{"pages":[{"id":1,"text":"الباب الأول\rفي معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها\rأصل هذه الكلمة هو المنع والحبس، فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال: صبر بصير صبرا وصبر نفسه قال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) وقال عنترة:\rفصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو اذا نفس الجبان تطلع\rيقول: حبست نفساً عارفة، وهي نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفة له، وقوله: ترسو أي تثبت وتسكن إذا خافت نفس الجبان واضطربت ويقال: صبرت فلاناً إذا حبسته، وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلاً وقتلته آخر (يقتل القاتل ويصبر الصابر) أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت الرجل: إذا قتلته صبراً أي أمسكته للقتل، وصبرته أيضاً وأصبرته: إذا حبسته للحلف، ومنه الحديث الصحيح: (من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عنه معرض) ومنه الحديث في القسامة: (ولا تصبر يمينه حيث تصبر الايمان) والمصبورة: اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهي (عن المصبورة) وهي الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمي حتى تموت وفعل هذا الباب: (صبرت أصبر) - بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل - وأما (صبرت أصبر) - بالضم في المستقبل - فهو بمعنى الكفالة، والصبير: الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم، ومنه قولهم (اصبرني) أي اجعلني كفيلاً وقيل أصل الكلمة من الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال الأصمعي: اذا لقى الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها ومنه الصبر - بضم الصاد - للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة: أم صبار ومنه قولهم: وقع القوم في أمر صبور - بتشديد الباء - أي أمر شديد ومنه صارة الشتاء - بتخفيف الباء وتشديد الراء - لشدة برده وقيل: هو مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام وصبارة الحجارة والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة: المنع والشدة والضم ويقال: صبر اذا أتى بالصبر، وتصبر: اذا تكلفه واستدعاه واصطبر: اذا اكتسبه وتعمله، وصابر: اذا وقف خصمه في مقام الصبر، وصبر نفسه وغيره - بالتشديد - اذا حملها على الصبر واسم الفاعل: (صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر) فمصابر من صابر، ومصطبر من اصطبر، وصابر من صبر، وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثي كضراب وضروب والله أعلم\rالباب الثاني\rفي حقيقة الصبر وكلام الناس فيه\rقد تقدم بيان معناه لغة وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل مالا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها وسئل عنه الجنيد بن محمد فقال: (تجرع المرارة من غير تعبس) وقال ذو النون: (هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، واظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة) وقيل: (الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب) وقيل: (هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى) وقال أبو عثمان: (الصبار هو الذي عود نفسه الهجوم على المكاره) وقيل: (الصبر المقام على البلاء بحسن الصحة كالمقام مع العافية) ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر وقال عمرو بن عثمان المكي: (الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة) ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى وقال الخواص: (الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة) وقال رويم: (الصبر ترك الشكوى) فسره بلازمه وقال غيره: (الصبر هو الاستعانة بالله) وقال أبو علي: (الصبر كاسمه) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الصبر مطية لا تكبو) وقال أبو محمد الجريري: (الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما) قلت: وهذا غير مقدور ولا مأمور، فقد ركب الله الطباع على التفريق بين الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد، وساحة العافية أوسع للعبد من ساعة الصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: (ان لم يكن بك غضب على فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي)","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر)، فان هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له وقال أبو على الدقاق: (حد الصبر أن لا يعترض على التقدير) فأما اظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب: (انا وجدناه صابراً) (سورة ص: 44) مع قوله: (مسنى الضر) (الأنبياء: 83) قلت: فسر اللفظة بلازمها وأما قوله: (على غير وجه الشكوى) فالشكوى نوعان: أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب: (إنما أشكوا بثى وحزني إلى الله) (يوسف: 86) مع قوله: (فصبر جميل) (يوسف: 18، 83) وقال أيوب: (مسني الضر) مع وصف الله له بالصبر وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي) الخ وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك) والنوع الثاني - شكوى المبتلي بلسان الحال أو المقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى اليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما ان شاء الله تعالى وقيل: (الصبر شجاعة النفس) ومن هاهنا أخذ القائل قوله: (الشجاعة صبر ساعة) وقيل: (الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب)، والصبر والجزع ضدان ولهذا ياقبل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) (ابراهيم: 21) والجزع قرين العجز وشقيقه، والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك؟ لقال: العجز ولو سئل الكيس من أبوك؟ لقال: الصبر والنفس مطية العبد التي يسير عليها الى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الحطام والزمام للمطية فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب وحفظ من خطب الحجاج: (اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه) قلت: والنفس فيها قوتان: قوة الاقدام وقوة الاحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الاقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الاحجام امساكاً عما يضره ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما يندفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على ذاك وأفضل الناس أصبرهم على النوعين، فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام ولا يصبر عن نظرة محرمة وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات إلى الصور ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعف شيء وأعجزه وأكثرهم لا صبر له على واحد من الأمرين وأقلهم أصبرهم في الموضعين وقيل: (الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوى) ومعنى هذا: أن الطبع يتقاضى ما يجب وباعث العقل والدين يمنع منه والحرب قائمة بينهما وهو سجال، ومعرك هذا الحرب قلب العبد والصبر والشجاعة والثبات\rالباب الثالث\rفي بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه\rلما كان الصبر المحمود هو الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه فإِنه إن كان صبراً عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة وضدها الفجور والزنا والعهر وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول مالا يجمل منه سمي شرف نفس وشبع نفس، وسمي ضده شرهاً ودناءة ووضاعة نفسٍ وإن كان عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام سمي كتمان سر، وضده إذاعةٌ وإفشاء أو تهمة أو فحشاء أو سباً أو كذباً أو قذفاً وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً وضده حرصاً وإن كان على قدر يكفي من الدنيا سمي قناعة وضده الحرص أيضاً وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلماً وضده تسرعاً وإن كان عن إجابة داعي العجلة سمي وقاراً وثباتاً وضده طيشاً وخفّه وإن كان عن إجابة داعي الفرار والهرب سمي شجاعة وضده جبناً وخوراً","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وإن كان عن إجابة داعي الانتقام سمي عفواً أو صفحاً وضده انتقاماً وعقوبة وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سمي جوداً وضده بخلاً وإن كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سمي صوماً وإن كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كيساً وإن كان عن إجابة داعي القاء الكل على الناس وعدم حمل كلهم سمي مروءة فله عند كل فعل وترك إسم يخصه بحسب متعلقه والاسم الجامع لذلك كله (الصبر) وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى أخرها وهكذا يسمى عدلاً إذا تعلق بالتسوية بينما المتماثليين وضده الظلم ويسمى سماحة إذا تعلق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار وعلى هذا جميع منازل الدين\rالباب الرابع\rفي الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة\rالفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره فإن حبس نفسه ومنعها عن إجابة داعي مالا يحسن ان كان خلقا له وملكه سمى صبراً وان كان بتكلف وتمرن وتجرع لمرارته سمي تصبراً كما يدل عليه هذا البناء لغة، فإنه موضوع للتكلف كالتحلم والتشجع والتكرم والتحمل ونحوها، وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجية له كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ومن يصبر يتصبره الله) وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية، كذلك سائر الأخلاق وهي مسألة اختلف فيها الناس هل يمكن اكتساب واحد منها أو التخلق لا يصير خلقاً أبداً؟ كما قال الشاعر:\rيراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل\rوقال آخر:\rيا أيها المتحلي غير شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق\rوقال آخر:\rفقبح التطبع شيمة المطبوع\rقالوا: وقد فرغ الله سبحانه من الخلق والخلق والرزق والأجل وقالت طائفة اخرى: بل يمكن اكتساب الخلق كما يكتسب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة والوجود شاهد بذلك قالوا: والمزاولات تعطي الملكات ومعنى هذا: أن من زاول شيئاً واعتاده وتمرن عليه صار ملكة له وسجيةً وطبيعةً قالوا: والعوائد تنقل الطبائع فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية، كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقاً بمنزلة الطبائع قالوا: وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل، غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفاً فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث وقد يكون قوياً ولكن لم ينقل الطبع فقد يعود إلى طبعه إذا قوي الباعث واشتد وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه طبعاً ثانياً، فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذى انتقل عنه وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب، فالتصبر مبدأ الاصطبار كما أن التكسب مقدمة الاكتساب فلا يزال التصبر يتكرر حتى يصير اصطباراً وأما المصابرة: فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنها مفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 2) فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حالة في الصبر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال: (واتقوا الله لعلكم تفلحون) فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، ففي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته\rالباب الخامس\rفي إنقسامه باعتبار مله\rالصبر ضربان: ضرب بدني وضرب نفساني وكل منهما نوعين: اختياري واضطراري، فهذه أربعة أقسام الأول: البدني الاختياري كتعاطي الأعمال الشاقة على البدن اختياراً وإرادةً الثاني: البدني الاضطراري كالصبر على ألم الضرب والمرض والجراحات والبرد والحر وغير ذلك الثالث: النفساني الاختياري كصبر النفس على فعل مالا يحسن فعله شرعاً ولا عقلاً الرابع: النفساني الاضطراري كصبر النفس عن محبوبها قهراً إذا حيل بينها وبينه","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"فإِذا عرفت هذه الاقسام فهي مختصة بنوع الإنسان دون البهائم، ومشاركة للبهائم في نوعين منها وهما صبر البدن والنفس الاضطراريين وقد يكون بعضها أقوى صبراً من الانسان وإنما يتميز الإنسان عنها بالنوعين الاختياريين وكثير من الناس تكون قوة صبره في النوع الذي يشارك فيه البهائم لا في النوع الذي يخص الانسان فيعد صابراً وليس من الصابرين فإن قيل: هل يشارك الإنس والجن في هذا الصبر؟ قيل: نعم هذا من لوازم التكليف وهو مظنة الأمر والنهي والجن مكلفون بالصبر على الأوامر والصبر عن النواهي كما كلفنا نحن بذلك فإن قيل: فهل هم مكلفون على الوجه الذي كلفنا نحن به أم على وجه اخر؟ قيل: ما كان من لوازم النفوس كالحب والبغض والإيمان والتصديق والموالاة والمعاداة فنحن وهم مستوون فيه وما كان من لوازم الأبدان كغسل الجنابة والأعضاء في الوضوء والاستنجاء والختان وغسل الحيض ونحو ذلك، فلا تجب مساواتهم لنا في تكلفة، وأن تعلق ذلك بهم على وجه يناسب خلقتهم وحياتهم فإن قيل: فهل تشاركنا الملائكة في شيء من أقسام الصبر؟ قيل: الملائكة لم يبتلوا بهوى يحارب عقولهم ومعارفهم، بل العبادة والطاعة لهم كالنفس لنا، فلا يتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث الدين والعقل في مقابلة باعث الشهوة والهوى وإن كان لهم صبر يليق بهم وهو ثباتهم وإقامتهم على ما خلقوا له من غير منازعة هوى أو شهوة أو طبع فالانسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وإن غلب باعث الهوى والشهوة صبره إلتحق بالشياطين وإن غلب باعث طبعه من الاكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم قال قتادة: خلق الله سبحانه الملائكة عقولاً بلا شهوات وخلق البهائم شهوات بلا عقول وخلق الانسان وجعل له عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم ولما خلق الانسان في ابتداء امره ناقصاً لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، فصبره في هذه الحالة بمنزلة صبر البهائم وليس له قبل تمييزه قوة صبر الاختيار، فإذا ظهرت شهوة اللعب استعد لقوة الصبر الاختياري على ضعفها فيه فإذا تعلقت به شهوة النكاح ظهرت فيه قوة الصبر وإذا تحرك سلطان العقل وقوى استعان بجيش الصبر ولكن هذا السلطان وجنده لا يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده فإن اشراق نور الهداية يلوح عليه عند أول سن التمييز وينموا على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو خيط الفجر ثم يتزايد ظهوره، وكلها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارها بل غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها فإذا طلعت عليه شمس النبوة والرسالة وأشرق عليه نورها رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدها فتلمح العواقب ولبس لامة الحرب واخذ انواع الاسلحة ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى والمنصور من نصره الله والمخذول من خذله، ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في إحدى المنزلتين ويصير إلى ما خلق له من الدارين\rالباب السادس\rفي بيان أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه\rومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه\rوباعث الدين بالاضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال: أحدها - أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة وهم الذين قالوا: (ربنا الله ثم استقاموا) (فصلت: 3) وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت: (ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (فصلت: 3، 31) وهم الدين نالوا معية الله مع الصابرين وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وخصهم بهدايته دون من عداهم الحالة الثانية: أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى فيسقط منازعه باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا وله معهم حالاتان: احداهما: أن يكون من جندهم وأتباعهم وهذه حال العاجز الضعيف والثانية: أن يصير الشيطان من جنده وهذه حال الفاجر القوى المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع كما قال القائل:\rوكنت امرءا من جند ابليس فارتقى ... بي الحال حتى صار ابليس من جندي","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"فيصير ابليس وجنده من أعوانه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وانما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء، ودرك الشقاء وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وجند أصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وايثار العاجل على الآجل وهي التي فال في صاحبها النبي صلى الله عليه وسلم: (العاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) وأصحاب هذه الحال أنواع شتى فمنهم المحارب لله ورسوله، الساعي في إبطال ما جاء به الرسول، يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجاً وتحريفاً ليصد الناس عنها ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط ومنهم المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والإسلام ومنهم الماجن المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب ومنهم إذا وعظ قال واشوقاه إلى التوبة ولكنها قد تعذرت علي فلا مطمع لي فيها ومنهم من يقول ليس الله محتاج إلى صلاتي وصيامي وأنا لا أنجو بعملي والله غفورٌ رحيم ومنهم من يقول ترك المعاصي إستهانة بعفو الله ومغفرته:\rفكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم\rومنهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما قد عملت، وما ينفع الغريق خلاص اصبعه وباقي بدنه غريق ومنهم من يقول سوف أتوب وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبت وقبلت توبتي إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم في أيدي شهواتهم فلا يستعمل أحدهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته، فعقله مع الشيطان كالأسير في يدِ الكافر يستعمله في رعاية الخنازير وعصر الخمر وحمل الصليب وهو بقهرة عقله وتسليمه إلى أعدائه عند الله بمنزلة رجلٍ قهر مسلماً وباعه للكفار وسلمه إليهم وجعله أسيراً عندهم\rفصل\rوهاهنا نكتة بديعة يجب التفطن لها، وينبغي إخلاء القلب لتأملها وهو أن هذا المغرور لما اذل سلطان الله الذي أعزه به وشرفه ورفع به قدره وسلمه في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيراً له تحت قهره وتصرفه وسلطانه، سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء ويسخر منه ويسخر منه جنده وحزبه فكما أذل سلطان الله وسلمه إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذله ويقهره فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب، وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى: ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (النحل: 98 - 1) فإن قيل: فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطاناً فكيف نفاه بقوله تعالى حاكياً عنه مقرراً له: (وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) (إبراهيم: 22) وقال تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك) (سبأ: 2، 21) قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير الذي نفاه من وجهين: أحدهما أن السلطان الثابت هو سلطان التمكن منهم وتلاعبه بهم وسوقه إياهم كيف أراد بتمكينهم إياه من ذلك بطاعته وموالاته، والسطان الذي نفاه سلطان الحجة فلم يكن لإبليس عليهم من حجة وتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان الثاني: أن الله لم يجعل له عليه سلطاناً ابتداء البتة، ولكن هم سلطوه على أنفسهم بطاعته، ودخولهم في جملة جنده وحزبه فلم يتسلطن عليهم بقوته فإن كيده ضعيف، وإنما تسلطن عليهم بإرادتهم واختيارهم والمقصود أن من قصد أعظم أوليائه واحبابه ونصحائه فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته وسلمهم إلى عدوه كان من عقوبته أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه\rفصل\rالحالة الثالثة: أن يكون الحرب سجالاً ودولاً بين الجندين، فتارة له وتارة عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقل، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث سواء بسواء فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة وفي هذه الأحوال الثلاث هي أحوال الناس في الصحة والمرض فمن الناس من تقاوم قوته داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة ومنهم من يقهر داؤه قوته ويكون السلطان للداء ومنهم من الحرب بين دائه وقوته نوبا فهو متردد بين الصحة والمرض\rفصل\rومن الناس من يصبر بجهد ومشقة ومنهم من يصبر بأدنى حمل على النفس ومثال الأول: كرجل صارع رجلاً شديداً فلا يقهره الا بتعب ومشقة، والثاني: كمن صارع رجلاً ضعيفاً فإِنه يصرعه بغير مشقة فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، ومن صرع جند الشيطان صرع الشيطان قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقي رجلاً من الانس رجلاً من الجن فصارعه فصرعه الانسي فقال: مالي أراك ضئيلاً؟ فقال: (إني من بينهم لضليع) فقالوا: أهو عمر بن الخطاب؟ فقال: (من ترونه غير عمر) وقال بعض الصحابة: (ان المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في السفر) وذكر ابن أبي الدنيا عن بعض السلف أن شيطاناً لقي شيطاناً فقال: مالي أراك شخيباً فقال: انني مع رجل ان أكل ذكر اسم الله فلا آكل معه، وان شرب ذكر اسم الله فلا أشرب معه، وان دخل بيته ذكر اسم الله فأبيت خارج الدار فقال الآخر: لكنني مع رجل ان اكل لم يسم الله فأكل أنا وهو جميعاً، وإن شرب لم يسم الله فأشرب معه، وان دخل داره لم يسم الله فأدخل معه، وان جامع امرأته لم يسم الله فأجامعها فمن اعتاد الصبر هابه عدوه ومن عز عليه الصبر طمع فيه عدوه وأوشك أن ينال منه غرضه\rالباب السابع\rفي ذكر أقسامه باعتبار متعلقة الصبر ثلاثة أقسام\rصبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في (فتوح الغيب): (لا بد للعبد من أمر يفعله، ونهى يجتنبه، وقدر يصبر عليه) وهذا الكلام يتعلق بطرفين: طرف من جهة الرب تعالى وطرف من جهة العبد فأما الذي من جهة الرب فهو أن الله تعالى له على عبده حكمان: حكم شرعي ديني وحكم كوني قدري فالشرعي متعلق بأمره والكوني متعلق بخلقه، وهو سبحانه له الخلق والأمر وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب: فإِن المطلوب ان كان محبوباً له فالمطلوب فعله اما واجباً وإما مستحباً، ولا يتم ذلك إلا بالصبر وإن كان مبغوضاً له فالمطلوب تركه إما تحريماً وإما كرامة، وذلك أيضاً موقوف على الصبر فهذا حكمه الديني الشرعي وأما حكمه الكوني فهو ما يقضيه ويقدره على العبد من المصائب التي لا صنع له فيها ففرضه الصبر عليها وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء وهما وجهان في مذهب أحمد أصحهما أنه مستحب فمرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور وأما الذى من جهة العبد فإِنه لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً، ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر لا تستوي إلا عليه كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر، والشيخ دائماً يحوم حول هذه الأصول الثلاثة، كقوله: يا بني افعل المأمور واجتنب المحظور واصبر على المقدور وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله: (يا بُني أَقمِ الصَلاةَ وأَمُر بالمعروف وانه عَن المُنكر واصبِر على ما أَصابك) فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر أما من حديث اطلاق اللفظ فتدخل نفسه وغيره فيه، وأما من حيث اللزوم الشرعي فان الأمر الناهي لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله: (انما يتذكَرُ أُولوا الأَلباب الذينَ يوفون بعهد اللَهِ ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أَمر اللَه به أَن يوصل ويخشون ربَهُم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأَقاموا الصلاة وأَنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرأَون بالحسنة السيئة أُولَئكَ لهُم عقبى الدار) فجمع مقامات الاسلام والايمان في هذه الأوصاف فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده اليهم بينهم وبينه وبينهم وبين خلقه ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه وحق الله وحق خلقه فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له، والقيام بطاعته والانابة إليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه والتوبة إليه والاستكانة له والخضوع والذلة له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها والاقرار بالخطيئة والاستغفار منها فهذه هي الوصلة بين الرب والعبد وقد أمر الله بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل وأمر أن يوصل ما بيننا وبين رسوله بالايمان به وتصديقه وتحكيمه في كل شيء والرضا لحكمه والتسليم له وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، صلوات الله وسلامه عليه، فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله وأمر أن نصل ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة، فانه أمر بين الوالدين وصلة الأرحام وذلك مما أمر به أن يوصل وأمر أن نصل ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة، فانه أمر بين الوالدين وصلة الأرحام وذلك مما أمر به أن يوصل وأمر أن نصل ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف وأمر أن نصل ما بيننا وبين الأرقاء بأن نطعمهم مما نأكل ونكسوهم مما نكتسي ولا نكلفهم فوق طاقتهم وأن نصل ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا وأن نصل ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر وأن نصل ما بيننا وبين عموم الناس بأن نأتي اليهم ما نحب أن يأتوه الينا وأن نصل ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمهم ونستحي منهم كما يستحي الرجل من جليسه ومن هو معه ممن يجله ويكرمه فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب ولا يمكن لأحد قط أن يصل ما أمر الله بوصله الا بخشيته، ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوصل ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد هو آخيه ذلك وقاعدته ومداره الذي يدور عليه وهو الصبر فقال: (والذينَ صَبروا ابتِغاء وَجهِ رَبِهِم) فلم يكتف منهم بمجرد الصبر حتى يكون خالصاً لوجهه ثم ذكر لهم ما يعينهم على الصبر وهي الصلاة فقال: (وأَقاموا الصَلاة) وهذان هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة فقال تعالى: (واستعينوا بِالصَبرِ والصَلاة، وإِنَها لَكبيرَةٌ إِلا عَلى الخاشِعين) وقال: (يا أَيُها الذينَ آمَنوا استعينوا بِالصَبرِ والصلاة، إنَ اللَهَ مَع الصابِرين) ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سراً وعلانية فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم ثم ذكر حالهم اذا جهل عليهم وأوذوا أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة السيئة فيحسنون إلى من يسيء إليهم فقال: (وَيَدرأَونَ بِالحَسَنةِ السَيئَة) وقد فسر هذا الدرء بأنهم يدفعون بالذنب الحسنة بعده كما قال تعالى: (إِن الحَسناتَ يُذهِبنَ السيئات) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتبع السيئة الحسنة تمحها) والتحقيق أن الآية تعم النوعين والمقصود أن هذه الآيات تناولت مقامات الإسلام والايمان كلها، اشتملت على فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاثة في قوله: (بَلى إِن تصبروا وتتقوا) وقوله: (إِنه مَن يتقِ ويَصبِر) وقوله: (يا أَيها الَذينَ آمَنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا اللَهَ لعَلَكُم تُفلِحون) فكل موضع قرن فيه التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة فان حقيقة التقوى فعل المأمور وترك المحظور\rالباب الثامن","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به\rوهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب، ومندوب، ومحظور، ومكروه، ومباح فالصبر الواجب ثلاثة أنواع: أحدها الصبر على المحرمات والثاني الصبر على أداء الواجبات والثالث الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها، كالأمراض والفقر وغيرها وأما الصبر المندوب فهو الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله وأما المحظور فأنواع: أحدها الصبر على الطعام والشراب حتى يموت، وكذلك الصبر على الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت قال طاووس وبعده الامام أحمد: (من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار) فإِن قيل: فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال؟ قيل: اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح، على قولين هما لأصحاب أحمد وظاهر نصهما أن الصبر عن المسألة جائز فإِنه قيل له: إذا خاف ان لم يسأل أن يموت، فقال: لا يموت يأتيه الله برزقه، أو كما قال فأحمد منع وقوع المسألة ومتى علم الله ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض الله له رزقاً وقال كثير من أصحاب أحمد والشافعي: يجب عليه المسألة وان لم يسأل كان عاصياً لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف\rفصل\rومن الصبر المحظور صبر الانسان على ما يقصد هلاكه من سبع أو حيات أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله، بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإِنه مباح له بل يستحب كما دلت عليه النصوص الكثيرة وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة بعينها فقال: (كن كخير ابنى آدم)، وفي لفظ: (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)، وفي لفظ: (دعه يبوء باثمه واثمك)، وفي لفظ آخر: (فإِن بهرك شعاع السيف فضع يدك على وجهك) وقد حكى الله استسلام خير ابني آدم وأثنى عليه بذلك وهذا بخلاف قتل الكافر فإِنه يجب عليه الدفع عن نفسه لأن من مقصود الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين، وأما قتال اللصوص فهل يجب فيه الدفع أو يجوز فيه الإستسلام؟ فإن كان عن معصوم غيره وجب وإن كان عن نفسه فظاهر نصوصه أنه لا يجب الدفع، وأوجبه بعضهم ولا يجوز الصبر على من قصده أو حرمته بالفاحشة\rفصل\rوأما الصبر المكروه فله أمثلة: أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلم ولم يتضرر به الثالث: صبره على المكروه الرابع: صبره عن فعل المستحب\rفصل\rوأما الصبر المباح فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين خير بين فعله وتركه والصبر عليه وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام والصبر عن الحرام واجب وعليه حرام والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه والصبر عن المكروه مستحب وعليه مكروه والصبر عن المباح مباح والله أعلم\rالباب التاسع\rفي بيان تفاوت درجات الصبر\rالصبر كما تقدم نوعان: اختياري واضطراري والاختياري أكمل من الاضطراري فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري ولذلك كان صبر يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم عن مطاوعة امرأة العزيز، وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من اخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد ومن الصبر الثاني: انشاء الله سبحانه لم ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض وكذلك صبر الخليل صلى الله عليه وسلم، والكليم، وصبر نوح، وصبر المسيح، وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبراً على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سماهم الله أولي العزم وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) (الأحقاف: 35) وأولوا العزم هم المذكورون في قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) (الشورى: 48)","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وفي قوله: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى) (الأحزاب: 7) وكذلك قال ابن عباس وغيره من السلف، ونهاه سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولي العزم فقال: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم) (القلم: 48) وهاهنا سؤال نافع، وهو أن يقال: ما العامل في الظرف وهو قوله: (إذ نادى) ولا يمكن الفعل المنهي عنه، إذ يصير المعنى: لا تكن مثله في ندائه، وقد أثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به فقال: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء: 87، 88) وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (دعوة اخي ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت، ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فلا يمكن أن ينهي عن التشبه به في هذه الدعوة وهي النداء الذى نادى به ربه، وإنما نهى عن التشبه به في السب الذي أفضى به إلى هذه المناداة وهي مغاضبته التي أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم، والكظيم والكاظم: الذى قد امتلأ غيظاً وغضباً وهما وحزنا وكظم عليه فلم يخرجه فان قيل: وعلى ذلك فما العامل في الظرف؟ قيل: ما في صاحب الحوت من معنى الفعل فإن قيل: فالسؤال بعد قائم، فإنه إذا قيد النهي بقيد أو زمن كان داخلاً في حيز النهي فإن كان المعنى لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال أو هذا الوقت كان نهياً عن تلك الحالة قيل: لما كان نداؤه مسبباً عن كونه صاحب الحوت فنهى أن يشبه به في الحال التي أفضت به إلى صحبته الحوت والنداء، وهي ضعف العزيمة والصبر لحكمه تعالى ولم يقل تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضباً فالتقمه الحوت فنادى، بل طوى القصة واختصرها وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر واكتفى بغايتها وما انتهت إليه فإن قيل: فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهي عنه - أي لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلىء غيظاً وهما وغماً - بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى عليه قد تلقاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر لا نداء كظيم قيل: هذا المعنى وان كان صحيحاً الا أن النهي لم يقع عن التشبه به في مجرده وانما نهى عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مغاضباً حتى سجن في بطن الحوت، ويدل عليه قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك) ثم قال: (ولا تكن كصاحب الحوت) أي في ضعف صبره لحكم ربه، فإن الحالة التي نهى عنها هي ضد الحالة التي أمر بها فإن قيل: فما منعك أن تصبر حيث أمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي يقدره عليه ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه فلم يصبر على احتماله والسكون تحته قيل: منع من ذلك أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من الضر، وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء: 87، 88) فكيف ينهى عن التشبه به فيما يثنى عليه ويمدحه به، وكذلك أثنى على أيوب بقوله: (مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) (الأنبياء: 83) وعلى يعقوب بقوله: ( انما أشكوا بثي وحزني إلى الله) (يوسف: 86) وعلى موسى بقوله: (رب اني لما انزلت إلى من خير فقير) (القصص: 24) وقد شكا الله خاتم أنبيائه ورسله بقوله: (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي) الحديث","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجزيل بل اعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر والله تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) (المؤمنون: 76) والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه؟ فقال: ربي يرضى ذل العبد إليه والمقصود: أنه سبحانه أمر أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختياراً وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فإن قيل: أي أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور، أم الصبر عن المحظور، أم الصبر على المقدور؟ قيل: الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهي أفضل من الصبر على مجرد القدر فإن هذا الصبر يأتي به البر والفاجر، والمؤمن والكافر فلا بد لكل واحد من الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر أتباع الرسل، وأعظمهم اتباعا أصبرهم في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل: فالصبر عن الحرام في محله أفضل، وعلى الطاعة في محلها أفضل فإن قيل: أي الصبرين أحب إلى الله؟ صبر من يصبر على أوامره، أم صبر من يصبر عن محارمه؟ قيل: هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة: الصبر عن المخالفات أفضل لأنه أشق وأصعب فان أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون قالوا: ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس وهو أشق شيء وأفضله قالوا: ولأن ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب اليه من نفسه وهواه بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك قالوا: وأيضاً فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر قال الإمام أحمد: (الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى) فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر قالوا: وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية، بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب النفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار اخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها قالوا: ولأن المناهي لها أربعة دواع تدعو إليها: نفس الانسان وشيطانه وهواه ودنياه، فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة وذلك أشق شيء على النفوس وأمره قالوا: فالمناهي من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها، والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه قالوا: ولذلك كان باب قربان النهي مسدوداً كله وباب الأمر انما بفعل منه المستطاع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر قالوا: ولهذا كانت عامة العقوبات من الحروب وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حداً معيناً فأعظم المأمورات الصلاة، وقد اختلف العلماء، هل على تاركها حدٌ أم لا\rفصل\rفهذا بعض ما احتجت به هذه الطائفة وقال طائفةٌ اخرى: بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور، لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور، والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه: أحدها: أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه واخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"والمنهيات إنما نهي عنها لأنها صادرة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوته لكماله، ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذي وضعه الله بين عباده لما حرمه، وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذي به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلي له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين أكماله الثاني: إن المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ومحبته والتوكل عليه والإنابة إليه، فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ومتعلق المنهيات ذوات الأشياء المنهى عنه والفرق من أعظم ما يكون الثالث: إن ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور، فإنه ليس إلى شيء أضر وأحوج وأشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده واخلاص العمل له وإفراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ضرورته إلى نفسه، ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذي به قوام بدنه، بل هذا لقلبه وروحه كالحياة والغذاء لبدنه وهو إنما هو إنسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه كما قيل:\rيا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... فأنت بالقلب لا بالجسم إنسان\rوترك المنهي إنما شرع له تحصيلاً لهذا الأمر الذي هو أضر شيء وأحوجه وأفقره إليه الرابع: إن ترك المنهي من باب الحمية، وفعل المأمور من باب حفظ القوة، والغذاء الذي لا تقوم البنية بدونه، ولا تحصل الحياة إلا به فقد يعيش الإنسان مع تركه الحمية وإن كان بدنه عليلاً أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذي يحفظها مثل المأمورات والمنهيات الخامس: إن الذنوب كلها ترجع إلى هذين الاصلين: ترك المأمور وفعل المحظور ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى أخره حتى أتى من مأمور الإيمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار ولو ترك كل محظور ولم يأتي بمأمور الإيمان لكان مخلداً في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه تخرج من النار، إلى شيء وزن الجبال منه أضعافاً مضاعفة تقتضي الخلود في النار، مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شيء منه السادس: أن جميع المحظورات من أولها إلى أخرها تسقط بمأمور التوبة ولا تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة إلا بالشرك أو الوفاة عليه، ولا خلاف بين الأٌمة أن كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية؟ وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه السابع: أن ذنب الأب كان بفعل المحظور وكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، وذنب إبليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة الثامن: أن المأمور محبوب إلى الرب والمنهي مكروه له وهو سبحانه إنما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى أما من عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانتصار وغير ذلك وأما من نفسه فبالمغفرة للتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه وغير ذلك مما هو أحب إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه، علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه اخر كان المبغوض مراداً له إرادة الوسائل كما كان النهي عنه وكراهته لذلك وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 156) وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلاً لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها فإنه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذي هو أحب العمل إليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما يكون سبباً لحصولها","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"التاسع: إن ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور، فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الإيمان، وكذلك المؤمن لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور، ولو افتقر عليه لم يقبل الله طاعة من عصاه أبداً وهذا من أبطل الباطل العاشر: إن المنهي عنه مطلوب إعدامه والمأمور مطلوب إيجاده، والمراد إيجاد هذا وإعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما فإنه إذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور وإذا وجد المأمور فقد يستعان به على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض الحادي عشر: أن باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهي بصدد الزوال بالتوبة والاستغفار، والحسنة الماحية، والمصيبة المكفرة، واستغفار الملائكة للمؤمنين، واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك، وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من عدم المنهى الثاني عشر: أن باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من فعل العبد وغيره، فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالإستغفار وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في حال حياته، وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مقارقته الدنيا، وبهول المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له، وشدة الموقف وعنائه وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه، فإن الله حرم الجنة إلا على كل طيب، فما دام درنه ووسخه وخبثه فيه فهو في كير التطهير حتى يتصفى من ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك الثالث عشر: أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الإحسان والفضل والرحمة، وجزاء المنهيات العقوبة وهي من باب الغضب والعدل، ورحمته سبحانه تغلب غضبه، فما تعلق بالرحمة والفضل أحب إليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق بالرحمة أكره إليه من فعل ما تعلق بالغضب الرابع عشر: أن باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من المأمورات، وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات الخامس عشر: أن متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال، بل كمال المخلوق من فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهي الترك، والترك عدم، ومن حيث هو كذلك لا يكون كمالاً، فإن العدم المحض ليس بكمال وإنما يكون كمالاً لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودي الذي هو سبب الكمال وأما أن يكون مجر الترك الذي هو عدم محض كمالاً أو سبباً للكمال فلا مثال ذلك لو ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يسجد لله، والا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالاً وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمناً ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وأن المنهى ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئاً ولم يكن كمالاً فإن الرجل لو قال للرسول: لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا احاربك ولا احارب من يحاربك لكان كافراً، ولم يكن مؤمناً بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأتِ بالفعل الوجودي الذي أمر به السادس عشر: أن العبد إذا أتى بالمأمور به على ترك المنهي عنه ولا بد فالمقصود انما هو فعل المأمور ومع فعله على وجه يتعذر فعل المنهي فالمنهي عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد إذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه، فنفس العدل يتضمن ترك الظلم، ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش، فدخل ترك المنهي عنه في المأمور به ضمناً وتبعاً وليس كذلك في عكسه فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معاً كما تقدم\rفعلم أن المقصود هو اقامة الأر على وجهه، ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي البتة، وأما ترك المنهي عنه فإنه يستلزم إقامة الأمر","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"السابع عشر: أن الرب تعالى اذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعاً كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه، فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته، ولا سيما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدواً للملك هو حريص لى قتله وشرب مسكراً نهاه عن شربه، فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه وأما إذا ما ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما اذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر، فإن الملك لا يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا السادات مع عبيدهم، والآباء مع أولادهم، والملوك مع جندهم، والزوجات مع أزواجهم ليس الترك منهم محبوب الأمر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره ومكروهه يوضحه الوجه الثامن عشر: أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الاتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ويبغضه من وجه، أما اذا ترك المأمور به جملة فإنه يقم به ما يحبه الرب عليه فإنه مجرد ترك المنهى لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضاً للرب تعالى من كل وجه إذ ليس ما يحبه الرب عليه فتأمله يوضحه الوجه التاسع عشر: وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجاباً أو استحباباً ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين، ويحب الصابرين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، ويحب المتقين، ويحب الذاكرين، ويحب المتصدقين فهو سبحانه انما علق محبته بأوامره إذ هي المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56) فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها يوضحه الوجه العشرون: أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها على الوجه الذي أمر الله بها لم يكن للنهى عنها معنى وانما نهى عنها لمضادتها لأوامرها فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجري في مجاريه غير معوق فالأمر بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة والنهي بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها قالوا: واذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر، وبه يسهل عليه الصبر من المحظور والصبر على المقدور، فإن الصبر الأعلى يتضمن الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل نوع منها يعين على النوعين الآخرين وان كان من الناس من قوة صبره على المقدور فإذا جاء الأمر والنهي فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ذلك ومنهم من قوة صبره في جانب الأمر أقوى ومنهم من هو بالعكس والله أعلم\rالباب العاشر\rفي انقسام الصبر إلى محمود ومذموم\rالصبر ينقسم إلى قسمين: قسم مذموم وقسم ممدوح فالمذموم الصبر عن الله وارادته ومحبته وسير القلب إليه فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال على العبد بالكلية وتقوية ما خلق له وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمه وأبلغه فإنه لا صبر أبلغ من صبر من صبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه البتة كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد الله لأوليائه من كرامته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالزاهد في هذا أعظم أنواع الزهد كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب من زهده: (ما رأيت أزهد منك) فقال: (أنت أزهد مني، أنا زهدت في الدنيا وهي لا بقاء لها ولا وفاء، وأنت زهدت في الآخرة فمن أزهد منا)؟ قال يحيى بن معاذ الرازي: (صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون)؟ وفي هذا قيل:\rالصبر يحمد في المواطن كلها ... الا عليك فإنه لا يحمد","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"ووقف رجل على الشبلى فقال: (أي الصبر أشد على الصابرين)؟ فقال: الصبر في الله قال: لا فقال: الصبر لله فقال: لا قال: فالصبر مع الله قال: لا قال: فأيش هو؟ قال: (الصبر عن الله) فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تزهق وقيل: (الصبر مع الله وفاء، والصبر عن الله جفاء) وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود فكيف إذا كان كمال العبد وفلاحه في محبته، ولم تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل:\rوالصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود\rوقال آخر في الصبر عن محبوبه:\rإذا لعب الرجال بكل شيء ... رأيت الحب يلعب بالرجال\rوكيف الصبر عن من حل مني ... بمنزلة اليمين مع الشمال\rوشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: (لو كنت صادقاً لما صبرت عني)\rولما شكوت الحب قالت كذبتني ... ترى الصب عن محبوبه كيف يصبر\rفصل\rوأما الصبر المحمود فنوعان: صبر لله وصبر بالله، قال الله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله) (النحل: 127) وقال: (واصبر لحكم ربك فأنك بأعيننا) (الطور: 48) وقد تنازع الناس أي الصبرين أكمل، فقالت طائفة: (الصبر له أكمل، فإن ما كان لله أكمل مما كان بالله، فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة والغايات أشرف من الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرراً وتقرباً إلى الله لأنه نذر له ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج اليمين لأنه حلف به، فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته، وما كان به فهو متعلق بربوبيته، وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته، ولذلك كان توحيد الالهية هو المنجى من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فان عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه، ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الالهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته وقال طائفة: الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به، كما قال تعالى: (واصبر) فأمره بالصبر والمأمور به هو الذي يفعل لأجله، ثم قال: (وما صبرك إلا بالله) (النحل: 127) فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدمتها، أخبر فيها أنه لا يمكنه الصبر إلا به وذلك يتضمن أمرين: الاستعانة به، والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة كقوله: (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي) وليس المراد بهذه (الباء) الاستعانة، فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصي، فإن مالا يكون بالله لا يكون بل هي (باء) المصاحبة والمعية التي صرح بمضمونها في قوله: (إن الله مع الصابرين) (البقرة: 153) وهي المعية الحاصلة لعبده الذي تقرب إليه بالنوافل حتى صار محبوباً له، فبه يسمع وبه يبصر، وكذلك به يصير فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر آلهي يعني: وما يتحمل المتحملون من أجلي فدل قوله: (وما صبرك إلا بالله) على أنه من لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر، وكيف يصبر على الحكم الأمري امتثالاً وتنفيذاً، وعلى الحكم القدري احتمالاً له واضطلاعاً به، من لم يكن الله معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله، كما لا يطمع في درجة التقريب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله وهذا هو المراد من قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) ليس المراد أني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة، وان ذات العبد هي ذات الرب تعالى الله عن قول اخوان النصارى علواً كبيراً ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتى تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي، بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب، فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجهاً تعرف بالتأمل الظاهر وقد فسر المراد من قوله: (كنت سمعه وبصره ويده ورجله) بقوله: (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي) فعبر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ونظير هذا قوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب: أنت روحي وسمعي وبصري، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أنه صار منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثاني: أن محبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث (يقول الله تعالى: أنا جليس من ذكرني) وفي الحديث الآخر: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) وفي حديث آلهي: (فإذا أحببت عبدي كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً) ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف منها وايضاح هذه العبارة مما يزيدها جفاء وخفاء والمقصود: انما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد يحسب نصيبه من معية الله له يكون صبره، وإذا كان الله معه أمكن أن يأتي من الصبر بما لا يأتي به غيره قال أبو علي: (فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى: (ان الله مع الصابرين) (البقرة: 153) وهاهنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه وقد قيل: ان الله سبحان أوحى إلى داوود: (تخلق بأخلاقي فان من أخلاقي أني أنا الصبور) والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو، كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب أهل الوتر، قوي والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، شكور يحب الشاكرين واذا كان سبحان يحب التصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه المعية الخاصة عبر عنها بقوله: (كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً)\rفصل\rوزاد بعضهم قسماً ثالثاً من أقسام الصبر، وهو الصبر مع الله، وجعلوه على أنواع الصبر قالوا: هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التي ذكرت وهي الصبر على أقضيته، والصبر على أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات معه على أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائماً مع الله لا مع نفسه فهو مع الله بالمحبة والموافقة، فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على الأنواع المتقدمة وان زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن جعله قسماً رابعاً من أقسام الصبر غير مستقيم وأعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب هاهنا وهاهنا، فحقيقة هذا هو الاستقامة اليه وعكوف القلب عليه وزاد بعضهم قسماً آخر من أقسامه وسماه الصبر فيه، وهذا أيضاً غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال: فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب:\rوذلك في ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\rوقد قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (العنكبوت: 69) وقال: (وجاهدوا في الله) (الحج: 78) وفي حديث جابر: (أن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال: يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية) وقال صلى الله عليه وسلم: (ولقد أوذيت في الله) وما يؤذي أحد، وهذا يفهم منه معنيان أحدهما: أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الانسان باختياره كما في الحديث: (تعلمت فيك العلم) والثاني: أنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم (ذلك في الله) في هذا المعنى فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: (ولقد أوذيت في الله) وقول خبيب: (وذلك في ذات الإله) وقول عبدالله بن هزام: (حتى أقتل فيك) وكذلك في قوله: (والذين جاهدوا فينا) (العنكبوت: 69) فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه، وليست (في) هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية وان كانت السببية هي أصلها، فانظر إلى قوله: (في نفس المؤمن مائة من الابل) وقوله: (دخلت امرأة النار في هرة) كيف تجد فيه معنى زائداً على السببية","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وليست (في) للوعاء في جميع معانيها فقولك: (فعلت هذا في مرضاتك) فبه معنى زيد على ذلك: (فعلته لمرضاتك) وأنت اذا قلت: (أوذيت في الله) لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك: (أوذيت لله) ولا (بسبب الله) واذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود أن الصبر في الله أن اريد به هذا المعنى فهو حق، وان أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل، فالصابر في الله كالمجاهد في الله، والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق أما قول بعضهم: (الصبر لله غناء، والصبر بالله بقاء، والصبر في الله بلاء، والصبر مع الله وفاء، والصبر عن الله جفاء) فكلام لا يجب التسليم لقائله لأنه ذكر ما سنح له وتصوره، وانما يجب التسليم للنقل المصدق عن القائل المعصوم ونحن نشرح هذه الكلمات: أما قوله: (الصبر لله غناء) فإن الصبر لله بترك حظوظ النفس ومرادها لمراد الله وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه، فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين الله بحيث يسير منها إلى الله شديد جداً على النفس، بخلاف السفر إلى الآخرة فإنه سهل كما قال الجنيد: (السير من الدنيا إلى الآخرة سهل) - يعني: على المؤمن - وهجران الخلق في جنب الحق شديد، والسير من النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله أشد) وأما قوله: (والصبر بالله بقاء) فلان العبد اذا كان بالله هان عليه كل شيء ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلاً، فإنه إذا كان بالله لا بالخلق، ولا بنفسه كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق، وبهذا الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته، وتنقلب مشاق التكليف له نعيماً وقرة عين، كما قال بع الزهاد: (عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة) ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة وأما قوله: (والصبر في الله بلاء) فالبلاء فوق العناء والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه كما تقدم، فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه وهو أشق من الجهاد له فكل مجاهد في الله وصابر في الله مجاهد له وصابر له من غير عكس، فإن الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة فيقع عليه اسم من فعل ذلك في الله، وانما يقع على من أنغمس في الجهاد والصبر ودخل الجنة وأما قوله: (والصبر مع الله وفاء) فلان الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه ولا يزيغ القلب عن الانابة ولا الجوارح عن الطاعة فتعطى المعية حقها من التوفية كما قال الله تعالى: (وابراهيم الذى وفى) (النجم: 37) أي وفي ما أمر به بصبره مع الله على أوامره وأما قوله: (والصبر عن الله جفاء) فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده والهه ومولاه الذى لا مولى سواه ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلا بمحبته والقرب منه وايثار مرضاته على كل شيء، فأي جفاء أعظم من الصبر عنه وهذا معنى قول من قال: (الصبر على ضربين: صبر العابدين وصبر المحبين، فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظاً، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضاً كما قيل:\rيبين يوم البين أن اعتزامه على الص ... بر من إحدى الظنون الكواذب\rوقال آخر:\rولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعاً ولم يجب الصبر\rقالوا: ويدل عليه أن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه قال: (فصبر جميل) (يوسف: 83) ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وعد وفى ثم حمله الوجد على يوسف والشوق اليه أن قال: (يا أسفا على يوسف) (يوسف: 84) فلم يكن عدم صبره عنه منافياً لقوله: (فصبر جميل) فإن الصبر الجميل هو الذى لا شكوى معه ولا تنافيه الشكوى إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه قد قال: (إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله) (يوسف: 86) والله تعالى أمر رسوله بالصبر الجميل وقد امتثل ما أمر به وقال: (اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي) الحديث وأما قول بعضهم: أن الصبر الجميل أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري م هو، فهذا من الصبر الجميل لأن من فقده فقد الصبر الجميل فإن ظهور أثر المصيبة على العبد مما لا يمكن دفعه البتة وبالله التوفيق وزاد بعضهم في الصبر قسماً آخر وسماه: (الصبر على الصبر) وقال: هو أن يستغرق في الصبر حتى يعجز الصبر عن الصبر كما قيل:\rصابر الصبر فاستغاث به الصبر ... فصاح المحب بالصبر صبرا","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وليس هذا خارجاً عن أقسام الصبر وانما هو المرابطة على الصبر والثبات عليه والله أعلم\rالباب الحادي عشر\rفي الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام\rكل أحد لابد أن يصبر على بعض ما يكره اما اختياراً واما اضطراراً فالكريم يصبر اختياراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع، وأنه ان لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينزع منه مكروهاً، وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: (العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر كما قيل:\rوأن الأمر يفضى إلى آخر ... فيصير أخره أولاً\rفاذا كان آخر الأمر الصبر والعهد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره\rوقال بعض العقلاء: (من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم) فالكريم ينظر إلى المصيبة فان رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع، وان كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين\rفصل\rوأما اللئيم، فإنه يصبر اضطراراً، فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئاً فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضاً فالكريم يصبر في طاعة الرحمن، واللئيم يصبر في طاعة الشيطان، فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم، وأقل الناس صبراً في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر، ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء، ويصبر على تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه، ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه، ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية، ولا يصبر على ما يقال في عرضه اذا أوذي في الله، بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله ويبذل عرضه في هوى نفسه ومراده ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله، وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريماً عند الله ولا يقوم مع أهل الكرم اذا نودي بهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم: أين المتقون؟\rالباب الثاني عشر\rفي الأسباب التي تعين على الصبر\rلما كان الصبر مأموراً به جعل الله سبحانه له أسباباً تعين عله وتوصل إليه، وكذلك ما أمر الله سبحانه بالأمر الا أعان عليه ونصب له أسباباً تمده وتعين عليه كما أنه ما قدر داءا إلا وقدر له دواء أو ضمن الشفاء باستعماله فالصبر وان كان شاقاً كريهاً على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين، العلم والعمل فمنهما تركب جميع الأدوية التي تداوي بها القلوب والأبدان فلا بد من جزء علمي وجزء عملي فمنهما يركب هذا الدواء الذي هو أنفع الأدوية فأما الجزء العلمي فهو ادراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وادراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص، فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغي أضاف إليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الانسانية وضم هذا الجزء الى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له مرارته وانقلب ألمه لذة وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس، وكل متصارعين ارادا أن يتغلب أحدهما على الآخر، فالطريق فيه تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع القوة والمرض سواء فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه أو يملكه ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا يزال يحدثه بما هناك ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكير فيما ينفعه في دنياه وآخرته، فإذا عزم على التداوي ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولا بأمور: أحدها: أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيجدها من الأغذية المحركة للشهوة اما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها، فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يضعف مجارى الشهوة ويكسر حدتها، ولا سيما اذا كان أكله وقت الفطر معتدلاً الثاني: أن يتجنب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه، فإن داعي الارادة والشهوة انما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم: (النظر سهم مسموم من سهام ابليس) وهذا السهم يشرده ابليس نحو القلب ولا يصادف جنة دونه، وليست الجنة الا غض الطرف أو التحيز والانحراف عن جهة الرمي، فإنه انما يرمي هذا السهم عن قوس الصور فإذا لم تقف على طريقها أخطأ السهم وان نصبت قلبك غرضاً فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيما أباحه الله سبحانه غنية عنه، وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس كما أرشد اليه النبي صلى الله عليه وسلم، فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح وعن الكلب الضاري لاضعاف قوتهما والدواء الثاني يشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة والدواء الثالث يشبه اعطائهما من الغذاء ما يميل إليه طبعهما بحسب الحاجة لتبقي معه القوة فتطبع صاحبهما ولا تغلب بإعطائها الزيادة على ذلك الرابع: التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فإنه لو لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهي عن إجابة هذا الداعي، ولو تكلفنا عدها لفاقت الحصر، ولكن عين الهوى عمياء الخامس: الفكرة في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها ان كانت معروفة بالاجابة له ولغيره فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب كما قيل:\rسأترك وصلكم شرفاً وعزاً ... لخسة سائر الشركاء فيه\rوقال آخر:\rإذا كثر الذباب على الطعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه\rوتجتنب الأسود ورود ماء ... اذا كان الكلاب يلغن فيه\rوليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث، ريقه الداء الدوى، فإن ريق الفاسق داء كما قيل:\rتسل يا قلب عمن سمح بمهجته ... مبذل كل من يلقاه يفرقه\rكالماء أي صيد يأتيه ينهله ... والغصن أي نسيم من يعطفه\rوان حلا ريق فاذكر مرارته ... في فم أبخر يحفيه ويرشفه\rومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه، فإن لم تجبه نفسه إلى الاعراض ورضي بالمشاركة فلينظر إلى ما وراء هذا اللون، والجمال الظاهر من القبائح الباطنة، فإن من مكن نفسه من فعل القبائح فنفسه أقبح من نفوس البهائم، فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلا إلا ما يحكى عن الخنزير، وانه ليس في البهائم لوطى سواه فقد رضي هذا الممكن من نفسه أن يكون بمنزلة الخنزير، وهذا القبح يغطي كل جمال وملاحة في الوجه والبدن غير أن حبك الشيء يعمى ويصم وان كانت الصورة أنثى فقد خانت الله ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها وأورثت ذلك لمن بعدها من ذريتها فلها نصيب من وزرهم وعارهم ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح البتة وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذي يعلو وجه أحدهما في كبره وكيف يقلب الله سبحانه وتعالى المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجهه كما قيل شعراً:\rلو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه\rوتفصيل هذه الوجوه يطول جدا فيكفي ذكر أصولها\rفصل\rوأما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور: أحدها: اجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع، ومن تقام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب أن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد الثالث: مشهد النعمة والاحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه وانما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد احسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وانعامه نازلاً إليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة الى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة الرابع: مشهد الغضب والانتقام فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب، واذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلاً عن هذا العبد الضعيف","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"الخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة وما يحدث له بها من كل إسم مذموم عقلاً وشرعاً وعرفاً ويول عنه من الأسماء الممدوحة شرعاً وعقلاً وعرفاً، ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الايمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافاً مضاعفة فكيف أن يبيعه بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها، تذهب الشهوة وتبقى الشقوة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) قال بعض الصحابة: ينزع منه الايمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة فإن تاب رجع إليه، وقال بعض التابعين ينزع عنه الايمان كما ينقض القميص فإن تاب لبسه، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذى رواه البخاري: الزناة في التنور عراة لأنهم تعروا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنوراً ظاهراً يحمي عليه في النار السادس: مشهد القهر والظفر فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعاً وأتم فرحة، وأما عاقبته فأحمد عاقبة وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله السابع: مشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها وليوازنه بين العوض والمعوض فأيهما كان أولى بالايثار اختاره وارتضاه لنفسه الثامن: مشهد المعية وهو نوعان: معية عامة ومعية خاصة، فالعامة اطلاع الرب عليه وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله وقد تقدم هذا، والمقصود هنا المعية الخاصة كقوله: (ان الله مع الصابرين) (البقرة: 153) وقوله: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (النحل: 128) وقوله: (وان الله لمع المحسنين) (العنكبوت: 69) فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته ممن قضى وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخرته فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر انما هي كأحلام نائم أو كظل زائل التاسع: مشهد المغافصة والمعالجة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فبأخذه الله على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهى من لذات الآخرة فيالها من حسرة ما أمرها وما أصعبها لكن ما يعرفها الا من جربها وفي بعض الكتب القديمة: يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر العاشر: مشهد البلاء والعافية، فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية وان عوفيت ابدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وان مرضت أبدانهم وقال بعض أهل العلم في الأثر المروى: إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصى الله والاعراض والغفلة عنه وهذا وان كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم والله أعلم الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعي الهوى ومقاومته على التدريج قليلاً قليلاً حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال، ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البراز والخياط ونحوهما، ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد الثاني عشر: كف الباطل عن حديث النفس واذا مرت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها فإنها تصير منا وهي رؤوس أموال المفاليس ومتى ساكن الخواطر صارت أماني ثم تقوى فتصير هموماً ثم تقوى فتصير ارادات ثم تقوى فتصير عزماً يقترن به المراد فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من رفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته الثالث عشر: قطع العلائق التي تدعوه الى موافقة الهوى، وليس المراد أن لا يكون له هوى، بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى، فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه فإن كل شيء من الانسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان، ومالا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولابد","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"فالعلم ان لم يكن لله كان للنفس والهوى، والعمل ان لم يكن لله كان للرياء والنفاق، والمال ان لم ينفق في طاعة الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى، والجاه ان لم يستعمله لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه، والقوة ان لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الاخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال، فليس شيء أشق على المنفق لله من الانفاق لغيره وكذا بالعكس الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التي ندب عباده إلى التفكر فيها وهي آياته المتلوة وآياته المجلوة، فاذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاظرة الشيطان ومحادثته ووسواسه وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاظراً للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة، فرغب عن ذلك الى محاظرة الشيطان من الانس والجن فلا غبن بعد هذا الغبن والله المستعان الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها فلا يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعاً الا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب فان حسرته تشتد اذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له فكيف اذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به ويناله بسببه غاية الألم، بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبناً السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين اصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء كل شيء إليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر المعروف: (إن الله في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله ان يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم) ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التي لا يسئل الله فيها شيئاً إلا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الاجابة فإنه لو لم يرد اجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل:\rلو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود ما عودتني الطلبا\rولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته، فإنه ما حرمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكل حال كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك إليها، فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحه بسقمه فلا يستوحش عبده من حالة تسوءه أصلاً إلا اذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين، فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى وكلما انقاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين، ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل فلينظر أين روحه في هذا العالم، فإنها اذا فارقت البدن تكون في الرفيق الأعلى الذي كانت تجذبه إليه في الدنيا فهو أولى بها، فالمرء مع من أحب طبعاً وعقلاً وجزاء، وكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه والى أهله بالطبع، وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، وقد قال تعالى: (قل كلٌ يعمل على شاكلته) (الاسراء: 84) فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهمها وأعمالها إلى أعلى، والنفوس السافلة إلى أسفل الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة، وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلاً قابلاً ينزل فيه، وان فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم يكن الزرع زرعاً كاملاً، بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من ارادات السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والاخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه كان جديراً بحصول المقل","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته، كذلك يقوى الرجاء لاصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة ولا سيما اذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة، فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة كما نصب سائر الأسباب مقتضية إلى مسبباتها، بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب الحسن وبظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأي العجائب فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو زال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب فتأمل حال نهر عظيم يسقى كل أرض يمر عليها فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدبة سكر وسد كثيف فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذل معه، وأمن لا خوف فيه، وغناء لا فقر معه، ولذة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعز الذي يقارنه الذل ويعقبه الذل، والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف، وكذلك العناء واللذة والفرح والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده وهو سريع الزوال فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله، وأكثرهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، والذي ظفر به إنما هو متاع قليل والزوال قريب فإنه سريع الزوال عنه والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير، فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه، فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم، فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على أن لا يصل إليه، فإن العبد اذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقاً، لأن صاحب هذا الملك حر، والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه فهو مسخر مملوك في زي مالك يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك الظاهر الذي صورته ملك وباطنه رق وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة والبصير الموفق يعير نظره من الأوائل إلى الأواخر، ومن المبادئ إلى العواقب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم العشرون: أن لا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول المقصود بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه، وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء الكمال والفلاح، فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدا ويستعين على الخروج عن العوايد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال فلينأ عنه) فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه وهاهنا لطيفة الشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة والله أعلم\rالباب الثالث عشر\rفي بيان الانسان لا يستغني عن الصبر\rفي حال من الأحوال\rفإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجري عليه اتفاقاً، ونعمة يجب شكر المنعم عليها، واذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات، وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين: أحدهما يوافق هواه ومراده، والآخر مخالفه وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة والسلامة والجاه والمال وأنواع الملاذ المباحة وهو أحوج شيء إلى الصبر فيها من وجوه: أحدها: أن لا يركن إليها ولا يغتر بها ولا تحمله على البطر والاشر والفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله الثاني: أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها فإنها تنقلب إلى اضدادها، فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضده وحرم الأكل والشرب والجماع الثالث: أن يصبر على أداء حق الله فيها ولا يضيعه فيسلبها","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"الرابع: أن يصبر عن صرفها في الحرام فلا يمكن نفسه من كل ما تريده منها فإنها توقعه في الحرام، فإن احترز كل الاحتراز أوقعته في المكروه، ولا يصبر على السراء إلا الصديقون قال بعض السلف: (البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر ولا يصبر على العافية إلا الصديقون) وقال عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه: (ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر) ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال والأزواج فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) (المنافقون: 9) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم) (التغابن: 14) وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة، بل إنما هي عداوة المحبة الصادرة للأباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور الدين وأعمال البر كما في جامع الترمذي من حديث اسرائيل: حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم) قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة فأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم) الآية قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده وفي الحديث: (الولد مبخلة مجبنة) وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثني زيد بن واقد قال: حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: (صدق الله (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) (الأنفال: 28) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) وهذا من كمال رحمته صلى الله عليه وسلم ولطفه بالصغار وشفقته عليهم وهو تعليم منه للامة، الرحمة والشفقة واللطف بالصغار\rفصل\rوانما كان الصبر على السراء شديداً لأنه مقرون بالقدرة والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره وكذلك الشبق عند غيبة المرأة أصبر منه عند حضورها\rفصل\rوأما النوع الثاني المخالف للهوى فلا يخلو أما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي، أو لا يرتبط أوله باختياره كالمصائب، أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له في ازالته بعد الدخول فيه فهاهنا ثلاثة أقسام: أحدها: ما يرتبط باختياره وهو جميع أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية، فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها ننفر عن كثير من العبودية، أما في الصلاة فلما في طبعها من الكسل وإيثار الراحة ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب ورين الذنب والميل إلى الشهوات ومخالطة أهل الغفلة فلا يكاد العبد مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها وأن فعلها مع ذلك كان متكلفاً غائب القلب ذاهلاً عنها طالباً لفراقها كالجالس إلى الجيفة وأما الزكاة فلما في طبعها من الشح والبخل وكذلك الحج والجهاد للأمرين جميعاً ويحتاج العبد هاهنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال: أحدها: قبل الشروع فيها بتصحيح النية والإخلاص وتجنب دواعي الريبة والسمعة وعقد العزم على توفيته المأمورية حقها الحالة الثانية: الصبر حال العمل فيلازم العبد الصبر عن دواعي التقصير فيه والتفريط ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية وعلى حضور القلب بين يدي المعبود وأن لا ينساه في أمره فليس الشأن في فعل المأمور بل الشأن كل الشأن أن لا ينسى الآمر حال الاتيان بأمره بل يكون مستصحباً لذكره في أمره فهذه عبادة العبيد المخلصين لله فهو محتاج إلى الصبر على توفية العبادة حقها بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها، والى الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها ولا يشتغل عنه بعبادته فلا يعطله حضوره مع الله بقلبه عن قيام جوارحه بعبوديته، ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه سبحانه","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"الحالة الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل وذلك من وجوه: أحدها: أن يصبر نفسه عن الاتيان بما يبطله عمله قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) (البقرة: 264) فليس الشأن الاتيان بالطاعة إنما الشأن في حفظها مما يبطلها الثاني: أن يصدر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر والتعظم بها فإن هذا أضر عليه من كثير من المعاصي الظاهرة الثالث: أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية فإن العبد يعمل العمل سراً بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر فإن تحدث به نقل إلى ديوان العلانية فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل\rفصل\rوأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة وقطع العوائد فإن العادة طبيعة خاصة، فإذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان فلا يقوى باعث الدين على قهرهما\rفصل\rالقسم الثاني: مالا يدخل تحت الاختيار وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التي لا صنع للعبد فيها، كموت من يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ذلك وهذا نوعان أحدهما: مالا صنع للعبد الآدمي فيه، والثاني: ما أصابه من جهة آدمي مثله كالسب والضرب وغيرهما فالنوع الأول للعبد فيه أربع مقامات: أحدها: مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط وهذا مالا يفعله إلا أقل الناس عقلاً وديناً ومروءة وهو أعظم المصيبتين المقام الثاني: مقام الصبر، إما لله وإما للمروءة الانسانية المقام الثالث: مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والصبر متفق على وجوبه المقام الرابع: مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلى عليها وأما النوع الثاني وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف إليها أربعة أخر أحدها: مقام العفو والصفح والثاني: مقام سلامة القلب من ارادة التشفي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها الثالث: مقام شهود القدر وأنه وان كان ظالماً بإيصال هذا الأذى اليك فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم، وأذى الناس مثل الحر والبرد لا حيلة في دفعه، فالمتسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر وان اختلفت طرقه وأسبابه المقام الرابع: مقام الاحسان إلى المسيء ومقابلة اساءته باحسانك، وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح مالا يعلمه إلا الله، فإن فات العبد هذا المقام العالي فلا يرضى لنفسه بأحسن المقامات وأسفلها\rفصل\rالقسم الثالث: ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه وهذا كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقي فرضه الصبر عليه في آخره وأن لا يطيع داعي هواه ونفسه وللشيطان هاهنا دسيسة عجيبة وهي أن يخيل إليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوي، وغايته أن يكون كالتداوي بالخمر والنجاسة، وقد أجازه كثير من الفقهاء وهذا من أعظم الجهل، فإن هذا التداوي لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه، وكم ممن تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء، بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر والتقوى كما قال تعالى: (وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) (آل عمران: 186) وقال: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) (يوسف: 9) فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغنى أحدهما عن صاحبه فإن قيل: فهل يثاب على الصبر في هذا القسم إذا كان عاصياً مفرطاً يتعاطى أسبابه، وهل يكون معاقباً على ما تولد منه وهو غير اختياري له؟ قيل: نعم إذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره، فإذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران مقدوراً فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما تولد منها ولذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من أتبعه لأن اتباعهم له تولد عن فعله ولذلك كان علي ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم القيامة وقد قال تعالى: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) أن (النحل: 25) وقال تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) (العنكبوت: 13) فإن قيل: فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله والإنسان إنما يتوب عما يتعلق باختياره؟ قيل: التوبة منه بالندم عليه وعدم إجابة دواعيه وموجباته وحبس النفس عن ذلك، فإن كان المتولد متعلقاً بالغير فتوبته مع ذلك برفعه عن الغير بحسب الإمكان، ولهذا كان من توبة الداعي إلى البدعة أن يبين أن ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة، وأن الهدى في ضده كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ما أنزل الله في البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك أن يصلحوا العمل في نفوسهم ويبينوا للناس ما كانوا يكتمونهم إياه فقال: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم، وأنا التواب الرحيم) (البقرة: 159، 16) وهذا كما شرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم إفساد قلوب ضعفاء المؤمنين وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول وإظهارهم الإسلام رياء وسمعة أن يصلحوا بدل إفسادهم وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكفار والمشركين، وأن يخلصوا دينهم لله بدل إظهارهم له رياء وسمعة فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها والله المستعان\rالباب الرابع عشر\rفي بيان أشق الصبر على النفوس\rمشقة الصبر: بحسب قوة الداعي إلى الفعل وسهولته على العبد فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق شيء على الصابر، وان فقدا معاً سهل الصبر عنه وان وجد أحدهما وفقد الآخر سهل الصبر من وجه وصعب من وجه، فمن لا داعي له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش والا هو سهل عليه فصبره عنه من أيسر شيء وأسهله، ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله فصبره عنه أشق شيء عليه، ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم وصبر الشاب عن الفاحشة وصبر الغنى عن تناول اللذات والشهوات عند الله بمكان وفي المسند وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: (عجب ربك من شاب ليست له صبرة) ولذلك استحق السبعة المذكورين في الحديث الذين يظلهم الله في ظل العرش لكمال صبرهم ومشقته فإن صبر الامام المتسلط على العدل في قسمه وحكمه ورضاه وغضبه وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه، وصبر الرجل على ملازمة المسجد، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن بعضه وصبر المدعو إلى الفاحشة مع كمال جمال الداعي ومنصبه، وصبر المتحابين في الله على ذلك في حال اجتماعهما وافتراقهما، وصبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك واظهاره للناس من أشق الصبر ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني والملك الكذاب والفقير المحتال أشد العقوبة لسهولة الصبر عن هذه الأشياء المحرمات عليهم لضعف دواعيها في حقهم، فكان تركهم الصبر عنها مع سهولته عليهم دليلاً على تمردهم على الله وعتوهم عليه ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي اليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان فاكهة الانسان كالنميمة والغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضاً وتصريحاً وحكاية كلام الناس والطعن على من يبغضه ومدح من يحبه ونحو ذلك فتتفق قوة الداعي وتيسر حركة اللسان فيضعف الصبر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (أمسك عليك لسانك) فقال: وانا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقال: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد السنتهم)، ولا سيما اذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى وسادة حرير، لحظة واحدة، ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتفكه في أعراض الخلق وربما خص أهل الصلاح والعلم بالله والذين والقول على الله مالا يعلم وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الابرة من النجاسة ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام كما يحكي أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية فلما أراد مواقعتها قال: يا هذه غطي وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن دم البعوض فقال انظروا إلى هؤلاء يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق لي قريب من هذه الحكاية، كنت في حال الاحرام فأتاني قوم من الأعراب المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألوني عن قتل المحرم القمل فقلت: يا عجبا لقوم لا يتورعون عن قتل النفس التي حرم الله قتلها ويسألون عن قتل القملة في الإحرام والمقصود أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصي وأحادها يكون باختلاف داعيه إلى تلك المعصية في قوتها وضعفها ويذكر عن علي رضي الله عنه أنه قال: (الصبر ثلاثة: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة، ومن صبر على الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة درجة، ومن صبر عن المعصية خوفاً من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة) وقال ميمون بن مهران: (الصبر صبران فالصبر على المصيبة حسن وأفضل منه الصبر على المعصية) وقال الفضيل في قوله تعالى: (سلام عليكم بما صبرتم) (الرعد: 24) ثم قال: (صبروا على ما أمروا به وصبروا عما نهوا عنه) وكأنه جعل الصبر على المصيبة داخلاً في قسم المأمور به والله أعلم\rالباب الخامس عشر\rفي ذكر ما ورد في الصبر\rمن نصوص الكتاب العزيز\rقال الإمام أحمد رحمه الله: (ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعاً) انتهى ونحن نذكر الأنواع التي سيق فيها الصبر وهي عدة أنواع: أحدها: الأمر به كقوله: (واصبر وما صبرك إلا بالله) (النحل: 127) (واصبر لحكم ربك) (الطور: 48) الثاني: النهي عما يضاده كقوله: (ولا تستعجل لهم) (الأحقاف: 35) وقوله: (ولا تهنوا ولا تحزنوا) (آل عمران: 139) وقوله: (ولا تكن كصاحب الحوت) (القلم: 48) وبالجملة فكل ما نهى عنه فإنه يضاد الصبر المأمور به الثالث: تعليق الفلاح به كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 2) فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور الرابع: الاخبار عن مضاعفة أجر الصابر على غيره كقوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر: 1) قال سليمان بن القاسم: كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر، قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) قال: كالماء المنهمر الخامس: تعليق الامامة في الدين به وباليقين قال الله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون) (السجدة: 24) فبالصبر واليقين تنال الامامة في الدين السادس: ظفرهم بمعية الله سبحانه لهم قال تعالى: (إن الله مع الصابرين) (البقرة: 153) قال أبو علي الدقاق: (فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته) السابع: أنه جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم وهي: الصلاة منه عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم قال تعالى: (وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا انا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (البقرة: 155 - 157) وقال بعض السلف وقد عوى على مصيبة نالته فقال: مالي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها الثامن: أنه سبحانه جعل الصبر عوناً وعدة، وأمر بالاستعانة به فقال: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة: 45) فمن لا صبر له لا عون له التاسع: أنه سبحانه علق النصر بالصبر والتقوى فقال تعالى: (بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) (آل عمران: 125) ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر)","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"العاشر: أنه سبحانه جعل الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فما استجن العبد من ذلك جنة أعظم منهما قال تعالى: (وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً) (آل عمران: 12) الحادي عشر: أنه سبحانه أخبر أن ملائكته تسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما قال: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار) (الرعد: 23، 24) الثاني عشر: أنه سبحانه أباح لهم أن يعاقبوا على ما عوقبوا به ثم أقسم قسماً مؤكداً غاية التأكيد أن صبرهم خير لهم فقال: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (النحل: 126) فتأمل هذا التأكيد بالقسم المدلول عليه بالواو ثم باللام بعده ثم باللام التي في الجواب الثالث عشر: أنه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال: (الا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) (هود: 11) وهؤلاء ثنية الله من نوع الإنسان المذموم الموصوف باليأس والكفر عند المصيبة والفرح والفخر عند النعمة ولا خلاص من هذا الذم إلا بالصبر والعمل الصالح كما لا تنال المغفرة والأجر الكبير إلا بهما الرابع عشر: أنه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور أي مما يعزم من الأمور التي إنما يعزم على أجلها وأشرفها فقال: (ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الأمور) (الشورى: 43) وقال لقمان لإبنه: (وأمربالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور) (لقمان: 17) الخامس عشر: أنه سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر وهي كلمته التي سبقت لهم وهي الكلمة الحسنى وأخبر أنه انما أنالهم ذلك بالصبر فقال تعالى: (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا) (الأعراف: 137) السادس عشر: أنه سبحانه علق محبته بالصبر وجعلها لأهله فقال: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين) (آل عمران: 146) السابع عشر: أنه سبحانه أخبر عن خصال الخير أنه لا يلقاها إلا الصابرون في موضعين من كتابه في سورة القصص في قصة قارون وأن الذين أوتوا العلم قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي: (ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون) (القصص: 8) وفي سورة حم السجدة حيث أمر العبد أن يدفع بالتي هي أحسن، فإذا فعل ذلك صار الذي بينه وبينه عداوة كأنه حبيب قريب ثم قال: ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) (فصلت: 35) الثامن عشر: أنه سبحانه أخبر أنه انما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار الشكور فقال تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله، ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور) (سبأ: 19) وقال تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ان يشأ يسكن الريح فيظلن رواكد على ظهره، ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور) (الشورى: 32، 33) فهذه أربع مواضع في القرآن تدل على أن آيات الرب انما ينتفع بها أهل الصبر والشكر التاسع عشر: أنه أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال: (انا وجدناه صابراً، نعم العبد، انه أواب) (سورة ص: 44) فأطلق عليه: نعم العبد بكونه وجده صابراً، وهذا يدل على أن من لم يصبر اذا ابتلى فإنه بئس العبد العشرون: أنه سبحانه حكم بالخسران حكماً عاماً على كل من لم يؤمن ولم يكن من أهل الحق والصبر، وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى: (والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (سورة العصر) ولهذا قال الشافعي: لو فكر الناس كلهم في هذه الآية لوسعتهم ولذلك أن العبد كماله في تكميل قوتيه: قوة العلم وقوة العمل، وهما الايمان والعمل الصالح، وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر وأخيه كذلك وقاعدته وساقه الذي يقوم عليه انما هو الصبر","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"الحادي والعشرون: أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهما فقال تعالى: ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة) (البلد: 17،18) وهذا حصر لأصحاب الميمنة فيمن قام به هذان الوصفان والناس بالنسبة إليهما أربعة أقسام: هؤلاء خير الأقسام، وشرهم من لا صبر له ولا رحمة فيه ويليه من له صبر ولا رحمة عنده، ويليه القسم الرابع وهو من له رحمة ورقة ولكن لا صبر له الثاني والعشرون: أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الاسلام ومقامات الايمان كلها فقرنه بالصلاة كقوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة: 45) وقرنه بالأعمال الصالحة عموماً كقوله: (الا الذين صبروا وعملوا الصالحات) (هود: 11) وجعله قرين التقوى كقوله: (انه من يتق ويصبر) (يوسف: 9) وجعله قرين الشكر كقوله: (ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور) (ابراهيم: 5، لقمان: 3، سبأ: 19، الشورى: 33) وجعله قرين الحق كقوله: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) (البلد: 17) وجعله قرين اليقين كقوله: (لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون) (السجدة: 24) وجعله قرين الصدق كقوله: (والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات) (الأحزاب: 35) وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه وحسن جزائه ويكفي بعض ذلك شرفاً وفضلاً والله أعلم\rالباب السادس عشر\rفي ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة\rفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: (اتقي الله واصبري) فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهب قيل لها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت: يا رسول الله لم أعرفك فقال: (إنما الصبر عند أول صدمة) وفي لفظ: (عند الصدمة الأولى) وقوله: (الصبر عند الصدمة الأولى) مثل قوله: (ليس الشديد بالصرعة، انما الشديد الذي يملك نفسه وقت الغضب) فإن مفاجآت المصيبة بغتة، لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها فهان عليه استدامة الصبر، وأيضاً: فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه وهي الصدمة الأولى، وأما اذا وردت عليه بعد ذلك فقد توطن لها وعلم أنه لا بد له منها فيصير صبره شبيه الاضطرار، وهذه المرأة لما علمت أن جزعها لا يجدي عليها شيئاً جاءت تعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنها تقول له قد صبرت فأخبرها أن الصبر انما هو عند الصدمة الأولى، ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد ابن زربي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة جاثمة على قبر تبكي فقال لها: يا أمة الله اتقي الله واصبري، قالت: يا عبد الله لو كنت مصاباً عذرتني، قال: يا أمة الله اتقي الله واصبري، قالت: يا عبد الله قد سمعت فانصرف عني فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه رجل من أصحابه فوقف على المرأة فقال لها: ما قال لك الرجل الذاهب؟ قالت: قال لي كذا وأجبته بكذا وكذا قال: هل تعرفينه؟ قالت: لا، قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوثبت مسرعة نحوه حتى انتهت إليه وهي تقول: أنا أصبر أنا أصبر يا رسول الله، فقال: (الصبر عند الصدمة الأولى، الصبر عند الصدمة الأولى) قال ابن أبي الدنيا: حدثنا بشر بن الوليد وصالح الكندي بن مالك فقالا: حدثنا سعيد بن زربي فذكره، فهذا السياق يبين معنى الحديث، قال أبو عبيد: معناه أن كل ذي رزية فان قصاراه الصبر ولكنه انما يحمد على صبره عند حدة المصيبة وحرارتها قلت: وفي الحديث أنواع من العلم أحدها: وجوب الصبر على المصائب وأنه من التقوى التي أمر العبد بها الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن سكر المصيبة وشدتها لا يسقطه عن الآمر الناهي الثالث: تكرار الأمر والنهي مرة بعد مرة حتى يعذو الأمر إلى ربه","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"الرابع: احتج به على جواز زيارة النساء للقبور فانه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها الزيارة وانما أمرها بالصبر، ولو كانت الزيارة حراماً لبين لها حكمها وهذا كان في آخر الامر فإن أبا هريرة انما أسلم بعد السنة السابعة، وأجيب عن هذا بأنه صلى الله عليه وسلم قد أمرها بتقوى الله والصبر وهذا انكار منه لحالها من الزيارة والبكاء ويدل عليه أنها لما علمت أن الآمر لها من تجب طاعته انصرفت مسرعة، وأيضاً فأبو هريرة لم يخبر أنه شهد هذه القصة فلا يدل الحديث على أنها بعد اسلامه، ولو شهدها فلعنته صلى الله عليه وسلم لزائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج كان بعد هذا في مرض موته، وفي عدم تعريفه لها بنفسه في تلك الحال التي لا تملك فيها نفسها شفقة منه ورحمة بها اذا عرفها بنفسه في تلك الحال فربما لم تسمع منه فتهلك وكان معصيتها له وهي لا تعلم أنه رسول الله أخف من معصيتها له لو علمت به، فهذا من كمال رأفته صلوات الله وسلامه عليه وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله انا لله وانا اليه راجعون اللهم أجرنيفي مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله خيراً منها) قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اني قلتها فأخلف الله لي رسوله صلى الله عليه وسلم فأرسل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: ان لي بنتاً وأنا غيور فقال: أما بنتها فأدعو الله أن يغنيها عنها وأدعو الله أن يذهب بالغيرة فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي داوود في هذا الحديث عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: انا لله وانا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيراً منها) فلما احتضر أبو سلمة قال: اللهم اخلفني في أهلي خير مني فلما قبض قالت أم سلمة: انا لله وانا إليه راجعون، عند الله أحتسب مصيبتي فانظر عاقبة الصبر والاسترجاع ومتابعة الرسول والرضا عن الله إلى ما آلت، وأنالت أم سلمة نكاح أكرم الخلق على الله وفي جامع الترمذي ومسند الامام احمد وصحيح ابن حبان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجعك فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد) وفي صحيح البخاري من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة)، يريد عينيه وعند الترمذي في الحديث: (اذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة) وفي الترمذي أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل من أذهبت حبيبيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة) وفي سنن أبي داوود من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يرضى الله لعبده المؤمن اذا ذهب بصفيه من أهل الأرض واحتسبه بثواب دون الجنة) وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن جزاء اذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) وفي صحيحه أيضاً عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى قال: هذا المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أصرع واني أنكشف فادع الله لي، قال: ان شئت صبرت ولك الجنة وان شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك فقالت: أصبر، فقالت: اني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها) وفي الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اذا مرض العبد بعث الله اليه ملكين، فقال: انظروا ماذا يقول لعواده؟ فان هو إذ جاءاه حمد الله وأنثى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم، فيقول: ان لعبدي على أن توفيته أن أدخله الجنة وان أنا شفيته أن أبدله لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وأن أكفر عنه سيئاته)","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جمع الله الخلائق نادى منادٍ: أين أهل الصبر؟ فيقوم ناس وهم قليلون فينطلقون سراعاً إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون: انا نراكم سراعا إلى الجنة فمن أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الفضل، فيقولون: ما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظلمنا صبرنا، واذا أسيء الينا غفرنا، واذا جهل علينا حلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين) وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم مالاً فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المسلم الا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها) وفيهما أيضاً من حديث أبي سعيد وأبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه وفي صحيح مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة) وفي المسند من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال البلاء بالمؤمن - أو المؤمنة - في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) وفي الصحيح من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وان كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) وفي الصحيحين عن عبد اله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً قال فقلت: يا رسول الله انك لتوعك وعكاً شديداً قال: (أجل اني لأوعك كما يوعك رجلان منكم، فقلت: ان لك لأجرين؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه الا حط الله عنه به خطاياه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها) وفي الصحيحين أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت الوجع أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعض المساند مرفوعاً: أن الرجل لتكون له الدرجة عند الله لا يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك وروي عن عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك من الذنوب كما يخلص الكير الخبث من الحديد) وفي صحيح البخاري من حديث خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا: الا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون وفي لفظ للبخاري: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: (لقد كان الرجل ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه) وقد حمل أهل العلم قول خباب: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا) على هذا المحمل وقال: شكوا إليه حر الرمضاء الذي كان يصيب جباههم وأكفهم من تعذيب الكفار فلم يشكهم وانما دلهم على الصبر وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسر ذلك بالسجود على الرمضاء واحتج به على وجوب مباشرة المصلى بالجبهة لثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا دليل في اللفظ على ذلك الثاني: أنهم قد أخبروا أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان أحدهم اذا لم يستطع أن يسجد على الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه، والظاهر أنه هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرهم عليه","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"الثالث: أن شدة الحر في الحجاز تمنع من مباشرة الجبهة والكف للأرض بل يكاد يشوي الوجه والكف فلا يتمكن من الطمأنينة في السجود ويذهب خشوع الصلاة ويتضرر البدن ويتعرض للمرض والشريعة لا تأتي بهذا فتأمل رواية خباب لهذا والذي قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين والله أعلم، ولا تستوحش من قوله: (فلم يشكنا) فإنه هو معنى اعراضه عن شكايتهم واخباره لهم بصبر من قبلهم والله أعلم وفي الصحيح من حديث اسامة بن زيد قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه: أن ابناً لي احتضر فأتنا، فأرسل يقرئها السلام ويقول: (ان لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب) فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فرفع الصبي إلى رسول الله فأقعده في حجره ونفسه تقعقع كأنها شن ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب من يشاء من عباده، وانما يرحم الله من عباده الرحماء) وفي سنن النسائي عن ابن عباس قال: احتضرت ابنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرة فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمها إلى صدره ثم وضع يده عليها وهي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت أم أيمن فقلت لها: أتبكين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ فقالت: ما لي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن بخير على كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل) وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: اشتكى ابن لأبي طلحة فمات وأبو طلحة خارج فما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً وسجته في جانب البيت فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح فظن أبو طلحة أنها صادقة قال: فبات معها فلما أصبح اغتسل فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخبره بما كان منهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما) قال ابن عيينة فقال رجل من الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن وفي موطأ مالك عن القاسم بن محمد قال: هلكت امرأة لي فأتانا محمد ابن كعب القرظي يعزيني فيها فقال: انه قد كان في بني اسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد وكانت له امرأة وكان بها معجباً فماتت فوجد عليها وجداً شديداً حتى خلى في بيت وأغلق على نفسه واحتجب عن الناس، فلم يكن يدخل عليه أحد، ثم ان امرأة من بني اسرائيل سمعت به فجاءته فقالت: ان لي إليه حاجة أستفتيه فيها ليس يجزيني الا أن أشافهه بها فذهب الناس ولزمت الباب فأخبر فأذن لها فقالت: استفتيك في أمر قال: وما هو؟ قالت: اني استعرت من جارة حلياً فكنت ألبسه وأعيره زمانا ثم انها أرسلت الى فيه أفأرده اليها؟ قال: نعم، قالت: والله انه مكث عندي زماناً فقال: ذلك أحق لردك إياه فقالت له: يرحمك الله أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك وهو أحق به منك؟ فأبصر ما كان فيه ونفعه الله بقولها وفي جامع الترمذي عن شيخ من بني مرة قال: قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال بن أبي بردة فقلت: ان فيه لمعتبراً فأتيته وهو محبوس في داره التي كان بناه واذا كل شيء منه قد تغير من العذاب والضرب واذا هو في قشاش، فقلت له: الحمد لله يا بلال لقد رأيتك تمر بنا وأنت تمسك أنفك من غير غبار وأنت في حالتك هذه فكيف صبرك اليوم؟ فقال: ممن أنت؟ قلت: من بني مرة بن عباد قال: ألا أحدثك حديثاً عسى أن ينفعك الله به؟ قلت: هات قال: حدثني أبو بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر) قال: وقرأ: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) (الشورى: 3) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي أن نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) فتضمنت هذه الدعوة العفو عنهم والدعاء لهم والاعتذار عنهم والاستعطاف بقوله: (لقومي)","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"وفي الموطأ من حديث عبد الرحمن بن القاسم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي) وفي الترمذي من حديث يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم) قال الترمذي: كان شعبة يرى أن الشيخ ابن عمر وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أعطى أحد عطاء خير وأوسع من الصبر) وفي بعض المساند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله عز وجل اذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً) وفي جامع الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) وفي بعض المساند عنه صلى الله عليه وسلم مرفوعاً: (اذا أراد الله بعبد خيراً صب عليه البلاء صباً) وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على امرأة فقال: مالك ترفرفين؟ قالت: الحمى لا بارك الله فيها قال: (لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من وعك ليلة فصبر ورضى عن الله تعالى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) وقال الحسن: (انه ليكفر عن العبد خطاياه كلها بحمى ليلة) وفي المسند وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو محموم فوضعت يدي من فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى، فقلت: ما أشد حمال يا رسول الله قال: (أنا كذلك معاشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر) قال قلت: يا رسول الله فأي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء قلت ثم من؟ قال: الصالحون ان كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء فيجويها فيلبسها، وان كان الرجل ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب اليهم من العطاء اليكم) وقال عقبة بن عامر الجهني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من عمل إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته عن العمل فيقول الرب تعالى: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت) وقال أبو هريرة رضي الله عنه: اذا مرض العبد المسلم نودي صاحب اليمين أن أجر على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح، ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي، فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أزال ضاجعاً فقال أبو هريرة: كره العبد الخطايا ذكره ابن أبي الدنيا وذكر أيضاً عن هلال بن بساق قال: كنا قعوداً عند عمار بن ياسر فذكروا الأوجاع فقال أعرابي: ما اشتكيت قط فقال عمار: ما أنت منا - أو لست منا - ان المسل يبتلى ببلاء فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر، وان الكافر - أو قال الفاجر - يبتلى ببلية فمثله مثل البعير ان أطلق لم يدر لم أطلق، وان عقل لم يدر لم عقل وذكر عن أبي معمر الأزدي قال: كنا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئاً نكرمه سكتنا حتى يفسره لنا فقال لنا ذات يوم: الا أن القسم لا يكتب له أجر، فساءنا ذلك وكبر علينا فقال: ولكن يكفر به الخطيئة فسرنا ذلك وأعجبنا وهذا من كمال علمه وفقهه رضي الله عنه فإن الأجر انما يكون على الأعمال الاختيارية ومما تولد منها كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة في قوله تعالى المباشر من الانفاق وقطع الوادي (الا كتب لهم) (التوبة: 121) وفي المتولد من اصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار (إلا كتب لهم به عمل صالح) (التوبة: 12)، فالثواب مرتبط بهذين النوعين وأما الأسقام والمصائب فان ثوابها تكفير الخطايا ولهذا قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (الشورى: 3) والنبي صلى الله عليه وسلم انما قال في المصائب: (كفر الله بها من خطاياه)، كما تقدم ذكر ألفاظه صلى الله عليه وسلم، وكذا قوله: (المرض حطة) فالطاعات ترفع الدرجات، والمصائب تحط السيئات","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يصب منه)، وقال صلى الله عليه وسلم : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه وقال زيد بن ميسرة: ان العبد ليمرض المرض وما له عند الله من عمل خير فيذكره الله سبحانه بعض ما سلف من خطاياه فيخرج من عينه مثل رأس الذباب من الدمع من خشية الله فيبعثه الله ان يبعثه مطهراً أو يقبضه ان قبضه مطهوراً ولا يرد على هذا حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في ثواب من قبض الله ولده وثمرة فؤاده بأن يبني له بيتاً في الجنة ويسميه بيت الحمد وقال زياد بن زياد مولى ابن عباس رضي الله عنه وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممعوك - أي محموم - فقلنا: اح اح بأبائنا وأمهاتنا يا رسول الله ما أشد وعكك قال: (أنا معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفاً) قال: قلنا: سبحان الله، قال: أفاعجبتم أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل؟ قلنا: سبحان الله قال: أفعجبتم ان كان النبي من الأنبياء ليقتله القمل؟ قلنا: سبحان الله، قال: أفعجبتم ان كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء) - اح بالحاء المهملة هو المعروف من كلامهم ومن قاله بالخاء المعجمة فقد غلط - وذكر النسائي عن عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة نعوده فإذا سقاء معلقة يقطر ماءها من شدة ما كان يجد من الحمى، فقلنا: لو دعوت الله يا رسول الله أن يذهبها عنك، فقال: ان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقال مسروق عن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت أحداً أشد وجعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يشدد عليه اذا مرض حتى انه لربما مكث خمس عشرة لا ينام، وكان يأخذه عرق الكلية - وهو الخاصرة - فقلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فيكشف عنك، قال: (انا معاشر الأنبياء يشدد علينا الوجع ليكفر عنا) وفي المسند والنسائي من حديث أبي سعيد قال: قال رجل: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا مالنا بها؟ قال: كفارات فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وان قلت؟ قال: شوكة فما فوقها قال: فدعا أبي على نفسه عند ذلك أن لا يفارقه الوعك حتى يموت ولا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله وصلاة مكتوبة في جماعة، قال: فما مس رجل جلده بعدها إلا وجد حرها حتى مات وقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان العبد اذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله اذا كان طلقاً) أو اكفته إلى ناقة طلق بضم الطاء واللام اذا حل عقالها، ويقال: كفته إليه اذا ضمه إليه - ذكره ابن أبي الدنيا وذكر أيضاً عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الابريز فذلك الذي نجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك، فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد افتتن) وذكر أيضاً من مراسيل الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة) قال ابن أبي الدنيا: قال ابن المبارك: هذا من الحديث الجيد قال: وكانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب وذكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل وهو يشتكي فقال: قل اللهم اني أسألك تعجيل عافيتك وصبراً على بليتك وخروجاً من الدنيا إلى رحمتك وقالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الحمى تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها) وقال أبو هريرة وقد عاد مريضاً فقال له: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان الله عز وجل يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة)","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وقال مجاهد: الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ: (وان منكم إلا واردها، كان على ربك حتماً مقضيا) (مريم: 71) وهذا لم يرد به مجاهد تفسير الورود الذي في القرآن فان السياق يأبى حمله على الحمى قطعاً وانما مراده أن الله سبحانه وعد عباده كلهم بورود النار فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه فيسهل عليه الورود يوم القيامة فينجوا منها سريعاً والله أعلم ويدل عليه حديث أبي ريحانه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الحمى من كير جهنم وهي نصيب المؤمن من النار) وقال أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن اذا برأ وصح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في صفائها ولونها) ذكره ابن أبي الدنيا وذكر أيضاً عن أبي أمامة برفعه: (ما من مسلم يصرع صرعة من مرض إلا بعث منها طاهراً) وذكر عنه صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن حين يصيبه الوعك مثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها) وذكر أيضاً عنه مرفوعاً: (ان العبد اذا مرض أوحى الله إلى ملائكته: يا ملائكتي أنا قيدت عبدي بقيد من قيودي فان أقبضه اغفر له وان أعافه فجسد مغفور لا ذنب له) وذكر عن سهل بن أنس الجهني عن أبيه عن جده قال: دخلت على أبي الدرداء في مرضه فقلت: يا أبي الدرداء انا نحب أن نصح ولا نمرض، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان الصداع والمليلة لا يزالان بالمؤمن وان كان ذنبه مثل أحد حتى لا يدعان عبيه من ذنبه مثقال حبة من خردل) - المليلة: فعيلة من التململ، وأصلها من الملة التي يخبز فيها - وقالت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ابتلى الله عبداً ببلاء وهو على طريق يكرهها الا جعل الله ذلك البلالة كفارة وطهوراً ما لم ينزل ما أصابه من البلاء بغير الله أو يدعو غير الله يكشفه) وقال عطية بن قيس: مرض كعب فعاده رهط من أهل دمشق فقالوا: كيف نجدك يا اسحاق؟ قال: بخير، جسد أخذ بذنبه ان شاء ربه عذبه وان شاء رحمه، وان بعثه خلقاً جديداً لا ذنب له وقال سعيد بن وهب: دخلنا مع سلمان الفارسي على رجل من كندة نعوده فقال سلمان: ان المسلم يبتلى فيكون كفارة لما مضى ومستعيناً في ما بقى، وان الكافر يبتلى فمثله كمثل البعير أطلق فلم يدر لم أطلق، وعقل فلم يدر لم عقل وذكر أيضاً عن أبي أيوب الأنصاري قال: عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار وأكب عليه فسأله فقال: يا نبي الله ما غمضت منذ سبع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي أخى أصبر، أي أخى اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا) وفي النسائي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي: هل أخنتك أم ملدم؟ قال: يا رسول الله وما أم ملدم؟ قال: حر يكون بين الجلد والدم قال: ما وجدت هذا قال: يا أعرابي هل أخذك هذا الصداع؟ قال: يا رسول الله وما الصداع؟ قال: عرق يضرب على الانسان في رأسه قال: ما وجدت هذا فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا) وقالت أم سليم: مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سليم التعرفين النار والحديد وخبث الحديد؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: أبشري يا أم سليم فإنك ان تخلصي من وجعك هذا تخلصي منه كما يخلص الحديد من النار من خبثه وخرج بعض الصحابة زائراً لرجل من اخوانه فبلغه أنه شاك قبل أن يدخل عليه فقال: أتيتك زائراً وأتيتك عائداً ومبشراً قال: كيف جمعت هذا؟ قال: خرجت وأنا أريد زيارتك فبلغني شكاتك فصارت عيادة وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها - أو قال: لم ينلها - بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ولده أو في ماله ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل) وقال الحسن وذكر الوجع: أما والله ما هو بشر أيام المسلم أيام نورت له فيها مراحله وذكر فيها ما نسى من معاده وكفر بها عنه من خطاياه نورت له فيها مراحله وذكر فيها ما نسى من معاده وكفر بها عنه من خطاياه وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شجرة فهزها حتى سقط من ورقها ما شاء الله ثم قال: (المصائب والأوجاع في أحباط ذنوب أمتي أسرع مني في هذه الشجرة) وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة يرفعه: ما من مسلم إلا وكل الله به ملكين من ملائكته لا يفارقانه حتى يقضى الله بأمره باحدى الحسنيين اما بموت واما بحياة، فإذا قال له العواد كيف تجدك؟ قال أحمد الله أجدني والله المحمود بخير قال له الملكان: أبشر بدم هو خير من دمك وصحة هي خير من صحتك، وان قال: أجدني مجهوداً في بلاء شديد، قال له الملكان: أبشر بدم هو شر من دمك وبلاء أطول من بلائك ولا يناقض هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه: وارأساه، وقول سعد: يا رسول الله قد اشتدبي الوجع وأنا ذو مال وقول عائشة: وارأساه فان هذا قيل على وجه الاخبار لا على وجه شكوى الرب تعالى إلى العواد، فاذا حمد المريض الله ثم أخبر بعلته لم يكن شكوى منه، وان أخبر بها تبرما وتسخطاً كان شكوى منه، فالكلمة الواحدة قد يثاب عليها وقد يعاقب بالنية والقصد وقال ثابت البناني: انطلقنا مع الحسن إلى صفوان بن محرز ونعوده فخرج الينا ابنه وقال: هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه فقال الحسن: ان أباك ان يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيوجد فيه خير من أن يأكله التراب وقال ثابت أيضاً: دخلنا على ربيعة بن الحارث نعوده وهو ثقيل فقال: أنه من كان في مثل حالتي هذه ملات الآخرة قلبه كانت الدنيا أصغر في عينيه من ذباب وذكر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: (لا ترد دعوة المريض حتى يبرأ) وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً فتبسم فقلنا: يا رسول الله مم تبسمت، قال: تعجباً للمؤمن من جزعه من السقم ولو كان يعلم ما له في السقم أحب أن يكون سقيماً حتى يلقى الله، ثم تبسم ثانية ورفع رأسه إلى السماء قلنا: يا رسول الله مم تبسمت ورفعت رأسك إلى السماء؟ قال: عجبت من ملكين نزلاً من السماء يلتمسان عبداً مؤمناً كان في مصلاه يصلى فلا يجداه فعرجا إلى الله فقالا: يا رب عبدك فلان المؤمن كنا نكتب له شيئاً من عمله فقال: اكتبوا لعبدي عمله الذي كان يعمله في يومه وليلته ولا تنقصوا منه شيئاً فعلى أجر ما حبسته وله أجر ما كان يعمل ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: (من وعك ليلة فصبر ورضى بها عن الله عز وجل خرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه) ومن مراسيل يحيى بن كثير قال: فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان فسأل عنه فأخبر أ،ه عليل فأتاه يعوده فقال: (شفى الله سقمك وعظم أجرك وغفر ذنبك ورزقك العافية في دينك وجسمك الى منتهى أجلك ان لك من وجعك خلالاً ثلاثاً: أما الأولى فتذكرة من ربك يذكرك بها وأما الثانية فتمحيص لما سلف من ذنوبك وأما الثالثة فادع بما شئت فان المبتلى مجاب الدعوة) وقال زياد بن الربيع: قلت لأبي بن كعب آية من كتاب الله قد أحزنتني قال: ما هي؟ قلت: (من يعمل سوءاً يجز به) (النساء: 123) قال: ما كنت أراك الا أفقه مما أرى، ان المؤمن لا يصيبه عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وسئلت عائشة عن هذه الآية فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة هذه معاقبة الله تعالى لعبده بما يصيبه من الحمى والبلية والشوكة وانقطاع شسعه، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع له فيجدها في اضبنه، حتى ان المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب الأحمر من الكير) - ضبن الانسان: ما تحت يده، يقال: اضطبن كذا: اذا حمله تحت يده وقال وهب بن منبه: لا يكون الرجل فقيها كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ويعد الرخاء مصيبة وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء وصاحب الرخاء ينتظر البلاء وفي بعض كتب الله سبحانه: (ان الله ليصيب العبد بالأمر يكرهه وانه ليحبه لينظر كيف تضرعه إليه) وقال كعب: أجد في التوراة (لو أن يحزن عبدي المؤمن لعصبه الكافر بعصابة من حديد لا يصدع أبداً)","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وقال معروف الكرخي: ان الله ليبتلي عبده المؤمن بالأسقام والأوجاع فيشكو إلى أصحابه فيقول الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما أبتليتك بهذه الأوجاع والأسقام إلا لأغسلك من الذنوب فلا تشتكن وذكر ابن أبي الدنيا قال رجل: يا رسول الله ما الأسقام؟ قال: أو ما سقمت قط؟ قال: لا فقال: قم عنا فلست مؤمناً وكان عبد الله بن مسعود قد اشتدت به العلة فدخل عليه بعض أصحابه يعوده وأهله تقول: نفسي فداك ما نطعمك ما نسقيك فأجابها بصوت ضعيف: بليت الحرافيف وطالت الضجعة، والله ما يسرني أن الله نقصني منه قلامة ظفر وطلق خالد بن الوليد امرأة له ثم أحسن عليها الثناء فقيل له: يا أبا سليمان لأي شيء طلقتها؟ قال: ما طلقتها لأمر رابني منها ولا ساءني ولكن لم يصبها عندي بلاء ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: (ما ضرب على مؤمن عرق إلا كتب الله له به حسنة وحط عنه به سيئة ورفع له به درجة) ولا ينافى هذا ما قدمناه من أن المصائب مكفرات لا غير، لأن حصول الحسنة انما هو بصبره الاختياري عليها وهو عمل منه وعاد رجل من المهاجرين مريضاً فقال: ان للمريض أربعاً: يرفع عنه القلم، ويكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته، ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها فإن عاش عاش مغفوراً له وان مات مات مغفوراً له، فقال المريض: اللهم لا أزال مضطجعاً وفي المسند: قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء الا كان خيراً له وليس ذلك إلا للمؤمن) - وفي لفظ: (ان أمر المؤمن كله عجب ان أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وان أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)\rالباب السابع عشر\rفي الآثار الواردة عن الصحابة\rومن بعدهم في فضيلة الصبر\rقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن السفر قال: مرض أبو بكر رضي الله عنه فعادوه فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: قال إني فعال لما أريد وقام الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية: حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر وقال أيضاً: أفضل عيش عيش أدركناه بالصبر ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريماً وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسم، ثم رفع صوته فقال: ألا انه لا إيمان لمن لا صبر له وقال: الصبر مطية لا تكبو وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر الا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه وقال ميمون بن مهران: ما نال أحد شيئاً من ختم الخير فما دونه إلا الصبر وقال سليمان بن القاسم: كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر: 1) قال: كالماء المنهمر وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت ينظر فيها، وفيها: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) (الطور: 48) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كان الصبر والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت وكان محمد بن شبرمة اذا نزل به بلاء قال: سحابة صيف ثم تنقشع وقال سفيان بن عينية في قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) (السجدة: 24) لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوسا وقيل للأحنف بن قيس: ما الحلم؟ قال: أن تصبر على ما تكره قليلاً وقال وهب: مكتوب في الحكمة: (قصر السفه النصب، وقصر الحلم الراحة وقصر الصبر الظفر) - قصر الشيء وقصاراه غايته وثمرته - وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجهاً فدخل يوماً على الوليد في ثياب وشى وله غديرتان وهو يضرب بيده فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش فعانه فخرج من عنده متوسناً فوقع في اصطبل الدواب فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"ثم ان الآكلة وقعت في رجل عروة فبعث اليه الوليد الأطباء فقالوا: ان لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك فعزم على قطعها، فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة فغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر فأخذها وجعل يقلبها في يده ثم قال: أما والذي حملني عليك أن ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى مالا يرضي الله، ثم امر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين فلما قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه فجعل يقول: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً) (الكهف: 62) ولم يزد عليه ثم قال: لا أدخل المدينة انما أنا بها بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هنالك، فلما دخل قصره قال له عيسى ابن طلحة: لا أبا لشانيك أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها، فكشف له عن ركبته فقال له عيسى: أما والله ما كنا نعدك للصراع قد أبقى الله أكثرك، عقلك ولسانك وبصرك ويداك واحدى رجليك فقال له عيسى: ما عزاني أحد مثل ما عزيتني به ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئاً كي لا تشعر بالوجع قال: انما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره وسئل ابنه هشام كيف كان أبوك يصنع برجله التي قطعت اذا توضأ؟ قال: كان يمسح عليها وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا سلام قال: سمعت قتادة يقول: قال لقمان وسأله رجل أي شيء خيراً؟ قال: صبر لا يتبعه أذى، قال: فأي الناس خيراً؟ قال: الذي يرضى بما أوتي، قال: فأي الناس أعلم؟ قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه، قيل: فمن خير الكنز من المال أو من العلم؟ قال: سبحان الله بل المؤمن العالم الذي ان ابتغى عنده خيراً وجد، وان لم يكن عنده كف نفسه وبحسب المؤمن أن يكف نفسه وقال حسان بن أبي جبلة: (من بث فلم يصبر) ورواه ابن أبي الدنيا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وان صح - فمعناه: الى المخلوق لا من بث إلى الله وقال حسان بن أبي جبلة أيضاً في قوله تعالى: (فصبر جميل) (يوسف: 18، 83) قال: لا شكوى فيه، ورفعه ابن أبي الدنيا أيضاً وقال مجاهد: (فصبر جميل) في غير جزع وقال عمرو بن قيس (فصبر جميل) قال: الرضا بالمصيبة والتسليم وقال بعض السلف: فصبر جميل لا شكوى فيه وقام همام عن قتادة في قوله تعالى: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) (يوسف: 84) قال: يكظم على حزن فلم يقل الا خيراً وقال يحيى بن المختار عن الحسن: (الكظيم: الصبور) وقال همام عن قتادة في قوله تعالى: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) أي كميد: أي كمد الحزن وقال الحسن: ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر، وجرعة غيظ ردها بحلم وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن سعيد بن جبير قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر - فقوله: (اعتراف العبد لله بما أصاب منه) كأنه تفسير لقوله: (انا لله) فيعترف أنه ملك لله يتصرف فيه مالكه بما يريد وقوله: (راجياً به ما عند الله) كأنه تفسير لقوله: (وانا إليه راجعون) (البقرة: 156) أي نرد إليه فيجزينا على صبرنا ولا يضيع أجر المصيبة وقوله: (وقد يجزع الرجل وهو يتجلد) أي ليس الصبر بالتجلد وانما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور ورد اللسان عن الشكوى فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر فليس بصابر وقال يونس بن زيد: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه وقال قيس بن الحجاج في قول الله: (فاصبر صبراً جميلاً) (المعارج: 5) قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو وكان شمر اذا عزى مصاباً قال: اصبر لما حكم ربك وقال أبو عقيل: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر بيده سوط وعليه ازار في موت (وافد بن عبدالله بن عمر) لا يسمع صارخة ينالها بالسوط إلا ضربها قال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال: قالت امرأة من قريش: أما والذي لا خلد إلا لوجهه، ومن ليس في العز المنيع له كفواً، لئن كان بدء الصبر مراً مذاقه، لقد يجني من غبه الثمر الحلو","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"قال وانشدني عمرو بن بكير:\rصبرت فكان الصبر خير مغبة ... وهل جزع يجدى على فأجزع\rملكت دموع العين حتى رددتها ... الى ناظري فالعين في القلب تدمع\rقال وانشدني أحمد بن موسى الثقفي:\rنبئت خولة أمس قد جزعت ... من أن تنوب نوائب الدهر\rلا تجزعي يا خولة واصبري ... ان الكرام بنوا على الصبر\rقال وحدثني عبد الله بن محمد بن اسماعيل التيمي أن رجلاً عزى رجلاً في ابنه فقال: انما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك والسلام وعزى ابن أبي السماك رجلاً فقال: عليك بالصبر فبه يعمل من احتسب واليه يصبر من جزع وقال عمر بن عبد العزيز: أما الرضا فمنزلة عزيزة - أو منيعة - ولكن جعل الله في الصبر معولاً حسناً ولما مات عبد الملك ابنه صلى الله عليه وسلم ثم قال: رحمك الله لقد كنت لي وزيراً وكنت لي معيناً قال: والناس يبكون وما يقطر من عينيه قطرة وأصيب مطرف بن عبد الله في ابن له، فأتاه قوم يعزونه فخرج إليهم أحسن ما كان بشرا، ثم قال: اني لأستحي من الله أن أتضعضع لمصيبة وقال عمرو بن دينار: قال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب ولكن الجزع القول السيء والظن السيء وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسين بن عبد العزيز الحروزي، قد مات ابن لي نفيس فقلت لأمه: اتقي الله واحتسبيه واصبري، فقالت: مصيبتي أعظم من أن أفسدها بالجزع قال ابن أبي الدنيا: وأخبرني عمر بن بكير عن شيخ من قريش قال: مات الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاض على البصرة وأميراً فكثر من يعزيه فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا أنه اذا ترك شيئاً مما كان يصنعه فقد جزع وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: كان سعيد بن جبير يعزيني في ابني فرآني أطوف بالبيت متقنعاً فكشف القناع عن رأسي وقال: الاستكانة من الجزع\rفصل\rوأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوباً يعرف به، قالوا: لأن التعزية سنة، وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يعزيه ففيه نظر، وأنكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك، ولم ينقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول وقد فكر اسحاق بن راهوية أن يترك لبس ما عادته لبسه وقال: هو من الجزع وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيروا شيئاً من زيهم قبل المصيبة ولا يتركوا ما كانوا يعملونه، فهذا كله مناف للصبر، والله سبحانه أعلم\rالباب الثامن عشر\rفي ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب\rوشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها\rفمنها البكاء على الميت، ومذهب أحمد وأبي حنيفة أجازاه قبل الموت وبعده، واختاره أبو اسحاق الشيرازي، وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح واحتجوا بحديث جابر بن عتيك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجب فاسترجع وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت) رواه أبو داوود والنسائي قالوا: وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) وهذا انما هو بعد الموت، وأما قبله فلا يسمى ميتاً وعن ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم من أحد سمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: (لكن حمزة لا بواكي له) فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده فاستيقظ فقال: ويحهن أتين هاهنا يبكين حتى الآن؟ مروهن فليرجعن ولا يبكين على هلك بعد اليوم) رواه الإمام أحمد وهذا صريح في نسخ الإباحة المتقدمة والفرق بين ما قبل الموت وبعده أنه قبل الموت يرجى فيكون البكاء عليه حذراً، فإذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء فلا ينفع البكاء","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"قال المجوزون: قال جابر بن عبد الله: أصيب أبي يوم أحد فجعلت أبكي فجعلوا ينهونني ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني فجعلت عمتي فاطمة تبكي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه متفق عليه وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية فقال: قد مضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاءه بكوا فقال: ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم وفي الصحيحين أيضاً من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى احدى بناته ولها صبي في الموت فرفع اليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وانما يرحم الله من عباده الرحماء وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: ماتت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهن يا عمر يبكين واياكن ونعيق الشيطان، ثم قال: انه ما كان من العين ومن القلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان وفي المسند أيضاً عن عائشة أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر قالت: فوالذي نفسي بيده اني لا أعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي وفي المسند أيضاً عن أبي هريرة قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يبكي عليها وأنا معه ومعه عمر بن الخطاب فانتهر عمر اللاتي يبكين عليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهن يا ابن الخطاب فان النفس مصابة وأن العين دامعة والعهد قريب وفي جامع الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق إلى ابنه ابراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره فبكى فقال له: أتبكي؟ أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش الوجه وشق الجيوب ورنة الشيطان قال الترمذي: هذا حديث حسن وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه وصح عنه أنه نعى جعفر وأصحابه وعيناه تذرفان وصح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت وبكى فهذه اثنا عشرة حجة تدل على عدم كراهة البكاء، فتعين حمل أحاديث النبي على البكاء الذي معه ندب ونياحة ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر: (الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه)، وفي بعضها: (يعذب بما ينح عليه) وقال البخاري في صحيحه: قال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان - يعني خالداً بن الوليد - ما لم يكن نقع أو لقلقة والنقع: حث التراب واللقلقة: الصوت وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح، اذ معناه لا يبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد ويدل على ذلك أن نصوص الاباحة أكثرها متأخرة عن غزوة احد منها حديث أبي هريرة إذ اسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة ومنها البكاء على جعفر وأصحابه وكان استشهادهم في السنة الثامنة ومنها البكاء على زينب وكان موتها في السنة الثامنة أيضاً ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة ومنها البكاء عند قبر أمه صلى الله عليه وسلم وكان عام الفتح في الثامنة وقولهم: إنما جاز قبل الموت حذراً بخلاف ما بعد الموت جوابه أن الباكي قبل الموت يبكي حزناً، وحزنه بعد الموت أشد فهو أولى برخصة البكاء من الحالة التي يرجى فيها وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وانا بك يا إبراهيم لمحزونون)\rفصل\rوأما الندب والنياحة فنص احمد على تحريمهما قال في رواية حنبل: النياحة معصية وقال أصحاب الشافعي وغيرهم النوح حرام","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد يكره تنزيهاً، وهذا لفظ أبي الخطاب في الهداية قال: ويكره الندب والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب والتحفي والصواب القول بالتحريم لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوي الجاهلية) وفي الصحيحين أيضاً عن أبي بردة قال: وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحته امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً فلما أفاق قال: أنا برئ مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة وفي الصحيحين أيضاً عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أن من ينح عليه يعذب بما ينح عليه) وفي الصحيحين أيضاً عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ننوح فما وفت منا امرأة إلا خمس نسوة وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الميت يعذب في قبره بما ينح عليه) وفي صحيح مسلم عن أن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع في امتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب والطعن في الانساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة) وقال: (النائحة إذا لم تتم قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) وفي سنن أبي داوود عن اسيد بن اسيد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي اخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً ولا ننفش شعراً وفي مسند الإمام أحمد عن أنس قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدتنا في الجاهلية أفنسعدهم في الإسلام؟ فقال: لا إسعاد في الإسلام وقد تقدم قوله: (ما كان من اليد واللسان فمن الشيطان)، وقوله: (نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب، ورنة شيطان) وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها) وفي صحيح البخاري عن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله ابن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت لي شيئاً الا قيل لي أ،ت كذا، فلما مات لم تبك عليه وكيف لا تكون هذه الخصال محرمة وهي مشتملة على التسخط على الرب وفعل ما يناقض الصبر والاضرار بالنفس من لطم الوجه وحلق الشعر ونتفه والدعاء عليها بالويل والثبور والتظلم من الله سبحانه واتلاف المال بشق الثياب وتزيقها وذكر الميت بما ليس فيه ولا ريب أن التحريم الشديد يثبت ببعض هذا قال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له: قد روي حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل أنهما كان يسمعان النوح ويسكتان قالوا وفي الصحيحين عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية: (يا أيها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً) إلى قوله: (ولا يعصينك في معروف) (الممتحنة: 12) كان منه النياحة، فقلت: يا رسول الله الا آل فلان فانهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال: الا آل فلان - وفي رواية لهما أنها قالت - : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا: (أن لا يشركن بالله شيئاً) ونهانا عن النياحة فقبضت منا امرأة يدها فقالت: فلاثة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها، قالت: فما قال لها شيئاً فذهبت فانطلقت ثم رجعت فبايعها قالوا: وهذا الاذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهي عنه تنزيه لا تحريم، ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جميعاً بين الأدلة","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"قال المحرمون: لا تعارض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد من الناس كائناً من كان ولا تضرب سنته بعضها ببعض وما ذكر من النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل تأويلاً، وقد انعقد عليها الاجماع وأما التي قالها: الا آل فلان، والمرأة التي سكت عنها، فذلك خاص بهما لوجهين: أحدهما: أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك: لا اسعاد في الإسلام والثاني: أنه أطلق لهما ذلك وهما حديثا عهد بالاسلام وهما لم يميزا بين الجائز من ذلك وبين المحرم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فعلم أن الحكم لا يعدوها إلى غيرهما، وأما الكلمة اليسيرة اذا كانت صدقاً لا على وجه الذوح والتسخط فلا تحرم ولا تنافى الصبر الواجب نص عليه أحمد في مسنده من حديث أنس: أن ابا بكر رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يده على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه وفي صحيح البخاري عن أنس أيضاً قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة: واكرب أبتاه فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعا، يا أبتاه جنة الفردوس مأوامه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وانا بك يا ابراهيم لمحزونون) وهذا ونحوه من القول الذي ليس فيه تظلم للمقدور ولا تسخط على الرب ولا اسخاط له فهو كمجرد البكاء\rفصل\rوأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الميت ليعذب بالنياحة عليه) فقد ثبت عنه من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والمغيرة بن شعبة وروى نحوه عن عمران بين حصين وأبي موسى رضي الله عنهم، فاختلفت طرق الناس في ذلك فقالت فرقة: يتصرف الله في خلقه بما يشاء، وأفعال الله لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه والتعذيب بما هو منسوب اليه لأن الله خالق الجميع والله تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل وقالت فرقة: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنكرتها عائشة أم المؤمنين واحتجت بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الأنعام: 164، الاسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7) ولما بلغها رواية عمر وابنه قالت: انكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا متهمين ولكن السمع يخطئ وقالت: انما مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبر يهودي فقال: (ان صاحب هذا القبر يعذب وأهله يبكون عليه) وفي رواية متفق عليها عنها: انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه) وقالت حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقالت فرقة أخرى منهم المزنى وغيره: ان ذلك محمول على من أوصى به، اذا كانت عادتهم ذلك وهو كثير في أشعارهم كقول طرفة:\rاذا مت فأنعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد\rوقول لبيد:\rفقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر\rوقولا هو المرء الذي لا صديقه ... أضاع ولا خان الأمين ولا غدر\rالى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر\rقال أبو البركات ابن تيمية: وهو أصح الأقوال كلها لأنه متى غلب على ظنه فعلهم ولم يوصهم بتركه فقد رضي به وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه فأما اذا أوصاهم بتركه فخالفوه فالله أكرم من أن يعذبه بذلك، وقد حصل بذلك العمل بالآية مع اجراء الخبر على عمومه في كثير من الموارد، وانكار عائشة لذلك بعد رواية الثقاة لا يعول عليه فانهم قد يحضرون مالا تحضره ويشهدون ما تغيب عنه واحتمال السهو والغلط بعيد خصوصاً في حق خمسة من أكابر الصحابة، وقوله في اليهودي لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في أوقات أخر ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: (ان الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه) فاذا لم يمنع زيادة الكافر عذاباً بفعل غيره مع كونه مخالفاً لظاهر الآية لم يمنع ذلك في حق المسلم، ان الله سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر، والله أعلم\rفصل","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"ولا تحتاج هذه الأحاديث إلى شيء من هذه التكلفات وليس فيها بحمد الله اشكال ولا مخالفة لظاهر القرآن ولا لقاعدة من قواعد الشرع ولا تتضمن عقوبة الانسان بذنب غيره فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ان الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم، انما قال يعذب بذلك، ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب) وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر حتى ان الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى بذلك كما يتأذى الانسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره، فاذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم، تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث وبالله التوفيق\rالباب التاسع عشر\rفي أن الصبر نصف الايمان\rوالإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، قال غير واحد من السلف: الصبر نصف الايمان وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله: (ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور) في سورة ابراهيم وفي سورة حم عسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان وقد ذكر لهذا التصنيف اعتبارات: أحدها: أن الايمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن المعصية والدين كله في هذين الشيئين، فعل المأمور وترك المحظور الاعتبار الثاني: أن الايمان مبني على ركنين: يقين وصبر، وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) (السجدة: 24) فباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب، وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى، ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي أنه من عند الله والثواب والعقاب الا باليقين، ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور الا بالصبر فصار الصبر نصف الايمان والنصف الثاني الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهى عنه الاعتبار الثالث: أن الايمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمناً كما قال عن قوم فرعون: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) (النمل: 14) وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: (وعادا وثموداً وقد تبين لكم من مساكنهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين) (العنكبوت: 38) وقال موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء الا رب السموات والأرض بصائر) (الاسراء: 12) فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمناً بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمناً حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادى أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهراً وباطناً واذا فعل ذلك لم يكف في كمال ايمانه حتى يفعل ما أمر به فهذه الاركان الأربعة هي أركان الايمان التي قام عليها بناؤه وهي ترجع إلى علم وعمل، ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي وكلاهما لا يحصل الا بالصبر فصار الايمان نصفين: أحدهما الصبر، والثاني متولد عنه من العلم والعمل الاعتبار الرابع: أن النفس لها قوتان: قوة الاقدام وقوة الاحجام، وهي دائماً تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عن ما تكرهه والدين كله أقدام واحجام، اقدام على طاعة الله، واحجام عن معاصي الله وكل منهما لا يمكن حصوله الا بالصبر الاعتبار الخامس: أن الدين كله رغبة ورهبة، فالمؤمن هو الراغب الراهب قال تعالى: (انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً) (الأنبياء: 9)","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"وفي الدعاء عند النوم الذي رواه البخاري في صحيحه: (اللهم اني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك) فلا تجد المؤمن أبدا الا راغباً وراهباً والرهبة لا تقوم الا على ساق الصبر فرهبته تحمله على الصبر ورغبته تقوده إلى الشكر الاعتبار السادس: أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والآخرة أو ينفعه في أحد الدارين ويضره في الأخرى وأشرف الأقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها وهو حقيقة الايمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر الاعتبار السابع: أن العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى يتركه وقدر يجرى عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر ففعل المأمور هو الشكر وترك المحظور والصبر على المقدور هو الصبر الاعتبار الثامن: أن للعبد فيه داعيان: داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها، وداع يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم فعصيان داعي الشهوة والهوى هو الصبر، وإجابة داعي الله والدار الآخرة هو الشكر الاعتبار التاسع: أن الدين مداره على أصلين: العزم والثبات، وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد، والثاني عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد) وأصل الشكر صحة العزيمة وأصل الصبر قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد بالمعونة والتوفيق الاعتبار العاشر: أن الدين مبنى على أصلين: الحق والصبر، وهما المذكوران في قوله تعالى: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر: 3) ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك بالصبر عليه فكان الصبر نصف الإيمان والله سبحانه أعلم\rالباب العشرون\rفي بيان تنازع الناس في الأفضل\rمن الصبر والشكر\rحكى أبو الفرج بن الجوزي في ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: أن الصبر أفضل، والثاني: أن الشكر أفضل، والثالث: أنهما سواء كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت، ونحن نذكر ما احتجت به كل فرقة وما عليها في احتجاجها بعون الله وتوفيقه قال الصابرون: قد أثنى الله سبحانه على الصبر وأهله ومدحه وأمر به وعلق عليه خير الدنيا والآخرة، وقد ذكره الله في كتابه في نحو تسعين موضعاً، وقد تقدم من النصوص والأحاديث ما فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من الشكر، ويكفي في فضله قوله صلى الله عليه وسلم: (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الشاكر) فذكر ذلك في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على الشكر فإنه الحق الشاكر الصابر وشبهه به، ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه، وهذا كقوله: (مدمن الخمر كعابد وثن) ونظائر ذلك قالوا: واذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة في الشكر وجدنا نصوص الصبر أضعافها ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل الأعمال كانت الأحاديث فيهما في سائر الأبواب فلا نجد الاحاديث النبوية في باب الصلاة أكثر منها في باب الصلاة والجهاد قالوا: وأيضاً فالصبر يدخل في كل باب بل في كل مسألة من مسائل الدين ولهذا كان من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد قالوا: وأيضاً فالله سبحانه وتعالى علق على الشكر الزيادة فقال: (واذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم) (ابراهيم: 7) وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب وأيضاً فانه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال: (وسيجزي الله الشاكرين) (آل عمران: 144) وقيد جزاء الصابرين بالاحسان فقال: (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل: 96) قالوا: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له الا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) - وفي لفظ - : (كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها - قال الله تعالى - الا الصوم فانه لي وأنا أجزي به) وما ذاك الا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها، كما في الحديث نفسه: (يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي)","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أفضل الأعمال: (عليك بالصوم فإنه لا عدل له)، ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فانه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع، فسر الصبر في قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة: 45) أنه الصوم، وسمي رمضان شهر الصبر وقال بعض السلف: الصوم نصف الصبر، وذلك أن الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب، فان النفس تشتهي الشيء لحصول اللذة بادراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب، ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وهو قوله: (اذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فان أحد سابه أو شاتمه فليقل: إني صائم) فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغي له أن يحتمي من افسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الآخر: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) قالوا: ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى: (اني جزيتهم اليوم بما صبروا انهم هم الفائزون) (المؤمنون: 111) فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى: (والله مع الصابرين) (البقرة: 249) لا شيء يعدل معيته لعبده كما قال بعض العارفين: ذهب الصابرون بخيرى الدنيا والآخرة لأنهم نالوا معية الله وقال تعالى: (واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا) (الطور: 48) وهذا يتضمن الحراسة والكلاية والحفظ للصبر لحكمه وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وما عليها، وهي صلواته تعالى عليهم، ورحمته لهم، وتخصيصهم بالداية في قوله تعالى: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (البقرة: 157) وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم، وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولى العزل من الرسل وقد تقدم ذكر ذلك قالوا: وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر، والاستكثار منها حال الشاكر قالوا: وقد سئل المسيح - صلوات الله وسلامه عليه - عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ولم يلتفت إليه وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة الله تعالى، أيهما أفضل؟ فقال: الذي لم يلتفت اليه وأعرض عنه أفضل عند الله قالوا: ويدل على صحة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها، وقال: بل أجوع يوماً وأشبع يوماً، ولو أخذها لأنفقها في مرضات الله وطاعته فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها قالوا: وقد علم أن الكمال الانساني في ثلاثة أمور: علوم يعرفها، وأعمال يعمل بها، وأحوال ترتب له على علومه وأعماله وأفضل العلم والعمل والحال: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره، وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها وانما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة اذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة، والا فهو في الدنيا وان شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملاً للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها، والا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك وكل العلوم والمعارف نبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب قرب افضائها إلى هذه المعرفة وبعدها، فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه، وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذي خلق له فهو أشرف مما دونه، وكذلك الأعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود وكان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب افضائها إلى هذا المقصود وهكذا يجب أن يكون فان كلما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها فالعمل المعد للقلب المهيىء له لمعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"واذا اشتركت عدة أعمال في هذا الافضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضي، ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الافضاء فكانت مطلوبة لله، واشتركت المعاصي في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهياً عنها، وتأثير الطاعات والمعاصي بحسب درجاتها وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره فالغنى الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه فصدقته وايثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح وولي الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وانصاف المظلوم من الظالم واقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته وتأمل تولية النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر، بل قال: (اني أراك ضعيفاً واني أحب لك ما أ؛ب لنفس لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم) وأمر غيره بالصيام، وقال: (عليك بالصوم فانه لا عدل له) وأمر آخر بأن لا يغضب، وأمر ثالثا بأن لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله ومتى أراد الله بالعبد كمالاً وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له قابل له قد هيئ له، فاذا استفرغ وسعه بز على غيره وفاق الناس فيه كما قيل:\rما زال يسبق حتى قال حاسده ... طريق الى العلياء مختصر\rوهذا كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلاً اذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به واذا استعمال دواء وجع الرأس لم يصادف داءه فالشح المطاع مثلاً من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها، وكذلك داء اتباع الهوى والاعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم والذكر والزهد، وانما يزيله اخراجه من القلب بضده ولو قيل: أيما أفضل: الخبر أو الماء؟ لكان الجواب: أن هذا في موضعه أفضل وهذا في موضعه أفضل واذا عرفت هذه القاعدة فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال وهو زوال البخل والشح بسبب خروج الدنيا منه، فتهىء لمعرفة الله ومحبته فهو دواء للداء الذي في القلب يمنعه من المقصود ثم أوردوا على أنفسهم سؤالاً فقالوا: فان قيل فقد حث الشرع على الأعمال، وانفصلوا عنه بأن قالوا: الطبيب اذا اثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء يراد لعينه ولا أنه أفضل من الشفاء الحاصل به، ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالباً فوقع الحث على العمل المقصود وهو شفاء القلب فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك قالوا: واذا عرف هذا عرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة، وحال الشكر حال المتداوى بأنواع الأدوية لازالة مواد السقم\rفصل\rقال الشاكرون: لقد تعديتم طوركم وفضلتم مقاماً غيره أفضل منه، وقدمتم الوسيلة على الغاية والمطلوب لغيره على المطلوب لنفسه والعمل الكامل على الاكمال والفاضل على الأفضل، ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفيتموه مرتبته، وقد قرن تعالى ذكره الذي هو المراد من الخلق بذكره وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر، والصبر خادم لهما ووسيلة إليهما وعوناً عليهما قال تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) (البقرة: 152) وقرن سبحان الشكر بالايمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه أن شكروا وآمنوا به فقال: (ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم) (النساء: 147) أي ان وفيتم ما خلقتم له وهو: الشكر والايمان فما أصنع بعذابكم بعد هذا وأخيراً سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عباده فقال: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين) (الأنعام: 53)","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وقسم الناس إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء اليه الكفر وأهله، وأحب الأشياء اليه الشكر وأهله قال تعالى في الانسان: (انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفوراً) (الانسان: 3) وقال نبيه سليمان عليه السلام: (هذا من فضل ربي ليبلوني الشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم) (النمل: 4) وقال تعالى: (واذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم ان عذابي لشديد) (ابراهيم: 7) وقال تعالى: (ان تكفروا فان الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وان تشكروا يرضه لكم) (الزمر:7) وهذا كثير في القرآن، يقابل سبحانه بين الشكر والكفر فهو ضده قال تعالى: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين) (آل عمران: 144) والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الايمان فلم ينقلبوا على أعقابهم، وعلق سبحانه المزيد بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره وقد وقف سبحانه كثيراً من الجزاء على المشيئة كقوله: (فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء) (التوبة: 28) وقوله في الاجابة: (فيكشف ما تدعون اليه ان شاء) (الأنعام: 41) وقوله في الرزق: (يرزق من يشاء) (البقرة: 212) وفي المغفرة: (يغفر لمن يشاء) (البقرة: 129) والتوبة: (ويتوب الله على من يشاء) (التوبة: 15) وأطلق جزاء الشكر اطلاقاً حيث ذكر كقوله: (وسنجزي الشاكرين) (آل عمران: 145) (وسيجزي الله الشاكرين) (آل عمران: 144) ولما عرف عدو الله ابليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين) (الأعراف: 17) ووصف الله سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) (سبأ: 13) وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: اللهم اجعلني من الاقلين فقال: ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله قال: (وما آمن معه إلا قليل) (هود: 4) وقال تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) وقال: (إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم) (سورة ص: 24) فقال عمر: صدقت وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال: (ذرية من حملنا مع نوح، إنه كان عبداً شكوراً) (الاسراء: 3) وفي تخصيص نوح هاهنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني، فإن الله تعالى لم يجعل الخلق بعد الغرق نسلاً إلا من ذريته كما قال تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين) (الصافات: 77) فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فإنه كان عبداً شكورا وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) (البقرة: 172) وأمر عبده موسى أن يتلقى ما أتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين) (الأعراف: 144) وأول وصية وصى الله بها الإنسان بعد ما عقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (لقمان: 14) وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى: (وإن تشكروا يرضه لكم) (الزمر: 7) وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال: (إن ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يكو من المشركين شاكراً لانعمه، اشتباه وهداه إلى صراط مستقيم) (النحل: 12، 121) فأخبر عنه سبحانه بأنه أمة - قدوى - يؤتم به في الخير وأنه قانتاً لله، والقانت هو المطيع المقيم على طاعته، والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه، ثم ختم له بهذه الصفات بأنه شاكراً لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره، بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها: (والله أخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (النحل: 78) فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون) (آل عمران: 123) ويجوز أن يكون قوله: (لعلكم تشكرون) تعليلاً لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو الظاهر، فالشكر غاية الخلق والأمر، وقد صرح سبحانه بأنه غاية أمره وارساله الرسول في قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) (البقرة: 151، 152) قالوا: فالشكر مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره، والصبر انما حمد لافضائه وايصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) وثبت في المسند والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: (والله اني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا اسحاق بن اسماعيل، حدثنا أبو معاوية وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا اسحاق بن اسماعيل، حدثنا أبو معاوية وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) قال: وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن اسماعيل حدثنا حماد ابن سلمة حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة: قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدناً على البلاء صابراً، وزوجة لا تبغيه خوفاً في نفسها ولا في ماله) وذكر أيضاً من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله الا كتب الله له شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب الا غفر الله له قبل أن يستغفره وأن الرجل يشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له) وقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ان الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها) فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أ:بر أنواع الجزاء كما قال تعالى: (ورضوان من الله أكبر) (التوبة: 72) في مقابلة شكر بالحمد وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن صالح: حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يرزق الله عبداً الشكر فيحرمه الزيادة لأن الله تعالى يقول: (لئن شكرتم لأزيدنكم) (ابراهيم: 7) وقال الحسن البصري: ان الله ليمتع بالنعمة ما شاء فاذا لم يشكر عليها قلبها عذاباً، ولهذا كانوا يسمون الشكر (الحافظ) لأنه يحفظ النعم الموجودة، و (الجالب) لأنه يجلب النعم المفقودة وذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لرجل من همذان: ان النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد وقال عمر بن عبد العزيز: قيدوا نعم الله بشكر الله وكان يقال: الشكر قيد النعم وقال مطرف بن عبد الله: لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر وقال الحسن: أكثروا من ذكر هذه النعم فان ذكرها شكر وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال: (وأما بنعمة ربك فحدث) (الضحى: 11) والله تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته فان ذلك شكرها بلسان الحال وقال علي بن الجعدي: سمعت سفيان الثوري يقول: ان داوود عليه الصلاة والسلام قال: الحمد لله حمداً كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، فأوحي الله اليه: يا داوود أتعبت الملائكة","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وقال شعبة: حدثنا المفضل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن الحصين وعليه مطرف خز لم نره عليه قبل ولا بعد فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فان الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) وذكر شعبة عن أبي اسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة فقال: هل لك من مال؟ قال: قلت نعم، قال: من أي المال؟ قلت: من كل المال قد أتاني الله من الابل والخيل والرقيق والغنم قال: (فاذا آتاك الله مالا فلير عليك) وفي بعض المراسيل: (ان الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه) وروى عبد الله بن يزيد المقرى عن أبي معمر عن بكير بن عبد الله رفعه: من أعطى خيراً فرؤي عليه سمى حبيب الله محدثاً بنعمة الله، ومن أعطى خيراً ولم ير عليه سمى بغيض الله معادياً لنعمة الله وقال فضيل بن عياض: كان يقال: من عرف نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول الله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم) (ابراهيم: 7) وقال: من شكر النعمة أن يحدث بها، وقد قال تعالى: (يا ابن آدم اذا كنت تتقلب في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذرني لأصرعك بين معاصي، يا ابن آدم اتقني ونم حيث شئت وقال الشعبي: الشكر نصف الايمان، واليقين الايمان كله وقال أبو قلابة: لا تضركم دنيا شكرتموها وقال الحسن: اذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر، فاذا شكروه كان قادراً على أن يزيدهم، واذا كفروه كان قادراً على أن يبعث نعمته عليهم عذاباً وقد نم الله سبحانه (الكنود) وهو الذي لا يشكر النعمة قال الحسن: (إن الانسان لربه لكنود) (العاديات: 6) يعد المصائب وينسى النعم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب، قال: (لو أحسنت إلى احداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) فاذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج وهي في الحقيقة من الله، فكيف بمن ترك شكر نعمة الله:\rيا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردود على من ظلم\rإلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النعم\rذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبد الرحمن السلمى عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التحدث بالنعمة شكر، وتركها كفر ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله والجماعة بركة، والفرقة عذاب) وقال مطرف بن عبد الله: نظرت في العافية والشكر فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة ولأن أعافي فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر ورأى بكر بن عبد الله المزنى حمالاً عليه حمله وهو يقول: الحمد لله أستغفر الله قال: فانتظرته حتى وضع ما على ظهره وقلت له: أما تحسن غير هذا؟ قال: بلى أحسن خيراً كثيراً، أقرأ كتاب الله غير أن العبد بين نعمة وذنب، فأحمد الله على نعمه السابغة وأستغفره لذنوبي فقلت: الحمال أفقه من بكر وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: (قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) (سورة الرحمن) قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد وقال مشعر لما قيل لآل داوود: (اعملوا آل داوود شكراً) (سبأ: 13) لم يأت على القوم ساعة الا وفيهم مصلى وقال عون بن عبد الله قال بعض الفقهاء: اني نظرت في أمري فلم أر خيراً الا شر معه الا المعافاة والشكر فرب شاكر في بلائه ورب معافى غير شاكر فاذا سألتم الله فاسألوهما جميعاً","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وقال أبو معاوية: لبس عمر بن الخطاب قميصاً فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أوارى به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم مد يديه فنظر كل شيء يزيد على يديه فقطعه ثم أنشأ يحدث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من لبس ثوباً - أحسبه جديداً - فقال: حين يبلغ ترقوته - أو قال: قبل أن يبلغ ركبتيه مثل ذلك - ثم عمد إلى ثوبه الخلق فكسا به مسكيناً لم يزل في جوار الله وفي ذمة الله وفي كنف الله حيا وميتاً ما بقي من ذلك الثوب سلك وقال عون بن عبد الله: لبس رجل قميصاً جديداً فحمد الله فغفر له فقال رجل: ارجع حتى أشتري فميصاً فألبسه وأحمد الله وقال شريح: ما أصيب عبد بمصيبة الا كان لله عليه فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وانها لا بد كائنة فقد كانت وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره الى نعمة أنعم الله بها عليه الا قال: اللهم اني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفراً وأن أكفرهم بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثنى بها وقال روح بن القاسم: تنسك رجل فقال: لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره فقال الحسن: هذا أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد وفي بعض الآثار الالهية: يقول الله عز وجل: (ابن آدم خيرى اليك نازل وشرك إلى صاعد، أتحبب اليك بالنعم وتتبغض الى بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم قد عرج الى منك بعمل قبيح) وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو علي قال: كنت أسمع جاراً لي يقول في الليل: يا الهي خيرك على نازل وشرى اليك صاعد كم من ملك كريم فقد صعد اليك مني بعمل قبيح، وأنت مع غناك عني تتحبب الى بالنعم وأنا مع فقري اليك وفاقتي أتمقت اليك بالمعاصي، وأنت في ذلك تجبرني وتسترني وترزقني وكان أبو المغيرة اذا قيل له: كيف أصبحت يا أبي محمد؟ قال: أصبحنا مغرقين في النعم عاجزين عن الشكر، يتحبب الينا ربنا وهو غني عنا، ونتمقت اليه ونحن اليه محتاجون وقال عبد الله بن ثعلبة: الهي من كرمك أنك تطاع ولا تعصى ومن حلمك أنك تعصى وكأنك لا ترى وأي زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عواد وكان معاوية بن قرة اذا لبس ثوباً جديداً قال: بسم الله والحمد لله وقال أنس بن مالك: ما من عبد توكل بعبادة الله الا عزم الله السموات والأرض تعبر رزقه فجعله في أيدي بني آدم يعملونه حتى يدفع عنه اليه، فإن العبد قبله أوجب عليه الشكر، وان أباه وجد الغنى الحميد عباداً فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له وقال يونس بن عبيد: قال رجل لأبي تميمة: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملي وروى ابن أبي الدنيا عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال: يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكري وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دعى رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا معه فلما طعم وغسل يديه قال: (الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العرى وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير من خلقه تفضيلاً، الحمد لله رب العالمين في مسند الحسن بن الصلاح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة الا بالله فيرى فيه آفة دون الموت) ويذكر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فرأى كسرة ملقاة فمسحها وقال: يا عائشة أحسني جوار نعم الله فانها قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع اليهم وذكره ابن أبي الدنيا وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوقاني عن أبي الخلد قال: قرأت في مسألة داوود أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكر وأنا لا أصل الى شكرك الا بنعمك، قال: فأتاه الوحي: يا داوود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى يا رب، قال: فإني أرضى بذلك منك شكراً","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا أبو الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان من دعاء داوود: سبحان مستخرج الشكر بالعطاء ومستخرج الدعاء بالبلاء وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال: أوحى الله الى داوود: أحبني وأحب عبادتي وحببني إلى عبادي، قال: يا رب هذا حبك وحب عبادك فكيف أحببك الى عبادك؟ قال: تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني الا الحسن، فجل جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جده وتقدست أسماؤه وجل ثناؤه ولا إله غيره وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق بن عمران قال: سمعت وهبا يقول: وجدت في كتاب آل داوود: بعزتي أن من اعتصم بي فان كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فاني أجعل له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي فاني أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه، كفى بي لعبدي مالا، اذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني وأجبته قبل أن يدعوني واني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه وقال أحمد: حدثنا يسار حدثنا حفص حدثنا ثابت قال: كان داوود عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن ساعة من ليل أو نهار الا وانسان من آل داوود قائم يصلي فيها قال: فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية: (اعملوا آل داوود شكراً، وقليل من عبادي الشكور) (سبأ: 13) قال أحمد: وحدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عينية قال داوود: يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكراً لك مني؟ فأوحى الله اليه: نعم الضفدع، وأنزل الله عليه: (اعملوا آل داوود شكراً، وقليل من عبادي الشكور) قال: يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي، ثم ترزقني على النعمة الشكر، ثم تزيدني نعمة بعد نعمة فالنعم منك والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ قال: الان عرفتني يا داوود قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال نبي الله داوود: الهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما وفيت حق نعمة واحدة وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال: قال موسى: يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ قال فأتاه الوحي: يا موسى الان شكرتني قال بكر بن عبد الله: ما قال عبد قط الحمد لله الا وجبت عليه نعمة بقوله: الحمد لله فجزاء تلك النعمة أن يقول: الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى ملا تنفد نعم الله وقال الحسن: سمع نبي الله رجلاً يقول: الحمد لله بالاسلام فقال: انك لتحمد الله على نعمة عظيمة وقال خالد بن معدان: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: ما قال عبد كلمة أحب الى الله وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول: الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا للإسلام وقال سليمان التيمي: ان الله سبحانه أنعم على عبده على قدره وكلفهم الشكر على قدرتهم وكان الحسن اذا ابتدأ حديثه يقول: الحمد لله، اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا، لك الحمد بالاسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبت عدونا وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمداً كثيراً، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سر أو علانية أو خاصة أو عامة أو حي أو ميت أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد اذا رضيت وقال الحسن: قال موسى: يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعت اليه، خلقته بيك ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له؟ فقال: يا موسى علم أن ذلك مني فحمدني عليه فكان ذلك شكر ما صنعت إليه وقال سعد بن مسعود الثقفي: انما سمى نوح عبداً شكوراً لأنه لم يلبس جديداً ولم يأكل طعاماً الا حمد الله وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال: يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها وقال مخلد بن الحسين: كان يقال: الشكر ترك المعاصي وقال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية وقال أبو سليمان: ذكر النعم يورث الحب لله","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"وقال حماد بن زيد: حدثنا ليث عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: ألا تدخل بيتاً دخله النبي صلى الله عليه وسلم ونطعمك سويقا وتمراً، ثم قال: ان الله اذا جمع الناس غداً ذكرهم بما أنعم عليهم، فيقول العبد: ما آية ذلك؟ فيقول: آية ذلك أنك كنت في كربة كذا وكذا قد دعوتني فكشفتها، وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتني فصحبتك قال: يذكره حتى يذكر فيقول: آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم يقف عبده بين يديه فيعدد عليه نعمه فبكى ثم بكى ثم قال: اني لأرجو الله أن لا يقعد الله عبداً بين يديه فيعذبه وروى ليث بن أبي سليم عن عثمان عن ابن سرين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتي بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات فيقول الله عز وجل لنعمة من نعمه: خذي حقك من حسناته فما تترك له من حسنة إلا ذهبت بها وقال بكر بن عبد الله المزني: ينزل بالعبد الأمر فيدعو الله فيصرف عنه فيأتيه الشيطان فيضعف شكره، يقول: ان الأمر كان أيسر مما تذهب اليه، قال: أو لا يقول العبد كان الأمر أشد مما أذهب إليه، ولكن الله صرفه عني؟ وذكر ابن أبي الدنيا عن صدقة بن يسار قال: بينا داوود عليه السلام في محرابه اذ مرت به ذرة فنظر إليها وفكر في خلقها وعجب منها وقال: ما يعبؤ الله بهذه فأنطقها الله فقالت: يا داوود أتعجبك نفسك فهو الذي نفسي بيده لأنا على ما أتاني الله من فضله أشكر منك على ما أتاك من فضله وقال أيوب: أن من أعظم نعمة الله على عبده أن يكون مأمونا على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وقال سفيان الثوري: كان يقال: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة قال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الوراق:\rاذا كان شكري نعمة الله نعمة ... على له في مثلها يجب الشكر\rفكيف وقوع الشكر الا بفضله ... وان طالت الأيام واتصل العمر\rاذا مس بالسراء عم سرورها ... وان مس بالضراء أعقبها الأجر\rوما منهما الا له فيه منة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر\rوقد روي الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو - عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني قال الله عز وجل - : ان المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه ومر محمد بن المنكدر بشاب يغامز امرأة فقال: يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عليك وقال حماد بن سلمة عن ثابت قال: قال أبو العالية: اني لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين: نعمة يحمد الله عليها، وذنب يستغفر منه وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن حيث ولى القضاء بالرقة: أما بعد فلتكن التقوى من بالك على كل حال، وخف الله من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها، فان في النعم حجة وفيها بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها، فان في النعم حجة وفيها تبعة، فأما الحجة بها فالمعصية بها، وأما التبعة فيها فقلة الشكر عليها، فعفى الله عنك كلما ضيعت من شكر أو ركبت من ذنب أو قصرت من حق ومر الربيع بن أبي راشد برجل به زمانه فجلس يحمد الله ويبكي قيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار فشبهت أهل الجنة بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء فذلك الذى أبكاني وقد روي أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب أحدكم أن يرى قدر نعمة الله عليه فلينظر الى من تحته ولا ينظر إلى من هو فوقه) قال عبد الله بن المبارك: أخبرني يحيى بن عبد الله قال: سمعت أبي قال: سمعت أبي هريرة فذكره وقال ابن المبارك: حدثنا يزيد أن ابراهيم عن الحسن قال: قال أبو الدرداء: من لم يعرف نعمة الله عليه الا في مطعمه ومشربه فقد قل عمله وحضر عذابه قال ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس عن اسحاق بن عبد الله أبن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سلم على رجل فرد عليه السلام فقال عمر للرجل: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد اليك الله قال: هذا أردت منك","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"قال ابن المبارك: وأخبرنا مسعود عن علقمة بن مرثد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لعلنا نلتقي في اليوم مراراً يسأل بعضنا عن بعض ولم يرد بذلك الا ليحمد الله عز وجل وقال مجاهد في قوله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 2) قال: لا اله إلا الله وقال ابن عينية: ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم لا اله إلا الله، قال: وأن لا اله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا وقال بعض السلف في خطبته يوم عيد: أصبحتم زهراً وأصبح الناس غيراً، أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون، وأصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون، وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون، وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون فبكى وأبكاهم وقال عبد الله بن قرط الأزدي - وكان من الصحابة - على المنبر وكان يوم أضحى ورأى على الناس ألوان الثياب: يالها من نعمة ما أشبعها، ومن كرامة ما أظهرها ما زال عن قوم شيئاً أشد من نعمة لا يستطيعون ردها، وانما تثبت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: أن رجلاً بسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراش الا بارية، قال: فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم اياه قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة وكان أبو الدرداء يقول: الصحة الملك وقال جعفر بن محمد رضي الله عنه: فقد أبي بغلة له فقال: ان ردها الله على لأحمدنه بمحامد يرساها فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها فركبها فلما استوى عليها وضم اليه ثيابه ورفع رأسه الى السماء فقال: الحمد لله لم يزد عليها فقيل له في ذلك، فقال: هل تركت وأبقيت شيئاً؟ جعلت الحمد كله لله وروي ابن أبي الدنيا من حديث سعد بن اسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً من الأنصار وقال: ان سلمهم الله وغنمهم فان لله على في ذلك شكراً قال: فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا، فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول: ان سلمهم الله وغنمهم فان لله على في ذلك شكراً قال: قد فعلت اللهم لك الحمد شكراً، ولك المن فضلاً وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال محمد بن المنكدر لأبي حازم: يا أبي حازم ما أكثر من يلقاني فيدعو لي بالخير ما أعرفهم وما صنعت اليهم خيراً قط فقال أبو حازم: لا تظن أن ذلك من قبلك، ولكن انظر الى الذي ذلك من قبله فاشكره وقرأ أبو عبد الرحمن: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) (مريم: 96) وقال علي بن الجعد: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجسون: حدثني من أصدقه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في دعائه: أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا والخيرة في جميع ما تكون فيه الخيرة بجميع ميسر الأمور كلها لا معسورها يا كريم وقال الحسن: ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، الا كان ما أعطى أكثر مما أخذ قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن سفيان بن عينية أنه قال: هذا خطأ لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الله، ثم قال: وقال بعض أهل العلم: انما تفسير هذا أن الرجل اذا أنعم الله عليه نعمة وهو ممن يجب عليه أن يحمده عرفه ما صنع به فيشكر الله كما ينبغي له أن يشكره فكان الحمد له أفضل قلت: لا يلزم الحسن ما ذكر ابن عينية فان قوله الحمد لله، نعمة من نعم الله، والنعمة التي حمد الله عليها أيضاً نعمة من نعم الله وبعض النعم أجل من بعض، فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها والله أعلم وهذا لا يستلزم أن يكون فعل العبد أفضل من فعل الله وان دل على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول الله، وفعل العبد هو مفعول الله، ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وقال بعض أهل العلم: لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها وذلك أن الله لم يرض لنبيه الدنيا فان أكون فيما رضى الله لنبيه وأحب له، أحب الى أن أكون فيما كره له وسخطه وقال ابن أبي الدنيا: بلغني عن بعض العلماء أنه قال: ينبغي للعالم أن يحمد الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا كما يحمده على ما أعطاه، وأين يقع ما أعطاه الله، والحساب يأتي عليه الى ما عافاه الله ولم يبتسله به فيشغل قلبه ويتعب جوارحه فيشكر الله على سكون قلبه وجمع همه وحدث عن ابن أبي الحواري قال: جلس فضيل بن عياض وسفيان ابن عيينة ليلة الى الصباح يتذاكران النعم فجعل سفيان يقول: أنعم الله علينا في كذا وكذا، أنعم الله علينا في كذا وفعل بنا كذا وحدثنا عبد الله بن داوود عن سفيان في قوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) (الأعراف:182، القلم: 44) قال: يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر وقال غير سفيان: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة وسئل ثابت البناني عن الاستدراج، فقال: ذلك مكر الله بالعباد المضيعين وقال يونس في تفسيرها: ان العبد اذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقى عليها ثم شكر الله بما أعطاه، أعطاه أشرف منها، واذا ضيع الشكر استدرجه الله وكان تضييعه الشكر استدراجاً وقال أبو حازم: نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها أني رأيته أعطاها أقواماً فهلكوا، وكل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية واذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره\rوذكر كاتب الليث عن هل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فانكم في دار الثواب فيها قليل وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها فهم كانوا أطول منكم أعماراً وأمدا أجساماً وأعظم آثاراً فقطعوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً، كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين ثم انكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتاً من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودنيا مقبوضة وزمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلما يبق منه الا حماة شر وصبابة كدر وأهاويل عبر وعقوبات غير، وارسال فتن، وتتابع زلازل ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباهاً لمن خدعه الأل وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني، نسأل الله أن يجعلنا واياكم ممن وعى انذاره وعقل بشراه فمهد لنفسه\rوكان يقال: الشكر ترك المعصية وقال ابن المبارك: قال سفيان: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة وكان مروان بن الحكم اذا ذكر الاسلام قال: بنعمة ربي وصلت اليه لا بما قدمت يدى ولا بارادتي اني كنت خاطئاً وكم من مدخل لو مت فبه لكنت فيه نكالاً في العشيرة ووفيت السوء والمكروه فيه وظفرت بنعمة منه كبيرة وكم من نعمة لله تمسي وتصبح في العيان وفي السريرة ودعى عثمان بن عفان رضي الله عنه الى قوم على ريبة فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن يبلغهم فأعتق رقبة شكراً لله أن لا يكون جرى على يديه خزي مسلم قال يزيد بن هرون: أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحاً صلى الله عليه وسلم كان اذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفعته في جسدي وأذهب عني أذاه فسمى عبداً شكوراً وقال ابن أبي الدنيا: حدثني العباس بن جعفر عن الحارث بن شبل قال: حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يقم عن خلاء قط الا قاله","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"وقال رجل لأبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: ان رأيت بهما خيراً أعلنته، وان رأيت بهما شراً سترته قال: فما شكر الأذنين؟ قال: ان سمعت بهما خيراً وعيته وان سمعت بهما شراً دفعته قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقاً لله هو فيهما قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعاماً وأعلاه علماً قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله: (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) (المؤمنون: 5 - 7) قال: فما شكر الرجلين؟ قال: ان علمت ميتاً تغبطه استعملت بهما عمله وان مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر وذكر عبد الله بن المبارك أن النجاشي أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان جالس على التراب قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما في وجوهنا قال: اني أبشركم بما يسركم، أنه جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه صلى الله عليه وسلم وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر كثير الأراك كأني أنظر إليه كنت أرعى به لسيدي رجل من بني ضمرة، فقال له جعفر: ما بالك جالساً على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق؟ قال: انا نجد فيما أنزل على عيسى صلى الله عليه وسلم: أن حقاً على عباد الله أن يحدثوا الله تواضعاً عندما يحدث الله لهم من نعمة، فلما أحدث الله لي نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع وقال حبيب بن عبيد: ما ابتلى عبداً ببلاء الا كان له عليه فيه نعمة الا يكون أشد منه وقال عبد الملك بن اسحاق: ما من الناس الا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره، أو بلية لينظر كيف صبره وقال سفيان الثورى: لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه اليه فيها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا جاءه أمر يسر به خر لله ساجداً شكراً له عز وجل ذكره أحمد وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجداً فأطال السجود، فقلت: يا رسول الله سجدت سجدة حسبت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها فقال: (ان جبريل أتاني فبشرني أن الله عز وجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت له شكراً) ذكره أحمد وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريباً من عزور نزل ثم رفع يديه ودعى الله ساعة ثم خر ساجداً فمكث طويلاً ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجداً فعله ثلاثاً وقال: (اني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجداً شكراً لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجداً لربي) رواه أبو داوود وذكر محمد بن اسحاق في كتاب (الفتوح) قال: لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيمان بالله الذي لا اله إلا هو لقد رأيته قتيلاً فحلف له فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجداً وذكر سعيد بن منصور: أن أبي بكر الصديق رضي الله عنه سجد حين جاءه قتل مسيلمة وذكر أحمد: أن علياً رضي الله عنه سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج وسجد كعب بن مالك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بتوبة الله عليه والقصة في الصحيحين فان قيل: فنعم الله دائماً مستمرة على العبد فما الذي اقتضى تخصيص النعمة الحادثة بالشكر دون الدائمة وقد تكون المستدامة أعظم؟ قيل: الجواب من وجوه: أحدها: أن النعمة المتجددة تذكر بالمستدامة والانسان موكل بالأدنى الثاني: أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة وكان أسهلها على الانسان وأحبها إلى الله السجود شكراً له الثالث: أن المتجددة لها وقع في النفوس، والقلوب بها أعلق ولهذا يعني بها ويعزى بفقدها الرابع: أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها وكثيراً ما يجر ذلك الى الأشر والبطر، والسجود ذلك لله وعبودية وخضوع، فاذ تلقى به نعمته لسروره وفرح النفس وانبساطها فكان جديراً بدوام تلك النعمة","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"واذا تلقاها بالفرح الذي لا يحبه الله والأشر والبطر كما يفعله الجهال عندما يحدث الله لهم من النعم كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال وانقلبت نقمة وعادت استدراجاً وقد تقمد أمر النجاشي فان الله اذا أحدث لعبده نعمة أحب أن يحدث لها تواضعاً وقال العلاء بن المغيرة: بشرت الحسن بموت الحجاج وهو مختف فخر لله ساجداً.\rفصل\rومن دقيق نعم الله على العبد التي لا يكاد يفطن لها: انه يغلق عليه بابه فيرسل الله اليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئاً من القوت ليعرفه نعمة الله .\rوقال سلام بن أبي مطيع: دخلت على مريض أعوده فاذا هو يئن، فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم، قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه: أذكري المطروحين في الطريق، أذكري لا مأوى له ولا له من يخدمه.\rوقال عبد بن ابي نوح: قال لي رجل على بعض السواحل: كم عاملته تبارك اسمه بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصى ذلك كثرة، قال: فهل قصدت اليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت: لا والله ولكنه أحسن الى وأعانني، قال: فهل سألته شيئاً فلم يعطيكه؟ قلت: وهل منعني شيئاً سألته؟ ما سألته شيئاً قط الا أعطاني ولا استعنت به الا أعانني؟ قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت أقدر له مكافأة ولا جزاء، قال: فربك أحق وأجرى أن تدئب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديماً وحديثاً اليك، والله لشكره أيسر من مكافأة عباده انه تبارك وتعالى رضي من العباد بالحمد شكراً وقال سفيان الثورى: ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الأخرة ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه وقال ابن أبي الحواري: قلت لأبي معاوية: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد نسأل الله أن لا يسلبنا اياه قال: يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه والله أكرم من أن ينعم بنعمة الا أتمها ويستعمل بعمل الا قبله وقال ابن أبي الحواري: قالت لي أمرأة: أنا في بيتي قد شغل قلبي، قلت: وما هو؟ قالت: أريد أن أعرف نعم الله على في طرفة عين أو أعرف تقصيري عن شكر النعمة على في طرفة عين؟ قلت: تريدين مالاً تهتدي اليه عقولنا وقال ابن زيد: انه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد الله عز وجل فيقتضي لذلك المجلس حوائجهم كلهم قال: وفي بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى أنه قال: (سروا عبدي المؤمن) فكان لا يأتيه شيء الا قال: الحمد لله، الحمد لله ما شاء الله قال: (روعوا عبدي المؤمن) فكان لا يطلع عليه طليعة من طلائع المكروه الا قال: الحمد لله، الحمد لله، فقال الله تبارك وتعالى: (ان عبدي يحمدني حين روعته كما يحمدني حين سررته أدخلوا عبدي دار عزى كما يحمدني على كل حالاته) وقال وهب: عبد الله عابد خمسين عاماً فأوحى الله اليه: اني قد غفرت لك قال: أي رب وما تغفر لي ولم أذنب؟ فأذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم ولم يصل ثم سكن فنام ثم أتاه ملك فشكا اليه فقال: ما لقيت من ضربنا العرق؟ فقال الملك: ان ربك يقول: ان عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق وذكر ابن أبي الدنيا: أن داوود قال: يا رب أخبرني ما أدنى نعمك على؟ فأوحى الله اليه: يا داوود تنفس فتنفس، قال: هذا أدنى نعمي عليك\rفصل\rوبهذا يتبين معنى الحديث الذي رواه أبو داوود من حديث زيد بن ثابت وابن عباس: أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم والحديث الذي في الصحيح: (لمن ينجى أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا الا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) فان أعمال العبد لا توافى نعمة من نعم الله عليه وأما قول بعض الفقهاء: ان من حلف أن يحمد الله بأفضل أنواع الحمد كان بر يمينه أن يقول: الحمد لله حمداً يوافى نعمه ويكافىء مزيده، فهذا ليس بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة وانما هو اسرائيلي عن آدم وأصح منه: الحمد لله غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"ولا يمكن حمد البعد وشكره أن يوافى نعمة من نعم الله فضلاً عن موافاته جميع نعمه ولا يكون فعل العبد وحمده مكافئاً للمزيد، ولكن يحمل على وجه يصح، وهو أن الذي يستحقه الله سبحانه من الحمد حمداً يكون موافياً لنعمه ومكافئاً لمزيده، وان لم يقدر العبد أن يأتي به كما اذا قال: الحمد لله ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر، وعدد أنفاس الخلائق وعدد ما خلق الله وما هو خالق فهذا اخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد\rفصل\rوقال أبو المليح: قال موسى: يا رب ما أفضل الشكر؟ قال: أن تشكرني على كل حال وقال بكر بن عبد الله: قلت لأخ لي: أوصني فقال: ما أدري ما أقول غير أنه ينبغي لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار، فان ابن آدم بين نعمة وذنب، ولا تصلح النعمة الا بالحمد والشكر، ولا يصلح الذنب الا بالتوبة والاستغفار فأوسعني علما ما شئت وقال عبد العزيز بن أبي داوود: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق على منها، فقال لي: أتدري ماذا لله على في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتي ولا طرف لساني ولا على طرف ذكرتي؟ فهانت على قرحته وروى الجريري عن أبي الورد عن الجلاح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل وهو يقول: اللهم اني أسألك تمام النعمة فقال: ابن آدم هل تدري ما تمام النعمة؟ قال: يا رسول الله دعوت دعوة أرجو بها الخير، فقال: ان تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة وقال سهم بن سلمة: حدثت أن الرجل اذا ذكر اسم الله على أول طعامه وحمده على آخره لم يسئل عن نعيم ذلك الطعام\rفصل\rويدل على فضل الشكر على الصبر أن الله سبحانه يحب أن يسئل العافية وما يسئل شيئاً أحب إليه من العافية، كما في المسند عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أبو بكر رضي الله عنه على المنبر ثم قال: سلوا الله العافية فانه لم يعط عبداً بعد اليقين خيراً من العافية وفي حديث آخر (ان الناس لم يعطوا في هذه الدنيا شيئاً أفضل من العفو والعافية فسلوهما الله عز وجل) وقال لعمه العباس: (يا عم أكثر من الدعاء بالعافية) وفي الترمذي: قلت يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ قال: سل الله العافية فمكثت أياماً ثم جئت فقلت: علمني شيئاً أسأله الله فقال لي: يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة وقال في دعائه يوم الطائف: ان لم يكن بك غضب على فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي فلاذ بعافيته كما استعاذ بها في قوله: أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك وفي حديث آخر: سلوا الله العفو والعافية والمعافاة وهذا السؤال يتضمن العفو عما مضى والعافية في الحال والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها وكان عبد الأعلى التيمي يقول: أكثروا من سؤال الله العافية فان المبتلى وان اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلون اليوم الا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم الا من أهل العافية اليوم ولو كان البلاء يجر الى خير ما كنا من رجال البلاء انه رب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة، فما يؤمن من أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقى له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة ثم يقول بعد ذلك: الحمد لله الذي ان نعد نعمه لا نحصيها وان ندأب له عملاً لا نجز به وان نعمر فيها لا نبليها ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يسأل الله الصبر فقال: لقد سألت البلاء فاسأل العافية وفي صحيح مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً قد هفت - أي هزل - فصار مثل الفرخ فقال صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء - أو تسأله اياه؟ - قال: نعم كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحانه لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فدعى الله له فشفاه","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: دعاء حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أدعه: اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك وقال شيبان: كان الحسن اذاجلس مجلساً يقول: لك الحمد بالاسلام ولك الحمد بالقرآن ولك الحمد بالأهل والمال بسطت رزقنا وأظهرت أمننا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك أعطيتنا، فلك الحمد كثيراً كما تنعم كثيراً أعطيت خيراً كثيراً وصرفت شراً كثيراً فلوجهك الجليل الباقي الدايم الحمد وكان بعض السلف يقول: اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة في دين أو دنيا جرت علينا فيما مضى وهي جارية علينا فيما بقى فانها منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد بذلك علينا ولك المن ولك الفضل ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع خلقك، لا اله الا انت وقال مجاهد: اذا كان ابن عمر في سفر فطلع الفجر، رفع صوته ونادى سمع سامع يحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثاً: اللهم صاحبنا فأفضل علينا عائذ بالله من النار ولا حول ولا قوة الا بالله ثلاثاً وذكر الإمام أحمد: ان الله سبحانه أوحى الى موسى بن عمران عليه السلام: يا موسى كن يقظان مرتاداً لنفسك أخذانا وكل خدن لا يواتيك على مسرتي فلا تصحبه فانه عدو لك وهو يقسى قلبك وأكثر من ذكري حتى تستوجب الشكر وتستكمل المزيد وقال الحسن: خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الأرض منهم الأعمى والأصم والمبتلى: فقال آدم: يا رب ألا سويت بين ولدي، قال: يا آدم اني أريد أن أشكر وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم: من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، الا أدى شكر ذلك اليوم، ومن قال ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: من ابتلى فصبر وأعطى فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه أوصى رجلاً بثلاث، فقال: أكثر من ذكر الموت يشغلك عما سواه، وعليك بالدعاء فانك لا تدري متى يستجاب لك، وعليك بالشكر فان الشكر زيادة ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان اذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وهداني وكل بلاء حسن أبلاني الحمد لله الرزاق ذي القوة المتين اللهم لا تنزع منا صالحاً أعطيتنا ولا صالحاً رزقتنا واجعلنا لك من الشاكرين ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان اذا اكل قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً وكان عروة بن الزبير اذا أتى بطعام لم يزل مخمراً حتى يقول هذه الكلمات: الحمد لله الذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا، الله أكبر اللهم الفتنا نعمتك ونحن بكل شر فأصبحنا وأمسينا بخير نسألك تمامها وشكرها، لا خير الا خيرك ولا اله غيرك اله الصالحين ورب العالمين، الحمد لله لا اله الا الله ما شاء الله لا قوة الا بالله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار وقال وهب بن منبه: رؤوس النعم ثلاثة: فأولها: نعمة الاسلام التي لا تتم نعمه الا بها، والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة الا بها، والثالثة: نعمة الغنى التي لا يتم العيش الا به وقدم سعيد الجريري من الحج فجعل يقول: أنعم الله علينا في سفرنا وكذا وكذا ثم قال: تعداد النعم من الشكر ومر وهب بمبتلى - أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح - وهو يقول: الحمد لله على نعمه، فقال رجل كان مع وهب: أي شيء بقي عليك من النعمة تحمد الله عليها؟ فقال له المبتلى: ارم ببصرك الى أهل المدينة فانظر الى كثرة أهلها أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اذا أنعم الله على العبد نعمة فحمده عندها فقد أدى شكرها","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن بختنصر أتى بدانيال فأمر به فحبس في جب وأضرى أسدين ثم خلى بينهما وبينه ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجده قائماً يصلي والأسدان في ناحية الجب لم يعرضا له، فقال له: ما قلت حين دفع عنك؟ قال: قلت: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه الى غيره، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع عنا الحيل، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي يكشف عنا ضرنا بعد كربتنا، والحمد لله الذي يجزي بالاحسان احساناً، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان اذا نظر في المرآة قال: الحمد لله الذي أحسن خلقي وخلقي وزان مني ما شان من غيري وقال ابن سيرين: كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة وتكون معه في الأسفار، فقلت له: ولم؟ قال: أنظر فما كان في وجهي زين فهو في وجه غيري شين أحمد الله عليه وسئل أبو بكر بن أبي مريم: ما تمام النعمة؟ قال: أن تضع رجلاً على الصراط ورجلاً في الجنة وقال بكر بن عبد الله: يا ابن آدم ان أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك وقال مقاتل في قوله: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 2) قال: أما الظاهرة فالاسلام، وأما الباطنة فستره عليكم بالمعاصي وقال ابن شوذب: قال عبد الله - يعني ابن مسعود رضي الله عنه - : ان لله على أهل النار منة لو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم وقال أبو سليمان الداراني: جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيه خصالاً: الكرم والسخاء والحلم والرأفة والرحمة والشكر والبر والصبر وقال أبو هريرة رضي الله عنه: من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى جميع خلقه تفضيلاً فقد أدى شكر تلك النعمة وقال عبد الله بن وهب: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: الشكر يأخذ بجذم الحمد وأصله وفرعه قال: ينظر في نعم الله، في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيء الا فيه نعمة من الله، حق على العبد أن يعمل في النعمة التي هي في بدنه لله في طاعته، ونعمة أخرى في الرزق، وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم عليه به من الرزق بطاعته، فمن عمل بهذا كان قد أخذ بجذم الشكر وأصله وفرعه وقال كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله الا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الأخرى، وما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا، فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها الا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقات من النار يعذبه ان شاء أو يتجاوز عنه وقال الحسن: من لا يرى لله عليه نعمة الا في مطعم أو مشرب أو لباس فقد قصر علمه وحضر عذابه وقال الحسن يوماً لبكر المزني: هات يا أبا عبد الله دعوات لاخوانك فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: والله ما أدري أي النعمتين أفضل على وعليكم، أنعمة المسلك أم نعمة المخرج اذا أخرجه منا؟ قال الحسن: انها لمن نعمة الطعام وقالت عائشة رضي الله عنها: ما من عبد يشرب الماء القراح فيدخل بغير أذى ويخرج الأذى الا وجب عليه الشكر قال الحسن: يا لها من نعمة تدخل كل لذة وتخرج مسرحاً لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الجب فيكتال منه ثم يجرجر قائماً، فيقول: يا ليتني مثلك ما يشرب حتى يقطع عنه العطش، فاذا شرب كان له في تلك الشربة موتات يا لها من نعمة وكتب بعض العلماء الى أخ له: أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله مالا نحصيه مع كثرة ما نعصيه فما ندري أيهما نشكر: أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر وقيل للحسن: هاهنا رجل يجالس الناس فجاء اليه فسأله عن ذلك فقال: اني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار من الذنب والشكر لله على النعمة، فقال له الحسن: أنت عندي يا عبد الله أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه وقال ابن المبارك: سمعت علياً بن صالح يقول في قوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم) (ابراهيم:7) قال: أي من طاعتي والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجلي نعمه","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"وذكر ابن أبي الدنيا أن محارب بن دثار كان يقول بالليل ويرفع صوته أحياناً: أ،ا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً وكان بعض الخطباء يقول في خطبته: أختط لك الأنف قأقامه وأتمه فأحسن تمامه، ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقة، وبأشفار معلقة، ونقلك من طبقة إلى طبقة وحنن عليك قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى: (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (ابراهيم:34،النحل:18): سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه الا العلم بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحد ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكراً كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه، فجعله ايماناً علماً منه أن العباد لا يتجاوزون ذلك وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابراً شاكراً ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابراً شاكراً: من نظر في دينه الى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه الى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن نظر في دينه الى من هو دونه ونظر في دنياه الى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله صابراً شاكراً وبهذا الاسناد عن عبد الله بن عمرو موقوفاً عليه: أربع خصال من كن فيه بني الله له بيتاً في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله الا الله، واذا أصابته مصيبة قال: انا لله وانا اليه راجعون، واذا أعطى شيئاً قال: الحمد لله، واذا أذنب قال: أستغفر الله قال ابن المبارك عن شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (انه كان عبداً شكوراً) (الاسراء: 3) قال: لم يأكل شيئاً الا حمد الله عليه، ولم يشرب شراباً قط الا حمد الله عليه ولم يمش مشياً قط الا حمد الله عليه، ولم يبطش بشيء قط الا حمد الله عليه، فأثنى الله عليه (انه كان عبداً شكوراً) وقال محمد بن كعب: كان نوح اذا أكل قال: الحمد لله، واذا شرب قال الحمد لله، واذا لبس قال: الحمد لله، واذا ركب قال: الحمد لله، فسماه الله عبداً شكوراً وقال ابن أبي الدنيا: بلغني عن بعض الحكماء قال: لو لم يعذب الله على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصي لشكر نعمته\rفصل\rولله تبارك وتعالى على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما: أحدهما: أمره ونهيه اللذين هما محض حقه عليه والثاني: شكر نعمه التي أنعم بها عليه فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره فمشهد الواجب عليه لا يزال يشهده تقصيره وتفريطه وأ،ه محتاج إلى عفو الله ومغفرته فان لم يداركه بذلك هلك، وكلما كان أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم وشهوده لتقصيره أعظم وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله\rوأكثر الديانين لا يعبأون منها الا بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما الجهاد والأر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ورسوله وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلاً عن أن يريدوا فعلها وفضلاً عن أن يفعلوها\rوأقل الناس ديناً وأمقتهم الى الله من ترك هذه الواجبات وان زهد في الدنيا جميعها وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته ويبذل عرضه في نصرة دينه وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء وقد ذكر أبو عمر وغيره: أن الله تعالى أمر ملكاً من الملائكة أن يخسف بقرية، فقال: يا رب أن فيهم فلاناً الزاهد العابد، قال: به فابدأ وأسمعني صوته، انه لم يتمعر وجهه في يوم قط\rفصل","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"وأما شهود النعمة فانه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلاً ولو عمل أعمال الثقلين، فان نعم الله عليه سبحانه أكثر من أعماله، وأدنى نعمة تستنفد عمله، فينبغي للعبد ألا يزال ينظر في حق الله عليه قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه فاني قد رحمته فأوحى الله اليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه فمشاهدة العبد النعمة والواجب لا تدع له حسنة يراها ولا يزال مزرياً على نفسه ذاماً لها، وما أقربن من الرحمة اذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله المستعان\rالباب الحادي والعشرون\rفي الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين\rفنقول: كل أمرين طلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح فان ذلك لا يمكن الا بعد معرفة كل منهما وقد ذكرنا حقيقة الصبر وأقسامه وأنواعه ونذكر حقيقة الشكر وماهيته قال في الصحاح: الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال: شكرته وشكرت له واللام أفصح وقوله تعالى: (لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً) (الانسان:9) يحتمل أن يكون مصدراً كالقعود وأن يكون جمعاً كالبرود والكفور والشكران خلاف الكفران وتشكرت له، مثل شكرت له والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل، واشتكرت السماء اشتد وقع مطرها، واشتكر الضرع امتلأ لبناً تقول: منه شكرت النافلة بالكسر تشكر شكراً فيه شكرة وشكرت الشجرة تشكر شكراً اذا خرج منها الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها فتأمل هذا الاشتقاق وطابق بينه وبين الشكر المأمور به وبين الشكر الذي هو جزاء الرب الشكور كيف تجد في الجميع معنى الزيادة والنماء ويقال أيضاً: دابة شكور اذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكوراً الا بمجموعها: أحدها: اعترافه بنعمة الله عليه والثاني: الثناء عليه بها والثالث: الاستعانة بها على مرضاته وأما قول الناس في الشكر فقالت طائفة: هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع وقيل: الشكر هو الثناء على المحسن بذكر احسانه اليه، فشكر العبد ثناؤه عليه بذكر احسانه اليه وقيل: شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة والقيام بالخدمة وقيل: شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيلياً وقيل: الشكر معرفة العجز عن الشكر ويقال: الشكر على الشكر أتم من الشكر، وذلك أن ترى شكرك بتوفيقه وذلك التوفيق من أجل النعم عليك تشكر على الشكر ثم تشكره على الشكر ألا ترى نفسك للنعمة أهلا وقيل: الشكر استفراغ الطاقة في الطاعة وقيل: الشاكر الذي يشكر على الموجود والشكور الذي يشكر على المفقود وقيل: الشاكر الذي يشكر على الوفد والشكور الذي يشكر على الرد وقيل: الشاكر الذي يشكر على النفع، والشكور الذي يشكر على المنع وقيل الشاكر الذي يشكر على العطاء والشكور الذي يشكر على البلاء وقل الجنيد: كنت بين يدي السرى ألعب وأنا ابن سبع سنين وبيننا جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت: ألا تعصي الله بنعمة فقال: يوشك أن يكون حظك من الله لسانك فلا أزل أبكي على هذه الكلمة التي قالها السرى وقال الشبلي: الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم، وهذا ليس بجيد بل من تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم وقيل: الشكر قدر الموجود وصيد المفقود وقال أبو عثمان: شكر العامة على المطعم والملبس، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعاني وحبس السلطان رجلاً فأرسل اليه صاحبه: اشكر الله فضرب فأرسل اليه: اشكر الله فجئ بمحبوس مجوسي مبطون فقيد وجعل حلقة من قيده في رجله وحلقة في الرجل المذكور فكان المجوسي يقوم بالليل مرات فيحتاج الرجل أن يقف على رأسه حتى يفرغ فكتب اليه صاحبه: أشكر الله، فقال له: الى متى تقول اشكر الله وأى بلاء فوق هذا؟ فقال: ولو وضع الزنار الذي في وسطه في وسطك كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ماذا كنت تصنع؟ فاشكر الله ودخل رجل على سهل بن عبد الله فقال: اللص دخل داري وأخذ متاعي فقال: اشكر الله، فلو دخل اللص قلبك - وهو الشيطان - وأفسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع؟ وقيل: شكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وقيل: اذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر وقيل: أربعة لا ثمرة لهم: ماشورة الأصم، ووضع النعمة عند من لا يشكرها، والبذر في السباخ، والسراج في الشمس والكشر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، فالقلب للمعرفة والمحبة واللسان للثناء والحمد والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه، وقال الشاعر:\rأفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا\rوالشكر أخص بالأفعال، والحمد أخص بالأقوال وسبب الحمد أعم من سبب الشكر ومتعلق الشكر وما به الشكر أعم مما به الحمد فما يحمد الرب تعالى عليه أعظم مما يشكر عليه فانه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه، ويشكر على نعمه، وما يحمد أخص مما يشكر به فانه يشكر بالقلب واللسان والجوارح ويحمد بالقلب واللسان\rفصل\rاذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر داخل في حقيقة الآخر لا يمكن وجوده الا به، وانما يعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الأغلب عليه والأظهر منه، والا فحقيقة الشكر انما يلتئم من الصبر والارادة والفعل، فان الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر واذ كان الصبر مأموراً به فأداؤه هو الشكر فان قيل: فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر وانهما اسمان لمسمى واحد وهذا محال عقلاً ولغة وعرفاً، وقد فرق الله سبحانه بينهما قيل: بل هما معنيان متغايران وانما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما في وجود ماهيته الى الآخر ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه شكراً واذا تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه صبراً، الأول: فظاهر، وأما الثاني: اذا تجرد عن الشكر كان كفوراً، ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخوط فان قيل: بل هاهنا قسم آخر وهو أن لا يكون كفوراً ولا شكوراً بل صابراً على مضض وكراهة شديدة فلم يأت بحقيقة الشكر ولم يخرج عن ماهية الصبر قيل: كلامنا في الصبر المأمور به الذي هو طاعة لا في الصبر الذي هو تجلد كصبر البهائم وصبر الطاعة لا يأتي به الا شاكر ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور في شكره فكان الحكم للشكر فمقامات الايمان لا تعدم بالتنقل فيها بل تندرج وينطوي الأدنى في الأعلى كما يندرج الايمان في الاحسان وكما يندرج الصبر في مقامات الرضا لا أن الصبر يزول ويندرج الرضا في التفويض ويندرج الخوف والرجاء في الحب لا أنهما يزولان فالمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواء أكان محبوباً أو مكروهاً، فالفقر مثلاً يتعلق به الصبر وهو أخص به لمافيه من الكراهة ويتعلق به الشكر لما فيه من النعمة فمن غلب شهود نعمته وتلذذ به واستراح واطمأن اليه عده نعمة يشكر عليها ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة عده بلية يصبر عليها وعكسه الغنى على أن الله سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب، وعد ذلك كله ابتلاء فقال: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) (الأنبياء:35) وقال: (فأما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) (الفجر: 15،16) وقال: (انا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) (الكهف:7) وقال: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) (الملك:2) وقال: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) (هود:7) فأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي وقدر أجل الخلق وخلق ما على الأرض للإبتلاء والاختبار وهذا الابتلاء انما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء، فالابتلاء من النعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة، وتأتي الأسباب أعظم الابتلائين والصبر على طاعة الله أشق الصبرين كما قال الصحابة رضي الله عنهم: ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد يكون أعظم النعمتين وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على اضدادها فالرب تعالى يبتلى بنعمه وينعم بابتلائه غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحس والحركة أيهما أفضل، وعن الطعام والشراب أيهما أفضل، وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل فالمأمور لا يؤدي الا بصبر وشكر والمحظور لا يترك الا بصبر وشكر وأما المقدور الذي يقدر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره ومما يوضح هذا أن الله سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما في الله فهو في كل وقت في مجاهدة نفسه حتى تأتي بالشكر المأمور به ويصبر عن الهوى المنهى عن طاعته فلا ينفك العبد عنهما غنياً كان أو فقيراً معافى أو مبتلى وهذه هي مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ وللناس فيها ثلاثة أقوال، وهي التي حكاها أبو الفرج بن الجوزي وغيره في عموم الصبر والشكر أيهما أفضل وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها والتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله تعالى فان فرض استوائهما في التقوى استويا في الفضل فان الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء وانما فضل بالتقوى كما قال تعالى: (ان أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات: 13) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى ولا فضل لعجمي على عربي الا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب) والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل فان قيل: فاذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغني أتم فأيهما أفضل؟ قيل: أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا البتة فان الغنى قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بغناه أفضل ولا هذا بفقره أفضل ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ولا بالعكس لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما، بل الواجب أن يقال: أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل فان التفضيل تابع لهذيه الأمرين كما قال تعالى في الأثر الالهي: (ما تقرب الى عبدي بمثل مداومة ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه) فأي الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل قان قيل: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام) قيل: هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلو المنزلة وان سبقوهم بالدخول، فقد يتأخر الغني والسلطان العادل في الدخول لحسابه، فاذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع كسبق الفقير القفل في المضائق وغيرها ويتأخر صاحب الأحمال بعده فان قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للفقراء لما شكوا اليه زيادة عمل الأغنياء عليهم بالعتق والصدقة: (ألا أدلكم على شيء اذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم؟ فدلهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة، فلما سمع الأغنياء ذلك عملوا به فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) وهذا يدل على ترجيح حال الغني الشاكر قيل: هذا حجة للقول الذي أنصرناه وهو أن أفضلهما أكثرهما نوافل فان استويا وهاهنا قد ساوى الأغنياء الفقراء في أعمالهم المفروضة والنافلة وزادوا عليهم بنوافل: العتق والصدقة، وفضلوهم بذلك فساووهم في صبرهم على الجهاد والأذى في الله والصبر على المقدور وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم عنها فان قيل: ان النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردها، وقال: (بل أشبع يوماً وأجوع يوماً)، وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنهما قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز البر، ومات ودرعه مروهنة عند يهودي على طعام أخذه لأهله وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن عبارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا اسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش النبي صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية فرجعت إلى منزلها فبعثت الى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ فقلت: فلانة الأنصارية دخلت على فرأت فراشك فبعثت الى بهذا، فقال: رديه، فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال لي ذلك ثلاث مرات فقال: (يا عائشة رديه فوالله لو شئت لأجري الله معي جبال الذهب والفضة) فرددته ولم يكن الله سبحانه ليختار لرسوله الا الأفضل هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها في مرضاة الله ولكان شكره بها فوق شكر جميع العالمين قيل: احتج بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحدة من الطائفتين والتحقيق أن الله سبحانه وتعالى جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه، وكان سيد الاغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين، فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك فكان صلى الله عليه وسلم أصبر الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه تعالى كمل له مراتب الكمال فجعله في أعلى رتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين قال تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى) (الضحى:8) وأجمع المفسرون أن العائل هو الفقير، يقال: عال الرجل يعيل اذا افتقر، وأعال يعيل اذا صار ذا عيال مثل لبن وأثمر وأثرى إذا صار ذا لبن وثمر وثروة وعال يعول اذا جار ومنه قوله تعالى: (ذلك أدنى أن لا تعولوا) (النساء:3) وقيل: المعنى ألا تكثر عيالكم والقول هو الأول لوجوه: أحدها: أنه لا يعرف في اللغة عال يعول اذا كثر عياله وانما المعروف في ذلك أعال يعيل وأما عال يعول فهو بمعنى الجود ليس الا، هذا الذي ذكره أهل اللغة قاطبة الثاني: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذي نقلهم عند خوفهم من فقده إلى الواحدة والتسري بما شاءوا من ملك أيمانهم ولا يحسن هنا التعليل بعدم العيال يوضحه الوجه الثالث: أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط في نكاح اليتامى الى من سواهن من النساء لئلا يقعوا في ظلم أزواجهم اليتامى وجوز لهم نكاح الواحدة وما فوقها الى الأربع ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل في القسمة الى الواحدة أو النوع الذي لا قسمة عليهم في الاستمتاع بهن، وهن الاماء فانتظمت الآية ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ، والأولى من ذينك القسمين عند خوف العدل فما لكثرة العيال مدخل هاهنا البتة ويضحه الوجه الرابع: أنه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم الى ما شاءوا من كثرة الاماء بلا عدد، فان العيال كما يكونون من الزوجات يكونون من الاماء، ولا فرق فانه لم ينقلهم إلى اماء الاستخدام بل إلى اماء الاستفراش يوضحه الوجه الخامس:أن كثرة العيال ليس أمراً محذوراً مكروهاً للرب تعالى، كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود فاني مكاثر بكم الأمم) فأمر بنكاح الولود ليحصل منها ما يكاثر به الأمم يوم القيامة والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنياً شاكراً بعد أن كان فقيراً صابراً، فلا تحتج به طائفة لحالها الا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به أيضاً لحالها فان قيل: فقد كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من الشاكرين وقد قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: بينما عائشة في بيتها سمعت صوتاً في المدينة فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عير لعبد الرحمن قدمت من الشام تحمل من كل شيء - قال: وقد كانت سبعمائة بعير - فارتجت المدينة من الصوت، فقالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً) فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: ان استطعت لأدخلنها قائماً فجعلها بأحمالها وأقتابها كلها في سبيل الله قيل: قد قام الإمام أحمد: هذا الحديث كذب منكر، قالوا: وعمارة يروى أحاديث مناكير وقال أبو حاتم الرازي عمارة بن زاذان: لا يحتج به","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"قال أبو الفرج: وقد روى الجراح بن منهال باسناده عن عبد الرحمن ابن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا ابن عوف انك من الأغنياء وانك لا تدخل الجنة الا زحفاً فأقرض ربك يطلق قدميك) قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا حديث موضوع والجراح متروك الحديث وقال يحيى: ليس حديث الجراح بشيء وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه وقال ابن حبان: كان يكذب وقال الدارقطني: متروك فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه البيهقي من حديث أحمد ابن علي بن اسماعيل بن محمد: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، أخبرني خالد ابن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن ابراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا ابن عوف انك من الأغنياء ولن تدخل الجنة الا زحفاً، فأقرض الله يطلق قدميك، قال: وما الذي أقرض يا رسول الله؟ قال: تتبرأ مما أمسيت فيه، قال: أمن كله أجمع يا رسول الله؟ قال: نعم فخرج وهو يهتم بذلك، فأتاه جبريل فقال: مر ابن عوف فليضف الضيف، وليطعم المساكين وليبدأ بمن يعول، وليعط السائل فاذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه) قيل: هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فان أحد رواته خالد بن يزيد بن أبي مالك قال الإمام أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: واه وقال النسائي: غير ثقة وقال الدارقطني: ضعيف وقال يحيى بن معين: لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة فان قيل: فما تصنعون بالحديث الذي قاله الإمام أحمد: حدثنا الهذيل ابن ميمون عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة بين يدي قلت ما هذا؟ قال: بلال فمضيت فاذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر فيها أحداً أقل من الأغنياء والنساء قيل لي: أما الأغنياء فهم في الباب يحاسبون ويمحصون وأما النساء فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير، ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية، فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها أمتي في كفة فرجحت بها ثم أتى أبي بكر فوضع في كفة وجيىء بجميع أمتي فوضعوا في كفة فرجح أبو بكر ثم أتى بعمر فوضع في كفة ووضع أمتي في كفة فرجح عمر، وعرضت على أمتي رجلاً رجلاً فجعلوا يمرون، واستبطأت عبد الرحمن بن عوف ثم جاء بعد الاياس فقلت: عبد الرحمن؟ فقال: بأبي وأمي يا رسول الله، والذي بعثل بالحق ما خلصت اليك حتى ظننت أنى لا أصل اليك الا بعد المشيبات، قلت: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي أحاسب فأمحص) قيل هذا حديث لا يحتج باسناده وقد أدخله أبو الفرج هو والذي قبله في كتاب (الموضوعات) وقال: أما عبيد الله بن زحر فقال يحيى: ليس بشيء، وعلى بن يزيد متروك وقال ابن حبان: عبيد الله يروى الموضوعات عن الأثبات واذا روي عن علي بن يزيد أتى بالطامات واذا اجتمع في اسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم بن عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر الا بما عملته أيديهم وقال أبو الفرج: (وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جملة المتزهدين ويرون أن المال مانع من السبق الى الخير ويقولون: اذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفاً لأجل ماله كفى ذلك في ذم المال والحديث لا يصح وحاشا عبد الرحمن المشهود له بالجنة أن يمنعه ماله السبق، لأن جمع المال مباح وانما المذموم كسبه من غير وجهه ومنع الحق الواجب فيه، وعبد الرحمن منزه عن الحالين وقد خلف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب وخلف الزبير وغيره، ولو علموا أن ذلك مذموم لأخرجوا الكل وكم قاص يتسوف بمثل هذا الحديث يحث على الفقر ويذم الغنى فلله در العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول) انتهى","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"قلت: وقد بالغ في رد هذا الحديث وتجاوز الحد في ادخاله في الأحاديث الموضوعة المختلفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه استعظم احتباس عبد الرحمن بن عوف وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم بالجنة عن السبق اليها ودخول الجنة حبواً، ورأى ذلك مناقضاً لسبقه ومنزلته التي أعدها الله له في الجنة وهذا وهم منه رحمه الله وهب أنه وجد السبيل الى الطعن في هذين الخبرين أفيجد سبيلاً إلى القدح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام) قال الترمذي: حديث حسن صحيح وفي حديث ابن عمر الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفاً) وفي مسند الإمام أحمد عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تدرون أول من يدخل الجنة)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء) وفي جامع الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفاً) فهذا الحديث وأمثاله صحيح صريح في سبق فقراء الصحابة إلى الجنة لأغنيائهم وهم في السبق متفاوتون، فمنهم من يسبق خمسمائة عام، ومنهم من يسبق بأربعين عاماً، ولا يقدح ذلك في منزلة المتأخرين في الدخول فانهم قد يكونون أرفع منزلة ممن سبقهم إلى الدخول وان تأخروا بعدهم للحساب فان الإمام العادل يوقف للحساب ويسبقه من لم يل شيئاً من أمور المسلمين إلى الجنة، فاذا دخل الإمام العادل بعده كانت منزلته أعلى من منزلة الفقير، بل يكون أقرب الناس من الله منزلة كما في صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ان أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً: امام عادل، وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً: امام جائر) فالامام العادل والغني قد يتأخر دخول كل منهم للحساب ويكون بعد الدخول أرفع منزلة من الفقير السابق ولا يلزم من احتباس عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله حتى يحاسبه الله عليه ثم يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غضاضة عليه ولا نقص من مرتبته ولا يضاد ذلك سبقه وكونه مشهوداً له بالجنة وأما حديث دخوله الجنة زحفاً، فالأمر كما قال فيه الامام أحمد رحمه الله: انه كذب منكر، وكما قال النسائي: انه موضوع ومقامات عبد الرحمن وجهاده ونفقاته العظيمة وصدقاته تقتضي دخوله مع المارين كالبرق أو كالطرف أو كأجاويد الخيل ولا يدعه يدخلها زحفاً\rفصل\rوالله سبحانه كما هو خالق الخلق، فهو خالق ما به غناهم وفقرهم فخلق الغنى والفقر ليبتلى بهما عباده أيهم أحسن عملاً، وجعلهما سبباً للطاعة والمعصية والثواب والعقاب قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون) (الأنبياء: 35) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام، وكلها بلاء وقال ابن يزيد: نبلوكم بما تحبون وما تكرهون للنظر كيف صبركم وشكركم فيما تحبون وما تكرهون وقال الكلبي: بالشر والفقر والبلاء والخير بالمال والولد، فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان، وقال تعالى: ( فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهنن كلا كلا) (الفجر: 15 - 17) فأخبر سبحانه أنه يبتلى عبده باكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره عليه، وإن كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط الرزق وتوسعته إكرام من الله لعبده وأن تضييقه عليه إهانة منه له فقال: (كلا) أي ليس الأمر كما يقول الانسان، بل قد ابتلي بنعمتي وأنعم ببلائي واذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهراً للمتأمل","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"وقال تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما أتاكم) (الأنعام: 165) وقال تعالى: (إن جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) (الكف: 7) فأخبر سبحانه أنه زين الأرض بما عليها من المال وغيره للإبتلاء والامتحان، كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك، وخلق السموات والأرض لهذا الابتلاء أيضاً فهذه ثلاثة مواضع في القرآن يخبر فيها سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي وما بينهما واجل العالم واجل أهله وأسباب معائشهم التي جعلها زينة للأرض من الذهب والفضة والمساكن والمراكب والزروع والثمار والحيوان والنساء والبنين وغير ذلك كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أطوع له وارضى فهو الأحسن عملاً وهذا هو الحق الذي خلق به، وله السموات والأرض وما بينهما وغايته الثواب والعقاب، وفواته وتعطيله هو العبث الذي نزه نفسه عنه وأخبر أنه يتعالى عنه وأنه ملكه الحق، وتفرده بالألوهية وحد وبروبوية كل شيء ينفي هذا الظن الباطل والحساب الكاذب كما قال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وإنكم الينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم) (المؤمنون: 115 - 116) فنزه سبحانه نفسه عن ذلك كما نزهها عن الشريك والولد والصاحب وسائر العيوب والنقائص من السنة والنوم واللغوب والحاجة واكتراثه بحفظ السموات والأرض وتقدم الشفعاء بين يديه بدون إذنه كما يظنه أعدائه المشركون يخرجون عن علمه جزيئات العالم أو شيئاً منها فكما أن كماله المقدس وكما أسمائه وصفاته يأبى ذلك ويمنع منه، فكذلك يبطل خلقه لعباده عبثاً وتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يردهم اليه فيثيب محسنهم باحسانه ومسيئهم باساءته ويعرف المبطلون منهم أنهم كانوا كاذبين ويشهدهم أن رسله وأتباعهم كانوا أولى بالصدق والحق منهم فمن أنكر ذلك فقد أنكر الوهيته وربوبيته وملكه الحق، وذلك عين الجحود والكفر به سبحانه، كما قال المؤمن لصاحبه الذي حاوره في المعاد وأنكره: (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً) (الكهف: 37) فأخبر أن انكاره للمعاد كفر بذات الرب سبحانه وقال تعالى: (وان تعجب فعجب قولهم أاذا كنا تراباً أانا لفي خلق جديد، أولئك الذين كفروا بربهم) (الرعد: 5) وذلك أن انكار المعاد يتضمن انكار قدرة الرب وعلمه وحكمته وملكه الحق وربوبيته وألوهيته، كما أن تكذيب رسله وجحد رسالتهم يتضمن ذلك أيضاً فمن كذب رسله وجحد المعاد فقد أنكر ربوبيته سبحانه ونفى أن يكون رب العالمين والمقصود أنه سبحانه وتعالى خلق الغنى والفقر مطيتين للابتلاء والامتحان ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به كما في المسند عنه صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: انا نزلنا المال لاقام الصلاة وايتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد من مال لابتغى اليه ثانياً، ولو كان له ثان لابتغى له ثالثاً، ولا يملا جوف ابن آدم الا التراب) فأخبر سبحانه أنه أنزل المال ليستعان به على إقامة حقه بالصلاة وإقامة حق عباده بالزكاة لا للإستمتاع والتلذذ كما تأكل الأنعام فاذا زاد المال عن ذلك أو خرج عن هذين المقصودين فان الغرض والحكمة التي أنزل لها كان التراب أولى به فرجع هو والجوف الذي امتلا به بما خلق له من الايمان والعلم والحكمة فانه خلق لأن يكون وعاء لمعرفة ربه وخالقه والايمان به ومحبته وذكره، وأنزل عليه من المال ما يستعين به على ذلك فعطل الجاهل بالله وبأمر الله وبتوحيد الله وبأسمائه وصفاته جوفه عما خلق له وملاه بمحبة المال الفاني الذاهب الذي هو ذاهب عن صاحبه أو بالعكس وجمعه والاستكثار منه، ومع ذلك فلم يمتلء بل ازداد فقراً وحرصاً الى أن امتلا جوفه بالتراب الذي خلق منه فرجع الى مادته الترابية التي خلق منها هو وماله، ولم تكتمل مادته بامتلاء جوفه من العلم والايمان الذي بهما كماله وفلاحه وسعادته في معاشه ومعاده","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"فالمال ان لم ينفع صاحبه ضره ولابد وكذلك العلم والملك والقدرة كل ذلك ان لم ينفعه ضره فان هذه الأمور وسائل لمقاصد يتول بها اليها في الخير والشر، فان عطلت عن التوسل بها الى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها إلى أضدادها، فأربح الناس من جعلها وسائل الى الله والدار الآخرة وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده، وأخسر الناس من توسل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة فخسر الدنيا والآخرة فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك لكان خاسراً، لكنه جعلها وسائل الى ضد ما جعلت له، فهو بمثابة من توسل بأسباب اللذة الى أعظم الآلام وأدوائها فالأقسام أربعة لا خامس لها: أحدها: معطل الأسباب معرض عنها الثاني: مكب عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث: متوصل بها الى ما يضره ولا ينفعه في معاشه ومعاده، فهؤلاء الثلاثة في الخسران الرابع: متوصل بها الى ما ينفعه في معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) (هود:15،16) وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له ارادة في الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا في معناها، فقالت طائفة منهم ابن عباس: من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا بالعقاب، قالوا: والآية في الكفار خاصة على قول ابن عباس وقال قتادة: من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبته جازاه الله في الدنيا بحسناته ثم يفضي الى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها وأما المؤمن فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة قال هؤلاء فالآية في الكفار بدليل قوله: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) (هود:16) قالوا: والمؤمن يريد الدنيا والآخرة فأما من كانت ارادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح عنه: نزلت في أهل القبلة قال مجاهد: هم أهل الرياء وقال الضحاك: من عمل صالحاً من أهل الايمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله في الدنيا واختار الفراء هذا القول وقال: من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس وهذا القول أرجح ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهذا لا يكون مؤمناً البتة، فان العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فايمانهما يحملهما على أن يعملا أعمال البر لله فيريدان بأعمال البر وجه الله وان عملا بمعصيته فأما من لم يرد بعمله وجه الله وانما أراد به الدنيا وزينتها، فهذا لا يدخل في دائرة أهل الايمان وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه في الثلاثة الذين هم أول تسعر بهم النار يوم القيامة: (القارئ الذي قرأ القرآن ليقال فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال فلان جواد، والغازي الذي قتل في الجهاد ليقال هو جرئ) وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، فشرار الخلق من تشبه بهم وليس منهم: فمن تشبه بأهل الصدق والاخلاص وهو مراء كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن ادريس قال: أخبرني عبد الحميد ابن صالح حدثنا: قطن بن الحباب عن عبد الوارث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون الله عز وجل للدنيا، وفرقة يعبدون رياء وسمعة، وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره، فيقول للذين كانوا يعبدونه للدنيا: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك، الدنيا، فيقول: اني لم أقبل من ذلك شيئاً اذهبوا بهم إلى النار ويقول للذين كانوا يعبدون رياء وسمعة: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك، رياء وسمعة، فيقول: اني لم أقبل من ذلك شيئاً، اذهبوا بهم الى النار ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك، وجهك ودارك فيقول: صدقتم اذهبوا بهم الى الجنة)","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"هذا حديث غني عن الاسناد والقرآن والسنة شاهدان بصدقه ويدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى: (نوف اليهم أعمالهم فيها) (هود:15) وذلك على أنها في قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه الله، وانما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا فوفاهم الله ثواب أعمالهم فيها من غير بخس، وأفضوا الى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب، وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة الا كما يقع منه كبائر الأعمال وقوعاً عارضاً يتوب منه ويراجع التوحيد وقال ابن الانباري: فعلى هذا القول المعنى في قوم من أهل الاسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم به دنياهم غير متفكرين في الآخرة وما ينقلبون اليه، فهؤلاء يجعل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا، فاذا جاءت الآخرة كان جزاؤهم عليها النار اذا لم يريدوا بها وجه الله ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره ثمأورد أصحاب هذا القول على أنفسهم سؤالاً قالوا: فان قيل: الآية الثانية على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار وأجابوا عنه: بأن ظاهر الآية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الآخرة بل كانت نيته الدنيا فان الله يبطل ايمانه عند الموافاة فلا يوافى ربه بالايمان قالوا: ويدل عليه قوله: (وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) (هود:16) وهذا يتناول أصل الايمان وفروعه وأجابت فرقة أخرى: بأن الآية لا تقتضي الخلود الأبدي في النار، وانما تقتضي أن الذي يستحقونه في الآخرة النار وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة فاذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فانه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب الكبائر الموحدين، وهذا جواب ابن الانباري وغيره، والآية بحمد الله لا اشكال فيها، والله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه فاذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه فان كان معه ايمان لم يرد به الدنيا وزينتها بل أراد الله به والدار الآخرة، لم يدخل هذا الايمان في العمل الذي حبط وبطل، وأنجاه ايمانه من الخلود في النار، وان دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة والايمان ايمانان: ايمان يمنع من دخول النار وهو الايمان الباعث على أن تكون الأعمال لله يبتغى بها وجهه وثوابه وايمان يمنع الخلود في النار وان كان مع المرائي شيء منه، والا كان من أهل الخلود فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق وذلك قوله: (ما كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) (الشورى: 2) ومنه قوله: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً) (الاسرا:18،19) فهذه ثلاث مواضع في القرآن يشبه بعضها بعضاً ويصدق بعضها بعضاً وتجتمع على معنى واحد وهو أن من كانت الدنيا مراده ولها يعمل في غاية سعيه لم يكن له في الآخرة نصيب ومن كانت الآخرة مراه ولها عمل وهي غاية سعيه فهي له بقي أن يقال: فما حكم من يريد الدنيا والآخرة فانه داخل تحت حكم الارادتين فبأيهما يلحق؟ قيل: من هاهنا نشأ الاشكال وظن من ظن من المفرسين أن الآية في حق الكافر، فانه هو الذي يريد الدنيا دون الآخرة، وهذا غير لازم طرداً ولا عكساً فان بعض الكفار قد يريد الآخرة وبعض المسلمين قد لا يكون مراده الا الدنيا والله تعالى قد علق السعادة بارادة الآخرة، والشقاوة بارادة الدنيا فاذ1 تجردت الارادتان تجرد موجبهما ومقتضاهما، وان اجتمعتا فحكم اجتماعهما حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والايمان والشرك في العبد: وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسل: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) (آل عمران:152) وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا، حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"والذين أوردوا في هذه الآية هم الذين أخلوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه وهم من خيار المسلمين، ولكن هذه ارادة عارضية حملتهم على ترك المركز والاقبال على كسب الغنائم بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها، فهذه الارادة لون وارادة هؤلاء لون وهاهنا أمر يجب التنبيه له، وهو أنه لا يمكن ارادة الدنيا وعاجلها بأعمال البر دون الآخرة مع الايمان بالله ورسوله ولقائه أبدا فان الايمان بالله والدار الآخرة يستلزم ارادة العبد لرحمة الله والدار الآخرة بأعماله، فحيث كان مراده بها الدنيا فهذا لا يجامع الايمان أبداً وان جامع الاقرار والعلم فالايمان وراء ذلك والاقرار والمعرفة حاصلان لمن شهد الله سبحانه له بالكفر مع هذه المعرفة كفرعون وثمون واليهود الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوه كما عرفوا أبناءهم وهم من أكفر الخلق، فارادة الدنيا وعاجلها بالأعمال قد تجامع هذه المعرفة والعلم، ولكن الايمان الذي هو وراء ذلك لا بد أن يريد صاحبه بأعماله الله والدار الآخرة والله المستعان\rفصل\rوالمقصود أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاء وامتحانا للشكر والصبر والصدق والكذب والاخلاص والشرك قال تعالى: (ليبلوكم في ما آتاكم) (المائدة:48،الأنعام:165) وقال تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذي صدقوا وليعلمن الكاذبين) (العنكبوت:1 - 3) وقال تعالى: (انما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجر عظيم) (التغابن:15) فجعل الدنيا عرضا عاجلاً ومتاع غرور، وجعل الآخرة دار جزاء وثواب، وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها كما قال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب) (آل عمران:14) فأخبر سبحانه أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة وهو سبعة أشياء: النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة والبنين الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه والذهب والفضة اللذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ثم شوق عباده الى متاع الآخرة وأعلمهم أن خير من هذا المتاع وأبقى فقال: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم، للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله، والله بصير بالعباد) (آل عمران:15) ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال: (الذين يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) (آل عمران: 16،17) فأخبر سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا وهو نوعان: ثواب يتمتعون به، وأكبر منه وهو رضوانه عليهم قال تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون خطاماً) (الحديد:2) فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهداً لأولى البصائر، وأنها لعب ولهو تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون العمر فيذهب ضائعاً في غير شيء ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون وبالنفوس استحساناً ومحبة، ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما لي وللدنيا انما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها) وفي جامع الترمذي من حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) قال الترمذي: حديث صحيح وفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما الدنيا في الآخرة الا مثل ما يجعل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) وأشار بالسبابة وفي الترمذي من حديثه قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثقلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها)؟ قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: (فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها) وفي الترمذي أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً) والحديثان حسنان قال الامام أحمد: حدثنا هيثم بن خارجة، أنبأنا اسماعيل بن عياش ابن عبد الله بن دينار النهراني قال: قال عيسى عليه السلام للحواريين: (بحق أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وان مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وان عباد الله ليسوا بالمتنعمين، بحق أقول لكم: ان شركم عملاً عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، انه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله) وقال أحمد حدثنا يحيى بن اسحاق، قال: أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: (قال عيسى ابن مريم عليه السلام: يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا؟ قالوا: يا روح الله ومن يقدر على ذلك؟ قال: اياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا) وفي كتاب (الزهد) لأحمد: أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يقول: (بحق أقول لكم أن أكل الخبر وشرب الماء العذب ونوماً على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس) وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم: (ان الله ضرب طعام ابن آدم مثلاً للدنيا، وان قزحه وملحه فلينظر الى ماذا يصير)\rفصل\rثم أخبر سبحانه وتعالى عنها أنها يفاخر بعضنا بعضاً بها فيطلبها ليفخر بها على صاحبه وهذا حال كل من طلب شيئاً للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان: مذمومة، ومحمودة فالمذمومة: مفاخرة أهل الدنيا بها، والمحمودة: أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها، وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغر أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له يقال: نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة: اذا ضننت به ولم تحب أن يصير اليه دونك والتنافس: تفاعل من ذلك، كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه اليه وحقيقة المنافسة: الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة الى الشيء النفيس\rفصل\rثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد، فيجب على كل واحد أن يكثر بني جنسه في ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالاً وولداً وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة كما قال تعالى: (الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) (التكاثر:1 - 4) والتكاثر في كل شيء فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثراً وتفاخراً، وهذا أسوأ حالاً عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فانه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمال أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها\rفصل\rثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"والصحيح ان شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله، وبذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع، ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به كما ذكرهم به في قوله: (يعجب الزراع) (الفتح:29) وانما خص الكفار به لأنهم أشد اعجاباً بالدنيا فانها دارهم التي لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجاباً بزينتها وما فيها من المؤمنين ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ومصيرها، ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك فاذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت الى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالم فيها، مساجد أ،بياء الله ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه، فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية، فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها ونعت نفسها وأهلها، فتمثلت ببلائها، وشوقت بسرورها الى السرور تخويفاً وتحذيراً وترغيباً، فذمها قوم غداة الندامة، وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا، فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت اليك؟ بل متى غرتك؟ أبمنازل آبائك في الثرى؟ أم بمضاجع أمهاتك في البلا؟ كم رأيت موروثاً؟ كما عللت بكفيك عليلاً؟ كم مرضت مريضاً بيديك تبتغي له الشفاء وتستوصف له الأطباء ثم لم تنفعه شفاعتك ولم تسعفه طلبتك؟ مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك ومضجعه مضجعك ثم التفت الى المقابر فقال: يا أهل الغربة، ويا أهل التربة، أما الدور فسكنت، وأما الأموال فقسمت، وأما الأزواج فنكحت، فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم ثم التفت الينا فقال: أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى فالدنيا في الحقيقة لا تذم وانما يتوجه الذم الى فعل العبد فيها، وهي قنطرة أو معبر الى الجنة أو الى النار، ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والاعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا الغالب على أهلها وما فيها، وهو الغالب على اسمها، صار لها اسم الذم عند الاطلاق والا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الايمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة انما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحاً وفضلاً لأولياء الله فيها من قرة العيون، وسرور القلوب وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والانابة اليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والاقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده ولهذا فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة وقالوا: هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم، وحقه أفضل من حقهم قالوا: والايمان والطاعة أفضل من جزائه، والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين، ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل والايمان والطاعة في هذه الدار أفضل ما فيها، ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة فهذا أفضل ما في هذه الدار، وهذا أفضل ما في الدار الأخرى ولا يصح أن يقال: فأي الأمرين أفضل؟ فهذا أفضل الأسباب، وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق\rفصل\rولما وصف سبحانه حقيقة الدنيا وبين غايتها ونهايتها وانقلابها في الآخرة الى عذاب شديد ومغفرة من الله وثواب، أمر عباده بالمسابقة والمبادرة الى ما هو خير وأبقى وأن يؤثروه على الفاني المنقطع المشوب بالانكاد والتنغيص ثم أخبر أن ذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً) (الكهف:45) ثم ذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا وأن الباقيات الصالحات وهي الأعمال والأقوال الصالحة التي يبقى ثوابها ويدوم جزاؤها خير ما يؤمله العبد ويرجو ثوابه","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"وقال تعالى: (انما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى اذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) (يونس:24) ولما أخبر عباده عن آفات هذه الدار دعا عباده الى دار السلام التي سلمت من التغير والاستحالة والزوال والفناء وعم عباده بالدعوة اليها عدلاً، وخص من شاء بالهداية الى طريقها فضلاً وأخبر سبحانه أن الأموال والأولاد لا تقرب الخلق اليه، وانما يقربهم اليه تقوى الله ومعاملته فيهم وحذر سبحانه عباده أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكره وأخبر أن من فعل ذلك فهو الخاسر حقيقة لا من قل ماله وولده في الدنيا ونهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يمد عينيه الى ما متع به أهل الدنيا فيها فتنة لهم واختباراً وأخبر أن رزقه الذي أعده له في الآخرة خير وأبقى من هذا الذي متعوا به وأخبر سبحانه أنه آتاه السبع المثانى والقرآن العظيم وذلك خير وأفضل مما متع به أهل الدنيا في دنياهم وجعل ما آتاه مانعاً له من مد عينيه الى ذلك فهذا العطاء في الدنيا وما ادخر له من رزق الآخرة خير مما متع به أهل الدنيا فلا تمدن عينيك\rفصل\rواذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله لعبده تمتحن بها صبره وشكره علم أن الصبر والشكر مطيتان للإيمان لا يحمل الا عليهما ولا بد لكل مؤمن منهما وكل منهما في موضعه أفضل فالصبر في مواطن الصبر أفضل، والشكر في مواضع الشكر أفضل، هذا ان صح مفارقة كل واحد منهما للآخر وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر، والشكر جزء مسمى الصبر وكل منهما حقيقة مركبة من الأمرين معاً كما تقدم بيانه، فالتفضيل بينهما لا يصح الا اذا جرد أحدهما عن الآخر، وذلك فرض ذهني يقدره الذهن ولا يوجد في الخارج ولكن يصح على وجه وهو أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذي هو قدر زائد على مجرد الصبر من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر النفس على ما هو فيه القوة الواردة وضيق المحل فتنصرف قواه كلها الى كف النفس وحبسها لله وقد يغلب شكره بالأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه لنفسه وحبسها لله فتكون قوة ارادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه، واعتبر هذا بشخصين: أحدهما حاكم على نفسه متمكن من حبسها عن الشهوات قليل التشكي للمصيبات وذلك جل عمله، وآخر كثير الاعطاء لفعل الخير القاصر والمتعدي سمح النفس ببذل المروف، وآخر ضعيف النفس عن قوة الصبر فللنفس قوتان: قوة الصبر والكف وامساك النفس، وقوة البذل وفعل الخير والاقدام على فعل ما تكمل به، وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها والناس في ذلك أربع طبقات: فأعلاهم من اجتمعت له القوتان، وسفلتهم من عدم القوتين ومنهم من قوة صبره أكمل من قوة فعله وبذله ومنهم من هو بالعكس في ذلك فاذا فضل الشكر على الصبر فاما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام واما أن يكون باعتبار تجريد كل من الأمرين عن الآخر وقطع النظر عن اعتباره وتمام ايضاح هذا بمسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر فلنذكر لها باباً يخصها ويكشف عن الصواب فيها\rالباب الثاني والعشرون\rفي اختلاف الناس في الغنى الشاكر والفقير الصابر\rأيهما أفضل وما هو الصواب في ذلك\rهذه مسألة كثر فيها النزاع بين الاغنياء والفقراء واحتجت كل طائفة على الأخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، ولذلك يظهر للمتأمل تكافؤ الطائفتين فان كلا منهما أدلت بحجج لا تدفع والحق لا يعارض بعضه بعضاً، بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان وقد أكثر الناس الكلام في المسألة من الجانبين وصنفوا فيها من الطرفين وتكلم الفقهاء والفقراء والأغنياء والصوفية وأهل الحديث والتفسير لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم، وحكوا عن الامام أحمد فيها روايتان ذكرهما أبو الحسين في كتاب (التمام) فقال: مسألة الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر في أصح الروايتين","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وفي رواية ثانية: الغني الشاكر أفضل وبها قال جماعة منهم ابن قتيبة ووجه الأولى - واختارها أبو اسحاق بن شاقلا والوالد السعيد - قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) (الفرقان:75) قال محمد بن علي بن الحسين: الغرفة الجنة بما صبروا قال: على الفقر في الدنيا وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة) فقالت عائشة: ولم يا رسول الله؟ قال: (انهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفاً، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فان الله يقربك يوم القيامة) قلت: لا حجة له في واحدة من الحجتين، أما الآية فالصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن معصيته وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر، فان القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضاً، كما قال تعالى: (وسنجزي الشاكرين) (آل عمران:145) (وسيجزي الله الشاكرين) (آل عمران:144) بل قد أخبر أن رضاه في الشكر، ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها، واذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنه لا يحتج باسناده فانه من رواية محمد بن ثابت الكوفي عن الحارث بن النعمان، والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح، بل قال فيه البخاري: منكر الحديث ولذلك لم يصحح الترمذي حديثه هذا ولا حسنه ولا سكت عنه بل حكم بغرابته الجواب الثاني: أن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فان المسكنة التي يحبها الله من عبده ليست مسكنة فقر المال بل مسكنة القلب وهي انكساره وذله وخشوعه وتواضعه لله وهذه المسكنة لا تنافى الغنى ولا يشترط لها الفقر، فان انكسار القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال، كما أن صبر الواجد عن معاصي الله طوعا واختيارا وخشية من الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هرون، أنبأنا الجريري عن أبي السليل قال: كان داوود النبي صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد فينظر أغمص حلقة من بني اسرائيل فيجلس اليهم ثم يقول: مسكين بين ظهراني مساكين، هذا مع ما آتاه من الملك والغنى والبسطة زيادة على النبوة قال أبو الحسن: وروى أبو برزة الأسلمى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفاً حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء في الدنيا) قلت: هذا الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وروي عن أبي سعيد وأنس بن مالك ولا يدل ذلك على علو درجتهم اذا دخلوا الجنة قبل الأغنياء، بل انما يدل على السبق لعدم ما يحاسبون عليه، ولا ريب أن ولي الأمر العادل يتأخر دخوله للحساب وكذلك الغني الشاكر، ولا يلزم من تأخر دخولهما نزول درجتهما عن درجة الفقير كما تقدم وانما تمنى الأغنياء أنهم كانوا في الدنيا فقراء، فان صحت هذه اللفظة لم تدل على انحطاط درجتهم كما يتمنى القاضي العادل في بعض المواطن يوم القيامة أن لم يقض بين اثنين في تمرة لما يرى من شدة الأمر فمنزلة الفقر والخمول ومنزلة السلامة، ومنزلة الغنى والولاية ومنزلة الغنيمة أو العطب قال أبو الحسن: وروي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال: (أي الناس خير)؟ فقال بعضهم: غني يعطي حق نفسه وماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم الرجل هذا وليس به ولكن خير الناس مؤمن فقير يعطي على جهد)","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"قلت: لم يذكر لهذا الحديث اسناد فينظر فيه، وحديث لا يعمد حاله لا يحتج به، ولو صح لم يكن فيه دليل لأنه تضمن تفضيل فقير يتصدق من جهد فمعه فقر الصابرين وغنى الشاكرين، فقد جمع بين موجب التفضيل وسببه، ولا ريب أن هذا أفضل الأقسام الثلاثة، ودرهمه الواحد يسبق مائة الف ألف درهم من غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة الف درهم) قالوا: يا رسول الله كيف سبق درهم مائة ألف درهم؟ قال: (رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، وآخر له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها) رواه النسائي من حديث صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه وذكر البيهقي من حديث الثوري عن أبي اسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة نفر الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم: كان لي مائة أوقية فتصدقت منها بعشر أواق، وقال الآخر: كانت لي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة دنانير، وقال الآخر: كان لي عشرة دنانير فتصدقت منها بدينار، فقال: (كلكم في الأجر سواء، كلكم قد تصدق بعشر ماله) وقال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا ابن أبي العوام، حدثنا يزيد ابن هارون، حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رجل لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ذهبتم يا أصحاب الأموال بالخير تتصدقون وتعتقون وتحجون وتنفقون، فقال عثمان: وانكم لتغبطوننا وانا لنغبطكم، قال: فوالله لدرهم ينفقه أحد من جهد، خير من عشرف آلاف درهم غيض من فيض وفي سنن أبي داوود من حديث الليث عن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد المقل وابدأ بمن تعول) وفي المسند وصحيح ابن حبان من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد من مقل) وفي سنن النسائي من حديث الأوزاعي عن عبيد بن عمير عن عبد الله ابن حبشي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: (ايمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة) قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: (طول القيام) قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد من مقل) قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: (من هجر ما حرم الله عليه) قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: (من أهريق دمه وعقر جواده) وهذه الأحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ببعض ماله الذي لا يتبين أثر نقصانه عليه وان كان كثيراً، لأن الأعمال تتفاضل عند الله بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورها، بل بقوة الداعي وصدق الفاعل واخلاصه وايثاره الله على نفسه، فأين صدقة من آثر الله على نفسه برغيف هو قوته الى صدقه من أخرج مائة ألف درهم من بعض ماله غيضاً من فيض فرغيف هذا درهمه في الميزان أثقل من مائة ألف هذا والله المستعان\rفصل\rواحتجوا بما رواه ابن عدي من حديث سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم توفني فقيراً ولا توفني غنياً) وهذا الحديث لا يصح فان خالد بن يزيد هذا هو خالد بن يزيد بن عبد الرحمن ابن مالك الدمشقي أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه قال أحمد: ليس بشيء وقال ابن معين: واه ونسبه يحيى الى الكذب، وقد تقدم فيه وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة فقال: قد تنازع كثير من المتأخرين في الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد، ورجح هذا طائفة أخرى من العلماء والعباد وحكى في ذلك عن الامام أحمد روايتان، وأما الصحابة والتابعون رضي الله عنهم فلم ينقل عن أحد منهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر وقد قالت ثالثة: ليس لأحدهما على الأخرى فضيلة الا بالتقوى فأيهما أعظم ايماناً وتقوى كان أفضل فان استويا في ذلك استويا في الفضيلة، قال: وهذا أصح الأقوال لأن نصوص الكتاب والسنة انما تفضل بالايمان والتقوى وقد قال تعالى: (ان يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما) (النساء:135)","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع كما في الحديث الذي رواه البغوي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: (ان من عبادي من لا يصلحه الا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وان من عبادي من لا يصلحه الا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وان من عبادي من لا يصلحه الا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وان من عبادي من لا يصلحه الا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك اني أدبر عبادي، اني بهم خبير بصير) وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ان فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء) وفي الحديث الآخر: لما علم الفقراء الذكر عقب الصلاة سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل ما قالوا، فذكر ذلك الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) فالفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب عليهم، ثم اذا حوسب أحدهم فان كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه وان تأخر في الدخول، كما أن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب - ومنهم عكاشة بن محصن - قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم في الدرجات، لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب، فهذا في الفقر المذكور في الكتاب والسنة وهو ضد الغنى الذي يبيح أخذ الزكاة أو الذي لا يوجب الزكاة ثم قد صار في اصطلاح كثير من الناس الفقر عبارة عن الزهد والعبادة والأخلاق، ويسمون من اتصف بذاك: فقيراً، وان كان ذا مال، ومن لم يتصف بذلك قالوا: ليس بفقير، وان لم يكن له مال، وقد يسمى هذا المعنى تصوفاً ومن الناس من يفرق بين مسمى الفقير والصوفي، ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل، ومنهم من يجعل مسمى الصوفي أفضل والتحقيق في هذا الباب أنه لا ينظر الى الألفاظ المحدثة بل ينظر إلى ما جاء به الكتاب والسنة من الأسماء والمعاني والله قد جعل وصف أوليائه الايمان التقوى فمن كان نصيبه من ذلك أعظم كان أفضل، والأغنياء مما سوى ذلك والله أعلم\rالباب الثالث والعشرون\rفي ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة\rوالآثار والاعتبار\rقالت الفقراء: لم يذكر الله سبحانه الغنى والمال في القرآن الا على أحد وجوه: الأول: على وجه الذم كقوله تعالى: (كلا ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى) (العلق:6،7) وقوله: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) (الشورى:27) وقوله: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبواباً وسررا عليها يتكئون وزخرفا وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين) (الزخرف:33 - 35) وقال تعالى: (ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، انما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) (التوبة:85) وقال تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) (الكهف:46) وقال: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة) (آل عمران:14) الآية ونظائر ذلك كثيرة الوجه الثاني: أن يذكره على وجه الابتلاء والامتحان كما قال تعالى: (أنما أموالكم وأولادكم فتنة) (الأنفال:28) وقال تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون) (المؤمنون:55، 56) وقال تعالى مخبرا عن ابتلائه بالغنى كما ابتلى بالفقر: (فأما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن) (الفجر:15) الآية وقال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة، والينا ترجعون) (الأنبياء:35)","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"الوجه الثالث: اخباره سبحانه وتعالى أن الأموال والأولاد لا تقرب اليه شيئاً، وانما يقرب اليه الايمان والعمل الصالح كما قال: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى الا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) (سبأ:37) الوجه الرابع: اخباره أن الدنيا والغنى والمال انما جعلها متعة لمن لا نصيب له في الآخرة، وأن الآخرة جعلها للمتقين فقال تعالى: (ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى) (طه:131) وقال تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) (الأحقاف:2) والى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لعمر: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة) وسيأتي الحديث الوجه الخامس: أنه سبحانه لم يذكر المترفين وأصحاب الثروة الا بالذم كقوله: (انهم كانوا قبل ذلك مترفين) (الواقعة:45) وقوله: (واذا أردنا أ، نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) (الاسراء:16) وقوله تعالى: (لا تركضوا وارجعوا الى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون) (الأنبياء:13) الوجه السادس: أنه سبحانه ذم محب المال فقال: (وتأكلون التراث أكلاً لما، وتحبون المال حبا جما) (الفجر:19،2) فذمهم بحب المال وعيرهم به الوجه السابع: أنه سبحانه ذم متمنى الدنيا والغنى والسعة فيها ومدح من أنكر عليهم وخالفهم فقال تعالى عن أغنى أهل زمانه: (فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتى قارون انه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها الا الصابرون) (القصص:79،8) فأخبروا أن ما عند الله خير من الدنيا لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقى هذه الوصية وهي الكلمة التي تكلم بها الذين أوتوا العلم أو المثوبة والجنة التي دل عليها قوله: (ثواب الله خير) والسيرة والطريقة التي دل عليها قوله: (ان آمن وعمل صالحاً) وعلى كل حال لا يلقى ذلك الا الصابرون على الفقر وعن الدنيا وشهواتها وما أترف فيه الأغنياء، وقد شهد الله سبحانه لهم أنهم من أهل العلم دون الذين تمنوا الدنيا وزينتها الوجه الثامن: أنه سبحانه أنكر على من ظن أن التفضيل يكون بالمال الذي يحتاج اليه لاقامة الملك فكيف بما هو زيادة وفضلة فقال تعالى: (وقال لهم نبيهم ان الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، قال ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) (البقرة:247) فرد الله سبحانه قولهم وأخبر سبحانه أن الفضل ليس بالمال كما توهموه، وأن الفضل بالعلم لا بالمال وقال سبحانه: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) (يونس:58) ففضله ورحمته: العلم والايمان والقرآن والذي يجمعونه هو المال وأسبابه ومثله قوله تعالى: (أهم يقسمون رحمة ربك) - إلى قوله - : (ورحمة ربك خير مما يجمعون) (الزخرف:32) الوجه التاسع: أنه سبحانه أخبر أن التكاثر في جمع المال وغيره ألهى الناس وشغلهم عن الآخرة والاستعداد لها وتوعدهم على ذلك فقال تعالى: (الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) (التكاثر:1 - 4) فأخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة حتى حضرهم الموت فزاروا المقابر ولم يفيقوا من رقدة من ألهاهم التكاثر، وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت ايذانا بأنهم غير مستوطنين ولا مستقرين في القبور وأنهم فيها بمنزلة الزائرين يحضرونها مدة ثم يظعنون عنها كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها غير مستقرين فيها ودار القرار هي الجنة أو النار ولم يعين سبحانه المتكاثر به بل ترك ذكره اما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء لا المتكاثر به كما يقال: شغلك اللعب واللهو ولم يذكر ما يلعب ويلهو به واما ارادة الاطلاق وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو جاه أو عبيد أو اماء أو بناء أو غراس أو علم لا ينبغي به وجه الله أو عمل لا يقربه الى الله، فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه قال: انتهيت الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: (ألهاكم التكاثر) قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مالك الا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت) ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا اذا عاين تكاثره هباء منثورا وعلم دنياه التي كاثر بها انما كانت خدعا وغرورا فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له وخسر هنالك تكاثره كما خسر أمثاله وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة فكان أشقى بتكاثره اذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة فلم يفز من تكاثره الا بأن صار من الأقلين ولم يحفظ به من علوه به في الدنيا الا بأن حصل مع الأسفلين فياله تكاثراً ما أقله، وزرءا ما أجله من غنى جالباً لكل فقر وخيراً توصل به الى كل شر يقول صاحبه اذا انكشف عنه غطاؤه: (يا ليتني قدمت لحياتي) (الفجر:24) وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي (رب أرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، كلا انها كلمة هو قائلها) (المؤمنون:99،1) تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها، ورجعة يسألها فلا يجاب اليها وتأمل قوله أولاً: (رب) استغاث بربه ثم التفت الى الملائكة الذين أمروا باحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى فقال: (ارجعون) ثم ذكر سبب سؤال الرجعة وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه فيقال له: (كلا) لا سبيل لك الى الرجعى وقد عمرت ما يتذكر فيه من تذكر، ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو قائلها لا حقيقة تحتها وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحاً لو أجيب، وانما ذلك شيء يقوله بلسانه وأنه لو رد لعاد لما نهى عنه وأنه من الكاذبين فحكمة أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى اجابته الى ما سأل فانه لا فائدة في ذلك، ولو رد لكانت حالته الثانية مثل حالته الأولى كما قال تعالى: (ولو ترى اذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون) (الأنعام:27،28) وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية وما أوردوا فراجع أقوالهم تجدها لا تشفى عليلاً ولا تروي غليلاً، ومعناها أجل وأعظم مما فسروها به ولم يتفطنوا لوجه الاضراب ببل ولا الأمر الذي بدا لهم وكانوا يخفونه وظنوا أن الذي بدا لهم العذاب، فلما لم يروا ذلك ملتئماً مع قوله: (ما كانوا يخفون من قبل) قدروا مضافاً محذوفاً وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل، فدخل عليهم أمر آخر لا جواب لهم عنه وهو أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم بل كانوا يظهرونه ويدعون اليه ويحاربون عليه ولما علموا أن هذا وارد عليهم، قالوا: ان القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين) (الأنعام:23) فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه قال الواحدي: وعلى هذا أهل التفسير، ولم يصنع أرباب هذا القول شيئاً فان السياق والاضراب - (بل) والاخبار عنهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين) لا يلتئم بهذا الذي ذكروه فتأمله وقالت طائفة منهم الزجاج: بل بدا للاتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء من أمر البعث وهذا التفسير يحتاج الى تفسير وفيه من التكليف ما ليس بخاف وأجود من هذا ما فهمه المبرد من الآية قال: كأن كفرهم لم يكن بادياً لهم اذ خيفت عليهم مضرته ومعنى كلامه: أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله فكأنه كان خفياً عنهم لم تظهر لهم حقيقته، فلما عاينوا العذاب ظهرت لهم حقيقته وسره، قال: وهذا كما تقول لمن كنت حدثته في أمر قبل، (وقد ظهر لك الآن ما كنت قلت لك) وقد كان ظاهراً له قبل هذا ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذي كانوا ينادون به على رؤوس الأشهاد ويدعون اليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه لخفاء عاقبته عنهم","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"ولا يقال لمن أظهر الظلم والفساد وقتل النفوس والسعى في الأرض بالفساد أنه أخفى ذلك لجهله بسوء عاقبته وخفائها عليه فمعنى الآية والله أعلم بما أراد من كلامه: أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم دخلوها تمنوا أنهم يردون الى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته ولا يكذبون رسله فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك وأنهم ليس في طبائعهم وسجاياهم الايمان، بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب، وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله، وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا فاذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الاضراب ببل وتبين معنى الذي بدا لهم والذي كانوا يخفونه والحامل لهم على قولهم: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا) (الأنعام:27) فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا في الدنيا على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه فلم يكن الحامل لهم على تمني الرجوع والايمان معرفة مالم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فانهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على الحق فعاينوا ذلك عياناً بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه فلو ردوا لما سمحت لهم نفوسهم بالايمان ولعادوا الى الكفر والتكذيب فانهم لم يتمنوا الايمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل، وانما تمنوا لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله وهذا كمن كان يخفى محبة شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد في عدوله عنه فقيل له: ان اطلع عليه وليه عاقبك وهو يعلم ذلك ويكابر ويقول: بل محبته ومعاشرته هي الصواب فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة تمنى أن يعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفي قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسته وأنهكته، فظهر له عند العقوبة ما كان بخفى من معرفته بخطئه وصواب ما نهاه عنه ولو رد لعاد لما نهى عنه وتأمل مطابقة الاضراب لهذا المعنى وهو نفي قولهم: انا لو رددنا لآمنا وصدقنا، لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق، أي ليس كذلك بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه فلم يظهر لكم شيء لتكونوا عالمين به لتعذروا بل ظهر لكم ما كان معلوماً وكنتم تتواصون باخفائه وكتمانه والله أعلم ولا تستطل هذا الفصل المعترض في أثناء هذه المسألة فلعله أهم منها وأنفع وبالله التوفيق فلنرجع الى تمام الكلام فيها وقوله: (كلا لو تعلمون علم اليقين) (التكاثر:5) جوابه محذوف دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وانما وجد هذا التكاثر والهاؤه عما هو أولى بكم لما فقد منكم علم اليقين وهو العلم الذي يصل بين صاحبه الى حد الضروريات التي لا يشك ولا يمارى في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم الى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه وترتب أثره عليه، فان مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه، فاذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد، فاذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أنذر شيء، وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر:\rسرنا وساروا الى بدر لحتفهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا\rوقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) (التكاثر:3،4) قيل: تأكيد لحصول العلم كقوله: (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) (النبأ:4،5) وقيل: ليس تأكيداً بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر، هذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه: أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الاخلال بالفصاحة الثاني: توسط (ثم) بين العلمين وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين زماناً وخطراً الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع فان المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علماً هو فوق العلم الأول","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"الرابع: أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية: عذاب القبر قال الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن المنهال بن عمر عن زر عن علي رضي الله عنه قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: (ألهاكم التكاثر) قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: (كلا سوف تعلمون) في القبر الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: (لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) (التكاثر:6،7) فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: اطلاق الأولى وتقييد الثانية بعد اليقين وتقدم الأولى وتراخي الثانية عنها، ثم ختم السورة بالاخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم فكل أحد يسئل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا هل ناله من حلال ووجهه أم لا؟ فاذ تخلص من هذا السؤال سئل سؤالاً آخر: هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه، والثاني عن محل صرفه كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وفي ماذا عمل فيما علم) وفيه أيضاً عن أبي برزة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أبلاه) قال: هذا حديث صحيح وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان أول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة - يعنى من النعيم - أن يقال له: ألم نصح جسمك ونرويك من الماء البارد) وفيه أيضاً من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه لما نزلت: (لتسئلن يومئذ عن النعيم) (التكاثر:8) قال الزبير: يا رسول الله فأي النعيم نسئل عنه وانما هو الأسودان: التمر والماء قال: (أما انه سيكون) قال: هذا حديث حسن وعن أبي هريرة نحوه وقال: انما الأسودان العدو حاضر، سيوفنا على عواتقنا قال: (ان ذلك سيكون) وقوله: (ان ذلك سيكون) اما أن يكون المراد به أن النعيم سيكون ويحدث لكم، واما أن يرجع الى السؤال، أي أن السؤال يقع عن ذلك، وان كان تمراً وماء فانه من النعيم، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: وقد أكلوا معه رطبا ولحما وشربوا من الماء البارد: (هذا من النعيم الذي تسئلون عنه يوم القيامة) فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه وفي الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجاء بالعبد يوم القيامة كأنه بذج فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول الله: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته فتركته أوفر ما كان فارجعني آتيك به، فاذا أعيد لم يقدم خيراً فيمضي به إلى النار) وفيه من حديث أي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتي بالعبد يوم القيامة فيقول الله: ألم أجعل لك سمعاً وبصراً، ومالاً وولداً، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترفع أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني) قال: هذا حديث صحيح وقد زعم طائفة من المفسرين أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسئولون عن النعيم وذكر ذلك عن الحسن ومقاتل واختار الواحدى ذلك واحتج بحديث أبي بكر لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسئل عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما ذلك للكفار) ثم قرأ: (ول نجازي الا الكفور) (سبأ:17) قال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم والمعنى أيضاً يشهد بهذا القول وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث أشركوا به وعبدوا غيره فاستحقوا أن يسئلوا عما أنعم به عليهم توبيخاً لهم هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم قال: وهذا معنى قول مقاتل وهو قول الحسن قال: لا يسئل عن النعيم الا أهل النار","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضى اختصاص الخطاب بالكفار بل ظاهر اللفظ وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بالهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة هذه السورة (يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك الا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت) الحديث وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلماً وقد يكون كافراً، ويدل عليه أيضاً الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وفهمهم العموم حتى قالوا له: وأي نعيم نسئل عنه وانما هو الأسودان، فلو كان الخطاب مختصاً بالكفار لبين لهم ذلك وقال: ما لكم ولها، انما هي للكفار فالصحابة فهموا التعميم، والأحاديث صريحة في التعميم والذي أنزل عليه القرآن أفرهم على فهم العموم وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم - أو ليلة - فاذا هو بأبي بكر وعمر فقال: (ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار فاذا هو ليس في بيته لما رأته امرأته قالت: مرحباً وأهلا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، اذا جاء الأنصاري فنظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذا، فأخذ المدية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اياك والحلوبة فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده لتسئلن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم) فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب وأنه غير مختص بالكفار وأيضاً فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الالهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيراً بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر، وخطاب القرآن عام لمن بلغه وان كان أول من دخل فيه المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو متناول لمن بعدهم وهذا معلوم بضرورة الدين وان نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين، فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) (البقرة:183) ونظائره كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين فقوله: (الهاكم التكاثر) خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف وهم في الالهاء والتكاثر درجات لا يحصيها الا الله فان قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار لأنه لم يمكنهم حمله على العموم ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد فخصوهم به، وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو انسان على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو انسان كقوله: (وكان الانسان عجولاً) (الاسراء:11) (وكان الانسان قتورا) (الاسراء:1) (ان الانسان لربه لكنود) (العاديات:6) (وحملها الانسان، انه كان ظلوما جهولا) (الأحزاب:72) (ان الانسان لكفور) (الحج:66) ونظائره كثيرة فالانسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع والعمل الصالح، وانما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك ويعطيه اياه وليس له ذلك من نفسه، بل ليس له من نفسه الا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه لا من نفسه فالهاء التكاثر طبيعته وسجيته التي هي له من نفسه ولا خروج له عن ذلك الا بتزكية الله له وجعله مريدا للآخرة مؤثراً لها على التكاثر بالدنيا فان أعطاه ذلك والا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولابد","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وأما احتجاجه بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار فيقال: الوعيد المذكور مشترك وهو العلم عند معاينة الآخرة، فهذا أمر يحصل لكل أحد لم يكن حاصلاً له في الدنيا وليس في قوله: (سوف تعلمون) (التكاثر:3) ما يقتضي دخول النار فضلاً عن التخليد فيها، وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها فان أهل الموقف يرونها ويشاهدونها عيانا وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أنه لابد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم، فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها وأما ما ذكره عن الحسن أنه لا يسئل عن النعيم الا أهل النار فباطل قطعا اما عليه واما منه، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده وبالله التوفيق ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظيم شأنها وشدة تخويفها وما تضمنته من تحذير التكاثر الملهي وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار ولا يليق ذلك بها ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها والله أعلم وتأمل ما في هذا العتاب الموجع لمن استمر على الهاء التكاثر له مدة حياته كلها الى أن زار القبور ولم يستيقظ من نوم الالهاء بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه الا وهو في مسكن الأموات، وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتبين لك أن العموم مقصود، وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا على اختلاف أجناسها وأنواعها وأيضاً فان التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكثر صاحبه فيكون أكثر منه فيما يكاثره به، والحامل له على ذلك توهمه أن العزة للكاثر كما قيل:\rولست بالأكثر منهم حصى ... وانما العزة للكاثر\rفلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة ولم تضرهم اذ لم يتكاثروا بها وكل من كاثر انساناً في دنياه أو جاهه أو غير ذلك شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية انما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتكمل به وتزكو وتصير مفلحة فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك وينافسها في هذه المكاثرة ويسابقها اليها فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد، وضده تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم فهذا تكاثر مله عن الله والدار الآخرة وهو صائر الى غاية القلة فعاقبة هذا التكاثر قل وفقر وحرمان والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله ولقائه، وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى، وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولاً وأحسن منه عملاً وأغزر علما واذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها، كاثره بخصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها، وليس هذا التكاثر مذموماً ولا قادحا في اخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة واستباق الخيرات وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما فلما تبين له مدى سبقه له قال: والله لا أسابقك الى شيء أبدا\rفصل\rومن تأمل حسن موقع (كلا) في هذا الموضوع فانها تضمنت ردعا لهم وزجرا عن التكاثر ونفيا وابطالا لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم وعزتهم وكمالهم به فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم وأنهم لابد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية وأنه سبحانه لابد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم من أين استخرجوها وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة وأجلها وأعظمها فائدة وأبلغها موعظة وتحذيرا وأشدها ترغيبا في الآخرة وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها وحسن نظمها، فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحياً\rفصل","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم الى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين بل هم مستودعون في المقابر مدة وبين أيديهم دار القرار، فاذا كانوا عند وصولهم الى الغاية زائرين فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار فهم فيها عابروا سبيل الى محل الزيارة ثم منتقلون من محل الزيارة الى المستقر فها هنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة الى دار القرار\rفصل\rفلنرجع الى تمام المناظرة، قالوا: فالله تعالى حمى أولياءه عن الدنيا وصانهم عنها ورغب بهم عنها تكريما لهم وتطهيرا عن أدناسها ورفعة من دناءتها وذمها لهم، وأخبرهم بهوانها عليه وسقوط قدرها عنده وأعلمهم أن بسطها فتنة وأنه سبب الطغيان والفساد في الأرض والهاء التكاثر بها عن طلب الآخرة وأنها متاع الغرور وذم محبيها ومؤثريها وأخبر أن من أرادها أو أراد زينتها وحرثها فليس له في الآخرة من نصيب وأخبر أن بسطها فتنة وابتلاء لا كرامة ومحبة، وأن امداد أهلها بها ليس مسارعة لهم في الخيرات وأنها لا تقرب اليه ولا تزلف لديه، وأنه لولا تتابع الناس في الكفر لأعطى الكفار منها فوق مناهم ووسعها عليهم أعظم التوسعة بحيث يجعل سقوف بيوتهم وأبوابهم ومعارجهم وسررهم كلها من فضة وأخبر أنه زينها لأعدائه ولضعفاء العقول الذين لا نصيب لهم في الآخرة ونهى رسوله عن مد عينيه اليها والى ما متع به أهلها وذم من أذهب طيباته فيها واستمتع بها، وقال لنبيه: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، فسوف يعلمون) (الحجر:3) وفي هذا تعزية لما منعه أولياءه من التمتع بالدنيا وكثرة الأكل فيها وتأديب لمن بسط له فيها ألا يطغى فيها ولا يعطي نفسه شهواتها ولا يتمتع بها وذم سبحانه محبيها المفتخرين بها المكاثرين بها الظانين أن الفضل والكرامة في سعتها وبسطها فأكذبهم الله سبحانه، وأخبر أنه ليس كما قالوه ولا توهموه ومثلها لعباده بالأمثلة التي تدعو كل لبيب عاقل الى الزهد فيها وعدم الوثوق بها والركون اليها فأحضر صورتها وحقيقتها في قلوبهم بما ضربه لها مثلا كماء أنزله من السماء فخالط نبات الأرض فلما أخذت به الأرض زخرفها وتزينت بأنواع النبات أتاها أمره فجعل تلك الزينة يبسا هشيما تذروه الرياح كأن لم يكن قط منه شيء وأخبر سبحانه عن فنائها وسرعة انقضائها وأنه اذا عاين العبد الآخرة فكأنه لبث فيها ساعة من نهار أو يوما أو بعض يوم ونهى سبحانه عباده أن يعتزوا بها وأخبرهم أنه لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر ومتاع غرور وطريق ومعبر الى الآخرة، وانها عرض عاجل لا بقاء له ولم يذكر مريدها بخير قط، بل حيث ذكره ذمه وأخبر أن مريدها مخالف لربه تعالى في ارادته، فالله يريد شيئاً ومريد الدنيا يريد خلافه، فهو مخالف لربه بنفس ارادته وكفى بهذا بعدا عنه سبحانه وأخبر سبحانه عن أهل النار أنهم انما دخلوها بسبب غرور الدنيا وأمانيها لهم قالوا: وهذا كله تزهيد لهم منه سبحانه فيها وترغيب في التقلل منها ما أمكن قالوا: وقد عرضها سبحانه وعرض مفاتيح كنوزها على أحب الخلق اليه وأكرمهم عليه، عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فلم يردها ولم يخترها، ولو آثرها وأرادها لكان أشكر الخلق بما أخذه منها وأنفقه كله في مرضاه الله وسبيله قطعا، بل اختار التقلل منها وصبر على شدة العيش فيها قال الامام أحمد: حدثنا اسماعيل بن محمد، حدثنا عباد - يعني ابن عباد - حدثنا: مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية، فرجعت الى منزلها فبعثت الى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ فقلت: فلانة الأنصارية دخلت على فرأت فراشك فبعثت الى بهذا، فقال: رديه فلم أرده، وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: (يا عائشة رديه، والله لو شئت لأجري الله معى جبال الذهب والفضة) وعرض عليه مفاتيح كنوز الدنيا فلم يأخذها وقال: (بل أجوع يوما وأشبع يوما فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك، واذا شبعت حمدتك وشكرتك) وسأل ربه أن يجعل رزق أهله قوتا كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"وفيهما عنه قال: والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة أيام تباعاً من خبز حنطة حتى فارق الدنيا وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه: ما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا ولا شاة سميطا قط حتى لحق بربه وفي صحيحه أيضا عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبر الشعير وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض) وفي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم ما يجد دقلا يملأ بطنه وفي المسند والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعات طاويا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وفي الترمذي من حديث أبي أمامة: ما كان يفضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير وفي المسند عن عائشة رضي الله عنها: والذي بعث محمداً بالحق ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل الى أن قبض قال عروة: فقلت: فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف - أي ننفخه - فيطير ما طار ونعجن الباقي وفي صحيح البخاري عن أنس قال: لقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه بشعير ولقد سمعته يقول: ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى، وأنهم لتسعة أبيات وفي مسند الحارث عن أبي أسامة عن أنس أن فاطمة رضي الله عنها جاءت بكسرة خبز الى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة فقال: أما انه أول طعام دخل في فم أبيك منذ ثلاثة أيام وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: لما حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع وقد أسرف أبو حاتم بن حبان في تقاسيمه في رد هذا الحديث وبالغ في انكاره وقال: المصطفى على ربه من ذلك وهذا من وهمه وليس في هذا ما ينقص مرتبته عند ربه بل ذلك رفعة له وزيادة في كرامته وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك وغيرهم وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الأحاديث في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وهل ذلك الا من أعظم شواهد صدقه، فانه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ربه: أنه ملك طالب ملك ودنيا لكان عيشه عيش الملوك وسيرته سيرتهم ولقد توفاه الله وان درعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله وقد فتح الله عليه بلاد العرب وجبيت اليه الأموال ومات ولم يترك درهماً واحدا ولا ديناراً ولا شاة ولا بعيراً ولا عبداً ولا أمة قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد بن مطرف عن أبي حازم عن عروة: أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار قلت: يا خالة فعلى أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين التمر والماء وقد تقدم حديث أبي هريرة في قصة أبي الهيثم بن التيهان وأنه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته فرأى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال: ما أخرجكما؟ قالا: الجوع قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما وذكر أحمد من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة فدعت لي بطعام وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي الا بكيت قال: قلت لم؟ قالت: ذكر الحال التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، والله ما شبع في يوم مرتين من خبز البر حتى قبض وفيه عنها: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض والحديثان صحيحان وفيه أيضاً عنها: ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل وفي الصحيحين عن أبي هريرة: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ثلاثاً أتباعاً من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض والحديثان صحيحان وفيه أيضاً عنها: ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل وفي الصحيحين عن أبي هريرة: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ثلاثاً أتباعاً من خبز البر حتى فارق الدنيا","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"وفي الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير وفيه أيضاً عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: (لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد الا شيء يواريه ابط بلال) والحديثان صحيحان وفيه أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا حجراً حجراً، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين وفيه أيضاً عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال: (مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا الا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) حديث حسن صحيح وفيه عن علي رضي الله عنه قال: خرجت في يوم شات من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت اهابا معطونا فجوبت وسطه وأدخلته في عنقي فشددت به وسطي فخزمته بخوص من النخل واني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام لطعمت منه فخرجت ألتمس شيئاً فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له فاطلعت عليه من ثلمة من الحائط فقال: مالك يا أعرابي؟ وهل لك في كل دلو بتمرة؟ قلت: نعم فافتح الباب حتى أدخل ففتح فدخلت فأعطاني دلوه فكلما نزعت دلوا أعطاني تمرة حتى امتلأت كفى فأرسلت دلوه وقلت: حسبي فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت الماء فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لقد رأيتنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام الا الحبلة وهذا السمر - والحبلة: ثمر العضاة ذات الشوك - وهو حديث صحيح وكان صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل أحيانا وعليه كساء صوف بعضه عليه وبعضه على عائشة قال الحسن: اثمان ستة دراهم أو سبعة وقال أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو زائدة، حدثنا عطاء عن أبيه عن علي قال: جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف - والخميل الكساء الذي خمل - قال: وحدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد قال: قال أبو بردة: دخلت على عائشة فأخرجت الينا ازارا غليظا مما يصنع باليمن وكساء من هذه التي تدعونها الملبدة، فقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الثوبين قالوا: ولو كان الغنى مع الشكر أفضل من الفقر مع الصبر لاختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذ عرضت عليه الدنيا، ولأمره ربه أن يسأله اياه كما أمره أن يسأله زيادة العلم، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليختار الا ما اختباره الله له، ولم يكن ليختار له الا الأفضل اذ كان أفضل خلقه وأكملهم قالوا: وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير الرزق ما كان بقدر كفاية العبد فلا يعوزه ما يضره ولا يفضل عنه ما يطغيه ويلهيه قال الامام أحمد: حدثنا ابن مهدي، حدثنا همام عن قتادة عن خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما طلعت شمس قط الا بعث بجنبيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض الا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فان ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط الا بعث بجنبيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض الا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكا تلفاً) وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد عن محمد ابن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعد بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي) وتأمل جمعه في هذا الحديث بين رزق القلب والبدن، رزق الدنيا والآخرة واخباره أن خير الرزقين ما لم يتجاوز الحد فيكفي من الذكر أخفاؤه فان زاد على الاخفاء خيف على صاحبه الرياء والتكبر به على الغافلين، وكذلك رزق البدن اذا زاد على الكفاية خيف على صاحبه الطغيان والتكاثر قالوا: وقد غبط رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقلل من الدنيا ما لم يغبط به الغنى","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا علي بن صالح عن أبي المهلب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه وكان غامضاً في الناس لا يشار اليه بالأصابع فعجلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه) قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي ما تراثه؟ قال: ميراثه قالوا: وحمية الله لعبده المؤمن عن الدنيا انما هو من محبته له وكرامته قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان الله تبارك وتعالى يحمى عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مرضاكم الطعام والشراب تخافون عليهم) قالوا: وقل أن يقع اعطاء الدنيا وتوسعتها الا استدراجا من الله الا اكراما ومحبة لمن أعطاه قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشد بن سعد عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه وما يحب فانما هو استدراج) ثم تلى قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء) قالوا: ولهوان الدنيا على الله منعها أكثر أوليائه وأحبائه قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن سالم ابن أبي الجعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان من أمتي من لو أتى باب أحدكم فسأله دينارا لم يعطه اياه، ولو سأله فلسا لم يعطه اياه، ولو سأل الله تعالى الجنة لأعطاها اياه ولو سأله الدنيا لم يعطها اياه وما يمنعها اياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره) وهذا يدل على أنه انما يمنعه اياها لهوانها عليه لا لهوانه هو عليه ولهذا يعطيه أفضل منها وأجل، فان الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الآخرة الا من يحب قالوا: وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن أقربهم منه مجلساً ذوو التقلل من الدنيا الذين لم يستكثروا منها قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هرون، أخبرنا محمد بن عمرو قال: سمعت عراك بن مالك يقول: قال أبو ذر: اني لأقربكم مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وذلك أني سمعته يقول: (ان أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها) وأنه والله ما منكم من أحد الا وقد تشبث منها بشيء غيري قالوا: وقد غبط النبي صلى الله عليه وسلم من كان عيشه كفافا وأخبر بفلاحه قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة قال: أخبرني أبو هانئ أن أبا علي الحبشي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (طوبى لمن هدى الى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع) وذكر أيضا من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه) قالوا: ولو لم يكن في التقلل الا خفة الحساب لكفى به فضلاً على الغنى قال عبد الله بن الامام أحمد: حدثنا بيان بن الحكم، حدثنا محمد ابن حاتم قال: حدثني بشر بن الحارث، حدثنا عيسى بن يونس عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يشد بها صلبه، وثوب يوارى عورته) وقال الامام أحمد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا ليث عن ابي عثمان قال: لما افتتح المسلمون (جوجى) دخلوا يمشون فيها وأكداس الطعام فيها أمثال الجبال وكان رجل يمشي الى جنب سلمان فقال: يا أبا عبد الله ألا ترى الى ما فتح الله علينا؟ ألا ترى الى ما أعطانا الله؟ فقال سلمان: وما يعجبك مما ترى الى جنب كل حبة مما ترى حساب قالوا: وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنهم يوم فقرهم وفاقتهم خير منهم يوم غناهم وبسط الدنيا عليهم","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل الصفة كيف أنتم؟ قالوا: نحن بخير قال: أنتم اليوم خير أم يوم تغدوا على أحدكم جفنة وتروح أخرى، ويعدو في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم مثل أستار الكعبة؟ قالوا: يا نبي الله نحن يومئذ خير يعطينا ربنا تبارك وتعالى فنشكر قال: بل أنتم اليوم خير فهذا صريح في أنهم في وقت صبرهم على فقرهم خير منهم في وقت غناهم مع الشكر وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا ابن ذر، حدثنا حفص بن غياث عن داوود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود عن طلحة البصري قال: قدمت المدينة ولم يكن لي بها معرفة فكان يجري علينا مد من تمر بين اثنين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فهتف به هاتف من خلفه فقال: يا رسول الله قد حرق بطوننا التمر وعزفت عنا الكف فخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: (والله لو أجد لكم اللحم والخبز لأطعمتكموه وليأتين عليكم زمان تغدو على أحدكم الجفان وتراح ولتلبسن بيوتكم مثل أستار الكعبة) قالوا: يا رسول الله نحن اليوم خير منا أو يومئذ؟ قال: (بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ، أنتم اليوم خير منكم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض) قال الامام أحمد: وحدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دخل على أهل أصفة فذكر نحوه قالوا: ولو لم يكن في الغنى والمال الا أنه فتنة وقل من سلم من اصابتها له وتأثيرها في دينه كما قال تعالى: (أنما أموالكم وأولادكم فتنة) وفي الترمذي من حديث كعب بن عياض قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) قال: هذا حديث حسن صحيح قالوا: والمال يدعو الى النار والفقر يدعو الى الجنة قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا سعيد ابن أيمن مولى كعب بن سوار قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه اذ جاء رجل من الفغقراء فجلس الى جنب رجل من الأغنياء فكأنه قبض من ثيابه عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخشيت يا فلان أن يغدو غناك عليه أنو يغدو فقره عليك؟ قال: يا رسول الله وشر الغنى؟ قال: نعم ان غناك يدعوك الى النار وان فقره يدعوه الى الجنة قال: فما ينجيني منه؟ قال: تواسيه قال: اذن أفعل فقال الآخر: لا أرب لي فيه، قال: فاستغفر وادع لأخيك قالوا: وحق الغنى أعظم من أن يقوم العبد بشكره، وقد روى الترمذي في جامعة من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يوارى عورته، وجلف الخبز والماء) قال: هذا حديث حسن صحيح وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ابن آدم انك ان تبذل الفضل خير لك، وان تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى) وفي صحيحه أيضا من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ جاء رجل على راحلة له فجعل يضرب يمينا وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان معه فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له) قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في فضل قالوا: فهذا موضع النظر في تفضيل الغنى الشاكر ببذل الفضل كله وأما غني يمتع بأنواع الفضل ويشكر بالواجب وبعض المستحب فكيف يفضل على فقير صابر راض عن الله في فقره؟ قالوا: وقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم أئمة الشاكرين: أنه لا يخاف عليهم الفقر انما يخاف عليهم الغنى","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"ففي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف وكان شهد بدراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبي عبيدة بن الجراح الى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء ابن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال: (أظنكم سمعتم أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله قال: أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوا فيها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) قال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا هشام عن الحسن قال: قيل لأبي ثعلبة الخشني: أين دنياكم والتي كنتم تعدون يا أصحاب محمد؟ قال: ليبشر الآخر بدنيا قد ظلت تأكل - والله الذي لا اله الا هو - الايمان كما تأكل النار الحطب الجزل وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا هشام عن الحسن قال: سمعت الحسن يقول: والله ما أحد من الناس بسط الله له دنياه فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها الا كان قد نقص علمه وعجز رأيه وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها الا كان قد نقص علماه وعجز رأيه قالوا: وقد مر على النبي صلى الله عليه وسلم فقير وغني فقال عن الفقير: (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) وروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: حرى ان خطب أن ينكح وان شفع أن يشفع وان قال أن يسمع قال - ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين - فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حرى ان خطب أن لا ينكح وان شفع ألا يشفع وان قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقراء الصابرين بما لم يبشر به الأغنياء، ففي الترمذي من حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، فاذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف اليهم وقال: (لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة)، قال فضالة: وأنا يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بسبقهم الأغنياء الى الجنة وقد اختلفت الروايات في مدة هذا السبق، ففي صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمر أنه جاء ثلاثة نفر فقالوا: يا أبا محمد والله ما نقدر على شيء لا نفقة ولا دابة ولا متاع فقال لهم: ما شئتم ان شئتم رفعتم الينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم، وان شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وان شئتم صبرتم فاني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ان فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا) قالوا: نصبر ولا نسأل شيئاً وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام) قال الترمذي: حديث حسن صحيح وفي الترمذي أيضا من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة) وهو حديث حسن وفيه أيضا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا) وهو حديث حسن، وهو موافق لحديث عبد الله بن عمر ولحديث أنس الذي في الترمذي: (أن المساكين يدخلون قبل الأغنياء بأربعين خريفا)، فهؤلاء ثلاثة: جابر وأنس وعبد الله بن عمر وقد اتفقوا على الأربعين، وهذا أبو هريرة وأبو سعيد قد اتفقا على التقدير بخمسمائة سنة ولا تعارض بين هذه الأحاديث اذ التأخر والسبق درجات بحسب الفقر والغنى، فمنهم من يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمسمائة ولا يتقيد السبق بهذا المقدار بل يزيد عليه وينقص","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"وقد روى أبو داوود في سننه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أول الأمة دخولا الى الجنة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومعلوم أن المدة التي بينه وبين اخوانه من فقراء المهاجرين لا تطول وأنها أطول مدة بين دخوله وبين دخول آخر من يدخل الجنة وقد روي الامام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هل تدرون أول من يدخل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فقراء المهاجرين الذين تتقي بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، تقول الملائكة: يا ربنا نحن ملائكتك وخزنتك وسكان سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا فيقول: عبادي لا يشركون بي شئاً يتقي بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة (من كل باب سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبي الدار) وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا دويد عن مسلم ابن بشير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التقي مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غني ومؤمن فقير، كانا في الدنيا فأدخل الفقير الجنة وحبس الغني ما شاء الله أن يحبس ثم أدخل الجنة فلقيه الفقير فيقول: أي أخي ماذا حبسك؟ والله لقد احتسبت حتى خفت عليك، فيقول: أي أخي اني حبست بعدك محبسا فظيعا كريها ما وصلت اليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها أكلت حمضا لصدرت عنه رواء) وقال الطبراني في معجمه: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي وعلى ابن سعيد الرازي قالا: حدثنا علي بن بهرام العطار، حدثنا عبد الملك ابن أبي كريمة عن الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة، فقال رجل: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: هل سمعت ما قلنا لهذا؟ قال: نعم، ولست كذلك قال: هل تجد ثوبا ستيرا سوى ما عليك؟ قال: نعم قال: فلست منهم، فقام آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: هل سمعت ما قلت لهذين قبلك؟ قال نعم: قال: هل تجد قرضا كلما شئت أن تستقرض؟ قال: نعم قال: فلست منهم، فقام آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: هل سمعت ما قلت لهؤلاء؟ قال: نعم قال: تقدر أن تكتسب؟ قال: نعم قال: فلست منهم، قال: فقام خامس فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: هل سمعت ما قلت لهؤلاء؟ قال: نعم قال: هل تمسي عن ربك راضياً وتصبح كذلك؟ قال: نعم قال: فأنت منهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ان سادات المؤمنين في الجنة من اذا تغدى لم يجد عشاء واذا تعشى لم يبت عنده غداء، وان استقرض لم يجد قرضا وليس له فضل كسوة الا ما يوارى به ما لا يجد منه بدا ولا يقدر على أن يكتسب ما يعيشه ويمسي عن الله راضيا ويصبح راضياً (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا) قال الطبراني: هذا حديث غريب من حديث سفيان الثورى عن محمد بن زيد يقال: هو العبدي تفرد به عبد الملك قلت: محمد هذا هو العبدى وثقه قوم وضعفه آخرون قال الدارقطني: ليس بالقوى وقال أبو حاتم: صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقاة وروى له الترمذي وابن ماجه وفي هذه الطبقة محمد بن زيد الشامي يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو متروك ونخاف أن يكون هذا هو الثوري لم ينسبه، وانما يقال هو العبدي والله أعلم وقال الإمام أحمد: حدثنا اسماعيل بن ابراهيم، حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن عامر العقيلي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال وأما أول ثلاثة يدخلون النار: فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فخور) وروى الترمذي منه ذكر الثلاثة الذين يدخلون الجنة فقط، قالوا: يكفي في فضل الفقير أن عامة أهل الجنة الفقراء وعامة أهل النار الأغنياء","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا شريك عن أبي اسحاق عن السائب بن مالك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء) وفي صحيح البخاري عن أبي رجاء قال: جاء عمران بن حصين الى امرأته من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: حدثنا ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انه ليس من حديث فلم تدعه - أو قال فأغضبته - فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نظرت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، ونظرت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قمت على باب الجنة فاذا عامة من دخلها المساكين، وقمت على باب النار فاذا عامة من دخلها النساء) وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قمت على باب الجنة فاذ1 عامة من دخلها المساكين، وقمت على باب النار فاذا عامة من دخلها النساء) وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قمت على باب الجنة فاذا عامة من دخلها المساكين، وقمت على باب النار فاذا عامة من دخلها النساء وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع في النار فرأى أكثر أهلها النساء واطلع في الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء قالوا: ويكفي في فضل الفقر أن كل أحد يتمناه يوم القيامة من الأغنياء قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا اسماعيل - يعني ابن خالد - عن نفيع عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يوم القيامة غني ولا فقير الا ود أن ما كان أوتي في الدنيا قوتا) قال البخاري: يتكلمون في نفيع، وهذا أليق ما قيل فيه قالوا: وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفضيل الفقراء في غير حديث، فمنها ما تقدم من حديث سهل بن سعد وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه في المسجد، قال: فنظرت فاذا رجل جالس عليه حلة له، قال: فقلت هذا قال: فقال يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد قال: فنظرت فاذا رجل ضعيف عليه أخلاق قال: فقلت هذا قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لهذا أفضل عند الله يوم القيامة من قراب الأرض من هذا قال: حدثنا وكيع ووافقه زائد، حدثنا الأعمش عنم سليمان بن يسار عن خرشة بن الحر عن أبي ذر فذكره قالوا: والذي يفصل بيننا في هذه المسألة ويشفي الغليل: أن الفقر يوفر أجر صاحبه ومنزلته عند الله والغنى ولو شكر فان ما ناله في الدنيا بغناه يحسب عليه أن ثوابه يوم القيامة وان تناوله بأحل وجه، فقليل العضل في الدنيا ناقص من كثير الآخرة وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة الا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وان لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم) وفي الصحيحين عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه قتل يوم أحد وترك بردة فكنا اذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه واذا غطينا رجليه بدا رأسه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئاً من الاذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها وفي الصحيحين عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيات، فقال: ان اصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وذكر الحديث وقال سعيد بن منصور: حدثنا معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما أوتي عبد من الدنيا شيئاً الا نقص من درجاته عند الله وان كان عليه كريماً","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"وفي صحيح البخماري عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: أوتي عبد الرحمن رضي الله عنه بطعام وكان صائماً فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني وكفن في بردة أن غطى رأسه بدت رجلاه، وان غطى رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة رضي الله عنه وهو خير مني فلم يوجد له كفن الا بردة ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام قال أبو سعيد بن الأعرابي: وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون غيرهما لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرموا ما فتح الله عليهم من الدنيا وأشفقوا منه، وعلموا أن ما اختاره الله لنبيه كان أفضل وأن ما أخره له كان أنقص منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو عبيدة وعمار بن ياسر وسلمان وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وأبو هاشم بن عتبة وجماعة لم نذكرهم للإختصار رضي الله عنهم فأما أبو بكر رضي الله عنه فحدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا عبد الرحمن ابن أبان الطائي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا عبد الواحد ابن زيد، حدثني سلمان عن مرة عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدعا بشراب فأتى بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى وبكى حتى أبكى أصحابه فسكتوا وما سكت ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول الله ما أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع عن نفسه شيئاً ولم أر معه أحداً فقلت: يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال: (هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها: اليك عني، ثم رجعت فقالت: انك ان أفلت مني فلن يفلت مني من بعدك) وذكر ليث عن أبن سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه: أن أبا بكر رضي الله عنه قال في مرضه الذي مات فيه: اني وليت أمركم، واني لست بخيركم وكلم ورم أنفه من ذلك أن يكون هذا الأمر له، وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت، ولم تقبل حتى يتخذوا نضائد الحرير وستور الديباج، وحتى يألم أحدكم من الاضطجاع على الصوف كما يألم من الاضطجاع على الحسك والسعدان، ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون يمينا وشمالاً ما هذا الطريق أخطأت انما هو البحر أو الفجر، والله لئن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا وذكر محمد بن عطاء بن خباب قال: كنت جالساً مع أبي بكر فرأى طائراً فقال: طوبي لك يا طائر تأكل من هذا الشجر ثم تبعر ثم لا تكون شيئاً وليس عليك حساب وددت أني مكانك، فقلت له: أتقول هذا وأنت صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأما عمر رضي الله عنه لما أتى بكنوز كسرى بكى فقال له عبد الرحمن ابن عوف: ما الذي يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ان هذا ليوم شكر ويوم سرور، فقال عمر: ان هذا لم يعطه قوم الا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء ودخل عليه أبو سنان الدؤلي وعنده نفر من المهاجرين فأرسل عمر الى سفط أتى به من قلعة بالعراق وكان فيه خاتم فأخذه بعض ولده فأدخله فى فيه فانتزعه عمر منه ثم بكى فقال له من عنده: لم تبكي وقد فتح الله لك وأظهرت وأقر عينك؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تفتح الدنيا على أحد الا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة) وأنا مشفق من ذلك قال أبو سعيد: وجدت في كتاب بخط يدى عن أبي داوود قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى بقلنسوة بغزو كسرى بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك فألقى اليه سوارى كسرى فجعلهما في يديه فبلغا منكبيه فلما رآهما في يد سراقة قال: الحمد لله سوارا كسرى بن هرمز في يد سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج ثم قال: (اللهم قد علمت أن رسولك قد كان يحب أ، يصيب مالا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك فزويت ذلك عنه نظرا منك له واختيارا اللهم اني أعوذ بك أن يكون هذا مكر منك بعمر) ثم قال: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون) والمقصود أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجر الآخرة وتضييق من سعتها","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"قال عبد الرزاق أنيأنا معمر عن الزهرى عن ابن أبي صفرة عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على الشهداء الذين قتلوا يومئذ فقال: (اني شهيد على هؤلاء فزملوهم بدمائهم) قال معمر وأخبره في من سمع الحسن يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هؤلاء قد مضوا وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم شيئاً، وانكم قد أكلتم من أجوركم واني لا أدري ما تحدثون بعدي) وقال ابن المبارك: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الى بقيع الغرقد فقال: السلام عليكم يا أهل القبور لو تعلمون ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: هؤلاء خير منكم، فقالوا: يا رسول الله أخواننا، أسلمنا كما أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على آجالهم فمضوا فيها، وبقينا في آجالنا فما يجعلهم خيرا منا؟ فقال: ان هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئاً وخرجوا وأنا شهيد عليهم، وأنتم قد أكلتم من أجوركم ولا أدري ما تحدثون بعدي قال: فلما سمعها القوم والله عقلوها وانتفعوا بها فقالوا: وانا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا بعدهم وانه لمنتقص به من أجورنا، فأكلوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا وقال عبد الله بن أحمد: قرأت على أبي هذا الحديث: حدثنا أسود ابن عامر، حدثنا اسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: (ما أعطى رجل من الدنيا الا نقص من درجته) قالوا: وقد صرح سادات الأغنياء بأنهم ابتلوا بالضراء فصبروا وابتلوا بالسراء فلم يصبروا، قال ذلك عبد الرحمن وغيره، وكان هذا مصداقا لما رواه مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأنا من فتنة السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء، انكم ابتليتم بالضراء فصبرتم، وان الدنيا حلوة خضرة) قالوا: وهاهنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل: احداهما: أن الأكثرين هم الأقلون، وقد تقدم الدليل عليها بما فيه الكفاية وأما الثانية: ففي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: خرجت ليلة من الليالي فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ليس معه انسان قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ قلت: أبو ذر جعلني الله فداك، قال: يا أباذر تعال، فمشيت معه ساعة فقال: (ان المكثرين هم المقلون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيرا فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا) وذكر الحديث قالوا: ولو كان الغنى أفضل من الفقر لما حض الله رسوله على الزهد في الدنيا والاعراض عنها وذم الحرص عليها والرغبة فيها، بل كان ينبغي أن يحض عليها وعلى اكتسابها والاكثار منها كما حض على اكتساب الفضائل التي بها كمال العبد من العلم والعمل، فلما حض على الزهد فيها والتقلل، دل على أن الزاهدين فيها، المتقللين منها، أفضل الطائفتين وقد أخبر أنها لو ساوت عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، وأنها أهون على الله من السخلة الميتة على أهلها، وأن مثلها في الآخرة كمثل ما يعلق باصبع من أدخل اصبعه في البحر وانها ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم، وأنها سجن المؤمنين وجنة الكافرين وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل ويعد نفسه من أهل القبور، واذا أصبح فلا ينتظر المساء واذا أمسى فلا ينتظر الصباح ونهى عن اتخاذ ما يرغب فيها ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم اقالة العثرة بالانتقاش وأخبر أنها خضرة حلوة - أي تأخذ العيون بخضرتها والقلوب بحلاوتها - وأمر باتقائها والحذر منها كما يتقي النساء ويحذر منهن وأخبر أن الحرص عليها وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين كافساد الذئبين الضاريين اذا أرسلا في زريبة غنم أو أشد افسادا وأخبر أنه في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها وهذه في الحقيقة حال سكان الدنيا كلهم، ولكن هو صلى الله عليه وسلم شهد هذه الحال وعمى عنها بنو الدنيا ومر بهم وهم يعالجون خصا لهم قد وهى فقال: ما أرى الأمر الا أعجل من ذلك وأمر بستر على بابه فنزع، وقال: انه يذكر الدنيا","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"وأعلم الناس أنه ليس لأحد منهم حق في سوى بيت يسكنه، وثوب يوارى عورته، وقوت يقيم صلبه وأخبر أن الميت يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله وأخبر أن للمتخوض فيما شاءت نفسه من مال الله بغير حق النار يوم القيامة وأقسم أنه لا يخاف الفقر على أصحابه وانما يخاف عليهم الدنيا وتنافسهم فيها والهائها لهم وأخبر أنه ليس لابن آدم من ماله الا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى وأخبر أن حسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يقمن صلبه فان لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه، وثلثه لشرابه، وثلثه لنفسه وفي هذا الحديث الارشاد الى صحة القلب والبدن والدين والدنيا وأخبر أن غني العبد فيها غني نفسه لا كثرة عرضه وسأل الله أن يجعل رزقه فيها قوتا، وغبط من كان رزقه فيها كفافا بعد أن هدى للإسلام وأخبر أن من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأته منها الا ما كتب له، عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا، فقال: (لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك واذا شبعت حمدتك وشكرتك) وأعلمهم أن من أصبح منهم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما خيزت له الدنيا وأخبر أن بذل العبد ما فضل عن حاجته خير له، وامساكه شر له وأنه لا يلام على الكفاف ونها أمته أن ينظر أحدهم الى من هو فوقه في الدنيا وأمره أن ينظر الى من هو دونه في الدنيا وأخبر أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين فيها فان أمامهم دار النعيم فهم من ابن آدم عند خلائه وان كان أوله طيبا لذيذا فهذا آخره وأخبر أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين فيها فان أمامهم دار النعيم فهم لا يرضون بنعيمهم في الدنيا عوضا من ذلك النعيم وأخبر أن نجاة أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلكة آخرها بالبخل وطول الأمل وكان يقول: (لبيك لا عيش الا عيش الآخرة) وأخبر أنه تعالى اذا أحب عبدا حماه الدنيا كما يحمي الانسان مريضه من الطعام والشراب ودخل على عثمان بن مظعون وهو في الموت فأكب عليه يقبله ويقول: (رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك) فغبطة بذلك وكان يقول: (الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا تطيل الهموم والحزن) وكان يقول: (من جعل الهموم كلها هما واحدا كفاه الله سائر همومهومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك) وأخبر أنه يؤتي يوم القيامة بأنعم الناس فيقول: (يا ابن آدم هل أصبت نعيما قط، هل رأيت قرة عين قط، هل أصبت سرورا قط؟ فيقول: لا وعزتك ثم يقول: ردوه الى النار، ثم يؤتى بأشد الناس بلاء في الدنيا وأجهد جهدا، فيقول تبارك وتعالى: اصبغوه في الجنة صبغة، فيصبغ فيها، ثم يؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت شيئاً قط أكرهه) وفي حديث مناجاة موسى الذي رواه الامام أحمد في كتاب (الزهد): حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم بن معقل، حدثنا عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه فذكره وفيه: (ولا تعجبكما زينته ولا ما متع به ولا تمدان الى ذلك أعينكما فانها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، واني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر اليها أن مقدرته نعجز عن مثل ما أوتيتما، فعلت، ولكني أرغب بكما عن نعيمها ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي وقديما ما خرت لهم في فاني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراعي الهلكة، واني لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق ابله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى واعلم أنه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا فانها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به السكينة والخشوع (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) أولئك أوليائي حقا، فاذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك) وذكر الحديث","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"وقال أحمد: حدثنا عون بن جابر قال: سمعت محمد بن داوود عن أبيه عن وهب قال: قال الحواريون: يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ قال: الذين نظروا الى آجل الدنيا حين نظر الناس الى عاجلها فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالا وذكرهم اياها فواتا وفرحهم بما أصابوا منها حزنا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فليسوا يحددونها، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا بها هم الفرحين ونظروا الى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب، وعندهم الخبر العجيب بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه عملوا، ليسوا يرون نائلا مع ما نالوا، ولا أمانا دون ما يرجون، ولا خوفا دون ما يحذرون وحدثنا روح، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قيل لعيسى ابن مريم: يا رسول الله لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك قال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئاً يشغلني به وقال: اجعلوا كنوزكم في السماء، فان قلب المرء عند كنزه وقال: اتقوا فضول الدنيا فان فضول الدنيا عند الله رجز وقال: يا بني اسرائيل اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف، فما لكم في العالم من منزل، ان أنتم الا عابري سبيل وقال: يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا؟ قالوا: يا روح الله من يقدر على ذلك؟ قال: اياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا وقال: أكل خبز البر، وشرب ماء عذب، ونوم على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس قال أحمد: وحدثنا بهز عن الأعمش عن خيثمة قال: قال المسيح: بشدة ما يدخل الغنى الجنة وقال المسيح: حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، ومرارة الدنيا حلاوة الآخرة وقال: يا بني اسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم، وأهينوا الدنيا تكرم عليكم الآخرة ولا تكرموا الدنيا تهن عليكم الآخرة، فان الدنيا ليست بأهل للكرامة، وكل يوم تدعو الى الفتنة والخسارة وقال: اسحاق بن هانئ في مسائله: قال أبو عبد الله - وأنا أخرج من داره - قال الحسن: أهينوا الدنيا فوالله لأهنأ ما تكون حين تهان وقال الحسن: والله ما أبالي شرقت أم غربت قال: وقال لي أبو عبد الله: يا اسحاق ما أهون الدنيا على الله عز وجل وقال: الدنيا قليلها يجزي وكثيرها لا يجزي قالوا: وقد تواتر عن السلف أن حب الدنيا رأس الخطايا وأصلها وقد روي فيه حديث مرفوع لا يثبت، ولكنه يروى عن المسيح، قال عبد الله ابن أحمد: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا معاذ بن هام حدثني أبي عن بديل بن ميسرة قال: حدثني جعفر بن خرفاش أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: رأس الخطيئة حب الدنيا، والنساء حبالة الشيطان، والخمر جماع كل شر وقال الامام أحمد: حدثنا عمر بن سعد أبو داوود الحفري عن سفيان قال: كان عيسى ابن مريم يقول: حب الدنيا أصل كل خطيئة، والمال فيه داء كثير قالوا: وما داؤه؟ قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء، قالوا: فان سلم؟ قال: يشغله اصلاحه عن ذكر الله عز وجل قالوا: وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة فان حبها يدعو الى خطيئة ظاهرة وباطنة، ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها فيسكر عاشقها حبها عن علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهيتها واجتنابها وحبها يوقع في الشبهات ثم في المكروهات ثم في المحرمات وطالما أوقع في الكفر بل جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم انما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا، فان الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصي التي كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا ولا تنس خطيئة الأبوين قديما، فانما كان سببها حب الخلود في الدنيا ولا تنس ذنب ابليس وسببه حب الرياسة التي محبتها شر من محبة الدنيا وبسببها كفر فرعون وهامان وجنودهما وأبو جهل وقومه واليهود","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"فحب الدنيا والرياسة هو الذي عمر النار بأهلها، والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها، والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير وصاحب هذا السكر لا يفيق منه الا في ظلمة اللحد ولو انكشف عنه غطاؤه في الدنيا لعلم ما كان فيه من السكر وأنه أشد من سكر الخمر، والدنيا تسحر العقول أعظم سحر قال الإمام أحمد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك ابن دينار يقول: اتقوا السحارة اتقوا السحارة فانها تسحر قلوب العلماء وقال يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خمر الشيطان من سكر منها فلا يفيق الا في عسكر الموتى نادما بين الخاسرين وأقل ما في حبها أنه يلهى عن حب الله وذكره، ومن ألهاه ماله عن ذكر الله فهو من الخاسرين واذا لها القلب عن ذكر الله سكنه الشيطان وصرفه حيث أراد ومن فقهه في الشر أنه يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يفعل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه فأين يقع ما يفعله من البر مع تعبده لها، وقد لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليه فقال: (لعن عبد الدينار والدرهم) وقال: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، ان أعطى رضي وان منع سخط) وهذا تفسير منه صلى الله عليه وسلم وبيان لعبوديتها وقد عرضت الدنيا على النبي صلى الله عليه وسلم بحذافيرها وتعرضت له فدفع في صدرها باليدين وردها على عقبيها ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل، ومنهم من استعرضها وقال: ما فيك؟ قالت: في الحلال والشبهة والمكروه والحرام فقالوا: هاتي حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه، فأخذوا حلالها ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه، فطلبوا مكروهها وشبهها، فقالت: قد أخذه من قبلكم، فقالوا: هاتي حرامك فأخذوه فطلبه من بعدهم، فقالت: هو في أيدى الظلمة، قد استأثروا به عليكم فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة، فلا يمد فاجر يده الى شيء من الحرام الا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه اليه، هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما أصبح أحد في الدنيا الا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل والعارية مؤداة قالوا: وانما كان حب الدنيا رأس الخطايا ومفسدا للدين من وجوه: أحدها: أن حبها يقتضي تعظيمها وهي حقيرة عند الله، ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر الله وثانيها: أن الله لعنها ومقتها وأبغضها الا ما كان له فيها ومن أحب ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة، ومقته وغضبه وثالثها: أنه اذا أحبها صيرها غايته وتوسل اليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل اليه والى الدار الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانتكس قلبه وانعكس سيره الى وراء فهاهنا أمران: أحدهما: جعل الوسيلة غاية والثاني: التوسل بأعمال الآخرة الى الدنيا وهذا شر معكوس من كل وجه، وقلب منكوس غاية الانتكاس وهذا هو الذي انطبق عليه حذو القذة بالقذة قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) وقوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا) وقوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضاً وتدل على معنى واحد وهو أ، من أراد بعمله الدنيا وزينتها دون الله والدار الآخرة فحظه ما أراد وهو نصيبه ليس له نصيب غيره والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مطابقة لذلك مفسرة له كحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الثلاثين الذين هم أول من تسعر بهم النار: الغازي والمتصدق والقارئ الذين أرادوا بذلك الدنيا والنصيب، وهو في صحيح مسلم وفي سنن النسائي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له ثم قال: ان الله تعالى لا يقبل الا ما كان خالصا وابتغى به وجهه","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه قصد حصول الأجر لما ضم اليه قصد الذكر بين الناس فلم يخلص عمله لله فبطل كله وفي مسند الامام أحمد عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجر له فأعظم الناس ذلك وقالوا للرجل: عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعله لم يفهم، فعاد فقال: يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجر له، ثم أعاد الثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجر له وفي المسند أيضاً وسنن النسائي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من غزا في سبيل الله عز وجل وهو لا ينوي في غزاته الا عقالا فله ما نوى) وفي المسند والسنن عن يعلى بن منبه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثني في سرايا فبعثني ذات يوم في سرية وكان رجلاً يركب بغلاً فقلت له: ارحل، فان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثني في سرية فقال: ما أنا بخارج معك حتى تجعل لي ثلاثة دنانير ففعلت: فلما رجعت من غزاتي ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس له من غزاته هذه ومن دنياه وآخرته الا ثلاثة دنانير) وفي سنن أبي داوود أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو؟ فقال: يا عبد الله بن عمر ان قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وان قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا، يا عبد الله بن عمر علي أي حال قاتلت - أو قتلت - بعثك الله على تلك الحال) وفي المسند والسنن عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انها ستفتح عليكم الأمصار وتضربون فيها بعوثا فيكره الرجل منكم البعث فيخلص من قومه ويعرض نفسه على القبائل يقول: من أكفيه كذا وكذا، ألا وذلك الأجير الى آخر قطرة من دمه) فانظر محبة الدنيا ماذا حرمت هذا المجاهد من المجاهدين من الأجر وأفسدت عليه عمله وجعلته أول الداخلين إلى النار\rفصل\rورابعها: أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه في الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه والناس هاهنا مراتب فمنهم من يشغله محبوبه عن الايمان وشرائعه ومنهم من يشغله عن الواجبات التي تجب عليه لله ولخلقه فلا يقوم بها ظاهراً ولا باطناً ومنهم من يشغله حبها عن كثير من الواجبات ومنهم من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وان قام بغيره ومنهم من يشغله عن القيام بالواجب في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فيفرط في وقته وفي حقوقه ومنهم من يشغله عن عبودية قلبه في الواجب وتغريفه لله عند أدائه فيؤديه ظاهراً لا باطناً، وأين هذا من عشاق الدنيا ومحبيها هذا من أندرهم وأقل درجات حبها أن يشغل عن سعادة العبد وهو تفريغ القلب لحب الله ولسانه لذكره وجمع قلبه على لسانه وجمع لسانه وقلبه على ربه فعشقها، ومحبتها تضر بالآخرة ولابد، كما أن محبة الآخرة تضر بالدنيا وفي هذا حديث قد روى مرفوعا: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى)\rفصل\rوخامسها: أن محبتها تجعلها أكبر هم العبد وقد روي الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا الا ما قدر له)\rفصل","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"وسادسها: أن محبها أشد الناس عذابا بها وهو معذب في دوره الثلاث، يعذب في الدنيا بتحصيلها والسعي فيها ومنازعة أهلها، وفي دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجوا اجتماعه به أبدا، ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه، فهذا أشد الناس عذابا في قبره، يعمل الهم والغم والحزن والحسرة في روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض في جسمه كما قال الامام أحمد: حدثنا اسماعيل ابن عبد الكريم، حدثنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه أن حزقيل كان فيمن سبى بختنصر فذكر عنه حديثاً وفي آخره قال: فبينا أنا نائم على شط الفرات اذا أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى وضعني بقاع من الأرض، قد كانت معركة قال: واذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بددت الطير والسباع لحومهم وفرقت أوصالهم قال لي: ان قوما يزعمون أن من مات منهم أو قتل فقد انفلت مني وذهبت عنه قدرتي فادعهم قال حزقيل: فدعوتهم فاذا كل عظم قد أقبل الى مفصله الذي انقطع منه ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذي فارق حتى أم بعضها بعظائم نبت عليها اللحم ثم نبتت عليها العروق ثم انبسطت الجلود وأنا أنظر الى ذلك، ثم قال: ادع أرواحهم قال: فدعوتها، فاذا كل روح قد أقبل الى جسده الذي فارق، فلما جلسوا سألتهم فيم كنتم؟ قالوا: انا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال: هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم كذلك سنتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم، قال: فنظر في أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان فسلط الدود على أحسادنا وجعلت الأرواح تألمه، وسلط لغم على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه، فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا ولا يستريح عاشق الدنيا فقولهم: (كنا نعبد الأوثان) فسيان عبادة الأثيمان وعبادة الأوثان، تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم والمقصود أن محب الدنيا يعذب في قبره ويعذب يوم لقاء ربه، قال تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) قال بعض السلف: يعذبهم بجمعها وتزهق أنفسهم بحبها وهم كافرون بمنع حق الله فيها\rفصل\rوسابعها: أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم عقلا، اذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد في أرغد عيش بحياة انما هي أحلام نوم أو كظل زائل، ان الميت بمثلها لا يخدع، كما نزل أعرابي بقوم فقدموا له طعاماً فأكل ثم قام الى ظل خيمة فنام فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه وهو يقول:\rوان امرؤ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور\rوكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت:\rيا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... ان اغترارا بظل زائل حمق\rقال يونس بن عبد الأعلى: ما شبهت الدنيا الا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو علي الطائي، حدثنا عبد الرحمن البخاري عن ليث قال: رأى عيسى ابن مريم الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة، فقال: كم تزوجتي؟ قالت: لا أحصيهم قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلته فقال عيسى: بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونوا منك على حذر\rأرى أشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجوع\rأراها وان كانت تحب فانها ... سحابة صيف عن ليل تقشع\rأشبه الأشياء بالدنيا الظل تحسب له حقيقة ثابتة وهو في تقلص وانقباض فتتبعه لتدركه فلا تلحقه وأشبه الأشياء بها السراب (يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب) وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره فاذا استيقظ علم ان ذلك لا حقيقة له","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"وأشبه الأشياء بها عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر غدارة بالأزواج تزينت للخطاب بكل زينة وسترت كل قبيح فاغتر بها من لم يجاوز بصره ظاهرها فطلب النكاح فقالت: لا مهر الا نقد الآخرة فاننا ضرتان واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح فآثر الخطاب العاجلة وقالوا: ما على من واصل حبيبته من جناح فلما كشف قناعها وحل ازارها اذا كل آفة وبلية فمنهم من طلق واستراح ومنهم من اختار المقام فما استتمت ليلة عرسه الا بالعويل والصياح بالله لقد أذن مؤذنها على رؤوس الخلائق بحي على غير الفلاح فقام المجتهدون والمصلون لها فواصلوا في طلبها الغدو بالرواح وسروا ليلهم فلم يحمد القوم السرى عند الصباح، طاروا في صيدها فما رجع أحد منهم الا وهو مكسور الجناح فوقعوا في شبكتها فأسلمتهم للذباح قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن شقيق، حدثنا ابراهيم ابن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يؤتي بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال: أتعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، بها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم يقذف بها في جهنم فننادي: يا رب أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله عز وجل: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا اسحاق بن اسماعيل، حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن أبي العلاء قال: رأيت في النوم عجوزا كبيرة عليها من كل زينة الدنيا والناس عكوف عليها متعجبون ينظرون اليا فجئت فنظرت فتعجبت من نظرهم اليها واقبالهم عليها فقلت لها: ويلك من أنت؟ قالت: أما تعرفني؟ قلت: لا قالت: أنا الدنيا قال: قلت: أعوذ بالله من شرك قالت: فان أحببت أن تعاذ من شري بابغض الدرهم قال ابن أبي الدنيا: وحدثني ابراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا سفيان بن عينيه قال: قال لي أبو بكر بن عياش: رأيت الدنيا في النوم عجوزا مشوهة شمطاء تصفق بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون، فلما كانت بحذائي أقبلت على فقالت: لو ظفرت بك صنعت ما صنعت بهؤلاء، ثم بكى أبو بكر قال: وحدثني محمد بن علي، حدثنا ابراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل قال: بلغني أن رجلاً عرج بروحه قال: فاذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلي والثياب واذا هي لا يمر بها أحد الا جرحته واذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس واذا أقبلت أقبح شيء عجوز شمطاء زرقاء عمشاء فقلت: أعوذ بالله قالت: لا والله لا يعيذك الله حتى تبغض الدرهم قال قلت: من أنت؟ قالت: أنا الدنيا ووصف علي رضي الله عنه الدنيا فقال: دار من صح فيها هرم ومن سقم فيها ندم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها النار وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وذكر ابن أبي الدنيا: أن الحسن كتب الى عمر بن عبد العزيز: أما بعد فان الدنيا دار ظعن ليست بدار اقامة، وانما أنزل آدم اليها عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين فان الزاد منها تركها، والغناء فيها فقرها، لها في كل حال قتيل، تدل من أعزها وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه، فكن فيها كمداو جرحاته يحتمي قليلاً، مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة الخيالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها، وخيلت بآمالها وشوقت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون اليها ناظرة، والقلب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بالأول مزدجر، والعارف بالله حين أخبره عنها مدكر، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد فشغل فيها لبه، حتى زلت عنها قدمه، فعظمت ندامته، وكبرت حسرته، واجتمع عليه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت ونغصه، فذهب منها في كمد، ولم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين، وأسر ما تكون فيها، احذر ما تكون لها، فان صاحب الدنيا كلما اطمأن منها الى سرور أشخصته الى مكروه، السار فيها غذاء ضار، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها الى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، لا يرجع منها ما ولى فأدبر، ولا يدري ما هو آت فينتظر، أمانيها كاذبة وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلاً، لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند الله عز وجل قدر ولا وزن، وما نظر اليها منذ خلقها، ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا تنقصه عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض الله خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه فزواها عن الصالحين اختيارا، وبسطها لأعدائه اغترارا، فيظن المغرور بها القادر عليها أنه أكرم بها ونسي ما صنع الله بمحمد صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه وقال الحسن أيضاً: ابن آدم لا تعلق قلبك في الدنيا فتعلقه بشر مغلق، اقطع حبالها، وغلق أبوابها، حسبك يا ابن آدم منها ما يبلغك المحل وكان يقول: ان قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها فأهني ما تكون اذا اهنتموها، هيهات هيهات، ذهبت الدنيا وبقيت الأعمال قلائد في الأعناق وقال المسيح عليه السلام: لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيداً، واعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزناً طويلاً، ما سكنت الدنيا في قلب عبد الا التاط قلبه منها بثلاثة: شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه، الدنيا طالبة مطلوبة فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجئ الموت فيأخذ بعنقه، يا معشر الحواريين: ارضوا بدنئ الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنئ الدين مع سلامة الدنيا وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها الله تعالى الى يوم يفنيها، تنادي ربها: يا رب لم تبغضني؟ فيقول: اسكتي يالا شيء، اسكتي يالا شيء وقال الفضيل: تجئ الدنيا يوم القيامة فتتبختر في زينتها ونضرتها، فتقول: يا رب اجعلني لأحسن عبادك دارا فيقول: لا أرضاك له، أنت لا شيء فكوني هباء منثورا\rفصل\rفي ذكر أمثلة تبين حقيقة الدنيا\rالمثال الأول: للعبد ثلاثة أحوال: حالة لم يكن فيها شيئاً، وهي ما قبل أن يوجد وحالة أخرى: وهي من ساعة موته الى مالا نهاية له في البقاء السرمدي فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن اما في الجنة واما في النار ثم تعاد الى بدنه فيجازى بعمله ويسكن احدى الدارين في خلود دائم","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"ثم بين هاتين الحاليتن، وهي ما بعد وجوده وما قبل موته، حالة متوسطة وهي أيام حياته فلينظر الى مقدار زمانها وأنسبه الى الحالتين يعلم أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن اليها ولم يبال كيف تقضت أيامه فيها في ضر وضيق أو في سعة ورفاهية ولهذا لم يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، وقال: (مالي وللدنيا، انما مثلي ومثل الدنيا الا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها) وقال: (ما الدنيا في الآخرة الا كما يجعل أحدكم اصبعه في اليم فينظر بما يرجع) والى هذا أشار المسيح عليه السلام بقوله: (الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها) وهذا مثل صحيح، فان الحياة معبر الى الآخرة والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة واللحد هو الركن الثاني على آخرها، ومن الناس من قد قطع نصف القنطرة، ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له الا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيف ما كان فلابد من العبور فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور فهو في غاية الجهل والحمق\rفصل\rالمثال الثاني: شهوات الدنيا في القلب كشهوات الأطعمة في المعدة، وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجد للأطعمة اللذيذة اذا انتهت في المعدة غايتها وكما أن الأطعمة كلما كانت ألذ طعماً وأكثر دسما وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذ وأقوى فالتأذي بها عند الموت أشهد كما أن تفجع الانسان بمحبوبه اذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضحاك بن سفيان: ألست تؤتي بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه الماء واللبن؟ قال: بلى قال: فالام يصير؟ قال: الى ما قد علمت قال: فان الله عز وجل ضرب مثل الدنيا لما يصير اليه طعام ابن آدم وكان بعض السلف يقول لأصحابه: انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم الى مزبلة فيقلو: انظروا الى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم\rفصل\rالمثال الثالث: لها ولأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من الحسرات: مثل أهلها في غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم الى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم الابطاء وخوفهم مرور السفينة فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر الى السفينة فصادف المكان خالياً فأخذ أوسع الأماكن وأليقها وأوفقها لمراده ووقف بعضهم في الجزيرة ينظر الى أزهارها وأنوارها العجيبة ويسمع نغمات طيورها ويعجبه حسن أحجارها ثم حدثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها فلم يصادف الا مكاناً ضيقاً فجلس فيه وأكب بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة فحمل منها حمله، فلما جاء لم يجد في السفينة الا مكانا ضيقاً وزاده حمله ضيقا فصار محموله ثقلاً عليه ووبالاً ولم يقدر على نبذه بل لم يجد من حمله بدا ولم يجد له في السفينة موضعاً فحمله على عنقه وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة ثم ذبلت الأزهار وتغيرت أراييحها فآذاه نتنها وتولج بعضهم في تلك الغياض ونسي السفينة وأبعد في نزهته حتى أن الملاح نادى بالناس عند دفع السفينة فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه فهو تارة يتناول من الثمر وتارة يشم تلك الأنوار وتارة يعجب من حسن الأشجار وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه، غير منفك من شوك يتشبث في ثيابه ويدخل في قدميه أو غصن يجرح بدنه أو عوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته أو صوت هائل يفزعه ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبق فيها موضع فمات على الساحل ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته الحيات ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم وما أقبح بالعاقل أن تغره أحجار ونبات يصير هشيما قد شغل باله وعوقه عن نجاته ولم يصحبه","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"المثال الرابع لاغترار الناس بالدنيا وضعف ايمانهم بالآخرة: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا اسحاق بن اسماعيل، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (انما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا، كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى اذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي، أنفدوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك اذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: ان هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا الا من قريب، فلما أنتهى اليهم قال: يا هؤلاء على ما أنتم؟ قالوا: على ما ترى، قال: أرأيتم ان هديتكم على ماء رواء ورياض خضر، ما تجعلون لي؟ قالوا: لا نعصيك شيئاً قال: عهودكم ومواثيقكم بالله، قال: فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئاً فأوردهم ماء ورياضا خضرا، قال: فمكث فيهم ما شاء الله، ثم قال: يا هؤلاء الرحيل، قالوا: الى أين؟ قال: الى ماء ليس كمائكم ورياض لبست كرياضكم قال: فقال جل القوم - وهم أكثرهم: والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش هو خير من هذا؟ قال: وقالت طائفة - وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئاً، وقد صدقكم في أول حديثه فو الله ليصدقنكم في آخره، فراح بمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبادرهم عدوهم فأصبحوا بين أسير وقتيل)\rفصل\rالمثال الخامس للدنيا وأهلها: ما مثلها به النبي صلى الله عليه وسلم كظل شجرة، والمرء مسافر فيها الى الله فاستظل في ظل تلك الشجرة في يوم صائف ثم راح وتركها فتأمل حسن هذا المثال ومطابقته للواقع سواء، فانها في خضرتها كشجرة وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئاً فشيئاً كالظل، والعبد مسافر الى ربه، والمسافر اذا رأى شجرة في يوم صائف لا يحسن به أن يبني تحتها دارا ولا يتخذها قرارا، بل يستظل بها بقدر الحاجة ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق\rفصل\rالمثال السادس: تمثيله لها صلى الله عليه وسلم بمدخل اصبعه في اليم، فالذي يرجع به اصبعه من البحر هو مثل الدنيا بالنسبة الى الآخرة وهذا أيضاً من أحسن الأمثال، فان الدنيا منقطعة فانية، ولو كانت مدتها أكثر مما هي والآخرة أبدية لا انقطاع لها ولا نسبة للمحصور الى غير المحصور، بل لو فرض أن السموات والأرض مملوءتان خردلا وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة لفنى الخردل والآخرة لا تفنى، فنسبة الدنيا الى الآخرة في التمثيل كنسبة خردلة واحدة الى ذلك الخردل ولهذا لو أن البتحر يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار الأرض كلها أقلام يكتب بها كلام الله لنفدت الأبحر والأقلام ولم تنفد كلمات الله لأنها لا بداية لها ولا نهاية لها، والأبحر والأقلام متناهية قال الامام أحمد وغيره: لم يزل الله متكلماً اذا شاء وكماله المقدس مقتض لكلامه، وكماله من لوازم ذاته، فلا يكون الا كاملاً، والمتكلم أكمل ممن لا يكلم وهو سبحانه لم يلحقه كلل ولا تعب ولا سآمة من الكلام، وهو يخلق ويدبر خلقه بكلماته، فكلماته هي التي أوجد بها خلقه وأمره، وذلك حقيقة ملكه وربوبيته وألوهيته وهو لا يكون الا ربا ملكا الها لا اله الا هو والمقصود أن الدنيا نفس من أنفسا الآخرة وساعة من ساعاتها\rفصل\rالمثال السابع: ما مثلها به صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال: (لا والله ما أخشى عليكم الا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا فقال رجل: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف قلت؟ قال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الخير لا يأتي الا بالخير، وان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم، الا آكلة الخضر أكلت حتى اذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت، ثم اجترت فعادت فأكلت، فمن أخذ مالا بحقه بورك له فيه ومن أخذ مالا يغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع) فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه انما يخاف عليهم الدنيا وسماها زهرة فشبهها بالزهر في طيب رائحته وحسن منظره وقلة بقائه وان وراءه ثمراً خيرا وأبقى منه","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وقوله: (ان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم) هذا من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والمسرة فيها وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع فتأكل منها بأعينها فربما هلكت حبطا والحبط: انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء أو من المرض يقال: حبط الرجل والدابة تحبط حبطاً، اذا أصابه ذلك ولما أصاب الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم ذلك في سفره فمات حبطا فنسب (الحبطي) كما يقال (السلمى) فكذلك الشره في المال يقتله شرهه وحرصه فان لم يقتله قارب أن يقتله وهو قوله: (أو يلم) وكثير من أرباب الأموال انما قتلتهم أموالهم فانهم شرهوا في جمعها واحتاج اليها غيرهم، فلم يصلوا اليها الا بقتلهم أو ما يقاربه من اذلالهم وقهرهم وقوله: (الا آكلة الخضر) هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته، مثله بالشاة الآكلة من الخضر بقدر حاجتها، أكلت حتى اذا امتلآت خاصرتاها - وفي لفظ آخر: امتدت خاصرتاها - وانما تمتد من امتلائها من الطعام، وثنى الخاصرتين لأنهما جانبا البطن وفي قوله: (استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت) ثلاث فوائد: احداها: أنها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبله الشمس لتستمرئ بذلك ما أكلته الثانية: أنها أعرضت عما يضرها من الشره في المرعى وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس الذي يحصل لها بحرارتها انضاج ما أكلت واخراجه الثالثة: أنها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى في بطنها فاستراحت باخراجه، ولو بقي فيها لقتلها فكذلك جامع المال، مصلحته أن يفعل به كما فعلت هذه الشاة وأول الحديث مثل للشره في جمع الدنيا والحريص على تحصيلها فمثاله مثال الدابة التي حملها شره الأكل على أن يقتلها حبطا أو يلم اذا لم يقتلها، فان الشره الحريص اما هالك واما قريب من الهلاك، فان الربيع ينبت أنواع البقول والعشب فتستكثر منه الدابة حتى ينتفخ بطنها لما جاوزت حد الاحتمال فتنشق أمعاؤها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويحبسها أو يصرفها في غير حقها وآخر الحديث مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذي تنتفع الدابة بأكله ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه فوق ما تحتمله، بل أكلت بقدر حاجتها وهكذا، هذا أخذ ما يحتاج اليه ثم أقبل على ما ينفعه وضرب بول الدابة وثلطها مثلاً لاخراجه المال في حقه حيث يكون حبسه وامساكه مضرا به، فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر حاجته منه، ونجا من وبال امساكه باخراجه كما نجت الدابة من الهلاك بالبول والثلط وفي هذا الحديث اشارة الى الاعتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل بكثرته وبين الاعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعاً وتضمن الخبر أيضا ارشاد المكثر من المال الى ما يحفظ عليه قوته وصحته في بدنه وقلبه وهو الاخراج منه وانفاقه ولا يحبسه فيضره حبسه وبالله التوفيق\rفصل\rالمثال الثامن: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ميمونة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: (الدنيا خضرة حلوة، فمن اتقى الله فيها وأصلح، والا فهو كالآكل ولا يشبع) وبين الناس في ذلك كعبد الكوكبين أحدهما يطلع في المشرق والآخر بغيب في المغرب، فنبه بخضرتها على استحسان العيون لها، وبحلاوتها على استجلاء الصدور لها وبتلك الخضرة والحلاوة زينت لأهلها وحببت اليهم لا سيما وهم مخلوقون منها وفيها كما قيل:\rونحن بنو الدنيا ومنها نباتنا ... وما أنت منه فهو شيء محبب\rوجعل الناس فيها قسمين، أحدهما: مصلح متقي، فهذا تقواه واصلاحه لا يدعانه ينهمك عليها ويشره فيها ويأخذها من غير حلها ويضعها في غير حقها، فان لم يتق ويصلح صرف نهمته وقواه وحرصه الى تحصيلها، فكان كالذي يأكل ولا يشبع وهذا من أحسن الأمثلة، فان المقصود من الأكل حفظ الصحة والقوة، وذلك تابع لقدر الحاجة، وليس المقصود منه ذاته ونفسه فمن جعل نهمته فوق مقصوده لم يشبع ولهذا قام الامام أحمد: الدنيا قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى وأخبر عن تفاوت الناس في المنزلتين، أعنى منزلة التقوى والاصلاح، ومنزلة الأكل والشره، وأن بين الرجلين في ذلك كما بين الكوكبين الغارب في الأفق والطالع منه وبين ذلك منازل متفاوتة\rفصل","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"المثال التاسع: ما تقدم من حديث المستورد بن شداد قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها؟ قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال: (فوالذي نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها) قال الترمذي: حديث حسن صحيح فلم يقتصر صلى الله عليه وسلم على تمثيلها بالسخلة الميتة، بل جعلها أهون على الله منها وفي مسند الامام أحمد في هذا الحديث: (فوالذي نفسي بيده للدنيا عند الله أهون عليه من تلك السخلة على أهلها) فأكد ذلك بالقسم الصادق فاذا كان مثلها عند الله أهون وأحقر من سخلة ميتة على أهلها فمحبها وعاشقها أهون على الله من تلك السخلة وكونها سخلة أهون عليهم من كونها شاة كبيرة، لأن تلك ربما انتفعوا بصوفها أو دبغوا جلدها وأما ولد شاة صغيرة ميت ففي غاية الهوان والله المستعان\rفصل\rالمثال العاشر: مثلها مثل البحر الذي لابد للخلق كلهم من ركوبه ليقطعوه الى الساحل الذي فيه دورهم وأوطانهم ومستقرهم، ولا يمكن قطعه الا في سفينة النجاة فأرسل الله رسله لتعرف الأمم اتخاذ سفن النجاة وتأمرهم بعملها وركوبها وهي طاعته وطاعة رسله وعبادته وحده واخلاص العمل له والتشمير للآخرة وارادتها والسعي لها سعيها، فنهض الموفقون وركبوا السفينة ورغبوا عن خوض البحر لما علموا أنه لا يقطع خوضا ولا سباحة وأما الحمقاء فاستصعبوا عمل السفينة وآلاتها والركوب فيها وقالوا: نخوض البحر فاذا عجزنا قطعناه سباحة - وهم أكثر أهل الدنيا - فخاضوه، فلما عجزوا عن الخوض أخذوا في السباحة حتى أدركهم الغرق ونجا أصحاب السفينة كما نجوا مع نوح عليه السلام وغرق أهل الأرض فتأمل هذا المثل وحال أهل الدنيا فيها يتبين لك مطابقته لك مطابقته للواقع وقد ضرب هذا المثل للدنيا والآخرة والقدر والأمر فان القدر بحر والأمر فيه سفينة لا ينجوا الا من ركبها\rفصل\rالمثال الحادي عشر: مثالها مثال اناء مملوء عسلا رآه الذباب فأقبل نحوه فبعضه قعد على حافة الاناء وجعل يتناول من العسل حتى أخذ حاجته ثم طار، وبعضه حمله الشره على أن رمى بنفسه في لجة الاناء ووسطه فلم يدعه انغماسه فيه أن يتهنأ به الا قليلا حتى هلك في وسطه\rفصل\rالمثال الثاني عشر: مثال حب قد نثر على وجه الأرض وجعلت حبة في فخ وجعل حول ذلك الحب حب ليس في فخاخ فجاءت الطير، فمنها من قنع بالجوانب ولم يرم نفسه في وسط الحب فأخذ حاجته ومضى ومنها من حمله الشره على اقتحام معظم الحب ووسط الحب، فما استلم اللقاط الا وهو يصيح من أخذه الفخ له\rفصل\rالمثال الثالث عشر: كمثل رجل أوقد ناراً عظيمة فجعلت الفراش والجنادب يرون ضوءها فيقصدونها ويتهافون فيها، ومن له علم بحالها جعل يستضيء ويستدفئ بها من بعيد وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم الى هذا المثل بعينه في الحديث الذي رواه مالك بن اسماعيل عن حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اني ممسك بحجزكم عن النار وتتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب ويوشك أن أرسل بحجزكم) وفي لفظ آخر: (مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله جعلت الفراش والجنادب يتقاحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبوني وتتقاحمون فيها) وهذا المثال منطبق على أهل الدنيا المنهمكين فيها فالرسل تدعوهم الى الآخرة وهم يتقاحمون في الدنيا تقاحم الفراش\rفصل","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"المثال الرابع عشر: مثل قوم خرجوا في سفر بأموالهم وأهليهم فمروا بواد مشعب كثير المياه والفواكه فنزلوا به وضربوا خيمهم وبنوا هنالك الدور والقصور فمر بهم رجل يعرفون نصحه وصدقه وأمانته فقال: اني رأيت بعيني هاتين الجيش خلف هذا الوادي وهو قاصدكم فاتبعوني أسلك بكم على غير طريق العدو فتنجوا منه، فأطاعته طائفة قليلة، فصاح فيهم: يا قوم النجاة النجاة أتيتم أتيتم، وصاح السامعون له بأهليهم وأولادهم وعشائرهم فقالوا: كيف نرحل من هذا الوادي وفيه مواشينا وأموالنا ودورنا وقد استوطناه؟ فقال لهم الناصح: لينج كل واحد منكم بنفسه مما خف عليه من متاعه والا فهو مأخوذ وماله مجتاح، فثقل على أصحاب الجد والأموال ورؤساء القوم النقلة، ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرفاهية والدعة وقال كل أحمق: لي أسوة بالقاعدين فهم أكثر مني مالاً وأهلاً فما أصابهم أصابني معهم، ونهض الأقلون مع الناصح ففازوا بالنجاة وصبح الجيش أهل الوادي فقتلهم واجتاح أموالهم وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم الى هذا المثل بعينه في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، اني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاة النجاة، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق)\rفصل\rالمثال الخامس عشر: رجل هيأ دارا وزينها ووضع فيها من جميع الآلات ودعا الناس اليها: فكلما دخل داخل أجلسه على فراش وثير وقدم اليه طبقاً من ذهب عليه لحم، ووضع بين يديه أوان مفتخرة فيها من كل ما يحتاج اليه وأخدمه عبيده فاستمتع بتلك الآلات والضيافة مدة مقامه في الدار، ولم يعلق قلبه بها ولا حدث نفسه بتملكها، بل اعتمد مع صاحب الدار ما يعتمده الضيف يجلس حيث أجلسه، ويأكل ما قدمه له ولا يسأل عما وراء ذلك اكتفاء منه بعلم صاحب الدار وكرمه وما يفعله مع ضيوفه، فدخل الدار كريماً وتمتع فيه كريماً وفارقها كريماً، ورب الدار غير ذام له وأما الأحمق، فحدث نفسه بسكني الدار وحوز تلك الآلات الى ملكه وتصرفه فيها بحسب شهوته وارادته، فتخير المجلس لنفسه وجعل ينقل تلك الآلات الى مكان في الدار يخبؤها فيه، وكلما قدم اليه ربها شيئاً أو آلة حدث نفسه بملكه واختصاصه به عن سائر الأضياف، ورب الدار يشاهد ما يصنع وكرمه يمنعه من اخراجه من داره حتى اذا ظن أنه قد استبد بتلك الآلات وملك الدار وتصرف فيها وفي آلاتها تصرف المالك الحقيقي واستوطنها واتخذها داراً له أرسل اليه مالكها عبيده فأخرجوه منها اخراجا عنيفاً وسلبوه كل ما هو فيه ولم يصحبه من تلك الآلات شيء وحصل على مقت رب الدار له وافتضاحه عنده وبين مماليكه وحشمه وخدمه فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل فانه مطابق للحقيقة والله المستعان قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كل أحد في هذه الدنيا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل والعارية مؤداة وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت اليه عشاء فأكل وشرب وقال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم أن يمنعوهم؟ قال: لا قالت: فاحتسب ابنك، قال فغضب وقال: تركتيني تلطخت ثم أخبرتيني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لكما في ليلتكما) وذكر الحديث\rفصل","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"المثال السادس عشر: قوم سلكوا مفازة فاجأهم العطش فانتهوا الى البحر وماؤه أمر شيء وأملحه فلشدة عطشهم لم يجدوا طعم مرارته وملوحته فشربوا منه فلم يرووا، وجعلوا كلما ازدادوا شربا ازدادوا ظمأ حتى تقطعت أمعاؤهم وماتوا عطشاً، وعلم عقلاؤهم أنه مر مالح وأنه كلما ازداد الشارب منه ازداد ظمؤه فتباعدوا عنه مسافة حتى وجدوا أرضا حلوة فحفروا فيها قليبا فنبع لهم ماء عذب فرات فشربوا وعجنوا وطبخوا ونادوا اخوانهم الذين على حافة البحر: هلموا الى الماء الفرات، وكان منهم المستهزئ، ومنهم المعرض الراضي بما هو فيه، وكان المجيب واحداً بعد واحد وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح عليه السلام فقال: (مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر كلما ازاداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله)\rفصل\rالمثال السابع عشر: مثل الانسان ومثل ماله وعشيرته وعمله مثل رجل له ثلاثة اخوة فقضى له سفر بعيد طويل لابد له منه، فدعا اخوته الثلاثة وقال: قد حضر ما ترون من هذا السفر الطويل وأحوج ما كنت اليكم الآن، فقال أحدهم: أنا كنت أخاك الى هذه الحال، ومن الآن فلست بأخ ولا صاحب وما عندي غير هذا، فقال له: لم تغن عني شيئاً، فقال للآخر: ما عندك؟ فقال: كنت أخاك وصاحبك الى الآن وأنا معك حتى أجهزك الى سفرك وتركب راحلتك ومن هنالك لست لك بصاحب، فقال له: أنا محتاج الى مرافقتك في مسيري، فقال: ما عندك أنت؟ فقال: كنت صاحبك في صحتك ومرضك وأنا صاحبك الآن وصاحبك اذا ركتب راحلتك وصاحبك في مسيرك فان سرت سرت معك وان نزلت نزلت معك واذا وصلت الى بلدك كنت صاحبك فيها لا أفارقك أبدا فقال: ان كنت لأهون الأصحاب على وكنت أوثر عليك صاحبيك فليتني عرفت حقك وآثرتك عليهما فالأول: ماله، والثاني: أقاربه وعشيرته وأصحابه، والثالث: عمله وقد روى في هذا المثل بعينه حديث مرفوع لكنه لا يثبت، رواه أبو جعفر العقيلي في كتاب (الضعفاء) من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة وعن ابن المسيب عن عائشة مرفوعاً وهو مثل صحيح في نفاذه مطابق للواقع\rفصل\rالمثال الثامن عشر: وهو من أحسن الأمثلة: ملك بني دارا لم ير الراؤن ولم يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها، ونصب اليها طريقاً وبعث داعياً يدعو الناس اليها وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع الزينة وألبست أنواع الحلى والحلل وممر الناس كلهم عليها وجعل لها أعواناً وخدماً وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادا للمارين السائرين الى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غض طرفه عنك ولم يشتغل بك عني وابتغى منك زادا يوصله الى فاخدميه وزوديه ولا تعوقيه عن سفره الى، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره ومن مد اليك عينيه ورضى بك وآثرك على وطلب وصالك فسوميه سوء العذاب وأوليه غاية الهوان، واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش، ومن يأكل منك فاخدعيه به قليلاً ثم استرديه منه واسلبيه اياه كله وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك وتعظيمك واكرامك فقابليه بأمثاله قلى واهانة وهجرا حتى تتقطع نفسه عليك حسرات فتأمل هذا المثال وحال خطاب الدنيا وخطاب الآخرة والله المستعان وهذا المثل مأخوذ من الأثر المروى عن الله عز وجل: (يا دنيا أخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك)\rفصل\rالمثال التاسع عشر: ملك خط مدينة في أصح ألمواضع وأحسنها هواء وأكثرها مياها، وشق أنهارها وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا الى أحسن الأماكن فيها، فمن سبق الى مكان فهو له، ومن تخلف سبقه الناس الى المدينة فأخذوا منازلهم وتبوأوا مساكنهم فيها وبقي من أصحاب الحسرات ونصب لهم ميدان السباق وجعل على الميدان شجرة كبيرة لها ظل مديد وتحتها مياه جارية، وفي الشجرة من كل أنواع الفواكه وعليها طيور عجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها فعن قليل تجتث من أصلها ويذهب ظلها وينقطع ثمرها وتموت أطيارها، وأما مدينة الملك فأكلها دائم وظلها مديد ونعيمها سرمدي وفيها مالاً عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"فسمع الناس بها فخرجوا في طلبها على وجوههم فمروا بطريقهم بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحر وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها واستظلوا بظلها وذاقوا حلاوة ثمرها وسمعوا نغمات أطيارها، فقيل لهم: انما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم وتضمروا مراكبكم للسباق، فتهيئوا للركوب وكونوا على أهمية فاذا صاح النفير استدركتم حلبة السباق فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظل الظليل والماء السلسبيل والفاكهة النضجة والدعة والراحة ونقتحم هذه الحلبة في الحر والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التي تتقطع فيها الأمعاء، وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة الى الأجل البعيد ونترك ما نراه الى مالا نراه، وذرة منقودة في اليد أولى من ذرة موعودة بعد غد خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به، ونحو بنو اليوم وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب في بلد بعيد لا ندري متى نصل اليه ونهض من كل ألف واحد وقالوا: والله ما مقامنا هذا في ظل زائل تحت شجرة قد دنى قلعها، وانقطاع ثمرها، وموت أطيارها، ونترك المسابقة الى الظل الظليل الذي لا يزول، والعيش الهنئ الذي لا ينقطع الا من أعجز العجز وهل يليق بالمسافر اذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذه وطنه خشية التأذي بالحر والبرد وهل هذا الا أسفه السفه، فالسباق السباق والبدار البدار\rحُكمُ المَنيَةِ في البَريَّة جاري ... ما هذِهِ الدُنيا بِدارِ قَرار\rاقضْوا مآرِبَكُم سِراعا إنما ... أعمَارِكُمْ سَفرٌ مِنَ الأسفَارِ\rوتَراكَضُوا خَيلَ السِباق وبادِروا ... أنْ تَستَرد فإِنَهُنَ عَوارى\rوَدَعوا الإِقامَةَ تحتَ ظِلِ زائِل ... أنتُم على سَفر بَهذي الدار\rمنْ يَرجو طيبَ العَيشِ فيها إنما ... يُبنَى الرجاءُ على شَفير هار\rوالعيشُ كُلَ العَيشِ بعدَ فُراقِها ... في دارِ أهلِ السبقِ أكرمُ دار\rفاقتحموا حلبة السباق ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، وساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم فوالله ما كان الا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطع ثمرها، ويبست فروعها، وانقطع مشربها، فقلعها قيمها من أصلها، فأصبح أهلها في حر السموم يتقلبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسرون، أحرقها قيمها فصارت هي وما حولها ناراً تلظى، وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج منها، فقالوا: أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللذات، فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم، وزاد تضاعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقيل: هذا جزاء المتخلفين: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفُسهُمْ يظلمون)\rفصل\rالمثال العشرون: ما مثلها به النبي صلى الله عليه وسلم من الثوب الذي شق وبقى معلقاً بخيط في آخره فما بقاء ذلك الخيط؟ قال ابن أبي الدنيا: حدثني الفضل بن جعفر، حدثنا وهب بن حباد، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو سعيد خلف بن حبيب عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله الى آخره فبقى معلقاً بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع) وان أردت لهذا المثل زيادة ايضاح فانظر الى ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي نظرة عن أبي سعيد قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر نهاراً، ثم قام فخطبنا فلم يترك شيئاً قبل قيام الساعة الا أخبر به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، وجعل الناس يلتفتون الى الشمس هل بقي منها شيء، فقال: ألا أنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها الا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه) وروى حفص بن غياث عن ليث عن المغيرة بن حكيم عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس على أطراف السعف، فقال: (ما بقي من الدنيا الا مثل ما بقي من يومنا هذا فيما مضى منه)","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"وروى حفص بن غياث عن ليث عن المغيرة بن حكيم عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس على أطراف السعف، فقال: (ما بقي من الدنيا الا مثل ما بقي من يومنا هذا فيما مضى منه) وروى ابن أبي الدنيا عن ابراهيم بن سعد حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا موسى بن خلف عن قتادة عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عند مغرب الشمس فقال: (ما بقي من الدنيا فيما مضى منها الا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه)، فالدنيا كلها كيوم واحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره قبل غروب شمسه بيسير وقال جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين - وقرن بين اصبعيه السبابة والوسطى - ) وكان بعض السلف يقول: تصبروا فانما هي أيام قلائل، وانما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت، وأنه قد نعين اليكم أنفسكم والموت حبس لابد منه والله بالمرصاد وانما تخرج هذه النفوس على آخر سورة الواقعة\rفصل\rالمثال الحادي والعشرون: مثال الدنيا كحوض كبير ملئ ماء وجعل مورداً للانام والأنعام فجعل الحضو ينقص على كثرة الوارد حتى لم يبق منه الا كدر في أسفله قد بالت فيه الدواب وخاضته الناس والأنعام كما روى مسلم في صحيحه عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم، فقال في خطبته: ان الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها الا صبابة كصبابة الاناء يتصابها صاحبها وأنكم منتقلون عنها الى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم وقال عبد الله بن مسعود: ان الله تعالى جعل الدنيا كلها قليلاً، فما بقي منها الا قليل من قليل ومثل ما بقي منها كالثغب شرب صفوه وبقي كدره الثغب: الغدير\rفصل\rالمثال الثاني والعشرون: قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان فكثرت فيها الأحداث والآفات وطرقها المحن وأغارت عليها عساكر الجور والفساد فبنى ملكهم مدينة في محل لا يطرقه آفة ولا عاهة، وعزم على تخريب المدنية الأولى فأرسل الى سكانها فنودي فيهم بالرحيل بعد ثلاث ولا يتخلف منهم أحد وأمرهم أن ينقلوا الى مدينة الملك الثانية خير مافي تلك المدينة وأنفعه وأجله من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة وما خف حمله من المتاع وعظم قدره وصلح للملوك وأرسل اليهم الأدلاء وآلات النقل ونهج لهم الطريق ونصب لهم الأعلام وتابع الرسل يستحثونهم بعضهم في اثر بعض فانقسموا فرقا، فالأقلون علموا قصر مدة مقامهم في تلك المدينة وتيقنوا أنهم ان لم يبادروا بتحصيل خير ما فيها وحمله الى مدينة الملك والا فاتهم ذلك فلم يقدروا عليه، فرأوا غبناً أن يقطعوا تلك المدة في جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل فسألوا عن خير ما في المدينة وأنفسه وأحبه الى الملك وأنفعه في مدينته فلما عرفوه لم يلتفتوا الى ما دونه ورأوا أن أحدهم اذا وافى جوهرة عظيمة، كانت أحب الى الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوها، فكان همهم في تحصيل ما هو أحب الى الملك وأنفس عنده ولو قل في رأى العين وأقبلت فرقة أخرى على تعبئة الأحمال المحملة وتنافسوا في كثرتها وهم على مراتب، فمنهم من أحماله أثمان، ومنهم من أحماله دون ذلك على قدر هممهم وما يليق بهم لكن هممهم مصروفة الى تعبئة الأحمال والانتقال من المدينة وأقبلت فرقة أخرى على عمارة القصور في تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذاتها ونزهها وحاربوا العازمين على النقلة وقالوا: لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئاً فان شاركتمونا في عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها والا لم نمكنكم من النقلة ولا من شيء من المتاع فوقعت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين فعمدوا الى أكل أموالهم وأهليهم وما نقموا منهم الا بسيرهم الى دار الملك واجابة داعيه والرغبة عن تلك الدار متى أمرهم بتركها","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وأقبلت فرقة أخرى على التنزه والبطالة والراحة والدعة وقالوا: لا نتعب أنفسنا في عمارتها ولا ننقل منها ولا نعارض من أراد النقلة ولا نحاربهم ولا نعاونهم، وكان للملك فيها قصر فيه حريم له وقد أحاط عليه سورا، وأقام عليه حرسا، ومنع أهل المدينة من قربانه، وطاف به القاعدون فلم يجدوا فيه بابا يدخلون منه، فغدوا على جدرانه فنقبوها ووصلوا الى حريمه فأفسدوهم ونالوا منهم ما أسخط الملك وأغضبه وشق عليه، ولم يقتصروا على ذلك حتى دعوا غيرهم الى افساد حريمه والنيل منهم فبينما هم على تلك الحال واذا بالنفير قد صاح فيهم كلهم فلم يمكن أحد منهم التخلف، فحملوا على تلك الحال وأحضروا بين يدى الملك، فاستعرضهم واحدا واحدا وعرضت بضائعهم وما قدموا به من تلك المدينة عليه فقبل منها ما يصلح له وأعاض أربابه أضعاف أضعاف قيمته وأنزلهم منازلهم من قربه، ورد منها مالاً يصلح له وضرب به وجوه أصحابه، وقابل من نقب حماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون، فسألوا الرجعة الى المدينة ليعمروا قصره ويحفظوا حريمه ويقدموا عليه من البضائع بمثل ما قدم به التجار، فقال: هيهات قد خربت المدينة خرابا لا تعمر بعده أبدا وليس بعدها الا المدينة التي لا تخرب أبدا\rفصل\rوقد مثلت الدنيا بمنام والعيش فيها بالحلم، والموت باليقظة ومثلت بمزرعة والعمل فيها بالبذر والحصاد يوم المعاد ومثلت بدار لها بابان: باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه ومثلت بحية ناعمة الملمس، حسنة اللون وضربتها الموت ومثلت بطعام مسموم، لذيذ الطعم، طيب الرائحة، من تناول منه بقدر حاجته كان فيه شفاؤه، ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه ومثلت بالطعام في المعدة، اذا أخذت الأعضاء منه حاجتها فحبسه قاتل أو مؤذ ولا راحة لصاحبه الا في خروجه كما أشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم في آكلة الخضر، وقد تقدم ومثلت بامرأة من أقبح النساء قد انتقبت على عينين فتنت بهما الناس وهي تدعو الناس الى منزلها فاذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها وألقتهم في الحفر وقد سلطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديما وحديثاً والعجب أن عشاقها يرون اخوانهم صرعى قد حلت بهم الآفات وهم ينافسون في مصارعهم (وسكَنتُم في مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَموا أَنفُسَهُم وتَبَيَّنَ لَكُم كَيفَ فَعلنا بهم وَضَرَبنا لَكُم الأَمثَال) ويكفي في تمثيلها ما مثلها الله سبحانه في كتابه فهو المثل المنطبق عليها قالوا: واذا كان هذا شأنها فالتقلل منها والزهد فيها خير من الاستكثار منها والرغبة فيها قالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها مع الرغبة في الله والدار الآخرة أبداً ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد الا وطردت احداهما الأخرى واستبدت بالمسكن، ولا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً قالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها مع الرغبة في الله والدار الآخرة أبدا ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد الا وطردت احداهما الأخرى واستبدت بالمسكن، ولا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً قالوا: ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت عليه مفاتيح كنوزها ولو أخذها لكان أشكر خلق الله بها ولم تنقصه مما له عند الله شيئاً فاختار جوع يوم وشبع يوم ومات ودرعه مرهونة على طعام لأهله، كما تقدم ذكره قالوا: وقد انقسم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام: قسم لم يريدوا الدنيا ولم تردهم كالصديق ومن سلك سبيله وقسم أرادتهم الدنيا ولم يريدوها كعمر بن الخطاب ومن سلك سبيله وقسم أرادوا الدنيا وأرادتهم كخلفاء بني أمية ومن سلك سبيلهم حاشا عمر بن عبد العزيز فانها أرادته ولم يردها وقسم أرادوها ولم تردهم كمن أفقر الله منها يده وأسكنها في قلبه وامتحنه بجمعها ولا يخفى أن خير الأقسام القسم الأول، والثاني انما فضل لأنه لم يردها فالتحق بالأول قالوا: وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدله على عمل اذا فعله أحبه الله وأحبه الناس فقال له: (إِزهَد في الدُنيا يُحِبُكَ اللَهُ واَزهَد في ما في أيدي الناس يُحِبُكَ الناس) فلو كان الغنى أفضل لدله عليه","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"قالوا: وقد شرع الله سبحانه قتال الكفار وشرع الكف عن الرهبان لاعتزالهم عن الدنيا وزهدهم فيها فمضت السنة بأن لا يقاتلوا ولا يضرب عليهم جزية هذا وهم أعداؤه وأعداء رسله ودينه فعلم أن الزهد فيها عند الله بمكان قالوا: وكذلك استقرت حكمته في شرعه على أن عقوبة الواجد أعظم من عقوبة الفاقد، فهذا الزاني المحصن عقوبته الرجم، وعقوبة من لم يحصن الجلد والتغريب، وهكذا يكون ثواب الفاقد أعظم من ثواب الواجد قالوا: وكيف يستوي عند الله سبحانه ذلة الفقرة وكسرته، وخضوعه وتجرع مرارته، وتحمل أعبائه ومشاقه، وعزة الغني ولذته وصولته والتمتع بلذاته، ومباشرة حلاوته، فبعين الله ما يتحمل الفقراء من مرارة فقرهم وصبرهم ورضاهم به عن الله ربهم تبارك وتعالى وأين أجر مشقة المجاهدين الى أجر عباده القاعدين في الأمن والدعة والراحة؟ قالوا: وكيف يستوي أمران: أحدهما حفت به الجنة والثاني حفت به النار؟ فان أصل الشهوات من قبل المال، وأصل المكاره من قبل الفقر قالوا: والفقير لا ينفك في خصاصة من مضض الفقر والجوع والعرى والحاجة وآلام الفقر، وكل واحد منهما يكفر ما يقاومه من السيئات، وذلك زيادة على أجره بأعمال البر فقد شارك الأغنياء بأعمال البر وامتاز عنهم بما يكفر سيئاته وما امتازوا به عليه من الانفاق والصدقة والنفع المتعدي فله سبيل الى لحاقهم فيه وله مثل أجورهم وهو أن يعلم الله من نيته أنه لو أوتي مثل ما أوتوه لفعل كما يفعلون فيقول: لو أن لي مالاً لعملت بأعمالهم فهو بنيته، وأجرهم سواء كما أخبر به الصادق المصدوق في الحديث الصحيح الذي رواه الامام أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري قالوا: والفقير في الدنيا بمنزلة المسجون اذ هو ممنوع عن الوصول الى شهواته وملاذها والغنى متخلص من هذا السجن وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فالغنى ان لم بسجن نفسه عن دواعي الغنى وطغيانه، وأرسلها في ميادين شهواتها كانت الدنيا جنة له فانما نال الفضل بتشبهه بالفقير الذي هو في سجن فقره قالوا: وقد ذم الله ورسوله من عجلت له طيباته في الحياة الدنيا وأنه لحرى أتن يكون عوضا عن طيبات الآخرة أو منقصة لها ولابد كما تقدم بيانه بخلاف من استكمل طيباته في الآخرة لما منع منها في الدنيا، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسويق لوز فأبى أن يشربه وقال: (هذا شراب المترفين) قالوا: وقد سئل الحسن البصري فقيل له: رجلان أحدهما تارك للدنيا، والآخر يكتسبها ويتصدق بها فقال: التارك لها أحب الى قالوا: وقد سئل المسيح قبله عن هذه المسألة عن رجلين مر أحدهما بلبنة ذهب فتخطاها ولم يلتفت اليها، ومر بها الآخر فأخذها وتصدق بها فقال: (الذي لم يلتفت اليها أفضل) ويدل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بها ولم يلتفت اليها ولو أخذها لأنفقها في سبيل الله قالوا: والفقير الفقيه وفي فقره يمكنه لحاق الغني في جميع ما ناله بغناه بنيته وقوله: (فيساويه في أجره ويتميز عنه بعدم الحساب) بعدم المال فساواه بثوابه وتخلص من حسابه، كما تميز عنه بسبقه الى الجنة بخمسمائة عام، وتميز عنه بثواب صبره على ألم الفقر وخصاصته قال الامام أحمد: حدثنا عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب عن أبي البحتري الطائي عن أبي كبشة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فانه ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها الا زاده الله عز وجل بها عزاً ولا يفتح عبد باب مسألة الا فتح الله له باب فقر وأما الذي أحدثكم حديثاً فاحفظوه فانه قال: انما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً ةوعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، يعلم فيه لله حقاً، فهذا أفضل المنازل عند الله وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو يقول: لو كان لي مال عملت فيه بعمل فلان قال: فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل عند الله وةعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت بفعل فلان قال: فهو بنيته ووزرهما سواء)","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"فلما فضل الغنى بفعله الحق الفقير الصادق بنيته والغني هناك انما نقص بتخلفه عن العمل، والفقير انما نقص بسوء نيته فلم ينفع الغني غناه مع التخلف، ولا ضر الفقير فقره مع حسن النية، ولا نفعه فقره مع سوء نيته قالوا: ففي هذا بيان كاف شاف في المسألة حاكم بين الفريقين وبالله التوفيق\rالباب الرابع والعشرون\rفي ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة\rوالآثار والاعتبار\rقالت الأغنياء: لقد أجلبتم علينا أيها الفقراء بخيل الأدلة ورجلها، ونحن نعلم أن عندكم مثلها وأكثر من مثلها، ولكن توسطتم بين التطويل والاختصار وظننتم أنها حكمت لكم بالفضل دون ذوي اليسار، ونحن نحاكمكم الى ما حاكمتمونا اليه ونعرض بضاعتنا على من عرضتم بضاعتكم عليه، ونضع أدلتنا وأدلتكم في ميزان الشرع والعقل الذي لا يعزل، فحينئذ يتبين لنا ولكم الفاضل من المفضول ولكن أخرجوا من بيننا من تشبه بالفقراء الصادقين الصابرين ولبس لباسهم على قلب أحرص الناس على الدنيا وأشحهم عليها وأبعدهم من الفقر والصبر من كل مظهر للفقر مبطن للحرص غافل عن ربه متبع لهواه مفرط في أمر معاده، قد جعل زي الفقر صناعة وتحلى بما هو أبعد الناس منه بضاعة، أو فقير حاجة فقره اضطرار لا اختيارا، فزهده زهد افلاس لا زهد رغبة في الله والدار الآخرة، أو فقير يشكو ربه بلسان قاله وحاله غير راض عن ربه في فقره، بل أن أعطي رضي وةان منع سخط، شديد اللهف على الدنيا والحسرة عليها، وهو أفقر الناس فيها فهو أرغب شيء فيها، وهي أزهد شيء فيه وأخرجوا من بيننا ذي الثروة الجموع الممنوع المتكاثر بماله المستأثر به الذي قد عض عليه بناجذه وثني عليه خناصره، يفرح بزيادته ويأسى على نقصانه، فقلبه به مشغوف، وهو على تحصيله ملهوف، ان عرض سوق الانفاق والبذل أعطى قليلاً وأكدى، وان دعى الى الايثار أمعن في الهرب جداً وأخلصونا واخواننا من سباق الطائفتين وسادات الفريقين الذين تسابقوا الى الله والدار الآخرة بايمانهم وأحوالهم ونافسوا في القرب منه بأعمالهم وأموالهم، فقلوبهم عاكفة عليه وهمنهم الى المسابقة اليه، ينظر غنيهم الى فقيرهم فاذا رآه قد سبقه الى عمل صالح شمر الى اللحاق به وينظر فقيرهم الى غنيهم فاذا رآه قد فاته بانفاق في طاعة الله أنفق هو من أعماله وأقواله وصبره وزهده نظير ذلك أو أكثر منه فهؤلاء اخواننا الذين تكلم الناس في التفضيل بينهم وأيهم أعلى درجة وأما أولئك فانما ينظر أيهم تحت الآخر في العذاب وأسفل منه والله المستعان اذا عرف هذا فقد مدح الله سبحانه في كتابه أعمالاً وأثنى على أصحابها، ولا تحصل الا بالغنى كالزكاة والانفاق في وجوه البر والجهاد في سبيل الله بالمال وتجهيز الغزاة واعانة المحاويج وفك الرقاب والاطعام في زمن المسبغة وأين يقع صبر الفقير من فرحه الملهوف المضطر المشرف على الهلاك اذا أعانه الغني ونصره على فقره ومخمصته؟ وأين يقع صبره من نفع الغني بماله في نصرة دين الله واعلاء كلمته وكسر أعدائه؟ وأين صبر أبي ذر على فقره الى شكر الصديق وشرائه المعذبين في الله واعتاقهم وانفاقه على نصرة الاسلام حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر) وأين يقع صبر أهل الصفة من انفاق عثمان بن عفان تلك النفقات العظيمة التي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعضها: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ثم قال: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما أخفيت، وما أبديت) أو كما قال واذا تأملتم القرآن وجدتم الثناء فيه على المنفقين أضعاف الثناء على الفقراء الصابرين وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن: اليد العليا خير من اليد السفلى وفسر اليد العليا: بالمعطية والسفلى: بالسائلة وقد عدد الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم من نعمه أن أغناه بعد فقره وكان غناه هو الحالة التي نقله اليها وفقره الحالة التي نقله منها، وهو سبحانه كان ينقله من الشيء الى ما هو خير منه وقد قيل في قوله تعالى: (وللآخِرَةُ خيرٌ لَكَ مِنَ الأولى) أن المراد به الحالتان، أي كل حالة خير لك مما قبلها ولهذا أعقبه بقوله: (ولَسوفَ يُعطيكَ رَبُكَ فَتَرضى) فهذا يدخل فيه عطاؤه في الدنيا والآخرة","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"قالوا: والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة (واللَهُ يَختَصُ بِرَحمَتِهِ مَن يَشاء، واللَهُ ذو الفَضلِ العَظيم) قالوا: والأغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصابرين لتقويتهم اياهم بالصدقة عليهم والاحسان اليهم واعانتهم على طاعتهم فلهم نصيب وافر من أجور الفقراء زيادة الى نصيبهم من أجر الانفاق وطاعاتهم التي تخصهم كما في صحيح ابن خزيمة من رواية سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر شهر رمضان فقال: (من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء) فقد حاز الغنى الشاكر أجر صيامه ومثل أجر الفقير الذي فطره قالوا: ولو لم يكن للغني الشاكر الا فضل الصدقة التي لما تفاخرت الأعمال كان الفخر لها عليهن، كما ذكر النضر بن شميل عن قرة عن سعيد ابن المسيب أنه حدث عن عمر بن الخطاب قال: ذكر ان الأعمال الصالحة تتباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم قالوا: والصدقة وقاية بين العبد وبين النار والمخلص المسر بها مستظل بها يوم القيامة في ظل العرش وقد روي عمرو بن الحارث ويزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان الصدقة لتطفئ على أهلها حر القبور وانما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته) وقال يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة يرفعه: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس) قال يزيد: وكان أبو الخير لا يأتي عليه يوم الا تصدق فيه ولو بكعكة أو بصلة وفي حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) وروى البيهقي من حديث أبي يوسف القاضي عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه: (باكروا بالصدقة، فان البلاء لا يتخطى الصدقة) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اذا تصدق العبد من كسب طيب ولا يقبل الله الا طيبا - أخذها الله بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه - أو فصيله - حتى تكون مثل الجبل العظيم) وفي لفظ للبيهقي في هذا الحديث: (حتى أن التمرة أو اللقمة لتكون أعظم من أحد) وقال محمد بن المنكدر: من موجبات المغفرة: اطعام المسلم السغبان وقد روى مرفوعاً من غير وجه واذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلباً على شدة ظمئه فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسى العراة من المسلمين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فان لم تجدوا فبكلمة طيبة) فجعل الكلم الطيب عوضا عن الصدقة لمن لا يقدر عليها قالوا: وأين لذة الصدقة والاحسان وتفريحهما القلب وتقويتهما اياه وما يلقى الله سبحانه للمتصدقين من المحبة والتعظيم في قلوب عباده والدعاء لهم والثناء عليهم وادخال المسرات عليهم من أجر الصبر على الفقر، نعم ان له لأجرا عظيما لكن الأجر درجات عند الله قالوا: وأيضاً فالصدقة والاحسان والاعطاء وصف الرب تعالى، وأحب عباده اليه من اتصف بذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الخلق عيال الله فأحب الخلق اليه أنفعهم لعياله) قالوا: وقد ذكر الله سبحانه أصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى: (إِن المُصَدِقينَ والمُصدِقاتِ وأَقرِضوا اللَهَ قَرضاً حَسَناً يُضاعِفُ لَهُم ولَهُم أَجرٌ كَريم والَذينَ آمَنوا بِاللَهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِديقون، والشُهَداءِ عِندَ رَبِهِم لَهُم أَجرُهُم ونُورِهِم) فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات قالوا: وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها الا الله، فمنها أنها تقي مصارع السوء وتدفع البلاء حتى أنها لتدفع عن الظالم","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"قال ابراهيم النخعي: وكانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل الظلوم وتطفئ الخطيئة وتحفظ المال وتجلب الرزق وتفرح القلب وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به، كما أن البخل سوء ظن بالله، وترغم الشيطان - يعني الصدقة - وتزكي النفس وتنميها وتحبب العبد الى الله والى خلقه وتستر عليه كل عيب، كما أن البخل يغطي عليه كل حسنة، وتزيد في العمر وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم، وتدفع عن صاحبها عذاب القبر ونكون عليه ظلاً يوم القيامة وتشفع له عند الله وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة وتدعوه الى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه، وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك قالوا: ولولم يكن في النفع والاحسان الا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها فيحب العليم والجواد والحييى والستير والمؤمن القوي أحب اليه من المؤمن الضعيف، ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم، فصفته الغناء والجود ويحب الغنى الجواد قالوا: ويكفي في فضل النفع المتعدي بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل، فمن كسى مؤمناً كساه الله من حلل الجنة، ومن أشبع جائعاً أشبعه الله من ثمار الجنة، ومن سقى ظمآناً سقاه الله من شراب الجنة، ومن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى فرجه بفرجه ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه قالوا: ونحن لا ننكر فضيلة الصبر على الفقر، ولكن أين تقع من هذه الفضائل وقد جعل الله لكل شيء قدرا قالوا: وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، ومعلوم أنه اذا تعدى شكره الى الاحسان الى الغير ازداد درجة أخرى، فان الشكر يتضاعف الى مالا نهاية له بخلاف الصبر فان له حدا يقف عليه، وهذا دليل مستقل في المسألة يوضحه أن الشاكر أفضل من الراضي الذى هو أعلى من الصابر فاذا كان الشاكر أفضل من الراضي الذي هو أفضل من الصابر كان أفضل من الصابر في درجتين قالوا: وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد الا في اثنتين: رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل والنهار) فجعل الغني مع الانفاق بمنزلة القرآن مع القيام به قالوا: وقد صرح في حديث أبي كبشة الأنماري: أن صاحب المال اذا عمل في ماله بعلمه، واتقى فيه ربه، ووصل به رحمه وأخرج منه حق الله فهو في أعلى المنازل عند الله وهذا تصريح في تفضيله وجعل الفقير الصادق اذا نوى أن يعمل بعمله وقال ذلك بلسانه ثانياً، وأنه بنيته وقوله وأجرهما سواء، فان كلا منهما نوى خيراً وعمل ما يقدر عليه، فالغني نواه ونفذه بعلمه والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه فاستويا في الأجر من هذه الجهة، ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، فان الأجر على العمل والنية له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول ومن ذوي الحج ولم يكن له مال يحج به وان أثيب على ذلك فان ثواب من باشر أعمال الحج مع النية له مزية عليه واذا أردت فهم هذا فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة صادقاً من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه)، ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل الله من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوى ذلك اذا مات على فراشه وان بلغ منزلة الشهيد فهاهنا أجران: أجر وقرب، فان استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثراً زائداً وقربا خاصاً وهو فضل الله يؤتيه من يشاء وقد قال صلى الله عليه وسلم: (اذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: انه أراد قتل صاحبه) فاستويا في دخول النار، وهذا لا يلزم استواؤهما في الدرجة ومقدار العذاب فأعط ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقها ونزلنا منازلها يتبين لك المراد","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"يوضح هذا أن فقراء المهاجرين شكوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون قال: أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحداً أفضل منكم الا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين فرجع فقراء المهاجرين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمع اخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فلو كانوا يلحقون بهم في مقدار الأجر بمجرد النية لقال لهم: انووا أن تفعلوا مثل فعلهم فتنالوا مثل أجرهم، فلما أعاضهم عن ما فاتهم من ثواب الصدقة والعتق والحج والاعتمار بما يحصل نظيره بالذكر، علم أن الأغنياء قد فضلوهم بالانفاق، فلما شاركوهم في ا لذكر بقيت مزية الانفاق فشكوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الامتياز لم يزل وأنهم قد ساوونا في الذكر كما ساوونا الصوم والصلاة، فأخبرهم أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فلو كان لهم سبيل الى مساواتهم من كل وجه بالنية والقول لدلهم عليه قالت الفقراء: هذا الحديث حجة لنا اذا فهم على الحقيقة، وذلك أن معناه: أنهم وان كانوا قد ساووكم في الايمان والاسلام والصلاة والصيام ثم فضلوكم في الانفاق ففي التكبير والتسبيح والتهليل ما يلحقكم بدرجتهم، وقد ساويتموهم أيضا بحسن النية اذلو أمكنكم لأنفقتم مثلهم وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: (ان أخذتم به سبقتم من قبلكم ولم يلحقكم من بعدكم) وهذا يدل على أن الأغنياء لا يلحقونهم وان قالوا مثل قولهم وقوله صلى الله عليه وسلم: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، معناه أن فضل الله ليس مقصوراً عليكم دونهم، فكما أتاكم الله من فضله بالذكر، كذلك يؤتيهم اياه اذا عملوا مثلكم أيضا، فأنتم فهمتم من الفضل التخصيص فوضعتموه في غير موضعه، وانما معناه العموم والشمول، وأن فضله عام شامل للأغنياء والفقراء فلا تذهبون به دونهم فأين في هذا الحديث التفضيل لكم علينا قالوا: ويحتمل قوله: (ذلك فضل الله) ثلاثة أمور: أحدها: سبقهم لكم بالانفاق والثاني: مساواتكم لهم في فضيلة الذكر فلم تختصوا بها دونهم والثالث: سبقكم لهم الى الجنة بنصف يوم وهذا وان كان لا ذكر له في هذه الرواية فهو مذكور في بعض طرقه قال البزار في مسنده: حدثنا الوليد بن عمر، حدثنا محمد بن الزبرقان، حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينا عن ابن عمر قال: اشتكى فقراء المهاجرين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فضل به أغنياؤهم، فقالوا: يا رسول الله، اخواننا صدقوا تصديقنا وآمنوا ايماننا، وصاموا صيامنا، ولهم أموال يتصدقون منها ويصلون منها الرحم وينفقونها في سبيل الله، ونحن مساكين لا نقدر على ذلك فقال: ألا أخبركم بشيء اذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم؟ قولوا: الله أكبر في كل صلاة احدى عشرة مرة، والحمد لله مثل ذلك، ولا اله الا الله مثل ذلك، وسبحان الله مثل ذلك، تدركون مثل فضلهم، ففعلوا فذكروا ذلك للأغنياء، ففعلوا مثل ذلك فرجع الفقراء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقالوا: هؤلاء اخواننا فعلوا مثل ما نقول، فقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، يا معشر الفقراء ألا أبشركم أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم: خمسمائة عام) وتلا موسى بن عبيد: (وإِن يَوماً عِندَ رَبِكَ كأَلفِ سَنَةٍ مِما تَعُدون) قالوا: فهذا خبر واحد وكلام متصل ذكره بشارة لهم عندما ذكروا مساواة الأغنياء لهم في القول المذكور فأشبه أن يرجع الفضل الى سبق الفقراء للأغنياء وأنهم بهذه البشارة مخصصون فكان السبق لهم دون غيرهم وان ساووهم في القول وساووهوم في الانفاق بالنية كما في حديث أبي كبشة المتقدم وحصلت لهم مزية الفقر","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"قالت الأغنياء: لقد بالغتم في صرف الحديث عن مقصوده الى جهتكم وهو صريح في تفضيل هذا الحديث لمن أنصف، فان قوله: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) خرج جواباً للفقراء عن قولهم أن أهل الدثور قد ساووهم في الذكر كما ساووهم في الصلاة والصوم والايمان وبقيت مزية الانفاق ولم يحصل لهم ما يلحقهم فيها وما علمتنا من الذكر قد لحقونا فيه، فقال لهم حينئذ: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) وهذا صريح جداً في مقصوده، فلما انكسر القوم بتحقيق السبق بالانفاق الذي عجزوا عنه أخبرهم بالبشارة بالسبق الى دخول الجنة بنصف يوم وأن هذا السبق في مقابلة ما فاتكم من فضيلة الغنى والانفاق، ولكن لا يلزم من ذلك رفعتهم عليهم في المنزلة والدرجة، فهؤلاء السبعون ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب من الموقوفين للحساب من هو أفضل من أكثرهم وأعلى منه درجة قالوا: وقد سمى الله سبحانه المال خيراً في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: (كُتِبَ عَليكُم إِذا حَضَرَ أَحَدُكُم المَوت ان ترك خيرا الوصية) وقوله: (وإِنَهُ لِحُبِ الخَيرِ لَشَديد) وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخير لا يأتي الا بالخير كما تقدم، وانما يأتي بالشر معصية الله في الخير لا نفسه وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قواماً للأنفس، وأمر بحفظه ونهى أن يأتي السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم ومدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نعم المال الصالح مع المرء الصالح) وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويعطى حقه وقال أبو اسحاق السبيعي: كانوا يرون السعة عوناً على الدين وقال محمد بن المنكدر: نعم العون على التقى الغني وقال سفيان الثوري: المال في زماننا هذا سلاح المؤمن وقال يوسف بن أسباط: ما كان المال في زمان منذ خلقت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان، الخير كالخيل لرجل أجر ولرجل ستر، وعلى رجل وزر قالوا: وقد جعل الله سبحانه المال سبباً لحفظ البدن، وحفظه سبب لحفظ النفس التي هي محل معرفة الله والايمان به وتصديق رسله ومحبته والانابة اليه، فهو سبب عمارة الدنيا والآخرة وانما يذم منه ما استخرج من غير وجهه وصرف في غير حقه واستعبد صاحبه وملك قلبه وشغله عن الله والدار الآخرة، فيذم منه ما يتوسل به صاحبه الى المقاصد الفاسدة أو شغله عن المقاصد المحمودة فالذم للجاعل لا للمجعول قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم) فذم عبدهما دونهما قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن يزيد بن ميسرة قال: كان رجل ممن مضى جمع مالاً فأوعى ثم أقبل على نفسه وهوى الى أهله فقال: أنعم سنين، فأتاه ملك الموت فقرع الباب في صورة مسكين فخرجوا اليه، قال: ادعوا لي صاحب الدار فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك! ثم مكث قليلاً، ثم عاد فقرع الدار وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت، فلما سمع سيدهم قعد فزعا وقال: لينوا له الكلام قالوا: ما تريد غير سيدنا؟ بارك الله فيك قال: لا فدخل عليه فقال: قم فأوص ما كنت موصياً فاني قابض نفسك قبل أن أخرج قال: فصرخ أهله وبكوا ثم قال: افتحوا الصناديق وافتحوا أوعية المال ففتحوا جميعاً فأقبل على المال يلعنه ويسبه يقول: لعنت من مال أنت الذي أنسيتني ربي وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي فتكلم المال فقال: لا تسبني ألم تكن وضيعاً في أعين الناس فرفعتك، ألم ير عليك من أثرى وكنت تحضر سدد الملوك والسادة فتدخل ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون، ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون، ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى ولو أنفقتني في سبيل الله لم أتعاص عليك وأنت ألوم مني، انما خلقت أيضاً وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق ببر ومنطلق باثم فهكذا يقول المال فاحذروا وفي أثر يقول الله تبارك وتعالى: أموالنا رجعت الينا، سعد بها من سعد وشقى بها من شقى","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"قالوا: ومن فوائد المال أنه قوام العبادات والطاعات، وبه قام سوق بر الحج والجهاد، وبه حصل الانفاق الواجب والمستحب، وبه حصلت قربات العتق والوقف وبناء المساجد والقناطر وغيرها، وبه يتوصل الى النكاح الذي هو أفضل من التخلي لنوافذ العباد، وعليه قام سوق المروءة، وبه ظهرت صفة الجود والسخاء، وبه وقيت الأعراض وبه اكتسبت الاخوان والأصدقاء، وبه توصل الأبراء الى الدرجات العلى ومرافقة الذين أنعم الله عليهم، فهو مرقاة يصعد بها الى أعلى غرف الجنة، ويهبط منها الى أسفل سافلين وهو مقيم مجد الماجد كما أن بعض السلف يقول: لا جد الا بفعال ولا فعال الا بمال وكان بعضهم يقول: اللهم اني من عبادك الذين لا يصلحهم الا الغنى وهو من أسباب رضى الله عن العبد كما كان من أسباب سخطه عليه وهؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم الله به: الأبرص والأقرع والأعمى، نال به الأعمى رضي ربه ونالا به سخطه والجهاد ذروة سنام العمل، وتارة يكون بالنفس وتارة يكون بالمال وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع وبأي شيء فضل عثمان على علي، وعلى أكثر جهاداً بنفسه وأسبق اسلاماً من عثمان وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغني الوافر، وتأثيرهما في الدين أعظم من تأثير أهل الصفة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعته وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغي بها وجه الله الا ازداد بها درجة ورفعة وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقر وقرنه بالكفر فقال: (اللهم اني أعوذ بك من الكفر والفقر) فان الخير نوعان: خير الآخرة والكفر مضاده، وخير الدنيا والفقر مضاده، فالفقر سبب عذاب الدنيا، والكفر سبب عذاب الآخرة والله سبحانه جعل اعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء، وأخذها وظيفة الفقراء، وفرق بين اليدين شرعاً وقدراً، وجعل يد المعطي أعلى من الآخذ وجعل الزكاة أوساخ المال ولذلك حرمها على أطيب خلقه وعلى آله صيانة لهم وتشريفاً ورفعاً لأقدارهم ونحن لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فقيراً ثم أغناه الله، والله فتح عليه وخوله ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن فدك والنضير وأموال خصه الله بها وقال تعالى: (ما أفاء الله على رسولِهِ مِن أهلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَسول) فنزهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغ أخذ الصدقة وعوضه عما نزهه بأشرف المال وأحله وأفضله وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله بأيديهم ظلماً وعدوانا، فانه خلق المال ليستعان به على طاعته، وهو بأيدي الكفار والفجار ظلماً وعدواناً، فاذا رجع الى أوليائه وأهل طاعته فاء اليهم ما خلق لهم، ولكن لم يكن غنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وملكه من جنس غني بني الدنيا وأملاكهم، فان غناهم بالشيء، وغناه صلى الله عليه وسلم عن الشيء، وهو الغني العالي وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب ارادتهم وهو صلى الله عليه وسلم انما يتصرف في ملكه تصرف العبد الذي لا يتصرف الا بأمر سيده وقد اختلف الفقهاء في الفئ، هل كان ملكاً للنبي صلى الله عليه وسلم؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد: التحقيق أن ملكه له كان نوعاً آخر من الملك، وهو ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً، انما أنا قاسم أضع حيث أمرت) ذلك من كمال مرتبة عبوديته، ولأجل ذلك لم يورث فانه عبد محض من كل وجه لربه عز وجل، والعبد لا مال له فيورث عنه، فجمع الله سبحانه له بين أعلى أنواع الغنى وأشرف أنواع الفقر فكمل له مراتب الكمال فليست احدى الطائفتين بأحق به من الأخرى فكان صلى الله عليه وسلم في فقره أصبر خلق الله وأشكرهم، وكذلك في غناه والله تعالى جعله قدوة للأغنياء والفقراء، وأي غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض، وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهبا، وخير بين أن يكون ملكاً نبياً وبين أن يكون عبداً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبياً","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"ومع هذا فجبيت اليه أموال جزيرة العرب واليمن فأنفقها كلها ولم يستأثر منها بشيء، بل تحمل عيال المسلمين ودينهم، فقال: (من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلا فالى وعلى) فرفع الله سبحانه قدره أن يكون من جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقة، كما نزهه أن يكون من جملة الأغنياء الذين أغناهم بالأموال الموروثة، بل أغنى به سواه وأغنى قلبه كل الغنى ووسع عليه غاية السعة فأنفق غاية الانفاق وأعطى أجل العطايا ولا استأثر بالمال ولا اتخذ منه عقارا ولا أرضا ولا ترك شاة ولا بعيراً ولا عبداً ولا أمة ولا ديناراً ولا درهماً فاذا احتج الغنى الشاكر بحاله صلى الله عليه وسلم لم يمكنه ذلك الا بعد أن يفعل فعله، كما أن الفقير الصابر اذا احتج بحاله صلى الله عليه وسلم لم يمكنه ذلك الا بعد أن يصبر صبره ويترك الدنيا اختياراً لا اضطراراً فرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كل مرتبة من مرتبتي الفقر والغنى حقها وعبوديتها وأيضاً فان الله سبحانه أغنى بهن الفقراء، فما نالت أمته الغنى الا به، وأغنى الناس من صار غيره به غنياً، قال علي بن أبي رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يؤمئذ على مصر وعبد الله بن عمرو ابن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب، فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو: ويومئذ كان سيداً كريماً قد جاء بخير فقال مسلمة: ألم يقل الله تعالى: (أَلَم يَجِدكَ يَتيماً فآوى وَوَجدكَ ضَالاً فَهَدى وَوَجدكَ عَائلاً فأغنى) فقال عبد الله ابن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيماً من أبويه وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب الى القلة، يقول ان العرب كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشيء، ومضى وتركها وحذر منها ومن فتنتها قال: وذلك معنى قوله: (عائلاً فأَغنى) وأما قوله: (ولَسوفَ يُعطيكَ رَبُكَ فَترضى) فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته وهو يحذر منها وتعرض عليه فيأباها وانما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر ودخول الناس في الاسلام وظهور الدين، اذ كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه عليه وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن اسماعيل بن عبد الله عن علي بن عبد الله ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك فنزلت: (والضُحى والليلِ) الى قوله: (ولسوفَ يُعطيكَ رَبُكَ فَترضى) قال: أعطاني ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له) قالوا: وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقلل منها، فالزهد فيها لا ينافى الغنى بل زهد الغنى أكمل من زهد الفقير، فان الغني زهد عن قدرة والفقير عن عجز وبينهما بعد بعيد وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال غناه أزهد الخلق وكذلك ابراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس في الدنيا وقد روى الترمذي في جامعة من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا اضاعته، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق بما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة اذا أنت أصبت بها أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك وسئل الامام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهداً؟ قال: نعم بشرط أن لا يفرح اذا زادت، ولا يخزن اذا نقصت وقال بعض السلف: الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما، فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام، فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب الحلال شكره والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين، فان هذا ليس بزاهد وسمعت شيخ الاسلام يقول: الزهد تركك مالا ينفعك والورع تركك ما يضرك فالزاهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليدين منها ويقابله الشح والحرص وهو ثلاثة أقسام: زهد في الحرام، وزهد في الشبهات والمكروهات وزهد في الفضلات","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"فالأول: فرض، والثاني: فضل، والثالث: متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة وان قويت التحق بالأول والا فبالثالث وقد يكون الثالث واجباً بمعنى أنه لابد منه وذلك لمن شمر الى الله والدار الآخرة فزهد الفضلة يكون ضرورة فان ارادة الدنيا قادحة في ارادة الآخرة ولا يصح للعبد مقام الارادة حتى يفرد طلبه وارادته ومطلوبه فلا ينقسم المطلوب ولا الطلب أما توحيد المطلوب أن لا يتعلق طلبه وارادته بغير الله وما يقرب اليه ويدني منه وأما توحيده في الطلب أن يستأصل الطلب والارادة نوازع الشهوات وجواذب الهوى وتسكن الارادة في أقطار النفس فتملاها فلا يدع فيها فضلاً لغير الانجذاب الى جانب الحق جل جلاله فتتمحض الارادة له ومتى تمحضت، كان الزهد لصاحبها ضرورة، فانه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ما هو بصدده وقطع مواد طمعه اللاتي هي من أفسد شيء للقلب بل أصل المعاصي والفساد والفجور كله من الطمع فالزهد يقطع مواده ويفرغ البال ويملأ القلب ويستحث الجوارح ويذهب الوحشة التي بين العبد وبين ربه ويجلب الأنس به ويقوي الرغبة في ثوابه ان ضعف عن الرغبة في قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ومحبته فالزاهد أروح الناس بدنا وقلبا، فان كان زهده وفراغه من الدنيا قبوله في ارادة الله والدار الآخرة بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب اليه وشحه على وقته أن يضيع منه شيء في غير ما هو أرضى لله وأحب اليه كان من أنعم الناس عيشاً وأقرهم عيناً وأطيبهم نفساً وأفرحهم قلباً فان الرغبة في الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل وتطيل الهم والغم والحزن فهي عذاب حاضر يؤدي الى عذاب منتظر أشد منه وتفوت على العبد من النعم أضعاف ما يروم تحصيله بالرغبة في الدنيا قال الامام أحمد: حدثنا الهيثم بن جميل، حدثنا - يعني ابن مسلم - عن ابراهيم - يعني ابن ميسرة - عن طاووس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، وان الرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن) وانما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين: احداهما: الرغبة في الدنيا والحرص عليها، والثانية: التقصير في أعمال البر والطاعة قال عبد الله بن أحمد: حدثني بيان بن الحكم، حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن الحارث قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذا قصر العبد بالعمل ابتلاه الله عز وجل بالهم) وكما أن الرغبة في الدنيا أصل المعاصي الظاهرة فهي أصل معاصي القلب من التسخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر، وهذا كله من امتلاء القلب بها لا من كوها في اليد، وامتلاء القلب بها ينافى الشكر، ورأس الشكر تفريغ القلب منها وبالله التوفيق وامتداد المال كامتداد العمر والجاه، فخيركم في الدنيا من طال عمره وحسن عمله، فهكذا من امتد ماله وكثر به خيره، فنعم المرء وماله وجاهه، اما أن يرفعه درجات، واما أن يضعه درجات وسر المسألة أن طريق الفقر والتقلل طريق السلامة مع الصبر، وطريق الغني والسعة في الغالب طريق عطب، فان اتقى الله في ماله ووصل به رحمه وأخرج منه حق الله، وليس مقصوراً على الزكاة، بل من حقه اشباع الجائع وكسوة العاري واغاثة الملهوف واعانة المحتاج والمضطر، فطريقه طريق غنيمة وهي فوق السلامة فمثل صاحب الفقر كمثل مريض قد حبس بمرضه عن أغراضه فهو يثاب على حسن صبره على حبسه وأما الغنى فخطره عظيم في جمعه وةكسبه وصرفه فاذا سلم كسبه وحسن أخذه من وجهه وصرفه في حقه كان أنفع له فالفقير كالمتعبد المنقطع عن الناس، والغني المنفق في وجوه الخير كالمعين والمعلم والمجاهد ولهذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم قرين الذي أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فهو أحد المحسودين اللذين لا ثالث لهما، والجهلة يغبطون المنقطع المتخلي المقصور النفع على نفسه ويجعلونه أولى بالحسد من الغنى المنفق والعالم المعلم فان قيل: فأيهما أفضل، من يختار الغنى المتصدق والانفاق في وجوه البر؟ أم من يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة فلا يشغله بالدنيا؟ أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك بل يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختياره واحداً من الأمرين؟","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"قيل: هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به والانفاق وصرفه في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابة، وكان قيس بن سعد يقول: اللهم اني من عبادك الذين لا يصلحهم الا الغني ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبي ذر وجماعة من الصحابة معه، وهؤلاء نظروا الى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها وأولئك نظروا الى مصالح الانفاق وثمراته العاجلة والآجلة والفرقة الثالثة لم تختر شيئاً بل كان اختيارها ما اختاره الله لها وكذلك اختيار طول البقاء في الدنيا لاقامة دين الله وعبادته، فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحب الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك، بل اختارت ما يختاره الله لها، وكان اختيارهم معلقاً بما يريده الله دون مراد معين منهم، وهي حال الصديق رضي الله عنه، فانهم قالوا له في مرض موته: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني، فقالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال اني فعال لما أريد والأولى حال موسى عليه السلام فانه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ولم يكن ذلك حباً منه للدنيا والعيش فيها، ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ويجاهد أعداءه، فكأنه قال لملك الموت: أنت عبد مأمور، وأنا عبد مأمور وأنا في تنفيذ أوامر ربي واقامة دينه، فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها اختار ما اختار ما اختاره الله له وأما نبينا صلوات الله وسلامه عليه فان ربه أرسل اليه يخبره، وكان أعلم الخلق بالله، فعلم أن ربه تبارك وتعالى يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء الله ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره واقامة دينه لما اختار غير ذلك، فكان اختياره تابعاً لاختيار ربه عز وجل، فكما أنه لما خيره ربه عز وجل بين أن يكون ملكاً نبياً وبين أن يكون عبداً نبياً وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبداً نبياً اختار ما اختارهن الله له فكان اختياره في جميع أموره تابعاً لاختيار الله له ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الحال في ذاك الوقت ووفي هذا المقام حقه ولم يثبت عليه من كل وجه الا الصديق، فلم يكن له اختيار في سوى ما اختاره الله له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها فكان راضياً بها مختاراً لها مشاهداً اختيار ربه لها وهذا غاية العبودية، فشكر الله له ذلك وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به، وقالوا: هنيئاً لك يا رسول الله، وحق له أن يهنأ بأعظم ما هنئ به بشر، صلوات الله وسلامه عليه\rفصل\rومما ينبغي أن يعلم: أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسول صلى الله عليه وسلم في أعلاها وخصه بذروة سنامها، فاذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة التي تعرفت تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على غيرها أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضاً فاذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف، احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك واذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم، احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لاقامة دين الله وتنفيذ أمره واذا احتج به الفقير الصابر، احتج به الغني الشاكر واذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة، وترجيحها، احتج به العارفون على فضل المعرفة واذا احتج به أرباب التواضع والحلم، احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم واذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب واذا احتج بهن أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشعهد والمغيب، احتج به أصحاب المداراة والحياء والكرم أن يبادر الرجل بما يكرهه في وجهه واذا احتج به المتورعون على الورع المحمود، احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها واذا احتج من صرف عنايته الى اصلاح دينه وقلبه، احتج به من راعي اصلاح بدنه ومعيشته ودنياه فانه صلى الله عليه وسلم بعث لصلاح الدنيا والدين واذا احتج به من لم يعلق قلبه بالأسباب ولا ركن اليها، احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"واذا احتج به من جاع وصبر على الجوع، احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع واذا احتج به من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال، احتج به من انتقم في مواضع الانتقام واذا احتج به من أعطى الله ووالى لله، احتج به من منع لله وعادى لله واذا احتج به من لم يدخر شيئاً لغد، احتج به من يدخر لأهله قوت سنة واذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والأدم كخبز الشعير والخل، احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشوي والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه واذا احتج به من سرد الصوم، احتج به من سرد الفطر، فكان يصوم حتى يقال: لا يفطر ويفطر حتى يقال: لا يصوم واذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا، وهو النساء والطيب واذا احتج به من ألان جانبه وخفض جناحه لنسائه، احتج به من أديهن وآلمهن وطلق وهجر وخيرهن واذا احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه فآجر واستأجر وباع واشترى واستسلف وأدان ورهن واذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به من يباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء ومن يقبل امرأته وهو صائم واذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر، احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب واذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر، احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة، فانه حبس في تهمة وعاقب في تهمة وأخبر عن نبي الله سليمان: أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة الظاهرة مع اعترافهنا لصاحبتها به، فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلانه بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين: احداهما: قال: التوسعة للحاكم أن يقول للشئ الذي لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه، اذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده، فقال علي رضي الله عنه للمرأة التي حملت كتاب حاطب: لتخرجن الكتاب أو لأجردنك وحد عمر رضي الله عنه في الزنا بالحبل، وفي الخمر بالرائحة وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر عن منكر، أنه حكم بقرينة شق القميص من دبر على براءته وقال صلى الله عليه وسلم لابن أبي الحقيق - وقد زعم أن النفقة أذهبت كنز حيى بن أخطب - : (العهد قريب والمال أكثر من ذلك) فاعتبر قرينتين دالتين على بقاء المال وعاقبة حتى أقر به وجوز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل أنه قتله ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم وشرع الله سبحانه رجم المرأة اذا شهد عليها زوجها في اللعان وأبت أن تلاعن للقرينة الظاهرة على صدقه وشريعته صلى الله عليه وسلم طافحة بذلك لمن تأملها، فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته، وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه حجة على قضاة السوء وولاة الجور والله المستعان والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به صلى الله عليه وسلم من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله التوفيق\rالباب الخامس والعشرون\rفي بيان الأمور المضادة للصبر\rوالمنافية له والقادحة فيه\rلما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى الى غير الله، والقلب عن انتسخط، والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوةها، كان ما يضاده واقعاً على هذه الجملة، فمنه الشكوى إلى المخلوق، فاذا شكى العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى الى الله كما تقدم في شكاية يعقوب الى الله مع قوله: (فصبرٌ جَميل) وأما أخبار المخلوق بالحال فان كان للإستعانة بارشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرورة لم يقدح ذلك في الصبر كاخبار المريض للطبيب بشكايته، واخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، واخبار المبتلي ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا دخل على المريض يسأله عن حاله ويقول: (كيف تجدك)؟ وهذا استخبار منه واستعلام بحاله وأما الأنين فهل يقدح في الصبر؟ فيه روايتان عن الامام أحمد: قال أبو الحسين: أصحهما الكراهة لما روى عن طاووس أنه كان يكره الأنين في المرض","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"وقال مجاهد: كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه قال هؤلاء: وان الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر وقال عبد الله بن الامام أحمد: قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه: أخرج إلى كتاب عبد الله بن ادريس فأخرجت الكتاب، فقال: أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم فأخرجت أحاديث ليث، فقال: اقرأ على أحاديث ليث، قال: قلت لطلحة ان طاووس كان يكره الأنين في المرض فما سمع له أنين حتى مات، فما سمعت أبي أن في مرضه ذلك الى أن توفى والرواية الثانية: أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر وقال بكر بن محمد عن أبيه: سئل أحمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع فقال: تعرف فيه شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم حديث عائشة: (وارأساه) وجعل يستحسنه وقال المروذي: دخلت على أبي عبد الله وهو مريض فسألته فتغرغرت عينه وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة والتحقيق أن الأنين على قسمين: أنين شكوى فيكره، وأنين استراحة وتفريج، فلا يكره والله أعلم وقد روى في أثر: أن المريض اذا بدأ بحمد الله ثم أخبر بحاله لم يكن شكوى وقال شقيق البلخي: من شكى من مصيبة نزلت به الى غير الله لم يجد في قلبه حلاوة لطاعة الله أبداً\rفصل\rوالشكوى نوعان: شكوى بلسان المقال: وشكوى بلسان الحال، ولعلها أعظمها ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أنعم عليه أن يظهر نعمة الله عليه وأعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير، فهذا أمقت الخلق عند ربه قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزد، حدثنا كهمس عن عبد الله ابن شقيق قال: قال كعب الأحبار: ان من حسن العمل سبحة الحديث، ومن شر العمل التحذيف، قيل لعبد الله: ما سبحة الحديث؟ قال: سبحان الله وبحمده في خلال الحديث، قيل ما التحذيف؟ قال: يصبح الناس بخير فيسئلون فيزعمون أنهم بشر\rفصل\rومما ينافى الصبر، شق الثياب عند المصيبة ولطم الوجه والضرب بأحد اليدين على الأخرى وحلق الشعر والدعاء بالويل ولهذا برئ النبي صلى الله عليه وسلم: ممن ضاق وحلق وخرق طاق ورفع صوته عند المصيبة وحلق رأسه وشق ثيابه ولا ينافيه البكاء والحزن قال الله تعالى عن يعقوب: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) قال قتادة: كظيم على الحزن فلم يقل الا خيراً وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما كان من العين ومن القلب فمن الله والرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان) وقال هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى عن حسان بن أبي جبلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بث فلم يصبر) وقال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي فرآني سعيد بن جبير متقنعاً، فقال: اياك والتقنيع فانه من الاستكانة وقال بكر بن عبد الله المزني: كان يقال: من الاستكانة الجلوس في البيت بعد المصيبة وقال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السئ والظن السئ وسئل القاسم بن محمد عن الجزع، فقال: القول السئ والظن ومات ابن لبعض قضاة البصرة فاجتمع اليه العلماء والفقهاء فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا أنهم اذا ترك شيئاً مما كان يصنعه فقد جزع وقال الحسين بن عبد العزيز الحورى: مات ابن لي نفيس فقلت لأمه اتقي الله واحتسبيه، واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع وقال عبد الله بن المبارك: أتى رجل يزيد بن يزيد وهو يصلي وابنه في الموت فقال: ابنك يقضي وأنت تصلي؟ فقال: ان الرجل اذا كان له عمل يعمله فتركه يوماً واحداً كان ذلك خللاً في عمله وقال ثابت: أصيب عبد الله بن مطرف بمصيبة فرأيته أحسن شئ شارة وأطيبه ريحاً فذكرت له ما رأيت، فقال: تأمرني يا أبا محمد أن أستكين للشيطان وأريه أنه قد أصابني سوء، والله يا أبا محمد لو كانت لي الدنيا كلها ثم أخذها من سقاني شربة يوم القيامة ما رأيتها ثمناً لتلك الشربة ومما يقدح في الصبر اظهار المصيبة والتحدث بها، وكتمانها رأس الصبر وقال الحسن بن الصباح في مسنده: حدثنا خلف بن تميم، حدثنا زافر بن سليمان عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة) وذكر: أنه من بث فلم يصبر","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"وروى من وجه آخر عن الحسن يرفعه: (من البر كتمان المصائب وما صبر من بث) ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله حتى جاء ابنه يوماً من قبل عينه فعلم أن الشيخ قد أصيب ودخل رجل على داوود الطائي في فراشه فرآه يرجف، فقال: انا لله وانا اليه راجعون، فقال: مه، لا تعلم بهذا أحداً، وقد أقعد قبل ذلك أربعة أشهر لا يعلم بذلك أحد وقال مغيرة: شكى الأحنف إلى عمه وجع ضرسه فكرر ذلك عليه، فقال: ما تكرر على، لقد ذهبت عينى منذ أربعين سنة فما شكوتها إلى أحد\rفصل\rويضاد الصبر الهلع، وهو الجزع ورود المصيبة والمنع عد ورود النعمة قال تعالى: (إِنَ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعا، إِذا مَسَهُ الشَر جزوعا، وإِذا مَسَهُ الخَيرُ مَنوعا) وهذا تفسير الهلوع قال الجوهري: الهلع أفحش الجزع، وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وفي الحديث: (شر ما في العبد: شح هالع وجبن خالع) قلت: هنا أمران: أمر لفظي وأمر معنوي، فأما اللفظي فإِنه وصف الشح بكونه هالعاً والهالع صاحبه، وأكثر ما يسمى هلوعا، ولا يقال هالع له، فإِنه لا يتعدى ففيه وجهان: أحدهما: أنه على النسب كقولهم: ليل نائم، وسر كاتم، ونهار صائم، ونوم عاصف كله عند سيبويه على النسب، أي ذو كذا، كما قالوا: نامر ولابن والثاني: أن اللفظة غير عن بابها للإزدواج مع خالع وله نظير وأما المعنوي: فان الشح والجبن أردى صفتين للعبد، ولا سيما اذا كان شحه هالعاً - أي ملق له في الهلع - وجبنه خالعاً - أي قد خلع قلبه من مكانه، فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه، كما يقال: لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع واذا أردت معرفة الهلوع، فهو الذي اذا أصابه الجوع مثلاً أظهر الاستجاعة وأسرع بها، واذا أصابه الألم أسرع الشكاية وأظهرها، واذا أصابه القهر أظهر الاستطامة والاستكانة وباء بها سريعاً، واذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكاية، واذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعاً، واذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح، فلا احتمال ولا أفضال، وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن واخفائها وتحقيرها والله المستعان\rالباب السادس والعشرون\rفي بيان دخول الصبر والشكر في صفات الرب\rجل جلاله وتسميته بالصبرو والشكور ولو لم يكن الصبر والشكر من الفضيلة الا ذلك لكفى به\rأما الصبر، فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به وأعظمهم تنزيها له بصيغة المبالغة، ففي الصحيحين من حديث الأعمش عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمى عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل، يدعون له ولداً وهو يعافيهم ويرزقهم) وفي أسمائه الحسنى: الصبور، وهو من أمثلة المبالغة، أبلغ من الصابر والصبار وصبره تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه متعددة، منها أنه عن قدرة تامة ومنها أنه لا يخاف الفوت، والعبد إنما يستعجل الخوف الفوت ومنها أنه لا يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه ما وظهور أثر الاسم في العالم مشهود بالعيان كظهور اسمه الحليم، والفرق بين الصبر والحلم أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم من صفات الرب تعالى أوسع من الصبر، ولهذا جاء اسمه الحليم في القرآن في غير موضع، ولسعته يقرنه سبحانه باسم العليم كقوله: (وكان اللَهُ عليماً حليماً) (واللَهُ عَليمٌ حَليم) وفي أثر أن حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: (سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك)، واثنان يقولان: (سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك) فإِن المخلوق يحلم عن جهل ويعفو عن عجز، والرب تعالى يحلم مع كمال علمه، ويعفو مع تمام قدرته، وما أضيف شئ الى شئ أزين من حلم الى علم، ومن عفو إلى اقتدار، ولهذا كان في دعاء الكرب وصفه سبحانه بالحلم مع العظمة، وكونه حليماً من لوازم ذاته سبحان","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"وأما صبره سبحانه فمتعلق بكفر العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه وأنواع معاصيهم وفجورهم، فلا يزعجه ذلك كله الى تعجيل العقوبة، بل يصبر على عبده ويمهله ويستصلحه، ويرفق به ويحلم عنه حتى اذا لم يبق فيه موضع للضيعة ولا يصلح على الامهال والرفق والحلم، ولا ينيب الى ربه ويدخل عليه لا من باب الاحسان والنعم، ولا من باب البلاء والنقم، أخذه أخذ عزيز مقتدر بعد غاية الاعذار اليه وبذل النصيحة له ودعائه اليه من كل باب وهذا كله من موجبات صفة حلمه وهي صفة ذاتية له لا تزول وأما الصبر فاذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التي توجد الحكمة وتزول بزوالها فتأمله فإِنه فرق لطيف ما عثرت الحذاق بعشره، وقل من تنبه له ونبه عليه، وأشكل على كثير منهم هذا الإِسم وقالوا: لم يأت في القرآن فأعرضوا عن الاشتغال به صفحاً، ثم اشتغلوا بالكلام في صبر العبد وأقسامه، ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا أن الرب تعالى أحق به من جميع الخلق، كما هو أحق بإِسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحي، وسائر أسمائه الحسنى من المخلوقين، وأن التفاوت الذي بين صبره سبحانه وصبرهم، كالتفاوت الذي بين حياته وحياتهم، وعلمه وعلمهم، وسمعه وأسماعهم كذا سائر صفاته ولما علم ذلك أعرف خلقه به، قال: لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله فعلم أرباب البصائر بصبره سبحانه كعلمهم برحمته وعفوه وستره مع أنه صبر مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة، وهو صبر من أعظم مصبور عليه فإِن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين، ومن إحسانه فوق كل إحسان بغاية القبح وأعظم الفجور وأفحش الفواحش ونسبته إلى كل مالا يليق به والقدح في كماله وأسمائه وصفاته والالحاد في آياته وتكذيب رسله عليهم السلام ومقابلتهم بالسب والشتم والأذى وتحريق أوليائه وقتلهم واهانتهم أمر لا يصبر عليه الا الصبور الذي لا أحد أصبر منه ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه واذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه والفرق بينهما فتأمل قوله تعالى: (ان اللَه يُمسِكَ السموات والأَرضَ أَن تزولا، ولئن زالتا ان أَمسكهما من أحد من بعده، إِنه كان حليماً غفورا) وقوله: (وقالوا اتخذ الرحمَنَ وَلدا لَقد جِئتُم شَيئاً ادا تكاد السموات يتفطَرن مِنهُ وتنشَقُ الأَرض وتخر الجبال هدا أَن دعوا للرحمَن وَلَدا) وقوله: (وان كان مكرهم لتزول منه الجبال) على قراءة من فتح اللام فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السموات والأرض، فالحلم وامساكهما أن تزولا هو الصبر، فبحلمه صبر عن معالجة أعدائه وفي الآية اشعار بأن السموات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى، فالذي عنه الامساك هو صفة الحلم، والامساك هو الصبر وهو حبس العقوبة ففرق بين حبس العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها فتأمله وفي مسند الامام أحمد مرفوعا: (ما من يوم الا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بنى آدم)، وهذا مقتضى الطبيعة لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع ولكن الله يمسكه بقدرته وحلمه وصبره وكذلك خرور الجبال وتفطير السموات، الرب تعالى يحبسهما عن ذلك بصبره وحلمه، فإِن ما يأتي به الكفار والمشركون والفجار في مقابلة العظمة والجلال والاكرام يقتضي ذلك، فجعل سبحانه في مقابلة هذه الأسباب أسبابا يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمه، تقابل تلك الأسباب التي هي سبب زوال العالم وخرابه فدفعت تلك الأسباب وقاومتها وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه وغلبتها له وسبقها إياه فغلب أثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من قبل العقوبة ثم جمع الأمرين في الذات، اذ هما قائمان بها فقال: (أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) فإِن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه، فهو الذي أذن في وقوع الأسباب التي يستعاذ منها خلقا وكوناً، فمنه السبب والمسبب وهو الذي حرك الأنفس والأبدان وأعطاها قوى التأثير وهو الذي أوجدها وأعدها ومدها وسلطها على ما شاء، وهو الذي يمسكها اذا شاء ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"فتأمل ما تحت قوله: (أعوذ بك منك) من محض التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره وتكميل التوكل عليه تعالى والاستعانة به وحده وأفراده بالخوف والرجاء ودفع الضر وجلب الخير وهو الذي يمس بالضر بمشيئته وهو الذي يدفعه بمشيئته، وهو المستعاذ بمشيئته من مشيئته، وهو المعيذ من فعله بفعله، وهو الذي سبحانه خلق ما يصبر عليه وما يرضى به، فإذا أغضبه معاصي الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم أرضاه تسبيح ملائكته وعباده المؤمنين له وحمدهم اياه وطاعتهم له فيعيذ رضاه من غضبه قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه، وان مقدار يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم، فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع منها على ما يكره فيغضبه ذلك، فأول ما يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل عليهم فتسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة حتى ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا يسمع صوته فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة فتلك ست ساعات قال: ثم يؤتي بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله تعالى: (هوَ الَذي يُصَورُكُم في الأَرحامِ كيفَ يَشاء) وقوله: (يَهِبُ لِمَن يَشاء أُناثاً ويَهِبُ لِمَن يَشاءُ الذُكور أَو يُزَوجِهُم ذُكراناً وأُناثا، وَيَجعَل مَن يَشاء عَقيما) فتلك تسع ساعات ثم يؤتي بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله: (يُبسِطُ الرِزقَ لِمَن يشاء ويقدر) وقوله: (كُكَ يَومٍ هوَ في شأن) قال: هذا شأنكم وشأن ربكم رواه أبو قاسم الطبراني في (السنة) وعثمان بن سعيد الدرامي وشيخ الإسلام الأنصاري وابن مندة وابن خزيمة وغيرهم ولما ذكر سبحانه في سورة الأنعام أعداءه وكفرهم وشركهم وتكذيب رسله ذكر في أثر ذلك شأن خليله ابراهيم وما أراه من ملكوت السموات والأرض وما حاج به قومه في اظهار دين الله وتوحيده، ثم ذكر الأنبياء من ذريته وأنه هداهم وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ثم قال: (فإِن يكفُرَ بِها هَؤلاءِ فَقَد وكَلنا بِها قَوماً ليسوا بِها بِكافِرين) فأخبر أنه سبحانه كما جعل في الأرض من يكفر به ويجحد توحيده ويكذب رسله كذلك جعل فيها من عباده من يؤمن بما كفر به أولئك ويصدق بما كذبوا به ويحفظ من حرمانه ما أضاعوه، وبهذا تماسك العالم العلوي والسفلي، وإلا فلو تبع الحق أهواه أعدائه لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ولخرب العالم ولهذا جعل سبحانه من أسباب خراب العالم رفع الأسباب الممسكة له من الأرض وهي كلامه وبيته ودينه والقائمون به فلا يبقى لتلك الأسباب المقتضية لخراب العالم أسباب تقاومها وتمانعها ولم كان اسم الحليم أدخل في الأوصاف، واسم الصبور في الأفعال كان الحلم أصل الصبر فوقع الاستغناء بذكره في القرآن عن اسم الصبور والله أعلم\rفصل\rوأما تسميته سبحانه بالشكور فهو في حديث أبي هريرة وفي القرآن تسميته شاكرا قال الله تعالى: (وكان اللَهُ شاكِراً عَليماً) وتسميته أيضا شكور، قال الله تعالى: (واللَهُ شَكورٌ حَليم) وقال تعالى: (إنَ هَذا كانَ لَكُم جَزاءٌ وكانَ سَعيُكُم مَشكورا) فجمع لهم سبحانه بين الأمرين: ان شكر سعيهم وأثابهم عليه، والله تعالى يشكر عبده اذا أ؛سن طاعته ويغفر له اذا تاب اليه فيجمع للعبد بين شكره لاحسانه ومغفرته لاساءته أنه غفور شكور وقد تقدم في الباب العشرين ذكر حقيقة شكر العبد وأسبابه ووجوهه، وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى ويلقي له الشكر بين عباده ويشكره بفعله، فإذا ترك شيئاً أعطاه أفضل منه وإذا بذل له شيئاً رده عليه أضعافاً مضاعفة وهو الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك ولما غفر نبيه سليمان الخيل غضبا له إذ شغلته عن ذكره فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقتها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيراً خضراً أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه ولما بذل رسله أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته وجعل لهم أطيب الثناء في سمواته وبين خلقه فأخلصهم بخالصة ذكرى الدار ومن شكره سبحانه أنه يجازى عدوه مما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا ويخفف به عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه ومن شكره أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلباً كان قد جهده العطش حتى أكل الثرى وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين فهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه، والمخلوق إنما يشكر من أحسن إليه، وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لاحسان العبد إليها فهو المحسن بإعطاء الإحسان واعطاء الشكر، فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه؟ وتأمل قوله سبحانه: (ما يَفعَل اللَهُ بِعذابِكُم إِن شَكَرتُم وآمَنتُم، وكانَ اللَهُ شاكِراً عَليماً) كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده سدى بغير جرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلاً، فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء وفي هذا رد لقول من زعم أنه سبحانه يكلفه ما يطيقه، ثم يعذبه على ما لا يدخل تحت قدرته، تعالى الله عن هذا الظن الكاذب والحسبان الباطل، علواً كبيراً فشكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور، ولا يضيع عمله وذلك من لوازم هذه الصفة فهو منزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص التي تنافي كماله وغناه وحمده ومن شكره سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير، ولا يضيع عليه هذا القدر ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقاماً يرضيه بين الناس، فيشكره له وينوه بذكره ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام وأثنى به عليه ونوه بذكره بين عباده وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته اليه فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته الا هالك فإنه سبحانه غفور شكور يغفر الكثير من الزلل ويشكر القليل من العمل ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة، كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، جواد يحب أهل الجود، ستار يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر وكل ما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها","part":1,"page":122}],"titles":[{"id":1,"title":"الباب الأول","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها","lvl":1,"sub":1},{"id":1,"title":"الباب الثاني","lvl":1,"sub":2},{"id":1,"title":"في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه","lvl":1,"sub":3},{"id":2,"title":"الباب الثالث","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه","lvl":1,"sub":1},{"id":3,"title":"الباب الرابع","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة","lvl":1,"sub":1},{"id":3,"title":"الباب الخامس","lvl":1,"sub":2},{"id":3,"title":"في إنقسامه باعتبار مله","lvl":1,"sub":3},{"id":4,"title":"الباب السادس","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"في بيان أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه","lvl":1,"sub":1},{"id":4,"title":"ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه","lvl":1,"sub":2},{"id":5,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":5,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":6,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"الباب السابع","lvl":1,"sub":1},{"id":6,"title":"في ذكر أقسامه باعتبار متعلقة الصبر ثلاثة أقسام","lvl":1,"sub":2},{"id":7,"title":"الباب الثامن","lvl":1,"sub":0},{"id":8,"title":"في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به","lvl":1,"sub":0},{"id":8,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":8,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":8,"title":"فصل","lvl":2,"sub":3},{"id":8,"title":"الباب التاسع","lvl":1,"sub":4},{"id":8,"title":"في بيان تفاوت درجات الصبر","lvl":1,"sub":5},{"id":10,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"فعلم أن المقصود هو اقامة الأر على وجهه، ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"الباب العاشر","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم","lvl":1,"sub":1},{"id":14,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"الباب الحادي عشر","lvl":1,"sub":0},{"id":17,"title":"في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام","lvl":1,"sub":1},{"id":17,"title":"فاذا كان آخر الأمر الصبر والعهد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأر","lvl":1,"sub":2},{"id":17,"title":"فصل","lvl":2,"sub":3},{"id":17,"title":"الباب الثاني عشر","lvl":1,"sub":4},{"id":17,"title":"في الأسباب التي تعين على الصبر","lvl":1,"sub":5},{"id":18,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"الباب الثالث عشر","lvl":1,"sub":0},{"id":21,"title":"في بيان الانسان لا يستغني عن الصبر","lvl":1,"sub":1},{"id":21,"title":"في حال من الأحوال","lvl":1,"sub":2},{"id":22,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":23,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":23,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":24,"title":"الباب الرابع عشر","lvl":1,"sub":0},{"id":24,"title":"في بيان أشق الصبر على النفوس","lvl":1,"sub":1},{"id":25,"title":"الباب الخامس عشر","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"في ذكر ما ورد في الصبر","lvl":1,"sub":1},{"id":25,"title":"من نصوص الكتاب العزيز","lvl":1,"sub":2},{"id":27,"title":"الباب السادس عشر","lvl":1,"sub":0},{"id":27,"title":"في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة","lvl":1,"sub":1},{"id":35,"title":"الباب السابع عشر","lvl":1,"sub":0},{"id":35,"title":"في الآثار الواردة عن الصحابة","lvl":1,"sub":1},{"id":35,"title":"ومن بعدهم في فضيلة الصبر","lvl":1,"sub":2},{"id":37,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"الباب الثامن عشر","lvl":1,"sub":1},{"id":37,"title":"في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب","lvl":1,"sub":2},{"id":37,"title":"وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها","lvl":1,"sub":3},{"id":38,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":41,"title":"الباب التاسع عشر","lvl":1,"sub":0},{"id":41,"title":"في أن الصبر نصف الايمان","lvl":1,"sub":1},{"id":42,"title":"الباب العشرون","lvl":1,"sub":0},{"id":42,"title":"في بيان تنازع الناس في الأفضل","lvl":1,"sub":1},{"id":42,"title":"من الصبر والشكر","lvl":1,"sub":2},{"id":44,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"وذكر كاتب الليث عن هل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":54,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":54,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":55,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":58,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":58,"title":"وأكثر الديانين لا يعبأون منها الا بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما","lvl":1,"sub":2},{"id":59,"title":"الباب الحادي والعشرون","lvl":1,"sub":0},{"id":59,"title":"في الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين","lvl":1,"sub":1},{"id":60,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":69,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":70,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"الباب الثاني والعشرون","lvl":1,"sub":1},{"id":71,"title":"في اختلاف الناس في الغنى الشاكر والفقير الصابر","lvl":1,"sub":2},{"id":71,"title":"أيهما أفضل وما هو الصواب في ذلك","lvl":1,"sub":3},{"id":73,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"الباب الثالث والعشرون","lvl":1,"sub":0},{"id":74,"title":"في ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة","lvl":1,"sub":1},{"id":74,"title":"والآثار والاعتبار","lvl":1,"sub":2},{"id":80,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":81,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":94,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":95,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"في ذكر أمثلة تبين حقيقة الدنيا","lvl":2,"sub":1},{"id":98,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":99,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":99,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":100,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":100,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":101,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":101,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":101,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":101,"title":"فصل","lvl":2,"sub":3},{"id":101,"title":"فصل","lvl":2,"sub":4},{"id":102,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":103,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":103,"title":"فصل","lvl":2,"sub":2},{"id":104,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":106,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"الباب الرابع والعشرون","lvl":1,"sub":0},{"id":108,"title":"في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة","lvl":1,"sub":1},{"id":108,"title":"والآثار والاعتبار","lvl":1,"sub":2},{"id":116,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"الباب الخامس والعشرون","lvl":1,"sub":0},{"id":117,"title":"في بيان الأمور المضادة للصبر","lvl":1,"sub":1},{"id":117,"title":"والمنافية له والقادحة فيه","lvl":1,"sub":2},{"id":118,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":118,"title":"فصل","lvl":2,"sub":1},{"id":119,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"الباب السادس والعشرون","lvl":1,"sub":1},{"id":119,"title":"في بيان دخول الصبر والشكر في صفات الرب","lvl":1,"sub":2},{"id":119,"title":"جل جلاله وتسميته بالصبرو والشكور ولو لم يكن الصبر والشكر من الفضيلة","lvl":1,"sub":3},{"id":121,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0}]}