغَّصَ عليهم أطيب عَيْشهم :\rقوله جلّ ذكره : { فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وََأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } .\rالذي وصف نفسه به في كتابه من الإتيان فمنعاه العقوبة ، وذلك على عادة العرب في التوسع في الخطاب .\rوهو سبحانه يكشف الليلَ ببَدْره ثم يأخذ الماكر بما يليق بمَكْره ، وفي معناه قالوا :\rوأَمِنْتُه فأَتَاحَ لي من مأْمَني ... مكْراً ، كذا مَنْ يَأْمَنُ الأياما","part":4,"page":138},{"id":1639,"text":"في الدنيا عاجلُ بلائهم ، وبين أيديهم آجِلُه . وحَسْرةُ المُفِلس تتضاعف إذا ما حُوسِبَ ، وشاهَدَ حاصِلَه .\r{ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ . . . } : يُسْمِِعُ الكافرين قولَ المؤمنين ، ويبيِّن للكافة صِدْقَهم . ويقع الندمُ على جاهلهم . وأما اليومَ فعليهم بالصبر والتحمُّل ، وعن قريب ينكشف الغطاء ، وأنشد بعضهم :\rخليليَّ لو دارت على رأسِيَ الرَّحى ... من الذُّلِّ لم أَجْزَعْ ولم أَتَكلَّمِ\rوأطرقتُ حتى قيل لا أعرفُ الجفا ... ولكنني أفصحتُ يومَ التكلُّمِ","part":4,"page":139},{"id":1640,"text":"{ ظَالِمِى أَنْفُسِهِمْ } : بارتكاب المعاصي وهم الكفار .\r{ فَأَلْقُوا السَّلَمَ } : انقادوا واستسلموا لحكم الله .\r{ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ } : جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات .\r{ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } : هكذا قالت لهم الملائكة ، ثم يقولون لهم : { فَادْخُلُوا أَبْوَابَ . . . } : وكذلك الذين تقسو نفوسُهم بإعراضهم عن الطاعات إذا نزَلَتْ بهم الوفاةُ يأخذون في الجزع وفي التضرع ، ثم لا تطيبُ نفوسهم بأن يُقِرُّوا بتفاصيل أعمالهم عند الناس ، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لم أَخَلُّوا من معاملاتهم ، ثم الله يؤاخذهم بالكبير والصغير ، والنقير والقطمير ، ثم يبقون أبداً في وبال ما أحقبوه ، لأن شؤم ذلك يلحقَهم في أُخراهم .","part":4,"page":140},{"id":1641,"text":"أما المسلمون فإذا وردوا عليهم ، وسألوهم عن أحوال محمد - A - وعما أَنزل اللَّهُ عليه ، قالوا : دينه حقٌّ ، واللَّهُ أَنزل عليه الحقَّ . . والذين أحسنوا في الدنيا يجِدُون الخير في الآخرة .\rويقال في هذه الدنيا حسنة ، وهي ما لهم من حلاوة الطاعة بصفاء الوقت ويصحُّ أن تكونَ تلك الحسنةُ زيادةَ التوفيق لهم في الأعمال ، وزيادةَ التوفيقِ لهم في الأحوال .\rويصح أن يقال تلك الحسنة أَنْ يُوَفِّقَهم بالاستقامة على ما هم عليه من الإحسان .\rويصح أن يقال تلك الحسنة أن يُبَلِّغهم منازلَ الأكابر والسادة .\rقال تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } [ السجدة : 24 ] .\rويصح أن تكون تلك الحسنة ما يتعدَّى منهم إلى غيرهم من بركات إرشادهم للمريدين ، وما يجري على من اتبعهم مما أخذوه وتعلموه منهم ، قال النبي A : « لأن يهتدي بهداك رجل خير لك من حمر النعم » .\rثم قال : { وَلَدَارُ الآخِرَةِ خيْرٌ } ، لأن ما فيها يبقى ، وليس فيها خطر الزوال . ولأن في الدنيا مشاهدة وفي الآخرة معاينة .","part":4,"page":141},{"id":1642,"text":"كما أن الإرادات والهمَمَ تختلف في الدنيا فكذلك في الآخرة ، وفي الخبر : « مَنْ كان بحالةٍ لَقِيَ الله بها » فَمِنْ مريدٍ يكتفي من الجنة بورودها ، ومن مريدٍ لا يكتفي من الجنة دون شهود ربِّ الجنة .\rويقال إذا شاءوا أن يعودوا إلى ما فاتهم من قصورهم ، وما وجدوا في ذلك من صحبة اللَّعينِ في سائر أحوالهم وأمورهم يسلم لهم ذلك ، ومن شاء أن تدومَ رؤيتُه ، ويتأبَّدَ سماعُ خطابه فلهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ، وهو ما لم يخطر ببال أحد .","part":4,"page":142},{"id":1643,"text":"يقبض أرواحَهم طيبً . أويقال : { طَيِّبِينَ } حال .\rوالأسباب التي تطيب بها قلوبُهم وأرواحُهم مختلفة ، فمنهم مَنْ طاب وقتُه لأنه قد غُفِرَتْ ذنوبُه ، وسُتِرتْ عيوبه ، ومنهم مَنْ طاب قلبُه لأنه سَلَّمَ عليه محبوبُه ، ومنهم من طاب قلبه لأنه لم يَفُتْه مطلوبه .\rومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى ثوابه ، ويصل إلى حُسْنِ مآبه .\rومنهم من يطيب قلبه لأنه أَمِنَ من زوال حالِه ، وحظي بسلامة مآله ، ومنهم من يطيب قلبُه لأنه وصل إلى أفضاله ، وآخر لأنه وصل إلى لطف جماله ، وثابث لأنه خُصَّ بكشف جلاله - قد عَلِمَ كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم .\rويقال : { تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ } طيبة نفوسهم أي طاهرةٌ من التدنُّس بالمخالفات ، وطاهرةً قلوبهُم عن العلاقات ، وأسرارهم عن الالتفات إلى شيء من المخلوقات .\rقوله تعالى : { سَلاَمٌ عَلَيّكُمُ } إِحْظَوْا بالجنة ، منهم مَنْ يخاطبه بذلك المَلَكَ ، ومنهم مَنْ يُكَاشِفه بذلك المَلِكُ .","part":4,"page":143},{"id":1644,"text":"القوم ينتظرون مجيءَ المَلَكِ لأنهم لم يعرفوه ولم يعتقدوا كونَه . ولكن لمَّا كانوا يستعجلون معتقدين أن الرسلَ غيرُ صادقين ، ولمَّا سلكوا مسلكَ أضرابهم من المتقدمين- عوملوا بمثل ما لَقِي أسلافُهم ، وما كان ذلك من الله ظلماً ، لأنه يتصرف في مُلْكه من غير حُكْم حاكم عليه .","part":4,"page":144},{"id":1645,"text":"خَبثَتْ قصودُهم فيما قالوا على وجه التكذيب والاستهزاء ، وغَلَبَتْ على نطقهم ظلمات جهلهم وجحدهم ، وانكشف عدمُ صِدْقِهم في أحوالهم .\rوقولهم : { لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدَنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ . . . } يشبه قولهم : { أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ } [ يس : 47 ] . ولا خلاف أن الله لو شاء أن يطعمهم لكان ذلك .","part":4,"page":145},{"id":1646,"text":"لم يُخْلِ زماناً من الشرع توضيحاً لحجته ، ولكن فرَّقهم في سابِق حُكْمِه؛ ففريقاً هداهم ، وفريقاً حَجَبَهم وأعماهم .","part":4,"page":146},{"id":1647,"text":"ألزمهم الوقوفَ على حدِّ العبودية في إرادة هدايتهم ومعرفتهم حقائق الربوبية فقال : إنك وإنْ كنتَ بأمرنا لك حريصاً على هدايتهم؛ فإن من قَسَمْتُ له الضلالَ لا يجري عليه غيرُ ما قَسمْتُ له .\rويقال لمن ألبستُه صدارَ الضلال لا تنزعه وسيلةٌ ولا شفاعة .","part":4,"page":147},{"id":1648,"text":"القَسَمُ يؤكِّد الخبرَ ، ولكنَّ يمينَ الكاذب توجِب ضَعْفَ قوله؛ لأنه كلما زاد في جحد الله ازداد القلبُ نفرةً .","part":4,"page":148},{"id":1649,"text":"إذا بيَّن الله صِدْقَ ما ورد به الشرع في الآخرة بكشف الغيب زاد افتضاحُ أهل التكذيب فيكون في ذلك زيادةٌ لهم في التعذيب .","part":4,"page":149},{"id":1650,"text":"فيكون بالسمع عِلْمُ تَعَلُّقِ قَوْلِه بما يفعله ، وحَمَله قومٌ على أن معناه أنه لا يتعسَّرُ عليه فعلُ شيءٍ أراده ، فالآية على القولين جميعاً .\rوالذي لا يحتاج في فعله إلى مادة يخلق منها لا يفتقر إلى مدةٍ يقع الفعل فيها .\rوتدل الآيةُ على أنَّ قولَه ليس بمخلوق؛ إذ لو كان مخلوقاً لكان مقولاً له : كن ، وذلك القول يجب أن يكون مقولاً له بقولٍ آخر . . . وهذا يؤدي إلى أن يتسلسل ما يحصل إلى ما لا نهاية له .","part":4,"page":150},{"id":1651,"text":"مَنْ هَاجَرَ عن أوطان السوء- في الله- أبدل له اللَّهُ في جوار أوليائه ما يكون له في جوارهم معونَةٌ على الزيادة في صفاء وقته ، ومَنْ هَجَرَ أوطانَ الغفلة مَكَّنَهُ الله مِنْ مشاهدِ الوصلة . ومَنْ فَارقَ مجالسة المخلوقين ، وانقطع بقلبه إليه - سبحانه - باستدامة ذكره - فكما في الخبر : « أنا جليس من ذكرني » وبدايةُ هؤلاء القوم نهايةُ أهل الجنة؛ ففي الخبر « الفقراء الصابرون جلساءُ الله يوم القيامة » ويقال القلبُ مطلومٌ من جهة النَّفْس لما تدعوه إليه من شهواتها ، فإذا هجرها أورث اللَّهُ القلبَ أوطانَ النَّفْس حتى تنقادَ لما يطالِبُ به القلبُ من الطاعة؛ فبعد ما تكون أوطان الزَّلَّةِ بدواعي الشهوة تصير أوطانَ الطاعة لسهولة أدائها .","part":4,"page":151},{"id":1652,"text":"الصبرُ الوقوفُ بحسب جريان القضاء ، والتوكل التوقي بالله بُحُسْن الرجاء .\rويقال صبروا في الحال ، وتوكلوا على الله في تحقيق الآمال .\rويقال الصبر تحسِّي كاساتِ المقدور ، والتوكل الثقة في الله في استدفاع المحذور .\rويقال الصبرُ تجرُّعُ ما يُسْقَى ، والتوكل الثقة بما يرجو .\rويقال إنما يقوَوْن على الصبر بما حققوا من التوكل .","part":4,"page":152},{"id":1653,"text":"تعجبوا أن يكون من البَشَرِ رُسلاً ، فأخبر أنَّ الرسلَ كلّهم كانوا من البشر ، وأَنَّ فيمن سبق مَنْ أَقَرَّ بذلك . { أَهْلَ الذِّكْرِ } هم العلماء؛ والعلماء مختلفون : فالعلماءُ بالأحكام إليهم الرجوعُ في الاستفتاء من قِبَل العوام فَمَنْ أُشْكِل عليه شيءٌ من أحكام الأمر والنهي يرجع إلى الفقهاء في أحكام الله ، ومن اشتبه عليه شيءٌ من علم السلوك في طريق الله يرجع إلى العارفين بالله ، فالفقيه يوقِّع عن الله ، والعارف ينطق- في آداب الطلب وأحكام الإرادة وشرائط صحتها - عن الله ، فهو كما قيل : أليس حقاً نطقت بين الورى فاشتهرت ، كاشفها يعلم ما منَّ عليها فجرت ، فهي عناء به عينيه قد طهرت .","part":4,"page":153},{"id":1654,"text":"أي إن البيانَ إليك ، فأنت الواسطة بيننا وبينهم ، وأنت الأمين على وحينا .","part":4,"page":154},{"id":1655,"text":"العبدُ في جميع أحواله عُرْضَةٌ لِسِهام التقدير ، فينبغي أن يستشعر الخَوفَ في كلِّ نَفَسِ من الإصابة بها ، وألاَّ يأمنَ مَكْرَ الله في أي وقت ، وأكثر الأسنة تعمل في الموطأةِ نفوسُهم وقلوبُهم على ما عَوَّدهم الحقُّ من عوائد المِنَّة ، ولكن كما قيل :\rيا راقدَ الليل مسروراً بأَوَّلِه ... إن الحوادثَ قد يَطْرُقْنَ أسحارا","part":4,"page":155},{"id":1656,"text":"كل مخلوقٍ من عين أو أثر ، مِنْ حَجَر أو مَدَرٍ أو غَبَرٍ فلله- من حيث البرهان - ساجد ، ومن حيث البيان على الوحدانية شاهد .","part":4,"page":156},{"id":1657,"text":"ذلك سجود شهادة لا سجود عبادة ، فإذا امتَنَعَتْ عن إقامة الشهادة لقوم قالةٌ ، فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة .","part":4,"page":157},{"id":1658,"text":"يخافون الله أن يُنزلَ عليهم عذاباً من فوق رؤوسهم .\r{ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرَونَ } لا يعصونه ولا يحيدون عن طاعته .\rويقال خيرُ شيء للعبد في الدنيا والآخرة الخوفُ؛ إذ يمنعه من الزَّلة ويحمله على الطاعة .","part":4,"page":158},{"id":1659,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَينِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّىَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } .\rالحاجة إلى إثبات صانعٍ واحد داعية ، وما زاد على الواحد ( فالا . . . . ) فيه متساوية .\rويقال إثبات الواحد ضرورة ، وقُدْرَةُ الاثنين محصورة .\rقوله جلّ ذكره { وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ } .\rله الدين خالصاً وله الدين دائماً ، وله الدينُ ثابتاً ، فاطاعة له واجبة ، فلا تتقوا غيره ، وأطيعوا شَرْعَه بخلاف هواكم ، واعبدوه وَحْدَه ، واستجيبوا له في المَسَرَّةِ والمَضَرَّة .","part":4,"page":159},{"id":1660,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } .\rالنْعمة ما يُقَرِّبُ العبدَ من الحق ، فأمَّا ما لا يوجِب النسيانَ والطغيان ، والغفلةَ والعصيانَ فأَوْلَى أن يكون محبة .\rويقال ما للعبد فيه نفع ، أو يحصل به للشر منع فهو على أصح القولين نعمة؛ سواء كان دينياً أو دنيوياً ، فالعبد مأمورٌ بالشكر على كل حال . وأكثر الناس يشكرون على نعم الإحسان ، { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ } [ سبأ : 13 ] على كل حال .\rوفائدةُ الآيةِ قَطْعُ الأسرارِ عن الأغيار في حالتي اليُسْر والعُسْر ، والثقة بأن الخير والشر ، والنفع والضر كلاهما من الله تعالى .\rقوله جلّ ذكره : { ثُمَّ إذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ } .\rإذ ليس لكم سواه؛ فإذا أَظَلَّتْ العبدَ هواجمُ الاضطرار التجأَ إلى الله في استدفاع ما مَسَّه من البلاء ثم إذا مَنَّ الحقُّ عليه ، وجاد عليه بكشف بلائه صار كَأَنْ لم يمسه سوءٌ أو أصابه همٌّ كما قيل :\rكأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى ... ولم يَكُ صعلوكاً إذا ما تَمَوَّلاَ","part":4,"page":160},{"id":1661,"text":"الخطاب عام ، وقوله : { مِّنكُم } : لأنَّ القومَ منهم .","part":4,"page":161},{"id":1662,"text":"في هذا تهديد أي أنهم سوف يندمون حين لا تنفع لهم ندامةٌ ، ويعتذرون حين لا يُقْبَلُ لهم عُذْرٌ . . ومَنْ زَرَعَ شراً فلن يَحْصُدَ إلا جزاءَ عَمَلهِ .","part":4,"page":162},{"id":1663,"text":"أي يجعلون لما لا يعلمون وهي أصنامهم التي ليس لها استحقاق العلم نصيباً من أرزاقهم؛ فيقولون هذا لهم وهذا لشركائنا .\r{ تَاللهِ } أقسم إنهم سيلْقَوْن عقوبةَ فِعْلِهم .","part":4,"page":163},{"id":1664,"text":"من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد ، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا : الملائكة بنات الله . وكانوا يكرهون البنات ، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم . ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمِّ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقِّ مولاه ، فإِذا فعل مَالُه فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف ، ملوماً على ما اختاره من الفعل .\rثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه وتصفون به من كراهةِ أَنْ تُولَد لهم الإناثُ .","part":4,"page":164},{"id":1665,"text":"استولت عليهم رؤية الَخْلق ، وملكتهم الحيرة ، فَلحَقُّوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البَعْلِ فيهن . . . وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة ، والغيبة عن شهود الحقيقة .\rثم قال : { أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ } أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة ، { أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ } ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جعلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم . وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم ، وفَقْدُ رضائهم ، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم ، وتكدَّر عليهم الوقتُ ، واستولت الوحشةُ . . . ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء!","part":4,"page":165},{"id":1666,"text":"مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء .\rولله صفات الجلال ونعوت العِزِّ ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّتْ سعادتُه في الدارين ، وتعجلت راحته ، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضِ عرفانه ، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه .\rأمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّركِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصَّلة . { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ . . . } أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم ، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإمهالهم ، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالِهم في مآلهم .","part":4,"page":166},{"id":1667,"text":"انخدعوا لمَّا لانَ لهم العيشُ ، فظنوا أنهم ينجون ، وبما يُؤَمِّلونه يحيطون؛ فَحسُنَتْ في أعينهم مقابحُ صفاتهم ، ويومَ يُكْشَفَ الغطاءُ عنهم يعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة ، فلا تسْمَعُ منهم دعوة ، ولا تتعلق بأحدهم رحمة .","part":4,"page":167},{"id":1668,"text":"أنزل هذه الآية على جهة التسلية للنبي - A - وذلك أنه أخبر أن مَنْ تَقدَّمَه من الأمم كانوا في سلوك الضلالة ، والانخراط في سِلْكِ الجهالة كما كان من قومه ، ولكن اللَّهَ - سبحانه - لم يعجز عنهم . وكما سَوَّلَ الشيطانُ لأُمَّتِه ، وكان ولياً لهم ، فهو وليُّ هؤلاء . وأمَّا المؤمنون فالله وليُّهم ، والكافرون لا مَوْلى لهم .","part":4,"page":168},{"id":1669,"text":"أنت الواسطة بيننا وبين أوليائنا ، ولك البرهان الأعلى والنور الأوفى؛ تُبَلِّغُ عنَّا وتؤدِّي مِنَّا ، فأنت رحمةٌ أرسلناك لأوليائنا . . . فَمَنْ تَبِعَكَ اهتدى ، ومَنْ عصاك ففي هلاكه سعى .","part":4,"page":169},{"id":1670,"text":"أحياء بماء التوفيق قلوبَ العابدين فَجَنَحَتْ إلى جانب الوفاق ، وأحيا بماء التحقيق أرواح العارفين فاستروحت على بساط الوصال ، وأحيا بماء التجريد أسرار الموحدين فتحررت من رِقُ الآثار ، وانفردت بحقائق الاتصال .","part":4,"page":170},{"id":1671,"text":"سَخَّرَها لكم ، وهيأها للانتفاع بلحمها وشحمها ، وجِلْدِها وشَعْرِها ودَرِّها ، وأصلها ونَسْلِها . ثم عجيبٌ ما أظهر من قدرته من إخراج اللبن- مع صفائه وطعمه ونَفْعِه- من بين الروث والدم ، وذلك تقدير العزيز العليم . والذي يقدر على حفظ اللبن بين الروث والدم يقدر على حفظ المعرفة بين وحشة الزَّلَّةِ من وجوهها المختلفة .","part":4,"page":171},{"id":1672,"text":"مَنَّ على العباد بما خَلَقَ لهم من فنون الانتفاع بثمرات النخيل كالتمر والرطب واليابس . . وغير ذلك .\rوالرزق الحسن ما كان حلالاً . ويقال هو ما أتاك من حيث لا تحتسب ، ويقال هو الذي لا مِنَّة لمخلوقٍ فيه ولا تَبِعَةَ عليه .\rويقال هو ما لا يعصي الله مكتسبُه في حال اكتسابه .\rويقال هو ما لا يَنْسَى الله فيه مُكْتَسِبُه .","part":4,"page":172},{"id":1673,"text":"أوحى إلى النحل : أراد به وحي إلهام . . ولما حَفِظَ الأمر وأكل حلالاً ، طَابَ مأكلُه وجعل ما يخرج منه شفاءً للناس .\rثم إن الله - سبحانه- عَرَّفَ الخَلْقَ أَنَّ التفصيل ليس من جهة القياس والاستحقاق؛ إذ أن النحلَ ليس له خصوصية في القامة أو الصورة أو الزينة ، ومع ذلك جعل منه العَسَلَ الذي هو شفاء للناس .\rوالإنسان مع كمال صورته ، وتمام عقله وفطنته ، وما اختص به الأنبياء عليهم السلام والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى . . . فأيُّ فضيلةٍ للنحل؟ وأيُّ ذنبٍ لإنسان؟ ليس ذلك إلا إختياره - سبحانه .\rويقال إن الله - سبحانه - أجرى سُنَّتَه أَنْ يُخْفِيَ كلَّ شيء عزيز في شيءٍ حقير؛ فجعل الإبْرَيَسْمَ في الدود وهو اضعف الحيوانات وجعل العسل في النحل وهو أضعف الطيور ، وجعل الدُّرَّ في الصدف وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر ، وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج في الحجر . . . كذلك أودع المعرفة به والمحبة له في قلوب المؤمنين وفيهم من يعصي وفيهم من يخطئ .","part":4,"page":173},{"id":1674,"text":"خَلَق الإنسانَ في أحسن تركيب ، وأملح ترتيب ، في الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة ، والنور والضياء ، والفهم الذكاء ، ورَزَقَه من العقل والتفكر ، والعلم والتبصر ، وفنون المناقب التي خُصَّ بها من الرأي والتدبير ، ثم في آخر عمره يجعله إلى أرذل العمر مردوداً ، ويرى في كل يوم أَلَماً جديداً .\rويقال : { وَمِنكُم مَّن يُرّدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ } : وهو أن يرد إلى الخذلان بعد التوفيق؛ فهو يكون في أول أحوال عمره مطيعاً ثم يصير في آخر عمره عاصياً .\rويقال أرذل العمر أن يرغب في عنفوان شبابه في الإرادة ، ويسلك طريق الله مدةً ، ثم تقع له فترةٌ فيفسخ عقد إرادته ، ويرجع إلى طلب الدنيا . وعند القوم وهذه رِدَّةٌ في هذا الطريق .\rويقال أرذلُ العمر رغبةُ الشيخ في طلبٍ .\rويقال أرذلُ العمر حُبُّ المرءِ للرياسة .\rويقال أرذلُ العمر اجتماع المظالم على الرجل وألا يُرْضِيَ خصومَه .","part":4,"page":174},{"id":1675,"text":"أرزاق المخلوقات مختلفة؛ فَمِنْ مضَيَّقٍ عليه رزقُه ، ومَنْ مُوَسَّع عليه رزقه ، ومِنْ أرزاق هي أرزاق النفوس ، وأرزاقٍ للقلوب وأرزاق للأرواح ، وأرزاق للأسرار؛ فأرزاقُ النفوسِ لقوم بتوفيق الطاعات ، ولآخرين بخذلان المعاصي . وأرزاق القلوب لقومٍ حضورُ القلب باستدامة الفكر ، ولآخرين باستيلاء الغفلة ودوام القسوة . وأرزاق الأرواح لقوم صفاء المحبة ، ولآخرين اشتغال أرواحهم بالعلاقة بينهم وبين أشكالهم ، فيكون بلاؤهم في محبتهم لأمثالهم . وأرزاق الأسرار لا تكون إلا بمشاهدة الحقِّ ، فأمَّا من لم يكن من هذه الجملة فليس من أصحاب الأسرار .","part":4,"page":175},{"id":1676,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } .\rشَغَلَ الخَلْقَ لأنَّ الجنس أَوْلَى بالجنس . ولمَّا أراد الحقُّ- سبحانه - بقاء الجنس هَيَّأَ سبب التناسب والتناسل لاستيفاء مثل الأصل ، ثم مَنَّ على البعض بخلْق البنين ، وابتلى قوماً بالبنات - كلُّ بتقديره على ما يشاء .\rقوله جلّ ذكره : { وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } .\rوالرزق الطيب لعبدٍ ما تستطيبه نَفْسُه ، ولآخر ما يستطيبه سِرُّه .\rفمنهم من يستطيب مأكولاً ومشروباً ، ومنهم من يستطيب خلوةً وصفوة . . . إلى غير ذلك من الأرزاق .\r{ أَفَبِالبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ } ، وهو حسبان حصول شيءٍ من الأغيار ، وتعلُّق القلبِ بهم استكفاءً منهم أو استدفاعاً لمحذور أو استجلاباً لمحبوب .\r{ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } والنعمة التي كفروا بها هي الثقةُ بالله ، وانتظارُ الفَرَجِ منه ، وحسنُ التوكل عليه .","part":4,"page":176},{"id":1677,"text":"ومَنْ يَتَعَلَّقُ بشخص أو بسببٍ مُضَاهٍ لعُبَّاد الأصنام من حيث إنه يضيِّعُ وقتَه فيما لا يُعِينُه ، فالرزقُ ، من الله - في التحقيق - مُقَدَّرٌ .","part":4,"page":177},{"id":1678,"text":"كيف تُضْرَبُ ألأمثالُ لمن لا يساويه أحدٌ في الذات والصفات وأحكام الأفعال؟\rومَنْ نَظَرَ إلى الحقِّ من حيث الخَلْق وقع في ظلمات التشبيه ، وبقي عن معرفة المعبود .","part":4,"page":178},{"id":1679,"text":"شبَّهَ الكافرَ بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ولا مِلْكَ له في الشرع ، والمؤمنَ المخلصَ بمَنْ رَزَقَه الخيراتِ ووفقه إلى الطاعات ثم وعده الثوابَ وحُسْنَ المآبِ على ما أنفقه .\rثم نفى عنهما المساواة إذ ليس مَنْ كان بنفْسِه ، ملاحظاً لأبناء جِنْسِه ، متمادياً في حسبان مغاليطه كمَنْ كان مُدْرِكاَ بربِّه مصْطَلماً عن شاهده ، غائباً عن غيره ، والمُجرِي عليه ربُّه ولا حَوْلَ له إلا به .","part":4,"page":179},{"id":1680,"text":"هذا المَثلُ أيضاً للمؤمن والكفار؛ فالكافر كالجاهل الأبكم الذي لا يجيء منه شيءٌ ، ولا يحصل منه نفع ، والمؤمن على الصراط المستقيم يتبرأ عن حَوْلِه وقُوَّتِه ، ولا يعْترف إلا بطوْلِه- سبحانه - ومِنَّتِه .","part":4,"page":180},{"id":1681,"text":"استأثر الحقُّ- سبحانه - بعلم الغيبيات ، وسَتَرهَا على الخلْق؛ فيخرِجُ قوماً في الضلالة ثم ينقلهم إلى صفة الولاية ، ويقيم قوماً برقم العداوة ثم يردهم إلى وصف الولاية . . فالعواقبُ مستورة ، والخواتيم مبهمة ، والخَلْقُ في غفلة عما يُرَادُ بهم .","part":4,"page":181},{"id":1682,"text":"خلَقهُم مِنْ غير أَنْ شاورهم ، وأثبتهم - على الوصف الذي أراده- دون أن خَيَّرهم ، ولم يعلموا بماذا سبق حُكْمُهم . . أبا لسعادة خلقهم أم على الشقاوة من العدَم أخرجهم من بطون أمهاتهم؟ فلا صلاحَ أَنْفُسِهِمْ عَلِمُوا ، ولا صفةَ ربِّهم عَرفوا . ثمَّ بحُكْم الإلهام هداهم حتى قَبِّلَ الصبيُّ ثدي أمه وإن لم يكن قد تقدمه تعريف أو تخويف أو تكليف أو تعنيف .\r{ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ } : لتسمعوا خطابه ، { وَالأَبْصَارَ } لتُبصِروا أفعالَه ، { وَالأَفْئدَةَ } لِتَعْرِفُوا حقَّه ، ثم لتَشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس .","part":4,"page":182},{"id":1683,"text":"الطائر إذا حَلّقَ في الهواء يبقى كالواقف ولا يسقط ، وقد قامت الدلالة على أن الحقَّ- سبحانه - متفرِّدٌ بالإيجاد ، ولا يَخْرُجُ حادثٌ عن قدرته ، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته سبحانه .","part":4,"page":183},{"id":1684,"text":"للنفوس وطن ، وللقلوب وطن . والناس على قسمين مستوطنٌ ومسافر : فكما أن الناس بنفوسهم مختلفون فكذلك بقلوبهم؛ فالمريد أو الطالب مسافِرٌ بقلبه لأنه يَتَلَوَّنُ ، ويرتقي من درجة إلى درجة ، والعارف مقيمٌ ومستوطِنٌ لأنه واصل متمكن . والطريق منازلُ ومراحلُ ، ولا تقطع تلك المنازل بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب ، والمريد سالِكُ والعارف واصِلٌ .","part":4,"page":184},{"id":1685,"text":"في الظاهر جعل لكم من الأشجار والسقوف ونحوها ظلالاً . . . كذلك جعل في ظل عنايته لأوليائه مثوًى وقراراً .\rوكما سَتَرَ ظواهركم بسرابيل تقيكم الحرَّ وسرابيل تقيكم بأس عدوكم - كذلك ألبس سرائركم لباساً يلفكم به في السراء والضراء ، ولباسَ العصمة يحميكم من مخالفته ، وأظلكم بظلال التوفيق مما يحملكم على ملازمة عبادته ، وكساكم بحُلَلِ الوصل مما يؤهلكم لقربته وصحبته .\rقوله : { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ . . . } ، إتمام النعمة بأنتكون عاقبتُهم مختومة بالخير ، ويكفيهم أمورَ الدين والدنيا ، ويصونهم عن اتباع الهوى ، ويُسَدِّدُهم حتى يؤثروا ما يوجِبُ من الله الرضاء .","part":4,"page":185},{"id":1686,"text":"إذا بَلَّغْتَ الرسالة فما جعلنا إليك حكم الهداية والضلالة .","part":4,"page":186},{"id":1687,"text":"يَسْتَوْفِقُونَ إلى الطاعةِ ، فإذا فعلوا أُعجِبُوا بها .\rويقال يستغيثون ، فإذا أجابهم قَصَّروا في شُكْرِه .\rويقال إذا وَقَعَتْ لهم محنةٌ استجاروا بربهم ، فإذا أزال عنهم تلك المحن نسوا ما كانوا فيه من الشدة ، وعادوا إلى قبيح ما أسلفوه من أعمالهم التي أوجبت لهم تلك الحالة . ويقال يعرفون في حال توبتهم قُبْحَ ما كانوا فيه حال زلتهم ، فإذا نقضوا توبتهم صاروا كأنهم لم يعرفوا تلك الحالة .","part":4,"page":187},{"id":1688,"text":"إذا كان يومُ الحشر سأل الرسلُ عن أحوال أُمَمِهم ، فمن نَطَقَ بحجةٍ أُكْرِمَ ، ومَنْ لم يُدْلِ بحجةٍ لا تُراعى له حُرْمةٌ .","part":4,"page":188},{"id":1689,"text":"أي يُشَدَّد عليهم الأمرُ ولا يُسَهَّل .","part":4,"page":189},{"id":1690,"text":"تمنوا أن يَنْقُموا من إخوانهم الذين عاشروهم ، وحملوهم على الزَّلَّة ، فيتبرأون من شركائهم ، ويلعن بعضهم بعضاً ، وتضيق صدورهم من بعض .","part":4,"page":190},{"id":1691,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } واستسلمو لأمر الله وحُكْمه ، ويؤمئذ لا تضرُّع منهم يُرَى ، ولا مِحْنَةَ- يصرخون من ويلها - عنهم تُكْشَف .","part":4,"page":191},{"id":1692,"text":"تأتي - يومَ القيامة - كلُّ أمة مع رسولها ، فلا أُمةَ كهذه الأمةِ فضلاً ، ولا رسولَ كرسولنا A - رتبةً وقَدْرَاً .\r{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ } أي القرآن تبياناً لكل شيء ، فيه للمؤمنين شفاء ، وهو لهم ضياء ، وعلىلكافرين بلاء ، وهو لهم سبب محنة وشقاء .","part":4,"page":192},{"id":1693,"text":"العدل ما هو صواب وحسن ، وهو نقيض الجور والظلم .\rأمر اللَّهُ الإنسانَ بالعدل فيما بينه وبين نفسه ، وفيما بينه وبين ربه ، وفيما بينه وبين الخَلْق؛ فالعدلُ الذي بينه وبين نفسه مَنْعُها عما فيه هلاكُها ، قال تعالى : { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى } [ النازعات : 40 ] ، وكمالُ عدلِه مع نفسه كيُّ عُروقِ طمعِه .\rوالعدلُ الذي بينه وبين ربِّه إيثارُ حقِّه تعالى على حظِّ نفسه ، وتقديمُ رضا مولاه على ما سواه ، والتجرد عن جميع المزاجر ، وملازمة جميع الأوامر .\rأو العدل الذي بينه وبين الخَلْق يكون ببذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل أو كثر ، والإنصاف بكل وجه وألا تَشِيَ إلى أحد بالقول أو بالفعل ، ولا بِالهَمِّ أو العزم .\rوإذا كان نصيبُ العوام بَذْلَ الإنصافَ وكَفِّ الأذى فإِنَّ صفةَ الخواص تَرْكُ الانتصاف ، وإسداءُ الإِنْعَام ، وترك الانتقام ، والصبرُ ، على تَحَمُّلِ ، ما يُصيبُكَ من البلوى .\rوأما الإحسان فيكون بمعنى العلم - والعلمُ مأمورٌ به - أي العلم بحدوثِ نَفْسه ، وإثباتِ مُحْدِثه بصفات جلاله ، ثم العلم بالأمور الدينية على حسب مراتبها . وأما الإحسانُ في الفعل فالحَسَنُ منه ما أمر الله به ، وأَذِنَ لنا فيه ، وحَكَمَ بمدح فاعله .\rويقال الإحسان أن تقوم بكل حقِّ وَجَبَ عليك حتى لو كان لطيرٍ في مِلكِك ، فلا تقصر في شأنه .\rويقال أن تَقْضِيَ ما عليك من الحقوق وألا تقتضِيَ لك حقاً من أحد .\rويقال الإحسان أن تتركَ كل ما لَكَ عند أحد ، فأما غير ذلك فلا يكون إحساناً .\rوجاء في الخبر : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه » وهذه حال المشاهدة التي أشار إليها القوم .\rقوله : { وَإِيِتَآئِ ذِى القُرْبَى } إعطاء ذي القرابة ، وهو صلةُ الرَّحِمِ ، مع مُقاساةِ ما منهم من الجَوْرِ والجفاءِ والحَسَدِ .\r{ وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَآءِ وَالمُنْكَرِ } : وذلك كلُّ قبيح مزجورٍ عنه في الشريعة .","part":4,"page":193},{"id":1694,"text":"يُفْرَضُ على كافةِ المسلمين بعهد الله في قبول الإسلام والإيمان ، فتجبُ عليهم استدامةُ الإيمان . ثم لكلِّ قوم منهم عهدٌ مخصوص عاهدوا الله عليه ، فهم مُطَالَبُون بالوفاء به؛ فالزاهدُ عَهْده ألا يرجعَ إلى الدنيا ، فإذا رجع إلى ما تركه منها فقد نَقضَ عهده ولم يفِ به . والعابد عاهده في تَرِكِ الهوى . والمريدُ عَاهَدَه في ترك العادة ، وآثره بكل وجه . والعارف عهده التجرد له ، وإنكار ما سواه . والمحب عهده تركُ نَفْسِهِ معه بكل وجه والموحّضد عهده الامتحاء عنه ، وإفراده إياه بجميع الوجوه والعبد مَنْهِيٌّ عن تقصير عهده ، مأمورٌ بالوفاء به .","part":4,"page":194},{"id":1695,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } مَنْ نَقَضَ عهده أفسد بآخِرِ أمرِه أَوَّلَه ، وهَدَمَ بِفِعْلِهِ ما أَسَّسَه ، وقَلَعَ بيده ما غَرَسَه ، وكان كمن نقضت غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً أي من بعد ما أبرمت فَتْلَه .\rوإنَّ السالكَ إذا وقعت له فترة ، والمريدََ إذا حصلت له في الطريق وقفةٌ ، والعارف إذا حصلت له حجَبَةٌ ، والمحبِّ إذا استقبلته فرقةٌ- فهذه مِحَنٌ عظيمةٌ ومصائِبُ فجيعةٌ ، فكما قيل :\rفَلأَبْكِيَنَّ على الهلالِ تأسُّفاً ... خوفَ الكسوفِ عليه قبل تمامه\rفما هو إلا أَنْ تُكْشَفُ شَمْسهُم ، وينطفِئَ- في الليلة الظلماءِ- سِرجُهم ، ويتشتَّتَ من السماء نجومِهم ، ويصيبَ أزهارَ أنْسِهم وربيعَ وَصْلِهم إعصارٌ فيه بلاءٌ شديدٌ ، وعذابٌ أليم ، فإنَّ الحقَّ - سبحانه إذا أراد بقوم بلاءً فكما يقوله : { وَنُقَلِّبُ أَفْئَدَتَهُم وَأَبْصَارَهُمْ كَمَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 10 ] فإِنَّ آثارَ سُخْطِ الملوكِ مُوجِعةُ ، وقصةَ إعراضِ السلطانِ مُوحِشَةٌ وكما قيل :\rوالصبر يَحْسُنُ في المواطن كلها ... إلا عليكَ - فإنَّه مذمومٌ\rهنالك تنسكب العَبَرَاتُ ، وتُشَق الجيوب ، وتُلْطَم الخدود ، وتُعطَّلُ العِشار ، وتخَرَّبُ المنازلُ ، وتسودُّ الأبواب ، وينوح النائح :\rوأتى الرسول فأخ ... بر أنهم رحلوا قريبا\rرجعوا إلى أوطانهم ... فجرى لهم دمعي صبيبا\rوتركن ناراً في الضلوع ... وزرعن في رأسي مشيبا\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .\rبلاءُ كلِّ واحدٍ على ما يليق بحاله؛ فمن كان بلاؤه بحديث النَّفْسِ أو ببقائه عن هواه ، وبحرمانه لكرائمه في عُقْباه فاسمُ البلاءِ في صفته مَجَازٌ ، وإنما هذا بلاء العوام . ولكنَّ بلاَءَ هذا غيرُ الكرامِ فهو كما قيل :\rمَنْ لم يَبِتَ- والحبُّ مِلْءُ قؤادِه ... لم يَدْرِ كيف تَفَتُّتُ الأكبادِ","part":4,"page":195},{"id":1696,"text":"ليست واقعةُ القوم بخسرانٍ يُصيبهم في أموالهم ، أو من جهة تقصيرهم في أعمالهم ولِمَا صنيَّعوه من أحوالهم . . فهذه - لعمري - وجوهٌ وأسبابٌ ، ولكنَّ سِرَّ القصةِ كما قيل :\rأنَا صَبٌّ لِمَنْ هَوَيْتُ ولكن ... ما احتيالي بسوء رأي الموالي؟\rقوله : { وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } : لو شاء الله سَعَادَتَهمُ لَرَحِمَهُم ، وعن المعاصي عَصَمَهُم ، وبدوامِ الذكر- بَدَلَ الغفلة - ألهمهم . . . ولكن سَبَقَتْ القسمةُ في ذلك ، وما أحسن ما قالوا :\rشكا إليك ما وَجَدْ ... مَنْ خانه فيك الجَلَدْ\rحيرانُ . . لو شِئْتَ اهتدى ... ظمآنُ . . لو شِئْتَ وَرَدْ","part":4,"page":196},{"id":1697,"text":"أَبعَدَكُم عَدَمُ صِدْقِكم في إيمانِكم عن تحقُّقكم ببرهانكم ، لأنكم وقفتم على حَدِّ التردد دون القطع والتعيين ، فأفضى بكم تردُّدُكم إلى أوطانِ شِرْككُم ، إذ الشكُّ في الله والشِّركُ به قرينان في الحُكْم .","part":4,"page":197},{"id":1698,"text":"لا تختاروا على القيام بحقِّ اللَّهِ والوفاءِ بعهده عِوَضَاً يسيراً مما تنتفعون به من حُطام دنياكم من حلالكم وحرامكم ، فإنَّ ما أعدَّ اللَّهُ لكم في جناته - بشرط وفائكم لإيمانكم - يوفي ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم .","part":4,"page":198},{"id":1699,"text":"الذي عندكم عَرَضٌ حادث فانٍ ، والذي عند الله من ثوابكم في مآلِكُم نِعَمٌ مجموعةٌ ، لا مقطعوعةٌ ولا ممنوعة .\rويقال ما عندكم أو ما منكم أو مالكم أفعالٌ معلولة وأحوالٌ مدخولة ، وما عند الله فثوابٌ مقيمٌ ونعيمٌ عظيمٌ .\rويقال ما منكم من معارفكم ومحابكم آثارٌ متعاقبةٌ ، وأصناف متناوبة ، أعيانُها غيرُ باقية وإنكات أحكامُها غير باطلة والذي يتصف الحقُّ به من رحمته بكم ومحبته لكم وثباته عليكم فصفاتُ أزلية ونعوتٌ سرمدية .\rويقال ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فَمُعرَّضُ للزوال ، وقابلٌ للانقضاء ، وما وَصَفْنَا به أَنْفُسَا من الإقبال لا يتناهي وأفضال لا تفْنى ، كما قيل :\rألا طال شوقُ الأبرار الى لقائي ... وإني للقائهم لأَشَدُّ شوقا\rقوله : { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا . . . } : جزاءُ الصبر الفوزُ بالطِّلْبَةِ ، والظَّفَرُ بالبُغية . ومآلهم في الطلبات يختلف : فَمَنْ صَبَرَ على مقاساة مشقةٍ في الله . فعِوضُه وثوابُه عظيمٌ من قِبَل الله ، قال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] .\rومَنْ صبر عن اتباع شهوةٍ لأَِجْل الله ، وعن ارتكاب هفوةٍ مخافةً لله فجزاؤه كما قال تعالى : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقًّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً } [ الفرقان : 57 ] .\rومَنْ صبر تحت جريان حُكْمِ الله ، متحققاً بأنه بِمَرْآةٍ من الله فقد قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة : 153 ] .","part":4,"page":199},{"id":1700,"text":"الصالح ما يصلح للقبول ، والذي يصلح للقبول ما كان علىلوجه الذي أمر الله به . وقوله : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً } : في الحال ، { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } : في المآل؛ فصفَاءُ الحالِ يستوجِبُ وفاءَ المآلِ ، والعملُ الصالحُ لا يكون من غير إيمان ، ولذا قال : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } .\rويقال { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي مصدِّقٌ بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح . ويقال { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي مصدِّقٌ بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه . قوله : { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } : الفاء للتعقيب ، { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ . . . } الواو للعطف ففي الأولى مُعَجَّل ، وفي الثانية مؤجَّل ، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يُعْرَف بالنطق ، وإنما يعرف ذلك بالذوق؛ فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة ، وقوم قالوا إنه القناعة ، وقوم قالوا إنه الرضا ، وقوم قالوا إنه النجوى ، وقوم قالوا إنه نسيم القرب . . . والكل صحيحٌ ولكلِّ واحدٍ أهل .\rويقال الحياة الطيبة مايكون مع المحبوب ، وفي معناه قالوا :\rنحن في أكمل السرور ولكنْ ... ليس إلا بكم يَتِمُّ السرورُ\rعَيْبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودِّي ... أنكم غُيِّبٌ ونحن حُضُورُ\rويقال الحياة الطيبة للأَولياء ألا تكون لهم حاجةٌ ولا سؤالٌ ولا أَرَبٌ ولا مُطَالَبَةٌ وفرقٌ بين من له إرادة فتُرْفَع وبين من لا إرادةَ له فلا يريد شيئاً ، الأولون قائمون بشرط العبودية ، والآخرون مُعْتَقُون بشرط الحرية .","part":4,"page":200},{"id":1701,"text":"شيطانُ كُلِّ واحدٍ ما يشغله عن ربه ، فمن تَسَلَّطَتْ عليه نَفْسُه حتى شَغَلَتْه عن ربه ولو بشهود طاعةٍ أو استحلاءِ عبادة أو ملاحظةِ حال - فذلك شيطانُه . والواجبُ عليه أن يستعيذَ بالله من شرِّ نَفْسِه ، وشرِّ كل ذي شر .","part":4,"page":201},{"id":1702,"text":"أنَّى يكون للشيطانِ سلطانُ على العبد والحقُّ - سبحانه - متفرِّدٌ بالإبداع ، متوحِّدٌ بالاختراع؟","part":4,"page":202},{"id":1703,"text":"إنما سلطانُه على الذين هم في غطاء غفلتهم ، وستر ظنونهم ومشتبهاتهم . فأمَّا أصحاب التوحيد فإنهم يرون الحادثاتِ بالله ظهورُها ، ومن اللَّهِ ابتداؤها ، وإلى الله مآلها وانتهاؤها .","part":4,"page":203},{"id":1704,"text":"ما زادوا في طول مدتهم إلا شكاً على شكٍ ، وجحدوا على جحدٍ ، وجرَوْا على منهاجهم في التكذيب ، فلم يُصَدِّقوه A ، وما زادوا في ولايته إلا شكاً ومُرْية :\rوكذا الملولُ إذا أَرَادَ قطيعةً ... مَلَّ الوصال وقال كان وكانا\rقوله : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحَقِّ } : ردٌّ على فرط جهلهم بربهم ، وبُعْدِ رتبتهم عن التحصيل ، فلمَّا كانوا متفرقين في شهود المَلِكِ رُدُّوا في حين التعريف إليهم بِذِكْرِ المَلَكِ .","part":4,"page":204},{"id":1705,"text":"لم يستوحش الرسولُ - A - من تكذيبهم ، وخفاءِ حاله وقَدْرِه عليهم . . وأيُّ ضررِ يلحق مَنْ كانت مع السلطان مُجَالَسَتُه إذا خَفِيَتَ على الأَخسِّ مِنَ ابرعيةِ حالتُه؟\rثم إنه أقام الحجةَ في الردِّ عليهم حيث قال : { لِسَانُ الذِّى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } : فَمِن فَرْطِ جهلهم توهموا أنَّ القرآنَ- الذي عجز كافةُ الخَلْق عن معارضته في فصاحته بلاغته - مقولٌ وحاصلٌ باتصاله بِمَنْ هو أعجمي النطق .","part":4,"page":205},{"id":1706,"text":"إنَّ منْ سَبَقَتْ بالشقاوة قسمتُه لم تتعلق من الحق - سبحانه - به رحمتُه ، ومَنْ لم يَهْدِهِ اللَّهُ في عاجله إلى معرفِته لا يهديه اللَّهُ في آجِلِه إلى جنته .","part":4,"page":206},{"id":1707,"text":"هذا من لطائف المعاريض؛ إذ لمَّا وصفوه - عليه السلام - بالافتراء أنار الحقُّ - سبحانه - في الجواب ، فقال : لستَ أَنت المفترِي إنما المفترِي مَنْ كذَّبَ معبودَه وجَهِلَ توحيدَه .","part":4,"page":207},{"id":1708,"text":"إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ عبده بقلبه ، وإخلاصَه في عَقْدِه ، ولحقته ضرورة في حاله خَفَّفَ عنه حُكْمَه ، ودَفَع عنه عناءَه فلا يَلْفِظُ بكلمة الكفر إلا مُكْرَهاً - وهو مُوَحِّدٌ ، وهو مستحقٌ العُذْرَ فيما بينه وبين الله تعالى . . . وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم ، وتجردوا لسلوكِ طريق الله ثم عَرَضَتْ لهم أسبابٌ ، واتفقت لهم أعذارٌ ، كأن يكون لهم ببعض الأسباب اشتغالٌ أو إلى شيءٍ من العلوم رجوعٌ . . . لم يكن ذلك قادحاً في صحة إرادتهم ، ولا يُعَدُّ ذلك فسخاً لعهودهم ، ولا ينفي بذلك عنهم سِمَةَ القَصْدِ إلى الله تعالى .\rأَمَّا { مَّن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً } : فرجع باختياره ، ووضع قَدَماً- كان قد رَفَعَه في طريق الله - بِحُكْمِ هواه فقد نَقَضَ عهْدَ إرادته ، وفَسَخَ عقده ، وهو مستوجب ( . . . . ) إلى ( . . . ) تتداركه الرحمة .","part":4,"page":208},{"id":1709,"text":"إذا تمادى في غفلته ، ولم يتدارك حالَه بملازمةِ حَسْرَتِه ، ازداد قسوةً على قسوة ، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة ، وكما قال جل ذكره :","part":4,"page":209},{"id":1710,"text":"هم في الآخرة محجوبون ، وبِذُلِّ البعد موسومون .","part":4,"page":210},{"id":1711,"text":"ومَنْ صَبَرَ حين عزم الأمر ، ولم يجنح إلى جانب الرُّخَصِ ، وأخذ في الأمور بالأشَقِّ أكرم اللَّهُ حَقِّه ، وقرَّب مكانَه ، ولَقَّاه في كل حالةِ بالزيادة ، وربحت صفقتُه حين خسِرَ أشكالُه ، وتَقَدَّم على الجملة وإِنْ قَلَّ احتيالُه .","part":4,"page":211},{"id":1712,"text":"غداً كلٌّ مشغولٌ بنْفسه ، ليس له فراغ إلى غيره . وعزيزٌ لا يشتغل بنفسه ، قال A : « من كان بحالٍ لقي الله بها » إنما يكون الفارغ غداً من كان اليوم فارغاً ، ويجادل عن نفسه من كان له اليوم اهتمامٌ بنفسه . والمؤمن لا نَفْسَ له؛ قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } [ التوبة : 111 ] اشتراها الحقُّ منهم ، وأودعها عندهم ، فليس لهم فيها حق ، وإنما يراعون فيها أمرَ الحق .","part":4,"page":212},{"id":1713,"text":"فراغ القلبِ من الاشغال نعمة عظيمة ، فإذا كفر عبدٌ بهذه النعمة بأَن فتح على نَفْسِه بابَ الهوى ، وانجرف ففي فساد الشهوة ، شَوَّشَ الله عليه قلبه ، وسَلَبَه ما كان يَجِدُه من صفاء وقته؛ لأنَّ طوارقَ النفسِ تُوجِبْ غروبَ شوارقِ القلب ، وفي الخبر : « إذا أقبل الليلُ من ها هنا أدبر النهارُ من ها هنا » وكذلك القلبُ إذا انقطع عنه معهودُ ما كان الحقُّ أتاحه له أصابه عطَشٌ شديد ولهبٌ عظيم .","part":4,"page":213},{"id":1714,"text":"كما جاءهم الرسولُ جهراً فإنه تتأدَّى إليهم منْ قِبَل خواطرهم إشاراتٌ تترى ، فمَنْ لم يستجِبْ لتلك الإشارات بالوفاق والإعتاق أخذه العذابُ من حيث لا يشعر .","part":4,"page":214},{"id":1715,"text":"الحلالُ الطيبُ ما يتناوله العبدُ على شريطة الإذن بشاهد الذكر على قضية الأدب في ترك الشبهة ، وحقيقةُ الشكر على النعمةِ الغيبةُ عن شهودِ النعمة بالاستغراق في شهود المنعِم .","part":4,"page":215},{"id":1716,"text":"يُبَاحُ تناولُ المحرماتِ عند هجوم الضرورات حسب بيان الشرع ، ولا يُرَخَّصُ في ذلك إلا على أوصاف مخصوصة ، وبِقَدْرِ ما يَسُدُّ الرَّمق ، كذلك عند استهلاكِ العبدِ بغلبات الحقيقة لا بدّ من رجوعه إلى حال الصحو بقدر ما يؤدى الفرض الواجب عليه ، صم لا يُمكّن من التعريج في أَوْطان التفرقة والتمييز بعد مضي أوقات الصحو من أجل أداء الشرع ، كما قيل :\rفإنْ تَكُ منه غيبة بعد غيبةٍ ... فإنَّ إليه بالوجود إيابي","part":4,"page":216},{"id":1717,"text":"الصدق في كل شيء أَوْلَى من الكذب ، وكثيرٌ من أقوالهم في الاعتراض عَيِّناتُ من الكذب .\rوالصِّدِّيق لا يكذب صريحاً ، ولا يتداول أقوال كاذب مهين . وصاحبُ الكذبِ تظهر عليه المذَلَّةُ لما هو فيه من الزّلَّةِ ، وله في الآخرة عذاب أليم .","part":4,"page":217},{"id":1718,"text":"بيَّن أنه أوضح لِمَنْ تَقَدَّمَ الحلالَ والحرامَ ، فمنهم مَنْ أتى بما أُمِرَ به ومنهم مَنْ خالف . . وكلٌّ عُومِل بما استوجبه؛ فمن أطاع قلبُه قرَّبَه ، ومَنْ عَصَى رَدَّه وحَجَبَه .","part":4,"page":218},{"id":1719,"text":"إذا نَدِمُوا على قبيح ما قَدَّمُوا ، وأَسِفُوا على كثيرٍ مما أسلفوا وفيه أسرقوا ، ومَحَا صِدْقُ عَبْرَتِهم آثارَ عَثْرَتِهم - نظَرَ اللَّهُ إليهم بالرحمة ، فتابَ عليهم إذا أصلحوا ، ونجَّاهم إذا تضرَّعوا .","part":4,"page":219},{"id":1720,"text":"قيل آمن بالله وحدَه فقام مقام الأمة ، وفي التفسير : كان معلِّماً - للخير- لأمةٍ .\rويقال اجتمع فيه من الخصال المحمودة ما يكون في أمةٍ متفرقاً .\rويقال لمَّا قال إبراهيمُ لكلِّ ما رآه : { هَذَا رَبِّى } [ الأنعام : 77 ] ولم ينظر إلى المخلوقات من حيث هي بل كان مُسْتَهْلَكاً في شهودِ الحقِّ ، ورأى الكوْنَ كُلَّه بالله ، وما ذكر حين ذكر غيرَ الله . . كذلك كان جزاء الحق فقال : أنت الذي تقوم مقام الكلِّي ، ففي القيامِ بحق الله منك على الدوام غُنْيةٌ عن الجميع .\rو « الحنيف » : المستقيم في الدِّين ، أو المائل إلى الحق بالكلية .","part":4,"page":220},{"id":1721,"text":"الشاكرُ في الحقيقة - مَنْ يرى عَجْزَه عن شكره ، ويرى شُكْرَهُ من الله عزَّ وجل ، لِتَحَقُّقِه أنه هو الذي خَلَقَه ، وهو الذي وَفَقَّه لشكره ، وهو الذي رزقه الشكرَ ، وهو الذي اجتباه حتى كان بالكلية له - سبحانه .\r{ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي تحقَّق بأنه عَبْدُه ، وأنه رقَّاه إلى محلِّ الأكابر .","part":4,"page":221},{"id":1722,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَءَاتَيْنَاهُ فِى الدَّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الأَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } .\rالحسنةُ التي آتاه اللَّهُ هي دوامُ ما آتاه حتى لم تنقطِعْ عنه .\rويقال هي الخلة . ويقال هي النبوة والرسالة .\rويقال آتيناه في الدنيا حسنةً حتى كان لنا بالكلية ، ولم تكن فيه لغير بقية .","part":4,"page":222},{"id":1723,"text":"{ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } أي الكون بالحق ، والامتحاء عن شاهد نفسه؛ فكان نبينا- A - في اتباعه إبراهيم مؤْتَمِرَاً بأمر الله . وكانت ملةُ إبراهيم - عليه السلام - الخُلُقَ والسخاءَ والإيثارَ والوفاءَ ، فاتبعه الرسول A وزاد عليه ، فقد زاد على الكافة شأنه ، وبانت مَزِيَّتُه .","part":4,"page":223},{"id":1724,"text":"قومٌ حرَّموا العملَ فيه وقومٌ حللوه معصيةً منهم ، وقيل جعل الجمعةَ لهم فقالوا : لا نريد إلا يومَ السبت . . فهذا اختلافهم فيه .\rوالإشارة من ذلك أنهم حادوا عن موجب الأمر ، ومالوا إلى جانب هواهم . ثم إنهم لم يراعوها حق رعايتها فصار سبب عصيانهم .","part":4,"page":224},{"id":1725,"text":"الدعاءُ إلى سبيل الله بحثِّ الناسِ على طاعةِ الله ، وزجرهم عن مخالفة أمر الله . والدعاءُ بالحكمة ألا يخالفَ بالفعل ما يأمر به الناس بالنطق .\rوالموعظة الحسنة ما يكون صادراً عن علمٍ وصوابٍ ، ولا يكون فيها تعنيف .\r{ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } : بالحجة الأقوى ، والطريقة الأوضح . قال تعالى : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [ هود : 88 ] : فَشَرْطُ الأمرِ بالمعروف استعمالُ ما تأمر به ، والانتهاء عما تنهي عنه .","part":4,"page":225},{"id":1726,"text":"إذا جرى عليكم ظُلُمٌ من غيرَكم وأردتم الانتقامَ . . فلا تتجاوزُوا حَدَّ الإذنِ بما هو في حكم الشرع .\r{ وَلَئِن صَبَرْتُمْ } : فتركتم الانتصافَ لأِجْلِ مولاكم فهو خيرُ لكم إِنْ فَعَلْتُمْ ذلك . والأسبابُ التي قد يترك لأجلها المرءُ الانتصافَ مختلفة؛ فمنهم من يترك ذلك طمعاً في الثواب غداً فإنه أوفر وأكثر ، ومنهم من يترك ذلك طمعاً في أن يتكفَّل اللَّهُ بخصومه ، ومنهم من يترك ذلك لأنه مُكْتَفٍ بعلم الله تعالى بما يجري عليه ، ومنهم من يترك ذلك لِكَرَم نَفسِه ، وتَحرُّرِه عن الأخطار ولاستحبابه العفوَ عند الظَّفَرِ ، ومنهم مَنْ لا يرى لنفسه حقاً ، ولا يعتقد أَنَّ لأحدٍ هذا الحق فهو على عقد إرادته بِتَرْكِ نَفْسِه؛ فمِلْكُه مُبَاحٌ ودَمَهُ هَدَر . ومنهم من ينظرإلى خصمه - أي المتسلط عليه- على أنَّ فِعْلَه جزاءٌ على ما عمله هو من مخالفة أمر الله ، قال تعالى : { وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] فاشتغاله باستغفاره عن جُرْمِه يمنعه عن انتصافه من خصمه .","part":4,"page":226},{"id":1727,"text":"« واصبر » تكليف ، « وما صبرك إلا بالله » : تعريف . « واصبر » تحققٌ بالعبودية ، « وما صبرك إلا بالله » إخبارٌ عن الربوبية .\r« ولا تحزن عليهم . . » أي طالِعْ التقدير ، فما لا نجعلُ له خطراً عندنا لا ينبغي أن يوجِبَ أثراً فيك ، فمَنْ أَسْقَطْنا قَدْرَه فاستَصْغِر أَمْرَه . وإذا عرفتَ انفرادَنا بالإيجادِ فلا يضيق قلبُك بشدّة عداوتهم ، فإِنَّا ضَمَنَّا كِفايتَك ، وألا نُشْمِتَهم بك ، وألا نجعلَ لهم سبيلاً إليك .","part":4,"page":227},{"id":1728,"text":"إن الله معهم بالنصرة ، ويحيطهم بالإحسان والبسطة .\r« الذين اتقوا » رؤيَةَ النصْرةِ مِنْ غيره ، والذين هم أصحاب التبري من الحَوْلِ والقوة .\rوالمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه ، وهذه حال المشاهدة .","part":4,"page":228},{"id":1729,"text":"افتتح السورةَ بِذِكْرِ الثناء على نَفْسه فقال : { سُبْحَانَ الَّذِي } [ الإسراء : 1 ] : الحقُّ سبَّحَ نَفْسَه بعزيزِ خطابِه ، وأخبر عن استحقاقه لجلال قَدْرِه ، وعن توحُّده بعلوِّ نُعُوتِه .\rولمَّا أراد أَنْ يَعْرفَ العبِادُ خَصَّ به رسولَه - A - ليلةَ المعراجِ من عُلوٍّ ما رقَّاه إليه ، وعِظَمِ ما لَقَّاه به أَزالَ الأعُجوبةَ بقوله : { أَسْرَى } ، ونفى عن نبيِّه خَطَرَ الإعجاب بقوله : { بِعَبْدِهِ } ؛ لأَنَّ مَنْ عَرَفَ ألوهيته ، واستحقاقَه لكمالِ العِزِّ فلا يُتَعَجَّبُ منه أن يفعل ما يفعل ، ومَنْ عرف عبوديةَ نَفْسِه ، وأَنَّه لا يَمْلِكُ شيئاً من أمره فلا يُعْجَبُ بحاله . فالآية أوضحت شيئين اثنين : نَفَى التعجَّبِ من إظهارِ فِعْلِ اللَّهِ عزَّ وجل ، ونفَى الإعجاب في وصف رسول الله عليه السلام .\rويقال أخبر عن موسى عليه السلام - حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة - فقال : { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا } [ الأعراف : 143 ] ، وأخبر عن نبينا A بأنه { أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وليس مَنْ جاءَ بنفْسِه كمنْ أَسْرَى به ربُّه ، فهذا مُحتَمَلٌ وهذا محمول ، هذا بنعت الفَرْقِ وهذا بوصف الجمع ، هذا مُرِيدٌ وهذا مُرَادٌ .\rويقال جعل المعراجَ بالليل عند غَفْلَةِ الرُّقَبَاءِ وغَيْبَةِ الأجانب ، ومن غير ميعاد ، ومن غير تقديم أُهْبَةٍ واستعداد ، كما قيل :\rويقال جعل المعراجَ بالليل ليُظْهرَ تصديقَ مَنْ صَدَّقَ ، وتكذيبَ مَنْ تعجَّب وكَذَّّبَ أو أنكر وجحد .\rويقال لما كان تعبُّدهُ A وتهجُّدُه بالليل جَعَلَ الحقُّ سبحانه المعراجَ بالليلِ .\rويقال :\rليلةُ الوَصْلِ أَصْفَى ... من شهور ودهور سواها .\rويقال أرسله الحقُّ - سبحانه - ليبتعلَّم أهلُ الأرضِ منه العبادة ، ثم رَقَّاه إلى السماءِ ليتعلَّمَ الملائكةُ منه آدابَ العبادة ، قال تعالى في وصفه - A - : { مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى } [ النجم : 17 ] ، فما التَفَتَ يميناً وشمالاً ، وما طمع في مقامٍ ولا في إكرام؛ تجرَّد عن كلِّ طلبٍ وأَرَبٍ .\rقوله : { لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَآتِنَا } : كان تعريفه بالآيات ثم بالصفات ثم كَشّفٌ بالذات . ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله - سبحانه - شيءٌ في جلالهِ وجماله ، وعِزِّه وكبريائه ، ومجده وسنائه .\rثم أراه من آياته تلك الليلة ما عَرَفَ به صلوات الله عليه - أنه ليس أحدٌ من الخلائق مثْلَه في نبوته ورسالته وعلوِّ حالته وجلال رتبته .","part":4,"page":229},{"id":1730,"text":"أرسل موسى عليه السلام بالكتاب كما أرسل نبينا A ، ولكنَّ نَبِيَّنَا - صلوات الله عليه - كان أوفى - سماعاً -؛ فإنَّ الشمسَ في طلوعها وإشراقها تكون أقربَ ممن طلعت له من حقائقها .","part":4,"page":230},{"id":1731,"text":"أي يا ذريةَ مَنْ حملنا مع نوح - على النداء . . إنه كان عبداً شكوراً .\rوكان يضرب في كل ( . . . ) كما في القصة - سبعين مرة ، وكان يشكر . كما أنه كان يشكر الله ويصبر على قومه إلى أن أوحى الله إليه : أنه لن يؤمن إلا من قد آمن ، وأُمِرَ حين دعا عليهم فقال : { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً } [ نوح : 26 ]\rويقال الشكور هو الذي يكون شكره على توفيقِ اللَّه له لِشُكْرِه ، ولا يتقاصر عن شكره لِنِعَمِه .\rويقال الشكور الذي يشكر بماله ، ينفقه في سبيل الله ولا يدََّخِره ، ويشكر بنفْسِه فيستعملها في طاعة الله ، لا يُبْقِي شيئاً من الخدمة يدخره ، ويشكر بقلبِه ربَّه فلا تأتي عليه ساعةٌ إلا وهو يذكره .","part":4,"page":231},{"id":1732,"text":"القضاءُ ها هنا بمعنى الإعلام ، والإشارة في تعريفهم بما سيكون في المُسْتَأنَفِ منهم وما يستقبلهم ، ليزدادوا يقيناً إذا لقوا ما أُخْبِروا به ، وليكونَ أبلغَ في لزوم الحُجَّةِ عليهم ، وليحترزوا من مخالفة الأمر بجحدهم ، وليعلموا أن ما سَبَقَ به القضاءُ فلا محالةَ يحصل وإنْ ظُنَّ التباعدُ عنه .","part":4,"page":232},{"id":1733,"text":"إن الله سبحانه يُعِدُّ أقواماً لأحوالٍ مخصوصةٍ حتى إذا كان وقتُ إرادته فيهم كان هؤلاء موجودين .","part":4,"page":233},{"id":1734,"text":"يدلُّ على أنه مُقَدِّرُ أعماله العباد ، ومدبِّرُ أفعالِهم؛ فإِنَّ انتصارَهم على أعدائهم من جملة أكسابهم ، وقد أخبر الحقُّ أنه هو الذي تولاَّه بقوله : { رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } .","part":4,"page":234},{"id":1735,"text":"إنْ أحسنتُم فثوابِكم كسبتم ، وإنْ أسأتم فعداءَكم جَلَبْتُم - والحقُّ أعزُّ مِنْ أَنْ يعودَ إليه من أفعال عبادِه زَيْنٌ أو يلحقه شَيْنٌ .","part":4,"page":235},{"id":1736,"text":"قوله جلّ ذكره : { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } .\rكلمةُ { عَسَى } فيها ترجية وإطماع ، فهو - سبحانه - وقفهم على حد الرجاء والأمل والخوف والوجل .\rوقوله { عَسَى } : ليس فيه تصريح بغفرانهم ، ورحمتهم ، وإنما فيه للرجاء موجِبٌ قويٌّ؛فبلطفه وعد أن يرحمكم .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَأ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلّكَافِرِينَ حَصِيراً } .\rأي إنْ عُدْتُم إلى الزَّلَّة عُدْنا إلى العقوبة ، وإن استقمتم في التوبة عدنا إلى إدامة الفضل عليكم والمثوبة .\rويقال إن عُدْتُم إِلَى نَقْضِ العَهْد عُدنا إلى تشديد العذاب .\rويقال : إن عُدْتُم للاستجارة عدنا للإجارة .\rويقال إن عُدتُم إلى الصفاء عدنا إلى الوفاء .\rويقال إن عُدْتُمْ إلى ما يليق بكم عُدْنا إلى ما يليق بكرمنا .\r{ َجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلّكَافِرِينَ حَصِيراً } لأنهم ( . . . ) وهم ناس كثير فهذه جهنم ومن يسكنها من الكافرين .\rو { حَصِيراً } أي محبساً ومصيراً . فالمؤمنُ - وإنْ كان صاحبَ ذنوب وإنْ كانت كبيرة - فإنَّ مَنْ خرج من دنياه على إيمانه فلا محالةَ يصل يوماً إلى غفرانه .","part":4,"page":236},{"id":1737,"text":"القرآنُ يدل على الحقِّ والصواب . و { أَقْوَمُ } : هنا بمعنى المستقيم الصحيح كأكبر بمعنى الكبير؛ فالقرآن يدل على الحق والصواب ، ولكنَّ الخللَ من جهة المُسْتَدِلِّ لا الدليل ، إذ قد يكون الدليل ظاهراً ولكنَّ المستدِلَّ مُعْرِضُ ، وبآداب النظر مُخِلٌّ ، فيكون العيبُ في تقصيره لا في قصور الدليل .\rوالقرآنُ نورٌ؛ مَنْ استضاء به خَلَصَ من ظُلُماتِ جَهْلِه ، وخرج من غمار شَكِّه . ومَنْ رَمَدَتُ عيونُ نظرِه التبس رُشْدُه .\rويقال الحَوَلُ ضَرَرُه أشدُّ من العَمَى؛ لأَنَّ الأعمى يعلم أنه ليس يُبْصِر فَيَتْبَعُ قائدَه ، ولكن الأحول يتوهَّمُ الشيء شيئين نفهو بتخيُّلِه وحسبانه يماري مَنْ كان سليماً . . كذلك المبتدِعُ إذا سَلَكَ طريقَ الجَدَل ، ولم يضع النظر موضعهه بَقِيَ في ظُلُماتِ جَهْلِه ، وصال بباطل دعواه على خَصْمِه ، كما قيل :\rبأطرافِ المسائلِ كيف يأتي ... - ولا أَدْرِي لَعَمْرُكَ - مُبْطِلُوها؟","part":4,"page":237},{"id":1738,"text":"من الأدب في الدعاء أََلاَّ يسألَ العبدُ إلاَّ عند الحاجة ، ثم ينظر فإنْ كان شيءٌ لا يعنيه ألا يتعرَّضَ له؛ فإنَّ في الخبر : « مِن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » ثم من آداب الداعي إذا سأل من اللَّهِ حاجَته ورأى تأخيراً في الإجابة إلا يَتَّهَم الحقَّ - سبحانه - ويجب أن يعلم أن الخير في ألا يجيبَه ، والاستعجالُ- فيما يختاره العبد- غيرُ محمود ، وأوْلى الأشياءِ السكونُ والرضا بحُكْمِه سبحانه ، إن لم يساعدْه الصبر وسَأَلَ فالواجبُ تَرْكُ الاستعجال ، والثقةُ بأنَّ المقسومَ لا يفوته ، وأَنَّ اختيارَ الحقِّ للعبد خيرٌ له من اختياره لنفسه .","part":4,"page":238},{"id":1739,"text":"جعل الليلَ والنهارَ علامةً على كمال قدرته ، ودلالةً على وجوب وحدانيته؛ في تعاقبهما وتناوبهما ، وفي زيادتهما ونقصانهما .\rثم جعلهما وقتاً صالحاً لإقامة العبادة ، والاستقامة على معرفة جلال إلهيته؛ فالعبادةُ شرطُها الدوامُ والاتصال ، والوظائف حقُّها التوفيق والاختصاص .\rولو وقع في بعض العبادات تقصيرٌ أو حَصَلَ في أداءِ بعضِها تأخيرٌ تَدَارَكَه بالقضاءِ حتى يَتَلاَفَى التقصير .\rويقال من وجوه الآيات في الليل والنهار إفرادُ النهار بالضياء من غير سبب ، وتخصيصُ الليل بالظلام بغير أمرٍ مكتسب ، ومن ذلك قوله تعالى : { فَمَحَوْنَا ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } : وهو اختلاف أحوال القمر في إشراقه ومحاقة ، فلا يبقى ليلتين على حال واحدة ، بل هو في كل ليلة في منزل آخر ، إما بزيادة أو بنقصان .\rوأمَّا الشمس فحالها الدوام . . والناس كذلك أوصافهم؛ فأربابُ التمكين الدوامُ شرطُهم ، وأصحابُ التلوينِ التنقلُ حَقُّهم ، قال قائلهم :\rما زلت أنزل من ودادك منزلاً ... تتحير الألبابُ دون نزوله .","part":4,"page":239},{"id":1740,"text":"ألزم كلَّ أحدٍ ما لَبِسَ بجِيدِه . فالذين هم أهلُ السعادة أسرج لهم مركبَ التوفيقَ ، فيسير بهم إلى ساحات النجاة ، والذين هم أهل الشقاوة أركبهم مَطِيَّةَ الخذلان فأَقْعَدَتْهم عن النهوض نحو منهج الخلاص ، فوقعوا في وَهْدَةِ الهلاك .","part":4,"page":240},{"id":1741,"text":"مَنْ ساعَدَتْه العنايةُ الأزليةُ حِفظَ عند معاملاته مما يكون وبالاً عليه يوم حسابه ، ومَنْ أبلاه بحْكْمِه رَدَّه وأهمْهَلَه ، ثم تركه وعَمَلَه ، فإذا استوفى أَجَلَه عرف ما ضيَّعَه وأهمله ، ويومئذ يُحْكُمِه في حالِ نفسه ، وهو لا محالةَ يحكم بنفسه باستحقاقه لعذابه عندما يتحقق من قبيح أعماله . . . فكم من حسرةٍ يتجرَّعُها ، وكم من خيبةٍ يتلقَّاها!\rويقال مَنْ حَاسَبَه بكتابه فكتابةُ مُلازِمُه في حسابه فيقول : رَبِّ : لا تحاسبني بكتابي . . ولكن حاسِبْنِي بما قلتَ : إِنَّكَ غافرُ الذَّنْبِ وقابلُ التوبِ . . لا تعاملني بمقتضى كتابي : ففيه بواري وهلاكي .","part":4,"page":241},{"id":1742,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } .\rقضايا أعمال العبد مقصورةٌ عليه؛ إنْ كانت طاعةً ففضياؤها لأصحابها ، وإنْ كانت زَلَّةً فبلاؤها لأربابها . والحقُّ غنيٌّ مُقَدَّسٌ ، أَحَدِيٌّ مُنَزَّهٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } .\rكُلُّ مُطَالَبٌ بجريرته . وكلُّ نَفْسٍ تحمل أوزارها لا وِزْرَ نَفْسٍ أخرى . . . { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } : دلَّ ذلك على أن الواجبات إنما تَتَوَجَّهُ من حيث السمع .","part":4,"page":242},{"id":1743,"text":"إذا كَثُرَ أهلُ الفسادِ غَلَبُوا ، وقَلَّ أهل الصلاح وفقدوا : فعند ذلك يغمر اللَّهُ الخَلْقَ ببلائه ، ولا يكون للناس ملجأ من أوليائه ليتكلموا في بابهم ، ولا فيهم من يبتهل إلى اله فَيُسْمَعُ دعاؤه ، فَيَخْتَرِمُ أولياءَه ، ويُبْقِي أربابَ الفساد ، وعند ذلك يشتدُّ البلاءُ وتَعْظُمُ المِحَنُ إلى أن ينظرَ اللَّه تعالى إلى الخَلْق نَظَرَ الرحمةِ والمِنَّة .","part":4,"page":243},{"id":1744,"text":"في الآية تسليةٌ للمظلومين إذا استبطأوا هلاكَ الظالمين ، و ( . . ) قِصَرِ أيديهم عنهم . فإذا فَكَّروا فيما مضى من الأُمم أمثالِهم وكيف بَنَوْا مَشِيداً ، وأَمَّلُوا بعيداً . . فبادوا جميعاً ، يعلمون أَنَّ الآخرين - عن قريب- سينخرطون في سلكهم ، ويُمْتَحَنُون بمثل شأنهم . وإذا أظَلّتْهُم سُحُبُ الوحشة فاءوا إلى ظل ِّ شهود التقدير ، فتزول عنهم الوحشة ، وتطيب لهم الحياةُ ، وتحصل الهيبة .","part":4,"page":244},{"id":1745,"text":"مَنْ رَضِيَ بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بَقِيَ عن نفيس الآخرة ، ثم لا يحظى إلا بِقَدْر ما اشْتَمَّهُ ، ثم يكون آنسَ ما به قلباً وأشدَّ ما يكون به سكوناً . . . ثم يُخْتَطَفُ عن نعمته ، ولا يخصه بشيءٍ مما جمع من كرائمه ، ويمنعه من قربه في الآخرة . . ولقد قيل :\rيا غافلاً عن سماع الصوتْ ... إنْ لم تبادِرْ فهو الفوتْ\rمَنْ لم تَزُلْ نعمته عاجلاً ... أزاله عن نعمته الموتْ","part":4,"page":245},{"id":1746,"text":"علامة مَنْ أراد الآخرةَ - على الحقيقة - أن يسعى لها سَعْيْها؛ فإرادةُ الآخرة إذا تجرَّدَتْ عن العمل لها كانت مجرَّد إرادة ، ولا يكون السعيُ مشكوراً . قوله : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } : أي من المآلِ كما أنه مؤمِنٌ في الحال . ويقال وهو مؤمن أنَّ نجاته بفضله لا بسببه .\r{ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً } أي مقبولاً ، ومع القبول بكون التضعيف والتكثير؛ فكما أن الصدقة يُرْبِيها كذلك طاعةُ العبدِ يُكْثِّرُها ويُنَمِّيها .","part":4,"page":246},{"id":1747,"text":"يجازي كلاً بِقَدْرِهِ؛ فَلِقَوْمٍ نجاة ولقومٍ درجات ، ولقوم سلامة ولقومٍ كرامة ، ولقومٍ مثوبتُه ، ولقومٍ قربتُه .","part":4,"page":247},{"id":1748,"text":"التفضيلُ على أقسام ، فالعُبَّاد فَضَّلَ بعضَهم على بعض ولكن في زكاء أعمالهم ، والعارفون فَضَّلَ بعضَهم على بعض ولكن في صفاء أحوالهم ، وزكاء الأعمال بالإخلاص ، وصفاء الأحوال بالاستخلاص؛ فقومٌ تفاضلوا بصدق القَدَمِ ، وقوم تفاضلوا بعلوِّ الهِمَم . والتفضيل في الآخرة أكبر : فالعُبَّادُ تفاضلهم بالدرجات ، قال A : « إنكم لَتَرَوْنَ أهلَ عِلَّيين كما ترون الكوكبَ الدريَّ في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم » .\rوأهلُ الحضرةِ تفاضلُهم بلطائفهم من الأُنْس بنسيم القربة بما لا بيانَ يصفه ولا عبارة ، ولا رمز يدركه ولا إشارة . منهم من يشهده ويراه مرةً في الأسبوع ، ومنهم من لا يغيب من الحضرة لحظة ، فهم يجتمعون في الرؤية ويتفاوتون في نصيبِ كلِّ أحد ، وليس كلُّ مَنْ يراه بالعين التي بها يراه صاحبه ، وأنشد بعضهم :\rلو يسمعون - كما سمعتُ حديثها ... خَرَّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسجودا","part":4,"page":248},{"id":1749,"text":"الذي أشرك بالله أصبح مذموماً من قِبَلِ الله ، ومخذولاً من قِبَلِ مَنْ عَبَدَه من دون الله .","part":4,"page":249},{"id":1750,"text":"أمَرَ بإفراده- سبحانه - بالعبادة ، وذلك بالإخلاص فيما يستعمله العبدُ منها ، وأن يكون مغلوباً باسيلاء سلطانِ الحقيقةِ عليه بما يَحْفَظُه عن شهودِ عبادته .\rوأَمَرَ بالإحسان إلى الوالدين ومراعاةِ حقِّهما ، والوقوفِ عند إشارتهما ، والقيام بخدمتهما ، وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما وحُسْنِ عشرتهما ورعاية حُرْمَتهما ، وألا يبديَ شواهدَ الكسلِ عند أوامرهما ، وأن يَبْذُل المُكْنَةَ فيما يعود إلى حفظ قلوبهما . . . هذا في حال حياتهما ، فأمَّا بعد وفاتهما فبِصِدْقِ الدعاء لهما ، وأداءِ الصَدَقَةِ عنهما ، وحِفْظِ وصيتهما على الوجه الذي فَعَلاَه ، والإحسان إلى مَنْ كان مِنْ أهلِ ودِّهما ومعارفهما .\rويقال إِنَّ الحقَّ أَمَرَ العبادَ بمراعاة حقِّ الوالدين وهما من جنس العبد . . فَمَنْ عجز عن القيام بحِّق جنسه أَنَّى له أن يقومَ بحقِّ ربه؟","part":4,"page":250},{"id":1751,"text":"{ وَاخْفِضْْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ } بحسن المداراة ولين المنطق ، والبدار إلى الخدمة ، وسرعة الإجابة ، وترك البَرَمَ بمطالبهما ، والصبر على أمرهما ، وألا تَدَّخِرَ عنهما ميسوراً .","part":4,"page":251},{"id":1752,"text":"إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ قلبِ عبدٍ أَمَدَّه بحسن الأمجاد ، وأكرمه بجميل الامتداد ، ويَسَّر عليه العسيرَ من الأمور ، وحفظه عن الشرور ، وعطف عليه قلوب الجمهور .","part":4,"page":252},{"id":1753,"text":"إيتاءُ الحقِّ يكون من المال ومن النَّفْس ومن القول ومن الفعل ، ومَنْ نَزَل على اقتضاء حقِّه ، وبذل الكُلَّ لأجل ما طالبه به من حقوق . فهو القائم بما ألزمه الحقُّ سبحانه بأمره .\rوالتبذيرُ مجاوزةُ الحدِّ عمَّا قدَّره الأمرُ والإذنُ . وما يكون لحظِّ النَّفْسِ- وإن كان سمسمة - فهو تبذيرٌ ، وما كان له - وإن كان الوفاءَ بالنَّفْس - فهو تقصيرٌ .","part":4,"page":253},{"id":1754,"text":"إنما كانوا إخوانَ الشياطين لأنهم أنفقوا على هواهم ، وجَرَوْا في طريقهم على دواعي الشياطين ووساوسهم ، ولمَّا أفضى بهم ذلك إلى المعاصي فقد دعاهم إخوانَ الشياطين .","part":4,"page":254},{"id":1755,"text":"إن لم يُسَاعِدْكَ الإمكانُ على ما طالبوكَ من الإحسان فاصْرِفْهم عنكَ بوعدٍ جميلٍ إن لم تُسْعِفهم بنقدٍ جزيل . . وإنَّ وَعْدَ الكرام أَهْنأُ من نقد اللئام .","part":4,"page":255},{"id":1756,"text":"لا تُمْسِكْ عن الإعطاء فَتُكْدِي ، ولا تُسْرِفْ في البذلِ بكثرة ما تُسْدِي ، واسْلُكْ بين الأمرين طريقاً وَسَطاً .","part":4,"page":256},{"id":1757,"text":"إذا بَسَطَ لا تَبْقَى فاقة ، وإذ قبض استنفد كلَّ طاقة .","part":4,"page":257},{"id":1758,"text":"مَنْ عَرَفَ أَنَّ الرازقَ هو الله خفَّ عن قلبه همُّ العيال - وإنْ كَثُروا ، ومن خفي عليه أنه قَسَّمَ - قبل الخَلْقِ - أرزاقَهم تطوح في متاهات مغاليطه ، فيقع فيها بالقلب والبَدَنِ ثم لا يكون غير ما سبق به التقدير .","part":4,"page":258},{"id":1759,"text":"ترَّجحَ الزنا على غيره من الفواحش لأن فيه تضييعَ حُرْمَةِ الحقِّ ، وهتكَ حُرْمَةِ الخلْق ، ثم لِمَا فيه من الإخلال بالنَّسَبِ ، وإفسادِ ذات البين من مقتضى الأَنَفَةِ والغضب .","part":4,"page":259},{"id":1760,"text":"لا يجوز قَتْلُ نَفْسِ الغير بغير الحق ، ولا للمرء أن يقتل نَفْسَه أيضاً بغير الحق . وكما أنَّ قتلَ النَّفْس بالحديد وما يقوم مقامه من الآلات مُحَرَّمٌ فكذلك القَصْدُ إلى هلاكِ المرءِ مُحَرَّمٌ .\rومن انهمك في مخالفة ربه فقد سعى في هلاك نفسه . { وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَانَاً } : أي تسلطاً على القاتل في الاقتصاص منه ، وعلى معنى الإشارة :\rإلى النصرة مِنْ قِبَلِ الله : ومنصورُ الحقِّ لا تنكسر سِنَانُه ، ولا تطيشُ سِهَامُه .","part":4,"page":260},{"id":1761,"text":"لمَّا لم يكن لليتيم مَنْ يهتم بشأنه أَمَرَ - سبحانه - الأجنبيَّ الذي ليس بينه وبين اليتيم سَبَبٌ أَنْ يتولَّى أمرَه ، ويقومَ بشأنِ ، وأوصاه في بابه؛ فالصبيُّ قاعد بصفة الفراغ والهوينى ، والوليُّ ساع بمقاساة العَنَا .\rفأَمْرُ الحقِّ - سبحانه - للوليِّ أَحْظَى للصبيِّ مِنْ شفقةِ آلِه عليه في حال حياتهم .","part":4,"page":261},{"id":1762,"text":"كما تدين تدان ، وكما تعامِلُ تُجازَى ، وكما تكيل يُكَالُ لكَ ، وكما تكونون يكون عليكم ، ومَنْ وَفَى وفَوْا له ، ومَنْ خان خانوا معه ، وأنشدوا :\rأسَأْنا فساءوا . . عَدْلٌ بلا حيفٍ ... ولو عَدَلْنا لَخُلِّصْنا من المِحَنِ","part":4,"page":262},{"id":1763,"text":"إذا غَلَبتْ عليكَ مُجوّزَاتُ الظنونِ ، ولم يُطْلِعْكَ الحقُّ على اليقين فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان ، وإذا أُشْكِلَ عليك شيءٌ من أحكام الوقت فارجعْ إلى الله ، فإِنْ لاحَ لقلبك وَجْهٌ من الدليل على حَدِّ الالتباس فَكِلْ عِلْمَه إلى الله ، وِقفْ حيثما وقفت .\rويقال الفرق بين من قام بالعلم وبين من قام بالحق أَنَّ العلماءَ يعرفون الشيءَ أولاً ثم يعلمون بعلمهم ، وأصحابُ الحقِّ يجْرِي عليهم يحكم التصريف شيءٌ لا علِمَ لهم به على التفصيل ، وبعد ذلك يُكشَف لهم وجهُه ، وربما يجري على ألسنتهم شيءٌ لا يدرون وَجْهَه ، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهانُ ما قالوه ، ودليلُ ما نطقوا به من شواهد العلم .\rقوله : { إِنَّ السَّمَعَ وَالبَصَرَ } هذه أمانة الحق - سبحانه - عند العبد ، وقد تقدم في بابها بما أوضحته ببراهين الشريعة .\rومَنْ استعمل هذه الجوارح في الطاعات ، وصانها عن استعمالها في المخالفات فقد سَلَّم الأمانة علة وصف السلامة ، واستحق المدحَ والكرامة . مَنْ دَنَّسَها بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة ، واستوجب الملامة .","part":4,"page":263},{"id":1764,"text":"الخُيَلاءُ والتجبُّر ، والمدح والتكّبُر - كل ذلك نتائجُ الغيبة عن الذكر ، والحجبة عن شهود الحقِّ؛ « فإنَّ اللَّهَ إذا تجلَّى لشيءٍ خشع له » بذلك وَرَدَ الخبر . فأمَّا في حال حضورِ القلبِ واستيلاءِ الذكر وسلطان الشهود . قالقلبُ مُطْرِقٌ ، وحُكْمُ الهيبة غالِبٌ . ونعتُ المدحِ وصفةُ الزَّهْوِ وأسبابُ التفرقة- كل ذلك ساقط .\rوالناسُ - في الخلاص من صفة التكبر- أصنافٌ : فأصحابُ الاعتبار إِذْ عرفوا أنهم مخلوقونَ من نطلفةٍ أمشاج ، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا طعامهم وشرابهم . . تعلو هِمَمُهم عن التضييق والتدنيق ، ويَبْعُدُ عن قلوبهم قيامُ أَخْطارٍ للأشياء ، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر ، وينزع عنهم لباس التجبُّر .\rوأمَّا أرباب الحضور فليس في طلوع الحق إلا انخناس النَّفْس ، وفي معناه قالوا :\rإذا ما بدا لي تَعاظَمْتُه ... فأصدر في حال من لم يرد","part":4,"page":264},{"id":1765,"text":"إذا سَعِدَتْ الأقدامُ بحضور ساحاتِ الشهود ، وعَطِرَتْ الأسرارُ بنسيم القُُرْب تجرَّدَتْ الأوقاتُ عن الحجبة ، واستولى سلطان الحقيقة ، فيحصل التنفِّي من هذه الأوصاف المذمومة .\rوقال تعالى لنبيِّه : { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ } : بالوحي والإعلام ، ولأوليائه تعريف بحكم الإلهام .","part":4,"page":265},{"id":1766,"text":"جَوَّزوا أن يكون لله - سبحانه - ولدٌ ، وفكَّروا في ذلك ، ثم لم يَرْضَوْا حتى جعلوا له ما استنكفوا منه لأنفسهم ، فما زادوا في تَمَرُّدِهم إلا عُتُوَّا ، وفي طغيانهم إلا غَلُوَّاً ، وعن قبول الحق ِّ إلا نُبُوَّاً .","part":4,"page":266},{"id":1767,"text":"بيَّن أنه لو كان الصانعُ أكثرَ من واحدٍ لَجَرَى بينهم تَضَادٌ وتمانُعٌ ، وصحَّ عند ذلك في صفتهم العجزُ ، وذلك من سِمات المحدثات .\rثم قال سبحانه - تنزيهاً له عن الشَّريك والظهير ، والمعين والنظير .","part":4,"page":267},{"id":1768,"text":"الأحياءُ من أهل السموات والأرض يُسَبِّحون له تسبيحَ قالة ، وغير الأحياء يسبح من حيث البرهان والدلالة . وما من جزءٍ من الأعيان والآثار إلا وهو دليل على الربوبية ، ولكنهم إذا استمعوا توحيداً للأله تعجبوا - لجهلهم وتَعَسُّر إدراكهم - وأنكروا .","part":4,"page":268},{"id":1769,"text":"أي أدخلناك في إيواءِ حفِظْنَا ، وضربنا عليك سرادقاتِ عصمتنا ، ومنعنا الأيدي الخاطئةَ عنك بلطفنا .","part":4,"page":269},{"id":1770,"text":"صَرَّح بأنه خالقُ ضلالتهم ، وهو المبيت في قلوبهم ما استكنَّ فيها من فرط غوايتهم . { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى القُرْءَانِ وَحْدَهُ } أحبوا أن تذكر آلهتهم ، قد ختم الله على قلوبهم فلا حديثَ يُعْجِبُهُم إلاَّ مِمَّنْ لهم شَكْلٌ ومِثْلٌ .","part":4,"page":270},{"id":1771,"text":"لَبِّسُوا على رسول الله - A - أحوالَهم ، وأظهروا الوفاقَ من أنفسهم ، فَفَضَحَهم اللَّهُ تعالى ، وكَشَفَ أسرارَهم ، وبَيَّنَ مقابِحَهم ، وهَتَكَ أستارهم ، فما تنطوي عليه السريرة لا بُدَّ أن يَظْهَر لأهل البصيرة بما يبدو على الأسِرَّة .","part":4,"page":271},{"id":1772,"text":"عابوه بما ليس بنقيصةٍ في نفسه حيث قالوا : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } أي ذا سِحْرٍ . وأيُّ نقيصة كانت له إذا كان A - من جملة البَشَر؟ والحقُّ سبحانه وتعالى متولٍٍ نصرته ، ولم يكن تخصيصه ببنْيَة ، ولا بصورة ، ولا بِحِرْفةٍ ، ولم يكن منه شيء بسببه وإنما بَانَ شرفُه لجملة ما تعلَّقه به لُطْفُه القديم - سبحانه- ورحمتهُ .","part":4,"page":272},{"id":1773,"text":"أقَرُّوا بأنَّ الله خَلَقَهم ، ثم أنكروا قدرته على إعادتهم بعد عَدَمِهم ، ولكن . . كما جاز أن يوجِدَهم أولاً وهم في كتم العَدِمِ ولم يكن لهم عين ولا أثر ، ولكنهم كانوا في متناول القدرة ومتعلق الإرادة ، فَمِنْ حَقِّ صاحبِ القدرة والإرادة أن يعيدَهم إلى الوجود مرة أخرى . . . وهكذا إذا رَمَدَت عينُ قلبٍ لم يستبصر صاحبه .","part":4,"page":273},{"id":1774,"text":"أخبر - سبحانه وتعالى- أنه لا يتعصَّى عليه مقدورٌ لأنه موصوف بقدرة أزلية ، وقُدْرَتُه عامَّةُ التعلق : فلا المشقة تجوز في صفته ولا الرفاهية . فالخلْقُ الأول والإعادة عليه سِيَّان؛ لا مِنْ هذا عائدٌ إليه ولا من ذاك ، لأن قِدَمَه يمنع تأثير الحدوث فيه .","part":4,"page":274},{"id":1775,"text":"يدعوكم فتستجيبونه وأنتم حامدون . فالحمد بمعنى الشكر ، وإنما يشكر العبدُ على النعمة والآية تدل على أنهم - وهم في قبورهم- في نعمته .","part":4,"page":275},{"id":1776,"text":"القولُ الحسنُ ما يكون للقائل أن يقوله . ويجوز أن يكون الأحسن مبالغة من الحَسَنِ ، فعلى هذا الأحسن من القول ما لا يجوز تركُه . ويقال الأحسن من القول ما يخاف قائله من العقوبة على تركه . ويقال الأحسن من القول إقرار المُحِبَّ بعبودية محبوبه .\rويقال أحسنُ قولٍ من المذنبين الإقرارُ بالجُرْم ، وأحسنُ قولٍ من العارفين الإقرارُ بالعجز عن المعرفة ، قال A : « سبحانك لا أُحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيتَ على نفسك » .","part":4,"page":276},{"id":1777,"text":"قوله جلّ ذكره : { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلنَاكَ عَلَيْهِمْ وََكِيلاً } .\rسَدَّ على كلِّ أحدٍ طريقَ معرفته بنفسه ليتعلَّق كُلُّ قلبه بربه . وجَعَلَ العواقبَ على أربابها مشتبهةً ، فقال { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } ثم قدَّمَ حديثَ الرحمةِ على حديث العذاب ، فقال : { إِن يَشَأْ يِرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ } وفي ذلك تَرَجِّ للأمل أَنْ يَقْوى .\rويوصف العبدُ بالعلم ويوصف الربُّ بالعلم ، ولكن العبدَ يعلم ظاهرَ حاله ، وعِلْمُ الرب يكون بحاله وبمآله ولهذا فالواجب على العبد أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى وهذا معنى : { إِن يَشَأْ يِرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ } بعد قوله : { أَعْلَمُ بِكُمْ } .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً } .\rفَضَّل بعضَ الأنبياءِ على بعضِ في النبوةِ والدرجة ، وفي الرسالة واللطائف والخصائص . وجعل نبيَّنا - A - أَفضلهم؛ فهم كالنجوم وهو بينهم بَدْرٌ ، وهم كالبدور وهو بينهم شمس ، وهم شموسٌ وهو شمسُ الشموس .","part":4,"page":277},{"id":1778,"text":"استعينوا فيما يستقبلكم بالأصنام التي عبدتموها من دون الله حتى تتحققوا أنه لا تنفعكم عبادةُ شيءٍ من دون الله ، ولا يضركم تَرْكُ ذلك ، ولقد قيل في الخبر : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » .","part":4,"page":278},{"id":1779,"text":"يعني الذين يعبدونهم ويدعونهم - كالمسيح وعُزَيز والملائكة - لا يملكون نَفْعَاً لأنفسهم ولا ضَرَّاً ، وهم يطلبون الوسيلةَ إلى الله أيْ يتقربون إلى الله بطاعتهم رجاءَ إحسانَ الله ، وطمعاً في رحمته ، ويخافون العذاب من الله . . . فكيف يرفعون عنكم البَلاءَ وهم يرجون الله ويخافونه في أحوال أنفسهم؟\rويقال في المَثَلِ : تعلُّقُ الخَلْقِ بالخَلْق تعلُّقُ مسجونٍ بمسجون .\rويقال : إذا انضمَّ الفقيرُ إلى الفقيرِ ازداد فاقةً .\rويقال إذا قاد الضريرُ ضريراً سقطا معاً في البئر ، وفي معناه أنشدوا :\rإذا التقى في حَدَبٍ واحدٍ ... سبعون أعمى بمقادير\rوسَيَّروا بعضَهم قائداً ... فكُلُّهم يسقط في البير","part":4,"page":279},{"id":1780,"text":"العذاب على أقسام : فالألم الذي يَرِدُ على النفوس والظواهر يتصاغر بالإضافة إلى مَا يَرِدُ على القلوب والسرائر؛ قعذابُ القلوبُ لأصحابِ الحقائقِ أَحَدُّ في الشِّدَّةِ مِما يُصيب أصحابَ الفقر والقلة .\rثم إن الحقَّ سبحانه أجرى سُنَّتَه بأن مَنْ وصلت منه إلى غيره راحةٌ انعكست الراحةُ إلى موصلها ، وبخلاف ذلك مَنْ وصلت منه إلى غيره وَحْشَةٌ عادت الوحشةُ إلى موصلها . ومَنْ سام الناس ظُلْماً وخَسْفَاً فَبِقَدْرِ ظُلْمِه يَعذِّبُه اللَّهُ - سبحانه وتعالى- في الوقت بتنغيص العَيْشِ ، واستيلاءِ الغضب مِنْ كلِّ أحدٍ عليه ، وتَتَرَجَّمُ ظنونُه وتتقسَّمُ أفكاره في أحواله وأشغاله ، ولو ذاق من راحة الفراغ حلاوة الخلوة شظية لَعَلِمَ ما طعم الحياة . . ولكنْ حُرِموا النِّعَم ، وما علموا ما مُنُوا به من النِّقَم .","part":4,"page":280},{"id":1781,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ إِلاَّ أَن كّذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا } .\rأجرى الله سُنَّتَه أنه إذا أظهر آية اقْتَرَحَتْها أُمَّةٌ من الأمم ثم لم تؤمن بها بعد إظهارها أَنْ يُعَجِّلَ لها العقوبة ، وكان المعلومُ والمحكومُ به ألا يجتاحَ العذابُ القومَ الذين كانوا في وقت الرسول - عليه السلام - لأَجْلِ مَنْ في أصلابهم مِنَ الذين عَلِمَ أنهم يؤمِنُون؛ فلذلك أَجَّرَ عنهم العذاب الذي تعجّلوه .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا نُرْسِلُ بِالأَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً } .\rالتخويف بالآيات ذلك من مقتضى تجمله؛ فإنْ لم يخافوا وَقَعَ عليهم العذاب ثم إنه عَلِمَ أنه لا يفوته شيءٌ بتأخير العقوبة عنهم فَأَخَّر العذابَ . وله أن يفعل ما يشاء بمقتضى حُكْمِه وعِلْمه .","part":4,"page":281},{"id":1782,"text":"الإيمانُ بما خَصَصْنَاكَ به امتحان لهم وتكليفٌ ، ليتميزَ الصادقُ من المنافقِ ، والمؤمنُ من الجاحد؛ فالذين تَدَارَكَتْهُم الحمايةُ وقفوا وثبتوا ، وصَدَّقوا بما قيل لهم وحققوا . وأما الذين خَامَر الشكُّ قلوبهم ، ولم تباشِرْ خلاصةُ التوحيد أسرارَهم ، فما إزدادوا بما امتُحِنُوا به إلا تحيُّراً وضلالاً وَتَبَلُّداً .","part":4,"page":282},{"id":1783,"text":"امتنع الشقيُّ وقال : لا أسجد لغيرك بوجهٍ سَجَدْتُ لَكَ به ، وكان ذلك جهلاً منه ، ولو كان بالله عارفاً لكان لأمره مؤثِراً ، ولمحيط نفسه تاركاً .","part":4,"page":283},{"id":1784,"text":"لو علقت به ذرَّةٌ من المعرفة والتوحيد لم يحطب على نفسه بالإضلال والإغواء ، لكنَّه أقامه الحقُّ بذلك المقام ، وأنطقه بماهو لقلوبِ أهلِ التحقيق مُتَّضِح .","part":4,"page":284},{"id":1785,"text":"هذا غاية التهديد ، وفيه إشارة وبيان بألا مراء ولا تفويتٍ ، ولو أَخرَّ عقوبةَ قومٍ فإن ذلك إمهالُ لا إهمال ، ومكرٌ واستدراجٌ لا إنعامٌ وإكرامٌ .\r{ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصًوْتِكَ } : أي افعل ما أمكنكَ ، فلا تأثيرَ لفعلك في أحد ، فإنَّ المنشئَ والمُبْدِعَ هو الله . . وهذا غاية التهديد .","part":4,"page":285},{"id":1786,"text":"السلطان الحجة ، فالآية تدل على العموم ، ولا حجة للعذر على أحد ، بل الحجة لله وحده .\rويقال السلطان هو التَّسَلُّط ، وليس لإبليس على أحدٍ تسلط؛ إذ المقدور بالقدرة ولا لغيره من المخلوقين تسلط من حيث التأثير في أحد ، وعلى هذا أيضاً فالآية للعموم .\rويقال أراد بقوله : { عِبَادِى } الخواصَ من المؤمنين الذين هم أهل الحفظ والرحمة والرعاية من قِبَلَ الله ، فإن وساوسَ الشيطان لا تضرُّهم لالتجائهم إلى الله ، ودوام استجارتهم بالله ، ولهذا فإن الشيطان إذا قَرُبَ من قلوب أهل المعرفة احترق بضياء معارفهم .\rويقال إنّ فرار الشيطان من المؤمنين أشدُّ من فرار المؤمنين من الشيطان .\rوالخواص من عباده هم الذين لا يكونون في أَسْرِ غيره ، وأَمَّا مَنْ استعبده هواه . واستمكنت منه الأطماع ، واستَرقته كل خسيسة ونقيصة فلا يكون من جملة خواصه . . . وفي الخبر « تَعِسَ عبد الدرهم تعس عبد الدينار » . ويقال في { عِبَادِى } هم المُتَفَيِّئُون في ظلال عنايته ، المُتَبَرُّون عن حَوْلهِم وقُوَّتِهم ، المتفرِّدُون بالله بحسن التوكل عليه ودوام التعلُّق به .","part":4,"page":286},{"id":1787,"text":"تعرَّف إلى عباده بخَلْقِه وإنعامه ، فما من حادثٍ من عينٍ أو أثرٍ أو طَلَلٍ أو غََبَرٍ إلا وهو شاهِدٌ على وحدانيته ، دالٌّ على ربوبيته .","part":4,"page":287},{"id":1788,"text":"وجُبِلَ الإنسانُ على أنه إذا أصابته نقمةٌ ، أو مَسَّتْه محنة فَزْعَ إلى الله لاستدفاعها ، وقد يُعْتَقَدُ أنهم لن يعودوا بعدها إلى ما ليس فيه رضاء الله ، فإذا أزال اللَّهُ تلك النقمة وكَشَفَ تلك المحنة عادوا إلى ما عنه تابوا ، كأنهم لم يكونوا في ضُرِّ مَسَّهم ، وفي معناه أنشدوا :\rفكم قد جهلتم ثم عُدْنا بِحِلْمِنا ... أحباءَنا كم تجهلون! وَتَحْلمُ!","part":4,"page":288},{"id":1789,"text":"الخوفُ ترقُّبُ العقوبات مع مجاري الأنفاس - كذلك قال الشيوخ . وأعرفُهم بالله أخوفُهم من الله . وصنوفُ العذابِ كثيرة؛ فكم من مسرورٍ أَوَّل ليْلهِ أصبح في شِدَّة! وكم من مهموم بات يتقلب على فراشه أصبح وقد جاءته البشرى بكمال النِّعم! وفي معناه قالوا : إِن من خاف البيان لا يأخذه السُّبات . ووصفوا أهل المعرفة فقالوا :\rمستوفزون على رِجْلٍ كأنهمو ... يريدون أن يمضوا ويرتحلوا","part":4,"page":289},{"id":1790,"text":"المراد من قوله : { بَنِى ءَادَمَ } هنا المؤمنون لأنه قال في صفة الكفار : { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِّن مُّكْرِمٍ } [ الحج : 18 ] والتكريم التكثير من الإكرام ، فإذا حَرَمَ الكافرَ الإكرامَ . . . فمتى يكون له التكريم؟\rويقال إنما قال : { كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ } ولم يقل المؤمنين أو العابدين أو أصحاب الاجتهاد توضيحاً بأن التكريم لا يكون مقابلَ فِعْلِ ، أو مُعَلَّلاً بِعِلةٍ ، أو مُسَبّباً باستحقاقٍ يوجب ذلك التكريم .\rومن التكريم أ ، هم متى شاءوا وقفوا معه على بساط المناجاة .\rومن التكريم أنه على أي وصف كان من الطهارة وغيرها إذا أراد أن يخاطبه خَاطَبَه ، وإذا أراد أن يسأل شيئاً سأله .\rومن التكريم أنه إذا تاب ثم نقض توبته ثم تاب يقبل توبته ، فلو تكرر منه جُرْمُه ثم توبته يضاعف له قبولَه التوبة وعفوَه .\rومن التكريم أنه إذا شَرَعَ في التوبة أَخَذَ بيده ، وإذا قال : لا أعود - يقبل قولَه وإِنْ عَلِمَ أنه ينقض توبته .\rومن التكريم أنه زَيَّنَ ظاهرَهم بتوفيق المجاهدة ، وحَسَّنَ باطنَهم بتحقيق المشاهدة .\rومن التكريم أنه أعطاهم قبل سؤالهم ، وغفر لهم قبل استغفارهم ، كذا في الأثر : « أعطيكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني » .\rومن تكريم جملتهم أنه قال لهم : { فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] ولم يقل ذلك للملائكة ولا للجن .\rوكما خَصّ بني آدم بالتكريم خصَّ أمة محمد - A - منهم بتكريم مخصوص ، فمن ذلك قوله تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة : 54 ] و { رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [ المائدة : 119 ] وقوله { وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } [ البقرة : 165 ] .\rومن التكريم قوله :\r{ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } [ النساء : 110 ]\rومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه .\rومن التكريم لقوم توفيقُ صِدْق القَدَم ، ولقوم تحقيقُ علوِّ الهِمَم . قوله : { وَحَمَلْنَاهُمْ فِى البَّرِ وَالبَحْرِ } : سَّخر البحر لهم حتى ركبوا في السفن ، وسَّخر البرَّ لهم حتى قال : { لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } [ فصلت : 37 ] .\rويقال محمولُ الكرامِ لا يقع ، فإنْ وَقَعَ وَجَدَ مَنْ يأخذ بيده .\rويقال الإشارة في حملهم في البرِّ ما أوصل إليهم جهراً ، والإشارة بحديث البحر . ما أفردهم به من لطائف الأحوال سِرَّا .\rويقال لمّا حَمَلَ بنو آدم الأمانة حملناهم في البر ، فَحَمْلٌ هو جزاءُ حَمْلٍ ، حَمْلٌ هو فِعْلُ مَنْ لم يكن وحَمْلٌ هو فَضْلُ من لم يَزَل .\rقوله : { وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِيَاتِ } : الرزق الطيب ما كان على ذكر الرازق؛ فَمَنْ لم يكن غائباً بقلبه ولا غافلاً عن ربَّه استطاب كُلَّ رزقٍ ، وأنشدوا :\rيا عاشقي إني سَعِدْتُ شراباً ... لو كان حتى علقماً أو صابا\rقوله : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلْقْنَا تَفْضِيلاً } : أي الذين فضلناهم على خلقِ كثير ، وليس يريد أن قوماً بقوا لم يفضلهم عليهم ، ولكن المعنى أنا فضلناهم على كلِّ مَنْ خَلَقْنا ، وذلك التفضيل في الخِلْقة . ثم فَاضَلَ بين بني آدم في شيء آخر هو الخُلق الحسن ، فَجَمَعهم في الخُلقة - التي يفضلون بها سائر المخلوقات- ومَايَزَ بينهم في الخُلق .\rويقال : { كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ } : هذا للفظ للعموم ، والمراد منه الخصوص ، وهم المؤمنون ، وبذلك يفضل قومٌ على الباقين ، ففَضَّل أولياءَه على كثير ممن لم يبلغوا استحقاقَ الولاية .\rويقال فضَّلهم بألاَّ ينظروا إلى نفوسهم بعين الاستقرار ، وأن ينظروا إلى أعمالهم بعين الاستصغار .","part":4,"page":290},{"id":1791,"text":"إمامُ كلِّ أحدٍ مَنْ يَقْتَدِي به ، ولكن . . . مِنْ إمامٍ يهتدي به مُقْتَدِيه ، وما إمام يتردَّى به مقتديه .\r{ فَمَنْ أُوتَىَ كِتَابَهُ بِيَمِنِهِ فَأَوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ } : لكمالِ صحوهم وقيادة عقلهم ، والذين لا يؤتون كتابهم بيمينهم فهم لخوفِهم وتَرَدّدِهم لا يقرأون كتابهم .","part":4,"page":291},{"id":1792,"text":"في الآخرة أعمى عن معاينته ببصيرته . في الآخرة عذابُه الفُرقة وتضاف إليها الحُرْقَة- لهذا فهو { وَأَضَلُّ سَبِيلاً } .","part":4,"page":292},{"id":1793,"text":"ضربنا عليك سرادقاتِ العصمة ، وآويناكَ في كنف الرعاية ، وحفظناك عن خطر اتباعك هواك ، فالزَّلَّةُ منك محال ، والافتراءُ في نعتك لايجوز . . . ولو جَنَحْتَ لحظةً إلى الخلاف لَتَضَاعَفَتْ عليكَ تشديداتُ البلاء ، لكمالِ قَدْرِك وعُلُوِّ شأنك؛ فإنَّ مَنْ كان أعلى درجةً فَذَنْبُه - لو حصل - أشدُّ تأثيراً .","part":4,"page":293},{"id":1794,"text":"لو وكلناكَ ونَْفسَكَ ، ورفعنا عنك ظِلَّ العصمة لأَلَمَمْتَ بشيءٍ مما لا يجوز من مخالفة أمرنا ، ولكننا أفردناكَ بالحفظ ، فلا تتقاصر عنكَ آثارُه ، ولا تَغْرُبُ عن ساحتك أنوارُه .\rقوله : { إِذاً لأَذَقْنَاكَ . . . } الآية هبوطُ الأكابر على حسب صغودهم ، ومِحَنُ الأَحِبَّةِ وإِنْ قَلَّتْ جَلَّتْ ، وفي معناه أنشدوا :\rأنت عيني وليس من حقِّ عيني ... غضٌّ أجفانها على الإقذاء","part":4,"page":294},{"id":1795,"text":"مَنْ ظنَّ أنه يستمتع بحياته بعد مضيّ الأَعِزَّة والأكابر غَلِطَ في حسابه ، وإن الحسودَ لا يسود :\rوفي تعبٍ مَنْ يَحْسُدُ الشمسَ ضوءَها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب\rوالأرض كلها مِلْكٌ لنا ، ونُقَلِّب أولياءَنا في ترددهم في البلاد وتطوافهم في الأقطار ، ترداً على بساطنا ، وتقلباً في ديارنا؛ فالبقاع لهم سواء ، وأنشدوا :\rفَسِرْ أو أَقِمْ وَقْفٌ عليكَ محبتي ... مكانُكَ من قلبي عليك مصونُ .","part":4,"page":295},{"id":1796,"text":"الحقُّ أمضى سُنَّتَه مع الأولياء بالإنعام ، ومع أعدائه بالإدغام ، فلا لهذه أو\rهذه تحويل .","part":4,"page":296},{"id":1797,"text":"الصلاةُ قَرْعُ باب الرزق . والصلاةُ الوقوفُ في محل المناجاة .\rوالصلاةُ اعتكافُ القلبِ في مشاهد التقدير .\rويقال هي الوقوف على بساط النجوى . وفَرَّقَ أوقات الصلاة ليكون للعبد عَوْدٌ إلى البساط في اليوم والليلة مراتٍ .\r{ إِنَّ قُرْءَانَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } : تشهده ملائكة الليل والنهار- على لسان العلم . وأَمَّا على لسان القوم فإن قرآن الصبح- الذي هو وقت إتيانه - يُبْعِدُ منَ النومِ وكَسَلِ النفس فله هذه المزية .","part":4,"page":297},{"id":1798,"text":"الليل لأحدِ أقوام : لطالبي النجاة وهم العاصون مَنْ جَنَح منهم إلى التوبة ، أو لأصحاب الدرجات وهم الذين يَجِدُّون في الطاعات ، ويسارعون في الخيرات ، أو لأصحاب المناجاة مع المحبوب عندما يكون الناس فيما هم فيه من الغفلة والغيبة .\rويقال الليل لأحد رجلين : للمطيع والعاصي : هذا في احتيال أعماله ، وهذا في اعتذاره عن قبيح أفعاله .\rوالمقام المحمود هو المخاطبة في حال الشهود ، ويقال الشهود .\rويقال هو الشفاعة لأهل الكبائر . ويقال هو انفراده يوم القيامة بما خُصَّ به - A - بما لا يشاركه فيه أحد .","part":4,"page":298},{"id":1799,"text":"أي أدخلني إدخالَ صدقٍ وأَخرجني إخراجَ صدقٍ . والصدق أن يكون دخولُه في الأشياء بالله لله لا لغيره ، وخروجه عن الأشياء بالله A لا لغيره .\r{ وَاجْعَل لِىّ مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً } : فلا ألاحظ دخولي ولا خروجي .","part":4,"page":299},{"id":1800,"text":"أرد بالحقِّ ها هنا الإسلام والدين ، وأراد بالباطل الكفر والشِّرْك ، والحقُّ المطلق هو الموجود الحق ، والحق المقيد ما كان حسناً في الاعتقاد والفعل والنطق ، والباطل نقيض الحق . واللَّهُ حقٌّ : على معنى أنه موجود وأنه ذو الحق وأنه مُحِقُّ الحق .\rويقال الحقُّ ماكان لله ، والباطل ما كان لغير الله .\rويقال الحقُّ من الخواطر ما دعا إلى الله ، والباطلُ ما دعا إلى غير الله .","part":4,"page":300},{"id":1801,"text":"القرآن شفاءٌ من داء الجهل للعلماء ، وشفاءٌ من داء الشِّرْكِ للمؤمنين ، وشفاءٌ من داء النكرة للعارفين ، وشفاء من لواعج الشوق للمحبين ، وشفاء من داء الشطط للمريدين والقاصدين ، وأنشدوا :\rوكُتْبُكَ حَوْلِي لا تفارق مضجعي ... وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ\rقوله : { وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً } : الخطاب خطابٌ واحد ، الكتابُ كتابٌ واحد ، ولكنه لقوم رحمةٌ وشفاء ، ولقوم سخطٌ وشقاء ، قومٌ أنار بصائرهم بنور التوحيد فهو لهم شفاء ، وقوم أغشي على بصائرهم بستر الجحود فهو لهم شقاء .","part":4,"page":301},{"id":1802,"text":"إذا نزعنا عنه موجباتِ الخوفِ ، وأرخينا له حَبْلَ الإمهال ، وهَيَّأْ له أسبابَ الرفاهية اعترته مغاليطُ النسيانِ ، واستولت عليه دواعي العصيان ، فأعرض عن الشكر ، وتباعد عن بساط الوفاق .\rويقال إعراضُه في هذا الموضوع نسيانُه ، ورؤية الفضل منه لا من الحقِّ ، وتوهمه أنَّ ما به من النِّعم فباستحقاق طاعةٍ أخلصها أو شدةٍ قاساها . . وهذا في التحقيقق شِرْكٌ .","part":4,"page":302},{"id":1803,"text":"كُلٌّ يترشح بمُودَع باطنه ، فالأَسِرَّةُ تدل على السريرة ، وما تُكِنُّه الضمائرُ يلوح على السرائر ، فَمَنْ صفا مِنَ الكدورة جوهرهُ لا يفوح منه إلا نَشْرُ مناقبه ، ومنْ طبِعَتْ على الكدورِة طينتُه فلا يشمُّ مَنْ يحوم حوله إلا ريحَ مثالبه .\rويقال حركات الظواهر تدُلُّ وتُخْبِرُ عن بواطنِ السرائر .\rويقال حَبُّ ( . . . ) لا يُنْبِتُ غضَّ العود .\rويقال من عُجِنَتْ بماء الشِّقْوةِ طينتُه ، وطُبِعَتْ على النَكرَةِ جِبِلَّتُه لا تسمح بالتوحيد قريحتُه ، ولا تنطِقُ بالتوحيد عبارتُه .","part":4,"page":303},{"id":1804,"text":"أرادوا أن يجادلوه ويُغَلِّطُوه فَأَمَرَه أن ينطق بلفظٍ يُفْصِحُ عن أقسام الروح؛ لأَنَّ ما يُطْلَقُ عليه لفظُ { الرُّوحِ } يدخل تحت قوله تعالى :\r{ قل الرُّوحُ مِنْ أَمرِ رَبّىَ } .\rويقال إن روح العبد لطيفة أودعها الله سبحانه في القالب ، وجعلها محل الأحوال اللطيفة والأخلاق المحمودة ، ( وكما يصح أن يكون البَصَرُ محلَّ الرؤية والأذنُ محلَّ السمع . . إلى آخره ، والبصير والسامع إنما هو الجملة - وهو الإنسان- فكذلك محل الأوصاف الحميدة الروح ، ومحل الأوصاف المذمومة النَّفْس ، والحكُم أو الاسمُ راجعٌ إلى الجملة ) .\rوفي الجملة الروح مخلوقة ، والحق أجرى العادة بأنيخلق الحياة للعبد ما دام الروح في جسده .\rوالروح لطيفة تقررت للكافة طهارتها ولطافتها ، وهي مخلوقة قبل الأجساد بألوفٍ من السنين . وقيل إنه أدركها التكليف ، وإن لها صفاء التسبيح ، وصفاء المواصلات ، والتعريف من الحق .\r{ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } : لأن أحداً لم يشاهد الروح ببصره .","part":4,"page":304},{"id":1805,"text":"سُنَّةُ الحقِّ- سبحانه - مع أحبائه وخواص عباده أن يُدِيمُ لهم افتقارهم إليه ، ليكونوا في جميع الأحوال مُنْقادين لجريانِ حُكْمِه ، وألا يتحركَ فيهم عِرقٌ بخلافِ اختياره ، وعلى هذه الجملة خاطب حبيبَه- صلوات الله عليه - بقوله : { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } : فمن كان استقلاله بالله يقدِّم مرادَ سيده - في العزل والولاية - على مراد نفسه .","part":4,"page":305},{"id":1806,"text":"والمقصودُ من هذا إدامةُ تَفَرُّدِ سِرَّهِ A به - سبحانه - دونَ غيره .","part":4,"page":306},{"id":1807,"text":"سائر الأنبياء معجزاتُهم باقيةٌ حُكْماً ، ونبيُّنا - A - معجزته باقيةٌ عيناً ، وهي القرآن الذي نتلوه ، والذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا مِنْ خَلْفِه .","part":4,"page":307},{"id":1808,"text":"لا شيءَ أَحْظَى عند الأحباب من كتاب الأحباب ، فهو شفاء من داء الضنى ، وضياء لأسرارهم عند اشتداد البَلاَ ، وفي معناه أنشدوا :\rوكتبك حولي لا تفارق مضجعي ... وفيها شفاء للذي أنا كاتم","part":4,"page":308},{"id":1809,"text":"اقترحوا الآيات تعد إزاحة العِلَة وزوالِ الحاجة ، فَرَكَضُوا في مضمارِ سوءِ الأدب ، وحُرِموا الوُصْلة والقُربة . ولو أُجِيبوا إلى ما طلبوا ما ازدادوا إلا جُحْدَاً ونَكرَةٌ ، وقد قيل :\rإنَّ الكريمَ إذا حباك بودِّه ... سَتَرَ القبيحَ وأظهر الإحسانا\rوكذا الملولُ إذا أراد قطيعةً ... مَلَّ الوصال وقال كان وكانا\r{ قُلْ سُبْحَانَ رَبّىِ هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً } : قل يا محمد : سبحان ربي! مِنْ أين لي الإتيان بما سألتم من جهتي؟ فهل وَصْفِي إلا العبودية؟ وهل أنا إلا بَشَر؟ قال تعالى : { لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ } [ النساء : 172 ] .","part":4,"page":309},{"id":1810,"text":"تعجَّبوا مما ليس بمحلِّ شُبهة ، ولكن حَمَلَهم على ذلك فَرْطُ جَهْلِهم ، ثم أصَرُّوا على تكذيبهِم وجحدهم .","part":4,"page":310},{"id":1811,"text":"الجنسُ إلى الجنسِ أميلُ ، والشكلُ بالشكلِ آنَسُ ، فقال سبحانه لو كان سكانُ\rالأرضِ ملائكةُ لَجَعَلْنا الرسولَ إليهم مَلَكاً ، فلمَّا كانوا بَشَرَاً فلا ينبغي أن يُسْتَبَعدَ إرسالُ\rالبشرِ إلى البشرِ .","part":4,"page":311},{"id":1812,"text":"الحقُّ - سبحانه - هو الحاكم وهو الشاهد ، ولا يُقَاسُ حُكْمَه على حُكْم الخَلْق ، ولا يجوز في صفةِ المخلوقِ أَن يكونَ الحاكمُ هو الشاهد ، فكما لا تشبه ذاته ذات الخَلْقِ لا تشبه صفتُه صفةَ الخَلْق .","part":4,"page":312},{"id":1813,"text":"مَنْ أراده بالسعادةِ في آزاله استخلصه في آباده بأفضاله ، ومَنْ عَلِمَه في الأزل بالشقاء وَسمَه وفي أيده بِسِمةِ الأعداء . فلا لِحُكْمِه تحويل ، ولا لِقَوْلِهِ تبديل .","part":4,"page":313},{"id":1814,"text":"لمَّا أَصَرُّوا على تكذبيهم جازاهم الحقُّ بإدامة تعذيبهم ، ولو ساعدهم التوفيقُ لَوُجِدَ منهم التحقيق ، لكنهم عَدِمُوا التأييد فحُرِموا التوحيد .","part":4,"page":314},{"id":1815,"text":"مَهَّدَ بهذه الآية طريق إثبات القياس ، فلم يغادر في الكتاب شيئاً من أحكام الدَّين لم يؤيده بالدليل والبيان ، فَعَلِمَ الكُلُّ أن الركونَ إلى التقليد عينُ الخطأ والضلال .","part":4,"page":315},{"id":1816,"text":"إذ البُخْلُ غريزةُ الإنسان ، والشحُّ سجيته [ ( . . . . ) المعروف لا يعرف الخلقة ] .","part":4,"page":316},{"id":1817,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ } هي أمارات كرامته وعلامات محبته .\rقوله جلّ ذكره { فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّى لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلآءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ بَصآئِرَ وإني لأَظُّنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً } .\rأنت - يا فرعون - سلكتَ طريق الاستدلال فَعِلمْتَ أن مثل هذه الأشياء لا يكون أمرها إلا منْ قِبَلِ الله ، ولكنَّكََ رَكَنْتَ إلى الغفلةِ في ظلمات الجهل .","part":4,"page":317},{"id":1818,"text":"أراد فرعونْ إهلاكَ بني إسرائيل واستئصالهم ، وأراد الحقُّ - سبحانه - نصرتهم وبقاءهم ، فكان ما أراد الحقُّ لا ما كاد اللعين .","part":4,"page":318},{"id":1819,"text":"أورثهم منازلَ أعدائهم ، ومكَّنهم من ذخائرهم ومساكنهم ، واستوصى بهم شُكرَ نعمته ، وعرَّفَهم أنهم إِنْ سلكوا في العصيان مَسْلَكَ مَنْ تَقَدَّمَهم ذاقوا من العقوبة مثلَ عقوبتهم .","part":4,"page":319},{"id":1820,"text":"القرآن حقٌ ، ونزوله بحق ، ومُنَزِّلهُ حق ، والمُنَزَّلُ عليه حق ، فالقرآن بحقِّ أنزل ومِنْ حقِِّ نزل وعلى حقِّ نزل . وقد فَرَّق القرآنَ القرآنَ لِيُهَوِّنَ عيه - صلوات الله عليه - حِفَْظَه ، وليكثر تردد الرسول من ربِّه عليه ، وليكون نزوله في كل وقت وفي كل حادثة وواقعة دليلاً على أنه ليس مما أعان عليه غيره .","part":4,"page":320},{"id":1821,"text":"إنْ آمنتم حَصَلَ النفعُ لكم ، وإنْ جَحَدْتُم ففي إيمان مَنْ آمن مِنْ أوليائنا عنكم خَلَفٌ ، وإنَّ الضَّرَرَ عائدٌ عليكم .\rوإنَّ مَنْ أَضأْنَا عليهم شموس إقبالنا لتُشْرِقُ أنوار معارفهم؛ فإذا تُليت عليهم آياتُنا سَجَدُوا بَدَل جحْدِهم ، واستجابوا بدل تمردهم ، وقابلوا بالتصديق ما يقال لهم .","part":4,"page":321},{"id":1822,"text":"تأثيره في قلوب قوم يختلف؛ فتأثير السماع في قلوب العلماء بالتبصُّر ، وتأثير السماع في أنوار الموحِّدين بالتحير؛ تبصُّر العلماء بصحة الاستدلال ، وتحيُّر الموحدين في شهود الجمال والجلال .\rوبكاء كل واحدٍ على حسب حاله : فالتائب يبكي لخوف عقوبته لما أَسْلَفَهُ من زَلَّته وحَوْبته ، والمطيعُ يبكي لتقصيره في طاعته ، ولكيلا يفوته ما يأمله من مِنَّتِه .\rوقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم .\rوآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين . وآخرون يبكون تحسراً على مايفوتهم من الحق .\rوالبكاء عند الأكابر معلول ، وهو في الجملة يدل على ضعف حال الرجل ، وفي معناه أنشدوا :\rخُلِقْنا رجالاً للتجلدِ والأَسَى ... وتلك الغواني للبُكا والمآتِم","part":4,"page":322},{"id":1823,"text":"قوله جلّ ذكره : { قلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيّاًمَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ } .\rمِنْ عظيم نعمته - سبحانه - على أوليائه تَنَزُّهُهم بأسرارهم في رِياض ذِكْرِه بتعداد أسمائه الحسنى من روضة إلى روضة ، ومن مَأَنَسٍ إلى مأنس .\rويقال الأغنياءُ ترددهم في بساتينهم ، والأولياءُ تنزههم في مشاهد تسبيحهم ، يستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً } .\rلا تجهر بجميعها ، ولا تخافت بكُلِّها ، وارفع صوتك في بعضها دون بعض .\rويقال ولا تجهر بها جهراً يَسْمَعهُ الأعداءُ ، ولا تخافت بها حيث لا يسمع الأولياء .\r{ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً } : يكون للأحباب مسموعاً ، وعن الأجانب ممنوعاً .\rويقال : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ } : بالنهار ، { وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } : بالليل .","part":4,"page":323},{"id":1824,"text":"احْمَدْه بذكر تقدسه عن الولد ، وأنه لا شريك له؛ ولا ولي له من الذل؛ إما على أنه لم يَذَلَّ فيحتاج إلى ولي ، أو على أنه لم يوالِ أحداً من أجل مذلة به فيدفعها بموالاته . ويقال اشكره على نعمته العظيمة حيث عرَّفك بذلك .\rويقال له الأولياءُ ولكن لا يعتريهم بِذُلِّهم ، إذ يصيرون بعبادته أَعِزَّةً .\r{ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } بأَنْ تَعْلَمَ أَنَّك تصل إليه به لا بتكبيرك .","part":4,"page":324},{"id":1825,"text":"إذ حُمِلَ { الحَمْدُ } هنا على معنى الشكر فإنزالُ الكتابِ من أَجَلِّ نِعَمِهِ ، وكتابُ الحبيب لدى الحبيب أجلُّ مَوْقِع وأشرفُ محلِّ ، وهو من كمال إنعامه عليه ، وإن سمَّاه - عليه السلام - عَبْدَه فهو من جلائل نَعمه عليه لأَنَّ من سمَّاه عَبْدَهَ جَعَلَه من جملة خواصِّه .\rوإذا حُمِلَ { الحَمْدُ } في هذه الآية على معنى المدح كان الأمر فيه بمعنى الثناء عليه - سبحانه ، بأنَّه الملِكُ الذي له الأمرُ والنهيُ والحكمُ بما يريد ، وأنه أعدَّ الأحكامَ التي في هذا الكتاب للعبيد ، وسمَّاه A عبدَه لمَّا كان فانياً عن حظوظه ، خالصاً لله بقيامه بحقوقه .","part":4,"page":325},{"id":1826,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } .\r{ قَيِّماً } : أي صانه عن التعارض والتناقض ، فهو كتابٌ عزيزٌ من ربِّ عزيز .\r« واليأس الشديد » : مُعَجَّلُه الفراق ، ومؤجَّلُه الاحتراق .\rويقال هو البقاء عن الله تعالى ، والابتلاء بغضب الله .\rومعنى الآية لينذرهم ببأس شديد .\rقوله جلّ ذكره : { وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً } .\rوالعملُ الصالحُ ما يصلح للقبول ، وهو ما يُؤدَّى على الوجه الذي أُمِرَ به . ويقال العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص ، وصاحبُه صادقٌ فيه .\rويقال هو الذي يستعجل عليه صاحبه حَظَّاً في الدنيا مِنْ أَخذ عِوَضٍ ، أو قَبُولِ جاهٍ ، أو انعقادِ رِياسة . . . وما في هذا المعنى .\rوحصلت البشارةُ بأَنَّ لهم أجراً حسناً ، والأجرُ الحَسَنُ ما لا يجري مع صاحبه استقصاءُ في العمل .\rويقال الأجر الحَسَنُ ما يزيد على مقدار العمل .\rويقال الأجر الحَسَنُ ما لا يُذَكِّر صاحبَه تقصيرَه ، ويستر عنه عيوبَ عمله .","part":4,"page":326},{"id":1827,"text":"البشارة منه أَنَّ تلك النِّعم على الدوام غير منقطعة ، وأعظم من البشارة بها قوله :","part":4,"page":327},{"id":1828,"text":"قالتهُم القبيحةُ نتيجةُ جَهْلِهم بوحدانيةِ الله ، ولقد توارثوا ذلك الجهلَ عن أسلافهم؛ والحيَّةُ لا تَلِدُ حَيَّةَ!\rكُبَرتْ كلمتُهم في الإثم لمَّا خَصَّت في المعنى . ومَنْ نطق بما لم يحصل له به إذنٌ لَحِقَه هذا الوصف . ومَنْ تكلَّمَ في هذا الشأن قبل أوانه فقد دخل في غمار هؤلاء .","part":4,"page":328},{"id":1829,"text":"مِنْ فَرْطِ شفقته - A - داخَلَه الحزنُ لامتناعهم عن الإيمان ، فهوَّن الله - سبحانه - عليه الحالَ ، بما يشبه العتابَ في الظاهر؛ كأنه قال له : لِِمَ كل هذا؟ ليس في امتناعهم - في عَدِّنا - أثر ، ولا في الدِّين من ذلك ضرر . . فلا عليكَ من ذلك .\rويقال أشهده جريانَ التقدير ، وعَرَّفَه أنه - وإنْ كان كُفْرِهم منْهِيَّاً عنه في الشرع- فهو في الحقيقة مُرَادُ الحق .","part":4,"page":329},{"id":1830,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا } .\rما علىلأرض زينة لها تُدْرَكُ بالأبصار ، وممن على الأرض من هو زينة لها يُعْرَفُ بالأسرار . وإنَّ قيمةَ الأوطانِ لقُطَّانها ، وزينة المساكن في سُكَّانها .\rويقال العُبَّاد بهم زينة الدنيا ، وأهلُ المعرفة بهم زينة الجنة .\rويقال الأولياءُ زينةُ الأرض وهم أَمانُ مَنْ في الأرض .\rويقال إذا تلألأت أنوار التوحيد في أسرار المرحدين أشرقت جميع الآفاق بضيائهم .\rقوله جلّ ذكره : { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } .\rأحسنهم عملاً أصدقهم نِيَّة ، وأخلصهم طوية .\rويقال أحسنهم عملاً أكثرهم احتساباً؛ إذ لا ثوابَ لمن لا حسبة له ، أعلى من هذا بل وأَوْلى من هذا فأحسنهم عملاً أشدُّهم استصغاراً لفعله ، وأكثرهم استحقاراً لطاعته؛ لشجة رؤيته لتقصير فيما يعمله ، ولانتقاصه أفعاله في جنب ما يستوجبه الحقُّ بحقِّ أمره .\rويقال أحسنُ أعمال المرءِ نَظَرُه إلى أعماله بعين الاستحقار والاستصغار ، لقول الشاعر :\rوأكبرهُ من فِعْله وأعظمُه ... تصغيرُه فِعْلَه الذي فَعَله .\rمعناه : أكبرُ مِنْ فعلِه- الذي هو عطاؤه وبَذْلُه - تقليلُه واستصغارُه لِمَا يُعْطِيه ويجود به .","part":4,"page":330},{"id":1831,"text":"كَوْنُ ما على الأرض زينةً لها في الحال سُلِبَ قَدْرُه بما أخبر أنه سيُفْنِيهِ في المآل .","part":4,"page":331},{"id":1832,"text":"أزال الأعجوبةَ عن أوصافهم بما أضافه إلى ربِّه بقوله : { مِنْ ءَايَآتِنَا } ؛ فَقَلْبُ العادةِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ولا مُبْتَدَعٍ .\rويقال مكثوا في الكهف مدةً فأضافهم إلى مُسْتَقَرِّهم فقال : { أَصْحَابَ الكَهْفِ } ، وللنفوس مَحَالٌ ، وللقلوب مَقَارٌّ ، وللهمم مَجَال ، وحيثما يعتكف يُطْلَبُ أبداً صاحبه .\rويقال الإشارة فيه ألا تَتَعَجَّبَ من قصتهم؛ فحالُكَ أعجبُ في ذهابك إلينا في شطر من الليل حتى قاب قوسين أو أدنى ، وهم قد بقوا في الكهف سنين .","part":4,"page":332},{"id":1833,"text":"آواهم إلى الكهف بظاهرهم ، وفي الباطن فهو مُقِيلُهم في ظلِّ إقباله وعنايته ، ثم أخذهم عنهم ، وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال وهم غائبون عن شواهدهم .\rوأخبر عن ابتداء أمرهم بقوله . { رَبَّنَا ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيْىءْ لَنَا مِنْ أمْرِنَا رَشَداً } : أي أنهم أَخّذُوا في التبرِّي مِنْ حَوْلِهم وقُوَّتِهم ، ورجعوا إلى الله بِصِدْق فَافَتِهم ، فاستجاب لهم دعوتَهم ، ودفع عنهم ضرورتَهم ، وبَوَّأَهم في كنف الإيواء مقيلاً حسناً .","part":4,"page":333},{"id":1834,"text":"أخذناهم عن إحساسهم بأنفسهم ، واختطفناهم عن شواهدهم بما استغرقناهم فيه من حقائقِ ما كاشفناهم به من شهود الاحدية ، وأطلعناهم عليه من دوام نعت الصمدية .","part":4,"page":334},{"id":1835,"text":"أي رددناهم إلى حال صحوهم وأوصاف تمييزهم ، وأقمناهم بشواهد التفرقة بعد ما محوناهم عن شواهدهم بما أقمناهم بوصف الجمع .","part":4,"page":335},{"id":1836,"text":"قوله جلّ ذكره : { نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ } .\rلمَّا كانوا مأخوذين عنهم تولَّى الحق - سبحانه - أَنْ قصَّ عنهم ، وفَرْقٌ بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصاً؛ لبقائه في شاهده وكونه غيرَ منتفٍ بجملته . . وبين من كان موصوفاً بواسطة غيره؛ لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه .\rويقال لا تُسَمعُ قصةُ الأحباب أعلى وأَجَلّ مما تُسْمعُ من الأحباب ، قال عزَّ من قائل : { نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ } ، وأنشدوا :\rوحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتني ... حنيناً فَزِدْني من حديثكَ يا سعدُ\rقوله : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ } : يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا- على الوهلة - بربِّهم ، آمنوا من غير مهلة ، لمَّا أتتهم دواعي الوصلة .\rويقال فتية لأنهم قاموا لله ، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله .\rقوله جلّ ذكره : { وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُُوبِهِمْ } .\rلاَطفهم بإحضارهم ، ثم كاشفهم في أسرارهم ، بما زاد من أنوارهم ، فلقَّاهم أولاً التبيين ، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين .\r{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بزيادة اليقين حتى متع نهار معارفهم ، واستضاءت شموسُ تقديرهم ، ولم يَبْقَ للتردد مجالٌ في خواطرهم ، و ( . . . ) في التجريد أسرارهم ، وتَمَّتْ سكينةُ قلوبهم .\rويقال : { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بأن أفنيناهم عن الأغيار ، وأغنيناهم عن التفكُّر بما أوليناهم من أنوار التبصُّر .\rويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكَنَّا فيها من شواهِدِ الغيب ، فلم تسنح فيها هواجسُ التخمين ولا وساوس الشياطين .\rقوله جلّ ذكره : { إِذْ قَامُوا فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } .\rقاموا لله بالله ، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عمَّا سوى الله .\rويقال من قام لله لم يقعد حتى يصلَ إلى الله .\rويقال قعدت عنهم الشهوات فَصَحَّ قيامُهم بالله .\rقوله جلّ ذكره : { لَن نَّدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطَاً } .\rمَنْ أحال الشيءَ على الحوادث فقد أشرك بالله ، ومَنْ قال إِنَّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلهاً مِنْ دون الله .","part":4,"page":336},{"id":1837,"text":"لمَّا لم يكن لهم حجة اتضح فيما ادعوه كذبُهم ، فمن اكتفى بِنَفْي القالة دون ما يشهد لقوله من أدلته فهو معلول في نحلته .\r{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً } ؟ فمن ذَكَرَ في الدِّين قولاً لم يؤيَّد ببرهان عقلي أو نقلْي فهو مفترٍ ، ومَنْ أظهر مِنْ نَفْسه حالاً لم يوجبه صدق مجاهدته أو منازلته فهو على الله مُفْتَرِ . والذي يصدق في قوله - في هذه الطريقة - فهو الذي يسمع من الحق بسرِّه ، ثم ينطق بلفظه .","part":4,"page":337},{"id":1838,"text":"العزلةُ عن غير الله توجِبُ الوصلة بالله . بل لا تحصل الوصلةُ بالله إلا بعد العُزْلَةِ عن غير الله .\rويقال لما اعتزلوا ما عَبِدَ من دون الله آواهم الحقُّ إلى كنف رعايته ، ومهد لهم مثوىً في كهف عنايته .\rويقال مَنْ تبرَّأ مِنَ اختياره في احتياله ، وصَدَقَ رجوعه إلى الله في أحواله ، ولم يستَعِنْ - بغير الله - من أشكاله وأمثاله آواه إلى كَنَفِ أفضاله ، وكفاه جميعَ أشغاله ، وهَّيأ له مَحَلاً يتفيؤ فيه بَرْدِ ظِلالِه ، بكمالِ إقباله .","part":4,"page":338},{"id":1839,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَتَرىَ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ } .\rكانوا في ُتَّسَعٍ من الكهف ، ولكن كان شعاعُ الشمس لا ينبسط عليهم مع هبوب الرياح عليهم .\rويقال أنوار الشمس تتقاصر وتتصاغر بالإضافة إلى أنوارهم .\rإن نورَ الشمس ضياءُ يستضيءُ به الخَلْقُ ، ونور معارفهم أنوار يُعْرَف بها الحق ، فهذا نور يظهر في الصورة ، وهذا نور يلوح في السريرة . وبنور الشمس يدرك الخلْق وبنورهم كانوا يعرفون الحق .\rوفي قوله - عَزَّ اسمه : { ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ } فيه دلالة على أن في الأمر شيئاً بخلاف العادة ، فيكون من جملة كرامات الأولياء؛ ويحتمل أن يكون شعاعُ الشمسِ إذا انتهى إليهم ازورَّ عنهم ، ومضى دونَهم بخلاف ما يقول أصحاب الهبة ، ليكونَ فعلاً ناقضاً للعادة فلا يبعد أن يقال إن نور الشمس يُسْتَهْلَكُ في النور الذي عليهم .\rقوله جلّ ذكره : { مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } .\rفاللَّه يهْدِي قوماً بالأدلةِ والبراهين ، وقوماً بكشف اليقين؛ فمعارفُ الأولين قضية الاستدلال ، ومعارف الآخرين حقيقة الوصال ، فهؤلاء مع برهان ، وهؤلاء على بيان كأنهم أصحاب عيان :\r{ وَمَن يُضْلِلِِ اللَّهُ } : أي مَنْ وَسَمه بِسِمَةِ الحرمان فلا عرفانَ ولا علمَ ولا إيمان .","part":4,"page":339},{"id":1840,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } .\rهم مسلوبون عنهم ، مُخْتَطَفُون منهم ، مُستَهلَكون فيما كوشِفوا به من وجود الحق؛ فظاهرهم - في رأي الخَلْق - أنهم بأنفسهم ، وفي التحقيق : القائمُ عنهم غيرُهم . وهم محوٌ فيما كوشفوا به من الحقائق .\rثم قال : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } : وهذا إخبارٌ عن حُسْنِ إيوائه لهم؛ فلا كشفقةِ الأمهات بل أتم ، ولا كرحمة الآباء بل أعزُّ . . . وبالله التوفيق .\rويقال إن أهلَ التوحيد صفتهم ما قال الحقُّ - سبحانه - في صفة أصحاب الكهف : { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ } فَهُمْ بشواهد الفَرْقِ في ظاهرهم ، لكنهم بعين الجمع بما كُوشِفوا به في سرائرهم ، يُجْرِي عليهم أحوالِهم وهم غير متكلِّفين ، بل هم يثبتون - وهم خمودٌ عما هم به - أن تصرفاتِهم القائمُ بها عنهم سواهم ، وكذلك في نطقهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } .\rكما ذَكَرَهُم ذَكَر كلبَهم ، ومَنْ صَدَقَ في محبة أحدٍ أحبَّ مَنْ انتسب إليه وما يُنْسَبُ إليه .\rويقال كلبٌ خَطَا مع أحبائه خطواتٍ فإلى القيامة يقول الصبيان - بل الحق يقول بقوله العزيز- : { وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ } فهل ترى أنَّ مُسْلِماً يصحب أولياءَه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردُّه يوم القيامة خائباً؟ إنه لا يفعل ذلك .\rويقال في التفاسير إنهم قالوا للراعي الذي تبعهم والكلب معه : اصرف هذا الكلب عنَّا . . فقال الراعي : لا يمكنني ، فإني أنا ديته .\rويقال أنطق الله سبحانه - الكلبَ فقال لهم : لِمَ تضربونني؟\rفقالوا : لِتَنْصَرِفَ عنَّا .\rفقال : لا يمكنني أن أنصرف . . لأنه ربَّاني .\rويقال كلبٌ بَسَطَ يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال : { وَكَلْبُهُم باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } . . . فهل إذا رَفَعَها مسلمٌ إليه خمسين سنة ترى يرِدُّها خائبةً؟ هذا لا يكون .\rويقال لما صَحِبهَم الكلبُ لم تضره نجاسةُ صِفتِهِ ، ولا خساسةُ قيمته .\rويقال قال في صفة أصحاب الكهف إن كانوا { سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } [ الكهف : 22 ] ، أو { خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلُبُهُمْ } فقد قال في صفة هذه الأمة : { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةِ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } [ المجادلة : 7 ] .\rوشتَّان ما هما!\rويقال كُلٌ يُعامَلُ بما يليق به من حالته ورتبته؛ فالأولياء قال في صفتهم : { وَنُقَلِبُهُمْ ذَاتَ اليَمينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } ، والكلب قال في صفته : { وَكَلْبُهُم باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } .\rويقال كما كرَّر ذكرَهم ، كرر ذكْرَ كلبِهم .\rوجاء في القصة أن الكلبَ لما لم ينصرفْ عنهم قالوا : سبيلنا إذا لم ينصرف عنَّا أَنْ نَحْمِلَه حتى لا يُسْتَدَّلَ علينا بأثر قَدَمِه فحملوه ، فكانوا في الابتداء ( بل إياه ) وصاروا في الأنتهاء مطاياه . . كذا مَنْ اقتفى أَثَرَ الأحباب .\rويقال في القصة إن الله أنطق الكلب معهم ، وبِنُطْقِه رَبَطَ على قلوبهم بأَنْ أزدادوا يقيناً بسماع نطقه ، فقال : لِمَ تضربوني؟ فقالوا : لتنصرف ، فقال : أنتم تخَافون بلاءً يصيبكم في المستقبل وأنتم بلائي في الحال .","part":4,"page":340},{"id":1841,"text":"ثم إنَّ بلاَءَكم الذي تخافون أنْ يصيبكم من الأعداء ، وبلائي منكم وأنتم الأولياء .\rويقال لما لزم الكلبُ محلَّه ولم يجاوزْ حَدَّه فوضع يديه على الوصيد بقي مع الأولياء . . كذا أدب الخدمة يوجب بقاءِ الوُصلة .\rقوله جلّ ذكره : { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } .\rالخطاب له - A - والمرادُ منه غيره .\rويقال لو اطلعتَ عليهم من حيث أنت لوليت منهم فراراً ، ولو شاهدتَهم من حيث شهود تولِّي الحق لهم لبقيت على حالك .\rويقال لو اطلعتَ عليهم وشاهدْتَهم لَوَلَّيْت منهم فراراً مِنْ أنْ تُرَدَّ عن عالي منزلتك إلى منزلتهم؛ والغنيُّ إذا رُدَّ إلى منزلة الفقير فَرَّ منه ، ولم تَطِبْ به نَفسًه . { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } بأن يُسْلَبَ عظيمُ ما هو حالك ، وتُقَامَ في مثل حالهم النازلة عن حالك .\rويقال : { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً } لأنك لا تريد أن تشهد غيرنا .","part":4,"page":341},{"id":1842,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالَوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } .\rاستقلوا مدة لُبْثهم وقد لَبِثُو ( طويلاً ) ، لكنهم كانوا مأخوذين عنهم ، ولم يكن لهم عِلْمٌ بتفصيل أحوالهم ، قال قائلهم :\rلست أدري أطال لَيْلِي أم لا؟ ... كيف يدري بذاك من يتقلَّى؟\rلو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي ... ورغيت النجومَ كنتُ مُخِلاَّ\rويقال أيامُ الوصالِ عندهم قليلة - وإنْ كانت طويلة ، ولو كان الحال بالضدِّ لكان الأمر بالعكس ، وأنشدوا :\rصَبَاحُكَ سُكْرٌ والمِساءُ خُمار ... نَعِمْتَ وأيامُ السرورِ قصارُ\rقوله جلّ ذكره : { يَومٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } .\rلأنه هو الذي خَصَّكُم بما به أقامكم .\rقوله جلّ ذكره : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوِرِقِكُمْ هَِذهِ إِلَى المَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامَاً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ } .\rما داموا مأخوذين عنهم لم يكن لهم طلبٌ لأكل ولا شربٍ ولا شيء من صفة النَّفْس ، فلمَّا رُدُّوا إلى التمييز أخذوا في تدبير الأكل أَوَّلَ ما أحسوا بحالهم ، وفي هذا دلالة على شدة ابتداء الخَلْق بالأكل .\rقوله جلّ ذكره : { وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً } .\rتَوَاصَوْا فيما بينهم بحسن التَّخَلقِ وجميل الترفُّقِ ، أي ليتلطف مع من يشتري منه شيئاً .\rويقال أوصوا مَنْ يشتري لهم الطعامَ أَنْ يأتيهم بألطف شيءٍ وأطيبِه ، ومن كان من أهل المعرفة لا يوافقه الخشن من الملبوس ولا المبتذل في المطعم من المأكول .\rويقال أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات طعامهم الخشن ولباسهم كذلك والذي بلغ المعرفة لا يوافقه إلا كل لطيف ، ولا يستأنس إلا بكل مليح .","part":4,"page":342},{"id":1843,"text":"تواصوا فيما بينهم بكتمان الأسرار عن الأجانب وأخبر أنهم إن اطلعوا عليهم وعلى أحوالهم بالغوا في مخالفتهم إمَّا بالقتل وإما بالضرب وبما أمكنهم من وجوه الفعل ، ولا يرضون إلى بردِّهم إللا ما منه تخلصوا ، فمَنْ احترق كدسهُ فما لم يحترق كدس غيره لا تطيب نَفْسُه .\rويقال من شأن الأبرار حفظ الأسرار عن الأغيار .\rويقال مَنْ أظْهَر لأعدائه سِرَّه فقد جَلبَ باختياره ضُرَّه ، وفََقَدَ ما سَرَّه .","part":4,"page":343},{"id":1844,"text":"جعل أحوالَهم عِبْرةً لِمَنْ جاءَ بَعْدَهم حين كشف لأهل الوقت قصتهم ، فعاينهم الناس ، وازداد يقين مَنْ كان يؤمن بالله حين شاهدوا بالعيان ما كان نَقْضاً للعادة المستمرة .\rثم إن الله تعالى ردَّهم إلى ما كانوا عليه من الحالة ، كانوا مأخوذين عن التمييز ، متقلبين في القبضة على ما أراده الحق ، مستودعين فيما كوشفوا ، مستهلكين عنهم في وجود الحق - سبحانه .","part":4,"page":344},{"id":1845,"text":"قوله جلّ ذكره : { سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمَا بَالغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } .\rأخبر أنَّ علومَ الناسِ متقاصرةٌ عن عددهم؛ فالأحوالُ التي لا يطلع عليها إلا الله في أسرارهم وقلوبهم . . . متى يكون للخَلْق عليها إشرافٌ؟\rأشكل عليهم عددهم ، وعددهم يُعْلَم بالضرورة ، وهم لا يُدْرَكُون بالمشاهدة .\rويقال سَعِدَ الكلبُ حيث كَرَّرَ الحقُّ - سبحانه - ذِكْرَهم وذكَرَ الكلبَ معهم على وجه التكرار ، ولمَّا ذَكَرَهم عَدَّ الكلب في جملتهم .\rقوله جلّ ذكره : { قُل رَّبِىَ أَعَلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعَلَمُهُمْ إلاَّ قَلِيلٌ } .\rلما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواص عباده ، ومَنْ كان قريباً في الحال منهم؛ فهم في كتم الغَيْرَة وإيواء الستر لا يَطَّلعُ الأجانبُ عليهم؛ ولا يعلمهم إلا قليلٌ؛ لأنَّ الحق - سبحانه يستر أولياءه عن الأجانب ، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة ، فالأجانب لا يعرفون الأقارب ، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب . كذلك قال شيوخ هذه الطائفة : « الصوفية أهل بيتٍ واحدٍ لا يدخل فيهم غيرهم » .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَسْتفِتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً } .\rكما لا يعرفهم من كان بمعزلٍ عن حالتهم ، ولا يهتدي إلى أحكامهم من لا يعرفهم . . فلا يصحُّ استفتاءُ مَنْ غاب علمهم عنه في حالهم . ومَنْ لم يكن قلبُه محلاً لمحبة الأحباب لا يكون لسانُه مقراً لذكرهم .","part":4,"page":345},{"id":1846,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ } .\rإذا كانت الحوادث صادرةً عن مشيئة الله فَمَنْ عَرَفَ الله لم يَعُدّ من نفسه ما علم أنه لا يتم إلا بالله .\rويقال مَنْ عَرَفَ الله سقط اختيارُه عند مشيتئته ، واندرجت أحكامه في شهوده لحكم الله .\rويقال المؤمن يعزم على اعتناق الطاعةُ في مستقبله بقلبه ، لكنه يتبرأ عن حَوْلِهِ وقُوََّتِهِ بسِرِّه ، والشرعُ يستدعي منه نهوض قلبه في طاعته ، والحقُّ يقف سِرَّه عند شهود ما منه لمحبوبه تحت جريان قسمته .\rقوله جلّ ذكره : { وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُل عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً } .\rإنْ طَرأَتْ عليك طوارقُ النسيان - لا يتعهدك - فجرِّدْ بذكرك قَصْدَكَ عن أوطان غفلتك .\rويقال { وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } : في الحقيقة نَفْسُك تمنعك من استغراقك في شهود ذكرك .\rويقال واذكر ربك إذا نسيت ذكرك لربِّك : فإن العبدَ إذا كان ملاحظاً لذكره كان ذلك آفة في ذكره .\rويقال واذكر ربك إذا نسيت حَظَّك منه .\rويقال واذكر ربَّك إذا نسيت غيرَ ربَّك .","part":4,"page":346},{"id":1847,"text":"كانوا مأخوذين عنهم في إحساسهم بأنفسهم لم يقفوا على تطاول مدتهم ، وفي المثل : أيام السرور قصار والدهور في السرور شهور ، والشهور في المحن دهور ، وفي معناه :\rأَعُدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد كنت قبلاً لا أعد اللياليا","part":4,"page":347},{"id":1848,"text":"مَنْ لم يعد أيامَه لاشتغاله بالله أحصى اللَّهُ أنفاسَه التي الله ، قال تعالى : { وَأَحْصَى كُلُّ شَىْءٍ عَددَاً } [ الجن : 28 ] .","part":4,"page":348},{"id":1849,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ } .\rتَسَلَّ- حينما تتنوع عليك الأحوال - بما نُطْلِعُكَ عليه من الأخبار؛ وإنَّ كُتُبَ الأحبابِ فيها شفاءٌ لأنها خطابُ الأحباب للأحباب .\rقوله جلّ ذكره : { لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } .\rأي لا تغيير لِحُكْمِه؛ فَمنْ أقصاه فلا قبولَ له ، ومَنْ أدناه فلا وصولَ له ، ومَنْ قَبِلَة فلا رَدَّ له ، ومَنْ قَرَّ به فلا صَدَّ له .","part":4,"page":349},{"id":1850,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاوَةِ وَالعَشِىَ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } .\rقال : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } ولم يقل : « قلبك » لأن قلبه كان مع الحقِّ ، فأمره بصحته جَهْرَاً بجهر ، واستخلص قلبه لنفسه سِرَّاً بِسرِّ .\rويقال { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : معناها مريدين وجهه أي في معنى الحال ، وذلك يشير إلى دوام دُعائِهم ربهم بالغداة والعشيّ وكون الإرادة على الدوام .\rويقال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : فآويناهم في دنياهم بعظائمنا ، وفي عقباهم بكرائمنا .\rويقال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : فكشف قناعَهم ، وأظهر صفَتهم ، وشَهَرَهم بعدما كان قد سَتَرَهم ، وأنشدوا :\rوكشفنا لكَ القناعَ وقلنا ... نعم وهتكنا لك المستورا\rويقال لما زالت التُّهمُ سَلِمَتْ لهم هذه الإرادة ، وتحرروا عن إرادةِ كلِّ مخلوقٍ وعن محبةِ كل مخلوق .\rويقال لمَّا تقاصَرَ لسانُهمِ عن السؤال هذه الجملة مراعاةً منهم لهيبة الرسول A ، وحُرْمَةِ باب الحقِّ - سبحانه - أمَرَه بقوله : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } وبقوله :\r{ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا } .\rأي لا ترفع بصَرَك عنهم ، ولا تُقلِعْ عنهم نظرك .\rويقال لما نظروا بقلوبِهم إلى الله أَمَرَ رسولَه - عليه السلام - بألا يرفعَ بَصَرَه عنهم ، وهذا جزاء في العاجل .\rوالإشارة فيه كأنه قال : جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعةً لهم إلينا ، وخَلَفَاً عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا ، فلا تَقْطَعْ اليومَ عنهم نَظَرَكَ فإنا لا نمنع غداً نظرهم عنَّا .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلَنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } .\rهم الذين سألوا منه - A - أن يُخْلِيَ لهم مجلسَه من الفقراء ، وأن يطردهَم يوم حضورهم من مجلسه - A وعلى آله .\rومعنى قوله : { أَغْفَلَنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } : أي شغلناهم بما لا يعنيهم .\rويقالك : { أَغْفَلَنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود المِنْعِم .\rويقال هم الذين طوَّح قلوبَهم في التفرقة ، فهم في الخواطر الرَّدِيّة مُثْبَتُون ، وعن شهود مولاهم محجوبون .\rويقال أغفلنا عن ذكرنا الذين ابْتُلُوا بنسيان الحقيقة لا يتأسَّفُون على ما مُنُوا به ولا على ما فَاتَهُم .\rويقال الغفلةُ تزجيةُ الوقتِ في غيرِ قضاءِ فَرْضٍ أو أداء نَفْلٍ .","part":4,"page":350},{"id":1851,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقُلْ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } .\rقُلْ يا محمد : ما يأتيكم من ربِّكم فهو حقٌّ ، وقوله صِدْقٌ { فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } . . هذا غاية التهديد ، أي إنْ آمنتم ففوائدُ إيمانكم عليه مقصورة ، وإنْ أَبَيْتُم فَعذَابُ الجحود موقوفٌ عليكم ، والحقُّ - سبحانه - عزيز لا يعود إليه بإيمان الكافة -أذا وَحَّدُوا - زَيْنٌ ، ولا مِنْ كُفْرِ الجميع - إنْ جحدوا - شَيْنٌ .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإنِ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَالمُهْلِ يَشْوِى الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقَاً } .\rالعقوبة الكبرى لهم أن يشغلهم بالألم حتى لا يتفرغوا عنه إلى الحسرة على ما فاتهم من الحقِّ ، ولو علموا ذلك لَعَلَّه كان يرحمهم . والحقُّ - سبحانه - أكرم من أن يعذَبَ أحداً يُتَّهَمُ لأَجْلِه .\rويقال لو علموا مَنْ الذي يقول : { وَسَآءَتْ مُرْتَفَقَاً } لعلَه كان لهم تَسَلَ ساعةً ، ولكنهم لا يعرفون قَدْرَ مَنْ يقول هذا ، وإلا فهذا شِبْهُ مرتبةٍ لهم ، والعبارة عن هذا تدق .","part":4,"page":351},{"id":1852,"text":"أهلُ الجنة طابتْ لهم حدائقُها ، وأهلُ النار أَحَاط بهم سُرادِقُها .\rوالحقُّ - سبحانه - مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يعودَ إليه من تعذيبِ هؤلاء عائدة ولا من تنعيم هؤلاء فائدةٌ . . . جَلَّتْ الأحديةُ ، وتَقَدَّسَتْ الصمدية!\rومَنْ وقَعَتْ عليه غَبَرَةٌ في طريقنا لم تَقَعَ عليه قَتَرَةُ فراقنا ، ومَنْ خطا خطوةً إلينا وَجَدَ حظوةً لدينا ، ومَنْ نَقَلَ قَدَمَه نحونا غفرنا له ما قَدَّمَه ، ومَنْ رَفَعَ إلينا يَدَاً أَجْزَلْنا له رَغَداً ، ومَنْ التجأ إلى سُدَّةِ كَرَمِنا آويناه في ظِلِّ نِعَمِنا ، ومن شكا فينا غليلاً مَهَّدْنا له - في دار فضلنا - مقيلاً .\r{ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } : العملُ أحسنُه ما كان مضبوطاً بشرائط الإخلاص .\rويقال : { مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } بأن غاب عن رؤية إحسانه .\rويقال مَنْ جَرَّدّ قَصْدَه عن كلِّ حظٍّ ونصيب .\rويقال الإحسان في العمل ألا ترى قضاء حاجتك إلا في فَضلِه ، إذا أخلصتَ في تَوسِلكَ إليه بفضله ، وتوصُّلِكَ غلى ما مَوَّلَكَ من طَوْلِهِ بِتَبرِّيكَ عن حَوْلِكَ وقُوَّتِك استوجبتَ حُسْنَ إقباله ، وجزيل نواله .\rقوله { أُوْلَئِكَ لَهْمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ } أولئك هم أصحابُ الجنان ، في رَغَدِ العيش وسعادة الجَد وكمال الرفِّد ، يلبسون حُلَلَ الوُصلة ، ويُتَوَّجُون بتاج القرُبة ، ويُحْمَلون على المباسط ، ويَتَّكِئون على الأرائك ، ويشمون رياحينَ الأُنس ، ويقيمون في مجال الزُّلفة ، ويُسْقَْنَ شرابَ المحبة ، ويأخَذُون بِيَدِ الزلفة ما يتحفهم الحقُّ به من غير واسطة ، ويسقيهم شراباً طهوراً يُطَهِّر قلوبَهم عن محبة كلِّ مخلوقٍ .\r{ نِعْمَ الثَّوْابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقَاً } : نِعْم الثوابُ ثوابُهم ، ونعم الربُّ ربُّهم ، ونعم الدارُ دارُهم ، ونعم الجارُ جارُهم ، ونعم الحالُ حالُهم .","part":4,"page":352},{"id":1853,"text":"أخبر أنه خَلَقَ رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذَكَرَه فَشَكَرَ أحدُهما لخالقِه وكَفَرَ الآخرُ برازقه ، فأصبح الكافرُ وجنَّتُه أصابتها جائحةٌ ، وندم على ما ضَيَّعَه من الشكر ، وتوجَّه عليه اللومُ .\rوفي الإشارة يخلق عَبْدَينَ يُطَيِّبُ لهما الوقت ، ويُمَهِّدُ لهما بساط اللطف ، ويمكَّن لهما من البسْط . . فيستقيم أَحَدهُما في الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحُسْن المنازلة وصدق المعاملة ، فتميز له المجاهدةُ ثمراتِ أحسن الأخلاق فيعالجها بحسنِ الاستقامة ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية ، ثم يُخْتَطَفُ عنها بما يُكاشفُ به من حقائق التوحيد ، ويصبح مُنْتفىً عن جملته باستهلاكه في وجود ما بان له من الحقائق .\rوالثاني لا يُقَدِّرُ قَدْرَ ما أَهَّلَ له من حُسْن البداية فيرجِعُ إلى مألوفاتِه ، فينتكِسُ أمرُه ، بانحطاطه إلى ذميم عاداته ، فيرتدُّ عن سلوك الطريقة ويتردّى في ظلْمَهِ الغفلة؛ فيصيرُ وقتُه ليلاً مظلماً ، ويتطوحُ في أودية التفرقة ، ويُوسَمُ الطرد ، ويُسْقى شرابَ الإهانة ، وينخرطُ في سلك الهَجْرِ . . . وذلك جزاءُ مَنْ لم يَرَهُم الحقُّ لو صلته أَهْلاً ، ولم يجعل لولائهم في التحقيق والقبول أَصْلاً :\rتبدَّلَتْ وتبدلنا يا حسرةٌ لِمَنْ ... ابتغى عوضاً لسلمى فلم يَجِدِ","part":4,"page":353},{"id":1854,"text":"إذا ظَهَرَ خسرانُ مَنْ آثر حظَّه على حقِّ الله ، قَرَع بابَ ندامته ، ثم لا ينفعه .\rولو قرع باب كَرمِه في الدنيا - حين وقَعتْ له الفترةُ - لأشكاه عند ضرورته ، وأنجاه من ورطته . . ولكنه رُبِط بالخذلان ، ولُبِّسَ عليه الأمرُ بحُكْمِ الاستدراج .\rقوله : { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ } : مَنْ اشْتَهَرَ أمرُهُ بِسُخْطِ السلطانِ عليه لم ينظر إليه أحدٌ من الجُنْدِ والرعية ، كذلك مَنْ وَسمَه الحقُّ بكيِّ الهَجْرِ لم يَرْثِ له مَلَكٌ ولا نبيٌّ ، ولم يَحْمِه صديقٌ ولا وليٌّ .","part":4,"page":354},{"id":1855,"text":"هو الحقُّ المتفرِّدُ بنعتِ ملكوته ، لا يشرك في جلال سلطانه من الحدثان أحداً ، وإذا بدا من سلطان الحقيقة شظية فلا دعوى ولا معنى لبشر ، ولا وزن فيما هنالك لحدثان ولا خطر ، كلاَّ . . بل هو الله الخلاَّق الواحد القهار .\rهنالك الوِلاية لله أي القدرة - والواو هنا بالكسر .\rوهنالك الوَلاية لله أي النصرة - والواو هنا بالفتح .","part":4,"page":355},{"id":1856,"text":"منْ وَطَّنَ النَّفْسَ على الدنيا وبهجتها غَرتْه بأمانيها ، وخدعته بالأطماع فيها . ثم إنها تُخْفى الصَّابَ في شرابها ، والحنظل في عَسَلها ، والسرابَ في مآربها؛ تَعِدُ ولا تفي بِعِدَاتِها ، وتُوفِي آفاتُها على خيراتها . . نِعمُها مشوبةً بِنِقَمِها ، وبؤسُها مصحوبٌ بمأفوسها ، وبلاؤها في ضمن عطائها . المغرورُ مَنْ اغترَّ بها ، والمغبونُ مَنْ انخدع فيها .","part":4,"page":356},{"id":1857,"text":"قوله جلّ ذكره : { المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا } .\rمَنْ اعتضد بعتاده ، واغترَّ بأولاده ، ونَسيَ مولاه في أوان غَفَلاَتِهِ . . خَسِرَ في حاله ، ونَدِمّ على ما فاته في مآله .\rويقال زينةُ أهل الغفلة في الدنيا بالمال والبنين ، وزينة أهل الوصلة بالأعمال واليقين . . فهؤلاء رُتَبُهم لظواهرهم . . . وهؤلاء زينتهم لعبوديته ، وأفتخارهم بمعرفة ربوبيته .\rويقال ما كان للنَّفْس فيه حُظُّ فهو منزينة الحياة الدنيا ، ويدخل في ذلك الجاهُ وقبول المدح ، وكذلك تدخل فيه جميع المألوفات والمعهودات على اختلافها وتفاوتها .\rويقال ما كان للإنسان فيه شِرْبٌ ونصيبٌ فهو معلول : إن شئت في عاجله وإن شئت في آجله .\rقوله جلّ ذكره : { وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } .\rوهي الأعمال التي بشواهد الإخلاص والصدق .\rويقال : { والبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } : ما كان خالصاً لله تعالى غيرَ مُشوب بطمعٍ ، ولا مصحوبٍ بِغَرَضٍ .\rويقال : { والبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } : ما يلوح في السرائر من تحلية العبد بالنعوت ، ويفوح نَشْرُه في سماءِ الملكوت .\rويقال هي التي سبقت من الغيب له بالقربة وشريف الزلفة .\rويقال هي ضياءُ شموسِ التوحيد المستكِنِّ في السرائر مما لا يتعرَّضُ لكسوف الحجبة .","part":4,"page":357},{"id":1858,"text":"كما تُسيَّرُ جبالُ الأرض يوم القيامة فإنها تُقْتَلَعَ بموت الأبدال الذين يديم بهم الحقُّ - اليومَ - إمساك الأرض ، فهؤلاء السادَة - في الحقيقة - أوتادُ العالَم .\rقوله : { فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَاً } : الإشارة منه أنه ما من أحد إلا ويُسْقَى كأسَ المنية ، ولا يغادر الحقُّ أحداً اليوم على البسيطة إلا وينخرط عن نظامه ، وإِنَّ شَرَفَهم في الدرجات في تَوَقِّيهم عن مساكنة الدنيا .","part":4,"page":358},{"id":1859,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً } .\rيقيم كُلَّ واحدٍ يومَ العَرْضِ في شاهد مخصوص ، ويُلْبِسُ كُلاً مايُؤَهِّله له؛ فَمِنْ لباسِ تقوى ، ومن قميصِ هوى ، ومن صِدَارِ وَجْدٍ ، ومن صُدْرَةِ محبة ، ومن رداءِ شوقٍ ، ومن حُلَّة وُصْلَة .\rويقال يجرِّدهم عن كل صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة وينادي المنادي على أجسادهم : هذا الذي أَتَى وَوَجَدَ ، وهذا الذي أَبَى وَجَحَدَ وهذا الذي خالَفَ فأَصَرَّ ، وهذا الذي أنعمنا عليه فَشَكَرَ ، وهذا الذي أحْسَنَّا إليه فَذَكَرَ . وهذا الذي أسقيناه شرابَنا ، ورزقناه محابَّنا ، وشَوَّقناه إلى لقائنا ، ولَقَّيْنَاه خصائص رِعَائِنا .\rوهذا الذي وَسَمْناه بحجتنا ، وحرمناه وجُوُهَ قربتنا . وألبسناه نطاق فراقنا ، ومنعناه ، توفيق وفاقنا ، وهذا ، وهذا . . .\rواخجلتي من وقوفي وَسْطَ دارِهمُ! ... وقال لي مُغْضَباً : مَنْ أنت يا رجلُ؟\rقوله جلّ ذكره : { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداًً } .\rجئتمونا بلا شفيعٍ ولا ناصر ، ولا مُعينِ ولا مُظاهِر .\rقوم يُقال لهم : سلامٌ عليكم . . . . كيف أنتم؟ وكيف وَجَدَتُم مقيلَكم؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم!\rوقوم يُقال لهم : ما صنعتُم ، وما ضَيَّعْتُم؟ ما قدَّمتُم ، وما أخرتم؟ ما أعلنتم ، وما أسررتُم؟\rقُلْ لي بألسنةِ التنفُّسِ ... كيف أنت وكيف حالك؟\rويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيُفْصِحون عن مكنون قلوبهم ، ويشرحون ما هم به من أحوالٍ مع محبوبهم . وأخرون تملكهم الحيرة وتُسْكِتُهم الدهشة ، فلا لهم بيان ، ولا ينطق عنهم لسان . وآخرون كما قيل :\rقالت سكينةُ مَنْ هذا فقلتُ لها : ... أنا الذي أنت ِ من أعدائه زَعمُوا","part":4,"page":359},{"id":1860,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } .\rإنما يصيبهم ما كُتِبَ في الكتاب الأول وهو المحفوظ ، لا ما في الكتاب الذي هو كتاب أعمالهم نَسَخَه ما في اللوح المحفوظ .\rويقال إنْْْ عامَلَ عبداً بما في الكتاب الذي أثبته المَلَكَُ عليه فكثيرٌ من عباده يعاملهم بما في كتاب المَلِكِ - سبحانه ، وفرقٌ بين من يُعَامَل بما في كتاب الحقِّ من الرحمة . والشفقة وبين مَنْ يحاسبه بما كَتَبَ عليه المَلَكُ من الزَّلة .\rويقال إذا حسابهم في القيامة يتصور لهم كأنهم في الحال ، ما فارقوا الزَّلَة ، وإن كانت مباشرةُ الزَّلةِ قد مَضَت عليها سنون كثيرة .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرَاً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدَاً } .\rيملك الحزنُ قلبَه لأنه يرى في عمله سيئةٌ فهو في موضع الخجل لتقصيره وإنْ رأى حسنةٍ فهو في موضع الخجل أيضاً لِقِلَّةِ توقيره؛فَخَجْلَةُ أَهلِ الصدقِ عند شهود حسناتهم توفي وتزيد على خجلة أهل الغفلة إذا عثروا على زَلاَّتهم .\rويقال أصحابُ الطاعةِ إذا وجدوا ما قدَّموا من العبادات فمآلهم السرور والبهجة وحياة القلب والراحة ، وأمَّا أصحاب المخالفات فإنما يجدون فيما قدَّموا مجاوزة الحدِّ ونقضَ العهْدِ ، وما في هذا الباب من الزَّلة وسوء القصد .","part":4,"page":360},{"id":1861,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لأدم فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } .\rأظْهَرَ للملائكة شَظِيَّة مما استخلص به آدم فسجدوا بتيسيرٍ من الله - سبحانه ، وسَكَّرَ بَصَرَ اللعين فما شهد منه غير الْعَيْنِ ففسق عن أمر ربه ، ولا صدق في قوله : { أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ } لمَا فَسَقَ عن الأمر ، ولكن أَدركته الشقَّاوة الأصيلة فلم تنفعه الوسيلة بالحيلة .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلَيَاءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوُّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } .\rفي الآية إشارة إلى أَنَّ مَنْ يُفْرِدْه بالولاية فلا يقتفي غَيْرَه ولا يخافُ غيرَه .","part":4,"page":361},{"id":1862,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً } .\rأكذب المنجمين والأطباء الذين يتكلمون في الهيئات والطبائع بقوله : { مَّا أَشَهَدتُّهُمْ خَلْقْ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } : وبّيَّنَ أن ما يقولونه من إِيجاب الطبائع لهذه الكائنات لا أصلَ له في التحقيق .\r{ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً } : أي لم أجعل للذين يُضِلُّون الناسَ عن دينهم بِشُبَهِهِمْ في القول بالطبائع حجةً ، ولم أعطهم لتصحيح ما يقولونه برهاناً .\rويقال إذا تقاصرت علومُ الخَلق عن العلم بأنفسهم فكيف تحيط علومُهم بحقائق الصمدية ، واستحقاقِه لنعوته إلا بمقدار ما يخصُّهم به من التعريف على ما يليق برتبة كل أحد بما جعله له أهلاً؟\rويقال أخبر أَنَّ علومَهم تتقاصر عن الإحاطة بجميع أوصافهم وجميع أحوالهم وعن كُلِّ ما في الكون ، ولا سبيلَ لهم إلى ذلك؛ ولا حاجةَ بهم إلى الوقوفَ على ما قَصَرَتْ علومهُم عنه ، إذ لا يتعلَّق بذلك شيء من الأمور الدينية . فالإشارة في هذا أن يَصْرِفُوا عنايتَهم إلى طلب العلم بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإنه لا بُدَّ لهم - بحكم الديانة - من التحقق بها؛ إذ الواجبُ علىلعابد معرفة معبوده بما يزيل التردد عن قلبه في تفاصيل مسائل الصفات والأحكام .","part":4,"page":362},{"id":1863,"text":"عِلمَ الحقُّ - سبحانه - أَنَّ الأصنامَ لا تغني ولا تنفع ولا تضر ، ولكن يعرِّفهم في العاقبة بما يُصَيِّر معارفَهم ضرورية حَسْماً لأوهام القوم؛ حيث توهموا أنّ عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى الله على وجه التعظيم له كما قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرْبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] .\rفإذا تحققوا بذلك صدقوا في الندم ، وكان استيلاء الحسة عليهم ، وذلك من أشد العقوبات لهم .","part":4,"page":363},{"id":1864,"text":"إذا صارت الأوهامُ منقطعة ، والمعارفُ َ ضروريةً ، والنارُ مُعَاينَةً استيقنوا أنهم واقعون في النار ، فلا يُسْمَعُ لهم عُذْرٌ ، ولا تنفع له حيلةٌ ، ولا تُقْبَلُ فيهم شفاعة ، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل . . لقد استمكنت الخيبةُ ، وغَلَبَ اليأسُ ، وحَصَلَ القنوط ، وهذا هو العذاب الأكبر .","part":4,"page":364},{"id":1865,"text":"أوضح للكافة الحججَ ، ولكن لَبَّسَ على قوم النهج فوقعوا في العِوَج .\r{ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شيءٍ جَدَلاً } الجَدَلُ في الله محمود مع أعدائه ، والجدل مع الله شِرْكٌ لأنه صَرْفٌ إلى مخالفةٍ تُوهِمُ أن أحداً يعارض التقدير ، وتجويزُ ذلك انسلاخ عن الدِّين . ومن أمارات السعادة للمؤمن فَتْحُ بابِ العملِ عليه ، وإِغلاقُ بابِ الجدل دونه .","part":4,"page":365},{"id":1866,"text":"لا عُذرَ لهم إذا لجأوا إلى ما تعاطوه من العصيان وترْكِ المبادرة إلى المأمور ، ولا توفيقَ يساعدهم فيخرجهم عن حوار الداعي إلى عزم الفعل ، فَهُمْ - وإن لم يكونوا بنعت الاستطاعة على ما ليسوا يفعلونه - ليسوا عاجزين عن ذلك؛ ولكنهم بحيث لو أن العبدَ منهم أراد ما أُمِرَ به لَتَأَبَّى منه ذلك ، وتعذَّر عليه؛ ففي الحال ليس بقادرٍ على ما ليس يفعله ولا هو عاجزٌ عنه ، وهذا يسميه القوم حال التخلية وهي واسطة بين القدرة والعجز .","part":4,"page":366},{"id":1867,"text":"أرسل الرسل - عليهم السلام - تترى ، وأَيَّدَهم بالحجج والبراهين ، وأمرهم بالإنذار والتخويف ، والتشريف في عين التكليف ، وتضمين ذلك بالتحقيق ، ولكن سَعِدَ قومٌ باتباعهم ، وشَقِيَ آخرون بخلافهم .","part":4,"page":367},{"id":1868,"text":"لا أحدَ أظلمُ مِمَّنْ ذُكرِّ ووُعِظَ بما لوَّح له من الآيات ، وبما شاهده وعرفه من أمرٍ أُصْلِحَ أو شُغِل كُفِيَ أو دعاءٍ أُجِيب له ، أو سوءِ أدبٍ حصل منه ، فأُدِّبَ بما يكون تنبيهاً له ، أو حصلت منه طاعة وكوفئ في العاجل إمَّا بمعنى وَجَدَه في قلبه من بَسْطٍ أو حلاوةٍ أو أُنْسِ ، وإما بكفاية شُغْلٍ أو إصلاح أمرٍ . . . ثم إذا استقبله أمرٌ نَسِيَ ما عُومل به ، أو أعرض عن تَذَكُّرِه ، ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يداه من خيره وشرِّه ، فوجدَ في الوقت موجبه . . . ومَنْ كانت هذه صِفَتُه جعل على قلبه ستراً وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركاتُ ما وُهِبهَ .\rويقال مَنْ أظلم من يستقبله أمرٌ مجازاةً لما أسلفه من تَرْكِ أَرَبِه فَيَتَّهِمُ رَبَّه ، ويشكو مِما يلاقيه ، وَيْنسَى حُرْمة الذي بسببه أصابه ما أصابه؟ وكما قيل :\rوعاجزُ الرأيِ مِضياعٌ لِفُرصته ... حتى إذا فاتَ أمرٌ عَاتَبَ القَدَرَا","part":4,"page":368},{"id":1869,"text":"{ الغَفُورُ } لأنه ذو الرحمة ، ورحمته الأزلية أوجَبَتْ المغفرة لهم .\rويقال { الغَفُورُ } : للعاصين من عباده ، و { ذُو الرَّحْمَةِ } بجميعهم فَيُصلح أحوالَ كافتهم .\r{ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا } : لعجَّل لهم العذابَ؛ أي عَامَلَهم بما استوجبوه من عصيانهم ، فعجَّلَ لهم العقوبة ، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته ، ثم في العاقبة يفعل ما يفعل على قضية إرادته وحكمه .","part":4,"page":369},{"id":1870,"text":"لمَّا لم يشكروا النِّعم ولم يصبروا في المحن عَجَّلنا لهم العقوبة .\rويقال لمَّا غَفَلُوا عن شهود التقدير ، وحُرِمُوا رَوْح الرضا وَكَلْناهم إلى ظُلُماتِ تدبيرهم ، فطاحوا في أودية غفلاتهم .","part":4,"page":370},{"id":1871,"text":"لما صَحَّتْ صحبة يوشع مع موسى عليهما السلام استحقَّ اسم الفتوة ، ولذا قال : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ } وهو اسم كرامة لا اسم علامة .\rجعل دخول السمك الماء علامة لوجود الخضر هنالك ، ثم أدخل النسيان عليهما ليكون أبلغَ في الآية ، وأَبْعَدَ من اختيار البَشَر .","part":4,"page":371},{"id":1872,"text":"كان موسى في هذا السَّفرِ مُتَحَمِّلاً ، فقد كان سَفَر تأديبٍ واحتمالٍ مشقةٍ ، لأنه ذهب لاستكثار العلم . وحالُ طلب العلم حالُ تأديبٍ ووقتُ تْحمُّلٍ للمشقة ، ولهذا لَحِقَهُ الجوعُ ، فقال : { لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً } .\rوحين صام في مدة انتظار سماع الكلام من الله صبر ثلاثين يوماً ، ولم يلحقه الجوعُ ولا المشقةُ ، لأن ذهابَه في هذا السفر كان إلى الله ، فكان محمولاً .","part":4,"page":372},{"id":1873,"text":"طال عليهما السفر لأنهما احتاجا إلى الانصرافٍ إلى مكانهما ، ثم قال يوشع : { وَمَا أَنسَانِيهُ إلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } : الله - سبحانه - أَدْخَلَ عليه النسيانَ ليكونَ الصَّيْدُ من تكلفِه ، ثم قال : { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } : يعني دخول السمك الماء وكان مشوياً؛ فصار ذلك معجزة له ، فلما انتهينا إلى الموضع الذي دخل السمك فيه الماء لَقِيَا الخضر .","part":4,"page":373},{"id":1874,"text":"إذا سَمَّى الله إنساناً بأنه عَبْدُه جَعَلَه من جملة الخواص؛ فإذا قال : « عبدي » جعله من خاص الخواص .\r{ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا } : أي صار مرحوماً من قِبَلِنا بتلك الرحمة التي خصصناه بها من عندنا ، فيكون الخضربتلك الرحمة مرحوماً ، ويكون بها راحماً على عبادنا .\r{ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } : قيل العلم من لدن الله ما يتحصل بطريق الإلهام دون التكلف بالتّطَلُّب .\rويقال ما يُعرَّف به الحقُّ - سبحانه - الخواصَ من عباده .\rويقال ما يعرَّف به الحق أولياءَه فيما فيه صلاح عباده .\rوقيل هو ما لا يعود منه نَفْعٌ إلى صاحبه ، بل يكون نفعُه لعباده مِمَّا فيه حقُّ الله - سبحانه .\rويقال هو ما لا يَجِد صاحبُه سبيلاً إلى جحده ، وكان دليلاً على صحة ما يجده قطعاً؛ فلو سألتَه عن برهانه لم يجد عليه دليلاً؛ فأقوى العلوم أبعدها من الدليل .","part":4,"page":374},{"id":1875,"text":"تلَطَّفَ في الخطاب حيث سَلَكَ طريق الاستئذان ، ثم صَرَّح بمقصوده من الصحبة بقوله : { عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } .\rويقال إن الذي خُصَّ به الخضرُ من العلم لم يكن تَعَلَمّه من أستاذ ولا من شخص ، فما لم يكن بتعليم أحد إياه . . متى كان يعلمه غيره؟","part":4,"page":375},{"id":1876,"text":"سؤال بذلك العطف وجوابٌ بهذا العطف!\rثم ندارك قلبَه بقوله : { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } ؟ ، فأجابه موسى : { قَالَ سَتَجِدُنِى . . . . } وعد من نفس موسى بشيئين : الصبر ، وبأن لا يعصيَه فيما يأمر به ، فأمَّا الصبر فَقَرَنَه بالاستثناء بمشيئة الله فقال : { سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِراً } فصبر حتى وُجِدَ صابراً ، فلم يقبض على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل ، والثاني قوله : { وَلاَ أَعْصِى لَكَ أَمْراً } : أطلقه ولم يُقْرِنْه بالاستثناء ، فما استنشأ لأَِجْله لم يخالفه فيه ، وما أطلقه وقع فيه الخُلْفُ .","part":4,"page":376},{"id":1877,"text":"فإنه ليس للمريد أن يقول « لا » لشيخه ، ولا التلميذ لأستاذه ، ولا العاميّ للعالمِ المفتي فيما يفتي ويحكم .","part":4,"page":377},{"id":1878,"text":"لما ركبوا الفُلْكَ خرقها وكان ذلك إبقاءً على صاحبها لئلا يرغبَ في السفينةِ المخروقةِ المَلِكُ الطامعُ في السفن .\rوقوله : { لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } أي لتؤديَ عاقبةُ هذا الأمر إلى غَرَقِ أهلها؛ لأنه علم أنه لم يكن قَصَدَ إغراقَ أهلِ السفينة .","part":4,"page":378},{"id":1879,"text":"أي أنت تنظر إلى هذا من حيث العلم ، وإنّا نُجْزِيه من حيث الحُكْم .","part":4,"page":379},{"id":1880,"text":"طالبَه بما هو شرط العلم حيث قال : { قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ } ؛ لأن الناسيَ لا يدخل تحت التكليف ، وأَيَّدَ ذلك بما قََرَنَ به قوله : { وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً } فالمُتَمَكِّنُ من حقه التكليف ومن لا يصحُّ منه الفعلُ والتَرْكُ لا يتوجه ( . . . . ) والناس من جملتهم .","part":4,"page":380},{"id":1881,"text":"كان بِخُلُقِ العلم واجباً على موسى - عليه السلام - قَصْرُه حيث يرى في الظاهر ظُلْماً ولكن فيما عرف من حال الخضر من حقه التوقف ريثما يعلم أنه أَلَمَّ بمحظورٍ أو مُباحٍ ، ففي ذلك الوقت كان قلب العادة .","part":4,"page":381},{"id":1882,"text":"كرَّر قوله : { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ . . . } لأنه واقف بشرط العلم ، وأمَّا في محل الكشف فَشَرَطَ عليه موسى عليه السلام فقال :","part":4,"page":382},{"id":1883,"text":"بلغ عصيانه ثلاثاً؛ والثلاثةُ آخِرُ حَدِّ آخِرُ حَدِّ القِلَّة ، وأوَّلٌ حَدِّ الكثرة ، فلم يَجِدْ المُسامَحَةَ بعد ذلك .","part":4,"page":383},{"id":1884,"text":"كان واجباً في ملتهم على أهل القرية إطعامهما ، ولم يعلم موسى أنه لا جدوى من النكيرعليهم؛ ولو كان أَغْضَى على ذلك منهم لكان أحسن .\rفلمَّا أقام الخضر جدارهم ولم يطلب عليه أجراً لم يقل موسى أنك قُمْتَ بمحظور ، ولكنه قال له : { لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } أي إن لم تأخذ بسببك فلو أخذت بسببنا لكان أَخْذُكَ خيراً لنا من تركك ذلك ، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللتَ بحقنا؟\rويقال إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديب فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقة ، وإلاَّ فهو حين سقى لبنات شعيب فإنَّ ما أصابه من التعبِ وما كان فيه من الجوع كان أكثر ، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلاً . فلما قال موسى هذا قال له الخضر :","part":4,"page":384},{"id":1885,"text":"أي بعد هذا فلا صحبة بيننا .\rويقال قال الخضر إِنَّك نبيٌّ . . وإنما أؤاخذك بما قُلْتَ ، فأنت شَرَطْتَ هذا الشرط؛ وقلتَ : إِنْ سألتُك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ، وإنما أعاملك بقولك .\rويقال لمّا لم يصبر موسى معه في تَرْكِ السؤال لم يصبر الخضرُ أيضاً معه في إدامة الصحبة فاختار الفراق .\rويقال ما دام موسى عليه السلام سأله لأجل الغير- في أمر السفينة التي كانت للمساكين ، وقَتْلِ النَّفْس بغير الحق - لم يفارقه الخضر ، فلمَّا صار في الثالثة إلى القول فيما كان فيه حَظٌ لنفسه من طلب الطعام ابْتُلِيَ بالفرقة ، فقال الخضر : { هَذَا فِرَاقُ بِينِى وَبَيْنِكَ } .\rويقال كما أن موسى - عليه السلام - كان يحب صحبة الخضر لما له في ذلك من غرض الاستزاده من العلم فإن الخضر كان يحب تَرْكَ صحبة موسى عليه السلام إيثاراً للخلوة بالله عن المخلوقين .","part":4,"page":385},{"id":1886,"text":"لما فارق الخضرُ موسى عليه السلام لم يُرِدْ أَنْ يبقى في قلب موسى شِبْهُ اعتراضٍ؛ فأَزَالَ عن قلبه ذلك بما أوضح له من الحال ، وكشف له أنَّ السَّرَّ في قصده من خَرْقِ السفينة سلامتُها وبقاؤُها لأهلها حيث لن يطمعَ فيها المَلِكُ الغاصبُ ، فبَقَاءُ السفينة لأهلها- وهي معيبةٌ - كان خيراً لهم من سلامتها وهي مغصوبة .","part":4,"page":386},{"id":1887,"text":"بيَّن له أَنَّ قَتْلَ الغلامِ لمَّا سَبَقَ به العلمُ مضى من الله الحُكْمُ أنَّ في بقائه فتنةًً لوالديه ، وفي إبدال الخَلفِ عنه سعادةً لهما .","part":4,"page":387},{"id":1888,"text":"أَما تسوية الجدار فلاستبقاءِ كنز الغلامين وترك طلب الرفق من الخَلْق .","part":4,"page":388},{"id":1889,"text":"أقوامٌ هم أهل مطلع الشمس الغالب عليهم طولُ نهارهم ، وآخرون كانوا من أهل مغرب الشمس الغالب عليهم استتار شمسهم . . كذلك الناس في طلوع شمس التوحيد : منهم الغالب عليهم طلوع شموسهم ، والحضور نعتهم والشهود وصفهم والتوحيد حقّهم ، وآخرون لهم من شموس التوحيد النصيب الأقل والقسط الأرذل .","part":4,"page":389},{"id":1890,"text":"أي ما كانوا يهتدون إلا إلى لسانِ أنفسِهم ، وما كانوا يفقهون فقهَ غيرِهم فلجؤوا إلى عَبَرَاتهم في شرح قصتهم ، ورفعوا إليه - في باب ياجوج وماجوج - مظلمتَهم ، وضمنوا له خراجاً يدفعونه إليه ، فأجابهم إلى سؤلهم ، وحقَّق لهم بُغْيَتَهم ، ولم يأخذ منهم ما ضمنوا له من الجباية ، لمَّا رأى أنَّ من الواجبِ عليه حق الحماية على حسب المُكْنَة .","part":4,"page":390},{"id":1891,"text":"استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم من الإمداد بما قال : { ءَاتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ } فلمَّا فعلوا ما أمرهم به ، ونفخوا فيه النار جعل السد بين الصدفين أي جانبي الجبل . ثم أخبر أنه إنما يبقى ذلك إلى أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ له في الخروج ، وتندفعَ عن الناس عادية ( . . . ) إلى الوقت المضروب لهم في التقدير .\rوبعد ذلك يكون مِنْ شأنهم ما يريد الله . وبيَّنَ - سبحانه - أَنَّ خروجَهم من وراء سَدِّهم مِنْ أشراط الساعة .","part":4,"page":391},{"id":1892,"text":"نظروا بأعين رؤوسهم لأنهم فقدوا نظر القلب من حيث الاعتبار والاستدلال ، ولم يكن لهم سمع الإجابة لِمَا فقدوا من التوفيق ، فتوجه عليهم التكليف ولم يساعدهم التعريف .\rقوله : { وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } : لأنهم فقدوا من قِبَلِه - سبحانه - الإسماع؛ فلم يستطيعوا لهم القبول .","part":4,"page":392},{"id":1893,"text":"أي توهموا أنه ينفعهم ما فعلوه حسب ظنهم ، واعتقدوا في أصنامهم استحقاقَ التعظيم ، وكانوا يقولون : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيَقْرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] ، { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } [ الكهف : 104 ] وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون .","part":4,"page":393},{"id":1894,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ هَلْ نُنبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا } .\rضلَّ سعيُهم لأنهم عَمِلُوا لغيرِ اللَّهِ . وما كان لغيرِ الله فلا ينفع .\rويقال الذين ضلَّ سعيُهم هم الذين قَرَنُوا أعمالَهم بالرياء ، ووصفوا أحوالَهم بالإعجاب ، وأبطلوا إحسانهم بالملاحظات أو بالمَنِّ .\rويقال هم الذين يُلاحِظُون أعمالهم وما مِنْهُم بعينِ الاستكثار .\rقوله جلّ ذكره : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } .\rلم يكونوا أصحاب التحقيق ، فعَمِلوا من غير عِلْمٍ ، ولم يكونوا على وثيقة .","part":4,"page":394},{"id":1895,"text":"عموا عن شهود الحقيقة فبقوا في ظلمة الجحد ، فتفرَّقَتْ بهم الأوهام والظنون ، ولم يكونوا على بصيرة ، ولم تستقر قلوبُهم على عقيدة مقطوع بها؛ فليس لهم في الآخرة وزنٌ ولا خَطَرٌ ، اليومَ هم كالأَنْعام ، وغداً واقعون ساقطونَ ( . . . ) الأقدام .","part":4,"page":395},{"id":1896,"text":"هم اليومَ في عقوبة الجحد ، وغداً في عقوبه الردِّ . اليوم هم في ذُلِّ الفراق ، وغداً في أليمِ الاحتراق .","part":4,"page":396},{"id":1897,"text":"لهم جنات مُعَجَّلة سراً ، ولهم جنان مؤجلة جهراً .\rاليوم جنان الوصل وغداً جنان الفضل .\rاليوم جنان العرفان وغداً جنان الرضوان .","part":4,"page":397},{"id":1898,"text":"عرَّفنا- سبحانه - أن ما يخوِّله لهم غداً يكون على الدوام ، فهم لا ينفكون عن أفضالهم ، ولا يخرجون عن أحوالهم؛ فهم أبداً في الجنة ، ولا إخراج لهم منها . وأبداً لهم الرؤية ، ولا حجاب لهم عنها .","part":4,"page":398},{"id":1899,"text":"اي لا تُعَدُّ معاني كلمات الله لأنه لا نهاية لها؛ فإِنَّ متعلقاتِ الصفةِ القديمة لا نهاية لها؛ كمعلوماتِ الحق- سبحانه - ومقدوراته وسائر متعلقات صفاته .\rوالذي هو مخلوقٌ لا يَسْتَوْفِي ما هو غير مُتَنَاهٍ- وإنْ كَثُرَ ذلك .","part":4,"page":399},{"id":1900,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَمَّآ إِلهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } .\rأَخْبِرْ أَنَّكَ لهم من حيث الصورة والجنسية مُشاكِلٌ ، والفَرْقُ بينكَ وبينهم تخصيصُ الله - سبحانه - إياكَ بالرسالة ، وتَرْكِه إياهم في الجهالة .\rويقال : قل اختصاصي بما لي من ( الاصطفاء ) ، وإن كنا - أنا وأنتم - في الصورة أكفاء .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَ ، كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَّبِهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً َلاَ يَشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا } .\rحَمْلُ الرجاءِ في هذه الآية على خوف العقوبة ورجاء المثوبة حَسَنٌ ، ولكنَّ تَرْكَ هذا على ظاهره أَوْلَى؛ فالمؤمنون قاطبةً يرجون لقاءَ الله .\rوالعارف بالله - سبحانه - يرجو لقاءَ الله والنظرَ إليه .\rوالعمل الصالح الذي بوجوده يصل إلى لقائه هو صَبْ رُه على لواعجِ اشتياقه ، وأَنْ يُخْلِصَ في عمله .\r{ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَاَدةِ رَبِهِ } : أي لا يُلاحِظُ عَمَلَه ، ولا يستكثر طاعته ، ويتبرأ من حَوْلِه وقُوَّتِه .\rويقال العمل الصالح هنا اعتقاد وجود الصراط ورؤيته وانتظار وقته .","part":4,"page":400},{"id":1901,"text":"تعريفٌ للأحباب بأسرارمعاني الخطاب ، حروف خَصَّ الحقُّ المخَاطبَ بها بفهم معانيها ، وإذا كان للأخيار سماعُها وذِكْرُها ، فللرسول ِ - عليه السلام - فَهْمُها وسِرُّها .\rويقال أشار بالكاف إلى أنه الكافي في الإنعام والانتقام ، والرفع والوضع على ما سبق به القضاء والحُكْم .\rويقال في الكاف تعريفٌ بكونه مع أوليائه ، وتخويفٌ بخِّفي مَكْرِه في بلائه .\rويقال في الكاف إشارة إلى كتابته الرحمة على نَفْسِه قبل كتابة الملائكة الزَّلَّةَ على عباده .\rوالهاءُ تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه ، وتعريف خواصه باستحقاق جلال سلطانه ، وما له ن الحق بحكم إحسانه .\rوالياء إشارة إلى يُسْر نِعَمِه بعد عُسْرِ مِحَنِه . وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده .\rوالعين تشير إلى عِلْمِه بأحوالِ عَبْدِهِ في سِرَّه وجَهْرِهِ ، وقُلِّه وكُثْرِه ، وحالِه ومآلِه ، وقدْرِ طاقته وحق فاقته .\rوفي الصاد إلى أنه الصادق في وعده .","part":4,"page":401},{"id":1902,"text":"تخصيصه إياه بإجابته في سؤال وَلَدِه ، وما أراد أن يتصل بأعقابه من تخصيص القربة له ولجميع أهله .","part":4,"page":402},{"id":1903,"text":"وإنما ذلك لئلا يَطَّلَع أحدٌ عبى سِرِّ حاله فأخفى نداءه عن الأجانب وقد أمكنه أن يخفيه عن نفسه بالتعامي عن شهود محاسنه ، والاعتقاد بالسُّوء في نفسه ، ثم أخفى سِرَّهُ عن الخلْق لئلا يقعَ لأحدٍ إشرافٌ على حاله ، ولئلا يَشْمَتَ بمقالته أعداؤه .\rقوله جل ذكره : { قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ العَظْمُ مِنّىِ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً } .\rأي لَقِيتُ بضعفي عن خدمتك ما لا أحِبُّه؛ فطعنتُ في السنِّ ، ولا قوةَ بعد المشيب؛ فهَبْ لي ولداً ينوب عني في عبادتك .","part":4,"page":403},{"id":1904,"text":"قوله جل ذكره : { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيَاً } .\rأي إني أسألك واثقاً بإجابتك؛ لعلمي بأني لا أشْقَى بدعائِك فإنَّك تحِبُّ أن تُسأل .\rويقال إنك عوَّدتني إجابة الدعاء ، ولم ترُدَّني في سالف أيامي إذا دعوْتُك .","part":4,"page":404},{"id":1905,"text":"إني خِفْتُ أَنْ تذهبَ النبوة من أهل بيتي ، وتنتقل إلى بني أعمامي فهبْ لي وَلَداً يعبدك ، ويكون من نَسلِي ومن أهلي .\rوهو لم يرِدْ الولدَ بشهوةِ الدنيا وأَخْذِ الحظوظِ منها ، وإنما طلبَ الولدَ ليقومَ بحقِّ الله ، وفي قوله : { يَرِثُنِى } دليلٌ على أنه كما سأل الولدَ سأل بِقاء ولده؛ فقال : ولداً يكون وارثاً لي؛ أي يبقى بَعْدِي ، ويرث من آل يعقوب النبوةَ وتبليغ الرسالة .\rواجعله ربِّ رضياً : رَضِي فعيل بمعنى مفعول أي ترضى عنه فيكون مَرْضِيَّاً لك . ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل أي راضياً منك ، وراضياً بتقديرك .","part":4,"page":405},{"id":1906,"text":"أي استجبنا لدعائِك ، ونرزقك ولداً ذكَرَاً اسمُه يحيى؛ تحيا به عُقْرَةُ أُمِّه ، ويحيا به نَسَبُكُ ، يحيا به ذكْرُك ، وما سألَته من أن يكون نائباً عنك؛ فيحيا به محلُّ العبادة والنبوة في بيتك .\r{ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } : انفراده - عليه السلام - بالتسمية يدل على انفراده بالفضيلة؛ أي لم يكن له سَمِيٌّ قَبْله؛ فلا أحَدَ كُفْؤٌ له في استجماع أوصاف فَضْله .\rويقال لم تجعل له من قبل نظيراً؛ لأنه لم يكن أحد لا ذنبَ له قَبْلَ النبوة ولا بعدها غيره .","part":4,"page":406},{"id":1907,"text":"سأل الوَلدَ فلمَّا أُجِيب قال أَنَّى يكون لي غلام؟ ومعنى ذلك - على ما جاء في التفسير- أن بين سؤاله الولد وبين الإجابة مدةً طويلة؛ فكأنه سأل الولدَ في ابتداء حال سِنِّه ، واستجيبت دعوتُه بعد ما تناهى في سِنَّه ، فلذلك قال : { أَنَّى يَكُونُ لِى غُلاَمٌ } ؟ .\rويقال أراد أن يعرف ممن يكون هذا الولد . . أمِنْ هذه المرأة وهي عاقر أم من امرأة أخرى أتزوج بها مملوكة أستفرشها؟ فالسؤال إنما كان لتعيين مَنْ منها يكون الولد . فقال تعالى :","part":4,"page":407},{"id":1908,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ } .\rمعناه إجابة الولد لك فيها معجزة ودلالة في هذا الوقت الذي فيه حسب مستقرِّ العادة ولادة مثلِ هذه المرأة دلالةٌ ومعجزةٌ لك على قومك ، فتكون للإجابة بالولد مِنْ وَجْهٍ معجزةٌ؛ ومن وجهٍ راحةٌ وكرامةٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } .\rدلَّت الآية على أن المعدومَ ليس بشيءٍ ، لأنه نفي أن يكون قبل خَلْقِه له كان شيئاً .","part":4,"page":408},{"id":1909,"text":"أراد علامةً على علوق المرأة بالولد؛ ولم يُرِدْ علامةَ يَسْتَدلُّ لها على صِدْق ما يقال له . فأخبره تعالى : « أُنْبِئُكَ علامةَ وقت إجابتك . . إِنَّ لسانَك لا ينطق معهم بالمخاطبة - ولو اجتهدت كُلَّ الجهد - ثلاثةَ أيام ، وعليكَ أن تخاطبني ، وأن تقرأ الكتب المُنَزَّلَةَ التي كانت في وقتك . فكان لا ينطق لسانه إذا أراد أن يُكلِّمَهم ، وإذا أراد أن يقرأَ الكتبَ أو يسبِّحَ اللَّهَ انطلق مع الله لسانُه » .","part":4,"page":409},{"id":1910,"text":"أي فلمَّا خرج عليهم عرَّفهم - من طريق الإشارة - أنَّ اللسانَ الذي كان يخاطبهم به ليس الآن منطلقاً .","part":4,"page":410},{"id":1911,"text":"أي قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة مِنَّا ، خَصَصْنَاكَ بها . . . لا قوةَ يدٍ ولكن قوة قلبٍ ، وذلك خيرٌ خَصَّه اللَّهُ تعالى به وهو النبوة .\rودلَّت الآية على أنه كان من الله له كتاب .\r{ وَءَاتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً } أي النبوة ، بَعَثَه اللَّهُ بها إلى قومه ، وأوحى إليه وهو صبيّ .\rويقال الحُكْمُ بالصوابِ والحقِّ بين الناس .\rويقال الحكم هو إحكام الفعل على وجه الأمر .\rقوله { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا . . . } أي آتيناه رحمةً من عندنا ، وطهارةً وتوفيقاً لمجلوبات التقوى وتحقيقاً لموهوباتها؛ فإن التقوى على قسمين : مجموع ومجلوب يتوصَّلُ إليه العبدُ بِتَكَلُّفِه وتَعَلُّمِه ، وموضعوعٍ من الله تعالى وموهوبٍ منه يصلُ إليه العبدُ بِبَذْله سبحانه وبفضله .","part":4,"page":411},{"id":1912,"text":"{ براً بوالديه } كأمر الله - سبحانه - له بذلك لا لمودَّةِ البَشَرِ وموجِبِ عادة الإنسانية . ولم يكن متمرداً عن الحق ، جاحداً لربوبيته .","part":4,"page":412},{"id":1913,"text":"أي له مِنَّأ أمانٌ يوم القيامة ، ويوم ولادته في البداية ، ويوم وفاته في النهاية ، وهو أن يصونَه عن الزَيْغِ والعِوَجِ في العقيدة بما يُشْهدُه على الدوام من حقيقة الإلهية .\rوكذلك هو في القيامة له منه - سبحانه - الأمان؛ فهو في الدنيا معصومٌ عن الزَّلَّة ، محفوظٌ عن الآفة . وفي الآخرة معصومٌ عن البلاء والمحنة .","part":4,"page":413},{"id":1914,"text":"اعتزلت عنهم لتحصيلٍ يطهرها ، فاستترت عن أبصارهم .\rفلمَّا أبصرت جبريلَ في صورةِ إنسانٍ لم تتوقعه أَحَسَّتْ في نفسها رُعْباً ، ولم تكن لها حيلةٌ إلا تخويفه بالله ، ورجوعها إلى الله .","part":4,"page":414},{"id":1915,"text":"قالت مريمُ لجبريل - وهي لم تعرفه - إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ممن يجب أن يُخَافَ ويُتَقَّى منه؛ أي إنْ كنتَ تَقْصِد السوءَ . ومعنى قولها { بالرحمن } ولم تقل : « بالله » - أي بالذي يرحمني فيحفظني منك .\rويقال يحتمل أن يكون معناه : إن كنتَ تعرف الله وتكون متقياً مخالفة أمره فإنِّي أعوذ بالله منك وأحذر عقوبته .","part":4,"page":415},{"id":1916,"text":"تعرَّف جبريلُ إليها بما سكَّن رَوْعَها ، وقَرَنَ مقالته بالتبشير لها بعيسى عليه السلام .","part":4,"page":416},{"id":1917,"text":"قالت أنى يكونُ لي وَلَدٌ ولم أُلِمّ بِزلَّةٍ ولا فاحشةٍ؟ فقال جبريلُ - عليه السلام - : الأمرُ كما قلتُ لَكِ؛ فلا يتعّصى ذلك على الله تعالى؛ إذ هو أَقْدَرُ أَنْ يجعل هذا الوَلَدَ دلالةً على كمال قدرته ، ويكون هذا الولدُ رحمةً منه - سبحانه- لِمَنْ آمَنَ ، وسَبَبَ جهلٍِ للآخرين .","part":4,"page":417},{"id":1918,"text":"لمَّا ظهر بها الحَمْلُ ، وعَلِمَتْ أَنَّ الناسَ يستبعدون ذلك ، ولم تَثِقْ بأحدٍ تُفْشِي إليه سِرَّها . . . مَضَتْ إلى مكانٍ بعيد عن الخَلْق .","part":4,"page":418},{"id":1919,"text":"أَلَجَأَها وَجَعُ الولادةِ إلى الاعتماد إلى جِذْع النخلة . ولمَّا أَخذها الطَلْقُ ، ودَاخَلَهَا الخَجَلُ مِنْ قومِها نَطَقَتْ بلسانِ العَجزِ ، وقالت : { يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا } .\rويقال يحتمل أنها قالتها إشفاقاً من قومها ، لأنها عَلِمَتْ أَنَّهم سيبسطون لسانَ الملامةِ فيها بسلانِ الفُجْر؛ وينسبونها إلى الفحشاء .\rويقال قالتها شفقةً على قومها لئلا تُصِيبَهم بِسبَبَها عقوبةٌ .\rويقال قالت : { يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا } حتى لم أسمع مَنْ قال في الله تعالى بسببي إن عيسى ابن الله وابن مريم ، وإن مريمَ زوجتُه . . . تعالى الله عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً!\rويقال { يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا } : في الوقت الذي كنتُ مرفوقاً بي ، ولم تستقبلني هذه الخشونةُ في الحالةِ التي لَحِقَتْنِي .\rويقال { يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا } : في الوقت الذي لم يكن قلبي متعلقاً بسبب .","part":4,"page":419},{"id":1920,"text":"في التفسير أن المَعْنِيَّ بقوله { مِن تَحْتِهَا } : جبريلُ عليه السلام ، وقيل عيسى عليه السلام . والمقصودُ منه تسكينُ ما كان بها من الوحشة ، والبشارة بعيسى عليه السلام ، أي يرزقك الله ولداً سرياً .","part":4,"page":420},{"id":1921,"text":"وكان جِذْعاً يابساً أخرج اللَّهُ تعالى منه في الوقتِ الثمرةَ ، وهي الرُّطبُ الجنيُّ ، وكان في ذلك آية ودلالة لها؛ فالذي قدر على فعل مثل هذا قادر على خلق عيسى - عليه السلام - من غير أبٍ .\rويقال عندما كانت مُجَرَّدَةً بلا علاقة ، فقد كان زكريا - عليه السلام - يَجِدُ عندها رزقاً من غير أن أُمِرْتْ بتكليف ، فلمَّا جاءَتْ علاقةُ الولدِ أُمِرَتْ بهزِّ النخلةِ اليابسةِ - وهي في أضعف حالها؛ زمان قرب عهدها بوضع الولد ، لِيُعْلَمَ أَنَّ العلاقةَ توجِبُ العناءَ والمشقة .\rويقال بل أُمِرَتْ بهزِّ النخلة اليابسة ، وكان تمكنُها من ذلك أوضحَ دلالة على صدقها في حالها .\rويقال لمّا لم يكن لها في هذه الحالة مَنْ يقوم بتعهدها تولَّى الله تعالى كفايتها؛ لِيَعْلَمَ العالمون أنه لا يضيع خواصَّ عِبادِه في وقت حاجتهم .","part":4,"page":421},{"id":1922,"text":"كفاها أسبابَ ما احتاجت إليه مِنْ أَكْلِهَا وشُرْبِها ، وسَكَّنَ من خوفها ، وطيَّبَ قلبَها .\r{ فَإِمَّا تَرَينَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدا } : فلا تخاطبيهم وعرِّفيهم - بالإشارة - أَنَّكِ نَذَرْتِ للرحمن الصمتَ مع الخَلْق ، وتَرْكَ المخاطبةِ معهم .","part":4,"page":422},{"id":1923,"text":"بسط قومُها فيها لسانَ الملامةِ لما رَأَوْها قد وَلَدَتْ - وظاهرُ الحالِ كان معهم - فقالوا لها على سبيل الملامة : يا مَنْ كنا نَعُدُّكِ في الصلاح بمنزلة هارون المعروف بالسداد والصلاح . . . مِنْ أين لكِ هذه الحالة الشنعاء؟\rويقال كان أخوها اسمه هارون . ويقال كان هارون رجلاً فاسقاً في قومهم ، فقالوا : يا شبيهته في الفساد . . ما هذا الولد؟\rويقال كان هارون رجلاً صالحاً فيهم فقالوا : يا أخت هارون ، ويا مَن في حسابنا وظَنَنَّا ما كان أبواكِ فيهما سوء ولا فساد . . . كيف أتيتِ بهذه الكبيرة الفظيمعة؟!","part":4,"page":423},{"id":1924,"text":"في الظاهر أشارت إلى الولد ، وفي الباطن أشارت إلى الله ، فأخذهم ما قرب وما بعد وقالوا : كيف نكلِّم مَنْ هو أهل بأن يُنَوَّم في المهد؟!\rف « كان » ها هنا في اللفظ صلة . . . وحملوا ذلك منها على الاستهانة بفعلتها .","part":4,"page":424},{"id":1925,"text":"لما قالوا ذلك أنطق اللَّهُ عيسى حتى قال : { إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ } ، فظهرت براءةُ ساحتها بكلام عيسى قبل أن يتكلم مثلُه . وجرى على لسانه حتى قال : { إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ } ؛ ليُقَال للنصارى إِنْ صَدَقَ عيسى أنه عبدُ الله بطل قولُكم إِنه ثالث ثلاثة ، وإِن كذب فالذي يكذب لا يكون ابناً لله ، وإنما يكون عبداً لله ، وإذا لم يكن عَبْدَ هواه ، ولا في أسْْرِ شيءِ سواه فَمَنْ تحرر مِنْ غيره فهو في الحقيقة عَبْدُه .\r{ ءَاتِانِىَ الكِتَابَ } أي سيؤتيني الكتاب أو آتاني في سابق حكمه .\r{ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } بفضله . وفي الآية ردٌّ على من يقول إن النبوة تُسْتَحقُّ بكثرة الطاعة لأنه قال ذلك في حال ولادته؛ لم تَكُنْ منه بَعْدُ عبادةٌ وأخبر أن الله جعله نبياً .","part":4,"page":425},{"id":1926,"text":"أي نافعاً للخلْق يرشدهم إلى أمور دينهم ، ويمنعهم من ارتكاب الزَّلّةِ التي فيها هلاكهم ، ومَنْ استضاء بنوره نجا . . فهذه بركاتُه التي كانت تصل إلى الخلْق . ومَنْ بركاتِه إغاثةُ الملهوف ، وإعانةُ الضعيف ، ونصرة المظلوم ، ومواساة الفقير ، وإرشاد الضال ، والنصيحة للخَلْق ، وكفُّ الأذى عنهم وحَمْلُ الأذى منهم .\r{ وَبَرَّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً } أي لم يجعلني غيرَ قابلٍ للنصيحة .\rويقال { شَقِيّاً } : أي متكبراً متجبراً . ويقال مختوماً بكُفْرٍ .","part":4,"page":426},{"id":1927,"text":"قال عيسى عليه السلام : { وَالسَّلاَمُ عَلَىَّ } وقال لنبينا عليه السلام ليلة المعراج : « السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته » . . فشتان ما هما!\rوالسلام بمعنى السلامة ، أي سلامة لي يوم الولادة مما نسبوا إِليَّ من قول النصارى في مجاوزة الحدِّ في المدح ، ومما وصفني به اليهود من الذمِّ ، فَلَسْتُ كما قالت الطائفتان جميعاً .\rوسلام عليَّ يوم أموت؛ ففي ذلك اليوم تكون لي سلامةٌ حتى تكون بالسعادة وفاتي .\rوسلام عليّ يو أُبْعَثُ؛ أي سلامةٌ لي في الأحوالِ مِمَّا يُبْتَلَى به غيرُ أهل الوصال .","part":4,"page":427},{"id":1928,"text":"أي الذي قال ما أخبر الله عنه هو عيسى ابن مريم . . . أيكون بقول إله؟\rوقد شكَّ فيه أكثر الخَلْق فَرَدَّه قومٌ وَقِبَله قومٌ ، والفَرق بينهم افي استحقاقه .\rوقوله : { قَوْلَ الحَقِّ } أي يكون بقوله الحق وهو :","part":4,"page":428},{"id":1929,"text":"لا يجوز أن يكون له وَلَدٌ على الحقيقة؛ لأنه واحد ، والوَلَدُ بعضُ والده .\rولأنه لا داعي له إلى صحبة زوجة فيكون له ولد على الحقيقة . ولا يجوز عليه التبني لأحدٍ لَعَدَمِ الجنسية بينهما .\rوقوله : { إِذَا قَضَى أَمْراً . . . } إذا أراد إحداثَ شيءٍ خَلَقَه بقدرته ، وخاطَبَه بأمر التكوين ، ولا يتعصَّى عليه - في التحقيق - مقدور .\r{ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ } أي أمرني بأن تعلموا ذلك؛ وأمرني بتبليغ رسالتي ، واتباع ما شَرَعَ اللَّهُ من العبادات .","part":4,"page":429},{"id":1930,"text":"فَمَنْ عُجِنَتْ بِماءِ السعادةِ طينتُه أَطَاعَ في عاجله وما ضاع في آجله ، ومَنْ أَقْصَتْه القِسْمة السابقة لم تُدْنِه الخِدْمَةُ اللاحقة ، وسَيَلْقَوْْنَ غِبَّ هذا الأمر .","part":4,"page":430},{"id":1931,"text":"تصير معارفهم ضروريةً ، وأحوالُهم كلُّها معكوسةًَ ، الحُجَّة تتأكَّد عليهم ، والحاجةُ لا تُسْمَعُ منهم ، والرحمةُ لا تتعلَّق بهم ، فلا تُرْحَم شكاتُهم ، ولا يُسْمَعُ نِداؤُهم .","part":4,"page":431},{"id":1932,"text":"تقوم الساعةُ بغتةً ، وتصادفهم القيامةُ وهم غيرُ مستعدين لها فيتحسَّرون على ما فاتهم .\rويقال يوم الحسرة يوم القسمة حين سَبَقَتْ لقوم الشقاوةُ- وهم في محو العَدَم ، ولآخرين السعادة - وهم بنعت العدم - ولم يكن من أُولئك جُرْم بَعْدُ ، ولا مِنْ هؤلاء وِفَاقٌ بعدُ .","part":4,"page":432},{"id":1933,"text":"يريد به إذا قَبَضَ أرواحَ بني آدم بجملتهم ، ولم يبقَ على وجه الأرض منهم واحدٌ ، وليس يريد به استحداث مُلْكِه ، وهو اليومَ مالِكُ الأرض ومَنْ عليها ، ومالكُ الكونِ وما فيه .\rويقال إن زكريا قال - لمَّا سأل الولد : { يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ } [ مريم : 6 ] وقال تعالى في صفة بني إسرائيل : { كّذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرآءِيلَ } [ الشعراء : 59 ] وقال : { إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُررِثُهُا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } [ الأعراف : 128 ] ، ولما انتهى إلى هذه الأمة قال : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمنْ عَلَيْهَا } . . فشتان بين مَنْ وارِثُه الوَلَدُ وبين مَن ْ وارِثُه الأَحَدُ!\rويقال هان على العبد المسلم إِذل مات إذا كان الحقُّ وارثَه . . . . وهذا مخلوق يقول في صفه مخلوق :\rفإِنْ يكُ عتَّابٌ مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مِثْلُ خالدِ .\rوقال تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَآءُ } [ آل عمران : 168 ] لماذا؟ لأَِنَّ وارثَهم اللَّهُ .","part":4,"page":433},{"id":1934,"text":"الصِذِّيق الكثير الصدق ، الذي لا يمازج صِدْقَه شوبٌ .\rويقال هو الصادق في أقواله وأعماله وأحواله .\rويقال الصِدِّيق لا يناقِضُ سِرُّهُ عَلَنَه .\rويقال هو الذي لا يشهد غيرَ الله مُثْبِتَاً ولا نافياً .\rويقال هو المستجيب لِمَا يُطَالَب به جملةً وتفصيلاً .\rويقال هو الواقفُ مع اللَّهِ في عموم الأوقات على حدِّ الصدق .","part":4,"page":434},{"id":1935,"text":"دلَّت الآيةُ على استحقاقِ المعبودِ الوصفَ بالسمع والبصرِ على الكمال دون نُقْصانٍ فيه ، وكذلك القول في القدرة على الضَّرِّ والنفع .\rوإذا رجع العبدُ إلى التحقيق عَلِمَ أن كلَّ الخَلْق لا تَصْلُحُ قدرةُ واحدٍ منهم للإبداع والإحداث ، فمن عَلََّق قلبه بمخلوق ، وأو تَوَهَّمَ شظية منه من النفي والإثبات فَقَدْ ضَاهَى عَبَدةَ الأصنام .","part":4,"page":435},{"id":1936,"text":"أَمَرَه باتباعه لمَّا ترجح عليه جانبُه في كَوْنِ الحقِّ معه - وإِنْ كان أكبرَ منه سِنَّاً ، وبيَّن أن الخلاص في اتباع أهل الحقِّ ، وأَنَّ الهلاكَ في الابتداع والتطوع في مغاليط الطرق .","part":4,"page":436},{"id":1937,"text":"بيَّن أَنَّ العلةَ في منعه من عبادة الشيطان عصيانه للرحمن فَبَانَ أنه لا ينبغي أَنْ تكون طاعةٌ لِمَنْ يَعْصِي اللَّهَ بحالٍ .\rويقال أساسُ الدَّين هِجْرَانُ أَرباب العصيان .","part":4,"page":437},{"id":1938,"text":"لم يغادِرْ الخليل شيئاً من الشفقة على أبيه ، ولم ينفعه جميل وعظه ، ولم تنجع فيه كثْرَةُ نُصْحه؛ فإِنَّ مَنْ اَقْصَتْه سوابِقٌ التقدير لم تُخَلِّصْه لواحقُ التدبير .","part":4,"page":438},{"id":1939,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَآإبْرَاهِيمُ } .\rمنَّاه إبراهيمُ بجميل العُقْبَى ، فقابلَه بتوعدُّ العقوبة فقال :\r{ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مِليّاً } .\rفأجابه الخليل بمقتضى سكون البصيرة .","part":4,"page":439},{"id":1940,"text":"وهذا قبل أن ييأسَ من إيمانه ، إذا كانت لديه بعدُ بقيةٌ من الرجاء في شأنه ، فلمَّا تحقق أنه مختومٌ له بالشقاوة .","part":4,"page":440},{"id":1941,"text":"{ وَمَا تَدْعُونَ } : أي ما تعبدون ، { وَأَدْعُوا رَبِىّ } : أي أعبده .","part":4,"page":441},{"id":1942,"text":"لما أَيِسَ من أصلِه آنسَه اللَّهُ بما أكرمه من نَسْلِه ، فأنبتهم نباتاً حسناً ، ورزقهم النبوةَ ، ولسان الصدق بالذكر لهم على الدوام فقال :\r{ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } .","part":4,"page":442},{"id":1943,"text":"مُخْلَصاً خالصاً لله ، ولم يكن لغيرِه بوجهٍ؛ فلم تأخذه في الله لومةُ لائم ، ولم يستفزه طمع نحو إيثار حظٍ ، ولم يُغْض في اللَّهِ على شيءٍ .","part":4,"page":443},{"id":1944,"text":"للنجوى مزية على النداء ، فجمع له الوصفَيْن : النداءَ في بدايته ، والسماعَ والنجوى في نهايته؛ فوقَفَه الحقُّ وناداه ، وفي جميع الحالين تولاّه .\r{ مِن جَانِبِ الطُّورِ } : ترجع إلى موسى فموسى كان بجانب الطور .","part":4,"page":444},{"id":1945,"text":"من خصائص موسى أنه وهب له أخاه هارون نبيَّاً .","part":4,"page":445},{"id":1946,"text":"كان صادق الوعد إذ وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه ، وصبر على ذلك إلى أن ظهر الفِداء . وصدق الوعد لأنه حفظ العهد . وكان يأمر أهله بالصلاة - بأمر الله أياه - وبالزكاة ، ويشتمل هذه على أمره إياهم بالعيادة البدنية والمالية حيثما وكيفما كان .\r{ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } وكان هذا أشرفَ خِصاله وأَجلَّ صفاته .","part":4,"page":446},{"id":1947,"text":"الصِّدِّيق كثير الصدق ، لا يشوب صدقه مَذْقٌ ، ويكون قائماً بالحقِّ للحق ، ولا يكون فيه نَفَسٌ لغيرالله .\r{ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } : درجة عظيمة في التربية لم يُسَاوِه فيها أَحَدٌ .","part":4,"page":447},{"id":1948,"text":"أقامهم بشواهد الجمع ، وأخبر أن مِنَّتَه كامِنَةٌ في تخصيصِهم بأحوالهم ، وتأهيلهم لِمَا رقَّاهم إليه من المآل ، وأنه بفضله اختارهم واجتباهم . ومما أنعم به عليهم من الخصائص رِقَّةُ قلوبِهم؛ فهم إذ تُتْلَى عليهم الآياتُ سجدوا ، وسجوُد ظواهرِهم يدل على سجدود سرائرهم بما حقَّقَ لهم من شواهد الجمع ، وأمارة صحته ما وفقهم إليه من عين الفرق؛ فبوصف التفرقة قاموا بحق آداب العبودية ، وبِنعَت الجمع تحققوا بحقائق الربوبية .","part":4,"page":448},{"id":1949,"text":"الذين حادوا عن طريقهم ، وضيعَّوا حقَّ الشرع ، وتخطوا واجبَ الأمر ، وزاغوا عن طريق الرشد ، وأخلوا بآداب الشرع ، وانخرطوا في سِلْكِ متابعة الشهوات - سيلقون عن قريبٍ ما يستوجبونه ، ويُعَامَلُون بما يستحقونه ، ويُعَاملون بما يستحقونه .","part":4,"page":449},{"id":1950,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً } .\rفأولئك الذين تداركتهْم الرحمةُ الأزليةُ ، وسيبقون في النعم السرمدية . يستنجز الحقُّ لهم عِدَاتِهِم ، ويُوَصِّلُهم إلى درجاتهم ، ويُحَقِّق لهم ما وعدهم .\r{ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } : لأن ما أُتِيتَه فقد أتاك أو ما أَتَاكَ فقد أتيته .\r{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } : فإِن أسماعَهم مصونةٌ عن سماعِ الأغيارِ ، لا يسمعون إلا من اللَّهِ وبالله ، فإن لم يكن ذلك فلا يسمعون إلا الله .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } .\rكانوا يعدون مَنْ عنده طعام البكرة والعشية مِنْ جملة المياسيرِ والأغنياءِ لكونهم فقراءَ؛ إنْ وجدوا غَداءَهم ففي الغالب يَعْدِمُونَ عشاءَهم ، وإِنْ وجدوا عشاءَهم فَقَلَّما كانوا يجدون غداءَهم . ويقال في : { وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ فيها } [ النحل : 57 ] : بمقدار الغدو والعشي من الزمان في الجنة أي كالوقت . ثم إن الأرزاق تختلف في الجنة؛ فللأشباحِ رِزْقٌ من مطعومِ ومشروب ، وللأرواحِ رزقٌ من سماعٍ وشهود ، ولكلٍ - على قَدْرِ استحقاقه - قِسْطٌ معلوم .","part":4,"page":450},{"id":1951,"text":"فالجنة للأتقياء من هذه الأمة مُعَدّةٌ له ، والرحمةُ لُعصاةِ المسلمين مُدَّخرةٌ لهم ، الجنةُ لُطْفٌ من الله تعالى ، والرحمةُ وَصْفٌ لله تعالى . وقوله : { مِنْ عِبَادِنَا } : فَعَبْدُه على الخصوصية مَنْ كان اليومَ في قيد أمره . وقوله : { مَن كَانَ تَقِيّاً } : قوم يتقون المعاصي والمخالفات ، وقوم يتقون الشهواتِ ، وآخرون يتقون الغفلاتِ ، وآخرون يتقون شهود كُلَّ غيره .","part":4,"page":451},{"id":1952,"text":"إن الملائكةَ - عليهم السلام - أبداً يَنْزِلون بإِذن الحقِّ تعالى ، فبعضهم بإنجاد المظلومين ، وبعضهم بإِغاثة الملهوفين ، وبعضهم بتدمير الجاحدين ، وبعضهم بنصرة المؤمنين ، وبعضهم إلى ما لا يحصى من أمور الناس أجميعن . واللَّهُ - سبحانه - لا يترك جاحداً ولا عابداً من حِفْظٍ وإنعامٍ ، أو إمهالٍ ونكَال . . . .","part":4,"page":452},{"id":1953,"text":"بحق الإظهار يجب أن يكون هو ربَّها ، ويكون مالَكها ، ويكون قادراً عليها .\rوإذا وجدت فهو فاعلها ، فمعنى كون فعل الشيء لفاعله أنه في مقدوره وجوده .\rويقال إذا كان ربَّ الأكابرِ من الأقوياء فهو أيضاً ربُّ الأصاغر من الضعفاء ، وقيمةُ العَبْدِ بمالِكِه وقَدْرِه ، لا بثمنه في نَفْسِه وَخَطَره .\rقوله : { فَاعْبُدْهُ } أي قِفْ حيثما أمرك ، ودَعْ ما يقع لك ، وخَلِّ رأيك وتدبيرك .\rقوله { وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } : الاصطبار غاية الصبر .\rقوله : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } : أي كفواً ونظيراً . ويقال هل تعرف أحداً يسمى « الله » غيرَ اللَّهِ؟ ويقال أَنَّي بالنظير . . . وهو بالقِدَمِ متوحد! والتشبيه يقتضي التسوية بين المتشابهين ، ولا مِثْلَ له . . . لا موجوداً ولا موهوماً .","part":4,"page":453},{"id":1954,"text":"أنكروا حديثَ البعثِ غاية الإنكار ، فأقام الحّجَة عليهم بالنشأة الأولى؛ فقال : إن الذي قدر على خَلْقِ في الابتداء وهم نُطَفٌ ضعفاء ، وقَبْلُ كانوا في أصلابِ الآباءِ وأرحامِ الأمهاتِ فَفَطَرَهمُ ، وعلى ما صَوَّرَهم ، وفي الوقت الذي أراد - عن بطون أمهاتهم أَخْرَجَهُم .\rقوله : { وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } فيه دليل على صحة أهل البصائر أَنّ المعدومَ لم يك شيئاً في حال عَدَمِه .\rويقال أبطل لهم كلَّ دعوى حيث ذَكَّرَهم نَسبَهم وكَوْنَهم مِنَ العَدَمِ .","part":4,"page":454},{"id":1955,"text":"نحشرهم جميعاً فيجتمعون في العَرْصَةِ ثم يختلف مُنْقَلَبُهم؛ فيصير قومٌ إلى النار ثم إلى دَرَكاتٍ بعضها أسفل من بعض - واسمُ جهنم يجمع أماكنهم . ويصير قومٌ إلى الجنة ثم هي دَرَجَاتٌ بعضها أعلى رتبةً ودرجةً من بعض - واسمُ الجنة يشتمل على جميع مساكنهم .\rويقال التفاوتُ في الجنةِ بين الدرجاتِ أكثرُ من التفاوت بين أهل الدارين .","part":4,"page":455},{"id":1956,"text":"مَنْ تَقدَّمَ عليهم في الإضلال والضلال ضوعف عليه غداً العذاب والأغلال .","part":4,"page":456},{"id":1957,"text":"ينزل في كل دَرَكَةٍ من دركاتها من هو أهل لها ، فمن كان عتوُّه اليومَ أشدَّ غلوا كان في النار أبعدَ من الله وأشدَّ عقوبةً وإذلالاً .","part":4,"page":457},{"id":1958,"text":"كلٌّ يَرِدُ النارَ ولكن لا ضيْرَ منها ولا احتباسَ بها لأحدٍ إلا بمقدار ما عليه من ( . . . ) والزلل؛ فأشدُّهم انهماكاً أشدهم بالنار اشتعالاً واحتراقاً . وقوم يردونها - كما في الخبر : « إن للنار عند مرورهم عليها إذوابةً كإذوابةِ اللَّبَن ، فيدخلونها ولا يحسون بها ، فإذا عبروها قالوا : أو ليس وعدنا جهنم على طريق؟ فيقال لهم . عبرتم وما شعرتم »","part":4,"page":458},{"id":1959,"text":"يُنَجِّي مَنْ كان مؤمناً ، بعضهم قَبْلَ بعض ، وبعضهم بَعْدَ بعض ، ولكن لا يبقى من المؤمنين مَنْ لا ينجيهم . ويترك الكفار فيها بنعت الخيبة عن الخروج منها ، وعند ذلك يشتدُّ عليهم البلاء ، وتُطْبقُ عليهم أبوابُ جهنم ، وينقطع منهم الرجاء والأمل .\rوإنما ينجو القوم بحسب تقواهم؛ فزيادة التقوى توجِب لهم التعجيل في النجاة؛ فمن سابقٍ ومن لاحقٍ ، ومن منقطع ، ومن محترق . . . إلى كثيرٍ من الأصناف والألوان .","part":4,"page":459},{"id":1960,"text":"يعني إذا قُرِئَتْ عليهم آياتُ القرآن قابلوها بالردِّ والجحد والعتو والزيغ ، ويَدَّعُون أنهم على حقٍ ، ولا يعتمدون في ذلك إلا على الحَدْسِ والظَّنِّ .","part":4,"page":460},{"id":1961,"text":"أي إن هؤلاء ينخرطون في سِلْكِ مَنْ تَقَدَّمهم ، كما سلكوا في الريب منهاجهم ، وسَيَلْقَوْن ما يستوجبونه على سوء أعمالهم .","part":4,"page":461},{"id":1962,"text":"إن الله تعالى يُمْهِلُ الكفارَ ليركنوا إلى أباطيل ظنونهم ، ويَغْترُّوا بسلامةِ أحوالهم ، فينسونه في غفلة الإمهال والاغترار بسلامة أحوالهم ، ثم يغشاهم التقدير بما يستوجب حسبانهم .\rقوله : { حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ . . . } أي يحل بهم موعودُ العقوبة عاجلاً أو قيام الساعة آجلاً ، فعند ذلك يتضح لهم ما تعامَوْا عنه من شدة الانتقام ، وسيعلمون عند ذلك ما فاتهم وما أصابهم .","part":4,"page":462},{"id":1963,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً } .\rأي يُغْنيهم بنور البدر عن الاستضاءة بنور النجم ، ثم بطلوع الفجر قبل طلوع الشمس ، فإذا مَتَعَ نهارُ العرفانِِ فلا ظلمة ولا تهمة .\r{ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّا }\r{ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } : الشهادةُ بالربوبيةِ خيرٌ من غيرها مما لا يوجد فيه صدق الإخلاص .\rويقال : { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } : التي تبقى عند الله مقبولة .\rقوله تعالى : { خَيْرٌ } لأن في استحقاقِ القبول زيادةً للهدى؛ فيصير عِلْمُ اليقين عينَ اليقين ، وعينُ يقينهم حَقَّ اليقين .","part":4,"page":463},{"id":1964,"text":"أخْبِرْ بقصة ذلك الكافر الذي قال بيمين - من غير حجة - لأُعْطيَنَّ مالاً وولداً ، ورأى أن يكون ليمينه تصديق ، فهل هو :","part":4,"page":464},{"id":1965,"text":"هل يقول ما يقول بتعريفِ منا؟ أم هل اتخذ مع الله عهداً؟ ليس الأمركذلك ودليل الخطاب يقتضي أن المؤمن إذا ظن بالله تعالى ظناً جميلاً ، أو أمَّلَ منه أشياء كثيرة فالله تعالى يحققها له ، ويَصْدُقُ ظَنُّه لأنه على عهد مع الله تعالى ، والله تعالى لا يخلف عهده .","part":4,"page":465},{"id":1966,"text":"كلا . . . ليس الأمر على ما يقول ، وليس لقولهم تحقيق ، بل سنمد لهم من العذاب مداً أي سنطيل في العذاب مدتهم .\r{ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ . . . } لن نُمَتِّعَه بأولاده وَحَشمِه وخَدَمهِ وقَوْمه ، ويعود إلينا منفرداً عنهم .","part":4,"page":466},{"id":1967,"text":"حكموا بظنهم الفاسدِ أنَّ أصنامَهم تمنعهم ، وأنَّ ما عبدوه من دون الله تعالى توجِبُ عبادتهم لهم عند الله تعالى وسيلةً . . . وهيهات! هيهات أن تكون لمغاليط حسبانهم تحقيق ، بل إذا حُشِرُوا وحُشِرَتْ أصنامُهم تَبَرَّأَتْ أصنامُهم منهم ، وما أمَّلُوا نفعاً منها عاد ضرراً عليهم .\rويقال طلبوا العِزَّ في أماكن الذل ، فأخفقوا في الطلب ، ونُفُوا عن المراد .","part":4,"page":467},{"id":1968,"text":"تؤزهم أي تزعجهم ، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وغُمَّة ، وخاطر الحقِّ يكون بَروْحٍ وسكينة ، وهذه إحدى الدلائل بينهما .","part":4,"page":468},{"id":1969,"text":"الأنفاس في الحكم معدودة؛ فمن لم يستوف فلا انقضاء لها . وإذا انتهى الأَجَلُ فلا تنفع بعد ذلك الحِيَلُ ، وقبل انقضائه لا يزيد ولا ينقص بالعلل .","part":4,"page":469},{"id":1970,"text":"قيل ركباناً على نجائب طاعاتهم ، وهم مختلفون؛ فَمِنْ راكبٍ على صدور طاعاته ، ومن راكبٍ على مراكب هِمَمِه ، ومن راكبٍ على نجائب أنواره . ومِنْ محمولٍ يحمله الحقُّ في عقباه كما يحمله اليومَ في دنياه . وليس محمولُ الحقِّ كمحمول الخَلْق!","part":4,"page":470},{"id":1971,"text":"فأولئك يُساقون بوصف العِزَّ ، وهؤلاء يُساقون بنعت الذُّلِّ ، فيجمعهم في السَّوْقِ ، ولكن يُغَابر بينهم في معانيه . . . . فشتَّان ما هما!!","part":4,"page":471},{"id":1972,"text":"وذلك العهدُ حِفْظُهم في دنياهم ما أُخِذَ عليهم - يومَ الميثاق- من القيام بالشهادة بوحدانية مولاهم .","part":4,"page":472},{"id":1973,"text":"ما أعظم بهتانَهم في مقالتهم! وما أشدَّ جرأتَهم في قبيح حالتهم! لكنَّ الصمديةَ متقدِّسِةٌ عن عائدٍ يعود إليها من زَيْنٍ بتوحيدِ مُوَحِّد ، أو شَيْنٍ بإلحاد مُلْحِد . . . فما شاهت إِلاَّ وجوهُهم بما خاضوا فيه من مقالهم ، وما صاروا إليه من ضلالهم . كما لم يَتَجمَّلْ بما قاله الآخرون إلا القائل ، وما عاد إلا القائل مقابلٌ من عاجلٍ أو آجل .","part":4,"page":473},{"id":1974,"text":"أنَّى بالولد وهو واحد؟! وأَنَّى بالولادة ولا جنسَ له وجوباً ولا جوازاً؟!\r{ لَّقَدْ أَحْصَاهُم . . . } : لا يَعْزُب عن عِلْمِه معلومٌ ، ولا ينفكُّ عن قدرته - مما يصح أن يقال حدوثه - موهوم .\r{ وَكُلُّهُمْ ءَاتيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً } لا خَدَمَ يصحبهم ، ولا حَشَمَ يلحقهم ، كلَّ بِنَفْسِهِ مشتغِلٌ ، وعن غيره منفرد .","part":4,"page":474},{"id":1975,"text":"يجعل في قلوبهم وداً لله نتيجةً لأعمالهم الخالصة ، وفي الخبر : « لا يزال العبد يتقربَ إليَّ بالنوافل حتى يحبني وأحبه » .\rويقال يجعل لهم الرحمن وداً في قلوب عباده ، وفي قلوب الملائكة ، فأهل الخير والطاعة محبوبون مِنْ كلِّ أحد من غير استحقاق بفعل .","part":4,"page":475},{"id":1976,"text":"الكلام واحد والخطاب واحد ، وهو لقوم تيسير ، ولآخرين تخويف وتحذير فطوبى لِمَنْ يُسِّر لما وفِّق به ، والويل لمن خُوِّف بل خُذِلَ فيه . والقومُ بين موفقٍ ومَخْذُولٍ .","part":4,"page":476},{"id":1977,"text":"أثبتهم وأحياهم ، وعلى ما شاء فطرهم وأبقاهم ، ثم بعد ذلك - لما شاء - أماتهم وأفناهم ، فبادوا بأجمعهم ، وهلكوا عن آخرهم ، فلا كبير منهم ولا صغير ، ولا جليل ولا حقير ، وسَيُطَالبونَ - يومَ النشور - بالنقير والقطمير .","part":4,"page":477},{"id":1978,"text":"الطاء إشارة إلى قلبه - عليه السلام - من غير الله ، والهاء إشارة إلى اهتداء قلبه إلى الله .\rوقيل طَأْ بِسرِّك بساط القربة فأنتَ لا تهتدي إلى غيرنا .\rويقال طوينا عن سرِّك ذِكْرَ غيرنا ، وهديناك إلينا .\rويقال طوبى لمن اهتدى بك . ويقال طاب عيشُ مَنْ اهتدى بك .\r{ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْءَانَ لِتَشْقَى } : أي ليس المقصود من إيجابنا إليك تعبدك ، وإنما هذا استفتاحُ الوُصلة ، والتمهيد لبساط القُرْبَةِ .\rويقال إنه لما قال له : { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } [ الحجر : 88 ] وقف بِفَرْدِ قدم تباعدا وتنزهاً عن أن يقرب من الدنيا استمتاعاً بها بوجهٍ فقيل له : طأ الأرض بقدميك . . . لِمَ كل هذا التعب الذي تتحمله؟ فزاد في تعبده ، ووقف ، حتى تقدمت قدماه وقال : « أفلا أكون عبداً شكوراً » أي لما أهلني من التوفيق حتى أعبده .","part":4,"page":478},{"id":1979,"text":"فالقرآنُ تَبْصِرةٌ لذوي العقول ، تذكرة لذوي الوصول ، فهؤلاء به يستبصرون فينالون به راحةَ النَّفْسِ في آجِلِهم ، وهؤلاء به يذكرون فيجدون رَوْحَ الأُنْسِ في عاجِلهم .","part":4,"page":479},{"id":1980,"text":"جَعَلَ الأرض قراراً لِعبادِه . ونفوسُ العابدين أرضٌ وقرارٌ لطاعتهم ، وقلوبُ العارفين قرارٌ لمعارفهم .","part":4,"page":480},{"id":1981,"text":"استواء عَرْشِه في السماءِ معلوم ، وعَرْشه في الأرض قلوبُ أهل التوحيد .\rقال تعالى : { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } [ الحاقة : 17 ] وعرش القلوب : قال تعالى : { وَحَمَلْنَاهُمْ فِى البَرِّ وَالبَحْرِ } [ الإسراء : 70 ] أمَّا عرش السماء فالرحمن عليه استوى ، وعرشُ القلوبِ الرحمنُ عليه استولى . عرشُ السماءِ قِبْلَهُ دعاءِ الخَلْق ، وعرشُ القلبِ مَحَلٌّ نَظَرِ الحق . . . . . فشتَّان بين عرشٍ وعرش!","part":4,"page":481},{"id":1982,"text":"له الأشياء على العموم مِلْكاً ، والأولياء تخصيصاً وتشريفاً . له ما بين السموات والأرض مما أظهر من العَدَمِ؛ فالكلُّ له إثباتاً وخَلْقَاً .","part":4,"page":482},{"id":1983,"text":"النَّفْسُ لا تقف على ما في القلب ، والقلبُ لا يقف على أسرار الرُّوح ، والروح لا سبيل له إلى حقائق السرِّ . والذي هو أخفى من السِّرِّ فهو ما لا يَطَّلِعُ عليه إلا الحق .\rويقال الذي هو أخفى من السر لا يفسده الشيطان ، ولا يكتبه المَلَكَانِ ، ويستأثِرُ بِعلْمه الجبَّارُ ، ولا تقف عليه الأغيار .","part":4,"page":483},{"id":1984,"text":"نَفَى كل موهوم من الحدثان بأن يكون شيءٌ منه صالحاً للإبداع ، وأثبت كُلِّ ما في الوجود له باستحقاق القِدَم .\r{ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى } أي صفاته ، على انقسامها إلى صفة ذات وصفة معنى .\rويقال { لَهُ الأسْمَآءُ الحُسْنَى } تعريفٌ للخَلْق بأنَّ استحقاق العلو والتقدُّس عن النقائص له على وصف التفرُّد به .","part":4,"page":484},{"id":1985,"text":"سؤال في صيغة الاستفهام والمراد منه التقرير والإثبات . وأجرى - تعالى - سُنَّتَه في كتابه أن يذكر قصة موسى عليه السلام في أكثر المواقع التي يذكر فيها حديث نبينا A فيعقبه بذكر موسى عليه السلام .","part":4,"page":485},{"id":1986,"text":"ألاح له النار حتى أخرجه من أهله يطلبها ، وكان المقصودُ إخراجَه من بينهم ، فكان موسى عليه السلام يدنو والنار تنأى ، وقال لأهلِه :\r{ امْكُثُوا إِنِِّى ءَانَسْتُ نَاراً } فقال أهلُه : كيف تتركنا والوادي مسبع؟ فقال : لأجلِكُم أفارقكم؛ فلَعَلِّي آتيكم من هذه النار بقبس .\rويقال استولى على موسى عند رؤيته النار الانزعاجُ ، فلم يتمالك حتى خرج . ففي القصة أنه لما أتاها وَجَدَ شجرةً تشتعل من أولها إلى آخرها ، فجمع موسى - عليه السلام - حشائشَ ليأخذ من تلك النار ، فعرف أن هذه النارلا تسمح نفْسُها بأَنْ تُعْطِي إلى أحدٍ شعلة :\rوقَلَن لنا نحن الأَهِلَّةُ إنما ... نضيءُ لِمَنْ يَسْرِي بليلٍ ولا نُقْرِي\rيا موسى هذه النارُ تضيءُ ولكن لا تعطي لأحدٍ منها شعلة . يا موسى هذه النارُ تحرق القلوبَ لا النفوس .\rويقال كان موسى عليه السلام في مزاولة قَبسٍ من النار فكان يحتال كيف يأخذ منها شيئاً ، فبينما هو في حالته إذ سمع النداءَ من الحقِّ .","part":4,"page":486},{"id":1987,"text":"علم موسى أنه كلام الحق - سبحانه - لَمَّا سَمِعَ فيه الترتيبَ والتنظيمَ والتركيب ، فَعَلِمَ أنه خطاب الحق .\rويقال إنما عرف موسى - عليه السلام - أنه كلامُ الله بتعريفٍ خصَّه الحق - سبحانه - به من حيث الإلهام دون نوع من الاستدلال .\rقوله : { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ . . . } فإِن بِسَاطَ حضرةِ الملوكِ لا يُوطَأُ بِنَعْلٍ .\rويقال ألقِ عصاك يا موسى واخلع نعليك ، وأَقِمْ عندنا هذه الليلةَ ولا تَبْرَحْ ويقال الإشارة في الأمر بخلع النعلين تفريغ القلب من حديث الدارَيْن ، والتجرد للحقِّ بنعت الانفراد .\rويقال : { اخلع نعليك } : تَبَرَّأْ عن نَوْعَيْ أفعالك ، وامْحُ عن الشهود جنْسَيْ أحوالِك من قربٍ وبُعْدٍ ، ووَصْلٍ وفَصْلٍ ، وارتياح واجتياح ، وفناء وبقاء . . . . وكُنْ بوصفنا؛ فإٍنما أنت بحقنا .\rأَثْبَتَه في أحواله حتى كان كالمجرد عن جملته ، المُصْطَلَم عن شواهده .\rقوله : { إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً } : أي إنك بالوادي المقدس عن الأعلال؛ وساحاتُ الصمدية تَجِلُّ عن كل شيْن ، وإيمانٍ وزَيْن؛ عن زَيْنٍ بإحسان وشَيْنٍ بعصيان؛ لأنَّ للربوبية سَطَعَاتِ عِزِّ تقهر كل شيء .","part":4,"page":487},{"id":1988,"text":"وعلى علمٍ مني بك اصطفيتكُ ، وجَرَّدْتُكَ ونقيتك عن دَنَسِ الأوهام وكلّ ما يُكَدِّرُ صَفْوَك .\rويقال بعدما اخترتُك فأنت لي وبي ، وأنت محو في فنائك عنك .","part":4,"page":488},{"id":1989,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِى } .\rتقدَّسْتُ عن الأعلال في أَزلي ، وتنزهت ( . . . ) والأشكال باستحقاقي لجلالي وجمالي .\rويقال : { لآَ إِلَهَ إلاَّ أَنَا } : الأغيار في وجودي فَقْدٌ ، والرسومُ والأطلالُ عند ثبوتِ حقي محوٌ .\rقوله : { فَاعْبُدْنِى } : أي تَذَلَّلْ لِحُكْمي ، وأنفِذْ أمري ، واخضعْ لجبروتِ سلطاني .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِى } .\rاقامتُها من غير ملاحظة مُجْرِيها ومُنْشِيها يُورِث الإعجاب . وإذا أقام العبدُ صلاتَه على نعت الشهود والتحقق بأن مجريها غيره كانت الصلاة بهذا فتحاً لباب المواصلة . والوقوف على محل النجوى ، والتحقق بخصائص القرب والزلفة .","part":4,"page":489},{"id":1990,"text":"الفائدة في تعريف العِباد بِقُرْب الساعةِ أن يستفيقوا من غفلات التفرقة ، فإذا حضروا بقلوبهم - ففي حال استدامة الذكر - فما هو موعودٌ في الآجل أكثره للحاضرين موجودٌ في العاجل؛ والحاضرة لهم كالآخرة . وكذلك جعلوا من أمارات الاستقامة شهودَ الوقتِ قيامة .","part":4,"page":490},{"id":1991,"text":"إذا أكرمه الّلَهُ بحُسْنِ التنبيه ، وأحضره بنعت الشهود فلا ينبغي أن ينزل عن سماء صفاته إلى جحيم أهل الغفلة في تطوحهم في أودية التفرقة .","part":4,"page":491},{"id":1992,"text":"كرَّرَ عليه السؤالَ في غير آية من عصاه لمَّا كان المعلوم له سبحانه فيها من إظهاره فيها عظيم المعجزة .\rويقال إنما قال ذلك لأنه صَحِبَتْهُ هيبةُ المقام عند فَجْأَةِ سماعِ الخطاب ، فَلِيُسَكِّنَ بعضَ ما به من بَوَادِهِ الإجلال . . . رَدَّهُ إلى سماعِ حديث العصَا ، وأراه ما فيها من الآيات .\rويقال لو تركه على ما كان عليه من غَلَبَاتِ الهيبة لعلَّه كان لا يعي ولا يطيق ذلك . . . . فقال له : وما تلك بيمينك يا موسى؟","part":4,"page":492},{"id":1993,"text":"قال هي عصاي وأخذ يُعدِّد ما له فيها من وجوه الانتفاع فقال له :\r{ قَالَ أَلْقِهَا يا مُوسَى } .\rفإنَّك بنعت التوحيد ، واقفٌ على بساط التفريد ، ومتى يصحُّ ذلك ، ومتى يَسْلَمُ لك أن يكون لَكَ معتمدٌ تتوكأ عليه ، ومستند عليه تستعين ، وبه تنتفع؟\rثم قال : { وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } : أَوَّلُ قَدَمٍ في الطريق تَرْكُ كلِّ سَبَبٍ ، والتَّنَقِّي عن كل طَلَبٍ؛ فكيف كان يَسْلَمُ له أن يقول : أَفْعَلُ بها ، وأمتنع ، ولي فيها مآرب أخرى .\rويقال ما ازداد موسى - عليه السلام - تفصيلاً في انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى وأَوْلَى بأن يؤمن بإلقائها ، والتنقي عن الانتفاع بهاعلى موجب التفرُّد لله .\rويقال التوحيد التجريد ، وعلامةُ صحته سقوط الإضافات بأْسْرِها؛ فَلا جَرَمَ لما ذكر موسى - عليه السلام - ذلك أُمِرَ بإلقائها فجعلها اللَّهُ حَيَّةً تسعى ، وولَّى موسى هارباً ولم يُعَقِّب . وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة؛ إذا كوشِفَ صاحبُها بِِسِرِّها يهرب منها .\rويقال لمَّا باسطه الحقُّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب ، فأجاب عما يُسْأَل وعمَّا لم يُسْأَل فقال : { وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } : وذَكَرَ وجوها من الانتفاع؛ منها أنه قال تؤنسني في حال وحدتي ، وتضيءُ لي الليلَ إذا أظلم ، وتحملني إذ عَييتُ في الطريق فأركبُها ، وأَهُشُّ به على غنمي ، وتدفع عني عَدَوِّي . وأعظم مأربٍ لي فيها أَنَّكَ قُلْتَ : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ؟ } وأيةُ نعمةٍ أو مأربٍ أو منفعةٍ تكون أعظمَ مِنْ أَنْ تقولَ لي : وما تلك؟ ويقال قال الحقُّ - بعد ما عدَّد موسى وجوَه الآياتِ وصنوفَ انتفاعِه بها - ولَكَ يا موسى فيها أشياءٌ أخرى أنت غافلٌ عنها وهي انقلابُها حيةً ، وفي ذلك لك معجزةٌ وبرهانُ صِدْقٍ .\rويقال جميعُ ما عَدَّدَ من المنافع في العصا كان من قِبَلِ الله . . . . فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه ، ولهذا قالوا :\rيا جنَّة الخُلْدِ ، والهدايا إذا ... تُهدَى إليك فما مِنْكِ يُهْدَى\rويقال قال موسى لها رآها حيةً تهتز : لقد عَلِمْتُ كلَّ وصفٍ بهذه العصا ، أَمَّا هذه الواحدة فلم أعرفها .","part":4,"page":493},{"id":1994,"text":"لا عِبْرةَ بما يوهِمُ ظاهرُ الأشياء؛ فقد يُوهِمُ الظاهرُ بشيءٍ ثم يبدو خِلافُه في المستقبل؛ فعصا موسى صارت حيةً .\rثم قال المقصود بذلك أن تكون لك آيةً ومعجزةً لا بلاءً وفتنةً .\rقوله : { قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ . . . } أَشْهَدَه - بانقلاب العصا من حالٍ إلى حال؛ مرةً عصا ثم ثعباناً ثم عصا مرةً أخرى - أَنَّه يُثَبِّتُ عِبادَه في حال التلوين مرةً ومرةٌ؛ فَمِنْ أَخْذٍ ومِنْ رَدَّ ، ومن جَمْعٍ ومن فَرْقٍ الخ .","part":4,"page":494},{"id":1995,"text":"كما أراه آيةً من خارج أراه آيةً من نَفْسِه ، وهي قلْبُ يَدِه بيضاءَ؛ إِذْ جَعَلَها في جيبه من غير البَرَص . قال تعالى : { سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ } [ فصلت : 53 ] .\rوإنما قال : أَدْخِلْ يَدَكَ في جيبِك ولم يقل كُمِّك لأنه لم يكن لِمَا عليه من اللِّباس كُمَّان .\rقوله : { لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَاتِنَا الكُبْرَى } : الآية الكبرى هي ما كان يجده في نفسه من الشهود والوجود ، وما لا يكون بتكلُّفِ العبد وتصرُّفهِ من فنون الأحوال التي يدركها صاحبُها ذوقاً .","part":4,"page":495},{"id":1996,"text":"بعدما أسمعه كلامه من غير واسطة ، وشَرَّفَ مقامَه ، وأَجْزَلَ إكرامَه أَمَرَه بالذهاب ليدعوَ فرعونَ إلى الله - مع عِلْمِه بأنه لا يؤمن ولا يجيب ولا يسمع ولا يَعْرِف - فشَقَّ على موسى ذهابُه إلى فرعون ، وسماعُ جْحدِه منه ، بعد ما سمع من الله كلامه سبحانه ، ولكنه آثر أَمْرَ محنته على مرادِ نفسه .\rويقال لمَّا أَمَرَه بالذهاب إلى فرعونَ سأل اللَّهَ أُهْبَةَ النَّقْلِ وما به يتمُّ تبليغ ما حمل من الرسالة ، ومن ذلك قوله :","part":4,"page":496},{"id":1997,"text":"ليُعْلَمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التكليفِ التَّمَكُّنَ مِنْ اَداءِ المأمور به .\rويقال إن موسى لما أَخَذَ في المخاطبة مع الله كاد لا يسكت من كثرة ما سأله فظل يدعو : { رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىَ أَمْرِى . . . . } وهكذا إلى آخر الآيات والأسئلة .\rقوله : { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى } : حتى أُطِيقَ أنْ أَسمعَ كلامَ غيرك بعدما سَمِعْتُ منك { وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِسَانِى } : حتى ينطلقَ بمخاطبة غيرك ، وقَوِّني حتى أرُدُّ . . . بِكَ لا بي .","part":4,"page":497},{"id":1998,"text":"سَأَلَ أنْ يَصْحَبَ أخاه معه ، ولما ذهب لسماع كلام الله حين قال تعالى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً } [ الأعراف : 143 ] كان بمفرده ، لأن الذهاب إلى الخَلْق يوجِب الوحشةَ؛ فَطَلَبَ من أخيه الصحبة ليُخَفِّفَ عليه كلفة المشقة .\rويقال إن المحبةَ توجِبُ التجرُّدَ والانفراد وألا يكونَ للغيرِ مع المحبِّ مساغ؛ ففي ذهابه إلى فرعون استصحب أخاه ، ولمَّا كان الذهابُ إلى الميقاتِ لم يكن للغيرِ سيلٌ إلى صحبته ، إذ كان المقصود من ذهابِه أن يكونَ مخصوصاً بحاله .","part":4,"page":498},{"id":1999,"text":"بين أن طَلَبَه مُشاركةَ أخيه له بحقِّ ربه لا بحظِّ نَفْسِه حيث قال : { كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً }","part":4,"page":499},{"id":2000,"text":"أعطيناكَ ما سألتَ ، وتناسيت ابتداءَ حالِكَ حين حفظناك في اليمِّ وَنَجَّيْنَا اُمَّكَ من ذلك الغَمِّ ، ورَبَّيْنَاك في حِجْرِ العَدُوِّ . . . . فأين - حينذاك - كان سؤالُكَ واختيارُكَ ودعاؤُك؟\rوأثبتنا في قلب امرأة فرعون شفقتك ، وألقينا عليكَ المحبةَ حتى أحبّكَ عدوُّك ، وربَّاكَ حتى قَتَلَ بِسَبَبِكَ ما لا يُحْصَى من الولدان ، والذي بَدَأَكَ بهذه المِنَنِ هو الذي آتاك سُوْلَكَ ، وحقَّقَ لك مأموَلَكَ .","part":4,"page":500},{"id":2001,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيِه فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأخُذُهُ عَدُوٌّ لَّهُ } .\rكان ذلك وحيَ إلهامٍ؛ ألقَى اللَّهُ في قلبها أن تجعله في تابوت ، وتلقيه في اليمِ يعني نهر النيل ، فَفَعَلَتْ ، فألقاه النهر على الساحل ، فَحُمِلَ إلى فرعون . فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُ امرأةِ فرعون عليه باشر حبُّه قلبَها ، وكذلك وقعت محبتُه في قلبِ فرعون ، ولكنها كانت أضعفَ قلباً ، فسبقت بقولها : { قُرَّتُ عَيْنٍ لِىّ وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ . . . . } [ القصص : 9 ] ، ولولا أنها عَلِمَتْ أنه أخذ شعبةً من قلبِ فرعون ما أخذ من قلبها لم تقل : { قُرَّتُ عَيْنٍ لِىّ وَلَكَ } [ القصص : 9 ] .\rقوله : { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِىّ وَعَدُوٌّ لَّهُ } : ربَّاه في حِجْرِ العدو وكان قد قَتَلَ بسببه ألوفاً من الوالدان . . . ولكنْ مِنْ مَأمنِهِ يُؤْتى الحَذِرُ! وبلاءُ كلِّ أحدٍ كان بَعْدَه إلا بَلاءَ موسى عليه السلام فإنه تَقَدَّمَ عليه بسنين؛ ففي اليوم الذي أخذ موسى في حِجْرِه كان قد أمر بقتل كثير من الولدان ، ثم إنه ربَّاه ليكونَ إهلاكُ مُلْكِهِ على يده . . . . لِيُعْلَمَ أَنَّ أَسرارَ الأقدار لا يعلمها إلا الجبارُ .\rيقال كان فرعون يُسَمَّى والدَ موسى وأباه - ولم يكن . وكان يقال لأُمِّ موسى ظئر موسى - ولم تكن؛ فَمِنْ حيثُ الدعوى بالأبوة لم يكن لها تحقيق ، ومن حيث كان المعنى والحقيقة لم يكن عند ذلك خبر ولا عند الآخر من ذلك معرفة . . . هكذا الحديث والقصة .\rولقد جاء في القصة أنّ موسى لمَّا وَضِعَ في حِجْر فرعون لَطَمَ وجهه فقال : إنَّ هذا من أولاد الأعداء فيجب أَنْ يُقْتَلَ ، فقالت امرأتُه : إنه صبيٌّ لا تمييزَ له ، ويشهد لهذا أنه لا يُمَيِّزُ بين النار وبين غيرها من الجواهر والأشياء ، وأرادت أن يصدِّق زوجُها قالتَها ، فاستحضرت شيئاً من النار وشيئاً من الجواهر ، فأراد موسى عليه السلام أن يمدَّ يَدَه إلى الجواهر فأخذ جبريلُ عليه السلام بيده وصَرَفَها إلى إلى النار فأخَذَ جَمْرةً بيده ، وقرَّبها مِنْ فيه فاحترقَ لِسانُه - ويقال إنَّ العقدةَ التي كانت على لسانه كانت من ذلك الاحتراق - فعند ذلك قالت امرأةُ فرعون : ها قد تبينَّ أن هذا لا تمييزَ له ، فقد أخذ الجمرة إلى فيه . وتخلَّص موسى بهذا مما حصل منه من لَطْمِ فرعون .\rويقال إنهم شاهدوا ولم يشعروا أنه لم يحترق مِنْ أَخْذِ الجمرة وهو صبيٌ رضيع ، ثم احترق لسانه ، فعلم الكلُّ أن هذا الأمر ليس بالقياس . فإنه سبحانه فعَّال لما يريد .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنّى } .\rأي أحببتك . ويقال في لفظ الناس : فلانٌ ألقى محبته على فلان أي أَحَبَّه . ويقال : { ألقيت عليك محبة مني } : أي طَرَحْتُ في قلوب الناس محبةً لك ، فالحقُّ إذا أحبَّ عبداً فكلُّ مَنْ شاهده أحبَّه . ويقال لملاحةٍ في عينيه؛ فكان لا يراه أحدٌ إلا أَحَبَّه .\rويقال : { ألقيت عليك محبةً مني } : أي أثْبَتُّ في قلبك محبتي؛ فإن محبةَ العبدِ لله لا تكون إلا بإثباتِ الحق - سبحانه - ذلك في قلبه ، وفي معناه أنشدوا :\rإنَّ المحبةَ أَمْرُها عَجَبٌ ... تُلْقَى عليكَ وما هلا سَبَبُ .\rقوله جلّ ذكره : { ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى } .\rأي بمرأىً مني ، ويقال لا أُمَكِّن غيري بأَنْ يستَبْعِدَكَ عني .\rويقال أحفظك من كل غَيْرٍ ، ومن كلِّ حديثٍ سوى حديثنا . ويقال ما وَكَلْنَا حِفْظَكَ إلى أحدٍ .","part":5,"page":1},{"id":2002,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } .\rالبلاء على حَسَبِ قوة صاحبه وضعفه ، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى ، وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف . وكانت أمُّ موسى ضعيفةً فَرَدَّ إليها وَلَدَها بعد أيام ، وكان يعقوبُ أقوى في حاله فلم يُعِدْ إليه يوسفَ إلا بعد سنين طويلة .\rقوله جلّ ذكره : { وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ } .\rأجرى اللَّهُ عليه ما هو في صورةِ كبيرةٍ من قَتْلِ النَّْسِ بغير حق ، ثم بيَّن اللَّهُ أنه لا يضره ذلك ، فليست العِبْرَةُ فعل العبد في قلَّته وكثرته إنما العِبرةُ بعناية الحقِّ بشأنِ أحدٍ أو عداوته .\rويقال قد لا يموت كثيرٌ من الخلْقِ بفنون من العذابِ ، وكم من أناس لا يموتون وقد ضُرِبُو ألوفاً من السياط! وصاحبُ موسى عليه السلام ومقتولُه مات بوكزةٍ! إيش الذي أوجب وقاته لولا أنه أراد به فتنةً لموسى؟ وفي بعض الكتب أنه - سبحانه - أقام موسى كذا وكذا مقاماً ، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر ، وفي كل مرة كان يقول له : { وَقَتَلْتَ نَفْساً } .\r{ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ } : أريناكَ عينَ الجمع حتى زال عنك ما داخَلَكَ من الغمِّ بصفة مقتضى التفرقة ، فلمَّا أريناك سِرَّ جريانِ التقديرِ نَجَّيْنَاكَ من الغم .\rقوله جلّ ذكره : { وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً } .\rاستخلصناكَ لنا حتى لا تكون لغيرنا . ويقال جَنَّسْنَا عليك البلاَءَ ونَوَّعْنَاه حتى جَرَّدْنَاكَ عن كل اختيارٍ وإرادة ، ثم حينئذٍ رَقَّيْنَاكَ إلى ما استوجَبْتَه من العِلم الذي أَهَّلْنَاكَ له .\rقوله جلّ ذكره : { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } .\rوكنتَ عند الناسِ أنك أجيرٌ لشعيب ، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك ، وكان يكفي - عندهم - أن تكون خَتنَاً لشعيب .\r{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } .\rأي عَدَدْنا أيالمَ كونك في مدين شعيب ، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين عرفوا شرَفَكَ ومحبَّتَكَ منتظرين لك؛ فجئتَ على قَدَرٍ .\rويقال إنَّ الأَجَل إذا جاء للأشياء فلا تأخيرَ فيه ولا تقديم ، وأنشدوا في قريب من هذا المعنى :\rبينما خاطرُ المنى بالتلاقى ... سابحٌ في فؤاده وفؤادي\rجمع اللَّهُ بيننا فالتقينا ... هكذا بغتةً بلا ميعادِ","part":5,"page":2},{"id":2003,"text":"استخلصتُكَ لي حتى لا تَصْلُحَ لأحدٍ غيري ، ولا يَتَأَتَّى شيءٌ منك غير تبليغ رسالتي ، وما هو مرادي منك .\rويقال أفردْتُ سِرَّك لي ، وجعلْتُ إقبالَكَ عليَّ دون غيري ، وحُلْتُ بينك وبين كل أحدٍ ممن هو دوني .\rويقال : { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفسِى } : قَطَعَهُ بهذا عن كلِّ أحدٍ ، ثم قال له : { اذهب إلى فوعون } .","part":5,"page":3},{"id":2004,"text":"تعلّلَ موسى عليه السلام لمَّا أرسله الحقُّ إلى فرعون بوجوهٍ من العِلل مثل قوله : { وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى } [ القصص : 13 ] ، { إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسَاً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } [ القصص : 33 ] . . إلى غير ذلك من الوجوه ، فلم ينفعه ذلك ، وقال الله : { إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [ طه : 46 ] ، فاستقل موسى عليه السلام بذلك ، وقال : الآن لا أُبالي بعد ما أنت معي .","part":5,"page":4},{"id":2005,"text":"إنما أمرهما بالملاينة معه في الخطاب لأنه كان أول مَنْ دَعَوْه إلى الدِّين ، وفي حال الدعوة يجب اللِّين؛ فإنه وقت المُهلةِ ، فلا بدَّ من الإمهال ريثما ينظر؛ قال الله لنبينا A { وَجَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ] : وهو الإمهال حتى ينظروا ويستدلوا ، وكذلك قال : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ } [ سبأ : 46 ] .\rثم إذا ظهر من الخَصمِ التمرُّدُ والإباء فحينئذٍ يُقابَلُ بالغلظة والحتف .\rويقال علَّمهما خطابَ الأكابرِ ذوي الحشمة؛ ففرعونُ - وإن كان كافراً - إلا أنه كان سلطانَ وقتهِ ، والمتسلِّطَ على عبادِ الله .\rويقال إذا كان الأمرُ في مخاطبة الأعداء بالرِّفق والملاينة . . . فكيف مع المؤمن في السؤال؟\rويقال في هذا إشارة إلى سهولة سؤال المَلَكَين في القبر للمؤمن .\rويقال إذا كان رِفْقُه بِمَنْ جَحَدَه فكيف رِفْقُه بِمَنْ وَحَدَه؟\rويقال إذا كان رَفْقُه بالكفَّارِ فكيف رفقُه بالأبرار؟\rويقال إذا كان رفقه بمن قال : أنا . . . فكيف رفقه بمن قال : أنت؟\rويقال إنه أَحْسَنَ تربيةَ موسى عليه السلام؛ فأراده أن يرفق به اليومَ في الدنيا على جهة المكافأة .\rوقيل تفسير هذا ما قال في آية أخرى : { فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى } [ النازعات : 18 ] .\rوقوله : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } : أي كُونَا على رجاء أن يُؤْمِنَ . ولم يحبرهما أنه لا يؤمن لئلا تتداخَلَهُما فَتْرَةٌ في تبليغ الرسالة عِلْماً منه بأنه لا يؤمن ولا يقبل .","part":5,"page":5},{"id":2006,"text":"في الآية دليلٌ على أَنَّ الخوفَ الذي تقتضيه جَبْلَةُ الإنسانِ غيرُ ملومٍ صاحبُه عليه ، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام : { إِنَّنَا نَخَافُ } .\rثم إنَّه سبحانه سَكَّنَ ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما .\rويقال لم يخافا على نَفْسَيْهِما شفقةً عليهما ، ولكن قالا : إننا نخاف أن تحل بنا مكيدةٌ من جهته ، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيامٌ بأمرك ، فكان ذلك الخوفُ لأجل حقِّ الله لا لأَجْلِ حظوظ أنفسهما .\rويقال لم يخافا من فرعون ، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما ، ولكنهما تأّدّبا في الخطاب .","part":5,"page":6},{"id":2007,"text":"تلَطَّفَ في استجلاب هذا القول من الحق سبحانه ، وهو قوله : { إِنَّنِى مَعَكُمَا } بقولهما : { إِنَّنَا نَخَافُ } ، وكان المقصود لهما أن يقول الحق لهما : { إِنَّنِى مَعَكُمَا } وإلا فأَنّي بالخوف لِمَنْ هو مخصوصٌ بالنبُوَّةِ؟!\rويقال سَكَّنَ فيهما الخوف بقوله : { إِنَّنِى مَعَكُمَا } ، فَقَوبا على الذهاب إليه؛ إذ مِنْ شَرْط التكليف التمكين .","part":5,"page":7},{"id":2008,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأْتِيَاهُ فَقُولآَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَآءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ } .\rطالَ البلاءُ ببني إسرائيل من جهة فرعون ، فتدارَاكَهُم الحقُّ سبحانه ولو بعد حين ، بذلك أجرى سُنَّتَهُ أنه يُرخي عِنَانَ الظالم ، ولكن إذا أَخَذَهُ فإِنَّ أَخْذَهُ أليمٌ .\rقوله جلّ ذكره : { قَدْ جِئْنَاكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ } .\rمن شَرْطِ التكليفِ التمكينُ بالبيِّنة والآيةِ للرسولِ حتي يَتَّضِحَ ما يَدُلُّ على صِدْقِه فيما يدعو إليه من النبوة . ثم إن تلك الآية وتلك البيِّنة ما نفعتهم ، وإنا تأكدتْ بهما عليهم الحُجَّةُ؛ فإِذا عَمِيَ بَصَرُ القلبِ فأَنَّى تنفع بصيرةُ الحجة؟ وفي معناه قالوا :\rوفي نَظَرِ الصادي إلى الماء حَسْرَةٌ ... إذا كان ممنوعاً سبيل المواردِ\rقوله جلّ ذكره : { وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتّبَعَ الهُدَى } .\rإنما يَتّبع الهُدَى مَنْ كَحَّلَ قلبَه بنور العرفان ، فأما من كانت على قلبِه غشاوة الجهل . . . فمتى يستمع إلى الهُدَى؟","part":5,"page":8},{"id":2009,"text":"ما بعث اللَّهُ نبياً إلاَّ وقد أَنْذَرَ قومَه بالعذاب على تَرْكِ الأمر ، وبَشَّرَهُم بالثوابِ على حِفظِ الأمر . والعذابُ مُعَجَّلُ . ومؤجَّلٌ؛ فمؤجَّلُه لا يُوقَفُ على تفصيله الأعداءُ وكذلك مُؤَجَّل الثوابُ ، قال تعالى : { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } [ السجدة : 17 ] .\rوأما مُعَجَّلُ العقوبةِ فأنواع ، وعلى حسبت مقام المرءِ تَتَوَجَّهُ عليه المُطَالَبَاتُ ، والزيادةُ في العقوبةِ تَدُلُّ على زيادةِ استحقاقِ الرّتْبَةِ؛ كالحرِّ والعَبْدِ في الحَدِّ . وقسوةُ القلب نوعُ عقوبة ، وما يتداخل الطاعة نوعُ عقوبة ، وخسرانُ نصيبٍ في المالِ والأَنْفُس نوعُ عقوبة . . . إلى غير ذلك .","part":5,"page":9},{"id":2010,"text":"{ فَمَن رَّبُّكُمَا } على التثنية ، ثم قال : { يَا مُوسَى } فأفرده بالخطاب بعدما قال : { فَمَن رَّبُّكُمَا؟ } فيحتمل أن ذلك لمُشَاكَلَة رؤوس الآي ، ويحتمل أن موسى كان مُقَدَّماً على هارون فَخَصَّه بالنداء .\rوإنما أجاب موسى عن هذا السؤال بالاستدلال على فِعْلِه - سبحانه فقال : { رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ } ليُعْلَمَ أنَّ الدليلَ على إثباته - سبحانه - ما دلَّتْ عليه أفعالُه .","part":5,"page":10},{"id":2011,"text":"لا يمكنني أن أُخْبِرَكُم إلا بما أخبرني به ربي فَمَا عَرَّفَني عَرَّفْتُ ، وما ستره عليَّ وَقَفْتُ .","part":5,"page":11},{"id":2012,"text":"جَعَلَ الأرضَ مستقراً لأبدانهم ، وجعل أبدانَهم مستقراً لعبادته ، وقلوبهم مستقراً لمعرفته ، وأرواحَهم مستقراً لمحبته ، وأسرارهم مستقراً لمشاهدته .","part":5,"page":12},{"id":2013,"text":"هيَّأَ لهم أسبابَ المعيشة ، وكما نَظَرَ إليهم وَرَزَقَهُم رَزَقَ دوابَّهم التي ينتفعون بها ، وأَمَرَهُم أنْ يَتَقَووْا بما تَصِلُ إليه أيديهم ، وأنْ ينتفِعُوا - ما أمكنهم - بأَنْعَامِهمِ لِيَكْمُلَ لديهم إنْعَامُهم .","part":5,"page":13},{"id":2014,"text":"إذ خَلَقْنا آدمَ من التراب ، وإذ أخْرَجْناكم من صُلبه . . . فقد خَلْقْنَاكم من الترابِ أيضاً . والأجشادُ قوالِبُ والأرواحُ ودائعُ ، والقوالب نسبتها التُّربة ، والودائع صفتها القُرْبة ، فالقوالب يزِّينها بأفضاله ، والودائع يحييها بكشف جلاله ولطف جماله . وللقوالب اليوم اعتكافٌ على بِساط عبادته ، وللودائع اتصافٌ بدوام معرفته .","part":5,"page":14},{"id":2015,"text":"امره بجهره ، وأعماه عن شهود ذلك بِسِره ، فما نَجَعَ فيه كلامهُ ، وما انتفعَ بما حذّره من انتقامه ، ويَسَّرَ من إنعامه .","part":5,"page":15},{"id":2016,"text":"دعاهم موسى إلى الله ، وخاطَبَهُم في حديث الآخرة من تبشيرٍ بثواب ، وإنذارٍ بعذاب فلم يُجِيبُوا إلاَّ من حيث الدنيا ، وما زادهم تذكيراً إلا ازدادوا غفلة وجهالة .\rكذلك صفةُ مَنْ وَسَمه الحقُّ بالإبعاد ، لم يكن له عرفان ، ولا بما يقال إيمان ، ولا يتأسَّفُ على ما يفوته ، ولا تصديق له بحقيقة ما هو بصدده .\rقوله : { فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نَخْلِفُهُ . . . } تأَهَّبُوا لِمُنَاصَبَةِ الحقيقة ، وتَشَمَّرُوا للمُخَالَفة ، فَقَصَمْتُهُم المشيئةُ؛ وكَبَسَتْهُم؛ القدرة ، وما قيل :\rاستقبلني وسيفُه مسلول ... وقال لي واحدنا معذول .","part":5,"page":16},{"id":2017,"text":"فكان في ذلك اليوم افتضاحهم .","part":5,"page":17},{"id":2018,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتَى } .\rكادَ فرعونَ فَكِيد لَه ، وأراد فارتدَّ إليه ، ودعا للاستعداد فأُذِلَّ وأَذِيقَ البأسَ . ولم يَدَعْ موسى شيئاً من الوعظ والرِّفْقِ ، ولم يغادِرْ فرعونَ شيئاً من البَلَهِ والحُمْقِ ولكن : { قَالَ لَهُمْ مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كّذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَد خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُم وَأسَرُّوا النَّجْوَى } .\rاعلموا أنه لا طاقةَ لأحدٍ مع الله - سبحانه - إذا عذَّبَه ، فحملوا مقالته على الإفك ، ورَمَوْا معجزته بالسجر فقالوا : { قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلَى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } .\rهما في دعواهما كاذبان يَقْصِدان إلى إخراجِكم من بَلَدِكم ، والتشويشِ عليكم في مُعْتَقَدِكم .","part":5,"page":18},{"id":2019,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالُوا يَامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى } .\rأظهروا من أنفسهم التجلَّدَ ظنَّا بأَنَّ النصرةَ لهم ، وإخلاداً إلى ما كان السَّحَرَةُ يُسوِّلون لهم ، فَخَيَّروا موسى في الابتداء بناءً على ما توهموا من الإلقاء ، فقال لهم موسى : { قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهْم أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسى قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ ءَامَنتُمْ لًهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّْحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيِْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُم فِى جُذُوعِ النَّخْل وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عّذَاباً وَأَبْقَى } .\rقال لهم موسى بل ألقوا أنتم ، وليس ذلك إذْناً لهم في السحر ، ولكن أراد الحقُّ إظهارَ تمويههم ، فلمَّا خَيَّلوا للناس بإلقاءِ الحِبال أنها حياتٌ ابتَلَعَتْ عصا موسى جُمْلَةَ أوقار الحِبَال ، وصار الثعبانُ عَصَاً كما كان ، فسجدوا لله مؤمنين ، وانقلب فرعونُ وقومُه خائِبين ، وتَوَعَّدَهم بالقتل والصَّلْب ، وفنونٍ من العذابِ الصعب ، وبعدما كانوا يقْسِمُون بِعِزَّةِ فرعونَ صاروا يَحْلِفُونَ بالله .","part":5,"page":19},{"id":2020,"text":"أي بالله الذي فطرنا إنَّا لن نُؤْثِرَكَ على ما جاءَنا من البينات . ولما طلعت في أسرارهم شموسُ العرفان ، وانبسطت عليهم أنوار العناية أبصروا الحقَّ سبحانه بأسرارهم ، فنطقوا ببيان التصديق ، وسجدوا بقلوبهم لمشهودهم ، ولم يحتشموا مما توعدهم به من العقوبة ، ورأوا ذلك من الله فاستعذبوا البلاء ، وتحملوا اللأواء ، فكانوا في الغَدَاةِ كُفَّاراً سَحَرَةً ، وأَمْسَوْا أَخياراً بَرَرَةَ .\rقوله : { فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ . . . } عَلِمُوا أَنَّ البَلاَءَ في لدنيا يَنْقَضي - وإنْ تمادى ، وينتهي وإن تناهى .","part":5,"page":20},{"id":2021,"text":"أَهمُّ الأشياء - على مَنْ عرَفه - مغفرتُه لخطاياه؛ فهذا آدمُ - عليه السلام - لما استكشف من حاله ، وحلَّ به ما حلَّ قال : { رَبِّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } [ القصص : 16 ] وقال لنبينا - A - { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } [ غافر : 55 ] . وقال A : « إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة » ومَنَّ عليه بقوله : { لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [ الفتح : 200 ] .","part":5,"page":21},{"id":2022,"text":"لما عَبَرَ موسى ببني إسرائيل البحر ، وقرب منه فرعون ، ورأى البحرَ منفلقاً والطريقَ فيه يَبَساً عَيَّرَ قَوْمَه بتلبيسه فقال : « إنه بحشمتي انفلق ، فأنا ربُّكم الأعلى! » وحصل - كما في القصة - من دخوله بعَسْكَرِه البحرَ حتى دخل آخرهم ، وهمَّ أن يخرج أَوَّلُهم ، فأمر اللَّهُ البحرَ حتى التطمت أمواجه فغرقوا بجملتهم ، وآمن فرعون لما ظهر له اليأسُ ، ولم ينفعه إقراره ، وكان ينفعه لو لم يكن إصرارُه ، وقد أدركته الشقاوةُ التي سَبَقَتْ له من التقدير .","part":5,"page":22},{"id":2023,"text":"يُذَكِّرُهم آلاءَه ، ويعدُّ عليهم نعماءَه ، ويأمرهم بالتزام الطاعة والقيام بالشكر لِمَا أسبغ عليهم من فنون النِّعم ، ثم يذكرهم ما مَنَّ به على أسلافهم من إنزال المنَّ والسلوى ، وضروب المِحَنِ وفنون البلوى .","part":5,"page":23},{"id":2024,"text":"قوله جلّ ذكره : { كُلُوا مِن طَيِبَّاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوا فِيهِ } الطيبُ ما كان حلالاً . ويقال الطيب من الرزق ما لا يَعْصِي اللَّهَ مُكْتَسِبهُ . ويقال الطيب من الرزق ما يكون على مشاهدة الرزاق . ويقال الطيب من الرزق ما حَصَل منه الشكرُ . ويقال الطيب من الرزق ما يأخذه العبدُ من اللَّهِ ، فما لأهل الجنةِ مُؤَجَّلٌ في عقباهم جهراً ، معجّلٌ لأصفيائه في دنياهم سِرّاً ، قال تعالى : { ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمْ } [ الذاريات : 16 ] .\rوالأرزاقُ مختلفةٌ؛ فلأقوام حظوظُ النفوس ولآخرين حقوقُ القلوب ، ولأقوام شهودُ الأسرار؛ فرزق النفوس التوفيق ، ورزق القلوب التصديق ، ورزق الأرواح التحقيق .\rقوله : { وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ } : بمجاوزة الحلالِ إلى الحرام .\rويقال : { وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ } : بالزيادة على الكفاف وما لا بُدَّ منه مما زاد على سدِّ الرمق .\rويقال : { وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ } : بالأكل على الغفلة والنسيان .\rقوله جلّ ذكره : { فَيَحِلَّ عَلْيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى } .\rفيحل عليكم غضبي بالخذلان لمتابعة الزَّلَّة بعد الزَّلَّة .\rويقال فيحل عليكم غضي لِفَقْدِكم التأسُّفَ على ما فاتكم .\rويقال بالرضا بما أنتم فيه من نقصان الحال .","part":5,"page":24},{"id":2025,"text":"الغفَّار كثيرُ المغفرة؛ فَمِنْك التوبةُ عن زَلَّةٍ واحدةٍ ومنه المغفرة لذنوب كثيرةٍ ، ومنه السِّرِّيةُ التي لا اطلاع لأحدٍ غيره عليها وما للملائكة عليها اطلاع . وهو يغفر لِمَنْ عَمِلَ مثل عَمَلِكَ ، وهو يغفر لِمنْ قَلْبُكَ مُرِيدٌ له بالخير والنعمة ، وكما قالوا :\rإني - على جَفَواتها - فبِرَبِّها ... وبكل مُتَّصِلٍ بها متوسِّلُ\rوأُحِبُّها وأُحِبَّ منزلَها الذي ... نَزَلَتْ به وأُحِبُّ أهلَ المنزلِ\rقوله : { وَإنِّى لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ } : فلا تَصِحُّ التوبةُ إلا لمن يكون مؤمناً .\rوقوله هنا : { وَءَامَنَ } : أي آمن في المآلِ كما هو مؤمِنٌ في الحال .\rويقال آمن بأنه ليست نجاته بتوبته وبإيمانه وطاعته ، إنما نجاتُه برحمته .\rويقال { وَإنِّى لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ } : مِنَ الزَّلَّة { وَءَامَنَ } : فلم يَرَ أعماله من نَفْسه ، وآمن بأن جميع الحوادثِ من الحقِّ - سبحانه - { وَعَمِلَ صَالِحاً } : فلم يُخِلْ بالفرائض ثم اهتدى للسُّنَّةِ والجماعة .\rويقال { ثُمَّ } : للتراخي؛ أي آمن في الحال « ثم » اهتدى في المآل .\rويقال مَنْ سَمِعَ منه { وَإِنّىِ } لا يقول بعد ذلك : « إِنِّي » .\rويقال من شَغَلِه سماعُ قوله : { وإِنِّى } اسْتُهْلِكَ في استيلاءِ ما غَلَبَ عليه من ضياء القربة ، فإذا جاءت { لَغَفَّارٌ } صار فيه بعين المحو ، ولم يتعلق بذنوب أصحابه وأقاربه وكل من يعتني بشأنه .\rويقال { إني لغفار } كثير المغفرة لمن تاب مرةً؛ فيغفر له أنواعاً من ذنوبه التي لم يَتُبْ منه سِرَّها وجَهْرِها ، صغيرها وكبيرِها ، وما يتذكر منها وما لا يتذكر . ولا ينبغي أَنْ يقولَ : علمت « عملاً صالحاً » : بل يلاحظُ عَمَلَه بعينِ الاستصغارِ ، وحالته بغير الاستقرار .\rوقوله : { ثُمَّ اهْتَدَى } : أي اهتدى إلينا بنا .","part":5,"page":25},{"id":2026,"text":"أخَرْجَهُمْ مع نَفْسِه لمَّا استصحبهم ، ثم تقدَّمَهم بخطواطِ فتأخروا عنه ، فقيل له في ذلك مراعاةٌ لحقِّ صحبتهم .\rويقال قومٌ يُعاتَبون لتأخرهم وآخرون لتقدمهم . . . فشتان ما هما!","part":5,"page":26},{"id":2027,"text":"أي عَجِلْتُ إليكَ شوقاً إليك ، فاستخرج منه هذا الخطاب ، ولولا أنه استنطقه لما أخبر به وموسى .\rقوله : { هُمْ أُوْلآءِ عَلَى أَثَرِى } أي ما خَلَّفْتُهم لتضييعي أيامي ، ولكني عَجِلْتُ إليك لترضى . يا موسى إنَّ رضائي في أن تكون مَعهم وأَلاَّ تَسْبِقَهم ، فكونُكَ مع الضعفاءِ الذين استصحبتَهم - في معاني حصول رضائي - أبلغَ مِنْ تَقَدُّمِكَ عليهم .","part":5,"page":27},{"id":2028,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } .\rفَتَّنا قومَك فَضَلُّوا وعبدوا العِجْلَ؛ فأخبر الحقُّ - سبحانه - أنَّ ذلك منه تقدير ، وفي هذا تكذيبٌ لُمَنْ جَحَدَ القولَ بالقَدَرِ .\rويقال طَلَبَ موسى - عليه السلام - رِضَاءَ الحق ، وقدَّر الحقُّ - سبحانه - فتنةَ قَوْمِه فقال : { إنا قد فتنا قومك من بعدك } ، ثم الحُكْمُ لله ، ولم يكن بُدٌّ لموسى عليه السلام من الرضاء بقضاء الله - فلا اعتراضَ على الله - ومِنَ العلم بِحقِّ اللَّهِ في أنْ يفعلَ ما يشاء ، وأنشدوا :\rأُريد وَصَالَه ويريد هجري ... فأتركُ ما أُؤيد لما يُريد\rقوله جلّ ذكره : { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِىُّ } .\rبدعائه إياهم إلى عبادة العجل ، وهو نوع من التعزير ، وحصل ما حصل ، وظهر ما ظهر من ( . . . ) .","part":5,"page":28},{"id":2029,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً } .\rورجع نبيُّنا - A - من المعراج بنعت البسط ، وجاء بالنجوى لأصحابه فيما أوجب الله عليهم من الصلاة ، وأكرمهم به من القربة بالزلفة . . فشتان ما هما!\rورجع موسى إلى قومه بوصف الغضب والأسف ، وخاطبهم ببيان العتاب :\r{ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَم يَعِدْكُمْ رَبُّكُم وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِن رَّبِّكُمْ فَأخْلَفْتُمُ موْعِدِى } .\rظنوا بنبيِّهم ظنَّ السَّوْءِ في خلقه الوعد ، فَلَحِقَهُمْ شؤمُ ذلك حتى زاغوا عن العهد ، وأشركوا في العقد . . . وكذلك يكون الأمر إذا لم يفِ المرء بعقده ، فإنه ينخرط في هذا السِّلْكِ .","part":5,"page":29},{"id":2030,"text":"قالوا لم نكن في ابتداءِ حالِنا قاصدين إلى ما حَصَلَ مِنَّا ، ولا عالمين بما آلتْ إليه عاقبةُ حالِنَا ، وإن الذي حملنا من حُلِيِّ القبط صاغَ السامريُّ منه العجلَ . . . وكذلك الحرامُ من حطام الدنيا لا يخلو من شؤم أثره . فلقد كانت الغنيمة وأموال المشركين حراماً عليهم ، فاستعاروا الحليَّ من القبط ، وآل إليهم ما كان في أيديهم من الملْكِ ، فكان سبب عبادتهم العِجْل . . . كذلك مَنْ انهمك في طلب الدنيا من غير وجهِ حلالٍ يكون على خَطَرٍ من رِقَّةِ دينهِ ، قال تعالى : { أفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } [ الجاثية : 23 ] .","part":5,"page":30},{"id":2031,"text":"يقال إنهم لمَّا مَرُّوا على قوم يعبدون أصناماً لهم قالوا لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان مَيْلُهم إلى عبادته مُسْتَكِنَّاً في قلوبهم ، فصاغ السامريُّ العجل على تلك الصورة . وفي هذه إشارة إلى أن خفايا الهوى إذا استكنَّت في القلب فَمَا لم يُنْقَش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة يُخْشَى أن يَلْقَى صاحبه ( . . . ) .\rويقال إن موسى - عليه السلام - خرج من بين أمته أربعين يوماً برَضِيَ قومهُ بعبادة العجل ، ونبيُّنا - عليه السلام - خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ذَكَرَ واحدٌ عند مَنْ أخلص مِنْ أمته في التوحيدِ حديثاً في التشبيه لعدوا ذلك منه كبيرةً ليس له منها مَخْلَصٌ .\rكذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدَّلوه تبديلاً ، بينما ضَمَنَ الحقُّ - سبحانه - إعزازَ هذا الكتاب بقوله : { إِنًّا نَحْنُ نَزًّلْنَا الذِّكْرَ وأِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] .\rوقال : { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } [ الفتح : 28 ] .\rقوله : { أَفَلاَ يَرَوْنَ ألاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً . . . } بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لا قول له لا يتكلم ، ومن لا يملك الضر والنفع لا يستحق العبادة ، وفيه رَدٌ على مَنْ لم يُثْبِتْ له في الأزَل القول ، ولم يَصِفْه بالقدرة على الخير والشر :","part":5,"page":31},{"id":2032,"text":"إنهم لم يحفظوا أمر موسى وهو فوق هارون ، والإشارة في هذا أن من لم يحفظ أمر مَنْ هو أعلى رتبةً يحفظ كيف أمر من هو أدنى منزلةً؟ فَمَنْ تَرَكَ أَمْرَاً الحقِّ . . . كيف يُطْمَعُ فيه أن يحترم الشيوخَ وأكلَ الناس؟ لهذا قيل : لا حُرْمَةَ لفاسق؛ لأنه إذا تَرَكَ حقَّ الحقَّ فمتى يحفظ حَقَّ الخَلْقِ؟","part":5,"page":32},{"id":2033,"text":"كان ذلك تَعَلُّلاً منهم بالباطل ، فقالوا إنهم كانوا عازمين على تَرْكِ عبادة العجل؟ إذ به يتحققون أن موسى عليه السلام دعاهم إلى التوحيدِ وتَرْكِ عبادةِ غير اللَّهِ . . . ولكنْ كلُّ مُتَعلِّلٍ يَسْتَنِدُ إلى ما يحتج به من الباطل .","part":5,"page":33},{"id":2034,"text":"ضاق قلبُ موسى - عليه السلام - لمَّا شاهد من قومه بالمعاينة عبادة العجل . ولقد كان سمع من الله أَنَّ السامريّ أظلَّهم حين قال : { إنَّا قد فتنا قومك } [ طه : 85 ] ، ولكن قديماً قيل : ليس الخبر كالعيان ، فلمَّا عايَنَ ذلك ضاق قلبهُ ، فكان يقول لأخيه ذلك فظهر منه ما ظهر ، وقيل : مَنْ ضاق قلبُه استع لسانُه . ولما ظهر لموسى - عليه السلام - ما ظهر أخذ هارون يقابله بالرفق واللطف وحسن المدارة . . وكذلك الواجب في الصحبة لئلا يرتقي الأمرُ إلى الوحشة ، فاستلطفه في الخطاب واستعطفه بقوله :","part":5,"page":34},{"id":2035,"text":"أنت أمَرْتَنِي أَلاَّ أُفارِقَهم . وقد يُقال إن هارون لو قال لموسى : في الوقتِ الذي احتَجْتَ أنْ تَمْضِيَ إلى فرعون قلتَ : { وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً } [ القصص : 34 ] ، وقلت : { فَأَرْسِلْهُ مَعِى } [ القصص : 34 ] ، وقلت حين مضيتَ إلى سماع كلام الحق : { أخْلُفْنِى فِى قَوْمِى . . . } [ الأعراف : 142 ] فما اكتفيت بأَنْ لم تستصحبني . وخَلَّفْتَنِي! وقد عَلِمْتَ أَني بريءُ الساحةِ مما فعلوا فأخذتَ بلحيتي وبرأسي . . . ألم ترضَ بما أنا فيه حتى تزيدني حَرْياً على حَرْي؟! . . . . لو قال ذلك لكان مَوْضِعَه ، ولكنْ لِحلْمِه ، ولِعِلْمِه - بأنَّ ذلك كُلَّه حُكْمُ ربِّهم - فقد قابَلَ كلَّ شيءٍ بالرضا .","part":5,"page":35},{"id":2036,"text":"سأل موسى كلَّ واحدٍ منهم بنوعٍ آخر ، وإن معاتبته مع قومه ، ومطالبته لأخيه ، وتَغَيُّرَه في نَفْسِه ، واستيلاَءَ الغضب عليه - لم يغيِّرْ التقدير ، ولم يُؤَخِّرْ المحكوم .","part":5,"page":36},{"id":2037,"text":"عَلِمْتُ ما لم يعلمه بنو إسرائيل فرأيتُ جبريلَ ، فَقَبضْتُ الترابَ من موضع حافرِ دابته ، وأُلقِي في رَوْعي أن ذلك سببُ حياةِ العجل فطرحتُها في جوفه . . . هكذا زَيَّنَتْ لي نفسي فاتَّبَعْتُ هواها .\rثم كان هلاكُه . . . لئلا يأْمَنَ أحدٌ خفي مَكْرِ التقدير ، ولا يركنَ إلى ما في الصورة من رِفْقٍ فَلَعَلَّه - في الحقيقة - يكون مكراً ، ولقد أنشدوا :\rفأَمِنتُه فأَتَاحَ لي من مَأْمَنِي ... مَكْراً ، كذا مَنْ يَأْمَنُ الأحبابا","part":5,"page":37},{"id":2038,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } .\rلم يَخْفَ على موسى - عليه السلام - تأثيرُ التقدير وانفرادُ الحقِّ بالإبداع ، فلقد قال في خطابه مع الحق : { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } [ الأعراف : 155 ] ، ولكنه لم يدع - مع ذلك - بإحلال العقوبةِ بالسامري والأمر في بابه بما يستوجبه؛ ليُعْلَمَ أن الحُكمَ في الإبداع والإيجاد - وإنْ كان لله - فالمعاتبةُ والمطالبة تتوجهان على الخَلْقِ في مقتضى التكليف ، وإجراءُ الحقِّ ما يُجْرِيه ليس حُجَّةً للعبد ولا عُذْراً له .\rقوله جلّ ذكره : { وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَ لَنَنَسِفَنَّهُ فى اليَمِ نَسْفاً } .\rكلُّ ما تَعَلَّقَ به القلبُ من دون الله يَنْسِفُه الحقُّ - سبحانه بمُجِبِّه ولهذا يُلْقي الأصنامَ غداً في النار مع الكفار ، وليس له جُرْمٌ ، ولا عليهم تكليف ، ولا لها عِلْمٌ ولا خبر . . . وإنما هي جماداتٌ .","part":5,"page":38},{"id":2039,"text":"أي إلهكم الذي تجب عليكم عبادتُه بحقِّ أمره هو اللًّهُ الذي لا إله إلا هو ، وهو بوصف الجلال ، والذي لا يخفى عليه شيءٌ من المعلومات هو الله ، وليس مِثْلَ الذي هو جماد لا يَعْلَمْ ولا يَقْدِرُ ، ولا يحيا ولا يسمع ولا يبصر . ويمكنه أن يَسْحَقَ هذه الجماد ويحرقه .","part":5,"page":39},{"id":2040,"text":"نعرِّفك أحوالَ الأولين والآخرين لئلا يَلْتَبِسَ عليكَ شيءٌ من طُرُقِهم؛ فتتأدبَ بآدابهم وتجتمعَ فيك مُتَفَرِّقَات مناقِبهم . . ولكن اعلمْ أَنَّا لم نُبلِغْ أحداً مَبْلَغَكَ ، ولم يكن لأحدٍ منَّا مالَكَ؛ آتيناك من عندنا شَرَفاً وفخراً لم يشركك فيهما أحدٌ ، وذكَّرناك ما سَلَفَ لَكَ من العهد معنا ، وجَدَّدْنا لك بينهم تخصيصنا إياك ، وكريمَ إقبالِنا عليك .","part":5,"page":40},{"id":2041,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً } .\rالمُعْرضُون عنه شركاءُ يحملون غداً وزِرْاً وِثقْلاً ، أولئك بعُدُوا عن محلِّ الخصوصية ، ولم يكن لهم خَطَرٌ في التحقيق؛ فعقوبتُهم لا تزيد على آلام نفوسِِهم وإحراقِ أشباحهم ، وأمَّا أهل الخصوصية فلو غفلوا عنه ساعةً ونَسَوْه لحظةً لدَار - في الحال - على رؤوسهم البلاءُ بحيث تتلاشى في جَهنَّم عقوبةُ كلِّ أحدٍ ( بالإضافة إلى هذه العقوبة ) .","part":5,"page":41},{"id":2042,"text":"قومٌ يومُ القيامة لهم مُؤجَّل ، وهو بعد النفخ في الصُّور على ما وَرَدَ في الكتاب وفي الخبر المأثور .\rوللآخرين قيامةٌ مُعَجَّلةٌ؛ فيها محاسبة وعليهم فيها مطالبة ، وهوان حاضر وعذاب حاصل ، فكما تَرِدُ على ظواهرِ قوم في الآخرة عقوباتٌ ، تَرِدُ على سرائر آخرين عقوباتٌ في لاحياة الحاضرة ، والمعاملةُ مع كلِّ أحدٍ تخالف المعاملةَ مع صاحبه .\rقوله : { يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ . . . } مَنْ تَفَرَّغَ لِعَدِّ الأوقاتِ والتمييز بين اختلاف الحالات فنوعٌ غير مستوفٍ في بلائه ، وأمره سهلٌ . . . ومَنْ كان يُرَادُ المعنى من حديثه لا يتفرغ إلى نعت الحال؛ فالأحوال تخبر عنه وهو لا يُسْأَلُ عن الخبر .","part":5,"page":42},{"id":2043,"text":"كما أنَّ في القيامةِ الموعودةِ تُغَيَّرُ الجبالُ عن أحوالِها فهي كالعِهْن المنفوش فكذلك في القيامة الموجودة . . . فلا يخبرك عنها إلا الأكابر الذين هم كالرواسي ثباتاً؛ فإنه يُدْخِلُ عليهم من الأحوال مايمحقهم عن شواهدهم ، ويأخذهم عن أقرانهم . . . كذا سُنَّتُه سبحانه .","part":5,"page":43},{"id":2044,"text":"تنقطع الأوهام ، وتقف الأفهام ، وتنخنس العقول ، وتندرِِس العلومُ ، وتتحير المعارفُ ، ويتلاشى ما هو نَعْتُ الخَلْق ، ويستولي سلطانُ الحقيقة . . . فعند ذلك لا عينٌ ولا أَثَرٌ ، ولا رسم ولا طلل ولا غَبَرٌ ، في الحضور خَرَسٌ ، وعلى البِساط فَنَاءٌ ، وللرسوم امتحاءُ ، وإنما الصحة على الثبات .","part":5,"page":44},{"id":2045,"text":"دليلُ الخطابِ أَنَّ مَنْ أَذِنَ له في الشفاعةِ تنفعه الشفاعةُ ، وإذا قُبلَتْ شفاعة أحدٍ بإذن الرحنم فَمِنَ المُحالِ ألاَّ تُقْبَلَ شفاعةُ الرسولِ- A - وهو أفضل الكافة ، وشفاعةُ الأكابر من صفوته مقبولةٌ في الأصاغر في المُؤجَلِّ وفي المُعَجّل . والحقُّ سبحانه يُشَفَّعُ الشيوخَ في مريديهم اليوم .\rويقال شفاعة الرسول عليه السلام غداً للمطيعين بزيادة الدرجة ، وللعاصين بغفران الزَّلَّة ، كذلك شفاعة الشيوخ - اليوم- للمريدين على قسمين : للذين هم أصحاب السلوك فبزيادة التحقيق والتوفيق ، وللذين هم أصحاب التَّخَبُّطِ والغِرَّة فبالتجاوز عنهم ، وعلى هذا يُحْمَلُ قولُ قائلهم :\rإِذَا مَرِضْتُم أَتْيْناكُم نعودُكُم ... وتُذْنِبُون فنأتيكم ونعتَذِرُ!\rوحكاياتُ السَّلفِ من الشيوخ مع مريديهم في أوقات فترتهم معروفة ، وهي مُشَاكِلةٌ لهذه الجملة ، وإن شفاعتَهم لا تكون إلا بتعريفٍ من قِبَلِ الله في الباطن ، ويكون ذلك أدباً لهم في ذلك .","part":5,"page":45},{"id":2046,"text":"لا يخفى على الحق شيءٌ مما مضى من أحوالهم ولا مِنْ آتيها ، ولا يحيطون به عِلْماً . والكناية في قوله : « به » يحتمل أن يعود إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ، ويحتمل أن يعود إلى الحقِّ - سبحانه- ، وهو طريقة السَّلَف؛ يقولون : يعلم الخلْقَ ولا يحيط به العلم ، كما قالوا : إنه يَرَى ولا يُدْرَك .","part":5,"page":46},{"id":2047,"text":"ذلَّتْ له الرقاب واستسلم لحُكْمه الخلْقُ ، وخَضَعَت له الجبابرةُ ، ومَنْ اقترف الظلمَ بقي في ظُلُماته ، وعلى حسب ذلك في الزيادة والنقصان .","part":5,"page":47},{"id":2048,"text":"العمل الصالح ما يصلح للقبول ، وفاعِلُه هو المتجرِّدُ عن الآفات الواقفة لحقيقة الأمر .\rويقال العمل الصالح ما لم يستعجل عليه صاحبُه أجراً .\rقوله : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } : أي في المآل كما هو مؤمن في الحال .\rويقال هو مؤمنٌ مصدِّق لربِّه أنه لا يعطي المؤمنَ لأَجْلِ إيمانه شيئاً ، ولكن بفضله ، وإيمانُه أمارةٌ لذلك لا موجِبٌ له .","part":5,"page":48},{"id":2049,"text":"أَتْبَعْنا دليلاً بعد دليل ، وبعثنا رسولاً بعد رسول ، وحَذَّرْناهم بوجوهٍ من التعريفات ، وإظهارِ كثيرٍ من الآيات .","part":5,"page":49},{"id":2050,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ } .\rتعالى اللَّهُ في كبريائه؛ وكبرياؤه : سناؤه وعُلاه ومَجْدُه ورِفْعَتُه وعظَمَتُه ، كل ذلك بمعنى واحد ، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم .\rو { المَلِكُ } : مبالغةً من المالك ، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد ، والانفراد بذلك .\rو { الحَقُّ } : في وصفه - سبحانه - بمعنى الموجود ، ومنه قوله عليه السلام : « العين حق » أي موجود .\rويكون الحق بمعنى ذي الحقِّ ، ويكون بمعنى مُحِقِّ الحق . . . كل ذلك صحيح .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلماً } .\rكان يتعجل بالتلقف من جبريل مخافَة النسيان ، فأَمَرَه بالتثبت في التلقين ، وأَمَّنَه من طوارِق النسيان ، وعرَّفه أن الذي يحفظ عليه ذلك هو الله .\rوالآية تشير إلى طَرَفٍ من الاحتياط في القضاء بالظواهر قبل عرضها على الأصول ، ثم إنْ لم يوجد ما يُوجَبُ بالتحقيق أجراه على مقتضى العموم بحقِّ اللفظ ، بخلاف قول أهل التوقف .\rفالآية تشير إلى التثبت في الأمور وضرورة التمكث واللبث قصداً للاحتياط .\rقوله : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } : فإذا كان أَعْلَمُ البَشَرِ ، وسيِّدُ العرب العجم ، ومَنْ شهد له الحقُّ بخصائص العلم حين قال : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } [ النساء : 113 ] يقال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } - عُلِمَ أَنَّ ما يخصُّ به الحقُّ أولياءَه من لطائف العلوم لا حَصْرَ له .\rويقال أحاله على نفسه في استزادة العلم . وموسى عليه السلام أحاله على الخضر حتى قال له : { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } [ الكهف : 66 ] فشتان بين عبدٍ أحيل على عبدٍ في ذلك ثم قيل له : { إنَّكَ لَن تَسْتَطِيِعَ مَعِىَ صَبْراً } [ الكهف : 72 ] ثم كل ذلك التطلف قال له في آخر الأمر : { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ . . . } [ الكهف : 78 ] وبين عبدٍ أَمَرَه عند استزادة العلم بأن يطلبه من قِبَلِ ربه فقال : قُلْ يا محمد : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } .\rويقال لما قال عليه السلام : « أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له » قال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } لِيُعْلَمَ أَنَّ أشرف خِصالِ العبدِ الوقوفُ في محلِّ الافتقار ، والاتصاف بنعت الدعاء دون الوقوف في مَعْرِضِ الدعوى .","part":5,"page":50},{"id":2051,"text":"لم تجد له قوةً بالكمال ، وانكماشاً في مراعاة الأمر حتى وقعت عليه سِمةُ العصيان بقوله : { وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ } [ طه : 121 ] .\rويقال : { لم نَجد له عزماً } : على الإصرار على المخالفة .\rويقال لم نجد عزماً في القصد على الخلاف ، وإن كان . . فذلك بمقتضى النسيان ، قال تعالى : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } على خلاف ألأمر ، وإنْ كان منه اتباعُ لبعض مطالبات الأمر .\rويقال شرح قصة آدم - عليه السلام - لأولاده على حجة التسكين لقلوبهم حتى لا يقنطوا من رحمة الله؛ فإن آدم عليه السلام وقع عليه هذا الرقم ، واستقبلته هذه الخطيئة ، وقوله تعالى : { فَنَسِىَ } من النسيان ، ولم يكن في وقته النسيان مرفوعاً عن الناس .\rويقال عاتبه بقوله : { فَنَسِىَ } ثم أظهر عُذْرَه فقال : { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } .","part":5,"page":51},{"id":2052,"text":"السجود نوع من التواضع وإكبار القَدْر ، ولم تتقدم من آدم عليه السلام طاعة ولا عبادة فَخَلَقه الحقُّ بيده ، ورَفَعَ شأنهَ بعدما علَّمه ، وحُمِلَ إلى الجنة ، وأمَرَ الملائكةَ في كل سماءٍ أن يسجدوا له تكريماً له على الابتلاء ، واختباراً لهم . فسجدوا بأجمعهم ، وامتنع إبليسُ من بينهم ، فَلَقِيَ من الهوان من سبق له في حكم التقدير . والعَجَبُ ممن يخفى عليه أنَّ مثل هذا يجري من دون إرادة الحقِّ ومشيئته وهو عالِمٌ بأنه كذلك يجري ، واعتبروا الحكمةَ في أفعاله وأحكامه ، ويزعمون أنه علم ما سيكون من حال إبليس وذريته ، وكثرة مخالفات أولاد آدم ، وكيف أن الشيطان يوسوس لهم . . . ثم يقولون إن الحقَّ سبحانه أراد خلاف ما عَلِمَ ، وأجرى في سلطانه ما يكرهه وهو عالِمٌ ، وكان عالماً بما سيكون! ثم خلق إبليس ومكَّنه من هذه المعاصي مع إرادته ألا يكون ذلك! ويدَّعُون حُسْنَ ذلك في الفعل اعتباراً إنما هو الحكمة . . . فسبحانَ مَنْ أَعْمَى بصائِرَِهم ، وعَمَّى حقيقةَ التوحيد عليهم!","part":5,"page":52},{"id":2053,"text":"وما كان ينفعهم النُّصْحُ وقد أراد بهم ما حذَّرَهم ، وعَلِم أنهم سيلقون ما خوَّفهم به . قوله : { فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى } : علم أنهم سيلقون ذلك الشقاء؛ وأَمَّا إنَّه أضاف الشقاءَ إلى آدم وحدَه - وكلاهما لحقَهَ شقاءُ الدنيا - فذلك لمضارعة رؤؤس الآي ، أو لأن التعبَ على الرجال دون النساء . ومَنْ أصغى إلى قول عدوِّه فإِنه يتجَرَّعُ النَّدَمَ ثم لا ينفعه .","part":5,"page":53},{"id":2054,"text":"لا تصديقَ اممُّ من تصديقِ آدم ، ولا وعظَ أشدُّ رحمةً من الله ، ولا يقينَ أقوى من يقينه . . . ولكن ما قاسى آدمُ الشقاءَ قبل ذلك ، فلمَّا استقبله الأمرُ وذاق ما خُوِّف به من العناءِ والكدِّ نَدِمَ وأطال البكاء ، ولكن بعد إبرام التقدير .\r{ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُوا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى } أُوْثِرَ بكل وجه؛ فلم يعرف قَدْرَ العافيةِ والسلامةِ ، إلى أن جرى ما هو محكواً به من سابقِ القسمة .\rويقال تنعَّمَ آدمُ في الجنة ولم يعرف قدر ذلك إلى حين استولى في الدنيا عليه الجوعُ والعطشُ ، والبلاء من كل ( . . . ) .\rوكان آدم عليه السلام إذا تجدَّد له نوعٌ نم البلاء أخذ في البكاء ، وجبريل عليه السلام - يأتي ويقول : ربُّك يُقْرِئِكُ السلامَ ويقول : لِمَ تبكي؟ فكان يُذَكِّر جبريلَ عليه السلام وهو يقول : أهذا لاذي قُلْتَ : { وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلآَ تَضْحَى } . . . ! وغير هذا من وجوه الضمان والأمن؟!","part":5,"page":54},{"id":2055,"text":"وسوس إليه الشيطان وكان الحقُّ يعلم ذلك ولم يذكُرْ آدمُ في الحال أن هذا من نزعات مَنْ قال له - سبحانه - : { إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ } [ طه : 117 ] .\rويقال : لو عَمَّى على إبليس تلك الشجرة حتى لم يعرفها بعينها ، ولو لم يكن ( . . . ) حتى دلَّه على تلك الشجرة إيش الذي كان يمنعه منه إلا أَنَّ الحُكمَ منه بذلك سَبَقَ ، والإرادةَ به تعلَّقت؟\rويقال إن الشيطان ظهر لآدم عليه السلام بعد ذلك فقال له : يا شقيُّ ، فعلتَ وصنعتَ . . !\rفقال إبليس لآدم : إنْ كنتُ شيطانَك فَمَنْ كان شيطاني؟\rويقال سُمِّي الشيطان شيطاناً لبعده عن طاعة الله ، فكلُّ بعيدٍ عن طاعة الله يُبْعِدُ الناسَ عن طاعة الله فهو شيطان ، ولذلك يقال : شياطين الإِنْسِ ، وشياطين الإِنْسِ شرٌّ من شياطين الجن .\rويقال لما طمع آدم في البقاء خالداً وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليه بوسوسَتِه .\rوالناسُ تكلموا في الشجرة : ما كانت؟ والصحيحُ أَنْ يقالَ إنها كانت شجرة المحنة .\rويقال لو لم تُخْلَقْ في الجنة تلك الشجرة لَمَا كان في الجنة نقصانٌ في رتبتها .\rويقال لولا أنه أراد لآدم ما كان لطالت تلك الشجرة حتى ما كانت لِِتَصلَ إليها يَدُه ، ولكنه - كما في القصة - كانت لا تصل لى أوراقها يده - بعد ما أكل منها - حينما أراد أَنْ يأخذَ منها لِيَسْتُرَ عورتَه .","part":5,"page":55},{"id":2056,"text":"لمَّا ارتكبا المنهيَّ عنه ظهر ما يُسْتَحْيَي مِنْ ظهوره ، ولكنَّ اللَّهَ - سبحانه - أَلْطَفَ معهما في هذه الحالة بقوله : فَبَدَتْ لهما سوآتهما ، ولم يَقُلْ - مُطْلَقاً - فبدت سَوْءَتُهما؛ أي أنه لم يُطْلِع على سوءتهما غيرَهما .\rويقال لَمَّا تجرَّدَا عن لِباس التقوى تناثر عنهما لباسهما الظاهر .\rقوله جلّ ذكره : { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ } .\rأولُ الحِرَفِ والصناعات - على مقتضى هذا - الخياطةُ ، وخياطةُ الرّقاع بعضها على بعض للفقراء ميراثٌ من أبينا آدم - عليه السلام .\rويقال كان آدمُ - عليه السلام - قد أصبح وعليه من حُلَلِ الجنة وفنونِ اللِّباس ما اللَّهُ به أعلمُ ، ثم لم يُمس حتى كان يخصف على نفسه من ورق الجنة ، وهكذا كان في الابتداء ما هو موروثٌ في أولاده من هناء بعده بلاء .\rقوله تعالى : { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنِ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ } [ الأعراف : 22 ] عند ذلك وقعت عليهما الخَجْلَةُ لمَّا وَرَدَ عليهما خطاب الحقِّ : { أَلَمْ أَنْهَكُمَا . . . . عن } [ الأعراف : 22 ] ولهذا قيل : كفى للمُقَصِّر الحياء يو اللقاء .\rقوله تعالى : { قَالاََ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا . . . } [ الأعراف : 23 ] لم يتكلما بلسان الحجة فقالا : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } [ الأعراف : 23 ] ، ولم يقولا : بظلمنا صرنا من الخاسرين ، بل قالا : { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ } [ الأعراف : 23 ] ليُعْلَم أَنَّ المدارَ على حُكْم الربِّ لا على جُرْمِ الخَلْق .\rقوله جلّ ذكره : { وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } .\rلَمَّا وَقَعَتْ عليه سِمَةُ العصيان - وهو أَوَّلُ البشرِ - كان في ذكر هذا تنفيسٌ لأولاده؛ أن تجري عليهم زَلَّةٌ وهم بوصف الغيبة في حين الفترة .\rويقال كانت تلك الأكلةُ شيئاً واحداً ، ولكن قصتها يحفظها ويرددها الصبيانُ إلى يوم القيامة .\rوعصى آدم ربَّه ليُعْلَم أن عِظَمَ الذنوبِ لمخالفةِ الآمِرِ وعِظَمِ قَدْرِه . . . لا لكثرة المخالفة في نفسها .","part":5,"page":56},{"id":2057,"text":"أخبر أنه بعدما عصى ، وبعد كلِّ ما فَعَلَه اجتباه ربُّه؛ فالذي اصطفاه أولاً بلا عِلَّة اجتباه ثانياً بعد الزَّلَّة ، فَتَابَ عليه ، وغَفَر ذنبَه ، { وَهَدَى } : أي هداه إليه حتى اعتذر واستغفر .","part":5,"page":57},{"id":2058,"text":"أوقع العداوة بين آدم وإبليس والحية ، وقد توالت المحنُ على آدم وحواء بعد خروجهما من الجنة بسمة العصيان ، ومفارقة الجنة ، ودخول الدنيا ، وعداوة الشيطان والابتلاء بالشهوات . ثم قال :\r{ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ . . . } وترَكَ هواه ، ولم يعمل بوسوسة العدوِّ فله كُلُّ خير ، ولا يلحقه ضَيْر .","part":5,"page":58},{"id":2059,"text":"قوله جلّ ذكره : { وََمنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } .\rالكافر إذا أعرض عن ذكره بالكلية فله المعيشة الضنك في الدنيا ، وفي القبر ، وفي النار ، وبالقلب من حيث وحشة الكفر ، وبالوقتِ من حيث انغلاق الأمور .\rويقال مَنْ أعرض عن الانخراط في قضايا الوفاق انثالت عليه فنون الخذلان ، ومن أعرض عن استدامة ذكره - سبحانه - بالقلب توالت عليه من تفرقة القلب ما يسلب عنه كلَّ رَوْحٍ .\rومَنْ أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوسُ الشيطان وهواجسُ النَّفس بما يوجِب له وحشةَ الضمير ، وانسداد أبواب الراحة والبسط .\rويقال مَنْ أعرض عن ذِكْرِ الله في الخلوةِ قَيَّضَ اللَّهُ له في الظاهر من القرينِ السوءِ ما توجِبُ رؤيتُه له قَبْضَ القلوبِ واستيلاَءَ الوحشة .\rقوله جلّ ذكره : { وَنَحْشُرُهُ يَومَ القِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى } .\rفي الخبر : « مَنْ كان بحالةٍ لَقِيَ اللَّهِ بها » فَمَنْ كان في الدنيا أعمى القلب يُحْشَرُ على حالته ، ومَنْ يَعِشْ على جهلٍ يحشر على جهلٍ ، ولذا يقولون : { مَنْ بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَا } ؟ [ يس : 52 ] إلى أَنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً .\rوكما يَتْرُِكُون - اليومَ - التَدبُّرَ في آياتِه يُتْرَكُون غداً في العقوبة من غير رحمةٍ على ضعفِ حالاتهم .","part":5,"page":59},{"id":2060,"text":"جَرَتْ سُنَّتُه بأَنْ يُجازِيَ كُلاً بما يليق بحاله ، فما أسلفه لنفسِه سيلقى غِبَّه؛ على الخبر خيراً ، وعلى الشرِّ شَرَّاً .","part":5,"page":60},{"id":2061,"text":"أي أفلا ينظرون فيتفكرون؟ ثم إذا استبصروا أفلا يعتبرون؟ وإذا اعتبروا أفلا يزدجرون؟ أم على وجوههم - في ميادين غَفَلاتِهِم يركضون ، وعن سوءِ معاملاتهم لا يرجعون؟ أَلا ساء ما يعملون!","part":5,"page":61},{"id":2062,"text":"لولا أَنَّ كلمةً اللَّهِ سَبَقَتْ بتأخير العقوبة عن هذه الأمة ، وأنه لا يستأصلهم لأنَّ جماعةً من الأولياء في أصلابهم لَعَجَلَّ عقوبتَهم ، ولكن . . . كما ذَكَرَ من الأحوال أمهلهم مدةً معلومة ، ولكنه لم يهملهم أصلاً .\rوإذا كانت الكلمةُ بالسعادة لقوم والشقاوة لقوم قد سبقت ، والعلمُ بالمحفوظ بجميع ما هو كائن قد جرى - فالسعيُ والجهدُ ، والأنكماشُ والجدُّ . . متى تنفع؟ لكنه من القسمة أيضاً ما ظهر .","part":5,"page":62},{"id":2063,"text":"سماعُ الأذى يوجِب المشقة ، فأزال عنه ما كان لَحِقَه من المشقة عند سماع ما كانوا يقولون ، وأَمَرَهُ : إنْ كان سماعُ ما يقولون يُوحشُكَ فتسبيحُنا - الذي تُثْنِي به علينا - يُرَوِّحُك .\r{ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } : أي في صدر النهار؛ ليُبُارِكَ لكَ في نهارِك ، ويَنْعَمَ صباحُك .\r{ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } أي عند نقصان النهار؛ ليطيبَ لَيْلُكَ ، وينعم رَواحُك .\r{ وَمِنْ ءَانَآىءِ الَّيْلِ } أي في ساعات الليل؛ فإن كمال الصفوة في ذكر الله حال الخلوة .\r{ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } أي اسْتَدِمْ ذِكْرَِ اللَّهِ في جميع أحوالك .","part":5,"page":63},{"id":2064,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } .\rفضل الرؤية فيما لا يُحْتَاجُ إليه معلولٌ كفَضْلِ الكلامِ ، والذي له عند الله مَنْزِلٌ وقَدْرٌ فَلِلْحَقٌ على جميع أحواله غَيْرَةٌ ، إذ لا يَرْضَى منه أنْ يبذل شيئاً من حركاته وسكناته وجميع حالاته فيما ليس الله - سبحانه - فيه رِضاءٌ ، وفي معناه أنشدوا :\rفعيني إذا اسْتَحْسَنتْ غَيرَكم ... أَمَرْتُ الدموعَ بتأديبها\rويقال لمّا أَدَّبَه في ألا ينظرَ إلى زينة الدنيا بكمال نظره وَقَفَ على وجه الأرض بِفَرْدِ قَدَمٍ تصاوناً عنها حتى قيل له « طه » أي طَأْ الأرضَ بِقَدَمِك . . ولِمَ كلُّ هذه المجاهدة وكل هذا التباعد حتى تقف بفَرْدٍ قَدَمٍ؟ طَأْ الأرض بقدميك .\r{ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا . . . } الفتنة ما يُشْغَل به عن الحقِّ ، ويستولي حُبُّه على القلب ، ويُجَسِّر وجودُه على العصيان ، ويحمل الاستمتاع به على البَطَر والأشَر .\rقوله جلّ ذكره : { وَرِزْقُ رَبِِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } .\rالقليلُ من الحلال - وفيه رضاءُ الرحمن- خيرٌ من الكثير من الحرام والحطام . . ومعه سُخْطُه . ويقال قليلٌ يُشْهِدُكَ ربَّكَ خيرٌ مِنْ كثير يُنْسِيكَ ربَّك .","part":5,"page":64},{"id":2065,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } .\rالصلاةُ استفتاحُ بابِ الرزق ، وعليها أحال في تيسير الفتوح عند وقوع الحاجة إليه . ويقال الصلاة رزق القلوب ، وفيها شفاؤها ، وإذا استأخر قُوتُ النَّفْس قَوِيَ قُوتُ القلب .\rوأَمرَ - الرسولَ - عليه السلام - بأن يأمرَ أهلَه بالصلاةِ ، وأَنْ يَصْطَبِرَ عليها وللاصطبار مزية على الصبر؛ وهو أَلاَّ يَجِدَ صاحبهُ الألمَ بل يكون محمولاً مُرَوَّحاً .\rقوله جلّ ذكره : { لاَ نَسْئَلُكَ رِزْقاً } .\rأي لا نكلفك برزق أحدٍ ، فإنَّ الرازقَ اللَّهُ - سبحانه - دون تأثير الخَلْق ، فنحن نرزقك ونرزق الجميع .\rقوله جلّ ذكره : { نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوىَ } .\rهما شيئان : وجود الأرزاق وشهود الرزاق؛ فوجود الأرزاق يوجب قوة النفوس ، وشهود الرزاق يوجب قوة القلوب .\rويقال استقلال العامة بوجود الأرزاق ، واستقلال الخواص بشهود الرزَّاق .\rويقال نَفي عن وقته الفَرْقَ بين أوصاف الرزق حين قال : { نََّحْنُ نَرْزُقُكَ } ؛ فإنَّ مَنْ شَهِدَ وتحقق بقوله : { نََّحْنُ } سقط عنه التمييز بين رزقٍ ورزقٍ .\rويقال خففَّفَ على الفقراءِ مقاساةَ قِلَّةِ الرزقِ وتأخُّرِه عن وقتٍ إلى وقتٍ بقوله : { نََّحْنُ } .\rقوله : { وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } : أي العاقبة بالحسنى لأهل التقوى .\rويقال المراد بالتقوى المُتّقِي ، فقد يسمَّى الموصوف بما هو المصدر .","part":5,"page":65},{"id":2066,"text":"عَمِيَتْ بصائرهم وادَّعوا أنه لا برهانَ معه ، ولم يكن القصورُ في الأدلة بل كان الخَلَلُ في بصائرهم ، ولو جمع اللَّهُ لهم كلَّ آيةٍ اقْتُرِحَتْ على رسولٍ ثم لم يُرِد } اللَّهُ أَنْ يؤمِنوا لَمَا ازدادوا إلا طغياناً وكفراً وخسراناً . . . وتلك سُنَّةُ أسلافهم في تكذيب أنيبائهم ، ولذا قال :","part":5,"page":66},{"id":2067,"text":"إنْ أرسلنا إليهم الرسلَ قابلوهم بفنونٍ من الجحد ، ووجوهٍ من العلل؛ مرةً يقولون فما بالُ هذا الرسول بَشَر؟ هلاَّ أرسله مَلَكاً؟ ولو أرسلنا مَلَكاً لقالوا هلاَّ أرسل إلينا مثلنا بَشَراً؟ ولو أظهر عليهم آيةً لقالوا : هذا سِحْرٌ مُفْتَرَى! ولو أخليناهم من رسولٍ وعاملناهم بما استوجبوه من نكير لقالوا :\rهلاَّ بَعَثَ إلينا رسولاً حتى كنا نُؤْمِن؟ فليست تنقطع أعلالُهم ، ولا تنفك - عما لا يُرْضَى - أحوالُهم . وكذلك سبيلُ مَنْ لا يجنح إلى الوصال ولا يرغَب في الوداد ، وفي معناه أنشدوا :\rوكذا إذا الملولُ قطيعةً ... مَلَّ الوِصال وقال كان وكانا","part":5,"page":67},{"id":2068,"text":"الكل واقفوان على التجويز غير حاصلين بوثيقة ، ينتظرون ما سيبدو في المستأنف ، إلاَّ أَنَّ أربابَ التفرقة ينتظرون ماسيبدو مِمَّا يقتضيه حُكْمُ الأفلاك ، وما الذي توجبه الطبائعُ والنجومُ . والمسلمون ينتظرون ما يبدو من المقادير فهم في رَوْحِ التوحيد ، والباقون في ظُلُمَاتِ الشَّرْكِ .","part":5,"page":68},{"id":2069,"text":"فالمطيعون منهم عَظُمَ لدينا ثوابُهم ، والعاصون منهم حَقَّ مِنَّا عقابُهم .\r{ فِى غَفْلَةٍ } [ الأنبياء : 1 ] يقال الغفلة على قسمين : غافلٍ عن حسابه باستغراقه في دنياه وهواه ، وغافلٍ عن حسابه لاستهلاكه في مولاه؛ فالغفلة الأولى سِمَةُ الهجر والغفلة الثانية صِفَةُ الوَصْل؛ فالأَولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا من سكرة الموت ، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبدِ لفنائهم في وجود الحق تعالى .","part":5,"page":69},{"id":2070,"text":"لم يجدد إليهم رسولاً إذا ازدادوا نفوراً ، ولم يُنِّزلْ عليهم خِطاباًَ إلا ردُّوه جحداً وتكذيباً ، وما زدناهم فصلاً إلا عدُّوه هَزْلاً ، وما جددنا لهم نعمةً إلا فعلوا ما استوجبوا نقمة ، فكان الذي أكرمناهم به محنةً بها بلوناهم . . . وهذه صفة مَنْ أساء مع الله خُلُقَه ، وخَسِرَ عند الله حقَّه .","part":5,"page":70},{"id":2071,"text":"عَمِيَتْ بصائرُهم وعامت أفهامهم ، فهم في غباوة لا يستبصرون ، وفي أكنة عمَّا اقيم لهم من البرهان فهم لا يعلمون .\rقوله : { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى . . . } لَمَّا عجزوا عن معارضته ، وسقطوا عن التحدي ، وظهرت عليهم حُجَّتُهُ رَجَّمُوا فيه الفِكْرَ ، وقَسَّمُوا فيه الظن ، فمرةً نسبوه إلى السحر ، ومرةً وصفوه بقول الشعر ، ومرة رَمَوْه بالجنونِ وفنونٍ من العيوب . وقبل ذلك كانوا يقولون عنه : هو محمدٌ الأمين ، كما قيل :\rأشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قصةٍ ... وكانوا لنا سِلْماً فصاروا لنا حَرْباً .","part":5,"page":71},{"id":2072,"text":"الأقاويل التي يسمعها الحقُّ - سبحانه - مختلفة؛ فَمِنْ خطابِ بعضهم مع بعض ، ومن بعضهم مع الحق . والذين يخاطِبون الحقَّ : فَمِنْ سائلٍ يسأل الدنيا ، ومِِنْ داعٍ يطلب كرائمَ العُقْبَى ، ومِنْ مُثْنٍ يثني على الله لا يقصد شيئاً من الدنيا والعقبى .\rويقال يسمع أنينَ المُذْنبين سِراً عن الخَلْق حَذَراً أن يفتضحوا ، ويسمع مناجاةَ العابدين التسبيح إذا تهجدوا ، ويسمع شكوى المحبين إذا مَسَّتْهم البُرَحاء فَضَجُّوا من شدة الاشتياق .\rويقال يسمع خطابَ مَنْ يناجيه سِرَّا بسرِّ ، وكذلك تسبيح مَنْ يمدحه ويثني عليه بلسان سِرِّه .","part":5,"page":72},{"id":2073,"text":"نَوَّعُوا ما نسبوا إليه - بعدما نزَّلنا إليه الأمر - من حيث كانوا ، ولم يشاهدوا هِمَمَه على الوصف الذي كانوا يصفونه به من صدق في الحال والمقال ، وكما قيل :\rرمتني بداءها وانسلت ...","part":5,"page":73},{"id":2074,"text":"أخبر أن الله تعالى أجرى سُنَّتَه أن يُعَذِّبَ من كان المعلوم من شأنه أنه لا يؤمن لا في الحال ولا في المآل . وإنَّ هؤلاء الذين كفروا في عصر الرسول A أمثالُهم في الكفران ، وقد حَكَم الحقُّ لهم بالحرمان والخذلان .","part":5,"page":74},{"id":2075,"text":"لمَّا قالوا لولا أَنزل علينا الملائكة أخبر أنه لم يُرْسِلْ إلى الناس رسولاً فيما سَبَقَ من الأزمان الماضية والقرون الخالية إلا بَشراً ، وذَكَرَ أنَّ الخصوصية لهم كانت بإرسال الله إياهم .\rثم قال : { فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } : الخطاب للكلِّ والمراد منه الأمة ، وأهلُ الذكر العلماءُ من أكابر هذه الأمة والذين آمنوا بنبينا محمد - A - ويقال هم أهل الفهم من الله أصحاب الإلهام الذين في محل الإعلام من الحقِّ - سبحانه - أو من يُحْسِنُ الإفهامَ عن الحق .\rويقال العالم يرجع إلى الله في المعاملات والعبادات ، وإذا اشتكلت الواقعةُ فيخبر عن اجتهاده ، وشرطه ألا يكون مقلداً ، ويكون من أهل الاجتهاد ، فإذا لم يخالف النصَّ وأدى اجتهاده إلى شيء ولم يخالف أصلاً مقطوعاً بصحته وجب قبول فتواه ، وأمَّا الحكيم فإذا تكلم في المعاملة فإنما يقبل منه إذا سبقت منه المنازلة لما يُفْتَى به فإن لم تتقدم له من قِبَله المنازلة ففتواه في هذا الطريق كفتوى المقلِّد في مسائل الشرع .\rفأمَّا العارف فيجب أن يتكلم في هذا الطريق عن وَجْدِه - إنْ كان - وإلا فلا تُقْبَلُ فتواه ولا تُشْمَع .","part":5,"page":75},{"id":2076,"text":"لمَّا عَيَّروا الرسولَ - عليه السلام - بقولهم : ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟ . . أخبر أن أَكْلَ الطعام ليس بقادح في المعنى الذي يختص به الأكابر ، فلا منافاة بين أكل الطعام وما تُكِنُّه القلَوبُ والسرائر من وجوه التعريف .\rويقال : النفوس لا خبر لها مما به القلوب ، والقلب لا خبر له مما تتحقق به الروح وما فوق الروح وألطف منه وهو السرُّ .\rقوله : { وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } : أي إنهم على ممرٍ ومعْبرٍ ، ولا سبيلَ اليومَ لمخلوقٍ إلى الخُلْد .","part":5,"page":76},{"id":2077,"text":"الحقُّ - سبحانه - يُحَقِّق وعْدَه وإنْ تباطأ بتحقيقه الوقتُ فيما أخبر أنه يكون . والموعود من نصرة الله لأهل الحق إنما هو بإعلاء كلمة الدِّين ، وإرغام مَنْ نَابَذَ الحقَّ مِنَ الجاحدين ، وتحقيق ذلك بالبيان والحجة ، وإيضاح وجه الدلالة ، وبيان خطأ الشبهة .","part":5,"page":77},{"id":2078,"text":"يريد بالكتاب القرآن ، وقوله : { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } : أي شرفُكم ومحلُّكم ، فَمَنْ استبصَر بما فيه من النور سَعِدَ في دنياه وأخراه .","part":5,"page":78},{"id":2079,"text":"إنَّ اللَّهَ يُمْهِل الظالمَ حيناً لكنه يأخذه أَخْذَ قهر وانتقام ، وقد حَكَمَ اللَّهُ بخرابِ مساكنِ الظالمين ، وقد جاء الخبر : « لو كان الظلم بيتاً في الجنة لَسُلِّطَ عليه الخراب » فإذا ظلم العبدُ نَفْسَه حَرَّمَ اللَّهُ أَنْ يقطنها التوفيقُ وجعلها موطنَ الخذلان ، فإذا ظَلَمَ قلبَه بالغفلة سَلَّط عليه الخواطرَ الردية التي هي وساوس الشيطان ودواعي الفجور . وعلى هذا القياس في القلة والكثرة؛ إنَّ الروح إذا خربت زايلتها الحقائقُ والمحابُّ واستولت عليها العلائقُ والمساكنات .","part":5,"page":79},{"id":2080,"text":"لمَّا ذاقوا وبالَ أفعالهم اضطربوا في أحوالهم فلم ينفعهم نَدَمُهم ، ولم تَعْدُ إلى محالِّها أقدامُهم ، وبعد ظهور الخيانة لا تُقْبَلُ الأمانة .","part":5,"page":80},{"id":2081,"text":"وللخيانة سراية ، فإذا حصلت الخيانة لم تقف السراية ، وإذا غرقت السفينةُ فليس بيد المَلاَّحِ إلا إظهار الأسف ، وهيهات أن يُجْدِي ذلك!","part":5,"page":81},{"id":2082,"text":"للإقرار زمانٌ؛ فإِذا فات وقتُه فكما في المَثَل : يسبق الفريض الحريصُ . ووَضْعُ القوسِ بعد إرسال السهم لا قيمة له .","part":5,"page":82},{"id":2083,"text":"إنّ مِنَ البلاءِ أَنْ يشكوَ المرءُ فلا يُسْمَع ، ويبكي فلا يَنْفَع ، ويدنو فَيُقْصَى ، ويمرض فلا يُعادَ ، ويعتذر فلا يُقْبَل . . . وغايةُ البلاءِ التَّلَفُ .","part":5,"page":83},{"id":2084,"text":"اللَّعِبُ نعتُ من زَالَ عن حَدِّ الصواب ، واستجلب بفعله الالتذاذ ، وانجرَّ في حَبْلِ السَّفَهِ . وحَقُّ الحقِّ مُتَقَدِّسٌ عن هذه الجملة .","part":5,"page":84},{"id":2085,"text":"يخاطبهم على حسب أَفهامهم؛ وإلا . . فالذي لا يعتريه سهوٌ لا يستفِزُّه لَهْوٌ ، والحقُّ لا يعتريه ولا يضاهيه كُفْؤٌ .","part":5,"page":85},{"id":2086,"text":"نُدْخِلُ نهارَ التحقيق على ليالي الأَوهام فينقشع سحابُ الغيبة ، وينجلي ضبابُ الأوهام ، وتنير شمسُ اليقين ، وتصحو سماءُ الحقائق عن كلِّ غُبار التٌّهَم .","part":5,"page":86},{"id":2087,"text":"الحادثات له سبحانه مِلْكاً والكائنات له حُكماً ، وتعالى اللَّهُ عن أنْ يَتَجَمَّلَ بوِفاقٍ أو ينقض بخلاف ، وبالقَدَرِ ظهورُ الجميع ، وعلى حسب الاختيار تنصرف الكلمة .","part":5,"page":87},{"id":2088,"text":"المطيعُ بالمختارُ يُسِّبحه بالقول الصدق ، والكلُّ من المخلوقات تسبيحها بدلالة الخِلْقَة ، وبرهان البَيِّنة .","part":5,"page":88},{"id":2089,"text":"تفرَّد الحقُّ بالإبداع والإيجاد ، وتقدَّس عن الأمثال والأنداد ، فالذين يُعْبَدُون مِنْ دونه أمواتٌ غيرُ أحياءٍ . وهم بالضرورة يعرفون . . . أفلا يَعْتَبِرُون وألا يَزْدَجِرُون؟","part":5,"page":89},{"id":2090,"text":"أخبر أَنَّ كلَّ أمر يُنَاطُ بجماعةٍ لا يجري على النظامِ؛ إذ ينشأ بينهم النزاعُ والخلافُ . ولمَّا كانت أمورُ العالَم في الترتيب مُنَسَّقَة فقد دلَّ ذلك على أنها حاصلةٌ بتقديرِ مُدَبِّرٍ حكيم؛ فالسماءُ في علوِّها تدور على النظام أفلاكُها ، وليس لها عُمُدٌ لإمساكها ، والأرضُ مستقرةٌ بأقطارها على ترتيب تعاقب ليلها ونهارها . والشمسُ لتقديرِ العزيزِ العليمِ علامةٌ ، وعلى وحدانيته دلالةٌ .","part":5,"page":90},{"id":2091,"text":"لِكَوْنِ الخلْق له ، وهم يُسأَلون للزوم حقه عليهم؟","part":5,"page":91},{"id":2092,"text":"دلت الآيةُ على فسادِ القولِ بالتقليد ، ووجوبِ إقامة الحجة والدليل .\rودلَّت الآية على توحيد المعبود ، ودلَّت الآية على إثبات الكسب للعبيد؛ إذ لولاه لم يتوجه عليهم اللومُ والعَتْبُ . وكلُّ مَنْ علَّقَ قلبه بمخلوقٍ ، أو تَوَهَّمَ من غير الله حصولَ شيءٍ فَقَد دَخَلَ في غمار هؤلاء لأنَّ الإله مَنْ يصحُّ منه الإيجاد .\rقوله : { هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى } : الإشارة منه أن الدِّينَ توحيدُ الحق ، وإفرادُ الربِّ على وصف التفرد ونعت الوحدانية .\rثم قال : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ } إنما عدموا العلم لإعراضهم عن النظر ، ولو وضعوا النظر موضعه لوَجَبَ لهم العلم لا محالة ، والأمر يدل على وجوب النظر ، وأنَّ العلومَ الدينية كُلَّها كسبية .","part":5,"page":92},{"id":2093,"text":"التوحيدُ في كل شريعة واحدٌ ، والتعبد ُ - على من أرسل إليه الرسول - واجبٌ ، ولكنَّ الأفعالَ للنسخِ والتبديلِ مُعَرَّضةٌ ، أما التوحيدُ وطريقُ الوصول إليه فلا يجوز في ذلك النسخُ والتبديل .","part":5,"page":93},{"id":2094,"text":"في الآية رخصةٌُ في ذِكْر اقاويل أهل الضلال والبدع على وجه الردِّ عليهم ، وكَشْفِ عوراتهم ، والتنبيه على مواضع خطاياهم ، وأنَّه إنْ وَسْوَسَ الشيطان إلى أحدٍ بشيء منه كان في ذلك حجةٌ للانفصال عنه .","part":5,"page":94},{"id":2095,"text":"أخبر أن الملائكة معصومون عن مخالفة أمره - سبحانه ، وأنهم لا يُقَصِّرون في واجبٍ عليهم .","part":5,"page":95},{"id":2096,"text":"عِلْمُه القديمُ - سبحانه - لا يختصُّ بمعلوم دون معلوم ، وإنما هو شامل لجميع المعلومات ، فلا يعزب عن علم الله معلوم .\rقوله : { لا يشفعون إلا لمن ارتضى } دلَّ على أنهم يشفعون لقومٍ ، وأنَّ الله يتقبل شفاعتهم .\rقوله : { وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } : ليس لهم ذنب ثم هم خائفون؛ ففي الآية دليل على أنه سبحانه يعذبهم وأن ذلك جائز ، فإذا لم يَجُزْ أن يُعذِّب البريء لكانوا لا يخافونه لعلمهم أنهم لم يرتكبوا زلةً .","part":5,"page":96},{"id":2097,"text":"أخبر ، أنهم مُعْرِضُون عن الزَّلَّةِ بكلِّ وجهٍ . ثم قال : { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إلهٌ مِنْ دُونِهِ } وقد علم أنهم لا يقولون ذلك ، ولكن علم لو كان ذلك كيف كان يكون حكمه ، فالحقُّ - سبحانه - يعلم ما لا يكون كيف كان يكون","part":5,"page":97},{"id":2098,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا } .\rداخَلَتْهُم الشبهةُ في إعادة الخلْقِ والقيامةِ والنَّشْرِ ، فأقام الله الحجةَ عليهم بأن قال : أليسوا قد عَلِمُوا أنه خلق السموات والأرض؛ سَمَكَ السماء وبَسَط الأرض . . فإذا قدر على ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة بعد الإبادة؟\rقوله جل ذكره : { وَجَعَلْنَا مِنَ المَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } كٌلُّ شيءٍ مخلوقٍ حيِّ فَمِنَ الماء خَلْقُه ، فإنَّ أصلَ الحيوان الذي حَصَلَ بالتناسل النطفةُ ، وهي من جملة الماء .\rوحياة النفوس بماء السماء من حيث الغذاء ، وحياة القلوب بماء الرحمة ، وحياة الأسرار بماء التعظيم . وأقوام حياتُهم بماءِ الحياء . . وعزيزٌ هُمْ .","part":5,"page":98},{"id":2099,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَجَعَلْنَا فِى الأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ } .\rالأولياء هم الرواسي في الأرض وبهم يُرْزَقُون ، وبهم يُدْفع عنهم البلاء ، وبهم يُوَفَى عليهم العطاءُ . وكما أنه لولا الجبالُ الرواسي لم تكن للأرض أوتادٌ . . فكذلك الشيوخ الذين هم أوتادُ الأرضِ ( فلولاهم ) لنَزَلَتْ بهم الشدة .\rقوله جل ذكره : { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } .\rكما أن في الأرض سُبُلاً يسلكونها ليَصِلُوا إلى مقاصدهم كذلك جعل السُبُلَ إليه مسلوكة بما بيَّن على ألسنتهم من هداية المريدين ، وقيادة السالكين ، كما يَسَّر بهداهم الاقتداء بهم في سيرهم إلى الله .","part":5,"page":99},{"id":2100,"text":"في ظاهر الكون السماء منيرة ، والأرض مسكونة . . كذلك للنفوس أراضٍ هي مساكن الطاعات ، وفي سماء القلوب نجومُ العقل وأقمارُ العلم وشموسُ التوحيد والعرفان . وكما جُعِلَتْ النجومُ رجوماً للشياطين جَعَلَ من المعارفِ رجوماً للشياطين وكما أن الناس عن آياتها معرضون لا يتفكرون فالعوام عن آياتِ القلوب مما فيها من الأنوار غافلون ، لا يكاد يعرفها إلا الخواص .","part":5,"page":100},{"id":2101,"text":"كما أن الحق - سبحانه - في الظاهر يكوِّر الليل على النهار ، ويكون النهار على الليل فكذلك يُدْخِلُ في نهارِ البسط ليلَ القبض . . والبسط في الزيادة والنقصان ، . فكما أنَّ الشمس أبداً في برجها لا تزيد ولا تنقص ، والقمرَ مرةً في المحاق ، ومرةً في الإشراق . . فصاحبُ التوحيدِ بنعت التمكين - يرتقي عن حَدِّ تأمُّلِ البرهان إلى رَوْحِ البيان ، ثم هو متحققٌ بما هو كالعيان . وصاحبُ العِلْم مرةً يُرَدُّ إلى تجديد نَظَرِه وتَذَكُّرِه ، ومرةً يغشاه غَيْرٌ في حال غفلته فهو صاحب تلوين .","part":5,"page":101},{"id":2102,"text":"إنك في هذه الدنيا عابرُ سبيلٍ ، لكننا لم نتركك فرداً في الدنيا ، ولذلك قال عليه السلام لصاحبه في الغار : « ما ظنك باثنين الله ثالثهما! » .","part":5,"page":102},{"id":2103,"text":"قوله جلّ ذكره : { كٌلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً } الموتُ به آفةُ قومٍ ، وفيه راحة قوم؛ لقوم انتهاءُ مدة الاشتياق ، والآخرين افتتاح باب الفراق ، لقوم وقوع فتنتهم ولآخرين خلاصٌ من محنتهم ، لقوم بلاء وقيامة ولآخرين شفاء وسلامة .","part":5,"page":103},{"id":2104,"text":"لو شهدوا بما هو به نم أوصاف التخصيص وما رقَّاه إليه من المنزلة لظلوا له خاضعين ، ولكنهم حُجِبُوا عن معانية وسريرته ، وعاينوا منه جسمه وصورته .","part":5,"page":104},{"id":2105,"text":"العَجلَةُ مذمومةٌ والمُسَارَعَةُ محمودةٌ؛ فالمسارعة البِدارُ إلى الشيء في أول وقته ، والعَجَلَةُ استقباله قبل وقته ، والعجلةُ نتيجةُ وسوسة الشيطان ، والمسارعةُ قضية التوفيق .","part":5,"page":105},{"id":2106,"text":"اعتادوا تكذيب الأنبياء عليهم السلام فيما وعدوهم ، فاستعجلوا حصولَ ما توعدوهم به . ولو علموا ما ينالهم لكان السكونُ منهم ، فالفَزَعُ يَدُلُّ على استعجالهم .","part":5,"page":106},{"id":2107,"text":"لأمسكوا اليوم عن الانخراط في عذاب الظنون ، والاغترار بمواعيد الشيطان .","part":5,"page":107},{"id":2108,"text":"العقوبة إذا أتت فجأةً كانت أنكى وأشد وسُنَّةُ الله في الانتقام أن يُثِيرَ ريحَ البغتةِ في حال الانغماس في النِّعْمة والمِنَّةِ .","part":5,"page":108},{"id":2109,"text":"تسليةٌ له ، وتعريفٌ بوشك الانتصار على الذين كانوا يؤذونه من أعداء الدين؛ أي عن قريب ستجدون وَبالَ ما استوجبوه من العقوبة .","part":5,"page":109},{"id":2110,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمِ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ } تقرير عليهم بأن ليس بتداخل المخلوقين نجاتهم ، وقد جرَّبوا ذلك في أحوال محنتهم ، فكيف لا يتبرءون ممن ليس لهم شيء ، ومما ليس منه نَفْعٌ ولا ضرٌّ؟ وفي ذلك تنبيه للمؤمنين بأن مآربهم إلى الخيرات من نوعي النفع والدفع من الله D ، فالواجبُ دوامُ اعتكافِهم بقلوبهم بقوة كَرمِه وجُوده .","part":5,"page":110},{"id":2111,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا } .\rبسط القول وكرره في تعريفهم استحالة حصول الضر والنفع من الجمادات؛ وأصنامُهم التي عبدوها من تلك الجملة ، ولم يَرِدْ منهم - على تكرار هذه الألفاظ - إلاًّ عجزٌ وانقطاعُ قولٍ .","part":5,"page":111},{"id":2112,"text":"طولُ الإمتاع إذا لم يكن مقروناً بالتوفيق ، مشفوعاً بالعصمة كان مكراً واستدراجاً ، وزيادةً في العقوبة . والحقُّ كما يعاقِبُ بالآلام والأهوال يعاقِب بالإملاء والإمهال .\rوقال : { أفلا يرون أنا نأتي الأرض } تتوالى القسوة حتى لا يَبْقَى أثرٌ ، للصفوة؛ فيتعاقبُ الخذلانُ حتى يتواتر العصيان ، ويتأدى ذلك إلى الحرمان الذي فيه ذهاب الإيمان .\rويقال تنقص بذهاب الأكابر ويبقى الأراذل ويتعرض الأفاضل . . وفي هذا أيضاً إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين وتطاول العمر ، فإن آخر الأمر كما قيل :\rآخِرُ الأمر ما ترَى ... القبرُ واللَّحدُ والثرى\rوكما قيل :\rطوى العصران ما نَشْرَاه مني ... وأبلى جدتي نَشْرٌ وطيُّ\rأراني كلَّ يومٍ في انتقاص ... ولا يبقى - مع النقصان - شيُّ","part":5,"page":112},{"id":2113,"text":"أي بأمر الله أُعْلِمكم بموضع المخافة ، ويُوحى إليَّ في بابكم أنْ أُخَوِّفَكُم بأليم عقابه ، ولكنَّ الذي عَدِمَ سمْعَ التوفيقِ . . . أنى ينفعه تكرارُ الأمر بالقبول عليه؟!","part":5,"page":113},{"id":2114,"text":"أي إنهم لا يصبرون على أقلِّ شيءٍ من العقوبة؛ وإن الحمقَّ إذا شاء أن يؤلِمَ أحداً فلا يحتاج إلى مددٍ وعون .","part":5,"page":114},{"id":2115,"text":"توزن الأعمالُ بميزان الإخلاص فما ليس فيه إخلاصٌ لا يُقْبَل ، وتوزن الأحوالُ بميزان الصدق فما يكون فيه الإعجابُ لا يُقْبَل ، وتوزن الأنفاسُ بميزان ( . . . ) فما فيه حظوظ ومساكنات لا يُقْبَل .\rويقال ينتصِفُ المظلومُ من الظالم ، وينتقم الضعيفُ من القوي .\rويقال ما كان لغير الله يَصْلُح للقبول\rويقال يكافىء كلاً بما يليق بعمله فَمَنْ لم يرحم عبادَه في دنياه لا يَرْحَمهُ الله ، ومن لم يُحسِن إلى عباده تقاصر عنه إحسانه ، ومَنْ ظلم غيره كوفىء بما يليق بسوء فعله .\rقوله : { فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } : أي يُجازي المظلومين وينتقم من الظالمين ، ويُنْصِفُ المظلومَ من مثقال الذرة ومقياس الحَبَّة ، وإن عَمِلَ خيراً بذلك المقدار فسيلقى جزاءه ، ويجد عِوَضَه .","part":5,"page":115},{"id":2116,"text":"ما آتاه الحق سبحانه للأنبياء عليهم السلام من الضياء والنُّور ، والحُجَّةِ والبرهان يشاركهم المستجيبون من أُمَمِهم في الاستبصار به . .\rفكذلك الأكابر من هذه الأمة يشاركون نبينا في الاستبصار بنور اليقين . و « المُتَّقِي » هو المُجَانِبُ لما يشغله ويحجبه عن الله ، فيتقي أسبابَ الحجاب وموجِباتها .","part":5,"page":116},{"id":2117,"text":"صار لهم في استحقاق هذه البصائرِ والخشية بالغيب إطراقُ السريرة ، وفي أوان الحضور استشعارُ الوَجَلِ من جريان سوء الأدب ، الحذَرُ من أن يبدو من الغيبِ من خفايا التقدير ما يوجبُ حجبة العبد .\rوالإشفاق من الساعة على ضربين : خوف قيام الساعة الموعودة للعامة ، وخوفُ قيام الساعة التي هي قيامة هؤلاء القوم؛ فإنَّ ما يستأهل الكافة في الحشر مُعَجَّلٌ لهم في الوقت من تقريبٍ ومن تبعيد ، ومن مَحْو ومن إثبات .","part":5,"page":117},{"id":2118,"text":"وَصَفَ القرآن بأنه { مبارك } ، وهو إخبارٌ عن دَوَامه ، من قولهم : بَرَكَ الطائرُ على الماءِ أي دَامَ .\rوإنَّ هذا الكتاب لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلْفَهِ وما لا ابتداء له - هو كلامه القديم - فلا انتهاء للكتاب الدالِّ عليه .","part":5,"page":118},{"id":2119,"text":"أراد به ما تعرَّف إليه من الهداية حتى لم يقل بما يجوز عليه الزوال والأفول ، لولا أنَّه خصَّه في الابتداء بالتعريف . . وإلاَّ متى اهتدى إلى التمييز بينه وبين خَلْقِه لولا ما أضاء عليه من أنوار التوحيد قبلما حصل منه من النظر في المخلوق؟\rويقال هو ما كاشَفَ به رُوحَهُ قبل إبداعها من تجلِّي الحقيقة .","part":5,"page":119},{"id":2120,"text":"خاطبَ قومه وأباه ببيان التنبيه طمعاً في استفاقتهم من سَكْرَةِ الغفلة ، ورجوعهم من ظلمة الغلظة ، وخروجهم من ضيقِ الشُّبْهَة .\rثم سأل الله إعانَتُهم بطلب الهداية لهم . فلمَّا تَبَيَّن له أنهم لا يؤمنون ، وعلى كفرهم يُصِرُّون تَبرَّأ منهم أجمعين .","part":5,"page":120},{"id":2121,"text":"ما استروحوا في الجواب إلا إلى التقليد ، فكان من جوابه الحُكْمُ بالتسوية بينهم وبين آبائهم في الضلال ، والحجة المتوجهة على سلفهم لزموها وتوجهت عليهم ، فلم يرضوا منه بتخطئة آبائهم حتى قالوا : { أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ } فطالبوه بالبرهان إلى ما دعاهم إليه من الإيمان فقال .","part":5,"page":121},{"id":2122,"text":"فأحالَهم على النظر والاستدلال والتعرُّف من حيث أدلة القول لأنَّ إثباتَ الصانع لا يُعْرَفُ بالمعجزاتُ ، وإنما المعجزاتُ علم بصدق الأنبياء عليهم السلام ، وذلك فرع لمعرفة الصانع .\rثم بيَّن لهم أنَّ ما عبدوه من دون الله لا يستحق العبادة ، ثم إنه لم يَحْفِلْ بما يُصيبه من البلاء ثقةً منه بأنَّ الله هو المتفرِّدُ بالإبداع ، فلا أحد يملك له ضراً من دون الله ، فتساءلوا فيا بينهم وقالوا :","part":5,"page":122},{"id":2123,"text":"أي يذكرهم بالسوء . ويحتمل أن يكون مَنْ فعله . . فاسألوه ، فسألوه فقال : بل فَعَلَه كبيرُهم .\rفقالوا : كيف ندرك الذنب عليه؟ وكيف تحيلنا في السؤال عليه - وهو جماد؟\rفقال : وكيف تستجيزون عبادة ما هو جمادٌ لا يدفع عن نَفْسِه السوء؟!","part":5,"page":123},{"id":2124,"text":"فقال : شرٌّ وأمَرُّ . . كيف تستحق أمثالُ هذه . . . العبادة؟!\rفلمَّا توجَّهَتْ الحجةُ عليهم ولم يكن لهم جواب دَاخَلَتْهم الأنْفَةُ والحمية فقالوا : سبيلنا أن نقتلَه شَرَّ قتله ، وأن نعامِلَه بما يخوفنا به من النار . فقالوا : { ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِى الجَحِيمِ } [ الصافات : 97 ] ، فلما رموه في النار . . .","part":5,"page":124},{"id":2125,"text":"لو عَصَمَه من نار نمرود ولم يمكنه مِنْ رَمْيه في النار من المنجنيق لكان - في الظاهر - أقرب من النصر ، ولكنَّ حِفْظَه في النار من غير أَنَّ يَمَسَّه أَلَمٌ أتمُّ في باب النصرة والمعجزة والكرامة .\rويقال إن إبراهيم - عليه السلام - كان كثيراً ما يقول : أواه من النار!\rقال تعالى : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [ التوبة : 114 ] .\rفلمَّا رُمِيَ في النار ، وجعل اللَّهُ عليه النارَ بَرْدَاً قيل له : لا تقُلْ بعد هذا . أواه من النار! فالاستعاذةُ بالله مِنَ الله . . . لا من غيره .\rقوله : { وسلاماً } : أي وسلامةً عليه وله ، فإنه إذا كان للعبد السلامة فالنارُ والبَرْدُ عنده سِيّان .\rويقال إن الذي يحرق في النار مَنْ في النار يقدر على حِفْظِه في النار .\rولمَّا سَلِمَ قلبُه من غير الله بكل وجهٍ في الاستنصار والاستعانة وسَلِمَ من طَلَبِ شيءٍ بكلِّ وجهٍ . . . تعرَّض له جبريلُ - عليه السلام - في الهواء وقد رمي من المنجنيق وقال له :\rهل مِنْ حاجة؟\rفقال : أمَّا إليكَ . . فَلاَ!\rفجعل اللَّهُ النار عليه برداً وسلاماً؛ إذ لمَّا كان سليمَ القلبِ من الأغيار وَجَد سلامة النَّفْسِ من البلايا والأعلال .","part":5,"page":125},{"id":2126,"text":"مَنْ حَفَرَ لأوليائه وقع فيما حَفَر ، ومَنْ كان مشغولاً بالله لم يَتَوَلَّ الانتقام منه سوى الله .","part":5,"page":126},{"id":2127,"text":"مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في أنبيائه - عليهم السلام - أنه إذا نَجَّى منهم واحداً أشرك معه مَنْ كان مُسَاهِماً له في ضُرِّه ومُقَاساةِ مشقته .","part":5,"page":127},{"id":2128,"text":"مَنَّ عليه بأن أخرج مِنْ صلبه مَنْ كان عابِداً لله ، ذاكراً له ، فإنَّ مفاخِرَ الأبناءِ مناقِبُ للآباء ، كما أنَّ مناقبَ الآباء شرفٌ للأبناء .","part":5,"page":128},{"id":2129,"text":"الإمامُ مُقَدَّمُ القوم ، واستحقاقُ رتبةِ الإمامة باستجماع الخصال المحمودة التي في الأمة فيه ، فَمَنْ لم تتجَمعْ فيه مُتَفَرِّقاتُ الخِصالِ المحمودةِ لم يستحق منزلةَ الإمامة .","part":5,"page":129},{"id":2130,"text":"أكمل له الأنعام بعصمته مِنْ مِثلِ ما امْتُحِنَ به قومُه ، ثم بخلاصِه منهم بإخراجه إيَّاه مِنْ بينهم ، فميزه عنهم ظاهراً وباطناً .","part":5,"page":130},{"id":2131,"text":"بيَّن أنه أدخله في رحمته ثم قال : { إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } ؛ فلا محالة مَنْ أدخله في رحمته كان صالحاً .\rوقوله : { وَأَدْخَلْنَاهُ فِى رَحْمَتِنَآ } إخبارٌ عن عين الجمع ، وقوله : { إٍنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } : إخبار عن عين الفرق .","part":5,"page":131},{"id":2132,"text":"كان نوح - عليه السلام- أطولَهم عمراً ، وأكثرهم بلاءً . ففي القصة أنه كان يُضْرَبُ سبعين مرةً ، وكان الرجل الهرم يحمل حفيده إليه ويقول . لا تقبل قولَ هذا الشيخ وكان يوصيه بمخالفته . وكان نوح - عليه - يصبر على مقاساة الأذى ، ويدعوهم إلى الله ، فلمَّا أيِسَ من إيمانهم ، وأُوحِيَ إليه : { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ } [ هود : 36 ] دعا عليهم فقال : { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] فقال تعالى : { ونوحاً إذ نادى من قبل } فأُزْهِقَ الشِّرْكُ وأغْرِقُ أَهلُه .","part":5,"page":132},{"id":2133,"text":"قوله جل ذكره : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } .\rأشركهم في حكم النبوة وإن كان بين درجتيهما تفاوت . . ففي مسألة واحدة اثبت لسليمان - عليه السلام - بها خصوصية؛ إذ مَنَّ عليه بقوله : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } ولم يَمُنْ عليه بشيءٍ من المُلْكِ الذي أعطاه بمثل ما منَّ عليه بذلك ، وفي هذه المسألة دلالة على تصويب المجتهدين - وإن اختلفوا - إذا كان اختلافُهم في فروع الدِّين ، حيث قال : { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئه الآخر فله تعلُّقٌ بقوله : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } .\rقوله جلّ ذكره : { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ } .\rأمَرَ الجبالَ وسخَّرها لتساعدَ داودَ - عليه السلام - في التسبيح ، ففي الأثر ، كان داود - عليه السلام - يمرُّ وصُفَاحُ الجبالِ تجاوبه ، وكذلك الطيور كانت تساعده عند تأويبه .","part":5,"page":133},{"id":2134,"text":"سخَّر الله - سبحانه - لداود الحديد وألانه في يده ، فكان ينسج الدروع ، قال تعالى : { وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ } [ سبأ : 10 ] ليتحصن من السهام في الحروب ، قال تعالى : { وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ } [ سبأ : 11 ] وأحْكِمْ الصنعة وأوثِقْ المسامير . . . ولكن لما قصدته سِهامُ التقدير ما أصابت إلا حدقَتَه حين نظر إلى امرأة أوريا - من غيرقصدٍ - فكان ما كان .\rولقد خلا ذلك اليوم ، وأغلق على نَفْسه بابَ البيت ، وأخذ يصلي ساعةً ، ويقرأ التوراة مرةً ، والزبور أخرى ، حتى يمضي وينتهي ذلك اليوم بالسلامة . وكان قد أُوحِيَ إليه أنَّه يومُ فتنةٍ ، فأَمَرَ الحُجَّابَ والبواب ألا يُؤْذَنَ عليه أَحَدٌ ، فَوَقَعَ مِنْ كَوَّةِ البيتِ طيرٌ لم يَرَ مِثْلَه في الحُسْنِ ، فهَمَّ أَنْ يأخذه ، فتَبَاعَدَ ولم يَطِرْ كالمُطْمِعِ له في أخذه ، فلم يَزَلْ يستأخر قليلاً قليلاً حتى طار من كوَّةِ البيت ، فتبعه داودُ ينظر إليه من الكوة من ورائه ، فوقع بصرهُ على امرأة أوريا ، وكانت قد تجرَّدَتْ من ثيابها تغتسلُ في بستانٍ خَلْفَ البيتِ الذي به داود ، فحَصَلَ في قلبه ما حصل ، وأصاب سَهْمُ التقدير حَدَقَتَه ، ولم تَنْفَعْهُ صَنْعَةُ اللَّبوسِ التي كان تعلَّمها لِتُحَصِّنَه من بأسه .","part":5,"page":134},{"id":2135,"text":"سخَّرَ اللَّهُ له الريحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورواحُها شَهْرٌ ، ولو أراد أن يزيد في قَدْر مسافتها شِبْراً لما استطاع ، تعريفاً بأنه موقوفٌ على حكم التقدير ، فشهود التقدير كان يمنعه عن الإعجاب بما أُكْرِمَ به من التسخير ، ولقد نبَّه - سبحانه - من حيث الإشارة أن الذي مَلَكَه سليمان كالريح إذا مرَّ وفات ، أو أنه لا يَبْقَى باليدِ منه شيء .\rوفي القصة أنه لاحَظَ ذلك يوماً فمالت الريح بِبسَاطِه قليلاً ، فقال سليمانُ لريحِ : استو .\rفقالت له الريح : استو أنت . أي إنما مَيْلِي بِبِسَاطِكَ لميلك بقلبك بملاحظتك فإذا استويتَ أنتَ استويتُ أنا .","part":5,"page":135},{"id":2136,"text":"إنما كان ذلك أياماً قلائل في الحقبقة . ثم إنه أراد يوماً أن يعودَ إلى مكانه فجاءه مَلَكُ الموتِ فطَالَبَه بروحه ، فقال : إليَّ حين أرجع إلى مكاني .\rفقال له : لا وجه للتأخير ، وقَبضه وهو قائم يتكىء على عصاه وبقي بحالته ، ولم تعلم الجِنُّ إلى أنْ أكَلَتْ دابة الأرض - كما في القصة - عصاه ، فلما خَرّ سليمان عَلِمَتْ الشياطينُ بموته ، وتحققوا أنَّ الذي بالعصا قِيامُه فَقَهْرُ الموت يلحقه .","part":5,"page":136},{"id":2137,"text":"أي واذكر أيوبَ حين نادى ربَّه . وسمِّي أيوب لكثرة إيابه إلى الله في جميع أحواله في السرَّاء والضرَّاء ، والشِّدَّة والرَّخاءِ .\rولم يَقُلْ : ارحمني ، بل حَفِظَ أدب الخطايا فقال : { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .\rومن علامات الولاية أن يكونَ العبدُ محفوظاً عليه وقتُه في أوانِ البلاء .\rويقال إخبارُه عنه أنه قال : { مسني الضر } لم يَسْلُبْه اسمَ الصبرِ حيث أخبر عنه سبحانه بقوله : { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً } [ ص : 44 ] لأنَّ الغالبَ كان من أحواله الصبر ، فنادِرُ قالتِه لم يَسْلبْ عنه الغالِبَ من حالته . والإشارة من هذا إلى أنَّ الغالبَ من حال المؤمن المعرفةُ ، أو الإيمانُ بالله فهو الذي يستغرقُ جميعَ أوقاته ، ولا يخلو منه لحظةً؛ ونادِرُ زلاَّتِهِ- مع دائمِ إيمانِه - لا يُزَاحِمُ الوصفَ الغالب .\rويقال؛ لمَّا لم يكن قوله : { مَسَّنِىَ الضُّرُّ } على وجه الاعتراض على التقدير- بل كان على وجه إظهار العجز - فلم يكن ذلك مُنافياً لصفة الصبر .\rويقال : استخرج منه هذا القولَ ليكونَ فيه مُتنفسٌ للضعفاء في هذه الأمة حتى غذا ضَجَّوا في حالِ البلاء لم يكن ذلك منافياً لصفة الصبر .\rويقال لم يكن هذا القولُ منه على جهة الشكوى ، وإنما كان من حيث الشكر { أنِّى مَسَّنىَ الضُّرُّ } الذي تخصُّ به أولياءك ، ولولا أنك أرحم الراحمين لَمَا خصصتني بهذا ، ولكن برحمتك أهَّلْتني لهذا .\rويقال لم يكن هذا القولُ من أيوب ولكنه استغاثةُ البلاء منه ، فلم يُطِقْ البلاءُ صُحْبَتَه فضجَّ منه البلاءُ لا أيوبُ ضَجَّ من البلاء . . . وفي معناه أنشدوا .\rصابَرَ الصبرَ فاستغاثَ به الصبرُ ... فصاح المحبُّ بالصبر صبرا\rويقال همزة الاستفهام فيه مضمرة ، ومعناه : أيمسني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين؟ كما قال : { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ } [ الشعراء : 22 ] أي أتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل؟\rويقال إن جبريلَ - عليه السلام - أتى أيوبَ فقال : لِمَ تسكت؟ فقال : ماذا أصنع؟ فقال : إن الله سيان عنده بلاؤك وشفاؤك . . . فاسأل الله العافيةَ فقال أيوب : { أني مسني الضر } فقال تعالى : { فكشفنا ما به من ضر } [ الأنبياء : 84 ] والفاء تقتضي التعقيب ، فكأنه قال : فعافيناه في الوقت . وكأنه قال : يا أيوب ، لو طلبتَ العافيةَ قبل هذا لاستَجْبْنَا لك .\rويقال سقطت دودةٌ كانت تأكل من بدنه على الأرض فرفعها أيوبُ ووضعها على موضعها ، فعقرته عقرةً عِيلَ صَبْرُه فقال : مسني الضر ، فقيل له : يا أيوب : أتصبر معنا؟ لولا أني ضربتُ تحت كل شَعْرَةٍ من شعراتك كذا خيمة من الصبر . . . ما صَبَرْتَ ساعةً!\rويقال كانت الدودات التي تأكل منه أكلت ما عَلاَ بَدَنَه ، فلم يَبْقَ منه إلا لسانهُ وقلبه ، فصعدت دودوة إلى لسانه ، وأخرى إلى قلبه فقال :\r{ مَسَّنِى الضُّرُّ } . . . فلم يبق لي إلا لسانٌ به اذكرك ، أو قلبٌ به أعرفك ، وإذا لم يَبْقَ أو لي ذلك فلا يمكنني أن أعيش وأصبر!\rويقال استعجمت عليه جهةُ البلاء فلم يعلم أن يصيبه بذلك تطهيراً أو تأديباً أو تعذيباً أو تقريباً أو تخصيصاً أو تمحيصاً .","part":5,"page":137},{"id":2138,"text":". . . وكذلك كانت صحبته .\rويقال قيل لأيوب عليه السلام سَلْ العافية فقال :\rعِشْتُ في النِّعم سبعين سنة فحتى يأتي عليَّ سبعون سنة في البلاء . . . وعندئذٍ أسأل الله العافية!\rوقيل لمَّا كَشَفَ الله عنه البلاء قيل له : ما أشدُّ ما لقيتَ في أيام البلاء؟ فقال شماتة الأعداء .\rوفي القصة أن تلامذة أيوب كسروا أقلامهم ، وحرَّقوا ماكتبوه عنه وقالوا : لو كان لك عند الله منزلةٌ لمَا ابْتلاكَ بكل هذا البلاء!\rوقيل لم يبقَ معه إلا زوجُه ، وكانت من أولاد يوسف النبي عليه السلام ، فهي التي بقيت معه وكانت تخدمه وتتعهده .\rويقال إنما بقيت تلك المرأة معه لأنها كانت من أهل البلاء من آل يعقوب- عليه السلام .\rوقيل إنما قال : مسني الضرُّ لمَّا قال لها الشيطان : إنْ أردتِ أنْ يَشْفَى مريضُكِ فاسجدي لي ، ولم تعلم أنه إبليس لأنه ظَهَرَ لها في صورة إنسان ، فأخبرت أيوبَ بذلك فقال عندذٍ : { مَسَّنْىَ الضُّرُّ } .\rويقال لمَّا ظهر به البلاءُ اجتمع قومُه وقالوا لها : أخْرِجي هذا المريضَ من قريتنا ، فإننا نخاف العَدْوَى وأنْ يَمَسَّنَا بلاؤه ، وأنْ تُعْدَى إلينا عِلَّتُه ، فأخْرَجَتْه إلى باب القرية فقالو : إنا إذا أصبحنا وقعت أبصارُنا عليه ، فنتشاءم به ، فأبْعِديه عن أبصارنا ، فحملَتْه إلى أرضٍ قَفْرٍ ، وكانت تدخل البلد ، وتُسْتَأْجَر للخَبْزِ والعمل في الدور ، فتأخذ الأجرة وتحملها إليه ، فلما عَلِموا أنَّها امرأتُه استقذروها ولم يستعلموها .\rويقال إنها كانت ذات ذوائب وقرون ، وكان أيوب يأخذ بذوائبها عند نهوضه ، فباعت ذوائبها برغيفٍ أخذته لتحمله إليه ، فوسوس له الشيطان بأنها فعلت الفحشاء ، وأن شعرها جُزَّ في ذلك فَحَلَفَ أيوبُ أنْ يَجْلِدَها إذا صحَّ حَدْسًه ، وكانت المحنةُ على قلبِ تلك المرأة أشَدَّ مما على بَدَنِ أيوب من كل المحن .\rوقيل إن امرأته غَابَتْ ودخلَتْ البلدَ ، فعافى اللَّهُ أيوبَ عليه السلام ، وعاد شاباً طرياً كما قال في قصته قوله : { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } [ ص : 42 ] فلما رحعت امرأته ولم تَرَه حسبت أنه أكله سَبْعٌ أو أصابته آفةٌ ، فأخذت تبكي وتولول ، فقال لها أيوب - وهي لم تعرفه لأنه عاد صحيحاً - مالَكِ يا امرأة؟\rقالت : كان لي ها هنا مريض فَفَقَدْته . فقال لها أيوب : أنا ذاك الذي تطلبينه!\rوفي بعض الأخبار المروية أنه بقي في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات .\rوقيل تعرَّضَ له إبليسُ فقال : إنْ أردتَ العافيةَ فاسجُدْ لي سجدةً ، فقال : { مَسَّنِىَ الضُّرُّ } .\rويقال إن أيوب - عليه السلام - كان مُكَاشَفَاً بالحقيقة ، مأخوذاً عنه ، فكان لا يُحِسُّ بالبلاء ، فَسَتَرَ عليه مرةً ، ورَدَّه إليه ، فقال : { مَسَّنِىَ الضُّرُّ } .","part":5,"page":138},{"id":2139,"text":"ويقال أَدْخَلَ على أيوب تلك الحالة ، واستخرج منه هذه القالة ليظهر عليه إقامة العبودية .\rويقال أوحى الله إلى أيوب - عليه السلام - أنَّ هذا البلاء اختاره سبعون نبياً قَبْلَكَ فما اخْتَرْتُه إلا لَكَ ، فلمَّا أراد كَشْفَه عنه قال : { مَسَّنِىَ الضُّرُّ } .\rوقيل كوشف بمعنىً من المعاني فلم يَجِدْ أَلَمَ البلاء فقال : { مَسَّنِىَ الضُّرُّ } لِفَقْدِي ألَمْ الضُّرِّ .\rوقال جعفر الصادق : حَبَسَ عنه الوحيَ أربعين يوماً فقال : { مَسَّنِىَ الضُّرُّ } لما لِحَقَه من الضعف بقيام الطاعة فاستجاب إليه بأنْ ردَّ عليه قُوَّتَه ليقوم بحقِّ الطاعة .\rويقال طلب الزيادةَ في الرضا فاستُجِيبَ له بكَشْفِ ما كان به من ضعف الرضا .\rويقال إن الضرَّ الذي شكا منه أنه بقيت عليه بقية ، وبليته كانت ببقيته ، فلمَّا أُخِذَ عنه بالكلية زال البلاء ، ولهذا قال : { فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ } [ الأنبياء : 84 ] وكانت نَفْسُه ضُرَّه ، ورَدَّ عليه السلامةَ والعافية والأمل - في الظاهر- لمَّا صار مأخوذاً بالكلية عنه ، مُنْقَّىً عن كل بقية ، وعند ذلك يستوي البلاء والعافية ، والوجود والفقد .","part":5,"page":139},{"id":2140,"text":"أي واذكر هؤلاء الأنبياء ثم قال : { كُلٌ مِّنَ الصَّابِرِينَ } .","part":5,"page":140},{"id":2141,"text":"بيَّنَ الحُكْمَ والمعنى؛ الحكمُ صبرُهم وصلاحُهم ، والمعنى إدخالُه إياهم في الرحمة .","part":5,"page":141},{"id":2142,"text":"{ مُغَاضِباً } : على مَلِكِ وقته حيث اختاره للنبوة ، وسأله : لِمَ اخترتَني؟ فقال : لقد أوْحَى اللَّهُ إلى نَبِي : أنْ قُلْ لفلانِ المَلِك حتى يختار واحداً لِيُرْسَلَ إلى نينوى بالرسالة . فَثَقُلَ على ذي النون لما اختارَه المَلِكُ ، لأن علم أن النبوةَ مقرونةٌ بالبلاء ، فكان غضبُه عليه لذلك .\rويقال مغاضباً على قومه لمَّا امتنعوا عن الإيمان وخرج من بينهم .\rويقال مغاضباً على نفسه أي شديد المخالفة لهواه ، وشديداً على أعداء الدين من مُخَالِفيه .\r{ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } أي أنْ لن نُضَيِّقَ عليه بطن الحوت ، ومن قوله : { وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } [ الفجر : 16 ] أي ضيَّق .\rويقال فظنَّ أن لن نقدر عليه من حَبْسِه في بَطْنِ الحوت .\rوخرج من بين قومه لَمَّا أُخْبِرَ بأنَّ الله يُعَذِّب قومَه ، وخرج بأهله .\rويقال إن السبعَ افترس أهله في الطريق ، وأخذ النَّمِرُ ابناً صغيراً له كان معه ، وجاء موج البحر فأغرق ابنَه الآخر ، وركب السفينة ، واضطرب البحر ، وتلاطمت أمواجُه ، وأشرفَتْ السفينةُ على الغرق ، وأخذ الناسُ في إلقاء الأمتعة في البحرتخفيفاً عن السفينة ، وطلباً لسلامتها من الغَرَقِ ، فقال لهم يونس : لا تُلْقُوا أمْتِعَتَكم في البحر بل أطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا . فنظروا إليه وقالوا : نرى عليكَ سيماء الصلاح ، وليست تسمح نفوسُنا بإلقائك في البحر ، فقال تعالى مخبراً عنه : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ } [ الصافات : 141 ] أي فقارعهم ، فاستهموا ، فوقعت القُرْعَةُ عليه .\rوفي القصة أنه أتى حَرْفَ السفينة ، وكان الحوتُ فاغراً فاه ، فجاء إلى الجانب الآخر فجاء الحوت إليه كذلك ، حتى جاز كل جانب . ثم لمَّا عَلِمَ أنه مُرَادٌ بالبلاء ألقى نَفْسَه في الماء فابتلعه الحوت : « وهو مليم » : أي أتى بما يُلام عليه ، قال تعالى : { فَالَتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } [ الصافات : 142 ] .\rوأوحى الله إلى السمك : لا تَخْدِشْ منه لَحْماً ولا تَكْسِرْ منه عَظْماً ، فهو وديعةٌ عندك وليس بِطُعْمَةٍ لك . فَبَقِي في بطنه - كما في القصة - أربعين يوماً .\rوقيل إن السمك الذي ابتلعه أُمِرَ بأن يطوف في البحر ، وخلق الله له إدراك ما في البحر ، وكان ينظر إلى ذلك .\rويقال إن يونس عليه السلام صَحِبَ الحوتَ أياماً قلائل فإلى القيامة يقال له : ذا النون ، ولم تبطل عنه هذه النسبة . . فما ظَنُّكَ بِعَبْدٍ عَبَدَه - سبحانه - سبعين سنة ، ولازم قلبه محبته ومعرفته طولَ عمره . . . ترى أيبطل هذا؟ لا يُظَنُّ بِكَرَمِهِ ذلك!\r{ فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ } يقال ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت - هذا بيان التفسير ، ويحتمل أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه من حاله .","part":5,"page":142},{"id":2143,"text":"استجبنا له ولم يَجْرِ منه دعاءٌ؛ لأنه لم يصدر عنه أكثر من قوله : { لاَّ إِلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } ، ولم يقر بالظلم إلا وهو يستغفر منه .\rثم قال : { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ } : يعني : كُلُّ مَنْ قال من المؤمنين - إذا أصابه غمٌّ ، أو استقبله مُهِمٌّ - مثلما قال ذو النون نجيناه كما نجينا ذا النون .","part":5,"page":143},{"id":2144,"text":"سأل الوَلَدَ ، وإنما سأله ليكون له مُعِيناً على عبادةِ ربَّه وليقوم في النبوة مقامَه ، ولئلا تنقطعَ بركةُ الرسالة من بيته ، ولقد قاسى زكريا من البلاء ما قاسى حتى حاولوا قطْعَه بالمنشار ، ولما التجأ إلى الشجرة انشقت له وتَوَسَّطَها ، والتأمت الشجرة ، وفطنوا إلى ذلك فقطعوا الشجرة بالمنشار ، وصبر لله ، وسبحان الله!\rكان انشقاق الشجرة له معجزة ، وفي الظاهر كان حفظاً له منهم ، ثم لو لم يطلعهم عليه لكان في ذلك سلامته ، ولعلَّهم - لو قتلوه - لم يُصِبْه من الألم القدْرُ الذي لحقه من القطع بالمنشار طول إقامته وإنما المعنى فيه أن أنشقاق الشجرة كان له معجزة فَقَوي بذلك يقينُه لمَّا رأى عجيبَ الأمر فيه من نَقْضِ العادة ، ثم البلاء له بالقتل ليس ببلاء في التحقيق ، ولقد قال قائلهم : « إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى » .","part":5,"page":144},{"id":2145,"text":"سمي يحيى لأنه حَييَ به عقر أمه .\rوقوله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } : لتكون الكرامةُ لهم جميعاً بالولد ، ولئلا يستبدَّ زكريا بفرح الولد دونها مراعاةً لحقِّ صحبتها . . . وهذه سُنَّةُ الله في باب إكرام أوليائه ، وفي معناه أنشدوا :\rإنَّ الكرامَ إذا ما أيسروا ذكروا ... مَنْ كان يألفهم في المنزل الخشن\rثم قال : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا } وفي هذه بشارة لجميع المؤمنين ، لأن المؤمن لا يخلو من حالة من أحوال الرغبة أو الرهبة؛ إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطاً والقنوط كفر ، ولو لم تكن رهبة لكان أمناً والأمن كفر .\rقوله : { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } الخشوع قشعريرة القلب عند اطلاع الربِّ ، وكان لهم ذلك على الدوام .","part":5,"page":145},{"id":2146,"text":"يعني مريم ، وقد نَفَى عنها سِمَةَ الفحشاء وهجنة الذم .\rويقال فنفخنا فيها من روحنا ، وكان النفخُ من جبريل عليه لاسلام ، ولكن لمَّا كان بأمره - سبحانه - صحَّتْ الإضافةُ إليه ، وفي هذا دليل على تأويل خبر النزول ، فإنه يكون بإنزال مَلَكٍ فتَصِحُّ الإضافة إلى الله إذ كان بأمره . . . وإضافة الروح إلى نفسه على جهة التخصيص ، كقوله ( ناقة الله ، وبيتي ) . . . ونحو ذلك : { وجعلنا وابنها آيةً للعالمين } : ولم يقل آيتين لأن أمرهما كان معجزة ودلالة ، ويصح أن يراد أنَّ كلَّ واحدٍ مهما آيةٌ - على طريقة العرب في أمثال هذا .\rوفيه نفي لتهمة مَنْ قال إنها حبلت من الله . . . . تعالى الله عن قولهم!\rقوله : { آية للعالمين } : وإن لم يهتد بهما جميعُ الناس . . . لكنهما كانا آيةً . ومَنْ نَظَرَ في أمرهما ، ووضَعَ النظرَ مَوضِعَه لاهتدى ، وإذا أعرض ولم ينظر فالآية لا تخرج عن كونها حُجَّةً ودلالةً بتقصير المُقَصِّر في بابها .","part":5,"page":146},{"id":2147,"text":"أي كلكم خِلْقَتُه ، وكلكم اتفقتم في الفقر ، وفي الضعف ، وفي الحاجة . { وَأَنَا رَبُّكُمْ } : وخالقكم على وصفِ التَّفَرُّد .","part":5,"page":147},{"id":2148,"text":"اختلفوا وتنازعوا ، واضطربت أمورهم ، وتفرَّقَتْ أحوالُهم ، فاستأصلتهم البلايا . قوله : { كل إلينا راجعون } : وكيف لا . . . . . . . وهم ما يتقلبون إلاَّ في قبضة التقدير؟","part":5,"page":148},{"id":2149,"text":"مَنْ تَعنَّى لله لم يخسر على الله ، ومَنْ تَحَمَّلَ لله مشقةً وَجَبَ حقُّه على الله : قوله : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بعد قوله : { يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } دليل على أن من لا يكون مؤمناً لا يكون علمه صالحاً ففائدة قوله ها هنا : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } في المآل والعاقبة ، فقد يعمل الأعمال الصالحة من لا يُخْتَمُ له بالسعادة ، فيكون في الحال مؤمناً وعملُه يكون على الوجه الذي آمن ثم لا ثواب له ، فإذا كانت عاقبته على الإسلام والتوحيد فحينئذٍ لا يضيع سَعْيُه .","part":5,"page":149},{"id":2150,"text":"أي لا نهلك قوماً وإن تمادوا في العصيان إلا إذا علمنا أنهم لا يؤمنون ، وأنه بالشقاوة تُخْتَمُ أمورُهم .","part":5,"page":150},{"id":2151,"text":"أي يحق القولُ عليهم ، ويتم الأجلُ المضروبُ لهم ، فعند ذلك تظهر أيامهم ، وإلى القَدْرِ المعلومِ في التقدير لا تحصلُ نجاةُ الناسِ من شرِّهم .","part":5,"page":151},{"id":2152,"text":"تأخذهم القيامةُ بغتةً ، وتظهر أشراطُ الساعة فجأة ، ويُقِرُّ الكاذبون بأنَّ الذنبَ عليهم ، ولكن في وقتٍ لا تُقْبَلُ فيه مَعْذِرَتُهم ، وأوانٍ لا ينفعهم فيه إيمانهم .","part":5,"page":152},{"id":2153,"text":"{ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } : أي الأصنام التي عبدوها ، ولم تدخل في الخطاب الملائكة التي عبدها قومٌ ، ولا عيسى وإن عبَدَه قومٌ لأنه قال :\r{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } ولم يقلُ إنكم ومن تعبدون . فيُحْشَرُ الكافرون في النار ، وتُحْشَرُ أصنامُهم معهم . والأصنامُ جماداتٌ فلا جُرْمَ لها ، ولا احتراقها عقوبة لها ، ولكنه على جهة براءة ساحتها ، فالذنبُ للكفار وما الأصنامُ إلا جماداتٌ .","part":5,"page":153},{"id":2154,"text":"القوم قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقْرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] فعَلِمُوا أن الأصنامَ جماداتُ ، ولكن توهموا أن لها عند الله خطراً ، وأنَّ مَنْ عبدها يَقْرُبُ بعبادتها من الله ، فَيُبَيِّن اللَّهُ لهم - غداً - بأنَّها لو كانت تستحق العبادة ، ولو كان لها عند الله خطرٌ لَمَا أُلْقِيَتْ في النار ، ولَمَا أُحْرِقَتْ .","part":5,"page":154},{"id":2155,"text":"{ لَهُمْ } : أي لِعَبَدَةِ الأصنام ، { فِيهَا } أي في النار ، { زَفِيرٌ } حسرتهم على ما فاتهم ، { وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } مِنْ نداءٍ يبشرهم بانقضاءِ عقوبتهم .\rوبعكس أحوالهم عُصاة المسلمين في النار فَهَمْ - وإنْ عُِّذبوا حيناً - فإنهم يسمعون قَوْلَ مَنْ يُبَشِّرهم يوماً بانقضاء عذابهم - وإن كان بعد مدة مديدة .","part":5,"page":155},{"id":2156,"text":"{ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى } : أي الكلمة بالحسنى ، والمشيئة والإرادة بالحسنى ، لأن الحسنى فعله ، وقوله : { سَبَقَتْ } إخبار عن قِدَمِه ، والذي كان لهم في القِدَمِ هو الكلمة التي هي صفة تعلَّقَتْ بهم في معنى الإخبار بالسعادة .\rثم قال : { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } أي عن النار ، ولم يقل متباعدون لِيَعْلَمَ العالِمُون أن المدارَ على التقدير ، وسَابقِ الحُكْم من الله ، لا على تَبَاعُدِ العبد أو بتقرُّبه .","part":5,"page":156},{"id":2157,"text":"يدل على ذلك أنهم لا يُعَذَّبون فيها بكل وجهٍ . والمراد منه العِبَادُ من المؤمنين الذين لا جُرْمَ لهم .\r{ وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ } : مقيمين لا يبرحون .","part":5,"page":157},{"id":2158,"text":"قيل الفزَعُ الأكبرُ قول المَلَكِ : { لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ } [ الفرقان : 22 ] .\rويقال إذا قيل : { وَامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ } [ يس : 59 ] .\rويقال إذا قيل : يا أهلَ الجنةِ . . . خلوداً لا موتَ فيه ، ويا أهل النار . خلوداً لا موت فيه!\rوقيل إذا : { قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] .\rوقيل الفزع الأكبر هو الفراق . وقيل هو اليأس من رحمة الله ، وتعريفهم ذلك .\rقوله : { وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ } يقال لهم هذا يومكم الذي كنتم وُعِدْتُم فيه بالثواب؛ فمنهم مَنْ يتلقَّاه المَلَكُ ، ومنهم مَنْ يَرِدُ عليه الخطاب والتعريف من المَلِك .","part":5,"page":158},{"id":2159,"text":"إنما كانت السماءُ سقفاً مرفوعاً حين كان الأولياءُ تحتها ، والأرضُ كانت فِرَاشاً إذ كانوا عليها ، فإذا ارتحل الأحبابُ عنها تخرب ديارهم . على العادة بين الخَلْقِ من خراب الديار بعد مفارقة الأحباب .\rويقال نطوي السماء التي إليها عَرَجَت دواوينُ العصاة من المسلمين لئلا تشهدَ عليهم بالإجرام ، وتُبَدَّلُ الأرضُ التي عصوا عليها غير تلك الأرض حتى لا تشهد عليهم بالإجرام .\rأو نطوي السماء لنُقَرِّبَ قَطْعَ المسافات على الأحباب .","part":5,"page":159},{"id":2160,"text":"{ الذِّكْرِ } هنا هو التوراة ، و « كَتَبَ » : أي أخبر وحَكَمَ ، و { الصَّالِحُونَ } أمة محمد - A - أنَّ { الأَرْضَ } هم الذين يرثونها .","part":5,"page":160},{"id":2161,"text":"أمَّا مَنْ أسلم فَبِكَ ينجون ، وأمَّا مَنْ كَفَرَ فلا نعذبهم ما دُمْتَ فيهم؛ فأنت رحمة مِنَّا على الخلائق أجميعن .","part":5,"page":161},{"id":2162,"text":"واحدٌ في ذاته ، واحدٌ في صفاته ، واحدٌ في أفعاله ، واحد بلا قسيم ، واحد بلا شبيه ، واحدٌ بلا شريك .\r{ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } مخلصون في عقد التوحيد بالتبرِّي عن كلِّ غيرِ في حسبان صَلاَحِيَّتِهِ للألوهية؟","part":5,"page":162},{"id":2163,"text":"إن أعرضوا ولم يؤمنوا فَقُلْ : إني بالالتزام أعلمتُكم ، ولكن للإكرام ما ألهمتكم ، فَتَوَجَّهَتْ عليكم الحجة واستبهمَتْ عليكم المحجة .\rقوله : { وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ } إنَّ علمي متقاصِرٌ عن تفصيل أحوالكم في مآلكم ، ووقت ما توعدون به في القيامة من تحصيل أهوالكم ، ولكنَّ حُكُمَ الله غيرُ مستأخرٍ إذا أراد شيئاً من تغيير أحوالكم .","part":5,"page":163},{"id":2164,"text":"لا يخفى عليه سرُّكم ونجواكم ، وحالكم ومآلكم ، وظاهركم وباطنكم . . . فعلى قَدْرِ استحقاقكم يُجازيكم ، وبموجِب أفعالكم يحاسبكم ويكافيكم .","part":5,"page":164},{"id":2165,"text":"ليس يحيط عِلْمي إلا بما يُعْلِمُني ، وإعْلامُه إياي ليس باختياري ، ولا هو مقصودٌ على حسب مرادي وإيثاري .","part":5,"page":165},{"id":2166,"text":"الرحمن كثير الرحمة عامةً لكل أحد ، ومنه يوجد العون والنصر حين يوجد وكيف يوجد .","part":5,"page":166},{"id":2167,"text":"{ يَأَيُّهَا النَّاسُ } نداء علامة ، { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا } [ البقرة : 104 ] نداء كرامة ، وبكلِّ واحدٍ من القسمين يفتتح الحقُّ خطابه في السُّوَر ، وذلك لانقسام خطابه إلى صفة التحذير مرةً ، وصفة التبصير أخرى .\rوالتقوى هي التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات . وتجنب المحظورات فَرْضٌ ، وتجنب الفضلات والشواغل - وإن كان من جملة المباحات - نَفْلٌ ، فثوابُ الأول أكثر ولكنه مؤجَّل ، وثوابُ النَّفْلِ أقلُّ ولكنه مُعَجَّل .\rويقال خوَّفهم بقوله : { اتَّقُوا } ثم سكَّن ما بهم من الخوف بقوله : { رَبَّكُمْ } فإنَّ سماعَ الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية .\rقوله : { إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ } : وتسمية المعدوم « شيئاً » توَسُّعٌ ، بدليل أنه ليس في العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مُطْلَقُ اللفظِ يقتضيه ، وكذلك القول في تسميته « شيئاً » هو توسُّع .","part":5,"page":167},{"id":2168,"text":"لكلٍ ذل اليومَ شُغْلٌ يستوفيه ويستغرقه ، وترى الناس سكارى أي من هَوْلِ ذلك اليوم عقولهم ذاهبة ، والأحوال في القيامة وأهوالها غالبة . وكأنهم سكارى وما هم في الحقيقة بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد ، ولشِدَّتِه يحيرهم ولا يبقيهم على أحوالهم وهم يتفقون في تشابههم بأنهم سُكَارَى ، ولكنَّ موجِبَ ذلك يختلف؛ فمنهم مَنْ سُكْرُه لِمَا يُصِيبه من الأهوال ، ومنهم من سُكْرُه لاستهلاكه في عين الوصال .\rكذلك فَسُكْرُهم اليومَ مختلفٌ؛ فمنهم من سكره سكر الشراب ، ومنهم من سكره سكر المحاب . وشتَّان بين سُكْرٍ وسُكْر؛ سُكْرٌ هو سُكْرُ أهلِ الغفلة ، وسُكْرٌ هو سُكْرُ أهل الوصلة .","part":5,"page":168},{"id":2169,"text":"المجادلة لله - مع أعداء الحق وجاحدي الدِّين - من موجبات القربة ، والمجادلة في الله - والمماراة مع أوليائه ، والإصرارُ على الباطل بعد ظهور الدلائل من أمارات الشقوة ، وما كان لوساوس الشيطان ونزعاته فقصاراه النار .","part":5,"page":169},{"id":2170,"text":"مَنْ وافق الشيطان بمتابعة دواعيه لا يهديه إلاَّ إلى الضلال ، ثم إنه في الآخرة يتبرأ من موافقته ويلعن جملةَ مُتَّبِعيه . فنعوذ بالله من الشيطان ونزغاته ، ومن درك الشقاء وشؤم مفاجآته .","part":5,"page":170},{"id":2171,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } .\rالتبس عليهم جواز بعثه الخَلْق واستبعدوه غاية الاستبعاد ، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان ، واحتجَّ عليهم في ذلك بما قطع حجتهم ، فَمَنْ تَبعَ هُداه رَشِدَ ، ومَنْ أصَرَّ على غَيِّه تَرَدَّى في مهواة هلاكه .\rواحتجَّ عليهم في جواز البعث بما أقروا به في الابتداء أن الله خَلَقَهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى؛ فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها . . . إلى أَنْ نَقَلَهم من حال شبابهم إلى زمان شَيْبهم ، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم .\rواحتجَّ أيضاً عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيي الأرض - في حال الربيع - بعد موتها ، فتعود إلى ما كانت عليه في الربيع من الخضرة والحياة . والذي يَقْدِرُ على هذه الأشياء يقدر على خَلْق الحياة في الرِّمة البالية والعظام النخرة .\rقوله : { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ } [ الحج : 5 ] : زمان الفترة بعد المجاهدة ، وحال الحجبة عقب المشاهدة .\rويقال أرذل العمر السعي للحظوظ بعد القيام بالحقوق .\rويقال أرذل العمر الزلة في زمان المشيب .\rويقال أرذل العمر الإقامة في منازل العصيان .\rويقال أرذل العمر التعريج في أوطان المذلة .\rويقال أرذل العمر العِشْرَةُ مع الاضداد .\rويقال أرذل العمر عَيْشُ المرءِ بحيث لا يُعْرَفُ قَدْرُه .\rويقال أرذل العمر بأن يُوكَل إلى نَفْسِه .\rويقال أرذل العمر التطوح في أودية الحسبان أن شيئاً بغير الله .\rويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النَّفْس ، والعَمَى عن شهود تقدير الحق .","part":5,"page":171},{"id":2172,"text":"الله هو الحقُّ ، والحق المطلق الوجود ، وهو الحق أي ذو الحق .\r{ وَأَنَّهُ يُحِى المَوْتَى } أي الأرض التي أصابتها وَحْشَةُ الشتاء يحييها وقتَ الربيع .\rويقال يحيي النفوسَ بتوفيق العبادات ، ويحيي القلوبَ بأنوار المشاهدات .\rويقال يحيي أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم .\rويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر ، ثم بجميلِ الرضا وسكونِ الجأش عند جريان التقدير .","part":5,"page":172},{"id":2173,"text":"دليل الخطاب يقتضي جواز المجادلة في الله إذا كان صاحب المجادلة على علم بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه ، قال سبحانه لنبيِّه : { وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ] ومَنْ لم يُحْسِنْ مذهبَ الخَصْمِ وما يتعلق به من الشُبَهِ لم يمكنه الانفصال عن شُبْهَتهِ ، وإذا لم تكن له قوة الانفصال فلا يُسْتَحَبُّ له أن يجادل الأقوياء منهم ، وهذا يدل على وجوب تعلُّم علم الأصول ، وفي هذا ردٌّ على مَنْ جَحَدَ ذلك .","part":5,"page":173},{"id":2174,"text":"يريد أنه متكبِّر عن قبول الحق ، زاهِدٌ في التحصيل ، غيرُ واضعٍ نظره موضعه؛ إذ لو فعل ذلك لهان عليه التخلُّص من شُبْهتهِ .\rثم قال : { لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ } أي مذلة وهوان ، وفي الآخرة عذاب الحريق .","part":5,"page":174},{"id":2175,"text":"يعني يكون على جانبٍ ، غير مخلص . . . لا له استجابة توجب الوفاق ، ولا جَحْداً يبين الشقاق؛ فإنْ أصابه أَمْنٌ وخير ولِينٌ اطمأن به وسَكَنَ إليه ، وإن أصابته فتنةٌ أو نالته محنة ارتدَّ على عقبيه ناكساً ، وصار لِمَا أظهر من وفاقه عاكساً . ومَنْ كانت هذه صفته فقد خسر في الدارين ، وأخفق في المنزلتين .","part":5,"page":175},{"id":2176,"text":"أي يعبد مَنْ المضَرَّةُ في عِبادتهِ أكثرُ من النَّفْع منه ، بل ليس في عبادته النفع بحالٍ ، فالضُّرُّ المُتَيَقَّنُ في عِبادتهم الأصنام هو بيانُ رَكاكة عقولِهم ، ورؤيةُ الناسِ خطأ فِعْلِهم . والنفع الذي يتوهمونه في هذه العبادة ليس له تحصيل ولا حقيقة .\rثم قال : { لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } : أي لبئس الناصرُ الصَّنَمُ لهم ، ولبئس القومُ هم للصنم ، ولِمَ لا؟ ولأجْلِه وقعوا في عقوبة الأبد .","part":5,"page":176},{"id":2177,"text":"{ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } : أي صَدَّقُوا ثم حقَّقُوا؛ فالإيمانُ ظاهِرُه التصديق وباطنه التحقيق ، ولا يصل العبد إليهما إلا بالتوفيق .\rويقال الإيمان انتسام الحق في السِّرِّ .\rويقال الإيمان ما يوجب الأمان ، ففي الحال يجب الإيمان وفي المآل يوجب الأمان ، فمُعَجَّلُ الإيمان من ( . . . ) المسلمين ، مؤجَّلُه الخلاصُ من صحبة الكافرين الفاسقين .\rقوله : { وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } : العمل الصالح ما يصلح للقبول ، ويصلح للثواب ، وهو أن يكون على الوجه الذي تعلَّق به الإيمان .\rوالجنان التي يدخل المؤمنين فيها مؤجلة ومعجلة ، فالمُؤَجَّلَة ثواب وتوبة ، والمعَجَّلةُ احوالٌ وقربة ، قال تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] .","part":5,"page":177},{"id":2178,"text":"أي أنَّ الحقَّ - سبحانه - يرغم اعداءَ رسول الله A ، فَمَنْ لم تَطبْ نفْسُه بشهود تخصيص الله سبحانه بما أفرده به فليقتلْ نَفْسَه من الغيظ خَنْقاً ، ثم لا ينفعه ذلك كما قيل :\rإنْ كنتَ لا ترضى بما قد ترى ... فدونَكَ الحَبْلَ به فاخْنق","part":5,"page":178},{"id":2179,"text":"{ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ } : أي دلالات وعلامات نَصبَهَا الحقُّ سبحانه لعباده ، فمن الآيات ماهو قضية العقل ، ومنها ما هو قضية الخبر والنقل ، ومنها ماهو تعريفات في أوقات المعاملات فما يجده العبد في حالاته من انغلاقٍِ ، واشتداد قبضٍ ، وحصول خسران ، ووجوه امتحان . . لا شكَّ ولا مرية إذا أَخَلَّ بواجبٍ أو ألَمَّ بمحظور . أو تكون زيادة بَسْطٍ أو حلاوة طاعة ، او تيسير عسيرٍ من الأمور ، أو تجدد إنعامٍ عند حصول شيءٍ من طاعاته .\rثم قد يكون آيات في الاسرار ، هي خطابُ الحقِّ ومحادثةٌ معه ، كما في الخبر :\r« لقد كان في الأمم مُحَدَّثون فإن يك في أمتي فعمر » .\rثم يقال الآيات ظاهرِةٌ ، والحجج زاهرة ، ولكن الشأن فيمن يستبصر .","part":5,"page":179},{"id":2180,"text":"أصناف الناس على اختلاف مراتبهم : الوليُّ والعدوُّ ، والموحِّد والجاحد يُجْمَعُون يومَ الحشر ، ثم الحقُّ - سبحانه - يعامِل كلاً بما وَعَدَه؛ إما بوصالٍ بلا مَدَى ، أو بأحوالٍ بلا منتهى . الوقتُ واحد؛ وكلٌّ واحدٍ لما أُعِدَّ له وافد ، وعلى ما خُلِقَ له وارد .","part":5,"page":180},{"id":2181,"text":"أهل العرفان يسجدون له سجودَ عبادة ، وأربابُ الجحود كُلُّ جزءٍ منهم يسجد له سجودَ دلالة وشهادة .\rوفي كل شيءٍ له آيةٌ ... تَدُلُّ على أنه واحدُ؟","part":5,"page":181},{"id":2182,"text":"أما الذين كفروا فلهم اليومَ لباسُ الشرْكِ وطِرازُه الحرمان ، ثم صدار الإفك وطرازه الخذلان . وفي الآخرة لباسهم القطران وطرازه الهجران ، قال تعالى : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] .\rأمَّا أصحابُ الإيمانِ فلِباسُهم اليومَ التقوى ، وتنقسم إلى اجتناب الشِّرْكِ ثم مجانبة المخالفة ، ثم مباينة الغفلة ، ثم مجانبة السكونِ إلى غير الله والاستبشار إلى ما سوى الله وفي الآخرة لِباسُهم فيها حريرٌ ، وآخرون لباسهم صدار المحبة ، وآخرون لباسهم الانفراد به ، وآخرون هم أصحاب التجريد؛ فلا حالَ ولا مقامَ ولا منزلةَ ولا محل وهم الغُرَبَاءُ ، وهم الطبقة العليا ، وهم أحرار من رِقِّ كل ما لَحِقهُ التكوين .","part":5,"page":182},{"id":2183,"text":"التحلية تحصينٌ لهم ، وسَتْرٌ لأحْوالهم؛ فهم للجنة زينة ، وليس لهم بالجنة زينة :\rوإذا الدُرُّ زَانَ حُسْنَ وجوهٍ ... كان للدُّرِّ حُسْنُ وَجْهِكَ زَيْنَا","part":5,"page":183},{"id":2184,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ } .\rالطيبُ من القول ما صَدَر عن قلبٍ خالصٍ ، وسِرٍّ صافٍ مما يَرْضَى به علم التوحيد ، فهو الذي لا اعتراض عليه للأصول .\rويقال الطيب من القول ما يكون وعظاً للمسترشدين ، ويقال الطيبُ من القول هو إرشاد المريدين إلى الله .\rويقال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .\rويقال الدعاء للمسلمين .\rويقال كلمة حقٍ عند من يُخَافُ ويُرْجَى .\rويقال الشهادتان عن قلبٍ مخلص .\rويقال ما كان قائله فيه مغفوراً وهو مُسْتَنْطَقٌ .\rويقال هو بيان الاستغفار والعبد برئٌ من الذنوب .\rويقال الإقرار بقوله : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } { الأعراف : 23 ] .\rويقال أَنْ تَدْعُوَ للمسلمين بما لا يكون لَكَ فيه نصيب .\rوأَمَّا { صِرَاطِ الْحَمِيدِ } : فالإضافة فيه كالإضافة عند قولهم : مسجد الجامع أي المسجد الجامع والصراط الحميد : الطريق المرضي وهو ما شهدت له الشريعة بالصحة ، وليس للحقيقة عليه نكير .\rويقال الصراط الحميد : ما كان طريق الاتباع دون الابتداع .","part":5,"page":184},{"id":2185,"text":"الصدُّ عن المسجد الحرام بإخافة السُّبُل ، وبِغَصْبِ المال الذي لو بقي في يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام .\rقوله : { سَوَآءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبْادِ } وإنما يعتبر فيه السبق والتقدم .\rومشهد الكِرَام يستوي فيه الإقدام ، فَمَنْ وَصلَ إلى تلك العقوة فلا ترتيبَ ولا ردَّ ، وبعد الوصول فلا زَجْرَ ولا صدَّ ، أمَّا في الطريق فربما يعتبر التقدم والتأخر؛ قال تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَئْخِرِينَ } ولكن في الوصول فلا تفاوتَ ولا تباين ، ثم إذا اجتمعت النفوسُ فالموضع الواحد يجمعهم ، ولكنْ لكلِّ حالٌ ينفرد بها .","part":5,"page":185},{"id":2186,"text":"أصلحنا له مكانَ البيت وأسكنَّاه منه؛ وأرشدناه له ، وهديناه إليه ، وأَعنَّاه عليه ، وذلك أنه رفع البيت إلى السماء الرابعة في زمن طوفان نوح عليه السلام ، ثم أمر إبراهيم عليه السلام ببناءِ البيت على أساسه القديم . قوله { أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً } ، أي لا تلاحظ البيتَ ولا بِناءَك له .\r{ وَطَهِّرْ بَيْتِىَ . . . . } يعني الكعبة - وذلك على لسان العلم ، وعلى بيان الإشارة فَرِّغَ قَلبَكَ عن الأشياء كلَّها سوى ذِكْرِه - سبحانه .\rوفي بعض الكتب : « أوحى الله إلى بعض الأنبياء فَرِّغ لي بيتاً أسكنه ، فقال ذلك الرسول : إلهي . . . أي بيت تشغل؟ فأوحى الله إليه : ذلك قلب عبدي المؤمن » . والمراد منه ذكر الله تعالى؛ فالإشارة أن يفِّرِّغ قلبه لذكر الله . وتفريغ القلب على أقسام : أوله نم الغفلة ثم مِنْ توهُّم شيءٍ من الحدثان من غير الله .\rويقال قد تكون المطالبة على قوم بِصَوْنِ القلب عن ملاحظة العمل ، وتكون المطالبة على الآخرين بحراسة القلب عن المساكنة إلى الأحوال .\rويقال : { وَطَهِّرْ بَيْتِىَ } : أي قَلبكَ عن التطلع والاختيار؛ بألا يكون لك عند الله حظٌّ في الدنيا أو في الآخرة حتى تكون عبداً له بكمال قيامك بحقائق العبودية .\rويقال { وَطَهِّرْ بَيْتِىَ } : أي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلعِ إكرام ، أو تَطَلُّبِ إنعام ، أو إرادة مقام ، أو سبب من الاختيار والاستقبال .\rويقال طَهِّرْ قلبك للطائفين فيه من موارد الأحوال على ما يختاره الحق . { والقَآئِمِينَ } وهي الأشياء المقيمة من مستودعات العرفان في القلب من الأمور المُغْنِيةِ عن البرهان ، ويتطلع بما هو حقائق البيان التي هي كالعيان كما في الخبر : « كأنك تراه » .\r{ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } : هي أركان الأحوال المتوالية من الرغبة والرهبة ، والرجاء والمخافة ، والقبض والبسط ، وفي معناه أنشدوا :\rلست من جملة المحبين إن لم ... أجعل القلبَ بيتَه والمقاما\rوطوافي إجالةُ السِّرِّ فيه ... وهو ركني إذا أردتُ استلاما\rقوله : { لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً } : لا تلاحظ البيت ولا بِنَاءكَ للبيت .\rويقال هو شهود البيت دون الاستغراق في شهود ربِّ البيت .","part":5,"page":186},{"id":2187,"text":"أَذَّن إبراهم - عليه السلام - بالحج ونادى ، وأسمع اللَّهُ نداءَه جميعَ الذرية في أصلابِ آبائهم ، فاستجاب مَنْ المعلوم مِنْ حاله أنه يحج .\rوقدَّم الرَّجالةَ على الركبان لأنَّ الحَمْلَ على المركوب أكثر .\rولتلك الجِمالِ على الجمال خصوصية لأنها مركب الأحباب ، وفي قريبٍ من معناه أنشدوا :\rوإنَّ جِمالاً قد علاها جَمَالُكُم ... - وإن قُطِّعَتْ أكبادنا - لحبائب\rويقال { يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } هذا على وجه المدح وسبيل الشكر منهم .\rوكم قَدْرُ مسافةِ الدنيا بجملتها!؟ ولكنْ لأَِجْلِ قَدْرِ أفعالهم وتعظيمِ صنيعِهم يقول ذلك إظهاراً لفضله وكرمه .","part":5,"page":187},{"id":2188,"text":"قوله جلّ ذكره { لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } .\rأرباب الأموال منافعهم أموالُهم ، وأرباب الأعمال منافعُهم حلاوةُ طاعتهم ، وأصحاب الأحوال منافعهم صفاءُ أنفاسهم ، وأهلُ التوحيد منافعهم رضاهم باختيارِ الحقِّ ما يبدو من الغيب لهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ } .\rلأقوامٍ عند التقرُّب بقرابينهم وسوق هَدْيِهم . وآخرون يذكرون اسمه عند ذَبْحهِم أمانيهم واختيارهم بسكاكين اليأس . . حتى يقوموا بالله لله بِمَحَوِ ما سوى الله .\rقوله جلّ ذكره : { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَآئِسَ الفَقِيرِ } .\rشاركُوا الفقراءَ في الأكل من ذبيحتكم - الذي ليس بواجب - لتلحقكم بركاتُ الفقراء . والإشارة فيه أن ينزلوا ساحةَ الخضوع والتواضع ، ومجانبة الزَّهْوِ والتكبُّر .","part":5,"page":188},{"id":2189,"text":"قوله جلّ ذكره : { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } .\rليقضوا حوائجهم وليحققوا عهودَهم ، وليوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم ، فَمَنْ كان عقدُه التوبة فوفاؤه ألا يرجعَ إلى العصيان . ومَنْ كان عَهْدُه اعتناقَ الطاعةِ فَشَرْطُ وفائه تركُ تقصيره . ومن كان عهدُه ألا يرجع إلى طلب مقامٍ وتطلُّع إِكرام فوفاؤه استقامته على الجملة في هذا الطريق بألا يرجع إلى استعجالِ نصيبٍ واقتضاءِ حظٍ .\rقوله جلّ ذكره : { وَليَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ } .\rالإشارة في الطواف إلى أنه يطوف بنَفْسه حولَ البيت ، وبقلبه في ملكوت السماء ، وبِسِرِّه في ساحات الملكوت .","part":5,"page":189},{"id":2190,"text":"قوله جلّ ذكره : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } .\rتعظيم الحرمات بتعظيم أمره؛ وتعظيمُ أمرِهِ بِتَرْكِ مخالفته .\rويقال من طلب الرضا بغير رضى الله لم يبارك له فيما آثره ومن هواه على رضى مولاه ، ولا محالةَ سيلقى سريعاً غِبَّه .\rويقال تعظيم حرماته بالغيرة على إيمانه وما فَجَرَ صاحبُ حُرْمَةٍ قط .\rويقال ترك الخدمة يوجب العقوبة ، وترك الحرمة يوجِبُ الفُرْقة .\rويقال كلُّ شيءٍ من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللأمل إِليه طريق ، وتَرْكُ الحرمة على خَطَر ألا يُغْفَر . . . وذلك بأن يؤدي ثبوتُه بصاحبه إلى أَنْ يختَلَّ دِينُه وتوحيدُه .\rقوله جلّ ذكره : { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } .\rفالخنزير من جملة المحرمات كذلك النطيحة والموقوذة ، وما يجيء تفصيله في نَصَّ الشرع .\rقوله جلّ ذكره : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } .\r« من » ههاهنا للجِنس لا للتبغيض ، وهوى كلِّ من اتبعه معبودُه ، وصنمُ كلِّ أحدٍ نَفْسُه .\rقوله جلّ ذكره : { واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } : ومن جملة ذلك قول اللسان بما لا يساعده قولُ القلب ونطقه ، ومَنْ عاهد اللَّهَ بقلبه ثم لا يفي بذلك فهو من جملة قول الزور .","part":5,"page":190},{"id":2191,"text":"الحنيف المائلُ إلى الحق عن الباطل في القلبِ والنَّفْسِ ، في الجهر وفي السِّرِّ ، في الأفعال وفي الأحوال وفي الأقوال .\r{ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } : الشِّركُ جَلِيٌّ وخَفِيٌ .\rقوله { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا . . . } كيف لا . . . وهو يهوي في جهنم وتتجاذبه ملائكة العذاب؟ أو تهوى به الريح من مكان سحيق . . . وكذلك غداً في صفة قوم يقول الله تعالى : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [ التوبة : 67 ] .","part":5,"page":191},{"id":2192,"text":"يقف المؤمنُ على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهراً ، وبخواطر الإلهام سِرَّاً . وكما لا تجوز مخالفةُ شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإِنّ خاطر الحقِّ لا يكذِبُ ، عزيزٌ مَنْ له عليه وقوف . وكما أَنّ النَّفْسَ لا تصدق فالقلب لا يكذب ، وإذا خولف القلبُ عَمِيَ في المستقبل ، وانقطعت عنه تعريفاتُ الحقيقة ، والعبارة والشرح يتقاصران عن ذكر هذا التعيين والتفسير . ويقوي القلبُ بتحقيق المنازلة؛ فإذا خرست النفوسُ ، وزالت هواجسها ، فالقلوب تنِطق بما تُكاشَفُ به من الأمور .\rومنَ الفَرْقِ بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبُه أولاً ثم يعمل مختاراً ، وما كان من الحق يجري ويحصل ثم بعده يعلم مَنْ جرى عليه ذلك معناه ، ولا يكون الذي يجْرِي عليه ما يُجْرَى مضطراً إلى ما يُجْرَى . وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار ، بل يكون مختاراً ولكنَّ سببَه عليه مشكلٌ ، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد .","part":5,"page":192},{"id":2193,"text":"لكلِّ من تلك الجملة منفعةٌ بِقَدْره وحدِّه؛ فلأقوام بركاتٌ في دفع البلايا عن نفوسهم وعن أموالهم ، ولآخرين في لذاذاتِ بَسطِهم ، ولآخرين في حلاوة طاعاتهم ، ولآخرين في أُنْسِ أنفاسهم .","part":5,"page":193},{"id":2194,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ } .\rالشرائعُ مختلفةٌ فيما كان من المعاملات ، متفقة فيما كان من جملة المعارف ، ثم هم فيها مختلفون : فقومٌ هم أصحاب التضعيف ، فيما أوجب عليهم وجعل لهم ، وقومٌ هم أصحاب التخفيف فيما ألزموا وفيما وُعَد لهم . قوله { لِِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلِى } وذكر اسم الله على ما رزقهم على أقسام : منها معرفتهم إنعام الله بذلك عليهم . . . وذلك من حيث الشكر ، ثم يذكرون اسمه على ما وفّقَهم لمعرفته بأنه هو الذي يتقبل منهم وهو الذي يُثيبهم .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِرِ المُخْبِتِينَ } .\rأي اسْتَسلموا لِحُكمه بلا تعبيسٍ ولا استكراهٍ من داخل القلب .\rوالإسلام يكون بمعنى الإخلاص ، والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات ، ثم تصفية الأخلاق من الكدورات ، ثم تصفية الأحوال ، ثم تصفية الأنفاس . { وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ } : الإخبات استدامة الطاعة بشرط الاستقامة بقدر الاستطاعة . ومنْ أماراتِ الإخباتِ كمالُ الخضوع بشرط دوام الخشوع ، وذلك بإطراق السريرة .","part":5,"page":194},{"id":2195,"text":"قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } الوَجَلُ الخوفُ من المخافة ، والوَجلُ عند الذكر على أقسام : إما لخوفِ عقوبة ستحصل أو لمخافة عاقبة بالسوء تختم ، أو لخروجٍ من الدنيا على غَفلَةٍ من غير استعدادٍ للموت ، أو إصلاح أُهْبَةٍ ، أو حياءٍ من الله سبحانه في أمورٍ إذا ذَكرَ اطلاعه - سبحانه - عليها لمَا بَدَرَت منه تلك الأمور التي هي غير محبوبة .\rويقال الوجَلُ على حسب تجلي الحق للقلب؛ فإِن القلوب في حال المطالعةِ والتجلي تكون بوصف الوجل والهيبة .\rويقال وَجلٌ له سبب وجل بلا سبب؛ فالأول مخافةٌ من تقصير ، والثاني معدودٌ في جملة الهيبة .\rويقال الوَجَلُ خوفُ المَكْرِ والاستدراج ، وَأقربُهم من الله قلباً أكثرهُم من الله - على هذا الوجه - خوفاً .\rقوله جلّ ذكره : { وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ } .\rأي خامدين تحت جريان الحكم من غير استكراهٍ ولا تمني خَرْجةٍ ، ولا زَوْمِ فُرْجةٍ بل يستَسلِمُ طوعاً :\rويقال الصابرين على ما أصابهم . أي الحافظين معه أسرارهم ، لا يطلبون السلوةَ بإطلاعِ الخْلق على أحوالهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَالمُقِيمِى الصَّلاَةِ } .\rأي إذا اشتدت بهم البلوى فزعوا إلى الوقوف في محلِّ النجوى :\rإذا ما تمنَّى الناسُ رَوْحاً وراحةً ... تمنَّيْتُ أن أشكو إليك فَتَسمَعَا\rقوله جلّ ذكره : { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } .\rعند المعاملة من أموالهم ، وفي قضايا المنازلة بالاستسلام ، وتسليم النفس وكل ما منك وبك لطوارق التقدير؛ فينفقون أبدانَهم على تحمل مطالبات الشريعة ، وينفقون قلوبَهم على التسليم والخمود تحت جريان الأحكام بمطالبات الحقيقة .","part":5,"page":195},{"id":2196,"text":"أقسام الخير فيها كثيرة بالركوب والحَمْل عليها ( وشرب ألبانها وأكل لحومها والانتفاع بوبرها ثم الاعتبار بخِلْقَتِها كيف سُخِّرت للناس على قوتها وصورتها ، ثم كيف تنقاد للصبييان في البروكِ عند الحَمْل عليها وركوبها والنزول منها ووضع الحمل عنها وصبرها على العطش في الأسفار ، وعلى قليل العَلَف ، ثم ما في طبْعهِا من لُطفِ الطبع ، وحيث تستريح بالحُدَاء مع كثافة صورتها إلى غير ذلك .\r{ فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } : أي سقطت على وجه الأرض في حال النَّحْرِ فأطعموا القانع الذي ألقى جلباب الحياء وأظهر فقره للناس ، والمُعْتَرَّ الذي هو في تَحَمَّله مُتَحَمِّلٌ ، ولمواضِع فاقته كاتم .","part":5,"page":196},{"id":2197,"text":"لا عِبْرَةَ بأعيان الأفعال سواء كانت بدنيةً محضة ، أو ماليةً صِرْفة ، أو بما له تعلُّق بالوجهين ، ولكن العبرة باقترانها بالإخلاص فإِذا انصافَ إلى أكسابِ الجوارح إخلاصُ القصود ، وتَجَرَّدَتْ عن ملاحظة أصحابِها للأغيارَ صَلُحَتْ للقبول .\rويقال التقوى شهودُ الحقِّ بِنَعْتِ التفرُّدِ؛ فلا يُشَابُ تَقَرُّبُكَ بملاحظةِ أحدٍ ، ولا تأخذ عِوَضاً على عملٍ من بَشَرٍ .\r{ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } : أي هداكم وأرشدكم إلى القيام بحقِّ العبودية على قضية الشرع .\r{ وَبَشِّر المُحْسِنِينَ } : والإحسان كما في الخبر : « أن تعبد الله كأنك تراه . . » .\rوأمارةْ صحته سقوطُ التعب بالقلبِ عن صاحبهِ ، فلا يستثقلُ شيئاً . ولا يتبرم بشيءٍ .","part":5,"page":197},{"id":2198,"text":"يدفع عن صدورهم نزغاتِ الشيطان ، وعن قلوبِهم خطراتِ العصيان ، وعن أرواحهم طوارقَ النسيان .\rوالخيانةُ على أقسام : خيانةٌ في الأموال تفصيلها في المسائل الشرعية وخيانة في الأعمال ، وخيانة في الأحوال؛ فخيانة الأعمال بالرياء والتصنع ، وخيانة الأحوال بالملاحظة والإعجاب والمساكنة ، وشرُّها الإعجابُ ، ثم المساكنةُ وأخفاها الملاحظة .\rويقال خيانة الزاهدين عزوفهم عن الدنيا على طلب الأعواض ليجدوا في الآخرة حُسْنَ المآل . . . وهذا إخلاص الصالحين . ولكنه عند خواص الزهاد خيانة؛ لأنهم تركوا دنياهم لا لله ولكن لوجود العِوَض على تركهم ذلك مِنْ قِبَلِ الله .\rوخيانةُ العابدين أن يَدَعُوا شهواتِهم ثم يرجعون إلى الرُّخَص ، فلو صدقوا في مرماهم لَمَا انحطُّوا إلى الرخص بعد ترقيهم عنها .\rوخيانة العارفين جنوحهم إلى وجود مقام ، وتطلعهم لمنال منزلة وإكرام من الحق ونوع تقريب .\rوخيانة المحبين روم فرحة مما يمسهم من برحاء المواجيد ، وابتغاء خرجه مما يَشْتَدُّ عليهم من استيلاء صَدِّ ، أو غلبات شوقٍ ، أو تمادي أيامِ هَجْرٍ .\rوخيانة أربابِ التوحيد أن يتحرك لهم للاختيارِ عِرْقٌ ، وروجوعُهم - بعد امتحائِهم عنهم - إلى شظية من أحكام الفَرْقِ ، اللهم إلا أن يكونَ ذلك منهم موجوداً ، وهم عنه مفقودون .","part":5,"page":198},{"id":2199,"text":"إذا أصابهم ضُرٌّ أو مَسَّهم - ما هو في الظاهر - ذُلٌ من الأعادي يجري عليهم ضَيْمٌ ، أو يلحقهم من الأجانب استيلاءٌ وظلمٌ . . فالحقُّ - سبحانه - ينتقِمُ من أعدائهم لأَجْلِهم ، فهم بنعت التسليم والسكون في أغلب الأحوال ، وتفاصيلُ الأقدارِ جاريةٌ باستئصالِ مَنْ يناويهم ، وبإحالة الدائرة على أعاديهم . وفي بعض الأحايين ينصبهم الحق سبحانه بنعت الغَلَبَةِ والتمكين من نزولهم بساحات مَنْ يناوئهم بِحُسْنِ الظَّفَر ، وتمام حصولِ الدائرة على مَنْ نَاصَبَهم ، وأخزاهم بأيديهم ، وكلُّ ذلك يتفق ، وأنواعُ النصرَةِ من الله - سبحانه - حاصلةٌ ، واللَّهُ - في الجملةِ - غالِبٌ على أمره .","part":5,"page":199},{"id":2200,"text":"قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } المظلومُ منصورٌ ولو بعد حين ، ودولة الحق تغلب دولة الباطل ، والمظلومُ حميدُ العقبى ، والظالمُ وشيك الانتقام منه بشديد البلوى : { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةَ بِمَا ظَلَمُوا } [ النمل : 52 ] . وقد يجري من النَّفْسِ وهواجِسها على القلوبِ لبعضِ الأولياءِ وأهل القصةِ - ظُلْمٌ ، ويَحْصُلُ لِسُكَّانِ القلوب من الأحوال الصافية عنها جلاءٌ ، وتستولي غَاغَةُ النَّفْس ، فتعمل في القلوب بالفساد بسبب استيطانِ الغفلة حتى تتداعى القلوبُ للخراب من طوارق الحقائق وشوارق الأحوال ، كما قال قائلهم :\rأنعي إليكَ قلوباً طالما هَطَلَتْ ... سحائبُ الجودِ فيها أَبْحُرَ الحِكَم\rفَيَهْزِمُ الحقُّ - سبحانه - بجنودِ الإقبال أزَاذِلَ الهواجسِ ، وينصرُ عَسْكَرَ التحقيق ِ بأَمْدَادِ الكشوفات . ويَتَجَدَّدُ دارسُ العهد ، وتطْلُعُ شموسُ السَّعْدِ في ليالي الستر ، وتُكْنَسُ القلوبُ وتتطهر من آثارِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ ، كما قيل :\rأطلالُ سُعْدَى باللِّوى تَتَجَدَّدُ ... فإذا هبَّتْ على تلك القلوب رياحُ العناية ، وزال عنها وهج النسيان سقاها الله صَوْبَ التجلِّي ، وأنبت فيها أزهارَ البَسْط فيتضح فيها نهارُ الوَصْلِ ، ثم يوجد فيها نسيم القرب إلى أن تطلع شموس التوحيد .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْلاَ دَفْعَُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلِيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ } .\rيتجاوز عن الأصاغر لِقَدْرِ الأكابر ، ويعفو عن العوام لاحترام الكرام . . وتلك سُنَّةٌ أجراها الله لاستنقاء منازل العبادة ، واستصفاء مناهل العرفان . ولا تحويل لِسُنَّتهِ ، ولا تبديل لكريم عادته .","part":5,"page":200},{"id":2201,"text":"إذا طالت بهم المدةُ ، وساعَدَهم العمرُ لم يستفرغوا أعمالَهم في استجلاب حظوظهم ، ولا في اقتناء محبوبهم من الدنيا أو مطلوبهم ، ولكن قاموا بأداء حقوقنا .\rوقوله : { أَقَامُوا الصَّلاَةَ } في الظاهر ، واستداموا المواصلات في الباطن .\rويقال إقامة الصلاة الوفاء بأدائها؛ فتَعْلمَ - بين يدي الله - مَنْ أنت ، ومَنْ تناجي ، وَمنْ الرقيب عليك ، ومن القريب منك .\rوقوله : { وَءَاتُوا الزَّكَاةَ } : الأغنياء منهم يوفون بزكاة أموالهم ، وفقراؤهم يُؤْتُون زكاةَ أحوالهم؛ فزكاة الأموال عن كل مائتين خَمْسَة للفقراء والباقي لهم ، وزكاة الأحوال أن يكون من مائتي نَفَسٍ تسعة وتسعون ونصف جزء ومائة لله ، ونصف جزء من نًفَسٍ - من المائتين - لَكَ . . . . وذلك أيضاً عِلَّةٌ .\rقوله : { وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ } : يبتدئون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأَنْفُسِهم ثم بأغيارهم ، فإذا أخذوا في ذلك لم يتفرغوا من أنفسهم إلى غيرهم .\rويقال « الأمر بالمعروف » حفظ الحواس عن مخالفة أمره ، ومراعاة الأنفاس معه إجلالاً لِقَدْرِه .\rويقال الأمر بالمعروف على نَفْسك ، ثم إذا فَرَغْتَ من ذلك تأخذ في نهيها عن المكر . ومنْ وجوهِ المكرِ الرياءُ والإعجابُ والمساكنةُ والملاحظةُ .","part":5,"page":201},{"id":2202,"text":"في الآيات تسليةٌ للنبي - A ، وأمرٌ حَتْمٌ عليه بالصبر على مقاساة ما كان يلقاه من قومه من فنون البلاءِ وصنوفِ الأسواء .","part":5,"page":202},{"id":2203,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِى خَاوِيةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } .\rالظلمُ يوجِبُ خرابَ أوطانِ الظالم ، فتخرب أولاً أوطان راحة الظالم وهو قلبه ، فالوحشةُ التي هي غالبةَ على الظَّلَمَةِ من ضيقِ صدورهم ، وسوءِ أخلاقهم ، وفَرْطِ غيظ مَنْ يَظْلِمُونَ عليهم . . . كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم ، وهو في الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم .\rويقال خرابُ منازلِ الظَّلَمَةِ ربما يتأخر وربما يتعجل . وخرابُ نفوسهم في تعطلها عن العبادات لِشُؤْم ظُلْمِهم ، وخرابُ قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصاً في أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم . . . نقدٌ غير مستأخر .\rقوله جلّ ذكره : { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } .\rالإشارة في { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } : إلى العيون المتفجرة التي كانت في بواطنهم ، وكانوا يستقون منها ، وفي ذلك الاستقاء حياةٌ أوقاتِهم من غلبات الإرادة وقوة المواجيد ، فإِذا اتصفوا بظلمهم غَلَبَ غُثاؤها وانقطع ماؤها بانسداد عيونها .\rوالإشارة في { وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة والأُنس ، وخُلُوِّ أرواحهم من أنوار المحابِّ ، وسلطان الاشتياق ، وصنوف المواجيد .","part":5,"page":203},{"id":2204,"text":"كانت لهم مقلوبٌ من حيث الخلقة ، فلما زايلتها صفاتُها المحمودةُ صارت كأنها لم تكن في الحقيقة . ثم إنه أخبر أن العمى عمى القلب وكذلك الصم . وإذا صَحَّ وصفُ القلبِ بالسمع والبصر صَحَّ وصفُه بسائر صفات الحيِّ من وجوه الإدراكات؛ فكما تبصر القلوبُ بنور اليقين يُدْرَكُ نسيمُ الإقبال بِمَشَامِّ السِّرِّ ، وفي الخبر :\r« إني لأجد نَفَسَ ربكم من قِبَل اليمن » وقال تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام : { إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } [ يوسف : 49 ] وما كان ذلك إلا بإِدراك السرائر دون اشتمام ريحٍ في الظاهر .","part":5,"page":204},{"id":2205,"text":"عَدَمُ تصديقهم حَمَلَهم على استعمال ما توعدهم به ، قال تعالى : { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَِّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } [ الشورى : 18 ] ولو آمنوا لصدَّقوا ، ولو صدَّقوا لَسَكَنُوا . { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ ربِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ } : أي إنَّ الأيامَ عنده تتساوى ، إذ لا استعجالَ له في الأمور؛ فسواء عنده يوم واحد وألف سنة؛ إذ مَنْ لا يَجْرِي عليه الزمانُ وهو يُجْرِي الزمانَ فَسَوَاء عليه وجودُ الزمانِ ، وعدم الزمان وقِلة الزمانِ وكَثْرَةُ الزمانِ .","part":5,"page":205},{"id":2206,"text":"الإِمهال يكون من الله - سبحانه وتعالى ، والإمهال يكون بأَنْ يَدَعَ الظالمَ في ظُلِمِه حيناً ، ويوسِّع له الحَبْل ، ويطيل به المهل ، فيتوهم أنه انفلت من قبضة التقدير ، وذلك ظنه الذي أراده ، ثم يأخذه من حيث لا يَرْتَقِب ، فيعلوه نَدَمٌ ، ولات حينه ، وكيف يستبقي بالحيلة ما حق في التقدير عَدَمُه؟","part":5,"page":206},{"id":2207,"text":"أشابِهُكُم في الصورة ولكني اُبَاينُكم من حيث السريرة ، وأنا لِحُسْنِكم بشير ، ولِمُسِيئِكُم نذير ، وقد أَيَّدت بإقامةِ البراهينِ ما جِئتكم به من وجوهِ الأمر بالطاعة والإحسان .","part":5,"page":207},{"id":2208,"text":"الناس - في المغفرة - على أقسام : فمنهم من يستر عليه زَلَّتَه ، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانةً له عن الملاحظة ، ومنهم من يستر حاله لئلا تُصيبَه مِنَ الشهرةِ فتنةٌ ، وفي معناه قالوا :\rلا تُنْكِرَنْ جُحْدِي هَوَاكَ فإنما ... ذاك الجحودُ عليكَ سِتْرَ مُسْبَلُ\rومنهم مَنْ يستره بين أوليائه ، لذلك وَرَدَ في الكتب : « أوليائي في قبائي ، لا يشهد أوليائي غيري » .\r{ والرزق الكريم } ما يكون من وجه الحلال . ويقال ما يكون من حيث لا يَحْتَسِب العبدُ .\rويقال هو الذي يبدو - من غير ارتقابٍ - على رِفْقٍ في وقت الحاجة إليه .\rويقال هو ما يَحْمِلُ المرزوقَ على صَرْفهِ في وَجْهِ القربة . ويقال ما فيه البركة .\rويقال الرزق الكريم الذي يُنال من غير تعب ، ولا يتقلد مِنَّةً مخلوق .","part":5,"page":208},{"id":2209,"text":"في الحال في معَجَّلهِ الوحشهُ وانسدادُ أبوابِ الرشدِ ، وتنغصُ العَيْش ، والابتلاءُ بمن لا يعطف عليه ممن لا يخافون الله .\rوفي الآخرة ما سيلقون من أليم العقوبة على حسب الإجرام .","part":5,"page":209},{"id":2210,"text":"الشياطين يتعرَّضون للأنيباء عليهم السلام ولكن لا سلطانَ ولا تأثيرَ في أحوالهم منهم ، ونبيُّنا - A - أفضل الجماعة .\rوإنما الشياطين تخييلٌ وتسويل من التضليل . وكان لنبيِّنا - A - سَكَتَاتٌ في خلال قراءة القرآن عند انقضاء الآيات ، فيتلَفَّظ الشيطانُ ببعض الألفاظ ، فَمَنْ لم يكن له تحصيلٌ تَوَهَّّمَ أنه كان من ألفاظِ الرسولِ - E وصار فتنةً لقومٍ .\rأما - الذين أيدهم بقوة العصمة ، وأدركتهم العناية فقد استبصروا ولم يُضِرْهُم ذلك .","part":5,"page":210},{"id":2211,"text":"إذا أراد اللَّهُ بِعَبْدِه خيراً أمدَّه بنور التحقيق ، وأَيَّده بحسن العصمة ، فيميِّز بحسن البصيرة بين الحق والباطل؛ فلا يُظلُّه غمامُ الرَّيْبِ ، وينجلي عنه غطاءُ الغَفْلَة ، فلا تأثير لضبابِ الغداةِ في شُعاع الشمس عند متوع النهار ، وهذا معنى قوله :\r{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ }","part":5,"page":211},{"id":2212,"text":"لم يتخصصْ مُلْكه - سبحانه - بيومٍ ، ولم تتحدد له وقتيةُ أَمْرٍ ، ولا لجلاله قَدْرٌ ، ولكنَّ الدعاوى في ذلك اليوم تنقطع ، والظنون ترتفع ، والتجويزات تتلاشى؛ فللمؤمنين وأهل الوفاق نِعَمٌ ، وللكفار وأصحاب الشقاق نِقَم .","part":5,"page":212},{"id":2213,"text":"هؤلاء لهم عذاب مهين ، وهؤلاء لهم فضل مبين .\r{ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا . . . } للقلوب حلاوةَ العرفان ، وللأرواح حُلَّةُ المحاب ،\rوللأسرار دوام الشهود .","part":5,"page":213},{"id":2214,"text":"إدخالاً فوق ما يَتَمَنّونَه ، وإبقاءً على الوصف الذي يُهْدَوْنه . . . ذلك في أوان صحوهم لينالوا لطائفَ الأُنْسِ على وصف الكمال ، ويتمكنوا من قضايا البَسْطِ على أعلى أحوال السرور .","part":5,"page":214},{"id":2215,"text":"نصْرُه - سبحانه - للأولياء نَصْرٌ عزيز ، وانتقامه بتمام ، واستئصالُه بكمال ، وإزهاقه أعداءَه بتمحيق جملتهم ، وأَلا يحتاجَ المنصورُ إلى الاحتيالِ أو الاعتضادِ بأَشكال .","part":5,"page":215},{"id":2216,"text":"كما في أفقِ العَالَم لَيْلٌ ونهار فكذلك للسرائر ليل ونهار؛ فعند التجلي نهار وعند الستر ليل ، ولليلِ السِّرِّ ونهاره زيادةٌ ونقصان ، فبمقدار القبض ليلٌ وبمقدار البسط نهارٌ ، ويزيد أحدُهما على الآخرِ وينقص . . . وهذا للعارفين . فأَمَّا المحقَّقُون فَلَهُم الأُنْسُ والهيبةُ مكانَ قبضِ قوم وبَسْطِهم ، وذلك في حَالَيْ صحوهم ومحوهم ، ويزيد أحدهما وينقص ، ومنهم من يدوم نهارُه ولا يدخل عليه ليلٌ . . وذلك لأهل الأنُسْ فقط","part":5,"page":216},{"id":2217,"text":"إذا بدا عِلْمٌ من الحقائق حَصَلَت بمقداره شظية من الفناء لِمَنْ حَصَلَ له التجلي ، ثم يزيد ظهورُ ما يبدو ويغلب ، وتتناقصُ آثارُ التفرقة وتتلاشى ، قال : A : « إذا أَقبل النهارُ من ها هنا أدبر الليلُ من ها هنا » فإذا نأى العبدُ بالكليةِ عن الإحساسِِ بما دون اللَّهِ فلا يشهد أولاً الأشياءَ إلا للحقِّ ، ثم لا يشهدها إلا بالحقِّ ، ثم لا يشهد إلا الحق . . فلا إحساسَ له بغير الحق ، ومِنْ جملة ما ينساه . . نَفْسُه والكونُ كله .","part":5,"page":217},{"id":2218,"text":"ماءُ السماءِ يحيي الأرض بعد موتها ، وماءُ الرحمةِ يحيي أحوال أهلِِ الزَّلةِ بعد تَرْكِها ، وماءُ العناية يحيي أحوال ( . . . ) بعد زوال رونقها ، وماء الصولة يحيي أهل القربة بعد نضوبها .","part":5,"page":218},{"id":2219,"text":"المُلْكُ له ، وهو عن الجميع غني ، فهو لا يستغني بمُلْكُه ، بل مُلْكُه بصير موجوداً بخَلْقهِ إياه؛ إذ المعدوم له مقدور والمقدور هو المملوك .\rويقال كما أنه غنيٌّ عن الأجانب ممن أثبتهم في شواهد الأعداء فهو غنيٌّ عن الأكابر وجميع الأولياء .\rويقال إذا كان الغيُّ حميداً فمعنى ذلك أنه يُعْطِي حتى يُشْكَر .\rويقال الغنيُّ الحميد المستحِقُّ للحمد : أعطى أو لم يُعْطِ؛ فإن أَعْطى استحقَّ الحمدَّ الذي هو الشكر ، وإنْ لم يُعْطِ استحق الحمد الذي هو المدح .","part":5,"page":219},{"id":2220,"text":"أراد به تسخيرَ الانتفاع بها؛ فما للخَلْقِ به انتفاع ومُيَسَّرٌ له الاستمتاع به فهو كالمُسّخَّرِ له على معنى تمكينه منه ، ثم يُرَاعَى فيه الإذنُ؛ فَمَنْ استمتع بشىءٍ على وجه الإباحة والإذن والدعاء إليه والأمر به فذلك إنعامٌ وإِكرامٌ ، ومَنْ كان بالعكس فمكْرٌ واستدراج .\rوأمَّا السفينة . . فإلهامُ العبد بصنعها ووجوه الانتفاع بها؛ بالحَمْل فيها وركوبها فَمِنْ أعظم إحسان الله وإرفاقه بالعبد ، ثم ما يحصل بها من قَطْع المسافات البعيدة . والتوصل بها إلى المضارب النائية ، والتمكن من وجوه الانتفاع ففي ذلك أعظمُ نعمة ، وأكملُ عافية .\rوجعل الأرضَ قراراً للخَلْقِ من غير أن تميد ، وجعل السماءَ بناء من غير وقوع ، وجعل فيها من الكواكب ما يحصل به الاهتداء في الظلام ، ثم هي زينة السماء - وفي ذلك من الأدلة ما يوجب ثَلَجَ الصدر وبَرْدَ اليقين .","part":5,"page":220},{"id":2221,"text":"إحياءُ النفوسِ وإماتتها مراتٌ محصورةٌ ، وإحياءُ أوقاتِ العُبَّاد وإماتتها لا حَصرَ له ولا عَدَّ ، وفي معناه أنشدوا .\rأموتُ إذا ذكرتُك ثم أحيا ... فكم أحيا عليكَ وكم أموتُ\rويقال يُحْيي الآمالَ بإشهادِ تفضله ، ثم يميتها بالإطلاع على تَعَزُّزِه .\rويقال هذه صفة العوام منهم ، فأمَّا الأفاضل فحياتُهم مسرمدة وانتعاشهم مؤبَّدّ . وأنَّى يحيا غيرُه وفي وجوده - سبحانه - غُنْيَةٌ وخَلَفٌ عن كل فائت؟","part":5,"page":221},{"id":2222,"text":"جَعَلَ لكلِّ فريقٍ شِرْعةً هم واردوها ، ولكلِّ جماعةٍ طريقةً هم سالكوها .\rوجعل لكلِّ مقام سُكَّانَه ، ولكلَّ محلِّ قُطَّانَه ، فقد ربط كُلاً بما هو أهلٌ له ، وأوصل كلاًّ إلى ما جعله محلاًّ له؛ فبِساط التَّعَبُّدِ موطوءٌ بأَقدامِ العابدين ، ومشاهد الاجتهاد معمورةٌ بأصحاب التكلف من المجتهدين ، ومجالسُ أصحابِ المعارفِ مأنوسةٌ بلزوم العارفين ، ومنازلُ المحبين مأهولةٌ بحضور الواجدين .\rقوله : { فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِى الأَمْرِ . . . } اشْهَدْ تصاريفَ الأقدار ، واعمل بموجِب التكليف ، وانتِه دون ما أُذِنْتْ له من المناهل .","part":5,"page":222},{"id":2223,"text":"كِلْهُم إلينا عندما راموا من الجدال ، ولا تتكل على ماتختاره من الاحتيال ، واحذر جنوحَ قلبك إلى الاستعانة بالأمثال والأشكال ، فإنهم قوالبُ خاويةٌ ، وأشباحٌ عن المعاني خالية .","part":5,"page":223},{"id":2224,"text":"أَمَّا الأجانب فيقول لهم : { كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوِمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } [ الإسراء : 14 ] ، وأمّا الأولياء فقومٌ منهم يحاسبهم حساباً يسيراً ، وأقوام مخصصون يقول لهم : بيني وبينكم حساب؛ فلا جبريلَ يحكم بينهم ولا ميكائيل ، ولا نبيٌّ مرسَلٌ ، ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ .\r{ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } يحكم بينهم فيسأل عن أعماله جميعَ خصمائه ، ويأمر بإرضاء جميع غُرَمَائِه .","part":5,"page":224},{"id":2225,"text":"يعلم السِّرَّ والنجوى ، وماتكون حاجةُ العبدِ له أَمَسَّ وأقوى ، وبكلِّ وجهٍ هو بالعبد أَوْلى ، وله أن يحمل له النُّعْمى ، ويزيل عنه البَلْوى ، ولا يسمع منه الشكوى ، فله الحُكْمُ تبارك وتعالى .","part":5,"page":225},{"id":2226,"text":"الآية تشير أَنَّ مَنْ جملة خواصِّه أفرده - سبحانه - ببرهان ، وأَيَّده ببيان ، وأعزَّه بسلطان . ومَنْ لا سلطانَ له يمتد إليه قَهْرُه ، ومن لا برهان له ينبسط عنه - إلى غيره- نورُه ، فهو بِمَعزِلٍ عن جملته .","part":5,"page":226},{"id":2227,"text":"لِسَمَاعِ الخطاب أَثّرٌ في القلوبِ من الاستبشارِ والبهجة ، أوالإنكار والوحشةِ . ثم ما تخامره السرائرُ يلوحُ على الأسِرّةِ في الظاهر؛ فكانت الآياتُ عند نزولِِها إذا تُلِيَتْ على الكافر يلوح على وجوهِهم دُخَانُ ما تنطوي عليه قلوبُهم من ظلماتِ التكذيب ، فما كان يقع عليهم طَرْفٌ إلاَّ نَبَّأ عن جحودهم ، وعادت إلى القلوب النُّبُوءَةُ عن إقلاعهم .\rثم أخبر أنَّ الذي هم بصَدَدِه في الآخرةِ من أليم العقوبةِ شرٌّ بكل وجهٍ لهم مِمَّا يعود إلى الرائين لهم عند شهودهم . وإنّ المناظِرَ الوضيئة للرائين مُبْهِجةٌ ، والمناظِرَ المُنْكَرَة للناظرين إليها موحِشَة .","part":5,"page":227},{"id":2228,"text":"نَبه الأفكارَ المُشتَّتَةَ ، والخواطرَ المتفرقة على الاستجماع لِسِماع ما أراد تضمينه فيها؛ فاستحضرها فقال : { ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ . . . } .\rثم بيَّنَ المعنى فقال : { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } أي وتسمونها آلهة أنها للعبادة مستحقة لن يخلقوا بأجمعهم مذباباً ، ولا دونَ ذلك . وإنْ يسلبهم الذبابُ شيئاً بأن يقع على طعام لهم فليس في وسعهم استنقاذهم ذلك منه ، ومَنْ كان بهذه الصفة فَسَاءَ المَثَلُ مَثلُهم ، وضَعُفَ وصفُهم ، وقَلَّ خَطَرُهم .\rويقال إن الذي لا يقاوم ذباباً فيصير به مغلوباً فأَهْوِنِ بِقَدْرِه!","part":5,"page":228},{"id":2229,"text":"ما عرفوه حقَّ معرفته ، ولا وصفوه بجلال ما يستحقه من النعوت . ومَنْ لم يكن في عقيدته نَقْضٌ لِمَا يستحيل في وصفه- سبحانه - لم تُباشِرْ خلاصةُ التوحيدِ سِرَّه ، وهو في تَرَجُّم فِكْرٍ ، وتجويز ظنٍ ، وخَطَرَ تَعَسُّف ، يقعُ في كل وهدة من الضلال .\rويقال العوامُ اجتهادُهم في رَفْضِهم الأعمالَ الخبيثَةَ خوفاً من الله ، والخواص جهدهم في نَقْضِ عقيدتهم للأوصافِ التي تَجِلُّ عنها الصمدية ، وبينهما ( . . . . ) بعيد .\r{ إنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ } : قوي أي قادر على أن يُخلقَ مَنْ هو فوقهم في التحصيل وكمال العقول . { عَزِيزٌ } : أي لا يُقَدِّرُ أحدٌ قَدْرَه - إلا بما يليق بصفة البشر - بِقَدرٍ من العرفان .\rويقال مَنْ وَجَدَ السبيلَ إليه فليس النعت له إلا بوصفِ القُصُور ، ولكنْ كلٌّ بِوَجْدِه مربوطٌ ، وبحدِّه في همته موقوف ، والحق سبحانه عزيز .","part":5,"page":229},{"id":2230,"text":"الاجتباء والاصطفاءُ من الحق سبحانه بإثبات القَدْرِ ، وتخصيص الطَّوْلِ ، وتقديمهم على أشكالهم في المناقب والمواهب .\rثم بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ؛ فالفضيلةُ بحقِّ المُرْسِلِ ، لا لخصوصيةٍ في الخِلْقةِ في المُرْسَلِ .","part":5,"page":230},{"id":2231,"text":"يعلم حآلهم ومآلَهم ، وظاهرهَم وباطنهم ، ويومَهم وغدَهم ، ويعلم نَقْضَهم عَهْدَهم؛ فإليه مُنْقَلَبُهم ، وفي قبضتِه تَقلُّبُهم .","part":5,"page":231},{"id":2232,"text":"الركوعُ والسجودُ والعبادةُ كُلُّها بمعنى الصلاة؛ لأنَّ الصلاةَ تشتمل على هذه الأفعال جميعها ، ولكنْ فَرْقَها في الذكر مراعاةً لقلبِكَ من الخوف عند الأمر بالصلاة؛ فَقَسَّمها ليكونَ مع كلِّ لفظٍ ومعنى نوعٌ من التخفيف والترفيه ، ولقلوبِ أهل المعرفةِ في كل لفظةٍ راحة جديدة .\rويقال لَوَّنَ عليهم العبادةَ ، وأَمَرَهم بها ، ثم جميعُها عبادةٌ واحدةٌ ، ووَعَدَ عليها من الثوابِ الكثيرِ ما تقْصُرُ عن عِلْمه البصائر .\rويقال عَلِمَ أَنَّ الأحبابَ يُحِبُّون سماعَ كلامِه فَطَّولَ عليهم القولَ إلى آخر الآية؛ ليزدادوا عند سماع ذلك أُنَسَاً على أُنسٍ ، ورَوْحَاً على روْح ، ومُعَادُ خطابِ الأحبابِ وهو رَوْحُ رُوحهم وكمالُ راحتهم .\rثم قال بعد هذا : { وَافْعَلُوا الخَيْرَ } فأدخل فيه جميعَ أنواع القُرَبِ .","part":5,"page":232},{"id":2233,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } .\r{ حَقَّ جِهَادِهِ } : حق الجهاد ما وافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوع ، فإذا حَصَلَتْ في شيءٍ منه مخالفةٌ فليس حَقَّ جهاده .\rويقال المجاهدة على أقسام : مجاهدةٌ بالنَّفْسِ ، ومجاهدةٌ بالقلبِ ، ومجاهدةٌ بالمال . فالمجاهدةُ بالنفس ألا يَدَّخِرَ العبدُ ميسوراً إلا بَذَلَه في الطاعة بتحمل المشاق ، ولا يطلب الرخص والإرفاق . والمجاهدةُ بالقلب صَوْنُه عن الخواطرِ الرديئةِ مثل الغفلة ، والعزمُ على المخالفات ، وتذكرُ ما سَلَفَ أيام الفترة والبطالات . والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار .\rويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق ، وتقديم الأشق على الأسهل- وإنْ كان في الأَخَفِّ أيضاً حق .\rويقال حق الجهاد ألا يَفْتُرَ العبدُ عن مجاهدةِ النَّفْس لحظةً ، قال قائلُهم :\rيا رَبِّ إِنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ ... فكلُّ أرضٍ لي ثَغْر طرسوس\rقوله جلّ ذكره : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } .\rيحتمل أن يقول من حق اجتبائه إياكم أَنْ تُعَظمُّوا أَمْرَ مولاكم .\rويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم ، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم ، فلاجتبائه إياك وَفَّقَكَ حتى جاهدتَ .\rويقال عَلَم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ ، وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .\rالشرع مبناه على السهولة ، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله وإحسانه ، وتتخلَّص به من أليم عقابه وامتحانه - يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه إمكانك؛ بمعنى أَنَّك إٍن أَرَدْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه ، وإنْ لم توصَفْ في الحال بأنَّك مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك .\rقوله جلّ ذكره : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } .\rأي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَّةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود والخلة والإحسان .\rقوله جلّ ذكره : { هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } اللَّهُ هو الذي اجتباكم ، وهو الذي بالإسلام والعرفان سَمَّاكم المسلمين . وقيل إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله : { وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة : 128 ] قوله : { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } ، نَصَبَ الرسولَ بالشهادة علينا ، وأمره بالشفاعة لأمته ، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يُبْقى للشفاعة موضعاً ومحلاً .\rقوله جلّ ذكره : { وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } .\rوتلك الشهادة إنما نؤديها لله ، ومَنْ كات له شهادة عند أحد - وهو كريم - فلا يجرح شاهده ، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .\rأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام ، ونعت الاستدامة ، وجميل الاستقامة .\rوالاعتصامُ بالله التبري من الحول والقوة والنهوض بعبادة الله بالله لله يقال الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة . ويقال الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة .\r{ هُوَ مَوْلاَكُمْ } : سيدكم وناصركم والذي لا خلف عنه .\r{ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } نِعْمَ المولى : إخبارُ عن عظمته ، ونعم النصير : إخبارُ عن رحمته .\rويقال إن قال لأيوب : { نِعْمَ العَبْدُ } [ ص : 44 ] ولسليمان : { نِعْمَ العَبْدُ } [ ص : 30 ] فلقد قال لنا : { َنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ، ومدحه لِنفسه أعزُّ وأجلُّ من مدحه لك .\rويقال : { َنِعْمَ المَوْلَى } : بَدَأَكَ بالمحبة قبل أنْ أحببتَه ، وقبل أن عَرَفْتَه أو طَلَبْتَه أو عَبَدته .\r{ وَنِعْمَ النَّصِيرُ } : إذا انصرف عنكَ جمع مَنْ لَكَ فلا يدخل القبرَ معك أحدٌ كان ناصِرَك ، ولا عند السؤال أو عند الصراط .","part":5,"page":233},{"id":2234,"text":"ظَفِرَ بالبُغْيَةِ وفاز بالطِّلْبَةِ مَنْ آمَنْ بالله .\rو « الفَلاَحُ » : الفوزُ بالمطلوبِ والظَّفَرُ بالمقصود .\rوالإيمانُ انتسامُ الحقِّ في السريرة ، ومخامرةُ التصديقِ خلاصةَ القلب ، وستمكانُ التحقيقِ من تأمور الفؤاد .\rوالخشوعُ في الصلاة إطراقُ السِّرِّ على بِساطِ النَّجوى باستكمالِ نَعْتِ الهيبة ، والذوبانِ تحت سلطان الكشف ، والامتحاءِ عند غَلَبَاتِ التَّجلِّي .\rويقال أَدْرَكَ ثَمَرَاتِ القُرْبِ وفَازَ بكمالِ الأُنْسِ مَنْ وَقَفَ على بِساط النجوى بنعت الهيبة ، ومراعاةِ آداب الحضرة . ولا يَكْملُ الأنْسُ بلقاءِ المحبوب إلا عند فَقْدِ الرقيب . وأشدُّ الرقباء وأكثرهم تنغيصاً لأوان القرب النَّفْسُ؛ فلا راحةَ للمُصَلِّي مع حضورِ نَفْسه ، فإذا خنس عن نَفْسِه وشاهِدِه عَدِمَ إحساسَه بآفاتِ نَفْسِه ، وطابَ له العيشُ ، وتَمَّتْ له النُّعْمَى ، وتَجلَّتَ له البُشْرى ، ووَجَدَ لذَّةَ الحياةِ .","part":5,"page":234},{"id":2235,"text":"ما يَشغْلُ عن الله فهو سَهْوٌ ، وما لي لله فهو حَشْوٌ ، وما ليس بمسموعٍ من الله أو بمعقولٍ مع الله فهو لَغْوٌ ، وما هو غير الحق سبحانه فهو كُفْرٌ ، والتعريجُ على شيءٍ من هذا بُعْدٌ وهَجْرٌ .\rويقال ما ليس بتقريظِ الله ومَدْحِه من كلام خُلْقِه فكل ذلك لغو .","part":5,"page":235},{"id":2236,"text":"الزكاةُ النَّماءُ ، ومَنْ عَمَلُه للنماءِ فأمارةُ ذلك أن يكونَ بنقصانه في نفْسِه عن شواهده ولا يبلغ العبدُ إلى كمالِ الوصفِ في العبودية إلا بذوبانه عن شاهده .","part":5,"page":236},{"id":2237,"text":"لفروجِهم حافظون ابتغاءَ نَسْلٍِ يقوم بحقِّ اللَّهِ ، ويقال ذلك إذا كان مقصودُه التعففَ والتصاونَ عن مخالفاتِ الإثم .","part":5,"page":237},{"id":2238,"text":"أي مَنْ جَاوزَ قَصْدَ إيثار الحقوق ، وجَنَحَ إلى جانب استيفاء الحظوظ . . . فقد تَعَدَّى مَحَلَّ الأكابر ، وخالف طريقتهم .","part":5,"page":238},{"id":2239,"text":"الأماناتُ مختلفةُ ، وعند كلِّ أحدٍ أمانةٌ أخرى ، فقومٌ عندهم الوظائفُ بظواهرهم ، وآخرون عندهم اللطائُف في سرائرهم ، ولقومٍ معاملاتُهم ، ولآخرين منازلاتهُم ، ولآخرين مواصلاتهم .\rوكذلك عهودهم متفاوته فمنهم مَنْ عاهده ألا يَعْبُدَ سواه ، ومنهم مَنْ عَاهَدَهُ ألا يشهدَ في الكونين سواه .","part":5,"page":239},{"id":2240,"text":"لا تصادفهم الأوقات وهم غير مستعدين ، ولا يدْعُوهم المُنَادِي وهم ليسوا بالباب ، فهم في الصف الأول بظواهرهم ، وكذلك في الصف الأول بسرائرهمْ .","part":5,"page":240},{"id":2241,"text":"الإرث على حسب النَّسب ، وفي استحقاق الفردوسِ بوصف الإرثِ لِنَسَبِ الإيمان في الأصل ، ثم الطاعات في الفضل .\rوكما في استحقاق الإرث تفاوتٌ في مقدار السهمان : بالفرض أو بالتعصيب - فكذلك في الطاعات؛ فمنهم مَنْ هم في الفردوس بنفوسهم ، وفي الأحوال اللطيفة بقلوبهم ، ثم هم خالدون بنفوسهم وقلوبهم جميعاً لا يبرحون عن منال نفوسهم ولا ( . . . ) عن حالات قلوبهم .","part":5,"page":241},{"id":2242,"text":"عَرَّفهم أصلَهم لئلا يُعْجَبُوا بِفْعلِهم .\rويقال نَسَبَهُم لئلا يخرجوا عن حَدِّهم ، ولا يغلطوا في نفوسهم .\rويقال خَلَقَهم من سُلالَةٍ سُلَّتْ من كل بقعه؛ فمنهم مَنْ طينته من جَرْدَةٍ أو من سَبْخَةٍ أو من سَهْلٍ ، أو من وَعْرٍٍ . . . ولذلك اختلفت أخلاقهم .\rويقال بَسَطَ عُذْرَه عند الكافة؛ فإنَّ المخلوقَ من سلالة من طين . . . ما الذي يُنْتَظَرُ منه؟!\rويقال خلقهم من سلالة من طين ، والقَدْرُ للتربية لا للتربة .\rويقال خلقهم من سلالة ولكنَّ مَعْدِنْ المعرفةِ ومَرْتَعْ المحبةِ ومتعلقَّ العناية منه لهم؛ قال تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة : 54 ] .\rويقال خَلَقَهم ، ثم من حالٍ إلى حالٍ نَقَلَهم ، يُغَيِّر بهم ما شاء تغييره .","part":5,"page":242},{"id":2243,"text":"قوله جلّ ذكره : { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلْقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً } .\rقطرةٌ أجزاؤُها متماثِلَةٌ ، ونُطْفَةٌ أبعاضُها متشاكِلة ، ثم جعل بعضها لْحماً وبعضَها عَظْماً ، وبعضَها شَعْراً ، وبعضها ظُفراً ، وبعضها عَصَبَاً ، وبعضها جِلْدَاً ، وبعضها مُخَّاً وبعضها عِرْقاً . ثم خَصَّ كُلَّ عضوٍ بهيئةٍ مخصوصةٍ ، وكلَّ جُزْءٍ بكيفيةٍ معلْومةٍ . ثم الصفاتُ التي للإنسان خَلَقَهَا متافوتةً ، من السَّمْع والبَصَرِ والفِكْرِ والغَضَبِ والقدرةِ والعلم والإرادةِ والشجاعةِ والحقد والجودِ والأوصافِ التي يتقاصر عنها الحَصْرُ والعَدُّ .\rقوله جلّ ذكره : { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ } .\rفي التفاسير أنه صورة الوجه ، ويحتمل ما تركب فيه من الحياة ، واخْتُصَّ به السَّمْع والبصر والعقل والتمييز ، وما تفرَّد به بعضٌ منهم بمزايا في الإلهام العام للعقل وسائر الإدراكات .\rويقال : { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً ءَاخَر } : وهو أَن هَيَّأهم لأحوالٍ عزيزة يُظْهِرها عليهم بعد بلوغهم ، إذا حصل لهم كما التمييز من فنون الأحوال؛ فلقومٍ تخصيصٌ بزينة العبودية ، ولقومٍ تحرُّرٌ من رِقِّ البشرية ، ولآخرين تحقَّقٌ بالصفاتِ الصمدية بامتحائهم عن الإحساس بما هم عليه وبه من الأحوال التي هي أوصاف البشرية .\rقوله جلّ ذكره : { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ } .\rخلق السمواتِ والأرضين بجملتها ، والعرشَ والكرسَّ ، مع المخلوقات من الجنة والنار بكليتها - ثم لمَّا أخبر بذلك لم يعقبه بهذا التمدح الذي ذكره بعد نعت خَلْقِه بني آدم تخصيصاَ لهم وتمييزاً ، وإفراداً لهم من بين المخلوقات .\rويقال إنْ لم يَقُلْ لَكَ إِنَّكَ أحسنُ المخلوقاتِ في هذه الآية فلقد قال في آية أخرى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] .\rويقال إن لم تكن أنت أحسن المخلوقات وأحسن المخلوقين - ولم يُثْنِ عليك بذلك فلقد أثنى على نفسه بقوله : { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ } ، وثناؤه على نفسه وتمدحه بذلك أعزُّ وأجلُّ من أن يثني عليك .\rويقال لما ذكر نعتَك ، وتاراتِ حالِكَ في ابتداء خَلْقَك ، ولم يكن منك لسانُ شكرٍ ينطق ، ولا بيانُ مدحٍ ينطلق . . . نَابَ عنك في الثناء على نفسه ، فقال { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ } .","part":5,"page":243},{"id":2244,"text":"أنشدوا :\rآخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى\rوأنشدوا :\rحياتُنا عندنا قروضٌ ... ونحن بعد الموت في التقاضي\rلا بُدَّ مِنْ ، ردِّ ما اقترضنا ... كلُّ غريم بذاك راضي\rويقال نعاك إلى نفسك بقوله : { ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمِيَّتُونَ } وكلُّ ما هو آتٍ فقريب .\rويقال كسر على أهلِ الغفلة سطوةَ غفلتهم ، وقلَّ دونهم سيفَ صولِتهم بقوله : ثم إنكم بعد ذلك لميتون ، وللجمادِ مُضاهون ، وعن المكنة والمقدرة والاستطاعة والقوة لَمُبْعَدُون ، وفي عِداد ما لا خَطَرَ له من الأمواتِ معدودون .","part":5,"page":244},{"id":2245,"text":"فعند ذلك يتصل الحسابُ والعقابُ ، والسؤالُ والعتابُ ، ويتبين المقبولُ من المردودِ ، والموصولُ من المهجور .\rويومُ القيامة يومٌ خوَّفَ به العالَم حتى لو قيل للقيامة : ممن تخافين؟ لقالت من القيامة . وفي القيامة ترى الناسَ سُكَارَى حَيَارَى لا يعرفون أحوالَهم ، ولا يتحققون بما تؤول إليه أمورهم ، إلى أن يتبيَّنَ لكلِّ واحدٍ أَمْرُه؛ خَيْرُه وشَرُّه : فيثقل بالخيرات ميزانُه ، أو يخف عن الطاعاتِ أو يخلو ديوانهُ . وما بين الموت ولاقيامة : فإِمَّا راحاتٌ مُتَّصِلَة ، أو آلام وآفاتٌ غير منفصلة .","part":5,"page":245},{"id":2246,"text":"الحقُّ - سبحانه - لا يستتر عن رؤيته مُدْرَكٌ ، ولا تخفى عليه- من مخلوقاته - خافية . وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْقَ وبصائرهم؛ فالعادةُ جاريةٌ بأنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحَجُبِ . وكذلك إذا حلَّتْ الغفلةُ القلوبَ استولى عليها الذهول ، وانسدَّت بصائرها ، وانتفت فهومها .\rوفوقنا حُجُبٌ ظاهرة وباطنة؛ ففي الظاهر السمواتُ حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمُنْية والشهوة ، والإرادات الشاغلة ، والغفلات المتراكمة .\rأمَّا المريدون فإذا أَظَلَّتْهُم سحائب الفَتْرَةِ ، وسَكَنَ هيجانُ إرادتِهم فذلك من الطرائق التي عليهم .\rوأما الزاهدون فإذا تحرّكَ بهم عِرْقُ الرغبة انْفَلَّتْ قوة زهدهم ، وضَعُفَتْ دعائمُ صَبْرِهم ، فَيَتَرَخَّصُون بالجنوحِ إلى بعض التأويلاتِ ، فتعودُ رغباتهم قليلاً قليلاً ، وتَخْتَلُّ رتبةُ عزوفهم ، وتَنْهَدُّ دعائم زهدهم ، وبداية ذلك من الطرائق التي خَلَقَ فوقهم .\rوأما العارفون فربما تِظِلُّهم في بعض أحايينهم وَقفةٌ في تصاعد سرِّهم إلى ساحات الحقائق ، فيصيرون مُوقَفِين ريثما يتفضّلُ الحقُّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذاً ، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق .\rوفي جميع هذا فإِنَّ الحقَّ سبحانه غيرُ غافلٍ عن الخلقِ ، ولا تاركٍ للعِباد .","part":5,"page":246},{"id":2247,"text":"أنزل من السماء ماءَ المطر الذي هو سببُ حياةِ الأرضين ، وذلك بقدرٍ معلوم . ثم . . . البلادُ مختلفةٌ في السَّقْي : فبعضها خِصْبٌ ، وبعضها جَذْبٌ ، وسَنةً يزيد وسنةً ينقص ، سنةً يفيض وسنةً يغيض .\rكذلك أنزلنا من السماء ماءَ الرحمة فيحيي القلوب ، وهي مختلفة في الشُّرْب : فمِنْ موسَّع عليه رزقه منه ، ومِنْ مُضَِيِّقٍ مُقَتَّرٍ عليه . ومِن وقتٍ هو وقت سحٍّ ، ومنْ وقتٍ هو وقت حَبْسٍ .\rويقال ماء هو صوب الرحمة يزيل به دَرنَ العُصَاةِ وآثارَ زلّتِهم وأوضارَ عثرتِهم . وماء هو سقي قلوبهم يزيل به عطَشَ تحيهم ، ويحيي به موات أحوالهم؛ فَتَنْبُت في رياض قلوبهم فنونُ أزهار البسط ، وَصنوف أنوار الروح . وماءٌ هو شراب المحبة فيخص به قلوباً بساحات القرب ، فيزيل عنها به حشمة الوصف ، وَيسكن به قلوباً فيعطلها عن التمييز ، وَيحملها على التجاسرِ ببذل الرُّوح؛ فإذا شربوا طَرِبوا ، وإذا طَرِبوا لم يُبالوا بما وَهَبوا .","part":5,"page":247},{"id":2248,"text":"كما يحيي بماءِ السماءِ الغياضَ والرياض ، ويصنِّف فيها الأزهارَ والأنوارَ ، وتثمر\rالأشجارُ وتجري الأنهار . . . فكذلك يَسْقِي القلوبَ بماءِ العرفان فتورق وتثمر بعدما\rتزهر ، ويؤتى أُكلَها : من طيب عيش ، وكمالِ بسطٍ ، ثم وفورِ هيبة ثم رَوْحِ أُنسٍ ،\rونتائجِ تَجَلِّ ، وعوائد قُرْبٍ . . . إلى ما تتقاصر العباراتُ عن شرحه ، ولاَ تطمع\rالإشارات في حَصْره .","part":5,"page":248},{"id":2249,"text":"الإشارات منه أنَّ الكدوراتِ الهاجمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة؛ فإنَّ اللَّبنَ الخالصَ السائغَ يخرجُ من أخلاف الأنعام من بين ما تنطوي حواياها عليه من الوحشة ، لكنه صافٍ لم يؤثر فيه منها بحُكم الجِوار ، وكذلك الصفاءُ يوجد أكثره من عين الكدورة؛ إذ الحقيقة لا يتعلق بها حقٌّ ولا باطل . ومَنْ أشرفَ على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور جميع الحدثان من التقدير ، فتسقط عنه كلفة التمييز ، فالأسرار عند ذلك تصفو ، والوقت لصاحبه لا يجفو .\r{ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } : لازمةٌ لكم ، ومتعدية منكم كلِّ متصلٍ بكم :\rإنِّي - على جَفَواتِها - بربِّها ... وبكلِّ متَّصِل بها مُتَوَسِّلُ","part":5,"page":249},{"id":2250,"text":"يحفظهم في الفينة في بجار القطْرة ، ويحفظهم في سفينة السلامة والعصمة في بحار القُدْرة ، وإنَّ بحارَ القدرة تتلاطم أمواجها ، والناسُ فيها غَرْقَى إلا مَنْ يحفظه الحقُّ - سبحانه - في سفينةُ العناية .\rوصفةُ أهل الفُلكِ إذا مستْهم شِدَّة خوفِ الغَرَقِ ما ذكَر الله في قوله : { فَإِذَا رَكِبُوا فِى الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [ العنكبوت : 65 ] كذلك مَنْ شاهدَ نفسه على شَفَا الهلاكِ والغرقِ ، والتجأ إلى صِدْق الاستعانة ودوام الاستغاثة فعند ذلك يحميه الحقُّ - سبحانه - من مخلوقات التقدير . ويقال إنَّ وَجهَ الأرضِ بحارُ الغفلة ، وما عليه الناسُ من أسباب التفرقة بحارٌ مهلكةٌ والناس فيها غرقى . وكما قال بعضهم :\rالناسُ بحرٌ عميقٌ ... والبعدُ عنهم سفينة\rوقد نصحتُك فانظر ... لِنْفسِكَ المسكينهْ","part":5,"page":250},{"id":2251,"text":"كَرَّرَ قصةَ نوح لِمَا فيها من عظيم الآيات من طولِ مقامه في قومه ، وشدةِ مقاساة البلاء منهم ، وتمام صبره على ما استقبله في طول عمره ، ثم إهلاك الله جميع مَنْ أَصَرَّ على كفرانه ، ثم إهلاك الله جميع مَنْ أَصَرّ على كفرانه ، ثم لم يغادِرْ منهم أحداً ، ولم يبال - سبحانه - بأنْ أهلك جملتهم . ولقد ذكر في القصص أن امرأةً من قومه لما أخذهم الطوفان كان لها مولودٌ ، فَحَمَلَتْه وقامت حالمةً له ترفعه عن الطوفان ، فلمَّا بلغ الماءُ إلى يدها رفعته إلى ما فوق رأسها - قدْرَ ما أمكنها - إبقاءً على وَلَدِها ، وإشفاقاً عليه من الهلاك ، إلى أن غَلَبَها الماءُ وتَلِفَتْ وولدها . فأوحى الله إلى نوح - عليه السلام- لو أني كنتُ أَرْحَمُ واحداً منهم لَرَحِمْتُ تلك المرأة وولدها .\rوفي الخبر أن نوحاً كان اسمه يشكر ، ولكثرة ما كان يبكي أوحى الله إليه : يا نوح . . . إلى كم تنوح؟ فسمَّاه نوحاً . ويقال إن ذنبَه أنه مرّ يوماً بكلبٍ فقال : ما أوحشه!\rفأوحى الله إليه : اخلق أنت أَحْسَنَ من هذا! فكان يبكي معتذراً عن قالته تلك . وكان قومُه يلاحظونه بعين الجنون ، وما زاد لهم دعوةً إلا ازدادوا على إجابته نبوةً ، وما زاد لهم صفوة إلا ازدادوا على طول المدة قسوةً على قسوة .\rولما عمل السفينة ظهر الطوفان ، وأدخل في السفينة أَهْلَه ، تعرْض له إبليسُ - كما جاء في القصة - وقال : احْمِلْني معك في السفينة ، فأبى نوح وقال : يا شقيُّ . . تطمع في حملي إياك وأنت رأسُ الكفَرَةِ؟!\rفقال إبليسُ : أَمَا عَلِمْتُ - يا نوحُ - أَنَّ الله أنْظَرني إلى يوم القيامة ، وليس ينجو اليومَ أحدٌ إلاّ في هذه السفينة؟\rفأوحى الله إلى نوح أَن احمله فكان إبليسُ مع نوح في السفينة ، ولم يكن لابنه معه مكانٌ في السفينة . وفي هذا ظهور عين التوحيد وأن الحكم من الله غير معلول لأنه إن كان المعنى في أن ابنه لم يكن معه له مكان لكُفْرِه فبإبليس يُشكل . . . ولكنها أحكامٌ غيرُ معلولة ، وجاز له - سبحانه - أن يفعل ما يريد : يَصِلُ مَنْ شاء وَيَرُدُّ مَنْ شاء .","part":5,"page":251},{"id":2252,"text":"الإنزالُ المباركُ أن يكون بالله ولله ، وعلى شهودِ الله من غير غفلة عن الله ، ولا مخالفاً لأمر الله .\rويقال الإنزال المبارك الاستيعاب بشهود الوصف عنك ، ثم الاستغراق باستيلاء سلطان القُرْب عليك ، ثم الاستهلاك بإحداق أنوار التجلِّي حتى لا تبقى عين ولا أثر فإذا تَمَّ هذا ودام هذا فهو نزولٌ بساحات الحقيقة مبارك؛ لأنك بلا أنت . . . بكليتك من غير بقيةٍ أو أَثرٍ عنك .","part":5,"page":252},{"id":2253,"text":"تتابعت القرونُ على طريقةٍ واحدةٍ في التكذيب ، وغرّهم طولُ الامهالِ ، وما مكنَّهم من رَفَه العيش وخَفْض الدّعَةِ ، فلم يقيسوا إلا على أنفسهم ، ولم يَسْمُ لهم طَرَفٌ إلى مَنْ فوقهم في الحال والمنزلة ، فقالوا : أنؤمن بمن يتردد في الأسواق ، وينتفع مثلنا بوجوه الأرفاق؟ ولئن أطعنا بشراً مثلنا لَسَلَكنا سبيلَ الغَيِّ ، وتَنَكَبْنا سُنَّةَ الرُّشْدِ . فأجراهم اللُّه في الإهانةِ وإحلال العقوبة بهم مجرًى واحداً وأذاقهم عذابَ الخزْي . وأعظمُ ما دَاخَلَهم من الشُّبهةِ والاستبعادِ أمرْ الحشْرِ والنشر ، ولم يرتقوا للعلم بأنَّ الإعادة كالابتداء في الجواز وعدم الاستحالة ، والله يهدي مَنْ يشاء ويُغْوِي مَنْ يريد .\rثم إن الله في هذه السورة ذَكَرَ قصةَ موسى عليه السلام ، ثم بعده قصةَ عيسى عليه السلام ، وخَصَّ كُلَّ واحدٍ منهم بآياته الباهرة ومعجزاته الظاهرة .","part":5,"page":253},{"id":2254,"text":"كلوا من الطيبات مما أَحلَ لكم وأباح ، وما هو محكوم بأنَّه طيب ، على شريطة مطابقة رُخصَهِ الشريعة - مما كان حلالاً في وقتهم ، مطلقاً مأذوناً لهم فيه . وكذلك أعمالهم الصالحة ما كان موافقة لأمر الله في زمانهم بفنون طاعاتهم في أفعالهم وعقائدهم وأحوالهم .","part":5,"page":254},{"id":2255,"text":"معبودكم واحدٌ ونبيُّكم واحد ، وشرعكم واحد؛ فأنتم في الأصول شرعٌ سواءٌ ، فلا تسلكوا ثِنْيَاتِ الطرق فتطيحوا في أودية الضلالة . وعليكم باتباع سَلَفِكم ، واحذروا موافقة ابتداع خَلَفكم .\r{ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } خافوا مخافة أمري ، وأعرفوا عظيمَ قَدْرِي ، واحفظوا في جريان التقدير سِرِّي ، واستديموا بقلوبكم ذكري ، تجدوا في مآلكم غفري ، وتَحْظَوْا بجميلِ بِرِّي .","part":5,"page":255},{"id":2256,"text":"فمستقيم على حَقِّه ، وتائه في غَيِّه ، ومُصِرُّ على عصيانه وفِسْقِه ، ومقيمٌ على إحسانه وصِدْقه ، كُلٌّ مربوطٌ بحدِّه ، موقوفٌ بما قُسِمَ له في البداية من شأنه كلٌّ ينتحل طريقَته ويَدَّعى بحسن طريقته حقيقةً ، وعد صحوِ سماءِ قلوبِ أربابِ التوحيد لا غُبارَ في الطريق؛ وهم على يقين معارفهم؛ فلا رَيْبَ يتخالجهم ولا شُبْهة .\rوأهل الباطل في عَمَى جَهْلِهم ، وغبارِ جُحْدِهم ، وظلمة تقليدهم ، ومحنة شكهم .","part":5,"page":256},{"id":2257,"text":"إنَّ مدةَ أَخْذِهم لقريبةٌ ، والعقوبة عليهم - إذا أُخِذُوا - لشديدة ، ولسوف يتبين لهم خطؤهم من صوابهم .","part":5,"page":257},{"id":2258,"text":"هذا في شأن أصحاب الاستدراج من مَكْرِ الحقِّ بهم بتلبيس المنهاج؛ رَأَوا سَرَاباً فَظَنْوه شراباً ، ودَس لهم في شهْدِهم صاباً فتوهموه عِذَاباً ، وحين لقوا عَذَاباً عَلِموا أنهم لم يفعلوا صواباً .","part":5,"page":258},{"id":2259,"text":"أمارةُ الإشفاق من الخشيةِ إطراقُ السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب ، ومحاذرةُ بَغَتَاتِ الطَّرْد ، لا يستقر بهم قرارٌ لِمَا داخَلَهم من الرُّعْبِ ، واستولى عليهم من سلطانِ الهيبة .","part":5,"page":259},{"id":2260,"text":"تلك الآياتُ مختلفةٌ؛ فمنها ما يُكاشَفون في الأأقطار من اختلاف الأدوار ، وما فيه الناس من فنون الهِممَ وصنوفِ المُنى والإرادات ، فإذا آمن من العبدُ بها ، واعتبر بها اقتنع بما يرى نَفْسَه مطالَباً به .","part":5,"page":260},{"id":2261,"text":"يَذَرون جَليَّ الشِّرْكِ وخَفِيَّة ، والشِّرْكُ الخفيُّ ملاحظةُ الخَلْق في أوان الطاعات ، والاستبشارُ بمَدْحِ الخَلْقِ وقبولهم ، والانكسارُ والذبولُ عند انقطاع رؤية الخلْق .\rويقال الشِّرْكُ الخفيُّ إحالةُ النادر من الحالات - في المَسَارِّ والمَضَارِّ - على الأسباب كقول القائل : « لولا دعاءُ أبيك لهلكت » و « لولا هِمَّةُ فلان لما أفلحت » . . . وأمثال هذا؛ قال الله تعالى : { وَمَا يُؤْمِنَُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [ يوسف : 106 ] .\rوكذلك تَوَهُّمْ حصولِ الشِّفَاءِ من شُرْبِ الدواء .\rفإذا أيقن العبدُ بِسرِّه ألا شيء من الحدثان ، ولم يتوهم ذلك ، وأيقن ألاَّ شيء إلا من التقدير فعند ذلك يبقى عن الشِّرْكِ .","part":5,"page":261},{"id":2262,"text":"يُخْلِصُو في الطاعات من غير إلمام بتقصيرٍ ، أو تعريحٍ في أوطانِ الكسل ، أو جنوحٍ إلى الاسترواح بالرُّخَص . ثم يخافون كأنّهم أَلمُّوا بالفواحش ، ويلاحظون أحوالَهم بعين الاستصغار والاستحقار ، ويخافون بغتاتِ التقدير ، وقضايا السخط ، وكما قيل :\rيتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها ... فكأنَّما حَسَنَاتُه آثامُ","part":5,"page":262},{"id":2263,"text":"مُسارعٌ بِقَدَمِه من حيث الطاعات ، ومُسارعٌ بِهِمَمِه من حيث المواصلات ، ومُسارعٌ بِنَدَمِه من حيث تجرُّع الحسرات ، والكلُّ مصيبٌ ، وللكلِّ من إقباله- على ما يليق بحاله - نصيب .","part":5,"page":263},{"id":2264,"text":"المطالباتُ في الشريعةِ مَضْمَّنَةٌ بالسهولة ، وأمَّا مطالباتُ الحقيقة فكما قالوا : ليس إلاَّ بَذْل الروح ، ولهذا فهم لا تشغلهم التُّرَّهَات . قال لأهل الرخص والمستضعفين في الحال : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] ، وأمَّا أربابُ الحقائق؛ فقال : { وَإِن تُبْدُوا مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ } [ البقرة : 284 ] وقال : { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } [ النور : 15 ] وقال : { وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [ الحج : 78 ] .\rقوله : { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } : ولولا غفلتُهم عن مواضع الحقيقة لما خوَّفهم بكتابة المَلَكِ ، ولكن غفلوا عن شهود الحق فخوَّفهم باطلاعِ الملائكة ، وكتابَتِهم عليهم أعمالهم .","part":5,"page":264},{"id":2265,"text":"لا يَصْلُحُ لهذا الشأن إلا من كان فارغاً من جميع الأعمال ، ولا شغلَ له في الدنيا والآخرة ، فأمَّا مَنْ له شُغْلٌ بدنياه ، أو على قلبِه حديثُ عقباه ، فليس له نصيبٌ من حديث مولاه ، وفي الخبر « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ » .\rويقال أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم ، وأرباب العُقبى مشغولون بعُقباهم ، وأهل النار مشغولون بما ينالهم من بلواهم؛ وإن الذي له في الدنيا والآخرة غير مولاه - حين الفراغ - عزيز؛ قال تعالى : { إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِى شُغُلٍ فَاكِهُونَ } [ يس : 55 ] .","part":5,"page":265},{"id":2266,"text":"إنه - سبحانه - يُمْهِلُ ولكنَّه لا يُهْمِلُ؛ فإذا أَخَذَ فَبَطْشُه شديدٌ ، قال تعالى : { إِنَّ بَطَشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } [ البروج : 12 ] . . . فإذا أَخَذَ أصجابُ الكبائرِ - حين يحلْ بهم الانتقامُ - في الجوابِ رُدُّا في الهوان .","part":5,"page":266},{"id":2267,"text":"فإذا انفصل من الغيبِ حُكْمٌ فلا مَرَدَّ لتقديره .\rويقال للجناية سراية؛ فإذا أمسك الجاني عن الجناية فلا ينفعه ذلك ما لم يمض حكم السراية .","part":5,"page":267},{"id":2268,"text":"ذَكَرَ هذا من باب إملاءِ العُذْرِ ، وإلزام الحجة ، والقطع بألا ينفعَ - الآنَ - الجزعُ ولا يُسْمَعُ العُذْرُ ، والملوكُ إذا أبرموا حُكْماً ، فالاستغاثةُ غيرُ مُؤَثِّرَةٍ في الحاصل منهم ، قال قائلهم :\rإذا انصرفَتْ نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجهٍ - آخِرَ الدهرِ - تُقْبِلُ","part":5,"page":268},{"id":2269,"text":"يعني أنهم لو أنعموا النظر ، وسلطوا على أحوالهم صائبَ الفِكْر لاستبصروا في الحال ، ولانتفى عن قلوبهم الاستعجامُ والإشكال ، ولكنهم استوطنوا مركبَ الكسل ، وعرَّجُوا في أوطان التغافل ، فتعودوا الجهل ، وأيِسوا من الاستبصار .","part":5,"page":269},{"id":2270,"text":"ذُهِلُوا عن التحقيق فَتَطَوَّحُوا في أودية المغاليط ، وتَرجَّمَتْ بهم الظنونُ الخاطئةُ ، ومَلَكَتْهُم كواذبُ التقديرات ، فأخبر اللَّهُ ( الرسول ) عن أحوالهم؛ فمرةً قابلوه بالتكذيب ، ومرةً رَمَوْه بالسِّحرِ ، ومرةً عابوه بتعاطيه أفعالَ العادة بما عليه الناس من المآكل والمشارب ، ومرةً قَدَحُوا فيه بما هو فيه من الفقر وقِلَّةِ ذات اليد . . . فأخبر اللَّهُ عن تَشَتُّتِ أحوالِهِم ، وتَقَسُّم أفكارهم .","part":5,"page":270},{"id":2271,"text":"وذلك لتضادِّ مُنَاهم وأهوائِهم؛ إذ هم متشاكسون في السؤال والمراد ، وتحصيلُ ذلك مُحَالٌ تقديرُه في الوجود . فَبَيَّنَ الله - سبحانه - أنه لو أجرى حُكْمَه على وفق مرادِهم لاختلَّ أمرُ السمواتِ والأرض ، ولَخَرَجَ عن حَدِّ الإحكام والإتقان .","part":5,"page":271},{"id":2272,"text":"أي إنَّكَ لا تُطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرِ ، ولا بإعطاءِ عِوَضٍ حتى تكونَ بموضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة . أم لعلَّكَ تريد أن يَعْقِدُوا لك الرياسة . ثم قال : والذي لَكَ من الله سبحانه من جزيل الثواب وحسن المآب يُغْنيك عن التصدِّي لنَيْل ما يكون في حصوله منهم مطمع . وهذا كان سُنَّة الأنبياء والمرسلين؛ عملوا لله ولم يطلبوا أجراً من غير الله . والعلماءُ وَرَثَةُ الأنبياء فسبيلُهم التوقِّي عن التَّدَنُّسِ بالأطماع ، والأكل بالدِّين فإنه رِياءٌ مُضِرٌّ بالإيمان؛ فإذا كان العملُ لله فالأجرُ مُنْتَظَرٌ من الله ، وهو موعودٌ من قِبَل الله .","part":5,"page":272},{"id":2273,"text":"الصراطُ المستقيم شُهودُ الربِّ بنعت الانفراد في جميع الأشياء ، وفي الإيجاد والاستسلام لقضايا الإلزام بمواطأة القلب من غير استكراهِ الحُكْم .","part":5,"page":273},{"id":2274,"text":"زاغوا عن الحجة المُثْلى بقلوبهم فوقعوا في جحيم الفرقة ، وستميل وتزل أقدامُهم غداً عن الصراط ، فيقعون في نار الحرقة ، فهم ناكبون في دنياهم ، وعقباهم","part":5,"page":274},{"id":2275,"text":"أخبر عن صادق علمه بهم ، وذلك صادر عن سابق حُكْمِه فيهم ، فقال : لو كشفنا عنهم في الحال لم يفوا بما يعدون من أنفسهم من الإيمان في المآل ، ولقد عَلِمَ أنهم سيكفرون ، وحَكَمَ عليهم بأنهم يكفرون؛ إذ لا يجوز أن يكون حُكْمُه فيهم بخلافِ عِلْمه بهم .","part":5,"page":275},{"id":2276,"text":"أذقناهم مقدماتِ العذابِ دونَ شدائِده . . . تنبيهاً لهم ، فما انتبهوا وما انزجروا ولو أنهم إذ رأوا العذاب فزعوا إلى التضرعِ والابتهالِ لأسرع اللَّهُ زواله عنهم ، ولكنهم أصرُّوا على باطلهم ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمراً كان مفعولاَ .","part":5,"page":276},{"id":2277,"text":"لما أحللنا بهم أشدَّ العقوبات ضَعُفُوا عن تَحمُّلِها ، وأُخِذُوا بغتةً ، ولم ينفعهم ما قدَّموا من الابتهال ، فَيَئِسُوا عن الإجابة ، وعرَّجوا في أوطان القنوط .","part":5,"page":277},{"id":2278,"text":"ذكر عظيمَ مِنَّتِهِ عليهم بأن خَلَقَ لهم هذه الأعضاء ، واطالَبَهم بالشكر عليها .\rوشُكْرُهُمْ عليها استعمالُها في طاعته؛ فَشُكْرُ السَّمْعِ ألا تسمعَ إلا بالله ولله ، وشُكْرُ البَصَر ألا تنظرَ إلا بالله ولله ، وشكرُ القلب ألاَّ تشهدَ غيرَ الله ، وألاَّ تحبَّ به غيرَ الله .","part":5,"page":278},{"id":2279,"text":"الابتداءُ للحادثاتِ من الله بدءاً ، والانتهاءُ إليه عوداً ، والتوحيد ينتظم هذه المعاني؛ فتعرف أنَّ الحادثات بالله ظهوراً ، ولله مِلْكاً ، ومن الله ابتداءً ، وإلى الله انتهاءً .","part":5,"page":279},{"id":2280,"text":"يُحْيي لنفوسَ ويُميتُهَا والمعنى في ذلك معلومٌ ، وكذلك يحيي القلوبَ ويميتها؛ فموتُ القلب بالكُفْرِ والجُحد ، وحياةُ القلبِ بالإيمان والتوحيد ، وكما أنَّ للقلوبِ حياةً وموتاً فكذلك للأوقات موتٌ وحياةٌ ، فحياةُ الأوقاتِ بيُمْنِ إقباله ، وموتُ الأوقاتِ بمحنة إعراضه ، وفي معناه أنشدوا :\rأموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت\rقوله : { وَلَهُ اخْتِلاَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ؛ فليس كلُّ اختلافها في ضيائها وظلمتها ، وطولها وقِصَرِها ، بل ليالي المحبين تختلف في الطول والقِصَر ، وفي الروح والنوح؛ فَمِنَ الليالي ما هو أضوأ من اللآلي ، ومن النهار ما هو أشدُّ من الحنادس ، يقول قائلهم : لياليَّ بعد الظاعنين شُكُولُ .\rويقول قائلهم :\rوكَمْ لظلامِ الليلِ عِنْدِيَ من يدٍ ... تُخَبِّرُ أَنَّ المانويةَ تَكْذِبُ\rوقريب من هذا المعنى قالوا :\rليالي وصالٍ قد مَضَيْن كأنَّها ... لآلي عقودٍ في نحور الكواعبِ\rوأيامُ هَجْرٍ أعقبتها كأنَّها ... بياضُ مشيبٍ في سواد الذوائبِ","part":5,"page":280},{"id":2281,"text":"سلكوا في التكذيب مَسْلَكَ سَلَفهم ، وأسرفوا في العناد مثل سَرَفِهم ، فأصابهم ما أصاب الأولين من هلاكهم وَتَلَفِهم .\rقوله : { لَقَدْ وُعِدْنَا } لمَّا طال عليهم وقتُ الحشر ، وما توعدهم به من العذاب بعد البعث والنَّشْر زَادَ ذلك في ارتيابهم ، وجعلوا ذلك حُجَّةً في لَبْسِهم واضطرابهم ، فقالوا : لقد وُعِدْنا مثل هذا نحن وآباؤنا ، ثم لم يكن لذلك تحقيق؛ فما نحن إلاَّ أمثالُهم . فاحتجَّ اللَّهُ عليهم في جواز الحشر بما أقروا به من ابتداء الخَلْق :","part":5,"page":281},{"id":2282,"text":"أمَرَه - عليه السلام - أَنْ يُلَوِّنَ عليهم الأسئلة ، وعَقَّبَ كُلُّ واحدٍ من ذلك - مُخْبِراً عنهم - أنهم سيقولون : لله ، ثم لم يَكْتَفِ منهم بقالتهم تلك ، بل عاتَبَهم على تجرُّدِ قولهم عن التَّذَكُّر والفَهْمِ والعلم ، تنبيهاً على أن القول - وإن كان في نفسه صدقاً - فلم تكن فيه غنية؛ إذ لم يصدر عن علمٍ ويقينٍ .\rثم نَبَّهَهُمْ على كمالِ قدرته ، وأنَّ القدرة القديمة إذا تعلَّقت بمقدورٍ له ضدٌّ تعلَّقَت بضدِّه ، ويتعلق بمثل متعلقه .\rوالعَجَبُ من اعترافهم بكمال أوصاف جلاله ، ثم تجويزهم عبادَة الأصنامِ التي هي جماداتٌ لا تحيا ، ولا تضرُّ ولا تنفع .\rويقال أولاً قال : { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } ثم قال بعده : { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } فَقَدَّمَ التذكُرَ على التقوى؛ لأنهم بتذكرهم يَصلُون إلى المغفرة ، ثم بعد أن يعرفوه فإنهم يجب عليهم اتقاءُ مخالفته . ثم بعد ذلك : { فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } ؛ أي بعد وضوح الحجة فأيُّ شَكِّ بَقِيَ حتى تنسبوه إلى السِّحْرِ؟","part":5,"page":282},{"id":2283,"text":"بَيَّنَ أنهم أصرُّوا على جحودهم ، وأقاموا على عُتُوِّهم ونُبُوِّهم ، وبعد أن أُزيحت العِللُ فلات حين عذر ، وليس لتجويز المُسَاهَلَةِ موجِبٌ بَتّاً .","part":5,"page":283},{"id":2284,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } .\rاتخاذ الأولاد لا يصحُّ كاتخاذ الشريك ، والأمران جميعاً داخلان في حدِّ الاستحالة ، لأن الولد أو الشريك يوجب المساواة في القَدْرِ ، والصمدية تتقدَّسُ عن جواز أن يكون له مِثْلٌ أو جنس .\rقوله جل ذكره : { إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\rكُلُّ أمرٍ نِيطَ باثنين فقد انتفى عنه النظامُ وصحةُ الترتيب ، وأدلة التمانع مذكورة في مسائل الأصول .\r{ سُبْحَانَ اللَّهِ } تقديساً له ، وتنزيهاً عماوصفوه به { عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } تَنَزَّهَ عن أوهامِ مَنْ أشرك ، وظنونِ مَنْ أفِكَ .","part":5,"page":284},{"id":2285,"text":"يقول إن عجلت لهم ما تتوعدهم به فلا تجعلني في جملتهم ، ولا توصل إليَّ سوءاً مثلما توصل إليهم من عقوبتهم . وفي هذا دليلٌ على أنَّ للحقِّ أن يفعلَ ما يريد ، ولو عذَّبَ البريء لم يكن ذلك منه ظلماً ولا قبيحاً .","part":5,"page":285},{"id":2286,"text":"تدل على صحة قدرته على خلاف ما عَلِمَ؛ فإنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ، فَصَحَّتْ القدرةُ على خلاف المعلوم .","part":5,"page":286},{"id":2287,"text":"الهمزة في { أحسن } يجوز ألا تكون للمبالغة؛ ويكون المعنى ادفع بالحسن السيئة . أو أن تكون للمبالغة؛ فتكون المكافأة جائزةً والعفوُ عنها - في الحُسْنِ - أشدَّ مبالغةً .\rويقال ادفع الجفاءَ بالوفاء ، وجُرْمَ أهل العصيانِ بحكم الإحسان .\rويقال ادفع ما هو حظك إذا حصل ما هو حق له .\rويقال اسلك مسلكَ الكَرَم ولا تجنح إلى طريقة المكافأة .\rويقال الأحسنُ ما أشار إليه القَلبُ ، والسيئةُ ما تدعو إليه النَّفْسُ .\rويقال الأحسنُ ما كان بإشارة الحقيقة ، والسيئةُ ما كان بوساوس الشيطان .\rويقال الأحسنُ نورُ الحقائقِ ، والسيئةُ ظلمةُ الخلائق .","part":5,"page":287},{"id":2288,"text":"الاستعاذة - على الحقيقة - تكون بالله من الله كما قال A : « أعوذ بك منك » ولكنه - سبحانه - أراد أن نَعْبُدَه بالاستعاذة به من الشيطان ، بل مِنْ كلِّ ما هو مُسَلَّطٌ علينا ، والحقُّ عندئذٍ يوصل إلينا مضرتنا بجري العادة . وإلاَّ . . . فلو كان بالشيطان من إغواء الخَلْقِ شيءٌ لكان يُمْسِكُ على الهدايةِ نَفْسَه! فَمَنْ عَجَزَ عن أنْ يحفَظَ نَفْسَه كان عن إغواءِ غيرِه أشَدَّ عجزاًَ ، وأنشدوا :\rجحودي فيه تلبيس ... وعقلي فيك تهويس\rفمَنْ آدم إلاَّكَ ... ومن في ( . . . ) إبليس .","part":5,"page":288},{"id":2289,"text":"إذ أخذ البلاءُ بخناقهم ، واستمكن الضُّرُّ من أحوالهم ، وعلموا ألا محيصَ ولا محيدَ أخذوا في التضرُّع والاستكانة ، ودون ما يرومون خرطُ القتادِ! ويقال لهم هلاّ كان عُشْرُ عشرِ هذا قبلَ هذا؟ ولقد قيل :\rقلتُ للنفس : إنْ أرَدتِ رجوعاً ... فارجعي قبل أنْ يُسدَّ الطريق .","part":5,"page":289},{"id":2290,"text":"يومئذٍ لا تنفع الأنسابُ وتنقطعُ الأسبابُ ، ولا ينفع النّدم ، وسيلقى كلٌّ غِبَّ ما اجترم؛ فَمَنْ ثَقُلتْ بالخيرات موازينُه لاحَ عليه تزيينُه . ومن ظهرَ ما يشينه فله من البلاء فنونه؛ تلفح وجوههم النار ، وتلمح من شواهدهم الآثار ، ويتوجه عليهم الحِجاج ، فلا جواب لهم يُسْمَع ، ولا عُذْر منهم يُقْبل ، ولا عذاب عنهم يُرْفَع ولا عقابُ عنهم يُقطَع .","part":5,"page":290},{"id":2291,"text":"نطقوا بالحقِّ . . . . ولكن في يومٍ لا ينفع فيه الإقرار ، ولا يُقْبَلُ الاعتذار ، ثم يقولون :","part":5,"page":291},{"id":2292,"text":"والحقُّ يقول : لو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه . عِلمَ أنّ ردَّهم إلى الدنيا لا يكون ، ولكنه عِلم أنّه لو كان فكيف كان يكون .","part":5,"page":292},{"id":2293,"text":"عند ذلك يتمُّ عليهم البلاء ، وشتدُّ عليهم العناء ، لأنهم ما داموا يذكرون الله لم يحصل الفراق بالكلية ، فإذا حِيلَ بينهم وبين ذكره تتم لهم المحنة ، وهو أحدُ ما قيل في قوله : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ } [ الأنبياء : 103 ] .\rوفي الخبر : « أنهم ينصرفون بعد ذلك فإذا لهم عواءٌ كعواء الذئب » . وبعض الناس تغار من أحوالهم؛ لأن الحق يقول لهم : { اخْسَئُوا فِيهَا } ، فيقولون : يا ليتنا يقول لنا! أليس هو يخاطبنا بذلك؟! وهؤلاء يقولون : قَدْحُ الأحباب ألذُّ من مَدْح الأجانب ، وينشدون في هذا المعنى :\rأتاني عنكِ سَبُّكِ لي . . فسُبِّي ... أليس جرى بِفِيكِ اسمي؟ فَحسْبِي .","part":5,"page":293},{"id":2294,"text":"الحقُّ - سبحانه - ينتقم من أعدائه بما يطيِّبُ به قلوبَ أوليائه ، وتلك خصومةُ الحق ، فيقول : قد كان قومٌ من أوليائي يُفْصِحون بمدحي وثناي ، ويتصفون بمدحي وإطرائي ، فاتخذتموهم سخرياً . . . فأنا اليوم أُجازيهم ، وأنتقم ممن كان يناويهم .","part":5,"page":294},{"id":2295,"text":"عددُ سنين الأشياء - وإن كانت كثيرة - فقد تقصر أو تقل بالإضافة إلى ما يوفي ويُرْبِي عليها ، كذلك مدة مقامهم تحت الأرض؛ إن كانوا في الراحة فقد تقل بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها في القيامة ، وإن كانت شدائد فتتلاشى في جنب ما يرونه . ذلك اليوم من أليم تلك العقوبات المتوالية .","part":5,"page":295},{"id":2296,"text":"العبثُ اللهو ، واللَّعِبُ والاشتغالُ بما يُلْهِي عن الحقِّ ، والله لم يأمر العبادَ بذلك ، ولم يَدْعهُم إلى ذلك ، ولم يندبهم إليه .\rوالعابثُ في فِعْلِهِ مَنْ فِعْلُه على غير حدِّ الاستقامة ، ويكون هازلاً مُسْتَجْلِباً بفعله أحكامَ اللهوِ إلى نَفْسه ، متمادياً في سهوه ، مستلِذَّ التفرقةِ في قصده ، وكلُّ هذا من صفات ذوي البشرية ، والحقُّ - سبحانه مُنَزّهُ النّعَت عن هذه الجملة ، فلا هو يفعل شيءٍ عابث ، ولا بشيء منَ العَبَثَ آمِرٌ .","part":5,"page":296},{"id":2297,"text":"الحقُّ - بنعوت جلاله - متوحِّدٌ ، وفي عِزِّ آزاله وعلوِّ أوصافه متفرِّدٌ ، فذاتُه حقٌّ ، وصفاته حقٌّ ، وقولُه صِدْقٌ ، ولا يتوجَّه لمخلوق عليه حقٌ ، وما يفعلهم من إحسان بعباده فليس شيء منها بمستحق .\r{ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الْكَرِيمِ } : ما تَجَمَّلَ بالعرشِ ، ولكن تَعَزَّزَ العرشُ بأنَّهُ أضافه إلى نَفْسِه إضافة خصوصية .\rوالكريمُ الحَسْنُ ، والكرمُ نَفْيُ الدناءة .","part":5,"page":297},{"id":2298,"text":"حسبابهُ على الله في آجِلِه . وعذابُه من الله له في عاجله ، وهو الجهل الذي أودعَ قلبَه حتى رَضِيَ بأن يَعْبُدَ معه غيرَه . وقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] كلامٌ حاصلٌ من غير دليل عقل ، ولا شهادة خبرٍ أو نقل ، فما هو إلا إفك وبهتان ، وقولٌ ليس يساعده برهان .","part":5,"page":298},{"id":2299,"text":"اغفرْ الذنوبَ ، واسترْ العيوبَ ، وأجْزِلْ الموهوب . وارحمْ حتى لا تستولي علينا هواجمُ التفرقة ونوازل الخطوب . والرحمةُ بالدعاء من صنوف النعمة ، ويسمى الحاصل بالرحمة باسم الرحمة على وجه التوسع وحكم المجاز .","part":5,"page":299},{"id":2300,"text":"قوله جلّ ذكره : { سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا } .\rسورة هي شَرَفٌ لك - يا محمد - أنزلناها لأن أقلَّ ما ورد به التحدي سورة؛ فكلُّ سورةٍ شَرَفٌ له عليه السلام لأنها له معجزة ، بيَّناها وشرعنا فيها من الحلال والحرام ، وبيَّنا فيها من الأحكام لكم به اهتداء ، وللقلوب من غمرة الاستعجام شفاء .\rأنزلنا فيها آياتٍ بيناتٍ ودلائلَ واضحاتٍ ، وحُجَجاً لائحات؛ لتتذكروا تلك الآيات ، وتعتبروا بما فيها من البراهين والبينات .","part":5,"page":300},{"id":2301,"text":"قوله جلّ ذكره : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .\rوالعقوبة على الزنا شديدة أكيدة ، ولكن جعل إثباتَ أمره وتقريرَ حُكْمِه والقطعَ بكونه على أكثر الناسِ خصلةً عسيرةً بعيدةً؛ إذ لا تُقْبَلُ الشهادةُ عليه حتى يقولُ : رأيتُ ذلك منه في ذلك منها! وذلك أمرٌ ليس بالهيِّن ، فسبحان مَنْ أَعْظَمَ لاعقوبةَ على تلك الفَعْلَةِ الفحشاء ، ثم جعل الأمر في إثباتها بغاية الكدِّ والعناء! وحين اعترف واحدٌ له بذلك قال له صلى الله عليه السلام : « لعلَّك قَبَّلْتَ . . . لعلَّك لامَسْتَ » وقال لبعض أصحابه . « استنكهوه » وكلُّ ذلك رَوْماً لِدَرْءِ لاحدِّ عنه ، إلى أن ألحَّ وأصرَّ على الاعتراف .\rقوله جل ذكره : { وَلاَ تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ } .\rما يأمر به الحقُّ فالواجب مقابلته بالسمع والطوع .\rوالرحمة من موجب الشرع وهو المحمود ، فأمّا ما يقتضيه الطَّبعُ والعادة والسوء فمذمومٌ غيرُ محمود . ونهى عن الرحمة على من خَرَقَ الشرعَ ، وتَرَكَ الأمرَ ، وأساءَ الأدبَ ، وانتصبَ في مواطنِ المخالفة .\rويقال نهانا عن الرحمة بهم ، وهو يرحمهم بحيث لا يمحو عنهم - بتلك الفَعْلة الفحشاء - رقم الإيمان ، قال رسول الله A : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » ولولا رحمته لما استبقى عليه حُلّة إيمانه مع قبيح جُرْمِهِ وعصيانه .\rقوله جل ذكره : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابهُما طَآئِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنينَ } .\rأي ليَكُونَ عليهم أشَدَّ ، وليكون تخويفاً لمتعاطي ذلك الفعل ، ثم من حقِّ الذين يشهدون ذلك الموضعَ أن يتذكروا عظيمَ نعمةِ الله عليهم أنهم لم يفعلوا مِثْله ، وكيف عَصَمَهم من ذلك . وإن جرى منهم شيءٌ من ذلك يذكروا عظيمَ نعَمةِ الله عليهم؛ كيف سَتَرَ عليهم ولم يفضحهم ، ولم يُقِمْهم في الموضع الذي أقام فيه هذا المُبْتَلَى به وسبيلُ من يشهد ذلك الموضعَ ألا يُعَيِّرَ صاحبَه بذلك ، وألا ينسى حُكْمَ الله تعالى في إقدامه على جُرْمِه .","part":5,"page":301},{"id":2302,"text":"الناسُ أشكالٌ؛ فكلُّ نظيرٍ مع شكله ، وكلُّ يُساكِنُ شكله ، وأنشدوا :\rعن المرء لا تسأل وَسلْ عن قرينه ... فكلُّ قرينٍ بالمُقَارَنِ يقتدي\rأهلُ الفسادِ افسادُ يجمعهم - وإنْ تَبَاعَدَ مزارُهم وأهل السدادِ السدادُ يجمعهم- وإن تناءت ديارهم .","part":5,"page":302},{"id":2303,"text":"لئلا يستبيحوا أعراضَ المسلمين ، ولئلا يهتكوا أستارَ الناس أمَرَ بتأديبِهم ، وإقامةِ الحدِّ عليهم إذا لم يأتوا بالشهداء .\rثم بالَغَ في عدد الشهود ، وألاَّ تُقْبَلَ تلك الشهادةُ إلاَّ بالتضرع التام ، ثم أكمله بقوله { وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } . وفي الخبر المسند قوله عليه السلام : « مَنْ أتى منكم بشيءٍ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ، فإنَّ مَنْ أبدى لنا صفحته ، أقمنا عليه حدَّ الله » .","part":5,"page":303},{"id":2304,"text":"جَعَلَ من شرطِ قبولِ شهادِتِهِ صِحَّةَ توبته ، وجعل علامةَ صحةِ توبته إصلاحَه ، فقال { وَأَصْلَحُوا } ، وهو أن تأتي على توبته مدةٌ تنتشر فيها بالصلاح صفتُه ، كما اشتَهَرَتْ بِهَتْكِ أعراضِ المسلمين قالتهُ . . . . كلُّ هذا تشديداً لمن يحفظ على المسلمين ظاهر صلاحه .","part":5,"page":304},{"id":2305,"text":"لمّا ضاق الأمرُ على من رأى أهلَه على فاحشة ، إذ أن في ذلك قبول نسبِ غير صحيح - فقد نهى الشرعُ عن استلحاقه ولداً مِنْ غيره . وكان أمراً محظوراً هتكُ عِرْضِ المرأة والشهادة وعليها بالفحشاء ، غذ يجوز أن يكون الأمر في المُعيب؛ أي بخلاف ما يدَّعيه الزوجُ . ولأن أمرٌ ذو خَطَرٍ شَرَعَ اللَّهُ حُكْمَ اللعان ليكون للخصومة قاطعاً ، وللمُقْدِم على الفاحشة زاجراً ، ففي مثل هذه الأحوال عنها خَرْجَةٌ . ولولا أنَّ الله على كل شيءٍ قدير وإلا ففي عادة الناس . . مَنِ الي يهتدي لِمِثْلِ هذا الحكم لولا تعريفٌ سماوي وأمر نبوي ، من الوحي مُتَلَقَّاهُ ، ومنِ اللَّهِ مُبْتَداهُ وإليه منتهاهُ؟","part":5,"page":305},{"id":2306,"text":"لبقيتم في هذه الواقعة المعضلة ، ولم تهتدوا للخروج من هذه الحالة المشكلة .","part":5,"page":306},{"id":2307,"text":"هذه قصة عائشة Bها ، وما كان من حديث الإفك .\rبَيَّنَ اللَّهُ - سبحانه - أنه لا يُخْلِي أحداً من المحنة والبلاء ، في المحبة والولاء؛ فالامتحان من أقوى أركانه وأعظم برهانه وأصدق بيانه ، كذلك قال A « يُمْتَحَنُ الرجلُ على قَدْرِ دينه » ، وقال : « أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » .\rويقال إن الله - سبحانه - غيورٌ على قلوب خواصِّ عباده ، فإذا حصلت ماسكنةُ بعض إلى بعضٍ يُجْرِي الله ما يَرُدُّ كُلَّ واحدٍ منهم عن صاحبه ، ويردُّه إلى نفسه ، وأنشدوا :\rإذا عَلِقَت روحي بشيءٍ ، تعلَّقَتْ ... به غِيَرُ الأيام كي تسْلُبَنِّيَا\rوإن النبي - A - لمَّا قيل له : أي الناس أحب إليك؟ قال : « عائشة » فساكنها .\rوفي بعض الأخبار أن عائشة قالت : « يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك » . . . فأجرى اللهُ حديثَ الإفك حتى ردَّ قلبَ رسول الله - A - عنها إلى الله ، وردَّ قلب عائشة عنه إلى الله؛ حيث قال - لما ظَهَرَتْ براءةُ ساحتها : بحمد الله لا بحمدك كشف الله عنها به تلك المحنة ، وأزال الشكَّ ، وأظهر صِدْقَها وبراءة ساحتها .\rويقال إن النبي A قال : « اتقوا فراسةَ المؤمن فإنَّ المؤمن ينظر بنور الله » فإذا كانت الفراسةُ صفة المؤمن فأوْلى الناس بالفراسةِ كان رسولَ الله A ، ثم لم تظهر له بحكم الفراسة براءةُ ساحتها ، حتى كان يقول : « إنْ فَعَلْتِ فتوبي » .\rوالسبب فيه أنه في أوقات البلاء يَسُدُّ اللَّهُ على أوليائه عيونَ الفراسةِ إكمالاً للبلاء . وكذلك إبراهيم - عليه السلام - لم يميِّز ولم يعرف الملائكة حيث قَدَّمَ إليها العِجْلَ الحنيذ ، وتوهمهم أضيافاً . ولوط عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة إلى أن أخبروه أنهم ملائكة .\rويقال إنه كان - A - يقول لعائشة : « يا حُمَيرَاء »\rفلما كان زمان الإفك ، وأرسلها إلى بيت أبويها ، واستوحش الأبوان معها ، ومَرِضَتْ عائشةُ - Bها - من الحزن والوجد ، كان رسول الله - A - إذا رأى واحداً من دار أبي بكر يقول :\r« كيف بيتكم؟ لا عائشة ولا حميراء فما كان يطيب بالتغافل عنها ، فتعبيره - إن لم يُفهَمْ بالتصريح - فيُفْقَهُ بالتلويح .\rثم إنه - سبحانه - قال : { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِىْءٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ } : فبمقدار جُرْمِهم احتمل كلُّ واحدٍ ما يخصُّه من الوِزْر .","part":5,"page":307},{"id":2308,"text":"عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وبَسْطِ ألسنتهم بالسوء عنها ، وتَرْكِهم الإعراض عن حُرَم النبي A . ثم قال : وهلاَّ جاءوا على ما قالوا بالشهداء؟ وإذا لم يجدوا ذلك مَهَلاَّ سكتُوا عن بَسْطِ اللسان؟","part":5,"page":308},{"id":2309,"text":"لأنه أخبر أن جُرْمَهم - وإنْ كان عظيماً - فإنه في عِلْم اللَّهِ عنهم غير مُؤَثِّر ، ولولا أن الله - سبحانه - ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه فلعلَّه لم يذكُرْ هذه المبالغة في أمرهم؛ فإنَّ الذي يقوله الأجانبُ والكفارُ في وصف الحق - سبحانه - بما يستحيل وجوده وكونه يوفي ويُرْبي على كل سوء - ثم لا يقطع عنهم أرزاقهم ، ولا يمنع عنهم أرفاقهم ، ولكن ما تتعلَّق به حقوقُ أوليائه - لا سيما حق الرسول A - فذاك عظيمٌ عند الله .","part":5,"page":309},{"id":2310,"text":"بالَغَ في الشكاية منهم لِمَا أقدموا عليه بما تأذَّى به قلبُ الرسولِ - A - وقلوبُ جميع المخلصين من المسلمين .\rثم قال : { وَتَحْسَبُونَهُ هَنِيَّاً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } : وسبيلُ المؤمنِ ألآ يستصغرَ في الوفاق طاعةً ، ولا يستصغرَ في الخلافِ زَلَّةً ، فإنَّ تعظيمَ الأمْرِ تعظيمٌ للآمِرِ . وأهل التحقيق لا ينظرون ما ذلك الفعل ولكن ينظرون مَنْ الآمرُ به .\rويقال : يَسيرُ الزَّلَّةِ - يلاحِظُها العبدُ بعين الاستحقار - فتُحْبِط كثيراً من الأحوال ، وتكدِّر كثيراً من صافي المشارب .\rواليسير من الطاعة - ربما يَسْتَقِلُّها العبدُ - ثم فيها نجاتُه ونجاةُ عالَمٍ معه .","part":5,"page":310},{"id":2311,"text":"استماعُ الغيبةِ نوعٌ من الغيبة ، بل مستمِعُ الغيبة شَرُّ المغتابين؛ إذ بسماعه يَتِمُّ قَصْدُ صاحِبه . وإذا سمِع المؤمنُ ما هو سوءُ قالةٍ في المسلمين - مما لا صِحَّةَ له في التحقيق - فالواجبُ الردُّ على قائله ، ولا يكفي في ذلك السكوتُ دون النكير ، ويجب ردُّ قائله بأحسنِ نصيحةٍ ، وأدقِّ موعظةٍ ، ونوع تَشَاغُلٍ عن إظهار المشاركة له فيما يستطيب من نَشْرِه من اخجالٍ لقائله موحشٍ ، فإن أبى إلا انهماكاً فيما يقول فيرد عليه بما أمكن؛ لأنه إن لم يسْتَحِ قائلهُ من قوله فلا ينبغي أن يستحيَ المستمعُ من الرَّدِّ عليه .","part":5,"page":311},{"id":2312,"text":"يتعلَّق هذا بأنَّ مَنْ بَسَطَ لسانَه في عائشة - Bها - بعد ذلك لم يكن مؤمناً لظاهر هذه الآية ، ولعمري قائلُ ذلك مرتكبُ كبيرةٍ ولكن لا يخرج عن الإيمان بذلك؛ أي ينبغي للمؤمن ألا يتكلم في هذا ، وهذا كما يقول القائل : « إذا كُنْتَ أخي فواسِني عند شِدَّتي؛ فإنْ لم تواسِني لم تخرج عن الأُخوَّةِ بذلك » . . . ومعنى هذا القول أنَّه ينبغي للأخ أن يواسِيَ أخاه في حال عَثْرَتِه ، وتَرْكُ ذلك لا يُبْطِلُ النّسبَ .","part":5,"page":312},{"id":2313,"text":"هؤلاء في استحقاق الذمِّ أقبحُ منزلةً ، وأشدّ وِزْراً حيث أحبوا افتضاح المسلمين ، ومن أركان الدين مظاهرةُ المسلمين ، وإعانةُ أولي الِّدين ، وإرادةُ الخير لكافة المؤمنين . والذي يودُّ فتنةً للمسلمين فهو شرُّ الخَلْق ، واللَّهُ لا يرضى منه بحاله ، ولا يؤهله لمنالِ خلاصة التوحيد .","part":5,"page":313},{"id":2314,"text":"كرَّر قوله : { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } لِيُبَيِّنَ للجميع أنَّ حُسْنَ الدفعِ عنهم كان بفضله ورحمته وجميل المنح لهم ، وكلٌّ يشهد حُسنَ المَنْحِ ويشكر عليه ، وعزيزٌ عبدٌ يشهد حُسْنَ الدفع عنه فيحمده على ذلك .","part":5,"page":314},{"id":2315,"text":"قوله جل ذكره : { يَا أّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشَآءِ وَالمُنْكَرِ } .\rإذا تَنَقَى القلبُ عن الوساوس ، وصفا عن الهواجس بَدَتْ فيه أنوارُ الخواطر ، فإذا سما وقتُ العبدِ عن ذلك سَقَطَتْ الخواطر ، وبدت فيه أحاديث الحق - سبحانه - كما قال في الخبر : « لقد كان في الأمم محدَّثون فإن يكن في أمتي فَعُمَر » وإذا كان الحديث منه فذلك يكون تعريفاً يبقى مع العبد ، ولا يكون فيه احتمالٌ ولا إشكال ولا إزعاج ، وصاحبُه يجب أن يكون أميناً ، غيرَ مُظْهِر لِسِرِّ ما كوشِفَ به .\rقوله جل ذكره : { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزْكِّى مَن يَشَآءُ وَاللَهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .\rردَّهم في جميع أحوالهم إلى مشاهدة ما منَّ الحقُّ في قسمي النفع والدفع ، وحالتي العسر واليسر ، والزَّكى من الله ، والنُّعمى من الله ، والآلاءُ من الله ، قال تعالى : { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [ النحل : 53 ] .","part":5,"page":315},{"id":2316,"text":"قوله جل ذكره : { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِى القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُواْ } .\rتحرَّك في أبي بكر عِرْقٌ من البشرية في وصف الانتقام من مسطح حين شرع وخَاضَ في ذلك الحديث ، وكان في رفق أبي بكر فقطع عنه ذلك ، وأخبر به الرسول - A - وانتظر الأمرَ من الله في ذلك ، فأنزل الله تعالى : { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ } فلم يرضَ من الصديق Bه أن يتحرك فيه عِرْقٌ من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية ، فأعاد أبو بكر له ما كان يفعله في ماضي أيامه . والإحسان إلى المحسن مكافأة ، وإلى مَنْ لا يسيء ولا يحسن فضل ، وإلى الجاني فُتُوَّةٌ وكَرَمٌ ، وفي معناه أنشدوا :\rوما رضوا بالعفو عن كلِّ زَلةٍ ... حتى أنالوا كَفّه وأفادوا\rقوله : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } : العفو والصفح بمعنىّ ، فكررهما تأكيداً .\rويقال العفو في الأفعال ، والصفح في جنايات القلوب .\rقوله جل ذكرْ : { أَلاَ تُّحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rهذا من كمال تلطفه - سبحانه . وفي الخبر : أن الله لما أنزل هذه الآية قال أبو بكر - Bه : « لي ، أُحِبُّ يا رب » وعفا عن مسطح . وإن الله يغادر في قلوب أوليائه كراهة من غيرهم ، وأنَّى بالكراهة مِنَ الخَلْق والمتفرِّدُ بالإيجاد اللَّهُ؟! وفي معناه أنشدوا :\rرُبَّ رامٍ لي بأحجار الأذى ... لم أجِدْ بُدّاً من العطف عليه\rفعسى أن يَطْلعَ اللَّهُ على ... قَدْحِ القومِ فيدْنيني إليه","part":5,"page":316},{"id":2317,"text":"بالغ في توعده لهم حيث ذكر لفظ اللعنة في شأنهم .\rووَصَفَ المحصنات بالغفلة : أي بالغفلة عما يُنْسَبْنَ إليه؛ فليس الوصف على جهة الذمِّ ، ولكن لبيان تباعدهن عمَّا قيل فيهن .\rواستحقاقُ القّذَفَةِ لِلْعَنةِ - في الدنيا والآخرة - يدل على أنه لشؤم زلتهم تتغير عواقبهم ، فيخرجون من الدنيا لا على الإسلام .","part":5,"page":317},{"id":2318,"text":"تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوا من غير اختيار منهم ، ثم كما تشهد بعض أعضائهم عليهم تشهد بعض أعضائهم لهم ، فالعين كما تشهد : أنه نَظَر بي ، تشهد بأنه بكى بي . . . وكذلك سائر الأعضاء .\rويقال شهادةُ الأعضاء في القيامة مُؤجَّلَةٌ ، وشهادتها في المحبة اليومَ مُعَجَّلة؛ من صُفْرَةِ الوجهِ إذا بدا المحبوب ، وشحوبِ اللون ، ونحافةِ الجسم ، وانسكابِ الدموع ، وخفقان القلب ، وغير ذلك .","part":5,"page":318},{"id":2319,"text":"يجازيهم على قَدْر استحقاقهم؛ للعابدين بالجِنان والمثوبة على توفيةِ أعمالِهم ، وللعارفين بالوصلة والقربة على تصفيةِ أحوالِهم؛ فهؤلاء لهم عُلوُّ الدرجات وهؤلاء لهم الأُنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة .\r{ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ الْمُبِينُ } : فتصيرُ المعرفةُ ضروريةً؛ فيجدون المُعافَاةَ من النَّظَر وتَذَكُّرهِ ، ويستريح القلبُ من وَصْفِيْ تَرَدُّدِهِ وتَغَيُّرِه : لاستغنائه ببصائره عن تَبَصُّرِهِ .\rويقال لا يشهدون غداً إلا الحقَّ؛ فهم قائمونَ بالحق للحق مع الحق ، يبيِّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه ، ويكون القائم عنهم ، والآخذَ لهم منهم من غير أَنْ يُرَدَّهم إليهم .","part":5,"page":319},{"id":2320,"text":"قوله جل ذكره : { الخَبِثَاتُ لِلْخَبِيِثِنَ وَالخَبِيْثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ } { الْخَبِيثَاتُ } : من الأعمال وهي المحظورات { لِلْخَبِيثينَ } : من الرجال المُؤْثِرين لها طوعاً ، والذين يجنحون إلى مثل تلك الأعمال فهم لها ، كلٌّ مربوطٌ بما يليق به؛ فالفِعْلُ لائقٌ بفاعله ، والفاعلُ بِفِعْلِهِ في الطهارة والقذارة ، والنفاسة والخساسة ، والشرفِ والسِّرَفِ .\rويقال : { الخَبِيثَاتُ } : من الأحوال؛ وهي الحظوظُ والمُنَى والشهواتُ لأصحابها والساعين لها . والسارعون لمثلها لها ، غيرَ ممنوعٍ أحَدُهما من صاحبه ، فالصفةُ للموصوف مُلازِمة ، والموصوفُ لِصِفَتِهِ ملازِمٌ .\rويقال : { الخَبِيثَاتُ } من الأشياء للخبيثين من الأشخاص وهم الراضون بالمنازل السحيقة . . . وإنَّ طعامَ الكلابِ الجِيَفُ .\rويقال : { الخَبِيثَاتُ } : من الأموال - وهي التي ليست بحلال - لمن بها رتبته ، وعليها تعتكف هِمَّتُه؛ فالخبيثون من الرجال لا يميلون إلاَّ لمثل تلك الأموال ، وتلك الأموال لا تساعد إلا مثلَ أولئك الرجال .\rقوله جل ذكره : { وَالطَّيِبَاتُ لِلطَّيِبِنَ وَالطَّيِبُونَ لِلطَّيِبَاتِ } .\r{ وَالطَّيِّبَاتُ } : من الأعمال هي الطاعات والقُرَبُ للطيبين والطيبون هم المُؤْثِرُون لها والساعون في تحصيلها .\r{ وَالطّيِّبَاتُ } : من الأحوال - وهي تحقيق المواصلات بما هو حقُّ الحق ، مُجَرَّداً عن الحظوظ { لِلطَّيِبِينَ } من الرجال ، وهم الذين سَمَتْ هِمَّتهم عن كلِّ مُبْتَذَلٍ خسيس ، ولهم نفوسٌ تسموا إلى المعالي ، وهي التجمُّلُ بالتذلل لِمَنْ له العِزَّةُ .\rويقال الطيبات من الأموال - وهي التي لا نكيرَ للشرع عليها ، ولا مِنَّةَ لمخلوقٍ فيها - للطيبين من الرجال ، وهم الأحرار الذين تخلَّصوا من رِقِّ الكون .\rويقال { وَالطَّيِبَاتُ } من الأشخاص وهن المُبَرَّاتُ من وهج الخطر ، والمتنقيات عن سفساف أخلاق البشرية ، وعن التعريج في أوطان الشهوات - { لِلطَّيِبِّينَ } من الرجال الذين هم قائمون بحقِّ الحقِّ؛ لا يصحبون الخلْقَ إلا للتعفُّفِ ، دون استجلابِ الشهوات .\r{ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .\rلهم مغفرةٌ في المآل ، ورزقٌ كريم في الحال وهو ما ينالون من غير استشرافٍ ، ولا تطلب طمعٍ ، ولا ذلِّ مِنِّةِ ولا تقديم تعَبٍ .","part":5,"page":320},{"id":2321,"text":"الخواصُ لا يَرَونَ لأنفسِهم مِلْكاً يتفردون به؛ لا مِنَ الأموال المنقولة ولا من المساكنن التي تصلح لأن تكون مدخولة ، فَمَنْ فاتحهم بشيءٍ منها فلا يكون منهم مَنْعٌ ولا زَجْرٌ ، ولا حَجْبٌ لأحدٍ ولا حْظرٌ . . هذا فيما نيط بهم . أمَّا فيما ارتبط بغيرهم فلا يتعرَّضون لمن هي في أيديهم؛ لا باستشرافِ طَمَعِ ، ولا بطريقِ سؤالٍ ، ولا على وجهِ انبساطٍ . فإن كان حكمُ الوقت يقتضي شيئاً من ذلك فالحقُّ يُلجِىءُ مَنْ في يده الشىءُ ليحمِلَه إليه بحكم التواضع والتقرُّب ، والوليُّ يأخذ ذلك بنعتِ التعزُّزِ ، ولا يليق معنى ذلك إلا بأحوال تلك القصة ، وأنشد بعضهم في هذا المعنى :\rوإني لأستحي مِنَ الله أنْ أُرَى ... أسيرَ بخيلٍ ليس منه بعيرُ\rوأنْ أسألَ المرءَ اللئيمَ بعيره ... وبعران ربِّي في البلادِ كثيرُ","part":5,"page":321},{"id":2322,"text":"قوله جل ذكره : { فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ } .\rفي هذا حِفْظُ أَمْرِ الله وحِفْظُ حُرْمةِ صاحب الدارِ؛ لأنَّ مَنْ دَخَلَها بغيرِ إذنِ صاحبِها ربما تكون فيها عورةُ منكشفة ، وربما يكون لصاحب الدار أمرٌ لا يريد أن يطَّلِعَ عليه غيرُه ، فلا ينبغي أن يدخل عليه من غير استئذان .\rقوله جل ذكره : { وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } .\rإن قيل لكم : ارجعوا . . . فارجعوا؛ فقد تكون الأعذارُ قائمةً ، وصاحبُ الملكِ بِملْكِه أوْلَى .","part":5,"page":322},{"id":2323,"text":"رَفَعَ اللَّهُ الجُناحَ والحَرَجَ في الانتفاعِ بما لا يُسْتَضَرُّ به صاحبُه بغير إذْنِهِ كدخولِ أرضٍ للداخلِ فيها أغراضٌ لقضاءِ حاجته - ولا يجد طريقاً غير ذلك - إذا لم يكن في دخوله ضَرَرٌ على صاحبها ، وجرى هذا مجرى الاستظلال بظِلَّ حائطٍ إذا لم يكن قاعداً في مِلْكِه ، وكالنظر في المرآة المنصوبة في جدار غيره . . . وكل هذا إنما يُستباح بالشرع دون قضية العقل - على ما توهمَّه قومٌ .","part":5,"page":323},{"id":2324,"text":"{ يَغُضُّوا } : من أبصار الظواهر عن المُحَرَّمات ، ومن أبصار القلوب عن الفِكَرِ الرَّدِيّة ، ومن تصورُّ الغائبات عن المعاينة ، ولقد قالوا : إنَّ العينَ سببُ الحَيْن ، وفي معناه أنشدوا :\rوأنتَ إذا أرسلتَ طَرْفَك رائداً ... لقلبِك - يوماً - أتْعَبَتْكَ المناظرُ .\rوقالوا : مَنْ أرسل طَرْفَه اقتضى حَتْفَه .\rوإن النظرَ إلى الأشياء بالبَصَرِ يوجِبُ تَفْرِقَةَ القلوب .\rويقال إن العدوَّ إبليسَ يقول : قومي القديمُ وسهمي الذي لا يخطىء النظرُ . وأرباب المجاهدات إذا أرادوا صَوْنَ قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المحَسَّات - وهذا أصلٌ كبيرٌ لهم في المجاهدة في أحوال الرياضة .\rويقال قَرَنَ اللَّهُ النهي عن النظر إلى المحارم بذكر حفظ الفَرْجِ فقال : { وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } تنبيهاً على عِظَمِ خَطَرِ النظر؛ فإنه يدعو إلى الإقدام على الفعل .\rويقال قومٌ لا ينظرون إلى الدنيا وهم الزُّهَّاد ، وقومٌ لا ينظرون إلى الكون وهم أهل العرفان ، وقومٌ أهل الحفاظ والهيبة كما لا ينظرون بقلوبهم إلى الأغيار لا يرون نفوسهم أهلاً للشهود ، ثم الحق - سبحانه - يكاشفهم من غير اختيارٍ منهم أو تعرُّضٍ أو تكلف .","part":5,"page":324},{"id":2325,"text":"قوله جل ذكره : { وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } .\rالمطالبةُ عليهن كالمطالبة على الرجال لشمولِ التكليف للجنسين ، فالواجبُ عليهن تركُ المحظوراتِ ، والندبُ والنَّفْلُ لهن صونُ القلب عن الشواغل والخواطر الردية ، ثم إنِ ارتّقَيْنَ عن هذه الحالة فالتعامي بقلوبهن عن غيرِ المعبود ، والله يختص برحمته من يشاء .\rقوله : { وَلاَ يُبْدِينَ زِيْنَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } : ما أباح الله - سبحانه - على بيان مسائل الفقه فمُستثنى من الحظرِ ، وما وراء ذلك فالواجبُ عليهن حفظُ أنفسهن عن العقوبات في الآجل ، والتصاون عن أن يكون سبباً لفتنة قلوب عباده . والله سبحانه يتصل منهم نفعٌ بالخَلْقِ فلا تصيبُ أحداً بهم فتنةٌ .\rوفي الجملةِ ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره؛ فكما أنَّ لِلنساءِ عورةً ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك مَنْ ظهر للخَلْق ما هو زينة سرائره من صفاء أحواله وزكاء أعماله انقلب زَيْنُه شَيْئاً إلا ظهر على أحدٍ شيءٌ - لا بتعمله ولا بتكلُّفه - فذلك مستثنىً لأنه غير مُؤاخذٍ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه ، فذوات المحارم على تفصيل بيان الشريعة يُسْتَثْنَى حُكْمُهن عن الحَظُر .\rقوله جل ذكره : { أَوِ التَّابِعِينَ غِيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَأتِ النِّسَاءِ } .\rتُراعى في جميع ذلك آدابُ الشرع في الإباحة والحظر .\rقوله جل ذكره : { وَتُوبُوا إِلّى اللَّهِ جميعاً أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\rالتوبةُ الرجوعُ عن المذموماتِ من الأفعال إلى أضدادها المحمودة ، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة ، فتوبةٌ عن الزَّلَّةِ وهي توبة العوام ، وتوبة عن الغفلة وهي توبة الخواص . . . وتوبةٌ على محاذرة العقوبة ، وتوبةٌ على ملاحظة الأمر .\rويقال أمَر الكافة بالتوبةِ؛ العاصين بالرجوع إلى الطاعة من المعصية ، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية لاتوفيق ، وخاصَّ الخاصِّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة الموفِّق .\rويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء - رِفْقاً بهم - من أمارات الكَرَمِ .\rويقال في قوله : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يتبين أنَّه أمَرَهم بالتوبة لينتفعوا هم بذلك ، لا ليكون للحقِّ - سبحانه - بتوبتهم وطاعتهم تجمُّلٌ .\rويقال أحوجُ الناس إلى التوبة مَنْ تَوَهَّمَ أنَّه ليس يحتاج إلى التوبة .","part":5,"page":325},{"id":2326,"text":"إذا كان القصدُ في المناكحة التأدب بآداب الشرع يكفي الله ببركاته مطالبات النفس والطبع ، وإنما يجب أن يكون القصدُ إلى التعفُّفِ ثم رجاءِ نسْلٍ يقوم بحقِّ الله .\rقوله : { إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } يُغْنِيهمُ اللَّهُ في الحال ، أولاً بالنفس ثم غِنَى القلب؛ وغنيُّ القلبِ غَنِي عن الشيء ، فالغَنِيَ عن الدنيا أتَمُّ من الغني بالدنيا . ويقال إن يكونوا فقراء في الحال يُغْنِهم الله في المستأنف والمآل .","part":5,"page":326},{"id":2327,"text":"قوله جل ذكره : { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } .\rمَنْ تَقاصر وسعهُ عن الإنفاق على العيال فليصبر على مقاساة التحمل في الحال ، فَعَنْ قريبٍ تجيبه نَفْسُه إلى سقوط الأرب ، أو الحق - سبحانه - يجود عليه بتسهيل السبب من حيث لا يَحْتَسِب ، ولا تخلو حالُ المتعفِّفِ عن هذه الوجوه .\rقوله جل ذكره : { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خْيرَاً وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى ءَاتاكُمْ } .\rأي إن سَمَحَتْ نفوسكم بإزالة الرِّقِّ عن المماليك - الذين هم في الدين إخوانكم - من غير عِوَضِ تلاحظون منهم فلن تخسروا على الله في صفقتكم . وإن أبيتم إلا العوض ودعوا إلى الكتابة ، وعلمتم بغالب ظنكم صحة الوفاء بمال الكتابة من قِِبَلِهم فكاتبوهم ثم تعاونوا على تحصيل المقصود بكل وجهٍ؛ من قدْرٍ يحط من مال الكتابة ، وإعانةٍ لهم من فروض الزكاة ، وإمهالٍ بِقَدر ما يحتمل المكاتب ليكون ترفيهاً له .\rوإذا كنا في الشرع مأمورين بكل هذا الرِّفقِ حتي يصل المملوكُ المسكين إلى عتقه فبالحريِّ أن يسموا الرجاءُ إلى الله بجميل الظنّ أن يُعْتَقَ العبدُ من النار بكثرة تضرعه ، وقديم سعيه - بقدر وسعه - من عناءِ قاساه ، وفضلٍ من الله - عن قديمٍ - رجاه .\rثم في الخبر : « إن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم » والعبد يسعى بجهده ليصل إلى تحرر قلبه ، وما دام تبقى عليه بقية من قيام الأخطار وبقية من الاختيار وإرادة شيءٍ من الأغيار فهو بكمال رِِقَّة وليس في الحقيقة بِحُرٍ . . . فالمكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَآءِ إِنْ أَرْدْنَ تَحَصُّنَاً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rحامِلُ العاصي على زَلَّتِه ، والداعي له إلى عَثرَته ، والمُعينُ له على مخالفته تتضاعف عليه العقوبة ، وله من الوِزْرِ أَكثرُ مِنْ غيره ، وبعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة .","part":5,"page":327},{"id":2328,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَآتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } .\rلم يغادر على وجه الدليل غُبْرةً ، ولم يترك الحقُّ - سبحانه - للإشكال محلاً؛ بل أَوْضَحَ المنهاج وأضاءَ السِّرَاجَ ، وأنار السبيلَ وألاح الدليل ، فَمَنْ أراد أن يستبصر فلا يلحقه نَصَبٌ ، ولا يمسُّه تعبٌ .\rقوله جلّ ذكره : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ المَوْتِ } .\rأي هادي أهل السموات والأرض ومنه نورهما والذي منه الشيء يسمى باسمه الشيء . ومنه نور السموات والأرض خَلْقَاً؛ فنظام السموات والأرض وإحكامها وترتيبها بوصف إتقانها حاصلٌّ بالله تعالى .\rويقال نور السموات والأرض أي منورِّها وخلقُ ما فيها من الضياء والزينة ، موجِدُ ما أودعها من الأدلة اللائحة .\rويقال نوَّر اللَّهُ السماءَ بنجومها فقال : { وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } [ فصلت : 12 ] قكذلك زينَ القلوب بأنوارٍ هي نورُ العقل ونورُ الفهم ونورُ العْلم ونورُ اليقين ونورُ المعرفة ونورُ التوحيد ، فلكلِّ شيءِ من هذه الأنوار مطرحُ شعاعٍ بقدره في الزيادة والنقصان .\rقوله جلّ ذكره : { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح المِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاًّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالِ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }\rقوله : { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ . . . } أراد بهذا قلب المؤمن وهو معرفته ، فشبَّهَ صدرَه بالمشكاة ، وشبَّه قلبه في صدره بالقنديل في المشكاة ، وشبَّه القنديل - الذي هو قلبه- بالكوكب الدريِّ ، وشبه إمداده بالمعرفة بالزيت الصافي الذي يمدُّ السراج في الاشتعال . ثم وصفَ الزيتَ بأَنَّه على كمال إدراك زيتونه من غير نقصان أصابه ، أو خلَلٍ مسَّه ، ثم وصف ذلك الزيت - في صفوته - بأنه بحيث يكاد يضيء من غير أن تمسَّه نار .\rويقال إن ضَرْبَ المثل لمعرفة المؤمن بالزيت أراد به شريعة المصطفى - A - ودينه الحنيفي ، فما كان يهودياً - وهم الذين قبلتُهم إلى جانب المغرب ، ولا نصرانياً - وهم الذين قبلتهم في ناحية المشرق .\rوقوله : { نُّورٌ عَلَى نُورِ } : نور اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم ، ونور وجدوه بفضل الله فهو بيان أضافه إلى برهانهم ، أو عيان أضافه إلى بيانهم ، فهو نور على نور .\rويقال أراد به قلب محمد - A - ونورُ معرفته موقدٌ من شجرةٍ هي إبراهيم عليه السلام ، فهو A على دين إبراهيم .\rقوله : { لاَّ شَرْقِيَّةٍ } بحيث تصيبه الشمس بالعشي دون الغداة ، ولا غربية بحيث تصيبه الشمس بالغداة دون العشي ، بل تصيبه الشمسُ طولَ النهارِ ليتمَّ نضج زيتونه ، ويكمل صفاءُ زيته . والإشارة فيه أنه لا ينفرد خوف قلوبهم عن الرجاء فيقرب من اليأس ، ولا ينفرد رجاؤهم عن الخوف فيقرب من الأمن ، بل هما يتعديلان؛ فلا يغلب أحدهما الآخر؛ تقابل هيبتهم أُنسهم ، وقبضُهم بسطَهم ، وصحوهُم محوَهم ، وبقاؤهم فناءهم ، وقيامُهم بآداب الشريعة تحقُّقَهم بجوامع الحقيقة .","part":5,"page":328},{"id":2329,"text":"ويقال { لاًّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } : أي أن هِمَمَهم لا تسكن شرقياً ولا عربياً ، ولا علوياً ولا سفلياً ، ولا جنياً ولا إنسياً ، ولا عَرْشاً ولا كرسياً ، سطعت عن الأكوان ، ولم تجد سبيلاً إلى الحقيقة ، لأن الحقَّ مُنَزَّهٌ عن اللحوق والدرك ، فبقيت عن الحق منفصلة ، وبالحق غير متصلة؛ وهذه صفة الغرباء . . . « وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ » .\rويقال نور القلب : ثم موجبه هو دوام الانزعاج فلا يذره يعرِّج في أقطار الكسل ، فيصل سَيْرَه بِسُراه في استعمالِ فكرِه ، والحقُّ يمده : بنور التوفيق حتى لا يصده عن عوارضِ الاجتهادِ شيءٌ من حُبِّ رياسةٍ ، أو ميلٍ لسوءٍ ، أو هوادة . فإذا أسفر صُبْحُ غفلته ، واستمكن النظر من موضعه حصل العلمُ لا محالة . ثم لا يزال يزداد يقيناً على يقين مما يراه في معاملته من القبض والبسط ، والمكافأة والمجازاة في زيادة الكشف عند زيادة الجُهْد ، وحصول الوَجْدِ عند أَداء الوِرْد .\rثم بعده نور المعاملة ، ثم نور المنازلة ، ثم متوع نهار المواصلة . وشموس التوحيد مشرقة ، وليس في سماء أسرارِهم سحابٌ ولا في هوائِها ضبابٌ ، قال تعالى : { نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } .\rويقال نور المطالبة يحصل في القلب فيحمل صاحبه على المحاسبة ، فإذا نَظَرَ في ديوانه ، وما أسلفه من عصيانه يحصل له نور المعاينة ، فيعود على نفسه باللائمة ، ويتجرَّعُ كاساتِ نَدَمِهِ فيرتقي عن هذا باستدامة قَصْدِه ، والتَّنَقِّي عما كان عليه في أوقات فترته . فإذا استقام في ذلك كوشِفَ بنور المراقبة؛ فيعلم أنَّه - سبحانه - مُطَّلِعٌ عليه . وبعد هذا نور المحاضرة وهي لوائحُ تبدوا في السرائر . ثم بعد ذلك نور المكاشفة وذلك بتجلَّي الصفات . ثم بعده نور المشاهدة فيصير ليلُه نهاراً ، ونجومُه أقماراً ، وأقمارُه بدوراً ، وبدورُه شموساً . . ثم بعد هذا أنوار التوحيد ، وعند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد ، ثم ما لا تتناوله عبارةٌ ولا تدركه إشارةٌ ، فالعبارات - عند ذلك - خُرْسٌ ، والشواهد طُمْسٌ وشهود الغير عند ذلك محال . عند ذلك : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عَطِّلَتْ } [ التكوير : 1- 4 ] و { وإذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ } [ الانشقاق : 1 ] وانفطرت . . . فهذه كلها أقسام الكون . وما من العَدَمِ لهم صار إلى العدم . القائمُ عنهم غيرُهم ، والكائن عنهم سواهم . وجلَّتْ الأحديةُ وَعَزَّتْ الصمدية ، وتَقَدَّسَتْ الديمومية ، وتنزهت الإلهية .","part":5,"page":329},{"id":2330,"text":"قوله جلّ ذكره : { فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ } .\rالمساجدُ بيوتَه - سبحانه - وإنَّ الله أَذِنَ أَنْ تُرْفَعُ الحوائجُ فيها إليه فيقضيها ، ورَفَعَ أقدارَ تلك البيوتِ على غيرها من الأبنية والآثار . المساجدُ بيوتُ العبادة والقلوبُ بيوتُ الإرادة؛ فالعابِدُ يَصِلُ بعبادته إلى ثوابِ الله ، والقاصدُ بإرادته إلى الله .\rويقال القلوبُ بيوتُ المعرفة ، والأرواحُ مَشاهِدُ المحبة ، والأسرار محالُّ المشاهدة .\rقوله : { يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ . . . } لم يقل : لا يتجرون ولا يشترون ولا يبيعون ، بل قال : لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله ، فإنْ أمكن الجمع بينهما فلا بأسَ - ولكنه كالمعتذر - إلاَّ على الأكابر الذين تجري عليهم الأمورُ وهم عنها مأخوذون .\rويقال هم الذين يُؤْثِرون حقوقَ الحقِّ على حظوظ النَّفْس .\rويقال إذا سمعوا صوتَ المؤذن : حيَّ على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة والبيع ، وقاموا الأداء حقه .\rويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله : { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الصف : 10 ] عن التحقق بذكره من غير ملاحظة عِوَضٍ أو مطالعة سبب .\rقوله جلّ ذكره : { يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ } .\rأقوامٌ ذلك اليومُ مُؤَجَّلٌ لهم ، وآخرون : ذلك لهم مُعَجَّلٌ وهو بحسب ما هم فيه من الوقت؛ فإنَّ حقيقةَ الخوفِ تَرَقُّبِ العقوباتِ مع مجاري الأنفاس .\rقوله جل ذكره : { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .\rمَنْ رَفَعَ الحسابَ من الوَسَطَ يَرْفَعْ معه الحساب ، ومَنْ هو في أَسْرِ مطالباته فالوزنُ يومئذٍ الحقُّ .\rوالرزقُ بغير حساب في أرزاق الأرواح ، فأَمَّا أرزاقُ الأشباحِ فمحصورةٌ معدودةٌ؛ لأن أرزاقَ الأشباحِ حظوظٌ؛ وهي وجودُ أفضال وفنونُ نوالٍ ، . وما حَصَرَه الوجودُ مِنَ الحوادثِ فلا بُدَّ أن يأتيَ عليه العَدَدُ ، وأما مكاشفةُ الأرواحِ بشهودِ الجمالِ والجَلال فذلك على الدوام .","part":5,"page":330},{"id":2331,"text":"وقال تعالى : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } [ الكهف : 104 ] وقال : { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ } [ المجادلة : 18 ] ومَنْ أَمَّل السرابَ شراباً فلا يلبث إلا قليلاً حتى يعلمَ أنَّه كان تخييلاً؛ فالعَطَشُ يزداد ، والروح تدعو للخروج .","part":5,"page":331},{"id":2332,"text":"ظلماتُ الحسبان ، وغيومُ التفرقة ، وليالي الجُحْدِ ، وحنادسُ لاشَّكِّ إذا اجتمعت فلا سِراجَ لصاحبها ولا نجوم ، ولا أقمارَ ولا شموسَ . . . . فالويلُ ثم الويل! .\rقوله : { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا مِن نُّورٍ } : إذا لم يسبق لعبدٍ نورُ القسمة ، ولم يساعده تَعَلُّقٌ فجهدُه وكدُّه ، وسَعْيُه وجِدُّه عقيمٌ من ثمراته ، موئِسٌ من نَيْلِ بركاته والبدايات غالبةٌ للنهايات؛ فالقبولُ لأهْلِه غيرُ مُجَّلَبٍ زالرُّ لأهله غير مُكْتَسَبٍ وسعيدٌ مَن سَعِدْ بالسعادة في عِلْمِه في آزاله ، وأراد كونَ ما عَلِمَ من أفعاله يكون ، وأخبر أن ذلك كذلك يكون ، ثم أجرى ذلك على ما أخبر وأراد وعَلِمَ .\rوهكذا القول في الشقاوة؛ فليس لأفعالهة عِلَّةٌ ، ولا تتوجَّهُ عليه لأحدٍ حُجَّةٌ .","part":5,"page":332},{"id":2333,"text":"التسبيح على قسمين : تسبيحُ قولٍ ونطقٍ ، وتسبيحُ دلالة وخَلْق؛ فتسبيحُ الخَلْقِ عام من كل مخلوقٍ وعينٍ وأثرٍ ، منه تسبيحٌ خاصٌّ بالحيوانات ، وتسبيحٌ خاصٌّ بالعقلاء وهذا منقسم إلى قسمين : تسبيحٌ صادرٌ عن بصيرة ، وتسبيحٌ حاصلٌ من غير بصيرة؛ فالذي قرينته البصيرة مقبولٌ ، والذي تجرَّدَ عن العرفان مردود .","part":5,"page":333},{"id":2334,"text":"المُلْكُ مبالغةٌ من المِلْك ، والملك القدرة على الإِيجاد؛ فالمقدورات - قَبْلَ وجودها - للخالق مملوكة ، كذلك في أحوال حدوثِها بعد عَدَمِها عائدةٌ إلى ما كانت عليه ، فَمُلْكهُ لا يحدث ولا يزوال ولا يَؤُولُ شىءٌ منه إلى البطول .","part":5,"page":334},{"id":2335,"text":"تعرَّف إلى قلوب العلماء بدلالات صُنْعِه في بديع حكمته ، وبما يدل منها على كمال قدرته ، وشمول علمه وحكمته ، ونفوذ إرادته ومشيئته . فَمَنْ أنعم النظرَ وَصَلَ إلى بَرَدِ اليقين ، ومَنْ أعرض بقي في وَهْدَةِ الجُحْدِ وظلمات الجهل .\rترتفع بقدرته بخاراتُ البحرِ ، وتصعد بتسييره وتقديره إلى الهواء وهو السحاب ، ثم يُديرها إلى سَمْتٍ يريد أن ينزل به المطر ، ثم ينزل ما في السحاب من ماء البحر قطرةً قطرةً؛ ويكون الماء قبل حصول بخارات البحر غير عَذْبٍ فيقلبه عَذْباً ، ويُسِحُّه السحاب سَكْباً ، فيوصل إلى كلِّ موضع قَدْراً يكون له مُراداَ معلوماً ، لا بالجهدِ مِنَ المخلوقين يُمْسَكُ أو يُنَزَّلُ ، ولا بالحيلةِ يُسْتَنْزلُ على المكانِ الذي لا يُمْطِره .\r{ يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَألنَّهَارَ } : وكذلك جميع الأغيار من الرسوم والآثار . . . ذلك تقدير العزيز العليم .","part":5,"page":335},{"id":2336,"text":"يريد خلقَ كُلَّ حيوانٍ من ماء ، يخرج من صُلْب الأب وتريبة الأمِّ . ثم أجزاءُ الماءِ متساويةٌ متماثِلة ، ثم ينقسم إلى جوارح في الظاهر وجوارح في الباطن ، فيختصُّ كلُّ عضو وينفرد كل شِلْوٍ بنوع من الهيئة والصورة ، وضَرْبٍ من الشكل والبِنْيَةِ . ثم اختلاف هيئات الحيوانات في الريش والصوف والوبر والظفر والحافر والمخلب ، ثم في القامة والمنظر ، ثم انقسام ذلك إلى لحم وشحم وجِلْدٍ وعَظْمٍ وسِنِّ ومخِّ وعَصب وعِرْقٍ وشَعْرٍ .\rفالنظرُ في هذا - مع العبرة به - يوجِبُ سجودَ البصيرةَ وقوة التحصيل .","part":5,"page":336},{"id":2337,"text":"الآيات بَيِّنةٌ ولكنَّ اللَّهَ يهدي إليها قوماً ويُلَبِّس على آخرين ، والذي سُدَّ بَصَرُه أنَّى ينفعه طلوعُ الشمسِ والنجوم؟ وكذلك الذي سُدَّت بصيرته أنَّى تنفعه شواهدُ العلوم ودلائل الفهوم؟ وقالوا في معناه :\rوما انتفاعُ أَخي الدنيا بمقلته ... إذا اسْتَوَتْ عِنْدَه الأنوارُ والظُلَمُ","part":5,"page":337},{"id":2338,"text":"يستسلمون في الظاهر ويُقِرُّون باللسان ، ثم المخلص يبقى على صدقه .\rوالذي قال لخوفِ سيفِ المسلمين ، أو لِغَرَضِ له آخر فاسد يتولى بعد ذلك ، وينحاز إلى جانب الكفرة .","part":5,"page":338},{"id":2339,"text":"علموا أن افتضاحهم في حكم نيتهم ، فيمن عَلم أنه قاسط في خصومته لم يَطِب نَفْساً بحُكْمِه . وكذلك المريبُ يَهُرَبُ من الحقِّ ، ويجتهد في الفرار .","part":5,"page":339},{"id":2340,"text":"منقادين يميلون مع الهوى ، ولا يقبلون حُكمه إيماناً . وكذلك شأن المريض الذي يميل بين الصحة والسقم؛ فأرباب النفاق مترددون بين الشك والعلم ، فليس منهم نَفْيٌ بالقطع ولا إثباتٌ بالعلم ، فهم متطوِّحون في أودية الشك .","part":5,"page":340},{"id":2341,"text":"فلمَّا انخرطوا في سلك التجويز ما حصلوا إلا في ظُلْمِ الشك ، ولما لم يكن لهم يقينٌ في القلب لم يكن معهم لأهل القلوب ذكر .","part":5,"page":341},{"id":2342,"text":"الذين إيمانهم حقيقةً بحكم التصديق شأنُهم قيامُهم بإظهار ما ضمنوه من التحقيق . ومن يُقابِلْ أمرَ الله بالطاعة ، ويستقبلْ حُكمه بالاستخذاء . . . فأولئك هم الصادقون في الحقيقة ، السالكون في الطريقة ، الآخذون بالوثيقة .","part":5,"page":342},{"id":2343,"text":"أقسموا بالله غاية اليمين ، ووعدوا من أنفسهم الطاعة لو أمرهم بالخروج في المستقبل ، فقال : لا تَعِدُوا بما هو معلومٌ منكم ألا تفوا به؛ فطاعةٌ في الوقت أَوْلى من تسويفٍ بالوعد .\rثم قال : قُلْ يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا الرسول . . فإن أجابوا سَعِدُوا في الدارين ، وأحسنوا إلى أنفسهم . وإنْ تَوَلّوْا عن الإجابة فما أَضَرُّوا إلا بأنفسهم ويكون الندم في المستقبل عليهم ، وسوف يَلْقَوْنَ سوء عواقبهم ، وليس على الرُسلِ إلا حُسْنُ البلاغ . ويومَ الحَشْرِ يُعْطَى كُلُّ أحدٍ كتابَه ، ويُعامَلَ بمقتضى حساب نفسه .","part":5,"page":343},{"id":2344,"text":"وَعْدُ الله حقٌّ وكلامُه صدقٌ ، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه - بالإجماع - لم يتقدمهم في الفضيلة - إلى يومنا - أحدٌ؛ فأولئك مقطوعٌ بإمامتهم ، وصدَق وعدُ الله فيهم ، وهم على الدين المرضيِّ من قِبلِ الله ، ولقد أَمِنُوا بعد خوفهم ، وقاموا بسياسة المسلمين ، والذَّبِّ عن حوزة الإسلام أحسنَ قيام .\rوفي الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان المِلَّة ودعائم الإسلام ، الناصحون لعباده ، الهادون مَنْ يسترشِدُ في الله؛ إذ الخلَلُ في أمر المسلمين من الولاةِ الظَّلمَة ضَرَرُه مقصورٌ على ما يتعلَّق بأحكام الدنيا ، فأَما حفَّاظُ الدين فهم الأئِمة من العلماء وهم أصناف :\rقومٌ هم حفَّاظ أخبار الرسول عليه السلام وحفّاظُ القرآن وهم بمنزلة الخزنةِ ، وقوم هم علماءُ الأصولِ الرادُّون على أهلِ العِناد وأصحابِ البِدَع بواضح الأدلة ، وهلم بطارِقةٌ الإسلام وشجعانُه .\rوقوم هم الفقهاء المرجوعُ إليهم في علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات وما يتعلق بأحكام المصاهرات وحكم الجراحات والدِّيَّات ، وما في معاني الأَيْمانِ والنذور والدعاوى ، وفصل الحُكم في المنازعات وهم في الدين يمنزلة الوكلاء والمتصرفين في المُلك .\rوقوم هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وهم في الدِّين كخواصِّ المَلِك وأعيان مجلس السلطان؛ فالذين معمورٌ بهؤلاء - على اختلافهم إلى يوم القيامة .","part":5,"page":344},{"id":2345,"text":"إنَّ الباطلَ قد تكون له دولةُ ولكنها تخييل - وما لذلك بقاء - وأقلُّ لُبْشاً من عارضٍ ينشأ عن الغيظ .","part":5,"page":345},{"id":2346,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَأ أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ } .\rضيَّق الأمر من وجهٍ ووسَّعَه من وجهٍ ، وأمر بمراعاة الاحتياط وحسن السياسة لأحكام الدين ومراعاة أمر الحُرُم ، والتحرر من مخاوف الفتنة ، وإذا كانت الجوانبُ محروسةً صارت المخاوفُ مأمونة .","part":5,"page":346},{"id":2347,"text":"يحدث تأثيرٌ بالمضَرّة لبناتِ الصدور من دواعي الفتنة واستيلاء سلطان الشهوة؛ فإذا سَكَنتْ تلك الثائرة سَهُل البابُ ، وأُبيحت الرُّخَصً وأُمِنَتْ الفتنة .","part":5,"page":347},{"id":2348,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ } .\rإذا جاءت الأعذار سُهلَ الامتحانُ والاختيارُ ، وإذا حصلت القرابةُ سقطت الحشمة ، وإذا صدقت القرابة انتفت التفرقة والأجنبية؛ فبشهادة هذه الآية إذا انتفت هذه الشروط صَحَّتْ المباسطة في الارتفاق .\rثم قال : { أَوْ صَدِيقِكُمْ } [ النور : 61 ] وعزيزٌ منْ يصدُقُ في الصداقة؛ فيكون في الباطن كما يُرَى في الظاهر ، ولا يكون في الوجه كالمرآه ومِنْ ورائِك كالمقْراض ، وفي معناه ما قلت :\rمَنْ لي بمن يثق الفؤاد بودِّه ... فإذا تَرحَّلَ لم يزغ عن عهده\rيا بؤس نفسي من أخ لي باذلٍ ... حسنَ الوفاء بوعده لا نَقْدِه\rيُولِي الصفاءَ بنُطِقه لا خُلقه ... ويدسُّ صاباً في حلاوة شَهْده\rفلسانُه يبدي جواهر عقده ... وجَنانه تغلي مراجلُ حقده\rلا هُمَّ إني لا أطيق مِراسَه ... بك أستيعذ من الحسود وكيده\rوقوله : { أَوْ صَدِيقِكُمْ } [ النور : 61 ] مَنْ تُؤْمَنُ منه هذه الخصال وأمثالها .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِّيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .\rالسلامُ الأمانُ ، وسبيلُ المؤمن إذا دخل بيتاً أن يُسلِّمَ مِنَ اللَّهِ على نَفْسِه؛ أي يطلب الأمانَ والسلامةَ من الله لِتَسَلَم نَفْسُه من الإقدام على ما لا يرضاه الله ، إذ لا يحل لمُسلِم أَنْ يفْتُرَ لحظةً عن الاستجارة بالله حتى لا يرفع عنه - سبحانه - ظِلَّ عِصْمَتِه؛ بإدامة حِفْظِه عن الاتصاف بمكروهٍ في الشرع .","part":5,"page":348},{"id":2349,"text":"شرطُ الاتباع موافقةُ المتبوعِ ، وألا يتفرقوا فيصيروا أحزاباً كما قال : { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } [ الحشر : 14 ] و « العلماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ » . والمريدون لشيوخهم كالأُمَّةِ لنبيِّهم؛ فَشَرْطُ المريدِ ألا يَتَنَفَّسَ بِنَفَسٍ إلا بإذن شيخه ، ومَنْ خَالَفَ شيخَه في نَفَسٍ - سِرَّاً أو جَهْراً - فإنه يرى غِبَّه سريعاً في غير ما يُحبُّه . ومخالفةُ الشيوخ فيما يستسرونه عنهم أشدُّ مِمَّا يظهر بالجهر بكثير لأن هذا يلتحق بالخيانة . ومَنْ خَالَفَ شيخَه لا يُشمُّ رائحةَ الصِّدقِ ، فإن بَدَرَ منه شيءٌ من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عمَّا حَصَلَ منه من المخالفة والخيانة ، لِيَهْدِيَه شيخُه كفَّارةُ جُرْمِهِ ، ويلتزم في الغرامة بما يحكم به عليه . وإذا رجع المريدُ إلى شيخه إلى ما فيه بالصدق وَجَبَ على شيخه جبرانَ تقصيره بهمته؛ فإِن المريدين عِيالٌ على الشيوخ؛ فُرِضَ عليهم أن يُنْفِقُوا عليهم من قُوَّةِ أحوالهم بما يكون جبراناً لتقصيرهم .","part":5,"page":349},{"id":2350,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَّ تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً } .\rأي عَظِّموه في الخطاب ، واحفظوا في خدمته الأدبَ ، وعانِقوا طاعتَه على مراعاةِ الهيبة والتوقير .\rقوله جلّ ذكره : { فَلْيَحْذِرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rسعادة الدارين في متابعةَ السنَّة ، وشقاوة المنزلين في مخالفة السُّنَّة . ومِنْ أَيْسَرِ ما يُصيب مَنْ خَالَفَ سُنتَه حرمانُ الموافقة ، وتَعَذُّرُ المتابعة بعده ، وسقوط حشمة الدارين عن قلبه .","part":5,"page":350},{"id":2351,"text":"إنَّ لليوم غداً ، ولِمَا يفعلُ العبدُ حساباً ، وسيُطالَبُ المكَلَّفُ بالصغيرِ والكبير ، والنقير والقطمير .","part":5,"page":351},{"id":2352,"text":"يقال بِرَكَ الطيرُ على الماء إذا ما دام وقوفُه على ظهر الماء . ومَبَارِكُ الإبلِ مَواضِعُ إقامتها بالليل . وتبارك على وزن تَفَاعَل تفيد دوامَ بقائه ، واستحقاقَه لِقِدَمِ ثوبته وبقاء وجوده لا عن استفتاح ولا إلى انقطاع .\rفي التفاسير { تَبَارَكَ } أي تعظَّمَ وتَكبَّر . وعند قوم أنه من البركة وهي الزيادة والنفع ، فداومه وجودُه ، وتكبره استحقاق ذاته لصفاته العلية ، والبركة أو الزيادة تشير إلى فَضْلِه وإحسانه ولُطْفِه .\rفوجوهُ الثناء عليه تنحصر بهذه الأوجه الثلاثة : ثناء عليه بذكر ذاته وحقِّه ، وثناء بذكر وصفه وعِزِّه ، وثناء بذكر إحسانه وفضله؛ { تَبَارَكَ } مجمعُ الثناء عليه - سبحانه .\r{ الَّذِى نَزَّلَ الفُرْقَانَ } ، وهو القرآن { عَلَى عَبْدِهِ } : فأكرمه بأن نَبَّاه وفَضَّلَه ، وإلى الخَلْق أرسله ، وبَيَّنَ مَعْجِزَتَه وأمارةً صِدْقه بالقرآن الذي عليه أنزله ، وجعله بشيراً ونذيراً ، وسراجاً منيراً .","part":5,"page":352},{"id":2353,"text":"قوله جلّ ذكره : { الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } .\rتَفَرَّدَ بالمُلْكِ فلا شريكَ يساهمه ، وتَوَجَّدَ بالجلالِ فلا نظيرََ يُقاسِمُه؛ فهو الواحد بلا قسيم في ذاته ، ولا شريك في مخلوقاتِه ، ولا شبيهٍ في حَقِّه ولا في صفاته .","part":5,"page":353},{"id":2354,"text":"اتخذوا من دون اللَّهِ آلهةً لا يملكون قطميراً ، ولا يخلقون نقيراً ، ولا يدفعون عنهم كثيراً ولا يسيراً ، ولا ينفعونهم ولا يُسهِّلُون عليهم عسيراً ، ولا يملكون لأحدٍ موتاً ولا نُشوراً .","part":5,"page":354},{"id":2355,"text":"ظنوه كما كانوا ، ولمَّا كانوا بأمثالِهم قد استعانوا فيما عجزوا عنه من أمورِهم ، واستحدثوا لأمثالهم واستكانوا - فقد قالوا من غير حُجَّةٍ وتَقَوَلُّوا ، ولم يكن لقولهم تحصيل ، ولأَساطيرُ الأولين تُرَّهاتُهم التي لا يُدْرَى هل كانت؟ وإن كانت فلا يُعْرَفُ كيف كانت ومتى كانت؟\rثم قال : يا محمد ، إن هذا الكتاب - الذي أنزله الذي يعلم السِّرَّ في السموات والأرض - لا يَقْدِر أحد على الإتيان بمثله ولو تشاغلوا من الوقت الذي أتى به أعداء الدينِ ، وهم على كثرتهم مجتهدون في معارضته بما يوجب مساواته؛ فادَّعوا تكذيبه وانقطعت الأعصار وانقضت الأعمال ، ولم يأتِ أحدٌ بسورة مثله . فانتفى الرَّيْبُ عن صِدْقهِ ، ووَجَبَ الإقرارُ بحقِّه .","part":5,"page":355},{"id":2356,"text":"لما عجزوا عن معارضته أخذوا يعيبونه بكونه بَشَراً من جنسهم يمْشي في الأسواق ، ويأكل الطعام ، وعابوه بالفقر وقالوا : هَلاَّ نَزَّلَ عليه الملائكةَ فَيُرَوْنَ عياناً؟ وهلاَّ جعل له الكنوزَ فاستكثر مالاً؟ وهلاَّ خُصَّ بآياتٍ - اقترحوها - فَتَقْطَعَ العُذْرَ وتُزِيلَ عنَّا إشكالاً؟! وما هذا الرجلُ إلا بشرٌ تعتريه مِنْ دواعي السهوات ما يعتري غيره! فأيُّ خصوصيةٍ له حتى تلْزَمَنا متابَعَتهُ ولن يُظْهِرَ لنا حجةً؟ فأجاب الله عنهم وقال : إنَّ الحقَّ قادرٌ على تمليكك ما قالوا وأضعافَ ذلك ، وفي قدرته إظهارُ ما اقترحوه وأضعافُ ذلك ، ولكن ليس لهم هذا التخير بعدما أزيح العذرُ بإظهار معجزة واحدة ، واقترح ما يَهْوَوْنَ تحكُّمٌ على التقدير ، وليس لهم ذلك . ثم أخبر أنه لو أظهر تفصيل ما قالوه وأضعافَه لم يؤمنوا؛ لأن حُكْمَ الله بالشقاوة سابق لهم .","part":5,"page":356},{"id":2357,"text":"فهم في حُكم الله من جملة الكفار ، والله أَعَدَّ لهم ولأمثالهم من الكفار وعيدَ الأبدِ . . . فلا محالة يُمْتحنون به .\rقوله : { انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً } : دليلٌ على جواز التكليف بما لا يقدر عليه العبدُ في الحالِ؛ لأنه أخبر أنهم لا يستطيعون سبيلاً ، وهم معاتبُون مُكلَّفُون .","part":5,"page":357},{"id":2358,"text":"فوحشةُ النارِ توجد من مسافة بعيدة قبل شهودِها والامتحان بها ، ونسيمُ الجنةَ يوجد قبل شهودِها والدخولِ فيها ، والنار تُسَجَّر منذ سنين قبل المحترقين بها ، والجنة تُزَيَّن منذ سنين قَبْلَ المسْتَمتِعين بها . وكذَبَ مَنْ أحال وجودهما قبل كون سكانهما وقطانهما من المنتفعين أو المعاقبين ، لأن الصادق أخبر عن صفاتهما التي لا تكون إلا بموجود .","part":5,"page":358},{"id":2359,"text":"راحةُ الجنة مقرونة بسعتها ، ووحشة النار مقرونة بضيقها ، فيُضيِّق عليهم مكانَهم ، ويضيِّق عليهم قلوبهم ، ويضيق عليهم أوقاتهم . ولو كانت حياتُهم تبطل وكانوا يتخلصون منها لم يكن البلاء كاملاً ، ولكنها آلام لا تتناهى ، ومِحَنٌ لا تنقضي؛ كلما راموا فرجةً قيل لهم : فلن نزيدكم إلا عذاباً .","part":5,"page":359},{"id":2360,"text":"المتقون أبداً في النعيم المقيم؛ حور وسرور وحبور ، ورَوْحٌ وريحان ، وبهجة وإحسان ، ولطف جديد وفضل مزيده ، وألذُّ شرابٍ وكاساتُ محابِّ ، وبسطُ قلبٍ وطيبُ حالٍ ، وكمال أُنْسٍ ودوام طرب وتمام جَذَلٍ ، لباسهم فيها حرير وفراشهم سندس وإستبرق . والأسماء أسماءٌ في الدنيا والأعيان بخلاف المعهودات فيها . ثم فيها ما يشاؤون ، وهم أبداً مقيمون لا يبرحون ، ولا هم عنها يخرجون .","part":5,"page":360},{"id":2361,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ } .\rولكن لا يخلق في قلوبهم إلا إرادةَ ما عَلِم أنه سيفعله ، فما هو المعلوم لله أنه لا يفعله لا تتعلق به إرادتُهم ، ويمنع من قلوبهم مشيئتَه .","part":5,"page":361},{"id":2362,"text":"اللَّهُ يحشرُ الكفارَ ويحشر الأصنامَ التي عبدوها من دون الله ، فَيُحْيِيها ويقول لها : هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيتبرأون . . كلُّه تهويلٌ وتعظيمٌ للشأن ، وإلا فهو عليم بما كان وما لم يكن . فالأصنام تُتبرأ منهم ، تقابلهم بالتكذيب ، وهم ينادون على أنفسهِم بالخطأ والضلالِ ، فيُلْقَون في النار ، ويَبْقَوْنَ في الوعيد إلى الأبد .","part":5,"page":362},{"id":2363,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الأَسْوَاقِ } .\rأخبر أن الذين تَقْدَّموه من الرسل كانوا بَشَراً ، ولم تكن الخصوصية لهم إلا ظهورَ المعجزات عليهم . وفي الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة ، ثم قال :\r{ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } .\rفَضَّلَ بعضاً على بعض ، وأمر المفضولَ بالصبر والرضاء ، والفاضلَ بالشكر على العطاء وخصَّ قوماً بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء ، وخصَّ قوماً بالعوافي ، وأخرين بالأسقام والآلام ، فلا لِمَن نَعَّمَه مناقب ، ولا لِمَنْ امتحنه معايب . . . فبحُكمِه لا يِجُرْمهم ، وبفضله لا بفعلهم ، وبإرادته لا بعبادتهم ، وباختياره لا بأوضارهم ، وبأقذاره لا بأوزارهم ، وبه لا يهم .\rقوله : { أَتَصْبِرُونَ؟ } استفهام في معنى الأمر ، فَمَنْ ساعَدَه التوفيقُ صبر وشكر ومن قارنه الخذلان أبي وكفر .","part":5,"page":363},{"id":2364,"text":"{ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا } : لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى الله في القيامة من الدنيا . وكما كانوا لا يخافون العذابَ ، ولا ينتظرون الحَشْرَ كذلك كانوا لايُؤْمِنون لقاءَ الله . فَمُنْكِرُ الرؤيةِ من أهل القِبْلَةِ - ممن يؤمِن بالقيامة والحشرِ - مُشَارِكٌ لهؤلاء في جُحْدِ ما وَرَدَ به الخبرُ والنقلُ؛ لأن النَّقْلَ كما وَرَدَ بكوْنِ الحَشْرِ بكون الرؤية لأهل الإيمان .\rفالذين لم يؤمنوا قالوه على جهة رؤية المقام لأنفسهم ، وأنه مُسَلَّمٌ لهم ما اقترحوه من نزول الملائكة عليهم ورؤية ربهم . وذلك وإن كان في القدرة جائزاً - إلا أنه لم يكن واجباً بعد إزاحة عُذْرِهم بظهور معجزات الرسول عليه السلام ، فلم يكن اقتراح ما قالواه جائزاً لهم .","part":5,"page":364},{"id":2365,"text":"اقترحوا شيئين : رؤيةَ الملائكةِ ورؤيةَ اللَّهِ ، فأخبر أنهم يرون الملائكة عند التوفيِّ ، ولكن تقول الملائكةُ لهم : { إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ! } .\r{ حِجْراً مَّحْجُوراً } : أي حراماً ممنوعاً يعني رؤية الله عنهم ، فهذا يعود إلى ما جرى ذكره ، وحَمْلُه على ذلك أَوْلى من حَمْلِه على الجنة ، ولم يجر لها هنا ذكْرٌ . ثم فيه بشارة للمؤمنين بالرؤية لأنهم يرون الملائكة ويبشرونهم بالجنة ، قال تعالى : { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ } [ فصلت : 30 ] فكما لا تكون للكفارة بشارة ٌ بالجنة وتكون للمؤمنين لا تكون الرؤيةُ للكفار وتكون للمؤمنين .","part":5,"page":365},{"id":2366,"text":"هذه آفة الكفار؛ ضاع سعيُهم وخاب جُهْدُهم ، وضاع عمرُهم وخَسِرَتْ صفقتُهم وانقطع رجاؤهم { وَبَدَا لَهُمُ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } [ الزمر : 47 ] ، { يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَاً } [ الكهف : 104 ] .\rوأما أصحاب الحقائق وأرباب التوحيد فيلوح لقلوبهم من سماع هذه الآية ما يحصل به كمال رَوْحِهم ، وتتأدَّى إلى قلوبِهم من الراحات ما يضيق عن وصفه شرحهُم ، ويتقاصر عن ثنائه نُطْقُهم ، حيث يسمعون قوله : { وَقَدِمْنَا إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } ولقد ظهرت قيمة أعمالهم حيث قال الحقُّ لأجله { وَقَّدِمْنَا إلى . . . } فَهُم إذا سمعوا وَجَبَ لهم من الأريحية ما يشغلهم عن الاهتمام لقوله : { فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } ويقولون : يا ليت لنا أعمال أهل الدارين ثم لا تُقْبَلُ منها ذرةٌ وهو يقول بسببها : { وَقَدِمْنَآ إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ . . . } ! لأنهم إذا تخلصوا من مواضع الخلل وموجبات الخجل من أعمالهم عدُّواً ذلك من أجلِّ ماينالون من الإحسان إليهم ، وفي معناه أنشدوا :\rسأرجع من حجِّ عامِيَ مُخْجِلاً ... لأنَّ الذي قد كان لا يُتَقَبَّلُ","part":5,"page":366},{"id":2367,"text":"أصحابُ الجنةِ هم الراضون بها ، الواصلون إليها ، والمُكتَفون بوجدانها ، فحسُنَتْ لهم أوطانُهم ، وطابَ لهم مُستَقَرُّهم .","part":5,"page":367},{"id":2368,"text":"يريد يومَ القيامة إذا بَدَتْ أهوالُها ، وظَهَرت للمبعوثين أحوالُها عَمِلُوا وتحققوا- ذلك اليومَ - أنَّ المُلْكَ للرحمن . ولم يتخصص ملكُه بذلك اليوم ، وإنما علْمُهم ويقينهُم حَصَلَ لهم ذلك الوقت .\rويقال تنقطع دواعي الأغيار ، وتنتفي أوهامُ الخلْق فلا يتجدَّدُ له - سبحانه - وصفٌ ولكن تتلاشى للخلْق أوصاف ، وذلك يومٌ على الكافرين عسير ، ودليل الخطاب يقتضي أنَّ ذلك اليوم على المؤمنين يسيرٌ وإلا بطل الفرقُ؛ فيجب ألا يكون مؤمن إلاَّ وذلك اليوم يكون عليه هيناً .","part":5,"page":368},{"id":2369,"text":"يندم الكافر على صحبة الكفار . ودليل الخطاب يتقضي سرورَ المؤمنين بمصاحبة أخدانهم وأحبائهم في الله ، وأمَّا الكافر فَيُضِلُّ صاحبَه فيقع معه في الثبور ، ولكن المؤمن يهدي صاحبه إلى الرشد فيصل به إلى السرور .","part":5,"page":369},{"id":2370,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا القُرْءَانَ مَهْجُوراً } .\rشكا إلى الله منهم ، وتلك سنَّةُ المرسلين؛ أخبر الله عن يعقوب - عليه السلام - أنه قال : { إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ } [ يوسف : 86 ] فَمنْ شكا من الله فهو جاحد ، ومنْ شكا إلىلله فهو عارف واجد .\rثم إنه أخبر أنه لم يُخْلِ نبياً من أنبيائه صلوات الله عليهم إلا سلَّطَ عليه عَدُّواً في وقته ، إلا أنَّه لم يغادِرْ من أعدائِهم أحداً ، وأذاقهم وبالَ ما استوجبوه على كفرهم وغَيَّهم قوله جلّ ذكره : { وَكَفَى بِرَبِكَ هَادِياً وَنَصِيراً } .\rكفى بربك اليوم هادياً إلى معرفته ، وغداً نصيراً على رؤيته .\rويقال آخر فتنة للمؤمنين ما ورد في الخبر : « أن كل أمة ترى في القيامة الصنم الذي عبدوه يتبعونه فيحشرون إلى النار ، فيُلْقَوْن فيها ويبقى المؤمنون ، فيقال لهم : ما وقفكم؟ فيقولون : إنهم رأوا معبودهم فتبعوه ونحن لم نرَ معبودنا! فيقال لهم : ولو رأيتموه . . . فهل تعرفونه؟ فيقولون : نعم . فيقال لهم : بِمَ تعرفونه؟ فيقولون : بيننا وبينه علامة . فيريهم شيئاً في صورة شخص فيقول لهم : أنا معبودكم . فيقولون : معاذ الله . . . نعوذ بالله منك! ما عبدناك . فيتجلَّى الحقُّ لهم فَيَسجدون له » .","part":5,"page":370},{"id":2371,"text":"أي إنما أنزلناه متفرقاً لِيسُهل عليك حِفْظُه؛ فإنه كان أمياً لا يقرا الكتب ، ولأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل عليه السلام بالرسالة إليه في كل وقت وكل حين . . . وكثرةُ نزوله كانت أوجبَ لسكون قلبه وكمال رَوْحه ودوام أُنْسه ، فجبريل كان يأتي في كل وقت بما كان يقتضيه ذلك الوقتُ من الكوائن والأمور الحادثة ، وذلك أبلغُ في كونه معجزةً ، وأَبعدُ عن التهمة من أن يكون من جهة غيره ، أو أن يكون بالاستعانة بمن سواه حاصلاً .","part":5,"page":371},{"id":2372,"text":"كان الجوابُ لما يوردونه على جهة الاحتجاج لهم مفحماً ، ولفساد ما يقولونه موضحاً ، ولكن الحقَّ - سبحانه - أجرى السُّنّة بأنه لم يزد ذلك للمسلمين إلا شَفَاءً وبصيرةً ولهم إلا عَمَىً وشبهة .\rثم أخبر عن حالهم من مآلهم .","part":5,"page":372},{"id":2373,"text":"يحشرون على وجوههم وذلك أمارة لإهانتهم ، وإن في الخبر : « الذين أمْشاهم اليومَ على أقدامهم يُمْشيهم غداً على وجوههم » وهو على ذلك قادر ، وذلك منه غير مستحيل .","part":5,"page":373},{"id":2374,"text":"قلَمَّا يجري في القرآن لنبينا - A - ذِكْرٌ إلا ويذكر الله عُقَيْبَه موسى عليه السلام . وتكررت قصته في القرآن في غير موضع تنبيهاً على علو شأنه ، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور فالتكرير في الذكر يوجب التفصيل في الوصف؛ لأن القصة الواحدة إذا أعيدت مراتٍ كثيرة كانت في باب البلاغة أتمَّ لا سيما إذا كانت في كل مرة فائدةٌ زائدة .\rثم بيَّن أنه قال لهما : { فَقُلْنَا اذهبآ إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرأً }\rأي فَذَهبا فَجَحَدَ القومُ فدمرناهم تدميراً أي أهلكناهم إهلاكاً ، وفي ذلك تسليةٌ للنبي - A - فيما كان يقاسيه من قومه من فنون البلاء ، ووَعْدٌ له بالجميل في أنه سَيُهْلك أعداءَه كُلَّهم .","part":5,"page":374},{"id":2375,"text":"أَحْلَلْنا بهم العقوبة كما أحللنا بأمثالهم ، وعاملناهم بمثل معاملتنا لقرنائهم . ثم عَقَّبَ هذه الآيات بذكر عادٍ وثمود وأصحاب الرَّسِّ ، ومَنْ ذكرهم على الجملة من غير تفصيل ، وما أهلك به قوم لوطٍ حيث عملوا الخبائث . . . كل ذلك تطييباً لقلبه A ، وتسكيناً لِسرِّه ، وإعلاماً وتعريفاً بأنه سيهلك مَنْ يُعاديه ، ويدمِّر مَنْ يناويه ، وقد فَعَلَ من ذلك الكثير في حال حياته ، والباقي بعد مُضِيِّه - عليه السلام - من الدنيا وذهابه .","part":5,"page":375},{"id":2376,"text":"كانت تكون له سلوة لو ذكر حالته وشكا إليه قصته ، فإذا أخبر اللَّهُ وقصَّ عليه ما كان يلاقيه كان أَوْجَبَ للسَّلْوَةِ وأقربَ من الأًُنْس ، وغايةُ سلوةِ أربابِ المحن أن يذكروا لأحبائهم ما لقوا في أيام امتحانهم كما قال قائلُهم :\rيودُّ بأن يمشي سقيماً لَعَلَّها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسله\rويهتزُّ للمعروفِ في طَلَبِ العلَى ... لتُذْكَرَ يوماً عند سلمى شمائلُه\rوأخبر أنهم كانوا ينظرون إليه - عليه السلام بعين الازدراءِ ولاتصغيرِ لشأنه؛ لأنهم كانوا لا يعرفون قَدْرَه ، قال تعالى : { وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [ الأعراف : 198 ] .","part":5,"page":376},{"id":2377,"text":"كانوا يعبدون من الأصنام ما يَهْوَوْن؛ يستبدلون صنماً بصنم ، وكانوا يَجْرُون على مقتضى ما يقع لهم . والمؤمنُ بِحُكْمِ اللَّهِ لا بحكم نفسه ، وبهذا يتضح الفرقان بين رجل وبين رجل . والذي يعيش على ما يقع له فعابِدُ هواه ، وملتحِقٌ بالذين ذكرهم الحقُّ بالسوءِ في هذه الآية .","part":5,"page":377},{"id":2378,"text":"كالأنعام التي ليس لها هَمٌّ إلاَّ في أَكْلَةٍ وشَرْبَة ، ومَنْ استجلب حظوظَ نَفْسِه فكالبهائم . وإنَّ الله - سبحانه - خَلَقَ الملائكةَ وعلى العقلِ جَبَلَهم ، والبهائمَ وعلى الهوى فَطَرَهم ، وبنى آدم ورَكّبَ فيهم الأمْرَيْن؛ فَمَنْ غًلَبَ هواه عَقْلَه فهو شرُّ من البهائم ، ومَنْ غَلَبَ عَقْلُه هواه فهو خيرٌ من الملائكة . . . كذلك قال المشايخ .","part":5,"page":378},{"id":2379,"text":"قيل نَزَلَ الرسول - A - في بعض أسفاره وقت القيلولة في ظل شجرة وكانوا خَلْقاً كثيراً فَمَدَّ اللَّهُ ظِلَّ تلك الشجرة حتى وسع جميعَهم وكانوا كثيرين ، فأنزل الله هذه الآية ، وكان ذلك من جملة معجزاته عليه السلام .\rوقيل إن الله في ابتداء النهار قبل طلوع الشمس يجعل الأرضَ كلَّها ظلاً ، ثم إذا طلعت الشمسُ وانبسط على وجه الأرض شعاعُها فكلُّ شخصٍ يُبْسَطُ له ظِلُّ ، ولا يُصيب ذلك الموضعَ شعاعُ الشمس ، ثم يتناقض إلى وقت الزوال ، ثم يأخذ في الزيادة وقت الزوال . وذلك من أماراتِ قدرة الله تعالى؛ لأنه أجرى العادة بخلق الظلِّ والضوء والفيء .\rقوله : { وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً } : أي دائماً : { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } ؛ أي حال ارتفاعِ الشْمسِ ونُقصانِ الظِّلِّ .\rويقال : ألم تر إلى ربك كيف مدَّ ظل العناية على أحوال أوليائه؛ فقومٌ هم في ظل الحماية ، وآخرون في ظل الرعاية ، وآخرون في ظل العناية ، والفقراء في ظل الكفاية ، والأغنياء في ظل الراحة من الشكاية .\rظلٌ هو ظل العصمة ، وظل هو ظل الرحمة؛ فالعصمة للأنبياء عليهم السلام ثم للأولياء ، والرحمة للمؤمنين ، ثم في الدنيا لكافة الخلائق أجمعين . ويقال قوله للنبي A : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } ثم قوله { كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } ستراً لما كان كاشفه به أولاً ، إجراءً للسُّنَّةِ في إخفاء الحال عن الرقيب . قال لموسى عليه السلام : { لَن تَرَانِى } [ الأعراف : 143 ] وقال لنبينا عليه السلام : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } وشتان ماهما!\rويقال أحيا قلبه بقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } إلى أن قال : { كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } فجعل استقلاله بقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } إلى أن سمع ذكر الظل . ويقا أحياه بقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } ثم أفناه بقوله : { كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } وكذا سُنَّتُه مع عباده؛ يُردِّدُهم بين إِفناءٍ وإبقاء .","part":5,"page":379},{"id":2380,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشوُراً } جعل الليلَ وقتاً لسكون قومٍ ووقتاً لأنزعاج آخرين؛ فأربابُ الغفلة يسكنون في ليلهم ، والمحبون يسهرون في ليلهم إنْ كانوا في رَوْحِ الوصال ، فلا يأخذهم النومُ لكمال أُنْسِهم ، وإن كانوا في ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم ، فالسّهرُ للأحباب صِفَةٌ : إمَّا لكمال السرور أو لهجوم الهموم . ويقال جعل النومَ للأحباب وقتَ التجلِّي بما لا سبيلَ إليه في اليقظة ، فإذا رَأَوْا ربَّهم في المنام يؤثِرون النومَ على السَّهر ، قال قائلهم :\rوإني لأَستغفي وما بي نَعْسَةٌ ... لعلَّ خيالاً منك يلقى خياليا\rوقال قائلهم :\rرأيتُ سرورَ قلبي في منامي ... فأحببتُ التَّنَعُّسَ والمناما\rويقال النوم لأهلِ الغفلة عقوبةٌ ولأهل الاجتهادِ رحمةٌ؛ فإن الحقَّ - سبحانه - يُدْخِلُ عليهم النوم ضرورةً رحمةً منه بنفوسهم ليستريحوا من كَدِّ المجاهدة .","part":5,"page":380},{"id":2381,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَهُوَ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرَا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً } .\rيُرْسِلُ رياحَ الكَرَم فتهب على قلوب ذوي الحاجات فتزعجها إلى طلب مبارِّه ، ويرسل رياحَ الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتُكْفَى بالله لله ، ويرسِلُ رياحَ الخوفِ على قلوبِ العُصَاةِ فتحملهم على النَّدَمِ ، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة ، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب ، فتزعجها عن المساكنات ، وتطهرها عن كل شيء إلا عن اللواعج فلا يستقِرُّ إلا بالكشف والتجلَّّي .\rويقال إذا تَنَسَّمَ القلبُ نسيمَ القُرْبِ هَامَ في ملكوت الجلال ، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود .\rقوله جل ذكره : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحِْىَ بِهِ بَلَدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } .\rأنزل من السماء ماء المطرِ فأحيا به الغياضَ والرياضَ ، وأنبت به الأزهار والأنوار ، وأنزل من السماء ماء الرحمةِ فغَسَلَ العصاةُ ما تلطخوا به من الأوضار ، وما تدنَّسوا به من الأوزار .\rو { الطَّهُور } هو الطاهرُ المُطَهِّرُ ، وماءُ الحياء يُطِهرُ قلوبَ العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات . وماء الرعاية يُحْيِي به قلوبَ المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلِّي حتى يزول عنها عَطَشُ الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال ، ويحيي به نفوساً ميتةً باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات .","part":5,"page":381},{"id":2382,"text":"إنَّ الله - سبحانه - خصَّ نبينا A بأن فضَّله على الكافة ، وأرسله إلى الجملة ، وبألا يُنْسَخَ شَرْعُه إلى الأبد . وبهذه الآية أدَّبه بأدقِّ إشارة ، حيث قال : { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } وهذا كما قال : { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } [ الإسراء : 86 ] .\rوَقَصْدُ الحقِّ أن يكون خواصُّ عباده أبداً معصومين عن شواهدهم .\rوفي القصة أن موسى عليه السلام تَبَرَّمَ وقتاً بكثرة ما كان يُسْأل ، فأوحى الله في ليلة واحدة إلى ألف نبي من بني إسرائيل فأصبحوا رُسلاً ، وتفرَّقَ الناسُ عن موسى عليه السلام إليهم عليهم السلام ، فضاق قلبُ موسى وقال : يا رب ، إني لا أطيق ذلك! فقبض اللَهُ أرواحهم في ذلك اليوم .","part":5,"page":382},{"id":2383,"text":"أي كُنْ قائماً بحقِّنا من غير أن يكون منك جنوحٌ إلى غيرنا أو مبالاةٌ بِمَنْ سوانا ، فإنَّا نَعْصِمُكَ بكلِّ وجهٍ ، ولا نرفع عنك ظِلَّ عنايتنا بحالٍ .","part":5,"page":383},{"id":2384,"text":"البحر المِلْح لا عذوبة فيه ، والعَذْبُ لا ملوحة فيه ، وهما في الجوهرية واحد ، ولكنه سبحانه - بقدرته - غَايَر بينهما في الصفة ، كذلك خَلَقَ القلوبَ؛ بعضُها مَعْدِنُ اليقينِ والعرفانِ ، وبعضُها مَحَلُّ الشكِّ والكفران .\rويقال أثبت في قلوب المؤمنين الخوف والرجاء ، فلا الخوف يغلب الرجاء ولا الرجاء يغلب الخوف .\rويقال خَلَقَ القلوبَ على وصفين : قلبَ المؤمن مضيئاً مشرقاً وقلبَ الكافر أسود مظلماً ، هذا بنور الإيمان مُزَيَّن ، وهذا بظلمة الجحود مُعَلَّم .\rويقال قلوبُ العوام في أسْرِ المطالب ورغائب الحظوظ ، وقلوبُ الخواصِّ مُعْتَقَةٌ عن المطالب ، مُجَرَّدَةٌ عن رِقِّ الحظوظ .","part":5,"page":384},{"id":2385,"text":"الخَلْقُ متشاكلون في أصل الخِلْقة ، متماثلون في الجوهرية ، متباينون في الصفة ، مختلفون في الصورة؛ فنفوسُ الأعداء مطاياهم تسوقهم إلى النار ، ونفوس المؤمنين مطاياهم تحملهم إلى الجنة . والخلْقُ بَشَرٌ . . ولكن ليس كلُّ بَشَرٍ كبشر؛ واحدٌ عدوٌّ لا يسعى إلا من مخالفته ، ولا يعيش إلا بنصيبه وحظِّه ، ولا يحتمل الرياضة ولا يرتقي عن حدِّ الوقاحة والخساسة ، وواحدٌ وليٌّ لا يَفْتَرُ عن طاعته ، ولا يَنْزِل عن هِمَّتِه ، فهو في سماء تعززه بمعبوده .\rوبينهما للناس مناهل ومشارب؛ فواحِدٌ يكون .","part":5,"page":385},{"id":2386,"text":"يكتفي بالمنحوتِ من الخشب ، والمصنوعِ من الصَّخْرِ ، والمُتَّخَذِ من النحاس ، وكلُّها جمادات لا تعقل ولا تسمع ، ولا تضر ولاَ تنفع .\rأما المؤمنُ فإنَّ من صفاته أنّه لا يلتفت إلى العرش - وإن علا ، ولا ينقاد بقلبه لمخلوقٍ - وإن اتصف بمناقب لا تُحْصَى .","part":5,"page":386},{"id":2387,"text":"رسولاً مِنَّا ، مأموراً بالإنذار والتبشير ، واقفاً حيث وقفناك على نعت التبليغ ، غيرَ طالب منهم أجراً ، وغير طامع في أن تجد منهم حظَّاً .","part":5,"page":387},{"id":2388,"text":"{ إِلاَّ } أداة استثناء منقطع؛ إذ ابتغاؤهم السبيل إلى ربِّهم ليس بأجرٍ يأخذه منهم ، فهو لِمَنْ أقْبَلَ بشيرٌ ، ولِمَنْ أعرض نذير .","part":5,"page":388},{"id":2389,"text":"قوله جل ذكره : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لاَ يَمُوتُ } .\rالتوكلْ تفويضُ الأمور إلى الله وحقُّه وأصْلُهُ عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله تعالى ، وأنه لا يقدر أحدٌ على الإيجاد غيرُه .\rفإذا عَرَفَ هذا فهو فيما يحتاج إليه - إذا عَلِمَ أن مرادَهُ لا يرتفع إلا مِنْ قِبَلِ الله - حصل له أصل التوكل . وهذا القَدْرُ فَرْضٌ ، وهو من شرائط الإيمان ، فإن الله تعالى يقول : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ المائدة : 23 ] وما زاد على هذا القَدْرِ - وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار - فهي أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله .\rفإن تقرَّرَ هذا فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ، ولكلِّ درجةٍ من هذه الأقسام اسم : إمَّا من حيث الاشتقاق ، أو من حيث الاصطلاح .\rفأول رتبة فيه أن يكتفي بما فيه يده ، ولا يطلب زيادة عليه ، ويستريح قلبه من طلب الزيادة . . وتسمى هذه الحالة القناعة ، وفيها يقف صاحبها حيث وقف ، ويقنع بالحاصل له فلا يستزيد ثم اكتفاءُ كلِّ أحدٍ يختلف في القلة والكثرة ، وراحة قلوب هؤلاء في التخلص من الْحِرصِ وإرادة الزيادة .\rثم بعد هذا سكونُ القلب في حالة عَدَمِ وجود الأسباب ، فيكون مجرداً عن الشيء ، ويكون في إرادته متوكلاً على الله . وهؤلاء متباينون في الرتبة ، فواحد يكتفي بوعده لأنه صَدَقَه في ضمانه ، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقةً منه بوعد ربه . . ويسمى هذا توكلاً ، ويقال على هذا : إن التوكل سكون القلب بضمان الربِّ ، أو سكون الجاش في طلب المعاش ، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه ، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد .\rوألطف من هذا أن يكتفي بِعِلْمِ أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله؛ ويعمل على طاعته؛ ولا يراعي إنجاز ما وَعَدَهَ؛ بَل يِكلُ أمرَه إلى الله . . وهذا هو التسليم .\rوفوق هذا التفويض ، وهو أنْ يَكِلَ أمرَه إلى الله . ولا يقترح على مولاه بحالٍ ، ولا يختار؛ ويستوي عند وجودُ الأسباب وعَدَمُها؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه الله؛ ولا يفكر في حال نَفْسِه؛ ويعلم أنه مملوكٌ لمولاه؛ والسيِّدُ أوْلَ بِعَبْدِهِ من العبد بنفسه .\rفإذا ارتقى عن هذه الحالة وَجَدَ راحةً في المَنْع؛ واستعذب ما يستقبله من الرَّدِّ . . . وتلك هي مرتبة الرضا؛ ويصلح له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه ما لا يحصل لِمَنْ دونَه من الحلاوة في وجود المقصود .\rوبعد هذا الموافقة؛ وهي ألا يجد الراحة في المَنْعِ ، بل يجد بَدَلَ هذا عند نسيم القربِ زوائد الأُنْس بنسيان كلِّ أرَبٍ ، ونيسان وجود سبب أو عدو وجود سبب؛ فكما أنَ حلاوة الطاعة تتصاغر عند بَرْدِ الرضا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجاباً - فكذلك أهل الأُنْسِ بالله .","part":5,"page":389},{"id":2390,"text":"بنسيانِ كلِّ فَقْدٍ ووَجْدٍ ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع ، والاستقلال بلطائف نقصاناً في الحال .\rثم بعد هذا استيلاءُ سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية ، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء . . وأمثال هذا ، وذلك هو عين التوحيد ، فعند ذلك لا أُنْسَ ولا هيبة ، ولا لذة ولا راحة ، ولا وحشة ولا آفة .\rهذا بيان ترتيبهم فأمّا دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين - على تباين شِرْبِهم . - يختلف على حسب اختلاف على حسب اختلاف محالِّهم .\rفيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل في المهد؛ لا شيء مِنْ قِبَلِه إلا أن يرضعه مَنْ هو في حضانته .\rويقال التوكل زوال الاستشراف ، وسقوط الطمع ، وفراغ القلب من تعب الانتظار .\rويقال التوكل السكون عند مجاري الأقدار على اختلافها .\rويقال إذا وثق القلب بجريان القسمة لا يضره الكسب ، ولا يقدح في توكله .\rويقال عوام المتوكلين إذا أُعْطُوا شكروا ، وإذا مُنعُوا صبروا . وخواصُّهم إذا أَعْطُوا آثروا ، وإذا مٌنِعُوا شكروا .\rويقال الحقُّ يجود على الأولياء - إذا توكلوا - بتيسير السبب من حيث يُحْتَسَبُ ولا يُحْتَسَبُ ، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب . . . وإذا لم يكن الأرَبُ فمتى يكون الطلب؟\rويقال التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حدَّ ، فأمَّا التوكل على الله في إصلاحه - سبحانه - أمورَ آخرِة العبد فهذا أشدُّ غموضاً ، وأكثرُ خفاءً . فالواجبُ في الأسباب الدنيوية أن يكون السكونُ عن طلبها غالباً ، والحركةُ تكون ضرورةً . فأمَّا في أمور الآخرة وما يتعلَّقُ بالطاعةِ فالواجبُ البِدارُ والجِدُّ والانكماشُ ، والخروجُ عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل .\rوالذي يتَّصِفُ بالتواني في العبادات ، ويتباطؤ في تلافي ما ضيَّعَه من أرضاء الخصوم والقيام بحقِّ الواجبات ، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكِّلٌ على الله وأنه - سبحانه - يغفو عنه فهو مُتَّهَمٌب معلولُ الحالِ ، ممكورٌ مُسْتَدْرَجٌ ، بل يجب أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه . ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته ، ولا يستنِدُ إلى سكونه وحركته ، ويتبرأُ بِسِرِّه من حَوْلِهِ وقوَّتِه . ثم يكون حَسَنَ الظنِّ بربِّه ، ومع حُسْنِ ظنه بربه لا ينبغي أن يخلوَ من مخافته ، اللهم إلا أن يَغْلِبَ على قلبه ما يشغله في الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب؛ فإن ذلك - إذا حَصَلَ - فالوقتُ غالِبٌ ، وهو أحد ما قيل في معاني قولهم : الوقت سيف .","part":5,"page":390},{"id":2391,"text":"قوله جل ذكره : { الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ } .\rانتظم به الكونُ - والعرشُ من جملة الكون - ولم يتجمَّل الحقُّ - سبحانه - بشيءٍ من إظهار بَرِيَّتهِ؛ فعلوُّه على العرش بقهره وقدرته ، واستواؤه بفعلٍ خص به العرش بتسوية أجزائه وصورته .","part":5,"page":391},{"id":2392,"text":"أقبل الحقُّ - سبحانه - بلطفه وبفضله على أقوام فلذلك وجدوه ، وأعرض عن آخرين بتكبره وتعزُّزِه فلذلك جحدوه؛ فَطَرَهُم على سِمَةِ البُعْدِ ، وعَجَنَ طينتهم بماء الشقاوة والصدِّ؛ فلما أظهرهم ألبسهم صدار الجهل والجحد .","part":5,"page":392},{"id":2393,"text":"زيَّنَ السماء الدنيا بمصابيح ، وخلَق فيها البروجَ ، وبَثَّ فيها الكواكب ، وصان عن الفطورِ والتشويش أقطارَها ومناكبَها ، وأدار بقدرته أفلاكها ، وأدام على ما أراد إمساكها .\rوكما أثبت في السماء بروجاً أثبت في سماء قلوب أوليائه وأصفيائه بروجاً؛ فبروجُ السماء معدودة وبروج القلب مشهودة .\rوبروجُ السماء بيوتُ شمسها وقمرها ونجومها ، وبروجُ القلب مطالعُ أنوارها ومشارِقُ شموسها ونجومها . وتلك النجوم هي نجوم القلوب كالعقل والفهم والبصيرة والعلم ، وقمرُ القلوبِ المعرفةُ .\rقمرُ السماء له نقصان ومحاق ، وفي بعض الأحايين هو بَدْرٌ بوصف الكمال ، وقمر المعرفة أبداً له إشراق وليس له نقصان أومحاق ، ولذا قال قائلهم :\rدع الأقمارَ تخبو أو تنير ... لها بَدْرٌ تذلُّ له البدور\rفأمّا شمسُ القلوب فهي التوحيد ، وشمسُ السماءِ تغرب ولكن شمسَ القلوب لا تغيب ولا تغرب ، وفي معناه قالوا :\rإن شمسَ النهارِ تغرب بالليل ... وشمسُ القلوب ليست تغيب\rويصحُّ أن يقال إن شمس النهار تغرب بالليل ، وشمس القلوب سلطانُها في الضوء والطلوع بالليل أتمُّ .","part":5,"page":393},{"id":2394,"text":"الأوقاتُ متجانِسةٌ ، وتفضيلُها بعضها على بعضٍ على معنى أنَّ الطاعة في البعض أفضل والثوابُ عليها أكثر . والليلُ خلفَ النهار والنهارُ خلفَ الليلِ ، فَمَنْ وقع له في طاعة الليل خَلَلٌ فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جُبْرانه ، وإن حصل في طاعة النهار خللٌ فإذا حضر بالليل ففي ذلك إتمامٌ لنقصانه .","part":5,"page":394},{"id":2395,"text":"الذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفِّقُوا للطاعات ، فبرحمتِه وصلوا إلى التوفيق للطاعة . وعِبادُ الرحمن الذين يستحقون غداً رحمته هم القائمون برحمته؛ فبرحمته وصلوا إلى طاعته . . . هكذا بيان الحقيقة ، وبطاعتهم وصلوا إلى جَنَّتِه . . . هكذا لسان الشريعة .\rومعنى { هَوْناً } متواضعين متخاشعين .\rويقال شرْطُ التواضع وحَدُّه ألا يستَحْسِنَ شيئاً من أحواله ، حتى قالوا : إذا نَظَرَ إلى رِجْلِه لا يستحسن شِسْعَ نَعْلِهِ ، وعلى هذا القياس لا يُساكِنُ أعماله ، ولا يلاحظ أحواله .\rقوله : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمَاً } : قيل سداد المنطق؛ ويقال مَنْ خاطَبَهم بالقَدْح فهم يجاوبونه بالمدح له .\rويقال إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم ، والطاعنون فيهم ، العائبون لهم قابلوا ذلك بالرِّفق ، وحُسْنِ الخُلقِ ، والقولِ الحَسَنِ والكلام الطيب .\rويقال يخبرون مَنْ جفاهم أنهم في أمانٍ من المجافاة .","part":5,"page":395},{"id":2396,"text":"يبيتون لربهم ساجدين ، ويصبحون واجدين؛ فَوَجْدُ صباحهم ثمراتُ سجودِ أرواحهم ، كذا في الخبر : « مَنْ كَثُرَتْ صلاتُه بالليل حَسُنَ وجهه بالنهار » أي عَظُم ماءُ وجهه عند الله ، وأحسنُ الأشياء ظاهِرٌ بالسجود مُحَسَّنٌ وباطنٌ بالوجود مُزَيَّنٌ .\rويقال متصفين بالسجود قياماً بآداب الوجود .","part":5,"page":396},{"id":2397,"text":"يجتهدون غاية الاجتهاد ، ويستفرغون نهاية الوسع ، وعند السؤال ينزلون منزلة العصاة ، ويقفون موقف أهل الاعتذار ، ويخاطبون بلسان التَنَصُّل كما قيل :\rوما رُمْتُ الدخولَ عليه حتى ... حَلَلْتُ محلة العبد الذليل .","part":5,"page":397},{"id":2398,"text":"الإسرافُ أن تنفق في الهوى وفي نصيب النّفْس ، فأمّا ما كان لله فليس فيه إسراف ، والإقتارُ ما كان ادخاراً عن الله . فأمَّا التضييقُ على النَّفْس منعاً لها عن اتباع الشهوات ولتتعودَ الاجتراء باليسير فليس بالاقتار المذموم .","part":5,"page":398},{"id":2399,"text":"قوله جل ذكره : { وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَآخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ } .\r{ إِلَهاً ءَاخَرَ } : في الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار ، المنحوتة من الأشجار .\rوكما تتصف بهذا النفوسُ والأبْشارُ فكذلك توَهَّمُ المبارِّ ولامضارِّ من الأغيار شِرْكٌ .\r{ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ } من النفوس المُحَرَّم قَتْلُها على العبد نَفْسه المسكينةُ ، قال تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 29 ] وقَتْلُ النّفس من غير حقِّ تمكينُك لها من اتباع ما فيه هلاكُها في الآخرة؛ فإنَّ العبدَ إذا لم يُنْهَ مأمورُ .\rثم دليل الخطاب أن تقتلها بالحقِّ ، وذلك بِذَبْحِها بسكين المخالفات ، فما فَلاحُكَ إلا بقتل نَفْسِكَ التي بين جنبيك .\rقوله جل ذكره : { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } .\rيضاعَفُ لهم العذابُ يومَ القيامة بحسرات الفرقة وزفرات الحرقة . وآخرونَ يضاعف لهم العذابُ اليومَ بتراكم الخذلان ووشك الهجران ودوام الحرمان . بل مَنْ كان مضاعَفَ العذاب في عقباه فهو الذي يكون مضاعَفَ العذاب في دنياه؛ جاء في الخبر : « مَن كان بحالةٍ لقي الله بها » .","part":5,"page":399},{"id":2400,"text":"إلا من تاب من الذنب في الحال؛ وآمن في المآل .\rويقال : { وَءَامَنَ } أن نجاته بفضل الله لا بتوبته ، { وَعَمَلَ صَالِحاً } لا ينقض توبتُهُ .\rويقال إن نقَضَ توبته عَمِلَ صالحاً أي جَدَّدَ توبتَه؛ { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيْئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } ويخلق لهم التوفيق بدلاً من الخذلان .\rويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم .\rويقال يمحو ذِلَّة زَلاَّتِهِم ، ويثبت بَدَلَها الخيرات والحسنات ، وفي معناه أنشدوا :\rولما رضوا بالعفو عن ذي زلةٍ ... حتى أنالوا كفَّه وأفادوا","part":5,"page":400},{"id":2401,"text":"يستمكنون في مواطن الصدق لا يبرحون عنه ليلاً ونهاراً ، وقولاً وفعلاً . وإذا مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين مُعْرِضين لا يساكِنون أهل تلك الحالة .\rويقال نزلت الآية في أقوام مرُّوا - لمَّا دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا يعبدون فيها الأصنام مرةً - متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فَشَكَرَ اللَّهُ لهم ذلك .\rثم قال في صفتهم : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } بل قابلوها بالتفكير والتأمل ، واستعمال النظر .","part":5,"page":401},{"id":2402,"text":"قرة العين مَن به حياة الروح ، وإنما يكون كذلك إذا كان بحقِّ الله قائماً .\rويقال قرة العين من كان لطاعة ربه معانقاً ، ولمخالفة أمره مفارقاً .\r{ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } الإمام مَنْ يُقْتَدى به ولا يَبْتَدِع .\rويقال إن الله مدح أقواماً ذكروا رتبة الإمامة فسألوها بنوع تضرع ، ولم يدَّعوا فيها اختيارهم؛ فالإمامةُ بالدعاء لا بالدعوى ، فقالوا : { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } .","part":5,"page":402},{"id":2403,"text":"يعطي - سبحانه - كثير من عطائه ويعده قليلاً ، ويقبل اليسيرَ من طاعة العبد ويعده كثيراً عظيما ، يعطيهم الجنة؛ قصوراً وحوراً ثم يقول : { أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ } ويقبل اليسير من العبد فيقول : { فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } [ الذاريات : 22 ] .\rلَيَرْوه من غير تكلف نقل ، ولا تحمل قطع مسافة .\rويقال : { هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ } [ الرحمن : 60 ] : اليومَ يحضر العبدُ بيتَه لأداء العبادة ، وينقل أقدامه إلى المساجد ، وغداً يجازيهم بأن يكفيهم قطعَ المسافة ، فهم على أرائكهم - في مستقرِّ عِزِّهم - يسمعون كلام الله ، وينظرون إلى الله .\rقوله : { بِمَا صَبَرُواْ } أي صبروا عمَّا نهوا عنه ، وصبروا على الأحكام التي أرجراها عليهم بِتَرْكِ اختيارهم ، وحُسْن الرضا بتقديره .","part":5,"page":403},{"id":2404,"text":"مقيمين لا يبرحون منازلهم ، وفي أحولهم حَسُنَ مستقرُّهم مستقراً ، وحَسُن مقامهم مقاماً .","part":5,"page":404},{"id":2405,"text":"لولا عبادتكم الأصنامَ ودعاؤكم إياها باستحقاق العبادةِ وتسميتكم لها آلهةً . . . متى كان يخلدكم في النار؟\rويقال لولا تضرعكم ودعاؤكم بوصف الابتهال لأدام بكم البلاء ، ولكن لما أخذْتُم في الاستكانةِ والدعاء ، وتضَرَّعتُم رحِمَكم وكَشَفَ الضرَّ عنكم .","part":5,"page":405},{"id":2406,"text":"ذَكَرْنَا فيما مضى اختلافَ السَّلَفِ في الحروف المُقَطَّعَة؛ فعند قوم : الطاءُ إشارة إلى طهارة عِزِّه وتَقَدُّسِ عُلُوِّه ، والسين إشارةٌ ودلالةٌ على سناء جبروته ، والميم دلالةٌ على مَجْدِ جلاله في آزله .\rويقال الطاء إِشارة إلى شجرة طوبى ، والسين إلى سِدْرَةِ المُنتهى ، والميم إلى اسم محمد A ؛ أي ارتقى محمدٌ ليلةَ الإسراء عن شهوده شجرةَ طوبى حتى بَلَغَ سدرةَ المنتهى ، فلم يُسَاكِنْ شيئاً من المخلوقات في الدنيا والعُقْبى .\rويقال الطاء طَرَبُ أربابِ الوصلة على بساط القرب بوجدان كما الروح ، والسين سرورُ العارِفين بما كوشفوا به من بقاء الأحدية باستقلالهم بوجوده والميم إشارة إلى موافقتهم لله بِتَرْكِ التخيُّر على الله ، وحُسْنِ الرضا باختيار الحق لهم .\rويقال الطاء إشارةٌ إلى طيبِ قلوب الفقراء عند فقد الأسباب لكمال العَيْشِ بمعرفة وجود الرزَّاق بَدَلَ طيب قلوب العوام بوجود الأرْفاق والأرزاق .\rويقال الطاء إشارةٌ إلى طهارة أسرار أهل التوحيد ، والسين إشارة إلى سلامة قلوبهم عن مساكنة كلِّ مخلوق ، والميم إشارة إلى مِنَّةِ الحقِّ عليهم بذلك .","part":5,"page":406},{"id":2407,"text":"أي لِحِرْصِكَ على إيمانهم ولإشفاقِكَ من امتناعهم عن الإيمان فأنت قريبٌ مِنْ أنْ تقتلَ نَفْسَكَ من الأسفِ على تَرْكِهم الإيمان .\rفلا عليكَ - يا محمد - فإنه لا تبديلَ لِحُكْمِنَا؛ فَمَنْ حَكَمْنَا له بالشقاوة لا يُؤْمِن .\rليس عليك إلاَّ البلاغ؛ فإن آمنوا فبها ، وإلاَّ فكُلُّهُمْ سَيَرَوْنَ يومَ الدِّين ما يستحقون .","part":5,"page":407},{"id":2408,"text":"أخبر عن قدرته على تحصيل مرادِه من عباده ، فهو قادرٌ على أن يُؤْمِنوا كَرْهاً؛ لأن التقاصُرَ عن تحصيل على تحصيل المراد يوجِبُ النقصَ والقصورَ في الألوهية .","part":5,"page":408},{"id":2409,"text":"أي ما نُجَدِّد لهم شَرْعاُ ، وما نرسل لهم رسولاً . . . إلا أعرضوا عن تأمل برهانه ، وقابلوه بالتكذيب . فلو أنهم أنعموا النظرَ في آياتِ الرسل لا تضح لهم صِدْقُهم ، ولكن المقسوم لهم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق . فقد كَذَّبوا ، وعلى تكذيبهم أصَرُّوا ، فسوف تأتيهم عاقبةُ أعمالِهم بالعقوبة الشديدة ، فيذوقون وبالَ شِرْكهم .","part":5,"page":409},{"id":2410,"text":"فنونُ ما ينبت في الأرض وقتَ الربيعِ لا يأتي عليه الحَصْرُ ، ثم اختصاصُ كلِّ شيءٍ منها بلون وطعمٍ ورائحة مخصوصة ، وكلِّ شكلٌ وهيئةٌ ونَوْرٌ مخصوص ، وورق مخصوص . . . إلى ما تَلْطُفُ عنه العبارة ، وتَدِق فيه الإشارة . وفي ذلك آياتٌ لِمَن استبصر ، ونَظَرَ وفكَّرَ .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } : القاهرُ الذي لا يُقْهَر ، القادر الذي لا يُقْدَر ، المنيعُ الذي لا يُجْبَر . { الرَّحيِمُ } : المحسنُ لعباده ، المريدُ لسعادة أوليائه .","part":5,"page":410},{"id":2411,"text":"أخبر أنه لما أمره بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الله عَلِمَ أن شديد الخصومة ، قد غَرَّتْه نَفْسُه فهو لا يبالي بما فعل . وأخَذَ ( موسى ) يتعلَّلُ- لا على جهة الإباء والمخالفة - ولكن على وجه الاستعفاء والإقالة إلى أن عَلِمَ أنَّ الأمرَ به جَزْمٌ ، والحُكْمَ به عليه حَتْمٌ .","part":5,"page":411},{"id":2412,"text":"سأل موسى - عليه السلام - أن يَشْفَعَه بهارون ويُشْرِكَه في الرسالة . وأخبر أنه قَتَلَ نَفْساً ، وأنه في حُكْمِ فرعون عليه دَمٌ ، فقال : { فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } إلى أنْ قال له الحقُّ :\r{ قَالَ كَلاَّ فاذهبا بِآيَاتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ }\r{ كَلاَّ } حرفُ رَدْعٍ وتنبيه؛ أي كلا أن يكون ذلك كما توهمتَ ، فارْتَدِعْ عن تجويز ذلك ، وانتَبِهْ لغيره . إني معكما بالنصرة والقوة والكفاية والرحمة ، واليدُ ستكون لكما ، والسلطانُ سيكون لكما دونَ غيركما ، فأنا أسمع ما تقولون وما يقال لكم ، وأُبْصِرُ ما يُبْصِرُونَ وما تُبْصِرُون أنتم .","part":5,"page":412},{"id":2413,"text":"ويقال في القصة : إن موسى وهارون كانا يترددان على باب فرعون سنةً كاملةً ولم يجدا طريقاً إليه . ثم بعد سَنَةٍ عَرَضَا الرسالة عليه ، فقابلهما بالتكذيب ، وكان من القصة ما كان . . وقال فرعون لمَّا رأى موسى :","part":5,"page":413},{"id":2414,"text":"فلم يكن لموسى - عليه السلام - جوابٌ إلا الإقرارَ والاعتراف","part":5,"page":414},{"id":2415,"text":"قال : كل ذلك قد كان ، وفررت منكم لمّا خفتكم ، فأكرمني الله بالنبوة ، وبعثني رسولاً إليكم . .\rويقال : لم يجحد حقَّ تربيته ، والإحسانَ إليه في الظاهر ، ولكن بَيَّنَ أنه إذا أمر اللَّهُ بشيءٍ وَجَبَ اتباعُ أمره . ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجِبُ حَقّاً فتربيةُ اللَّهِ أوْلَى بأن يُعَظِّمَ العبدُ قَدْرَها .\rقوله : { فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } : يجوز حَمْلُه على ظاهره ، وأنه خاف منهم على نَفْسِه . والفرارُ - عند عَدَمِ الطاقة - غيرُ مذمومٍ عند كلِّ أحد .\rويقال : فررت منكم لمَّا خِفْتُ أن تنزل بكم عقوبةٌ من الله لِشُؤْمِ شِرْكِكِم ، أو من قول فرعون : { مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى } [ القصص : 38 ] .","part":5,"page":415},{"id":2416,"text":"ذَكَرَ فرعونُ - من جملة ما عدَّ على موسى من وجوه الإحسان إليه - أنه استحياه بين بني إسرائيل ، ودفع عنه القتلَ ، فقال موسى : أو تلك نعمة تمنها عليَّ؟ هل استعبادُك لبني إسرائيل يَعَدُّ نعمةً؟ إنَّ ذلك ليس بنعمة ، ولا لَكَ فيها مِنَّة .","part":5,"page":416},{"id":2417,"text":"نَظَرَ اللعينُ بجَهْلِه ، وسألَ على النحو الذي يليق بِغَيِّه؛ فسأل بلفظ { ما } - و « ما » يُسْتَخْبَرُ بها عمَّا لا يعقل ، فقال : { وَمَا رَبُّ الْعَالَِمِينَ } .\rولكنَّ موسى أعرض عن لفظه ومقتضاه ، وأخبر عمَّا يصحُّ في وصفه تعالى فقال :","part":5,"page":417},{"id":2418,"text":"فَذَكَرَ صفتَه - سبحانه وتعالى - بأنَّه إلهٌ ما في السموات والأرض ، فأخذ في التعجب .","part":5,"page":418},{"id":2419,"text":"قال موسى : { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ } فحاد فرعونُ عن سنن الاستقامة في الخطاب ، وأخذ في السفاهة قائلاً :","part":5,"page":419},{"id":2420,"text":"لأنه يزعم أنَّ هناك إلهاً غيره . ولم يكن في شيءٍ مما يجري من موسى - عليه السلام- أو مما يتعلَّق به وصفُ جنونٍ . ولم يُشْغَلْ بمجاوبته في السفاهة فقال :","part":5,"page":420},{"id":2421,"text":"أي إن كنتم من جملة مَنْ له عقلٌ وتمييزٌ . فقال فرعون :\r{ قَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين }\rمضى فرعونُ يقول : لأفعلنَّ ، ولأصنعنَّ . . . إن اتخذتَ إلهاً غيري وجرى ما جرى ذِكْرُه وشَرْحُه في غير موضع .\rثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا ، وقَلَبَها - سبحانه - ثعباناُ كاد يلتقم دار فرعون بمن فيها ، ووثَبَ فرعونُ هارباً ، واختفى تحت سريره ، وهو ينتفض من الخوف ، وتَلَطَّخَتْ بِزَّتُه وافتضح في دعواه ، واتضحت حالته ، فاستغاث بموسى واستجاره ، وأخذ موسى الثعبان فردَّه الله عصاً .\rولمَّا فَارقَه موسى - عليه السلام - تداركته الشقاوة ، وأدركه شؤمُ الكفر ، واستولى عليه الحرمانُ ، فَجَمَع قومَه وكلَّمهم في أمره ، وأجمعوا كلُّهم على أنه سحَرَهم . وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيِّه . . . كما قيل :\rإذا ارْعَوَى عَادَ إلى جَهْلِه ... كَذِي الضَّنَى عاد إلى نُكْسِه\rثم إنه جَمَعَ السَّحَرَة ، واستعان بهم ، فَلمَّا اجتمعوا قالوا : { إِنَّ لَنَا لأَجْراً } [ الأعراف : 113 ] . فنطقوا بخساسة هِمَّتِهم ، فَضَمَنَ لهم أجْرَهم . وإنَّ مَنْ يعمل لغيره بأُجْرَةٍ ليس كَمَنْ يكون عملُه لله . ومَنْ لا يكون له ناصِرٌ إلاَّ بضمانِ الجَعَالَة وبَذْل الرِّشَا فَعَنْ قريبٍ سيُخْذَل .","part":5,"page":421},{"id":2422,"text":"قال فرعون : { وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ، ومَنْ طَلَبَ القربةَ عند مخلوقٍ فإنَّ ما يصل إليه من الذُّلِّ يزيد على ما أمَّله من العِزِّ في ذلك التَقَرُّب . والمُقَرَّبون من الله أوَّلُ من يدخل عليه يومَ اللقاء ، فهم أولُ مَنْ لهم وصولٌ . والمُقَرُّبون من الله لهم على الله دَخْلَة ، والناسُ بوصف الغفلة والخَلْقُ في أسْرِ الحجبة .\rثم لمَّا اجتمع الناسُ ، وجاء السَّحَرةُ بما مَوَّهُوا ، التقَمَتْ عصا موسى جميعَ ما أتوا به ، وعادت عصاً ، وتلاشت أعيانُ حِبَالهم التي جاءوا بها ، وكانت أوقاراً ، وألْقِيَ السحرةُ سُجَّداً ، ولم يحتفلوا بتهديد فرعون إياهم بالقَتْل والصَّلْب والقَطْع ، فأصبحوا وهم يُقْسِمُون بعِزَّة فرعون ، ولم يُمْسُوا حتى كانوا يقولون : { لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } [ طه : 72 ] .\rثم لمَّا ساعَدَهم التوفيقُ ، وآمنوا بالله كان أهمَّ أمورهم الاستغفارُ لِمَا سَلَفَ من ذنوبهم ، وهذه هي غاية هِمَّةِ الأولياء ، أن يستجيروا بالله ، وأن يستعيذوا من عقوبة الله ، فأعْرَفُهُم بالله أخْوَفُهُم مِنَ الله .\rولمَّا أَمَرَ اللَّهُ موسى بإخراج بني إسرائيل ، وتَبِعَهم فرعونُ بجَمْعِه ، وقال أصحابُ موسى .","part":5,"page":422},{"id":2423,"text":"فكان كما قال ، إذ هداهم اللَّهُ وأنجاهم ، وأغْرَقَ فرعونَ وقومَه وأقصاهم ، وقد قال سبحانه : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [ التوبة : 36 ] يُنَجِّيهم من كلِّ بلاء ، ويَخُصُّهم بكل نعمة .","part":5,"page":423},{"id":2424,"text":"عاتب إبراهيمُ أباه وقومَه ، وطالَبَهُم بالحجة على ما عابَهم به وقال لِمَ تعبدون ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ؛ ولا ينفع ولا يَضُرُّ ، ولا يُحِسُّ ولا يَشْعُر؟ فلم يرجعوا في الجواب إلا إلى تقليدهم أسلافَهم ، وقالوا :\rعلى هذه الجملة وَجَدْنا أسلافَنَا . فنطق إبراهيمُ - عليه السلام - بعد إقامة الحجة عليهم والإخبار عن قبيح صنيعهم بمَدْح مولاه والإغراق في وصفه .","part":5,"page":424},{"id":2425,"text":"ذَكَرَهم بأقلِّ عبارة فلم يقل : فإنهم أعداءٌ لي ، بل وَصَفَهم بالمصدر الذي يصلح أن يوصَفَ به الواحد والجماعة فقال : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّى } .\rثم قال : { إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ } ، وهذا استثناء منقطع ، وكأنه يضرب بلطفٍ عن ذِكْرِهم صفحاً حتى يتوصَّلَ إلى ذكر الله ، ثم أخذ في شرح وصفه كأنه لا يكاد يسكت ، إذ مضى يقول : والذي . . . والذي . . . والذي . . ، ومن أمارات المحبة كَثْرَةُ ذِكْرِ محبوبك ، ولإعراضُ عن ذكرِ غيره ، فتَنَزُّهُ المحبين بتقلُّبِهم في رياض ذِكْرِ محبوبهم ، والزهَّادُ يعددون أورادهم ، وأَربابُ الحوائج يعددون مآربَهم ، فيطنبون في دعائهم ، والمحبون يُسْهِبونَ في الثناء على محبوبهم .","part":5,"page":425},{"id":2426,"text":"كان مهتداياً ، ولكنه يقصد بالهداية التي ذَكَرها فيما يستقبله من الوقت ، أي : يهديني إليه به ، فإنِّي مَحْقٌ في وجوده وليس لي خَبَرٌ غنِّي!\rوالقوم حين يكونون مستغرقين في نفوسهم لا يهتدون من نفوسهم إلى معبودهم ، فيهديهم عنهم إلى ربهم ، ويصيرون في نهايتهم مستهلكين في وجوده ، فانين عن أوصافهم ، وتصير معارِفُهم - التي كانت لهم - واهيةً ضعيفةً ، فيهديهم إليه .","part":5,"page":426},{"id":2427,"text":"لم يُشِرْ إلى طعامٍ معهودٍ أو شرابٍ مألوفٍ ولكن أشار إلى استقلاله به من حيث المعرفة بدل استقلال غيره بطعامهم ، وإلى شراب محبته الذي يقوم بل استقلال غيره بشرابهم .","part":5,"page":427},{"id":2428,"text":"لم يَقُلْ : وإذا أمرضني لأنه حفظ أدبَ الخطاب .\rويقال لم يكن ذلك مرضاً معلوماً ، ولكنه أراد تمارضاً ، كما يتمارض الأحبابُ طمعاً في العيادة ، قال بعضهم :\rإن كان يمنعكَ الوشاةُ زيارتي ... فادخُلْ عليَّ بِعَلَّةِ العُوَّادِ\rويقول آخر :\rيَوَدُّ بأن يمشِي سقيماً لَعَلَّها ... إذا سَمِعَتْ منه بشَكْوى تُرَاسِلُه\rويقال ذلك الشفاءُ الذي أشار إليه الخليلُ هو أن يَبْعَثَ إليه جبريلَ ويقول له : يقول لَكَ مولاك . . . كيف كنتَ البارحة؟","part":5,"page":428},{"id":2429,"text":"أضاف الموتَ إلى الله؛ فالموتُ فوق المرض ، لأن الموتَ لهم غنيمةٌ ونعمةٌ؛ إذ يَصِلُون إليه بأرواحهم .\rويقال : { يُمِيتُنِى } بإعراضه عني وقت تعزُّزِه ، { ويحييني } بإقباله عليَّ حين تَفَضُّلِه . ويقال يميتني عني ويحييني به .","part":5,"page":429},{"id":2430,"text":"خطيئةُ الأحبابِ شهودُهم محنتَهم ، وتعنِّيهم عند شدة البلاء عليهم ، وشكواهم مما يمُّسهم من برحاء الاشتياق ، قال بعضهم :\rوإذا محاسني - اللاتي أُدِلُّ بها - ... كانت ذنوبي . . فَقُلْ لي : كيف أعتذر .","part":5,"page":430},{"id":2431,"text":"{ هَبْ لِى حُكْماً } : على نفسي ، فإنَّ مَنْ لا حُكْمَ له على نفسه لا حَكْمَ له على غيره .\r{ وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ } : فأقومَ بِحقِّكَ دونَ الرجوع إلى طلب الاستقلال بشيءٍ . دون حقك .","part":5,"page":431},{"id":2432,"text":"في التفاسير : { لِسَانَ صِدْقٍ } : أي ثناء حسناً على لسان أمة محمد A .\rويقال لا أذكرك إلا بك ، ولا أعرفك إلا بك .\rويقال أن أذكرك ببيان آلائك ، وأذكرك بعد قبض روحي إلى الأبد بذكرٍ مُسرمَدٍ .\rويقال أذكرني على لسان المخبرين عنك .","part":5,"page":432},{"id":2433,"text":"على لسان العلماء : قالَه بعد يأسه من إيمان أبيه ، وأمَّا على لسان الإشارة فقد ذَكَرَه في وقت غَلَبَاتِ البَسْطِ ويُتَجَاوَزُ ذلك عنهم .\rوليست إجابةُ العبد واجباً على الله في كل شيء ، فإذا لم يُجَبْ فإنَّ للعبد سلوةً في ذكر أمثال هذا الخطاب ، وهذا لا يهتدي إليه كلُّ أحدٍ .","part":5,"page":433},{"id":2434,"text":"أي لا تُخْجِلْني بتذكيري خلَّتي ، فإنّ شهودَ ما مِن العبد - عند أرباب القلوب وأصحاب الخصوص - أشَدُّ عقوبة .","part":5,"page":434},{"id":2435,"text":"قيل : « القلب السليم » اللديغ .\rوقيل هو الذي سَلِمَ من الضلالة ثم من البِدعة ثم من الغفلة ثم من الغيبة ثم من الحجبة ثم من المُضاجعة ثم من المساكنة ثم من الملاحظة . هذه كلها آفاتٌ ، والأكابرُ سَلِمُوا منها ، والأصاغرُ امتُحِنُوا بها .\rويقال : « القلب السليم » الذي سَلِمَ من إرادة نَفْسِه .","part":5,"page":435},{"id":2436,"text":"{ أزلفت } : أي قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ في الوقت ، فإنَّ ما هو آتٍ قريبٌ ، وبالعين أُحْضِرَتْ . وكما تُجَرُّ النارُ إلى المحشر بالسلاسل فلا يَبْعُد إدناءُ الجنة من المتقين .\r{ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } أُظْهِرَتْ؛ فتؤكَّدُ الحُجَّةُ على أرباب الجحود ، ويُعْرَضُونَ على النار ، وتُعْرَضُ عليهم منازلُ الأشرار ، فَيُكَبْكَبُونَ فيها أجميعن ، ويأخذون يُقِرُّونَ بذنوبهم ، ومن جملتها ما أخبر أنهم يقولون : -","part":5,"page":436},{"id":2437,"text":"ولا فضيحةَ أقبحُ ولا عيبَ فيهم أشنعُ مما يعترفون به على أنفسهم بقولهم : { إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } فإنَّ أقبحَ أبوابِ الشِّرْكِ وأشنعَ أنواعِ الكُفْرِ وأقبحَ أحوالِهم - التشبيهُ في صفة المعبود .","part":5,"page":437},{"id":2438,"text":"في بعض الأخبار : يجيء - يومَ القيامة - عَبْدٌ يُحتَسَبُ فتستوي حسناتُه وسيئاته ويحتاج إلى حسنة واحدة يَرْضَى عنها خصومُ ، فيقول الله - سبحانه : عبدي . . . بقيت لك حسنةٌ واحدة ، إن كانت أدْخَلْتُكَ الجنةَ . . أُنظُرْ . . وتَطَلَّبْ من الناس لعلَّ واحداً يهب لَكَ حسنةً واحدةً . فيأتي العبدُ في الصفين ، ويطلب من أبيه ثم من أمه ثم من أصحابه ، ويقول لكلِّ واحدٍ في بابه فلا يجيبه أحدٌ ، فالكلُّ يقول له : انا اليومَ فقيرٌ إلى حسنةٍ واحدةٍ ، فيرجع إلى مكانه ، فيسأله الحقُّ - سبحانه : ماذا جئتَ به؟\rفيقول : يا ربِّ . . . لم يُعْطِني أحدٌ حسنةً من حسناته .\rفيقول الله - سبحانه : عبدي . . ألم يكن لك صديق ( فيَّ ) .\rفيتذكر العبدُ ويقول : فلان كان صديقاً لي .\rفيدله الحقُّ عليه ، فيأتيه ويكلِّمه في بابه ، فيقول : بلى ، لي عباداتٌ كثيرة قَبِلَها اليومَ فقد وهبتُك منها ، فيسير هذا العبدُ ويجيء إلى موضعه ، ويخبر ربَّه بذلك ، فيقول الله - سبحانه : قد قَبِلْتُها منه ، ولن أنقص من حقِّه شيئاً ، وقد غفرت لكَ وله ، وهذا معنى قوله .\r{ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } .","part":5,"page":438},{"id":2439,"text":"ذكر قصة نوحٍ وما لَقِيَ من قومه ، وأنهم قالوا :\r{ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ } .","part":5,"page":439},{"id":2440,"text":"إنَّ أتباعَ كلِّ رسولٍ إنما هم الأضعفون ، لكنهم - في حكم الله - هم المتقدِّمون الأكرمون . قال عليه السلام : « نُصِرْت بضعفائكم » .\rوإنَّ اللَّهَ أغرق قومه لمَّا أصَرُّوا واستكبروا .\rوكذلك فَعَلَ بمن ذَكَرَتْهم الآياتُ في هذه السورة من عادٍ وثمودٍ وقوم لوطٍ وأصحاب مدين . . كلٌّ منهم قابلوا رُسُلَهم بالتكذيب ، فَدَمّر اللَّهُ عليهم أجمعين ، ونَصَرَ رسولَه على مقتضى سُنَّتِه الحميدة فيهم . وقد ذَكَرَ الله قصةَ كل واحدٍ منهم ثم أعقبها قوله : -\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزَيِزُ الرَّحِيمُ } .\r{ الْعِزيزُ } : القادر على استئصالهم ، { الرَّحِيمُ } الذي أخَّرَ العقوبة عنهم بإمهالهم ، ولم يقطع الرزقَ مع قُبْحِ فِعالِهم .\rوهو { عزيز } لم يُسْتَضَرّ بقبيح أعمالهم ، ولو كانوا أجمعوا على طاعته لمَّا تَجَمَّلَ بأفعالهم .","part":5,"page":440},{"id":2441,"text":"أخبر عن كل واحدٍ من الأنبياء أنه قال : { لا أسألكم عليه أجر } ليَعْلَمَ الكافةُ أنّ من عَمِلَ لله فلا ينبغي ان يَطْلُبَ الأجْرَ من غير الله . وفي هذا تنبيهٌ للعلماء - الذين هم وَرَثَةُ الأنبياء - أن يتأدَّبوا بأنبيائهم ، وألاّ يطلبوا من الناس شيئاً في بَثِّ علومهم ، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم ، والتذكير لهم أنه مَنْ ارتفق في بثَّ ما يُذَكِّرُ به من الدِّين وما يَعِظُ به المسلمين فلا يبارِكُ اللَّهُ للناس فيما منه يَسْمَعون ، ولا للعلماء أيضاً بركةٌ فيما من الناس يَأخُذُون ، إنهم يبيعون دينَهم بَعَرضٍ يسيرٍ ثم بَرَكَة لهم فيها إذلا يبتغون به الله ، وسيَحْصُلُون على سُخْطِ الله .","part":5,"page":441},{"id":2442,"text":"كلامُ اللَّهِ العزيز مُنَزّلٌ على قلب الرسول - A - في الحقيقة بسفارة جبريل عليه السلام . والكلامُ من الله غيرُ منفصل ، وبغير الله غير متصل . . وهو - على الحقيقة لا على المجاز - مُنَزّلٌ . ومعناه أن جبريل - عليه السلام - كان على السماء . فَسمِعَ من الربِّ ، وحَفِظَ ونَزَلَ ، وبَلَّغَ الرسولَ . فَمَرََّةً كان يُدْخِلُ عليه حالةً تأخذه عنه عند نزول الوحي عليه . ثم يُورِدُ جبريلُ ذلك على قلبه . ومرةً كان يتمثل له المَلَكُ فيُسْمِعهُ . والرسولُ - A - يحفظه يُؤدِّبه . والله - سبحانه ضَمِنَ له أنه سيُقْرِؤُه حتى لا ينساه . فكان يجمع اللَّهُ الحِفْظَ في قلبه . ويُسَهِّلُ له القراءةَ عند لفظه . ولمَّا عَجَزَ الناسُ بأجمعهم عن معارضته مع تحدِّيه إياهم بالإتيان بمثله . . عُلِمَ صِدْقُه في أنَّه مِنْ قِبَلِ الله .","part":5,"page":442},{"id":2443,"text":"جميعُ ما في هذا الاكتاب من الأخبار والقصص ، وما في صفةِ الله من استحقاق جلاله - موافِقٌ لمِا في الكتب المُنَزَّلة من قِبَلِ الله قَبْلَه ، فمهما عارضوه فإنه كما قال جلَّ شأنه : { لا يَأَْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت : 42 ] .\rثم أخبر أنه لو نَزَّل هذا الكتابَ بغير لسانهم وبلغةٍ غير لغتهم لم يهتدوا إلى ذلك ، ولَقَالوا : لو كان بلساننا لعرفناه ولآمَنَّا به ، فازاح عنهم العِلَّةَ ، وأكّد عليهم الحُجَّة .\rثم أخبر عن صادق عِلْمِه بهم ، وسابِق حَكْمِه بالشقاوة عليهم ، وهو أنهم لا يؤمنون به حتى يَرَوْا العذابَ في القيامة ، حين لا ينفعهم الإيمانُ ولا الندامةُ .","part":5,"page":443},{"id":2444,"text":"إن أرخينا المُدَّةَ ، وأمهلناهم أزمنةً كثيرة - وهم بوصف الغفلة - فما الذي كان ينفعهم إذا أخَذَهُم العذابُ بغتةّ؟!\rثم أخبر أنه لم يُهْلِكَ أهلَ قريةٍ إلاّ بعد أن جاءهم النذيرُ وأظهر لهم البيناتِ ، فإذا أصَرُّوا على كُفْرِهم عَذّبهم .","part":5,"page":444},{"id":2445,"text":"وَجَدُوا السمع - الذي هو الإدراك - ولكن عَدِمُوا الفَهْمَ ، فلم يستجيبوا لِمَا دُعُوا إليه . فعند ذلك استوجبوا من الله سوء العاقبة .","part":5,"page":445},{"id":2446,"text":"وذلك تعريفٌ له أنهم لا تنفعهم قَرَابَتُهُم منه ، ولا تُقْبَلُ شفاعتُه - إنْ لم يؤمِنوا - فيهم . فليس هذا الأمر من حيث النّسب ، فهذا نوحٌ لمَّا كَفَرَ ابنُه لم تنفْعه بُنُوَّتُه ، وهذا الخليلُ إبراهيم عليه السلام لما كَفَرَ أبوه لم تنفع أُبُوَّتُه ، وهذا محمدٌ - E - كثيرٌ من أقاربه كانوا أشدَّ الناسِ عليه في العداوةِ فلم تنفعهم قرابتُهم .","part":5,"page":446},{"id":2447,"text":"أَلِنْ جَانِبَكَ وقارِبْهم في الصحبة ، واسحبْ ذيلَ التجاوز على ما يبدر منهم من التقصير ، واحتمِلْ منهم سوءَ الأحوال ، وعاشِرْهم بجميلِ الأخلاق ، وتحمَّلْ عنهم كَلَّهم ، وارْحَمْهُم كُلّهم ، فإِنْ مرضوا فعُدْهم ، وإِنْ حرموك فأَعْطِهم ، وإِنْ ظلموك فتجاوَزْ عنهم ، وإِنْ قصّرُوا في حقي فاعفُ عنهم ، واشفْع لهم ، واستغفِرْ لهم .","part":5,"page":447},{"id":2448,"text":"لا تفعلْ مثلَ فِعْلِهم ، وكِل حسابَهم إلينا إلا فيما أمرناك بأن تقيم فيه عليهم حَدًّا ، فعند ذلك لا تأخذْكَ رأفةٌ تمنعكَ من إقامة حدِّنا عليهم .","part":5,"page":448},{"id":2449,"text":"انْقَطِعْ إلينا ، واعتصِمْ بِنا ، وتوسَّل إلينا بِنا ، وكن على الدوام بنا ، فإذا قُلْتَ فَقُلْ بنا ، وإذا صُلْتَ فَصُلْ بنا ، واشهد بقلبك - وهو في قبضتنا - تتحققْ بأنك بنا ولنا .\rتوّكلْ على { الْعَزِيزُ } تَجِدْ العِزّةَ بتوكلك عليه في الدارين ، فإِنّ العزيز مَنْ وثق بالعزيز .\r{ الرَّحِيمُ } الذي يقرِّبُ مَنْ تَقَرَّبَ إليه ، ويُجْزِلُ البِرَّ لِمَنْ تَوسَّل به إليه .","part":5,"page":449},{"id":2450,"text":"اقتطعه بهذه الآية عن شهود الخَلْق ، فإِنّ مَنْ عَلِمَ أنه بمشهدٍ من الحقِّ رَاعَى دقائقَ أحواله ، وخفايا اموره مع الحقِّ .","part":5,"page":450},{"id":2451,"text":"هَوَّنَ عليه معاناةَ مشاقِّ العبادة بإخباره برؤيته . ولا مشقّةَ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنّه بمرأىً من مولاه ، وإنّ حَمْلَ الجبالِ الرواسي على شَفْرِ جَفْنِ العينِ لَيَهونُ عند مَنْ يشاهد رَبّه .\rويقال { وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ } بين أصحابك ، فهم نجومٌ وأنت بينهم بَدْرٌ ، أو هم بدورٌ وأنت بينهم شَمْسٌ ، أو هم شموسٌ وأنت بينهم شمس الشموس .\rويقال : تقلبك في أصلابِ آبائك من المسلمين الذين عرفوا اللَّهَ ، فسجدوا له دوْن مَنْ لم يعرفوه .","part":5,"page":451},{"id":2452,"text":"{ السَّمِيعُ } لأنين المحبين ، { الْعَلِيمُ } بحنين العارفين .\r{ السَّمِيعُ } لأنين المُذْنبين ، { الْعَلِيمُ } بأحوال المطيعين .","part":5,"page":452},{"id":2453,"text":"بيَّن أن الشياطين تتنزَّلُ على الكفار والكهنة فتوحي إليهم بوساوسهم الباطلة .","part":5,"page":453},{"id":2454,"text":"لمَّا ذَكَرَ الوحيَ وما يأتي به الملائكةُ من قِبَلِ الله ذكر ما يوسوس به الشياطينُ إلى أوليائه ، وألَحْقَ بهم الشعراءَ الذين في الباطل يهيمون ، وفي أعراض الناس يقعون ، وفي التشبيهات - عن حدِّ الاستقامة - يخرجون ، ويَعِدُون من أنفسهم بما لا يُوفُون ، وسبيلَ الكذبِ يسلكون .","part":5,"page":454},{"id":2455,"text":"{ إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } .\rفيكون شِعْرُه خالياً من هذه الوجوه المعلولة المذمومة ، وهذا كما قيل : الشعرُ كلامُ إنسان؛ فحسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه .\rقوله جلّ ذكره { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } .\rسيعلم الذين ظلموا سوءَ ما عملوا ، ويندمون على ما أسلفوا ، ويصدقون بما كَذَّبوا .","part":5,"page":455},{"id":2456,"text":"بطهارةِ قُدّسِي وسناءٍ عِزِّي لا ُأخَيِّبُ أَمَلَ من أَمَّلَ لطفي .\rبوجود بِرِّي تطيب قلوبُ أوليائي ، وبشهود وجهي تغيب أسرار أصفيائي .\rطَلَبُ القاصدين مُُقَابَلٌ بلطفي ، وسَعْيُ العاملين مشكورٌ بعطفي .\r{ تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ } [ النحل : 1 ] : هذه دلالات كَرَمِنا ، وأماراتُ فضلنا وشواهدُ بِرَّنا ، نُبَيِّنُ لأوليائنا صِدْقَ وَعْدِنا ، ونُحقِّقُ للأصفياء حِفْظَ عَهْدِنا .","part":5,"page":456},{"id":2457,"text":"هذه الآياتُ وهذا الكتابُ بيانٌ وشِفاءٌ ، ونورٌ وضياءٌ ، وبشرى ودليلٌ لِمَنْ حققنا لهم الإيمان ، وأَكَّدْنا لهم الضمان ، وكفلنا لهم الإحسان .","part":5,"page":457},{"id":2458,"text":"يديمون المواصلات ، ويستقيمون في آداب المناجاة ويؤدون عن أموالهم وأحوالهم وحركاتِهم وسكناتِهم الزكاة ، بما يقومون في حقوق المسلمين أحسنَ مقام ، وينوبون عن ضعفائهم أحسنَ مناب .","part":5,"page":458},{"id":2459,"text":"أغشيناهم فَهُم لا يُبْصِرُون ، وعَمَّيْنَا عليهم المسالكَ فهم عن الطريقة المُثْلَى يَعْدِلون ، أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون ، وفي حيرتهم يَتَرَدُّون .","part":5,"page":459},{"id":2460,"text":"{ سُوءُ الْعَذَابِ } أن يجد الآلآمَ ولا يجد التسلِّي بمعرفة المُسَلِّي ، ويحمل البلاَءَ ولا يحمل عنه ثقلَه وعذابَه شهودُ المُبْلِي . . وذلك للكفار ، فأمٍّا المؤمنون فيُخَفِّفُ عنهم العذابَ في الآخرةِ حُسْنُ رجائِهم في الله ، ثم تضرُّعُهم إلى الله ، ثم فَضْلُ الله معهم بالتخفيف في حال البلاء ثم ما وقع عليهم من الغشي والإفاقة - كما في الخبر - إلى وقت إخراجهم من النار .","part":5,"page":460},{"id":2461,"text":"أي أن الذي أكرمكَ بإنزال القرآن عليك هو الذي يحفظك عن الأسواء والأعداء وصنوف البلاء .","part":5,"page":461},{"id":2462,"text":"سار موسى بأهله من مدين شعيب متوجهاً إلى مصر ، ودَجَا عليه الليلُ ، وأخذ امرأتَه الطَّلْقُ وهَبَّت الرياحُ الباردة ، ولم يورِ الزَّنْد ، وضاق على موسى الأمرُ ، واستبهم الوقتُ ، وتشتتت به الهمة ، واستولى على قلبه الشغل . ثم رأى ناراً من بعيد ، فقال لأهله : امكثوا إنِّي أبصرتُ ناراً . وفي القصة : إنه تشتت أغنامُه ، وكانت له بقور وثيران تحمل متاعَه فشردت ، فقالت امرأتُه :\rكيف تتركنا وتمضي والوادي مسبع؟! .\rفقال : امكثوا . . فإني لأجلكم أمضي وأتعرف أمرَ هذه النار ، لَعَلِّي آتيكم منها إِمَّا بِقَبَسٍ أو شعلةٍ ، أو بخبرٍ عن قوم نُزُولٍ عليها تكون لنا بهم استعانة ، ومن جهتهم انتفاع . وبَدَتْ لعينه تلك النارُ قريبةً ، فكان يمشي نحوها ، وهي تتباعد حتى قَرُب منها ، فرأى شجرةً رطبةً خضراءَ تشتعل كلُّها من أولها إلى آخرها ، وهي مضيئة ، فَجَمَعَ خُشَيْبَاتٍ وأراد أن يقتبس منها ، فعند ذلك سمع النداءَ من الله لا من الشجرة كما تَوَهَّم المخالِفون من أهل البدع . وحصل الإجماعُ أَنَّ موسى سمع تلك الليلة كلامَ الله ، ولو كان النداء في الشجرة لكان المتكلم به الشجرة ، ولأجل الإجماع قلنا : لم يكن النداء في الشجرة وإلا فنحن نجوَّز أن يخلق الله نداءً في الشجرة ويكون تعريفاً ، ولكن حينئذٍ يكون المتكلم بذلك الشجرة .\rولا يُنْكر في الجواز أن يكون الله أسمع موسى كلامه بإسماع خلقه له ، وخَلَقَ كلاماً في الشجرة أيضاً ، فموسى سمع كلامَه القديم وسمع كلاماً مخلوقاً في الشجرة . . . وهذا من طريق العقل جائز .","part":5,"page":462},{"id":2463,"text":"أي بورِكَ مَنْ هو في طلب النار ومَنْ هو حول النار .\rومعنى بورِكَ لَحِقَتْه البركةُ أو أصابته البَرَكةُ . . . والبركةُ الزيادةُ والنَّماءُ في الخير .\rوالدعاء مِنَ القديم - سبحانه - بهذا يكون تحقيقاً له وتيسيراً به .","part":5,"page":463},{"id":2464,"text":"الذي يُخَاطِبُكَ أنا اللَّهُ { الْعَزِيزُ } في استحقاق جلالي ، { الْحَكِيمُ } في جميع أفعالي .","part":5,"page":464},{"id":2465,"text":"{ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ } .\rفي آية أخرى بَيَّنَ أنه سأله ، وقال له على وجه التقرير : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } [ طه : 17 ] وأجابه بقوله : { هِىَ عَصَاىَ } [ طه : 17 ] وذَكَرَ بعضَ مَا لَه فيها من المآرب والمنافع ، فقال الله : { وََألْقِ عَصَاكَ } ، وذلك لأنه أراد أَنْ يُرِيَه فيها من عظيم البرهان ما يجعل له كمالَ اليقين .\rوألقاها موسى فَقَلَبَهَا اللَّهُ ثعباناً ، أولاً حيةً صغيرةً ثم صارت حيةً كبيرةً ، فأوجس في نفسه موسى خيفةً وولَّى مُدْبِراً هارباً ، وكان خوفه من أن يُسَلِّطَهَا عليه لمَّا كان عارفاً بأن الله يعذِّبَ مَنْ يشاء بما يشاء ، فقال له الحقُّ :\r{ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ } .\rأي لا ينبغي لهم أن يخافوا .","part":5,"page":465},{"id":2466,"text":"وهذا يدلُّ على جواز الذَّنْبِ على الأنبياء عليهم السلام فيما لا يتعلق بتبليغ الرسالة بشرط تَرْكِ الإصرار . فأمَّا مَنْ لا يُجِيزُ عليهم الذنوبَ فيحمل هذا على ما قبل النبوة .\rفلمَّا رأى موسى انقلابَ العصا عَلِمَ أَنَّ الحقَّ هو الذي يكاشفه بذلك .\rويقال : كيف عَلِمَ موسى - عليه السلام - أَنَّ الذي سمعه كلامُ اللَّهِ؟\rوالجواب أنه بتعريفٍ منه إياه - ويجوز أن يكون ذلك العلم ضرورياً فيه ، ويجوز أن يكون كَسْبياً ، ويكون الدليل له الذي له الذي به عَلِمَ صِدْقَه في قوله : { إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ } هو ما ظهر على يَدِهِ - في الوقت - من المعجزة ، من قَلْبِ العصا ، وإخراج يده بيضاء .","part":5,"page":466},{"id":2467,"text":"من غير سوءٍ أي بَرَصٍ . وفي القصة أن موسى عليه السلام ذَكَرَ اشتغال قلبه بحديث امرأته ، وما أصابه تلك الليلة من الأحوال التي أَوْجَبَتْ انزعاجَه ، وقَصْدَه في طلب النار ، فقال الله تعالى : « إنا قد كفيناكَ ذلك الأمرَ ، ووكلنا بامرأتِكَ وأسبابك ، فجمعنا أغنامَك وثيرانَك ، وسَلِمْتَ لَكَ المرأةُ » .","part":5,"page":467},{"id":2468,"text":"لم يُظْهِرْ اللَّهُ - سبحانه - آيةً على رسولٍ من أنبيائه - عليهم السلام - إلاّ كانت في الوضوح بحيث لو وَضَعوا النظرَ فيها موضعَه لتَوَصَّلُوا إلى حصول العلم وثلج الصدور ، ولكنهم قَصَّروا في بعضها بالإعراض عن النظر فيها ، وفي بعضها الآخر عرفوها وقابلوها بالجَحْدِ . قال تعالى وقولُه صِدْقٌ :\r{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } .\rوكما يَحْصُلُ من الكافِر الجَحْدُ تحصل للعاصي عند الإلمام ببعض الذنوب حالةٌ يعلم فيها - بالقطع - أن ما يفعله غير جائز ، وتتوالى على قلبه الخواطرُ الزاجرةُ الداعيةُ له عن فِعْلِها من غير أَنْ يكونَ متغافلاً عنها أو ناسياً لها ، ثم يُقْدِمُ على ذلك غيرَ مُحْتَفِلٍ بها مُوَافَقَةً لشهوتِه . وهذا الجنسُ من المعاصي أكثرُها شؤماً ، وأشدُّها في العقوبة ، وأبْعَدُها عن الغفران .","part":5,"page":468},{"id":2469,"text":"يقتضي حكمُ هذا الخطاب أنه أفْرَدهُما بجنسٍ من العلم لم يشارِكُهُما فيه أحدٌ؛ لأنه ذَكَرَه على وجه تخصيصهما به ، ولا شكّ أنه كان من العلوم الدينية؛ ويحتمل أنه كان بزيادة بيانٍ لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه وتصحيحه بالاستدلال الذي هو مُعَرَّضٌ للشك فيه .\rويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا يستسرون به ، فيكون إخبارُهما عن ذلك معجزةً لهما .\rويحتمل أن يكون قوله : { عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ } .\rويحتمل أن يكون علمهما بالله على وجه زيادةٍ لهما في البيان .\rوفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات ، فأخبر بأنهما شَكَرَ الله على عظيم ما أنعم به عليهما .","part":5,"page":469},{"id":2470,"text":"ورث أباه في النبوة ، وورثه في أن أقامه مقامه .\rقوله : { عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ } : وكان ذلك معجزةً له ، أظهرها لقومه ليعلموا بها صِدْقَ إخباره عن نبوته . ومَنْ كان صاحبَ بصيرةٍ وحضور قلب بالله يشهد الأشياءَ كلّها بالله ومن الله . ويكون مُكَاشَفاً بها من حيث التفهيم ، فكأنه يسمع من كل شيءٍ تعريفاتٍ الحقِّ - سبحانه - للعبد مما لا نهاية له ، وذلك موجودٌ فيهم مَحْكِيٌّ عنهم . وكما أنَّ ضربَ الطّبْلِ مثلاً دليلٌ يُعْرَفُ - بالمواضعة - عند سماعه وقتُ الرحيلِ والنزولِ فالحقُّ - سبحانه - يخصُّ أهلَ الحضورِ بفنون التعريفاتِ ، من سماعِ الأصواتِ وشهودِ أحوال المرئيات في اختلافها ، كما قيل :\rإذا المرءُ كانت له فِكرةٌ ... ففي كل شيءٍ له عِبْرَةً","part":5,"page":470},{"id":2471,"text":"سخَّر اللَّهُ لسليمان - عليه السلام - الجنَّ والطيرَ ، فكان الجنُّ مكلَّفين ، والطيرُ كانت مُسَخَّرَةً إلا أنه كان عليها شَرْعٌ ، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته ، حتى النمل كان سليمان يعرف خطابَهم ينفذ عليهم حُكْمه .","part":5,"page":471},{"id":2472,"text":"قيل إن سليمان استحضر أميرَ النمل الذي قال لقومه : { ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } وقال له : أمَا عَلِمْتَ أَنِّي معصومٌ ، وأَنَّي لن أُمَكِّنْ عسكري مِنْ أَنْ يطؤوكم؟ فأخبره أميرُ النمل أنّه لا يعلم ذلك؛ لأنه ليس بواجبٍ أن يكون النملُ عالماً بعصمة سليمان . ولو قال : لعلكم أبيح لكم ذلك . . لكان هذا أيضاً جائزاً .\rوقيل إن ذلك النمل قال لسليمان : إني أَحْمِلُ قومي على الزهد في الدنيا ، وخَشِيتُ إِنْ يَرَوْكُم في مُلْكِكم أَنْ يرغبوا فيها ، فأَمَرْتُهم بدخول مساكنهم لئلا يتشوَّشَ عليهم زُهْدُهُم . ولَئِنْ صَحَّ هذا ففيه دليلٌ على وجوب سياسة الكبار لِمَنْ هو في رعيتهم . وفي الآية دليلٌ على حَسْنِ الاحتراز مِمّا يُخْشَى وقوعُه ، وأَنَّ ذلك مما تقتضيه عادةُ النّفْسِ وما فُطِرُوا عليه من التمييز .\rويقال إن ذلك النمل قال لسليمان : ما الذي أعطاك اللَّهُ من الكرامة؟\rفقال : سَخّرَ لي الريحَ .\rفقال : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أُعْطِيتَ إلا الريح؟\rوهكذا بيَّنَه الكبيرُ على لسان الصغير! .","part":5,"page":472},{"id":2473,"text":"{ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } .\rالتبسُّمُ من الملوكِ يندر لمراعاتهم حُكْمَ السياسة ، وذلك يدلُّ على رضاهم واستحسانهم لما منه يحصل التبسُّم ، فلقد استحسن سليمان من كبير النمل حُسْنَ سياسته لرعيته .\rوفي القصة أنه استعرض جُنْدَه ليراهم كم هم ، فَعَرَضَهم عليه ، وكانوا يأتون فوجاً فوجاً ، حتى مضى شَهْرٌ وسليمان واقفٌ ينظر إليهم مُعْتَبِراً فلم ينتهوا ، ومَرَّ سليمانُ عليه السلام .\rوفي القصة : أن عظيم النمل كان مثل البغل في عِظَمِ الجثة ، وله خرطوم . والله أعلم .\rقوله جلّ ذكره : { رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضاهُ } .\rفي ذلك دليلٌ على أن نَظَرَه إليهم كان نَظَرَ اعتبارٍ ، وأنه رأى تعريفَ الله إِياه ذلك ، وتنبيهُه عليه من جملة نِعَمِه التي يجب عليها الشكرُ .\rوفي قوله : { وَعَلَى وَالِدَىَّ } دليلٌ على أَنَّ شُكْرَ الشاكر لله لا يختص بما أَنْعَمَ به عليه على الخصوص ، بل يجب على العبد أن يشكر الله على ما خَصَّ وَعَمَّ من نِعَمِه .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } .\rسأل حُسْنَ العاقبة . لأنَّ الصالحَ من عباده مَنْ هو مختوم له بالسعادة .","part":5,"page":473},{"id":2474,"text":"تَطَلّبَه فَلَمَّا لم يَرَه تَعَرَّف ما سبب تأخره وغيبته .\rودلَّ ذلك على تيقظ سليمان في مملكته ، وحسن قيامه وتكفله بأمور أمته ورعيته ، حيث لم تَخْفَ عليه غيبةُ طيرٍ هو من أصغر الطيور لم يحضر ساعةً واحدةً . وهذا أحسن ما قيل .\rثم تَهَدَّدَه إن لم يكن له عُذْرٌ بعذاب شديدٍ ، وذلك يدلُّ على كمال سياسته وعَدْلِه في مملكته .\rوقال قومٌ إنما عَرَفَ أن الهدهد يعرف أعماقَ الماء بإلهام خُصَّ به ، وأنَّ سليمان كان قد نزل منزلاً ليس به ماء ، فطلبَ الهدهد ليهديَهم إلى مواضع الماء ، وهذا ممكن؛ لأن في الهدهد كَثْرَةً . وغيبةُ واحدةٍ منها لا يحصل منها خَلَلٌ - اللهم إلاّ إِنْ كان ذلك الواحد مخصوصاً بمعرفة مواضع وأعماق الماء . . . والله أعلم .\rوروي أن ابن عباس سُئِلَ عن ذلك ، وأنه قيل له : إنْ كان الهدهدُ يرى الماءَ تحت الترابِ ويعرفه فكيف لا يرى الفَخَّ مخفيّاً تحت التراب؟\rفقال : إذا جاء القضاء عَمِيَ البصر .\rويقال : إن الطير كانت تقف فوق رأس سليمان مُصْطَفّةً ، وكانت تستر انبساط الشمس وشعاعها بأجنحتها ، فوقع شعاعُ الشمسِ على الأرض ، فنظر سليمانُ فرأى موضع الهدهد خالياً منه ، فَعَرَفَ بذلك غَيْبَته . . وهذا أيضاً ممكن ، ويدل على كمال تَفَقُّدِه ، وكمال تَيَقُّظِه - كما ذكرنا .","part":5,"page":474},{"id":2475,"text":"في هذه الآية دليل على مقدار الجُرْمِ ، وأنه لا عِبْرَةَ بصغر الجثة وعِظَمِها . وفيه دليل على أن الطير في زمانه كانت في جملة التكليف ، ولا يبعد الآن أن يكون عليها شَرْعٌ ، وأَنَّ لهم من الله إلهاماً وإعلاماً؛ وإِن كان لا يُعْرَفُ ذلك على وجه القَطْع .\rوتعيين ذلك العذاب الشديدِ غيرُ ممكنٍ قطعاً ، إلا تجويزاً واحتمالاً .\rوعلى هذه الطريقة يَحْتَمِلُ كلَّ ما قيل فيه .\rويمكن أن يقال فإن وُجِدَ في شيءٍ نَقْلٌ فهو مُتَّبَعٌ .\rوقد قيل هو نَتْفُ ريُشه وإلقاؤه في الشمس .\rوقيل يفرِّق بينه وبين أليفه .\rوقيل يشتِّت عليه وقتَه .\rوقيل يُلْزِمُه خدمة أقرانه .\rوالأَولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت ، وألا يُقْطَعَ بشيءٍ دون غيره على وجه القطع .\rفَمِنَ العذاب الشديد أن يُمْنَعَ حلاوة الخدمة فيجد أَلَمَ المشقة . ومن ذلك أن يقطع عنه حُسْنُ التولي لشأْنه ويوكَلَ إلى حَوْلِهِ ونَفْسِه ، ومن ذلك أن يُمْتَحَنَ بالحِرْصِ في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه . ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع ومن ذلك سَلْبُ القناعة . ومنه عَدَمُ الرضا بما يجري . ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شيءٍ من الخَلْق .\rومن ذلك الحاجة إلى الأَخٍسَّةِ من الناس . ومن ذلك ذُلُّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير . ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم . ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر . ومن ذلك التباس طريق الرُّشد . ومنه حسبان الباطل بصفة الحق . والتباس الحقِّ في صورة الباطل . ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده . ومنه الفقر في الغُرْبة .","part":5,"page":475},{"id":2476,"text":"فلم يلبث الهدهدُ أن جاء ، وعََلِمَ أن سليمانَ قد تَهدَّدَه ، فقال : أَحَطْتُ علماً بما هو عليك خافٍ ، { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } .\rثم ذكر حديث بلقيس ، وأنها ملكتهم ، وأن لها من المالِ والمُلْكِ والسرير العظيم ما عَدَّه ، فلم يتغير سليمانُ - عليه السلام - لذلك ، ولم يستفزّه الطمع فيما سَمِعَ عن هذا كما يحدث من عادة الملوك في الطمع في مُلِكِ غيرهم ، فلما قال :","part":5,"page":476},{"id":2477,"text":"فعند ذلك غَاظَ هذا سليمانَ ، وغَضِبَ في الله ، و :","part":5,"page":477},{"id":2478,"text":"وفي هذا دلالة على أن خَبَرَ الواحدِ لا يوجِب العلمَ فيجب التوقفُ فيه على حدِّ التجويز ، وفيه دلالة على أنه لا يُطْرَح بل يجب أن يُتَعَرَّفَ : هل هو صدق أم كذب؟\rولمَّا عَرَفَ سليمان هذا العُذْرَ تَرَكَ عقوبتَه وما تَوَعَّدَه به . . . وكذلك سبيلُ الوالي؛ فإنَّ عَدْلَه يمنعه من الحيفِ على رعيته ، ويَقْبَلُ عُذْرَ مَنْ وَجَدَهُ في صورة المجرمين إذا صَدَقَ في اعتذاره .","part":5,"page":478},{"id":2479,"text":"في الآية إشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يذكر بين يدي الملوك كلَّ كلمة ، فإنه يَجُرُّ العناءَ بذلك إلى نَفْسه؛ وقد كان لسليمان من الخَدَمِ والحَشَم ومَنْ يأتمر بأمره الكثير ، ولكنه لم يستعمل واحداً في هذا التكليف إلا الهدهد لأنه هو الذي قال ما قال ، فلزمه الخروج من عهدة ما قال .\rويقال لمَّا صَدَقَ فيما أخبر لِمَلِكهِ عُوِّضَ عليه فَأُهِّلَ للسفارة والرسالة - على ضعف صورته .\rفمضى الهدهد ، وألقى الكتاب إليها كما أُمِرَ ، وانتحى إلى جانبٍ ينتظر ماذا يفعلون وبماذا يُجَاب .","part":5,"page":479},{"id":2480,"text":"{ كِتَابٌ كَرِيمٌ } الكَرَمُ نَفْيُ الدناءة ، وقيل لأنه كان مختوماً ، وقيل لأنَّ الرسولُ كان طيراً؛ فَعَلِمَتْ أَنَّ مَنْ تكون الطيرُ مُسَخَّرة لَهُ لا بُدّ أنه عظيمُ الشأنِ . وقيل لأنه كان مُصَدَّراً ببسم الله الرحمن الرحيم . وقيل لأنه كتب فيه اسم نَفْسِه أولاً ولم يَقُلْ : إنه من سليمان إلى فلانة . ويقال لم يكن في الكتاب ذكر الطمع في المُلْكِ بل كان دُعَاءً إلى الله : { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } .\rويقال أَخَذَ الكتابُ بمجامع قلبها ، وقَهَرَها؛ فلم يكن لها جواب ، فقالت ، { إِنِّى أُلْقِىَ إِلّىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } فلمَّا عَرَفَتْ قَدْرَ الكتابِ وصلت باحترامها إلى بقاء مُلكِها ، ورُزِقَتْ الإسلامَ وصُحْبَةً سليمان .\rويقال إذا كان الكتابُ كريماً لما فيه من آية التسمية فالكريمُ من الصلاة ما لا يتجرَّدُ عن التسمية . وإذا تجرَّدت كان الأمرُ فيها بالعكس .","part":5,"page":480},{"id":2481,"text":"أَخَذَتْ في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام؛ فإن المَلِكَ لا ينبغي أن يكون مستبداً برأيه ، ويجب أن يكون له قومٌ من أهل الرأي والبصيرة .","part":5,"page":481},{"id":2482,"text":"أجابوا على شرط الأدب ، وقالوا : ليس منا إِلاّ بَذْلُ الوسع ، وليس لنا إِلاّ إظهارُ النُّصح وما علينا إلا متابعةُ الأمر - وتمشيةُ الأمرِ وإمضاؤه . . . إليكِ .","part":5,"page":482},{"id":2483,"text":"ويقال إِنَّ : { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } مِنْ قوْلِها .\rويقال : تغييرُ الملوك إذا دخلوا قريةً - عن صفتها - معلومٌ ، ثم يُنْظَر . . . فإن كان الداخِلُ عادلاً أزال سُنَّةَ الجَوْرِ ، وأثبت سُنَّةَ العَدْلِ ، وإِنْ كان الداخلُ جائراً أزال الحَسَنَ وأثبت الباطلَ . هذا معلوم؛ فإنَّ خرابَ البلادِ بولاةِ السُّوءِ ، حيث يستولي أسافلُ الناس وأَسقاطُهم على الأعزة منهم ، وكما قيل :\rيا دولة ليس فيها ... من المعالي شظيهْ\rزولى فما أنتِ إِلاّ ... عل الكرام بليهْ\rوعمارة الدنيا بولاة الرُّشْدِ ، يكسرون رقابَ الغاغة ، ويُخَلِّصُون الكرامَ من أَسْرِ السِّفْلة ، ( ويأخذ القوس باريها ) ، وتطلع شمسُ العدل من برج شرفها . . . كذلك المعرفةُ والخصالُ المحمودة إذا باشَرَتْ قلبَ عبدٍ أخرجت عنه الشهواتِ والمُنى ، وسفاسفَ الأخلاقِ من الحقد والحسد والشُّحِّ وصِغَرِ الهمة . . . وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتُثْبِتُ بَدَلَها من الأحوال العَلِيَّةِ والأوصاف المَرْضِيَّةِ ما به نظامُ العبد وتمامُ سعادته . ومتى استولت على قلبٍ غاغةُ النَّفسِ والخصالُ المذمومة أزالت عنه عمارته ، وأَبْطَلَتْ نضارتَه ، فتخرب أوطانُ الحقائق ، وتتداعى مساكنُ الأوصاف الحميدة للأفوال ، وعند ذلك ، يَعْظُم البلاءُ وتتراكم المِحَنُ .","part":5,"page":483},{"id":2484,"text":"جاء في القصة أنها بعثت إلى سليمانَ بهدايا ، ومن جملتها لَبِنَةٌ مصنوعةٌ من الفضة وأخرى من الذهب . وأن اللَّهَ أخبر سليمانَ بذلك ، وأوحى إليه في معناه . وأمَرَ سليمانُ الشياطينَ حتى بَنَوْا بساحة منزله ميداناً ، وأمرهم أن يفرشوا الميدان بهيئة اللَّبنِ المصنوعِ من الذهب والفضة من أوله إلى آخره . وأَمَرَ بأن توقف الدوابُّ على ذلك وألا تُنَظَّفَ آثارُها من رَوْثٍ وغيره ، وأن يُتْرَكَ موضعان لِلَبِنَتَيْنِ خالِيَيْن في ممرِّ الدخول . وأقبل رُسُلُها ، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين ، فلمَّا رَأَوْا الأمر ، ووقعت أبصارُهم على طريقهم ، صَغُرَ في أعينهم ما كان معهم ، وخَجِلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة . . . كيف يتخلصون مما معهم؟ . فلمَّا رأوا موضع اللَّبنَتَيْن فارغا ظنُّوا أن ذلك سُرِق من بينها ، فقالوا لو أظهرنا نُسِبْنا إلى أنَّا سرقناهما من هذا الموضع ، فطرحاهما في الموضع الخالي ، ودَخَلاَ على سليمان .","part":5,"page":484},{"id":2485,"text":"أتهدونني مالاً؟ وهل مثلي يُسْتَمالُ بمثل هذه الأفعال؟ إنكم وأمثالكم تعامِلُون بمثل ما عوملتم! ارجع إليهم : -\r{ ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rفلمَّا رجعوا إلى بلقيس ، وأخبروها بما شاهدوا وسمعوا علمت أنه لا وَجْه لها سوى الاستسلام والطاعة ، فَعَزَمَتْ على المسير إلى خدمته ، وأوحى الله إلى سليمان بذلك ، وأنها خرجت مستسلمةً ، فقال : { أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا؟ } .","part":5,"page":485},{"id":2486,"text":"بسط اللَّهُ - سبحانه - مُلْكَ سليمان ، وكان في مُلْكِه الجِنُّ والإِنسُ والشياطين؛ الجن على جهة التسخير ، والإنس على حكم الطوع ، والشياطين وكانوا على أقسام .\rولمَّا قال : { أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا؟ } قال عفريت من الجن - وكان أقواهم - { أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌ أَمِينٌ } ، فلم يرغب سليمانُ في قوله لأنه بَنَى القولَ فيه على دعوى قُوَّتِه .","part":5,"page":486},{"id":2487,"text":"{ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ } ( قيل هو آصف ) وكان صاحب كرامة . وكراماتُ الأولياءِ مُلْتَحِقَةٌ بمعجزات الأنبياء ، إذ لو لم يكن النبيُّ صادقاً في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يُصَدِّقه ويكون من جملة أمته .\rومعلومٌ أنه لا يكون في وُسْعِ البَشَرِ الإتيانُ بالعرش بهذه السرعة ، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى . وقَطْعُ المسافة البعيدة في لحظةٍ لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين : إمَّا بأن يُقَدِّم اللَّهُ المسافةَ بين العرش وبين منزل سليمان ، وإمَّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان . وأيُّ واحدٍ من القسمين كان - لم يكن إلاّ من قِبَل الله ، فالذي كان عنده علم من الكتاب دعا الله - سبحانه - واستجاب له في ذلك ، وأحضر العرش ، وأمر سليمان حتى غَيَّرَ صورته فجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، وأثبته على تركيبٍ آخر غير ما كان عليه .\rولمّا رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله - سبحانه - والاعتراف بِعِظمِ نِعَمِه ، والاستيحاء ، والتواضع له ، وقال : { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّى } : لا باستحقاقٍ مني ، ولا باستطاعةٍ من غيري ، بل أحمد النعمةَ لربِّي حيث جعل في قومي ومِنْ أمتي مَنْ له الجاهُ عنده فاستجاب دعاءَه .\rوحقيقةُ الشكرِ - على لسان العلماء - الاعترافُ بنعمة المُنْعِم على جهة الخضوع . والأحسنُ أن يقال الشكرُ هو الثناءُ على المُحْسِنِ بِذِكْرِ إحسانه ، فيدخل في هذا شكرُ اللَّهِ للعبد لأنه ثناءٌ منه على العبد بذكر إحسان العبد ، وشكرُ العبد ثناءٌ على الله بذكر إحسانه . . . إلاّ أَنَّ إحسان الحقِّ هو إنعامُه ، وإحسانُ العبد طاعتُه وخدمتُه لله ، وما هو الحميد من أفعاله .\rفأمَّا على طريقِ أهل المعاملة وبيان الإشارة : فالشكرُ صَرْفُ النعمة في وجه الخدمة .\rويقال الشكر أَلاَّ تستعينَ بنعمته على معاصيه .\rويقال الشكر شهودُ المنعِم من غير مساكنةٍ إلى النعمة .\rويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر .\rويقال أعظمُ الشكرِ الشكرُ على توفيق الشكر .\rويقال الشكر على قسمين : شكر العوام على شهود المزيد ، قال تعالى : { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } [ إبراهيم : 7 ] ، وشكر الخواص يكون مجرداً عن طلب المزيد ، غيرَ متعرض لمنال العِوَض .\rويقال حقيقةُ الشكرِ قيد النعم وارتباطها؛ لأَنَّ بالشكر بقاءَها ودوامَها .","part":5,"page":487},{"id":2488,"text":"{ قَالَ نِكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ } .\rأراد سليمانُ أن يمتحنَها وأن يختبرَ عقلَها ، فأمر بتغيير عرْشِها ، فلمَّا رأته : -\r{ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } .\rفاستدلَّ بذلك على كمالِ عقلها ، وكان ذلك أمراً ناقضاً للعادة ، فصار لها آية وعلامةً على صحة نبوة سليمان - عليه السلام- وأسلَمَتْ .","part":5,"page":488},{"id":2489,"text":"كان ذلك امتحاناً آخرَ لها . فقد أَمَرَ سليمانُ الشياطينَ أن يصنعوا من الزجاج شِبْهَ طبقٍ كبيرٍ صافٍ مضيءٍ ، ووَضَعَه فوق بِرْكَةٍ بها ماء كثير عميق ، يُرَى الماءُ من أسفل الزجاج ولا يُمَيَّزُ بين الزجاج والماء ، وأُمِرَتْ أن تخوضَ تلك البركة ، فكَشَفَتْ عن ساقيها؛ لأنها وُصِفَتْ لسليمان بأنها جِنِّيةُ النَّسَبِ . وأن رجليها كحوافر الدواب ، فَتَقَوَّلوا عليها ، ولمَّا تَوَهَّمَتْ أنها تخوض الماءَ كَشَفَتْ عن ساقيها ، فرأى سليمان رِجْلَيْها صحيحين . وقيل لها : { إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِن قَوَارِيرَ } : فصار ذلك أيضاً سبباً وموجباً ليقينها . وآمنَتْ وتزوج بها سليمان عليه السلام .","part":5,"page":489},{"id":2490,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } .\rذكر قصةَ ثمود ، وقصة نبيِّهم صالح عليه السلام ، وما جرى بينه وبينهم من التكذيب ، وطلبهم منه معجزةً ، وحديث الناقة وعقرها ، وتبرمهم بالناقة بعد أن رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية . . . إلى قوله :\r{ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } .\rومَكْرُهُم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح ، وعقرهم الناقة خفيةٌ ، وتوريك الذَّنبِ على غير جارمه ، والتبرِّي من اختيارهم ذلك .\rوأمَّا مَكْرُ اللَّهِ جزاؤهم على مَكِرْهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم ، ثم إحلالهم بهم بغتةً . فالمَكْرُ من الله تخليتُه إياهم مع مَكْرِهم بحيث لا يعصمهم ، وتزيينُ ذلك في أعينهم ، وتجيبُ ذلك إليهم . . . ولو شاء لَعَصَمَهُم . ومن أليم مَكْرِهِ انتشارُ الصيت بالصلاح ، والعمر في السَِّرِّ بخلاف ما يتوهم بهم من الصلاح ، وفي الآخرة لا يَجُوزُ في سُوقِها هذا النَّقْدُ! .","part":5,"page":490},{"id":2491,"text":"أهلكهم ولم يغادر منهم أحداً .","part":5,"page":491},{"id":2492,"text":"وفي الخبر : « لو كان الظلمُ بيتاً في الجنة لَسَلَّطَ اللَّهُ عليه الخرابَ » ؛ فالنفوسُ إذا ظَلَمت بِزَلاَّتها خربت بلحوقها شؤم الذَّلة حتى يتعود صاحبُها الكسلَ ، ويستوطن مركبَ الفشل ، ويُحْرَم التوفيق ، ويتوالى عليه الخذلانُ وقسوةُ القلب وجحودُ العين وانتفاءُ تعظيمِ الشريعة من القلب . وأصحابُ القلوبِ إذا ظلموها بالغفلة ولم يحاولوا طَرْدَها عن قلوبهم . . . خربت قلوبُهم حتى تقسوا بعد الرأفة ، وتجف بعد الصفوة .\rفخرابُ النفوس باستيلاء الشهوة والهفوة ، وخرابُ القلوب باستيلاء الغفلة والقسوة ، وخراب الأرواح باستيلاء الحجبة والوقفة ، وخراب الأسرار باستيلاء الغيبة والوحشة .","part":5,"page":492},{"id":2493,"text":"ذَكَرَ قصة لوطٍ وأمته ، وما أصَرُّوا عليه من الفاحشةِ ، وما أَحَلَّ اللَّهُ بهم من العقوبة ، وإحلالَ العقوبة بامرأته التي كانت تطابق القومَ ، وتخليص الحقُّ لوطاً من بينهم ، وما كان من أمر الملائكة الذين بُعِثُوا لإهلاكهم .","part":5,"page":493},{"id":2494,"text":"هم الذين سَلَّم عليهم في آزاله وهم في كتم العَدَمِ ، وفي متناول علمه ومتعلق قدرته ، ولم يكونوا أعياناً في العَدَم ولا أفادوا ، فلمَّا أظهرهم في الوجود سَلَّم عليهم بذلك السلام ، ويُسْمِعُهم في الآخرة ذلك السلام . والذين سَلَّم عليهم هم الذين سَلِمُوا اليومَ من الشكوك والشُّبَهِ ، ومن فنون البِدَعِ ، ومن وجوه الألم ، ثم من فنون الزَّلَلِ وصنوفِ الخَلَلِ ، ثم من الغيبة والحجبة وما ينافي دوام القربة .\rويقال اصطفاهم ، ثم هداهم ، ثم آواهم ، وسَلَّم عليهم قبل أَنْ خَلَقَهم وأبداهم ، وبعد أن سَلَّم عليهم بودِّه لَقَّاهم .\rويقال : اصطفاهم بنورِ اليقين وحُلَّةِ الوَصْلِ وكمالِ العَيْش .","part":5,"page":494},{"id":2495,"text":"{ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَآ } .\rفثمراتُ الظاهرِ غذاءُ النفوس ، وثمراتُ الباطِن والأسرار ضياءُ القلوبِ ، وكما لا تبقى في وقت الربيع من وحشة الشتاءِ بقيةٌ فلا يبقى في قلوبهم وأوقاتهم من الغيبةِ والحجبةِ والنفرةِ والتهمةِ شَظِيَّة .","part":5,"page":495},{"id":2496,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ } .\rنفوسُ العابدين قرارُ طاعتهم ، وقلوبُ العارفين قرار معرفتهم ، وأرواح الواجدين قرار محبتهم ، وأسرار الموحِّدين قراب مشاهدتهم ، في أسرارهم أنوار الوصله وعيون القربة ، وبها يسكن ظمأُ اشتياقهم وهيجانُ قَلَقِهم واحتراقِهم .\r{ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ } من الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة .\rويقال { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ } اليقين والتوكل .\rويقال الرواسي في الأرض الأبدالُ والأولياء والأوتاد؛ بهم يديم إمساكَ الأرض ، وببركاتهم يَدْفَعُ عن أهلها البلاء .\rويقال الرواسي هم الأئمة الذين يَهْدُون المسترشدين إلى الله .\rقوله جلّ ذكره : { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .\r{ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً } بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدُهما صاحبَه . ويقال بين العبودية وأحكامها ، والحقيقة وأحكامها ، فلو غَلَبَتْ العبوديةُ كان جَحْداً للحقيقة ، ولو غلبت الحقيقةُ العبوديةَ كانت طَيّاً للشريعة .\rويقال : ألْسِنَةُ المريدين مَقَرُّ ذكره ، وأسماعُهم مَحلُّ الإدراك الموصِّل إلى الفهم ، والعيون مقر الاعتبار .","part":5,"page":496},{"id":2497,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } . فَصَلَ بين الإجابة وبين كَشْفِ السوء؛ فالإجابةُ بالقَولِ والكشفُ بالطَّوْلِ ، الإجابة بالكلام والكشفُ بالإنعام . ودعاءُ المضطر لا حجابَ له ، وكذلك دعاء المظلوم ولكن { لِكُلِّ أَجِلٍ كِتَابٌ } [ الرعد : 38 ] .\rويقال للجناية : سراية؛ فَمَنْ كان في الجناية مختاراً فليس تسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جُرْمِه الذي سَلَفَ منه وهو مختارٌ فيه ، فأكثر الناس يتوهمون أنهم مضطرون ، وذلك الاضطرار سراية ما بَدَرَ منهم في حال اختيارهم .\rوما دام العبدُ يتوهم من نفسه شيئاً من الحَوْلَ والحيلة ، ويرى لنفسه شيئاً من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه - فليس بمضطرٍ ، فالمضطرُّ يرى نَفْسَه كالغريق في البحر ، أو الضَّالِّ في المتاهة ، وهو يرى عِنَانَه بيد سَيِّدِه ، وزِمَامه في قبضته ، فهو كالميت بين يدي غاسِله ، وهولا يرى لنفسه استحقاقاً للنجاة؛ لاعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط ، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة .\rولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحدٍ في أن يدعوَ له ، لأنَّ اللَّهَ وَعَدَ الإجابة له . . . لا لمن يدعو له .\rثم كما وَعَدَ المضطرَّ الإجابةَ وكَشْفَ السوء وَعَدَه بقوله : -\r{ وَيَجْعَلُكُمْ خَلَفَآءَ الأَرْضِ أَءِلَه مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } .\rفإنَّ مع العسر يسراً ، ولم يقل : العسر إزالة ، ولكن قال : مع العسرِ يُسْرٌ؛ فنهارُ اليُسْرِ حاصلٌ بعد ظلام العُسْرِ .\rثم قال : { أَءِلَه مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } لأنَّ العبدَ إذا زَالَ عُسْرهُ ، وكُشِفَ عنه ضُرُّه نَسِيَ ما كان فيه ، وكما قال القائل :\rكأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى ... ولم يَكُ صعلوكاً إذا ما تَمَوَّلاَ","part":5,"page":497},{"id":2498,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } .\rإذا أظلم الوقتُ على صاحبه في متعارض الخواطر عند استبهام وجه الصواب ، وضاق الأمرُ بسبب وحشة التدبير وظلمات أحوال التجويز ، والتحيُّر عند طلب ترجيح بعض الخواطر على بعضٍ بشواهد العقل . . فَمَنْ الذي يرشدكم لوجه الصواب بِتَركِ التدبير ، وللاستسلام لحكم التقدير ، وللخروج من ظلمات مجوَّزات العقول إلى قضايا شهود التقدير ، وتفويض الأمر إلى اختيار الحق ، والاستسلام لما جَرَتْ به الأقسامُ ، وسبَقَت به الأقدار؟ .\rقوله جلّ ذكره : { وََمَن يُرْسِلُ الرِّّيَاحَ بُشْرَا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\rمَنْ الذي يُرْسِلُ رياحَ فَضْلِه بين يدي أنوار اختياره فيمحوَ آثارَ اختيارِ نَفْسِك ، ويعجِّلَ بحُسنْ الكفاية لك؟\rويقال : يرسل رياحَ التوكل فيُطَهِّرُ القلوبَ من آثار الاختيار وأوضار التدبير ، ثم يُطْلِعُ شموسَ الرضا فيحصلُ بَردُ الكفاية فوق المأمول في حال سكينة القلب . . { أَءِلَةٌ مَّعَ اللَّهِ } ؟ { تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } : من إحالة المقادير على الأسباب .","part":5,"page":498},{"id":2499,"text":"يُظِهرُ ما يُظْهِرُ بقدرته على مقتضى سابق حُكْمِه ، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحقَّ فيه قولُه ، وسَبَقَ به قضاؤه وقَدَرُه فإذا زال وانتفى وانعدم بعضُ ما يظهر ويخصص . . فَمَنْ الذي يعيده مثلما بدأه؟ ومن الذي يضيَّق الرزقَ ويُوَسِّعُه؟ ومن الذي يقبض في بعض الأوقات على بعض الأشخاص؟ وفي وقت آخر مَنْ الذي يبسط على قوم آخرين؟\rهل في قدرة أحدٍ غيرِ اللَّهِ ذلك؟\rإِنْ توهمتم شيئاً منذ لك فأَوْضِحُوا عنه حُجَّتَكم . . وإذ قد عجزتم . . فهلاَّ صَدَّقْتُم؟ وبالتوحيد أقررتم؟ .","part":5,"page":499},{"id":2500,"text":"{ الْغَيْبَ } : ما لا يطلع عليه أحد ، وليس عليه للخلْق دليل ، وهو الذي يستأثر بعلمه الحقُّ ، وعلومُ الخَلْق عنه متقاصرة ، ثم يريد اللَّهُ أن يخصَّ قوماً بعلمه أفردهم به .\r{ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } : فإنه أخفى علَم الساعة عن كل أحدٍ .","part":5,"page":500},{"id":2501,"text":"فهم في الجملة يَشُكُّون فيه؛ فلا ينفونه ولا بالقطع يجحدونه . . وهكذا حُكْمُ كلِّ مريضٍ القلب ، فلا حياةَ له في الحقيقة ، ولا راحةَ له من يأسه ، إذ هو من البعث في شكٍّ ، ومن الحياة الثانية في استبعاد .","part":6,"page":1},{"id":2502,"text":"وُعِدَ آباؤنا بذلك من قبل ، ثم لم يكن لهم تحقيق ، وما نحن إلا مِثْلُهم ، وكانوا يسألون متى الساعة؟","part":6,"page":2},{"id":2503,"text":"فقال الحقُّ : إنه عن قريبٍ سيحل بهم ميقاته .","part":6,"page":3},{"id":2504,"text":"لأنهم لا يُمَيِّزُون بين مِحَنِهم ومِنَحهم . وعزيزٌ مَنْ يَعْرِفُ الفَرْقَ بين ما هو نعمةٌ من الله له وبين ما هو محنة؛ فإذاً تقاصَرَ عِلْمُ العبدِ عمَّا فيه صلاحه ، فعسى أن يحب شيئاً ويظنَّه خيراً وبلاؤه فيه ، ورُبَّ شيءٍ يظنُّه العبدُ نعمةً فيشكر عليها ويستديمها ، وهي محنةٌ له يجب الصبر عليها والتضرع إلى الله في صَرْفِها! وبعكس هذا كم من شيءٍ يظنه الإنسان بخلاف ما هو به! .","part":6,"page":4},{"id":2505,"text":"لا تَلْتَبِسُ على الله أحوالُهم؛ فصادِقٌ يستوي ظاهِرُه وباطنُه يعلمه ، ومنافقٌ يخالف باطنُه ظاهرَه يُلَبِّسُ على الناس حالَه . . وهو - سبحانه - يعلمه ، وكافِرٌ يستوي في الجَحْدِ سِرُّه وعَلَنُه يعلمه ، وهو يجازي كلاً على ما عَلِمَه . . كيف لا . . وهو قَدَّره ، وعلى ما عليه قضاه وقَسَمَه؟! .","part":6,"page":5},{"id":2506,"text":"ما من شيء إلاَّ مُثْبَتٌ في اللوح المحفوظ حُكْمُه ، ماضيةٌ فيه مشيئته ، متعلِّقٌ به عِلْمُه .","part":6,"page":6},{"id":2507,"text":"وهم يُخْفُون بعضاً ، وبعضاً يُظْهِرُون ، ومع ما يَهْوَوْن يدورون .\rوفي هِذه الآية تخصيص لهذه الأمة بأن حفظ الله كتابَهم ، وعَصَمَ مِنَ التغيير والتبديل ما به يدينون . وهذه نعمةٌ عظيمةٌ قليلٌ منهم مَنْ عليها يشكرون؛ فالقرآن هدًى ورحمة للمؤمنين ، وليس ككتابهم الذي أخبر الصادقُ أنهم له مُحَرِّفون مُبَدِّلُون .","part":6,"page":7},{"id":2508,"text":"هو { الْعَزِيزُ } المُعِزُّ للمؤمنين ، { الْعَلِيمُ } بما يستحقه كلُّ أحدٍ من الثواب العظيم والعذاب الأليم .","part":6,"page":8},{"id":2509,"text":"أي اجتهد في أداء فَرْضِه ، وثِقْ بصدق وعده في نصره ورزقه ، وكفايته وعَوْنِه . ولا يهولنَّكَ ما يجري على ظواهرهم من أذًى يتصل منهم بك ، فإنما ذلك كلُّه بتسليطنا إن كان محذوراً ، وبتقييضنا وتسهيلنا إن كان محبوباً . وإنك لَعَلَى حقٍّ وضياءٍ صِدْقٍ ، وهم على شكٍ وظلمةِ شِركٍ .","part":6,"page":9},{"id":2510,"text":"الذين أمات اللَّهُ قلوبَهم بالشِّرْكِ ، وأَصَمَّهم عن سماع الحق - فليس في قُدْرَتِكَ أَنْ تَهْدِيَهم للرُّشْدِ أو تنقذهم من أُسْرِ الشكِّ .","part":6,"page":10},{"id":2511,"text":"أنت تهديهم من حيث الدعاء والدلالة ، ولكنك لا تهدي أحداً من حيث إزالة الباطل من القلب وإمالته إلى العرفان ، إذ ليست بقُدْرَتِكَ الإزالة أو الإمالة .\rأنت لا تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يؤمِن بآياتنا ، فلا يَسْمَعُ منك إِلاّ مَنْ أسعدناه من حيث التوفيق والإرشاد إِلى الطريق .","part":6,"page":11},{"id":2512,"text":"إذا حقَّ الوعدُ بإقامةِ القيامةِ أوضحنا أشراطَها في كلامِ الدَّابةِ المُخْرِجَةِ من الأرضِ وغير ذلك من الآيات .","part":6,"page":12},{"id":2513,"text":"وعند ذلك لا ينفع الإيمانُ ولا يُقْبَلُ العُذْرُ .","part":6,"page":13},{"id":2514,"text":"ثم كَرَّرَ ذكر الليل والنهار واختلافهما .","part":6,"page":14},{"id":2515,"text":"أي ليكونَ الليلُ وقتَ سكونِهم ، والنهارُ وقتَ طلبِ معاشِهم .","part":6,"page":15},{"id":2516,"text":"أخبر أن اليومَ الذي يُنْفَخُ فيه في الصور هو يومُ إزهاق الأَرواح ، وإخراجها عن الأجساد؛ فَمِنْ روحٍ ترقى إلى عِلِّيين ، ومِنْ روحٍ تذهب إلى سجِّين . . أولئك في حواصل طيرٍ تسرح في الجنة تأوي بالليلِ إلى قناديلَ معلقةٍ من تحت العرش صفتها التسبيح والرّوْح والراحة ، ولبعضها الشهود والرؤية . . . على مقادير استحقاقهم لِمَا كانوا عليه في دنياهم .\rوأمَّا أرواحُ الكفار ففي النار تُعّذَّب على مقادير أجرامهم .","part":6,"page":16},{"id":2517,"text":"وكثيرٌ من الناس اليومَ من أصحاب التمكين ، هم ساكنون بنفوسهم سائحون في الملكوت بأسرارهم . . قيل : إن الإشارة اليومَ إليهم . كما قالوا : العارف كائنٌ بائِنٌ؛ كائنٌ مع الناس بظاهره ، بائنٌ عن جميع الخَلْق بسرائره .","part":6,"page":17},{"id":2518,"text":"يحتمل أن يكون { خير } ها هنا للمبالغة؛ لأن الذي له في الآخرةِ من الثوابِ خيرٌ مِمَّا منه من القُرَب : ويحتمل فله نصيب خيرٌ أو عاقبة خيرٌ أو ثواب خيرٌ منها . وهم آمنون مِنْ فَزَعِ القيامة . ومن جاء بالسيئة : فكما أن حالَهم اليوم من المطيعين بالعكس فَحُكْمُهم غَداً في الآخرة بالضدِّ .","part":6,"page":18},{"id":2519,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ } .\rأخبر أنه أمره بالدين الحنيفيِّ ، والتبرِّي من الشِّركِ؛ الجليِّ منه والخفيِّ ، وبملازمةِ الطريق السَّويِّ . وأخبر أَنَّ مَنْ اتبعه وصَدَّقَه أوجب الحقُّ ذمامه وحقَّه .","part":6,"page":19},{"id":2520,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقُلِ الَْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيِكُمْ ءَايَاتِهِ . . . } .\rسيريكم - عن قريبٍ - آياته ، فطوبى لِمَنْ رجع قبل وفاته ، والويلُ على مَنْ رجع بعد ذهاب الوقت وفواته! .","part":6,"page":20},{"id":2521,"text":"« الطاء » تشير إلى طهارة نُفُوسِ العابدين عن عبادة غير الله ، وطهارة قلوب العارفين عن تعظيم غير الله ، وطهارة أرواح الواجدين عن محبة غير الله ، وطهارة أسرار الموحِّدين عن شهود غير الله . « والسين » تشير إلى سِرِّ اللَّهِ مع العاصين بالنجاة ، ومع المطيعين بالدرجات ، ومع المحبين بدوام المناجاة . « والميم » تشير إلى مِنَّتِه على كافة المؤمنين بكفاية الأوقات والثبات في سبيل الخيرات .","part":6,"page":21},{"id":2522,"text":"سماعُ قصةِ الحبيبِ من الحبيب يُوجِبُ سلوةَ القلب ، وذهابَ الكَرْبِ ، وبهجةَ السِّرِّ ، وثَلَج الفؤاد . وقد كرَّر ذكر قصة موسى تفخيماً لشأنه وتعظيماً لقَدْرِه ، ثم زيادةً في البيان لبلاغة القرآن ، ثم إفادةً لزوائدَ في المذكور قولُه في كل موضع يتكرر فيه .","part":6,"page":22},{"id":2523,"text":"تكبَّر فرعونُ بغير حقٍّ فأقماه بحقٍّ ، وتجبَّرَ بغير استحقاق فأَذَلَّة الله باستحقاق واستيجاب ، وجعل أهلها شيعاً يذبِّح أبناءَهم بعد ما استضعفهم ، ويستحي نساءَهم ، وأفنى منهم من كان ( . . . ) ، وبالفساد حَكَمَ فيهم ، واللَّهُ لم يرضَ بِتَرْكِ إتلافهم .","part":6,"page":23},{"id":2524,"text":"نريد أن نَمُنَّ على المستَضْعَفِين بالخلاص من أيديهم ، وأَنْ نجعلَهم أئمةً ، بهم يَهْتَدِي الخلْقُ ، ومنهم يتعلم الناسُ سلوكَ طريق الصدق ، ونبارك في أعمارهم ، فيصيرون وارثين لأعمار مَنْ يُنَاويهم ، وتصير إليهم مساكنهم ومنازلهم؛ فهم هُدَاةٌ وأعلامٌ ، وسادةٌ وقَادَةٌ؛ بهم يُقْتَدَى وبنُورِهم يُهْتَدَى .\r{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الأَرْضِ } : نُزِيلُ عنهم الخوفَ ، ونرزقهم البسط والاقتدار ، ونمد لَهُمْ في الأجل . ونُرِى فرعونَ وهامانَ وقومهما ما كانوا يحذرون من زوال مُلْكِهِم على أيديهم؛ وأَنَّ الحقَّ يُعْطِي - وإن كان عند الخَلْق أَنَّهُ يُبْطي .","part":6,"page":24},{"id":2525,"text":"أي ألقينا في قلبها ، وأوحينا إليها وحيَ إلهامٍ ، فاتخذت خاطرها في ذلك ، وجرى منها ذلك وهي مختارة باختيارٍ أُدْخِلَ عليها .\rلمَّا وضعت أم موسى كانت تخاف قتله ، فإن فرعون قَتَلَ في ذلك اليوم كثيراً من الولدان المولودة لبني اسرائيل ، رجاءَ أن يقتلَ مَنْ رأى في النوم ما عُبِّر له أن ذهابَ مُلْكِه على يدي إسرائيلي . . فألقى الله في قلبها أن تفعل ذلك .\rثم إنه ربَّاه في حِجْرِه ذلك اليومَ - ليُعْلَمَ أنَّ الأقدارَ لا تُغَالَبُ .\rجعلت أم موسى موسى في تابوتٍ ، وألقته في نيل مصر ، فجاء الماءُ به إلى بِرْكةٍ كان فرعونُ جالساً على حافتها ، فأخذوه وحملوه إليه ، وفتحوا رأسَ التابوت ، فلمَّا رآه فرعون أخَذَتْ رؤيتُه بمجامع قلبه ، وكذلك تمكَّن حُبَّه من قلب امرأةِ فرعون ، قال تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } [ طه : 39 ] حيث خَلَقَ الله ملامحةً في عيني موسى؛ فكان من يقع عليه بَصَرُه لا يتمالك من حُبِّه .","part":6,"page":25},{"id":2526,"text":"أخبر الله تعالى أنه كان عدواً لهم ، وقالت امرأةُ فرعون :","part":6,"page":26},{"id":2527,"text":"فلم يكن لهما ولد ، وهم لا يشعرون إلى ماذا يؤول أمره .","part":6,"page":27},{"id":2528,"text":"لمّا ألقته في الماء سَكَّنَ اللَّهُ قلبَها ، وربط عليه ، وألهمها الصبر ، وأصبح فؤادها فارغاً إن كادت لتبدي به من حيث ضعف البشرية ، ولكن الله ربط على قلبها .","part":6,"page":28},{"id":2529,"text":"أمَرَتْ أُمُّ موسى أختَه أن تتبعَ أثره ، وتنظرَ إلى ماذا يؤول أمره ، فلمَّا وجدوه واستمكن حُبُّه من قلوبهم طلبوا مَنْ يُرضِعه .","part":6,"page":29},{"id":2530,"text":"أبَى موسى قبولَ ثدِي واحدةٍ ممن عُرِضَ عليهن . . فَمَنْ بالغداة كانوا في اهتمامٍ كيف يقتلونه أمسوا - وهم في جهدهم - كيف يُغَذُونه!\rفلمَّا أعياهم أَمرُه ، قالت لهم أخته : { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } ؟ فَقَبِلُوا نصيحتها شفقة منهم عليه ، وقالوا : نعم ، فرُّدوه إلى أمه ، فلما وضعت ثديها في فمه ارتضعها موسى فَسُرُّوى بذلك ، وكانوا يَدْعُون أُمَّه حاضنةً ومرضعةً . . ولم يُضِرْها ، وكانوا يقولون عن فرعون : إنه أبوه . . ولم ينفعه ذلك!\rولمَّا أخذته أمُّه علمت بتصديق الله ظنها ، وسكن عن الانزعاج قلبُها ، وجرى من قصة فرعون ما جرى .","part":6,"page":30},{"id":2531,"text":"لمَّا كَمُلَتْ سِنُّه وتمَّ عقلُه ، واستوى كمال خصاله { ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً } : أي أَتْمَمْنَا له التحصيل ، وَوَفَّرْنا له العلم ، وبذلك جَرَتْ سُنَّتُنا مع الأكابر والأنبياء .","part":6,"page":31},{"id":2532,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَدَخَلَ الْمَدِنَيةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَن هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } الآية .\rقيل : دخل المدينةَ في وقت الهاجرة ، وتَفَرُّقِ الناس ، فَوَجَدَ فيها رجلين يتخاصمان : أحدهما إسرائيليٌّ من شيعة موسى وعلى دِينه ، والآخرُ قِبطيٌّ مخالفٌ لهما ، فاستغاث الإسرائيليُّ بموسى على القبطي ، فوكَزَه موسى ليَدْفَعَه عن الإسرائيلي ، فمات الرجلُ بذلك الوَكْز ، ولم يكن موسى يقصد قَتْلَه ، فقال موسى :\r{ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } .\rفقد تمنَّى موسى أنْ لو دَفَعَه عنه بأَيْسَرَ مما دفعه ، ولم ينسب القتل إلى الشيطان ، ولكنَّ دَفْعَهُ عنه بالغلظةِ نَسَبَه إلى الشيطان بأَنْ حَمَلَه على تلك الحِدَّة .\rوهكذا . . إذا أراده اللَّهُ أمراً أجرى أسباباً ليَحْصُلَ بها مرادُه ، ولو أنه أراد فتنةَ موسى لَمَا قَبَضَ روحَ الرجلِ بمثل تلك الوكزة ، فقد يُضْرَبُ الرجلُ الكثيرَ من الضَّرْبِ والسياط ثم لا يموت؛ فموتُ القبطي بوكزةٍ إجراءٌ لما قضاه وأراده .","part":6,"page":32},{"id":2533,"text":"تاب موسى عَمَّا جرى على يده ، واستغفر ربَّه ، وأخبر اللَّهُ أنه غَفَرَ له ، ولا عتابَ بعد المغفرة .","part":6,"page":33},{"id":2534,"text":"قال موسى ربِّ بما أنعمت عليَّ من توفيقك لي بالتوبة فلن أعودَ بعد ذلك إلى مثل ما سَلَفَ مني .","part":6,"page":34},{"id":2535,"text":"أصبح في المدينة خائفاً على نَفْسه من فرعون لأنه كان يَدَّعي أنه يحكم بالعدل ، وخاف موسى أن ينسبه في قَتْلِ القبطيِّ إلى العَمْدِ والقصد . فهو { يَتَرَقَّبُ } علم فرعون وأن يُخْبَر بذلك في وقته .\rوقيل { خَآئِفاً } من الله مما جرى منه . ويقال { خَآئِفاً } على قومه حلولَ العذابِ بهم . وقيل { يَتَرَقَّبُ } نصرة الله إياه . ويقال { يَتَرَقَّبُ } مُؤْنِساً يَأْنَسُ به .\rفإذا الذي استنصره بالأمس يخاصِمُ إنساناً آخَرَ ، ويستعين به لِيُعِينَه ، فَهَمَّ موسى . فأن يعين صاحبَه ، فقال الذي يخاصمه . { يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسَا بِالأَمْسِ } ؟ : قيل لم يعلم ذلك الرجل أن موسى هو الذي قَتَلَ الرجلَ بالأمس ، ولكن لمَّا قَصَدَ مَنْعَه عن صاحبه استدلَ على أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس ، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أنَّ موسى هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس ، فأمسك موسى عن هذا الرجل .","part":6,"page":35},{"id":2536,"text":"جاء إسرائيليٌّ من معارف موسى يسعى ، وقال إن القوم يريدون قَتْلَكَ ، وأنا واقفٌ على تدبيرهم ، وقد أرادوا إعلامَ فرعون . . فاخرُجْ من هذا البلد ، إني لك من الناصحين .","part":6,"page":36},{"id":2537,"text":"خرج من مصر { خائفاً } أن يقتفوا أَثَرَه ، { يَتَرَقَّبُ } أن يدركه الطلب ، وقيل { يَتَرَقَّبُ } الكفايةَ والنصرةَ من الله ، ودعا الله فقال : { نَجِّنِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .","part":6,"page":37},{"id":2538,"text":"توجَّه بنفسه تلقاء مدين من غير قصدٍ إلى مدين أو غيره ، بل خرج على الفتوح ، توجَّه بقلبه إلى ربِّه ينتظر أن يهديَه ربُّه إلى النحو الذي هو خيرٌ له ، فقال : عسى ربي أن يهديني إلى أَرْشَدِ سبيلٍ لي .","part":6,"page":38},{"id":2539,"text":"لمَّا وافى مدينَ شعيب كان وقت الهاجرة ، وكانت لهم بئر يستقون منها ، فيصبون الماءَ في الحياضِ ، ويسقون أغنامهم ، وكانوا أهل ماشية .\rوكان شعيبُ النبيُّ عليه السلام قد كُفَّ بَصَره لكثرة بكائه؛ ففي القصة أنه بكى فذهب بَصَرَه ، ثم رَدَّ الله عليه بَصَرَه فبكى ، فردَّ الله بصرة فبكى حتى ذهب بَصَرَهُ ، فأوحى الله إليه : لِمَ تبكي يا شعيب . . ؟ إِنْ كان بكاؤك لخوف النار فقد أَمَّنْتُكَ ، وإن كان لأَجْلِ الجنة فقد أَتَحْتُها لك .\rفقال : ربِّ . . إنما أبكي شوقاً إليك . فأوحى الله إليه لأجل ذلك أَخْدَمْتُكَ نَبِيِّي وكليمي عَشْرَ حجج .\rوكانت لشعيب أغنامٌ ، ولم يكن لديه أجير ، فكانت بِنْتاه تسوقان الغنْمَ مكانَ الرعاة ، ولم يكن لهما قدرة على استقاء الماء من البئر ، وكان الرعاة يستقون ، فإذا انقضَوْا فإنْ بَقِيَتْ في الحوضِ بقيةٌ من الماء استقت بنات شعيب .\rفلمَّا وافى موسى ذلك اليومَ وشاهَدَ ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رَقَّ قلبُه لهما وقال : ما خطبكما؟ فقالتا : { لاَ نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } . وليس لدينا أجير . فلمَّا انصرف الرعاةُ سَقَى لهما ، ثم ولّى إلى ظلِّ جدارٍ بعد ذلك . كان الجوع قد أصابه خلال سَفَرِه ، ولم يكن قد تعوَّد ، قط الرحلةَ والغُرْبةَ ، ولم يكن معه مالٌ ، فدعا الله :\r{ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } .\rقيل طَلَبَ قوةً تُزِيل جوعَه ، وقيل طَلَبَ حالاً يستقِلُّ بها . والأحسن أن يقال جاع فَطَلَبَ كِسْرَة يَسُدُّ بها رَمَقَه - والمعرفة توجِب سؤالَ ما تحتاج إليه من الله قليلاً أو كثيراً . فلمَّا انصرفت ابنتا شعيب خَرَجَ شعيبُ إلى ظاهر الصحراء على طريق الماشية ليمسَّها بيديه فوجَدَ أثرَ الزيادة في تلك الكَرَّة ، فسأَلَهما فَذَكَرَتا له القصة ، وما سمعتا منه حين قال : { رَبِّ إِنِّى لِمَآ َأنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } فقال شعيب : إذاً هو جائع . وبَعَثَ إحداهما لتدعوَه .","part":6,"page":39},{"id":2540,"text":"قيل إنما استحيَتْ لأنها كانت تخاطِبُ مَنْ لم يكن لها مَحْرَماً .\rوقيل لمّا دَعَتْه للضيافة تكلمتْ مستحييةً - فالكريم يستحي من الضيافة .\rويقال لم تَطِبُ نَفْسُ شعيب لمَّا أَحْسَنَ موسى إليه وأنه لم يكافئه - وإن كان موسى لم يُرِدْ مكافأةً منهم { فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } : لم يَقُلْ : فلما جاءَه قَدَّم السُّفْرةَ بل قال : وقصَّ عليه القصص . . وهذا طَرَفٌ من قصته .\rويقال : وَرَدَ بظاهرِه ماءَ مدين ، ووَرَدَ بقلبه موارِدَ الأُنْس والرَّوْح . والموارد مختلفة؛ فمواردُ القلبِ رياضُ البَّسطِ بكشوفات المحاضرة فيطربون بأنواع الملاطَفَة ، ومواردُ الأرواح مشاهدُ الأرواح فيُكَاشَفون بأنوار المشاهدة ، فيغيبون عن كل إحساسٍ بالنَّفْسِ ، ومواردُ الأسرارِ ساحاتُ التوحيدِ . . وعند ذلك الولاية لله ، فلا نَفْسَ ولا حِسَّ ، ولا قلبَ ولا أُنْسَ . . استهلاكٌ في الصمدية وفناءٌ بالكليةّ!\rويقال كانت الأجنبيةُ والبعد عن المحرميَّة يوجبان إمساكه عن مخاطبتهما ، والإعراضَ والسكونَ عن سؤالهما . . ولكن الذي بينهما من المشاكلة والموافقة بالسِّرِّ استنطقة حتى سألهما عن قصتهما ، كما قيل :\rأَجَارَتَنا إِنَّا غريبان ها هنا ... وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ\rويقال : لمَّا سألهما وأخبرتا عن ضعفهما لزمه القيامُ بأمرهما؛ ليُعْلَمَ أنَّ مَنْ تَفَقَّدَ أمرَ الضعفاء ووقف على موضع فاقتهم لزمه إشكاؤُهم .\rويقال مِنْ كمالِ البلاء على موسى أَنَّه وافى الناسَ وكان جائعاً ، وكان مقتضى الرِّفْقِ أَنْ يُطْعِموه ، ولكنه قَبَضَ القلوبَ عنه ، واستقبله مِنْ موجباتِ حُكْمِ الوقتِ أَنْ يعملَ أربعين رجلاً؛ لأن الصخرة التي نَحَّاها عن رأس البئر - وَحْدَه - كان ينقلها أربعون رجلاً ، فلمَّا عَمِلَ عَمَلَ أربعين رجلاٌ ، تولَّى إلى الظِّلِّ ، وقال : إنْ رأيتَ أَنْ تُطْعِمَني بعد مُقَاساة اللتيا والتي . . فذلك فَضْلُكَ! .\rقال ذلك بلسان الانبساط ، ولا لسانَ أحلى من ذلك . وسُنَّةُ الشكوى أن تكون إليه لا مِنْكَ . . بل منه إليه .\rويقال : تولَّى إلى ظلِّ الأُنْس ورَوْح البسط واستقلال السِّرِّ بحقيقة الوجود .\rويقال قال : { رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } : فَزِدْني فقراً؛ فإنَّ فقري إليك يوجِبُ استعانتي بك .","part":6,"page":40},{"id":2541,"text":"كان شُعيبُ عليه السلام يحتاج إلى أجير ، ولكن لا يسكن قلبُ إلى أحدٍ ، فلمَّا رأى موسى ، وسمع من ابنته وصفةَ بالقوة والأمانة سأل :\rعَرَفْتُ قُوَّتَه . . فكيف عرفْتِ أمانتَه؟\rفقالت : كنتُ أمشي قُدَّامَه فأَخَّرَني عنه في الطريق قائلاً : سيري ورائي واهديني ، لئلا يَقَعَ بَصَرُه عليَّ . . فقال شعيب :\r{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } .\rفرغب موسى وتزوجها على صداقٍ أن يعمل عشر حجج لشعيب .\rوفي القصة أن شعيباً قال لموسى : ادخلْ هذا البيتَ وأخْرِجْ مما فيه من العِصِيِّ عصاً ، وكان البيتُ مظلِماً ، فَدَخَل وأخرج العصا ، تلك التي أظهر الله فيها معجزاته ، ويقال : إنها كانت لآدم عليه السلام ، ووقعت لشعيب من نبيٍّ إلى نبيٍّ . إذ يقال : إنه لما هَبَطَ آدمُ إلى الأرض صال عليه ما على وجهها من السَِّباع ، فأنزل عليه الله عصاً ، وأمَرَه جبريلُ أنْ يَرُدَّ السباعَ عن نَفْسِه بتلك العصا .\rوتوارث الأنبياءُ واحداً بعد الآخر تلك العصا ، فلمَّا أخرج موسى تلك العصا ، قال شعيب : ردَّها إلى البيت ، واطرحها فيه ، وأخْرِجْ عصاً أخرى ، فَفَعَلَ غير مرة ، ولم تحصل كلَّ مرة في يده إلا تلك العصا ، فلمَّ تَكَرَّرَ ذلك عِلِمَ شعيبُ أنَّ له شأناً فأعطاه إياها .\rوفي القصة : أنه في اليوم الأول ساق غَنَمه ، وقال له شعيب : إنَّ طريقَكَ يتشعب شِعْبَيْن : على أحدهما كَلأٌ كثيرٌ . . . فلا تَسْلُكْه في الرعي فإنَّ فيه ثعباناً ، واسْلُكْ الشِّعْبَ الآخرَ . فلمَّا بلغ موسى مَفْرِقَ الطريقين ، تَفَرَّقَتْ أغنامُه ولم تطاوعه ، وسامت في الشِّعْبِ الكثيرِ الكَلأَ ، فَتَبِعَها ، ووقع عليه النومُ ، فلمَّا انتبه رأى الثعبانَ مقتولاً ، فإن العصا قتلته ، ولمَّا انصرف أخبر شعيباً بذلك فَسُرَّ به . وهكذا كان يرى موسى في عصاه آياتٍ كثيرة ، ولذا قال : { وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } .","part":6,"page":41},{"id":2542,"text":"مَضَتْ عَشْرُ حِجَجٍ ، وأراد موسى الخروجَ إلى مصر ، فَحَمَلَ ابنَه شعيب ، وسارَ بأهله متوجِّهاً إلى مصر . فكان أهلُه في تسييره وكان هو في تسيير الحقِّ ، ولمَّا ظَهَرَ ما ظهر بامرأته من أمر الطِّلْقِ استصعب عليه الوقتُ ، وبينا هو كذلك آنسَ من جانب الطور ناراً - أي أبصر ورأى - فكأنه يشير إلى رؤية فيها نوعُ أُنْسٍ : وإنَّ اللَّهَ إِذا أراد أمراً أجْرَى ما يليق به ، ولو لم تقع تلك الحالةُ لم يخرج موسى عندها بإيناس النار ، وقد توهم - أول الأمر - أن ما يستقبله في ذلك من جملة البلايا ، ولكنه كان في الحقيقة سَبَبَ تحقيق النبوة . فلولا أسرار التقدير - التي لا يهتدي إليها الخَلْقُ - لما قال لأهله : { امْكُثُواْ إِنِّى ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّى ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ } .\rويقال : أراح له ناراً ثم لَوَّح له نوراً ، ثم بدا ما بدا ، ولا كان المقصودْ النَّارَ ولا النورَ . وإنما سماع نداء : { إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالِمِينَ } .","part":6,"page":42},{"id":2543,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِىَ مِن شَطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن . . . } الآية .\rأخفى تعيين قَدَم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال : « من شاطئ الواد الأيمن » ، ثم قال : « في البقعة المباركة » ثم قال « من الشجرة » .\rوأخْلِقْ بأن تكون تلك البقعة مباركة ، فعندها سَمِعَ خطابَ مولاه بلا واسطة؛ وأعِزُّ الأماكنِ في العالمِ مَشْهَدُ الأحباب :\rوإني لأهوى الدارَ ما يستعزني ... لها الود إلا أنها من دياركا\rويقال كم قَدَمٍ وَطَئَتْ لك البقعة ، ولكن لم يسمع أصحابُها بها شيئاً! . . وكم ليلةٍ جَنَّت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة! .\rويقال : شتَّان بين شجرة وشجرة؛ شجرة آدم عندها ظهور محنتِه وفتنتِه ، وشجرة موسى وعندها افتتاح نُبُوَّتِه ورسالتِه! .\rويقالك لم يأتِ بالتفصيل نوعُ تلك الشجرة ، ولا يُدْرَى ما الذي كانت تثمره ، بل هي شجرة الوصلة؛ وثمرتها القربة ، وأصلُها في أرض المحبة وفَرْعُها باسِقٌ في سماء الصفوة ، وأوراقها الزلفة ، وأزهارها تَنْفَتِقُ عن نسيم الرَّوْح والبهجة :\rفلمَّا سمع موسى تغيَّر عليه الحال؛ ففي القصة : أنه غُشِي عليه ، وأرسل اللَّهُ إليه الملائكة لِيُرِّوحوه بمراوح الأُنْس ، وهذا كان في ابتداء الأمر ، والمبتدئ مرفوقٌ به . وفي المرة الأخرى خرَّ موسى صَعِقاً ، وكان يفيق والملائكة تقوله له : يا ابن الحيض . أمثالك مَنْ يسأل الرؤية؟! .\rوكذا الحديث والقصة؛ في البداية لُطْفٌ وفي النهاية عُنْفٌ ، في الأولِ خَتْل وفي الآخرِ قَتْل ، كما قيل :\rفلمَّا دارت الصهباءُ ... دعا بالنَّطع والسيفِ\rكذا مَنْ يشرب الراح ... مع التِّنِّين في الصيفِ","part":6,"page":43},{"id":2544,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } .\rيا موسى . . اخْلَعْ نعليكَ وألقِ عصاك ، وأقِمْ عندنا هذه الليلة ، فلقد تَعِبْتَ في الطريق - وذلك إن لم يكن في النقل والآثار فهو مما يليق بتلك الحال .\rيا موسى . . كيف كُنْتَ في الطريق؟ كيف صَعَّدْتَ وكيف صوَّبت وكيف شرَّقْتَ وكيف غَرَّبْتَ؟ ما كنتَ في الطريق وحدَك يا موسى! أحصَيْنا خُطَاكَ - فقد أحصينا كلَّ شيءٍ عَدَداً . يا موسى . . تعِبْتَ فاسترحْ ، وبعد ما جِئْتَ فلا تَبْرَحْ - كذلك العبدُ غداً إذا قطع المسافةَ في القيامةِ ، وتبوَّأَ مَنْزِلَه من الجنة؛ فأقوامٌ إذا دخلوها رجعوا إلى منازلهم ثم يوم اللقاء يستحضرون ، وآخرون يمضون من الطريق إلى بساط الزلفة ، وكذا العبد أو الخادم إذا دَخَلَ بَلَدَ سلطانِه . يبتدئ أولاً بخدمة الشُّدَّةِ العَلِيَّةِ ثم بعدها ينصرف إلى منزله . وكذلك أمرنا؛ إذا أصبحنا كلَّ يوم : ألا نشتغِلَ بشيءٍ حتى نَفْتَتِحَ النهارَ بالخطاب مع الحقِّ قبل أن نخاطِبَ المخلوق ، نحضر بساط الخدمة - أي الصلاة - بل نحضر بساط الدنوِّ والقربة ، قال تعالى : { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب } [ العلق : 19 ] : فالمُصَلِّي مُنَاج رَبَّه . ولو عَلِمَ المُصَلِّي مَن يناجي ما التفت؛ أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يميناً ولا شمالا في التسليم الذي هو التحليل .\rقوله جل ذكره : { فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُ كَأَنَّهَا جَآنٌ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأَمِنِينَ } .\rعندما انقلبت العصا حَيَّةً وَلَّى موسى مُدْبِراً ولم يعقب ، وكان موضع ذلك أن يقول : حديثٌ أَوَّلُه تسليطُ ثعبان! مَنْ ذا يُطِيقُ أوَّلَه؟! .\rفقيل له : لا تَخَفْ يا موسى؛ إن الذي يَقْدِرُ أَنْ يَقْلِبَ العصا حيةً أن يَخْلُقَ لك منها السلامة : { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأَمِنِينَ } : ليس المقصودُ مِنْ هذا أنت ، إنما أثبت هذا لأسلطَه على عدوِّك ، فهذه معجزتُك إلى قومك ، وآيتُك على عودِّك .\rويقال : شتان بين نبيِّنا - A - وبين موسى عليه السلام؛ رجع من سماع الخطاب وأتي بثعبان سَلّطَه على عدوِّه ، ونبينا - A - رجع بعد ما أُسْرِيَ به إلى السماء ، وأوحى إليه ما أوحى - لِيُوَافِيَ أُمَّتَه بالصلاة التي هي المناجاة ، وقيل له : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فقال : « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين » .","part":6,"page":44},{"id":2545,"text":"قيل له : اسلُكْ يَدَكَ في جيبك ، لأنَّ المدرعةَ التي كانت عليه لم يكن لها كُم . وفي هذا إِشارة إلى أنه ينبغي على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمَّر ، وأن يجِدَّ ، وأن يُخْرجَ يَدَه من كُمِّه . وأنه قال لموسى : أدْخِلْ يَدَكَ في جيبك تخرج بيضاءَ ، وألق عصاكَ نجعلْها ثعباناً ، بلا ضَرْبِكَ بها ، وبلا استعمالِك لها يا موسى : الأمرُ بِنَا لا بِكَ ، وأنا لا أنت .\r{ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ } : يا موسى ، في وصف خضوعك تَجِدني ، وبتبرِّيكَ عن حَوْلِكَ وَقُوَّتِك تَصِل إليَّ .","part":6,"page":45},{"id":2546,"text":"تَعلَّلَ بكلِّ وجهٍ رَجَاءَ أن يُعَافَى من مشقةِ التبليغ ومقاساةِ البلاءِ؛ لأنه عَلِمَ أنَّ النبوةَ فيها مَشَقّةٌ ، فلم يَجِدْ الرُّخصةَ والإعفاءَ مِمَّا كُلِّفَ ، وأجاب سُؤْلَه في أخيه حيث سأله أنْ يجعلَ له رِدْءاً ، وضمن لهما النصرة .\rثم إنهما لَمَّا أتَيَا فرعونَ قابلهما بالتكذيب والجحد ، ورماهما بالخطأ والكذب والسحر ، وجاوباه بالحجة ، ودَعَوَاه إِلى سَوَاءِ المحجَّة ، فأَبَى إِلاَّ الْجَحْدَ .","part":6,"page":46},{"id":2547,"text":"ادَّعى الانفرادَ بالإلهية فزاد في ضلالِه على عَبَدَةِ الأصنام الذين جعلوا أصنامَهم شركاءَ ، ثم قال لهامان : « ابْن لي صَرْحاً لعلِّي أطلع إِلى إله موسى » وكان هذا من زيادة ضلاله ، حيث تَوَهَّم أن المعبودَ من جهة فوق ، وأنه يمكن الوصول إليه . ولعمري لو كان في جهةٍ لأمكن تقدير الوصول إليه وتجويزه! .","part":6,"page":47},{"id":2548,"text":"أبَى إِلا أنْ يدومَ جحودُه ، وعُنوده ، فأغرقه اللَّهُ في البحرِ ، كما أغرق قلبَه في بحر الكُفْر .","part":6,"page":48},{"id":2549,"text":"لا لِشَرَفِهم جعلهم أئمة ولكن لسبب تَلَقِهم قَدَّمَهم في الخزي والهوان على كلِّ أمة ، ولكن لم يُرْشدُوا إِلاَّ إلى الضلال . ولم يَدُلُّوا الخَلْقَ إِلاّ على المُحَال ، وما حصلوا إلا على سوءِ الحال ، وما ذاقوا إلا خِزْيَ الوبال . أفاضوا على مُتَّبِعهم من ظلمات قلوبهم فافتضحوا في خِسَّةِ مطلوبهم .","part":6,"page":49},{"id":2550,"text":"كانوا في الدينا مُبْعَدين عن معرفته ، وفي الآخرة مُبْعَدين عن مغفرته ، فانقلبوا من طَرْدٍ إلى طرد ، ومن هَجْرٍ إلى بُعْدٍ ، ومن فراقٍ إلى احتراقٍ .","part":6,"page":50},{"id":2551,"text":"إنما تطيب المنازلُ إذا خَلَتْ من الأجانب ، وأطيبُ المساكنِ ما كانت زينتُها بِفَقْدِ الرُّقباءِ وغَيْبَتِهم ، فلمّا أهلك اللَّهُ فرعونَ وقومَه ، وأورث بني إسرائيلَ أموالَهم وديارَهم ، ومحا عن جميعِها آثارَهم - طابَ لهم العيشُ وطَلَعَتْ عليهم شموسُ السعادة .","part":6,"page":51},{"id":2552,"text":"لم تكن حاضراً فتعرف ذلك مشاهدةً ، ولكنهم رأوا انَّ إخبارَك عنهم بحيث لا يكذبك كتابُهم ، وبالضرورة عرفوا حالَكَ ، وكيف أنّك لم تَعْلَمْ هذا من أحدٍ ، ولا قَرَأْتَه من كتاب ، لأَنّكَ أُمِّيٌّ لا تُحْسِنُ القراءة ، وإذاً فليس إخبارُكَ إلا بتعريفنا إياك ، وإطلاعنا لَكَ على ذلك .\rويقال { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ } : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى ، وكَلَّمْنَاه ، وخاطبناه في بابِكَ وبابِ أُمَّتِكَ ، ولم تقدح غَيْبَتُكُم في الحال ، وكَوْني لكم خيرٌ من كَوْنِكم لكم .\rويقال : لمَّا خَاطَبَ موسى وكَلَّمَه سأله موسى : ؛ إِنَّي أرى في التوراة أُمَّةً صفتهم كذا وكذا . . مَنْ هم؟ وسأل عن أوصاف كثيرة ، وعن الجميع كان يُجابُ بأنِّها أمة أحمد ، فاشتاق موسى إلى لقائنا ، فقال له : إنه ليس اليومَ وقتُ ظهورِهم ، فإِنْ شئْتَ أَسمعتُكَ كلامَهم ، فأراد أن يسمعَ كلامنا ، فنادانا وقال : يا أمةَ أحمد . . . ، فأجاب الكلُّ من أصلاب آبائهم ، فَسمِعَ موسى كلامَهم ولم يُدْرِكْهُم . والغنيُّ إذا سأله فقيرٌ وأجابه لا يرضى بأن يردَّه من غير إحسان إليه . ( وفي رواية عن ابن عباس ) أن الله قال : « يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ، ورحمتكم قبل أن تسترحموني » .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أُهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسلِينَ } .\rومما كان موسى عليه السلام يتلوه عليهم من الآيات ذِكْرُ نبيِّنا A بالجميل . وذكر أمته بحسن الثناء عليهم ، فنحن في الوجود مُحْدَثٌ مخلوقٌ وفي ذكره متعلق لا باستفتاح . ولم نكن في العَدَم أعياناً ، ولا أشياء ، ولكنا كنا في متعلق القدرة ومتناول العلم والمشيئة . وذكرنا في الخطاب الأزليّ ، والكلام الصمديّ والقول الأبديّ .","part":6,"page":52},{"id":2553,"text":"ما طلبه موسى لأمته جعلناه لأمتك ، وكما نادينا موسى - وهو في الوجود والظهور - ناديناكم وأنتم في كتم العَدَمِ ، أنشدوا :\rكُنْ لي كما كُنْتَ ... في حالِ لم أكُنِ","part":6,"page":53},{"id":2554,"text":"تمنوا في زمانِ الفترة أن يبعث اللَّهُ إليهم رسولاً ليهتدوا به ، ووعدوا من أنفسِهم الإيمانَ والإجابة ، فلمَّا أتاهم الرسولُ كذَبوه ، وقالوا : هلاّ خُصَّ بمثل معجزات موسى في الظهور ، وكان ذلك منهم خطأ ، واقتراحاً في غير موضع الحاجة ، وتَحكُّماً بعد إزاحة العِلّةِ :\rوكذا الملولُ إذا أراد قطيعةً ... مَلَّ الوصالَ وقال كان وكانا\rثم قال : أفلا تَذْكُرُون كيف كفروا بموسى وأخيه ورموهما بالسحر؟\rوقال : إنْ ارتبتم أنَّ هذا الكتاب من عند الله فَأْتوا بكتابٍ مِثْلِه ، واستعينوا بشركائكم . ومِنْ وقته إلى يومنا هذا لم يأتِ أحدٌ بسورة مِثْلِه ، وإلى القيامة لا يأتون بكتابٍ مثله .","part":6,"page":54},{"id":2555,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .\rأتبعنا رسولاً بعد رسول ، وأردفنا كتاباً بعد كتاب ، فما ازدادوا إلا كفراً وثبوراً ، وجحداً وعتواً . . . فلا إلى الحقِّ رجعوا ، ولا إلى الاستقامة جنحوا .\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } .\rمَنْ أكحلنا بصيرتهم بنور الهداية صَدَّقوا بمقتضى مساعدة العناية ، ومَنْ أعميناه عن شهود التحقيق ولم تساعده لطائف التوفيق انتكس في غوايته ، وانهمك في ضَلالته .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوآ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } .\rإذا سمعوا دعوتنا قابلوها بالتصديق ، وانقادوا بِحُسْنِ الاستسلام ، فلا جَرَمَ يُؤْتَوْن أجرَهم مرتين بما صبروا على الأوامر وصبروا على المحارم في عاجلهم وآجالهم ، مرةً في الآخرة وهي المثوبة وأخرى في الدنيا وهي لطائف القربة .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ } .\r{ اللَّغْوَ } : ما يُلْهِي عن الله . ويقال { اللَّغْوَ } ما لا يوجِب وسيلةً عند الله ، ويقال ما لا يكون بالحقِّ للحقِّ ، ويقال هو ما صَدَرَ عن قلبٍ غافلٍ ، ويقال هو ما يوجِب سماعُه السَّهو .","part":6,"page":55},{"id":2556,"text":"الهداية في الحقيقةِ إمالةُ القلبِ من الباطلِ إلى الحقِّ ، وذلك من خصائص قدرة الحقِّ - سبحانه - وتطلق الهداية بمعنى الدعاء إلى الحق - توسُّعاً ، وذلك جائزٌ بل واجبٌ في صفته A ، قال تعالى : { وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] .\rويقال : لَكَ شَرَفُ النبوَّةِ ، ومنزلةُ الرسالةِ ، وجمالُ السفارةِ ، والمقامُ المحمودُ ، والحوض المورود ، وأنت سيد ولد آدم . . ولكنك لا تهدي من أحببت؛ فخصائصُ الربوبيةِ لا تصلح لِمَنْ وَصْفُه البشرية .","part":6,"page":56},{"id":2557,"text":"قالوا نخاف الأعرابَ على أنفسنا إنْ صَدَّقْنَاكَ ، وآمَنَّا بِكَ ، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم فقال الله تعالى : « وكيف تخافونهم وترون اللَّهَ أظفركم على عدوِّكم ، وحَكَمْنا بتعظيم بيتكم ، وجعلنا مكةَ تُجْبَى إليها ثمراتُ كل شيءٍ من أقطار الدنيا »؟\rويقال من قام بحقِّ الله - سبحانه - سَخّر له الكونَ بجملته ، ومَنْ اشتغل برعاية سِرِّه لله ، وقام بحقِّ الله ، واستفرغ أوقاته في عبادة الله مُكِّنَ من التصرِّف بهمته في مملكة الله؛ فالخَلْقَ مُسَخّرٌ له ، والوقتُ طَوعُ أمرِه ، والحقُّ - سبحانه - متولٍ أيامَه وأعماله يُحَقِّقُ ظنَّه ، ولا يُضَيِّعُ حقّه .\rأمَّا الذي لا يطيعه فيهلك في أودية ضلاله ، ويتيه في مفازات خِزْيِهِ ، ويبوء بوِزْرِ هواه .","part":6,"page":57},{"id":2558,"text":"لم يعرفوا قَدْرَ نعمتهم ، ولم يشكروا سلامة أحوالهم ، وانتظامَ أمورهم ، فهاموا في أودية الكفران على وجوهِهم ، فَخَرُّوا في أودية الصغار على أذقانهم ، وأذاقهم اللَّهُ من كاساتِ الهوان ما كسر خمارَ بَطَرِهم؛ فماكنهم منهم خالية ، وسقوفُها عليهم خاوية ، وغِربانُ الدمار ناعية .","part":6,"page":58},{"id":2559,"text":"{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولاً } : بالتكليف يأمرهم . ويأمر التكوين - على ما يريد - يقفهم . وهو - سبحانه - يبعث الرسلَ إنذاراً ويعمي السُّبَلَ عليهم اقتداراً؛ يُوَضِّحُ الحجةَ بحيث لا شبهة ، ولكنه لا يهدي إلا مَنْ سَبَقَت له السعادة بحكم القسمة .","part":6,"page":59},{"id":2560,"text":"الدنيا حلوة خَضِرَة ، ولكنها في التحقيق مُرَّةٌ مَذِرَة ، فَبِشْرُها يُوهِمُ أنها صَفْوٌ ولكن مِن وراءِ صَفْوِها حَسُوٌ { وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى } .","part":6,"page":60},{"id":2561,"text":"الدنيا سمومُ حَنْظَلِها تتلو طمومَ عَسَلِها ، وتَلَفُ ما يحصل من شربها يغلب لُطْفَ ما يظهر من أربها ، وليس من أُكْرِمَ بوجدان نعيم عقباه كَمَنْ مُنِيَ بالوقوع في جحيم دنياه .","part":6,"page":61},{"id":2562,"text":"إنما يكون ذلك على جهة التهويل وإبطال كيد أهل التضليل . . وإلاَّ فَمِنْ أين لهم الجواب فضلاً عن الصواب! والذي يسألهُم هو الذي على ما شاء جَعَلَهم؛ فما وَرَدَ فِعْلٌ إلا على فِعْلِهِ ، وما صَدَرَ ما صَدَرَ إلا من أصْلِه . وإذْ تَبَرَّأَ بعضُهم من بعض بَيَّنَ أنه لم يكن للأصنام استحقاقُ العبودية ولا لأحدٍ من النفي والإثبات بالإيجاد والإحداثِ ذَرَّةَ أو منه شظيَّة . . كلاّ بل هو الواحد القهار .","part":6,"page":62},{"id":2563,"text":"يسألهم سؤالَ هيبةٍ؛ فلا يَبْقَى لهم تمييزٌ ، ولا قوةُ عقلٍ ، ولا مُكْنَةُ جوابٍ ، قال جلّ ذكره :\r{ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } .\rإذ استولت عليهم الحَيْرَةُ ، واستمكن منهم الدهشُ؛ فلا نُطْقَ ولا عقلَ ولا تمييز ولا فهم .","part":6,"page":63},{"id":2564,"text":"يختار ما يشاء ومَنْ يشاء من جملة ما يخلق . ومَنْ ليس إليه شيءٌ من الخَلْقِ . . فما له والاختيار؟!\rالاختيار للحقِّ استحقاقُ عِزٍّ يوجِبُ أن يكون ذلك له ، لأنَّه لو لم يُنَفِّذْ مشيئتَه واختيارَه لم يكن بوصف العِزِّ ، فَمَنْ بَقِيَ عن مُرادِه لا يكون إلاَّ ذليلاً؛ فالاختيارُ للحقِّ نعتُ عِزٍّ ، والاختيارُ للخَلْقِ صفةُ نَقْصٍ ونعتُ بلاءٍ وقصور؛ فاختيارُ العَبْدِ غيرُ مُبَارَكٍ عليه لأنَّه صفةٌ هو غيرُ مُسْتَحِقٍّ لها ، ومَنْ اتصف بما لا يليق به افتضح في نَفْسِه ، قال قائلُهم :\rومعالٍ إذا ادَّعاها سواه ... لَزِمَتْه جِنَايةُ السُّرَّاقِ\rوالطينةُ إذا ادَّعَتْ ما هو صفة الحقِّ أظهرت رعونتَها ، فما للإنسان والاختيار؟! وما للمملوكِ والمِلْك؟! وما للعبيدِ والتصدُّر في دَسْتِ الملوك؟!\rقال تعالى : { مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } .","part":6,"page":64},{"id":2565,"text":"ولِمَ لا وقد قال : { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك : 14 ] ؟ فالعِلْمُ - الذي لا يَعْزُبُ عنه معلومٌ - نعتُ من لم يَزَلْ ، والإبداع من العَدَمِ إلى الوجود ينفرِّدُ بالقدرة عليه لم يَزَلْ .","part":6,"page":65},{"id":2566,"text":"{ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } : تَوَحَّدَ بِعِزِّ هيبته ، وتَفَرَّدَ بجلال ربوبيته ، لا شبيهَ يساويه ، ولا نظيرَ يُضاهيه . { لَهُ الْحَمْدُ } استحقاقاً على عَطِيَّتِه ، وله الشكر استيجاباً على نعمته؛ ففي الدنيا المحمودُ اللَّهُ ، وفي العقبى المشكورُ اللَّهُ؛ فالإحسان من اللَّهِ لأن السلطانَ للَّهِ ، والنعمةُ من اللَّهِ لأنَّ الرحمةَ للًَّهِ ، والنصرةُ من اللَّهِ لأنَّ القدرةَ للَّهِ .","part":6,"page":66},{"id":2567,"text":"إن دامت ليالي الفترة فَمَنْ الذي يأتي بنهار التوبة غيرُ اللَّهِ؟\rوإِنْ دامت ليالي الطَّلَبِ فَمَنْ الذي يأتي بصُبْحِ الوجودِ غيرُ اللَّهِ؟\rوإِن دامت ليالي القبض فمن الذي يأتي بصبح البسط غيرُ اللَّهِ؟\rوإِن دام ليل الفراق فمن الذي يأتي بصبح الوصالِ غيرُ الله؟","part":6,"page":67},{"id":2568,"text":"إِنْ دام في الوصلة نهارُكم فأيُّ سبيل للواشين إلى تنغيص سروركم؟\rوإن دام نهارُ معاشكم ووقتُ اشتغالكم بحظوظكم فَمَنْ إلهٌ غيرُ اللَّهِ يأتيكم بليلٍ تَسْكنُون فيه إِلى الله إلا الله ، وتستريحون من أشغالكم بالخلوة مع اللَّهِ إلا الله .","part":6,"page":68},{"id":2569,"text":"الأوقات ظروفٌ لما يحصل فيها من الأفعال والأحوال؛ فالظروفُ من الزمان متجانسة ، وإنما الاختلافُ راجعٌ إلى أعيان ما يحصل فيها؛ فليالي أهل الوصال ساداتُ الليالي ، أهل الفراق أسوأ الليالي؛ فأهلُ القُرْبِ لياليهم قِصَارٌ وكذلك أيامُهم ، وأربابُ الفراقِ لياليهم طوال وكذلك جميع أوقاتهم في ليلهم ونهارهم ، يقول قائلهم :\rوالليالي إذا نأيتِ طوالٌ ... وأراها إذا دَنَوْتِ قِصَار\rوقال آخر :\rوالليلُ أطولُ وقتٍ حين أفقدها ... والليل أقصر وقتٍ حين ألقاها\rوقال ثالث :\rيطولُ اليومُ لا ألقاكِ فيه ... وحَوْلٌ نلتقي فيه - قصيرُ","part":6,"page":69},{"id":2570,"text":"كلا . . . لا حُجَّة لهم ، ولا جوابَ يعذرهم ، ولا شفيعَ يرحمهم ، ولا ناصِرَ يُعِينهم .\rاشتهرت ضلالتهُم ، واتضحت للكافة جهالتهُم؛ فدامَ عذابُ الأبد ، وحاقَ بهم وبالُ السَّرمَد .","part":6,"page":70},{"id":2571,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } .\rجاء في القصص أنه كان ابن عمِّ موسى ، وكان من أعبد بني إسرائيل ، وكان قد اعتزل الناسَ ، وانفرد في صومعته يتعبَّد ، فتصوَّر له إبليسُ في صورة بَشَرٍ ، وأخذ في الظاهر يتعبَّدُ معه في صومعته حتى تعجَّب قارونُ من كثرة عبادته ، فقال له يوماً : لسنا في شيء؛ عيونُنا على أيدي الناسِ حتى يدفعوا إلينا شيئاً هو ضرورتنا ، ولا بُدَّ لنا من أَخْذِه ، فقال له قارون : وكيف يجب أن نفعلَه؟\rفقال له : أن ندخل في الأسبوع يوماً السوق ، ونكتسب ، وننفق ذلك القَدْرَ في الأسبوع ، فأجابه إليه . فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوماً ، ثم قال له : لستُ أنا وأنت في شيء ، فقال : وما الذي يجب أن نعمله؟\rفقال له : نكتسب في الأسبوع يوماً لأنفسنا ، ويوماً نكتسب ونتصدَّق به ، فأجابه إليه . ثم قال له يوماً آخر : لسنا في شيء ، فقال : وما ذاك؟\rقال : إِنْ مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوتَ يومٍ ، فقال : وما نفعل؟\rقال : نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام؛ يوماً للنفقة ويوماً للصدقة ويوماً للإدخار ، فأجابه إليه . . فلمَّا عَلِمَ أن حُبَّ الدنيا استمكن من قلبه وَدَّعَه ، وقال :\rإِنِّي مُفارِقُكَ . . . فَدُمْ على ما أنت عليه ، فصار من أمره ومالِه ما صار ، وحَمَلَه حُبُّ الدنيا على جَمْعِها ، وَحَمَلَه جَمْعُها على حُبِّها ، وحَمَلَه حُبِّها على البغي عليهم ، وصارت كثرةُ مالِه سَبَبَ هلاكِه ، وكم وُعِظَ بِتَرْكِ الفَرَجِ بوجود الدنيا ، وبِتَرْكِ الاستمتاع بها! وكان لا يأبى إِلاَّ ضلالاً .\rويقال خَسَفَ اللَّهُ به الأرضَ بدعاِء موسى عليه السلام ، فقد كان موسى يقول :\rيا أرضُ خُذِيه . . وبينما كانت الأرض تُخْسَفُ به كان يستعين بموسى بحقِّ القرابة ، ولكن موسى كان يقول : يا أرضُ خُذِيه .\rوفيما أوحى اللَّهُ إلى موسى : لقد ناداك بحقِّ القرابة وأنت تقول : يا أرض خذيه! وأنا أقول : يا عبدُ ، نادِني فأنا أقرب منه إليك ، ولكنه لم يَقُلْ .\rوفي القصة أنه كان يُخْسَفُ به كل يوم بزيادة معلومة ، فلمَّا حَبَسَ اللَّهُ يونسَ في بطن الحوتِ أَمَرَ الحوتَ أن يطوفَ به في البحار لئلا يضيقَ قلبُ يونس ، حتى انتهى إلى قارون ، فسأله قارونُ عن موسى وحاله ، فأوحى الله إلى المَلَك :\rلا تَزِدْ في خَسْفِه لحرمة أنه سأل عن ابن عمه ، ووَصَلَ بَه رَحِمَه .","part":6,"page":71},{"id":2572,"text":"وَعْظُ مَنْ حُرِمَ القبولَ كمثل البَذْرِ في الأرض السَّبِخَة؛ ولذا لم ينفَعْه نُصْحُهم إياه ، ولم يكن للقبول في مساغٌ .\r{ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } : ليس النصيبُ من الدنيا جَمْعَها ولا مَنْعَها ، إنما النصيبُ منها ما تكون فيه فائدة بحيث لا يُعْقِبُ ندماً ، ولا يُوجِبُ في الآخرةِ عقوبةً .\rويقال النصيبُ من الدنيا ما يَحْمِلُ على طاعته بالنَّفْس ، وعلى معرفته بالقلب ، وعلى ذِكْرِه باللسان ، وعلى مشاهدته بالسِّرِّ .\r{ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } : إنما كان يكون منه حسنة لو آمن بالله؛ لأنَّ الكافرَ لا حَسَنَة له . والآية تدل على أن لله على الكافر نِعَماً دنيوية .\rوالإحسانُ الذي أُمِرَ به إنفاقُ النعمةِ في وجوهِ الطاعةِ والخدمة ، ومقابلتُه بالشكران لا بالكفران .\rويقال الإحسانُ رؤيةُ الفضلِ دون تَوَهُّم الاستحقاق .","part":6,"page":72},{"id":2573,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى } .\rما لاحَظَ أحدٌ نَفْسَه إلا هَلَكَ بإعجابه .\rويقال السُّمُّ القاتلُ ، والذي يطفئ السراجَ المضيءَ النظرُ إلى النَّفْسِ بعين الإثباتِ ، وتَوَهُّمُ أَنَّ منك شيئاً من النفي أو الإثبات .","part":6,"page":73},{"id":2574,"text":"تمنَّى مَنْ رآه مِمَّن كان في حُبِّ الدنيا ساواه أَنْ يُعْطِيَه اللَّهُ مِثْلَ ما أعطاه .\rأَمَّا مَنْ كان صاحياً عن خمار غفلته ، مُتَيَقِّظاً بنور بصيرته فكان موقفُهم : -\r{ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصابرون } .\rوبعد أن كان ما كان ، وخسفنا به وبداره الأرضَ قال هؤلاء .","part":6,"page":74},{"id":2575,"text":"مَنَّ اللَّهُ علينا فلم نَنْجَرِفْ في نَهْجِه ، ولم ننخرط في سِلْكِه ، وإذاً لَوَقَعَ بنا الهلاكِ .\rأَمَّا المُتَمَنُّون مكانَه فقد نَدِمُوا ، وأمّا الراضون بقسمته - سبحانه - فقد سَلِمُوا؛ سَلِمُوا في العاجل إلى أَنْ تَظْهرَ سعادتُهم في الآجل .","part":6,"page":75},{"id":2576,"text":"قيل « العلو في الدنيا » أَنْ تَتَوَهَّمَ أَنَّ على البسيطة أحداً هو شرٌّ منك .\rو « الفساد » أن تتحرك لحظِّ نَفْسِك ونصيبك ونصيبك ولو بِنَفَسٍ أو خطوةٍ . . وهذا للأكابر ، فأمَّا للأصاغر والعوام فتلك الدار الآخرة { نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَّ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الأَرْضِ وَلاَ } كعُلُوِّ فرعون { وَلاَ فَسَاداً } كفَسَادِ قارون .\rويقال الزهاد لا يريدون في الأرض عُلُوَّاً ، والعارفون لا يريدون في الآخرة والجنة عُلُوَّاً .\rويقال { تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ } للعُبَّادِ والزُّهاد ، وهذه الرحمة الحاضرة لأرباب الافتقار والانكسار .","part":6,"page":76},{"id":2577,"text":"ثواب الحسنةِ في التضعيف ، وأمرُ السيئةِ بناؤه على التخفيف .\rوالمؤمنُ - وإن كان صاحبَ كبائر - فسيئاتُه تَقْصُرُ في جَنْبِ حسناتِه التي هي إيمانُه ومعرفتُه .","part":6,"page":77},{"id":2578,"text":"{ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ } : في الظاهر إلى مكة . . وكان يقول كثيراً : « الوطن الوطن » ، فَحَقَّقَ اللَّهُ سُؤْلَه . وأَمَّا في السِّرِّ والإشارة فإنه { فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ } أي يَسَّرَ لك قراءةَ القرآن ، والمَعَادُ هو الوصفُ الذي كانت عليه روحُك قبل حلول شَجِّك من مُلاَدغات القُرْبِ ومطالعات الحقِّ .\rوقيل الذي ينصبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرادُّك إلى عين الجمع بالتحقُّق بالحقِّ والفناء عن الخَلْق .\rويقال إن الذي أقامك بشواهد العبودية فيما أثبتك به لرادُّك إلى الفناء عنك بمحقك في وجود الحقيقة .","part":6,"page":78},{"id":2579,"text":"ما كنت تؤمِّل مَحَلَّ النبوة وشرف الرسالة وتأهيل مخاطبتنا إليك ، ولا ما أظهرنا عليكَ من أحوال الوجد وحقائق التوحيد .","part":6,"page":79},{"id":2580,"text":"لا يصدنَّك بعد إذ أنزلت إليك الآيات ما وجدته بحكم الذَّوْبِ والشهود ، والإدراك والوجود . لا تتدَاخَلَنَّكَ تُهْمةُ التجويز وسؤالاتُ العلماء بما يَدَّعُونَ من أحكام العقول؛ فَمَا يُدْرَكُ في شعاع الشمس لا يَحْكُمُ ببطلانه خفاؤُه في نور السراج .","part":6,"page":80},{"id":2581,"text":"كلُّ عملٍ باطلٌ إلا ما كان لوجه الله وللتقرب به إلى الله .\rكلُّ حيِّ ميت إلا هو ، قال تعالى : { إِنِ امْرُؤٌاْ هَلَكَ } [ النساء : 176 ] : أي مات؛ فكلُّ شيءٍ مُعَدٌّ لجواز الهلاك والعَدَم ، ولا يبقى إلا { وَجْهَهُ } : ووَجْهُهُ صفةُ من صفاته لا تستقل إلا به فإذا بقي وجهُه فَمِنْ شرط بقاء وجهه بقاءُ ذاته؛ لأن الصفة لا تقوم إلا بموجود ، ولا يكون هو باقياً إلا بوجود أوصافه الذاتية الواجبة له؛ ففي بقاء وجهه بقاء ذاته وبقاء صفاته .\rوفائدة تخصيص الوجه بالذكر هنا أنه لا يُعْرَفُ وجوبُ وجهه إلا بالخبر والنقل دون العقل؛ فخَصَّ الوجه بالذكر لأنَّ في بقاء الوجه بقاء الحقِّ بصفاته .","part":6,"page":81},{"id":2582,"text":"« الألف » إِشارة إلى تَفَرُّده عن كل غير بوجه الغِنى ، وباحتياج كل شيءِ إليه؛ كالألف تتصل بها كل الحروف ولكنها لا تتصل بحرفٍ .\r« واللام » تشير إلى معنى أنه ما من حرفٍ إلا وفي آخره صورة تعويج ما ، واللام أقرب الحروف شبهاً بالألف - فهي منتصبة القامة مثلها ، والفرق بينهما أن الألف لا يتصل بها شيء ولكن اللام تتصل بغيرها - فلا جَرَمَ لا يكون في الحروف حرف واحد متكون من حرفين إلا اللام والألف ويسمى لام ألف ويكتب على شكل الاقتناع مثل صورة لام .\rأمّا « الميم » فالإشارة فيه إلى الحرف « مِنْ »؛ فَمِنَ الربِّ الخَلْقُ ، ومِنَ العبدِ خدمةُ الحق ، ومن الربِّ الطَّوْلُ والفضلُ .\r{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوآ } بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى ، وهذا لا يكون ، فقيمة كلِّ أحدٍ ببلواه ، فَمَنْ زاد قَدْرُ معناه زاد قدر بلواه؛ فعلى النفوس بلاءٌ وهو المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل . وعلى القلوب بلاءٌ وهو مطالبتُها بالطلب والفكر الصادق بتطلُّع البرهان على التوحيد والتحقق بالعلم . وعلى الأرواح بلاءٌ وهو التجرُّدُ عن محبة كلِّ أحدٍ والتفرُّد عن كل سبب ، والتباعُد عن كل المساكنةِ لشيءٍ من المخلوقات . وعلى الأسرار بلاءٌ وهو الاعتكاف بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلِّي إلى أن تصير مُسْتَهْلَكاً فيه .\rويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال ، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول في أوان المشاهدات . وأشدُّ الفتنِ حفظُ وجود التوحيد لئلا يجري عليك مَكْرٌ في أوقات غَلَبَاتِ شاهد الحقِّ فيظن أنه الحق ، ولا يدري أَنَّه من الحقِّ ، وأنَّه لا يُقال إِنَّه الحقُّ - وعزيزٌ مَنْ يهتدي إلى ذلك .","part":6,"page":82},{"id":2583,"text":"لم يُخْلِهم من البلاء والمِحَن لِيُظْهِرِ صبرَهم في البلاءِ أو ضدَّه من الضَجَرِ ، وشكرهم في الرخاء أو ضدة من الكفر والبَطَرِ . وهم في البلاءِ ضروب : فمنهم مَنْ يصبر في حال البلاء ، ويشكر في حال النَّعماء . . . وهذه صفة الصادقين . ومنهم مَنْ يضجُّ ولا يصبر في البلاء ، ولا يشكر في النعماء . . فهو من الكاذبين . ومنهم مَنْ يؤثِر في حال الرخاء أَلاَّ يستمتعَ بالعطاء ، ويستروح إلى البلاءِ؛ فَيَسْتَعْذِبَ مقاساةَ الَضُّرِّ والعناء . . وهذا أَجَلُّهم .","part":6,"page":83},{"id":2584,"text":"يرتكبون المخالفاتِ ثم يحكمون لأنفسهم بالنجاة . . ساءَ حُكْمُهم! فمتى ينجوا منَ العذابِ مَنْ ألقى جلبابَ التُّقى؟!\rويقال توهموا أنه لا حَشْرَ ولا نَشْرَ ، ولا محاسبة ولا مطالبة .\rويقال اغتروا بإمهالنا اليومَ ، وَتَوَهَّموا أنهم مِنَّا قد أفلتوا ، وظنوا أنهم قد أَمِنُوا .\rويقال ظنوا أنهم باجتراحهم السيئاتِ أَنْ جرى التقريرُ لهم بالسعادة ، وأنَّ ذلك يؤخر حُكْمَنا . . كلا ، فلا يشقى مَنْ جَرَتْ قسمتُنا له بالسعادة ، وهيهات أن يتحول مَنْ سبق له الحُكْمُ بالشقاوة! .","part":6,"page":84},{"id":2585,"text":"مَنْ خاف عذابَه يوم الحساب فَسَيلْقى يومَ الحَشْرِ الأمانَ الموعودَ مِنَّا لأهل الخوف اليومَ . ومَنْ أَمَّلَ الثوابَ يومَ البعثَ فسوف يرى ثوابَ ما أسلفه من العمل . ومَنْ زَجَّى عُمْرَه في رجاء لقائنا فسوف نُبيح له النَّظَرَ إلينا ، وسوف يتخلص من الغيبة والفرقة .\r{ وَهُوَ السَّمِيعُ } لأنين المشتاقين ، { الْعَلِيمُ } بحنين المحبين الوالهين .","part":6,"page":85},{"id":2586,"text":"مَنْ أَحْسَنَ فنجاة نفسه طلبها ، وسعادة حالة حَصَّلَها . ومن أساء فعقوبة بنفسه . جَلَبَها ، وشقاوة جَدِّه اكتسبها .\rويقال ثوابُ المطيعين إليهم مصروفٌ ، وعذابُ العاصين عليهم موقوفٌ . . والحقُّ عزيزٌ لا يلحقه بالوفاق زَيْن ، ولا يَمَسُّه من الشِّقاقِ شَيْنٌ .","part":6,"page":86},{"id":2587,"text":"مَنْ رَفَعَ إلينا خطوة نال مِنَّا خطوة ، ومَنْ تَرَكَ فينا شهوةً وَجَدَ مِنٍَّا صفوة ، فنصيبهم من الخيرات موفور ، وعملهم في الزلاَّت مغفور . . بذلك أجرينا سُنَّتنا ، وهو متناول حُكْمِنا وقضيتنا .","part":6,"page":87},{"id":2588,"text":"أَمَرَ اللَّهُ العِبادَ برعاية حقِّ الوالدين تنبيهاً على عظم حق التربية . وإذا كانت تربيةُ الوالدين - وهي إِنْ حَسُنَتْ - فإِلى حدٍّ يوجِبُ رعايتهما فما الظنُّ برعاية حق الله تعالى ، والإحسانِ العميمِ بالعبد والامتنان القديم الذي خصَّه به مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ؟! .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَُأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rإنْ جاهداك على أن تُشْرِكَ بالله فإياك أَنْ تطيعَهما ، ولكن رُدَّ بِلُطْفٍ ، وخالِفْ برفْقٍ .","part":6,"page":88},{"id":2589,"text":"أي لنلحقنهم بالذين أصلحوا من قبلهم ، فإن المعهود من سُنَّتِنا إلحاق الشكلِ بشكله ، وإجراء المِثْلِ على حُكْمِ مِثْلِه .","part":6,"page":89},{"id":2590,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمِنَ النَّاسَِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا باللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } .\rالمحنُ تُظْهِرُ جواهرَ الرجال ، وهي تَدُلُّ على قِيمَهِم وأقدارهم؛ فَقَدْرُ كلِّ أحد وقيمته يَظْهَرُ عند محنته؛ فَمَنْ كانت محنتُه من فوات الدنيا ونقصان نصيبه منها؛ أو كانت محنته بموت قريبٍ من الناس ، أو فَقْد حبيبٍ من الخلْقِ فحقيرٌ قَدْرُه ، وكثيرٌ في الناس مثْلُه . ومَنْ كانت محنته في الله ولله فعزيزٌ قَدْرُه ، وقليلٌ مَنْ كان مثله ، فهم في العدد قليلٌ ولكن في القَدْرِ والخَطَرِ جليلٌ : وبقدر الوقوف في البلاءِ تظهر جواهرُ الرجال ، وتصفو عن الخَبَثِ نفوسُهم .\rوالمؤمن مَنْ يَكفُّ الأذى ، ويتحمل من الخَلْقِ الأذى ، ويتشرب ولا يترشح بغير شكوى ولا إظهار؛ كالأرض يُلْقَى عليها كلٌّ خبيث فتُنْبِتُ كلَّ خضرة وكل نزهة .","part":6,"page":90},{"id":2591,"text":"الانتقال الى صفحة القرآن { وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين }\rإذا اشتبكت دموعٌ في خدود ... تَبَيَّنَ مَنْ بكى ممن تباكى","part":6,"page":91},{"id":2592,"text":"ضمنوا بما لم يفوا به ، وأخلفوا فيما وَعَدُوا فما حملوا من خطاياهم عنهم شيئاً ، بل زادوا على حَمْل نفوسهم؛ فاحتقبوا وِزْرَ ما عَملوا ، وطولبوا بوزْر ما به أَمَرُوا ، فضاعَفَ عليهم العقوبة ، ولم يصل أحدٌ من جهتهم إلى راحة ، وما مواعيدهم للمسلمين إلا مواعيد عرقوب أخاه بيثرب .","part":6,"page":92},{"id":2593,"text":"وسيلحق بهؤلاء أَصحاب الدعاوى والمتَشبِّهون بأهل الحقائق :\rمَنْ تحلَّى بغير ما هو فيه ... فَضَح الامتحانُ ما يَدَّعيه\rوقال تعالى : { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ البقرة : 111 ] . وهيهات هيهات!","part":6,"page":93},{"id":2594,"text":"ما زادهم طولُ مقامه فيهم إلا شَكا في أمره ، وجهلا بحاله ، ومُرْية في صدقه ، ولم يزدد نوح - عليه السلام - لهم إلاَّ نُصْحاً ، وفي الله إلا صبراً . ولقد عرَّفه اللَّهُ أنه لن يؤمِنَ منهم إلا الشَّرْذِمة اليسيرةُ الذين كانوا قد آمنوا ، وأَمَرَهُ باتخاذ السفينة ، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحداً ، وَصَدَقَ وَعْدَه ، ونَصَرَ عَبْدَه . . فلا تبديلَ لِسُنَّتِه في نصرة دينه .","part":6,"page":94},{"id":2595,"text":"كَرَّرَ ذَكْرَ إبراهيم في هذا الموضع ، وكيف أقام على قومه الحُجَّة ، وأرشدهم إلى سَوَاءِ المحجة ، ولكنهم أصروا على ما جحدوا ، وتعصبوا لِمَا من الأصنام عبدوا ، وكادوا لإبراهيم كيداً . . ولكن انقلب ذلك عليهم من الله مكراً بهم واستدراجاً . ولم يَنْجَعْ فيهم نُصْحُه ، ولا وَجَد منهم مساغاً وَعْظُه .","part":6,"page":95},{"id":2596,"text":"لا يُدْرَى أيهما أقبح . . هل أعمالكم في عبادة هذه الجمادات أم أقوالكم - فيما تزعمون كذباً - عن هذه الجمادات؟ وهي لا تملك لكم نفعاً ولا تدفع عنكم ضراً ، ولا تملك لكم خيراً ولا شراً ، ولا تقدر أن تصيبكم بهذا أو ذاك .\rوبيَّنَ أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق فقال : { فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ } لتَصِلوا إلى خير الدارْين .\rوابتغاءُ الرزق من الله إدامةُ الصلاة؛ فإن الصلاةَ استفتاحُ بابِ الرزق ، قال تعالى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْئَلُكَ رِزْقاً } [ طه : 132 ] .\rويقال ابتغاء الرزق بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى الله تعالى في استجلاب الرزق .\rوفي الآية تقديمٌ الرزقُ على الأمر بالعبادة؛ لأنه لا يُمْكِنه القيام بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر؛ فبالقوة يمكنه أداء العبادة ، وبالرزق يجد القوة ، قالوا :\rإذا المرءُ لم يطلب معاشاً لنفسه ... فمكروهَ ما يلقى يكون جزاؤه\r{ وَاشْكُرُواْ لَهُ } : حيث كفاكم أمر الرزق حتى تفرغتم لعبادته .","part":6,"page":96},{"id":2597,"text":"وبالُ التكذيب عائدٌ على المُكَذِّب ، وليس على الرسول - بعد تبليغه الرسالة بحيث لا يكون فيه تقصير كي يكون مُبَيِّناً - شيء آخر . وإلا يكون قد خرج عن عهدة الإلزام .\rوفيما حلَّ بالمكذِّبين من العقوبة ما ينبغي أن يكون عِبْرَةً لِمَنْ بعدهم .","part":6,"page":97},{"id":2598,"text":"الذي دَاخَلَهم فيه الشكُّ كان بعث الخَلْق ، فاحتجَّ عليهم بما أراهم من إعادة فصول السَّنةِ بعد تقضِّيها على الوجه الذي كان في العام الماضي . وبَيَّنَ أن جَمْعَ أجزاءِ المكلَّفين بعد انقضاص البِنية كإعادة فصول السنة؛ فكما أن ذلك سائغٌ في قدرته غيرُ مُسْتَنْكَرٍ فكذلك بعثُ الخَلْق .\rوكما في فصول السنة تتكرر أحوالُ العِبادة في الأحوال العامة المشتركة بين الكافة ، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس ، ثم زوالها ، إلى موالاة الطاعات ، ثم حصول الفترة ، والعود إلى مثل الحالة الأولى ، ثم بعد ذلك الانتباه بالتوبة . . كذلك تتكرر عليهم الأحوال .\rوأربابُ القلوبِ تتعاقب أحوالُهم في القبض والبسط ثم في الهيبة والأُنْس . ثم في التجلي والسَّتْر ، ثم في البقاء والفناء ، ثم في السُكْر والصحو . . وأمثال هذا كثير . وفي هذا المعنى قوله :\r{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\rوفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا :\rكلُّ نَهرٍ فيه ماءٌ قد جَرَى ... فإليه الماءُ يوماً سيعود","part":6,"page":98},{"id":2599,"text":"أجناسُ ما يعذِّبُ به عبادَه وأنواعُ ما يرجم به عباده . . لا نهاية لها ولا حَصْر؛ فَمِنْ ذلك أنه يعذِّب من يشاء بالخذلان ، ويرحم من يشاء بالإيمان . يعذِّب من يشاء بالجحود والعنود ، ويرحم من يشاء بالتوحيد والوجود . يعذب من يشاء بالحِرْضِ ويرحم من يشاء بالقناعة . يعذِّب من يشاء بتفرقة الهمِّ ويرحم من يشاء بجَمْعِ الهِمَّة . يعذب من يشاء بإلقائه في ظلمة التدبير ، ويرحم من يشاء بإشهاده جريان التقدير . يعذب من يشاء بالاختيار من نَفْسِه ، ويرحم من يشاء برضاه بحُكْم ربِّه . يعذب من يشاء بإعراضة عنه ، ويرحم من يشاء بإقباله عليه . يعذب من يشاء بأن يَكِلَه ونَفْسَه ، ويرحم من يشاء بأن يقوم بحُسْنِ تولِّيه . يعذب من يشاء بحبِّ الدنيا ويمنعها عنه ويرحم من يشاء بتزهيده فيها وبَسْطِها عليه . يعذب من يشاء بأن يثبته في أوطان العادة ، ويرحم من يشاء بأن يقيمه بأداء العبادة . . . وأمثال هذا كثير .","part":6,"page":99},{"id":2600,"text":"نُقَلِّب الجملةَ في القبضة ، ونُجْري عليهم أحكام التقدير : جحدوا أو وَحَّدوا ، أقبلوا أم أعرضوا .","part":6,"page":100},{"id":2601,"text":"تعجلت عقوبتهم بأنْ يئسوا من رحمته . . . ولا عقوبةَ أشدُّ من هذا .","part":6,"page":101},{"id":2602,"text":"لمَّا عجزوا عن جوابه ولم يساعدهم التوفيق بالإجابة أخذوا في معارضته بالتهديد والوعيد ، والسفاهة والتوبيخ ، والله تعالى صرف عنه كَيْدَهم ، وكفاه مَكْرَهم ، وأفلج عليهم حُجَّته ، وأظهر للكافة عجزَهم ، وأَخبر عما يلحقهم في مآلهم من استحقاق اللَّعْنِ والطردِ ، وفنون الهوان والخزْي .","part":6,"page":102},{"id":2603,"text":"لا تَصِحُّ الهجرةُ إلى الله إلاّ بالتبرِّي - بالكمالِ - بالقلبِ عن غير الله . والهجرةُ بالنَّفْسِ يسيرةٌ بالإضافة إلى الهجرة بالقلب - وهي هجرة الخواص؛ وهي الخروج عن أوطان التفرقة إلى ساحات الجَمْعِ . والجمعُ بين التعريجِ في أوطان التفرقة والكوْنِ في مشاهد الجَمْعِ مُتنافٍ .","part":6,"page":103},{"id":2604,"text":"لمَّا لم يُجِبْ قومُه ، وبذل لهم النصح ، ولم يدَّخر عنهم شيئاً من الشفقة - حقَّقَ اللَّهُ مرادَه في نَسْلِه ، فوهب له أولادَه ، وبارك فيهم ، وجعل في ذريته الكتابَ ، والنبوة ، واستخلصهم للخيرات حتى صلحت أعمالُهم للقبول ، وأحوالهم للإقبال عليها ، ونفوسُهم للقيام بعبادته ، وأسرارُهم لمشاهدته ، وقلوبهم لمعرفته .\r{ وَإِنَّهُ فِى الأَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } للدنوِّ والزلفة والتخصيص بالقربة .","part":6,"page":104},{"id":2605,"text":"لا مَهُم على خصلتهم الشنعاء ، وما كانوا يتعاطونه على الله من الاجتراء ، وما يُضَيَّعُونه من المعروف ويأتون من المنكر الذي جملته تخليته الفُسَّاق مع فِسقهم ، وترك قلة احترام الشيوخ والأكابر ، ومنها التسويف في التوبة ، ومنها التفاخر بالزلَّة .\rفما كان جوابُهم إلا استعجالَ العقوبة ، فحلَّ بهم من ذلك ما أهلكهم وأهلك من شاركهم .","part":6,"page":105},{"id":2606,"text":"التبس على إبراهيم أمرُهم فظَنَّهم أضيافاً؛ فتكلَّفَ لهم تقديم العجل الحنيذ جرياً على سُنَّتِه في إكرام الضيف . فلما أخبروه مقصودَهم من إهلاك قوم لوط تكلَّم من باب لوط . . . إلى أن قالوا : إنَّا مُنَجُّوه . وكَان ذلك دليلاً على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوطٍ - وإِنْ كان بريئاً - لم يكن ظلماً؛ إذ لو كان قبيحاً لما كان إبراهيم عليه السلام - مع وفرة عِلْمِه - يشكل عليه حتى كان يجادل عنه . بل لله أن يعذِّب منْ يعذِّب ، ويُعَافِي مَنْ يُعَافِي .","part":6,"page":106},{"id":2607,"text":"لمَّا أن رآهم لوطٌ ضاق بهم قلبُه لأنه لم يعلم أنهم ملائكةٌ ، فخاف عليهم من فساد قومه : فكان ضِيقُ قلبه لأَجْلِ الله - سبحانه ، فأخبروه بأنهم ملائكة ، وأنَّ قومه لن يَصِلُوا إليهم . فعند ذلك سَكَنَ قلبُه . وزال ضيقُ صَدْرِه .\rويقال أقربُ ما يكون العبد في البلاء من الفرج إذا اشتدَّ عليه البلاءُ؛ فعند ذلك يكون زوال البلاء ، لأنه يصير مُضْطّراً ، واللَّهُ سبحانه وَعََدَ المضطرين وشيك الإجابة . كذلك كان لوط في تلك الليلة ، فقد ضاق بهم ذَرْعاً ثم لم يلبث أَنْ وَجَدَ الخلاصَ من ضيقة .","part":6,"page":107},{"id":2608,"text":"فَمْنَ أراد الاعتبارَ فله في قصتها عِبْرة .","part":6,"page":108},{"id":2609,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً . . . } الآيات .\rذَكَر قصةَ شعيبٍ وقصة عادٍ وثمود وقصة فرعون ، وقصة قارون . . وكلهم نَسَجَ بعضُهم على مِنْوال بعضٍ ، وسلك مسلكَهم ، ولم يَقْبَلوا النصحَ ، ولم يُبَالوا بمخالفة رُسِلِهم ، ثم إن الله تعالى أهلكهم بأجمعهم ، إمضاءً لِسُنّتِه في نصرة الضعفاء وقهر الظالمين .","part":6,"page":109},{"id":2610,"text":"العنكبوب يتخذ لنفسه بيتاً ، ولكن كلما زاد نسجاً في بيته ازداد بُعْداً في الخروج منه؛ فهو يبني ولكن على نفسه يبني . . . كذلك الكافر يسعى ولكن على نفسه يجني .\rوبيتُ العنكبوتِ أكثره في الزوايا من الجدران ، كذلك الكافر أمره على التّقِيّةِ والكتمان ، وأمَّا المؤمِن فظاهِرُ المعاملةِ ، لا ستر ولا يُدْخِمس .\rوبيتُ العنكبوت أوهنُ البيوت لأنه بلا أساسٍ ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على أَدْوَن دَفْع . . كذلك الكافر؛ لا أصلَ لشأنه ، ولا أساسَ لبنيانه ، يرى شيئاً ولكن بالتخييل ، فأمَّاً في التحقيق . . فَلاَ .","part":6,"page":110},{"id":2611,"text":"الكلُّ يشتركون في سماع الأمثال ، ولكن لا يصغي إليها مَنْ كان نَفُورَ القلبِ ، كنودَ الحالِ ، متعوداً الكسلَ ، مُعَرَّجاً في أوطان الفَشَلِ .","part":6,"page":111},{"id":2612,"text":"{ بِالْحَقِّ } : أي بالقول الحق والأمر الحق .","part":6,"page":112},{"id":2613,"text":"أي من شأن المؤمن وسبيله أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر ، أي على معنى ينبغي للمؤمن أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر ، كقوله : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ المائدة : 23 ] أي ينبغي للمؤمن أن يتوكل على الله ، فإن قُدِّرَ أن واحداً منهم لا يتوكل فلا يخرج به ذلك عن الإيمان - كذلك من لم ينتهِ عن الفحشاء والمنكر فليست تخرج صلاته عن كونها صلاة .\rويقال بل الصلاةُ الحقيقية ما تكون ناهيةً لصاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ فإن لم يكن من العبد انتهاءٌ فالصلاةُ ناهيةٌ على معنى ورود الزواجر على قلبه بألا يفعل ، ولكنه يُصِرًّ ولا يطيع تلك الخواطر .\rويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر . فإن كان - وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها .\rويقال الفحشاء هي الدنيا ، والمنكر هو النّفْس .\rويقال الفحشاء هي المعاصي ، والمنكر هو الحظوظ .\rويقال الفحشاء الأعمال ، والمنكر حسبانُ النجاة بها ، وقيل ملاحظتُه الأعواض عليها ، والسرور والفرح بمدح الناس لها .\rويقال الفحشاء رؤيتها ، والمنكر طلب العِوض عليها .\r{ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } : ذكر الله أكبر من ذكر المخلوقين؛ لأن ذكره قديم وذكر الخلْق مُحْدَث .\rويقال ذكر العبد لله أكبر من ذكره للأَشياء الأخرى ، لأن ذكره لله طاعة ، وذكره لغيره لا يكون طاعة .\rويقال ولذِكْرُ اللَّهِ لَك أكبرُ من ذكرْك له .\rويقال ذكْرهُ لك بالسعادة أكبرُ من ذكْرك له بالعبادة .\rويقال ذكر الله أكبر من أن تبقى معه وحشة .\rويقال ذكر الله أكبر من أن يُبْقى للذاكر معه ذِكْر مخلوق .\rويقال ذكر الله أبر من أن يُبْقى للزّلةِ معلوماً أو مرسوماً .\rويقال ذكر الله أكبر من أن يعيش أحدٌ من المخلوقين بغيره .\rويقال ولذكر الله أكبر من أن يُبْقَى معه للفحشاء والمنكر سلطاناً؛ فلِحُرمه ذكره زَلاَّتُ الذاكر مغفورةٌ ، وعيوبه مستورةٌ .","part":6,"page":113},{"id":2614,"text":"ينبغي أن يكون منك للخصم تبيين ، وفي خطابك تليين ، وفي قبول الحق إنصاف ، واعتقاد النصرة - لما رآه صحيحاً - بالحجة ، وتَرْك الميل إلى الشيء بالهوى .","part":6,"page":114},{"id":2615,"text":"يعني أنهم على أنواع : فمرحوم نظرْنا إليه بالعناية ، ومحرومٌ وسمناه بالشقاوة .","part":6,"page":115},{"id":2616,"text":"أي تَجَرَّد قلبك عن المعلومات ، وتقدّس سرّك عن المرسومات ، فصادَفك من غير ممازجة طبْعٍ ومشاركةِ كَسْبٍ وتكلف بشرية ، فلما خلا قلبك وسرُّك عن كل معلومٍ ومرسوم ورَد عليك خطابُنا وتفهيمنا مقرونٍ بهما ما ليس مِنَّا .","part":6,"page":116},{"id":2617,"text":"قلوب الخواص من العلماء بالله خزائنُ الغيب ، فيها أودع براهين حقه ، وبينات سِرِّه ، ودلائل توحيده ، وشواهد ربوبيته ، فقانون الحقائق قلوبهم ، وكلُّ شيء يطلبُ من موطنه ومحله؛ فالدرُّ يُطلبُ من الصدف لأنّ ذلك مسكنه ، والشمس تطلبُ من البروج لأنها مطلعها ، والشهد يُطلْبُ من النّحل لأنه عشُه . كذلك المعرفة تُطْلَبُ من قلوب خواصه لأن ذلك قانون معرفته ، ومنها ( . . . ) .","part":6,"page":117},{"id":2618,"text":"خفَيَتْ عليهم حالتُكَ - يا محمد - فطالبوكَ بإقامة الشواهد ، وقالوا : { لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ } أَوَ يَكْفِهم ما أوضحنا عليكَ من السبيل ، وأَلَحْنا لكَ من الدليل؛ يُتْلَى عليهم ذلك ، ولا يمكنهم معارضته ولا الإتيان بشيءٍ من مثله؟ هذا هو الجحود وغاية الكُنود!","part":6,"page":118},{"id":2619,"text":"أنا على حقِّ واللَّهُ - سبحانه - يعلمه ، وأنتم لستم على حق والله يعلمه .","part":6,"page":119},{"id":2620,"text":"لولا أني ضربْتُ لكلِّ شيءٍ أَجَلاً لَعجَّلْتُ لهم ذلك ، ولَيَأتِيَنَّهم العذابُ - حين يأتيهم - بغتةً وفجأةً .","part":6,"page":120},{"id":2621,"text":"وإذا أحاطت بهم في جهنم سرادقاتُ العذاب فلا صريح لهم ، كذلك - اليومَ - مَنْ أحاط به العذابُ؛ مِنْ فوقه اللَّعنُ ومن تحته الخَسْفُ ، ومن حوله الخِزْيُ ، ويُلْبَسُ لباسَ الخذلان ، ويوسم بكيِّ الحرمان ، ويُسْقَى شرابَ القنوط ، ويُتَوَّجُ بتاج الخيبة ، ويُقَّيُّدُ بقيد السُّخط ، ويُغَلِّ بغُلِّ العداوة ، فهُمْ يُسْحَبون في جهنم الفراق حُكْماً ، إلى أن يُلْقَوْا في جحيم الاحتراق عيناً .","part":6,"page":121},{"id":2622,"text":"الدنيا أوسعُ رقعةً من أَن يضيق بمريدٍ مكانٌ ، فإذا نَبَا به منزلٌ - لوجهٍ من الوجوه - إمَّا لمعلومٍ حصل ، أو لقبولٍ من الناس ، أو جاهٍ ، أو لعلاقةٍ أو لقريبٍ أو لِبَلاءِ ضِدٍّ ، أو لوجهٍ من الوجوه الضارة . . . فسبيلُه أن يرتحل عن ذلك الموضع وينتقل إلى غيره ، كما قالوا :\rوإذا ما جُفِيتُ كنتُ حَرِيَّاً ... أنْ أُرى غيرَ مُصْبِح حيثُ أُمْسِي\rوكذلك العارف إذا لم يوافق وقَتَه مكانٌ انتقل إلى غيره من الأماكن .","part":6,"page":122},{"id":2623,"text":"إذا كان الأمرُ كذلك فالراحة معطوفة على تهوين الأمور؛ فسبيلُ المؤمن أن يوطِّن نفسَه على الخروج مستعداً له ، ثم إذا لم يحصل الأَجَلُ فلا يستعجل ، وإذا حضر فلا يستثقل ، ويكون بحُكْمِ الوقت ، كما قالوا :\rلو قال لي مُتْ مِتُّ سمعاً وطاعةً ... وقلتُ لداعي الموت : أهلاً ومرحبا","part":6,"page":123},{"id":2624,"text":"هم - اليومَ - في غُرَفِ معارفهم على أَسِرَّةِ وَصْلِهم ، مُتَوُّجُون بتيجان سيادتهم ، يُسْقَوْن كاساتٍ الوَجْدِ ، ويَجْبُرُون في جِنانِ القُرْب ، وعداً كما قال : -\r{ الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } .\rوالصبرُ الوقوفُ مع الله بشرط سقوط الفكرة .\rالصبرُ العكوفُ في أوطان الوفاء ، الصبر حَبْسُ النَّفْسِ على فِطامها .\rالصبر تجرُّعُ كاساتِ التقدير من غير تعبيس .\rالصبر صفة توجب معيَّةَ الحقِّ . . . وأَعْزِزْ بها!\rوأولُ الصبرِ تصبُّرٌ بتكلفٍ ، ثم صبرٌ بسهولة ، ثم اصطبارٌ وهو ممزوج بالراحة ، ثم تحقُّقٌ بوصف الرضا؛ فيصير العبدُ فيه محمولاً بعد أن كان مُتَحَمّلاً .\rوالتوكلُ انتظارٌ مع استبشار ، والتوكلُ سكونُ السِّرِّ إلى الله ، التوكلُ استقلالٌ بحقيقة التوكل؛ فلا تتبرَّم في الخلوة بانقطاع الأغيار عنك . التوكل إعراضُ القلب عن غير الرَّب .","part":6,"page":124},{"id":2625,"text":"{ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } أي لا تدخره ، فمن لم يدخر رزقه في كيسه أو خزائنه فاللَّهُ يرزقه من غير مقاساة تعبٍ منه .\rويقال : { لاَّ تَحِْمِلُ رِزْقَهَا } المقصود بها الطيور والسباع إذ ليس لها معلوم ، وليس لها بيت تجمع فيه القوت ، وليس لها خازن ولا وكيل . . الله يرزقها وإياكم .\rويقال إرادةُ اللَّهِ في أن يستبقيكَ ولا يقبض رُوحَك أقوى وأتمُّ وأكبرُ من تَعَنَّيك لأَجْلِ بقائك . . فلا ينبغي أَنْ يكونَ اهتمامُكَ بسبب عَيْشِك أتمَّ وأكبرَ من تدبير صانعك لأجل بقائك .","part":6,"page":125},{"id":2626,"text":"إذا سُئِلوا عن الخالق أقروا بالله ، وإذا سُئِلوا عن الرازق لم يستقروا مع الله . . .\rهذه مناقَضَةٌ ظاهرة!","part":6,"page":126},{"id":2627,"text":"الرزق على قسمين : رزق الظواهر ومنه الطعام والشراب ، ورزق السرائر ومنه الاستقلال بالمعاني بحيث لا يحصره تكلف الكلام ، والناسُ فيهم مرزوقٌ ومُرَفّةٌ عليه ، وفيهم مرزوق ولكنْ مْضَيَّقٌ عليه .","part":6,"page":127},{"id":2628,"text":"كما عَلِموا أَنَّ حياةِ الأرضِ بعد موتها بالمطر من قِبَل الله فليعلموا أَنَّ حياةَ النفوسِ بعد موتها - عند النّشْرِ والبعث - بقدرة الله . وكما علموا ذلك فليعلموا أَنَّ حياةَ الأوقات بعد نفرتها ، وحياة القلوب بعد فترتها . . . بماء الرحمة بالله .","part":6,"page":128},{"id":2629,"text":"الدنيا الأحلام - وعند الخروج منها انتباهٌ من النوم . والآخرة هنالك العيش بكماله ، والتخلص - من الوحشة - بتمامه ودوامه .","part":6,"page":129},{"id":2630,"text":"الإخلاصُ تفريغُ القلب عن الكلّ ، والثقةُ بأن الإخلاص ليس إلا به - سبحانه ، والتحقق بأنه لا يستكبر حالاً في المحمودات ولا في المذمومات ، فعند ذلك يعبدونه مخلصين له الدّين . وإذا توالت عليهم الضرورات ، وانقطع عنه الرجاء أذعنوا لله متضرعين فإذا كشف الضُّرَّ عنهم عادوا إلى الغفلة ، ونَسُوا ما كانوا فيه من الحال كما قيل :\rإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نُكْسِه","part":6,"page":130},{"id":2631,"text":"مَنَّ عليهم بدَفْعٍ المحن عنهم وكَوْنِ الحَرَمِ آمناً . وذَكَّرَهم عظيمَ إحسانه عليهم ، ثم إعراضهم عن شكر ذلك .","part":6,"page":131},{"id":2632,"text":"أي لا أحدَ أشدُّ ظلماً ممن افترى على الله الكذب ، وعَدَلَ عن الصدق ، وآثَرَ البهتانَ ولم يتصرف بالتحقق ، أولئك هم السُّقّاطُ في الدنيا والآخرة .","part":6,"page":132},{"id":2633,"text":"الذين زَيَّنُوا ظواهرَهم بالمجاهدات حَسُنَتْ سرائرُهم بالمشاهدات . الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلنا إلى سرائرهم اللطائف . الذين قاسوا فينا التعبَ من حيث الصلوات جازيناهم بالطرب من حيث المواصلات .\rويقال الجهاد فيه : أولاً بترك المحرَّمات ، ثم بترك الشُّبُهات ، ثم بترك الفضلات ، ثم بقطع العلاقات ، والتنقِّي من الشواغل في جميع الأوقات .\rويقال بحفظ الحواسُ لله ، وبِعَدُ الأنفاس مع الله .","part":6,"page":133},{"id":2634,"text":"{ الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِى أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِى بِضْعِ سِنِينَ } الإشارة فى « الألف » إلى أنه ألِفَ صُحْبتنَا مَنْ عَرف عظمتنا . وأنّه أَلف بلاءنا مَنْ عَرَفَ كبرياءنا .\rوالإشارة فى « اللام » إلى أنه لزمَ بابنا مَنْ ذاق محابّنا ، ولزمَ بساطنَا مَنْ شهد جمالنَا .\rوالإشارة فى « الميم » إلى أَنه مُكِّنَ منْ قُرْبنَا مَنْ قام على خدمتنا ، ومات على وفائنا مَنْ تحقق بولائنا .\rقوله { غُلِبَتِ الرُّومُ } : سُرَّ المسلمون بظفر الروم على العجم_ وإن كان الكفر يجمعهم_ إلا أن الروم اختصوا بالإيمان ببعض الأنبياء ، فشكر الله لهم ، وأنزل فيهم الأية . . فكيف بمن يكون سروره لدين الله ، وحُزنُه واهتمامه لدين الله؟ .\rقوله جلّ ذكره : { لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .\r{ قَبْلُ } إذا أُطْلق انتظم الأزل ، « وبَعْدُ » إذا أطلق دلّ على الأبد؛ فالمعنى الأمر الأزلىُّ لله ، والأمر الأبدىُّ للّهِ لأنَّ الرَّبِّ الأزلىّ والسَّيِّدَ الأبدىّ اللَّهُ .\rلله الأمرُ يومَ العرفان ، ولله الأمرُ يومَ الغفران .\rلله الأمرُ حين القسمة ولا حين ، ولله الأمرُ عند النعمة وليس أى معين .\rويقال : لى الأمرُ { مِن قََبْلُ } وقد علمتُ ما تفعلون ، فلا يمنعنى أحدٌ من تحقيق عرفانكم ، ولي الأمر { مِّن بَعْدِ } وقد رأيتُ ما فعلتم ، فلا يمنعنى أحدٌ من غفرانكم . وقيل : { لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ } بتحقيق ودِّكم ، والله الامر من بعد بحفظ عهدكم :\rإني _على جفواتها_ وبربِّها ... وبكلِّ مُتصل بها مُتوسلِ\r{ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ } :\rاليومَ إرجافُ السرور وإنما ... يومَ اللِّقاء حقيقةُ الإرجاف\rاليومَ ترحٌ وغداً فرح ، اليوم عَبرة وغداً حَبرة ، اليوم أسف وغداً لطف ، اليوم بكاء وغداً لقاء .","part":6,"page":134},{"id":2635,"text":"الكريمُ لا يُخلفُ وعده لا سيما والصدقُ نعته .\rيقول المؤمنون : مِنا يومَ الميثاق وعدٌ بالطاعة ، ومنه ذلك اليومَ وعدٌ بالجنة ، فإن وَقع فى وعدنا تقصيرٌ لا يقع فى وعده قُصورٌ .","part":6,"page":135},{"id":2636,"text":"استغراقُهم فى الاشتغال بالدنيا ، وانهماكهم فى تعليق القلب بها . . مَنَعَهم عن العلم بالآخرة . وقيمةُ كلِّ امرىءٍ عِلمه بالله؛ ففى الأثر عن عليِّ _رضى الله عنه_ أنه قال؛ أهل الدنيا عَلَى غفلةٍ من الآخرة ، والمشتغلون بعلم الآخرة كذلك بوجودها فى غفلة عن الله .","part":6,"page":136},{"id":2637,"text":"إنَّ مَنْ نَظَرَ حقَّ النظر ، ووَضَعَ النظر موضعَه أثمر له العلم واجباً ، فإذا استبصر بنور اليقين أحكامَ الغائبات ، وعَلِمَ موعوده الصادق فى المستأنف - نجا عن كَدِّ التردد والتجويز فسبيلُ مَنْ صحا عقلُه ألا يجنحَ إلى التقصير فيما به كمال سكونه .","part":6,"page":137},{"id":2638,"text":"سَيْرُ النفوسِ فى أقطار الأرض ومناكبها لأداء العبادات ، وسَيْرُ القلوبِ بِجَولاَنِ الفِكْرِ فى جميع المخلوقات ، وغايته الظَّفَرُ بحقائق العلوم التى توجِبُ ثلج الصدر -ثم تلك العلوم على درجات . وسير الأرواح فى ميادين الغيب بنعت حرق سرادقات الملكوت ، وقصاراه الوصولُ إلى محلِّ الشهود واستيلاء سلطان الحقيقة . وسير الأشرار بالترقى عن الحِدْثان بأَسْرِها ، والتحقق أولاً بالصفات ، ثم بالخمود بالكلية عمَّا سِوى الحقِّ .","part":6,"page":138},{"id":2639,"text":"مَنْ زَرَعَ الشوكَ لم يحصُدْ الوَرْدَ ، ومَنْ استنبت الحشيشَ لم يقطف الثمار ، ومَنْ سَلَكَ طريق الغىّ لم يَحْلُلْ بساحة الرشد .","part":6,"page":139},{"id":2640,"text":"يبدأ الخلق على ما يشاء ، ثم يعيده إذا ما شاء على ما يشاء .","part":6,"page":140},{"id":2641,"text":"شهودِهم ما جحدوه فى الدنيا عياناً ، ثم ما ينضاف إلى ذلك من اليأس بعد ما يعرفون قطعاً هو الذى يفتت أكبادهم ، وبه تتمُّ محنتُهم .","part":6,"page":141},{"id":2642,"text":"تغلب العداوةُ مِنْ بعضٍ على بعضٍ .","part":6,"page":142},{"id":2643,"text":"فريقٌ منهم أهل الوصلة ، وفريق هم أهل الفرقة . فريق للجنة والمِنَّة . وفريقٌ للعذاب والمحنة . فريقٌ فى السعير . وفريقٌ فى السرور . فريقٌ فى الثواب . وفريقٌ فى العذاب . فريقٌ فى الفراقِ . وفريقٌ فى التلاقي .","part":6,"page":143},{"id":2644,"text":"فهم فى رياضٍ وغياضٍ .","part":6,"page":144},{"id":2645,"text":"فهم فى بوارٍ وهلاك .","part":6,"page":145},{"id":2646,"text":"مَنْ كان صباحُه لله بُورِكَ له فى يومه ، ومن كان مساؤه بالله بورك له فى ليله :\rوإنَّ صَبَاحً نلتقي في مسائه ... صَبَاحٌ على قلبِ الغريبِ حبيبُ\rشتّان بين عبدٍ صباحُه مُفْتَتَحٌ بعبادته ومساؤه مُخْتَتَمٌ بطاعته ، وبين عبدٍ صباحه مفتتح بمشاهدته ورواحة مفتتح بعزيز قربته!\rويقال الآية تتضمن الأَمر بتسبيحه فى هذه الأوقات ، والآية تتضمن الصلوات الخمس ، وإرادةَ الحقِّ من أوليائه بأَنْ يجددوا العهدَ فى اليوم والليلة خمْسَ مراتٍ؛ فتقف على بساط المناجاة ، وتستدرك ما فاتك فيما بين الصلاتين من طوارق الزلات .","part":6,"page":146},{"id":2647,"text":"{ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ } : الطيرَ من البيض ، والحيوان من النُّطفةِ .\r{ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ } : البيض من الطير ، والنطفة من الحيوان .\rوالمؤمنَ من الكافِرَ والكافِرَ من المؤمن .\rويُظْهِرُ أوقاتاً من بين أوقات؛ كالقبض من بين أوقات البسط ، والبسط من بين أوقات القبض .\r{ وَيُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا } : يحييها بالمطر ، ويأتى بالربيع بعد وحشة الشتاء؛ كذلك يوم النشور يحيي الخلْقَ بعد الموت .","part":6,"page":147},{"id":2648,"text":"خَلَقَ آدمَ من التراب ، ثم من آدم الذُّرِّيَة . فذَكَّرَهم نِسْبَتَهم لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم .\rويقال الأصل تُرْبة ولكن العِبْرَة بالتربية لا بالتربة ، القيمةُ لما مِنْه لا لأعيان المخلوقات . اصطفى واختار الكعبة فهي أفضل من الجنة؛ الجنة جواهر ويواقيت ، والبيت حجر! ولكن البيت مختارُه وهذا المختار حجر! واختار الإنسانَ ، وهذا المختار مَدَرٌ! والغنىُّ غنىٌّ لِذَاتِه ، غنىٌّ عن كلِّ غيرٍ من رَسْم وأثر .","part":6,"page":148},{"id":2649,"text":"رَدَّ المِثْلَ إلى المِثْل ، ورَبَطَ الشكلَ بالشكلِ ، وجعل سكونَ البعضِ إلى البعض ، ولكنَّ ذلك للأشباح والصُوَر ، أمَّا الأرواح فصُحْبَتُها للأشباح كرهٌ لا طوعٌ . وأمَّا الأسرار فمُعْتَقَةٌ لا تساكن الأطلال ولا تتدنس بالأعلال .","part":6,"page":149},{"id":2650,"text":"خَلَقَ السماواتِ فى علوِّها والأرضَ فى دنوِّها؛ هذه بنجومها وكواكبها ، وهذه بأقطارها ومناكبها . وهذه بشمسها وقمرها ، وهذه بمائها ومَدَرِها .\rومن آياته اختلافُ لغات أهل الأرض ، واختلافُ تسبيحات الملائكة الذين هم سكان السماء . وإنَّ اختصاصَ كلِّ شىءٍ منها بُحكم -شاهدُ عَدلٍ ، ودليلُ صِدُقٍ على أنها تناجى أفكار المتيقظين ، وتنادي على على أنفسها . . أنها جميعها من تقدير العزيز العليم .","part":6,"page":150},{"id":2651,"text":"غَلَبُه النومِ بغيرِ اختيارِ صاحبه ثم انتباهُه مِنْ غير اكتسابٍ له بِوُسْعِه يدلُّ على موته وبَعْثِهِ بعد ذلك وقتَ نشوره . ثم فى حال منامه يرى ما يسرُّه وما يضرُّه ، وعلى أوصافٍ كثيرة أمره . . كذلك الميت فى قبره . اللَّهُ أعلمُ كيف حاله فى أمره ، وما يلقاه من خيره وشرّه ، ونفعه وضرّه؟","part":6,"page":151},{"id":2652,"text":"يُلْقِي في القلوب من الرجاءِ والتوقع فى الأمور ، ثم يختلف بهم الحال؛ فمِنْ عبدٍ يحصلُ مقصودُه . ومِنْ آخر لا يتفق مرادُه .\rوالأحوال اللطيفة كالبروق ، وقالوا : إنها لوائح ثم لوامع ثم طوالع ثم شوارق ثم متوع النهار ، فاللوائح فى أوائل العلوم ، واللوامع من حيث الفهوم ، والطوالع من حيث المعارف ، والشوارق من حيث التوحيد .","part":6,"page":152},{"id":2653,"text":"يُفْنِي هذه الأدوار ، ويُغَيِّر هذه الأطوار ، ويبدِّل أحوالاُ غير هذه الأَحوال؛ إماتةٌ ثم إحياءٌ ، وإعادةٌ وقبلها إبداءٌ وقبرٌ ثم نَشْر ، ومعاتبةٌ فى القبر ثم محاسبةٌ بعد النَّشْرِ .","part":6,"page":153},{"id":2654,"text":"له ذلك مِلْكاً ، ومنه تلك الأشياء بَدْءاً ، وبه إيجاداً ، وإليه رجوعاً .","part":6,"page":154},{"id":2655,"text":"أي في ظنَّكم وتقديركم .\rوفي الحقيقة السهولةُ والوعورةُ على الحقِّ لا تجوز .\r{ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى } : له الصفةُ العليا فى الوجود بحقِّ القِدَم ، وفي الجود بنعت الكَرَم ، وفي القدرة بوصف الشمول ، وفي النصرة بوصف الكمال ، وفي العلم بعموم التعلُّق ، وفي الحكم بوجوب التحقق ، وفي المشيئة بوصف البلوغ ، وفي القضية بحكم النفوذ ، وفى الجبروت بعين العزِّ والجلال ، وفي الملكوت بنعت المجد والجمال .","part":6,"page":155},{"id":2656,"text":"أي إذا كان لكم مماليك لا تَرْضَوْن بالمساواة بينكم وبينهم ، وأنتم متشاكلون بكلِّ وجه -إلا أنكم بحكم الشرع مالكوهم- فَمَا تقولون في الذي لم يَزَلْ ، ولا يزال كما لم يزل؟\rهل يجوز أن يُقَدَّر َ في وصفه أن يُسَاوِيَه عبيدُه؟وهل يجوز أن يكون مملوكُه شريكَه؟ تعالى اللَّهُ عن ذلك علواً كبيراً!","part":6,"page":156},{"id":2657,"text":"أشدُّ الظلمِ متابعةُ الهوى ، لأنه قريبٌ من الشِّرْكِ ، قال تعالى : { أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } [ الجاثية : 23 ] . فَمَنْ اتَّبَعَ هواه خالف رضا مولاه؛ فهو بوضعه الشىءَ غيرَ موضعه صار ظالماً ، كما أَنَّ العاصيَ بوضعه المعصيةَ موضعَ الطاعةِ ظالمٌ . . كذلك هذا بمتابعة هواه بَدَلاً عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار فى الظلم متمادياً .","part":6,"page":157},{"id":2658,"text":"أخْلِصْ قَصْدَك إلى الله ، واحفَظْ عهدك مع الله ، وأَفرِدْ عملَكَ فى سكناتِك وحركاتِك وجميع تصرفاتِك لله .\r{ حَنِيفاً } : أى مستقيماً فى دينه ، مائلاً إليه ، مُغْرَضاً عن غيره ، والزَمْ { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } أي أثْبَتَهُم عليها قبل أن يُوجَدَ منهم فِعْلٌ ولا كَسْب ، ولا شِرْكٌ ولا كُفْر ، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان . فاعرف بهذه الجملة ، ثم افعل ما أُمِرْتَ به ، واحذر ما نُهِيتَ عنه .\rفعلى هذا التأويل فإن معنى قوله : { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } أي اعْرَفْ واعْلَمْ أن فطرة الله التي فطر الناس عليها : تَجَرُّدُهم عن أفعالهم ، ثم اتصافهم بما يكسبون - وإن كان هذا أيضاً بتقدير الله .\rوعلى هذا تكون { فِطْرَتَ } الله منصوبة بإضمار اعْلَمْ - كما قلنا .\rسبحانه فَطَرَ كلَّ أحدٍ على ما عَلِمَ أنه يكون فى السعادة أو الشقاوة ، ولا تبديلَ لحُكْمه ، ولا تحويلَ لما عليه فَطَرَه . فمَنْ عَلِمَ أنه يكون سعيداً أراد سعادته وأخبر عن سعادته ، وخَلَقَه في حُْكمه سعيداً . ومَنْ عَلِمَ شقاوته أراد أن يكون شقياً وأخبر عن شقاوته وخَلَقَه في حكمه شقياً . . ولا تبديل لحُكمه ، هذا هو الدين المستقيم والحقُّ الصحيح .","part":6,"page":158},{"id":2659,"text":"أي راجعين إلى الله بالكلية من غير أن تبقى بقية ، متصفين بوفاته ، منحرفين بكل وجهٍ عن خلافه ، مُتَّقين صغيرَ الإثم وكبيره ، قليلَه وكثيره ، مُؤثرين يسيرَ وفاقه وعسيره ، مقيمين الصلاة بأركَانها وسننها وآدابها جهراً ، متحققين بمراعاة فضائلها سِراً .","part":6,"page":159},{"id":2660,"text":"أقاموا فى دنياهم فى خمار الغفلة ، وعناد الجهل والفترة؛ فركنوا إلى ظنونهم ، واستوطنوا مركب أوهامهم ، وتموَّلوا منْ كيس غيرهم ، وظنوا أنهم على شيء . فإذا انكشف ضبابُ وقتهم ، وانقشع سحابُ جحدهم . . انقلب فرحُهم تراحاً ، واستيقنوا أنهم كانوا فى ضلالة ، ولم يعرِّجوا إلاَّ في أوطان الجهالة .","part":6,"page":160},{"id":2661,"text":"إذا أظلتهم المحنةُ ونَالتهم الفتنةُ؛ وَمَسَّتْهُم البليَّةُ رجعوا إلى الله بأجْمعهم مستعينين ، وبلطفه مستجيرين ، وعن محنتهم مستكشفين .\rفإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم ، ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم : { إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم } لا كلُّهم - بل فريقٌ منهم بربهم يشركون؛ يعودون إلى عاداتهم المذمومة فى الكفران ، ويقابلون إحسانه بالنسيان ، هؤلاء ليس لهم عهدٌ ولا وفاء . ولا فى مودتهم صفاء .","part":6,"page":161},{"id":2662,"text":"أي عن قريبٍ سيحدث بهم مثلما أصابهم ، ثم إنهم يعودون إلى التضرع . ويأخذون فيما كانوا عليه بداءاً من التخشع ، فإذا أشكاهم وعافاهم رجعوا إلى رأس خطاياهم .","part":6,"page":162},{"id":2663,"text":"بَين أنهم بَنوا على غير أصلٍ طريقَهم ، واتبعوا فيما ابتدعوه أهواءهم ، وعلى غير شَرعٍ من الله أو حجةٍ أو بيانٍ أَسَّسُوا مذاهبَهم .","part":6,"page":163},{"id":2664,"text":"تستميلهم طوارقُ أحوالهم؛ وإن كانت نعمة فإلى فرح ، وإن كانت شدة فإلى قنوطِ وَتَرح . . وليس وصفُ الأكابر كذلك؛ قال تعالى : { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَاكُمْ } [ الحديد : 23 ] .","part":6,"page":164},{"id":2665,"text":"الإشارة فيها إلى أن العبدَ لا يُعلِّقُ قلبه إلا بالله؛ لأنّ ما يسوءهم ليس زواله إِلا بالله ، وما يسرَّهم ليس وجودُه إِلا من الله ، فالبسطُ الذي يسرّهم ويؤنسهم منه وجوده ، والقبض الذى يسوءهم ويوحشهم منه حصولُه ، فالواجبُ لزوم عَقْوَةِ الأسرار ، وقطعُ الأفكار عن الأغيار .","part":6,"page":165},{"id":2666,"text":"القرابةُ على قسمين : قرابةُ النسب وقرابة الدِّين ، وقرابةُ الدين أَمسُّ ، وبالمواساة أحقُّ وإذا كان الرجلُ مشتغلاً بالعبادة ، غيرَ متفرِّغ لطلب المعيشة فالذين لهم إيمانٌ بحاله ، وإشرافٌ على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقَدر ما يمكنهم ، مما يكون له عونٌ على الطاعة وفراغ القلب من كل علة؛ فاشتغال الرجل بمراعاة القلب يجعل حقَّه آكدَ ، وتَفَقُّدَه أوْجَبَ .\r{ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } : المريدُ هو الذى يُؤْثِرُ حقَّ الله على حظِّ نَفْسِه؛ فإيثارُ المريد وَجه اللَّهِ أتمُّ من مراعاته حال نفسه ، فهِمَّتُه في الإحسان إلى ذوي القربى والمساكين تتقدم على نَظَرِه لِنَفْسِه وعياله وما يهمه من خاصته .","part":6,"page":166},{"id":2667,"text":"إيتاء الزكاة بأن تريد بها وجهَ الله ، وألا تستخدم الفقير لما تَبَرُّه به من رافقه ، بل أفضل الصدقة على ذي رَحمٍ كاشح حتى يكون إعطاؤُه لله مجرداً عن كل نصيبٍ لَكَ فيه ، فهؤلاء هم الذين يضاعِفُ أَجْرَهم : قَهرُهم لأنفسهم حيث يخالفونها ، وفوزهُم بالعِوَض مِنْ قَبَلَ الله .\rثم الزكاة هي التطهير ، وتطهيرُ المالِ معلومٌ ببيان الشريعة في كيفية إخراج الزكاة ، وأصناف المال وأوصافه .\rوزكاة البَدَنِ وزكاةُ القلبِ وزكاتُ السِّرِّ . . كلُّ ذلك يجب القيام به .","part":6,"page":167},{"id":2668,"text":"{ ثُمَّ } حرقٌ يقتضى التراخي؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس من ضرورة خَلْقِه إياك أن يرزقك؛ كنتَ فى ضعف أحوالك ابتداءَ ما خَلَقَكَ ، فأثبتك وأحياك من غير حاجةٍ لك إلى رزقٍ؛ فإلى أن خرجتَ من بَطْنِ أُمّك : إمَّا أن كان يُغْنِيكَ عن الرزق وأنت جنينٌ في بطن الأم ولم يكن لك أكلٌ ولا شُرْبٌ ، وإمَّا أن كان يعطيك ما يكفيك من الرزق - إنْ حَقَّ ما قالوا : إن الجنينَ يتَغَذَّى بدم الطمث . وإذا أخرجك من بطن أمك رَزَقَكَ على الوجه المعهود فى الوقت المعلوم ، فَيَسَّرَ لكَ أسبابَ الأكل والشرب من لَبنِ الأم ، ثم من فنون الطعام ، ثم أرزاق القلوب والسرائر من الإيمان والعرفان وأرزاق التوفيق من الطاعات والعبادات ، وأرزاق للسان من الأذكار وغير ذلك مما جرى ذكره .\r{ ثُمَّ يَمِيتُكُمْ } بسقوط شهواتكم ، ويميتكم عن شواهدكم .\r{ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بحياة قلوبكم ثم يحييكم بربِّكم .\rويقال : من الأرزاق ما هو وجود الأرفاق ومنها ما هو شهود الرزاق .\rويقال : لا مُكْنَةُ لك فى تبديل خَلْقِكَ ، وكذلك لا قدرةَ لَكَ على تَعَسُّر رزقِك ، فالمُوَسَّعُ عليه رزقُه -بِفَضْلِه سبحانه . . لا بمناقِب نَفْسه ، والمُقَتّرُ عليه رزقُه بحُكْمِه سبحانه . . لا بمعايب نَفْسِه .\r{ هَلْ مِن شُرِكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَىْءٍ } ؛ هل من شركائكم الذين أثبتموهم أي من الأصنام أو توهمتموهمٌّ من جملة الأنام . . مَنْ يفعل شيئاً من ذلك؟ { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى } تنزيهاُ له وتقديساً .","part":6,"page":168},{"id":2669,"text":"الإشارة من البرّ إلى النَّفْسِ ، ومن البحر إلى القلب .\rوفسادُ البرّ بأَكْلْ الحرام وارتكاب المحظورات ، وفسادُ البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة مثل سوء العزم والحسد والحقد وإرادة الشَّر والفِسْقِ . . وغير ذلك . وعَقْدُ الإصرارِ على المخالفاتِ من أعظمِ فسادِ القلب ، كما أَنَّ العَزْمَ على الخيرات قبل فِعْلها من أعظم الخيرات .\rومن جملة الفساد التأويلاتُ بغير حقِّ ، والانحطاطُ إلى الرُّخَصِ فى غير قيامٍ بِجَدٍ ، والإغراق في الدعاوَى من غير استحياءٍ من الله تعالى .\r{ لِيُذِقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلَّواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } : بعض الذى عملوا من سقوط تعظيم الشرع من القلب ، وعدم التأسُّف على ما فاته من الحقِّ .","part":6,"page":169},{"id":2670,"text":"{ يَسِيُرواْ } بالاعتبار ، واطلبوا الحقَّ بنعت الأفكار .\r{ فَانظُرواْ } كيف كانت حال مَنْ تقدَّمكم من الأشكال والأمثال ، وقيسوا عليها حُكْمَكُم فى جميع الأحوال . { كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ } كانوا أكثرَهم عدداً ، ولكن كانوا في التحقيق أَقلَّهم وزناً وقَدْراً .","part":6,"page":170},{"id":2671,"text":"أَخْلِص قَصْدَك وصِدْقَ عَزْمَكَ للدين القيِّم بالموافقة والاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع . فَمنْ لم يتأدب بِمَنْ هو إمامُ وقته ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته كان خُسْرَانُه أَتَمَّ من رِبْحِه ، ونقصانُه أَعَمُ من نَفْعه .","part":6,"page":171},{"id":2672,"text":"يرسل رياحَ الرجاءِ على قلوب العِباد فتكنس عن قلوبهم غبارَ الخوف وغُثَاء اليأس ، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق فتحملهم إلى بِساط الجُهْدِ ، وتكرمهم بقوى النشاط . ويرسل رياحَ البسطِ على أرواح الأولياء فيطهرها من وحشة القبض ، وينشر فيها إرادة الوصال . ويرسل رياحَ التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء فيطهرها من آثار العناء ، ويبشرها بدوام الوصال ، فذلك ارتياحٌ به ولكن بعد اجتياحٍ عنك .","part":6,"page":172},{"id":2673,"text":"أرسلنا من قبلك رسلاً إلى عبادنا ، فَمَنْ قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة التحقيق ، ومَنْ عارضَهم بالجحود أذقناهم عذابَ الخلود ، فانتقمنا من الذين أجرموا ، وأخذناهم من حيث لم يحتسبوا ، وشَوَّشْنا عليهم ما أَمَّلوا ، ونقضنا عليهم ما استطابوا وتَنَعَّموا ، وأخذنا بخناقهم فحاق بهم ما مكروا .\r{ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ } بتوطئتهم بأعقاب أعدائهم ، ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى رقيناهم فوق رقابهم ، وخرَّبنا أوطانَ أعدائهم ، وهدَّمنا بنيانهم ، وأخمدنا نيرانَهم ، وعَطَّلْنا عنهم ديارهم ، ومَحَوْنا بقَهْرِ التدمير آثارَهم ، فظَلَّتْ شموسهُم كاسفة ، ومكيدةُ قَهْرِنا لهم بأجمعهم خاسفة .","part":6,"page":173},{"id":2674,"text":"يرسل رياح عَطْفِه وجُودِه مبشراتٍ بوَصْلِه وجوده ، ثم يُمطِر جودَ غيبِه على أسرارهم بلُطْفِه ، ويطوي بساطَ الحشمة عن ساحات قُرْبِه ، ويضرب قبابَ الهيبة بمشاهد كَشْفِه ، وينشر عليهم أزهارَ أُنْسِه ، ثم يتجلَّى لهم بحقائق قُدْسِه ، ويسقيهم بيده شرابَ حُبِّه ، وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم -لا بهِم- ولكنْ بِنَفْسه ، فالعبارات عن ذلك خُرْسٌ ، والإشارات دونها طُمْسٌ .","part":6,"page":174},{"id":2675,"text":"يحيي الأرضَ بأزهارها وأنوارها عند مجىء الأمطار لِيُخْرِجَ زَرْعَها وثمارَها ، ويحيي النفوس بعد نَفْرَتِها ، ويوفقها للخيرات بعد فترتها ، فتعمر أوطانُ الرِّفاق بصادق إقدامهم ، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم ، ويحيي القلوبَ بعد غفلتها بأنوار المحاضرات ، فتعود إلى استدامة الذكر بحُسْنِ المراعاة ، ويهتدي بأنوار أهلها أهلُ العسر من أصحاب الإرادات ، ويحيي الأرواح بعد حَجْبَتِها - بأنوار المشاهدات ، فتطلع شموسُها عن بُرْجِ السعادة ، ويتصل بمشامٌ أسرار الكافة نسيمُ ما يفيض عليهم من الزيادات ، فلا يبقى صاحبَ نَفَسٍ إلا حَظِيَ منه بنصيب ، ويُحْيي الأسرارَ ، وقد تكون لها وَقْفَةٌ فى بعض الحالات - فتنتفي بالكلية آثارُ الغيرية ، ولا يَبْقى فى الدار ديَّار ولا من سكانها آثار؛ فسَطَواتُ الحقائق لا تثبت لها ذَرَّةٌ من صفات الخلائق ، هنالك الولاية لله . . سقط الماء والقطرة ، وطاحت الرسوم والجملة .","part":6,"page":175},{"id":2676,"text":"إذا انسدَّت البصيرةُ عن الإدراك دام العمى على عموم الأوقات . . كذلك مَنْ حَقَّتْ عليهم الشقاوةُ جَرَّته إلى نفسها - وإنْ تَبَوَّأَ الجنةَ منزلاً .","part":6,"page":176},{"id":2677,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } مَنْ فَقَدَ الحياةَ الأصلية لم يَعِشْ بالرُّقَى والتمائم ، وإذا كان في السريرة طَرَشٌ عن سماع الحقيقة فَسَمْعُ الظاهر لا يفيده آكَدُ الحُجَّة . وكما لا يُسْمَعُ الصُّمَّ الدعاءَ فكذلك لا يمكنه أن يهدي العُمْىَ عن ضلالتهم .","part":6,"page":177},{"id":2678,"text":"أظهرهم على ضعف الصغر والطفولية ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب ثم :\rآخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى\rكذلك فى ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية فى نعت التردد والحيرة فى الطلب ، ثم بعد قوة الوصل فى ضعف التوحيد .\rويقال أولاً ضعف العقل لأنه بشرط البرهان وتأمله ، ثم قوة البيان في حال العرفان ، لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود ، لأنه الخمود يتلو الوجود ولا يبقى معه أثر .\rويقال { خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ } : أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة الوجود ثم بعده ضعف المسكنة ، قال A : « أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني فى زمرة المساكين » .","part":6,"page":178},{"id":2679,"text":"إنما كان ذلك لأحد أمرين : إمَّا لأنهم كانوا أمواتاً . . والميت لا إحساسَ له ، أو لأنهم عَدُّواً ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يَرَوْن ذلك اليوم يسيراً . وإن أهل التحقيق يخبرونهم عن طول لُبْثِهم تحت الأرض . وإن ذلك الذي يقولونه من جملة ما كانوا يظهرون من جَحْدهم على موجب جهلهم ، ثم لا يُسْمَعُ عَذْرُهم ، ولا يُدْفَعُ ضُرَّهم .\rوأخبر بعد هذا في آخر السورة عن إصرارهم وانهماكهم في غيِّهم ، وأن ذلك نصيبهم من القسمة إلى آخر أعمارهم .\rثم خَتَمَ السورة بأمر الرسول E باصطباره على مقاساة مسارهم ومضارهم .\rقوله جلّ ذكره : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ }","part":6,"page":179},{"id":2680,"text":"الألف تشير إلىآلائه ، واللام تشير إلا لطفه وعطائه ، والميم تشير إلى مجده وسنائه؛ فبآلائه يرفع الجَحْدَ عن قلوبِ أوليائه؛ وبلطفه وعطائه يثبت المحْبةَ فى أسرار أصفيائه ، وبمجده وسنائه مستغنٍ عن جميع خَلْقِه بوصف كبريائه .\r{ تِلْكَ ءَاياتُ الْكِتَابُ الْحَكيمِ } : المحروس عن التغيير والتبديل .","part":6,"page":180},{"id":2681,"text":"هو هدّى وبيان ، ورحمة وبرهان للمحسنين العارفين بالله ، والمقيمين عبادةَ اللَّهِ كأنهم ينظرون إلى الله . وشَرْطُ المُحْسِنِ أن يكون محسناً إلى عبادِ الله : دانيهم وقاصيهم ، ومطيعِهم وعاصيهم .\r{ الَّذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } : يأتون بشرائطها في الظاهر من ستر العورة ، وتقديم الطهارة ، واستقبال القِبْلة ، والعلم بدخول الوقت ، والوقوف في مكانٍ طاهر .\rوفي الباطن يأتون بشارئطها من طهارة السِّرِّ عن العلائق ، وسَتْرِ عورةَ الباطنِ بتنقيته عن العيوب ، لأنها مهما تكن فاللَّهُ يراها؛ فإذا أَرَدْتَ ألا يرى اللَّهُ عيوبَك فاحْذَرْها حتى لا تكون . والوقوف في مكان طاهر ، وهو وقوف القلبِ على الحدِّ الذي أُذِنْتَ في الوقوف فيه مما لا يكون دعوى بلا تحقيق ، وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ وقف عند حدِّه . والمعرفة بدخول الوقت فتعلم وقت التذلُّل والاستكانة . وتميز بينه وبين وقت السرور والبسط ، وتستقبل القبلةَ بنَفْسِك ، وتعلِّق قلبَكَ بالله من غير تخصيص بقَطْرٍ أو مكان .","part":6,"page":181},{"id":2682,"text":"الذين يقومون بشرط صلاتهم وحقِّ آداب عبادتهم هم الذين اهتدوا في الدنيا والعُقبى فسلِموا ونَجَوْا .","part":6,"page":182},{"id":2683,"text":"{ لَهْوَ الْحَدِيثِ } : ما يشغل عن ذكر الله ، ويَحْجُبُ عن اللَّهِ سماعُه . ويقال : هو لَغْوُ الظاهر الموجِبُ سَهْوَ الضمائر ، وهو ما يكون خَوضاً فى الباطل ، وأخذاً بما لا يعنيك .","part":6,"page":183},{"id":2684,"text":"المُفْتَرِقُ بِهَمِّه ، والمُتَشتِّتُ بقلبه لا تزيده كثرةُ الوعظِ إلا نفوراً ونُبُوَّاً؛ فسماعُه كَلاَ سماع ، ووعظه هباءٌ وضياع ، كما قيل :\rإذا أنا عاتَبْتُ الملولَ فإنما ... أُخُطُّ بأقلامي على الماءِ أحرُفا","part":6,"page":184},{"id":2685,"text":"{ ءَامَنُواْ } : صَدَّقوا { وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } : تَحَقَّقُوا؛ فاتصافُ تحقيقِهم راجعٌ إلى تصديقهم ، فَنَجَوْا وسَلِمُوا؛ فهم في راحاتهم مقيمون ، دائمون لا يَبْرَحُون .","part":6,"page":185},{"id":2686,"text":"أمسك السمواتِ بقدرته بغير عِماد ، وحفَظَهَا لا إلى سِناد أو مشدودةً إلى أوتاد ، بل بحُكْم الله وبتقديره ، ومشيئته وتدبيره .\r{ وََألْقَى فِى الأَرْضِ رَوَاسِىَ . . . } في الظاهر الجبال ، وفي الحقيقة الأَبدال والأوتاد الذين هم غياث الخلق ، بهم يقيهم ، وبهم يَصرِف البَلاءَ عن قريبهم وقاصيهم .\r{ وََأنَزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً . . . } المطر من سماء الظاهر في رياض الخُضْرَة؛ ومن سماء الباطن فى رياض أهل الدنوِّ والحَضْرَة .","part":6,"page":186},{"id":2687,"text":"هذا خَلْقُ الله العزيز في كبريائه ، فأروني ماذا خَلَقَ الذين عَبدْتم من دونه في أرضه وسمائه؟","part":6,"page":187},{"id":2688,"text":"{ الْحِكْمَةَ } الإصابة في العقل والعقد والنطق . ويقال { الْحِكْمَةَ } متابعة الطريق من حيث توفيق الحق لا من حيث هِمةَ النفس . ويقال { الْحِكْمَةَ } ألا تكون تحت سلطان الهوى . ويقال { الْحِكْمَةَ } الكوْن بحكم من له الحكم . ويقال { الْحِكْمَةَ } معرفة قدْر نَفسك حتى لا تمدّ رِجليك خارجاً عن كسائك . ويقال { الْحِكْمَةَ } ألا تستعصي عَلَى مَنْ تعلم أَنك لا تقاومه .\r{ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ } : حقيقة الشكر انفراج عين القلب بشهود ملاطفات الرَّبِّ . فهو مقلوب قولهم : كَشَرَتْ عن أنيابها الدايةُ؛ فيقال شكر وكشر مثل جذَب وَجبذَ .\rويقال الشكرُ تحققكَ بعجزك عن شكره . ويقال الشكر ما به يحصل كمالُ استلذاذ النعمة . ويقال الشكر فضلةٌ تظهر عَلَى اللسان من امتلاء القلب بالسرور؛ فينطلق بمدح المشكور . ويقال الشكر نعتُ كلّ غنيِّ كما أن الكفرانَ وَصفُ كلِّ لَئيم . ويقال الشكر قرُع باب الزيادة . ويقال الشكر قيد الإنعام . ويقال الشكر قصة يمليها صميم الفؤاد بنشر صحيفة الأفضال . { وَمَن شَكَرَ فإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } [ النمل : 40 ] . لأنه في صلاحها ونصيبها يسعى .","part":6,"page":188},{"id":2689,"text":"الشِّرْكُ عَلَى ضربين : جَليّ وخفيّ؛ فالجليُّ عبادة الأَصنام ، والخفيّ حسبان شيء من الحدثان من الأنام . ويقال الشِّرْكُ إثباتُ غَيْرٍ مع شهود الغيب . ويقال الشرك ظلمَ عَلَى القلب ، والمعاصي ظلم عَلَى النفس ، وظلم النفوس مُعَرَّضٌ للغفران ، ولكنّ ظلم القلوب لا سبيل إليه للغفران .","part":6,"page":189},{"id":2690,"text":"أوجب الله شُكرَ نفسه وشكر الوالدين . ولما حصل الإجماع على أن شكر الوالدين بدوام طاعتهما ، وألا يُكْتَفى فيه بمجرد النطق بالثناء عليهما عُلِم أنَّ شُكْرَ الحقِّ لا يكْفي فيه مجرَّدُ القول ما لم تكن فيه موافقهُ العقل؛ وذلك بالتزام الطاعة ، واستعمال النعمة فى وجه الطاعة دون صَرفِها فى الزَّلَّة؛ فشكرُ الحقِّ بالتعظيم والتكبير ، وشكرُ الوالدين بالإنفاق والتوفير .","part":6,"page":190},{"id":2691,"text":"إنْ جاهداك على أن تشرك بالله ، أو تسعى بما هو زلة فى امر الله- فلا تطعهما ، ولكن عاشرهما بالجميل؛ تخشين في تليين ، فاجعل لهما ظاهرك فيما ليس فيه حرَجٌ ، وانفرد بسرِّك لله ، { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ } : وهو المنيبُ إليه حقاً من غير أن تبقى بقية فى النفْس .","part":6,"page":191},{"id":2692,"text":"إذا كانت ذرة أو أقل من ذلك وسبقت بها القسمةُ فلا محالةَ تصل إلى المقسوم له بغير مرية . . { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } : عالم بدقائق الأمور وخفاياها .","part":6,"page":192},{"id":2693,"text":"الأمر بالمعروف يكون بالقول ، وأبلغه أن يكون بامتناعك بنفسك عما تُنهى عنه ، واشتغالك واتصافك بنفسك بما تأمر به غيرك ، ومنْ لا حُكْمَ له عَلَى نَفسه لا ينفذ حكمه على غيره .\rوالمعروف الذي يجب الأمرُ به و ما يُوَصِّلُ العبدَ إلى الله ، والمنكرُ الذي يجب النهي عنه هو ما يشغل العبدَ عن الله .\r{ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } تنبيهٌ عَلَى أنَّ منْ قام بحق امْتُحِنَ في الله؛ فسبيله أنْ يصبرَ لله - فإنْ منْ صبرَ لله لا يَخسر عَلَى الله .","part":6,"page":193},{"id":2694,"text":"يعني لا تتكبرْ عَلَى الناسِ ، وطالِعْهم من حيث النسبة والتحقق بأنكَ بمشهدٍ منْ مولاك . ومَنْ عَلِمَ أنّ مولاه ينظر إليه لا يتكبرُ ولا يتطاول بل يتخاضع ويتضاءل .","part":6,"page":194},{"id":2695,"text":"كُنْ فانياً عن شواهدك ، مُصطَلَماً عن صَوْلَتِك ، مأخوذاً عن حَوْلِكَ وقوتِك ، مُنْتَشِقاً مما استولى عليك من كشوفات سِرِّك .\rوانظر مَنْ الذي يسمع صوتَكَ حتى تستفيق من خمار غفلتك؛ { إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } : في الإشارة هو الذي يتكلم فى لسان المعرفة من غير إذنٍ من الحقِّ . وقالوا : إنه الصوفيُّ يتكلم قبل أوانه .\rويقال إنما ينهق الحمارُ عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكرَ الأصوات .","part":6,"page":195},{"id":2696,"text":"أثبت في كل شيءٍ منها نَفْعاً لكم ، فالسماء لتكونَ لكم سقفاً ، والأرض لتكون لكم فِراشاً ، والشمس لتكون لكم سراجاً ، والقمر لتعلموا به عدد السنين والحساب ، والنجوم لتهتدوا بها .\r{ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } : الإسباغُ ما يُفْضُلُ عن قدرة الحاجة ولا تحتاج معه إلى الزيادة .\rقوله : { نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } : تكلموا فيه فأكثروا . فالظاهرةُ وجودُ النعمة ، والباطنةُ شهودُ المنعِم . والظاهرةُ الدنيويةُ ، والباطنةُ الدينية . والظاهرة حُسْنُ الخَلْق ، والباطنة حُسْنُ الخُلُق . الظاهرةُ نَفْس بلا زَلّة ، والباطنةُ قلبٌ بلا غفلة . الظاهرةُ العطاء ، والباطنة الرضاء . الظاهرة في الأموال ونمائها ، والباطنة في الأحوال وصفائها . الظاهرةُ النعمةُ ، والباطنةُ العصمةُ . الظاهرةُ توفيقُ الطاعات ، والباطنةُ قبولُها . الظاهرة تسوية الخَلْقِ ، والباطنة تصفية الخُلُق . الظاهرة صحبة الصالحين ، والباطن حِفْظُ حُرْمَتِهم . الظاهرةُ الزهدُ في الدنيا ، والباطنةُ الاكتفاء بالمولى من الدنيا والعقبى . الظهارة الزهد ، والباطنةُ الوَجْدُ . الظاهرة توفيق المجاهدة والباطنة تحقيقْ المشاهدة . الظاهرة وظائف النَّفْس ، والباطنة لطائف القلب . الظاهرةُ اشتغالُكَ بنَفْسِك عن الخَلْق ، والباطنةُ اشتغالُك بربِّك عن نَفْسِك . الظاهرة طَلَبَهُ ، الباطنةُ وجوده . الظاهرةُ أَنْ تَصِلٍ إليه ، الباطنة أن تبقى معه .","part":6,"page":196},{"id":2697,"text":"لم يتخطوا منهم ولا من أمثالهم ، ولم يهتدوا إلى مُحَوِّل أحوالهم ، فأَمَّا منْ سَمَتْ نَفْسُه ، وخلص في الله قَصْدُه فقد استمسك بالعروة الوثقى ، وسَلَكَ المحجَّةَ المُثْلَى : -\rقوله جلّ ذكره : { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ } .\rوعلى العكس : -\r{ وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .\rإلينا إيابُهم ، ومِنَّا عذابُهم ، وعلينا حسابُهم . ولئن سألتَهم عن خالقهم لأَقِرُّوا ، ولكن إذا عادوا إلى غيِّهم نقضوا وأصروا .","part":6,"page":197},{"id":2698,"text":"لله ما في السموات والأرضِ مِلْكاً ، ويُجْرِي فيهم حُكْمَه حَقَّا ، وإليه مَرْجِعُهم حتماً .","part":6,"page":198},{"id":2699,"text":"لو أنَّ ما في الأرض من الأشجار أقلامٌ والبحارُ كانت مداداً ، وبمقدار ما يقابله تُنْفَقُ القراطيسُ ، ويتكلَّفُ الكُتَّابُ حتى تتكسر الأقلامُ ، وتفنى البحارُ ، وتستوفي القراطيسُ ، وتفنى أعمارُ الكُتَّاب . . مانَفِدَت معاني ما لنا مَعَكَ من الكلام ، والذي نُسْمِعُك فيما نخاطبك به لأنك معنا أبَدَ الأبد ، والأبديُّ من الوصف لا يتناهى .\rويقال إن كان لك معكم كلامٌ كثير فما عندكم ينفذ وما عند الله باقٍ :\rصحائفُ عندي للعتابِ طَوَيْتُها ... ستُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطول","part":6,"page":199},{"id":2700,"text":"إيجادُ القليل أو الكثير عليه وعنده سيَّان؛ فلا من الكثير مشقة وعُسْر ، ولا من القليل راحةٌ ويُسْر ، إنما أَمْرُه إذا أراد شيئاً أن يقول له : { كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] يقوله بكلمته ولكنه يكوّنه بقدرته ، لا بمزاولة جهد ، ولا باستفراغ وُسْعٍ ، ولا بدعاءِ خاطرٍ ، ولا بطُرُوءِ غَرَضٍ .","part":6,"page":200},{"id":2701,"text":"{ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } : الكائنُ الموجودُ ، مُحِقُّ الحقِّ ، و { مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ } : من العَدَمِ ظَهَرَ ومعه جوازُ العَدَم .","part":6,"page":201},{"id":2702,"text":"في الظاهر سلامتُهم في السفينة ، وفي الباطن سلامتُهم من حدثان الكون ، ونجاتهم فى سفائن العصمة في بحار القدرة .\r{ إِنَّ فِى ذلِكَ لآيَاتِ لِّكُلِّ صَبَّارٍ } وَقُوفٍ لا ينهزم من البلايا ، شَكُورٍ على ما يصيبه من تصاريف التقدير من جنسي البلايا والعطايا .","part":6,"page":202},{"id":2703,"text":"إذا تلاطمت عليهم أمواجُ بحار التقدير تمنوا أن تلفظَهم تلك البحارُ إلى سواحل السلامة ، فإذا جاد الحقُّ بتحقيق مُناهم عادوا إلى رأس خطاياهم :\rوكم قد جهلتم ثم عُدْنَا بِحِلْمنا ... أحباءَنا : كم تجهلون ونَحْلُمُ!","part":6,"page":203},{"id":2704,"text":"يخوِّفهم مرةً بأفعاله فيقول : { وَاتَّقُواْ يَوْماً } [ البقرة : 48 ] ، ومرةً بصفاته فيقول : { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } [ العلق : 14 ] ومرةً بذاته فيقول : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } [ آل عمران : 28 ] .","part":6,"page":204},{"id":2705,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الأَرْحَامِ } .\rيتفرّد بِعلم القيامة ، ويعلم ما في الأرحام ذكورَهَا وإناثها ، شقيها وسعيدها ، حسنها وقبيحها ويعلم متى يُنزِّل الغيث ، وكم قطرة يُنزله ، وبأي بقعة يُمطرها .\r{ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبيرُ } .\rما تدري نفسُ ماذا تكسب غداً من خير وشر ، ووفاق وشقاق ، وما تدري نفس بأي أرض تموت؛ أتدرك مرادَها أم يفوت؟","part":6,"page":205},{"id":2706,"text":"الإشارة من الألف إلى أنه أَلِفَ المحبون قربتي فلا يصبرون عني ، وأَلِفَ العارفون تمجيدي فلا يستأنسون بغيري .\rوالإشار في اللام إلى لقائي المدَّخرِ لأحبَّائي ، فلا أبالي أقاموا على ولائي أم قصَّروا في وفائي .\rوالإشارة في الميم : أي تَرَكَ أوليائي مرادَهم لمرادي . . فلذلك آثرتُهم على جميع عبادي .\r{ تَنزٍيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ } [ السجدة : 2 ] : إذا تَعَذَّرَ لقاءُ الأحباب فأَعَزُّ شيءٍ على الأحباب كتابُ؛ أَنْزَلْتُ على أحبابي كتابي ، وحمَلَتْ إليهم الرسالةُ خطابي ، ولا عليهم إِنْ قَرَعَ أسماعَهم عتابي ، فَهُمْ في أمانٍ من عذابي .","part":6,"page":206},{"id":2707,"text":"الذي لكم منا حقيقة ، وإنْ التبس على الأعداء فليس يضيركم ، ولا عليكم ، فإنَّ صحبةَ الحبيب مع الحبيب أَلَذُّها ما كان مقروناً بفقد الرقيب .","part":6,"page":207},{"id":2708,"text":"وتلك الأيام خَلَقَها مِنْ خَلْقٍ غير الأيام ، فليس من شرط المخلوق ولا من ضرورته أن يخلقه في وقتٍ؛ إذ الوقتُ مخلوقٌ في غير الوقت وكما يستغنى في كونه مخلوقاً عن الوقت استغنى الوقتُ عن الوقت .\r{ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } : ليس للعرش من هذا الحديث إلا هذا الخبر ، { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ولكن القديم ليس له حدٌّ ، استوى على العرش لكن لا يجوز عليه القرب بالذات ولا البُعْد ، استوىعلى العرش ولكنه أشدُّ الأشياء تَعَطُّشاً إلى شظية من الوصال لو كان للعرش حياة؟ ، ولكنَّ العرشَ جمادٌ . . وأَنَّى يكون للجماد مراد؟! استوىعلى العرش لكنه صَمَدٌ بلا نِدٍّ ، أَحَدٌ بلا حَدٍّ .\r{ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ شَفِيعٍ } : إذا لم يُردْ بكم خيراً فلا سماءَ عنه تُظِلُّكم ، ولا أرضَ بغير رضاه تُقِلُّكم ، ولا بالجواهرأحدٌ يناصركم ، ولا أحدَ -إذا لم يُعْنَ بشأنكم في الدنيا والاخرة- ينظر إليكم .","part":6,"page":208},{"id":2709,"text":"خَاطَبَ الخَلْقَ -على مقدار أفهامهم ويجوز لهم- عن الحقائق التي اعتادوا في تخاطبهم .","part":6,"page":209},{"id":2710,"text":"{ الْعَزِيزُ } مع المطيعين { الرَّحيمُ } على العاصين .\r{ الْعَزِيزُ } للمطيعين ليكْسِرَ صولتَهم { الرَّحِيمُ } للعاصين ليرفعَ زَلَّتَهم .","part":6,"page":210},{"id":2711,"text":"أَحْسَنَ صورةَ كلَّ أحدٍ؛ فالعرشُ ياقوتةٌ حمراءُ ، والملائكة أولو أجنحة مثنى وثُلاثَ ورُبَاع ، وجبريلُ طاووس الملائكة ، والحور العين-كما في الخبر- « في جمالها وأشكالها ، والجِنانُ » -كما في الأخبار ونص القرآن . فإذا انتهى إلى الإنسان قال : و { خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } [ السجدة : 7 ، 8 ] . . . كل هذا ولكن :\rوكم أبصرتُ من حُسْنٍ ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري\rخَلَقَ الإنسانَ من طين ولكن { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ البقرة : 152 ] ، وخلق الإنسان من طين ولكن : { فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } [ البينة : 8 ] ، وخلق الإنسان من طين ولكن { رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ المائدة : 119 ] !","part":6,"page":211},{"id":2712,"text":"لو كانت لهم ذَرَّةٌ من العرفان ، وشَمَّة من الاشتياق ، ونَسْمَةٌ من المحبة لَما تَعَصَّبُوا كُلَّ هذا التعصب في إنكار جوازِ الرجوعِ إلى الله ولكن قال : { بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرونَ } .","part":6,"page":212},{"id":2713,"text":"لولا غفلةُ قلوبهم وإلا لَما أحال قَبْضَ أرواحهم على مَلَكِ الموت؛ فإنَّ مَلَكَ الموتِ لا أَثرَ منه في أحدٍ ، ولا له تصرفات في نَفَسِه ، وما يحصل من التوفِّي فمن خصائص قدرة الحق . ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربِّ فخاطبَهم على مقدار فهمهم ، وعَلَّقَ بالأغيار قلوبَهم ، وكلٌّ يُخاطَبُ بما يَحْتَمِلُ على قَدْرِ قُوَّتِه وضعفه .","part":6,"page":213},{"id":2714,"text":"مَلَكَتْهُم الدهشةُ وغَلَبتهم الخَجْلَةُ ، فاعتذروا حينَ لا عذْرَ ، واعترفوا ولا حينَ اعتراف .","part":6,"page":214},{"id":2715,"text":"لو شئنا لَسَهَّلنا سبيلَ الاستدلال ، وأدَمْنا التوفيقَ لكلِّ أحدٍ ، ولكن تَعَلَّقَتْ المشيئةُ بإغواءِ قومٍ ، كما تعلَّقت بإدناءِ قوم ، وأردنا أن يكونَ للنار قُطَّان ، كما أردنا أن يكون للجَنَّةِ سُكان ، ولأَنَّا عَلِمْنا يومَ خَلَقْنا الجنَّةَ أنه يسكنها قوم ، ويوم خلقنا النارَ أنه ينزلها قومٌ ، فَمِنَ المُحَالِ أن نُرِيدَ ألأ يقعَ معلومُنا ، ولو لم يحصل لم يكن عِلْماً ، ولو لم يكن ذلك عِلْماً لم يكن إلهاً . . ومن المحال أن نريد ألا نكونَ إلهاً .\rويقال : مَنْ يتسلَّطْ عليه من يحبه لم يجْرِ في مُلْكِه ما يكرهه .\rويقال : يا مسكين أفنيتَ عُمْرَكَ في الكَدِّ والعناء ، وأمضيتَ أيامَك في الجهد والرجاء ، غيَّرت صفتك ، وأكثرتَ مجاهدتك . . فما تفعل في قضائي كيف تُبَدلِّه؟ وما تصنع في مشيئتي بأيِّ وسعٍ ترُدُّها؟ وفي معناه أنشدوا :\rشكا إليك ما وَجَدَ ... من خَانَهُ فيك الجَلَدْ\rحيرانُ لو شئتَ اهتدى ... ظمآنُ لو شئتَ وَرَدْ","part":6,"page":215},{"id":2716,"text":"قاسِ من الهوانِ ما استوجبتَه بعصيانك ، واخْلُدْ في دار الخِزْي لما أسلفتَه من كفرانك .","part":6,"page":216},{"id":2717,"text":"التصديقُ والتكذيبُ ضدان - والضدان لا يجتمعان؛ التكذيب هو جحودٌ واستكبار ، والتصديقُ هو سجودٌ وتحقيق ، فَمَنْ اتَّصَفَ بأحد ، القسمين امَّحى عنه الثاني .\r{ خَرُّواْ سُجَّداً } : سجدوا بظواهرهم في المحراب ، وفي سرائرهم على ترابِ الخضوع وبِساطِ الخشوع بنعت الذبول وحُكْمِ الخمود .\rويقال : كيف يستكبر مَنْ لا يَجِدُ كمالَ راحتِه ولا حقيقةَ أُنْسِه إلأ في تَذَلُّلِه بين يدي معبوده ، ولا يؤثِرُ آجلَ جحيمه على نعيمه ، ولا شقاءَه على شفائة؟!","part":6,"page":217},{"id":2718,"text":"فى الظاهر : عن الفِراش قياماً بحقِّ العبادة والجهد والتهجد . وفي الباطن : تتباعد قلوبُهم عن مضاجعات الأحوال ، ورُؤية قَدّرِ النفس ، وتوَّهُمِ المقَام - فإن ذلك بجملته حجابٌ عن الحقيقة ، وهو للعبد سُمِّ قاتل - فلا يساكَنون أعمالَهم ولا يلاحظون أحوالَهم . ويفارقون مآلِفَهم ، ويَهجرون في الله معَارفَهم .\rوالليل زمان الأحباب ، قال تعالى : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } [ يونس : 67 ] : يعني عن كلّ شُغل وحديثِ سوء حديث محبوبكم . والنهارُ زمانُ أهل الدنيا ، قال تعالى : { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } [ النبأ : 11 ] ، أولئك قال لهم : { فإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِى الأَرْضِ } [ الجمعة : 10 ] .\rإذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم ، واشتغلوا بحرفتكم .\rوأما الأحبابُ فالليلُ لهم إِمَّا في طرَب التلاقي وإما في حَرَب الفراقِ ، فإن كانوا في أُنْسِ القرابة فَلَيْلَهُم أقصرُ من لحظة ، كما قالوا :\rزارني مَنْ هَوَيْتُ بعد بعادٍ ... بوصال مُجَدَّدٍ وودادِ\rليلة كاد يلتقي طرفاها ... قِصَراً وهي ليلة الميعادِ\rوكما قالوا :\rوليلةٍ زَيْنُ ليالي الدهر ... قابلتُ فيها بدرها ببدر\rلم تَسْتَبِن عنْ شققٍ وفجرِ ... حتى تولَّت وهي بِكْرُ الدهر\rوأمَّا إن كان الوقتُ وقتَ مقاساةِ فُرقة وانفرادٍ بكُرْبة فَلَيْلُهم طويل ، كما قالوا :\rكم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها ... أفْنَيْتُها قابضاً على كبدي\rقد غُصَّت العينُ بالدموع وقد ... وضعتُ خدي على بنان يدي\rقوله : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } [ السجدة : 16 ] : قومٌ خوفاً من العذاب وطمعاً في الثواب ، وآخرون خوفاً من الفراقِ وطمعاً في التلاقي ، وآخرون خوفاً من المكر وطمعاً في الوَصْلِ .\r{ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } : يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به؛ فإنْ طَهَّرْنا أحوالَهم عن الكدورات حضروا بأحوالٍ مُقَدَّسة ، وإِنْ دَنَّسَّا أوقاتهم بالآفاتِ شهدوا بحالاتٍ مُدّنَّسَة ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ؛ فالعبدُ إنما يتجر في البضاعة التي يودعها لديه سَيِّدُه :\rيفديكَ بالروح صَبٌّ لو يكون له ... أعزّ من روحه شيء فداك به","part":6,"page":218},{"id":2719,"text":"إنما تَقَرُّ عينُكَ برؤية مَنْ تحبه ، أو ما تحبه؛ فطالبْ قلبكَ وراع حالك ، فيحصل اليومَ سرورُك ، وكذلك غداً . . وعلى ذلك تحشر؛ ففي الخبر :\r« مَنْ كان بحالة لقي الله بها » .\rثم إنّ وصفَ ما قال الله سبحانه إنه لا يعلمه أحدٌ - مُحَالٌ ، اللهم أن يُقال : إنها حال عزيزة ، وصفةٌ جَليلة .","part":6,"page":219},{"id":2720,"text":"أفمن كان في حال الوصال يَجِرّ أذيالَه كنتْ هو في مَذلةِ الفراق يقاسي وبالَهَ؟\rأفمن كان في رَوْحِ القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هوْل العقوبة يعاني مشقة الكلفة؟\rأفمن هو في رَوْح إقبالنا عليه كمن هو محنة إعراضنا عنه؟\rأفمن بقي معنا كمنْ بقي عَنَّا؟\rأفمنْ هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالي الكفران ووحشة العصيان؟\rأَفمن أُيِّدَ بنور البرهان وطلعت عليه شموسُ العرفان كمن ربطَ بالخذلان ووُسم بالحرمان؟ لا يستويان ولا يلتقيان!","part":6,"page":220},{"id":2721,"text":"{ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } : صَدَّقوا ، و { وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } : يما حَققوا -فلهم حُسْنُ الحال ، وحيمدُ المآلُ وجزيلُ المنال ، وأَما الذين كدّوا وجحدوا ، وفي معاملاتهم أساءوا وأفسدوا ، فقصاراهم الخزيُ والهوان ، وفنونٌ من المحن وألوان . . كلما راموا من محنتهم خلاصاً ازدادوا فيها انتكاساً ، ولكما أَمَّلوا نجاةً جُرّعوا وزيدوا ياساً .","part":6,"page":221},{"id":2722,"text":"قومٌ عذابهم الأدنى مِحَنُ الدينا ، والعذابُ الأكبر لهم عقوبة العنبي .\rوقوْمٌ العذاب الأدنى لهم فترةٌ تتداخلهم في عبادتهم ، والعذاب الأكبر لهم قسوةٌ في قلوبهم تصيبهم .\rوقومٌ العذاب الأدنى لهم وقفة في سلوكهم تُنِيبهم ، والعذابُ الأكبرُ لهم حجةٌ عن مشاهدهم تنَالهم ، قال قائلهم :\rأَدّبتني بانصرافِ قلبك عنّي ... فانظرْ إليّ فقد أحسنت تأديبي\rويقال العذاب الأدنى الخذلان في الزلة ، والأكبر الهجران في الوصلة .\rويقال العذاب الأدنى تكدّر مشاربهم بعد صفوها ، كما قالوا :\rلقد كان ما بيني زماناً وبينه ... كما بين ريح المسك والعنبر الورد\rويقال العذاب الأكبر لهم تطاولُ أيامِ الغياب من غير تبين آخِرٍ لها ، كما قيل :\rتطاول نأينا يا نور حتى ... كأن نسجتْ عليه العنكبوتُ","part":6,"page":222},{"id":2723,"text":"إذا نُبِّهَ العبدُ بأنواع الزَّجر ، وحُرِّكَ -لتَرْكِهِ حدودَ الرقاق- بصنوفٍ من التأديب ثم لم يرتدع عن فعله ، واغترّ بطول سلامته ، وأمِنَ من هواجم مَكره ، وخفايا سِرِّه . . أَخَذَه بغتةً بحيث لا يجد خرجةً مَنْ أخذته ، قال تعالى : { لاَ تَجْئَرُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } [ المؤمنون : 65 ] .","part":6,"page":223},{"id":2724,"text":"فلا تكن في مرية من لقائه غداً لنا ورؤيته لنا .\r{ وَجَعَلْنَاهُ هُدًًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ } :\rوهذا محمد A جُعِلَ رحمةً للعالمين .","part":6,"page":224},{"id":2725,"text":"لمّا صبروا على طلبنا سَعِدوا بوجودنا ، وتعدّى ما نالوا من أفضالنا إلى مُتبعيهم وانبسط شعاعُ شموسهم على جميع أهلِهم؛ فهم للخلْق هُداةٌ ، وفي الدين عيون ، وللمسترشدين نجوم .","part":6,"page":225},{"id":2726,"text":"يحكم بينهم ، وعند ذلك يتبين المردودُ من المقبول ، والمهجور من الموصول ، والرضيّ من الغوّي ، والعدو من الوليّ . . فكم من بهجةٍ دامت هنالك! وكم من مهجةِ ذابت عند ذلك!","part":6,"page":226},{"id":2727,"text":"أو لم يعتبروا بمنازلِ أقوام كانوا في حَبرَةٍ ، كانوا في سرورٍ فآلوا إلى ثبور؛ فجميع ديارهم ومزارِهم صارت لأغيارهم ، وصنوفُ أموالهم عادت إلى أشكالهم ، سكنوا في ظلالهم ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم ، وكما قيل :\rنعمةٌ كانت على قو ... مٍ زماناً ثم بانت\rهكذا النعمةُ والإح ... سانُ مذ كان وكانت","part":6,"page":227},{"id":2728,"text":"الإشارة فيه : تُسْقى حدائقُ وَصْلِهم بعد جفاف عودِها ، وزوال المأنوسِ من معهودِ ، فيعود عودها مورِقاً بعد ذبوله ، حاكياً بحاله حال حصوله .","part":6,"page":228},{"id":2729,"text":"استبعدوا يومَ التلاقي وجحدوه ، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه .","part":6,"page":229},{"id":2730,"text":"أعْرِض عنهم باشتغالك بنا ، وإقبالك علينا ، وانقطاعك إلينا .\r{ وَانتَظِرْ } زوائدَ وَصْلِنا ، وعوائدَ لطفنا .\r{ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ } هواجِمَ مقتنا وخفايا مكرنا . . وعن قريب يجد كلُّ منتظرَه محتضراً .","part":6,"page":230},{"id":2731,"text":"يا أيها المُشَرَّفُ حالاً ، المُفَخَّمُ قَدْراً مِنَّا ، المُعَلَّى رُتْبَةً من قِبَلِنا . . يا أيها المُرَقَّى إلى أعلى الرُّتَبِ بأسنى القُرَبِ . . يا أيها المُخَبِّرُ عنا ، المأمونُ على أسرارنا ، المُبَلِّغُ خطابَنا إلى أحبابنا . . اتقِ الله أن تلاحِظَ غَيراً معنا ، أو تساكِنَ شيئاً من دوننا ، أو تُثْبِتَ أحداً سوانا ، أو تَتَوَهَّمَ شظيةً مِنَ الحدثان من سوانا . { وَلاَ تُطِعِ الْكَافِريِنَ } [ الأحزاب : 1 ] إشفاقاً منك عليهم ، وطمعاً في إيمانهم بنا لو وافَقَتْهم في شيء أرادوه منك .\rوالتقوى رقيبٌ على قلوب أوليائه يمنعهم في أنفاسهم ، وسَكَناتِهم ، وحَرَكاتهم أن ينظروا إلى غيره -أو يُثْبِتوا معه غيره- إلا منصوباً لقدرته ، مصرَّفاً بمشيئته ، نافذاً فيه حُكْمُ قضيته .\rالتقوى لجامٌ يكبحك عمَّا لا يجوز ، زمامٌ يقودك إلى ما تحب ، سوطٌ يسوقك إلى ما أُمِرْتَ به ، شاخصٌ يحملك على القيام بحقِّ الله حِرْزٌ يعصمك مَنْ توَصل أعدائك إليك ، عُوذَةٌ تشفيك من داء الخطأ .\rالتقوى وسيلةٌ إلى ساحات كَرمه ، ذريعةٌ تتوسل بها إلى عقوبة جوده .","part":6,"page":231},{"id":2732,"text":"اتبعْ ولا تبتدع ، واقتدِ بما نأمرك به ، ولا تهتدِ باختيارك غير ما نختار لك ، ولا تُعرِّج أوطان الكسل ، ولا تجنح إلى ناحية التواني ، وكن لنا لا لكَ ، وقم بنا لا بِكَ .","part":6,"page":232},{"id":2733,"text":"انسلخْ عن إيابك ، واصدق في إيابك إلينا ، وتشاغل عن حسبانك معنا ، واحذر ذهابك عنا ، ولا تُقَصِّرْ في خطابك معنا .\rويقال التوكل تحقُّقٌ ثم تَخَلُّقٌ ثم توثق ثم تملق؛ تحققٌ في العقيدة ، وتخلقٌ بإقامة الشريعة ، وتوثق بالمقسوم من القضية ، وتملّقٌ بين يديه بحُسْنِ العبودية .\rويقال التوكلُ تحقّقٌ وتعلقٌ وتخلقٌ ، تحقّقٌ بالله وتعلّقٌ بالله ثم تخلقٌ بأوامر الله .\rويقال التوكل استواءُ القلب في العدم والوجود .","part":6,"page":233},{"id":2734,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } .\rالقلبُ إذا اشتغل بشيء شُغِلَ عما سواه ، فالمشتغلُ بما مِنَ العَدَم منفصلٌ عمن له القِدَمُ ، والمتصل بقلبه بمن نعته القِدَم مشتغلٌ عمَّا من العدَم . . والَليل والنهار لا يجتمعان ، والغيبُ والغيرُ لا يلتقيان .\r{ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّئِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُم ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ } .\rاللائي تظاهرتم منهن لَسْنَ أمهاتكم ، والذين تبنيتم ليسوا بأبنائكم ، وإن الذي صرتم إليه من افترائكم ، وما نسبتم إلينا من آرائكم فذلك مردودٌ عليكم ، غيرُ مقبولٍ منكم ، وإن أمسكتم عنه بعد البيان نجوتم ، وإن تمادَيتم بعد ما أعْلِمْتم . أطلت المحنةُ عليكم .","part":6,"page":234},{"id":2735,"text":"راعُوا أنسابهم ، فإن أردتم غير النسبة فالأخوّةُ في الدِّين تجمعكم ، وقرابةُ الدِّين والشكلية أولى من قرابة النَّسَبِ ، كما قالوا :\rوقالوا قريبٌ من أبٍ وعمومةٍ ... فقلتُ : وإخوانُ الصفاء الأقاربُ\rنُناسبهم شكلاً وعِلماً وأُلفةً ... وإن باعدتهم في الأصول المناسبُ","part":6,"page":235},{"id":2736,"text":"الإشارة من هذا : تقديم سُنته على هواك ، والوقوفُ عند إشارته دون ما يتعلقُ به مُناك ، وإيثار من تتوسل سبباً ونسباً على أعِزَّتِكَ ومَن والاكَ .\r{ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } :\rليكن الأجانبُ منك على جانب ، ولتكن صلتك بالأقارب ، وصلةُ الرحِم ليست بمقاربة الديار وتعاقب المزار ، ولكن بموافقة القلوب ، والمساعدة في حالتي المكروه والمحبوب :\rأرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدت ... أشباحُنا بشآمٍ أو خراسان","part":6,"page":236},{"id":2737,"text":"أخذَ ميثاق النبيين وقتَ استخراج الذرية من صُلب آدم - فهو الميثاق الأول ، وكذلك ميثاق الكلِّ . ثم عند بَعْثِ كلِّ رسول ونُبُوَّةِ كلِّ نبيِّ أخذ ميثاقة ، وذلك على لسانِ جبريل عليه السلام ، وقد استخلص الله سبحانه نبيَّنا عليه السلام ، فأسمعه كلامَه - بلا واسطة - ليلةَ المعراج . وكذلك موسى عليه السلام -أخذ الميثاق منه بلا واسطة ولكن كان لنبينا - A - زيادة حال؛ فقد كان له مع سماع الخطاب كشفُ الرؤية .\rثم أخذ المواثيق من العُبَّاد بقلوبهم وأسرارهم بما يخصهم من خطابه ، فلكلِّ من الأنبياء والأَولياء والأكابر على ما يُؤهلهم له ، قال A : « لقد كان في الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي فَعُمَر » وغيرُ عمر مشارِكٌ لعمر في خواص كثيرة ، وذلك شيء يتمُّ بينهم وبين ربِّهم .","part":6,"page":237},{"id":2738,"text":"يسألهم سؤال تشريفٍ لا سؤال تعنيف ، وسؤال إيجابٍ لا سؤال عتاب . والصدقُ ألا يكون في أحوالِكَ شَوْبٌ ولا في اعتقادك رَيْبٌ ، ولا في أعمالك عَيْبٌ . ويقال من أمارات الصدق في المعاملة وجودُ الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق . والصدقُ في الأحوال تصفيتُها من غير مداخلة إعجاب .\rوالصدق في الأقوال سلامتها من المعاريض فيما بينك وبين نفسك ، وفيما بينك وبين الناس والتباعدُ عن التلبيس ، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرِّي من الحَوْلِ والقوة ، ومواصلة الاستعانة ، وحفظ العهود معه على الدوام .\rوالصدق في التوكل عَدَمُ الانزعاج عند الفَقْدِ ، وزوال الاستبشار بالوجود .\rوالصدق في الأمر بالمعروف التحرُّز من قليل المداهنة وكثيرها ، وألا تتركَ ذلك لِفَزَعٍ أو لِطَمَعٍ ، وأن تَشْرَبَ مما تَسْفِي ، وتتصف بما تأمر ، وتنهي ( نَفْسَك ) عما تَزْجُر .\rويقال الصدق أن يهتدي إليكَ كلُّ أحد ، ويكون عليك فيما تقول وتظهر اعتماد .\rويقال الصدق ألا تجنحَ إلى التأويلات .","part":6,"page":238},{"id":2739,"text":"ذكرُ نعمة الله مُقابَلَتُها بالشكر ، ولو تذكرتَ ما دَفَعَ عنك فيما سَلَفَ لهانت عليك مقاساةُ البلاءِ في الحال ، ولو تذكرتَ ما أولاكَ في الماضي لَقَرُبَتْ من قلبك الثقةُ في إيصال ما تؤمِّلُه في المستقبل .\rومن جملة ما ذكَّرهم به : { إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ } كم بلاءٍ صَرَفَه عن العبدِ وهو لم يشعر! وكم شُغْلٍ كان يقصده فصَدَّه ولم يعلم! وكم أمرٍ عَوَّقَه والعبدُ يَضِجُّ وهو - ( سبحانه ) - يعلم - أَن في تيسيره له هلاكَ العبد فمَنَعَه منه رحمةً به ، والعبدُ يتَّهِمُ ويضيق صَدْرُه بذلك!","part":6,"page":239},{"id":2740,"text":"أحاط بهم سُرَادقُ البلاء ، وأَحدقَ بهم عَسْكرُ العدوِّ ، واستسلموا للاجتياح ، وبلغت القلوبُ الحناجرَ ، وتَقَسَّمَتْ الظنونُ ، وداخَلَتْهُم كوامِنُ الارتياب ، وبدا في سويدائهم جَوَلانُ الشكِّ .","part":6,"page":240},{"id":2741,"text":"ثم أزال عنهم جملتها ، وقَشَعَ عنهم شِدَّتها ، فانجاب عنهم سحابُها ، وتفرَّقَتْ عن قلوبهم همومُها ، وتَفَجَّرَتْ ينابيعُ سكينتهم .","part":6,"page":241},{"id":2742,"text":"صَرَّحوا بالتكذيب - لما انطوت عليه قلوبُهم - حين وجدوا للمقال مجالاً .","part":6,"page":242},{"id":2743,"text":"تواصَوْا فيما بينهم بالفرار عندما سَوَّلَتْ لهم شياطينُهم من وشك ظَفَرِ الأعداء . قوله : { وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ } يتعلّلون بانكشافِ بيوتهم وضياع مُخَلَّفَاتِهم ، ويكذبون فيما أظهروه عُذْراً ، وهم لم يَحْمِلْهم على فعلهم غيرُ جُبْنِهِم وقلَةُ يقينهم .","part":6,"page":243},{"id":2744,"text":"ولكن لما عزم الأمر ، وظهر الجدّ لم يساعدهم الصدقُ ، ولم يذكروا أنهم سَيُسألون عن عهدهم ، ويُعاقوبون على ما أسلفوه من ذنبهم .","part":6,"page":244},{"id":2745,"text":"لأَن الآجالَ لا تأخيرَ لها ولا تقديم عليها ، وكما قالوا : « إنّ الهاربَ عمّا هو كائن في كفِّ الطالب يتقلبُ » .\r{ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاًَّ قَلِيلاً } : فإنّ ما يدّخرُه العبدُ عن الله من مالٍ أو جاهٍ أو نَفيسٍ أو قريب لا يُبارَك له فيه ، ولا يجدُ به مَنَعَةً ، ولا يُرزقُ منة غبطة .","part":6,"page":245},{"id":2746,"text":"من الذي يحققُ لكم من دونه مَرْجُوًّا؟ ومن الذي يصرف عنكم دونه عَدُوًّا؟","part":6,"page":246},{"id":2747,"text":"هم الذين كانوا يمتنعون بأنفسهم عن نصرة النبي عليه السلام ، ويمنعون غيرهم ليكون جمعُهم أكثرَ وكيدُهم أخفى ، وهم لا يعلمون أنّ الله يُطْلِعُ رسولَه عليه السلام عليهم ثم ذَكَرَ وَصْفَهم .","part":6,"page":247},{"id":2748,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمُ فَإِذَا جَآءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تّدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوتِ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } .\rإذا جاء الخوفُ طاشت من الرعبِ عقولهم ، وطاحت بصائرهم ، وتعطلت عن النصرة جميعُ أعضائهم ، وإذا ذهبَ الخوْفُ زَيَّنوا كلامَهم ، وقدّموا خداعهم ، واحتالوا في أحقاد خِستهم . . أولئك هذه صفاتهم؛ لم يباشر الإيمانُ قلوبهم ، ولا صدقوا فيما أظهروا من ادعائهم واستسلامهم .","part":6,"page":248},{"id":2749,"text":"يحسبون الأحزابَ لم يذهبوا ، ويخافون من عَوْدهم ، ويفزعون من ظلِّ أنفسهم إذا وقعوا على آثارهم ، ولو اتفق هجومُ الأعداءُ عليكم ما كانوا إلا في حرز سيوفهم ودرية رماحهم .","part":6,"page":249},{"id":2750,"text":"« كان » صلة ومعناها : لكم في رسول الله أسوة حسنة ، به قدوتكم ، ويجب عليكم متابعته فيما يرسمه لكم . وأَقول الرسول A وأفعاله على الوجوب إلى أن يقوم دليل التخصيص ، فأما أَحواله فلا سبيلَ لأحدٍ إلى الإشراف عليها ، فإن ظَهَرَ شيء من ذلك بإخباره أَو بدلالة أقواله وأفعاله عليه فإن كان ذلك مُكْتَسَباً مِن قِبَلِه فيُلحق في الظاهر بالوجوب بأفعاله وأقواله ، وإن كان غير مكتسبٍ له فهي خصوصيةٌ له لا ينبغي لأحد أَن يتعرّض لمقابلته لاختصاصه - A - بعلوِّ رتبته .","part":6,"page":250},{"id":2751,"text":"كما أنّ المنافقين اضطربت عقائدُهم عند رؤية الأعداء ، فالمؤمنون وأهلُ اليقين ازدادوا ثِقةً ، وعلى الأعداء جرأةً ، ولحكم الله استسلاماً ، ومن الله قوةً .","part":6,"page":251},{"id":2752,"text":"شَكَرَ صنيعَهم في المراس ، ومدح يقينهم عند شهود الباس ، وسماهم رجالاً إثباتاً لخصوصية رتبتهم وتمييزاً لهم من بين أَشكالهم بعلوِّ الحالة والمنزلة ، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صدْقه ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات ، ولم يزيغوا عن عهدهم ، ولم يراوغوا في مراعاة حدِّهم؛ فحقيقةُ الصدق حِفْظُ العهد وتَرْكُ مجاوزة الحدِّ .\rويقال : الصدقُ استواءُ الجهر والسِّرِّ .\rويقال : هو الثباتُ عندما يكون الأَمرُ جِدًّا .","part":6,"page":252},{"id":2753,"text":"في الدنيا يجزي الصادِقين بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية ، وفي الآخرة بجميل الثواب وجزيلِ المآب والخلودِ في النعيم المقيم والتقديمِ على الأمثال بالتكريم والتعظيم .\r{ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } على الوجه الذي سَبق به العلم ، وتَعَلَّقت به المشيئة .\rويقال : إذا لم يجزم بعقوبة المنافق وعَلَّقَ القولَ فيه بالرجاء فبالحريّ ألا يُخَيِّبَ المؤمنَ في رجائه .","part":6,"page":253},{"id":2754,"text":"لم يُشمت بالمسلمين عَدُوًّا ، ولم يُوصِّلْ إليهم مَنْ كيدهم سواءاً ، ووضع كيدهم في نحورهم ، واجتثَّهم من أصولهم ، وبيِّن بذلك جواهر صِدْقهم وغير صدقهم ، وشكَر مَنْ استوجب شكره مِنْ جملتهم ، وفضحَ مَنْ استحقّ الذمّ من المدلسِّين منهم .","part":6,"page":254},{"id":2755,"text":"إنّ الحقَّ - سبحانه - إذا أجمل أكمل ، وإذا شفى كفى ، وإذا وفى أوفى . فأظفر المسلمين عليهم ، وأورثهم معاقلَهم ، وأذلّ مُتعزِّزَهم ، وكفاهم بكلِّ وجهٍ أمرهم ، ومكَّنهم من قَتْلِهم وأسرِهم ونهْبِ أَموالهم ، وسَبى ذراريهم .","part":6,"page":255},{"id":2756,"text":"لم يُرِدْ أن يكونَ قلبُ أحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شُغل ، أو يعود إلى أحد منه أذى أو تعب ، فخَيَّرَ - A - نساءَه ، ووفقَ اللَّهُ سبحانه عائشةَ أمّ المؤمنين- Bها- حتى أخبرت عن صِدْقِ قلبها ، وكمالِ دينها ويقينها ، وبما هو المنتظر . من أصلها وتربيتها ، والباقي جرين على منهاجها ، ونَسَجْنَ على مِنوالهَا .","part":6,"page":256},{"id":2757,"text":"زيادةُ العقوبةعلى الجُرْم من أمارات الفضيلة ، ولذا فضل حدُّ الأحرار على العبيد وتقليل ذلك من أمارات النقص؛ فلما كانت منزلتُهن في الشرف تزيدعلى منزلة جميع النساء ضاعَفَ عقوبتهن على أجرامهن ، وضاعف ثوابهن على طاعتهن . وقال .","part":6,"page":257},{"id":2758,"text":"نهاهن عن التبذُّل ، وأمَرَهُنَّ بمراعاةِ حُرْمَةِ الرسول A ، والتصاون عن تَطَمُّعِ المنافقين في مُلاينتهن .","part":6,"page":258},{"id":2759,"text":"« الرجس » : الأفعالُ الخبيثةُ والأخلاقُ الدنيئة؛ فالأفعال الخبيثة الفواحش ما ظهرَ منها وما بطن ، وما قلّ وما جلّ . والأخلاقُ الدنيئةُ الأهواءُ والبِدَعُ كالبخل والشحِّ وقَطْعِ الرَّحِم ، ويريد بهم الأخلاقَ الكريمةَ كالجُودِ والإيثار والسخاء وصِلَةِ الرَّحِمِ ، ويديم لهم التوفيق والعصمة والتسدسد ، ويُطهرهم من الذنوب والعيوب .","part":6,"page":259},{"id":2760,"text":"أذْكُرْنَ عظيمَ النعمة وجليل الحالةٍ التي تجري في بيوتكن؛ من نزول الوحي ومجيء الملائكة ، وحُرْمَةِ الرسول - A - والنور الذي يقتبس في الآفاق ، ونور الشمس الذي يَنبسط على العالم ، فاعرفن هذه النعمة ، وَارعين هذه الحُرمة .","part":6,"page":260},{"id":2761,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } .\rالإسلام هو الاستسلام ، والإخلاص ، والمبالغة في المجاهدة والمكابدة .\r{ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ } .\rالإيمان هو التصديق وهو مجمع الطاعات ، ويقال هو التصديق والتحقيق ، ويقال هو انتسامُ الحقيقةٍ في القلب . ويقال هو حياة القلب أولاً بالعقل ، ولقومٍ بالعلم ، ولآخرين ، بالفهم عن الله ، ولآخرين بالتوحيد ، ولآخرين بالمعرفة ، ولآخرين إيمانُهم حَياةُ قلوبهم بالله .\r{ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ } .\rالقنوتُ طولُ العبادة .\r{ وَالصَادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ } .\rفي عهودهم وعقودهم ورعاية حدودهم .\r{ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ } .\rعلى الخصال الحميدة ، وعن الصفات الذميمة ، وعند جريان مفاجآت القضية .\r{ وَالخَاشِعِينَ وَالْخَاشعَاتِ } .\rالخشوعُ إطراقُ السريرة عند بوادِه الحقيقة .\r{ وَالْمُتَصَدِّقينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ } .\rبأموالهم وأنفسهم حتى لا يكون لهم مع أحدٍ خصومة فيما نالوا منهم ، أو قالوا فيهم .\r{ وَالصَّآئِمِينَ وَالصَّآئِماتِ } .\rالممسكين عمَّا لا يجوز في الشريعة والطريقة .\r{ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ } .\rفي الظاهر عن الحرام ، وفي الإشارة عن جميع الآثام .\r{ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كّثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ } .\rبألسنتهم وقلوبهم وفي عموم أحوالهم لا يَفْتُرُون ، ولا يَتَدَاخَلُهم نسيان .\r{ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } .\rفهؤلاء لهم جميلُ الحُسْنَى ، وجزيلُ العُقْبَى .","part":6,"page":261},{"id":2762,"text":"الا فتياتُ عليه في أمره والاعتراضُ عليه في حُكْمِه وتَرْكُ الانقيادِ لإشارته . قَرْعٌ لبابِ الشِّرْكِ ، فَمَنْ لم يُمْسِكْ عنه سريعاً وَقَعَ في وهدته .","part":6,"page":262},{"id":2763,"text":"قوله جل ذكره : { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَليْكَ زَوْجَكَ وَاتِقَّ اللَّهِ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجٍ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً } .\rأنعم الله عليه بأن ذَكَرَه وأفرده من بين الصحابة باسمه .\rويقال : أنعم اللَّهُ عليه بإقبالِكَ عليه وتَبَنِّيكَ له . ويقال : بأن أَعْتَقْتَه ، ويقال : بالإيمان والمعرفة . وأنْعَمْتَ عليه بالعتق وبأن تَبَنَّيْتَه . { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } إقامةُ للشريعة مع عِلْمِكَ بأن الامر في العاقبة إلى ماذا يؤول ، فإنَّ اللَّهَ أطْلَعَكَ عليه ، وقلت له : « اتق » . قوله : { وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ } : أي لم تُظهِرْ لهم أنَّ الله عَرَّفَكَ ما يكون من الأمر في المستأنف .\r{ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ } مِنْ مَيْلِكَ ومحبتك لها لا على وجهٍ لا يَحِلُّ . { وَتَخْشَى النَّاسَ } أي وتخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة من قصة زيد ، وكانت تلك الخشية إشفاقاً منكَ عليهم ، ورحمةً بهم .\rويقال : وتستحي من الناسِ - واللَّهُ أحقُ أن تَسْتَحِيَ منه .\rويقالك تخشىلناسَ ألا يطيقوا سماعَ هذه الحالة ولا يَقْوَوا على تَحَمُّلِها . فربما يخطر ببالهم ما يَنْفى عنهم وُسْعَهم .\r{ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا } لكي لا يكون عليك حَرَجٌ ، ولكي لا يكونَ على المؤمنين حرج في الزواج بزوجات أدعيائهم ، فإنما ذلك يُحرِّمُ في الابن إذا كان من الصُّلْبِ .\rقوله جلّ ذكره : { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } .\rلا يُعَارَضُ ولا يُنَاقَضُ ، ولا يُرَدُّ ولا يُجْحَد . وما كان على النبيِّ من حَرَجٍ بوجهٍ لكونه معصوماً .","part":6,"page":263},{"id":2764,"text":"« ويخشونه » : علماً منهم بأنه لا يُصِيبُ أحداً ضررٌ ولا محذورٌ ولا مكروهٌ إلا بتقديره فيفردونه بالخشية إذ عَلِموا أنه لا شيءَ لأحدٍ مِنْ دونه .","part":6,"page":264},{"id":2765,"text":"لم يكن مضافاً إِلى ولدٍ فله عليكم شفقة الآباء . . ولكن ليس بأبيكم .\rويقال نَسَبُه ظاهرٌ . ولكن إنما يُعْْرَفُ بي لا بنَسَبِه؛ فقلَّما يقال : محمدُ بن عبد الله ، ولكن إلى أبد الأبد يقال : محمد رسول الله . وشعارُ الإيمانِ وكلمةُ التوحيدِ -بعد لا إله إلا الله - محمدٌ رسولُ الله .","part":6,"page":265},{"id":2766,"text":"الإشارة فيه أَحِبُّوا الله؛ لأنَّ النبي - A قال : « مَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره » فيجب أن تقول الله ، ثم لا تنسَ الله بعد ذكرك الله .\rويقال : اذكروا الله بقلوبكم؛ فإِنَّ الذكرَ الذي تمكن استدامته ذكرُ القلب؛ فأمَّا ذِكْرُ اللسانِ فإدامته مُسْرَمَداً كالمتعذر .\r{ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } : التسبيحُ من قبيل الذكر ، ولكنه ذََكَره بلفظين لئلا تعتريك سآمة .","part":6,"page":266},{"id":2767,"text":"الصلاة في الأصلِ الدعاءُ؛ فصلاتُه - سبحانه - دعاؤه لنا بالتقريب ، وصلاةُ الملائكة دعاؤهم إليه لنا : بالغفرانِ للعاصي ، وبالإحسانِ للمطيع .\rويقال الصلاةُ من الله بمعنى الرحمة ، ومن الملائكة بمعنى الشفاعة .\r{ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } : ما ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .\rويقال ليخرجكم من الظلمات إلى النور أي يعصمكم من الضلال بَرْوح الوصال .\rويقال ليخرجكم من ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير .\rويقال ليخرجكم من ظلمات نفوسكم إلى أنوار البصائر في قلوبكم .\rويقال ليخرجكم من أسباب التفرقة إلى شهود عين التوفيق ، والتحقق بأوصاف الجمع .\rويقال يصونكم من الشِّرْكِ ، ويُثبِتُكم بشواهد الإيمان .","part":6,"page":267},{"id":2768,"text":"التحيةُ إذا قُرِنَتْ بالرؤية ، واللقاءُ إذا قُرِنَ بالتحية فلا يكون ذلك إلا بمعنى رؤية البَصَر .\rوالسلام خطاب يفاتح به الملوك إِخباراً عن عُلُوِّ شأنهم ورتبتهم ، فإلقاؤه حاصِلٌ وخطابُه مسموعٌ ، ولا يكون ذلك إلا برؤية البصر .\r{ أجْراً كَرِيماً } : الكَرَمُ نَفْيُ الدناءة ، وكريماً أي حسناً .\rوفي الإشارة أجرهم موفور على عملٍ يسير؛ فإنَّ الكريم لا يستقصي عند البيع والشراء في الأعداد ، وذلك تعريف بالإحسانِ السابق في وقت غيبتك .","part":6,"page":268},{"id":2769,"text":"{ يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } .\rيأيها المُشَرَّفُ مِنْ قِبَلِنا إِنّا أرسلناكَ شاهداً بوحدانيتنا ، وشاهداً تُبَشِّر بمتابعتنا ، وتحذِّرُ من مخالفة أَمْرِنَا ، وتُعْلِمُ الناسَ مواضعَ الخوف مِنَّا ، وداعياً إلينا بنا ، وسراجاً يستضيئون به ، وشمساً ينبسط شعاعُها على جميع مَنْ صَدَّقَكَ ، وآمَنَ بك ، فلا يصل إلينا إِلاَّ مَنْ اتبَّعَكَ وخَدَمَك ، وصَدَّقَك وقَدَّمَك .\r{ وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ } بفضلِنا معهم ، ونَيْلِهم طَوْلَنا عليهم ، وإحسانِنا إليهم . ومَنْ لم تُؤَثِرْ فيه بَرَكةُ إيمانه بك فلا قَدْرَ له عندنا .","part":6,"page":269},{"id":2770,"text":"لا توافِقْ مَنْ أعرضنا عنه ، وأضللنا به من أهلَ الكفر والنفاق ، وأهل البِدَع والشِّقاق . وتوكلْ على الله بدوام الانقطاع إليه ، وكفى بالله وكيلاً .","part":6,"page":270},{"id":2771,"text":"إذا آثرتُمْ فراقَهُنَّ فَمَتُعوهن ليكونَ لهن عنكم تذكرة في أيام الفرقة في أوائلها إلى أَنْ تتوطَّنَ نفوسُهن على الفرقة .\r{ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } : لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير ، ولا تستردوا منهن شيئاً تخلَّفتُم به معهن ، فلا تجمعوا عليهن الفراقَ بالحال والأضرارَ من جهة المال .","part":6,"page":271},{"id":2772,"text":"وسَّعْنَا الأمرَ عليكَ في باب النكاح بكم شِئْتتَ؛ فإنك مأمونٌ من عيب عدم التسوية بينهن وعدم مراعاة حقوقهن ، ومن الحَيْفِ عليهن . والتَّوْسعةُ في بابِ النكاحَ تَدُلُّ على الفضيلة كالحُرِّ والعبد .","part":6,"page":272},{"id":2773,"text":"قوله جلّ ذكره : { تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُئْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ } . { مَن تَشَاءُ } : على ما تتعلَّق به إرادتُك ، ويقع عليه اختيارُك ، فلا حَرَج عليكَ ولا جُنَاح .","part":6,"page":273},{"id":2774,"text":"لمَّا اخْتَرْتَهُنَّ أثبت اللَّهُ لهن حُرْمة ، فقال : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ } فكما اخترْنَكَ فلا تَخْتَرْ عليهن امرأةً أخرى تطييباً لقلوبهن ، ونوعاً للمعادلة بينه وبينهن ، وهذا يدل على كَرَمِه - والحِفَاطُ كَرَمٌ ودَيْن .","part":6,"page":274},{"id":2775,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا } الآية .\rأَمَرَهم بحفظ الأدب في الاستئذان ، ومراعاة الوقت ، ووجوب الاحترام؛ فإذا أُذِنَ لكم فادخلوا على وجه الأدب ، وحِفْظِ أحكام تلك الحضرة ، وإذا انتهت حوائجكم فاخرجوا ، ولا تتغافلوا عنكم ، ولا يَمْنَعَنَّكُم حُسْنُ خُلُقِه من حِفْظِ الأدب ، ولا يحملنَّكم فرطُ احتشامِه على إبرامه .\r{ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتِشِرُواْ وَلاَ مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَالِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ } : حُسْنُ خُلُقِه - A - جَرَّهم إلى المباسطة معه ، حتى أنزل اللَّهُ هذه الآية .\r{ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقَلُوبِهِنَّ } : نَقَلَهم عن مألوفِ العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة ، وبَيَّنَ أن البَشَرَ بَشَرٌ- وإن كانوا من الصحابة ، فقال :\r{ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقَلَوبِهِنَّ } .\rفلا ينبغي لأحدٍ أن يأمن نفسه - ولهذا يُشَدَّدُ الأمرُ في الشريعة بألا يخلوَ رجلٌ بامرأة ليس بينهما مَحْرَمَة .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدَهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً } .\rوهذا من خصائصه - A ، وفي هذا شبه رخصة لمن يلاحظ شيئاً من هذا ، فيهتم بالاتصال مَنْ له مَيْلٌ إلَيهنَّ بغيرهن بعد وفاته - وإِنْ كان التحرُّزُ عنه - وعن أمثال هذا مِنْ تَرْكِ الحظوظ - أتمَّ وأعلى .","part":6,"page":275},{"id":2776,"text":"حِفْظُ القلبِ مع الله ، ومراعاةُ الأمر - بينه وبين الله - على الصِّحَةِ في دوام الأوقات لا يَقْوى عليه إلا الخواصُّ من أهل الحضور .","part":6,"page":276},{"id":2777,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ } الآية .\rلما نزلت آيةَ الحجابِ شقَّ عليهن وعلى النسوان وعلى الرجال في الاستتار ، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ هذه الآية للرخصة في نظر هؤلاء إلى النساء ، ورؤية النساء لهم على تفصيل الشريعة .","part":6,"page":277},{"id":2778,"text":"أراد الله - سبحانه - أن تكون للأمة عنده - A - يَدُ خدمةٍ كما له بالشفاعة عليهم يَدُ نعمةٍ ، فأَمَرَهم بالصلاة عليه ، ثم كافأ - سبحانه عنه؛ فقال A : « مَنْ صَلّى عليَّ مرةً صلى اللَّهُ عليه عشر مرات » وفي هذا إشارة إلى أن العبدَ لا يستغني عن الزيادة من الله في وقتٍ من الأوقات؛ إذ لا رتبةَ فوق رتبةِ الرسولِ ، وقد احتاج إلى زيادةِ صلواتِ الأمَّةِ عليه .","part":6,"page":278},{"id":2779,"text":"يؤْذون اللَّهَ ورسولَه بعمل المعاصي التي يستحقون بها العقوبة ، ويؤذون أولياءَه . ولمَّا قال : { مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [ النساء : 80 ] فكذلك مَنْ آذى رسولَه وأنبياءَه عليهم السلام والمؤمنين فقد آذاه ، ومعناه تخصيص حالتهم وإثبات رتبتهم .\rثم ذكر قوله : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . . } ، ويدلُّ ذلك على أن رتبة المؤمنين دون رتبة الرسول A .","part":6,"page":279},{"id":2780,"text":"هذا تنبيةٌ لهن على حِفْظِ الحُرْمة وإثبات الرُّتْبَة ، وصيانةٌ لهن ، وأمرٌ لهن بالتصاونِ والتعفُّفِ . وقَرَن بذلك تهديده للمنافقين في تعاطيهم ما كان يشغل قلبَ الرسول A ، من الإرجاف في المدينة .","part":6,"page":280},{"id":2781,"text":"إنهم إِلَمْ يمتنعوا عن الإرجاف وأمثال ذلك لأجرينا معهم سُنَّتَنا في التدمير على مَنْ سَلَف من الكفار .\rثم ذَكَرَ مسألة القوم عن قيام الساعة وتكذيبهم ذلك؛ ثم استعجالهم قيامَها من غير استعدادٍ لها ، ثم أخبر بصعوبة العقوبة التي علم أنه يُعَذِّبهم بها ، وما يقع عليهم من الندامة على ما فَرَّطوا .","part":6,"page":281},{"id":2782,"text":"نسبوه إلى الأُدْرَة ، وأنَّ به عيباً في الخِلْقَة ، ولكنه كان رجلاً حَيِيَّا ، وكان إذا اغتسل لا يتجرَّد ( من ثوبِه ) ، فتوهموا به ذلك ، وذات يوم خلا ليغسلَه ، ووضع ثيابَه على حَجَرٍ فأمشى اللَّهُ الحَجَر بثيابه ، وموسى يعدو خَلْفَه حتى تَوَسَّطَ بني إسرائيل ، وشاهدوا خِلْقَتَه سليمةً ، فوقف الحجرُ ، وأخذ موسى ثيابه ولبسها ، وهذا معنى قوله : { فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً } في القَدْرِ والمنزلةِ . والوجاهة النافعة ما كان عند الله لا عند الناس ، فقبولُ الناسٍ لا عِبْرَةَ به ولا خَطَرَ له ، لا سيما العوامُ فإِنهم يَقْبَلُون بلا شيء ، ويَرُدُّون بلا شيء قال قائلهم :\rإِنْ كنتُ عندك يا مولاي مطرحاً ... فعند غيرك محمولٌ على الحدق\rوقالوا : فإِنْ أَكُ في شِرَارِكُم قليلاً ... فإني في خِيارِكُم كثيرٌ","part":6,"page":282},{"id":2783,"text":"القول السديد كلمةُ الإخلاص ، وهي الشهادتان عن ضميرٍ صادق .\rويقال سدادُ أقوالِكم سدادُ أعمالِكم ، ولقد هَوَّن عليكم الأمرَ فَمَنْ رضي بالقالة - وهي الشهادة بأن تَرَك الشِّرْك - وقالها بِصِدْقٍ أصلح اللَّهُ له أعمالَه الدنيوية من الخَلَل ، وغَفَرَ له في الآخرة الزَّلَل؛ أي حصلت له سعادةُ الدارين .\rويقال ذَكَرَ { أَعْمَالَكُمْ } بالجمع ، وقدَّمها على الغُفران؛ لأنه ما يُصْلِح لك في حالِكَ أعمالَكَ وإِنْ لم يَكْفِكَ ما أَهَمَّكَ من أشغالك . . لم تتفرغْ إلى حديث آخِرَتِكَ .","part":6,"page":283},{"id":2784,"text":"هنا إضمار أي : أهل السموات والأرض والجبال .\rوقيل أحياها وأعْقَلَها ، وهو كقوله : { ائتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] .\r{ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } : أي أبين أنْ تَخُنَّ فيها ، { وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ } : أي خان فيها . وهم مراتب : فالكفار خانوا في الأصل الأمانة - وهي المعرفة - فكفروا . ومَنْ دُونَهم خانوا بالمعاصي ، وبعضهم أَشَدُّ وبعضهم أهون ، وكلُّ احتقب من الوِزْرِ مقدارَه .\rويقال « أبين » إِباءَ إشفاقٍ لا إِباء استكبارٍ ، واستعفين . . . فعفا عنهن ، وأعفاهن مِنْ حَمْلها .\r{ وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ } : قَبِلَها ثم ما رعوها حقَّ رعايتها . . كلٌّ بقدره .\r{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } بصعوبة حَمْلِ الأمانة في الحال ، والعقوبة التي عليها في المآل . وقومٌ قالوا عَرَضَ الأمانةَ على السمواتِ والأرضِ وعَرَضَها على الإِنسان ، فهن استعفين وهؤلاء لم يستعفوا ولم يراعوا .\rويقال : الأمانة القيام بالواجباتِ أصولها وفروعها .\rويقال : الأمانة التوحيد عقداً وحفظ الحدود جهداً .\rويقال : لمَّا حَمَلَ آدمُ الأَمانة وأولاده قال تعالى : { وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحَرِ } [ الإسراء : 70 ] . . وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟\rويقال حمل الإنسانُ بالله لا بنَفْسِه . ويقال ظَلَمَ نَفْسَه حيث لم يُشْفِقْ مما أشفقت منه السمواتُ والأرضون . والظُلْمُ وَضْعْ الشيءِ في غير موضعه .\rويقال كاشَفَ السمواتِ والأرضَ بوصف الربوبية والعظمة فأشفقوا ، وكاشَفَ آدمَ وذُرِّيَتَه بوصف اللطفِ فقَبِلوا وحملوا ، وفي حال بقاء العبد يا لله يحمل السمواتِ والأرضَ بشعرة من جَفْنِه . ويقال كانت السموات والأرض أصحاب الجثث والمباني فأشفقوا من حَمْل الأمانة . والحِمْلُ إنما تحمله القلوب . وآدم كان صاحبَ معنًى فَحَمل ، وأنشدوا :\rحملت جبال الحكم فوقي وإنني ... لأَعْجَزُ عن حمل القميص وأضعفُ\rويقال لما عَرَضَ الحقُّ الأمانةَ على الخَلْقِ عَلَّقَ آدمُ بها هَمَّتَه ، فصرف بهمته جميع المخلوقات عنها ، فلمَّا أبوا وأشفقوا حَمَلَها الإنسانَ طوعاً لا كرهاً .","part":6,"page":284},{"id":2785,"text":"اللام في « ليعذب » للصيرورة والعاقبة؛ أي صارت عاقبةُ هذا الأَمرِ عذابَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والتجاوز . ( تَمَّت السورة ) قد يقال : المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات والعاصون من المؤمنين والمؤمنات وَرَدَ ذكرهم . . فأين العابدون وذكرهم؟\rولكنهم في جملة مَنْ مضى ذِكْرُهم ، وليسوا في المشركين ولا في المنافقين ، فلا محالة في جملة العاصين الذين تاب عليهم .\rفيأيها العاصي ، كنت تحذر أَنْ يُخْرِجَك العابدون من جملتهم ، فاشْهد الجبَّارَ - في هذا الخطاب - كيف أدرجك في جملتهم؟!","part":6,"page":285},{"id":2786,"text":"افتتح السورة بذكر الثناء على نفسه ، ومَدْحُه لنفسه إِخبارٌ عن جلالِه ، واستحقاقه لنعوت عزِّه وجمالِه ، فهو في الأَزل حامدٌ لنفسِه محمودٌ ، وواحدٌ موجود ، في الآزال معبود ، وبالطلبات مقصود .\r{ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ } : المُلْكُ لا يكون بالشركة؛ فلا مَلِكَ إلا الله . وإِنْ أجرى هذا الاسمَ على مخلوق بالزنجيُّ لا يتغير لونُه وإِنّ سُمِّيَ كافوراً!\r{ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الأَخِرَةِ } مِنَ الذين أَعتقهم ، وفي النعمة أغرقهم .\r{ وَهُوَ الْحَكِيمُ } بتخليد قومٍ في الجنة ، وتأبيد قومٍ في النار .","part":6,"page":286},{"id":2787,"text":"{ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الأَرْضِ } من الحَبِّ تحت الأرض ، والماءِ يرسب فيها ، والأشياءِ التي تُلْقَى عليها ، والناس يُقْبَرُون في الأرض . .\r{ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات والأزهار ، والموتى يُبعثون .\r{ وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ } من القَطْرِ والمَلَكِ ، والبركة الرزق ، والحُكْمِ .\r{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } من الصحف ، وحوائج الناس : وهِمَمِ الأولياء .\r{ وَهُوَ الرَّحِيمُ } بعباده ، { الغَفُورُ } لجميع المذنبين من المسلمين .","part":6,"page":287},{"id":2788,"text":"كرّر في القرآن تكذيبهم بالساعة ، واستبعادهم لذلك ، والردَّ عليهم . وأخبر عن سابق عِلمه بهم ، وأنه لا يخرج شيء من معلوماته عن علمه ، فأثبت علمه بكل شيءٍ وشموله لكل شيء . . لأَنه لو لم يكن له علم لكان نقصاً ، ولأنه لو خرَجَ مَعلومٌ واحدٌ عن علمهِ لكان بقدرته نقصٌ ، والنقصُ - بأي وصفٍ كان - لا يجوز في صفته بحالٍ .","part":6,"page":288},{"id":2789,"text":"المحسنون منهم يجازيهم بالخيرات المتصلة ، والكافرون منهم يكافئهم على كفرهم بالعقوبات غيرَ منفصلة .\rويرى الذين أوتوا العلم كتابك الذي أَتَيْتَ به حَقاً وصِدْقاً . والذين كفروا قال بعضهم لبعض : إِنَّهم يرون أن هذا الذي تقول به من النشر والحساب والبعث كذبٌ ، أو أَنّ بِك جِنَّةً ، ثم أقام عليهم حُجة التجويز بما أجرى به سُنَّتَه في الخلق والإبداع . . فما زادهم ذلك إِلا جحوداً ، وما قابلوه إلا عنوداً .","part":6,"page":289},{"id":2790,"text":"« داود » اسم أعجمي ، وقيل سمي داود لأنه داوى جَرْحه ، وَرَدَ في القصة أنه قال في إحدى مناجاته : يا رب ، إني أرى في التوارة ما أعطيتَ لأوليائك وأَنبيائك من الرتب فأعطنيها فقال : إني ابتليتهم فصبروا ، فقال : إني أصبر على بلائك ، فأَعْطني ما أعطيتهم ، فأبلاه ، فوقف ، فأعطاه ما أعطاهم .\r{ وَلَقَدْ ءَاتينَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً } : تكلموا في هذا الفضل؛ فمنهم مَنْ أراد ما ذكره بعده وهو قوله للطير : { أَوِّبِى مَعَهُ } : وكذلك الجبال ، وكان في ذلك تنفيس في وقت حُزْنِه وبكائه . وقيل ذلك الفضلُ رجوعُه إلى الله - في حال ما وقع له - بالتنصل والاعتذار . ويقال هو شهودُه موضِعَ ضرورته وأنه لا يُصْلِحُ أمرَه غيرُه . ويقال طيب صوته عند قراءة الزبور حَتى كان ليرْغبُ في متَابعته مَنْ يسمع إليه . ويقال حلاوةُ صوته في المناجاة . ويقال حُسنُ خُلقه مع أمته الذين اتبعوه ، ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل . . .\rقوله : { يَاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ } أمرَ الجبالَ والطيرَ بمجاوبته حتى خرَجَ إلى الجبال والصحارى ينوح على نفسهِ .\rويقال أوحى الله له : يا داود ، كانت تلك الزَّلَّةُ مباركةً عليك! فقال . يا رب ، وكيف؟ فقال : كنتَ تجيء قبلها كما يجيء المطيعون والآن تجيء كما يجيء أهل الذنوب!\rيا داود ، إن أنينَ المذْنبين أحبُّ إليّ من صُراخ العابدين!\rويقال ، كان داود يقول . اللهمّ لا تَغفرْ للخاطئين ، غيرةً منه وصلابةً في الدين . . . فلما وقع له ما وقع كان يقول . اللهم اغفر للمذنبين ، فعسى أن تغفرَ لداود فيما بينهم .\rويقال لمَّا تاب الله عليه ، واجتمع الإنسُ والجنُّ والطير بمجلسه ، وَرَفع صوتَه ، وأداره في حَنَكِه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقَالوا . الصوتُ صوتُ داود والحال ليست تلْك! فأوحَى اللَّهُ إليه هذه وَحْشةُ الزّلة ، وتلك كانت أُنسَ الطاعة . . فكان داودُ يبكي وينوح ويصيح والطير والجبالُ معه .\rوَيقال ليس كلُّ مَنْ صاح وراءه معنى ، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير . . .\r{ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدَِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً } . ألان له الحديدَ ، وجعل ذلك معجزةً له ، وجعل فيه توسعةَ رزقه ، ليجدَ في ذلك مكسباً ، لِيَقْطَعَ طَمَعَه عن أُمته في ارتفاقه بهم ليباركَ لهم في اتِّباعِه .","part":6,"page":290},{"id":2791,"text":"أي آتينا سليمانَ الريح أي سَخّرناها له ، فكانت تحمل بساطة بالغدو مسيرة شهر؛ وبالرواح مسيرةَ شهر .\rوفي القصة أنه لاحظ يوماً مُلْكَه ، فمال الريحُ ببساطه ، فقال سليمان للريح : استو ، فقالت الريح : استوِ أنت ، فما دمتَ مستوياً بقلبك كنتُ مستوياً بك ، فلما مِلْتَ مِلتُ .\r{ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } .\rأي وآتيناه ذلك ، فكانت الشياطينُ مُسَخَّرةً له ، يعملون ما يشاء من الأشياء ذكرها سبحانه .\rقوله جلّ ذكره : { اعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ } .\rأي اعملوا يا آل داود للشكر ، فقوله : « شكراً » منصوب لأنه مفعول له .\rويقال شكراً؛ منصوب لأَنه مفعول به مثل قوله تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } [ المؤمنين : 4 ] .\rوقد مضى طَرَفٌ من القول في الشكر . والشكور كثير الشكر ، والأصل في الشكر الزيادة ، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها ، ودابة شكور إذا أظهرت من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العَلَفِ؛ فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر أمثالُه وأضرابُه . وإذا كان الناسُ يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في البلاء .\rوالشاكر يشكر على الَبذْلِ ، والشكور على المنع . . فكيف بالبذل؟\rوالشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه ومالِه ، والشاكر ببعض هذه .\rويقال في { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشّكُورُ } قليلٌ مَنْ يأخذ النعمة مني ولا يحملها على الأسباب؛ فلا يشكر الوسائطَ ويشكرني . والأكثرون يأخذون النعمة من الله ، ويَجِدُون الخيرَ مِنْ قِبَلهِ ثم يتقلدون المِنَّةَ من غير الله ، ويشكرون غيرَ الله .","part":6,"page":291},{"id":2792,"text":"كان سليمانُ - عليه السلام - يتكىء على عصاه وقتما قُبِضُ ، وبقي على ذلك الوصف مدةً ، والشياطين كانوا مُسَخَّرين يعملون ما أمرهم به ، ويتصرفون على الوجه الذي رَسَمَ لهم ، وينتهون عمَّا زَجَرَهم ، فقد كانوا يتوهمُّون أَنه حيٌّ . ثم إنَّ الأرَضَة أكلت عصاه فَخَرَّ سليمانُ فَعلِمَ الشياطين عندئذ أنه مات ، فرجعوا إلى أعمالهم الخبيثة ، وانفكَّ عنهم ما كانوا عليه من التسخير؛ وهكذا المَلِكُ الذي يقوم مُلكُه بغيره ، ويكون استمساكه بعصا . فإنه إذا سَقَطَ سَقَطَ بسقوطه ، ومَنْ قام بغيره زال بزواله .","part":6,"page":292},{"id":2793,"text":"كانوا في رَغَدٍ من العَيْش وسلامة الحال ورفاهته ، فأُمِروا بالصبر على العافية والشكر على النعمة ، وهذا أمرٌ سهلٌ يسيرٌ ، ولكنهم أعرضوا عن الوفاق ، وكفروا بالنعمة ، وضَيَّعوا الشكر ، فَبَدَّلوا وبُدِّلَ بهم الحال ، كما قالوا :\rتبدلت وتبدلنا يا حسرةً لِمَن ... ابتغى عِوَضاً لِسَلْمَى فلم يَجِدِ","part":6,"page":293},{"id":2794,"text":"كذلك من الناس من يكون في رَغَدٍ من الحال ، اتصالٍ من التوفيق ، وطَرَبٍ من القلب ، ومساعدةٍ من الوقت ، فيرتكبُ زَلَّةً أو يسيء أدباً أو يتبع شهوةً ، ولا يعرف قَدْرَ ما هو به ، فيتغير عليه الحالُ؛ فلا وقتَ ولا حالَ ، ولا طربَ ولا وصالَ؛ يُظْلِمُ عليه النهارُ وقد كانت لياليه مضيئةَ ، كما قلنا .\rما زلت أختال في زمانٍ وحالِ ... حتى أَمِنْتُ الزمانَ مَكْرَه\rحال عليَّ الصدودُ حتى ... لم تَبْقَ مما شَهِدْتَ ذرَّة","part":6,"page":294},{"id":2795,"text":"ما عوملوا إلا بما استوجبوا ، ولا سُقُوا إلاَّ مِمَّا ثَبِطوا ، وما وقعوا إلاَّ في الوَهْدَةِ التي حَفَرُوا ، وما قُتِلُوا إلا بالسيف الذي صَنَعُوا!\r{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى . . . } : ما كان من شأنهم إلا التمادي في عصيانهم ، والإصرار على غيهم وطغيانهم .\rقوله جلّ ذكره : { أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } .\rفرَّقناهم تفريقاً حتى اتخذهم الناسُ مثلاً مضروباً؛ يقولون : ذهبوا أيدي سبأٍ ، وتفرَّقوا أيادي سبأ . وفي قصتهم آياتٌ لكل صبَّار على العاقبة ، شكور على النعمة .","part":6,"page":295},{"id":2796,"text":"صدَّق عليهم إبليس ظنّه - وإنْ كان لا يملك لنفسه أمراً ، فإبليس مُسَلِّطٌ على أتباعه من الجنِّ والإِنس ، وليس به من الإضلال شيء ، ولو أمكنه أَن يَضُرَّ غيرَه لأمكنه أن يمسك على الهداية نَفْسَه ، قال تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الإِسراء : 65 ] .\r{ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ } : يهدي من يشاء ويضل من يشاء . ثم أخبر - سبحانه وتعالى - أنه بمُلْكِه متفرِّدٌ ، وفي الألوهية متوحِّدٌ ، وعن الأضداد والأنداد متعزِّزٌ ، وأَنهم لا يملكون مثقالَ ذَرَّةٍ ، ولا مقياسَ حَبَّةٍ ، وليس منهم نصير ، ولا شريك ولا ظهير ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن الملائكة في السماءِ بوصف الهيبة فَزِعُون ، وفي الموقف الذى أثبتهم الحقُّ واقفون ، لا يفترون عن عبادته ولا يعصون .","part":6,"page":296},{"id":2797,"text":"لم يَقُلْ أحدٌ - مع شِرْكِه - إنه يُحِيلُ في الرزق على أحدٍ غيره ، فكما لا شريكَ له في الرزق ولا شريكَ له في الخَلْق فلا شريكَ له في استحقاق العبادة والتعظيم .","part":6,"page":297},{"id":2798,"text":"ولا تسألون عما أجرمنا ولا نحن نسأل عن إجرامكم . . . ويوم الجمع يحاسِب اللَّهُ كُلاَّ على أعماله ، ويُطَالِبُ كُلاً بشأنه ، لا يؤاخِذُ أَحداً بعمل غيره ، وكلٌّ يُعْطَى كتابَه ، ويَطْلُبُ اللَّهُ مِنْ كلَِّ واحدٍ حسابَه .\rوقد أجرىلله سُنَّتَه بأن يجمع بين عباده ، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم . فللاجتماع أثرٌ كبيرٌ في الشريعة ، وللصلاة بالجماعة أثر مخصوص . وقد عاتب اللَّهُ - سبحانه - الذين يتفرقون عن النبي A ، ومَدَحَ مَنْ لا يتفرَّق إلا عن استئذان .\rوالشيوخُ ينتظرون في الاجتماع زوائد ، ويستروحون إلى هذه الآية :\r{ قُلْ يَجْمَعُ . . . } .","part":6,"page":298},{"id":2799,"text":"كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيكَ لا شريك لكَ ، هو لك ، تملكه وما ملك ، لانهماكهم في ضلالتهم . وبعد تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تقدر ، ولا تسمع ولا تُبصر ، وقعت لهم شبهةُ استحقاقها العبادة ، فإذا طولبوا بالحجة لم يذكروا غير أنهم يُقلدون أسلافهم . . . وهذا هو الضلال البعيد والخُسران المبين .","part":6,"page":299},{"id":2800,"text":"أَرسلناكَ مُؤيَّداً بالمعجزات ، مُشرَّفاً بجميع الصفات ، سيداً في الأرضين والسموات ، ظاهراً لأهل الإيمان ، مستوراً عن بصائر أهل الكفران - وإِن كنتَ ظاهراً لهم من حيث العيان ، قال تعالى : { وَتَرَاهُمْ يَنُظُرونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [ الأعراف : 198 ] .","part":6,"page":300},{"id":2801,"text":"لكثرة ما يقولون هذا كرّره اللَّهُ في كتابه خبراً عنهم ، والجواب إن لكم ميعاد يومٍ ، وفي هذا الميعاد لا تستأخرون ساعةً ولا تستقدمون .","part":6,"page":301},{"id":2802,"text":"لو رأيتهم يومذاك لرأيتَ منظراً فظيعاً؛ يرجعُ بعضهم إلى بعض القولَ ، ويُحيل بعضهم على بعضٍ الجُرمَ؛ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا : أَنتم أضللتمونا ، ويُنكرُ الذين استكبروا ويقولون : بل أنتم اتبعتمونا . . . وهكذا أصحابُ الزلاتِ الأخلاءُ في الفساد ، قال تعالى : { بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } [ الزخرف : 67 ] .\rوكذلك الجوارحُ والأعضاء غداً يشهد بعضها على بعض؛ فاليد تقول للجملة أخذت ، والعين تقول أبصرت ، والاختلاف في الجملة عقوبة ، ومَنْ عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له ، ولكنهم لا يعلمون ذلك ، ولو علموا لاعتبروا ، ولو اعتبروا لتابوا ووفّقُوا . . . ولكن ليقضي اللَّهُ أَمْراً كان مفعولاً .","part":6,"page":302},{"id":2803,"text":"أي قابلوا رُسُلَنا بالتكذيب ، وصَبَر رُسُلُنا . . . وماذا على هؤلاء الكفار لو آمنوا بهم؟ فهم لنجاتهم أُرسلوا ، ولصلاحِهم دَعَوا وبلغَّوا ، ولو وافقوهُم لسعدوا . . . ولكنّ أقساماً سبقت ، وأحكاماً حقت ، والله غالبٌ على أمره .","part":6,"page":303},{"id":2804,"text":"ليس هذا بكثرة الأَموال وَالأولاد ، وإِنما هي بصائرُ مفتوحةٌ لقوم ، وأخرى مسدودةٌ لقوم .","part":6,"page":304},{"id":2805,"text":"لا تستحقّ الزّلفى عند الله؛ بالمال والأولاد ، ولكن بالأعمال الصالحة والأَحوال الصافية والأنفاس الزاكية ، بلْ بالعناية السابقة ، وَالهداية اللاحقة ، والرعاية الصادقة { فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ } : يضاعف على ما كان لِمَنْ تقدمهم من الأُمم { وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ } مِنْ تكَّدر الصفوة والإخراج من الجنة .","part":6,"page":305},{"id":2806,"text":"هم الذين لا يحترمون الأولياء ، ولا يراعون حقّ اللَّهِ في السرُ ، فهم في عذاب الاعتراض على أَولياء الله ، وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ، ثم في عذاب السقوط من عين الله .","part":6,"page":306},{"id":2807,"text":"منَ الخَلَف في الدنيا الرضا بالعَدَم والفقد ، وهو أتمّ من السرور بالموجود؛ ومن ذلك الأنسُ بالله في الخلوة؛ ولا يكون ذلك إلا مع التجريد .","part":6,"page":307},{"id":2808,"text":"قومٌ كانوا يعبدون الملائكة فيختبرهم عنهم؛ فيتبرأون منهم وينزِّهون الله ويسبحونه ، فيفتضح هؤلاء - والافتضاحُ عند السؤال من شديد العقوبة ، وفي بعض الأخبار :\rأَنّ غداً منْ يسألهم الحقّ فيقعْ عليهم من الخجل ما يجعلهم يقولون : عذَّبنا ربنا بما شئت من ألوان العقوبة ولا تعذبنا بهذا السؤال!","part":6,"page":308},{"id":2809,"text":"الإشارة فى هذا أنّ مَن علقَ قلبه بالأغيار؛ وظنّ صلاحَ حاله بالاحتيال؛ والاستعانة بالأمثال والأَشكال ينزعُ اللَّهُ الرحمةَ من قلوبهم؛ ويتركهم ، ويشوشُ أحوالهم ، فلا لهم من الأَمثال والأشكال معونة ، ولا لهم منْ عقولهم في أُمورهم استبصار ، ولا إلى الله رجوع ، وإنْ رجعوا لا يرحمهم ولا يجيبهم ، ويقول لهم : ذوقوا وبالَ ما به استوجبتم هذه العقوبة .","part":6,"page":309},{"id":2810,"text":"الحكماء ، والأَولياء - الذين هم الأئمة في هذه الطريقة - إذا دَلوا الناسَ عَلَى الله . قال بعض إخوان السوء - مثل بعض المتنصحين من أهل الغفلة وأبناء الدنيا لمريدٍ : ما هذا؟ من الذي يطيق كل هذا؟ ربما لا تُتمّمُ الطريق!\rلا بُد من الدنيا ما دُمت تعيش! . . وأمثال ذلك ، حَتى يميل هذا المسكينُ عند قبول النصح ، وربما كان له هذا من خواطره الدنية . . . فيهلك ويضلّ .","part":6,"page":310},{"id":2811,"text":"الإشارة من هذا إلى أهل الغفلة؛ يعارضون أصحابَ القلوب فيما يجري من الأمور ، بما تشوِّش إليهم نفوسُهم ، ويخطر ببالهم من هواجسهم عن مُقْتَضَى تفرقةِ قلوبهم -على قياس ما يقع لهم - مِنْ غيرِ استنادٍ إلى إلهامٍ ، أو اعتمادٍ على تقديرٍمن الله وإفهام .\rوأهلُ الحقائق - الذين هم لسانُ الوقت - إذا قالوا شيئاً أو أطلقوا حديثاً ، فلو طولبوا بإقامة البرهان عليه لم يمكنهم؛ لأن الذي يتكلم عن الفراسة أو عن الإلهام ، أو كان مُسْتَنْطَقاً فليس يمكن لهؤلاء إقامة الحجة على أقوالهم . وأصحابُ الغفلة ليس لهم إيمان بذلك ، فإذا سمعوا شيئاً منه عارضوهم فيهلكون ، فسبيلُ هؤلاء الأكابر عند ذلك أن يسكتوا ، ثم الأيام تجيب أولئك .","part":6,"page":311},{"id":2812,"text":"يقول : إذا سوَّلَتْ لكم أنفسُكم تكذيبَ الرسولِ فأنعموا النظرَ . . . هل تَرَوْنَ فيه آثار ما رميتوه به؟ هذا محمد A . قُلْتُم إنه ساحر- فأين آثار السحر على أحوله وأفعاله وأقواله؟ قلتم إنه شاعر - فمن أي قسم من أقسام الشعر كلامه؟ قلتم إنه مجنون - فأيّ جنونٍ ظهر منه؟\rوإذ قد عجزتم عن ذلك . . . فهلاَّ عرفتم أنه صادق؟!","part":6,"page":312},{"id":2813,"text":"يقذف بالحقِّ على باطل أهل الغفلة فتزول حِيَلُهم ، ويظهر عَجْزُهم . ويقذف بالحقِّ على أحوال أهل الخِلاف فيضمحل اجتراؤهم ، ويحيق بهم شؤمُ معاصيهم .\rويقذف بالحقِّ -- إذا حضر أصحاب المعاني - على ظُلُماتِ أصحاب الدعاوى فيخمد ثائرتَهم ، ويفضحهم في الحال ، ويْفضح عوارُهم .","part":6,"page":313},{"id":2814,"text":"الباطلُ على مَمَرِّ الأيام لا يزيد إلا زهوقاً ، والحقُّ على مَمَرِّ الأيام لا يزداد إلا قوةً وظهوراً .","part":6,"page":314},{"id":2815,"text":"إنْ كنتُ مهتدياً فبربِّي لا بجهدي . وإنْ كن عندكم من أهل الضلال فوبالُ ضلالتي عائدٌ عليَّ ، ولن يضرِّكم ذلك . فانظروا أنتم إلى أنفسكم . . . أين وقعتم؟ وأي ضرر يعود عليكم لو أطعتموني؟ لا في الحال تخسرون ، ولا في أنفسكم تتعبون ، ولا في جاهكم تنقصون .\rوما أخبركم به نَقْصِ أصنامكم فبالضرورة أنتم تعلمون! فما لكم لا تُبْصِرون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟","part":6,"page":315},{"id":2816,"text":"أي لو رأيتَ ذلك لرأيتَ فظيعاً ، وأَمراً عظيماً؛ إذا أخذهم بعد الإمهال فليس إلا الاستئصال .","part":6,"page":316},{"id":2817,"text":"إذا تابوا - وقد أُغْلقَتْ الأبواب ، وندمُوا - وقد تقطَّعَت الأسباب . . . فليس إلا الحسرات والندم ، ولات حين ندامة!\rكذلك من استهان بتفاصيل فترته ، ولم يَسْتَفِقْ من غَفْلَتِه يُتَجَاوَزُ عنه مرةً ، ويَعْفَى عنه كَرَّةً ، فإذا استمكنت منه القسوةُ وتَجَاوَزَ سوءُ الأدبِ حَدَّ الغفلة ، وزاد على مقدار الكثرة . . . يحصل له من الحقِّ رَدٌ ، ويستقبله حجاب ، وبعد ذلك لا يُسْمَعُ له دعاء ، ولا يُرْحَمُ له بكاء ، كم قيل :\rفَخَلِّ سبيلَ العينِ بعدك للبُكَا ... فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ","part":6,"page":317},{"id":2818,"text":"التوبة يشتهونها في آخرالأمر وقد فات الوقت ، والخَصْمُ يريد إرضاءه فيستحيي أن يذكر في ذلك الوقت ، وينسدُّ لسانه ويعتقل؛ فلا يمكنه أَن يُفْصِح بما في قلبه ، ويودُّ أَنْ لو كان بينه وبين ما أسلفه بُعْدٌ بعيد ، ويتمنى أن يُطِيعَ فلا تساعده القوةُ ، ويتمنى أن يكون له - قبل خروجه من الدنيا - نَفَسٌ . . . ثم لا يتفق .","part":6,"page":318},{"id":2819,"text":"قوله جلّ ذكره : { الْحَمدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ } .\rاستحق المدحَ والثناءَ على انفراده بالقدرة على خلق السموات والأَرض .\r{ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوِْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثُ وَرُبَاعُ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } :\rتَعَرَّف إلى العباد بأفعاله ، ونَدَبَهم إلى الاعتبار بها ، فمنها ما نعلم منه ذلك معاينةً كالسموات والأرض وغيرها ، ومنها ما سبيلُ الإيمانِ به الخبرُ والنقلُ - لا بدليل العقل - والملائكةُ مِنْ ذلك؛ فلا نتحقق كيفيّة صُوَرِهم وأجنحتهم ، وكيف يطيرون بأجنحتهم الثلاثة أو الأربعة ، ولكن على الجملة نعلم كمال قدرته ، وصِدْقَ كلمته .\rقوله : { يَزِيدُ فِى الخَلْقِ مَا يَشَاءُ } : قيل الخُلُقُ الَحَسَنُ ، وقيل الصوتُ الحَسَنُ ، وقيل الصوتُ الحَسَنُ وقيل مَلاَحَةُ العينين ، وقيل الكياسة في الخِيَرَة ، وقيل الفصاحة في المنطق ، وقيل الفهم عن الله ، ويقال السخاء والجود ، ويقال الرضا بالتقدير ، ويقال علو الهمة ، ويقال التواضع ، ويقال العفة عند الفقر ، ويقال الظرف في الشمائل ، ويقال أن تكون مُحَبَّباً إلى القلوب ، ويقال خفة الروح ، ويقال سلامة الصدر من الشرور ، ويقال المعرفة بالله بلا تأمُّل برهان ، ويقال الشوق إلى الله ، ويقال التعطُّف على الخَلْقِ بجملتهم ، ويقال تحرُّر القلوب من رِقِّ الحدثنان بجملته ، ويقال ألا يَطْلُبَ لنفسه منزلةً في الدارين .","part":6,"page":319},{"id":2820,"text":"المُوَسَّعُ عليه رِزْقهُ لا يُضَيَّقُ عليه غيرُ الله ، والمحرومُ لا يُوَسعُ عليه غيرُ الله .\rويقال : ما يلج في قلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحابَ يستره ، ولا ضياءَ يقهره .\rويقال : ما يلزم قلوبَ أوليائه من اليقين فلا مُزِيلَ له ، وما يُغْلَق على قلوب الأَعداء من أبواب الذكر فلا فاتحَ له غيره - سبحانه .\rويقال الذي يقرنه بقلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا مُمْسِكَ له ، والذي يمنعه عن أعدائه - بما يُلْقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها - فلا مُيَسِّرَ له من دونه .","part":6,"page":320},{"id":2821,"text":"مَنْ ذَكَرَ النِّعمةَ فصاحبُ عبادةٍ ، ونائِلُ زيادة ، ومَنْ ذَكَرَ المُنْعِمَ فصاحبُ إرادةٍ ، ونائِلُ زيادة . . . ولكنْ فرقٌ بين زيادة وزيادة؛ ذل زيادته في الدارين عطاؤه ، وهذا زيادته لقاؤه : اليوم سِرَّاً بِسِرٍّ من حيث المشاهدة ، وغداً جَهْراً بِجَهْرٍ من حيث المعاينة .\rوالنعمة على قسمين : ما دَفَعَ عنه من المِحَن ، وما نَفَعَ به من المِنَن؛ فَذِكْرُه لما دَفَعَ عنه يوجِبُ دوامَ العصمة ، وذكره لم نَفَعَه به يوجب تمام النعمة .\r{ هَلْ مِنَ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ . . . } ؟ وفائدة هذا التعريف أنه إذا عَرَفَ أنه لا رازق غيره لم يُعلِّقْ قلبَه بأحدٍ في طلب شيءٍ ، ولم يتذلل في ارتفاقٍ لمخلوقٍ ، وكما لا يرى رِزْقَه من مخلوقٍ لا يراه من نفسه أيضاً؛ فيتخلَّصُ من ظلمات تدبيره واحتياله ، ومن تَوَهُّم شيءٍ من أمثاله وأشكاله ، ويستريح لشهود تقديره ، ولا محالة يُخْلِصُ في توكله وتفويضه .","part":6,"page":321},{"id":2822,"text":"هذه تسليةٌ للرسول A ، وتسهيلٌ للصبر عليه؛ فإذا عَلِمَ أن الأنبياء عليهم السلام استقبلهم مثلما استقبله ، وأنَّهم صَبَرُوا وأنَّ اللَّهَ كفاهم ، فهو يسلك سبيلَهم ويقتدي بهم ، وكما كفاهم عَلِمَ أنه أيضاً يكفيه . وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب في موقفهم من العوامِّ والأجانبِ عن هذه الطريقة ، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ، بينما أهل الحقائق أبداً منهم في مقاساة الأذى إلا بستر حالهم عنهم .\rوالعوامُّ أقرب إلى هذه الطريقة من القُرَّاءِ المتقشفين ، ومن العلماء الذين هم لهذه الأصول ينكرون .","part":6,"page":322},{"id":2823,"text":"وَعْدُ اللَّهِ حقٌّ في كل ما أخبر به أنه يكون ، فَوعْدُه في القيامة حقٌ ، ووعده لِمَنْ أطاعه بكفاية الأمور والسلامة حقٌّ ، ووعده للمطيعين في الآخرة بوجود الكرامة حقٌّ ، وللعاصين بالندامة حقٌّ ، فإذا عَلِمَ العبدُ ذلك استعدَّ للموت ، ولم يهتم بالرزق ، فيكفيه اللَّهُ شُغْلَه ، فينشط العبدُ في استكثار الطاعة ثقةً بالوعد ، ولا يُلِمُّ بالمخالفات خوفاً من الوعيد .","part":6,"page":323},{"id":2824,"text":"عدواةُ الشيطان بدوام مخالفته؛ فإنَّ مِنَ الناس مَنْ يعاونه بالقول ولكن يوافقه بالفعل ، ولن تقوى على عداوته إلا بدوام الاستغاثة بالربِّ ، وتلك الاستغاثة تكون بصدق الاستعانة . والشيطانُ لا يفتر في عداوتك ، فلا تَغْفَلْ أنت عن مولاك لحظةً فيبرز لك عدوُّك؛ فإنه أبداً متمكِّنٌ لك .\r{ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ } وحِزْبه هم المُعرِضون عن الله ، المشتغلون بغير الله ، والغافلون عن لله . ودليلُ هذا الخطاب : إن الشيطانَ عدوُّكم فأبغضوه واتخذوه عدواً ، وأنا وَلِيُّكُم . وحبيبُكم فأَحِبُّوني وارْضَوْا بي حبيباً .","part":6,"page":324},{"id":2825,"text":"الذين كفروا لهم عذابٌ مُعَجَّلٌ وعذابٌ مُؤَجَّلٌ ، فَمُعَجَّلُه تفرقةُ قلوبهم وانسداد بصائرهم ووقاحة هِمَّتِهم حتى أنهم يرضون بأن يكون الصنمُ معبودَهم . وأمَّا عذاب الآخرة فهو ما لا تخفى على مسلم - على الجملة - صعوبتُه .\rوأَمَّا { وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } فلهم مغفرةٌ أي سَتْرٌ لذنوبهم اليومَ ، ولولا ذلك لافتضحوا ، ولولا ذلك لَهَلَكُوا .\r{ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } : والأجرُ الكبيرُ اليومَ سهولةُ العبادةِ ودوامُ المعرفة ، وما يناله في القلب من زوائد اليقين وخصائص الأحوال . وفي الآخرة : تحقيقُ السُّؤْلِ ونَيْلُ ما فوق المأمول .","part":6,"page":325},{"id":2826,"text":"معنى الآية : أفمن زين له سوءُ عمله فرآه حسناً كمن ليس كذلك؟ لا يستويان!\rومعنى { زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } أن الكافرَ يَتَوَهَّمُ أَنَّ عملَه حَسَنٌ ، قال تعالى : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَحْسِنُونَ صُنْعاً } [ الكهف : 104 ] .\rثم الراغبُ في الدنيا يجمع حلالَها وحرامَها ، ويحوّش حُطَامها ، ولا يفكر في زوالها ، ولا في ارتحاله عنها قبل كمالها؛ فلقد زين له سوء عمله . وإن الذي يُؤَثِرُ على ربِّه شيئاً من المخلوقات لَهُوَ من جملتهم . والذي يتوهَّمُ أنه إذا وَجَدَ نجاتَه ودرجاتِه في الجنة - وأنَّ هذا يكفيه . . فقد زُيِّن له سوءُ عمله حيث يتغافل عن حلاوة المناجاة . والذي هو في صحبة حظوظه ولا يُؤْثِرُ حقوق اللهِ فلقد زين له سوء عمله فرآه حسناً .\r{ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } : يعني إذا عَرَفْتَ حقَّ التقدير ، وعَلِمْتَ أنهم سقطوا من عين الله ، ودَعَوْتَهم جَهْراً ، وَبذلَتْ لهم نُصْحاً ، فاستجابتُهم ليست لك ، فلا تَجْعَلْ على قلبك من ذلك مشقةً ولا عناءً .","part":6,"page":326},{"id":2827,"text":"أجرى سُنَّتَه بأنه يُظْهِرُ فَضْلَه في إحياء الأرض بالتدريج؛ فأولاً يرسل الرياح ثم يأتي بالسحاب ، ثم يوجِّه ذلك السحاب إلى الموضع الذي له تخصيصاً كيف يشاء ، ويُمْطِرُ هناك كيف يشاء . كذلك إذا أراد إحياءَ قلبِ عبدٍ بما يسقيه وينزل عليه من أَمطار عنايته ، فيُرْسِلُ أولاً رياحَ الرجاء ، ويزعج بها كوامنَ الإرادة ، ثم ينشىء فيها سُحُبَ الاهتياج ، ولوعةَ الانزعاج ، ثم يجود بمطرٍ يُنْبِتُ في القلب أزهارَ البَسْطِ ، وأَنوارَ الرَّوْح ، فيطيب لصاحِبه العَيْشُ إلى أن تمَّ لطائفُ الأنْسِ .","part":6,"page":327},{"id":2828,"text":"مَنْ كان يريد العزة بنفسه فَلْيَعْلَمْ أَنَّ العزةَ بجملتها لله ، فليس للمخلوق شيءٌ من العِزَّة . ويقال مَنْ كان يريد العزةَ لنفسه فللَّه العِزَّةُ جميعاً ، أي فليطلبها من الله ، وفي آية أخرى أثبت العزة للَّهِ ولرسوله وللمؤمنين ، وقال ها هنا { فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } ؛ وَوَجْهُ الجميع بينها أن عِزَّ الربوبية لله وَصْفاً ، وعزَّ الرسول ، وعزّ المؤمنين لهم فضلاً من الله ولطفاً؛ فإذاً العِزَّةُ لله جميعاً . وعزُّه سبحانه - قُدْرتَُه . أو ويقال العزيز هو القاهر الذي لا يُقْهَرُ؛ فيكون من صفات فعله على أول القولين . . ومن صفات ذاته على القول الآخر . ويقال العزيز هو الذي لا يُوصَلُ إليه مِنْ قولِهم : أرضٌ عَزاز إذا لم تستقر عليها الأقدام ، فيرجع معناه إلى جلال سلطانه .\rويقال العزيز الذي لا مِثْلَ له؛ من قولهم؛ عَزَّ الطعام في اليد . فيرجع إلى استحقاقه لصفات المجد والعلو .\rقوله : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } : الكلم الطيب هو الصادرُ عن عقيدةٍ طيبةٍ- يعني الشهادتين- عن إخلاص . وأراد به صعودَ قَبُولٍ ، لأنَّ حقيقةَ الصعود في اللغة بمعنى الخروج- ولا يجوز في صفة الكلام .\r{ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } : أي يقبله . ويقال العملُ الصالحُ يرفع الكَلِمَ الطيب . ويقال الكَلِمُ الطيبُ ما يكون موافقاً للسُّنَّة ، ويقال هو ما يشهد بِصِحَّتِه الإذنُ والتوقيف . ويقال هو نُطْقُ القلبِ بالثناء على ما يستوجبه الربُّ . ويقال هو ما يكون دُعاءً للمسلمين . ويقال ما يتجرد حقاً للحقِّ ولا يكون فيه حَظٌّ للعبد . ويقال ما هو مُسْتَخْرَجٌ من العبد وهو فيه مفقود . ويقال هو بيانُ التنصُّل وكلمة الاستغفار .\rويقال العمل الصالح ما يصلح للقبول ، ويقال الذي ليس فيه آفة ولا يُطْلَبُ عليه عِوَضٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } .\rأي يَقْلِبُ عليهم مَكْرَهم فيما يتوهمونه من خيرٍ لهم يَقْلِبُه محنةً عليهم . ويقال : تَخْلِيَتُه إياهم ومَكْرَهم - مع قدرته علىعصمتهم ، وكَوْنُه لا يعصمهم هي عذابهم الشديد .","part":6,"page":328},{"id":2829,"text":"ذَكَّرَهم نِسْبَتَهم لئلا يُعْجَبوا بحالتهم ، ثم إن ما يُتَّخَذُ من الطين سريعُ التغيُّر ، قليلُ القوة في المُكث ، لكنه يَقْبَلُ الانجبار بالماء إذ تنجبر به طينته؛ فإذا جاد الحقُّ عليه بماء الجودِ أعاده بعد انكساره بالذنوب .\rوإذا كان لا يَخْفى عليه - سبحانه - شيءٌ من أحوالهم في ابتداء خَلْقَتِهِم ، فَمَنْ يُبالِ أَنْ يَخْلُقَ مَنْ يعلم أنه يَعْصي فلا يبالي أَنْ يغفِرَ لِمَنْ رآه يعصي .","part":6,"page":329},{"id":2830,"text":"لا تستوي الحالتان : هذه إقبالٌ على الله ، واشتغالٌ بطاعته ، واستقلال بمعرفته . . . وهذه إِعْراضٌ عن الله ، وانقباضٌ عن عبادته ، واعتراض - على الله - في قسمته وقبضته . هذه سبب وصاله ، وهذه سببُ هَجْرِه وانفصاله ، وفي كلِّ واحدةٍ من الحالتين يعيش أهلها ، ويُزْجِي أصحابُها وقتَها . ولا يستوي الوقتان : هذا بَسطٌ وصاحبُه في رَوْح ، وهذا قبضٌ وصاحبه في نَوْح . هذا خوفٌ وصاحبه في اجتايح ، وهذا رجاءٌ وصاحبه في ارتياح . هذا فَرْقٌ وصاحبُه بوصف العبودية ، وهذا جَمْعٌ وصاحبُه في شهود الربوبية .\r{ وَمِن كُلٍّ تأْكُلُونَ لَحْماً طَريًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } : كذلك كُلٌّ يتقرَّبُ في حالته لربِّه ، ويتزَيَّنُ على بابه ، وهو حِلْيَتُه التي بها يتحلّى من طَرَبٍ أو حَرَبٍ ، من شَرَفٍ أو تَلْفٍ .","part":6,"page":330},{"id":2831,"text":"تغلب النَّفْسُ مرةً على القلب ، ويغلب القلبُ مرةً على النَّفْس . وكذلك القبضُ والبسط فقد يستويان ، ومرةً يغلب القبضُ على البسطَ ، ومرةً يغلب البسطُ على القبض ، وكذلك الصحو والسُّكْرُ ، وكذلك الفناء والبقاء .\rوسَخّرَ شموسَ التوحيد وأقمارَ المعرفة على ما يريد من إظهاره على القلوب .\r{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ } : فأروني شظيةً من النفي أو الإثبات لما تدعونه من دونه! وإِذْ لم يُمْكِنْكُم ذلك . . فَهَلاَّ أَقْرَرْتُم ، وفي عبادته أخلصتم ، وعن الأَصنام تَبَرَّأْتُم؟ .","part":6,"page":331},{"id":2832,"text":"إنْ استعنْتُم بأصنامكم لا يُعينوكم ، وإنْ دَعَوْتُموهم لا يسمعوا دعاءكم ، ولو سَمِعُوا على جهة ضَرْبَ المَثَلِ لا يستجيبون لكم؛ لأنهم لا يَمْلِكُون نَفْعَ أنفسِهم . فكيف يَمْلِكون نَفْعَ غيرهم؟!\r{ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } : لا يؤمنون إلا في ذلك الوقت ، ولكن لا ينفعهم الإيمانُ بعد زوال التكليف .","part":6,"page":332},{"id":2833,"text":"الفقر على ضربين : فقر الخِلْقة وفقر الصفة؛ فأمَّا فقر الخِلْقَة فهو عامٌّ لكلِّ أحدٍ؛ فكلُّ مخلوقٍ مفتقرٌ إلى خالقه ، فهو قد حَصَلَ من العَدَمَ ، فهو مفتقر إليه ليبديه وينْشيه ، ثم بعد ذلك مفتقرٌ - في حال بقائه إليه - لِيُديمَه ويقيه . فاللَّهُ - سبحانه - غنيٌّ ، والعبدُ فقير؛ العبدُ فقيرٌ بعينه واللَّهُ غنيٌّ بعينه .\rوأمَّا فقر الصفة فهو التجرُّد ، ففقرُ العوامِ التجرُّدُ من المال ، وفقر الخواص التجرد من الأعلال لِيَسْلَمَ لهم الفقر .\rوالفقر على أقسام : فقر إلى الله ، وفقر إلى شيء هو من الله ، معلوم أو مرسوم وغير ذلك . ومَنْ افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء؛ فالفقيرُ إلى اللَّه هو الغنيُّ بالله ، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله ، فالمفتقر إلى الله مُسْتَغْنٍ بالله ، والمستغني بالله مفتَقِرٌ إلى الله .\rومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع ، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكُّبر ، وشَرَفُ العبد في فقره ، وكذلك ذُلُّه في توهمه أنه غنيٌّ : -\rوإِذا تذلَّلَتْ الرِّقابُ تَقَرُّباً ... مِنَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها\rومن الفقر المذموم ، أن يَسْتُرَ الحقُّ على صاحبه مواضعَ فقره إلى ربِّه ، ومن الفقر المحمود أن يُشْهِدَه الحقُّ مواضعَ فَقْرِه إليه .\rومن شرط الفقير المخلص ألا يملكَ شيئاً ويملك كلَّ شيءٍ .\rويقال : الفقير الصادق الذي لا يملكه شيء .\rومن آداب الفقير الصادق إظهارُ التَّشَكُّرِ عند كمالِ التكَسُّر . ومن آداب الفقر كمال المعنى وزوال الدعوى . ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى .\rوحقيقة الفقر المحمود تجرُّد السِّرِّ عن المعلولات وإفراد القلب بالله .\rويقال : الفقر المحمود العَيْشُ مع الله براحة الفراغ على سَرْمَدِ الوقتِ من غير استكراه شيءٍ منه بكلِّ وجْهٍ .\rقوله : { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ } : الإشارة منه أن يُعْطِي حتى يُحْمَد .\rويقال الغنيُّ إذا أظهر غِنَاه لأحدٍ فإمَّا للمفاخرة أو للمكاثرة - وجَلَّ قَدْرُ الحقِّ عن ذلك- وإمَّا ليجود ويتفضَّل على أحدٍ .\rويقال : لا يقول لنا أَنتم الفقراءُ للإزرار بنا - فإنَّ كَرَمَه يتقدَّسُ عن ذلك - وإنما المقصود أنه إذا قال : والله الغني ، وأنتم الفقراء أنه يجود علينا .\rويقال إذا لم تَدَّعِ ما هو صفته - من استحقاق الغِنَى- أولاك ما يُغْنِيك ، وأعطاكَ فوق ما يكفيك .","part":6,"page":333},{"id":2834,"text":"عَرَّفَكَ أنه غنيٌّ عنك ، وأشهدك موضع فقرك إليه ، وأَنه لا بُدَّ لك منه ، فما القصد من هذا لا إرادته لإكرامك وإيوائك في كَنَفِ إنعامه .","part":6,"page":334},{"id":2835,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .\rكُلٌّ مُطَالَبٌ بعمله ، وكلٌّ محاسَبٌ عن ديوانه ، ولكلِّ معه شأن ، وله مع كلِّ أحدٍ شأن . ومن العبادات ما تجري فيه النيابة ولكن في المعارف لا تجري النيابة؛ فلو أن عبداً عاصياً منهمكاً في غوايته فاتته صلاةٌ مفروضةٌ ، فلو قضى عنه ألفُ وليٍّ وألفُ صَفِيِّ تلك الصلاةَ الواحدةَ عن كل ركعةًٍ ألفَ ركعةٍ لم تُقْبلْ منه إِلاَّ أنْ يجيءَ هو : معاذ الله أن نأخذ إلا مِمَّن وجدنا متاعنا عنده! فعتابُك لا يجري مع غيرِك والخطابُ الذي معك لا يسمعه غيرُك :\rفَسِرْ أو أَقِمْ وَقْفٌ عليكَ محبتي ... مكانُكَ من قلبي عليكَ مصونُ\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } .\rالإنذار هو الإعلام بموضع المخافة ، والخشيةُ هي المخافة؛ فمعنى الآية ، لا ينفع التخويف إلاَّ لمن صَاحَبَ الخوفَ - وطيرُ السماءِ على أشكالها تَقَعُ .","part":6,"page":335},{"id":2836,"text":"كما لا يستوي الأعمى والبصير لا تستوي الظلمات والنور ، ولا يستوي الظلُّ والحرور ، ولا الأحياء والأموات . . وكذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنَّا ، والمجذوبُ إلينا ، والمحجوبُ عنَّا ، ولا يستوي مَنْ اصطفيناه في الأزل ومن أشقيناه بحكم الأزل ، ولا يستوي من أشهدناه حقَّنا ومن أغفلنا قلبه عن ذِكْرِنا :\rأحبابنا شتان : وافٍ وناقِضُ ... ولا يستوي قطُّ مُحِبٌّ وباغِضُ","part":6,"page":336},{"id":2837,"text":"أي وما من أمةٍ ممن كانوا من قبلك إلاَّ بعثنا فيهم نذيراً ، وفي وقتك أرسلناك إلى جميع الأمم كافةً بالحقِّ .\r{ بَشِيراً وَنَذِيراً } : تضمنت الآية بيانَ أنه لم يُخْلِ زماناً ولا قوماً مِنْ شَرْعٍ . وفي وقته A أَفرده بأَنْ أرسله إلى كافة الخلائق ، ثم قال على جهة التسلية والتعزية له .","part":6,"page":337},{"id":2838,"text":"أي لو قابلوك بالتكذيب فتلك سُنّتُهم مع كلِّ نبىٍّ؛ وأن أَصَرُّوا على سُنَّتِهم في الغيِّ فلن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تبدِيلاً في الانتقام والخزي .","part":6,"page":338},{"id":2839,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهِ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَراتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدُ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } .\rبيَّنَ في هذه الآية وأمثالها أن تخصيصَ الفعل بهيئاته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه ، وفي إتقانِ الفعلِ وإِحكامه شهادة على عِلْمِ الصانِع وأعلامِه .\rوكذلك { وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ } : بل جميع المخلوقات متجانس الأعيان مختلف ، وهو دليل ثبوت مُنْشِيها بنعت الجلال .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العْلَمَآؤاْ } .\r« إنما » كلمة تحقيق تجري من وجهٍ مجرى التحديد أي التخصيص والقَصْر ، فَمَنْ فَقَدَ العِلْمَ بالله فلا خشيةَ له من الله .\rوالفرق بين الخشية والرهبة أنَّ الرهبةَ خوفٌ يوجِبُ هَرَبَ صاحبه فيجري في هربه ، والخشية إذا حصلت كَبَحَت جماحَ صاحبها فيبقى مع الله ، فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة .\rوالخوف قضية الإيمان ، قال تعالى : { وَخافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 175 ] فالخشية فضية العلم ، والهيبة توجب المعرفة .\rويقال خشية العلماء من تقصيرهم في أداء حقِّه . ويقال من استيحائهم من اطلاع الحق .\rويقال حَذَراً من أن يحصلِ لهم سوءُ أدبٍ وتَرْكُ احترامٍ ، وانبساطٌ في غير وقته بإطلاق لَفْظٍ ، أو تَرَخُّصٍ بِتَرْكِ الأَوْلى .","part":6,"page":339},{"id":2840,"text":"الذين يستغرق جميعَ أوقاتِهم قيامُهم بذكر الله وبحقِّه ، وإتيانُهم بأنواع العبادات وصنوف القُرَبِ فَلَهم القَدْرُ الأجَلُّ من التقريب ، والنصيبُ الأوفر من الترحيب . وأما الذين أحوالهم بالضدِّ فَمَنَالُهم على العكس . أُولئك هم الأَولياءُ الأعِزَّةُ ، وهؤلاء هم الأعداءُ الأذِلَّة .","part":6,"page":340},{"id":2841,"text":"ما عَرًَّفْنَاك - من اختارنا لك وتخصيصنا إياك ، وتقديمنا لك على الكافة- فعلى ما أخبرناك ، وأنشدوا :\rلا أبتغي بَدَلاً سواكِ خليلةً ... فَثِقِي بقولي والكِرَامُ ثِقَاتُ","part":6,"page":341},{"id":2842,"text":"{ أَوْرَثْنَا } : أي أعطينا الكتاب - أي القرآن - الذين اصطفينا من عبادنا ، وذكر الإعطاءَ بلفظِ الإِرثِ توسُّعاً .\r{ اصْظَفَيْنَا } : أي اخترنا . ثم ذكر أقسامَهم ، وفي الخبر أنه لمَّا نزلت هذه الآية قال عليه السلام : « أمتي وربِّ الكعبة » ثلاث مرات .\rوفي الآية وجوهٌ من الإشارة : فمنها أنه لمَّا ذكر هذا بلفظ الميراثِ فالميراثُ يقتضى صحة النَّسَبِ على وجهٍ مخصوص ، فَمَنْ لا سبَبَ له فلا نَسَبَ له ، ولا ميراثَ له .\rومحلُّ النَّسبِ ها هنا المعرفة ، ومحلُّ السبب الطاعة . وإن قيل محلُّ النَّسبِ فَضْلُه ، ومحل السبب فِعْلُك؛ فهو وَجْهٌ . ويصحُّ أن يقال محلُّ النسبِ اختياره لك بدءاً ومحلُّ السببِ إحسانُه لك تالياً .\rويقال أهلُ النسب على أقسام : - الأقوى ، والأدنى كذلك في الاستحقاق .\rويقال جميع وجوه التملُّك لا بُدَّ فيها من غِعْل للعبد كالبيع ، أَمَّا ما يُمْلَك ُ بالهِبَةَ فلا يحصل إلا بالقبول والقسمة ، ولا يحصل الاستحقاق إلا بالحضور والمجاهدة وغير ذلك . والوصية لا تُسْتَحقُّ إلا بالقبول ، وفي الزكاة لا بُدَّ من قبول أهل السُّهْمَانِ ، والميراث لا يكون فيه شيء من جهة الوارث وفعله ، والنَّسبُ ليس من جملة أفعاله .\rويقال الميراث يُسْتَحقُّ بوجهين : بالفرض والتعصيب ، والتعصيبُ أقوى من الفرض؛ لأنه قد يستحق به جميع المال ، ثم الميراث يبدأ بذوي الفروض ثم ما يتبقى فللعَصَبَةِ .\r{ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } : تكلموا في الظالم ، فمنهم من قال هو الأَفضل ، وأرادوا به من ظَلَمَ نَفْسَه لكثرة ما حَمَّلَها من الطاعة .\rوالأَكثرون : إنَّ السابقَ هو الأفضل ، وقالوا : التقديم في الذكر لا يقتضي التقديم في الرتبة ، ولهذا نظائر كثيرة .\rويقال قَرَنَ باسم الظالم قرينةً وهي قوله : « لنفس » ، وقرن باسم السابق قرينةً وهي قوله : { بِإِذْنِ اللَّهِ } ؛ فالظالمُ كانت له زَلَّة ، والسابق كانت له صولة ، فالظالم رَفَعَ زلَّتَه بقوله : لنفسه ، والسابق كَسَرَ صولتَه بقوله : بإذن الله .\rكأنه قال : يا ظالمُ ارفعْ رأسَك ، ظَلَمْتَ ولكن على نفسك ، ويا سابقُ اخفض رأسَك؛ سَبَقْتَ - ولكن بإذن الله .\rويقال إنَّ العزيزَ إذا رأى ظالماً قَصَمَه ، والكريمَ إذا رأى مظلوماً أَخَذَ بيده ، كأنه قال : يا ظالم ، إِنْ كان كونُكَ ظالماً يوجِبُ قَهْرَك ، فكوْنُكَ مظلوماً يوجِبُ الأخذَ بيدك .\rويقال الظالمُ مَنْ غَلَبَتْ زَلاَّتُه ، والمقتصدُ مَنْ استوت حالاته ، والسابقُ مَنْ زادت حسناته .\rويقال الظالمُ مَنْ زهد في دنياه ، والمقتصدُ مَنْ رغب في عقباه ، والسابقُ مَنْ آثر على الدارين مولاه .\rويقال الظالمُ مَنْ نَجَمَ كوكبُ عقله ، والمقتصدُ مَنْ طَلَعَ بَدْرُ عِلْمه ، والسابقُ من ذَرَّتَ شمسُ معرفته .\rويقال الظالمُ مَنْ طَلَبَه ، والمقتصدُ مَنْ وَجَدَه ، والسابق مَنْ بقي معه .","part":6,"page":342},{"id":2843,"text":"ويقال الظالِمُ مَنْ تَرَكَ المعصية ، والمقتصد مَنْ تَرَكَ الغفلة ، والسابق مَنْ تَرَك العلاقة .\rويقال الظالمُ مَنْ جاد بمالِه ، والمقتصد مَنْ لم يبخلْ بِنفْسِه ، والسابق مَنْ جاد بروحه .\rويقال الظالمُ مَنْ له علم اليقين ، والمقتصد مَنْ له عين اليقين ، والسابق مَنْ له حق اليقين .\rويقال الظلم صاحب المودة ، والمقتصد الخلّة ، والسابق صاحب المحبة .\rويقال الظالم يترك الحرام ، والمقتصد يترك الشُّبهة ، والسابق يترك الفضل في الجملة .\rويقال الظالمُ صاحبُ سخاء ، والمقتصد صاحب جود ، والسابق صاحب إيثار .\rويقال الظالم صاحب رجاء ، والمقتصدُ صاحبُ بَسْط ، والسابق صاحب أُنْس .\rويقال الظالم صاحب خوف ، والمقتصد صاحب خشية ، والسابق صاحب هيبة .\rويقال الظلم له المغفرة ، والمقتصد له الرحمة والرضوان ، والسابق له القربة والمحبة .\rويقال الظالم صاحب الدنيا ، والمقتصد طالب العُقْبى ، والسابق طالب المولى .\rويقال الظالم طالب النجاة ، والمقتصد طالب الدرجات ، والسابق صاحب المناجاة .\rويقال الظالم أَمِنَ من العقوبة ، والمقتصد فاز بالمثوبة ، والسابق متحقق بالقربة .\rويقال الظالم مضروبٌ بسَوْطِ الحِرْصِ ، مقتولٌ بسيف الرغبة ، مضطجع على باب الحسرة . والمقتصدُ مضروبٌ بسوط الندامة ، مقتولٌ بسيف الأسف ، مضطجع على باب الجود .\rوالسابقُ مضروبٌ بسوط التواجد ، مقتول بسيف المحبة ، مُضْطَجِعٌ على باب الاشتياق .\rويقال الظالم صاحب التوكل ، والمقتصد صاحب التسليم ، والسابق صاحب التفويض .\rويقال الظالم صاحب تواجد ، والمقتصد صاحب وَجْد ، والسابق صاحب وجود .\rويقال الظالم صاحبُ المحاضرة ، والمقتصد صاحب المكاشفة ، والسابق صاحب المشاهدة .\rويقال الظالم يراه في الآخرة بمقدار أيام الدنيا في كل جمعة مرةَ ، والمقتصد يراه في كل يوم مرةً ، والسابق غر محجوبٍ عنه ألبتةَ .\rويقال الظالم مجذوبٌ إلى فِعْلِه الذي هو فضله ، والمقتصد مكاشَفٌ بوصفه الذي هو عِزُّه ، والسابقُ المستهلَكُ في حقِّه الذي هو وُجُودُه .\rقوله : { ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } لأنه ذكر الظالم مع السابق .","part":6,"page":343},{"id":2844,"text":"نَبّهَ على أن دخولهم الجنة لا باستحقاقٍ بل بفضله ، وليس في الفضل تمييز .","part":6,"page":344},{"id":2845,"text":"تحققوا بحقائق الرضا ، والحَزَنُ سُمِّي حَزَناً لُحزُونةِ الوقتِ على صاحبه وليس في الجنة حزونة وإنما هو رضاً واستبشار .\rويقال ذلك الحزن حزن خوف العاقبة . ويقال هو دوام المراعاة خشية أن يحصل سوءُ الأدب . ويقال هو سياسة النفس .\r{ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ } للعصاة ، { شَكُورٌ } للمطيعين . قَدَّمَ ما للعاصين رفقاً بهم لضعف أحوالهم .","part":6,"page":345},{"id":2846,"text":"{ دَارَ الْمُقَامَةِ } : أي دار الإقامة ، لا يبغون عنها حولا ، ولا يتمنون منها خروجاً .\r{ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } : إذا أرادوا أن يَرَوْا مولاهم لا يحتاجون إلى قَطْع مسافةٍ ، بل غُرَفِهم يلقون فيها تحيةً وسلاماً ، فإذا رأوه لم يحتاجوا إلى تقليب حدقةٍ أَو تحديق مقلة في جهة؛ يَرَتوْنه كما هُمْ بلا كيفية .","part":6,"page":346},{"id":2847,"text":"لا حياة يَتَمَتَّعُون بها ، ولا موتَ يستريحون به ، وهم مقيمون في العذاب والحجاب ، لا يفتر عنهم العذاب ، وتُرْفَعُ عنهم العقوبة .","part":6,"page":347},{"id":2848,"text":"أي عالِم بإخلاص المخلصين ، وصدق الصادقين ، ونفاق المنافقين ، وجَحْدِ الكافرين .\rعالِمٌ بِمَنْ يريد بالناس السوءَ وبمَنْ يُحْسِنُ باللَّهِ الظنَّ .","part":6,"page":348},{"id":2849,"text":"أهلُ كلِّ عصرٍ خليفٌ عَمَن تقدمهم؛ فَمٍنْ قومٍ هم لِسَلَفِهم حَمَال ، ومِنْ قوم أراذل وأنذال؛ فالأفاضلُ زمانهم لهم محنة ، والأراذل هم لزمانهم محنة . وقد قالوا :\rيومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِه ... حَيَّا غدٌ والْتَفَتَ الأمسُ","part":6,"page":349},{"id":2850,"text":"كَرّرَ إشهادَهم عَجْزَ أصنامهم ، ونَقْصَ مَنْ اتخذوهم آلهة من أوثانهم؛ ليُسَفِّهَ بذلك آراءَهم ، وليُنَبِّهَهُم إلى ذميم أحوالِهم وأفعالِهم ، وخِسَّةِ هِمَمِهم ، ونُقْصانِ عقولهم .\rثم أخبرأنهم لا يأتون بشيءٍ مما به يُطَالَبُونَ ، وليس لهم صواب عمَّا يُسْأَلُون .","part":6,"page":350},{"id":2851,"text":"أمسكها بقدرته ، وأتقنهما بحكمته ، ورتَّبهما بمشيئته ، وخلَقَ أهلَهما على موجب قضيته ، فلا شبيهَ في أبقائها وإفنائهما يُسَاهِمُه ، ولا شريكَ في وجودِهما ونظامهما يُقَاسمُه .","part":6,"page":351},{"id":2852,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِى الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } .\rليس لقولهم تحقيق ، ولا لِعَهدْهِم وضمانهم توثيق ، وما يَعِدُون من أَنفسهم فصريحُ زُورٍ ، وما يُوهِمُون مِنْ وفائهم فَصِرْفُ تغريرٍ . . وكذلك المريدُ في أوان نشاطه تُمَنِّيه نَفْسُه فتظاهر أمام مَنْ تقدِّمه حالاً بأنه عاهد الله ، وأنه أَكَّدَ عقده مع الله . . فإذا عَضَتْه شهوتُه ، وأراد الشيطانُ أن يكذبه صَرَعَه بكيده ، وأركسه في هوة غَيِّة ، ومُنْيَةِ نَفْسِه؛ فيسودُّ وَجْهُه ، وتذهب عند اللَّهِ وجاهتُه .","part":6,"page":352},{"id":2853,"text":"في الجملة ما خاب له وليٌّ ، وما ربح له عدوٌّ ، ولا ينال الحقيقةَ مَنْ انعكس قَصْدُه ، بل يرتدُّ عليه كَيْدُه؛ وهو سبحانه يُدَمِّر عل أعدائه تدميراً ويوسع لأوليائه فضلاً كبيراً .","part":6,"page":353},{"id":2854,"text":"لو عَجَّلَ لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب لم تَفِ أعمارُهم القليلةُ به ، وما اتسعت أيامُهم القصيرة له ، فأَخَّرَ ذلك ليومِ الحَشْرِ . . . فإِنَّه طويلٌ . واللَّهُ على كل شيءٍ قديرٌ ، وبأمورِ عبادِه خبيرٌ بصير .","part":6,"page":354},{"id":2855,"text":"يقال معناه : يا سيد . ويقال : الياء تشير إلى يوم الميثاق ، والشين تشير إلى سِرِّه مع الأحباب؛ فيقال بحقِّ يم الميثاق وسِرِّي مع الأحباب ، وبالقرآن الحكيم .","part":6,"page":355},{"id":2856,"text":"إي إِنَّكَ - يا محمد لَمِنََ المرسلين ، وإِنَّكَ لَعَلَى صراطٍ مستقيم .","part":6,"page":356},{"id":2857,"text":"أي هذا الكتاب تنزيل ( العزيز ) : المتكبر الغني عن طاعة المطيعين ، ( الرحيم ) : المُتَفَضِّل على عباده المؤمنين .","part":6,"page":357},{"id":2858,"text":"أي خَصَصْنَاكَ بهذا القرآن ، وأنزلنا عليكَ هذا الفُرقان لِتُنْذِرَ به قوماً حصلوا في أيام الفترة ، وانقرض أسلافُهم على هذه الصِّفَةِ .","part":6,"page":358},{"id":2859,"text":"أي حقَّ القول بالعقوبة على أكثرهم لأنهم أصرُّوا على جَحْدِهم ، وانهمكوا في جهلهم ، فالمعلومُ منهم والمحكومُ عليهم أنَّهم لا يُؤمنون .","part":6,"page":359},{"id":2860,"text":"سَنَجُرُّهُم إلى هوانهم وصغرهم ، وسنذيقهم وبالَ أمرهم .","part":6,"page":360},{"id":2861,"text":"أغرقناهم اليومَ في بحار الضلالة وأحْطنا بهم سرادقات الجهالة . وفي الآخرة سنُغْرِقُهم في النار والأنكال ، ونضيِّقُ عليهم الحال ، بالسلاسل والأغلال .\r{ فَأَغْشَيْنَاهُمْ } : أعميناهم اليومَ عن شهود الحُجَّة ، ونُلَبِّسُ في الآخرة سبيلَ المَحَجَّة ، فَيتَعَثَّرُون في وَهَدَاتِ جهنم داخرين ، ويبقون في حُرُقَاتها مهجورين ، مطرودين ملعونين ، لا نَقْطَعُ عنهم ما به يُعَذَّبُون ، ولا نَرْحمهم مما منه يَشْكُون؛ تَمَادَى بهم حِرْمانُ الكفر ، وأحاطت بهم سرادقاتُ الشقاء ، وَوقعت عليهم السِّمَةُ بالفراق .","part":6,"page":361},{"id":2862,"text":"مهجورُ الحقِّ لا يَصِلُه أحدٌ ، ومردودُ الحقِّ لا يَقْبَلُه أحد . والذي قَصَمَتْه المشيئةُ وأقْمَتْهُ القضيةُ لا تنجعُ فيه النصيحة .","part":6,"page":362},{"id":2863,"text":"أي إنما ينتفع بإنذارك مَنْ اتَّبَعَ الذِكْرَ؛ فإنَّ إنذارك - وإِن كان عاماً في الكُلِّ وللكُلَّ- فإنَّ الذين كفروا على غيِّهم يُصِرُّون . . ألاَ سَاء ما يحْكُمون ، وإن كانوا لا يعلمون قُبْحَ ما يفعلون . أمَّا الذين اتبعوا الذكر ، واستبصروا ، وانتفعوا بالذي سمعوه منك ، وبه عملوا- فقد استوجبوا أنْ تُبَشِّرَهم؛ فَبَشِّرْهُم ، وأخبِرْهم على وجهٍ يظهر السرور بمضمون خبرك عليهم .\r{ وَأَجْرٌ كَرِيمٍ } : كبير وافر على أعمالهم - وإن كان فيها خَلَلٌ .","part":6,"page":363},{"id":2864,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَءَاثَرَهُمْ } .\rنُحيي قلوباً ماتت بالقسوة بما نُمْطِرُ عليها من صَوْبِ الإقبال والزلفة ، ونكتب ما قدَّموا .\r{ وَءَاثَارَهُمْ } : خُطَاهم إلى المساجد ، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا ، وتَرَقْرُق دموعهم على عَرَصَات خدودهم ، وتَصاعُدَ أنفاسهم .\rقوله جل ذكره : { وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } .\rأثبتنا تفصيله في اللوح المحفوظ . . لا لتناسينا لها - وكيف وقد أحصينا كل شيءٍ عدداً؟ - ولكننا أحْبَبْنا إثبات آثار أحبائنا في المكنون من كتابنا .","part":6,"page":364},{"id":2865,"text":"انقرض زمانُهم ونُسِيَ أوانُهم وشأنُهم! ولكننا نتذكر أحوالهم بعد فوات أوقاتهم ، ولا نرضى بألا يجري بين أحبائنا وعلى ألْسِنَةِ أوليائنا ذِكْرُ الغائبين والماضين ، وهذا مخلوقٌ يقول في صفة مخلوق :\rإذا نَسِيَ الناسُ إخوانَهم ... وخَانَ المودَّةَ خِلاَّنُها\rفعندي لإخوانِيَ الغائبين ... صحائفُ ذِكْرُكَ عنوانُها","part":6,"page":365},{"id":2866,"text":"قال الرسل : { رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } وليس عِلْمُنا إلاَّ بما أُمِرْنا به من التبليغ والإنذار .","part":6,"page":366},{"id":2867,"text":"لنرجمنَّكم ، ولنَصْنَعَنَّ ، ولنفْعَلَنٍَّ . . فأجابهم الرسل : إنكم لجهلكم ولجحدكم سوف تَلْقَوْنَ ما تُوعَدُون .","part":6,"page":367},{"id":2868,"text":"في القصة أنه جاءُ من قرية فسمَّاها مدينة ، وقال من أقصى المدينة ، ولم يكن أقصاها وأدناها لِيَتَفَاوَتَا بكثيرٍ ، ولكنه -سبحانه- أجرى سُنَّتَه في استكثار القليل من فِعْلِ عَبْدِهِ إذا كان يرضاه ، ويستنزِرُ الكثيرَ من فَضْلِه إذا بَذَلَه وأعطاه .\r{ اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً } فأبْلَغَ الوَعْظَ وَصَدَقَ النُّصْحَ . ولكن كما قالوا :\rوكم سُقْتُ في آثارِكم من نصيحةٍ ... وقد يستفيد البغضةَ المتنصِّحُ\rفلمَّا صَدَقَ في حاله ، وصَبَرَ على ما لَقِيَ من قومه ، ورجع إلى التوبة ، لقَّاه حُسْنَ أفضالِه ، وآواه إلى كَنَفِ إقبالِه ، ووَجَدَ ما وَعَدَه ربُّه من لُطْفِ أفضالِه .","part":6,"page":368},{"id":2869,"text":"تَمَنَّى أن يعلم قومُه حاله ، فَحَقَّقَ اللَّهُ مُنَاه ، وأخبر عن حاله ، وأنزل به خطابه ، وعَرَفَ قومُه ذلك . وإنما تمنَّى وأراد ذلك إشفاقاً عليهم ، ليعملوا مثلما عَمِلَ لِيَجدُوا مثلما وَجَدَ .","part":6,"page":369},{"id":2870,"text":"ما كانت إلا قضية مِنَّا بعقوبتهم ، وتغييراً لِمَا كانوا به من السلامة إلى وصف البلاء .","part":6,"page":370},{"id":2871,"text":"إن لم يتحسَّروا هم اليوم فَلَهُم موضع التحسُّر؛ وذلك لانخراطهم في سِلكٍ واحد من التكذيب ومخالفة الرسل ، ومناوءة أوليائه- سبحانه .","part":6,"page":371},{"id":2872,"text":"ألم يروا ما فعلنا بمن قبلهم من القرون الماضية ، وما عاملنا به الأمم الخالية ، فلم يرجع إليهم أحد ، فكلُّهم في قبضة القدرة ، ولم يَفُتنا أحدٌ ، ولم يكن لواحدٍ منهم علينا عونٌ ولا مَدَدٌ ، ولا عن حكمنا ملتحد .","part":6,"page":372},{"id":2873,"text":"لمَّا كان أمرُ البعث أعظمَ شُبَهِهِمْ ، وكَثُرَ فيه إنكارُهم كان تكرارُ الله سبحانه لحديث البعث ، وقد ضَرَبَ - سبحانه - المَثَلَ له بإحياء الأرض بالنبات في الكثيرمن الآيات . والعَجَبُ مَمَّنْ يُنْكِر علومَ الأصول ويقول ليس في الكتاب عليها دليل! وكيف يشكل ذلك وأكثر ما في القرآن من الآيات يحث على سبيل الاستدلال ، وتحكيم أدلة العقول؟ ولكن يَهْدِي اللَّهُ لنوره من يشاء . ولو أنهم أنصفوا من انفسهم ، واشتغلوا بأهم شيءٍ عندهم لَمَا ضَيَّعوا أصول الدِّين ، ولكنهم رضوا فيها بالتقليد ، وادَّعَوْا في الفروع رتبةَ الإمامة والتصَدُّر . . ويقال في معناه :\rيا مَنْ تَصَدَّرَ في دستَ الإمامة في ... مسائل الفقه إملاءً وتدريسا\rغَفَلْتَ عن حججِ التوحيد تُحْكِمها ... شيَّدتَ فرعاً وما مَهَّدَتَ تأسيسا","part":6,"page":373},{"id":2874,"text":"تُنَبِه هذه الآيةُ على التفكُّرِ في بديع صُنْعِه؛ فقال : تنزيهاً لِمَنْ خَلَقَ الأَشياء المتشاكلةَ في الأجزاء والأعضاء ، من النبات ، ومن أنفسهم ، ومن الأشياء الأخرى التي لا يعلمون تفصيلها ، كيف جعل أوصافَها في الطعوم والراوئح ، في الشكل والهيئة ، في اختلاف الأشجار في أوراقها وفنون أغصانها وجذوعها وأصناف أنوارها وأَزهارها ، واختلاف أشكال ثمارها في تفرُّقِها واجتماعها ، ثم ما نيط بها من الانتفاع على مجرى العادة مما يسميه قومٌ : الطبائع؛ في الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، واختلاف الأحداث التي يخلقها اللَّهُ عقيب شراب هذه الأدوية وتناول هذه الأطعمة على مجرى العادة من التأثيرات التي تحصل في الأبدان . ثم اختلاف صور هذه الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة ، فالأوقات متجانسة ، والأزمان ، متماثلة ، والجواهر متشاكلة . . وهذه الأحكام مختلفة ، ولولا تخصيصُ حُكْم اللَّهُ لكل شيءٍ بما اختصَّ به لم يكن تخصيصٌ بغير ذلك أولى منه . وإنَّ مَنْ كحَّلَ اللَّهُ عيونَ بصيرته بيُمْن التعريف ، وقَرَنَ أوقاته بالتوفيق ، وأتَمَ نَظَره ، ولم يصده مانع . فما أقوى في المسائل حُجَّتَه! وما أوْضَحَ في السلوكِ نَهْجَه! .\rإنَّها لأقْسَامٌ سَبَقَت على مَنْ شاءَه الحقُّ بما شاء .","part":6,"page":374},{"id":2875,"text":"نُبْطِلُ ضوءَ النهارِ بهجومٍ الليلِ عليه ، وتزِيلُ ظلامَ الليل بهجومِ النهار عليه ، كذلك نهارُ الوجود يدخل على ليالي التوقف ، ويقود بيد كَرَمِه عصاَ مَنْ عَمِيَ عن سلوك رُشْدِه فيهديه إلى سَوَاءَ الطريق .","part":6,"page":375},{"id":2876,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُستَقَرٍّ لَّهَا } . على ترتيبٍ معلوم لا يتفاوت في فصول السنة ، وكل يومٍ لها مشرِقٌ جديد ولها مغرِبٌ جديد . . وكل هذا بتقدير العزيز العليم .","part":6,"page":376},{"id":2877,"text":"الإشارة منه أن العبد في أَوان لطلب رقيقُ الحال ، ضعيفٌ ، مختصرُ الفَهْم . ثم يُفَكِّر حتى تزداد بصيرته . . أَنه كالقمر يصير كاملاً ، ثم يتناقَصُ ، ويدنو من الشمس قليلاً قليلاً ، وكُلَّمَا ازداد من الشمس دُنُوَّا ازداد في نفسه نقصاناً حتى يتلاشى ويختفي ولا يُرَى . . ثم يَبْعُدُ عن الشمس فلا يزال يتباعد ويتباعد حتى يعود بدراً - مَنْ الذي يُصَرِّفه في ذلك إلا أَنه تقدير العزيز العليم؟ وشبيهُ الشمسِ عارِفٌ أبداً في ضياء معرفته ، صاحبُ تمكين غيرُ مُتَلَوِّنٍ ، يشرق من برج سعادته دائماً ، لا يأخذه كسوفٌ ، ولا يستره سحابٌ .\rوشبيهُ القمر عبدٌ تتلون أحوالُه في تنقله؛ فهو في حال من البسط يترقَّى إلى حَدِّ الوصال ، ثم يُرَدُّ إلى الفترة ، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال ، فيتناقص ، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته ، ثم يجود الحقُّ- سبحانه- فيُوَفِّقُه لرجوعه عن فترته ، وإفاقته عن سَكْرَتِه ، فلا يزال يصفوا حاله إلى أنْ يَقْرُبَ من الوصال ، ويرزقَ صفة الكمال ، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال . . كذلك حاله إلى أن يُحَقَّ له بالمقسوم ارتحاله ، كما قالوا :\rما كنت أشكو ما على بَدَني ... من كثرة التلوين من بُدَّتِه\rوأنشدوا :\rكُلَّ يوم تتلون ... غيرُ هذا بِكَ أجمل","part":6,"page":377},{"id":2878,"text":"الإشارة إلى حَمْلِ الخَلْقِ في سفينة السلامة في بحار التقدير عند تلاطم أمواجها بفنونٍ من التغيير والتأثير . فكَمْ من عبدٍ غرق في اشتغاله في ليلة ونهاره ، لا يستريح لحظةً من كَدِّ أفعاله ، ومقاساةِ التعب في أعماله ، وجَمْع ماله .\rفَجَرَّه ذلك إلى نسيان عاقبته ومآلِه ، واستيلاء شُغْلِه بوَلَدِه وعيالِه على فِكْرِه وبالِه - وما سَعْيُه إلاَّ في وَبَالِه!\rوكم من عِبْدٍ غرق في لُجَّةِ هواه ، فجَرَّته مُناه إلى تَحمُّلِ بلواه ، وخسيس من أمر مطلوبه ومُبْتَغَاه . . ثم لا يَصَلُ قط إلى منتهاه ، خَسِرَ دنياه وعقباه ، وبَقِيَ عن مولاه! ومن أمثال هذا وذالك ما لا يُحْصَى ، وعلى عقلِ مَنْ فكَّرَ واعتبر لا يَخْفَى .\rأمَّا إذا حفظ عبداً في سفينة العناية أفرده - سبحانه- بالتحرُّرِ من رِقِّ خسائس الأمور . وشَغَلَه بظاهره بالقيام بحقِّه ، وأكرمه في سرائره بفراغ القلب مع ربَّه ، ورقَّاه إلى ما قال : « أنا جليسُ مَنْ ذكرني » . . وقُلْ في عُلُوِّ شأنِ مَنْ هذه صفته . . ولا حَرَجَ!","part":6,"page":378},{"id":2879,"text":"لولا جُودُه وفَضْلُه لحَلَّ بهم من البلاء ما حَلَّ بأمثالهم ، لكنه بِحُسْنِ الأفضال ، يحفظهم في جميع الأحوال .","part":6,"page":379},{"id":2880,"text":"هذه صفاتُ مَنْ سَيَّبَهم في أودية الخذلان ، وَوَسَمهم بِسِمَةِ الحرمان ، وأصَمَّهم عن سماع الرُّشْد ، وصَدَّهم بالخذلان عن سلوكِ القصد ، فلا تأتيهم آيةٌ في الزَّجْرِ إلا قابلوها بإعراضهم ، وتجافوا عن الاعتبار بها على دوام انقباضهم ، وإذا أُمِرُوا بالإنفاقِ والإطعام عارضوا بأنَّ الله رازقُ الأنام ، وإن يَشَأْ نَظَرَ إليهم بالإنعام :","part":6,"page":380},{"id":2881,"text":"يستعجلون هجومَ الساعة ، ويستبطئون قيامَ القيامة - لا عن تصديقٍ يُريحهم من شَكِّهم ، أو عن خوفٍ يمنعهم عن غَيِّهم ، ولكن تكذيباً لدعوة الرسل ، وإنكاراً لِصِحة النبوة ، واستبعاداً للنشر والحشر .\rويومَ القيامةِ هم في العذاب مُحْضَرُون ، ولا يُكْشَفُ عنهم ، ولا يُنْصَرُون .","part":6,"page":381},{"id":2882,"text":"يموتون قَهْراً ، ويُحْشَرُونَ جَبْراً ، ويلقون أمراً ، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً .\r{ قَالُواْ يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } يموتون على جهلٍ ، لا يعرفون ربَّهم ، ويُبْعَثُون على مِثْلِ حالِهم ، لا يعرفون مَنْ بَعَثَهم ، ويعدون ما كانوا فيه في قبولهم من العقوبة الشديدة -بالإضافة إلى ما سَيَلْقَوْنَ من الآلام الجديدة - نوماً ورقاداً ، وسيطئون من الفراق المبرح والاحتراق العظيم الضخم مهاداً ، لا يذوقون بَرْداً ولا شراباً إلا حميماً وغَسَّاقاً ، ولقد عوملوا بذلك استحقاقاً : فقد قال جل ذكره : -\r{ فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا َتُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }","part":6,"page":382},{"id":2883,"text":"إنما يضافُ العبدُ إلى ما كان الغالبَ عليه ذِكْرُه بمجامع قلبِه ، فصاحبُ الدنيا مَنْ في أسْرِها ، وأصحابُ الجنة مَنْ هم طُلاّبُها والساعون لها والعاملون لِنَيْلِها؛ قال تعالى مخبراً عن أقوالهم وأحوالهم : { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ } [ الصافات : 61 ] . وهذه الأحوال - وإن جَلَّتْ منهم ولهم - فهي بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر تتقاصر ، قال A : « أكثر أهل الجنة البُلْه » ومَنْ كان في الدنيا عن الدنيا حُرَّاً فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حراً ، والله يختص برحمته من يشاء .\rوقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين ، فيقول لهم : { إنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَاكِهُونَ } وهم أهل الحضرة والدنو ، لا تشغلهم الجنة عن أُنس القربة ، وراحات الوصلة ، والفراغ للرؤية .\rويقال : لو عَلِمُوا عمَّن شُغِلُوا لَمَا تَهنَّأوا بما شُغِلُوا .\rويقال بل إنما يقول لأهل الجنة : { إنَّ أًَصْحَابَ الْجَنَّةِ } كأنه يخاطبهم مخاطبة المُعاينة إجلالاً لهم كما يقال : الشيخ يفعل كذا ، ويُرَادُ به : أنت تفعل كذا .\rويقال : إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار ، ولم يدخلوا الجنة بَعْدُ لِعِصْيانِهِم؛ فيقول الحق : عبدي . . أهلُ النار لا يتفرغون إليك لأهوالهم ، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم ، وأهل الجنة وأصحابها اليومَ في شُغْلٍ عنك لأنهم في لذَّاتهم ، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم؛ فليس لك اليوم إلا نحن!\rوقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم ، وذلك من أتم الأشغال ، وهي أشغالٌ مؤنِسَةٌ مريحةٌ لا مُتْعِبَةٌ موحِشَةٌ .\rويقال : الحقُّ لا يتعلَّق به حقُّ ولا باطل؛ فلا تَنَافِيَ بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم ، وشهودهم مولاهم ، كما أنهم اليومَ مشغولون مستديمون لمعرفته بأي حالةٍ هم ، ولا يَقْدَحُ اشتغالهم - باستيفاء حُظُوظِهم - في معارفهم .\rويقال شَغَلَ نفوسهم بشهواتها حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبةٍ من إحساس النَّفْس الذي هو أصعب الرُّقباء ، ولا شيء أعلى من رؤية الحبيب مع فَقْدِ الرقيب .","part":6,"page":383},{"id":2884,"text":"{ وَأَزْوَاجُهُمْ } : قيل أشكالهم في الحال والمنزلة ، كقوله : { احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } [ الصافات : 22 ] وقيل حَظَاياهم من زوجاتهم .","part":6,"page":384},{"id":2885,"text":"{ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ } : أي نصيب أنفسهم . ويقال الإشارة فيها إلى راحات الوقت دون حظوظ النفس .\r{ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ } : ما يريدون ، ويقال تسلم لهم دواعيهم ، والدعوى -إذا كانت بغير حقٍّ- معلولة .","part":6,"page":385},{"id":2886,"text":"يسمعونَ كلامَه وسلامَه بلا واسطة ، وأكَّد ذلك بقوله : « قولاً » .\rوبقوله : { مِّن رَّبٍّ } ليعلم أنه ليس سلاماً على لسان سفير .\r{ مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } والرحمةُ في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال ما يُسَلِّم عليهم لِتَكْمُلُ لهم النعمة . ويقال الرحمة في ذلك الوقت أن يُنَقٍّيَهم في حال سماع السلام وحال اللقاء لئلا يصحبهم دهش ، ولا تلحقهم حيرة .\rويقال إنما قال : { مِّن رَّبٍّ رَّحيمٍ } ليكون للعصاة من المؤمنين فيه نَفَسٌ ، ولرجائهم مساغ؛ فإن الذي يحتاج إلى الرحمة العاصي .\rويقال : قال ذلك ليعلم العبدُ أنه لم يصل إليه بفعله واستحقاقه ، وإنما وصل إليه برحمة ربه .","part":6,"page":386},{"id":2887,"text":"غيبةُ الرقيب أتمُّ نعمةٍ ، وإبعادُ العدوِّ مِنْ أجَلِّ العوارف؛ فالأولياءُ في إيجاب القربة ، والأعداء في العذاب والحجبة .","part":6,"page":387},{"id":2888,"text":"لو كان هذا القول من مخلوقٍ إلى مخلوقٍ لَكَانَ شِبْهَ اعتذار؛ أي لقد نصحتُكم ووعظتُكم ، ومن هذا حَذَّرْتُكم ، وكم أوصلتُ لكم القولَ ، وذكَّرْتُكُم فلم تقبلوا وَعْظِي ، ولم تعملوا بأمري ، فأنتم خالَفْتُم ، وعلى أنفسكم ظَلَمْتُم ، وبذلك سبَقَت القضيةُ مِنَّا لكم .","part":6,"page":388},{"id":2889,"text":"اليومَ سَخَّرَ الله أعضاءَ بَدَنِ الإنسان بعضها لبعض ، وغداً ينقض هذه العادة ، فتخرج بمضُ الأعضاء على بعض ، وتجري بينها الخصومة والنزاع؛ فأمَّا الكفار فشهادةُ أَعضائهم عليهم مُبيدةٌ ، وأمَّا العُصَاةُ من المؤمنين فقد تشهد عليهم بعضُ أعضائهم بالعصيان ، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضاً بالإحسان ، وكما قيل :\rبيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ ... والحاكم العَدْلُ الجوادُ المُنْصِفُ\rوفي بعض الأخبار المرويةِ المُسْنَدَةِ أنَّ عَبْداً تشهد عليه أعضاؤه بالزَّلَّةَ فيتطاير شَعره من جفن عينيه ، فيستأذن بالشهادة له فيقول الحق : تكلمي يا شعرة جَفْنِ عبدي واحتَجِّي عن عبدي ، فتشهد له بالبكاء من خوفه ، فيغفر له ، وينادي منادٍ : هذا عتيقُ الله بِشَعْرَة .","part":6,"page":389},{"id":2890,"text":"يَرُدُّه إذا استوى شبابُه وقُوَّتُه إلى العكس ، فكما كان يزداد في القوة يأخذ في النقصان إلى أن يبلغَ أرذلَ العمر في السن فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف . ثم لا يَبْقَى بعد النقصان شيءٌ ، كما قيل :\rطوى العصران ما نشراه مني ... وأبلى جدتي نَشْرٌ وطيُّ\rأراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ... ولا يَبْقَى مع النقصان شيءُ\rهذا في الجثث والمباني دون الأحوال والمعاني؛ فإن الأحوال في الزيادة إلى أن يبلغ حَدَّ الخَرَفِ فيَخْتَلُّ رأيُه وعَقْلُه . وأهل الحقائق تشيب ذوائبُهم ولكنَّ محابَّهم ومعانيَهم في عنفوان شبابها ، وطراوة جدَّتها .","part":6,"page":390},{"id":2891,"text":"كلامه A ، كان خارجاً عن أوزان الشِّعر ، والذي أتاهم به من القرآن لم يكن من أنواع الشعر ، ولا من طرق الخطباء .\rتَحَيَّرَ القومُ في بابه؛ ولم تكتحل بصائرهم بكحل التوحيد فعموا عن شهود الحقائق .","part":6,"page":391},{"id":2892,"text":"ذَكَرَ عظيمَ مِنَّتِه عليهم ، وجميلَ نعمته لديهم بما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه الانتفاع .\rولفظ { أَيْدِينَا } تَوَسُّع؛ أي مما عملنا وخلقنا ، وذلك أنهم ينتفعون بركوبها وبأكل لحومها وشحومها ، وبشرْبِ ألبانها ، وبالحَمْلِ عليها ، وقَطَعَ المسافاتِ بها ، ثم بأصوافها وأوبارها وشَعْرِها ثم بِعَظْمِ بعضها . . فطَالَبَهم بالشكر عليها ، ووصَفَهم بالتقصير في شُكْرِهم .\rثم أظْهَرَ - ما إذا كان في صفة المخلوقين لكان شكاية - أنهم مع كل هذه الوجوه من الإحسان : -","part":6,"page":392},{"id":2893,"text":"اكتفوا بأمثالهم معبوداتٍ لهم ، ثم سَلَّى نبيَّه - A بأنْ قال له : -\r{ فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } .\rوإذا عَلِمَ العبدُ أنّه بمرأى من الحقّ هَانَ عليه ما يقاسيه ، ولا سيما إذا كان في الله .","part":6,"page":393},{"id":2894,"text":"أي شَدَدْنا أسْرَهم ، وجمعنا نَشْرَهم ، وسَوَّينا أعضاءهم ، ورَكَّبْنَا أجزاءهم ، وأودعناهم العقل والتمييزَ . . . ثم إنه { خَصِيمٌ مُّبِينٌ } : ينازعنا في خطابه ، ويعترض علينا في أحكامنا بِزَعْمِه واستصوابه ، وكما قيل :\rأُعَلِّمُه الرمايةَ كُلَّ يومٍ ... فلمَّا اشتدَّ ساعِدُه رماني","part":6,"page":394},{"id":2895,"text":"مَهَّد لهم سبيل الاستدلال ، وقال إن الإعادة في معنى الإبداء ، فأي إشكالٍ بقي في جواز الإعادة في الانتهاء؟ وإنَّ الذي قدر على خَلْقِ النارِ في الأغصان الرَّطبة من المرْخ والعَفَار قادرٌ على خَلْقِ الحياةِ في الرِّمة البالية ، ثم زاد في البيان بأن قال : إن القدرة على مِثْلِ الشيء كالقدرة عليه لاستوائهما بكلِّ وجه ، وإنه يحيي النفوسَ بعد موتها في العرصة كما يُحْيي الإنسانَ من النطفة ، والطيرَ من البيضة ، ويحيي القلوبَ بالعرفان لأهل الإيمان كما يميت نفوسَ أهل الكفر بالهوى والطغيان .","part":6,"page":395},{"id":2896,"text":"{ إِذَا أرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونَ } يَخْلِقه وقدرته . وأخبرنا أنه تتعلَّق بالمكوَّن كلمتُه على ما يجب في صفته ، وسيَّان عنده خَلْقُ الكثيرِ في كثرته والقليلِ في قِلَّته .","part":6,"page":396},{"id":2897,"text":"أي بقدرته ظهورُ كلِّ شيء : فلا يحدث شيء - قَلَّ أو كَثُرَ- إلا بإبداعه وإنشائه ، ولا يبقى منها شيءٌ إلا بإبقائه ، فمنه ظهور ما يُحْدِث ، وإليه مصير ما يخلق .","part":6,"page":397},{"id":2898,"text":"افتتح اللَّهُ هذه السورة بالقَسَم بالصافات ، وهم الملائكة المصطفَّةُ في السماء وفي الهواء ، وفي أماكنهم على ما أمرهم الحق - سبحانه - من المكان يلازمونه ، والأمر يعانقون؛ يُسَبِّحونه ويُقَدِّسونه ، وبما يأمرهم به يطيعونه .","part":6,"page":398},{"id":2899,"text":"عَطَفهم على ما تَقَدَّمَ بحرف الفاء وهم الملائكة الذين يزجرون السحابَ . ويقال يزجرون الناس عن المعاصي . ويقال هي الخواطرُ الزاجرةُ عن المناهي .","part":6,"page":399},{"id":2900,"text":"يقال « الصافات » الطيورُ المصطفَّةُ في السماء ، { فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً } الملائكة يتلون كتاب الله ، ويتلون الوحيَ على الأنبياء عليهم السلام .","part":6,"page":400},{"id":2901,"text":"هذا هو المقسومُ عليه .\rأخبر أنه واحدٌ في مُلْكِه ، وذلك أنهم تَعَجَّبُوا أن يقوم الواحِدُ بجميع أحوال العالم . ومعنى كونه واحداً تَفَرُّدُه في حقِّه عن القسمة ، وتَقَدُّسُه في وجوده عن الشيبة ، وتَنَزَّهُه في مُلْكِه عن الشريك؛ واحد في جلاله ، واحدٌ في استحقاق جماله ، واحدٌ في أفعاله ، واحدٌ في كبريائه بنعت علائه ، ووصف سنائه .","part":6,"page":401},{"id":2902,"text":"مالِكُ السمواتِ والأرضِ وما بينهما ، وخالقهما ، وأكسابُ العبادِ داخِلةٌ في هذا { وَرَبُّ الْمَشَارِقِ } مشارق النجوم والشمس والقمر ، ومشارق القلوب بشموسها وأقمارها ونجومها .","part":6,"page":402},{"id":2903,"text":"زَيَّنَ السماءَ الدنيا بالنجوم ، وقلوبَ أوليائه بنجوم المعارف والأحوال ، وحفظ\rالسمواتِ بِأَنْ جعل النجومَ للشياطين رجوماً ، وكذلك زَيَّن القلوبَ بأنوار التوحيد ، فإذا\rقَرُبَ منها الشيطان رَجَمها بنجوم معارفهم .","part":6,"page":403},{"id":2904,"text":"كذلك إذا اغتنم الشيطانُ من الأولياء أن يُلْقِيَ إليهم شيئاً من وساوسه تَذَكَّرُوا ، فإذا هم مُبْصِرون ، ورجعوا . . قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيَطانِ تَذَكَّرُواْ } [ الأعراف : 201 ] .","part":6,"page":404},{"id":2905,"text":"عَرّفهم عَجْزَهم عن الإثبات ، وضعفهم في كل حال ، ثم ذكرهم نسبتهم أنها إلى الطين اللازب .","part":6,"page":405},{"id":2906,"text":"حقيقة التعجب تغير النفس مما لم تجر العادَةُ بحدوث مثله . وتَقرأ { عَجِبْتَ } بالفتح خطاباً بالرسول A - وبالضم فكأن الحقّ يقول ذلك مِنْ قبلَ نفسه بل عجبتُ ، وَيقال ذلك بمعنى إكبار ذلك الشيء ، إما في القدر ، أو الإكثار في الذمِّ أو في المدح .","part":6,"page":406},{"id":2907,"text":"إذا ذُكروا بآياته يٌعرضون عن الإيمان بها والتفكَّر فيها ، ويقولون : ليس هذا الذي أتى به محمدٌ إلا سحراً ظاهراً .","part":6,"page":407},{"id":2908,"text":"قالوا : أئذا متنا ، تفرّقت أجزاؤنا ، وَصرنا رميماً . . أئنا لمبعوثون؟ أَوَ آباؤنا الأولون يُبعثون كذلك؟ قالوه على جهة الاستبعاد؛ فالمعرفة لهم مفقودة ، والبصائر لهم مسدودة ، وقلوبهم عن التوحيد مصدودة .","part":6,"page":408},{"id":2909,"text":"قل لهم يا محمد؛ نعم ، وعلى وصْف الصغر ما يبعثكم ، وبزجرة واحدة يحشركم ، بعد أن يُقيم القيامة على جميعكم .","part":6,"page":409},{"id":2910,"text":"دَوا بالويل على أنفسهم! ويقال لهم : هذا يَومُ الفصل الذي كنتم تكذبون به ، وقد عاينتموه اليومَ .","part":6,"page":410},{"id":2911,"text":"أراد بأزواجهم قرناءَهم وأشكالهم ومَنْ عمل مثل أعمالهم ، ومن أعانهم على ظلمهم بقليل أو كثير . . وكذلك في هذه الطريقة : من أعان صاحبَ فترة في فترته ، أو صاحب زَلة على زلته - كان مُشركاً له في عقوبته ، واستحقاق طرده وإهانته .\rقوله : { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ } : مقامُ السؤالِ مقامٌ صعبٌ؛ قوم يسألهم المَلَكُ وقومٌ يسألهم المَلِكُ؛ فالذين تسألهم الملائكةُ أقوامٌ لهم أعمالٌ صالحةٌ تصلح للعرض والكشف ، وأقوامٌ لهم أعمالٌ لا تصلح للكشف ، وهم قسمان : الخواصّ يسترهم الحقّ عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة ، وأقوامٌ هم أربابُ الزلات يرحمهم اللَّهُ فلا يفضحهم ، ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بنعت الهيبة ، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة ، وفي الخبر : « أن قوماً يسترهم بيده ويقول تذكر غداً ربك » وهؤلاء أصحاب الخصوص في التحقيق : فأما الأغيار والأجانب والكفار فيقال لهم : { كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } [ الإسراء : 14 ] ، فإذا قَرؤوا كتابهم يقال لهم : من عمل هذا؟ وما جزاؤه؟ فيقولون : جزاؤه النار . فيقال لهم : أدخلوها بحكمكم .\rثم يقال لهم في بعض أحوال استيلاء الفزَع عليهم :","part":6,"page":411},{"id":2912,"text":"يُورِّك بعضُهم الذنبَ على بعض؛ فهذا يتبرأ من صاحبه ، وصاحبه يتبرأُ منه ، إلى أن يحكم الله عليهم بالخزي والهوان ويجمعهم في اللعن والإبعاد .","part":6,"page":412},{"id":2913,"text":"يشتركون في العذاب ولكن تتفاوت أنصباؤهم ، كما أنهم يشترِكون في الزّلة ولكن تختلف مقادير زلاتهم .","part":6,"page":413},{"id":2914,"text":"احتجابُهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم؛ ذلك لأنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته . ولو عرفوه لافتخروا بعبوديته؛ قال تعالى : { إنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأعراف : 206 ] ، وقال : { لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكةُ الْمُقَرَّبُونَ } [ النساء : 173 ] فإنّ مَنْ عَرفَ اللَّهَ فلا لذة له إلا في طاعته ، قال قائلهم :\rويظهرُ في الهوى عزُّ الموالي ... فيلزُمني له ذُلُّ العبيد","part":6,"page":414},{"id":2915,"text":"لمَّا لم يحتشموا من وَصفه - سبحانه - بما لا يليق بجلاله لم يُبالوا بما أطلقوه من المثالب في وصف أنبيائه .","part":6,"page":415},{"id":2916,"text":"الاستثناء راجعٌ إلى قوله : { إنَّكُمْ لَذَآئِقُواْ الْعَذَابِ الأَلِيمِ } .\rويقال الإخلاصُ إفرادُ الحقِّ - سبحانه - بالعبودية ، والذي يشوبُ عمله رياءٌ فليس بمخلص .\rويقال : الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين ، وفي الخبر : « يا معاذ ، أخلص العملَ يكفيك القليل منه » .\rويقال : الإخلاصُ فقدُ رؤية الأشخاص .\rويقال : هو أن يلاحظ محل الاختصاص .\rويقال : هو أن تنظر إلى نفسك بعين الانتقاص .","part":6,"page":416},{"id":2917,"text":"لهم رزقٌ معلومُ لأوقاتِ مُعينه ، وفي وقت الرسول عليه السلام : « مَنْ كان له رزقٌ معلومٌ كان من جملة المياسير ، وهذه صفة أهل الجنة؛ فلهُمْ في الآخرة رزقٌ معلوم لأبشارهم ولأسرارهم ، فالأغنياء لهم رزقٌ معلوم لأَنفسهم والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم .\r{ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ } : من ذلك ورود الرسول عليهم من قِبَلِ الله في كل وقت ، وكذلك اليومَ الخطابُ واردٌ من الله على قلوب الخواص في كل وقت بكلِّ أمر .","part":6,"page":417},{"id":2918,"text":"يستأنِسُ بعضُهم برؤية بعضٍ ، ويستروح بعضُهم إلى لقاء بعض .","part":6,"page":418},{"id":2919,"text":"شراب يوجِبُ لهم الطَّرَدَ ولا وحشةَ هناك ، شراباً يُحْضِرَهم ولا يُسْكِرُهم ، لأَنه قال :","part":6,"page":419},{"id":2920,"text":"فلا تغتالُ عقولَهم ولا تُزِيل حِشْمَتُهم ، ولا تَرْفَعُ عنهم هَيْبَتَهم؛ فقومٌ يشربون وهم بوصف الستر ، وآخرون يُسْقَوْن في الحضور - وهم على نعت القُرْب .","part":6,"page":420},{"id":2921,"text":"لا يَنْظُرْنَ إلى غير الوليّ ، ثم الوليُّ قد ينظر إليهن ، وفيهم مَنْ لا ينظر إليهن :\rجُنِنَّا بِلَيْلَى وهي جُنَّتْ بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونةٌ لا نريدها","part":6,"page":421},{"id":2922,"text":"يتذاكرون فيما بينهم ، ويذكرون مِنْ معارفهم مَنْ لا يُؤْمن باللهِ ، وما آمن به\rالمؤمنون فيخلق اللهُ لهم إطلاعاً عليه وهم في النار يحترقون .","part":6,"page":422},{"id":2923,"text":"نَطَقَ الوليُّ بالحقِّ ولكنه لم يُصَرِّحْ بعين التوحيد؛ إذ جَعَلَ الفَضْلَ واسطةً ، والأَوْلى أن يقول : ولولا ربي لكنتُ من المحضرين .","part":6,"page":423},{"id":2924,"text":"يقال : بل الملائكةُ يقولون لهم هذا ، ويقال : الحقُّ -سبحانه- إذا أراهم مقامَهم في الجنة يقول لهم : { لِمِثْلِ هّذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ } .\rويقال إِنْ كان العابدُ يقول هذا ، أو يقال له هذا إذا ظهرت الجنة فإِنه إذا بَدَتْ شظيةٌ من الحقائق وتباشير الوصلة ، أو ذَرَّةٌ من نسيم القربة فبالحريِّ أن يقوْل القائلون : لِمِثْلِ هذه الحالة تُبْذَلُ الأرواحُ .\rعلى مِثْلِ سَلْمَى يَقْتُلُ المرءُ نَفْسَه ... وإن بات من سَلْمى على اليأس طاويا\rوها هنا تضيق العبارات ، وتتقاصر الإشارات .","part":6,"page":424},{"id":2925,"text":"ذَكَرَ صفة هوان الأعداء ، وما هم به من صفة المذلة والعذاب في النار؛ من أَكْلِ الضريع ، ومن شراب الزقوم التي هي في قُبْح صورة الشياطين ، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم . . . إلى آخر القصة .","part":6,"page":425},{"id":2926,"text":"لمَّا أَصَابه مِنْ الأذى مِنْ قومه حِين كذَّبوه ، ولم يسمعوا منه ما كان يقول مِنَ حَديثنا . . رَجَعَ إلينا ، فخاطبنا وخاطبناه ، وكلمنا وَكلمناه ، وَنادانا فناديناه ، وكان لنا فكَّنا له ، وأجابنا فأجبناه . . فَلَنِعْمَ المجيبُ كان لنا ولنعمَ المجيبون كُنَّا له!\r{ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } : شتان بين كَرْبِ نوحٍ وبيْن كَرْب أهله!\rوما يبكون مثلَ أخي ولكن ... أُعزِّي النَّفْس عنه بالتأَسي","part":6,"page":426},{"id":2927,"text":"لأنَّ الناس كلهم مِن أَولاد نوح ، فإنَّ مَنْ كان معه في السفينة لم يتناسلوا .","part":6,"page":427},{"id":2928,"text":"يريدُ به قول الناس عنه إلى يوم القيامة .","part":6,"page":428},{"id":2929,"text":"يعني أَنَّ إبراهيم مِنْ شيعة نوح عليه السلام في التوحيد - وإنْ اختلفنا في فروع شرعيهما .\r{ قلب سليم } : لا آفة فيه . ويقال لديغ مِنَ المحبة . ويقال : سليم من محبة الأغيار . ويقال سليم من حُظوظ نفسه وإرادته . ويقال : مستسلم لله في قضائه واختياره .","part":6,"page":429},{"id":2930,"text":"سألهم على جِهة الإنكار عليهم ، والتنبيه لهم على موضع غلطتهم .","part":6,"page":430},{"id":2931,"text":"إذا لقيتموه - وقد عَبْدتم غيرَه . . فما الذي تقُولون له؟ وكيف بكم في مقام الخجلة مما بين أيديكم وإن كنتم اليوم - غافلين عنه؟","part":6,"page":431},{"id":2932,"text":"قيل أراد « إلى » النجوم فأقام « في » مقامَ « إلى » .\r{ إنِّى سَقِيمٌ } : كانت تأتيه الحمَّى في وقت معلوم ، فقال : قرُبَ الوقتُ الذي أسقم فيه مَنْ أخذِ الحمَّى إياي ، فكأنه تعلل بذلك ليتأخرَ عنهم عند ذهابهم إلى عيدهم لتمشية ما كان في نَفْسه من كسر الأصنام .\rويقال كان ذلك من جملة المعاريض . وقيل أرى من نفسه موافقة قَوْلهم في القول بالنجوم لأنهم كانُوا يقولون بالنجوم ، فتأخر بهذا السبب عنهُم .\rوكان إبراهيم في زمان النبوة فلا يبعد أنَّ اللَّهَ - عزّ وجلّ - قد عرّفه بطريق الوحي أنه يخلق - سبحانه - باختياره أفعالاً عند حركات الكواكب .\rثم لمَّا ذَهبوا إلى عيدهم كَسَّرَ أصنامهم ، فلمَّا رجعوا قالوا ما قالوا ، وأجابَهُمْ بما أجابهم به إلى قوله :","part":6,"page":432},{"id":2933,"text":"رَدّ اللَّهُ كيدهُم إلى نُحورهم . وقد تعرَّضَ له جبريلُ -عليه السلام- وهُوَ في الهواء وَقَد رُمي من المنجنيق فعرَضَ عليه نفسه قائلاً : هل مِنْ حاجة؟\rفأجابَ : أَمَّا إليكَ . . . فلا!","part":6,"page":433},{"id":2934,"text":"يقال إنه طلبَ هداية مخصوصة؛ لأنه كان صاحب هداية ، إذ لو لم تكن له هداية لَمَا ذَهبَ إلى رَبِّه . ويحتمل أنه كان صاحبَ هدايةٍ في الحال وطلبَ الهداية في الاستقبال أي زيادةً في الهداية . ويقال طلبَ الهداية على كيفية مراعاة الأدَب في الحضور ، ويقال طلبَ الهداية إلى نفسه لأنه فقدَ فيه قلبه ونفسه فقال سيهديني إليَّ لأقومَ بحقِّ عبُوديته؛ فإن المستهلكَ في حقائق الجمع لا يصحُّ منه أداء العبادة إلاَّ بأن يُردَّ إلى حَالة التفرقة والتمييز .\rومعنى { إِلَى رَبِّى } أي إلى المكان الذي يُعْبدُ فيه ربي .\rويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال : { إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى } : فأخْبر عن قوله .\rوأخبر عن موسى فقال : { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنا } [ الأعراف : 143 ] ، فأخبر عن صفته لا عن قوله . .\rوقال في صفة نبينا A : { سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ . . . } [ الإسراء : 1 ] . [ فأخبر عن ذاته سبحانه ] .\rوفصلٌ بَينَ هذِه المقامات؛ فإبراهيم كان بعين الفرق ، وموسى بعينِ الجمع؛ ونبينا كان بعين جمع الجمع .","part":6,"page":434},{"id":2935,"text":"لمّا قال « حليم » نبَّهَ على أنه سيلقى من البلاء ما يحتاج إلى الحلم في تحمله .","part":6,"page":435},{"id":2936,"text":"{ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ } إشارة إلى وقت توطين القلب عَلَى الوَلد ، رأى إبراهيم - عليه السلام- أنه يُؤمرُ بذبح ابنه إسماعيل ليلةَ التروية ، وسميت كذلك لأنه كان يُروَّي في ذلك طولَ يومه . هَلْ هُو حقٌّ أم لا؟ ثم إنه رأى في الليلة التالية مثل ذلك فَعرف أن رؤياه حق ، فسمي يوم عرفة .\rوكان إسماعيل ابنَ ثلاث عشرة سنة ، ويقال إنه رأى ذلك في النوم ثلاث مرات .\rأن اذبح ابنك ، فقال لإسماعيل : { يَآ بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُك فَانظُرْ مَاذَا تَرَى؟ } فقال إسماعيل : { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ } : أي لا تحكم فيه بحكم الرؤيا ، فإنها قد تصيب وقد يكُون لها تأويل ، فإن كان هَذا أمراً فافعل بمقتضاه ، وإن كان له تاويل فتثبت ، فقد يمكنك ذبح ابنك كلّ وقتٍ لوكن لا يمكنك تلافيه .\rويقال بل قال : أُتركْ حَديثَ الرؤيا واحمله عَلَى الأمر ، وأحملْ الأمر عَلَى الوجوب ، ثم احمله عَلَى الفور ولا تُقصِّرْ .\rويقال قال له : إِن كان يطيب قلبكَ بأَن تذبح ابنك لأجل الله فأنا يطيب قلبي أن يذبحنى أبي لأجل الله .\rويقال قال إسماعيل لأبيه : انتَ خليلُ الله وتنام . . أَلَمْ تعلَمْ أن الخليلَ إذا نام عن خليله يُؤْمَرُ بِذَبْح ابنه؟ مَالَكَ يا أَبَتِ والنوم؟\rويقال في القصة : إنه رآه ذات يوم راكباً على فَرَسٍ أشهب فاستحسنه ، ونَظَرَ إليه بقلبه ، فأُمِرَ بِذَبْحِه ، فلمَّا أخرجه عن قلبه ، واستسلم لذبحه ظَهَرَ الفداء ، وقيل له كان المقصودُ من هذا فراغَ قلبك عنه .\rويقال في القصة : أَمَرَ إسماعيلُ أباه أن يَشُدُّ يديه ورِجْلَيه لئلا يضطربَ إذا مَسَّهُ ألمُ الذَّبح فَيُعاتَب ، ثم لمَّا همَّ بِذَبْحِه قال : افتحْ القيدَ عني حتى لا يقال لي : أمشدودَ اليد جئتني؟ وإني لن أتحركَ :\rولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمَّاً ... لكان السُّمُّ من يدِهِ يطيب\rويقال أيهما كان أشدَّ بلاءً؟ قيل : إسماعيل؛ لأنه وَجَد الذَّبحَ من يد أبيه ، ولم يتعوَّد من يده إلاَّ التربية بالجميل ، وكان البلاءُ عليه أشدَّ لأنه لم يتوقع منه ذلك .\rويقال بل كان إبراهيم أشدَّ بلاءً لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ويعيش بعدَه .\r{ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } فلم يأتِ إسماعيل بالدعوى بل تأدَّب بلفظ الاستثناء .\rويقال لو قال إسماعيل إمَّا لا تَقُلْ : « يا بُنَيَّ » بهذه اللطافة ، وإمَّا لا تَقُلْ : { أَنِّى أَذْبَحُكَ } فإنَّ الجمعَ بينهما عجيب!","part":6,"page":436},{"id":2937,"text":"قيل في التفاسير إنه كان يمرُّ بالسكين على حَلْقِه والسكين لا يُقطَع ، فتعجَّبَ إبراهيمُ ، فنودي : يا إبراهيم ، كان المقصودُ من هذا استسلامكما .\rويقال إن الله سَتَرَ عليهما عِلْمَ ما أُريد منهما في حال البلاء ، وإنما كَشَفَ عنهما بعد مُضِيِّ وقت المحنة لئلا يَبْطُلَ معنى الابتلاَءَ . . . وهكذا يكون الأمر عند البلاء؛ تَنْسَدُّ الوجوهُ في الحال؛ وكذلك كانت حالة النبيّ A . في حال حديث الإفك ، وكذلك حالة أيوب عليه السلام؛ وإنما يتبيَّنُ الأمرُ بعد ظهور آخر المحنة وزوالها ، وإلاَّ لم تكن حينئذٍ محنة [ إلاَّ أنه يكون في حال البلاء إسبالٌ يُولَى مع مخامرة المحنة ] ولكن مع استعجام الحال واستبهامه ، إذ لو كشف الأمر على صاحبه لم يكن حينئذٍ بلاءٌ؛ قال تعالى :","part":6,"page":437},{"id":2938,"text":"قيل كان فداء الذبيح يُرَبَّى في الجنة قبله بأربعين خريفاً .\rوالناس في « البلاء » على أقسام : فبلاءٌ مستعصب وذلك صفة العوام ، وبلاء مستعذب وذلك صفة مَنْ يستعذبون بلاياهم ، كأنهم لا ييأسون حتى إذا قُتِلُوا .","part":6,"page":438},{"id":2939,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَأقَ نَبِيَّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ } .\rوكلُّ هذا بعد البلاء؛ قال تعالى : { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً } [ الشرح : 6 ] .","part":6,"page":439},{"id":2940,"text":"مَنَّ عليهما بالنبوة ، وبالنجاة من فرعون وقومه ، وبنصرته عليهم .","part":6,"page":440},{"id":2941,"text":"يعني التوراة .","part":6,"page":441},{"id":2942,"text":"بالتبري عن الحوْل والقوة ، وشهود عين التوحيد .","part":6,"page":442},{"id":2943,"text":"« إلياس » : قيل هو إدريس ، وقيل غيره ، وكان بالشام ، واسمُ صَنَمِهم « بَعْل » ، ومدينتهم بعلبك . . نذر قومَه فكذَّبوه ، ووَعظَهم فما صَدَّقُوه ، فأهلَكَ قومَه .","part":6,"page":443},{"id":2944,"text":"مضت قصتهُ وكيف نجَّى أَهلَه إلا امرأته التي شارَكَتْهم في عصيانهم ، فحقَّ العذاب عليها مثلما عليهم .","part":6,"page":444},{"id":2945,"text":"فكان في أول أمره يطلب الاستعفاء من النبوة ، ولكن لم يُعْفَ ، ثم استقبله ما استقبله ، فلم يلبث حتى رأى نَفْسَه في بطن الحوت في الظلمة .","part":6,"page":445},{"id":2946,"text":"أي بما يُلاََمُ عليه ، والحقُّ - سبحانه - مُنَزَّهٌ عن الحيفِ في حُكْمِه؛ إذ الخَلْقُ خَلْقُه ، ثم اللَّهُ رَاعَى حقَّ تَعَبُّدِه ، وحَفِظَ ذِمامَ ما سَلَفَ له أداء حقَّه فقال : -","part":6,"page":446},{"id":2947,"text":"فإن كَرَمَ العَهْدِ فينا من الإيمان ، وهو مِنَّا من جملة الإحسان ، « فالمؤمن قد أخذ من اللَّهِ خُلُقاً حسناً » - بذلك ورد الخبر .","part":6,"page":447},{"id":2948,"text":"« سقيم » : في ضعفٍ من الحال لِمَا أثَّر مِنْ كَوْنِهِ قضى وقتاً في بطن الحوت .","part":6,"page":448},{"id":2949,"text":"لِتُظِلَّه ، فإنه كان في الصحراء وشعاعُ الشمس كان يََضُرُّه ، وقَيَّضَ له اللَّهُ ظبيةً ذات وَلَدٍ كانت تجيء فيرضع من لبنها ، فكأنّ الحقَّ أعاده إلى حال الطفولية . ثم إنه رَحِمه ، ورجع إلى قومه ، فأكرموه وآمنوا به ، وكان اللَّهُ قد كَشَفَ عنهم العذاب ، لأنهم حينما خَرَجَ يونسُ من بينهم ندموا وتَضَرَّعوا إلى الله لمَّا رَأَوْا أوائلَ العذاب قد أظلَّتْهم ، فَكَشَفَ الله عنهم العذاب ، وآمنوا بالله ، وكانوا يقولون : لو رأينا يونسَ لَوَقَّرْناه ، وعظَّمْناه ، فرجع يونسُ إليهم بعد نجاته من بطن الحوت ، فاستقبله قومُه ، وأدخلوه بَلَدَهم مُكرّماً .\rويقال : الذَّنْبُ والجُرْمُ كانا من قومه ، فهم قد تُوُعِدُوا بالعذاب . وأمَّا يونس فلم يكن قد أذنب ولا ألَمَّ بمحظور ، وخرج من بينهم ، وكَشَفَ اللَّهُ العذابَ عنهم ، وسَلِمُوا . . واستقبل يونس ما استقبله بل أنه قاسى اللتيا والتي بعد نجاته؛ ويا عجباً من سِرِّ تقديره! فقد جاء في القصة أن الله سبحانه - أوحى إلى يونس بعد نجاته أَنْ قُلْ لفلانٍ الفَخَّار حتى يَكْسِرَ الجِرارَ التي عملها في هذه السنه كلَّها! فقال يونس : يا رب ، إنه قَطَعَ مدةً في إنجاز ذلك ، فكيف آمُرُه بأن يَكْسِرَها كُلَّها؟\rفقال له : يا يونس ، يَرِقُّ قلبُكَ لِخَزّافٍ يُتْلِفُ عَمَلَ سنةٍ . . . وتريدني أن أُهْلِكَ مائةَ ألفٍ من عبادي؟! يا يونس ، إنك لم تخلقهم ، ولو خَلَقْتَهم لَرَحِمْتَهم .","part":6,"page":449},{"id":2950,"text":"لمَّا قالوا في صفة الملائكة إنهم بناتُ الله بَيَّنَ اللَّهُ قُبْحَ قَوْلِهم ، فقال : سَلْهُم من أين قالوا؟ وبأي حُجَّةً حكموا بما زعموا؟ وأي شُبْهَةٍ داخَلَتْهم . ثم إنهم كانوا يستنكفون من البنات ، ويُؤْثِرون البنين عليهن . . ومع كُفرهم وقبيح قولِهم وصفوا القديمَ - سبحانه - بما استنكفوا منه لأَنْفُسهم .","part":6,"page":450},{"id":2951,"text":"أي ما أنتم بفاتنين من الناس إلاَّ من أَغْوَيْتُه بحُكْمِي ، فبه ضَلُّوا لا بإضلالكم .","part":6,"page":451},{"id":2952,"text":"الملائكة لهم مقام معلوم لا يَتَخطَّوْنَ مقامَهم ، ولا يتعدَّوْن حدَّهم ، والأولياءُ لهم مقام مستورٌ بينهم وبين الله لا يُطْلِعُ عليه أحداً ، والأنبياءُ لهم مقام مشهورٌ مؤَيَّدٌ بالمعجزات الظاهرة؛ لأنهم للخَلْقِ قدوة فأَمْرُهُم على الشّهْرِ ، وأَمْرُ الأولياءِ على السَّتْرِ .","part":6,"page":452},{"id":2953,"text":"أي سبقت كلمتنا لهم بالسعادة ، وتقدَّمَ حُكْمنَا لهم بالولاية والرعاية ، فَهُم من قِبَلِنَا منصورون .","part":6,"page":453},{"id":2954,"text":"مَنْ نَصَرَه لا يُغْلَبُ ، ومَنْ قَهَرَه لا يَغْلِب .\rوجُنْدُه الذين نَصَبَهم لنَشْرِ دينه ، وأقامَهم لِنَصْرِ الحقِّ وتبيينه . مَنْ أَراد إذلالَهم فَعَلى أذقانه يخرُّ ، وفي حبل هلاكه ينجرُّ .","part":6,"page":454},{"id":2955,"text":"توَلَّ عنهم - يا محمد - إلى أن تنقضيَ آجالُهم ، وتنتهيَ أحوالُهم ، وانتظِرْ انقضاءَ أيامِهم ، فإنه سينصرم حديثهم وشيكاً :","part":6,"page":455},{"id":2956,"text":"وإنما قال ذلك فيما كانوا يتمنون قيام الساعة ، وكانوا يستعجلون ذلك لِفَرْطِ جهلهم ، ثم لقلة تصديقهم . فإذا نزل العذابُ بساحتهم ، وأناخ البلاءُ بعقوتهم فساء صباحهم . فتولَّ عنهم فَعَنْ قريبٍ سيحصل ما منه يَحْذَرون .","part":6,"page":456},{"id":2957,"text":"{ سُبْحَانَ رَبِّكَ } : تقديساً له ، وسلامٌ على أَنبيائنا ، { وَالْحَمْدُ لِلَّهِ } : أي هو المحمود على ما ساءَ أم سَرَّ ، نَفَعَ أم ضَرَّ .","part":6,"page":457},{"id":2958,"text":"الصَّادُ مفتاحُ اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع . . . أقسم بهذه الأشياء . وبالقرآنِ . وجواب القسم : { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ } .\rويقال : أقسم بصفاءِ مودةِ أحبابه والقرآنِ ذي الذكر أي : ذي الشرف . . . وشَرفُه أنه ليس بمخلوق .","part":6,"page":458},{"id":2959,"text":"في صلابةٍ ظاهرة ، وعدواة بَيِّنة ، وإعراضٍ عن البحث للأدلة ، والسِّرِّ للشواهد .","part":6,"page":459},{"id":2960,"text":"بادوا حين هَجَمَ البلاءُ مستغيثين ، وقد فات وقتُ الإشكاء والإجابة .","part":6,"page":460},{"id":2961,"text":"عَجِبُوا أن جاءَهم مُنْذِرٌ منهم ، ولم يعجبوا أن تكون المنحوتاتُ آلهةً ، وهذه مناقضة ظاهرة . فلمَّا تحيَّروا في شأن أنبيائهم رَمَوْهم بالسحر ، وقسَّموا فيهم القول .","part":6,"page":461},{"id":2962,"text":"لم تباشر خلاصةُ التوحيد قلوبَهم ، وبعدوا عن ذلك تجوزاً ، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحُكْماً ، فلا عَرَفُوا الإلهَ ولا معنى الإلهية؛ فإنَّ الإلهيةَ هي القدرة على الاختراع . وتقديرُ قادِرَيْنِ علىلاختراع غيرُصحيح لِما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه ، ثم إنَّ ذلك يمنع من كمالهما ، ولو لم يكونا كامِلي الوصفِ لم يكونا إِلَهْين ، وكلُّ أمرٍ جرى ثبوتُ سقوطِ فهو مطروحٌ باطل .","part":6,"page":462},{"id":2963,"text":"إذا تواصى الكفارُ فيما بينهم بالصبر على آلهتهم ، فالمؤمنون أَوْلى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم .","part":6,"page":463},{"id":2964,"text":"ركنوا إلى السوء والعادة ، وما وجدوا عليه أسلافَهم من الضلالة ، واستناموا إلى التقليد والهوادة .","part":6,"page":464},{"id":2965,"text":"أي لو استبصروا في دينهم لَمَا أَقدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم ، ولولا أَنَّا أَدَمْنا لهم العوافيَ لَماَ تَفَرَّغُوا إلى طغيانهم .","part":6,"page":465},{"id":2966,"text":"أي : هؤلاء الكفار الذين عارضوا أو نازعوا ، وكّذَّبوا واحتجُّوا . . . أعندهم شيءٌ من هذه لأشياء؟ أم هل هم يقدرون على شيءٍ من هذه الأشياء فيفعلوا ما أرادوا ، ويعطوا من شاؤوا ، أو يرتقوا إلى السماء فيأتوا بالوحي على مَنْ أرادوا؟","part":6,"page":466},{"id":2967,"text":"بل هم جُنْد من الأحزاب المحزبين . كُلُّهم عَجَزَةٌ لا يقدرون على ذلك ، مهزومون . شَبَّهَهُم في بقائهم عن مرادهم بالمهزومين؛ فإن هؤلاء الكفار ليس معهم حُجَّةُ ، ولا لهم قوة ، ولا لأصنامهم أيضاً من النفع والضر مُكْنَة ، ولا في الردِّ والدفع عن أنفسهم قدرة .","part":6,"page":467},{"id":2968,"text":"ذَكَرَ هؤلاء الأقوام في هذا الموضع على الجمع ، وفي غير هذا الموضع على الإفراد ، وفي كل موضع فائدة زائدة في الفصاحة والإفادة بكل وجه .","part":6,"page":468},{"id":2969,"text":"أي ما كان منهم أحدٌ إلاَّ كَذَّبَ الرسلَ فحقَّت العقوبةُ عليه ، واستوجَبَ العذابَ .","part":6,"page":469},{"id":2970,"text":"أي ليسوا ينتظرون إلا القيامة ، وما هي إلا صيحة واحدة ، وإذا قامت فإنها لا تسكن .","part":6,"page":470},{"id":2971,"text":"اصْبرْ - يا محمد - على ما يقولون ، فإنه لن تطولَ مُدَّتُهم ، ولن نَمُدَّ- في مقاساتِكَ أَذَاهم- لُبْثَكَ ومُكْثَكَ ، وعن قريبٍ سينزل اللَّهُ نَصْرَه ، ويصدق لك بالتحقيقِ وَعْدَه .","part":6,"page":471},{"id":2972,"text":"{ ذَا الأَيْدِ } أي ذا القوة ، ولم تكن قُوَّتُه قوةَ نَفْسٍ ، وإنما كانت قوته قوةَ فِعْلٍ؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً- وهو أشدُّ الصوم ، وكان قوياً في دين الله بِنَفْسِه وقلبه وهمته .\r{ أَوَّابٌ } رَجَّاع .","part":6,"page":472},{"id":2973,"text":"كان داود يُسَبِّح ، والجبالُ تُسَبِّح ، وكان داود يفهم تسبيحَ الجبالِ على وجهِ تخصيصٍ له بالكرامة والمعجزة .\rوكذلك الطير كانت تجتمع له فتسبِّح الله ، وداود كان يعرف تسبيحَ الطير؛ وكلُّ مَنْ تَحقَّقَ بحاله ساعَدَه كلُّ شيءٍ كان بقُرْبِه ، ويصير غيرُ جِنْسِه بحُكْمِه ، وفي معناه أنشدوا :\rرُبَّ ورقاءَ هتوفِ بالضُّحى ... ذات شجوٍ صَرَخَتْ في فَنَنِ\rذَكَرَتْ إلفاً ودهراً صالحاً ... وبَكَتْ شوقاً فهاجَتْ حَزَني\rفبُكائي رُبَّما أَرَّقَها ... وبكاها ربما أَرَّقني\rولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمني\rوغير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضاً باجوى تعرفني","part":6,"page":473},{"id":2974,"text":"أي قوَّيْنا مُلْكَه بأنصاره ، وفي التفسير : كان يحفظ مُلْكَه كلَّ ليلةٍ ثلاثةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ .\rقوله جلّ ذكره : { وَشَدَدنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ } .\rأي شددنا مُلْكَه بنصرنا له ودَفْعِنا البلاَءَ عنه .\rويقال شدنا مُلْكَه بالعدل في القضية ، وحُسْنِ السيرة في الرعية .\rويقال شددنا ملكه بقبض أيدي الظَّلَمَة .\rويقال شددنا ملكه بدعاء المستضعفين .\rويقال شددنا مُلْكَه بأن رأى النصرةَ مِنَّا ، وَتَبرَّأَ من حَوْلِه وقُوَّتِه .\rويقال بوزراء ناصحين كانوا يدلُّونه على ما فيه صلاح مُلْكه .\rويقال بِتَيَقُظِه وحُسْنِ سياسته . ويقال بقبوله الحق من كلِّ أحد .\rويقال برجوعه إلينا في عموم الأوقات .\r{ وَءَاتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ } : أي أعطيناه الرُّشْدَ والصوابَ ، والفَهْمَ والإصابة .\rويقال العلم بنفْسِه وكيفية سياسة أمته .\rويقال الثبات في الأمور والحكمة ، وإِحكام الرأي والتدبُّر .\rويقال صحبة الأبرار ، ومجانبة الأشرار .\rوأمَّا { وَفَصْلَ الْخِطَابِ } فهو الحكم بالحق ، وقيل : البينة على مَنْ ادَّعىَ واليمين على مَنْ أنكر . ويقال : القضاء بين الخصوم .","part":6,"page":474},{"id":2975,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ } الآيات .\rأرسل اللَّهُ إلى داود عليه السلام مَلَكَيْنِ من السماء على صورة رجلين فتحاكَمَا إليه تنبيهاً له على ما كان منه من تَزَوُّجِه بامرأة أوريا ، وكان تَرْكُ ذلك أَوْلَى -هذا على طريق مَنْ رأى تنزيهَ الانبياءِ عليهم السلام من جميع الذنوب .\rوأمَّا مَنْ جَوَّزَ عليهم الصغائر فقال : هذا من جملته . وكنَّى الخَصْمان باسم النعجة عن النساء .\rوكان داود عليه السلام قال لله سبحانه وتعالى : إِنَّي لأَجِدُ في التوراة أنَّكَ أعطيتَ الأنبياءَ الرُّتَبَ فأَعْطِنِيها ، فقال : إِنهم صبروا فيما ابتَلَيْتُهم به ، فوعد داودُ من نَفْسِه الصبرَ إذا ابتلاه طمعاً في نَيْلِ الدرجات ، فأخبر اللَّهُ تعالى أنه يبتليه يومَ كذا ، فجعل داودُ ذلك اليوم يوم عبادة ، واختلى في بيته ، وأَمَرَ حُرَّاسَه ألا يؤذيَه أحدٌ بالدخول عليه ، وأغلق علىنَفْسِه البابَ ، وأخذ يُصَلِّي زماناً ، ويقرأ التوراةَ زماناً يتعبَّد . أغلق على نفسه الباب ولكن لم يمكنه غَلْق بابِ السماء . وأَمَرَ حَرَسَه أن يدفعوا عنه الناسَ وكنوا ثلاثين ألف رجل - ويقال أربعة آلاف - ولكن لم يُمْكِنْهم أَنْ يدفعوا عنه حُكْمَ القضاء ، ولقد قال الحكماء : الهاربُ مما هو كائن في كَفِّ الطالبِ يتقلب .\rوكانت في البيت كوَّةٌ يدخل منها الضوء ، فَدَخَلَ طيرٌ صغيرٌ من الذهب ، ووقع قريباً منه ، وكان لداود ابنٌ صغيرٌ فَهَمَّ أن يأخذَه ليدفعَه إلى ابنه ، فتباعَدَ عنه . وجاء في التفاسير : أنه كان إبليس ، قد تصوَّر له في صورة طير ، فَتَبِعَه داود ، ولم يزل الطائرُ يتباعد قليلاً قليلاً ، وداود يتبعه حتى خَرَجَ من الكوة ، وَنَظَر داود في إثره فَوَقَعَ بَصَرُه على امرأة أوريا وهي تغتسل متجردةً ، فعاد إلى قلبه منها شيء ، فكان هذا السبب .\rويقال لم يَرْعَ الاهتمامَ بسبب وَلَدِه حتى فعل به ما فعل ، وفي ذلك لأولي الأبصار عِبْرَةٌ .\rويقال لم يكن أوريا قد تزوَّجَ بها بَعْدُ ، وقد كان خَطَبَها ، وأجابَتْه في التزوج به ، فَخَطَبَ داود على خِطْبَتِه . وقيل بل كانت امرأتَه وسأله أن ينزل عنها ، فَنَزَلَ علىأمره وتزوجها . وقيل بل أرسل أوريا إلى قتال الأعداء فقُتِلَ وتزوَّج بها . فلمَّا تَسَوَّرَ الخصمان عليه ، وقيل دَخَلاَ من سور المحراب أي أعلاه ولذلك : -\r{ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَان بَغَا بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ } .\rنحن خصمان ظَلَمَ بعضُنا بعضاً ، فاحكُمْ بيننا بالعدل .","part":6,"page":475},{"id":2976,"text":"{ أَكْفِلْنِيهَا } أي انزلْ عنها حتى أكفلَها أنا ، { وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ } . أي غلبني ، فقال داود :","part":6,"page":476},{"id":2977,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } فضحك أحدهما في وجه صاحبه ، وصَعدَ إلى السماء بين يديه ، فَعَلِمَ داودُ عند ذلك انه تنبيهٌ له وعتابٌ فيما سَلَفَ منه ، وظنَّ واستيقن أنه جاءَتْه الفتنةُ الموعودة :\r{ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } .\rأخذ في التضرع ، وجاء في التفسير أنه سجد أربعين يوماً لا يرفع رأسَه من السجود إلا ( للصلاة ) المكتوبة عليه ، وأخذ يبكي حتى نَبَتَ العُشبُ من دموعه ، ولم يأكل ولم يشرب في تلك المدة ، حتى أوحى اللَّهُ إليه بالمغفرة ، فقال : يا رب ، فكيف بحديث الخصم؟ فقال : إني استوهبْتُك منه ، وقال تعالى :","part":6,"page":477},{"id":2978,"text":"إن له عندنا لَقُربةً وحُسْنَ رجوع ، وقيل : كان لا يشرب الماء إلا ممزوجاً بدموعه . ويقال لمَّا التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة والبكاء والتضرع والاستخذاء وَجَدَ المغفرةَ والتجاوز . . . وهكذَا مَنْ رجع في أوائل الشدائد إلى الله فاللَّهُ يكفيه مما ينوبه ، وكذلك مَنْ صَبَرَ إلى حين طالت عليه المحنة . ويقال إنَّ زَلّةً أَسَفُكَ عليها يوصلك إلى ربِّك أَجْدَى عليك من طاعةٍ إعجابُكَ بها يُقْصِيكَ عن ربِّك .","part":6,"page":478},{"id":2979,"text":"{ جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً } أي بعد مَنْ تَقَدَّمَكَ من الأنبياء عليهم السلام . وقيل حاكماً من قِبَلِي لتحكمَ بين عبادي بالحقِّ ، وأوصاه بألا يتبعَ في الحكم هواه تنبيهاً على أنَّ أعظمَ جنايات العبد وأقبحَ خطاياه متابعةُ الهوى .\rولما ذَكَرَ اللَّهُ هذه القصة أعقبها بقوله :\r{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ } « باطلاً » أي وانا مُبْطِلُ في خلقهما ، وبل كان لي ما فعلْتُ وأنا فيه مُحِقٌّ .\rويقال ما خلقتهما للبطلان بل لأمرهما بالحقِّ .\rثم أخبر أنه لا يجعل المفسدين كالمحسنين قط .","part":6,"page":479},{"id":2980,"text":"{ مُبَارَكٌ } وهو القرآن ، ومبارك أي كبيرُ النّفْعِ ، ويقال مباركٌ أي دائمٌ باقٍ لا ينسخه كتابٌ؛ مِنْ قولهم بَرَكَ الطيرُ علىلماء . ويقاَل مباركٌ لِمَنْ آمَنَ به وصَدَّقَ . ثم إنه بَيَّنَ أَنَّ البركةَ في تَدَبُّرِهِ والتفكُّرِ في معانيه .","part":6,"page":480},{"id":2981,"text":"{ نِعْمَ الْعَبْدُ } لأنه كان أَوَّباً إلى الله ، راجعاً إليه في جميع الأحوال؛ في النعمة بالشكر ، وفي المحنة بالصبر .","part":6,"page":481},{"id":2982,"text":"{ الصَّافِنَاتُ } جمع صافنة وهي القائمة ، وفي التفاسير هي التي تقوم على ثلاث قوائم؛ إذ ترفع إحدى اليدين عل سُنْبُكِها . وجاء في التفاسير أن سليمان كان قد غَزَا أهلَ دمشق ، وأصابَها منهم ، وقيل وَرِثَهَا عن أبيه داود وكان قد أصابها من العمالقة ، وقيل كانت خيلاً لها أجنحة خرجت من البحر .\rوفي بعض التفاسير عُرِضَ عليه عشرون ألف فرسٍ فَشَغَلَتْه عن بعض أذكاره لله .\r{ بِالْعَشِىِّ } : في آخر النهار ، وقيل كان ذلك صلاة العصر .","part":6,"page":482},{"id":2983,"text":"أي لَصقْتُ بالأرض لحُبِّ المال . ويقال لمَّا سَبَّلَ هذه الأفراس عَوَّضَه الله - سبحانه - بأن سَخَّرَ له الريح ، وهذا أبلغ ، وكلُّ مَنْ تَرَكَ شيئاً لله لم يخسر على الله .","part":6,"page":483},{"id":2984,"text":"قيل أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراماً منه لها بعد لها بعدأن فَرَغَ من صلاته .\rوقيل عَرْقَبَها ( ليذبحها فَحَبَسَها بالعرقبة عن النفار ) ، وقيل وَضَعَ عليها الكيَّ فَسَبَّلَها ، وإيش ما كان فكلُّ ذلك كان جائزاً في شرعه .","part":6,"page":484},{"id":2985,"text":"اختلف الناسُ في هذه الفتنة؛ ومنها أنه كانت له مائة امرأة فقال : « لأَطوفَنَّ على هؤلاء فيولد من كل واحدةٍ منهن غلام يقاتل في سبيل الله » ولم يَقُلْ إن شاء الله ، ولم تَحْمِلْ إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءت بشق مولود ، فألقته على كرسيِّه ، فاستغفر ربه من تَرْك الاستنشاء ، وكان ذلك ترك ما هو الأَوْلَى .\rوقيل كان له ابن ، وخافت الشياطين أن يبقى بعد موت أبيه فيرثه ، فَهَمُّوا بقَتْلِه ، فاستودعه الريح في الهواء لئلا تصل إليه الشياطينن ، فمات الولد ، وألفته الريح على كرسيه ميتاً . فالفتنة كانت في خوفه من الشياطين وتسليمه إلى الهواء ، وكان الأوْلَى به التوكل وتَرْكَ الاستعانة بالريح .\rوقيل في التفاسير : إنه تزوج بامرأة كانت زوجة مَلِكٍ قهره سليمان ، وسَبَاها ، فقالت له : إن أَذِنْتُ لي أَنْ اتَّخِذَ تمثالاً على صورةٍ لأبي لأتسلَّى بنظري إليه؟ فأَذِنَ لها ، فكانت ( تعظمه وتسجد له مع جواريها أربعين يوماً ) ، وكانت تعبده سِرّاً ، فعوقب عليه .\rوقيل كان سبب بلائه أن امرأة كانت مِنْ أَحَبِّ نسائه إليه ، وكان إذا أراد دخول الخللاء نَزَعَ خاتمه ودَفَعَه إليها ، وهي على باب الخلاء ، فإذا خَرَجَ استردَّه . وجاء يوماً شيطانٌ يُقَال له « صخر » على صورة سليمان وقال لامرأته : ادفعي إليَّ الخاتم فدفعته ، ولبسه ، وقعد على كرسيه ، يُمَشِّي أمورَه -إلا التصرفَ في نسائه- فقد منعه اللَّهُ عن ذلك . فلمَّا خرج سليمانُ طَالَبَ المرأة بالخاتم ، فقالت : الساعةَ دَفَعْتُه إليك . فظَنَّ أنه فُتِنَ ، وكان إذا أخبر الناسَ أنه سليمان لا يُصَدِّقُونه ، فخرج ( هارباً إلى ساحل البحر ) ، وأصابته شدائد ، وحمل سَمَكَ الصيادين بأجرةٍ حتى يجدَ قُواتاً .\rولما اتهم ( بنو إسرائيل ) الشيطانَ ( واستنكروا حُكْمَه ) نشروا التوراة بين يديه ففرَّ ورمى بالخاتم في البحر ، وطار في الهواء . ولمَّا أَذِنَ اللَّهُ رَدَّ مُلْكَ سليمان إليه ، ابتلعت سمكةٌ خاتمه ، ووقعت في حبال الصيادين ، ودفعوها إلى سليمان في أجرته ، فلمَّا شقَّ بَطْنَهَا ورأى خاتَمه لبسه ، وسَجَدَ له الملاحون ، وعاد إلى سرير مُلْكَه .","part":6,"page":485},{"id":2986,"text":"أي مُلْكاً لا يسلبه أحدٌ مني هذا كما سُلِبَ مني في هذه المرة .\rوقيل أراد انفراده به ليكونَ معجزةً له على قومه .\rوقيل أراد أنه لا ينبغي لأحدٍ من بعدي أن يسأل المُلْكَ ، بل يجب أن يَكِلَ أمرَه إلى الله في اختياره له .\rويقال لم يقصد الأنبياء ، ولكن قال لا ينبغي من بعدي لأحدٍ من الملوك .\rوإنما سأل المُلْكَ لسياسة الناس ، وإنصافِ بعضهم من بعض ، والقيام بحقِّ الله ، ولم يسأله لأَجْلِ مَيْلِه إلى الدنيا . . . وهو كقول يوسف : { اجْعَلْنِى عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [ يوسف : 55 ] .\rويقال لم يطلب المُلْكَ الظاهرَ ، وإنما أراد به أن يَمْلِكَ نَفْسَه ، فإن المَلِكَ -على الحقيقة- مَنْ يَمْلِكَ نَفْسَه ، ومَنْ مَلََكَ نَفْسَه لم يَتَّبعْ هواه .\rويقال أراد به كمالَ حالهِ في شهود ربِّه حتى لا يَرَى معه غيرَه .\rويقال سأل القناعةَ التي لا يبقى معها اختيار .\rويقال علم أن سِرَّ نبيِّنا - A - ألا يلاحِظَ الدنيا ولا ملكَها فقال : { لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِى } [ ص : 35 ] لا لأنه بَخِلَ به على نبيِّنا A ولكن لِعِلْمِه أنه لا ينظر إلى ذلك .","part":6,"page":486},{"id":2987,"text":"شكَرَ اللَّهُ سَعْيَه ، وسَخَّرَ له الريحَ بَدَلاً من الأفراس؛ فلا يحتاج في إمساكها إلى العَلَفِ والمُؤَنِ .","part":6,"page":487},{"id":2988,"text":"كما سخَّرنا له الشياطين .\rثم قال : { هَذَا عَطَآؤُنَا . . . } أي فأَعْطِ أَو أَمْسِكْ ، واحفظْ وليس عليك حساب .\rوالمشيُ في الهواء للأَولياء ، وقَطْعُ المسافاتِ البعيدة في مدة يسيرة مما يعلم وجوده قطعاً في الأمه - وإنْ لم يعلمه الأفراد والآحاد على التعيين . وإظهاره على خَدَمِ رسول الله A لشرفه يَدُلُّ على أن مقامه - A - أشرف .","part":6,"page":488},{"id":2989,"text":"أي بما كان يوسوس إليه بتذكيره إياه ما كان به من البَلِيَّة ، وقيل لما كان قال ( أي الشيطان ) لامرأته : اسجدي لي حتى أردَّ عليكم ما سلبتكُم .\rويقال إن سبب ابتلائه أنه استعان به مظومٌ فلم يَنْصُرْه . . . فابتُلِيَ .\rويقال استضافَ الناسَ يوماً فلمَّا جاءَه ابنُ فقيرٍ مَنَعَه من الدخول .\rويقال كان يغزو مَلِكاً كافراً ، وكان لأيوب غَنَمٌ في ولايته ، فداهَنَه لأَجْلِ غَنَمِه في القتال .\rويقال حَسَدَه إبليسُ ، فقال : لَئِنْ سَلَّطْتني عليه لم يشكر لك .\rويقال كان له سبع بنات وثلاثة بنين في مكتب واحدٍ ، فَجَرَّ الشيطانُ الاسطوانة فانهدم البيت عليهم .\rويقال لبث أيوب في البلاء ثماني عشرة سنه ، وقيل أربعين سنة ، وقيل سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات .","part":6,"page":489},{"id":2990,"text":"لمَّا أراد اللَّهُ كَشْفَ البلاءِ عنه قال له : { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } ، فركض ، فظَهَرت عينُ ماءٍ باردٍ فاغتسل به ، فعاد إليه جمالُه وكمالُه . وقيل الأولى كانت عيناً حارةً والثانية باردة ، واغتسل ، ورَدَّ الله وشَعْرَه وبشره ، وأحيا أولاده وأهله ، وقيل بل يردُّهم إليه في الجنة في الآخرة .","part":6,"page":490},{"id":2991,"text":"الضِغْث الحزمة من القضبان ، وقيل كانت مائة ، وأُمِرَ بأن يضرب بها دفةً على امرأته لئلا يحنث في يمينه ، فإنه كان قد حلف أن يضربها مائةَ خشبةٍ إِنْ صحَّ ( أنها أخطأت ) . فَشَكَرَ اللَّهُ لها لبراءةِ ساحتِها ، وصبرها على خدمته . وسببُ يمينه أنه لما قال لها إبليسُ : اسجدي لي؛ أخبرت أيوبَ بذلك ، فغاظه حيث سمعت من إبليس ذلك وظنَّتْ أنه صادق . وقيل باعت ذوائبها برغيفين حملتهما إليه فتوهَّمَ في ذلك رِيبةً ، وكان أيوب يتعلَّق بذوائبها ( إذا أراد القيام ) . وقيل رابه شيءٌ منها فَحَلَف ( أن يضربها بعد شفائه ) .\r{ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً . . . } : والصبرُ ألا تعترضَ على التقدير .\rويقال الصبر الوقوف تحت الحُكْم . ويقال التلذُّذ بالبلاء ، واستعذابُه دون استصعابه . ويقال اصبر الوقوف مع الله بحسن الأدب .\rولم يَنْفِ قولُه { مَسَّنِىَ الضُّرُّ } [ الأنبياء : 83 ] اسمَ الصبرِ عنه؛ لأنَ ذلك لم يكن على وجه الشكوى ، ولأنه كان مرة واحدة ، وقد وقف الكثيرَ من الوقت ولم يَقُلْ مَسَّني الضُّرُّ؛ فكان الحُكْمُ للغالب .\r{ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } لم يشغلْه البلاءُ عن المُبْلِي . ونِعْمَ العبدُ لأنه خرج من البلاء على الوجه الذي دخل فيه .","part":6,"page":491},{"id":2992,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأَيْدِى وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ } .\r{ أُوْلِى الأَيْدِى } : أي القوة . { وَالأَبْصَارِ } أي البصائر .\r{ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ } : أي بفضيلة خالصة وهي ذكر الجنة والنار ، أوبدعاء الناس إلى الجنة والهرب مِنَ النار . ويقال بسلامة القلب من ذكر الدارين؛ فلا يكون العمل على ملاحظة جزاء . ويقال تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكري الدار ، { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ } .","part":6,"page":492},{"id":2993,"text":"{ وَذَا الْكِفْلِ } : قيل كان تَكَفَّلَ لله بعمل رجلٍ صالحٍ مات في وقته ، وقيل كَفَلَ مائةً من بني إسرائيل هربوا من أمير لهم ظالمٍ ، فكان يُنْفِقُ عليهم .\rويقال كان اليسعُ وذو الكفل أَخَوَيْن .","part":6,"page":493},{"id":2994,"text":"أي هذا القرآن فيه ذِكْرُ ما كان ، وذِكْرُ الأنبياء والقصص .\rويقال إنَّه شرفٌ لك؛ لأن معجزةٌ تدل على صِدْقِك ، وإن للذين يتَقَّوُن المعاصِيَ لَحُسْنَ المُنْقَلَبِ .","part":6,"page":494},{"id":2995,"text":"أي إذا جاؤوها لا يلحقهم ذُلُّ الحجاب ، ولا كُلْفَةُ الاستئذان ، تستقبلهم الملائكةُ بالترحاب والتبجيل . متكئين فيها على أرائكهم ، يدعون فيها بفاكهةٍ كثيرة وشارب على ما يشتهون ، وعندهم حورٌ عين قاصراتُ الطَّرْفِ عن غير أزواجهن ، ( أتراب ) : لِدَاتٌ مُستَوِيَاتٌ في الحُسْنِ والجمال والشكل .","part":6,"page":495},{"id":2996,"text":"لَشَرَّ مَرْجع ومُنْقَلَبٍ؛ وهي جهنم يدخلونها فيبقون مُعّذَّبِين فيه ، وبِئْس المكانُ ذلك!","part":6,"page":496},{"id":2997,"text":"« حميم » : هو الماء الحلو ، و « غسَّاق » هو عصارة أهل النار ، ويقال هو زمهرير جهنم .","part":6,"page":497},{"id":2998,"text":"أي فنون أخرى من مثل ذلك العذاب .","part":6,"page":498},{"id":2999,"text":"هؤلاء قومٌ يقتحمون النارَ معكم وهم أتابعكم ، ويقول الأتباع للمتبوعين : لا مرحباً بكم؛ أنتم قدمتموه لنا بأمركم فوافقناكم ، ويقولون :\r{ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هّذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى النّارِ } .\rفيقال لهم كُلُّكُم فيها ، ولن يفترَ العذابُ عنكم .","part":6,"page":499},{"id":3000,"text":"يقول الكفار عندما يدخلون النار : ما لنا لا نرى رجالاً كُنَّا نعدهم في الدنيا من الأشرار والمستضعفين . . . فَلَسْنَا نراهم ها هنا؟ أهم ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارُنا؟ يقوله أبو جهل وأصحابُه يعنون بلالاً والمستضعفين ، فيُعَرَّفون بأنهم في الفردوس ، فتزداد حسراتُهم .","part":6,"page":500},{"id":3001,"text":"أي إن مخاصمةَ أهل النارِ في النار لَحَقٌّ .","part":7,"page":1},{"id":3002,"text":"قل يا محمد : إنما أنا مُنْذِرٌ مخوِّفٌ ، مُبَلِّغٌ رسالةَ ربي ، وما من إلهِ إلا الله الواحد الذي لا شريك له .","part":7,"page":2},{"id":3003,"text":"أي الذي أَتَيْتُكم به من الاخبار عن القيامة والحَشْرِ ، والجنة والنار ، وما أخبرتكم به عن نُبُوَّتي وصِدْقي هو نبأ عظيمٌ ، وأنتم أعرضْتُم عنه .\rوما كان لي من عِلْم بالملأ الأعلى واختصامهم فيه لولا أَنَّ الله عَرَّفني ، وإلا ما كُنْتُ عَلِمْتُه . والملأَ الأعلّى قومٌ من الملائكة في السماء العليا ، واختصامهم كان في شأن آدم حيث قولوا : أتجعل فيها مَنْ يُفْسِد فيها؟\rوقد ورد في الخبر : « أن جبريل سأل الرسولَ A عن الاختصام فقال : لا أدري . فقال جبريل : في الكفارات والدرجات؛ فالكفارات إسباغُ الوضوء في السَّبْرَات ، ونَقْل الأقدامِ إلى الجماعات ، وأما الدرجات فإفشاءُ السلام ، وإطعامُ الطعام ، والصلاةُ بالليل والناسُ نيام » ، وإنما اختلفوا في بيان الأجر وكمية الفضيلة فيها- فيجتهدون ويقولون إن هذا أفضل من هذا ، ولكنهم في الأصل لا يجحدون .\r. . . وهذا إنما يُوحى إليَّ وأنا منذرمبين .","part":7,"page":3},{"id":3004,"text":"إخباره الملائكة بذلك إنما يَدُلُّ على تفخيم شأن آدم؛ لأنه خَلَقَ ما خَلَقَ من الكونين ، والجنة والنار ، والعرش والكرسي ، والملائكة ، ولم يقل في صفة شيءٍ منها ما قال في صفة آدم وأولاده . ولم يأمر بالسجود لأَحَدٍ ولا لشيءٍ إلا لآدم ، وسبحان الله! خَلَقَ أَعَزَّ خَلْقِه من أَذَلِّ شيءٍ وأَخَسِّه وهو التراب والطين .","part":7,"page":4},{"id":3005,"text":"روحُ آدم - وإنْ كانت مخلوقة - فَلَها شَرَفٌ على الأرواح لإفرادها بالذكر ، فلمَّا سوَّى خَلْقَ آدم ، ورَكَّبَ فيه الروح جلَّلَه بأنوار التخصيص ، فوقعَتْ هيبته على الملائكة ، فسجدوا لأمره ، وظهرَتْ لإبليسَ شقاوتهُ ، ووقع - بامتناعه - في اللعنة .","part":7,"page":5},{"id":3006,"text":"من هنا وقع في الغلط؛ تَوَهَّمَ أَنَّ التفضيل من حيث البنية والجوهرية ، ولم يعلم أن التفضيلَ من حيث القسمة دون الخِلْقَة .\rويقال ما أودع اللَّهُ - سبحانه - عند آدم لم يوجد عند غيره ، ففيه ظهرت الخصوصية .","part":7,"page":6},{"id":3007,"text":"قال فاخرج من الجنة ، ومن الصورة التي كنت فيها ، ومن الحالة التي كنتَ عليها ، { فإِنَّكَ رَجِيمٌ } مَرْمِيٌّ باللَّعنِ مني ، وبالشُّهب من السماء ، وبالرجوم من قلوب الأولياء إنْ تَعَرَّضْتَ لهم .","part":7,"page":7},{"id":3008,"text":"من كمال شقاوته أنه جرى على لسانه ، وتعلَّقت إرادتُه بسؤال إنظاره ، فازداد إلى القيامة في سبب عقوبته ، فأَنْظَرَهُ اللَّهُ ، وأجابه ، لانه بلسانه سأل تمامَ شقاوته .","part":7,"page":8},{"id":3009,"text":"ولو عَرَفَ عِزَّتَه لَمَا أقسم بها على مخالفته .\rويقال تجاسُرُه في مخاطبة الحقِّ -حيث أصَرَّ على الخلاف وأقسم عليه -أَقْبَحُ وأَوْلى في استحقاق اللعنة من امتناعه للسجود لآدم .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقََّ أَقُولُ لأَمَلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } .\rوختم الله سبحانه السورة بخطابه إلى الرسول A :\r{ قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } .\rما جئتكم من حيث أنا ، ولا باختياري ، وإنما أُرْسِلْتُ إليكم .\r{ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } يعني القرآن ، عظة لكم .\r{ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } وعُلِمَ صِدْقُه بعد ما استمرت شريعتُه ، فإن مثل ذلك إذا كان باطلاً لا يدوم .","part":7,"page":9},{"id":3010,"text":"أي هذا كتابٌ عزيزٌ نَزَلَ من ربِّ عزيز على عبدٍ عزيز بلسان مَلَكٍ عزيز في شأنِ أَمةٍ عزيزة بأمرٍ عزيز . وفي ورود الرسولِ به من الحبيب الأول نزهةٌ لقلوب الأحباب بعد ذبول غصن سرورها ، وارتياحٌ عند قراءة فصولها .\rوكتابُ موسى في الألواح التي كان منها يقرأ موسى ، وكتابُ نبيَّنا A نَزَلَ به الروحُ الأمينُ على قلبِ المصطفى صلوات الله عليه . . . وفَصْلٌ بين من يكون كتابُ ربِّه مكتوباُ في ألواحه ، وبين من يكون خطابُ ربِّه محفوظاً في قلبه ، وكذلك أمته ، قال تعالى : { بَلْ هُوَ ءَايَاتُ بَيِّنَاتٌ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } [ العنكبوت : 49 ] .","part":7,"page":10},{"id":3011,"text":"أي أنزلنا عليك القرآن بالدين الحق والشرع الحق ، وأنا مُحِقٌّ في إنزاله .\rوالعبادة الخالصة معانقة الأمر على غاية الخشوع ، وتكون بالنَّفْس والقلب والروح؛ فالتى بالنفس فالإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص ، والتي بالقلب فالإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص ، والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقِّي عن طلب الاختصاص .","part":7,"page":11},{"id":3012,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقْرِبُونَا ِلَى اللَّهِ زُلْفَى } .\rالدين الخالص ماتكون جملته لله؛ فما للعبد فيه نصيب فهو من الإخلاص بعيد ، اللهم أن يكون بأمره؛ إذا أَمَرَ العبدَ أن يحتسب الأجرَ على طاعته فإطاعته لا تخرجه عن الإخلاص باحتسابه ما أمره به ، ولولا هذا لَمَا صحَّ أَنْ يكونَ في العَالَم مُخْلِصٌ .\r{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ . . . } أي الذين عبدوا الاصنام قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، ولم يقولوا هذا من قِبَلِ الله ولا بأمره ولا بإذنه ، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم ، فَرَدَّ اللَّهُ عليهم . وفي هذا إشارة إلى أن ما يفعله العبد من القُرَبِ بنشاطِ نَفْسِه من غير أن يقتضيه حُكْمُ الوقت ، وما يعقد بينه وبين الله مِنْ عقودٍ ثم لا يَفِي بها . . فكل ذلك اتباعُ هوًى ، قال تعالى : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } [ الحديد : 27 ] .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كّاذِبٌ كَفَّارٌ } .\rلا تَهديهم اليومَ لدينه ، ولا في الآخرة إلى ثوابه . والإشارة فيه إلى تهديد مَنْ يتعرَّض لغير مقامه ، ويدَّعي شيئاً ليس بصادقٍ فيه ، فاللَّهُ لا يهديه قط إلا ما فيه سَدادُه ورُشْدُه . وعقوبتُه أَنْ يَحْرِمَه ذلك الشيءَ الذي تصدَّى له بدعواه قبل تَحققِه بوجوده وذَوْقِه .","part":7,"page":12},{"id":3013,"text":"خاطَبَهم على قَدْرِ عقولهم وعقائدهم حيث قالوا : المسيحُ ابن اللَّهِ ، وعُزَيْرُ وَلَدُ اللَّهِ؛ فقال : لو أراد أن يتَّخِذَ وَلَداً للتبنِّى والكرامة لاخْتَارَ من الملائكة الذين هم مُنْزَّهون عن الأكل والشرب وأوصاف الخَلْقِ .\rثم أخبر عن تَقَدُّسِه عن ذلك فقال : { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } تنزيهاً له على اتخاذ الأولاد . . . لا في الحقيقة لاستحالة معناه في نَعْتِه ، ولا بالتبنِّي لِتَقَدُّسِه عن الجنسية والمحالات ، وإنما يذكر ذلك على جهة استبعاد ، ؛ إذا لو كان ذلك فيكف كان يكون حُكْمُه؟ كقوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] .","part":7,"page":13},{"id":3014,"text":"قوله جلّ ذكره : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِ } .\rأي خَلَقَهما وهو مُحِقٌّ في خلقهما .\r{ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكّوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى } .\rيُدْخِلُ الليلَ على النهارِ ، ويدخل النهارَ على الليل في الزيادة والنقصان ، وسَخَّرَ الشمسَ والقمرَ . وقد مضى فيما تقدم اختلافُ أحوالِ العبد في القبض والبسط ، والجَمْع والفَرْق ، والأخذ والرد ، والصحو والسُّكْرِ ، ونجوم العقل وأقمار العلم ، وشموس المعرفة ونهار التوحيد ، وليالي الشَّكِّ والجَحْدِ ونهار الوصل ، وليالي الهجر والفراق وكيفية اختلافها ، وزيادتها ونقصانها .\r{ أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } .\r« العزيز » المتعزِّز على المحبين ، « الغفار » للمذنبين .","part":7,"page":14},{"id":3015,"text":"[ النساء : 1 ] يعني آدم وحواء .\r{ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ } أي خلق لكم ، { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } فمن الإبل اثنين ، ومن البقر اثنين ، ومن الضأن اثنين ، ومن المواشي اثنين .\r{ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ } : أي يصورِّكم ، ويُرَكِّب أحوالكم .\r{ فِى ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ } : ظلمة البطن ، وظلمة الرَّحِم ، وظلمة المشيمة . ذَكَّرَهم نسبتهم لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم .\rويقال بَيَّنَ آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خِلْقَتِك - من قطرتين - أمشاجاً متشاكلةَ الأجزاء ، مختلفة الصُّوَرِ في الأعضاء ، سَخَّرَ بعضَها مَحَالَّ للصفات الحميدة كالعلم والقدرة والحياة . . . وغير ذلك من أحوال القلوب ، وسَخَّرَ بعضها مَحَالَّ للحواش كالسمع والبصر والشَّمِّ وغيرها .\rويقال هذه كلها نِعَمٌ أنعم اللهُ بها علينا فَذَكَّرَنا بها - والنفوسُ مجبولةٌ ، وكذلك القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسن إليها - استجلاباً لمحبتنا له .\r{ ذَالِكُمْ اللَّهُ رَبِّكُمْ . . . } أي إن الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه هو\rربُّكم . أي : أنا خلقتكم وأنا رزقتكم وأنا صَوَّرتُكم فأحسنت صُورَرَكم ، وأنا الذين أسبَغْتُ عليكم إنعامي ، وخصصتكم بجميل إكرامي ، وأغرقتكم في بحار أفضالي ، وعرفتكم استحقاق جمالي وجلالي ، وهديتكم إلى توحيدي ، وألزمتكم رعايةَ حدودي . . . فما لكم لا تَنْقَطِعون بالكلية إليَّ؟ ولا ترجون ما وَعَدْتُكم لديَّ؟ وما لكم في الوقت بقلوبكم لا تنظرون إليَّ؟","part":7,"page":15},{"id":3016,"text":"إنْ أعرضتم وأَبَيْتُم ، وفي جحودكم تماديتم . . . فَمَا نَفْتَقِرُ إليكم؛ إذا نحن أغنياء عنكم ، ولكنّي لا أرضى لكم أن تبقوا عني!\rيا مسكين . . . أنت إنْ لم تكن لي فأنا عنكَ غنيٌّ ، وأنا إن لم أكنْ لك فمن تكون أنت؟ ومَنْ يكون لك؟ مَنْ الذي يُحْسِنُ إليك؟ مَنْ الذي ينظر إليك؟ من الذي يرحمك؟ من الذي ينثر الترابَ على جراحِك؟\rمن الذي يهتم بشأنك؟ بمن تسلو إذا بَقِيتَ عنِّي؟ مَنْ الذي يبيعك رغيفاً بمثاقيل ذهب؟! .\rعَبْدي . . . أنا لا أرضى ألا تكونَ لي وأنت ترضى بألا تكون لي! يا قليلَ الوفاء ، يا كثيرَ التجنِّي!\rإن أطَعْتَنِي شَكَرْتُك ، وإن ذكَرْتَنِي ذكرتُك ، وإن خَطَوتَ لأَجْلي خطوةً ملأتُ السمواتِ والأرضين من شكرك :\rلو عَلِمْنا أنَّ الزيارةَ حقٌّ ... لَفَرَشْنَا الخدودَ أرضاً لترضى","part":7,"page":16},{"id":3017,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً } .\rإذا مَسَّه ضُرٌّ خَشَعَ وخَضَع ، وإلى قُرْبه فزع ، وتملَّق بين يديه وتضرع . فإذا أزال عنه ضُرَه ، وكفاه أمرَه ، وأصلح شغْلَه نَسِيَ ما كان يدعو إليه من قبل ، وجعل لله أنداداً ، فيعود إلى رأس كفرانه ، وينهمك في كبائر عصيانه ، ويُشْرِكَ بمعبوده . هذه صِفَتُه . . . فَسُحْقاً له وبُعْداً ، ولِسَوف يَلْقى عذاباً وخِزْياً .","part":7,"page":17},{"id":3018,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الأَخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِهِ . . . } .\r« قانتاً » : القنوتُ هو القيامُ ، وقيل طول القيام . والمراد هو الذي يقوم بحقوق الطاعةِ أوقاتَ الليل والنهار؛ أي في جيمع الأوقات .\rوالهمزة للاستفهام أي أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟ أمن هو قانت كالكافر الذي جرى ذِكْرُه؟ أي ليس كذلك .\rويقال القنوتَ القيامُ بآداب الخدمة ظاهراً وباطناً من غير فتور ولا تقصير .\r« يَحْذَرُ » العذابَ الموعودَ في الآخرة ، « ويرجو » الثوابَ الموعودَ . وأراد بالحَذَرِ الخوف .\r{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتّذَكَّرُ أُوْلُواْ الألْبَابِ } .\rأي هل يستويان؟ هذا في أعلى الفضائل وهذا في سوء الرذائل! { الَّذِينَ يَعْلَمُونَ } : العِلْمُ في وصف المخلوق على ضربين : مجلوبٌ مُكْتَسَبٌ للعبد ، وموهوبٌ مِنْ قِبَل الربِّ . ويقال مصنوع وموضوع . ويقال علمُ برهانٍ وعلمُ بيان؛ فالعلومُ الدينية كلُّهَا برهانية إلاَّ ما يحصل بشرط الإلهام .","part":7,"page":18},{"id":3019,"text":"أطيعوه واحذروا مخالفةَ أمره . { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا } بأداء الطاعات ، ( والإحسان هو الإتيان بجيمع وجوه الإمكان ) .\r{ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ } : أي لا تَتَعَلَّلوا بأذى الأعداء؛ إِنْ نَبَأ بِكُم منزلٌ فَتَعَلُّلُكم بمعاداة قوم ومَنْعِهِم إياكم -لا يُسْمَع ، فأرضُ اللَّهِ واسعةٌ ، فاخْرُجُوا منها إلى موضع آخر تتم لكم فيه عبادتُكم .\r{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بَغَيْرِ حِسَابٍ } . والصبر حَبْسُ النَّفْس على ما تكرهه . ويقال هو تجرُّعُ كاسات التقدير من غير استكراهٍ ولا تعبيس .\rويقال هو التهدُّفُ لسهام البلاء .","part":7,"page":19},{"id":3020,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } .\rمضى القولُ في معنى الإخلاص . وفي الخبر : إن الله يقول : « الإخلاص سِرٌّ بين الله وعَبْدِه » .\rويقال الإخلاصُ لا يُفْسِدُه الشيطان ولا يطَّلِعُ عليه المَلَكَان .\r{ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ } { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } في وقتي وفي شرعي . والإسلامُ الانقيادُ لله بكل وجه .","part":7,"page":20},{"id":3021,"text":"أخاف أصنافَ العذابِ التي تحصل في ذلك اليوم .","part":7,"page":21},{"id":3022,"text":"هذا غاية الزجر والتهديد ، ثم بيَّنَ أن ذلك غاية الخسران ، وهو الخزي والهوان . والخاسِرُ - علىلحقيقة - مَنْ خَسِرَ دنياه بمتابعة الهوى ، وخَسِرَ عُقُباه بارتكابه ما الربُّ عنه نَهَى ، وخَسِرَ مولاه فلم يستح منه فيما رأى .","part":7,"page":22},{"id":3023,"text":"أحاط بهم سُرَادقُها؛ فهم لا يخرجون منها ، ولا يَفْتُرُون عنها . كما أنهم اليومَ في جهنم عقائدِهم؛ يستديم حجابُهم ، ولا ينقطع عنهم عقابهم .\r{ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ . . . } إِنْ خِفْتَ اليومَ كُفِيتَ خوفَ ذلك اليوم وإِلاَّ فبين يديك عقبة كَؤُود .","part":7,"page":23},{"id":3024,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرَى } .\rطاغوت كلّ إنسانٍ نَفْسُه؛ وإنما يجتنبُ الطاغوتَ مَنْ خالف هواه ، وعانَقَ رضا مولاه . وعبادةُ النَّفْس بموافقة الهوى -وقليلٌ مَنْ لا يعبد هواه ، ويجتنب حديث النَّفْسِ .\r{ وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ } : أي رجعوا إليه في كل شيء .\rقوله جلّ ذكره : { فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ ألَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } .\r{ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ } يقتضي أن يكون الاستماع لكل شيء ، ولكن الاتباع يكون للأحسن . « أحسنه » : وفيه قولان؛ أحدهما أن يكون بمعنى الحَسَن ولا تكون الهمزة للمبالغة ، كما يقال مَلِكٌ أَعِزُّ أي عزيز . والثاني : الأحسن على المبالغة ، والحَسَنُ ما كان مأذوناً فيه في صفة الخَلْقُ ويعْلَمُ ذلك بشهادة العلم ، والأحسن هو الأَوْلَى والأصوب . ويقال الأحسن ما كان لله دون غيره ، ويقال الأحسن هو ذكر الله خالصاً له . ويقال مَنْ عَرَفَ الله لا يسمع إلا بالله .\rويقيال إن للعبد دواعيَ من باطنه هي هواجسُ النفس ووساوسُ الشيطانِ وخوَاطرُ المَلَكِ وخطابُ الحقِّ يُلْقَى في الرَّوْعِ؛ فوساوسُ الشيطان تدعوا إلى المعاصي ، وهواجسُ النفس تدعو إلى ثبوت الأشياء من النَّفْس وأَنَّ لها في شيءٍ نصيباً ، وخواطرُ المَلَكِ تدعو إلى الطاعاتِ والقُرَبِ ، وخطابُ الحقِّ في حقائق التوحيد .\r{ أُوْلَئِكَ الِّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وأُوْلَئِك هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } : -\rأولئك الذين هداهم الله لتوحيده ، وأولئك الذين عقولهم غير معقولة .","part":7,"page":24},{"id":3025,"text":"الذين حَقَّتْ عليهم كلمةُ العذابِ فريقان : فريقٌ حقت عليهم كلمةٌ بعذابهم في النار ، وفريقٌ حقت عليهم كلمةُ العذابِ بالحجاب اليومَ ، فهم اليومَ لا يخرجون عن حجاب قلوبهم ، ولا يكون لهم بهذه الطريقة إيمان - وإن كانوا من أهل الإيمان .","part":7,"page":25},{"id":3026,"text":"وَعَدَ المطيعين بالجنَّةِ - ولا محالةَ لا يُخْلِف ، وَوَعَدَ التائبين بالمغفرة - ولا محالةَ يغفر لهم ، وَوَعَدَ المريدين بالوجود والوصول - وإذا لم تقع لهم فترة فلا محالةَ مُصْدِقٌ وَعْدَه .","part":7,"page":26},{"id":3027,"text":"أخبر أنه يُنْزِلُ من السماءِ المطرَ فيُخْرِجُ به الزرعَ فيخضرّ ، ثم يأخذ في الجفاف ، ثم يصير هشيماً . . . والإشاراةُ من هذا إلى الإنسان ، يكون طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً ثم يصير إلى أرذل العمر ثم في آخره يخترم .\rويقال إن الزَّرْعَ ما لم يأخذْ في الجفاف لا يُؤْخَذُ منه الحَبُّ ، فالحبُّ هو المقصود منه . كذلك الإنسان ما لم يحصلْ من نَفْسه وصولٌ لا يكون له قَدْرٌ ولا قيمةٌ .\rويقال إن كَوْنَ المؤمنِ بقوة عقله يوجِبُ استفادةً له بعلمه إلى أَنْ يبدوَ منه كمالٌ يُمكِّنُ من أنوار بصيرته ، ثم إذا بدت لائحةٌ من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مغمورة . فإذا بَدَتْ أنوارُ التوحيد استهلكت تلك الجملة ، قالوا :\rفلمَّا استبان الصبحُ أدرج ضوءُه ... بأَنواره أنوارَ تلك الكواكب","part":7,"page":27},{"id":3028,"text":"جوابُ هذا الخطابِ محذوفٌ . . . أي أَفمن شرح اللَّهُ صَدْرَه للإسلام كمن ليس كذلك؟\rلمَّا نزلت هذه الآيةُ سُئِلَ الرسولُ - صلى الله عيله وسلم - عن الشرح المذكور فيها ، فقال : « ذلك نورٌ يُقْذَفُ في القلب » فقيل : وهل لذلك أَمارة؟\rقال : « نعم؛ التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله »\rوالنورُ الذي مِنْ قِبَلِهِ - سبحانه - نورُ اللّوائح بنجوم العلم ، ثم نورُ اللوامع ببيان الفَهْم ، ثم نورُ المحاضرة بزوائد اليقين ، ثم نورُ المكاشفة بتَجلي الصفات ، ثم نور المشاهدة بظهور الذات ، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد . . . وعند ذلك فلا وَجْدَ ولا فقد ، ولا قُرْب ولا بُعْدَ . . . كلاّ بل هو الله الواحد القهار .\r{ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكِّرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } : اي الصلبة قلوبهم ، لم تقرعها خواطرُ التعريف فبقيت عَلَى نَكْرَةِ الجَحْد . . . أُولئك في الضلالة الباقية ، والجهالة الدائمة .","part":7,"page":28},{"id":3029,"text":"{ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } لأنه غير مخلوق .\r{ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً } في الإعجاز والبلاغة .\r{ مَّثَانِىَ } : يثني فيها الحكم ولا يُمَلُّ بتكرار القراءة ، وَيشتمل عَلَى نوعين : الثناء عليه بذكر سلطانه وإحسانه ، وصفات الجنة والنار والوعد والوعيد .\r{ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } إذا سمعوا آيات الوعيد .\r{ ثُمَّ تَلٍينَ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } إذا سمعوا آيات الوعد .\rويقال : تقشعر وتلين بالخوف والرجاء ، ويقال بالقبض والبسط ، ويقال بالهيبة والأُنْس ، ويقال بالتجلَّي والاستتار .","part":7,"page":29},{"id":3030,"text":"أي فَمنْ يتقي بوجهه سوءَ العذاب كَمَنْ ليس كذلك؟ وقيل إنَّ الكافرَ يَلْقَى النارَ أَوَّلَ ما يلقاها بوجهه؛ لأنه يُرمَى فيها منكوساً . فأمَّا المؤمِن فيُوقَى ذلك؛ وإنما يُلَقَّى النضرة والسرور والكرامة؛ فوجهُهُ ضاحكٌ مُسْتَبْشِرٌ .","part":7,"page":30},{"id":3031,"text":"أَشدُّ العذابِ ما يكون بغتةً ، كما أَنَّ أتمَّ السرور ما يكون فلتةً .\rومن الهجران والفراق ما يكون بغتةً غير متوقع ، وهو أنكى للفؤاد وأشدُّ وأوجعُ تأثيراً في القلب ، وفى معناه قلنا :\rفَبِتَّ بخيرٍ والدُّنى مطمئنةٌ ... وأَصبحتَ يوماً والزمانُ تَقَلَّبَا\rوأتمُّ السرورِ وأعظمه تأثيراً ما يكون فجأة ، قال قائلهم :\rبينما خاطر المُنى بالتلاقي ... سابح في فؤاده وفؤادي\rجَمَع اللَّهُ بيننا فالتقينا ... هكذا صُدْفةً بلا ميعادِ","part":7,"page":31},{"id":3032,"text":"أي أوضحنا لهم الآيات ، ووقفناهم على حقائق الأشياء .\r{ غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } : فلا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خَلْفِه .","part":7,"page":32},{"id":3033,"text":"مَثَّلَ الكافرَ ومعبوديه بعبدٍ اشترك فيه متنازعون .\r{ فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ } : فالصنم يدعي فيه قومٌ وقومٌ آخرون؛ فهذا يقول : أنا صَنَعْتُه ، وذلك يقولك أنا استعملْتُه ، وثلاث يقول : أنا عَبَدْتُه .\rأمّا المؤمن فهو خالِصٌ لله عزَّ وجل ، يشبه « عبداً سَلَماً لرجل » أي ذا سلامة من التنازع والاختلاف .\rويقال : { رَّجُلاً فِيهَ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ } تتجاذبه أشغال الدُّنيا ، شُغْلُ الوَلدِ وشغل العيال ، وغيرُ ذلك من الأشغالِ المختفلةِ والخواطرِ المُشَتِّتَةِ .\rأمَّا المؤمِن فها خالصٌ لله ليس لأحدٍ فيه نصيب؛ ولا للدنيا معه سبب إذ ليس منها شيء ، ولا للرضوان معه شُغْل ، إذْ ليس له طاعات يُدِلُّ بها ، وعَلَى الجملة فهو خالص لله ، قال تعالى لموسى : { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى } [ طه : 41 ] أي أبقيتُكَ لي حتى لا تصلح لغيره .\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } : الثناءُ له ، وهو مُسْتَحِقٌّ لصفات الجلال .","part":7,"page":33},{"id":3034,"text":"نَعَاه - موسى عليه السلام - ونَعَى المسلمين إليهم فَفزِعُوا بأجمعهم من مآثمهم ، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث . ومَنْ لم يَتفرَّغْ من مآثمِ نفسه وأنواع همومه ، فلس له من هذا الحديث شمّة ، فإذا فرغ قلْبُه من حديث نَفْسِه ، وعن الكون بجملته فحينئذٍ يجد الخيرَ من ربِّه ، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم ، وأنشد بعضهم :\rكتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ... ولم أدرِ أني بعد موتي أكتب","part":7,"page":34},{"id":3035,"text":"الإشارة فيه إلى من أشار إلى أشياء لم يَبْلُغْها ، وادَّعى وجودَ أشياء لم يَذُقْ شيئاً منها ، قال تعالى : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةُ } [ الزمر : 60 ] .\rويقال : لا بل هؤلاء هم الكفار ، وأمَّا المُدَّعِي الذي لم يَبْلُغْ ما يَدَّعِيه فليس يكذب على ربِّه إنما يكذب على نَفْسه؛ حيث ادَّعى لها أحولاً لم يَذُقُّها ولم يَجِدْها ، فأمَّا غيرُ المتحقق الذي يكذب على الله فهو الجاحد والمبتدع الذي يقول في صفة الحقِّ - سبحانه - ما يتقدَّسُ ويتعالى عنه .","part":7,"page":35},{"id":3036,"text":"الذي جاء بالصدق في أفعاله من حيث الإخلاص ، وفي احواله من حيث الصدق ، وفي أسراره من حيث الحقيقة .\r{ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمحْسِنِينَ } : « الإحسانُ - كما جاء في الخبر- أن تعبد الله كأنك تراه » فَمَنْ كانت -اليومَ- مشاهدتُه على الدوام كانت رؤيته غداً على الدوام ، ومَنْ لا فلا .","part":7,"page":36},{"id":3037,"text":"منْ لا يكون مؤمنَاً فليس من أهل هذه الجملة . ومَنْ كان معه إيمان : فإذا كُفِّرَ عنه اسوأَ ما عَمِلَه فأسوَأُ أعمالِه كبائرُه؛ فإنْ غُفِرَتْ يَجْزِهِم بأحسن اعمالهم . واحْسَنُ أعمالِ المؤمنِ الإيمانُ والمعرفة ، فإن كان الإيمانُ مؤقتاَ كان ثوابُها مؤقتاً ، وإن كان الإيمان على الدوام فثوابُه على الدوام . ثم احسنُ الأعمال عيها أحسنُ الثوابِ ، واحسنُ الثوابِ الرؤيةُ فيجب أن تكون على الدوام -وهذا استدلالٌ قوي .","part":7,"page":37},{"id":3038,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } .\rاستفهام والمراد منه التقرير؛ فاللَّهُ كافٍ عَبْدَه اليومَ في عرفانه بتصحيح إيمانه ومَنْع الشِّرْكِ عنه ، وغداً في غفرانه بتأخير العذاب عنه ، وما بينهما فكفايتهُ تامة وسلاَمته عامة .","part":7,"page":38},{"id":3039,"text":"قَرَّرَ عليهم عُلُوَّ صفاته ، وما هو عليه من استحقاق جلاله فأقرُّوا بذلك ، ثم طالَبَهم بِذكْرِ صفاتِ الأصنام التي عبدوها من دونه ، فلم يمكنهم في وصفها إلا بالجمادية ، والبُعَدِ عن الحياة والعِلْم والقدرةِ والتمكُّنِ من الخَلْقِ ، فيقول : كيف أشركتم به هذه الأشياء؟ وهلاَّ استحيَيْتُم من إطلاق أمثال ذلك في صفته؟\rقُلْ -يا محمد- حَسْبِيَ الله ، عليه يتوكل المتوكلون؛ كافِيَّ اللَّهُ المتفرِّدُ بالجلالِ ، القادرُ على ما يشاء ، المتَفَضِّلُ عليَّ بما يشاء .","part":7,"page":39},{"id":3040,"text":"سوف ينكشف رِبْحُنا وخسرانكم ، وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم ، وسوف نطالبكم فلا جوابَ لكم ، ونُعَذِّبُكُم فلا شفيعَ لكم ، ونُدَمِّرُ عليكم فلا صريخَ لكم .","part":7,"page":40},{"id":3041,"text":"مَنْ أحسن فإحسانهُ إلى نَفْسه اكتَسبَه ومَنْ أساء فبلاؤه على نفسه جَلَبَه - والحقُّ غنيٌّ عن التجمُّلِ بطاعةِ مَنْ أقبل والتنقُّصِ بِزَلَّةِ مَنْ أعرض .","part":7,"page":41},{"id":3042,"text":"يقبض الأرواح حين موتها ، والتي لم تَمُتْ من النفوس في حال نومها ، فإذا نامت فيقبض أوراحها . وقبضُ الأرواح في حال الموت بإخراج اللطيفة التي في البدن وهي الروح ، ويخلق بَدَلَ الاستشعارِ والعِلْمِ الغفلَة والغيبةَ في مَحَالِّ الإِحساس والإدراك . ثم إذا قَبضَ الأرواحَ عند الموت خَلَقَ في الأجزاء الموتَ بَدَلَ الحياة ، والموتُ ينافي الإحساسَ والعلمَ . وإذا ردَّ الأرواح بعد النوم إلى الأجسادِ خَلَقَ الإدراكَ في محل الاستشعار فيصير الإنسان متيقظاً ، وقَبْضُ اللَّهِ الأرواحَ في حال النوم وردت به الاخبار ، وذلك على مراتب؛ فإنَّ روحاً تُقْبَضُ على الطهارة تُرْفَعُ إلى العرش وتسجد لله تعالى ، وتكون لها تعريفات ، ومعها مخاطبات « والله أعلم »","part":7,"page":42},{"id":3043,"text":"أي أنهم - وإن اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاءَ بِحُكْمِهِمْ لا بتعريفٍ من قِبَلِ الله أو إخبار- فإِنَّ اللَّهَ تعالى لا يقبل الشفاعةَ من أحدٍ إِلاَّ إذا أَذِنَ بها ، وإِنَّ الذي يقولونهْ إنما هو افتراءٌ على الله .","part":7,"page":43},{"id":3044,"text":"اشمأزَّت قلوبُ الذين جحدوا ولم تسكن نفوسُهم إلى التوحيد ، وإذا ذُكِرَ الذين مِنْ دونه استأنسوا إلى سماعه .","part":7,"page":44},{"id":3045,"text":"{ قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض عَالِمَ الغيب والشهادة أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .\rعَلَّمَه - A - سبحانه .\rوتشتمل الآيةُ على الإشارة إلى بيان ما ينبغي من التنَصُّل والتذلُّلِ ، وابتغاءِ العَفْو والتفضُّلِ ، وتحقيق الألتجاء بِحُسْنِ التوكل . ثم أخبر عن أحولهم في الآخرة فقال :\r{ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rلافتدوا به . . ولكن لا يُقْبَلُ منهم ، واليومَ لو تصدَّقوا بمثقال ذرة لَقُبْلَ منهم .\rكما أنهم لو بَكَوْا في الآخرة بالدماء لا يُرْحَمُ بكاؤهم ، ولكنهم بدمعة واحدةٍ -اليومَ- يُمْحَى الكثيرُ من دواوينهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لِمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } .\rفي سماع هذه الآية حَسَراتٌ لأصحاب الانتباه .\rوفي بعض الاخبار أن قوماً من المسلمين من اصحاب الذنوب يُؤْمَرُ بهم إلى النار فإذا وافوها يقول لهم مالِكٌ : مَنْ أنتم؟ إن الذين جاؤوا قَبْلَكُمْ من أهل النار وجوهُهم كانت مُسْوَدَّةً ، وعيونُهم كانت مُزْرَقَّة . . . وأنتم لستم بتلك الصفة ، فيقولون : ونحن لم نتوقع أن نلقاك ، وإنما انتظرنا شيئاً آخر! قال تعالى : { وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ }","part":7,"page":45},{"id":3046,"text":"حاق بهم وبالُ استهزائهم وجزاءُ مَكْرِهم .","part":7,"page":46},{"id":3047,"text":"في حال الضُّرِّ يتبرَّؤون من الاستحقاق والحوْلِ والقوة ، فإذا كَشَفَ عنهم البلاَءَ وقعوا في مغاليطهم ، وقالوا : إنما أوتينا هذا باستحقاقٍ مِنَّا ، قال تعالى : { بَلْ هِىَ قِتْنَةٌ } ولكنهم لم يعلموا ، ثم اخبر أن الذين مِنْ قَبْلِهم مثلَ هذا قالوا وحسبوا ، ولم يحصلوا إلا على مغاليطهم ، فأصابهم شؤمُ ما قالوا ، وهؤلاء سيصيبهم أيضاً مِثْلُ ما أصاب أولئك .","part":7,"page":47},{"id":3048,"text":"أو لم يَرَوْ كيف خالف بين أحوال الناس في الرزق : فَمِنْ مُوَسَّعِ عليه رِزقُه . ومِنْ مُضَيَّقٍ عليه ، وليس لواحدٍ منهم شيءٌ مِمَّا خُصَّ به من التقليل أو التكثير .","part":7,"page":48},{"id":3049,"text":"التسمية « بيا عبادي » مَدْحٌ ، والوصفُ بأنهم « أسرفوا » ذَمٌ . فلمَّا قال : { يَاعِبَادِىَ } طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية ، فرفعوا رؤوسَهم ، ونكَّسَ العُصَاةُ رؤوسَهم وقالوا : مَنْ نحن . . . حتى يقول لنا هذا؟!\rفقال تعالى : { الَّذِينَ أَسْرَفُواْ } فانقلب الحالُ؛ فهؤلاء الذين نكَّسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذِلَّتُههُم ، والذين رفعوا رؤوسَهم أطرقوا وزالت صَوْلَتُهم .\rثم أزال الأُعجوبةَ عن القسمة بما قَوي رجاءَهم بقوله : { عَلَى أَنفُسِهِمْ } يعني إنْ أَسْرَفْتَ فعلى نَفْسِكَ أسرفت .\r{ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ } : بعد ما قطعْتَ اختلافَك إلى بابنا فلا ترفَعْ قلبك عَنَّا .\r{ إِنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً } الألف واللام في « الذنوب » للاستغراق والعموم ، والذنوب جمع ذنب ، وجاءت « جميعاً » للتأكيد؛ فكأنه قال : أَغْفِرُ ولا أترك ، أعفوا ولا أُبْقِي .\rويقال إنْ كانت لكم جِناية كثيرة عميمة فلي بشأنكم عناية قديمة .","part":7,"page":49},{"id":3050,"text":"الإنابة الرجوع بالكلية . وقيل الرق بين الإنابة وبين التوبة أن التائبَ يرجع من خوف العقوبة ، وصاحْبُ الإنابة يرجع استحياءً لِكَرَمِه .\r{ وَأَسْلِمُواْ لَهُ } : وأخلِصوا في طاعتكم ، والإسلامُ - الذي هو بعد الإنابة - أَنْ يعلمَ أَنّ نجاتَه بفَضْلِه لا بإنابته؛ فبفضله يصل إلى إنابته . . . لا بإنابته يصل إلى فضله .\r{ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ } قبل الفراق . ويقال هو أن يفوتَه وقتُ الرجوعِ بشهود الناس ثم لا يَنْصَرِفُ عن ذلك .","part":7,"page":50},{"id":3051,"text":"يقال هذا في أقوامٍ يَرَوْن أمثالَهم تقدموا عليهم في أحوالهم ، فيتذكرون ما سَلَفَ من تقصيرهم ، ويَرَوْن ما وُفِّقَ إليه أولئك من المراتب فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة .\rأو يقول : لو أنَّ الله هداني لكُنْتُ كذا ، ويقول آخر : لو أنَّ لي كَرَّةً فأكون كذا ، فيقول الحقُّ -سبحانه :\r{ بَلىَ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَاتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرينَ } .\rفَذُقْ من العذب ما على جُرْمِك استوجَبْتَ .","part":7,"page":51},{"id":3052,"text":"هؤلاء الذين ادَّعوا احوالاً ولم يَصْدُقُوا فيها ، وأظهروا المحبةَ لله ولم يتحققوا بها ، وكفاهم افتضاحاً بذلك! وأنشدوا :\rولمَّا ادَّعَيْتُ الحُبَّ قالت كَذَبْتَني ... فما لي أرى الأعضاءَ منك كواسيا؟!\rفما الحُبُّ حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا","part":7,"page":52},{"id":3053,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .\rكما وَقَاهم -اليومَ- عن المخالفات ، حماهم -غداً- من العقوبات ، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين؛ اليومَ عصمة ، وغداً نعمة . اليومَ عناية وغداً حماية وكفاية .\rقوله جلّ ذكره : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ } .\rتدخل أكسابُ العباد في هذه الجملة ، ولا يَدْخُل كلامُه فيه؛ لأن المخاطِبَ لا يدخل تحت الخطاب ولا صفاته .","part":7,"page":53},{"id":3054,"text":"{ مَقَالِيدُ } أي مفاتيح ، والمرادُ منه أنه قادر على جيمع المقدورات ، فما يريد أَنْ يُوجِدَه أَوْجَدَه .","part":7,"page":54},{"id":3055,"text":"أي متى يكون لكم طَمَعٌ في أن أعبدَ غيره . . . وبتوحيده ربَّني ، وبتفريده غَذَاني ، وبِشَرَابِ حُبِّه سَقَاني؟! .","part":7,"page":55},{"id":3056,"text":"لَئِنْ لاحظْتَ غيري ، وأثْبَتَّ معي في الإبداع سِوَايَ أحْبَطْتَ عَمَلكَ ، وأبطلْتَ سعَيكَ ، بل اللَّهُ - يا محمد- فاعْبُدْ ، وكُنْ من جملة عبادي الشاكرين .","part":7,"page":56},{"id":3057,"text":"ما عرفوه حَقَّ معرفته ، وما وصفوه حقَّ وصفه ، وما عظّموه حَقَّ تعظيمه؛ فَمَن اتصف بتمثيل ، أو جَنَحَ إلى تعطيل حَادَ عن السُّنَّةِ المُثْلَى وانحرف عن الطريقة الحسنى . وصفوا الحقَّ بالأعضاء ، وتَوَهَّموا في نَعْتِه الاجزاء ، فما قدروه حَقَّ قَدْرِه؛ فالَخَلْقُ في قبضة قدرته ، والمسوات مطويات بيمينه ، ويمينهُ قُدْرَتُه . ولأنه أقسم ان يُفْنِيَ السمواتِ ويطويَها فها قادر على ذلك .\r{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى } تنزيهاً له عما أشركوا في وصفه .","part":7,"page":57},{"id":3058,"text":"في النفخة الأولى تموتون ، ثم في النفخة الثانية تُحْشَرُون ، والنفختان متجانستان؛ ولكنه يخلق عند إحداهما إزهاق الأرواح؛ وفي الأخرى حياة النفوس ، لِيُعْلَمَ أن النفخةَ لا تعمل شيئاً لعينها ، وإنما الجبَّارُ بقدرته يخلق ما يشاء .","part":7,"page":58},{"id":3059,"text":"نور يخلقه في القيامة فتشرق القيامةُ به ، وذلك عند تكوير الشمس وانكدار النجوم ، ويستضيء بذلك النور والإشراق قومٌ دون قوم . الكُفَّارُ يَبْقَوْن في الظلمات ، والمؤمنون نورُهم يسعى بين أيديهم .\rويقال اليومَ إِشراق ، وغداً إشراق ، اليومَ إشراقُ القلبِ بحضوره ، وغداً إشراقُ الأرض بنور ربها . ويقال غداً أنوار التولِّي للمؤمنين ، واليومَ أنوار التجلِّي للعارفين .","part":7,"page":59},{"id":3060,"text":"إن كان خيراً فَخَيرٌ ، وإن كان غير خَيْر فغيرُ خير .","part":7,"page":60},{"id":3061,"text":"الكفار يُسَاقُون إلى النارعنفاً ، والمؤمنون يُسَاقون إلى الجنة لُطْفاً؛ فالسَّوَقُ يجمع الجنسين . . . ولكن شتان بين سَوْقٍ وسَوْق!\rفإذا جاء الكفارُ قابلهم خَزَنَةُ النار بالتوبيخ والعتاب والتأنيب؛ فلا تكريمَ ولا تعظيم ، ولا سؤال ولا استقبال . . . بل خِزْيٌ وهونٌ ، ومن كل جنسٍ من العذاب ألوان .","part":7,"page":61},{"id":3062,"text":"سَوّقٌ ولكن بغيرتعبٍ ولانَصَبٍ ، سَوْقٌ ولكن برَوْحٍ وطَرَبٍ .\r« زمراً » جماعاتٍ ، وهؤلاء هم عوامُّ أهل الجنة ، وفوق هؤلاء : { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلى الرَّحْمَنِ وَفْداً } [ مريم : 85 ] وفوقهم مَنْ قال فيهم : { وَاُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } [ ق : 31 ] وفَرْقٌ بين مَنْ يُسَاقُ إلى الجنة ، وبين مَنْ تُقَرَّبُ منه الجنة . . . هؤلاء الظالمون ، والآخرون المقتصدون ، والآخرون السابقون .\r{ حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا . . . } وإذا وافوا الجنة تكون الأبوابُ مُفَتَّحَةً لئلا يصيبهم نَصَبُ الانتظار .\rويقال إذا كان حديث الجنة فالواجب أن يبادر إليها ولا يحتاج ان يُسَاق ، ولعلَّ هؤلاء لا رغبةَ لهم في الجنة بكثير؛ فَلهُم معه في الطريق قُولُ { طِبْتُمْ } ؛ أي أنهم يُساقون إلى الجنة بلطف دون عنف .","part":7,"page":62},{"id":3063,"text":"صَدَقَنا وعده بإدخالنا الجنة ، وإكمال المِنَّة .\r{ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ } أي أرضَ الجنة؛ نتبوأ منها حيث نشاء . وهؤلاء قوم مخصوصون ، والذين هم قومُ « الغُرَف » أقوام آخرون .","part":7,"page":63},{"id":3064,"text":"يُسَبِّحون بحمد ربهم في عموم الأوقات . . . هذا هو عملُ الملائكة الذين من حول العرش .\rوقُضِيَ بين أهل الجنة وأهل النار بالحقِّ ، لهؤلاء دَرَكات ولأولئك درجات . . . إلى غير ذلك من فنون الحالات . وُضِيَى بين الملائكة أيضاً في مقاماتهم على ما أراده الحقُّ في عباداتهم .","part":7,"page":64},{"id":3065,"text":"أي حُمَّ أمرٌ كائن . ويقال « الحاء » إشارة إلى حِلْمِه « والميم » إشارة إلى مجده أي : بحِلْمي ومجدي لا أُخَلِّدُ في النار مَنْ آمنَ بي .\rويقال هذه الحروف مفاتح أسمائه .","part":7,"page":65},{"id":3066,"text":"« العزيز » : المُعزِّ لأوليائه ، « العليم » بما كان ويكون منهم ، فلا يمنعه عِلمُه لما سَلَفَ منهم عن قضائه .","part":7,"page":66},{"id":3067,"text":"كتابٌ مُعَنْوَنٌ بقبول توبته لِعِبادَه؛ عَلِمَ أنّ العاصيَ مُنكَسِرُ القلبِ فأزال عنه الانكسارَ بأن قدَّمَ نصيبه ، فقدَّم اسمَه على قبول التوبة . فَسَكَّنَ نفوسَهم وقلوبَهم باسْمِيْنِ يُوجِبَان الرجاء؛ وهما قولُه : { غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ } .\rثم عقبها بقوله : { شَدِيدِ الْعِقَابِ } ثم لم يرض حتى قال بعدئذٍ { ذِى الطَّولِ } .\rفيُقَابِلَ قوْلَه : { شَدِيدِ الْعِقَابِ } قَوْلُه : { ذِى الطَّوْلِ } .\rويقال : غافرُ الذنبِ لِمَنْ اصَرَّ واجْتَرَمَ ، وقابلُ التوبِ لمن أقَرَّ ونَدِمَ ، شديد العقاب لِمَنْ جَحَدَ وَعَنَدَ ، ذِي الطول لمن عَرَفَ ووَحَد .\rويقال غافر الذنب للظالمين ، وقابل التوب للمقتصدين ، شديد العقاب للمشركين ، ذي الطول للسابقين .\rويقال : سُنَّةُ الله انه إذا خَوَّفَ العبادَ باسمٍ أو لفظٍ تدَاركَ قلوبهم بأن يُبشِّرَهم باسْمَيْن أو بوَصْفين .\r{ إلَيْهِ الْمَصِيرُ } : وإذا كان إليه المصير فقد طاب إليه المسير .","part":7,"page":67},{"id":3068,"text":"إذا ظَهر البرهانُ واتَّضحَ البيانُ استسلمَتْ الألبابُ الصاحيةُ للاستجابة والإيمان .\rفأمَّا أهلُ الكفرِ فلهم عَلَى الجمود إصرارٌ ، وشُؤْمُ شرْكِهم يحولُ بينهم وبين الإنصاف . . وكذلك من لا يحترمون اولياء الله ، ويُصِرُّونَ على إنكارهم ، ويعترضون عليهم بقلوبهم ، ويجادلون في جَحْدِ الكرامات ، وما يخصُّ اللَّهُ به عباده من الآيات . . فهؤلاء يميزون بين رجحانهم ونقصانهم ، وسيفتضحون كثيراً .","part":7,"page":68},{"id":3069,"text":"كذلك مَنْ انقرض مِنَ الكفار كان تكذيبُ الرُّسُلِ دَأبَهم ، ولكنَّ الله -سبحانه- انتقم منهم ، وعلى كُفْرِهم احترمهم .\rوالمُنْكِرُ لهذا الطريق يدين بإنكاره ، ويتقرّبُ إلى الله به ، ويعد وقيعته في أولياء الله من جملة إحسانه وخيراته ، ولكن الله - سبحانه - يعذبهم في العاجل بتخليتهم فيما هم فيه ، وصَدِّ قلوبهم عن هذه المعاني ، وحرمانهم منها .","part":7,"page":69},{"id":3070,"text":"إذا انختم على عبدٍ حُكْمُ الله بشقاوته فلا تنفعه كَثْرَةُ ما يورَدُ عليه من النُّصح . والله على أمره غالبٌ . ومَنْ أَسَرَتْه يَدُ الشقاوة فلا يُخَلِّصُه مِنْ مخالبها جُهْدٌ ولا سعاية .","part":7,"page":70},{"id":3071,"text":"حَملَةُ العرش من حَوْلَ العرش من خواص الملائكة ، مأمورون بالتسبيح لله ، ثم بالاستغفار للعاصين - لأنَّ الاستغفار للذنبِ والتوبةُ إنما تحصل من الذنب - ويجتهدون في الدعاء لهم على نحو ما في هذه الآية وما بعدها؛ فيدعون لهم بالنجاة ، ثم بِرفع الدرجات ، ويحيلون الأمر في كل ذلك على رحمة الله .","part":7,"page":71},{"id":3072,"text":"{ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ } : فلئن سلَّطَ عليك أراذل من خَلْقه - وهُم الشياطين - فلقد قيَّض بالشفاعة أفاضلَ من خَلْقِه ومن الملائكة المقرَّبين .","part":7,"page":72},{"id":3073,"text":"أشَدُّ العقوباتِ التي يُوصلها الحقُّ إليهم آثارُ سُخْطِه وغَضَبِه ، وأجَلُّ النِّعم التي يغروهم بها آثارُ رضاه عنهم . فإذا عَرَفَ الكافرُ في الآخرة أنَّ ربَّه عليه غضبانُ فلا شيء أصعبُ على قلبه من ذلك؛ لأنه عَلِمَ أنه لا بُكاء ينفعه ، ولا عناءَ يزيل عنه ما هو فيه ويدفعه ، ولا يُسْمَعُ له تضرُّعٌ ، ولا تُرْجَى له حيله .","part":7,"page":73},{"id":3074,"text":"الإماتةُ الأولى إماتَتُهم في الدنيا ثم في القبر يحييهم ، ثم يميتهم فهي الإماتةُ الثانية . والإحياء الأول في القبر والثاني عند النشر .\r{ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } : أقروا بذنوبهم -ولكن في وقتٍ لا ينفعهم الإقرار .\r{ فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ } مما نحن فيه من العقوبة ، وإنما يقولون ذلك حين لا ينفعهم الندمُ والإقرارُ . فيُقال لهم : -\r{ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ }\rأي تُصَدِّقوا المشركين لكفرهم . وهؤلاء إماتَتُهم محصورة ، فأمَّا أهلُ المحبةِ فلهم في كلِّ وقتِ حياةٌ وموتٌ ، قال قائلُهم :\rأموت إذا فَقَدْتُكَ ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت!\rفإنَّ الحقَّ - سبحانه - يُرَدِّدُ أبداً الخواصَّ من عباده بين الفناء والبقاء ، والحياة والموت ، والمحو والإثبات .","part":7,"page":74},{"id":3075,"text":"يُريهم آياتِ فَضْلِه فيما يُلاطِفُهم ، ويريهم آياتِ قَهْرِه فيما يكاشفهم ، ويريهم آياتِ عَفْوِه إذا تَنَصَّلُوا ، وآياتِ جوده إذا توسَّلُوا ، وآياتِ جلالِه إذا هابوا فغابوا ، وآياتِ جمالِه إذا آبوا واستجابوا . { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقاً } لأبدانكم وهو توفيق المجاهدات ، ولقلوبكم وهو تحقيق المشاهدات ، ولأسراركم وهو فنون المواصلات والزيادات .\r{ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } : يرجع من العادة إلى العبادة ، ومن الشَّكِّ إلى اليقين ، ومن الخَلْقِ إلى الحقِّ ، من الجهل إلى العِلْم ، ومن النَّكرة إلى العرفان .","part":7,"page":75},{"id":3076,"text":"شَرْطُ الدعاء تقديم المعرفة لتعرفَ من الذي تدعوه ، ثم تدعو بما تحتاج إليه مِمَّا لا بُدَّ لك منه ، ثم تنظر هل أعطاكَ ما تطلب وأنت لا تدري؟ والواجبُ ألا تطلب شيئاً تكون فيه مخالفةٌ لأمره ، وأن تتباعد عن سؤالك الأشيئاء الدَّنِيَّة والدنيوية ، وأن ترضى بما يختاره لك مولاك . ومن لإخلاص في الدعاء ألا ترى الإجابة إلاّ منه ، وألا ترى لنفسك استحقاقاً إلا بفضله ، وأن تعلم أنه إن بقيت سؤالك عن مطلوبك -الذي هو حَظُّكَ- لا تَبْق عن عبادة ربِّك - التي هي حَقُّه « فإنَّ الدعاء مُخُّ العبادة » ومن الإخلاص في الدعاء أن تكون في حال الاضطرار لما لا يكون ابتداؤه جُرْماً لك ، وتكون ضرورتُك لسراية جنايتك .","part":7,"page":76},{"id":3077,"text":"رافعُ الدرجات للعُصاةِ بالنجاة ، وللمطيعين بالمثوبات ، ولأصفياء والأولياء بالكرامات ، ولذوي الحاجات بالكفايات ، وللعارفين بتنقيبهم عن جميع أنواع الإرادات .\rويقال درجاتُ المطيعين بظواهرهم في الجنة ، ودرجاتُ العارفين بقلوبهم في الدنيا؛ فيرفع درجاتهم عن النظر إلى الكَونيْن دون المساكنه إليهما . وأمَّا المحبون فيرفع درجاتِهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعُقبى شيئاً غيرَ رضاءِ محبوبهم .\r{ ذُو الْعَرْشِ } : ذو المُلْكِ الرفيع . ويقال العرش الذي هو قِبْلَةُ الدعاء ، خَلَقَه أرفعَ المخلوقاتِ وأعظمَها جُثة .\r{ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } روحٌ بها ضياءُ أبدانهم - وهو سلطانُ عقولهم ، وروحٌ بهاء ضياء قلوبهم - وهو شفاءُ علومهم ، وروحٌ بها ضياء أرواحهم- والذي هو للرُّوح رَوْحٌ - بقاؤهم بالله .\rويقال : روحٌ هو روح إلهام ، وورح هو روح إعلام ، وروح هو روح إكرام .\rويقال : روح النبوة ، وروح الرسالة . وروح الولاية ، وروح المعرفة .\rويقال : روح بها بقاءُ الخلق ، وروح بها ضياء الحق .","part":7,"page":77},{"id":3078,"text":"قوله جلّ ذكر : { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ } .\rيعلم الحاصل الموجود ، ويعلم المعدوم المفقود؛ والذي كان والذي يكون ، والذي لا يكون مما عَلِمَ أنه لا يجوز أن يكون ، والذي جاز أن يكون أن لو كان كيف كان يكون .\r{ لِّمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } .\rلا يتقيد مُْلْكُه بيومٍ ، ولا يختصُّ مُلْكُه بوقتٍ ، ولكنَّ دَعَاوَى الخَلْقِ - اليومَ - لا أصلَ لها؛ إذ غداً تنقطع تلك الدعاوى وترتفع تلك الأوهام .","part":7,"page":78},{"id":3079,"text":"يجازيهم على أعمالهم بالجنان ، وعلى أحوالهم بالرضوان ، وعلى أنفاسهم بالقربة ، وعلى محبتهم بالرؤية .\rويجازي المذنبين على توبتهم بالغفران ، وعلى بكائهم بالضياء والشفاء .\r{ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ } : أي أنه يستحيل تقديرُ الظلم منه ، وكل ما يفعل فله أن يفعله .\r{ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } مع عباده؛ لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ ، وسريعُ الحساب مع أوليائه في الحال؛ يطالبهم بالصغير والكبير ، والنقير والقطمير .","part":7,"page":79},{"id":3080,"text":"قيامةُ الكُلِّ مؤجَّلة ، وقامةُ المحبين مُعَجَّلة؛ فَلَهم في كلِّ نَفَسٍ قيامةٌ من العقاب والعذاب والثواب ، والبُعَاد والأقتراب ، ولما لم يكن لهم في حساب ، وتشهد عليهم الأعضاء؛ فالدمعُ يشهد ، وخَفَقَانُ القلبِ ينطق ، والنحولُ يُخْبِر ، واللونُ يُفْصِح . . . والعبدُ يَسْتُرُ ولكن البلاء يَظْهَرُ :\rيا مَنْ تَغَيَّرُ صورتي لمَّا بَدَا ... لجميع ما ظَنُّوا بنا تصديقا\rوأنشدوا :\rلي في محبته شهودٌ أربعٌ ... وشهودُ كلِّ قضية اثنان\rذوبانُ جسمي وارتعادُ مفاصلي ... وخفوقُ قلبي واعتقالُ لساني\rوقلوبُهم -إذا أزِفَ الرحيلُ بَلَغت الحناجر ، وعيونهم شَرِقَتْ بدموعها إذا نودي بالرحيل وشُدَّت الرواحل .","part":7,"page":80},{"id":3081,"text":"فخائنةُ أعين المحبين استحسانهم شيئاً ، ولهذا قالوا :\rيا قُرَّة العينِ : سَلْ عيني هل اكتحلت ... بمنظرٍ حَسَنٍ مُذْ غِبْتَ عن بَصَرِى\rولذلك قالوا :\rفعيني إذا استحسنَتْ غيرَكم ... أمَرْتُ السُّهادَ بتعذيبها\rومن خائنة أعينهم أن تأخذهم السِّنَةُ والسُّبات في أوقات المناجاة؛ وقد جاء في قصة داود عليه السلامة : كَذَبَ مَنْ أدَّعَى محبتي ، فإذا جَنَّهُ الليلُ نام عَنِّي!\rومن خائنة أعين العارفين أن يكون لهم خبرٌ بقلوبهم عمَّا تقع عليه عيونُهم .\rومن خائنة أعين الموحِّدين أن تخرج منها قطرةُ دمعٍ تأسُّفاً على مخلوقٍ يفوت في الدنيا والآخرة ، ولا على أنفسهم .\rومن خائنة أعين المحبين النظرُ إلى غير المحبوب بأي وجهٍ كان ، ففي الخبر : « حُبُّكَ الشيء يعمي ويصم » .\r{ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ } : فالحقُّ به خبير .","part":7,"page":81},{"id":3082,"text":"يقضي للأجانب بالبعاد ، ولأهل الوصال بالوداد ، ويقضي يومَ القدوم بعَزْلِ عمال الصدود ، وإذا ذُبحَ الموتُ غداً بين الجنة والنار على صورة كَبْشٍ أملح فلا غرابة أن يُذْبَح الفراقُ على رأسِ سكة الأحبابِ في صورة شخصٍ منكر ويصلب على جذوع العِبرة لينظرَ إلى أهلُ الحَضْرَة .","part":7,"page":82},{"id":3083,"text":"أولم يسروا في أقطار الأرض بنفوسهم ، ويطوفوا مشارقها ومغاربها ليعتبروا بها فيزهدوا فيها؟ أولم يسيروا بقلوبهم في الملكوت بجولان الفكر ليشهدوا أنوارَ التجلِّي فيستبصروا بها؟ أولم يسيروا بأسرارهم في ساحات الصمدية ليستهلكوا في سلطان الحقائق ، وليتخلَّصُوا من جميع المخلوقات قاصيها ودانيها؟","part":7,"page":83},{"id":3084,"text":"إن بغى من أهل السلوك قاصدٌ لم يصل إلى مقصوده فَلْيَعْلَمْ أنَّ مُوجِبَ حَجْبِه اعتراضٌ خَامَرَ قلبَه على بعض شيوخه في بعض أوقاته؛ فإنَّ الشيوخَ بمحلِّ السفراء للمريدين . وفي الخبر : « الشيخُ في قومه كالنبيِّ في أمته » .","part":7,"page":84},{"id":3085,"text":"أكْرَمُ خَلْقِه في وقته كان موسى عليه السلام ، وأخَسُّ خَلْقِه وأذَلُّهمِ في حُكْمِه وأشدُّهم كفراً كان فرعون؛ فما قال أحدٌ غيره : { مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى } [ القصص : 38 ] .\rفَبَعَثَ اللَّهُ - أخصَّ عباده إلى أخسِّ عباده ، فقابله بالتكذيب ، ونَسبَه إلى السِّحر ، وأنْبَهُ بكل أنواع التانيب . ثم لم يُعَجِّلْ اللَّهُ عقوبته ، وأمهله إلى أن أوصل إليه شِقْوَتَه- إنه سبحانه حليمٌ بعباده .","part":7,"page":85},{"id":3086,"text":"عَزَم على إهلاكه وإهلاك قومه ، واستعان على ذلك بجُنْدِه وخَيْلِه ورَجْلِه ، ولكن كان كما قال الله : { وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلاَلٍ } ، لأنه إذا حَفَرَ أحدٌ لِوَلِيٍّ من أولياء الله تعالى حُفْرةً ما وقع فيها غيرُ حَافِرها . . . بذلك أجرى الحقُّ سُنَّتَه .","part":7,"page":86},{"id":3087,"text":"{ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } أي لِيَسْتَعِنْ بربه ، وإني أخاف أن يبدل دينكم ، وأخاف أن يُفْسِدَ في الأرض ، وكان المفْسِدُ هو فرعون ، وهو كما قيل في المثل : « رمَتْنِي بدائها وانْسَلَّتْ » ولكن كادَ له الكيد ، والكائد لا يتخلص من كيده .\rفاستغاذ موسى بربه ، وانْتُدِبَ في الردِّ عليهم مؤمِنٌ بالله وبموسى كان يكتم إيمانه عن فرعون وقومه : -","part":7,"page":87},{"id":3088,"text":"نَصَحَهُم واحتَجَّ عليهم فلم ينجح فيهم نُُصْحٌ ولا قَولٌ . وكم كَرَّرَ ذلكْ المؤمن من آل فرعون القولَ وأعاد لهم النُّصْحَ! فلم يستمعوا له ، وكان كما قيل :\rوكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ ... وقد يستفيد البغضة المتنصِّحُ","part":7,"page":88},{"id":3089,"text":"بَيَّنَ أنَّ تكذيبَهم كتكذيب آبائهم وأسلافهم من قبل ، وكما أهلك أولئك قديماً كذلك يفعل بهؤلاء .","part":7,"page":89},{"id":3090,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحاً لَّعَلِّى أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لأَظُنُّهُ كَاذِباً } .\rالسببُ ما يُتَوَصَّلُ به إلى الشيء؛ أي لعلِّي أصل إلى السماء فأطَّلِعَ إلى إله موسى . ولو لم يكن من المضاهاة بين مَنْ قال إن المعبودَ في السماء وبين الكافر إلا هذا لكفي به خِزْياً لمذهبم . وقد غَلِطَ فرعونُ حين تَوَهَّمَ أنَّ المعبودَ في السماء ، ولو كان في السماء لكان فرعونُ مُصِيباً في طَلَبِه من السماء .\rقوله جل ذكره : { وَكَذَالِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } .\rأخبر أنَّ اعتقادَه بأنَّ المعبودَ في السماء خطأٌ ، وأنَّه بذلك مصدودٌ عن سبيل الله .","part":7,"page":90},{"id":3091,"text":"أصَرًَّ على دعائه وأصَرُّوا على جحودهم وعُنُودِهم .","part":7,"page":91},{"id":3092,"text":"{ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } : في المقدار لا في الصفة؛ لأن الأولى سيئة ، والمكافأةُ من الله عليها حسنةٌ وليست بسيئة .\r{ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } يعني في الحال ، لأنَّ مَنْ لا يكون مؤمناً في الحال لا يكون منه العملُ الصالح ، { فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } : أي رزقاً مؤبَّداً مُخَلَّداً ، لا يخرجون من الجنة ولا مِمَّا هم عليه من المآل .","part":7,"page":92},{"id":3093,"text":"وهذا كُلُّه مِنْ قَوْلِ مؤمنِ آل فرعونَ ، ويقوله على جهة الأحتجاج لقومه ، ويلزمهم الحجة به .","part":7,"page":93},{"id":3094,"text":"تدعونني لأكفر بالله وأشرك به من غير علم لي بصحة قولكم ، وأنا أدعوكم إلى الله وإلى ما أوضحه بالبرهان ، وأقيم عليه البيان .","part":7,"page":94},{"id":3095,"text":"لا جَرمَ أنَّ ما تدعونني إليه باطل؛ فليس لتلك الأصنام حياةٌ ولا عِلْمٌ ولا قُدْرَةٌ ، وهي لا تنفع ولا تَضُرُّ . ولقد علمنا -بقول الذين ظهر صِدْقُهم بالمعجزاتِ- كَذِبَكُم فيما تقولون .","part":7,"page":95},{"id":3096,"text":"أفوض أمري إلى الله ، وأتوكل عليه ، ولا أخاف منكم ، ولا من كيدكم .","part":7,"page":96},{"id":3097,"text":"والآية تدلُّ على عذاب القبر .\rويقال إنَّ أرواح الكفار في حواصل طير سُودٍ تُعْرَضُ على النار غدواً وعشياً إلى يوم القيامة حيث تدخل النار .\r{ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } : أي يا آل فرعون أُدخُلوا أشدَّ العذاب ، فَنَصَبه على النداء المضاف . ويقرأ « أَدْخِلوا » على الأمر .\r{ أَشَدَّ الْعَذَابِ } : أي أصعبهُ ، وأصعبُ عذابٍ للكفار في النار يأسُهم من الخروج عنها . أمَّا العصاةُ من المؤمنين فأشدُّ عذابهم في النار إذا علموا أن هذا يومُ لقاء المؤمنين ، فإذا عرفوا ذلك فذلك اليومُ أشدُّ أيام عذابهم .","part":7,"page":97},{"id":3098,"text":"يقول الضعفاء للذين استكبروا : أنتم أضللتمونا ، ويقول لهم المستكبرون : أنتم وافقتمونا باختياركم؛ فمحاجةُ بعضهم لبعضٍ تزيد في غيظ قلوبهم ، فكما يُعَذَّبون بنفوسهم يعذبون بضِيقِ صدورهم وببُغْضِ بعضهم لبعض .","part":7,"page":98},{"id":3099,"text":"وهذه أيضاً من أمارات الأجنبية ، فهم يُدْخِلُونَ واسطةً بينهم وبين ربِّهم . ثم إن الله ينزع الرحمةعن قلوب الملائكة كي لا يستشفعوا لهم .","part":7,"page":99},{"id":3100,"text":"ننصرهم بالآياتِ وفنونِ التعريفات حتى يعرفوا ويشهدوا ان الظَّفَرَ وضِدَّه من الله ، والخيرَ والشرَّ من الله .\rويقال ننصرهم على أعدائهم بكيدٍ خفيٍّ ولطفٍ غيرِ مرئيٍّ ، من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون؛ ننصرهم في الدنيا بالمعرفة وباليقين بأنَّ الكائنات من الله ، وننصرهم في الآخرة بأن يشهدوا ذلك ، ويعرفوا - بالاضطرار- أنَّ التأثيرَ من الله ، وغاية النصرة أن يَقْتُلَ الناصرُ عدوَّ مَنْ ينصره ، فإذا أراد حَتْفَه تحقَّق بأن لا عَدُوَّ على الحقيقة ، وأنَّ الخَلْقَ أشباحٌ تجري عليهم أحكامُ القدرة؛ فالوليُّ لا عدوَّ له ، ولا صديق له إلاّ الله ، قال تعالى : { اللَّهُ وَلِىَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } [ البقرة : 257 ] .","part":7,"page":100},{"id":3101,"text":"دليلُ الخطابِ أن المؤمنين ينفعهم تَنَصُّلُهم ، ولهم من الله الرحمة ، ولهم حُسْنُ الدار ، وما بقي من هذه الدنيا إلا اليسير .","part":7,"page":101},{"id":3102,"text":"مضى طَرَفٌ من البيان في قصة موسى .","part":7,"page":102},{"id":3103,"text":"الصبرُ في انتظار الموعود من الحقِّ على حسب الإيمان والتصديق؛ فَمَنْ كان تصديقهُ ويقينُه أتمَّ وأقوى كان صبرُه أتم وأوفى .\r{ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } : وهو - سبحانه - يُعْطِي وإن توَهَّمَ العبدُ أنه يُبْطِي .\rويقال الصبر على قسمين : صبرٌ على العافية ، وصبرٌ على البلاء ، والصبرُ على العافية أشدُّ من الصبر على البلاء ، فصبرُ الرجال على العافية وهو أتمُّ الصبر .\r{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } . وفي هذا دليل على أنه كانت له ذنوب ، ولم يكن جميعُ استغفاره لأمته لأنه قال في موضع آخر : { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [ محمد : 19 ] وهنا لم يذكر ذلك . ويمكن حَمْلُ الذَّنْبِ على ما كان قبل النبوة؛ إذ يجوز أن يكون العبد قد تاب من الزَّلَّة ثم يجب عليه الاستغفار منها كلما ذكرها ، فإن تجديد التوبة يجب كما يجب أصلُ التوبة .","part":7,"page":103},{"id":3104,"text":"{ بَغْيْرِ سُلْطَانٍ } : أي بغير حجة .\r{ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } أي ليس في صدورهم إلا كِبْرٌ يمنعهم عن الانقياد للحق ، ويبقون به عن الله ، ولا يصلون إلى مرادهم .","part":7,"page":104},{"id":3105,"text":"أي خَلْقُ السموات والأرضِ أكبرُ من بعثهم وخَلْقهم مرةً أخرى بعد أن صاروا رميماً؛ فالقوم كانوا يُقِرُّون بخلْقِ السموات والأرض ، وينكرون أمرَ البعث .","part":7,"page":105},{"id":3106,"text":"أراد به : ما يستوي المؤمنُ والكافرٌُ ، ولا المربوطُ بشهوته كالمبسوط بصفوته ، ولا المجذوبُ بقربته كالمحجوب بعقوبته ، ولا المُرَقّي إلى مشاهدته كالمُبقّي في شاهده ، ولا المجدود بسعادته كالمردود لشقاوته .","part":7,"page":106},{"id":3107,"text":"أنَّ ميقاتَ الحسابِ لكانٌ وإن وقعت المدةُ في أوانه .","part":7,"page":107},{"id":3108,"text":"معناه : أدعوني اأستجب لكم إن شِئتُ؛ لأنه قال في آية أخرى : { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ } [ الأنعام : 41 ] .\rويقال ادعوني بشرطِ الدعاء ، وشرطُ الدعاء الأكلُ من الحلال؛ إذا يقال الدعاء مفتاحُه الحاجة ، وأسبابُهُ اللقمةُ الحلال .\rويقال كلُّ مَنْ دعاه استجاب له إمّا بما يشاء له . أوبشيء آخر هو خيرُ له منه .\rويقال الكافر ليس يدعوه؛ لأنه إنما يدعو مَنْ له شريك ، وهو لا شريكَ له .\rويقال : إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فيما مِنْ مؤمنٍ يدعو الله ويسأله شيئاً إلا أعطاه في الدنيا ، فأما في الآخر ة فيقول له : هذا ما طلبْتَه في الدنيا ، وقد ادْخرتُه لك لهذا اليوم حتى ليتمنى العبدُ أنه ليته لم يُعطَ شيئاً في الدنيا قط .\rويقال : ادعوني بالطاعات استَجبْ لكم بالثواب والدرجات .\rويقال ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة . ويقال ادعوني بالتنصل أستجب لكم بالتفضُّل . ويقال ادعوني بحسَبِ الطاقة أستجب لكم بكشف الفاقة .\rويقال ادعوني بالسؤال أستجب لكم بالنّوال والأفضال .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عِنْ عِبَادَتِى } أن يستكبرون عن دعائي ، سيدخلون جهنم صاغرين .","part":7,"page":108},{"id":3109,"text":"قوله جلّ ذكره : { اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً } .\rسكونُ الناسِ في الليل على أقسام : أهلُ الغفلة يسكنون إلى غفلتهم ، واهل المحبة يسكنون بحكم وصلتهم ، وشتّان بين سكونِ غفلةٍ وسكونِ وصلة!\rقومُ يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم ، وقومٌ يسكنون إلى حلاوة أعمالهم؛ لبسطهم واستقلالهم ، وقومٌ يعدِمون القرار في ليلهم ونهارهم وأولئك اصحابُ الاشتياق . . . إبداً في الاحتراق .\r{ ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ } الذي جعل سكونكم معه ، وانزعاجكم له ، واشتياقكم إليه ، ومحبتكم فيه ، وانقطاعكم إليه .","part":7,"page":109},{"id":3110,"text":"قوله جلّ ذكره : { اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً والسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوًَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } .\r{ وَصَوًّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } : خَلقَ العرشَ والكرسيّ والسموات والأرضين وجميعَ المخلوقاتِ ولم يقُلْ هذا الخطاب ، وإنما قال لنا : { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } وليس الحَسَنُ ما يستحسنه الناسُ بل الحَسنُ ما يستحسنه الحبيبُ :\rما حطك الواشون عن رتبةٍ ... عندي ولا ضَرَّك مُعتابُ\rكانهم أَثْتنَوْا -ولم يعلما- ... عليكَ عندي بالذي عابوا\rلم يَقُلْ للشموس في علائها ، ولا للأقمار في ضيائها : { وَصَوَّرَكُمْ فََأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } .\rولما انتهى إلينا قال ذلك ، وقال : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] .\rويقال إن الواشين قَبَّحوا صورتكم عندنا ، بل الملائكةُ كتبوا في صحائفكم قبيحَ ما ارتكبتم . . ومولاكم أحسن صوركم ، بأن محا من ديوانكم الزّلاّت ، وأثبت بدلاً منها الحسنات ، قال تعالى : { يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } [ الرعد : 39 ] ، وقال : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [ الفرقان : 70 ] .\rقوله جل ذكره : { وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } .\rليس الطيبُ ما تستطيبه النفْسُ إنما الطيب ما يستطيبُه القلبُ ، فالخبزُ القفار أطيب للفقير الشكر من الحلواء للغنيِّ المتَسَخِّط .\rورِزْقُ النفوسِ الطعامُ والشرابُ ، ورزقُ القلوبِ لذاذات الطاعات .","part":7,"page":110},{"id":3111,"text":"{ هُوَ الْحَىُّ } : الذى لا يموت ، ولا فضلُه يفوت ، فادعوه بلسان القوت ، وذلك عليه لا يفوت .","part":7,"page":111},{"id":3112,"text":"قُلْ - يا محمد - إني نهيت عن عادة ما تدعون من دون الله ، أي أُمِرْتُ بالتبرِّي عمَّا عبدتم ، والإعراض عمّا به اشتغلتم ، والاستسلام للذي خلقني ، وبالنبوة استخصّني .","part":7,"page":112},{"id":3113,"text":"قوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَِّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً } .\rفمن تُربْةٍ إلى قطْرَةٍ؛ ومن قطرةٍ إلى عَلَقَةٍ . . ثم من بطون أُمهاتكم إلى ظهوركم في دنياكم . . ثم من حال كونكم طفلاً ثم شاباً ثم شيخاً .\rوهو الذي يحيي ويميت ، ثم يبعث في أُخرى الدارين .","part":7,"page":113},{"id":3114,"text":"في آيات الله يتبلّدُون؛ فلا حُجة يوردُون ، ولا عذاب عن أنفسهم يرُدُّون ، سيعلمون حين لا ينفعهم عِلمُهم ، ويعتذرون حين لا يُسمَع عُذْرُهم ، وذلك عندما","part":7,"page":114},{"id":3115,"text":"يُسحبُون في النار والأغلالُ في أعناقهم ، ثم يُذَاقُون ألوان العذاب . فإذا أُقرُّوا بكفرهم وذنوبهم يقال لهم : أدخلوا جهنم خالدين فيها ، فبئس مثواهم ومصيرهم ، وساء ذهابُهم ومسيرهم .","part":7,"page":115},{"id":3116,"text":"قوله جل ذكره : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } .\rكُنْ بِقلبكَ فارغاً عنهم ، وانظر من بعدُ إلى ما يُفعلُ بهم ، واستيقن بأنه لا بقاء لجولة باطلهم . . فإن لقيت بعض ما نتوعدُهم به وإلاّ فلا تكُ في ريبٍ من مقاساتهم ذلك بَعْدُ . ثم أكَّدَ تسليتَه إياه وتجديدَ تصبيره وتعريفه بقوله :\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ } .\rقصصنا عليك قصصَ بعضهم ، ولم نخبرك عن قصص آلاخرين .\rولم يكن في وسع أحدٍ الإتيان بمعجزة إلا إذا أظهرنا نحن عليه ما أردنا إذا ما أردنا . فكذلك إن طالبُوك بآيةٍ فقد أظهرنا عليك من الآيات ما أزحنا به العُذْرُ ، ووضحنا صِحّةً الأمر . . وما اقترحُوه . . فإن شئنا أظْهَرنا ، وإن شِئنا تَرَكنا .","part":7,"page":116},{"id":3117,"text":"ذكّرهم عظيمَ إنعامه بتسخير الأنعام؛ فقال جعلها لكم لتنتفعوا بها بالركوب والحمل والعمل ، ولتستقوا ألبانها ، ولتأكلوا لحومها وشحومَها ، ولتنتفعوا بأصوافها وأوبارها وأشعارها ، ولتقطعوا مسافة بعيدةً عليها . . فعلى الأنعام وفي الفُلْكِ تنتقلون من صقْعٍ إلى صُقعٍ . . وأنالذي يَسَّرْتُ لكم هذا ، وأنا الذي ألهمتكم الانتفَاع به؛ فثقُوا في ذلك واعرفوه .","part":7,"page":117},{"id":3118,"text":"أمَرَهم بالاعتبار بِمَنْ كانُوا قبلهُمْ؛ كانوا أشدّ قوةً وأكثر أموالاً وأطولَ أعماراً ، فانجرُّوا في حِبَالِ آمالهم ، فوقعوا في وهْدَة غرورهم ، وما في الحقُّ عن مراده فيهم ، واغتروا بسلامتهم في مُدّةِ ما أرخينا لهم عنان آمالهم ، ثم فاجأناهُم بالعقوبة ، فلم يُعْجِزُوا الله في مُرادِه منهم .\rفلمَّا رأوا شِدَّةَ البأسِ ، ووقعوا مذلّةِ الخيبة واليأس تمنّوا أن لو أُعيدُوا إلى الدنيا من الرأس . . فقابلهم الله بالخيبة؛ وخرطهم في سِلكِ مَن أبادهم من أهل الشِّرْكِ والسّخْطِ .","part":7,"page":118},{"id":3119,"text":"بحقي وحياتي ، ومجدي في صفاتي وذاتي . . هذا تنزيلٌ من الرحمن الرحيم .","part":7,"page":119},{"id":3120,"text":"بُيِّنَتْ آياتُه ودلالاتُه .\r{ وقُرْءَاناً عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } : الدليل منصوبٌ للكافة ولكنَّ الاستبصار به للعالِمين -دون المُعْرِضين الجاحدين .","part":7,"page":120},{"id":3121,"text":"{ بَشِيراً } : لِمَنْ اخترناهم واصطفيناهم .\r{ وَنَذِيراً } : لِمَنْ أقميناهم ، وعن شهودِ آياتنا أعميناهم .\r{ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ } عند دعائنا إياهم ، فهم مُثْبَتُون فيما أردناهم ، وعلى ذلك ( الوصف ) عَلِمْناهم .","part":7,"page":121},{"id":3122,"text":"قالوا ذلك على الاستهانة والاستهزاء ، ولو قالوه عن بصيرةٍ لكان ذلك منهم توحيداً ، فمُنُوا بالمَقْتِ لِما فقدوا من تحقيق القلب .","part":7,"page":122},{"id":3123,"text":"إنما أنا بَشَرٌ مثلكم في الصورة والبِنْية ، والذات والخِلقة . والفرقَانُ بيني وبينكم أنَّه يُوحَى إليَّ أنما إلهكم إله واحد؛ فالخصوصية مِنْ قِبَلِه لا مِنْ قِبَلِي ، ولقد بَقِيتُ فيكم عمراً ، ولقيتموني جهراً . . فما عثرتم مني على غير صواب ، ولا وجدتم في قولي شوب كذاب . وأمري إليكم أن استقيموا في طاعته ، واستسلموا لأمره . . . وطوبى لِمَن أجاب ، والويلُ لِمَنْ أصرَّ وعاب! .","part":7,"page":123},{"id":3124,"text":"{ ءَامِناً } : شاهدوا ، { وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } : لازموا بِساط العبودية .\r{ ءَامَنُواْ } : شهدوا الحضرة ، { وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } : وقفوا بالباب .\r{ ءَامَنُواْ } : حضروا ، { وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } : بعد ما حضروا لم ينصرفوا .\r{ لَهُمْ أَجرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } : غير منقوص؛ فأجرُ النفوسِ الجنةُ ، وأجرُ القلوب الرضا بالله ، وأجرُ الأرواح الاستئناسُ بالله ، وأجرُ الأسرار دوام المشاهدة لله .","part":7,"page":124},{"id":3125,"text":"خَلَقَ الزمانَ ولم يكن قبله زمان ، وخَلَقَ المكان ، ولم يكن قبله مكان؛ فالحقُّ -سبحانه- كان ولا مكان ولا زمان ، فهو عزيزٌ لايُدْرِكُه المكانُ ، ولا يَمْلِكُه الزمان .\r{ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } . . . وكيف يكون الذي لم يكن ثم حصل نِدًّا للذي لم يَزَلْ . . . ولا يزال كما لم يزل؟! ذلك ربُّ العالمين .","part":7,"page":125},{"id":3126,"text":"الجبالُ أوتادُ الأرضِ في الصورة ، والأولياءُ أوتادٌ ورواسٍ للأرض في الحقيقة .\r{ وَبَارَكَ فِيهَا } : البركةُ الزيادة . . فيأتيهم المطرُ ببركاتِ الأولياء ، ويندفع عنهم البلاء ببركات الأولياء .\r{ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا } : وجعلها مختلفةً في الطَّعْمِ والصورةِ والمقدار . وأرزاقُ القلوبِ والسرائر كما مضى ذكره فيما تقدم .","part":7,"page":126},{"id":3127,"text":"{ اسْتَوَى } أي قَصَدَ ، وقيل فعل فعلاً هو الذي يعلم تعيينه .\rويقال رتَّبَ أقطارها ، وركَّبَ فيها نجومَها وأزهارَها .\r{ فَقَالَ لَهَا وَللأرْضِ ائْتِنَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } : هذا على ضرب المَثَل؛ أي لا يتعسَّر عليه شيءٌ مما خلقه ، فله مِنْ خَلْقِه ما أراده . وقيل بل أحياهما وأعقلهما وأنطقهما فقالتا ذلك . وجعل نفوسَ العابدين أرضاً لطاعته وعبادته ، وجعل قلوبهم فَلكاً لنجومِ علمه وشموسِ معرفته .\rوأوتادُ النفوسِ الخوفُ والرجاءُ ، والرغبةُ والرهبة . وفي القلوب ضياءُ العرفانِ ، وشموس التوحيد ، ونجوم العلوم والعقولِ والنفوسِ . والقلوبُ بيده يُصَرِّفُها على ما أراد من أحكامه .","part":7,"page":127},{"id":3128,"text":"زَيَّنَ السماء الدنيا بمصابيح ، وزيَّنَ وجهَ الأرضِ بمصابيحَ هي قلوب الأحباب؛ فأهلُ السماء إذا نظروا إلى قلوب الأولياء بالليل فذلك متنزههم كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء استأنسوا برؤية الكواكب .","part":7,"page":128},{"id":3129,"text":"أي أخْبِرْ المُكَذِّبين لَكَ أنَّ لكم سَلَفاً . . فإن سلكتم طريقهم في العناد ، وأبيتم إلاَّ الإصرار ألحقناكم بأمثالكم .","part":7,"page":129},{"id":3130,"text":"ركنوا إلى قوة نفوسهم فخانتهم قواهم ، واستمكنت منهم بلواهم .","part":7,"page":130},{"id":3131,"text":"فلم يغادر منهم أحداً .","part":7,"page":131},{"id":3132,"text":"قيل إنهم في الابتداء آمنوا وصدَّقوا ، ثم ارتدُّوا وكذَّبوا ، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال .\r{ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ } : منهم من نجَّاهم من غير أن رأوا الناس؛ فعبروا القنطرة ولم يعلموا ، وقومٌ كالبرق الخاطف وهم أعلاهم ، وقومٌ كالراكض . . وهم أيضاً من الأكابر ، وقومٌ على الصراط يسقطون ويردُّهم الملائكة على الصراط . فبعد وبعد . . قومٌ بعدما دخلوا النار فمنهم من تأخذه إلى كعبيه ثم إلى ركبتيه ثم إلى حَقْوَيه ، فإذا ما بلغت النار القلب قال الحقُّ لها : لا تحرقي قلبه؛ فإنه محترقٌ فيَّ . وقومٌ يخرجون من النار بعدما امْتُحِشوا فصاروا حُمَماً .","part":7,"page":132},{"id":3133,"text":"شهدت عليهم أجزاؤهم ، ولم يكن في حسابهم أن الله سيُنْطِقها وهو الذي أنطق كلَّ شيء ، ولم يَدُرْ بخَلدهم ما استقبهم من المصير الأليم .\r{ ذلكم ظنكم } : وكذا مَنْ قعد في وصف الأقوال ، ووَسَمَ موضِعَه ، وحَكَمَ لنفسه انه مُقَدَّمُ بلده . فلا يُسْمَعُ منه إلا ببرهانٍ ودليلٍ من حاله ، فإن خالف الحالُ قولَه فلا يُعتمد عليه بعد ذلك .\rوالظنُّ بالله إذا كان جميلاً فلعمري يُقَابَلُ بالتحقيق ، أمَّا إذا كان نتيجةَ الغرورِ وغيرَ مأذونِ به في الشرع فإنه يُرْدِي صاحبه .","part":7,"page":133},{"id":3134,"text":"فإن يصبروا على موضع الخسف فسينقلبون إلى النار ، وإن يستعتبوا -فعلى ما قال - فما هم بمعتبين .","part":7,"page":134},{"id":3135,"text":"إذا أراد الله بعَبْدٍ خيراً قَيَّضَ له قرناءَ خير يُعِينونه على الطاعات ، ويَحْمِلونه عليها ، ويدعونه إليها . وإذا كانوا إخوانَ سوءٍ حملوه على المخالفات ، ودَعَوْه إليها . . . ومن ذلك الشيطانُ؛ فأنهُ مُقَيَّضٌ مُسَلَّطٌ على الإنسان يوسوس إليه بالمخالفات . وشرٌّ من ذلك النَّفْسُ . فإنها بئس القرين!! فهي تدعو العبدَ -اليومَ - إلى ما فيه هلاكه ، وتشهد عيه غداً بفعل الزلَّة . فالنفسُ - وشرُّ قرينٍ للمرءِ نفسهُ - والشياطينُ وشياطينُ الإنْسِ . . كلها تُزيِّن لهم { مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من طول الأمل ، { وَمَا خَلْفَهُمْ } من نسيان الزَّلَلِ ، والتسويف في التوبة ، والتقصير في الطاعة .","part":7,"page":135},{"id":3136,"text":"استولى على قلوبهم الجَحْدُ والإنكارُ ، ودام على العداوة فيهم الإصرارُ؛ فاحتالوا بكل وجهٍ ، وتواصَوْا فيما بينهم بألا يستمعوا لهذا القرآن لأنه يغلب القلوب ، ويسلب العقول ، وكل مَنْ استمع إليه صَبَا إليه .\rوقالوا : إذا أَخّذَ محمدٌ في القرآن فأَكْثِرُوا عند قراءته اللَّغوَ واللغطَ حتى يقع في السهو الغَلَط .\rولم يعلموا أن الذي نُوِّرَ قلبُه بالإيمان ، وأُيِّدَ بالفهم ، وأُمِّدَ بالنصرة ، وكوشف بسماع السِّرِّ من الغيب هو الذي يسمع ويؤمن . والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمانُ قلبَه ، ولا يباشر السماعُ سِرَّه .","part":7,"page":136},{"id":3137,"text":"اليومَ بإدامة الحرمان الذي هو الفراق ، وغداً بالتخليد في النار التي هي الاحتراق .","part":7,"page":137},{"id":3138,"text":"لهم فيها الخزي والهوان بلا انقطاع ولا انصرام .","part":7,"page":138},{"id":3139,"text":"من الجنِّ إبليس . ومن الإنس قابيل من آدم فهو أول منْ سَنَّ المعصية ( حين قتل أخاه ) .\r{ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } ؛ هذه الإرادة وهذا التمني زيادة في عقوبتهم أيضاً؛ لأنهم يتأذون بتلك الإرادة وهذا التمني؛ فهم يجدون أنه لا نَفْعَ لهم من ذلك إذ لن يُجَبوا في شيء ، ولن يُمْنَعَ عنهم العذاب .\rويفيد هذا الإخبار عنهم عن وقوع التبَرِّي فيما بينهم ، فبعضهم يتبرأ من بعض ، كما يفيد بأن الندمَ في غير وقته لا جدوى منه .","part":7,"page":139},{"id":3140,"text":"« ثم » استقاموا : ثم حرف يقتضي التراخي ، فهو لا يدل على انهم في الحال لا يكونون مستقيمين ، ولكنه معناه استقاموا في الحال ، ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانَهم إلى وقت خروجهم من الدنيا ، وهو آخرُ أحوالِ كونِهم مُكَلَّفين .\rويقال : قالوا بشرط الاستجابة أولاً ، ثم استبصروا بموجب الحجة ، ولم يثبتوا على وصف التقليد ، ولم يكتفوا بالقالة دون صفاء الحالة .\r« استقاموا » : الاستقامة هي الثباتُ على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلالٍ بشيءٍ من أقسامها . ويقال : هم على قسمين .\rمستقيم ( في أصول ) التوحيد والمعرفة . . وهذه صفة جميع المؤمنين .\rومستقيم في الفروع من غير عصيان . . وهؤلاء مختلفون؛ فمنهم . . ومنهم ، ومنهم .\r{ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ } : الذي لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد ، ولم يشرك . فله الأمان من الخلود . ويقال : مَنْ كان له أصل الاستقامة أَمِنَ من الخلود في النار ، ومن كمال الاستقامة أَمِنَ من الوعيد من غير أن يلحقه سوءٌ بحالٍ . . ثم الاستقامة لهم على حسب أحوالهم؛ فمستقيمٌ في عهده ، ومستقيم في عقده ، ومستقيم في جهده ومراعاة حدِّه ، ومستقيم في عقده وجهده حدِّه وحبِّه . وودِّه . . وهذا أتمُّهم .\rويقال : استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب بالله .\rويقال : استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم صحة القصد بدوام الوجد .\rويقال : استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم ، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي مآلهم .\rويقال : أقاموا على طاعته ، واستقاموا في معرفته ، وهاموا في محتبه ، وقاموا بشرائط خدمته .\rويقال : استقامةٌ الزاهدِ ألا يرجعَ إلى الدنيا ، وألا يمنعَه الجاهُ بين الناس عن الله . واستقامةُ العارفِ ألا يشوبَ معرفتَه حظٌّ في الداريْن فيحجبه عن مولاه . واستقامةُ العابدَ ألا يعودَ إلى فترته واتباع شهوته ، ولا يتداخله رياءٌ وتصنُّع واستقامة المُحِبِّ ألا يكون له أرَبٌ من محبوبه ، بل يكتفي من عطائه ببقائه ، ومن مقتضى جوده بدوام عِزِّه ووجوده .\r{ أَلاَ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُواْ } : إنما يكون الخوف في المستقل من الوقت ، ومن حلولِ مكروهِ أو فوات محبوبٍ فالملاكةُ يبشرونهم بأن كل مطلوبٍ لهم سيكون ، وكل محذورٍ لهم لا يكون .\rوالحزن من حُزُونه الوقت ، ومن كان راضياً بما يجري فلا حزنَ له في عيشه . والملائكة يبشرونهم بأنهم لا حزنه في أحوالهم ، وإنما هم الرَّوْح والراحة .\r{ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ } : أي بحسن المآب ، وبما وَعَدَ اللَّهُ من جميل الثواب .\rوالذي هو موعودٌ للأولياء بسفارة الملَكِ موجودٌ اليومَ لخواصٌ عباده بعطاء المَلِكِ؛ فلا يكون لأحدهم مطالعةٌ في المستقبل من حاله بل يكون بحكم الوقت؛ فلا يكون له خوفٌ؛ لأن الخوف -كما قلنا من قبل- ينشأ من تطلع إلى المستقبل إمَّا من زوالِ محبوبٍ أو حصولِ مكروه ، وإن الذي بصفة الرضا لا حزونة في حاله ووقته .\rويمكن القول : { لا تخافوا } من العذاب ، { ولا تحزنوا } على ماخلفتم من الأسباب ، { وأبشروا } بحسن الثواب في المآب .\rويقال : { لا تخافوا } من عزل الولاية ، { ولا تحزنوا } على ما أسلفتم من الجناية ، « وأبشروا » بحسن العناية في البداية .\rويقال : { لا تخافوا } مما أسلفتم ، { ولا تحزنوا } على ما خلفتم ، { وأبشروا } بالجنة التي لها تكلفتم .\rويقال : { لا تخافوا } المذلَّة ، { ولا تحزنوا } على ما أسلفتم من الزلَّة ، { وأبشروا } بدوام الوصلة .","part":7,"page":140},{"id":3141,"text":"الولاية من الله بمعنى المحبة ، وتكون بمعنى النصرة .\rوهذا الخطاب يحتمل أن يكون من قِبَلِ الملائكة الذين تنزلوا عيلهم ، ويحتمل أن يكون ابتداءَ خطابِ من الله .\rوالنصرة تصدر من المحبة؛ فلو لم تكن المحبة الأزلية لم تحصل النصرة في الحال . ويقال : { نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بتحقيق المعرفة ، { وَفِى الأَخِرَةِ } بتحصيل المغفرة .\rويقال { نَحْنُ أَوْليَآؤُكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بالعناية ، { وَفِى الأَخِرَةِ } بحسن الكفاية وجميل الرعاية .\r{ وفِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بالمشاهدة ، { وَفِى الأَخِرَةِ } بالمعاينة .\rفي الدنيا الرضاء بالقضاء ، وفي الأخرة باللقاء في دار البقاء .\rفي الدنيا بالإيمان ، وفي الآخرة بالغفران .\rفي الدنيا بالمحبة ، وفي الآخرة بالقربة .\r{ وَلَكُمْ فِيهَا } أي في الجنة { مَا تَشْتَهِى أَنْفُسُكُمْ } : الولايةُ نقدٌ ، وتحصيل الشهوات وعدٌ ، فَمَنْ يشتغل بنقده قلَّما يشتغل بوعده .\r{ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } : أي ما تريدون ، وتدعون الله ليُعطيَكم .\r{ نُزُلاً } : أي فضلاً وعطاءً ، وتقدمةً لما يستديم إلى الأبد من فنون الأفضال ووجوه المبارِّ .\r{ مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } : وفي ذلك مساغٌ لآمال المذنبين؛ لأنهم هم الذين يحتاجون إلى المغفرة ، ولولا رحمته لما وصلوا إلى مغفرته .","part":7,"page":141},{"id":3142,"text":"أي لا أحدَ أحسنُ قولاً منه ، ويكون المراد منه النبي A ويحتمل أن يكون جميع الأنبياء عليهم السلام .\rويقال هم المؤمنون . ويقال هم الأئمة الذين يدعون الناس إلى الله .\rوقيل هم المؤذنون . ويقال الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاءِ بالله وتَرْكِ طالب العِوَض من الله ، ويَكِلُ أمره إلى الله ، ويرضى من الله بقسمة الله .\r{ وَعَمِلَ صَالِحًا } : أي كما يدعو الخَلْقَ إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه .\rويقال هم الذين عرفوا طريقَ الله ، ثم سلكوا طريقَ الله ، ثم دعوا الناسَ إلى الله .\rويقال بل سلكوا طريق الله؛ فبسلوكهم وبمنازلاتهم عرفوا الطريق إلى الله . ثم دعوا الخَلْقَ إليه بعد ما عرفوا الطريق إليه .","part":7,"page":142},{"id":3143,"text":"ادفعْ بالخصلة التي هي أحسن السيئةَ يعني بالعفو عن المكافأة ، وبالتجاوز والصفح عن الزلة ، وترك الانتصاف .\r{ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } يُشْبِه الوليَّ الحميمَ - ولم يَصِرْ ولياً مخلصاً . . . وهذا من جملة حُسْنِ الأدب في الخدمة في حقِّ صحبتك مع الله؛ تحلم مع عباده لأَجْلِه .\rومن جملة حُسْن الخُلُق في الصحبة مع الخَلْقِ ألا تنتقم لنفسك ، وأَنْ تعفوَعن خصمك .","part":7,"page":143},{"id":3144,"text":"لا يقوم بحق هذه الأخلاق إلاّ مَنْ أُكْرِم بتوفيق الصبر ، ورُقِّي عن سفساف الشيم إلى معالي الأخلاق . ولا يصل أحسنَ الدرجاتِ إلا مَنْ صبر على مقاساة الشدائد .","part":7,"page":144},{"id":3145,"text":"إذا اتصلَتْ بقلبك نزغاتُ الشيطان فبادِرْ بذكر ربِّك ، وارجعْ إليه قبل أية خطوة . . فإنك إن لم تخالف أولَ هاجسٍ من هواجس الشيطان صار فكرة ، ثم بعد ذلك يحصل العزم على ما يدعو إليه الشيطان . . فإذا لم تتداركْ ذلك تجري الزلَّة ، وإذا لم تتداركْ ذلك بحُسْنِ الرُّجعي صار فسقاً . . . وبتمادي الوقت تصبح في خَطَرِ كل آفة .\rولا يتخلص البعدُ من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة وصدق الاستغاثة وبذلك ينجو من الشيطان ، وقد قال تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الإسراء : 65 ] ؛ فكلما ازداد العبدُ في تبرِّيه من حَوْلِه وقوته ، وأخلص بينْ يدي الله بتضرعه واستعانته واستعاذته زاد اللَّهُ في حِفْظه ، ودَفَع الشيطان عنه .","part":7,"page":145},{"id":3146,"text":"أَوْضَحَ الآياتِ ، وأَلاحَ البينَاتِ ، وأَزاحَ عِلَّةَ مَنْ رام الوصول . واختلاَفُ الليل والنهار ، ودورانُ الشمسِ والقمر من جملة أمارات قدرته ، ودلالات توحيده .\r{ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ } في علائها ، { وَلاَ لِلْقَمَرِ } في ضيائه ، { وَاسْجُدُواْ لِلَّهِ } فقد غار عليك أن تسجد لغيره .\rوالشمسُ - وإِنْ عَلَتْ ، والقمر - وإنْ حَسُنُ . . . فلأجْلِكَ خلقناهما ، فلا تسجدْ لهما ، واسجُدْ لنَا .\rويقال : خَلقَ الملائكة -ومع كثرة عبادتهم ، ومع تقدمهم في الطاعة- قال لهم : اسجدوا لآدم ، وحين امتنع واحدٌ منهم لُعِنَ إلى الأبد . وقال لأولاد آدم العصاةِ المذنبين : { لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } فشتِّان ما هما!! .\rوالحقُّ -سبحانه وتعالى- يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر . . وأنت لأجْلٍ كلِّ حظِّ خَسِيسٍ تنقل قَدَمَكَ إلى كلِّ أحدٍ؛ وتدخل بمحياك عَلَى كلِّ أحدٍ!! .","part":7,"page":146},{"id":3147,"text":"أي إنْ تَرَفّعَ الكفارُ فلا خَلَلَ؛ لأن الحقَّ غنيٌّ عن كل أحد ، ثم إن الملائكة - الذين هم سكان الآخرَ - يسجدون له بالليل والنهار ، وهم لا يسأَمون من عبادته .","part":7,"page":147},{"id":3148,"text":"الأرضُ تكون جَدْبةً يابسةً في الشتاء ، فإذانزل عليهما المطر اهتزت بالنبات واخضرّت وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمَّتْ به من الذنوب أقبل عليها الحق سبحانه ، فظهر فيها بركاتُ الندم ، وعفا عن أربابها ما قصرُّوا في صِدْق القدَم؛ وكذلك وقعت للعبد قترةٌ في معاملاته- أو غيبةٌ عن بساط طاعاته ، ثم تغمَّده الحقُّ - سبحانه - بما يدخل عليه من التذكر تظهر في القلب أنوارُ الوفاق ، فيعود إلى مألوف مقامه ، ويرجع عود سداده غضَّا طرياً ، ويصير شجر وفاقه - بعد ما أصابته الجدوبة - بماء العناية مستقياً .\rوكذلك إذا بدت لأهل العرفان وقفة ، أو حدثت لهم من جرَّاء سوء أدبٍ بَدَرَ منهم حجبةٌ ثم نظر الحقِّ - سبحانه - إليهم بالرعاية . . اهتزّت رياضُ أُنْسِهم ، واخضرَّت مشاهدُ قربهم ، وانهزمت وفودُ وقفتهم .\r{ إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } : إن الذي أحيا الأرضَ بعد موتها قادرٌ على إحياء النفوس بالحشر والنشر . وكذلك هو قادر على إحياء القلوب بنور العناية بعد الفترة والحجبة .","part":7,"page":148},{"id":3149,"text":"سيلقون من العذاب ما يستوجبونه . . فَلْيَعْمَلوا ما شاءوا . . فليسوا . . يَسْعَونْ إلاَّ في ذَمَّهم ، وليسوا يمشون إلا إلى هلاكهم بأَقدامهم .","part":7,"page":149},{"id":3150,"text":"الجواب محذوف ومعناه : بقوا عنَّا ، ووقعوا في هوانهم وشقوا إلى الأبد .\r{ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ } : كتابٌ عزيزٌ لا مِثْلَ له حيث قد عجزوا عن الإتيان بمثله . كتابٌ عزيز غالبٌ لِشُبَهِ المبتدعين والكفار .\rعزيزٌ لا يقدر على معارضته أحدٌ . . من قولهم أرض عزاز .\rكتاب عزيزٌ لأنه كلامُ ربٍّ عزيز إلى رسولٍ عزيزٍ بسفارة مَلَكٍ عزيزٍ إلى أُمَّةٍ عزيزة .\rكتاب عزيزٌ على المؤمنين لأنه كتابُ حبيبِهم . . وكتابُ الحبيبِ إلى الحبيب . عزيزٌ .","part":7,"page":150},{"id":3151,"text":"أي لا ينقضه كتابٌ آخر لا مما تقدَّمه من الكتب ، ولا مما يأتي من بعده . . أي لا كتابَ بعده ، ولا نسخَ له .\rويقال لا يدفع معناه لفظَه ، ولا يخالف لفظُه معناه . .\rويقال لا يقدر أحدٌ أنْ يأتيَ بمثله .","part":7,"page":151},{"id":3152,"text":"أصولُ التوحيدِ لا تختلف بالشرائع؛ فجوهرُها في الأحكام واحد : هو أنه تجب موافقة أوامره ، واجتناب مزاجره . ثم إن الله تعالى قال في كل كتابٍ ، وشَرَعَ لكل أمة أَنْ يعرفوا أنه للمطيعين مُثيبٌ ، وللكافرين ذو عذاب شديد .","part":7,"page":152},{"id":3153,"text":"أخبر أنه أزاح العِلَّةَ أَنْ يعرفَ صِدْقَ الدعوة ، وصحة الشريعة .\rثم وصفَ الكتابَ بأنه شفاءٌ للمؤمنين ، وسببُ شقاء للكافرين .\rوهو شفاءٌ حيث استراحوا به عن كَدِّ الفكر وتحيُّر الخواطر .\rوهو شفاءٌ لضيق صدور المريدين لما فيه من التنعم بقراءته ، والتلذُّذ بالتفكُّر فيه .\rوهو شفاءٌ لقلوب المحبين من لواعِج الاشتياق لما به من لُطْفِ المواجيد .\rوهو شفاءٌ لقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق ، وآثار خطاب الرب العزيز .\r{ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } : هم لا يسمعون بقلوبهم من الحق ، ولا يستجيبون . . بقوا في ظلمات الجحد والجهل .\r{ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } : لا يزدادون على مر الأيام إلا ضلالاً .","part":7,"page":153},{"id":3154,"text":"آتينا موسى التوراةَ ، وأرسلناه إلى قومه ، فاختلفوا في أمره . . فَمَنْ كَحَّلْنا سرَّه بنور التوحيد صَدَّقه ، ومَنْ أعميناه عن مواقع البيان قابله بالتكذيب وجحده .\r{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } وهي أن عقوبتَهم في النار بعد قيام القيامة لَعَجَّلنا استئصالهم ، ولأذقناهم في الحال وبالَهم .","part":7,"page":154},{"id":3155,"text":"« فلنفسه » لأن النفعَ عائدٌ إليه . ومَنْ عمل عملاً سيئاً فإنما ظَلَمَ نَفْسَه ، وأساء إليها؛ لأنه هو الذي يقاصي ضرَّه ويلاقي شرَّه .","part":7,"page":155},{"id":3156,"text":"لمَّا استعجلوا وقالوا : متى تقوم هذه القيامةُ التي يَتوعَّدنا بها؟ قال الله تعالى : إنَّ علمَ القيامة ينفرد به الحقُّ فلا يعلم غيره ، فكما لا يعلم أحدٌ ما الذي يخرج من الاشجار من الثمار ، وما الذي تنطوي عليه أرحامُ النساءِ من أولادها ذكوراً وإناثاً ، وما هم عليه من أوصاف الخِلْقة ، ويحصل من الحيوانات من نتاجها - فلا يعلم هذه الأشياء إلا الله - فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تقوم القيامة .\r{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى } : يتبرؤون من شركائهم ، ولكن في وقت لا تنفعهم كثرةُ نَدَمِهم وبكائهم .","part":7,"page":156},{"id":3157,"text":"لا يَمَلُّ الإنسانُ من إرادة النفع والسلامة ، وإنْ مَسَّه الشرُّ فيئوسٌ لا يرجو زوالَه لِعَدَمِ علمه بربه ، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إليه .","part":7,"page":157},{"id":3158,"text":"لئن كَشَفْنا عنه البلاَءَ ، وأوجبنا له الرجاء لادَّعاه استحقاقاً أو اتفاقاً ، وما اعتقد أن ذلك مِنَّا فضلٌ وإيجاب .\rويقول : لو كان حشرٌ ونشرٌ لكان لي من الله لطفٌ وخير ، وغداً يعلم الأمر ، وأنه بخلاف ما تَوَهَّمَ . . . وذلك عندما نذيقه ما يستوجبه من عذاب .","part":7,"page":158},{"id":3159,"text":"هو لا يميز بين البلاء والعطاء؛ فكثيرٌ مما يتوهمه عطاءً هو مكرٌ واستدراجٌ . . وهو يستديمه . وكثيرٌ مما فضلٌ وصَرْفٌ وعطاءٌ يظنه من البلاء فيعافُه ويكرهه .\rويقال إذا أنعمنا عليه صاحَبَه بالبَطَر ، وإذا أبليناه قابَلَه بالضجر .\rويقال إذا أنعمنا عليه أُعُجِبَ بنفسه ، وتكبَّر مختالاً في زَهْوِه ، لا يشكر ربَّه ، ولا يدرك فضلَه ، ويتباعد عن بِساط طاعته .\rوالمستغني عنَّا يهيم على وجهه ، وإذا مسَّه الشرُّ فذو دعاءٍ كثيرٍ ، وتضرُّعٍ عريض ، وابتهالٍ شديد ، واستكشافٍ دائم .\rثم إذا كشفنا عنه ذلك فله إلى عُتُوِّه ونُبُوِّه عَوْدٌ ، ولسوء طريقته في الجحود إعادة .","part":7,"page":159},{"id":3160,"text":"{ سَنُرِيهِمْ } : السن للأستقبال؛ اي سيُظهر لهم من الآيات ، ومن الأحداث التي تجري في أحوال العالمَ ، وما سيحِلُّ بهم من اختلاف الأمور ما يتبيَّن لهم من خلاله أنَّ هذا الدَّين حقٌّ ، وأنَّ هذا الكتابَ حقٌّ ، وأن محمداً - A - حقٌّ ، وأن المُجْرِيَ لهذه الآياتِ والأحداثِ والأمورِ والمنشىءَ له هو الحقُّ - سبحانه .\rومن تلك الآيات ما كان من قَهْرِ الكفار ، وعُلُوِّ الإسلام ، وتلاشي أعداء الدين .\rويقال من تلك الآيات في الأفاق اختلافُ أحكام الأعين مع اتفاق جواهرها في التجانس . . وهذه آيات حدوثِ العالَم ، واقتضاء المُحدَثِ لصفاته .\r{ وَفِى أَنفُسِهِمْ } : من أمارات الحدوثِ واختلافِ الأوصاف ما يمكنهم إدراكه .\rويقال : { فِى الأَفَاقِ } للعلماء ، { وَفِى أَنفُسِهِمْ } لأهل المعرفة مما يجدونه من العقاب إذا أَلَمُّوا بذَنْبِ ، ومن الثواب إذا أخلصوا في طاعة .\rوكذلك ما يحصل لهم من اختلاف الأحوال من قبضٍ وبسط ، وجمع وفَرْقٍ ، وحجبٍ وجذبٍ . . . وما يجدونه بالضرورة في معاملاتهم ومنازلاتهم .\r{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِربِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شهِيدٌ } : هو الكافي ، ولكنهم - أي الكفار - في مِرْيةٍ من لقاء ربهم في القيامة . والإشارة فيه : أن العوامَّ لَفي شكٍ من تجويز ما يُكَاشَفُ به أهلُ الحضورِ من تعريفات السرِّ .\r{ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطُ } : عالِمٌ لا يَخْفَى عليه شيءٌ .","part":7,"page":160},{"id":3161,"text":"الحاء مفتاح اسمه : حليم وحافظ وحكيم ، والميم مفتاح اسمه : مَلِك وماجد ومجيد ومنَّان ومؤمن ومهيمن ، والعين مفتاح اسمه : علام وعدل وعالٍ ، والعين مفتاح اسمه : سيِّد وسميع وسريع الحساب ، والقاف مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدير وقدوس .","part":7,"page":161},{"id":3162,"text":"أقسم بهذه الأسماء وهذه الحروف إنه كما أوحى إلى الذين مِنْ قَبْلِكَ كذلك يوحِي إليك العزيز الحكيم ، كما أوحى إليهم العزيز الحكيم .","part":7,"page":162},{"id":3163,"text":"له ما في السموات وما في الأرضِ مُلْكاً .\r{ وَهُوَالْعِلىُّ الْعَظِيمُ } : عُلُوُّه وعظمتُه استحقاقُه لأصاف المجد؛ أي وجوب أن يكون بصفات المجد والجلال .","part":7,"page":163},{"id":3164,"text":"أي تكاد السموات تتشقق مِنْ عظمة مَنْ فوقهن وهو الله تعالى ، والفوقيه هنا فوقية رتبة؛ وذلك من شدة هيبتهن من الله .\rويقال مِنْ ثِقَلِ الملائكةِ الذين هم فوق السموات لكثرتهم . وفي الخبر : « أطت السماء أطاً وحق لها أن تئط؛ ما مِنْ موضع قَدَمٍ في السموات إلا وعليه قائم أو راكع أو ساجد » .\rويقال إنه على عادة العرب إذا أخبروا عن شيء قالوا كادت السموات تنشقُّ له . . وهنا لُقْبح قول المشركين ولجرأتهم على الله تعالى ، ولعِظَم قولهم كادت السموات تنشقُّ . . . قال تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إدّاً تَكَادُ السَّمَاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً } [ مريم : 89-91 ] وعلى هذا التأويل : { يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَ } أي إلى أسفلهن ، أي تتفطر جملتُها .\rومع أنَّ أولادَ آدم بهذه الصفة إلا أن الملائكة يسبحون بحمد ربهم لا يفترون ، ويستغفرون لمن في الأرض . . ثم قال : { أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ } : أي يغفر لهم مع كثرة عصيانهم . وفي الوقت الذي يرتكب فيه الكفارُ هذا الجُرْمَ العظيمَ بسبب شِرْكهم فإنه - سبحانه - لا يقطع رِزْقَه ونَفْعه عنهم- وإنْ كان يريد أَنْ يعذِّبَهم في الآخرة .","part":7,"page":164},{"id":3165,"text":"المشركون اتخذوا الشياطين أولياءَ مِنْ دونه ، وذلك بموافقتهم لها فيما توسوس به إليهم . وليس يخفى على الله أمرُهم ، وسيعذبهم بما يستوجبونه . ولستَ -يا محمد- بمُسَلَّطٍ عليهم .\rوفي الإشارة : كلُّ مَنْ يعمل بمتابعة هواه ويترك لله حدَّاً أو ينقض له عهداً فهو يتخذ الشياطينَ أولياءَ ، والله يعلمه ، ولا يخفى عليه أمره ، وعلى الله حسابه . . ثم إنْ شاء عذَّبه ، وإن شاء غَفَرَ له .","part":7,"page":165},{"id":3166,"text":"أنزلنا عليكَ قرآناً يُتْلَى بلغة بالعرب لتخوِّفَ به أهلَ مكة والذين حولَها . وجميعُ العالَم مُحْدِقٌ بالكعبة ومكة لأنها سُرَّةُ الأرضِ .\r{ وَتُنِذرَ يَوْمَ الْجَمْعِ } تنذرهم بيوم القيامة . والإنذارُ الإعلامُ بموضع المخافة . ويوم الجمع -وهو اليوم الذي يُجْمَعُ فيه الخَلْقُ كلُّهم ، ويُجْمَعُ بين المرءِ وعمله ، وبين الجسد وروحه وبين المرء وشكله في الخير والشرِّ- لا شكَّ في كَوْنه . وفي ذلك اليوم فريقٌ يُبْعَثُ إلى الجنة وفريقٌ يحصل في السعير . وكما أنهم اليومَ فريقان؛ فريق في راحة الطاعات وحلاوة العبادات ، وفريق في ظلمة الشِّرْكِ وعقوبة الجحد . . فكذلك غداً؛ فريقٌ هم أهل اللقاء ، وفريقٌ هم أهل الشقاء والبلاء .","part":7,"page":166},{"id":3167,"text":"إنْ أراد أن يجمعَهم كلَّهم على الهدى والرشاد لم يكن مانع . . وإذاً لا زَيْنَ لهم . ولو شاء أن يجمعَهم كُلَّهم على الفساد والعناد لم يكن دافع - وإذاً لا شينَ منه . وحيث خَلَقَهم مختلفين - على ما أراد - فلا مبالاة بهم . . إنه إله واحدٌ جبَّارٌ غيرُ مأمور ، متولٍ جميع الأمور؛ من الخير والشر ، والنفع والضر . هو الذي يحيي النفوسَ والقلوبَ اليومَ وغداً ، ويميت النفوسَ والقلوبَ اليومَ وغداً . . وهو على كل شيءٍ قدير .","part":7,"page":167},{"id":3168,"text":"{ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } : أي إلى كتاب الله ، وسُنَّةِ نبِّيه A ، وإجماع الأئمة ، وشواهِد القياس . والعبرةُ بهذه الأشياء فهي قانون الشريعة ، وجملتها من كتاب الله؛ فإنَّ الكتابَ هو الذي يدلُّ على صحة هذه الجملة .\rويقال : إذا لم تهتدوا إلى شيءٍ وتعارضت منكم الخواطر فَدَعُوا تدبيركم ، والتجِئوا إلى ظلِّ شهود تقديره ، وانتظرِروا ما ينبغي لكم أن تفعلوه بحُكمْ تيسيره .\rويقال إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم؛ لا تدرون أبا لسعادة جَرَى حُكْمُكُم أم بالشقاوة مضى اسمُكُم؟ فَكِلُوا الأمرَ فيه إلى الله ، واشتغلوا في الوقت بأمر الله دون التفكُّر فيما ليس لكم سبيل إلى عِلْمِه عن عواقبكم .","part":7,"page":168},{"id":3169,"text":"خَلَقَ لكم من أنفسكم « أزواحاً » : أي أَشكالاَ؛ فَخَلَقَ حواءَ مِنْ آدم . وخَلَقَ- بسبب بقاء التناسل- جميعَ الحيواناتِ أجناساً .\r{ يَذْرَؤُكُمْ } : يُكْثِر خَلْقكم . « فيه » الهاء تعود إلى البطن أي في البطن ، وقيل : في الرَّحِم ، وقيل : في التزويج .\r{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } لأنه فاطر السموات والأرض ، ولأنه لا مِثْلَ يُضَارِعهُ ، ولا شكلَ يشاكله . والكاف في ليس « كمثله » صلة أي ليس مثله شيء . ويقال : لفظ كمثله شيء وهو هو ، فلمَّا قال : { لَيْسَ كَمِثْلِه شَىْءٌ } فمعناه ليس له مثل ، والحقُّ لا شبيهَ له في دلاته ولا في صفاته ولا في أحكامه .\rوقد وقع قومٌ في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحدِّ والنهاية والكون في المكان ، وأقبحُ قولاً منهم مَنْ وصفوه بالجوارح والآلات؛ فظنوا أن بَصَره في حدقة ، وسَمْعَه في عضوٍ ، وقدرته في يدٍ . . . إلى غير ذلك .\rوقومٌ قاسوا حُكْمَه على حُكْمِ عباده؛ فقالوا : ما يكون من الخَلْقِ قبيحاً فمنه قبيح ، وما يكون من الخَلْق حسناً فمنه حَسَنٌ!! وهؤلاء كلهم أصحاب التشبيه - والحقُّ مستحِقٌّ للتنزيه دون التشبيه ، مستحق للتوحيد دون التحديد ، مستحق للتحصيل دون التعطيل والتمثيل .","part":7,"page":169},{"id":3170,"text":"« مقاليد » أي مفاتيح ، والمفاتيح للخزائن ، وخزائنه مقدوراته . وكما أن في الموجودات معادن مختلفة فكذلك القلوب معادن جواهر الأحوال؛ فبعض القلوب معادن المعرفة ، وبعضها معادن المحبة ، وبعضها للشوق ، وبعضها للأُنْس . . وغير ذلك من الأحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والرضا . وفائدة التعريف بأن المقاليد له : أَنْ يقطع العبدُ أفكارَه عن الخَلْق ، ويتوجَّه في طلب ما يرد من الله الذي { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } ، والذي هو { بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيمٌ } : يوسِّع ويضيِّق أرزاقَ النفوسِ وأرزاقَ القلوب حسبما شاء وحَكَمَ وعَلِمَ .","part":7,"page":170},{"id":3171,"text":"{ شَرَعَ } : أي بَيَّنَ وأظهر . { مِّنَ الدِّينِ } أراد به أصول الدين؛ فإنها لا تختلف في جميع الشرائع ، وأمَّا الفروع فمختلفة ، فالآية تدلُّ على مسائلَ أحكامُها في جميعِ الشرائعِ واحدَةٌ .\rثم بيَّن ذلك بقوله : { أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } . . . وفي القصة أن تحريم البنات والأخوات إنما شُرعَ في زمان نوح عليه السلام .","part":7,"page":171},{"id":3172,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَأ جَآءَهُمُ العِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ } .\rيعني أنهم أَصّرُّوا على باطلهم بعد وضوح البيان وظهور البرهان حين لا عُذْرَ ولا شكَّ . { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } . . . وهو انه حَكَمَ بتأخيرِ العقوبةِ إلى يومِ القيامة لعَجَّل لهم ما يتمنونه . .","part":7,"page":172},{"id":3173,"text":"أي أُدْعُ إلى هذا القرآن ، وإلى الدين الحنيفي ، واستقَمْ في الدعا ، وفي الطاعة .\rأَمَرَ الكُلَّ من الخَلْقِ بالاستقامة ، وأفرده بذكر التزام الاستقامة .\rويقال : الألف والسين والتاء في الاستقامة للسؤال والرغبة؛ أي سَلْ مني أن أقيمك ، { وَلاَ تَتَبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } : أمرت بالعدل في القضية ، وبأن أُعْلِمَ أنَّ اللَّهَ إلهُ الجيمع ، وأَنّه يحاسِب غداً كلاً بعمله ، وبأن الحجةَ لله على خَلْقِه ، وبأن الحاجةَ لهم إلى مولاهم .","part":7,"page":173},{"id":3174,"text":"يجادلون في الله من بعد ما استُجِيبَ لدعاء محمدٍ A يومَ بدرٍ على المشركين .\rوحُجَّةُ هؤلاء الكفار داحضة عند ربهم لأنهم يحتجون بالباطل ، وهم من الله مستوجِبون للعنة والعقاب .","part":7,"page":174},{"id":3175,"text":"أَنزلَ الكتابَ ، وأنزل الحُكْمَ بالميزان أي بالحق .\rويقال ألهمهم وزنَ الأشياء بالميزان ، ومراعاةَ العدل في الأحوال .\r{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } : يزجرهم عن طول الأمل ، وينبههم إلى انتظار هجوم الأجَل .","part":7,"page":175},{"id":3176,"text":"المؤمنون يؤمنِون بالبعث وما بعده من أحكام الآخرة ، ويَكِلُون أمورَهم إلى الله؛ فلا يتمنون الموتَ حَذَرَ الابتلاء ، ولكن إذا وَرَدَ الموتُ لم يكرهوه ، وكانوا مستعدين له .","part":7,"page":176},{"id":3177,"text":"{ لَطِيفُ } أي عالم بدقائق الأمور وغوامضها . واللطيف هو المُلْطِف المحسن . . وكلاهما في وصفه صحيح . واللطف في الحقيقة قدرة الطاعة ، وما يكون سبب إحسانه للعبد اليومَ هو لُطْفٌ منه به .\rوأكثرُ ما يستعمل اللطف- في وصفه- في الإحيان بالأمور الدينية .\rويقال : خَاطَبَ العابدين بقوله : { لَطيفٌ بِعِبَادِهِ } : أي يعلم غوامضَ أحوالهم . من دقيق الرياء والتصنُّع لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم وأعمالهم . وخاطَبَ العُصاةَ بقوله : « لطيف » : لئلا ييأسوا من إحسانه .\rويقال : خاطَبَ الأغنياءَ بقوله : « لطيف » : ليعلموا أنه يعلم دقائقَ معاملاتهم في جمع المال من غير وجهه بنوع تأويل ، وخاطَبَ الفقراءَ . بقوله : « لطيف » أي أنه مُحْسِنٌ يرزق من يشاء .\rويقال : سماعُ قوله : « اللَّهُ » يوجِبَ الهيبةَ والفزع ، وسماعُ « لطيفٌ » يوجِبُ السكونَ والطمأنينة . فسماعُ قوله : « اللَّهُ » أوجب لهم تهويلاً ، وسماع قوله : « لطيفٌ » أوجب لهم تأميلاً .\rويقال : اللطيفُ مَنْ يعطي قَدْرَ الكفاية وفوق ما يحتاج العبدُ إليه .\rويقال : مَنْ لُطفِه بالعبد عِلْمُه بأنه لطيف ، ولولا لُطفُه لَمَا عَرَفَ أنه لطيف .\rويقال : مِنْ لُطْفِه أنه أعطاه فوق الكفاية ، وكَلَّفَه دون الطاقة .\rويقال : مِنْ لُطفِه بالعبد إبهام عاقبته عليه؛ لأنه لو علم سعادتَه لاتَّكَلَ عليه ، وأَقَلَّ عملَه ولو عَلِمَ شقاوتَه لأيِسَ ولَتَرَكَ عَمَله . . فأراده أن يستكثرَ في الوقت من الطاعة .\rويقال : من لطفه بالعبد إخفاءُ أَجِلِه عنه؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أَجَلُه . ويقال : من لطفه بالعبد انه يُنْسِيَه ما عمله في الدنيا من الزلّة؛ لئلا يتنغَّص عليه العَيْشُ في الجنة .\rويقال : اللطيفُ مَنْ نَوَّر الأسرارَ ، وحفظ على عبده ما أَوْدَعَ قلبَه من الأسرار ، وغفر له ما عمل من ذنوبٍ في الإعلان والإسرار .","part":7,"page":177},{"id":3178,"text":"{ مَن كَانَ يُرِدُ حَرْث الأَخِرَةِ } نَزِدْه -اليومَ- في الطاعات توفيقاً ، وفي المعارف وصفاء الحالات تحقيقاً . ونَزِدْه في الآخرة ثواباً واقتراباً وفنونَ نجاةٍ وصنوفَ درجاتٍ .\r{ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا } : مكتقياً به نؤتِه منها ما يريد ، وليس له في الآخرةِ نصب .","part":7,"page":178},{"id":3179,"text":"{ مَالَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } : أي ليس ذلك مما أمَرَ به ، وإنما هو افتراءٌ منهم .\r{ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ } : أي ما سبق به الحُكْمُ بتأخير العقوبة إلى القيامة . . .","part":7,"page":179},{"id":3180,"text":"إذا حصل الإجرام فإلى وقتٍ ما لا يُعَذِّبُهم الله في الغالب ، ولكنه لا محالةَ يعذبهم . وربما يَثْبُتُ ذلك لبعض أصحاب القلوب فيتأسَّفون ، ويعلمون أَنَّ ذلك من الله لهم مُعَجَّلٌ قد أصابهم ، أَمَّا الكفار . . فغداً يُشْفِقُون مما يقع بهم عند ما يقرؤونه في كتابهم ، لأنَّ العذابَ- لا محالةَ- واقعٌ بهم .\r{ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ } : في الدنيا جنان الوصلة ، ولذاذة الطاعة والعبادة ، وطيب الأُنْسِ في أوقات الخلوة . وفي الآخرة في روضات الجنة : { لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ } : إِنْ أرادوا دوامَ للطفِ دامَ لهم ، وإنْ أرادوا تمامَ الكشف كان لهم . . ذلك هو الفضلُ الكبير .","part":7,"page":180},{"id":3181,"text":"ذلك الذي يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَه قد مضى ذِكْرُه في القرآن متفرقاً؛ من أوصاف الجنة وأطايبها ، وما وَعَدَ اللَّهُ من المثوبة . . . ونحو ذلك . . .\rقوله جلّ ذكره : { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى } .\rقُلْ -يا محمد- لا أسألكم عليه أجراً . مَنْ بَشَّرَ أحداً بالخير طَلَبَ عليه أجراً ، ولكنَّ اللَّهَ -وقد بَشَّرَ المؤمنين على لسان نبيِّه بما لهم من الكرامات الأبدية -لم يطلب عليه أجراً؛ فاللَّهُ - سبحانه- لا يطلب عِوَضاً ، وكذلك نبيُّه - A - لا يسأل أجراً؛ فإن المؤمنَ قد أخذ من الله خُلُقَاً حَسَناً . . . فمتى يطلب الرسولُ منهم أجراً؟! . وهو - صلوات الله عليه - يشفع لكلِّ مَنْ آمن به ، والله - سبحانه - يعطي الثوابَ لكل مَنْ آمن به .\r{ إلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى } : أراد أن تثبت مودتك في القربى؛ فتودّ منْ يتقرَّب إلى الله في طاعته .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } .\rتضعيف الثواب في الآخرة للواحدِ من عَشَرة إلى سبعمائة . . . هذه هي الزيادة .\rويقال : الزيادة هي زيادة التوفيق في الدنيا .\rويقال : إذا أتى زيادة في المجاهدة تفضَّلْنا بزيادة . . وهي تحقيق المشاهدة .\rويقال مَنْ يقترِفْ حسنةَ الوظائف نَزِدْ له فيها حُسْنَ اللطائف .\rويقال : تلك الزيادة لا يصل إليها العبدُ بوسعه؛ فهي مما لا يدخل تحت طَوْقِ البَشَر .","part":7,"page":181},{"id":3182,"text":"أي أَنَّك إنْ افترَيْتَه خَتَمَ اللّهُ على قلبِكَ ، ولكنكَ لم تكذِبْ على ربِّكَ .\rومعنى الآية أنَّ اللَّهَ يتصرَّف في عباده بما يشاء : مِنْ إبعادٍ وتقريب ، وإدناء وتبعيد .","part":7,"page":182},{"id":3183,"text":"{ وَيَعْفُواْ عِنِ السِّيِّئَاتِ } الألف واللام للجنس مطلقاً ، وهي هنا للعهد؛أي تلك السيئات التي تكفي التوبةُ المذكورةُ في الشريعة لقبولها؛ فإنه يعفو عنها إذا شاء . { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } : من الأعمال على اختلافها .\rوهو « الذي » . . . الذي من الأسماء الموصولة التي لا يتم معناها إلا بِصِلَةٍ ، فهو قد تعرَّف إلى عباده على جهة المدح لنفسه بأنه يقبل توبة العبد؛ فالزَّلّةُ - وإن كانتْ توجِبُ للعبد ذميمَ الصِّفَةِ - فإنَّ قبولَها يوجِبُ للحقِّ حميدَ الاسم .\rويقال : قوله : « عباده » اسم يقتضي الخصوصية ( لأنه أضافه إلى نفسه ) حتى تمنَّى كثير من الشيوخ أن يحاسبه حسابَ الأولين والآخرين لعلّه يقول له : عبدي . ولكن ماطلبوه فيما قالوه موجود في { التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } ؛ وإذاً فلا ينبغي لهم أن يتمنوا كذلك ، وعليهم أن أن يتوبوا لكي يَصِلوا إلى ذلك .\rويقال لمَّا كان حديثُ العفوِ عن السيئات ذكَرَها على الجمع والتصريح فقال : { وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ } . ثم لمَّا كان حديثُ التهديد قال : { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } فذكره على التلويح؛ فلم يقل : ويعلم زلَّتك - بل قال ويعلم « ما » تفعلون ، وتدخل في ذلك الطاعةُ والزّلةُ جميعاً .","part":7,"page":183},{"id":3184,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } .\r( أي إذا دَعَوْه استجابَ لهم ) بعظيم الثواب في الآخرة .\r{ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } يقول المفسرون من أهل السُّنَّة في هذه الزيادة إنها الرؤية .\rذَكَرَ التوبة وأهلها ، وذكر العاصين بوصفهم ، ثم ذكر المطيعين الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . فلمَّا وصل إلى الزيادة - التي هي الرؤية - قال : « ويزيدهم » على الجمع؛ والكناية إذا تَلَتْ مذكوراتٍ رجعت إليهما جميعاً؛ فيكون المعنى أن الطاعاتِ في مقابلها الدرجات ، وتكون بمقدارها في الزيادة والنقصان ، وأَمَّا الرؤية فسبيلها الزيادة والفضل . . . والفضلُ ليس فيه تمييز .\rويقال : لمَّا ذكر أنَّ التائبين تُقْبَلُ توبتُهم ، ومَنْ لم يَتُبْ غفر زلَّته ، وأنَّ المطيعين لهم الجنة . . فلربما خَطَرَ ببالِ أَحَدٍ : وإذاً فهذه النارُ لِمَنْ هي؟! فقال جل ذكره .\r{ وَالْكَافِرُون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } .\rفالعصاةُ من المؤمنين لهم عذابٌ . . امَّا الكافرون فلهم عذابٌ شديدٌ؛ لأنَّ دليلَ الخطاب يقتضي هذا وذاك؛ يقتضي أن المؤمنين لهم عذابٌ . . ولكنْ ليس بشديد ، وأمَّا عذابُ الكافرين فشديدٌ .\rويقال : إن لم يَتُبْ العبدُ خوفاً من النار ، ولا طمعاً في الجنة لَكَان من حقِّه أن يتوب ليَقْبَلَ الحقُّ - سبحانه .\rويقال إن العاصي يكون ابداً منكسرَ القلب ، فإذا عَلِمَ أن اللَّهَ يَقْبَلُ الطاعة من المطيعين يتمنى أَنْ ليت له طاعةً مُيَسَّرَةً ليقبلَها ، فيقول الحقُّ : عبدي ، إنْ لم تَكُنْ لك طاعةٌ تصلح للقبول فَلكَ توبةٌ إنْ أتيْتَ بها تصلح لقبولها .","part":7,"page":184},{"id":3185,"text":"هذا الخطاب في الظاهر يشبه الاعتذار في تخاطب الآدميين . والمعنى أنني لم أبسط عليكَ أيها الفقيرُ في الدنيا لِمَا كان لي من العلم أنني لو قَسَمْتُ عليك الدنيا لَطَغَيْتَ ، ولسَعَيْتَ في الأرض بالفساد .\rويقال : قوله : « ولكن . . . » : لكن كلمة استدارك ، فالمعنى : لم أُوَسِّعْ عليكَ الرزقَ بمقدار ما تريد؛ ولم أمنع عنك ( الكُلَّ ) ؛ لأني أُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما أشاء .","part":7,"page":185},{"id":3186,"text":"الله - سبحانه مُحْيِي القلوب؛ فكما أنه { وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } ، فبعدما أصاب الأرضَ جدوبةٌ ، وأبطأ نزولُ الغيثِ ، وقَنِطَ الناسُ من مجيء المطر ، وأشرفَ الوقتُ على حدِّ الفَواتِ يُنَزِّلُ اللَّهُ بفضله الغيثَ ، ويحيي الأَرضَ بعد قنوطِ أهلها . . فكذلك العبد؛ إذا ذَبُلَ غُصْنُ وقته ، وتكَدَّرَ صَفْوُ ودِّه ، وكسفت شمسُ أُنْسِه ، وبَعُدَ عن الحضرةِ وساحاتِ القرب عَهْدُه فلربما ينظر إليه الحقُّ برحمته؛ فينزل على سِرِّه أمطارَ الرحمة ، ويعود عودُه طريًّا ، ويُنْبِتُ في مشاهدة أُنْسِه ورداً جَنِيًّا . . وأنشدوا :\rإنْ راعني منك الصدود ... فلعلَّ أيامي تعود\rولعلَّ عهدك باللَّوى ... يحيا فقد تحيا العهود\rوالغصن ييبس تارةً ... وتراه مُخْضرًّا يميد","part":7,"page":186},{"id":3187,"text":"جعل اللَّهُ في كلِّ شيءٍ من الخلوقات دلالةً على توحُّدِه في جلاله ، وتفرُّدِه بنعت كبريائه وجماله .\r{ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ } : والإشارة منها أَنَّ الحقَّ - سبحانه - يغار على أوليائه أن يَسْكَنَ بعضُهم بقلبه إلى بعضٍ؛ فأبداً يُبَدِّدُ شمْلَهم ، ولا تكاد الجماعةُ من أهل القلوب تتفق في موضعٍ واحد إلا نادراً ، وذلك لمدةٍ يسيرة . . كما قالوا :\rرمى الدهرُ بالفتيان حتى كأنَّهم ... بأكنافِ أطرافِ السماءِ نجومُ\rوفي بعض الأحايين قد يتفضَّل الحقُّ عليهم فتدنو بهم الديار ، ويحصل بينهم - في الظاهر - اجتماعٌ والتقاءٌ ، فيكون في ذلك الوقت قد نظر الحقُّ - سبحانه - بفضله إلى أنَّ في اجتماعهم بركاتٍ لحياة العالَم .\rوهذا - وإن كان نادراً - فإنه على جَمْعِهم - إذا يشاء - قدير .","part":7,"page":187},{"id":3188,"text":"إذا تحقَّق العبدُ بهذه الآية فإنه إذا أصابته شظيةٌ او حالةٌ مما يسوءُه ، وعلِمَ أن ذلك جزاءٌ له ، وعقابٌ على ما بَدَرَ منه من سوءِ الأدب لاستحيى بخجلته مِنْ فِعْلِه ، ولَشغَلَه ذلك عن رؤية الناس ، فلا يحاول أن ينتقمَ منهم أو يكافئَهم أو يدعوَ عليهم ، وإنما يشغله تلافي ما بَدَرَ منه من سوءِ الفعلِ عن محاولة الانتصاف لنفسه ممن يتسلَّط عليه من الخَلْق . . تاركاً الأمرَ كلَّه لربِّه .\rويقال : إذا كَثُرَت الأسبابُ من البلايا على العبد ، وتوالى عليه ذلك . . فَلْيُفَكِرْ في أفعاله المذمومة . . كم يحصل منه حتى يبلغَ جزاء ما يفعله - مع العفو الكثير - هذا المبلغ؟! فعند ذلك يزداد حُزْنُه وتأسُّفُه؛ لِعِلْمِه بكثرة ذنوبه ومعاصيه .","part":7,"page":188},{"id":3189,"text":"يريد بها السفن التي تجري في البحار؛ يرسل اللَّهُ الريحَ فتُسَيَّرها مرةً ، ويُسَكِّنها أخرى ، وما يريهم خلال ذلك من الهلاك أو السلامة . . . وهو بهذا يَحثُّهم على التفكُّر والتنبُّه دائماً .\rوالإشارة في هذا إلى إمساك الناس في خلال فَتْرَةِ الوقت عن الأنواء المختلفة ، وحفظهم في إيواء السلامة ، فالواجبُ الشكرُ في كل حالة ، وإذا خَلُصَ الشكرُ استوجب جزيلَ المزيد .","part":7,"page":189},{"id":3190,"text":"يعني أنَّ الراحاتِ في الدنيا لا تصفو ، ومن المشائب لا تخلو . وإنْ اتفق وجودُ البعض منها في أحايين فإنها سريعة ( الزوال ) ، وشيكة الارتحال .\r{ وَمَا عِندَ اللَّهِ } من الثواب الموعود « خيرٌ » من هذا القليل الموجود .","part":7,"page":190},{"id":3191,"text":"{ كَبَائِرَ الإِثْمِ } : الشِرْك . و { وَالْفَوَاحِشَ } : ما دون ذلك من الزلاَّت . فإذا تركوها لا يتجرَّعون كاساتِ الغضب بل تسكن لديهم سَوْرَةُ النَّفْسِ؛ لأنهم يتوكلون على ربهم في عموم الأحوال .","part":7,"page":191},{"id":3192,"text":"{ اسْتَجَابُواْ لِرَبْهِمْ } فيما دعاهم إليه وما أَمَرَهم به من فنون الطاعات؛ فهؤلاء هم الذين لهم حُسْنُ الثوابِ وحميدُ المآبِ .\rوالمستجيبُ لربِّه هو الذي لا يبقى له نَفَسٌ إلا على موافقة رضاه ، ولا تَبْقَى منه لنَفْسِه بقية .\r{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } : لا يستبَّد أحدُهم برأيه؛ لأنه يَتَّهِمُ أمرَه ورأيَه أبداً ثم إذا أراد القطعَ بشيءٍ يتوكل على الله .","part":7,"page":192},{"id":3193,"text":"« البغيُ » : الظلمُ ، فيعلم أحدهم أن الظلمَ الذي أصابه هو من قِبَلِ نَفسِه ، فينتصر على الظالم وهو نفسه؛ بأَنْ يكبحَ عنانها عن الركض في ميدان المخالفات .","part":7,"page":193},{"id":3194,"text":"( يعني لا تجاوزوا حدَّ ما جنى الجاني عليكم في المكافأة أو الانتقام ) .\r{ فَمَنْ عفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } : مَنْ عفا عن الجاني ، واصلح ما بينه وبين الله - أَصْلَحَ اللَّهُ ما بينه وبين الناسِ . { فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } : فالذي للعبد من الله وعلىلله وعند الله خيرٌ مما يعمله باختياره .","part":7,"page":194},{"id":3195,"text":"عَلِمَ الله أن الكُلَّ من عباده لا يجد التحررَ من أحكام النًَّفْس ، ولا يتمكن من محاسن الخُلُق فرخَّص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط - وإنْ كان الأَوْلى بهم الصفح والعفو .\r{ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ . . } السبيلُ بالملامة لِمَنْ جاوز الحدَّ ، وعدا الطَّوْرَ ، وأتى غيرَ المأذونِ له من الفعل . . فهؤلاء لهم عذابٌ أليم .","part":7,"page":195},{"id":3196,"text":"صَبَرَ على البلاْءِ من غير شكوى ، وغَفَرَ - بالتجاوز عن الخَصْم - ولم تبقَ لنَفْسه عليه دعوى ، بل يُبرئ خَصْمَه من كل دعوى ، في الدنيا والعُقبى . . فذلكَ من عزم الأمور .","part":7,"page":196},{"id":3197,"text":"إن الذين أضلَّهم اللّهُ ، وأعمى أبصارَهم وبصائرَهم ، وأوقعهم في كدِّ عقوبتهم ، وحَرَمَهم بَرْدَ الرضا لحكْم ربِّهم ليس لهم وليٌّ من دون الله ، ولا مانعَ لهم من عذابه . وتراهم إذا رأوا العذابَ يَطلبون منه النجاة فلا ينالونها .\rوتراهم يُعْرَضُون على النار وهم خاشعون من الذُّلِّ؛ لا تنفعهم ندامةٌ ، ولا تُسْمَعُ منهم دعوةٌ ، ويُعَيِّرهُم المؤمنون بما ذَكَّروهم به فلا يسمعون ، فاليومَ لا ناصرَ بنصرهم ، ولا راحمَ يرحمهم .","part":7,"page":197},{"id":3198,"text":"الاستجابةُ لله الوفاءُ بعهده ، والقيامُ بحقِّه ، والرجوعُ عن مخالفته إلى مرافقته ، والاستسلام .\rفي كل وقتٍ لحُكْمهِ . والطريقُ اليومَ إلى الاستجابة مفتوحٌ . وعن قريبٍ سيُغْلَقُ البابُ على القلب بغتةً ، ويُؤْخَذُ فلتةً .","part":7,"page":198},{"id":3199,"text":"{ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ } .\rفإن أعرضوا عن الإجابة فليس عليك إلا تبليغُ الرسالة ، ثم نحن أعلمُ بما نعاملهم به .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ } .\rإذا أذقنا الإنسان مِنَّا رفاهيةً ونعمةً فَرِحَ بتلك الحالة ، وقابلها بالبَطَرِ ، وتوصَّل بتمام عافيته إلى المخالفة ، وجعل السلامةَ ذريعةً للمخالفة . وإنْ أصابته فتنةٌ وبلية ، ومَسَّتْهُ مصيبةٌ ورزية فإنه كفورٌ بنعمائنا ، وجحودُ لآياتنا .","part":7,"page":199},{"id":3200,"text":"يهب لمن يشاء الذكور ، ولمن يشاء الإناث ، ولمن يشاء الجنين ، ويجعل من يشاء عقيماً ، فلا اعترضَ عليه في تقديره ، ولا افتياتَ في اختياره ، فهو أَوْلَى بعباده من عباده .","part":7,"page":200},{"id":3201,"text":"لله بحقِّ مُلْكِه أن يفعل ما يشاء ، ويعطي مَنْ يشاء مِنْ عباده ما يشاء ، ولكن أجرى العادة وحَكَم بأنه لا يفعل إلا ما وَرَدَ في هذه الآية؛ فلم يُكَلِّم أحداً إلا بالوحي ، أو من وراء حجاب؛ يعني وهو لا يرى الحقَّ ، فالمحجوبُ هو العبد لا الرب ، والحجابُ أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية . . تعالى اللَّهُ عن أن يكونَ من وراء حجاب؛ لأن ذلك صفةُ الأجسام المحدودة التي يُسْبَلُ عليها ستر . إنه « عَلِىٌّ » : في شأنه وقَدْرِه ، « حكيمٌ » : في أفعاله .","part":7,"page":201},{"id":3202,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَنْ نَّشآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .\rأي ذلك مثلما أوحينا إليك « روحاً » من أمرنا يعني القرآن؛ سَمَّاه روحاً لأنه مَنْ آمن به صار به قلبُه حَيًّا .\rويقال : { رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } : أي جبريل عليه السلام ، ويسمى جبريل روح القدس .\r{ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ . . . } : ما كنت تدري قبل هذا ما القرآن ، « ولا الإيمان » : أي تفصيل هذه الشرائع .\r{ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ } : أي القرآن « نوراً » نهدي به مَنْ نشاء من عبادنا المؤمنين . { ألاَ إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ } : لأن منه ابتداء الأمور .","part":7,"page":202},{"id":3203,"text":"الحاءُ تدل على حياته والميمُ على مجده . . وهذا قَسَمٌ؛ ومعناه : وحياتي ومجدي وهذا القرآنِ إنَّ الذي أخبرْتُ عن رحمتي بعبادي المؤمنين حقٌ وصِدْقٌ . وجعلناه قرآناً عربياً ليتيسَّرَ عليكم فَهْمُ معناه .","part":7,"page":203},{"id":3204,"text":"{ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا } : أي أنه مكتوب في اللَّوح المحفوظ .\r{ لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } لِعَلِيٌّ القَدْرِ ، حكيمُ الوصفِ؛ لا تبديلَ له ولا تحويل .","part":7,"page":204},{"id":3205,"text":"أي أننا لا نفعل ذلك؛ ( فيكون معنى الاستفهام ) أفتقطع عنكم خطابَنا وتعريفَنا إنْ أسرفتم في خلافكم؟ لا . . إننا لا نرفع التكليفَ بِأَنْ خالَفْتُم ، ولا نهجركم - بِقَطْع الكلام عنكم- إنْ أسرفتم .\rوفي هذا إشارةٌ لطيفةٌ وهو أنه لا يقطع الكلامَ - اليومَ - عَمَّنْ تمَادَى في عصيانه ، وأسرف في أكثرشأنه . فأحرى أَنَّ مَنْ لم يُقَصِّرْ في إيمانه - وإنْ تَلَطَّخَ بعصيانه ، ولم يَدْخُلْ خَلَلٌ في عِرفانه - ألا يَمْنَعَ عنه لطائفَ غفرانه .","part":7,"page":205},{"id":3206,"text":"ما أتاهم من رسولٍِ فقابلوه بالتصديق ، بل كّذَّبَ به الأكثرون وحجدوا ، وعلى غَيِّهم أَصَرُّوا . . .","part":7,"page":206},{"id":3207,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } .\rأي لم يُعجِزْنا أحدٌ منهم ، ولم نعادِرْ منهم أحداً ، وانتقمنا مِنَ الذين أساؤوا .","part":7,"page":207},{"id":3208,"text":"كانوا يُقِرُّون بأنَّ اللَّهَ خالقُهم ، وأنَّه خَلَقَ السمواتِ والأرضَ ، وإنما اجحدوا حديثَ الأنبياءِ ، وحديثَ البعثِ وجوازه .","part":7,"page":208},{"id":3209,"text":"كما جَعَلَ الأرضَ قراراً لأشباحهم جَعَلَ الأشباحَ قراراً لأرواحهم؛ فالخَلْقُ سُكَّانُ الأرضِ ، فإذا انتهت المدةُ - مدةُ كَوْنِ النفوسِ على الأرضِ - حَكَمَ اللَّهُ بخرابها . . . كذلك إذا فارقت الأرواحُ الأشباحَ بالكُليَّة قضى اللَّهُ بخرابها .","part":7,"page":209},{"id":3210,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كّذَلِكَ تُخْرِجُونَ } .\rيعني كما يُحْيي الأرضَ بالمطرَ يُحْيي القلوبَ بحُسن النَّظَر .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِى خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا } .\rأي الاصنافَ من الخَلْق .\rقوله جلّ ذكره : { وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ } .\rكذلك جَنَّسَ عليكم الأحوالَ كلها؛ فمِنْ رغبةٍ في الخيرات إلى رهبةٍ مما توعدَّكم به من العقوبات . ومن خوفٍ يحملكم على تَرْكِ الزلاَّت إلى رجاءٍ يبعثكم على فعل الطاعات طمعاً في المثوبات . . . وغير ذلك من فنون الصِّفات .\r{ لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ } .\rيعني الفُلْكَ والأنعام . .\r{ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوتَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } .\rمطيعين ، وكم سَخَّرَ لهم الفُلْكَ في البحر ، والدوابَّ للركوب ، وأعَظم عليهم المنة بذلك فكذلك سَهَّلَ للمؤمنين مركب التوفيق فَحَمَلهم عليه إلى بساط الطاعة ، وسهَّلَ للمريدين مركبَ الإرادة فَحَمَلهم عليه إلى عرَصَات الجود ، وسَهَّل للعارفين مركبَ الهِمَمِ فأناخوا بعِقْوةِ العِزَّةِ . وعند ذلك مَحَطُّ الكافة؛ إذ لم تخرق سرادفاتِ العزَّةِ هِمَّةُ مخلوقِ : سواء كان مَلَكاً مُقَرَّباً أونبيّاً مُرْسَلاً أو وليًّا مُكَرَّماً ، فعند سطواتِ العِزَّةِ يتلاشى كلُّ مخلوقٍ ، ويقف وراءَها كلُّ مُحْدَثٍ مسبوق .","part":7,"page":210},{"id":3211,"text":"هم الذين قالوا : الملائكةُ بناتُ الله؛ فجعلوا البناتِ لله جزءاً على التخصيص من جملة مخلوقاته . . تَعَسَاً لهم في قولهم ذلك وخِزْياً!! فردَّ عليهم ذلك قائلاً :\r{ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ } .\rقال لهم على جهة التوبيخ ، وعابهم بما قالوا؛ إذ - على حدِّ قولهم- كيف يُؤْثِرُهم بالبنين ويجعل لنفسه البنات؟ ففي قولهم ضلالٌ؛ إذا حكموا للقديم بالوَلَد . وفيه جهلٌ؛ إذا حكموا له بالبنات ولهم بالبنين- وهم يستنكفون من البنات . . ثم . . أي عيب في البنات؟ ثم . . كيف يحكمون بأن الملائكة إناثٌ - وهم لم يشاهدوا خِلْقَتَهم؟\rكلُّ ذلك كان منهم خطأ محظوراً .","part":7,"page":211},{"id":3212,"text":"إنما قالوا ذلك استهزاءً واستبعاداً لا إيماناً وإخلاصاً فقال تعالى : { مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } ولو عَلِمُوا ذلك وقالوه على وجه التصديق لم يكن ذلك منهم معلولاً .","part":7,"page":212},{"id":3213,"text":"أي ليس كذلك ، حتى أخبر أنهم ركنوا إلى تقليد لا يُفْضي إلى العلم ، فقال :\r{ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهتَدُونَ } .\rفنحن نقتدي بهم ، ثم قال :\r{ وَكّذَلِك مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمُّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } .\rسلكوا طريقَ هؤلاء في التقليد لأسلافهم ، والاستنامةِ إلا ما اعتادوه من السِّيرة والعادة .","part":7,"page":213},{"id":3214,"text":"فلم ينجعْ فيهم قولُه ، ولم ينفعهم وَعْظُه ، وأَصرُّوا عَلَى تكذيبِهم ، فانتقمَ الحقُّ- سبحانه - منهم كما فعل بالذين من قبلهم .","part":7,"page":214},{"id":3215,"text":"أخبر أَنَّ إبراهيمَ لمَّا دعا أباه وقومَه إلى الله وتوحيده أَبَوْا إِلاَّ تكذيبَه ، فتبرّأَ منهم بأجمعِهم ، وجعلَ اللَّهُ كلمةَ التوحيدِ باقيةً في عَقِبِه وقومه .","part":7,"page":215},{"id":3216,"text":"{ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى جَآءَهُمُ الحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ } أَرْخَيْنَا عنانَ إمهالهم مدةً ، ثم كان أمرُهم أَنْ انتصرْنا منهم ، ودَمّرْناهم أجْمعين .\rقوله جلّ ذكره : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } .\rإمّا أبي مسعود الثقفي أو أبي جهل ، وهذا أيضاً من فرْط جهلهم .\r{ أَهُمْ يَقْسَمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ورَفَعْنَا بَعْضَهمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } .\rأَهم يَقْسمون - يا محمد - رحمةَ ربك في التخصيص بالنبوة؟ أيكون اختيارُ اللَّهِ - سبحانه- عَلَى مقتضى هواهم؟ بئس ما يحكمون!\r{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم . . . } فلم نجعل القسمة في الحياة الدنيا لهم . . فكيف نجعل قسمة النبوة إلى هؤلاء؟! .\rوالإشارة من هذا : أن الحقَّ - سبحانه- لم يجعل قسمةَ السعادةِ والشقاوةِ إلى أحد ، وإنما المردودُ مَنْ ردّه بحكمه وقضائه وقَدَرِه ، والمقبولُ - من جملة عباده - مَنْ أراده وقَبِلَه- لا لِعلَّةٍ أَو سبب ، وليس الردُّ أوالقبولُ لأمرِ مُكتَسب . . .\rثمَّ إنه قَسَمَ لِبعْضِ عِباده النعمةَ والغنى ، وللبعض القلّةَ والفقر ، وجعل لكلِّ واحدٍ منهم سكناً يسكنون إليه يستقلون به؛ فللأغنياء وجودُ الإنعام وجزيل الأقسام . . فشكروا واستبشروا ، وللفقراء شهودُ المُنْعم القَسَّام . . فَحَمدوا وافتخروا . الأغنياءُ وجدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا ، والفقراء سمعوا قوله : « نحن » فاشتغلوا .\rوفي الخبر أن النبي A قال للأنصار : « اما ترضون أن يرجع الناس بالغنى؛ وأنتم ترجعون بالنبي إلى أَهليكم »\r{ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً . . . } : لو كانت المقاديرُ متساويةً لَتَعَطَّلت المعايشُ ، ولَبَقِيَ كلٌّ عندَ حاله؛ فجعل بعضَهُم مخصوصين بالرّفَه والمال ، وآخرين مخصوصين من جهته بأجرته فيَصْلُحُ بذلك أمرُ الغنيِّ والفقير جميعاً .","part":7,"page":216},{"id":3217,"text":"معنى الآية أنه ليس للدنيا عندنا خطر؛ فالذي يبقى عنَّا لو صَبَبْنَا عليه الدنيا بحذافيرها لم يكن ذلك جبراناً لمصيبته . ولولا فتنة قلوب المؤمنين لجعلنا لبيوتهم سُقُفاً من فضة ومعارجَ من فضة ، وكذلك ما يكون شبيهاً بهذا .\rولو فعلنا . . لم يكن لِمَا أعطيناه خَطَرٌ؛ لأنَّ الدنيا بأَسْرِها ليس لها عندنا خطر .","part":7,"page":217},{"id":3218,"text":"مَنْ لم يعرف قَدْرَ الخلوة مع اللَّهِ فحاد عن ذكره ، وأَخلدَ إلى الخواطر الردَّية فيَّضَ اللَّهُ له مَنْ يَشْغَلُه عن الله -وهذا جَزاءُ مَنْ تَرَك الأدبَ في الخلوة . وإذا اشتغل العبدُ في خلوته بربِّه . . فلو تعرَّض له مَنْ يشغله عن ربه صَرَفه الحق عنه بأَي وجْهٍ كان ، وصَرَفَ دواعيه عن مفتاحته بمَا يشغله عن الله .\rويقال : أصعبُ الشياطين نَفْسُكَ؛ والعبدُ إذا لم يَعْرِفْ خَطَرَ فراغ قلبه ، واتَّبَعَ شهوته ، وفتح ذلك البابَ علَى نَفْسه بقي في يد هواه أسيراً لا يكاد يتخَلّصُ عنه إلا بعد مُدَّة .","part":7,"page":218},{"id":3219,"text":"الذي سوّلت له نَفْسُه أمراً يَتَوَهَّمُ أنه على صواب ، ثم يحمل صاحبَه على موافقته في باطله ، ويدّعي أَنه على حقِّ . وهو بهذا يَضُر بِنَفْسِه ويضر بغيره . ثم إذا ما انكشف -غداً- الغطاء تبيَّن صاحبُه خيانَته ، ونَدِمَ على صُحْبَتِه ، ويقال : { يَا وَيْلَتَى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } [ الفرقان : 28 ] و { يَالَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ } . ولكنَّ هذه الندامةَ لا تنفعُ حينئذٍ؛ لأنّ الوقتَ يكونُ قد فات ، لهذا قال تعالى :\r{ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعّّذَابِ مُشْتَرِكُونَ } .","part":7,"page":219},{"id":3220,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى العُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .\rهذا الاستفهام فيه معنى النفي؛أي أنه ليس يمكنُكَ هدايةَ مَنْ سَدَدْنا بصيرته ، ولبَّسْنا عليه رُشْدَه ، ومَنْ صَببْنا في مسامع فَهمه رصاصَ الشقاء والحرمان . . . فكيف يمكنك إسْمَاعه؟!\rقوله جلّ ذكره { فَإِمنَّا نَذَْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } .\rيعني : إنْ انفضى أَجَلُكَ ولم يتفق لكَ شهودُ ما نتوّعَدُهم به فلا تتوَهَّمْ أَنَّ صِدْقَ كلامنا يشوبه مَيْنٌ ، فإنّ ما أَخبرناك عنه - لا محالة - سيكون .\rقوله جلّ ذكره : { أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ } .\rأَثبتَهُ عَلَى حدِّ الخوفِ والرجاء ، ووقَفَهُ عَلَى وصفِ التجويز لاستبداده -سبحانه بعلم الغيب . والمقصود كذلك أن يكونَ كلُّ أحد بالنسبة لأمر الله من جملة نظارة التقدير- فاللَّهُ يفعل ما يريد .\rقوله جلّ ذكره : { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِسمٍ } .\rاجتهِدْ من غير تقصير وتوكَّلْ على اللَّهِ من غير فُتور ، وِقفْ حيثما أُمِرْتَ ، وثِقْ بأنك على صِراطٍ مستقيم .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ } .\rأي إنَّ هذا القرآن لَذِكْرٌ لك؛أي شرفٌ لك ، وحُسْنُ صيتٍ ، واستحقاقُ منزلةٍ .\rقوله جلّ ذكره : { وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } .\rحَشَرَ أرواحَ الأنبياءِ - عليهم السلام - ليلةَ الإسراء ، وقيل له - A : « سَلْهم : هل أَمَرْنا أحداً بعبادة غيرنا؟ فلم يَشُكّ النبي - A - ولم يسأل » .\rويقال : الخطابُ له ، ولمرادُ به غيره . . فَمَنْ يرتاب في ذلك؟ ويقال : المراد منه سَلْ أقوامهم ، لكي إذا قالوا إن الله لم يمر بذلك كان هذا أبلغ في إبرام الحجة عليهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَاتِنَا . . . . . . . إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ } .\rكرَّر قصةَ موسَى غيرَ مرةٍ في القرآن ، وأعادَها هنا مجملةً؛ أرسلناه بدلائلنا ، أرسلناه بحجةٍ ظاهرةٍ قاهرةٍ ، أرسلناه بالمعجزات إلى فرعون وقومه من القبط ، فقوبل بالهزء والضحك والتكذيب . ومع أنَّ اللَّهَ سبحانه لم يُجْرِ عليه من البيِّنات شيئاً إلا كان أوضحَ مما قبله إلا أنهم لم يقابلوه إلا بجفاءٍ أَوْحَشَ مما قبله . فلمَّا عضَّهم الأمرُ قالوا : يا أيها الساحرُ ، أدْعُ لنا ربَّك ليكشف عنَّا البليَّةَ لنؤمِنَ بك ، فدعا موسى . . . فكشف اللَّهُ عنهم ، فعادوا إلى كفرهم ، ونقضوا عَهْدَهُم .","part":7,"page":220},{"id":3221,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَّوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِىِ أَفَلاَ تُبْصِرونَ } .\rتعزَّزَ بمُلْكَ مصر ، وجَرى النيل بأمره! وكان في ذلك هلاكه؛ ليُعْلَمَ أَنَّ مَنْ تعزَّزَ بشيء من دون الله فحتفُه وهلاكُه في ذلك الشيء .\rقوله جلّ ذكره : { أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } .\rاستصغر موسى وحديثَه ، وعابَه بالفقر . . فَسَلَّطه اللَّهُ عليه ، وكان هلاكه بيديه ، فما استصغر أحدُ أحداً إلا سَلَّطه اللَّهُ عليه .","part":7,"page":221},{"id":3222,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ } .\rأطاعوه طاعةَ الرهبة ، وطاعة’ُ الرهبةِ لا تكون مخلصةً ، وإنما تكون الطاعةُ صادقةً إذا صَدَرت عن الرغبة .\rقوله جلّ ذكره : { فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } .\r{ ءَاسَفُونَا } أغضبونا ، وإنما أراد أغضبوا أولياءَنا ، فانتقمنا منهم . وهذا له اصل في باب الجَمْع؛ حيث أضاف إيسافَهم لأوليائه إلى نَفْسِه . . . وفي الخبر : أنه يقول : « مَرِضْتُ فلم تَعُدْني » .\rوقال في قصة إبراهيم عليه : { يَأْتُوكَ رِجَالاً . . . } [ الحج : 27 ] .\rوقال في قصة نبيِّنا - A : { مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [ النساء : 80 ] .","part":7,"page":222},{"id":3223,"text":"وضَرْبُ المَثَلِ بعيسى هو قوله : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } [ آل عمران : 59 ] ؛ خَلَقَ عيسى بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين . فحجدوا بهذه الآية .\rوقيل هو قوله : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] فقالوا : رضينا بأن نكون في النار مع عيسى وعُزَيْر والملائكة ، وليس لهم في الآية موضع ذِكرْ؛ لأنه سبحانه قال : « وما » تعبدون ، ولم يقل « ومن » تعبدون .","part":7,"page":223},{"id":3224,"text":"{ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِِلاَّ جَدَلاَ } : وذلك أنهم قالوا : إن قال آلهتكم خيرٌ فقد أقرَّ بِأنها معبودة ، وإن قال : عيسى خيرٌ من آلهتكم فقد أقرَّ بأن عيسى يصلح لأن يُعْبد ، وإن قال : ليس واحدٌ منهم خيراً فقد نفى ذلك عن عيسى عليه . وهم راموا بهذا الكلام أن يجادلوه ، ولم يكن سؤالهم للاستفادة فكان جواب النبي صلىلله عليه وسلم عليهم : « أن عيسى عليه السلام خيرٌ من آلهتكم ولكنه لا يستحق أن يُعْبَد؛ إذ ليس كلٌّ ما هو خيرٌ من الأصنام بمستحق أن يكون معبوداً من دون الله » وهكذا بيَّن الله - سبحانه - لنبيِّه أنهم قوم جَدِلون ، وأنَّ حُجَتَهم داحضةٌ عند ربهم .","part":7,"page":224},{"id":3225,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ } فليس عيسى إلا عبدٌ أنعمنا عليه بالنبوَّة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلاَئِكَةً فِى الأَرْضِ يَخْلُفُونَ } .\rولو شِئْنا لأنزلنا ملائكةً من السماء حتى يكونوا سُكَّانَ الأرض بَدَلَكم .\rثم قال : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هّاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } .\r{ وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } : يعني به عيسى عليه السلام إذا أنزله من السماء فهو علامةٌ للساعة ، { فَلاَ تَمْتَرُونَّ } بنزوله بين يديّ القيامة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .\rولا يصدنكم الشيطانُ عن الإيمان بالساعة ، وعن أتِّباع الإيمانِ بهُداي .","part":7,"page":225},{"id":3226,"text":"ذكرَ مجيءَ عيسى عَلْيه السلام أول مرة؛ حيث أتى قومَه بالشرائع الواضحة ، ودعاهم إلى دين الله ، ولكنهم تحزَّبوا عليه ، وإن الذين كفروا به لمستحقون للعقوبة .","part":7,"page":226},{"id":3227,"text":"قوله جلّ ذكره : { الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذِ بَعْضُهُمْ لِبَعضٍ عَدُوٌ إِلاَّ المُتَّقِينَ } .\rما كان لغير ِ اللَّهِ فمآلُه إلا الضياع والأخلاءُ الذين اصطحبوا عَلَى مقتضى الهوى بعضهم لبعض عدو؛ يتبرَّأ بعضُهم من بعضَ ، فلا ينفع أحدٌ أحداً .\rوامَّا الأخلاءُ في الله فيشفع بعضهم في بعض ، ويتكلم بعضهم في شأن بعض ، أولئك هم المتقون الذين استثناهم الله بقوله : { إِلاَّ الْمُتَقِينَ } .\rوشرط الخلَّة في الله؛ ألا يستعمل بعضُهم بعضاً في الأمور الدنيوية ، ولا يرتفق بعضهم ببعضٍ؛ حتى تكونَ الصحبةُ خالصةً لله لا لنصيبٍ في الدنيا ، ويكون قبولُ بعضهم بعض لأَجْلِ الله ، ولا تجري بينهم مُداهَنَةٌ ، وبقَدْرِ ما يرى أحدُهم في صاحبه من قبولٍ لطريقِ اللَّهِ يقبله؛ فإنْ عَلِمَ منه شيئاً لا يرضاه اللَّهُ لا يَرْضَى ذلك من صاحبه ، فإذا عاد إلى تركه عاد هذا إلى مودته ، وإلاّ فلا ينبغي أن يُساعدَه عَلَى معصيته ، كما ينبغي أن يتقيه بقلبه ، وأَلا يسكنَ إليه لغرضٍ دنيوي أو لطمعٍ أو لِعِوَض .\rقوله جلّ ذكره : { يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } .\rيقال لهم غداً : { يا عبادي لا خوفٌ عليكم اليوم } مما يلقاه أهل الجمع من الأهوال ، ولا أنتم تحزنون فيما قَصَّرْتُم من الأعمال . . .\rامَّا الذنوب . . فقد غفرناها ، وأمَّا الأهوال . . فكفيناها ، وأمَّا المظالم . . فقضيناها . فإذا قال المنادي : هذا الخطاب يُطْمِعُ الكلَّ قالوا : نحن عباده ، فإذا قال :\r{ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِئَايَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } .\rأيِسَ الكفارُ ، وقَوِيَ رجاءُ المسلمين .\rقوله جل ذكره : { ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ } .\rفي رياض الجنة ، وترْتَعون .\rويقال : { تُحْبَرُونَ } من لذة السماع .\rقوله جل ذكره : { يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنُفسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rالعُبَّاد لهم فيها ما تشتهي أنفُسهم لأنهم قاسوا في الدنيا -بحُكم المجاهدات- الجوعَ والعطشَ ، وتحمَّلوا وجُوهَ المشاقِّ فيُجازون في الجنةَ بوجوهٍ من الثواب .\rوأمَّا أهل المعرفة والمحبّون فلهم ما يلذ أعينهم من النظر إلى الله لطول ما قاسوه من فَرْطِ الاشتياق بقلوبهم؛ وما عالجوه من الاحتراق لشدة غليلهم .","part":7,"page":227},{"id":3228,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rأي يقال لهم -والخطاب للمطيعين غداً- : أنتم يا أصحاب الإخلاص في أعمالكم؛ والصدق في أحوالكم :\r{ لَكُمْ فِيهَ فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأُْكُلُونَ } .\rمن الفاكهة الكثيرة تأكلون ، وفي الأُنْس تتقبلون .\rقوله جل ذكره : { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عّذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } .\rهؤلاء هم الكفار المشركون ، فهم أهل الخلود ، لا يُفْتَّرُ عنهم العذاب ولا يُخَفَّف .\rوأمَّا أهل التوحيد : فقد يكون منهم قومٌ في النار . ولكن لا يخلدون فيها . ودليلُ الخطابِ يقتضي أنه يُفَتَّرُ عنهم العذاب . ورد في الخبر الصحيح : أنه لا يُميتهم الحقُّ - سبحانه - إماتةً إلى أن يُخْرِجَهم من النار - والميت لا يحسُّ ولا يتألم .\r{ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } .\rالإبلاس من الخيبة ويدل ذلك على أن المؤمنين لا يأس لهم فيها ، وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم؛ يعدون أيامهم إلى أن ينتهي حسابهم .\rولقد قال الشيوخ : إنَّ حالَ المؤمن في النار - من وجهٍ- أرْوَحُ لقلبه من حاله في الدنيا؛ فاليومَ - خوفُ الهلاك : ، وغداً- يقينُ النجاة ، وأنشدوا :\rعيبُ السلامةِ أنَّ صاحبَها ... متوقِّعٌ لقواصم الظَّهْرِ\rوفضيلةُ البلوى تَرَقُّبُ أهلِها ... - عقبَ الرجاء - مودةَ الدهر\rقوله جل ذكره : { وَمَا ظَلَمْنَاهُم وَلكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ } .\rهذا الخطاب يُشْبِهُ كلمة العُذْر - وإن جلّ قَدْرُه - سبحانه - عن ذلك .","part":7,"page":228},{"id":3229,"text":"لو قالوا : « يا مَلِك » لعلَّ أقوالهم كانت أقربَ إلى الإجابة ، ولكنَّ الأجنبيةَ حالت بينهم وبين ذلك ، فكان الجوابُ عليهم :\r{ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ } فيها . . . نُصِحْتم فلم تنتصحوا ، ولم تقبلوا القولَ في حينه ، وكان أكثرهم للحق كارهين .","part":7,"page":229},{"id":3230,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } .\rبل أمورُهم مُنْتَقَضةٌ عليهم؛ فلا يتمشّى لهم شيء مما دبَّروه ، ولا يرتفع لهم أمرٌ على نحو ما قدَّروه - وهذه الحالُ أوضحُ دليل على إثبات الصانع .\rقوله جل ذكْره : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } .\rإنما خوَّفهم بسماع المَلَك ، وبكتابتهم أعمالهم عليهم بغفلتهم عن الله- سبحانه ، ولو كان لهم خبرٌ عن الله لما خَوَّفهم بغير الله ، ومَنْ عَلِمَ أنَّ أعمالَه تُكتْتَبُ عليه ، وأنه يُطالَبُ بمقتضى ذلك - قَلَّ إلمامُه بما يخاف أن يُسألَ عنه . .\rقوله جل ذكره : { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوْلُ الْعَابِديِنَ } .\rأي إن كان في ضميركم وفي حُكْمِكم وفي اعتقادكم أنَّ للرحمن ولداً فأنا أوَّلُ مَنْ يستنكِفُ من هذه القالة .\rقوله جل ذكره : { سُبْحانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } .\rتنزَّه الله تنزيهاً ، وتقدَّس تقديساً عمَّا قالوه . وفي هذه الآيات وأمثالِهَا دليلٌ على جوازِ حكاية قول المبتدعة - فيما أخطأوا فيه من وصف المعبود - قصداً للردِّ عليهم ، وإخباراً بتقبيح أقولهم ، وبطلانِ مزاعمهم .\rثم قال جلَّ ذكره : { فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ } .\rإذ ليس يفوت أمرُهم ، وهم لا محالة سيلقون صغرهم .\rوفي هذا دليلٌ على أنه لا ينبغي للعبد أن يَغْتَرَّ بطول السلامة فإنَّ العواقبَ غيرُ مأمونة .\rقوله جل ذكره : { وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَآءِ إِلهُ وَفِى الأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } .\rالمعبودُ - في السماء - الله ، ولمقصودُ - في طلب الحوائج في الأرض - الله .\rأهلُ السماءِ لا يعبدون غير الله ، وأهل الأرض لا يَقْضِي حوائجهم غير الله .\r{ وَهُوَ الْحَكِيمُ } في إمهاله للغُصاة ، { الْعَلِيمُ } بأحوالِ العِباد .\r{ وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .\rتعالى وتقدَّس وتنزَّه وتكبَّرَ الذي له مُلْكُ السموات والأرض .\rالسمواتُ والأرضُ بقدرته تظهر . . . لا هو بظهورها يتعزَّز .\rقوله جل ذكره : { وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعَونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .\rأي شهد -اليوم- بالتوحيد ، فيثبت له الحقُّ حقِّ الشفاعة . وفي الآية دليل على أن جميع المسلمين شفاعتهم تكون غداً مقبوله .","part":7,"page":230},{"id":3231,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } .\rفكيف لا يعتبرون؟ وكيف يتكبَّرون عن طاعة الله .\r{ وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فًسَوْفَ يَعْلَمُونَ } .\rأي يعلم علم الساعة ويعلم { قيله يا رب } .\r{ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ } أي أَمْهِلْهُم ، وقل لكم مني سلامٌ . . ولكن سوف تعلمون عقوبة ما تستوجبون .","part":7,"page":231},{"id":3232,"text":"الحاء تشير إلى حقِّه؛ والميم تشير إلى محبته . ومعناه : بحقي وبمحبتي لِعِبادي ، وبكتابي العزيز إليهم : إنِّي لا أُعِذِّبُ أهل معرفتي بفرقتي .","part":7,"page":232},{"id":3233,"text":"{ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ } : قيل هي ليلة القَدْر ، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصَّك . أنْزَلَ القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كلَّ سَنَةٍ بمقدار ما كان جبريلُ ينزل به على الرسول A .\rوسمَّاها : { لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ } لأنها ليلة افتتاح الوصلة . وأشدُّ الليالي بركةً ليلةٌ يكون العبدُ فيها حاضراً ، بقلبه ، مشاهداً لربَّه ، يتَنَعَّمُ فيها بأنوار الوصلة ، ويجد فيها نسيم القربة .\rوأحوال هذه الطائفة في لياليهم مختلفة ، كما قالوا :\rلا أظْلِمُ الليلَ ولا أدَّعي ... أنَّ نجومَ الليل ليست تزولُ\rلَيْلِي كما شاءت : قصيرٌ إذا ... جادَتْ ، وإن ضنَّتْ فَلَيْلِي طويلُ\r{ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكٍيمٍ } يكتب من أمِّ الكتاب في هذه الليلة ما يحل في السنة كلّها من أقسام الحوادث في الخير والشرِّ ، في المحن والمِنَنِ ، في النصر والهزيمة ، في الخصب والقحط .\rولهؤلاء القوم ( يعني الصوفية ) أحوالٌ من الخصب والجدب ، والوصل والفصل ، والوفاق والخلاف ، والتوفيق والخذلان ، والقبض والبسط . فكم مِنْ عبدٍ ينزل له الحكم والقضاء بالبُعْدِ والشقاء ، وآخر ينزل حكمه بالرِّفد والوفاء .","part":7,"page":233},{"id":3234,"text":"{ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } : وهي الرسولُ - A ، قال صلوات الله عليه : « أنا رحمة مهداة » .\rويقال : { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } رحمةً لنفوسُ أوليائنا بالتوفيق ، ولقلوبهم بالتحقيق .\r{ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } : « السميع » لأنين المشتاقين ، « العليم » بحنين المحبين .","part":7,"page":234},{"id":3235,"text":"مالك السموات والأرضين ، ومالك ما بينهما - وتداخل في ذلك اكسابُ العباد .\rوتَمْلُّكُها بمعنى القدرة عليها ، وإذا حَصَلَ مقدورٌ في الوجود دَلَّ على أنه مفعولُه؛ لأن معنى الفعل مقدورٌ وجِدَ .","part":7,"page":235},{"id":3236,"text":"قوله جلّ ذكره : { لآَ إِلَه إِلاَّ هُوَ يُحىِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ ورَبُّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ } .\rهذه الكلمة فيها نَفْيُ ما أثبتوه بجهلهم ، وإثباتُ ما نَفَوْه بجحدهم .\r{ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِِينَ } : مُرَبِّي أصْلَكُم ونَسْلَكُمْ .\rقوله جل ذكره : { بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ } .\rاللَّعِبُ فِعْلٌ يجري على غير ترتيبٍ تشبيهاً باللُّعاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص؛ فَوَصَفَ المنافقَ باللَّعبِ؛ وذلك لتردُّدِه وتحيُّرِه نتيجةَ شكِّه في عقيدته .\rقوله جل ذكره : { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينَ } .\rهذا من اشراط الساعة؛ إذ يتقدم عليها .\rوقيامة هؤلاء ( يقصد الصوفية ) معجَّلة ( أي تتم هنا في هذه الدنيا ) فيومُهم الذي تأتي السماء فيه بدخان مبين هو يومُ غيبةِ الأحباب ، وانسداد ما كان مفتوحاً من الأبواب ، أبوابِ الأُنسِ بالأحباب في معناه قالوا :\rفما جانبُ الدنيا بسَهْلٍ ولا الضُّحى ... بطَلْقٍ ولا ماءُ الحياةٍ بباردِ\rقوله جل ذكره : { يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rوعذابُ هؤلاء ( يقصد الصوفية ) مقيمٌ في الغالب ، وهو عذابٌ مُسْتَعذْبٌ ، أولئك يقولون :\r{ رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ } .\rوهؤلاء يستزيدون - على العكس من الخَلْق - العذاب ، وفي ذلك يقول قائلهم :\rفكلُّ مآربي قد نِلْتُ منها ... سوى ملذوذِ وجدي بالعذاب\rفهم يٍسألون البلاََءَ والخَلْقُ يستكشفونه ، ويقولون :\rأنت البلاءُ فكيف أرجو كَشْفَه ... إنَّ البلاَءَ إذا فَقَدْتُ بلائي","part":7,"page":236},{"id":3237,"text":"إن خالفوا دواعي قلوبهم من الخواطر التي تَرِدُ من الحقِّ عليهم عوقبوا- في الوقت بما لا يتَّسعُ لهم ويُسْعِفهم ، فإذا أخذوا في الاستغاثة يقال لهم : أنَّى لكم الذكرى وقد جاءكم الرسول على قلوبكم فخالفتم؟!","part":7,"page":237},{"id":3238,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } .\rحيث نورثكم حزناً طويلاً ، ولاتجدون في ظلال انتقامنا مقيلاً .\rقوله جل ذكره : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّواْ إلَىَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكَمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } .\rفتَنَهم بعد ما أصَرُّوا على جحودهم ولم يرجعوا إلى طريق الرشد من نفرة عنودهم .\r{ وَجَآءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } : يطالبهم بإزالة الظلم عن بني إسرائيل ، وأن يستبصروا ، واستنفرهم لله ، وأظهر الحُجَّةَ من قِبَلِ الله .","part":7,"page":238},{"id":3239,"text":"{ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَبَعُونَ } .\rأمَرَه بأن يَسْرِيَ بعباده المؤمنين ، وعرَّفهم أنهم سيُنْقَذون ، وأنَّ عدوَّهم { جُندٌ مُّغْرَقُونَ } .\rقوله جل ذكره : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ } .\rما خلفوه من أحوالهم ومن رياشهم ، وما تركوه من أسباب معاشهم استلبناه عنهم .\r{ كَذِلَكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ } .\rوأسْكَنَّا قوماً آخرين في منازلهم ودورهم .\rقوله جل ذكره : { فَمَا بَكَتْ عَليْهِمُ السَّمَآءُ والأرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } .\rلم يكن لهم من القَدْرِ والخَطَرِ ما يتحرك في العالَم بِسببَهم ساكنٌ ، أو يسكن متحركٌ فلا الخضراء بسببهم اغبرَّتْ ، ولا الغبراءُ لغيبتهم اخضَّرتْ . لم يبقَ منهم عينٌ ولا أثر ، ولم يظهر مِنْ قِبَلِهم على قلبِ أحدٍ من عبادِنا أثرٌ . وكيف تبكي السماءُ لفقْدِ من لم تستبشر به من قَبْلُ؟ بعكس المؤمن الذي تُسَرُّ السماءُ بصعود ِعمله إليها ، فإنها تبكي عند غيابه وفَقْدِه .","part":7,"page":239},{"id":3240,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ مِنَ العَذَابِ المُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ } .\rنجَّاهم ، وأقمى عدوَّهم ، وأهلكه .\r{ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ } أي عَلِمنا ما يحتقبون من أوزارهم ، فرفعنا - باختيارنا- من أقدارِهم ما وَضعَه فِعْلُهم وتدنسُّهم بأوضارهم .\rويقال : « على علمٍ منا » بأحوالهم أنهم يُؤثِرون أمرنا على كل شيء .\rويقال : « على علمٍ منا » بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا .\rويقال : « على علم منا » بما نودع عندهم من اسرارنا ، وما نكاشفهم به من حقائق حقِّنا .\rقوله جل ذكره : { وَءَاتَيْنَاهُم مِّنَ الأَيَاتِ مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينَ } .\rمن مطالبته بالشكر عند الرخاء ، والصبر عند الكَدَرِ والعناء .\rقوله جل ذكره : { إِِنَّ هَؤُلآَءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا تَحنُ بِمُنشَرِينَ فَأْتُواْ بِئَابَآئِنآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .\rاقترح أبو جهلٍ على النبي - A - أن يحييَ لهم نَفْساً :\r« لتخبرنا : هل أنت صادق أم لا؟ » فأخبر الله - سبحانه - أنهم اقترحوا هذا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليهم ، وإظهار ما أزاح لهم من العُذْر :\rثم قال جل ذكره : { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمٌ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمينَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .\r« تُبّع » هو ملك لليمن ، وكان مسلماً ، وكان في قومه كثرة ، وأهلك الله سبحانه قومَه على كثرة عددهم ، وكمال قُوَّتِهم .\rقوله جل ذكره : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } .\rما خلقناهما إلا بالحقِّ ، بالحُكْمِ الحقِّ ، وبالأمرِ الحقِّ . . . « فأنا مُحِقُّ في خَلْقِهما » : أي كان لي خَلْقُهما .\rقوله جل ذكره : { إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلىً عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .\rيومئذٍ لا يُغْني ناصرٌعن ناصر ولا حميمٌ عن حميم ، ولا نسيبٌ عن نسيبٍ . . . شيئاً . ولا ينالهم نصرٌ إلا من رَحِمَه الله؛ وبفَضْلِه ونِعْمته .","part":7,"page":240},{"id":3241,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِى البُطُونِ كَغَلْىِ الحَمِيمِ } .\r« الأثيم » مرتكبُ الذنوب . « المهل » المذاب . « الحميم » : الماء الحار .\rقوله جل ذكره : { خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ } .\rادفعوا به إلى وسط الحميم . ويقال له :\r{ ذُقْ إِِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } .\rأنت كذلك عند قومك ، ولكنك عندنا ذليلٌ مَهينٌ .\rقوله جل ذكره : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } .\rآمنين من المحن من جميع الوجوه ، لِباسُهم من حرير ، وفراشُهم من سُندسٍ واستبرق ، « متقابلين » : لا يبرحون ولا يبغون عنها حِوَلاً .","part":7,"page":241},{"id":3242,"text":"تُباح لهم صُحْبَتُهن ، ولا يكون في الجنة عقد تزويج ولا طلاقٌ ، ويمكَّن الوليُّ بهذه الاوصاف من هذه الألطاف . ثم قد يُخْتطفُ قومُ من بين هذه الأسباب ، فيتحررون عن هذه الجملة؛ فكما انهم في الدنيا مُختَطَفُون عن كلِّ العلائق فإنهم في الآخرة تطمع الحورُ العينُ في صحبتهم فيستلبهم الحقُّ عن كلِّ شيء .\rالزاهدُ في الدنيا يحميه منها ، والعارفُ في الجنة يحميه من الجنة .","part":7,"page":242},{"id":3243,"text":"الموتة الأولى هي بقبض أرواحهم في الدنيا ، ويقيهم الله في الآخرة العذاب بفضله ، وذلك هو الظَّفَرُ بالبغية ، ونجاح السُّؤل .","part":7,"page":243},{"id":3244,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ } .\rيا محمد ، ليذكر به أهلُك ، فارتقِبْ العواقب تَرَ العجائب . إنهم يرتقبون ، ولكن لا يرون إلا ما يكرهون .","part":7,"page":244},{"id":3245,"text":"قوله جلّ ذكره : { حم تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الْحَكِيمِ } .\r{ الْعِزِيزِ } : في جلاله ، { الْحَكِيمِ } : في أفعاله .\r{ العْزِيزِ } : في آزاله ، { الْحِكِيمِ } : في لطفه بالعبد بوصف إقباله .\rقوله جل ذكره : { إِنَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لأَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ } .\rشواهد الربوبية لائحةٌ ، وأدلةُ الإلهية واضحةٌ؛ فمَنْ صحا مِنْ سَكْرَةِ الغفلة ، ووضعَ سِرَّه في محالِّ العِبرة حَظِيَ - لا محالةَ - بحقائق الوصلة .\rقوله جل ذكره : { وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .\rإذا أنعم العبدُ نَظَرَه في استواء قدِّه وقامته ، واستكمال عقله وتمام تمييزه ، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه ، ثم فكَّرَ فيما عداه من الدواب؛ في أجزائها وأعضائها . . ثم وقف على اختصاص وامتياز بني آدم من بين البريَّة من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم ، ثم في الإيمان والعرفان ووجوهِ خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة في فنون الإحسان - عَرَفَ تخصُّصَهم بمناقبهم ، وانفرادَهم بفضائلهم ، فاستيقن أن الله كَرَّمهم ، وعلى كثيرٍ من الخلوقات قدَّمَهُم .\rقوله جل ذكره : { وَاخْتَلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .\rجَعَلَ اللَّهُ العلومَ الدينية كسبيةً مُصَحَّحةً بالدلائل ، مُحَقِّقةً بالشواهد . فَمَنْ لم يَسْتَبْصِرْ بها زّلَّتْ قَدَمُه عن الطراط المستقيم ، ووقع في عذاب الجحيم؛ فاليومَ في ظلمة الحيرة والتقليد ، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد .","part":7,"page":245},{"id":3246,"text":"قوله جل ذكره : { تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ } .\rفَمَنْ لا يؤمن بها فبأي حديثٍ يؤمن؟ ومن أي أصل يستمد بعده؟ ومن أي بَحْرٍ في التحقيق يغترف؟ هيهات! ما بقي للإشكال في هذا مجال .\rقوله جل ذكره : { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكَبِراً كّأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .\rكلُّ صامتٍ ناطقٌ ، يصمت عن الكلام والقول وينطق بالبرهان في الحكم .\rفَمَنْ استمع بسمع الفهم ، واستبصر بنور التوحيد فاز بذُخْرِ الدارين ، وتصدَّى لِعِزِّ المنزلين . ومَنْ تصامم بحكم الغفلة وقع في وهدة الجهل ، ووُسِم بكيِّ الهَجْر .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .\rقابله بالعناد ، وتأوَّله عَلَى ما يقع له من وجه المراد مِنْ دون تصحيح بإسناد . . . فهؤلاء { لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } : مُذِلٌّ .\rوقد يُكاشَفُ العبدُ من بواطن القلب بتعريفاتٍ لا يتداخله فيها ريبٌ ، ولا يتخالجه منهاشكٌّ فيما هو به من حاله . . . فإذا استهان بها وقع في ذُلِّ الحجبة وهونٍ الفرقة .\rقوله جلّ ذكره : { مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُمْ مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\rفعند هذه الفترة ، وفي وقت هذه المحنة فلا عُذْرَ يُقْبَلُ منهم ، ولا خطابَ يُسْمَعُ عنهم ، ولهم عذابٌ متصل ، ولا يُرَدُّونَ إلى ما كانوا عليه من الكشف :\rفَخَلِّ سبيلَ العينِ بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ","part":7,"page":246},{"id":3247,"text":"عندما يركبون البحرَ فلربما تَسْلَمُ السفينةُ ولربما تغرق .\rوكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير ، تمشي به رياح العناية ، وأَشْرِعَةُ التوكل مرفوعةٌ ، والسُّبُلُ في بحر اليقين واضحة . وطالما تهب رياحُ السلامة فالسفينةُ ناجيةٌ . أمَّا إنْ هبَّت نكباتُ الفتنةِ فعندئذٍ لا يبْقى بيد الملاَّحِ شيءٌ ، والمقاديرُ غالبةٌ ، وسرعان ما تبلغ قلوبُ أهلِ السفينةِ الحناجرَ .","part":7,"page":247},{"id":3248,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .\r{ جَمِيعاً مِّنْهُ } : كلُّ ماخَلَقَ من وجوه الانتفاع بها - كلُّه منه سبحانه؛ فما من شيءٍ من الأعيان الظاهرة إلاّ - ومن وجهٍ - للأنسان به انتفاع . . . وكلها منه سبحانه؛ فالسماءُ لهم بناء ، ولأرضُ لهم مهاد . . . إلى غير ذلك . ومِنَ الغَبْنِ أن يستسخرَك ما هو مُسَخَّرٌ لك! وَلْيتأملْ العبدُ كلَّ شيءٍ . . كيف إنْ كان خَلَلٌ في شيءٍ منها ماذا يمكن أن يكون؟! فلولا الشمسُ . . كيف كان يمكن أن يتصرَّف في النهار؟ ولم لم يكن الليلُ كيف كان يسكن بالليل . ؟ولو لم يكن القمر . . كيف كان يهتدي إلا الحساب والآجال؟ . . . إلى غير ذلك من جميع المخلوقات .\rقوله جلّ ذكره : { قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .\rنَدَبَهم إلى حُسْنِ الخُلق ، وجميلِ العِشْرَة ، والتجاوزِ عن الجهل ، والتنقي من كدورات البشرية . ومقتضياتِ الشُّحِّ .\rوَبيَّنَ أَنَّ اللَّهِ - سبحانه - لا يفوته أحدٌ . فَمَنْ أراد أَنْ يعرِفَ كيف يحفظ أولياءَه ، وكيف يُدَمِّر أعداءَه . فَلْيَصبِرْ أياماً قلائلَ لَيَعْلَمَ كيف صارت عواقبُهم .\rقوله جلّ ذكره : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } .\rمَنْ عَمِلَ صَالحاً فله مَهْناه ، ومن ارتكب سيئةً قاسى بلواه . . . ثم مرجعه إلى مولاه .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِى إِسْرائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ والنُّبُوَةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِبّاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } .\rكَرَّر في غير موضع ذِكْرِ موسى وذِكْرَ بني إسرائيل . . . بعضه على الجملة وبعضه على التفصيل . وهنا أجْمَلَ في هذا الموضِع ، ثم عقبه حديث نبيِّنا A ، فقال :\rقوله جلّ ذكره : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } .\rإفردناك بلطائفَ فاعرفْها ، وسَنَنَّا لكَ طرائقَ فاسلُكْها ، وأثبتنا لك حقائقَ فلا تتجاوزْها ، ولا تجنحْ إلى متابعة غيرك :","part":7,"page":248},{"id":3249,"text":"{ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً } .\rإن أرادَ بكَ نعمةً فلا يمنعها أحدٌ ، وإن أراد بك فتنةً فلا يَصْرِفها عنك أحدٌ . فلا تُعَلِّقْ بمخلوقٍ فكْرَك ، ولاتتوجهْ بضميرك إلى شيء ، وثِقْ بربِّك ، وتوكَّلْ عليه .\rقوله جلّ ذكره : { هَذَا بَصَآئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .\rأنوارُ البصيرةِ إذا تلألأتْ انكشفت دونها تهمةُ التجويز .\rوَنَظَرُ الناسِ على مراتب : فمِنْ ناظرٍ بنور نجومه - وهو صاحب عقل ، ومن ناظرٍ بنو فراسته وهو صاحب ظنِّ يُقَوِّيه لَوْحٌ - ولكنه من وراء السَّرِّ ، ومن ناظرٍ بيقين عِلْم بحكم برهانٍ وشَرْطِ فكْرٍ ، ومِنْ ناظرٍ بعين إيمان بوصف اتَّباع ، ومن ناظرٍ بنور بصيرةٍ هو على نهار ، وشمسُه طالعة وسماؤه من السحاب مصحية .\rقوله جلّ ذكره : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السِّيِئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } .\rأَمَنْ خفضناه في حضيض الضَّعةِ كَمَنْ رفعناه إلى أعالي المَنَعَة؟\rأَمَن ْأخذنا بيده ورحمناه كَمَنْ داسَه الخذلانُ فرجمناه . ؟\rأَمَنْ وهبناه بَسْطَ وقتٍ وأُنْسَ حالٍ ورَوْحَ لُطْفٍ حتى خَصَصْناه ورَقَيْنَاه ، ثم قَرَّبْناه وأَدْنَيَْناه كَمَنْ ترك جُدَه واستفراغَ وسعه وإسبالَ دَمْعِه واحتراق قلبه . . . فما أنعشناه .","part":7,"page":249},{"id":3250,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } .\rمَنْ لم يَسْلُكْ سبيلَ الاتباع ، ولم يستوفِ أحكامَ الرياضة ، ولم يَنْسلِخْ عن هواه بالكليَّة ، ولم يؤدَّبْه إمامٌ مُقْتَدَىٌ فهو ينجرفُ في كل وَهَدَةٍ ، ويهيمُ في كلِّ ضلالة ، ويضلُّ في كل فجِّ ، خسرانُه أكثر من ربْحِه!! أولئك في ضلالٍ بعيد؛ يعملون القُرَبَ على ما يقع لهم من نشاطِ نفوسهم ، زمامُهم بيد هواهم ، أولئك أهل المكر . . . اسْتدْرِجُوا وما يَشْعُرون! .\rقوله جلّ ذكره : { وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } .\rلم يَعْتَبِروا بما اوجدوا عليه خَلَفَهم وسَلفَهم ، وأَزْجَوْا في البهيمية عَيْشَهم وعُمْرَهم ، وأعفوا عن كَدِّ الفكرة قلوبهم . . . فلا بالعلم استبصروا ، ولا من التحقيق استمدوا . رأسُ مالِهم الظنُّ - وهم غافلون .","part":7,"page":250},{"id":3251,"text":"طلبوا إحياءَ موتاهم ، وسوف يَرَوْن ما استبعدوا .\rثم أخبر أنَّ مُلْكَ السمواتِ والأرضِ لله ، وإذا أقام القيامةَ يُحْشَرُ أصحابُ البطلان ، فإذا جاءهم يومُ الخصام .","part":7,"page":251},{"id":3252,"text":"كلٌّ بحسابه مطالَبٌ . . . فأمَّا الذين آمنوا فلقد فازوا وسادوا ، وأمَّا الذين كفروا فهلكوا وبادوا . . ويقال لهم : أأنتم الذين إذا قيل لكم حديثُ عُقباكم كّذَّبتم مولاكم؟ فاليومَ - كما نسيتمونا - ننساكم ، والنارُ مأواكم .","part":7,"page":252},{"id":3253,"text":"لله الحمدُ على ما يُبْدي ويُنْشي ، ويحيي ويُفْني ، ويُجْرِي ويُمْضِي . . إذ الحكْمُ لله ، والكبرياءُ لله ، والعظمةُ والسَّناءُ لله ، والرفعة والبهاءُ لله .","part":7,"page":253},{"id":3254,"text":"قوله جلّ ذكره : { حم تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ } .\rحَمَيْتُ قلوبَ أهلِ عنايتي فَصَرَفْتُ عنها خواطرَ التجويز ، وَثَبَّتُها في مشاهدِ اليقينِ بنور التحقيق؛ فلاحت فيها شواهدُ البرهان ، فأضَفْنا إليها لطائفَ الإحسان؛ فكَمُلَ منالُها من عين الوصلة ، وغذيناهم بنسيم الأَنْس في ساحات القربة .\r{ الْعَزِيزِ } : المُعزِّ للمؤمنين بإنزال الكتاب عليهم .\r{ الْحَكِيم } ، المُحْكِم لكتابِه عن التبديل والتحويل .\rقوله جلّ ذكره : { مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إلاًَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ } .\rالكافرون مُعْرِضُون عن موضع الإنذار ، مقيمون على حَدِّ الإصرار .\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَوَاتِ ائْتُونِى بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .\rأروني . . أي أثر فيهم في الملك ، أو القدرة على النفع والضر؟ إن كانت لكم حُجَّةٌ فأَظْهِرُوها ، أو دلالة فَبَيِّنوها . . وإذا قد عَجَزْتُم عن ذلك فهلاَّ رجعتم عن غيْكم وأقلعتم؟\rقوله جلّ ذكره : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ } .\rمَنْ أشدُّ ضلالاً مِمَّنْ عَبَدَ الجمادَ الذي ليس له حياة ولا له في النفع أو الضر إثبات؟ .\rقوله جلّ ذكره : { وَإذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } .\rإذا حُشِرَ الناسُ للحساب وقعت العداوةُ بين الأصنام وعابديها .","part":7,"page":254},{"id":3255,"text":"رموا رُسُلَنا بالسِّحر ثم بالافتراء والمكر . . قُلْ - يا محمد - كفى بالله بيني وبينكم شهيداً؛ أنتم أشركتم به ، وأنا أخلصت له توحيداً . وما كنت بدعاً من الرسل؛ فلستُ بأول رسولٍ أُرْسِل ، ولا بغيرما جاءوا به من أصول التوحيد جئتُ ، إنما أمرتكم بالإخلاص في التوحيد ، والصدقِ في العبودية ، والدعاءِ إلى محاسن الأخلاق .","part":7,"page":255},{"id":3256,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىِّ وَمَآ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .\rوهذا قبل أن نزل قوله تعالى : { لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تأَخَّرَ } [ الفتح : 2 ] .\rوفي الآية دليلٌ على فساد قول أهل القَدَرِ والبدِعِ حيث قالوا : « إيلامُ البريء قبيحٌ في العقل » . لأنه لو لم يَجُزْ ذلك لكان يقول : أَعْلَمُ - قطعاً- أني رسول الله ، وأني معصومٌ . . . فلا محالةَ يغفر لي ، ولكنه قال : وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم؛ لِيُعْلَمَ أن الأمرَ أمرُه ، والحكمَ حكمُه ، وله أن يفعلَ بعباده ما يريد .\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَئَامَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .\rتبيَّنَ له أنه لا عُذْرَ لهم بحال ، ولا أمانَ لهم من عقوبةِ الله . وما يستروحون إليه من حُجَجِهم عند انفسهم كلُّها - في التحقيق - باطلٌ . واخبر ان الكفار قالوا : لو كان هذا الذي يقوله من الحشر والنشر حقًّ لم تتقاصر رتبتُنا عند الله عن رتبة أحدٍ ، ولتَقَدَّمنا - في الاستحقاق - على الكُلِّ . ولمَّا لم يجدوا لهذا القول دليلاً صرَّحوا :\r{ فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } .\rولقد بَعَثَ اللَّهُ أنبياءَه - عليهم السلام - وأنزل عليهم الكتب ، وبيَّنَ في كلِّ كتابٍ ، وعل لسانِ كلَِّ رسولٍ بأنه يبعث محمداً رسولاً ، ولكن القومَ الذين في عصر نبيِّنا- A - كتموه ، وحسدوه .","part":7,"page":256},{"id":3257,"text":"مضى تفسيرُ الاستقامة . وإنَّ مِنْ خرج على الإيمان والاستقامة حَظِيَ بكلِّ كرامة ، ووصل إلى جزيل السلامة .\rوقيل : السين في « الاستقامة » سين الطَّلَب؛ وإن المستقيم هو الذي يبتهل إلى الله تعالى في أن يُقيمَه على الحق ، ويُثَبِّتُه على الصدق .","part":7,"page":257},{"id":3258,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } .\rأَمَرَ الإنسانَ برعاية حقِّ والديه على الاحترام ، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام ، وإذا لم يُحْسِنْ الإنسانُ حُرْمةَ مَنْ هو مِنْ جنسه فهو عن حُسْنِ مراعاة سِّده أبعد . ولو لم يكن في هذا الباب إلا قوله - صلى الله عليه سلم : « رضا الرب من رضا الوالدين وسخطه في سخطهما » لكان ذلك كافياً . ورعايةُ حق الوالد من حيث الاحترام ، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام . ووَعَدَ الوالدين قبولَ الطاعة بقوله جلَّ ذكره :\r{ أُؤلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِئَّاتِهِم فِى أَصْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوْعَدُونَ } .\rفقبولُ الطاعةِ وغفران الزَّلَّة مشروطان ببرِّ الوالدين ، وقد ذمَّ اللَّهُ - سبحانه- الذي يتصف في حقهما بالتأفُّفِ ، وفي ذلك تنبيهٌ على ما وراء ذلك من أي تعنُّف ، وعلى أنَّ الذي يَسْلكُ ذلك يكونُ من أهل الخسران ، وبالتالي يكون ناقصَ الإيمان .\rوسبيلُ العبدِ في رعاية حق الوالدين أن يُصْلِح ما بينه وبين الله ، فحينئذٍ يَصْلُحُ ما بينه وبين غيره - على العموم ، وأهله - على الخصوص .\rوشَرُّ خصَال الولد في رعاية حق والديه أَنْ يتبَرَّم بطول حياتهما ، ويتأذَّى بما يحفظ من حقهما . وعن قريب يموت الأصلُ ويبقى النسلُ ، ولا بدَّ من أن يتبع النسلُ الأصلَ ، وقد قالوا في هذا المعنى :\rرويدك إن الدهرَ فيه كفايةٌ ... لتفريق ذات البيْنِ . . فانتظر الدهرا","part":7,"page":258},{"id":3259,"text":"سبيلُ العبد ألا ينسى في كل حالٍ معبودَه ، وأَنْ يتذكرَ أنه معه في همِّه وسروره ، وفي مناجاته عند رخائه وبلائه . فإن اتفق أَنْ حَصَلَ له أَنْسٌ ، وغَلَبَ عليه رجاءٌ وبسطٌ ثم هجم على قلبه قَبْضٌ أو مَسّهُ خوف . . فليخاطبْ ربَّه حتى لا يكونَ من جملة مَنْ قيل له : { أَذْهَبْتُمْ طَيِّببَاتُكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا } .","part":7,"page":259},{"id":3260,"text":"أخبر بالشرحِ عن قصة هود وقومه عاد وما جرى بينهم من الخطاب ، وتوجّه عليهم من العتاب ، وأَخْذِهم بأليم العذاب .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ }\rفلم يُغْنِ عنهم ما آتيناهم . . وانظروا كيف أهلكناهم .","part":7,"page":260},{"id":3261,"text":"كان رسولُ الله A مبعوثاً إلى الجنِّ كما كان مبعوثاً إلى الإنس . وإن قوماً أتوه ليلة الجن وآمنوا به ، ورجعوا إلى قومهم فأخبروهم ، وآمن قومٌ منهم ، فاليومَ في الجن مؤمنون ، وفيهم كافرون .\r{ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ } الصيحةُ على الباب وفوق البساط غيبةٌ؛ ولهذا لما حضر الجنُّ بساطَ خدمته - A - تواصوا فيما بينهم بحفظ الأدب ، وقالوا لما حضروا بساطَه : { أَنصِتُواْ } ، فأهلُ الحضور صفتُهم الذبولُ والسكونُ ، والهيبة والوقار . والثورانُ أو الإنزعاجُ يدل على غيبة أو قِلّةِ تيقُّظِ أو نقصان اطلاع . { فَلَمَّا قَضَى } يعني الوحي { وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } وأخبروهم بما رأوه وسمعوه .","part":7,"page":261},{"id":3262,"text":"يقال الإجابة على ضربين : إجابةٌ لله ، وإجابة للداعي؛ فإجابة الداعي بشهود الوساطة - وهو الرسول A - . وإجابةُ الله بالجهْرِ إذا بَلَغَتْهُ الرسالةُ على لسان السفير ، وبالسِّرِّ إذا حصلت التعريفاتُ من الواردات على القلب؛ فمستجيبٌ بنفسه ومستجيبٌ بقلبه ومستجيبٌ بروحه ومستجيبٌ بسرِّه . ومن توقف عن دعاء الداعي إيِّاه ، ولم يبادرْ بالاستجابة هُجِرَ فيما كان يُخَاطب به .","part":7,"page":262},{"id":3263,"text":"الرؤيةُ هنا بمعنى العلم .\r{ وَلَمْ يَعْىَ } أي ولم يعجز ولم يَضْعفُ .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ } .\rثم يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة :\rقوله جلّ ذكره : { أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ } .\rجزاءً لكم على كُفْركم .\rقوله جل ذكره : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } .\rأولو الجد والصبر والحزم . وجاء في التفسير أنهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلى الله عليه سلم . وقيل : هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام . وقيل : منهم يعقوب وأيوب ويونس .\rوالصبرُ هو الوقوفُ لحُكْمِ الله ، والثباتُ من غير بثٍ ولا استكراهٍ .\rقوله جلّ ذكره : { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارِ } .\rويقال مُدّةُ الخلْقِ : من مبتدأ وقتهم إلى مُنتَهى آجالهم بالإضافة إلى الأزليّة كلحظةٍ بل هي أقلُّ؛ إذ الأزلُ لا ابتداء له ولا انتهاء . . وأي خَطَرٍ لما حصل في لحظةٍ . . . خيراً كان أو شَرَّاً؟!","part":7,"page":263},{"id":3264,"text":"قوله جلّ ذكره : { الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَءَامَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } .\r{ الَّذِينَ كَفَرُوا } : امتنعوا ، وصَدُّوا فَمُنِعُوا؛ فلأنهم امتنعوا عن سبيل الله استوجبوا الحَحْبَةَ والغيبة .\r{ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } : أي أحبطها .\r{ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ } بما نُزِّلَ على محمد ، { وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ } .\rأصلح حالَهم ، فالكفرُ للأعمالِ مُحْبِطٌ ، والإيمان للتخليد مُسْقِط .\rويقال : الذين اشتغلوا بطاعةِ اللَّهِ ، ولم يعملوا شيئاً ما خَالَفَ اللَّهَ - فلا محالةَ - نقوم بكفاية اشتغالهم بالله .\rقوله جلّ ذكره : { ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } .\rأي يضرب أمثالَ هؤلاء لحسناتهم ، وامثال هؤلاء لسيئاتهم .\rويكون اتباعُ الحقِّ بموافقة السُّنَّةِ ، ورعاية حقوق الله ، وإيثار رضاه ، والقيام بطاعته ويكون اتباعُ الباطلِ بالابتداع ، والعملِ بالهوى ، وإيثارِ الحظوظ ، وارتكابِ المعصية .","part":7,"page":264},{"id":3265,"text":"إذا حَصَلَ الظَّفَرُ بالعدوِّ فالعفُو عنهم وتَرْكُ المبالغةِ في التشديد عليهم - للندم مُوجِبٌ ، وللفرصةِ تضييعٌ؛ بل الواجبُ إزهاقُ نفوسِهم ، واستئصالُ أصولِهم ، واقتلاعُ شَجَرِهم من أصله .\rوكذلك العبدُ إذا ظفر بنفْسه فلا ينبغي أن يُبْقِيَ بعد انتفاش شوكها بقيةً من الحياة ، فَمَنْ وضع عليها إصبعاً بَثَّتْ سُمَّها فيه .\r{ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً } ذلك إذا رجا المسلمون في ذلك غبطةً أو فائدةً؛ مثل إفراج الكفَّارِ عن قومٍ من المسلمين ، أو بسبب ما يؤخذ من الفِداء . . وأمثال هذا ، فحينئذٍ ذلك مُسَلّمٌ على ما يراه الإمام .\rكذلك حال المجاهدة مع النَّفْس : حيث يكون في إغفاءِ ساعةٍ أو في إفطارِ يوم ترويحٌ للنفس من الكَدِّ ، وتقويةٌ على الجهد فيما يستقبل من الأمر- فذلك مطلوبٌ حسبما يحصل به الاستصوابُ من شيخ المريد ، أو فتوى لسانِ الوقت ، أو فراسة صاحب المجاهدة .\rقوله جلّ ذكره : { قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ يَدُخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } .\rإذا قُتِل أحدٌ في سبيل الحقِّ تولّى وَرَثَة َالمقتولِ بأحسنَ مِنْ تولية المقتول .\rوكذلك يَرْفَعُ درجاتِه؛ فيُعْظِمُ ثوابَه ، ويُكْرِمُ مآبه .","part":7,"page":265},{"id":3266,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهِ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } .\rنصرةُ الله من العبد نصرةُ دينه بإيضاح الدليل وتبيينه .\rونصرةُ اللَّهِ للعبد بإعلاء كلمته ، وقَمْعِ أعداء الدين ببركاتِ سَعْيه وهمَّتهِ .\r{ وَيُثَبِتْ أَقْدَامَكُمْ } بإدامةِ التوفيقِ لئلا ينهزم من صولةِ أعداءِ الدين .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } .\rتعساً لهم : لعناً وطرداً ، وقَمْعاً وبُعداً!\r{ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } : هَتَكَ أستارَهم ، وأَظْهَرَ للمؤمنين أسرارَهم ، وأَخْمَدَ نارَهم .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَلَمْ يَسِيُرواْ فِى الأَرْضِ فَيَنُظُرواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } .\rوكيف أهلكهم وأبادهم وأقماهم؟\rقوله جلّ ذكره : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ } .\rالمولى هنا بمعنى الناصر؛ فاللَّهُ ناصرٌ للذين آمنوا ، وأمَّ الكافرون فلا ناصرَ لهم .\rأو الموْلى من المولاة وهي ضد المعاداة ، فيكون بمعنى المحب؛ فهو مولى الذين آمنوا أي مُحِبُّهم ، وأما الكافرون فلا يحبهم الله .\rويقول تعالى في آية أخرى : { وَالَّذِنَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ } [ البقرة : 257 ] .\rويصح أن يقالَ إنَّ هذه أرجى آية في القرآن؛ ذلك بأنه سبحانه يقول : { بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ } ولم يقل : مولى الزهَّادِ والعُبَّادِ وأصحاب الأورادِ والاجتادِ؛ فالمؤمنُ - وإنْ كان عاصياً - من جملة الذين آمنوا ، ( لا سيما و « آمنوا » فعل ، والفعل لا عمومَ له ) .","part":7,"page":266},{"id":3267,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } .\rمضى الكلامُ في هذه الآية .\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ . } .\rالأنعامُ تأكل من أي موضع بلا تمييز ، وكذلك الكافرُ لا تمييزَ له بين الحلال والحرام [ كذلك الأنعام ليس لها وقت لأكلها؛ بل في كل وقت تقتات وتأكل ، وكذلك الكافر ، وفي الخبر : « إنه يأكل في سبعة أمعاء » أمَّا المؤمن فيكتفي بالقليل كما في الخبر : « إن كان ولا بُد فثُلُثٌ للطعام وثُلُثٌ للشراب وثلث للنفس » و « ما ملأ ابن آدم وعاءً شرَّاً من بظنه »\rويقال : الأنعامُ تأكل على الغفله؛ فَمَنْ كان في حال أكله ناسياً ربَّه فأكْلُه كأكلِ الأنعام .\rقوله جلّ ذكره : { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِى أَخْرجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ } .\r{ أَهْلَكْنَاهُمْ } : يعني بها مَنْ أهلكهم من القرون الماضية في الأعصر الخاليه .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُم } .\r« البيَّنة » : الضياء والحُجَّة ، والاستبصار بواضح المحجة : فالعلماءُ في ضياء برهانهم ، والعارفون في ضياءِ بيانهم؛ فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يُبْصِرون ، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون .","part":7,"page":267},{"id":3268,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّثَلُ الجَنَّةِ الَّتِى وَعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } .\rكذلك اليومَ شأنُ الأولياء ، فهم شرابُ الوفاء ، ثم شرابُ الصفاء ، ثم شرابُ الولاء ، ثم شرابٌ حالَ اللقاء .\rولكلٍّ من هذه الأشربة عمَلٌ ، ولصاحبه سُكْرٌ وصحو؛ فَمَنْ تحسَّى شرابَ الوفاء لم ينظر إلى احدٍ في ايام غيبته من أحبابه :\rوما سَرَّ صدري مُنْذ شطَّ بك النوى ... أنيسٌ ولا كأس ولا متصرف\rومَنْ شَرِبَ كأسَ الصفاء خَلُصَ له عن كل شَوْبٍ ، فلا كدورةَ في عهده ، وهو في كلِّ وقتٍ صافٍ عن نَفْسِه ، خالٍ من مُطَالَباته ، قائمٌ بلا شُغلٍ - في الدنيا والآخرة - ولا أرَبٍ .\rومَنْ شَرِبَ كأسَ الولاء عَدِمَ فيه القرار ، ولم يَغِبْ بِسرِّه لحظةً في ليلٍ أو نهار .\rومَنْ شَرِبَ في حال اللقاء أَنِسَ على الدوام ببقائه؛ فلم يطلب - مع بقائه - شيئاً أخَرَ من عطائه؛ لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه .","part":7,"page":268},{"id":3269,"text":"هم المنافقون الذين كرهوا ما أنزل اللَّهُ؛ لِمَا فيه من افتضاحِهم .","part":7,"page":269},{"id":3270,"text":"{ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } .\r{ اهْتَدَوْا } : بأنواع المجاهدات ، « فزادهم هدًى » : بأنوار المشاهدات .\r{ اهْتَدَوْاْ } : بتأمل البرهان ، « فزادهم هدى » بَرْوح البيان .\r{ اهْتَدَوْاْ } : بعلم اليقين ، « فزادهم هدًى » : بحقِّ اليقين .\r{ اهْتَدَوْاْ } : بآداب المناجاة ، « فزادهم هدًى » : بالنجاة ورَفْعِ الدرجات .\r{ اهْتَدَوْاْ } : إلى ما فيه من الحقِّ ولم يختلفوا في أنه الحق ، « فزادهم هدًى » بالاستقامة على طرق الحق .","part":7,"page":270},{"id":3271,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فََأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَألْمُؤْمِنَاتِ } .\rكان عالماً بأنه : { لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ } فامره بالثبات عليها؛ قال ( ص ) : « أنا أعلمكم بالله ، وأخشاكم له » .\rويقال : كيف قيل له : { . . . فَاعْلَمْ } ولم يقل : عَلِمْتُ ، وإبراهيم قيل له : { أَسْلِمْ } [ البقرة : 131 ] فقال : « سلمت . . . »؟ فيُجاب بأن إبراهيمَ لمَّا قال « اسلمت » ابْتُلِيَ ، ونبيَّنا A لم يقل : علمت فعُوفِيَ .\rوإبراهيم عليه السلام أتى بَعْدَه شَرْع كَشَف َ سِرَّه ، ونبيُّنا A لم يأتِ بعدَه شرعٌ . ويقال : نبيُّنا A أخبر الحقُّ عنه بقوله : { ءَامَنَ الرَّسُولُ . . . } [ البقرة : 285 ] والإيمان هو العلم- وإخبارُ الحقِّ سبحانه عنه أَتَمُّ من إخباره بنفسه عن نفسه : « عَلِمْتُ » .\rويقال : فرقٌ بين موسى عليه السلام لمَّا احتاج إلى زيادةِ العلم فأُحيلَ على الخضر ، ونبيُّنا A قال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } [ طه : 114 ] . . . فكم بين مَنْ أُحيلَ في استزادة العلم على عَبْدٍ وبين مَنْ أمِرَ باستزادة العلم من الحق!! .\rويقال لمَّا قال له : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ } كان يأمره بالانقطاع إليه عن الخَلْق ، ثم بالانقطاع منه - أي من الرسول - إليه . . . أي إلى الحق سبحانه . والعبدُ إذا قال هذه الكلمةَ على سبيلِ العادةِ والغفلةِ عن الحقيقة - أي كان بصفة النسيان - فليس لقوله كثيرُ قيمةٍ؛ كأن تُقال عند التعجب من شيء . . . فليس لهذا قَدْرٌ . أمَّا إذا قالها مخلصاً فيها ، ذاكراً لمعناها ، متحققاً بحقيقتها . . . فإنْ كان بنفسه فهو في وطن التفرقة . . . وعندهم هذا من الشِّرْكِ الخفِّي ، وإن قالها بحقٍّ فهو الإخلاص . فالعبد يعلم أولاً ربَّه بدليل وحُجَّةٍ؛ فعِلْمُه بنفسه كَسْبيٌّ . . . وهو اصل الأصول ، وعليه ينبني كل علم استدلالي! ثم تزداد قوةُ علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج ، ويتناقص علمُه بنفسه لغَلَبَاتِ ذِكْرِ اللَّهِ على القلب . فإذا انتهى إلى حال المشاهدة ، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار عِلْمُه في تلك الحالة ضرورياً . ويقلُّ إحساسُه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافلٌ عن نفسه أو ناسٍ لنفسه .\rويقال : الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر ، فإذا ركب البحر قويت هذه الحالة ، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساسَ له بشيء سوى ما هو مستغرقٌ فيه ومستهلك .\r{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } : أي إذا عَلِمْتَ أنك علمت فاستغفِرْ لذنبك من هذا؛ فإن الحقَّ - على جلال قدْرِه - لا يعلمه غيره .","part":7,"page":271},{"id":3272,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنُظرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ . . . } .\rكان المسلمون تضيق قلوبهم بتباطؤ الوحي ، وكانوا يتمنون ان ينزل الوحيُ بسرعةٍ فقال تعالى : { لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ } رأيتَ المنافقين يكرهون ذلك لِمَا كان يشق عليهم من القتال ، فكانوا يفتضحون عندئذٍ ، وكانوا ينظرون إلى النبي A - بغاية الكراهة .\r{ . . . فَأَوْلَى لَهُمْ } .\rتهديد .\rقوله جلّ ذكره : { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } .\rوهو قولهم : { لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ . . . } .\rويقال : فأولى لهم طاعةٌ منهم لله ولرسوله . { وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } بالإجابة لما أُمِرُوا به عن الجهاد .\rويقال : طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أَمثَلُ بهم .","part":7,"page":272},{"id":3273,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } .\rإذا عزم ما الأمرُ- أي جَدَّ وفُرِضَ القتالُ - فالصدقُ والإجابةُ خيرٌ لهم من كذبهم ونفاقِهم وتقاعدِهم من الجهاد .\rقوله جلّ ذكره : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } .\rأي فلعلكم إنْ أَعرضتم عن الإيمان - بمحمدٍ A - ورجعتم إلى ما كنتم عليه أن تفسدوا في الأرض ، وتسفكوا الدماءَ الحرامَ ، وتقطعوا أرحامكم ، وتعودوا إلى جاهليتكم .\rقوله جلّ ذكره : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } .\rأصمَّهم عن سماعِ الحقِّ وقبولِه بقلوبهم ، وأعمى بصائرَهم .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } .\rأي إن تدَّبروا القرآن أفضى بهم إلى العرفان ، وأراحهم من ظلمة التحيرُّ .\r{ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } : أقفلَ الحقُّ على قلوب الكفار فلا يُدَاخِلُها زاجرُ التنبيه ، ولا ينبسط عليها شعاعُ العلم ، فلا يحصل لهم فَهْمُ الخطاب؛ فالبابُ إذا كان مُقفَلاً . . . فكما لا يدخل فيه شيءٌ لا يخرج منه شيء؛ كذلك قلوبُ الكفار مقفلةٌ ، فلا الكفرُ الذي فيها يَخْرُجُ ، ولا الإيمانُ الذي هم يُدْعَوْن إليه يدخل في قلوبهم .\rوأهلُ الشِّرْكِ والكفرِ قد سُدَّت بصائرهم وغُطِّيَتْ أسرارهم ، ولُبِّسَ عليهم وجهُ التحقيق .","part":7,"page":273},{"id":3274,"text":"الذي يطلع فجرُ قلبه ، ويتلألأ نورُ التوحيد فيه ، ثم قَبْلَ متوع نهارِ إيمانه انكسفت شمسُ يومهِ ، وأظلم نهارُ عرفانه ، ودَجا ليلُ شَكَّه ، وغابت نجومُ عقله . . . فحدِّث عن ظُلُماتِه . . . ! ولا حرج! .\rذلك جزاؤهم على ممالأتهم مع المنافقين ، وتظاهرهم . . فإذا تَوَفَّتْهُم الملائكةُ تتصل آلامُهم ، ولا تنقطع بعد ذلك عقوباتُهم .","part":7,"page":274},{"id":3275,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ } .\rليس الأمرُ كما تَتوَهَّموه ، بل لله يفضحهم ويكشف تلبيسَهم ، ولقد أخبر الرسولَ عنهم ، وعرَّفه أعيانهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِِ } .\rأي في معنى الخطاب ، فالأَسِرَّةُ تَدُلُّ على السريرة ، وما يخامر القلوبَ فَعَلى الوجوهِ يلوحُ أثرُه :\rلستُ ممن ليس يدري ... ما هوان من كرامة\rإنَّ للحبِّ وللبغضِ علىلوجه علامة ... والمؤمنُ ينظر بنور الفراسة ، والعارفُ ينظر بنورِ التحقيق ، والموحِّدُ ينظر بالله فلا يستتر عليه شيء . ويقال : بصائرُ الصديقين غيرُ مُغَطَّاة ، قال رسول الله A : « سدوا كل خوخة غير خوخة أبي بكر » .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ } .\rبالابتلاء والامتحان تتبين جواهرُ الرجال ، فيظهر المخلصُ ، ويفتضح الماذقُ ، وينكشف المنافق ، فالذين آمنوا وأخلصوا نجوا وتخلصوا ، والذين كفروا ونافقوا وقعوا في الهوان وأُذِلُّوا ، ووسِموا بالشَقاوة وقُطعوا .","part":7,"page":275},{"id":3276,"text":"{ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ } : بالرياء والإعجاب والملاحظة .\r{ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ } : بالمساكنة إليها . { وَلاَ تُبْطُلواْ أَعْمَالَكُمْ } بطلب الأعواض عليها .\r{ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ } : بتوهمكم أنه يجب بها شيء دون فضل الله .","part":7,"page":276},{"id":3277,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَهُ مَعَكُمْ } .\rأي لا تميلوا إلى الصلح مع الكفار وانتم الأَعلون بالحجة .\rأنتم الأعلون بالنصرة . قوله : { وَاللَّهُ مَعَكُمْ } . أي بالنصرة ويقال : لا تضعفوا بقلوبكم ، وقوموا بالله؛ لأنكم - والله معكم - لا يخفى عليه شيءٌ منكم ، فهو على الدوام يراكم . ومَنْ عَلِمَ انَّ سَيِّدَه يراه يتحمل كلَّ مشتغلاً برؤيته :\r{ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } .\rأي لا ينقصكم أَجْرَ أعمالكم .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا الْحَياَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ } .\rتجنبوا الشِّركَ والمعاصي حتى يَفِيَكُم أجورَكم .\rواللَّهُ لا يسألكم من أموالكم ، إلا اليسير منها وهو مقدار الزكاة .\r{ إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } .\r« الإحفاء » الإلحاح في المسألة . . . وهذا إنما يقوله لمن لم يُوقَ شُحَّ نَفْسه ، فأمَّا الإخوان ومَنْ عََلَتْ رتبتُهم في باب حرية القلب فلا يُسامَحون في استيفاءِ ذَرَّةٍ ، ويُطالَبون ببذل الرُّوح ، والتزام الغرامات .\rقوله جلّ ذكره : { هَآ أَنتُمْ هَؤُلآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } .\rالبخلُ مَنْعُ الواجب ، ووإذا بخل فإنما يبخل عن نفسه لأنه لو لم يفعل ذلك لَحَصَلَ له الثراء - هكذا يظن .\rقوله جلّ ذكره : { وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ } .\r« غنيٌّ » بنفسه على قول ، وغنيٌّ بوصفه على القول الثاني . وغناه كونه لا تتقيد مراداتُه . أمَّا البعدُ فهو فقيرٌ بنفسه؛ لأنه لا يستغني عن مولاه؛ في الابتداء منذ خَلْقه إلى الانتهاء ، وهو في دوام الاوقات مفتقرٌ إلى مولاه .\rوالفقيرُ الصادقُ مَنْ يشهد افتقارَه إلى الله . وصِدْقُ الفقير في شهود فقره إلى الله . ومَنْ افتقر إلى الله استغنى بالله ، ومَنْ افتقر إلى غير الله وقع في الذُّلِّ والهوان .\rويقال : اللَّهُ غنيٌّ عن طاعتِكم ، وأنتم الفقراءُ إلى رحمتِه .\rويقال : اللَّهُ غنيٌّ لا يحتاج إليكم ، وأنتم الفقراءُ لأنكم لا بديلَ لكم عنه .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن تَتَولَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم } .\rيستبدل قوماً غيركم يكونون أشدَّ منكم طاعةً ، وأصدقَ منكم وفاءً؛ فهو قادرٌ على خَلْق أمثالَكم ثم لا يكونون أمثالكم في العصيانِ والإعراضِ وتَرْكِ الشكرِ والوفاءِ . . . بل سيكونون خيراً منكم .","part":7,"page":277},{"id":3278,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّا فِتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } .\rقضينا لك قضاءَ بَيَّناً ، وحكمنا لك َ بتقويةِ دينِ الإسلام ، والنصرةِ على عدوِّك ، وأكرمناكَ بفتح ما انغلق على قلبِ مَنْ هو غيرك - مِنْ قِبْلِك- بتفصيلِ شرائعِ الإسلام ، وغير ذلك من فتوحات قلبه صلوات الله عليه .\rنزلت الآيةُ في فتحِ مكة ، ويقال في فتح الحُديبية .\rويقال : هديناك إل شرائع الإسلام ، وَيَسَّرْنا لك أمورَ الدين .\rقوله جلّ ذكره : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } .\rكلا القسمين - المتقدِّم والمتأخِّر - كان قبلَ النبوة .\rويقال : { مَا تَقَدَّمَ } من ذَنْبِ آدمِ بحُرْمتك ، { وَمَا تَأَخَّرَ } : من ذنوب أُمَّتك .\rوإذا حُمِلَ على تَرْك الأوْلَى فقد غفر له جميع ما فعل من قبيل ذلك ، قبل النبوة وبعدها .\rولمَّا تزلت هذه الآية قالوا : هنيئاً لك! فأنزل الله تعالى : { لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } . . . ويقال . حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقربين .\r{ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } .\rيتم نعمته عليك بالنبوة ، وبوفاء العاقبة ، ويبسط الشريعة ، وبشفاعته لأمته ، وبرؤية الله غداً ، وبإظهار دينه على الأديان ، وبأنه سيد ولد آدم ، وبأنه أقْسَمَ بحياتِهِ ، وخصَّه بالعيان . وبسماعِ كلامه سبحانه ليلةَ المعراج ، وبأن بَعَثَه إلى سائِرِ الأمم . . وغير ذلك من مناقبه .\r{ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } يثبتك على الصراط المستقيم ، ويزيدك هدايةً على هداية ، ويهدي بك الخَلْقَ إلى الحقِّ .\rويقال : يهديك صراطاً مستقيماً بترك حَظِّك .","part":7,"page":278},{"id":3279,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } .\rلا ذُلَّ فيه ، وتكون غالباً لا يَغْلِبُكَ أحَدٌ :\rويقال : ينصرك على هواك ونَفْسِك ، وينصرك بحُسْنِ خُلُقِك ومقاساةِ الأذى من قومك .\rويقال نصراً عزيزاً : مُعِزَّاً لك ولمن آمن بك .\rوهكذا اشتملت هذه الآية على وجوهٍ من الأفضال أكْرَمَ بها نبيَّه - A - وخصَّه بها من الفتح والظَّفَرِ على النَّفْس والعدو ، وتيسير ما انغلق على غيره ، والمغفرة ، وإتمام النعمة والهداية والنصرة . . ولكلٍّ من هذه الأشياء خصائصُ عظيمةٌ .\rقوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤمِنِينَ } السكينةُ ما يسكن إليه القلبُ من البصائر والحُجَج ، فيرتقي القلبُ بوجودِها عن حدِّ الفكرة إلى رَوْحِ اليقين وثَلَج الفؤاد ، فتصير العلومُ ضروريةٌ . . . وهذا للخواصَّ .\rفأمّا عوامُّ المسلمين فالمرادُ منها : السكون والطمأنينة ُواليقين .\rويقال : من أوصافِ القلب في اليقين المعارف والبصائر والسكينة .\rوفي التفاسير : السكينة ريح هفَّافة . وقالوا : لها وجهٌ كوجه الإنسان . وقيل لها جناحان .\r{ لِيَزْدَادُواْ إِيَماناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ } .\rأي يقيناً مع يقينهم وسكوناً مع سكونهم . تطلع أقمارُ عين اليقين على نجوم علم اليقين ، ثم تطلع شمسُ حقِّ اليقين على بَدْرِ عين اليقين .\r{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } .\r{ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } وقيل : هي جميع القلوب الدالَّةِ على وحدانية الله .\rويقال : مُلْكُ السمواتِ والأَرضِ وما به من قوىً تقهر أعداءَ اللَّهِ .\rويقال : هم أنصارُ دينه .\rويقال : ما سلَّطه الحقُّ على شيءٍ فهو من جنوده ، سواء سلَّطَه على ولِّيه في الشدة والرخاء ، أو سلَّطَه على عدوِّه في الراحة والبلاء .","part":7,"page":279},{"id":3280,"text":"يَسْتَرُ ذنوبَهم ويحطها عنهم . . وذلك فوزٌ عظيم ، وهو الظَّفَرُ بالبغية .\rوسُؤْلُ كلِّ أحدٍ ومأمولُه ، ومُبْتغاه ومقصودُه مختلِفٌ . . . وقد وَعَدَ الجميعَ ظَفَراً به","part":7,"page":280},{"id":3281,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ الظَّآنِّينَ باللَّهِ ظَنَّ السُّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ } .\rيعذبهم في الآجل بعذابهم وسوء عقابهم .\rو { ظَنَّ السَّوْءِ } : هو ما كان بغير الإذن؛ ظنوا أَنَّ الله لا ينصر دينَه ونَبيَّه عليه السلام .\r{ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ } : عاقبته تدور عليهم وتحيقُ بهم .\r{ وَلَعَنَهُمْ } : أبعدهم عن فضله ، وحقت فيهم كلمتُه ، وما سبقت لهم- من الله سبحانه - قِسْمِتُه .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } .\r{ أَرْسَلْناكَ شَاهِداً } : على أُمَّتِكَ يوم القيامة . ويقال : شاهداً على الرُّسُلِ والكتب .\rويقال : شاهداً بوحدانيتنا وربوبيتنا . ويقال : شاهداً لأمتك بتوحيدنا . { وَمُبَشِّراً } : لهم مِنَّ بالثواب ، { وَنَذِيراً } للخَلْق؛ زاجِراً ومُحَذِّراً من المعاصي والمخالفات .\rويقال : شاهداًمِنْ قِبَلنا ، ومُبَشِّراً بأمرنا ، ونذيراً من لَدُنَّا ولنا ومِنَّا .\rقوله جلّ ذكره : { لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } .\rقرئ : « ليؤمنوا » بالياء؛ لأن ذكر المؤمنين جرى ، أي ليؤمن المؤمنون بالله ورسوله ويعزروه وينصروه أي الرسول ، ويوقروه : أي : يُعَظِّموا الرسولَ . وتُسَبِّحوه : أي تُسَبِّحوا الله وتنزهوه بكرة وأصيلاً .\rوقرىْ : « لتؤمنوا » - بالتاء - أيها المؤمنون بالله ورسوله وتُعَزروه - على المخاطَبة . وتعزيرُه يكون بإيثاره بكلِّ وجه على نَفْسك ، وتقديمِ حُكْمهِ على حُكمِك . وتوقيرُه يكون باتباع سُنَّتِه ، والعلم بأنه سيِّدُ بَريَّته .","part":7,"page":281},{"id":3282,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَأ يُبَايِعُونَ اللًّهَ } .\rوهذه البيعة هي بيعة الرضوان بالحديبية تحت سَمُرَة .\rوذلك أن رسول الله - A - بعث عثمانَ Bه إلى قريش ليُكلِّمَهم فأرجفوا بقَتْلِه . وأتى عروة بن مسعود إلى النبي - A - وقال :\rجئتَ بأوشاب الناس لتفضَّ بَيْضَتَكَ بيدك ، وقد استعدت قريش لقتالك ، وكانِّي بأصحابك قد انكشفوا عنك إذا مسَّهم حرُّ السلاح! فقال أبو بكر : أتظن أنَّ نسلم رسولَ الله A ؟\rفبايعهم النبيُّ A على ان يُقاتِلوا وألا يهربوا ، فأنزل الله تعالى : { إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } : أي عقْدُك عليهم هو عقد الله .\rقوله جلّ ذكره : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهمْ } .\rأي { يَدُ اللَّهِ } : في المنة عليهم بالتوفيق والهداية : { فَوْقَ أَيْدِيِهمْ } بالوفاء حين بايعوك .\rويقال : قدرة الله وقوته في نصرة دينه ونصرة نبيِّه A فوقَ نَصْرِهم لدين الله ولرسوله .\rوفي هذه الآية تصريحٌ بعين الجمع كما قال : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } [ الأنفال : 17 ] .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَنَ نَّكَثَ فإِِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } .\rأي عذابُ النكثِ عائدٌ عليه .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } .\rأي من قام بما عاهد الله عليه على التمام فسيؤتيه أجراً عظيماً .\rوإذا كان العبد بوصف إلخلاصِه ، ويعامِل اللَّهَ في شيءٍ هو به متحقِّقٌ ، وله بقلبه شاهدٌ فإنَّ الوسائطَ التي تُظْهِرُهاَ أماراتُ التعريفاتِ تجعله محواً في أسرارِه . . . والحكم عندئذ راجعٌ .\rقوله جلّ ذكره : { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسٍنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } .\rلمَّا قَصَدَ رسولُ الله A إلى الحديبية تخلَّفَ قومٌ من الأعراب عنه . قيل : هم أسلم وجهينة وغفار ومزينة واشجع ، وقالوا : { شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا } وليس لنا مَنْ يقوم بشأننا وقالوا : انظروا ماذا يكون؛ فما هم من قريش إلاَّ أكَلَهُ رأسٍ . فلما رجع رسول الله A جاءوه مُعْتَذِرين بأنه لم يكن لهم أحدٌ يقوم بأَمورهم! وقالوا : استغفر لنا .\rفأطلعه الله -سبحانه- على كذبهم ونفاقهم؛ وأنهم لا يقولون ذلك إخلاصاً ، وعندهم سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم .\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَأدَ بِكُمْ نَفْعَا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرَا } .\rفضَحَهم . ويقال : ما شغل العبد عن الله شُؤمٌ عليه .\rويقال : عُذْرُ المماذِقِ وتوبةُ المنافِق كلاهما ليس حقائق .","part":7,"page":282},{"id":3283,"text":"قوله جلّ ذكره : { بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السُّوءِ وَكُنتُمْ قَوْمَاً بُوراً } .\rحسبتم أن لن يرجعَ الرسول والمؤمنون من هذه السفرة إلى اهليهم أبداً ، وزَيَّنتْ لكم الأماني ألا يعودوا ، وأنَّ الله لن ينصرهم . { وَكُنتُمْ قَوْمَا بُوراً } أي هالكين فاسدين .\rويقال : إنَّ العدوَّ إذا لم يقدر أن يكيدَ بيده يتمنَّى ما تتقاصر عنه مُكنتُهُ ، وتلك صفةُ كلِّ عاجز ، ونعتُ كلّ لئيم ، ثم إن الله - سبحانه- يعكس ذلك عليه حتى لا يرتفع مراده { وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] .\rويقال : من العقوبات الشديدة التي يعاقِبُ اللَّهُ بها المُبْطِل أنْ يتصوَّرَ شيئاً يتمنَّاه يوطّن نَفَسْه عليه لفرط جَهْله . ويُلقى الحقُّ في قلبه ذلك التمني حتى تسول له نفسهُ أن ذلك كالكائن . . ثم يعذبه الله بامتناعه .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرينَ سَعِيراً } .\rوما هوآتٍ فقريب . . . وإنَّ الله ليرخي عنانَ الظَّلَمةِ ثم لا يفلتون من عقابه . وكيف - وفي الحقيقة - ما يحصل منهم هو الذي يجريه عليهم؟\rقوله جلّ ذكره : { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } .\rيغفرُ - وليس له شريك يقول له : لا تفعل ، ويعذّب من يشاء - وليس هناك مانعٌ عن فعله يقول له : لا تفعل .\rقوله جلّ ذكره : { سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انَطَلْقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } .\rوذلك أن النبي A والمؤمنين لما رجعوا من الحديبية وعدهم اللَّهُ خيبرَ ، وأنَّ فيها سيظفرُ بأعدائه ، فلمَّا هَمَّ بالخروج أراد هؤلاء المخلفون أن يتبعوه لما علموا في ذلك من الغنيمة ، فقال النبي صلى الله عليه ويسلم : « إنما يخرج معي إلى خيبر من خرج إلى الحديبية والله بذلك حكم ألا يخرجوا معنا » .\rفقال المتخلفون : إنما يقول المؤمنون ذلك حَسداً لنا؛ وليس هذا من قول الله! فأنزل اللَّهُ تعالى ذلك لتكذيبهم ، ولبيان حكمه ألا يستصحبَهم فهم أهل طمع ، وكانت عاقبتُهم أنهم لم يجدوا مرادَهم ورُدُّوا بالمذلة وافتضح أمرهم .","part":7,"page":283},{"id":3284,"text":"جاء في التفاسير انهم أهلُ اليمامة أصحاب مسيلمة - وقد دعاهم أبو بكر وحاربهم ، فالآية تدل على إمامته . . . وقيل هم أهل فارس - دعاهم عمر بن الخطاب وحاربهم؛ فالآيةُ تدل عل صحة إمامته . وصحة إمامته تدل على صحة إمامة أبي بكر . { أُوْلِى بَأسٍ شَدِيدٍ } أولى شدَّة . فإنْ أطعتُم استوجبتم الثواب ، وإن تخلَّفْتم استحقَقْتُم العقاب . ودلت الآيةُ على أن يجوز ان تكون للعبد بدايةٌ غيرُ مُرضية ثم يتغير بعدها إلى الصلاح - كما كان لهؤلاء وأنشدوا :\rإذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه ... فَرِّج له عَوْدَ الصلاح . . لعلَّه\rقوله جلّ ذكره : { لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرجٌ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِها الأَنْهّارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً } .\rوهؤلاء اصحاب الأعذار . . . رفع عنهم الحَرَج في تخلفهم عن الوقعة في قتال المشركين .\rوكذلك مَنْ كان لهُ عذرٌ في المجاهدة مع النفس . « فإنَّ الله يحُبُّ أن تؤتى رُخصَهُ كما يحب أن تؤتى عزائمه »","part":7,"page":284},{"id":3285,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنينَ إِذْ يُبَايِعُونكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } .\rهذا بيعة الرضوان ، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية ، وسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى : { لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عِنِ . . . الْمُؤْمِنِينَ } .\rوكانوا ألفاً وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة . وكانوا قصدوا دخولَ مكة ، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادِّين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم يكن خارجاً لحرب ، فقصده المشركون ، ثم صالحوه على أن ينصرفَ هذا العام ، ويقيم بها ثلاثاً ثم يخرج ، ( وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا ) وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين ، فبشر بذلك أصحابه ، فلما صدهم المشركون خامر قلوبَهم ، وعادت إلى قلوب بعضهم تهمةٌ حتى قال الصَّدِّيقُ : لم يَقُلْ العام! فسكنت قلوبهم بنزول الآية؛ لأن الله سبحانه علم في قلوبهم من الاضطراب والتشكك . فأنزل السكينة في قلوبهم . وثبَّتهم باليقين . { وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } هو فتحُ خيبر بعد مدة يسيرة ، وما حصلوا عليه من مغانم كثيرةٍ من خيبر . وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة .\rوفي الآية دليلٌ على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطرُ مُشكِّكة ، وفي الرَّيب موقعة ولكن لا عبرة بها؛ فإنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً لازم التوحيدُ قلبَه ، وقارن التحقيق سِرَّه فلا يضرُّه كيدُ الشيطان ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّن الشَّيَطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف : 201 ] .\r{ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } ويدخل في ذلك جميعُ ما يغنمه المسلمون إلى القيامة فعجَّل لكم هذه - يعني خيبر ، وقيل : الحديبية .\r{ وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ } لما خرجوا من المدينة حرسهم اللَّهُ ، وحفظ عيالهم ، وحمى بَيْضَتهم حين هبَّ اليهود في المدينة بعد خروج المسلمين ، فمنعهم اللَّهُ عنهم . أويقال : كفَّ أيدي الناس من أهل الحديبية .\r{ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } .\rلتكون هذه آيةٌ للمؤمنون وعلامةٌ يَسْتدلُّون بها على حراسة الله لهم .\r{ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } : في التوكل على الله والثقة به .\rويقال : كفُّ أيدي الناس عن العبد هو أنْ يَرْزُقَه من حيث لا يحتسب ، لئلا يحتاجَ إلى أن يتكفَّفَ الناس .\rويقال : أنْ يَرْفَعَ عنه أيدي الظَّلَمة .\rويقال : ألا تحمله المطالبةُ بسبب كثرة العيال ونفقتهم الكبيرة على الخطر بدينه؛ فيأخذ من الأشياء - برخصة التأويل - ما ليس بطيِّبٍ .","part":7,"page":285},{"id":3286,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً } .\rقيل : فتح الروم وفارس . وقيل : فتح مكة .\rوكان الله على كل شيءٍ قديراً : فلا تُعلِّقوا بغيره قلوبكم .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } .\rيعني : خيبر وأسد وغطفان وغيرهم- لو قاتلوكم لانهزموا ، ولا يجدون من دون الله ناصراً .\rقوله جلّ ذكره : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } .\rأي سُنَّةُ اللَّهِ خذلانُهم ولن تَجد لسنة الله تحويلاً .\rقوله جلّ ذكره : { وهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وََأيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } .\rقيل إن سبعين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله A من جبل التنعيم متسلحين يريدون قتله ( فأخذناهم سِلْماً فاستحييناهم ) فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ في شآنهم .\rوقيل أخذ اثنى عشر رجلاً من المشركين - بلا عَهْدٍ - فَمنَّ عليهم الرسولُ A وقيل : هم أهل الحديبية كانوا قد خرجوا لمنع المسلمين ، وحصل ترامي الأحجار بينهم؛ فاضطرهم المسلمون إلى بيوتهم ، فأنزل اللَّهُ هذه الآية يمن عليهم حيث كف أيدي بعضهم عن بعض عن قدرة المسلمين ، لا من عجزٍ؛ فأما الكفار فكفُّوا أيديهم رُعْباً وخوفاً؛ وأمَّا المسلمون فَنَهياً مِنْ قِبَلِ الله ، لما في أصلابهم من المؤمنين_ أراد الله أن يخرجوا ، أو لِمَا عَلِمَ أن قوماً منهم يؤمنون .\rوالإشارة فيه : أن من الغنيمة الباردة والنعم السنية أن يَسْلَم الناسُ منك ، وتسلم منهم . وإن الله يفعل بأولياءه ذلك ، فلا من أَحد عليهم حَيف ، ولا منهم على أحد حيفٌ ولا حسابٌ ولا مطالبة ولا صلحٌ ولا معاتبة ، ولا صداقة ولا عداوة . وكذا من كان بالحق - وأنشدوا :\rفلم لي يبْقَ وقتٌ لِذكرِ مُخَالِفٍ ... ولم يبق لي قلبٌ لذكر موافق","part":7,"page":286},{"id":3287,"text":"قوله جلّ ذكره : { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَالهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } .\r{ كَفَرُواْ } وحجدوا ، { وَصَدُّكُمْ } ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية .\r{ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً } : أي منعوا الهَدْيَ أن يبلغَ مَنحرَه ، فمعكوفاً حالٌ من الهدي أي محبوساً .\rوكان النبي A قد ساق تلك السَّنَة سبعين بَدَنَةٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لّيُدخِلَ اللّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ } .\rلو تسلطتم عليهم لأصابتهم معرة ومضرَّة منكم بغير علم لَسَّلْطناكم عليهم ولأظفرناكم بهم . وفي هذا تعريفٌ للعبد بأن أموراً قد تنغلق وتَتَعَسّر فيضيق قلب الإنسان . . ولله في ذلك سِرُّ ، ولا يعدم ما يجري من الأمر أن يكون خيراً للعبد وهو لا يدري . . . كما قالوا :\rكم مرة حفَّت بك المكاره ... خير لك اللَّهُ . . . وأنت كاره\rقوله جلّ ذكره : { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمْيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِليَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أحقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً } .\rيعني الأنفة؛ أي دَفَعْتهم أنفةُ الجاهليه أن يمنعوكم عن المسجد الحرام سَنَةَ الحديبية ، فأنزل اللَّهُ سكينته في قلوب المؤمنين حيث لم يقابلوهم بالخلاف والمحاربة ، ووقفوا واستقبلوا الأمر بالحِلْم .\r{ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } وهي كلمة ُ التوحيد تَصْدُرُ عن قلبِ صادق : فكلمةُ التقوى يكون معها الاتقاءُ من الشَّرْك .\r{ وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا } حسب سابق حُكْمِه وقديم علمه . . . { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً } .\rويقال : الإلزامُ في الآية هو إلزامُ إكرامٍ ولطف ، لا الإلزام إكراهٍ وعُنْفٍ؛ وإلزامُ برِّ لا إلزام جبر . . .\rوكم باسطين إلى وَصْلنا ... أكفهمو . . لم ينالوا نصيبا!\rويقال كلمة التقوى : التواصي بينهم بحفظ حق الله .\rويقال : هي أن تكون لك حاجةٌ فتسأل الله ولا تُبديها للناس .\rويقال : هي سؤالك من الله أن يحرُسَك من المطامع .","part":7,"page":287},{"id":3288,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ لَتَدُخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } .\rأي صدقه في رؤياه ولم يكذبه؛ صدقه فيما أره من دخول مكة { ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } كذلك أراه لما خرج إلى الحديبية وأَخبر أصحابه . فوطَّن أصحابه نفوسهم على دخول مكة في تلك السنة . فلمَّا كان من امر الحديبية عاد إلى قلوب بعض المسلمين شيء ، حتى قيل لهم لم يكن في الرؤيا دخولهم في هذا العام ، ثم أَذن الله في العام القابل ، فأنزل الله : { لَّقَدَ صََدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ } فكان ذلك تحقيقاً لما أراه ، فرؤياه صلوات الله حق؛لأن رؤيا الأنبياء حق .\rوكان في ذلك نوعُ امتحانٍ لهم : { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } أنتم من الحكمة في التأخير .\rوقوله : { إِن شَآءَ اللَّهُ } معناه إذا شاء الله كقوله : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .\rوقيل قالها على جهة تنبيههم إلى التأدُّب بتقديم المشيئة في خطابهم .\rوقيل يرجع تقديم المشيئة إلى : إن شاء الله آمنين أو غير آمنين .\rوقيل : يرجع تقديم المشيئة إلى دخول كلِّهم أو دخول بعضهم؛ فإنْ الدخول كان بعد سنة ، ومات منهم قومٌ .\rقوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً } .\rأرسل رسولَه محمداً A بالدين الحنفي ، وشريعة الإسلام ليظهره على كل ما هو دين؛ فما من دينٍ لقوم إلا ومنه في أيدي المسلمين سِرُّ؛ وللإسلام العزة والغلبة عليه بالحجج والآيات . وقيل : ليظهره وقت نزول عيسى عليه السلام .\rوقيل : في القيامة حيث يظهر الإسلامُ على كل الأديان .\rوقيل : ليظهره على الدين كله بالحجة والدليل .","part":7,"page":288},{"id":3289,"text":"قوله جلّ ذكره : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } .\r{ أَشِدَّآءُ } جمع شديد ، أي فيهم صلابةٌ مع الكفار .\r{ رُحَمَآءُ } جمع رحيم ، وصَفَهَم بالرحمة والتوادِّ فيما بينهم .\r{ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً } .\rتراهم راكعين ساجدين يطلبون من الله الفضل والرضوان .\r{ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } .\rأي علامة التخشع التي على الصالحين .\rويقال : هي في القيامة يوم تَبْيَضُّ وجوهٌ ، وأنهم يكونون غداً محجلين .\rوقد قال A : « من كثرت صلاته بالليل حَسُنَ وجههُ بالنهار »\rويقال في التفسير : « معه » أبو بكر ، و { أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ } عمر؛ و { رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } عثمان ، و { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } عليُّ Bهم .\rوقيل : الآيةُ عامةٌ في المؤمنين .\r{ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَطَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } .\rهذا مثلهم في التوراة ، وأما مثلهم في الإنجيل فكزرع أخرج شطأه أي : فراخه .\rيقال : أشطأ الزرعُ إذا أخرج صغاره على جوانبه . { فَئَازَرَهُ } أي عاونه .\r{ فَاسْتَغْلَظَ } أي غلظُ واستوى على سوقه؛ وآزرت الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض . يعجب هذا الزرعُ الزرَّاع ليغيظ بالمسلمين الكفار؛ شَبَّهَ النبي ( A ) بالزرع حين تخرج طاقة واحدة ينبت حولها فتشتد ، كذلك كان وحده في تقوية دينه بمن حوله من المسلمين .\rفمَنْ حمل الآية على الصحابة : فمن أبغضهم دخل في الكفر ، لأنه قال : { لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } أي بأصحابه الكفارَ . ومَنْ حمله على لمسلمين ففيه حُجَّة على الإجماع ، لأنَّ من خالف الإجماع - فالله يغايظ به الكفارَ- فمخالفُ الإجماع كافرٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرةً وَأَجْراً عَظِيماً } وَعد المؤمنين والمؤمنات مغفرة للذنوب ، وأجراً عظيماً في الجنه فقوله : « منهم » للجنس أو للذين ختم لهم منهم بالإيمان .","part":7,"page":289},{"id":3290,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إن الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .\r{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ } : شهادةٌ للمنادَى بالشَّرف .\r{ لاَ تُقَدِّمُواْ } أَمْرٌ بتحمُّل الكُلَف . قدَّمَ الإكرام بالشرف على الإلزام بالكُلَف أي لا تقدموا بحكمكم { بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } : أي لاتقضوا أمراً من دون الله ورسوله أي لا تعملوا من ذات أنفسِكم شيئاً .\rويقال : فقوا حيثما وُقِفْتم ، وافعلوا ما به أُمِرْتُم ، وكنوا أصحابَ الاقتداءِ والاتّباع . . لا أربابَ الابتداءِ والابتداع .\rقوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِى وَلاَ تَجْهَرواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } .\rأَمرَهم بحفضِ حرمته ومراعاةِ الأدب في خدمته وصحبته ، وأَلاَّ ينظروا إليه بالعين التي ينظرون بها إلى أمثالهم . وأنه إذا كان بخُلُقهِ يُلاينُهم فينبغي ألا يتبسَّطوا معه مجاسرين ، ولا يكونوا مع ما يعاشرهم به مِنْ تَخَلُّقِه عن حدودِهم زائدين .\rويقال : لا تبدأوه بحديثٍ حتى يُفَاتِحَكم .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفَرةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } .\rهم الذين تقع السكينةُ عليهم من هيبة حضرته ، أولئك هم الذين امتحن اللَّهُ قلوبَهم للتقوى بانتزاع حُبِّ الشهوات منها ، فاتقوا سوءَ الأخلاقِ ، وراعوا الأدبَ .\rويقال : هم الذين انسلخوا من عادات البشرية .","part":7,"page":290},{"id":3291,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَاُدُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rأي لو عرفوا قَدْرَكَ لَمَا تركوا حُرْمَتَك ، والتزموا هَيبَتَك .\rولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا ، ولم يوقظوك وقت القيلولة بمناداتهم لكان خيراً لهم .\rأمَّا أصحابه - صلواتُ الله عليه وسلامه - الذين يعرفون قدْره فإنَّ احدهم - كما في الخبر : « كانه يَقْرَعُ بابَه بالأظافر »\rقوله جلّ ذكره : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوآ أَن تُصِيبواْ قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } .\rدلَّت الآية على تَرْكِ السكون إلى خَبَرِ الفاسق إلى أن يظهر صِدْقُه .\rوفي الآية إشارة إلى تَركِ الاستماعِ إلى كلام الساعي والنَّمامِ والمغتابِ للناس .\rوالآيةُ تَدُلُّ على قبول خبرِ والواحدِ إذا كان عَدْلاً .\rوالفاسقُ هو الخارجُ عن الطاعة . ويقال هو الخارج عن حدِّ المروءة .\rويقال : هو الذي ألقى جِلبابَ الحياء .\rقوله جلّ ذكره : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهُ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُؤلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } .\rأي لو وافقكم محمدٌ رسولُ اللَّهِ A في كثير مما تطلبون من لوقعتم في العَنَتِ- وهو الفساد . ولو قَبِلَ قولَ واحدٍ ( قَبْلَ وضوحِ الأمر ) لأَصابتكم من ذلك شدة .\rوالرسول صلوات الله عليه لا يطيعكم في أكثر الأمور إذا لم يَرَ في ذلك مصلحة لكم وللدين .\r{ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ } : الإسلام والطاعة والتوحد ، وزيَّنَها في قلوبكم .\r{ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } : هذا من تلوين الخطاب .\rوفي الآية دليلٌ على صحة قول أهل الحقِّ في القَدَر ، وتخصيص المؤمنين بألطافٍ لا يشترك فيها الكفارُ . ولولا أنَّه يوفِّر الدواعي للطاعات لَحَصَلَ التفريط والتقصير في العبادات .\r{ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً } : أي فَعَلَ هذا بكم فضلاَ منه ورحمةً { وَاللَّهُ عَليمٌ حَكِيمٌ } .","part":7,"page":291},{"id":3292,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِِن فَآءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهِ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ } .\rتدل الآية على أن المؤمن بفسقه - والفسق دون الكفر- لا يخرج عن الإيمان لأن إحدى الطائفتين - لا محالة - فاسقة إذا اقتتلا .\rوتدل الآية على وجوب نصرة المظلوم؛ حيث قال : { فَإِِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى } .\rالإشارة فيه : أن النفس إذا ظَلَمتْ القلب بدعائه إلى شهواتها ، واشتغالها في فسادها فيجب أن يقاتلها حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة ، فإن استجابت إلى الطاعة يُعْفَى عنها لأنها هي المطيَّةُ إلى باب الله .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } إيقاعُ الصلح بين المتخاصمين مِنْ أوْكَد عزائم الدِّين .\rوإذا كان ذلك واجباً فإنه يدل على عِظَمِ وِزْرِ الواشي والنَّمام؛ والمصْدَرِ في إفساد ذات البَيْن .\r( ويقال إنما يتم ذلك بتسوية القلب مع الله فإن الله إذا علم صِدْق هِمةِ عبدٍ في إصلاح ذات البيْن ) فإنه يرفع عنهم تلك العصبيَّة .\rفأما شرط الأخوة : فمِنْ حقِّ الأُخُوةِ في الدِّين إلا تُحُوِجَ أخاك إلى الاستعانة بك أو التماس النصرة عنك ، وألا تُقصِّر في تَفَقُّدِ أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مساءلتك .\rومن حقِّه ألا تُلْجِئَه إلى الاعتذار لك بل تبسط عُذْرَه؛ فإنْ أُشْكِل عليكَ وَجْهُه عُدْت باللائمة على نفسك في خفاء عُذْرِه عليك ومن حقه أنْ تتوبَ عنه إذا أذْنَبَ ، وتَعودَه إذا مرض . وإذا أشار عليك بشيءٍ فلا تُطَالِبْه بالدليل عليه وإبراز الحُجَّة - كما قالوا :\rإذا اسْتَنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دعاهم ... لأيَّةِ حَرْبٍ أم لأي مكان\rومِنْ حقِّه أَنْ تَحفَظَ عَهْدَه القديم ، وأَنْ تُراعِيَ حقَّه في أهله المتصلين به في المشهد المغيب ، وفي حال الحياة وبعد الممات - كما قيل :\rوخليل إن لم يكن ... منصفاً كُنْتَ منصفا\rتتحسَّى له الأمَرَّ ... يْن وكُنْ ملاطفا\rإنْ يَقُل لكَ استوِ احترفْ ... ت رضًى لا تكلُّفا","part":7,"page":292},{"id":3293,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِنْ نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .\rنهى اللَّهُ - سبحانه تعالى- عن ازدارءِ الناس ، وعن الغَيْبَةِ ، وعن الاستهانةِ بالحقوق ، وعن تَرْكِ الاحترام .\r{ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ } : أي لا يَعِيبَنَّ بعضُكم بعضاً ، كقوله : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 29 ] .\rويقال : ما استصغر أحدٌ أحداً إلا سُلِّطَ عليه . ولا ينبغي أن يُعْتَبَر بظاهر أحوال الناس فإنَّ في الزوايا خبايا . والحقُّ يستر أولياءَه في حجابِ الضّعَة؛ وقد جاء في الخبر :\r« رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّه »\rقوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } .\rالنَّفْسُ لا تَصْدُقُ ، والقلبُ لا يَكْذِبُ . والتمييز بين النفس والقلب مُشْكِلٌ ومَنْ بَقِيَتْ عليه من حظوظه بقيَّةٌ - وإنْ قَلَّتْ - فليس له أن يَدعَّى بيانَ القلب بل هو بنفسه ما دام عليه شيءٌ من نَفْسِه ، ويجب أن يَتَّهِمَ نَفْسَهُ في كل ما يقع له من نقصان غيره . . هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب Bه قال وهو يخطب . « كلُّ الناس أفقهُ من عمر . . . أمرأةٌ أفقهُ من عمر » .\r{ وَلاَ تَجَسَّسُواْ } والعارف لا يتفرغ من شهود الحقِّ إلى شهود الخَلْق . . فكيف يتفرغ إلى تجَسُّسِ أحوالهم؟ وهو لا يتفرغ إلى نَفْسِه فكيف إلى غيره؟ { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُمْ بَعْضاً } : لا تحصل الغيبة للخَلق إلاَّ من الغيبةِ عن الحقِّ .\r{ أَيَحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } جاء في التفسير أن المقصود بذلك الغيبة ، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية . وأَخَسُّ الكفّار وأَقَلُّهم قَدْراً مَنْ يأَكل الميتةَ . . وعزيزٌ رؤيةُ مَنْ لا يغتاب أحداً بين يديك .","part":7,"page":293},{"id":3294,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكّرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } .\rإنَّا خلقناكم أجمعكم من آدمَ وحواء ، ثم جعناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا لا لتُكَاثروا ولا لتنافسوا . فإذا كانت الأصولُ تربةً ونطفةً وعَلَقَةً . . فالتفاخر بماذا؟ أبا لحمأ المسنون؟ أم بالنطفة في قرار مكين؟ أم بما ينطوي عليه ظاهرك مما تعرفه؟! وقد قيل :\rإِنَّ آثارَنا تَدُل علينا ... فانْظُروا بَعْدَنا إلى الآثارِ\rأم بأفعالك التي هي بالرياء مَشُوبة؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة؟ أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة؟\r{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِند اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } ؟ أتقاكم أي أَبْعَدكم عن نَفْسِه ، فالتقوى هي التحرُّر من النفس وأطماعها وحظوظها . فأكرمُ العبادِ عند اللَّهِ مَنْ كان أَبْعد عن نَفْسِه وأَقرَبَ إلى الله تعالى .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنَ قُولُواْ أَسْلَمْنَا } .\rالإيمانُ هو حياة القلب ، والقلب لا يحيا إلا بعد ذَبْح النَّفس ، والنفوسُ لا تموت ولكنها تغيب ، ومع حضورها لا يَتمُّ خيرٌ ، والاستسلامُ في الظاهر إسلام . وليس كلُّ مَنْ استسلَمَ ظاهراً مخلصٌ في سِرِّه .\r{ وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ } .\rفي هذا دليلٌ على أن محلَّ الإيمانِ القلبُ . كما أنه في وصف المنافقين قال تعالى : { فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } [ البقرة : 10 ] ومَرَضُ القلبِ والإيمانُ ضدان .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُؤْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } .\rجَعَلَ اللَّهُ الإيمانَ مشروطاً بخصالٍ ذَكَرَها ، ونَصَّ عليها بلفظ { إِنَّمَا } وهي للتحقيق الذي يقتضي طَرْدَ العِكْسِ؛ فمَنْ خَرَج عن هذه الشرائط التي جَعَلَها للإِيمان فمردودٌ عليه قَوْلُه .\rوالإيمانُ يوجِبُ للعبد الأَمان ، فما لم يكن الإيمان موجِباً للأَمانِ فصاحبُه بغيره أَوْلَى .","part":7,"page":294},{"id":3295,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَاللّهُ بِكُلْ شَىْءٍ علٍيمٌ } .\rتدل الآية على أَنَ الوقوف في المسائل الدينية يُعْتَبرُ واجباً؛ فالأسامي منه تَؤْخَذ ، والأحكامُ منه تُطْلَب ، وأوامره مُتَّبعة .\rقوله جلّ ذكره : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَى إِسْلاَمَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .\rمَنْ لاحظ شيئاً من أعماله وأحواله فإنْ رآها مِنْ نَفْسه كان شِرْكاً ، وإنْ رآها لنفسه كان مكراً فكيف يمن العبد بما هو شِرْكٌ أو بما هو مكر؟!\rوالذي يجب عليه قبول المِنَّة . . كيف يرى لنفسه على غيره مِنَّة؟! هذا لعمري فضيحةّ! بل المِنَّةُ لله؛ فهو وليُّ النعمة . ولا تكون المةُ منةً إلا إذا كان العبدُ صادقاً في حله ، فأمَّا إذا كان معلولاً في صفة من صفاته فهي محنةٌ لصاحبها لا مِنَّة .\rوالمِنَّةُ نُكَدَّرُ الصنيعَ إذا كانت من المخلوقين ، ولكن بالمِنَّةِ تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ } .\rومَنْ وُقِف ها هنا تكدَّرَ عليه عِيْشُه؛ إذ ليس يدري ما غيبه فيه ، وفي معنى هذا قول القائل :\rأبكي . . . وهل تدرين ما يبكيني؟ ... أبكي حذاراً أن تفارقيني ... وتقطعي وَصْلي وتهجريني ...","part":7,"page":295},{"id":3296,"text":"قوله جلّ ذكره : { ق وَالقُرْءَانِ المَجِيدِ } .\rق مقتاح أسمائه : « قوي وقادر وقدير وقريب » . . . أقسم بهذه الأسماءِ وبالقرآن المجيد .\rوجوابُ القسَم محذوف ومعناه لَتُبْعَثُنَّ في القيامة .\rويقال جوابه : { قَدْ عِلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مْنْهُمْ وَعِندَنَا كتابٌ حَفِيُظ } أي لقد علينا . . وحفت اللام لمَّا تطاول الخطاب .\rويقال : جوابه قوله : { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ } .\rقوله جلّ ذكره : { بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ } .\r{ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ } : هو محمد A .\rوالتعجُّبُ نوعٌ من تعبير النَّفْسِ عن استبعادها لأمرٍ خارج العادة لم يقع به عِلْمٌ من قَبْل . وقد مضى القولُ في إنكارهم للبعث واستبعادهم ذلك :\r{ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } .\rأي يَبْعُدُ عندنا أَنْ نُبْعثَ بعد ما مَتْنا . فقال جل ذكره :\r{ قَدْ عَلِمْنا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظُ } .\rفي هذا تسليةٌ للعبد فإنه إذا وُسِّدَ التراب ، وانصرف عنه الأصحاب ، واضطرب لوفاته الأحباب . فَمَنْ يَتَفَقَّدُه ومَنْ يَتَعَهَّدُه . . . وهو في شفيرقبره ، وليس لهم منه شيءُ سوى ذكرِه ، ولا أحدَ منهم يدري ما الذي يقاسيه المسكين في حُفْرته؟ فيقول الحقُّ - سبحانه : { قَدْ عَلِمْنَا } ولعلَّه يخبر الملائكة قائلاً : عَبدي الذي أخْرَجته من دنياه - ماذا بقي بينه مَنْ يهواه هذه أجزاؤه قد تَفرَّقَتْ ، وهذه عِظامُه بَلِيَتْ ، وهذه أعضاؤه قد تَفَتَّتَتْ!\r{ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظُ } : وهو اللَّوحُ المحفوظ؛ أَثْبَتنا فيه تفصيل أحوالِ الخَلْقِ من غير نسيانٍ ، وبيَّنَّا فيه كلَّ ما يحتاج العبدُ إلى تَذكُّره .","part":7,"page":296},{"id":3297,"text":"قوله جلّ ذكره : { بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِى أَمرٍ مَّرِيجٍ } .\r{ مَّريجٍ } أي مختلط ومُلتبس؛ فهم يتردَّدون في ظُلُمات تحيُّرهم ، ويضطربون في شكَّهم .\rوقوله جلّ ذكره : { أَفَلَمْ يَنُظُرُواْ إلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } .\rأَوَلَمْ يعتبروا؟ أَوَ لَمْ يَسْتَدِلُّوا بما رفعنا فوقهم من السماء ، رفعنا سَمْكها فَسَوَّيْناها ، وأثبتنا فيها الكواكبَ وبها زَيَّناها ، وأَدَرْنا فيها شَمْسَها وقمرَها؟ أو لم يروا كيف جَنَّسْناعَيْنَها ونَّوعْنا أَثَرَها؟\r{ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَ رَوَاسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } .\rوالأرض مددناها؛ فجعناها لهم مِهاداً ، وجَعَلْنا لها الجبالَ أوتاداً ، وأَنْبَتْنا فيها أشجاراً وأزهاراً وأنواراً . . . كل ذلك :\r{ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } .\rعلامةً ودلالةً لكل من أناب إلينا ، ورجع من شهودِ أفعالنا إلى رؤية صفاتنا ، ومن شهود صفاتنا إلى شهودِ حقِّنا وذاتنا .\rقوله جلّ ذكره : { وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } .\rأنزلنا من السماء ماءً مباركاً كثيرَ النفعِ والزيادة ، فأنبتنا به { جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } :\rأي الذي يُحْصَد - كما تقول مسجد الجامع .\rالأجزاء متجانسة . . ولكنَّ أوصافَها في الطعوم والروائحِ والألوانِ والهيئاتِ والمقادير مختلفة .\rقوله جلّ ذكره : { وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } .\rوالنخلُ باسقاتٌ : طويلاتٌ ، لها طَلْعٌ منضود بعضُه فوق بعض لكثرة الطَّلْع أو لما فيها مِن الثمار . وكيف جعلنا بعض الثمار متفرقة كالتفاح والكمثرى وغيرهما ، وكيف جعلنا بعضها مجتمعة كالعنب والرطب وغيرهما . . كلًَّ ذلك جعلناه رزقاً للعباد ولكي ينتفعوا به .\r{ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } .\rوكما سقنا هذا الماء إلى بلدةٍ جفَّ نباتُها ، وكما فَعلْنا كُلَّ هذه الأشياء ونحن قادرون على ذلك - كذلك نجمعكم في الحشر والنشر ، فليس بَعْثُكُم بأبعدَ من هذا .","part":7,"page":297},{"id":3298,"text":"قوله جلّ ذكره : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ } .\rإنا لم نَعْجزْ عن هؤلاء- الذين ذكر أسماءَهم- وفيه تهديدٌ لهم وتسلةٌ للرسول .\r{ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُم فِى لَبْسِ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } .\rأي إنَا لم نعجز عن الخَلْق الأول . . فكيف نعجز عن الخلق الثاني- وهو الإعادة؟ لم يعتص علينا فعلُ شيءٍ ، ولم نتعب من شيء . . فكيف يشق علينا أمر البعث؟ أي ليس كذلك .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } .\rنعلم ما توسوس به نَفْسُه من شهواتٍ تطلب استنفاذها ، مثل التصنُّع مع الخَلْق ، وسوءِ الخُلُق ، والحقد . . وغير ذلك من آفات النَّفْس التي تُشَوِّش على القلب والوقت .\r{ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } فَحَبْلُ الوريد أقربُ أجزاءِ نَفْسِه إلى نَفْسِه ، والمرادُ من ذلك العلم والقدرة ، وأنه يسمع قولهم ، ولا يشكل عليه شيءٌ من امرهم .\rوفي هذه الآية هَيْبَةٌ وفَزَعٌ وخوفٌ لقومٍ ، ورَوْحٌ وسكونٌ وأُنْسُ قلبٍ لقومٍ .\rقوله جلّ ذكره : { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } .\rخوَّفَهم بشهود الملائكة وحضور الحَفَظَة ، وبكتابتهم عليهم أعمالَهم ، فهما قَعيدا كلِّ احدٍ : ويقال : إذا كان العبدُ قاعداً فواحدٌ عند رأسِه وواحد عند قَدَمِه ، وإذا كان ماشياً فواحدٌ قائم بين يديه وآخرُ خَلْقَه .\rويقال : هما اثنان بالليل لكلِّ واحدٍ ، واثنان بالنهار .\rويقال : بل الذي يكتب الخيراتِ اليومَ يكون غيره غداً ، وأمَّا الذي يكتب الشر والمعصية بالأمس فإنه يكون كاتباً للطاعة غداً حتى يشهد طاعتك .\rويقال : بل الذي يكتب المعصية اثنان؛ كل يوم اثنان آخران وكل ليلةٍ اثنان آخران لئلا يُعْلَمَ من مساويك إلا القليل منها ، ويكون عِلْمُ المعاصي متفرقاً بهم .","part":7,"page":298},{"id":3299,"text":"إذا أشرفت النَّفْسُ على الخروج من الدنيا فأحوالُهم مختلفة؛ فمنهم مَنْ يزداد في ذلك الوقت خوفُه ولا يَتَبيَّنُ إلا عند ذهابِ الروح حالَه . ومنهم مَنْ يُكاشَفُ قبلَ خروجه فَيسكن رَوْعُه ، ويُحْفَظُ عليه عَقْلُه ، ويتم له حضورُه وتمييزُه ، فيُسْلِمَ الرُّوحَ على مَهَلٍ مِنْ غير استكراهٍ ولا عبوس . . . ومنهم ، ومنهم . . . وفي معناه يقول بعضهم :\rأنا إنْ مِتُّ- والهوى حشو قلبي- ... فبِداءِ الهوى يموت الكرامُ","part":7,"page":299},{"id":3300,"text":"ثم قال جلّ ذكره : { وَنُفِخَ فِى الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } .\rسائقٌ يسوقها إمّا إلى الجنة أو إلى النار ، وشهيدٌ يشهد عليها بما فعلت من الخير والشرِّ .\rويقال له : { لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حِدِيدٌ } .\rالمؤمنون - اليومَ بَصَرُهم حديد؛ يُبصرون رُشْدَهم ويحذرون شرَّهم .\rوالكافر يقال له غداً : { فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } أي : ها أنت عَلِمْتَ ما كنتَ فيه من التكذيب؛ فاليومَ لا يُسْمَعُ منكَ خطابٌ ، ولا يُرْفَعُ عنكَ عذابٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } .\rلا يَخْفَى من أحوالهم شيءٌ إلى ذُكِرَ ، إنْ كان خيراً يُجَازون عليه ، وإن كان غير خيرٍ يُحَاسَبونَ عليه : إِمَّا برحمةٍ منه فيغفر لهم وينجون ، وإمَّا على مقدار جُرْمِهم يُعَذَّبون .\r{ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ } .\rمنَّاعٍ للزكاة المفروضة .\rويقال : يمنع فَضْلَ مائِه وفَضْلَ كَلَئِه عن المسلمين .\rويقال : يمنع الناسَ من الخيرِ والإحسان ، ويسيءُ القول فيهما حتى يُزَهّدُ الناسَ فيهما .\rويقال : المناعُ للخير هو المِعْوانُ على الشَّرِّ .\rويقال : هو الذي قيل فيه : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [ الماعون : 7 ] .\r{ مُرِيبٍ } : أي يُشَكِّكُ الناسَ في أمره لأنه غير مخلص ، ويُلَبِّسُ على الناس حالَه لأنه منافق .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِى ضَلاَلٍ بَعَيدٍ } .\rيقول المَلَكُ من الحَفظَةِ المُوَكَّلُ له : ما أَعْجَلْتُه على الزَّلَّة .\rوإنمنا كَتَبْتُها بعدما فَعَلَها- وذلك حين يقول الكافر : لم أفعلْ هذا ، وإنما أعجلني بالكتابة عليّ ، فيقول المَلكُ : ربَّنا ما أعجلته .\rويقال : هو الشيطانُ المقرونُ به ، وحين يلتقيان في جهنم يقول الشيطانُ : ما أكرهته على كفره ، ولكنه فعل - باختياره - ما وسوسْتُ به إليه .","part":7,"page":300},{"id":3301,"text":"فيقول جلّ ذكره : { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } .\rلا تختصموا لديَّ اليومَ وقد أَمَرْتُكم بالرُّشْدِ ونَهَيْتُكم عن الغَيّ .\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مَن مَّزِيدٍ } .\r{ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ } { وَتَقُولًُ } : القولُ هنا على التوسُّع؛ لأنه لو كانت جهنم ممن يجيب لقالت ذلك بل يُحْييها حتى تقولَ ذلك .\r{ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } : على جهة التغليظ ، والاستزداة من الكفار .\rويقال : بل تقول : { هَلْ مِن مَّزِيدٍ } : أي ليس فيَّ زيادة كقوله عليه السلام لمَّا قيل له :\rيومَ فتح مكة : هل ترجع إلى دارك؟ فقال : « وهل ترك لنا عقيل داراً »؟! أي لم يترك ، فإن الله - تعالى- يملأ جهنمَ من الكفارِ والعصاةِ ، فإذا ما أُخرِجَ العصاةُ من المؤمنين ازدادَ غيظُ الكفارِ حتى تمتلىء بهم جهنم .\rقوله جلّ ذكره : { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } .\rيقال : أنَّ الجنَّةَ تُقَرَّبُ من المتقين ، كما أَنَّ النّار تُجَرُّ بالسلاسل إلى المحشر نحو المجرمين .\rويقال : بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين حشرهم إليها . . . وهم خواص الخواص .\rويقل : هم ثلاثةُ أصناف : قوم يُحْشَرون إلى الجنة مشاةً وهم الذين قال فيهم : { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً } [ الزمر : 73 ] - وهم عوام المؤمنين وقوم يحشرون إلى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصوَّرة لهم بصورة حيوان ، وهم الذين قال فيهم جَلَّ وعلا : { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلَى الرَّحْمَانِ وَفداً } [ مريم : 85 ] - وهؤلاء هم الخواص وأمَّا خاص الخاص فهم الذين قال عنهم : { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقَينَ } أي تُقَرَّبُ الجنةُ منهم .\rوقوله : { غَيْرَ بَعِيدٍ } : تأكيدٌ لقوله : « وأزلفت » .\rويقال : { غَيْرَ بَعِيدٍ } : من العاصين تطييباً لقلوبهم .\rقوله جلّ ذكره : { هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ } .\rالأوَّابُ : الراجعُ إلى الله في جميع أحواله .\r{ حَفِيظُ } : أي محافظ على أوقاته ، ( ويقال محافظ على حواسه في الله حافظ لأنفاسه مع الله ) .","part":7,"page":301},{"id":3302,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقْلبٍ مُّنِيبٍ } .\rالخشيةُ من الرحمنِ هي الخشية من الفراق ( والخشية من الرحمن تكون مقرونة ) بالأُنْس؛ ولذلك لم يقل : من خشي الجبَّار ولا من خشي القهَّار « .\rويقال الخشية من الله تقتضي العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسْأَلُ عمَّا يفعل .\rويقال : الخشيةُ ألطفُ من الخوف ، وأنها قريبةٌ من الهيبة .\r{ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } : لم يقل بَنَفْسٍ مطيعة بل قال : بقلبٍ منيب ليكونَ للعصاةِ في هذا أملٌ؛ لأنهم - وإن قَصَّروا بنفوسهم وليس لهم صِدْقُ القَدَمِ - فلهم الأسفُ بقلوبهم وصدق الندَّم .\rقوله جلّ ذكره : { ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ } .\rأي يقال لهم : ادخلوها بسلامةٍ من كل آفةٍ ، ووجودِ رضوان ولا يسخطُ عليكم الحقُّ أبداً .\rومنهم مَنْ يقول له المَلَكُ : ادخلوها بسلامٍ ، ومنهم من يقوله له : لكم ما تشاؤون فيها - قال تعالى :\r{ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } .\rلم يقل : » لهم ما يسألون « بل قال : { لَهُمُ مَّا يَشَآءُونَ } : فكلُّ ما يخطر ببالهم فإنَّ سؤلَهم يتحقق لهم في الوَهْلة ، وإذا كانوا اليوم يقولون : ما يشاء الله فإنَّ لهم غداً منه الإحسان . . . وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟\r{ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } : اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية ، والنظر إلى الله سبحانه وقومٌ يقولون : المزيد على الثواب في الجنة - ولا منافاة بينهما .\rقوله جلّ ذكره : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطَشاً فَنَقَّبُواْ فِى الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ } .\rأي عْتَبِروا بالذين تَقَدَّموكم؛ انهمكوا في ضلالتهم ، وأَصَرُّوا ، ولم يُقْلِعوا . . فأهلكناهم وما أَبْقَيْنَا منهم أحداً .","part":7,"page":302},{"id":3303,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } .\rقيل : { لِمَن كَانَ لُهُ قَلْبٌ } : أي من كان له عقل . وقيل : قلب حاضر . ويقال قلبٌ على الإحسان مُقْبِل . ويقال : قَلْبٌ غيرُ قُلَّب .\r{ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ } : استمع إلى ما يَنادى به ظاهرُه من الخَلْق وإلى ما يعود إلى سِرِّه من الحق . ويقال : لمن كان له قلبٌ صاح لم يَسْكر من الغفلة . ويقال قلبٌ يعد أنفاسَه مع الله . ويقال : قلبٌ حيٌّ بنور الموافقة . ويقال : قلبٌ غيرُ مُعْرِضٍ عن الاعتبار والاستبصار .\rويقال : « القلبُ - كما في الخبر- بين إصبعين من أصابع الرحمن » : أي بين نعمتين؛ وهما ما يدفعه عنه من البلاء ، وما ينفعه به من النَّعماء ، فكلُّ قلب مَنَعَ الحقُّ عنه الأوصافَ الذميمَةَ وأَلْزَمَه النعوتَ الحميدةَ فهو الذي قال فيه : { إِنَّ فِى ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } .\rوفي الخبر : « إن لله أوانيَ ألاَ وهي القلوب ، وأقربها من الله مارقَّ وصفا » شبَّه القلوب بالأواني؛ فقلبُ الكافرِ منكوسٌ لا يدخل فيه شيء ، وقلبُ المنافقِ إناء مكسور ، ما يُلْقى فيه من أوَّله يخرج من أسفله ، وقلبُ المؤمنِ إناءٌ صحيح غير منكوس يدخل فيه الإيمانُ ويَبْقَى .\rولكنَّ هذه القلوبَ مختلفةٌ؛ فقلبٌ مُلَطَّخٌ بالانفعالات وفنون الآفات؛ فالشرابُ الذي يُلْقَى فيه يصحبه أثر ، ويتلطخ به .\rوقلبٌ صفا من الكدورات وهو أعلاها قَدْراً .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } .\rوأَني يَمَسُّه اللُّغوبُ . وهو صَمَدٌ لا يحدث في ذاته حادث؟!\rقوله جلّ ذكره : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُون وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } .\rإِنْ تَأذَّ سَمْعُكَ بما يقولون فيَّ من الأشياء التي يتقدَّس عنها نَعْتي فاصبِرْ على ما يقولون ، واستروِحْ عن ذلك بتسبيحك لنا .","part":7,"page":303},{"id":3304,"text":"{ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } .\rفالليلُ وقتُ الخلوة - والصفاءُ في الخلوة أتَمُّ وأصْفى .\rقوله جلّ ذكره : { وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَالِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ } .\rالنداءُ من الحق - سبحانه - واردٌ عليهم ، كما انَّ النجوى تحصل دائماً بينهم . والنداءُ الذي يَردُ عليهم يكون بغتةً ولا يكون للعبد في فِعْلِه اختيارٌ .\rقوله جلّ ذكره : { إِِنَا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ } .\rإلينا مَرْجِعُ الكُلِّ ومصيرُهم .\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } .\rهذا يسيرٌ علينا : سواء خلقناهم جملةً أو فرادى؛ قال تعالى : { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسِ وَاحِدَةٍ } [ لقمان : 31 ] .\rقوله جلّ ذكره : { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } .\rما انت عليهم بُمتَسَلِّطٍ تُكْرِههم .\rوإنما يُؤَثِّرُ التخويفُ والإنذارُ والتذكيرُ في الخائفين ، فأمّا مَنْ لا يخاف فلا ينجحُ فيه التخويف - وطيرُ السماء على أُلاَّفها تقعُ .","part":7,"page":304},{"id":3305,"text":"والذارياتُ : أي الرياح الحاملات { وِقْراً } أي السحاب { فَالْجَارِياتِ } أي السفن . { فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } أي الملائكة . . . بربِّ هذه الأشياء وبقدرته عليها . وجواب القسم : { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ . . . } والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح . الرياح الصيحية تحمل أنينَ المشتاقين إلى ساحات العزَّةِ فيأتي نسيمُ القربةِ إلى مَشَامِّ أسرارِ أهل المحبة . . . فعندئذٍ يجدون راحةً من غَلَبَات اللوعة ، وفي معناه أنشدوا :\rوإني لأستهدي الرياحَ نسيمكم ... إذا أقبلَتْ من أرضكم بهبوب\rوأسألُها حمْلَ السلام إليكمو ... فإنْ هي يوماً بَلَّغتْ . . فأجيبي\rومن السحاب ما يُمطر بعتاب الغيبة ، ويُؤْذن بهواجم النَّوى والفُرْقة . فإذا عَنَّ لهم من ذلك شيء أبصروا ذلك بنور بصائرهم ، فيأخذون في الابتهال ، والتضرُّع في السؤال استعاذةً منها . . . كما قالوا :\rأقول- وقد رأيتُ لها سحاباً ... من الهجران مقبلة إلينا\rوقد سحَّت عزاليها بِبَيْنٍ ... حوالينا الصدودُ ولا علينا\rوكما قد يَحْملُ الملاَّحُ بعضَ الفقراء بلا أجرة طمعاً في سلامة السفينة - فهؤلاء يرْجُون أن يُحمَلُوا في فُلْكِ العناية في بحار القدرة عند تلاطم الأمواج حول السفينة . ومِنَ الملائكةِ مَنْ يتنزَّلُ لتفقد أهل الوصلة ، أو لتعزية أهل المصيبة ، أو لأنواعٍ من الأمور تتصل بأهل هذه القصة ، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم : هل عندهم خيرٌ عن فراقهم ووصالهم - كما قالوا :\rبربِّكما يا صاحبيَّ قِفَا بيا ... أسائلكم عن حالهم وآسألانيا\r{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ } : الحقُّ - سبحانه- وَعَدَ المطيعين بالجنة ، والتائبين بالرحمة ، والأولياءَ بالقربة ، والعارفين بالوصلة ، ووَعَدَ أرباب المصائب بقوله : { أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } [ البقرة : 157 : 156 ] ، وهم يتصدون لاستبطاء حُسْنِ الميعاد - واللَّهُ رؤوقٌ بالعباد .","part":7,"page":305},{"id":3306,"text":"قوله جلّ ذكره : { والسَّمَآءِ ذَاتِ الحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } .\r{ ذَاتِ الْحُبُكِ } أي ذات الطرائق الحسنة - وهذا قَسَمٌ ثانٍ ، وجوابه : { إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } يعني في أمر محمدٍ A فأحدهم يقول : إنه ساحر ، وآخر يقول : مجنون ، وثالث يقول : شاعر . . . . وغير ذلك .\rوالإشارة فيه إلى القسم بسماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان ، وقمر المحبة ، ونجوم القُرب . . . إنكم في باب هذه الطريقة لفي قولٍ مختلف؛ فَمِنْ مُنْكِرٍ يجحد الطريقة ومِنْ مُعترِضٍ يعترض علىأهلها يتوهَّم نقصانهم في القيام بحق الشريعة ، ومن متعسِّفٍ لايخرج من ضيق حدود العبودية ولا يعرف خبراً عن تخصيص الحقِّ أولياءَه بالأحوال السنية ، قال قائلهم :\rفد سَحبَ الناسُ أذيال الظنون بنا ... وفَرَّقَ الناسُ فينا قولهم فِرقَا\rفكاذبٌ قد رمى بالظنِّ غَيْرتكم ... وصادقٌ ليس يدري أنه صَدَقَا\rقوله جل ذكره : { يُؤْفَكُ عَنْهُ مِنْ أُفِكَ } .\rأي يُصْرَفُ عنه مَنْ صُرِف ، وذلك أنهم كانوا يصدُّون الناسَ عنه ويقولون : إنه لمجنون .\r{ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ سَاهُونَ } .\rلُعِنَ الكذَّابون الذين هم في غمرة الضلالة وظلمة الجهالة ساهون لاهون .\rقوله جلّ ذكره : { يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينَ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } .\rيسألون أيان يومُ القيامة؟؛ يستعجلون بها ، فلأَجْلِ تكذيبهم بها كانت نفوسُهم لا تسكن إليها . ويوم هم على النار يُحْرَقون ويُعَذَّبون يقال لهم : قاسوا عقوبتكم ، هذا الذي كنتم به تَسْتَعْجِلُونَ .\rوالإشارة فيه إلى الذين يَكْذِبون في أعمالهم لِمَا يتداخلهم من الرياء ، ويكذبون في أحوالهم لِمَا يتداخلهم من الإعجاب ، ويكذبون على الله فيما يدَّعونه من الأحوال . . . قُتِلُو ولُعِنوا . . . وسيلقون غِبَّ تلبيسهم بما يُحْرَمون من اشتمام رائحة الصدق .","part":7,"page":306},{"id":3307,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ المُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنينَ } .\rفي عاجلهم في جنَّتِ وَصْلِهم ، وفي آجلهم في جنّاتِ فَضْلِهم؛ فغداً درجات ونجاة ، واليومَ قرُبات ومناجاة ، فما هو مؤجَّلٌ حظُّ أنفسِهم ، وما هو معجّلٌ حقُّ ربِّهم . هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم؛ يأخذون نصيبه منه بِيَدِ الشكر والحمد ، وغداً يأخذون ما يعطيهم ربُّهم في الجنة من فنون العطاء والرِّفد .\rومَنْ كان اليومَ آخذه بلا وساطة من حيث الإيمان والإتقان ، وملاحظة القسمة في العطاء والحرمان . كان غداً آخذه بلا وسطة في الجنان عند اللقاء والعيان . { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَالِكَ مُحْسِنِينَ } ؛ كانوا ولكنهم اليوم بانوا ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا واستبانوا . . . فهم كما في الخبر : « أعبد الله كأنك تراه . . . » . قوله جلّ ذكره : { كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } .\rالمعنى إمَّا : كانوا قليلاً وكانوا لا ينامون إلا بالليل كقوله تعالى : { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ } [ سبأ : 13 ] أو : كان نومُهم بالليل قليلاً ، أو : كانوا لا ينامون بالليل قليلاً .\r{ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرونُ } : أخبر عنهم أنهم - مع تهجدهم ودُعائهم - يُنْزِلون انفسَهِم في الأخار منزلةَ العاصين ، فيستغفرون استصغاراً لِقدْرِهم ، واستحقاراً لِفِعْلهم .\rوالليلُ . . . للأحباب في أُنْس المناجاة ، وللعصاة في طلب النجاة . والسهرُ لهم في ليلايهم دائماً؛ إمّا لفَرْظِ أَسَفٍ أولِشدَّةِ لَهَفٍ ، وإمَّا لاشتياقٍ أو لفراقٍ - كما قالوا :\rكم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها ... افنْيَتُهَا قابضاً على كبدي\rقد غُصَّت العينُ بالدموعِ وقد ... وَضَعْتُ خدي على بنان يدي\rوإمّ لكمال أُنْسٍ وطيب روح - كما قالوا :\rسقى اللَّهُ عيشاً قصيراً مضى ... زمانَ الهوى في الصبا والمجون\rلياليه تحكي انسدادَ لحاظٍ ... لَعْينِيَ عند ارتداد الجفون","part":7,"page":307},{"id":3308,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌ لِّلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ } السائلُ هوالمُتكفِّف ، والمحرومُ هو المتعفِّف - ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك السؤال . . هؤلاء هم الذين يُعْطُون بشرط العلم ، فأمَّا أصحابُ المروءة : فغير المستحق لمالهم أَوْلَى من المستحق . وأما أهل الفترة فليس لهم مالٌ حتى تتوجه عليهم مطالبة؛لأنهم أهل الإيثار- في الوقت- لكلِّ مايُفْتَحُ عليهم به .\rقوله جلّ ذكره : { وَفِى الأَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } .\rكما أَنَّ الأرضَ تحمل كلَّ شيء فكذلك العارف يتحمَّل كلَّ أحد .\rومَنْ استثقل أحداً أو تبرَّمَ برؤية أحدٍ فلِغَيْبته عن الحقيقة ، ولمطالعته الخَلْقَ بعين التفرقة - وأهلُ الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة .\rومن الآيات التي في الأرض أنها يُلْقَى عليها كلُّ قذارةٍ وقمامة - ومع ذلك تُنْبِتُ كلَّ زَهْرٍ ونَوْرٍ . . . كذلك العارفين يتشرب كلَّ ما يُسْقَى من الجفاء ، ولا يترشح إلاَّ بكل خُلُقٍ عَلِيّ وشيمةٍ زكيَّة .\rومن الآيات التي في الأرضِ أنّ ما كان منها سبخاً يُتْرَكُ ولا يُعَمَّر لأنه لا يحتمل العمارة- كذلك الذي لا إيمانَ له بهذه الطريقة يُهْمَل ، فمقابلته بهذه الصفة كإلقاء البذر في الأرض السبخة .\r{ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } : أي وفي أنفسكم أيضاً آيات ، فمنها وقاحتها في همتها ، ووقاحتها في صفاتها ، ومنها دعواها العريضة فيما ترى منها وبها ، ومنها أحوالها المريضة حين تزعم أَنَّ ذَرّةً أو ( . . . ) بها أومنها .\r{ وَفِىلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } : أي قسمة أرزاقكم في السماء ، فالملائكة الموَكَّلون بالأرزاق ينزلون من السماء .\rويقال : السماء ها هنا المطر ، فبالمطر ينبت الحَبُّ والمرعى .\rويقال : على رب السماء أرزاقكم لأنه ضَمنَها .\rويقال : قوله : { وَفِى السَّمَآءَِ رِزْقُكُمْ } وها هنا وقف ثم تبتدىء : { وَمَا تُوعَدُونَ } .","part":7,"page":308},{"id":3309,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } أي : إنَّ البعثَ والنشرَ لَحَقٌّ .\rويقال : إنَّ نصري لمحمدٍ ولديني ، وللذي أتاكم به من الأحكام- لحقٌّ مثل ما أنَّكم تنطقون .\rكما يقال : هذا حقٌّ مثل ما أنك ها هنا .\rويقال : معناه : « إنَّ اللَّهَ رازقُكم » - هذا القولُ حقٌّ مثلما أنكم إذا سُئِلْتُم : مَنْ رَبُّكم؟ ومَنْ خالقكم؟ قلتم : الله . . . فكما أنكم تقولون : إن الله خالق - وهذا حقٌّ . . . كذلك القولُ أَنَّ اللَّهَ رازقٌ - هو أيضاً حقٌّ .\rويقال : كما أنَّ نُطْقَكَ لا يتكلم به غيرُك فرزقُكَ لا يأَكلُه غيرك .\rويقال : الفائدة والإشارة في هذه الآية أنه حال بزرفك على السماء ، ولا سبيلَ لك إلى العروج إلى السماء لتشتغلَ بما كلفك ولا تعنَّى في طلب ما لا تصل إليه .\rويقال : في السماء رزقكم ، وإلى السماء يُرْفَعُ عَمَلُكُم . . . فإنْ أرَدْتَ أنْ ينزلَ عليكَ رزقُك فأَصْعِدْ إلى السماءِ عمَلَكَ - ولهذا قال : الصلاةُ قَرْعُ باب الرزق ، وقال تعالى : { وَأَْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْئَلُكَ رِزْقاً } [ طه : 132 ] .\rقوله جلّ ذكره : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ } .\rقيل في التفاسير : لم يكن قد أتاه خبرُهم قبل نزول هذه الآية .\rوقيل : كان عددُهم اثني عشر مَلَكاً . وقيل : جبريل وكان معه سبعة . وقيل : كانوا ثلاثة .\rوقوله : { الْمُكْرَمِينَ } قيل لقيامه - عليه السلام - بخدمتهم . وقيل : اكرم الضيفَ بطلاقة وجهه ، والاستبشار بوفودهم .\rوقيل : لم يتكلَّف إِبراهيمُ لهم ، وما اعتذر إليهم - وهذا هو إكرام الضيف - حتى لا تكون من المضيف عليه مِنَّةٌ فيحتاج الضيف إلى تحملها .\rويقال : سمّاهم مكرمين لأن غير المدعوِّ عند الكرام كريم .\rويقال : ضيفُ الكرام لا يكون إلا كريماً .\rويقال : المكرمين عند الله .","part":7,"page":309},{"id":3310,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } .\rأي سلَّمنا عليك { سَلاَماً } فقال إبراهيم : لكم مني { سَلاَمَاً } .\rوقولُهم : { سَلاماً } أي لك منّا سلام ، لأنَّ السلامَ : الأمانُ .\r{ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } : أي أنتم قوم منكرون؛ لأنه لم يكن يعرف مِثْلَهم في الأضياف ويقال : غُرَبَاء .\rقوله جلّ ذكره : { فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأَْكُلُونَ } .\rأي عَدَلَ إليهم من حيث لا يعلمون وكذلك يكون الروغان .\r{ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } فشواه ، وقرَّبه منهم وقال : { أَلاَ تأْكُلُونَ؟ } وحين امتنعوا عن الأكل :\r{ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ } .\rتَوَهَّمَ أنهم لصوص فقالوا له : { لاَ تَخَفْ } .\r{ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ } : أي بَشَّروه بالوَلد ، وببقاء هذا الوَلَدِ إلى أن يصير عليماً؛ والعليم مبالغة من العلم ، وإنما يصير عليماً بعد كبره .\r{ فََأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } .\r{ فِى صَرَّةٍ } أي في صيحة شديدة ، { فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } أي فضربت وجهها بيدها كفعل النساء { وَقَالَتْ عُجُوزٌ عَقِيمٌ } : أي أنا عجوز عقيم . وقيل : إنها يومَها كانت ابنةَ ثمانٍ وتسعين سنة ، وكان إبراهيمُ ابنَ تسع وتسعين سنة .\r{ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } .\rأي قلنا لكِ كما قال ربُّكِ لنا ، وأنْ نُخْبِرَكِ أنَّ اللَّهَ هو المُحْكِمُ لأ فعالِه ، { الْعَلِيمُ } الذي لا يخفى عليه شيء .\r{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ؟ } .\rسألهم : ما شأنُكم؟ وما أمرُكم؟ وبماذا أُرْسِلْتُم؟\r{ قَالُوآ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حَجَارَةً مِّن طِينٍ مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ } .\rهم قوم لوط ، ولم نجد فيها غيرَ لوطٍ ومَنْ آمن به .\rقوله جلّ ذكره : { وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } .\rتركنا فيها علامةً يعتبر بها الخائفون- دون القاسية قلوبهم .\rقوله جلّ ذكره : { وَفِى مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } .\rأي بحجة ظاهرة باهرة .\r. . . إلى قوله : { وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } [ الذاريات : 47 ] : أي جعنا بينهما وبين الأرض سعة ، « وإنا لقادرون » : على أن نزيد في تلك السعة .","part":7,"page":310},{"id":3311,"text":"{ وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ } .\rأي جعلناها مهاداً لكم ثم أثنى على نَفْسه قائلاً : { فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ } .\rدلَّ بهذا كلَّه على كمال قدرته ، وعلى تمام فضله ورحمته .\rقوله جلّ ذكره : { وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .\rأي صنفين في الحيوان كالذَّكَرِ والأنثى ، وفي غير الحيوانِ؛ كالحركة والسكون ، والسواد والبياض ، وأصناف المتضادات .\rقوله جلّ ذكره : { فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ إِنّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .\rأي فارجِعوا إلى الله - والإنسان بإحدى حالتين؛ إِمَّا حالة رغبةٍ في شيءٍ ، أو حالة رهبة من شيء ، أو حال رجاء ، أو حال خوف ، أو حال جَلْبِ نَفْعٍ أو رفع ضُرٍّ . . . وفي الحالتين ينبغي أَنْ يكونَ فِرارُه إلى الله؛ فإنَّ النافعَ والضارَّ هو اللَّهُ .\rويقال : مَنْ صَحَّ فِرارُه إلى اللّهِ صَحَّ قَرارُه مع الله .\rويقال : يجب على العبد أَنْ يفرَّ من الجهل إلى العلم ، ومن الهوى إلى التُّقَى ، ومن الشّكِّ إلى اليقين ، ومن الشيطانِ إلى الله .\rويقال : يجب على العبد أَنْ يفرَّ من فعله - الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو كفايته ، ومن وصفه الذي هو سخطه إلى وصفه الذي هو رحمته ، ومن نفسه - حيث قال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } [ آل عمران : 28 ] إلى نفسه حيث قال : { فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ } .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِِلَهاً ءَاخَرَ إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .\rأُخَوِّفُكم أليمَ عقوبته إنْ أَشركْتُم به - فإِنَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به .\rثم بيَّنَ أنه على ذلك جرَت عادتُهم في تكذيب الرُّسُل ، كأنهم قد توصوا فيما بينهم بذلك .\rقوله جلّ ذكره : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ } .\rفأَعْرِضْ عنهم فليست تلحقك - بسوء صنيعهم - ملامةٌ .\rقوله جلّ ذكره : { وَذَكِّرْ فَإِنٍَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } .\rذَكِّر العاصين عقوبتي ليرجعوا عن خالفةِ أمري ، وذَكِّر المطيعين جزيلَ ثوابي ليزدادوا طاعةً وعبادةً ، وذَكِّرْ العارفين ما صرَفْتُ عنهم من بلائي ، وذكِّرْ الأغنياءَ ما أَتَحْتُ لهم من إحساني وعطائي ، وذَكِّر الفقراء ما أوجبْتُ لهم من صَرْفِ الدنيا عنهم وأَعْدَدْتُ له من لقائي .","part":7,"page":311},{"id":3312,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِّنْهُم مِّن رِّزقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ } .\rالذين اصطفُْهم في آزالي ، وخصَصْتُهم - اليومَ - بحسْنِ إقبالي ، ووعدْتُهم جزيلُ أفضالي - ما خَلَقْتُهم إِلاَّ ليعبدونِ .\rوالذين سخطت عليهم في آزالي ، وربطتهم - اليوم - بالخذلان فيما كلَّفتهم من أعمالي ، وخَلَقْتُ النارَ لهم- بحُكْم إليهتي ووجوب حُكْمي في سلطاني - ما خلقتهم إلا لعذابي وأنكالي ، وما أَعْدَدْتُ لهم من سلاسلي وأغلالي .\rما أريد منهم أَنْ يُطْعِموا أو يرزفوا أحداً من عبادي فإنَّ الرزَّاقَ أنا .\rوما أريد أن يطعمونِ فإِنني أنا اللَّهُ { ذُو الْقُوَّةِ } : المتينُ القُوَى .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونَ } .\rلهم نصيبٌ من العذابِ مثلَ نصيبِ مَنْ سَلَفَ من أصحابهم من الكفار فلِمَ استعجالُ العذابِ - والعذابُ لن يفوتَهم؟ .\r{ فَوَيْلٌ لِّلَّذِيِنَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُون } .\rوهو يوم القيامة .","part":7,"page":312},{"id":3313,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِى رَقِّ مَّنشُورٍ } .\rأقسم الله بهذه الأشياء ( التي في مطلع السورة ) ، وجواب القَسَم قوله : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } . والظورُ هو الجبلُ الذي كُلِّم عليه موسى عليه السلام؛ لأنه مَحَلُّ قَدَم الأحباب وقتَ سماع الخطاب . ولأنه الموضعُ الذي سَمِعَ فيه موسى ذِكْرَمحمدٍ A وذِكْرَ أُمَّته حتى نادانا ونحن في أصلاب آبائنا فقال : أعطيتكم قبل أن تَسألوني { وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ } مكتوب في المصاحف ، وفي اللوح المحفوظ .\rوقيل : كتاب الملائكة في السماء يقرؤون منه ما كان وما يكون .\rويقال : ما كتب على نفسه من الرحمة لعباده .\rويقال ما كتب من قوله : « سبقت رحمتي غضبي » .\rويقال : هو قوله : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ } [ الأنبياء : 105 ] .\rويقال : الكتاب المسطور فيه أعمال العباد يُعْطَى لعباده بأَيْمانهم وشمائلهم يوم القيامة . { فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ } يرجع إلى ما ذكرنا من الكتاب .\r{ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ } .\rفي السماء الرابعة ويقال : هو قلوب العبادين العارفين المعمورة بمحبته ومعرفته . ويقال : هي مواضع عبادتهم ومجالس خلواتهم . وقيل : الكعبة .","part":7,"page":313},{"id":3314,"text":"{ وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ } .\rهي السماء . وقيل سماء هِمَمِهم في الملكوت .\r{ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } .\rالبحار المملوءة .\rأقسم بهذه الأشياء : { إنَّ عذابَه لواقع } وعذابُه في الظاهر ما توعَّدَ به عبادَه العاصين ، وفي الباطن الحجابُ بعد الحضور ، والسترُ بعد الكشف ، والردُّ بعد القبول .\r{ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } .\rإذا رَدَّ عَبْداً أَبرمَ القضاءَ بردِّه :\rإذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجه آخَر - الدهر- تُقْبِلُ\rقوله جلّ ذكره : { يَومَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً } .\r{ تَمُورُ } : أي تدور بما فيها ، وتسير الجبالُ عن أماكنها ، فتسير سيراً .\r{ فَوَيْلٌ يَوْمئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } .\rالويلُ كلمة تقولها العرب لمن وقع في الهلاك .\r{ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } : في باطل التكذيب يخوضون .\r{ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَآ أَمْ أَنتُمْ لا َتُبْصِرُونَ } .\rيومَ يُدْفَعون إلى النارِ دَفْعاً ، ويقال لهم : هذه هي النار التي كنتم بها تُكذِّبون . . .\rثم يسألون : أهذا من قبيل السحر على ما قلتم أم غُطِّيَ على أبصاركم؟!\rقوله جلّ ذكره : { اصْلُوْهَا فَاصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rوالصبرُ على الجزاء في العاقبة لا قيمة له ، لأنَّ عذابَهم عقوبةٌ لهم :\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ } .\rالمتقون في جنات ونعيم عاجلاً وآجلاً . { فَاكِهِينَ } أي مُْعْجَبِين بما آتاهم ربهم وما أعطاهم .\rويقالك فاكهون : أي ذوو فاكهة : كقولهم رجل تامر أي ذو تمر ، ولابنٌ أي ذو لَبن .","part":7,"page":314},{"id":3315,"text":"قوله جلّ ذكره : { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rقوم يصير لهم ذلك هنيئاً بطَعْمِه ولَذَّتِه ، وقومٌ يصير هنيئاً لهم سماعُ قولهم عنه- سبحانه- هنيئاً ، وقوم يصير لهم ذلك هيناَ ليِّناً وهم بمشهد منه :\rفاشرب على وجهها كَغُرَّتِها ... مُدامةً في الكؤوس كالشَّررِ\r{ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ } .\rيظلَّون في سرور وحبور ، ونصيب من الأنْس موفور .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } .\rيُكْملُ عليهم سرورهم بأَنْ يُلْحِق بهم ذُرِّياتِهم؛ فإنَّ الانفرادَ بالنعمة عَمَّنْ القلبُ مشتغِلٌ به من الأهل والولد الذرية يوجِب تَنَغص العيش .\rوكذلك كلُّ مْن قلبُ الوليِّ يلاحِظه من صديق وقريب ، ووليٍّ وخادم ، قال تعالى في قصة يوسف : { وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } [ يوسف : 93 ] .\rوفي هذا المعنى قالوا :\rإنيِّ على جفواتها - فبربِّها ... وبكلِّ مُتَّصلٍ بها متوسِّلِ\rلأحُّبها ، وأُحِبُّ منزلَها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزِل\r{ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } .\rأي ما أنقصنا من أجورهم من شيءٍ بل وفينا ووفَرنا . وفي الابتداء نحن أَوْليْنا وزدنا على ما أعطينا .\r{ كُلُّ امْرِى بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } مُطَالَبٌ بعمله ، يوفىَّ عليه أَجره بلا تأخير ، وإنْ كان ذنباً فالكثيرُ منه مغفور ، كما أنه اليوم مستور .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَ كَأْساً لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } .\rأي لا يجري بينهم باطلٌ ولا يؤثمهم كما يجري بين الشَّربِ في لدنيا ، ولا يَذْهبُ الشُّرْبُ بعقولهم فيجري بينهم ما يُخْرِِجهم عن حَدِّ الأدبِ والاستقامة .\rوكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ومِن المعلوم من يسقيهم ، وهم بمشهد منه وعلى رؤية منه؟","part":7,"page":315},{"id":3316,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } .\rوالقومُ عن الدارِ وعمَّن في الدار مُخْتَطَفون لاستيلاء ما يستغرقهم؛ فالشرابُ يؤنِسُهم ولكن لا بِمَنْ يجانسهم؛ وإذا كان - اليومَ - للعبد وهو في السجن في طول عمره ساعة ُ امتناع عن سماع خطاب الأغيار ، وشهود واحدٍ من المخلوقين - وإنْ كان ولداً عزيزاً ، أو أخاً شفيقاً - فمِنَ المحال أنْ يُظَنْ أنه يُرَدُّ من الأعلى إلى الأدنى . . إِنْ كان من اهل القبول والجنة ، ومن المحال أن يظن أنه يكون غداً موسوماً بالشقاوة .\rوإذا كان العبدُ في الدنيا يقاسي في غُرْبتَه من مُقاصاة اللتيا والتي - فماذا يجب أن يقال إذا رجع إلى منزله؟ أيبقى على ما كان عليه في سفرته؟ أم يلقى غير ما كان يقاسي في سَفْرته ، ويتجرع غير ما كان يُسْقى من كاسات كُرْبته؟\rقوله جلّ ذكره { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومٍ } .\rلولا أَنهم قالوا : { فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا } لكانوا قد لاحظوا إشفاقَهم ، ولكن الحقّ - سبحانه - اختطفهم عن شُهود إِشفاقهم؛ حيث أَشهدهم مِنَّتَه عليهم حتى قالوا : { فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } { إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ } .\rقوله جلّ ذكره : { فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بَكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ } .\rأي أنهم يعلمون أَنَّكَ ليست بك كَهَانةٌ ولا جُنونٌ ، وإنما قالوا ذلك على جهة التسفيه؛ فالسّفيهُ يبسط لسانُه فيمن يَسُبُّه بما يعلم أنه منه بريء .\r{ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَِإنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ } .\rنتربص به حوادث الأيام؛ فإنّ مِثْل هذا لا يدوم ، وسيموت كما مات مِنْ قبْله كُهّانٌ وشعراء .\rويقال : قالوا : إنَّ أباه مات شابّاً ، ورَجَوْا أَنْ يموت كما مات أبوه ، فقال تعالى :\r{ قُل تَرَبَّصُواْ . . . } فإننا منتظرون ، وجاء في التفسير أَنّ جميعَهم ماتوا . فلا ينبغي لأحدٍ أن يُؤمِّلَ موتَ أحدٍ . فَقَلْ مَن تكون هذه صَنعتُه إلاّ سَبَقَتْه المَنيَّةُ - دون أَنْ يُدْرِكَ ما يتمنّاه مِنْ الأمنيّة .\rقوله جلّ ذكره : { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم بِهَذَآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } .\rأتأمرهم عقولهم بهذا؟ أَم تحملهم مجَاوزة الحدّ في ضلالهم وطغيانهم عَلَى هذا؟\rقوله جلّ ذكره : { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاٍَّ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ } .\rإذا كانوا يزعمون أنك تقول هذا القول من ذاتِ نَفْسك فليأتوا بحديثٍ مثلِه إنْ كانوا صادقين فيما رَمَوْك به!","part":7,"page":316},{"id":3317,"text":"كلاَ ليس الامرُ كذلك ، بل اللَّهُ هو الخالق وهم المخلوقون .\rأم هم الذين خلقوا السمواتِ والأرضَ؟","part":7,"page":317},{"id":3318,"text":"{ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ } .\r-أي خزائن أرزاقه ومقدوراته؟ { أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرونَ } المُتَسلِّطون عَلَى الناس؟\rأم لهم سُلّمٌ يرتقون فيه فيستمعون ما يجري في السموات؟ { فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } ثم إنه سفّهَ أحلامهم فقال :\r{ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } .\rأم تسألهم عَلَى تبليغ الرسالة أجراً هلم مثقلون من الغُرم والإلزام في المال ( بحيث يزهدهم ذلك في اتباعك؟ ) .\r{ أَمْ عِنَدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } ذلك؟\r{ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } أي أن يمكروا بك مكراً { فَالَّذِينَ كَفرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ } .\r{ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ } يفعل شيئاً مما يفعل الله؟ تنزيهاً له عن ذلك!\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ } .\rأي إِنْ رأوْا قطعةً من السماء ساقطةً عليهم قالوا : إنه سحابٌ مركوم رُكم بعضه عَلَى بعض والمقصود أنهم مهما رَأَوْ من الآيات لا يُؤمِنون . ولو فتحنا عليهم باباً من السماء حتى شاهدوا بالعين لقالوا : إنما سُكرَتْ أبصارنا ، وليس هذا عياناً ولا مشاهدةً .\rقوله جلّ ذكره : { فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَ قُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لاَ يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } .\rأي فأعرضْ عنهم حتى يُلاقوا يومَهم الذي فيه يموتون ، يوم لا يُغْني عنهم كيدُهم شيئاً ، ولا يُمْنَعون من عذابنا .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَالِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .\rدونَ يوم القيامة لهم عذابُ القَتْلِ والسّبْيِ ، وما نَزَلَ بهم من الهوان والخزي يوم بدر وغيره .\r{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } : أَنَّ اللَّهَ ناصرٌ لدينه .\rقوله جلّ ذكره : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } .\rأنت بمرأىً مِنَّا ، وفي نصرةٍ منَّا .\r{ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } : في هذا تخفيفٌ عليه وهو يقاسي الصبر .\r{ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ }\rأي تقوم للصلاةِ المفروضةِ عليك .\r{ وَمِنَ الَّيْلِ فِسَبِّحهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } .\rقيل : المغرب والعشاء وركعتا الفجر .\rوفي الآية دليل وإشارة إلى أنه أَمَرَه أَنْ يَذْكُرَه في كلَّ وقت ، وألا يخلوَ وقتٌ من ذِكْره .\rوالصبرُ لحُكمِ اللَّهِ شديدٌ ، ولكن إذا عَرَفَ اطلاعَ الربِّ عليه سَهُلَ عليه ذلك وهان .","part":7,"page":318},{"id":3319,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } .\rوالثريا إذا سقط وغرب . ويقال : هو جِنْسُ النجوم أقسم بها .\rويقال : هي الكواكب . ويقال : أقسم بنجوم القرآن عَلَى النبي صلى الله عيله وسلم ويقال هي الكواكب التي تُرمَى بها الشياطين .\rويقال أقسم بالنبي A عند مُنَصَرفهِ من المعراج .\rويقال : أقسم بضياء قلوب العارفين ونجوم عقولِ الطالبين .\rوجوابُ القسَم قوله : { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } : أي ما ضَلَّ عن التوحيد قط ، { وَمَا غَوَى } : الغَيُّ : نقيضُ الرُّشد . . وفي هذا تخصيصٌ للنبي A حيث تولّى- سبحانه - الذّبَ عنه فيما رُميَ به ، بخلاف ما قال لنوح عليه السلام وأذِنَ له حتى قال : { لَيْسَ بِى ضَلاَلَةٌ } [ الأعراف : 61 ] ، وهود قال : { لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ } [ الأعراف : 67 ] . وغير ذلك ، وموسى قال لفرعون : { وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً } [ الإسراء : 102 ] . وقال لنبينا A : { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } : معناه ما ضلَّ صاحبُكم ، ولا غَفَل عن الشهود طَرْفَةَ عينٍ .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا ينطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى } .\rأي ما ينطق بالهوى ، وما هذا القرآنُ إلا وحيٌ يُوحَى . وفي هذا أيضاً تخصيصٌ له بالشهادة؛ إذ قال لداود : { فَاحْكُم بَيْنَ النَّاس بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى } [ ص : 26 ] .\rوقال في صفة نبيِّنا A { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } .\r{ ومتى ينطق عن الهوى } وهو في محل النجوى؟ في الظاهر مزمومٌ بزمام التقوى ، وفي السرائر في إيواء المولى ، مُصَفَّى عن كدورات البشرية ، مُرَقَّى إلى شهود الأَحَدِية ، مُكاشَفٌ بجلالِ الصمدية ، مُخْتَطفٌ عنه بالكُلِّيَّة ، لم تبقَ منه إلا للحقِّ بالحقِّ بقية . . . ومَنْ كان بهذا النعت . . . متى ينطق عن الهوى؟","part":7,"page":319},{"id":3320,"text":"قوله جلّ ذكره : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى } .\rأي جبريل عليه السلام . و { ذُو مِرَّةٍ } : أي ذو قوة وهو جبريل . { وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى } أي جبريل .\r{ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } .\rدنا جبريلُ من محمدٍ عليه السلام . فتدلَّى جبريلُ : أي نَزَلَ من العُلُوِّ إلى محمد .\rوقيل : « تدلَّى » تفيد الزيادةَ في القُرْب ، وأَنَّ محمداً عليه السلام هو الذي دنا من ربِّه دُنُوَّ كرامة ، وأَنَّ التدلِّى هنا معناها السجود .\rويقال : دنا محمدٌ من ربِّه بما أُودِعَ من لطائفِ المعرفة وزوائِدها ، فتدلَّى بسكون قلبه إلى ما أدناه .\r{ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } : فكان جبريل - وهو في صورته التي هو عليها - من محمد A بحيث كان بينهما قَدْرُ قوسين أو أدنى .\rويقال : كان بينه - A - وبين الله قَدْر قوسين : أراد به دُنُوَّ كرامة لا دُنُوَّ مسافة .\rويقال : كان من عادتهم إذا أرادوا تحقيقَ الأُلْفَةِ بينهم إِلصاقُ أحدِهم قوسَه بقوس صاحبه عبارةً عن عقد الموالاة بينهما ، وأنزل اللَّهُ - سبحانه - هذا الخطابَ على مقتضى معهودهم . ثم رفع اللَّهُ هذا فقال : { أَوْ أَدْنَى } أي بل أدنى .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى } .\rأي أَوحى اللَّهُ إلى محمدٍ ما أوحى . ويقال : أَحْمَلَه أحْمَالاً لم يَطَّلِعْ عليها أحدٌ .\rويقال : قال له : ألم أجدك يتيماً فآويتُك؟ ألم أجدك ضالاًّ فَهديتُك؟\rأَلم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ أَلم أِشرح لك صدرك؟\rويقال : بَشَّرَه بالحوض والكوثر .\rويقال : أوحى إليه أَنَّ الجنَّةَ مُحَرَّمةٌ عَلَى الأنبياءِ حتى تدخلها ، وعلى الأمم حتى تدخلها أُمتَّك . والأَوْلَى أَن يقال : هذا الذي قالوه كله حَسَنٌ ، وغيره مما لم يَطَّلِعْ أحدٌ . . . كله أيضاً كان له في تلك الليلة وحدَه؛ إذ رقَّاه إلى ما رقَّاه ، ولقَّاه بما لقَّاه ، وأدناه حيث لا دنوَّ قبله ولا بعده ، وأخذه عنه حيث لا غيرٌ ، وأصحاه له في عين ما محاه عنه ، وقال له ما قال . . . دون أن يَطَّلِعَ أحدٌ على ما كا بينهما من السِِّّرِّ .\rقوله جلّ ذكره : { مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى } .\rما كذَّبَ فؤادُ محمدٍ A ما رآه ببصره من الآيات . وكذلك يقال : رأى ربَّه تلك الليلة على الوصف الذي عَلِمَه قبل أن يراه .","part":7,"page":320},{"id":3321,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى }\rأفتجادلونه على ما يرى؟\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ المْنُتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى } .\rأي جبريلُ رأى اللَّهَ مرةً أخرى حين كان محمدٌ عند سدرة المنتهى؛ وهي شجرة في الجنة ، وهي منتهى الملائكة ، وقيل : تنتهي إليها أرواحُ الشهداء . ويقال : تنتهي إليها أرواحُ الخَلْقِ ، ولا يَعْلم ما وراءها إلا الله تعالى - وعنداها { جَنَّةُ الْمَأْوَى } وهي جنة من الجِنان .\rقوله جلّ ذكره : { إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } .\rيغشاها ما يغشاها من الملائكة ما الله أعلمُ به .\rوفي خبر : « يغشاها رفرف طير خُضْرٍ » .\rويقال : يغشاها فَرَاشٌ من ذَهَبٍ .\rويقال : أُعْطِيَ رسول الله ( A ) عندها خواتيم البقرة . وغُفِرَ لمن مات من أُمَّتِه لا يشرك بالله شيئاً .\rقوله جلّ ذكره : { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } .\rما مَالَ - صلوات الله عليه وسلامه - ببصره عمَّا أُبيح له من النظر إلى الآيات ، والاعتبارِ بدلائلها .\rفما جَاوَزَ حَدَّه ، بل رَاعَى شروطَ الأدبِ في الحَضْرة .\rقوله جلّ ذكره : { لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } .\rأي « الآية » الكبرى ، وحَذَفَ الآية . . . وهي تلك التي رآها في هذه الليلة . ويقال : هي بقاؤه في حال لقائِه ربَّه بوصفِ الصَّحْوِ ، وحَفَظَه حتى رآه .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَرَءَيْتُمْ الَّلاَتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرَُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذاَ قِسْمَةٌ ضِيزَى } .\rهذه أصنامٌ كانت العرب تعبدها؛ فاللات صنمٌ لثقيف ، والعُزَّى شجرةٌ لغطفان ، ومناه صخرة لهذيل وخزاعة .\rومعنى الآية : أَخْبِرونا . . . هل لهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله من القدرة أن تفعل بعائذٍ بها ما فَعَلْنا نحن لمحمدٍ A من الرُّتب والتخصيص؟ .\rثم وبَّخَهم فقال : أرأيتم كيف تختارون لأنفسكم البنين وتنسبون البنات إلى الله؟ تلك إذاً قسمةٌ ناقصةٌ!","part":7,"page":321},{"id":3322,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى } .\rأنتم ابتدعتُم هذه الاسماءَ من غير أنْ يكونَ اللَّهُ أَمَركم بهذا ، أو أذِن لكم به .\rفأنتم تتبعون الظنَّ ، { وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } .\r{ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهمُ الْهُدَى } : فأعرضوا عنه ، وكما أنَّ ظنَّ الكفار أوْجبَ لهم الجهلَ والحَيْرةَ والحُكْمَ بالخطأ - فكذلك في هذه الطريقة : مَنْ عَرَّجَ على أوصاف الظنِّ لا يَحْظَى بشيءٍ من الحقيقة؛ فليس في هذا الحديث إلا القطعُ والتحقُّق ، فنهارُهم قد مَتَعَ ، وشمسُهم قد طلعت ، وعلومُهم أكثرها صارت ضرورية .\rأمَّا الظنُّ الجميلُ بالله فليس من هذا الباب ، والتباسُ عاقبةَ الرجلِ عليه ليس أيضاً من هذه الجملة ذات الظن المعلول في الله ، وفي صفاته وأحكامه .\rقوله جلّ ذكره : { أَمْ للإِنسَانِ مَا تَمَنَّى } .\rأي ليس للإِنسان ما يتمنَّاه؛ فإنَّه يتمنى طولَ الحياةِ والرفاهيةَ وخِصْبَ العَيْشِ . . . وما لا نهاية له ، ولكنَّ أحداً لا يبلغ ذلك بتمامه .\rويقال : ما يتمنَّاه الإنسانُ أنْ يرتفعَ مرادُه واجباً في كل شيء - وأَن يَرتْفعَ مرادُ عَبْدٍ واجباً في كل شيءٍ ليس من صفات الخَلْقِ بل هو الله ، الذي له ما يشاء :\r{ فَلِلَّهِ الأَخِرَةُ وَالأُولَى } .\rله الآخرةُ والأُولى خَلْقاً ومِلْكاً ، فهو المَلِكُ المالك صاحبُ المُلْكِ التام . فأمَّا المخلوقُ فالنقصُ لازِمٌ للكُلِّ .\rقوله جلّ ذكره : { وَكَم مِّن مَّلَكٍ في السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى } .\rوهذا ردٌّ عليهم حيث قالوا : إنَّ الملائكةَ شفعاؤنا عند الله .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْملائِكَةَ تَسْمِيةَ الأُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبعُُِونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } .\rهذه التَّسْمِيةُ من عندهم ، وهم لا يتبعون فيها علماً أو تحقيقاً . . . بل ظَنًّا - والظنُّ لا يفيد شيئاً .","part":7,"page":322},{"id":3323,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } .\rأي أَعْرِض عمَّن أَعرض عن القرآنِ والإيمان به وتدَبُّرِ معانيه ، ولم يُرِدْ إِلا الحياةَ الدنيا . ذلك مبلغهم من العلم؛ وإنما رضوا بالدنيا لأنهم لم يعلموا حديث الآخرة ، وإِنَّ ربَّك عليمٌ بالضالِّ ، عليمٌ بالمهتدِي . . . وهو يجازي كلاًّ بما يستحق .\rقوله جلّ ذكره : { وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَائُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى } .\rيجزي الذين أساؤوا بالعقوبات ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى .\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يَجْتَيِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ } .\rالذنوبُ كلُّها كبائر لأنها مخالِفةٌ لأمر الله ، ولكن بعضَها أكبرُ من بعضٍ . ولا شيءَ أعظمُ من الشِّرك . { وَالْفَوَاحِشَ } المعاصي .\r{ إِلاَّ اللَّمَمَ } : تكلموا فيه ، وقالوا : إنه استثناء منقطع ، واللمم ليس بإثم ولا من جملة الفواحش .\rويقال : اللمم من جملة الفواحش ولكن فيها اشتباهاً - فأخبر أنه يغفرها .\rويقال : اللمم هو أن يأتيَ المرءُ ذلك ثم يُقْلِعَ عنه بالتوبة .\rوقال لعضُ السَّلَفِ : هو الوقعة من الزِّنا تحصل مرةً ثم لا يعود إليها ، وكذلك شرب الخمر ، والسرقة . . . وغير ذلك ، ثم لا يعود إليها .\rويقال : هو أن يهم بالزَّلَّة ثم لا يفعلها .\rويقال : هو النَّظَر . ويقال : ما لا حدَّ عليه من المعاصي ، وتُكَفِّر عنه الصلوات . ( والأصحُّ أنه استثناء منقطع وأن اللمم ليس من جملة المعاصي ) .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ رَبَّكَ وَاسَعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَأَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } .\r{ إِذْ أَنَشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ } : يغني خَلْقَ آدم .\rويقال : تزكيةُ النَّفْسِ من علامات كَوْنَ المرءِ محجوباً عن الله؛ لأنَّ المجذوب إلى الغاية والمستغرق في شهود ربِّه لا يُزكِّي نفسه .\r{ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } : لأنه أعلمُ بكم منكم .\rويقال : مَنْ اعتقد أنَّ على البسيطة أحداً شرٌّ منه فهو مُتَكَبِّرٌ .\rويقال : المسلمُ يجب أنْ يكونَ بحيث يرى كلَّ مسلمٍ خيراً منه : فإن رأى شيخاً ، قال : هو أكثرُ منِّي طاعةً وهو أفضلُ منِّي ، وإنْ رأى شاباً قال : هو أفضلُ مني لأنه أقلُّ منِّي ذَنْباً .","part":7,"page":323},{"id":3324,"text":"أعرض عن الحقِّ ، وتصدَّق بالقليل . { وَكْدَى } أي قطع عطاءَه .\r{ أَعِندُهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فهُوَ يَرَى } .\r{ فَهُوَ يَرَى } : فهو يعلم صِحَّةً ذلك . يقال : هو المنافق الذي يُعين على الجهاد قليلاً ثم يقطع ذلك :\r{ أَعِندُهُ عِلْمُ الْغَيْبِ } : فهو يرى حاله في الآخرة؟\r{ أَمْ لَمْ يُنَبَأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى وَِإبْرَاهِيمَ الَّذَِى وَفَّى } .\rأم لم يُنَبَأْ هذا الكافرُ بما في صحف موسى ، وصحف إبارهيم الذي وفّى؛ أي أتمَّ ما طُولِبَ به في نَفْسِه ومالِه ووَلدِه .\rقوله جلّ ذكره : { أَلاََّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ للإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى } .\rالناسُ في سَعْيِهم مختلِفون؛ فَمَنْ كان سعيُهُ في طلب الدنيا خَسِرت صفقتُه ، ومن كان سعيُهُ في طَلَبِ الجنة ربحت صفقته ، ومن كان سعيُهُ في رياضة نَفْسِه وصل إلى رضوان الله ، ومَنْ كان سعيُه في الإرادة شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَه ثم هداه إلى نَفْسِه .\rوأمَّا المُذْنِبُ - فإِذا كان سعيُهُ في طلب غفرانه ، ونَدَمِ القلبِ على ما اسودَّ من ديوانه ، فسوف يجد من الله الثوابَ والقربة والكرامة والزلفة .\rومَنْ كان سَعْيُه في عَدِّ أنفاسِه مع الله؛ لا يُعَرِّج على تقصير ، ولا يُفَرِّط في مأمور فسيرى جزاءَ سَعْيهِ مشكوراً في الدنيا والآخرة ، ثم يشكره بأَنْ يُخاطِبَه في ذلك المعنى بإِسماعهِ كلامَه من غير واسطة : عبدي ، سَعْيُك مشكور ، عبدي ، ذَنْبُكَ مغفور .\r{ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى } : هو الجزاءُ الأكبرُ والأَجَلُّ ، جزاءٌ غير مقطوعٍ ولا ممنوعٍ .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتُهَى } .\rإليه المرجعُ والمصيرُ ، فابتداءُ الأشياءِ من الله خَلْقاً . وانتهاءُ الأشياءِ إلى الله مصيراً .\rويقال : إذا انتهى الكلامُ إلى اللَّهِ تعالى فاسْكُتُوا .\rويقال : إذا وَصَلَ العبدُ إلى معرفةِ الله فليس بعدَه شيءٌ إلا ألطافاً من مالٍ أو منالٍ أو تحقيق آمالٍ أو أحولٍ . . . يُجْريها على مرادِه - وهي حظوظٌ للعباد .","part":7,"page":324},{"id":3325,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } .\rأراد به الضحك والبكاء المتعارَف عليهما بين الناس؛ فهو الذي يُجْريه ويَخْلُقُه .\rويقال : أضحك الأرضَ بالنباتِ ، وأبكى السماءَ بالمطرِ .\rويقال : أضحكَ أهلَ الجنة بالجنة ، وأبكى أهل النار بالنار .\rويقال : أضحك المؤمنَ في الآخرة وأبكاه في الدنيا ، وأضحك الكافرَ في الدنيا وأبكاه في الآخرة .\rويقال : أضحكهم في الظاهر ، وأبكاهم بقلوبهم .\rويقال : أضحك المؤمنَ في الآخرة بغفرانه ، وأبكى الكافرَ بهوانه .\rويقال : أضحك قلوبَ العارِفِين بالرضا ، وأبكى عيونهم بخوف الفراق .\rويقال : أضحكهم برحمته ، وأبكى الأعداءَ بسخطه .\rقوله جلّ ذكره : { وََأنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } .\rأماته في الدنيا ، وأحياه في القبر؛ فالقبر إما للراحة وإِما للإحساس بالعقوبة .\rويقال : أماته في الدنيا ، وأحياه في الحشر .\rويقال : أمات نفوسَ الزاهدين بالمجاهدة ، وأحيا قلوبَ العارفين بالمشاهدة .\rويقال : أماتها بالهيبة ، وأحياها بالأُنْس .\rويقال : بالاستتار ، والتجلِّي .\rويقال : بالإعراض عنه ، والإقبال عليه .\rويقال : بالطاعة ، والمعصية .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى } .\rسماهما زوجين لازدواجهما عند خلْقهما من النُّطْفة .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى } .\r{ أَغْنَى } : أعطى الغِنَى ، { وََأقْنَى } : أكثر القنية أي المال : وقيل { وَأَقْنَى } : أي أحوجه إلى المال - فعلى هذا يكون المعنى : أنه خَلَقَ الغِنَى والفقر .\rويقال : { وََأقْنَى } أي أرضاه بما أعطاه .\rويقال : { أَغْنَى } أي أقنع ، { وَأَقْنَى } : أي أرضى .","part":7,"page":325},{"id":3326,"text":"{ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } .\r( الشِّعرى : كوكبٌ يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر ، وكانت خزاعة تعبدها فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه ربُّ معبودهم هذا ) .\r{ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى } .\rعاد الأولى هم قوم هود ، وعاد الأخرى هي إرَم ذات العماد ، كما أهلك ثموداً فما أبقى منهم أحداً . وأهْلَكَ مِنْ قَبْلِهم قومَ نوحٍ الذين كانوا أظلمَ من غيرهم وأغوى لِطُولِ أعمارهم ، وقوة أجسادهم .\r{ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } .\rأي المخسوف بها ، وهي قرى قوم لوط ، قَلَبَها جبريل عليهم ، فهي مقلوبة معكوسة .\rوقوله : { أَهْوَى } أي : أسقطها اللَّهُ إلى الأرض بعدما اقتلعها من اصلها ، ثم عَكَسَها وألقاها في الأرض ، فغشاها ما غشاها من العذاب .\rقوله جلّ ذكره : { فَبِأَىِّ ءَالآءِ رَبَِّكَ تَتَمَارَى } .\rفبأي آلاء ربك - أيها الإنسان - تتشكك؟ وقد ذكر هذا بعد ما عدَّ إنعامَه عليهم وإحسانَه إليهم .\rقوله جلّ ذكره : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى } .\rهو محمد A ، أرسلناه نذيراً كما أرسلنا الرُّسُلَ الآخرين .\r{ أَزِفَتِ الأَزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ } .\rأي قَرُبَت القيامة . ولا يقدر أحدٌ على إقامتها إلا الله ، وإذا أقامها فلا يقدر أحدِّ على ردِّها وكَشْفِها إلا الله .\rويقال : إذا قامت قيامة هذه الطائفة - اليومَ- فليس لها كاشفٌ غيره . وقيامتُهم تقوم في اليوم غيرَ مَرَّةٍ . تقوم بالهَجْرِ والنَّوى والفراق .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ } .\rأفمن هذا القرآن تعجبون ، وتكونون في شكِّ ، وتستهزئون؟\r{ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ } : أي لاهون . . .\r{ فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَاعْبُدُواْ } : فاسجدوا لله ولا تعبدوا سواه .","part":7,"page":326},{"id":3327,"text":"أجمع أهلُ التفسير على أنَّ القمرَ قد انشقَّ على عهد الرسول A .\rقال ابن مسعود : « رأيت حراء بين فلقتي القمر » ولم يوجد لابن مسعود مخالف في ذلك؛ فقد روي أيضاً عن أنس وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم . . كلهم رووا هذا الخبر .\rوفيه إعجازٌ من وجهين : أحدهما رؤية مَنْ رأى ذلك ، والثاني خفاء مثل ذلك على مَنْ لم يَرَه؛ لأنه لا ينكتم مثله في العادة فإذا خفي كان نقض العادة .\rوأهل مكة رأوا ذلك ، وقالوا : إنَّ محمداً قد سحر القمر .\rومعنى { اقْتَرَبَتِ السَّاعِةُ } : أي ما بقي من الزمانِ إلى القيامةِ إلا قليلٌ بالإضافةِ إلى ما مضى .","part":7,"page":327},{"id":3328,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَإِن يَرَوْا ءِايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌ } .\rيعني أن أهل مكة إذا رأوا آية من الآيات أعرضوا عن النظر فيها ، ولو نظروا لحصل لهم العلمُ واجباً .\r{ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } : أي دائمٌ قويٌّ شديد . . . ويقال إنهم قالوا : هذا ذاهب لا تبقى مدته فاستمر : أي ذهب .\r{ وَكَذَّبُواْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ } : التكذيب واتباع الهوى قريبان؛ فإِذا حَصَل اتباعُ الهوى فمِنْ شُؤْمِه يحصل التكذيب؛ لأنَّ اللَّهَ يُلَبِّس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد .\rأما اتباع الرضا فمقرونٌ بالتصديق؛ لأنَّ اللَّهَ ببركاتِ اتباع الحقِّ يفتح عينَ البصيرة فيحصل التصديقِ .\rوكلُّ امرىءٍ جَرَتْ له القِسْمةُ والتقدير فلا محالةَ . يستقر له حصولُ ما قُسِمَ وقدِّر له .\r{ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } : يستقر عملُ المؤمنِ فتُوجَبُ له الجنة ، ويستقر عملُ الكافرِ فَيُجَّازَى .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الأَنبآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةُ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } .\rجاءهم من أخبارِ الأنبياءِ والأممِ الذين مِنْ قَبْلهِم والأزمنةِ الماضية ما يجب أَنْ يحصلَ به الارتداعُ ، ولكنَّ الحقَّ - سبحانه - أَسْبَلَ على بصائرهم سُجُوف الجهلِ فَعَموا عن مواضع الرشد .\r{ حِكْمَةُ بَالِغَةٌ . . . } : بدل من ( ما ) فيما سبق : ( ما فيه مزدجر ) .\rوالحكمةالبالغة هي الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن تفكّر فيها .\r{ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } : وأي شيء يغني إنذارُ النذيرِ وقد سَبَقَ التقديرُ لهم بالشقاء؟","part":7,"page":328},{"id":3329,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ } .\r{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } : ها هنا تمام الكلام - أي فأعرِضْ عنهم ، وهذا قبل الأمر بالقتال . ثم استأنف الكلامَ : { يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ . . . } والجواب : { يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ } - أراد به يوم القيامة .\rومعنى { نُّكُرٍ } : أي شيءٌ ينكرونه ( بِهَوْله وفظاعته ) وهو يوم البعث والحشر .\rوقوله : { خُشَّعاً } منصوب على الحال ، أي يخرجون من الأجداث - وهي القبور- خاشعي الأبصار .\r{ . . . كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } .\rكأنهم كالجراد لكثرتهم وتفَرقهم ، { مُّهْطِعِينَ } : أي مُديمي النظر إلى الداعي- وهو إسْرافيل .\r{ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } : لتوالي الشدائد التي فيه .\rقوله جلّ ذكره : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنهْمَرٍ } .\rكذب قوم نوح نبيَّهم ، وقالوا : إنه مجنون ، وزجروه وشتموه .\rوقيل : { وَازْدُجِرَ } : أي استطار عَقْلهُ ، أي قومُ نوحٍ قالوا له ذلك .\rفدعا ربَّه فقال : إِني مغلوب؛ أي بتسلُّطِ قومي عليَّ؛ فلم يكن مغلوباً بالحُجَّة لأنَّ الحُجَّةَ كانت عليهم ، فقال نوح لله : اللهمَّ فانتَصِرْ منهم أي انْتَقِمْ .\rففتحنا أبواب السماء بماءٍ مُنْصَبٍّ ، وشَقَقْنَا عيوناً بالماء ، فالتقي ماء السماءِ وماءُ الأرضِ على أمرٍ قد قُدِّرَ في اللوح المحفوظ ، وَقُدِرَ عليه بإهلاكهم!\rوفي التفاسير : أن الماء الذي نَبَعَ من الأرضِ نَضَبَ . والماء الذي نزل من السماء هو البخارُ اليومَ .\r{ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ } .\rوحملنا نوحاً على { ذَاتِ أَلْوَاحٍ } أي سفينة ، و { وَدُسُرٍ } يعني المسامير وهي جمع دسار أي مسمار .","part":7,"page":329},{"id":3330,"text":"{ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ } .\r{ بَأعْيُنِنَا } أي بمرأَى مِنَّا . وقيل : تجري بأوليائنا .\rويقال : بإعين ملائكتنا الذين وكلناهم لحفظهِم .\rويقال : بأعين الماء الذي أنبعتاه من أوجه الأرض .\r{ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ } : أي الذين كفروا بنوح .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَد تَّرَكْنَاهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّذَّكَرِ } .\rجعلنا أَمْرَ السفينةِ علامةً بَيِّنَةً لِمَنْ يعتبر بها .\r{ فَهَلْ مِن مُُّذَّكِرٍ } : فهل منكم من يعتبر؟ . أمَرَهم بالاعتبار بها .\rقوله جلّ ذكره : { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } .\rقالها على جهةالتعظيم لأمرِه .\rوقد ذَكَرَ قصة نوخٍ هنا عل أفصحِ بيانٍ وأقصرِ كلام وَأَتَمِّ معنًى .\rوكان نوحٌ - عليه السلام- أطول الأنبياء عمراً ، وَأشَدَّهم للبلاءِ مقاساةً .\rثم إن اللَّهَ - سبحانه - لما نَجَّى نوحاً متَّعه بعد هلاك قومه ومتع أولادَه ، فكلُّ مَنْ على وجه الأرض من أولا د نوح عليه السلام .\rوفي هذا قوةٌ لرجاء أهل الدين ، وإذا لقوا في دين الله محنةً؛ فإنَّ الله يُهلِكُ - عن قريب- عَدوَّهم ، ويُمكِّنُهم من ديارهم وبلادهم ، ويورثهم ما كان إليهم .\rوكذلك كانت قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه ، وسنةُ اللَّهِ في جميع أهل الضلال أن يُعِزَّ أولياءَه بعد أن يزهق أعداءَه .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } .\rيَسَّرنا قراءَتَه على ألسنةِ الناس ، ويسَّرنا عِلْمه على قلوبِ قوم ، ويسَّرنا فَهْمَه على قلوب قوم ، ويَسَّرْنا حِفْظَه على قلوبِ قومٍ ، وكلُّهم أهلُ القرآن ، وكلُّهم أهلُ القرآن ، وكلُّهم أهل الله وخاصته .\rويقال : كاشَفَ الأرواحَ من قوم - بالقرآن - قبل إدخالها في الأجساد .\r{ فَهَلْ مِن مُّدَّكَرٍ } لهذا العهد الذي جرى لنا معه .\rقوله جلّ ذكره : { كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ إِِنَّآ أَرْسْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى يَوْمٍ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } .\rكَذَّبوا هوداً ، فأرسلنا عليهم { رِيحاً صَرْصَراً } أي : باردةً شديدة الهُبوب ، يُسْمَعُ لها صوت .\r{ فِى يَوْمِ نَخْسٍ مُّسْتَمِرٍّ } أي : في يوم شؤم استمرَّ فيه العذابُ بهم ، ودام ذلك فيهم ثمانيةَ أيام وسَبْعَ ليالٍ ، وقيل : دائم الشؤم تنزع رياحُه الناسَ عن حُفَرِهم التي حفروها . حتى صاروا كأنهم أسافلُ نخلٍ مُنْقَطِع . وقيل : كانت الريح تقتلع رؤوسهم عن مناكبهم ثم تُلْقي بهم كأنهم أصول نخلٍ قطت رؤوسُها .","part":7,"page":330},{"id":3331,"text":"{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } .\rهَوَّنا قراءَتَه وحِفْظَه؛ فليس كتابٌ من كُتُبِ الله تعالى يُقْرَأُ ظهراً إلاََّ القرآن .\rقوله جلّ ذكره : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُّرِ فَقَالُوآ أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِى ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } .\rهم قوم صالح . وقد مضى القولُ فيه ، وما كان من عقرهم للناقة . . إلى أن أرسل الله عليهم صيحةً واحدةً أوجبت هذا الهلاك ، فَصيَّرَهم كالهشيم ، وهو اليابس من النبات ، { الْمُحْتَظِرِ } : أي : المجعول في الحظيرة ، أو الحاصل في الحظيرة .","part":7,"page":331},{"id":3332,"text":"فأرسلنا عليهم { حَاصِباً } : أي : حجارةً رُمُوا بها .\r{ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ } : أي : جعلنا إنجاءَهم في إِهلاك أعدائهم .\rوهكذا نجزي من شكر؛ فمثل هذا نعامِلُ به مَن شَكَرَ نعمتنا .\rوالشُّكْرُ على نِعَم الدفع أتمُّ من الشكر على نِعَم النفع - ولا يَعْرِفُ ذلك إلا كلُّ مُوَفَّق كَيِّس .","part":7,"page":332},{"id":3333,"text":"جاء جبريلُ ومَسَحَ بجناحه عَلى وجوههم فَعمُوا ، ولم يهتدوا للخروج - وكذلك أجرى سُنَّتَه في أوليائه أنْ يَطْمِسَ على قلوبِ أعدائهم حتى يلبس عليهم كيف يؤذون أولياءَه ثم يُخَلِّصُهم من كيدهم .","part":7,"page":333},{"id":3334,"text":"أخبر أنه يفعل هذا بأعداء الرسول صلىلله عليه وسلم ، وحقٌّق ذلك يوم بَدر ، فصار ذلك معجزاته صلوات الله عليه وسلامه .","part":7,"page":334},{"id":3335,"text":"سَحْبُهم على الوجوهِ أمارةٌ لإذْلالهم ، ولو كان ذلك مرةً واحدةً لكانت عظيمة - فيكيف وهو التأبيد والتخليد؟!\rوكما أنََّ أمارةَ الذُلِّ تظهر على وجوههم فعلامةُ إعزازِ المؤمنين وإكرامهم تظهر على وجوههم ، قال تعالى : { وُجُوةٌ يَؤمَئِذٍ نَّاَضِرَةٌ } [ القيامة : 22 ] . وقال : { تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } [ المطففين : 24 ] .","part":7,"page":335},{"id":3336,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدرٍ } .\rأي بِقَدَرٍ مكتوب في اللوح المحفوظ .\rويقال : خلقناه بقدر ما عَلِمْنا وأردْنا وأخبرْنا .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ } .\rأي إذا أردنا خَلْقَ شيءٍ لا يتعسَّرُ ولا يتعَذَّرُ علينا ، نقول له : كُنْ - فيكون بقدرتنا . ولا يقتضي هذا استئناف قولٍ في ذلك الوقت ولكن استحقاق أن يقال لقوله القدم أن يكون أمراً لذلك المكون إنما يَحصل في ذلك الوقت .\r{ كَلَمْحِ بِالْصَبرِ } : أي كما ان هذا القَدْرَ عندكم أي قَدْرَ ما يلمح أحدُكم ببصره لا تلحقكم به مشقةٌ - كذلك عندنا : إذا أردنا نخلق شيئاً- قلّ أو كَثُرَ ، صَغُرَ أو كَبُرَ لا تلحقنا فيه مشقة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } .\rأي أهلكنا القرونَ التي كانت قبلكم فكلُّهم أمثالكم من بني آدم . . .\r{ وَكُلُّ شَئٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ } .\rفي اللوح المحفوظ مكتوبٌ قبل أن يعمله . وفي صحيفة الملائكة مكتوب . لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها . .\r{ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } .\rكلُّ صغيرٍ من الخَلْق ، وكلُّ كبيرٍ من الخَلْقِ- تخترمه المنيَّةُ .\rويقال : كلُّ صغيرٍ من الأعمال وكبيرٍ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ ، وفي ديوان الملائكة .\rوتعريف الناس عما يكتبه الملائكة هوعلى جهة التخويف؛ لئلا يتجاسر العبدُ على الزَّلَّةِ إذا عرف المحاسبة عليها والمطالبة بها .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الْمُتَقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر }\rلهم بساتين وأنهار ، والجمعُ إذا قوبل بالجمع فالآحادُ تُقابَلُ بالآحاد .\rفظاهرُ هذا الخطاب يقتضي أن يكون لكل واحدٍ من المتقين جنةٌ ونَهْرٌ .\r{ فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ } : أي في مجلس صِدْقٍ .\r{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } : أراد به عِنْديََّةَ القْرْبة والزلفة .\rويقال : مقعد الصدق أي مكان الصدق ، والصادق في عبادته مَنْ لا يتعبَّدُ على ملاحظة الأطماع ومطالعة الأعواض .\rويقال : مَنْ طلب الأعواض هَتَكَتْه الأطماع ، ومَنْ صَدَقَ في العبوديَّة تحرَّرَ عن المقاصد الدَّنِيَّة .\rويقال : مَنْ اشتغل بالدنيا حَجَبَتْه الدنيا عن الآخرة ، ومَنْ أَسَرَه نعيمُ الجنة حُجِبَ عن القيامة بالحقيقة ، ومَنْ قام بالحقيقة شُغِلَ عن الكوْن بجملته .","part":7,"page":336},{"id":3337,"text":"أي الرحمن الذي عَرَفَه الموحِّدون وجَحَدَه الكافرون هو الذي علَّم القرآن . ويقال : الرحمن الذي رحمهم ، وعن الشِّرك عَصَمَهم ، وبالإيمان أكرمهم ، وكلمةَ التقوى ألزمهم - هو الذي عرَّفهم بالقرآن وعلَّمهم .\rويقال : انفرد الحقُّ عرَّفهم بالقرآن لعِباده .\rويقال : أجرى اللَّهُ سُنَّتَه أنه إذا أعطى نبينا A شيئاً أَشْرَكَ أُمتَّه فيه على ما يليق بصفاتهم؛ فلمَّا قال له ( A ) : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } [ النساء : 113 ] .\rقال لأمته : { الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ } .\rويقال : علَّم الله آدمَ الأسماءَ كلَّها ثم أمره بِعَرْضها على الملائكة وذكر آدمُ ذلك لهم - قال تعالى : { أنبئني بأسماء هؤلاء } [ البقرة : 33 ] يا آدم ، وعلَّمَ ( نبيُّنا صلى عليه وسلم ) المسلمين القرآنَ فقال A : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، والمُصَلِّي مُناجٍ ربه » قال لآدم : أُذْكُرْ ما علَّمْتُكَ للملائكة . وقال لنا : ناجِنِي يا عبدي بما عَلَّمْتُك . وقد يُلاطَفُ مع أولاد الخَدم بما لا يُلاطَفُ به آباؤهم .\rويقال : لمَّا علَّم آدمَ أسماء المخلوقاتِ قال له : أَخْبِرْ الملائكة بذلك ، وعلَّمَنَا كلامَه وأسماءَه فقال : اقْرأوا عليَّ وخاطِبوا به معي .\rويقال : علَّم الأرواحَ القرآن - قَبْلَ تركيبها في الأجساد بلا واسطة ، والصبيانُ إنما يُعَلَّمُونَ القرآن - في حالِ صِغَرِهم - قبل أَنْ عَرَفَتْ أرواحُنا أحداً ، أو سَمِعْنا من أحدٍشيئاً . . علَّمَنَا أسماءَه .\rأتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادَفَ قلبي فارغاً فَتَمَكَّنا\rويقال : سقياً لأيامٍ مضت - وهو يُعلِّمنا القرآن .\rويقال : برحمته علّمَهم القرآن؛ فبرحمته وصلوا إلى القرآن - لا بقراءة القرآن يَصِلُون إلى رحمته .","part":7,"page":337},{"id":3338,"text":"قوله جلّ ذكره : { خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ البَيَانَ } .\r{ الإِنْسَانَ } : ها هنا مجَنْسُ الناس؛ عَلَّمَهم البيانَ حتى صاروا مُمَيزَّين - فانفصلوا بالبيان عن جميع الحيوان . وعَلَّمَ كُلَّ قومٍ لسانَهم الذي يتكلمون ويتخاطبون به .\rوالبيانُ ما به تبينُ المعاني - وشَرْحُه في مسائل الأصول .\rويقال : لمَّا قال أهلُ مكة إنما يُعلِّمه بَشَرٌ ردَّ الله - سبحانه- عليهم وقال : بل عَلَّمَه اللَّهُ؛ فالإنسانُ على هذا القول هو محمد A . وقيل هو آدم عليه السلام .\rويقال : البيان الذي خُصَّ به الإنسان ( عموماً ) يعرِفُ به كيفيةَ مخاطبةِ الأغيار من الامثال والأشكال . وأمَّا أهل الإيمان والمعرفة فبيانُهم هو عِلْمُهم كيفيةَ مخاطبةِ مولاهم - وبيانُ العبيدِ مع الحقِّ مختلفٌ : فقومٌ يخاطِبونه بلسانهم ، وقومٌ بأنفاسهم ، وقوم بدموعهم :\rدموعُ الفتى عمَّا يحسُّ تترجمُ ... وأشواقه تبدين ما هو يكتم\rوقومُ بأنينهم وحنينهم :\rقُلْ لي بألسنة التنفُّس كيف أنت وكيف حالك؟\rقوله جلَّ ذكره : { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } .\rيعني يجري أمرهما على حدٍّ معلومٍ من الحساب في زيادة الليل والنهار ، وزيادة القمر ونقصانه ، وتُعْرَفُ بجريانهما الشهورُ والأيامُ والسنون والأعوام . وكذلك لهما حساب إذا انتهى ذلك الأَجَلُ . . فالشمسُ تُكَوَّرُ والقمرُ يَنْكَدِر .\rوكذلك لشمسِ المعارفِ وأقمارِ العلوم - في طلوعها في أوج القلوبِ والأسرار - في حكمة الله حسابٌ معلومٌ ، يُجْريهَا على ما سَبَق به الحُكْمُ .\rقوله جلّ ذكره : { وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } .\rويقال : النجم من الأشجار : ما ليس له ساق ، والشجر : ما له ساق .\rويقال : النجومُ الطالعةُ والأشجارُ الثابتةُ { يَسْجُدَانِ } سجودَ دلالة على إثبات الصانع بنعت استحقاقه للجلال .","part":7,"page":338},{"id":3339,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ } .\rسَمَكَ السماءَ وأعلاها ، وعلى وصفِ الإتقانِ والإحكام بناها ، والنجومَ فيها أجراها ، وبثَّ فيه كواكبَها ، وحفظ عن الاختلالِ مناكِبهَا ، وأثبت على ما شاءَ مشارقَها ومغاربَهَا . . . وَخَلَقَ الميزانَ بين الناس ليعتبروا الإنصافَ في المعالملات بينهم .\rويقال : الميزانُ العَدْلُ .\r{ أَلاَّ تَطْغُوْا فِى الْمِيزَانِ } .\rاحفظوا العَدْل في جميع الأمور؛ في حقوق الآدميين وفي حقوق الله ، فيعتبرُ العدلُ ، وتَرْكُ الحَيْفِ ومجاوزةُ الحدِّ في كل شيءٍ؛ ففي الأعمال يُعْتَبَرُ الإخلاصُ ، وفي الأحوال الصدقُ ، وفي الأنفاس الحقائقُ ومساواةُ الظاهرِ والباطنِ وتَرْكُ المداهنةِ والخداعِ والمكرِ ودقائق الشِّرِك وخفايا النفاق وغوامض الجنايات .\r{ وََأقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ } .\rوأقميوا الوزن بالمكيال الذي تحبون أن تُكَالوا به ، وعلى الوصف الذي ترجون أن تنالوا به مطعمكم ومشربكم دون تطفيف .\rقوله جلّ ذكره : { وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصفِ وَالرَّيْحَانُ } .\rخلق الأرض وَجَعلَها مهاداً ومثوى للأنام .\rويقال : وضعها على الماء وبسط أقطارها ، وأنبت أشجاها وأزهارها ، وأجرى أنهارها وأغطش ليلها وأوضح نهارَها .\r{ فِيهَا فَاكِهَةٌ . . . } يعني ألوانُ الفاكهة المختلفة في ألوانها وطعومها وروائحها ونفعها وضررها ، وحرارتها وبرودتها . . وغير ذلك من اختلافٍ في حَبِّها وشجرها ، وورقها ونَوْرَها .\r{ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ } وأكمام النخل ليفها وما يُغِطَِّها من السَّعف .\r{ وَالْحَبُّ } : حَبُّ الحنطة والشعير والعدس وغير ذلك من الحُبوب .\r{ ذُو الْعَصْفِ } : والعصف ورق الزرع .\r{ وَالرَّيْحَانُ } الذي يُشَمُّ . . ويقال : « الرزق لأن العرب تقول : خرجنا نطلب ريحانَ الله » .\rذكَّرهم عظِمَ مِنَّتِه عليهم بما خَلَقَ من هذه الأشياء التي ينتفعون بها من مأكولاتٍ ومشمومات وغير ذلك .","part":7,"page":339},{"id":3340,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَبِأَىِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\rفبأي آلاء ربكما تجحدان؟ والآلاءُ النَّعماء .\rوالتثنيةُ في الخطاب للمُكلَّفين من الجِنِّ والإِنس .\rويقال : هي على عادة العرب في قولهم : خليليَّ ، وقِفَا ، وأرحلاها بأغلام ، وأرجراها بأغلام .\rقوله جلّ ذكره : { خَلَق الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } .\r{ الإِنسَانَ } : يعني آدم ، والصلصالُ الطينُ اليابس الذي إذا حُرِّكَ صَوَّتَ كالفخار . ويقال : طين مخلوط بالرمل .\rويقال : مُنَتَّتٌ؛ من قولهم صَلَّ وأَصَلَّ إذا تَغيرَّ .\r{ وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ } .\rالمارج : هو اللهب المختلط بواد النار .\r{ فَبِأَىِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\rيُذَكِّرُ الخَلْقَ من الجن والإنس كما سبق - وكرَّر اللَّهُ سبحانه هذه الآية في غير موضع على جهة التقرير بالنعمةعلى التفصيل ، أي نعمةً بعد نعمة .\rووجُه النعمة في خلق آدم من طين أنه رقاه إلى رتبته بعد أن خلقه من طين . ويقال ذَكَّرَ آدمَ نِسبتَه وذكَّرنا نسبَتنا لئلا نْعَجبَ بأحوالنا .\rويقال عَرَّفَه قدَرَه لئلا يتعدَّى طَوْرَه .\rقوله جلّ ذكره : { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَىِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ الْمَشْرِقَيْنِ } : مشرق الصيف ومشرق الشتاء وكذلك مغربيهما .\rووجه النعمة في ذلك جريانهما على ترتيب واحدٍ حتى يكمل انتفاع الخَلْقِ بهما .\rويقال : مشرق القلب ومغربه ، وشوارق القلب وغوار به إنما هي الأنوار والبصائر التي جرى ذِكْرُ بعضها فيما مضى .","part":7,"page":340},{"id":3341,"text":"{ بَرْزَخٌ } أي حاجز بقدرته لئلا يغلب أحدهما الآخر ، أراد به البحر العذب والبحر الملح . ويقال : لا يبغيان علىلناس ولا يغرقانهم .","part":7,"page":341},{"id":3342,"text":"الؤلؤ : كبار الدُرِّ ، والمَرجان : صغار الدُّرِّ . ويقال : المرجان النَّسْلِ .\rوفي الإشارة : خَلَقَ في القلوب بحرين : بحر الخوف وبحر الرجاء . ويقال القبض والبسط . وقيل الهيبة والأُنس . يُخرج منها اللؤلؤ والجواهر وهي الأحوال الصافية واللطائف المتوالية .\rويقال : البحران : إشارة إلى النفس والقلب ، فالقلب هو البحر العَذْب والنفس هي البحر الملح . . فمن بحر القلب كلُّ جوهرٍ ثمين ، وكلُّ حالة لطيفة . . ومن النفس كل خلق ذميم . والدرُّ من أحد البحرين يخرج ، ومن الثاني لا يكون إلا التمساح مما لا قَدْرَ له من سواكن القلب . { بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } : يصون الحقُّ هذا عن هذا ، فلا يَبْغي هذا على هذا .","part":7,"page":342},{"id":3343,"text":"{ الجواري } : واحدها جارية ، وهي السفينة .\r{ كَالأَعْلاَمِ } : الجبال . له هذه السفن التي أنشئت وخلقت في البحر كَأَنها الجبال العالية .","part":7,"page":343},{"id":3344,"text":"كل من على وجه الأرض في حكم الفناء من حيث الجواز . ومن حيث الخبر : « ستفنى الدنيا ومن عليها ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام » « والوجه » : صفة لله- سبحانه- لم يدلّ عليه العقل قطعاً ودلَّ عليه جَوازاً ، وورد الخبر بكونه قطعاً .\rويقال : في بقاءِ الوجه بقاءُ الذات ، لأن الصفة لا تقوم بنفسها ، ولا محالة شَرطها قيامها بنفسه وذاته . وفائدة تخصيص الوجه بالذكر أن ما عداه يُعْرَفُ بالعقل ، والوجه لا يُعْلَمُ بالعقل ، وإنما يُعْرَفُ بالنقل والأخبار . و « يبقى » : وفي بقائه . سبحانه خَلَفٌ عن كلِّ تلفٍ ، وتسليةٌ للمسلمين عمَّ يصيبهم من المصائب ، ويفوتهم من المواهب .","part":7,"page":344},{"id":3345,"text":"أهلُ السمواتِ يسألون أبداً المغفرة ، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرَة ، أي لا بُدَّ لأحدٍ منه ( سبحانه ) .\rوفي السموات والأرض مَنْ لا يسأله : وهم مَنْ قيل فيهم : « مَنْ شَغَلَه ذِكْري عن مسألتي أعطيته أفضلَ ما أُعطي السائلين » .\rويقال : ليس كلُّ مَنْ في السمواتِ والأرض يسألونه مِمَّا في السموات والأرض ولكن :\rبين المحبين سِرُّ ليس يُغْشيه ... قَوْلٌ ولا قَلَمٌ للخَلْق يحكيه\r{ كُلَّ يَومٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } مِنْ إحياء وإماتة ، وقبض قوم وبَسْطِ قومٍ . . . وغير ذلك من فنون أقسام المخلوقات ، وما يُجْريه عليها من اختلاف الصفات .\rوفي الآية ردُّ على اليهود حيث قالوا : إنَّ اللَّهَ يستريح يومَ السبت لا يفعل شيئاً ، فأخبر أنه كل يوم هو في شأن ، ولو أُخْلِيَ العالَم لحظةً من حِفْظِه لتلاشى وبَطُلَ .\r( ومن شأنه أن يغفرَ ذنباً ، ويَسْتُرَ عيباً ، ويُذْهِبَ كرباً ) ، ويُطَيِّبُ قلباً ، ويُقْصِي عَبْداً ويُدْنِي عبداً . . . إلى غير ذلك من فنون الأفعال . وله مع عباده كلَّ ساعَةٍ بِرٌّ جديدٌ ، وسِرٌّ بينه وبين عبده - عن البقاء - بعيد .\rويقال : كل يوم هو في شأنِ سَوْقِ المقادير إلى أوقاتها .\rويقال : كل يوم هو في شأنِ إظهارِ مستورٍ وسَتْرِ ظاهرٍ ، وإحضارِ غائبٍ وتغييبِ حاضرٍ .","part":7,"page":345},{"id":3346,"text":"أي للحساب يومَ القيامة- وليس به اشتغالٌ . . . تعالى اللَّهُ عن ذلك .\rومعنىلآية : سنقصد لحسابكم .","part":7,"page":346},{"id":3347,"text":"أقطارُ السمواتِ والأرضِ نواحيها . أي إِنْ قدرتم أن تخرجوا من مُلْكِه فاخرجوا .\rثم قال : { لاَ تَنفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطَانٍ } . أي لا تَصِلون إلى موضع إلاَّ وهنا سلطاني ومُلْكي ولا تنفذون في قُطْرٍ إلا وهناك عليكم حجة .","part":7,"page":347},{"id":3348,"text":"أي فلا تنتقمان . والشواظُ : اللَّهَبُ من النار لا دخانَ معه . والنحاس : الصُّفْرُ المذاب .","part":7,"page":348},{"id":3349,"text":"ينفكُّ بعضها عن بعض وتصير في لون الورد الأحمر . ويقال : بها الفُرُش الموردة كالدهان وهو جمع دهن . أي كدهن الزيت وهو دردي الزيت .\rويقال : كما أن الوردة يتلوَّن لونُها؛ إذ تكون في الربيع إلى الصُّفْرة ، فإذا اشتدت الوردة كانت حمراء ، وبعد ذلك إلى الغبرة فكذلك حالُ السماء تتلون من وصفٍ إلى وصفٍ في القيامة .","part":7,"page":349},{"id":3350,"text":"أراد في بعض أحوال القيامة لا يُسألون ، ويُسْأَلون في البعض . . . فيومُ القيامة\rطوِيلٌ .\rويقال : لمَّا كانت لهم يومئدٍ علامات : فللكفارِ سوادُ الوجه وزُرْقَةُ العين ، وللمسلمين بياض الوجه وغير ذلك من العلامات فالملائكة لا يحتاجون إلى سؤالهم : من أنتم؟ لأنهم يعرفون كُلاًّ بسيماهم .\rويقال : لا يُسْأَلون سؤالاً يكون لهم ويُسْأَلون سؤالاً يكون عليهم .","part":7,"page":350},{"id":3351,"text":"المؤمنون غُرٌّ مُحَجَّلُون ، والكفَّارُ سود الوجوهِ زُرْقُ العيون ، فيعرف الملائكة هؤلاء فيأخذون بنواصيهم ويَجُرُّونهم مرة ومرةً بأقدامهم ثم يلقونُهم في النار ، ويطرحونهم في جهنم :","part":7,"page":351},{"id":3352,"text":"يقال لهم : هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون!\r{ حَمِيمٍ } : ماءٌ حارٌّ . { ءَانٍ } تناهى في النضج .","part":7,"page":352},{"id":3353,"text":"يقال : لِمَنْ خاف قُرْبَ ربِّه منه واطلاعه عليه .\rويقال : لمن خالف وقوفَه غداً بين يدي الله - جنتان ، ولفظة التثنية هنا على العادة في قولهم : خليليَّ ونحوه .\rوقيل : بل جنتان على الحقيقة ، ومُعَجَّلة في الدنيا من حلاوة الطاعة وروح الوقت ، ومؤجَّلة في الآخرة وهي جنة الثواب . ثم هم مختلفون في جنات الدنيا على مقادير أحوالهم كما يختلفون في الآخرة على حسب درجاتهم .","part":7,"page":353},{"id":3354,"text":"دلَّ على أن الجنتين في الآخرة . والأفنانِ الأغصان . وهي جمع فنن .\rويقال : ذواتا ألوانٍ من كلِّ صنفٍ ولونٍ تشتهيه النَّفْسُ والعينُ - وتكون جمع فن . { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } إحداهما التنسيم ، والاخرى السلسبيل .\rويقال : عينان تجريان غداً لمن كان له - اليومَ - عينان تجريان بالدموع .","part":7,"page":354},{"id":3355,"text":"زوجان أي صِنْفان وضَرْبان؛ كالرطب واليابس ، والعنب والزبيب .\rويقال : إنها في نهاية الحسن والجودة .","part":7,"page":355},{"id":3356,"text":"بطائنها من استبرق فكيف بظهائرها؟ « والبطائن » : ما يلي الأرض . « والاستبرق » : الديباج الغليظ . وإنما خاطَبَهم على قَدْرِ فَهْمِهم؛ إذا يقال إنه ليس في الجنة شيء مما يُشْبِه ما في الدنيا ، وإنما الخطاب مع الناس على قَدْرِ أفهامهم .\r{ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } : أي ما يجتنى من ثمَرها - إذا أرادوه- دنا إلى أفواههم فتناولوه من غير مَشَقَّةٍ تنالهم . وفي الخبر المسند : « مَنْ قال سبحان الله والحمد الله ولا إله إلأ الله والله أكبر غَرَسَ الله له شجرةً في الجنة أصلها الذهب وفرعها الدر وطلعها كثدي الأبكار ألين من الزبد وأحلى من العسل ، كلما أخذ منها شيئاً عاد كما كان » - وذلك قوله : { ودنا الجنتين دان } .\rويقال : ينالها القائم والقاعد والنائم .","part":7,"page":356},{"id":3357,"text":"أي في الجنان حورٌ قَصَرٍن عيونَهن عن غير أزواجهن .\rوإذا كانت الزوجاتُ قاصراتِ الطَّرْفِ عن غير أزواجهن فأَوْلى بالعبد إذ رجا لقاءَه - سبحانه - أن يقصر طَرْفَه وَيَغُضَّه عن غير مُبَاحٍ .\rبل عن الكُلِّ . . . إلى أن يلقاه .\rويقال : من الأولياء مَنْ لا يَنْظُرُ إليهن - وإنْ أُبيح له ذلك لتحرُّره عن الشهوات ، ولعلوِّ همته عن المخلوقات - وأنشدوا :\rجِنِنَّا بَليْلَى وهي جُنَّتْ بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها\rويقال : هُنَّ لمن قصرت يدُه عن الحرام والشبهة ، وطرفُه عن الرِّيَبِ .\r{ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ } : لم يصحبهن غيرُ الوليّ ولم يَحْزُنَ غيرَه ، وفي الخبر : « اشتاقت الجنة لثلاثة » .","part":7,"page":357},{"id":3358,"text":"أي : في صفاء الياقوت ولون المرجان .","part":7,"page":358},{"id":3359,"text":"يقال : الإحسانُ الأول من الله والثاني من العبد؛ أي : هل جزاء مَنْ أحسنَّا إليه بالنصرة إلاَّ أن يُحْسِن لنا بالخدمة؟ وهل جزاء مَنْ أحسنَّا إليه بالولاء إلا أن يحسن لنا بالوفاء؟\rويصح أن يكون الإحسانُ الأول من العبد والثاني من الله؛ أي : هل جزاء من أحسن من حيث الطاعة إلا أن يُحْسَنَ إليه من حيث القبول والثواب؟\rوهل جزاء من احسن من حيث الخدمة إلا أن يُحْسَنَ إليه من حيث النعمة؟\rويصح أن يكون الإحسانان من الحقِّ؛ أي : هل جزاء مَنْ أحسنَّا إليه في الابتداء إلا أن نُحْسِنَ إليه في الانتهاء؟ وهل جزاء مَنْ فاتحناه باللُّطف إلا أن نُرْبِيَ له في الفضل والعطف؟\rويصحُّ أن يكون كلاهما من العبد؛ أي : هل جزاء من آمن بنا إلاَّ أَن يَثْبت في المستقبل على إيمانه؛ وهل جزاء مَنْ عَقَد معنا عقد الوفاء إلا أَنْ يقوم بما يقتضيه بالتفصيل؟\rويقال : هل جزاء مَنْ بَعُدَ عن نَفْسِه إلاَّ أَنْ نُقَرِّبَه مِنَّا؟\rوهل جزاء مَنْ فَنِيَ عَنْ نَفْسِه إلاَّ أَنْ يبقى بنا؟\rوهل جزاء مَنْ رَفَعَ لنا خطوة إلاَّ أَن نكافِئِه بكل خطوة ألف حظْوَة ، وهل جزاء من حفظ لنا طَرْفَه إلا أن نُكْرِمَه بلقائنا؟ .","part":7,"page":359},{"id":3360,"text":"هما جنتان غير هاتين اللتين ذُكِرَتا؛ جنتان أُخْرَيان . وليس يريد دونهما في الفضل ، لكن يريد { جَنَّتَانِ } سواهما .","part":7,"page":360},{"id":3361,"text":"أي : خضروان خُضْرةً تضرب إلى السواد . فالدهمة السواد والفعل منه ادهامَّ والاسم منه مُدْهامٌّ . وللمؤنث مدهامَّة . ولتثنية المؤنث مدهامتان .","part":7,"page":361},{"id":3362,"text":"والنَّضْخُ فَوَرانُ العينَ بالماء .","part":7,"page":362},{"id":3363,"text":"الأسماء متشابهة . . . والعيون فلا .","part":7,"page":363},{"id":3364,"text":"أي : حورٌ خَيِّرات الأخلاق حِسانُ الوجوه . واحدها خَيِّرة والجمع خيِّرات وهذا هو الأصل ثم خُفِّف فصارت خيرات .","part":7,"page":364},{"id":3365,"text":"محبوسات على أزواجهن . وهُنَّ لِمَنْ هو مقصورٌ الجوارح عن الزَّلاَّت ، مقصورُ القلب عن الغفلات ، مقصور السِّرِّ عن مساكنة الأشكال والأعلال والأشباه والأمثال .\rوفي بعض التفاسير : أن الخيمة من دُرَّةٍ مجوفة فرسخ في فرسخ لها ألف باب .\rويقال : قصرت أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن . وفي الخبر : « أنهن يقلن : نحن الناعمات . فلا نبؤس ، الخالدات فلا نبيد ، الراضيات فلا نسخط » .\rوفي خبر عن عائشة Bها : « ونحن المتصدِّقاتُ وما تَصَدَّقْتُنَّ » قالت عائشة يغلبهن قولُه :\r{ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلُهُمْ وَلاَجَآنٌّ } .","part":7,"page":365},{"id":3366,"text":"قيل : رياض الجنة ، وقيل : المجالس ، وقيل : الزرابيّ والوسائد - وهي خُضْرٌ { وعبقري حسان } : العبقري عند العرب كلُّ ثوبٍ مُوَشَّى .","part":7,"page":366},{"id":3367,"text":"مضى تفسيره .","part":7,"page":367},{"id":3368,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذَا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعِتهَا كَاذِبةٌ } .\rإذا قامت القيامة لا يردُّها شيءٌ .\r{ كَاذِبَةٌ } ها هنا مصدر : كالعافية ، والعاقبة : أي : هي حقَّةٌ لا يدرها شيءٌ ، وليس في وقوعها كذب .\rويقال : إذا وقعت الواقعة فَمَنْ سَلَكَ منهاج الصحة والاستقامة وَصَلَ إلى السلامة ولقي الكرامة ، ومَنْ حادَ عن نهج الاستقامة وَقَعَ في الندامة والغرامة ، وعند وقوعها يتبين الصادق من المماذق :\rإذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ ... تَبَيَّنَ مَنْ بكى مِمَّن تباكى\r{ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } .\r{ خَافِضَةٌ } لأهل الشقاوة ، { رَّافِعَةٌ } : لأهل الوفاق .\r{ خَافِضَةٌ } : للنفوس ، { رَّافِعَةٌ } : للقلوب .\r{ خَافِضَةٌ } لأهل الشهوة ، { رَّافِعَةٌ } : لأهل الصفوة .\r{ خَافِضَةٌ } : لمن جَحَد ، { رَّافِعَةٌ } : لمن وَحَدَ .\rقوله جلّ ذكره : { إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً } .\rحُرِّكت حركةً شديدة .\rقوله جلّ ذكره : { وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً } .\rفُتَّتَت فكانت كالهباء الذي يقع في الكوَّة عند شعاع الشمس .","part":7,"page":368},{"id":3369,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ المَشْئَمَةِ مَآ أَصْحَابُ المَشْئَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّبِقُونَ } .\r{ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } ؟ على جهته التفخيم لشأنهم والتعظيم لِقَدْرهم وهم أصحاب اليمن والبركة والثواب .\r{ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْئَمةِ } : على جهة التعظيم والمبالغة في ذَمِّهم ، وهم أصحاب الشؤم على أنفسهم ويقال : أصحاب الميمنة هم الذين كانوا في جانب اليمين من آدم عليه السلام يومَ الذَّرِّ ، وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا على شماله .\rويقال : الذين يُعْطُوْن الكتابَ بأَيمْانهم ، والذين يُعْطَوْن الكتاب بشمائلهم .\rويقال : هم الذين يُؤْخَذُ بهم ذات اليمين . . إلى الجنة ، والذين يُؤْخَذُ بهم ذات الشمال . . إلى النار .\r{ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } : وهم الصف الثالث . وهم السابقون إلى الخصال الحميدة ، والأفضال الجميلة .\rويقال : السابقون إلى الهجرة . ويقال : إلى الإسلام . ويقال : إلى الصلوات الخمس .\rويقال : السابقون بصدْق القَدَم . ويقال : السابقون بعُلُوَّ الهِمَم . ويقال : السابقون إلى كل خير . ويقال السابقون المتسارعون إلى التوبة من الذنوب فيتسارعون إلى النَّدمَ إن لم يتسارعوا بصدق القَدَم .\rويقال : الذين سبقت لهم من الله الحسنى فسبقوا إلى ما سبق إليه :\r{ أُوْلَئِِك المُقَرَّبُونَ } .\rولم يقل : { المتقربون } بل قال : أولئك المُقَرَّبون- وهذاعين الجَمْع ، فعَلِمَ الكافة أنهم بتقريب ربهِّم سبقوا- لا بِتقَرُّبهم .\r{ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .\rأي : في الجنة . ويقال : مقربون إلا من الجنة فمحال أن يكونوا في الجنة ثم يُقَرَّبون من الجنة ، وإنما يُقَرَّبُون إِلى غير الجنة : يُقَرَّبون من بِساط القربة . .\rوأنَّى بالبساط ولا بساط؟! مقربون . . . ولكن من حيث الكرامة لا من حيث المسافة؛ مُقَرَّبةٌ نفوسُهم من الجنة وقلوبهُم إلى الحقِّ .\rمُقَرَّبةٌ قلوبهُم من بساط المعرفة ، وأرواحُهم من ساحات الشهود - فالحقُّ عزيز . . لا قُرْبَ ولا بُعْدَ ، ولا فَصْلَ ولا وَصْلَ .\rويقال : مقربون ولكن من حظوظِهم ونصيِبهم . وأحوالُهم - وإنْ صَفَتْ - فالحقُّ وراء الوراء .","part":7,"page":369},{"id":3370,"text":"قوله جلّ ذكره : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأَخِرِينَ } .\rالثُّلّة : الجماعة . ويقال : ثلة من الأولين الذين شاهدوا أنبياءَهم وقليل من الآخرين الذين شاهدوا نبيَّنَا A .\rويقال : ثُلّةٌ من الاولين : من السلف وقليل من المتأخرين : من الأمة .\r{ عَلَى سُرُرٍمَّوْضُونَةٍ } .\rأي منسوخة نسيج الدرع من الذهب . جاء في التفسير : طولُ كل سريرٍ ثلاثمائة ذراع ، إنْ أراد الجلوسَ عليه تواضع ، وإن استوى عليه ارتفع .\r{ مُّتَّكِئينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ } .\rأي لا يرى بعضُهم قفا بعضٍ . وَصَفهم بصفاء المودة وتَهَذُّب الأخلاق .\r{ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ } .\rيطوف عليهم وهم مقيمون لا يبرحون ولدانٌ في سِنِّ واحدة . . . لا يهرمون .\rوقيل : مُقَرَّطون ( الخَلدة . القُرْط ) .\r{ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسِ مِّن مَّعِينٍ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ } .\r{ بِأَكْوَابٍِ } جمع كوب وهي آنية بلا عروة ولا خرطوم ، { وَأَبَارِيِقَ } : جمع إبريق وهو عكس الكوب ( أي له خرطوم وعروة ) .\rولاصداع لهم في شربهم إياها ، كما لا تذهب عقولهم بسببها .\rولهم كذلك فاكهة مما يتخيرون ، ولحم طيرٍ مما يشتهون ، وحُورٌ عين ، كأمثال اللؤلؤ المكنون ، أي : المصون ، جزاءً بما كانوا يعملون .","part":7,"page":370},{"id":3371,"text":"اللغو : الباطل من القول ، والتأثيم : الإثم والهذيان .\rولا يسمعون إلا قيلاً سلاماً ، وسلاماً : نعت للقيل","part":7,"page":371},{"id":3372,"text":"{ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ اليَمِينِ فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ } : لا شوكَ فيه ، { وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } والطلح شجر الموز ، متراكم نضيد بعضه على بعض .\r{ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } كما بين الإسفار إلى طلوع الشمس . وقيل : ممدود أي دائم .\r{ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ } : جَارٍ لا يتعبون فيه .\r{ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ } : لا مقطوعة عنهم ولا ممنوعة منهم .\r{ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } لهم . وقيل : أراد بها النساء .","part":7,"page":372},{"id":3373,"text":"{ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } لهم . وقيل : أراد بها النساء .\r{ إِنَّآ أَنشَأْنَهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارَاً } أي الحُور العين .\r{ عُرُباً } جمع عَرُوب وهي الغَنِجَةٌ المتحببةُ إلى زَوْجِها . ويقال عرباً : أي مُتَشَهيَّات إلى أزواجهن .\r{ أَتْرَاباً } : جمع تِرْب ، أي : هُنَّ على سِنٍّ واحدة .\r{ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ } : أي خلقناهن لأصحاب اليمين .\r{ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ } : أي : ثلة من أُولَى هذه الأمة ، وثُلة من أُخْراها .\r{ وََأصْحَابُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ } : والسَّموم فيحُ جهنم وحَرُّها . والحميم : الماءُ الحار .\r{ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ } ، وهو الدُّخان الأُسود .\r{ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } : لا بارد : أي لا راحةَ فيه . ولا كريمٍ : ولا حَسَنٍ لهم؛ ( حيث لا نفع فيه ) .\r{ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } أيك كانوا في الدنيا مُمَتَّعين .\r{ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ } أي الذَّنْبِ العظيم .\r{ وَكَانُواْ يَقُولُونَ إَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُثُونَ } ؟ أي : أنهم يُكَذِّبون بالبعث .\r- ثم يقال لهم : { ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ } اليومَ { لأَكِلُونَ مِن شَجِرٍ مِّن زَقُّومٍ } وجاء في التفسير : أن الزقوم شجرة في أسفل جهنم إذا طُرِحَ الكافرُ في جهنم لا يصل إليها إلا بعد أربعين خريفاً .\r{ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمَ } شرابٌ لا تهنأون به { فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ } وهي الإبل العِطاش . ويقال : الهيم أي الرَّمْلُ ينضب فيه كلٌّ ما يُصَبُّ عليه .\r{ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الِّدِينِ } : يوم القيامة .","part":7,"page":373},{"id":3374,"text":"ثم يقال لهم : { ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ } اليومَ { لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ } وجاء في التفسير : أن الزقوم شجرة في أسفل جهنم إذا طُرِحَ الكافرُ جهنم لا يصل إليها إلا بعد أربعين خريفاً .\r{ فَمَالئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ } شرابٌ لا تهنأون به { فَشَارِبوُنَ شُرْبَ الْهِيمِ } : وهي الإبل العِطاش . ويقال : الهيم أي الرَّمْلُ ينضب فيه كلٌّ ما يُصَبُّ عليه .\r{ هَذا نُزُولُهمْ يَوْمَ الدِّينِ } : يوم القيامة .","part":7,"page":374},{"id":3375,"text":"قوله جلّ ذكره : { نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ } .\rنحن خلقناكم : يا أهلَ مكة - فهلاَّ آمَنْتُم لتتخلصوا؟ توبَّخون وتُعَاتَبون . . واليومَ تَعْتَذِرون! ولكن لا ينفعكم ذلك ولا يُسْمَعُ منكم شيء .\rوإن أشدّ العقوبات عليهم يومئذٍ أنهم لا يتفرَّغون من آلامِ نفوسِهم وأوجاعِ أعضائهم إلى التَحسُّر على ما فاتهم في حقِّ الله .\rويقال : أشدُّ البلاء - اليوم - على قلوب هذه الطائفة خوفُهم من أَنْ يَشْغَلَهم - غداً - بمقاساة آلامهم عن التحسُّر على ما تكدَّرَ عليهم من المشارب في هذا الطريق . وهذه محنة لا شيءَ أعظمُ على الأصحاب منها . وإنَّ أصحابَ القلوب - اليوم - يبتهلون إليه ويقولون : إنْ حَرَمْتَنا مشاهدَ الأُنْس فلا تَشْغَلْنا بلذَّاتٍ تشغلنا عن التحسُّر على ما فاتنا ، ولا بآلامٍ تشغلنا عن التأسُّف على ما عَدِمْنا منك .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلَقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ } .\rيقال : مَنىَ الرجلُ وأَمْنَى . والمعنى : هل إذا باشَرْتُم وأنزلتم وانعقد الولد . . . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ والخَلْقُ ها هنا : التصوير؛ أي : أأنتم تجمعون صُوَرَ المولود وتُرَكِّبون أعضاءَه . . . أم نحن؟\rوهم كانوا يُقِرُّون بالنشأة الأولى فاحتجَّ بهذا على جواز النشأة الأخرى عند البعث الذي كانوا ينكرونه . وهذه الآية أصلٌ في إثبات الصانع؛ فإن أصلَ خِلْقَةِ الإنسان من قطرتين : قطرة من صُلْبِ الأب وهو المني وقطرة من تربية الأم ، وتجتمع القطرتان في الرَّحِم فيصير الولد . وينقسم الماءان المختلطان إلى هذه الأجزاء التي هي أجزاء الإنسان من العَظْم والعَصَبِ والعرِقِ والجِلْدِ والشَّعْر . . . ثم يركبها على هذه الصور في الأعضاء الظاهرة وفي الأجزاء الباطنة حيث يُشَكَّلُ كل عضوٍ بشكلٍ خاص ، والعِظام بكيفية خاصة . . . إلى غير ذلك .\rوليس يخلو : إِمَّا أَنْ يكونَ الأبوَان يصنعانه - وذلك التقديرُ محالٌ لتقاصر عِلْمِها وقُدْرتهما عن ذلك وتمَنِّيهما الولَدَ ثم لا يكون ، وكراهتهما الولدَ ثم يكون!\rوالنُّطفة أو القَطْرةُ مُحَالٌ تقديرُ فِعْلها في نَفْسِها على هذه الصورة لكونها من الأموات بَعْدُ ، ولا عِلْمَ لها ولا قدرة .\rأو مِنْ غيرِ صانعٍ . . . وبالضرورة يُعْلَمُ أنه لا يجوز .\rفلم يَبْقَ إِلاَّ أن الصانعَ القديمَ المَلِكَ العليمَ هو الخالق .","part":7,"page":375},{"id":3376,"text":"قوله جلّ ذكره : { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وَمَا نَحُنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمُ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْمَلُونَ } .\rيكون الموتُ في الوقت الذي يريده؛ منكم مَنْ يموت طفلاً ومنكم من يموت شابَّاً ، ومنكم من يموت كهلاً ، وبِعللٍ مختلفة وبأسبابٍ متفاوتةٍ وفي أوقاتٍ مختلفة .\r{ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } في تقديرنا فيفوتنا شيءٌ ولَسْنا بعاجزين عن أن نَخْلُقِ أمثالَكم ، ولا بعاجزين عن تبديلَ صُوَركم التي تعلمون؛ إِن أردنا مَسْخَكُم وتبديلَ صُوَركم فلا يمنعنا عن ذلك أحدٌ .\rويقال : وننشئكم فيما لا تعلمون من حكم السعادة والشقاوة .\rقوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النًَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } .\rأي : أنتم أقررتم بالنشأة الأولى . . فهلاَّ تذكرَّون لتعلموا جَوَازَ الإعادة؛ إذ هي في معناها .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } .\rأي : إذا ألقيتم الحَبَّ في الأرض . . أأنتم تُنْبِتُونه أم نحن المُنبِتون؟ وكذلك وُجوهُ الحكمةِ في إنبات الزَّرْع ، وأنقسام الحَبَّةِ الواحدةِ على الشجرة النابتةِِ منها في قِشْرِها ولحائها وجِذْعِها وأغصاناها وأوراقها وثمارها - كل هذا :\r{ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } .\rلو نشاء لجعناه حطاماً يابساً بعد خُضْرَته ، فصِرْهُم تتعجبون وتندمون على تعبكم فيه ، وإنفاقكم عليه ، ثم تقولون :\r{ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } .\rأي : لَمُلْزَمون غرامةَ ما أنفقنا في الزَّرع ، وقد صار ذلك غُرْماُ علينا - فالمغرم مَنْ ذَهَبَ إنفاقُه بغير عِوَضٍ .\r{ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } بل نحن محرومون بعد أن ضاع مِنَّا الرزق .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَرَءَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } .\rأأنتم أنزلتموه من السحاب . . . أم نحن نُنْزِلُهُ متى نساء أَنَّى نشاء كما نشاء على من نشاء وعلى ما نشاء؟ ونحن الذين نجعله مختلفاً في الوقت وفي المقدار وفي الكيفية ، في القِلَّة وفي الكثرة .\rولو نشاء لجعناه ملحاً . . أفلا تشكرون عظيمَ نعمةِ اللَّهِ - سبحانه - عليكم في تمكينكم من الانتفاع بهذه الأشياء التي خَلَقها لكم .","part":7,"page":376},{"id":3377,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ } .\rوَرَى الزَّنْدَ يُرَى فهو وارٍ . . وأَوْراه يُورِيه أي يَقْدَحُه .\rيعني : إذا قدحتم الزند . . أرأيتم كيف تظهر النار - فهل أنتم تخلقون ذلك؟\rأأنتم أنشأتم شجرتها - يعني المَرْخ والعَفَار - أم نحن المنشئون؟\r{ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً } : أي يمكن الاستدلالُ بها .\r{ وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ } : يقال : أقوى الرجلُ إذا نزل بالقواء أي : الأرض الخالية .\rفالمعنى : أن هذه النار { تَذْكِرةً } يتذكَّر بها الإنسان ما توعده به في الآخرة من نار جهنم ، و { وَمَتَاعاً } : يستمتع بها المسافر في سفره في الانتفاع المختلفة .\rقوله جلّ ذكره : { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } .\rأي : اسبحْ بفكرك في بحار عقلك ، وغُصْ بقوة التوحيد فيها تَظْفَرْ بجواهر العلم ، وإيَّاك أَنْ تُقَصِّرَ في الغوص لسببٍ أولآخَر ، وإياك أن تتداخَلَكَ الشُّبَهُ فيتلفَ رأسَ مالِك ويخرجَ من يدك وهو دينُك واعتقادك . . وإلاَّ غرقتَ في بحار الشُّبَه ، وضَلَلْتَ .\rوهذه الآيات التي عَدَّها الله - سبحانه - تُمَهِّدُ لسلوكِ طريقِ الاستدلالِ ، فكما في الخبر « فِكْرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سَنَةٍ » - وقد نبَّه الله سبحانه بهذا إلى ضرورة التفكير .\rقوله جلّ ذكره : { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرءَانٌ كَرِيمٌ فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ } .\rقيل : هي مواقع نجوم السماء . ويقال : موقع نجوم القرآن على قلب الرسول A .\r{ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ } : والكَرَمُ نَفْيُ الدناءة - أي : أنه غير مخلوق ويقال : هو { لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ } : لأنه يدل على مكارم الأخلاق .\rويقال هو قرآن كريمٌ أنه من عند ربٍّ كريم على رسولٍ كريم ، على لسانَ مَلَكٍ كريم . { فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ } : يقال : في اللوح المحفوظ . ويقال : في المصاحفَ . وهو محفوظ عن التبديل . { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ } عن الأدناس والعيوب والمعاصي .\rويقال : هو خَبَرٌ فيه معنى الأمر : أي لا ينبغي أَنْ يَمَسَّ المصحفَ إلا مَنْ كان مُتَطهِّراً من الشِّرْكِ وعن الأحداث .\rويقال : لا يجد طَعْمَه وبَرَكَته إلاَّ مَنْ آمَنَ به .\rويقال : لا يقربه إلاَّ الموَحِّدون ، فأمَّا الكفَّار فيكرهون سماعَه فلا يقربونه .\rوقرئ المُطَهِّرون : أي الذين يُطَهِّرون نفوسَهم عن الذنوب والخُلُقِ الدَّنيّ .\rويقال : لا يَمَسُّ خبره إلاَّ من طُهِّر يومَ القسمة عن الشقاوة .\rويقال : لا يَمَسُّ خبره إلاَّ مَنْ طَهَّر سِرَّه عن الكون .\rويقال : المطهِّرون سرائرَهم عن غيره .\rويقال : إلا المُحْتَرِمون له القائمون بحقِّه .\rويقال : مَنْ طُهِّرَ بماء السعادة ثم بماء الرحمة .\r{ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ } أي : مُنَزَّل من قِبَلهِ - سبحانه .","part":7,"page":377},{"id":3378,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } .\rأبهذا القرآن أنتم تُنافِقون ، وبه تُكَذِّبون .\r{ وَتَجْعَلُون رِزْقَكُمْ } : كانوا إذا أُمْطِروا يقولون أُمْطِرْنا بِنَوْءٍ كذا .\rيقول : أتجعلون بَدَلَ إنعامِ اللَّهِ عليكم بالمطر الكفرانَ به ، وتتوهمون أن المطرَ - الذي هو نعمةٌ من الله - من الأنواء والكواكب؟! .\rويقال : أتجعلون حظَّكم ونصيبَكم من القرآنِ التكذيبَ؟\rقوله جلّ ذكره : { فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ } .\rيخاطِبُ أولياء الميت فيقول : هَّلا إذا بَلَغتْ روحُه الحلقوم ، وأنتم تنظرون إلى هذا المريض ، رجعتم إلى الله تعالى وتحققتم به؟ فنحن أقرب إليه منكم بالعلم والرؤية والقدرة . . . ولكن لا تبصرون!\rويقال : أقرب ما يكون العبدُ من الحقِّ عندما يتم استيلاءُ ذِكْرِه وشهودِه عليه ، فينتفِي إِحساسُ العبدِ بغيره ، وعلى حسب انتفاءِ العلمِ والإحساسِ بالأغيار - حتى عن نفسه - يكون تحقُّق العبد في سِرِّه حتى لا يرى غير الحَقّ .\rفالقرب والبعد معناهما : أنَّ العبد في أوان صحوه وأنه لم يُؤْخَذْ - بَعْدُ - عن نفسه؛ فإذا أُخِذَ عنه فلا يكون إلا الحق . . . لأنه حينئذٍِ لا قُرْب ولا بُعْدِ .","part":7,"page":378},{"id":3379,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِنَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .\rليس لكم من أمر الموت شيءٍ .\r{ تَرْجعُونَهَآ } أي : تردُّون الروح إلى الجسد .\r{ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } : في أنه لا بعث .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ } .\rالمقَرَّبون هم الذين قرَّهم اللَّهُ بفضله ، فلهم { فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ } .\rويقال : الرَّوْح الاستراحة ، والريحانُ الرزقُ .\rوقيل : الرَّوح في القبر ، والريحانُ : في الجنة .\rويقال : لا يخرج مؤمِنٌ في الدنيا حتى يُؤْتَى بريحانٍ من رياحين الجنة فيشمه قبل خروج روحه ، فالرُّوْح راحةٌ عند الموت ، والريحان في الآخرة .\rوقيل : كانت قراءة النبي A « الرُّوح » بضم الراء أي لهم فيها حياة دائمة .\rويقال : الرَّوْحُ لقلوبهم ، والرياح لنفوسهم ، والجنَّةُ لأبدانهم .\rويقال : رَوْحٌ في الدنيا ، وريحانٌ في الجنة ، وجنَّةُ نعيمٍ في الآخرة .\rويقال : رَوْحٌ وريحان مُعَجَّلان ، وجنة نعيم مؤجلة .\rويقال : رَوْحٌ للعابدين ، وريحان للعافين ، وجَنَّةُ نعيم لعوام المؤمنين .\rويقال : رَوْحٌ نسيم القرب ، وريحان كما البسط ، وجنة نعيمٍ في محل المناجاة .\rويقال : رَوْح رؤية الله ، وريحانُ سماع كلامه بلا واسطة ، وجنة نعيم أن يدوم هذا ولا ينقطع .\rقوله جلّ ذكره : { وََأمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمَِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينَ } .\rأن نخبرك بسلامة أحوالِهم .\rويقال : سترى فيهم ما تحب من السلامة .\rويقال : أمانٌ لك في بابهم؛ فلهم السلامة . ولا تُشْغِلْ قلبَكَ بهم .\rويقال : فسلامٌ لك - أيها الإنسان - إنك من أصحاب اليمين ، او أيها الإنسانُ الذي من أصحاب اليمين .","part":7,"page":379},{"id":3380,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيهُ جَحِيمٍ } .\rإن كان من المكذبين لله ، الضالّين عن دين الله فله إقامةٌ في الجحيم .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } .\rهذا هو الحق اليقين الذي لا محالةَ حاصلٌ .\r{ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } .\rأي قَدِّسْ اللَّهَ عَمَّا لا يجوز في وصفه .\rويقال : صلِّ لله . ويقال : اشكرْ اللَّهَ على عصمة أُمَّتِكَ من الضّلال ، وعلى توفيقهم في اتِّباعِ سُنّتِكَ .","part":7,"page":380},{"id":3381,"text":"قوله جلّ ذكره : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } .\rالتسبيحُ التقديسُ والتنزيه ، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال ، فيظفرون بجواهر التوحيد ويَنْظِمونها في عقود الإيمان ، ويُرَصِّعونها في أطواق الوصلة :\rوقله { مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } المردُ به « من » في السموات والأرض ، يسجدون لله طوعاً وكرهاً؛ طوعاً تسبيحَ طاعةٍ وعبادة ، وكرهاً تسبيح علامة ودلالة .\rوتُحْملُ « ما » عل ظاهرها فيكون لمعنى : ما من مخلوقٍ من عينٍ أو أَثَرِ إلا ويَدُلُّ على الصانع ، وعلى إثبات جلاله ، وعلى استحقاقه لنعوت كبريائه .\rويقال : يُسبح لله ما في السموات والأرض ، كلٌّ واقفٌ على الباب بشاهدِ الطّلَبِ . . . ولكنه - سبحانه عزيزٌ .\rويقال : ما تَقَلّب أحدُ من جاحدٍ أو ساجدٍ إلا في قبضة العزيز الواحد ، فما يُصَرِّفهم إلا مَنْ خَلَقَهم؛ فمِنْ مُطيعٍ أَلْبَسَه نطاق وفاقه - وذلك فَضْلُه ، ومِنْ عاصٍ رَبَطَه بمثقلة الخذلان - وذلك عَدْلُه .\r{ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } : العزيز : المُعِزُّ لِمَنْ طَلَبَ الوصول ، بل العزيز : المتقدِّسُ عن كل وصول . . فما وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إلا حظِّه ونصيبه وصفته على ما يليق به .\rقوله جلّ ذكره : { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } .\rالمُلْك مبالغةٌ من المِلْك ، وهو القدرةعلى الإبداع ، ولا مالكَ إلا الله . وإذا قيل لغيره : مالك فعلى سبيل المجاز؛ فالأحكام المتعلقة في الشريعة على مِلْكَ الناس صحيحةٌ في الشرع ، ولكنَّ لفظَ المِلْك فيها توسُّعٌ كما ان لفظَ التيمم في استعمال التراب - عند عدم الماء - في السفر مجازٌ ، فالمسائل الشرعية في التيمم صحيحة ، ولكن لفظ التيمم في ذلك مجاز .\r{ يُحْىِ وَيُمِيتُ } : يحيي النفوس ويميتها . يُحْيي القلوبَ بإِقباله عليها ، ويميتها بإعراضه عنها . ويقال : يحييها بنظره وتفضُّله ، ويميتها بقهره وتعزُّزه .","part":7,"page":381},{"id":3382,"text":"{ الأول } : لاستحقاقه صفة القِدَم ، و { الآخرِ } لاستحالة نعت العدَم .\rو { الظاهر } : بالعلو والرفعة ، و { الباطن } : بالعلم والحكمة .\rويقال : { الأول } فلا افتتاحَ لوجوده و { الآخر } فلا انقطاعَ لثبوته .\r{ الظاهر } فلا خفاءَ في جلال عِزِّه ، { الباطن } فلا سبيل إلى إدراك حقِّه .\rويقال { الأول } بلا ابتداء ، و { الآخِر } بلا انتهاء ، و { الظاهر } بلا خفاء ، و { الباطن } بنعت العلاء وعِزِّ الكبرياء .\rويقال { الأول } بالعناية ، { والآخر } بالهداية ، و { الظاهر } بالرعاية ، و { الباطن } بالولاية . ويقال : { الأول } بالخَلْق ، و { الآخِر } بالرزق ، و { الظاهر } بالإحياء ، و { الباطن } بالإماتة والإفناء . قال تعالى : { اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [ الروم : 40 ] . ويقال : { الأول } لا بزمان ، و { الآخر } لا بأوان ، و { الظاهر } بلا اقتراب ، و { الباطن } بلا احتجاب .\rويقال : { الأول } بالوصلة ، و { الآخر } بالخلّة ، و { الظاهر } بالأدلة ، و { الباطن } بالبعد عن مشابهة الجملة .\rويقال : { الأول } بالتعريف ، و { والآخر } بالتكليف ، و { والظاهر } بالتشريف و { والباطن } بالتخفيف .\rويقال : { الأول } بالإعلام ، { والآخر } بالإلزام ، { والظاهر } بالإنعام { والباطن } بالإكرام .\rويقال : { الأول } بأن اصطفاك { والآخر } بأن هداك ، { والظاهر } بأن رعاك ، { والباطن } بأن كفاك .\rويقال : مَنْ كان الغالبُ عليه اسمه { الأول } كانت فكرته في حديثِ سابقته : بماذا سمَّاه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حُكْمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟\rومَنْ كان الغالبُ على قلبه اسمه { الآخِر } كانت فكرته فيه : بماذا يختم له حالَه؟ وإلام يصير مآلُه؟ أَعَلى التوحيد يَخْرُجُ من دنياه أو - والعياذُ بالله - في النارِ غداً - مثواه؟\rومَن كان الغالبُ عل قلبه اسمُه { الظاهر } فاشتغاله بشكر ما يجرى في الحال من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحُسْنِ الرعاية .\rومَنْ كان الغلبُ على قلبه اسمه { الباطن } كانت فكرتُه في استبهام أمره عليه فيتعثَّر ولا يدري . . . أَفَضْلٌ ما يعامله به ربُّ أم مَكْرٌ ما يستدرجه به ربُّه؟\rويقال : { الأول } علم ما يفعله عبادُه ولم يمنعه عِلْمُه من تعريفهم ، { والآخِر } رأى ما عَمِلوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم { والظاهر } ليس يَخْفَى عليه شيءٌ من شأنهم ، وليس يَدَعُ شيئاً من إحسانهم { والباطن } يعلم ما ليس لهم به عِلْمٌ من خسرانهم ونقصانهم فيدفع عنهم فنونَ مَحَنهم وأحزانهم .","part":7,"page":382},{"id":3383,"text":"قوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ } .\rمضى الكلام في ذلك .\r{ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } .\rأي ما يدخل فيها من القَطْرِ ، والكنوزِ ، والبذورِ ، والأموات الذين يُدْفَنون فيها ، { وما يخرج منها } من النبات وانفجار العيون وما يُسْتَخْرَجُ من المعادن .\r{ وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ } .\rمن المطر والأرزاق . أو ما يأتي به الملائكةُ من القضاء والوحي .\r{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } .\rأي وما يصعد إليها من الملائكة ، وطاعاتِ العِباد ، ودعوات الخَلْقِ ، وصحف المُكَلَّفين ، وأرواح المؤمنين .\r{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .\r{ وهو معكم } بالعلم والقدرة .\rويقال : { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الأَرْضِ } إِذا دُفِنَ العَبْدُ فاللَّه سبحانه يعلم ما الذي كان في قلبه من إخلاصٍ في توحيدهِ ، ووجوهِ أحزانه خسرانه ، وشَكِّه وجحوده ، واوصافه المحمودة والمذمومة . . . ونحو ذلك مما يخفى عليكم .\r{ وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ } على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون الأحوال العزيزة .\r{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } من أنفاس الاولياء إذا تصاعدت ، وحسراتهم إذا عَلَت .","part":7,"page":383},{"id":3384,"text":"قوله جلّ ذكره : { يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فَى الَّيْلِ } .\rمضى معناه .\r{ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } .\rصَدَّقوا باللَّهِ ورسولِهِ ، وتَصَدَّقوا { مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } بتمليككم ذلك وتصييره إليكم . والذين آمنوا منكم وتصدَّقوا على الوجه الذي أُمروا به لهم ثوابٌ عظيمٌ؛ فإنَّ ما تحويه الأيدي مُعَرَّضٌ للزوال فالسَّعيدُ مَنْ قَدَّمَ في دنياه مَالَه في الآخرة عمارة حاله ، والشقيُّ من سار فيما له في الآخرة وَبالُ مآله .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .\rأي شيء لكم في تَرْكِكُم الإيمان بالله وبرسوله ، وما أتاكم به من الحشر والنشر ، وقد أزاح العِلَّةَ بأنْ ألاَحَ لكم الحُجَّة ، وقد أخَذَ ميثاقَكم وقتَ الذَّرِّ ، وأوجب عليكم ذلك بحُكم الشَّرْع .\rقوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } .\rليخرِجَكم من ظلماتِ الجهل إلى نور العلم ، ومن ظلمات الشكِّ إلى نور اليقين .\rوكذلك يُريهم في أنفسهم من الآياتِ بكشوفاتِ السِّرِّ وما يحصل به التعريف مما يجدون فيه النفع والخيرَ؛ فيخرجهم من ظلمات التدبير إلى سعة فضاء التفويض ، وملاحظة فنون جريان المقادير .\rوكذلك إذا أرادت النَّفْس الجنوحَ إلى الرُّخصِ والأخذِ بالتخفيف وما تكون عليه المطالبةُ بالأشَقِّ - فإن بادَرَ إلى ما تدعوه الحقيقةُ إليه وَجَدَ في قلبه من النور ما يَعْلَمُ به ظلمةَ هواجس النَّفْسِ .","part":7,"page":384},{"id":3385,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيَراثُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } .\rما في أيديكم ميراثُه الله ، وعن قريبٍ سيُنْقَلُ إلى غيركم ولا تبقون بتطاول أحمالكم . وهو بهذا يحثهم علىلصدقةِ والبدارِ إلى الطاعة وتَرْكِ الإخلاد إلى الأمل . . ثم قال :\rقوله جلّ ذكره : { لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .\rلا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك . بل أولئك اعظم ثواباً وأعلى درجةً من هؤلاء؛ لانَّ حاجةَ الناسِ كانت أكثر إلى ذلك وكان ذلك أشقَّ على أصحابه .\rثم قال : { وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } إلاَّ انَّ فضيلة السَّبْقِ لهم ، ولهذا قالوا :\rالسابقَ السابقَ قولاً وفعلاً ... حذِّرْ النَّفْسَ حَسْرَةَ المسبوق","part":7,"page":385},{"id":3386,"text":"قوله جلّ ذكره : { مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } .\rالمراد بالقرض الصدقة ، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييباً لقلوبهم ، فكأن المتصدِّق وهو يقرض شيئاً كالذي يقطع شيئاً من ماله ليدفَعه إلى المُسْتَقْرِض .\rويقال : { يُقْرِضُ } أي يفعل فعلاً حسناً ، وأراد بالقرض الحسن ها هنا ما يكون من وجهٍ حلالٍ ثم عن طٍيبِ قلبٍ ، وصاحبُه مخلِصٌ فيه ، بلا رياء يشوبه ، وبلا مَنِّ على الفقير ، ولا يُكَدِّره تطويلُ الوعد ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض .\rويقال : أن تقرضه وتقطع عن قلبك حُبَّ الدارين ، ففي الخبر : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنًى » ومَنْ لم يتحرَّرْ من شيء فخروجُه عنه تكلُّفٌ .\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\rوهو نورٌ يُعْطَى للمؤمنين والمؤمنات بقَدْر أعمالهم الصاحة ، ويكون لذلك النور مطارحُ شعاع يمشون فيها والنورُ يسعى بين أيديهم ، ويحيط جيمع جهاتهم .\rويقال : { وَبِأَيْمَانِهِم } كتبهم .\r{ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ } أي بشارتكم اليومَ - من الله جنات . وكما أن لهم في العرصة هذا النور فاليومَ لهم في قلوبهم وبواطنهم نورٌ يمشون فيه ، ويهتدون به في جميع أحوالهم ، قال A : « المؤمن ينظر بنور الله » وقال تعالى : { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِّ } [ الزمر : 22 ] .\rوربما ينبسط ذلك النورُ على مَنْ يَقْربُ منهم . وربما يقع من ذلك على القلوب قَهْراً - ولأوليائه - لا محالةَ - هذه الخصوصية .","part":7,"page":386},{"id":3387,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } .\rانتظرونا فنلحق بكم لنقتبسَ من نوركم . وذلك لأن المؤمنين والمنافقين يُعْطَوْن كُتُبهم وهم في في النور ، فإذا مَرُّوا . . . انطفأ النور أمام لمنافقين وسَبقَ المؤمنون ، فيقول المنافقون للمؤمنين : انتظرونا حتى نقتبسَ من نوركم . فيقول المؤمنون :\r{ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَاَلْتَمِسُواْ نُوراً } .\rأي إلى الدنيا وأَخلِصوا! - تعريفاً لهم أنهم كانوا منافقِين في الدنيا .\rويقال : ارجعوا إلى حُكْم الأزلِ فاطلبوا هذا من القِسْمة!- وهذا على جهة ضربِ المَثل والاستبعاد .\r{ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذابُ } .\r{ بِسُورٍ } : وهو جَبَلُ أصحاب الاعراف ، يستر بينهم وبين المنافقين ، فالوجهُ الذي بلي المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذابُ .\r{ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } .\rألم نكن معكم في الدنيا في أحكام الإيمان في المناحكة والمعاشرة؟\rقالوا : بلى ، ولكنكم فتنتم أنفسكم .\r{ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغُرُورُ } .\rتربصتم عن الإخلاص ، وشككتم ، وغرَّكم الشيطان ، وركنتم إلى الدنيا .","part":7,"page":387},{"id":3388,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِىَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ المَصِيرُ } .\rالنارُ ماواكم ومصيرُكم ومُتَقَلبُكُم .\rو { هي مولاكم } أي هي أوْلَى بكم ، وبئس المصير!\rويقال : مخالفة الضمائر والسرائر لا تنكتم بموافقة الظاهر ، والأسرار لا تنكتم عند الاختبار .\rقوله جلّ ذكره : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيِنَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذَِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهُم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } .\rألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تتواضعَ قلوبُهم وتلين لذِكْر اللَّهِ وللقرآنِ وما فيه من العِبَر؟ وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل؟ وأراد بهم اليهودَ ، وكثيرٌ من اليهود فاسقون كافرون .\rوأراد بطول الأمَدِ الفترةَ التي كانت بين موسى ونبيِّنا A ، وفي الخبر : « أن أصحاب رسول الله A أَصابتهم ملالةٌ فقالوا : لو حَدّثْتنا » .\rفأنزل اللَّهُ تعالى : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } [ الزمر : 23 ] . فبعد مُدَّةٍ قالوا :\rلو قَصَصْتَ علينا!\rفأنزل اللَّهُ تعالى : { نَّحْن ُنَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ } [ الكهف : 13 ] فبعد مدةٍ قالوا : لو ذَكَّرتَنا ووَعَظْتَنا!\rفأنزل الله تعالى هذه السورة .\rوفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء .\rوإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة ، والشهوة والصفة لا تجتمعان؛ فإذا حَصَلت الشهوةُ رَحَلت الصفوة . وموجِبُ القسوة هو انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ . ويقال : موجب القسوة أوَّلُه خَطْرة - فإلمَّ تُتَداركْ صارت فكرة ، وإلمّ تُتدَاركْ صارت عزيمة ، فإن لم تُتَدَاركْ جَرَت المخالفة ، فإن لم تُتداركْ بالتلافي صارت قسوةً وبعدئذ تصيرطَبعاً ورَيْناً .","part":7,"page":388},{"id":3389,"text":"قوله جلّ ذكره : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَاتَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .\rيُحْيي الأرضَ بعد موتها بإنزال المطرِ عليها وإخراج النّبتِ منها . ويُحيي القلوبَ الميتةَ - بعد إعراضِ الحقِّ عنها - بحسن إقباله عليها .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ المُصَّدّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } .\rأي المتصدقين والمتصدقات .\r{ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } : يعني في النوافل .\r{ يُضَاعَفُ لَهُمْ } في الحسنات ، الحسنةُ بعَشْر أمثالها . . إلى ما شاء اللهُ .\r{ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } : ثوابٌ كبيرٌ حَسَنٌ . والثوابُ الكريمُ أَنَّه لا يضن بأقصى الأجْرِ على الطاعةِ - وإنْ قَلَّتْ .","part":7,"page":389},{"id":3390,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسِلهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } .\rالصدِّيقون : مبالغة في الصدق ، والشهداء : الذين استشهدوا في سبيل الله ، فالمؤمنون بمنزلة الصديقين والشهداء - لهم أجرهم في الجنة ونورهم في القيامة .\r{ وَالَّذِيِنَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِئآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } .\rوالصدِّيق مَنْ استوى ظاهرُه وباطنُه .\rويقال : هو الذي يحمل الأمرَ على الأشَقِّ ، ولا ينْزلُ إلى الرُّخَصِ ، ولا يجنح للتأويلات .\rوالشهداءُ : الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة ، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة ، { وَنُورُهُمْ } : ما كحل الحقُّ به بصائرهم من أنوار التوحيد .\rقوله جلّ ذكره : { اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَياَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ } .\rالحياةُ الدنيا مُعَرَّضَةٌ للزوال ، غيرُ لا بثةٍ ولا ماكثة ، وهي في الحال شاغلةٌ عن الله ، مُطْمِعةٌ وغير مُشْبِعة ، وتجري على غير سَنن الاستقامة كجريان لَعِب الصبيان ، فهي تُلْهي عن الصوابِ واستبصار لحقِّ ، وهي تفاخرٌ وتكاثرٌ في الأوال والأولاد .\r{ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفًَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونَ حُطَاماً } .\rالكفار : الزُّرَّاع .\rهو في غاية الحُسْنِ ثم يهيج فتراه يأخذ في الجفاف ، ثم ينتهي إلى أنْ يتحطّم ويتكسَّر .\r{ وَفِى الأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } .\rلأهله من الكفَّار .\r{ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ } .\rلأهله من المؤمنين .\r{ وَمَا الْحَياَةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } .\rالدنيا حقيرةٌ - وأحقرُ منها قَدْراً طالبُها وأقلُّ منه خَطَراً المزاحم فيها ، فما هي إلا جيفة؛ وطالِبُ الجيفةِ ليس له خطرٌ . وأخس أهل الدنيا مَنْ بَخِلَ بها .\rوهذه الدنيا المذمومة هي التي تَشْغَلُ العبدَ عن الآخرة!","part":7,"page":390},{"id":3391,"text":"قوله جلّ ذكره : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } .\rأي سارِعوا إلى عَمَلٍ يوجب لكم مغفرةً من ربِّكم ، وذلك العملُ هو التوبة .\r{ وَجَنَّةٍعَرْضُهَا } ذَكر عَرْضها ولم يذكرْ طولها؛ فالطول على ما يوافيه العَْرضُ .\r{ أُعِدِّتْ لِلَّذِينَ ءَامُنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } : وفي هذا دليلٌ على أنَّ الجنةََ مخلوقة .\r{ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .\rوفي ذلك ردٌّ على من يقول : « إن الجنة مُسْتَحقَّةٌ على الطاعات ، ويجب على الله إِيصالُ العبدِ إليها » . . لأن الفضلَ لا يكون واجباً .\rويقال : لمَّا سمعت أسرار المؤمنين هذا الخطاب ابتدرت الأرواحُ مُقْتَضِيةً المسارعة من الجوارح ، وصارت الجوارحُ مستجيبةً للمُطالَبةِ ، مُستبشرة برعاية حقوق الله؛ لأنها علمت أن هذا الاستدعاءَ من جانب الحقِّ سبحانه .\rقوله جلّ ذكره : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِبيَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } .\rالمصيبة حَصْلةٌ تقع وتحصل . فيقول تعالى : لا يحصل في الأرض ولا في أنفسكم شيءٌ إلى وهو مُثْبَتٌ في اللوح المحفوظ على الوجه الذي سبق به العِلْم ، وحقَّ فيه الحكم؛ فقبل أن نخلق ذلك أثبتناه في اللوح المحفوظ .\rفكلُّ ما حصل في الأرض من خصبٍ أو جدبٍ ، من سعة أوضيق ، من فتنة أو استقامة وما حصل في النفوس من حزن أو سرور ، من حياةٍ أو موت كلُّ ذلك مُثبت في اللوح المحفوظ قبل وقوعه بزمان طويل .\rوفي قوله : { مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } دليلٌ على أن أكساب العباد مخلوقة لله سبحانه . وللعبدِ في العلم بأنَّ ما يصيبه : من بسطٍ وراحةٍ وغير ذلك من واردات القلوب من اللَّهِ - أشدُّ السرور وأتمُّ الإنْسِ؛ حيث عَلِمَ أنه أُفْرِدَ بذلك بظهر غيبٍ منه ، بل وهو في كنز العَدَم ، ولهذا قالوا :\rسقياً لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا","part":7,"page":391},{"id":3392,"text":"قوله جلّ ذكره : { لِكَيْلاَ تَأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ } .\rعَدَمُ الفرحة بما آتاهم هو من صفات المتحررين من رِقِّ النَّفْس ، فقيمةُ الرجالِ تتبين بتغيُّرِهم - فَمَنْ لم يتغيَّرْ بما يَرِدُ عليه - مما لا يريده - من جفاءٍ أومكروهٍ أو محنة فهو كاملٌ ، ومَنْ لم يتغيَّرْ بالمسارّ كما لا يتغير بالمضارِّ ، ولا يَسُرُّه الوجودُ كما لا يُحْزِنُه العَدَمُ - فهو سَيِّد وقته .\rويقال : إذا أردْتَ أن تعرفَ الرجلَ فاطلبْه عند الموارد؛ فالتغيُّرُ علامةُ بقاء النَّفْس بأيّ وجهٍ كان :\r{ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } .\rفالاختيال من علامات بقاء النفس ورؤيتها ، والفخرُ ( ناتجٌ ) عن رؤيةِ ما به يفتخر .\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ } .\rبخلوا بكتمان صفة نبيِّنا A وأمروا أتْباعَهم بذلك ، وذلك لما خافوا من كسادِ سُوقِهم وبطلان رياستهم .\r{ وَمَن يَتَوَلَّ } عن الإيمان ، أو إعطاء الصَدَقة { فَإِِنَّ اللَّهَ هُوَالْغَنِىُّ الْحَمِيدُ } .\rوالبخلُ - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب ، فأمَّا على بيان هذه الطائفة فقد قالوا : البخلُ رؤية قَدْر للأشياء ، والبخيلُ الذي يُعْطِي عند السؤال ، وقيل : مَنْ كَتَبَ على خاتمه اسمه فهو بخيل .","part":7,"page":392},{"id":3393,"text":"قوله جل ذكره : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ } .\rأي أرسلناهم مُؤيَّدين بالحُجَجِ اللائحة والبراهين الواضحة ، وأزَحْنا العِلَّةَ لِمَنْ أراد سلوكَ الحُجَّةِ المُثْلى ، ويَسَّرنا السبيل على مَنْ آثَرَ اتّباعَ الهُدَى . وأنزلنا معهم الكُتَبَ المُنَزّلةَ ، و { الميزان } : أي الحُكْمَ بالقرآن ، واعتبار العَدْلِ والتسويةِ بين الناس .\r{ لِيَقومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } : فلا يَظْلِمُ أحدٌ أحداً .\rقوله جل ذكره : { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } .\r{ أنزلنا الحديد } : أي خلقنا الحديد .\rونصرة الله هي نصرةُ دينه ، ونصرةُ الرسولِ باتِّباعِ سُنَّتِه .\r{ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزيزٌ } : أقوى من أن يُنَزَعَه شريكٌ ، أو يضارِعَه في المُلْكِ مليك ، وأعزُّ من أن يحتاج إلى ناصر .\rقوله جل ذكره : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } .\rأي أرسنا نوحاً ، ومن بعده إبراهيم ، وجعلنا في نَسْلِهما النبوَّةَ والكتاب .\r{ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ } .\rأي : مستجيبٌ .\r{ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } .\rخرجوا عن الطاعة .\rقوله جل ذكره : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَاهُ الإِنجِيل وَجَعَلَنْا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً } .\rأي : أرسلنا بعدهم عيسى ابن مريم .\r{ وَرَهْبَانَيِّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } .\rبيَّن أنَّه لم يأمرهم بالرهبانيَّة بل هم الذي ابتدعوها ثم قال :\r{ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } .\rهم الذين انفردوا بما عقدوه معنا أن يقوموا بحقِّنا .\r{ فَئَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } .","part":7,"page":393},{"id":3394,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهِ وَءَامَنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَّمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rنزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا .\r{ كِفْلَيْنِ } : أي نَصِيبَيْنِ؛ نصيباً على الإيمان بالله ، وآخَرَ على تصديقهم وإيمانهم بالرُّسُل .\rقوله جل ذكره : { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .\rومعناه : يعلم أهل الكتاب ، و « لا » صلة . أي : ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله ، فإن الفضل بيد الله . و « اليد » هنا بمعنى : القدرة ، فالفضلُ بقدرة الله .\rوالإشارة في هذا : اتَّقُوا الله بحِفْظِ الأدبِ معه ، ولا تأمنوا مَكْرَه أن يَسْلَبكم ما وَهَبَكم من أوقاتكم . وكونوا على حَذَرٍ من بَغَتَاتِ تقديره في تغيير ما أذاقكم من أُنْسِ محبته .\rواتَّبِعوا السُّفَراء والرُسُل ، وحافظوا على اتِّباعهم حتى يُؤتِيَكُم نصيبين من فضله : عصمةً ونعمةً؛ فالعصمة من البقاء عنه ، والنعمة هي البقاء به .\rويقال : يؤتكم نصيبين : نصيباً من التوفيق في طَلَبِه ، ونصيباً من التحقيق في وجوده .","part":7,"page":394},{"id":3395,"text":"قوله جلّ ذكره : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ } .\rلمَّا صَدَقَت في شكواها إلى الله وأيِسَتْ من استكشاف ضُرِّها من غير الله - أنزل الله في شأنها : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ } .\rتَضَرَّعَتْ إلى الله ، ورَفَعَتْ قِصَّتَها إلى الله ، ونَشَرت غُصَّتَها بين يدي الله - فنَظرَ إليها الله ، وقال : { قَدْ سَمِع اللَّهُ } .\rويقال : صارت فرجةً ورخصةً للمسلمين إلى القيامة في مسألة الظِّهار ، وليعلم العالِمون أنَّ أحداً لا يخسر عَلَى الله .\rوفي الخبر : أنها قالت : « يا رسول الله ، إنَّ أوساً تزوَّجني شابَّةً غنيةً ذات أهلٍ ، ومالٍ كثير ، فلما كبرت سِنِّي ، وذَهَبَ مالي ، وتَفَرَّق أهلي جعلني عليه كظَهْرِ أُمِّه ، وقد ندِم وندمِت ، وإنَّ لي منه صبيةً صِغَاراً إن ضَمَمْتُهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتُهم إليّ جاعوا » .\rفقال لها الرسول A - في رواية- : « ما أُمِرْتُ بشيءٍ في شأنك » .\rوفي رواية أخرى انه قال لها : « بنْتِ عنه » ( أي حرمت عليه ) .\rفترددت إلى رسول الله A في ذلك ، وشكت . . إلى أن أنزل الله حُكْم الظِّهار .","part":7,"page":395},{"id":3396,"text":"قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ } .\rقَوْلُ الذين يقولون لنسائهم - جرياً على عادة أهل الشِرْكِ - أنتِ عليَّ كظهر أمي . . هذا شيءٌ لم يَحْكُمْ الله به؛ ولا هذا الكلامُ في نَفْسِه صِدْقٌ ، ولم يثبت فيه شَرْعٌ ، وإنما هو زورٌ مَحْضٌ وكَذِبٌ صِرْفٌ .\rفَعَلِمَ الكافةُ أن الحقائق بالتلبيسِ لا تتعزّز؛ والسَّبَبُ إذا لم يكن صحيحاً فبالمعاودةِ لا يثبت؛ فالمرأةُ لمَّا سمعت من رسول الله A قولَه « بِنْتِ عنه » - كان واجباً عليها السكونُ والصبرُ؛ ولكنَّ الضرورةَ أنطقتها وحَمَلتْهَا على المعاودة ، وحصلت من ذلك مسألة : وهي أن كثيراً من الأشياء يحكم فيها ظاهرُ العلمِ بشيء؛ ثم تُغَيِّر الضرورة ذلك الحُكْمَ لصاحبها .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .\rالظَّهار - وإن لم يكن له في الحقيقة أصل ، ولا بتصحيحه نطق او دلالة شرع ، فإنه بعد ما رُفعَ أمرُه إلى الرسول A ولوّح بشيء ما ، وقال فيه حُكمه ، لم يُخِلْ الله ذلك من بيانٍ ساق به شَرعه؛ فقضى فيه بما انتظم جوانب الأمر كلِّه .\rفارتفاعُ الأمر حتى وصوله إلى مجلس النبي A ، والتحاكُم لديه حَمَّل المتعدِّي عناء فعلته ، وأعاد للمرأة حقَّها ، وكان سَبيلاً لتحديد المسألة برُمَّتها . . . وهكذا فإنَّ كلَّ صعبٍ إلى زوالٍ . . . وكلُّ ليلة - وإنْ طالَتْ- فإلى إسفار .","part":7,"page":396},{"id":3397,"text":"قوله جل ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا ءَايَات بَّيِّنَاتِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .\rالذين يخالفون أمر الله ويتركون طاعةَ رسولِ الله أُذِلُّوا وخُذِلوا ، كما أُذِلَّ الذين من قَبْلهم من الكفَّار والعُصاة .\rوقد أجرى اللَّهُ سُنَّتَه بالانتقام من أهل الإجرام؛ فَمَنْ ضيَّعَ للرسولِ سُنَّةً ، وأحْدَثَ في دينه بدعة انخرط في هذا السلك ، ووقع في هذا الذُّلِّ .","part":7,"page":397},{"id":3398,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } .\rيقال : إذا حُوسِبَ أحدٌ في القيامة على عمله تصور له ما فعله وتذكَّره ، حتى كأنه قائمٌ في تلك الحاله عن بِسَاط الزَّلَّةِ ، فيقع عليه من الخجل والنَّدَم ما يَنْسى في جَنْبِه كُلَّ عقوبة .\rفسبيلُ المسلم ألا يحومَ حول مخالفة أمر مولاه ، فإنْ جَرَى المقدورُ ووقَعَ في هجنة التقصير فلتكن زَلَّتُه على بال ، وليتضرع إلى الله بحُسْن الابتهال .\rقوله جل ذكره : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى وَمَا السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَخَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثمَّ ُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } .\rمَعَيَّةُ الحقِّ - سبحانه - وإن كانت على العموم بالعلم والرواية ، وعلى الخصوص بالفضل والنصرة - فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثرٌ عظيمٌ ، ولهم إلى أنْ ينتهيَ الأمرُ بهم إلى التولُّه فالوَلَهِ فالهيمان في غمار سماع هذا عيش راغد .\rويقال : أصحابُ الكهف - وإن جَلَّتْ رتبتُهم واختصت من بين الناس مرتبتهم - فالحقُّ سبحانه يقول : { سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } [ الكهف : 22 ] ولمَّا انتهى إلى هذه الآية قال : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة } فشتَّان بين مَنْ رابِعُهُ كَلْبُه وبين من رابِعُه ربُّه!!\rويقال : أهلُ التوحيد ، وأصحابُ العقولِ من أهل الأصولِ يقولون : اللَّهُ واحدٌ لا من طريق العدد ، والحقُّ يقول : { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } ويقال حيثما كنتَ فأنا معك؛ إن كنت في المسجد فأنا معك ، وإن كنت في المصطبة فأنا معك ، إن طَلَبَ العلماء التأويلَ وشوَّشوا قلوبَ أُولي المواجيد فلا بأس - فأنا معهم .\rإن حضرْتَ المسجد فأنا معك بإسباغ النعمة ولكن وَعْداً ، وإن أتيتَ المصطبة فأنا معك بالرحمة وإسبالِ ستر المغفرة ولكن نَقْداً :\rهَبْكَ تباعَدْتَ وخالَفْتَني ... تقدِرُ أن تخرجَ عن لُطْفي","part":7,"page":398},{"id":3399,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ والعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِِّكَ بِهِ اللَّهُ } آذَوْا قلوبَ المسلمين بما كانوا يتناجون به فيما بينهم ، ولم تكن في تناجيهم فائدةٌ إلا قصدهم بذلك شَغْلَ قلوبِ المؤمنين ، ولم ينتهواعنه لمَّا نهُوا عنه ، وأصَرُّوا على ذلك ولم يَنْزَجِروا ، فتَوَعَّدهم اللَّهُ على ذلك ، وتكون عقوبتُهم بأن تتغامز الملائكة في باب فيما بينهم ، وحين يشهدون ذلك تتَرَجَّمُ ظنونُهم ، ويتعذَّبون بتَقَسُّم قلوبهم ، ثم لا ينكشف الحالُ لهم إلاَّ بما يزدهم حزناً على حزنٍ ، وأسفاً على أسف .\rقوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجْواْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقوُاْ اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .\rإنما قَبُحَ ذلك منهم وعَظُمَ الخطرُ لأنه تضمَّن إفسادَ ذات البَيْن ، وخيرُ الأمورِ ما عاد بإصلاح ذات البَيْن ، وبعكسه إذا كان الأمر بضدِّه .\rقوله جل ذكره : { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } .\rالنجوى من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا . وإذا كانت المشاهدةُ غالبةً ، والقلوبُ حاضرةً ، والتوكلُ صحيحاً؛ والنظرُ من موضعه صائباً فلا تاثيرَ لمثل هذه الحالات ، وإنما هذا للضعفاء .\rقوله جلّ ذكره : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ } .\rلكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم ، علَّمَهم مراعاة حُسِن الأدب بينهم فيما كان من أمور العادة دون أحكام العبادة في التفسُّح في المجالس والنظام في حال الزَّحمة والكثرة . . . وأعْزِزْ بَأقومٍ أمَرَهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين وتحقُّقِهم بأركانه! .","part":7,"page":399},{"id":3400,"text":"لمَّا كان الإذنُ في النجوى مقروناً ببذْلِ المالِ امتنعوا وتركوا ، وبذلك ظَهَرَت جواهر الأخلاق ونقاوةُ الرجال - ولقد قال تعالى : { وَلاَ يَسْئَلُكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } [ محمد : 37 ] .","part":7,"page":400},{"id":3401,"text":"مَنْ وافقَ مغضوباً عليه أشْرَكَ نَفْسَه في استحقاقِ غضبِ مَنْ هو الغضبان؛ فَمَنْ تَوَلَّ مغضوباً عليه مِنْ قِبَلِ لله استوجبَ غَضبَ الله وكفى بذلك هواناً وخسراناً .\r{ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .\rهذا وصفٌّ للمنافقين .\r{ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } أي وقايةً وستراً؛ ومَنْ استتر بجُنَّةِ طاعته لتَسْلَم له دنياه فإنَّ سهامَ التقدير من وراءه تكشفه من حيث لا يشعر . . فلا دِينُه يبقى ، ولا دنياه تَسْلَم ، ولقد قال تعالى : { لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِنَ اللَّهِ شَيْئاً } [ آل عمران : 10 ] .","part":7,"page":401},{"id":3402,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فِيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ ألآَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ } .\rعقوبتُهم الكبرى ظَنُّهم أنَّ ماعَمِلوا مع الخَلْقِ يتمشَّى أيضاً في مُعَاملةِ الحقِّ ، ففَرْطُ الأجنبية وغايةُ الجهلِ أكَبَّتهم على مناخرهم في وَهْدَةِ نَدَمِهم .\rقوله جل ذكره : { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلآ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .\rإذا استحوذ الشيطانُ على عَبْدِ أنْسَاه ذِكُرَ الله .\rوالنَّفْسُ إذا استولَتْ على إنسان انْسَتْهُ الله .\rولقد خَسِرَ حزبُ الشيطان ، وأخْسَرُ منه مَنْ أعان نَفْسَه - التي هي أعدى عدوَّه ، إلاَّ بأن يسعى في قَهْرِها لعلَّه ينجو مِنْ شَرَّها .\rقوله جل ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِى الأَذَلِّينَ } .\rمَنْ أرَمْتْهُ شِقْوَتُه لم تُنْعِشْهُ قُوَّتُه ، ومَنْ قَصَمَه التقديرُ لم يَعْصِمه التدبير . ومَنْ استهانَ بالدِّين انخرطَ في سِِلْكِ الأذَلِّين .","part":7,"page":402},{"id":3403,"text":"قوله جلّ ذكره : { كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌ عَزِيزٌ } .\rالذي ليس له إلا التدبير . . . كيف تكون له مقومة مع التقدير؟\rقوله جل ذكره : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .\rمَنْ جَنَحَ إلى منحرفٍ عن دينه ، أو داهَنَ مُبْتَدِعاً في عهده نزَعَ اللَّهُ نورَ التوحيدِ من قلبه فهو في خيانته جائرٌ على عقيدته ، وسيذوق قريباً وَبَالَ أمره .\r{ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيِمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } .\rخلق الله الإيمان في قلوب أوليائه وأثبته ، ويقال : جعل قلوبهم مُطَرَّزَةً باسمه . وأعْزِز بِحُلَّةٍ لأسرار قومٍ طرازُها اسمُ « الله »!","part":7,"page":403},{"id":3404,"text":"قوله جل ذكره : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } .\rقدَّس الله ونزَّهَهُ كُلُّ شيءٍ خَلَقه؛ فكلُّ ما خَلَقَه جَعَلَه على وحدانيته دليلاً ، ولِمَنْ أراد أن يَعْرِفَ إليهتَه طريقاً وسبيلاً .\rأتقن كلَّ شيءٍ وذلك دليلُ عِلْمِه وحكمته ، ورَتَّبَ كُلَّ شيءٍ ، وذلك شاهِدٌ على مشيئته و ( إرادته ) .\r{ وَهُوَ الْعَزِيزُ } فلا شبيه يساويه ، ولا شريكِ له في المُلْكِ ينازِعُه ويُضاهيه .\r{ الْحَكِيمُ } الحاكم الذي لا يُوجَدُ في حُكْمِه عَيْبٌ ، ولا يتوجَّه عليه عَتْبٌ .\rقوله جل ذكره : { هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ } .\rهم أهل النضير ، وكانوا قد عاهدوا النبيَّ A إلاَّ يكونوا عليه ، ثم بعد أُحُد نقضوا العَهْدَ ، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة ، فأخبر اللَّهُ تعالى رسولَه بذلك ، فبعثَ صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة ، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ الصَّدَقَة . وكان رئيسهم كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة ( غيلةً ) ، وغزاهم رسول الله A وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام ، وما كان المسلمون يََتَوَقَّعون الظَّفرَ عليهم لكثرتهم ، ولِمَنَعَةِ حصونهم .\rوظلُّوا يهدمون دورَهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا ، ويقطعون اشجارهم ليسدوا النقب ، فسُّمُّوا أولَ الحشر ، لأنهم أول من أُخْرِجَ من جزيزة العرب وحُشِرَ إلى الشام .\rقال جل ذكره : { فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِى الأَبْصَارِ } .\rكيف نَصَرَ المسلمين - مع قِلَّتهم - عليهم- مع كثرتهم . وكيف لم تمنعهم حصونُهم إذا كانت الدائرةُ عليهم . وإذا أراد اللَّهُ قَهْرَ عدوِّ استنوق أسَدُه .\rومن مواضع العِبْرةِ في ذلك ما قاله : { مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } بحيث داخلتكم الرِّيبةُ في ذلك لِفَرْطِ قُوَّتِهم - فصَانَهُم بذلك عن الإعجاب .\rومن مواضع العبرة في ذلك أيضاً ما قاله : { وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ } فلم يكن كما ظنُّوه - ومَنْ تَقَوَّ بمخلوقٍ أسْلَمَه ذلك إلى صَغَارِه ومذَلّتِه .\rومن الدلائلة الناطقة ما أُلْقِي في قلوبهم من الخوفِ والرُّعب ، ثم تخريبُهم بيوتهم بأيديهم علامةُ ضَعْف أحوالهم ، وبأيدي المؤمنين لقوة أحالهم ، فتمت لهم الغلبةُ عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم .\rهذا كلُّ لا بُدَّ أن يحصل به الاعتبارُ - والاعتبارُ أحَدُ قوانين الشَّرْع .\rومَنْ لم يَعْتَبِرْ بغيره اعتَبَرَ به غيرُه .\rويقال : يُخَرّبون بيوتهم بأيديهم ، وقولوبهم باتِّباع شهواتِ نفوسِهم ، ودِينهم بما يمزجونه به من البِدَع .","part":7,"page":404},{"id":3405,"text":"قوله جل ذكره : { وَلَوْلآ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلآَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدَّنْيَا وَلَهُمْ فِى الأَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ } .\rلولا أن قضى اللَّهُ عليهم أن يخرجوا لعذَّبهم اللَّهُ بالقتل والاستئصال ، ثم في الآخرة لهم عذابُ النار .\r{ ذَلِكَ بَِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\rذلك بأنهم خالفوا أمرَ الله . والمشاقّة أن يتحول المرء إلى شِقٍّ آخر .\rفالعاصي إذا انتقل من المطيعين إلى العاصين فقد شاقَّ الله ، ولِمَنْ شاقَّ الله عذابُ النار .\rقوله جل ذكره : { مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَركْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ } .\rاللِّينة : كلُّ نوعٍ من النخيل ما عدا العجوة والبَرْنِيّ .\rلمَّا أمر سولُ الله A بقَطْعِ بعض نخيل بني النضير قالت اليهود : ما فائدة هذا؟!\rفبقي المسلمون عن الجواب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليوضِّح أن ذلك بإذن الله . . . فانقطعَ الكلامُ .\rوفي هذا دليلٌ على أن الشريعةً غيرُ مُعَلّلةٍ ، وأنَّ الأمرَ الشرعيَّ إذا جاء بَطَلَ التعليلُ ، وسَكَتَتْ الألسنةُ عن المطالبة ب « لِمَ؟ » وخُطُورُ الاعتراضِ أو الاستقباحِ خروجٌ عن حَدِّ العرفان . والشيوخُ .\rقالوا : مَنْ قال لأستاذِه وشيخه : « لِمَ؟ » لا يفلح . وكلُّ مريدٍ يكون لأمثالِ هذه الخواطر في قلبِه جَوَلان لا يجيءُ منه شيءٌ . ومَنْ لم يتجرَّدْ قلبُه من طَلَبِ التعليل ، ولم يباشِرْ حُسْنَ الرضا بكلِّ ما يجري واستحسانَ ما يبدوا من الغيب لِسٍرِّه وقلبِه - فليس من الله في شيء .","part":7,"page":405},{"id":3406,"text":"قوله جل ذكره : { وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عِلِيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } .\rيريد بذلك أموالَ بني النضير ، فقد كانت من جملة الفَيْء لا من الغنيمة؛ فالفيءُ ما صار إلى المسلمين من أموالِ الكفَّارِ من غيرِ قتالٍ ولا إيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ ، وتدخل في جملته أموالُهم إذا ماتوا وصاروا إلى بيت المال . والغنيمة ما كانت بقتالٍ وإيجاف خيلٍ وركابٍ . وقد خَصَّ رسول الله A بأموالِ هؤلاء فقراء المهاجرين ، وستأثر لنفسه بما شاء ، فطابت نفوسُ الأنصارِ بذلك ، وشَكَرَ الله لهم . ذلك لأن تحرُّرَ القلب من الأعواضِ والأملاكِ صِفَةُ السادة والأكابر ، ومَنْ أَسَرَتُهُ الأخطارُ وبقي في شُحِّ نَفْسِه فهو في تضييقه وتدنيقه ، وهو في مصادقته ومعاملته ومطالبته مع الناس دائماً يبحث في استيفاء حظوظه - وهذا ليس له من مذاقات هذه الطريقة شيءٌ .\rوأهلُ الصفاء لم تَبْقَ عليهم من هذه الأشياء بقيةٌ ، وأمَّا مَنْ بَقِيَ عليه منها شيءٌ فمُتَرسِّمٌ سُوقِيٌّ . . . لا مُتَحَقَّقٌ صوفيٌّ .\rقوله جل ذكره : { وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\rهذا أصل من أصولِ وجوبِ متابعتِه ، ولزومِ طريقته وسيرته - وفي العِلْم تفصيلُه .\rوالواجبُ على العبدِ عَرْضُ ما وقع له من الخواطر وما يُكاشَفُ به من الأحوالِ على العلم - فما لا يقبله الكتابُ والسُّنَّة فهو في ضلال .\rقوله جل ذكره : { لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } .\rيريد أن هذا الفيء لهؤلاء الفقراء الذين كانوا مقدارَ مائةِ رجلٍ .\r{ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ } وهو الرزق { وَرِضْوَاناً } بالثواب في الآخرة .\rوينصرون دين الله ، { أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } : والفقيرُ الصادقُ هو الذي يترك كلَّ سببٍ وعلاقة ، ويفرغ أوقاته لعبادة الله ، ولا يعطف بقلبه على شيء سوى الله ، ويَقِفُ مع الحقِّ راضياً بِجَرَيَانِ حُكْمه فيه .","part":7,"page":406},{"id":3407,"text":"قوله جل ذكره : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .\rنزلت هذه الآية في الأنصار . { تَبَوَّءُو الدَّارَ } أي سكنوا المدينة قبل المهاجرين . . { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } من أهل مكة .\r{ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً } مما خُصِّصَ به المهاجرون من الفيء ، ولا يحسدونهم على ذلك ، ولا يَعْترِضون بقلوبهم على حُكْمِ الله بتخصيص المهاجرين ، حتى لو كانت بهم حاجةٌ أو اختلالُ أحوالٍ .\r{ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .\rقيل نزلت الآية في رجلٍ منهم أُهْدِيَتْ له رأسُ شاةٍ فطاف على سبعة أبيات حتى انتهى إلى الأول .\rوقيل نزلت في رجلٍ منهم نزل به ضيفٌ فقرَّب منه الطعامَ وأطفأ السراجَ ليُوهِمَ ضيفَه أنه يأكل ، حتى يؤثِرَ به الضيفَ عَلَى نفسه وعَلَى عياله ، فأنزل الله الآية في شأنه .\rويقال : الكريمُ مَنْ بنى الدار لضيفانه وإخوانه ( واللئيمُ من بناها لنفسه ) .\rوقيل : لم يقل اللهُ : ومَنْ يَتَّقِ شحَّ نفسه بل قال : { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } .\rويقال : صاحبُ الإيثارِ يُؤْثر الشبعانَ على نفسه - وهو جائع .\rويقال : مَنْ مَيَّزَ بين شخصٍ وشخصٍ فليس بصاحبِ إيثارٍ حتى يؤثِرَ الجميع دون تمييز .\rويقال : الإيثار أنْ تَرَى أنَّ ما بأيدي الناسِ لهم ، وأن ما يحصل في يدك ليس إلا كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذنَ فيها .\rويقال : مَنْ رَاى لنفسه مِلْكاً فليس من أهل الإيثار .\rويقال : العابدُ يؤثِر بدنياه غيرَه ، والعارفُ يؤثِر بالجنة غيرَه .\rوعزيزٌ مَنْ لا يطلبُ مِنَ الحقِّ لنَفْسِه شيئاً : لا في الدنيا من جاهٍ أو مالٍ ، ولا في الجنَّة من الأفضال ، ولا منه أيضاً ذَرَّةً من الإقبال والوصال وغير ذلك من الأحوال .\rوهكذا وصفُ الفقير؛ يكون بسقوطِ كلِّ أرَبٍ .\rقوله جل ذكره : { وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ اغْفِر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } .\rأي والذين هاجروا من بعدهم ، ثم أجيالُ المؤمنين من بعد هؤلاء إلى يوم القيامة . كلهُم يَتَرَحَّمون على السلف من المؤمنين الذين سبقوهم ، ويسلكون طريقَ الشفقة على جميع المسلمين ، ويستغفرون لهم ، ويستجيرون من الله أن يجعلَ لأحدٍ من المسلمين في قلوبهم غِلاًّ أي حِقْداً . ومَنْ لا شفقةَ له على جيمع المسلمين فليس له نصيبٌ من الدَّين .","part":7,"page":407},{"id":3408,"text":"قوله جل ذكره : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .\rيريد بهم منافقي المدينة؛ ظاهروا بني النضير وقريظة ، وعاهَدوهم على الموافقة بكلِّ وَجْهٍ ، فأخبر اللَّهُ - سبحانه - أنهم ليسوا كما قالوا وعاهدوا عليه ، وأخبرَ أَنَّهم لا يتناصرون ، وأنَّهم يتخاذلون ، ولئنْ ساعدوهم في بعضِ الحروب فإنهم يتخاذلون إن رأوهم ينهزمون أمام مَنْ يجاهدونهم .","part":7,"page":408},{"id":3409,"text":"قوله جل ذكره : { لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُرِهِمِ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } .\rأخبر - سبحانه - أن المسلمين أشدُّ رهبةً في صدورهم من الله ، وذلك لِقلَّةِ يقينهم ، وإعراضِ قلوبِهم عن الله .\rقوله جلّ ذكره : { لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرِ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } .\rأخبر أنهم لا يجسرون على مقاتلة المسلمين إلاَّ مُخاتلةً ، أو من وراء جدرانٍ . وإنما يشتدُّ بأسُهم فيما بينهم ، أي إذا حارب بعضهم بعضاً ، فأمَّا معكم . . فلا .\r{ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بَِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } .\rاجتماعُ النفوس - مع تنافرُ القلوب واختلافها - أصلُ كلَّ فساد ، وموجِبُ كُلِّ تخاذُل ، ومقتضى تجاسُرِ العدوِّ .\rواتفاقُ القلوبِ؛ والاشتراكُ في الهِمَّةِ؛ والتساوي في القَصْدِ يُوجِبُ كُلَّ ظَفَرٍ وكلَّ سعادة . . . ولا يكون ذلك للأعداء قطّ؛ فليس فيهم إلا اختلالُ كلِّ حالٍ ، وانتقاضُ كلِّ شَمْلٍ .\rقوله جلّ ذكره : { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rمَثَلُ بني قُرَظة كمثل بني النضير؛ ذاق النضير وَبال أَمرِهم قبل قريضة بِسَنَةٍ؛ وذاق قريظة بعْدَهم وبال أمرهم .","part":7,"page":409},{"id":3410,"text":"أي مَثَلُ هؤلاء النافقين مع النضير - في وَعْدِهم بعضهم لبعض بالتناصر { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانٍ } .\rوكذلك أربابُ الفترة وأصحاب الزَّلَّة وأصحاب الدعاوى . . هؤلاء كلُّهم في درجة واحدة في هذا الباب - وإن كان بينهم تفاوت - لا تنفع صُحْبَتُهم في الله؛ قال تعالى : { الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ } [ الزخرف : 67 ] وكلُّ أحدٍ- اليومَ - يألَفُ شَكْلُه؛ فصاحبُ الدعوى إلى صاحب الدعوى ، وصاحبُ المعنى إلى صاحب المعنى .","part":7,"page":410},{"id":3411,"text":"قوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ }\rالتقوى الأولى على ذكر العقوبات في الحال والفِكرِ في العملِ خَيْرِه وشَرِّه .\rوالتقوى الثانية تقوى المراقبة والمحاسبة ، ومَنْ لا محاسبة له في أعماله ولا مراقبة له في أحواله . . فعَنْ قريب سيفتضح .\rوعلامةُ مَنْ نَظَرَ لِغدِه أن يُحْسِنَ مراعاة َ يومِه؛ ولا يكون كذلك إلاَّ إذا فَكَّرَ فيما عَمِلَه في أمْسِه والناس في هذا على أقسام : مُفَكِّرٌ في أمْسِه : ما الذي قُسِمَ له في الأزل؟ وآخر مفكِّر في غده : ما الذي يلقاه؟؟ وثالثٌ مُسْتَقِلٌّ بوقته فيما يلزمه في هذا الوقت فهو مُصطََلَمٌ عن مشاهده موصولٌ بربِّه ، مُنْدَرَجٌ في مذكوره؛ لا يتطلَّعْ لماضيه ولا لمستقبله ، فتوقيتُ الوقتِ يشغله عن وقته .\rقوله جل ذكره : { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ } تركوا طاعتَه فَتَرَكُهم في العذاب؛ وهو الخذلان حتى لم يتوبوا { أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } .","part":7,"page":411},{"id":3412,"text":"قوله جلّ ذكره : { لاَ يَسْتَوِى أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَآئِزُونَ } .\rلا يستوي أهلُ الغفلةِ مع أهل الوصلة .\rوأصلُ كلِّ آفةٍ نسيانُ الربِّ ، ولولا النسيان لما حَصَلَ العصيان ، والذي نسِيَ أمرَ نَفْسِه فهو الذي لا يجتهد في تحصيل توبته ، ويُسَوِّفُ يُلْزِمَهُ به الوقتُ من طاعته .\rقوله جل ذكره : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَاذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَّصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .\rأي لو كان للجبلِ عقلٌ وصلاحُ فِكْرٍ وسِرٍّ ، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخَضَعَ وخَشَعَ . ويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال : { تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } [ مريم : 90 ] ويدل عليه أيضاً قوله .\r{ وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } : ليعقلوا ويهتدوا ، أي بذلك أمَرْناهم ، والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن .\rويقال : ليس هذا الخطابُ على وَجْهِ العتابِ معهم ، بل هو سبيل المدح وبيان تخصيصه إيَّاهم بالقوة؛ فقال : { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ } لم يُطِقْ ولخَشَع - وهؤلاء خَصَصْتُهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابي .\rقوله جل ذكره : { هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } .\r{ الْغَيْبِ } : ما لا يُعْرَفُ بالضرورة ، ولا يُعْرَف بالقياس من المعلومات . ويقال : هو ما استأثر الحقُّ بعِلْمِه ، ولم يجعل لأحدٍ سبيلاً إليه .\r{ وَالشَّهَادَةِ } : ما يَعْرفُه الخَلْقُ .\rوفي الجملة . لا يَعْزُبُ عن عِلْمِه معلومٌ .\rقوله جل ذكره : { هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\r{ الْمَلِكُ } : ذو القدرة على الإيجاد .\r{ الْقُدُوسُ } : المُنَزَّهُ عن الآفة والنقص .\r{ السَّلاَمُ } : ذو السلامة من النقائص ، والذي يُسَلِّمُ على أوليائه ، والذي سَلِمَ المؤمنون من عذابه .\r{ الْمُؤْمِنُ } : الذي يُصَدق عَبْدُه في توحيده فيقول له : صَدَقْتَ يا عبدي .\rوالذي يًصَدِّق نفسه في إخباره أي يعلم أنه صادق .\rويكون بمعنى المصدق لوعده . ويكون بمعنىلمخبر لعباده بأنه يُؤمِّنهم من عقوبته .\r{ الْمُهَيْمِنُ } : الشاهد ، وبمعنى الامين ، ويقال مؤيمن ( مُفَيْعِل ) من الأمن قلبت همزته هاءً وهو من الأمان ، ويقال بمعنى المؤمِن .\r{ الْعَزِيزُ } : الغالبُ الذي لا يُغْلَب ، والذي لا مثيلَ له ، والمستحق لأوصاف الجلال ، وبمعنى : المُعِزّ لعباده . والمَنِيعَ الذي لا يَقْدِرُ عليه أحد .\r{ الْجَبَّارُ } : الذي لا تصل إليه الأيدي . أو بمعنى المُصْلِح لأمورهم من : جَبَرَ الكَسْرَ . أو بمعنى القادر على تحصيل مراده مِنْ خَلْقِه على الوجه الذي يريده من : جَبَرْتُه على الأمر وأجبرته .\r{ الْمُتَكَبِّرُ } : المتقدِّس عن الآفات .","part":7,"page":412},{"id":3413,"text":"هو المنشىء للأعيان والآثار .\r{ لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى } المُسَمِّيات الحِسَان .\r{ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } : مضى معناهما ، وقد استقصينا الكلام في معاني هذه الأسماء ( في كتابنا المسمَّى : « البيان والأدلة في معاني أسماء الله تعالى » ) .","part":7,"page":413},{"id":3414,"text":"قوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَآءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً قِى سَبِيلِى وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِى } .\rقال A : « أعدى عدوِّك نَفْسُك التي بين جنبيك » وأوحى الله سبحانه إلى داود عليه السلام : « عادِ نَفْسَك فليس لي في المملكة مُناَزعٌ غيرها » فَمَنْ عادَى نَفسَه فقد قام بحقِّ الله ، ومَنْ لم يعادِ نفسه لَحِقَتْه هذ الوصمة . وأصلُ الإيمانِ الموالاةُ والمعاداةُ في الله ومَنْ جَنَحَ إلى الخارجين عن دائرة الإسلام انحاز إلى جانبهم .\rقوله جل ذكره : { وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَنَ يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ } .\rأنا أعلم { بِمَآ أَخْفَيْتُمْ } من دقائقِ التصنُّع وخَفِيَّات الرياء .\r{ وَمَآ أَعْلَنتُمْ } من التزيُّن للناس .\r{ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ } من الاستسرار بالزَّلة ، { وَمَآ أَعْلَنتُمْ } ، من الطاعة والبِرِّ .\r{ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ } من الخيانة { وَمَآ أَعْلَنتُمْ } من الأمانة .\r{ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ } من الغِلِّ والغِشِّ للناس ، { وَمَآ أَعْلَنتُمْ } من الفضيحةِ للناس .\r{ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ } من ارتكاب المحظورات ، { وَمَآ أَعْلَنتُمْ } من الأمر بالمعروف .\r{ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ } من تَرْكِ الحشمة مني وقلة المبالاة باطِّلاعي ، وما أعلنتم من تعليم الناسِ ووَعْظِهمْ .\r{ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ } فقد حاد عن طريق الدين ، ووَقَعَ في الكفر .","part":7,"page":414},{"id":3415,"text":"قوله جل ذكره : { إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالْسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُمْ } .\rإنْ يَظْفَروا بكم وصادَفوكم يكونوا لكم أعداء ، ولن تَسْلَموا من أيديهم بالسوءِ ولا من ألسنتهم بالذمِّ وذكْرِ والقبيح .\r{ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } : ولن يَنْفَعَكم تَوَدُّدُكُم إليهم ، ولا ما بينكم وبينهم من الأرحام . ثم عقوبة الآخرةَ تُدْرِكُكُم .\rوكذلك صفة المخالِف ، ولا ينبغي للمرء أن يتعطَّش إلى عشيرته - وإن داهَنَتْه في قالَةٍ ، ولا أن ينخدعَ بتغريرها - وإنْ لا يَنْتَه في حالة .\rقوله جل ذكره : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ والْبغْضَآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ } .\rأي لكم قُدْوَةٌ حسنة بإبراهيم ومَنْ قبله من الأنبياء حيث تبرَّؤوا من الكفار من أقوامهم؛ فاقْتَدُوا بهم . . إلاَّ استغفار إِبراهيم لأبيه - وهو كافر - فلا تقتدوا به .\rولاَ تَسْتَغْفِروا للكفار . وكان إبراهيمُ قد وعده أبوه أنه يُؤمِن فلذلك كان يستغفر له ، فَلَمَّا تَبَيَّّنَ له أنه لن يُؤمِنَ تَبرَّأ منه .\rويقال : كان منافقاً . . ولم يَعْلَمْ إبراهيم ذلك وقتَ استغفاره له .\rويقال : يجوز أنه لم يعلم في ذلك الوقت أنَّ الله لا يغفر للكفار .\rوالفائدةُ في هذه الآيه تخفيفُ الأمر على قلب الرسول A والمؤمنين بتعريفهم أنَّ مَنْ كانوا قبلهم حين كَذَّبوا بأنبيائهم اهلكهم الله ، وأنهم صبروا ، وأنه ينبغى لذلك أن يكونَ بالصبرِ أمرُهم .\rقوله جل ذكره : { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } .\rأخبر أنهم قالوا ذلك .\rويصحُّ أن يكون معناه : قولوا : { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } .\rوقد مضى القولُ في معنى التوكل والإنابةُ .","part":7,"page":415},{"id":3416,"text":"ربَّنا لا تُظْفِرهم بنا ، ولا تُقَوِّهم علينا .\rوالإشارة في الآية : إلى الأمرِ بِسُنَّةِ إبراهيم في السخاء وحُسْنِ الخُلُقِ والإخلاصِ والصدقِ والصبرِ وكلِّ خصلةٍ له ذَكَرَها لنا .","part":7,"page":416},{"id":3417,"text":"قوله جل ذكره : { عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَّدةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rوقفهم في مقتضى قوله تعالى : { عَسَى اللَّهُ } عند حدِّ التجويز . . لا حُكْماً بالقَطْعِ ، ولا دَفْعَ قلبٍ باليأس . . ثم أمَرَهم بالاقتصاد في العداوة والولاية معهم بقلوبهم ، وعرَّفهم بوقوع الأمر حسب تقديره وقدرته ، وَجَرَيانِ كلِّ شيءٍ على ما يريد لهم ، وصَدَّق هذه الترجية بإيمان مَنْ آمَنَ منهم عند فتح مكة ، وكيف أسلم كثيرون ، وحصل بينهم وبين المسلمين مودةٌ أكيدة .\rقوله جل ذكره : { لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عِنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .\rأمَرَهُم بشدة العداوة مع أعدائهم على الوجه الذي يفعلونه ، وأمّا من كان فيهم ذا خُلُقٍ حَسَنٍ ، أو كان منه للمسلمين وجهُ نَفْع أو رِفْقٍ - فقد أمَرَهم بالملاينة معه . والمُؤلَّفَةُ قلوبهم شاهدٌ لهذه الجملة ، « فِإِنَّ الله يحب الرِّفق في جميع الأمور »","part":7,"page":417},{"id":3418,"text":"قوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَآءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ } .\rكان النبيُّ A يمتحنهن باليمين ، فَيَحْلِفَنَّ إنَّهن لم يخرجن إلاَّ لله ، ولم يخرجن مغايظةً لأزواجهن ، ولم يخرجن طمعاً في مالٍ .\rوفي الجملة : الامتحانُ طريقٌ إلى المعرفة ، وجواهرُ الناس تتبيَّن بالتجربة . ومَنْ أقْدَمَ على شيءٍ من غير تجربة تَحَسَّى كأسَ الندم .\r{ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } .\rلا توافِقوا مَنْ خالَفَ الحقَّ في قليل أو كثير .","part":7,"page":418},{"id":3419,"text":"قوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيَهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فَى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rإذا جاءك النساء يبايعنك على الإسلام فطالِبْهُنَّ وشارِطْهُنَّ بهذه الأشياء :\rتَرْك الشِّرك ، وترك السرقة والزنا وقتل الاولاد والافتراء في إلحاق النَّسبِ ، وألا يعصينك في معروفٍ؛ فلا يخالفنك فيما تأمرهن به ، ويدخل في ذلك تَرْكُ النياحةِ وشقُّ الجيوب ونَتْفُ الشَّعْرِ عند المصيبة وتخميش الوجوه والتبرُّجُ وإظهارُ الزينه . . وغير ذلك مما هو من شعائر الدِّين في الجملة .\rقوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الأَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } .\rالذين غضب الله عليهم هم الكفار . يئسوا من الآخرة كما يئِسَ أصحاب القبور أن يعودوا إلى الدنيا ويُبْعثوا ( بعد ما تبينوا سوء منقلبهم ) .\rويقال : كما يئس الكفار حين اعتقدوا أن الخَلْقَ لا يُبْعَثُون في القيامة .","part":7,"page":419},{"id":3420,"text":"قوله جل ذكره : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } .\rمَنْ أراد أنْ يصفوَ له تسبيحُه فَلْيَصَفِّ قلبَه من آثار نَفْسِه ، ومَنْ أراد أن يَصْفُوَا له في الجنَّةِ عَيشُه فَلْيُصَفِّ من أوضارِ ذَنْبِهِ نَفْسَه .\rقوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } .\rجاء في التفاسير أنهم قالوا : لو عَلِمْنا ما فيه رضا الله لَفَعَلْنا ولو فيه كل جهد . . ثم لمَّا كان يومُ ُأحُد لم يثبوا ، فنزلت هذه الآية في العتاب .\rوفي الجملة : خلفُ الوعدِ مع كلِّ أحَدٍ قبيحٌ ، ومع الله أقبح .\rويقال إظهارُ التجلُّدِ من غير شهود مواضِع الفقر إلى الحقِّ في كلِّ نَفَسٍ يؤذِنُ بالبقاء عمَّا حصل بالدعوى . . والله يحب التبرِّي من الحوْلِ والقوة .\rويقال : لم يتوعَّد - سبحانه - زَلَّةٍ بِمثْلِ ما على هذا حين قال : { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } .\rقوله جل ذكره : { إٍنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ } .\rالمحبةُ توجِبُ الإثارَ . وتقديم مُرَادِ حبيبك عَلَى مُرَادِ نَفْسِك ، وتقديم محبوب حبيبك على محبوبِ نَفْسِك . فإذا كان الحقُّ تعالى يحبُّ من العبدِ أن يُقاتِلَ على الوجه الذي ذكره فَمَنْ لم يُؤثِرْ محبوبَ الله على محبوب نَفْسِه - أي على سلامته - انسلخ من محبته لربِّه ، ومَنْ خلا من محبةِ الله وَقَعَ في الشِّق الآخر ، في خسرانه .","part":7,"page":420},{"id":3421,"text":"قوله جل ذكره : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الفَاسِقِينَ } .\rلمَّا زاغوا بِتْركِ الحدِّ أزاغ اللَّهُ قلوبهم بنقض العهد .\rويقال : لمَّا زاغوا عن طريق الرُّشْدِ أزاغ الله قلوبَهم بالصدِّ والردِّ والبُعْدِ عن الوُدِّ .\rويقال : لما زاغوا بظواهرهم أزاغ الله سرائرَهم .\rويقال : لمَّا زاغوا عن خدمة الباب أزاغ اللَّهُ قلوبهم عن التشوُّق إلى البساط .\rويقال : لمَّا زاغواعن العبادة أزاغ اللَّهُ قلوبَهم عن الإرادة .\rقوله جل ذكره : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِى إِسْرَائِلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِنَّاتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } .\rبَشَّرَ كلُّ نبيٍّ قومَه بنَبِيِّنا A ، وأفرد الله - سبحانه- عيسى بالذِّكْرِ في هذا الموضع لأنه آخِرُ نبيٍّ قبل نبيِّنا A : فبيَّن بذلك أن البشارة به عَمّتْ جميعَ الأنبياء واحداً بعد واحد حتى انتهت بعيسى عليه السلام .","part":7,"page":421},{"id":3422,"text":"قوله جل ذكره : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِّمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ } .\rفَمَنْ احتال لوَهنه ، أورامَ وهْيَه انعكس عليه كَيْدُه ، وانتقض عليه تدبيرُه .\r{ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أن يُتِمَّ نُورَهُ } : كما قالوا :\rولله سِرٌّ في عُلاهُ وإنما ... كلامُ العِدَى ضَرْبٌ من الهَذَيانِ\rكأنه قال : مَنْ تمنَّى أن يُطْفِىءَ نورَ الإسلام بكيده كمن يحتال ويزاول إطفاء شعاعِ الشمس بنَفْثه ونَفْخِه فيه - وذلك من المُحال .\rقوله جل ذكره : { هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .\rلمَّا تقاعد قومُه عن نصرته ، وانبرى أعداؤه لتكذيبه ، وجحدوا ما شاهدوه من صِدْقِه قَيَّض الله له أنصاراً من أمته هم : نُزَّاعُ القبائل ، والآحاد الأفاضل ، والساداتُ الأماثل ، وأفرادُ المناقب -فبذلوا في إعانته ونصرة دينه مُهَجَهم ، ولم يُؤثِروا عليه شيئاً من كرائمهم ، ووقوه بأرواحهم ، وأمََدَّهم اللَّهُ سبحانه بتوفيقه كي ينصروا دينه ، أولئك أقوامٌ عَجَنَ الله بماء السعادة طِينَتَهم ، وخَلَقَ من نور التوحيد أرواحهم وأهَلَّهم يومَ القيامة للسيادة على أضرابهم .\rولقد أرسل الله نبيَّه لدينه مُوَضِّحاً ، وبالحقِّ مُفْصِحاً ، ولتوحيده مُعْلِناً ، ولجهده في الدعاء إليه مستفرِغاً . . فأقْرَعَ بنُصْحِه قلوباً نُكْراً ، وبصَّرَ بنور تبليغه عيوناً عُمْياً .","part":7,"page":422},{"id":3423,"text":"قوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّن عَذَابٍ أَلِيم تُؤْمِنُونَ يِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .\rسمَّى الإيمانَ والجهادَ تجارةً لِمَا في التجارة من الرِّبح والخسران ونوعٍ تَكسُّب من التاجر - وكذلك : في الإيمان والجهاد رِبْحُ الجنَّة وفي ذلك يجتهد العبد ، وخسرانها إذا كان الامرُ بالضِّدِّ .\rوقوله : { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } أي في ذلك جهادُكم وإيمانُكم واجتادُكم ، وهو خيرٌ لكم .\rثم بَيَّن الربحَ على تلك التجارة ما هو فقال :\r{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِها الأَنْهَارُ وَمََساكِنَ طَيِّبةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\rقدَّم ذِكْرَ أهمِّ الأشياء -وهو المغفرة . ثم إذا فرغَتْ القلوبُ عن العقوبة قال :\r{ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ } فبعد ما ذَكَرَ الجنَّةَ ونعيمَهَا قال : { وَمَسَاكِنَ طَيِبَّةً } ، وبماذا تطيب تلك المساكن؟ لا تطيب إلاَّ برؤية الحقِّ سبحانه ، ولذلك قالوا :\rأجيرانَنَا ما اوحشَ الدارَ بعدكم ... إذا غِبْتُموا عنها ونحن حضورُ\rنحن في أكمل السرورِ ولكنْ ... ليس إلا بكم يتمُّ السرورُ\rعيبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودَّي ... أنكم غُيَّبٌ ونحن حضورُ\rقوله جل ذكره : { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ } .\rأي ولكم نعمة أخرى تحبونها : نصرٌ من الله؛ اليومَ حِفْظُ الإيمان وتثبيتُ الأقدام على صراط الاستقامة ، وغداً على صراط القيامة .\r{ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } : الرؤية والزلفة . ويقال الشهود . ويقال : الوجود أبدَ الأبَد .\r{ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ } : بأنهم لا يبقون عنك في هذا التواصل .","part":7,"page":423},{"id":3424,"text":"أي كونوا أنصاراً لدينه ورسوله كما أنَّ عيسى لمَّا استعانَ واستنصرَ الحواريين نصروه . فانصروا محمداً إذا استنصركم .\rثم أخبر انَّ طائفةً من بني إسرائيل آمنوا بعيسى فأُكْرِموا ، وطائفةً كفروا فأُذِلُّوا ، وأظفرَ أولياءَه على أعدائه . . لكي يعرف الرسول A أنَّ الله سبحانه يُظْفِرُ أولياءَه على أعدائه .","part":7,"page":424},{"id":3425,"text":"قوله جل ذكره : { يُسَّبِحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ } .\rتَسْبَحُ في بحارِ توحيد الحقِّ أسرارُ أهلِ التحقيق ، وبَحْرُهم بلا شاطىء؛ فبعد ما حصلوا فيها فلا خروجَ ولا براحَ ، فحازت أيديهم جواهرَ التفريد فرصَّعوها في تاج العرفان كي يَلْبَسُوه يومَ اللِّقاء .\r{ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعِزِيزِ الْحَكِيمِ } .\r{ الْمَلِكِ } : الملك المتفرِّد باستحقاق الجبروت .\r{ الْقُدُّوسِ } : المُنزَّهُ عن الدرك والوصول : فليس بيد الخَلْقِ إلاَّ عرفان الحقائق بنعت التعالي ، والتأمل في شهود أفعاله ، فأمَّا الوقوف على حقيقة أنِّيته - فقد جَلَّتْ الصمديةُ عن إشرافٍ عليه ، أو طمعِ إدراكٍ في حالٍ رؤيته ، أو جواز إحاطةٍ في العِلْم به . . فليس إلا قالة بلسانٍ مُسْتَنْطقٍ ، وحالة بشهودِ حقِّ مستغرق .\rوقُلْنَ بنا : نحن الأهِلَّة إنما ... نُضيءُ لِمَنْ يَسْرِي بليلٍ ولا نَقْرِي\rقوله جل ذكره : { هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمِّيِّنَ رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيِهمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكَتَابَ وَالْحِِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .\rجرَّده كلِّ تكلُّفٍ لِتَعَلُّمٍ ، وعن الاتصافِ بتطَلُّبٍ . ثم بَعَثَه فيهم وأظْهَرَ عليه من الأوصاف ما فاق الجميع .\rفكما أيْتَمَهُ في الابتداء عن أبيه وامِّه ، ثم آواه بلُطْفِه - وكان ذلك أبلغَ وأتمَّ - فإنه كذلك أفرده عن تكلُّفِه العلم - ولكن قال : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } [ النساء : 113 ] .\rوقال : { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكَتَابُ وَلاَ الإِيَمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً } [ الشورى : 52 ] ألبسه لباسَ العِزَّة ، وتوجَّه بتاج الكرامة ، وخَلَعَ عليه حُسْنَ التولِّي . لتكونَ آثارُ البشرية عنه مندرجة ، وأنوارُ الحقائقِ عليه لائحة .","part":7,"page":425},{"id":3426,"text":"قوله جل ذكره : { وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } .\rأي بَعَثَه في الأميين ، وفي آخرين منهم وهم العجم ، ومن يأتي . . إلى يوم القيامة؛ فهو A مبعوثٌ إلى لناس كافَّة .\rقوله جل ذكره : { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .\rيقصد به هنا النبوة ، يؤتيها { مَن يَشَآءُ } ؛ وفي ذلك ردٌّ على مَنْ قال : إنها تُُسْتَحَقُّ لكثرة طاعة الرسول - وردٌّ على من قال : إنها لتخصيصهم بطينتهم؛ فالفضل ما لا يكون مُسْتَحَقّاً ، والاستحقاق فَرضٌ لا فضل .\rويقال : { فَضْلُ اللَّهِ } هنا هو التوفيق حتى يؤمِنوا به .\rويقال : هو الأُنْسُ بالله ، والعبدُ يَنْسَى كلَّ شيء إذا وَجَدَ الأُنْسَ .\rويقال : قَطَعَ الأسباب ، - بالجملة - في استحقاق الفضل ، إذا أحاله على المشيئة .\rقوله جل ذكره : { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } : ثم لم يعملوا بها .\rويلْحَقُ بهؤلاء في الوعيد - من حيث الإشارة- الموسومون بالتقليد في أي معنى شِئتَ : في علم الأصول ، وممَّا طريقُه أدلةُ العقول ، وفي هذه الطريقة ممَّا طريقُه المنازلات .\rقوله جل ذكره : { قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُّمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنُّواْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيم بالظَّالِمِينَ } .\rهذا من جلمة معجزاته A ، فَصَرْفُ قلوبِهم عن تمنِّي الموتِ إلى هذه المدة دَلَّ على صِدْقِه صلوات الله عليه .\rويقال : من علامات المحبة الاشتياقُ إلى المحبوب؛ فإذا كان لا يَصِلُ إلى لقائه إلا بالموتِ فتمنِّيه - لا محالة- شرطٌ ، فأخبر أنهم لا يتمنونه أبداً . . وكان كما اخبر .","part":7,"page":426},{"id":3427,"text":"قوله جل ذكره : { قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rالموتُ حَتْمٌ مَقْضِيٌّ . وفي الخبر : « مَنْ كَرَهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءه » والموتُ جِسْرٌ والمقصدُ عند الله . . . ومَنْ لم يَعِشْ عفيفاً فَلْيَمُتْ ظريفاً .\rقوله جل ذكره : { يَاأَيُهَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمَِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَواْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .\rأوْجَبَ السَّعْيَ يومَ الجمعة إذا نودِيَ لها ، وأمَرَ بِتَركِ البيع .\rومنهم من يحمله على الظاهر؛ أي تَرْك المعاملة مع الخَلْقِ ، ومنهم من يحمله عليه وعلى معنىً آخر : هو تَرْكُ الاشتغال بملاحظة الأعراض ، والتناسي عن جميع الأغراض إلا معانقة الأمر؛ فمنهم مَنْ يسعى إلى ذِكْرِ الله ، ومنهم من يسعى إلى الله ، بل يسعون إلى ذِكْرِ الله جَهْراً بِجَهْرٍ ، ويسعون إلى الله تعالى سِرًّا بسِرٍّ .\rقوله جل ذكره : { فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِى الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\rإنما ينصرف مَنْ كان له جَمْعٌ يرجع إليه ، أو شغْلٌ يقصده ويشتغل به - ولكن . . . مَنْ لا شُغْلَ له ولا مأوى . . فإلى أين يرجع؟ وإنما يقال : { وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ } إذا كان له أرَبٌ . . فأمَّا مَنْ سَكَنَ عن المطالبات ، وكُفِيَ داءَ الطَّلَبِ . . فما لَه وابتغاء ما ليس يريده ولا هو في رِقِّه؟!\rقوله جل ذكره : { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةٍ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } .\rمَنْ أسَرَتْهُ أخطارُ الأشياء استجاب لكلِّ داعٍ جَرَّه إليه لَهْوٌ أو حَمَلَه عليه سهوٌ ومَنْ مَلَكَه سلطانُ الحقيقة لم ينحرف عن الحضور ، ولم يلتفت في حال الشهود . { قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ } وما عند الله للعُبَّاد والزُّهَّاد - غداً - خيرٌ مما نالوه في الدنيا نقداً . وما عند الله للعارفين - نقداً - من واردات القلوب وبواده الحقيقية خيرٌ مما يُؤمَّل المستأنفِ في الدنيا والعُقْبى .","part":7,"page":427},{"id":3428,"text":"قوله جل ذكره : { إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } .\rكذَّبهم فيما قالوا وأظهروا ، ولكنهم لم يشهدوا عن بصيرة ولم يعتقدوا تصديقك ، فهم لم يكذبوا في الشهادة ولكنَّ كِذْبَهم في قولهم : إنَّهم مخلصون لك ، مُصَدِّقون لك . فصِدْقُ القالة لا ينفع مع قُبْح الحالة .\rويقال : الإيمان ما يوجِبُ الأمان؛ فالإيمانُ يوجِبُ للمؤمن إذا كان عاصياً خلاصَه من العذاب أكثره وأقّله . . إلاَّ ما ينقله من أعلى جهنم إلى أسفلها .\rقوله جل ذكره : { اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تَسَتَّرُوا بإقرارهم ، وتكَشَّفوا بنفاقهم عن أسْتارِهم فافتضحوا ، وذاقوا وبالَ أحوالهم .\rقوله جل ذكره : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } .\rاستضاؤوا بنورِ الإجابة فلم يَنْبَسِطْ عليهم شعاعُ السعادة ، فانطفأ نورُهم بقَهرِ الحرمان ، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحُكْم الشقاوة .\rقوله جل ذكره : { وَإِذَا رَأَيْتُهمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيِْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللًّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } .\rأي هم أشباحٌ وقوالبٌ وليس وراءهم ألبابٌ وحقائق - فالجوزُ الفارغُ مُزَيَّنٌ ظاهِرُه ولكنه للعب الصبيان .\r{ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } وذلك لِجُبْنِهم؛ إذ ليس لهم انتعاشٌ بربِّهم ، ولا استقلالٌ بغيرهم .\r{ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ } هم عدوٌّ لك - يا محمد- فاحْذَرْهم ، ولا يَغُرَّنْكَ تَبَسُّطُهم في الكلام على وجهِ التودُّدِ والتقرُّب .","part":7,"page":428},{"id":3429,"text":"قوله جل ذكره : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِر لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } .\rسمعوا إلى ما يقال لهم على وجه التكبُّر ، وإظهار الاستغناء عن استغفارك لهم . . فخَلِّ سبيلهم؛ فليس للنُّصح فيهم مساغٌ ، ولن يُصْحِيَهم من سَكْرَتهم إلاَّ حَرُّ ما سيلقونه من العقوبة ، فما دام الإصرارُ من جانبهم فإنهم :\r{ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .\rفقد سبق العِلْمُ بذلك :\rقوله جل ذكره : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنٍَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } .\rكأنهم مربوطون بالأسباب ، محجوبون عن شهود التقدير ، غيرُ متحقِّقين بتصريف الأيام ، فأنْطَقَهُم بما خَامَرَ قلوبَهم مِنْ تَمَنِّي انطفاء نورِ رسول الله ، وانتكاث شَمْلِهم ، فتواصَوْا فيما بينهم بقولهم : { لاَ تُنفِقُواْ عَلى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ } فقال تعالى : { وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ } .\rوليس استقلالُك - يا محمد - ولا استقلالُ أصحابِك بالمرزوقين . . بل بالرازق؛ فهو الذي يمسككم .\rقوله جل ذكره : { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنََّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } .\rإنما وقع لهم الغَلَطُ في تعيين الأعزِّ والأذَلِّ؛ فتوَهَّموا أنَّ الأعزَّ هم المنافقون ، والأذلَّ هم المسلمون ، ولكن الأمر بالعكس ، فلا جَرَمَ غَلَبَ الرسولُ A والمسلمون ، وأُذِلَّ المنافقون بقوله : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } : لله عِزُّ الإلهية ، وللرسول عِزُّ النبوَّة ، وللمؤمنين عِزُّ الولاية . وجيمعُ ذلك لله؛ فعِزُّه القديم صِفَتُه ، وعِزُّ الرسولِ وعِزُّ المؤمنين له فِعْلاً ومِنَّةً وفَضْلاً ، فإذاً لله العِزَّةُ جميعاً .\rويقال : كما انَّ عِزَّةَ الله - سبحانه - لا زوالَ لها فعِزَّة الأنبياء بأن لا عَزْلَ لهم ، وعِزَّةُ المؤمنين بألا يَبْقَى منهم مُخَلَّدٌ في النار .\rويقال : مَنْ كان إيمانُهم حقيقياً فلا زوالَ له .\rويقال : مَنْ تعزَّزَ بالله لم يلحقه تَغَيُّرٌ عن حاله بغير الله .\rويقال : لا عِزَّ إلاَّ في طاعةِ الله ، ولا ذُلَّ إلاَّ في معصية الله . . . وما سوى هذا فلا أصلَ له .","part":7,"page":429},{"id":3430,"text":"قوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ } .\rلا تُضَيِّعوا أمورَ دينكم بسبب اموالكم وأولادكم بل آثروا حقَّ الله ، واشْتَغِلوا به يَكْفِكُم أمور دنياكم وأولادكم؛ فإذا كُنْتَ لله كان اللَّهُ لك .\rويقال : حقُّ الله مما ألزمكَ القيامَ به ، وحقُّك ضمن لك القيام به؛ فاشتغِلْ بما كُلِّفْتَ لا بما كُفِيت .\rقوله جل ذكره : { وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْناكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرتَنِى إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } .\rلا تَغْتَرُّوا بسلامةِ أوقاتِكم ، وتَرَقَّبوا بَغَتاتِ آجالِكم ، وتأهَّبوا لما بين أيديكم من الرحيل ، ولاتُعَرِّجوا في أوطان التسويف .","part":7,"page":430},{"id":3431,"text":"قوله جل ذكره : { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ } .\rالمخلوقاتُ كلُّها بجملتها لله سبحانه مُسَبِّحةٌ . . ولكن لا يَسْمَعُ تسبيحَها مَنْ به طَرَشُ النكرة .\rويقال : الذي طَرَأَ صَمَمُه فقد يُرْجَى زواله بنوعِ معالجة ، أمَّا مَنْ يولَدُ أصَمَّ فلا حيلةَ في تحصيل سماعه . قال تعالى : { فإنك لا تسمع الموتى } [ الروم : 52 ] وقال تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ } [ الأنفال : 23 ] .\rقوله جل ذكره { هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .\rمنكم كافرٌ في سابق حُكْمِه سَمَّاه كافراً ، وعَلِمَ أنه يكفر وأراد به الكفر . . وكذلك كانوا . ومنكم مؤمنٌ في سابق حُكْمِه سمَّاه مؤمناً ، وعِلِمَ في آزاله أنه يُؤمِن وخَلَقَه مؤمناً ، وأراده مؤمناً . . . والله بما تعلمون بصير .\rقوله جل ذكره : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .\r{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ َالأَرْضَ بِالْحِقِّ } : أي وهو مُحِقُّ في خَلْقِه .\r{ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } لم يَقُلْ لشيءٍ من المخوقات هذا الذي قال لنا ، صوَّر الظاهرَ وصوَّر الباطنَ؛ فالظاهر شاهدٌ على كمال قدرته ، والباطن شاهدٌ على جلال قربته .","part":7,"page":431},{"id":3432,"text":"قوله جل ذكره : { يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُّسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .\rقصِّروا حِيَلكُم عن مطلوبكم ، فهو تتقاصر عنه علومُكم ، وأنا أعلمُ ذلك دونَكم . . فاطلبوا منِّي ، فأنا بذلك أعلم ، وعليه أقدر .\rويقال : { وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ } . فاحذورا دقيقَ الرياء ، وخَفِيَّ ذات الصدور { وَمَا تُعْلِنُونَ } : فاحذروا ان يخالِفَ ظاهرُكم باطنكم .\rفي قوله : { مَا تُسِرُّونَ } أمرٌ بالمراقبة بين العبد وربه .\rوفي قوله : { ما تعلنون } أمرٌ بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخَلْق .\rقوله جل ذكره : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نََبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ واللهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ } .\rالمراد من ذلك هو الاعتبار بِمَنْ سَلَفَ ، ومَنْ لم يعتبِرْ عَثَرَ في مَهْوَاةٍ من الامَلِ ، ثم لا يَنْتَعِشُ إلاّ بعد فواتِ الأمرِ من يده .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم } . شاهدوا الأمر من حيث الخَلْقِ فتَطَوَّحوا في متاهاتِ الإشكالِ المختلفةِ الأحوال . ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلَّصوا من تفرقة الأباطيل ، واستراحوا بشهود التقدير من اختلاف الأحوال ذات التغيير .\rقوله جل ذكره : { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عِملِْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } .\rالموتُ نوعان : موتُ نَفْسٍ ، وموتُ قلب ، ففي القيامة يُبْعَثون من موت النَّفْس ، وأمَّا موتُ القلبِ فلا بَعْثَ منه - عند كثيرٍ من مخلصي هذه الطائفة ، قال تعالى مُخْبِراً عنهم : { قَالُواْ يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَننَا مِن مَّرْقَدِنَا } [ يس : 52 ] فلو عرفوه لَمَا قالوا ذلك؛ فموتُ قلوبِهم مُسَرْمَدٌ إلى أنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً ، فهذا الوقتُ وقتُ موتِ قلوبهم .\rقوله جل ذكره : { فَئَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذَى أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .\r{ النور الذي أنزلنا } : القرآن . ويجوز ان يكون ما أنزل في قلوب اوليائه من السكينة وفنون الألطاف .\rقوله جل ذكره : { يَوْمَ يَحْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\rالمطيعُ - يومئذٍِ- في غبن لأنه لم يستكثر من الطاعة ، والعاصي في غبن لأنه استكثر من الزلَّة .\rوليسَ كلُّ الغبنِ في تفاوت الدرجات قلَّةً وكثرة ، فالغبن في الأحوال أكثر .","part":7,"page":432},{"id":3433,"text":"قوله جل ذكره : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } .\rأيُّ حُصْلةٍ حَصَلت فمِنْ قِبَلِه خَلْقاً ، وبعلمه وإرادته حُكماً .\r{ يَهْدِ قَلْبَهُ } حتى يهتدي إلى الله في السَّراء والضَّراء - اليومَ - وفي الآخرة يهديه إلى الجنة .\rويقال : { يَهْدِ قَلْبَهُ } للأخلاق السنيَّة ، والتنقِّي من شُحِّ النَّفْس .\rويقال : { يَهْدِ قَلْبَهُ } لاتِّباع السُّنَّةِ واجتنابِ البِدْعة .\rقوله جل ذكره : { وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولً فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } .\rطاعةُ الله واجبة ، وطاعةُ الرُّسُل - الذين هم سفراءٌ بينه وبين الخَلْقِ - واجبةٌ كذلك . والأنوار التي تظهر عليك وتطالَبُ بمقتضياتها كلُّها حقٌّ ، ومن الحقِّ . . فتجب طاعتُها أيضاً .","part":7,"page":433},{"id":3434,"text":"قوله جل ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوَّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُو وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ } .\rإذا دَعَوْكَ لتجمَع لهم الدنيا فهم عدوٌّ لك ، أمَّا إذا أخذتم منها على وجه العفاف فليسوا لكم أعداء .\rقوله جل ذكره : { إِنَّمآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } .\r{ فِتْنَةٌ } : لأنهم يشغلونك عن أداء حقِّ الله؛ فما تَبْقَ عن الله مشغولاً بجمعه فهو غيرُ ميمونٍ عليك .\rويقال : إذا جمعتم الدنيا لغير وَجْهِه فإنكم تُشغَلُون بذلك عن أداءِ حقِّ مولاكم ، وتشغلكم أولادُكم ، فتبقون بهم عن طاعة الله - وتلك فتنةٌ لكم . . ترومون إصلاحَهم . فتفسدون أنتم وهم لا يًصْلَحون!\rقوله جل ذكره : { فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .\rأي ما دمتم في الجملة مستطيعين ويتوجه عليكم التكليف فاتقوا لله . والتقوى عن شهود التقوى بعد إلا يكونَ تقصيرٌ في التقوى غايةُ التقوى .\r{ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } حتى ترتفعَ الاخطارُ عن قلبه ، ويتحرَّر من رِقِّ المكونات ، { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }","part":7,"page":434},{"id":3435,"text":"قوله جل ذكره : { إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمُ } .\rيتوجَّه بهذا الخطاب إلى الأغنياء بِبَذْلِ أموالهم ، وللفقراء في إخلاءِ أيامهم وأوقاتهم من مراداتهم وإيثارِ مرادِ الحقِّ على مرادِ أنفسِهم .\rفالغنيُّ يُقال له : آثِرْ حُكْمي على مرادك في مالِك ، والفقيرُ يقال له : آثِرْ حُكْمي في نَفْسِك وقلبك ووقتك وزمانك .\r{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .\rجلَّ شأنه .","part":7,"page":435},{"id":3436,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعَدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ . . . } .\rالطلاقُ - وإنْ كان فراقاً - فلم يجعله الحقُّ محظوراً . . . وإن كان من وجهٍ مكروهاً .\rوللطلاق وقتية : سُنِّية بِدْعيه ، ومباحة ، لا سنية ولا بدعية؛ فالسنية : أَنْ تطلَّقَ في طُهْرٍ لم تُباشَر فيه طلقةً واحدة ، والبدعية : في حال الحيض وطُهْرٍ جُومعت فيه ، والمباحة : في طهر بعد حيض ثم يطلقها من قبل أن يجامعها - والطلاق أكثر من واحدة .\rوالعِدَّةُ - وان كانت في الشريعة لتحصين ماء الزوج محاماةً على الأنساب لئلا يدخل على ماء الزوج ماءُ آخر - فالغالبُ والأقوى في معناها أنها للوفاء للصحبة الماضية في وصلة النكاح .\rوالإشارة في لآيات التالية إلى انه بعد أن انتهت الوصلة فلا أقلَّ من الوفاء مدةً لهذه الصغيرة التي لم تحِضْ ، وهذه الآيسة من الحيض ، وتلك التي انقطع حَيْضُهَا ، والحُبْلَى حتى تلد . . كل ذلك مراعاةً للحرمة : وعِدَّةُ الوفاة تشهد على هذه الجملة في كونها أطول؛ لأن حُرْمَة الميت أعظم وكذلك الإمداد في أيام العِدَّة . . . المعنى فيه ما ذكرنا من مراعاة الوفاء والحرمة .\rقوله جلّ ذكره : { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .\rالعبوديةُ : الوقوف عند الحدِّ ، لا بالنقصان عنه ولا بالزيادة عليه ، ومَنْ راعى مع اللَّهِ حَدَّه أخلص اللَّهُ له عَهْدَه . . .\r{ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } .\rقالوا : أراد نَدَماً ، وقيل : وَلَداً ، وقيل : مَيْلاً إليها ، أولها إليه؛ فإن القلوبَ تتقلب :\rوالإشارة في إباحة الطلاق إلى أنه إذا كان الصبرُ مع الأشْكال حقّا للحرمة المتقدمة فالخلاصُ من مُسَاكنة الأمثال ، والتجرُّدُ لعبادة الله تعالى أوْلَى وأحَقُّ .","part":7,"page":436},{"id":3437,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَن يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } .\rإذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تُخْرَجُ من بين العجِين لا يَعْلَقُ بها شيءٌ . ويضربُ الله تعالى على المُتَّقِي سرادقاتِ عنايته ، ويُدْخِلُه في كنف الإيواء ، ويَصْرِفُ الأشغال عن قلبه ، ويُخْرِجُه من ظلمات تدبيره ، ويُجَرِّدُه من كل أمر ، وينقله إلى فضاء تقديره .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } .\rلم يقل : ومَنْ يتوكل على الله فتوكُّلُه حَسْبُه ، بل قال : { فَهُوَ حَسْبُهُ } ؛ أي فاللَّهُ حَسْبُه أي كافيه .\r{ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } .\rإذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير فلا محالةَ يكون ، ويتَوَكُّله لا يتغير المقدور ولا يستأخر ، ولكنَّ التوكَّل بنيانه على أنْ العبدُ مُرَوَّحَ القلب غيرَ كارهٍ . . . وهذا من أَجَلِّ النِّعم .\rقوله : { وَاللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ } . . . إلى قوله :\r{ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً }\rالتوكلُ : شهود نَفْسِك خارجاً عن المُنَّة تجري عليكَ أحكامُ التقديرِ من غير تدبيرٍ منك ولا اطّلاعٍ لكَ على حُكمِه ، وسبيلُ العبدِ الخمودُ والرضا دونَ استعلام الامر ، وفي الخبر : « اعوذ بك من عِلْمٍ لا ينفع » ومن العلم الذي لا ينفع - ويجب أَنْ تستعيذَ منه - أن يكون لك شُغْلٌ أو يستقبلك مُهِمٌّ من الأمر ويشتبه عليك وجهُ التدبيرِ فيه ، وتكون مُطَالَباً بالتفويض - فَطَلبُكَ العلم وتمنِّيكَ أَنْ تعرفَ متى يصلح هذا الأمرُ؟ ولأي سبَبٍ؟ ومِنْ أيِّ وجهٍ؟ وعلى يد مَنْ؟ . . . كل هذا تخليطٌ ، وغيرُ مُسَلَّمٍ شيءٌ منه للأكابر .\rفيجب عليك السكونُ ، وحُسْنُ الرضا . حتى إذا جاء وقتُ الكَشْف فسترى صورة الحال وتعرفه ، وربما ينتظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام أو ينظر في ( . . . ) من الجامع ، أو يرجو بيان حاله بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت . . كلُّ هذا ترْكٌ للأدب ، واللَّهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه ، بل الواجبُ السكونُ .","part":7,"page":437},{"id":3438,"text":"قوله جلّ ذكره : { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا } .\rإذا اتسع رزقُ العبد فعلى قَدْرِ المُكنَةِ يُطَالَبُ بالإعطاء والنفقة فمن قدر عليه رزقه - أي ضيِّق - فينفق مما آتاه الله أي من متاع البيت ، ومن رأسِ المال - إن لم يكن من الربح ، ومن ثمنِ الضيعة - إن لم يكن من الغَلَّة .\rومَنْ ملك ما يكفيه للوقت ، ثم اهتمَّ بالزيادة للغد فذلك اهتمامٌ غيرُ مرضيٍّ عنه ، وصاحبُه غير مُعَان . فأمَّا إذا حصل العجزُ بكلِّ وجهٍ ، فإن الله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا } وسيجعل الله بعد عسرٍ يسراً . هذا من أصحاب المواعيد - وتصديقه على حسب الإيمان ، وذلك على قَدْرِ اليقين- ويقينه على حسب القِسْمة . وانتظارُ اليُسْرِ من اللَّهِ صفةً المتوسطين في الاحوال ، الذين انحطُّوا عن حدِّ الرضا واستواءِ وجودِ السبب وفَقْدِه ، وراتقوا عن حدِّ اليأس والقنوط ، وعاشوا في أفياء الرجال يُعَلِّلون بحُسْنِ المواعيد . . . وأبداً هذه حالتهم وهي كما قلنا :\rإنْ نَابَكَ الدهرُ بمكروهه ... فعِشْ بتهوين تصانيفه\rفَعنْ قريبٍ ينجلي غَيْمُه ... وتنقضي كلُّ تصاريفه\rقوله جلّ ذكره : { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً } .\rمَنْ زرع الشوكَ لم يَجْن الوردَ ، ومَنْ أضاع حقَّ اللَّهِ لا يُطَاع في حظِّ نَفْسه . ومن اجترأ بمخالفةِ أمرِ الله فليصبِر على مقاساة عقوبة الله .\rقوله جلّ ذكره : { قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } .\rإنَّ كتابَ الله فيه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ . . . فَمَنْ استضاءَ بنوره اهتدى ، ومَنْ لجأ إلى سعة فنائه وَصَلَ من داءِ الجهل إلى شِفائه .\rومَنْ يؤمِنْ بالله ، ويعملْ صالحاً لله ، وفي الله ، فله دوامُ النُّعمى من الله . . . قال تعالى :\r{ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً } .\rوالرزقُ الحسنُ ما كان على حدِّ الكفاية؛ لا نقصانَ فيه تتعطَّلُ الأمورُ بسببه ، ولا زيادةَ فيه تَشْغَلُه عن الاستمتاع بما رُزِق لِحْرصِه .\rكذلك أرزاقُ القلوبِ . أحسنُها أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت؛ من غير نقصانٍ يجعله يتعذَّّب بتعَطُّشِه ، ولا تكون فيه زيادة فيكون على خَطَرٍ من مغاليطَ لا يَخْرُجُ منها إلاَّ بتأييدٍ سماويٍّ من الله .","part":7,"page":438},{"id":3439,"text":"خَلَقَ سبعَ سمواتٍ ، وخَلَقَ ما خَلَقَ وهو مُحِقٌّ فيما خَلَقَ وأمر ، حتى نعلم استحقاقَ جلالهِ وكمالَ صفاته ، وأنه أمضى فيما قضى حُكماً ، وأنه أحاط بكل شيء علماً .","part":7,"page":439},{"id":3440,"text":"جاء في القصة : أن النبي A حَرَّم على نفسه مارية القبطية ، وفي الحال حَلَفَ ألاَّ يطأَها شهراً مراعاةً لقلب حفصة حيث رأت النبي A معها في يومها .\rوقيل : حَرَّمَ على نَفْسِه شرْبَ العسل لمَّا قالت له زوجاته ، إِنَّا نشم منك ريح المغافير!\r- والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة ، ويقال : بقلة كريهة الرائحة . . . فعاتَبَه اللَّهُ على ذلك .\rوهي صغيرةٌ منه على مذهب مَنْ جَوَّزَ الصغائر عليه ، وتَرْكٌ للأُوْلَى على مذهب مَنْ لم يجوِّز .\rوقيل : إنه طَلَّقَ حفصة طلقةً واحدة ، فأمره الله بمراجعتها ، وقال له جبريل : إنها صوَّامَةٌ قوَّامَة .\rوقيل : لم يطلقها ولكن هَمَّ بتطليقها فَمَنَعه اللَّهُ عن ذلك .\rوقيل : لمَّا رأته حفصة مع مارية في يومها قال لها : إنِّي مُسِرٌّ إليك سِرّاً فلا تخبري أحداً : إنَّ هذا الأمر يكون بعدي لأبي بكر ولأبيك .\rولكن حفصة ذكرت هذا لعائشة ، وأوحى الله له بذلك ، فسأل النبيُّ حفصة : لِمَ أخبرتِ عائشة بما قلت؟\rفقالت به : ومَنْ أخبرك بذلك؟قال أخبرني الله ، وعَرَّفَ حفصةَ بعضَ ما قالت ، ولم يصرِّحْ لها بجميع ما قالت ، قال تعالى : { عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } ، فعاتبها على بعضٍ وأعرْضَ عن بعض - على عادة الكِرام .\rويقال : إن النبي - A - لمَّا نزلت هذه الآية كان كثيراً ما يقول : « اللهم إني أعوذ بك من كل قاطعِ يقطعني عنك » .\rوظاهرُ هذا الخطاب عتاب على أنَّه مراعاةً لقلب امرأته حَرَّمَ على نفسه ما احلَّ اللَّهُ له .\rوالإشارةُ فيه : وجوبُ تقديم حقِّ الله - سبحانه - على كل شيء في كل وقت .","part":7,"page":440},{"id":3441,"text":"أنزل الله ذلك عنايةً بأمره عليه السلام ، وتجاوزاً عنه . وقيل : إنه كَفَّرَ بعتق رقبة ، وعاوَدَ مارية .\rواللَّهُ - سبحانه - أجرى سُنَّتَه بأنه إذا ساكَن عَبْدٌ بقلبه إلى أحدٍ شَوَّشَ على خواصِّه محلَّ مساكنته غَيْرَةً على قلبه إلى أَنْ يُعَاوَدَ رَبَّه ، ثم يكفيه ذلك - ولكن بعد تطويل مدةٍ ، وأنشدوا في معناه :\rإذا عُلِّقَت روحي حبيباً تعلَّقت ... به غَيرُ الأيام كل تَسْلَبَنِّيَهُ\rوقد ألقى الله في قلبِ رسوله A تناسياً بينه وبين زوجاته فاعتزلهن ، وما كان من حديث طلاق حفصة ، وما عاد إلى قلب أبيها ، وحديث الكفاية ، وإمساكه عن وطء مارية تسعاً وعشرين ليلة . . كل ذلك غَيْرَةً من الحق عليه ، وإرادتُه - سبحانه - تشويشُ قلوبهم حتى يكون رجوعُهم كلُّهم إلى الله تعالى بقلوبهم .","part":7,"page":441},{"id":3442,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ظَهِيرٌ } .\rعاتبهما على السير من خَطَراتِ القلب ، ثم قال : { وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ . . . . } .\r{ وَصَالحُ الْمُؤْمِنِينَ } مَنْ لم يكن منهم في قلبه نفاق ، مثل أبي بكر وعمر Bهما .\rوجاء : أن عمر بن الخطاب لما سَمِعَ شيئاً من ذلك قال لرسول الله :\rلو أمرتني لأضربنَّ عُنُقَها!\rوالعتاب في الآية مع عائشة وحفصة رضى الله عنهما إذ تكلمتا في أمر مارية .\rثم قال تعالى زيادةً في العتاب وبيان القصة :\r{ عَسَى رَبُّهُ إِن طَلًَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خِيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَآئِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَآئِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً } .","part":7,"page":442},{"id":3443,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُوُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ } .\rأي : فَقَّهوهم ، وأَدِّبوهم ، وادعوهم إلى طاعة الله ، وامنعوهم عن استحقاق العقوبة بإرشادهم وتعليمهم .\rودلَّت الآيةُ : على وجوبِ الأمرِ بالمعروف في الدَّين للأقرب فالأقرب .\rوقيل : أظْهِرُا من أنفسكم العبادات ليتعلَّموا منكم ، ويعتادوا كعادتكم .\rويقال : دلُّوهم على السُّنَّةِ والجماعة .\rويقال : عَلِّموهم الأخلاقَ الحِسان .\rويقال : مُرُوهم بقبول النصيحة .\r{ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارةُ } : الوقود : الحطب .\rويقال : أمر الناس يصلح بحجرة أومَدَرَة ، فإن أصل الإنسان مدرة ، ولو أنه أقام حَجَرَةٌ مقامَ مَدَرة فلا غروَ من فَضْلِ الله .\rاللهمَّ فأَلْقِ فيها بَدَلنا حَجَراً وخلِّصْنا منها .\rقوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rإذا فاتَ الوقتُ استفحل الأمرُ ، وانغلق البابُ ، وسقطت الحِيَلُ . . . . فالواجبُ البِدارُ والفرارُ لتصل إلى رَوْحِ القَرار .\rقوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِها الأَنْهَارُ } .\rالتوبةُ النصوحُ : هي التي لا يَعقُبها نَقْصٌ .\rويقال : هي التي لا تراها من نَفْسِك ، ولا تبى نجاتَكَ بها ، وإنما تراها بربِّك .\rويقال : هي أنْ تجدَ المرارةَ في قلبك عند ذكر الزَّلَّة كما كُنْتَ تجد الراحة لنفسِك عند فِعْلِها .\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } .\rلا يُخزِي اللَّهُ النبيَّ بِتَرْكِ شفاعته ، والذين آمنوا معه بافتضاحِهم بعد ما قَبِلَ فيهم شفاعته .\r{ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أََيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } عبَّر بذلك عن أنَّ الإيمانَ من جميع جهاتهم .\rويقال : بأَيمانهم كتابُ نجاتهم : أراد نور توحيدهم ونور معرفتهم ونور إيمانهم ، وما يخصُّهم اللَّهُ به من الأنوارِ في ذلك اليوم .\r{ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْممْ لَنَا نُورَنَا } : يستديمون التضرُّعَ والابتهالَ في السؤال .","part":7,"page":443},{"id":3444,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ والمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ } .\rأمَرَه بالمُلايَنَةِ في وقت الدعوة ، وقال : { وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ] ثم لمَّا أصرُّوا - بعد بيان الحُجَّةِ - قال : { وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } : لأن هذا في حالِ إصرارهم ، وزوالِ أعذارهم .\rقوله جلّ ذكره : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ } .\rلمَّا سَبَقَتْ لهما الفُرْقةُ يومَ القِسْمة لم تنفعْهما القربةُ يومَ العقوبةُ .\rقوله جلّ ذكره : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِى عِندَكمَ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .\rقالوا : صغرت هِمَّتُها حيث طلبت بيتاً في الجنة ، وكان من حقِّها أنْ تطلب الكثير . . . ولا كما تَوهمَّوا : فإنها قالت : { رَبِّ ابْنِ لِى عِندَكَ } فطلبَتْ جوارَ القربة ، ولَبيْتٌ في الجِوار أفضلُ من ألف قصرٍ في غير الجوار . ومن المعلوم أنَّ عِنديَّةَ هنا العِنديَّةُ القربة والكرامة . . ولكنه على كل حال بيت له مزية على غيره ، وله خصوصية . وفي معناه أنشدوا :\rإني لأحْسُد جارَكم لجواركم ... طُوبى لِمَن أضحى لدارِكَ جارا\rيا ليت جارَك باعني من داره ... شِبْراً لأُعطيه بِشِبْر دارا","part":7,"page":444},{"id":3445,"text":"خَتَم السورة بِذكْرها بعد ما ذكر امرأةُ فرعون ، وهما من جملة النساء ، ولمَّا كثُر في هذه السورة ذكْرُ النساء أراد الله سبحانه أَلاَّ يُخْلَى السورة من ذكرها تخصيصاً لقدْرِها .","part":7,"page":445},{"id":3446,"text":"قوله جلّ ذكره : { تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } .\rتَقَدَّسَ وتعالَى ، مَنْ إحسانُه تَواتَرَ وتَوالَى ، فهو المتكبِّرُ في جلالِ كبريائه ، المتجرِّد في علاءِ بهائه ودوامِ سنائه .\r{ بِيَدِهِ الْمُلْكُ } : بقدرته إظهارُ ما يريد ، { وَهَوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ } .\r{ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } .\rخَلَقَ الموتَ والحياةَ ، ابتلاءً للخَلْق ، يختبرهم ليَظْهَر له شكرانهُم وكفرانُهم ، كيف يكونان عند المحنة في الصبر وعند النعمة في الشكر - { وَهُوَ الْعِزِيزُ الْغَفُورُ } .\r{ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوِتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ } .\rعَرَّفَهم كمالَ قدرتِه بدلالاتِ خَلْقِه ، فَمسَك السماءَ وأمسكها بلا عِمدَ ، ورَكَّبَ أجزاءَها غيرَ مُسْتعينٍ بأحدِ في خَلْقِها ، وبالنجومِ زَيَّنهَا ، ومِنَ استراقِ سمعِ الشياطين حَصَّنها ، وبغيرِ تعليم مُعلِّم أحكمها وأتقنها .\r{ مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ؟ } : لا ترى فيما خَلَقَ تفاوتاً ينافي آثارَ الحكمة ولا يدل على كمال القدرة .\rويقال : ما ترى فيها تفاوتاً ، في استغنائه عن الجميع . . . ما ترى فيها تفاوتاً في الخَلْقِ؛ فَخْلقُ الكثير واليسير عنده سيَّان ، فلا يَسْهُلُ عنده القليلُ ولا يَشُقُّ عليه الكثير؛ لأنه مُتَنَزَّهٌ عن السهولة عليه ولحوقِ المشقة به .\rفأنْعِمْ النظرَ ، وكَرِّر السِّبْرَ والفِكْرَ . . . فلن تجد فيها عيباً ولا في عِزِّه قصوراً .","part":7,"page":446},{"id":3447,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلّشَيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ } .\rزَيَّنَ السماءَ بالكواكب والنجوم ، وزَيَّنَ قلوبَ أوليائه بأنواعٍ من الأنوار والنجوم؛ فالمؤمنون قلوبُهم مُزَيَّنةٌ بالتصديق والإيمان ثم بالتحقيق بتأَمُّل بالبرهان ، ثم بالتوفيق لطلب البيان . والعارفون قلوبهم مُزَيَّنةٌ بشمسِ التوحيد ، وأرواحُهم مُزَيَّنةٌ بأنوار التفريد ، وأسرارُهم مزينةٌ بآثارِ التجريد . . . وعلى القياس : « لكلِّ طائفةٍ أنوارٌ » .\r{ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينَ } : فمن النجوم ما هو للشياطين رجوم ، ومنها ما هو للأهتداء به معلوم . . . فأخبر أن هذا القَدْرَ من العقوبة بواسطة الرجوم لا يكفي ، وإنما يُعَذِّبهم مؤبَّدين في السعير .\rقوله جلّ ذكره : { وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِى تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } .\rأخبر : أنهم يحْتَجُّ عليهم بإرسال الرسل ، فتقول لهم الملائِكةُ : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } .\r{ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَانَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلاَلٍ كَبِيرٍ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ } .\r{ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أََوْ نَعْقِلُ . . . } فأخبر أنهم لم يكن لهم سمع قبول ، فاستوجبوا العقوبة لأَجْلِه ، لم يسمعو نصيحةَ الناصحين ولا وَعْظَ الواعظين ، ولا ما فيه لقلوبهم حياة .\rوفي الآية للمؤمنين بشارة؛ لأنهم يسمعون ويعقلون ما يسمعون؛ فإِنَّ مَنْ سَمِعَ بالحقِّ سمع كل ما يقال عن الحق مِنْ كل مَنْ يقول عن الحق ، فيحصل له الفهم لما يسمع ، لأنه إذا كان من أهل الحقائق يكون سَمْعُه من الله وبالله وفي الله .\rقوله جلّ ذكره : { فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ } .\rاعترفوا بذنبهم ولكن في غير وقت الاعتراف . . . فلا جَرَمَ يقال لهم : { فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعيرِ } .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } .\rالخشيةُ توجِب عدمَ القرار فيكون العبدُ أبداً - لانزعاجه - كالحَبِّ على المَقْلَى؛ لا يَقَرًُّ ليلَه أو نهارَه ، يتوقَّعُ العقوباتِ مع مجاري الأنفاس ، وكلمَّا ازداد في الله طاعةً ازداد لله خشيةً .","part":7,"page":447},{"id":3448,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .\rخوَّفَهم بِعلْمِه ، ونَدَبَهم إلى مراقبته ، لأنه يعلم السِّرَّ وأخفى ، ويسمع الجَهْرَ والنجوى . . . ثم قال مُبَيِّناً :\r{ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبَيرُ } .\rوفي كل جُزْءِ مِنْ خَلْقِه - من الأعيانِ والآثارِ - أدِلةٌ على علمه وحكمته .\rقوله جلّ ذكره : { هُوَ الَّّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلولاً فَامْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوْ مِن رِّزْقِه وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } .\rأي إذا أردتم أن تضربوا في الأرضِ سَهَّلَ عليكم ذلك .\rكذلك جعل النَّفْس ذلولاً؛ فلو طَالَبْتَها بالوفاقِ وَجَدْتَها مُسَاعدةً مُوَافقة ، مُتَابِعةً مُسَابِقة . . . وقد قيل في صفتها :\rهي النَّفْسُ ما عَوَّدْتها تتعودُ ... وللدهرِ أيامٌ تُذَمُّ وتُحْمَدُ\rقوله جلّ ذكره : { ءَأَمِنتُم مَّن فِى السَّمَآءِ أن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِى السَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } .\r{ مَّن فِى السَّمَآءِ } أراد بهم الملائكة الذين يسكنون السماء ، فهم مُوَكَّلون بالعذاب .\rوخوَّفهم بالملائكة أن يُنْزِلوا عليهم العقوبةََ من السماء ، أو يخسفوا بهم الأرض ، وكذلك خَوَّفَهمِ أنْ يُرْسِلوا عليهم حجارةً كما أرسلوا على قوم لوط . وبيَّن أنَّ مَنْ كذَّب قَبْلَ هؤلاءِ رُسُلَهم كيف كانت عقوبتهم .","part":7,"page":448},{"id":3449,"text":"{ أَوَلَمْ يَرَوا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءِ بَصِيرُ } .\rأو لم يروا كيف خَلَقَ الطيور على اختلاف أجناسها ، واختصاصها بالطيران لأن لها أجنحة - بخلاف الأجسام الأخر . . . مَنْ الذي يمسكهن ويحفظهن وهن يقبضن ويبسطن أجنحتهن في الفضاء؟ وما الذي يوجبه العقل حفظ هذه الطيور أم بقية الأجسام الأُخر؟\r{ أََمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ } .\rإِن أراد الرحمنُ بك سوءاً . . . فَمَنْ الذي يُوَسِّعُ عليكم ما قَبَضَه ، أو يمحوا ما أثبته ، أو يُقَدِّمُ ما أَخَّرَه ، أو يُؤَخّرُ ما قدَّمَه؟ .","part":7,"page":449},{"id":3450,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ قُلْ هُوَ الَّذِى أَنشَأَكُمْ } .\rوخَصَّكم بالسمع والبصر والأفئدة ، وأنتم لا تشكرون عظيمَ نِعَمه .","part":7,"page":450},{"id":3451,"text":"وأجاب عنه حيث قال : لا تستعجلوا العذاب ، وبيَّن أنهم إذا رأوه كيف يخافون وكيف يندمون .","part":7,"page":451},{"id":3452,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الكَافِرِينَ مِنَ عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا . . . } .\rوإليه أمورنَا - جملةً - فَوَّضْنَا .\r{ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِين } مَنْ الذي يأتيكم بالماء إذا صار غائراً في الأرض لا تناله الأيدي .\rوهذه الآيات جميعها على وجه الاحتجاج عليهم . . . ولم يكن لواحدٍ عن ذلك جواب .","part":7,"page":452},{"id":3453,"text":"قوله جلّ ذكره : { ن وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } .\r{ ن } قيل : الحوت الذي على ظهره الكون ، ويقال : هي الدواة .\rويقال : مفتاح اسمه ناصر واسمه نور .\rويقال : إنه أقسم بنُصْرَة الله تعالى لعبادِه المؤمنين .\rوأقسم بالقلم - وجوابُ القسم قولُه :\r{ مَآ أَنت َبِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } .\rما أوجب لصدره من الوحشة من قول الأعداء عنه :\rإنه مجنون ، أزاله عنه بنفيه ، ومحقَّقاً ذلك بالقَسَم عليه . . . وهذه سُنَّةُ الله تعالى مع رسوله A ؛ فما يقوله الأعداءُ فيه يردُّه - سبحانه- عليهم بخطابه وعنه ينفيه .\r{ وَإِنَّ لَكَ لأجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } : أي غير منقوص . . . لمَّا سَمَتْ هِمَّتُه A عن طلب الأعواض أثبت اللَّهُ له الأجر ، فقال له : { وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } - وإنْ كُنْتَ لا تريده .\rومن ذلك الأَجْر العظيم هذا الخُلُق ، فأنت لستَ تريد الأجْرَ - وبِنَا لَسْتَ تريد؛ فلولا أنْ خَصَصْناكَ بهذا التحرُّر لكنتَ كأمثالِك في أنهم في أسْرِ الأعواض .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } .\rكما عرَّفَه اللَّهُ سبحانه أخبارَ مَنْ قبْلَه من الأنبياء عرَّفه أنه اجتمعت فيه متفرقاتُ أخلاقهم فقال له : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } .\rويقال : إنه عَرَضَ مفاتيحَ الأرضِ فلم يقبلْها ، ورقّاه ليلةَ المعراج ، وأراه جميع المملكة والجنة فلم يلتفت إليها ، قال تعالى : { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } [ النجم : 17 ] فما التفت يميناً ولا شمالاً ، ولهذا قال تعالى : { وَإِنٍَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } . . . ويقال : { على خلق عظيم } : لا بالبلاءِ تنحرف ، ولا بالعطاءِ تنصِرف؛ احتمل صلوات الله عليه في الأذى شَجَّ رأسِه وثَغْرِه ، وكان يقول :\r« اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » وغداً كلٌّ يقول : نفسي نفسي وهو صلوات الله عليه يقول : « أمتي أمتي »\rويقال : عَلّمه محاسنَ الأخلاق بقوله : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْمَعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ } .\rسأل صلواتُ الله عليه جبريل : « بماذا يأمرني ربي؟ قال : يأمرك بمحاسن الأخلاق؛ يقول لك : صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وأعْطِ مَنْ حَرَمك واعفٌ عَمَّن ظَلَمَك » فتأدَّبَ بهذا؛ فأثنى عليه وقال : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } .","part":7,"page":453},{"id":3454,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِيّكُمُ المَفْتُونُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ } .\rالمفتون : المجنون لأنه فُتِنَ أي مُحِنَ بالجنون .\r{ فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ } .\rمعبودُكَ واحدٌ فليكن مقصودُك واحداً . . . وإذا شهدت مقصودك واحداً فليكنْ مشهوداً واحداً .\r{ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } .\rمَنْ أصبح عليلاً تمنَّى أَنْ يكونَ الناسُ كلُّهم مَرْضَى . . . وكذا مَنْ وُسمَ بكيِّ الهجران ودَّ أَنْ يُشارِكه فيه مَنْ عاداه .","part":7,"page":454},{"id":3455,"text":"{ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } .\rوهو الذي سقط من عيننا ، وأقميناه بالبعد عنا .\r{ هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ } .\rمحجوبٍ عنَّا مُعّذَّبٍ بخذلان الوقيعة في أوليائنا .\r{ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ } .\rمُهانٍ بالشُّحِّ ، مسلوب التوفيق .\r{ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } .\rممنوعِ الحياءِ ، مُشَتَّتٍ في أودية الحرمان .\r{ عُتُلِّ بَعْدَ ذَالِكَ زَنِيمٍ } .\rلئيم الاصل ، عديم الفضل ، شديد الخصومة بباطله ، غير راجعٍ في شيءٍ منْ الخير إلى حاصله .\r{ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } .\rأي : لا تطعه لأن كان ذا مالٍ وبنين . . . ثم استأنف الكلام فقال : إذا تتلى . . . قابَلَها بالتكذيب ، وحَكَمَ أنَّ القرآن من الاساطير .\r{ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ } .\rأي سنجعل له في القيامة على أنفهِ تشويهاً لصورته كي يُعْرَفَ بها .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنآ أَصْحَابَ الْجَنَّةَ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَ مُصْبِحِينَ } .\rأي امتحنَّهم . . . حين دعا عليهم النبي A ، فابتلاهم الله بالجوع ، حتى أكلوا الجِيَف - كما بلونا أصحاب الجنة ، قيل : إن رجلاً من أهل اليمن كانت له جنة مثمرة وكان له ثلاثة بنين ، وكان للمساكين كل ما تَعدّاه المِنْجل فلم يجذه من الكَرْم ، فإذا طُرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين ، فما أخطأه القطافُ من نخلة وكَرْمه يَدَعه للمساكين ، وكان يجتمع منه مال ، فلما هو قال وَرَثَتُه : إنَّ هذا المالَ تفرَّق فينا ، وليس يمكننا أن نفعلَ ما كان يفعله أبونا ، وأقسموا ألا يُعْطوا للفقراء شيئاً ، فأهلكَ اللَّهُ جَنَّتهَم؛ فنَدموا وتابوا .\rوقيل : أَبدْلَهُم اللَّهُ جنةً حسنة ، فأقسموا ليصرمُنَّ جنَّتهم وقت الصبح قبلَ أَنْ تفطِنَ المساكينُ ، ولم يقولوا : إن شاء الله .","part":7,"page":455},{"id":3456,"text":"أرسل عليها من السماء آفةً فأحرقت ثمارهم . وأصبحت { كَالصَّرِيمِ } أي كالليل المسودِّ ، فنادى بعضُهم بعضاً وقت الصبح : أن اغدوا على حرثكم إن أردتم الصرام ، فانطلقوا لا يرفعون أصواتهم فيما بينهم لئلا يسمعَهم أحدٌ . وقصدوا إلى الصرام","part":7,"page":456},{"id":3457,"text":"{ عَلَى حَرْدٍ } أي : قادرين عند أنفسهم ، ويقال : على غضبٍ منهم على المساكين .\rفلمّا رأوا الجنةَ وقد استؤصلَتْ قالوا : ليست هذه جنتنا!!\rثم قالوا : بل هذه جَنّتُنا . . . ولكنّا حُرِمْنا خيرَها .\rقال أوسطُهم : أي أعدلُهم طريقةَ وأحسنُهم قولاً :","part":7,"page":457},{"id":3458,"text":"أي : تستثنون وتقولون : { إِن شَآءَ اللَّهُ } [ البقرة : 70 ] .","part":7,"page":458},{"id":3459,"text":"ثم أقبل بعضُهم على بعض يتلاومون ، ويقولون .","part":7,"page":459},{"id":3460,"text":"{ عَسَى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ } .\rقال تعالى : { كَذَالِكَ الْعَذَابُ } لأهل مكة { وَلَعَذَابُ الأَخِرَةِ أَكْبَرُ }\rوهكذا تكون حالُ مَنْ له بدايةٌ حسنةٌ ويجدُ التوفيق على التوالي ، ويجتنبُ المعاصي ، فيُعَوضه اللَّهُ في الوقتِ نشاطاً ، وتلوحُ في باطنه الأحوالُ . . . فإذْا بَدَرَ منه سوءٌ دعوى أو تَرْكَ أدبٍ من آداب الخدمة تَنْسَدُّ عليه تلك الأحوالُ ويقع في قرْةٍ من الإعمال فإذا حَصَلَ منه بالعبادات إخلالٌ ، ولبعض الفرائض إهمالٌ - انقلب حالُه ، ورُدَّ من الوصال إلى البعاد ، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب ، فصارت صفوتُه قسوةً . وإن كان له بعد ذلك توبة ، وعلى مَا سَلَفَ منه ندامة - فقد فات الأمُرُ من يده ، وقلَّما يصل إلى حاله .\rولا يبعد أن ينظر إليه الحقُّ بأفضاله ، فيقبله بعد ذلك رعايةً لما سَلَفَ في بدايته من أحواله . . . فإنَّ الله تعالى رؤوفٌ بعباده .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .\rالذين يتقون الشِّرْكَ والكُفْر ، ثم المعاصيَ والفِسُقَ ، لهم عند الله الثوابُ والأجْر .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُم كِتََابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ } .\rكيف تحكمون؟ هل لديكم حجة؟ { أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ } ؟ أم لكم منا عهود فيها تحكمون؟ والمقصود من هذه الأسئلة نفي ذلك .","part":7,"page":460},{"id":3461,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } .\r{ عَن سَاقٍ } : أي عن شِدَّةٍ يومَ القيامة .\rويقال في التفسير عن ساقِ العرش .\rيُؤْمَرون بالسجود؛ فأمَّا المؤمنون فيسجدون ، وأمَّا الكفار فتُشَدُّ أصلابُهم فلا تنحني .\rوقيل : يكشف المريضُ عن ساقه - وقت التوفِّي - ليُبْصِرَ ضعفَه - ويقول المؤذَّنُ : حيِّ على الصلاة - فلا يستطيع .\rوعلى الجملة فقد خَوَّفَهم بهذه القالة : إمَّاعند انتهائهم في الدنيا أو ابتدائهم في الآخرة .\r{ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ . . . } .\rيذكرهم بذلك ليزدادوا حسرةً ، ولتكونَ الحجةُ عليهم أبلغَ .\rقوله جلّ ذكره : { فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بَهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } . سنُقَرِّبُهم من العقوبة بحيث لا يشعرون .\rوبالاستدراجُ : أَنْ يريد الشيءَ ويَطْوِي عن صاحبه وَجْهُ القَصْدِ فيه ، ويُدْرِجُه إليه شيئاً بعد شيء ، حتى يأخذه بغتةً .\rويقال : الاستدراج : التمكين من النِّعم مقروناً بنسيان الشكر .\rويقال : الاستدراج : أنهم كلما ازدادوا معصيةً زادهم نعمةً .\rويقال : أَلاَّ يُعاقِبَه في حالِ الزَّلَّة ، وإنما يؤخِّر العقوبَة إِلى ما بعدها . . .\rويقال : هو الاشتغال بالنعمة مع نسيان المنعم .\rويقال : الاغرارُ بطول الإمهال .\rويقال : ظاهرٌ مغبوط وباطنٌ مُشَوَّش .\rقوله جلّ ذكره : { وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } .\rأُمْهِلُهم . . . ثم إِذا أَخَذْتُهم فأخْذِي أَليمٌ شديدٌ .\rقوله جلّ ذكره : { أَمْ تَسْئَلَهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّتَقلُونَ } .\rأي : ليس عليهم كُلْفة مقابلَ ما تدعوهم إليه ، وليست عليهم غرامة إِنْ هم اتبعوك . . . فأنت لا تسأل أجراً . . . فما موجِباتُ التأخُّرِ وتركُ الاستجابة؟","part":7,"page":461},{"id":3462,"text":"{ أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ؟ } .\rأم عندهم شيءٌ من الغيب انفردوا به وأوجب لهم ألا يستجيبوا؟ .\rقوله جلّ ذكره : { فَاصْبِرَ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ } .\rصاحب الحوت : هو يونس عليه السلام : { نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ } : مملوء بالغيظ على قومه . فلا تستعجلْ - يا محمد - بعقوبة قومك كما استعجل يونس فلقي ما لقي ، وتَثَبَّتْ عند جريان حكمنا ، ولا تُعارِضْ تقديرنا .\r{ لَّوْلآَ أَن تََدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ } . أي : لولا أَنَّ اللَّهَ رَحِمَه بفَضْلِه لَطُرِحَ بالفضاء وهو مذموم ولكن : { فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } .\rفاصطفاه واختاره ، وجعله من الصالحين بأن أَرسله إِلى مائة أَلف أَو يزيدون .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } .\rكانوا إِذا أرادوا أَنْ يُصيبوا شيئاً بأعينهم جاعوا ثلاثةَ أَيامٍ ، ثم جاؤوا ونظروا إِلى ذلك الشيء قائلين : ما أَحسنه من شيء! فكان يسقط المنظور في الوقت . وقد فعلوا ذلك بالنبي صلوات الله عليه ، فقالوا : ما أَفصحه من رجل! ولكنَّ الله سبحانه حفظه ، ومَنَّ بذكره عليه .","part":7,"page":462},{"id":3463,"text":"قوله جلّ ذكره : { الحَآقَّةُ مَا الحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحَآقَّةُ } .\r« الحاقة » : اسمٌ للقيامة لأنها تَحُقُّ كلَّ إنسانٍ بعملهِ خَيْرِه وشَرِّه .\r{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحَآقَّةُ } استفهام يفيد التعظيم لأمرها ، والتفخيمَ لشأنها .\rقوله جلّ ذكره : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ } .\rذَكَرَ في هذه السورة : الذين كَذَّبوا رُسُلَهم من الأمم ، وأصرُّوا على كُفْرِهم ، ولم يقبلوا النصيحةَ من أنبيائهم ، فأهلكهم ، وانتقم لأنبيائه منهم .\rوالفائدةُ في ذِكْرِهم : الاعتبارُ بهم ، والتحرُّرُ عمَّا فعلوا لئلا يُصيبَهم ما أصابهم . وعقوبةُ هذه الأمةِ مُؤَجَّلةٌ مُؤَخَّرَةٌ إلى القيامة ، ولكنَّ خواصَّهم عقوبتُهم مُعجَّلة؛ فقومٌ من هذه الطائفة إذا أشاعوا سِرًّا ، أو أضاعوا أدباً يعاقبهم برياح الحجبة ، فلا يَبْقى في قلوبهم أثرٌ من الاحتشام للدِّين ، ولا مِمَّا كان لهم من الأوقات ، ويصيرون على خَطَرٍ في أحوالهم بأنْ يُمْتَحنوا بالاعتراض على التقدير والقِسْمة .\rوأمَّا فرعون وقومُه فكان عذابُهم بالغَرَقِ . . . كذلك مَنْ كان له وقتٌ فارغٌ وهو بطاعة ربِّه مشتغِلٌ ، والحقُّ عليه مُقْبِلٌ - فإذا لم يشكرْ النعمةَ ، وأساءَ أدبَه ، ولم يَعْرِفْ قَدْرَ ما أنعم اللَّهُ به عليه رَدَّه الحقُّ إلى أسباب التفرقة ، ثم أغرقه في بحار الاشتغال فيتكدر مَشْرَبُه ، ويصير على خَطَرٍ بأن يُدْرِكَه سُخْطُ الحقِّ وغضبُه .","part":7,"page":463},{"id":3464,"text":"وكذلك تكون مِنَّتُه على خواصِّ أوليائه حين يسلمهم في سفينة العافية ، والكون يتلاطم في امواجِ بحارِ الاشتغالِ على اختلاف أوصافها ، فيكونون بوصف السلام ، لا مُنَازَعَةَ ولا محاسبةَ لهم مع أحد ، ولا تَوَقَعَ شيءٍ من أحدٍ؛ سالمون من الناسِ ، والناسُ منهم سالمون .","part":7,"page":464},{"id":3465,"text":"بدأ في وصف القيامة والحساب . . .","part":7,"page":465},{"id":3466,"text":"قوله جلّ ذكره : { . . . يَوْمَئذٍ تُعْرِضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } وفي كلِّ نَفَسٍ مع هؤلاء القوم محاسبَةٌ ومطالَبةٌ ، منهم مَنْ يستحق المعاتبة ، ومنهم من يستحق المعاقبة .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينه فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرءُواْ كِتَابِيَهْ إِنِّى ظَنَنتُ إِنِّ مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ } .\rيسلم له السرورُ بنعمة الله ، ويأخذ في الحمد والمدح .\r{ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } .\rالقومُ - غداً - في عيشةٍ راضية لأنه قد قُضِيَتْ أوطارُهم ، وارتفعت مآربُهم ، وحصلت حاجاتُهم ، وهم - اليومَ - في عيشةٍ راضية إذ كَفُّوا مآرِبَهم فَدَفَعَ عن قلوبهم حوائجَهم؛ فليس لهم إرادةُ شيءٍ ، ولا تَمَسُّهم حاجةٌ . وإنماهم في رَوْح الرضا . . . فعَيْشُ أولئك في العطاء ، وعَيْشُ هؤلاء في الرضاء؛ لأنه إذا بدا عِلْمٌ من الحقيقة أو معنًى من معانيها فلا يكون ثمة حاجة ولا سؤال . ويقال لأولئك غداً .","part":7,"page":466},{"id":3467,"text":"{ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الخَالِيَةِ } .\rويقال لهؤلاء : اسمعوا واشهدوا . . . اسمعوا منَّا . . . وانظروا إلينا ، واستأنِسوا بقُرْبنا ، وطالعوا جمالَنا وجلالَنا . . . فأنتم بنا ولنا .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ : يَالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ } .\rهناك - اليومَ - أقوامٌ مهجورون تتصاعد حسارتُهم ، ويتضاعف أنينُهم - ليلَهم ونهارَهم - فليلُهم ويلٌ ونهارهم بُعَاد؛ تكدَّرتْ مشاربُهم ، وخربت أوطانُ أُنْسِهم ، ولا بكاؤهم يُرْحَم ، ولا أنينُهم يُسْمَع . . . فعِنْدَهم أنهم مُبْعَدون . . . وهم في الحقيقة من اللَّهِ مرحومون ، أسبلَ عليهم السترَ فَصَغَّرَهم في أعينهم - وهم أكرمُ أهل القصة! كما قالوا :\rلا تُنْكِرنْ جحدي هواكَ فإنما ... ذاك الجحودُ عليك سترٌ مُسْبَلُ","part":7,"page":467},{"id":3468,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلآَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ } .\r« لا » صلة والمعنى : أُقْسِم؛ كأنه قال : أقسم بجميع الأشياء ، لأنه لا ثالثَ لما يبصرون وما لا يبصرون . وجوابُ القَسَم .\r{ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } . .\rأي وجيهٍ عند الله . وقولُ الرسولِ الكريم هو القرآنُ أو قراءةُ القرآن .\rوما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن أي أَن محمداً ليس شاعراً ولا كاهناً بل هو :\r{ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ }","part":7,"page":468},{"id":3469,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } .\rأي لو كان محمدٌ يكذب علينا لمنعناه منه وعصمناه عنه ، ولو تعمَّد لعذَّبناه . والقول بعصمة الأنبياء واجب . ثم كان لا ناصرَ له منكم ولا من غيركم ، وهذا القرآن .","part":7,"page":469},{"id":3470,"text":"{ وََإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكّذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكَافِرِينَ وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ } .\rحقُّ اليقين هو اليقين فالإضافة هكذا إلى نفس الشيء .\rوعلوم الناس تختلف في الطرق إلى اليقين خفاءً وجلاءً؛ فما يقال عن الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحقِّ اليقين يرجع إلى كثرة البراهين ، وخفاء الطريق وجلائه ، ثم إلى كون بعضه ضرورياً وإلى بعضه كسيباً ، ثم ما يكون مع الإدراكات .","part":7,"page":470},{"id":3471,"text":"قوله جلّ ذكره : { سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } .\rالباء في { بِعَذَابٍ } بمعنى عن ، أي سأل سائلٌ عن هذا العذاب لِمَنْ هو؟ فقال تعالى : { لِّلْكَفِرِينَ لَيْسَ لهُ دَافِعٌ مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ } .\rهذا العذاب للكافرين ليس له دافع { مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ } ؛ فهذا العذابُ من الله .\rومعنى { ذِى الْمَعَارِجِ } ذي الفضل ومعالي الدرجات التي يُبْلِغُ إليها أولياءَه .\rقوله جلّ ذكره : { تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالْرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } .\r{ وَالرُّوحُ } أي جبريل ، في يومٍ كان مقداره ألف سنة من أيام الدنيا يعني به يوم القيامة .\rويقال : معناه يحاسِبُ الخَلْقَ في يوم قصيرٍ ووقتٍ يسير ما لو كان الناسُ يشتغلون به لكان ذلك خمسين ألف سنة ، واللَّهُ يُجْرِي ذلك ويُمضيه في يومٍ واحد .\rويقال : من أسفلِ المخلوقاتِ إلى أعلاها مسيرةُ خمسين ألف سنة للناس؛ فالملائكة تعرج فيه من أَسفله إلى أعلاه في يومٍ واحد .\rقوله جلّ ذكره : { فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً } .\rفاصبرْ - يا محمد - على مقاساةِ أذاهم صبراً جميلاً . والصبرُ الجميلُ ما لا شكوى فيه .\rويقال : الصبر الجميل ألا تَسْتَثْقِلَ الصبرَ بل تستعذبه .\rويقال : الصبرُ الجميل ما لا ينْتَظِرُ العبدُ الخروجَ منه ، ويكون ساكناً راضياً .\rويقال : الصبرُ الجميل أن يكون على شهود المُبْلِي .\rويقال : الصبرُ الجميل ما تجرَّد عن الشكوى والدَّعْوى .","part":7,"page":471},{"id":3472,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً } .\rإِنَّ ما هو آتٍ فقريبٌ ، وما اسْتَبْعَدَ مَنْ يستَبْعِد إلاَّ لأنّه مُرْتَابٌ؛ فأمّا الواثِقُ بالشيءِ فهو غيرُ مُسْتَبْعِدٍ له .\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ } .\rالإشارة فيه أنه في ذلك اليوم مَنْ كان في سُمُوِّ نخوته ونُبُوِّ صولته يلين ويستكين ويَضْعُفُ مَنْ كان يَشْرُفُ ، ويَذَلُّ مَنْ كان يُذِلُّ .\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } .\rلا يَتَفَرَّغُ قريبٌ إلى قريبٍ؛ فلكلِّ امرىءٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنيه .\rولا يَتَعَهَّدُ المساكينَ - في ذلك اليوم - إلا الله .\r{ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُئْوِيِهِ وَمَن فِى الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ } .\r{ يُبَصَّرُونَهُمْ } أي يعرفون أقاربهم ، ولكن لا تَرِقُّ قلوبُ بعضهم على بعض .\rويتمنَّى المجرمُ يومئذٍ أَنْ يُفتدىَ من عذاب جهنم بأعز مَنْ كان عليه في الدنيا من قريبٍ ونسيب وحميم وولدٍ ، وبكلٍّ من الأرض حتى يخلص من العذاب .\r{ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى } .\rاسم من اسماء جهنم .\r{ نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى } .\rقَلاَّعةٌ للأطراف . تكشط الجِلْدَ عن الوجه وعن العَظْم .\rقوله جلّ ذكره : { تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى } .\rتقول جهنمٌ للكافرِ والمنافقِ : يا فلان . . إليَّ إليَّ .\rوالإشارة فيه : أنَّ جهنمَ الدنيا تعلق بقلبِ المرءِ فتدعوه بكلابِ الحِرْصِ إلى نَفْسِه وتجرُّه إلى جمعها حتى يؤثرها على نَفْسه وكلِّ أحد له؛ حتى لقد يَبْخَلُ بدنياه على أولاده وأَعِزَّتهِ . . . وقليلٌ مَنْ نجا من مكر الدنيا وتسويلاتها .","part":7,"page":472},{"id":3473,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً } .\rوتفسيره ما يتلوه :\r{ إِذَا مَسَّّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً } .\rوالهََلَعُ شِدَّةُ الْحِرِصِ مع الجزع . ويقال هلوعاً : متقلِّباً في غمرات الشهوات .\rويقال : يُرْضيه القليلُ ويُسْخِطه اليسير .\rويقال : عند المحنه يدعو ، وعند النعمة ينسى ويسهو .\r{ إِلاَّ الْمُصلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ } .\rاستثنى منهم المصلين - وهم الذين يُلازِمون ابداً مواطنَ الافتقار؛ مِنْ صَلِيَ بالمكان .\r{ وَالَّذينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ } .\rوهم المُتَكفِّف والمُتَعَفِّف .\rوهم على أقسام : منهم مَنْ يُؤْثر بجميع مالِه؛ فأموالُهم لكلِّ مَنْ قَصَدَ ، لا يخصُّون سائِلاً من عائل . ومنهم مَن يعطي ويمسك - وهئلاء منهم - ومنهم مَنْ يرى يَدَه يَدَ الأمانه فلا يتكلِّف باختياره ، وإنما ينتظر ما يُشَار عليه به من الأمر؛ إِمَّا بالإمساك فيقف أو ببذْلِ الكُلِّ أو البعضِ فيستجيب على ما يُطَالَبُ به وما يقتضيه حُكْمُ الوقت . . . وهؤلاءِ أَتَمُّهُم .\r{ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ } .\rوأماراتهُم الاستعدادُ للموتِ قبل نزوله ، وأن يكونوا كما قيل :\rمستوفزون على رِجْلٍ كأَنهمو ... فقد يريدون أن يمضوا فيرتحلوا","part":7,"page":473},{"id":3474,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ } .\rوإنما تكون صحبتُهم مع أزواجهم للتَّعَفُّفِ وصَوْنِ النَّفْسِ ، ثم لابتغاء أن يكونَ له وَلَدٌ من صلبه يذكر الله . وشَرْطُ هذه الصحبة : أن يعيش معها على ما يهون ، وألا يجرَّها إلى هَوَى نَفسِه ويحملها على مرادِه وهواه .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } .\rيحفظون الأمانات التي عندهم للخَلْق ولا يخونون فيها . وأمانات الحق التي عندهم أعضاؤهم الظاهرة- فلا يُدَنِّسُونها بالخطايا؛ فالمعرفة التي في قلوبهم أمانة عندهم من الحق ، والأسرارُ التي بينهم وبين الله أماناتٌ عندهم . والفرائضُ واللوازمُ والتوحيدُ . . . كل ذلك أماناتٌ .\rويقال : من الأمانات إقرارُهم وقتَ الذّرِّ . ويقال : من الأمانات عند العبد تلك المحبة التي أودعها اللَّهُ في قلبه .","part":7,"page":474},{"id":3475,"text":"شهادتهم لله بالوحدانية ، وفيما بينهم لبعضهم عند بعض - يقومون بحقوق ذلك كله .","part":7,"page":475},{"id":3476,"text":"والإهطاع أن يُقْبِلَ ببصره إلى الشيءِ فلا يرفعه عنه ، وكذلك كانوا يفعلون عند النبي A { عِزينَ } : أي خَلْقاً خَلْقاً ، وجماعةً جماعة .","part":7,"page":476},{"id":3477,"text":"كلا . . . إنك لا تدعو عن هذا! وليس هذا بصوابٍ؛ فإنهم - اليوم - كفار ، وغداً يعاملون بما يستوجبون .\r{ فَلآَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } لا - هنا صلة ، والمعنى أقسم . وقد مضى القولُ في المشارق وْالمغارب - { إِنَّا لَقَادِرُونَ } على ذلك .","part":7,"page":477},{"id":3478,"text":"{ فّذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا } غاية التهديد والتوبيخ لهم .","part":7,"page":478},{"id":3479,"text":"{ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً } كأَنهم يسرعون إلى أصنامهم ، شبَّه إسراعهم حين قاموا من القبور بإسراعهم إلى النُّصُبِ - اليومَ - كي يقوموا بعبادتهم إياها .","part":7,"page":479},{"id":3480,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rأرسلنا نوحاً بالنبوَّةِ والرسالة . { أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ } أي بأن أنذرهم وإرسالُ الرُّسُل من الله فضلٌ ، وله بحق مُلْكه ان يفعل ما أراد ، ولم يجبْ عليه إرسالُ الرُّسُلِ لأن حقيقته لا تقبل الوجوب .\rوإرسالُ الرسلِ إلى مَنْ عَلِمَ أنه لا يَقْبَل جائز ، وتكليفُهم من ناحية العقل جائز فنوحٌ - عَلِمَ منهم أَنهم لا يقبلون . . ومع ذلك بَلَّغ الرسالة وقال لهم : { إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .\r{ يغفر لكم من ذنوبكم } مِنْ هنا للجنس لا للتبعيض كقوله تعالى : { فَاجْتَنِبُواْ الرِّجسَ مِنَ الأَوْثَانِ } [ الحج : 30 ] .\rويقال : ما عملوه دون ما هو معلوم أنهم سيفعلونه؛ لأنه لو أخبرهم بأنه غفر لهم ذلك كان إغراءً لهم . . وذلك لا يجوز . فأبوا أن يَقْبَلوا منه ، فقال :\r{ قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِى إِلاَّ فِرَاراً } .\rبَيّنَ أَنّ الهداية ليست إليه ، وقال : إنْ أَرَدْتَ إِيمانَهم فقلوبُهم بقدرتك - سبحانك .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً } .\rوإِنِّي ما ازدَدْتُ لهم دعاءً إلا ازدادوا إصراراً واستكباراً .\rويقال : لمَّا دام بينهم إصرارُهم تَولَّدَ من الإصرار استكبارُهم ، قال تعالى :\r{ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُبُهُمْ } [ الحديد : 16 ] .","part":7,"page":480},{"id":3481,"text":"قوله جلّ ذكره : { ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدرَاراً وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } .\rليعلمَ العالِمون : أَنًَّ الاستغفار قَرْعُ أبوابِ النعمة ، فمن وقعت له إلى اللَّهِ حاجةُ فلن يَصِلَ إلى مرادِه إلاّ بتقديم الاستغفار .\rويقال : مَنْ أراد التَّفَضُّل فعليه بالعُذْرِ والتنصُّل .\rقوله : { يُرْسِلِ السَّمَآءَ عََلَيْكُمْ } : كان نوح عليه السلام كلمّا ازداد في بيان وجوه الخير والإحسان زادوا هم في الكفر والنسيان .\rقوله جلّ ذكره : { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } .\rما لَكْم لا تخافون للَّهِ عَظَمَةً؟ وما لكم لا ترجون ولا تؤمِّلون على توقيركم للأمرِ من اللَّهِ لُطْفاً ونعمة؟ .","part":7,"page":481},{"id":3482,"text":"ثم نَبَّهَهُم إلى خَلْقِ السموات والأرض وما فيهما من الدلالات على أنها مخلوقة ، وعلى أنَّ خالقَها يستحقُّ صفاتِ العُلُوِّ والعِزَّة .","part":7,"page":482},{"id":3483,"text":"ثم شكا نوحٌ إلى الله وقال : { قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَونِى وَاتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } يعني كبراءَهم وأغنياءَهم الذين ضلُّوا في الدنيا وهلكوا في الآخرة .","part":7,"page":483},{"id":3484,"text":"وذلك بتعريفِ اللَّهِ تعالى إيَّاه أَنَّه لن يؤمِنَ من قومك إلاّ من قد آمن . فاستجاب الله فيهم دعاءَه وأهلكهم .","part":7,"page":484},{"id":3485,"text":"قيل : إن الجنَّ كانوا يأتون السماءَ فيستمعون إلى قولِ الملائكة ، فيحفظونه ، ثم يلقونه إلى الكهنة ، فيزيدون فيه وينقصون . . . وكذلك كانوا في الفترة التي بين نبيِّنا A وبين عيسى عليه السلام . فلمَّا بُعِثَ نبيُّنا A ورُجِمُوا بالشُّهُبِ عَلِمَ إبليس أنه وقع شيءٌ ففرَّ جنوده ، فأتى تسعةٌ منهم إلى بطن نخلة واستمعوا قراءته A فآمنوا ، ثم آتوا قومهم وقالوا : إنَّا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به . . . إلى آخر الآيات .\r( وجاءه سبعون منهم وأسلموا وذلك قوله تعالى : { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ . . } [ الأحقاف : 29 ] .","part":7,"page":485},{"id":3486,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً } الجَدَّ العظمة ، والعظمةُ استحقاقُ نعوتِ الجلال . .\r{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً } .\rأراد بالسفيه الجاهل بالله يعني إبليس . والشطط السَّرَف .\r{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً } .\rفي كفرهم وكلمتهم بالشِّرك .\r{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } .\rأَي ذِلة وصغاراً؛ فالجنُّ زادوا للإنس ذِلَّةً ورهقاً فكانوا إذا نزلوا يقولون : نعوذ بربِّ هذا الوادي فيتوهم الجنُّ انهم على شيء { فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } حيث استعاذوا بهم .","part":7,"page":486},{"id":3487,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدَاً } .\rأي ظنُّوا كما ظنَّ الكفارُ من الجن أَلاّ بعثَ ولا نشور - كما ظننتم إيها ألإنس .\r{ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيدَاً وَشُهُباُ } .\rيعني حين منعوا عن الاستماع .\r{ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمَعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأَنَ يَجِدْ لَهُ شَهَاباً رَّصَداً } .\rفالآن قد مُنِعْنا .\r{ وَأَنَّا لاَنَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رُشَداً } .","part":7,"page":487},{"id":3488,"text":"الاستقامة على الطريقة تقتضي إكمالَ النعمةِ وإكثارَ الراحةِ . والإعراضُ عن الله يُوجِب تَنَغُّصَ العَيْشِ ودوامَ العقوبة .","part":7,"page":488},{"id":3489,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } للمسجد فضيلة ، ولهذا خصَّه الله سبحانه وأفرده بالذكر من بين البقاع؛ فهو محلُّ العبادة . . وكيف يُحلُّ العابد عنده إذا حلَّ محلَّ قَدَمِه؟! .\rويقال : أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها ، أخبر أنها لله ، فلا تعبدوا بما للَّهِ غَيْرَ الله .\rقوله جلّ ذكره : { وَأَنَّهُ لَمَََّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } .\rلما قام عبد الله يعني محمداً عليه السلام يدعو الخَلْقَ إلى الله كاد الجنُّ والإنس يكونون مجتمعين عليه ، يمنعونه عن التبليغ .","part":7,"page":489},{"id":3490,"text":"قل يا محمد :\r{ قُلْ إِنِّى لآَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَداً قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مَنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } .\rلا أقدر أن أدفع عنكم ضرّاً ، أو أسوق لكم خيراً . . . فكل شيء من الله . ولن أجد من دونه ملتجأ :\r{ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ } .\rفلن يُنَجِّينِي من الله إلا تبليغي رسالاته بأمره .\r{ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } .","part":7,"page":490},{"id":3491,"text":"أَي : لا أَدْري ما تُوعَدون من العقوبة ، ومن قيام الساعة أَقريب أم بعيد؟ فكونوا على حذرٍ . ويجب أنْ يتوقَّع العبدُ العقوبات أبداً مع مجاري الأنفاس ليَسلم من العقوبة .","part":7,"page":491},{"id":3492,"text":"قوله جلّ ذكره : { عَالِمُ الغَيْبَ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } .\rفيطلعه بقَدْرِ ما يريده .\r{ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدَا } .\rأرسل مع الوحي ملائكةً قُدَّامه وخَلْفه . . هم ملائكةٌ حَفَظَه ، يحفظون الوحيَ من الكهنة والشياطين ، حتى لا يزيدوا أو ينقصوا الرسالاتِ التي يحملها . . . واللَّه يعلم ذلك ، وأحاط عِلْمُه به .","part":7,"page":492},{"id":3493,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ الَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } .\rأي : المتزمل المتلفِّف في ثيابِه . وفي الخبر : « أنه كان عند نزول هذه الآية عليه مِرْطُ من شَعْرٍ وَبَرٍ ، وقالت عائشة Bها : نصفُه عليَّ وأنا نائمة ، ونصفه على رسول الله وهو يُصَلِّي ، وطولُ المِرْطِ أربعةُ عشر ذراعاً » .\r{ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّل الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً } .\r{ قُمِ الَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } نصفَه بَدَلٌ منه؛ أي : قم نصف الليل ، وأَنْقِصْ من النصف إلى الثلث أوزِدْ على الثلث ، فكان E في وجوب قيام الليل مُخَيَّراً ما بين ثلث الليل إلى النصف وما بين النصف إلى الثلث . وكان ذلك قبل قَرْضِ الصلوات الخمس ، ثم نُسِخَ بعد وجوبها على الأمة - وإن كانت بقيت واجبة على الرسول صلى الله عليه سلم .\rويقال : يا أيها المتزمل بأعباء النبوَّة . . { قُمِ الَّيْلَ } .\rويقال : يا أيها الذي يُخْفِي ما خصصناه به قُمْ فأنذِرْ . . فإنّا نصرناك .\rويقالك قُمْ بنا . . يا مَنْ جعلنا الليل ليسكن فيه كلُّ الناس . . قُمْ أنت .\rفليسكنْ الكلُّ . . ولْتَقُمْ انت .\rويقال : لمَّا فَرَضَ عليه القيام بالليل أخبر عن نَفْسِه لأجل أُمَّته إكراماً لشأنه وقدرة .\rوفي الخبر : « أنه ينزل كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا . . . » ولا يُدْرَى التأويل للخبر ، أو أنَّ التأويل معلوم . . وإلى أن ينتهي إلى التأويل فللأحبابِ راحاتٌ كثيرة ، ووجوهٌ من الإحسان موفورة .\rقوله جلّ ذكره : { عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً } .\rارْتَعْ بِسِرِّك في فَهْمِه ، وَتأَنَّ بلسانِك في قراءته .","part":7,"page":493},{"id":3494,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } .\rقيل : هو القرآن . وقيل : كلمة لا إلَهَ إلا الله .\rويقال : الوحي؛ وسمَّاه ثقيلاً أي خفيفاً على اللسان ثقيلاً في الميزان .\rويقال : ثقيل أي : له وزن وخطر . وفي الخبر « كان إذا نزل عليه القرآن - وهو على ناقته- وضعت جِرانها ، ولا تكاد تتحرك حتى يُسرَّى عنه » .\rوروى ابن عباس : أنَّ سورة الأنعامِ نَزَلَتْ مرةَ واحدةٍ فَبَركَت ناقةُ رسول الله A من ثقل القرآن وهيبته .\rويقال : { ثَقِيلاً } سماعه على مَنْ جحده .\rويقال : « ثقيلاً بِعِبْئِه - إلاَّ على من أُيِّدِ بقوةٍ سماوية ، ورُبِّي في حِجْرِ التقريب » .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً } .\rأي : ساعات الليل ، فكلُّ ساعةٍ تحدث فهي ناشئة ، وهي أشد وطئاً أي : مُوَطَّأة أي : هي أشدُّ موافقةً للسانِ والقلبِ ، وأشدُّ نشاطاً .\rويحتمل : هي أشدُ وأغلظُ على الإنسان من القيام بالنهار .\r{ وَأَقْوَمُ قِيلاً } أي : أَبْيَنُ قولاً .\rويقال : هي أشدُّ موطأةً للقلب وأقوم قيلاً لأنها أبعدُ من الرياء ، ويكون فيها حضورُ القلبِ وسكونُ السِّرِّ أبلغَ وأتمِّ .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً } .\rأي : سبحاً في أعمالك ، والسبح : الذهب والسرعة ، ومنه السباحة في الماء .\rفالمعنى : مذاهبُك في النهار فيما يَشْغَلُك كثيرةٌ - والليلُ أَخْلَى لك .","part":7,"page":494},{"id":3495,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِلاً } .\rأي : انقَطِعْ إليه انقطاعاً تاماً .\r{ رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً } .\rالوكيلُ مَنْ تُوكَلُ إليه الأمورُ؛ أي : تَوَكَّلْ عليه وكِلْ أمورَك إليه ، وثِقْ به .\rويقال : إنك إذا اتخذْتَ من المخلوقين وكيلاً اختزلوا مالَكَ وطالبوك بالأجرة ، وإذا اتخذتني وكيلاً أُوَفِّرُ عليكَ مَالَكَ وأُعطيكَ الأجر .\rويقال : وكيلُك ينفق عليك من مالِك ، وأنا أرزقك وأنفق عليك من مالي .\rويقال : وكيلُك مَنْ هو في القَدْرِ دونَك ، وأنت تترفَّعُ أن تكلِّمَه كثيراً . وأنا ربُّكَ سَيِّدُك وأحبُّ أنْ تكَلمَني وأُكلِّمَك .\rقوله جلّ ذكره : { َوَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } .\rالهَجْرُ الجميل : أن تعاشرَهم بظاهرك وتُباينَهم بِسِرِّك وقلبك .\rويقال : الهجرُ الجميل ما يكون لحقِّ ربِّك لا بِحَظِّ نَفْسِك .\rويقال : الهجرُ الجميلُ ألا تُكلِّمَهم ، وتكلمني لأجْلهم بالدعاء لهم .\rوهذه الآية منسوخة بآية القتال .\rقوله جلّ ذكره : { وَذَرْنِى وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً } .\rأي : أُولِي التَّنَعُّم وأنْظِرْهم قليلاً ، ولا تهتم بشأنهم ، فإني أكفيكَ أمرَهم .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً } .\rثم ذكر وصف القيامة فقال :\r{ يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً } .\rثم قال :\r{ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عِلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } .\rيعني : أرسلنا إليكم محمداً A شاهداً عليكم { كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } ، { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً } ثقيلاً .\r{ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً } من هَوْلُه يصير الولدانُ شيباً - وهذا على ضَرْبِ المثل .\r{ السَّمَآءُ مُنفَطِرُ بِهِ } أي بذلك : اليوم لهوله .\rويقال : مُنْفَطِرٌ بالله أي : بأمره .\r{ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً } : فما وَعَدَ اللَّهُ سيصدقه .","part":7,"page":495},{"id":3496,"text":"{ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ } : يعني هذه السورة ، أو هذه الآيات مَوْعِظَةٌ؛ فَمَنْ اتعظ بها سَعِدَ .\r{ إِنَّ رَبَّكَ } يا محمد { يَعْلَمُ أَنََّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثِى الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ } من المؤمنين .\r{ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ } فهو خالقهما { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } وتطيعوه .\r{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } أي : خَفَّفَ عنكم { فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ } من خمس آيات إلى ما زاد . ويقال : من عَشْرِ آيات إلى ما يزيد .\r{ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَى وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ } يسافرون ، ويعلم أصحاب الأعذار ، فَنَسخَ عنهم قيامَ الليل .\r{ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } المفروضة .\r{ وَأَقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } مضى معناه .\r{ وَمَاتُقَدِّمُواْ لأَنِفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ } أي : ما تقدِّموا من طاعة تجدوها عند الله ثواباً هو خيرٌ لكم من كلِّ متاع الدنيا .","part":7,"page":496},{"id":3497,"text":"قوله جلّ ذكره : { يَاأَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ } .\rيا أيها المتدثر بثوبه .\rوهذه السورة من أول ما أُنْزِلَ من القرآن . قيل : إنَّ رسولَ الله A ذَهَبَ إلى حِرَاء قبل النُّبُوة ، فَبَدا له جبريلُ في الهواء ، فرجع الرسول إل بيت خديجة وهو يقول « دثِّروني دثِّروني » فَدُثِّرَ بثوبٍ فنزل عليه جبريل وقال : { يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأنذِرْ } وقيل : أيها الطالبُ صَرْفَ الأذى عنك بالدثار اطلبْه بالإنذار .\rويقال : قُمْ بنا ، وأَسْقِطْ عنك ما سوانا ، وأَنذِر عبادَنا؛ فلقد أقمناك بأشرف المواقف ، ووقفناك بأعلى المقامات .\rويقال : لمَّا سَكَنَ إلى قوله { قُمِ } وقام قَطَعَ عن السُّكونِ إلى قيامِه ، ومن الطمانينة في قيامه .\rقوله جلّ ذكره : { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } .\rكَبِّرُه عن كلِّ طَلَبٍ ، ووَصْلٍ وفَصْلٍ ، وعِلَّةٍ وخَلْقٍ .","part":7,"page":497},{"id":3498,"text":"{ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } .\rطَهِّرْ قلبك عن الخلائق أجمع ، وعن كلِّ صفةٍ مذمومة .\rوطَهِّرْ نَفْسَك عن الزَّلاَّت ، وقلبَك عن المخالفات ، وسِرَّك عن الالتفاتات .\rويقال : أَهْلَكَ طَهِّرْهم بالوعظ؛ قال تعالى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ } [ البقرة : 187 ] ، فيعبر عنهن - أحياناً - بالثياب واللِّباس .\rقوله جلّ ذكره : { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } .\rأي : المعاصي . ويقال : الشيطان . ويقال : طهِّرْ قلبَك من الخطايا وأشغال الدنيا .\rويقال : مَنْ لا يَصِحُّ جِسْمُه لا يجد شهوةَ الطعام كذلك مَنْ لا يَصِحُّ قلبُه لا يجد حلاوةَ الطاعة .\r{ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } .\rلا تُعْطِ عطاءَ تطلب به زيادةٍ على ما تعطيه .\rويقال : لا تستكثِرْ الطاعةَ من نفسك .\rويقال : لا تمنُنْ بعملك فتَسْتكثِرَ عملك ، وتُعْجَبَ به .\r{ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } .\rأي : أنت تُؤَذَى في اللَّهِ . فاصبرْ على مقاساةِ أذاهم .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } .\rيعني : إذا قامت القيامةُ ، فذلك يومٌ عسيرٌ على الكافرين غيرُ هيِّنٍ .\rقوله جلّ ذكره : { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } .\rأي : لا تهتمْ بشأنهم ، ولاتَحْتَفِلْ؛ فإنِّي أكفيكَ أمرَهم .\rإنِّي خَلَقْتُه وحدي؛ لم يشارِكْني في خلقي إيَّاه أحدٌ .\rويحتمل : خَلَقْتُه وَحْدَه لا ناصرَ له .\rقوله جلّ ذكرهُ : { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً } .\rحضوراً معه لا يحتاجون إلى السَّفَرِ .\r{ وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } .\rأراد : تسهيلَ التصرُّف ، أي : مكَّنْتُهُ من التصرُّف في الأمور .\r{ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } .\rيطمع أن أزيده في النعمة .","part":7,"page":498},{"id":3499,"text":"{ كَلآَّ إِنَّهُ كَانَ لأَيَاتِنَا عَنِيداً } .\rجَحوداً .\r{ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } .\rسأحمله على مشقَّةٍ من العذاب .\r{ إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } .\rأي : لُعِنَ كيف فكَّر ، وكيف قَدَّر ، ويعني به : الوليد بن المغيرة الذي قال في النبي A : إنَّه ليس بشاعرٍ ولا بمجنونٍ ولا بكذَّاب ، وإنه ليس ساحر ، وما يأتي به ليس إلا سحرٌ يُرْوَى :\r{ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ قُوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرٌ لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبََشَرِ } .\rلا تُبقي لَحْماً ، ولا تَذَرُ عَظْماً ، تحرق بشرة الوجه وتُسَوِّها ، من لاحته الشمسُ ولوَّحته .\r{ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } .\rقال المشركون : نحن جَمْعٌ كثير . . . فما يفعل بنا تسعة عشر؟! فأنزل الله سبحانه :\r{ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ } .\rفيزداد المؤمنون إيماناً ، ويقول هؤلاء : أي فائدة في هذا القَدْر؟ فقال تعالى : { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ } .\rثم قال :\r{ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } .\rأي : تقاصرت علومُ الخَلْقِ فلم تتعلَّقْ إلا بمقدار دون مقدار ، والذي أحاط بكل شيء علماً هو الله - سبحانه .\r{ كَلاَّ وَالْقَمَرِ } .\rكلاّ - حرفُ ردعٍ وتنبيه؛ أي : ؛ ارتدعوا عما أنتم عليه ، وانتبهوا لغيرِه .\rواقسم بهذه الأشياء { كَلاَّ وَالْقَمَرِ } : أي بالقمر ، أو بقدرته على القمر .","part":7,"page":499},{"id":3500,"text":"{ وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } وقُرِىءَ « ودَبَرَ » أي : مضى ، { وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ } أي : تجلَّى .\r{ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ } .\rأي : النار لإحدى الدواهي الكُبَر .\rويقال في { كَلاَّ وَالْقَمَرِ } إشارةٌ إلى أقمار العلوم إذا أخذ هلالُها في الزياد بزيادة البراهين ، فإنها تزداد ، ثم إذا صارت إلى حدِّ التمام في العلم وبلغت الغاية تبدوا إعلام المعرفة ، فالعلم يأخذ النقصان ، وتطلع شمسُ المعرفة ، فكما انه قَرُبَ القمرُ من الشمس يزداد نقصانه حتى إذا قرب من الشمس تماماً صار محاقاً - كذلك إذا ظَهَرَ سلطانُ العرفانِ تأخذ أقمارُ العلوم في النقصان لزيادة المعارف؛ كالسراج في ضوء الشمس وضياء النهار . { وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } أي إذا انكشفت ظُلَمُ البواطن ، { وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ } وتجلَّت أنوار الحقائق في السرائر . . . إنها لإحدى العظائم! وذلك من باب التخويف من عودة الظُّلَم إلى القلوب .\r{ نَذِيراً لِّلْبَشَرِ } .\rفي هذا تحذيرٌ من الشواغل التي هي قواطع عن الحقيقة ، فيحذروا المساكنةَ والملاحظةَ إلى الطاعات والموافقات . . . فإنّها - في الحقيقة - لا خطرَ لها .\r{ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } عن الطاعات . . . وهذا على جهة التهديد .\rقوله جلّ ذكره : { كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } .\rأي : مرتهنة بما عملت ، ثم استثنى :\r{ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ } .\rفقال : إنهم غير مرتهنين بأعمالهم ، ويقال : هم الذين قال الله تعالى في شأنهم : « هؤلاء في الجنة ولا أُبالي »!\rوقيل : أَطفال المؤمنين .\r{ فِى جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عِنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَر قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ } .\rهؤلاء يتساءلون عن المجرمين ، ويقولون لأهل النار إذا حَصِلَ لهم إشرافٌ عليهم : { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } ؟ { قالوا ألم نك من المصلين } ألم نكُ نُطْعِمُ المسكين؟\rوهذا يدل على أنَّ الكفارَ مُخَاطَبون بتفصيل الشرائع .\r{ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ } : نشرع في الباطل ، ونكذَّب بيوم الدين .","part":7,"page":500},{"id":3501,"text":"{ حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ } .\rوهو معاينة القيامة .\r{ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } .\rأي : لا تنالهم شفاعةُ مَنْ يشفع .\r{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } .\rوالتذكرة : القرآن :\r{ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ } .\rكأنهم حُمُرٌ نافرة فرَّت من أَسَدٍ .\r{ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } .\rبل يريد كلُّ منهم أن يُعْطَى كتاباً منشوراً .\r{ كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الأَخِرَةَ } .\rأي : كَلاَّ لا يُعْطَوْن ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة .\r{ كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } .\rإلاَّ أَنْ يشاءَ اللَّهُ - لا أَنْ تشاؤوا .\r{ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى } .\rأهل لأن يُتَّقى .\r{ وََأهْلُ الْمَغْفِرَةِ } .\rوأهلٌ لأَنْ يغفِرَ لمن يَتَّقِي - إن شاء .","part":8,"page":1},{"id":3502,"text":"قوله جلّ ذكره : { لآَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ } .\rأي : أقسم بيوم القيامة .\r{ وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } .\rأي : أقسم بالنفس اللَّوَّامة ، وهي النََّفْسُ التي تلوم صاحبَها ، وتعرِف نقصانَ حالِها .\rويقال : غداً . . . كلُّ نَفْسِ تلوم نَفْسَها : إمَّا على كُفْرِها ، وإمَّا على تقصيرها - وعلى هذا فالقَسَمُ يكون بإضمار « الرَّب » أي : أقسم بربِّ النفس اللوامة . وليس للوم النَّفْسِ في القيامةِ خطرٌ - وإنْ حُمِلَ على الكُلِّ ولكنَّ الفائدة فيه بيان أنَّ كلِّ النفوس غداً - ستكون على هذه الجُملة . وجوابُ القسَم قولُه : { بَلَى } .\rقوله جلّ ذكره : { أَيَحْسَبُ الإنسَانُ ألَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } .\rأيظن أنَّا لن نبعثَه بعد موته؟\r{ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ } .\r{ قَادِرِينَ } نصب على الحال؛ أي بلى ، نسوي بنانه في الوقت قادرين ، ونقدر أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير وظلف الشاة . . فكيف لا نقدر على إعادته؟!","part":8,"page":2},{"id":3503,"text":"{ بَل يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيفْجُرَ أَمَامَهُ } .\rيُقدِّم الزّلّةَ ويؤخر التوبة . ويقول : سوف أتوب ، ثم يموت ولا يتوب . ويقال : يعزم على ألا يستكثر من معاصيه في مستأنف وقته ، وبهذا لا تَنْحَلُّ - في الوقت - عقدةُ الإصرار من قلبه ، وبذلك لا تصحُّ توبتُه؛ لأن التوبة من شرطها العزم على ألا يعودَ إلى مثل ما عَمِلَ . فإذا كان استحلاءُ الزلّةِ في قلبه ، ويفكر في الرجوع إلى مثلها - فلا تصح ندامتُه .\rقوله جلّ ذكره : { يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ } .\rعلى جهة الاستبعاد ، فقال تعالى :\r{ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ } .\r{ بَرِقَ } بكسر الراء معناها تحَيَّرَ ، { وَبَرْقٌ } بفتح الراء شَخَصَ ( فلا يَطْرِف ) من البريق ، وذلك حين يُقَاد إِلى جهنم بسبعين ألف سلسلة ، كل سلسلة بيد سبعين ألف مَلَك ، لها زفير وشهيق ، فلا يَبْقى مَلَكٌ ولا رسول إلاَّ وهو يقول : نفسي نفسي!\r{ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } كأَنهما ثوران عقيران .\rويقال : يجمع بينهما في ألاَّ نورَ لهما .\r{ يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيِنَ الْمَفَرُّ } ؟ والمفرّ موضع الفرار إليه ، فيقال لهم :\r{ كَلاَّ لاَ وَزَرَ } .\rاليومَ ، ولا مَهْربَ من قضاءِ الله .\r{ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُ } .\rأي : لا مَحِيدَ عن حُكْمِه .\r{ يُنَبَّؤُاْ الإِنَسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } .\rأي : يَعْرِف ما أسْلَفَه من ذنوب أحصاها اللَّهُ - وإن كان العبدُ نسيَها .\r{ بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } .\rللإِنسان على نفسه دليل علامة وشاهد؛ فأعضاؤه تشهد عليه بما عملِه .\rويقال : هو بصيرةً وحُجّةً على نفْسه في إنكار البعث .\rويقال : إنه يعلم أَنه كان جاحداً كافراً ، ولو أَتى بكلِّ حجةٍ فلن تُسْمع منه ولن تنفعه .\rقوله جلّ ذكره : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعَجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِع قُرْءَانَهُ } .\rلا تستعجِلْ في تَلَقُّفِ القرآنِ على جبريل ، فإنَّ عينا جَمْعَه في قلبك وحِفْظَه ، وكذلك علينا تيسيرُ قرءاته على لسانك ، فإذا قرأناه أي : جمعناه في قلبك وحفظك فاتبع بإقرائك جَمْعَه .","part":8,"page":3},{"id":3504,"text":"{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } .\rنُبيِّنُ لك ما فيه من أحكام الحلال والحرام وغيرها . وكان رسول الله A يستعجل في التلقفِ مخافةَ النسيان ، فنُهِيَ عن ذلك ، وضمن اللَّهُ له التيسير والتسهيل .\rقوله جلّ ذكره : { كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الأَخِرَةَ } .\rأي : إنما يحملهم على التكذيب للقيامة والنشر أنهم يحبون العاجلة في الدنيا ، أي : يحبون البقاء في الدنيا .\r{ وَتَذَرُونَ الأَخِرَةَ } : أي : تتركون العملَ للآخرة . ويقال : تكفرون بها .\rقوله جلّ ذكره : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرةٌ } .\r{ نَّاضِرَةٌ } : أي مشرقة حسنة ، وهي مشرقة لأنها إلى ربها « ناظرة » أي رائية لله .\rوالنظر المقرون ب « إلى » مضافاً إلى الوجه لا يكون إلاَّ الرؤية ، فالله تعالى يخلق الرؤية في وجوههم في الجنة على قَلْبِ العادة ، فالوجوه ناظرة إلى الله تعالى .\rويقال : العين من جملة الوجه فاسم الوجه يتناوله .\rويقال : الوجهُ لا ينظر ولكنَّ العينَ في الوجهِ هي التي تنظر؛ كما أنَّ النهرَ لا يجري ولكنَّ الماءَ في النهر هو الذي يجري ، قال تعالى : { جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } [ البقرة : 25 ] .\rويقال : في قوله : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } دليل على أنهم بصفة الصحو ، ولا تتداخلهم حيرة ولا دَهَش؛ فالنضرة من أمارات البسط لأن البقاء في حال اللقاء أتمُّ من اللقاء .\rوالرؤية عند أهل التحقيق تقتضي بقاء الرائي ، وعندهم استهلاكُ العبدِ في وجود الحقِّ أتمُّ؛ فالذين أشاروا إلى الوجود رأوا الوجود أعلى من الرؤية .\rقوله جلّ ذكره : { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } .\r{ بَاسِرَةٌ } : أي كالحةٌ عابسة . { فَاقِرَةٌ } أي : داهية وهي بقاؤهم في النار عَلَى التأييد . تظن أن يخلق في وجوههم النظر .\rويحتمل أن يكون معنى { تَظُنُّ } : أي يخلق ظنَّا في قلوبهم يظهر أَثَرُه على وجوههم .\r{ كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقَي وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } .\rأي ليس الأمر على ما يظنون؛ بل إِذا بلغت نفوسُهم التراقيَ ، { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } . أي يقول مَنْ حَولَه : هل أحدٌ يَرْقِيه؟ هل طبيبٌ يداويه؟ هل دواءٌ يشفيه؟\rويقال : مَنْ حَوْله من الملائكة يقولون : مَنْ الذي يَرْقى برُوحه؛ أملائكةُ الرحمة أو ملائكة العذاب؟ .\r{ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ } : وعلم الميت أنه الموت! .\r{ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } : ساقا الميت . فتقترِنُ شِدَّةُ آخرِ الدنيا بشدَّة أوَّلِ الآخرة .\r{ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } أي الملائكةُ يسوقون روحَه إلى الله حيث يأمرهم بأن يحملوها إليه : إِمّا إلى عليين - ثم لها تفاوت درجَات ، وإِمّا إلى سجِّين - ولها تفاوت دَرَكات .\rويقال : الناسُ يُكَفًِّنون بَدنَ الميت ويغسلونه ، ويُصَلُّون عليه . . والحقُّ سبحانه يُلْبِسُ روحَه ما تستحق من الحُلَلِ ، ويغسله بماء الرحمة ، ويصلي عليه وملائكتُه .","part":8,"page":4},{"id":3505,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } .\rيعني : الكافر ما صدٌّق اللَّهَ ولا صلَّى له ، ولكن كذَّب وتولَّى عن الإيمان . وتدل الآيةُ على أنَّ الكفارَ مُخَاطَبون بتفصيل الشرائع .\r{ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى } .\rأي : يتبختر ويختال .\r{ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } .\rالعَربُ إذا دَعَتْ على أحدٍ بالمكروه قالوا : { أَوْلَى لَكَ } وهنا أتبع اللفظَ اللفظَ على سبيل المبالغة .\rويقال : معناه الويلُ لَكَ يومَ تَحيا . والويلُ لكَ يوم تَموت ، والويلُ لكَ يومَ تُبْعَث ، والويلُ لكَ يومَ تدخل النار .\r{ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } .\rمُهمَلاً لا يُكلَّفُ!؟ . ليس كذلك .\r{ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى } .\r{ مِّن مَّنِِىٍّ يُمْنَى } أي تُلْقى في الرَّحم { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً } أَي : دماً عبيطاً ، فسوَّى أَعضاءَه في بطن أُمه ، ورَكَّبَ أجزاءَه على ماهو عليه في الخِلْقَة ، وجعل منه الزوجين : إن شاء خَلَقَ الذَّكَرَ ، وإن شاء خَلَقَ الأنثى ، وإن شاء كليهما .","part":8,"page":5},{"id":3506,"text":"أَليس الذي قدر على هذا كلِّه بقادر على إحياء الموتى؟ فهو استفهام في معنى التقرير .","part":8,"page":6},{"id":3507,"text":"قوله جلّ ذكره : { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } .\rفي التفسير : قد أتى على الإِنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً له خَطَرٌ ومقدار . قيل : كان آدم عليه السلام أربعين سنة مطروحاً جَسَدُه بين مكة والطائف . ثم من صلصالٍ أربعين سنة ، ثم من حملٍ مسنون أربعين سنة ، فتمَّ خَلْقُه بعد مائة وعشرين سنةٍ .\rويقال : { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهَرِ . . . } : أي لم يأتِ عليه وقتٌ إلا كان مذكوراً إليَّ .\rويقال : هل غَفلْتُ ساعةً عن حِفْظِك؟ هل ألقيتُ - لحظةً - حَبْلَكَ على غارِبِك؟ هل أخليتُك - ساعةً - من رعاية جديدة وحمايةٍ مزيدة .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } .\r{ مِن نُّطْفَةٍ } : أي من قطرة ماءٍ ، { أَمْشَاجٍ } : أَخلاط من بين الرجل والمرأة .\rويقال : طوراً نطفة ، وطوراً عَلَقَة ، وطوراً عَظْماً ، وطوراً لَحْماً .\r{ نَّبْتَلِيهِ } : نمتحنه ونختبره . وقد مضى معناه .\r{ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعاً بَصِيراً } .\r{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وإِمَّا كَفُوراً } .\rأي : عَرَّفْناه الطريقَ؛ أي طريقَ الخيرِ والشرِّ .\rوقيل : إمَّا للشقاوة ، وإمَّا للسعادة ، إمَّا شاكراً من أوليائنا ، وإما ان يكون كافراً من أعدائنا؛ فإنْ شَكَرَ فبالتوفيق ، وإنْ كَفَرَ فبالخذلان .","part":8,"page":7},{"id":3508,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلا وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً } .\rأي : هَيَّأْنا لهم سلاسلَ يُسْحَبون فيها ، { وَأغْلاَلاً } لأعناقهم يُهانون بها ، { وَسَعِيراً } : ناراً مستعرة .\r{ إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً } .\rقيل : البَرُّ : الذي لا يُضْمِرُ الشَّرَّ ، ولا يؤذي الذَّرّ .\rوقيل : { الأَبْرَارَ } : هم الذين سَمَتْ هِمَّتهُم عن المستحقرات ، وظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فاتّقوا عن مُسَاكنةٍ الدنيا .\r{ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } رائحتها كرائحة الكافور ، أو ممزوجة بالكافور .\rويقال : اختلفت مشاربهُم في الآخرة؛ فكلٌّ يُسْقَى ما يليق بحاله . . . وكذلك في الدنيا مشاربهُم مختلفة؛ فمنهم مَنْ يُسقَى مَزْجاً ، ومنهم من يُسقَى صِرْفاً ، ومنهم من يسقى على النُّوَب ، ومنهم من يُسقى بالنُّجُب ومنهم من يُسْقى وحدَه ولا يُسقي مما يُسقى غيره ، ومنهم مَنْ يسقى هو والقوم شراباً واحداً . . . وقالوا :\rإن كنت من ندماي فبالأكبر اسْقِني ... ولا تَسْقِني بالأصغر المتثلم\rوفائدة الشرابِ - اليومَ - أن يشغلهم عن كل شيءٍ فيريحُهم عن الإحساس ، ويأخذهم عن قضايا العقل . . كذلك قضايا الشراب في الآخرة ، فيها زوالُ الأرَبِ ، وسقوطُ الطلبِ ، ودَوَامُ الطَّرَب ، وذَهَابُ الحَرَب ، والغفرة عن كلِّ سبب .\rولقد قالوا :\rعاقِرْ عقارك واصْطبِحْ ... واقدَحْ سرورَك بالقَدحَ\rواخلع عذارك في الهوى ... وأَرِحْ عذولَك واسترحْ\rوافرَحْ بوقتِك إنما ... عُمْرُ الفتى وقتُ الفَرَح\rقوله جلّ ذكره : { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً } .\rيُشَقَّقونها تشقيقاً ، ومعناه أَن تلك العيون تجري في منازلهم وقصورهم على ما يريدون . واليومَ- لهم عيونٌ في أسرارهم من عين المحبة ، وعين الصفاء ، وعين الوفاء ، وعين البسط ، وعين الروح . . وغير ذلك ، وغداً لهم عيون .","part":8,"page":8},{"id":3509,"text":"{ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } .\rثم ذكر أحوالهم في الدنيا فقال : يوفون بالعهد القديم الذي بينهم وبين الله على وجهٍ مخصوص :\r{ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } .\rقاسياً ، منتشراً ، ممتداً .\r{ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } .\rأي : على حُبِّهم للطعام لحاجتهم إليه . ويقال : على حُبِّ الله ، ولذلك يُطْعِمون .\rويقال : على حُبِّ الإطعام .\rوجاء في التفسير : أَن الأسير كان كافراً - لأنَّ المسلَم ما كان يُستأسَرُ في عهده - فطاف على بيت فاطمة Bها وقال : تأسروننا ولا تطعموننا!\r{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً } .\rإنما نطعمكم ابتغاءَ مرضاةِ الله ، لا نريد من قبِلكُم جزاءً ولا شكراً .\rويقال : إنهم لم يذكروا هذا بألسنتهم ، ولكن كان ذلك بضمائرهم .\r{ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } .\rأي : يوم القيامة .\r{ فَوَقَهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَومِ } .\r{ وَلَقَّاهُمْ } أي : أعطاهم { نَضْرَةً وَسُرُواً } .\r{ وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً } .\rكافَأَهُم على ما صبروا من الجوع ومقاساته جنَّةً وحريراً .\r{ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَآئِكِ } .\rواحدها أريكة ، وهي السرير في الحجال .\r{ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } .\rأي : لا يتَأَذْون فيها بِحَرًٍّ ولا بَرْدٍ .","part":8,"page":9},{"id":3510,"text":"{ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً } .\rيتمكنون من قطافها على الوجه الذي هم فيه من غير مشقة؛ فإِن كانوا قعوداً تُدلَّى لهم ، وإن كانوا قياماً - وهي على الأرض - ارتقت إليهم .\r{ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِئَانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ } .\rالاسم فضة ، والعين لا تشبه العين .\r{ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيراْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً } .\rأي : في صفاء القوارير وبياض الفضة . . . قَدَّرَ ذلك على مقدار إرادتهم .\r{ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً } .\rالمقصود منه الطِّيب . فقد كانوا ( أي العرب ) يستطيبون الزنجبيل ، ويستلذون نكهته ، وبه يشبِّهون الفاكهة ، ولا يريدون به ما يقرص اللسان .\r{ عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً } .\rأي : يُسْقَوْنَ من عين - أثبت المَسْقِيَّ وأَجْمَلَ مَنْ يسقيهم؛ لأنَّ منهم من يسقيه الحقُّ - سبحانه - بلا واسطة .\rقوله جلّ ذكره : { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتُهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنتُوراً } .\rأي : يخدمهم { وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ } وصفا لا يجوز واحد منهم حدَّ الوصائف .\rوجاء في التفسير : لا يَهْرَمون ولا يموتون . وجاء مُقَرَّطون .\rإذا رأيتهم حسبتهم من صفاء ألوانهم لؤلؤاً منثوراً .\rوفي التفسير : ما من إنسانٍ من أهل الجنة إلا ويخدمه ألف غلام .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } .\r{ ثُمَّ } : أي في الجنة .\r{ وَمُلْكاً كَبِيراً } : في التفاسير أن الملائكة تستأذن عليهم بالدخول .\rوقيل : هو قوله : { لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا } [ ق : 35 ] ويقال : أي لا زوالَ له .\r{ عَالَيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } .\rيحتمل أن يكون هذا الوصف للأبرار . ويصح أن يكون للولدان وهو أَوْلَى ، والاسم يوافق الاسم دون العين .\r{ شََراباً طَهُوراً } : الشراب الطهورُ هو الطاهر في نفسِه المُطَهَّرُ لغيره .\rفالشراب يكون طهوراً في الجنة - وإنْ لم يحصل به التطهيرُ لأن الجنة لا يُحتاجُ فيها إلى التطهير .\rولكنه - سبحانه - لمَّا ذَكَرَ الشرابَ - وهو اليومَ في الشاهد نجَسٌ - أخبر أنَّ ذلك الشرابَ غداً طاهرٌ ، ومع ذلك مُطَهِّر؛ يُطَهِّرُهم عن محبة الأغيار ، فمن يَحْسِ من ذلك الشرابِ شيئاً طَهَّرَه عن محبة جميع المخلوقين والمخلوقات .\rويقال : يُطَهِّرُ صدورهم من الغِلِّ والغِشِّ ، ولا يُبْقِي لبعضهم مع بعض خصيمة ولا عداوة ولا دَعْوَى ولا شيء .\rويقال : يُطهِّرُ قلوبهم عن محبة الحور العين .\rويقال : إن الملائكة تعرض علهيم الشرابَ فيأبون قبولَه منهم ، ويقولون :\rلقد طال أَخْذُنا مِنْ هؤلاء ، فإذا هم بكاساتٍ تُلاقِي أفواهَهَم بغير أكُفٍّ؛ من غيبٍ إلى عَبْدٍ .\rويقال : اليومَ شرابٌ وغداً شراب . . . اليوم شرابُ الإيناس وغداً شرابُ الكاس ، اليومَ شرابٌ من اللُّطْفِ وغداً شرابٌ يُدار على الكفّ .\rويقال : مَنْ سقاه اليومَ شرابَ محبَّتهِ آنسَه وشَجَّعُه؛ فلا يستوحِش في وقته من شيء ، ولا يَضِنُّ بروحه عن بَذْل .","part":8,"page":10},{"id":3511,"text":"ومن مقتضى شُرْبه بكأسِ محبته أن يجودَ على كلِّ أحدٍ بالكونين من غير تمييز ، ولا يَبْقَى على قلبه أثرٌ للأخطار .\rومن آثارِ شُرْبِه تذلُّلُه لكلِّ أحدٍ لأجل محبوبه ، فيكون لأصغرِ الخَدم تُرَابَ القَدَم ، لا يتحرَّكُ فيه للتكبُّر عرْقٌ .\rوقد يكون من مقتضى ذلك الشارب أيضاً في بعض الأحايين أَنْ يَتِيه على أهل الدارين .\rومن مقتضى ذلك الشراب أيضاً أَنْ يمْلِكَه سرورٌ ولا يَتَمَالَكُ معه من خَلْعِ العذار وإلقاء قناع الحياء ويظهر ما هو به من المواجيد :\rيخلع فيك العذارَ قومٌ ... فكيف مَنْ مالَه عذارُ؟\rومن موجِبات ذلك الشراب سقوط الحشمة ، فيتكلم بمقتضى البسط ، أو بموجب لفظ الشكوى ، وبما لا يَستخرجُ منه - في حال صَحْوه - سفيه بالمناقيش . . . وعلى هذا حَمَلُوا قول موسى : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] .\rفقالوا : سَكِرَ من سماع كلامه ، فَنَطَقَ بذلك لسانُه . وأمَّا مَنْ يسقيهم شرابَ التوحيد فَيَنْفي شهودَ كلِّ غَيْرِ فَيهيمون في أودية العِزِّ ، ويتيهون في مفاوزِ الكبرياء ، وتتلاشى جملتهُم في هوء الفرادنية . . . فلا عقلَ ولا تمييزَ ولا فَهْمَ ولا إدراك . . . فكلُّ هذه المعاني ساقطة .\rفالعبدُ يكون في ابتداء الكَشْفِ مُستوْعَباً ثم يصير مستغْرقاً ثم يصيرُ مُسْتَهْلَكا . . . { وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنتَهَى } [ النجم : 42 ] .","part":8,"page":11},{"id":3512,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } .\rيقال لهم : هذا جزاءٌ لكم ، { مَّشْكُوراً } : وشُكْرُه لسعيهم تكثيرُ الثوابِ على القليل من العمل - هذا على طريقة العلماء ، وعند قومٍ شُكْرُهم جزاؤهم على شكرهم .\rويقال : شُكْرُه لهم ثناؤه عليهم بذكر إحسانهم على وجه الإكرام .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلاً } .\rفي مُدَّةٍ سنين .\r{ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفَوراً } .\rأي : ارْضَ بقضائه ، واستسلمْ لِحُكْمِه .\r{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً } : أي : ولا كفوراً ، وهذا أمرٌ له بإفرادِ ربِّه بطاعته .\r{ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأَصِيلاً وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدُ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } .\rالفَرْضُ في الأول ، ثم النَّفْل .\r{ إِنَّ هَؤءُلآَءِ . . . } .\rأي كفَّار قريش :\r{ يُحِبُّونَ الْعَاجِلََةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِِيلاً } .\rأي : لا يعلمون ليوم القيامة .\rقوله جلّ ذكر ه : { نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً } .\rأعدمناهم ، وخلقنا غيرَهم بدلاً عنهم . ويقال : أخذنا عنهم الميثاق .","part":8,"page":12},{"id":3513,"text":"{ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ . . . . } .\rأي : القرآن تذكرة .\r{ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً } .\rبطاعته .\r{ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ عَذَاباً أَلِيمَا } .\rأي : عذاباً أليماً موجِعاً يخلص وَجَعُه إلى قلوبهم .","part":8,"page":13},{"id":3514,"text":"{ وَالمُرْسَلاَتِ عُرْفاً } .\r{ المرسلات } : الملائكة { عرفاً } أي : أرسلوا بالمعروف من الأمر ، أو كثيرين كعُرْفِ الفَرس .\r{ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً } .\rالرياحُ الشديدة ( العوصف تأتي بالعصف وهو ورق الزرع وحطامه ) .\r{ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً } .\rالأمطار ( لأنها تنشر النبات . فالنشر بمعنى الإحياء ) . ويقال السُّحُبُ تنشر الغيث . ويقال : الملائكة .\r{ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً } .\rالملائكة؛ تفرق بين الحلال والحرام .\r{ فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً } .\rالملائكة : تُلقِي الوحي على الأنبياء عليهم السلام؛ إعذاراً وإنذاراً . وجوابُ القَسَم :\r{ إِنَّمَا تُوَعَدُونَ لَوَاقعٌ } .\rفأقسم بهذه الأشياء : إنَّ القيامة لحقُّ .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِذٍَا النُّجُومُ طُمِسَتَ } .\rإنما تكون هذه القيامة . و { طمست } : ذهب ضَوؤُها .","part":8,"page":14},{"id":3515,"text":"{ وَإِذَا الجِبَالُ نُسِفَتْ } .\rذَهَبَ بها كلِّها بسرعة ، حتى لا يَبْقَى لها أَثَرٌ .\r{ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقَّتَتْ لاَّيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ } .\rأي : جَعَلَ لها وقتاُ وأَجَلاً لفَصْلِ القضاءِ يومَ القيامة .\rويقال : أُرْسِلَتْ لأوقاتٍ معلومة .\r{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ } .\rعلى جهة التعظيم له .\r{ وَيْلٌ يَؤْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } .\rمضى تفسيرُ معنى الويل .\rويقال في الإشارات : فإذا نجومُ المعارف طمست بوقوع الغيبة .\r{ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ } القلوبُ الساكنة بيقين الشهود حُرِّكَتْ عقوبةً على ما هَمَّتْ بالذي لا يجوز . فويلٌ يومئذٍ لأرباب الدعاوَى الباطلِة الحاصلةِ من ذوي القلوب المُطبقة الخالية من المعاني .\rقوله جلّ ذكره : { أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأَخِرِينَ } .\rالذين كذَّبوا رُسُلَهم ، وجحدوا آياتنا؛ فمثلما أهلكنا الأولين كذلك نفعل بالمجرمين إذا فعلوا مثلَ فِعْلِهم .","part":8,"page":15},{"id":3516,"text":"{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } الذين لا يستوي ظاهرُهم وباطنهم في التصديق .\rوهكذا كان المتقدمون من أهل الزَّلَّة والفَترة في الطريقة ، والخيانة في أحكام المحبة فعُذِّبوا بالحرمان في عاجلهم ، ولم يذوقوا من المعاني شيئاً .\rقوله جلّ ذكره : { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } .\rأي : حقير . وإذ قد علمتم ذلك فلِمَ لم تقيسوا أمر البعث عليه؟\rويقال : ذَكَّرَهم أصلَ خلقتم لئلا يُعْجَبوا بأحوالهم؛ فإنه لا جِنْسَ من المخلوقين والمخلوقاتِ أشدَّ دعوى من بني آدم . فمن الواجب أَنْ يَتَفَكَّرَ الإنسان في أَصلِه . . . كان نطفةً وفي انتهائه يكون جيفة ، وفي وسائط حالِه كنيفٌ في قميص!! فبالحريِّ ألاَّ يُدِلَّ ولا يفتخر :\rكيف يزهو مَنْ رجيعهُ ... أَبَدَ الدهرِ ضجيعُه\rفهو منه وإليه ... وأَخوه ورضيعُه\rوهو يدعوه إلى الحُ ... شِّ بصغر فيطيعه؟!!\rويقال : يُذكِّرهم أصلَهم . . كيف كان كذلك . . . ومع ذلك فقد نقلهم إلى أحسن صورة ، قال تعالى :\r{ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } ، والذي يفعل ذلك قادِرٌ على أن يُرقِّيَكَ من الأحوال الخسيسة إلى تلك المنازل الشريفة .","part":8,"page":16},{"id":3517,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضِ كِفاتاً أَحْيَآءً وَأَمْوَاتاً } .\r{ كِفَاتاً } أي : ذات جَمْعٍ؛ فالأرض تضمهم وتجمعهم أحياءً وأمواتاً؛ فهم يعيشون على ظهرها ، ويُودَعون بعد الموت في بطنها . .\r{ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً } .\rأي : جبالاً مرتفعات ، وجعلنا بها الماء سقياً لكم . يُذكِّرهم عظيم مِنَّتهِ بذلك عليهم . والإشارةُ فيه إلى عظيم مِنَّته أنَّه لم يخسف بكم الأرض - وإن عملتم ما عملتم .","part":8,"page":17},{"id":3518,"text":"{ انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ } .\rيقال لهم : انطلقوا إلى النار التي كذَّبتم بها .\r{ انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِى ثَلاَثِ شُعَبٍِ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ } .\rكذلك إذا لم يعرفْ البعدُ قَدْرَ انفتاح طريقه إلى الله بقلْبه ، وتعزُّرِه بتوكله . . . فإذا رجع إلى الخَلْقِ عند استيلاء الغفلة نَزَعَ اللَّهُ عن قلبه الرحمةَ ، وانسدَّت عليه طُرُقُ رُشْدِه ، فيتردد من هذا إلى هذا إلى هذا .\rويقال لهم : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذِّبون . والاستقلالُ بالله جنّة المأوى ، والرجوعُ إلى الخَلْقِ قَرْعُ باب جهنم . . وفي معناه أنشدوا :\rولم أرَ قبلي مَنْ يُفارِقُ جنَّةً ... ويقرع بالتطفيل بابَ جهنم\rثم يقال لهم إذا أخذوا في التنصُّل والاعتذار :","part":8,"page":18},{"id":3519,"text":"فإلى أنْ تنتهيَ مُدّةُ العقوبة فحينئذٍ : إنْ استأنَفْتَ وقتاً استؤنِفَ لك وقتٌ . فأمَّا الآن . . فصبراً حتى تنقضِيَ أيامُ العقاب .","part":8,"page":19},{"id":3520,"text":"فعلنا بكم ما فعلنا بهم في الدنيا من الخذلان ، كذلك اليوم سنفعل بكم ما نفعل بهم من دخول النيران .","part":8,"page":20},{"id":3521,"text":"اليومَ . . في ظلال العناية والحماية ، وغداً . . هم في ظلال الرحمة والكلاءة .\rاليومَ . . في ظلال التوحيد ، وغداً . . في ظلال حُسْن المزيد .\rاليومَ . . في ظلال المعارف ، وغداً . . في ظلال اللطائف .\rاليومَ . . في ظلال التعريف ، وغداً . . في ظلال التشريف .","part":8,"page":21},{"id":3522,"text":"اليومَ تشربون على ذِكْره . . وغداً تشربون على شهوده ، اليوم تشربون بكاسات الصفاء وغداً تشربون بكاسات الولاء .\r{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ } .\rوالإحسانُ من العبد تَرْكُ الكلِّ لأَجله! كذلك غداً : يجازيك بترك كلِّ الحاصل عليك لأجْلِك .","part":8,"page":22},{"id":3523,"text":"هذا خطابٌ للكفار ، وهذا تهديد ووعيد ، والويل يومئذٍ لكم .","part":8,"page":23},{"id":3524,"text":"كانوا يُصُرُوُّن على الإباء والاستكبار فسوف يقاسون البلاء العظيم .\r[ ذكر في التفسير : أن المتقين دائماً في ظلال الأشجار ، وقصور الدرِّ مع الأبرار ، وعيون جارية وأنهار ، وألوانٍ من الفاكهة والثمار . . من كل ما يريدون من المِلك الجبَّار . ويقال لهم في الجنة : كلوا من ثمار الجنات ، واشربوا شراباً سليماً من الآفات . { بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من الطاعات . { كَذَلِكَ نَجْزْى الْمُحْسِنِينَ } من الكرامات . قيل : كلوا واشربوا { هَنِيئَا } : لا تبعة عليكم من جهة الخصومات ، ولا أذيَّة في المأكولات والمشروبات .\rوقيل : الهنيء الذي لا تَبِعَةَ فيه على صاحبه ، ولا أَذِيَّةَ فيه من مكروهٍ لغيره .","part":8,"page":24},{"id":3525,"text":"مختلفون بشدة إنكارهم أمرَ البعث ، ولالتباسِ ذلك عليهم ، وكثرةِ مُساءَلتهم عنه ، وكثرة مراجعتهم إلى الرسول A في معناه .\rتكرَّر من الله إنزال أمرِ البعث ، وكم استدلَّ عليهم في حوازِه بوجوهٍ من الأمثلة . . فهذا من ذلك ، يقول : { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ } : عن الخبر العظيم { الَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } قال الله تعالى على جهة الاحتجاج عليهم .","part":8,"page":25},{"id":3526,"text":"{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً } .\rذَلَّلْناها لهم حتى سَكًنوها .\r{ وَالجِبَالَ أَوْتَاداً } .\rأوتاداً للأرضِ حتى تَمِيدَ بِهم .\r{ وَخََلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً } .\rذَكَراً وأنثى ، وحَسَناً وقبيحاً . . . وغير ذلك .\r{ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } .\rأي راحةً لكم ، لتَنْقَطِعوا عن حركاتِكم التي تعبتم بها في نهاركم .\r{ وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاساً } .\rتُغَطَّي ظُلمتُه كلَّ شيءٍ فتسكنوا فيه .","part":8,"page":26},{"id":3527,"text":"{ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } .\rأي وقتَ معاشِكم .\r{ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } .\rأي سبع سموات .\r{ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } .\rأي الشمس ، جعلناها سراجاً وقَّاداً مشتعلاً .\r{ وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً } .\r{ الْمُعْصِرَاتِ } الرياح التي تعْصِرُ السحاب .\r{ مَآءً ثَجَّاجاً } مطراً صَبَّاباً .\r{ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً } .\r{ حَبّاً } كالحنطة والشعير ، { وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً } بساتين يَلْتَفُّ بعضُها ببعض .\rوإذا قد علمتم ذلك فهلاَّ علمتم أنِّي قادرٌ على أَنْ أُعيدَ الخَلْقَ وأُقيمَ القيامة؟\rفبعدَ أن عَدَّ عليهم بعضَ وجوهِ إنعامه ، وتمكينهم من منافعهم . . . قال :\r{ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً } .\rمضى معناه .\r{ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ فَتأَْتُونَ أَفْوَاجاً } .\rأي في ذلك اليوم تأتون زُمراً وجماعاتٍ .\r{ وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً } .\rأي : تَشَقَّقَتْ وانفطرت .\r{ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً } .\rأي كالسراب .\r{ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } .\rأي ممراً . ويقال : ذات ارتقابٍ لأهلها .\r{ لِّلطَّاغِينَ مَئَاباً } .\rأي مرجعاً .\r{ لَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً } .\rأي دهوراً ، والمعنى مُؤَبَّدين .","part":8,"page":27},{"id":3528,"text":"{ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً ولا شَرَاباً إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً } .\rمضى معناه . ثم يُعَذَّبون بعد ذلك بأنواعٍ أُخَرَ من العذاب .\r{ جَزَآءً وِفَاقاً } .\rأي : جُوزُوا على فرق أعمالهم . ويقال : على وفق ما سَبَقَ به التقديرُ ، وجرى به الحكم .\r{ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً } .\rلا يؤمنون فيرجعون الثواب ويخافون العقاب .\r{ وَكَذَّبُواْ بِئَايِاتِنَا كِذَّاباً } .\rأي : تكذيباً .\r{ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً } .\rيأي : كتبناه كتاباً ، وعلمناه عِلْماً .\rوالمسبِّحُ الزاهدُ تسبيحَه ، والمهجورُ البائسُ يحصي أيامَ هجرانه ، والذي هو صاحب وصالٍ لا يتفرَّغ من وَصْلِه إلى تذكُّرِ أيامه في العدد ، أو الطول والقصر .\rوالملائكة يُحصون زلاَّت العاصين ، ويكتبونها في صحائفهم . والحق سبحانه يقول :\r{ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً } فكما أحصى زَلاَّتٍ العاصين وطاعات المطيعين فكذلك أحْصَى أيامَ هجرانِ المهجورين وَأيَامَ مِحَنِ الممتحَنين ، وإِنَّ لهم في ذلك لَسَلْوَةً وَنَفَساً :\rثمانٍ قد مضيْنَ بلا تلاقٍ ... وما في الصبر فَضْلٌ عن ثمانٍ\rوكم من أقوامٍ جاوزت أيامُ فترتهم الحدَّ! وأَرْبَتْ أوقاتُ هجرانهم على الحَصْر! قوله جلّ ذكره : { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِِلاَّ عَذَاباً } .\rيا أيها المُنَعَمَّون في الجنة . . افرحوا وتمتعوا فلن نزيدكم إلا ثواباً .\rأيها الكافرون . . احترقوا في النار . . ولن نزيدكم إلا عذاباً .\rويا أيها المطيعون . . افرحوا وارتعوا فلن نزيدكم إلا فَضْلاً على فَضْل .\rيا أيها المساكين . . ابكوا واجزعوا فلن نزيدَكم إلاَّ عَزْلاً على عَزْل .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً } .\rمُسَلَّمٌ للمتقين ما وعدناهم به . . فهنيئاً لهم ما أَعددنا لهم من الفوزِ بالبُغْية . والظّفَرِ بالسُّؤَالِ والمُنْيَة : من حدائق وأَعنابٍ ، ومن كواعبَ أَترابٍ وغير ذلك .\rفيا أيها المُهَيَّمون المتَيَّمون هنيئاً لكم ما أنتم فيه اليومَ في سبيل مولاكم من تجرُّدِ وفقر ، وما كلَّفَكم به من توكل وصبر ، وما تجرعتم من صَدٍّ وهجر .\rأحرى الملابسِ ما تَلْقَى الحبيبَ به ... يومَ التزاورِ في الثوب الذي خَلَعا\rقوله : { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } آذانُهم مصونةٌ عن سماع الأغيار ، وأبصارهم محمفوظةٌ عن ملاحظة الرسوم والآثار .","part":8,"page":28},{"id":3529,"text":"قوله جلّ ذكره : { رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً } .\rوكيف تكون للمُكَوَّن المخلوقِ الفقيرِ المسكينِ مُكْنَةٌ أَنْ يملك منه خطاباً؟ أو يتنفَّسَ بدونه نَفَساً؟ كلاّ . . بل هو اللَّهُ الواحدُ الجبَّار .\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً } .\rإنما تظهر الهيبةُ على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم ، وأمَّا الخواص وأصحابُ الحضور فَهُم أبداً بمشهدِ العِزِّ بنعت الهيبة ، لا نَفَسَ لهم ولا راحة؛ أحاط بهم سرادُقها واستولت عليهم حقائها .\rقوله جلّ ذكره : { ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَئَاباً } .\rهم بمشهد الحقِّ ، والحَكَمُ عليهم الحقُّ ، حكم عليهم بالحق ، وهم مجذوبون بالحقِّ للحقِّ .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } .\rوهو عند أهلِ الغفلة بعيدٌ ، ولكنَّه في التحقيق قريبٌ .\r{ يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِى كُنتُ تُرَبَا } .\rمضوا في ذُلِّ الاختيار والتعنِّي ، وبُعِثوا في حسرة التمنِّي ، ولو أنهم رضوا بالتقدير لتخلَّصوا عن التمنِّي .","part":8,"page":29},{"id":3530,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً } .\rأي الملائكة؛ تنزعُ أرواحَ الكفَّارِ من أبدانهم .\r{ غَرْقاً } : أي إغراقاً كالمُغرِق في قَوْسِه .\rويقال : هي النجوم تنزع من مكانٍ إلى مكان .\r{ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً } .\rهي أنفس المؤمنين تَنْشَط للخروج عند الموت .\rويقال : هي الملائكة تنشِطُ أرواحَ الكفار ، وتنزعها فيشتدُّ عليهم خروجُها .\rويقال : هي الوحوش تنشط من بلدٍ إلى بلدِ .\rويقال : هي الأوهاق .\rويقال : هي النجوم تنشط من المشارق إلى المغارب ومن المغارب إلى المشارق .\r{ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً } .\rالملائكة تسبح في نزولها .\rويقال : هي النجوم تسبح في أفلاكها .\rويقال : هي السفن في البحار .\rويقال : هي أرواح المؤمنين تخرج بسهولة لشوقها إلى الله .\r{ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً } .\rالملائكة يسبقون إلى الخير والبركة ، أو لأنها تسبق الشياطين عند نزول الوحي ، أو لأنها تسبق بأرواح الكفار إلى النار .\rويقال : هي النجوم يسبق بعضها بعضاً في الأفول .","part":8,"page":30},{"id":3531,"text":"{ فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْراً } .\rالملائكة تنزل بالحرام والحلال .\rويقال : جبريل بالوحي ، وميكائيل بالقَطْرِ والنبات ، وإسرافيل بالصُّور ، ومََلَكُ الموت يَقْبِضِ الأرواح . . عليهم السلام .\rوجوابُ القَسم قوله : { إِنَّ فِى ذَالِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى } .\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ } .\rتتحرك الأرضُ حركةً شديدة .\r{ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ } .\rالنفخة الأولى في الصُّور . وقيل : الراجفة النفخة الأولى والرادفة النفخة الثانية . { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } .\rخائفة .\r{ يَقُولُونَ أَءِنَا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَةِ } .\rأي إلى أول أمرِنا وحالنا ، يعني أئِذا متنا نبعث ونُرَدُّ إلى الدنيا ( ونمشي على الأرض بأقدامنا ) ؟ . قالوه على جهة الاستبعاد .\r{ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً } .\rأي بالية .\r{ قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ } .\rرَجْعَةٌ ذات خسران ( ما دام المصيرُ إلى النار ) .\rقوله جلّ ذكره : { فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ } .\rجاء في التفسير إنها أرض المحشر ، ويقال : إنها أرضٌ بيضاء لم يُعْصَ الله فيها .\rويقال : { الساهرة } نَفْخَةُ الصُّور تذهب بنومهم وتسهرهم .\rقوله جلّ ذكره : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى } .\rأي الأرض المطهرة المباركة . { طُوًى } اسم الوادي هناك .\r{ اذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى } . قلنا له : { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } ، فقل له : هل يقع لك أَنْ تؤمِنَ وتتطهر من ذنوبك .\rوفي التفسير : لو قُلْتَ لا إله إلا الله فَلَكَ مُلْكٌ لا يزول ، وشبابك لا يهرم ، وتعيش أربعمائة سنةٍ في السرورة والنعمة . . ثم لك الجنة في الآخرة .","part":8,"page":31},{"id":3532,"text":"{ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } .\rأُقَرِّرُ لك بالآيات صِحَّةَ ما أقول ، وأعرفك صحة الدين . . فهل لك ذلك؟ فلم يَقْبَلْ .\rويقال : أظهر له كل هذا التلطُّفَ ولكنه في خَفِيِّ سِرِّه وواجبِ مَكْرِه به أنه صَرَفَ قلبَه عن إِرداة هذه الأشياء ، وإيثار مرادِه على مراد ربِّه ، وألَقى في قلبه الامتناعَ ، وتَرْكَ قبولِ النُّصْح . . وأيُّ قلبٍ يسمع هذا الخطاب فلا ينقطع لعذوبه هذا اللفظ؟ وأيَّ كَبِدٍ تعرف هذا فلا تَتَشَقَّقُ لصعوبة هذا المكر؟ .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَرَاهُ الأُيَةَ الْكُبْرَى } .\rجاء في التفسير : هي إخراجُ يده بيضاءَ لها شعاعٌ كشعاع الشمس . فقال فرعون : حتى أشاوِرَ هامانَ ، فشاوَرَه ، فقال له هامان : أبعد ما كُنْتَ ربًّا تكون مربوباً؟! وبعد ما كنت مَلِكاً تكون مملوكاً؟\rفكذَّبَ فرعونُ عند ذلك ، وعَصَى ، وجَمَعَ السَّحَرَة ، ونادى :\r{ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى } .","part":8,"page":32},{"id":3533,"text":"ويقال : إنَّ إبليس لمَّا سَمِع هذا الخطابَ فرَّ وقال : لا أطيق هذا! ويقال : قال : أنا ادَّعَيْتُ الخيرية على آدم فلقيت ما لقيت . . وهذا يقول : { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى } .","part":8,"page":33},{"id":3534,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى } .\rأي في إهلاكنا فرعون لَعِبْرَةً لمن يخشى .\rقوله جلّ ذكره : { ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا } .\r{ فَسَوَّاهَا } جعلها مستوية . { وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } أظلم ليلها . { ضُحَاهَا } ضوؤُها ونهارها . { دَحَاهَآ } بَسَطَها وَمدَّها .","part":8,"page":34},{"id":3535,"text":"{ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا } .\rأخرج من الأرض العيون المتفجرة بالماء ، وأخرج النبات . .\r{ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } .\rأَثْبَتَها أوتاداً للأرض .\r{ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ } .\rأي أخرجنا النبات ليكون لكم به استمتاع ، وكذلك لأَنعامِكم .\r{ فَإِذَا جَآءَتِ الطَآمَّةُ الْكُبْرَى } .\rالداهية العُظمى . . وهي القيامة .\r{ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَنُ مَا سَعَى } .\rوبرزت الجحيم لمن يرى ، فأمَّا من طغى وكَفَرَ وآثر الحياة الدنيا فإنَّ الجحيمَ له المأوى والمُسْتَقَرُّ والمثوى .","part":8,"page":35},{"id":3536,"text":"{ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِىَ المَأْوَى } .\r{ مَقَامَ رَبِّهِ } : وقوفه غداً في محل الحساب . ويقال : إقبالُ الله عليه وأنَّه راءٍ له . . وهذا عينُ المراقبة ، والآخَر محلُّ المحاسبة .\r{ وَنَهَى النَّفْسَ عِنِ الْهَوَى } أي لم يتابع هواه .\rقوله جلّ ذكره : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } .\rأي متى تقوم؟\r{ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } .\rمِنْ أَين لك عِلْمُها ولم نعلمك ذلك .\r{ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ } .\rأي إنما يعلم ذلك ربُّكَ .\r{ إِنَّمَآ أَنتَ مُنِذِرُ مَن يَخْشَاهَا } .\rأي تخوِّف ، فيقبل تخويفَك مَنْ يخشاها ويؤمن .\r{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } .\rكانهم يومَ يَرَوْن القيامة { لَمْ يَلْبَثُواْ عِشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } فلشدة ما يرون تقل عندهم كثرةُ ما لبثوا تحت الأرض .","part":8,"page":36},{"id":3537,"text":"نَزَلَت في ابن أمِّ مكتوم ، وكان ضريراً . . أتى النبيَّ A وكان عنده العباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف الجُمْحي - يرجو الرسول A إيمانَهما ، فَكَرِه أَنْ يَقْطَعَ حديثَه معهما ، فأعرض عن ابن أمِّ مكتوم ، وعَبَسَ وَجْهُه ، فأنزل اللَّهُ هذه الآية .\rوجاء في التفسير : أن النبيَّ A خرج على أثرِه ، وأَمَرَ بطلبِه ، وكان بعد ذلك يَبَرُّه ويُكْرِمُه ، فاستخلفه على المدينة مرتين .\rوجاء في التفسير : أنه A لم يَعْبَسْ - بعد هذا - في وجهِ فقيرٍ قط ، ولم يُعْرِضْ عنه .\rويقال : في الخطاب لُطْفٌ . . . وهو أنه لم يواجهه بل قالَه على الكناية .","part":8,"page":37},{"id":3538,"text":"{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى } .\rأي يتذكر بما يتعلم منك أو .\r{ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى } .\rقوله جلّ ذكره : { أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى } .\rأمَّا مَنْ استغنى عن نَفْسِه فإنه استغنى عن الله .\rويقال : استغنى بما له فأنت له تصدَّى ، أي تُقْبِلُ عليه بوجهك .\r{ وَمَا عَلَيْكَ } فأنت لا تُؤَخَذُ بألا يتزكّى هو فإنما عليكَ البلاغ .\r{ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى } .\rلطَلَبِ العِلْم ، ويخشى الله فأنت عنه تَتَلَهَّى ، وتتشاغل . . . وهذا كله مِنْ قبيلِ العتاب معه لأَجْلِ الفقراء .","part":8,"page":38},{"id":3539,"text":"{ كَلآَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } .\rالقرآن تذكرة؛ فَمَنْ شاء الله أن يَذْكُرَه ذَكُرَه ، ومَنْ شاء الله ألا يَذْكُرَه لم يُذَكِّرْه؛ أي بذلك جرى القضاءُ ، فلا يكون إلا ما شاء اللَّهُ .\rويقال : الكلامُ على جهة التهديد؛ ومعناه : فَمَنْ أراد أن يذكره فليذكره ، ومن شاء ألا يذكره فلا يذكره! كقوله : { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 29 ] .\rوقال سبحانه : { ذَكَرَهُ } ولم يقل « ذَكَرَها » لأنه أراد به القرآن .\rقوله جل ذكره : { فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ } .\rأي صحف إبراهيم وموسى وما قبل ذلك ، وفي اللوح المحفوظ .\r{ مَّرْفُعَةٍ مُّطَهَّرَةِ } .\rمرفوعة في القَدْر والرتبة ، مطهرة من التناقض والكذب .\r{ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ } .\rأي : الملائكة الكَتَبة .","part":8,"page":39},{"id":3540,"text":"{ كِرَامِ بَرَرَةٍ } .\rكرام عند الله بَرَرَة .\rقوله جلّ ذكره : { قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ } .\rلُعِنَ الإنسان ما أعظم كُفْره! . .\r{ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } .\rخَلَقَه وصَوَّرَه وقَدَّره أطواراً : من نطفةٍ ، ثم عَلَقَةٍ ، ثم طوراً بعد طور .\rقوله جلّ ذكره : { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } .\rيَسَّّرَ عليه السبيلَ في الخير والشرِّ ، وألهمه كيف التصرُّف .\rويقال : يَسَّرَ عليه الخروجَ من بطن أُمِّه يخرج أولاً رأسه منكوساً .\r{ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } .\rأي : جعل له قَبْراً لئلا تفترِسَه السِّباعُ والطيورُ ولئلا يفتضح .\r{ ثُمَّ إذَا شَآءَ أَنشَرَهُ } .\rبَعَثَه من قبره .\r{ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ } .\rأي : عصى وخالَفَ ما أُمِرَ به .\rويقال : لم يقضِ الله له ما أمره به ، ولو قضى عليه وله ما أمره به لَمَا عصاه .\rقوله جلّ ذكره : { فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتّنَا فِيهَا حَبّاً وعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْبَاً } .\rفي الإشارة : صَبَبْنا ماءَ الرحمةِ على القلوب القاسية فَلانَتْ للتوبة ، وصببنا ماءَ التعريف على القلوب فنبتت أزهارُ التوحيد وأنوارُ التجريد .\r{ وَقَضْباً } أي القَتّ .\r{ َوَحَدَآئِقَ غُلْباً } متكاثفةً غلاظاً .\r{ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً } .\rالفاكهة : جمع الفواكه ، و { وَأَبّاً } : المرعى .\r{ مَّتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ . . . } .\r{ فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ } أي : القيامة؛ فيومئذٍ يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، ثم بيَّن ما سبب ذلك فقال .","part":8,"page":40},{"id":3541,"text":"{ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } .\rلا يتفرَّغ إلى ذاك ، ولا ذاك إلى هذه . كذلك قالوا : الاستقامةُ أَنْ تشهدَ الوقتَ قيامةً ، فما من وليٍّ ولا عارفٍ إلاَّ وهو - اليومَ - بقلبه يَفِرُّ من أخيه وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه .\rفالعارفُ مع الخَلْق ولكنه يُفَارقهم بقلبه - قالوا :\rفلقد جعلتك في الفؤادِ مُحَدِّثي ... وأَبَحْتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي\rقوله جلّ ذكره : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } .\rوسببُ استبشارهم مختلفٌ؛ فمنهم مَنْ استبشاره لوصوله إلى جنَّته ، ومنهم لوصوله إلى الحور العين من حظيته . . . ومنهم ومنهم ، وبعضهم لأنه نظر إِلى ربِّه فرآه .\r{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرةُ } .\rوهي غَبَرةُ الفُسَّاق . { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } . وهي ذُلُّ الحجاب .","part":8,"page":41},{"id":3542,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } .\rذَهَبَ ضَوْؤُها .\r{ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ } .\rتناثرت وسقطت عَلَى الأرض .\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ } .\rأُزِيلَتْ عنها مناكبُها .\r{ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ } .\rوهي النُّوق الحواملُ التي أتى حَمْلُها عَشْرَةَ أشهر . . . أهملت في ذلك اليوم لشدة أهواله ، ( واشتغال الناس بأنفسهم عنها ) .\r{ وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ } .\rأُحْيِيَتْ ، وجُمِعَتْ في القيامة لِيُقْتَصَّ لبعضها من بعض؛ فيقتصّ للجّماء من القَرْناء - وهذا على جهة ضَرْبِ المثل؛ إذ لا تكليف عليها .\rولا يبعد أن يكون بإيصال منافع إلى ما وصل إليه ألالم - اليومَ- على العِوَضِ . . جوازاً لا وجوباً على ما قالَه أهلُ البِدَع .\r{ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } .\rأُوقدت - مِنْ سَجَرْتُ التنور أُسْجُرُه سَجْراً ، أي : أَحْمَيْتُه .\r{ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } .\rبالأزواج .","part":8,"page":42},{"id":3543,"text":"{ وَإِذَا المَوْءُدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ } .\rنُشِرَتْ ، أي : بُسِطَت .\r{ وَإِذَا السَّمَآءُ كُشِطَت } .\rأي : نُزِعَتْ وطُوِيَتْ .\r{ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ } .\rأُوقِدَت .\r{ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } .\rأي : قُرِّبَتْ من المتقين .\rقوله جلّ ذكره : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ } .\rهو جوابٌ لهذاه الأشياء ، وهذه الأشياء تحصل عند قيام القيامة .\rوفي قيام هذه الطائفة ( يقصد الصوفية ) عند استيلاء هذه الأحوال عليهم ، وتجلِّي هذه المعاني لقلوبهم توجد هذه الأشياء .\rفمن اختلاف أحوالهم : أنَّ لشموسهم في بعض الأحيان كسوفاً وذلك عندما يُرَدُّون .\rونجومُ علومِهم قد تنكدر لاستيلاء الهوى على المريدين في بعض الأحوال ، فعند ذلك { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ } .\rقوله جلّ ذكره : { فَلآَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجِوَارِ الْكُنَّسِ } .\rأي : أُقْسِمُ ، والخُنَّس والكُنَّس هي النجوم إذا غربت .\rويقال : البقر الوحشي .\rقوله جلّ ذكره : { وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } .\rعسعس . أي جاءَ وأقبل . { نَفْسٌ } : خرج من جوف الليلِ .\rأقسم بهذه الأشياء ، وجواب القسم :\r{ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } .\rإن هذا القرآنَ لقولُ رسولٍ كريمٍ ، يعني به جبريل عليه السلام .\r{ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ } .\r{ مَكِينٍ } من المكانة ، وقد بلغ من قوته أنه قلع قرية آلِ لوطٍ وقلَبَها .","part":8,"page":43},{"id":3544,"text":"{ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ } .\rوهذا أيضاً من جواب القَسَم .\r{ وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ } .\rرأى محمدٌ جبريلَ عليه السلام بالأفق المبين ليلةَ المعراج .\rويقال : رأى ربَّه وكان A بالأفق المبين .\r{ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ } .\rبمُتَّهَمٍ .","part":8,"page":44},{"id":3545,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } .\rإلى متى تتطوحون في أودية الظنون والحسبان؟\rوإلى أين تذهبون عن شهود مواضع الحقيقة؟\rوهلاَّ رجعتم إلى مولاكم فيما سَرَّكم أو أساءَكم؟\r{ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ } .\rما هذا القرآن إِلاَّ ذكرى { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ } . . . وقد مضى القولُ في الاستقامة .\r{ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } .\rأَنْ يشاؤوا .","part":8,"page":45},{"id":3546,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ } .\rأي : انشقت .\r{ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ } .\rتساقطت وتهافتت .\r{ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ } .\rأي : فُتِحَ بعضها على بعض .\r{ وَإِذَا الْقبُورُ بُعْثِرَتْ } .\rأي : قُلِبَ ترابُها ، وبُعِثَ الموتى الذين فيها ، وأُخْرِجَ ما فيها من كنوزٍ وموتى .\r{ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } .\rجوابٌ لهذه الأمور؛ أي إذا كانت هذه الأشياء : عَلِمَتْ كلُّ نَفْس ما قدَّمت من خيرها وشَرَّها .\rقوله جلّ ذكره : { يَأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } .\rأي : ما خَدعَكَ وما سَوَّل لَكَ حتى عَمِلْتَ بمعاصيه؟\rويقال : سَأَلَه وكأنما في نَفْسِ السؤال لقَّنَه الجوابَ يقول : غَرَّني كَرَمُكَ بي ، ولولا كََرَمُكَ لَمَا فَعَلْتُ؛ لأنَّك رأيت فَسَتَرْتَ ، وقدّرْتَ فَأمْهَلْتَ .\rويقال : إن المؤمِنَ وثِقَ بِحُسْنِ إفضالِه فاغتَّر بطولِ إمهالهِ فلم يرتكبْ الزلَّة لاستحاله ، ولكنَّ طولَ حِلمه عنه حَمَله على سوء خصالِه ، وكما قلت :\rيقول مولاي : أمَا تستحي ... مما أرى من سوء أفعالِكَ\rقلت : يا مولاي رفقاً فقد ... جَرَّأني كثرةُ أفضالِك\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِى أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ } .\rأي : ركَّبَ أعضاءَك على الوجوه الحكميَّة { فِى أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ } ، من الحُسْنِ والقُبْح ، والطولِ والقِصَر . ويصح أن تكون الصورة هنا بمعنى الصِّفة ، و « في » بمعنى « على »؛ فيكون معناه : على أي صفة شاء ركَّبَكَ؛ من السعادة أو الشقاوة ، والإيمان أو المعصية . . .","part":8,"page":46},{"id":3547,"text":"قوله جلّ ذكره : { كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالِّديِنِ } .\rأي : القيامة .\r{ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } .\rهم الملائكة الذين يكتبون الأعمال . وقد خوَّفهم برؤية الملائكة وكتابتهم الأعمال لتقاصر حشمتهم من اطّلاع الحق ولو علموا ذلك حقَّ العلم لكانَ توقيِّهم عن المخالفاتِ لرؤيته - سبحانه ، واستحياؤهم من اطلاّعه - أتَمَّ من رُؤية الملائكة .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } .\r{ الأَبْرَارَ } : هم المؤمنون؛ اليومَ في نعمة العصمة ، وغداً هم في الكرامة والنعمة { الْفُجَّارَ } : اليومَ في جهنم باستحقاق اللعنة والإصرار على الشِّرْكِ الموجِبِ للفُرقة ، وغداً في النار على وجه التخليد والتأييد .\rويقال : { إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ } . في رَوْحِ الذَّكْر ، وفي الأُنْسِ . في أوان خَلْوَتهم .\r{ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } . في ضيق قلوبهم وتَسَخُّطِهم على التقدير ، وفي ظُلُمات تدبيرهم ، وضيق اختيارهم .\r{ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ } .\r{ يَصْلَوْنَهَا } أي النار . { يَوْمَ الدِّينِ } . يوم القيامة .\r{ وَمَا هُمْ عَنْهَا } عن النار . { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } قالها على جهة التهويل .","part":8,"page":47},{"id":3548,"text":"الأمر لله يومئذٍ ، ولله من قبله ومن بعده ، ولكن { يَوْمَئِذٍ } تنقطع الدعاوَى ، إذ يتضح الأمرُ وتصير المعارفُ ضرورية .","part":8,"page":48},{"id":3549,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ }\r{ وَيْلٌ } : الويلُ كلمةٌ تُذْكَر عند وقوع البلاء ، فيقال : ويلٌ لك ، وويلٌ عليك! و « المطفّف » ، الذي يُنْقِصُ الكيْلَ والوزنَ ، وأراد بهذا الذين يعامِلون الناس فإذا أخذوا لأنفسهم استوفوا ، وإذا دفعوا إِلى من يعاملهم نقصوا ، ويتجلَّى ذلك في : الوزن والكيْلِ ، وفي إظهار العيب ، وفي القضاء والأداء والاقتضاءْ؛ فَمَنْ لم يَرْضَ لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه فيس بمنصف . وأمَّا الصِّدِّيقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين فإنهم ينظرون لكلِّ مَنْ لهم معهم معاملة - والصدقُ عزيزٌ ، وكذلك أحوالهم في الصُّحْبَةِ والمعاشرة . . . فالذي يرى عَيْبَ الناسِ ولا يرى عيبَ نَفْسِه فهو من هذه الجملة - جملة المطففين - كما قيل :\rوتُبْصِرُ في العينِ منِّي القَذَى ... وفي عينِكَ الجذْعَ لا تُبْصِرُ\rومَنْ اقتضى حقَّ نَفْسه - دون أن يَقْضِيَ حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه - فهو من جملة المطففين .\rوالفتى مَنْ يقضي حقوق الناس ولا يقتضي من أحدٍ لنفسه حقّاً .\rقوله جلّ ذكره : { أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rأي : ألا يستيقن هؤلاء أنهم مُحَاسَبون غداً ، وأنهم مُطَالَبون بحقوق الناس؟ .\rويقال : مَنْ لم يَذْكُرْ - في حال معاملةِ الناسِ - معاينة القيامة ومحاسبتها فهو في خسرانٍ في معاملته .\rويقال : مَنْ كان صاحبَ مراقبة لله ربِّ العالَمين استشعر الهيبةَ في عاجِلِهِ ، كما يكون حالُ الناسِ في المحشر؛ لأنَّ اطلاعَ الحقِّ اليومَ كاطلاعه غداً .","part":8,"page":49},{"id":3550,"text":"قوله جلّ ذكره : { كَلآَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ وَمَآ أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ؟ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } .\r{ سِجِّينٍ } قيل : هي الأرض السابعة ، وهي الأرض السفلى ، يُوضَع كتابُ أعمالِ الكفار هنالك إِذلالاً لهم وإهانة ، ثم تُحْمَلُ أرواحُهم إلى ما هنالك .\rويقال : « السِّجين » جُبٌّ في جهنم . وقيل : صخرةٌ في الأرض السفلى ، وفي اللغة السِّجين : فعيلٌ من السجن .\r{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ } . استفهامٌ على جهة التهويل .\r{ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } . أي مكتوب؛ كَتَبَ اللَّهُ فيه ما هم عاملون ، وما هم إليه صائرون . وإنما المكتوبُ على بني آدم في الخير والشر ، والشقاوة والسعادة فهو على ما تعلَّق به علمه وإرادته ، وإنما أخبر على الوجه الذي علم أن يكون أو لا يكون ، وكما علم أنه يكون أو لا يكون أراد أن يكون أو لا يكون . ثم إنه سبحانه لم يُطْلِعْ أحداً على أسرار خَلْقِه إلاَّ مَنْ شاءَ من المقربين بالقَدْرِ الذي أراده؛ فإنه يُجرِي عليهم في دائم أوقاتهم ما سَبَقَ لهم به التقدير .\rثم قال : { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } .\rويلٌ للذين لا يُصَدِّقون بيوم الدين ، وما يُكذِّبُ به إلا كل مُجَاوِزٍ للحَدِّ الذي وُضِعَ له؛ إذا يُتْلَى عليه القرآن كَفَرَ به .","part":8,"page":50},{"id":3551,"text":"أي : غَطَّى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي . . . وكما أنهم - اليومَ - ممنوعون عن معرفته فهم غداً ممنوعون عن رؤيته . ودليلُ الخطابِ يوجِبُ أن يكونَ المؤمنون يََرَوْنَه غداً كما يعرفونه اليوم .","part":8,"page":51},{"id":3552,"text":"{ عِلِّيِّينَ } أعلى الأمكنة ، تحمل إليه أرواح الأبرار تشريفاً لهم وإجلالاً .\rويقال : إنها سِدْرة المنتهى . ويقال : فوق السماء السابعة . كتابٌ مرقوم فيه أعمالهم مكتوبة يشهده المقربون من الملائكة .","part":8,"page":52},{"id":3553,"text":"{ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفى نَعِيمٍ } .\rاليومَ وغداً : اليومَ في رَوْحٍ العرفان ، وراحةِ الطاعة والإحسان ، ونعمةِ الرضا وأُنْسِ القُربة وبَسْطِ الوصلة . وغداً - في الجنة وما وُعِدوا به من فنون الزلفة والقربة .\rقوله جلّ ذكره : { عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ } .\rأثْبَتَ النظرَ ولم يُبَيَّنْ المنظور إليه لاختلافهم في أحوالهم؛ فمنهم من ينظر إلى قُصُوره . ومنهم من ينظر إلى حُرِه ، ومنهم ومنهم . . . ومنهم الخواصُّ فهم على دوامِ الأوقات إلى الله - سبحانه - يَنْظُرون .\rقوله جلّ ذكره : { تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } .\rمَنْ نظر إليهم عَلِمَ أنَّ أثََرَ نَظَرِه إلى مولاه ما يلوح على وجه من النعيم؛ فأحوال المحبِّ شهودٌ عليه أبداً . فإنْ كان الوقتُ وقتَ وصالٍ فاختيالُه ودلالُه ، وسرورُه وحبورُه ، ونشاطُه ونبساطُه . وإِنْ كان الوقتُ وقتَ غيبةٍ وفراق فالشهودُ عليه نحولُه وذبولُه ، وحنينُه ، ودموعُه وهجوعُه . . . وفي معناه قلت :\rيا مَنْ تَغَيُّرُ صورتي لَمَّا بدا ... - لجميع ما ظنوا بنا - تحقيقُ\rوقلت :\rولمَّا أتَى الواشين أنِّي زُرْتُها ... جَحَدُتُ حذاراً أنْ تَشِيعَ السرائرُ\rفقالوا : نرى في وجهِك اليومَ نضرةً ... كَسَتْ مُحيَّاك . . وهاذاك ظاهِرُ!\rوبُرْدُكَ لا ذاك الذي كان قبلَه ... به طِيبُ نَشْرٍ لم تُشِعْهُ المجامِرُ\rفما كان منِّي من بيانٍ أُقيمه ... وهيهات أن يخفي مُريبٌ مساتِرُ!\rقوله جلّ ذكره : { يُسْقُوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } . { مَّخْتُومٍ } أي رحيقٌ لا غِشَّ فيه .\rويقال : عتيقٌ طَيِّبٌ .\rويقال : إنهم يشربون شراباً آخره مِسْكٌ .\rويقال : بل هو مختومٌ قبل حضورهم .\rويقال : { خِتَامُهُ مِسْكٌ } . ممنوعٌ من كلِّ أحدٍ ، مُعَدٌّ مُدَّخَرٌ لكلِّ أحدٍ باسمه .\r{ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } . وتنافُسُهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة ، والسباقُ إلى القُرْب ، وتعليقُ القلبِ بالله ، والانسلاخُ عن الاخلاقِ الدَّنِيَّة ، وجَوَلاَنُ الهِمَمِ في الملكوت ، واستدامةُ المناجاة .\rقوله جلّ ذكره : { وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } .\r{ تَسْنِيمٍ } : أي : عينٌ تسَنَّمُ عليهم من عُلُوٍّ .\rوقيل : ميزابٌ يَنْصَبُّ عليهم من فوقهم .\rويقال : سُمِّي تسنيماً؛ لأن ماءَه يجري في الهواء مُتَسَنِّماً فينصبُّ في أواني أهل الجنة؛ فمنهم مَنْ يُسْقَى مَزْجاً ، ومنهم مَنْ يُسْقى صِرْفاً . . . الأولياء يُسْقَون مزجاً ، والخواصُ يُسْقَون صِرْفاً .","part":8,"page":53},{"id":3554,"text":"كانوا يضحكون استهزاءً بهم { فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } ! .","part":8,"page":54},{"id":3555,"text":"{ هل . . . } استفهام يراد منه التقرير .\rويقال : إذا رأوا أهلَ النارَ يُعذَّبون لا تأخذهم بهم رأْفة ، ولا تَرِقُّ لهم قلوبُهم ، بل يضحكون ويستهزئون ويُعَيِّرونهم .","part":8,"page":55},{"id":3556,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ } .\r{ انشَقَتْ } : انصدعت .\r{ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } .\rأي قابَلَتْ أمرَ ربِّها بالسمع والطاعة . . . وحقَّ لها أن تفعل ذلك .\r{ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ } .\rبُسِطَت بانكدار آكامها وجبالِها حتى صارت ملساء ، وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلَّت عنها . . . وقابلت أمر ربها بالسمع والطاعة .\rوجواب هذه الأشياء في قوله : { فَمُلاَقِيهِ } أي يَلْقَى الإنسانُ ما يستحقه على أعماله .","part":8,"page":56},{"id":3557,"text":"قوله جلّ ذكره : { ياأيها الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ } .\r{ ياأيها الإِنسَانُ } : يأيها المُكلَّفُ . . . إنَّك ساعٍ بما لَكَ سَعْياً ستلقى جزاءَه؛ بالخير خيراً وبالشَّرِّ شَرّاً .\r{ فَأَمَّا مَنْ أُتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } .\rوهو المؤمن المحسن .\r{ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } .\rأي حساباً لا مَشقَّة فيه . ويقال : { حِسَاباً يَسِيراً } أي يُسْمِعُه كلامَه - سبحانه - بلا واسطة ، فيُخَفِّفُ سماعُ خطابِه ما في الحساب من عناءٍ .\rويقال : { حِسَاباً يَسِيراً } : لا يُذَكِّرُه ذنوبَه . ويقال : ألم أفعل كذا؟ وألم أفعل كذا؟ يعُدُّ عليه إحسانَه . . . ولا يقول : ألم تفعل كذا؟ لا يُذكِّرُه عصيانَه .","part":8,"page":57},{"id":3558,"text":"{ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً } .\rأي بالنجاة والدرجات ، وما وَجَدَ من المناجاة ، وقبول الطاعات ، وغفران الزَّلاّت .\rويقال : بأن يُشفِّعَه فيمن يتعلَّق به قلبُه . ويقال : بألا يفضحه .\rويقال : بأن يَلْقى ربَّه ويُكَلِّمَه قبل أَنْ يُدْخِلَه الجنة فيَلْقى حَظِيَّتَه من الحورِ العين .\rقوله جلّ ذكره { وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ } .\rوهو الكافر .\r{ فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً } .\rأي وَيْلاً .\r{ وَيَصْلَى سَعِيراً } .\rجهنم .\r{ إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً } .\rمن البَطَرِ والمدح .\r{ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } .\rأنه لن يرجعَ إلينا ، ولن يُبْعَثَ .","part":8,"page":58},{"id":3559,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَلآَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ } .\rبالحُمْرَةِ التي تعقب غروبَ الشمس .\r{ وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } .\rوما جَمَعَ وضمَّ .\r{ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ } .\rتَمَّ واستوى واجتمع .\rويقال : الشَّفَقُ حين غربت شمسُ وصالهم ، وأُذيقوا الفراقَ في بعض أحوالهم ، وذلك زمانُ قبضٍ بعد بَسْطٍ ، وأوانُ فَرْقٍ عُقَيْبَ جَمْعٍ . { وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } : ليالي غيبتهم وهم بوصف الاستياقِ؛ أو ليالي وصالهم وهم في روح التلاقي ، أو ليالي طَلَبِهم وهم بنعتِ القَلَبِ والاحتراقِ .\r{ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ } : إذا ظَهَرَ سلطانُ العرفان على القلوب فلا بَخْسَ ولا نُقْصان .","part":8,"page":59},{"id":3560,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ } .\rأي حالاً بعد حال . وقيل : من أطباق السماء . ويقال : شِدَّةً بعد شدَّة .\rويقال : تاراتُ الإنسانِ طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً .\rويقال : طالباً ثم واصلاً ثم مُتَّصِلاً .\rويقال : حالاً بعد حالٍ ، من الفقر والغِنَى ، والصحة والسَقّم .\rويقال : حالاً بعد حالٍ في الآخرة .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .\rأي فما الكُّفَّارِ أُمَّتِكَ لا يُصَدِّقون . . . وقد ظهرت البراهين؟\r{ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لاَ يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } .\r{ يُوعُونَ } أي تنطوي عليه قلوبُهم - من أَوْعَيْتُ المتاعَ في الظَّرْفِ أي جعلته فيه .\r{ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لُهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونِ } .\r{ إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } فإنهم ليسوا منهم ، ولهم أجرٌ غيرُ مقطوع .","part":8,"page":60},{"id":3561,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالسَّمَآءِ ذَاتِ البُرُوجِ } .\rأراد البروج الاثني عشر .\r{ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ } .\rيوم القيامة .\rوجوابُ القَسَم قوله : { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } .\rقوله جلّ ذكره : { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } .\rيقال : الشاهدُ اللَّهُ ، والمشهودُ الخَلْقُ .\rويقال : الشاهدُ الخَلْقُ ، والمشهودُ اللَّهُ؛ يشهدونه اليومَ بقلوبهم ، وغداً بأبصارهم .\rويقال : الشاهدُ محمدٌ A ، والمشهودُ القيامة ، قال تعالى : { وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلآَءِ شَهِيداً } [ النساء : 41 ] ، وقال في القيامة : { ذلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } [ هود : 103 ] .\rوقيل : الشاهد يومُ الجمعة ، والمشهود يومُ عَرَفة .\rويقال : الشاهدُ المَلَكُ الذي يكتب العمل ، والشاهدُ الإنسانُ يشهد على نفسه ، وأعضاؤه تشهد عليه؛ فهو شاهد وهو مشهود .\rويقال : الشاهدُ يومُ القيامة ، والمشهودُ الناس .\rويقال : المشهودُ هم الأمة لأنه A يشهد لهم وعليهم .\rويقال : الشاهدُ هذه الأمة ، والمشهودُ سائر الامم .\rويقال : الشاهدُ الحجرُ الأسود لأنَّ فيه كتابَ العهد .\rويقال : الشاهدُ جميعُ الخَلْق؛ يشهدون لله بالوحدانية ، والمشهود الله .\rويقال : الشاهدُ الله؛ شهد لنفسه بالوحدانية ، والمشهودُ هو لأنه شهد لنفسه .","part":8,"page":61},{"id":3562,"text":"أي لُعِنوا . والأخدودُ : الحُفْرةُ في الأرض إِذا كانت مستطيلةً ، وقصتهم في التفسير معلومة و « الوقود » الحطب .\rوهم أقوامٌ كتموا إيمانَهم فلمَّا عَلِمَ مَلِكُهم بذلك أضرم عليهم ناراً عظيمة ، وألقاهم فيها . وآخِرُ مَنْ دَخَلَها امرأةٌ كان معها رضيعٌ ، وهَمَّت أن ترجع ، فقال لها الولد : قِفي واصبري . . . فأنت على الحقِّ .\rوألقوها في النار ، واقتحمتها ، وبينا كان أصحابُ الملك قعوداً حوله يشهدون ما يحدث ارتفعت النارُ من الأخدود وأحرقتهم جميعاً ، ونجا من كان في النار من المؤمنين وسَلِموا .","part":8,"page":62},{"id":3563,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلآَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } .\rما غَضبوا منهم إلاَّ لإيمانهم .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } .\rأي أحرقوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا عن كفرهم { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } : نوعٌ من العذاب ، { وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } : نوع آخر .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } .\r{ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } : النجاة العظيمة .","part":8,"page":63},{"id":3564,"text":"{ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } .\rالبطشُ الأخذ بالشدة .\r{ إِنَّهُ هُوَ يُبِدِئُ وَيُعِيدُ } .\rيُبدئُ الخَلْق ثم يُعيدُهم بعد البعث .\rويقال : يبدئ بالعذاب ثم يُعيد ، وبالثواب ثم يُعيد .\rويقال : يبدئ على حُكْم العداوة والشقاوة ثم يعيد عليه ، ويبدئ على الضعف ويعيدهم إلى الضعف .\rويقال : يبدي الأحوال السَّنيَّة فإِذا وقعت حجبة يعيد ثانية .\rويقال : يبدي بالخذلان أموراً قبيحة ثم يتوب عليه ، فإذا نَقَضَ توبتَه فلأَنه أعاد له من مقتضى الخذلان ما أجراه في أول حاله .\rويقال : يبدي لطائفَ تعريفه ثم يعيد لتبقى تلك الأنوار أبداً لائحةً ، فلا يزال يبدي ويعيد إلى آخر العمر .\rقوله جلّ ذكره : { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ } .\r« الغفور » كثيرُ المغفرة ، « الودود » مبالغة من الوَادِّ ، ويكون بمعنى المودود؛ فهو يغفر له كثيراً لأنه يَوَدُّهم ، ويغفرُ لهم كثيراُ لأنهم يودُّنه .\rقوله جلّ ذكره : { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } .\rذو المُلْكِ الرفيع ، والمَجْد الشريف .\r{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } .\rلأنه مالِكٌ على الإطلاق؛ فلا حَجْر عليه ولا حَظْرَ .\rقوله جلّ ذكره : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ } .\rالجموع من الكفار .\r{ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } .\rوقد تقدم ذكر شأنهما .\r{ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى تَكْذِيبٍ } .\r{ الَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني مُشْرِكي مكة؛ { فِى تَكْذِيبٍ } للبعث والنشر .\r{ وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُ } .\rعالمٌ بهم .","part":8,"page":64},{"id":3565,"text":"{ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظِ } مكتوبٍ فيه . وجاء في التفسير : أنَّ اللوحَ المحفوظ خُلِقَ من دُرَّةٍ بيضاء ، دِفَّتَاه من ياقوته حمراء عَرْضُها بين السماء والأَرض ، وأعلاه متعلِّقٌ بالعرش ، وأسفله في حِجْرِ مَلَكٍ كريم .\rوالقرآن كما هو محفوظ في اللوح كذلك محفوظ في قلوب المؤمنين ، قال تعالى : { بَلْ هُوَ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ } [ العنكبوت : 49 ] فهو في اللوح مكتوبٌ ، وفي القلوبِ محفوظٌ .","part":8,"page":65},{"id":3566,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ } .\rأقسم بالسماءِ ، وبالنجمِ الذي يَطْرُق ليلاً .\r{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ } .\rاستفهامٌ يراد منه تفخيم شأن هذا النجم .\r{ النَّجْمُ الثَّاقِبُ } .\rالمضيءُ العالي . وقيل : الذي ترمى به الشياطين .\rويقال : هي نجوم المعرفة التي تدل على التوحيد يستضيءُ بنورها ويهتدي بها أولو البصائر .\r{ إِن كُلُّ نَفْسِ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } .\rما مِنْ نَفْسٍ إلا عليها حافِظٌ من الملائكة ، يحفظ عملَه ورزقَه وأجلَه ، ويحمله على دوامِ التيقُّظ وجميلِ التحفُّظ .\rقوله جلّ ذكره : { فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ } .\rيخرج من صُلْبِ الأب ، وتربيةِ الأم .\rوهو بذلك يحثُّه على النَّظَرِ والاستدلال حتى يعرف كمال قدرته وعلمه وإرادته- سبحانه .\r{ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } .\rإنه على بَعْثِه ، وخَلْقِه مرةً أخرى لقادِرٌ؛ لأنه قادر على الكمال - والقدرةُ على الشيءِ تقتضي القدرةَ على مِثْلِه ، والإعادة في معنى الابتداء .","part":8,"page":66},{"id":3567,"text":"{ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ } .\rيوم تُمْتَحنُ الضمائر .\r{ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ } .\rأي ما لهذا الإنسان - يومئذٍ - من مُعينٍ يدفع عنه حُكْمَ الله .\r{ وَالسَّمآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } .\rأي المطر .\r{ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } .\r« الصدع » : الانشقاقُ بالنباتِ للزرع والشجر .\r{ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } .\rأي : إن القرآن لقولٌ جَزْمٌ .\r{ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } .\rالهزل ضد الجِدّ ، فليس القرآنُ بباطلٍ ولا لَعِب .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً } .\rأي يحتالون حيلةً .\r{ وَأَكِيدُ كَيْداً } .\rهم يحتالون حيلةً ، ونحن نُحْكِمُ فِعْلاً ونُبْرِمُ خَلْقاً ، ونجازيهم على كيدهم ، بما نعاملهم به من الاستدراج والإمهال .\r{ فَمِهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدَا } .\rأي أَنظِرهم ، وأمهِلهم قليلاً ، وأرْوِدْهم رويداً .","part":8,"page":67},{"id":3568,"text":"قوله جلّ ذكره : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } .\rأي سَبِّحْ ربَّك بمعرفة أسمائه ، واسبح بسِرِّك في بحار علائه ، واستخرِجْ من جواهر عُلوِّه وسنائه ما ترصِّعُ به عِقْدَ مَدْحِه وثنائه .\r{ الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى } .\rخَلق كلَّ ذي روح فسوَّى أجزاءَه ، ورَكَّبَ أعضاءَه على ما خَصّه به من النظم العجيب والتركيب البديع .\r{ وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى } .\rأي قدَّر ما خَلَقَه ، فجَعَلَه على مقدار ما أراده ، وهدى كلَّ حيوانٍ إلى ما فيه رشده من المنافع ، فيأخذ ما يُصْلِحه ويترك ما يضره - بحُكم الإلهام .\rويقال : هَدَى قلوبَ الغافلين إلى طلب الدنيا فعمروها ، وهدى قلوبَ العابدين إلى طلب العقبى فآثروها ، وهدى قلوبَ الزاهدين إلى فناء الدنيا فرفضوها ، وهدى قلوبَ العلماءِ إلى النظر في آياته والاستدلال بمصنوعاته فعرفوا تلك الآيات ولازموها .\rوهدى قلوبَ المريدين إلى عِزِّ وَصْفِه فآثروه ، واستفرغوا جُهْدَهم فطلبوه ، وهدى العارفين إلى قُدْس نعتِه فراقبوه ثم شاهدوه ، وهدى الموحِّدين إلى علاء سلطانه في تحد كبريائه فتركوا ما سواه وهجروه ، وخرجوا عن كلِّ مألوفٍ لهم ومعهود حتى قصدوه . فلمّا ارتقوا عن حدِّ البرهان ثم عن حدِّ البيان ثم عمَّا كالعيان عَلِموا أنَّه عزيزٌ ، وأنَّه وراءَ كلِّ فَصْلٍ ووَصْلٍ ، فرجعوا إلى مواطنِ العَجْزِ فتوسَّدوه .\r{ وَالَّّذِى أَخْرَجَ الْمَرْعَى } .\rأي النبات .\r{ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى } .\rجعله هشيماً كالغثاء ، وهو الذي يقذفه السيل . و « أحوى » أسود .","part":8,"page":68},{"id":3569,"text":"{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى } .\rسنجمع القرآن في قلبك - يا محمد - حِفْظاً حتى لا تنسى لأنا نحفظه عليك .\r{ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى } .\rمما لا يدخل تحت التكليف فتنساه قبل التبليغ ولم يجب عليه أداؤه .\rوهو - سبحانه - يعلم السِّرَّ والعَلَن .","part":8,"page":69},{"id":3570,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى } .\rوالذِّكرى تنفع لا محالة ، ولكنْ لِمَنْ وَفَّقَه اللَّهُ للإتعاظِ بها ، أمَّا مَنْ كان المعلومُ من حاله الكفرَ والإعراضَ فهو كما قيل :\rوما انتافعُ أخي الدنيا بِمُقْلَتهِ ... إذا استوَتْ عنده الأنوارُ والظُّلَمُ\r{ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى } .\rالذي يخشى الله ويخشى عقوبته .\r{ وَيَتَجَنًَّبُهَا الأَشْقَى الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى } .\rأي يتجنَّبُ الذَّكْرَ الأشَقى الذي يَصْلَى النارَ الكبرى ، ثم لا يموت فيها موتاً يريحه ، ولا يحيا حياةً تَلَذُّ له .\rقوله جلّ ذكره : { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى } .\rمَنْ تَطَهَّرَ من الذنوبِ والعيوبِ ، ومشاهدة الخَلْقِ وأدَّى الزكاة - وَجَدَ النجاة ، والظَّفَرَ بالْبُغْيَة ، والفَوزَ بالطِّلبة .\r{ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } .\rذَكَرَ اسمَ ربِّه في صلاته . ويقال : ذَكَره بالوحدانية وصَلَّى له .\r{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } .\rتميلون إليها؛ فتُقَدِّمون حظوظكم منها على حقوق الله تعالى .\r{ وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى } .\rوالآخرة للمؤمنين خيرٌ وأبقَى - من الدنيا - لطُلاّبها .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } .\rإن هذا الوعظَ لفي الصحف المتقدمة ، وكذلك في صحف إبراهيم وموسى وغيرهما؛ لأنَّ التوحيدَ ، والوعدَ والوعيدَ . . . لا تختلف باختلاف الشرائع .","part":8,"page":70},{"id":3571,"text":"قوله جلّ ذكره : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيِثُ الغَاشِيَةِ } .\r« الغاشية » المُجَلَّلَةُ ، يريد بها القيامة تَغْشَى الخَلْقَ ، تَغْشَى وجوهَ الكفَّار { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلى نَاراً حَامِيةً } .\rوجوهٌ - إذا جاءت القيامة - خاشعة أي ذليلة . عاملة ناصبة : النَّصَب التعب .\rجاء في التفسير : أنهم يُجَرُّون على وجوههم .\r{ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً } تلزم ناراً شديدة الحرِّ .\rويقال : « عاملة » في الدنيا بالمعاصي ، « ناصبة » في الآخرة بالعذاب .\rويقال : « ناصبة » في الدنيا « عاملة » لكن من غير إخلاص كعمل الرهبان ، وفي معناه عملُ أهل النفاق .\r{ تُسْقَى مِنْ عِيْنٍ ءَانِيَةً } .\rتناهى حَرُّها .\r{ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } .\rنَبْتٌ ينمو بالحجاز له شَوْكٌ ، وهو سمٌّ لا تأكله الدواب ، فإذا أكلوا ذلك في النار يُغَصُّون ، فَيُسْقَوْنَ الزقُّوم .\rوإن اتصافَ الأبدانِ - اليومَ - بصورة الطاعات مع فَقْدِ الأرواح وجدانَ المكاشفات ( وفقدِ ) الأسرارِ أنوارَ المشاهدات ، ( وفقدِ ) القلبِ الإخلاصَ والصدق في الاعتقادات لا يجدي خيراً ، ولا ينفع شيئاً - وإنما هي كما قال : { عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } .","part":8,"page":71},{"id":3572,"text":"قوله جلّ ذكره : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ } .\rأي : مُتَنَعِّمة ، ذات نعمةٍ ونضارةٍ .\r{ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } .\rحين وَجَدَتْ الثوابَ على سعيها ، والقبول لها .\r{ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } .\rعالية في درجتها ومنزلتها وشرفها . هم بأبدانهم في درجاتهم ، ولكن بأرواحهم مع الله في عزيز مناجاتهم .\r{ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً } .\rلأنهم يسمعون بالله؛ فليس فيها كلمةُ لغوٍ .\rقومٌ يسمعون بالله ، وقومٌ يسمعون لله ، وقومٌ يسمعون من الله ، وفي الخبر : « كنت له سمعاً وبصراً فبي يَسْمَعُ وبي يُبْصِرُ »\r{ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } .\rأراد عيوناً؛ لأن العين اسم جنس ، والعيون الجارية هنالك كثيرة ومختلفة .\rويقال : تلك العيون الجارية غداً لِمَنْ له - اليومَ - عيونٌ جارية بالبكاء ، وغداً لهم عيونٌ ناظرةٌ بحُكم اللقاء .\r{ فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ } .\rالنمارق المصفوفة في التفسير : الطنافس المبسوطة .\rالزرابي المبثوثة في التفسير : البُسُط المتفرقة .\rوإنما خاطبهم على مقادير فُهومهم .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } .\rلمَّا ذَكَرَ وصفَ تلك السُّرُورِ المرفوعة المشيَّدة قالوا : كيف يصعدها المؤمن؟ فقال : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ كيف إذا أرادوا الحَمْلَ عليها أو ركوبها تنزل؟ فكذلك تلك السُّرُرُ تتطامن حتى يركبها الوليُّ .\rوإنما أنزلت هذه الآيات على وجه التنبيه ، والاستدلال بالمخلوقات على كمال قدرته - سبحانه .\rفالقومُ كانوا أصحابَ البوادي لا يرون شيئاً إلا السماءَ والأرضَ والجبالَ والجِمالَ . . . فأَمَرهم بالنظر في هذه الأشياء .\rوفي الإبل خصائص تدل على كمال قدرته وإنعامه جل شأنه؛ منها : ما في إمكانهم من الانتفاع بظهورها للحَمْلِ والركوب ، ثم بنَسْلِها ، ثم بلحمها ولبنها ووَبَرِها . . . ثم من سهولة تسخيرها لهم ، حتى ليستطيع الصبيُّ أنْ يأخذَ بزِمامها ، فتنجرّ وراءه . والإبل تصبر على مقاساة العَطَش في الأسفار الطويلة ، وهي تَقْوَى على أن تحمِلَ فوق ظهورها الكثير َ من الحَمولات . . . ثم حِرَانُها إذا حقدت ، واسترواحُها إلى صوتِ مَنْ يحدوها عند الإعياء والتعب ، ثم ما يُعَلِّل المرءُ بما يناط بها من بِرِّها .","part":8,"page":72},{"id":3573,"text":"{ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } .\rلستَ عليهم بمُسَلَّطٍ؛ فذَكِّر - يا محمد - بما أمرناك به ، فبذلك أمرناك .\r{ إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ } .\rإلا مَنْ تَولَّى عن الإيمان وكفر فيعذبه اللَّهُ بالخلودِ في النار .\r{ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم } .\rإن إلينا رجوعَهم ، ثم نجازيهم على الخير والشرِّ .","part":8,"page":73},{"id":3574,"text":"قوله جل ذكره : { وَالفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ } .\rالفجرُ انفجارُ الصُّبح وهو اثنان : مستطيلٌ وقصير؛ ففي التفسير : إنه فَجْرُ المحرَّم لأنه ابتداء السنة كلها ، وقيل : فجر ذي الحجة .\rويقال : هو الصخور ينفجر منها الماء .\rويقال : أقسم به لأنَّه وقتُ عبادة الأولياء عند افتتاحهم النهار .\r{ وَلَيَالٍ عَشْرٍ } قيل : هي عَشْرُ ذي الحجة ، ويقال : عَشْرُ المحرم؛ لأن آخرها عاشوراء . ويقال : العَشْرُ الأخيرة من رمضان .\rويقال : هي العَشْرُ التي ذكرها اللَّهُ في قصة موسى عليه السلام تمَّ به ميعاده بقوله : { وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } .\rويقال : هو « فجرُ » قلوبِ العارفين إذا ارتقوا عن حدِّ العلم ، وأسفر صُبْحُ معارفِهم ، فاستغنوا عن ظلمة طلب البرهان بما تجلَّى في قلوبهم من البيان .\r{ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } .\rجاء في التفاسير : الشفعُ يومُ النَّحْرِ ، والوتر يوم عَرَفَة .\rويقال : آدم كان وتراً فشُفِعَ بزوجته حواء .\rوفي خبرٍ : إنها الصلوات منها وتر ( كصلاة المغرب ) ومنها شفع كصلاة الصُّبْح .\rويقال : الشفع الزوج من العَدَد ، والوتر الفَرْدُ من العدد .\rويقال : الشفع تضادُّ أوصاف الخَلْق : كالعلم والجهل ، والقدرة والعجز ، والحياة والموت . والوتر انفرادُ صفاتِ الله سبحانه عمَّا يضادُّها؛ علم بلا جهلٍ ، وقدرة بلا عجزٍ ، وحياة بلا موتٍ .\rويقال : الشفعُ الإرداة والنية ، والوتر الهِمَّة؛ لا تكتفي بالمخلوق ولا سبيل لها إلى الله - لتَقَدُّسِه عن الوَصْلِ والفَصْل . . فبقيت الهِمَّةُ غريبةً .\rويقال : الشفع الزاهد والعابد ، لأن لكل منهما شكلاً وقريناً ، والوترُ المريدُ فهو كما قيل :\rفريدٌ من الخِلاَّنِ في كل بلدةٍ ... إذا عَظُمَ المطلوبُ قَلَّ المساعدُ","part":8,"page":74},{"id":3575,"text":"{ وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } .\r« يسري » يمضي .\rقوله جل ذكره : { هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حَجْرٍ } .\r« حِجْرٍ » . لُبٍّ . وجوابُ القَسَمِ : { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ } .","part":8,"page":75},{"id":3576,"text":"{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ } .\rذكر قصص هؤلاء المتقدمين . . . إلى قوله : { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } . أي : شدة العذاب .\r{ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرِصَادِ } .\rلا يفوته شيءٌ .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَهَانَنِ } .\r{ فيقول ربي أكرمني } : أي : شَكَرَه .\r{ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } . أي : ضيَّق ، { فيقول ربي أَهانني } . أي : أذلَّني . كلا . . ليس الإذلالُ بالفقر إنما بالخذلانِ للعصيان .\rقوله جل ذكره : { كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } .\rأي : أنتم تستحقون الإهانة على هذه الخصال المذمومة؛ فلا تُكْرِمون اليتيمَ .\r{ وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا } .\rلمَّا . أي شديداً .","part":8,"page":76},{"id":3577,"text":"{ وَتُّحِبُّونَ المَالَ حُبّاً جَمّاً } .\rجَمًّا أي كثيراً .\rقوله جل ذكره : { كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً } .\rأي : قامت القيامة .\r{ وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } .\r{ وَجَآءَ رَبُّكَ } أي الملائكه بأمره .\rويقال : يفعل فعلاً فيُسميه مجيئاً .\r{ وَجِأْىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } .\rيقال : تُقَاد جهنم بسبعين ألف زمام .\rوفي ذلك اليوم يتذكر الإنسانُ . . . ولا يَنْفَعه التذكَّر ، ولا يُقْبَلُ منه العُذْرُ .\r{ يَقُولُ يَالَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } .\rأي : أطَعْتُ ربِّي ونظرت لنفسي .\r{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } .\rأي : لا يعذَّب في الدنيا أحدٌ مثلما يعذَّبه الله في ذلك اليوم . . إذا قرئت الذال بالكسر .\rأما إذا قرئت بالفتح { لا يعذب } فالمعنى : لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثلما يُعَذَّبُ هذا الكافر .\rقوله جل ذكره : { ياأيتها النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } .\rالروحُ المطمئنةُ إلى النفس .\rويقال : المطمئنةُ بالمعرفة : ويقال : المطمئنة بذكر الله .\rويقال : بالبشارة بالجنة . ويقال : النفس المطمئنة : الروح الساكنة .\r{ ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَةً } .\rراضيةً عن الله ، مَرْضيةً من قِبَل الله .\r{ فَادْخُلِى فِى عِبَادِى وَادْخُلِى جَنَّتِى } .\rأي : في عبادي الصالحين .","part":8,"page":77},{"id":3578,"text":"قوله جل ذكره : { لآَ أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ } .\rأي : أُقْسِم بهذا البلد ، وهو مكة .\r{ وَأَنتَ حِلُّ بِهَذَا الْبَلَدِ } .\rوإنما أُحِلَّتْ له ساعةً واحدةً .\r{ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } .\rكلِّ والدٍ وكلِّ مولود . وقيل : آدم وأولاده .\rوجواب القسم : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى كَبَدٍ } .\rويقال : أُقسم بهذا البلد لأنك حِلٌّ به . . وبَلَدُ الحبيبِ حبيبٌ .\r{ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى كَبَدٍ } .\rأي : في مشقة؛ فهو يقاسي شدائد الدنيا والآخرة .\rويقال : خَلَقه في بطن أمه ( منتصباً رأسُه ) فإذا أذِنَ الله أن يخرج من بطن أمِّه تنكَّس رأسُه عند خروجه ، ثم في القِماط وشدِّ الربِّاط . . ثم إلى الصِّراط هو في الهِياط والمِياط .\rقوله جل ذكره : { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } .\rأي : لقَّوته وشجاعته عند نَفْسِه يقول :\r{ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } .\r{ لبداً } كثيراً ، في عداوة محمد A .\r{ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } .\rأليس يعلم أنَّ الله يراه ، وأَنه مُطَّلِعٌ عليه؟","part":8,"page":78},{"id":3579,"text":"قوله جل ذكره : { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ } .\rأي : ألم نخلقه سميعاً بصيراً متكلِّماً .\r{ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ } .\rالهمناه طريق الخيرِ والشِّر .\r{ فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْبَغَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } .\rأي : فهلاَّ اقتحم العقبة { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ } استفهام على التفخيم لشأنها .\rويقال : هي عَقَبَةٌ بين الجنة والنار يجاوزها مَنْ فَعَلَ ما قاله : وهو فكُّ رقبة؛ أي : إعتاقُ مملوك ، والفكُّ الإزالة . وأطعم في يومٍ ذي مجاعةٍ وقحطٍ وشدَّةٍ يتيماً ذا قربة ، أو { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } : لا شيء له حتى كأنه قد التصق بالتراب من الجوع .\rقوله جل ذكره : { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وتواصوا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَواْ بِالْمرْحَمَةِ } .\rأي : من الذين يرحم بعضُهم بعضاً .\r{ أُوْلئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } .\rأي : أصحاب اليُمْنِ والبركة .\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ عَلَيْهِم نَارٌ مُّؤْصَدَةُ } .\rهم المشائيمُ على أنفسهم ، عليهم نارٌ مُطْبِقَة؛ يعني أبواب النيران ( عليهم مغلقة ) .\rوالعقبة التي يجب على الإنسان اقتحامها : نَفْسُه وهواه ، وما لم يَجُزْ تلك العقبة لا يفلح و { فَكُّ رَقَبَةٍ } هو إعتاقُ نَفْسِه من رِقِّ الأغراض والأشخاص .\rويكون فك الرقبة بأن يهدي مَنْ يفكُّه - من رق هواه ونفسه - إلى سلامته من شُحِّ نفسه ، ويرجعه إليه ، ويخرجه من ذُلِّه .\rويكون فكُّ الرقبة بالتَّحرُّزِ من التدبير ، والخروج من ظلمات الاختيار إلى سعة الرضاء .\rويقال : يطعم من كان في متربة ويكون هو في مسبغة .\r{ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي تكون خاتمته على ذلك .","part":8,"page":79},{"id":3580,"text":"قوله جل ذكره : { والشَّمْسِ وَضُحَاهَا } .\rضَحَا الشمسِ صَدْرُ وقت طلوعها .\r{ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا } .\rأي : تَبِعَها؛ وذلك في النصف الأول من الشهر .\r{ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا } .\rإذا جلَّى الشمسَ وكَشَفَها .\r{ وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا } .\rأي : يَغْشَى الشمس ( فيذهب بضوئها ) .\r{ وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا } .\rأي : وبنائها . ويقال : ومَنْ بناها .\r{ وَالاَّرْضِ وَمَا طَحَاهَا } .\rأي : وطَحْوها . ويقال : ومَنْ طحاها ( أي بسطها أو قسمها أو خلقها ) .\r{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوًَّاهَا } .\rومن سوَّى أجزاءها وأعضاءها .\r{ فَأَلْهَمَا فُجْورَهَا وَتَقْوَاهَا } .\rأي : بأن خَذَلَها ووَفَّقَها .\rويقال : فجورها : حركتها في طلب الرزق ، وتقواها : سكونها بِحُكْمِ القدير .\rوقيل : طريق الخير والشر .","part":8,"page":80},{"id":3581,"text":"قوله جل ذكره : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } .\rهذا جواب القَسَم . أي « لقد أفلح من زكاها » .\rويقال : مَنْ زكَّاه اللَّهُ عزَّ وجلَّ .\r{ وَقَدْ خَابَ مَن دساها } .\rأي : دسَّها الله . وقيل : دسَّها في جملة الصالحين وليس منهم .\rوقيل : خاب مَنْ دسَّ نَفْسَه بمعصية الله . وقيل دسَّاها : جعل خسيسةً حقيرةً . وأصل الكلمة دسسها .\rقوله جل ذكره : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ } .\r{ بِطَغْوَاهَآ } : لطغيانها ، وقيل : إن صالحاً قد مات ، فكَفَر قومُه ، فأحياه اللَّهُ ، فدعاهم إلى الإيمان ، فكذَّبوه ، وسألوه علامةً وهي الناقة ، فأتاهم صالح بما سألوا .\r{ إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا } .\r« أشقاها » عاقِرُها .\r{ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا } .\rأي : احذروا ناقةَ اللَّهِ ، واحذروا سقياها : أي لا تتعرَّضوا لها .\r{ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا } .\rأي كذَّبوا صالحاً ، فعقروا الناقة .\r{ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِبهِم فَسَوَّاهَا } .\rأي : أهلكهم بجُرْمِهم « فسوَّاها » : أي أَطبق عليهم العذاب .\rويقال : سَوَّى بينهم ربُّهم في العذاب لأنهم كلهم رضوا بعقر الناقة .\rقوله جل ذكره : { وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا } .\rأي : أن الله لا يخاف عاقبة ما فَعَلَ بهم من العقوبة .\rويقال : قد أفلح مَنْ دَاوَمَ على العبادة ، وخابَ مَنْ قصَّرَ فيها .\rوفائدة السورة : أنه أفلح مَنْ طَهَّرَ نَفْسَه عن الذنوب والعيوبِ ، ثم عن الأطماع في الأعواض والأغراض ، ثم أبْعَدَ نَفْسَه عن الاعتراض على الأقسام ، وعن ارتكاب الحرام . وقد خابَ من خانَ نَفْسَه ، وأهملها عن المراعاة ، ودَنَّسَهَا بالمخالفات ، فلم يرضَ بعَدَم المعاني حتى ضمَّ إلى فَقْرِها منها الدعاوى المظلمة . . فغرقت في بحرِ الشقاء سفينَتُه .","part":8,"page":81},{"id":3582,"text":"قوله جل ذكره : { والَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } .\rيغشى الأفقَ ، وما بين السماء والأرض فيستره بظُلْمتِه .\rوالليلِ لأصحاب التحيُّر يستغرِق جميعَ أقطار أفكارهم فلا يهتدون الرشد .\r{ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } .\rأنارَ وَظَهرَ ، ووَضح وأسفر .\rونهارٌ أهلِ العرفان بضياء قلوبهم وأسرارهم ، حتى لا يَخْفَى عليهم شيءٌ ، فسكنوا بطلوعِ الشمس عن تكلُّف إيقاد السراجِ .\r{ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنثَى } .\rأي : « من » خَلَقَ الذكر والأنثى؛ وهو الله سبحانه :\r{ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } .\rهذا جوالُ القَسَم ، والمعنى : إنَّ عملكم لمختلف؛ فمنكم : مَنْ سَعْيُه في طلب دنياه ، ومنكم مَنْ سعيهُ في شهواتِ نَفْسِه واتباع هواه ، ومنكم مَنْ سعيهُ في شهواتِ ، ومنكم مَنْ في طَلَبِ جاهِه ومُناه ، وآخر في طلب عقباه ، وآخر في تصحيح تقواه ، وآخر في تصفية ذكراه ، وآخر في القيام بحُسْنِ رضاه ، وآخر في طلب مولاه .\rومنكم : من يجمع بين سعي النّفْس بالطاعة ، وسَعْي القلب بالإخلاص ، وسعي البَدَن بالقُرَب ، وسعي اللسان بذكر الله ، والقول الحَسَنِ للناس ، ودعاء الخَلْقِ إلى الله والنصيحة لهم .\rومنهم مَنْ سعيُه في هلاكِ نَفْسِه وما فيه هلاك دنياه . . ومنهم . . ومنهم .","part":8,"page":82},{"id":3583,"text":"قوله جل ذكره : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } .\r{ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } من مالِه ، { وَاتَّقَى } مخالفةَ ربِّه . .\rويقال : { أعطى } الإنصافَ من نَفْسِه ، { وَاتَّقَى } طَلَبَ الإنصافِ لنفسِه . . .\rويقال : « اتقى » مساخِطَ الله . { وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى } : بالجنة ، أو بالكَرَّةِ الآخرة ، وبالمغفرةِ لأهل الكبائر ، وبالشفاعة من جهة الرسول A ، وبالخَلَفِ من قِبَل الله . . . فسَنُيَسِّرهُ لليُسْرَى : أي نُسَهِّلُ عليه الطاعاتِ ، ونُكَرِّهُ إليه المخالفاتِ ، ونُشَهِّي إليه القُرَبَ ، ونُحبِّبُ إليه الإيمان ، ونُزَيِّن في قلبه الإحسان .\rويقال : الإقامة على طاعته والعود إلى ما عمله من عبادته .\r{ وََأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } .\rأما من مَنَعَ الواجبَ ، واستغنى في اعتقاده ، وكَذَّب بالحسنى : أي بما ذَكَرْنا ، فسينسره للعسرى؛ فيقع في المعصية ولم يُدَبِّرْها ، ونوقف له أسبابَ المخالفة .\rويقال : « أعطى » أعْرَضَ عن الدارين ، « واتَّقى » أن يجعل لهما في نفسه مقداراً .\rقوله جل ذكره : { وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى } .\rيعني : إذا مات . . فما الذين يغني عنه ماله بعد موته؟\rقوله جل ذكره : { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } .\rلأوليائنا ، الذين أرشدناهم . ويقال : { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } بنصيب الدلائل .\r{ وَإِنَّ لَنَا للأَخِرَةَ وَالأُولَى } .\rمُلْكاً ، نعطيه من نشاء .\r{ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى } .\rأي : تتلظَّى .\r{ لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى } .\rأي : لا يُعَذَّبُ بها إلاَّ الأشقى ، وهو :\r{ الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى } .\rيعني : كَفَرَ .\r{ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى } .\rيُعْطى الزكاة المفروضة .\rويقال يَتَطهَّر من الذنوب .\rونزلت الآية في أبي بكر Bه ، والآية عامة .","part":8,"page":83},{"id":3584,"text":"{ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى } .\rحتى تكون هذه مكافأة له . ولا يفعل هذا لَيَتَّخِذَ عند أحدٍ يَداً ، ولا يطلب منه مكافأةٍ :\r{ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ ربِّه الأَعْلَى } .\rأي : ليتقرَّبَ بها إلى الله .\r{ وَلَسَوْفَ يَرْضَى } .\rيَرْضَى اللَّهُ عنه ، ويرضى هو بما يعطيه .","part":8,"page":84},{"id":3585,"text":"قوله جل ذكره : { وَالضُّحَى وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى } .\r« والضحى » : ساعةٌ من النهار . أو النهارُ كلُّ يُسَمّى ضُحًى . ويقال : أقسم بصلاة الضُّحى .\rويقال : الضحى الساعةٌ التي كَلَّم فيها موسى عليه السلام .\r{ وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى } أي : ليلة المعراج ، و « سجا » : أي سَكَن ، ويقال : هو عامٌّ في جِنْسِ الليل .\rويقال : « الضحى » وقت الشهود . { وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى } الذي قال : إنه ليُغَانّ على قلبي . .\rويقال : { الليل إذا سجا } حين ينزل اللَّهُ فيه إلى السماء الدنيا - على التأويل الذي يصحُّ في وصفه .\r{ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } .\rما قَطَعَ عنك الوحيَ وما أبغضك .\rوكان ذلك حين تأخَّر جبريلُ - عليه السلام - عنه أياماً ، فقال أهل مكة : إن محمداً قد قلاه ربُّه . ثم أنزل هذه السورة .\rوقيل : احتبس عنه جبريل أربعين يوماً ، وقيل : اثني عشر يوماً ، وقيل : خمسة وعشرين يوماً .\rويقال : سبب احتباسه أن يهودياً سأله عن قصة ذي القرنين وأصحاب الكهف ، فوَعَدَ الجوابَ ولم يقل : إن شاء الله .","part":8,"page":85},{"id":3586,"text":"{ وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى } .\rأي : ما يعطيك في الآخرة خيرٌ لَكَ مما يعطيك في الدنيا .\rويقال : ما أعطاك من الشفاعة والحوض ، وما يُلْبِسُك من لباس التوحيدِ - غداً - خيرٌ مما أعطاكَ اليومَ .\r{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } .\rقيل : أفترضى بالعطاء عن المُعْطِي؟ قال : لا .\rقوله جل ذكره : { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى } .\rقيل : إلى عمِّه أبي طالب .\rويقال : بل آواه إلى كَنَفِ ظِلِّه ، وربَّاه بلطف رعايته .\rويقال : فآواكَ إلى بِساطِ القربة بحيث انفردْتَ بمقامِك ، فلم يُشَارككْ فيه أحدٌ .\r{ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى } .\rأي : ضللْتَ في شِعابِ مكة ، فَهَدَى إليك عَمَّك أبا طالبٍ في حال صباك .\rويقال : « ضالاً » فينا متحيِّراً . . فهديناك بنا إلينا .\rويقال : « ضالاً » عن تفصيل الشرائع؛ فهديناك إليها بأن عرَّفناك تفصيلها .\rويقال : فيما بين الأقوام ضلالٌ فهداهم بك .\rوقيل : « ضالاً » للاستنشاء فهداك لذلك .\rوقيل : « ضالاً » في محبتنا ، فهديناك بنور القربة إلينا .\rويقال : « ضالاً » عن محبتي لك فعرَّفتك أنِّي أُحِبُّك .\rويقال : جاهلاً بمحلِّ شرفِكَ ، فعرَّفْتُك قَدْرَكَ .\rويقال : مستتراً في أهل مكة لا يعرفك أحدٌ فهديناهم إليك حتى عرفوك .\r{ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَى } .\rفي التفسر : فأغناكَ بمال خديجة .\rويقال : أغناك عن الإرداة والطلب بأن أرضاك بالفَقْد .\rويقال : أغناك بالنبوَّة والكتاب . ويقال : أغناك بالله .\rويقال : أغناك عن السؤال حينما أعطاك ابتداءً؛ بلا سؤالٍ منك .","part":8,"page":86},{"id":3587,"text":"قوله جل ذكره : { فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلاَ تَقْهَر } .\rفلا تُخِفْه ، وارفقْ به ، وقرِّبْه .\r{ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } .\rأي : إمَّا أن تُعْطِيَه . . أو تَرُدَّه برِفْقٍ ، أو وعدٍ .\rويقال : السائلُ عنَّا ، والسائلُ المتحيِّرُ فينا - لا تنهرهم ، فإنَّا نهديهم ، ونكشف مواضع سؤالهم عليهم . . فلا طِفْهم أنت في القول .\r{ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } .\rفاشكُرْ ، وصَرِّحْ بإحسانه إليك ، وإنعامه عليك .","part":8,"page":87},{"id":3588,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } .\rألَمْ نُوَسِّعْ قَلْبَكَ للإِسلام؟ ألم نُليِّنه للإِيمان؟\rويقال ألم نوسع صدرك بنور الرسالة؟ ألم نوسِّع صدرك لقَبُولِ ما نورِدُ عليك .\r{ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ } .\rأي : إثمْكَ قبل النبوَّة .\rويقال : عصمناكَ عن ارتكابِ الوِزْرِ؛ فَوضْعُه عنه بأنَّه لم يستوجبْه قطّ .\rويقال : خفضنا عنك أعباءَ النبوَّة وجعلناكَ محمولاً لا متحمِّلاً .\rويقال : قويناك على التحمُّل من الخَلْق ، وقوَّيناك لمشاهدتنا ، وحفظنا عليك ما استحفظت ، وحرسناكَ عن ملاحظة الخَلْقَ فيما شرَّفناك به .\r{ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ } : أثقله ، ولولا حَمْلُنا عنك لَكُسِرَ .\r{ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } .\rبِذِكْرنا؛ فكما لا تَصِحُّ كلمةُ الشهادة إلا بي ، فإنها لا تَصِحُّ إلا بك .\rويقال : رفعنا لك ذكرك بقول الناس : محمد رسول الله!\rويقال : أثبتنا لك شرف الرسالة .\r{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً } .\rوفي الخبر : « لن يغلب عُسْرٌ يُسْريْن » ومعناه : أن العسر بالألف واللام في الموضعين للعهد - فهو واحد ، واليُسْر مُنكَّرٌ في الموضعين فهما شيئان . والعُسْر الواحد : ما كان في الدنيا ، واليسران : أحدهما في الدنيا في الخصب ، وزوال البلاء ، والثاني في الآخرة من الجزاء وإذاً فعُسْرُ جميع المؤمنين واحد - هو ما نابهم من شدائد الدنيا ، ويُسْرُهم اثنان : اليومَ بالكَشْفِ والصَّرْفِ ، وغداً بالجزاء .","part":8,"page":88},{"id":3589,"text":"قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ } .\rفإذا فَرَغْتَ من الصلاة المفروضة عليك فانْصَبْ في الدعاء .\rويقال : فإذا فرغت من العبادة فانصب في الشفاعة .\rويقال : فإذا فرغت من عبادة نَفْسِك فانْصَبْ بقلبك .\r{ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب } .\rفي جميع الأحوال .\rويقال : فإذا فرغت من تبليغ الرسالة فارغب في الشفاعة .","part":8,"page":89},{"id":3590,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } .\rأقسم بالتين لما به من عظيم المِنَّةِ على الخَلْقِ حيث لم يجعل فيه النَّوى ، وخَلَّصَه من شائب التنغيص ، وجعله على مقدار اللُّقْمة لتكمل به اللذََّة . وجعل في « الزيتون » من المنافع مثل الاستصباح والتأدُّم والاصطباغ به .\r{ وَطُورِ سِينينَ } .\rالجبل الذي كَلَّمَ الله موسى عليه . ولموضعِ قَدَمِ الأحباب حُرْمةٌ .\r{ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ } .\rيعني : مكة ، ولهذا البلد شرف كبير ، فهي بلدُ الحبيب ، وفيها البيت؛ ولبيتِ الحبيبِ وبَلَدِ الحبيبِ قَدْرٌ ومنزلة .\rقوله جلّ ذكره : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمِ } .\rفي اعتدال قامتِه ، وحُسْنِ تركيب أعضائه . هذا يدل على أنَّ الحقَّ - سبحانه - ليس له صورة ولا هيئة؛ لأن كلَّ صفةٍ اشتراك فيها الخَلْقُ والحقُّ فالمبالغةُ للحقِّ . . كالعلم ، فالأعلمُ اللَّهُ ، والقدرة : فالأقدَرُ اللَّهُ فلو اشترك الخَلْقُ والخالقُ في التركيب والصورة لكانَ الأحسن في الصورة اللَّهُ . . . فلمَّا قال : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } . عُلِمَ أَنَّ الحقَّ - سبحانه - مُنَزَّةٌ عن التقويم وعن الصورة .\rقوله جلّ ذكره : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } .\rأي : إلى أراذل العمر وهو حال الخَرَفِ والهَرَم .\rويقال : { أَسْفَلَ سَافِلِينَ } : إلى النار والهاوية في أقبح صورة؛ فيكون أوَّلُ الآيةِ عامّاً وآخرها خاصًّا بالكفَّار . . كما أنَّ التأويلَ الأولَ - الذي هو حال الهَرَم - خاصُّ في البعض؛ إذ ليس كلُّ الناسِ يبلغون حالَ الهَرَم .","part":8,"page":90},{"id":3591,"text":"{ إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } .\rأي : غير منقوص .\rويقال : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } أي : إلى حال الشقاوة والكفر إلاَّ المؤمنين .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَا يُكَذِّبُِكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } .\rأيها الأنسانُ . . مع كل هذا البرهان والبيان؟\r{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } .","part":8,"page":91},{"id":3592,"text":"قوله جلّ ذكره : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ } .\rهذه السورة من أَوّلِ ما نَزَل على المصطفى A لمّا تعرِّض له جبريل في الهواء ، ونَزَلَ عليه فقال : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ } . فالناسُ كُلُّهم مريدون - وهو A كان مُرَاداً . فاستقبل الأمر بقوله : « ما أنا بقارئ ، فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ، فقال له : » اقرأ كما أقول لك؛ { اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ } « أي خلقهم على ما هم به .\r{ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } .\rالعَلَق جمع عَلَقَة؛ كشجَرٍ وشجرة . . ( والعَلَقَةُ الدمُ الجامد فإذا جرى فهو المسفوح ) .\r{ اقْرَاْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ } .\r» الأكرم « : أي الكريم .\rويقال : الأكرم من كلِّ كريم .\r{ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } .\rعَلَّمهم ما لم يعلموا : الضروريَّ ، والكسبيَّ .","part":8,"page":92},{"id":3593,"text":"{ كَلآَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى } .\rأي : يتجاوز جَدَّه إِذا رأى في نفسه أنه استغنى؛ لأنه يَعْمَى عن مواضع افتقاره . ولم يقل : إِن استغنى بل قال : { أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى } فإذا لم يكن مُعْجَباً بنفسه ، وكان مشاهداً لمحلِّ افتقاره - لم يكن طاغياً .\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } .\rأي : الرجوع يوم القيامة .\rقوله جلّ ذكره : { أَرَءَيْتَ الَّذِى يَنْهَى عِبْداً إِذَا صَلَّى } .\rأليس لو لم يفعل هذا كان خيراً له؟ ففي الآية هذا الإضمار .\r{ أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى } .\rلكان خيراً له؟\r{ أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَى } . كذَّب بالدِّين . وتولَّى عن الهداية .\rقوله جلّ ذكره : { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } .\rأي : ما الذي يستحقُّه مَنْ هذه صفته؟\rوالتخويفُ برؤية الله تنبيه على المراقبة - ومَنْ لم يَبْلُغْ حالَ المراقبة لم يَرْتَق منه إلى حال المشاهدة .\rقوله جلّ ذكره : { كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } .\rلَنأخُذَنَّ بناصيته ( وهي شَعْرُ مُقَدَّم الرأس ) أخْذَ إِذلالٍ . ومعناه لنًسَوِّدَنَّ وَجهْهَ .\rوقوله : { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } بدلٌ من قوله : { لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ } .\r{ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } .\rفليدعُ أهلَ نادَيه وأهل مجلسه ، وسندعو الزبانيةَ ونأمرهم بإهلاكه .\rقوله جلّ ذكره : { كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب } .\rأي : اقتربْ من شهود الربوبية بقلبك ، وقِفْ على بِساط العبودية بنَفْسك . ويقال : فاسجُدْ بنفسِك ، واقترِبْ بسِرِّك .","part":8,"page":93},{"id":3594,"text":"قوله جلّ ذكره : { إنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ القَدْرِ } .\rفي ليلةٍ قَدَّرَ فيها الرحمةَ لأوليائه ، في ليلةٍ يجد فيها العابدون قَدْرَ نفوسِهم ، ويشهد فيهَا العارفون قَدْرَ معبودهم . . وشتان بين وجودِ قَدْرٍ وشهودِ قَدْرٍ! فلهؤلاء وجودُ قَدْرٍ ولكن قدر أنفسهم ، ولهؤلاء شهود قدرٍ ولكن قدر معبودهم .\r{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } .\rاستفهامٌ على جهة التفخيم لشأن تلك الليلة .\r{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } .\rأي : هي خيرٌ من ألف شهر ليست فيها ليلة القدر . هي ليلةٌ قصيرةٌ على الأحباب لأنهم فيها في مسَامرةٍ وخطاب . . كما قيل :\rيا ليلة من ليالي الدهرِ ... قابلت فيها بَدْرَها بِبَدْرِ\rولم تكن عن شَفَقٍ وفَجْرٍ ... حتى تولّت وهي بَكْرُ الدهرِ\rقوله جلّ ذكره : { تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } .\r{ وَالرُّوحُ فِيهَا } : قيل جبريل . وقيل : مَلَكُ عظيم .\r{ بِإِذْنِ رَبِّهِم } : أي بأمر ربهم .\r{ مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ } : أي مع كل مأمورٍ منهم سلامي عَلَى أوليائي .\r{ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } : أي هي باقية إلى أن يطلع الفجر .","part":8,"page":94},{"id":3595,"text":"قوله جلّ ذكره : { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } .\r« منفكين » : مُنْتَهين عن كفرهم حتى تأتيهم البيَّنة : وهي رسول الله A ، أي لم يزالوا مجتمعين عَلَى تصديقه؛ لِمَا وَجَدوه في كُتُبهم إلى أنْ بَعَثَه الله تعالى . فلمّا بَعَثَه حسدوه وكفروا .\r{ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } .\rأي حتى يأتيهم رسول من الله يقرأ كُتُباً مُطَهَّرَةً عن تبديل الكفار .\r{ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } : مستوية ليس فيها اعوجاج .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِِّنَةُ } .\rيعني : القرآن .\rقوله جلّ ذكره : { وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لَيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } .\r{ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي موحِّدين لا يُشرِكون بالله شيئاً؛ فالإخلاصُ أَلاَّ يكونَ شيءٌ من حركاتك وسَكَنَاتك إلاَّ لله .\rويقال : الإخلاصُ تصفيةُ العملِ من الخَلَلِ .\r« حنفاء » : مائلين إلى الحقِّ ، عادلين عن الباطل .\r{ وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ . . . وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } : أي دينُ الملَّةِ القيمة ، والأمة القيِّمة ، والشريعة القيِّمة .","part":8,"page":95},{"id":3596,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ } .\r{ خَالِدِينَ فِيهَا } : مقيمين : { الْبَرِيَّةِ } : الخليقة .\r{ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } .\rأي : خير الخَلْق ، وهذا يدل عَلَى أنهم أفضلُ من الملائكة .\rقوله جلّ ذكره : { جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } .\r{ جَزَآؤُهُمْ } : أي ثوابهم في الآخرة عَلَى طاعاتهم .\r{ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } : أي : من تحت أَشجارها الأنهار .\r{ رَّضىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } .\rفلم تَبْقَ لهم مطالبةٌ إلاَّ حَقَّقَها لهم .\r{ ذَالِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } .\rأي : خافَهُ في الدنيا .\rوالرضا سرورُ القلب بمرِّ القضَا .\rويقال : هو سكونُ القلبِ تحت جَرَيان الحُكْم .","part":8,"page":96},{"id":3597,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضِ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا } .\rأي : أموتهَا ، وما فيها من الكنوز والدفائن .\r{ وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا } .\rيعني الكافرُ الذي لا يُؤْمِنُ بها أي بالبعث .\r{ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } .\rيومئذٍ تُخَبِّر الأرضُ :\r{ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا } .\rأي : إنما تفعَل ذلك بامر الله .\r{ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ } .\r{ أَشْتَاتاً } : متفرِّقين . { لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ } ليُحَاسَبوا .\rقوله جلّ ذكره : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } .\rفيُقَاسي عناءَه .","part":8,"page":97},{"id":3598,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً } .\r{ وَالْعَادِيَاتِ } : الخيلُ التي تعدو .\r{ ضَبْحاً } أي إِذا ضَبحن ضبحاً ، والضبحُ : هو صوتُ أجوافها إِذا عَدَوْنَ .\rويقال : ضبحُها هو شِدةُ نَفسِها عند العَدْوِ .\rوقيل : { وَالْعَادِيَاتِ } ؛ الإبل .\rوقيل : أقسم الله بأفراسِ الغزاة .\r{ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً } .\rتورى بحوافرها النار إِذا عَدَتْ وأصابَتْ سنابِكُها الحجارة بالليل .\rويقال : الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب .\rويقال : هي الأسِنَّة .\r{ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً } .\rتُغِير على العدوِّ صباحاً .\r{ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } .\rأي : هَيَّجْنَ به غباراً .\r{ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } .\rأي : تَوَسَّطْنَ المكان ، أي : تتوسط الخيل بفوارسها جَمْعَ العَدُوِّ .","part":8,"page":98},{"id":3599,"text":"{ إنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } .\rهذا هو جوابُ القَسَمِ .\r{ لَكَنُودٌ } : أي لكَفُور بالنعمة .\r{ وَإِنَّهُ عَلَى ذَالِكَ لَشَهِيدٌ } .\rأي : وإنه على كنوزه لشهيد .\r{ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } .\rأي : وإنه لبخيلٌ لأجل حُبِّ المال .\rقوله جلّ ذكره : { أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ } .\rأي : بُعِثَ الموتى .\r{ وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ } .\rبُيِّنَ ما في القلوب من الخير والشرِّ .\r{ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرُ } .\rأفلا يعلم أن اللَّهَ يُجازيهم - ذلك اليومَ - على ما أسلفوا ، ثم قال عَلَى الاستئناف : { إِنَّ رَبَّهُم يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرُ } .\rويقال في معنى الكَنُود : هو الذي يَرَى ما إليه مِنْ البَلْوَى ، ولا يرى ما هو به مِنْ النُّعْمَى .\rويقال : هو الذي رأسُه على وسادة النعمة ، وقَلبُه في ميدان الغفلة .\rويقال : الكَنُود : الذي ينسى النِّعَم ويَعُدُّ المصائب .\rوقوله : { وَإِنَّهُ عَلَى ذَالِكَ لَشَهِيدٌ } ، يحتمل : وإِنَّ اللَّهَ على حاله لشهيد .","part":8,"page":99},{"id":3600,"text":"قوله جلّ ذكره : { القَارِعَةُ مَا القَارِعَةُ } .\rالقارعةُ : اسمٌ من أسماء القيامة ، وهي صيغة « فاعلة » من القَرْع ، وهو الضربُ بشدَّة . سُمِّيت قارعة لأنها تقرعهم .\r{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ } .\rتهويلاً لها .\r{ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ } .\rأي : المُتَفَرِّق . . . وعند إعادتهم يركب بعضهم بعضاً .\r{ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمُنفُوشِ } .\rأي : كالصوف المصبوغ .\rوالمعنى فيه : أن أصحابَ الدعاوى وأرباب القوة في الدنيا يكونون - في القيامة إذا بُعِثُوا - أضعفَ من كلِّ ضعيف؛ لأن القُوى هنالك تسقط ، والدعاوى تَبْطُل .\rقوله جلّ ذكره : { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } .\rمَنْ ثقلت موازينهُ بالخيرات فهو في عيشة راضية؛ أي مَرْضية .\rووزنُ الأعمالِ يومئذٍ يكون بوزن الصحف . ويقال : يخلق بَدَلَ كلَّ جزءٍ من أفعاله جوهراً ، وتُوزَنُ الجواهر ويكون ذلك وزن الأعمال .\r{ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } .\rمَنْ خَفَّتْ موازينه من الطاعات - وهم الكفارُ - فمأواه هاوية .\r{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَاهِيَةْ نَارٌ حَامِيَةُ } .\rسؤالٌ على جهة التهويل . ولم يَرِدُ الخبرُ بأن الأحوال توزَن ، ولكن يُجازَى كلُّ بحالةٍ مما هو كَسْبٌ له ، أو وَصَلَ إلى أسبابها بكَسْبٍ منه .","part":8,"page":100},{"id":3601,"text":"قوله جلّ ذكره : { ألَهَاكُمُ التَكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ } .\rأي : شَغَلَكم تَفَاخُرُكم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أَنْ مِتُّم .\rويقال : كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم؛ فكانوا يشيدون بذكر الأحياء ، وبمن مضى من أسلافهم .\rفقال لهم : شَغَلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عَدَدْتم أمواتكم أحيائِكم .\rوأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعةَ الله .\r{ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } .\rعلى جهة التهويل .\r{ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } .\rأي : لو علمتم حقَّ اليقين لارتدعتم عمَّا أنتم فيه من التكذيب .\r{ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } .\rأراد جميعَ ما أعطاهم اللَّهُ من النعمة ، وطالَبهم بالشكر عليها .\rومن النعيم الذي يُسَألُ عنه العبد تخفيفُ الشرائع؛ والرُّخَصُ في العبادات .\rويقال : الماء الحار في الشتاء ، الماء البارد في الصيف .\rويقال : منه الصحَّةُ في الجسد ، والفراغ .\rويقال : الرضاءُ بالقضاء . ويقال : القناعة في المعيشة .\rويقال : هو المصطفى A .","part":8,"page":101},{"id":3602,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَالعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } .\r{ العصر } : الدهر - أقسم به .\rويقال : أراد به صلاة َ العصر . ويقال : هو العَشِيّ .\r{ الإنسَانَ } : أراد به جنْسَ الإنسان . « والخُسْر » : الخسران .\rوالمعنى : إن الإنسان لفي عقوبةٍ من ذنوبه . ثم استثنى المؤمنين فقال :\r{ إلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ } .\rالذين أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حقُّ ، وتواصوا بما هو حَسَنٌ وجميلٌ ، وتواصوا بالصبر .\rوفي بعض التفاسير : قوله : { الذين آمنوا } يعني أبا بكر ، { وعملوا الصالحات } : يعني عمر .\rو { تواصوا بالحقِّ } يعني عثمان ، و { تواصوا الصبر } يعني عليًّا - Bهم أجمعين .\rوالخسرانُ الذي يلحق الإنسان على قسمين : في الأعمال ويتبيَّن ذلك في المآل ، وفي الأحوال ويتبيَّن ذلك في الوقت والحال؛ وهو القبضُ بعد البسط ، والحجبةُ بعد القربة ، والرجوعُ إلى الرُّخَصِ بعد إيثار الأَشَقِّ والأَوْلَى .\r{ وتواصوا بالحقِّ } : وهو الإيثارُ مع الخَلْق ، والصدقُ مع الحقِّ .\r{ وتواصوا بالصبر } : على العافية . . . فلا صبرَ أَتَمُّ منه .\rويقال : بالصبر مع الله . . وهو أشدُّ أقسام الصبر .","part":8,"page":102},{"id":3603,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } .\rيقال : رجلٌ هُمَزَةٌ لُمَزة : أي كثيرُ الهَمْزِ واللَّّمزِ للناس وهو العيب والغيبة .\rويقال : الهُمَزَة الذي يقول في الوجه ، واللُّمزة الذي يقول مِنْ خَلْفِه .\rويقال : الهَمْزُ الإشارةُ بالرأس والجَفْنِ وغيره ، واللَّمْزُ باللسان .\rويقال : الهُمَزة الذي يقول ما في الإنسان ، واللُّمَزَة الذي يقول ما ليس فيه .\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ } .\r« جمَّع » بالتشديد على التكثير ، وبالتخفيف .\r{ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } .\rأي : يُبْقِيه في الدنيا . كلاَّ ليس كذلك :\r{ كَلاَّ لَيثنبَذَنَّ فَِى الْحُطَمَةِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الأَفِئْدَةِ } .\rليُطْرَحَنَّ في جهنَّم . { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ } ؟ على جهة التهويل لها .\rفهم في نار الله الموقدة التي يبلغ أَلَمُها الفؤاد .\r{ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } .\rمُطْبَقة .\r{ فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } .\r« عَمَد » : جمع عماد . وقيل : إنها عُمُدٌ من نارٍ تُمدَّدُ وتُضْرَبُ عليهم؛ كقوله : { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } [ الكهف : 29 ] .\rويقال : الغِنَى بغيرِ اللَّهِ فَقْرٌ ، والأُنْسُ بغيره وَحْشَة ، والعِزُّ بغيره ذُلُّ .\rويقال : الفقيرُ مَنْ استغنى بمالِه ، والحقيرُ : مَنْ استغنى بجاهِه ، والمُفْلِسُ : مَنْ استغنى بطاعته ، والذليلُ : من استغنى بغير الله ، والجليلُ : من استغنى بالله .\rويقال : بَيَّنَ أن المعرفة إذا اتَّقَدتْ في قلب المؤمن أحرقت كلَّ سْؤْلٍ وأَرَبِ فيه ، ولذلك تقول جهنهّمُ - غداً - للمؤمن : « جُزْ ، يا مؤمن . . . فإنّ نورَك قد أَطْفَأَ لَهَبي »!","part":8,"page":103},{"id":3604,"text":"أَلَمْ يَنْتِه إليكَ فيما أنزل عليك عِلْمُ ما فَعلَ ربُّكَ بأصحاب الفيل؟ .\rوفي قصة أصحاب الفيل دلالة على تخصيص اللَّهِ البيتَ العتيقَ بالحِفْظِ والكِلاءة . وذلك أنَّ أَبرهة - مَلِكَ اليمن - كان نصرانياً ، وبنى بيعةً لهم بصنعاء . وأراد هَدْمَ الكعبة ليصرفَ الحجَّ إلى بيعتهم .\rوقيل : نزل جماعةٌ من العرب ببلاد النجاشي ، وأوقدوا ناراً لحاجةٍ لهم ، ثم تغافلوا عنها ولم يُطْفِئوها ، فهبَّت الريحُ وحَمَلَتْ النارَ إلى الكنيسة وأحرقتها ، فَقَصَد أبرهةُ الكعبةَ لِيَهْدِمها بجيشه .\rفلمّا قَرُبَ من مكة أصاب مائتي جَمَلٍ لعبد المطلب ، فلمَّا أُخْبِرَ بذلك ركب إليهم ، فَعَرفَةُ رجلان ، فقالا له :\rارجعْ . . فإنْ المَلِكَ غضبان .\rفقال : واللاتِ والعُزَّى لا أَرْجِعُ إلاَّ بإبلي .\rفقيل : لأبرهة : هذا سَيِّدُ قريش ببابِك؛ فأَذِنَ له ، وسأله عن حاجته؛ فأجاب أبرهة : إنها لك غداً ، إذا تقدَّمْتُ إلى البيت .\rفعاد عبد المطلب إلى قريش ، وأخبرهم بما حدث ، ثم قام وأخذ بحلْقِه باب الكعبة ، وهو يقول :\rلا هُمَّ إِنَّ العَبْدَ يم ... نعُ رَحْلَه فامنعُ حَلاَلِكَ\rلا يَغْلِبَنَّ صليبُهمْ ... ومِحَالُهم عَدْواً مِحالَكْ\rإِنْ يدخلوا البلدَ الحرا ... مَ فأمرٌ ما بدالك\rفأرسل اللَّهُ عليهم طيراً أخضرَ من جهة البحر طِوالَ الأعناق ، في مناقر كل طائرٍ حَجَرٌ وفي مخلبه حجران .\rقيل : الحجَرةُ منها فوق العدس دون الحمص .\rوقيل : فوق الحمص دون الفستق ، مكتوب على كل واحدة اسم صاحبها .\rوقيل : مُخَطَّطةٌ بالسَّواد . فأُمْطِرَتْ عليهم ، وماتوا كُلُّهم .\rوقيل : كان الفيلُ ثمانيةً؛ وقيل : كان فيلاً واحداً .\rوقيل : رواية : إنه كان قبل مولده A بأَربعين سنة .\rوقيل : بثلاثة وعشرين سنة . وفي رواية « وُلِدْتُ عامَ الفيل » .","part":8,"page":104},{"id":3605,"text":"قوله جل ذكره : { أَلَمْ يَجْعَلَ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ } .\rأي : مَكرَهم في إبطال .\r{ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } .\r{ أَبَابِيلَ } : مجمعةً ومتفرِّقةً .\r{ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ } .\rقيل بالفارسية : سنكل أو كل - أي طينٌ طُبخَ بالنار كالآجُر .\r{ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأكُولِ } .\r{ كَعَصْفٍ } : كأطرافِ الزرع قبل أن يدرك . « مأكول » أي ثَمرَهُ مأكول .\rويقال : إذا كان عبد المطلب - وهو كافرٌ - أخلص في التجائه إلى الله في استدفاع البلاء عن البيت - فاللَّهُ لم يُخَيِّبْ رجاءَهُ - وسَمِعَ دُعاءَهُ . . . فالمؤمِنُ المخلصُ إذا دعا ربَّه لا يردُّهُ خائباً .\rويقال : إنما أُجيب لأنَّه لم يسألْ لِنَفْسِه ، وإِنما لأجْلِ البيت . . . وما كان لله لا يضيع .","part":8,"page":105},{"id":3606,"text":"قوله جلّ ذكره : { لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ } .\r« الإيلاف » : مصدر آلَفَ ، إذا جَعَلْتَهُ يَأْلَف . . . وهو أَلِفَ إِلْفاً .\rوالمعنى : جعلهم كعصفٍ مأكولٍ لإيلافِ قريْشْ ، أي لِيَأْلَفوا رحلتهم في الشتاء والصيف .\rوكانت لهم رحلتان للامتيار : رحلةٌ إلى الشام في القيظ ، ورحلة إلى اليمن في الشتاءِ والمعنى : أنعم اللَّهُ عليهم بإهلاكِ عدوِّهم ليؤلَّفَهم رحلتيهم .\rوقيل : { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ } { لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } كأنه أَعْظَمَ المِنَّةَ عليهم . وأَمرَهم بالعبادة :\r{ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ } .\rفليعبدوه لِمَا أنعم به عليهم .\rوقيل : { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ } بعد ما أصابهم من القحط حينما دعا عليهم الرسولُ A .\r{ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفِ } .\rحين جعَلَ الحرَمَ آمِناً ، وأجارَهم من عدوِّهم .\rويقال : أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلْبِ الناسِ الميرةَ إليهم من الشام ومن اليمن .\rوَوجْهِ المِنَّةِ في الإطعام والأمان هو أن يتفرَّغوا إلى عبادة الله؛ فإِنَّ مَنْ لم يكن مكْفِي َّ الأمور لا يتفرَّغُ إلى الطاعة ، ولا تساعده القوة ولا القلبُ - إلاَّ عند السلامة بكلِّ وجهٍ وقد قال تعالى :\r{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ } [ البقرة : 155 ] فقدَّم الخوف على جميع أنواع البلاءِ .","part":8,"page":106},{"id":3607,"text":"قوله جلّ ذكره : { أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } .\rنزلت الآية على جهة التوبيخ ، والتعجُّبِ من شأن تظلُّم اليتيمِ من الكفار .\rفقال : { أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } ، وبالحساب والجزاء؟\r{ فَذَالِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ } .\rيدفعه بجفوة ، ويقال : يدفعه عن حقَّه .\r{ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينَ } .\rأي : لا يَحُثُّ على إطعام المسكين ، وإنما يدعُّ اليتيم؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قد نزع الرحمةَ من قلبه « ولا تنزع الرحمة إلاَّ من قلبِ شقيٍّ » .\rوهو لا يحث على طعام المسكين ، لأنه في شُحِّ نَفْسِه وأَمْرِ بُخْلِه .\rقوله جلّ ذكره : { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ } .\rالسَّاهي عن الصلاة الذي لا يُصَلِّي . ولم يقل : الذين هم في صلاتهم ساهون . . ولو قال ذلك لكان الأمرُ عظيماً .\r{ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ } : أي يصلون ويفعلون ذلك على رؤية الناس - لا إخلاصَ لهم .","part":8,"page":107},{"id":3608,"text":"الماعون : مثل الماء ، والنار ، والكلأ ، والفأس ، والقِدْر وغير ذلك من آلةِ البيت .\rويدخل في هذا : البُخْلُ ، والشُّحّث بما ينفع الخَلْقَ مما هو مُمْكِنٌ ومُسْتَطاع .","part":8,"page":108},{"id":3609,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ } .\r{ الْكَوْثَرَ } : أي الخبر الكثير . ويقال : هو نَهْرٌ في الجنة .\rويقال : النبوَّةُ والكتابُ . وقيل : تخفيف الشريعة .\rويقال : كثرةُ أُمَّتِه .\rويقال : الأصحابُ والأشياع . ويقال : نورٌ في قلبه .\rويقال : معرفته بربوبيته .\r{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } .\rأي صَلِّ صلاةَ العيد { وَانْحَرْ } النُّسُك .\rويقال : جمع له في الأمر بين : العبادة البدنية ، والمالية .\rويقال « وانحر » أي استقبِلْ القبلة بنحرك . أو ارفع يديك في صلاتك إلى نحرك .\rويقال : ضَعْ يمينك على يسارك في الصلاة واجعلها تحت نَحْرِك .\r{ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ } .\rأي : لا يُذْكَرُ بخيرٍ ، مُنْقَطِعٌ عنه كل خير .","part":8,"page":109},{"id":3610,"text":"قوله جلّ ذكره : { قُلْ ياأيها الكَافِرُونَ لآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } .\rمن أصنامكم .\r{ َوَلآَ أنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } .\r« ما » أعبد أي « من » أعبد .\r{ وَلاَ َأنَاْ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } .\rفي زمانكم .\r{ وَلآَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } .\rكَرَّرَ اللفظ على جهة التأكيد .\r{ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } .\rأي : لكم جزاؤكم على دينكم ، ولي الجزاءُ على ديني .\rوالعبودية القيام بأمره على الوجه الذي به أمَرَ ، وبالقَدْر الذي به أمَرَ ، وفي الوقت الذي فيه أمَر .\rويقال : صِدْقُ العبودية في تَرْكِ الاختيار ، ويظهر ذلك في السكون تحت تصاريف الأقدار من غير انكسار .\rويقال : العبودية انتفاء الكراهية بكلِّ وجهٍ من القلب كيفما صَرَّفَك مولاك\r.","part":8,"page":110},{"id":3611,"text":"قوله جلّ ذكره : { إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ } .\rالنصرُ الظَّفَرُ بالعدوِّ ، و { الفتح } فتح مكة .\r{ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً } .\rيُسْلِمون جماعاتٍ جماعاتٍ .\r{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } .\rأكْثِرْ حَمْدَ ربِّكَ ، وصلِّ له ، وَقَدِّسْه .\rويقال : صَلِّ شكراً لهذه النعمة .\r{ وَاسْتَغْفِرْهُ } وسَلْ مغفرته .\r{ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا } .\rلِمَنْ تاب؛ فإنه يقبل توبته .\rويقال : نصرة الله - سبحانه- له بأنْ أفناه عن نَفْسِه ، وأبعد عنه أحكامَ البشرية ، وصفَّاه من الكدورات النفسانية . وأمَّا « الفتح » : فهو أنْ رقَّاه إلى محلِّ الدنو ، واستخلصه بخصائص الزلفة ، والبسه لِباسَ الجمع ، واصطلمه عنه ، كان له عنه ، ولنَفْسِه - سبحانه - منه ، وأظهر عليه ما كان مستوراً من قَبْلُ من أسرارِ الحقِّ ، وعَرَّفَه- من كمال معرفته به - ما كان جميعُ الخَلْقِ متعطشاً إليه .","part":8,"page":111},{"id":3612,"text":"قوله جل ذكره : { تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ } .\rأي : خَسِرَت يداه .\r{ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } .\rما أغنى عنه مالُه ولا كَسْبُه الخبيثُ - شيئاً .\rوقيل : { ما كسب } : وَلَدُه .\rقوله جل ذكره : { سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } .\rيلزمها إذا دَخَلَها؛ فلا براحَ له منها . وامرأتُه أيضاً سَتَصْلَى النارَ معه .\r{ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد } .\r« مَسَدٌ » شيءٌ مفتول ، وكانت تحمل الشوك وتنقله وتبثه في طريقِ رسول الله E .\rويقال : سُحْقاً لِمَنْ لا يعرف قَدْرَكَ - يا محمد . وبُعْدَاً لِمَنْ لم يشهد ما خصصناكَ به مِنْ رَفْع محلِّك ، وإكبار شأنِك . . . ومَنْ ناصبَكَ كيف ينفعه مالُه؟ والذي أقميناه لأجلِكَ وقد ( أساء ) أعماله . . فإنَّ إلى الهوانِ والخِزْي مآله ، وإنَّ على أقبحِ حالٍ حالَ امرأتِه وحالَه .","part":8,"page":112},{"id":3613,"text":"قوله جل ذكره : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rلمَّا قال المشر كون : أُنسُبْ لنا ربَّكَ : أنزل الله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rفمعنى « هو » أي : الذي سألتُم عنه « هو » الله . ومعنى « أحد » أي : هو أحدٌ .\rويقال : « هو » مبتدأ ، « والله » خبره و « أحد » خبرٌ ثانٍ كقولهم : هذا حلوٌ حامض . { اللَّهُ الصَّمَدُ } .\r{ الصمد } : السيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه الحوائج ، ويُقْصَدَ إليه في المطالب .\rويقال : الكاملُ في استحقاق صفات المدح .\rويرجِّج تحقيقُ قولِ مَنْ قال : إنه الذي لا جوفَ له إلى أنه واحدٌ لا ( . . . ) في ذاته .\r{ لَمْ يَلِدْ وَلَم يُولَدْ } .\rليس بوالدٍ ولا مولود .\r{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدُ } .\rتقديره لم يكن أحدٌ كفواً له .\rو « أحد » أصله وَحْدٌ ، ووِحَدٌ وواحد بمعنًى ، وكونه واحداً : أنه لا قسيمَ له ولا شبيهَ له ولا شريكَ له .\rويقال : السورة بعضها تفسيرٌ لبعض؛ مَنْ هو الله؟ هو الله . مَنْ الله؟ الأحد ، مَنْ الأحد؟ الصمد ، مَنْ الصمد؟ الذي لم يلد ولم يولد ، مَنْ الذي لم يلد ولم يولَد؟ الذي لم يكن له كفواً أحد .\rويقال : كاشَفَ الأسرارَ بقوله : « هو » . وكاشَفَ الأرواحَ بقوله : « الله » وكاشَفَ القلوبَ بقوله : « أحد » . وكاشَفَ نفوسَ المؤمنين بباقي السورة .\rويقال : كاشَفَ الوالهين بقوله : « هو » ، والموحَّدين بقوله : « الله » والعارفين بقوله : « أحد » والعلماء بقوله : « الصمد » ، والعقلاء بقوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } . إلى آخره .\rويقال : لمَّا بسطوا لسانَ الذمِّ في الله أمَرَ نبيَّنا بأنْ يَرُدَّ عليهم فقال : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } . أي ذُبَّ عني ما قالوا ، فأنت أولى بذلك . وحينما بسطوا لسان الذمِّ في النبيِّ A تولَّى الحقُّ الردَّ عليهم . فقال : { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم : 1 ، 2 ] وقال : { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } [ النجم : 1 2 ] أي أنا أذبُّ عنك؛ فأنا أولى بذلك منك .\rويقال : خاطَبَ الذين هم خاص الخواص بقوله : « هو » فاستقلوا ، ثم زاد لمن نزل عنهم فقال : « الله » ، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم .\rفقال : « أحدٌ » ثم لمن نزل عنهم فقال : « الصمد » .\rويقال : الصمدُ الذي ليس عند الخَلْقُ منه إلا الاسم والصفة .\rويقال : الصمدُ الذي تقدَّس عن إحاطةِ عِلْمِ المخلوقِ به وعن إدراك بَصَرهم له ، وعن إشرافِ معارفهم عليه .\rويقال : تقدَّسَ بصمديته عن وقوف المعارف عليه .\rويقال : تنَزَّه عن وقوف العقول عليه .","part":8,"page":113},{"id":3614,"text":"قوله جل ذكره : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ } .\rأي امتنع واعتصم بربِّ الفَلَقَ . والفلقُ الصُّبْحُ .\rويقال : هو الخَلْقُ كلُّهم وقيل الفَلَقُ وادٍ في جهنم .\r{ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ } .\rأي من الشرور كلِّها .\r{ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } .\rقيل : الليلُ إذا دخَلَ . وفي خبرٍ ، أنه A أخذ بيد عائشة ونَظَرَ إلى القمر فقال : « يا عائشة ، تَعَوَّذِي بالله من شرِّ هذا فإنه الغاسقُ إذا وقب » .\r{ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ } .\rوهن السواحر اللواتي ينفخن في عُقَد الخيط ( عند الرُّقية ) ويوهمنَّ إدخال الضرْرِ بذلك .\r{ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } .\rوالحَسَدُ شرُّ الأخلاق .\rوفي السورة تعليمُ استدفاع الشرور من الله . ومَنْ صَحَّ توكُّلُه على الله فهو الذي صحَّ تحقُّقُه بالله ، فإذا توكَّلَ لم يُوَفِّقْه اللَّهُ للتوكُّلِ إلاَّ والمعلومُ من حاله أنه يكفيه ما توكَّلَ به عليه؛ وإنَّ العبدَ به حاجةٌ إلى دَفْعِ البلاء عنه - فإن أخَذَ في التحرُّز من تدبيره وحَوْله وقُوَّته ، وفَهْمِه وبصيرته في كلِّ وقتٍ استراح من تعب تردُّدِ القلبِ في التدبير ، وعن قريبٍ يُرَقَّى إلى حالة الرضا . . كُفِيَ مُرَادَه أم لا . وعند ذلك الملك الأعظم ، فهو بظاهره لا يفتر عن الاستعاذه ، وبقلبه لا يخلو من التسليم والرضا .","part":8,"page":114},{"id":3615,"text":"قوله جل ذكره : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } .\rأعتصِمْ بربِّ الناسِ خالقِهِم وسيَّدِهم .\r{ مَلِكَ النَّاسِ } .\rأي مالكهم جميعهم .\r{ إِلَهِ النَّاسِ } .\rالقادِر على إيجادهم .\r{ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } .\rمن حديثِ النَّفْسِ بما هو كالصوتِ الخفيِّ .\rويقال : مِنْ شرِّ الوسواس .\rويقال : من شرِّ الوسوسة التي تكون بين الجِنَّةِ والناس .\r« والخنَّاس » الذي يغيب ويخنس عن ذِكْرِ الله . وهو من أوصاف الشيطان . { الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صَدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } .\rقيل : « الناس » يقع لفظها على الجنِّ والإنْسِ جميعاً - كما قال تعالى : { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ } [ الأحقاف : 29 ] فسمَّاهم نفراً ، وكما قال :\r{ يعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ } [ الجن : 6 ] فسمَّاهم رجالاً . . فعلى هذا استعاذ من الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس ، والشيطانُ الذي له تسلُّطٌ على الناسِ كالوسواس؛ فللنَّفْس من قِبَلِ العبد هواجسُ ، وهواجِسُ ، وهواجِسُ النَّفْسِ ووساوسُ الشيطانِ يتقاربان؛ إذ إن يدعو إلى متابعة الشهوة أو الضلالة في الدين أو إلى ارتكاب المعصية ، أو إلى الخصال الذميمة - فهو نتيجة الوساوس والهواجس .\rوبالعلم يُمَيَّزُ الإلهام وبين الخواطِر الصحيحة وبين الوساوس .\r( ومما تجب معرفته ) أن الشيطان إذا دعا إلى محظورٍ فإن خالَفْتَه يَدَعْ ذلك ( ثم ) يدعوك إلى مععصيةٍ أخرى؛ إذ لا غََرَضَ له إلا الإقامة على دعائك ( . . . ) غير مختلفة .","part":8,"page":115}],"titles":[{"id":1,"title":"الفاتحة","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":5,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":9,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":10,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":13,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":16,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":36,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":51,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":54,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":57,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":60,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":62,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":63,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":66,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":67,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":77,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":78,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":79,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":81,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":89,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":90,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":93,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":96,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":100,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":101,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":106,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":107,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":109,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":110,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":111,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":112,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":114,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":115,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":118,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":120,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":122,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":123,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":127,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":129,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":132,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":134,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":135,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":137,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":139,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":141,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":143,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":144,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":145,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":146,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":148,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":150,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":154,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":155,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":158,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"167","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":"169","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":163,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":164,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":165,"title":"173","lvl":2,"sub":0},{"id":166,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":167,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":169,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":170,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":171,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":172,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":173,"title":"182","lvl":2,"sub":0},{"id":174,"title":"183","lvl":2,"sub":0},{"id":175,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":176,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":177,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":178,"title":"187","lvl":2,"sub":0},{"id":179,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":180,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":181,"title":"190","lvl":2,"sub":0},{"id":182,"title":"191","lvl":2,"sub":0},{"id":183,"title":"192","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"193","lvl":2,"sub":0},{"id":185,"title":"194","lvl":2,"sub":0},{"id":186,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":187,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":189,"title":"197","lvl":2,"sub":0},{"id":190,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":191,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":192,"title":"201","lvl":2,"sub":0},{"id":193,"title":"202","lvl":2,"sub":0},{"id":194,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":195,"title":"204","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":"205","lvl":2,"sub":0},{"id":197,"title":"206","lvl":2,"sub":0},{"id":198,"title":"207","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"208","lvl":2,"sub":0},{"id":200,"title":"209","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"210","lvl":2,"sub":0},{"id":202,"title":"211","lvl":2,"sub":0},{"id":203,"title":"212","lvl":2,"sub":0},{"id":204,"title":"213","lvl":2,"sub":0},{"id":205,"title":"214","lvl":2,"sub":0},{"id":206,"title":"215","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":"216","lvl":2,"sub":0},{"id":208,"title":"217","lvl":2,"sub":0},{"id":209,"title":"218","lvl":2,"sub":0},{"id":210,"title":"219","lvl":2,"sub":0},{"id":211,"title":"221","lvl":2,"sub":0},{"id":212,"title":"222","lvl":2,"sub":0},{"id":213,"title":"223","lvl":2,"sub":0},{"id":214,"title":"224","lvl":2,"sub":0},{"id":215,"title":"225","lvl":2,"sub":0},{"id":216,"title":"226","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"227","lvl":2,"sub":0},{"id":218,"title":"228","lvl":2,"sub":0},{"id":219,"title":"229","lvl":2,"sub":0},{"id":220,"title":"230","lvl":2,"sub":0},{"id":221,"title":"231","lvl":2,"sub":0},{"id":222,"title":"232","lvl":2,"sub":0},{"id":223,"title":"233","lvl":2,"sub":0},{"id":224,"title":"234","lvl":2,"sub":0},{"id":225,"title":"235","lvl":2,"sub":0},{"id":226,"title":"236","lvl":2,"sub":0},{"id":227,"title":"237","lvl":2,"sub":0},{"id":228,"title":"238","lvl":2,"sub":0},{"id":229,"title":"239","lvl":2,"sub":0},{"id":230,"title":"240","lvl":2,"sub":0},{"id":231,"title":"241","lvl":2,"sub":0},{"id":232,"title":"242","lvl":2,"sub":0},{"id":233,"title":"243","lvl":2,"sub":0},{"id":234,"title":"244","lvl":2,"sub":0},{"id":235,"title":"245","lvl":2,"sub":0},{"id":236,"title":"246","lvl":2,"sub":0},{"id":237,"title":"247","lvl":2,"sub":0},{"id":238,"title":"248","lvl":2,"sub":0},{"id":239,"title":"249","lvl":2,"sub":0},{"id":240,"title":"250","lvl":2,"sub":0},{"id":241,"title":"251","lvl":2,"sub":0},{"id":242,"title":"252","lvl":2,"sub":0},{"id":243,"title":"253","lvl":2,"sub":0},{"id":244,"title":"254","lvl":2,"sub":0},{"id":245,"title":"255","lvl":2,"sub":0},{"id":246,"title":"256","lvl":2,"sub":0},{"id":247,"title":"257","lvl":2,"sub":0},{"id":248,"title":"258","lvl":2,"sub":0},{"id":249,"title":"259","lvl":2,"sub":0},{"id":250,"title":"260","lvl":2,"sub":0},{"id":251,"title":"261","lvl":2,"sub":0},{"id":252,"title":"262","lvl":2,"sub":0},{"id":253,"title":"263","lvl":2,"sub":0},{"id":254,"title":"264","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"265","lvl":2,"sub":0},{"id":256,"title":"267","lvl":2,"sub":0},{"id":257,"title":"268","lvl":2,"sub":0},{"id":258,"title":"269","lvl":2,"sub":0},{"id":259,"title":"270","lvl":2,"sub":0},{"id":260,"title":"271","lvl":2,"sub":0},{"id":261,"title":"272","lvl":2,"sub":0},{"id":262,"title":"273","lvl":2,"sub":0},{"id":263,"title":"274","lvl":2,"sub":0},{"id":264,"title":"275","lvl":2,"sub":0},{"id":265,"title":"276","lvl":2,"sub":0},{"id":266,"title":"277","lvl":2,"sub":0},{"id":267,"title":"278","lvl":2,"sub":0},{"id":268,"title":"279","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"280","lvl":2,"sub":0},{"id":270,"title":"281","lvl":2,"sub":0},{"id":271,"title":"282","lvl":2,"sub":0},{"id":272,"title":"284","lvl":2,"sub":0},{"id":273,"title":"285","lvl":2,"sub":0},{"id":274,"title":"286","lvl":2,"sub":0},{"id":275,"title":"آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":275,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":276,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":277,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":278,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":280,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":281,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":283,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":284,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":285,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":286,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":287,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":288,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":289,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":290,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":291,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":292,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":293,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":294,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":295,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":297,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":298,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":299,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":300,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":301,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":302,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":303,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":304,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":305,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":306,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":307,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":308,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":309,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":310,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":311,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":312,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":313,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":314,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":315,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":316,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":318,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":319,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":320,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":322,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":323,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":324,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":325,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":327,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":328,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":331,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":332,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":334,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":335,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":336,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":337,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":338,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":340,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":341,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":342,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":344,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":345,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":346,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":347,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":348,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":349,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":350,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":351,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":352,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":353,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":354,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":355,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":356,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":357,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":360,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":361,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":362,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":363,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":364,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":365,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":366,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":367,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":368,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":369,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":371,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":372,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":373,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":374,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":375,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":376,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":377,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":378,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":379,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":380,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":381,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":382,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":383,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":384,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":385,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":386,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":387,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":388,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":389,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":390,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":391,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":392,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":393,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":394,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":395,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":396,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":397,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":398,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":399,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":400,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":401,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":402,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":403,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":404,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":405,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":406,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":408,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":409,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":410,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":411,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":412,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":413,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":414,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":415,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":416,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":417,"title":"169","lvl":2,"sub":0},{"id":418,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":419,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":420,"title":"173","lvl":2,"sub":0},{"id":421,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":422,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":423,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":424,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":425,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":426,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":427,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":429,"title":"183","lvl":2,"sub":0},{"id":430,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":432,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":433,"title":"187","lvl":2,"sub":0},{"id":434,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":435,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":436,"title":"190","lvl":2,"sub":0},{"id":438,"title":"192","lvl":2,"sub":0},{"id":439,"title":"193","lvl":2,"sub":0},{"id":440,"title":"194","lvl":2,"sub":0},{"id":441,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":442,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":443,"title":"198","lvl":2,"sub":0},{"id":444,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":445,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":446,"title":"النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":446,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":447,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":449,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":450,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":451,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":452,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":453,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":454,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":455,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":456,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":457,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":458,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":459,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":460,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":461,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":462,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":463,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":464,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":465,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":466,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":467,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":468,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":469,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":470,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":471,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":472,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":473,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":474,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":475,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":476,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":477,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":478,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":479,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":480,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":481,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":482,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":483,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":484,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":486,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":487,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":488,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":489,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":490,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":491,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":492,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":494,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":495,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":497,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":501,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":504,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":505,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":507,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":510,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":511,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":512,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":514,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":516,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":517,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":518,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":519,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":520,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":522,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":523,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":525,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":526,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":527,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":531,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":533,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":534,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":535,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":538,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":539,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":540,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":542,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":543,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":544,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":545,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":546,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":547,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":548,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":549,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":550,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":553,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":554,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":555,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":556,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":557,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":558,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":559,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":560,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":562,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":563,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":564,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":565,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":566,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":567,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":568,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":569,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":570,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":572,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":573,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":574,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":575,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":576,"title":"167","lvl":2,"sub":0},{"id":577,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":578,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":579,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":580,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":581,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":582,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":584,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":585,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":587,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":588,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":589,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":590,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":591,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":592,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":593,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":594,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":596,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":597,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":598,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":599,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":600,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":601,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":602,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":604,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":605,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":606,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":607,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":608,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":609,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":610,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":611,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":612,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":613,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":614,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":615,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":616,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":617,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":618,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":619,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":620,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":621,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":622,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":623,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":624,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":625,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":626,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":627,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":628,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":629,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":630,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":631,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":632,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":633,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":634,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":635,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":637,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":638,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":639,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":640,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":641,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":642,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":643,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":644,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":645,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":646,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":647,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":648,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":649,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":650,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":651,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":652,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":653,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":656,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":657,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":658,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":659,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":660,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":661,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":662,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":663,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":664,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":665,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":667,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":668,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":669,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":670,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":671,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":673,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":675,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":676,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":677,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":678,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":679,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":680,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":681,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":683,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":684,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":686,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":687,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":688,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":690,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":691,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":692,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":693,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":695,"title":"الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":695,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":696,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":697,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":698,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":700,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":701,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":702,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":703,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":704,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":705,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":706,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":707,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":709,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":710,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":711,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":713,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":714,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":715,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":716,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":717,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":718,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":719,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":721,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":722,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":724,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":726,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":727,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":728,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":730,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":731,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":732,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":733,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":735,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":736,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":738,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":739,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":740,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":742,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":743,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":744,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":745,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":747,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":748,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":749,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":750,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":751,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":752,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":753,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":755,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":756,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":757,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":759,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":760,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":761,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":762,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":763,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":764,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":765,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":766,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":767,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":768,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":769,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":770,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":771,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":772,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":773,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":774,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":775,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":776,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":777,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":778,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":779,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":780,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":781,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":782,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":784,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":785,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":786,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":787,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":788,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":789,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":790,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":791,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":792,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":793,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":794,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":795,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":796,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":797,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":798,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":799,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":800,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":801,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":802,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":803,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":804,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":805,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":806,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":807,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":808,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":809,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":810,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":811,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":812,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":813,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":814,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":815,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":816,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":817,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":818,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":819,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":820,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":821,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":822,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":823,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":824,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":825,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":826,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":827,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":828,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":829,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":830,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":831,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":832,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":833,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":834,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":835,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":836,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":837,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":838,"title":"الأعراف","lvl":1,"sub":0},{"id":838,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":839,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":840,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":842,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":843,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":844,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":845,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":846,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":847,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":848,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":849,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":850,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":851,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":852,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":853,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":854,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":855,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":856,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":857,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":858,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":859,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":860,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":861,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":863,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":864,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":865,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":866,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":867,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":868,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":869,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":870,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":871,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":872,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":873,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":874,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":875,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":876,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":877,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":878,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":879,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":880,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":881,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":882,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":883,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":884,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":885,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":886,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":887,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":888,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":889,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":890,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":891,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":892,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":893,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":894,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":895,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":896,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":897,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":898,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":899,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":900,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":901,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":902,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":903,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":904,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":905,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":906,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":907,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":908,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":909,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":910,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":911,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":912,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":914,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":915,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":916,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":917,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":918,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":919,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":920,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":921,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":922,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":923,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":924,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":926,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":927,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":928,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":929,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":930,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":931,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":932,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":933,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":934,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":935,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":936,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":938,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":939,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":940,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":941,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":942,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":943,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":944,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":945,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":946,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":947,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":948,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":949,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":950,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":951,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":952,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":953,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":954,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":955,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":956,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":957,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":958,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":959,"title":"167","lvl":2,"sub":0},{"id":960,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":961,"title":"169","lvl":2,"sub":0},{"id":962,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":963,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":964,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":966,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":967,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":968,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":970,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":971,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":972,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":973,"title":"182","lvl":2,"sub":0},{"id":974,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":975,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":976,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":977,"title":"187","lvl":2,"sub":0},{"id":978,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":979,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":980,"title":"190","lvl":2,"sub":0},{"id":981,"title":"191","lvl":2,"sub":0},{"id":982,"title":"193","lvl":2,"sub":0},{"id":983,"title":"194","lvl":2,"sub":0},{"id":984,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":985,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"198","lvl":2,"sub":0},{"id":987,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":988,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":989,"title":"201","lvl":2,"sub":0},{"id":990,"title":"202","lvl":2,"sub":0},{"id":991,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"204","lvl":2,"sub":0},{"id":993,"title":"205","lvl":2,"sub":0},{"id":994,"title":"206","lvl":2,"sub":0},{"id":995,"title":"الأنفال","lvl":1,"sub":0},{"id":995,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":998,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":999,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1000,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1001,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1003,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1004,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1005,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1008,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1009,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1010,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1011,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1012,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1013,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1014,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1015,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1016,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1017,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1018,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1019,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1020,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1021,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1022,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1023,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1024,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1025,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1026,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1027,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1028,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1029,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1030,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1031,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1032,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1033,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1034,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1035,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1036,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1037,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1038,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1039,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1040,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1041,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1044,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1045,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1046,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1047,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1048,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1049,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1050,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1051,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1052,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1053,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1054,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1056,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1058,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1059,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1060,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1062,"title":"التوبة","lvl":1,"sub":0},{"id":1062,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1063,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1064,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1065,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1066,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1067,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1068,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1069,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1070,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1072,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1073,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1074,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1075,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1076,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1077,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1078,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1079,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1080,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1081,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1082,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1084,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1085,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1086,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1087,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1088,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1090,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1091,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1092,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1093,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1094,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1095,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1097,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1098,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1101,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1104,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1105,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1107,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1108,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1109,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1110,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1111,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1112,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1113,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1114,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1115,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1116,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1117,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1119,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1120,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1122,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1123,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1124,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1125,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1126,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1127,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1128,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1129,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1130,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1131,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1132,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1133,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1134,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1135,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1136,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1137,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1138,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1139,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1140,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1141,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1142,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1143,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1144,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1145,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1146,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1147,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1148,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1149,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1150,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1151,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1152,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1153,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1154,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1155,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1156,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1157,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1158,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1159,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1160,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1161,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1162,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1163,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1164,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1165,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1166,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1167,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1168,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1169,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1170,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1172,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1174,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1175,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1176,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":1177,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":1178,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":1179,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1180,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":1181,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":1182,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":1183,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":1184,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":1185,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":1186,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":1187,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":1188,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":1189,"title":"يونس","lvl":1,"sub":0},{"id":1189,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1190,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1191,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1192,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1193,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1194,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1195,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1196,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1197,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1198,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1199,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1200,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1201,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1202,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1203,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1204,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1205,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1206,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1207,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1208,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1209,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1210,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1211,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1212,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1213,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1214,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1215,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1216,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1217,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1218,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1219,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1220,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1221,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1222,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1223,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1224,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1225,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1226,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1227,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1228,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1229,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1230,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1231,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1232,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1233,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1234,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1235,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1236,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1237,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1238,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1239,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1240,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1241,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1242,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1243,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1244,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1245,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1246,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1247,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1248,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1249,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1250,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1251,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1252,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1253,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1254,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1255,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1256,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1257,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1258,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1259,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1260,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1261,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1262,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1263,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1264,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1265,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1266,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1267,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1268,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1269,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1270,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1271,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1272,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1273,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1274,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1275,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1276,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1277,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1278,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1279,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1280,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1281,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1282,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1283,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1284,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1285,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1286,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1287,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1288,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1289,"title":"هود","lvl":1,"sub":0},{"id":1289,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1290,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1291,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1292,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1293,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1294,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1295,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1296,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1297,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1298,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1299,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1300,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1301,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1302,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1303,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1304,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1305,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1306,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1307,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1308,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1309,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1310,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1311,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1312,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1313,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1314,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1315,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1316,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1317,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1318,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1319,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1320,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1321,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1322,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1323,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1324,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1325,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1326,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1327,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1328,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1329,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1330,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1331,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1332,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1333,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1334,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1335,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1336,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1337,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1338,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1339,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1340,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1341,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1342,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1343,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1344,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1345,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1346,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1347,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1348,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1349,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1350,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1351,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1352,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1353,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1354,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1355,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1356,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1357,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1358,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1359,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1360,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1361,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1362,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1363,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1364,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1365,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1366,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1367,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1368,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1369,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1370,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1371,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1372,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1373,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1374,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1375,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1376,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1378,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1379,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1380,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1381,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1382,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1383,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1384,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":1385,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":1386,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":1387,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1388,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":1389,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":1390,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":1391,"title":"يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":1391,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1392,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1393,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1394,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1395,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1396,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1397,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1398,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1399,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1400,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1401,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1402,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1403,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1404,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1405,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1406,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1407,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1408,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1409,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1410,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1411,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1412,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1413,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1414,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1415,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1416,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1417,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1418,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1419,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1420,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1421,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1422,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1423,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1424,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1425,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1426,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1427,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1428,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1429,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1430,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1431,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1432,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1433,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1434,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1435,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1436,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1437,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1438,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1439,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1440,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1441,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1442,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1443,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1444,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1445,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1446,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1447,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1448,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1449,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1450,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1451,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1452,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1453,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1454,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1455,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1456,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1457,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1458,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1459,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1460,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1461,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1462,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1463,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1464,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1465,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1466,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1467,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1468,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1469,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1470,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1471,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1472,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1473,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1474,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1475,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1476,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1477,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1478,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1479,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1480,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1481,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1482,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1483,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1484,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1485,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1486,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1487,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1488,"title":"الرعد","lvl":1,"sub":0},{"id":1488,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1489,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1490,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1491,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1492,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1493,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1494,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1495,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1496,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1497,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1498,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1499,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1500,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1501,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1502,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1503,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1504,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1505,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1506,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1507,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1508,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1509,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1510,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1511,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1512,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1513,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1514,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1515,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1516,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1517,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1518,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1519,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1520,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1521,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1522,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1523,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1524,"title":"إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":1524,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1525,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1526,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1527,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1528,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1529,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1530,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1531,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1532,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1533,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1534,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1535,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1536,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1537,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1538,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1539,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1540,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1541,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1542,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1543,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1544,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1545,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1546,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1547,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1548,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1549,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1550,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1551,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1552,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1553,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1554,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1555,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1556,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1557,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1558,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1559,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1560,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1561,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1562,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1563,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1564,"title":"الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1564,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1565,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1566,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1567,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1568,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1569,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1570,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1571,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1572,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1573,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1574,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1575,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1576,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1577,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1578,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1579,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1580,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1581,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1582,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1583,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1584,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1585,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1586,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1587,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1588,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1589,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1590,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1591,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1592,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1593,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1594,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1595,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1596,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1597,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1598,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1599,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1600,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1601,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1602,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1603,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1604,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1605,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1606,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1607,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1608,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1609,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1610,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1611,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1612,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1613,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1614,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1615,"title":"النحل","lvl":1,"sub":0},{"id":1615,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1616,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1617,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1618,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1619,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1620,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1621,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1622,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1623,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1624,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1625,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1626,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1627,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1628,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1629,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1630,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1631,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1632,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1633,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1634,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1635,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1636,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1637,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1638,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1639,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1640,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1641,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1642,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1643,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1644,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1645,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1646,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1647,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1648,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1649,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1650,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1651,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1652,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1653,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1654,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1655,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1656,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1657,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1658,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1659,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1660,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1661,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1662,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1663,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1664,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1665,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1666,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1667,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1668,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1669,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1670,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1671,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1672,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1673,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1674,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1675,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1676,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1677,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1678,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1679,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1680,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1681,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1682,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1683,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1684,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1685,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1686,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1687,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1688,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1689,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1690,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1691,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1692,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1693,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1694,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1695,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1696,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1697,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1698,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1699,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1700,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1701,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1702,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1703,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1704,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1705,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1706,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1707,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1708,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1709,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1710,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1711,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1712,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1713,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1714,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1715,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1716,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":1717,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":1718,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1719,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":1720,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":1721,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":1722,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":1723,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":1724,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":1725,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":1726,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":1727,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":1728,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":1729,"title":"الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1729,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1730,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1731,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1732,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1733,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1734,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1735,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1736,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1737,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1738,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1739,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1740,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1741,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1742,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1743,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1744,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1745,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1746,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1747,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1748,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1749,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1750,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1751,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1752,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1753,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1754,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1755,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1756,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1757,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1758,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1759,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1760,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1761,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1762,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1763,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1764,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1765,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1766,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1767,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1768,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1769,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1770,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1771,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1772,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1773,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1774,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1775,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1776,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1777,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1778,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1779,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1780,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1781,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1782,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1783,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1784,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1785,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1786,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1787,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1788,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1789,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1790,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1791,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1792,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1793,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1794,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1795,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1796,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1797,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1798,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1799,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1800,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1801,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1802,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1803,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1804,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1805,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1806,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1807,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1808,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1809,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1810,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1811,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1812,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1813,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1814,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1815,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1816,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1817,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1818,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1819,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1820,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1821,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1822,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1823,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1824,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1825,"title":"الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":1825,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1826,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1827,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1828,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1829,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1830,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1831,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1832,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1833,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1834,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1835,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1836,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1837,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1838,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1839,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1840,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1842,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1843,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1844,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1845,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1846,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1847,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1848,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1849,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1850,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1851,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1852,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1853,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1854,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1855,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1856,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1857,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1858,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1859,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1860,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1861,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1862,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1863,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1864,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1865,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1866,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1868,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1869,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1870,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1871,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1872,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1873,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1874,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1875,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1876,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1877,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1878,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1879,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1880,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1881,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1882,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1883,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1884,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1885,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1886,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1887,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1888,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1889,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1890,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1891,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1892,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1893,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1894,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1895,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1896,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1897,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1898,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1899,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1900,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1901,"title":"مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1901,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1902,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1903,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1904,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1905,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1906,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1907,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1908,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1909,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1910,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1911,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1912,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1913,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1914,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1915,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1916,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1917,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1918,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1919,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1920,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1921,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1922,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1923,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1924,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1925,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1926,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1927,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1928,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1929,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1930,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1931,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1932,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1933,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1934,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1935,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1936,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1937,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1938,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1939,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1940,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1941,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1942,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1943,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1944,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1945,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1946,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1947,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1948,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1949,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1950,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1951,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1952,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1953,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1954,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1955,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1956,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1957,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1958,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1959,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1960,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1961,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1962,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1963,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1964,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1965,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1966,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1967,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1968,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1969,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1970,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1971,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1972,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1973,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1974,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1975,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1976,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1977,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1978,"title":"طه","lvl":1,"sub":0},{"id":1978,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1979,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1980,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1981,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1982,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1983,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1984,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1985,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1986,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1987,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1988,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1989,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1990,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1991,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1992,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1993,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1994,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1995,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1996,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1997,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1998,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1999,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2000,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2001,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2002,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2003,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2004,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2005,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2006,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2007,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2008,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2009,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2010,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2011,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2012,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2013,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2014,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2015,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2016,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2017,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2018,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2019,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2020,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2021,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2022,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2023,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2024,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":2025,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2026,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2027,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2028,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2029,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2030,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":2031,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2032,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2033,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":2034,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":2035,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":2036,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":2037,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":2038,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2039,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":2040,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":2041,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":2042,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":2043,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":2044,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":2045,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":2046,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":2047,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":2048,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":2049,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":2050,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":2051,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":2052,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":2053,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":2054,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":2055,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":2056,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":2057,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":2058,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":2059,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":2060,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":2061,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":2062,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":2063,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":2064,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":2065,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":2066,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":2067,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":2068,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":2069,"title":"الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":2069,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2070,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2071,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2072,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2073,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2074,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2075,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2076,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2077,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2078,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2079,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2080,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2081,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2082,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2083,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2084,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2085,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2086,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2087,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2088,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2089,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2090,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2091,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2092,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2093,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2094,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2095,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2096,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2097,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2098,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2099,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2100,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2101,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2102,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2103,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2104,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2105,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2106,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2107,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2108,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2109,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2110,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2111,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2112,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2113,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2114,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2115,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2116,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2117,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2118,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2119,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2120,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2121,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2122,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2123,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2124,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2125,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2126,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2127,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2128,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2129,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2130,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2131,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2132,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2133,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2134,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2135,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":2136,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2137,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2140,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2141,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2142,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":2143,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2144,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":2145,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2146,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":2147,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":2148,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":2149,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":2150,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":2151,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":2152,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2153,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":2154,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":2155,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":2156,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":2157,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":2158,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":2159,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":2160,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":2161,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":2162,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":2163,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":2164,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":2165,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":2166,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":2167,"title":"الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":2167,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2168,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2169,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2170,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2171,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2172,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2173,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2174,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2175,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2176,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2177,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2178,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2179,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2180,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2181,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2182,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2183,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2184,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2185,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2186,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2187,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2188,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2189,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2190,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2191,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2192,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2193,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2194,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2195,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2196,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2197,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2198,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2199,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2200,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2201,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2202,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2203,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2204,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2205,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2206,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2207,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2208,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2209,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2210,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2211,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2212,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2213,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2214,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2215,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2216,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2217,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2218,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2219,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2220,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2221,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2222,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2223,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2224,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2225,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2226,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2227,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2228,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2229,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2230,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2231,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2232,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2233,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2234,"title":"المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":2234,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2235,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2236,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2237,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2238,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2239,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2240,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2241,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2242,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2243,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2244,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2245,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2246,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2247,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2248,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2249,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2250,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2251,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2252,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2253,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2254,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2255,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2256,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2257,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2258,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2259,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2260,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2261,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2262,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2263,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2264,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2265,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2266,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2267,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2268,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2269,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2270,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2271,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2272,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2273,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2274,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2275,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2276,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2277,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2278,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2279,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":2280,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2281,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":2282,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2283,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2284,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":2285,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":2286,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":2287,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":2288,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2289,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":2290,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":2291,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":2292,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":2293,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":2294,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":2295,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":2296,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":2297,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":2298,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":2299,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":2300,"title":"النور","lvl":1,"sub":0},{"id":2300,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2301,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2302,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2303,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2304,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2305,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2306,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2307,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2308,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2309,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2310,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2311,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2312,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2313,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2314,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2315,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2316,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2317,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2318,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2319,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2320,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2321,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2322,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2323,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2324,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2325,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2326,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2327,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2328,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2330,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2331,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2332,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2333,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2334,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2335,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2336,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2337,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2338,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2339,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2340,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2341,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2342,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2343,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2344,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2345,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2346,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2347,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2348,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2349,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2350,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2351,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2352,"title":"الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":2352,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2353,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2354,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2355,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2356,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2357,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2358,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2359,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2360,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2361,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2362,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2363,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2364,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2365,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2366,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2367,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2368,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2369,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2370,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2371,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2372,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2373,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2374,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2375,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2376,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2377,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2378,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2379,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2380,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2381,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2382,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2383,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2384,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2385,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2386,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2387,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2388,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2389,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2391,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2392,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2393,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2394,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2395,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2396,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2397,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2398,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2399,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2400,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2401,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2402,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2403,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2404,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2405,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2406,"title":"الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":2406,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2407,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2408,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2409,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2410,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2411,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2412,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2413,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2414,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2415,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2416,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2417,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2418,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2419,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2420,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2421,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2422,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2423,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2424,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2425,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2426,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2427,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":2428,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2429,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":2430,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2431,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2432,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2433,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2434,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":2435,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2436,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2437,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2438,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":2439,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":2440,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":2441,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":2442,"title":"192","lvl":2,"sub":0},{"id":2443,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":2444,"title":"205","lvl":2,"sub":0},{"id":2445,"title":"212","lvl":2,"sub":0},{"id":2446,"title":"214","lvl":2,"sub":0},{"id":2447,"title":"215","lvl":2,"sub":0},{"id":2448,"title":"216","lvl":2,"sub":0},{"id":2449,"title":"217","lvl":2,"sub":0},{"id":2450,"title":"218","lvl":2,"sub":0},{"id":2451,"title":"219","lvl":2,"sub":0},{"id":2452,"title":"220","lvl":2,"sub":0},{"id":2453,"title":"221","lvl":2,"sub":0},{"id":2454,"title":"224","lvl":2,"sub":0},{"id":2455,"title":"227","lvl":2,"sub":0},{"id":2456,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2456,"title":"النمل","lvl":1,"sub":0},{"id":2457,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2458,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2459,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2460,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2461,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2462,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2463,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2464,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2465,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2466,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2467,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2468,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2469,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2470,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2471,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2472,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2473,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2474,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2475,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2476,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2477,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2478,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2479,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2480,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2481,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2482,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2483,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2484,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2485,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2486,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2487,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2488,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2489,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2490,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2491,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2492,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2493,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2494,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2495,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2496,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2497,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2498,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2499,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2500,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2501,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2502,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2503,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2504,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2505,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2506,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2507,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2508,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2509,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":2510,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2511,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":2512,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2513,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2514,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2515,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2516,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":2517,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2518,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":2519,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":2520,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":2521,"title":"القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":2521,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2522,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2523,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2524,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2525,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2526,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2527,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2528,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2529,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2530,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2531,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2532,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2533,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2534,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2535,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2536,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2537,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2538,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2539,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2540,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2541,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2542,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2543,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2544,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2545,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2546,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2547,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2548,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2549,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2550,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2551,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2552,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2553,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2554,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2555,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2556,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2557,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2558,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2559,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2560,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2561,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2562,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2563,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2564,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2565,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2566,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2567,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2568,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2569,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2570,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2571,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2572,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2573,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2574,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":2575,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2576,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2577,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2578,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2579,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2580,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":2581,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2582,"title":"العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":2582,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2583,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2584,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2585,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2586,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2587,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2588,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2589,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2590,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2591,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2592,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2593,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2594,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2595,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2596,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2597,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2598,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2599,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2600,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2601,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2602,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2603,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2604,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2605,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2606,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2607,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2608,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2609,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2610,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2611,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2612,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2613,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2614,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2615,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2616,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2617,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2618,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2619,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2620,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2621,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2622,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2623,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2624,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2625,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2626,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2627,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2628,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2629,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2630,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2631,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2632,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2633,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2634,"title":"الروم","lvl":1,"sub":0},{"id":2634,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2635,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2636,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2637,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2638,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2639,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2640,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2641,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2642,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2643,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2644,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2645,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2646,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2647,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2648,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2649,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2650,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2651,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2652,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2653,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2654,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2655,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2656,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2657,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2658,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2659,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2660,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2661,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2662,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2663,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2664,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2665,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2666,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2667,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2668,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2669,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2670,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2671,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2672,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2673,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2674,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2675,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2676,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2677,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2678,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2679,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2680,"title":"لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":2680,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2681,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2682,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2683,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2684,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2685,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2686,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2687,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2688,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2689,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2690,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2691,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2692,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2693,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2694,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2695,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2696,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2697,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2698,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2699,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2700,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2701,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2702,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2703,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2704,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2705,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2706,"title":"السجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":2706,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2707,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2708,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2709,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2710,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2711,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2712,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2713,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2714,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2715,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2716,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2717,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2718,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2719,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2720,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2721,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2722,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2723,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2724,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2725,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2726,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2727,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2728,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2729,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2730,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2731,"title":"الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":2731,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2732,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2733,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2734,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2735,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2736,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2737,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2738,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2739,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2740,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2741,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2742,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2743,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2744,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2745,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2746,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2747,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2748,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2749,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2750,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2751,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2752,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2753,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2754,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2755,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2756,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2757,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2758,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2759,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2760,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2761,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2762,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2763,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2764,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2765,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2766,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2767,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2768,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2769,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2770,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2771,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2772,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2773,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2774,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2775,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2776,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2777,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2778,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2779,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2780,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2781,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2782,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2783,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2784,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2785,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2786,"title":"سبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":2786,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2787,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2788,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2789,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2790,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2791,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2792,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2793,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2794,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2795,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2796,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2797,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2798,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2799,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2800,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2801,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2802,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2803,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2804,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2805,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2806,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2807,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2808,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2809,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2810,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2811,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2812,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2813,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2814,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2815,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2816,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2817,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2818,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2819,"title":"فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":2819,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2820,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2821,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2822,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2823,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2824,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2825,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2826,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2827,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2828,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2829,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2830,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2831,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2832,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2833,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2834,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2835,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2836,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2837,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2838,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2839,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2840,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2841,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2842,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2844,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2845,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2846,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2847,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2848,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2849,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2850,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2851,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2852,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2853,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2854,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2855,"title":"يس","lvl":1,"sub":0},{"id":2855,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2856,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2857,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2858,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2859,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2860,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2861,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2862,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2863,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2864,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2865,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2866,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2867,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2868,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2869,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2870,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2871,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2872,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2873,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2874,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2875,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2876,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2877,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2878,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2879,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2880,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2881,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2882,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2883,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2884,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2885,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2886,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2887,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2888,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2889,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2890,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2891,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2892,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2893,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2894,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2895,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2896,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2897,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2898,"title":"الصافات","lvl":1,"sub":0},{"id":2898,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2899,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2900,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2901,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2902,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2903,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2904,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2905,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2906,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2907,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2908,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2909,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2910,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2911,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2912,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2913,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2914,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2915,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2916,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2917,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2918,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2919,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2920,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2921,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2922,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2923,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2924,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2925,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2926,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2927,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2928,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2929,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2930,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2931,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":2932,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2933,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2934,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":2935,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":2936,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":2937,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":2938,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":2939,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":2940,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":2941,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":2942,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":2943,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":2944,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":2945,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":2946,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":2947,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":2948,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":2949,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":2950,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":2951,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":2952,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":2953,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":2954,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":2955,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":2956,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":2957,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":2958,"title":"ص","lvl":1,"sub":0},{"id":2958,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2959,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2960,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2961,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2962,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2963,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2964,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2965,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2966,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2967,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2968,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2969,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2970,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2971,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2972,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2973,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2974,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2975,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2976,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2977,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2978,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2979,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2980,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2981,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2982,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2983,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2984,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2985,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2986,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2987,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2988,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2989,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2990,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2991,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2992,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2993,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2994,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2995,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2996,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2997,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2998,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2999,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":3000,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":3001,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":3003,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":3004,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":3005,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":3006,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":3007,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":3008,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":3009,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":3010,"title":"الزمر","lvl":1,"sub":0},{"id":3010,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3011,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3012,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3013,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3014,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3015,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3016,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3017,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3018,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3019,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3020,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3021,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3022,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3023,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3024,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3025,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3026,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3027,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3028,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3029,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3030,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3031,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3032,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3033,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3034,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3035,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":3036,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3037,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3038,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3039,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3040,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":3041,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3042,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":3043,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3044,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":3045,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":3046,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3047,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3048,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":3049,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":3050,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":3051,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":3052,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":3053,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":3054,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":3055,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":3056,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":3057,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":3058,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":3059,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":3060,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":3061,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":3062,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":3063,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":3064,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":3065,"title":"غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":3065,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3066,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3067,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3068,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3069,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3070,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3071,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3072,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3073,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3074,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3075,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3076,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3077,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3078,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3079,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3080,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3081,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3082,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3083,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3084,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3085,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3086,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3087,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3088,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3089,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":3090,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3091,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3092,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3093,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3094,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":3095,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3096,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":3097,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":3098,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":3099,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3100,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":3101,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":3102,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":3103,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":3104,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":3105,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":3106,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":3107,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":3108,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":3109,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":3110,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":3111,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":3112,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":3113,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":3114,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":3115,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":3116,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":3117,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":3118,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":3119,"title":"فصلت","lvl":1,"sub":0},{"id":3119,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3120,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3121,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3122,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3123,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3124,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3125,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3126,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3127,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3128,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3129,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3130,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3131,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3132,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3133,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3134,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3135,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3136,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3137,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3138,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3139,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3140,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3141,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3142,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3143,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":3144,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3145,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3146,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3147,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3148,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":3149,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3150,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3151,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":3152,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3153,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":3154,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":3155,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":3156,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":3157,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3158,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":3159,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":3160,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":3161,"title":"الشورى","lvl":1,"sub":0},{"id":3161,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3162,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3163,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3164,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3165,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3166,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3167,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3168,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3169,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3170,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3171,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3172,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3173,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3174,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3175,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3176,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3177,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3178,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3179,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3180,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3181,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3182,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3183,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3184,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3185,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3186,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3187,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3188,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3189,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":3190,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3191,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3192,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3193,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":3194,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3195,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3196,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3197,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":3198,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":3199,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3200,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3201,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":3202,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":3203,"title":"الزخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":3203,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3204,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3205,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3206,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3207,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3208,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3209,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3210,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3211,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3212,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3213,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3214,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3215,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3216,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3217,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3218,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3219,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3220,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3221,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":3222,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":3223,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":3224,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":3225,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":3226,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":3227,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":3228,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":3229,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":3230,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":3231,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":3232,"title":"الدخان","lvl":1,"sub":0},{"id":3232,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3233,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3234,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3235,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3236,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3237,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3238,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3239,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3240,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3241,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3242,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":3243,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":3244,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":3245,"title":"الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":3245,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3246,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3247,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3248,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3249,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3250,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3251,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3252,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3253,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3254,"title":"الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":3254,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3255,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3256,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3257,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3258,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3259,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3260,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3261,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3262,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3263,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3264,"title":"محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":3264,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3265,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3266,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3267,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3268,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3269,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3270,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3271,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3272,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3273,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3274,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3275,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3276,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3277,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3278,"title":"الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":3278,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3279,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3280,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3281,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3282,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3283,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3284,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3285,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3286,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3287,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3288,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3289,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3290,"title":"الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":3290,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3291,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3292,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3293,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3294,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3295,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3296,"title":"ق","lvl":1,"sub":0},{"id":3296,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3297,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3298,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3299,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3300,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3301,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3302,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3303,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3304,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3305,"title":"الذاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":3305,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3306,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3307,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3308,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3309,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3310,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3311,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3312,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":3313,"title":"الطور","lvl":1,"sub":0},{"id":3313,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3314,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3315,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3316,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3317,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3318,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3319,"title":"النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":3319,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3320,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3321,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3322,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3323,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3324,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3325,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3326,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3327,"title":"القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":3327,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3328,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3329,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3330,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3331,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3332,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3333,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3334,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":3335,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3336,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3337,"title":"الرحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":3337,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3338,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3339,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3340,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3341,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3342,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3343,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3344,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3345,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3346,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3347,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3348,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3349,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3350,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":3351,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3352,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3353,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":3354,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3355,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":3356,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":3358,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":3359,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":3360,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":3361,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":3362,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":3363,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":3364,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":3365,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":3366,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":3367,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":3368,"title":"الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3368,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3369,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3370,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3371,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3372,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3373,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":3374,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":3375,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":3376,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":3377,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":3378,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":3379,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":3380,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":3381,"title":"الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":3381,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3382,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3383,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3384,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3385,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3386,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3387,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3388,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3389,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3390,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3391,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3392,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3393,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3394,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3395,"title":"المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":3395,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3396,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3397,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3398,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3399,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3400,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3401,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3402,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3403,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3404,"title":"الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":3404,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3405,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3406,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3407,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3408,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3409,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3410,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3411,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3412,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3413,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3414,"title":"الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":3414,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3415,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3416,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3417,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3418,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3419,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3420,"title":"الصف","lvl":1,"sub":0},{"id":3420,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3421,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3422,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3423,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3424,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3425,"title":"الجمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3425,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3426,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3427,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3428,"title":"المنافقون","lvl":1,"sub":0},{"id":3428,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3429,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3430,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3431,"title":"التغابن","lvl":1,"sub":0},{"id":3431,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3432,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3433,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3434,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3435,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3436,"title":"الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":3436,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3437,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3438,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3439,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3440,"title":"التحريم","lvl":1,"sub":0},{"id":3440,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3441,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3442,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3443,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3444,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3445,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3446,"title":"الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":3446,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3447,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3448,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3449,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3450,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3451,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3452,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3453,"title":"القلم","lvl":1,"sub":0},{"id":3453,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3454,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3455,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3456,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3457,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3458,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3459,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3460,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":3461,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":3462,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":3463,"title":"الحاقة","lvl":1,"sub":0},{"id":3463,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3464,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3465,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3466,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3467,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3468,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3469,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":3470,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3471,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3471,"title":"المعارج","lvl":1,"sub":0},{"id":3472,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3473,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3474,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3475,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3476,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3477,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3478,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":3479,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3480,"title":"نوح","lvl":1,"sub":0},{"id":3480,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3481,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3482,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3483,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3484,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3485,"title":"الجن","lvl":1,"sub":0},{"id":3485,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3486,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3487,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3488,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3489,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3490,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3491,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3492,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3493,"title":"المزمل","lvl":1,"sub":0},{"id":3493,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3494,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3495,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3496,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3497,"title":"المدثر","lvl":1,"sub":0},{"id":3497,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3498,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3499,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3500,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3501,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":3502,"title":"القيامة","lvl":1,"sub":0},{"id":3502,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3503,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3504,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3505,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3506,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3507,"title":"الإنسان","lvl":1,"sub":0},{"id":3507,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3508,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3509,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3510,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3512,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3513,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3514,"title":"المرسلات","lvl":1,"sub":0},{"id":3514,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3515,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3516,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3517,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3518,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3519,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3520,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3521,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3522,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3523,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":3524,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3525,"title":"النبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":3525,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3526,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3527,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3528,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3529,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3530,"title":"النازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":3530,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3531,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3532,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3533,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3534,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3535,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3536,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3537,"title":"عبس","lvl":1,"sub":0},{"id":3537,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3538,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3539,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3540,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3541,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3542,"title":"التكوير","lvl":1,"sub":0},{"id":3542,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3543,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3544,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3545,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3546,"title":"الإنفطار","lvl":1,"sub":0},{"id":3546,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3547,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3548,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3549,"title":"المطففين","lvl":1,"sub":0},{"id":3549,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3550,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3551,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3552,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3553,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3554,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3555,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":3556,"title":"الإنشقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":3556,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3557,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3558,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3559,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3560,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3561,"title":"البروج","lvl":1,"sub":0},{"id":3561,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3562,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3563,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3564,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3565,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3566,"title":"الطارق","lvl":1,"sub":0},{"id":3566,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3567,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3568,"title":"الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":3568,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3569,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3570,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3571,"title":"الغاشية","lvl":1,"sub":0},{"id":3571,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3572,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3573,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3574,"title":"الفجر","lvl":1,"sub":0},{"id":3574,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3575,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3576,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3577,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3578,"title":"البلد","lvl":1,"sub":0},{"id":3578,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3579,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3580,"title":"الشمس","lvl":1,"sub":0},{"id":3580,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3581,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3582,"title":"الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":3582,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3583,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3584,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3585,"title":"الضحى","lvl":1,"sub":0},{"id":3585,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3586,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3587,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3588,"title":"الشرح","lvl":1,"sub":0},{"id":3588,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3589,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3590,"title":"التين","lvl":1,"sub":0},{"id":3590,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3591,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3592,"title":"العلق","lvl":1,"sub":0},{"id":3592,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3593,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3594,"title":"القدر","lvl":1,"sub":0},{"id":3594,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3595,"title":"البينة","lvl":1,"sub":0},{"id":3595,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3596,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3597,"title":"الزلزلة","lvl":1,"sub":0},{"id":3597,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3598,"title":"العاديات","lvl":1,"sub":0},{"id":3598,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3599,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3600,"title":"القارعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3600,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3601,"title":"التكاثر","lvl":1,"sub":0},{"id":3601,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3602,"title":"العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":3602,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3603,"title":"الهمزة","lvl":1,"sub":0},{"id":3603,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3604,"title":"الفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":3604,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3605,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3606,"title":"قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":3606,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3607,"title":"الماعون","lvl":1,"sub":0},{"id":3607,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3608,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3609,"title":"الكوثر","lvl":1,"sub":0},{"id":3609,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3610,"title":"الكافرون","lvl":1,"sub":0},{"id":3610,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3611,"title":"النصر","lvl":1,"sub":0},{"id":3611,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3612,"title":"المسد","lvl":1,"sub":0},{"id":3612,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3613,"title":"الإخلاص","lvl":1,"sub":0},{"id":3613,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3614,"title":"الفلق","lvl":1,"sub":0},{"id":3614,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3615,"title":"الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":3615,"title":"1","lvl":2,"sub":0}]}