{"pages":[{"id":1,"text":" - اصول الفقه المسمى في الفصول في الاصول ","part":1,"page":1},{"id":2,"text":" أما بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذه فصول وأبواب في أصول الفقه تشمل على معرفة طرق استنباط معاني القرآن واستخراج دلائله وأحكام ألفاظه وما تتصرف عليه أنحاء كلام العرب والاسماء اللغوية والعبارات الشرعية والله نسأل التوفيق لما يقر بنا إليه ويزلفنا لديه إنه ولي ذلك والقادر عليه باب العام وفيه فصول \r\n فصل الظواهر التي يجب اعتبارها \r\n من الظواهر التي يجب اعتبارها \r\n ما روى في خبر ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن الماء يكون في الفلاة من ","part":1,"page":40},{"id":3,"text":" الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع فقال إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا فسئل عن حكم النجاسات فأجاب عن الدواب والسباع بجواب مطلق فدل على نجاسة سؤر السباع لولا ذلك لبينه عليه السلام وفصل حكمه في الجواب \r\n فهذا وما جرى مجراه هو من الظواهر التي يجب اعتبارها في إيجاب الأحكام بها \r\n ومن الظواهر التي يجب اعتبارها أن يرد لفظ عموم معطوف عليه ومع ذلك فيمكن استعماله في نفسه إذا أفرد عما قبله \r\n فالجواب فيما إذا كان هذا سبيله اعتباره بنفسه من غير تضمين بما قبله إلا أن تقوم دلالة النظير بما عطف عليه نحو قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض إلى قوله ","part":1,"page":41},{"id":4,"text":" واولات الأحمال أجلهن وإن كان معطوفا على غيره فإنه يمكن إجراء حكمه على ما أوجبه ظاهر لفظه من غير تضمين له ما تقدمه لأنه لو ورد منفردا عما تقدمه لزمه الحكم بما تضمنه من غير افتقار إلى ورود بيان فيه \r\n وليس لأحد ان يقصر هذا الحكم على المطلقة من المتوفي عنها زوجها من أجل أن ما تقدمه من ذكر العدد وارد في بيان المطلقة دون المتوفي عنها زوجها وقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض وذلك أن كل لفظ قائم بنفسه غير مفتقر إلى غيره متى حملناه على غيره وقصرنا حكمه عليه فقد خصصناه \r\n والتخصيص لا يجوز إلا بدلالة فوجب من أجل ذلك حمل اللفظ على مقتضاه منفردا عما قبله \r\n فان قال قائل ووقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم لأن معناه غير مفهوم من ظاهره إذ ليس الأجل مختصا بالعدد دون غيرها قيل له هذا المعنى الذي ذكرناه كان معقولا من ظاهر الآية عند المخاطبين بها ولم يكونوا مفتقرين عند سماعها في معرفة حكمها إلى بيان يرد من غيرها \r\n والدليل عليه أن فريعة بنت مالك لما أتت النبي صلى الله عليه و سلم تسأله عن الانتقال عن بيت زوجها في عدتها وكان قد قتل عنها قال لها صلى الله عليه و سلم لا حتى يبلغ الكتاب أجله ","part":1,"page":42},{"id":5,"text":" فلم تحتج هذه المرأة مع سماع هذا اللفظ إلى بيان من غيره مع كونها جاهلة بالحكم ولو لم يكن هذا اللفظ مكتفيا في إلزامها السكون في بيت زوجها ما دامت معتدة لما أقتصر النبي صلى الله عليه و سلم لها عليه حتى يرده تبيان يزول معه الإشكال لا سيما وقد علم النبي صلى الله عليه و سلم انها جاءت مستفتية له جاهلة الحكم \r\n ويدل على صحة ما ذكرنا أن عبدالله بن مسعود كان يقول من شاء باهلته ان قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن نزل بعد قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا ","part":1,"page":43},{"id":6,"text":" احتج بذلك على من خالفه بعدة المتوفي عنها زوجها إذا كانت حاملا أنها أبعد الأجلين \r\n فكان عنده أن عموم هذا اللفظ كاف في اعتبار الحمل لسائر المعتدات \r\n فبان بذلك صحة ما ذكرنا من وجوب اعتبار حكم اللفظ بنفسه دون تضمينه بما هو معطوف عليه متى اكتفى بنفسه في إفادة الحكم \r\n ومن نظائر ذلك قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا إلى قوله فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح كلام مكتف بنفسه لو ابتدي الخطاب به صح معناه ولا يجوز أن يجعله مضمنا لبيان السرقة \r\n فنستدل به على سقوط القطع بالتوبة وليس هذا كقوله تعالى في شأن المحاربين إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم لأن قوله تعالى راجع إلى المذكورين لأن فيه كناية لا بد أن يكون له مظهر يرجع إليه وهم من تقدم ذكرهم ولأنه استثناء غير مكتف بنفسه إلا بتضمينه بما قبله \r\n وكل لفظ معطوف على غيره لا يستقل بنفسه إلا بتضمينه بما قبله وجب رده إليه ","part":1,"page":44},{"id":7,"text":" وتضمينه به نحو قوله تعالى فواحدة أو ما ملكت أيمانكم هذا خطاب لو ابتدأ لم يفد معنى فصح أنه معطوف على ما تقدمه وأن النكاح المبدوء بذكره مضمر فيه فصار تقدير الآية فانكحوا ما طاب لكم من النساء وانكحوا ما ملكت أيمانكم ويكون النكاح المضمر في ملك اليمين هو النكاح المبدوء بذكره وهو العقد لاقتضاء اللفظ إضماره بعينه \r\n ومن حمله على الوطء فإنما أضمر فيه معنى لم يجر له ذكر في الخطاب وترك ما هو مذكور فيه وهذا لا يجوز ","part":1,"page":45},{"id":8,"text":" فصل \r\n قال أبو بكر \r\n ومتى تناول اللفظ معنيين هو في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة فالواجب حمله على الحقيقة ولا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة لأن الأظهر من الأسماء أن كل شيء منها فهو مستعمل في موضعه ولا يعقل منه العدول به عن موضعه إلا بدلالة \r\n والحقيقة هي اللفظ المتسعمل في موضعه الموضع له في اللغة والمجاز هو المعدول به عن حقيقته والمستعمل في غير موضعه الموضوع له في أصل اللغة ولا يجوز أن يعدل به عن جهته وموضعه إلا بدلالة \r\n وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول لا يجوز استعماله للمعنيين جميعا في حال واحد لأن هذا يوجب كون اللفظ حقيقة مجازا في حال واحدة وهذا محال أو كانت الحقيقة ما استعمل في موضعه والمجاز ما استعمل في غير موضعه \r\n ومحال أن يكون لفظ واحد مستعملا في موضعه ومعدا به عن موضعه في حال واحدة ","part":1,"page":46},{"id":9,"text":" وذلك نحو القرء انه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر فالواجب حمله على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز ولا يجوز أن يراد المعنيان جميعا في حال واحدة ","part":1,"page":47},{"id":10,"text":" ومن نظائر ذلك قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم واسم النكاح حقيقة للوطء مجاز للعقد فالواجب إذا ورد مطلقا حمله على الوطء حتى تقوم الدلالة على غيره ولا يجوز أن ينتظمهما في حال واحدة لما وصفنا \r\n وكذلك كان يقول في اللفظ إذا تناول معنيين وهو صريح في أحدهما كناية عن الآخر أنه لا يجوز أن يراد المعنيان جميعا بلفظ واحد لأن هذا يوجب كون اللفظ صريحا كناية في حال واحدة وهذا محال \r\n وأيضا فإنه متى أراد أحدهما فكأنه قد نص عليه بعينه فانتفى أن يكون عبارة عن الآخر \r\n ومتى ورد مطلقا وجب حمله على الصريح دون الكناية حتى تقوم الدلالة على أن المراد الكناية وذلك نحو قوله تعالى أو لامستم النساء \r\n فاللمس حقيقة باليد ونحوها فهو كناية عن الجماع فغير جائز أن يكون المراد به ","part":1,"page":48},{"id":11,"text":" المعنيين جميعا في حال واحدة \r\n ويدل على انتفاء ارادةالمعنيين جميعا أن الصحابة لما اختلفت في مراد الآية ان كل من اثبت المراد أحد المعنيين نفى المعنى الآخر أن يكون مرادا وذلك أن أمير المؤمنين عليا وابن عباس رضي الله عنهما قالا المراد الجماع وكان عندهما ان اللمس باليد ","part":1,"page":49},{"id":12,"text":" غير مراد وقال عمر وعبدالله بن مسعود رحمة الله عليهما المراد اللمس باليد دون الجماع فكانا من أجل ذلك لا يريان للجنب أن يتيمم فحصل من اتفاقهم انتفاء ارادةالمعنيين جميعا بلفظ واحد وهذا يدل على انهم كان لا يجيزون ارادة المعنيين بلفظ واحد على الحد الذي بيناه فصل \r\n قال أبو بكر \r\n ومن الظواهر ما يقضي عليه دلالة الحال فينقل حكمه إلى ضد موجب لفظه في حقيقة اللغة نحو قوله تعالى اعملوا ما شئتم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر واستفزز من استطعت منهم ونحو ذلك \r\n فلو ورد هذا الخطاب مبتدئا عاريا عن دلالة الحال لكان ظاهره يقتضي اباحة جميع الافعال وهو في هذه الحال وعيد وزجر بخلاف ما يقتضيه حكم اللفظ المطلق العاري عن دلالة الحال ","part":1,"page":50},{"id":13,"text":" ومن نظائر ذلك قول النجاشي ... إذا الله عادى أهل لؤم ورقة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل ... \r\n ... قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل ... \r\n ومعلوم أن النسا يتمدحون بنفي الغدر والظلم عن أنفسهم وهوفي هذا الموضع ذم وهجاء فخرج اللفظ مخرج الهجاء فكان معناه انهم أقل من أن يوثق لهم بذمة يغدرون بها وأعجز من ان يظلموا أحدا فكانت دلالة الحال ناقلة لحكم اللفظ الى ضد مقتضاه وموجبه لو كان وروده مطلقا \r\n ومما اعتبر أصحابنا في هذا المعنى من مسائل الفقه قولهم من قامت امرأته لتخرج فقال لها إن خرجت فأنت طالق أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم يحنث وكذلك لو قال الرجل تغد عندي اليوم فقال ان تغديت فعبدي حشر ان هذا على ذلك الغداء بعينه فان تغدى فعنده بعد ذلك لم يحنث \r\n وكذلك لو قال والله إن تغديت اليوم فعبدي حر فصارت اليمين علىاليوم لدلالة الحال عليها \r\n قال أبو بكر \r\n ومما يجب مراعاته من مغالطات الخصوم في هذا الباب احتجاجهم في زعمهم ","part":1,"page":51},{"id":14,"text":" بعموم ألفاظ من الكتاب والسنة متى حصلت عليهم وكشف عن حقيقتها لم يتحصل منها شيء نحو احتجاج بعضهم في أن رقبة الظهار شرطها أن تكون مؤمنة بقوله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون \r\n والكافر خبيث ولا يجوز زعم بالظاهر ونحن متى سلمنا أن العتق من الإنفاق لم يكن في لفظ الآية دلالة على ما قالوا وذلك لان الخبيث هو كفر الكافر لا عين فعل الله تعالى وغير جائز أن يذم من أجلها \r\n والذي أنفقه المعتق بعتقه ليس هو الكفر وإنما هو العتق والعتق ليس بخبيث وكيف يكون خبيثا وهو قربة إلى الله تعالى فلم يحصل لهذه الآية تعلق بهذه المسألة \r\n ونظيره احتجاج من احتج منهم بسقوط حق الإمام في أخذ صدقة السائمة اذا ","part":1,"page":52},{"id":15,"text":" أعطاها رب المال المساكين بقوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم \r\n فيستدل بظاهر قوله تعالى فهو خير لكم على سقوط حق الإمام في أخذها متى أخرجها رب المال \r\n وهذا نظير ما ذكرناه في الفصل الذي قبله لأن هذه الآية إنما تدل على أنه إذا أعطاها الفقراء وأخفاها فهر خير له ولا دلالة فيه على أن الإمام لا يأخذها منه ثانيا \r\n وموضع دلالة الآية لا يتنافى لأنا نقول إخفاؤها خير له وللإمام مع ذلك أخذها فإذن لا دلالة في الآية علىموضع الخلاف بل دلالتها على صحة قولنا أظهر منها على قول المخالف لأنا نقول هو خير له لأن الإمام يأخذ مرة اخرى فيحصل له الصدقة مرتين فيكون خيرا له من هذا الوجه \r\n ومن نظائر احتجاجهم بما روي عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه مسح رأسه ثلاثا في الوضوء قالوا فهذا أولى من رواية من روى المسح مرة واحدة لأنه زائد عليه وخبر الزائد أولى ومتى حملت عليهم معنى هذا الخبر وقابلته بموضع الخلاف لم يعترض عليه لأنا لم نختلف فيه أنه يمسح ثلاثا وإنما الخلاف بيننا وبينهم في تحديد الماء لكل مسحة وليس لهذا المعنى ذكر في الخبر والاحتجاج به ضرب من المغالطة \r\n ونحوه الإستدلال بقول النبي صلى الله عليه و سلم في دم الحيض حتيه ثم أقرصيه ثم اغسليه بالماء ","part":1,"page":53},{"id":16,"text":" على أن غسل النجاسات لا يجوز إلا بالماء وهذا غلط وليس فيه بيان موضع الخلاف لأن الذي تضمنه الخبر الأمر بغسل دم الحيض بالماء ومتى أزيل الدم بخل أو نحوه لم يبق هناك دم تناوله لفظ الخبر فإذن لا تعلق لهذاالخبر بمسألة الخلاف \r\n ومثله استدلال من استدل على نجاسة الماء بموت الذباب فيه بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والآية إنما أوجبت تحريم الميتة والماء الذي فيه ميتة لا يسمى ميتة فيكف يجوز اعتبار عموم لفظ لم يتناول الماء بحال \r\n ونظيره استدلال من يستدل على ضمان العارية والسرقة عند الهلال بقوله صلى الله عليه و سلم على اليد ما أخذت حتى ترده \r\n والخبر انما أوجب رد المأخود بعينه والقيمة التي يريد المخالف تضمينها إياه لا ذكر لها في الخبر فاعتبار العموم فيه ساقط \r\n ومما يكثر استعماله من ألفاظ العموم بين المناظرين حديث القاسم بن محمد عن ","part":1,"page":54},{"id":17,"text":" عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال من أدخل في أمرنا ما ليس ( فيه ) فو رد ويروي من أدخل في ديننا ما ليس منا فهو رد وهذا اللفظ مما لا يصح لأحد الاحتجاج به على مخالفة في فساد العقود والقرب وذلك لأنه يحتاج في إثبات ما رام إثباته إلى دلالة غير اللفظ إذا كان أكثر ما فيه أن الشيء إذا حصل منهيا عنه كان مردودا \r\n نظير ذلك اختلافهم في الصلاة في الدار المغصوبة \r\n إذا احتج مبطلوها بهذا الخبر ","part":1,"page":55},{"id":18,"text":" قيل لهم قد علمنا أنه منهي عن ذلك فما الدلالة على أن جواز الصلاة في هذا الحال ليس من أمره اذ ليس يمنع أن يكون اباحة الصلاة في هذه الدار ليس من أمره ويكون جوازها وسقوط الفرض بها من أمره وهذا موضع خلاف فيحتاج المحتج بالخبر الى ان يقيم دلالة من غير الخبر على ان جوازها ليس من أمره فيسقط الاستدلال به \r\n وهذا الضرب من احتجاج المخالفين اكثر من أن يحصى وانما ذكرنا منه طرفا لننبه به على نظائره ولئلا يحسن الظن به فيما يدعيه ظاهرا حتى يوافق على تصحيح وجه الدلالة منه فان اكثر احتجاجاتهم تجري هذا المجرى فمتى طولب بتحقيقه اضمحل ","part":1,"page":56},{"id":19,"text":" الباب الثاني في صفة النص ","part":1,"page":57},{"id":20,"text":" @ 58 @ ","part":1,"page":58},{"id":21,"text":" باب في صفة النص \r\n قال أبو بكر \r\n النص كل ما يتناول عينا مخصوصة بحكم ظاهر المعنى بين المراد فهو نص وما يتناوله العموم فهو نص أيضا وذلك لانه لا فرق بين الشخص المعين إذا أشير إليه بعينه وبين حكمه وبين ما يتناوله العموم \r\n إذ كان العموم اسما لجميع ما تناوله وانطوى تحته ","part":1,"page":59},{"id":22,"text":" والمنصوص عليه ما نص عليه باسمه \r\n ومن الدليل على ذلك ان احدا من المسلمين لا يمتنع من اطلاق القول بأن الله تعالى قد نص على تحريم الام بقوله تعالى حرمت عليكم امهاتكم وان قطع السارق منصوص عليه بقوله تعالى والسارق والسارقة وكذلك جلد الزاني وايجاب القصاص على قاتل العمد \r\n وكل انما نص على حكمه بعموم لفظ ينتظم ما شمله الاسم من غير اشارة الى عين مخصوصة وليس جواز دخول الاستثناء على لفظ العموم وجواز تخصيصه بمانع من أن يكون نصا اذا لم تقم دلالة التخصيص كما ان العدد الذي يتناوله اسم العشرة منصوص عليه بذكر العشرة مع جواز دخول الاستثناء عليها ولان المشار اليه بعينه يجوز ادخال الشرط عليه وتعليقه بحال اخرى ولم يمنع ذلك ان يكون نصا إذا عري من شرط او ذكر حال \r\n والنص في اللغة هو المبالغة في اظهار الشيء وابانته \r\n فمنه قولهم نصصت الحديث الى فلان بمعنى اني اظهرت أصله ومخرجه \r\n قال الشاعر ... أنص الحديث إلى أهله ... فان الامانة في نصه ... \r\n ومنه نصصت الدابة في السير اذا اظهرت أقصى ما عندها ","part":1,"page":60},{"id":23,"text":" قال الشاعر \r\n ... تقطع الخرق يسير نص ... \r\n ومنه المنصة وهو الفرش الذي يرفع ليقعد عليه العروس ليكون ظاهرا للحاضرين وكان ابو الحسن الكرخي رحمه الله يقول في معنى النص نحوا مما ذكرنا \r\n وكان يقول ايضا في اللفظ المحتمل لضروب من التأويل ان ما قمت له الدلالة على بعض المعاني انه هو المراد جاز له أن يقول ان هذا نص عندي \r\n وكذلك إذا روى ذلك التأويل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فجائز ان يقال ان ذلك نص الكتاب لبيان النبي صلى الله عليه و سلم مراد الله تعالى فيه \r\n وذلك نحو قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا يحتمل السلطان المعاني المختلفة \r\n فاذا قامت الدلالة عندنا على أن المراد به القود جاز ان يقول قد نصت هذه الآية على ايجاب القود لولي المقتول ظلما ","part":1,"page":61},{"id":24,"text":" الباب الثالث في معنى المجمل \r\n وفيه ثلاثة فصول \r\n الفصل الأول أوجه وأقسام المجمل \r\n الفصل الثاني الاحتجاج بعموم اللفظ المجمل \r\n الفصل الثالث الأسماء المشتركة ","part":1,"page":62},{"id":25,"text":" باب في معنى المجمل \r\n فصل \r\n قال أبو بكر \r\n المجمل على وجهين \r\n أحدهما يقارب معناه معنى العموم لان العموم لا بد من ان يشتمل على جملة اذا كان يقتضى جمعا من الاسماء وكل جمع فهو جملة \r\n فمعنى العام والمجمل لا يختلفان في هذا الوجه \r\n فجائز ان يعبر بالمجمل عن العام \r\n وقد ذكر أبو موسى عيسى بن ابان رحمه الله العام في مواضع فسماه مجملا وهذا كلام في العبارة لا يقع في مثله مضايقة \r\n والوجه الاخر ان يكون الاجمال في لفظ واحد مجهول فهذا لا يكون عموما ولا عبارة عنه نحو قوله تعالى وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ونحو قول القائل أعط زيدا حقه وهو ما أبينه لك بعد هذا فهذا مجمل ليس فيه معنى العموم \r\n فالمعقول عندهم من اطلاق لفظ العموم انه اللفظ المشتمل على مسميات قد علق ","part":1,"page":63},{"id":26,"text":" به حكم يمكن استعماله على ظاهره وما تناوله لفظه غير مفتقر الى بيان من غيره \r\n نحو قوله تعالى فاقتلوا المشركين وما أشبهه من الفاظ الجمع المطلق \r\n واما المجمل فهو اللفظ الذي يمكن استعمال حكمه عند وروده ويكون موقوفا على بيان من غيره وهو على قسمين \r\n احدهما ما يكون اجماله في نفس اللفظ بان يكون اللفظ في نفسه مبهما غير معلوم المراد عند المخاطبين \r\n والقسم الآخر ان يكون اللفظ مما يمكن استعماله لو خلينا وما يقتضيه ظاهره الا انه يصير في معنى المجمل بما يقترن اليه مما يوجب اجماله من لفظ أو دلالة \r\n فأما القسم الاول \r\n فنحو قوله تعالى قل الله يفتيكم في الكلالة وآتو حقه يوم حصاده و حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فقد جعلنا لوليه سلطانا وقول النبي صلى الله عليه و سلم ","part":1,"page":64},{"id":27,"text":" أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فاذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وقوله صلى الله عليه و سلم يأتي على الناس زمان يؤتمن فيه الخائن ويخون فيه الامين ويتكلم فيه الرويبضة قيل يا رسول الله وما الرويبضة قال سفيه القوم يتكلم في أمر العامة وقد كان السامعون له من اهل اللغة ولم يعرفوا معناه حتى بينه لهم بعد سؤالهم اياه وكقول القائل اعط زيدا حقه فهذا هو المجمل الذي اجماله في نفس اللفظ ولا سبيل الى استعمال حكمه الا ببيان من غيره \r\n ومن هذا الضرب اسماء الشرع الموضوعة فيه لمعان لم تكن موضوعة لها في اللغة ","part":1,"page":65},{"id":28,"text":" نحو الربا في اللغة الزيادة يقال اربى فلان على فلان في القول والفعل والرابية هي الارض المرتفعة الزائدة على ما يليها \r\n وهو في الشرع اسم لمعان اخر غير ما كان اسما له في اللغة \r\n قال النبي صلى الله عليه و سلم انما الربا في النسيئة وقال عمر رضي الله عنه ان من الربا ابوابا لا تخفى منها السلم في السن يعني في الحيوان وقال عمر ايضا ان آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وان النبي صلى الله عليه و سلم توفي من قبل ان يبينه لنا فدعوا الربا والريبة ","part":1,"page":66},{"id":29,"text":" وكان عمر من أهل اللسان ولم يكن محتاجا إلى البيان فيما كان طريق معرفة استدراكه اللغة وأخبر مع ذلك ان الفظ الربا كان مفتقرا إلى البيان إذ كان لفظا شرعيا قد أريد به ما لا ينتظمه الاسم من طريق اللغة \r\n والزكاة هي النماء يقال زكا الزرع إذا نما \r\n والصوم الامساك والكف عن الشيء قال الله تعلى اني نذرت للرحمن صوما يعني صمتا \r\n وقال امرؤ القيس ... فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا ","part":1,"page":67},{"id":30,"text":" وقال النابغة ... خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما ... \r\n والصلاة الدعاء في اللغة وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنو صلوا عليه وسلموا تسليما وقد أريد بهذه الاسماء معاني لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة فمتى ورد شيء من هذه الالفاظ مطلقا ولم يكن المراد بها اشارة إلى معهود فهو مجمل محتاج إلى البيان \r\n وقد كان شيخنا ابو الحسن الكرخي رحمه الله يقول مرة في قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما انه من المجمل لا يصح الاحتجاج بعمومه لتعلق الحكم ","part":1,"page":68},{"id":31,"text":" فيه بمعان لا ينتظمها الاسم وليس هو عبارة عنها من نحو المقدار والحرز فصار كاسم الصلاة والزكاة والصوم ونحوها لتعلق الحكم فيها بمعان لم يكن الأسم موضوعا لها في اللغة \r\n قال أبو بكر \r\n وهذا عندي يوجب اجماله وان كان اللفظ قد صار مجملا عندي من وجه آخر غير هذا قد بيناه في شرح مختصر الطحاوي \r\n وأما القسم الآخر منه \r\n فو ان يرد لفظ عموم يمكن استعماله على ظاهره فيما انتظمه معناه لو اقتصر عليه فتعلقه بمعنى يوجب اجماله ووقوعه على ورود البيان فيه نحو قوله تعالى وأحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم فصار اللفظ به مجملا اذا أراد بقوله إلا ما يتلى عليكم مما قد حصل تحريمه الآن وأبينه لكم في الثاني ","part":1,"page":69},{"id":32,"text":" وذلك لأنه قد يجوز ان يريد بقوله إلا ما يتلى عليكم إلا ما يتبين لكم مما قد حصل تحريمه الآن \r\n ويحتمل ان يريد الا ما سنحرم عليكم \r\n واذا كان المراد الوجه الثاني لم يصر لفظ الإباحة به مجملا وانما يصير مجملا إذا كان المراد الوجه الأول \r\n ومثله قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم ان تبتغوا بأموالكم فلو خلينا وظاهره وجب استعماله على عمومه فلما قرن إليه قوله تعالى محصنين غير مسافحين احتمل ان يريد ان يجعل كونه على صفة الافعال شرطا للاباحة فإن كان كذلك فاللفظ مجمل لأن الإباحة معلقة بشرط حصول الاحصان بالنكاح والاحصان لفظ مجمل فصارت الإباحة مجملة مفتقرة إلى البيان \r\n ويحتمل أن يريد بقوله تعالى محصنين الاخبار بحصول الاحصان بالنكاح فيصير حينئذ عقد النكاح شرطا لحصول الاحصان ولا يكون لفظ الإباحة مجملا \r\n ومن نحو ذلك قوله تعالى فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله \r\n فهذه الإباحة لا تقوم بنفسها حتى يثبت أنها مما أمر الله به ","part":1,"page":70},{"id":33,"text":" ومما يضاهي ذلك أن يكون ما تحت الاسم معلوم المعنى إلا ان مراد المخاطب فيه البعض منه غير معين في اللفظ يعلم ذلك مع ورود اللفظ لاستحالة اعتقاد العموم فيه فيصير اللفظ مجملا محتاجا إلى البيان \r\n وذلك نحو قوله تعالى وافعلوا الخير ليس يخلو قوله وافعلوا الخير من أن يكون المراد به الوجوب أو الندب \r\n فإن كان المراد به الوجوب استحال اعتقاد العموم فيه لانه معلوم مع ورود اللفظ امتناع استيعاب جميعه على وجه الايجاب لانه يوجب ان يكون كل خير واجبا ويستحيل أيضا منه فعل كل ما يسمى خيرا لأنه لا يحيط به ولا يتأتى له فعله فصار حينئذ كقوله افعلوا بعض الخير على وجه الوجوب وذلك البعض غير معلوم من اللفظ فحكمه موقوف على الدليل وهو في هذا الوجه بمنزلة قوله صوموا لما لم يجز أن يكون المراد الامساك عن كل شيء صار بمنزلة قوله امسكوا عن بعض الاشياء \r\n فاللفظ مجمل مفتقر الى البيان \r\n هذا اذا كان المراد باللفظ الايجاب \r\n فان كان المراد بقوله افعلوا الخير الندب صح ان يكون المراد به الجنس كله على حسب ما يختاره فيصير تقديره افعلوا من الخير ما شئتم فانكم مندوبون اليه ومثابون عليه \r\n وكيفما تصرفت الحال فالاحتجاج بقوله افعلوا الخير في ايجاب شيء من الاحكام ساقط \r\n ومن نحو ذلك قوله تعالى لا يستوى أصحاب النار واصحاب الجنة ","part":1,"page":71},{"id":34,"text":" لا يصح الاحتجاج بعمومه في نفى المساواة بينهما في شيء من الأحكام متى اختلفنا في مساواة الكافر المسلم في القصاص والشهادة ونحوهما وذلك لانه معلوم أنه لم يرد بذلك نفى المساواة بينهما في كل شيء ولا يصح اعتقاد ذلك فيهما لان المساواة قد حصلت قبل ذلك بينهما في أمور كثيرة من حيث هما جسمان ومحدثان وسوى بينهما في تكليف الإيمان والفرائض وما لا يحصى من الاشياء التي تساويا فيها \r\n فصار تقدير اللفظ لا يستويان في بعض الاشياء ثم لا يخلو ذلك البعض من ان يحصل معلوما عند المخاطبين لدلالة الحال عليه ويكون حكمه موقوفا على البيان ودلالة الحال الموجبة لكون المعنى معلوما ظاهرة في الآية وهو قول الله تعالى أصحاب الجنة هم الفائزون \r\n فإنما نفى المساواة بينهم في الآخرة ومنه قول تعالى وما يستوى الأعمى والبصير معلوم انه لم يرد به نفي المساواة في كل شيء وانما أراد المساواة في معنى البصر وادراك الاشياء به فشبه الكافر بالاعمى والمؤمن بالبصير فلا يصح الاحتجاج به في نفى المساواة بينهما في الشهادة والبيع والشراء ونحو ذلك \r\n وكثير من المخالفين الذين لا يرجعون الى تحصيل فيما يقولون يحتجون بهذا وأشباهه إما جهلا منهم بمواضع الاحتاج واما قله دين ","part":1,"page":72},{"id":35,"text":" ومن الناس من يظن ان قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا من خبر المجمل الذي تقدم ذكره آنفا لانه قرن اليه ما أوجب اجماله بقوله وحرم الربا وليس هذا من ذلك في شيء عندنا \r\n وذلك لأن الربا لا يخلو من ان يكون لفظا مجملا أو عموما \r\n فإن كان عموما فغير جائز ان يصير لفظ البيع متعلقا بعمومه في البيع الذي ليس بربا كما لو قال أحل الله البيع وحرم بيع ما ليس عندك لم يوجب عليك اجمال لفظ اباحة البيع فان كان لفظ الربا مجملا مفتقرا إلى البيان فإن الذي يقع الاجمال فيه من لفظ البيع ما شككنا فيه انه ربا أو ليس بربا \r\n فاما البيع الذي قد علم انه ليس بربا فاعتبار عموم لفظ البيع شائع في اباحته وليس ذلك كقوله تعالى وأحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم ولا مثل قوله تعالى وأحل لكم ما و راء ذلكم ان تبتغوا بأموالكم محصنين لأن ما يتلى علينا ليس يختص بنوع من هذه الجملة دون نوع والاحصان لفظ مجمل قد علقت الاباحة به فبطلت دلالة الاباحة على الاطلاق ","part":1,"page":73},{"id":36,"text":" فصل \r\n قال أبو بكر \r\n وكل لفظ مجمل قامت الدلالة على معنى قد أريد به صح الاحتجاج بعموم المعنى الذي قامت الدلالة على أنه مراد كقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة \r\n إذا قامت الدلالة على أنه قد أريد العشر أو زكاة المال صح الاحتجاج بعمومه في ايجاب العشر والزكاة في سائر الاموال إلا ما قام دليله \r\n ونحوه قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا \r\n فقد اتفق الجميع علىأن القود مراد فيصح الاحتاج به في ايجاب القود على كل قاتل ظلما \r\n وقد ينتظم آية واحدة العموم والمجمل معا في حكم واحد فلا يمنع ما فيها من الاجمال الاحتجاج بعموم ما هو عام فيها متى اختلفنا في حكم قد تناوله العموم وذلك نحو قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة \r\n هو مجمل في الصدقة عموم في الأموال \r\n كقوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ","part":1,"page":74},{"id":37,"text":" هو عموم فيما كسب وفيما أخرجته الارض مجمل في المقدار الواجب \r\n فمتى اختلفنا في الموجب فيه صح الاحتجاج بالعموم ومتى اختلفنا في الواجب احتجنا الى دلالة من غير الآية \r\n ونحو قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا \r\n متى اختلفنا في بعض المقتولين ظلما صح الاحتجاج بالآية في دخوله في الحكم لأن قوله تعالى ومن قتل مظلوما عموم في المقتولين ظلما فدخل فيه المسلم والكافر \r\n ومتى اختلفنا في الواجب بالقتل لم يصح الاحتجاج بقوله سلطانا حتى يثبت ان الحكم الذي رام الخصم اثباته مراد فيصح حينئذ الاحتاج بعمومه في الحكم الواجب على ما بيناه ","part":1,"page":75},{"id":38,"text":" فصل \r\n والأسماء المشتركة متى وردت مطلقة فهي مجملة لا يصح اعتبار العموم فيها \r\n مثل قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا والسلطان اسم يقع على معان مختلفة مشتركة في هذا الاسم لان الحجة تسمى سلطانا والسلطان الذي يملك الأمر والنهي وغير ذلك ونحوه قول القائل وجدت يكون من الموجدة وهي الغضب ومن المحبة ومن وجدان الشيء \r\n وكقوله رأيت عينا وذلك يقع على الدنانير وعلى عين الحيوان وعين الماء وعين الركبة ","part":1,"page":76},{"id":39,"text":" ومثل قوله والبحر المسجور \r\n قيل انه الفارغ وقيل انه الملآن \r\n فمتى ورد مثله مطلقا لم يجز ان يقال انه عموم يتناول جميع ما شمله الاسم بل يكون موقوف المعنى على البيان \r\n وكذا كان يقول شيخنا ابو الحسن الكرخي رحمه الله في هذا ويحتج فيه بانه متى أراد احمد المعنيين فكأنه قد صرح به وسماه بعينه فلا يتناول المعنى الآخر وليس هذا كالاخوة والانسان في انه يجوز ان يتناول الذكر والانثى والاخ من الام والاخ من الاب لان المعنى الذي به سمى الجميع إخوه هو معنى واحد من أجله سمى كل واحد أخا وكل واحد انسانا \r\n فذلك عموم يصح اعتباره \r\n وأما سائر الاسماء التي قدمنا ونظائرها فانها تتناول الشيء وضده على وجوه مختلفة فم يجز أن يراد باللفظ الواحد جميع ما يتناوله الاسم \r\n وقد قال أصحابنا فيمن أوصى بثلث ماله لمواليه وله مولى أعلا ومولى أسفل ان الوصية باطلة اذا لم يبين \r\n وكان ابو الحسن رحمه الله يحتج لذلك بان الاسم يتناول كل واحد منهما على وجه ","part":1,"page":77},{"id":40,"text":" الحقيقة واحدهما منعم والآخر منعم عليه فلم يجز أن يرادا جميعا باللفظ \r\n وكان يستدل به على ان الاسم الواحد اذا تناول ضدين لم يجز أن يرادا جميعا بلفظ واحد وكان يذكر أيضا ان من مذهب الامام أبي حنيفة رحمه الله ان الحقيقة والمجاز لا يجوز أن يرادا جميعا بلفظ واحد \r\n ويستدل عليه بقوله فيمن قال ان شربت من الفرات فعبدي حر ان هذا على الكرع ولا يحنث ان استقى بكوز أو غيره فشرب لان الحقيقة قد ثبت أنها مراده وانه يحنث بها عند الجميع فانتفى المجاز وكذلك قال فيمن حلف لا يأكل من هذه الحنطة شيئا ان عند ابي حنيفة رحمه الله على عين الحنطة ان يقضمها ولا يحنث ان أكلها جبزا لان الحقيقة قد ","part":1,"page":78},{"id":41,"text":" تناولها اليمين فلا يدخل فيها المجاز وقال ابو يوسف ومحمد ان كرع أو شرب بكوز حنث في المسألة الاولى ويحنث ان اكل الخبز في المسألة الثانية فقد صار عندهما اللفظة الواحدة يجوز أن يراد بها الحقيقة والمجاز في حال واحدة ","part":1,"page":79},{"id":42,"text":" @ 80 @ ","part":1,"page":80},{"id":43,"text":" الباب الرابع في معاني حروف العطف وغيرها ","part":1,"page":81},{"id":44,"text":" @ 82 @ ","part":1,"page":82},{"id":45,"text":" باب معاني حروف العطف وغيرها \r\n قال أبو بكر \r\n هذا الباب مما يحتاج إلى ذكره في تعريف حكم الألفاظ المعطوف بعضها على بعض وما تدخل عليه الأدوات التي تتغير فائدة الكلام بدخولها عليه \r\n الواو في اللغة للجمع \r\n وذلك حقيقتها وكان ابو الحسن رحمه الله يحكي عن محمد أنه قال الواو بابها الجمع حتى تقوم دلالة الاستئناف ","part":1,"page":83},{"id":46,"text":" وعلى هذا بنى مسائل الجامع الكبير في الإيمان \r\n قال أبو بكر \r\n وذلك نحو قوله تعالى والراسخون في العلم \r\n من جعلها للجمع جعل تمام الكلام عند قوله والراسخون في العلم فيفيد ان الراسخين في العلم يعلمون تأويله ثم استأنف لهم خبرا آخر فقال يقولون آمنا به ومعناه ويقولون آمنا به \r\n ومن جعلها للاستثناء وجعل تمام الكلام عند قوله إلا الله ثم استأنف للراسخين آخر فقال والراسخون في العلم يقولون آمنا به فهذه الواو تحتمل الجمع وتحمل الاستئناف وقوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده \r\n هذه الواو للجمع لأنها أدخلت المعطوف في حكم المعطوف عليه المبدوء بذكره \r\n ونظيره قول القائل هذه طالق وهذه فدخلت الثانية في خبر الأولى وحكمها لأجل دخول الواو عليها \r\n ولو قال هذه طالق وهذه طالق ثلاثا أو قال وهذه طالق وهذه طالق ان دخل الدار كانت الواو للاستئناف وتطلق الاولى واحدة والثانية ثلاثا ابو بالشرط اذا علقه به \r\n ومحمد بن الحسن حجة فيما يحيكه في اللغة قد احتج به قوم من أئمة اللغة منهم ","part":1,"page":84},{"id":47,"text":" ابوعبيد في غريب الحديث وغيره \r\n وحكي لنا ثعلب انه قال محمد بن الحسن حجة في اللغة \r\n وحكى لي أبو علي النحوي الفارسي عن ابن السراج النحوي ان المبرد سئل عن الغزالة ما هي فقال الشمس قال محمد بن الحسن وكان فصيحا ","part":1,"page":85},{"id":48,"text":" لغلامه انظر هل دلكت غزالة فخرج ورجع فقال لم أر غزالة \r\n وانما أراد محمد هل زالت الشمس ثم انشد المبرد ... يوضحن في قرن الغزالة بعدما ... ترشفن ذراب الغمام الركائك ... \r\n وقال المبرد الواو للجمع ولا دلالة فيها على الترتيب لانك إذا قلت رأيت زيدا وعمرا لم يعقل من اللفظ رؤية احدهما قبل الآخر اذ جاز ان يكون رآهما معا أو رأى عمر قبل زيد \r\n قال ابو بكر \r\n وقال لي أبو عمر غلام ثعلب الواو عند العرب للجمع ولا دلالة عندهم فيها على الترتيب \r\n وأخطأ من قال انها تدل على الترتيب \r\n وقال أبو بكر \r\n ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولاكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان \r\n فلو كانت الواو للترتيب لماكان ممنوعا من ان تقولها بالواو كما لم يمنع ان تقولها بئم \r\n ويدل عليه ان الله تعالى ذكر موسى وهارون في مواضع كثيرة من كتابه فبدأ في ","part":1,"page":86},{"id":49,"text":" بعضها بموسى وفي بعضها بهارون وكذلك الجن والانس \r\n فلو كانت للترتيب لامتنع وجود التقديم والتأخير معا فيهما \r\n فان قيل يلزمك في الجمع مثله لان الجمع يوجب كونهما معا قيل له لم نرد بقولنا هي للجمع وجودهما معا وانما أردنا انها تجمع الاسمين في حكم واحد \r\n وليس يمتنع ان يكونا مجموعين في الحكم ويكون التالي مقدما على الأول في اللفظ تارة والاول مقدما على التالي تارة أخرى \r\n وانما منعنا أن يكون فيها دلالة على ترتيب الحكم \r\n فأما الترتيب في اللفظ فموجود فيما ذكرنا صحيح لا يقدح فيه ما ذكرت \r\n ويدل على أنها لا تقتضي الترتيب في اللغة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما طاف بالبيت وخرج من المسجد صعد الصفا وقال نبدأ بما بدأ الله به فلو كان الترتيب معقولا من اللفظ لما احتاج أن يقول نبدأ بما بدأ الله به لأن القوم لم يكن يشكل عليهم ما كان طريق معرفته اللغة ","part":1,"page":87},{"id":50,"text":" وقد تجىء الواو بمعنى أو فتكون لأحد ما تدخل عليه نحو قول الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع \r\n فامعني أو ثلاث أبو رباع وقوله تعالى أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع \r\n وأما بل فلللاستدراك وإثبات الحكم المذكور بدءا بالتالي تقول رأيت زيدا بل عمرا وهذه طالق بل هذه \r\n فهي تشاكل الواو في هذا الوجه \r\n وأما الفاء فإنها للجمع أيضا إلا أنها تقتضي التعقيب مع ذلك بلا مهلة ولا تراخ لأنك إذا قلت رأيت زيدا فعمرا عقل منه رؤية عمرو بعد زيد بلا تراخ \r\n وكذلك قال أهل اللغة فيها ","part":1,"page":88},{"id":51,"text":" وأما أو فإن أهل اللغة قالوا هي للشك أو للتخيير وأصلها أنها تتناول أحد ما تدخل عليه لا جميعه وهذا حقيقتها وبابها \r\n نحو قوله تعالى أو كسوتهم أو تحرير رقبة وقوله من صيام أو صدقة أو نسك تتناول أحد المذكورات لا جميعها \r\n قال أبو بكر \r\n وهذا حكمها إذا دخلت على الإثبات واذا دخلت على النفي تناولت كل واحد مما دخلت عليه على حياله \r\n نحو قوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا وقوله تعالى أو الحوايا أو ما اختلط بعظم قد نفى بها كل واحد من المذكورات على حياله لا على معنى الجمع \r\n ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن قال والله لا كلمت زيدا أو عمرا أنه أيهما كلم حنث \r\n قال أبو بكر \r\n وهذا في المعنى غير مخالف لحكمه في الإثبات لأنها حين دخلت عليى النفي نفت كل واحد مما دخلت عليه على حدة لا على وجه الجمع \r\n كما أنها إذا دخلت على الاثنين أثبتت أحدهما بغير عينه وكل واحد منهما إذا فعل على الانفراد كان فاعلا بموجب حكم الآية لا على معنى الجمع ","part":1,"page":89},{"id":52,"text":" وقد تجيء أو معنى الواو \r\n قال الله تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ومعناه ويزيدون وقال تعالى فهي كالحجارة أو أشد قسوة ومعناه وأشد قسوة \r\n وأنشدنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن \r\n أبن الأعرابي \r\n ... إن بها اكتل أو رزاما ... خويربان ينفقان الهاما ","part":1,"page":90},{"id":53,"text":" وأنشدنا أيضا \r\n ... فلو كان البكاء يرد شيئا ... بكيت على زياد أو عناق ... \r\n ... على المرءين إذ مضيا جميعا ... لشأنهما بحزن واحتراق ... \r\n فقال زياد أو عناق ثم قال على المرأين فدل أنه أراد الجمع \r\n وأما ثم فهي للترتيب والتراخي تقتضي أن يكون الثاني بعد الأول كذا حكمها في اللغة \r\n وقد تجيء بمعنى الواو كقوله تعالى أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا \r\n معناه وكان من الذين آمنوا \r\n وقال تعالى ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن يعني وآتينا موسى الكتاب \r\n وقد قيل إن المعنى فيه أنها دخلت على خطاب المتكلم صلة لكلامه لا على حكم الكلام المتقدم كأن تقديره ثم بعد ما وصفنا أذكر لكم أن هذا الحكم إنما هو لمن كان من الذين آمنوا وبعد ما ذكرت لكم أعلمتكم أنا آتيننا موسى الكتاب \r\n ونحو ذلك قوله تعالى فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ومعناه ","part":1,"page":91},{"id":54,"text":" والله شهيد على ما يفعلون وقوله تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهدى المعنى وقد اهتدى \r\n ونحو قوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم \r\n فإن كان المراد بقوله خلقناكم حقيقة اللفظ فقوله ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم بمعنى وقلنا للملائكة \r\n وإن كان المراد بقوله خلقناكم ثم صورناكم آدم كقوله والله خلقكم من تراب فإن قوله ثم قلنا للملائكة اسجدوا محمول على حقيقته \r\n وبعد للترتيب في حقيقة اللغة \r\n قال الله تعالى ثم بعثناكم من بعد موتكم \r\n وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة \r\n وقد تجيء بمعنى مع \r\n قال الله تعالى عتل بعد ذلك زنيم يعني مع ذلك \r\n وقد قيل إنها رجعت إلى جملة الخطاب كأنه قال عتل وأقول لكم بعد ما تقدم ذكرى له أنه زنيم ","part":1,"page":92},{"id":55,"text":" ومع للمقارنة وقد تجيء بمعنى بعد \r\n قال الله تعالى فإن مع العسر يسرا \r\n وإلى للغاية بمعنى حتى وقد تدخل تارة في الحكم ولا تدخل أخرى \r\n قال الله تعالى ثم أتموا الصايم إلى الليل \r\n فالليل غير داخل فيه وقال تعالى وأيديكم إلى المرافق والمرافق داخله وقال تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فالاغتسال شرط في إباحة الصلاة \r\n والأصل في ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله أن الغاية تدخل في الكلام على وجهين \r\n أحدهما لإسقاط بعض ما اشتمل عليه اللفظ كقوله تعالى وأيديكم إلى المرافق واليد اسم يتاول العضو إلى المنكب فدخلت الغاية لإسقاط ما عدا المرفق فكانت المرافق داخلة فيه \r\n والآخر أن لا يتنظم الاسم الغاية وما بعدها فتصير الغاية حينئذ مشكوكا فيها فلا نثبتها بالشك \r\n وقد تجيىء إلى معنى مع \r\n قال الله تعلى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ","part":1,"page":93},{"id":56,"text":" ومن قالوا إنها للتبعيض ولبدو الغاية وللتمييز وللإلغاء فالتبعيض خذ من مالي واعتق من عبيدي \r\n والابتداء خرجت من الكوفة وأخذت من فلان مالي والتمييز ثوب من قطن وباب من حديد \r\n والإلغاء قوله تعالى يغفر لكم من ذنوبكم و مالكم من إله غيره والمعنى يفغر لكم ذنوبكم ومالكم إله غيره \r\n وأما الباء فإن النحويين يقولون هي للإلصاق كقوله كتبت بالقلم ومسحت برأسي \r\n وقال غيرهم هي مع ذلك للتبعيض لأنهم يفرقون بين قول القائل مسحت برأس اليتيم ومسحت رأسه ويقول مسحت يدي بالحائظ ومسحت الحائظ \r\n فلما كان الفرق بين اللفظين ظاهرا معقولا في اللغة وجب أن يكون لدخولها فائدة وهي التبعيض حتى تقوم دلالة الإلغاء لأن هذه الأدوات موضوعة للفائدة كقولنا من للتبعيض وقد تدخل للإلغاء ولا نجعلها للإلغاء إلا بدلالة \r\n وأما في فللظرف \r\n كقولك ثوب في منديل وتمر في صرة ","part":1,"page":94},{"id":57,"text":" ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن قال غصبت من فلان ثوبا في منديل إنه إقرار بالمنديل أيضا لأنه أقر أنه كان ظرفا له في حال الغصب وصار مغصوبا معه \r\n وقد تجيء في بمعنى من \r\n قال الله تعالى وارزقوهم فيها يعني منها \r\n وتجيء أيضا بمعنى مع قال الله جل وعز فادخلي في عبادي وادخلي جنتي معناه مع عبادي \r\n ويحتمل أن يريد في جملة عبادي وفي جماعتهم \r\n والنحويون يقولون إن أكثر حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض وهو موجود في كتبهم \r\n وأما كل فإنها تدخل لجمع الأسماء كقوله تعالى كل نفس ذائقة الموت وقول القائل كل عبد لي حر وكل امرأة تدخل الدار فهي طالق ويكون فيها بمعنى الشرط إذ علقت بالجواب ولا تتناول الأفعال لأنها لا يصح دخولها عليها \r\n ألا ترى أنك لا تقول كل يدخل الدار وإنما تقول كل امرأة لي تدخل الدار فهي طالق \r\n ولذلك قالوا إنها إذا دخلت الدار وطلقت ثم دخلتها مرة أخرى لم تطلق لأنها لما لم تتناول الأفعال وإنما تناولت الأسماء على وجه الجمع واستحال أن تجمع إلى نفسها لم تطلق إلا مرة واحدة وإن دخلت الدار امرأة أخرى طلقت أيضا لأنها غير الأولى ","part":1,"page":95},{"id":58,"text":" وأما كلما فإنها لجمع الأفعال وفيها معنى الشرط على وجه التكرار يدل على ذلك أنها تختص بالفعل ولا يصح دخولها على الأسم لأنك لا تقول كلما امرأة إنما تقول كلما دخل امرأة \r\n ويدل عليه قوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها و كلما أرادوا أن يخروجوا منها أعيدوا فيها اقتضى كل مرة ","part":1,"page":96},{"id":59,"text":" الباب الخامس في إثبات القول بالعموم وذكر الاختلاف فيه ","part":1,"page":97},{"id":60,"text":" @ 98 @ ","part":1,"page":98},{"id":61,"text":" باب في إثبات القول بالعموم وذكر الاختلاف فيه \r\n قال أبو بكر \r\n اختلف المتأخرون في حكم اللفظ العام الظاهر إذا ورد مطلقا عاريا من دلالة الخصوص \r\n فقال جمهور أهل العلم \r\n الحكم بعموم اللفظ في الأخبار والأوامر جميعا فلا يصرف شيء منها إلى الخصوص ولا يتوقف فيها إلا بدلالة وأبت طائفة هذا القول واختلفت فيما بينها \r\n فقال منهم قائلون بالخصوص في الأوامر والأخبار جميعا وحكموا فيها بأقل ما يتناوله الاسم حتى تقوم دلالة الكل \r\n وزعموا أن اللفظ الموضوع كذلك بالخصوص أولى منه بالعموم ويحتمل مع ذلك أن يراد به العموم \r\n قالوا ولا يجوز الحكم بالعموم بالاحتمال لأن المحتمل غير متيقن ولا يعلم ","part":1,"page":99},{"id":62,"text":" إنه مراد باللفظ والخصوص متيقن فوجب الحكم به والوقوف عنده حتى تقوم دلالة العموم \r\n وقال منهم آخرون بالوقف فيهما جميعا لأن اللفظ عندهم محتمل لكل واحد من المعنيين كاحتماله للآخر وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان \r\n وفرقت طائفة بين الأخبار والأوامر فوقفت في الأخبار وحكمت بالعموم في الأوامر وطائفة وقفت في عموم الأوامر وقالت بالعموم في الأخبار ","part":1,"page":100},{"id":63,"text":" ومذهب أصحابنا القول بالعموم في الأخبار والأوامر جميعا وكذلك كان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يحكيه من مذهب أصحابنا جميعا وجميع من شاهدناهم من شيوخنا واحتجاجهم لمسائلهم في كتبهم بعموم اللفظ مجردة من دلالة تقترن إليه في إيجاب العموم يقتضي ذلك \r\n وذلك غير خاف على من عرف مذاهبهم \r\n قال أبو بكر \r\n وحكى لنا أبوالطيب بن شهاب عن أبي الحسن الكرخي أنه قال له إني أقف في عموم الأخبار وأقول بالعموم في الأمر والنهي \r\n فقلت لأبي الطيب فهذا يدل على أن مذهبه كان الوقف في وعيد فساق أهل الملة \r\n فقال لي هكذا كان مذهبه \r\n وحكى لي أيضا أنه سمع أبا سعيد البردعي يقف في القول بالعموم في الأمر والنهي وفي الأخبار جميعا \r\n وأبو الطيب هذا غ ير متهم عندي فيما يحكيه وقد جالس أبا سعيد البردعي وشيوخنا المتقدمين ","part":1,"page":101},{"id":64,"text":" ولم أسمع أنا أبا الحسن رحمه الله يفرق بين الخبر والأمر والنهي في ذلك بل كان يقول بالعموم على الإطلاق \r\n ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله القول بالوقف في عموم الأخبار وأنه لا يقطع فيها بعموم ولا خصوص إلا بدلالة لأن مذهبه المشهور عنه أنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر من أهل الصلاة ويجوز أن يغفر الله لهم في الآخرة \r\n وأبو حنيفة وإن كان هذا مذهبه في الوعيد فإنه لم يذهب إليه من جهة قوله بالوقف في عموم الأخبار وإنما ذهب إليه لأن عنده أن الدلالة قد قامت على أن الآي الموجبة للوعيد بالتخليد في النار إنما عني بها الكفار لآيات أوجبت خصوصها فيهم \r\n نحو قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء \r\n وقوله تعالى إن الله يغفر الذنوب جميعا \r\n وقوله تعالى والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم وقوله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين ","part":1,"page":102},{"id":65,"text":" وقوله تعالى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى \r\n وإنما جعل التخليد في النار مقصورا على الكفار بهذه الآيات ونحوها \r\n وقد ذكر أبو موسى عيسى بن أبان هذا المعنى في كتابه في الرد على بشر المريسى والشافعي في الأخبار \r\n وقال إنا إنما وقفنا في وعيد فساق أهل الملة لأن آي الوعيد بإزائها هذه الآيات التي تلوتها مما يقتضي ظاهرها دخول فساق أهل الملة فيها فجوزنا لهم الغفران بها وجوزنا التعذيب بالآي الأخر وأرجينا أمرهم إلى الله تعالى فلم نقطع فيهم بأحد الأمرين دون الآخر \r\n وهذا تصريح منهم بالقول بعموم الأخبار أيضا \r\n ولم يحك عن أحد من أصحابنا خلاف ذلك \r\n فدل أنه قولهم جميعا \r\n قال أبو بكر ومذهب كل من قال بالعموم ممن لا يرى جواز تأخير البيان أن اللفظ العام المخرج حقيقته العموم لا احتمال فيه للخصوص إلا بدلالة تقرن إليه \r\n فأما اللفظ بمجرده فلا احتمال فيه وأنه متى أطلق وأريد به الخصوص كان اللفظ مجازا عند من يجوز منهم إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص \r\n والقول بعموم اللفظ فيما لم تصحبه دلالة الخصوص في موضوع اللسان وأصل ","part":1,"page":103},{"id":66,"text":" اللغة هو مذهب السلف في الصدر الأول ومن بعدهم ممن تابعهم متوارث ذلك عنهم بالفعل المستفيض \r\n يبين ذلك محاجة الصحابة بعضا بعذا في الحوادث التي تنازعوا فيها بألفاظ عموم مجردة من دلالة غيرها \r\n من ذلك ما روي عن عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حين خالف عثمان رضي الله عنه في وطء الأختين بملك اليمين فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى ","part":1,"page":104},{"id":67,"text":" يعني بآية التحليل قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم وبآية التحريم قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف \r\n وقال عثمان رضي الله عنه أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحليل أولى وقد روي عنه الوقف فيه إلا أن المشهور عنه الإباحة فاحتج كل واحد منهما بعموم لفظ القرآن غير مفتقر معه إلى دلالة من غيره ثم كان العمومان عندهما متعارضين متى خلينا ومقتضى اللفظ فيهما بقولهما أحلتهما آية وحرمتهما آية لاستغراق كل وحد منهما ما تحت الاسم \r\n ثم كان من مذهب علي رضي الله عنه أن قوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم مرتب على قوله وأن تجمعوا بين الأختين وأن قوله وأن تجمعوا بين الأختين قاض عليه \r\n وكان عند عثمان رضي الله عنه أن قوله وأن تجمعوا بين الأختين مرتب على قوله إلا ما ملكت أيمانكم مخصوص منه وأن آية الإباحة قاضية على آية الحظر ومثله اختلاف علي وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما في عدة الحامل المتوفي عنها ","part":1,"page":105},{"id":68,"text":" زوجها فقال علي رضي الله عنه عدتها أبعد الأجلين لأنه استعمل عموم الآيتين وهو قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وقوله تعا2لى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن \r\n وقال عبدالله أن تضع حملها لقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وقال من شاء باهلته أنها نزلت بعد قوله أربعة أشهر وعشرا فكان عنده أنها قاضية عليها مخصصة لها فاعتبرا جميعا عموم اللفظ ولم يفزعا إلىتأييده بغيره \r\n وأراد عثمان رجم امرأة جاءت بولد لستة أشهر فقال ابن عباس أما أنها إن خاصمتكم بكتاب الله عز و جل خصمتكم قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال وفصاله في عامين فحصل الحمل ستة أشهر ","part":1,"page":106},{"id":69,"text":" فاحتج بالعموم لأن لفظ الإنسان فيه في هذا الموضع للجنس فهو مستوعب للكل وقبله منه عثمان وعرف صحة استدلاله فرجع إليه \r\n وقال عمر وابن عباس وعمران بن الحصين في أم المرأة إنها تحرم بالعقد وإن لم يقع دخول وقالوا إنها مبهمة ولم يرجعوا فيها إلا إلى ظاهر اللفظ ","part":1,"page":107},{"id":70,"text":" وقال ابن عباس أبهموا ما أبهم الله تعالي \r\n وقيل لابن عمر إن ابن الزبير يقول لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان فقال قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير قال الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم اخواتكم من الرضاعة واحتج عمر على الزبير وبلال ومن سأله قسمة السواد بقول الله تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إلى قوله والذين تبوءوا الدار ","part":1,"page":108},{"id":71,"text":" والإيمان من قبلهم وقال الله تعالى والذين جاءوا من بعدهم \r\n قال عمر فقد جعل الحق لهؤلاء كلهم ولو قسمته بينكم لبقى الناس لا شيء لهم ولصار دولة بين الأغنياء منكم \r\n فحاجهم بعموم هذه الآيات فتبينوا الرشد في قوله ووضح لهم طريق الحق فيه فرجعوا إلى مقالته \r\n وقال ابن عباس لم أجد الله ذكر جدا ولم يذكر إلا أبا احتجاجا ليكون الجد أبا \r\n ونظائر ذلك كثيرة ظاهرة عندهم مستفيضة لو استقصيناه لطال به الكتاب وبمثل ","part":1,"page":109},{"id":72,"text":" هذا يوقف على مذهب القوم ومقالاتهم \r\n فبان بما وصفنا أن العموم من مفهوم لسان العرب وإن ذلك مذهب السلف من غير خلاف بينهم فيه وما خالف في هذا أحد من السلف ومن بعدهم إلى أن نشأت فرقة من المرجئة ضاق عليها المذهب في القول بالإرجاء فلجأت إلى دفع القوم بالعموم رأسا لئلا يلزمها لخصومها القول بوعيد الفساق بظواهر الآي المقتضية لذلك فقد صنف أهل العلم على نفاة القول بالعموم كتبا واستقصوا الكلام عليهم فيها وفي استقصاء القول فيه ضرب من الإطالة وشأننا الاختصار وذكر الجمل ما استغنينا في إيجاب الفائدة بها عن الإطالة ونسأل الله التوفيق \r\n دليل آخر قال أبو بكر \r\n فنقول إن مما يدل على صحة القول بالعموم أنه لا يخلو حكم اللفظ المطلق المشتمل ","part":1,"page":110},{"id":73,"text":" على مسميات من أحد وجوه ثلاثة \r\n إما أن يكون الحكم لكل ما استوفاه الاسم على ما قدمنا أو الوقف فيه حتى يرد بيان مراد الكل أو البعض على حسب ما قال القائلون بالوقف والحكم فيه بأقل ما يقع عليه الاسم حتى تقوم دلالة الكل فإن كان الواحب فيه الحكم بالأقل لم يخل وجوب ذلك من أحد معنيين \r\n إما أن يكون ذلك بدلالة غير اللفظ أو لأن اللفظ يتناوله \r\n فإن كان الحكم بالأول إنما يعلق وجوبه بدلالة غير اللفظ وليس هذا حكم بالأقل من جهة اللفظ وعلى أن تلك الدلالة حكمها أن تكون مبنية على اللفظ واللفظ لا حكم له إلا بدلالة فهذا يوجب بطلان تلك الدلالة فبطل أن يكون وجوب الحكم بالأقل متعلقا بدلالة غير اللفظ وإن كان وجوب الحكم بالأقل متعلقا باللفظ من حيث انتظمه وصار عبارة عنه \r\n فالحكم باستيعاب الكل واجب لوجود اللفظ المشتمل على جميعه لأن اللفظ لم يختص بكونه عبارة عن الخصوص دون العموم إذ كان يتناول الجميع على وجه واحد لأن قوله تعالى فاقتلوا المشركين لا يختص بثلاثة منهم دون جميعهم فمن حيث وجب الحكم في ثلاثة من طريق اللفظ وجب مثله في الجميع لهذا المعنى بعينه \r\n فإن قال قائل منهم إنما حكمت بالأقل لأنه متيقن وما زاد فهو مشكوك فيه \r\n قيل له ومن أين علمت أنه متيقن إلا من جهة اللفظ ومخالفوك القائلون بالوقف يقولون في الأقل كقولك أنت في الأكثر فهلم دلالة غير اللفظ على وجوب الحكم بالأقل ","part":1,"page":111},{"id":74,"text":" فإذا ثبت عندنا وعندك وجوب الحكم بأقل وكان المرجع فيه إلى اللفظ الذي هو عبارة عنه في موضوع اللسان واللفظ موجود في الأكثر كهو في الأقل فهلا حكمت له بمثل حكمه فبطل بما وصفنا قول القائلين بالخصوص \r\n ثم نقول لأصحاب الوقف أتثبتون للخطاب فائدة عند وروده مطلقا غير مقرون بدلالة الخصوص أو الاحتمال أو تزعمون أن وجوده وعدمه سواء \r\n فان قالوا له فائدة وللمخاطب فيه غرض محمود إذا كان حكما وهو أنه يعلمنا أن حكما قد لزمنا يريد بيانه في التالي \r\n قيل له فالبيان الوارد في التالي لا يخلو من أن يكون لفظا أو دلالة منه \r\n فإن كان لفظا فحكمه حكم الأول يجب الوقف فيه \r\n وإن كان دلالة من لفظ فكيف يدل على غيره وهو لم يثبت حكمه بنفسه \r\n فإن قال يكون بيانه موقوفا على ورود الإجماع به فمهما حصل عليه الاتفاق علمنا أنه هو المراد \r\n قيل له فالإجماع فيما طريق معرفته السمع لا يخلو من أن يصدر عن سمع أو عن دلالة منه \r\n فإن كان عن سمع فذلك السمع حكمه أي يكون موقوفا على بيان ثان فكيف يصح الإجماع عن مثله \r\n وإن كان دلالة عن غير سمع فهي أبعد من أن يحصل عليها إجماع ","part":1,"page":112},{"id":75,"text":" وحكم السمع غير ثابت على أن حجة الاجماع إنما تثبت عن طريق السمع فإن لم يكن السمع دالا بنفسه وكان ثبوت حكمه موقوفا على الإجماع والإجماع لا يثبت حجة إلا من جهة السمع فقد صارت حجة السمع موقوفة على الإجماع وحجة الإجماع موقوفة على السمع وهذا محال لأنه يوجب أن يكون كل واحد منهما أصلا للآخر وكل واحد فرعا لصاحبه وهذا غاية الاستماة فقد آل الأمر بالقائلين بالوقف إلى إبطال فائدة اللفظ رأسا وإخلاء جميع خطاب الله تعالى وخطاب الرسول صلى الله عليه و سلم من فائدة وهذا قول يؤدي بقائله إلى الانسلاخ من الدين \r\n فلما بطل قول القائلين بالخصوص وبالوقف لما بينا لم يبق إلا قول أصحاب العموم \r\n ودليل آخر وهو قوله تعالى بلسان عربي مبين وقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه \r\n وفي لسان العرب ألفاظ موضوعة للجنس فقوله تعلى فاقتلوا المشركين والسارق والسارقة و الزانية والزاني والناس والحيوان تفيد هذه الأسماء في نفسها جميع ما تحت الجنس وفيها ألفاظ تعم العقلاء وألفاظ تعم غير العقلاء مثل من وما في النكرة على ما بيناه فيما سلف هكذا قال أهل اللغة \r\n ويدل عليه أنه يستفهم عن جنس العقلاء ب من ويصح الجواب عنها ب من ","part":1,"page":113},{"id":76,"text":" شاء منهم فيقول من في الدار فيجيبه برجل أو امرأة أو بنحو ذلك ويكون جوابه صحيحا ولا يصح أن يكون جوابه في الدار حمار أو ثور \r\n وكذلك هذا في المجازاة كقوله من يعطني أعطه قال الله عز و جل ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ويقول ما في الدار فتقول حمار أو جمل ولا يصلح أن يكون جوابه رجل وتقول في المجازاة ما تأكل آكل وما تحمل أحمل ونحو ذلك فدل على أن من تتناول جميع العقلاء وما لغير العقلاء وتعم الجميع فيه فإذا ورد ذلك في كلام الله تعالى وفي خطاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مطلقا وجب حمله على موضوعه في أصل اللغة \r\n كما أن اسماء الأعيان والأجناس متى وردت مطلقة في خطاب الله تعالى كانت محمولة على ما هي اسم له في اللغة والاصطلاح نحو قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير \r\n فمن حيث عقل بهذه الاسماء مسمياتها لأنها في اللغة موضوعة لها ولم يجز أن يقال الميتة المذكورة في الآية ليست هي الميتة المعقولة من لغة العرب كان المعقول أيضا ","part":1,"page":114},{"id":77,"text":" استغراق الجنس لأنها في اللغة كذلك \r\n ويدل عليه أيضا قوله تعالى ما يبدل القول لدي فما خاطبنا به مما هو في اللغة فهو محمول على حكمه فيها لأنه كذلك عند الله تعالى بقول ما يبدل القول لدي \r\n دليل آخر \r\n وقد احتجوا للقول بالعموم أيضا بأن للعموم في اللغة صيغة يتميز بها من الخصوص لأن أهل اللغة يقولون مخرج الكلام مخرج العموم كما أن للواحد صيغة يبين بها من الجميع وكما أن للخبر صيغة ينفصل بها من الأمر وللاستخبار صورة يتميز بها من الأخبار فمن حيث وجب أن يكون المعقول صيغة الأمر إذا ورد مطلقا معنى هو موضوعه في اللغة \r\n وكذلك بلفظ الجمع ولفظ الواحد وعقل بكل شيء من ذلك ما هو موضوع له ولم يجز صرفه إلى غيره وكذلك وجب ألا يصرف الصيغة الموضوعة للعموم إلى الخصوص كما لا يصرف لفظ الجمع إلى الواحد ولفظ الأمر إلى الاستخبار ولفظ الخبر إلى الأمر ","part":1,"page":115},{"id":78,"text":" فإن قال قائل إنما العموم والخصوص يتعلق بقصد المتكلم دون اللفظ قيل له لو جاز ذلك جاز أن يقال في الأمر والخبر والاستخبار أن جميع ذلك إنما يتعلق حكمه بقصد المتكلم \r\n فإن قيل ما أنكرت أن يكون قولهم إن هذا عموم مجازا \r\n قيل له إن كل مجاز فإنما هو مجاز عن حقيقة فينبغي أن يكون للعموم حقيقة في اللغة حتى يستعار منه المجاز \r\n وهذا يدل على أن قولهم هذا عام حقيقة إذ ليس يرجع منه إلى أصل غيره هو استعارة منه \r\n وأيضا لو كان لفظ العموم ولفظ الخصوص بأصل اللغة بمعنى واحد حتى يعبر بكل واحد منهما عن معنى الآخر لما كان أحدهما بأولى بأن يكون مخرجه مخرج العام منه بأن يكون مخرجه مخرج الخصاص فصح أن الذي مخرجه مخرج العام موضوع في حقيقة اللغة للعموم والذي مخرجه مخرج الخصاص موضوع في حقيقته للخصوص \r\n وأيضا لو كان كما قال خصمنا لجاز أن يكون مؤكدا به العموم تأكيد الخصوص في حقيقة اللغة فكان إذا قال ضربت غلماني كلهم أجمعين حتى لم أبق منهم أحدا إنه يكون مؤكدا لتخصيصه ودالا به على أنه ضرب البعض ولكان يجوز ما يؤكد به الخصوص تأكيد العموم حتى قال ضربت غلامي وحده دون غيره مؤكدا به العموم دلالة عليه فإذا بطل هذا ثبت أن ما يعبر به عن الخصوص لا يكون للعموم وما يعبر به عن العموم لا يكون للخصوص إلا بدلالة \r\n واحتجوا أيضا بأن الضرورة داعية لأهل كل لغة إلى أن يكون في لغتها ألفاظ للعموم كحاجتهم إلى أسماء سائر المسميات التي يختص كل واحد منها باسم يتميز به من غيره لأنهم بها يتوصلون إلى إفهامهم بعضهم بعضا ما في ضمائرهم والإ بانه عن مقاصدهم وأغراضهم إذ كان معلوما أنه مستحيل متى أراد العبارة عن الجنس كله أن يذكر كل واحد من آحاده أو يشير إليه بعينه لأن ذلك يفوق الإحصار والعدد ويمتنع فيه الاشارة والتعيين فاحتاجوا من أجل ذلك إلى ألفاظ موضوعة للجنس وللجمع يوجب ","part":1,"page":116},{"id":79,"text":" استغراق الجنس كله ويقتضي استيفاء جميع ما الاسم موضوع له على حسب ما سلف القول فيه في بيان صفة العموم \r\n فلما كان ذلك كذلك وجب أن يكون لفظ العموم متى ورد مطلقا محمولا على بابه ومختصا بما وضع له من استغراق الجنس واستيعاب كل ما لحقه الاسم حتى تقوم دلالة الخصوص كما وجب إذا خوطب بذكر سماء وأرض ورجل وفرس ونحو ذلك صرفها إلى ما يختص بها في موضع اللغة دون غيره \r\n فإن قال قائل لا نأبى أن يكون في اللغة ألفاظ موضوعة للجنس وللجمع تستغرق جميع ما تحتها وتتناول كل ما يلحقه الاسم منها إلا أن هذه الألفاظ بأعيانها لما كانت تصح للكل وللبعض كقوله تعالى الذين قال لهم الناس وقوله تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم وقول القائل جاءني بنو تميم \r\n فساغ إطلاقها مع إرادته البعض دون الجمع وقفت موقف الاحتمال وغير جائز حملها على الكل بالاحتمال فلا يخلو حينئذ من وجوب الحكم فيه بالأقل لأن اللفظ في الحالين جميعا منتظم له أو الوقف فيه حتى تقوم دلالة المراد \r\n قيل له فلو كان اللفظ الذي مخرجه العام محتمل للخصوص والعموم دعوى لا دلالة عليها وليس لأنه يصح أن يعتبره عن الخصوص صار محتملا له وللعموم وذلك لأن لفظ الجمع حقيقة الثلاثة فما فوقها فمن استعمله في الثلاثة فهو مستعمل له على الحقيقة فلم يعتبر الاقتصار ب به عليها ","part":1,"page":117},{"id":80,"text":" وقيل له كون الثلاثة جمعا في الحقيقة لا يوجب الاقتصار به عليها إذ كان عموم اللفظ يتناول ما فوقها كما يتناولها لأن استعمال اللفظ في حقيقة ما لا يمنع وجوب استعماله في حقيقة أخرى \r\n فإذا كان الجمع حقيقة فيما فوق الثلاثة وجب استعماله فيه كما وجب استعماله في الثلاثة \r\n فإن قال قائل معلوم الفرق بين قوله فاقتلوا المشركين وبين قوله لو قال اقتلوا المشركين وبين قول قائل اقطعوا سراقا وبين قوله اقطعوا السراق فإن قوله مشركين وسراقا لا يقتضي جميع ما يقع عليه الاسم مع كونه لفظ جمع \r\n قيل له وإن كان لفظ جمع فإنه من حيث كان نكرة لم يوجب استغراق الجنس كله ولو وجب استغراق الجنس صار معرفة لدخول ما تحت الجنس فيه وكان يصير كقوله اقطعوا السراق واقتلوا المشركين لأن الألف واللام في مثله يدخلان لتعريف الجنس وهذا يوجب أن يكون دخول الألف واللام عليه وخروجها سواء معلوم فساده ","part":1,"page":118},{"id":81,"text":" وليس في هذا نقض لما قلنا من أن لفظ الجمع يتناول الثلاثة فما فوقها حقيقة وأنه لا يختص ببعض ذلك دون بعض من قبل أنا إنما صرفناه إلى الثلاثة في هذ ه الحال بدلالة وهو خروج اللفظ مخرج النكرة وذلك يقتضي بعضا مجهولا من جملة محكم اللفظ ماض على ماقدمناه \r\n وإنما خصصناه وقصرناه على الثلاثة بدلالة وجائز أن يراد به أكثر منهم إلا أن المتيقن منه ثلاثة غير أعيان \r\n ثم لا يخلو حينئذ من أن يكون حكم اللفظ موقوفا على البيان أو يكون المخاطب مخبرا قي قطع ثلاثة منهم \r\n وقد قال أصحابنا فيمن قال إن تزوجت نساء أو اشتريت عبيدا فعبدي حر إن هذا على ثلاثة منهم \r\n وإنما يوجب لفظ الجمع استغراق الجنس بدخول الألف واللام عليه و قد قال الله تعالى الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء هذا عموم في جميع الرجال والنساء وإنما ورد بلفظ متكرر \r\n وقيل يحتمل أن يريد مما خلق منهما ومن صلبهما دون أولاد أولادهما فيصيرون ","part":1,"page":119},{"id":82,"text":" مذكورين بالاضافة إلى جملة الرجال والنساء من بني آدم \r\n فان قال قائل على الفصل المتقدم فكيفما جرت الحال فقد جاز إطلاق لفظ العموم المراد الخصوص \r\n قيل له هل هذا لا يسلمه لك جميع أصحاب العموم لأن منهم من يقول إن لفظ العموم لا يكون للخصوص أبدا ومتى أريد به الخصوص علمنا أنه لم يكن قط لفظ عموم لأن ما صحبه من دلالة الخصوص يجري عندهم مجرى الاستثناء فهذا السؤال ساقط عن القائلين بهذا القول \r\n وأما من سلم ورود لفظ عموم يراد به الخصوص فإنه يجعل إطلاق اللفظ في هذه الحال مجازا لا حقيقة والحقيقة استعماله للعموم وليس في أن اللفظ عدل به عن حقيقته واستعمل في غير موضعه في حال ما يمنع استعماله عند وروده مطلقا على الحقيقة \r\n ألا ترى أن لفظ الخبر قد يرد والمراد الأمر كقوله تعالى يتربصن بأنفسهن ويرد لفظ الأمر والمراد الوعيد والتهديد كقوله تعالى اعملوا ما شئتم \r\n ولم يمنع جواز وروده على هذا الوجه لدلالة أوجبت ذلك له من وجوب استعماله متى ورد مطلقا على حقيقته \r\n فإن قيل لو كان لفظ العموم يقتضي استيعاب جميع ما تحت الاسم لصار كل اسم منه كالمذكور بعينه وكان ذلك يمنع جواز دخول الاستثناء عليه كما لا يصح استثناء المذكور ","part":1,"page":120},{"id":83,"text":" لأنه لا يصح أن يقول رأيت زيدا إلا زيدا \r\n قيل له هذا غلط لأن أحدا لا يدفع أن تكون العشرة اسما لهذا العدد يقتضي إطلاقه استيعاب جميعه ثم لم يمتنع جواز ورود الاستثناء عليها ولم يبطل ذلك شمول اللفظ عند الإطلاق لجميعه \r\n وكذلك ما وصفنا في العموم وجاز ورود الخصوص والاستثناء عليه غير مانع كون اللفظ عبارة عن جميعه \r\n فإن قال قائل ما أنكرت أن تكون صفة العموم الموجب للشمول والاستيعاب هي ما يصحبه حرف التأكيد وهو الكل والجميع وبقبح معه استفهام المراد وما خلا من ذلك فهو محتمل للعموم والخصوص وليس أحد المعنيين بأولى بحكم اللفظ من الآخر ولولا أن ذلك كذلك ما كان للتأكيد والاستفهام معنى ولا فائدة \r\n قيل له لفظ الكل والجميع إذا دخلا على العموم فإنما يؤكدان به ما قد حصل واستقر من المعنى ولا يوجبان زيادة حكم على ما تضمنه العموم العاري من التأكيد وإنما يؤكد بلفظ الكل والجميع كما يؤكد بالتكرار وليس يفيد التكرار زيادة حكم على ما حصل بالعموم كقول الله أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى والثاني تأكيد في تقرير المعنى الحاصل بدءا \r\n وكقول النبي صلى الله عليه و سلم الذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء وزنا بوزن كقوله ","part":1,"page":121},{"id":84,"text":" في الصدقة فان لم تكن تجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر \r\n وكقول الشاعر ... هلا سألت جموع كندة ... يوم ولوا أين أينا ... \r\n وكالقسم يدخل على الكلام على جهة تقدير المعنى الحاصل بالخبر وتقديره عند المخاطب ","part":1,"page":122},{"id":85,"text":" ويدل على صحة ذلك أنه قد يدخل على الأعداد التي لا إشكال على أحد في حصول المراد به قبل التأكيد \r\n نحو قولك أخذت العشرة كلها وقبضتها بأسرها ولم يفد زيادة عدد على ما عقلناه من اللفظ قبل دخوله ويدخل على الاسم المفرد المشار إليه بعينه كقولك رأيت زيدا نفسه وعينه فدل ذلك على أن التأكيد لا يفيد زيادة معنى في وجوب الكلام الأول \r\n وعلى أنه لو كان التأكيد يفيد زيادة معنى على ما اتصل به لما كان تأكيدا ولكان حينئذ كلاما مستقبلا مفيدا بنفسه كقولك عشرة وعشرة أخرى فلما صح أن لفظ الكل والجميع إذا اتصلا بلفظ العموم إنما يصحبانه على وجه التأكيد ثبت أنه لا يفيد اكثر من تقرير المعنى الذي أفادناه لفظ العموم \r\n فإن قيل إذا كان لفظ الكل والجميع إذا دخلا على العموم لا يفيدان زيادة حكم فلا فائدة في دخولهما \r\n قيل له بل فيهما أكبر الفائدة هو تأكيده وتقريره عند المخاطب كما أن أنفسنا وجميع ما خلق الله تعالى دلائل عليه وموصول إلى العلم به \r\n والمعجزة الواحدة والسورة الواحدة دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه و سلم لو اقتصر عليها كانت موصلة إلى العلم به وقد جعل مع ذلك كل سورة دلالة على نبوته وجميع ما خلقه الله تعالى دلائل على توحيده وحكمته ","part":1,"page":123},{"id":86,"text":" وقد قيل إن فائدة دخول حرف الكل والجميع إنه يمنع التخصيص وينفي أن يكون هناك دليل عليه \r\n و اما قولهم إن كل ما حسن معه الاستفهام فالاحتمال قائم فيه لا معنى له لأن اللفظ المطلق الذي يمكن استعماله على ظاهره إذا صدر عن الحكيم الذي يصنع الأشياء مواضعها لم يحسن استفهامه وإنما يحسن ذلك فيمن يظن به الغلط ووضع الكلام في غير موضعه \r\n فيقال له أحقا ما تقول أنت صدوق في ذلك ونحو هذا من القول \r\n فأما الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها فلا يجوز هذا المعنى في كلامه ويقبح استفهامه وقد يحسن الاسفهام على وجه آخر وهو أن يجوز السامع على نفسه الغلط فيما سبق إلى سمعه فيستفهم المخاطب له ليعلم أن ما سبق إلى سمعه كان صحيحا على ما سمعه \r\n ألا ترى أن الاستفهام قد يحسن من مثل هذا في الأعداد المعلومة التي لا تشكل مقاديرها على سامعها مثل أن تقول خذ هذه الألف درهم فيقول أتعطيني الألف كلها \r\n فأما إذا كان المخاطب حكيما والسامع واعيا لما خوطب به واللفظ ظاهر المعنى فالاستفهام غير سائغ في مثله \r\n فإن قيل لولا جواز الاستفهام في لفظ العموم لما ساغ لقوم موسى عليه السلام حين أمرهم الله تعالى بذبح بقرة فقالو ادع لنا ربك يبين لنا ما هي فدل ذلك على جواز الوقوف في لفظ العموم وحسن الاستفهام معه ","part":1,"page":124},{"id":87,"text":" قيل له او قد صار قولهم حجة في ذلك ومن براهم من الخطأ في استفهامهم مع ما لحقهم من اللائمة في مراجعتهم \r\n وقد روي عن ابن عباس أنه قال لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم \r\n وعلى أن هؤلاء الذين استفهموا ذلك هم الذين قالوا أتتخذنا هزوا فمن خاطب نبي الله صلوات الله عليه بمثل ذلك لم يبعد من الخطأ في الاستفهام والمراجعة وعلى أن سؤالهم قد صار سببا للتغليظ عليهم عقوبة لهم على ذلك فدلالة هذه القصة على صحة القول بالعموم أظهر منها على نفيه لأنهم استحقوا اللوم عند المراجعة \r\n والاستفهام با للفظ المطلق الذي قد كان يمكنهم استعماله على إطلاقه ويدل على ذلك قوله تعالى فذبحوها وما كادوا يفعلون يعني والله أعلم لما لحقهم من تغليظ المحنة لأجل مراجعتهم وسؤالهم \r\n فإن قال قائل إنما يجب اعتبار العموم إذا أكد بضرب من التأكيد يقع معه للسائل علم الضرورة بمراد المخاطب ","part":1,"page":125},{"id":88,"text":" قيل له ليس وقوع علم الضرورة بمراد القائل موقوفا على التأكيد إذ قد يقع ذلك له مع وجود التأكيد تارة ومع عدمه أخرى على حسب مقتضى اللفظ \r\n وقد لا يقع له العلم مع وجود التأكيد لأنه قد يحتمل أن يؤدي باللفظ عن معناه إلى غيره ملغزا في كلامه \r\n وأيضا لو كان وقوع العلم بمراد المخاطب مقصورا على ما يضطر إليه لما جاز أن يعلم أحد من المطلقين مراد الله تعالى لأن أحدا من المكلفين لا يعلم كلام الله تعالى اضطرارا وإنما يعلمه باستدلال واكتساب فكيف يجوز وقوع العلم بمراده في خطابه من جهة الضرورة \r\n فلما كان المسلمون قد علموا كثيرا من مراد الله تعالى فيما خاطبهم به من غير جهة الضرورة دل ذلك على بطلان هذه القاعدة \r\n فإن قيل لا يخلو وقوع العلم بالعموم من أن يكون باللفظ أو بالمعني أو بمعين يقارن اللفظ أو بهم4ا جميعا فإن كان معنى غير اللفظ أو بهما فقد خرج اللفظ من أن يكون دالا بنفسه وفي ذلك بطلان أصلكم إن كان وقوع العلم به بنفس اللفظ واللفظ مسموع محسوس فالواجب أن يشترك السامعون له في وقوع العلم بصحة العموم لأن المحسوسات لا يقع فيها خلاف كالملموس والمذوق والمشموم والمرئي فلما وجدنا كثيرا من سامعي اللفظ نافين للقول بالعموم علمنا أنه غير معقول من اللفظ \r\n قيل له أما الصوت فهو مسموع محسوس وإنما يجب على العموم أو ","part":1,"page":126},{"id":89,"text":" الخصوص غير محسوس لأنه إنما يعرف بالرجوع إلى مواضعات أهل اللغة واصطلاحهم على حكم اللفظ \r\n وقد يجوز أن يكون فيه شبهة على بعض الناس أو لا يستدل عليه من جهة اللغة فلا يقع له العلم بموضوعه وموجب حكمه كما أن قول القائل رجل وفرس محسوس مسموع يشترك السامعون كلهم في العلم بوجوده وليس كل من سمعه عرف معناه إذا لم يكن من أهل هذه اللغة \r\n وأيضا فإن الاجسام محسوسة وهي دلائل على الله تعالى وليس كل من أحسها وشاهدها عرف وجه دلالتها إذا لم يستدل بها \r\n كذلك اللفظ المطلق يقتضي العموم وقد يجوز خفاء حكمه على بعض السامعين \r\n فإن قال قائل أخبرني عمن سمع آية أو سنة ظاهرهما عموم هل يلزمه إمضاؤهما على ظاهرهما وعمومها أو يتوقف فيهما حتى يعلم أهو عام أو خاص ومنسوخ أو ناسخ \r\n فإن قلت إنه يمضيهما على العموم مع علمه بأن في القرآن والسنة خاصا وعاما وناسخا ومنسوخا فقد حكمت بعمومهما مع الشك فيه \r\n وإن قلت إنه يقف فيهما حتى يستقرىء سائل الأصول والدلائل فاذا لم يجد ما يخصصها قضى فيهما بالعموم فقد تركت القول بالعموم وصرت إلى مذهب أصحاب الوقف ","part":1,"page":127},{"id":90,"text":" قيل له الذي نقول في ذلك إن هذا السامع إن كان سأل الرسول عليه السلام عن حادثة حدثت فأنزل الله تعالى فيها قرآنا أو أجابه النبي صلى الله عليه و سلم فيها بجواب فعليه إمضاء الحكم على ظاهر ما سمعه وليس عليه طلب الدليل من غيره في خصوصه أو عمومه لأنه لو كان خاصا لما ترك النبي صلى الله عليه و سلم بيانه في الحال التي ألزم فيها تنفيذ الحكم مع جهل السائل \r\n وأما من سمع النبي صلى الله عليه و سلم يذكر حكما مبتدءا معلقا بعموم لفظ من غير حادثة سئل عن حكمها أو سمع آية من القرآن مبتدأة والسامع لذلك من أهل النظر والاجتهاد فكان مخاطبا بمعرفة حكمها فقد قيل فيه وجهان \r\n أحدهما أنه ليس يجوز له الحكم بظاهرها حتى يستقرىء الأصول ودلائلها هل فيها ما يخصها فإذا لم يجد فيها دلالة التخصيص أمضاها على عمومها وأما العامي فليس له أن يفعل شيئا من ذلك ولكنه إذا سئل عن حكم حادثة من يلزمه قبول قوله فأجيب فيها بجواب مطلق أمضاه على ما سمعه وليس فيما ذكرنا ترك القول بالعموم ولا موافقة لأصحاب الوقف من قبل أنا إنما نظرنا مع سماع اللفظ في دلالة التخصيص فمتى عدمناها كان الموجب للحكم هو اللفظ العام ولم نحتج مع اللفظ إلى دلالة أخرى في إيجاب الحكم وشموله فيما انتظمه الاسم \r\n والفرق بيننا وبين القائلين بالوقف أنهم يقفون في حكم اللفظ حتى يجدون دليلا من غيره على وجوب الحكم به \r\n ونحن نقف لننظر هل في الأصول ما يخصه أم لا \r\n والوجه الآخر أن من كان مخاطبا بحكم اللفظ فليس يخليه الله تعالى عند سماع اللفظ من إيراد دلالة التخصيص عليه حتى يكون كالاستثناء المنوط بالجملة ","part":1,"page":128},{"id":91,"text":" وأما من لم يكن مخاطبا بالحكم فهو بمنزلة من لم يسمعه فليس عليه أن يعتقد فيه عموما ولا خصوصا \r\n وقد تعسف بعضهم فلم يفصل الجواب عن هذا السؤال هذا التفصيل وقال أمضى اللفظ على العموم وهذا خبط وجهل من قبل أنه من علم أن في القرآن والسنة عاما وخاصا وناسخا ومنسوخا فاعتقد العموم فيما لا يعلمه عاما أو خاصا فقد أقدم على اعتقاد ما لا يعلم صحته \r\n ولا يجوز أن يلزمه الله تعالى مع ذلك إقامة دلالة تخصيص لأنه يقتضي أن يكون قد ألزمه اعتقاد خلاف مراده وهذا متناقض فاسد \r\n فإن قال قائل لم أجد آية وخبرا إلا خاصا وهذا يدل على أن حكم اللفظ الخصوص وإنه إنما يصرف إلى العموم بدلالة \r\n قيل له ومن أين وجب ما قلت لو كان الأمر على ما ذكرت وما انكرت أن تكون حقيقته العموم وإنما يصرف إلى الخصوص بدلالة وكل آية أو خبر وجدته خاصا فلم يخل من مقارنته لدلالة أوجبت خصوصه وإزالته عن العموم وعلى أن في كتاب الله تعالى من الآي العامة المستوجبة لما تحت الاسم أكثر من أن يحصره هذا الباب نحو قوله إن الله بكل شيء عليم وقوله تعالى يعلم سركم وجهركم ويعلم ","part":1,"page":129},{"id":92,"text":" ما تكسبون وقوله تعالى إن الله لا يظلم الناس شيئا و ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وما من د ابة في الأرض إلا على الله رزقها و حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ومن ذكر معها \r\n فإن قال ما أنكرت أن يكون حكم العموم لازما لمن شاهد المخاطبة به لاقتضاء حال الخطاب من الامور التي يقع معها العلم بالمراد من إشارات وتقدير والحال المقتضية لذلك غير ممكن نقلها فلا يقع العلم لمعاني الخطاب لمن نقل إليه اللفظ حسب وقوعه لمن شاهده \r\n فلم يلزم إذا كان هذا هكذا من نقل إليه لفظ عموم الحكم به إلا بدلالة \r\n قيل له إن المخاطبة تكون من النبي صلى الله عليه و سلم على وجهين \r\n أحدهما لما يريد به إفهام السامع دون غيره فقد يجوز أن يقتصر في مثله من اشارات الانحصار ومخرج الكلام علىالمقدار الذي يقع للمخاطب العلم بمراده اكتفاء بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد ","part":1,"page":130},{"id":93,"text":" والوجه الآخر ان يريد بخطابه المشاهد له وغيره ويريد ان ينقل عنه فلابد حينئذ من ان يكون مراده معقولا من لفظه غير مفتقر معه الى دلالة الحال حتى يستوى الناقل والمنقول اليه في وقوع العلم بحكم اللفظ وهو العموم المنتظم لما تحته من المسميات \r\n وعلى ان قول هذا القائل يوجب ان يكون الصحابة الذين شاهدوا النبي صلى الله عليه و سلم متعبدين بأحكام اللفظ على غير الوجه الذي تعبدنا به لانهم كانوا يعقلون من حكم اللفظ بالمشاهدة ما لم يكن يعقله من لم يشاهد النبي صلى الله عليه و سلم على موضوعك وهذا خلف من القول \r\n فان قال قائل ممن فرق بين الامر والخبر فقال لا يجوز الوقف في الامر لانا متعبدون بتنفيذه ولو ساغ الوقف فيه لجاز لكل واحد ان يقول لعلي لم أعن بهذا الامر فيتخلف بذلك عن أدائه فيؤدي ذلك إلى إسقاط فائدته ولأنا غير متقيدين فيه بتنفيذ شيء \r\n قيل له لست تخلو من أن تكون حكمت في الأمر بالعموم من جهة مقتضى اللفظ وموجبه ولأن الصيغة توجب العموم أو حكمت فيها بالعموم من جهة دلالة غير اللفظ والصيغة \r\n فإن كنت حكمت فيها بالعموم من جهة اللفظ فقد أعطيت أن اللفظ موضوع للعموم فواجب حينئذ أن لا تختلف أحكامه باختلاف أحواله ومواضعه كما أن الأسماء المفردة التي هي أسماء الاعيان والاشخاص لا تختلف أحكامها في دلالاتها على ما دلت عليه ","part":1,"page":131},{"id":94,"text":" الدلالة باختلاف المواضع والأحوال فلا يجوز حينئذ أن يختلف حكم الخبر والأمر في اعتبار إجراء الحكم على ما تقتضيه صورة العموم \r\n وإن كنت تأبى أن يكون للعموم صيغة تقتضي استيعاب الحكم فيما يتناوله اللفظ والكلام بيننا وبينك في الأصل فالواجب علينا حينئذ الرجوع إلى حكم اللفظ في مقتضى اللغة فإن أوجب العموم قضى به ولا يجوز حينئذ أن يختلف حكم الأمر والخبر على الحد لذي بينا مع وجود دلالة اللفظ المطلق العاري مما يوجب تخصيصه \r\n وقد دللنا على وجوب القول بالعموم بما يغنى عن إعادته وعلى أن الخبر للإعلام فإذا ورد مطلقا لزمنا اعتقاد مخبره على حسب ما انتظمه لفظه \r\n فلا فرق بينه وبين الأمر من هذا الوجه \r\n وعلى ان ما ذكر لا يوجب الفصل بين الامر والخبر لان الامر قد يأتي بلفظ العموم والمراد وقوع المأمور به من بعض الجملة نحو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وغسل الموتى والصلاة عليهم ودفنهم \r\n وإذا كان ذلك كذلك لم يختلف على موضوعكم ان يكون ما ورد الامر به من الصلاة وما جرى مجراه انما هو على هذا الوجه من وجوده من بعض جملة المخاطبين بذلك فلا يكون فيه اسقاط فرضالامر فلا فرق اذا بين الامر والخبر من ","part":1,"page":132},{"id":95,"text":" هذا الوجه ويلزم ان لا نجعل فرض الصلاة والزكاة والصيام عاما على كافة الناس \r\n فإن قال قائل لم أحكم بلزوم هذه الفروض كافة الناس من جهة اللفظ بل قيل له فينبغي لن يكون الذي لزم بالامر من الفرض بعض الناس وما زاد لم يلزم بالامر وانما لزم بالاجماع ويلزمه مع ذلك ايضا ان لا يكون لزومه لذلك البعض من جهة دلالة اللفظ وإنما لزم بالاجماع لانا قد وجدنا لفظ الامر يرد ويراد به الاباحة كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا فلا يكون حمله على هذا الوجه مبطلا لفائدته \r\n فإن ارتكب هذا فقد نقض ما أعطى بدءا من إيجاب الفرق بين الأمر والخبر على الحد الذي ذكر لأنه لم يفرق بينهما إذا لم يثبت حكم واحد منهما باللفظ دون دلالة من غيره \r\n فان قيل قد يجوز ان يخبرنا بخبر مخبره مجهول نحو قوله تعالى وكم اهلكنا من قرية وقوله وقرونا بين ذلك كثيرا ثم لا يبينه أبدا ولا يجوز أن يأمر بأمر مجهول لم يرد بيانه فليس كذلك عندنا لأنه جائز عندنا أن يرد الأمر بشيء مجهول موقوف على البيان ثم لا يرد بيانه ","part":1,"page":133},{"id":96,"text":" مثل أن يقول اقتلوا المنافقين إذا عرفتكم إياهم وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة إذا بينتها لكم ثم لا يبين ذلك ابدا فلا يكون موجب هذا الامر اعتقاد صحة تنزيله وكونه حكمة وصوابا كما يخبرنا بخبر لا نتبين حال مخبره وكيفياته وأوصافه فلا يلزمنا فيه أكثر من اعتقاد صحته وكونه حقا على ما هو عليه \r\n فإن قال قائل الفرق بين الأمر والخبر ان الأمر يجوز فيه النسخ ولا يجوز في الخبر \r\n قيل له جواز النسخ في إحدهما وامتناعه في الآخر لا يوجب الفصل بينهما من جهة ما يقتضيه إطلاق اللفظ فيهما \r\n ولو جعل هذا المعنى فاصلا بينهما في أيجاب عموم الخبر دون الأمر كان أقرب لأن لخصمك أن يقول لما لم يجز النسخ في الخبر ولم يجز في مخبره التبديل والتغيير وجب اعتبار عمومه ولما جاز نسخ الأوامر لم يجب اعبتار عمومه إذ جاز وقوعه تارة محظورا وتارة مباحا فهذا يدل على سقوط هذا السؤال ","part":1,"page":134},{"id":97,"text":" باب القول في اللفظ العام المخرج إذا أريد به الخصوص \r\n قال أبو بكر قد يرد اللفظ العام والمراد العموم كقوله تعالى إن الله بكل ","part":1,"page":135},{"id":98,"text":" شي عليم وقوله إن الله لا يظلم الناس شيئا وقوله ولا يظلم ربك أحدا وهو كثير في القرآن \r\n وقد يرد اللفظ الخاص والمراد به الخصوص كقوله تعالى محمد رسول الله وقوله يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وقوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ونظائره \r\n وقد يرد اللفظ الخاص والمراد العموم وقد بينا قبل ذلك أن العموم يصح اطلاقه في الاحكام مع عدم اللفظ فيه ","part":1,"page":136},{"id":99,"text":" الباب السادس في اللفظ العام المخرج إذا أريد به الخصوص \r\n وذلك نحو قوله تعالى ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فافتتح الخطاب بذكر النبي صلى الله عليه و سلم والمراد سائر من يملك الطلاق للعدة وقال تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك وقوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما والمراد سائر المكلفين \r\n واختلف أهل العلم في جواز ورود اللفظ العام والمراد الخصوص فقال كثير منهم هذا لا يمتنع وقد وجد ذلك في كتاب الله تعالى نحو قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم وعمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم ونحو قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم لم يدخل فيه الاطفال والمجانين ومثله كثير في القرآن \r\n وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله ممن يجوز ذلك ويقول إن إطلاق اللفظ في مثله مجاز ليس بحقيقة \r\n وقال بعض أصحابنا لا يجوز ورود لفظ العام والمراد به الخصوص ","part":1,"page":137},{"id":100,"text":" لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستنثاء المتصل بالجملة كقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما غير جائز أن يقال إن هذه الصيغة عبارة عن ألف سنة كاملة \r\n كذلك قيام الدلالة على إرادة الخصوص تجعل اللفظ خاصا ويتبين أنه لم يكن لفظ عموم قط \r\n وليس وجود اللفظ الذي يصلح للعموم بموجب أن يكون عموما بل هو لفظ خاص صورته غير صورة لفظ العموم كما أن وجود لفظ الألف من قوله ألف سنة إلا خمسين عاما لا يوجب أن تكون هذه الصيغة هي صيغة الألف المطلقة العارية من الاستنثناء بن الصيغتان مختلفتنان كذلك اقتران دلالة الخصوص إلىاللفظ الذي يصلح للعموم يغير صيغة اللفظ ويمنع كونه عاما أريد به الخصوص فدل ذلك على أن ما كان هذا وصفه من الألفاظ فهو في حقيقة فيما ورد فيه مستعمل في موضعه \r\n وليس أن دلالة التخصيص غير مذكورة مع اللفظ بمنانع أن يكون في معنى الاستثناء المتصل باللفظ لأنا قد وجدنا اللفظ المطلق الذي قد أريد به في استثناء بعضه قد اقتصر فيه على الاطلاق من غير ذكر الاستثناء متصلا به في بعض المواضع وإن كان قد ذكر في بعضها ولم يكن وجود ذلك في الكلام وجوازه فيه بمانع أن يكون الاستثناء مرادا كقوله تعالى في قصة لوط عليه السلاة فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت ","part":1,"page":138},{"id":101,"text":" منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون فلم يستثن امرأته في هذا الموضع وهي مستثناة في المعنى وان لم يذكرها ثم قال في موضع آخر فأسر بأهلك بقطع الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فأظهر الاستثناء في هذه الآية ثم لم يختلف حكم اللفظين في أن كل واحد منهما مستثنى منه المرأة في المعنى وإن كانت مذكورة في أحدهما غير مذكورة في الآخر \r\n ونحو قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ومعلوم أنه لم يرد به المسيح وعزير صلوات الله عليهما اجمعين فأنزل الآية مطلقة اكتفاء بالدلالة التي أقامها على أنه لا يعذبهما في الآخرة وكان ذلك بمنزلة الاستثناء المتصل باللفظ فلما قال المشركون هذا المسيح والعزيز قد عبدا من دون الله أنزل الله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ثم لم يختلف حكم اللفظ بعد نزول هذه الآية وقبلها فهذا يدل على أن دلالة التخصيص بمنزلة الاستثناء فينبغي على هذا أن لا يختلف حكم اللفظ فيهما في كونه حقيقة في موضعه وأنه ليس بلفظ عموم \r\n فإن قال قائل هذا القول يؤدي الى ابطال المجاز والاتساع في اللغة لانه يوجب ان يكون قيام الدلالة على كونه مجازا بمنزلة المذكور معه ويكون قوله تعالى إني أراني أعصر ","part":1,"page":139},{"id":102,"text":" خمرا بمنزلة اني أراني أعصر ما يصير خمرا وقوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله بمنزلة ان الذين يؤذون أولياء الله وجاء ربك كقوله جاء أمر ربك \r\n فتصير الدلائل الموجبة لكون اللفظ مجازا هي الموجبة ان يكون حقيقة \r\n قيل له لما لم يكن ذلك في الاستثناء لم يلزم مثله في الدلائل القائمة مقام الاستثناء \r\n ولو جاز ان يتطرق بما ذكرت الى ابطال ما ذكرنا من حكم اللفظ لجاز أن يتطرق به الى ان تجعل اللفظ المستثنى مجازا كما قلت في دلالة التخصيص سواء \r\n وكان ابو الحسن رحمه الله يقول في الاستثناء ان دخوله على الكلام لا يجعله مجازا \r\n وايضا فان الفصل بينهما ان القرية لا تكون عبارة عن أهلها على الحقيقة بحال والخمر لا يكون عبارة عن العصير وكذلك سائر الفاظ المجاز يجوز ان لا يكون عبارة عن المراد بها حقيقة \r\n وقوله فاقتلوا المشركين اذا أريد به الخصوص وهم عبدة الاوثان كان اللفظ عبارة عنهم حقيقة لا مجازا فلا فرق بين قوله فاقتلوا المشركين ومراده عبدة الاوثان لدلائل قامت وبين قوله اقتلوا المشركين الذين هم عبدة الاوثان في انه لا يجعل اللفظ مجازا بل هو حقيقة فيهم فلذلك لم يلزم ما ذكرت ","part":1,"page":140},{"id":103,"text":" لكم من النساء هو عموم يقتضي ظاهرة إباحة جميع النساء فلما قال حرمت عليكم أمهاتكم وما ذكر بعدها دل على أن المراد بقوله فانكحوا ما طاب لكم من عد ا المذكورات بالتحريم في هذه الآية ونحوه قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدها كل واحد منهما مائة جلدة فلو خلينا والعموم كانت الأمة والحرة في ذلك سواء فلما قال في الإماء فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب خصهن من الآية الأولى وبين في الثانية أن المراد بالأولى الحرائر ونظاهر ذلك كثير \r\n وقال قوم لا يكون تخصيص القرآن بقرآن مثله لأن التخصيص لما كان بيانا للمراد باللفظ لم يجز أن يكون بيانه إلا من جهة السنة لقوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم ويقال لهم إن هذا فيما يحتاج إلى بيان الرسول صلى الله عليه و سلم فأما ما بينه تعالى فلم يدخل في ذلك ","part":1,"page":141},{"id":104,"text":" الباب السابع في الوجوه التي يقع بها التخصيص \r\n قال أبو بكر \r\n الأصل في ذلك أن ورد التخصيص يبين أن المراد باللفظ العام بعض ما شمله الاسم \r\n فجائز أن يكون تخصيص عموم القرآن بقرآن مثله كقوله تعالى فانكحوا ما طاب ","part":1,"page":142},{"id":105,"text":" ألا ترى أن ما كان منه ظاهر المعنى غير محتاج إلى بيان الرسول صلى الله عليه و سلم كذلك مابين الله تخصيصه مما يحتاج إلى بيان فليس بيانه موكولا إلى النبي عليه السلام \r\n وأيضا يحتمل أني كون معنى قوله تعالى لتبين للناس لتبلغه أياهم وتظهره ولا تكتمه \r\n وأيضا فقد وكل النبي صلى الله عليه و سلم الأمة في كثير مما ورد به لفظ القرآن المفتقر إلى البيان إلى النظر والاستدلال كما قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في الكلالة يكفيك آية الصيف وفي أشياء كثيرة من الربا وغيره وعلى أنه إذا كان التخصيص بيانا فما الذي يمنع أن يكون الله تعالى هو المتولي لبيانه تارة وتارة يأمر النبي صلى الله عليه و سلم به \r\n ومن حيث جاز نسخ القرآن بقرآن مثله جاز تخصيصه به لأن النسخ في الحقيقة بيان لمدة الفرض الأول والتخصيص بيان الحكم في بعض ما شمله الاسم ","part":1,"page":143},{"id":106,"text":" وأيضا قال تعالى تبيانا لكل شيء وقال تعالى لنبين لكم وقال تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال الله تعالى ثم إن علينا بيانه فهذا يقتضي وقوع بيان الكتاب بقرآن مثله \r\n ويكون تخصيص القرآن بالسنة الثابتة \r\n كقوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم وقال النبي صلى الله عليه و سلم لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وكقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ","part":1,"page":144},{"id":107,"text":" وقول النبي صلى الله عليه و سلم لا تنكح المرأة على عمتها وقال تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين وقال من بعد وصية يوصى بها أو دين \r\n وقال النبي صلى الله عليه و سلم لا وصية لوارث وكقوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ","part":1,"page":145},{"id":108,"text":" وقال النبي صلى الله عليه و سلم ليس فيما دون خمس أوراق صدقة ونظائر ذلك \r\n ويجوز تخصيص القرآن بالاجماع أيضا \r\n كقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ثم خص الإماء بجلد الخمسين بقوله تعالى فعليهن نصف على المحصنات من العذاب \r\n ولم يذكر العبد واتفقت الامة على أن العبد يجلد خمسين فخصصنا الآية بالاجماع \r\n ويجوز تخصيصه بدلالة العقل ","part":1,"page":146},{"id":109,"text":" كقوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم وفي عقولنا أن مخاطبة المجانين والاطفال بذلك سفه فصارت الآية مخصوصة بالعقل لأنه حجة لله تعالى تبين مراده بالآية ولا فرق بينه وبين تخصيصه بقرآن أو سنة \r\n فإن قال لا يجوز تخصيصه بالعقل لأن التخصيص إذا كان معناه بيان المراد فغير جائز حصول البيان قبل وجود ما يقتضيه كما لا يجوز وجود الاستثناء قبل ورود الجملة المستثنى منها \r\n قيل له لا يخلو من أن تكون من القائلين بدلالة العقل وأنه حجة لله تعالى أو تقول بنفيها \r\n فإن كنت ممن ينفي دلائل العقول فالكلام بيننا وبينك في إثبات دلائل العقول وإنها تفضي بنا إلى حقيقة العلوم التي طريقها العقل \r\n وإن كنت ممن يقر بحجج العقول إلا أنك منعت استعماله في تخصيص العموم خاصة فإن هذا خلف من القول من قبل أن دلائل العقول لا يجوز وجودها عارية من مدلولها ولا يجوز ورود السمع بنقضها ","part":1,"page":147},{"id":110,"text":" فإذا قال الله عز و جل يا أيها الناس اتقوا ربكم وقد أقام قبل ذلك في عقولنا أنه لا يصح منه خطاب المجانين والأطفال فقد صارت دلائل العقل قاضية لحكم اللفظ على المكلفين دون الأطفال والمجانين كما تنقل دلالة العقل حكم اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز كقوله تعالى اعملوا ما شئتم فجعله زجرا ونهيا وحقيقته أنه أمر \r\n فإن قال إنما علمت خصوص هذه الآية بالاجماع \r\n قيل له فقد كنت تجوز قبل ورود الآية وحصول الاجماع على معناها مخاطبة الله تعالى المجانين والأطفال وأمره اياهم بالتقوى ووعيدهم على تركها \r\n فإن قال نعم فقد أحال في قوله ويلزمه إجازة خطاب الله تعالى الجمادات وتكليفها العبادات وكفى بهذا خزيا لمن بلغه \r\n فإذا صح جواز تخصيص اللفظ العام من جهة العقل وليس ذلك كالاستثناء الذي لا يصح وجوده قبل المستثنى منه من قبل أن الاستثناء لو انفرد قبل ذكر المستثنى منه لم يعقل منه شيء \r\n ودلالة العقل بانفرادها موجبة لأحكامها المتعلقة بها وليس يمتنع ","part":1,"page":148},{"id":111,"text":" ان ينعدم ما يوجب تخصيص اللفظ بسمع ان يكون معناه مفهوهما قبل ورود اللفظ المخصوص نحو ان يقول الرجل لعبيده إذا أمرتكم بسقي الماء فاسقوني الا فلانا فيكون فلان خارجا من هذا الامر مخصوص منه بقوله المتقدم للامر وانما لا يصح افراد الاستثناء قبل ذكر المستثنى منه اذا عبر عنه بلفظ الاستثناء لانه لا يصح ان يقول ابتداء الا فلانا ولو قال لم يكن كلاما معتدلا ولم يعقل منه شيء فلذلك لم يصح \r\n فإن قال قائل لو جاز تخصيص العموم بالعقل لجاز نسخه به لان النسخ بيان لمدة الحكم كما ان التخصيص بيان المراد بحكم اللفظ \r\n قيل له لو فهمت ما ألزمتنا لكفيتنا مؤنتك وقضيت لنا على نفسك و ذلك انه لا سبيل إلى معرفة توقيت مدة الحكم من طريق العقل وذلك ان احكام الاشياء في العقل على ثلاثة أنحاء منها ما فيه ايجابه نحو شكر المنعم واعتقاد التوحيد وتصديق الرسل عليهم السلام ومنها ما فيه حظره نحو الكفر والظلم والكذب ونحو ذلك \r\n وهذان البابان يجريان في حكم العقل على شاكلة واحدة لا يجوز فيها التغيير والانقلاب في باب الايجاب او الامتناع \r\n وقسم ثالث وهو في العقل واحواله ثلاثة \r\n يجوز حظره تارة واباحته تارة اخرى وايجابه اخرى على حسب ما يقتضيه من حسن او ","part":1,"page":149},{"id":112,"text":" قبح وانما يعلم حكمه بالسمع من جهة العالم بمصالح العباد وبما يكون من هذه الافعال حسنا او قبيحا ثم لا يخلو السمع من ان يكون واردا بالبابين الأولين اللذين ذكرنا انه لا يجوز فيهما الانقلاب والتغيير فغير جائز نسخ ما كان هذا سبيله بوجه ولا ورود السمع بخلافه \r\n وأما الوجه الثالث فانه لا يخلو من ان يكون السمع حاكما بحظره أو اباحته أو ايجابه وعلى اي هذه الوجوه كان وزوده فهو مما جوزه العقل وحسنه فكيف يجوز ان يحكم العقل بزواله وارتفاعه \r\n وقد قلنا ان ما كان هذا سبيله فانما حظ العقل فيه تجويز ورود السمع بأحد هذه الوجوه فلا يجوز ان يحكم بعد ورود السمع فيه بخلافه \r\n وأيضا فان النسخ انما هو توقيت مدة الحكم الاول بعد ان كان في تقديرنا ووتوهمنا بقاؤه ولاحظ للعقل في توقيت مدة الفرض لان ذلك متعلق بعلل المصالح وعلل المصالح لا تعلم اعيانها من طريق العقل \r\n وايضا فلو جاز ذلك فيه لجاز ان يكون العقل بدءا موجبا للحكم الناسخ قبل ورود السمع فيه وقد ثبت انه لاحظ له في ذلك فامتنع من اجل ذلك جواز نسخ السمع بالعقل \r\n واما التخصيص بالعقل فليس كذلك لان دلالة العقل الموجبة للتخصيص هي ما كان واقعا منه على أحد الوجهين الاولين اللذين يجريان في حكم العقل على شاكلة واحدة فتبين ان المراد باللفظ بعض ما شمله الاسم \r\n ولذلك يجوز في الالفاظ ولا يجوز مثله في دلالة العقل لان دلائل العقل لا يجوز فيها التخصيص وكذلك صار العقل قاضيا على السمع من هذا الوجه ولم يجز ان يقضي السمع على العقل ","part":1,"page":150},{"id":113,"text":" فإن قال قائل لا يمتنع جواز النسخ من جهة العقل لانه قد يعرض ما يمنع العقل فيدل العقل على انه لا يلزم في هذه الحال مثل ما كان يلزم قبل ذلك كالسمع اذا ورد بمثله \r\n قيل له ان هذا ليس بنسخ ولا في معناه لان مثله لو وجد في السمع لم يكن نسخا ولو كان مثل هذا نسخا لكانت الشرائع كلها منسوخة لانها لا تلزم في حال العجز وتعذر النقل وكان حكم كل متعلقا عند وروده على وقت او شرط وكان ذلك معلوما من حاله بسمع أو عقل فان مضى الوقت وعدم الشرط لا يوجب كونه منسوخا \r\n ألا ترى ان كثيرا من الفروض معقودة بأوقات وشروط متى فاتت أوقاتها أو عدمت شرائطها سقط فعلها نحو الجمعة والأضحية ولا يقول احد ان الجمعة قد صارت منسوخة بفوات الوقت وذلك لان النسخ انما يصح اطلاقه في الامور الواردة من جهة الشرع مما كان في تقديرنا وتوهمنا بقاؤه فاما ما كان موقتا أو مشروطا وكان ذلك في حاله معلوما مع ورود اللفظ فليس ذلك بنسخ \r\n الا ترى انه لو قال اجلد اليوم هذا الزاني مائة ولا تجلده غدا او قال صل اليوم ولا تصل غدا أن فوات الوقت قبل الفعل لا يوجب نسخا ولو قال اضربه مائة أو صل ثم قال غدا لا تضربه أو لا تصل كان ذلك نسخا لانا قد كنا نتوهم ونقدر ","part":1,"page":151},{"id":114,"text":" بقاء الفرض ما لم ينسخه فلذلك كان الامر فيه على ما وصفنا فان قيل دلالة لعقل على زوال الفرض في حال العجز وتعذر النقل في معنى النسخ وان لم يسم نسخا لان معنى النسخ اذا كان انما هو بيان مدة الحكم وقد اخذ العقل بقسطه في ايجاب ذلك من الوجه الذي ذكرنا في معنى النسخ وان لم يسم به \r\n قيل له هذا غلط لانه ليس كل ما يبين به مدة الحكم يكون نسخا ولا في معنى النسخ لانه اذا قيل صم سائر الايام الا يوم الفطر لم يكن نسخا ولا في معنى النسخ لان النسخ وما في معناه له شريطة متى عدمت زال المعنى \r\n وهو أن يكون في التقدير بقاء الحكم فيرد بعده ما يبين آخر مدته فاما ما كان معلوما مع ورود الامر أنه غير لازم في وقت اما بسمع او بعقل فليس ذلك في معنى النسخ في شيء \r\n ونحن وان كنا نقول ان العبادات ونسخها متعلقة بالمصالح كالمرض والصة والفقر والغنى وسائر ما يفعله الله تعالى فان للنسخ معنى قد اختص به وشرائطا قد وقف عليها متى عدم منها شيء لم يكن نسخا \r\n ولو كان ما ذكره هذا القائل في معنى النسخ لكان التخصيص ايضا في معنى النسخ لانه قد قصد به وما دون قوم ممن شمله الاسم كما اريد بالامر المطلق حالا دون حال وهي حال الامكان دون حال العجز ولوجب ان تكون الفروض المبتدأة كلها في معنى النسخ لتعلقها بالمصالح ","part":1,"page":152},{"id":115,"text":" الباب الثامن في تخصيص العموم بخبر الواحد ","part":1,"page":153},{"id":116,"text":" @ 154 @ ","part":1,"page":154},{"id":117,"text":" باب في تخصيص العموم بخبر الواحد \r\n قال أبو بكر \r\n وأما تخصيص عموم القرآن والسنة الثابتة بخبر الواحد وبالقياس فان ما كان من ذلك ظاهر المعنى بين المراد غير مفتقر الى البيان مما لم يثبت خصوصه بالاتفاق فانه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس وما كان من ظاهر القرآن أو السنة قد ثبت خصوصه بالاتفاق ","part":1,"page":155},{"id":118,"text":" أو كان في اللفظ احتمال للمعاني أو اختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف فيه وترك الظاهر بالاجتهاد او كان اللفظ في نفسه مجملا مفتقرا الى البيان فإن خبر الواحد مقبول في تخصيصه والمراد به \r\n وكذلك يجوز تخصيص ما كان هذا وصفه بالقياس وهذا عندي مذهب اصحابنا \r\n وعليه تدل اصولهم ومسائلهم \r\n وقد قال أبو موسى عيسى بن ابان رحمه الله في كتابه الحجج الصغير لا يقبل خبر خاص في رد شيء من القرآن ظاهر المعنى ان يصير خاصااو منسوخا حتى يجيىء ذلك مجيئا ظاهرا يعرفه الناس ويعلمون به مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم ان لا وصية لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها \r\n فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول لان مثله لا يكون وهما \r\n وأما إذا روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حديث خاص وكان ظاهر معناه بيان السنن والأحكام أو كان ينقض سنة مجمعا عليها أو يخالف شيئا من ظاهر القرآن فكان للحديث وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك حمل معناه على احسن وجوهه واشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن فان لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ ","part":1,"page":156},{"id":119,"text":" قال عيسى وكل آية من القرآن كانت خاصة في قول جماعة من أهل العلم فالاخبار مقبولة فيمن عنى بها ولأهل العلم النظر في ذلك بأحسن ما يأتيهم في ذلك من الاخبار وأشبهها بالسنن نحو قوله تعالى والسارق والسارقة هي خاصة في قول جماعة أهل العلم لبعض السراق دون بعض فالأخبار مقبولة فيمن عنى بها منهم ونحو قوله تعالى ","part":1,"page":157},{"id":120,"text":" والذين يرمون أزواجهم ولم يكن له شهداء الا أنفسهم هذه الآية خاصة في قول أهل العلم جميعا لأن الصغيرين اللذين لم يعقلا لم يدخلا في قول أحد العلماء فلما اجمعوا على انها قبل الخبر الخاص فيمن عنى بها وكذلك ما أشبه هذا \r\n وقال عيسى في الحجج الكبير كل أمر منصوص في القرآن فجاء خبر يرده أو يجعله خاصا وهو عام بعد ان يكون ظاهر المعنى لا يحتمل تفسير المعاني فان ذلك الخبر ان لم يكن ظاهرا قد عرفه الناس وعلموا به حتى لا يشذ منهم الا الشاذ فهو متروك \r\n قال ابو بكر ولم يذكر في هذا الموضع انه مما ثبت خصوصه او لم يثبت قال ابوبكر فنص عيسى بن ابان على أن ظاهر القرآن الذي لم يثبت خصوصه بالاتفاق لا يخص بخبر الواحد ","part":1,"page":158},{"id":121,"text":" وهذا الذي ذكرناه هو مذهب الصدر الاول عندنا \r\n قد روي هذا الاعتبار عن جماعة منهم لان عمر وعائشة واسامة بن زيد انكروا على فاطمة بنت قيس روايتها ان النبي صلى الله عليه و سلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة وقال عمر رضي الله عنه لا ندع كتاب الله ربنا وسنة نبينا عليه السلام بقول امرأة ","part":1,"page":159},{"id":122,"text":" وانكرت عائشة رضي الله عنها حديث ابن عمر وعمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقالت قال االله عز و جل ولا تزر وازرة وزر أخرى \r\n وإنما أنكرت اعتقاد ظاهره انه يعذب لأجل فعل غيره \r\n والذي عندنا فيه أن عمر وابن عمر إنما جوزا ذلك على وجه لا يقبح مثله ولا تكون عائشة مخالفة لهما في معناه وذلك أن البكاء عند العرب هو التعديد وكانوا يعددون على موتاهم في الجاهلية بما كانوا بتبارون به من الغارات والسباء والقتل فقال النبي صلى الله عليه و سلم لبعض من سمعه يعدد بمثله إنه يعذب لهذه الأفعال وكن قبول عمر وابنه له على وجه صحيح ورد عائشة له على وجه آخر صحيح أيضا ","part":1,"page":160},{"id":123,"text":" فإن قيل إنما أنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لأن الفعل يحيله لأنه غير جائز في الحكمة تعذيب الإنسان لأجل فعل غيره \r\n قيل له إنه وإن كان العقل يرده متى حمل على ظاهره فقد أخبرت عائشة أن مخالفته لظاهر القرآن أحد ما يرد به ويمنع قبوله وقد روي عن ابن ابي مليكة أن أبا بكر رضي الله عنه جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم احاديثا تختلفون فيها فمن بعدكم أشد اختلافا فمن جاءكم يسألكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقولوا عندنا كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه فأمرهم بالرجوع إلى كتاب الله تعالى ومنع الاعتراض عليه بأخبار الآحاد \r\n والأصل في ذلك أن الأحكام التي ليس فيها نص ولا اجماع طريق اثباتها وجهان \r\n أحدهما ما كان لله تعالى عليه دليل قاطع يوصل الى العلم به حتى لا يكون ","part":1,"page":161},{"id":124,"text":" العادل عنه مصبيا بل مخطئا تاركا لحكم الله \r\n والثاني ما كان طريقه الاجتهاد وغالب الظن ليس عليه دليل قاطع يوصل الى العلم بالمطلوب وهذا الذي يقول فيه أصحابنا ان كل مجتهد مصيب \r\n وإن كان المطلوب واحدا عندهم فنقول على هذا ان كل شيء ثبت من طريق يوجب العلم فانه لا يجوز تركه بما لا يوجب العلم وعموم القرآن يوجب العلم بجميع ما تحته فانه لا يجوز تركه بما لا يوجب العلم وخبر الواحد لا يوجب العلم بمخبره وانما ","part":1,"page":162},{"id":125,"text":" قبلوه من جهة الاجتهاد وحسن الظن بالراوي فلا يجوز الاعتراض به على ظاهر القرآن والسنن الثابتة من طريق يوجب العلم \r\n ولهذه العلة بعينها لم يجز نسخ القرآن بخبر الواحد لانه غير جائز رفع ما يوجب العلم بما لا يوجبه \r\n فان قال قائل القول بالعموم طريق اثباته النظر والاستدلال فهو مثل خبر الواحد من جهة الثبوت فينبغي ان يجوز تخصيصه بهما \r\n قيل له أما قولك ان طريق اثبات العموم الاستدلال والنظر فان كنت أردت به انه لا طريق له الا ذلك فانه ليس كذلك لان القول بالعموم لا خلاف فيه بين السلف من الصدر الاول والتابعين من بعدهم لما بيناه في صدر القول بالعموم \r\n وان كان له مع ذلك دلائل من جهة النظر توجب صحة القول به مع ذلك فليس طريق اثبات العموم الاجتهاد وغالب الظن وانما طريق اثباته الدلائل الموجبة للعلم بصحته \r\n واما خبر الواحد فغير موجب للعلم بمخبره وانما هو مقبول اجتهادا على جهة حسن الظن بالراوي فغير جائز ترك موجب العموم من الحكم وقد ثبت من جهة توجب العلم بما لا يوجب العلم \r\n فان قال قائل فقد جاز ترك ما كان مباحا او محظورا من جهة العقل قبل ورود السمع بخبر الواحد وقد كان ثبوته من طريق يوجب العلم وهو دلائل العقل التي هي آكد في باب ","part":1,"page":163},{"id":126,"text":" ثبوتها من عموم اللفظ لان اللفظ قد يطلق ولا يراد به حقيقته ولا يجوز وجود دليل العقل عاريا من مدلوله \r\n قيل له اما ما كان محظورا من جهة العقل قبل ورود السمع فهو على وجهين \r\n احدهما لا يجوز استباحته بحال \r\n والآخر يجوز استباحته تارة وحظره اخرى على حسب ما يدل عليه السمع فما لا يجوز استباحته بحال فنحو الكفر والظلم والكذب \r\n وأما ما يجوز العقل استباحته تارة وحظره اخرى على حسب ورود السمع به من جهة من هو عالم بمصالح الكل فانا لا نعرف جواب اصحابنا في حكم هذا القسم قبل ورود السمع في اباحته أو حظره والناس فيه مختلفون \r\n فمنهم من يحظره ومنهم من يبيحه ومنهم من يمنع ان يطلق فيه حظرا أو إباحة \r\n ونحن وان كنا نقول بما ليس في العقل ايجابه ولا حظره وقد قامت له أدلة صحيحة على اباحته في الجملة فانا متى أشرنا الى شيء بعينه من هذه الجملة فانما يقع القضاء باباحته من طريق الاجتهاد وغالب الظن على انه لا ضرر يلحقه بمواقعته أكثر من النفع الذي يرجوه به \r\n الا ترى انا انما نبيح له تناول الأطعمة والاشربة ما لم يغلب في ظنه انه يؤديه الى ضرر وذلك معلوم من حاله قبل ورود الشرع لانه لو غلب على ظنه انه ممنوع لما جاز ","part":1,"page":164},{"id":127,"text":" تناوله ونبيح له التصرف والسفر للتجارات ونحوها ما لم يؤده الى ضرر اكثر مما يرجو من نفعه في غالب ظنه لانه لو غلب على ظنه ان في الطريق سبعا أو لصوصا تهلكه لما جاز له الاقدام عليه وان غلب في ظنه السلامة جاز له \r\n فقد تبين ان استباحة كل شيء من هذا بعينه انما طريقه الاجتهاد وغالب الظن دون حقيقة العلم فجائز تركه بخبر الواحد وسقط قول القائل انا قد تركنا ما يوجب العلم بما لا يوجبه وليس يمتنع ان يكون طريق اباحته وحظره الاجتهاد بعد ورود السمع ايضا \r\n وان كانت ظواهر من القرآن والسنن تقضي بإباحته نحو قوله تعالى وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض وقوله تعالى هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا وقوله تعالى عفا الله عنها ونظائره من الآيات \r\n لان هذه الآيات خاصة فيجوز تخصيصها بخبر الواحد وقد كان حكم ذلك قبل ورود السمع طريقه الاجتهاد في اباحته او حظره \r\n ثم ما لم يرد في اباحته سمع لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد اذ كان تجويز الاجتهاد قائما في اباحته أو حظره فجاز قبول خبر الواحد فيه \r\n وعلى ان هذا الاعتلال بعينه يوجب على قائله جواز نسخ القرآن بخبر الواحد من ","part":1,"page":165},{"id":128,"text":" حيث جوز به حظر المباح من جهة العقل قبل ورود السمع فيلزمه ان يجيز ترك حكم القرآن رأسا والانتقال عنه الى ضده بخبر الواحد كما جاز ترك ما كان مباحا قبل ورود السمع بخبر الواحد الى ضده وهذا لا يقوله احد \r\n فإن قال قائل فإن الصحابة متفقون على قبول خبر الواحد والقياس في الأحكام وقد استفاض ذلك عنهم كاستفاضة القول بالعموم وقد قامت على وجوب القول بهما أدلة صحيحة ليس طريقها الاجتهاد وغالب الظن فلا فرق بينهما وبين العموم من هذا الوجه فهلا جوزت تخصيصه بهما قيل له ان الامر وان كان على ما ذكرت الاعتراض بهما على عموم القرآن من قبل ان كل عموم في القرآن شأنه ما وصفنا فانه يوجب العلم بموجبه وليس الحكم بموجبه في شيء من طريق الاجتهاد ولا غالب الظن \r\n والحكم بموجب خبر الواحد والقياس في شيء بعينه من جهة غالب الظن لا من جهة الحقيقة وان كان ثبوتهما في الجملة من طريق يوجب العلم \r\n كما نقول ان قبول شهادة شاهدين عدلين في الظاهر واجب بنص القرآن بقول الله تعالى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ثم اذاعينا الشهادة في رجلين بأعيانهما كان طريق قبولهما الاجتهاد وغالب الظن لا حقيقة العلم بما شهدا به ولذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا ","part":1,"page":166},{"id":129,"text":" وأيضا فلو جاز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لكان في اثبات تخصيصه رفع العلم بموجب العموم رأسا لأن اللفظ يحصل مجازا ثم يكون الحكم فيما عدا المخصوص من طريق الاجتهاد وغالب الظن لا من جهة اليقين \r\n ولا جائزا رفع موجب حكم العموم الموجب للعلم بخبر الواحد لان ذلك يصير في معنى النسخ وهذا سديد على الأصل الذي كان يذهب إليه شيخنا ابو الحسن الكرخي رحمه الله في أن ما ثبت خصوصه من ألفاظ العموم سقطت معه دلالة اللفظ واحتيج في اثبات الحكم الى دلالة من غيره فلم يجب اسقاط حكم اللفظ بخبر الواحد \r\n وأما قول عيسى بن ابان ان العموم الذي قد ثبت خصوصه بالاتفاق يجوز قبول خبر الواحد في تحصيصه فإنه يحتمل أن يكون إنما قاله لأنه كان من مذهبه ان لفظ العموم إذا أريد به الخصوص سقط الاستدلال به في ايجاب الحكم فيما عدا المخصوص به على ما كان يذهب إليه ابو الحسن الكرخي رحمه الله \r\n فإن كان هذا مذهبه في هذا الباب فلا اشكال مع هذا ان خبر الواحد مقبول في اخراج بعض ما شمله لفظ العموم من حكمه لسقوط حكم عموم اللفظ لو عري من خبر الواحد \r\n ويحتمل أن يكون مذهبه القول بعموم اللفظ فيما عدا المخصوص إلا أنه أجاز تخصيص الباقي مع ذلك بخبر الواحد لأن ما ثبت خصوصه بالاتفاق فالاجتهاد شائع في ترك حكم اللفظ على الوجه الذي يذهب إليه القائلون بذلك فصار موجب حكم العموم في ","part":1,"page":167},{"id":130,"text":" هذه الحال من طريق الاجتهاد وغالب الظن لان اللفظ حصل مجازا والمجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه \r\n وما كان هذا حكمه جاز تركه بخبر الواحد \r\n وجميع ما ذكره عيسى بن ابان في الفصل الذي قدمنا ذكره يدل على ان مذهبهم ان كل ما ثبت من طريق يوجب العلم فغير جائز تركه بما لا يوجب العلم وكذلك كان يقول ابو الحسن رحمه الله في ذلك وهو أصل صحيح تستمر مسائلهم عليه \r\n والدليل على صحة هذا الأصل اتفاق المسلمين جميعا على امتناع جواز نسخ القرآن بخبر الواحد اذا كان ما ثبت بالكتاب يفضي بنا لى حقيقة العلم وخبر الواحد لا يوجب العلم وإنما يوجب العمل فكذلك التخصيص بهذه المثابة على الوجه الذي بينا \r\n فإن قال قائل ان اهل قباء قد كانوا يصلون إلى بيت المقدس وكان ثبوت ذلك عندهم من جهة توجب العلم فلما آتاهم آت وهم يصلون أخبرهم ان ","part":1,"page":168},{"id":131,"text":" القبلة قد حولت استداروا إلى الكعبة فتركوا ما ثبت عندهم بيقين بخبر الواحد \r\n وكذلك علم الأنصار بإباحة الخمر كان يقينا لما آتاهم آت وهم يشربونها فأخبرهم ان الخمر قد حرمت اراقوها وكسروا الأواني بخبر الواحد \r\n قال أبو بكر \r\n وقد سئل عيسى بن ابان نفسه هذا السؤال وأجاب عنه بأن من غاب عن حضرة النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن على يقين من بقاء الحكم لجواز ورود النسخ بعد غيبته وليس كذلك سبيل ما ذكرنا لأن النسخ لا يجوز بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم \r\n فما ثبت من طريق يوجب العلم لم يجز تركه بما لا يوجبه \r\n فإن قيل فما أنركرت انهما لما اتفقا في ان كل واحد منهما يوجب العمل وجب أن يجوز تخصيص أحدهما بالآخر \r\n قيل له أفليس قد اتفقنا عندك في وجوب العمل بهما ولم يوجب اتفاقهما من هذا الوجه اتفاقهما في جواز نسخ ما يوجب العمل بما لا يوجبه فهلا قلت في التخصيص مثله وعلى أن قولك قد اتفقا في وجوب العمل بهما خطأ من قبل ان وجوب العمل بخبر الواحد غير مساو لوجوبه بالقرآن ما ثبت من سنن الرسول صلى الله عليه و سلم بالتواتر الموجبة للعلم لأن الوجوب على مراتب بعضها فوق بعض وبعضها آكد من بعض فوجب العمل بالقرآن ","part":1,"page":169},{"id":132,"text":" والسنة الثابتة وجوبا حقيقيا لا يسع الاجتهاد في تركه وخبر الواحد يسع الاجتهاد في تركه \r\n ألا ترى أن تارك العمل بخبر الواحد مع إعتقاد وجوبه ليس مأثمة كمأثم تارك عموم القرآن مع اعتقاد القول به \r\n فإن قال قائل الفرق بين النسخ والتخصيص أن في النسخ رفع الحكم بعد ثبوته والتخصيص بيان المراد \r\n قيل له هذا قول من لا يدري ما النسخ \r\n ولا فرق بين النسخ والتخصيص في أن كل واحد منها بيان إلا أن النسخ فيه بيان مدة الحكم والتخصيص بيان الحكم في بعض ما تناوله الاسم ","part":1,"page":170},{"id":133,"text":" لأنه لا يجوز أن يحكم الله بشيء ثم يرفعه لأن هذا بداء والله يتعالى عن ذلك وانما يبين أن ذلك الحكم كان إلى هذه المدة فلا فرق بينهما على ما ذكرنا \r\n فإن قال هذا القائل لا يلزمني على التخصيص جواز النسخ لاني لا انسخ القرآن بالسنة ","part":1,"page":171},{"id":134,"text":" قيل له فلم تخصه بالسنة فإن جوزت تخصيصه بالسنة فأجز نسخه بها \r\n ثم يقال له إلزامنا إياك النسخ قائم عليك على علتك لأنك قلت إنما خصصت القرآن بخبر الواحد للزوم العمل بهما فجوز النسخ لهذه العلة بعينها \r\n فإن قال إذا خصصت ففقد أبقيت من الحكم ما يقتضيه ظاهر اللفظ في المدة التي كان الحكم ثابتا فيها إلى وقت النسخ فلا فرق بينهما من هذا الوجه \r\n على أن سؤالنا قائم عليك في نسخ السنة المنقولة بالتواتر بخبر الواحد كما جوزت تخصيصه إذا كان من أصلك جواز نسخ السنة بالسنة \r\n فإن قال إذا خصصت القرآن بخبر الواحد فقد استعملناهما جميعا فهو أولى من الاقتصار به على أحدهما واسقاط الاخر وليس كذلك النسخ لأنه يمنع بقاء الحكم علينا الان \r\n قيل له لا يمكنك استعمال الخبر إلا برفع بعض موجب لفظ القرآن وإنما كلامنا في ذلك البعض الذي رفعت حكمه فيما بقى لأن ما بقى لم استعمله من جهة الخبر ","part":1,"page":172},{"id":135,"text":" فلما جازلك ترك ذلك البعض بخبر الواحد فهلا جوزت نسخه كما جوزت تركه إذا دخل في عموم لفظ فكيف صار استعمال خبر الواحد أولى من استعمال ما قابله من لفظ القرآن \r\n وهلا بقيت حكم القرآن من حيث العلم دون الخبر \r\n فإن قلت لا يلزمنا من حيث جوزنا تخصيص القرآن بخبر الواحد ان نجوز نسخه كما لم يلزمك نسخ خبر الواحد بالقياس من حيث تخصيصه بالقياس \r\n قيل له هذا لا يجب من قبل انه لم يمتنع من تجويز نسخ خبر الواحد بالقياس من جهة اختلافهما في موجب حكمها \r\n وإنما نجوزه من قبل انه لا سبيل إلى اثبات المقادير من طريق المقاييس لا فيما ورد بخلاف خبر الواحد ولا فيما لم يرد بخلافه فإنما منعنا النسخ بالقياس من هذه الجهة لأن فيه تقدير مدة الفرض وهذا لا مدخل للقياس فيه لو لم يكن على وجه النسخ به وأما خبر الواحد فجائز إثبات المقادير به فمن حيث جوز التخصيص به لزم تجويز النسخ به \r\n فإن قال قائل هل يجوز ان يخص النبي صلى الله عليه و سلم ظاهر القرآن بحضرة الواحد فإن ","part":1,"page":173},{"id":136,"text":" جاز ذلك فهلا قبلت قول ذلك الواحد في تخصيصه \r\n قيل له إن خص النبي صلى الله عليه و سلم ظاهر القرآن بحضرة الواحد كان على ذلك الواحد اعتقاد تخصيصه على حسب ما علمه لأنه كما ثبت عنده الظاهر من جهة توجب العلم فقد ثبت عنده تخصيصه بمثلها \r\n وأما من نقل إليه ذلك الواحد بأنه لم يثبت عنده تخصيص النبي صلى الله عليه و سلم لذلك من طريق ويوجب العلم فلا يلزمه الحكم بالخصوص حتى يثبت ما يوجب العلم \r\n ثم يقال له هل يجوز أن ينسخ النبي صلى الله عليه و سلم حكما ثابتا عند الجماعة بحضرة الواحد \r\n فإن قال لا قيل له في التخصيص مثله \r\n فإن قال نعم قيل له فما الذي يجب على من نقل إليه ذلك النسخ بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم هل يجب عليه اعتقاد نسخ ما علم بثبوته يقينا بقول الواحد \r\n فإن قال نعم قيل له فجوز نسخ القرآن بخبر الواحد وترك الإجماع بخبر الواحد \r\n وإن قال لا قيل له في التخصيص مثله \r\n فإن قال قد أجزتم تخصيص الظاهر بالاخبار التي تلقاها الناس بالقبول وإن كانت من رواية الأفراد كقوله عليه السلام لا تنكح المرأة على عمتها ولا وصية لوارث فهلا جريتم على هذا المنهاج في سائر أخبار الاحاد \r\n قيل له لأن ما تلقاه الناس بالقبول فإن كان من أخبار الآحاد فهو عندنا يجري مجرى التواتر وهو يوجب العلم فجاز تخصيص القرآن به \r\n فإن قال ولم زعمت ان ما كان هذا وصفه من الاخبار يوجب العلم ","part":1,"page":174},{"id":137,"text":" قيل له فقد تركت مسألتك وانتقلت عنها إلى غيرها على انا نجيبك عن هذا وإن لم يلزمنا ذلك بحق النظر فنقول إن ذلك يوجب العلم من وجهين \r\n أحدهما أنه إذا ظهر في السلف استعماله والقول به مع اختلافهم في شرائط قبول الاخبار وتسويغ الاجتهاد في قبولها وردها فلولا أنهم قد علموا صحته واستقامته لما ظهر منهم الاتفاق على قبوله واستعماله وهذا وجه يوجب العلم بصحة النقل \r\n والثاني ان مثلهم إذا اتفقوا على شيء ثبت به الاجماع وان انفرد عنهم بعضهم كان شاذا لا يقدح خلافه في صحة الاجماع ولا يلتفت بعد ذلك إلى خلاف من خالف فيه فلذلك جاز تخصيص الظاهر بما كان هذا وصفه \r\n فإن قيل أنما حصل الإجماع عن الخبر وهو من طريق الاحاد \r\n قيل له لو كان ذلك كذلك لكان الاجماع تابعا لخبر الواحد وهذا يوجب أن يكون خبر الواحد أقوى منه لأنه أصله وهو فرع عليه وليس أحد من أهل العلم يرى خبر الواحد مقدما على الاجماع بل الاجماع أولى من خبر الواحد عند الجميع \r\n ويدل على ذلك أن خبر الواحد يرد بالاجماع ولا يرد الاجماع بخبر الواحد \r\n ألا ترى إلى ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله ","part":1,"page":175},{"id":138,"text":" فليتوضأ وأنه قال عليه السلام لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وأجمع الفقهاء على خلافه فقضى اجماعهم على الخبر وكان أولى منه ","part":1,"page":176},{"id":139,"text":" وكما روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قنت في المغرب واجمع الناس على تركه فكان أولى من الخبر \r\n وكما روى سلمة بن المحبق أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى فيمن وطىء جارية امرأته فقال النبي صلى الله عليه و سلم ان كانت طاوعته فعليه مثلها وهي له وان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها \r\n ونظائرها من الاخبار التي قضى الاجماع بخلافها أكثر من أن يحصى \r\n وأيضا فإن الاجماع لا يجوز وقوع الخطأ فيه ويجوز وقوع الخطأ في خبر الواحد \r\n فعلمنا ان الاجماع إذا وافق خبر الواحد كان هو الموجب للعمل بصحة الخبر لا الخبر بانفراده ويصير الاجماع قاضيا باستقامته وصحة مخرجه ","part":1,"page":177},{"id":140,"text":" ألا ترى ان خبر الواحد يسع الاجتهاد في مخالفته ولا يسع الاجتهاد في مخالفة الاجماع فكيف يكون الاجماع فرعا على خبر الواحد \r\n ألا ترى ان الرأي في نفسه قد يسع خلافه برأي مثله ثم اذا حصل من طريق الاجماع والرأي لم يسع خلافه لا من حيث هو رأي لكن من جهة وقوع الاجماع عليه فالاجماع يصحح خبر الواحد ويمنع الاعتراض عليه كما يصحح الرأي ويمنع مخالفته فإذا كان هذا هكذا جاز تخصيص ظاهر القرآن بخبر قد تلقاه الناس بالقبول وان كان وروده من طريق الاحاد ولا يلزمنا على ذلك جواز تخصيصه بخبر الواحد إذا عري من المعاني التي وصفنا \r\n فإن قال قد خالف عثمان البتي في تحريم نكاح المرأة على عمتها ووروده من جهة الاحاد لأن رواية ابي هريرة مخصصة قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم \r\n قيل له قد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم جماعة غير أبي هريرة منهم ابن عباس وابو سعيد الخدري وغيرهما وقد تلقاه السلف بالقبول فصار في معنى الخبر ","part":1,"page":178},{"id":141,"text":" المتواتر وبمثله يجوز نسخ القرآن عندنا لاستفاضته في الامة واستعمال الناس لحكمه وعثمان البتي ليس بخلاف على من تقدمه \r\n وقد خالف في ذلك الخوارج أيضا ولكنهم شذوذ لا يعتد بهم في الاجماع \r\n وعلى ان قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم ليس بعموم بل هو مجمل موقوف الحكم على البيان لأن الاباحة فيه معلقة بشرط الاحصان لقوله تعالى محصنين غير مسافحين والاحصان لفظ مجمل فاز تخصيصه بخبر الواحد \r\n فإن سألوا عن قوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء وتخصيصه بقوله عليه السلام لا تنكح المرأة على عمتها كان الجواب فيه ما قدمنا ولأن هذا خاص بالاتفاق \r\n فإن قيل خصصتم قول الله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية بخبر أبي ثعلبة الخشني والحكم بن عمرو الغفاري في النهي عن ","part":1,"page":179},{"id":142,"text":" كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير \r\n وبخبر المقداد بن معدي كرب في تحريم الحمر الأهلية وقد خالفكم مالك بن أنس في ذي الناب من السباع وكان ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما يبيحان ","part":1,"page":180},{"id":143,"text":" الحمر الأهلية وذا الناب من السباع ويحتجان فيه بظاهر الآية ولم يلتفتا إلى رواية من روى ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم \r\n قيل له أقل ما في ذلك أنه ليس في تحريم ذي الناب من السباع والحمر الأهلية تخصيص الآية لأن الآية إنما فيها أنه لم ينزل عليه تحريم غير ما ذكر فيها وما عدا ما ذكر في الآية لم تقتض الآية حظره ولا إباحته فليس في تحريمه تخصيص الآية \r\n وجهة أخرى أنه روي أن المشركين قد كانوا يحرمون أشياء من نحو السابية والوصيلة فنزلت الآية ردا لقولهم فقال تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما يعني مما يحرمون إلا أن تكون ميتة إلى آخر الآية \r\n فلا دلالة فيها إذ كان نزولها على هذا الوجه على إباحة ما عدا المذكور فيها \r\n وأيضا فلو كان ما في هذه الآية عموما في إباحة ما عدا المذكور فيها لجاز تخصيصه بخبر الواحد لأن ما ثبت خصوصه بالاتفاق جاز تخصيصه بخبر الواحد عندنا \r\n وقد اتفقت الأمة علىتحريم أشياء غير مذكورة في هذه الآية وهي الخمر ولحم القرود ونحوها فصارت الآية خاصة بالاتفاق \r\n ومن جهة أخرى ان الصحابة قد اختلفت في تحريم ذي الناب من السباع والحمر الأهلية ولحوم الخيل ولم ينكر بعضهم على بعض الاجتهاد فيه ","part":1,"page":181},{"id":144,"text":" ومتى اختلفت الصحابة في تخصيص آية سوغت الاجتهاد في ترك حكمها من غير نكير من بعضهم على بعض فيها جاز قبول خبر الواحد في تخصيصها \r\n فإن سألوا عن قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره \r\n وظاهره يقضي احلالها للزوج الأول بنفس العقد إذا طلقها وإن لم يقع دخول لأنه لم يشرط فيه دخولا ثم جعلتم الدخول شرطا فيه بخبر رفاعة القرظي حين طلق امرأته فتزوجت عبدالرحمن بن الزبير فجاءت تشكو إليه أنه لا يصل إليها فقال النبي صلى الله عليه و سلم أتريدين ان ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك \r\n فخصصتم ظاهر القرآن بهذا الخبر وهو خبر واحد والخلاف قائم فيما ورد فيه لأن سعيد بن المسيب يقول تحل للزوج الأول بالعقد ","part":1,"page":182},{"id":145,"text":" قيل له هذا غلط لأنه ليس في ظاهر اللفظ ارتفاع تحريم الثلاث بنكاح الثاني بل ظاهرها يقتضي أنها لا تحل له الا بالوطء \r\n وذلك لأن لفظ الآية منتظم للعقد والوطء جميعا لأن قوله حتى تنكح زوجا غيره ويتناول الوطء لأنه حقيقة فيه عندنا وذكر الزوجية يفيد العقد فقد اشتمل ظاهر الآية على المعنيين وجعلهما شرطا في وقوع تحريم فاتبعناه ولم نخالفه إلى غيره ولا خصصناه بخبر الواحد \r\n وعلى أنه قد تقدم القول بيننا في أن خبر الواحد إذا تلقاه الناس بالقبول صار بمنزلة التواتر فيجوز تخصيص ظاهر القرآن به وهذا صفة هذا الخبر لأن الصحابة قد تلقته بالقبول واستعملته ","part":1,"page":183},{"id":146,"text":" وليس معنى تلقي الناس أياه بالقبول أن لا يوجد له مخالف وإنما صفته ان يعرفه عظم السلف ويستعملونه من غير نكير من الباقين على قائله ثم ان خالف بعدهم فيه مخالف كان شاذا لا يلتفت إليه \r\n ولا خلاف بين الصحابة في الزوج الثاني لا يرفع تحريم الثلاث ما لم يدخل بها وان صح هذا عن سعيد بن المسيب فإنه جائز أن لا يكون سمع بهذا الخبر وأنه لو سمعه لصار إليه \r\n وأيضا فقد صار الاتفاق بعد سعيد بن المسيب على حكم هذا الخبر فسقط الخلاف فيه كأنه لم يكن \r\n فجاز تخصيص الظاهر به لأنه لا فرق عندنا بين اجماع يقع بعد خلاف كان من أهل عصر متقدم وبين اجماع يحصل عن غير خلاف في ثبوت حجتهما ولزوم المصير إليهما \r\n فان قال خصصتم قوله تعالى والسارق والسارقة بخبر المجن وفي الناس من يقول يقطع في القليل والكثير \r\n قيل له لو فهمت عنا ما قدمنا في عقد المذهب لكفيت نفسك مؤنة هذه الأسئلة الفارغة \r\n لأن قوله تعالى والسارق والسارقة خاص باتفاق السلف من الصحابة لا ","part":1,"page":184},{"id":147,"text":" خلاف فيه بينهم وإنما اختلفوا في مقدار ما يقع فيه فقال بعضهم عشرة وقال بعضهم خمسة وقال آخرون منهم اربعة وقال آخرون منهم ثلاثة فحصل حكم اللفظ خاصا باتفاقهم ومع ذلك فقد سوغ كل فريق منهم لغيره الاجتهاد في المقدار الذي قدره فجاز تخصيصه بخبر الواحد من وجهين \r\n أحدهما اتفاق الجميع على خصوصه \r\n والآخر تسويغهم الاجتهاد في ترك ظاهره \r\n ومن قال انه يقطع في القليل والكثير لا يعد خلافا في هذا الباب بل هو شذوذ ولا يلتفت إليه \r\n ثم يصير الكلام حينئذ بيننا وبين هذا السائل في صفة الاجماع ووليس ذلك من مسألتنا في شيء \r\n وقد ذكر بعض المخالفين عنا في هذا الباب اشياء ليست مما نقوله ولا يحتج به وليس هو في حد من يتشاغل به ايضا ولكنا نذكر منه طرفا يكون فيه تنبيه للمبتدىء على موضع عواره وفساد ما احتج به \r\n ذكر اخبارا زعم انا قبلناها فتركنا لها الاصل الذي ذكرناه وليس يتعلق قبولها فيما نحن فيه بشيء ويشبه ان يكون وجدها لبعض سلفه فنقلها الى هذا الموضع من غير علم منه بحقيقة موضعها قد ذكرناها وبينا ذهابه عن وجه الصواب فيها ","part":1,"page":185},{"id":148,"text":" لئلا يمر على بعض المبتدئين فيظنها شبه لأن من به ادنى مسكة من فهم لا يخفى عليه فسادها \r\n منها انه ذكر حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ وقال كان ابو فزارة نباذا فتركوا حكم القرآن زعم في قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيد طيبا فقال معناه ماء أو نبيذ التمر ","part":1,"page":186},{"id":149,"text":" وأما قوله ان ابا فزارة كان نباذا فانه كذب وترخص على أبي فزارة لأن ابا فزارة كان من الزهاد \r\n وحدثنا بذلك عبدالباقي بن قانع في كتابه المشهور الذي صنفه في الطبقات وله أحاديث كثيرة قد نقلها عنه الائمة مثل سفيان الثوري وشعبة واسرائيل وشريك في نظرائهم ولو كان نباذا ما نقلوا عنه آثار النبي صلى الله عليه و سلم فهذا ","part":1,"page":187},{"id":150,"text":" يدل على كذب هذا القائل وقلة دينه \r\n وأما قوله ان هذا الحديث خلاف ما تضمنه قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فليس كذلك لأن الآية أوجبت التيمم عند عدم كل جزء من ماء لأن قوله ماء لفظ منكور يتناول كل جزء منه على الانفراد سواء كان منفردا بنفسه أو مخالطا لغيرة ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء فجاء الخبر موافقا لمنى الظاهر غير مخالف له وعلى انه ليس في قبول خبر الوضوء بنبيذ التمر تخصيص لعموم ولا ظاهر لأن الله تعالى قال فاغسلوا ولم يقل بماذا والحال التي يجب فيها استعمال الماء ونبيذ التمر غير مذكور بلفظ عموم فانما ورد الخبر في تبقية حكم الماء الذي تضمنته الآية \r\n وذكر حديث القهقهة فقال وقد قال الله عز و جل ولا تبطلوا أعمالكم فأبطل طهارته بحديث أبي العالية الرباحي وحديثه زعم كالرياح ","part":1,"page":188},{"id":151,"text":" وهذا يدل على غباوته وجهله بهذا الباب لأنه لا خلاف بين أهل العلم في جلالة محل أبي العالية وصدقه وأمانته وإن كان هذا الحديث قد روي موصولا من عدة وجوه من غير طريق أبي العالية رواه عمران بن حصين وأنس وجابر ورواه مرسلا ","part":1,"page":189},{"id":152,"text":" الحسن وأبي العالية وابراهيم والزهري \r\n وعلى أنه ليس قبول هذا الخبر مما نحن فيه في شيء لأنا لم نخص به ظاهرا ولا عموما لأن قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم ظاهره نهي الانسان عن أن يبطل عمله ونحن لم نبطل عمله بالقهقهة وإنما أبطله الله الذي حكم ببطلانه \r\n وأيضا فانه معلوم انه لا سبيل لأحد إلى إبطال عمله في الحقيقة لأن عمله الذي ","part":1,"page":190},{"id":153,"text":" قد عمله منتقض معدوم لا يصح النهي عن إبطاله فإذن ليس المراد النهي عن ابطال العمل في الحقيقة وإنما معناه النهي عن ان يفعل من المعاصي ما يبطل ثواب عمله وهذا ليس بظاهر ولا مذكور في لفظ الآية \r\n فكيف يكون قبول حديث القهقهة تخصيصا لظاهر \r\n وأيضا لو كان الظاهر يتناول فعلنا على ما زعمت وخصصناه بخبر الواحد كان مستقيما على أصلنا لأن العام الذي قد ثبت خصوصه بالاتفاق يجوز أن يخص منه بعض ما انتظمه العموم بخبر الواحد \r\n ثم خلط تخليطا آخر فقال وقبلوا شهادة القابلة وحدها \r\n وأي ظاهر يمنع قبول شهادة القابلة في الولادة حتى يذكر في هذا الموضع \r\n وإنما ذكر الله تعالى الشهادات في المداينات والوصية في السفر والرجعة والزنا \r\n فأما الشهادة على الولادة فلا ذكر لها في القرآن فنكون بقبولنا شهادة القابلة مخصصين لها ","part":1,"page":191},{"id":154,"text":" وزعم هذا القائل أنا لا نقبل خبر الشاهد واليمين وقد رواه زعم بضعة عشر من الصحابة وليس بمخالف للقرآن لأن الله تعالى إنما ذكر كيف نتوثق وهذه قضية قضى بها النبي صلى الله عليه و سلم \r\n فأما قوله قد رواه بضعة عشر فإنه قد حدثني رجل من كبار أهل المعرفة بالحديث أنه اجتهد في أن يجد في الشاهد واليمين حديثا واحدا صحيحا فلم يجده \r\n وقد بينا في شرح المختصر علل الأحاديث المروية فيه وقال الزهري وهو من أفقه أهل المدينة في عصره القضاء بالشاهد واليمين بدعة وإن أول من قضى ","part":1,"page":192},{"id":155,"text":" به معاوية \r\n وعلى أنه لو ثبتت الرواية لما لزم العمل به لو انفرد عن مخالفته القرآن وذلك لأن أكثر ما فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى باليمين مع الشاهد فهذه حكاية قضية مند عليه السلام لا يعلم كيفيتها ولا معناها وقد نقضي نحن بالشاهد واليمين في وجوه \r\n فالاحتجاج به ساقط إذ ليس هو عموم لفظ منه فيعتبر ما انتظمه اسمه \r\n وليس الخصم بأولى بدعواه في صرفه إلى مذهبه دون أن أحمله على وجه يوافق مذهبي فكيف به مع مخالفته في حكم الكتاب إذا حمله على مذهب المخالف \r\n وأما قوله إنه ليس بمخالف للقرآن فقد صدق لأن الخبر حمل على الوجه الذي يجب حمله عليه فليس من ظاهره ما يخالف القرآن إلا أن مذهب المخالف فيه خلاف القرآن لأن قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم لا يخلو من أن يكون المراد به حال المداينة أو حال الحكم عند التجاحد وظاهره يقتضي الحالين جميعا \r\n وعلى أنه إن كان المراد التوثق بهما في حال المداينة فانما المقصد فيه حال الحكم عند ","part":1,"page":193},{"id":156,"text":" التجاحد فلا محالة أنه قد أفاد وجوب الحكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند التجاحد والأمر على الوجوب فغير جائز الاقتصار على أقل من من العدد المذكور ومن حكم بأقل منه فقد خالف القرآن كما أن من حكم بشهادة شاهد واحد بغير يمين كان مخالفا للقرآن ويمين الطالب لا ذكر لها في الآية فوجودها وعدمها واحد فلم ينفك الحكم بالشاهد واليمين من مخالفة حكم القرآن \r\n وكما أن من جوز أن يكون حد الزاني أقل من مائة كان مخالفا للقرآن تاركا لحكمه فكذلك من اقتصر في المداينة على أقل من الشهود المذكورين في الآية فقد خالف حكمها وليس هذا من التخصيص في شيء لأنه ليس فيه عموم لفظ ينتظم مسميات فيخصه بالخبر \r\n فإن قيل خص به حالا دون حال \r\n قيل له الحال غير مذكورة في الآية فيخصها بالخبر فليس فيه إذن أكثر من ذكر العدد المذكور فيها \r\n فإن قيل لو جمع بين الخبر والآية لم يستحل لأنه لو قال أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين كان صحيحا \r\n قيل له ليس كل ما يجوز أن يجمعه إلى ما قبله في خطاب واحد يجوز الحاقه به بخبر الواحد لأنه كان لا يمتنع أن يقول صلوا إن شئتم إلى بيت المقدس وإن شئتم إلى الكعبة ثم لم يمنع جواز ذلك من أن تكون الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة بالصلاة إلى الكعبة \r\n وكان لا يمتنع أن يقول إن شئتم فاجلدوا الزاني مائة وإن شئتم تسعين فكان يكون ","part":1,"page":194},{"id":157,"text":" مقدار الضرب موكولا إلى مشيئة الامام ومع ذلك لا يخرج من قال إن حد الزاني تسعون من أن يكون مخالفا للقرآن \r\n وقد كان يجوز أن يقول أو رجل وامرأتان أو رجل إن لم يكن رجل وامرأتان من غير يمين ولا يخرج جواز ذلك قائله الآن من أن يكون مخالفا للقرآن وهذا لا يخفي وجه فساد القول به على أي فهم \r\n فإذا ثبت ذلك لم يجز مخالفة القرآن بخبر الواحد فقد صح أن القول بالشاهد واليمين خلاف الكتاب وهذا أبعد في الجواز من تخصيص الظاهر بخبر الواحد لأن هذا ليس فيه تخصيص بوجه وإنما فيه النسخ لو ثبت على هذا الوجه لما بيناه \r\n وعلى أنه لو ثبت الحكم بالشاهد واليمين من جهة الرواية لما جاز الاعتراض به على الآية من جهة اخرى وهي ان حكم الآية مستعمل عند الجميع لا خلاف بين المسلمين فيه والحكم بالشاهد واليمين مختلف فيه فيكون منسوخا بالآية لأنه ليس مع الخصم تاريخ الحكم أنه كان بعد نزول الآية أو قبلها وما كان هذا سبيله فالمستعمل فيه ما اتفقوا عليه وهو الآية وما اختلفوا فيه من حكم الخبر فهو متروك بالآية إذ لم يثبت أنه ناسخ لها \r\n فإن قال قائل يجوز ان الحكم بالشاهد واليمين وارد مع الآية فلا يكون ناسخا لها \r\n قيل له لا يجب ذلك من وجوه \r\n أحدهما ان من أصلنا أنه لا يجوز ان يلحق بحكم الآية من الزيادة إلا بما يجوز بمثله النسخ لأن الآية توجب العلم وخبر الواحد لا يوجبه فلا يعترض به عليها لما بينا \r\n ووجه آخر وهو أنه لو كان الحكم بالشاهد واليمين واردا مع الآية لما ترك النبي صلى الله عليه و سلم بيانه وذكره عقيب الآية ولكان يكون فيه عموم لفظ يوجب الحاقه بالآية ","part":1,"page":195},{"id":158,"text":" فلما لم يرد عنه صلى الله عليه و سلم في ذلك بيان وانما ذكر فيه قضية منه فلو كان مرادا مع الآية لما أخر بيانه إلى ان يختصم اليه فيقضي \r\n فثبت أن حكم الآية مقر على ما ورد وأن خبر الشاهد واليمين ا كان معناه ما ادعاه فلا يخلو من أن يكون قبل الآية أو بعدها \r\n فإن كان قبلها فهو منسوخ بها وإن كان بعدها فالآية منسوخة به ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد بالاتفاق \r\n وأيضا فإن ما ذكر في خبر الشاهد واليمين حكاية فعل من النبي صلى الله عليه و سلم في قضية مجهولة لا ندري كيف كانت ومثلها لا يعترض به على الآية من وجهين \r\n أحدهما أن البيان لا يقع بمثله لأن البيان إنما يقع بلفظ معلوم المعنى ظاهر المراد ولا يجوز أن يكون موكلا إلى قضية إذا نقلت عنه كانت مجهولة عندهم \r\n والوجه الآخر أنه يكون زيادة في حكم الآية لأنها تقتضي أن تكون بيانا لمراد الله تعالى في هذه الزيادة مع ما ذكر في الآية ولا يجوز أن يكل النبي صلى الله عليه و سلم الناس إلى مثل هذه القضية مع علمه أن الله تعالى لم يقتصر بحكم البيان على ما ذكر في الآية دون ماقضى به النبي صلى الله عليه و سلم \r\n فدل ذلك على أن خبر الشاهد واليمين لم يرد مورد الزيادة في حكم الآية واثبات حكمه معها وأنه لا يخلو أن يكون قبل الآية أبو بعدها \r\n فإن كان قبلها فهو منسوخ بها وإن كان بعدها فهو ناسخ لها ونسخ الآية بخبر الواحد غير جائز ","part":1,"page":196},{"id":159,"text":" وعلى ان ماكان هذا سبيله بزيادة فهو نسخ وذلك لأنه يلزمنا عند ورود الآية اعتقاد وجوب الحكم بالعدد المذكور فيها أو امتناع جوازه بأقل منه لأنه لا اشكال على أي عقل سمع الآية إلا و انها تمنع الحكم بشهادة رجل واحد وبشهادة امرأة واحدة \r\n فمتى ورد خبر أجاز الحكم بشهادة رجل واحد فقد دفع ذلك الاعتقاد الذي لزم مع ورود الآية وهذا هو حقيقة النسخ \r\n فإن قال قائل يلزمك على هذا أن يكون التخصيص نسخا لأن العموم قد ألزمنا اعتقاد لزوم الحكم به ووروده ما يوجب التخصيص يرفع ذلك الاعتقاد \r\n وقد يجوز عندك تخصيص العموم بالقياس فلزمك على هذا تجويز النسخ بالقياس \r\n قيل له ما يوجب تخصيص العموم من لفظ أو دلالة فلابد من أن يكون مقارنا للفظ العموم ولا جائز أن يتأخر عنه فلم يلزمنا مع وجود دلالة الخصوص اعتقاد العموم قط وتكون دلالة الخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة \r\n وقد ذكرنا فيما سلف أن الله تعالى لا يخلي أحدا محجوجا بحكم آية ظاهرها ظاهر العموم ومراده الخصوص من أن يورد عليه دلالة الخصوص عقيب كونه محجوجا بالعموم وإنه غير جائز أن يتأخر عنه بيان ذلك لأنه يوجب أن يكون قد ألزمه اعتقاد العموم فيما أراد به الخصوص فكأنه أمر باعتقاد خلاف ما أراد وما هو حكمة جل وعز عن ذلك وتعالى \r\n فوجب أن تكون دلالة التخصيص مقترنة بلفظ العموم كاقتران الاستثناء بالجملة ","part":1,"page":197},{"id":160,"text":" فإن قال قائل قد وردت في صيام كفارة اليمين شرط التتابع ووروده من طريق الآحاد لما روي أنه في حرف عبدالله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات فمنعت به اطلاق مافي الآية وهذا يجري عندك مجرى النسخ وماعد مخالفك في الشاهد واليمين والنفي مع الجلد ما أجزته في ذلك \r\n قيل له لم يكن حرف عبدالله بن مسعود عندهم واردا من طريق الآحاد لأن أهل الكوفة في ذلك الوقت كانوا يقرءون بحرف عبدالله كما يقرءون بحرف زيد \r\n وقال إبراهيم النخعي كانوا يعلمونا ونحن في الكتاب حرف عبدالله كما يعلمونا ","part":1,"page":198},{"id":161,"text":" حرف زيد \r\n وكان سعيد بن جبير يصلي بهم في شهر رمضان فيقرأ ليلة بحرف عبدالله وليلة بحرف زيد \r\n فانما اثبتوا هذه الزيادة بحرف عبدالله لاستفاضته وشهرته عندهم في ذلك العصر وإن كان إنما نقل إلينا الآن من طريق الآحاد لأن الناس تركوا القراءة به واتقصروا على غيره وإنما كلامنا على أصول القوم وهذا صحيح على أصلهم \r\n وقد بينا هذه المسائل في شرح المختصر بأكثر من هذا وإنما ذكرنا هاهنا مقدار ما يوقف به على طريقة العموم في هذا الباب \r\n وقد بينا فيما سلف وجه قبولنا لخبر الواحد في تخصيص العموم الذي ثبت خصوصه بالاتفاق بما يغني عن إعادته \r\n ونحن نبين الآن سائر الوجوه التي جوزنا تخصيصها بخبر الواحد على حسب ما تقدم منا القول فيه ","part":1,"page":199},{"id":162,"text":" فنقول إن اللفظ إذا كان محتملا للمعاني فخبر الواحد مقبول في إثبات المراد به من قبل أن الاحتمال يمنع وقوع العلم بالمراد ويجعله موقوف الحكم على البيان فاحتجنا ان نستدل عليه بغيره كسائر الاشياء التي لا نص فيها فيقبل خبر الواحد في إثبات حكمها وذلك نحو قوله تعالى ثلاثة قروء فيه احتمال للحيض والطهر جميعا وروى ان ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان وكان مقبولا لأنه بين مراد الآية المفتقرة إلى البيان وبمثل هذا قبلنا خبر الواحد في بيان الألفاظ المجملة المفتقرة إلى البيان \r\n وأما ما ا ختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف فيه وترك الظاهر بالاجتهاد فإنا قبلنا فيه خبر الواحد وسوغنا القياس أيضا في إثبات المراد به من قبل أن السلف لما كانوا الذين شاهدوا التنزيل ولم يكن يخفى عليهم المنصوص عليه الذي لا يحتمل التأويل ولا يسوغ معه الاجتهاد مما هو مدلول عليه ويسوغ الاجتهاد فيه بما اختلفوا في حكم ","part":1,"page":200},{"id":163,"text":" لفظ ظاهره يتناول في اللغة معنى معقولا فعدل بعضهم عن ظاهره ثم علم به الآخرون فلم ينكروا عليهم دلنا ذلك على أنه قد كان من النبي صلى الله عليه و سلم توقيف لهم على تسويغ الاجتهاد في مثله إما بقول منه وإما بحال شاهدوها استجازوا بها القول فيه من طريق الرأي وترك الظاهر وذلك نحو قوله تعالى أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا وحقيقة الملامسة هي على اللمس باليد وغيره من البدن وهي كناية عن الجماع ثم وجدنا الصحابة قد اختلفوا فيه فقال أمير المؤمنين علي وابن عباس رضي الله عنهما في آخرين منهم هو على الجماع وقال عمرو وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما هو على اللمس باليد ولم ينكرا على من قال هو على الجماع عدولهم عن حقيقة اللفظ وصريحة إلى المجاز والكناية وسوغوا لهم الاجتهاد فيه فصار اجماعهم على تسويغ الاجتهاد فيه مانعا من وقوع العلم بالمراد بنفس اللفظ ثم روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة ان النبي صلى الله عليه و سلم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ جاز الحكم ","part":1,"page":201},{"id":164,"text":" على معنى الآية بهذا الخبر وان كان وروده من طريق الآحاد إذا لم يكن في قبوله دفع لما يصح ثبوته من طريق توجب العلم \r\n ونظيره ايضا قوله تعالى وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم حقيقته على أن اللمس باليد وهو كناية عن الجماع واختلف السلف في المراد به \r\n فقال علي وعمر رضي الله عنهما في عامة الصحابة إن المراد الخلوة وقال عبدالله بن مسعود واحدى الروايتين عن ابن عباس ان المراد الجماع فسوغ الجميع الاجتهاد في طلب المعنى فجاز قبول خبر الواحد في مثله \r\n وقد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث مرسل أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من كشف خمار امرأة ثم طلقها وجب عليه المهر فجاز إثبات المراد بمثله ","part":1,"page":202},{"id":165,"text":" ويجوز أيضا الاستدال على المراد في مثله من جهة القياس لأن حكم اللفظ صار مستدركا كله من طريق الاجتهاد فساغ قبول خبر الواحد فيه واستعمال القياس في إدراك معناه \r\n ومن الأخبار التي يرد بها ظاهر الكتاب خبر القسامة على الوجه الذي يذهب إليه لأنه حلف على ما لا علم له به وقال الله ولا تقف ما ليس لك به علم وقال إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولم يثبت خصوص هذه الآيات بالاجماع بل الاجماع واقع في أن أحدا لا يجوز له أن يشهد على الغير بحق لا يعلم صحته وثبوته فكيف بمن يشهد بما هو معترف بأنه لا يعلمه ولم يشهده ثم يحلف عليه \r\n ونحو حديث المصراة إذا استعمل على مذهب المخالف ","part":1,"page":203},{"id":166,"text":" كان خلاف ظاهر القرآن لأنه يوجب أن من اشترى شاة بصاع تمر فوجدها مصراة أن يردها ويرد معها صاعا من تمر ومعلوم أن حصة اللبن أقل من صاع \r\n وقد قال الله تعالى وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ومنه حديث القرعة مذهب المخالف فيه خلاف الكتاب وذلك قوله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاف الآية واستعمال القرعة على ما يقوله مخالفونا من الميسر بمنزلة من قال لآخر قارعتك على أن من خرجت عليه القرعة فهو عبد أو فله كذا أو نحو ذلك لأن المريض كان مالكا لجميع ماله في المرض جائز التصرف فيه إلى أن يرد الموت فثبت حق الورثة في الثلثين ولا يثبت حقهم في الثلث لا في حال الحياة ولا بعد الموت إذا أعتقهم في المرض فلما أعتقهم ولا مال له غيرهم نفذ عتقه في ثلث كل واحد منهم لا محالة إذ لا حق فيه لأحد فإذا أخرجنا بعضهم من العتق رأسا وجعلناها لمن لا يستحقها كلها بدءا بالقرعة صار بمنزلة رجلين تقارعا وهما حران على أن من خرجت عليه القرعة منهما فهو عبد وهذا فحش ","part":1,"page":204},{"id":167,"text":" من الميسر والقمار اللذين حرمها الله تعالى فيما كان أهل الجاهلية يستعملونها فلذلك صار معنى هذا الخبر على هذا الوجه مخالفا للقرآن \r\n ونحو ذلك مما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ولد الزنا شر الثلاثة \r\n وهذا إن حمل على ظاهره كان مخالفا لقول الله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وقوله تعالى فكلا أخذنا بذنبه فلم يجز من أجل ذلك اجراؤه على معنى يخالف القرآن عند الجميع ","part":1,"page":205},{"id":168,"text":" ونظيره ما روى فضيل بن عمرو عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله صلىالله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة ولد زنا ولا ولده وهذا مثل الأول \r\n وكل هذه الأحاديث الواردة من جهة الأفراد مما يخالف ظاهر القرآن فأما متى أمكنا استعمالها على وجه لا يخالف القرآن استعملناها على ذلك الوجه ولم نلغها كما قالت عائشة رضي الله عنها في قول النبي صلى الله عليه و سلم إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه إن معناه أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بيهودي يبكون عليه فقال إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب \r\n وخبر المصراة وخبر القرعة جميعا مستعملان عندنا على وجه لا يخالف القرآن فهو أولى ممن استعمله على وجه يخالف به ظاهر القرآن وقد بيناه في مواضع ","part":1,"page":206},{"id":169,"text":" وأما حديث أبي هريرة في ولد الزنا أنه شر الثلاثة وانه لا يدخل الجنة ولا ولده فانما معناه عندنا أنه أشار به إلى أشخاص باعيانهم فحكم فيهم بهذا الحكم لعلمه عليه السلام بأحوالهم التي يستحقون بها ذلك \r\n وقد روى أبو عبدالرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أنه قال إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثا تنكرونه فظنوا به الذي هو أهنا والذي هو أنقى وقال عبدالله بن مسعود إذا حدثتكم بحديث أتيتكم بمصداق ذلك من كتاب الله تعالى \r\n فهذا يدل على أن حكم الخبر المخالف في ظاهره لحكم القرآن والسنة الثابتة أن يحمل على وجه صحيح إذا أمكن حمله عليه وأن لا يستعمل على وجه يخالف القرآن والسنة الثابتة ","part":1,"page":207},{"id":170,"text":" @ 208 @ ","part":1,"page":208},{"id":171,"text":" الباب التاسع في تخصيص العموم بالقياس ","part":1,"page":209},{"id":172,"text":" @ 210 @ ","part":1,"page":210},{"id":173,"text":" باب القول في تخص العموم بالقياس \r\n قال أبو بكر \r\n كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه بالقياس وذلك لأن خبر الواحد مقدم على القياس \r\n فما لا يجوز تخصيصه فبالقياس أحرى أن لا يخص وهذا مذهب أصحابنا قال محمد بن الحسن في السير الكبير وذكر قول عطاء في المحصر إذا لم يجد هديا أنه يصوم عشرة أيام ويحل قياسا على هدي المتعة في قيام صوم عشرة أيام مقامه عند عدمه فقال محمد لا يجزيه غير الهدي لأن الله تعالى نص عليه ولم يذكر فيه صوما لمن لم يجد فنحن نبهم ما أبهم الله تعالى وإنما ذكر الله تعالى الصوم في هدي المتعة لمن لم يجد فلا يستقيم الرأي والقياس في التنزيل إنما يقاس على التنزيل فأما التنزيل بعينه فلا يقاس \r\n قاس عبدالله بن مسعود الأم على البنت في الدخول فأنكره عليه الصحابة عمر وغيره وقالوا قد قال الله تعالى وأمهات نسائكم مبهمة ","part":1,"page":211},{"id":174,"text":" وقال ابن عباس ابهموا ما أبهم الله تعالى \r\n فاستفدنا من هذا الفصل من قول محمد شيئين \r\n أحدهما أن من مذهبه القول بالعموم \r\n والثاني أن المنصبوصات لا يقاس بعضها على بعض \r\n وقد دل هذا من قوله أنه كان لا يرى تخصيص العموم الذي لم يثبت خصوصه ","part":1,"page":212},{"id":175,"text":" @ 213 @ ","part":1,"page":213},{"id":176,"text":" بالقياس لأن كل من خص بقياس فلا بد من أن يكون قياسه مبنيا على أصل من نص أو إجماع وقد منع محمد ذلك \r\n فالأصل في جميع ذلك أن كل ما ثبت من وجه يوجب العلم لم يجز تركه إلا بما موجب العلم وغير جائز تركه بمالا يوجب العلم لا على وجه النسخ ولا على وجه التخصيص فعموم القرآن الذي لم يثبت خصوصه بالاتفاق ثابت من جهة توجب العلم فلا يجوز تركه بالقياس إذ لا يفضي بنا القياس إلى العلم بحقيقة ما يؤدينا إليه من فروع الشريعة \r\n وإذا ثبت خصوص اللفظ بالاتفاق جاز تخصيصه بعض ما انتظمه اللفظ بالقياس لأنه لما ثبت خصوصه بالاتفاق حصل اللفظ مجازا على قول الأكثر من أهل العلم وساغ الاجتهاد في ترك دلالة اللفظ فصار حكم العموم في هذا ثابتا من طريق الاجتهاد فجاز استعمال النظر في تخصيصه بخروج لفظ العموم من إيحاب العلم بما انطوى تحته من المسميات لأن قول من قال إن الباقي بعد التخصيص على العموم مبني على الاجتهاد وغالب الظن دون اليقين وحقيقة العلم وما كان هذا سبيله جاز تخصيصه بما كان طريقه غالب الظن من خبر واحد أو قياس \r\n وأما ما كان وروده ممن جهة روايات الأفراد فإن تخصيصه جائز عندنا بالقياس من قبل ","part":1,"page":214},{"id":177,"text":" أن طريق ثبوته في الأصل اجتهاد لا يفضى بنا إلى حقيقة علم وساغ الاجتهاد في تخصيصه كما ساغ الاجتهاد في رده رأسا \r\n ألا ترى أن خبر الواحد مقبول في الأصل اجتهادا على جهة حسن الظن بالراوي وأنه يسوع الاجتهاد في رده فلأن يجوز الاجتهاد في تخصيصه أولى \r\n فإن قال قائل هلا خصصت عموم القرآن الذي يثبت خصوصه بالاتفاق بالقياس إذ كان حكم العموم لازما والقول بالاعتبار واجبا أيضا فهلا استعملتها جميعا ولم تسقط أحدهما بالآخر كالآيتين إحداهما خاصة والأخرى عامة أنه يجب استعمالهما جميعا ما أمكن ولا يسقط حكم إحداهما بالأخرى \r\n قيل له إن القول بالقياس وإن كان واجبا فيما يقوم عليه الدليل فإنه عمل بغالب الظن لا يفضي بنا إلى حقيقة لأنا نجوز الخطأ على أنفسنا فيما طريقه الاستنباط من أحكام الحوادث وعموم القرآن ي يفيدنا العلم بموجبه فلم يجز تركه بمالا يوجب العلم على مابيناه فيما سلف وأما الآيتان إذا كانت إحداهما خاصة فإن لنا شرائط في استعمال حكمها ليس هذا موضوع ذكرها \r\n ومتى جمعنا بين حكم الآيتين واستعملناهما فإنما خصصنا إحداهما بمثلها لأن كل واحدة منهما توجب العلم بمقتضاها \r\n وأيضا فان استعمال العموم من الاعتبار فلم جعلت اعتبار القياس أولى من اعتبار العموم فإن قال لأن قوله تعالى فاعتبروا عام في كل موضع ","part":1,"page":215},{"id":178,"text":" قيل له والقول بالعموم واجب في كل موضع فلم جعلت القياس أولى منه مع شمول اللفظ \r\n وأيضا فإن الذي أمرنا بالاعتبار هو الذي أمرنا بالحكم بالعموم فلم جعلت الاعتبار أولى من حكم العموم \r\n فإن قال استعمال القياس مع العموم أولى من الاقتصار على العموم دون القياس \r\n قيل له هذا محال لأنه لا يمكنك استعمال العموم مع استعمال القياس الموجب لتخصيصه ولست تنفك معه من ترك العموم \r\n فإن قال لأني أستعمل بعض ما شمله اللفظ مع القياس \r\n قيل له فقد تركت بعضه وإنما الكلام بيننا وبينك فيما تركت من حكم اللفظ الا فيما استعملت لأن استعمالك لما استعملته منه غير مخرجك من ترك ما تركته منه وعلى أن قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار لا يجوز أن يكون عموما في استعمال القياس لأنه لا يصح اعتقاد العموم فيه من هذا الوجه لعلمنا مع ورود اللفظ بامتناع جواز استعمال القياس في كل شيء فصار مجراه مجرى ما ذكرنا من الألفاظ التي لا يصح اعتقاد العموم فيحتاج إلى دلالة أخرى في إثبات حكمها نحو قوله صوموا لرؤيته وقوله تعالى وافعلوا الخير إذا أريد به الإيجاب ونحو ذلك من الألفاظ ","part":1,"page":216},{"id":179,"text":" على ما بيناه في صفة المجمل فلا يصح الاحتجاج بعمومه في استعمال القياس في موضع يخالفك فيه خصمك \r\n وأيضا فان اعتبار العموم آكد من القياس وذلك لأن العموم لابد من أن ينص لزوم استعماله إما في الجميع وإما في البعض وليس استعمال القياس جائزا في كل موضع لأن من الأصول مالا يقاس عليه أصلا وليس شيء من العموم لا يستعمل حكمه بحال فصار حكم العموم آكد من حكم القياس فغير جائز تركه به \r\n وعلى أن مخالفنا في ذلك كان أولى الناس بالامتناع من ترك العموم بالقياس لأن الذي يدل عنده على صحة العلل جريها في معلولها وأن لا يردها أصل والعموم أصل يرد هذه العلة التي تقتضي تخصيصه وترك العموم بها فهلا كان القياس ممتنعا في هذا الموضع باعتراض هذا الأصل عليه ويكون اعتبار العموم أولى منه \r\n وأيضا فإن العموم يحصل مخصصا بقوله من غير دليل لله تعالى على وجوب تخصيصه وذلك لأنه ثبتت العلة بقوله هذه علة للحكم دون أن يقيم عليها دليلا من غيرها وجريها في معلولها ليس بدليل على صحتها لأنه قول المخالف أيضا فجعل دليله على صحة دعواه دعوى أخرى أضافها إليه ومن شرطها أيضا عنده أن لا يردها أصل فلم يعتبر فسادها برد ا لعموم إياها وهو أصل فحصل العموم إذا خص بالقياس مخصوصا بقوله لا بدليل لله عز و جل على خصوصه \r\n فإن قال قائل قد استعملت الأمة القياس في تخصيص العموم لأن الله تعالى قال ","part":1,"page":217},{"id":180,"text":" يوصيكم الله في أولادكم إلى قوله من بعد وصية يوصى بها أو دين فجعل ميراث الإخوة من الأم بعد قضاء الدين بقوله تعالى فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين \r\n واتفق الجميع على أن ميراث الولد وسائر الورثة بعد قضاء الدين \r\n قيل له هذا غلط من وجوه \r\n أحدهما أن الله تعالى ذكر ميراث الولد بدءا بقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم ثم قال في سياقه من بعد وصية يوصى بها أو دين لأنه قال وإن كانت و احدة فلها النصف يعني البنت ثم قال تعالى ولأبويه لكل و احد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فسياقه الخطاب بعد في حكم الولد والأبوين ثم عقبه بذكر الأبوين إذا لم يكن له ولد فقال فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد يوصي يوسى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم فلم ينقض ذكر الولد حتى شرط تقديم الدين على الميراث ثم ذكر ميراث الزوجين وعقبه بذكر الدين ثم الإخوة من الأم وحكم فيه بمثل ذلك فأين موضع القياس في تقديم الدين على الميراث وهو مذكور مع سائر المواريث المذكورة في هذه الآيات \r\n وأيضا فإن الأمة مجمعة على ذلك أولها وآخرها وما حصل فيه الإجماع فاعتبار القياس فيه خطأ \r\n فإن قال إنما أجمعت عليه قياسا على الموضع الذي ذكر فيه تقديم الدين \r\n قيل له وما يدريك أنها اجتمعت عليه من طريق القياس ولعل الصدر الأول إنما ","part":1,"page":218},{"id":181,"text":" أجمعوا عليه من توقيف أو قد يكون الإجماع تارة عن توقيف وتارة عن رأي \r\n فإن قال لو جاز أن يقال هذا في ذلك لجاز في كل إجماع \r\n قيل له كل ما أجمع عليه الصدر الأول فجائز أن يقال فيه إن إجماعهم حصل عن توقيف ما لم يخبروا عن أنفسهم أنهم اتفقوا على رأي \r\n وأيضا فإن آية المواريث خاصة بالاتفاق وقد يجوز عندنا تخصيص ما هذا سبيله من الظاهر بالقياس \r\n وأيضا فإن الاجماع الواقع عن رأي ليس هو في معنى الرأي لو انفرد لأن الرأي إذا انفرد عن الاجماع ساغ تركه برأي مثله ومتى انضاف إليه الإجماع سقط جواز استعمال الرأي في خلافه \r\n وأيضا فإنا نجيز تخصيص العموم بقياس يساعده الإجماع فما الدليل على جواز تخصيصه بقياس مفرد عن الإجماع فإن هذا هو موضع الخلاف \r\n وقال منهم قائل العموم ظاهر والقياس باطن وإذا اجتمعا كان الباطن قاضيا على الظاهر كرجلين شهدا بعدالة رجل وآخران بجرحه فيكون شهادة الجرح أولى لأنهما أخبرا عن باطن \r\n وهذا كلام فارغ ليس تحته معنى وتشبيه بعيد مما ذكر من أمر الجرح والتعديل لا يعتمد على مثله إلا غر وذلك لأنه إن كان إنما سمى موجب القياس باطنا لأنه توصل إليه بنظر واستدلال وسمى العموم ظاهرا من حيث هو مذكور باسمه فأقل ما يلزمه في هذا تجويز نسخ القرآن بالقياس لأنه باطن في زعمه والمذكور باسمه الظاهر ويجب على قضية ","part":1,"page":219},{"id":182,"text":" هذه أن يكون العلم بالمحسوسات لما كان ظاهرا وما يدل عليه باطنا لأنه توصل إليه بنظر لا يجوز قيام دليل على نفي المحسوس لأن هذا باطن والمحسوس ظاهر \r\n فان قال ما يقضي على الحس لا يكون دليلا لأن صحة الاستدلال به متعلقة بصحته وبيانه \r\n قيل له وما يقضي على العموم من القياس لا يكون دليلا لأن دلائل الأحكام مبنية على السمع ولا يجوز أن يقضي عليه لأنه فرع له ولا يجوز أن يكون الفرع قاضيا على الأصل \r\n فإن قال لأني أقيسه على أصل آخر \r\n قيل له كيف صار قياسه على أصل آخر وهو فرع له أولى من استعمال أصل آخر غيره وهل يخرجك هذا من أن تكون قد جعلت الفرع آكد من الأصل وجعلت المستنبط أولى من المذكور \r\n وأما ما ذكر من أمر الجرح والتعديل فإن شاهدي الجرح قد ذكر الجرح ونصا عليه كما ذكره شاهد التعديل ونصا عليه وأي باطن هاهنا \r\n وإنما قضيت بأحد المسموعين على الآخر \r\n فإن قال لأن المخبر بالجرح يخبر عن باطن علمه والمخبر بالتعديل إنما أخبر عن ظاهر يجوز معه أن يكون باطنه بخلافه \r\n قيل له وكذا فقل في العموم أنه يجوز أن يكون ما أخبر الله تعالى عنه بلفظ عموم يكون باطنه بخلاف ظاهره كما قلت في المخبر عن العدالة فان قال نعم لزمه أن يجوز ","part":1,"page":220},{"id":183,"text":" ذلك في كل ما أخبر الله به أو أمر به إن لم يعارضه قياس ولا لفظ أن يكون باطنه خلاف ظاهره كما جاز أن يخبر شاهدا التعديل عن عدالة ظاهره باطنها خلاف ظاهرها \r\n فإن جوز ذلك انسلخ عن الملة ووصف الله تعالى بما لا يصفه به مسلم \r\n ثم يقال له إن الذي ذكرته من أمر الجرح والتعديل شاهد لنا على صحة قولنا لو جعلناه أصلا لما ذكرنا كان أولى من قبل أن الإخبار بالعدالة لما كان مرجعه إلى ظاهر الحال من غير يقين ولا حقيقة علم بحاله وكان الإخبار بالجرح إنما هو إخبار عن حقيقة مشاهدة موجبة للفسق كان الجرح أولى من التعديل \r\n كذلك ينبغي على هذا القياس أن يكون اعتبار العموم الموجب للعلم أولى من قياس لا يوجب العلم \r\n فإن قال لما اتفقنا على جواز تخصيص العموم بالقياس العقلي وجب أن يكون كذلك حكمه في القياس الشرعي \r\n قيل له هذا صحيح على ما أصلنا لأن القياس العقلي لما كان مفضيا بنا إلى العلم بصحة ما أدانا إليه ولم يكن يجوز فيه التخصيص وكان الحكم بموجب العموم من طريق يوجب العلم إذا أطلق كان القياس العقلي قاضيا على العموم لأنه يفضي إلى العلم بموجباته في سائر الأحوال والعموم لا يوجب العلم بموجباته في سائر الأحوال إذ جائز إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص وأما القياس الشرعي فإنما هو اجتهاد وغالب ظن لا يفضي إلى العلم بحقيقة الحكم وقد يوجب عندنا أيضا فيه التخصيص وكان الحكم بالعموم الموجب للعلم أولى من تركه بقياس لا يوجب العلم وهذا صحيح على ما قدمنا من أصول أصحابنا في هذا الباب مستمرا عليها \r\n فإن قال ليس إثبات الأحكام في الشريعة مقصورا على ما يوجب العلم حتى إذا لم يكن القياس موجبا للعلم فيما يؤدي بنا إليه يكون مطرحا ","part":1,"page":221},{"id":184,"text":" قيل له لم نقل إن القياس مطرح في الأصل ولا أن مالا يوجب العلم غير محكوم به وإنما قلنا إن ما كان هذا سبيله لا يجوز ترك العموم به لأن العموم أولى منه ولم أذكر هذه الأسئلة لشبهة منها على ذي بصيرة ولكني خشيت أن تمر ببعض المبتدئين من كتب المخالفين يظنها شبهة فكشفنا عن حقيقتها وأنبأنا عن فسادها ليعتبر به سائر حجاجهم ويعلم أن أكثر ما يذكرونه كلام مارق يجري منهم على غير تحصيل وليس يحتاج إلى إفساده إلى أكبر من الكشف عن حقيقته \r\n وقد ظن بعض المخالفين أن شرط الإيمان في رقبة القتل يقتضي تخصيص رقبة الظهار بشرط الإيمان \r\n فمنهم من يزعم أن وجوب ذلك من جهة أنه حكم الكلام وحكم اللفظ \r\n ومنهم من يزعم أن اللفظ لا يوجب ذلك وأنه قاله قياسا ","part":1,"page":222},{"id":185,"text":" والوجهان جميعا عندنا فاسدان لا يخيل وجه الفساد فيهما على متأمل نصح نفسه \r\n فأما الوجه الأول ففساده وسقوطه أظهر من أن يشك فيه عاقل \r\n وذلك لأن قائله لا يرجع فيه إلى لغة ولا شريعة لأنه ليس في اللغة أن القائل إذا ذكر شيئا علق به حكما ثم ذكر شيئا آخر غيره وعلق به حكما أن أحدهما ينبغي أن يكون مبنيا على الآخر مرتبا عليه وهما معنيان متغايران ولو كان ذلك صحيحا لوجب أن تكون الفروض التي فرضها الله تعالى كلها شروط بعضها في بعض مركبا بعضها على بعض ولا فرق بين ذكر الكفارتين في موضعين وبين ذكر الكفارة والصلاة والزكاة والصيام وسائر الفروض فتصير كلها كأنها فرض واحد متعلق بعضه ببعض وهذا ظاهر الفساد \r\n فإن قال إنما يجب ذلك في فرض واحد إذا ذكر في موضع مقيد ثم ذكر في غيره مطلقا أن يكون المطلق محمولا على المقيد \r\n قيل له هذا الذي ذكرت في الفرض الواحد مما يجوز أن يكون القول فيه على ما ذكرت فلم قلت أن الفرضين إذا ذكر أحدهما مقيدا بحكم والآخر مطلقا أن المطلق محمول علىالمقيد ","part":1,"page":223},{"id":186,"text":" وإنما كلامنا معك في فرضين وكفارتين كل واحدة منهما متعلقة بسبب غير ما تعلقت الأخرى به \r\n وما الفرق بين الفرضين المختلفين وبين الكفارتين المختلفتين وهل يشكل على أحد أن كفرة القتل فرض غير كفارة الظهار وأن كل واحدة منها متعلقة بسبب غير ما تعلقت الأخرى به كسائر الفروض المختلفة \r\n فإن قال إنهما قد جمعهما اسم الكفارة فكان شرط الإيمان في رقبة أحدهما شرطا في الأخرى \r\n قيل له فإذا جمعهما اسم الكفارة وجب عندك حمل إحداهما على الأخرى قياسا أو من جهة أن اللغة تقتضيه \r\n فإن قال إن اللغة تقتضي ذلك \r\n قيل له وعن من حكيت هذا من أهل اللغة فلا يمكنه أن يدعي ذلك على أحد منهم \r\n ثم يقال له ومن أين وجب إذا جمعهما اسم الكفارة أن تكون إحداهما محمولة على الأخرى في الصفة المشروطة لإحداهما \r\n ولو كان هذا واجبا لوجب أن يكون كل ما شرط في كفارة الظهار مشروطا في كفارة القتل وكل ما شرط في كفارة اليمين مشروطا في كفارة الظهار والقتل وكذلك كل ما شرط في جزاء الصيد من الكفارات ينبغي أن يكون مجموعا إلى هذه الكفارات لأن الجميع عندك من حيث جمعهما اسم الكفارة كالمعطوف بعضه على بعض والصفة المشروطة في بعضه مشروطة في جميعه فيكون إطعام ستين مسكينا مشروطا في القتل ومشروطا ","part":1,"page":224},{"id":187,"text":" في اليمين وفي جزاء الصيد وفي كل كفارة أوجبها الله تعالى \r\n فإن قال لا يجب ذلك لحصول الإجماع بأن بعضها غير مشروط في البعض على هذا الوجه \r\n قيل له إذا كان الجميع كأنه كلمة واحدة معطوف بعضها على بعض يصير تقديرها فكفارته إطعام عشرة مساكين أو ستين مسكينا ويصير قوله في الظهار فتحرير رقبة أو إطعام عشرة مساكين ويصير قوله في القتل فصيام شهرين متتابعين فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينا لأنه مشروط في الظهار وكل ما ذكر في الظهار فمشروط في كفارة اليمين وما ذكر في كفارة اليمين فمشروط في الظهار \r\n فإن اجمعوا بعد ذلك على أن شيئا من ذلك غير مشروط في كفارة أخرى لم يكن ذلك إلا على وجه النسخ لأن اللفظ عندك قد ورد به على هذا الوجه وهذا يوجب أن تكون هذه الكفارات كلها بعضها منسوخ ببعض وهذا تخليط وهذيان ليس يخفي مثله على عاقل \r\n ويقال له هلا دلك حصول الإجماع على أن شرائط كل كفارة من هذه الكفارات غير مشروطة في الأخرى أن شرط الإيمان في رقبة كفارة القتل لا يوجب كونه شرطا في كفارة الظهار فإذا لم تلجأ فيما ادعيت من ذلك إلى لغة ولا دلالة من شرع ولا إجماع بل الإجماع بخلافه في سائر الشروط فهلا استدللت بذلك على فساد هذا القول وانحلاله وكان الأولى بأصل المخالف في ذلك أن يكون شرط الإيمان في رقبة القتل دليلا على أن رقبة الظهار غير مشروط فيها الإيمان لأن من أصله أن المخصوص بالذكر يدل على أن ما ","part":1,"page":225},{"id":188,"text":" عداه فحكمه بخلافه وإذا خص رقبة القتل بشرط الإيمان ينبغي أن يدل تخصيصه لها بذلك على أن ماعداهما فحكمه بخلافه \r\n واحتج من قال ذلك بأن هذا بمنزلة قوله تعالى والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات وبمنزلة قوله تعالى عن اليمين وعن الشمال قعيد والمعنى والحافظات فروجهن والذاكرات الله وعن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد \r\n فيقال له ولم أوجبت أن يكون من حيث كان ما تقدم من الخبر مضمرا في الثاني أن يكون كذلك حكم الكفارات \r\n أقلته من طريق اللغة أو من جهة الشرع \r\n ولا يمكنه إثباته متى طولب بالدلالة عليه من لغة أو شرع وإنما وجب أن يكون في هذه الأسماء اضمار من قبل أنه كلام لا يستعمل بنفسه بل هو مفتقر إلى ضمير في إثبات فائدته لأنه لو انفرد عن الضمير لم يفد شيئا إذ لا يصح ابتداء الخطاب بقوله والحافظات والذاكرات ونحو ذلك فلما افتقر إلى ضمير وخبر كان ضميره هو الذي تقدم ذكره مظهرا في أول الخطاب وهذا مقعول من اللغة وخطاب الناس لا يخفى أمره على أحد ولو كان استأنف للثاني خبرا لما كان ما تقدم من الخبر مضمرا ","part":1,"page":226},{"id":189,"text":" فيه لأنه لو قال والحافظات أموالهن لما كان الفروج المذكروة بدءا في ذكر الأزواج مضمرة فيهن ولذلك لو قال والذاكرات آباءهن أو أبناءهن لما وجب أن يكون اسم الله تعالى مضمرا لهن هذا مع كون بعضه معطوفا على بعض فكيف يجوز أن يكون ما ليس بمعطوف مضمرا فيه وهي قضية أخرى وحكم آخر وارد في سبب غير الأول وكذلك قوله تعالى عن اليمين وعن الشمال قعيد لو انفرد قوله عن اليمين عن ضمير لم يستقم الكلام فيه فوجب من أجل ذلك ان يكون ما تأخر ذكره من الخبر مضمرا فيه \r\n وأما من قال منهم إني أجعل الإيمان شرطا في رقبة الظهار قياسا على رقبة القتل وأخص به رقبة الظهار \r\n فإن الأصل في ذلك عندنا وفي أمثاله من نحو شرط النية بالماء وما جرى مجراه من إثبات زيادة لا ينبىء عنها اللفظ ولا ينتظمها فإن ذلك عندنا ليس بتخصيص وإنما هو زيادة في النص والزيادة في النص توجب النسخ فلا يجوز أن يزاد فيه إلا بمثل ما يجوز به نسخه وكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن رحمه الله في ذلك وفي نظائره ","part":1,"page":227},{"id":190,"text":" ومن جهة أخرى أن من أصلنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض على ما قد حكيناه عن محمد بن الحسن في صدر هذا الباب \r\n والدليل على أن زيادة شرط الإيمان في رقبة الظهار يكون على وجه النسخ أن ظاهر الآية يفيد جواز رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان فمتى شرطناه فيها فقد حظرنا ما أباحته الآية من جواز الرقبة الكافرة وهذا هو حقيقة النسخ وغير جائز إثبات مثله بالقياس ولا بخبر الواحد \r\n فإن قال قائل لو كانت الزيادة في النص توجب نسخه لوجب أن يكون حدوث كل فرض يوجب نسخ ما تقدم من الفروض لأنه قد كان علينا أن نعتقد قبل حدوثه أنه لا فرض عليه فإذا حدث فرض آخر فقد زال الاعتقاد الأول \r\n قيل له لو فهمت عنا ما ذكرناه لكفيت نفسك هذا السؤال \r\n وذلك أنا قلنا أن ورود الفرض الأول مطلقا من غير ذكر الزيادة يوجب جوازه عن الواجب وورود الزيادة يمنع جواز الأول وكونه فرضا وهذا نسخ \r\n وليس ورود فرض ثان غير متعلق بالأول بمؤثر في الأول لأن الأول مبقى في الحكم على ما كان لا يتعلق جوازه بفعل الثاني \r\n ألا ترى أن ترك الصلاة لا يؤثر في جواز أداء الزكاة وترك الزكاة لا يؤثر في جواز فعل الصيام فلم يكن ورود بعض هذه الفروض بعد الأول مغيرا لحكم الأول وكون الإيمان ","part":1,"page":228},{"id":191,"text":" شرطا في رقبة الظهار مانعا من جوازها مطلقة على حسب ما اقتضت الآية فلذلك كان شرط الإيمان فيها موجبا لنسخها ألا ترى أن مثله لو ورد نصا كان نسخا لأنه لو قال اعتقوا رقبة في الظهار إن شئتم كافرة وإن شئتم مؤمنة ثم قال بعد ذلك لا تعتقوا فيه رقبة كافرة كان ذلك نسخا \r\n وكذلك من حمل إحدى الكفارتين على الأخرى في شرط الإيمان فيها كان نخسا \r\n وأما قولك أن ورود فرض ثان يغير حكم الاعتقاد الأول فليس الأمر فيه كذلك لأن الاعتقاد الأول حكمه باق على ماكان عليه لا يؤثر فيه ورود فرض ثان لزمه اعتقاد ثان من غير تأثير منه في اعتقاد الفرض الأول \r\n فإن قيل أليس كنا نعتقد قبل ورود الفرض الثاني أن لا فرض إلا الأول ولزم بعد ورود الفرض الثاني أن ينزل الاعتقاد بأن لا فرض غيره \r\n قيل له اعتقادنا بأن لا فرض إلا الأول غير متعلق بالفرض الأول لأنه لو لم يكن عليه فرض رأسا لكان عليه أن يعتقد أن لا فرض فليس اعتقادنا أن لا فرض متعلقا بفرض فعلمنا أن ورود فرض ثان غير مؤثر في الأول \r\n فإن قال قائل يلزمك على هذا أن تجعل رقبة الظهار منسوخة بامتناعك عن ","part":1,"page":229},{"id":192,"text":" تجويزها عمياء أو مقطوعة اليدين لأن ظاهر الآية يقتضي جوازها على الأصل الذي ذكرت \r\n قيل له لا يلزمنا ما ذكرت لأن الرقبة اسم لها بجميع أعضائها فاقتضى الظاهر رقبة تامة وإنما شرطنا ذلك فيها بما يقتضيه موجب اللفظ وليست الرقبة اسما للإيمان ولا يقتضيها بحال فزيادة شرط الإيمان فيها موجبه للنسخ على ما بينا \r\n فإن قال قائل ما أنكرت أن يكون شرط الإيمان في رقبة الظهار تخصيصا لبعض الرقاب دون بعض لا على وجه الزيادة في النص كما أن شرط الحرز والمقدار في السرقة تخصيص لبعض السراق دون بعض لا على وجه الزيادة في النص \r\n قيل له ليس كذلك لأن اسم الرقبة لا يتناول الإيمان ولا الكفر ولا ينبىء عنهما فلا يكون شرط الإيمان فيها إلا على جهة الزيادة في النص بما لا ينبىء عنه الاسم وكذلك شرط الحرز والمقدار في السرقة إلا أن آية السرقة لا يصح عندنا الاستدلال بعمومها وهي بمنزلة اللفظ المجمل بدلائل قد ذكرناها في مواضع فمن أجل ذلك جاز استعمال النظر وخبر الواحد في بيان بعض ما دخل في الحكم وليس كذلك الرقبة العمياء والمقطوعة اليدين لأن اسم الرقبة يتناولها بأعضائها فلم يكن امتناع جواز العيماء من جهة الزيادة في النص إذ كان اللفظ يتناولها صحيحة ","part":1,"page":230},{"id":193,"text":" فإن قال قائل إنما يكون شرط الإيمان في رقبة الظهار زيادة فيها ونسخا لها لو ورد بعد ثبوتها مطلقة فأما إذا جعلت في الأصل كأنها لم تجب إلا مقيدة بشرط الإيمان فليس في هذا نسخ بل هو تخصيص \r\n قيل له إنما يجوز الحكم بوجوبها في الأصل على هذه الشريطة الملحقة بها إذا كان ثبوت الشرط من الجهة التي يجوز بمثلها النسخ وغير جائز إثبات نسخ القرآن ولا ما هو في معنى النسخ بالقياس ولا بخبر الواحد لأنا إنما نحتاج أن نعتبر ذلك فيما ورد من جهة توجب العلم فيعترض به على ظاهر القرآن فأما ما كان على غير ذلك فلا \r\n ولامتناع جواز شرط الإيمان في رقبة الظهار وجه آخر وهو أن كل ما خرج مخرج الجواب لسائل سأل عنه من آية نزلت فيه أو قول من الرسول عليه السلام مع لزوم تنفيذ هذا الحكم وعلم النبي صلى الله عليه و سلم بجهل السائل به فإن ما نزل به إطلاق الآية أو قول الرسول صلى الله عليه و سلم فهو على إطلاقه ومهما ألحقنا به من شرط لم يكن إلا على وجه النسخ على أي وجه كان \r\n وذلك لأنه لو كان هناك شرط آخر أو ما يوجب تخصيص إطلاق الجواب لما أخر النبي صلى الله عليه و سلم بيانه للسائل مع إلزامه إياه تنفيذ الحكم وعلمه بجهل السائل فلا تكون الزيادة فيما ","part":1,"page":231},{"id":194,"text":" كان هذا وصفة إلا من طريق النسخ ورقبة الظهار من هذا القبيل \r\n وذلك لأن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته شهر رمضان فجاءت امرأته تسأل النبي صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى آية الظهار فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم مريه فليعتق رقبة قالت لا يجد إلى أن ذكر الصيام والإطعام فأمره الله تعالى بعتق رقبة من غير شرط الإيمان وأمره النبي صلى الله عليه و سلم بها كذلك \r\n ولو كان من شرطها الإيمان لبينه النبي صلى الله عليه و سلم لأن مثله لا يجوز أن يكون الحكم فيه موكولا إلى استدلال المأمور به ونظره من وجهين \r\n أحدهما 2أنه قد ألزمه تنفيذ الحكم في الحال \r\n والثاني أن السائل كان جاهلا بالحكم و لم يكن من أهل الاجتهاد والنظر فيكون حكم الرقبة موقوفا على اعتباره بالأصول \r\n وروي أيضا أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته فأمره النبي صلى الله عليه و سلم بعتق رقبة وكان جاهلا بالحكم ولم يكن من أهل الاجتهاد فلو قيدناها بشرط الإيمان لم يكن ذلك إلا نسخا على ما بينا فدل ما وصفنا على أن المأمور به في الآية من الرقبة هو رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان وأنا متى قيدناها بشرط الإيمان كان ذلك على وجه نسخ موجب الآية ","part":1,"page":232},{"id":195,"text":" بعد استقرار حكمها على رقبة مطلقة ومثله لا يجوز إثباته بخبر الواحد وإثباته بالقياس أبعد \r\n ومن جهة أخرى أن رقبة الظهار مطلقة منصوص عليها ورقبة القتل مقيدة بشرط الإيمان منصوص عليها أيضا والمنصوصات لا يقاس بعضها على بعض لأن المنصوص عليه قد استغنى بدخوله تحت النص عن قياسه على غيره إذ كان القياس إنما يفتقر إليه عند عدم النص وهو مثل ما نص الله تعالى عليه في الطهارة بالماء من الحدث على غسل أربعة أعضاء ونص في التيمم على مسح عضوين ونص على قطع يد السارق وعلى قطع يد المحارب ورجله فلم يجز لأحد قياس التيمم على الوضوء في استعماله في أعضاء الوضوء ولا قياس السارق على المحارب في قطع يده ورجله \r\n والمعنى فيه أن كل واحد منهما منصوص على حكمه فسقط اعتبار القياس فيه \r\n ونظيره ما نص الله تعالى عليه في كفارة قتل الخطأ مع الدية ونص في العمد على القصاص من غير ذكر كفارة فلم يجز عند إلحاق العمد بالخطأ في حكم الكفارة لأن كل واحد من القتلين مذكور باسمه منصوص على حكمه ولا يجوز قياس المنصوص بعضه على بعض وهذا أصل صحيح قد اعتبره أصحابنا ومنعوا القياس في مثله وهو معنى قول محمد الذي قدمناه في صدر هذا الباب أنه إنما يقاس علىالتنزيل فأما التنزيل بعينه فلا يقاس \r\n فإن قال قائل موضع الكفارة في قتل العمد منصوص عليه وعدم الإيمان في ","part":1,"page":233},{"id":196,"text":" رقبة الظهار غير منصوص عليه فمتى قسنا رقبة الظهار على رقبة القتل في تقييدها بشرط الإيمان فإنما قسنا غير المنصوص على المنصوص \r\n وكذلك قياس كفارة قتل العمد على الخطأ \r\n قيل له قد نص الله تعالى على رقبة مطلقة فكل ما تناوله هذا الاسم فهو منصوص عليه داخل تحته فمتى ألحقناها برقبة القتل فقد قسنا المنصوص عليه \r\n وكذلك حكم قتل العمد منصوص عليه غير مشروط فيه الكفارة فمتى قسناه على الخطأ بإيجاب الكفارة فيه فقد قسنا المنصوص عليه ولو جاز أن يقال إن هذا ليس بقياس المنصوص لجاز قياس الأم على الابنه في شرط الدخول لأنهما مبهمة ليس فيها شرط دخول ولا غيره ولجاز قياس التيمم على الوضوء في وجوب استعماله في أربعة أعضاء لأن العضوين الآخرين غير منصوص عليهما في التيمم ولجاز قطع يد السارق ورجله قياسا على المحارب لأن الرجل غير منصوص عليها في السرقة فلما امتنع هذا بالاتفاق علمت أن هذا الضرب من القياس خطأ لا يسوغ فيه ولا في نظائره \r\n فإن قيل فقد قست جزاء الصيد في الخطأ على العمد والنص وارد في العمد لقوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا \r\n قيل له لأن الخطأ غير منصوص عليه في الصيد والمنصوص عليه هو العمد فجاز ","part":1,"page":234},{"id":197,"text":" اعتبار ما ليس بمنصوص عليه بالمنصوص وكفارة الظهار والقتل جميعا منصوص عليهما وكذلك ذكر قتل العمد والخطأ منصوص على كل واحد منهما \r\n وكما اتفقوا على أن كفارة القتل لا تقاس على كفارة الظاهر في باب إيجاب الإطعام فيها عند عدم الصوم وإن كان الإطعام غير منصوص عليه في كفارة القتل \r\n فإن قال إنما لم نقس كفارة القتل على الظهار في جواز الإطعام عند عدم الرقبة والصوم لأن كفارة القتل لما عظم أمرها بشرط الرقبة المؤمنة لم يجز لنا تخفيف حكمها بجواز الإطعام عند عدم الرقبة والصوم قياسا على الظهار لأن فيه وصفها على غير الوجه الذي ورد إيجابها في الأصل \r\n قيل له فامتنع بهذه العلة قياس رقبة الظهار على القتل بشرط الإيمان لأن كفارة الظهار لما وردت مورد التخفيف في جواز الانتقال إلى الإطعام عند عدم الرقبة والعجز عن الصيام لم يجز شرط الإيمان فيها لأن ذلك يوجب تغليظها على ما أجازته الآية مطلقة من غير شرط التغليظ بتقييد الإيمان \r\n فإن قال قائل ما ذكرت من امتناع جواز إحدى الكفارتين على الأخرى مسلم لك فما أنكرت أن يقاس بعضها على بعض في الصفة لا في إثبات زيادة معنى غير مذكور فيها فتقاس رقبةالظهار على رقبة القتل في باب إثبات شرط الإيمان فيها وهي صفة كما قسنا جميعا التيمم على الوضوء في الصفة وهو كونه إلى المرفقين لا في إثبات عضو آخر \r\n قيل له هذا خطأ لأن الزيادة في النص إذا كانت نسخا على ما بينا لم يختلف ","part":1,"page":235},{"id":198,"text":" حكمها أن تكون الزيادة أو إثبات معنى غيرها فالواجب عليك على هذه القضية أن لا تثبت النفي مع الجلد حدا ولا توجب الضمان على السارق بعد القطع ولا يلزم قاتل العمد كفارة لأن ذلك ليس بزيادة صفة وأما التيمم فإنا لم نثبته إلى المرفقين قياسا على الوضوء إنما أثبتناه من قبل أن قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم يقتضي اليد إلى المنكب لأن الاسم يتناوله فأسقطنا ما فوق المرفقين بالاتفاق وإلا فظاهر اللفظ يقتضيه وأبقينا حكم اللفظ في المرفقين \r\n والمعنى الذي ذكرناه في أن شرط الإيمان في الرقبة لما لم يتناوله اسم الرقبة ولم تنبىء عنه كان زيادة فيها لا على وجه التخصيص قد اعتبره أصحابنا في مسائل الإيمان أيضا \r\n قال محمد بن الحسن في الجامع الكبير لو قال رجل إن اغتسلت فعبدي حر أو قال إن أكلت أو شربت فعبدي حر وقال عنيت غسلا من جنابة أو قال عنيت طعاما دون طعام أو شرابا دون شراب لم يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى \r\n وكذلك إن قال إن دخلت الدار فعبدي حر وعنى إن دخلها وعليه ثوب لم تعمل نيته لأن لفظ اليمين لا ينبىء على ما عناه فكأنه إنما نوى تخصيص غير اللفظ الملفوظ به ففي اللفظ عموم لم تعمل فيه النية وصارت النية لغوا \r\n ولو كان قال إن اغتسلت غسلا أو أكلت طعاما أو شربت شرابا صدق فيما بينه ","part":1,"page":236},{"id":199,"text":" وبين الله تعالى لأن الغسل والطعام والشراب الذي نوي تخصيصها مذكورة في لفظه فصلحت نية التخصيص فيها \r\n وكذلك على هذا لما لم يتناول اسم الرقبة الإيمان لم يصح تخصيصها به وكان متى شرط فيها الإيمان كان زيادة فيها لا تخصيصا وهذا معنى يبين الفصل بين التخصيص و بين الزيادة \r\n وعلى المنهاج الذي ذكرنا في امتناع شرط الإيمان في رقبة الظهار القول في شرط النفي مع الجلد أو الرجم مع الجلد للزاني لأن الآية أوجبت جلد المائة حدا كاملا فمتى ألحقنا به النفي والرجم معه صار جلد المائة غير حد لأنه يصير بعض الحد ولم يقع الجلد بانفراده موقع الجواز فكان إيجاب النفي أو الرجم معه نسخا فلم يجز ذلك إلا بمثل ما يجوز به النسخ \r\n وكذلك شرط النية في الطهارة وكون المضمضة والاستنشاق فرضا في الوضوء ونظائره يجري على منهاج واحد على الوصف الذي قدمنا \r\n فإن قال قائل إنما كان يكون ما ذكرت نسخا لو ورد بعد استقرار حكم الآية وأما إذا ","part":1,"page":237},{"id":200,"text":" الصامت خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم ومعلوم أنه إنما أخبر فيه عن السبيل المذكور في قوله عز و جل فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا فثبت أنه لم يكن بين قوله تعالى فأمسكوهن في البيوت وكان هذا حد الزانية مع الأذى وبين هذا الخبر واسطة حكم في الزيادة فثبت أن قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلده نزل بعد ذلك فصار ناسخا له ولهذا المعنى قلنا إن الرجم ليس بجد مع الجلد وإن الآية ناسخة لكونهما جميعا حدا مستحقا في حال واحد لأنها نزلت مطلقة بعد حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرنا \r\n وكذلك سبيل خبر الشاهد واليمين مع الآية لأنها أوجبت علينا اعتبار العدد المذكور ","part":1,"page":238},{"id":201,"text":" لم يعلم أن وروده كان متراخيا عن الآية فغير جائز حمله على وجه النسخ بل الواجب الحكم بورودهما معا فنستعملهما ولا نجعل أحدهما ناسخا للآخر \r\n قيل له لا يخلو الخبر من أن يكون واردا مع الآية أو قبلها أو بعدها \r\n فإن كان بعدها فهو ناسخ لها لما بينا \r\n وإن كان قبلها فالآية ناسخة له لأنها وردت مطلقة موجبة لكون الجلد حدا كاملا \r\n وإن كان معها وذكره النبي صلى الله عليه و سلم عقيب تلاوة الآية فالواجب وروده ونقله في وزن نقل الآية وورودها والواجب أن يرد عن الصحابة استعماله مع الجلد على حسب استعمالهم للجلد \r\n فلما وجدنا الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين قد عرفوا النفي ولم يروه حدا وإنما رأوه على وجه المصلحة وموكولا إلى رأي الإمام واجتهاده علمنا أنه لم يكن وروده على معنى أنه بعض الحد مع الجلد \r\n وأيضا فإن خبر النفي وارد قبل الآية لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال في حديث عبادة بن ","part":1,"page":239},{"id":202,"text":" فيها والخبر يجيز الاقتصار على ما دونه وهما في المعنى سواء وإن كان خبر الشاهد واليمين فيه ترك بعض موجب الآية وخبر النفي مع الجلد أو الرجم مع الجلد زيادة فيه وأن اختلافهما من جهة أن في أحدهما ترك بعض ما في الآية وفي الآخر زيادة فيها غير مانع من تساويهما في إيجاب نسخهما \r\n فإن قال قائل وما الذي يمنع أن يكون ذلك تخصيصا ولا يكون نسخا وليس فيه أكثر من الاقتصار في كون الجلد حدا في بعض الأحوال دون بعض وهو أن يكون معه نفي والحكم بالشاهد واليمين في حال وبالشاهدين والشاهد والمرأتين في حال \r\n وكذلك هذا في الطهارة لأن شرط النية فيها يقتضي جواز بعض الغسل طهارة وبعضه ليس بطهارة وهذا تخصيص للآية لا نسخ فيه \r\n قيل له لو عرفت معنى التخصيص لم تسأل عن هذا وذلك لأن التخصيص للفظ إنما يكون في اللفظ المنتظم لمسميات فيخرج بعض ما انتظمه اللفظ من الحكم فقولك في الجلد أنه صار حدا في حال دون حال وهي حال وجود النفي معه غلط من وجهين \r\n أحدهما أن الأحوال غير مذكورة في اللفظ فيخص بعضها بما ذكرت وما ليس بمذكور فغير جائز أن يقال فيه تخصيص اللفظ ","part":1,"page":240},{"id":203,"text":" والثاني أنك لم تجعل الجلد حدا بحال كان معه نفي أو لم يكن لأنه إن كان معه نفي فهو والنفي جميعا حد واحد \r\n وإذا كان هو وغيره حدا فليس هو في نفسه حدا بل هو بعض الحد كما أن جلد تسعين ليس بحد عند أحد وإن انفرد عن النفي فهو أيضا ليس بحد عندك \r\n فليس ها هنا تخصيص بوجه وإنما هو نسخ على الوجه الذي بينا \r\n وأما خبر الشاهد واليمين عندك مقبول في كل موضع يقبل فيه رجل وامرأتان فما الذي خصصت من الآية بخبر اليمين والشاهد فقد بان لك أن خبر النفي وخبر الشاهد واليمين لا يقتضيان تخصيص شيء من لفظ القرآن وأنهما لو بنيا على الوجه الذي يدعيه المخالف لاعترضا على حكم الآية على وجه النسخ ويكون ما تعلق بخبر الشاهد واليمين من نسخ الآية على وجهين \r\n أحدهما جواز الاقتصار على شاهد واحد وهو أقل من العدد المذكور \r\n والآخر إثبات التخيير بين ثلاثة أشياء فالله تعالى إنما خير في الآية بين شيئين \r\n فإن قال قائل ليس هذا نسخا لأن الخبر كأنه ورد هو والآية معا عقيبها بلا فصل \r\n قيل له قد بينا ذلك فيما سلف \r\n وعلى أنه لا يجوز أن يلحق بالآية فيما كان هذا وصفه إلا ما ورد من طريق التواتر واستعمله الناس معها فإما أن يكون أحد الحكمين ثابتا في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وما ألحق به زيادة عليه من جهة لا توجب العلم فهذا غير جائز عندنا لما وصفنا ","part":1,"page":241},{"id":204,"text":" ومن نظائر ذلك قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق فمن قال بإيجاب النية فيه فقد زاد في حكم الآية على وجه النسخ لا على وجه التخصيص إذ ليس هاهنا تخصيص لعموم لفظ يشتمل على مسميات تحته \r\n وقد بينا فيما سلف أن العموم شرطه أن ينتظم جمعا والجمع الذي في اللفظ إنما هو عبارة عن المأمورين وليس في الآية ذكر الطهارة بلفظ الجمع فيكون شرط النية مخصصا لبعض ما انتظمه العموم ولأن أحوال الطهارة وأوقاتها مذكورة بلفظ الجمع فتكون النية مخصصة لجوازها في حال دون حال وفي وقت دون وقت ومعلوم أن شرط النية لا يوجب بعض الغاسلين دون البعض لأن تخصيص بعض الغاسلين أن يخرج بعضهم من الأمر حتى لا يلزمه الغسل \r\n وإنما خص على قولهم بعض الطهارات دون بعض وبعض الأحوال دون بعض وليست الطهارة مذكورة في عموم لفظ حتى يقع فيه التخصيص بالنية فلم يكن لشرط النية فيها وجه إلا نسخ حكم الآية على الوجه الذي بينا \r\n ومن نظائر ذلك إيجاب ضمان السارق مع القطع مع قوله تعالى فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله فجعل القطع جزاء والجزاء اسم لما يستحق بالفعل فإذا أوجبنا عليه الضمان بالفعل مع القطع صار القطع بعض الجزاء فهذا نظير إيجاب النفي مع الجلد على الزاني علىالوصف الذي بينا فاعتبر نظائر ذلك من المسائل بما قدمنا من الأصل فإنها تستمر عليه إن شاء الله تعالى ","part":1,"page":242},{"id":205,"text":" الباب العاشر في اللفظ العام إذا خص منه شيء ما حكم الباقي ","part":1,"page":243},{"id":206,"text":" @ 244 @ ","part":1,"page":244},{"id":207,"text":" باب القول في اللفظ العام إذا خص منه شيء ما حكم الباقي \r\n قال أبو بكر \r\n كان شيخنا أبو الحسن رضي الله عنه يقول في العام إذا ثبت خصوصه سقط الاستدلال باللفظ وصار حكمه موقوفا على دلالة أخرى من غيره فيكون بمنزلة اللفظ المجمل المفتقر إلى البيان \r\n وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة من غير اللفظ إذا أوجب ","part":1,"page":245},{"id":208,"text":" التخصيص فيقول إن الاستثناء غير مانع بقاء حكم اللفظ فيما عدا المستثنى لأن الاستثناء لا يجعل اللفظ مجازا ولا يزيله عن حقيقته ودلالة التخصيص من غير جهة اللفظ تجعل اللفظ مجازا وتزيله عن حقيقته لأن الحقيقة هي العموم \r\n وكان يقول رحمه الله إن هذا مذهبي ولا يمكنني أن أعزيه إلى أصحابنا \r\n وكان محمد بن شجاع يذهب هذا المذهب أيضا وقد ذكره في بعض كتبه \r\n قال الشيخ الإمام أبو بكر رحمه الله \r\n والذي عندي من مذهب أصحابنا في هذا المعنى أن تخصيص العموم لا يمنع الاستدلال به فيما عدا المخصوص وعليه تدل أصولهم واحتجاجهم للمسائل ","part":1,"page":246},{"id":209,"text":" ألا ترى أنهم قد احتجوا في إيجاب الشفعة للجار بقول النبي صلى الله عليه و سلم الجار أحق بسقبه وهذا خاص بالاتفاق لأن الجار الذي ليس بملاصق يتناوله الاسم أيضا ولا شفعة له بالاتفاق \r\n واحتجوا في منع المرأة من الحج إلا بمحرم بقول النبي صلى الله عليه و سلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي رحم محرم أو زوج وهذا خاص بالاتفاق لأن التي أسلمت في دار الحرب لها الخروح إلى دار الإسلام بغير محرم \r\n ونظائر ذلك كثيرة مما احتجوا فيه بعموم اللفظ وقد ثبت خصوصها بالاتفاق نحو ","part":1,"page":247},{"id":210,"text":" نهيه صلى الله عليه و سلم عن بيع ما لم يقبض وعن بيع ماليس عندك وعن بيع وشرط \r\n قد احتجوا بعموم هذه الألفاظ في إثبات حكم اللفظ فيما عدا المخصوص وهذا القول هو الصحيح عندنا وقد وافقنا أبو الحسن على كثير من هذه المسائل التي احتجوا فيها بالعام الذي قد ثبت خصوصه بالاتفاق فكان يقوله إنما هذا شيء أعتقده أنا في هذا الباب ولا يمكنني أن أعزيه إلى أصحابنا \r\n والدليل على صحته أن قيام دلالة التخصيص في معنى الاستثناء المتصل باللفظ لا فرق بينهما فلما لم يمنع الاستثناء من بقاء دلالة اللفظ في الباقي وجب أن يكون كذلك حكم دلالة التخصيص في بقاء دلالة اللفظ معه فيما عداه ","part":1,"page":248},{"id":211,"text":" @ 249 @ ","part":1,"page":249},{"id":212,"text":" وأيضا فإن اللفظ فيما عدا المخصوص حقيقة لأن المشركين اسم لمن بقي منهم بعد التخصيص حقيقة فوجب أن يكون دلالته قائمة في إيجاب الحكم وهو في هذا الباب أظهر دلالة على ما ذكرنا من الجملة مع الاستنثاء لأن الباقي بعد الاستثناء لا تكون الجملة عبارة عنه بحال لأن العشرة لا تكون عبارة عن تسعة والمشركون عبارة عن ثلاثة فما فوقها حقيقةة ","part":1,"page":250},{"id":213,"text":" وكان أبو الحسن يفرق بينهما من جهة أن وجود الاستثناء المتصل بالجملة لا يجعل اللفظ مجازا بل هو حقيقة للباقي لأن ذلك يستفاد من اللفظ بنفس الصيغة فصارت التسعة لها اسمان \r\n أحدهما تسعة والآخر عشرة إلا واحدا والاسمان جميعا حقيقة لها لأن الصيغة تقتضى ذلك وهي موضوعة له وكما أن قولنا واحد وواحد وقولنا اثنان سواء واللفظان جميعا عبارة عن معنى واحد على جهة الحقيقة لأنه معقوب من جهة اللفظ \r\n وأما قيام دلالة الخصوص فإنه لا يصح أن يقترن إلى اللفظ حتى تصير الصيغة المسموعة مع الدلالة عبارة عن الباقي لأن الدلالة لا تغير صيغة اللفظ فصارت الصيغة إذا أطلقت والمراد بها الخصوص مجازا لأن حقيقتها استيعاب جميع ما تحتها فمتى أطلقت والمراد البعض فقد استعملت في غير موضعها فصار اللفظ مجازا والمجاز لا يستعمل إلا في موضع تقوم الدلالة عليه \r\n كذلك العموم متى أطلق والمراد الخصوص احتاج إلى دلالة في اعتبار عمومه في الباقي وكان ألزم على هذا القول إبطال فائدة اللفظ رأسا لا فتقاره إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه فكان يجيب عنه بأن هذا لا يوجب بطلان فائدة اللفظ لأن وروده قد أفادنا حدوث حكم يرد بيانه في الثاني بمنزلة اللفظ المجمل المفتقر إلى البيان فمتى ورد البيان كان الحكم موجبا باللفظ نحو قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده متى بين الحق كان موجبا باللفظ \r\n كذلك فيما وصفنا متى قامت دلالة المراد كان موجبا باللفظ فلم يكن هذا السؤال لازما له على حب ما أراد السائل إلزامه وحاول به إفساد مذهبه ","part":1,"page":251},{"id":214,"text":" فأما من فرق بين الاستثناء وبين دلالة الخصوص في أن دلالة الخصوص تجعل اللفظ مجازا ولا يصير مجازا بالاستثناء فإن من الناس من يقول إن ورود الاستنثاء المتصل بالجملة يجعل اللفظ مجازا لأن الألف لا يكون أبدا عبارة عن أقل منها فإذا قال ألف سنة إلا خمسين عاما فإنما أطلق اسم الألف ومراده أقل منها ولا يكون ذلك إلا مجازا واختلافهما مرجعه أن الاستثناء لفظ متصل بالجملة ودلالة الخصوص ليست بلفظ متصل بها ولا يوجب الفرق بينهما من الوجه الذي ذكر لأن لمخالفه أن يقول إذا جاز أن يريد بالألف أقل منها لما صحبه من الاستثناء ولم يمنع ذلك من بقاء دلالة اللفظ في الباقي بعد الاستثناء فكذلك إطلاق لفظ العموم مع إرادة الخصوص لا يمنع بقاء دلالة اللفظ فيما عدا المخصوص وأما من وافقه في أن الاستثناء لا يجعل الجملة الأولى مجازا فإنهم فريقان \r\n أحدهما من يقول في دلالة الخصوص كما يقول في الاستنثاء المتصل بالجملة ويجعل اللفظ حقيقة في الباقي ويأبى أن يكون قيام دلالة الخصوص يجعل اللفظ مجازا ويقول إن ما كان هذا وصفه من الألفاظ لم يكن قط عموما أريد به الخصوص على حسب ما بيناه فيما سلف وحكيناه عن قائله \r\n وذلك لأن ما بقي بعد الخصوص يتناوله الاسم على جهة الحقيقة لأن المشركين إذا كان اسما لثلاثة منهم فما فقها ثم قال فاقتلوا المشركين وقامت الدلالة على أن بعض المشركين لا يقتلون فمن بقي من المشركين الذي يقتلون يكون حقيقة فيهم لا مجازا فوجب استعماله فيما عدا المخصوص ","part":1,"page":252},{"id":215,"text":" فمن كان هذا أصله في ذلك سقط عنه الجواب كما حكيناه عن أبي الحسن في الفرق بين الاستنثاء وبين دلالة الخصوص ويصير حينئذ في الأصل وقد بيناه فيما سلف ","part":1,"page":253},{"id":216,"text":" وأما الفريق الآخر الذين يوافقون على أن قيام دلالة الخصوص يجعل اللفظ مجازا فإنهم يجيبون عن ذلك بأن حصول اللفظ مجازا لا يمنع بقاء حكم دلالته لأن المجاز مستعمل في موضعه كاستعمال الحقيقة في موضعها فلا فرق بينهما من هذا الوجه فلذلك وجب أن تكون دلالة اللفظ باقية فيما عدا المخصوص ","part":1,"page":254},{"id":217,"text":" الباب الحادي عشر في حكم التحليل والتحريم إذا علقا بما لا يصلح أن يتناولاه في الحقيقة ","part":1,"page":255},{"id":218,"text":" @ 256 @ ","part":1,"page":256},{"id":219,"text":" باب القول في حكم التحليل والتحريم إذا علقا بما لا يصلح أن يتناولاه في الحقيقة \r\n قال أبو بكر \r\n الأصل في ذلك أن التحليل والتحريم إنما يتعلقان بأفعال المأمورين والمنهيين وما لم يكن فعلا لهم لا يجوز أن يتعلقا به وذلك لأنه لا يصح أن يؤمر أحد بفعل غيره ولا ينهى عن فعل غيره وإذا كان ذلك كذلك ثم ورد لفظ التحليل والتحريم معلقا في ظاهر الخطاب بما ليس من فعلنا علمنا بذلك أن المراد به فعلنا في ذلك الشيء نحو قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم و حرمت عليكم الميته وقوله تعالى لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ومعلوم أن غير الأم ومن ذكر معها وغير الميتة وما عطف عليها لا يجوز أن يتناولها التحريم إذا كنت هذه الأشياء فعلا لله تعالى ومحال أن ينهانا عن فعله لأن ذلك عبث وسفه والله تعالى عن ذلك \r\n ويستحيل أيضا من جهة أخرى وهي أن هذه الشياء أعيان موجودة فلا يصح النهي عنها ولا الأمر بها لأن النهي عنها يصير في معنى النهي عن أن يكون هذا الموجود والأمر بها يصير في معنى الأمر بأن يكون هذا الموجود وهذا محال فلما استحال ذلك فيها علمنا أن التحليل والتحريم يتعلق بفعلنا فيها فيجوز أن يقال حينئذ فيه وجهان ","part":1,"page":257},{"id":220,"text":" أحدهما أن لفظ التحريم لما تناول فعلنا صار تقدير الآية حرم عليكم فعلكم في الأمهات وفي الميتة ونحوها فيسوغ اعتبار العموم في سائر الأفعال إلا ما قام دليله وذلك لأن التحريم لما كان حكمه فيما وصفنا فيما يتعلق به صار بمنزلة الأسماء المضمنة بأغيارها فيفيد إطلاقها ما ضمنت به كقولنا ضرب يقتضي ضاربا ومضروبا وجذب يقتضي مجذبا وأب يقتضي ابنا وابن يقتضي أبا وشريك يقتضي شريكا وما جرى مجرى ذلك فمن حيث كان التحريم مضمنا بأفعالنا يستحيل وجوده عاريا منها وصار إطلاقه مقتضيا لنفى جميع ما يتعلق به من الفعل فيكون تقدير قوله تعالى حرمت عليكم الميتة حرم عليكم فعلكم في الميتة فيجوز اعتبار العموم فيه \r\n والوجه الآخر أنه متى كان هناك عادة لقوم في استباحة الاستمتاع بالأمهات والأخوات على نحو ما عليه المجوس وكثير من أصناف الكفار الذين يستحلون الاستمتاع بهن \r\n وقوم كانوا ينتفعون بالميتة على حسب انتفاعهم بالمذكي كان مخرج الكلام تحريم ما كان المشركون يستبيحونه فيكون هذا المعنى متعلقا معقولا بورود اللفظ فيصير بمنزلة حرمت عليكم الاستمتاع بالأمهات والبنات ومن ذكر معهن وحرمت عليكم الانتفاع بالميتة لأن المتعارف المعتاد متى خرج عليه الخطاب صار كالمنطوق به فيه فيصح اعتبار العموم فيه \r\n فإن قال ما أنكرت أن يكون ورود اللفظ هذا المورد يوجب أن يكون مجازا لأنه علق ","part":1,"page":258},{"id":221,"text":" التحريم بأعيان فأراد به غيرها والمراد غير مذكور في اللفظ ولما لم يكن مذكورا لم يصح اعتبار العموم فيه \r\n ومن جهة أخرى أن اللفظ لما حصل مجازا احتاج إلى دلالة أخرى من غيره في إثبات حكمه لأن المجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه \r\n قيل له لا يجب ذلك لأن لفظ التحريم وإن علق بما لا يصح أن يكون محرما في الحقيقة من هذه الأعيان التي هي فعل الله تعالى فإنه قد عقل به عند وروده ما يعقل بالمذكور من أفعالنا لو علق به التحريم بل هو آكد في إيجاب التحريم فيه لو ذكر فعلنا فيها لأنه إذا ذكر ضرب من الفعل وعلق التحريم به كان حكمه مقصورا عليه فيما تقتضيه دلالة اللفظ \r\n وإذا علق التحريم بالعين تناول سائر وجوه الفعل في العين وهذا على معنى روي عن النبي صلى الله عليه و سلم و عن ابن عباس حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب فأخبر أن كل ما يتعلق تحريمه بالعين تناول سائر وجوهه ومالم يعلقه بالعين قصر حكمه على ذلك النوع دون غيره ويدل على أن ما ذكرناه معقولا من اللفظ وإن علق التحريم بالعين أن كل واحد من أهل اللسان إذا قيل له أمك محرمة عليك أو قد حرمت عليك الخمر والميتة عقل من خطابه بنفس وروده ما يعقله منه لو قيل له الانتفاع بالخمر محرم عليك والاستمتاع بالأم محظور عليك ولا يحتاج إلى استدلال ونظر في صحة وقوع العلم به يستوي في ذلك ","part":1,"page":259},{"id":222,"text":" العالم والجاهل ليس يتناوله الفعل إلا على وجه واحد وهو أنه يقتضي كون الشيء المحرم قبيحا يستحق فاعله ضربا من العقاب ولفظ التحليل أيضا لا يتناوله إلا على وجه واحد وهو أنه ليس بقبيح ولا تبعة على فاعله في مواقعته إياه \r\n فلما كان تعلق لفظ التحريم والتحليل بالفعل مقصورا على ما بينا صح اعتبار عموم لفظ التحريم والتحليل في أفعالنا المضمرة في الخطاب \r\n وأما النية فإن تعلقها بالفعل على وجهين مختلفين \r\n أحدهما إثبات فضيلة العمل والآخر إثبات حكمه حتى إذا فقدت لم يكن له حكم أصلا ومتى تعلقت به على وجه إثبات فضيلته لم يؤثر عدمها في الحكم نحو غسل الثوب والبدن من النجاسة وغسل الجنابة والوضوء متى نوى بذلك طهارة الصلاة كانت نيته مثبتة له فضيلة وكان مستحقا بها عليه الثواب وفقدهما لا يضره في إثبات الحكم لأن الطهارة واقعة في حال وجود النية وعدمها ومتى تعلقت به على جهة إثبات الحكم كان عدمها مانعا من وقوع حكم الفعل رأسا \r\n نحو الصلاة والصيام وسائر الفروض المقصودة لأعيانها متى عريت من النية لم يثبت حكمها وكان وجودها وعدمها بمنزلة فلما كان تعلق النية بالفعل على هذين الوجهين ولم يكن بأحد الوجهين أولى منها بالآخر ولم يجز أن يراد به الوجهان جميعا مع ذلك لاستحالة تعلقه بها على الوجهين جميعا في حال واحدة احتيج فيه إلى دلالة من غير اللفظ المراد به ولم يكن من ادعى في قوله الأعمال بالنيات إثبات حكم الأعمال بأولى ممن ","part":1,"page":260},{"id":223,"text":" ادعى فضيلة العلم ألا ترى أنه لو ورد بمثله لفظ عموم لما ساغ اعتبار عمومه في معنيين مختلفين فيما ليس بمذكور مما يقتضيه أولى أن لا يصلح اعتبار العموم فيه فكذلك لم يصح الاحتجاج فيه بظاهر اللفظ حتى تقوم دلالة على المراد \r\n وكذلك قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه هو في معنى ما ذكرناه في هذا الفصل لأن قوله رفع عن أمتي تعلق بالفعل عن وجهين مختلفين \r\n أحدهما رفع الحكم رأسا والآخر رفع المأثم مع بقاء الحكم ولا دلالة في اللفظ على اختصاصه بأحدهما دون الآخر فلم يصح اعتبار العموم فيه إذا كان ما تعلق به من الضمير مختلفا \r\n فإن قال قائل وكذلك التحريم قد تعلق بالأم على وجه دون وجه وبالميتة والخمر على وجه دون وجه لأن التحريم لم يتعلق في أن يبرها وينفق عليها ويكرمها ولم يتعلق بالميتة في أن يحملها فيرمي بها وفي الخمر بأن يريقها ثم لم يمنع جواز تعلق التحريم بذلك على وجه دون وجه من اعتبار العموم فيه بإطلاق لفظ التحريم قيل له هذا سؤال من لم يفهم ما تقدم \r\n وذلك أنا قلنا إن التحريم إنما يتعلق بالشيء المحرم على وجه واحد وكذلك التحليل ثم خروج بعض الأفعال من حكم التحريم والتحليل لا يوجب اختلاف معنى التحريم فيما تعلق به ولذلك جاز اعتبار العموم فيه \r\n وأما قوله صلى الله عليه و سلم الأعمال بالنيات وقوله رفع عن أمتي الخطأ فيما تعلق به إطلاق اللفظ مختلف في نفسه على ما بينا فكذلك لم يصح اعتبار العموم فيه ","part":1,"page":261},{"id":224,"text":" @ 262 @ ","part":1,"page":262},{"id":225,"text":" الباب الثاني عشر في الاستثناء ولفظ التخصيص إذا اتصلا بالخطاب ما حكمهما ","part":1,"page":263},{"id":226,"text":" @ 264 @ ","part":1,"page":264},{"id":227,"text":" باب القول في الاستثناء ولفظ التخصيص إذا اتصلا بالخطاب ما حكمهما \r\n قال أبو بكر \r\n حكم الاستثناء إذا صحب خطابا معطوفا بعضه على بعض أن يرجع إلى ما يليه ولا ","part":1,"page":265},{"id":228,"text":" يرجع إلى ما قبله إلا بدلالة وكذلك كان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول في ذلك فأما الاستثناء فنحو قوله تعالى في القاذف فأولئك هم الفاسقون ثم قال تعالى إلا الذين تابوا فكان الاستثناء إنما عمل في إزالة سمة الفسق عن القاذف بالتوبة ولم يؤثر في جوز الشهادة ولا في زوال الحد \r\n وكذلك لفظ التخصيص إذا اتصل بالجملة نحو قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فقوله من نسائكم اللاتي دخلتم بهن تخصيص لبعض الربائب دون بعض فهو مقصور عليهن غير راجع إلى أمهات النساء وهو مذهب عمر وابن عباس في آخرين من الصحابة قال عمر وأمهات نسائكم مبهمة وقال ابن عباس في ذلك أبهموا ما أبهم الله تعالى فكان عندهم أن حكم التخصيص مقصور على ما يليه دون ما تقدم \r\n وكذلك حكي عن أهل اللغة أنهم قالوا إن هذا حق الكلام ومقتضاه ومن الدليل ","part":1,"page":266},{"id":229,"text":" على صحة ما ذكرنا في الاستثناء قوله تعالى إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته فكانت المرأة مستثناة من المنجين لاحقة بالمهلكين لاتصال الاستثناء بالمنجين ونحو قول القائل علي لفلان عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهمين إن عليه تسعة دراهم لأن الدرهمين مستثنيان من الثلاة والثلاة مستثناة من العشرة فبقى من الثلاثة بعد الاستثناء درهم واحد فكان ذلك الدرهم مستثنى من العشرة وهذا ما لا يعلم فيه بين الفقهاء خلاف فدل على أن كل استثناء فحكمه أن يرجع إلى ما يليه دون ما تقدمه وكذلك حكم التخصيص المتصل باللفظ هو على هذا النحو لأن التخصيص والاستثناء بمعنى واحد ","part":1,"page":267},{"id":230,"text":" ومن الدليل على ذلك أن إطلاق لفظ العموم يقتضي استيعاب ما تحته من المسميات ولا جائز تخصيص شيء فيه إلا بدلالة فإذا اتصل الاستثناء بخطاب بعضه معطوف على بعض فحكمه أن يعمل فيما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه بالاحتمال لأنه لا يجوز تخصيص العموم بالاحتمال وقد وفينا حظه بإعماله فيما يليه فاحتاج في رجوعه إلى ما تقدمه إلى دلالة من غيره إذ غير جائز تخصيص العموم بالشك والاحتمال \r\n وكذلك حكم لفظ التخصيص إذا اتصل بكلام بعضه معطوف على بعض هو على هذا النحو \r\n فإن قيل لما صلح رجوع الاستثناء إلى جميع المذكور لم يجز الاقتصار به على بعض المذكور دون بعض كما أن لفظ العموم لما صلح لجميع ما هو اسم له لم يكن بعض ما انتظمه بأولى من بعض \r\n قيل له إن لفظ العموم اسم لجميع ما انطوى تحته فمن هذه الجهة يتناول الكل لا من جهة أنه صلح له فحسب ولو كان تناوله للكل من جهة أنه يصلح لوجب أن يتناول المجاز ويحمل عليه لأنه يصلح له ولو علق الحكم بشخص بعينه يسمى زيدا لوجب أن يتناول كل من اسمه زيد لأن اللفظ يصلح له ولوجب أن يثبت فيه شرطا غير مذكور لا يصلح أن يذكره وهذا خلف من القول ","part":1,"page":268},{"id":231,"text":" وأما الاستثناء فليس في مضمونه ولا في لفظه ما يقتضي رجوعه إلى ما تقدمه فوجب أن يكون حكمه مقصورا على ما يليه إذ قد صح حكمه فيه ومن ادعى رجوعه إلى ما تقدم كان مدعيا لتخصيص عموم بلا دلالة \r\n فإن قيل فلو أدخل شرطا وصله باللفظ كان جميع الخطاب متعلقا بالشرط المذكور في آخره وكذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء \r\n قيل له يختلف حكمه عندنا منه ما يرجع إلى ما يليه ومنه ما يرجع إلى الجميع وفي تفصيله ضرب من الإطالة وليس هو مع ذلك من الاستثناء في شيء في الموضع الذي يتعلق فيه جميع المذكور بالشرط لأن الاستثناء لا يجوز أن يؤثر في الجملة حتى يجعل حكمها موقوفا عليه وإنما يخرج منها بعض ما انتظمته بعد صحة الكلام وحصول الفراغ منه \r\n وأما الشرط فإنه يؤثر في الجملة كلها حتى يتعلق حكمها به على حسب ما يتفق من وجود الشرط \r\n ألا ترى أنه ما لم يوجب الشرط الذي علق به الحكم لم يكن للفظ حكم فلذلك جاز تعلق جميع المذكور بوجود الشرط في المواضع التي يجب ذلك منها ولم يجب مثله في الاستثناء \r\n فإن قيل قال الله تعلى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله تعالى أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ثم عقبه بعد ذكر وعيد الآخرة بقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فكان راجعا إلى جميع المذكور ولم يكن حكمه مقصورا على ما يليه دون غيره فهذا يدل على أن حكم الاستثناء رجوعه إلى جميع المذكور ","part":1,"page":269},{"id":232,"text":" قيل له لولا مافي اللفظ من دلالة رجوعه إلى الجميع لكان موقوفا على ما يليه دون غيره وهو قوله تعالى من قبل أن تقدروا عليهم ومعلوم أن زوال عقوبة الآخرة لا يتعلق ثبوته قبل قدرتنا عليهم لأن التوبة إذا صحت زالت عقوبة الآخرة في أي حال وجدت فعلمنا أن التوبة المشروطة قبل القدرة عليهم إنما هي لزوال عقوبة الدنيا وليس يمتنع أن يكون ذلك حقيقة حكم الاستثناء \r\n ومع ذلك يصح رجوعه إلى جميع المذكور لدلالة تقوم لأن حق الكلام أن لا يزال ترتيبه ونظامه ولا يجعل المقدم منه مؤخرا ولا المؤخر منه مقدما إلا بدلالة وليس يمتنع مع ذلك إرادة تقديم المؤخر وتأخير المقدم في اللفظ كقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى والمعنى ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ومن أجل ذلك صار الأجل مضموما بعطفه على الكلمة وكذلك قوله تعالى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما والمعنى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ولو خلينا وظاهر ما يقتضيه ترتيب الخطاب لما أزلناه عن نظامه وترتيبه ثم جاز وروده على هذا الوجه مع زوال ترتيب مقتضى اللفظ \r\n وكذلك الاستثناء حكمه لن يعمل فيما يليه ولا يعمل فيما تقدم إلا بدلالة \r\n وقال الله تعالى في شأن السرقة فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ","part":1,"page":270},{"id":233,"text":" إن الله غفور رحيم فكان حكم التخصيص فيه مقصورا على ما يليه أيضا لأن التوبة به لا تسقط القطع وإنما يخرجه من أن يكون واقعا على وجه النكال والعقوبة لأن التوبة قد أخرجته من أن يكون نكالا وإنما يكون حينئذ مقطوعا على وجه المحنة كما يجوز أن يبتليه الله تعالى بالآلام والأمراض على وجه الفتنة والتعريض للثواب بالصبر عليها لأن التائب لا عقاب عليه وقد يجوز أن يكون قوله تعالى فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح كلاما مبتدأ لأنه يصح ابتداء الكلام به \r\n ومن ألفاظ التخصيص ما يعرض بينه وبين الجملة التي وقع التخصيص فيها جملة أخرى تتوسطها في نسق الخطاب فلا يمنع ما عرض من ذلك من إعمال لفظ التخصيص في الجملة المتقدمة وذلك نحو قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم إلى قوله تعالى ذلكم فسق ثم قال تعالى اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم إلى قوله تعالى ورضيت لكم الإسلام دينا ثم قال تعالى فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم يعني فيما تقدم تحريمه ولم يمنع ما توسطها من قوله تعالى اليوم يئس الذين كفروا من دينكم وما بعده رجوع حكم التخصيص المذكور بعده إلى الجملة لأن الجميع خطاب واحد بعضه معطوف على بعض وقوله تعالى فمن اضطر في مخمصة لا يصح أن يضمر فيه ويعطف عليه إلا ما تقدم تحريمه في أول الخطاب وقد جاء بلفظ الاستثناء ما لم يخرج شيئا من الجملة كقوله تعالى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ","part":1,"page":271},{"id":234,"text":" ظلموا منهم فلا يدل هذا القول على أن للذين ظلموا حجة وإنما معناه ولا الذين ظلموا منهم ويحتمل ولكن الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ومثله قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ والمعنى لكن إن قتله خطأ فحكمه كيت وكيت لأن قتل الخطأ لا يجوز أن يتناوله النهي فيخرج من الجملة بالإستثناء \r\n ومن الناس من يقول معناه ولا خطأ وهذا غير صحيح لأنه يوجب أن يكون قبل الخطأ منهيا عنه لعطفه على النهي وقتل الخطأ لا يجوز النهي عنه ولا الأمر به فدل أن المعنى ما وصفنا ومن هذا النحو قوله تعالى إلا ماذكيتم ومعناه لكن ماذكيتم وهو راجع إلى جميع المذكور لأن ما أكل السبع ظاهر أنه قتله وأكل منه يقول العرب هذا أكيلة السبع إذا قتله وأكل منه ونحوه قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا معناه لكن قوم يونس عليه السلام وقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى معناه لكن تذكرة لمن يخشى ومثله قوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس والمعنى لكن إبليس لم يسجد ","part":1,"page":272},{"id":235,"text":" ويحتمل أن المراد به حقيقة الاستثناء لأنه لما قال فسجد الملائكة وكان إبليس ممن يصح أمره بالسجود استثناه منهم وان لم يكن من الملائكة وهذا وجه قد ذهب إليه أبو حنيفة فيمن قال لفلان علي ألف درهم إلا دينار أن الاستثناء صحيح لأن قوله علي يتناول ما يثبت في الذمة والدينار وإن لم يكن من جنس الدرهم فإنه مما ثبت في الذمة فصح استثناؤه منها ومن الناس من يظن أن قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم من النوع الذي تقدم ذكره وأنه بمعنى لكن تكون تجارة عن تراض منكم وليس كذلك عندي لأن قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لم يكن يمنع أن تدخل فيه التجارة عن تراض وعلى أن كثيرا من التجارات الواقعة عن تراض داخل في لفظ النفي وهي أن يقع على فسادوعلى وجوه محظورة فجاز أن يكون الاستثناء مقدرا على حقيقته ومخرجا لبعض ما انتظمته الجملة التي دخل عليها ومن الجمل ما ينتظم مسميات ثم يعطف عليها بكناية فحكم الكناية في مثل ذلك رجوعها إلى ما يليها دون ما بعد منها نحو قوله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم فهذه الكناية راجعة إلى الربائب اللاتي يلين الكناية وهذا على نحو ما ذكرناه من حكم الاستثناء \r\n ولفظ التخصيص والمعنى في الجميع واحد \r\n ومنها ما يكون كناية عن بعض المذكور مما يلي الكناية ويشتركان جميعا في حكمها نحو قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها والذي يلي الكناية هو اللهو ","part":1,"page":273},{"id":236,"text":" والكناية راجعة إلى التجارة لأنها كناية عن مؤنث وهي التجارة وليس اللهو مؤثنا فتكون الكناية عنه وقد اشتركا جميعا في الخبر \r\n والدليل على ذلك أنك متى أفردت اللهو عن الخبر العائد إلى التجارة سقطت فائدته لأنه يصير في معنى وإذا رأوا اللهو وهذا كلام مفتقر إلى خبر ولا شيء ها هنا يصح أن يكون خبرا عنه إلا ما جعله خبرا عن التجارة ويحتمل أن يكون إنما خص التجارة بعطف الكناية عليها دون اللهو لأن الانصراف عن الذكر والخطبة إلى التجارة أكثر في العادة في مقاصد الناس منه إلى اللهو ويحتمل أن يكون قوله إليها كناية عن الجملة المذكورة المنتظمة لهما ومما عادت الكناية فيه إلى بعض المذكور قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فظاهر الكناية في هذا الموضع أنها عائدة على الفضة ويحتمل أن يكون إنما أعادها عليها لأنها تليها وإن كانتا جميعا مشتركتين في الحكم لأن قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة لابد له من خبر لأنه غير مستقل بنفسه فلا بد من أن يكون قوله ولا ينفقونها في سبيل الله خبرا لهما جميعا \r\n فإن قيل يحتمل أن يكون قوله تعالى ولا ينفقونها في سبيل الله خبرا لهما جميعا ويحتمل أن يكون قوله ولا ينفقونها حكما مقصورا على الفضة التي عادت الكناية إليها ويكون قوله فبشرهم بعذاب أليم خبرا عن الذين يكنزون الذهب \r\n قيل له معلوم أن الوعيد لم يخرج مخرج الزجر عن كنز الذهب والفضة إلا على شريطة ترك الإنفاق منهما فغير جائز أن يكون قوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم وعيدا لمن كنز الذهب من غير شريطة ترك الإنفاق منه وعلى أن هذا يوجب أن تكون الآية ","part":1,"page":274},{"id":237,"text":" موجبه لحظر كنز الذهب على الإطلاق وحظر كنز الفضة على شرط ترك الإنفاق منها وهذا خلف من القول \r\n وأيضا ففي سياق الآية ما دل على ما ذكرنا وهو قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم إلى قوله تعالى هذا ما كنزتم لأنفسكم فأخبر أنه يحمي عليها لمن كنزها والذهب قد شارك الفضة في هذا المعنى فدل علي أن ترك الإنفاق راجع إليها ومن نحو ذلك قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين فعطف بالكناية على اسم الله تعالى دون الرسول صلى الله عليه و سلم والرضى المشروط مشروط لله تعالى وللرسول عليه السلام \r\n والدليل على ذلك أن قوله تعالى ورسوله متى أخليته من حكم هذا الخبر افتقر إلى خبر وليس في الآية خبر غير الرضى فعلمنا أن رضى الرسول صلى الله عليه و سلم مشروط في ذلك \r\n وقد قيل إنه إنما اقتصر بالكناية عن الله دون الرسول لأن رضاء الله تعالى رضاء الرسول صلى الله عليه و سلم \r\n وقد قيل فيه أيضا إنما أفرد الكناية لله تعالى لأن اسم الله تعالى واسم غيره لا يجوز أن يجتمعا في كناية فيقال يرضوهما وأنه متى أريد ذكر اسم الله تعالى واسم الرسول صلى الله عليه و سلم فالواجب التبدئة باسم الله تعالى قبل غيره ","part":1,"page":275},{"id":238,"text":" ويدل على صحة هذا القول ما روي أن رجلا خطب بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي صلى الله عليه و سلم بئس الخطيب أنت يعني بقوله ومن يعصهما لأنه جمع بقوله اسم الله تعالى واسم الرسول صلى الله عليه و سلم في كناية واحدة ومن الكنايات ما يتقدمه مذكوران فيرجع إلى أحدهما تارة ثم تعلق به صفة أخرى أو حكم آخر فيرجع إلى الأخر نحو قوله تعالى لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا فقوله تعزروه وتوقروه للرسول صلى الله عليه و سلم وقوله وتسبحوه بكرة وأصيلا لله تعالى \r\n ومن ألفاظ العموم ما ينتظم مسميات بحكم مذكور لها ثم يعطف عليها بعض من شمله الاسم بحكم يخصه به فلا يكون في هذا دلالة على أن الحكم الأول مخصوص فيمن عطف عليه دون من استوفاه الاسم واقتضاه العموم وذلك نحو قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فهذا في المطلقات ثلاثا فما دونها وفي العاقلة والمجنونة ","part":1,"page":276},{"id":239,"text":" ثم قوله في سياق الآية ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن حكم مخصوص به العاقلة دون المجنونة وقوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن فيما دون الثلاث ولا يمنع ذلك اعتبار عموم أول الخطاب في سائر المطلقات بالحكم المذكور لهن وقد ذكر عيسى بن أبان نحو ذلك فقال في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أنه في الثلاث وفيما دونها وقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن وقوله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فيما دون الثلاث ومن نحو ذلك قوله تعالى الطلاق مرتان هو عام في البائن والرجعي وقوله فإمساك بمعروف في الرجعي وقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد عائد عليهما جميعا فيقتضي ذلك صحة وقوع الثالثة بعد وقوع الأوليين على جهة البينونة والرجعي ومثله قوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى عام في الحر والعبد والذكر والأنثى وقوله تعالى الحر بالحر والعبد بالعبد تخصيص لبعض ما انتظمه العموم فلا يسقط اعتبار عموم اللفظ في قتل الحر بالعبد ومنه أيضا قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وهذا في المسلمين والكافرين ثم ","part":1,"page":277},{"id":240,"text":" قال تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وذلك في الوالدين المشركين ولم يمنع كون أول الخطاب في الفريقين ومثله كثير في القرآن والسنن ","part":1,"page":278},{"id":241,"text":" @ 279 @ ","part":1,"page":279},{"id":242,"text":" @ 280 @ ","part":1,"page":280},{"id":243,"text":" الباب الثالث عشر في الإجماع والسنة إذا حصلا على معنى يواطىء حكما مذكورا في الكتاب ","part":1,"page":281},{"id":244,"text":" @ 282 @ ","part":1,"page":282},{"id":245,"text":" باب القول في الإجماع والسنة إذا حصلا على معنى يواطىء حكما مذكورا في الكتاب \r\n قال أبو بكر رحمه الله \r\n كان أبو الحسن يقول كل ما وجد في القرآن من حكم منوط بلفظ يشتمل على بعض ما وقع عليه الإجماع أو وردت السنة به فالواجب أن يحكم بأن ما حصل عليه الاجماع أو وردت به السنة مأخوذ من القرآن وأنه مراد الله تعالى بالاسم المذكور فيه وذلك نحو قوله تعالى أولامستم النساء لما احتمل اللفظ الجماع واللمس باليد ثم روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أمر الجنب بالتيمم فالواجب أن يقضي بأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بذلك لأنه مراد الله تعالى بقوله أو لامستم النساء \r\n والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما قطع السارق لم يجز لأحد أن يقول إن هذا حكم مبتدأ من النبي صلى الله عليه و سلم في السارق بل قال الجميع إنه حكم به على القرآن وكذلك لما صلى ","part":1,"page":283},{"id":246,"text":" الصلوات الخمس وصام رمضان كانت هذه الأحكام كلها منه صلى الله عليه و سلم ومن الأمة معقولة عن القرآن لأن فيه ما ينتظم ذلك ويوجبه وقد قال الله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقال تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله فكل ما حكم به النبي صلى الله عليه و سلم وفي القرآن ما يجوز أن ينتظمه فيكون عبارة عنه فذلك حكم القرآن والمراد به ومن نحو ذلك قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا فقد اتفقت الأمة على أن القود حكم لبعض المقتولين ظلما فالواجب بأن يحكم بأن القود مراد بالآية وكذلك قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده لما قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما سقت السماء العشر كان ذلك مرادا بالآية لأن قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده يجوز أن يتناوله ويصلح أن يكون عبارة عنه \r\n فإن قال قائل فقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء لما احتمل العقد والوطء ثم اتفق الجميع على أن العقد يحرم وجب أن يكون مرادا بالآية وإذا أريد به ","part":1,"page":284},{"id":247,"text":" العقد انتفى الوطء لاستحالة أن يكونا جميعا مرادين بلفظ واحد \r\n قيل 2لما كان اللفظ يتناول الوطء حقيقة حملناه عليه ودلنا ذلك على أن العقد غير مراد بالآية وإن كانت الأمة مجمعة عليه فإنما منعنا أن يكون العقد مرادا وإن صلح أن يكون اللفظ عبارة عنه بهذه الدلالة \r\n فإن قال فقوله تعالى أولامستم النساء حقيقة في اللمس باليد فاحملوه عليه واجعلوا الجماع ثابتا بالسنة كما جعلتم قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء على الحقيقة وهي الوطء ولم تجعلوا الإجماع على العقد دليلا على أنه هو المراد بالآية \r\n قيل له لا يجب ذلك من قبل أنه لم يثبت أن اللمس باليد مراد بالآية بوجه وكان الحكم المذكور فيها متعلقا به بحال وثبت أن الجماع مراد بها لأمر النبي صلى الله عليه و سلم الجنب بالتيمم فأثبتنا من معنى الآية ما وردت به السنة وإن كان مجازا فيه ولم يثبت ما هو حقيقة من اللمس باليد لعدم السنة والاتفاق فيه بل قد وردت السنة بخلافه ولأنه صلى الله عليه و سلم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ فعلمنا أن ذلك غير مراد بالآية \r\n وأما قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فإن حقيقة لفظه مستعملة في الوطء والاتفاق موجود فيه لأن الوطء بملك اليمين يحرم بلا خلاف فثبت أن المراد الوطء وأثبتنا تحريم القعد بالاتفاق ","part":1,"page":285},{"id":248,"text":" @ 286 @ ","part":1,"page":286},{"id":249,"text":" الباب الرابع عشر في دليل الخطاب وحكم المخصوص بالذكر ","part":1,"page":287},{"id":250,"text":" @ 288 @ ","part":1,"page":288},{"id":251,"text":" باب القول في دليل الخطاب وحكم المخصوص بالذكر \r\n قال أبو بكر \r\n كل خطاب ورد عن الله تعالى وعن الرسول صلى الله عليه و سلم فغير خال من فائدة فمنه ما يكون ","part":1,"page":289},{"id":252,"text":" معناه معقولا من لفظه ومنه ما يفيد حكما ومعنى يرد بيانه في الثاني \r\n ومما يكون معناه معقولا من لفظه ما يفيد من جهة الدلالة معنى ليس اللفظ موضوعا له نحو قوله تعالى ولا تقل لهما أف قد أفاد معنيين \r\n أحدهما النهي عن هذا القول بعينه \r\n وأفاد من جهة الدلالة النهي عما فوقه من الشتم والضرب والقتل ومنه قوله تعالى ولا تظلمون فتيلا ولا يظلمون نقيرا فيه نص على نفي الظلم في القدر المذكور ودلالة على نفي ما هو أكثر منه \r\n وكذلك قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا وقوله ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله نص على ذكر غد وأفاد الأمر بالاستثناء عند ذكر كل فعل مستقبل \r\n وكذلك قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذكر السبعين والمراد به والله أعلم أن كثرة عدد الاستغفار لا يغني عنهم وليس المراد هذا العدد بعينه ","part":1,"page":290},{"id":253,"text":" ونحو قوله إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وقوله تعالى فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين نص منه على هذه الأعداد والمراد التضعيف لا هذه الأعداد بأعيانها وان كانت هي المنصوص عليها وهذا الضرب كثير في القرآن والسنة وفي عادات الناس ومخاطباتهم وهذا هو دليل الخطاب الذي يجب اعتبار دلالته على ما دل عليه \r\n وأما قول من قال إن كل شيء كان ذا وصفين فخص أحدهما بالذكر فيما علق به من الحكم يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه \r\n وقول من قال كل ما خص بعض أوصافه بالذكر وإن كان ذا أوصاف كثيرة فإنه يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه فقول ظاهر الانحلال والفساد لا يرجع قائله في إثباته إلى دلالة من لغة ولا شرع بل اللغة على خلافه \r\n قال أبو بكر \r\n ومذهب أصحابنا في ذلك أن المخصوص بالذكر حكمه مقصور عليه ولا دلالة فيه على أن حكم ما عداه بخلافه سواء كان ذا وصفين فخص أحدهما بالذكر أو كان ذا أوصاف ","part":1,"page":291},{"id":254,"text":" كثيرة فخص بعضها بالذكر ثم علق به حكم \r\n وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن ويعزى ذلك إلى أصحابنا وكان يحكي عن أبي يوسف كلاما معناه أن ليس في تخصيص بعض أوصاف الشيء بالذكر دلالة على أن ماعداه فحكمه بخلافه وأنه قال إن قوله تعالى وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك لا دلالة فيه على أن اللاتي لم يهاجرن معه محرمات عليه وكان حكى أبو الحسن عن أبي يوسف رحمه الله أيضا في قوله تعالى ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنما فيه النص على درء العذاب عنها إذا شهدت وليس فهي دلالة على أنه إذا لم تشهد لا يدرأ عنها العذاب ","part":1,"page":292},{"id":255,"text":" مطلب \r\n وروى محمد بن الحسن في السير الكبير قال إذا حاصر المسلمون حصنا من حصون المشركين فقال رجال من أهل الحصن أمنوني على أن أنزل إليكم على أن أدلكم على مائة رأس من السبي في قرية كذا فأمنه المسلمون على ذلك فنزل ثم لم يخبر بشيء فإنه يرد إلى مأمنه لأنه لم يقل إن لم أدلكم فلا أمان لي فلم يجعل محمد وقوع الأمان على هذا الشرط دليلا على أنه متى لم يف بالشرط فلا أمان له \r\n وهذا يدل من مذهبه دلالة واضحة على أن التخصيص بالذكر أو التعليق بالشرط لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه \r\n قال أبو بكر \r\n وليس عندي بين أصحابنا خلاف في جملة المذهب وقد كنت اسمع كثيرا من شيوخنا يقول في المخصوص بعدد أنه يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه \r\n كقول النبي صلى الله عليه و سلم خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم أنه دليل على أنه لا يقتل ","part":1,"page":293},{"id":256,"text":" ما عداهن وكقوله أحلت لي ميتتان ودمان يدل على أن غيرهما من الميتة والدم غير مباح \r\n وأحسب محمدا بن شجاع الثلجي قد احتج بمثل هذا \r\n ولست أعرف جواب المتقدمين من أصحابنا في ذلك \r\n ومن قال بهذا القول الذي ذكرنا من المتأخرين كانوا يفرقون بين ما هو مخصوص بذكر العدد وبين ما ليس بمخصوص بعدد نحو قوله الذهب بالذهب مثلا بمثل \r\n وذكره الأصناف الستة ولم يكونوا يجعلون مثله دلالة على أن ما عداها فحكمه بخلافها لأنه لم يحصرها بعدد ولم يقل إن الربا في ستة أشياء كما قال خمص يقتلهن المحرم \r\n قال أبو بكر \r\n والذي عندي في ذلك أنه لا فرق بينه وبين المخوص بالذكر من غير ذكر عدد في أنه لا دلالة فيه على حكم ما عداه بنفي ولا إثبات ","part":1,"page":294},{"id":257,"text":" والدليل على صحة ما قلنا إنه غير جائز أن يكون شيء من الأشياء لله تعالى على أحكامه ثم يوجب عاريا من مدلوله غير موجب لحكم دلالته بوجه \r\n وهذا هو وصف المخصوص بالذكر وذلك لأنا وجدنا الله تعالى قد خص اشياء فذكر بعض أوصافها ثم علق بها أحكاما ثم لم يكن تخصيصه إياها موجبا للحكم فيما لم يذكر بخلافها نحو قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق \r\n فخص النهي عن قتل الأولاد لحال خشية الإملاق \r\n ولم يختلف حكم النهي في الحالين وقال تعالى منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم \r\n فخص النهي عن الظلم بهذه الأشهر ومعلوم صحة النهي عنه فيهن وفي غيرهن ونحو قوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا وغير جائز له أكلها بحال وإن خص ","part":1,"page":295},{"id":258,"text":" حال الإسراف والمبادرة لبلوغهم وكقوله تعالى إنما أنت منذر من يخشاها وهو صلى الله عليه و سلم نذير للبشر وقوله تعالى لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ولا يجوز أكله بحال وإن لم يكن أضعافا مضاعفة \r\n وقال تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وقد وافقنا مخالفنا على أن المخطيء مثله في وجوب الجزاء \r\n وقال تعالى ومن عاد فينتقم الله منه ولم ينتف به وجوب الكفارة على العائد مع ذكره الانتقام دون غيره \r\n وقال تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ووافقنا المخالف على أن ذلك حكمهن وإن لم يحصن وهذا أكثر من أن يحصى \r\n فلما وجدنا هذه الألفاظ التي شرطها عند مخالفنا إيجاب الحكم فيما عداها بخلاف حكمها ثم وجدناها وما عداها متساوية في الحكم ولم يكن لما ادعوه من التخصيص تأثير في الحكم الذي هو مدلوله علمنا أن مثلها لا يكون دليلا لله تعالى لأنها لو كان دليلا لما وجدت في حال منفردة عن مدلولها \r\n فإن قال قائل هذا كقولكم في العموم وفي العلل أنها موجبة لما تتضمنه من ","part":1,"page":296},{"id":259,"text":" الأحكام حتى تقوم دلالة التخصيص وقيام دلالة التخصيص لا يمنع حكم دلالته فيما بقتضيه ويوجبه فيما لا تقوم فيه دلالة التخصيص \r\n قيل له قد رضينا بما استشهدت به حكما فإنه من أظهر الأشياء دلالة على فساد أصلك \r\n خبرنا عن لفظ العموم هل يجوز وجوده غير موجب لحكم أصلا وهل يصح وجود علة لا يتعلق بها حكم رأسا \r\n فإن قال لا لأنه لابد مع قيام دلالة التخصيص من أن يبقى من أحكام العموم والعلة ما يجب استعماله \r\n قيل له أفليس قد وجدت هذه الآيات التي ذكرناها لم يتعلق بها إيجاب الحكم فيما عدا المذكور فيها بخلافه فهلا استدللت بذلك على أن مثلها لا يكون دليلا ولو جاز أن يوجد عموم أو علة لا يتعلق بها حكم رأسا لما جاز أن يكونا دلالة على الحكم بأنفسهما \r\n فإن قال دلالة اللفظ قائمة في إيجاب الحكم الذي تضمنه وإن لم يوجب فيما عداه الحكم بخلافه \r\n قيل له لم نختلف في أن اللفظ دال على ما تضمنه من الحكم مما هو عبارة عنه وإنما اختلفنا في كونه دالا على أن حكم غيره بخلافه وقد جاز وجوده غير دال على هذا المعنى فهذا الذي تبطل به قاعدتك \r\n ألا ترى أن اللفظ نفسه لما كان دلالة على ما وضع له من المعنى لم يجز وجوده مطلقا على الحقيقة إلا وهو دال على حكمه \r\n ولو قد جاز وجوده حقيقة في موضعه غير مفيد لما وضع له لما كان ذلك دليلا على ","part":1,"page":297},{"id":260,"text":" المعنى وفي ذلك دليل على فساد أصل المخالف لنا في ذلك المعقول المتعارف من حق اللفظ إفادة ما تحته من الحكم ودلالة على نظائره وإلحاقها بحكمه فأما أن يدل على خلاف حكمه فهذا عكس المعنى وقلب الواجب \r\n وقال بعضهم في قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا انه لما خص العامد بالذكر لأجل ما ذكر في سياق الخطاب من الوعيد الذي لا يجوز عوده على المخطىء وهو قوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه وهذا إغفال منه لحكم اللفظ ومقتضاه لأنه لو عم الجميع بالحكم فقال ومن قتله فجزاء مثل ما قتل من النعم لم يكن ذكره للوعيد في سياق الخطاب مانعا من عوده إلى العامد دون المخطىء وكان مع ذلك حكم عموم اللفظ مستعملا في إيجاب الجزاء عليهما كما قال تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وذلك عموم في الوالدين المسلمين والكافرين ثم قال تعالى وإن جاهداك لتشرك بي \r\n وهذا في بعض ما شمله لفظ العموم فعلمت أن ذكر الوعيد في سياق الآية غير مانع إطلاق عموم الحكم في الجميع فدل موافقة مخالفنا على استواء حكم العامد والمخطىء في وجوب الجزاء مع تخصيصه العامد بالذكر على أن تخصيص بعض أوصاف الشي بالذكر لا يدل على أن ما عداه يحكم بخلافه \r\n فإن قال قائل قد وجد لفظ الأمر موضوعا للإيجاب ثم قد يرد تارة ويراد به الندب ويرد أخرى ويراد به الإباحية ثم قد يرد ولا يراد شيء من ذلك بل يدل على الزجر ","part":1,"page":298},{"id":261,"text":" والوعيد لأن قول الله تعالى واتقوه الله وأقيموا الصلاة ونحو ذلك للايجاب وقوله تعالى وافعلوا الخير للندب وقوله تعالى فإذا حللتم فاصطادوا للإباحة وقوله تعالى اعملوا ما شئتم زجر وتهديد \r\n ثم لم يمنع وروده عاريا من دلالة الايجاب من اقتضائه للوجوب متى خلا من دليل ينقله من حكمه \r\n كذلك دلالة التخصيص بالذكر على حكم ما عداه على الوجه قوله صحيحة يجب اعتبارها مالم تقم دلالة تزيلها عن موجبها ومقتضاها \r\n قيل له إن قول القائل افعل يتعلق بالفعل تارة على جهة الإيجاب وأخرى على جهة الندب أو الإباحة أو الدعاء وإن كان بابها وحقيقتها الوجوب عند الإطلاق ثم لم يخل عند قيام الدلالة الصارفة له عن جهة الإيجاب من أن يكون له ضرب من التعلق بالفعل فحمكه قائم في هذا الموضع على بعض الوجوه التي يقتضيها اللفظ كما يبقى حكم العموم بعد قيام دليل الخصوص فيما لم يخص ويبقى حكم العلة إذا قامت دلالة تخصيصها فيما لم يخص منها \r\n إلا ترى أن أكثر ما يفيده قوله افعل للإيجاب ","part":1,"page":299},{"id":262,"text":" والإيجاب يتعلق به استحاق الثواب على الفعل واستحقاق العقاب على تركه والندب معلق به استحقاق الثواب عليه من غير ذم تاركه والإباحة معلق بها وقوع الفعل لا على جهة استحقاق الثواب بفعله ولا العقاب على تركه فعلى أي حال تصرفت صيغة حقيقة الأمر فإنها لم تخل من أن يكون لها ضرب من التعلق بالفعل ومن جهة أخرى إن قوله افعل متى لم يرد به الإيجاب كان مجازا مستعملا في موضعه فجاز أن لا يدل على معناه حقيقة ولم يمنع ذلك اعتباره في موضع الحقيقة إذا لم تقم دلالة المجاز وأما سائر المواضع التي وردت فيها الألفاظ العارية من دلالتها على حكم اعتبارها بخلاف موجب حكمها فإنها حقائق فيها لأن قوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق حقيقة في موضعه ليس بمجاز ثم قد وجد عاريا من حكمه منفردا عن مدلوله على قضيتك فعلمنا أن هذا ليس بدليل لله تعالى وأما قوله تعالى اعملوا ماشئتم و فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ونحوها فإنه على ما ذكرنا أيضا لأنه قد تعلق بالفعل ضرب من التعلق على وجه وهو الزجر والنهي والوعيد \r\n وأيضا فإنه مجاز في هذا الموضع وإنما الذي أنكرنا أن يكون اللفظ حقيقة غير دال بوجهه على ما جعل دليلا عليه ","part":1,"page":300},{"id":263,"text":" وأيضا لو كان المخصوص بالذكر دالا على ما عداه فحكمه بخلافه لوجب أن يكون نص النبي صلى الله عليه و سلم على تحريم التفاضل في الأصناف السنة دليلا على أن ما عداه فحكمه بخلافها وأن يكون ورود النص في تحريم الميتة والدم دليلا على أن ماعداه فحكمه بخلافهما وأن يكون ورود النص في تحريم الميتة والدم دليلا على أن ما عداهما فمباح وكل ما تنص عليه بعينه ينبغي أن يوجب الحكم فيما عداه بخلافه وهذا يوجب منع القياس لأن ورود النص في الأصناف الستة إذا كان موجبا لإباحة التفاضل فيما عداها وكان عند جميع الفقهاء الذين يعتد بأقاويلهم أن هذا النص قد أوجب الحكم في نظائرها بمثل موجب حكمها فالواجب أن يكون قد دل على أن حكم ما عداها بخلافها وقد دل أيضا على أن نظائرها مما عداها فحكمها حكمها وهذا غاية التناقض والاستحالة \r\n وأيضا لو كان تخصيص بعض أوصاف الشيء بالذكر وتعليق الحكم به دليلا على أن ما عداه فحكمه بخلافه لوجب أن يكون متى نص لنا على ذلك الحكم في غيره مطلقا أن يصير أحد اللفظين ناسخا لحكم آخر نحو قوله تعالى لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة فوجب هذا على أصل القائلين بهذه المقالة إباحة إذا لم يكن الربا أضعافا مضاعفة ثم قوله وحرم الربا مطلقا ناسخا لدلالة الآية الأخرى \r\n وكذلك قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ينبغي أن يكون معارضا ","part":1,"page":301},{"id":264,"text":" لقوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وكقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم وقوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم معارضا لقوله تعالى ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا لأن دلالة الآية الأولى تقتضي إباحة الظلم فيما عدا الأشهر الحرم والآية الأخرى تحظر الظلم في سائر الأحوال وليس ذلك كتخصيص العموم لأن إحدى الآيتين في هذا ترفع دلالة الأخرى رأسا ولا يكون ذلك إلا على وجه النسخ ولا خلاف بين الأمة أنه ليس في شيء من هذه الآيات نسخ فدل على بطلان هذا الأصل \r\n وأيضا لو كان ما ذكره من ذلك معقولا من اللفظ لكان اولى الناس بأن لا يخفى عليهم وجهته أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وقد تكلموا في أحكام الحوادث وتناظروا فيها وحاج فيها بعضهم بعضا تارة بالعموم وتارة بأخبار الآحاد وتارة بالنظر والمقايسة ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه حاج صاحبه بهذا الضرب من الحجاج أو استدل عليه بمثله فكيف أغفلوا ذلك وخفي عليهم موضعه وهو معنى معقول من لغتهم ومفهوم من ظاهر خطابهم في زعم المخالف وقد اختلفوا في نفقة المبتوتة فقال عظم الصحابة لها النفقة وأبى ذلك آخرون منهم فكيف لم يحتج نافوها بقوله تعالى وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن ","part":1,"page":302},{"id":265,"text":" حتى يضعن حملهن وهذا دليل ظاهر عند المخالف معقول من ظاهر اللفظ فإن خفي ذلك عليهم فكيف لم يستدل الموجبون لها بهذا الدليل على نفيها وقد أنكر عمر بن الخطاب رواية فاطمة بنت قيس في إبطال النفقة للمبتوتة وقال لا ندع كتاب الله ربنا وسنة نبينا عليه السلام لقول امرأة لعلها أنسيت أو شبه لها فكيف تكون عنده روايتها لذلك خلاف الكتاب ودليل الكتاب المعقول من ظاهره ينفيها \r\n فإن قيل قد قالت فاطمة بنت قيس إن الله تعالى إنما أوجب النفقة للحامل توجبونها لغير الحامل \r\n قيل له قد قالت ذلك ولم تستدل من اللفظ بمثل ذلك ولم نقل إن تخصيصه الحامل بالذكر ينفي وجوبها لغير الحامل ولو كان ذلك كما ادعاه مخالفنا لكان لا أقل من أن يوجب عن بعضهم في شيء من أحكام الحوادث الاستدلال بمثله وعلى أنه لو ثبت عن بعضهم الاستدلال بمثله لما ثبتت حجته ولا لزم القول به لأن الذين نفوه ولم يعرفوه كانو أيضا من أهل اللغة ولو كان ذلك من مفهوم اللسان لما خفي موضعه عن جماعتهم كما لم يكن يخفى عليهم سائر وجوه دلالات الكلام المفهومة من خطابهم ","part":1,"page":303},{"id":266,"text":" فإن قال قائل قد قال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب كيف نقصر وقد أمنا فقال عمر عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه و سلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته يعني أن الله تعالى إنما خص قصر الصلاة بحال الخوف بقوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فعقل عمر ويعلى بن أمية من دليل الآية نفي القصر في حال الأمن \r\n قيل له ليس الأمر فيه على ما ظننت لأنهما لم يقولا إن الآية منعت القصر في حال الأمن وإنما قالا كيف نقصر وقد أمنا وقد أمرنا الله تعالى بإتمام الصلاة في حال ","part":1,"page":304},{"id":267,"text":" الأمن بقوله تعالى حافظوا على الصلوات وقوله تعالى فإذا أمنتم فأقيموا الصلاة وما جرى مجرى ذلك من الآي الموجبة لإتمام الصلاة ثم لما خص حال الخوف بذكر القصر كان النص موقوفا عليها فاذا لم يكن خوف فليس في القرآن ما يوجب القصر فكيف نقصر وهلا كان الإتمام واجبا بسائر الآي الموجبة له \r\n هذا هو معنى ما سألا عنه عندنا فلما سأل عمر النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك أعلمه أن ذلك تخفيف من الله تعالى لكم في الحالين وإن لم يكن حال الأمن مذكورا في القرآن بل من جهة وحي ليس بقرآن \r\n وزعم بعض المخالفين أن الشافعي قد قال ذلك وهو من أهل اللغة \r\n وقاله زعم أو عبيد وثعلب والمبرد وأن أباعبيد احتج في ذلك بقوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فقال النبي صلى الله عليه و سلم لأزيدن على السبعين قال فقال أبو عبيد في قول النبي صلى الله عليه و سلم لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء ","part":1,"page":305},{"id":268,"text":" شعرا لا يجوز أن يكون في الشعر الذي هجي به الصحابة رضي الله عنهم لانه لو كان كذلك لكان قد أباح القليل قال وقوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته دليل على أن لي غير الواجد بخلاف الواجد \r\n قال أبو بكر \r\n فأما قول هذا القائل إن الشافعي من أهل اللغة وأنه قد قال ذلك فثبتت حجته فإن من يلجأ إلى مثله في الحجاج على مخالفيه فما بقى غاية في إفلاسه \r\n فيقال له ومن قال لك إنه من أهل اللغة ومن حكى عنه منها حرفا يحتج به \r\n فإن كان إنما صار كذلك لأنكم ادعيتم له ذلك أو ادعاه هو لنفسه فانه ليس يعوز أحدا أن يدعي مثل ذلك لنفسه ولأصحابه ويحتج به على مخالفيه وإنما يعرف الرجل بضرب من العلوم ويوصف به بحكاية أهله عنه وقبولهم قوله فيه كما حكى جماعة من أهل اللغة عن محمد بن الحسن واحتجوا بقوله فيما وقد ذكرنا منه طرفا فيما سلف ","part":1,"page":306},{"id":269,"text":" وإن كان ما اختلفوا فيه من حكم دلالة اللفظ مأخوذا من أهل اللغة فإن محمدا من أهلها غير مدافع وهو غير قائل بما ذكرتم ولم يعقل منها ما وصفتم وإنما حكاية هذا الحاكي عن ثعلب والمبرد فإنها حكاية باطلة لا أصل لها والحاكي لها ذلك غير موثوق به \r\n وأما ما حكاه عن أبي عبيد فلا معنى له لأنه لا يختص بمعرفة ذلك أبو عبيد دون غيره بل أهل اللغة وغيرهم في معرفة ذلك سواء وإنما يختص أهل اللغة بمعرفة الاسماء والألفاظ الموضوعة لمسمياتها بأن يقولوا إن العرب سمت كذا بكذا \r\n فأما المعاني ودلالات الكلام فليس يختص أهل اللغة بمعرفتها دون غيرهم لأن ","part":1,"page":307},{"id":270,"text":" ذلك المعنى يستوي فيه أهل سائر اللغات في لغاتهم على اختلافها وبيئتها ولا يختص بلغة العرب دون غيرها كسائر ضروب الكلام إذا نظمت ضربا من النظم ورتبت ضربا من الترتيب ثم نقلت إلى لغة أخرى على نظامها وترتيبها لم يختلف حكم أهل اللغة المنقولة إليها والمنقولة عنها في معرفة دلالاتها على مادلت عليه من اللغة الأولى فاذا لا اختصاص لأهل اللغة بمعرفة ذلك دون غيرهم ممن ليس من أهلها فقولهم قال ذلك بعض أهل اللغة ساقط لا اعتبار به \r\n وقد علمنا أن أعلم الأمة بلغة العرب هم الصحابة ولم يعقل أحد منهم ما ذكرتم من حكم دلالة اللفظ على حسب ما بيناه أيضا \r\n وأما ما حكاه عن أبي عبيد في قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأزيدن على السبعين رواية باطلة لا يصح عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا يجوز ذلك عليه وفي تجويزه انسلاخ من الدين وذلك انه معلوم انه قد كان من دين النبي صلى الله عليه و سلم من أول ما بعثه الله تعالى إلى ان توفاه صلى الله عليه و سلم أنه دعا الناس الى اعتقاد تخليد الكافر في النار وأنه لم يجوز قط غفران الكفر فمن جوز على النبي صلى الله عليه و سلم جواز الاستغفار للكافر فهو خارج عن الملة \r\n وقد أخبر الله تعالى عن هؤلاء القوم اللذين قال فيهم ما قال انهم ماتوا كفارا بقوله تعالى إن تستفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ","part":1,"page":308},{"id":271,"text":" ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين فكيف يجوز أن يقول النبي صلى الله عليه و سلم لأزيدن على السبعين هذامالا يجوز على النبي صلى الله عليه و سلم أن يقوله ولا يجوزه لأنه صلى الله عليه و سلم أعلم الناس بما يجوز على الله تعالى مما لا يجوز \r\n وإنما الذي روى في ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال فلو علمت أنه يغفر لهم إذا زدت على السبعين لزدت وهذه الآية من أدل شيء على بطلان قولهم لأنه لا خلاف بين المسلمين أن السبعين وما فوقها سواء وأن الله تعالى لم يكن ليغفر لهم أبدا بعد موتهم كفارا \r\n فإن قال قائل قد حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال واغفر لأبي إنه كان من الضالين فليس يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم قد كان يجيز ذلك إلى أن أنزل الله تعالى وعيد الكفار \r\n قيل له قد بين الله تعالى وجه استغفار ابراهيم لأبيه بقوله تعالى وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه وروي أن أباه قد كان أظهر له الإيمان فتبرأ له فأخبر الله تعالى أنه منافق ليست له عقيدة الإيمان فترأ منه حينئذ \r\n وأما وعيد الكافر بالنار خالدا مخلدا فيه فقد كان من دين النبي صلى الله عليه و سلم من أول ما بعث فيستحيل مع ذلك أن يجيز النبي صلى الله عليه و سلم الغفران لهم بزيادة الاستغفار على السبعين وعلى أنه لو صح ما قالوه من ذلك لم يدل على موضع الخلاف لأنه كان يكون ما فوق ","part":1,"page":309},{"id":272,"text":" السبعين موقوفا على الدلالة في الغفران أو غيره والحكم ثابت في السبعين لا محالة ونحن لا ننكر بأن يكون ما عدا المذكور بخلاف المذكور في باب أن حكم المذكور فيما نص عليه ثابت وما عداه موقوف الحكم على الدلالة \r\n وإنما أنكرنا أن يكون النص على المذكور موجبا للحكم فيما عداه بخلافه وذكر السبعين في هذا الموضع على جهة تكثير العدد وهو قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون غلبوا مائتين وما دونها وما فوقها في الحكم سواء وذلك معقول مع ورود اللفظ وفي مخاطبات الناس \r\n فإن قال قائل قال الله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة فاقتضى عند الجميع كون الإيمان شرطا فيه وعقل بها أن غير المؤمنة لا تجزىء وقال واستشهدوا شهيدين من رجالكم ودل عند الجميع على أن ما دونه لا يقبل وقال فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث وربع فأوجب عند الجميع فساد نكاح ما عدا الأربع وقال تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر وما دونها ليس له حكم الإيلاء وقال تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وقال تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة وما دونها ليس بحد وقال تعالى والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء ونحو ذلك من المقادير المحصورة تدل على أن ما عداها فحكمه بخلافها ","part":1,"page":310},{"id":273,"text":" قيل له ليس هذا مما ذكرنا في شيء لأن قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة تخصيص في الحكم لا المحكوم فيه وإنما كان كلامنا في تخصيص المحكوم فيه بالذكر إذا نصب عليه الحكم هل يدل على أن ما عداه من الأشياء المحكوم فيها حكمه بخلاف حكمه نحو قوله تعالى وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فخص المحكوم فيهن ثم نصب عليهن الحكم ونحو قوله صلى الله عليه و سلم في خمس من الإبل السائمة شاة فذكر الحكم فيه ثم نصب الحكم عليه \r\n ونحو قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فخص حال العمد ونظائر ذلك \r\n وأما قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة فإنما فيه تخصيص الرقبة الواجبة بشرط الإيمان والأمر يقتضي الوجوب فصارت صفة الإيمان للرقبة موجبة الأمر فلم يجز إسقاطه وقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم من هذا القبيل أيضا لأنه تخصيص الحكم بصفة قد تضمنها لفظ الإيجاب فلم يجز إسقاطه لأن في تجويز أقل من شاهدين إسقاط الوجوب الذي تضمنه الأمر في قوله تعالى فاستشهدوا وأما قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإنه أعلمنا بداء جميع ما يحل لنا من النساء ثم فسره بالعدد المذكور فصار تفسيرا لجميعه فلم يبق مما أحل الله تعالى شيئا لم يذكره ","part":1,"page":311},{"id":274,"text":" فلذلك لم تجز مجاوزته \r\n وأما قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإنه قد بين حكمه بعد المدة في سياق اللفظ بقوله تعالى فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فلا يجوز بقاء حكم المدة مع حصول أحد هذين المعنيين لأن الفيء وهو الجماع في المدة يسقط التربص إذ لا يمين هناك بعد الخنث وتركها هذه المدة هو عزيمة الطلاق والتربص معه ساقط لا اعتبار به لأنها قد بانت عزيمة فصار حكم ما بعد المدة بخلافه في المدة للدلالة التي ذكرنا لا بتحديد المدة فحسب \r\n قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فإنه قد ذكر في الآية ما ينفي أن يكون ما بعده عدة بقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن \r\n وأيضا فإن هذا الضرب من المقادير لا يصح إثباتها إلا من طريق التوقيف أو اتفاق العلماء فلما لم يرد التوقيف إلا بهذه المدة لم يجز إثبات زيادة عليها من غير توقيف أو اتفاق عليها فكذلك هذا في الحدود والعدد وسائر المقادير \r\n ومن جهة أخرى في الحدود أن ظهر الانسان محظور في الأصل فلا يجوز استباحته إلا بالمقدار الذي يرد به التوقيف أو يقوم عليه الدليل وإلا فهو باق على أصل الحظر \r\n وأيضا فإن جميع ما ذكرت من ذلك وارد في حكم الواجب وصفته فهو واجب لازم وقد أفادت الآية أن هذا المقدار حد يقع موقع الإجزاء فلم يجز الزيادة فيها إلا بنص مثله ","part":1,"page":312},{"id":275,"text":" وجملة الأمر في ذلك أن كل موضع حكمنا فيه لما عدا المذكور بخلاف حكم المذكور فلم يخل من أن يكون وجوبه متعلقا بدلالة أخرى غير اللفظ المذكور فإما أن يكون لأن الأصل كان يوجب الحكم فيما عدا المذكور قبل ورود حكم المذكور بهذا الحكم فلما ورد التوقيف في المذكور بالحكم المنصوص عليه فيه أخرجناه من الأصل وتركنا الباقي على حكمه الذي كان له قبل ورود الحكم المذكور \r\n وإما بدلالة أخرى أوجبت الحكم فيما عدا المذكور بخلاف حكم المذكور \r\n فأما المنصوص عليه فحكمه ثابت فيما هو عبارة عنه وما عداه فحكمه موقوف على الدلالة على ما بيناه \r\n فإن قال قائل كيف يجوز أن تجعلوه موقوفا وعندكم أن الزيادة في النص توجب نسخه فالواجب على هذا الأصل أن تقولوا حكمه بخلاف حكم المذكور لا محالة حتى تكون الزيادة نسخا فإن لم يكن كذلك فما الذي أوجب أن تكون الزيادة نسخا وقد كان حكمه قبل ذلك موقوفا على قيام ورود الزيادة أو نفيها \r\n قيل له لو عقلت ما قدمنا لم تسأل عن هذا لأن الكلام بيننا وبين مخالفنا في الأصل إنما هو في تخصيص المحكوم فيه ببعض أوصافه إذا نصب عليه حكم هل يدل على أن غيره مما لم يذكر في مثل حكمه أو بخلافه \r\n فأما الزيادة في النص فإنما هي كلام في الحكم نفسه ونحن نقول إن كل حكم حكم الله تعالى به ونص عليه مطلقا أو مقيدا بصفة فهو محمول على ما ورد لا يجوز الزيادة فيه ولا النقصان منه ولا يجري على المذكور الواجب غير المذكور مما ليس في صفته المشروطة نحو ","part":1,"page":313},{"id":276,"text":" قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة هو تخصيص للحكم ومقيد بشرط الإيمان فهذا على الوجوب لا يجوز فيه الاقتصار على غير مؤمنه وكذلك قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم إلى قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء وقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم كل هذا تقييد للحكم بصفة وقد تضمنها لفظ الأمر المقتضى للإيجاب ولا جائز إسقاط العدد ولا إسقاط الصفة بحال لما وصفنا ونحو قوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة وبقوله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة تخصيص للحكم بالمقدار المذكور له وهو يفيد أن المذكور هو الحد وأنه واقع موقع الاجزاء والزيادة فيه توجب أن يكون المذكور بعض الحد غير واقع موقع الاجزاء وهذا نسخ وقوله إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق الآية متى زدنا فيه النية كان زيادة في الحكم الواجب الذي اقتصت الآية جواز أداء الصلاة به وهو نسخ وقد بيناه في غير موضع فكل موضع يكون النقصان أو الزيادة لاحقا بالحكم الذي يمكن استعماله فاقتضى ظاهر اللفظ جوازه فهو نسخ \r\n وأما إذا كانت الزيادة في الحكم والتخصيص واقع في المحكوم فيه فليس في هذا ","part":1,"page":314},{"id":277,"text":" نسخ لأن ما عدا المخصوص قد كان حكمه موقوفا على الدليل كقوله تعالى وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن فهذا تخصيص للمحكوم فيه ولا دلالة له عليه ومن جهة اللفظ على حكم غير الحامل لا بالإيجاب ولا بالنفي وكذلك قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فيه تخصيص المحكوم فيهن بالصفة المذكورة فلا دلالة فيه علىتخصيص الحكم ولا على أن غيرهن ليس في حكمهن وكذلك قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا إنما فيه تخصيص القاتلين بالذكر لا تخصيص الحكم فلا يدل على أن الحكم مقصور عليهم \r\n فإن قيل قال الله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فاستدللتم به على إسقاط الدية لاقتصاره على ذكر الكفارة دون الدية وخصصتم به عموم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وهو موجب للحكم في المقتول في دار الاسلام ","part":1,"page":315},{"id":278,"text":" وفي المقتول من أهل دار الحرب إذا كان مسلما \r\n قيل له ليس الأمر فيه على ما ظننت لأن قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ لم يدخل فيه المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا وذلك لأنه قال في سياق الخطاب فإن كان من قوم عدولكم ولو كان قد تناوله الخطاب الأول لما استأنف له ذكر الأسماء وهو لم يخصه بحكم لم يذكره في قتل المؤمن خطأ لأن ذكر الرقبة قد تقدم أيضا فغير جائز أن يكون هذا مرادا له وهو قد بين حكمه بدءا ويستأنف له ذكرا ينقض ذلك الحكم بعينه فعلمنا أن قوله تعالى وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن لم يتناوله قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ \r\n وأيضا فإن قوله تعالى وإن كان من قوم شرط ومحال أن يذكر الأول مكررا ويجعله نفسه شرطا مع دخوله في ابتداء الخطاب \r\n وإذا صح أن هذا كلام مبتدأ لم يتقدم ذكره فيما سبق من خطاب الآية ثم وجب فيه رقبة على قاتله لم يجزلنا إيجاب شيء غيرها لأن فيه زيادة في حكم المنصوص عليه على ما تقدم منا بيانه في غير موضع \r\n فإن قيل معلوم من خطاب الناس وتعارفهم أن قول القائل إن دخل زيد الدار فأعطه درهما إنما يوجب استحقاق الدرهم بالدخول فإنه إن لم يدخلها لم يجزأن يعطى ","part":1,"page":316},{"id":279,"text":" قيل له هذا عليك لأن كل عاقل سمع هذا الكلام قد عقل منه أنه لم ينهه عن إعطاء الدرهم إذا لم يدخلها وأنه إنما جعل الدخول شرطا لاستحقاق هذا الدرهم ومع ذلك فجائز أن يعطيه درهما متبرعا به \r\n ونحن نقول أيضا أن الدخول شرط لاستحقاق هذا الدرهم بعينه ولا يستحقه إلا بالدخول لا لأن اللفظ منع الاستحقاق إلا على هذا الوجه لكن من جهة أنه لما كان معلوما أن الاستحقاق غير واقع في الأصل ثم علقه بالدخول أنه مستحق به وإذا لم يدخل فحكمه باق على الأصل في جواز الإعطاء أو تركه \r\n فإن قال قائل فما تقولون في قوله صلى الله عليه و سلم في خمس من الإبل السائمة شاة وهل هذا عندكم على أن غير السائمة لا صدقة فيها فإن لم يدل على ذلك فأوجبوا الصدقة في العوامل بقوله صلى الله عليه و سلم في خبر آخر في خمس من الإبل شاة إذ لم يقيدها بشرط السوم \r\n قيل له لا فرق بين هذا وبين سائر ما قدمنا من الأشياء المخصوصة بالذكر إذا علق بها حكم وإن هذا لا يدل عندنا على أن غير السائمة لا صدقة فيها وإنما أسقطنا صدقة غير السائمة بدلائل أخر وإلا فلو خلينا والخبرين الذين في أحدهما ذكر السوم وفي الآخر إسقاطه لأوجبنا الصدقة في غير السائمة \r\n فإن قال قائل هذا الاعتبار يؤدي إلى اسقاط فائدة التخصيص فالواجب أن يثبت للتخصيص فائدة محددة ولا فائدة فيه إلا دلالته على أن الحكم في غيره بخلافه ","part":1,"page":317},{"id":280,"text":" قيل له فقد تركت دعواك الأولى في دلالة اللفظ وانتقلت إلى أن افتقار ذكر التخيص إلى الفائدة هو الموجب لما ذكرت فنقول لك الآن خبرنا عنك أتقول إنه لا فائدة في ذكر التخصيص إلا دلالته على أن حكم ما عداه بخلافه \r\n فإن قال كذلك أقول \r\n قيل له ولم قلت هذا وما أنكرت أن يكون فيه فوائد أخر غير ما ادعيت \r\n ثم يقال له فينبغي أن يدل قوله تعالى ولا تقل لهما أف على أن له أن يزدريه ويضربه لأن هذا هو فائدة تخصيص هذا اللفظ بالذكر \r\n وينبغي أن يدل قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق على أن لنا قتلهم إذا لم نخش الإملاق \r\n ويدل قوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم على أن لنا أن نظلم أنفسنا في غيرهن إذ لا فائدة للتخصيص بالذكر إلا هذا ومتى أخلينا اللفظ من هذه الفائدة حصل ذكر التخصيص غير مقيد \r\n وغير جائز أن يكون في كلام الله تعالى ما لا يفيد فإذا قد بطل أن يكون فائدة التخصيص ما ذكره \r\n فإن قال إنما جعلنا ما عدا المذكور في حكم المذكور في هذه الأشياء التي ذكرناها بدلالة وإلا فقد كان حكمها ان تكون بخلاف حكم المذكور \r\n قيل له فيجوز عندك أن يرد عن الله تعالى كلام فيه تخصيص بعض الأشياء بالذكر ثم تقوم الدلالة على أنه لا فائدة في تخصيصه إياه بذلك ","part":1,"page":318},{"id":281,"text":" فإن قال نعم ارتكب ما لا يرتكبه مسلم ويقال له مع ذلك فما أنكرت أن يكون ذكر التخصيص لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه \r\n ومع ذلك فلا فائدة في التخصيص إذ قد جوزت أن يخص الله عز و جل شيئا بالذكر ولا يكون في تخصيصه إياه به فائدة \r\n فإن قال لتخصيص الله تعالى هذه الأشياء بالذكر فائدة وإن لم يدل على أن حكم ما عداها بخلافها \r\n قيل له فما أنكرت ألا أن يدل التخصيص على أن ما عداه فحكمه بخلافه وتكون فائدته قائمة من غير هذا الوجه \r\n ثم يقال له ما فائدة تخصيص الميتة والدم ولحم الخنزير بالتحريم وها هنا أشياء أخر محرمة غيرها \r\n وما وجه تخصيص النبي صلى الله عليه و سلم تحريم التفاضل في الأصناف الستة وهناك ما هو في حكمها مما لم يذكره \r\n ومعلوم أن جميع ذلك لم يخل من فوائد وإن لم يدل على أن حكم ماعداها بخلافها وعندنا أن جميع ما خص بالذكر و نصبت عليه حكم ففي تخصيصه أجل الفوائد بأن يكون حكم هذا المخصوص معقولا من النص وماعداه موكولا إلى اجتهادنا وألزمنا بعد ذلك طلب الدلالة على حكم غيره هل هو في مثل حكمه أو بخلافه ليظهر بذلك فضيلة المستنبطين وما وعدهم به من الثواب الجزيل ولو نص على الجميع لقصر بنا عن رتبة المستنطين وحرمنا به بلوغ منزلة الناظرين ","part":1,"page":319},{"id":282,"text":" وزعم بعض المخالفين أنهم يخصون العموم بدلالة التخصيص على مخالفةحكم ما عداه له لأنه أقوى من الخطاب في زعمه كما أن المفسر يخص المجمل والقياس يخص الظاهر \r\n وقد دللنا على فساد هذه المقالة إلا أنا مع ذلك لا ندع بيان فساد هذا الفرع إذا سلم لهم ما ادعوه في الأصل \r\n فنقول لهم لم زعمتم أن هذا الضرب من الدليل يخص الظاهر \r\n فإن قال كما أخصه بلفظ غيره وكما أخصه بالقياس \r\n قيل له ولم قلت إن هذا مثل القيسا ومثل لفظ آخر هو أخص منه فلا ملجأ في ذلك إلا إلى دعوى عارية من البرهان \r\n ثم يقال له أليس هذا الضرب من الدليل يجوز فيه التخصيص عندك كما يجوز في العموم فلم جعلت الدليل حاكما على العموم دون أن تجعل العموم حاكما عليه وهلا جعلت أقل أحوالهما أن يتساويا فلا يكون القضاء بأحدهما على الآخر أولى من أن يقضي بالآخر عليه وليس هذا مثل القياس لأن القياس لا يجوز فيه التخصيص عندك مع وجود العلة ولأنه غير جائز وجود قياس لا يوجب حكما رأسا ويجوز وجود هذا الضرب من الدليل غير موجب لحكمه على نحو ما مر \r\n ثم يقال له هلا جعلت العموم أولى من لأنه غير جائز وجود عموم لا يتعلق به حكم ","part":1,"page":320},{"id":283,"text":" في شيء مما ورد به وقد جاز وجود المخصوص بالذكر غير موجب للحكم فيما عداه رأسا فهلا جعلت العموم قاضيا عليه لهذا المزية التي ليست كدليلك هذا \r\n وأيضا فإن العموم أصل وهذا فرع عليه فلم تركت الأصل به وجعلته أولى منه \r\n وأما قوله كما يخص المفسر المجمل فإن المفسر مذكور وكذلك المجمل فلا يمتنع أن يقضي بأحدهما على الآخر وعلى أنهم نقضوا ذلك فقالوا إن قليل الرضاع لا يحرم حتى تكون خمس رضعات لما روى عن عائشة رضي الله عنها أنه كان لا يحرم إلا عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس فتوفي النبي صلى الله عليه و سلم وهن مما يتلى وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا يحرم الرضعة والا الرضعتان ودليل هذا الخبر يوجب تحريم ما زاد على الرضعتين فينبغي أن يخص به الخمس رضعات ويجعل الخمس في الكثير الذي كان يوجب التحريم ثم نسخ \r\n ثم يقال له خبرنا عن دليلك هذا إذا عارضه القياس إيهما يكون أولى \r\n فإن قال هو أولى من القياس \r\n قيل له ولم قلت هذا وهلا جعلت القياس أولى منه إذ كان دليلك هذا يجوز فيه ","part":1,"page":321},{"id":284,"text":" التخصيص ولا يجوز مثله عندك في القياس وهلا جعلتهما متساويين إذا تعارضا فيسقط حكمها جمعيا \r\n وعلى أن قوله ان هذا الضرب من الدليل أولى من القياس على أصله لأنه يوجب على المخطىء جزاء الصيد ويوجب على قاتل العمد كفارة قياسا ودليله هذا ينفي وجوب الجزاء على المخطىء والكفارة على قاتل العمد لأن الله تعالى خص العامد بالذكر في جزاء الصيد فقال تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم \r\n وخص المخطىء بالذكر في كفارة القتل فقال تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة \r\n ودليل الخطاب عندك ينفي موجب القياس ثم جعلت القياس أولى منه \r\n فإن سألنا سائل عن قول النبي صلى الله عليه و سلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وقوله صلى الله عليه و سلم إنما الولاء لمن أعتق هل دل هذا القول منه على أن مالم ","part":1,"page":322},{"id":285,"text":" يكن بالصفة المذكورة فبخلاف حكمه \r\n قلنا له نعم وليس هذا مما كنا فيه في شيء وذلك لأن قوله الولاء اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه إذ لم يشر به إلى معهود فيتناوله دون غيره \r\n فلما كان كذلك انتظم كل ما يتناوله الاسم منه في كونه للمعتق أو لغيرة وكذلك قوله عليه السلام البينة على المدعي اسم للجنس فيتناول كل بينة صارت على المدعي فلم يبق هناك بينة تكون على غير المدعي \r\n وكذلك قوله اليمين على المدعى عليه يتناول جنس اليمين الواجبة بالدعاوى فصارت على المدعى عليه فلم يبق هناك يمين تكون على المدعي ونحو ذلك قوله صلى الله عليه و سلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى فتناول كل صدقة فما من صدقة إلا وهي داخلة في اللفظ موجبة بشرط الغنى ودل على أن سائر الصدقات لا تجب إلا على الأغنياء وان الفقير لا صدقة عليه إذ لم يبق هناك صدقة لم يستوعبها اللفظ فتكون موقوفة في كونها على غني أو على فقير فمن هذه الجهة تتناول هذه الألفاظ نفي الحكم المذمكور لها عما عداها لا من جهة تخصيصه لها بالذكر وهذا واضح وبالله التوفيق ","part":1,"page":323},{"id":286,"text":" @ 324 @ ","part":1,"page":324},{"id":287,"text":" الباب الخامس عشر في حكم المجمل ","part":1,"page":325},{"id":288,"text":" @ 326 @ ","part":1,"page":326},{"id":289,"text":" باب القول في حكم المجمل \r\n قال أبو بكر \r\n قد بينا فيما سلف صفة المجمل ونبين الآن بعون الله حكمه وما يجب فيه \r\n فنقول إن المجمل على ضربين \r\n أحدهما مالا يعلم معناه من لفظه ولا يمكن استعمال شيء منه فيما علق به الحكم نحو قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده وقول النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم وقوله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ونحوها من الألفاظ التي لا ","part":1,"page":327},{"id":290,"text":" تنبيء عن المعاني المراد بها فيكون حكم ما كان هذا وصفه موقوفا على البيان \r\n والضرب الآخر منه ما يمكن استعمال حكمه في أقل ما يتناوله لفظه وقد يجوز أن يراد به أكثر منه فينتظم الجملة حينئذ معنيان \r\n أحدهما لزوم استعمال الحكم في أقله \r\n والآخر أن الزيادة على الأقل موقوفة على البيان فمتى ورد البيان بمقدار أكثر مما تضمن اللفظ وجوبه بينا أن ذلك كان مرادا باللفظ الأول وذلك نحو أن يطلق لفظ الأمر من غير ذكر المأمور به نحو قوله صلوا وصوموا وحجوا ونظائره \r\n وقد علم قبل ذلك ما الصلاة والصوم والحج فأقل ما تناوله لفظ الأمر إيجابه صلاة واحد وصوما واحدا وحجا واحدا \r\n ولا يلزمنا في أكثر منه لأن الأكثر لا نهاية له ولا مقدار معلوم بينها الله تعالى فاحتجاج من أجل ذلك إلى البيان \r\n وكذلك قول القائل أعط هذه الدراهم رجالا بعد سنة أقل ما يتناوله الاسم منهم ثلاثة ومازاد فجائز أن يكون مرادا باللفظ فإذا قال بعد ذلك قبل مجيء وقت تنفيذ الأمر هم ","part":1,"page":328},{"id":291,"text":" عشرة لم يكن ذلك زيادة على الأمر الأول بل بيانا أن هؤلاء كلهم كانوا مرادين به كذلك إذا ورد البيان بعدقوله صلوا بمقادير أعداد الصلوات كان ذلك بيانا أن جميع ذلك كان مرادا باللفظ الأول \r\n وقد كان في أصحابنا المتأخرين من يأبي ذلك ويقول إن هذا بمنزلة لفظ العموم غير جائز في مثله ورود البيان بإرادة الأكثر إن لم يكن اللفظ مقتضيا لاستعمال حكمه في جميع ما يصلح له وإنما يرد بعد ذلك مما يوجب زيادة في عدد الصلوات فيه في قوله صلوا وفي عدد الرجال في قوله أعط رجالا أنه يكون حكما مستأنفا غير جائز أن يكون مرادا بالكلام الأول \r\n قال وذلك أن اللفظ تناول صلاة واحدة \r\n وقوله أعط رجالا تناول رجالا ثلاثة بغير أعيانهم فلا يجوز ورود البيان فيه بإرادة أكثر من ثلاثة ولا أنه أراد رجالا بأعيانهم إلا أن يكون ذلك متصلا بالأمر فلا يستقر حكم الأمر إلا مع استقرار العدد وصفته فأما إذا أطلقه ولم يعقبه بيان عدد الرجال وصفتهم وأعداد الصلوات ومقاديرها فغير جائز ورود البيان بعد ذلك لأن المراد كان أكثر من ثلاثة رجال وأن المراد بقوله صلوا أكثر من صلاة واحدة ومتى ورد بعده ذكر عدد أو صفة علمنا أنه زيادة في الأمر الأول وحكم مستأنف لم يتضمنه اللفظ المتقدم ولم يوجبه ولا يكون ذلك إلا على وجه النسخ على حسب ما نقوله في حكم الزيادة في النص \r\n قال لأن تجويز ذلك يؤدي إلى إبطال القول بالعموم لأن قوله صلوا إن كان يصلح للواحدة من الصلوات كما يصلح لما فوقها فلا دلالة فيه على أنه أريد به الواحدة لا محالة فلم أوجبت به أقل ما يقع عليه الاسم وإن كان مبينا على العليق بالبيان فما أنكرت ألا يجب به شيء لأن اللفظ المجمل الموقوف على البيان لا يجب به شيء ويجب التوقف فيه إلى أن يرد التفسير وما أنكرت أن يكون من حيث كان مفهوما بنفسه لم يكن شيئا فيه موقوفا على ما ","part":1,"page":329},{"id":292,"text":" يأتي بعده ولو ساغ هذا لساغ لأهل الخصوص والوقف قولهم إن العموم كله مجمل محتاج الى تفسير وان صورة التعليق بما يرد من البيان \r\n قال ابو بكر \r\n فالذي حصل من هذا القول أن كل لفظ أمكن استعماله على وجه فلا إجمال فيه أصلا ولا يجوز أن يتأخر البيان فيه إن كان مراده أكثر مما اقتضى اللفظ وجوبه واستعمال حكمه وأن المجمل عنده قسم واحد وهو الذي لا يمكن استعمال حكمه على وجه ويكون موقوفا على البيان \r\n قال أبو بكر \r\n والصحيح عندنا هو القول الأول وهو عندى مذهب أصحابنا أيضا لأن مسائلهم تدل عليه ولأنهم قالوا فيمن قال لرجل طلق امرأتي فطلقها ثلاثا وقال الزوج أردت ذلك طلقت ثلاثا \r\n وإن طلقها واحدة وقال الزوج كذلك أردت وقعت واحدة فجعلوا لفظ الأمر مختصا بأقل ما يتناوله وهو الواحد وجعلوه مع ذلك محتملا للثلاث لولا ذلك ما عملت النية في إرادتها لأن النية لا تأثير لها في إيقاع طلاق لا يحتمله اللفظ \r\n وقال أصحابنا أيضا فيمن أذن لعبده في التزويج أن ذلك يقتضي تزويج امرأة واحدة لا أكثر منها فإن زوج امرأتين في عقد واحد لم يصح نكاح واحدة منهما لأن الأمر تناول و احدة منهما ولم يتناول الأخرى فتحصل المنكوحة المأذون في نكاحها مجهولة وذلك لا يصح \r\n وقالوا فإن قال المولى عنيت امرأتين جاز نكاحهما جميعا فقد جعلوا لفظ الأمر ","part":1,"page":330},{"id":293,"text":" يصلح لما فوق الواحدة وإن كان ظاهره إنما اقتضى نكاح امرأة واحدة فهذا يدل على أن قوله صلوا قد يتناول صلاة واحدة وأنه يحتمل مع ذلك أن يراد به أكثر منها \r\n فلما كان للاحتمال مساغ في ذلك جاز أن يكون مازاد على الواحدة في معنى المجمل الذي يجوز تأخير بيانه \r\n ومتى ورد فيه البيان علمنا أنه كان مرادا باللفظ وليس إمكان استعمال اللفظ في أقل ما يتناوله ويقع عليه بمانع من أن يكون مجملا في الزيادة لأن اللفظ قد تضمن معنيين معنى حكم معلوم مفهوم المقدار ومعنى الإجمال في أكثر منه \r\n وكذلك قوله أعط هذه الدراهم رجالا بعد سنة من حيث صلح أن يكون اللفظ عبارة عن الثلاثة وعما فوقها فقد عقلنا من اللفظ ثلاثة وما زاد عليها فجائز أن يكون حكم ما زاد موقوفا على بيان يرد فيه قبل مجيء وقت تنفيذ الحكم \r\n فإن قال قائل قوله أعط رجلا بعد سنة يمكن استعماله في الثلاثة فهلا استعملته فيهم ومنعت الإجمال فيه \r\n قيل له لأن الإجمال الذي وصفناه يوجب ما ذكرنا فصار كقوله قد أردت بالإعطاء ثلاثة وما زاد عليها فموقوف الحكم على البيان وهو بمنزلة قوله لقيت رجالا فالذي يلزمه في الحال اعتقاد ثلاثة منهم يجوز ورود بيان في الثاني بأنهم كانوا أكثر من ذلك وليس هذا بمنزلة العموم لأن قوله صلوا ليس فيه لفظ عموم في المأمور به لأنه غير مذكور باسم ينتظم جماعة منه وإنما ذكر فيه الفعل فحسب والمفعول غير مذكور \r\n وقد علمنا أن أقل ما أريد به صلاة واحدة \r\n وفي اللفظ احتمال لارادة أكثر منها ولا نهاية للأكثر فكان مجملا من هذا الوجه ","part":1,"page":331},{"id":294,"text":" وأما لفظ العموم فإنه اسم لجميع ما نطوى تحته ليس بعض ذلك بأولى به من بعض فلذلك وجب استعمال الجميع ولم يكن فيه إجمال إذ لا إجمال فيه \r\n وكذلك قوله أعط رجالا عشرة دراهم بعد سنة فالمتيقن من المراد ثلاثة وماعداهم فهو محتمل لأنه معلوم انه لم يرد به رجال الدنيا كلهم وانما أراد به بعضهم فكان في ذلك البعض إجمال لما فوق الثلاثة فلذلك كان في معنى المجمل المفتقر إلى البيان ولو قال أعط هذا رجالا ولم يوقت له وقتا ولم يبين له شيئا غير ذلك لكان هذا على ثلاثة وهو مخير في الزيادة لأنه قد لزمه تنفيذ الحكم في الحال فيما يمكن استعماله \r\n فما يتناوله اللفظ وفي تركه البيان دلالة على أن ما زاد على الثلاثة فهو مخير فيه لأنه قد لزمه إعطاء العشرة دراهم في الحال ولا يمكنه انفاذها في الحال إلا على هذا الوجه \r\n فالثلاثة لا محالة مرادة وما زاد فهو فيه بالخيار إن شاء أعطاهم منها وإن شاء اقتصر على الثلاثة كما أن له الخيار في أن يعينها فيمن شاء من المعطين وإن لم يقتض اللفظ التعيين ومما يشاكل هذا المعنى قول الله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر قد لزمنا اعتقاد كونهم ثلاثة ويجوز أن يكونوا أكثر منها ويحتمل في هذا أن يقال إنه يلزمه أن يعطيها ثلاثة لا اكثر منهم لأن الثلاثة متيقنة والزيادة لم يثبت أنها مرادة ","part":1,"page":332},{"id":295,"text":" وقد قال ابو حنيفة فيمن قال والله لا أكلمك اياما أنه على ثلاثة أيام وعلى معنى قوله أعط هذا رجالا قوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين لما ألزمه تنفيذ الحكم في العشرة لم يكن حكمه موقوفا على بيان عشرة بأعيانهم أو بأوصاف يخصون بها دون غيرهم بل هو في كل عشرة \r\n ومتى ورد بعد ذلك لفظ يوجب تخصيص الإطعام في عشرة بأعيانهم أو عشرة مخصوصين بأوصاف دون غيرهم كان ذلك زيادة في حكم الأول وذلك مالا يجوز عندنا إذا تراخى عن حال لزوم الفرض وإمكان تنفيذ الحكم إلا على وجه النسخ لأن هذا اللفظ ليس فيه احتمال بل هو موجب لإعطاء عشرة مساكين أي مساكين كانوا فلذلك كان الأمر فيه فبه احتمال بل هو موجب لعطاء عشرة مساكين أي مساكين كانوا فلذلك كان الأمر فيه ","part":1,"page":333},{"id":296,"text":" على ما وصفنا \r\n قال أبو بكر \r\n ومن الألفاظ ما يجوز أن يكون مجملا ويجوز أن يكون عموما على حسب دلالة الحال وذلك لأن قوله وأقيموا الصلاة لا يخلو من أن يريد به صلاة معهودة قد عرفوها قبل ذلك فانصرف الأمر إليها فتناول جميع تلك الصلوات على شرائطها وأوصافها المعهودة لها وإن لم يكن هذا القول إشارة إلى معهود من الصلوات فهو مجمل مفتقر إلى البيان لأن لفظ الصلاة مجمل إذ كان قد أريد بها في الشريعة معان لم يكن اللفظ موضوعا لها في اللغة فهو مجمل موقوف الحكم على البيان \r\n وأما بعد استقرار أمر الصلاة والصوم وسائر ألفاظ الشرع على المعاني المتعارفة المعهودة لها فإنه متى أطلق منها شيء فهو منصرف إلى ما استقرت معاني هذه الأسماء عليه \r\n ألا ترى أن القائل منا إذا قال لآخر صل الظهر وصم رمضان كان معلوما عنده مراد القائل ","part":1,"page":334},{"id":297,"text":" الباب السادس عشر في الكلام الخارج عن سبب ","part":1,"page":335},{"id":298,"text":" @ 336 @ ","part":1,"page":336},{"id":299,"text":" باب حكم الكلام الخارج عن سبب \r\n قال أبو بكر \r\n كل كلام خرج عن سبب فالحكم له لا للسبب فإذا كان أعم من السبب وجب اعتبار حمكه بنفسه دون سببه ","part":1,"page":337},{"id":300,"text":" ومن الناس من يعتبر السبب ويجعل حكم السبب مقصورا عليه وإن كان عموما في نفسه وهذا عندنا خطأ إذا لم تقم الدلالة على وجوب الاقتصار به على السبب وذلك لأن كل لفظ فحكمه قائم بنفسه إلا أن تقوم الدلالة على إزالته عن موجبه ومقتضاه وليس في كونه خارجا على سبب ما يوجب تخصيصه والاقتصار بحكمه على سببه وذلك لأنه ","part":1,"page":338},{"id":301,"text":" ليس يمتنع أن يريد الله تعالى بإنزاله الحكم بيان حكم السبب وحكم غيره عند وجود هذا السبب كما ينزل حكما عاما من غير سبب تقدم \r\n فإذا ليس في نزوله على سبب ما يوجب الاقتصار به عليه ","part":1,"page":339},{"id":302,"text":" فمن قصره على السبب فإنما خص اللفظ وأزاله عن حقيقته بغير دلالة \r\n وقد اعتبر هذا المعنى الذي ذهبنا إليه سائر الفقهاء الذين يعتد بأقاويلهم في كثر من الأحكام النازلة على أسباب نحو قوله تعالى إنما جزاء الذي يحربون الله ورسوله إلى آخر القصة روي أنه نزلت في شأن العرنيين الذي ارتدوا وقتلوا الراعي وساقوا الإبل \r\n والحكم عام عند سائر الفقهاء في المرتدين وأهل الملة \r\n وإن كان سبب نزولها قوما مرتدين محاربين ومنه آية الظهار كان سبب نزولها أن أوس بن ","part":1,"page":340},{"id":303,"text":" الصامت ظاهر من امرأته فأنزل الله تعالى ذلك وكان سبب نزول آية اللعان أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء فكان عموم في سائر الناس وكان سبب آية ","part":1,"page":341},{"id":304,"text":" القذف القوم الذي قذفوا عائشة الصديقة رضي الله عنها فأنزل الله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم إلى آخر القصة فحكم بكذبهم إن لم يقيموا بينة على صدق مقالتهم وقذفهم وهو حكم عام في سائر القاذفين \r\n ومن الألفاظ ما ذكر معه السبب الذي ورد فيه وكان الحكم فيه لعموم اللفظ دون السبب كقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم إلى آخر القصة \r\n كان السبب فيه أنه كان محظورا عليهم أن يفطروا بعد النوم ليلا فنام بعض الصحابة قبل أن يفطر ثم أفطر فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فأنز الله هذه الآية وساق فيها القصة والسبب الذي من أجله نزلت ثم قال فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم إلى قوله تعالى ","part":1,"page":342},{"id":305,"text":" ثم أتموا الصيام إلى اليل وهذه الإباحة عامة فيمن اختان نفسه وفي غيره وقال تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا إلى قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة فذكر قصتهم وسبب نزول هذه الآية ثم كان وجوب الصدقة عاما على من كان بصفتهم وعلى غيرهم \r\n وكذلك قوله تعالى علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله إلى قوله تعالى فاقرءوا ما تيسر منه ","part":1,"page":343},{"id":306,"text":" فذكر السبب الذي أباح ترك قيام الليل من المرض والضرب في الأرض والحكم عام فيمن هذه صفته وفي غيرهم \r\n ومثله كثير في القرآن وهو يدل على أن الحكم للاسم لا للسبب \r\n فإن قال قائل خروج الكلام على سبب كخروجه مخرج الجواب \r\n ومعلوم أن حكم الجواب أن يكون مقصورا على ما صار جوابا عنه \r\n قيل له ليس الأمر فيه عندنا على هذا الإطلاق بل هو عندنا على وجهين \r\n منه ما يكون الجواب فيه لفظ عموم ينتظم ما هو جواب عنه وغيره ومنه ما يكون حمكمه مقصورا على ما هو جواب عنه \r\n فأما الأول فإن الحكم فيه جار على اللفظ إذا كان مستقلا بنفسه حتى يقوم الدليل على وجوب الاقتصار به على ما هو جواب عنه \r\n والثاني هو ما لا يستقل بنفسه واقتصر إلى تضمينه بغيره فهذا حكمه مقصور على الجواب \r\n نظير الأول قوله تعالى فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم إلى آخر القصة \r\n وقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة ونحوها من الألفاظ المكتفية بنفسها عن تضمينها بغيرها مع اشتمالها على ما هي جواب عنه \r\n وعلى غيره فلم يكن حكمها مقصورا على الجواب \r\n ونظير هذا الوجه الثاني مما لا يستقل بنفسه قوله تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فقولهم نعم لا يفيد إلا على وجه الجواب فصار معناه مطابقا لما ","part":1,"page":344},{"id":307,"text":" هو جواب عنه لا زائد ولا ناقصا وصار الجواب مضمرا فيه وعلى الاعتبار الذي قدمناه قلنا في قوله تعالى ولا تأكلوا مم لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق انه عموم في كل ما تركت التسمية فيه عامدا وإن كان قد روي أنها نزلت في شأن الميتة حين جادل المشركون المسلمين فقالوا لهم تأكلوا تأكون مما قتلتموه ولا تأكلوا مما قتله الله فلم نعتبر السبب وأجرينا الحكم على اللفظ ومنه ما روي أن حكيم بن حزام قال رسول الله إني أرى الشيء في السوق ثم يطله مني طالب فأبيعه ثم اشتريه فأسلمه فقال صلى الله عليه و سلم لا تبع ما ليس عندك فهذا عموم في كل بيع لما ليس عند الانسان سواء كان عينا أو في الذمة ومثل هذا كثير في القرآن والسنن وفيما ذكرنا تنبيه على ما تركنا ","part":1,"page":345},{"id":308,"text":" وقد يجيىء من الكلام ما يكون حكمه مقصورا على السبب الذي خرج عليه إلا أن ذلك لا يجوز حمله عليه إلا بدلالة كما يخص سائل العموم بالدلائل وذلك نحو قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه عمومه ينفى أن يكون هناك شيء محرم غير المذكور في الآية إلا أنه لما روي ان ذلك نزل فيما كان المشركون يحرمونه من السائبة والوصيلة والحام صار تقديره قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما مما يحرمونه إلا كيت كيت \r\n وإنما كان ذلك كذلك لأن الدلالة قد دلت على أن هاهنا أشياء أخر محرمة غير ما ذكر في الاية ونحوها ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن بئر بضاعة وما يطرح فيها من المحايض ولحوم الكلاب فقال صلى الله عليه و سلم الماء طهور لا ينجسه شيء والمعنى أن ما كان حاله حال هذا البئر فهذا حكمه \r\n لأنه معلوم انه لم يرد به عموم الحكم بطهارة لاماء الذي فيه لحوم الكلاب والمحايض \r\n وإنما لامعنى ان البئر كان يطرح فيها ذلك ثم نظفت فأخرج ما فيها فسئل عن الماء الحادث بعد النزح والتطهير فقال انه طهور لا ينجسه شيء \r\n وكذلك حديث أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهو أنه سئل عن الجنسين متفاضلا فقال إنما الربا في مثله في النسيئة \r\n ومتى كان الجواب أخص من السؤال فالحكم له لا للسؤال نحو قوله تعالى ويسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح فقوله ماذا أحل ","part":1,"page":346},{"id":309,"text":" لهم سؤال أعم من الجواب لأنه ينتظم الجواب وغيره وقوله تعالى قل أحل لكم الطيبات يعني والله أعلم الحلال الذي قد بين الله تعالى حكمه في غير هذا الموضع وما علمتم من الجوارح وذلك أخص من السؤال \r\n ونظيره ما روي عن عمر أنه سال النبي صلى الله عليه و سلم عما يحل من الحائض فقال لك منها ما فوق الإزار فغير جائز فيما كان هذا سبيله اعتبار عموم من السؤال في الإباحة بل يجب اعتبار لفظ الجواب فيما ورد فيه فيكون الحكم متعلقا به دون غيره حتى تقوم الدلالة على أن غيره بمثابته في الإباحة والحظر ","part":1,"page":347},{"id":310,"text":" @ 348 @ ","part":1,"page":348},{"id":311,"text":" الباب السابع عشر في حرف النفي إذا دخل على الكلام ","part":1,"page":349},{"id":312,"text":" @ 350 @ ","part":1,"page":350},{"id":313,"text":" باب حرف النفي ما حكمه إذا دخل على الكلام \r\n قال أبو بكر \r\n حرف النفي قد يدخل على الكلام ويراد به نفي الأصل نحو قوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما وقوله تعالى فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ونحو قول النبي صلى الله عليه و سلم لا نكاح إلا بولي ولا نكاح إلا بشهود ولا صلاة إلا بقراءة وقد يراد بن نفي الكمال مع بقاء الأصل نحو قوله تعالى إنهم لا أيمان لهم لعهلم ينتهون ثم قال تعالى ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم فنفاها بدءا ثم أثبتها ثانيا فعلمنا أنه لم يرد به ","part":1,"page":351},{"id":314,"text":" نفي الأصل وإنما أراد نفي الكمال يعني لا أيمان لهم وافية يفون بها ومثله قوله صلى الله عليه و سلم ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ولا دين لمن لا أمانة له \r\n ونحو قول الشاعر ... لو كنت من أحد يهجي هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن سلت من أحد ... \r\n ومعوم أنه لم يود نفيه عن أن يكون متسما بذلك ومعدودا من جملة ا لناس وانه أحدهم وإنما أراد لست من أحد يؤبه له ويعتد به \r\n فقد ثبت بما وصفنا أن حرف النفي قد ينفي به الأصل تارة والكمال أخرى مع ثبات الأصل وغير جائز أن يراد به الأمران جميعا في حال واحدة لأنه إذا أراد نفي الأصل لم يثبت فيه شيء ومتى أراد إيجاب النقص ونفي الكمال فقد دل لا محالة على أن شيئا منه قد ثبت وأنه مع ذلك غير كامل وهذا لا يصح أن يوصف به مالم يثبت منه شيء \r\n لأنا متى قلنا إن هذه صلاة ناقصة فقد أثبتنا منها شيئا ناقصا لأنه لا يصح أن يوصف ما لم يثبت منه شيء بالنقصان إذ كان النقصان هو فوات البعض مع ثبات الأصل فثبت ","part":1,"page":352},{"id":315,"text":" بذلك أنه غير جائز أن يراد به الأمران جميعا من نفي الأصل ونفي الكمال في حال واحدة \r\n ثم ما بعد هذا من حكمه مختلف فيه عند الإطلاق \r\n فقال قائلون اللفظ محتمل للأمرين وليس هو بأحد الوجهين أولى منه بالآخر \r\n وغير ذلك جائز أن يرادا جميعا فغير جائزالحكم به على أحد الوجهين دون الآخر إلا بدلالة كسائر الألفاظ المحتملة للمعاني المختلفة التي لا يصح أن ينتظمها لفظ واحد في حال واحدة نحو القرء المحتمل اللحيض والطهر ونظائره من الأسماء \r\n وقال آخرون هو عند الإطلاق بنفي الأصل أولى منه بنفي الكمال وإنما الحمل على نفي الكمال بدلالة ","part":1,"page":353},{"id":316,"text":" قالوا لأن حقيقته نفي ما يدخل عليه فينفى جميعه وإنما يحمل على نفي البعض بدلالة \r\n وقد قال أبو موسى عيسى بن ابان في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه إنه لما اتفق الجميع على أن ترك التسمية على الوضوء لا يمنع صحته لم يخل الحديث من أن يكون منسوخا أووهما أوله معنى غير الظاهر لأن التسمية لو كانت من شرط الوضوء لنقلته الأمة كنقلها الظهر أربعا والمغرب ثلاثا ولأمروا من لم يسم بإعادة الوضوء والصلاة \r\n قال أبو بكر \r\n فدل قوله ان له معنى غير الظاهر إذ الذي يقتضيه ظاهر اللفظ هو نفي الأصل وأنه إنما صار إلى نفي الكمال بدلالة وهذا القول هو الصحيح عندنا لأنهم لا يختلفون أن دخوله على الخبر عن الفعل يقتضى نفيه رأسا كقوله تعالى فاليوم لا يخرجون منها وقوله تعالى ولا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون وهذا ظاهر معقول من اللفظ في دخوله على الاسم أيضا كقولنا لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وقوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة و لا جناح عليكم إن طلقتم النساء و ليس على الأعمى حرج قد اقتضى ننفي جميع ما دخل عليه إلا ما استثني ","part":1,"page":354},{"id":317,"text":" منه ولا يحتاج السامع في الوصول إلى العلم بوقوع نفي الأصل بوقوع نفي الأصل إلى دلالة أخرى من غير اللفظ وكذلك عقل من قول القائل ليس في الدار أحد وليس عند فلان مال وما جرى مجرى ذلك إذا أطلق اقتضى نفي الجميع ولا يحتاج السامع له إلى استفهام القائل في إرادة نفي الكمال أو الأصل بل المفهوم منه نفي الأصل \r\n وأيضا فلما كانت حقيقة هذا اللفظ وموضوعه النفي فواجب أن يكون نفي الجميع أولى به حتى تقوم الدلالة على إرادة نفي البعض كلفظ العموم وسائر الألفاظ الموضوعة للمعاني تقتضي إفادة جميع ما وضع له وجعل عبارة عنه حتى تقوم الدلالة على إرادة البعض دون الكل ","part":1,"page":355},{"id":318,"text":" @ 356 @ ","part":1,"page":356},{"id":319,"text":" الباب الثامن عشر في الحقيقة والمجاز ","part":1,"page":357},{"id":320,"text":" @ 358 @ ","part":1,"page":358},{"id":321,"text":" باب القول في الحقيقة والمجاز \r\n قال أبو بكر \r\n في لغة العرب الحقيقة والمجاز \r\n فالحقيقة ما سمي به الشيء في أصل اللغة وموضوعها ","part":1,"page":359},{"id":322,"text":" @ 360 @ ","part":1,"page":360},{"id":323,"text":" والمجاز هو ما يجوز به الموضع الذي هو حقيقة له في الأصل وسمي به ما ليس الاسم له حقيقة وهو على وجوه نذكرها إن شاء الله \r\n وكان أبو الحسن رحمه الله يحد ذلك بأن الحقيقة ما لاينتفي عن مسمياته بحال \r\n والمجاز ما ينتفي عن مسمياته بحال \r\n ونظير ذلك أنا إذا سمينا الجد أبا والأب الأدنى أبا فإن اسم الأب قد ينتفي عن الجد بحال بأن نقول ليس هذا بأبيه في الحقيقة ولا ينتفي ذلك عن الأب الأدنى والمجاز على وجوه منها \r\n إطلاق اللفظ مع حذف كلمة يريدها ولم يلفظ بها كقوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله ومعناه أولياء الله فحذف الأولياء وهو يريدهم لأن الله تعالى لا يلحقه الأذى ولا ","part":1,"page":361},{"id":324,"text":" المنافع ولا المضار ونحو قوله تعالى واسئل القرية التي كنا فيها ومعناه واسأل أهل القرية \r\n ولو كان ذلك حقيقة لكانت القرية هي المسئولة \r\n ومحال مسألة الجدران \r\n فإن قيل إن أهل القرية يسمون قرية إذا كانوا فيها \r\n قيل له لو كان كذلك لجاز متى أشرنا إلى رجال في القرية أن نقول هؤلاء قرية نريد به الرجال دون البنيان وهذا ممتنع إطلاقا عند كل أحد ولكان جائزا أن يسمى هؤلاء الرجال بعد خروجهم من القرية فنقول إنهم قرية لأن الأسم لهم حقيقة على قول من ينفي المجاز وأن لا يمنع خروجهم منها إطلاق القول بأنهم قرية كما لا يمنع إطلاق القول فيهم بأنهم رجال حيث كانوا فدل امتناع اطلاق اسم القرية على جماعة رجال ان القرية لا تكون اسما للرجال بحال وأن قوله واسئل القرية اقتضى إضمار أهلها ومنها ما يكون بزيادة حرف ليس منه كقوله تعالى ليس كمثله شيء ومراده ليس مثله شيء لأنه غير جائز أن يكون المراد نفي التشبيه عن مثله إذ هو تعالى لا مثل له فصح أن المراد نفي التشبيه عنه راسا وان معناه ان ليس مثله شيء وقد وجد مثل ذلك في كلام العرب \r\n وقال الشاعر ... وصاليات ككما يؤثفين ","part":1,"page":362},{"id":325,"text":" وروي في بعض الأخبار وانشق القمر ككنصف الجفنة والكاف زائدة في هذا الموضع \r\n ومنها مايكون بوضع لفظ مكان غيره كقوله تعالى أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله يعني في أمر الله يعبر عن الأمر بالجنب وقال تعالى حاكيا عن ابراهيم خليل الله صلوات الله عليه واجعل لي لسان صدق في الآخرين وأراد به اثناء الحسن فعبر عن القول باللسان لأن القول به يكون من العباد وقال تعالى بلسان عربي مبين يعني لغة لأن اللغة باللسان تظهر \r\n وقالت فاطمة بنت قيس للنبي صلى اله عليه وسلم قد خطبني أبو الجهم في جملة من خطبها فقال أما أبو الجهم فإنه رجل لا يضع عصاه على عاتقه يعني أنه يضرب النساء فجعل هذا اللفظ عبارة عن الضرب وقد عقل به المبالغة في وصفه بضرب النساء ونحو ذلك قوله تعالى يوم يكشف عن ساق يعني عن شدة الأمر لأن من عنى أمرا عظيما شمر عن ساقه \r\n ومنه ما يراد التشبيه فيحذف حرف التشبيه اكتفاء بدلالة الحال وعلم المخاطب ","part":1,"page":363},{"id":326,"text":" بالمراد نحو قوله تعالى صم بكم عمي فهم لا يرجعون والمعنى انهم كالصم البكم العمي في عدم الانتفاع بما سمعوا وأبصروا ومنه قول النابغة ... فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهم كوكب ... \r\n يعني أنك الشمس \r\n وقال آخر ... وكنا حسبنا كل أسود تمرة ... ليالي لاقينا جذام وحميرا ... \r\n ... فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا ... \r\n ... سقيناهم كأسا سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرأ ... \r\n فقال كنا حسبنا كل أسود تمرة فهم ما حسبوا كل أسود تمرة قط \r\n والمعنى مع ذلك صحيح لأن مراده وكنا كمن حسب كل أسود تمرة في إقدامنا على قتال هؤلاء القوم وطمعنا فيهم واستهانتنا بأمرهم ثم قال قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض ومعلوم أنهم لم يقرعوا النبع بعضه ببعض ولم يرد حقيقة ذلك قط وإنما أراد أنا لما قارعناهم وجالدناهم ثبتوا لنا تشبيها بعيدان النبع إذا قرع بعضها ببعض ولا تنكسر لصلابتها ثم قال سقيناهم كأسا سقونا بمثله وماكان هناك كأس ولا سقي وإنما أراد قتلنا منهم وقتلوا منا ولكنهم كانوا على الموت أصبرا يعني أجرأ منا كما قال الله تعالى فما أبرهم على النار يعني فما أجرأهم لأنه لا صبر لأحد على عذاب الله تعالى فذكر ","part":1,"page":364},{"id":327,"text":" الشاعرهذه الألفاظ وهي مجاز وهي من فصيح الكلام وجيدة وهو احسن من الحقيقة في هذا الموضع \r\n ومنه أن يسمى الشيء باسم غيره على جهة المقابلة المجازاة وإن لم يكن ذلك في الحقيقة اسمه ولا يجوز إطلاقه إذا وقع على غير هذا الوجه نحو قوله تعالى قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستزىء بهم \r\n وليس ذلك من الله استهزاء في الحقيقة ولكنه حين أخبر عن جزاء الاستهزاء سماه باسمه لوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها والجزاء ليس تشبيها وإنما سماه بها من حيث كانت في مقابلتها ومستحقة من أجلها \r\n وتقول العرب الجزءا بالجزاء والأول ليس بجزاء فسماه باسم ما يقابله ومما يسمى باسم غيره للمجاورة أو لأنه منه بسبب قولهم للمزادة والسقا رواية والراوية اسم للجمل الذي يحمل ذلك عليه \r\n وقال ابو النجم ... تمشي من الردة مشي الجفل ... مشي الروايا بالمزاذ الأثقل ","part":1,"page":365},{"id":328,"text":" سميت باسم الجمل للمجاورة \r\n ومنه قوله لهم للشاة التي تذبح عند حلق رأس الصبي عقيقة والعيقة اسم للشعر نفسه فسميت الشاة باسمه لأنه كان هو سببها \r\n ومنه الغائط وهو اسم للمكان المطمئن من الأرض وكانوا يقضون حوائجهم في مثله فسمي ما يخرج من الإنسان به لقرب المجاورة على جهة الكناية \r\n ومنه الجماع كنى عنه باللمس وبالدخول قال الله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم فهذا أكثر من أن يحصى في اللغة وربما كان المجاز في بعض المواضع أبلغ وأحسن من استعمال الحقيقة فيه وهذا مالا يدفعه أحد له أدنى معرفة بشيء من لسان العرب وقد وضع أهل اللغة كتبا في المجاز وقالوا هذا اللفظ مجاز وهذا حقيقة مشهور ذلك عنهم متعارف متعالم بينهم \r\n وربما سمي الشيء بما لا يجوز أن يكون اسما له بحال على وجه يعتبر المخاطب به لأن في زعمه كذلك نحو قوله تعالى وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا يعني الذي في زعمك أنه إلهك وقوله تعالى فما أغنت عنهم آلهتم يعني الذي يزعمون بأنهم آلهتهم ونظيره قوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم يعني إنك كنت في زعمك كذلك ","part":1,"page":366},{"id":329,"text":" وقد أبى بعض من تكلم في ذلك بغير دراية أن يكون في القرآن أو في اللغة استعارة وأجاز مع ذلك أن يطلق القول ولا يراد به الحقيقة فمنع لفظ الاستعارة وأعطى المعنى واحتج بأن المستعير هو الآخذ لما ليس له وذلك لا يجوز أن يقال في كلام الله تعالى \r\n فيقال له فقد أعطيتنا أن في القرآن ما أطلق على جهة التشبيه ولم يرد به التحقيق فكأنك إنما خالفتنا في العبارة دون المعنى والمضايقة في العبارة بعد المدافعة على المعنى لا وجه للاشتغال بها \r\n ولكنا نقول في ذلك إن إطلاق لفظ الاستعارة شائع في اللغة وذلك لأنهم لما وجدوا لفظة حقيقة في موضع قد استعمل في غير موضعه الموضوع له في أصل اللغة سموه مجازا تارة واتساعا أخرى واستعارة أخرى ليفيدوا به أنه ليس إطلاقه على حقيقة معناه في موضوع اللسان وإنما قالوا ذلك إفهاما للمخاطبين وسموه استعارة لأن الاسم موضوع لغيره في الأصل وسمي هذا باسمه ولنا أن نقول إن الله تعالى استعار شيئا لأن لله الدنيا والآخرى وهو الذي علم الناس اللغات وهداهم إليها \r\n ولكنا نقول لما قال الله تعالى لسان عربي مبين وقال إنا جعلناه قرآنا عربيا وكان في لغة العرب ما ذكرنا من وجوه المجاز والإستعارات فقد علمنا أنه خاطبنا بما في لغتها من ذلك وليس لأن أهل اللغة سموا ذلك استعارة بواجب أن يكون الله تعالى قد استعار شيئا ولكنه خاطبنا بما هو استعارة في اللغة ومجاز واتساع فيها لا على حقيقة موضوعها في الأصل والأصل في ألفاظ المجاز أن طريقها السمع وما ورد منها في اللغة وليس يجوز لنا أن نتعدى بها مواضعها التي تكلمت العرب بها ","part":1,"page":367},{"id":330,"text":" ألا ترى أنه يجوز لأحد أن يقول إن الذين يضربون الله ويتقلوان الله ويريد به يضربون أولياء الله ويقتلون أولياءه لأن في كتاب الله تعالى إن الذين يؤذون الله ومراده يؤذون أولياء الله فلا يستعمل المجاز إلا في موضع يقوم الدليل عليه وإلا فحكم اللفظ أن يكون محمولا على الحقيقة أبدا حتى تقوم دلالة المجاز \r\n والأسماء الشرعية بمنزلة أسماء المجاز لا يجوز إثباتها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق \r\n فإن قال قائل إذا كانت العرب قد تكلمت بما سميته مجازا وبالحقيقة وكل ذلك من كلامها فما أنكرت أن يكون الجميع حقيقة لأن ما سميته حقيقة إنما صار كذلك لأن العرب تكلمت به \r\n قيل له لم يكن الحقيقة حقيقة لأن العرب إن تكلمت به دون أن يكون تكلمت به على موضوعاتها في اصل اللغة ثم تجاوزت ذلك فسمت به ماليس الاسم له في الأصل تشبيها به واتساعا في لغتها واكتفاء بعلم المخاطب بالمراد فلم تسم ذلك حقيقة \r\n فأفدنا بقولنا حقيقة إنه اسم له في موضوع اللغة فسمى به ذلك الشيء في سائر الأحوال ويفيد بقولنا مجازا إنه مسمى باسم غيره في مواضع مخصوصة لا نتعدى بها مواضعها ولا يجري على غيرها و إن شاركت الاول في معانيه فإن كنت إنما أنكرت اللفظ دون المعنى فانا لا نضايقك في اللفظ سمه أنت بما شئت بعد أن توافق في المعنى وإن كنت ","part":1,"page":368},{"id":331,"text":" إنما خالفت به في المعنى رددناك إلى اللغة وأريناك صحة ما ادعيناه فيها بما لا يمكنك دفعه متى أنصفت نفسك وحكمت عقلك وقد ذكرنا منه طرفا وذكر جميعه يعجز عنه الكتاب وبالله التوفيق \r\n وقد يكون لفظ واحد يتناول ضدين على جهة الحقيقة فيهما جميعا وقد يجوز أن يتناولهما ويكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر \r\n وقد ذكر قطرب النحوي أشياء كثيرة من هذا نحو الجون أنه اسم للأبيض والأسود والمسجور اسم للفارغ والملآن ونحو ذلك \r\n ومما يكون مجازا في أحدهما حقيقة في الآخر نحو القرء وهو حقيقة للحيض مجاز للطهر والنكاح حقيقة للوطء مجاز للعقد وقد أبى بعض أهل اللغة أن يكون في اللغة اسم واحد لمعنيين متضادين وتكلم في ذلك بأشياء تجري مجرى الهذيان لأن ذلك أشهر في اللغة ","part":1,"page":369},{"id":332,"text":" من أن يمكن أحدا دفعه وإنما تناول هذا الراد على قطرب في هذا الباب ما ذكره على معان بعيدة متعسفة \r\n وكان أبو الحسن الكرخي يقول في اللفظ الموضوع لمعنيين مختلفين ليس يجوز أن يرادا جميعا في حال واحدة بلفظ واحد \r\n وقد ذكرنا ذلك في أضعاف ما سلف من هذا الكتاب وبينا قول أصحابنا فيه \r\n فمتى ورد لفظ يتناول معنيين مختلفين \r\n فإن كان حقيقة فيهما احتجنا إلى دلالة من غيره في إثبات المراد لأن المراد أحدهما وليس واحدا منهما بعينه بأولى به من الآخر وغير جائز أن يريد المعنيين جميعا بلفظ واحد وإن كان حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر كان اللفظ محمولا على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز ","part":1,"page":370},{"id":333,"text":" الباب التاسع عشر في المحكم والمتشابه ","part":1,"page":371},{"id":334,"text":" @ 372 @ ","part":1,"page":372},{"id":335,"text":" باب القول في المحكم والمتشابه \r\n قال أبو بكر \r\n كان أبو الحسن رحمه الله يقول المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا والمتشابه ما يحتمل وجهين أو أكثر منهما ","part":1,"page":373},{"id":336,"text":" وسبيل المتشابه أن يحمل على المحكم ويرد إليه وذللك في الفقه كثير نحو قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان قرىء بالتخفيف وبالتشديد فمن قرأ بالتخفيف احتمل أن يكون المراد به عقد اليمين واحتمل أن يريد به اعتقاد القلب بأن يكون قاصدا إلى اليمين فيكون تقديره لما قصدتموه من الأيمان وتقدير الأول ولكن يؤاخذكم باليمين المعقودة وهي التي تعقد على حال مستقبلة فقراءة التشديد لا تحتمل إلا وجها واحدا وقراءة التخفيف تحتمل معنيين \r\n فوجب حمل ما احتمل وجهين على مالا يحتمل إلا وجها واحدا لأن الله تعالى أمرنا بذلك في قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فجعل المحكم أما للمتشابه وأم الشيء هي منها ابتداؤه وإليها مرجعه قال أمية بن أبي الصلت ","part":1,"page":374},{"id":337,"text":" الأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا وفيها نوأد ... \r\n فسماها أما لنا من حيث كان منها ابتداء خلقنا وإليها مرجعنا \r\n ونظيره أيضا قوله تعالى حتى يطهرن قرىء بالتخفيف والتشديد فمن قرأها بالتخفيف أراد انقطاع الدم لا يحتمل اللفظ غيره ومن قرأها بالتشديد كان محتملا لانقاطع الدم لأنه يقال طهرت المرأة وتطهرت بمعنى واحد فاحتمل أيضا الاغتسال فلما احتمل معنيين وجب حمله على مالا يحتمل إلا وجها واحدا وهو انقطاع الدم \r\n وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول أيضا في قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين إن قراءة النصب لا تحتمل إلا عطفها على الغسل وقراءة الخفض تحتمل عطفها على الغسل وتكون مخفوضة بالمجاورة ويحتمل عطفها على المسح ","part":1,"page":375},{"id":338,"text":" فلما احتملت قراءة الخفض وجهين ولم تحتمل قراءة النصب إلا وجها واحدا وجب أن تكون قراءة معنى الخفض محمولة على قراءة النصب فتكون الرجل مغسولة \r\n فإن قال قائل ذكرت أن المتشابه ما يحتمل الوجوه المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا وقد قال الله تعالى كتابا متشابها مثاني فسمى الجميع متشابها وليس الجميع محتملا للوجوه \r\n قيل له قد بين في آية أخرى أن بعضه متشابه في قوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فجعل البعض متشابها ويحتمل أن يكون المراد بقوله كتابا متشابها أن بعضه متشابه كما قال مثاني وإنما بعضه مثاني لا جميعه وهي سور معدودة \r\n وقيل إنه فاتحة الكتاب لأنها تثنى في كل ركعة وكقوله تعالى وكذب به قومك والمراد بعضهم وكقول النبي صلى الله عليه و سلم اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف وإنما أراد كفار مضر دون مؤمنيهم ","part":1,"page":376},{"id":339,"text":" وأيضا يحتمل أن يريد بقوله متشابها أي متماثلا غير مختلف المعنى اختلاف تضاد وإن اختلف اللفظ كما قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا يعنى اختلاف التضاد وليس ذلك موجودا في القرآن بل كله متفق المعنى في الإتقان والحكمة وجهة الدلالة ويكون قوله تعالى وآخر متشابهات معناه متشابهات في الظاهر لأنه يشبه المحكم من وجه ويشبه غيره من وجه فيجب حينئذ حمله على ما يوافق المعنى ويشبهه دون ما يخالفه وكذلك يجب هذا الاعتبار في كل ما جاء في القرآن من المتشابه في ذكر صفات الله تعالى وافعاله مما يحتمل في اللغة معنيين فهو محمول على المحكم الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا وكذلك ما احتمل من ذلك معنيين وأحدهما يجوزه العقل والثاني لا يجوزه فهو محمول على ما يجوز في العقل دون مالا يجوز لأن العقل أصل وهو حجة الله تعالى يجب به اعتبار ما يجوز مما لا يجوز ","part":1,"page":377},{"id":340,"text":" @ 378 @ ","part":1,"page":378},{"id":341,"text":" الباب العشرون في العام والخاص والمجمل والمفسر ","part":1,"page":379},{"id":342,"text":" @ 380 @ ","part":1,"page":380},{"id":343,"text":" باب القول في العام والخاص والمجمل والمفسر \r\n قال أبو بكر \r\n إذا وردت آية عامة توجب حكما ووردت آية خاصة توجب حكما بضد موجب الآية العامة فإن ذلك ليس يخلو من أحد وجوه أربعة ","part":1,"page":381},{"id":344,"text":" @ 382 @ ","part":1,"page":382},{"id":345,"text":" إما أن يعلم ورود الآية الخاصة بعد استقرار حكم العامة والتمكين من فعله \r\n أو يعلم نزول الآية الخاصة واستقرار حكمها ثم نزول الآية العامة بعدها \r\n أو يعلم ورودهما معا متصلا بعضها ببعض كاتصال الاستثناء بالجملة \r\n أو لا يعلم تاريخ نزولها \r\n فأما الوجه الأول أن يكون العموم متقدما ويرد الخصوص بعد استقرار حكمه والتمكين من فعله فإن ذلك نسخ لبعض ما اقتضاه بقدر ما قابله منه ولا يكون ذلك تخصيصا لأن التخصيص بمنزلة الاستثناء يبين أن ما خص منه لم يكن مرادا بلفظ العموم ولا يجوز أن يتأخر بيان ما كان هذا سبيله لأنه يوجب اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه من مراد الله تعالى بلفظ الآية فلذلك لم يجز أن يستقر الحكم عليه ثم يرد لفظ ","part":1,"page":383},{"id":346,"text":" التخصيص الموجب للحكم بضده إلا على وجه نسخ ذلك نحو قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فكان هذا حكما ثابتا على قاذف الأجنبيات والزوجات بدلالة أن هلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك بن سحماء قال له النبي صلى الله عليه و سلم ائتني بأربعة يشهدون وإلا حد في ظهرك وقالت الأنصار الآن يجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين \r\n وقال عويمر العجلاني أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ ثم أنزل الله آية اللعان فنسخ الحد عن قاذف الزوجات بعد ثبات حكمه فهذا وما أشبهه نسخ ليس بتخصيص لأنه لا يمنع أن تكون الآية الأولى قد أريد بها عموم الحكم وقت ورودها فيما اشتملت عليه من ","part":1,"page":384},{"id":347,"text":" المسميات وهذا لا يخالف فيه إلا من جوز تأخير بيان العموم الذي يمكن استعماله في مقتضى لفظه وإن كان قائله ليس ممن يعتد به لجهله بما يجوز على الله تعالى مما لا يجوز \r\n وأما إذا تقدم لفظ الخصوص واستقر حكمه ثم ورد العموم بضد موجب حكم الخصوص فإن ذلك عندنا يوجب نسخ ما تضمنه لفظ الخصوص من الحكم متى لم تقم دلالة من غيره على أن العموم مرتب على الخصوص وكذا كان يحكي شيخنا ان مذهب اصحابنا ومسائلهم تدل عليه \r\n وقد جعل أبو حنيفة قوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء منسوخا بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم لأنه نزل بعده \r\n وقال مخالفنا بترتيب العموم وبنائه على الخصوص \r\n والدليل على صحة قولنا أن العموم حكمه فيما تضمنه لفظه وهو فيما وصفنا موجب لنفي الحكم الخصوص المتقدم له لأنه اسم له ولغيره مما اشتمل عليه لفظه فكأنه ذكر ما تضمنه لفظ الخصوص وذر غيره معه لا ينفي ان يكون ما قابل الخصوص منه مذكورا موجبا للحكم بخلاف حكم الخصوص \r\n نظير ذلك قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد ","part":1,"page":385},{"id":348,"text":" عن سبيل الله وقوله تعالى لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام فاقتضى ذلك النهي عن القتال في الشهر وهو خاص فيما ورد فيه ثم قال بعد ذلك فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وكان في هذه الآية الامر بقتل المشركين عامة من غير تخصيص وقت من وقت فأوجبت نسخ القتال في الشهر الحرام لاشتمال اللفظ على قتلهم عامة من غير تخصيص منه فيه للشهر الحرام فلو لم يذكر في هذه الآية إلا الأمر بالقتال في الشهر الحرام لكان ما ذكره من حظره فيه منسوخا به \r\n فإذا وردت الإباحة بعموم لفظ تناول إباحته للشهر الحرام وفي غيره لم يجز لنا أن نجعله مرتبا على الخصوص بل واجب أن يكون قاضيا عليه ناسخا له كما ينسخه لو اباحه منفردا بذكره دون غيره \r\n وأيضا فمن حيث كان ورود الخصوص بعد استقرار حكم العموم ناسخا لما قابله منه وجب أن يكون العموم الوارد بعد استقرار الخصوص ناسخا له \r\n فإن قال قائل إنما يسوغ اعتبار العموم فيما ذكرت إذا لم يتقدمه لفظ خصوص بخلاف حكمه ","part":1,"page":386},{"id":349,"text":" فأما إذا كان الخصوص متقدما فالواجب أن يكون العموم مبيا عليه \r\n قيل له ولم قلت ذلك \r\n ألأن ما ور بلفظ الخصوص لا يجوز نسخه بعد ثوب حكمه فان قال نعم \r\n قيل له انما الكلام بيننا وبنيك فيما يجوز نسخه لو أفرد به فقلنا لا فرق بين إفراده بلفظ خاص لا يزيد عليه فيما تضمنه من الحكم يوجب نسخه وبين وجوب نسخه وبين وجوب نسخه بلفظ عموم يشتمل عليه وعلى غيره \r\n وإذ جاز نسخه فما الذي يمنع اعتبار العموم الوارد بعده بإيجاب نسخه وما الفرق بين أن يرد بعد الخصوص لفظ يقابل الخصوص لا يزيد عليه بخلاف حكمه وبين أن يرد لفظ عموم ينتظم الخصوص وغيره \r\n ولا خلاف بيننا أنه لو اختص في الحكم الثاني على مقدار ما يقابل الخصوص المتقدم كان ناسخا له فهلا لزمت هذا الاعتبار في إيجياب نسخه إذا ذكر ما يتناول لفظ الحكم المتقدم ويزيد عليه \r\n فإن قال لأن الحكم الخاص متيقن بثبوته ونسخه بالعام غير متيقن إذ جائز أن يكون العام مبنيا عليه فلم يجز نسخه بالشك \r\n قيل له ما معنى قولك ان الحكم الخاص متيقن ثبوته أعنيت به أن كان متيقنا قبل ورود العام الموجب للحكم بخلافه أو أردت أنه متيقن بعد ورود العام \r\n فإن قال أردت أنه كان متيقنا قبل ورود اللفظ العام \r\n قيل له فهذا ما لا يخالف فيه وليس هو موضوع المنازعة فما الدلالة منه على ","part":1,"page":387},{"id":350,"text":" انتفاء نسخه بالعموم الوارد بعده \r\n فإن قال إنما أردت أنه متيقن بعد ورود العموم \r\n قيل له ولم قلت ذلك وهو موضع الخلاف بيننا وبينك فكأنك إنما ذكرت صورة المسألة التي منها الخلاف وجعلتها دلالة على نفسها \r\n فإن قال لما كان الحكم الأول متيقنا وجب البقاء على ما كنا عليه حتى يثبت زواله \r\n قيل له ومن أين وجب ما قلت والأول إنما كان متيقنا متفقا على ثبوته قبل ورود لفظ العموم بخلاف حكمه فما الدلالة من هذا الأصل على بقاء حكمه بعد ورود لفظ العموم بخلافه فلا يرجع به عليه إذا حققت عليه المطالبة إلا إلى دعوى عارية من البرهان \r\n ثم يقال له ما أنكرت أن الحكم بما اشتمل عليه لفظ العموم لما كان متيقنا ألا يخص منه شيء بما تقدم لفظ الخصوص بالشك \r\n فإن قال لا يكون موجب حكم العموم متيقنا مع تقدم لفظ الخصوص \r\n قيل له ولا يكون بقاء حكم الخصوص متيقنا مع ورود لفظ العموم الموجب للحكم بخلافه \r\n فإن قال لأن الخصوص مع العموم بمنزلة الاستثناء مع الجملة \r\n قيل له ولم قلت ذلك والاستنثاء لابد من أن يكون متصلا بالجملة ثابت الحكم معه فما الدليل على بقاء حكم الخصوص بعد ورود العموم بخلافه حتى يجعله منزلة الاستثناء \r\n فإن قال لأن في بناء العام على الخاص استعمال اللفظين جميعا وفي إثبات النسخ إسقاط أحدهما واستعمالها جميعا أولى من إسقاط أحدهما بالآخر ","part":1,"page":388},{"id":351,"text":" قيل له وفي بناء العموم عليه اسقاط حكم العموم فيما قابل الخصوص منه فلم جعلت إسقاط ذلك أولى من اسقاط حكم الخصوص المتقدم له \r\n ومعلوم أن استعمال حكم العموم فيما لم يقابل الخصوص عنه غير متعلق باستعمال الخصوص \r\n وإنما يجب أن يعتبر الاستعمال فيما تعارض فيه لفظ الخصوص والعموم فلا معنى لقولك أن استعمالهما أولى من الاقتصار به على أحدهما لأنك لم تستعمل مما قابل الخصوص من لفظ العموم شيئا قط فصار ما قابل العموم من لفظ الخصوص كخبرين متضادين أحدهما متأخر عن الآخر فيجب استعمال الآخر منهما ويكون الأول منسوخا به وكل ما اعتل به خصمنا فيه لإثبات الخصوص عورض به بمثله في إثبات ما قابله من العموم ثم يكون لقولنا مزية في إثبات حكم العموم ليست له في إثبات الخصوص وهي وروده بعده وإلا يقضتي على الأول وينسخه والول لا يقضي على الآخر فصار العموم أولى \r\n ومن جهة أخرى إن بناء العام على الخاص ينقل لفظ العموم عن حقيقته إلى المجاز ويجعل وقوع العلم بموجبه فيما عدا الخصوص من طريق الاجتهاد بعد أن كان موجبا للعلم بمقتضاه وما اشتمل عليه لفظه وفي وجوب حمل لفظ العموم على الحقيقة وامتناع صرفه ","part":1,"page":389},{"id":352,"text":" الى المجاز ما يوجب أن يكون ناسخا للخصوص المتقدم \r\n فإن قال قائل لما احتمل العام أن يكون مبنيا على الخاص ولم يحتمل الخاص أن يكون مبنيا على العام وجب حمل ما فيه احتمال على مالا احتمال فيه \r\n قيل له ان قولك إن العام يحتمل أن يكون مبنيا على الخصاص غلط لأن العموم حكمه فلا احتمال فيه لغيره وإنما يطلق الاحتمال في اللفظ الذي يصلح لأحد شيئين ويحتمل كل واحد منهما ولا يجوز أن يرادا به جميعا مثل القرء المحتمل للحيض والطهر \r\n وأما العموم فمنتظم لجميع ما اشتمل عليه من مسميات فلا احتمال فيه لغيره \r\n وإذا كان ذلك كذلك فالعموم غير محتمل لكونه مبنيا على الخصوص كما قلت إن الخصوص غير محتمل لكونه مبنيا على العموم فقد استويا في هذا الوجه من باب الاحتمال وانفصلنا نحن منكم بورود العموم بعد الخصوص وكونه ناسخا له على ما بينا \r\n وذكر بعض من احتج على عيسى بن أبان في هذا الباب ألفاظا من العموم مبنية على الخصوص رام بها دفع هذه المقالة فمنها ما فساده أظهر من أن يحتاج الى كشفه ومنها ماهو ظاهر من بناء العام على الخاص وجميع ما ذكره وأطال القول فيه يسقط بحرف واحد نحن نذكره ثم نشرع في بيان خطئه في كل شيء أتى به على حياله وتوضيح أن أكثره موضوع في غير موضعه فنقول \r\n إن جميع ما ذكره هذا الرجل لو سلم له على حسب ما ادعاه لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف بيننا لأنا لا ننكر بناء العام على الخاص فنستعملها ","part":1,"page":390},{"id":353,"text":" في حال إذا قامت دلالته ونقضي بالعام على الخاص في حال أخرى فنوجب نسخه به فلا دلالة له فيما ذكره على موضع الخلاف وإنما كان يلزمنا ما ذكر لو قلنا إنه لا يجوز بناء العام على الخاص بحال فهذا يسقط جميع ما ذكره إلا أنا مع ذلك لا ندع الإبانة عن خطئه فما أورده \r\n فمما ذكره هذا الرجل قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر قال فهذا عام وقوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وهذا خاص قضى على العام فيقال له هذا ما لا يعترض على موضع الخلاف لأنا إنما قلنا نقضي بالعام على الخاص إذا ورد بعد استقرار حكم الخاص وأما إذا لم نعلم تاريخهما فإنا قد نبني العام على الخاص إذا قامت دلالته \r\n وأيضا فإن في سياق الآية ما يوجب خصوصها وهو قوله تعالى ولا تسرفوا وأكل المال بالباطل من الإسراف فلا يحتاج إلى تخصيصها بغيرها \r\n وذكر أيضا قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح \r\n قال فلم يدل ذلك على جواز عفو المحجور عليه \r\n قال أبو بكر \r\n ونسي أن المحجور عليه ليس بيده عقدة النكاح \r\n وعلى أنه لو كان فيها تخصيص كان بدلالة ","part":1,"page":391},{"id":354,"text":" وذكر قوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وأنه لم ينسخه قوله لا صلاة إلا بطهور وليس هذا مما نحن فيه في شيء لأن الصلاة اسم شرعي موقوف المعنى على الدلالة فقوله فليصلها اذا ذكرها معناه ما تكون صلاة في الشرع ومن فعلها بغير طهور لم يكن مصليا وقوله عليه السلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور بيان أن الصلاة ما هي الا تخصيص فيه \r\n وأيضا فإن قوله فليصها إذا ذكرها أمر بقضاء الفائتة والفائتة إنما كانت صلاة بطهارة ولم تكن صلاة قبل فواتها إلا بهذا الوصف كما لم تكن صلاة الا بركوع وسجود وسائل شرائطها فانما أمر بقضاء الفائتة على الوصف الذي حصل عليه الفوات فأي تخصيص في ذلك إذ جمعنا إلى ذلك شرط الطهارة في الصلاة ","part":1,"page":392},{"id":355,"text":" قال هذا الرجل \r\n وبالذهاب عن هذه الجملة خاصمت قريش النبي صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون حتى ورد إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وهذا أبعد من الاول في جهة الدلالة منه على موضع الخلاف \r\n وذلك أن قوله تعالى وما تعبدون من دون الله لم يتناول قط غير الأصنام التي عبدت من دون الله لأن ما في اللغة لغير العقلاء ومن للعقلاء فمن اعترض عليه بعبادة المسيح والملائكة صلوات الله عليهم فقد تعسف وذهب عن معنى الآية \r\n وقد علمت قريش أن هذا اللفظ لم يناول غير الأصنام ولكنها اعترضت بما ذكرت من عبادة المسيح والملائكة متعنتين له فقال إن كانت هذه الاصنام في النار لأنها عبدت من دون الله فقد يجب مثل ذلك في الملائكة والمسيح لأنهم عبدوا من دون الله \r\n ولكنه أخبر بما يفعله بها في الآخرة والله تعالى لم يقل إن الأصنام في النار لأنها عبدت من دون الله ولكنه أخبر بما يفعله بها في الآخرة تعبير للكفار وإظهارا لتكذيبهم بأنهم يقربونهم الى الله زلفى ","part":1,"page":393},{"id":356,"text":" وليس يجب إذا أخبر أنه يجعل الأصنام مع عبدتها في النار أن يكون كذلك حكم الملائكة والمسيح لأنهم من أنبياء الله تعالى وأوليائه ومن لا يجوز أن يعذبهم في الآخرة \r\n ثم لم يدعهم وما اعترضوا به حتى أنزل إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وعلى ان ما سبق من وعد الله تعالى أنبياءه وأولياءه الجنة خبر لا يجوز النسخ والتبديل في مخبره \r\n وقوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى خبر ورد بعده فلا بد له وإن كان مخرجه مخرج عموم من أن يكون مرتبا عليه كما يكون العموم مرتبا على أحكام العقل التي لا يجوز فيها النسخ والتبديل \r\n وذلك ضرب من الدلالة على وجوب ترتيب أحدهما على الآخر وقد عقدنا في أصل المذهب جواز ذلك بدلالة \r\n وأيضا فإن قوله تعالى وما تعبدون من دون الله لم يرد إلا مرتبا على ما في العقل من امتناع جواز تعذيب الملائكة والمسيح في الآخرة \r\n وذكر أيضا قول النبي صلى الله عليه و سلم لأبي بن كعب ألم يقل الله تعالى استجيبوا لله وللرسول حين دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه ","part":1,"page":394},{"id":357,"text":" قال أبو بكر \r\n وهذا عليه دلالة لأن النبي صلى الله عليه و سلم أخبره أن قوله تعالى استجيبوا لله وللرسول قاض على النهي عن الكلام في الصلاة والآية عامة والنهي عن الكلام في الصلاة خاص فأعلمه عليه السلام ان العام قاض على الخاص والإكثار من مثل هذه الاعتراضات التي ذكرها هذا الرجل إنما يطول بها الكتاب من غير تحصيل ولا فائدة \r\n لأن النكتة التي عليها مدار الباب ان العام قد بني على الخاص بدلالة وقد يقضي عليه اذا لم تقم دلالة الترتيب وكل موضع بنى فيه العام على الخاص فلم يخل من دلالة أوجبته \r\n وذكر غيره في نحو هذا قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وقوله تعالى ومن الذين أوتوا الكتاب وليس في ذلك ترتيب عام على خاص لأن قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن لم يتناول الكتابيات عندنا لما بيناه فيما ","part":1,"page":395},{"id":358,"text":" سلف من أن إطلاق اسم المشرك يتناول عبدة الأوثان وعلى أنه لو كان عموما لم يعترض على ما ذكرنا من وجهين \r\n أحدهما أنا إنما قلنا إن العام ينسخ الخاص إذا ورد بعد استقرار حكمه وليس عندنا علم ذلك في هاتين \r\n والثاني أنا إنما رتبنا العام عليه لاتفاق السلف عليه إذا لم يعلم تاريخ نزولهما \r\n ونظائر ذلك كثير في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم وقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم إلى آخره وقوله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض \r\n وكل ذلك إنما وجب فيه الترتيب لدلائل أوجبته واعتراض مخالفنا علينا بمثل ذلك كاعتراض نفاة العموم بالآي التي ظواهرها العموم والمراد بها الخصوص واستدلالهم بها على نفي القول بالعموم فقلنا لهم إن الأصل العموم وصرنا إلى الخصوص بدلالة كما أن الأصل في الكلمة الحقيقية ولا تصرف إلى المجاز إلا بدلالة \r\n كذلك نقول فيما قد ذكرنا أنا قد دللنا على صحة المقالة بما وصفنا \r\n وكل موضع أريتمونا فيه الترتيب فإنما رتبناه بدلالة فلا يقدح ذلك في أصل المقالة كما لا يقدح وجود لفظ مراده الخصوص في أصل القول في العموم ","part":1,"page":396},{"id":359,"text":" قال أبو بكر \r\n وقد وجدنا في القرآن والسنة عموما قضى على الخصوص نحو قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير إلى آخرها وقوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين عموم نسخ به حظر القتال في الشهر الحرام ان كان بعض السلف قد خالفنا فيه جميعا وزعم أن 2النهي عن القتال في الشهر الحرام ثابت غير منسوخ وهو مذهب عطاء بن رباح \r\n وقد ذكر عيسى بن أبان في نحو ذلك أشياء منها قول النبي صلى الله عليه و سلم لا وصية لوارث عام نسخ به الوصية للوالدين والأقربين وقوله وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج وجميع ذلك خاص نسخه العام \r\n قال أبو بكر \r\n وقوله من بعد وصية يوصى بها أو دين يوجب نسخ ذلك أيضا لأن قوله تعالى من بعد وصية اقتضى وصية منكورة لمن كانت من الناس وجعل باقي المال بعد الوصية للورثة وقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين وقوله وصية لأزواجهم اقتضى وجوب الوصية لهم وهو خاص نسخه قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين وهو عام لأنه اقتضى جواز وصية لمن كان من ","part":1,"page":397},{"id":360,"text":" الناس ويجعل الباقي للورثة فلا يبقى للوالدين والأقربين ولا للزوجة وصية فقد دل هذا على أن هذه الآية قد اقتضت نسخ إيجاب الوصية للوالدين والأقربين \r\n قال عيسى بن أبان وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم قطع المستعيرة وروي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال لا قطع على حائز فقضى بذلك على الخاص وقامر أبو بكر رضي الله عنه المشركين حين نزلت آية ألم غلبت الروم ثم نسخها عموم تحريم القمار \r\n قال وتحريم الربا مجمل نسخ كل ربا كان من قرض أو بيع أو غيره \r\n قال أبو بكر \r\n ويدل على أن العام يقضي على الخاص إذا ورد بعده قول أم سلمة للنبي صلى الله عليه و سلم حين صلى في بيتها ركعتين بعد العصر ما هاتان الركعتان وقد كنت نهيت عنهما فقال ركعتان كنت أصليها فشغلني عنهما الوفد ولم يقل لها ان اعتبارك هذا لا يجوز بل بين لها جهة الخصوص وروي أنها قالت أونقضيهما إذا فاتتا قال لا فيقال لهذا الرجل إذا كنت قد وجدت عاما قضى على خاص ونسخه وعاما مرتبا على خاص فلم جعلت ما وجدت من نسخ فيهما قاضيا بوجوب الترتيب في كل حال دون أن تجعل ما وجدت من نسخ الخاص بالعام موجبا لكون الخاص منسوخا بالعام أبدا حتى تقوم دلالة الترتيب فلا يمكنه الانفصال من ذلك إذ كان أكثر حجاجه في الباب الاقتصار على ما ","part":1,"page":398},{"id":361,"text":" وجد من الترتيب والاستدلال به على وجوب اعتباره في كل حال وعلى أن صاحبه قد خالف هذا الأصل الذي رام هذا الرجل نصرته بما هو أبعد من نسخ الخاص بالعام \r\n وذلك لأن الشافعي رحمه الله قال في قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم أنه ناسخ لقوله تعالى في ذكر الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ومعلوم أن قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم خاص ورد في شأن الرجعة \r\n وقوله تعالى أو آخران من غيركم خاص أيضا في شأن الوصية في السفر فكيف تعترض إحدى الآيتين وكل واحدة منهما واردة في غير ما وردت فيه الأخرى وهذا أبعد من نسخ الخاص بالعام وإنما يصح الاحتجاج في مثل هذا بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ","part":1,"page":399},{"id":362,"text":" تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى قوله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا إلى قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء وقد يكون حين الوصية عقود المداينات وإملاء الحق الذي على المدين وهذه الإية منتظمة لحال الوصية وغيرها فصارت ناسخة لقبول شهادة أهل الكفر في الوصية لأن الوصية قد تشتمل على ذكر الدين \r\n وإذا ثبت بهذه الآية بطلان شهادة أهل الكفر على إملاء الحق على وجه الوصية يثبت بطلانها في سائر وجوه الوصايا لن أحدا لم يفرق بينهما فهذا عام قد نسخ عند عامة الفقهاء حكما خاصا في شأن الوصية \r\n وإن كان بعض الناس يرى حكم الآية ثابتا في جواز شهادة أهل الكفر على وصية المسلم في السفر وهو مذهب أبي موسى الأشعري في آخرين من التابعين كمجاهد ","part":1,"page":400},{"id":363,"text":" وعبيدة السلماني وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب وجعل الشافعي قول النبي صلى الله عليه و سلم لأنيس واغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قاضيا على قصة ماعز في اعتبار الاقرار اربع مرات فقصة ماعز خاصة مفسرة وقصة أنيس عامة هذا مع احتمال لفظه لموافقة قصة ماعز لأن ما دون الاربع مرات من الإقرار يجوز أن لا يكون اعترافا ف يالحكم ومع احتمال أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم اقتصر في تركه عدد الاقرار على علم أنيس بأن الاعتراف الموجب للرجم هو الاقرار أربع مرات ","part":1,"page":401},{"id":364,"text":" وقال الشافعي الوضوء مما مست النار منسوخ بأكل النبي صلى الله عليه و سلم خبزا ولحما ولم يتوضأ فنسخ العام بالخاص لأن الوضوء مما مست النار عموم في الخبر واللحم وغيرهما وتركه الوضوء من الخبز واللحم خصوص في هاتين الصفتين ممن ينسخ العام بالخاص مع امتناع وقوع النسخ في مثله بنفس اللفظ غير جائز له الامتناع من إيجاب نسخ الخاص بالعام المشتمل عليه وعلى غيره \r\n وإن قال قائل قد أوجبتهم أنتم نسخ الوضوء مما مست النار بتركه الوضوء من الخبز واللحم \r\n قيل له ليس الأمر فيه على ما ظننت وذلك ان لنا أصلا في قبول الاخبار وشرائط نعتبرها فيه متى خرج الخبر عنها لم نقبله وهو أن ما كان بالناس الى معرفته حاجة عامة فغير جائز وروده من جهة الآحاد \r\n فلما كانت الحاجة الى معرفة الوضوء مما مست النار عامة ولم يرد إيجاب الوضوء منه الا من طريق الآحاد لم يثبت ايجاب الوضوء منه وحملنا معنى الحديث على غسل اليدين دون وضوء الصلاة \r\n وقد قال الشافعي قول النبي صلى الله عليه و سلم إن شرب الخمر في الرابعة فاقتلوه ","part":1,"page":402},{"id":365,"text":" منسوخ بقوله صلى الله عليه و سلم لا يحل دم امرىء مسلم الا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنى بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس وهذا عام نسخ به خاصا مع وجود الخلاف في قتل شارب الخمر في الرابعة لان الحسن روى عن عبدالله بن عمر أنه قال ائتوني بمن شرب الخمر في الرابعة فإني اقتله وهذا الاعتبار الذي ذكرنا من القضاء بالعام على الخاص موجود عن الصحابة رضى الله عنهم مستفيض من مذهبهم وما نعلم أحدا من السلف روي عنه المذهب الذي ذهب اليه مخالفونا في هذا الباب ومما روي عن السلف في ذلك قول أمير المؤمنين على رضى الله عنه في الجمع بين الاختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية وروي عنه ان التحريم اولى فقضى بقوله تعالى وأن تجمعوا بين ","part":1,"page":403},{"id":366,"text":" الأختين على ملك اليمين والنكاح ولم يجعله مترتبا على قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول أحلتهما آية وحرمتهما آية \r\n وروي عنه ان التحليل أولى فقضى بقوله تعالى إلا ما ملكت ايمانكم على تحريم الجمع بين الاختين ويجوز ان يكون ذهب فيه الى قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وهو عموم وتحريم الجمع خاص وقد كان ابن عمر اذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال إن الله تعالى حرم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الشرك شيئا أكثر من قول المرأة عيسى أو عبد من العباد الله عز و جل فاحتج بعموم ","part":1,"page":404},{"id":367,"text":" قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات فجعله قاضيا على قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم \r\n وقيل لابن عمر إن ابن الزبير يقول لا يحرم الرضعة ولا الرضعتان فقال قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير قال الله وأخواتكم من الرضاعة وعارضت عائشة ما روي عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه و سلم وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال إنهم الآن يسمعون ما أقول فقالت قال الله تعالى فإنك لا تسمع الموتى وهل ابن عمر إنما قال إنهم الآن ليعلمون إن الذي كنت أقول لهم الحق وردت حديث الميت يعذب ببكاء أهله عليه بقول الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وكانت عائشة وابن عباس رضي الله عنهما يردان حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير بقول الله تعالى قل لا أجد فيها أوحي إلي محرما وجعل عمر وعبدالله بن مسعود وابن عمر وأبو مسعود البدري قول الله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن قاضيا على قوله تعالى يتربصن ","part":1,"page":405},{"id":368,"text":" بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وهذا خاص في المتوفى عنها زوجها والاول عام فيها وفي غيرها ونظائر ذلك عن السلف اكثر من أن يحتمل ذكرها هذا الكتاب وفيما ذكرنا ما يوضح عن مذهب السلف فيه \r\n وأما إذا ورد لفظ العموم والخصوص في خطاب واحد فإنهما يستعملان جميعا لأن لفظ التخصيص إذا ورد مع العام فهو بمنزلة الاستثناء مع الجملة وهذا لا خلاف فيه وذلك نحو قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ثم قال في سياق خطاب الآية فمن اضطر في مخمصة فخص حال الاضطرار من الجملة قبل اسقرار حكمها فصار عموم اللفظ مبنيا على الخصوص المعطوف عليه وذلك نحو قول الله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا فخص الربا بالتحريم من جملة ما أحله من البيع في خطاب واحد ولو لم يخصه لكانت الإباحة عامة في سائر البياعات ربا كان أو غيره ونحوه في الاخبار قول الله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا فلولا التخصيص لعم سائرهم فلما قال في سياق الخطاب ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول صار أول الخطاب مبنيا عليه ونظائر ذلك كثير ","part":1,"page":406},{"id":369,"text":" فأما إذا ورد العام والخاص ولم يعلم تاريخ واحد منهما فإن عيسى بن ابان ذكر حكم الخبرين إذا وردا بهذا الوصف فقسمهما اقساما أربعة فقال ","part":1,"page":407},{"id":370,"text":" إما أن يعمل الناس بها جميعا فيستعملان ويرتب العام على الخاص كنهي النبي صلى الله عليه و سلم عن بيع ماليس عند الانسان ورخصته في السلم بكيل معلوم ووزن معلون الى أجل معلوم \r\n أو يتفقوا على استعمال أحدهما دون الآخر العمل على ما اتفقوا عليه والاخر منسوخ \r\n أو يختلفوا في ذلك فيعمل بعض الناس بأحد الخبرين والعامة تخالفه وتعيب عليه ما ذهب اليه فلا يلتفت الى قوله فالعمل على ما عليه العامة \r\n قال أبو بكر \r\n ونعني بالعامة عامة فقهاء السلف نحو حديث ابي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد وروى أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إنما الربا في النسيئة والأمر على حديث ابي سعيد لأنه مفسر لا يحتمل المعاني وحديث اسامة يحتمل المعاني فإما أن يكون منسوخا أو محمولا على موافقة الأول في الجنسين \r\n وقال عيسى أيضا في الخبرين المتضادين إذا عمل الناس بالأول منهما والذي يعمل بالآخر شاذ خامل \r\n ويسوغ الأولون الاجتهاد لهؤلاء وكان سبيله الاجتهاد لانهم قد سوغوه وإن عابوه عليهم فالعمل على الأول ولا يعمل بالآخر ","part":1,"page":408},{"id":371,"text":" قال أبو بكر \r\n وهذا يدل على أن مراده بقوله في العام والخاص فعمل بعض الناس بأحد الخبرين والعامة تخالفه أن المنفرد واحد شاذ لا يعترض بمثله على خلاف الجماعة في ذلك \r\n قال عيسى وإن وجدنا الناس مختلفين في العام والخاص يدخل بعضهم الخاص في العام ويخرجه بعضهم منه وسوغ كل فريق لصحابه ما ذهب اليه فيه كان أحد الحديثين عندنا ناسخا لصاحبه فلم نعرف الناسخ منهما بعينه واختلفوا فيه بالاجتهاد وسوغ كل واحد منهما لصاحبه ما ذهب إليه \r\n ولو كان أحدهما لا ينقض الاخر لم يجز للناس الاختلاف فيهما ويعملوا بهما جميعا كما عملوا بالسلم وبكراهة بيع ما ليس عنده قال ومن ذلك النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر وروي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحد يطوف بهذا البيت ويصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار وأنه رأى رجلين لم يصليا ","part":1,"page":409},{"id":372,"text":" معه الغداة فقال إذا صليتما في رحالكما وجئتما فصليا فإنها لكما نافلة فقال ناس النهي ناسخ للإباحة وقال آخرون هو مخصوص كالسلم وبيع ما ليس عند الانسان فلما اختلفوا ووجدنا رواة النهي عمر وعائشة وابا سعيد الخدري فذكر هو ذلك بعد الطواف فلو كان مخصوصا كانوا اعلم به \r\n قال أبو بكر رحمه الله \r\n الذي حصل من قول عيسى في هذا الباب ان الخاص والعام اذا وردا وعريا من دلالة النسخ أنهما يستعملان جميعا على الترتيب وأنه إن اختلف السلف فيهما دل ذلك على ان احدهما ناسخ للآخر لأنه لولا ثبوت النسخ لكان بابهما الترتيب عند الجميع ولما اختلفوا فيه وما ذكره من ان اتفاق السلف هو المعتبر في استعمال ذلك فهو صحيح لأن اتفاقهم حجة \r\n فعلى أي وجه حصل اتفاقهم من استعمال الخبرين على الترتيب أو القضاء بالعام ","part":1,"page":410},{"id":373,"text":" على الخاص فهو صحيح لا يجوز العدول عنه وإن اجمع الجميع على استعمال أحدهما إلا واحدا شذ عنهم وعابوا على الواحد ما ذهب إليه فالعمل على ما اجتمعت عليه الجماعة \r\n قال أبو بكر \r\n فهذا الفصل من قوله يحتمل وجهين \r\n احدهما انه لم يعد ذلك الشاذ خلافا على الجمهور وإن كان من أهل عصرهم وإن شرط الإجماع عنده اتفاق مثل هذه الطائفة وأن من انفرد عنهم كان شاذا على مذهب من لا يعد الواحد ولا الاثنين من أهل العصر خلافا على عظم الفقهاء \r\n والوجه الآخر أنه يعتد بخلاف هذا الواحد عليهم اذا كان من أهل العصر في حكم الحادثة التي لا أثر فيها إلا أنه لا يعتد به في الخاص والعام والخبرين المتضادين من جهة أنه جعل اجتماع الجمهور على حكم احد الخبرين وإظهارهم النكير على من شذ عنهم مقويا لخبرهم ودالا على أنهم قد علموا نسخ الخبر الآخر بخبرهم الذي اتفقوا على استعماله لولا ذلك لما ساغ لهم النكير على مخالفهم في ذلك وهو مما يسوغ الاجتهاد فيه فدل إظهارهم النكير على من شذ عنهم في مخالفتهم وفي اعتصامه بالخبر الذي صار اليه على أنهم قد علموا نسخه بما علموا من الخبر الذي رووه ولأن ما عملوا به لوكان هو المنسوخ لكانوا هم أولى بعلمه من المنفرد الشاذ ","part":1,"page":411},{"id":374,"text":" فجعل ما وصفنا دلالة على أن ما اتفقت عليه الجماعة هو الناسخ وأن الآخر منسوخ به وهذا أظهر الوجهين عندي وأولاهما بمراده فيما ذكره لأنه لو كان إنما جعل قول الجمهور أولى لأنه لم يعتد بخلاف المنفرد عنهم لما اختلف عنده في ذلك حكم ذلك المنفرد في حال ظهور النكير من الجماعة عليه فيما صار إليه أو تركه النكير عليه لأن من لا يعتد بخلافه لا يختلف حاله في ظهور النكير عليه ممن خالف عليه أو تركهم ذلك عند كثير ممن يعتد بخلاف الواحد على الجماعة \r\n وقد سوغ عيسى بن أبان اجتهاد الرأي في الخبرين المتضادين والمصير إلى قول الواحد الشاذ دون الجماعة اذا لم تعب الجماعة على الواحد ماذهب إليه من ذلك \r\n فدل ذلك من قوله على أنه لم يسقط حكم الواحد المنفرد إذا ظهر نكير الجماعة عليه في مخالفته إياهم من حيث لم يعده خلافا وأنه إنما اعتبر ما صار إليه الجماعة من حكم الخبرين لانه استدل بذلك على أنه هو الناسخ عندهم ومن أجله أنكروا على من خالفهم \r\n والدليل على صحة ما ذهب اليه من ذلك أن ما كان طريقه الاجتهاد لا يجوز ظهور النكير من بعضهم على بعض فيه فإذا وجدنا النكير ظاهرا من الجماعة على الواحد ولم يلجئوا فيما ذهبوا إليه إلا إلى الخبر الذي اعتصموا به وقد سمعوا مع ذلك خبر ","part":1,"page":412},{"id":375,"text":" المنفرد عنهم دل ذلك على انهم لم يفعلوا ذلك إلا وقد علموا ان ما صاروا إليه من حكم أحد الخبرين هو الناسخ المعول عليه دون الآخر فصار ذلك بمنزلة خبر التواتر مع خبر الواحد أنه يقضى عليه ولا يعترض به على التواتر \r\n فإن قال قائل فإن الواحد يقول للجماعة مثل ذلك فيما صار إليه من حكم الخبر الذي رواه \r\n قيل له لم يذكر عيسى أن الواحد انكر على الجماعة مصيرها إلى الخبر الذي روته كما ذكر إنكار الجماعة على الواحد ولا يدرى ما جوابه في ذلك على انا نلتزمه مع ذلك ونقول إنه لو ظهر مع ذلك في النكير من كل واحد من الفريقين على صاحبه فيما صار إليه من حكم الخبر الذي رواه كان ماذهب إليه الجماعة أولى بالحق وذلك لأن الناسخ سبيله أن يظهر كظهور الخبر المنسوخ فلو كان ما صار إليه الواحد هو الناسخ لظهر ذلك في الجماعة كظهور الأصل ولعرفته وما خفي عليها \r\n فلما لم تعرف الجماعة ذلك ناسخا وعرفت ما صارت إليه منهما ناسخا كان ماذهب إليه الجماعة أولى بالاستعمال وليس يمنع أن يخفى حكم النسخ على الواحد والاثنين فيتمسك من اجل خفائه عليه بما سمعه بدءا لانه ليس على النيبي صلى الله عليه و سلم إذا نسخ حكما قد حكم به ان يقصد به كل واحد من الناس في عينه وإنما عليه إظهاره في الجماعة وإن خفي بعد ذلك حكمه على الواحد والاثنين كان عليهما أن يصيرا فيه إلى قول الجماعة وأيضا فإذا ثبت أن اختلافهم في حكم الخبرين على هذا الوجه كان من طريق النسخ كان قول الجماعة في ذلك أولى لأن أكثر أحوالهم أن يصيروا بمنزلة الجماعة إذا روت النسخ وخالفهم الواحد والاثنان فتصير رواية الجماعة أولى من رواية المنفرد فبان بما وصفنا أن ","part":1,"page":413},{"id":376,"text":" ما صار إليه الجماعة من حكم الخبرين أولى بالاستعمال \r\n وأما إذا اختلف السلف في الخاص والعام فقضى بعضهم بالعام على الخاص وقضى بعضهم فيهما بالترتيب ولم يظهر من بعضهم النكير على بعض فيما صاروا إليه \r\n فإن ماكان طريقه الاجتهاد والاستدلال بالأصول على ما يجب من حكمهما من قبل أناقد بينا في الفصل الذي قبل هذا ان العام إذا ورد بعد استقرار حكم الخاص كان قاضيا عليه وناسخا له وإذا كان هذا هكذا واحتمل فيما وصفنا إذا لم يعلم التاريخ أن يكون الخاص وأراد بعد العام فيجب الترتيب واحتمل أن يكونا وردا معا فيجب الترتيب أيضا واحتمل ان يكون العام فيجب الترتيب واحتمل بعد استقرار حكم الخاص فيكون ناسخا له لم يجز لنا القضاء بشيء من هذه الوجوه دون الآخر لاحتمالهما كل واحد منهما فصار بمنزلة اللفظ المحتمل للمعاني المختلفة إذا ورد مطلقا وليس بعض المعاني للذي يحتمل بأولى به من بعض فيحتاج في إثبات حكمه إلى دلالة غيره وهذا صحيح على الأصل الذي قدمنا من أن ورود العام بعد استقرار حكم الخاص يوجب نسخه فمن سلم هذا الأصل ثم قال مع ذلك إني أرتب العام على الخاص مع عدم التاريخ ووجود الخلاف فيه بين السلف وتسويغهم الاجتهاد فيه بتركهم النكير على مخالفهم من غير دلالة يرجع إليها في ايجاب الترتيب كان متعسفا قائلا لما لا دليل له عليه ","part":1,"page":414},{"id":377,"text":" وأيضا فإن الخلاف إذا حصل بين السلف فيما ذكرنا والاحتمال قائم في الترتيب والنسخ على وصفنا صار حكم اللفظ بمنزلة سائر الحوادث التي يحتاج في اثبات حكمها إلى ردها إلى الأصول والاستشهاد بها عليه فلذلك لم نجز الاقدام على شيء من ذلك إلا بعد الاستشهاد بالأصول فما شهد له الأصول منهما كان أولى بالاستعمال وهو الناسخ والآخر منسوخ به \r\n وأيضا لما لم نعلم تاريخهما صار كالخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما واختلف السلف فيهما فيكون سبيله الاستدلال على الناسخ منهما بالنظائر والأصول \r\n فإن قيل قد علم ثبوت الخاص في وقت وثبوت العام أيضا واستعمالهما ممكن فلا نرفع ما تيقنا ثبوته بالشك \r\n قيل له انا وان كنا قد تيقنا ثبوتهما فلم نتيقن بقاءهما لأن العام إذا ورد بعد استقرار حكم الخاص فهو ناسخ له عندنا \r\n فإذا لم يكن معنا يقين ببقاء حكم الخاص لم يجز إثباته بالشك ووجب الرجوع إلى الدلائل في بقاء حكمه أو نفيه \r\n فإن قيل لما احتمل العام أن يكون مبنيا على الخاص ولم يحتمل الخاص أن يكون مبنيا على العام صار العام بمنزلة اللفظ المحتمل للمعاني فحمل على ما لا يحتمل إلا معنى واحدا كما يحمل المتشابه على المحكم \r\n قيل له ما لم يعلم تاريخه من العام والخاص فالاحتمال قائم في كل واحد منهما لأن ","part":1,"page":415},{"id":378,"text":" الخاص جائز أن يكون منسوخا وجائز أن يكون مخصصا له وكذلك جائز أن يكون ناسخا وجائز أن يكون مخصوصا \r\n فلما كان الاحتمال قائما في كل واحد منهما سقط قول القائل إن العام فيه احتمال ولا احتمال في الخاص \r\n وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول إن مذهب أبي حنيفة في الخاص والعام أنه متى اتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر اكان ما اتفق على استعمال حكمه منهما قاضيا على ما اختلف فيه وقد رأيت هذا المعنى لعيسى بن أبان أيضا وذلك نحو ماروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال فيما سقت السماء العشر فهذا خبر متفق على استعماله في الخمسة الأوسق وما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة مختلف في استعماله فكان خبر إيجاب العشر مطلقا قاضيا عليه ناسخا له \r\n ونظيره ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من النهي عن صلاة ركعتين بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الفجر حتى تطلع هو متفق على استعماله في النفل المبتدأ وما روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه صلى ركعتين بعد العصر عند عائشة وأم سلمة وأنه رأى قيسا يصلي ","part":1,"page":416},{"id":379,"text":" صلاة بعد صلاة الفجر فلم ينكر عليه وقال للرجلين اللذين لم يصليا معه الفجر إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا مع الإمام كل هذه أخبار مختلف في استعمالها فكان خبر النهي قاضيا عليه \r\n وكذلك نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس متفق عليه وحديث أبي ذر إلا بمكة مختلف فيه فكان خبر النهي أولى ومثله حديث ابي هريرة في قصة ذي اليدين في الكلام في الصلاة ناسيا وسائر الاخبار المروية في حظر الكلام فيها فهي قاضية على خبر جواز البناء مع الكلام لأن خبر حظر الكلام متفق على استعماله والبناء بعد الكلام مختلف فيه فكان خبر الحظر ناسخا لسائر ما روي في جواز البناء مع الكلام ومثله نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن التمر بالتمر إلا مثلا بمثل ونهيه عن المزابنة \r\n فهذان الخبران متفق على استعمالهما وخبرا العرايا والخرص مختلف في استعمالهما فكان النهي قاضيا على الإباحة ","part":1,"page":417},{"id":380,"text":" وهذا أصل صحيح يستمر عليه المسائل \r\n والدليل على صحة هذا الأصل أن الخبر الذي تلقاه الناس بالقبول واستعملوه يجري مجرى التواتر عندنا ويوجب العلم والعمل وان كان وروده من طريق الآحاد فغير جائز فيما كان هذا وصفه الاعتراض عليه بخبر الواحد في نسخه أو تخصيصه على ما بينا فيما سلف من امتناع جواز الاعتراض بأخبار الآحاد على حكم الكتاب والسنن الثابتة \r\n وأيضا فلو كان الخاص ثابتا كثبوت العام المتفق على استعماله لوجب ان يعرفه الجميع كما عرفوا العام لأن النبي صلى الله عليه و سلم لا بد ان يبين الناسخ كما بين المنسوخ قبل ورود نسخه فسبيله أن يعرفه عامة من عرف الحكم المنسوخ فلما وجدناهم قد عرفوا العام واستعملوه ولم يعرف الجميع بقاء حكم الخاص كما عرفوا العام علمنا ان العام ناسخ له وقاض عليه وكذلك يجب هذا الاعتبار في التخصيص وان لم يكن وجهه النسخ لأنه لابد من بيان التخصيص اذا كان العام مما يمكن استعماله بنفسه حتى يعرفه من عرف العام \r\n فإن قيل فالواجب ان يعرف الجميع الخاص ونسخه كما عرفوا العام فإن لم يثبت نسخ الخاص عند الجميع كثبوت العام علمنا ان الخاص غير منسوخ \r\n قيل له ليس عليهم ان يعرفوا المنسوخ وما قد ارتفع حكمه ولا عليهم نقله بعد علمهم بنسخه فليس يمتنع ان يحصل منسوخا ولا تنقله الكافة ويخفى على بعضهم ","part":1,"page":418},{"id":381,"text":" نسخه فيتعلق به ونقلهم للعام واستعمالهم إياه دلالة على انه هو الثابت الحكم وأن الخاص منسوخ به وان لم يقولوا لنا انه منسوخ \r\n قال أبو بكر رحمه الله \r\n وذكر عيسى بن أبان ما قدمنا حكايته عنه في هذا الباب في حكم الخبرين اذا وردا على الوجه الذي ذكرنا وينبغي ان يكون كذلك حكم الآيتين إذا كانت إحداهما خاصة والاخرى عامة اذا لم يعلم تاريخهما على الوصف الذي بينا ","part":1,"page":419},{"id":382,"text":" @ 420 @ ","part":1,"page":420},{"id":383,"text":" الباب الحادي والعشرون في الخبرين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه آخر ","part":1,"page":421},{"id":384,"text":" @ 422 @ ","part":1,"page":422},{"id":385,"text":" باب القول في الخبرين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه آخر \r\n قال أبو بكر \r\n الأصل فيما كان هذا وصفه من الأخبار أن يعتبر السبب الذي ورد فيه كل واحد منهما فنخبر عن سببه ولا يعترض به على الآخر ما أمكن استعماله غير مخصص لصاحبه فيما ورد فيه إلا أن تقوم الدلالة فيهما على غير ذلك فيصار إليها ولك على نحو ما روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فهذا وارد في بيان حكم الأوقات وروي عنه صلى الله عليه و سلم من نام عن صلاة أو نيسها فليصلها إذا ذكرها \r\n وهذا وارد في إيجاب القضاء على تاركها حتى يخرج الوقت فلا يعترض به على خبر بيان حكم الأوقات ","part":1,"page":423},{"id":386,"text":" وكذلك ما روي عنه عليه السلام من قوله يا بني عبدمناف لا تمنعوا طائفا يطوف بالبيت ويصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار إنما ورد في النهي عن منع الطواف والصلاة في المسجد الحرام فلا يعترض به على بيان الوقت الذي ينهى عن الصلاة فيه ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت احد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة فهذا أمر بصلاة الكسوف وليس فيه بيان الوقت الذي يجوز فيه أو لا يجوز وخبر النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة فيه بيان الوقت الذي لا تجوز الصلاة فيه ونحوه قوله تعالى فعدة من أيام أخر وقوله تعالى وسبعة إذا رجعتم وقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام هذه الآيات واردة في إيجاب الصوم وليس فيها ذكر تفصيل الأوقات المنهي عن الصوم فيها وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم انه نهى عن صوم يوم الفطر وأيام التشريق فلم يعترض الأمر بفعل الصيام في ","part":1,"page":424},{"id":387,"text":" الأيام التي ذكرناها مطلقا على حكم الوقت بل كان النهي عن الصيام في الأوقات المذكورة جاريا على بابه ومحمولا على ما ورد به والأمر بوجوب صيام رمضان وصوم الحج وصوم الكفارة محمولا على بابه في إيجاب الصوم ونحو قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف فيه بيان حظر الجمع وهو عموم في بابه وقوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم لا نعترض عليه لأنه ورد في إباحة ملك اليمين بالسبي ولم يتعرض فيه لجهة الجمع فلا يعترض به عليه ولولا اجتماع الخبرين على هذا الوجه لم يكن يمتنع في كل واحد منهما إذا ورد منفردا عن الآخر إجراؤه على العموم في جميع ما انتظمه ظاهره إلا أنه لما ورد بإزائه خبر هو أخص منه في بابه وصار كل واحد منهما واردا على وجه وسبب غير ما ورد فيه الآخر أجرينا كلا منهما وحملناه على سببه - أصول الفقه المسمى الفصول في الأصول للإمام أحمد الجصاص ","part":1,"page":425},{"id":388,"text":" باب صفة البيان \r\n قال أبو بكر البيان إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا مما يلتبس به ويشتبه من أجله ","part":2,"page":6},{"id":389,"text":" وأصله في اللغة من القطع والفصل يقال بان منه إذا انقطع قال النبي صلى الله عليه و سلم ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميتة وبان إذا فارق قال جرير ... بان الخليط ولو طوعت ما بانا ... \r\n وبان الأمر إذا ظهر وبانت المرأة بينونة إذا فارقت زوجها ثم قالوا بان الأمر ووضح بيانا وبان من الفراق بينا ومن انقطاع النكاح بينونة والأصل في جميع ذلك واحد وهو الانقطاع فسمي الفراق بيبا لانقطاع المفارق عن صاحبه \r\n وسمى اظهار المعنى وإيضاحه بيانا لانفصاله عما يلتبس به من المعاني فيشكل من ","part":2,"page":7},{"id":390,"text":" أجله وإنما خالفوا بين أبنية هذه الأفعال لإفادة أحوال الموصوفين بها كما قالوا عدل وعديل والمعنى واحد الا أنه سمى ما يعدل به المتاع عدلا وما يعدل به الرجل عديلا ليفيدوا عند الإطلاق كل واحد على حياله من غير حاجة منهم إلى ذكر غيره وقالوا امرأة حصان وبناء حصين وامرأة رزان وحجر رزين \r\n وقال حسان بن ثابت ... حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ... \r\n والأصل في اللفظين واحد وإنما فرقوا بينهما ليفيدوا به عند الإطلاق من وصف به والبيان وإن كان حقيقة ما وصفنا فإنه سمى ما يوصل إلى علمه بالاجتهاد وغالب الظن بيانا في الشريعة لأن الله تعالى قد أمر به ونص على اعتباره ","part":2,"page":8},{"id":391,"text":" فإن قال قائل فواجب على هذا أن يطلق على كل من أفهمنا قصده ومراده بأنه ذو بيان \r\n قيل له كل من فعل ذلك فقد أبان عن مراده وأتى ببيانه إلا أنه لا يسمى لذلك على الإطلاق لأن الإطلاق إنما يتناول من غلب على كلامه الإيضاح وانتفى عنه العي والتعقيد كما أن الفصاحة والبلاغة أصلها إفصاح اللسان بمراده وبلوغه حاجته فيما يريد الإبانة عنه \r\n ولا يسمى كل من أفصح عن نفسه فصيحا على الإطلاق وكما أن قولنا عالم وفقيه مشتق من العلم والفقه ولا يسمى كل من علم شيئا عالما ولا من فقه مسألة فقيها على الإطلاق وكذلك قولنا فلان ذو بيان وبين اللسان إنما ينصرف عند الإطلاق إلى من كان الغالب على كلامه الإبانة عن نفسه مع انتفاء العي والتعقيد عنه \r\n فإن قال قائل هلا قلت إن البيان هو ما يتبين به الشيء كما أن التحريك هو ما يتحرك به الشيء والتسويد وهو ما يسود به الشيء \r\n قيل له لا يجب ذلك لأن البيان قد يحصل من المبين وإن لم يتبين به المخاطب \r\n وقد حصل البيان من الله تعالى ومن رسوله للمكفلين فيما تهم إليه الحاجة من أمر دينهم ولم يتبينه كثير من أهل العناد والكفر ودل ذلك على أن فقد التبيين من ","part":2,"page":9},{"id":392,"text":" المخاطب لا يؤثر في صحة وقوع البيان من المبين وأما التحريك فإنه لا يوجد أبدا إلا ويحصل به التحريك وكذلك التسويد لا يكون إلا ويسود به الشيء فهذا غير مشبه للبيان \r\n وذكر الشافعي البيان ووصفه فقال البيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة الفروع فأقل ما في تلك المعاني المتشعبة أن يكون بيانا لمن خوطب به فيمن نزل القرآن بلسانه وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض ثم جعله على خمسة أوجه وهذه الجملة التي ذكرها فيها ","part":2,"page":10},{"id":393,"text":" خلل من وجوه \r\n أحدها أن ما حد به البيان وقصد به إلى صفته لم يبين به ماهية البيان ولا صفته لأنه ذكر جملة مجهولة فكان بمنزلة من قال البيان اسم يشتمل على أشياء ثم لا يبين تلك الأشياء ما هي \r\n فالذ4ي وصف به البيان هو بالإلباس أشبه منه بالبيان لأنه لم يذكر المعاني المجتمعة الأصول المتشعبة الفروع ما هي وما حدها وصفتها والذي اقتضاه كلامه أن يقول و ","part":2,"page":11},{"id":394,"text":" المعاني المجتمعة الأصول كذا والمتشعبة الفروع كذا حتى يكون قد أفادنا شيئا واسم البيان إذا اطلق من غير تفسير دل على معناه عند السامعين مما وصفه به وقصد به إلى بيان تحديده \r\n وأيضا فإن ما ذكره لا يجوز أن يكون تحديدا للبيان ولا وصفا له بوجه لأنه يشرك فيه ما ليس ببيان ولا من جنسه إذ كان أكثر الأشياء شاركه في أنها مجتمعة الأصول متشعبة الفروع إذ ليس يحتمل قوله مجتمعة الأصول متشعبة الفروع إلا أنه يجمعها أصل واحد ثم تنقسم إلى معان أخر \r\n فإن قال قائل قد بين مراده حين قسمه على خمسة أقسام والأقسام هي الفروع المتشعبة والمجتمعة الأصول إلا أنها يجمعها كلها معنى واحد وهو القصد إلى إعلام المخاطبين \r\n قيل له لم يقل هو ذلك وإن سلمنا لك كان ما ذكرناه صحيحا لأنه يوجب أن يكون كل ما انقسم أقساما يجمعها أصل واحد أن يكون بيانا حتى نقول إن الجسم بيانه لأنه ينقسم إلى حيوان ونام وجماد و يقول إن الحيوان بيان لأنه ينقسم إلى إنسان وبهمية وطائر وغير ذلك ونقول إن الشيء بيان لأنه ينقسم بعد ذلك إلى أشياء كثيرة مختلفة وهذا هو الفساد لأن أحدا لا يجعل البيان اسما لشيء من ذلك \r\n وعلى أنه قد يقضي هذا التحديد بالتفسير حين سمى كل قسم من الأقسام الخمسة التي ذكرها بيانا \r\n فقال البيان أول كذا والثاني كذا فاقتضت الجملة التي قدمها في وصف البيان أن يكون كل قسم من هذه الأقسام بيانا وتكون اسما لمعان مجتمعة الأصول متشعبة الفروع ومعلوم أن كل قسم من الأقسام الخمسة التي ذكرها ليس بهذا الوصف ","part":2,"page":12},{"id":395,"text":" وأيضا فقد يكون بيانا ما لا يشتمل عليه هذا الوصف لأن قول النبي صلى الله عليه و سلم فيما سقت السماء العشر إذ كان بيانا لقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده لم يكن هذا القول مما يصح وصفه بأنه معان مجتمعة الأصول متشعبة الفروع وهو مع ذلك بيان صحيح \r\n فإن قال قائل لا يلزمه ما ذكرت لأن هذا أحد أقسام البيان لا جميعه \r\n قيل له أو ليس هو بيانا في نفسه مع ذلك وما حده بالوصف الذي ذكر يقتضي أن يكون المذكور شرطا لجميع ما سمي بيانا فلا يجوز إذا كان هذا هكذا أن يحد البيان بما لا يجوز أن يخرج عنه لأن التحديد يقتضي ألا يخرج عن الحد ما هو منه كما لا يدخل فيه ما ليس منه فإذا وجدنا بيانا صحيحا لا يحصره الحد الذي ذكره للبيان فقد وضح بطلان تحديده \r\n وأيضا فإن الرجل أخبر عن البيان ما هو والبيان اسم جنس لدخول الألف واللام يقتضي استيعاب جميعه فواجب على قضيته أن لا بيان إلا ما كان بهذا الوصف وقد نقض هو ذلك بكل قسم من الأقسام التي ذكرها للبيان لأن كل قسم منها ليس بهذا الوصف \r\n وأيضا فإنه سمى قوله تعالى فتم ميقات ربه أربعين ليلة بيانا لقوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرة وهذا لا يسميه أحد بيانا في شرع ولا لغة لأن البيان هو إظهار المعنى وإيضاحه منفصلا مما يلتبس به ","part":2,"page":13},{"id":396,"text":" وليس في ذكر الأربعين بعد تقديم ذكر الثلاثين والعشر اظهار شيء ولا إيضاح لما اشكل بالكلام الأول وإنما يسمى كذلك تأكيدا وتقريرا كما يؤكد بتكرار اللفظ كقوله تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وقوله تعالى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى وكقول النبي صلى الله عليه و سلم فإن لم تجد بنت مخاض فابن لبون ذكر وليس هذا من البيان في شيء \r\n وجعل أيضا الشافعي قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة زيادة في البيان وما سمى أحد هذا بيانا غيره وإنما قال أهل العلم في ذلك أنها عشرة كاملة في قيامها مقام الهدي وما يستحق بها من الثواب \r\n ثم قسم البيان إلى خمسة أقسام وما سبقه إلى هذا التقسيم أحد فلا يخلو من أن يكون أخذه عن لغة أو عن شرع ولا سبيل له إلى اثبات ذلك من واحدة من الجهتين ولا ندرى عمن أخذه ويشبه أن يكون ابتدأه من قبل نفسه ثم لم يعضده بدلالة فحصل على الدعوى \r\n ثم جعل القسم الأول قوله تعالى فتم ميقات ربه أربعين ليلة ونحوه وقد بينا أن هذا ليس ببيان \r\n وقد قال بعض أصحابه أن فائدة ذكر العشرة بعد تقديم العدد المذكور أن الله تعالى أراد أن يعلمنا بذلك الحساب وهذا تأويل يكفي في الإبانة عن جهل قائله وغباوة حكاية ","part":2,"page":14},{"id":397,"text":" قوله \r\n وجعل القسم الثاني قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وتحريم الفواحش والميتة والدم ولحم الخنزير وقال أصحابه إنما جعل الشافعي هذا بيانا ثانيا لأنه كاف بنفسه \r\n قال أبو بكر وما ذكره في البيان الأول هو مستغن مستقل بنفسه أيضا لأن قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم مكتف بنفسه في إفادة مقدار العدد وكذلك قوله تعالى تلك عشرة كاملة فإن كان قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وما ذكر معه إنما وجب أن يكون من البيان الثاني لأنه كاف بنفسه فيجب أن يكون ذلك حكم ما قدم ذكره في البيان الأول لهذه العلة فيوجب هذا أن يكونا جميعا من قسم واحد فإما أن يكون الأول من الثاني أو يكون الثاني من الأول فلا يجوز أن يكونا قسمين مع اتفاقهما في المعنى الذي صار به احدهما من القسم الثاني \r\n وجعل البيان الثالث بيان النبي صلى الله عليه و سلم للفروض المجملة كالصلاة والزكاة ","part":2,"page":15},{"id":398,"text":" وجعل البيان الرابع ما ابتدأه النبي صلى الله عليه و سلم من السنن في حيز ما ابتدأه الله من الفروض وأن يكونا جميعا قسما واحدا \r\n وذلك لأنهما غير مختلفين في جهة البيان وليس يختلف البيان بالقائلين وإنما يختلف في نفسه \r\n فإذا بان ما سنه صلى الله عليه و سلم وابتدأه غير مخالف لما ابتدأه الله تعالى من الفروض في وقوع الدلالة على المعنى فهما من قسم واحد \r\n ولو جاز أن يجعل ذلك قسما آخر من البيان لجاز أن يجعل كل فرض على حدة قسما آخر من البيان وهذا يوجب أن لا يكون لأقسام البيان مقدار معلوم لأن ذلك أكثر من أن يحصى \r\n وجعل البيان الخامس الاجتهاد والاجتهاد وإن كان مما قد قامت الدلالة على صحة القول به فإن ما يؤديه إليه إنما هو عليه ظن ليس بيقين وما كان كذلك فليس يقع به بيان الحكم في الحقيقة ألا ترى إلى قول الله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فذكر المنصوص ووصفه بالبيان ولم يجعل ما كان طريقه الاجتهاد في حيز ما وقع البيان فيه إلا أنه ان كان سمى الاجتهاد بيانا من حيث أمرنا به لم يصق العبارة عنه بذلك \r\n ولم يذكر الإجماع في أقسام البيان وكان الاجماع أولى بذكره في ذلك من القياس والاجتهاد لأن الاجماع حجة الله تعالى لا يجوز وقوع الخطأ فيه ","part":2,"page":16},{"id":399,"text":" وأما قوله عقيب ذكره البيان فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشبعة أن يكون بيانا لمن خوطب به ممن نزل القرآن بلسانه فإنه إخبار عن البيان لمن يكون ولا دلالة فيه على معنى البيان بوجه \r\n وفيه أيضا خلل من قبل أن البيان لا يختص بلغة دون غيرها وإن كانت لغة العرب أبين وأفصح من سائر اللغات لأن أهل كل لغة ولهم ضرب من البيان في لغتهم \r\n وموضوع اللغات في الأصل للبيان لا غير والرجل إنما ابتدأ القول بذكر البيان على الإطلاق ولم يقل البيان الوارد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم ليكون بيانا لمن ذكر ممن نزل القرآن بلسانه وعلى أن اقتصاره بالبيان أنه لمن نزل القرآن بلسانه غير مستقيم لأن القرآن والسنن بيان لسائر المكلفين من الناس من عرف لغة العرب منهم ومن لم يعرف وإن كان من لا يعرف لغة العرب يحتاج إلى أن يعرف معناه بلغته وينقل إلى لسانه \r\n والدليل عليه قوله تعالى هذا بيان للناس وقوله تعالى وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم ومن بلغ وقال تعالى إن هو إلا ذكر للعالمين وقال في صفة الرسول صلى الله عليه و سلم نذيرا للبشر فكل من ترجم له معنى القرآن والسنن من أهل سائر اللغات فهم منذرون بالقرآن وبالرسول عليه السلام \r\n وقول القائل إن ذلك بيان لمن نزل القرآن بلسانه خطأ ثم لم يرض أصحابه بتحديد البيان على ما ذكر فقالوا البيان اسم لإخراج الشيء من حيز الأشكال إلى التجلى فخالفوه في ذلك من وجهين ","part":2,"page":17},{"id":400,"text":" أحدهما أن الشافعي جعل قوله تعالى فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقوله تلك عشرة كاملة بيانا وليس فيه إخراج الشيء من حيز الاشكال إلى التجلي لأن قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر لم يكن قط مشكلا وكذلك قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم لم يشكل على أحد انه عشرة فلم يخرج بذكره الأربعين والعشرة شيئا من حيز الاشكال إلى التجلي \r\n والوجه الآخر أن ما كان طريقه الاجتهاد من الحوادث لا يخرج به الشيء من حيز الاشكال إلى التجلي لأنه لو كان كذلك لما كان من باب الاجتهاد ولكان بمنزلة سائر ما عليه أدلة قائمة يكشف عن حقيقته كالتوحيد وسائر صفات الله تعالى فكان يجب أن يكون من خالف في مسألة اجتهادا مخالفا لحكم الله تعالى مردود الحكم إذا حكم به وهذا لا يقوله أحد من الفقهاء فدل على أن ما كان طريقه الاجتهاد لم يخرج من حيز الإشكال إلى التجلي \r\n وقد جعله الشافعي أحد أقسام البيان مع خروجه عن الحد الذي حده أصحابه للبيان \r\n وعلى أن هذا التحديد أيضا ظاهر الانحلال من قبل أن هذا الوصف إنما يوجد في بعض أقسام البيان وهو بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه والخطاب ","part":2,"page":18},{"id":401,"text":" المبتدأ من الله تعالى ومن الرسول صلى الله عليه و سلم ومن سائر المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بين المراد فهو بيان صحيح لا يدفع أحد أن يكون بيانا في الحقيقة ولا يشتمل عليه مع ذلك الوصف الذي وصف به البيان ألا ترى أن قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم و حرمت عليكم الميتة لم يكن قط في حيز الاشكال فأخرج بهذا البيان إلى التجلي إذ لم يكن هناك اشكال قبل نزول الآية في أن الغسل واجب أو غير واجب وأن الأم محرمة أو غير محرمة وقد اطلق مع ذلك القول بأن البيان اسم لكذا وكذا فذلك يقتضي سائر ما يسمى بيانا ثم اقتصر بهذا الوصف على بعض أقسام البيان دون جميعه ","part":2,"page":19},{"id":402,"text":" @ 20 @ ","part":2,"page":20},{"id":403,"text":" @ 21 @ ","part":2,"page":21},{"id":404,"text":" باب القول في وجوه البيان \r\n قال أبو بكر البيان في الشرع على وجوه منها الأحكام المبتدأة ومنها تخصيص العموم الذي يمكن استعماله على ظاهر ما ينتظمه الاسم فبين أن المراد البعض \r\n ومنها صرف الكلام عن الحقيقة أو المجاز وصرف الأمر إلى الندب أو الإباحة وصرف الخبر إلى الأمر فبين أن المراد باللفظ غير حقيقته ومنها بيان الجملة التي لا تستغني عن البيان في إفادة الحكم وهذا البيان ليس بتخصيص ولكنه تفسير للمراد بالجملة كقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده فبين النبي صلى الله عليه و سلم أن المراد العشر ونصف العشر والحق نفسه هو العشر فلا تخصيص في ذلك ولا صرف للكلام عن الحقيقة \r\n ومنها النسخ وهو بيان لمدة الحكم بعد أن كان في وهمنا وتقديرنا بقاؤه ","part":2,"page":22},{"id":405,"text":" @ 23 @ ","part":2,"page":23},{"id":406,"text":" @ 24 @ ","part":2,"page":24},{"id":407,"text":" باب فيما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه \r\n قال أبو بكر كل لفظ أمكن استعماله على ظاهره وحقيقته ولم يقترن إليه ما يمنع استعمال حكمه على مقتضى لفظه فغير محتاج إلى البيان إلا أن يريد به المخاطب بعض ما انتظمه أو كان مراده غير حقيقته فيحتاج إلى بيان المراد به وكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه إما لأنه مجمل في نفسه أو لأنه اقترن إليه ما جعله في معنى المجمل عل حسب ما تقدم منا القول في صفة المجمل وما في معناه فهو مفتقر إلى البيان فالأول نحو قوله تعالى فاقتلوا المشركين وأحل الله البيع و وحرمت عليكم أمهاتكم هذه ألفاظ معانيها معقولة ظاهرة فهو مفتقر إلى البيان بنفس ورودها والثاني نحو قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده وقوله تعالى والذين في أموالهم حق معلوم وقول النبي صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني ","part":2,"page":25},{"id":408,"text":" دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ونحو قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ونحو قوله تعالى والسارق والسارقة لأنه قد اقترن إليهما ما أوجب كونهما موقوفين على ورود البيان بهما على ما بينا فيما سلف ","part":2,"page":26},{"id":409,"text":" @ 27 @ ","part":2,"page":27},{"id":410,"text":" @ 28 @ ","part":2,"page":28},{"id":411,"text":" باب ما يقع به البيان \r\n قال أبو بكر بيان الشرع يقع بالكتاب والسنة والإجماع والقياس \r\n وقد قال بعض أهل العلم من المتقدمين إن البيان يقع بخمسة أشياء بالقول والخط والإشارة والعقد وهو يعني عقد الحساب وبالنسبة الدالة \r\n فنقول على هذا إن البيان من الله تعالى يقع بالقول وبالكتابة والبيان بالقول نحو سائر الفروض المبتدأة المعقول معانيها من ظاهر الخطاب \r\n ويقع بالكتاب أيضا لأن القرآن كلام الله تعالى وكتابه في اللوح المحفوظ وفي غيره فيكون منه بيان الأحكام المبتدأة بهذين الوجهين \r\n ويكون منه بهما أيضا تخصيص العموم كقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وخص منه المحرمات بالآية الأخرى وهو قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم ونحو بيان الجملة كقوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ثم بينه بقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم ","part":2,"page":29},{"id":412,"text":" ويكون منه أيضا بيان مدة الفرض بهذين الوجهين وهو النسخ نحو قوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء ثم قال تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام ونحو قوله تعالى وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ثم نسخ منه ما عدا الأربعة الأشهر والعشر بقوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا \r\n وكا4ن حد الزانين الحبس والأذى بقوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى آخره ثم قال تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فنسخ به الحبس والأذى المذكورين في الآية الأخرى عن غير المحصن \r\n ويكون منه تعالى البيان بالنسبة الدالة وذلك على وجهين \r\n أحدهما العقليات ودلائلها والبيان بها أكثر من دلالة اللفظ لأن اللفظ يجوز فيه التخصيص وصرفه عن الحقيقة إلى المجاز والدلائل العقلية الدالة على توحيد الله تعالى وعدله وسائر صفاته لا يجوز عليها الانقلاب والتخصيص فهي آكد من اللفظ في هذا الباب فكان البيان واقعا بها \r\n والوجه الآخر ما كان طريقه الاجتهاد بين فروع أحكام الشريعة وقد قامت الدلائل الموجبة لصحة القول بالاجتهاد فجاز أن يسمى ما يؤدينا إليه بيانا وإن كان ","part":2,"page":30},{"id":413,"text":" عن غالب ظن \r\n ويكون البيان من الرسول صلى الله عليه و سلم بالقول نحو سائر السنن المبتدأة ونحو تخصيصه لعموم القرآن كنهيه عن بيع ما ليس عند الانسان وبيع ما لم يقبض وأحلت لي ميتتان ونحو قوله خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم خص به قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم \r\n ويكون البيان منه بالكتابة أيضا كنحو كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم في الصدقات والديات وسائر الأحكام وكتابه الذي كتبه لأبي بكر الصديق في الصدقات وقال عبد الله بن عكيم ورد علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل موته بشهرين أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ","part":2,"page":31},{"id":414,"text":" وقال الضحاك بن سفيان الكلابي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فثبت أن الكتابة يقع بها البيان كوقوعه بالقول ويكون من النبي صلى الله عليه و سلم بيان المجمل في الكتاب بهذين الوجهين نحو قوله صلى الله عليه و سلم ليس فيما دون خمس أواق صدقة ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول وبيانه لفروض صدقات المواشي بالقول والكتابة كل ذلك بيان للمراد بقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وقوله صلى الله عليه و سلم فيما سقت السماء العشر بيان لقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده وقوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ","part":2,"page":32},{"id":415,"text":" ويكون البيان منه بالفعل أيضا كفعله لأعداد ركعات الصلاة المفروضة وأوصافها وقع به بيان المجمل من قوله تعالى وأقيموا الصلاة ونحو فعله في المناسك بيانا لقوله تعالى ولله على الناس حج البيت وقد أكد ذلك بقوله صلى الله عليه و سلم صلوا كما رأيتموني أصلي وقوله خذوا عني مناسككم نبههم به على وجوب اعتبار البيان بفعله عما أجمل في الكتاب ذكره وليس كل فعله في الصلاة أو الصدقة بيانا للجملة التي في الكتاب لأنه لو صلى لنفسه لم يدل ذلك على أنه بيان لقوله تعالى أقيموا الصلاة ولو تصدق بصدقة لم يدل على أنها مراده بقوله تعالى وآتوا الزكاة وإنما يقع على وجه البيان ما يجمع الناس عليه من المكتوبات أو عقل من فعله أنه فعلها على أنها فرض فيكون هذا دليلا على أنه معقول بالكتاب فصار بيانا له لأن قوله تعالى وأقيموا الصلاة ","part":2,"page":33},{"id":416,"text":" وآتوا الزكاة موجب لفرضهما وما فعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضا فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بيانا \r\n ويكون منه أيضا بيان مدة الفرض المنصوص عليه في الكتاب أو السنة بقوله صلى الله عليه و سلم لا وصية لوارث قد قيل إنه نسخ به الوصية للوالدين والأقربين وقوله في الرجم نسخ به الحبس والاذى عن المحصن وفي السنه نحو قوله صلى الله عليه و سلم ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ) فزوروها وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا \r\n ويكون البيان منه بالاشارة أيضا كقوله الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه العشر فأفاد بأنه ثلاثون يوما \r\n ثم قال الشهر هكذا وهكذ وهكذا وحبس الإبهام في الثالثة فأفاد أنه تسعة وعشرون يوما وقال الله تعالى لزكريا عليه السلام آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ثم قال تعالى فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة ","part":2,"page":34},{"id":417,"text":" وعشيا يعني أشار إليهم فقامت إشارته مقام القول في بلوغ المراد \r\n وحكى الله تعالى عن مريم صلوات الله عليها فأشارت إليه فبينت لهم مرادها بالإشارة \r\n ويكون فيه البيان أيضا بالدلالة والتنبيه على الحكم من غير نص نحو قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش في دم الاستحاضة إنها دم عرق وليست الحيضة فدل على وجوب اعتبار خروج دم العرق في نقض الطهارة وقوله صلى الله عليه و سلم حين سئل عن سمن ماتت فيه فأرة فقال إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه فدل بتفريقه بين المائع والجامد على سائر المائعات ينجس بمجاورة أجزاء النجاسة إياها وغير ذلك من وجوه النظر المستنبطة من السنن \r\n وقد يقع من النبي صلى الله عليه و سلم بيان الحكم بالإقرار على فعل شاهده من فاعل يفعله على ","part":2,"page":35},{"id":418,"text":" وجه من الوجوه فيترك النكير عليه فيكون عليه فيكون ذلك بيانا منه في جواز فعل ذلك الشيء على الوجه الذي أقره عليه أو وجوبه إن كان شاهده يفعله على وجه الوجوب فلم ينكره \r\n وذلك نحو علمنا بأن عقود الشرك والمضاربات والقروض وما جرى مجرى ذلك قد كانت في زمن النبي صلى الله عليه و سلم وبحضرته مع علمه بوقوع ذلك منهم واستفاضتها فيما بينهم ولم ينكرها على فاعليها فدل ذلك من إقراره إياهم على إباحته ذلك لأن ذلك لو كان من حيز المحظور لأنكره وأبطله إذ غير جائز على النبي صلى الله عليه و سلم أن يرى أحدا على منكر من الفعل أو القول فيقاره عليه ولا ينكره إذ كان إنكاره ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر \r\n وقد أمر الله تعالى جميع الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللنبي صلى الله عليه و سلم الحظ الأوفر منه إذ كل من أمر بمعروف أو نهى عن منكر من أمته فإنما فعله اقتداء به وبأمره فإذا علمنا إقرار النبي صلى الله عليه و سلم قوما على أمور علمها منهم من غير نكير منه عليهم فيها كان أقل أحوال تلك الأفعال أن تكون جارية على الوجه الذي أقرهم عليه فدل ذلك على أن البيان قد يقع من النبي صلى الله عليه و سلم بإقرار من شاهده على فعل وتركه النكير عليه فيه فيدل على جوازه على الوجه الذي شاهده يفعله \r\n فإن قال قائل ليس في إقراره عليه السلام من شاهده على فعل وتركه النكير دلالة على إباحته وجوازه لأنه يجوز أن يترك النكير عليه اكتفاء بما قدم من النهي عنه من جهة النص أو الدلالة لأنه قد أقر اليهود والنصارى على الكفر وعلى عبادة غير الله تعالى ولم يدل ذلك على جوازه عنده ورضاه به \r\n قيل له أي نكير أشد من قتاله إياهم عليه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ","part":2,"page":36},{"id":419,"text":" صاغرون مع ما قدم فيه من الوعيد بالخلود في النار وإنما أعطاهم العهد وأخذ منهم الجزية عقوبة لهم على أن يقرهم على كفرهم وذلك معلوم ظاهر من أمرهم \r\n ألا ترى أنه قد أنكر عليهم ما لم يعطهم العهد فيه على إقرارهم عليه من المحظورات نحو ما كتب به إلى أهل نجران وكانوا نصارى إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا الحرب من الله ورسوله فابتدأهم بهذا الخطاب حين علم أنهم كانوا يربون وإن اقرارهم عليه لم يدخل فيما أعطاهم من الذمة \r\n ويقال لهذا القائل خبرنا عن النبي صلى الله عليه و سلم هل يجوز أن يرى رجلا يربي أو يغصب أو يقتل فلا ينكر على فاعله اكتفاء بما قدم من النهي عن ذلك فإن قال نعم خرج من إجماع الأمة وجوز على النبي صلى الله عليه و سلم ما نزهه الله تعالى منه وأجاز على النبي صلى الله عليه و سلم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقال له فإن جاز ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فهو لنا أجوز وإن جاز ذلك لنا فقد أدى ذلك إلى سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اكتفاء بما قدمه الله تعالى والرسول صلى الله عليه و سلم من النهي عن ذلك وفي هذا نقض ركن من أركان الدين عظيم \r\n وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ","part":2,"page":37},{"id":420,"text":" يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وكيف يجوز أن يأمرنا بأن لا نقار أحدا على منكر إذا أمكننا تغييره ثم يقر هو الناس عليه ويترك النكير عليهم فيه حاشا له من ذلك صلى الله عليه و سلم \r\n وقد جعل أصحابنا رحمة الله عليهم ترك العلماء النكير على العامة في معاملات قد تعارفوها واستفاضت فيما بينهم إجماعا منهم على جوازه نحو ما قالوا في الاستصناع أنهم لما شاهدوا علماء السلف لم ينكروه على عاقديه مع ظهوره واستفاضته كان ذلك اتفاقا منهم على جوازه وتركوا القياس من أجله ومثل دخول الحمام من غير شرط أجرة معلومة ولا مدة معلومة ولا ذكر لمقدار الماء الذي يستعمله أجازوه لظهوره في علماء السلف من العامة وتركهم النكير عليهم فيه ومثل علمهم بأن الجباب والكيزان لا يخلو من بق أو بعوض يموت فيها في أكثر الحال ثم لم يقل أحد ","part":2,"page":38},{"id":421,"text":" من علماء السلف للعامة لا يجوز لكم استعمال الماء الذي هذه حاله مع علمهم بعموم بلواهم به فدل تركهم النكير فيه على طهارة ذلك الماء لأنه لو كان نجسا ما جاز لهم ترك النكير على مستعمله للطهارة إذ كانوا بالصفة التي وصفهم الله بها في قوله كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فدل ذلك على أن كل ما أقر النبي صلى الله عليه و سلم الناس عليه فهو جائز على الوجه الذي أقرهم عليه ومن نحو ذلك حديث الزهري عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمر العجلاني لما لاعن رسول الله صلى الله عليه و سلم بينه وبين امرأته قال كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها هي طالق ثلاثا فتضمن هذا القول إخبارا منه بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم أنها امرأته إلى أن طلقها ثلاثا ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم إخباره بذلك ومعلوم أنه غير جائز أن يخبر أحد بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم أنه ","part":2,"page":39},{"id":422,"text":" مالك لبضع امرأة وهو غير مالك في الحقيقة ثم يقره النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك ولا ينكره عليه لأن قائل ذلك قد انتظم أمرين \r\n أحدهما إخباره أنه مالك لبضعها وهو غير مالك وهذا كذب والنبي صلى الله عليه و سلم لا يقر أحدا على الكذب \r\n والثاني إخباره عن اعتقاده بأن فرجها له مباح وهو محظور في الحقيقة فدل تركه النكير على عويمر فيما أخبره به من ذلك أن الفرقة لم تكن قد وقعت بنفس اللعان \r\n ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من النهي عن لبس الحرير والتختم بالذهب ثم يرى على نسائه الحرير والذهب فلا ينكره فدل ذلك على أن النهي خاص بالرجال دون النساء \r\n وقد يقع بيان المجمل بالإجماع لأنه حجة لله تعالى قد أمر باتباعه وحكم بصحته فيجوز وقوع البيان به نحو إجماعهم على أن دية الخطأ على العاقلة والذي في كتاب الله تعالى فدية مسلمة إلى أهله ولم يذكر وجوبها على العاقلة فبين الإجماع المراد ","part":2,"page":40},{"id":423,"text":" بها وكإجماعهم على أن للجد مع الولد الذكر السدس إذا لم يكن له أب وأن لبنتي الابن الثلثان إذا لم يكن ولد لصلب وأن للجدتين أم الأم وأم الأب إذا اجتمعتا سدسا واحدا وهو مما قد وقع به بيان قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما بين الله تعالى بعضه بنص قوله يوصيكم الله في أولادكم إلى آخر القصة وكما بينت السنة بعضه فأعطى النبي صلى الله عليه و سلم الجدة السدس كذلك الإجماع بين هذه الفرائض التي ذكرناها وهي مجملة في قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب \r\n وقد يكون بيان الإجماع بحكم مبتدأ كما يكون بيان حكم الكتاب والسنة وذلك نحو إجماع السلف على حد الخمر ثمانين على ما بيناه في غير هذا الكتاب وإجماعهم على تأجيل امرأة العنين \r\n وقد يكون بيان خصوص العموم بالإجماع نحو قوله تعالى الزانية والزاني واجمعت الأمة أن العبد يجلد خمسين والإجماع وإن لم يخل من أن يكون عن توقيف أو رأي فإنه اصل برأسه يجب اعتباره فيما يقع البيان به ","part":2,"page":41},{"id":424,"text":" @ 42 @ ","part":2,"page":42},{"id":425,"text":" @ 43 @ ","part":2,"page":43},{"id":426,"text":" @ 44 @ ","part":2,"page":44},{"id":427,"text":" باب القول في تأخير البيان \r\n قال أبو بكر اختلف الناس في تأخير البيان \r\n فقال قائلون غير جائز تأخير بيان اللفظ الذي يمكن إجراؤه على ظاهره وحقيقته إذا كان المراد به غير الظاهر ومنعوا أيضا جواز تأخير بيان المجمل \r\n وقال آخرون لا يجوز تأخير بيان الظاهر ويجوز تأخير بيان المجمل إذا كان اللفظ مؤديا ببيان يرد في الثاني \r\n نحو قول القائل اعط زيدا حقه إذا بينه له \r\n وامتنعوا من إجازته إذا لم يكن لفظ الإجمال مظهرا فيه فقالوا في نحو قوله تعالى آتوا حقه يوم حصاده وقوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة إذا لم يكن المراد بهما صلاة أو زكاة معهودة أنه غير جائز تأخير البيان في مثله عن حال وروده إذ ليس معه ما يوجب تعليقه ببيان يرد في الثاني \r\n وقال آخرون يجوز تأخير البيان في جميع هذه الوجوه سواء كان اللفظ مكتفيا بنفسه في إفادة حكمه أو كان مجملا موقوف الحكم على بيان من غيره ","part":2,"page":45},{"id":428,"text":" وقال آخرون ما كان مجملا لا يمكن استعمال حكمه أو لم يكن اللفظ في نفسه مجملا إلا أنه قرن به ما يوجب إجماله ويمنع استعمال حكمه فجائز تأخير بيانه عن وقت وروده سواء كان اللفظ مؤديا ببيان يرد في الثاني أو لم يكن فيه ذلك وأما ما أمكن استعمال حكمه فغير جائز تأخير بيان خصوصه إن كان المراد الخصوص عن حال إيقاع الخطاب والفراغ منه \r\n قال أبو بكر \r\n الذي أحفظه عن شيخنا أبي الحسن رحمه الله جواز تأخير بيان المجمل وامتناعه فيما يمكن استعمال حكمه \r\n وكذلك يجب أن يكون القول في اللفظ المطلق إذا أراد به المخاطب غير الحقيقة فغير جائز تأخير بيان مراده \r\n وهذا الذي حكيناه عن أبي الحسن هو عندي مذهب أصحابنا لأنهم يجعلون ","part":2,"page":46},{"id":429,"text":" @ 47 @ ","part":2,"page":47},{"id":430,"text":" الزيادة في النص نسخا إذا وردت متراخية عنه ولا يجوزونها إلا بمثل ما يجوز به النسخ نحو إيجاب النفي مع الجلد وشرط الإيمان في رقبة الظهار والنية في الطهارة وما يجري مجرى ذلك \r\n ولو جاز عنده تأخير البيان في مثله لما كانت الزيادة عندهم نسخا بل كان يكون بيانا لأن المذكور بدءا بعض الفرض لا جميعه وقد أجازوا مثل هذه الزيادة في المجمل بالقياس وخبر الواحد \r\n ألا ترى أنهم يشترطون النية في الصوم ولم يوجب ذلك عندهم نسخة بل كانت ","part":2,"page":48},{"id":431,"text":" على وجه البيان لأن اللفظ لما كان مجملا مفتقرا إلى البيان بكل ما ثبت أنه مشروط فيه من جهة خبر الواحد أو القياس أو غيره من وجوه الأدلة فهو مراد باللفظ ويصير اللفظ عبارة عنه فكان ثبوت ذلك فيه على جهة بيان المراد \r\n والدليل على امتناع جواز تأخير بيان ما يمكن استعمال حكمه على ما ورد فيه أنه قد ثبت عندنا صحة القول بالعموم ووجب حمل اللفظ على الحقيقة فالواجب علينا إذا كان هذا هكذا اعتقاد حكم اللفظ على ما تضمنه من عموم وحقيقة فغير جائز إذا كان المراد به الخصوص أو المجاز تأخير بيانه عن حال الخطاب به لأن ذلك يوجب أن يكون قد ألزمناه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ولزوم حكمه على خلاف مراده وهذا لا يجوز على الله تعالى ولا على رسوله صلى الله عليه و سلم ولأنه إذا أوجب علينا اعتقاده بنفس ظهور اللفظ على ما تضمنه من عموم أو حقيقة فقد أجاز لنا الإخبار عنه بذلك وإن كان مراده البعض أو غير الحقيقة فقد أجاز لنا الكذب لأنه إخبار عن الشيء بخلاف ما هو به تعالى لله عن ذلك فلا ينفك القائل بتأخير بيان ما هذا وصفه من أحد أمرين \r\n إما ترك القول بالعموم والظاهر \r\n أو إجازة مجيء العبادة من الله تعالى باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به والإخبار عنه بذلك وكلاهما منفيان عن الله تعالى \r\n وأيضا فإن إرادة التخصيص بمنزلة الاستثناء فكما لم يجز أن يتراخى الاستثناء عن الجملة بأن يقول فلبث فيهم ألف سنة ثم يقول بعد مدة إلا خمسين عاما وجب أن يكون كذلك حكم العموم إذا أريد به الخصوص ألا يتأخر بيانه لأن العلة فيهما جميعا ","part":2,"page":49},{"id":432,"text":" أن تأخير بيانهما يؤدي إلى جواز التعبد باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به \r\n وأيضا قال الله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وقال بلسان عربي مبين وفي مخاطبات الحكماء أن الكلام إذا انقطع ضربا من الانقطاع يعرف به الفراغ منه أنه يجب اعتقاد موجبه غير منتظر به ورود بيان في الثاني ينفي بعض موجبه كما يعقل مثله في الإعداد إذا عريت من الاستثناء فلو أن متكلما أطلق لفظ عموم أو عددا معلوم المقدار ثم قال بعد ذلك بزمان أردت بعض ذلك دون بعض حكموا عليه بالكذب في مقالته كما لو أقر لرجل بألف درهم ثم قال بعد زمان أردت تسعمائة ولولا أن ذلك كذلك لما استنكر على أحد كذب أبدا لأن كل ما ينفي به الكلام الأول يمكنه أن يقول ما أردته باللفظ أو أردت نفيه بشرط فلما كان جواز ذلك منفيا عن مخاطباتنا فيما بيننا وجب أن ينتفي عن خطاب الله تعالى وخطاب رسول الله عليه السلام لأن الله تعالى إنما خاطبنا بما هو في لغتنا وتعارفنا \r\n فإن قال قائل يلزمك مثله في النسخ لأن كل ما ورد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم فواجب علينا اعتقاد بقاء حكمه ثم لا يمتنع مع ذلك ورود نسخه كذلك لا يمتنع أن يلزمنا اعتقاد العموم ما لم يرد بيان الخصوص ","part":2,"page":50},{"id":433,"text":" قيل له هذا غلط لأن كل ما حكم الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه و سلم وهو مما يجوز نسخه وتبديله فغير جائز لأحد أن يعتقد بقاءه ما دام النبي صلى الله عليه و سلم حيا بل يجب علينا اعتقاد جواز نسخه ما بقي النبي صلى الله عليه و سلم فإذا ورد النسخ فإنما ورد ما كان في اعتقادنا عند ورود الفرض المتقدم \r\n وقد احتج بعض من صنف في هذا الباب لامتناع جواز تأخير البيان فيما كان وصفه ما ذكرنا بقوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم وقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك قال فقد أمره بالتبليغ والبيان فلا يجوز له أن يؤخره لأن في تأخيره مخالفة أمر الله تعالى والنبي صلى الله عليه و سلم أبعد الناس من ذلك \r\n وهذا لا دليل فيه على ما ذكر لأن قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم إنما يقتضي المنزل بعينه والمنزل مبين وإنما أراد إظهاره وترك كتمانه ولا دلالة فيه على أنه أراد بيان الخصوص \r\n وأيضا فإنه احتاج أن يثبت أولا أن البيان مما نزل إليه حتى يبين وكلامنا مع المخالف في هل جائز أن يؤخر الله تعالى بيان العموم إذا كان مراده الخصوص وليس في الآية امتناعه فلا معنى للاحتجاج بها في ذلك \r\n وأيضا فإنه لو كان المراد بيان الخصوص لما دلت على وجوبه على الفور كما تقول أعطيتك هذه الدراهم لتشتري بها ثوبا أو لتنفقها على نفسك لا دلالة فيه على إرادة ذلك في الحال ","part":2,"page":51},{"id":434,"text":" وأيضا فمعلوم أن المراد لتبين ما أمرت ببيانه فيحتاج إلى أن يثبت أولا أنه مأمور بالبيان على الفور إذ ليس في اللفظ دلالة عليه فقد بين أنه ليس في الآية دليل على ما ذكر هذا القائل في امتناع جواز تأخير البيان \r\n وأما قوله تعالى بلغ ما أنزل إليك من ربك فعليه أن يثبت أولا أن البيان مما قد أنزل إليه حتى يبينه لأن من يخالف في هذا مجوز أن ينزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه و سلم عموم حكم ومراده الخصوص ثم يؤخر بيانه عنه \r\n واحتج بعض من أجاز البيان في ذلك بأنه ليس في العقل زعم إحالة ذلك لأنه جائز أن يعلم الله تعالى من مصلحتنا أن يخاطبنا بالعموم فنعتقده ثم يبينه لنا في الثاني \r\n قال أبو بكر وفساد هذا الكلام وانحلاله أظهر من أن يخفي على ذي بصيرة وذلك لأنه ادعى أولا أن في العقل يجوز ذلك واستدل عليه بأنه جائز أن يعلم الله تعالى من مصلحتنا ان يخاطبنا بالعموم فنعتقده ثم يبينه لنا في الثاني \r\n وقائل هذا لا يدري أنه غير جائز ان تكون المصلحة في أن يتعبدنا بخلاف مراده وأن يبيح لنا الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به فرام هذا القائل إثبات تجويز كون المصلحة في مجيء العبادة به بأن يجوز على الله تعالى ان يتعبد بخلاف مراده وباعتقاد الشيء على خلاف ما هو به فانتظم أمرين كلاهما منفي عن الله تعالى \r\n أحدهما تجويزه على الله تعالى ان يتعبدنا بالجهل لأن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به جهل ","part":2,"page":52},{"id":435,"text":" والثاني تجويزه ان يتعبدنا بالكذب ثم انه بنى على هذا الأصل الفاسد الذي أصله في التجويز وجود ما ادعاه في جواز تأخير البيان في زعمه واحتج فيه بقول الله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه \r\n قال وقد قيل في تأويله وجهان \r\n أحدهما تلاوته والآخر بيانه قال وهو على الأمرين \r\n قال أبو بكر ولا دلالة فيه على ما ذكر من وجهين \r\n أحدهما أنه إن سلم له ما قد ادعاه من التأويل من أن وحيه بيانه كان ذلك فيما يقتضي البيان ويحتاج إليه فأما اللفظ المكتفي بنفسه عن البيان فلم تتناوله الآية \r\n والآخر أنه نهى عن العجلة به قبل الفراغ من جميعه لأن بيان القول إنما يحصل بالفراغ منه وبلوغ آخره لأنه قد يعلق تارة بشرط و يوصل باستثناء وبلفظ التخصيص ولا دلالة فيه على جواز تأخير البيان فيما كان هذا وصفه ويكون معناه موافقا لما قلنا من قبل أن يقضى إليك بيانه متصلا بالكلام \r\n ويقال للمحتج بهذا ما معنى قوله تعالى ولا تعجل بالقرآن عندك أراد به أن لا يتلوه أو أراد أن لا يعتقد حكمه على ما ورد حتى نبين لك معناه \r\n فإن قال أراد التلاوة \r\n قيل له فلا خلاف بين المسلمين انه كان جائزا له التلاوة إذا حصل الفراغ منه بانقطاع الكلام ","part":2,"page":53},{"id":436,"text":" فإن قال أراد أن لا يعتقده على ما يقتضيه ظاهره فإن هذا يمنع من اعتقاد العموم فيه وليس هذا كذلك \r\n وهذا لو صح كان ينبغي ان يستدل به من يقف في العموم وأنت تقول أني اعتقد العموم فيه ما لم يرد بيانه فقد خالفت قوله ولا تعجل بالقرآن على معناه عندك وعلى هذا التأويل يوجب أن لا يعتقد النبي صلى الله عليه و سلم العموم في شيء من القرآن إلى آخر عمره لأن تأخير بيان جميعه يجوز عندك وكلما بين له شيء فجائز أن يكون هناك بيان آخر والبيان نفسه قد يكون من القرآن فيكون موقوفا أيضا على بيان آخر وهذا فاسد لا يجوز القول به \r\n واحتج أيضا بقوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه وثم للتراخي فيقال له معلوم أن هذا فيما يحتاج فيه إلى البيان والقول المكتفي بنفسه في إفادة الحكم غير مفتقر إلى البيان فما الدلالة في الآية على جواز كونه بيانا حتى يجوز تأخيره \r\n وأيضا معلوم أنه لم يرد بيان جميع ما أنزل من القرآن لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون البيان أيضا مفتقرا إلى بيان \r\n وكذلك الثاني والثالث إلى ما لا نهاية له وهذا فاسد فدل أن المراد بيان بعض القرآن وذلك البعض هو المجمل الذي يحتاج إلى البيان فسقط استدلاله بالآية على جواز تأخير بيان الظاهر \r\n وأيضا فإذا كان معلوما مع ورود الآية أن المراد بيان بعض القرآن صار تقديرها ثم إن علينا بيان بعضه فيحتاج إلى دلالة أخرى على ما اختلفنا فيه من ذلك البعض الذي اخبر الله تعالى أنه يؤخر بيانه \r\n وقال هذا الرجل أيضا لما كان تأخير بيان الجملة جاز مثله في العموم ولا فرق ","part":2,"page":54},{"id":437,"text":" واقتصر على هذا القدر من غير أن يبين وجه الاستدلال بأحدهما على الآخر وهذا الكلام لا يستحق به جوابا ولا زيادة أكثر من أن يقال له ولم قلت إن هذا مثل بيان الجملة \r\n ثم قال فإن قيل الفرق بينهما أن في الجملة لم يدر ما الاعتقاد وفي العموم يدري \r\n قال فإنهما قد اجتمعا في أن سارقا يقطع وأن كل سارق يقطع \r\n وقال وأيضا فإذا جاز أن يؤخر بيان ما لا يدرى ما هو كان بيان ما يدرى أولى أن يؤخر هنا \r\n قال أبو بكر فأما قوله قد اجتمعا في الاعتقاد فهما سواء فإنه ضرب من الهذيان لأن الجملة لا يمكننا اعتقاد معناها وإنما نعتقد بورودها أن فرضنا ما قد تعلق وجوبه بهذا القول عند ورود البيان فليس يمتنع أن نبين في الثاني معنى اللفظ وأما العموم فعلينا فيه اعتقاد ظاهره وموجب لفظه فإن كان مراده غير ما دخل تحت اللفظ فحين ألزمنا القول بالعموم فقد أوجب علينا اعتقاده على خلاف ما أراده منا وهذا ممتنع وأما قوله إذا جاز تأخير بيان ما لا يدري ما هو ففيما يدرى أولى فلا معنى له لان ما لا يدرى لا يلزمنا فيه اعتقاد شيء يبين لنا في الثاني خلافه وما يدرى قد ألزمنا منه اعتقاد ظاهره فلا يجوز ورود البيان بعده بخلافه \r\n ثم يقال له لا يجوز أن يتأخر الاستثناء عن الجملة لأنا لا ندري معنى قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة فتأخير بيان الاستثناء أولى حتى يقول بعد مدة إلا خمسين عاما كما قلت في تأخير بيان العموم إذا كان مراده الخصوص ","part":2,"page":55},{"id":438,"text":" قال هذا القائل وإنما نقول في اعتقاد مثله أنا نعتقده على العموم إن خلينا وهو فليس يرفع البيان ذلك الاعتقاد \r\n قال أبو بكر وإنما حكينا ألفاظه على وجهها وإن كانت ملحونة عنه لأنا لم نحب تغييرها وأردنا أن يكون الكلام عليها على حسب ما ذكرها \r\n فيقال له في هذا الفصل ما تقول في حكم اللفظ إذا صدر عن الله تعالى وعن الرسول صلى الله عليه و سلم وحصل الفراغ منه قبل ورود البيان أنقطع فيه بأن مراده العموم أو لا نقطع فيه بشيء لجواز أن يكون مراده الخصوص وإن لم يبينه في الحال \r\n فإن قال لا اعتقد فيه العموم إلا لأنه جائز أن يريد به الخصوص وإن لم يبين \r\n قيل له فإنا كلمناك على أنك تقول معنا بالعموم فإن صرت إلى مذهب أصحاب الوقف سحبنا عليك جميع ما تقدم في باب اثبات العموم على أصحاب الوقف وألزمنا أن تقف في البيان لجواز أن يكون له بيان آخر لم يذكره ويذكره في الثاني وكذلك في كل بيان يرد سواء كان لفظا أو دلالة منه لأن دلالة اللفظ ليست بآكد من اللفظ فأوجب الوقف في حكم اللفظ لجواز تأخير بيانه فدلالته أحرى أن تكون كذلك فيؤدي ذلك إلى اسقاط حكم اللفظ رأسا \r\n فإن قال إني لا أقول بالوقف والفصل بيني وبين أصحاب الوقف أني أقول إني اعتقد العموم إن خليت وإياه وهؤلاء يقولون نقف فيه حتى يثبت العموم أو الخصوص \r\n قيل له لا فصل بينكما في المعنى وإنما خالفتم في العبارة وذلك لأنك معترف أنك ","part":2,"page":56},{"id":439,"text":" لم تخل والعموم حين وروده وحصول الفراغ منه فالعموم لم يثبت بعد لأنك علقته بشرط لم يثبت وهو قولك إن خليت وإياه وأنت إذا لا تدري أخليت وإياه أم لا وأنت واقف في العموم فلا فرق بينك وبين أصحاب الوقف حين قالوا نعتقد العموم ان كان هو المراد والخصوص إن كان هو المراد فان قلت إني قد خليت والعموم نقضت ما ابتدأت به في هذا الفصل ورجعت عنه ولزمك جميع ما قدمناه في صدر هذا الباب \r\n ويقال له ما الفصل بينك وبين من اعتقد في ذكر الأعداد مثل اعتقادك في العموم فنقول في قوله تعالى فصيام شهرين متتابعين أنه كان يجوز أن يعتقد فيه عند وروده انهما شهران إن خلينا وإياهما وان لم يعقبه بعد ذلك ببيان استثناء يوجب الاقتصار على ما دونهما بأن نقول شهرين إلا عشرة أيام ولا نعتقد في قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا وفي قوله تعالى وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا العدد المذكور فيه حتى يتوفى النبي صلى الله عليه و سلم لأنه جائز أن يرد بعده الاستثناء فيقول سبعين إلا عشرة واثني عشر إلا واحدا فإن لم يجز ذلك في الاعداد والاستثناء منها فما الفصل بينهما وبين العموم وكذلك يجب ان يصدق من قال لفلان علي ألف درهم وسكت ثم قال بعد شهر أردت ألفا إلا مائة فلما كان المعقول من اطلاق هذه الألفاظ متى حصل الفراغ منها ","part":2,"page":57},{"id":440,"text":" اعتقاد مضمونها غير مرتقب فيها بيانا وجب أن يكون ذلك حكمها في خطاب الله تعالى إيانا \r\n واحتج أيضا بأنه قد يجوز أن يقع البيان من النبي صلى الله عليه و سلم بالفعل كما يبين بالقول وزمان الفعل أطول من زمان القول فقد أخر البيان عن وقت إمكانه وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وبين جبريل للنبي صلى الله عليه و سلم مواقيت الصلاة ولم يجب النبي صلى الله عليه و سلم السائل عن مواقيت الصلاة حتى صلى الصلوات ثم قال أين السائل عن مواقيت الصلاة الوقت فيما بين هذين \r\n قال أبو بكر وليس في شيء مما ذكر دلالة على موضع الخلاف في هذه المسألة وذلك لأن فرض الصلاة والحج لم يخل من أن يكون تعلق بمعهود معلوم عندهم فانصرف الأمر إليه فهذا لا يحتاج إلى بيان ويكون قوله صلى الله عليه و سلم صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم تأكيدا وتقريرا لما قد علموه فلم يقع بهذا بيان كما قال عليه السلام ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم وهذا تأكيد لمعنى قد عرفوه قبل ذلك وليس ببيان \r\n وكذلك مواقيت الصلاة أو أن يكون فرض الصلاة والحج حين ورد كان مجملا مفتقرا إلى البيان فأخر النبي صلى الله عليه و سلم بيانهما ونحن نجوز تأخير بيان المجمل ","part":2,"page":58},{"id":441,"text":" فإذا لا دلالة فيما ذكر على موضع الخلاف بيننا \r\n وقال أيضا إن النسخ تأخير البيان لأنا أمرنا بالصلاة إلى بيت المقدس ومعنى ذلك أنا نصلي إليها ما بقينا والأمر الأول فنعتقد أن لا يزال يصلى إليها إن بقينا والأمر الأول فيقال له ليس هذا من تأخير البيان في شيء وذلك لأنه يجب علينا اعتقاد ثبوت الحكم بعد وروده \r\n وهذا الذي قد اعتقدنا ثبوته لا يجوز رفعه ولا تبين لنا خلافه وإنما الذي يجوزه من ذلك بيان آخر وقته غير مذكور في اللفظ فيلزمنا اعتقاد عمومه وإذا كان ذلك كذلك لم يكن ورود النسخ رافعا للاعتقاد الأول لأن ما اعتقدنا ثبوته لم يرتفع بورود النسخ وأما ورود نسخه فقد كنا نجوزه مع ورود الأمر وأنت فلا يمكنك أن تقول مثله في بيان الخصوص إلا بترك اعتقاد العموم في حال ورود اللفظ فيجعل نفس الحكم موقوفا على ما يرد من بيانه \r\n وأيضا فلو ورد الحكم الناسخ مع المنسوخ في خطاب واحد لم يتنافيا لأنه يصح أن تقول صل إلى بيت المقدس إلى وقت كذا ثم صل إلى الكعبة كما تقول صل إذا زالت الشمس ولا تصل عند الطلوع والغروب \r\n واعتقاد العموم لا يصح معه تأخير البيان لو جمعهما في خطاب واحد لأنه لو قال اعتقد قطع جميع السراق لم يصح أن يضم إليه وقف في السراق لا يحكم فيهم بشيء حتى يرد البيان لأن الاعتقاد الثاني ينافي الأول \r\n فلما لم يصح ورودهما على هذا الوجه في خطاب واحد لم يصح أن يريده به ولما صح جمع ذكر الحكم الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد صح أن يريده ","part":2,"page":59},{"id":442,"text":" وأيضا فإن مدة الفرض لما لم تكن مذكورة وكان تجويز بيانها بالنسخ فإنما صار النسخ في معنى بيان المجمل الذي هو غير معلول المعنى فجاز تأخير بيانه \r\n ثم يقال له أليس كل حكم ورد مما يجوز نسخه فأنت تجوز نسخه ما بقي النبي صلى الله عليه و سلم \r\n فإذا قال نعم قيل له فنقول في كل عموم يرد مما يجوز تخصيصه أنه جائز ألا يكون المراد به العموم وأن المراد به الخصوص \r\n فإن قال نعم \r\n قيل فقد تركت القول بالعموم ويلزمك أن لا تثق بالبيان أنه على ما ورد من مقتضى لفظه وأن يجوز فيه ورود بيان خصوصه أو تعليقه على شرط أو حال اخرى أو استثناء ويسحب عليه جميع ما يلزم من ينفى القول بالعموم في إخلاء اللفظ من الفائدة \r\n واحتج أيضا بقصة موسى والخضر عليهما السلام أنه لم يتبين له وجه ما فعله من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار في وقت الفعل وأخره إلى ثان \r\n قال أبو بكر وليس هذا مما نحن فيه في شيء لأنه لم يكن عليه السلام عليه أن يبين وجه المصلحة والحكمة في جميع ما فعله لموسى عليه السلام كما أنه ليس على الله تعالى أن يعلمنا وجه المصلحة فيما يفعله من الآلام والأمراض والموت بكل واحد منا وإنما علينا أن نعتقد أنه لا يفعل من ذلك إلا ما هو صلاح وحكمة ","part":2,"page":60},{"id":443,"text":" فأما أن يعرفنا كل شيء منها بعينه فيقول ان هذا وجه الحكمة والمصلحة فيه كذا وهذا وجهه كذا فإن ذلك غير واجب \r\n وقد كان الخضر عليه السلام مخيرا بين أن يبين أو لا يبين إذ لم يكن الله تعالى قد أمره بالبيان فلم يؤخر بيان شيء لزمه بيانه \r\n وأيضا فإن موسى عليه السلام قد كان عالما بأن الخضر لم يفعل إلا ما هو صواب وحكمة في الجملة وإنما أراد أن يبين وجه المصلحة في كل شيء منه بعينه فكان وجه المصلحة فيه بمنزلة المجمل الموقوف الحكم على البيان فجاز أن يتأخر بيانه كما نقول في تأخير بيان المجمل \r\n وقال أيضا إن الله تعالى حكى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم عليه السلام إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين وقال إبراهيم عليه السلام إن فيها لوطا فبينوا حينئذ وقالوا لننجينه وأهله فخاطبوه بخطاب اقتضى العموم ولم يبينوه في الحال حتى سأل \r\n والجواب عن هذا ان الدلالة قد كانت تقدمت من الله تعالى لإبراهيم عليه السلام على أن لوطا عليه السلام والمؤمنين معه خارجون من الخطاب فصاروا مستثنين بالدلالة فلم يكن على المخاطب استثناؤهم وإخراجهم من الجملة بالبيان فقد كان ابراهيم عليه السلام عالما بأن الله تعالى لا يهلك لوطا والمؤمنين معه وعلمت الملائكة أيضا ذلك من علم ابراهيم عليه السلام فلم يكن عليهم استثناؤه من خطابهم \r\n فإن قال لو كان إبراهيم عليه السلام قد علم أن لوطا مستثنى من خطابهم لما قال ","part":2,"page":61},{"id":444,"text":" لهم إن فيها لوطا هذا يدل انه كان اعتقد من خطابهم العموم وجائز على الله تعالى أن يميت الأنبياء عليهم السلام مع قومهم من غير أن يكون لهم عقوبة وإن كان عقوبة لقومهم \r\n قيل له وما في قول إبراهيم عليه السلام ان فيها لوطا من الدلالة على أنه لم يعتقد من خطابهم استثناء لوط من الجملة وليس يمتنع عندنا أن يكون اعتقد استثناء لوط منهم وقال ان فيها لوطا على وجه المسألة عن كيفية خلاصه بأن يتركه الله تعالى في القرية ويهلك أهلها سواه وسوى من آمن به أو يخرجه منها ثم يهلك القرية بما فيها فأخبرته الملائكة حينئذ بجهة خلاصه أو لم تبينه له إذ لم يكن عليهم بيانه كل ذلك جائز غير ممتنع فلم يثبت لهذا القائل وجه الدلالة من الآية على جواز تأخير البيان \r\n وذكر أيضا قصة نوح عليه السلام وأن الله تعالى وعده أن ينجيه وأهله ثم بين في الثاني استثناء ابنه من المنجيين فقال له إن الله تعالى قد كان أخبره أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وكان ابنه كافرا فعلم نوح عليه السلام أن الابن مستثنى من المنجيين إن بقي على كفره \r\n وليس يمتنع أن يكون قد كان يجوز أن يؤمن ابنه قبل الغرق لأن الله تعالى إنما قال له أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وظاهر هذا ألا يتناول أهله فقال رب إن ابني من ","part":2,"page":62},{"id":445,"text":" أهلي وإن وعدك الحق فأخبره الله تعالى أنه لن يؤمن ويجوز أن يكون سأل الله تعالى أن يعرفه حال ابنه بعد الغرق هل كان نزع عن كفره بعد فراقه إياه فأخبره أنه مات على كفره ومنع أن يشفع فيه بقوله تعالى فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين \r\n وذكر أيضا قصة بقرة بني اسرائيل وانه أطلق اسم بقرة وبين في الثاني أنها على صفة فدل أنه اطلق لفظ عموم وأراد خصوص بقرة بعينها في الثاني \r\n فيقال له إن الحكم الأول كان ذبح بقرة أي بقرة كانت فلما تعنتوا شدد عليهم بزيادة الصفة وهذا عندنا على وجه النسخ لأنه ورد بعد استقرار الحكم الأول فليس فيه تأخير البيان \r\n فإن قال إن الله تعالى علم أنهم سيفعلون هذا ويتعنتون \r\n قيل له علم الله تعالى بأنهم يفعلون أو لا يفعلون لا يمنع من جواز النسخ بعد التمكين من الفعل قبل وقوعه \r\n وذكر أيضا قوله تعالى ولذي القربى واليتامى والاسم يتناول بني هاشم وبني عبد المطلب وبني عبد شمس فأعطى النبي صلى الله عليه و سلم بني هاشم وبني عبد المطلب ولم يذكر بني عبد شمس بشيء فلما سأله عثمان بن عفان رضي الله عنه وجبير بن مطعم رضي الله عنه عن ذلك أخبر أنهم لم يرادوا بالقرابة وقد كان اللفظ يشملهم فلم يبينه حتى سئل فدل على جواز تأخير البيان ","part":2,"page":63},{"id":446,"text":" فيقال له إن هذا غلط لأن قوله ولذي القربى لفظ مجمل مفتقر إلى البيان لأنه يتناول قرابة كل أحد كما يتناول قرابة النبي صلى الله عليه و سلم فهو محتاج إلى البيان ونحن نجوز تأخير بيان المجمل \r\n وذكر أيضا قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم فقال ابن الزبعري قد عبدت الملائكة والمسيح فأنزل الله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى فأطلق اللفظ ولم يعقبه ببيان حتى قال ابن الزبعري ما قال \r\n فيقال له هذا جهل بموضوع اللفظ لأن قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم لم يدخل فيه العقلاء لأن ما لغير العقلاء ومن للعقلاء وقد كان ابن الزبعري علم ذلك وإنما اعترض بما ذكر متعتنا في غير موضع اعتراض كما كانوا يكابرون في تسميتهم إياه مرة ساحرا ومرة مجنونا ويناقضون فيه أفحش مناقضة ولا يبالون لأن الساحر هو الذي يبلغ بدقة تدبيره ولطف حيلته مالا يبلغه غيره والمجنون هو الذي يخبط ويتعسف في أفعال لا يجريها على نظام ولا ترتيب فمن ناقض في قوله هذه المناقضة ويباهت هذا البهت إذ لم يجد سبيلا إلى الطعن في دلائل ","part":2,"page":64},{"id":447,"text":" وأعلام نبوته صلى الله عليه و سلم حسدا وبغيا ليس يمتنع أن يباهت في الاعتراض بذكر الملائكة والمسيح صلوات الله عليهم أجمعين على الآية وإن لم يتضمن لفظ الآية دخولهم فيه وإنما كان وجه اعتراضه أن هذه الأصنام إن كانت في النار لأنها عبدت من دون الله عز و جل فإنه يجب مثله في الملائكة والمسيح والله تعالى لم يقل إنها في النار مع عبدتها لأنها عبدت من دون الله ثم أبان الله تعالى عن جهل هذا القائل وبهته بقوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ويدل على أن الآية لم تتناول غير الأصنام أنه خاطب بها قريشا وكانوا يعبدون الأوثان ولم يكونوا يعبدون المسيح ولا الملائكة \r\n فإن قال لو لم تتضمن الآية دخول هؤلاء فيه لبينه النبي صلى الله عليه و سلم وأجاب من اعترض بذلك قبل نزول الآية \r\n قيل له فكأنك تجوز ان يكون النبي صلى الله عليه و سلم اعتقد دخول الملائكة والمسيح في حكمها وأنهم في النار لأنهم عبدوا من دون الله فإن أجاز ذلك على النبي صلى الله عليه و سلم انسلخ من الملة لأن أحدا من المسلمين لا يجيز ذلك و كلهم يقولون ان معتقده كافر \r\n فإن قال قد كان النبي صلى الله عليه و سلم علم انهم لم يرادوا بالآية \r\n قيل له أفليس قد جاز أن لا يجيبهم إلا بعد نزول قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى مع علمه أنهم غير داخلين فيها فما انكرت من قولنا حين قلنا إن الملائكة والمسيح لم يدخلوا قط في الآية ومع ذلك لم يجبهم النبي صلى الله عليه و سلم لظهور فساد اعتراضهم ولأنه علم أنه لا شبهة فيه على أحد وعلى أن قوله إنكم وما تعبدون من دون الله لو ","part":2,"page":65},{"id":448,"text":" تناول العقلاء وغيرهم لكان مرتبا على ما قرر في العقول وانزل به الكتب في أنه لا يعذب أولياءه وأنبياءه في الآخرة فلم يرد اللفظ مقترنا بدلالة التخصيص فأي بيان تأخر وقوله تعالى ان الذين سبقت لهم منا الحسنى تأكيد لما قد ثبت قبل ذلك وتقرير له كما ذكر في صحة التوحيد وسائر صفاته تعالى في الكتاب بعد تقديم الدلائل عليها من جهة القول \r\n فإن قيل الدليل على جواز تأخير البيان قوله تعالى و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فأخر بيان الصلاة على حال الأمر بذكر الزكاة وإذا جاز أن يتأخر البيان هذا القدر جاز أن يتأخر أوقاتا كثيرة \r\n قيل له لا يخلوا قوله تعالى وأقيموا الصلاة من أن يكون تناول صلاة معهودة قد عرفوها فلم تكن مفتقرة إلى البيان فقولك اخر بيانها ساقط أو أن يكون مجملا عندهم عند نزول الآية ونحن نجوز تأخير بيان المجمل \r\n وأيضا فإن حكم الكلام إنما يتعلق تأخره وحصول الفراغ منه ألا ترى أنه لو وصله باستثناء أو علقه بشرط تعلق الجميع به فلو أطلق لفظ العموم ومراده الخصوص لم يمتنع أن يؤخر بيانه بمقدار الفراغ من الكلام لأن السامع لا يلزمه أن يعتقد فيه شيئا إلا بعد الفراغ منه \r\n فإن قال قائل جميع ما ألزمته القائلين بتأخير البيان من أن الوقوف فيه إلى ورود البيان ينفي وجوب القول بالعموم وترك الوقوف والقول باعتقاد عمومه ويؤدي إلى تجويز اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه فإنه يلزمك مثله في دلائل التخصيص من طريق النظر لأنك لا تخلو من أن تعتقد العموم بنفس وروده أو تقف فيه حتى يستبين حكم ","part":2,"page":66},{"id":449,"text":" اللفظ في عمومه أو خصوصه فإن اعتقدت العموم لم تأمن أن يكون هناك دليل يوجب خصوصه فتكون قد اعتقدت الشيء على خلاف ما هو به \r\n وإن وقفت فيه قلنا ان تقول مثله في حكم اللفظ العام أنه على العموم ان لم يكن مراده الخصوص فيكون موقوفا على البيان الذي يرد في الثاني ولا يقدح ذلك في القول بالعموم كما أن وقوفك في عموم اللفظ إلى أن تستبرئ حال الدليل الموجب لتخصيصه يعترض عليك في القول بالعموم \r\n قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أنه يحتمل أن يقال ان الله تعالى لا يخاطب أحدا بلفظ العموم ومراده الخصوص إلا مع إيراد دلائل التخصيص عليه حتى يعقل الخصوص مع ورود اللفظ كما يعقل الاستثناء \r\n والثاني أنه ليس يخلو السامع لذلك إذا كان مخاطبا بحكم اللفظ من أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه و سلم أو من غيره ممن يلزمه قبول قوله \r\n ومن يلزمه قبول قوله فلا يورد عليه الخطاب إذا كان مكلفا لاعتقاد حكمه عاريا من دلالة التخصيص إلا وقد أراد منه امضاءه على ظاهره فيجب على السامع إذا كان هذا وصفه اعتقاد حكم مقتضى اللفظ والقطع بأن لا دليل هناك يوجب تخصيصه \r\n وكذلك العامي ومن ليس من أهل العلم بأصول الحكم وطرق الاجتهاد فإنه متى سأل من يلزمه تقليده عن حكم حادثة فأجابه فيها بجواب معلق من آية أو خبر فعليه اعتقاد عمومه والعمل عليه لأنه لو كان خاصا لبينه له فإن سمع خبرا أو آية على غير ","part":2,"page":67},{"id":450,"text":" هذا الوجه فليس عليه أن يعتقد فيهما شيئا لأنه في هذه الحال غير مخاطب بحكمهما فهو في معنى من لم يسمعهما وإن كان رجلا من أهل العلم بأصول الأحكام والنظر فيها فتلا آية من القرآن أو سمع خبرا عن الرسول صلى الله عليه و سلم فهو ليس يصير من أهل الاجتهاد والعلم بأصول الأحكام إلا وقد عرف مثل ذلك ما يعترض على هذا العموم من تخصيص أو نسخ أو صرفه عن حقيقته إلى المجاز فتكون حينئذ دلائل الأصول مقارنة للعموم في إيجاب تخصيصه إن كان المرد الخصوص فإن كان في الحقيقة خاصا ولم يبين هو خصوصه لعموم دلالته وخفائها عليه فإنه إنما أتي من قبل نفسه في ذهابه عن وجه الدلالة وقد بين الله تعالى له ما يوجب تخصيصه فإن اعتقد فيه العموم فإنما قصر في اجتهاده وأخطأ في اعتقاده والله تعالى لم يأمره باعتقاد الخطأ وإنما ألزمنا نحن القائلين بتأخير البيان أن يكون الله تعالى قد أمرنا باعتقاد عموم لفظ مراده فيه الخصوص فيكون أمرا له باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ولا يمكنهم أن يجيبوا عن ذلك بمثل جوابنا عن سؤالهم \r\n لأن من قولهم إن الله تعالى لم يبين بعد شيئا وكيف يمكنهم ولا يمكنهم الوصول معه على علم الخصوص فإنما أتوا في اعتقاد عموم معناه الخصوص من قبل الله تعالى لا من قبل تقصيرهم وذهابهم عن وجه دلالة الخصوص وهذا هو المنكر عندنا ولم ننكر أن يخطئ الإنسان فيعتقد العموم فيما قد بين خصوصه فيخطئ دلالة الخصوص ويعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه وليس على الله تعالى أن يوقف على ","part":2,"page":68},{"id":451,"text":" خطأ قول كل قائل بنص يزيل معه الإشكال عنه وإنما عليه إقامة الدلالة عليه فإن أخطأها مخطئ لم يؤثر ذلك في وقوع البيان من الله تعالى بإقامة الدلالة عليه \r\n ألا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأله عن الكلالة يكفيك آية الصيف فلم ينص له على الحكم عند إشكاله عليه لأنه قد بينه قبل ذلك فوكله إلى ما قدمه من بيانه ثم يقال له فإذا لم تأمن أن يكون ما سمعه من الآية أو الخبر منسوخا بغيره وكان الواجب عليه النظر في الأصول هل فيها ما ينسخها ثم لم يلزم مع ذلك أن يقف في حكم قد تيقنا ثبوته بجواز أن يكون منسوخا بل واجب علينا الثبات عليه حتى يثبت نسخه فكذلك علينا اعتبار حكم اللفظ واعتقاد عمومه ولا جائز أن يكون مراده غير ظاهره فلا يبينه كما أن علينا الثبات على حكم قد علمنا ثبوته يقينا ولا يجوز الوقوف فيه لأجل جواز نسخه لأن النسخ لو كان ثابتا لبينه \r\n وأيضا فإن من وقف في حكم اللفظ للنظر في الأصول هل فيها ما يخصه فإنه متى لم يجد فيها دلالة التخصيص حكم بعموم اللفظ في حال وروده وإن وجد فيها ما يخصه تبين به اقتران دلالة الخصوص إلى اللفظ كالاستثناء فإنما وقف طلبا لبيان قد حصل إن كان خاصا \r\n وأنت تقف لرد البيان في الثاني ولا تطلب بوقوفك بيانا قد حصل كنت بذلك تاركا للقول بالعموم على الحقيقة ","part":2,"page":69},{"id":452,"text":" فإن قال قائل ليس جائزا أن ينسخ الله تعالى حكما فيتعلق حكمه على من سمعه ولا يتعلق على من لم يسمعه كما روي أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس فأتاهم آت فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا إلى الكعبة فقد صلوا بعض صلاتهم بعد نسخ التوجه إلى بيت المقدس ولم يؤمروا باستئنافها لأن حكم النسخ لم يتعلق عليهم إلا بعد العلم فكذلك ما أنكر أن يجوز اعتقاد العموم في اللفظ العام ويتأخر بيانه فيكون السامع متعبدا باعتقاد العموم فإذا ورد البيان تبين خصوص اللفظ فصار إليه ولا يؤثر ذلك في اعتقاده بدءا كما أن من لم يبلغه النسخ فهو متعبد بالفرض الأول فإذا بلغه علم أنه كان منسوخا قبل ذلك \r\n قيل له الفصل بينهما أن من بلغه النسخ بعد زمان فقد كان متعبدا بالفرض الأول وقت بلوغه إياه ولم ينسخ عنه ذلك إلا بعد علمه وإن كان منسوخا عن غيره فمن بلغه قبله فلم يكن في ذلك اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ومخالفنا في تأخير البيان يزعم أنه يجب عليه اعتقاد عموم معناه الخصوص في تلك الحال بعينها وهذا مستنكر لما بيناه وإنما نظير النسخ من هذا أن يعتقد العموم ثم يخصه بعد ثبوت حكمه فيكون ذلك نسخا لبعض حكم اللفظ وهذا لا نأباه ولا نكرهه ","part":2,"page":70},{"id":453,"text":" فصل \r\n وأما المجمل الذي لا سبيل إلى استعمال حكمه إلا ببيان فإنما جاز تأخير بيانه لأنه لما لم يمكن استعمال حكمه علمنا أنه أراد منا اعتقاد وجوبه إذا كان بين حكمه ولا يمتنع تكليف ذلك لأنه يجوز أن يعلم ان المصلحة لنا في تقدمة ذلك إلينا وتكليفنا توطين النفس على فعله عند بيانه كما كلفنا سائر العبادات وكما كلفنا اعتقاد أداء الصلاة عند مجيء وقتها وفعل صوم رمضان إذا حضر الشهر كذلك لا يمتنع أن يقدم إلينا جملة يلزمنا بها توطين النفس على فعله إذا ورد بيانه فالأمر المجمل قد تضمن معنيين \r\n أحدهما لزوم توطين النفس في الحال على فعله إذا ورد بيانه وترقب مجيء وقته والثاني أنه متى بين كان وجوبه متعلقا بالجملة المتقدمة وليس تأخير بيان المجمل كتأخير بيان العموم إذا كان مراده الخصوص لأن ورود لفظ العموم يلزمنا شيئين ","part":2,"page":71},{"id":454,"text":" أحدهما اعتقاد حكمه على ما انتظمه لفظه والآخر لزوم فعله في أول أحوال الإمكان ولزوم هذين المعنيين مانع من تأخير بيان خصوصه لأنه يوجب اعتقاد العموم فيما مراده الخصوص ويوجب أيضا اعتقاد لزومه على الفور \r\n والمراد تأخيره إلى وقت البيان وكلا الوجهين منفي عن الله عز و جل والمجمل لا يلزمنا فيه اعتقاد عموم ولا خصوص ولا يلزم به الفعل على الفور بل عند ورود البيان وأكثر ما يلزمنا فيه عند وروده إعلام حكم يبينه لنا في الثاني ويلزمنا ببيانه فعله وقبل بيانه توطين النفس عليه وتسهيله عليها وينبهنا على الفكر فيما حتم فعله من الثواب وبتركه من العقاب فيصير حتما على المتمسك بما هو مفترض عليه لأن توطين النفس على المأمور به يسهل فعله \r\n ألا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم قال مروا صبيانكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وقال تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا \r\n روي في التفسير أدبوهم وعلموهم ومعلوم أنه ليس عليهم فرض في الحال وأما أمرنا بذلك فيهم ليتمرنوا عليها ويعتادوها قبل البلوغ ليسهل عليهم فعلها إذا ","part":2,"page":72},{"id":455,"text":" بلغوا وقد قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه و سلم أخبار الأنبياء عليهم السلام حثا له على التمسك بالصبر وتسهيلا للمحنة عليه قال الله تعالى وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وقص علينا أخبار القرون السالفة لنتعظ بها وننتهي عن مثل الأفعال التي استحقوا العقاب بها فليس فيها أمر لنا بشيء أكثر من اعتقاد صحتها والاتعاظ بها وكذلك الأمر المجمل إذا كان فيه ضرب من التكليف والمصلحة في الحال يمتنع وروده غير مقترن ببيان يصحبه ثم يبينه لنا إذا أراد إلزام الفعل به وهذا يسقط جميع ما يتعلقون به في ذلك من أنه لا فائدة في التلاوة إذا لم يكن تحته مأمور به يلزمنا فعله في الحال وأنه متى كان ذلك كذلك كان بمنزلة مخاطبة العربي بالزنجية وأن إيراد ذلك بلفظ الأمر ليس بأولى منه بلفظ النهي إذ ليس تحته فعل مراد في الحال وذلك لأن خطاب العربي بالزنجية لا يفهم به المخاطب شيئا ووجوده وعدمه بمنزلة فيكون عبثا ولغوا والخطاب المجمل قد تعلق به ما ذكرنا من وجوه التكليف والمصلحة فلم يمتنع وروده موقوفا على البيان على الوجه الذي ذكرنا \r\n فأما الخطاب بالأمر المجمل فمنفصل عن الخطاب بالنهي المجمل كانفصال الخطاب بالأمر المعلوم المعنى عن الخطاب بالنهي لأن النهي المجمل يفيد توطين النفس على اجتناب ما يرد بيانه كما يفيد الخطاب بالأمر المجمل توطينها على فعله عند ورود البيان فبان بذلك فساد قول من اعترض بمثله على جواز تأخير بيان المجمل \r\n فإن قال قائل لا يجوز تأخير بيان المجمل لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يأمن أن تعاجله المنية قبل بيانه فلا يوصل بعده إلى حكمه ","part":2,"page":73},{"id":456,"text":" قيل له قد علم عليه السلام أن الله تعالى لن يتوفاه حتى يبلغ رسالته ويبين للامة ما تحتاج فيه إلى بيانه فهذا سؤال ساقط \r\n وأيضا فإذا علم الله تعالى أنه إن أخر البيان عن وقت لا يمكنه بعده تبليغه وأداؤه فلابد من توقيفه إياه على تعجيله وترك تأخيره لأن الله تعالى إنما ارسله إلى الناس ليبلغهم ما تهم إليه الحاجة من أمر دينهم فإذا اباح له تأخير البيان فإنما يبيحه له ما لم يؤخره إلى وقت يفوته فيه فعله فإذا صار في حال إن لم يبينه فيه فاته وتعذر عليه أعلمه قبل تأخيره \r\n فأما من أجاز تأخير بيان المجمل إذا كان في الخطاب ما يوجب تعلقه بحال ثابتة وأباه إذا ورد مطلقا غير مطمع في بيان يرد في الثاني فإنه ذهب فيه إلى أن الأمر لما كان يقتضي فعله على الفور فقد الزمنا بورود الأمر فعله فوجب أن يكون بيانه مقرونا به ليمكنه تنفيذه وإلا كان فيه تكليف ما لا يطاق وهذا لا يوجب ما قالوه \r\n وذلك لأنه يمنع ورود الأمر مطلقا غير معلق بوقت وتقوم الدلالة على أن المراد به المهلة دون الفور فمتى ورد لفظ مجمل لا يمكن استعمال حكمه كان وروده هذا المورد دلالة على أنه لم يرد منا فعله في الحال وأن لزومه موقوف على ورود البيان فيه فلا فرق بين مقارنة هذه الدلالة للفظ وبين ذكر ما يوجب وقوفه على البيان متصلا به ","part":2,"page":74},{"id":457,"text":" @ 75 @ ","part":2,"page":75},{"id":458,"text":" @ 76 @ ","part":2,"page":76},{"id":459,"text":" باب القول في الأمر ما هو \r\n قال أبو بكر قول القائل لمن دونه افعل إذا أراد به الإيجاب وذلك لأن أهل اللغة حين قسموا ","part":2,"page":77},{"id":460,"text":" الكلام جعلوا الأمر أحد أقسامه وقالوا هو قول القائل افعل كما ذكروا الخبر والاستخبار والطلب وقول القائل افعل يستعمل على سبعة أوجه على جهة إيجاب الفعل وإلزامه كقوله تعالى اتقوا الله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحوها وعلى الندب كقوله تعالى وافعلوا الخير وقوله وأحسنوا إن الله يحب المحسنين وعلى الإرشاد إلى الأوثق والأحواط لنا كقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم وقوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله تعالى فرهان مقبوضة وقوله ","part":2,"page":78},{"id":461,"text":" تعالى في شأن الرجعة وأشهدوا ذوي عدل منكم وعلى الإباحة كقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وعلى التقريع والتعجيز كقوله قل فأتوا بسورة مثله وقوله تعالى فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وقوله تعالى فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين \r\n وعلى الوعيد والتهديد كقوله تعالى اعملوا ما شئتم وقوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك \r\n وهذه الوجوه كلها تكون خطابا من القائل لمن دونه \r\n وتكون على وجه المسألة والطلب ولا يكون ذلك إلا لمن فوقه كقولنا ربنا اغفر لنا وارحمنا ونحو ذلك \r\n ولا يختلف أهل اللغة وأهل العلم أن ما كان من ذلك على وجه التقريع أو الوعيد أو المسألة لا يسمى أمرا وإن كانت صورته صورة الأمر \r\n واختلف أهل العلم في قوله افعل إذا كان ندبا أو إباحة أو إشارة هل يسمى أمرا بعد اتفاقهم على أنه إذا أراد الإيجاب كان أمرا \r\n فقال قائلون جميع ذلك يسمى أمرا وليس وروده مطلقا أولى بأحد هذه الوجوه الثلاثة منه بالآخر وجميعه يسمى أمرا \r\n وقال آخرون حقيقة الأمر ما كان إيجابا وما عداه فليس بأمر على الحقيقة وان ","part":2,"page":79},{"id":462,"text":" أجري عليه الاسم في حال كان مجازا وكذلك كان يقول أبو الحسن رحمه الله في ذلك وهذا القول هو الصحيح وذلك لأن القول الثاني يؤدي إلى أن يكون للإيجاب صيغة في اللغة تختص به عند الاطلاق والضرورة داعية لأهل كل لغة إلى أن يكون في لغتهم صيغة موضوعة للأمر الذي هو إيجاب كما أن بهم ضرورة إلى أن يكون منها لفظ موضوع للخبر ولفظ موضوع للاستخبار ولفظ موضوع للعموم وكما سمى الاجناس ونحوها \r\n فلما كان ذلك وجب أن يكون في لغتهم لفظ موضوع لإيجاب المأمور به فثبت أن قول القائل لمن دونه افعل هو لفظ الأمر الموضوع للإيجاب \r\n ويدل على أن حقيقته الإيجاب أن كل واجب يتعلق وجوبه بهذا اللفظ فهو مأمور به عند الجميع وأنه جائز أن ينتفى ذلك عنه والندب والإباحة قد ينتفي عنهما ","part":2,"page":80},{"id":463,"text":" ذلك لأن من قال ان الله تعالى أمر بصلاة الظهر وصوم شهر رمضان كان صادقا ولو قال لم يأمرنا الله تعالى بذلك كان كاذبا خارجا من الملة ولو قال رجل لرجل إن الله تعالى أمرك في هذا الوقت بصلاة تطوع أو صدقة نفل أو بالاصطياد أو بالشراء والبيع بعد صلاة الجمعة لم يكن مصيبا في قوله وكان واضعا للأمر في غير موضعه \r\n ولو قال رجل ليس عليه صلاة ولا صدقة ما أمرني الله تعالى بفعل الصلاة والصدقة في هذا الوقت كان مصيبا في قوله فلما كان اطلاق لفظ الأمر ممتنعا في النوافل والمباحات على الوجوه التي ذكرنا غير منتف عن الفروض والواجبات بحال دل ذلك على ان لفظ الأمر يختص بالإيجاب حقيقة وأنه لا يكون أمرا متى لم يصادف واجبا \r\n ويدل على ذلك أيضا ان العربي يسمي تارك الأمر عاصيا يدل عليه قوله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام أفعصيت أمري وقال تعالى لإبليس ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ومنه قول دريد بن الصمة ... أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ... فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتدى ... \r\n فسمى تارك الأمر عاصيا وسمة العصيان لا تلحق إلا تارك الواجبات فدل على أن لفظ الأمر مختص بالإيجاب ","part":2,"page":81},{"id":464,"text":" @ 82 @ ","part":2,"page":82},{"id":465,"text":" @ 83 @ ","part":2,"page":83},{"id":466,"text":" @ 84 @ ","part":2,"page":84},{"id":467,"text":" باب القول في لفظ الأمر إذا صدر لمن تحت طاعته على الوجوب هو أم على الندب \r\n قال أبو بكر اختلف أهل العلم في ذلك \r\n فقال قائلون الذي يفيده هذا اللفظ عند الاطلاق الدلالة على حسن المأمور به كونه مرغبا فيه ولا يصرف إلى الإيجاب ولا الإباحة إلا بدلالة \r\n وقال آخرون هو على الإباحة حتى يثبت الندب أو الإيجاب \r\n وقال آخرون اللفظ محتمل للإيجاب والندب والإباحة فهو موقوف الحكم حتى تقوم دلالة من غيره على المراد به \r\n وقال آخرون هو على الإيجاب حتى تقوم الدلالة على غيره وهو مذهب أصحابنا وإليه كان مذهب شيخنا أبي الحسن ","part":2,"page":85},{"id":468,"text":" @ 86 @ ","part":2,"page":86},{"id":469,"text":" والدليل على صحة هذا القول قول الله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا فدلت هذه الآية على وجوب الأمر من وجهين \r\n أحدهما نفيه التخيير فيما أمر به وقول من يقول بالندب والإباحة يثبت معهما التخيير وذلك خلاف مقتضى الآية \r\n والثاني قول الله تعالى ومن يعص الله ورسوله فسمى تارك الأمر عاصيا واسم العصيان لا يلحق إلا بترك الواجبات ولا لفظ للأمر في لغة العرب غير قولهم افعل فدل أنه للإيجاب حتى تقوم الدلالة على غيره ويدل عليه أيضا قوله تعالى ","part":2,"page":87},{"id":470,"text":" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما والقضاء يسمى أمرا قال الله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا معناه أمر متضمن لزوم الأمر \r\n ويدل عليه أيضا قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ومعلوم أن الوعيد لا يلحق تارك الندب والمباح فدل على لزوم الأمر ووجوبه لولا ها ما استحق الوعيد بتركه \r\n وإن قيل إنما أوعد من خالف الأمر وتارك المأمور به غير مخالف للأمر \r\n قيل له بل هو مخالف للأمر لأن أحدا لا يمتنع أن يقول لمن افطر في شهر رمضان من غير عذر خالفت أمر الله تعالى فدل على أن ترك المأمور به مخالف للأمر \r\n ويدل عليه قوله تعالى ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك فعلق ذمه بترك الفعل المأمور به فدل على أن تارك الأمر مستحق للوم وذلك حكم الواجبات \r\n فإن قيل إنما ذمه لأنه استكبر لما في الآية الاخرى إلا إبليس أبى واستكبر \r\n قيل له قد ذمه على الأمرين جميعا على ترك الأمر وعلى الاستكبار ولولا أن ترك الأمر بمجرده مذموم لما قرنه إلى الاستكبار فيما عنفه عليه ","part":2,"page":88},{"id":471,"text":" وأيضا فإن قوله افعل لا يخلو من أن يكون للايجاب أو الندب أو الإباحة فيكون مقتضيا لجميع ذلك على الحقيقة أو لبعضها حقيقة ولبعضها مجازا \r\n فإن كان حقيقة في الإيجاب مجازا فيما سواه على ما يقوله فالواجب حمله على الحقيقة فلا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة \r\n وإن كان حقيقة في كل شيء من ذلك فقد صار حقيقة في الإيجاب وأفادنا باللفظ فغير جائز صرفه عنه إلى غيره لأن حكم اللفظ استعماله على الحقيقة \r\n فإن قيل ما أنكرت أن يكون حقيقة في كل واحد من ذلك وأن الواجب إذا كان كذلك جاز حمله على الندب والإباحة حتى تقوم دلالة الإيجاب لأن ما صلح للإيجاب ولغيره لم يجز أن يجعله واجبا إلا بدلالة غير اللفظ أو نقف فيه حتى تقوم دلالة المراد إذ لم يجز ان يتناول جميع هذه الوجوه في حال واحدة لتضادها \r\n قيل له حقيقة الأمر أنه للإيجاب بما قد دللنا عليه في الباب الذي قبله ولو سلمنا لك ما ادعيته من الحقيقة في كل واحد من هذه الوجوه لكان حمله على الإيجاب أولى \r\n وذلك لأن المباح ما لا يستحق بفعله الثواب ولا بتركه العقاب \r\n والندب ما يستحق بفعله الثواب ولا يستحق بتركه العقاب ففيه زيادة معنى على المباح ","part":2,"page":89},{"id":472,"text":" والواجب ما يستحق بفعله الثواب وبتركه العقاب ففيه زيادة حكم على الندب فلو سلم لك أن اللفظ حقيقة في جميع هذه الوجوه كان الأولى حمله على الوجوب لأنه أكثر ما يتناوله ويقتضيه وهو يفيد هذه المعاني فيه حقيقة كما أن لفظ العموم وإن كان حقيقة في الثلاثة فما فوقها نحو قوله تعالى فاقتلوا المشركين كان الواجب حمله على أكثر ما يتضمنه ويقتضيه ولم يجز الاقتصار به على الأقل إلا بقيام الدلالة كذلك لفظ الأمر إذا كان يفيد الإيجاب حقيقة فقد تضمن وروده استيعاب جميع ما تعلق به من الحكم فلا جائز الاقتصار به على البعض وثبت أن اللفظ إن كان حقيقة في الجميع فهو يقتضي عند الاطلاق لزوم الفعل و إن كان لفظ الأمر حقيقة في بعض هذه الوجوه التي ذكرناها مجازا في البعض وليس يخلو ما هو حقيقة فيه أن يكون هو الإيجاب أو الندب أو الإباحة \r\n فإن كان للإيجاب حقيقة فالواجب حمله عليه وإن كان يتناول الندب والإباحة حقيقة دون غيرهما فهذا يوجب أن يكون من استعماله للإيجاب عند قيام الدلالة فقد صرفه عن الحقيقة إلى المجاز واستعمله في غير موضعه وهذا لا يقوله أحد ويلزم قائله أن يقول لم يأمر الله تعالى بالإيمان حقيقة في قوله آمنوا بالله ورسوله ولم يأمر بالتقوى على الحقيقة في قوله تعالى واتقوا ربكم فلما بطل ذلك ثبت أنه حقيقة في الإيجاب ","part":2,"page":90},{"id":473,"text":" فإن قال قائل موضوع اللفظ لإفادة كون المأمور به حسنا ممدوحا وأنه للإيجاب متعلق بإرادة الآمر فمتى صار عاريا عن دلالة الإيجاب لم نحمله عليه لفقد علمنا بإرادته إذ كانت الصيغة لا تفيد الإيجاب لأنها لو كانت تفيده لأفادته حيث وجدت وقد علمنا أنها قد ترد ولا يراد بها الإيجاب \r\n قيل له فما تقول إذا وردت الصيغة مقارنة لدلالة الإيجاب أيكون اللفظ عندك مستعملا للإيجاب حقيقة أم مجازا \r\n فإن قال حقيقة \r\n قيل له إن الحقائق لا تختلف أحكامها بالإرادات ولا تنتفي عما هي موضوعة له في مواصفات اللغة فيها بحال فإذا قد اعطيت أنه مستعمل للإيجاب حقيقة عند إرادة الآمر ذلك فهلا دلك هذا على أن اللفظ حقيقة في الأصل للإيجاب فيعقل به ذلك عند وروده فلا يحتاج أن يقف فيه إلى أن يعرف إرادة القائل إذا لم يقرنه بدلالة تزيله عن حقيقته بل يكون وروده مطلقا دلالة على إرادة القائل للإيجاب لأن ذلك حقيقة فيجب إمضاؤه على حقيقته وموضوعه في اللغة كما أن سائر الأسماء الموضوعة لمسمياتها حقيقة في أصل اللغة متى وردت مطلقة لم يجز الوقوف فيها إلى أن يتعرف إرادة القائل بإطلاقها ووجوب امضائها على موضوعها في اللغة متى لم يقرنه بدلالة تزيله عن حقيقته وكلفظ العموم لما كان في موضوع اللغة أنه للشمول والاستيعاب لم يحتج عند وروده مطلقا إلى مساعدة الدلالة في حمله على العموم \r\n فإن قال إن لفظ الأمر متى ورد مقارنا لدلالة الإيجاب كان مجازا مستعملا في غير موضوعه رفع بذلك أن يكون للفظ الإيجاب صيغة في اللغة وخرج به أيضا عن قول أهل اللغة وغيرهم ولزمه ما قدمناه ذكره فيما سلف ","part":2,"page":91},{"id":474,"text":" وأما قوله إن الصيغة نفسها لو كانت موجبة لذلك لما اختلف حكمها في إيجابها لذلك ولما وردت إلا موجهة فإنا نقول له إن الصيغة موضوعة لذلك في الأصل فمتى صدرت والمراد الندب أو الإباحة فهي مجاز في هذا الموضوع لا حقيقة كما تقول في سائر ألفاظ المجاز وليس ورود الصيغة عارية من حكم الإيجاب لقيام الدلالة بمانع أن يكون أصلها وبابها الوجوب كما أن صيغة العموم تقتضي الاستيعاب ولا يمتنع وروده مع إرادة الخصوص ولا يمنع ذلك اعتبار دلالة اللفظ على وجوب الاستيعاب عند تعريه من دلالة الخصوص \r\n وأيضا فإن من قال إن ظاهر الأمر الندب فقد أعطى بأنه قد أريد منه إيقاع الفعل وإذا صح أنه موضوع لإرادة إيقاع الفعل وجب فعله عند الإمكان واحتجنا في جواز تركه إلى الدلالة من غيره \r\n وأيضا فلو لم يكن الأمر مقتضيا للإيجاب لكان المأمور به مخيرا بعد ورود الأمر بين الفعل والترك ولا دلالة فيه على التخيير فلا يصح إثبات التخيير إلا بلفظ يقتضيه أو بدلالة غير الأمر \r\n فإن قيل لم يثبت التخيير بلفظ الأمر وإنما أثبتناه لأنه كان مخيرا قبل ورود الأمر وكان تركه مباحا فبقيناه على ما كان عليه إذ لم يثبت الوجوب \r\n قيل له إنما كان الترك مباحا قبل ورود الأمر فأما بعد وروده وإرادة الآمر إيقاعه فما الدليل على إباحة تركه وقد اعطينا أن الآمر قد أراد منه إيقاع الفعل \r\n فإن قال لأنه ليس في إرادة الفعل كراهة لتركه إذ ليس يمتنع اجتماعهما في الحسن ","part":2,"page":92},{"id":475,"text":" قيل له ما انكرت ان لفظ الامر موضوع لإيقاع الفعل وكراهة الترك كما أن لفظ النهي موضوع لكراهة الفعل وارادة الترك ولو جاز أن يقال في الأمر إنه لا دلالة فيه على كراهة الترك لجواز اجتماعهما في الحسن لجاز مثله في النهي حتى يقال إن النهي لا دلالة فيه على كراهة المنهي عنه وإنما فيه الدلالة على إرادة ضده كما قلت في الامر لأنه لا يمنع اجتماع المنهي عنه وضده في الحسن \r\n فإن قال ما من نهي إلا ومعه كراهة الفعل \r\n قيل له وما من أمر إلا ومعه كراهة الترك \r\n فإن قال قد يرد الامر ولا يراد كراهة ضده \r\n قيل له لا نسلم لك أن هذا أمر ومع هذا فقد يرد النهي ولا يراد به كراهة الفعل لقوله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم وفعل الفضل ليس بواجب وقال تعالى ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله وليس بواجب على من عرف الشروط أن يكتب للناس ألا ترى إلى قوله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد يعنى والله أعلم بأن يشغل عن حوائجه ويضر به وقد قال ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبير إلى أجله وهو ندب في هذه المواضع ","part":2,"page":93},{"id":476,"text":" ألا ترى إلى قوله تعالى فإن أمن بعضكم بعض فلم يرد بهذا النهي كراهة الفعل \r\n فإن قال ليس هذا بنهي وإن كان في صورة النهي \r\n قيل له ولفظ الأمر إذا لم يقارنه كراهة الترك فليس بأمر على الحقيقة وإن كان في صورة الأمر كما قلت في النهي سواء \r\n دليل آخر وهو أن تارك الأمر يلحقه سمة العصيان في اللغة قال الله تعالى أفعصيت أمري وقال وما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك فذمه ولعنه على ترك المأمور به قاصدا له \r\n فإن قيل لم يستحق إبليس الذم بترك الأمر بمجرده وإنما استحقه بالاستكبار لأن الل4ه تعالى حكى عنه أنه أبى واستكبر \r\n قيل له قد استحق الذم بالأمرين جميعا بترك الأمر على حياله وبالاستكبار أيضا لأن قوله تعالى ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قد اقتضى توجيه اللائمة إليه لترك الأمر متعريا من الاستكبار والآية الأخرى أوجبت الذم بالاستكبار \r\n ويدل على أن تارك الأمر يستحق سمة العصيان في اللغة قول دريد بن الصمة ... أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ... فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأني غير مهتد ... \r\n فسمى تارك الأمر عاصيا ولا يستحق سمة العصيان إلا تارك الواجبات ","part":2,"page":94},{"id":477,"text":" وأيضا فإن تارك أمر من يلزمه طاعته فيما بينا مستحق للتعنيف واللائمة وأوامر الله تعالى محمولة على المعقول المتعارف بيننا بقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وقال تعالى بلسان عربي مبين ولا شيء يستحق به تارك الأمر اللوم فيما بينا إلا وروده مطلقا فدل على أنه موضوع للإيجاب \r\n وكذلك معلوم متقرر عند الناس أن النبي صلى الله عليه و سلم لو أمر رجلا بالقيام أو القعود أمرا مطلقا فلم يفعله كان معنفا عند الجميع مستحقا للذم فدل على أنه يقتضي الإيجاب \r\n فإن قيل إنما وجب ذلك في أوامر النبي صلى الله عليه و سلم وأوامرنا فيما بيننا لعبيدنا ومن تلزمه طاعتنا لأن المأمور يقع له علم الضرورة بمراد الآمر وذلك معدوم في خطاب الله تعالى \r\n قيل له يقع للسامع علم الضرورة بإرادة الآمر الوجوب بنفس الأمر أو بمعنى يقارنه \r\n فإن قال بنفس الأمر \r\n قيل له فينبغي أن يقع له ذلك في سائر الأوامر لوجوب الضرورة الموجبة لعلم الضرورة \r\n وإن قال إنما يقع له ذلك بأحوال مقارنة \r\n قيل له فكل ما صدر عن النبي صلى الله عليه و سلم أو عن غيره ممن تجب طاعته مقارنة حال يعلم المأمور إرادة الأمر لإيجابه ضرورة ","part":2,"page":95},{"id":478,"text":" فإن قال نعم علم بطلان قوله ضرورة لأنه معلوم أنه قد يرد لفظ الأمر من الآمر لمن يخاطبه به ولا يقارنه حال يعلم بها الوجوب ضرورة بل يشك في أنه أراد الإيجاب أم لا ثم لم تعتبر الناس الأحوال لإلحاق الذم بتارك الأمر فعلمنا أنه إنما يستحق الذم عندهم لتركه الأمر بمجرده \r\n وأيضا فإن كان كما قال من أن لزوم أمر النبي صلى الله عليه و سلم لمن يخاطبه به من جهة ما يقع للسامع من العلم الضروري بمراده فينبغي أن يختلف حكم الأمر لمن شاهد النبي صلى الله عليه و سلم ولمن لم يشاهده ممن بلغه أمره فيلزم المشاهد له والسامع منه ولا يلزم المبلغ لأن المشاهد وقع له العلم بمراده من جهة الضرورة والمبلغ لا يقع له ذلك ومعلوم أن أمر النبي صلى الله عليه و سلم لا يختلف في السامع والمبلغ وقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم السامعين بالتبليغ بقوله نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فدل على أن السامع والمبلغ في حكم الأمر سواء ولو كان يختلف حكمهما فيما تعبدا به لقيده عليه السلام بمعنى غير إطلاق اللفظ يستوى في العلم بمراده السامع والمبلغ \r\n وأيضا لو ساغ أن يقال هذا في الأوامر لساغ لنفاة العموم أن يقولوا مثله في نفيه لأن الناس قد يعرف بعضهم مراد بعض في العموم والخصوص ضرورة فوجب في ","part":2,"page":96},{"id":479,"text":" مخاطباتنا اعتبار العموم لوقوع علم السامع بمراد القائل ضرورة ولا يجب مثله في خطاب الله تعالى لأنه لا يقع لنا العلم بمراده ضرورة فلا يجب أن يحمل ما ورد عن الله تعالى من ألفاظ العموم على عمومه حتى تقوم الدلالة على إرادته العموم وكذلك نقول في خطاب النبي صلى الله عليه و سلم لمن شاهده أنه على العموم ومن بلغه ذلك لا يلزمه اعتبار العموم لأن من شاهد النبي صلى الله عليه و سلم كان يعلم مراده ضرورة لخطابه لمقارنة الأحوال الموجبة لذلك وكان يلزم السامع اعتبار العموم لهذه العلة ومن لم يشاهد لم يقع له علم الضرورة بمراده بورود لفظ العموم عليه فلا يجوز له اعتبار العموم إلا بدلالة غير اللفظ فلما بطل ذلك كان قول المحتج بمثله في نفس وجوب الأمر بمثابته \r\n وأيضا معلوم أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا تلا عليهم الآيات التي فيها الأوامر نحو قوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة وقوله تعالى فاقتلوا المشركين وقوله انفروا خفافا وثقالا وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فمن شهد منكم الشهر فليصمه لم يكونوا محتاجين إلى مسألته في إن ذلك على الوجوب بل كان المتخلف عندهم عن ذلك معنفا تاركا لأوامر الله ولم يزدهم النبي صلى الله عليه و سلم على تلاوة الآية ولم يعقبها بالإخبار عن مراد الله تعالى في إيجابه ","part":2,"page":97},{"id":480,"text":" ومعلوم أن الآيات لم توجب لهم علم الضرورة بمراد الله تعالى فيها لأن مراد الله تعالى لا يعلم ضرورة فثبت بذلك سقوط اعتراض من اعترض بما ذكر في الفصل بين أوامر الله تعالى وبين أوامر الآدمي \r\n وقد استدل بعض أهل العلم بأن قوله افعل لو صلح للإيجاب والندب لكان المصير إلى جهة الإيجاب أولى لما فيه الاحتياط والأخذ بالثقة وهذا وإن كان استدلالا من غير جهة اللفظ فإنه احتجاج صحيح في وجوب الأمر كما قال النبي صلى الله عليه و سلم الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال إن لكل ملك حمى وإن حمى الله تعالى محارمه ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه فأمر صلى الله عليه و سلم بالاحتياط والأخذ بالثقة فيما يحتمل وجهين \r\n فإن قال قائل اعتبار الاحتياط في إيجاب الأمر هو ترك الاحتياط من قبل أنه إن لم يكن مراد الله تعالى الإيجاب واعتقدنا فيه الوجوب فقد أقدمنا على ما لا يجوز الاقدام عليه من اعتقادنا الشيء على خلاف ما هو عليه \r\n قيل له ليس هذا كما ظننت لأنا لم نكلف في هذه الحال غير الاحتياط والأخذ بالحزم فقد تيقنا متى فعلنا ذلك أنا غير معتقدين للشيء على خلاف ما هو عليه \r\n ألا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يعتبر ذلك حين قال فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وعلتك قائمة فيه لأنك لا تأمن أن تدعه على أن عليه تركه وليس عليه تركه في ","part":2,"page":98},{"id":481,"text":" الحقيقة وقال عليه السلام للرجل الذي اخبرته امرأة سوداء أنها ارضعته وزوجته دعها عنك فقال يا رسول الله إنها سوداء يعني المخبرة فقال عليه السلام كيف وقد قال دعها عنك فأمر بالاحتياط والأخذ بالحزم والثقة مع عدم العلم بصحة خبرها واعتبار الاحتياط والأخذ بالثقة أصل كبير من أصول الفقه قد استعمله الفقهاء كلهم وهو في العقل كذلك أيضا لأن من قيل له إن في طريقك سبعا أو لصوصا كان الواجب عليه الأخذ بالحزم وترك الإقدام على سلوكها حتى يتبين أمرها \r\n وأيضا قد صح عندنا أن النهي عن الشيء أمر بضده من جهة الدلالة إذا لم يكن إلا ضد واحد فمن حيث كان ما دل عليه لفظ النهي من فعل ضده على الوجوب وجب أن يكون اللفظ الموضوع للأمر أدل على الإيجاب مما يتعلق به منه بدلالة لفظ النهي \r\n فإن قال قائل في القول بإيجاب الأمر المطلق إثبات الوعيد على تاركه وليس ذلك في اللفظ فغير جائز إثباته إلا بدلالة من غيره إذ كان لفظ الأمر لا ينبئ عنه \r\n قيل له لا يخلو من أن تعطى ان لفظ الأمر إذا أريد به الإيجاب كان مستعملا في موضعه حقيقة أو يمتنع ذلك فإن أعطيت أنه مستعمل في الإيجاب حقيقة سقط سؤالك لأن حقيقة الواجب ما يستحق الذم بتركه فلا معنى حينئذ لقولك إنه غير جائز إثبات الوعيد على تاركه إلا بلفظ ينبئ عنه \r\n وإن كنت ممن يأبى أن يكون لفظ الأمر إذا أريد به الإيجاب كان مستعملا فيه على جهة الحقيقة كان اتفاق أهل اللغة وغيرهم قاضيا بفساد قولك ولزمك أن لا تثبت للأمر صيغة في اللغة وهذا قول ظاهر الفساد ","part":2,"page":99},{"id":482,"text":" وأيضا فإنا قد اتفقنا على أن النهي عن الإيجاب يستحق مرتكبه الذم مع عدم الوعيد مذكورا في اللفظ فانتقض بذلك ما أحلت من امتناع إثبات الوعيد إلا بلفظ ينبئ عنه \r\n وأيضا فإن هذا السائل إن كان ممن يقول إن ظاهر لفظ الأمر إنما يقتضي الدلالة على حسن الشيء المأمور به وكونه ممدوحا مرغبا فيه فإنه قد أثبت له ضربا من الثواب بفعل المأمور به وليس لفظ الأمر عبارة عن استحقاق الثواب فما ينكر من اثبات الوعيد على تاركه وإن لم يكن اللفظ عبارة عنه \r\n وأيضا معلوم في تعارفنا وعاداتنا أن من أمر عبده بفعل شيء فتخلف عنه استحق التعنيف وإن لم يكن ما يستحقه من ذلك مذكورا في اللفظ بل كان معقولا منه من حيث عقل وجوب الأمر \r\n وأما من قال إني اجعله على الإباحة حتى تقوم دلالة الندب أو الإيجاب فإنه يطالب بإقامة الدلالة على ما قال فلا سبيل له إليها \r\n ويقال له فإذا قامت دلالة الإيجاب كان اللفظ مستعملا فيه حقيقة أو مجازا \r\n فإن قال حقيقة \r\n قيل له فهلا حملته على الإيجاب إذا كان مقتضاه من غير دلالة تطلبها من غيره \r\n فإن قال يكون مجازا في الإيجاب أكذبته اللغة وخرج عن قول الامة \r\n ويقال له مع ذلك أيضا ما أنكرت أن لا يدل على الإباحة أيضا لأنه قد يرد ولا يراد به الإباحة كقوله تعالى اعملوا ما شئتم فيؤدي هذا القول اللفظ إلى إسقاط فائدته رأسا ","part":2,"page":100},{"id":483,"text":" @ 101 @ ","part":2,"page":101},{"id":484,"text":" @ 102 @ ","part":2,"page":102},{"id":485,"text":" باب القول في الأمر إذا صدر غير مؤقت هل هو على الفور أو على المهلة \r\n قال أبو بكر اختلف أهل العلم في ذلك \r\n فقال قائلون هو على المهلة وله تأخيره إلى الوقت الذي يخشى الفوات بتركه في آخر عمره \r\n وقال آخرون هو على الفور يلزم المأمور فعله في أول أحوال الإمكان \r\n وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يحكي ذلك عن اصحابنا ويستدل عليه بقولهم في فرض الحج أنه على الفور على من استطاع إليه سبيلا وأنه لا يسعه تأخيره ","part":2,"page":103},{"id":486,"text":" @ 104 @ ","part":2,"page":104},{"id":487,"text":" والدليل على صحة هذا القول أنه قد ثبت أن الأمر على الوجوب بما قدمنا والفعل مراد من المأمور في الحال بدلالة اتفاق الجميع على ان فاعله فيها مؤد للواجب بالأمر فإذا كان فعله في الحال مرادا بالأمر صار بمنزلة قوله افعله في أول أحوال الامكان فلزم فعله في الحال واحتجنا في جواز التأخير إلى دلالة وأنه لو نص على الوقت فقال افعله في هذا الوقت لزمه فعله فيه ولم يسعه التأخير إلى وقت غيره \r\n كذلك لما ثبت بالدلالة التي ذكرنا أن الفعل مراد في الحال لم يجز لنا التأخير إلا بدلالة تدل عليه \r\n فإن قال قائل فلو أخر الأمر المطلق حتى فعله في الوقت الثاني والثالث إلى انقضاء عمره كان مؤديا للواجب بالأمر فينبغي أن يدل ذلك على جواز التأخير لأنه قد ثبت أن فعله في هذه الأوقات مراد بالأمر \r\n قيل له لم قلت إنه مؤد للواجب ولا دلالة فيه على جواز التأخير لأن تقديره افعله في الوقت الأول ولا تؤخره فإن أخرته إلى الوقت الثاني فافعله فيه ولا تؤخره فلا يدل ذلك على جواز التأخير إذ قد يكون مأمورا بالتعجيل ثم إذا أخره لزمه فعله في الوقت الذي ","part":2,"page":105},{"id":488,"text":" يليه فإن لم يفعله ففي الوقت الذي يليه كما قال النبي صلى الله عليه و سلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ولا كفارة لها إلا ذلك فألزمه فعلها عند الذكر ومنعه التأخير ولو آخرها كان تاركا للواجب ولزمه فعلها في الثاني وما يليه من الأوقات \r\n وكالديون الواجبة للآدميين يلزمه أداؤها بعد حال الوجوب فإن أخره عن الحال لزمه في الثاني أداؤه وإن آخره لزمه في الوقت الذي يليه فدل ذلك على سقوط سؤال من اعترض علينا بما وصفنا وأنه لا دلالة في كون الفعل مرادا في الوقت الثاني إذا تركه في الوقت الأول على جواز التأخير \r\n وأيضا فلما ثبت أن المأمور به مراد فعله احتجنا في جواز تركه في الحال إلى دلالة أخرى كما احتجنا في جواز تركه رأسا إلى دلالة فمن حيث دلت صورة الأمر على الإيجاب فهي تدل على وجوبه على الفور \r\n وأيضا فإن من جعله على المهلة فقد اثبت تخييرا غير مذكور في لفظ الأمر وغير جائز إثبات التخيير إلا بدلالة \r\n وأيضا فإن الديون وسائر حقوق الآدميين إذا لم يكن فيها شرط التأخير لزم أداؤها على الفور ولم يجز للذي هي عليه تأخيرها إلا بإذن الذي له الحق فوجب أن يكون كذلك حقوق الله تعالى والمعنى الجامع بينهما أن وجوبهما غير مؤقت \r\n ويدل على ذلك أيضا أن المتعارف المعتاد من أوامرنا لعبيدنا ومن تلزمه طاعتنا أنه على الفور فوجب مثله في أوامر الله تعالى لأن ذلك قد صار موجب القول ومقتضاه ","part":2,"page":106},{"id":489,"text":" وقد خاطبنا الله تعالى بالمتعارف من مخاطباتنا فيما بيننا وبقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه \r\n وأيضا فلو احتمل الفور والمهلة جميعا لكان الأخذ بالثقة واستعمال الحزم في المبادرة أولى من تأخيره على ما ذكرنا في دلالة وجوب الأمر من جهة أخرى أنه لا يأمن اخترام المنية إياه فيحصل مفرطا في التأخير فوجب عليه المسارعة إليه ويدل على صحة اعتبار هذا المعنى قوله تعالى فاستبقوا الخيرات وقوله تعالى إنهم كانوا يسارعون في الخيرات وقوله فاستبقوا الخيرات يمكن أن يكون دليلا مبتدأ على لزوم التعجيل لأن الأمر على الوجوب \r\n ودليل آخر لا يخلو القول في الأمر المطلق إذا لم يكن آخر وقته معلوما عند المخاطب من أحد وجهين إما أن يكون على الفور على ما قلنا أو على المهلة على ما قال مخالفنا \r\n فإن كان على المهلة لم يخل المأمور من أحد وجهين إما أن يكون له تأخيره أبدا حتى لا يلحقه التفريط ولا يستحق اللوم وإن مات قبل فعله أو يكون مفرطا مستحقا للوم إذا مات قبل فعله \r\n فإن قلنا إنه لا يكون مفرطا بتركه في حياته خرج الأمر من حيز الوجوب وصار في حيز النوافل لأن ما كان المأمور مخيرا بين فعله وتركه فهو نافلة أو مباح ولما ثبت وجوب ","part":2,"page":107},{"id":490,"text":" الأمر بطل هذا القول \r\n وإن قلنا إنه يلحقه التفريط بالموت فغير جائز أن يلحقه التفريط في وقت لا يعلم أنه الوقت المضيق عليه تأخير الفعل عنه ولم ينصب له دليل يوصله إلى العلم به فغير جائز أن يكون من هذا وصفه منهيا عن تأخير الفعل عن الوقت الذي إذا أخره عنه لم يستدرك فعله كما لا يصح أن يتعبده الله تعالى بعبادة لا يعلمه بها ولا ينصب له عليها دليلا فلما كان آخر عمر الانسان الذي يخشى فيه فوات الفعل غير معلوم عنده لم يجز أن يكلف فعله فيه وهذا يوجب أن لا يكون مفرطا بتركه إلى أن يموت فيعود القول فيه إلى القسم الذي قد دللنا على بطلانه فلما بطل ذلك ولم تحتمل المسألة وجها غير ما ذكرنا وبطل الوجهان الآخران صح الثالث \r\n وقد كان شيخنا أبو الحسن احتج بهذا مرة فألزمت عليه الزكوات والنذور وقضاء شهر رمضان وما جرى مجراه من حقوق الله تعالى التي ثبتت في ذمته في وقت غير معين \r\n وقلت له إن هذا الاعتلال يقتضي أن يكون لزوم جميع ذلك متعلقا بأول أحوال الإمكان بعد حال وجوبه وثبوته في ذمته فالتزم ذلك وقال لا يسعه تأخير شيء من ذلك \r\n قال أبو بكر ويدل على أن جميع ذلك لا يسع من لزمه تأخيره من غير عذر قول النبي صلى الله عليه و سلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك وفي ","part":2,"page":108},{"id":491,"text":" بعض الألفاظ لا وقت لها إلا ذلك لما أثبتها في ذمته منعه تأخيرها عن وقت لزومها في الذمة وليس ذلك بمنزلة صلاة الظهر في جواز تأخيرها إلى آخر الوقت لأن آخر وقتها معلوم فإذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ما يؤدي ف فيه الفرض تعين عليه الفعل في وقت عنده ومتى لم يكن آخر وقت الفعل معينا فإن مخالفنا إنما يلزمه التفريط في وقت لم ينصب له عليه دليل أنه آخر أوقاته ويجعله منهيا عن ترك فعل لا يعلم أنه منهي عنه ولم ينصب له عليه دليل \r\n فإن قال قائل قد روي عن عائشة أنها قالت كان يكون علي قضاء أيام من رمضان فلا أقضيها إلا في شعبان فقد كانت تؤخرها ولم ينكر النبي صلى الله عليه و سلم وهذا خلاف قولكم ان قضاء رمضان واجب في أول أحوال الامكان \r\n قيل له لم يذكر أن النبي صلى الله عليه و سلم علم بذلك فأقرها عليه \r\n وأيضا يجوز أن يكون عندها أن قضاء رمضان فرض موقت بالسنة كلها إلى أن يجيء رمضان آخر فيجوز تأخيره إلى آخر الوقت كصلاة الظهر لأن الوقت المنهى عن تأخيره عنه معلوم معين \r\n دليل آخر وهو أن الامر لما كان على الوجوب اقتضى كراهة تركه فكان بمنزلة من نهى عن تركه وقد اتفق الجميع على أن النهي يقتضي ترك المنهي عنه على الفور فإن قيل ما الدليل على أنه اقتضى كراهة تركه في الحال دون أن يكون قد كره منه تركه في عمره كله \r\n قيل له إذا كان الأمر به قد تضمن كراهة الترك وكان ما كره تركه فهو ","part":2,"page":109},{"id":492,"text":" منهى عنه في المعنى صار كمن قيل له لا تتركه فاقتضى ذلك كراهة تركه على الفور فوجب أن يلزم فعله والحال على وجه الإيجاب فإن قال قائل في القول بإيجاب الأمر على الفور إثبات الوعيد على تاركه في الحال ولفظ الأمر لا ينبئ عن ذلك فلا يجوز إثباته إلا بدلالة \r\n قيل له قد ثبت وجوب الأمر وما كان واجبا فهو يقتضي ذم تاركه فلسنا نحتاج بعد ذلك إلى استئناف دلالة على ذم تاركه ولو صح هذا السؤال لاعترض على القول بوجوب الأمر في الأصل ولساغ لمن ينفي ذلك أن يستدل به على نفي الوجوب رأسا فلما لم يصح ذلك لمن نفى وجوب الأمر للدلائل الدالة على وجوبه كذلك لا يعترض على القول بلزومه على الفور \r\n فإن قيل قد يرد الأمر والمراد الفور وقد يرد والمراد المهلة ولا دلالة في اللفظ على لزوم فعله في الحال فغير جائز إلزامه في الحال إلا بدلالة \r\n قيل له لم يثبت أمر على المهلة إلا وآخر وقته معلوم معين \r\n فقولك إنه قد يرد والمراد المهلة خطأ على هذا الاطلاق وعلى أنه لو ثبت وروده والمراد المهلة لما كان مؤثرا في صحة قولنا لأن ذلك إنما يصار إليه بدلالة غير اللفظ كما يخص العموم بدلالة وكما يصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز بدلالة ولا يؤثر ذلك في صحة اعتبارنا القول بالعموم ووجوب حمل اللفظ على الحقيقة \r\n فإن قال لو كان الأمر لازما على الفور لسقط فعله بتركه على الفور كما يسقط الأمر المؤقت بترك فعله في الوقت \r\n قيل له الذي كان واجبا في الوقت الأول ليس هو الواجب في الوقت التالي بل قد ","part":2,"page":110},{"id":493,"text":" سقط ما وجب في الوقت الأول بفوات وقته كما سقط الظهر بفوات وقتها والذي يجب بعد الوقت فرض غير الأول فقد استويا في هذا الوجه فإن قال لو كان كذلك لاحتجنا إلى دلالة أخرى غير الأمر في إيجابه في الوقت الثاني فلما كان الواجب في الوقت الثاني إذا تركه في الوقت الأول واجبا بالأمر دل ذلك على أن لزومه لم يتعلق بالحال دون المهلة وليس كذلك الظهر وسائر الفروض المؤقتة لأن فوات الوقت قبل فعلها يسقطها ولا يلزمه فرض آخر بالأمر الأول وإنما يلزمه القضاء بدلالة أخرى \r\n قيل له ان تقرير الأمر المطلق عندنا أن صل في أول حال الامكان فإن تركته فافعله في الثاني فإن تركته فافعله في الثالث فتضمن الأمر فعله في هذه الأوقات إذا لم يفعله قبل ذلك وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع أن يكون لزومه متعلقا بالأمر على هذا الوجه ولا يدل ذلك على جواز التأخير لأنه لو قيده بما ذكرناه كان جائزا \r\n ألا ترى ان مخالفنا يقول معنا فيمن ترك الظهر حتى فات الوقت أنه يصليها عند الذكر فإن أخرها عن حال الذكر من غير عذر استحق اللوم وكذلك إن أخرها عن الوقت الثاني إلى الثالث ولم يدل ذلك على جواز تأخيرها عن وقت الذكر وبذلك ورد الأثر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك \r\n فإن قال لو كان لزوم الأمر على الفور لكان فعله بعد ذلك واقعا على وجه القضاء كالظهر إذا فات وقتها قبل فعلها ","part":2,"page":111},{"id":494,"text":" قيل له تسميتنا إياه قضاء أو غير قضاء إنما هو كلام في العبارة وقد قلنا إن المفعول في الوقت الثاني غير المتروك في الوقت الأول وأنه فرض آخر غيره \r\n فإن شئت بعد ذلك ان تسميه قضاء لم نمنعك منه فإن قال قائل لما لم نتبين في الخبر عما يكون في المستقبل مقتضيا للفور كقول الله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ولم يدخله على الفور وكقوله الله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ولم يكن في فور الخطاب \r\n وكقول القائل والله لأضربن زيدا ولأكلمن عمرا فلا يقتضي الفور وجب أن يكون الأمر مثله \r\n قيل له ولم وجب إذا كان الاخبار عن أمر يقع في المستقبل مقتضيا للفور أن يكون الأمر مثله وبأية علة وجب الجمع بينهما وكيف وجه دلالة أحدهما على الآخر \r\n وعلى أن الإخبار عن الاستقبال لا يقتضي إلزام شيء لأن من قال والله لأدخلن الدار ولأكلمن زيدا لم يلزمه بهذا القول فعل المخبر عنه ولو تركه لم يكن عليه شيء وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه فأمره بترك ما حلف عليه أن يفعله ولا يحنث فيه وقال الله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ","part":2,"page":112},{"id":495,"text":" وليصفحوا روي أنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة حين حلف أبو بكر ألا ينفق عليه لما كان منه في أمر عائشة فأمره الله تعالى بترك ما حلف عليه فثبت أن حلفه على فعل أن يفعله في المستقبل لا يلزمه فعله فكما جاز له تركه رأسا فكيف لا يجوز له تركه على الفور \r\n فإن قيل إنما وجه استدلالنا منه أن الخبر واليمين لم تفيدا فعل المخبر عنه والمحلوف عليه على الفور ولم يقتض اللفظ ذلك فكذلك الأمر واختلافهما من جهة ما يعلق بالأمر من الإيجاب دون الخبر لا يوجب الفرق بينهما من الوجه الذي ذكرنا \r\n قيل له فالذي فيه إلزام الفعل إنما كان على الفور من أجل ما تعلق به من الوجوب والذي ليس فيه إلزام الفعل لم يقتض الحال لعدم الالزام \r\n فإن قيل لما كان ورود الأمر يقتضي عموم فعله في سائر الازمان ما لم يفعله كان له في أي وقت شاء منها لأن في إلزامه إياه على الفور تخصيصا لوقت دون وقت ولا يجوز ذلك إلا بدليل \r\n قيل له قولك إنه عموم في الأزمان غلط لأن الزمان غير مذكور فيكون عموما من طريق اللفظ وإنما لم يسقط عنه لتركه في الوقت الأول من قبل أنه قد ثبت في ذمته ","part":2,"page":113},{"id":496,"text":" وجوبها فلا يسقط عنه إلا بأدائه كالديون إذا أخرها من هي عليه عن وقت وجوبها \r\n ولو جاز أن يقال إن ورود الأمر المطلق يقتضي عمومه جواز فعله في سائر الأزمان فيجوز تأخيره لجاز مثله في الديون الحالة \r\n فإن قيل قد أخر النبي صلى الله عليه و سلم الحج عن وقت وجوبه لأنه بعث أبا بكر رضي الله عنه على الحج ولم يحج هو حتى حج في السنة الثانية مع تقدم فرض الحج على السنة التي حج فيها فدل على أنه لم يقتض الفور \r\n قيل له ليس هذا بسؤال في المسألة التي نحن فيها لأن الكلام بيننا وبين مخالفنا في الأصل ونحن لا نأبى أن تقوم الدلالة في الأمر المطلق على جواز التأخير ثم الكلام في أعيان المسائل أنها مما يجوز تأخيره أو لا يجوز يكون كلاما في الدلالة الموجبة لجواز التأخير في تلك المسألة بعينها وفي ذلك خروج عن مسألتنا وكلام في غيرها كما أن الكلام في دلالة التخصيص لفظ ظاهره العموم ليس هو كلاما في أصل القول بالعموم أو نفيه ولا قادحا فيه فلو صح ان وجوب الحج قد كان متقدما للسنة التي حج النبي صلى الله عليه و سلم فيها لما دل ذلك على موضع الخلاف لجواز أن يكون اخره لعذر أوجب تأخيره على أنه قد قيل إن ","part":2,"page":114},{"id":497,"text":" فرض الحج إنما نزل في سنة عشر وهي السنة التي حج النبي صلى الله عليه و سلم فيها وقيل في سنة تسع \r\n فإن كان في سنة تسع فجائز أن يكون بعد حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإن كان في سنة عشر فقد انتفى أن يكون واجبا قبله \r\n والذي يدل على هذا ظاهر الحال وهو أن أبا بكر لم يحج في تلك السنة حجة الاسلام وإنما أمره النبي صلى الله عليه و سلم بحضور الموسم والوقوف بتلك المشاهد متنفلا به على الرسم الذي كانوا يحجونه ليعلم العرب ومن شهد ذلك الموسم أن من شريعة الرسول صلى الله عليه و سلم فعل الحج اقتداء بسنة ابراهيم صلى الله عليه و سلم والدليل على أنه لم يحج حجة فرضه أن النبي صلى الله عليه و سلم لما حج في السنة الثانية خطب الناس في عرفات فقال إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض فروي في معنى ذلك ان الحج قد صار في تلك السنة إلى ","part":2,"page":115},{"id":498,"text":" الوقت الذي ابتدأ الله تعالى الحج فيه حين أمر به ابراهيم عليه السلام وقد كان المشركون قبل ذلك ينسئون الشهور فيتفق الحج في أكثر السنين في غير وقته المأمور فيه واتفق عوده إلى وقته المفروض فيه في السنة التي حج النبي صلى الله عليه و سلم فلا محالة إذا كان هذا هكذا أن حج أبي بكر كان في غير وقت الحج فلم يكن ما فعله أبو بكر ومن حج معه في تلك السنة حجة الاسلام \r\n وهذا يدل على أن فرض الحج لم يكن تقدم وجوبه قبل تلك السنة التي حج النبي صلى الله عليه و سلم فيها \r\n وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يحتج لعذر النبي صلى الله عليه و سلم في تأخره عن الحج في السنة التي بعث فيها أبا بكر أن المشركين قد كانوا يحجون البيت وكانت تلبيتهم شركا وكفرا وكان منهم من يطوف بالبيت عريانا الرجال والنساء فصان الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم عن مشاهدة ذلك فأمره بتأخير الحج إلى السنة الأخرى لينبذ إلى المشركين عهودهم في تلك السنة وقال لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولم يكن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك ","part":2,"page":116},{"id":499,"text":" كغيره لأن من كشف عورته بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم استخفافا كان كافرا ولا يكون كذلك إذا فعله بحضرة غيره \r\n فإن قيل فقد أقام مع النبي صلى الله عليه و سلم قوم لم يحجوا قيل له لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن له بد بأن يكون بحضرته قوم من المسلمين لكثرة الكفار والمنافقين هناك وحول المدينة فكانوا معذورين في المقام فإن قيل فقد حبس النبي صلى الله عليه و سلم عليا بن أبي طالب رضي الله عنه لما نزلت سورة براءة وأمره أن يلحق أبا بكر فيقرأ سورة براءة على المشركين بالموسم فبعث به بعد أن حبسه عنده فدل على أنه لم يكن معذورا في الابتداء إذن قد جاز أن يبعث به بعد حبسه ندبا \r\n قيل له قد كان كونه عند النبي صلى الله عليه و سلم فرضا في الابتداء ثم لزمه فرض الخروج للتبليغ عنه فيما عهد إليه فيه فقد كان هذا أوجب من الأول فلذلك بعث به ","part":2,"page":117},{"id":500,"text":" @ 118 @ ","part":2,"page":118},{"id":501,"text":" @ 119 @ ","part":2,"page":119},{"id":502,"text":" @ 120 @ ","part":2,"page":120},{"id":503,"text":" باب القول في الأمر المؤقت \r\n قال أبو بكر إذا ورد الأمر مؤقتا بوقت له أول وآخر وأجيز له تأخيره إلى آخر الوقت نحو صلاة الظهر فإن أهل العلم مختلفون في وقت وجوبه \r\n فقال بعض أصحابنا قد وجب في أول الوقت وجوبا موسعا فإذا انتهى إلى آخر الوقت بمقدار ما يؤدي فيه الفرض صار وجوبه مضيقا \r\n وكذلك قال هؤلاء في الزكاة أنها قد وجبت بوجوب النصاب وجوبا موسعا إلى آخر الحول فإذا حال الحول صار وجوبها مضيقا لأن الوجوب عندهم في الشريعة يتعلق بالشيء على معنيين \r\n أحدهما ثبوت الواجب عليه ولزومه إياه وإن لو يلزمه معه الفعل \r\n والآخر وجوب الأداء كالدين المؤجل أن وجوبه قد تعلق في ذمته وإن لم يلزمه الأداء في الحال ثم إذا أجل تعلق عليه وجوب الأداء \r\n والدليل على أن الدين المؤجل قد تعلق وجوبه في ذمته أنه لو لم يكن كذلك لما جاز أن يشتري عبدا بألف درهم مؤجلة لأن الوجوب لو كان متعلقا بحلول الأجل لما صح العقد إذ غير جائز أن يتعلق حدوث الملك فيه بمجئ الوقت \r\n ألا ترى أنه لا يصح أن يقول إذا جاء غد فقد بعتك هذا العبد لأنه علق وجوب الملك على مجيء الوقت فثبت بذلك أن الدين المؤجل قد ملك في ذمة من هو عليه وان لم يجب أداؤه إلا بعد حلول الأجل \r\n قالوا فكذلك الفرض قد وجب في أول الوقت وجوبا موسعا حتى إذا صار إلى آخر الوقت لزمه الأداء ولم يسعه التأخير ","part":2,"page":121},{"id":504,"text":" وقد حكي لنا معنى هذا المذهب عن محمد بن شجاع الثلجي رحمه الله \r\n وقال غيره من أصحابنا أن الوجوب في مثله يتعلق بآخر الوقت فإن أول الوقت لم يوجب عليه شيئا \r\n ثم اختلفوا فقال منهم قائلون إن ما فعله في أول الوقت نفل يمنع لزوم الفروض في آخره مثل رجل محدث توضأ قبل مجيء وقت الصلاة فيكون متنفلا بطهارته ومنع ذلك لزوم فرض الطهارة له عند مجيء وقت الفرض \r\n وكذلك قالوا في الزكاة إذا عجلها قبل الحول بعد وجود النصاب \r\n ويستدلون على ذلك من قول أصحابنا بما لا خلاف بينهم فيه ان امرأة لو حاضت في آخر الوقت لم يكن عليها قضاء تلك الصلاة \r\n وكذلك لو سافر رجل في آخر الوقت لزمه القصر ولم يكن لما سلف من الوقت تأثير في لزوم الفرض \r\n ولا خلاف بين الفقهاء ان امرأة لو طهرت في آخر الوقت لزمها فرض الصلاة \r\n ولو ان مسافرا أقام في آخر الوقت قبل أن يصلي لزمه الاتمام قالوا فلما كان هذا هكذا علمنا ان لزوم فرض الصلاة متعلق بآخر الوقت وان ما قبل ذلك من الوقت لا تأثير له في الإيجاب \r\n وقالت الفرقة الأخرى من أصحابنا ما فعله في أول الوقت مراعى فإن لحق آخره وهو من أهل الخطاب بها كان ما أداه فرضا وإن لم يكن من أهل الخطاب بها كان المفعول في أول الوقت نفلا ","part":2,"page":122},{"id":505,"text":" وكذلك قالوا في الزكاة إذا عجلها بعد وجوب النصاب قبل الحول أنه إن كان في آخر الحول من أهل الخطاب بها كان المؤدي فرضا وإن لم يكن كذلك كان المؤدي تطوعا \r\n وقد قال أصحابنا فيمن له أربعون من الغنم فعجل للمصدق شاة ثم حال الحول وليس عنده إلا ثمانية وثلاثون شاة أنه يأخذ الشاة من المصدق إذا كانت قائمة بعينها \r\n وإن حال الحول وعنده تسعة وثلاثون أجزأته الشاة عن الصدقة ولم يكن له أن يأخذها فجعلوا حكم الشاة مراعى في جوازها عن الفرض وكونها غير مجزية عنه \r\n قالوا وليس يمنع في الأصول أن يكون المفعول على وجه الفرض مراعى بموقوف الحكم فيصير تارة في حيز الواجب وتارة في حيز النفل \r\n ألا ترى أن مريضا أو مسافرا لو صلى الظهر في بيته قبل أن يصلي الامام كان ظهره مراعى فإن حضر الإمام بعد ذلك فصلى معه الجمعة تبينا أن الأولى لم تكن ظهرا وإن لم يصل الجمعة كانت الأولى ظهرا \r\n قال أبو بكر والذي حصلناه عن شيخنا أبي الحسن رحمه الله في ذلك أن وقت الظهر كله وقت لأداء الفرض والواجب يتعين فيه بأحد وقتين \r\n أما إذا لم يصل الظهر حتى ينتهي إلى آخره فإن الوجوب يتعين عليه بآخر الوقت وهو الوقت الذي لا يسعه تأخيرها عنه \r\n وأما إذا فعلها قبل ذلك فإن حكم الوجوب يتعين بالوقت المفعول فيه الصلاة كما يقول في كفارة اليمين ان الواجب أحد الأشياء الثلاثة ولم يتعين الوجوب عليه ","part":2,"page":123},{"id":506,"text":" @ 124 @ ","part":2,"page":124},{"id":507,"text":" في واحد كالحنث حتى إذا فعل أحدها تعلق به حكم الوجوب فكان كأنه هو الواجب \r\n وكما يقول فيمن باع قفيز حنطة من صبرة أن المبيع لم يتعين بنفس العين فإن كال منها قفيزا وسلمه تعين فيه حكم العقد ويصير كأنه هو المبيع بعينه وإنما تعين فيه حكم العقد بالتسليم كذلك حكم الوجوب يجوز أن يتعلق بالفعل وإن كان لو لم يفعله لم يكن للوقت تأثير في وجوبه فإن قال قائل لا يجوز أن يتعين عليه حكم الوجوب بالفعل لأن المفعول لا يصح إيجابه ولا الأمر به وإنما يتعلق حكم الإيجاب بما لم يفعله مما يصح وقوعه منه \r\n قيل له لم نقل أن الأمر بالفعل توجه إليه في حال الفعل \r\n وإنما قلنا إن حكم الوجوب يتعين فيه وهو كما نقول في الحانث في يمينه أنه متى فعل واحدا من الأشياء الثلاثة تعين حكم الوجوب بالمفعول منها وانتفى عما لم يفعل فصار كأنه هو الواجب وإن لم يكن تعين الوجوب فيه بالأمر وكما يلزمه فرض أداء الزكاة ","part":2,"page":125},{"id":508,"text":" إلى مساكين لم يتعينوا بوجوب الفرض ثم إذا أعطاها مساكين بأعيانهم تعين حكم الوجوب فيهم وإن كان له في الابتداء الانصراف عنهم إلى غيرهم \r\n فإن قال لا يشبه ما ذكرت كفارة اليمين لأنه قد تعلق عليه وجوب أحد الأشياء الثلاثة بالحنث في الحال فله أن يفعل أيها شاء فأيها فعل كان هو الواجب وأنت لا تقول إنه تعلق عليه وجوب إحدى الصلوات التي لم يمكن فعلها في الوقت من أوله إلى آخره لأنه إنما يمكنه فعلها على حسب مجيء الأوقات ولا سبيل له إلى فعل أيها شاء بدخول الوقت كما يمكنه فعل أحد الأشياء الثلاثة من الكفارة بالحنث فلا يخلو حينئذ في أول الوقت من أن تكون قد وجبت وجوبا موسعا أو أن يكون فاعلها متنفلا \r\n قيل له لا يوجب ما ذكرت الفرق بينهما من الوجه الذي ذكرنا وذلك لأن تعلق فعل الصلاة بالأوقات المستقبلة لا يمنع أن يكون الخطاب قد توجه إليه بها في أن يفعل ما شاء منها إلى آخر الوقت كأنه قيل له إن شئت تصلي الظهر فصلها في أول الوقت فإن لم تفعل ففي الثاني وإن لم تفعل ففي الثالث على أنك مخير فيها فلا يختلف حكمها وحكم كفارة اليمين لأن حكم الوجوب قد تعلق عليه بفعلها في أول الوقت أو تركها إلى صلاة أخرى تليها كما تعلق حكم الوجوب بأحد الأشياء الثلاثة في الكفارة لا بجميعها لأنه لا يصح له جميعها في الإيجاب \r\n ألا ترى أنه لو كفر بالجميع في حال واحدة لم يكن الواجب إلا واحدا منها كما لا يكون الواجب إلا إحدى الصلوات المفعولة في الوقت دون جميعها \r\n وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يستدل على أن الفرض لم يتعلق وجوبه بأول الوقت إذا لم يفعل فيه أن له تأخيرها عنه لا إلى بدل لأن المفعول في آخر الوقت ليس ببدل ","part":2,"page":126},{"id":509,"text":" عن المتروك في أوله ولو كان الوجوب قد تعلق به لما كان له ذلك لأن ما كان له تركه انصرف عنه لا إلى بدل منه فليس بفرض \r\n فإن قال قائل فهذا يدل على أن المفعول في أول الوقت نفل لأنه قد كان له تركه لا إلى بدل \r\n قيل له لا يجب ذلك لأن أحد الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين إذا تركه انصرف عنه لا إلى بدل منه لأن بعضها ليس ببدل عن بعض وأيها فعل مع ذلك كان فرضا ولم يكن نفلا وكذلك تارك الصلاة في أول الوقت إلى آخره وإن كان تاركا لها لا إلى بدل منها فليس يمنع ذلك أن يكون متى فعلها تعلق فيها حكم الوجوب بالفعل \r\n ويدل على أن المفعول في أول الوقت ليس بنفل قول النبي صلى الله عليه و سلم أول وقت الظهر إذا زالت الشمس \r\n فإن قيل إنما أراد به وقت النفل الذي يمنع وجوب الظهر ","part":2,"page":127},{"id":510,"text":" قيل له الظهر لا يكون نفلا وقد جعله النبي صلى الله عليه و سلم وقتا لها فدل على أن فاعله فاعل للفرض إذ كان لا يصح أن يقال إنه وقت الظهر إلا وقد جعل وقتا لوجوبها أو لأدائها وقد علمنا أنه لم يرد الوجوب فدل على أنه أراد أنه وقت لأداء الظهر \r\n ويلزم هذا القائل أن يقول إن مصلي الجمعة في أول وقت مصلي نفل ولا خلاف أن الجمعة لا يتنفل بها بحال \r\n فإن قال قائل ليس يخلو وقت الوجوب من أن يكون مقدار ما يلحق فيه افتتاح الصلاة فيلزم الطاهر من الحيض فرضها ويلزم المسافر الاتمام إذا نوى الإقامة فيه أو أن يكون الفرض متعلقا في الوقت بمقدار ما يمكن استيفاء أفعال الصلاة فيه قبل خروجه فإن كان الفرض إنما يتعين بآخر الوقت الذي يلحق فيه مقدار الافتتاح فواجب ألا يأثم بتأخير الافتتاح إلى ذلك الوقت لأن الوجوب لا يتعين عليه إلا فيه فهو بمنزلة أول الوقت فإن كان يأثم بتأخير الافتتاح إلى ذلك الوقت فإنما يتعين من الوجوب عليه في أول الوقت الذي يلحقه الإساءة بتأخير الافتتاح عنه وإذا كان ذلك كذلك لزمك على هذا أن تقول في المرأة إذا حاضت بعد الوقت الذي تكون مسيئة بتأخير الافتتاح أن يلزمها فرض الصلاة لأنها قد أدركت من وقت الفرض مقدار الافتتاح كما قلت فيمن طهرت وقد بقي من الوقت ما يمكنها فيه الافتتاح لزمها فرض الوقت \r\n قيل له أن لزوم فرض الوقت عندنا متعلق بآخره وهو مقدار ما يلحق فيه الافتتاح وما قبله ليس بوقت للوجوب فلذلك لم يلزم الطاهر إذا حاضت في آخر الوقت فرض الصلاة وإن كانت قد أدركت منه وهي طاهر المقدار الذي لو تحرمت فيه بالصلاة لم يمكنها قضاؤها ","part":2,"page":128},{"id":511,"text":" حتى يخرج الوقت لأنها لم تلحق وقت الوجوب وإنما نهى عن التأخير إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ما يصلى فيه لأنه لو أخرها لحصل فعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت فمنع من التأخير من أجل ذلك وليس كونه منهيا عن التأخير بموجب أن يكون هو وقت لزوم الفرض إذ لا يمتنع أن يكون ممنوعا من ذلك لمعنى غيره كما يقول فيمن أدرك من وقت الفجر مقدار ما يصلى فيه ركعة أنه منهى عن التحريمة لأن بعض صلاته تحصل بعد طلوع الشمس وإن كان مدركا لوقت الفرض فكذلك لا يمتنع أن يؤمر بتقديم الفعل على وقت لزوم الفرض لهذه العلة \r\n فإن قال قائل كيف يجوز أن يكون مأمورا بفعل الصلاة قبل وجود وقت وجوبها وينهى عن تركها وهل صورة الواجب إلا أن يكون مأمورا بفعله منهيا عن تركه وهذا يدل على أن وقت الوجوب هو الذي لا يلحقه الإساءة بتأخيرها \r\n قيل له ليس يمتنع هذا في الأصول \r\n ألا ترى أن صوم ثلاثة أيام في الحج للمتمتع قبل وجوبه يوم النحر لأن يوم النحر هو الوقت الذي يجب فيه الهدي والصوم بدل منه ثم أمر بتقديمه على وقت وجوبه لئلا يحصل في الوقت المنهى عنه فيه الصوم وهو يوم النحر وأيام التشريق وكذلك لا يمتنع أن يكون مأمورا بتقديم افتتاح الصلاة على وقت وجوبها لئلا يحصل فعل بعضها بعد خروج الوقت ","part":2,"page":129},{"id":512,"text":" @ 130 @ ","part":2,"page":130},{"id":513,"text":" @ 131 @ ","part":2,"page":131},{"id":514,"text":" @ 132 @ ","part":2,"page":132},{"id":515,"text":" باب القول في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار \r\n اختلف الناس في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا فقال أكثر الفقهاء لا يجب التكرار إلا بدلالة ومتى فعل المأمور به مرة واحدة فقد قضى عهدة الأمر \r\n قال أبو بكر رحمه الله والذي يدل عليه مذهب أصحابنا رحمهم الله أن الأمر يقتضي الفعل مرة واحدة ويحتمل أكثر منها إلا أن الأظهر حمله على الأقل حتى تقوم الدلالة على إرادة أكثر منها لأن الزيادة لا تلزمه إلا بدلالة \r\n والذي يدل على ذلك من مذهب أصحابنا قولهم فيمن قال لامرأته طلقي نفسك أن هذا على واحدة إلا أن يريد ثلاثا فيكون ثلاثا وقولهم فيمن قال لعبده تزوج أنه على امرأة واحدة إلا أن يريد ثنتين فيكون الأمر على ما عنى فهذا يقتضي أن يكون مذهبهم في الأمر إذا لم يتعلق بعدد مذكور في اللفظ أنه يتناول مرة واحدة ويحتمل أكثر منها إلا أنه لا يحمل على الأكثر إلا بدلالة \r\n وقال بعضهم يقتضي التكرار إلا أن تقوم الدلالة على غيره ","part":2,"page":133},{"id":516,"text":" الدليل على صحة القول الأول إنه متى فعل المأمور به مرة واحدة فقد تناوله إطلاق الوصف بأنه قد فعل ما أمر به ولا يقول أحد أنه فعل بعض المأمور به وإن كان يقتضي التكرار لما جاز أن يقال إنه قد فعل ما أمر به ","part":2,"page":134},{"id":517,"text":" فإن قيل فإذا فعله مرة أخرى وثالثة يطلق عليه أنه قد فعل المأمور به فينبغي أن يدخل في الأمر من حيث صلح له اللفظ على موضوعك \r\n قيل له لم نجعل جواز اطلاق القول بأنه قد فعل المأمور به علة لوجوب الأمر فيلزمنا ما ذكرت وإنما قلنا إنه لما كان يطلق عليه أنه فعل المأمور به ولم يقتض الأمر أكثر من ذلك فمن اثبت شيئا غيره احتاج إلى دلالة أخرى غير لفظ الأمر وعلى أن قول القائل إنه إذا فعله مرة ثانية وثالثة فقال إنه قد فعل المأمور به خطأ لأنه لا يكون فعله في الثاني والثالث على وجه التكرار آتيا بما أمر به وإنما يكون نفلا وتطوعا فهذا سؤال ساقط \r\n دليل آخر وهو أن في إيجاب التكرار اثبات عدد وجمع ليس اللفظ موضوعا له ولا يجوز إثبات ذلك إلا بلفظ أو دلالة فلم يجب التكرار \r\n ويدل عليه أيضا ان للتكرر لفظا موضوعا في اللغة نحو قولهم كل وكلما ولغير التكرار صيغة معروفة فيها فغير جائز إيجاب التكرار إلا مع وجود حرف التكرار وقيام دلالة من غيره \r\n ويدل على ذلك أيضا أن المعقول من الخبر عن ماض أو مستقبل في الإثبات فعل مرة واحدة لا أكثر منها كقولك دخل زيد الدار أو سيدخلها لا يعقل منه التكرار ولو قال بدل هذا قد دخلها كل يوم أو كلما مضى يوم كان المعقول منه وجود الدخول مكررا على حسب عدد الأيام فلما كان ذلك كذلك وجب أن يكون الأمر كذلك إذا لم يفارقه لفظ التكرار ","part":2,"page":135},{"id":518,"text":" وغير جائز اثبات التكرار فيما ليس فيه حرف التكرار كما لا يجوز اسقاط حرف التكرار عما ذكر فيه \r\n فإن قال قائل لما لم يتوقف الأمر وكان متى فعل المأمور به في أي زمان كان فاعلا للمأمور به علمنا أنه قد أريد منه الفعل في هذه الأوقات على وجه التكرار \r\n قيل له هذا خطأ لأنه لو قيل له افعله ما بينك وبين خمسين سنة كان مؤديا للغرض في أي وقت فعله من هذه المدة ومعلوم مع ذلك أنه لم يرد منه فعله على وجه الاتصال والدوام في هذه الأوقات كلها لعجزه عنه ولانقطاعه به عن سائر الفرض فدل على سقوط قولك أنه من حيث كان مؤديا للواجب في أي وقت فعله من هذه الأوقات وجب أن تكون هذه الأوقات كلها وقتا للفعل فيها على وجه التكرار فهذا سؤال ساقط من هذا الوجه \r\n وأيضا فإنا نقول إنما يكون مؤديا للواجب في أي وقت فعله من عمره ما لم يفعل المأمور به مرة فأما إذا فعله مرة فإن الوقت الذي يوجد بعد الفعل ليس بوقت للفرض كما يقول المسلمون جميعا إن فرض صلاة الظهر في الوقت مرة واحدة فإن فعلها مرة واحدة ما بين أول الوقت وآخره لم يكن عليه غيرها ولم يكن ما بعد وقوع الفعل وقتا للوجوب ولم يجب من أجل كون الوقت كله وقتا لها ما لم يقيدها بأن يكون فعل الظهر واجبا على وجه التكرار من أول الوقت إلى آخره \r\n وأيضا لو كان الأمر يقتضي التكرار لما كان بعض الأوقات أولى بفعل المأمور به فيه من بعض بل كان الواجب أن تكون الأوقات كلها متساوية في باب وجوب فعل المأمور به فيه وهذا مقتضى وجوب فعله دائما متصلا غير منقطع ومعلوم أن هذا ليس في وسع أحد من الناس فإذن المراد منه فعله في بعض الأوقات وليس بعضها بأولى بإيقاع الفعل من بعض فيحصل الأمر مجملا مفتقرا إلى البيان غير معلوم منه تنفيذ الحكم ولما اتفق الجميع على أن المأمور بفعل ظاهر المعنى بين المراد يلزمه فعله قبل ورود بيان الوقت الذي يفعله فيه علمنا أنه لم يقتض التكرار في الأوقات إذ كان وجوب اعتبار ذلك يؤدي إلى ","part":2,"page":136},{"id":519,"text":" أن يكون لزوم المأمور به موقوفا على ورود بيان الوقت \r\n فإن قال ما أنكرت أن يكون هذا بمنزلة العموم كقوله تعالى فاقتلوا المشركين فيجب اعتباره أبدا حتى تقوم دلالة الخصوص \r\n قيل له هذا غلط من قبل إن الوقت غير مذكور في الأمر فيعتبر عمومه فقولك فقولك إن اعتبار فعله في الأوقات واجب حتى تقوم دلالة خصوصه في بعض الأوقات دون بعض خطأ \r\n وعلى أنه لو كان الوقت مذكورا بلفظ عموم لم يكن ذلك عموما في الأمر لأن قوله تعالى ولله على الناس حج البيت ليس بعموم في الحج لأنه مذكور بلفظ يقتضي فعله مرة واحدة فلا معنى لاعتبار ذكر عموم الوقت لو ذكر مع عدم لفظ العموم في المأمور به \r\n ألا ترى أنه لو قال له ادخل الدار اليوم كان الذي يلزمه بهذا القول دخولها مرة واحدة في اليوم وإن كان الوقت مذكورا بعموم لفظ ينتظم سائر أجزائه \r\n ويدل على صحة ما قلنا أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه و سلم فقال الحج في كل عام أو مرة واحدة فقال بل حجة واحدة ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتموه لضللتم قد حوى هذا الخبر الدلالة على صحة ما ذكرنا من ثلاثة أوجه ","part":2,"page":137},{"id":520,"text":" أحدها أن التكرار لو كان معقولا من الآية لما سأل الأقرع عنه لأنه كان رجلا من أهل اللسان \r\n والثاني قوله عليه الصلاة السلام بل حجة واحدة فأخبر أن الاية لم تقتض إيجاب أكثر من حجة \r\n والثالث قوله صلى الله عليه و سلم ولو قلت نعم لوجبت فأخبر أنه لو قال نعم كان واجبا بقوله لا بالآية \r\n فإن قال قائل لو اقتضت الآية وجوبها مرة واحدة لما سأل عنه \r\n قيل له لم يشكل عليه أن الآية لم تقتض فعله إلا مرة واحدة وإنما أراد أن يعرف هل أراد بالأمر أكثر من حجة أو هل من النبي عليه السلام حكم في إيجابه في كل سنة زيادة على ما اقتضت الآية وجوبه فأخبره عليه السلام أنه لم يوجب غير ما في الآية ","part":2,"page":138},{"id":521,"text":" ويدل على ذلك أيضا أن المعقول من مخاطباتنا فما بيننا أن من قال لعبده أعط هذا الفقير درهما أنه لم يقتض أمره أن يفعل المأمور به مكررا دائما متصلا فوجب أن يكون خطاب الله تعالى وخطاب رسوله صلى الله عليه و سلم محمولا على ذلك لقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه \r\n وليس الأمر في هذا كالنهي لأن النهي يقتضي نفي ما تعلق به فوجب أن ينتفي أبدا \r\n ألا ترى أنه لو أدخل حرف النفي على الخبر كان المخبر عنه منتفيا ابدا لأنه لو قال ما دخل زيد الدار أو قال لا يدخلها فعلق الخبر على ماض أو مستقبل بحرف النفي علق به نفي جميع ما تضمنه في سائر الأوقات وليس كذلك الأمر لأن الأمر يقتضي الإثبات والخبر إذا وقع عن اثبات فعل ماض أو مستقبل لم يقتض التكرار كذلك الأمر إذا كان موضوعه الاثبات فمتى فعل المأمور به مرة فقد أدى موجب الأمر وإن فعل المنهي عنه مرة لم يسقط عنه حكم النهي فيما بعد لأن النهي لما تناول نفي المنهي عنه في سائر الأوقات صار كمن قيل له لا تفعل ذلك في شيء من هذه الأوقات فإذا أوقع الفعل في شيء منها لم يبطل حكم النهي عن فعله في باقي الأوقات \r\n فإن قال قائل لما تضمن الأمر وجوب الاعتقاد للزوم فعله كما تضمن وجوب ","part":2,"page":139},{"id":522,"text":" الفعل ثم كان الاعتقاد لوجوب فعله لازما على وجه التكرار وجب أن يكون كذلك الفعل لأن كلاهما من مضمون الأمر \r\n قيل له هذا غلط لأنه لا يجب عليه تكرار الاعتقاد بل يكيفه الاعتقاد الأول إلى أن يوقع الفعل فقولك إن الأمر يتضمن تكرار الاعتقاد خطأ \r\n وأيضا لو فعله عقيب وروده لم يجب عليه تكرار الاعتقاد وإنما ظن السائل أن لزوم الثبات على اعتقاد وجوبه إلى وقت ايقاعه تكرار للاعتقاد وليس هو كما ظن وعلى أنه منتقض باتفاق الجميع وعلى أنه لو قيل له حج في عمرك حجة واحدة لكان عليه الثبات على اعتقاد وجوبها إلى وقت إيقاعها ولم يجب عليه تكرار الحج من حيث لزومه الثبات على الاعتقاد إلى وقت إيقاعها \r\n فصل \r\n قال أبو بكر رحمه الله ولا فرق عند أصحابنا بين الأمر إذا كان مطلقا أو معلقا بوقت أو شرط أو صفة أنه لا يقتضي التكرار إذا لم يكن في اللفظ حرف التكرار ولا قامت عليه الدلالة من غيره ","part":2,"page":140},{"id":523,"text":" @ 141 @ ","part":2,"page":141},{"id":524,"text":" وذلك نحو قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وقوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات لم يقتض ظاهر الأمر التكرار لأن أصحابنا رحمهم الله قد قالوا فيمن قال لأمرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلتها طلقت ولو دخلتها مرة أخرى لم تطلق وأنه لو قال كلما دخلت الدار فأنت طالق أن الطلاق يتكرر عليها بتكرار الدخول لأن إذا ليس فيها تكرار وإنما هي شرط فيه وقت \r\n فإن قيل يلزمك على هذا أن تقول إن أحدا لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة \r\n قيل له المرة الثانية لم يتناولها اللفظ والذي تناول اللفظ من ذلك مرة واحدة وإنما دخلت المرة الثانية في الحكم من طريق المعنى لأن المراد إذا قمتم وأنتم محدثون فلما كان الحكم متعلقا بالحدث لا بالقيام إلى الصلاة لزمته الطهارة متى أراد الصلاة وهو محدث \r\n فإن قيل إذا كانت إذا للوقت فواجب أن تقتضي التكرار لوجود الأوقات التي علق الفعل بها \r\n قيل له لا يجب ذلك لأنه لما لم يكن في اللفظ ما يوجب تكرار الفعل لم يكن لذكر الوقت تأثير في إيجابه \r\n ألا ترى أنه لو قال له صل في هذا اليوم أو صم في هذه السنة لم يقتض ذلك تكرار الفعل في الأوقات لأجل تعليقه إياه باسم ينتظم عدة أوقات فكذلك ما وصفناه \r\n وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته أنت طالق إذا شئت أن لها أن تطلق ","part":2,"page":142},{"id":525,"text":" نفسها متى شاءت واحدة لا أكثر منها ولا تكون مشيئتها مقصورة على المجلس لأنه علقها بسائر الأوقات المستقبلة فيثبت لها المشيئة فيها وان لم يملك إلا إيقاع تطليقه واحدة \r\n وفرقوا بينه وبين قوله أنت طالق إن شئت في باب الوقت فجعلوا ذلك على المجلس إذ لم يكن في اللفظ دلالة على الوقت وكان من ألفاظ التمليك وألفاظ التمليك تتعلق على المجلس ما لم تتعلق بوقت بعده \r\n والعلة في كون الأمر المعلق بشرط أو وقت على مرة واحدة دون وجوب التكرار في الأمر المطلق هي أن التكرار لا يصح إيجابه إلا بوجود لفظ التكرار أو بقيام الدلالة عليه \r\n ولذلك يجب أن يكون القول في نحو قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أن الذي يقتضيه اللفظ صلاة واحدة فلا يمتنع مع ذلك أن يراد به تكرار الفعل بتكرار الوقت لأن اللفظ يصلح لذلك وإن كان ظاهره ما وصفنا \r\n ونظير قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ما قال أصحابنا فيمن قال لامرأته أنت طالق للسنة وأراد ثلاثا أنه كما نوى وجعلوا قوله للسنة محتملا أن يكون معناه لأوقات السنة فيتكرر الطلاق عليها بتكرار الأوقات كقول الرجل أنت طالق في ثلاثة ","part":2,"page":143},{"id":526,"text":" أطهار وكقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أنه قد تناول الطلاق الثلاث متفرقة في أوقات السنة وقد قال عيسى بن أبان رحمه الله إن قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن قد تناول الطلاق الثلاث والواحدة فوجب على هذا أن يصح أن يكون المراد بقوله تعالى لدلوك الشمس لزوم فعل الصلاة مكررا عند أوقات الدلوك إلا أن اللفظ وإن كان محتملا لذلك فغير جائز حمله عليه إلا بدلالة ","part":2,"page":144},{"id":527,"text":" @ 145 @ ","part":2,"page":145},{"id":528,"text":" @ 146 @ ","part":2,"page":146},{"id":529,"text":" باب القول في الأمر إذا تناول أحد أشياء على جهة التخيير \r\n إذا خير المأمور بين فعل أحد أشياء مثل كفارة اليمين فالواجب في الحقيقة أحدها ولا يجوز عندنا أن يقال إن جميعها هو الواجب لأن الواجب هو ما لا يجوز له الانصراف عنه مع الإمكان إلا إلى بدل ومعلوم أن كل واحد منها إذا تعين بالفعل منفردا عن غيره كان في الحكم هو الواجب لا على معنى أنه بدل من غيره فلما كان له ترك ما عدا الواحد لا إلى بدل علمنا أنه ليس بواجب \r\n ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع من مخالفينا في ذلك على أنه لو فعل الجميع دفعة واحدة كان المفعول على وجه الوجوب واحدا منها لا جميعها فدل على أن الواجب واحد فيها إذ لو كان الجميع واجبا لكان الجميع إذا فعله مفعولا على وجه الوجوب لأنه محال أن يكون واجبا قبل الفعل ثم إذا وقع الفعل وقع نفلا لا واجبا فثبت بما ذكرنا أن الواجب أحدها لا بعينه لا جميعها وأن ما فعل من ذلك يتعين حكم الوجوب فيه بالفعل وهو مثل ما يقول في انه مخير في أن يعطى زكاته من شاء من المساكين فأيهم أعطى كان مؤديا للواجب وغير جائز مع ذلك أن يقال إن الواجب اعطاء مساكين أهل الأرض من حيث جاز اعطاؤها لمن شاء منهم ","part":2,"page":147},{"id":530,"text":" فإن قال قائل بل إذا كان وجه الإيجاب ما يتعلق به من المصلحة ومن أجله يقبح تركه فلا بد من أن يفصل بينه وبين ما ليس بواجب فإذا خير بين أحد أشياء ولم يفصل بين شيء منها علمنا أن حكم الوجوب قد تعلق بالجميع \r\n قيل له ليس يمتنع أن يعلم الله تعالى أن المصلحة في إيجاب واحد منها بغير عينه على وجه التخيير على أنه أيها فعل منها كانت المصلحة فيه كنهى في الآخر لو فعله فإذا لم يكن هذا ممتنعا لم يجب أن يكون الوجوب متعلقا بالجميع على ما ذكره \r\n فصل في تكرار لفظ الأمر \r\n قال أبو بكر تكرار الأمر يوجب تكرار الفعل وإن كان في صورة الأول ما لم تقم الدلالة على أن المراد بالثاني هو الأول نحو قول القائل تصدق بدرهم ثم يقول له بعد ذلك تصدق بدرهم فيكون الثاني غير الأول \r\n وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أن الثاني غير الأول \r\n وقال أبو حنيفة فيمن أقر لرجل بدرهم ثم أقر له بدرهم إن الثاني غير الأول \r\n وإنما كان هذا هكذا من قبل أن لكل واحد من اللفظين حكما في نفسه فغير جائز ","part":2,"page":148},{"id":531,"text":" تضمينه بغيره إلا بدلالة ولأن حكم الكلام أن يكون محمولا على فائدة محدودة وحكم مستأنف فلا يجوز أن يرده إلى الأول ويجعله تكرارا إلا بدلالة \r\n والدلالة الموجبة لذلك يجوز أن تكون في مضمون اللفظ وظاهر الحال ويجوز أن تكون في غيره نحو قول النبي صلى الله عليه و سلم إذا وجدت الماء فأمسه جلدك ثم يقول في حال أخرى إذا وجدت الماء فأمسه جلدك معلوم من ظاهر الخطاب والحال التي خرج عليها الكلام أنه لم يرد بالثاني غير الأول فلا يجب تكرار استعمال الماء لأجل تكرار اللفظ لأن تكراره إنما تعلق بسؤال سائل أو حدوث حال احتيج فيه إلى بيان الحكم لغير من قيل له ذلك أولا ولولا ذلك لوجب أن يكون الثاني غير الأول \r\n فصل \r\n قال أبو بكر من شرط صحة الأمر أن يكون المأمور ممكنا من فعله في حال لزومه ولا اعتبار بحال فصول الأمر من الآمر والدليل على ذلك أن أوامر الله تعالى قد تناولت جميع الناس من المكلفين ممن كان منهم في عصر النبي عليه السلام ومن حدث بعدهم إلى قيام الساعة وقد بين الله تعالى ذلك بقوله تعالى نذيرا للبشر وقوله تعالى لأنذركم به ومن ","part":2,"page":149},{"id":532,"text":" بلغ وقوله تعالى قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فمن حيث كان رسولا إلى أهل سائر الأعصار إلى قيام الساعة وجب أن يكون آمرا لهم وإن لم يكن جميعهم موجودين وقت الأمر لأن الآمر انفصل من أمره للمأمورين على شرط التمكين ولو لم تكن أوامر الله تعالى أمرا لنا لأنا لم نكن موجودين وقت الأمر لوجب أن لا يكون الرسول رسولا إلينا لأنا لم نكن موجودين وقت الرسالة ولم نكن مأمورين بها الان وهذا لا يقوله مسلم فصح أن أوامر الله تعالى لجميع المكلفين ممن كانوا موجودين في وقت الأمر ومن وجد بعده على شرط بلوغ الأمر والتمكين من الفعل \r\n وليس يمتنع أن ينفصل الآمر من أمره متوجها إلى المأمور معقودا بشرط التمكين وإن لم يكن ممكنا منه في حال فصول الأمر \r\n ألا ترى أنه يصح أن يقال للمريض إذا برأت فصم وصل وقاتل المشركين وقال الله تعالى فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة فقد صح خطاب العاجز بالفعل على شريطة التمكين \r\n فإن قيل كيف يصح أمر المعدوم \r\n قيل له ليس هذا بأمر للمعدوم بأن يفعله وهو معدوم وإنما قلنا إن الأمر قد ","part":2,"page":150},{"id":533,"text":" يصح وجوده والمأمور غير موجود لأن الأمر هو قول القائل افعل وقد حصل أمر لمن وجد بعد زمان النبي صلى الله عليه و سلم إذ لم يوجد بعده أمر يكونون مخاطبين به ولو لزمنا أن لا نجيز للمعدم لتعذر الفعل واستحالته منه في حال الأمر للزم أن لا يصح خطاب المريض بقتال المشركين على شرط البرء والامكان وهذا لا ينكره أحد \r\n فصل \r\n وقد اختلف في أمر الله تعالى لمن في المعلوم أنه لا يمكن منه ويحال بينه وبينه على شرط بلوغه في حال التمكين \r\n فأبى ذلك قوم وقالوا لا يجوز أن يأمر أحدا بشيء إلا وفي المعلوم أنه سيبلغ حال التمكين منه فيفعله أو يتركه مع القدرة عليه \r\n وقال آخرون يجوز أن يأمره الله على شريطة التمكين وبلوغ حال القدرة وارتفاع الموانع وإن كان في معلومه أنه سيحال بينه وبينه ويقطع دونه إذا جوز المأمور أنه لا يحال بينه وبينه ","part":2,"page":151},{"id":534,"text":" فذهبت الفرقة الأولى إلى أن هذا لو جاز لجاز أن يأمر الله تعالى بصعود السماء ونقل الجبال عن مواضعها بشرط الإمكان وهذا سفه وعبث لأن في معلومه أن ذلك لا يتأتى منا ولا يمكن منه بحال كذلك كل ما كان في معلومه أن المأمور لا يبلغ حال التمكين منه لم يصح تكليفه إياه لا مطلقا ولا معلقا بشرط ومن أجل هذا القول ذهبوا إلى أن المكلف لا يدري أنه مأمور فيما يستقبل من عمره بالإيمان وأنه منهي عن الكفر إذا لم يكن على ثقة بالبقاء وأنه لا يدري هل هو منهي عن القتل والزنا وسائر القبائح لأنه لا يدري هل يبلغ الحال الثانية أم لا \r\n وأبى هذا القول مخالفوهم وقالوا قد أجمع المسلمون على استنكار هذا القول ممن ظهر فيه \r\n قالوا وقد وجدنا ما أجزناه من ذلك جائزا فيما بيننا في أوامرنا لعبيدنا \r\n ألا ترى أن من قال لعبده اسقني ماء كان عالما باضطرار أنه قد أمر عبده بشيء وأراده منه وإن لم يحط علما ببقائه إلى وقت الفعل ومع تجويزه أنه يحال بينه وبينه وكان معلوما مع ذلك مع ورود أمره أن مراده إيقاع الفعل على شرط الإمكان والبقاء وكذلك يصح في أوامر الله تعالى لنا على هذه الشريطة لأن المأمور إذا جوز بلوغ وقوع حال الشرط وقد قيل له إن قدم زيد فتصدق بدرهم وإن لم يقدم فلا تفعله فيكون المأمور متعبدا بشيئين في الحال ","part":2,"page":152},{"id":535,"text":" أحدهما الاعتقاد أنه إن قدم لزمه فعله وأنه سيفعله إن قدم \r\n والآخر أنه إن لم يقدم وجب عليه تركه كان هذا معنى سائغا وتكليفا جائزا يستفيد به المأمور توطين النفس على فعله إن وجد الشرط وعلى تركه إن لم يوجد فيستحق الثواب عليه وليس هذا بمنزلة أمرنا بصعود السماء وقلع الجبال على شرط التمكين لأن هذا قد وقع الإياس من وجوده فلا يكون الأمر به إلا عبثا لا فائدة فيه \r\n والأول الذي قد يجوز عندنا وجود التمكين منه ويجوز غيره غير ممتنع مثله في عادات الحكماء على الشرط الذي وصفنا \r\n ولو قال رجل لعبده اقلع الجبال واشرب ماء البحر على شرط التمكين منه والقدرة عليه كان عابثا واضعا للامر في غير موضعه فكذلك أوامر الله تعالى لنا تجري على هذا المنهاج \r\n فإن قال قائل يجوز على هذا أن يرد الامر معلقا بشرط أن لا ينسخ مثل أن يقول صل غدا إن لم ننسخ هذه الصلاة عليكم كما أجزت أن يقول صل غدا إن مكنت منها ولم يحل بينك وبينها وما الفصل بين الأمر المعلق بشرط التمكين وبينه معلقا بشرط ألا ينسخ \r\n قيل له لا يجوز ورود الأمر معقودا بشريطة أن افعلوه إن لم أنسخه عنكم قبل وقت الفعل والفصل بينه وبين ما ذكرنا أنه إذا أمر بأمر فقد أراده منه وإذا نهاه عنه فقد كرهه منه ولا يصح أن يقول قد أردته منك إن لم اكرهه فلما لم يصح أن يجمع ذلك في لفظ الأمر لم يصح الأمر به معقودا بهذه الشريطة ولا يمتنع أن تقول افعله إن قدرت ","part":2,"page":153},{"id":536,"text":" عليه وإن امكنك فلما صح الجمع بين هذين اللفظين على هذا الوجه صح وورد الأمر معلقا بالشرط على هذا الوجه \r\n ألا ترى أن الأمر منا لعبيدنا جائز على هذه الشريطة وأنه لا يصح أن يقول واحد منا لعبده قد أردت منك هذا الفعل إن لم اكرهه إلا ومعناه عنده إن لم يبد لي وذلك لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى عالم بالعواقب لا يجوز عليه البداء \r\n فصل \r\n ومن أمر بأحد شيئين بغير عينه على وجه التخيير ففعل أحدهما فقد فعل المأمور به وليس عليه غيره نحو كفارة اليمين وجزاء الصيد وما خير الإنسان فيه بين أن يفعله أو يفعل غيره \r\n وإذا نهي عن شيئين لم يجز له فعل واحد منهما وذلك لأن أو تتناول أحد ما تدخل عليه بغير عينه فإذا أدخلت على النهي تناولت كل واحد على حياله بالنهي وإذا دخلت على الإيجاب تناولت أيضا أحد ما دخلت عليه بغير عينه فإذا دخلت على النهي لم يجز إيقاع شيء منه لأن فعله لواحد منه لا يخرجه من أن يكون قد أوقع المنهي عنه \r\n ويدل عليه أيضا قوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا وقوله تعالى إلا ","part":2,"page":154},{"id":537,"text":" ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم لما دخلت أو على النهي تناولت كل واحد منه على حياله \r\n وإذا دخلت على الإيجاب تناولت واحدا منه إلا أنه أيها فعل أجزأه وكان مؤديا لما عليه على نحو ما ذكرنا في كفارة اليمين وغيرها \r\n فصل \r\n ومن الأمر ما يكون فرضا على الكفاية ويتوجه به الخطاب إلى جماعتهم نحو الجهاد والصلاة على الجنائز ودفن الموتى وغسلهم ونحو التفقه في الدين قال الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم فدل على أنه فرض على الكفاية والجهاد كذلك لأنه معلوم أن فرض الجهاد لازم لإظهار دين الله ولو لزم كل واحد ذلك لتعطل الناس عن سائر أمورهم وفي ذلك ظهور أعدائهم عليهم فدل على أنه وان كان الخطاب به متوجها إلى الجميع فإن لزوم فرضه مقصور على وقوع الكفاية به من بعضهم فمن وقع ذلك منهم نابوا عن الناس الباقين على هذا مضى السلف وسائر الخلف من عصر النبي صلى الله عليه و سلم إلى يومنا هذا ","part":2,"page":155},{"id":538,"text":" فصل في حكم تكليف الكفار \r\n قال أبو بكر والكفار مكلفون بشرائع الإسلام وأحكامه كما هم مكلفون بالإسلام وكذلك كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يقول ","part":2,"page":156},{"id":539,"text":" والدليل على صحة ذلك أن الله تعالى قد ذم الكفار على ترك كثير مما تعلق لزومه بالشرع نحو قوله تعالى الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ونحو حكايته عن أهل النار قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فيه إخبار عن عقابهم على ترك الصلاة وترك إطعام المساكين مع ما استحقوا من العقاب على كفرهم وقال الله تعالى في صفة المنافقين وذمهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه فذمهم الله على فعل الربا فدل ","part":2,"page":157},{"id":540,"text":" على أنهم منهيون عنه في حال الكفر مستحقون للعقاب عليه والعقاب لا يستحق إلا بترك الواجبات \r\n ويدل عليه أيضا وجوب حد الزنا والسرقة على أهل الذمة عقوبة لهم على فعلهم فدل جميع ما وصفنا على أن الكفار مخاطبون بالشرائع معاقبون على تركها سوى عقوبة الكفر \r\n فإن قال قائل كيف يجوز أن يكونوا مخاطبين بها ولا يصح منهم فعلها قبل الإسلام في حال الكفر \r\n قيل له لأنه قد جعل لهم السبيل إلى فعلها بأن يسلموا ثم يأتوا بها كما أن الجنب لا يصح منه فعل الصلاة في حال الجنابة ولم يسقط عنه فرضها إذ كان قد جعل له السبيل إلى فعلها بطهارة يقدمها أمامها كذلك الكافر قد جعل له السبيل إلى التمسك بشرائع الإسلام بأن يقدم أمامها فعل الإيمان \r\n فإن قال لو كانوا مخاطبين بها لما أجاز إقرارهم على تركها كالمسلمين قيل له هم مخاطبون بالإيمان عند الجميع وقد أقروا على تركه بالجزية كذلك شرائعه \r\n فصل \r\n الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده على ما تقدم من بيانه فيما سلف من أن لفظ الأمر يقتضي الإيجاب ","part":2,"page":158},{"id":541,"text":" ثم اختلف بعد ذلك من قال بذلك في إطلاق لفظ النهي على ضده \r\n فقال قائلون يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء نهى عن ضده فيكون لفظ الأمر مقتضيا لذلك وموجبا له \r\n وقال آخرون لا يجوز أن يكون لفظ الأمر موجبا للنهي عن ضده من جهة اللفظ لكن من جهة الدلالة على أنه لا يجوز له فعل ضده المنافي له في وقت وجوبه \r\n وقال آخرون لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء نهى عن ضده لا من جهة اللفظ ولا من جهة الدلالة وإن كان لفظ الأمر قد دل على كراهة ضده لأن للنهي صيغة يختص بها في اللغة كما أن للأمر لفظا يختص به فغير جائز فيما لم يكن وجوبه أو حظره من ","part":2,"page":159},{"id":542,"text":" طريق اللفظ أن يقال إنه مأمور به وإن كان قد لزمه فعله أو منهي عنه وان لزمه اجتنابه إذا كان ثبوت هذا الحكم له من جهة الدلالة لا من جهة اللفظ لا يسمى أمرا أو نهيا \r\n وهذه الأقاويل إنما تصح معانيها على قول من يجعل الأمر للوجوب \r\n فأما من لم يجعل الأمر على الوجوب فإنه لا يجعل لفظ الأمر دليلا على كراهة ضده وإنما يحتاج فيه إلى دلالة من غيره متى اقتضى الأمر الإيجاب في وقت مضيق لا يسع المأمور تأخيره عنه فمحظور عليه تركه فيه \r\n وزعم بعض الناس أن الأمر بالشيء وكون المأمور به واجبا لا يقتضي قبح تركه وأنه إنما يستحق الذم إذا ترك المأمور به لا لأنه فعل قبيحا بل لأنه لم يفعل ما وجب عليه وهذا مذهب فاحش قبيح لأنه يوجب استحقاق العقاب لا على فعل كان من العبد \r\n ثم اختلف من أطلق لفظ الأمر والنهي فيما كان وجوبه أو حظره من طريق الدلالة في الأمر بالشيء هل يكون نهيا عن ضده فكل من جعل من هذه الطائفة الأمر على الفور فإنه يقول إن الأمر بالشيء نهى عن ضده من جهة الدلالة \r\n وقالت الطائفة التي بدأنا بذكرها في صدر هذا الباب إنه نهي عن ضده من ","part":2,"page":160},{"id":543,"text":" جهة اللفظ وكل من جعل الأمر على المهلة فإنه لا يجعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده في الحال من طريق اللفظ ولا من جهة الدلالة لأن له أن يفعل سائر أضداده ويتركه إلى الوقت الذي يتعين عليه فعل المأمور به ولا يسعه تأخيره عنه فيجب عليه حينئذ فعله وترك سائر أضداده \r\n وأما النهي عن الشيء فإنه إذا لم يكن له إلا ضد واحد فإنه أمر بضده عند من يطلق لفظ الأمر في مثله أما من جهة اللفظ أو الدلالة يجوز أن يقول له لا تتحرك فإن السكون ضد لسائر الحركات التي نهى عنها فهو مأمور بفعل السكون إذ ليس يجوز أن ينفك من سائر الحركات إلا إلى سكون ويستحيل أن يخلو من الحركة والسكون جميعا وإن كان ذا أضداد كثيرة فإن النهي عنه لا يكون أمرا بشيء من أضداده وذلك نحو أن تقول له لا تسكن فللسكون أضداد كثيرة وهي حركاته في الجهات الست \r\n ومن الناس يقول إن النهي عن الشيء أمر بضده وإن كان ذا أضداد كثيرة \r\n وجعل هؤلاء أفعال المكلف على ضربين واجبا أو محظورا وأسقطوا القسم المباح ويلزمهم على فود قولهم إسقاط المندوب إليه أيضا لأن كل من نهى عن شيء فكل فعل يفعله مما يضاد المنهي عنه فهو مأمور به عندهم وإذا أمر بشيء فكل فعل يضاد المأمور به فهو محظور عندهم فلا يبقى ها هنا فعل يكون واقعا على وجه الإباحة لا واجبا ولا محظورا ","part":2,"page":161},{"id":544,"text":" والصحيح عندنا أن الأمر بالشيء نهى عن ضده سواء كان ذا ضد واحد أو أضداد كثيرة \r\n وذلك لأنه قد ثبت عندنا وجوب الأمر وأنه على الفور فيلزمه بوروده ترك سائر أضداده فكان بمنزلة من قيل له لا تفعل أضداد هذا الفعل المأمور به في هذا الوقت مثل أن يقول لمن كان في الدار اخرج في هذا الوقت من هذه الدار فقد كره له سائر ما يضاد الخروج منها نحو القعود والقيام والاضطجاع والحركة في الجهات الست إلا ما كان منها خروجا من الدار فصار كمن نهى عن هذه الأفعال بلفظ يقتضي كراهة فعلها و النهي عن هذه الأفعال في وقت واحد نهي صحيح لو نص عليها بلفظ النهي لم يكن مستحيلا ولا ممتنعا فكذلك إذا تضمنه لفظ الأمر من الوجه الذي ذكرنا كانت هذه الأفعال محظورة يلزم المأمور اجتنابها عند ورود الأمر \r\n وأما النهي عن الشيء فإنه أمر بضده إذا لم يكن له إلا ضد واحد لأنه لا يصح منه ترك المنهي عنه واجتنابه إلا بفعل ضده إذ غير جائز أن ينفك منهما إذا لم يكن له إلا ضد واحد \r\n وأما إذا كان له أضداد كثيرة فليس النهي عنه أمرا بسائر أضداده لأن له أن ينصرف ","part":2,"page":162},{"id":545,"text":" عن كل واحد منهما إلى غيره على وجه الإباحة \r\n ألا ترى أنه يصح أن يقول قد نهيتك عن السكون وأبحت لك الحركة في الجهات الست فيطلق لفظ الاباحة على الحركة في هذه الجهات ولو كانت الحركة في هذه الجهات أو في شيء منها واجبة لما صح اطلاق لفظ الإباحة عليها وليس كذلك إذا كان له ضد واحد لأنه لا يجوز أن يقول له قد نهيتك عن الحركة في الجهات الست وأبحت لك السكون لأن السكون إذا كان ضدا لهذه الحركات وهو لا ينفك منها أو منه فالسكون واجب لا محالة فلا يصح اطلاق لفظ الاباحة على ما هو واجب ولهذه العلة قلنا ان الأمر بالشيء نهى عن ضده من جهة الدلالة وإن كان ذا أضداد كثيرة لأنه لا يصح أن يقول قد أوجبت عليك فعل المأمور به على الفور وأبحت لك سائر أضداده أو واحدا من أضداده فلما انتفى عن سائر أضداده اسم الاباحة والإيجاب صح أنه مدلول بالأمر كراهة ولزم اجتنابه ","part":2,"page":163},{"id":546,"text":" ومن جهة أخرى إنا لو قلنا إن النهي عن الشيء أمر بضده وان كان ذا أضداد كثيرة لأدى ذلك إلى إسقاط قسم المباح والمندوب إليه من أقسام الأفعال وقد علمنا أن أفعال المكلف إذا كانت واقعة عن قصد وارادة ولم تكن واقعة على وجه السهو تنقسم أقساما أربعة واجب ومحظور ومندوب إليه ومباح فلو كان النهي عن الزنا أمرا بسائر أضداد الزنا لوجب ان يكون المشي إلى السوق وصلاة التطوع وصوم النفل والطواف بالبيت وكل ما يضاد الزنا من هذه الأفعال مأمورا به واجبا \r\n وقد علمنا أن كل فعل مندوب إليه أو مباح فإنه يضاد فعل المحظور بتلك الجارحة ومعلوم أن من أمكنه فعل المباح أو المندوب إليه فهو يمكنه فعل أضداده من المحظورات فإذا ترك أضداده من المحظورات بفعل المباح أو المندوب فواجب على قضية من حكينا قوله أن كل ما يضاد ذلك مأمور به فيكون هذا مؤديا إلى أن لا يكون في الشرع فعل مباح ولا مندوب إليه وهذا فاسد لان المسلمين قد عقلوا ان في الشريعة مباحا ومندوبا إليه مرغبا فيه ليس بواجب فصح بطلان كل قول يؤدي إلى دفع ذلك \r\n فإن قال قائل هلا قلت ان النهي عن الشيء أمر بضده فإن كان له أضداد كثيرة كان أمرا بواحد من أضداده وهو الذي يتفق فعله في وقته مما ينافى فعل المنهى عنه فلا يكون مأمورا بفعل جميع اضداده إلا على وجه التخيير كما يقول في كفارة اليمين ان الواجب منها احد ثلاثة أشياء على وجه التخيير ","part":2,"page":164},{"id":547,"text":" قيل له ما تقدم يسقط هذا السؤال وهو أنه يصح أن يقول قد نهيتك عن السكون وأبحت لك سائر أضداده من الحركات فنطلق اسم الإباحة على الجميع وكفارة اليمين وما جرى مجراها من الأشياء التي تعلق الوجوب بواحد منها على وجه التخيير لا يصح إطلاق لفظ الإباحة على واحد منها بل يقال له افعل أيها شئت على وجه الوجوب فلذلك اختلفا \r\n وأيضا فلو كان لا ينصرف عن فعل مأمور به فيما وصفت إلا إلى واجب مثله على حسب ما ذكرت من كفارة اليمين لوجب أن يستحق الثواب بفعل ما يفعله من ذلك كما يستحقه بما فعل من كفارة اليمين أي الأشياء الثلاثة فعل منها فلما لم يكن مستحقا للثواب فيما وصفنا باتفاق الجميع علمنا أن فعله غير مأمور به ولا واجب وأنه يفعله على وجه الإباحة إذ غير جائز أن لا يستحق على فعل الواجب الثواب ","part":2,"page":165},{"id":548,"text":" فصل \r\n كل أمر مضمن بوقت بعينه فهو واجب في ذلك الوقت إن كان الوقت يستوعب الفعل كصوم رمضان مؤقت بالشهر فعليه فعله فيه ولا يسعه التأخير إلا من عذر \r\n وإن كان الوقت يتسع لإيقاع ذلك الفعل فيه مرارا كثيرة فوجوبه متعلق بأول أوقاته حتى تقوم الدلالة على جواز تأخيره ويكون حينئذ فائدة ذكر الوقت من أوله إلى آخره أنه إن أخره عن الوقت الأول لزمه فعله في الثاني والثالث إلى آخر الوقت وإن لم يفعله في هذه الأوقات لم يكن عليه فعله بعد خروج الوقت بالأمر الأول وإن أبيح لنا تأخير الفعل إلى آخر الوقت كان القول فيه على ما بيناه في وجوب الظهر وتعلق فرضه بالوقت على الوصف الذي قدمنا ومتى فات الوقت قبل فعله لم يلزمه بالأمر الأول فعله بعد خروج الوقت لأن الأمر يوجه في الابتداء إلى فعله في الوقت وما بعد الوقت لم يتضمنه الأمر لأنه غير ما دخل تحت الأمر فلا يجوز إيجابه إلا بدلالة أخرى غير الأمر الأول وكذلك حكم النهي إذا كان مؤقتا فإن مضي الوقت يزيل حكمه ويحتاج في إثبات حكمه إلى دلالة أخرى من غيره ","part":2,"page":166},{"id":549,"text":" @ 167 @ ","part":2,"page":167},{"id":550,"text":" @ 168 @ ","part":2,"page":168},{"id":551,"text":" باب القول في النهي هل يوجب فساد ما تعلق به من العقود والقرب أم لا \r\n قال أبو بكر رحمه الله مذهب أصحابنا أن ظاهر النهي يوجب فساد ما تناوله من العقود والقرب إلا أن تقوم دلالة الجواز ","part":2,"page":169},{"id":552,"text":" وهذا المذهب معقول من احتجاجاتهم لإفساد ما أفسدوه من ","part":2,"page":170},{"id":553,"text":" @ 171 @ ","part":2,"page":171},{"id":554,"text":" العقود والقرب لمجرد النهي دون غيره نحو احتجاجهم لإفساد الصلاة عند طلوع الشمس وعند الزوال بظاهر النهي الوارد من النبي عليه السلام واحتجاجهم لإفساد بيع ما ليس عند الإنسان وبيع ما لم يقبض بظاهر ما ورد فيهما من النهي المطلق \r\n وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن رحمه الله إلا أنه كان يقول مع ذلك قد قامت الدلالة على أن المنهي عنه إذا كان النهي عنه إنما تعلق بمعنى في غيره لا لنفسه لم يوجب فساد هذه العقود ولا القرب المفعولة على هذا الوجه ونحن نفصل ذلك بعد \r\n وهذا الذي كان يقوله في ذلك هو أيضا عندي مذهب أصحابنا ومسائلهم تدل عليه وحكاية عبد الوارث بن سعيد مشهورة في المعنى الذي قدمناه في هذا الباب وهي أنه قال أتيت مكة فوجدت بها أبا حنيفة رحمه الله وابن أبي ليلى وابن شبرمة رحمهم الله فأتيت أبا حنيفة فقلت له ما تقول في رجل ابتاع بيعا واشترط شرطا فقال البيع باطل والشرط باطل فأتيت ابن أبي ليلى فسألته عن ذلك فقال البيع جائز والشرط ","part":2,"page":172},{"id":555,"text":" باطل فأتيت ابن شبرمة فسألته عن ذلك فقال البيع جائز والشرط جائز قال فقلت ثلاثة من فقهاء الكوفة اختلفوا علينا في مسألة واحدة فأتيت أبا حنيفة رحمه الله فذكرت له ذلك فقال لا أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن شرطين في بيع وأتيت ابن أبي ليلى فذكرت له ذلك فقال لا أدري ما قالا حدثني هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لها اشتري بريرة واشترطي الولاء لهم فإن الولاء لمن أعتق البيع جائز والشرط ","part":2,"page":173},{"id":556,"text":" باطل قال فأتيت ابن شبرمة فذكرت له ذلك فقال لا أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال بعت النبي صلى الله عليه و سلم ناقة واشترط لي حملانه إلى المدينة فأجاز البيع والشرط فاحتج أبو حنيفة في افساد ما أفسد بظاهر النهي دون غيره \r\n قال أبو بكر رحمه الله و هذا مذهب السلف وفقهاء الأمصار لا نعلم أن أحدا منهم قال إن النهي لا يدل على فساد ما تناوله من هذه العقود أو القرب بل ظاهر احتجاجاتهم ومناظراتهم تدل على أن النهي عندهم يقتضي فساد ما تناوله من هذه العقود \r\n ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم لما اختلفوا في المرأة بقوله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم فقال منهم قائلون إنه راجع إلى الربائب دون أمهات النساء وقال آخرون منهم هو راجع إليهما ثم اتفق الجميع منهم على أنه إذا رجع ","part":2,"page":174},{"id":557,"text":" إلى أمهات النساء وجب فساد نكاحهن ولم يلجأ من أفسده برجوع الحكم إليه إلا إلى ظاهر ما علق به من التحريم المذكور في أول الآية وهو قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وكذلك تحريم نكاح المشركات قد عقل منه فساد العقد عليهن \r\n قال ابن عمر وقد سئل عن نكاح النصرانية فقال حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الشرك شيئا أعظم من قول المرأة عيسى أو عبد من العباد الله وكذلك قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء من حمله على الوطء أفسد به النكاح بعد الوطء ومن حمله على العقد دون الوطء منع من تزويجها بعد عقد الأب عليها ولا يمنعه بعد وطئها بالزنا وكذلك من حرم نكاح الزانية منهم لم يرجع في إفساد نكاحها إلا إلى قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة إلى قوله تعالى وحرم ذلك على المؤمنين \r\n وكذلك قوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح يعني في العدة حتى يبلغ ","part":2,"page":175},{"id":558,"text":" الكتاب أجله وقوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا عقلت الأمة من ظاهره أن ما كان من هذه العقود اقتضى فساد العقد وعقلت الصحابة من ظاهر قول النبي صلى الله عليه و سلم الذهب بالذهب مثلا بمثل مع ذكره الأصناف الستة فساد البيع فيها إذا عقد عليها على الوجه الذي حظره الخبر وقال في الصرف لا تبيعوا غائبا بناجز وقال إذا اختلف الصنفان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد وحاجوا ابن عباس في تجويزه الصرف بهذا الخبر ولم يخالفهم ابن عباس في مقتضى لفظ الخبر أنه يوجب فساد البيع وإنما عارضهم بخبر اسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا ربا إلا في النسيئة ثم لما تواتر عنده الأخبار بذلك رجع عن قوله في الصرف وعقل السلف من نهيه عن الدين بالدين فساد العقد إذا حصل على هذا الوجه بعد الافتراق وكذلك نهيه عن بيع ما لم ","part":2,"page":176},{"id":559,"text":" يقبض وعن بيع الغرر وبيع المجر ما في البطون ونحو ذلك من البياعات ولم يرجعوا في افسادها إلا إلى ظاهر النهي \r\n ونظائر ذلك في القرآن والسنن أكثر من أن تحصى فهذا يدل على أنه كان من مذهبهم أن ظاهر النهي يقتضي فساد ما تناوله من هذه العقود وكذلك احتجاج أصحابنا في كتبهم في افساد هذه العقود بظاهر النهي دون غيره يوجب أن يكون مذهبهم فيه ما وصفنا ومن أصل أصحابنا أن النهي وإن منع جواز هذه العقود والقرب إذا تناولها فإنه غير مانع من وقوعها على فساد وقد ذكر محمد هذا المعنى في كتاب الصوم فقال في نهي النبي عليه السلام من صوم يوم النحر وأيام التشريق إنه لولا أنه إذا صام فيهن كان صومه صوما لما كان للنهي معنى وقال مع ذلك إنه إن صام هذه الأيام عن صوم واجب عليه في ذمته لم يجزه فدل ذلك من قوله على معنيين أحدهما أن ظاهر النهي لا يمنع وقوع المنهي عنه على فساد \r\n والثاني أنه يمنع جوازه عن واجب عليه \r\n وكان أبو الحسن رحمه الله يقول إن ظاهر النهي يدل على فساد ما تناوله على ان المنهي عنه غير مجزئ عن فاعله إلا أنه قد قامت الدلالة على أن النهي إذا لم يتناول معنى ","part":2,"page":177},{"id":560,"text":" في نفس العقد أو القربة المفعولة أو ما هو من شروطها التي يخصها لم يمنع جواز ذلك نحو البيع عند اذان الجمعة وتلقى الجلب وبيع حاضر لباد والتفريق بين السبي لذوى الرحم المحرم في البيع إذا كانوا صغارا ومثل الصلاة في الأرض المغصوبة والطهارة بماء مغصوب وغسل النجاسة به والوقوف بعرفات على جمل مغصوب أن كون الفعل فيها عنه في هذه الوجوه لا يمنع جوازه لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول وإنما تناول معنى في غيره وكون الإنسان مرتكبا للنهي عاصيا في غير المعقود عليه لا يمنع وقوع فعله موقع الجواز كما أن كونه عاصيا في تركه الصلاة لا يمنع صحة صيامه إذا صام \r\n والدليل على صحة ما ذكرنا أن رجلا لو رأى رجلا يغرق وهو يصلي وقد كان يمكنه تخليصه انه منهى عن المضي في هذه الصلاة ومأمور بتخليص الرجل \r\n وكذلك لو رأى رجلا يقتل آخر ويمكنه دفعه عنه ان عليه ترك الصلاة ودفع القاتل عمن يريد قتله فإن لم يفعل ومضى في صلاته كانت صلاته مجزئة \r\n وكذلك لو استنفر الناس إلى عدو أظلهم من المشركين كان على من قدر على ذلك أن ينفر إليهم فلو اشتغل بفعل الظهر في أول وقتها وترك الخروج كانت صلاته ماضية مع كونه منهيا عن الاشتغال بها في هذه الحال \r\n ولولا أن ذلك كذلك لكان واجبا أن لا يجوز لأحد منا فعل الصلاة في أول الوقت إذا ألزمنا الخروج إلى طرسوس لقتال العدو وفي اتفاق المسلمين على جواز صلاة من ","part":2,"page":178},{"id":561,"text":" هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى في نفس العقد أو في نفس القربة المفعولة أو بما هو من شروطها التي تختص بها انه لا يمنع صحة العقد و وقوع القربة موقع الجواز \r\n ألا ترى أن تخليص الرجل من الغرق ليس من الصلاة ولا من شروطها في شيء \r\n ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق لو اشتغل بالصلاة أيضا كان عاصيا في اشتغاله عن تخليصه وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع ولا من شرطه فلم يفسد البيع من أجله وان كان منهيا عنه لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة لا البيع لأنه لو لم يعقد البيع في ذلك الوقت واشتغل بغيره كان النهي قائما في اشتغاله بغير الصلاة فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن الجمعة لا البيع نفسه \r\n وكذلك النهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد إنما هو لأجل حق الغير لا لأجل البيع \r\n وكذلك هذا في استيام الرجل على سوم أخيه انه منهي عنه ولو عقد البيع على هذا الوجه كان العقد صحيحا مع كونه منهيا عنه لأن النهي عنه إنما تعلق لحق المساوم لا بالعقد نفسه \r\n وكذلك في الخلع إذا وقع على أكثر من المهر الذي تزوجها عليه كان جائزا مع الكراهة لأنه لم تتعلق كراهته بمعنى في العقد إنما تعلق بالذي أخذته أقل مما أعطت ","part":2,"page":179},{"id":562,"text":" ألا ترى أن مهرها لو كان مثل هذا أو أكثر لجاز له أن يخلعها به إذا لم يكن النشوز من قبله \r\n ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في أشباهه فصار ما ذكرنا أصلا في هذه المسائل \r\n ثم العقود وما سبيله أن يفعل على وجه القربة إذا فعلت على وجه منهي عنها على وجوه فمنها ما يكون حاله ما وصفنا من تعلق النهي بمعنى في غير العقد وفي غير شروطه التي تخصه فلا يمنع جواز العقد \r\n ومنها ما يتعلق النهي فيه بمعنى في نفس العقد أو في شروطه التي تخصه فهذا على وجهين فما كان منه مختلفا فيه أنه جائز أو غير جائز وهو مما يلحقه الفسخ ويسوغ الاجتهاد فيه فإن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على فساد ويجب فسخه مع ذلك \r\n ومنها ما لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه \r\n فأما ما يلحقه الفسخ من ذلك مما تعلق النهي فيه بمعنى في نفس العقد وفي شروطه التي تخصه فكبيع العبد بالخمر والخنزير بثمن مجهول وبيع الغرر وبيع ما ليس عند الإنسان فهذا تعلق النهي فيه بنفس المعقود عليه لأن المعقود عليه بدل ومبدل عنه فإذا جعل الخمر والخنزير والمجهول والغرر وما ليس عنده بدلا وهو منهي عنه فقد تعلق النهي بنفس المعقود عليه فأوجب فساده \r\n وأما شروطه التي تخصه فنحو القبض والأجل وإلحاق شرط به لا يوجبه العقد فإذا باع إلى أجل مجهول أو باع ما لم يقبض أو شرط أن لا يبيع ولا يهب أو شرط أن لا يسلم إلى المشترى ونحو ذلك من الأمور التي يوجبها العقد فمتى تعلق النهي بهذه ","part":2,"page":180},{"id":563,"text":" الأوصاف أوجب فساد البيع ولا يمنع ما تناول النهي من هذه العقود وقوعها على فساد لأن هذه كلها عقود مختلف فيها \r\n قال أبو يوسف في بيع العبد بالخمر والخنزير إنه مختلف فيه لأن من الناس من يجيز البيع في مثله بالقيمة والبيع إلى العطاء والدياس ونحو ذلك مختلف فيه فمن الصحابة من أجاز ذلك ويروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في البيع إلى العطاء أنه جائز فلما كان كذلك لم يمنع ما تعلق به من النهي الذي تناول نفس المعقود عليه أو بعض شروطه من وقوعه على فساد وإنما كان هذا هكذا عندهم من قبل أن الدلالة قد دلت على أن كل عقد يجوز أن تلحقه إجازة بحال فإن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على فساد ووقوع الملك به عند القبض إذا وجد التسليط من مالكه لمشتريه على ذلك \r\n والبيوع المختلف فيها وما يسوغ الاجتهاد فيه قد تلحقه الاجازة بحال لأن قاضيا لو قضي بجوازه نفذ حكمه وصح وإن كان فاسدا عندنا قبل حكم الحاكم به فصار كالبيع الموقوف الذي يجوز أن تلحقه الاجازة من جهة من وقف عليه فيملك مشتريه بدله إذا قبضه وقد بينا وقوع الملك بالعقد الفاسد إذا اتصل به القبض في مواضع من غير هذا الكتاب \r\n واستدل أبو يوسف على ذلك بأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة واشترطت الولاء لمواليها ثم اعتقتها ثم سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك فأجاز عتقها وقد كان البيع فاسدا بشرطها الولاء لهم هذا معنى قضية بريرة عندنا وان كانت الألفاظ الواردة فيها ","part":2,"page":181},{"id":564,"text":" مختلفة فهذا الضرب من العقود يقع فاسدا ويملك به المعقود عليه عند القبض وكذلك النكاح الفاسد إذا اتصل به الوطء تعلق به حكم النكاح الصحيح في باب لزوم المهر ووجوب العدة وثبوت النسب \r\n وكذلك الكتابة الفاسدة إذا اتصل بها الأداء اعتق به العبد وان وقعت في الأصل على فساد \r\n وضرب آخر مما يتناوله النهي فلا يقع رأسا مثل بيع العبد بالحر والميتة والدم لأن هذه ليست بعقود إذ غير جائز أن تلحقها الاجازة بحال لأن أحدا لا يجيز بيع العبد بهذه الابدال لا بقيمة ولا غيرها فلما لم يكن عقدا بحال صار لغوا لا حكم له \r\n ومن أصحابنا من يعبر عن هذه العقود بأن قال هي على ثلاثة \r\n منها عقد جائز وهي المبايعات الصحيحة ومنها عقد فاسد وهي كشراء العبد بالخمر والخنزير وبالاثمان المجهولة أو إلى آجال مجهولة أو يشرط فيها شروطا فاسدة وسائر العقود الفاسدة التي يقع الملك فيها عند القبض ومنها عقد باطل وهو الشراء بالخمر وبالميتة ولا يتعلق به حكم الملك قبض أو لم يقبض فيفرقون بين الفاسد والباطل وهذا إنما هو كلام في العبارة ولا يضيق أن يعبر بهذه العبارات ","part":2,"page":182},{"id":565,"text":" ويفرق بين معانيها للافهام وأما ما كان من ذلك واقعا على وجه منهي عنه مما لا يلحقه فسخ فإن كونه واقعا على وجه منهي لا يمنع صحة وقوعه لما ذكرنا من أن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على وجه الفساد وما يقع فاسدا فإنه قد تتعلق به أحكام العقد الصحيح في باب وقوع الملك به عند القبض فيما يملك وإنما يجب فسخه بعد وقوعه لانتفاء أحكام الصحة عنه فما يلحقه الفسخ فهو واقع فيصير في حكم الصحيح من حيث صار بحال لا يلحقه الفسخ وذلك مثل الطلاق في الحيض فإنه وان تعلق النهي لمعنى في نفس الطلاق وفيما هو من شروطه إذا أراد إيقاعه على الوجه المسنون فإن كونه منهيا عنه لم يمنع وقوعه كما لا يمتنع ذلك في سائر العقود التي يلحقها الفسخ على الوجه الذي بينا إلا أن ذلك لما لم يجز أن يلحقه الفسخ نفذ وصح وقد نهى النبي عليه السلام عن الطلاق في الحيض وأجاز مع ذلك طلاق ابن عمر وكذلك في الحرية ","part":2,"page":183},{"id":566,"text":" إذا أوقعها على وجه منهي عنه مثل أن يعتقه في المرض ولا مال له غيره قاصدا به اضرار الورثة فينفذ عتقه وان وقع منهيا عنه \r\n وقال عليه السلام في الذي أعتق ستة أعبد له عند موته لو أدركته ما صليت عليه وأعتق مع ذلك ثلث ذلك الرقيق مع كونه منهيا عنه ومتى وقعت هذه الامور التي لا يلحقها الفسخ بعد وقوعها كالطلاق والعتق والعفو من دم العمد على ابدال مذكورة منهي عنها كانت واقعة نافذة لا يبطلها بطلان البدل \r\n وإن كان مما لا يصح دخوله تحت العقد نحو أن يطلق امرأته على خمر أو ميتة أو يعتق عبده على خمر أو يعفو من دم عمد على خمر أو ميتة فيقع الطلاق وينفذ العتق ويصح العفو ولم يستحق عنها بدلا لأن هذه الأشياء مما لا يصح أن تكون بدلا ولم يكن ","part":2,"page":184},{"id":567,"text":" من العاقد غرور للمعقود له لعلمه بأنه خمر وميتة لا يستحقها من جهة العقد فلم يكن هذا عقدا بحال وإنما وقع به الطلاق ونظائره مما وصفناه من حيث علقه بشرط القبول لأن هذه الأشياء مما تعلق على الاخطار والشروط \r\n ألا ترى أنه يصح تعليقها بدخول الدار ونحوه لأنها مما يصح إيقاعها بالقبول دون شرط البدل فلا يقدح فساد البدل في صحة وقوعه ولأنه لما علقه بشرط القبول صار كقوله إن قبلت فأنت حر \r\n وأما عقد النكاح إذا وقع على خمر وميتة ونحوهما فإنه يشبه العتق ونظائره الواقعة على هذه الابدال من وجه واحد وهو أنه يصح بالقول من غير شرط البدل فلا يقدح فساد البدل في صحته ويفارقها من جهة تعلقها بالأخطار والشروط لأن عقد النكاح لا يتعلق بالأخطار ولا على الشروط الفاسدة كقوله إن دخلت الدار فقد تزوجتك فإنما جاز مع فساد البدل لأحد المعنيين اللذين ذكرناهما في العتق ونظائره وهو جواز وقوعه بالقول دون شرط البدل \r\n فإن قال قائل هذا الأصل ينتقض عليك في عقود البياعات وسائر عقود التمليكات الواقعة على أبدال إذا وقعت على خمر أو ميتة أو نحوهما لأن ما يملك بالبيع ","part":2,"page":185},{"id":568,"text":" من نحو العبد والدار يجوز أن يملك بالهبة من غير شرط البدل ثم لم يمنع ذلك فساد عقد البيع لأجل فساد البدل \r\n قيل له لو تأملت ما قلناه لعلمت بطلان هذا السؤال لأنا إنما قلنا إن ما يصح إيقاعه بالقول على وجه على غير شرط البدل لم يقدح فساد البدل في صحته كالطلاق والعتق والعفو عن دم العمد والنكاح لأن هذه العقود مما تصح بالقول \r\n وأما تمليك الاعيان على جهة الهبة فإنه لا يصح بالقول دون انضمام معنى آخر إليه وهو القبض فلم يلزم على ما قدمنا ولم يجز لنا تصحيح البيع المعقود على بدل فاسد لأجل أن الهبة قد تصح بغير بدل لأنا لو صححناه لكان إنما يجب تصحيحه بالقول من غير إثبات البدل فيه والقول لا تأثير له في إيجاب تمليك العين من غير بدل وكذلك الوصية لا تلزم على هذا لأن الوصية أيضا لا تصح بالقول وإنما تحتاج في صحة الوصية بعد القول إلى موت الموصي حتى تملك بها \r\n فإن قال البراءة من الدين تصح بالقول ومع ذلك إذا عقدها على بدل فاسد لم يصح كالبيع \r\n قيل له البراءة في هذا الوجه بمنزلة الهبة وإنما صحت من حيث كان الدين في ذمة ","part":2,"page":186},{"id":569,"text":" المبرأ وكان بمنزلة الهبة المقبوضة فلم يخل أن تكون صحتها متعلقة بالقول وبمعنى آخر ينضم إليه \r\n ومن جهة أخرى إن حكم الملك الواقع بالهبة مخالف لحكم الواقع بالبيع لما تتعلق بكل واحد من الأحكام التي لا تتعلق بالآخر وليس حكم الطلاق الواقع ببدل مخالفا لحكم وقوعه بغير بدل \r\n وكذلك العتق والصلح من دم العمد فلما لم يختلف حكم هذه الأشياء في نفسه سواء وقعت ببدل أو غير بدل وجب أن لا يؤثر فساد البدل في وقوعها على الوجه الذي كان يقع عليه لو لم يكن هناك بدل لأن الموقع في الحالين واحد غير مختلف الحكم في نفسه \r\n ولما كان المملوك بالبيع حكمه في نفسه مخالفا لحكم المملوك بالهبة كان لفساد البدل تأثير في منع صحته لأنه لا يخلو من أن يكون واقعا على غير بدل أو على بدل فاسد على ما شرط فإن اوقعناه على غير بدل كنا قد ألزمناهما عقد هبة لم يعقداها وان أوقعناه على بدل فاسد فواجب أن يفسد البيع بفساد البدل إذ لا يصح إلا ببدل صحيح وهذا الاعتبار الذي ذكرناه في العقود واجب فيما سبيله أن يكون قربة إذا أوقعه على وجه منهى عنه في أن النهي متى تناول معنى في نفس الفعل أو في شروطه التي تخصه فما ","part":2,"page":187},{"id":570,"text":" كان من ذلك مختلفا فيه فإنه يقع على فساد ولا يجزئ عن الواجب عليه في ذمته وما لا خلاف فيه أنه من شروطه وبه تتعلق صحته فإنه متى أخل به بطل حكم فعله رأسا فصار بمنزلة ما لم يفعله \r\n فالأول مثل الصلاة عند طلوع الشمس والصلاة بغير قراءة هي فاسدة إذا وقعت على هذا الوجه ولم يخرجها الفساد من ثبات حكمها على فساد ولم يجزه من ذلك عن الفرض وإن ضحك فيها أعاد وأعاد الوضوء عند أبي حنيفة وأبي يوسف \r\n والثاني مثل الكلام في الصلاة والصلاة بغير طهارة فوجود الكلام فيها يمنع بقاء حكمها ناسيا كان أو عامدا وكذلك عدم الطهارة يمنع صحة فعلها وثبوت حكمها لأنه لا خلاف ان ترك الكلام فيها من شروطها وان وجود الطهارة شرط في صحة فعلها فمتى أخل بذلك خرج منها وكان نظيرها من عقود البياعات العقد على حر وميتة ودم ومدبر ","part":2,"page":188},{"id":571,"text":" فصل في الدلالة على صحة ما قدمنا في أصل الباب \r\n والدليل على صحة ما قدمنا من أن ظاهر النهي يقتضي فساد ما تعلق به قول الله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا إلى آخر الآية \r\n قد حوت هذه الآية الدلالة على صحة ما ذكرنا من أربعة أوجه أحدها قوله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فنهى عن أكل الزيادة المأخوذة عن عقد الربا لما تقدم من نهيه عنه من قوله تعالى لا تأكلوا الربا فدل أن ظاهر نهيه قد اقتضى وجوب الامتناع من التصرف فيما أخذ عن عقد الربا \r\n والثاني قوله تعالى ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا فذم من سوى بين الربا المنهى عنه وبين البيع المباح ودل ذلك على أن المباح من ذلك والمحظور لا يستويان في الحكم الواجب فظاهر اللفظ أن يكون المحظور مخالفا للمباح \r\n فإذا كان وقوعه على الوجه المباح يوجب صحته فواجب أن يكون وقوعه على الوجه المحظور موجبا لفساده بما في فحوى الآية من إيجاب التفرقة بينهما من هذه الجهة \r\n والثالث قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا فاقتضى ظاهر النهى رد ","part":2,"page":189},{"id":572,"text":" الزيادة المأخوذة عن عقد الربا إلى بائعها وذلك لا يكون إلا مع فساد العقد وكان ذلك متعلقا بظاهر النهي \r\n والرابع قوله تعالى وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم لما نهى عنه حكم برد رأس المال فلولا أن ظاهر النهي قد اقتضى الفساد لكان مملوكا بعقد صحيح لا يجب رده \r\n وكذلك قال النبي عليه السلام كل ربا في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس فلما تعلق الفساد فيما ذكرنا بما دلت عليه الآية بالنهي ثبت أن ظاهر النهي يقتضي فساد ما تناوله حتى تقوم دلالة الجواز \r\n والدليل على ذلك أيضا ان هذه العقود والقرب لا يخلو من أن يكون سبيلها أن تكون مفعولة على وجه الفرض أو الندب أو الاباحة وكونه منهيا عنه يخرجه من أن يكون مفعولا فرضا أو مباحا إذ غير جائز أن يكون المنهي عنه هو الفرض أو الندب أو المباح \r\n فلما كان ذلك كذلك وجب ألا يكون فاعلا للمأمور به ولا لما قصد الى فعله ","part":2,"page":190},{"id":573,"text":" من ندب أو إباحة فوجب أن يبقى ما كان عليه في ذمته من فرض على ما كان عليه وأن لا تصح له قربة ولا فعل المباح فإذا كان ما فعله عقدا من عقود المعاملات فيما بين العباد الذي سبيله أن يفعله على الوجه المباح فهو إذا كان منهيا عن العقد نفسه أو ما يتعلق به من شروطه فهو غير فاعل في هذه الحال للعقد المباح فينبغي أن لا يصح عقده على هذا الوجه وأن لا يزول ملك مالكه عنه بهذا العقد وذلك لأن الملك الواقع بذلك إنما هو حكم متعلق بإباحة الله تعالى إياه وحكمه به وإذا حكم بنهيه فغير جائز وقوع الحكم الذي يتعلق به من إيقاع الملك فوجب أن يقع فاسدا لا حكم له \r\n وكذلك نقول في سائر البياعات الفاسدة إنها لا توجب الملك ولا يتعلق بها حكم بنفس العقد ثم إذا اتصل به القبض ثبت للمقبوض حكم الملك من وجه لقيام الدلالة ونحن فإنما كلامنا هاهنا في إفساد العقد بظاهر النهي وذلك موجود في كل عقد منهي عنه لمعنى في نفس المعقود عليه \r\n ودليل آخر وهو أن النهي يتناول ما يتعلق به على وجه النهي بأن لا يفعله ومعلوم أن ما وقع من الإيجاب والقبول لهذه العقود لا يصح النهي عنه بعد وقوعه وإن كان قبل وقوعه منهيا عنه وعن التصرف فيه فإذا وجب ذلك كان لزوم فسخه حقا لله تعالى ولزم الحاكم إذا اختصموا إليه أن يمنع من قبضه والتصرف فيه وإذا لم يستحق قبض المبيع لم يصح العقد وان قبضه ثم اختصما كان ممنوعا من سائر وجوه التصرف وكان المنع من ذلك حقا لله تعالى متعلقا بظاهر النهي لأنه معلوم أن النهي إنما يتناول أحكام العقد المتعلقة به وإذا كانت هذه الأحكام ممنوعة بعد العقد بظاهر النهي وجب فسخه ما لم تقم الدلالة على نفاذ تصرفه ","part":2,"page":191},{"id":574,"text":" وهذا هو معنى قولنا إن العقد واقع على فساد لأن النهي إنما تناول العقد على الوجه الذي قدمنا \r\n وأما إذا تناول النهي معنى ليس هو نفس المعقود ولا من شرائطه وإنما هو معنى في غيره فخارج عن هذا الأصل لما قدمنا فيما سلف وهو أن كونه فاعلا لما نهي عنه لا يمنع صحة فعله لشيء آخر لم يتعلق النهي به من عقد أو قربة \r\n ألا ترى أن تارك الصلاة لا يمنع تركه لصلاته صحة صومه وكذلك سائر الفروض متى ارتكب النهي في ترك بعضها لا يمنعه من صحة فعل ما فعل منها \r\n ألا ترى أن تحريم نكاح الأمهات وذوات المحارم والمعتدة لما تعلق بمعنى في نفس المعقود عليه وبما هو من شروطه منع صحة العقد \r\n وأن نكاح من خطب على خطبة أخيه وإن كان منهيا عنه لم يمنع ذلك صحة قوعه لأن النهي تناول معنى في غير المعقود عليه فبان بذلك صحة ما وصفنا ","part":2,"page":192},{"id":575,"text":" @ 193 @ ","part":2,"page":193},{"id":576,"text":" @ 194 @ ","part":2,"page":194},{"id":577,"text":" باب الكلام في الناسخ والمنسوخ \r\n فصل في الكلام في ماهية النسخ \r\n اختلف العلماء في معنى النسخ في موضوع اللغة \r\n فقال قائلون هو النقل ومنه قولهم نسخ الكتاب أي نقل ما فيه إلى غيره فيطلقون اسم النسخ والنقل على ذلك و قال آخرون معناه الإبطال ومنه قولهم نسخت الرياح الآثار \r\n وهذه الألفاظ متقاربة المعاني وأيها كان المعنى في اللغة فإنه متى استعمل في نسخ الأحكام فهو مستعمل فيها على وجه المجاز دون الحقيقة وذلك لأنه إن كان معنى النسخ في موضوع اللغة هو النقل فهذا المعنى بعينه غير موجود في نسخ الحكم لأن للنقل معنى معقولا في اللغة لا تصح حقيقته في نسخ الحكم ولا يخلو حينئذ من أن يكون المراد به نقل الحكم نفسه أو نقل المتعبد به عن الحكم الأول إلى غيره \r\n فإن كان المراد الحكم فإن الحكم ليس هو معنى يصح نقله في الحقيقة لأن النقل المعقول في اللغة هو نقل الشيء من مكان إلى غيره وذلك مستحيل في الحكم وإن كان ","part":2,"page":195},{"id":578,"text":" المراد نقل المتعبد بالحكم إلى حكم غيره فإنه لم يحصل فيه نقل بأن يتعبد بحكم غير الأول \r\n فعلمت أن الاسم إن كان موضوعا للنقل في أصل اللغة حقيقة فإنه مجاز في الحكم فكأنه إنما سمي بذلك على جهة التشبيه لأن النقل يوجب تغيير المنقول عن الحال التي كان عليها إلى غيرها فشبه تغيير الحكم في الثاني بالنقل \r\n وعلى أن نسخ الكتاب إنما يسمى نقلا مجازا أيضا لا حقيقة لأن المكتوب بدءا هو باق في موضعه غير منقول عنه وإنما سمي ما نسخ منه منقولا تشبيها له بالشيء المنقول من مكان إلى غيره فلم يحصل معنى النسخ أنه نقل ما في الكتاب ولا في الأحكام إلا مجازا \r\n وأما من قال النسخ هو الإزالة في اللغة فإنه لا يرجع منه أيضا إلا إلى المجاز في اللغة والحكم جميعا لأن قولهم نسخت الرياح الآثار قد يطلق في الريح إذا أعفت آثار الديار بأن سفت عليها التراب فأخفتها وهي باقية كما يقال عفت الديار ودرست ويدل عليه أيضا أنه لا يصح إطلاق النسخ على كل مزال لأنه لو أزال جسما من مكان إلى غيره لم يجز أن يقال له أنه قد نسخه فلما كان من الأشياء المزالة ما ينتفي عنه اسم النسخ دل ذلك على ان إطلاق لفظ النسخ في إزالة الريح الأثر مجاز لا حقيقة وهو في الحكم أيضا كذلك لأن الحكم الأول لا يصح إزالته بعد ثبوته إذ كان المأمور به بعينه غير جائز أن يكون منهيا عنه فلم يكن هناك حكم أزيل بالنسخ وإنما النسخ يبين أن مثل ذلك ","part":2,"page":196},{"id":579,"text":" الحكم لا يجب في المستقبل فلا يكون النسخ بمعنى الإزالة على هذا الوجه إلا تشبيها له بما كان ثابتا في موضوع فأزيل عنه إلى غيره \r\n ويدل على ما ذكرنا أيضا أن إزالة الشيء في اللغة لا يقتضي ارتفاع عينه ولا إبطاله لأنه يصح أن تقول أزلت الحجر عن موضعه وهو باق العين في موضع غيره والحكم الأول ليس بباق بعد النسخ فلا يصح فيه معنى الإزالة إلا على وجه المجاز \r\n وأما من قال معناه الإبطال في اللغة واستدل عليه بقولهم نسخت الشمس الظل فإنه يوجب أيضا أن يكون هذا اللفظ مجازا لأنهم قد قالوا نسخت الكتاب وليس فيه إبطال شيء وقال الله سبحانه وتعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ولم يرد إبطال شيء بل معناه إثبات مقاديرها وما يستحق عليها من ثواب أو عقاب والله أعلم \r\n وهو في معنى نسخ الكتاب وإثبات مثله في هذا الوجه أولى بمعنى اللفظ من الإبطال \r\n ولو ثبت أيضا أن معناه الإبطال لما صح إطلاقه في الأحكام إلا مجازا لأن الحكم الأول لا يصح إبطاله بحال وإن ما ثبت في الثاني حكم غير الأول والأول لم يكن قط مرادا في الثاني فليس هناك حكم أبطل بالنسخ والنسخ في الشريعة هو بيان مدة الحكم الذي كان في توهمنا وتقديرنا جواز بقائه فتبين لنا أن ذلك الحكم مدته إلى هذه الغاية وأنه لم يكن قط مرادا بعدها \r\n ولا يجوز أن يكون لنسخ الأحكام معنى غيره لأنه غير جائز أن يكون الحكم الأول مرادا في الوقت الثاني الذي ورد فيه النسخ ثم أبطله ونهى عنه لأن ذلك هو ","part":2,"page":197},{"id":580,"text":" البداء ولا يجوز على الله تعالى إذ هو العالم بالعواقب فغير جائز أن يبدو له علم شيء لم يكن علمه في الأول فثبت بذلك أن معنى النسخ في الشرع ما وصفنا \r\n وعلى أي وجه كان معنى النسخ في اللغة فإنه لا يخل بمعناه في الشرع لأنه إذا كان معلوما وقوعه في الشرع على الحد الذي وصفنا وقد أريد به معنى ليس الاسم موضوعا له في اللغة فقد صار اسما شرعيا قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وليس في اللغة أن توقيت المدة فيما كان يظن بقاؤه ودوامه يسمى نسخا فثبت أنه اسم شرعي ويدل على أنه اسم شرعي إطلاقه في أوامرنا لمن تلزمه طاعتنا من عبيدنا ومن تحت أيدينا وأن هذا الاسم مخصوص بأحكام الشرع \r\n وليس كل ما بين به مدة الحكم يسمى نسخا لأنه لو كانت المدة معلومة مع ورود الأمر بأن قال صلوا في هذا اليوم ولا تصلوا في غيره لم يكن زوال الأمر بمضي الوقت نسخا لأنا قد علمنا عند ورود الأمر توقيت مدته وإنما يطلق اسم النسخ فيما يكون في توهمنا و تقديرنا تجويز بقائه على الدوام فيأتي الحكم الناسخ ويبين أن ما كان في تقديرنا من بقاء الحكم غير ثابت وأن مدة الحكم الأول قد انقضت \r\n ومن الناس من يظن أن النسخ رفع الحكم وهذا جهل مفرط وذلك لأن ما ثبت من الأحكام لا يجوز رفعه لأنه يدل على البداء وإنما يدلنا النسخ أن الحكم المنسوخ لم يكن مرادا في هذا الوقت ","part":2,"page":198},{"id":581,"text":" @ 199 @ ","part":2,"page":199},{"id":582,"text":" @ 200 @ ","part":2,"page":200},{"id":583,"text":" باب القول فيما يجوز نسخه وما لا يجوز \r\n الأصل في هذا الباب أن أفعال المكلفين إذا وقعت عن قصد فاعلها فهي على ثلاثة أنحاء في العقل \r\n منها واجب لا يجوز عليه التغيير والتبديل كتوحيد الله عز و جل وتصديق رسله وشكر المنعم واجتناب المقبحات في العقول \r\n ومنها ممتنع محظور انقلابه عن حال نحو كفران النعمة والكذب وتكذيب رسل الله وارتكاب المقبحات في العقول فهذان البابان يجريان في حكم العقل على شاكلة واحدة لا يجوز عليهما التغيير والتبديل ولا يصح مجيء العبادة فيهما بخلاف ما في العقول من حكمها ومن أجل ذلك لم يصح نسخهما وذلك لأن العقل حجة لله تعالى فما حسنه من شيء فهو حسن وما قبحه فهو قبيح والسمع حجة لله تعالى أيضا وغير جائز أن تتضاد حجج الله تعالى ولا يجوز أن تتنافيا فثبت أن السمع لا يرد برفع ما في العقل وجوبه ولا إيجاب ما في العقل حظره فلذلك قلنا إن هذين الوجهين لا يجوز ورود النسخ فيهما ","part":2,"page":201},{"id":584,"text":" وأما الوجه الثالث فهو ما يجوز العقل إيجابه تارة وحظره أخرى وإباحته مثل الصلاة والصيام والحج وذبح البهائم وما جرى مجرى ذلك فهذا الضرب مما يجوز ورود النسخ فيه على الوجه الذي كان يجوز العقل مجيء الشرع به وإنما صار النسخ يتطرق على هذا الوجه لأن حكمه مردود إلى ما في علم الله تعالى من المصلحة فإذا علم المصلحة في إيجابه أوجبه وإذا علمها في حظره بعد الإيجاب حظره وإذا علمها في إباحته دون إيجابه وحظره فعل فلذلك جاز أن يأمر بصيام شهر رمضان والصلوات في أوقاتها المعلومة و يحظر صيام يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق ويحظر الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ويبيح فعل الصيام في غير هذين الوقتين وكذلك الصلاة فلذلك ليس يمتنع أن يتعبد الله تعالى بفعل هذه الأشياء على وجه الإيجاب ثم ينسخه بحظرها أو إباحتها ويدلك على الفرق بينه وبين الوجهين الأولين أنه جائز ورود العبادة بلزوم الصلاة والصيام بعض المكلفين وحظرهما على بعضهم كنحو ما أمر الطاهر بفعل الصلاة والصوم ونهي عنهما وهو في هذا الباب يجري مجرى سائر أفعال الله تعالى في تدبير عباده من الغني والفقر والصحة والمرض ومن إحداث الحر والبرد وكل شيء من ذلك في وقت دون وقت لما علم تعالى فيه من مصالح عباده فكذلك سبيل هذا الضرب الذي يتطرق عليه مجيء العبادة به تارة وبضده أخرى على حسب المصلحة ","part":2,"page":202},{"id":585,"text":" والبابان الأولان لا يختلف حكم سائر المكلفين فيهما ألا ترى أنه لا يصح أن يكون بعض المكلفين مأمورين بالتوحيد وتصديق الرسول عليه السلام وبعضهم منهيون عنه أو مباحا لهم تركه والإعراض عنه وكذلك لا يصح أن يكلف بعضهم مجانبة المقبحات في العقل من نحو كفران النعمة والكذب وتكذيب الرسل ويؤمر بعضهم بارتكابها \r\n فلما لم يختلف حكم سائر المكلفين في هذين البابين في زمان واحد لم يختلف حكم سائر المكلفين فيها في الأزمنة المختلفة فلم يجز من أجل ذلك ورود النسخ فيهما ولما جاز في غيرهما مما وصفنا اختلاف أحكام المكلفين فيها في الزمان الواحد جاز مثله في الأزمنة المختلفة فيتعبدون بالحظر في زمان وبالإيجاب أو الإباحة في زمان غيره \r\n وأما الخبر الوارد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم فإنه ينتظم معنيين أحدهما العبادة باعتقاد مخبره على ما أخبر به فهذا ما لا يجوز نسخه ولا تبديله ولا التعبد فيه بغير الاعتقاد الأول \r\n والمعنى الآخر حفظه وتلاوته وهذا مما يجوز نسخه بأن يأمر بالإعراض عنه وترك تلاوته حتى يندرس على مرور الأزمان فينسى كما نسخت تلاوة سائر كتب الله تعالى القديمة كصحف إبراهيم وكثير من الأنبياء عليهم السلام قد نسخت تلاوة حتى صارت لا يتلوها أحد ولا يحفظها ","part":2,"page":203},{"id":586,"text":" وإنما لم يجز ورود العبادة بنسخ اعتقاد معنى الخبر وإن جاز ورودها بنسخ الخبر الذي هو التلاوة من قبل أنه لو جاز ذلك لكان فيه إيجاب التعبد باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به لأن خبر الله تعالى لا بد أن يكون صدقا يلزمنا عند وروده اعتقاد مخبره على ما هو به وهذا لا يجوز على الله تعالى ولا على رسوله صلى الله عليه و سلم ولو جاز أن يأمرنا باعتقاد ذلك لجاز أن يأمرنا بالإخبار عنه على حسب ما أمرنا باعتقاده فيكون أمرا لنا بالكذب ولو جاز أن يأمرنا بالكذب لجاز أن يفعله هو تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا \r\n فلذلك قلنا إن معاني الأخبار الواردة من الله تعالى لا يجوز ورود النسخ على اعتقادنا فيها بأن يتعبدنا باعتقاد ضد مخبرها لأن المخبر عنه لا يجوز عليه التغيير والتبديل بتغير الأحوال والأزمان \r\n فلذلك لم يجز أن نعتقد فيها خلاف ما أوجبه ورود الخبر وهذا نظير ما أمر الله تعالى به من العبادات واستقر عليه أحكامها ومضى عليها أوقات فعلها فغير جائز أن ترد العبادة بنسخ اعتقاد صحتها وثبوتها في الأوقات الماضية لأن في نسخ ذلك الاعتقاد وجوب اعتقاد فساد ما أمر الله تعالى به واعتقاد ذلك قبح لا يجوز ورود العبادة به فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا ومما يبين أن اعتقاد معاني الأخبار الواردة عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم جار مجرى التوحيد وتصديق الرسل وسائر ما لا يجوز فيه النسخ والتبديل فإنه مخالف لما له في العقول حالان من الأمور التي يجوز ورود العبادة بها تارة وبأضدادها أخرى أنه يمتنع الأمر بالاعتقادين في خطاب واحد لزمانين مختلفين فلا يجوز أن يقول اعتقدوا في خبري هذا أنه على ما هو عليه إلى مدة كذا فإذا انقضت المدة فاعتقدوا فيه ضده كما لا يجوز أن يقول اعتقدوا صحة التوحيد وتصديق الرسل إلى وقت كذا فإذا انقضى الوقت فاعتقدوا ضدهما ولا يمتنع أن يقول صلوا وصوموا إلى وقت كذا فإذا مضى الوقت ","part":2,"page":204},{"id":587,"text":" فلا تصوموا ولا تصلوا فثبت أن اعتقاد معنى الخبر يجري في حكم العقل على شاكلة واحدة كاعتقاد التوحيد والعدل وتصديق الرسل عليهم السلام فلا يجوز ورود النسخ على واحد منهما \r\n ومن جوز النسخ في اعتقاد معاني خبر الله تعالى وخبر الرسول عليه السلام فقد وصف الله تعالى بالبداء وأنه ظهر له في الثاني ما لم يكن علمه قبل لأن البداء معناه الظهور قال الله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم يعني إن تظهر لكم وقال تعالى و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ومن جوز البداء على الله تعالى فهو خارج عن ملة الإسلام \r\n فإن قال قائل قال الله تعالى يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب \r\n وهذا يدل على جواز نسخ الأخبار إذا شاء الله تعالى نسخها \r\n قيل له ليس في الآية دلالة على ما ذكرت لأنه لم يقل تعالى يمحوا الله ما يشاء من معاني الأخبار الواردة من جهته فإن تعلقت بعمومه فجعلته على الخبر وغيره فالواجب عليك أولا أن تثبت أن نسخ معاني الأخبار مما يجوز أن يشاءه الله وقد دللنا آنفا على أن هذا سفه وقبح لا يجوز أن يشاءه الله تعالى والاحتجاج بظاهر في هذا المعنى باطل ساقط وعلى أنه لو ثبت أن المراد نسخ الخبر لكان المعنى نسخ تلاوته لا مخبره لأنه ليس هو الخبر وقد بينا جواز نسخ التلاوة وامتناع جواز نسخ اعتقاد مخبره ","part":2,"page":205},{"id":588,"text":" وقد روي في تأويل هذه الآية عن جماعة من السلف أقاويل ليس في شيء منها أن المراد نسخ الأخبار لأن ابن عباس قال معناه إن الله تعالى يبدله ما يشاء من القرآن فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبد له وعنده أم الكتاب يعني جملة ذلك عنده في أم الكتاب \r\n وعن زيد بن أسلم يمحو الله ما يشاء مما ينزله على الأنبياء ويثبت ما يشاء مما ينزله على الأنبياء وعنده أم الكتاب لا يغير ولا يبدل \r\n وعن الحسن قال يمحو الله من جاء أجله فيذهب ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله \r\n فصل من هذا الباب \r\n قد بينا القول فيما يجوز نسخه ومالا يجوز نسخه بما فيه كفاية \r\n ونبين الآن حكم الألفاظ الواردة في القبيل الذي يجوز نسخه من الأحكام ومالا يجوز نسخه منها \r\n فنقول إن الحكم الوارد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم إذا لم يكن مؤقتا ولا مقرونا ","part":2,"page":206},{"id":589,"text":" بلفظ التأبيد في الأزمان المستقبلة فإن الذي يجب على سامعه من المكلفين له والمتعبدين به لزوم اعتقاد جواز نسخه ما دام النبي عليه السلام حيا كقوله صلوا وصوموا في مستقبل الأيام ونحو ذلك وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم نعلمه وأما إذا قرنه بوقت بعينه نحو أن يقول صلوا هذه السنة في كل يوم أو يقول صوموا شهر رمضان القابل فإن هذا لا يجوز ورود النسخ فيه عندنا بحال وسنفرد القول فيه بعد هذا \r\n وأما إذا قال صلوا الظهر أبدا في مستقبل أعماركم ومن بعدكم إلى أن تقوم الساعة فإن من الناس من يجيز ورود النسخ في مثله إذا كان هذا القول من شرائع الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل نبينا خاتم النبيين ولا يجوز النسخ بعده \r\n ومن الناس من لا يجيز ورود النسخ على مثل هذه الألفاظ \r\n فأما الوجه الأول الذي بدأنا بذكره في هذا الفصل فإنما جاز نسخه لأنه لما لم يحصره توقيت ولا مدة وكان جواز النسخ قائما في مثله وجب علينا ألا نعتقد عند وصوله إلينا بقاء حكمه على التأبيد مع بقاء النبي عليه السلام بل الواجب علينا في مثله اعتقاد جواز نسخه \r\n وإذا كان ذلك كذلك جاز ورود النسخ فيه حتى إذا توفي النبي صلى الله عليه و سلم قبل نسخه استقر حكمه على التأبيد لأن النسخ لا يجوز بعد موته عليه السلام \r\n وأما إذا قرنه بالتأبيد فقال افعلوه أبدا أنتم ومن يحدث بعدكم إلى ","part":2,"page":207},{"id":590,"text":" أن تقوم الساعة فإن الأظهر في مثله أنه لا يجوز نسخ ما كان هذا وصفه لأنه قد ألزمنا اعتقاد بقائه مؤبدا وغير جائز أن يكون المراد بقاؤه إلى وقت ومدة لأن تجويز ذلك يؤدي إلى إبطال دلالة الكلام على حسب ما تقدم القول فيه في إثبات العموم وامتناع جواز تأخير بيان الخصوص فيما سلف \r\n فإن قال قائل إن اليهود تزعم أن في التوراة الأمر بالتمسك بالسبت ما دامت السموات والأرض وقد ورد نسخه على لسان كثير ممن جاء بعده من الأنبياء عليهم السلام \r\n قيل له لم يثبت أن في التوراة هذا الذي قالوه ولو كان ثابتا لم يمنع أن يكون اللفظ الذي ادعوه في التوراة باللسان العبراني يحتمل التأبيد ويحتمل غيره فحمله هؤلاء على التأبيد من جهة التأويل وإذا لم يكن عندنا علم بحقيقة معنى اللفظ المذكور في التوراة في هذا الباب لم يثبت ما ذكروه \r\n وأيضا فلو كان ما ادعوه في ذلك ثابتا وكان العلم به واقعا لوجب أن يقع لنا العلم به مع سماعنا لذلك كوقوع علمهم به في زعمهم فلما لم يثبت عندنا ذلك مع سماعنا لهذه الأخبار علمنا بطلان ما ادعوه ومن أجاز ذلك في أزمان الأنبياء عليهم السلام مع ذكر التأبيد فيه ممن وصفنا قولهم فإنما أجازه لأن علينا اعتقاد صحة ما يأتي به النبي صلى الله عليه و سلم بعد ذلك من الشريعة مما يخالف ذلك أو يوافقه فيصير تقدير ذكر التأبيد فيه مقرونا بجواز النسخ كأنه قال افعلوا هذه الأفعال في الزمان المستقبل أبدا ما لم أنسخه \r\n والصحيح عندنا هو الأول لأن هذا لو جاز مثله في العموم فيقال إنا نعتقد فيه ","part":2,"page":208},{"id":591,"text":" العموم إن لم يكن أراد الخصوص ولجاز في الحكم المفروض في وقت بعينه أن يقول له افعله في ذلك الوقت ما لم أنسخه وهذا قول فاحش قبيح لا يصح فثبت بذلك ما وصفنا ","part":2,"page":209},{"id":592,"text":" @ 210 @ ","part":2,"page":210},{"id":593,"text":" @ 211 @ ","part":2,"page":211},{"id":594,"text":" @ 212 @ ","part":2,"page":212},{"id":595,"text":" باب في الدلالة على جواز النسخ في الوجوه التي بينا \r\n قال أبو بكر من ينكر النسخ فريقان أحدهما اليهود والآخر فريق من أهل الملة من المتأخرين لا يعتد بهم \r\n فأما اليهود فإن منهم من أنكر تجويز النسخ فيما زعم من طريق العقل ومنهم من يجوزه في العقل إلا أنه يزعم موسى عليه السلام قد أعلمهم أن شريعة التوراة وتحريم يوم السبت لا ينسخ أبدا فأما من منع منهم ذلك من جهة العقل فإنه ذهب إلى أن هذا بداء ورجوع عن إرادة الشيء إلى كراهته وهذا لا يكون إلا ممن كان جاهلا بالعواقب والله تعالى عالم الأشياء قبل كونها فإن كان المأمور به صحيحا فالرجوع عن الصحيح لا يفعله حكيم وإن كان فاسدا لم يجز أن يشرعه الله تعالى في وقت من الأوقات \r\n قال أبو بكر رحمه الله وهذا الذي قالوه جهلا منهم بمعنى النسخ لأن المأمور به غير المنهي عنه فيما يقع فيه النسخ وإنما النسخ يبين أن زمان الفرض الأول قد انقضى ","part":2,"page":213},{"id":596,"text":" وأن الواجب في الزمان المستقبل غير الواجب الذي كان في الماضي وهذا لو نص عليه في خطاب واحد كان جائزا مستقيما ألا ترى أنه لو قال تمسكوا بتحريم السبت إلى مائة سنة ثم أحلوه كان جائزا وكذلك لا يمتنع أن تطلق القول بتحريم السبت ثم تبين الوقت الذي انتهى إليه مدة التحريم على حسب ما علم سبحانه من مصالح العباد فيه وكما أنه جاز أن يخالف بين أحكام العباد فيتعبد بعضهم بحكم ويتعبد بعضهم بضد ذلك الحكم في زمان واحد نحو تحريم الصلاة والصوم على الحائض وإيجابهما على الطاهر على حسب ما علم من مصالحهم \r\n كذلك لا يمتنع أن يخالف بين أحكامهم في زمانين وكما جاز أن يخالف بينهم في تغييره وأفعاله فيهم نحو أن يميت واحدا ويخلق آخر ويمرض واحدا ويصح آخر ويغني واحدا ويفقر آخر ويفعل ذلك بواحد في زمانين مختلفين ولم يكن شيء من ذلك دليلا على البداء وعلى الرجوع عما أراده لأن الذي أراده في الثاني غير الذي أراده في الأول \r\n وكذلك العبادات تجري على هذا المنهاج \r\n وأيضا فإنه قد كان مباحا لولد آدم من صلبه أن يتزوج الأخ منهم بأخته ولولا ذلك لم يكن بينهم تناسل وهو محرم في شريعة التوراة وسائر الشرائع بعدها ولم يكن فيه ما يوجب البداء وكذلك تحريم السبت وسائر الشرائع التي يجوز العقل حظرها تارة وإباحتها أخرى جائز نسخها والإبانة عن مضي وقت تحريمها \r\n وأما من زعم منهم أن موسى عليه السلام قد أعلمهم أن شريعة التوراة لا تنسخ فإنه معترف أن التوراة قد أنبأت عن نبوة أنبياء بعد موسى عليه السلام وإذ كان كذلك فمعلوم أن تحريم السبت معلق بتوقيف الأنبياء بعد موسى عليه السلام فإذا أحلته صار ذلك ","part":2,"page":214},{"id":597,"text":" مقرونا إلى لفظ التحريم كأنه قال حرموا السبت ما لم أحله على لسانك \r\n وعلى أن ما يدعونه من توقيف موسى عليه السلام على التمسك بتحريم السبت أبدا لو كان ثابتا لوجب أن يقع لنا العلم به مع سماعنا للخبر عنه به كما أدعى هؤلاء لأنفسهم \r\n فلما لم يقع لنا العلم بذلك مع سماعنا الأخبار التي سمعوها في ذلك علمنا أنهم إنما صاروا إلى ذلك من طريق التأويل فأخطئوا فيه \r\n وقد تكلم الناس عليهم في هذا الباب بأشياء كثيرة لا انفصال لهم منها وليس غرضنا في هذا الموضع الكلام على هؤلاء وإنما القصد الكلام في أصول الفقه إلا أنه لما عرض فيه القول بالنسخ أحببنا ألا نخليه من جملة تدل عليه وعلى بطلان قول من أبي ذلك من الفرقة التي تنتحل دين الإسلام ثم ضاهت اليهود في امتناعها من تجويز نسخ الشريعة \r\n فنقول بعد تقدمة القول في جواز النسخ في الجملة إن الفرقة المنكرة للنسخ من أهل الصلاة قد خالفت الكتاب والآثار المتواترة واتفاق السلف والخلف جميعا فيما صارت إليه من هذه المقالة \r\n فأما مخالفتها للكتاب فقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فأثبت النسخ في الكتاب ","part":2,"page":215},{"id":598,"text":" وأمره بالتوجه إلى الكعبة بقوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ثم قال تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فأخبر أنهم قد كانوا على قبلة غيرها ثم نقلوا عنها وقد كان حد الزانيين الحبس والأذى فنسخا عن غير المحصنين بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وكانت عدة المتوفي عنها زوجها سنة لقوله تعالى متاعا إلى الحول غير إخراج ثم نسخ منه ما عدا الأربعة الأشهر والعشرة بقوله تعالى يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ومثال ذلك أكثر من أن يحصى في الكتاب والسنة \r\n وقد نقلت الأمة الناسخ والمنسوخ وتوارثوهما قرنا عن قرن لا يتناكرونه ولا يشكون فيه \r\n وذكر من أبي وجود النسخ في القرآن أن النسخ المذكور في القرآن إنما هو نسخه من اللوح المحفوظ وتنزيله على النبي صلى الله عليه و سلم وهذا يوجب أن يكون القرآن كله منسوخا وكله ","part":2,"page":216},{"id":599,"text":" وإن قال قائل إنما أراد النسخ في هذا الموضع الإزالة والإسقاط \r\n قيل له لا يخلو من أن يريد به إزالة الحكم أو إزالة الرسم فإن أردت إزالة الحكم فقد وافقت وإن أردت إزالة الرسم مع بقاء الحكم فإن هذا فاسد من وجهين \r\n أحدهما أن عموم اللفظ يقتضي الأمرين ومن حمله على أحد الوجهين دون الآخر بغير دليل فهو متحكم قائل بغير علم \r\n والوجه الآخر أنا لو سلمنا لك ما ادعيت من إزالة الرسم فدلالته قائمة على ما ادعينا لأنه قد أسقط عنا فرض تلاوته واعتقاد كونه من القرآن بعد أن كان لزمنا ذلك ووجه آخر وهو أنه قد ذكر في الآية الإزالة والإسقاط أيضا في قوله تعالى أو ننسها فعلمنا أن مراده بذكر النسخ هو نسخ الحكم وقال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية وقال تعالى يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وقال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وأخبر عن نسخ بعض أحكام الشرائع المتقدمة بقوله تعالى ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وقال تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وقد ورد من طريق النقل المستفيض والخبر المتواتر الذي لا يتطرق إليه الفساد والبطلان أن النبي صلى الله عليه و سلم قد كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن نسخ الله تعالى الصلاة إلى تلك الجهة ","part":2,"page":217},{"id":600,"text":" ناسخا وهذا محال ممتنع عند الأمة \r\n وقول هذه الطائفة أظهر فسادا وأبين انحلالا من أن يحتاج إلى الإكثار في الإبانة عن قبحه وشناعته ","part":2,"page":218},{"id":601,"text":" @ 219 @ ","part":2,"page":219},{"id":602,"text":" @ 220 @ ","part":2,"page":220},{"id":603,"text":" باب نسخ الحكم بما هو أثقل منه \r\n اختلف الناس في ذلك \r\n فقال قائلون وهم الأكثر لا يمتنع نسخ الحكم بما هو مثله وبما هو أخف منه وبما هو أثقل منه \r\n و قال آخرون لا ينسخ حكم إلا بما هو أخف منه \r\n ومنهم من يقول ينسخ بمثله وبما هو أخف منه ولا ينسخ بما هو أثقل منه وكل واحدة من هاتين المقالتين إنما هي تظنين وحسبان من قائليها لا يرجع منها إلى دلالة يعضد بها مقالته \r\n والصحيح هو القول الأول \r\n وهو عندي قول أصحابنا رحمهم الله \r\n والأصل فيه أن العبادات إنما ترد من الله تعالى على حسب ما يعلم من مصالحنا فيها وليس يمتنع أن تكون المصلحة تارة في الأخف وتارة في الأثقل فينقل المتعبد من أحدهما إلى الآخر على حسب ما تقتضيه المصلحة ألا ترى أنه قد ينقلهم ","part":2,"page":221},{"id":604,"text":" من الرخاء إلى الشدة تارة ومن الشدة إلى الرخاء أخرى فيغني في وقت ثم يفقر في وقت آخر ويصح في وقت ويمرض في وقت آخر كذلك العادات جارية هذا المجرى والعلة في الجميع واحدة وهي جهة المصلحة وهذا أيضا معلوم من تدبير الحكماء لم يلون أمرهم من أولادهم وعبيدهم أنهم ينقلونهم من الشدة إلى الرخاء ومن الرخاء إلى الشدة فينقلونهم من حال إلى حال على حسب ما يرون لهم من المصلحة في أحوالهم \r\n وأيضا فإن مقالة هاتين الطائفتين يوجب ألا يفرض الله شيئا أبدا بعد أن لم يكن مفروضا لأن إيجاب الفرض تكليف وهو أثقل من الإباحة وقد وجدنا في كتاب الله تعالى ما يوضح عن بطلان قول هؤلاء قال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثير ا فأخبر أنه نقلهم من الإباحة إلى الحظر وهو أشد على المكلف \r\n وروي عن معاذ بن جبل وابن عباس وسلمة بن الأكوع وابن عمر وجماعة من التابعين في تأويل قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم أنزل الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه فجعل الصوم حتما وأسقط التخيير وأيضا فإن الخمرة قد كانت مباحة في ","part":2,"page":222},{"id":605,"text":" أول الإسلام ثم حرمها الله تعالى وقد كان النبي عليه السلام مأمورا بترك قتال المشركين بقوله تعالى فاعف عنهم واصفح ثم أوجبه الله تعالى بقوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وقال تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال تعالى وقاتلوا في سبيل الله ونحوه من الآيات فنقلهم من الأخف إلى ما هو أشق عليهم وقد كان حد الزانين الحبس والأذى فنقلوا إلى الجلد والرجم وقد كان من قتل مسلما لا كفارة عليه ثم أوجبها الله تعالى ومن كان يفطر في شهر رمضان لم تكن تجب عليه كفارة ثم أوجبها النبي عليه السلام على المجامع وكفارة اليمين لم تكن واجبة حتى أوجبها الله تعالى \r\n وكذلك سائر البياعات المحرمة لم يكن تحريمها متقدما ثم حرمت \r\n والعلة الموجبة لجواز النسخ في الأصل لا تفرق بين نسخ الأخف بالأثقل وبين نسخ الأثقل بالأخف لأن المعنى في الجميع ما يعلم الله تعالى من مصلحة المتعبد به ولا يمكن أحد أن يقول قد علمت أنه لا مصلحة في نقل المتعبد من الأخف إلى الأثقل لأن ذلك شيء لا يعلمه إلا الله تعالى العالم بكل شيء \r\n وأيضا لو جمع الأمران جميعا في خطاب واحد لم يتنافيا بأن يقول قد أ بحت لكم كذا ","part":2,"page":223},{"id":606,"text":" إلى وقت إذا ثم هو محرم عليكم كما أباح الإفطار في سائر السنة إلى دخول شهر رمضان فإذا جاء شهر رمضان حظر الإفطار فيه و كما قالت عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة في السفر والحضر ركعتين ركعتين ثم زيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ما كانت \r\n فإن قيل قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وهذا يدل على أنه لا ينقل إلى ما هو أشق علينا وإنما ينقل إلى مثله أو أخف منه قيل له ليس أن يكون الأثقل خيرا لنا وأصلح ألا ترى أن فعل الصلاة والصوم والحج أشق على العباد من تركها وفعلها مع ذلك خير لنا من تركها فليس الخير إذن عبارة عن الأخف ولا الأثقل فلا دلالة في الآية على ما ذكره والله أعلم وأحكم ","part":2,"page":224},{"id":607,"text":" @ 225 @ ","part":2,"page":225},{"id":608,"text":" @ 226 @ ","part":2,"page":226},{"id":609,"text":" باب القول في نسخ الحكم قبل مجيء وقته \r\n ليس يخلو الأمر في تعليقه بالمأمور من أحد أقسام خمسة \r\n أما أن يتعلق به في وقت بعينه نحو قوله صلوا إذا زالت الشمس أو يقول صوموا شهر رمضان بعينه \r\n أو أن يعلقه بوقت بغير عينه نحو أن يقول صلوا صلاة واحدة في أي يوم شئتم وصوموا شهر رمضان في أي شهر رمضان شئتم \r\n وأن يكون مطلقا غير محصور بوقت يتناول فرضا في واحد إلا على وجه تكراره في الأوقات ولا التخيير في أوقات فعله نحو قوله صلوا صلاة واحدة وصوموا يوما أو شهرا واحدا \r\n أو أن يكون مؤقتا بالتأبيد نحو أن يقول صلوا أبدا في كل يوم ما بقيتم وصوموا شهر رمضان في كل سنة ما حييتم \r\n أو أن يكون واردا بلفظ يقتضي أدنى الجمع حقيقة ويحتمل أكثر منه ويقتضي فعله مكررا في الأزمان إلا أنه غير مقرون بذكر التأبيد \r\n فالأمر الوارد عن الله تعالى وعن رسوله عليه السلام لا يخلو من أن يكون واردا على أحد هذه الأقسام ","part":2,"page":227},{"id":610,"text":" فأما هذه الأقسام الأربعة التي قدمنا ذكرها فغير جائز ورود النسخ فيها بحال وإن كان قد يسقط عنا الفرض بأمور أخرى على غير وجه النسخ \r\n والقسم الخامس هو الذي يجوز فيه النسخ \r\n وأصل في ذلك أن كل مأمور به تعلق وجوب فعله بوقت بعينه أو بغير عينه فغير جائز ورود نسخه لأنه يكون نهيا عن المأمور بعينه وغير جائز أن يكون المأمور به من أحكام الله تعالى هو المنهي عنه \r\n والأقسام الأربعة التي قدمنا ذكرها هي من هذا القبيل وذلك لأن قوله صلوا إذا زالت الشمس من هذا اليوم وصوموا شهر رمضان من هذه السنة فرض قد تعلق بوقت بعينه فليس يخلو من أن ينسخ قبل مجيء وقت الفعل أو بعده وغير جائز نسخه قبل مجيء وقت الفعل لما نستند عليه إن شاء الله تعالى \r\n وإذا مضى وقت الفعل قبل أن يفعله فإن ما يتعلق بالأمر من لزوم الفعل قد سقط بمضي وقته لما بيناه فيما سلف من الأبواب المتقدمة وسقوط الفرض بمضي وقته لا يسمى نسخا لأن ذلك كان معقولا مع ورود الأمر وما لا يتوهم بقاؤه لأن ما بلفظ الأمر لا يسمى سقوطه بمضى وقته نسخا ألا ترى أنه لو قال صوموا يوم عاشوراء من هذه السنة واقتصر عليه فلم يصمه لم يلزمه القضاء بذلك الأمر وأنه يحتاج في لزوم ","part":2,"page":228},{"id":611,"text":" القضاء إلى دلالة من غيره وأن سقوطه بمضي الوقت على هذا الوجه لا يسمى نسخا \r\n وأما القسم الثاني وهو قوله صلوا صلاة واحدة في أي وقت شئتم أو صوموا شهرا أي شهر شئتم على قول من يجيز ورود الأمر بمثله فإن هذا لو صح الأمر به لم يصح نسخه وذلك لأنه ما دام حيا فأي وقت فعل فيه المأمور به كان ذلك وقت فرضه \r\n والأظهر عندنا أنه غير جائز ورود الأمر بمثله لما بينا فيما سلف من أنه لو صح ذلك وسعه التأخير أبدا ثم لا يصير مفرطا بالموت لعدم علمه بالوقت الذي يعين عليه فيه الفرض فيخرج ذلك الأمر من أن يكون فرضا إلا أنا تكلمنا فيه على قول من يجيز ورود الأمر بمثله فقلنا واجب ألا يجوز نسخه لأن كل وقت يأتي عليه إذا فعله فيه كان فاعلا للمأمور به بذلك الأمر بعينه فغير جائز ورود نسخه قبل مجيء وقته لما وصفنا في القسم الأول وأما إذا فعله فقد سقط عنه فرضه فليس هناك أمر يتوهم بقاؤه فينسخ \r\n وأما القسم الثالث وهو أن يكون الفرض منهما غير محصور بوقت وهو فرض واحد لا يقتضي لفظ الأمر فعله مكررا في أوقات مستقبلة فإنه لا يصح نسخه أيضا وذلك لأن عليه فعله على الفور عند ورود الأمر في أول أحوال الإمكان فغير جائز نسخه قبل وقته فإن لم يفعله ففي الثاني فإن لم يفعله في الوقت الأول لزمه فعله في الثاني بذلك الأمر بعينه فإن لم يفعله في الثاني لزمه فعل مثله في الثالث بالأمر أيضا فصار تقدير الأمر أن يفعله في الوقت الأول فإن لم يفعله ففي الثاني فإن لم يفعله ففي الثالث فلما كان كل وقت لم يفعله فيه كان الذي يليه وقتا لفعله بالأمر الأول ثم لم يخل من أن ينسخه قبل الفعل أو بعده \r\n ولا يجوز نسخه قبل وقته كما قلنا في نسخ الفعل قبل مجيء وقته المعين له أو أن ","part":2,"page":229},{"id":612,"text":" ينسخه بعد الفعل وهذا محال لأنه قد أدى الواجب عليه بالأمر ومن سقط عنه الفرض بأدائه فغير جائز أن يقال إنه قد نسخ عنه ما قد أداه ولم يقض لفظ الأمر لزوم غير ما فعله فلم يكن ها هنا شيء نسخ في الحقيقة \r\n وأما القسم الرابع وهو أن يوجب فعله مكررا في أوقات ويقرنه بذكر التأبيد نحو قوله صلوا أبدا ما بقيتم في كل يوم وصوموا شهر رمضان في كل سنة أبدا ما حييتم إلى أن تقوم الساعة فإن هذا قد ذكرنا حكمه فيما سلف واختلاف الناس في جواز نسخه وامتناعه \r\n وبينا أن الأظهر من أمره أنه لا يجوز نسخه \r\n وأما القسم الخامس وهو أن يكون وروده بلفظ تناول أدنى الجمع حقيقة ويحتمل أكثر منه ويقتضي فعله مكررا في أوقات مستقبلة من غير أن يكون مؤقتا ولا مقرونا بذكر التأبيد فإن هذا هو الذي يجوز نسخه بعد التمكن من فعله على أدنى ما يتناوله لفظه سواء فعله المأمور به أو لم يفعله \r\n وأقسام النهي فيما يجوز نسخه وما لا يجوز على هذا النحو الذي ذكرناه في الأمر إلا في وجه واحد وهو أن قوله صل وصم ونحو ذلك إنما يقتضي فعله مرة واحدة إذا لم تقم الدلالة على أن المراد فعله مكررا فمتى فعله لم يلزمه شيء آخر بالأمر فلم يصح معنى النسخ فيه قبل فعله ولا بعد فعله ","part":2,"page":230},{"id":613,"text":" وأما النهي فإنه إذا قال لا تصم أو لا تصل ففعل المنهي عنه لم يسقط عنه حكم النهي فيما يستقبل ويكون في توهمنا وتقديرنا بقاء حكم النهي ما لم يرد النسخ فيصح ورود النسخ فيه فأما في سائر الوجوه التي ذكرناها فهو والأمر سواء على ما بينا \r\n فصل في الدلالة على امتناع جواز نسخ الأمر قبل مجيء وقته \r\n الدلالة على امتناع جواز ذلك أن إطلاق لفظ الأمر يقتضي لزوم فعله في الوقت الذي علق به وقد علمنا أن الله عز و جل لا يأمر إلا بحسن ولا ينهى إلا عن قبيح فكل ما أمر الله به فقد دل بأمره به على حسنه وعلى قبح تركه وكل ما نهى عنه فقد دل على قبحه بنهيه فجرى ذلك مجرى الإخبار فيه فيكون المأمور به حسنا ويكون تركه قبيحا وإذا صح هذا لم يجز أن ينهى عما ورد الأمر به مما هذا وصفه لأنه لو نهى عنه لكان نهيه دلالة منه على قبحه وعلى حسن تركه وكان ذلك بمنزلة الإخبار ","part":2,"page":231},{"id":614,"text":" منه بكونه قبيحا إذا وقع من فاعله وغير جائز أن يدل على فعل شيء في وقت بعينه أنه حسن ثم يدل عليه أيضا أنه قبيح من الوجه الذي دل عليه حسنه لأن هذا يقضي تناقض دلالته وتنافيها تعالى الله عن ذلك \r\n وكما لا يجوز أن يخبرنا عنه بأنه حسن ويخبر عنه أيضا بأنه قبيح فكذلك لا يجوز أن يتناوله الأمر والنهي على هذا الوجه لما قدمنا أن الأمر والنهي يجريان مجرى الإخبار في باب الدلالة على الحسن أو القبيح \r\n فإن قال قائل ما أنكرت أن يكون المأمور به فيما ذكرت غير المنهي عنه وإن كان معينا بوقت محصور \r\n قيل له هذا محال لأنه قد دل بالأمر على أنه متى أوقع هذا الفعل في ذلك الوقت على الوجه المأمور به وقع حسنا والنسخ إذا ورد فإنما تناول ذلك الفعل بعينه لا فعلا غيره لأنه لم يكن هناك فعل غير ما تعلق حكمه بالأمر فيتناوله النسخ على أنه إن كان النهي الذي وقع به النسخ لم يتناول ذلك المأمور به بعينه فواجب أن يبقى وجوب فعله بعد النهي على حسب اقتضائه الأمر بدءا وهذا يدل على أن هذا السائل لم يحصل معنى ما قال \r\n دليل آخر وهو أنه معلوم أن ما أمر الله به فقد أراد منا فعله وما نهانا عنه فقد كره منا فعله لأنه لو جاز ألا يكون مريدا لما أمر به لجاز أن يكون مريدا بضده ولو جاز ذلك لما كان المأمور مطيعا بفعل ما أمر به لأنه إنما يكون مطيعا له بفعل ما أراده منه وكان لا يكون عاصيا بفعل ما نهاه عنه لأنه قد أراده منه فكان يجب أن يكون مرتكب النهي مطيعا لله ","part":2,"page":232},{"id":615,"text":" تعالى لأنه فعل ما أراده منه وهذا يوجب سقوط معنى الأمر والنهي ويجعل ورودهما عبثا وسفها فإذا صح هذا ثم ورد الأمر مقتضيا لإرادة الفعل لم يجز أن يكرهه منه بعد ذلك من الوجه الذي أراده منه وفي النهي عنه بعد الأمر به كراهة لذلك الفعل بعينه من الوجه الذي أراده وهذا هو البداء الذي هو منفي عن الله تعالى لأنه لا يكرهه بعد إرادته له إلا وقد استحدث علما لم يكن علمه وقت إرادته أو أن يكون الأمر عبثا وسفها في الابتداء والوجهان جميعا منفيان عن الله عز و جل وليس يمتنع أن يراد الفعل من وجه ويكره من وجه آخر فتتعلق الإرادة والكراهة به من وجهين مختلفين فأما من وجه واحد فلا \r\n وتعلق الإرادة والكراهة من وجهين أن يريد الفعل عبادة لله ويكرهه عبادة للشيطان ومن وجه واحد أن يريده منه عبادة لله تعالى ويكرهه عبادة لله تعالى وهذا هو حقيقة النسخ قبل مجيء وقت الفعل الذي أجازه مخالفونا في ذلك وذلك غير جائز على الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ومن الناس من يأبى جواز تعلق الحظر والإباحة لفعل واحد من وجهين مختلفين ويزعم أن الفعل الذي تعلقت الإباحة به غير الفعل الذي تعلق به الحظر وأي الوجهين صح منهما فلا يتعلق به لجواز النسخ قبل مجيء الفعل لما بينا \r\n ودليل آخر وهو أن النسخ إنما يجوز وروده على وجه يجوز شرطه مع الأمر به في خطاب واحد مثل أن يقول صلوا إلى وقت كذا إلى بيت المقدس ثم صلوا بعد ذلك إلى الكعبة ","part":2,"page":233},{"id":616,"text":" وما لا يجوز شرطه مع لفظ الأمر في خطاب واحد لم يصح ورود النسخ به وما ذكرنا وصفه من نسخ الأمر قبل مجيء وقت الفعل هو من هذا القبيل ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول قد فرضت عليكم الظهر ونهيتكم عنه بعينه فلما لم يجز أن يكون النهي مذكورا مع لفظ الأمر يصح أن يريده الله عز و جل ولا يتعبد بالنهي عنه بعده ألا ترى أن سائر ما يجوز نسخه إنما يجوز على وجه لو ذكر مع لفظ الأمر بدءا لم يتناقض وأنه لا يجوز أن يريد بما لو ذكر مع لفظ الأمر تناقض الكلام واستحال فدل على صحة ما ذكرنا من امتناع جواز نسخ ما هذه صفته \r\n فإن قال قائل ما أنكرت أن يجوز ورود النسخ فيما كان هذا وصفه إذا كان لفظ الأمر مطلقا وإن لم يجر ذكر النهي عنه مع لفظ الأمر بأن يكون الأمر معلقا بعدم ورود النسخ فيصير تقديره افعلوا إن لم أنسخه عنكم \r\n قيل له فهذا هو المستنكر الذي لا يجوز شرطه في لفظ الأمر لأنه يصير في معنى قوله قد أمرتكم به إن لم أنهكم عنه وقد أردته منكم ان لم أكرهه ولا يجوز شرط ذلك في الأمر فكذلك قوله افعلوه إن لم أنسخه عنكم إذا كان يقتضي ذلك لم يجز أن يشرطه مع الأمر \r\n وعلى أن قائل هذا لا يخلو من أن يقول بان الأمر يقتضي فعل المأمور به في الوقت المعين على جهة الإيجاب أو الندب على حسب اختلاف الناس فيه أو أن يقول إن صيغة الأمر لا تقتضي شيئا من ذلك وإنما يكون حكمه في اقتضاء الفعل المأمور موقوفا على دلالة غير اللفظ فإن كان ممن يأبى القول باقتضاء ورود الأمر فعل المأمور به وهو أن يقول إنه موقوف على الدليل فإن الأمر مع ذلك في صيغته وحيال وروده ليس بالإيجاب ","part":2,"page":234},{"id":617,"text":" أولى منه بالنهي حتى إذا ورد النهى علمت أنه لم يرد الأمر الإيجاب فهذا قول مردود خارج عن أقاويل الأمة إذ ليس أحد منهم يجوز أن يكون المراد بالأمر النهي وإن كان ممن يقول إن الأمر يقتضي إيقاع الفعل على أحد الوجوه التي اختلف الناس فيه فغير جائز أن يكون معلقا بشرط ألا ينسخ لأن اللفظ قد اقتضى إيقاعه على جهة الإيجاب أو الندب فلا يجوز أن يجعل معلقا بشرط ولا مقيدا بوصف غير مذكور في اللفظ كما يقول في ألفاظ العموم والحقائق أنها متى وردت مطلقة كانت مقتضية لأحكامها الموضوعة لها في أصل اللغة ولزمنا بها اعتقاد موجب صيغتها ثم غير جائز أن ترد بعد أن استقر حكمها على ما اقتضته صورتها بحصول الفراغ فيها غير مقيد بشرط ولا وصف أن المراد بها غير ما اقتضته حقيقة لفظها فكذلك الأمر إذا ورد مطلقا مقتضيا لفعل المأمور به في الوقت المذكور فغير جائز أن يجعل مقيدا بشرط ألا ينسخ وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل إنما هو كلام في نفي إثبات الشرط في الأمر المطلق العاري من الشرط على حسب ما ذكره السائل وسنتكلم بعد هذا في أنه لا يجوز ورود الأمر مقيدا بهذا الشرط \r\n فإن قال قائل أليس لو قال الله تعالى لنا صلوا الظهر في مستقبل أعماركم أو صوموا شهر رمضان في مستقبل السنين كان الواجب علينا اعتقاد وجوبه في مستقبل الأوقات مكررا ثم جائز مع ذلك عندك ورود نسخه بعد التمكين من فعل أدنى ما يقتضيه اللفظ فلم أنكرت أن يجوز ورود النسخ فيه قبل مجيء وقته والتمكن من فعل شيء منه كما أجزت وروده فيما يستقبل من فعل الصلاة والصوم على الوجه الذي بيناه \r\n قيل له ليس هذا مما ذكرناه في شيء وذلك لأن ورود الأمر على هذه الصفة مقارن لجواز نسخه بعد التمكين من أدنى فعل ما تناوله اللفظ ما دام النسخ قائما ببقاء النبي صلى الله عليه و سلم فإذا ورد النسخ علمنا أن الفرض كان المقدار الذي وقع التمكين منه إلى وقت ","part":2,"page":235},{"id":618,"text":" النسخ وأن ما بعد الوقت لم يكن مرادا بالأمر وليس كذلك مسألتنا لأنه إذا قال لنا صلوا إذا زالت الشمس من هذا اليوم لزمنا اعتقاد وجوبها في الوقت المذكور من غير تجويز لغيره فمتى ورد نسخه كان نهيا عن المأمور بعينه وقد بينا فساده \r\n فإن قيل فهلا أجزت ورود الأمر معقودا بشرط فعله في وقت إن لم ينه عنه ولم ينسخه فيقول صلوا عند الزوال إن لم أنسخه عنكم \r\n قيل له هذا لا يجوز لأنه يصير بمنزلة قوله قد أردته منكم إن لم أكرهه وكقوله هو حسن في ذلك الوقت إن لم يكن قبيحا وكقوله خبري هذا صدق إن لم يكن كذبا تعالى الله عن ذلك وكقوله قد أمرتكم به إن لم يبد لي في ذلك الأمر وهذا لا يقوله إلا جاهل بالعواقب وبقبح الأمر أو بحسنه لأن الأمر بالشيء ليس هو الموجب لحسن المأمور به ولا النهي عنه موجبا لقبحه وإنما يدلان إذا وردا من الله تعالى على حسنه أو قبحه لأنه الله تعالى عالم بحسن المأمور به قبل الأمر به وعالم بقبحه قبل النهي عنه فغير جائز منه جواز شرط النهي فيما علم حسنه ولا يجوز شرط الأمر فيما علم قبحه \r\n فإن قال أليس جائز فيما بيننا أن يقول الرجل لعبده ادخل الدار غدا ما لم أنهك عنه ولا يكون هذا مستنكرا عند العقلاء فما أنكرت من تجويز مثله في أوامر الله تعالى \r\n قيل له إنما يجوز هذا فيما بيننا لجواز البداء علينا والتنقل في الرأي واستحداث العلم بالأمر فجاز أن يقول الواحد منا لعبده افعل غدا كذا ما لم أنهك عنه كما يجوز أن يقول افعله إن لم بيد لي فيه والله تعالى لا يجوز عليه البدءات ولا استحداث العلم ","part":2,"page":236},{"id":619,"text":" بالأمور فلذلك امتنع جواز شرط ذلك في أوامره ألا ترى أن من قال مثل ذلك منا لعبده عقلنا من لفظه أنه إنما جوز على نفسه انتقاله عن الرأي الأول إلى غيره لما عسى أن يبدو له في المستأنف وأن سيحدث علما لم يكن علمه في الأول فلما كان كذلك وجب ألا يجوز مثله على الله تعالى كما لا يجوز عليه البداء واستحداث العلم بالأمور \r\n فإن قال قد أجزت فيما سلف من الأبواب المتقدمة ورود الأمر من الله تعالى معلقا بشرط التمكين منه مثل أن يقول صل إذا زالت الشمس إن كنت صحيحا في ذلك الوقت وقاتل المشركين غدا إن أمكنك وإن كان في المعلوم أنه لا يبلغ حال التمكين ولا يمنع ذلك عندك صحة الأمر معلقا بهذه الشريطة فهلا جوزت أن يقول صل عند الزوال إن لم أنهك عنه \r\n قيل له ما قدمنا من علة كل واحد من المثلين في الجواز أو الإمتناع هو الموجب للفصل بينهما وهو أنه لا يصح أن يقول قد أردته منك إن لم أكرهه وأن أمري إياك حسن إن لم يك قبيحا وإن هذا القول منه يقتضي تجويز البداء وهذه الصفة منفية وليس في قوله صل إن قدرت عليه اقتضاء صفة حكمها أن تكون منفية عن الله تعالى فلم يمتنع وروده على هذه الشريطة \r\n ومن جهة أخرى أن شرط صحة الأمر وكونه حسنا وجود التمكين في حال لزوم فعله فلا يمتنع وروده مقرونا بهذه الشريطة وإن كان في المعلوم أنه لا يبلغ حال التمكين \r\n ويدل على هذا أيضا أنه يصح أن يأمر الله تعالى بفعل يفعله في الثاني مع عمله بأنه يفعل في الثاني ما يضاد فعل المأمور به ومعلوم امتناع وقوع الفعل منه في حال وجود ضده كما أنه معلوم امتناع وقوعه منه مع عدم التمكين منه ثم لم يمتنع ورود الأمر ","part":2,"page":237},{"id":620,"text":" بفعل في وقت معين لأجل ما في المعلوم من وقوع ضده منه في تلك الحال بدلا منه ولم يكن هذا عبثا ولا سفها كذلك الأمر المعلق بشرط التمكين أمر صحيح وإن كان في معلوم الله تعالى إن المأمور لا يبلغ حال التمكين ومن منع حسن الأمر على شرط التمكين إذا كان في المعلوم إنه لا يتمكن منه فإنما منع ذلك من جهة أن الأمر إذا كان عالما بذلك كان أمره به عبثا كأمره لنا بصعود السماء ونحوه \r\n وفرق بين أوامر الله تعالى وأوامرنا لعبيدنا ومن يلزمه طاعتنا في جوازه معلقا بشرط التمكين منه لأن الأمر منا يجوز في مثله بلوغ المأمور حال التمكين ولو كان وجوده من المأمور فيما بيننا ميؤسا منه لما كان الأمر به حسنا \r\n قال وكذلك إذا كان في معلوم الله تعالى أن المكلف لا يبلغ حال التمكين لم يصح أمره \r\n والجواب عن هذا إن هذا إنما جاز وروده من الله تعالى مقرونا بهذه الشريطة فيما يجوز فيه بلوغ حال التمكين وإن كان في معلوم الله إنا لا نبلغها لأنا متى جوزنا ذلك لزمنا بوروده إعتقاد وجوبه على الشريطة المذكورة فيه ويلزمناها توطين النفس عليه وتسهيله عليها إن بلغنا حال التمكين وهذه عبادة يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بها ويلزمنا ها في الحال \r\n وليس هذا بمنزلة الأمر بصعود السماء بشرط الإمكان لأنا قد تيقنا أنا لا نبلغ حال التمكين منه أبدا ولا يصح مع ذلك اعتقاد جواز بلوغ حال الإمكان وتوطين النفس على الفعل إذا بلغناها فإذا لم يتعلق بهذا الأمر وجوب الفعل ولا إعتقاد شيء تصح العبادة به ","part":2,"page":238},{"id":621,"text":" كان عبثا فلم يصح أن يفعله الله تعالى \r\n فإن قال ما أنكرت على هذا أن يجوز ورود الأمر معقودا بشريطة أن يقول افعلوا مالم أنسخه عنكم قبل مجيء وقت الفعل وأن تكون العبادة علينا فيه اعتقاد وجوبه إن لم ينسخه \r\n قيل له لا يخلو من أن يلزمه اعتقاد وجوبه بورود الأمر أو أن يلزمه اعتقاد وجوبه إن كان واجبا أو اعتقاد حظره إن كان محظورا فيعتقد أحدهما بغير عينه أو يعتقد أنه واجب عليه إن لم ينهه عنه \r\n فإن قلنا أنه يلزمه بورود الأمر المعقود بشريطة أن لا ينهي عنه اعتقاد وجوبه فهذا الإعتقاد ليس هو مما يقتضيه لفظ الأمر المقيد بالشرط على الوصف الذي ذكرت بل هو مقتضى اعتقاد الأمر المبهم الذي لا شرط فيه فيؤدي هذا إلى إسقاط فائدة الشرط \r\n وقد دللنا على فساد القول بجواز نسخ الأمر المبهم العاري من الشرط إذا تناول وقتا محصورا وأيضا فإن كونه معقودا بشريطة أن لا ينهي عنه يمنع وقوع العلم بوجوبه لأنه ليس اعتقاد وجوب فعله عند مجيء وقته بأولى من اعتقاد وجوب تركه فلو لزمنا بورود الأمر الذي هذه صفته اعتقاد وجوبه كان في ذلك إيجاب اعتقاد ما ليس بواجب وهذا أمر باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به وجواز الأمر بمثله منتف عن الله تعالى فبطل هذا القسم بما وصفنا فإن كان إنما يلزمه بورود الأمر الذي هذا وصفه اعتقاد وجوبه إن ","part":2,"page":239},{"id":622,"text":" كان واجبا أو حظره إن كان محظورا على وجه الشك فهذا لم يحصل بعد على اعتقاد شيء لا حظر ولا إيجاب وهذا يؤدي إلى سقوطه رأسا لأن حاله بعد ورود الأمر كهي قبل وروده لأنه قد كان يعتقد قبل ورود الأمر أن ما يوجه الله تعالى عليه في المستأنف فهو واجب وأن ما يحظره فهو محظور فيؤدي هذا القول إلى إسقاط فائدة الأمر رأسا فبطل هذا القسم أيضا \r\n فإن قلنا إنه يعتقد أنه واجد عليه إن لم ينهه عنه لم يصح هذا لأنه لا يصح مجيء العبادة به كما لا يجوز أن يقول قد أردته منك إن لم اكرهه وهو حسن إن لم يكن قبيحا وأن هذا الخبر صدق إن لم يكن كذبا فلما لم يجز ورود الخطاب من الله تعالى بذلك لم يجز أن يعتقد في خطابه مالا يجوز عليه فلما لم يكن للاعتقاد في الأمر الذي وصفه ما ذكرت وجه غير ما وصفنا ولم يصح شيء منها لما بينا ثبت إمتناع جواز وروده على هذه الشريطة \r\n فإن قال ما أنكرت أن يجوز ورود الأمر على هذه الشريطة \r\n فنقول قد أمرتك به إن لم أنسخه ويكون الذي يلزمنا بورود الأمر الذي هذه صورته أن هذا الخطاب قد تعلق به حكم مجمل يرد بيانه في الثاني من حظر أو إباحة ويكون بيان حكمه مترقبا بمجيء وقت الفعل فإن حظره علمنا أن المراد بالخطاب المتقدم كان الحظر وإن لم ينسخه علمنا أن المراد به كان الإيجاب كما نقول في سائر الألفاظ المجملة التي لا سبيل إلى استعمالها إلا بورود بيانها ولا يؤدي إلى إبطال فائدة الأمر كما لا يكون اللفظ المجمل عاريا من الفائدة لوروده مجملا ","part":2,"page":240},{"id":623,"text":" قيل له هذا فاسد من وجهين أحدهما أن قوله صل ركعتين عند زوال الشمس أو تصدق بدرهم غدا ليس بمجمل من حيث اقتضى وجوب الفعل في الوقت المذكور له فقد ألزمنا بوروده اعتقاد وجوبه فلو جاز أن يقرن به قوله افعل ما لم أنسخه لما كان ذلك مؤثرا في نفس الأمر أنه مقتضى الإيجاب إلا أنه شرط جواز رفعه وقد بينا أن ذلك لا يجوز \r\n وأما المجمل فمن حيث لم يلزمنا فيه اعتقاد شيء بعينه جاز أن يكون حكمه موقوفا على البيان فما ورد فيه من بيان الحكم علمنا أنه كان المراد بالجملة \r\n والوجه الآخر أن النهي لو ورد بعد ذلك لم يجز أن يكون لفظ الأمر عبارة عنه \r\n فقولك إن لفظ الأمر المقرون بجواز شرط النهي موقوف على ورود البيان خطأ لأن النسخ لو صح لما كان الأمر باقيا بل يكون مرفوعا زائلا فكيف يكون ما يوجب دفعه وإسقاطه بيانا له وهو يوجب أيضا أن يكون لفظ الأمر موضوعا للنهي ولفظ الإيجاب موضوعا للحظر في هذا الموضع وهذا خلف من القول \r\n وأما ورود بيان المجمل فغير مزيل لحكم اللفظ لأن لفظ الجملة قد كان يصلح له ويصح أن يكون عبارة عنه إما في اللغة أو الشرع فلم يكن بيانه منافيا لحكم الجملة \r\n وقد احتج من أجاز نسخ الحكم قبل مجيء وقته بما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم فرض عليه وعلى أمته ليلة أسري به إلى السماء خمسون صلاة فما زال يسأل الله حتى ردها إلى خمس \r\n قالوا فقد نسخ فرض الخمسين إلى الخمس قبل مجيء وقت الفعل \r\n وبأمر الله تعالى إبراهيم بذبح ابنه وأنه نسخ قبل مجيء وقت الفعل وبصلح النبي صلى الله عليه و سلم قريشا على أنه يرد عليهم من جاءه منهم مسلما ثم نسخ ذلك عن النساء قبل ","part":2,"page":241},{"id":624,"text":" مجيئهن إليه وقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأخبر أنه نسخه قبل مجيء وقت فعله \r\n والجواب عن ذلك أن ما روى من فرض الخمسين صلاة يجوز أن يكون ورد في الابتداء معقودا بشرط اختيار النبي عليه السلام لذلك كما قال تعالى فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم قال ابن عباس فجعل النبي عليه السلام بما على النظرين في ذلك ليس يمتنع عندنا تعلق الفرض بإختيار المأمور به كاختلاف حكم صلاة السفر والحضر باختياره السفر والإقامة وكما يلزمنا القرب بالنذر وإيجابنا لها على أنفسنا وكما يكون الحانث في يمنيه مخيرا في أن يكفر يمينه بواحدة من الأشياء الثلاثة وبأيها كفر تعين حكم الفرض به دون غيره \r\n فإن قيل لا يجوز أن يكون إيجاب الفرض موكولا إلى اختيار أحد من المأمورين لأن الفروض والأوامر إنما هي حسب المصالح ولا علم لأحد غير الله تعالى بمصالح العباد \r\n قيل له ليس يمتنع عندنا أن يكون في معلوم الله تعالى أن هذه الأشياء متساوية من جهة الصلاح فإذا خير النبي عليه السلام في ذلك لا يختار إلا ما هو صلاح فيكل وجوب الفرض إلى اختياره \r\n وقد قال بعض أهل العلم جائز أن يكون الله عز و جل قد جعل لنبيه عليه السلام أن يسن ما رأى ويفرض ما شاء باختياره من غير وحي يأتيه في ذلك الشيء بعينه كما قال ","part":2,"page":242},{"id":625,"text":" للأقرع بن حابس لما سأله عن الحج أواجب في كل عام أو حجة واحدة فقال عليه السلام بل حجة واحدة ولو قلت نعم لوجبت وكما استثنى الإذخر عند مسألة العباس إياه ذلك حين قال لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فقال إلا الإذخر بعدما أطلق النهي في الجميع قال فهذا يدل على أنه قد كان حكم التحريم أو الإباحة معلقا باختياره \r\n وكما قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم فدل على أن إيجاب ذلك كان مجعولا إليه وموقوفا على اختياره وليس الغرض الكلام في هذه المسألة ألا أنا بينا أن ذلك غير ممتنع عند قوم من أهل العلم وإن لم يثبت عندنا صحته إذا لم يكن قوله فيه من طريق الاجتهاد وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع عندنا أن نكل فرض الخمسين إلى اختيار النبي صلى الله عليه و سلم المسالة فيه فما زال صلوات الله عليه يسأل الله تعالى في ذلك حتى استقر الفرض على خمس \r\n فإن قيل فإن كان الفرض في الابتداء موكولا إلى اختيار النبي عليه السلام فما معنى مسألته التخفيف ومراجعته فيه \r\n قيل له إنما قلنا إنه لا يمتنع أن يكون موكولا إلى اختيار النبي عليه السلام بأن ","part":2,"page":243},{"id":626,"text":" يسأل الله تعالى التخفيف عن أمته فتكون مسألته سببا للتخفيف كما قلنا في فرض السفر والإقامة أنه موقوف على اختيارنا للسفر أو الإقامة فيختلف الفرض باختلاف الحالين اللذين هما موقوفان على اختيارنا \r\n وقد بينا فيما سلف أن الفرض وكفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة لا جميعها وأن حكم المفروض فيها متعلق باختيار المكفر حتى يتعين به الحكم إذا فعله دون غيره وأما أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فقد قيل فيه وجوه أحدها أنه إنما أمره بذبحه في وقت بعينه على شرط التمكين منه وارتفاع الموانع الحائلة بينه وبينه وقد بينا جواز ورود الأمر معقود ا بهذه الشريطة فلما عالج أسباب الذبح حيل بينه وبينه بضرب من المنع \r\n وقد قال بعض أهل العلم في التفسير ضرب الله تعالى على حلقه صفيحة نحاس فلم تعمل فيها الشفرة فقيل له بعد ذلك قد صدقت الرؤيا لأنه فعل ما أمكنه وبذل المجهود فيه ولم يكن عليه غيره وهذا التأويل غير مخالف لقوله تعالى إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى لأنه جائز أن يكون إنما رأى في المنام فعل أسباب الذبح ومعالجته وقد فعل وسماه ذبحا لأنه سبب يقع بمثله الذبح في العادة ما لم يحدث منع كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب \r\n فإن قال قائل فلا معنى إذن للفدية إذا لم يكن مأمورا بالذبح لعدم التمكين منه ولا يقع ما سمي فدية موقع الفدية لأن الفدية ما قام مقام الشيء ","part":2,"page":244},{"id":627,"text":" وما فدي به عندك لم يقم مقام شيء أمر به ثم لم يفعله إذا كان جميع ما أمر به قد فعله عندك \r\n قيل له ليس يمتنع أن يكون قد سمي فدية لما كان يتوقعه إبراهيم عليه السلام من حدوث الموت بالذبح ففدي ما كان في تقديره أنه سيقع بما قدر به \r\n وقد قيل إنه ذبحه وفرى الأوداج ثم وصلها الله في أسرع من لمح الطرف قبل خروج الروح وهذا جائز غير ممتنع \r\n وأما صلح النبي عليه السلام قريشا على ما صالحهم عليه ونسخ الحكم عن النساء فلا دلالة فيه على ما ذكره لأنه قد كان مضى من وقت الحكم إلى أن نزل القرآن برد النساء مدة يمكن استعمال الحكم فيها فليس في هذا نسخ الحكم قبل مجيء وقته وكذلك نسخ الصدقة عند مناجاة الرسول عليه السلام وهو على هذا السبيل لأنه قد كان مضى من وقت نزول الحكم إلى وقت ورود النسخ مدة يمكن استعمال الحكم فيها ونسخ مثله غير ممتنع وليس هو من مسألتنا في شيء فثبت بما ذكرنا امتناع جواز النسخ قبل مجيء وقت الفعل وجميع الأقسام التي ذكرنا أنه لا يجوز نسخها هو في معنى ذلك \r\n وأما القسم الذي ذكرنا جواز نسخه وهو أن يرد لفظ يقتضي ظاهره عموما في جنس يوجب فعله على الدوام في مستقبل الأوقات من غير ذكر توقيت فهو من نحو قوله تعالى فاقتلوا المشركين وقوله تعالى والذين يرمون المحصنات وما جرى مجرى ","part":2,"page":245},{"id":628,"text":" ذلك من ألفاظ العموم وفيما يقتضي مستقبل الأوقات كقوله صوموا عاشوراء فيما يستقبل من السنين ونحو ذلك قوله لبني إسرائيل تمسكوا بتحريم السبت في مستقبل الزمان فيجب على من كان مخاطبا بها اعتقاد موجب لفظها وتجويز نسخها مع ذلك إذا وجد من وقت الفعل أدنى ما يتناوله لفظ الأمر لأن لفظ العموم لما كان عبارة عن ثلاثة فما فوقها وذكره بمستقبل الأوقات يصلح أن يكون عبارة عن قليل الأوقات وكثيرها لم يمتنع ورود النسخ فيه بأن يبين تارة أن حكم بعض المشركين إلى هذه الغاية وجوب قتلهم ومن الآن قبول الجزية منهم ويبين أن حكم بعض القاذفين إلى هذا الوقت الجلد ومن الآن اللعان وهم قاذفو الزوجات ويبين أن صوم عاشوراء فرضه إلى وقت نزول الأمر بصوم شهر رمضان وأن تحريم السبت إلى الوقت الذي نسخه على لسان نبي آخر جاء بعده وسواء في ذلك فعل المأمور به أو لم يفعل فإن نسخه جائز عندنا وذلك لأنه إذا وقع التمكين من الفعل فقد لزمه فرضه وتفريطه فيه لا يمنع نسخه عنه كما يجوز أن يعلقه في الابتداء بوقت بعينه فإذا مضى الوقت قبل فعله سقط عنه الفرض وكما يجوز أن يشرط ذلك في الابتداء فتقول له إن فعلته عند وجود التمكين منه فذاك وإن تركته فأنت معاقب على تركه ولا فرض عليك بعده ويدل على ذلك أيضا أن ورود النسخ جائز وإن ترك بعض المأمورين ما أمر به في وقت لزومه ولولا أن ذلك كذلك لكان الرسول عليه السلام إذا أراد نسخ شيء سألهم هل ترك أحد منكم فعل المأمور به حتى يصح نسخه على قول المخالف ولو فعل ذلك لنقل فلما لم يسألهم عن ذلك في شيء مما نسخه بل قد روي عنه أنه نسخ أشياء كثيرة من غير بحث منه عن حال ","part":2,"page":246},{"id":629,"text":" المأمورين في فعله أو تركه دل ذلك على أنه ليس شرط جواز النسخ فعل المأمور به \r\n وأيضا فقد اتفق الجميع على أن النهي يصح نسخه بعد التمكين من تركه وإن ارتكب المنهي فعله ولم يكن ارتكابه للفعل المنهي عنه مانعا من نسخه كذلك تركه لفعل المأمور به لا يمنع جواز نسخه ","part":2,"page":247},{"id":630,"text":" @ 248 @ ","part":2,"page":248},{"id":631,"text":" @ 249 @ ","part":2,"page":249},{"id":632,"text":" @ 250 @ ","part":2,"page":250},{"id":633,"text":" باب في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم \r\n اختلف الناس في نسخ رسم القرآن وتلاوته مع بقاء حكمه \r\n فقال قوم لا يكون رفع حكمه إلا برفع رسمه وتلاوته فيرتفع الحكم بارتفاعها \r\n وقال آخرون يجوز رفع أحدهما مع بقاء الآخر أيهما كان من تلاوة أو حكم \r\n وقالت طائفة لا يجوز نسخ القرآن وتلاوته ولكن يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة \r\n قال أبو بكر رحمه الله أما جواز نسخ الحكم فلا خلاف فيه بين الأمة إلا فرقة شذت عنها وقد حكينا فيما تقدم قولها \r\n وأما نسخ الرسم والتلاوة فإنما يكون بأن ينسيهم الله تعالى إياه ويرفعه من أوهامهم أو يأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله تعالى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ولا نعرف اليوم منها شيئا ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي صلى الله عليه و سلم حتى إذا توفي لا يكون متلوا من القرآن أو يموت وهو متلو موجود بالرسم ثم ينسيه الله الناس ويرفعه من أوهامهم \r\n وغير جائز عندنا نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم لا رسمه ولا حكمه ولا خلاف بين الأمة أن نسخ القرآن وسائر الأحكام لا يكون بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم إلا قوم ملحدة يستهزئون بإظهار الإسلام ويقصدون إفساد الشريعة بتجويز نسخ الأحكام بعد موت النبي عليه السلام \r\n وأما نسخ رسم القرآن دون حكمه في حياة النبي عليه السلام فإن في مذهب أصحابنا ما يدل على تجويزهم نسخ التلاوة قبل وفاة النبي عليه السلام مع بقاء الحكم وأما بعد وفاته عليه السلام فغير جائز ","part":2,"page":251},{"id":634,"text":" والذي يدل على مذهب أصحابنا على ما ذكرنا إيجابهم التتابع في صوم كفارة اليمين لما ذكروا أن في حرف عبد الله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات ومعلوم أن ذلك ليس في القرآن اليوم ولا يجوز تلاوته فيه ولا القطع بأنه منه وقد كان حرف عبد الله مستفيضا عندهم في ذلك العصر \r\n ومعلوم أن النسخ غير جائز وقوعه بعد موت النبي عليه السلام لأنه لو جاز بعد موته لم نأمن من أن تكون الشريعة كانت عند وفاة النبي عليه السلام أضعاف ما في أيدينا اليوم فرفعها الله من أوهام الأمة ولو جاز ذلك لجاز ألا يكون شيء مما في أيدينا من الشريعة مما كان موجودا في عصر النبي عليه السلام بأن يكون أنسى الأمة جميع ما أتى به النبي عليه السلام ورفعه من أوهامهم ثم ألف بين قلوبهم وألهمهم هذه الشريعة التي في أيدينا اليوم \r\n وفي القول بهذا المصحف خروج عن الملة فثبت امتناع جواز النسخ بعد وفاة النبي عليه السلام وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ما ذكروه من شرط التتابع في كفارة اليمين في حرف عبد الله بن مسعود منسوخ التلاوة في حياة النبي عليه السلام بأن يكون قد أمروا بألا يقرءوه من القرآن ولا يكتبوه في الصحف فلذلك لم ينقل إلينا من الطريق التي نقل القرآن ويكون معنى قولهم أنه في حرف عبد الله أن ذلك كان من القرآن في حرف عبد الله ثم نسخت التلاوة وبقي الحكم لأنه لو كان المراد أنه ثابت في حرف عبد الله بعد وفاة الرسول عليه السلام لما جاز أن يكون نقله إلينا إلا من الوجه الذي نقل إلينا منه سائر القرآن وهو التواتر والاستفاضة حتى لا يشك أحد في كونه منه فلما لم يرد نقله على هذا الوجه دل ذلك على أن مرادهم أنه مما كان في حرف عبد الله وأن تلاوته منسوخة ","part":2,"page":252},{"id":635,"text":" فإن قال قائل فإذا لم ينقل ذلك إلينا إلا من طريق الأحاديث فلا يثبت حكمه ولا يعترض به على حكم القرآن لأن من أصلك أن الزيادة في نص القرآن لا يجوز إلا بمثل ما يجوز به النسخ \r\n قيل له قد كان هذا الحكم مستفيضا عندهم أنه كان متلوا من القرآن فأثبتنا الحكم بالاستفاضة وبقاء تلاوته غير ثابت بالاستفاضة لأنه جائز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة فلذلك لم نثبته متلوا فيه \r\n فإن قال قائل فإن كان الحكم ثابتا بالاستفاضة فأثبت التلاوة بمثلها لأنه الوجه الذي منه نقل الرسم \r\n قيل له لا يجب ذلك لأن التلاوة لما لم يبق حكمها اليوم من جهة نقل الاستفاضة إذا لم تثبت في سائر المصاحف علمنا إنها منسوخة وليس في ترك تلاوتها ما يوجب نسخ حكمها إذ لا يمتنع بقاء أحدهما مع عدم الآخر \r\n فأما نسخ التلاوة والحكم جميعا فجائز أيضا عندنا في زمان النبي عليه السلام \r\n ويجوز عندنا أيضا نسخ الأخبار دون مخبرها في حياته عليه السلام على ما بينا فيما سلف ولا يجوز ذلك بعد وفاته صلى الله عليه و سلم وذلك لأن العبادة تتعلق بنا لورود رسم القرآن من وجهين \r\n أحدهما التلاوة والآخر الحكم فليس يمتنع زوال العبادة بالأمرين جميعا ","part":2,"page":253},{"id":636,"text":" أما نسخ الحكم فبأن يتعبد بضده \r\n وأما نسخ التلاوة فبأن ينسيه النبي عليه السلام ومن كان حفظ من الأمة في عصره ويرفعه من أوهامهم أو يأمرهم بألا يثبتوه في المصحف ولا يتلوه فينسى على مر الأوقات قبل وفاة النبي عليه السلام \r\n وقد روي أن نسخه بالنسيان قد كان في زمان النبي عليه السلام وأن بعضهم أنسي سورة قد كان حفظها فسأل النبي عليه السلام عن ذلك فقال عليه السلام إنها نسخت وروي أن النبي عليه السلام قرأ في صلاة سورة فترك آية منها فقال له رجل تركت آية كذا فقال ألا أذكرتنيها فقال الرجل ظننت أنها نسخت ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك \r\n و قال تعالى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله وقال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها \r\n وروي في التفسير أو ننسها من النسيان وروي أنه من الترك بألا ينسخها وأقل أحوال الآية إذا كانت محتملة للنسيان تجويز ما وصفنا فيها \r\n وأما ما طعن به بعض أهل الإلحاد ممن ينتحل دين الإسلام وليس منه في شيء ثم كشف قناعه وأبدى ما كان يضمره من إلحاده بأن القرآن مدخول فاسد النظام لسقوط كثير منه \r\n ويحتج فيه بما روي أن عمر رضي الله عنه قال إن آية الرجم في كتاب الله تعالى ","part":2,"page":254},{"id":637,"text":" وسيجيء أقوام يكذبون بالرجم وأنه كان فيه إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة وأن أبي بن كعب قال أن سورة الأحزاب كانت توازي البقرة أو هي أطول وأنه كان فيها آية الرجم وأنه كان فيها لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ","part":2,"page":255},{"id":638,"text":" وأنه روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم \r\n وروي عن أنس أنهم كانوا يقرءون بلغوا قوما عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ونحو ذلك مما يروى أنه كان في القرآن فإنه لا مطعن لملحد فيه لأن هذه الأخبار ورودها من طريق الآحاد فغير جائز إثبات القرآن بها ثم لا يخلو من أن تكون صحيحة في الأصل ثابتة على ما روي فيها أو سقيمة مدخولة فإن كانت مدخولة فالكلام عنا فيها ساقط وإن كانت صحيحة في الأصل لم يخل من أحد وجهين \r\n إما أن تكون محتملة أن يكون المراد بها أنها من القرآن ومحتملة لغيره أو لا تحتمل إلا كونها من القرآن فما لم يحتمل منها إلا أن يكون قد كانت من القرآن فهو من الخبر الذي قلنا إنه منسوخ التلاوة والرسم في زمان النبي عليه السلام وما احتمل منها لفظه وجهين أحدهما أن يكون مراده أنه آية من القرآن واحتمل أن يكون المراد آية من حكم الله ومما أنزله الله وإن لم يكن من القرآن فليس القطع فيه بأحد وجهي الاحتمال بأولى من الآخر فالكلام فيه عنا ساقط وعلى أي الوجهين حمل فلا اعتراض فيه لملحد لأنه إن حمل على أنه كان من القرآن فهو من القبيل الذي هو منسوخ ","part":2,"page":256},{"id":639,"text":" التلاوة وعلى أن كل خبر ذكر في سياقه لفظه فليس في ظاهره دلالة على المراد به أنه كان من القرآن مثل خبر عمر رضي الله عنه فإن لفظه يحتمل معنيين ولا دلالة فيه على أن المراد به أنه كان من القرآن لأنه قال إن الرجم في كتاب الله قرأناه ووعيناه فهذا يحتمل أن يكون مراده أنه في فرض الله كما قال تعالى كتاب الله عليكم يعني فرضه وكقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله يعني في فرضه وكقوله تعالى كتب عليكم الصيام أي فرض عليكم وكتب عليكم القتال يعني فرض عليكم وإذا كان ذلك كذلك لم يثبت أن مراده أنه كان من القرآن فنسخت تلاوته لأن ذلك لا يعلم إلا باستفاضة النقل في لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا \r\n ويدل على أن مراده كان ما وصفنا أنه قال لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف فلو كان عنده آية من القرآن لكتبه فيه قال الناس ذلك أو لم يقولوه فهذا يدل على أنه لم يرد بقوله إن الرجم في كتاب الله أنه من القرآن وروي عنه أنه قال إن الرجم مما أنزل الله وسيجيء قوم يكذبون به وهذا اللفظ أيضا لا دلالة فيه على أنه أراد به أنه من القرآن لأن فيما أنزل الله تعالى قرآنا وغير قرآن قال الله تعالى في وصف الرسول عليه السلام وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وروي في ","part":2,"page":257},{"id":640,"text":" بعض ألفاظ هذا الحديث أنه قال إن مما أنزل الله آية الرجم وهذا اللفظ لو ثبت لم يدل أيضا على أن مراده أنه كان من القرآن لأن ما يطلق عليه اسم الآية لا يختص بالقرآن دون غيره قال تعالى ومن آياته خلق السموات والأرض ثم قال تعالى إن في ذلك لآيات فسمى الدلالة القائمة مما خلق على توحيده آية فليس يمتنع أن يذكر آية الرجم وهو يعني أن ما يوجب الرجم أنزله الله على رسوله عليه السلام بوحي من عنده وأيضا فإنه يحتمل أن يكون أصل الخبر ما ذكر فيه أن مما أنزل الله الرجم ثم كان تغيير الألفاظ فيه من جهة الرواة فعبر كل منهم بما كان عنده أنه هو المراد لأن من الرواة من يرى نقل المعنى عنده دون اللفظ فظن بعض الرواة أنه إذا قال إنه مما أنزل الله فقد قال إنه من القرآن وإنه آية منه فعبر عنه بذلك \r\n فإن قيل فلو لم يكن عنده من القرآن كيف كان يجوز له أن يقول لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف وكيف يجوز أن يكتب في المصحف ما ليس منه \r\n قيل له يجوز أن يكون مراده أنه كان يكتبه في آخر المصحف ويبين مع ذلك أنه ليس من القرآن ليتصل نقله ويتواتر الخبر به كما يتصل نقل القرآن لئلا يشك فيه شاك ولا يجحده ","part":2,"page":258},{"id":641,"text":" جاحد فقال لولا أن يظن ظان أنه من القرآن أو يقول قائل إن عمر زاد في القرآن لكتبته في المصحف \r\n ويدل عليه ما روى ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما أنه قال لقد هممت أن أكتب في المصحف شهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رجم ورجمنا بعده وسيجيء قوم يكذبون بالرجم وبالشفاعة وبقوم يخرجون من النار فبين بهذا الحديث أن مراده كان إشاعته وإظهاره ليستفيض نقله لا أنه من القرآن وذلك لأنه كان سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول سيجيء قوم يكذبون بذلك لأنه غير جائز أن يكون قوله سيجيء قوم يكذبون بالرجم من قبل نفسه من غير توقيف من النبي صلى الله عليه و سلم له لأن ذلك لا يعلم إلا بطريق الوحي \r\n وأما حديث أبي بن كعب فإن ثبت وصح فهو من المنسوخ التلاوة لا محالة وما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم فلا دلالة فيه على أنه كان يراه من القرآن لأن السنن وسائر كلام الناس يقرأ وكذلك حديث أنس ","part":2,"page":259},{"id":642,"text":" فإن قال قائل تأويلكم لهذه الأخبار أنه إن ثبت الخبر فإنه من الخبر المنسوخ التلاوة والرسم كلام متناقض لأن كل منسوخ الرسم والتلاوة لا يعرفه الناس ولا يقرءونه وقد أخرت ثبوت الخبر وقراءتهم إياه بعد وفاة النبي عليه السلام فكيف يكون منسوخ الرسم مما بقيت تلاوته ورسمه إلى يومنا هذا \r\n قيل له تجويزنا لثبوت الخبر لا يمنع ما ذكرنا ولا ينقض تأويلنا لأن الخبر لم يقتض أن يكون هذا المنقول بعينه هو الذي كان من ألفاظ القرآن على نظامه وتأليفه حسب ما نقلوه إلينا وليس يمتنع أن يكون ذلك قد نقلوه على نظم آخر ونسخ ذلك النظم وأنسي من كان يحفظه ولم ينسخ الحكم فنقلوه بلفظ غير اللفظ الذي كان رسم القرآن حين نزوله إلى أن رفع فلا يكون هذا من القرآن وهذا جائز أن يفعله الله وذلك لأن قوله من القرآن ومن رسمه يتعلق به أحكام لا تتعلق بغيره منها أنه مما يلزم الجميع اعتقاد أنه كلام الله تعالى الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه و سلم على نظامه وترتيبه من غير تغيير لنظمه ولا إزالة لتأليفه فإذا نسخ رسمه ونظامه أسقط عنا التعبد بالاعتقاد والذي ألزمناه في حال كونه غير منسوخ \r\n والثاني ما يتعلق به من حكم جواز الصلاة به وأن قراءته فيها لا تفسدها وإذا كان من غير القرآن أفسدها \r\n والثالث العبادة بالتقرب إلى الله تعالى بتلاوته وما يستحق من الثواب الجزيل بقراءته \r\n والرابع أن نكون مأمورين بحفظه وإثباته في مصاحفنا ونقله على نظامه وترتيبه فهذه كلها أحكام متعلقة بوجود رسم القرآن دون معانيه وأحكامه المذكورة فيه فلا يمتنع إذا ","part":2,"page":260},{"id":643,"text":" كان هذا كما وصفنا أن ينسخ الرسم فتزول هذه الأحكام عن المنسوخ ويبقى حكمه فيكون بمنزلة سائر السنن كما نسخ رسم الكتب القديمة وتلاوتها وكثير من أحكامها ومعانيها باقية \r\n فإن قال قائل كيف يجوز نسخ الرسم والتلاوة وهو مما لا يجوز أن يختلف حكم الاعتقاد فيه فيعتقد في حال أنه قرآن وفي حال أنه غير قرآن وهلا كان بمنزلة سائر الأشياء التي لا يجوز نسخها كأخبار الله تعالى أن اعتقادنا في مخبراتها لما لم يختلف حكمها في حال فنعتقد في حال نزولها موجب مخبراتها ونعتقد في حال أخرى خلاف ذلك لم يجز نسخها \r\n قيل له ما ذكرت لا يمنع نسخ الرسم والتلاوة على الوجه الذي ذكرنا وذلك لأن القرآن إنما كان قرآنا لوجوده على هذا الضرب من النظام المعجز للإنس والجن والله قادر على إزالة النظم ورفعه من قلوب عباده وأوهامهم كما قال تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك فإذا ذهب به وأنساه خلقه لم يكن قرآن لأن ما ليس بموجود لا يسمى قرآنا وإذا كان كذلك لم يمتنع ورود النسخ فيه على هذا الوجه إلا أن الاعتقاد الأول باق في أن ما أنزل على ذلك الضرب من النظام كان قرآنا حين كان موجودا متلوا ومسطورا فإذا عدم ذلك فيه لم يكن في هذا الحال قرآنا وليس كذلك مخبر اخبار الله تعالى لأنه قد لزمنا اعتقاد معناه على ما وقع عليه ورود الخبر به وذلك المعنى الذي ورد الخبر لم يتغير ولم يتبدل فلا يصح أن نتعبد بخلاف معتقده وأما النظم الذي من أجله كان قرآنا إذا زال فقد زال المعنى الذي من أجله لزم الدوام على الاعتقاد في بقائه في المستقبل قرآنا فلذلك اختلفا ","part":2,"page":261},{"id":644,"text":" فإن قال قائل قال الله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال تعالى إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه وظاهره يقتضي أن يكون حافظا له أبدا وأن البيان به حاصل لجميع الأمة إذ لم يخص وقتا من وقت ولا قوما من قوم وقال تعالى إن هو إلا ذكرى للعالمين فأخبر أن جميعه ذكر للعالمين وذلك يؤمننا وقوع نسخ تلاوته ورسمه لأن ما رفع وأنسي ولم ينقل لا يكون ذكرا للعالمين وقال تعالى لأنذركم به ومن بلغ فأخبر أنه منذر بجميع القرآن في كل الأوقات وما رفع لا يصح إلا نذر به وقال تعالى وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وهذا يمنع جواز رفعه وقال تعالى إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم فأخبر أن جميعه يهدي ولم يستثن وقتا من وقت فوجب أن توجد الهداية في جميعه أبدا \r\n وقال تعالى مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين وذلك خبر عن جميعه \r\n والجواب بأن جميع ما ذكر لا يمنع جواز نسخ رسمه وتلاوته كما لم تمنع هذه الآيات من جواز نسخ أحكامه وموجباته لأن القرآن ينتظم شيئين النظم والمعنى فإذا لم تمنع هذه الآيات من جواز نسخ أحكامه لم تمنع جواز نسخ رسمه وتلاوته وكانت معاني هذه الآيات محمولة على غير جواز النسخ ","part":2,"page":262},{"id":645,"text":" وأما نسخ الرسم والتلاوة بعد وفاة الرسول فغير جائز كما لا يجوز نسخ الحكم ولو جاز ذلك في رسمه وتلاوته لجاز مثله في أحكامه فلما امتنع نسخ أحكامه بعد وفاة الرسول عليه السلام امتنع نسخ رسمه وتلاوته لأن الرسم قد تعلق به الأحكام على ما بيناه فيما سلف وفي نسخه نسخ تلك الأحكام \r\n وقد احتج الشافعي لاعتبار الخمس رضعات في إيجاب التحريم بما روى أبو بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم ويحيى بن شعبة الأنصاري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قال كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس ","part":2,"page":263},{"id":646,"text":" معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو مما يقرأ من القرآن وفي بعض ألفاظ هذا الحديث وكانت في صحيفة تحت السرير فلما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم اشتغلنا بدفنه فدخلت داجن فأكلتها \r\n فلا يخلو المحتج بهذا الحديث من إحدى منزلتين أما أن يجيز نسخ رسم القرآن وتلاوته بعد وفاته عليه السلام أو لا يجيزه \r\n فإذا أجازه ارتكب أمرا شنيعا قبيحا خارجا عن أقاويل الأمة كطرق الملحدين الطاعنين في القرآن بأنه لم ينقل أكثره وأنه قد فقد عظمه ولا يمكنه مع ذلك الفصل بين إجازة نسخ رسمه وتلاوته وبين إجازة نسخ أحكامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بيناه فيما سلف وإن منع جواز نسخ رسمه وتلاوته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يصح له الاحتجاج به لأن فيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم توفي ورسمه باق لأنها قالت توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وهن مما يقرأ من القرآن فإن كان الخبر ثابتا عنده فالواجب عليه إثباته من القرآن ","part":2,"page":264},{"id":647,"text":" لأنه قد أعطى امتناع جواز النسخ بعد وفاة النبي عليه السلام \r\n فإن قال إنما أثبت الحكم دون التلاوة كما أثبت أنت التتابع في كفارة اليمين لما في حرف عبد الله وإن لم تثبت الرسم \r\n قيل له ليس في حرف عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و سلم توفى وهو من القرآن وكونه من القرآن في وقت لا يوجب كونه من القرآن أبدا ما دام النبي عليه السلام باقيا فوجب إذ لم يثبت نقله قرآنا من طريق التواتر ألا نثبته قرآنا بعد وفاة النبي علية السلام وفي خبر عائشة هذا أنه كان قرآنا بعد وفاته وما ثبت في ذلك لا يجوز بعد ذلك نسخه على أنه قد ذكر فيه أن ذهابه كان لأجل أن الداجن أكل الصحيفة التي كان فيها ذلك ولا يجوز أن يتوهم في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنه كان معرضا لأكل الداجن له وذهابه بعد وفاة النبي عليه السلام \r\n فإن قيل فما وجه هذا الحديث عندكم \r\n قيل له يحتمل أن يكون لفظ عائشة فيه على غير الوجه الذي روي في هذا الحديث بأن تكون قالت إنه كان فيما أنزل الله تعالى أو في كتاب الله كيت وكيت ونحوه من الألفاظ التي يحتمل أن يراد به القرآن ويراد به وحي غير قرآن فظن الراوي أن معنى اللفظين واحد وأن المراد كان قرآنا إلى أن توفي فنقل المعنى عنده على نحو ما ذكرنا في خبر عمر في الرجم وإذا احتمل ذلك سقط الاحتجاج به في إثبات ما روي فيه لا سيما وهو معنى يرده الكتاب وإجماع الأمة قال الله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال تعالى إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ","part":2,"page":265},{"id":648,"text":" ونحوه من الآي المقتضية لبقاء رسم القرآن ونظمه بعد وفاة النبي عليه السلام فإن قيل فأثبتوا الحكم وإن لم تثبتوا الرسم كما أثبتم التتابع في كفارة اليمين بحرف عبد الله بن مسعود وإن لم يثبت له الرسم \r\n قيل له الفرق بينهما أن حديث عائشة لا يخلو من أحد معنيين إما ان يكون واهنا سقيما غير ثابت في الأصل من طريق الرواية فيسقط الاحتجاج به في إثبات الأحكام أو أن يكون ثابتا على غير الوجه الذي ورد النقل به فلا يصح إثبات حكمه لما قد بان من خطأ الراوي له في نقله إذ غير جائز أن يكون لفظه ثابتا على ما روي فيه وإذا لم يثبت لفظ الحديث ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة حقيقته لم يجز إثبات حكمه لأنه ليس معنى من المعاني يقصد إلى إثباته إلا وجائز أن يكون وهو مما غلط فيه راويه كغلطه في لفظه وجائز أن يكون قد حذف منه أيضا بعض لفظه مما يوجب الاقتصار بحكمه على بعض الأحوال وفي بعض الموضعين دون بعض بأن يكون قد كان حكما في رضاع الكبير خاصة فلما تعذر الوقوف على حقيقة لفظه وسياقة معناه سقط الاحتجاج به \r\n وأما حرف عبد الله في التتابع فليس في ظاهر لفظه ما يدفع لأن أكثر ما فيه أن ذلك كان من القرآن وهذا معنى صحيح غير مدفوع وليس لأنه كان من القرآن ما يوجب أن يكون منه في كل وقت قبل وفاته صلى الله عليه و سلم \r\n وأما نسخ الحكم مع بقاء الرسم فموجود في القرآن في كثير من المواضع نحو قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى آخرها منسوخ الحكم بالجلد تارة ","part":2,"page":266},{"id":649,"text":" وبالرجم أخرى وكقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة منسوخ بقوله تعالى فإن لم تفعلوا و تاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوله تعالى متاعا إلى الحول غير إخراج منسوخ بقوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وقوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين روي أن الصحيح كان مخيرا بين الصوم والفدية فنسخ بقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وأشباه ذلك كثير في القرآن ","part":2,"page":267},{"id":650,"text":" @ 268 @ ","part":2,"page":268},{"id":651,"text":" @ 269 @ ","part":2,"page":269},{"id":652,"text":" @ 270 @ ","part":2,"page":270},{"id":653,"text":" باب القول في الوجوه التي يعلم بها النسخ \r\n قال أبو بكر رحمه الله نسخ أحكام الشرع على وجهين أحدهما نسخ جميع الحكم \r\n والآخر نسخ بعضه \r\n والوصول إلى معرفة الناسخ من المنسوخ من وجوه أربعة الكتاب والسنة والإجماع ثم بدلائل الأصول إذا عدم ذلك \r\n والحكم الناسخ هو الذي يرد بعد استقرار حكم المنسوخ والتمكين من فعله مما ينافي بقاء حكم المنسوخ ويمتنع معه اجتماعهما في أمر واحد في حال واحدة لشخص واحد فيكون الآخر ناسخا للأول وإن اقتضى زوال جميعه وإن اقتضى بعضه فهو ناسخ لذلك البعض \r\n فأما نسخ الجميع فنحو قوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم روي أنه قد كان حرم عليهم الجماع والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم فنسخ ذلك بقوله تعالى فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر الآية فأباح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم بعد النوم وقبله ونحوه قوله تعالى فاعف عنهم واصفح ونحو قوله تعالى فإذا ","part":2,"page":271},{"id":654,"text":" الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم نسخه قوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا \r\n وأما نسخ بعض الحكم فنحو الصلاة إلى بيت المقدس إنما نسخ منها التوجه إلى هناك وسائر أحكامها باقية وصلاة الليل نسخ منها الوجوب وسائر أحكامها باقية من أوصاف أفعالها وشرائطها وكونها قربة ثابتة ونحو ما أوجب الله تعالى من الجلد على قاذف الأجنبيات والزوجات بقوله والذين يرمون المحصنات الآية ثم نسخ الجلد عن قاذف الزوجات وأوجب اللعان إذا كانا على صفة ويدل على أن حد الجميع كان الجلد قوله عليه السلام لهلال بن أمية حين قذف امرأته ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك وقالت الأنصار الآن يجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين \r\n ولم يوجب النبي عليه السلام غير الجلد فلما نزلت آية اللعان أمره باللعان ولم يحده \r\n وإذا عرف تاريخ الحكمين اللذين لا يصح اجتماع التعبد بهما في حال واحدة ","part":2,"page":272},{"id":655,"text":" لشخص واحد فإن الآخر منهما ناسخ للأول \r\n قال ابن عباس رضي الله عنهما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره \r\n وإنما قلنا إن النسخ يقع بما لا تصح العبادة به مع الحكم الأول في حال واحدة لشخص واحد وإنما يصح اجتماعه مع الأول في حال واحدة لم ولا يكون نسخا لأن ما جازت العبادة به في حال واحدة لشخص واحد فليس في تكليف أحدهما ما ينفي لزوم الآخر فوجب أن يثبتا جميعا إذا ورد أحدهما بعد الآخر \r\n والدليل على ذلك أنه كان يصح التعبد بهما معا في حال واحدة في أمر واحد فإذا لم يتنافيا إذا وردا معا وجب ألا يتنافيا إذا ورد أحدهما بعد الآخر ألا ترى أن الصلاة والصيام لما صح الأمر بهما في حال واحدة لم يكن أحدهما ناسخا للآخر ولا مانعا من بقاء حكمه إذا ورد بعده وهذا الاعتبار واجب في نظائر ذلك من العبادات \r\n وقد يرد حكم يصح اجتماعه مع الأول ويكون وروده عقيب نسخ الأول فيطلق بعض الناس أن الأول منسوخ بالثاني وإن كان النسخ في الحقيقة واقعا بغيره وإطلاق هذا مجاز عندنا ليس بحقيقة وإنما سمي هذا نسخا لأنه ورد عقيب النسخ متصلا به وسمي باسمه كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورا له وكان منه بسبب على جهة المجاز والتشبيه به وذلك نحو قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم إلى آخر القصة فروي أن هذا كان حد الزانيين في أول الأمر ","part":2,"page":273},{"id":656,"text":" قال ابن عباس وهو منسوخ بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ومعلوم أنا لو خلينا والآيتين لم يكن يمتنع الجمع بين حكمهما على شخص واحد في حال واحدة فيكون حده الحبس والأذى والجلد مع ذلك فلا يكون وجوب جلد غير المحصن مانعا من بقاء حكم الحبس والأذى ولا يكون ذلك مزيلا لهما من هذا الوجه إلا أنه كان يكون نسخا من جهة أخرى وهي الزيادة في النص لأن الزيادة في النص توجب النسخ عندنا لما سنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى فعلمنا أن زوال حكم الحبس والأذى لم يتعلق بوجوب الجلد وإنما تعلق بشيء غيره فلما أوجب الجلد على الزاني غير المحصن عند نسخهما أطلق عليه أنه نسخه وهذا الذي قلناه هو في الزاني غير المحصن فأما الزاني المحصن فهذا الحكم لا محالة منسوخ عنه بسنة الرسول عليه السلام في إيجابه الرجم على المحصن إذ لا يصح اجتماع الرجم والحبس والأذى \r\n فإن قال قائل قد كان يصح اجتماع الحبس والأذى والرجم عليه ويكونان جميعا عقوبته بأن يكون الرجم بعد الحبس والأذى \r\n قيل له أما الذي في الآية من ذلك فلم يكن يصح اجتماعه مع الرجم لأنه قال حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا فكان الحبس والأذى هما الحد إلى أن تموت حتف أنفها أو يجعل الله لها سبيلا غيرهما ووقوع الرجم يمنع استيفاء ذلك فقد نسخ الرجم هذا الحكم بحيث لم يصح اجتماعهما في حال واحدة ","part":2,"page":274},{"id":657,"text":" ومن جهة أخرى إن الرجم إذا كان مستحقا بالزنى وقد كان قبل ذلك حدهما الحبس والأذى في الحال التي أبدل مكانها الرجم فغير جائز ثبوت الحبس والأذى في الحال التي وجب فيها الرجم لأن وقوع الرجم ينافيهما فثبت أنهما منسوخان به على الحقيقة \r\n ويدل على ذلك أيضا أن النبي عليه السلام قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا وهذا يعني والله أعلم السبيل المذكور في قوله تعالى حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة والثيب بالثيب الجلد والرجم فأخبر بزوال الحبس لأن الله تعالى أوجب حبسهن إلى وقت ورود السبيل فبين الرسول عليه السلام ذلك السبيل وأخبر بنسخ حكم الآية عن الزاني غير المحصن لا بإيجاب الجلد لكن بمعنى غيره ونسخه عن المحصن بالرجم لأن وقوع الرجم ينافي الحبس \r\n ونحو قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين قيل إنها منسوخة بالميراث ومعلوم أن وجوب الميراث لم يكن ينافي بقاء الوصية فيستحقهما جميعا معا إلا أنه لما نسخت الوصية وأوجب عقيبها الميراث قيل على وجه المجاز إنها منسوخة به \r\n ولو خلينا والآيتين لاستعملناهما جميعا ومثله ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بصيام عاشوراء ثم نسخ بصيام شهر رمضان وأن الزكاة نسخت كل صدقة كانت واجبة قبلها وأن الأضحية نسخت كل ذبيحة كانت واجبة قبلها وأن قوله عليه السلام الماء من الماء منسوخ بإيجاب الغسل بالتقاء الختانين ولم يكن يمتنع اجتماع ذلك كله فعلمنا ","part":2,"page":275},{"id":658,"text":" أن شيئا من هذه الأحكام لم ينسخ بالأحكام الواردة بعدها فإن من سمى ذلك نسخا فإنما سماه به مجازا لا حقيقة لأنه لما نسخ الأول وجب الثاني عقيبه وإن كان النسخ واقعا لغيره \r\n وأما كل حكمين لا يصح مجيء التعبد بهما في حال واحدة لشخص واحد فإن الثاني منهما يكون ناسخا للأول إذا ورد بعد استقرار حكمه وذلك نحو قوله تعالى فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض متى استقر هذا الحكم ثم قال تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله فأوجب ذلك نسخ التخيير المذكور فيه إذ لا يصح اجتماعهما في حال واحدة ألا ترى أنه لا يصح أن يقول قد خيرتك بين الحكم والإعراض ومع ذلك فاحكم بينهم من غير إعراض لأن اللفظ يتناقض به ويستحيل معناه ومن أجل ذلك منعنا أن يعترض بقوله عليه السلام لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب على قوله تعالى فاقرءوا ما تيسر من القرآن لأن الآية اقتضت التخيير في المفروض من القراءة وإذا حمل معنى التخيير على تعيين فرض القراءة بفاتحة الكتاب أوجب إسقاط التخيير الذي في الآية فيكون ناسخا له ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد \r\n ونحو قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا فأوجب على العشرين مقاومة المائتين وعلى المائة مقاومة الألف وحظر عليهم الفرار منهم ثم قال الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين فصار الثاني ناسخا للأول لاستحالة اجتماعهما في حال واحدة فثبت نسخ الأول بالثاني ومن هذه الجهة قلنا إن الزيادة في النص يوجب نسخه إذا وردت بعد استقرار حكمه وكذلك النص إذا ورد منفردا عن ذكر ","part":2,"page":276},{"id":659,"text":" الزيادة بعد ذكر الزيادة مع النص واستقرار حكمها فإنه يكون ناسخا للزيادة وذلك لاستحالة جمعهما في حال واحدة فالوجه الأول نحو قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق اقتضى ظاهره وحقيقته جواز الصلاة بغسل هذه الأعضاء فصار كقوله قد أجزأتكم صلاتكم بغسلها دون وجود النية فيه فلا يصح أن يقول مع ذلك النية واجبة في غسلها فإن لم تنووا به الطهارة لم تجزكم صلاتكم \r\n وكذلك قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم الآيه لا يصح اجتماعه مع الشاهد واليمين في امر واحد مع استعمال حكم الآيه على حسب مقتضاها وموجبها لأنه لا يصح ان تقول قد أوجبت عليكم الحكم بالشاهدين والرجل والمرأتين دون غيرهم وأجزت لكم مع ذلك الحكم بالشاهد واليمين لأن اللفظ يتناقض ويستحيل معنا \r\n وكذلك قوله تعالى الزانيه والزاني فاجلدو كل واحد منهما مائة جلده يقتضي أن يكون المائه حدهما وأن وجودهما يوجب وقوعها موقع الجواز واستيفاء كمال الحد بها فغير جائز أن تقول بعد ذلك هذا بعض الحد دون جميعه وأن كماله بوجود النفي معه \r\n ونظائر ذلك كثير فلما امتنع وجودهما في أمر واحد وجب أن يكون وروده بعد استقرار الحكم الأول موجبا لنسخه ولا فرق بين ورود النص منفردا عن ذكر الزيادة في كونها ناسخا للنص المتقدم له المعقود بذكر الزيادة وبين ورود الزيادة بعد ورود النص منفردا عنها فأما ورود النص بعد الزيادة فنحو قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فاقتصر منها على ذكر الجلد دون النفي والرجم وقد كان تقدم قبل نزول هذه الآية من النبي عليه السلام ذكر النفي والرجم مع الجلد في حال وجود الإحصان أو عدمه بقوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم وبه نسخ الحبس والأذى لأن هذا السبيل هو السبيل المذكور في قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فعلمنا أن قوله تعالى الزانية والزاني لم يكن نزل حينئذ لأنه لو ","part":2,"page":277},{"id":660,"text":" كان نزل لكان السبيل قد جعل لهن قبل قوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا فلما أخبر أن السبيل المذكور في الآية مأخوذ عنه بما ذكر علم أن الآية لم تكن نزلت قبله فلما نزلت الآية بعده منفردة عن ذكر النفي والرجم وجب أن يكون حكمها مستعملا على حسب مقتضاها وموجبها فيكون الجلد المذكور فيها هو كمال الحد وتكون ناسخة للنفي والرجم المذكورين في الخبر حدا مع الجلد \r\n فإن قال قائل قد قلت فيما سلف إن النسخ إنما يصح على الوجه الذي يجوز ورود الأمر به في خطاب واحد وأن مالا يصح اجتماع ذكره مع المنسوخ في خطاب واحد لم يصح نسخه به والزيادة مع الأصل مما يصح وجوده معه في خطاب واحد \r\n قيل له ليس فيما ذكرنا إلى هاهنا من حكم أحكام الزيادة في النص نفي لما قلنا من اعتبار جواز النسخ في الأصل بل هما جميعا صحيحان وذلك لأنا قلنا إن ما لا يصح ورود التعبد به في حال واحدة حتى يكون مأمورا باعتقاد الحكم على وجه ومأمورا أيضا في تلك الحال باعتقاده على خلافه في ذلك الوقت الذي يلزمه تنفيذ الحكم لا يصح ورود النص به نحو ما ذكرنا في أن الآية إذا كانت موجبة لكون الحد جلد مائة فقد ألزمنا اعتقاد كونه حدا كاملا ولا يصح أن يقول فاعتقدوا في هذه الحال أيضا أن جلد المائة هو بعض الحد إذ غير جائز أن يكون هو بعض الحد وهو جميعه وكما لا يصح أن يقول عدة المتوفى عنها زوجها سنة وعدتها أيضا أربعة أشهر وعشرا فلا يصح الأمر باعتقاد كل واحدة من المدتين عدة كاملة في حال واحدة وأما ما قلنا في اعتبار جواز النسخ باجتماع ذكر الحكمين جميعا في خطاب واحد فهو صحيح لأن هناك أمرين مدة كل واحد منهما غير مدة الآخر نحو قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ","part":2,"page":278},{"id":661,"text":" لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فكان هذا حكما ثابتا في عدة المتوفى عنها زوجها ثم نزل قوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فكان ناسخا لما عدا هذه المدة من الحول المذكور في الآية الأخرى وقد كان يجوز أن يجمعهما في خطاب واحد بأن نتعبد بهما في حالين بجواز أن تقول عدة المتوفى عنها زوجها حول إلى أن يمضي خمس سنين فإذا مضت السنون الخمس كانت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا \r\n فإن قال قائل ما ذكرت من حكم الزيادة في النص لا يقتضي ما ذكرت من إيجابها النسخ لأنه يصح أن تقول حد الزانيين الجلد والنفي ويجوز أن يقول واستشهدوا شاهدين من رجالكم أو شاهدا ويمينا وأن غسل الأعضاء الأربعة فرض مع إحضار النية له ولا يتناقض الخطاب به فليس في ورود أحدهما بعد الآخر ما يوجب النسخ \r\n قيل له هذا سؤال ساقط محال على هذا الوجه لأنهما إذا وردا معا لا يكونان زيادة في النص وإنما يكون المذكور جميع النص لأن ما جمعه أمر واحد وخطاب واحد لا يصح أن يقال إن بعضه زيادة في بعض وإنما الزيادة في النص أن يرد النص مفردا عن ذكر الزيادة ثم ترد الزيادة منفصلة عن خطاب النص نحو قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فتكون الآية موجبة لكون جلد المائة حدا واقعا موقع الجواز في عقاب الزاني فإذا قال بعد ذلك فاجلدوهم مائة جلدة وانفوهم فقد تغير بورود الزيادة على هذا الوجه اعتقاد موجب حكم الآية فكل ما ورد بعده مما يوجب زيادة فيه أو نقصانا منه فهو لا محالة نسخ لاستحالة ورود الخطاب به في أمر واحد بل يقول ","part":2,"page":279},{"id":662,"text":" جلد المائة هو جميع الحد وهو بعضه فأما أن يردا معا فهذا غير ممتنع ولا يكون زيادة كما لا يمتنع أن تكون عدة المتوفى عنها زوجها سنة ويكون الأربعة الأشهر والعشر داخلة فيها ويمتنع أن يقول العدة سنة والعدة أربعة وعشرا وكما لا يمتنع أن نقول صلوا إلى بيت المقدس وإن شئتم فإلى الكعبة ويمتنع أن نقول صلوا إلى بيت المقدس وصلوا إلى الكعبة في خطاب واحد \r\n ومتى استقر أحدهما ثم ورد الآخر كان ناسخا للأول فكذلك الزيادة هاهنا في النص هي على هذا المعنى \r\n وأيضا فإنا نقول في الزيادة كما يقول مخالفنا معنا في النقصان فلما كان النقصان بعد استقرار الفرض نسخا كذلك الزيادة وذلك نحو أن يقول العدة سنة ثم يقول العدة أربعة أشهر وعشرا كان ذلك نسخا ولو جمعهما في خطاب واحد بأن قال العدة سنة إلا كذا وكذا وشهرا لم يكن نسخا كذلك الزيادة إذا وردت مع النص في خطاب واحد فليس بنسخ وإذا وردت بعد استقرار حكم النص كان نسخا وهذا الذي ذكرناه إنما هو كلام في الزيادة إذا وردت بعد النص فأما إذا أورد النص منفردا عن ذكر الزيادة ووردت الزيادة ولا يعلم تاريخهما فإن هذا له شريطة أخرى غير ماكنا فيه وسنذكرها أيضا فيما بعد وإن كان قد تقدم ذكر شيء منها فيما سلف من هذا الباب \r\n قال أبو بكر قد بينا كيفية وجود النسخ \r\n ونبين الآن الوجوه التي توصل إلى العلم بالناسخ والمنسوخ من الجهات التي ذكرنا أن النسخ يقع بها \r\n فنقول إن ما يعلم به النسخ على وجوه منها أن يرد لفظ يشتمل على ذكر الناسخ والمنسوخ معا مع ذكر تاريخهما فلا يشكل على سامعهما أن الثاني منهما في التاريخ ناسخ للأول نحو قوله تعالى فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ","part":2,"page":280},{"id":663,"text":" وقد قال تعالى قبل ذلك سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأخبر أنهم قد كانوا على قبلة غيرها ثم حولوا إليها ونحو قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فكان هذا حكما ثابتا ثم قال الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا إلى آخر الآية فدل ذكره للتخفيف أنه وارد بعد حكم هو أثقل منه فصار ناسخا له ونحو قوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه إلى قوله تعالى فتاب عليكم يعني خفف عنكم وهذا بعد قوله تعالى قم الليل إلا قليلا ثم قال علم أن سيكون منكم مرضى إلى آخر السورة فاقتضت القصة بفحواها ومضمون خطابها أن فرض صلاة الليل منسوخ بما تضمنت من إباحة تركها وكقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ثم قال تعالى فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وكقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم يعني والله أعلم سهل عليكم وخفف عنكم فدل على نسخ حظر الأكل والشرب والجماع بعد النوم في ليالي رمضان فانتظمت هذه الآيات ذكر الناسخ والمنسوخ معا في خطاب واحد والسنة على وجهين قول من النبي عليه السلام وفعل وقد يقع النسخ بكل واحد منهما فأما النسخ بالسنة من جهة القول فنحو قول النبي عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وكنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا ولا تسكروا وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وادخروا فانتظم الخبر ذكر الناسخ والمنسوخ معا ","part":2,"page":281},{"id":664,"text":" وكما روى عبد الله بن المغفل أن النبي عليه السلام أمر بقتل الكلاب ثم قال مالي وللكلاب ثم رخص في كلب الصيد وقال جابر أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقتل الكلاب ثم أذن لطوائف \r\n فهذه الآي والأخبار مما نقل إلينا فيه حكم الناسخ والمنسوخ وكل ما كان هذا وصفه فلا إشكال على أحد في حكمه \r\n وأما النسخ من جهة الفعل فنحو ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه ثم قال في الرابعة فإن عاد فاقتلوه ثم روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أتي بشارب الخمر في الرابعة فلم يقتله ومثل ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم ","part":2,"page":282},{"id":665,"text":" أكل لحما وصلى ولم يتوضأ نسخ به ما روي من قوله توضئوا مما مست النار \r\n ومن الألفاظ ما يوجب النسخ من جهة قيام الدلالة على تأخر حكمها عن الحكم المنسوخ وإن لم يكن الحكم المنسوخ مذكورا معها كقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ثم قال تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فمنع تخلية سبيلهم إلا بشرط الإيمان \r\n وروي أن سورة براءة من آخر ما أنزل من القرآن فوجب بذلك أن يكون ناسخا للفداء المذكور في قوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء \r\n ومثله ما روي عن النبي عليه السلام أنه رضخ رأس يهودي قتل جارية على أوضاح ","part":2,"page":283},{"id":666,"text":" لها وأنه قطع أيدي العرنيين وأرجلهم وسمل أعينهم لما ارتدوا وقتلوا راعي الإبل وساقوها \r\n وروي عنه أنه أشعر البدن ثم روي عنه عليه السلام في أخبار مستفيضة أنه نهى عن المثلة وقال سمرة ابن جندب ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا وأمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة فاقتضى ذلك وجوب النهي عنها في آخر خطبة خطبها فيكون ناسخا لسمل أعين المحاربين ورضخ الرأس على وجه القصاص وإشعار البدن لأن جميع ذلك من المثلة \r\n ومثله ما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يصلي بالهجر حين قدم المدينة ثم قال أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم فأخبرنا بأن الأمر بتأخير الظهر في شدة الحر ","part":2,"page":284},{"id":667,"text":" كان متأخرا فالواجب أن يقضي على خبر خباب شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حر الرمضاء فلم يشكنا لأنه قد ثبت أن الأمر بالتأخير كان متأخرا \r\n ومن الألفاظ الدالة على تأخير أحد الحكمين عن الأخر ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لا قود إلا بالسيف فهذا يدل على أن حكم وجوب القود متقدم لهذا الخبر لأنه لا يذكر كيفية القود إلا وقد تقدم ذكر وجوبه فغير جائز لأحد أن يستدل بقوله تعالى كتب عليكم القصاص على إيجاب القود بكل ما قتل به لأن إيجاب القود بالسيف متأخر عنه فهو قاض عليه \r\n ونحو قوله عليه السلام ألا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه الدية مغلظة فلم يذكر خطأ العمد إلا وقد تقدم ذكر العمد والخطأ ومثله ما روي في شاة ميمونة أن النبي عليه السلام قال حين رآها ميتة هلا انتفعتم بإهابها فقالوا إنها ميتة فدل على ","part":2,"page":285},{"id":668,"text":" أن تحريم الميتة كان متقدما لذلك \r\n وكذلك قوله عليه السلام إنما الرضاعة من المجاعة وكذلك قوله إنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم يقتضي أن يكون إيجاب التحريم بالرضاع متقدما لهذا الخبر ونظائر ذلك كثيرة \r\n ويجوز أن يجعل إخبار الصحابي والتابعي عن تاريخ الحكمين عيارا في هذا الباب فيوجب به النسخ نحو ما روي عن مجاهد وعكرمة أن قوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله نزل بعد قوله تعالى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ونحو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما ذكر له الرضعة الرضعتان قال قد كان ذلك فأما اليوم فلا خبر عن تقدم علمه بهذا الخبر وأخبر أنه قد كان وإن كان حكمه غير ","part":2,"page":286},{"id":669,"text":" ثابت الآن فصار ذلك إخبارا منه بنسخه وتاريخ حكمه \r\n ومثله ما روي عن الزهري أن النبي عليه السلام رد زينب ابنته عليها السلام على أبي العاص بن الربيع وكانت هاجرت وبقي هو مشركا ثم جاء مسلما بعد سنين قال الزهري وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض \r\n ونحوه ما روي من قصة ذي اليدين في الكلام في الصلاة قال الزهري إنما كان ذلك قبل أن استحكمت الفرائض \r\n وإنما قلنا إن الصحابي والتابعي إذا أخبرا بنسخ حكم كان خبرهما مقبولا فيه من قبل أن العلم بالتاريخ لا سبيل إليه من طريق اجتهاد الرأي وإنما يعلم من جهة السماع والتوقيف فعلمنا أنه لم يقل ذلك إلا من جهة التوقيف فهذه الوجوه التي ذكرنا ","part":2,"page":287},{"id":670,"text":" من الكتاب والسنة مما أوصل إلى العلم بتاريخ الحكمين إما بذكر الناسخ والمنسوخ معا مع ذكر تاريخهما أو بذكر الناسخ وتاريخه دون ذكر المنسوخ من جهة اللفظ أو فحوى الخطاب ودلالته \r\n وأما الاستدلال بالإجماع على النسخ فقد ذكره عيسى بن أبان رحمه الله وذلك أنه قال إذا روي خبران متضادان والناس على أحدهما فهو الناسخ للآخر فاستدل بالإجماع على النسخ \r\n قال أبو بكر ولسنا نقول إن الإجماع يوجب النسخ لأن الإجماع إنما يثبت حكمه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم \r\n وأما في حياته فالمرجع إليه صلى الله عليه و سلم في معرفة الحكم لمن كان في حضرته ولا اعتبار بالإجماع فيه \r\n ومعلوم أن النسخ لا يصح إلا من طريق التوقيف ولا يصح بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام إلا أن الإجماع إذا حصل على زوال حكم قد ثبت بالنص دلنا الإجماع على أنه منسوخ بتوقيف وإن لم ينقل إلينا اللفظ الناسخ له فمما دلنا الإجماع على نسخه قوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ولم يعلم زوال هذا الحكم إلا من طريق الإجماع \r\n ونحو حديث أبي هريرة عن النبي عليه السلام من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ وحديث سلمة بن المحبق فيمن وطئ جارية امرأته فقال عليه السلام إن كانت طاوعته فعليه مثلها وهي له وإن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها وحديث النعمان بن بشير عن النبي عليه السلام فيمن وطئ جارية امرأته أنها إن كانت أذنت له جلد مائة ","part":2,"page":288},{"id":671,"text":" وإن لم تكن امرأته أذنت له فعليه الرجم \r\n فهذه الأحكام التي ذكرناها لم يثبت نسخها إلا بدلالة الإجماع عليه \r\n وأما اعتبار دلائل النظر على الناسخ من الحكمين فإنما يجب فيما لا يعرف تاريخه من جهة النقل على الوجوه التي بينا فيرجع فيه إلى شواهد الأصول ودلائل النظر فيثبت منه ما أثبتته وينتفى منه ما نفته \r\n وقد ذكر عيسى بن أبان رحمه الله في هذا المعنى جملة يعرف بها عامة هذا الباب من فهم معاني كلامه \r\n قال عيسى إذا روي خبران متضادان والناس على أحدهما فهو الناسخ وإن اختلفوا ساغ الاجتهاد فيهما واستعمال أشبههما بالأصول وإن علم تاريخهما فالآخر ناسخ الأول إذا لم يحتمل الموافقة وإن احتمل الموافقة ساغ الاجتهاد فيه \r\n وإن عمل الناس بالأول وهو الظاهر في أيدي أهل العلم والآخر خامل لا يعمل به إلا الشاذ نظر فإن سوغ الذين عملوا بالأول العمل بالآخر ساغ الاجتهاد فيه وإن عابوا من عمل بالآخر كان ما عمل به الناس هو المستعمل لأن النسخ لو كان ثابتا لما عرفوا الأول ولظهر النسخ منهم كما ظهر الفرض الأول حتى لا يشذ عنه إلا القليل ألا ترى أن لحوم الأضاحي قد ظهرت الإباحة فيها كما ظهر الحظر وكذلك زيارة القبور وإباحة الظروف ومتعة النساء \r\n قال أبو بكر رحمه الله أما قوله أما إذا كان الناس على أحدهما فهو الناسخ فإن وجهه أنه قد ثبتت صحة حجة الإجماع فحيثما وجدت فواجب الحكم بصحته ","part":2,"page":289},{"id":672,"text":" وإن وجد الحكم بصحة ما اجمعوا عليه واستحال ثبوت ما يضاده من الحكم في حال ثبوته ثبت هو وانتفى ما يضاده وكان هذا دليلا على أن الحكم الآخر منسوخ بما أجمعوا عليه \r\n وأما قوله إذا اختلفوا ساغ الاجتهاد واستعمل أشبههما بالأصول فإن مراده في هذا الفصل إذا لم يعلم تاريخهما فإذا كان هكذا وجب الاستدلال بالأصول على الناسخ منهما وجهات الاستدلال بها على الناسخ منهما مختلفة وأنا ذاكر منها طرفا تستدل به على جملة القول فيه \r\n فنقول قبل أن نشرع في ذكر جهات الاستدلال على الحكم الناسخ \r\n إن الدليل على وجوب الاستدلال على الحكم الناسخ منهما على أن اختلاف الناسخ في حكم الخبرين المتضادين اللذين لا يحتملان غير النسخ يجعل الحكم الذي تضمنه كل واحد منهما في معنى سائر أحكام الحوادث التي قد اختلف الناس فيها على وجوه مختلفة ثم كان طريق استدراك حكمها بالنظر والاستدلال بالأصول فوجب أن يكون طريق إثبات حكم أحد الخبرين دون الآخر اعتبار شواهد الأصول فيكون الخبر الذي تعضده الأصول منها أولى بالإثبات كحكم الحادثة إذا عاضدته دلائل الأصول فيكون أولى بالإثبات من غيره مما اختلف فيه \r\n وأيضا فإن الخبرين إذا تضادت أحكامهما على هذا الوجه فإن أقل أحوالهما أن يسقطا كأنهما لم يردا فيجعل الحكم موقوفا على شواهد الأصول فما دلت الأصول على ثباته من الحكمين فهو ثابت دون الآخر \r\n وأيضا فإن حكما يوجبه الأثر ودلائل الأصول أولى بالإثبات من حكم ينفرد بإيجابه الأثر دون دلائل الأصول \r\n فدل جميع ما وصفنا على وجوب اعتبار الاستدلال بالأصول على الناسخ من الخبرين وأما قوله إن علم تاريخهما فالآخر أولى إذا لم يحتمل الموافقة فمن قبل أن الآخر ثابت الحكم ","part":2,"page":290},{"id":673,"text":" لأنه لم يوجد بعده ما يزيله وفي ثبوته نفي الأول لتضادهما \r\n وأما قوله ان احتمل الموافقة ساغ الاجتهاد فلأنه إذا احتمل النسخ واحتمل الموافقة لم يجز إثبات النسخ بالاحتمال ولا الحكم بالموافقة أيضا بالاحتمال إذ ليس أحد وجهي الاحتمال بأولى من الآخر فصار طريقه الاجتهاد والاستدلال بالأصول على ثبوتهما بالحمل على الموافقة أو إثبات حكم أحدهما بإثبات النسخ \r\n فإن قال قائل هلا حكمت بالموافقة دون النسخ من غير اعتبار الأصول لأن الأصل أن كل خبر حكمه ثابت قائم بنفسه حتى يثبت ما يزيله فإذا احتمل كون الثاني ناسخا للأول واحتمل كونه موافقا له لم يزل عن الحكم الأول إلا بيقين ولم يثبت النسخ بالشك \r\n قيل له هذا غلط لأن هاهنا أصل آخر وهو أن الخبر الثاني إذا كان حكمه منافيا للحكم الأول فهو ناسخ له فإذا احتمل الموافقة صار بقاء الحكم الأول مشكوكا فيه وصار إيجاب النسخ مشكوكا فيه أيضا فلما تطرق الشك على الحكمين جميعا احتجنا إلى اعتبارهما بالأصول فإن شهدت الأصول لأحد الحكمين دون الآخر كان حكمه ثابتا فإن كان هو الأول حمل الثاني على موافقته وإن شهدت الأصول للثاني دون الأول كان الخبر الثاني ثابت الحكم وكان الأول محمولا على موافقه الثاني \r\n وأما قوله فإن عمل الناس بالأول وهو الظاهر في يد أهل العلم والآخر خامل لا يعمل به إلا الشاذ نظر فإن سوغ الذين عملوا بالأول العمل بالآخر ساغ الاجتهاد فيه وان عابوا من عمل بالآخر كان ما عمل به الناس هو المستعمل فإن الأصل فيه أن عملهم بالأول مع تركهم النكير على من عمل بالثاني دليل على أن طريق استعمال حكم كل واحد منهما الاجتهاد لولا ذلك لكان الآخر عندهم نسخا للأول ولظهر النكير ","part":2,"page":291},{"id":674,"text":" منهم على من عمل بالأول فكان في ترك بعضهم النكير على بعض فيما ذهب إليه من حكم أحد الخبرين دلالة على جواز الاجتهاد عندهم في استعمال أحد الخبرين أيهما كان دون الآخر \r\n وأما قوله وان عابوا من عمل بالآخر كان ما عمل به الناس هو المستعمل فلأنهم إذا عابوا على الآخرين ما ذهبوا إليه من ذلك فقد أبانوا عن نسخ الآخر وأفصحوا به ولولا أن ذلك كذلك لكان الاجتهاد فيه سائغا عندهم وما يسوغ فيه الاجتهاد لا يسع بعضهم إظهار النكير فيه على بعض فدل ظهور النكير منهم على الآخرين فيما ذهبوا إليه على أن خبرهم ثابت عندهم غير منسوخ فصار ذلك كالإخبار منهم بأن الثابت هو الذي استعملوه دون الآخر ولأن نسخ الأول لو كان ثابتا لعرفوه كما عرفوا الأول ولظهر النسخ فيهم كما ظهر الأول حتى لا يشذ عن علمه إلا القليل منهم كالنهي عن لحوم الأضاحي وزيارة القبور والشرب في الظروف ومتعة النساء على حسب ما حكيناه عن عيسى بن أبان رحمه الله \r\n فإن قال قائل كيف يكون الأول ناسخا للآخر \r\n قيل له لم نقل ان الاول ناسخ للآخر وإنما قلنا إن ما ذكرناه من حال يدل على أنه الثابت الحكم دون الآخر وأن الآخر لا ينفك من أحد معنيين إما أن يكون غير ثابت في الاصل وإن كان ثابتا فهو محمول على معنى لا يخالف الأول أو يكون منسوخا بالاول ولكن بمعنى آخر لم ينقل إلينا كما قلنا فيما دل الإجماع على نسخه من الأخبار قال أبو بكر وما حكيناه عن عيسى من أن نسخ الأول لو كان ثابتا لظهر فيهم كظهور الحكم الأول صحيح يجب اعتباره وذلك لأن الحكم إذا ثبت وانتشر في الكافة ثم أحدث النبي عليه السلام نسخا فلا بد من أن يظهره عليه السلام للكافة حتى يعرفوه كما كانوا عرفوا المنسوخ قبل نسخه لأنه إذا علم أنهم ثابتون على الحكم الأول معتقدون لبقائه ","part":2,"page":292},{"id":675,"text":" عليهم فغير جائز أن يقرهم على اعتقاد ثبوته والعمل به مع إيجاب نسخه لأنه لو أقرهم على ذلك لكان فيه إقرارهم على اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه وعلى العمل بالمنسوخ الذي لا يجوز العمل به ولكان فيه أيضا ترك الإبلاغ الذي أمره الله تعالى به بقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وقوله تعالى فاصدع بما تؤمر وكان صلى الله عليه و سلم من أشد الناس مسارعة إلى اتباع أمر الله تعالى فوجب من أجل ذلك إظهار الحكم الناسخ ممن عرف الحكم المنسوخ بدءا ومتى أظهره فيهم نقلوه كما نقلوا الأول ولو نقلوه لاستفاض فيهم وظهر كظهور الأول فلما لم ينقل الحكم الآخر إلا الشاذ منهم وثبت الحكم الأول بنقل الكافة كان الحكم الأول ثابتا غير مرفوع بالشاذ الذي لا يوازيه في النقل والاستعمال \r\n وأيضا فإن الحكم الآخر إذا كانت الحاجة إلى معرفته ماسة ثم عرف الأول فالواجب توقيفهم عليه وإعلامهم إياه فيكون الحكم الناسخ بمنزلة الأشياء التي تعم البلوى بها فلا يقبل فيه إلا نقل الكافة ولا يلتفت فيه إلى نقل الشاذ فيصير الحكم بالآخر حينئذ بمنزلة ما لم يرد فيه نقل وصار الأول ثابتا غير معارض بالآخر \r\n قال أبو بكر رحمه الله وينبغي أن يكون كذلك حكم الآيتين إذا أوجبتا حكمين لا يصح اجتماعهما على الوجوه التي ذكرها في الأخبار فإن قال قائل إنما وجب ذلك من جهة أن عمل الناس بأحدهما يدل على ضعف الآخر ووهانته من طريق النقل أو على ","part":2,"page":293},{"id":676,"text":" إغفال بعض الرواة لبعض معانيه وما جرى مجرى ذلك فيصير المعمول به عند الناس كالمنقول من طريق التواتر والآخر كخبر الواحد فلا يعترض به عليه وأما الآتيان فجواز وقوع ذلك فيهما مأمون منهما \r\n قيل له ليس كذلك لأن عيسى لم يفرق ما بين الخبرين المتضادين إذا وردا من جهة التواتر وبينهما إذا وردا من طريق الآحاد فعلمنا أنه لم يعتبر ما ذكرت وعلى أنه لما اعتبر ظهور الحكم الناسخ أنه ناسخ كظهور المنسوخ كان عندهم بدءا وجب ألا يختلف في ذلك حكم الآيتين والخبرين لأن نقل الناسخ منهما أنه ناسخ واجب على من عمله كذلك كنقل لفظه وأحكامه وإذا لم ينقل أنه هو الناسخ علمنا أن حكمه موكول إلى الاجتهاد واعتبار الأصول \r\n قال أبو بكر وأما طرق الاستدلال على الحكم الناسخ منهما من جهة الأصول فعلى وجوه كثيرة يتعذر وصف جميعها ولكنا نذكر منها جملا يعتبر بها نظائرها وتدل على أمثالها \r\n فنقول وبالله التوفيق إن مما يجب اعتباره في حكم الخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما وجاز على أحدهما أن يكون منسوخا بالآخر أن ما كان من ذلك مباح الأصل ثم ورد فيه خبران أحدهما يوجب الإباحة والآخر الحظر فحكم الحظر أولى ويصير خبر الحظر رافعا للإباحة \r\n ومن الناس من لا يسمى ذلك نسخا إذا لم تكن الإباحة المتقدمة ثابتة من جهة الشرع وليس غرضنا في هذا الموضع الكلام في أن ذلك يسمى نسخا أو لا يسمى لأن ذلك كلام في العبارة فلا معنى للاشتغال به وإنما يجب أن يكون كلامنا في المعنى وفي إثبات الحكم وزواله وفي أن أي الخبرين يجب أن يكون قاضيا على الآخر ومزيلا لحكمه \r\n فنقول إن الدلالة على صحة ما ذكرنا من وجوب القضاء بخبر الحظر دون الإباحة أنا قد علمنا ورود النقل عن الإباحة التي كانت الأصل بخبر الحظر والخبر المبيح جائز أن يكون وروده مؤكدا للإباحة التي كانت هي الأصل من طريق دلالة العقل إذ ذلك غير ممتنع وفي القرآن والسنن منه ما يفوق الإحصاء نحو قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وقوله تعالى فامشوا في مناكبها وكلوا من ","part":2,"page":294},{"id":677,"text":" رزقه وكقوله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ونحو ذلك \r\n فإذا كان خبر الإباحة جائز أن يكون ورد مؤكدا لما كان في العقل منها وكان خبر الحظر طارئا لا محالة على الإباحة وناقلا عنه إلى الحظر وجب أن يكون حكم الحظر ثابتا وألا يعترض عليه بخبر الإباحة إن لم نتيقن وروده على الحظر وناقلا عنه وقد روي نحو هذا الاعتبار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى فأثبت حكم الحظر عند تعارض موجب الآيتين فهذه الجملة قد كان يقولها شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله في هذا المعنى وذلك نحو خبر جرهد الأسلمي ومعمر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه أمر بتغطية الفخذ وقال إنها عورة وما روي أن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما دخلا على النبي صلى الله عليه و سلم وفخذه مكشوف فلم يغطها ثم دخل عثمان فغطاها فقيل له في ذلك فقال أما أستحي من رجل تستحي منه الملائكة فاقتضى هذا الخبر إباحة كشف ","part":2,"page":295},{"id":678,"text":" الفخذ واقتضى خبر جرهد ومعمر حظر كشفهما فصار خبر الحظر أولى وكذلك ما روى عن النبي عليه السلام أنه نهى عن أكل الضب وروي عنه أنه إباحة فكان خبر الحظر أولى لما وصفنا \r\n فإن قال قائل فهلا وقفت حكم الحظر والإباحة فيما كان هذا وصفه على دلالة أخرى من غير هذين الخبرين لأن خبر الحظر وإن كان يقينا في وردوه على إباحة الأصل فإن بقاءه مع ورود خبر الإباحة ليس بيقين لجواز أن يكون خبر الإباحة واردا بعد الحظر فيكون رافعا له وإذا كان ذلك جائزا فيهما فقد وقف كل واحد من الخبرين موقف الاحتمال فلا يخلو حينئذ من أن يجعلا كأنهما لم يردا فيبقى الشيء على حكم الإباحة المتقدمة أو يوقف حكمه ويطلب حكم حظره أو إباحته من وجه غيرهما \r\n قيل له لا يجب ذلك لأنا لما علمنا ورود الحظر على الإباحة وثبوت حكمه بعده لم يجز لنا الحكم بزواله إلا بيقين لأن خبر الإباحة لو كان متأخرا عن الحظر يعرفه من عرف الحظر فكان يجب أن ينقل الجميع تاريخ الإباحة متأخرا عن الحظر لأنهم عرفوا الحظر بعد الإباحة المتقدمة كما قلنا في خبر زيارة القبور وما ذكر معها ومتعة النساء ونظائرها فلما لم ينقلوا تاريخ الإباحة متأخرا عن الحظر علمنا أن خبر الإباحة وارد ","part":2,"page":296},{"id":679,"text":" على الأصل الذي كان عليه حال الشيء المحكوم فيه قبل ورود حظره \r\n وأيضا فإن ما كان أصله الإباحة قبل ورود السمع ثم أقر النبي عليه السلام الناس عليه وترك النكير عليهم في إتيانهم إياه على وجه الإباحة فإن ذلك يكون بمنزلة الإخبار عن النبي عليه السلام بإباحته فلما لم يمنع ما كان أصله ما وصفنا من القضاء بخبر الحظر عليه وإزالته عن حكم الإباحة المتقدمة كذلك ورود خبر الإباحة مع خبر الحظر لا يمنع القضاء بالحظر دون الإباحة كما لم يمنع النبي عليه السلام الناس عن إباحة شيء من إزالته بخبر الحظر \r\n فإن قال قائل يلزمك على هذا الأصل أن تقضي بخبر إيجاب الوضوء من مس الذكر على الخبر النافي له لأن خبر النفي وارد على الأصل وخبر الإيجاب ناقل عنه فوجب حظر الصلاة قبل إحداث الطهارة بعد المس \r\n قيل له لا يلزمنا ذلك لأن خبر الوضوء من مس الذكر لو انفرد عن معارضة خبر النفي لما لزمنا قبوله على أصلنا لأنه مما بالناس إلى معرفته حاجة عامة فلا يقبل فيه أخبار الآحاد وإنما ذكرنا الاعتبار الذي وصفنا في الخبرين إذا توازيا وتساويا في النقل ووجه الاستعمال فأما إذا كانا على غير هذا الوجه فلهما حكم آخر وكذلك يجب على هذا الاعتبار الذي قدمنا أن نقول لو علمنا شيئا كان أصله الحظر ثم ورود خبر يبيحه وخبر يحظره يجب أن تكون الإباحة أولى لأن الإباحة في هذه الحال طارئة على الحظر لا محالة والحظر يجوز أن يكون تأكيدا لما كانت عليه حاله قبل ورود إباحته فخبر الإباحة ناقل عن الحظر فلا يعلم خبر الحظر طارئا عليها ناقلا عنها فوجب أن يكون خبر الإباحة أولى ما لم تعم الدلالة على ورود خبر الحظر بعد خبر الإباحة \r\n ولا أحفظ عن أبي الحسن رحمه الله شيئا في هذا الفصل الأخير واعتلاله لما ذكرنا في الفصل المتقدم يدل على أن خبر الإباحة في مثله أولى لما ذكرنا من ثبوت ورودها على الحظر وإزالتها لحكمه يقينا وغير معلوم ورود خبر الحظر عليها بعد ذلك بل جائز أن يكون ورد تأكيدا لما كان عليه حكم الحظر قبل ورود الإباحة إلا أني قد سمعته ","part":2,"page":297},{"id":680,"text":" يحتج أيضا بوجوب استعمال خبر الحظر دون الإباحة في الفصل المتقدم إذا وردا على الجهة التي وصفنا بأن ترك المباح لا يستحق عليه العقاب وفعل المحظور يستحق عليه العقاب فالاحتياط عند الشك اجتنابه والامتناع من موافقته \r\n قال أبو بكر والذي يعضد هذا الحجاج قول النبي عليه السلام الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال فمن تركهن كان أشد استبراء لعرضه ودينه وقال عليه السلام إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه \r\n قال أبو بكر والحجاج الذي حكيناه عن أبي الحسن في هذا الفصل يوجب أن يختلف الحكم في وجوب اعتبار الحظر لاختلاف حال الشيء المحكوم فيه في الأصل من حظر أو إباحة لأنه إذ كان المعنى الموجب لاستعمال خبر الحظر فيما وصفنا ما لزم من الأخذ بالحزم والاحتياط للدين فهذا موجود فيما كان أصله الحظر ثم ورد فيه خبران أحدهما حاظر والآخر مبيح وتجويز ورود خبر الحظر بعد الإباحة قائم فالواجب أن يكون ما لزم من الاحتياط للدين والأخذ بالحزم موجبا للحظر دون الإباحة \r\n فإن قال قائل ليس في استعمال الحظر دون الإباحة احتياط ولا أخذ بالحزم من الوجه الذي ذكرت لأنه محظور عليه اعتقاد الحظر فيما هو مباح كما حظر علينا اعتقاد الإباحة فيما هو محظور فمن اعتقد الحظر فيما جاز أن يكون مباحا فهو تارك للاحتياط \r\n قيل له ليس كذلك لأنه إذ كان مأمورا بترك الإقدام على مالا يأمنه محظورا وكان ذلك أصلا ثابتا في الشريعة وجب اعتباره فيما وصفنا وقد بينا ذلك فيما سلف من القول في وجوب الأمر \r\n قال أبو بكر رحمه الله وقد ذهب عيسى بن أبان إلى غير هذا المذهب الذي حكيناه عن أبي الحسن رحمه الله فيما كان أصله الإباحة ثم ورد خبران حاظر ومبيح ولم يعلم ","part":2,"page":298},{"id":681,"text":" تاريخهما فقال عيسى فيهما إذا عريا من شواهد الأصول وتساويا في جهة النقل فإنهما إذا تعارضا ولم يحتملا الموافقة سقطا وصارا كأنهما لم يردا وبقي الشيء على أصل الإباحة كأنه لم يرد فيه خبر وذكر من نظائر ذلك حديث النبي عليه السلام كل شراب أسكر فهو حرام وما روي عنه أنه أتي بنبيذ فرفعه إلى فيه فقطب فقيل له أحرام هو فدعاء بماء فصبه عليه ثم شربه وروي عنه من خشي من شرابه فليكثره بالماء \r\n وذكر أن خبر الإباحة أولى لأن الحظر لو كان ثابتا في مثله لعرفه جل الصحابة وقد روي عنهم الإباحة ولأن خبر الحظر يحتمل المعاني وخبر الإباحة لا يحتملها ثم قال بعد ذلك ولو لم يكن في واحد من الخبرين إلا وفي الآخر مثله لكان الأمر عندنا على إحلاله لأن التحريم لا يثبت إذا تضاد الخبران كذلك ما أشبه هذا من الأخبار المتضادة \r\n وذكر أيضا خبر الوضوء من مس الذكر وما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لا وضوء فيه ثم ذكر وجوه الترجيح للخبر النافي للوضوء من ذلك ثم قال بعد ذلك ولو لم يكن في ذلك إلا تضاد الخبرين ولم يكن لأحدهما ما ليس للآخر كان الخبران كأنهما لم يأتيا وكان الأمر على أن لا وضوء فيه \r\n وذكر عيسى بن أبان عن ابن عباس وابن عمر أن كل واحد منهما بعث رجلين ينظران إلى الفجر فقال أحدهما قد طلع وقال الآخر لم يطلع فقال ابن عباس اختلفتما إذا شذا بي وقال ابن عمر مثل ذلك \r\n قال عيسى فأسقطا الخبرين عند التعارض وتركا الأمر على الأصل \r\n قال أبو بكر رحمه الله فهذا المذهب خلاف ما حكيناه عن أبي الحسن رحمه الله ","part":2,"page":299},{"id":682,"text":" ووجه ما ذهب إليه عيسى رحمه الله أن كل واحد من خبري الحظر والإباحة لما احتمل أن يكون طارئا على صاحبه فنسخه وجب أن يسقطا جميعا إذا تساويا كأنهما لم يردا فيبقي الشيء على ما كان عليه حكمه قبل ورودهما وقد بينا وجه ما كان يقوله أبو الحسن رحمه الله في ذلك \r\n ومذهب أبي الحسن في هذا أظهر القولين عندي والله أعلم بالصواب \r\n فإن قال قائل قلتم في رجل دعي إلى طعام أو شراب فقال له رجل مسلم ثقة إن هذا اللحم ذبيحة مجوسي وهذا الشراب قد خالطه خمر وأخبره آخر أنه طاهر حلال أو كان ذلك في ماء أراد الوضوء به وقال له أحد المخبرين قد حلته نجاسة وقال الآخر هو طاهر أنه ينظر في ذلك فيعمل على آكد ظنه فإن لم يكن له رأي في ذلك واستوت الحالان عنده جاز له أكل ذلك وشربه والوضوء به وأسقطتم الخبرين لما تعارضا وجعلتموه بمنزلة ما لم يرد فيه خبر فهلا قلتم مثله في الخبرين المتضادين إذا رويا عن النبي عليه السلام وتساويا في النقل ودلالة الأصول أنهما يتعارضان ويسقطان \r\n قيل له الفرق بينهما أن أخبار النبي عليه السلام لما جاز فيها ورود الحظر على الإباحة ثم ورود الإباحة بعد الحظر وقد علمنا الحظر طارئا على الإباحة لا محالة والإباحة لو وردت بعد الحظر لظهر أمرها وانتشر تاريخها فيمن عرف الحظر لأن النبي عليه السلام كان لا محالة يظهر الإباحة لكافة من علم الحظر حتى ينتشر فيهم ويظهر كظهور الحظر قبلها على نحو ما قلناه في خبر النهي عن زيارة القبور وما ذكر معها ومتعة النساء ونحوها فلما فقدنا ذلك فيما وصفنا دل ذلك على أن خبر الإباحة ورد على الأصل وأن خبر الحظر متأخر عنه وكانت هذه جهة توجب لخبر الحظر مزية ليست الخبر الإباحة وتغلب ","part":2,"page":300},{"id":683,"text":" بها في النفس أنه أولى منه كما قلنا في المخبرين إذا أخبر أحدهما بنجاسة الطعام والشراب والآخر بطهارته أنه متى غلب في الظن صحة أحد الخبرين عملنا عليه وألغينا الآخر فالخبران المتضادان عن النبي صلى الله عليه و سلم في إثبات حكم الحظر دون الإباحة بمنزلة غلبة الظن في خبر أحد المخبرين بالنجاسة والطهارة ولا يشبه تساوي الخبرين المتضادين في هذا الوجه تساوي خبر المخبرين في الطهارة والنجاسة فيسقطان ويبقى الشيء مباحا على الأصل لأنه غير جائز ارتفاع حكم النجاسة بعد حلولها في الطعام أو الشراب فيعتبر فيه ورود الإباحة على الحظر وظهور أمرها لو ثبت على حسب ما قلنا في أخبار النبي عليه السلام فلما لم يكن هاهنا حال يغلب بها جهة الحظر دون الإباحة تساوي الخبران جميعا وسقطا ولم يثبت لهما الحكم وصارا كأنهما لم يردا وبقي الشيء على أصل الإباحة \r\n فإن قال قائل إن كانت العلة في تغليب جهة الحظر على الإباحة ما ذكرت من أن الإباحة لو كانت بعد الحظر لظهر أمرها وانتشر تاريخها حتى يعرفها عامة من عرف الحظر فإن ذلك يلزمك مثله في الإباحة لأن الحظر لو كان ثابتا بعد الإباحة لظهر تاريخ الحظر عنها ولعرفه عامة من عرف الإباحة متأخرا عنها \r\n قيل له لا يجب ذلك لأن ورود خبر الإباحة ليس بأكثر في إيجابه ما أوجب من ذلك بأكثر من علمنا بكون الشيء مباحا على الأصل وإقرار النبي عليه السلام الناس عليها ثم لم يجب إذا ورد خبر الحظر عاريا عن خبر الإباحة لفظا عن النبي عليه السلام أن تكون الإباحة أولى بل أن يكون الحظر أولى ولا يحتاجون أن ينقلوا إلينا أن هذا الحظر كان بعد إقرار النبي عليه السلام الناس على الإباحة المتقدمة كذلك إذا نقل لفظ الإباحة عن النبي عليه السلام ونقل الحظر فليس يجب عليهم ذكر ورود الحظر بعد الإباحة لأن ذلك قد علم كونه على هذا الوجه فلا يحتاج فيه إلى نقل التاريخ وأما إذا ثبت الحظر ثم نقلوا عنه إلى الإباحة فلا بد من نقل تاريخه وظهوره فيمن عرف الحظر فإذا لم يوجد بهذا الوصف فعلى أن الإباحة واردة على ما كان عليه الأصل وأن الحظر وارد بعدها فكان أولى \r\n فإن قال قائل ما ذكرت في الفصل بين أخبار النبي عليه السلام وبين خبر ","part":2,"page":301},{"id":684,"text":" المخبرين بالطهارة والنجاسة بأن ما يثبته النبي عليه السلام من ذلك شرعا يجوز فيه ورود الإباحة على الحظر تارة وورود الحظر على الإباحة أخرى وأن ذلك ممتنع في مخالطة النجاسة للطعام والشراب لأنه لا يصير طاهرا بعد أن كان نجسا فوجب تأكيد حبر النجاسة والتحريم على خبر الطهارة والتحليل لأنه إذا حلته النجاسة فغير جائز أن تطهر بعده وما حظره النبي عليه السلام يجوز أن يبيحه بعده \r\n قيل له لا يجب ذلك من قبل أنا لم نجعل الفصل بين المسألتين أن أحدهما يجوز فيها ورود كل واحد من حظر أو إباحة على صاحبه وأن الأخرى لا يجوز فيها ورود الإباحة بعد الحظر فحسب دون ما ذكرنا من أن أخبار الشرع في الحظر والإباحة لما جاز فيها ورود الإباحة على الحظر وقد علمنا صحة الحظر طارئا على الإباحة امتنع وجود الإباحة بعده إلا مع ورود تاريخهما متأخرا عن الحظر منتشرا ظاهرا عند من ثبت عنده الحظر أو أكثرهم فلما عدمنا ذلك علمنا أن خبر الإباحة وارد على الأصل وأن خبر الحظر بعده و قلنا إن مثل ذلك ممتنع في خبر المخبرين بالنجاسة والطهارة لامتناع ورود الطهارة على الماء بعد ورود النجاسة فلم يكن ها هنا جهة توجب كون إثبات النجاسة أولى من إثبات الطهارة \r\n ويبين ويبين لك الفصل بينهما أنك لا تخالفنا في صحة خبر الحظر طارئا على إباحة الأصل وإنما تريد إثبات الإباحة التي هي قول من النبي عليه السلام أو فعل طارئ على الحظر ولا نقول مثله في خبر المخبرين بالنجاسة والطهارة لأنك تمنع إثبات الطهارة بعد النجاسة وإنما عارضت أحدهما بالآخر فاسقطتهما جميعا وبقيت الشيء على ما كان عليه حاله قبل خبر المخبرين \r\n ومما يدل على الفصل بين خبر النجاسة والطهارة وبين أخبار الشرع في الحظر والإباحة أن المخبرين بالنجاسة والطهارة إنما تناول خبراهما عينا واحدة أخبر أحدهما ","part":2,"page":302},{"id":685,"text":" بنجاستها والآخر بطهارتها ويستحيل وجود مخبريهما على ما أخبرا به من حكم المخبر عنه فلما كان كذلك علمنا أن أحد المخبرين قد أوهم في خبره وأخبر عن الشيء على خلاف حقيقة حاله فلما لم يعرف الغالط منهما ولم يكن أحدهما أولى بقبول خبره من الآخر سقط الخبران جميعا فصار وجود خبريهما على هذا الوصف قادحا في نفس الخبر وليس كذلك حكم أخبار الشرع إذا وردت متعارضة في الحظر والإباحة لأن ورودها على هذا الوجه لم يقدح في نفس الخبر ولم يوجب كونه مشكوكا فيه إذ لا فرق عندنا في ذلك بين ما ورد من طريق التواتر ومن جهة الآحاد وإنما تعارض الخبران من حيث فقدنا العلم بتاريخهما لأنهما لم يردا في حكم شيء واحد في حال واحدة ألا ترى أن خبر الحظر إذا ورد على ما علمت إباحته في الأصل وقد أقر النبي عليه السلام الناس عليها أنه يقضي على الإباحة ويرفعها ولا يكون ذلك تعارضا ولا تضادا في الخبرين لأن ما حظر من ذلك غير ما كان مباحا فلم يرد الخبران في عين واحدة في حال واحدة أنه محظور مباح فلما كان ذلك كذلك ثبت حكم الحظر دون الإباحة للعلة التي ذكرنا وكان خبر الإباحة صحيحا محكوم به أيضا إلا أنه قبل الحظر في غير ما ورد فيه الحظر فلذلك لم يتعارضا على هذا الوجه لأن الخبرين جميعا في إثبات الإباحة والحظر ثابتان إلا أنا حكمنا بتقدم الإباحة على الحظر وأثبتنا الحظر بعدها فالكلام في ذلك إنما هو في تاريخ الحكمين أيهما المتقدم لصاحبه \r\n وأما المخبران بطهارة الماء أو بنجاسته فإن كل واحد منهما يثبت ما أخبر به في حال يثبت صاحبه فيها ضده فلم يصح ثبوتهما إذا تساويا ولم يجر الحكم بتأخير حلول النجاسة عن الحال التي أخبر المخبر الآخر منهما بالطهارة لأن المخبر بالطهارة يزعم أنه طاهر في الحال وأن ما أخبر به ثابت الحكم والمخبر بالنجاسة يقول هو نجس في الحال لا يجوز استعماله فتناول خبرهما عينا واحدة بحكمين متضادين فتعارض موحب خبرهما عند استواء حالهما وسقط كأن لم يرد وبقي الشيء على ما كان عليه ومن حكم الإباحة ويكون هذا نظير شاهدين شهدا على رجل أنه قتل عمرا يوم النحر بالكوفة وشهد آخران ","part":2,"page":303},{"id":686,"text":" أنه قتل زيدا يوم النحر بمكة فتبطل شهادة الفريقين لتضادهما إذ قد علمنا كذب أحدهما وكل واحد منهما يثبت كونه بالموضع الذي ذكره في شهادته في الحال التي أثبت الآخر كونه بالموضع الآخر وذلك متناف متضاد لا يصح إثباته وليس أحد الفريقين بأولى بقبول شهادته من الآخر فسقطت شهادتهما جميعا فقد تبين بما ذكرنا أن مسألة السائل عما وصفنا ليست من تعارض الخبرين المتضادين اللذين يجوز على كل واحد منهما أن يكون هو الناسخ لصاحبه في شيء وإنما نظير المسألة التي سأل عنها السائل أن يرد خبران متضادان في عين واحدة يخبر كل واحد منهما عنه بحال تضاد ما أخبر عنه به صاحبه فيحتاج حينئذ فيه إلى اعتبار آخر نحو ما روي أن النبي عليه السلام تزوج ميمونة وهو محرم وما روي أنه تزوجها وهو حلال وكان ذلك تزويجا واحدا ونحو ما ","part":2,"page":304},{"id":687,"text":" روي أن زوج بريرة كان حرا فخيرها رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أعتقت وروي أنه كان عبدا وما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى في الكعبة حين دخلها وروي أنه لم يصل فيها وليس ذلك من الناسخ والمنسوخ في شيء وله شروط أخر سنذكرها إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى موضع الكلام في الخبرين المتضادين ","part":2,"page":305},{"id":688,"text":" فصل \r\n من هذا الباب قال أبو بكر رحمه الله وأما إذا ورد خبر ان في أحدهما إيجاب شيء وفي الآخر حظر وهما مما لا يجوز أن يكون أحدهما ناسخا للآخر على حسب ما قدمنا فإن ما ورد فيه ذلك لا يخلو من أن يكون من خبر المباح قبل ورود السمع أو من خبر المحظور فإن كان قبل ورود السمع من خبر المحظور الذي يجوز استباحته على حسب مجيء السمع بها فقد علمنا يقينا ورود الإيجاب على الحظر وإزالته لحكمه \r\n وجائز أن يكون خبر الحظر واردا على جهة التأكيد لما كان عليه حاله قبل ورود السمع فالحكم في مثله ينبغي أن يكون الإيجاب للعلة التي وصفنا \r\n وإن كان ذلك الشيء في الأصل قبل ورود السمع من خبر المباح فليس ورود الحظر بأن يكون طارئا على إباحة الأصل بأولى من ورود خبر الإيجاب عليها فإذا لم يكن معنا تاريخ فليس أحد الخبرين بأولى بالحكم من الآخر فالواجب حينئذ طلب الدليل على الثابت من حكم الخبرين والاستدلال بالأصول عليه فإن لم يكن في الأصول ما يشهد لثبوت حكم أحد الخبرين دون الآخر فإنه يحتمل أن يقال إن الواجب في مثله أن يتعارضا وأن يسقطا ويصيرا كأنهما لم يردا ويحتمل أن يقال إن الواجب الامتناع من الفعل لأنه غير جائز لنا الإقدام على فعله على أنه طاعة ولم يثبت ذلك عندنا \r\n وغير جائز أيضا فعله على وجه الإباحة لأن المخبرين قد أخرجاه من حيز الإباحة وألحقاه بحكم الحظر أو الإيجاب والاحتياط في مثله الكف عن الإقدام لأنه ليس بمباح فيفعل على وجه الإباحة ولا يعلمه واجبا ولا مندوبا إليه فيفعله على هذا الوجه فالاحتياط به إذن لم يثبت إيجابه وعلى أنا بحمد الله لم نجد خبرين أحدهما يحظر والآخر يوجب إلا والدلائل قائمة على ثبوت أحدهما دون الآخر إما من جهة العلم بتاريخهما أو قيام دلائل من الأصول على الثابت منهما \r\n وإنما تكلمنا على حال عدم الدليل على ثبوت حكمهما وتساويهما في موجب لفظهما لستويا في الكلام في المسألة حسب ما يقتضيه أقسام الاحتمال ","part":2,"page":306},{"id":689,"text":" ومما يستدل به على الناسخ أن يرد خبران متضادان مع احتمال نسخ أحدهما بالآخر فيختلف أهل العلم في الناسخ منهما بعد اتفاق الجميع على نسخ بعض أحكام أحدهما فيدل ذلك من أمره على أنه متقدم على الخبر الذي لم يتفق على نسخ شيء منه فواجب أن يكون ما اتفق على نسخ بعضه منسوخا بالآخر لدلالة الاتفاق على أن بعض ما فيه قد نسخ بالآخر وأن الآخر قد صار متأخرا عنه في وجوب نسخ بعضه وذلك نحو ما روي أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود وإذا نهض إلى القيام \r\n وروي عن عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى وقد اتفق الجميع على ترك الرفع عند السجود وعند رفع رأسه منه وإذا نهض إلى القيام فدل على أن خبر رفع اليدين في هذه الأحوال متقدم لخبر الترك فوجب أن يجعل منسوخا به وذلك لأنه لم يثبت هنا خبر يوجب نسخ الرفع عند السجود وبعده إلا الخبر الذي روي فيه ترك الرفع في الركوع وفي سائر أحوال الصلاة إلا عند الافتتاح وإذا ثبت أن هذا هو الناسخ للرفع عند السجود صار متأخرا عنه في التاريخ فوجب أن ينسخ الرفع عند الركوع إذ ليس في لفظه وما يقتضيه عمومه فرق بين الرفع عند الركوع وعند السجود \r\n ونظيره أيضا ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قنت في المغرب والعشاء والفجر وفي سائر الصلوات وروي عنه ترك القنوت في سائر الصلوات واتفق الجميع على تركه في ","part":2,"page":307},{"id":690,"text":" المغرب والعشاء والظهر والعصر فدل على أن خبر الترك متأخر عنه فوجب أن يكون ناسخا لجميعه إذ كان قد قضى عليه وأوجب نسخ بعضه وغير جائز أن يقال إن فعل القنوت في المغرب والعشاء لم ينسخ بهذا الخبر لأنه ليس معنا خبر غيره يوجب نسخه فوجب أن يحكم بأنه الناسخ دون غيره كما أنا إذا وجدنا الأمة مجتمعة على معنى مذكور في القرآن والسنة وجب أن يحكم بأن الإجماع حصل عن القرآن أو السنة فكذلك ما وصفنا ومثله ما روي عن النبي عليه السلام في صفة صلاة الكسوف أنه ركع ركوعين ثم سجد وروي أنه ركع ثلاث ركعات ثم سجد وروي أنه ركع أربع ركعات ثم ","part":2,"page":308},{"id":691,"text":" سجد وروي أنه صلى كهيئة صلاتنا وأنه قال صلوا كأحدث صلاة صليتموها \r\n وقد اتفق الجميع على أنه لا يركع في ركعة أكثر من ركوعين فصار ما زاد على الركوعين منسوخا بخبر ما فعلمنا أنه متأخر فوجب أن يكون متأخرا عن الركوعين أيضا ناسخا لهما كنسخه لما زاد عليهما \r\n ومما يستدل به على النسخ أيضا أن يكون أحد الحكمين متفقا على استعماله والآخر مختلفا في استعماله فالواجب فالواجب فيما كان هذا سبيله أن يقضى فيه بالمتفق عليه على المختلف فيه فيصير ناسخا له إن اقتضى لفظه رفع جميعه وإن اقتضى رفع بعضه كان ناسخا لذلك البعض وذلك نحو قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم الآية وروي عن النبي عليه السلام أنه قضى بشاهد ويمين فلو ثبت الخبر على الوجه الذي يدعيه المخالف لكانت الآية ناسخة له لاتفاق الجميع على ثبات حكمها واختلافهم في ثبوت حكم الخبر ونحو وقول النبي عليه السلام التمر بالتمر مثلا بمثل ونهيه عن ","part":2,"page":309},{"id":692,"text":" المزابنة فهذان الخبران متفق على استعمالهما وخبر الخرص والعرايا مختلف فيهما فهما منسوخان بهما ولذلك نظائر كثيرة قد ذكرنا بعضها فيما سلف من القول في العام والخاص ","part":2,"page":310},{"id":693,"text":" وأما الاستدلال على الناسخ من الخبرين بالقياس والنظر فنحو ما ذكرنا عن عيسى بن أبان رحمه الله تعالى فيما روي عن النبي عليه السلام أنه قال توضئوا مما مست النار وروي عنه أنه أكل مما مست النار ثم صلى ولم يتوضأ \r\n وروي فيه عن السلف اختلاف فكان ترك الوضوء منه أشبه بالسنة لأنا لم نر الوضوء في السنة القائمة إلا في الأنجاس الخارجة وكذلك ما روي في الوضوء من مس الذكر وقد روي فيه أنه لا وضوء فيه ووجدنا كمس ما هو أنجس من الذكر فلا يجب فيه الوضوء فكان الأمر فيه عندنا أن لا وضوء فيه \r\n فاستدل عيسى بشهادة الأصول لأحد الخبرين ومعاضدة القياس له على بيان حكمه دون الآخر \r\n قال أبو بكر رحمه الله ومن نظائر ذلك ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال في المحرم الذي وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وروى عن ","part":2,"page":311},{"id":694,"text":" ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال غطوا رءوس موتاكم ولا تشبهوا باليهود وروى عنه عليه السلام أنه قال إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم يعمل به بعد موته وولد صالح يدعو له فكان النظر معاضدا لهذين الخبرين ومنافيا لخبر النهي عن تغطية رأس المحرم لاتفاق الناس على أن من مات محرما لا يوقف به بعرفة ولا بالمزدلفة ولا يطاف به ولا يفعل به سائر أفعال المناسك فدل على انقطاع إحرامه وعلى أن خبر النهي عن تخمير رأسه منسوخ بالخبرين اللذين ذكرنا وكذلك ما روي عنه عليه السلام أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وروي أنها تتوضأ لوقت كل صلاة فكان الخبر الذي ذكرنا فيه اعتبار الوقت أولى من قبل أنا قد وجدنا في الأصول طهارة مقدرة بوقت وهو المسح على الخفين وليس منها طهارة مقدرة بفعل الصلاة ونظيره أيضا ما روي من الأخبار المتضادة في صلاة الكسوف فقلنا إن خبرنا أولى لاتفاق الجميع على سائر الصلوات ليس فيها الجمع بين ركوعين من غير سجود بينهما فكانت الأصول شاهدة بخبرنا فدل على أنه ناسخ لسائر الأخبار التي تخالفه ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على ما تركنا وقد تقدم ذكر الدلالة في مواضع على أن شهادة الأصول لحكم أحد الخبرين يوجب كونه أولى مما تنافيه الأصول في مواضع فكرهنا إعادته مخافة التطويل ","part":2,"page":312},{"id":695,"text":" فصل \r\n من هذا الباب قال أبو بكر قد بينا فيما سلف من هذا الباب أن الزيادة في النص إذا وردت بعد استقرار حكمه منفردا عنها كان نسخا وأن الزيادة إن وردت متصلة بالنص معطوفة عليه كاتصال الاستثناء بالجملة فإنهما جميعا مستعملان فيكون النص مستعملا بالزيادة الواردة معه وغير جائز في مثله إفراد أحدهما عن الآخر كما لا يجوز إفراد الجملة عن الاستثناء \r\n ونذكر الآن حكم الزيادة إذا وردت وقد ورد النص منفردا عنها ولا نعلم تاريخهما \r\n فنقول إن الزيادة إن كانت وردت من جهة ثبت النص بمثلها فإن طريقه الاستدلال بالأصول فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معا أثبتناهما فإن شهدت بالنص منفردا عنها أثبتناه دونها وإن لم يكن في الأصول دلالة على إسقاط حكم الزيادة وإثبات النص دونها فالواجب أن يحكم في ذلك بورودهما معا ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا وردا ولا نعلم تاريخهما ولا في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر فيكونان مستعملين جميعا \r\n كذلك إذا وردت الزيادة والنص ولم نعلم تاريخها ولا مع أحدهما دلالة من الأصول ولا استعمال الناس للنص دون الزيادة فالحكم بورودهما معا واجب فيكون النص ثابتا بزيادته \r\n وأما إذا كان ورود النص من جهة توجب العلم بموجبه نحو أن يكون نص الكتاب أو سنة ثابتة بالنقل المستفيض وكان ورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد فإنه لا يجوز إلحاقها بالنص الثابت بالكتاب أو بالنقل المستفيض لأن الزيادة لو كانت ثابتة موجودة مع النص لنقلها إلينا من نقل النص إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودا بالزيادة فتقتصر النبي عليه السلام على إبلاغ النص منفردا منها فواجب ","part":2,"page":313},{"id":696,"text":" إذن أن يذكرها معه ولو ذكرهما معا لنقل الزيادة من نقل النص \r\n فإن كان النص مذكورا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغير جائز أن يقتصر النبي صلى الله عليه و سلم على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يعقبها بذكر الزيادة لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكن استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه نحو قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فإن كان الحد هو الجلد والنفي أو الجلد والرجم فغير جائز أن يتلو النبي عليه السلام الآية على الناس عارية من ذكر النفي والرجم عقيبها لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها ولأن المذكور فيها هو كمال الحد الواقع موقع الجزاء عند إيقاعه ولو كان هناك معه نفي أو رجم مستحق بالفعل لكان الجلد بعض الحد وغير جائز أن يكون مراده أنه بعض الحد وأنه جميعه فإذا أخلى النبي عليه السلام التلاوة من ذكر النفي والرجم عقيبها فقد ألزمنا اعتقاد الجلد المذكور في الآية حدا كاملا فغير جائز إلحاق الزيادة به إلا على وجه النسخ ألا ترى أنه لما قال عليه السلام اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يذكر معه جلدا كان ذلك نسخا لما في حديث عبادة بن الصامت عن النبي عليه السلام من قوله والثيب بالثيب الجلد والرجم \r\n وكذلك لما رجم ما عزا ولم يجلده دل على أنه نسخ الجلد مع الرجم \r\n كذلك يجب أن يكون قوله تعالى الزانية والزاني عاريا عن ذكر النفي والرجم موجبا لنسخ النفي المذكور في حديث عبادة بن الصامت البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام فلو كانت هذه الزيادة ثابتة مع الأصل لذكرها النبي صلى الله عليه و سلم عقيب التلاوة ولو ذكرها لنقلتها الكافة التي نقلت الأصل إذ غير جائز عليهم أن يعلموا الحد الجلد ","part":2,"page":314},{"id":697,"text":" والنفي جميعا فينقلوا الجلد دون النفي كما لا يجوز أن ينقلوا بعض الحد دون بعض وقد سمعوا النبي صلى الله عليه و سلم يذكر الجميع فلما عدمنا نقل الكافة للزيادة حسب نقلها للنص علمنا أنه لم يكن من النبي عليه السلام عقيب التلاوة ذكر الزيادة إذ كان السامعون للآية معتقدين نقل الزيادة المذكورة مع الأصل وغير جائز عليهم التبعيض وترك النقل فيما كان هذا وصفه فامتنع من أجل ذلك إلحاق الزيادة بالنص من جهة توجب العلم بنقل الكافة إياها فلا تخلو حينئذ الزيادة الواردة من جهة الآحاد إن كانت ثابتة من أن تكون قبل النص أو بعده \r\n فإن كانت بعده فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكر الزيادة وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ الآية وغير جائز نسخ الآية بخبر لا يوجب العلم ومن نحو ذلك قوله تبارك وتعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا والقياس الذي شرط في الرقبة الإيمان يوجب نسخ ما في الآية على الوجه الذي بينا \r\n ومن جهة أخرى إن النبي عليه السلام أعتق رقبة وكذلك قال للذي سأله عن الإفطار في شهر رمضان أعتق رقبة ولم يشرط فيها الإيمان مع علمه بجهل السائل بالحكم فلا يجوز زيادة شرط الإيمان فيها إلا على وجه النسخ وهذا يمنع استعمال القياس وإلحاق شرط الإيمان بها من وجهين \r\n أحدهما أن نسخ الآية لا يجوز بالقياس \r\n والثاني أن القياس لو أوجب شرط الإيمان فيها لأخبره النبي عليه السلام بذلك لئلا يعتقد السائل غيره ولئلا يقدم في الحال على تنفيذها في رقبة كافرة إذ قد أمره بعتقها في الحال ألا ترى أنه لما قال عليه السلام اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها عقلنا من هذا أنه لا شيء عليها غير الرجم إذ كان مأمورا في الحال بتنفيذ هذا ","part":2,"page":315},{"id":698,"text":" الحكم وإمضائه على هذا الوجه فوجب أن يكون هذا الحد لا غير \r\n كذلك أمره السائل برقبة مطلقة في الحال أي رقبة كانت يقتضي أن تكون هي الواجبة كافرة كانت أو مسلمة \r\n وأما إذا كان ثبوت النص من جهة أخبار الآحاد فإنه جائز إلحاق الزيادة به بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به على الاعتبار الذي ذكرنا في الخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما ولم يرد مع النص في خطاب واحد معطوف بعضه على بعض وإذا كانت واردة مع النص في خطاب واحد فليست هذه زيادة في النص على الحقيقة بل الجملة كلها هي النص فجميعها ثابت الحكم \r\n وأما القياس فإنه لا يجوز وقوع النسخ به وهذا ما لا نعلم فيه خلافا بين السلف والخلف ممن يعتد بقوله \r\n وحكي لي عن بعض من كان ببغداد من أذناب المتأخرين أنه كان يجيز نسخ القرآن قياسا على نص في القرآن وكذلك نسخ السنة قياسا على سنة أخرى \r\n والذي يحكى عنه هذا القول خامل غير معروف من أهل العلم وخلافه في ذلك كخلاف رجل من العامة لا يعتد به لو خالف على أهل عصره فكيف به إذا خالف على السلف والخلف جميعا من أهل الأعصار المتقدمة وهو مع ذلك قول مخالف للمأثور عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في إباحة الاجتهاد عند عدم النص فمنه ما روي بالنقل الشائع الذي تلقاه الناس بالقبول أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله قال أقضي بما قضى به رسول الله قال فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله ولا فيما قضى به رسول الله قال أجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفق رسوله لما يحبه رسول الله ","part":2,"page":316},{"id":699,"text":" فأخبر صلى الله عليه و سلم أن جواز الاجتهاد مقصور على عدم النص المتوارث عن الصدر الأول ومن بعدهم من فقهاء سائر الأعصار إذا ابتلوا بحادثة طلب حكمها من النص ثم إذا عدموا النص فزعوا إلى الاجتهاد والقياس ولا يسوغون لأحد الاجتهاد واستعمال القياس مع النص ألا ترى إلى ما روي عن جماعة من الصحابة من أتاه منكم أمر ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله فليجتهد رأيه وكان عمر رضي الله عنه إذا نزل به نازلة من أمر الأحكام سأل الصحابة هل فيكم من يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها شيئا فإذا روي له فيها أثر قبله ولم يفتقر معه إلى مشاورة ولا اجتهاد فإذا عدم حكمها في الكتاب والسنة فزع إلى مشاورة الصحابة وإلى اجتهاد الرأي فيها \r\n وكذلك كان أمر سائر الصحابة والتابعين ومن بعدهم إنما كانوا يفزعون إلى النظر والاستدلال عند عدم النصوص ولم يحك عن أحد منهم مقابلة النص بالقياس ولا معارضته بالاجتهاد \r\n ومما يدل على صحة ما قلنا أن نص القرآن والسنة الثابتة من طريق التواتر يوجبان ","part":2,"page":317},{"id":700,"text":" العلم بما تضمناه والقياس الشرعي لا يفضي إلى العلم بموجبه وإنما هو غالب ظن فغير جائز رفع ما أوجب العلم بما لا يوجبه وقد بينا ذلك فيما سلف من القول في تخصيص النص بالقياس \r\n فإن قال قائل يلزمك على هذا ألا تزيل الإباحة الثابتة في الأصل من غير جهة الشرع بالقياس وخبر الواحد لأن ثبوتها من طريق الدلائل العقلية الموجبة للعلم \r\n قيل له هذا غلط من قبل أن العقل وإن دل على إباحة أشياء في الجملة فإنا متى قصدنا إلى استباحة شيء منها بعينه فإنما نستبيحه من طريق الاجتهاد وغالب الظن \r\n ألا ترى أنه لو غلب في ظننا أن علينا في تناوله ضررا أكثر مما نرجو من نفعه لم يجز لنا تناوله وهذا الضرب من الاستباحة طريقه غلبة الظن لا حقيقة العلم لأن الإباحة لما كانت معقودة بألا يلحقنا ضرر أكثر مما نرجو من نفعه وكان هذا المعنى موقوفا على غلبة الظن بطل قول القائل أن إستباحة هذه الأشياء في الجملة من طريق يوجب العلم وهذا نظير ما نقول إنه قد ثبت من طريق يوجب العلم قبول شهادة شاهدين عدلين في الديون بقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم ثم إذا أردنا قبول شهادة شاهدين بأعيانهما كان طريق قبولهما الاجتهاد وغلبة الظن لا من جهة تفضي إلى العلم بصحة مقالتهما فكذلك ما وصفنا \r\n وأيضا فإن النسخ لما كان بيانا لمقدار مدة الحكم وكان لا سبيل إلى إثبات المقادير من طريق المقاييس كتوقيت مقدار فرض الصوم وركعات الظهر لم يجز إثبات النسخ بالقياس لما فيه من تقدير مدة الفرض ","part":2,"page":318},{"id":701,"text":" @ 319 @ ","part":2,"page":319},{"id":702,"text":" @ 320 @ ","part":2,"page":320},{"id":703,"text":" باب القول فيما ينسخ بعضه ببعض وما لا ينسخ \r\n قال أبو بكر رحمه الله قد ثبت نسخ القرآن بقرآن مثله وقد تقدم بيانه \r\n وكذلك نسخ السنة بسنة مثلها وقد تقدم ذكره \r\n وجائز عندنا نسخ السنة بالقرآن ونسخ القرآن بالسنة الثابتة من طريق التواتر ","part":2,"page":321},{"id":704,"text":" ولا يجوز نسخ القرآن ولا نسخ السنة الثابتة من جهة التواتر بخبر الواحد \r\n ويجوز نسخ ما ثبت بخبر الواحد بمثله وبما هو آكد منه \r\n وجملة الأمر فيه أن ما ثبت من طريق يوجب العلم فجائز نسخه بما يوجب العلم \r\n فلا يجوز نسخه بما لا يوجب العلم وما ثبت من طريق لا يوجب العلم وإنما يوجب العمل فجائز نسخه بمثله وبما هو آكد منه مما يوجب العلم \r\n فصل \r\n والدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن قوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فإذا كان النسخ بيانا لمدة الحكم على ما بينا اقتضى عموم الكتاب جواز نسخ السنة به \r\n وأيضا لما جاز نسخ السنة بوحي ليس بقرآن وجب أن يجوز نسخها أيضا بوحي هو قرآن لأنهما وحي من الله تعالى \r\n وأيضا لا خلاف بين السلف في جواز نسخ السنة بالقرآن لأن الروايات قد تظاهرت عنهم في أشياء من السنن ذكروا أنها منسوخة بالقرآن منها ما روي في شأن القبلة أن النبي لما قدم المدينة صلى بضعة عشر ","part":2,"page":322},{"id":705,"text":" شهرا إلى بيت المقدس ثم أنزل الله تعالى فول وجهك شطرا المسجد الحرام ونسخ به التوجه إلى بيت المقدس \r\n وروى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بقتل الكلاب فقال الناس يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فأنزل الله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين \r\n قال أبو بكر فأخبر أن نسخ قتل الكلاب كان بالآية \r\n وروي أنهم كانوا يشربون الخمر حتى نزل قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ثم أنزل قوله يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه \r\n وروي أنه قد كان الأكل والشرب والجماع محظورا عليهم في ليالي الصوم بعد النوم فأنزل الله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فنسخ به الحظر المتقدم \r\n وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم صالح قريشا على أنه يرد إليهم من جاءه من نسائهم بغير إذن وليها فنسخ ذلك بقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار الآية \r\n روي عن جماعة من السلف أنه رد عليه السلام زينب على أبي العاص منسوخ بقوله تعالى لا هن حل لهم وقال قتادة كان رده إياها إليه قبل أن تنزل سورة ","part":2,"page":323},{"id":706,"text":" براءة فرأى أن هذا الحكم منسوخ بسورة براءة يعني والله أعلم قوله تعالى فاقتلوا المشركين \r\n وروي أن الناس كانوا يدخلون على النبي عليه السلام ونساؤه عنده فأنزل الله آية الحجاب بعد أن كن غير محجبات \r\n ومنها تبني النبي عليه السلام زيد بن حارثة وتبني أبي حذيفة سالما نسخه قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم وقوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله \r\n وكان النبي عليه السلام أمرهم في حجة الوداع بفسخ الحج وقال عمر بن الخطاب ذلك منسوخ بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله \r\n ونظائر ذلك كثيرة وقد اعترض بعض المخالفين على هذا وزعم أن النبي صلى الله عليه و سلم قد كان يقف من تأويل مجمل الكتاب على مالا يشركه في الوقوف عليه أحد من أمته فليست له سنة لا كتاب فيها إلا وقد يحتمل أن يكون لها في الكتاب جملة تدل عليها فخص الله تعالى رسوله بعلم ذلك فلم يثبت أن آية نسخت سنة لأن تلك السنة قد تكون مأخوذة من جملة هذا الكتاب وإن خفي علينا علم ذلك \r\n قال أبو بكر وهذا الكلام بين الانحلال ظاهر السقوط وذلك لأن جواز ما ذكره ","part":2,"page":324},{"id":707,"text":" يمنع وجود نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة وذلك لأن كل آيتين ظاهرهما النسخ فجائز أن يكون نسخ إحداهما إنما كان بسنة الرسول وإن لم ينقل إلينا إلا بقرآن وأن القرآن إنما نزل بعد ذلك بحكم قد سنه الرسول صلى الله عليه و سلم ونسخ به القرآن وكل سنتين كان ظاهرهما النسخ فجائز أن يكون نسخ المنسوخ منهما إنما كان بحكم أوجبه جملة من القرآن نحو قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقوله تعالى فاتبعوه وقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وعلى أن هذا يوجب ألا يكون للنبي عليه السلام سنة رأسا وأن يكون كل ما سنه فإنما هو بيان لجملة مذكورة في القرآن وقد علم النبي عليه السلام تفسيرها دوننا لما خصه الله تعالى به من النبوة والعلم بتأويل الآية التي لا يشركه فيه غيره \r\n وبطلان هذا القول معلوم من اتفاق الأمة لأنها قد عقلت أن في الشريعة أحكاما مأخوذة من الكتاب وأحكاما ليست من الكتاب مأخوذة من السنة \r\n فإن قال قائل إن هذا القول الذي عارضت به ما حكيت يرده ظاهر الكتاب لأن الله تعالى قال ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وقال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية فقد أفصح الكتاب بأن بعضه ينسخ بعضا \r\n قيل له نقول لك إنما أفصح الكتاب بوجود النسخ في القرآن ولا دلالة فيه على أنه نسخه بقرآن مثله أو بغيره لأنه لا يمتنع أن يكون مراده ما ننسخ من آية بسنة نوحي بها إليك نأت بخير منها ","part":2,"page":325},{"id":708,"text":" وكذلك قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية بأن ننسخها بوحي ليس 2بقرآن ثم ننزل أخرى مكانها وإن لم تكن ناسخة لها فلا يمكن القائل بما وصفنا الانفصال ممن نفى نسخ الكتاب إلا بالسنة ونسخ السنة إلا بالكتاب فإن قال قد اتفق أهل العلم على جواز نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة \r\n قيل له الذين اتفقوا على ذلك هم الذين اتفقوا على جواز نسخ السنة بالكتاب \r\n فإن قال قائل الشافعي يخالف في ذلك \r\n قيل له من تقدم الشافعي قد أجازوا ذلك فكيف يكون الشافعي خلافا عليهم وهو لا يمكنه أن يحكي هذا القول عن أحد ممن تقدمه \r\n وقد حكينا نحن عن خلق من السلف جوازه فإن جاز أن يكون الشافعي خلافا على من تقدمه من أهل العلم جاز أن يكون هذا القائل الذي حكينا قوله وعارضنا به قول الشافعي خلافا علينا وعلى الشافعي جميعا \r\n ثم قال هذا القائل لم نر من خالف في هذا أورد آية نسخت عنده لسنة وقد وجدنا لها جملة في الكتاب نحو ما ادعوه من نسخ استقبال بيت المقدس واستحلال الخمر وتحريم المباشرة والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم \r\n فقد يكون استقبال بيت المقدس مأخوذا من جملة قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وشرب الخمر مأخوذ من قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ومعلوم أن شربها لا يحل وفيه إثم وقد روي أنهم كانوا يشربونها بعد نزول هذه الآية ثم نزل قوله تعالى إنما الخمر والميسر الآية وتحريم ما يحل للمفطر في ليالي الصوم قد يكون مأخوذا من جملة قوله يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم أي على تلك الهيئة \r\n وكذلك ما أشبه هذه الآيات قد يمكن تخريجها على ذلك ","part":2,"page":326},{"id":709,"text":" قال وإن ورد مالا يمكن فيه فقد يجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب وإن خفي علينا علمه فيقال له بم تنفصل ممن قال لك إن هذا القول يؤدي إلى ألا يكون في شريعة الرسول عليه السلام ناسخ ولا منسوخ لأن قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فيه الأمر بالاقتداء بالأنبياء المتقدمين في شرائعهم وجائز أن يكون جميع ما شرعه الله تعالى في كتابه وسنة الرسول صلى الله عليه و سلم كان من شرائع الأنبياء المتقدمين وأن معنى الناسخ والمنسوخ أنه كان في شريعة من قبلنا بقاء الحكم المنسوخ فيهم هذه المدة من الزمان ثم نقلوا إلى الحكم الثاني فلا شيء في هذه القضية من حظر أو إيجاب أو إباحة إلا وقد كان مثله في شريعة من قبلنا على الوجه الذي ثبت في شريعتنا \r\n وإنما صار في شريعتنا بقوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده \r\n فإن قال لا يجب ذلك لأنا قد علمنا كون أشياء مباحة في شريعة من قبلنا حظرت في شريعتنا كالخمر ونحوها وكون أشياء محظورة في شريعتهم اباحتها شريعتنا كقوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها \r\n قيل له نقول لهذا القائل ليس شيء مما حظر بعد الإباحة وأبيح بعد الحظر إلا وقد كان في شريعة من كان من قبلنا كذلك مدة من الزمان فتعبد النبي عليه السلام بالاقتداء بهم في الحكم في مثل المدة التي كان فيها الحظر أو الإباحة \r\n ثم يقال له ما أنكرت أن تكون هذه الآية دالة على جواز نسخ السنة بالقرآن لأنه ليس يمتنع أن يكون قد كان في شريعة من قبلنا أن سنن الأنبياء قد كان يجوز نسخها بالكتاب المنزل عليهم من الله تعالى إذ ليس معنا نص ولا إجماع يمنع من ذلك ","part":2,"page":327},{"id":710,"text":" ثم قال تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فينتظم جواز نسخ السنة بالكتاب كما كان في شريعة الأنبياء المتقدمين \r\n وأما قوله في حظر الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم بعد النوم ونسخه بقوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وأنه جائز أن يكون كذلك في الشرائع المتقدمة فانتظمت الآية إثباته علينا على هذا الوجه فإنه يلزمنا ألا نجعل هذا الحكم منسوخا بقوله تعالى فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وأنه إنما زال بعد ثبوته في المدة التي كان بقي فيها لأنه كذلك كان في شريعة من كان قبلنا من الأنبياء فلا يكون في ذلك من شريعتنا ناسخ ولا منسوخ كما لو قال كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ثم قال حظر عليهم الأكل والشرب والمباشرة في ليالي الصوم بعد النوم مقدار سنة واحدة ثم كان بعد مضي السنة إباحة جميع ذلك بالليل بعد النوم وقبله لم يكن فيه نسخ شيء وإنما كان يكون فيه إيجاب حكم إلى وقت معلوم ولا يمكنه مع ذلك الانفصال ممن ينفي من أهل الملة وجود ناسخ ومنسوخ في القرآن لأن من ينفي من ذلك إنما نسلك فيه هذه الطريقة ويجري فيه على هذا المنهاج في نفي النسخ \r\n وهذا قول ظاهر الفساد وعلى أنه إنما ذكر أنه كتب علينا الصيام والصيام لا يكون بالليل وإن حظر الأكل فيه بعد النوم فكيف يتناول الليل وقد بين ذلك في سياق الآية ","part":2,"page":328},{"id":711,"text":" في قوله تعالى أياما معدودات فأخبر أن الصوم الذي كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا إنما هو أيام معدودات فلم يتناول الليل قط فسقط قوله إن ما نسخ من ذلك قد كان موجبا بالآية قبل نسخها \r\n وأما قوله في شرب الخمر أنه كان مباحا بقوله تعالى ومنافع للناس وأنه قد قرنها بالإثم بقوله تعالى قل فيهما إثم كبير ثم قال تعالى وإثمهما أكبر من نفعهما وهذا اللفظ قد اقتضى تحريمها لأن الإثم كله محرم بقوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم وذكر المنافع التي فيها لا يدل على الإباحة لأن سائر المحظورات قد يمكن الانتفاع بها في أمور الدنيا مع بقاء الحظر \r\n وأما قوله إنهم قد كانوا يشربونها بعد نزول الآية فلا دلالة فيه على الإباحة لأنه ليس فيه أنهم كانوا يشربونها مع علم النبي عليه السلام بشربهم إياها وإقراره إياهم عليه وجائز أن يكون قد كان يشربه من لم يعلم بالحظر وظن أن الآية لم توجب تحريمها \r\n فإن قال قائل ليس في تحريم الخمر بعد إباحتها دلالة على ما ذكرت لأن إباحتها قبل نزول الآية كانت من طريق العقل وكون الأشياء مباحة في الأصل قبل ورود الشرع ومثل هذا لا يطلق فيه اسم النسخ فلا يمتنع ورود الكتاب بحظرها ولا يدل على جواز نسخ السنة بالقرآن لأن موضع الخلاف بينك وبينهم إنما هو فيما يثبت حكمه بالسنة هل يجوز نزول القرآن بزواله ونسخه أم لا \r\n قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أنهم قد كانوا يشربونها في أول الإسلام مع علم النبي عليه السلام بذلك فصار إقراره إياهم عليه إباحة منه بشربها من طريق الشرع بمنزلة قوله لو قال قد أبحت لكم شربها لا فرق بين وجود لفظه منه عليه السلام من ذلك وبين إقراره إياهم عليه وقد وردت الآية بعد ذلك بنسخه على الوجه الذي ذكرنا فثبت نسخ السنة بالقرآن ","part":2,"page":329},{"id":712,"text":" والوجه الآخر أن دلالتنا على ما استدللنا به عليه قائمة لأن هذا كلام في الاسم لا في المعنى وإذا جاز أن يزيل الله حكما أقام عليه الدلالة في الأصل من طريق العقل بالقرآن جاز أن يزيل به ما حكم به على لسان الرسول عليه السلام لأن الجميع من عنده فجهة الاستدلال بالآية صحيحة على ما ذكرنا \r\n وأما قول هذا الرجل وكذلك ما أشبه هذه الآيات قد يمكن تخريجها على ذلك وإن ورد ما لا يمكن فيه فقد يجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب وإن خفي علينا علمه \r\n فإنه يقال له هل يجوز عندك أن يكون لله تعالى مراد في حكم يشتمل عليه لفظ مذكور في الكتاب فيخفى عامه على جميع الأمة \r\n فإن قال نعم جواز أن يكون ها هنا أحكام كثيرة في الكتاب والسنة قد خفي علمها عن الأمة فأخطئوها وحكموا بغيرها وهذا يوجب جواز اجتماعهم على الخطأ وقد علمنا أن وقوع ذلك مأمون منهم \r\n وإن قال لا يجوز ذلك قيل له فلم أجزت ان ترد آية تشتمل على حكم مذكور فيها ثم ينسخ ذلك الحكم فلا يعلم الناس الحكم المنسوخ من الكتاب فهذا يقتضي أن يكون هذا الحكم قد ذهب عن الأمة لأن مخالفيك يقولون ليس في الكتاب حكم قد خفي علينا في المعنى الذي اختلفنا فيه وإنما الكتاب في مثل ذلك ورد في نسخ السنة وتزعم أنت أنك لا تقف عليه ولا تعلمه ويجوز أن يكون هناك حكم قد خفي عليك فقد أداك هذا إلى خفاء الحكم عن الأمة بأسرها \r\n ولو جاز هذا ليجوز أن يقال إن في كتاب الله تعالى أحكاما كثيرة نحن متعبدون بها لم تقف الأمة على شيء منها وهذا قول ظاهر السقوط ","part":2,"page":330},{"id":713,"text":" ويقال له فعلى هذا يجوز أن يقال كل ما سنه النبي عليه السلام فهو مما أوجبته جملة مذكورة في الكتاب ولم نقف عليها وكذلك ما نسخه النبي عليه السلام بعد ثبات حكمه من سنته يجوز أن يكون نسخه بما اقتضته جملة في الكتاب لم نقف على معناها ويجب على هذا القول ألا يكون للنبي عليه السلام سنن بوحي غير القرآن \r\n وهذا قول ساقط مردود على أنه لو جاز أن يكون في كتاب الله تعالى أحكام تخفى على الأمة لما صح الرد إلى كتاب الله تعالى ولبطل الاستدلال والنظر لأنا متى أردنا رد الحادثة إلى الأصل وجوزنا مع ذلك أن يكون في الأصول ما قد خفي علينا حكمه لم نأمن أن يكون أصل هذه الحادثة هو مما قد خفي علينا حكمه من الكتاب وهذا يؤدي إلى بطلان القياس وكفى بقاعدة تؤدي الباني عليها إلى هذه الجهالات فسادا من إبطال نسخ الكتاب والسنة ومن أنه لو ثبت النسخ فيهما لم يثبت نسخ الكتاب بالكتاب ولا السنة بالسنة وإلى تجويز خفاء حكم مذكور في الكتاب على الأمة فلا نعلمه ولا نقف عليه وإلى تجويز ألا يكون للنبي عليه السلام سنة وأن جميع ما سنه فهو في القرآن وإلى بطلان رد الحادثة إلى الكتاب لجواز أن يكون أصلها مما لم تقف عليه الأمة \r\n وذكر هذا الرجل وجها ثالثا في زعمه لتخريج هذه الآيات قد ذكره الشافعي سنذكره عند حكايتنا بقوله في هذا الباب وعلى أن الآي التي احتججنا بها إنما يطلب لها تأويل يوافق مذهب من أقام الدلالة على صحة المقالة في الأصل فأما من لم يعضد قوله بحجة ولا شبهة فلم يلجأ فيه إلى دلالة من عقل ولا شرع ثم استغل مطلب تأويل ","part":2,"page":331},{"id":714,"text":" الآي الموجبة لفساد مقالته وحملها على وجوه تناقض الأصول وتنافيها كان قوله ساقطا مطروحا \r\n فإن قال قائل الدليل على صحة مقالتنا قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم فأخبر أن النبي عليه السلام بعث مبينا فلا يكون الكتاب إذن مبينا لقوله \r\n وقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها يدل على أنه إنما ينسخ آية مثلها وكذلك قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية \r\n قيل له لا يخلو قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم من أحد وجهين \r\n إما أن يكون المراد به إظهاره وترك كتمانه فيتناول جميع القرآن ما افتقر منه إلى بيان وما لم يفتقر فيكون بمعنى قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن يكون المراد منه ما احتاج منه إلى بيان الرسول دون غيره فإن كان المراد به الوجه الأول فليس يمتنع أن ينزل الله تعالى إليه النسخ للسنة فيبينه للناس بإظهاره إياه فهذا لا يكون دلالة على جواز نسخ السنة بالقرآن أقرب منه إلى أن يمنع منه \r\n وإن كان المراد الوجه الثاني فلا دلالة فيه أيضا على ما ذكرت لأنه ليس في لزوم النبي عليه السلام بيان مجمل الكتاب ما ينفي نسخ السنة بحكم في القرآن غير مفتقر ","part":2,"page":332},{"id":715,"text":" إلى بيان النبي عليه السلام لأنه لو نص عليه على هذا الوجه بأن يقول لتبين مجمل الكتاب لم ينف بذلك أن يكون ما لا يحتاج إلى البيان منه ناسخا لسنته \r\n وأيضا فإذا كان ما يحصل من بيان النبي عليه السلام فالله تعالى المتولى لتبيينه بوحي من عنده ولم يكن قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم مانعا أن يكون ما حصل من البيان فهو من عند الله وهو المتولى لذلك منه ولم يمتنع أيضا أن يبين مدة السنة فينسخها بالكتاب كما تولى تبيينها على لسان الرسول عليه السلام \r\n وأيضا ليس في أن النبي عليه السلام يبين القرآن ما يمنع أن يكون القرآن يبين السنة أيضا كما أن القرآن يبين القرآن ولم يمنع ذلك نسخه به وكما أن السنة تبين السنة وتنسخها أيضا فليس إذن في وصف النبي عليه السلام تبيين القرآن ما يمنع أن ينسخ سنة بالقرآن \r\n وأيضا فالذي قال لتبين للناس ما نزل إليهم هو الذي قال ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فهلا أجزت لعمومه تبيين مدة السنة إذ لم يكن في قوله لتبين للناس ما نزل إليهم ما يوجب تخصيصه ألا ترى أنه يصح أن يقول لتبين للناس ما نزل إليهم ولتبيين الكتاب ما يسنه إذ ليس بيان مجمل الكتاب بسنة النبي عليه السلام وإنما يبين النبي عليه السلام أن الله تعالى قال كذا أو أن مراده بما قال كذا فلا يسمى هذا سنة فلم يعترض على قوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وإيجاب تخصيصه \r\n وأما قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فليس له ","part":2,"page":333},{"id":716,"text":" تعلق بما ذكرنا لأن أكثر ما فيه أنه إذا نسخ آية أتى بخير منها أو مثلها ولا دلالة فيه أن السنة لا تنسخ بها وكذلك قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية أنه لا يمنع أن يبدل آية مكان سنة وإنما ذكر حكاية قول الكفار عند نسخ آية بآية مثلها ولم ينف نسخ السنة بآية \r\n وقال الشافعي في كتاب الرسالة وسنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة رسول الله ولو أحدث الله لنبيه في أمر سن منه غير ما سن رسول الله صلى الله عليه و سلم لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفنا وهذا مذكور في السنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n فإن قال قائل فقد وجدنا الدلالة على أن القرآن ينسخ القرآن لأنه لا مثل له فأوجبنا ذلك في السنة \r\n قال الشافعي فيما وصفت من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم دليل على أن سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما قبلت عن الله فمن قبلها فكتاب الله تعالى يتبعها ولا نجد خبرا ألزمه الله عز و جل خلقه نصا مبينا إلا كتابه ثم سنة نبيه عليه السلام \r\n فإذا كانت السنة كما وصفت لا شبه لها من قول خلق من خلق الله تعالى لم يجز أن ينسخها إلا مثلها ولا مثل لها غير سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم \r\n قال أبو بكر رحمه الله تعالى هذا الفصل من كلامه يشتمل على ضروب من الاختلال منها قوله إن السنة لا ينسخها إلا سنة رسول الله فمنع بذلك نسخ السنة إلا بسنة مثلها ثم نقض ذلك بقوله في سياق كلامه ولو أحدث الله عز و جل لنبيه في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله ليس فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة فأجاز بذلك أن ينسخ الله سنة نبيه بالقرآن وهذا ينقض قوله بدءا أن السنة لا ينسخها إلا سنة ","part":2,"page":334},{"id":717,"text":" فإن قال قائل لم يقل إن أحدث الله ذلك بقرآن ينزله ويحتمل أن يكون مراده أنه ينسخه بوحي ليس بقرآن \r\n قيل له فإذن يكون ما أحدث سنة للنبي عليه السلام لأن ما نزل به وحي غير قرآن من الأحكام هي من سنن النبي عليه السلام فما معنى قوله لسن فيما أحدث الله إليه والذي أحدث الله إليه سنة لا يفتقر في وقوع النسخ بها إلى سنة أخرى \r\n وعلى أن الشافعي قد أبطل تأويل هذا القائل بقوله بعد ذلك في هذا الفصل \r\n فإن قال قائل فهل تنسخ السنة بالقرآن \r\n قيل له لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي عليه السلام فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة حتى تقوم الحجة على الناس فإن الشيء ينسخ بمثله فأجاز نسخها بالقرآن إذا سن النبي عليه السلام ما يبين أن سنته الأولى منسوخة \r\n وقوله لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها كلام متناقض مستحيل لأنه أخير أن الله نسخه بما أحدثه من خلاف سنة النبي عليه السلام \r\n وقوله أيضا لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها فما قد نسخه الله تعالى كيف يجوز أن ينسخه النبي صلى الله عليه و سلم بعده وكيف يجوز نسخ المنسوخ ومن جهة أخرى أن ما قد نسخه الله تعالى كيف يجوز من النبي عليه السلام الإخبار عنه بأن سنته نسخته فيكون فيه الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه حاشا له ","part":2,"page":335},{"id":718,"text":" من ذلك عليه السلام ثم استدل على أن السنة لا ينسخها إلا سنة بما ذكر من أمر الله الناس باتباع نبيه عليه السلام وهذا لا دليل فيه على أن السنة لا ينسخها القرآن اذ ليس في الأمر باتباع النبي صلى الله عليه و سلم ما ينفي جواز نسخها بالقرآن كما لا ينفي جواز نسخها بوحي من عند الله ليس بقرآن فإذن ليس في الأمر باتباع النبي عليه السلام تعلق بنسخ السنة بقرآن ولا غيره لأنا إنما أمرنا باتباع سنة النبي عليه السلام التي لم تنسخ فأما إذا نسخها القرآن أو سنة له أخرى فنحن مأمورون حينئذ باعتقاد نسخها وزوال حكمها وقد أمر الله باتباع كتابه بقوله اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولم يمنع جواز نسخه بالقرآن \r\n وأما قوله إن السنة لا شبه لها من قول خلق من خلق الله فليس يخلو مراده من ذلك من أحد معنيين \r\n إما أن يريد أن نظمها معجز غير مقدور للخلق \r\n أو أن يكون مراده الحكم \r\n فإن كان مراده اللفظ فإن أحدا من المسلمين لا يقول إن كلام النبي عليه السلام معجز بالنظم وإن كان عليه السلام أفصح الخلق ولو كان كلامه معجزا لكان مساويا للقرآن في إعجاز النظم وهذا خلف من القول لأن القرآن هو المختص بإعجاز النظم دون سائر الكلام \r\n ولو كان كلام النبي عليه السلام معجزا لتحدى به العرب كما تحداهم بالقرآن ولا استغنى الناس به عن طلب الشبه لمباينته لكلام غيره من البشر في إعجاز ","part":2,"page":336},{"id":719,"text":" نظمه كما بان القرآن من سائر الكلام بالنظم المعجز والتأليف البديع الذي ليس في وسع أحد من الخلق الاتيان بمثله فبطل هذا القسم \r\n وإن كان مراده الحكم الثابت من جهة السنة فإن أحدا من المسلمين لا يقول إن لغير النبي عليه السلام من الخلق أن يشرع الشرائع ويبتدع الأحكام فلا معنى لذكره هاهنا إذ ليس هو موضع الخلاف لأن كلامنا إنما هو في نسخ السنة بالقرآن الذي لا شبه له من قول أحد من الخلق لا في نسخها بماله شبه كلام من كلام المخلوقين وعلى أنه لو ثبت أن السنة لا شبه لها من قول أحد من المخلوقين على أي وجه حصل معنى كلامه لما دل على أن القرآن لا ينسخها لأن القرآن لا شبه له من قوله أحد من الخلق وينسخه القرآن كذلك السنة لا يكون لها شبه من قول الخلق وينسخها القرآن الذي لا يشبه قول المخلوقين فلم يحصل له من كلامه في هذا الفصل وجه الدلالة على منع نسخ السنة بالقرآن \r\n قال الشافعي بعد ذلك ولو جاز أن يقال قد سن رسول الله صلى الله عليه و سلم ونسخت سنته بالقرآن ولا يؤثر عن النبي عليه السلام السنة الناسخة جاز أن يقال فيما حرم رسول الله تعالى من البيوع كلها قد يحتمل أن يكون حرمها قبل أن تنزل عليه وأحل الله البيع وحرم الربا وفيمن يرجم من الزنا قد يحتمل أن يكون الرجم قبل نزول قوله ","part":2,"page":337},{"id":720,"text":" تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة \r\n قال أبو بكر وهذا الفصل نظير ما تقدم لأنه قال ونسخت سنته بالقرآن ولا يؤثر عن النبي عليه السلام والسنة الناسخة فأطلق نسخها بالقرآن ثم أوجب نسخها بعدذلك بالسنة ومعلوم أن ما نسخ بالقرآن يستحيل نسخه بالسنة لامتناع جواز نسخ المنسوخ \r\n وأما قوله لو جاز أن ينسخ الله سنة بالقرآن ولا يؤثر عن النبي عليه السلام السنة الناسخة جاز أن يقال فيما حرم الله من البيوع إلى آخر ما ذكر فإن هذه القضية إن صحت منعت نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة إلا أن يكون مع الناسخ منهما سنة تبين النسخ فإذ قد وجدنا في القرآن والسنن ناسخا ومنسوخا من غير أن يكون مع الناسخ منهما سنة تبين الناسخ من المنسوخ ومن غير ذكر تاريخ في واحد منهما بل يكون استدراك حكم الناسخ من المنسوخ وتفضيل أحدهما من الأخر والتمييز بينه وبينه موكولا إلى الاستدلال بغيره \r\n كذلك يجوز نسخ السنة بالقرآن ويكون سبيل معرفة الناسخ من المنسوخ طلب تاريخ الحكم من سائر الأصول إذا لم يكن عندنا علم بتاريخهم ولا كان في لفظهما ما يدل على الناسخ منهما \r\n وعلى أن الشافعي قد نص على نسخ السنة بالقرآن في باب صلاة الخوف في كتاب الرسالة فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري في تأخر النبي صلى الله عليه و سلم يوم الخندق بالصلوات حتى كان هوي من الليل ثم قضاهن قال أبو سعيد وكان ","part":2,"page":338},{"id":721,"text":" ذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف ثم ذكر حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات في صلاة الخوف قال الشافعي فنسخ الله تعالى تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى ان يصلوها كما أنزل الله وسن رسول الله صلى الله عليه و سلم في وقتها ونسخ رسول الله سنته في تأخيرها بفرض الله تعالى في كتابه ثم بسنته صلاها في وقتها كما وصفت فنص في هذا الموضوع على نسخ السنة بالقرآن إلا أنه وصله بما يستحيل كونه لأنه قال نسخها بفرض الله في كتابه ثم بسنته وما قد نسخ بالكتاب لا يصح نسخه بعد ذلك لا بالسنة ولا بغيرها ","part":2,"page":339},{"id":722,"text":" @ 340 @ ","part":2,"page":340},{"id":723,"text":" @ 341 @ ","part":2,"page":341},{"id":724,"text":" @ 342 @ ","part":2,"page":342},{"id":725,"text":" باب القول في نسخ القرآن بالسنة \r\n اختلف الناس في نسخ القرآن بالسنة فأجازه أصحابنا إذا جاءت السنة مجيئا يوجب العلم ولم يكن من أخبار الآحاد \r\n وكان أبو الحسن رحمه الله يحكي عن أبي يوسف أن السنة التي يجوز نسخ القرآن بها هي ما ورد من طريق التواتر ويوجب العلم نحو خبر المسح على الخفين \r\n ومنع الشافعي ذلك \r\n واختلف أصحابه فقال بعضهم هو جائز في العقل إلا أن الشرع لم يرد به ولم يمنعه أيضا \r\n وقال آخرون منهم قد منع الشرع جوازه \r\n والدليل على جوازه قول الله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم \r\n والنسخ بيان مدة الحكم الذي كان في توهمنا بقاؤه على حسب ما تقدم وصفنا له فانتظم قوله لتبين للناس ما نزل إليهم سائر وجوه البيان فلما كان النسخ ضربا من البيان وجب أن تستوعبه الآية \r\n فإن قال قائل المراد به إظهار ما أنزل وتبليغه \r\n قيل له هذا أحد ما تناوله اللفظ ولم ينف غيره من سائر ضروب البيان \r\n ألا ترى أنه قد دل على جواز تخصيصه بالسنة إذا كان ضربا من البيان ولم يكن استعمال اللفظ على الأمر بإظهار وترك كتمانه مانعا من دخول بيان التخصيص تحته ","part":2,"page":343},{"id":726,"text":" كذلك بيان مدة الحكم الذي هو النسخ واجب أن يتناوله اللفظ \r\n فإن قيل إذا كانت السنة تبين القرآن استحال أن تنسخه لأنه لا يجوز أن ينسخ الشيء بما يبينه \r\n قيل له إن هذه دعوى ليس عليها دلالة وهو موضوع الخلاف بيننا وبينكم فكأنك إنما جعلت موضع الخلاف دلالة على المسألة \r\n وعلى أن النسخ ضرب من البيان فلا يمتنع وقوعه بالسنة كما أن القرآن يبين القرآن بقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ولم يمتنع نسخه به \r\n ودليل آخر وهو قوله تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله وقال تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى \r\n فلما كان الناسخ لحكم القرآن صراط الله وجب أن يصح وقوعه بالسنة لإخبار الله تعالى بأنه يهدي إلى صراط الله ولأن السنة لما كانت واجبا من الله تعالى جاز أن ينسخ بها وحي وهو قرآن كما جاز نسخ القرآن بالقرآن من حيث هما وحي من الله تعالى \r\n وأيضا فإن نسخ القرآن يكون من وجهين أحدهما نسخ التلاوة والثاني نسخ الحكم \r\n وقد جاز عند الجميع نسخ التلاوة لا بقرآن على ما بينا فيما سلف لأن نسخ التلاوة يكون بالإنساء تارة وبالأمر بالإعراض عن كتبها وحفظها أخرى وكلا الوجهين من ذلك يجوز وقوعه بغير قرآن \r\n ألا ترى أن نسخ التلاوة وجد في زمان النبي صلى الله عليه و سلم وليس معنا قرآن موجود نسخت به فلما جاز نسخ التلاوة لا بقرآن وجب أن يجوز نسخ الحكم لأنه أحد وجهي نسخ القرآن ","part":2,"page":344},{"id":727,"text":" ولأن التلاوة يتعلق بها حكم في جواز الصلاة بها وما يستحق به من الثواب إذ كانت قرآنا و لا تستحق بغيره فدل ذلك من وجهين على نسخ حكم القرآن بالسنة \r\n أحدهما أن نسخ التلاوة لا محالة يقتضي نسخ حكم \r\n والثاني أنه قد ثبت قرآن منسوخ بغير قرآن فوجب مثله في حكم تضمنه لفظ القرآن \r\n دليل آخر وهو أن الأصل في الناسخ والمنسوخ أن ما صح اجتماعه في خطاب واحد جاز النسخ به على حسب ما تقدم القول منا فيه فلما لم يمنع أحد من تجويز سنة النبي صلى الله عليه و سلم عقيب تلاوة القرآن موجبة لتوقيت حكمه أن مراد الله في فعل ذلك إلى وقت كذا ثم ليس عليكم فعله بعده وإنما عليكم بعد مضي المدة عبادة أخرى كما جاز أن يقول الزكاة واجبة بعد الحول والحج واجب في وقت دون وقت وكذلك سائر الفروض وجب أن لا يمنع إبهام القول في حكم القرآن ثم ترد سنة الرسول عليه السلام بزوال ذلك الحكم ووجوب ضده كما جاز وجود ذلك منه عقيب نزول القرآن \r\n ودليل آخر وهو اتفاق الجميع على جواز تخصيص القرآن بالسنة والتخصيص إنما هو بيان الحكم في بعض المسميات فلا يمتنع على ذلك نسخة بالسنة إذ كان النسخ تخصيصا بالوقت دون وقت على الوجه الذي بينا والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد منهما وارد على وجه التخصيص \r\n فإن قيل يلزمك على هذا تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس كما جوزت تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس \r\n قيل له لنا في تجويز تخصيص القرآن بخبر الواحد وبالقياس شرايط قد بينا ","part":2,"page":345},{"id":728,"text":" بعضها فيما سلف وجملته أن ما كان منه ظاهر المعنى بين المراد لم يجز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس إلا أن يختلف السلف فيه ويسوغوا الاجتهاد في تركه أو يتفقوا على خصوصه فيكون العلم بموجب عمومه من طريق الاجتهاد فيجوز تركه بخبر الواحد وبالقياس \r\n وأما ما لم يكن بهذا الوصف فموجب حكمه ثابت من طريق يوجب العلم فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس وكذلك لا يجوز نسخه بذلك إذا كان موجبه ثابتا من طريق يوجب العلم فإنما يجوز التخصيص بما يجوز به النسخ في مثله \r\n فإن قال الفرق بين التخصيص والنسخ أنه يبقى مع التخصيص من حكم اللفظ ما يصح استعماله ولا يبقى مع النسخ حكم يستعمل \r\n قيل له هذا فرق من وجه آخر لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرنا وعلى أن النسخ لا يصح إلا وقد مضى من وقت الحكم ما يصح استعماله فيه وذلك الوقت هو بمنزلة ما تبقى من حكم الاسم بعد التخصيص ولا فرق بينهما من هذه الجهة فثبت بما ذكرنا جواز نسخ القرآن بالسنة \r\n وأما من نفي جوازه من المخالفين بما ادعى فيه من ورود السمع فإنه احتج فيه بقول الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها \r\n قال والسنة لا تكون خيرا من القرآن ولا مثله بوجه \r\n فنقول وبالله التوفيق إنه لا دلالة في هذه الآية على ما ذكره بل فيها الدلالة على جواز نسخ القرآن بالسنة من وجوه نذكرها إن شاء الله تعالى \r\n فنبدأ ببيان وجه الدلالة من هذه الآية على صحة قولنا ثم نشرع في الإبانة عن ","part":2,"page":346},{"id":729,"text":" فساد استدلاهم بها على ما ادعوه إن شاء الله \r\n فأما وجه الدلالة منها على صحة قولنا فمن وجهين أحدهما أن قوله تعالى بخير منها لا يخلو من أن يكون المراد به خيرا منها في نظمها وصورتها وحروفها أو خيرا منها أصلح لنا وأنفع فأما الوجه الأول ففاسد لأن أحدا لا يقول إن هذه الآية خير من هذه الآية في نفسها فثبت الوجه الثاني وليس يمتنع أن يكون حكم ثبت من جهة السنة أصلح لنا وأنفع منه لو نزل به قرآن ومن أجل ذلك أنزل الله ببعض الأحكام قرآنا وأنزل ببعضها وحيا ليس بقرآن على حسب علمه بمصالحنا فيها \r\n وإذا كان المراد بالآية ما وصفنا فقد دلت على جواز نسخها بالسنة لجواز إطلاقها أنها خير لنا من الوجه الذي ذكرنا \r\n والوجه الثاني أن قوله مثلها لا يخلو من أن يكون المراد المماثلة بينهما من جميع جهاتهما أو من بعضها فلو كان المراد وجود المماثلة بينهما من جميع الجهات لوجب أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في نظمه وصورته وحروفه ومعانيه وهذا يوجب أن يكون الناسخ هو المنسوخ ويوجب بطلان النسخ رأسا فلما بطل هذا علمنا أن المراد وجود المماثلة بينهما من بعض الجهات وقد يصح إطلاق اسم المثل إذا تماثلا من بعض الوجوه كما قال تعالى وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون فأطلق اسم المماثلة لمماثلتها من بعض الوجوه إذ معلوم أن الحور العين غير مماثلة للؤلؤ من جميع الجهات وإنما مثلهن به من جهة الصفاء والنقاء ونحو ذلك والله أعلم \r\n فمتى استحق اسم المماثلة من وجه فهو داخل تحت الآية وقد تكون السنة مثل الآية من جهة النفع والصلاح ومن جهة أنهما جميعا وحي من الله تعالى فوجب أن يجوز نسخه بها لعموم اللفظ ","part":2,"page":347},{"id":730,"text":" فإن قال قائل لا يطلق اسم المماثلة على الحقيقة إلا فيما يكون مماثلا له من جميع جهاته فإذا لم يكن كذلك فإنما يقال هو مثله على التقييد \r\n قيل له لم يرد بالمثل ها هنا ما ذكرت لما بينا فثبت أنه أراد المماثلة من بعض الوجوه فقدت دلت الآية في هذين الوجهين على جواز نسخ القرآن بالسنة \r\n وأما ما قلنا إنه لا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه فمن جهة أن الذي في الآية أنه إذا نسخ آية أتى بخير منها ولم يذكر الناسخ لها وإنما قلنا فيها أنه يأت بخير من المنسوخ أو مثله وليس يمتنع أن ينسخ الآية بالسنة ثم يأتي بآية أخرى مثلها ولا تكون هي الناسخة إذ لم يقل ما ننسخ من آية نأت بما ينسخها خيرا منها \r\n ويدل على ذلك أن قوله نأت بخير منها راجع إلى الحكم والتلاوة ونسخ التلاوة لا يكون بآية مثلها بل بغير آية ثم يأتي بآية خير منها ليست هي الناسخة للتلاوة فكذلك هذا في الحكم \r\n وأيضا فإن الذي تقتضيه حقيقة اللفظ هو نسخ التلاوة والنظم دون الحكم لأن الآية في الحقيقة اسم للنظم ألا ترى أن الآية قد تكون باقية والحكم منسوخ وقد تنسخ الآية والحكم باق فدل على أن الآية اسم للرسم والنظم دون الحكم فوجب أن يحمل قوله ما ننسخ من آية على نسخ التلاوة والرسم دون الحكم وألا يدخل الحكم فيه إلا بدلالة \r\n وأيضا لا يخلوا قوله تعالى ما ننسخ من آية من أحد أوجه ثلاثة إما أن يريد به نسخ التلاوة دون الحكم أو نسخ الحكم دون التلاوة أو نسخهما معا ","part":2,"page":348},{"id":731,"text":" فإن كان المراد نسخ التلاوة دون الحكم لم يعترض على موضوع الخلاف لأن الخلاف بيننا في نسخ الحكم ولم نختلف أن نسخ التلاوة قد يكون بغير القرآن \r\n وإن كان المراد نسخ الحكم دون التلاوة لم يمتنع نسخه بالسنة لجواز أن يكون حكم السنة خيرا لنا من حكم القرآن في باب أنه أصلح لنا وأنفع لأن اسم الخير لا يطلق في مثل هذه إلا بإضمار إضافته إلى من يحصل له لأنك لا تقول إن هذا خير من هذا إلا ومرادك أنه خير لمن تعبد به أو جعل له أو ما جرى مجرى ذلك \r\n وإن كان المراد نسخ التلاوة والحكم معا فإن نسخ التلاوة قد يجوز عند الجميع بغير قرآن بأن ينسي الله من يحفظها أو يأمر على لسان رسول الله بالإعراض عنها فتنسى \r\n وقد بينا أن الآية لم تمنع نسخ الحكم على الانفراد بالسنة وكذلك لا يمتنع نسخهما معا بالسنة \r\n فإن قال قائل ما أنكرت أن يجوز أن يكون المراد بقوله بخير منها أو مثلها أن يكون خيرا من الأولى من جهة ما يستحق من زيادة الثواب بتلاوتها كما روي أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وأن قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن يعني فيما يستحق بتلاوتها من الثواب زيادة على ما يستحق بغيرها \r\n وإذا كان قوله بخير منها أو مثلها يحتمل أن يكون هذا معناه لم يكن لنا أن نعدل به عن قرآن مثله إلى غيره مما ليس بقرآن من جهة ما ذكر ثم إن القرآن لا يكون بعضه خيرا من بعض ","part":2,"page":349},{"id":732,"text":" الجواب إن هذا لا يعترض على شيء مما قدمنا ولا يمنع جواز نسخ القرآن بالسنة على الوجه الذي بينا من وجوه \r\n أحدهما أنا إذا سلمنا له ما ادعاه من ذلك في كون التلاوة خيرا له لما يستحق بها من زيادة الثواب فقد ثبت أن في الآية ضميرا ليس مذكورا في اللفظ وهو كون ثوابها خيرا لنا فحينئذ لا يكون خصمنا أولى بصرف معناها إليه منا بصرفه إلى الحكم وما لنا فيه من النفع والصلاح \r\n ووجه آخر وهو أنه قد ثبت أن المراد بقوله خيرا منها أنه خير لنا لأن الآية ليست خيرا من آية أخرى غيرها في نفسها وإذا كان كذلك فقد ثبت أن المراد أنه أنفع لنا وأصلح إما من جهة استحقاق زيادة الثواب وإما من جهة النفع والصلاح ثم لا يختلف حينئذ الحكم الثابت بالسنة والحكم الثابت بالقرآن إن كان هذا الإطلاق يجوز أن يتناول كل واحد منهما على حياله بأنه خير لنا في باب أنه أصلح لنا فليس إذن فيما ذكره هذا القائل ما يمنع كون الثاني خيرا من الأول على الوجه الذي بينا \r\n وأيضا فإذا كان جائز أن يكون حكم السنة خيرا لنا من حكم لو كان في القرآن وجاز هذا الإطلاق فيه كما جاز فيما ذكره من استحقاق زيادة الثواب كان أقل أحواله تجويز الأمرين من نسخها بقرآن مثلها أو خير منها من جهة الثواب ومن نسخها بالسنة من جهة ما يكون خيرا لنا في باب النفع والصلاح \r\n وأيضا فإن الذي يقتضيه حقيقة اللفظ نسخ النظم والتلاوة لأن الآية اسم للنظم والرسم لا الحكم ولا دلالة فيه على نسخ الحكم إذ جائز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة وإذا كان كذلك صار تقدير الآية ما ننسخ من نظم آية ورسمها نأت بخير منها أو مثلها فلا يعترض ذلك على موضوع الخلاف لأن الخلاف بيننا إنما هو في نسخ حكم الآية بالسنة لا في نسخ النظم والتلاوة إذ لا خلاف بين من يجيز نسخ التلاوة أنه جائز وقوعه بغير قرآن لما بيناه فيما سلف \r\n وأيضا فليس في قوله تعالى نأت بخير منها أو مثلها دلالة على أن المأتي به ","part":2,"page":350},{"id":733,"text":" هو الناسخ لها إذ لم يقل نأت بما ينسخها خيرا منها أو مثلها ومن ادعى أن المراد به نأت بناسخ خير منها لم يسلم له دعواه إلا بدلالة وسقط استدلاله بالآية على موضع الخلاف بيننا إذ ليس أحد الخصمين بأولى بما ادعاه من أحد وجهي الاحتمال من الآخر بل لو قلنا إن الأظهر والذي يقتضيه فحوى الخطاب نسخ الآية بأي وجه كان من وجوه النسخ قرآنا أو غير قرآن ثم يأتي بعد ذلك بخير منها أو مثلها كان قولا سديدا أو أشبه بالصواب من قول مخالفنا \r\n فإن قال قوله تعالى في سياق الآية ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير يدل على أن المراد نسخ الآية بقرآن معجز لا يقدر أحد غير الله على الإتيان بمثله فثبت أنه منع نسخها بالسنة \r\n قيل له ولو سلمنا لك ما ادعيت لم يعترض على موضع الخلاف وذلك لأنه يقتضي نسخ التلاوة ونسخ التلاوة والنظم لا يقدر عليه أحد غير الله وهذا ما لا خلاف فيه بيننا فما الدلالة منها على أن هذا يدل على امتناع جواز نسخ الحكم الذي تضمنته الآية \r\n ومن وجه آخر لا دلالة فيه على ما وصفت لأنه ليس في الآية أن الذي هو خير منها أو مثلها هو الناسخ لها فإذا لم يكن ذلك في الآية لم يجز لأحد أن يدعيه إلا بدلالة من غيرها فلا يمتنع حينئذ أن يكون المراد نسخ حكم القرآن أو تلاوته بوحي من عنده ليس بقرآن ويأتي مع ذلك بقرآن خير منها أو مثلها على حسب ما يحتمله اللفظ ويجوز فيه فلا يدل ذلك على أن الناسخ يجب أن يكون قرآنا وإن كان الذي يأتي به بعد النسخ يكون قرآنا إن اقتضت الآية ذلك \r\n ووجه آخر وهو أنه جائز أن يكون الذي يأتي به حكما من جهة وحي ليس بقرآن \r\n ويصح الوصف له من أجل ذلك أنه على كل شيء قدير لأن الحكم الذي هو أصلح لا يعلمه أحد غير الله الذي على كل شيء قدير فلا دلالة فيه على أن الذي يأتي به بعد النسخ قرآن معجز ","part":2,"page":351},{"id":734,"text":" فإن قيل قال الله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي \r\n فدل أنهم سألوه تبديل الآية نفسها وقد أخبر أنه لا يبدله من تلقاء نفسه ولو جاز نسخه بالسنة لكان قد بدله من تلقاء نفسه \r\n قيل له هذا استدلال فاسد من وجوه \r\n أحدها أنهم إذا كانوا سألوه تبديل الآية نفسها لم يعترض على ذلك الحكم وكلامنا إنما هو في الحكم الذي يثبت بالقرآن هل يجوز نسخه بالسنة أم لا وعلى أنه لا يخلو من أن يكون سألوه تبديل النظم والرسم أو تبديل الحكم أو تبديلهما جميعا \r\n فإن كانوا سألوه تبديل النظم وهو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ فلا دلالة فيه على موضع الخلاف من المسألة لما بينا ولأن أحدا غير الله لا يقدر على تبديل نظم القرآن إلى نظم آخر معجز فلا معنى للاشتغال بهذا الوجه في موضع الخلاف \r\n وإن كانوا سألوه تبديل الحكم دون النظم لم يعترض أيضا على قولنا لأن أكثر ما فيه نفي تبديله من تلقاء نفسه ونحن لا نقول إنه يبدله من تلقاء نفسه وإنما يبدله الله بوحي من عنده إما قرآن وإما غير قرآن ويدل على ذلك قوله في سياق الخطاب إن أتبع إلا ما يوحى إلي والوحي لا يختص بالقرآن دون غيره فهذا يدل على جواز تبديل حكمه بوحي ليس بقرآن وعلى أنه لا يجوز لنا حمل المعنى على الحكم لأن الذي يقتضيه ظاهر اللفظ نسخ النظم والرسم إذ كان المعنى الذي من أجله كان قرآنا وجوده على ضرب من النظم وإن كانوا سألوه تبديل النظم والحكم معا فلا دلالة فيه أيضا على ما اختلفنا فيه لأنا لم نقل أنه يبدل شيئا منه من تلقاء نفسه وإنما قلنا إنما يتبع ما يوحى إليه ","part":2,"page":352},{"id":735,"text":" وما يوحى إليه قد يكون قرآنا وغير قرآن \r\n فإن قال قائل قال الله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر وهذا يدل على أنه إنما تنسخ الآية بآية مثلها قطعا لحجج الكفار وإبطالا لدعواهم أنه افتراها وأنه أتى بها من قبل نفسه \r\n قيل له وما في قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية ما يوجب أن حكم القرآن لا ينسخ بالسنة وإنما أكثر ما فيه الإخبار بأنه إذا بدل آية مكان آية قال الكفار إنما أنت مفتر ولم يقل إنه لا ينسخها بالسنة \r\n وأما قوله إنه إنما بدل آية مكان آية قطعا لحجج الكفار وبطلانا لدعواهم فإنه قد أخبر الله تعالى أنهم لم ينتهوا عن قولهم هذا مع تبديل آية مكان آية ولم يمنع قولهم ذلك من نسخ آية أخرى وكذلك لا يمنع نسخها بالسنة وإن قال الكفار ذلك \r\n وعلى أن قوله وإذا بدلنا آية مكان آية إنما يتناول نفس المتلو لا الحكم وليس في المتلو ما يوجب تبديل الحكم والاختلاف بيننا في الحكم لا في المتلو فليس لما ذكروه تعلق بموضع الخلاف \r\n فإن قيل لو نسخها بالسنة لارتاب الكفار وقالوا إنه من عنده \r\n قيل له قد ارتاب الكفار مع نسخها بآية أخرى ولم يمنع ارتيابهم من نسخها بآية غيرها فكذلك لا يمنع نسخها بالسنة \r\n وقد دللنا على جواز نسخ القرآن بالسنة بما قدمنا وأنه ليس في العقل ولا في ","part":2,"page":353},{"id":736,"text":" السمع ما يمنع من ذلك وندل الآن على بطلان قول من زعم أنه لا يجد نسخ القرآن بالسنة بعد موافقته إيانا على تجويزه \r\n فنقول إن أصحابنا قد ذكروا أحكاما في القرآن لم يثبت نسخها إلا بالسنة منها قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن إلى قوله تعالى توابا رحيما \r\n فاتفق السلف من أهل العلم بالتفسير منهم ابن عباس وغيره أن حد الزانيين المحصن وغير المحصن كان الحبس والأذى المذكورين في هذه الآية ثم نسخ ذلك عنهما بالجلد لغير المحصن والرجم للمحصن \r\n قال أبو بكر والموجب لنسخ ذلك حديث عبادة بن الصامت عن النبي عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم والدليل على أن الحبس والأذى نسخا بالخبر قول النبي عليه السلام في هذا الحديث خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا فنبهنا على وجود السبيل الذي ذكره الله تعالى في قوله أو يجعل الله لهن سبيلا ودل بقوله خذوا عني على معنيين أحدهما الإخبار بالنسخ في الحال وأنه لم يتقدمها قبل هذا الوقت \r\n والثاني أن هذا النسخ واقع لا بقرآن بل بسنته عليه السلام \r\n فإن قال قائل إنما نسخ ذلك بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة \r\n قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن قوله خذوا عني قد أفاد وقوع 2النسخ بسنته لا بالقرآن ","part":2,"page":354},{"id":737,"text":" والثاني قوله قد جعل الله لهن سبيلا قد دل على أن آية الجلد لم تكن نزلت وأن السبيل كان متقدما فلم يكن يصح الإخبار بأن السبيل مأخوذ عنه ولا ينبههم على وجوده إلا مع تقدم علمهم بها وتقريرها قبل ذلك عندهم \r\n وعلى أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكانت دلالة الخبر قائمة على وقوع نسخها بالسنة وهي أن آية الجلد معلوم أن حكمها مقصور على غير المحصن وقد كان الحبس والأذى حدا ثابتا على المحصن وغيره لأن أحدا من السلف لم يقل إنه كان حدا لأحد الفريقين دون الآخر وكانت آية الجلد ناسخة للحبس والأذى عن غير المحصن \r\n ولو خلينا بعد ذلك ومقتضى حكم آية الحبس والأذى وآية الجلد لأوجب ذلك بقاء حكم الحبس والأذى في المحصنين ولا شيء نسخه عنهما إلا إيجاب الرجم والرجم إنما ثبت بالسنة وعلى أنه ليس في آية الجلد ما يوجب نسخ الحبس والأذى لأنه لم يكن يمتنع اجتماعهما وما يصح اجتماعه مع الأول لا يجوز وقوع النسخ به فعلمنا أن النسخ وقع بغيره وليس في القرآن ما يوجب نسخه فثبت أنه منسوخ بالسنة \r\n فإن قيل ما أنكرت ألا يدل حديث عبادة في الجلد والرجم على نسخ الحبس والأذى لأن الذي في الآية من ذلك مؤقت بقوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فإنما بين الرسول عليه السلام ذلك السبيل كما لو قال في الآية إلى سنة لم يكن مضي السنة موجبا لنسخها \r\n قيل له ليس هذا كما ظننت لأن قوله أو يجعل الله لهن سبيلا ليس بتوقيت إذا لم يكن يمتنع مع وجود هذا القول ألا يجعل الله لهن سبيلا فيكون حدهما الحبس والأذى على ","part":2,"page":355},{"id":738,"text":" التأبيد ولو لم يعطف عليه قوله أو يجعل الله لهن سبيلا لكان معقولا من الآية ثبات حكمها إلى أن ينسخها الله تعالى بغيرها من الأحكام وذكر السبيل إنما أفاد تأكيد بقاء الحكم إلى وقت وقوع النسخ وعلى أنا لو سلمنا لك ما ادعيت كانت دلالة الخبر قائمة على صحة ما ذكرنا وذلك لأن السبيل مذكور في النساء خاصة غير مذكور في الرجال لأن حد الرجل كان الأذى إلى أن يتوب بقوله تعالى فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما وهو منسوخ الآن برجم المحصن وجلد غير المحصن \r\n وقد بينا أن ثبوت الرجم الناسخ لحكم الآية ثابت بالسنة فلا محالة قد أوجب نسخ القرآن بالسنة \r\n وقد قال بعض المخالفين يحتمل أن يكون الحبس والأذى كان في غير المحصن فنسخ بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا ولم يكن للمحصن حكم ثابت فكان وجوب الرجم حدا مبتدأ \r\n قال أبو بكر رحمه الله وهذا غلط من قائله من وجهين \r\n أحدهما أن كل من روي عنه تأويل هذه الآية من السلف قد قال إن ذلك كان حد الزانيين ولم يذكروا فرقا بين المحصن وغيره ولو كان حدا لأحد الفريقين دون الآخر لنقل ولفرقوا بينهما إذ غير جائز أن يعلموه حد لفريق دون فريق فينقلوا ما يوجب كونه حدا للفريقين جميعا فدل ذلك على سقوط قول هذا القائل \r\n والوجه الآخر أن قوله عليه السلام خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا إخبار بأن السبيل لجميع من تضمنته الآية التي فيها ذكر السبيل للفريقين من المحصنات وغيرهن لولا ذلك لاقتصر بذكر السبيل على غير المحصنة فلما جمع الفريقين من ","part":2,"page":356},{"id":739,"text":" المحصنات وغيرهن في بيان السبيل فقال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم دل ذلك على أن الحبس والأذى المذكورين في الآية كان للفريقين ومن أجل ذلك صار السبيل المذكور في الخبر ناسخا للحكم عن الفريقين جميعا \r\n وعلى أن الشافعي قد قال نسخ الحبس والأذى عن المحصنين بقول النبي عليه السلام الثيب بالثيب الجلد والرجم \r\n فمن منع ذلك من أصحابه فإنما ينقض بذلك قول صاحبه \r\n وقال قائل يحتمل أن يكون الحبس والأذى منسوخين عن المحصن بالرجم الذي كان في آية من القرآن وقد نسخت تلاوته فلا يدل ما ذكرت على أنه منسوخ بالسنة وهذا أيضا غلط لأن النبي عليه السلام أخبر في حديث عبادة أن السبيل في الآية كان عقيب ما أوجبه بقوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا فعلمنا أنهم نقلوا من الحبس والأذى إلى ما هو هذا الحديث بلا واسطة حكم بينهما \r\n ولا يقول أحد من الناس إن ما روي في خبر عبادة من قوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا كان قرآنا في وقت من الأوقات وكيف يكون قرآنا مع إخباره عليه السلام بأنه مأخوذ عنه لا عن القرآن \r\n فدل على أن الحبس والأذى منسوخان عن المحصن بالرجم المذكور في خبر عبادة الذي لم يكن قرآنا قط ولو كان قرآنا منسوخ التلاوة لما قال عليه السلام خذوا عني ولكان السبيل الذي جعل لهن متقدما لهذا القول بالقرآن المنسوخ التلاوة الثابت الحكم وفي خبر عبادة ما ينفي هذا فدل على أن الحبس والأذى منسوخان عن المحصن بالرجم الذي لم يكن ثبوته بقرآن نسخت تلاوته \r\n ومن جهة أخرى إنه لو شاع هذا التأويل في ذلك لجاز أن يقال في كل سنة ثبتت عن النبي عليه السلام أنها من القرآن المنسوخ التلاوة فيوجب هذا ألا يثبت للنبي عليه السلام سنة ولجاز أن يقال في جميع ما نسخ من القرآن مما قد وجد في القرآن ما يوجب نسخه إنه إنما نسخ بالقرآن المنسوخ التلاوة ثم نزلت الآية الأخرى بالحكم الآخر وهذا خلف من القول ","part":2,"page":357},{"id":740,"text":" ولجاز أن يقال ما نسخت سنة قط إلا بقرآن قد نسخت تلاوته فيوجب هذا بطلان قول مخالفنا إن السنة لا ينسخها القرآن \r\n فإن قال قائل كيف يجوز أن يكون حديث عبادة ناسخا لحكم القرآن وهو من أخبار الآحاد ومن أصلكم أنه لا يجوز نسخ القرآن بأخبار الآحاد \r\n فالجواب عن هذا من وجهين \r\n أحدهما وهو أن خبر عبادة وإن كان وروده من طريق الآحاد فقد اجتمعت الأمة على استعمال حكمه في إيجاب الرجم إلا من شذ عليها ممن لا يعتبر خلافه خلافا من الخوارج وما كان هذا سبيله من أخبار الآحاد فهو موجب للعلم في معنى الخبر المتواتر ويجوز نسخ القرآن به \r\n ألا ترى أن قوله عليه السلام لا وصية لوارث هو من أخبار الآحاد وقد أجاز أصحابنا نسخ القرآن به لتلقي الناس إياه بالقبول واتفاقهم على استعمال حكمه \r\n والوجه الآخر أن رجم المحصن قد ثبت عن النبي عليه السلام بأخبار متواترة منتشرة موجبة للعلم بمخبراتها فإنما أثبتنا الرجم بهذه الأخبار وبخبر عبادة وأثبتنا بها نسخ الحبس والأذى عن المحصنات فصار حظ خبر عبادة في إثبات تاريخ الرجم وأنهم نقلوا أمر الحبس والأذى إلى الرجم بلا واسطة حكم بينهما ولا نزول آية قبله أوجبت نسخهما \r\n وقد يجوز إثبات تاريخ الحكم بمثله وإن تعلق به حكم النسخ إذا كان النسخ واقعا به وبغيره مما يوجب العلم بخبره عند اجتماعهما \r\n ومما قيل إنه نسخ من حكم القرآن بالسنة قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين \r\n وقوله تعالى وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فقد كانت الوصية لهم واجبة بهذه الآية لأن قوله تعالى كتب عليكم معناه فرض عليكم كقوله كتب عليكم الصيام ونحوه وليس في القرآن ما يوجب نسخه فلم ينسخ إلا بقول النبي عليه السلام لا وصية لوارث ","part":2,"page":358},{"id":741,"text":" فزعم مخالفونا أن ذلك منسوخ بآية المواريث لقول النبي عليه السلام حين نزلت آية المواريث إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث فأخبر أن الوصية للوارث منسوخة بآية المواريث كما لو قال لا وصية لوارث لأنه قد جعل له الميراث كان معقولا أن الناسخ للوصية هو استحقاق الميراث لا قوله لا وصية لوارث \r\n والجواب إن ما ذكره من ذلك لا يوجب كون الميراث ناسخا للوصية وذلك أنه لا يمتنع اجتماع الميراث والوصية في حال واحدة لشخص واحد وآية المواريث إنما فيها إيجاب الميراث بعد الوصية لقوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين فلو خلينا والآيتين لجمعنا لهما بين الميراث والوصية لأن كل حكمين يجوز اجتماعهما في حال واحدة لشخص واحد فليس في ورود أحدهما بعد الآخر ما يوجب نسخه على ما بيناه فيما سلف فوجب على هذا متى وجدنا حكمين قد نسخ أحدهما عند إيجاب الآخر مما يصح اجتماعه أن يقول إن النسخ واقع بغيره لأنا لو خلينا وإياهما لما أوجبنا نسخا وقوله عليه السلام إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث لا يوجب ما ذكروه لأن آية الميراث إذن لم توجب نسخ الوصية لما بينا فليس يجوز أن يقول النبي عليه السلام إنها هي الناسخة لها \r\n وأما قولهم إن هذا بمنزلة قوله لو قال لا وصية لوارث لأن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه \r\n فإنا لو سلمنا لهم ذلك لم يدل على ما قالوا لأنه لا يمتنع أن يقول لا وصية لوارث لأن الله قد أعطى الميراث فنسخ وصيته بوحي من عنده لا بآية الميراث فإذا لم يكن هذا ممتنعا بل يكون سائغا جائزا لم يجز لنا أن نقول إن هذا القول يقتضي كون الوصية منسوخة بالميراث وإنما معنى ذكره عليه السلام الميراث عند ذكر نسخ الوصية أنه والله أعلم أراد أن يبين أنه وإن حرم حظه من الوصية فإنه قد أعطي من حظ الميراث ما ","part":2,"page":359},{"id":742,"text":" عسى أن يكون خيرا له من الوصية فأخبر عليه السلام أنه لم يخله في الحالين قبل نسخ الوصية وبعدها من حظ في مال الميت فبان بما وصفنا أنه ليس فيما اعترض به المخالف ما ينفي أن يكون الميراث منسوخا بقوله لاوصيه لوارث والذي عندي أن الوصية للوالدين والأقربين يجوز أن تكون منسوخة بقوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين فأجاز له وصية أي وصية كانت لأنه أطلقها بلفظ منكور ثم جعل باقي المال للورثة على السهام فلا يبقى بعد ذلك وصية يستحقها الوالدان والأقربون فتضمنت هذه الآية نسخ إيجاب الوصية لهم من هذه الجهة \r\n فإن قال قائل ليس في قوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين نفي لجواز نسخ الوصية للوالدين والأقربين إذ كان المذكور في الآية وصية منكورة غير مقصورة على قوم فهي جائزة للوارث بظاهر الآية فلم ينسخ جوازها للوارث إلا قوله عليه السلام لا وصية لوارث \r\n قيل له الذي في القرآن ذكر إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بقوله كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت وليس فيه ذكر جوازها إلا عن الواجب ولم تقتض الآية جوازها على جهة التبرع بها والوصية المذكورة في آية المواريث لما كانت مطلقة على وجه النكرة فقد تضمنت نسخ إيجابها \r\n فإذن قوله عليه السلام لا وصية لوارث لم ينسخ به شيء من حكم الآية لأن الذي فيها الإيجاب قد نسخ بما ذكرنا \r\n وأما الجواز على غير وجه الإيجاب فهو حكم آخر ليس له ذكر في الآية \r\n فإن قال يحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين الوصية التي أوجبها للوالدين والأقربين بالآية الأخرى ","part":2,"page":360},{"id":743,"text":" قيل له لو كان كذلك لقال من بعد الوصية حتى يرجع اللفظ إلى الوصية المعهودة التي قد تقدم ذكر إيجابها للوالدين والأقربين ويخصصها بلفظ يوجب الاقتصار عليها فلما أطلقها بلفظ النكرة اقتضى ذلك جواز وصية لمن كان من الناس فدل بذلك عل نسخ وجوبها للوالدين والأقربين إذ جعل باقي المال بعد هذه الوصية للورثة ومن أجل ذلك قلنا إن إيجاب الوصية للوالدين والأقربين إذا لم يكونوا ورثة منسوخة بقوله تعالى من بعد وصية توصون بها أو دين لأنه اقتضى جوازها لسائر الناس وجعل باقي المال بعدها للورثة فتضمن ذلك نسخ وجوبها للوالدين والأقربين وارثين كانوا أو غير وارثين واستدللنا بذلك على بطلان قول طاووس ومسروق ومسلم بن يسار في آخرين حين أثبتوا فرض الوصية للوالدين والأقربين إذا لم يكونوا ورثة ولم يجوزوها للأجنبيين ما دام هؤلاء موجودين \r\n وقد استدل الشافعي على جواز الوصية للأجنبي لأن النبي عليه السلام جعل ","part":2,"page":361},{"id":744,"text":" للمعتقين في المرض الثلث ولم يكن بينهم وبين الميت قرابة قال فقد دل هذا على بطلان إيجاب الوصية للوالدين والأقربين وهذا يقتضي منه إجازة نسخ الوصية المذكورة للوالدين والأقربين إذا لم يكونوا ورثة بالخبر \r\n ومما قيل إنه نسخ من القرآن بالسنة قول الله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره \r\n قالوا فقد كان هذا حكما عاما مستقرا في سائر الصلوات بإجماع الأمة إذ غير جائز ورود دليل الخصوص بعد استقرار حكم العموم إلا على وجه النسخ \r\n قالوا والدليل على أن صلاة الخوف إنما نزلت بعد ذلك أن النبي عليه السلام أخر الصلوات يوم الخندق ولم يصل صلاة الخوف لأنها لم تكن نزلت \r\n قالوا وقد اعترف الشافعي بذلك في أمر صلاة الخوف \r\n قال أبو بكر وهذا عندي لا دليل فيه على وجود النسخ لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن التوجه إلى الكعبة قد كان واجبا في حال الخوف وفي السفر على الراحلة للمتنفل ثم نسخ ترك التوجه إليهما في هاتين الحالتين بل يجوز أن يقال لم يؤمروا بدءا بالتوجه إلى الكعبة إلا في حال الأمن وفي غير حال السفر للمتنفل على الراحلة وإنما كانت حال الخوف مخصوصة من قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام لأن النبي عليه السلام لم يصل صلاة الخوف إلا بعد مضي مدة من لزوم فرض التوجه إلى الكعبة مما يوجب أن يكون لزوم التوجه إليها قد كان عاما في سائر الصلوات ثم نسخ لأنه لا يمتنع أن يكون الصحابة قد علمت حين نزول الآية من خطاب النبي عليه السلام ما أوجب كون ذلك مقصورا على حال الأمن والإقامة دون حال الخوف والسفر ثم لم يتفق فعلها غير متوجه إلى الكعبة إلا عند الحاجة وعلى أن في سياق قصة الأمر ","part":2,"page":362},{"id":745,"text":" بالتوجه إلى الكعبة ما يدل على أنهم كانوا مأمورين بها في حال دون حال وهو قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله وظاهر الآية يقتضي جواز التوجه إلى سائر الجهات إلا أنه لما كان قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام يقتضي لزوم التوجه إليه حتما كان قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله مستعملا في حالتي الخوف والسفر للتنقل على الراحلة اللتين صلى النبي عليه السلام فيهما إلى غير الكعبة ولا يجوز أن يقال في مثل هذا أنه نسخ كما لا يقال في قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم أنه ناسخ لبعض ما انتظمه قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وما جرى مجرى ذلك من الآي الخاصة والعامة وعلى أنه لو كان ناسخا لكان نسخ القرآن بقرآن وهو قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله \r\n وقد روى عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي تطوعا حيث توجهت به راحلته وهو يأتي من مكة إلى المدينة قال ابن عمر وأنا أصلي حيث توجهت بي راحلتي تطوعا ثم تلا ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله وقال في هذا نزلت هذه الآية \r\n فأخبر ابن عمر أن هذه الآية هي التي أباحت الصلاة في هذه الحال إلى غير الكعبة فلا يخلو من أن يكون خصت الآية التي فيها الأمر باستقبال الكعبة عاما أو نسختها وأي الوجهين كان فلا دلالة فيه على نسخ القرآن بالسنة \r\n وأما قول الشافعي وغيره ممن قال ذلك من أصحابنا إن صلاة الخوف لم تكن نزلت يوم الخندق وقد كانوا مأمورين في حال الخوف بالتوجه إلى الكعبة فلذلك لم يصلها يومئذ ","part":2,"page":363},{"id":746,"text":" لتعذر التوجه إليها فإنه دعوى ليس عليها دليل وقد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي جميعا أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق ولم يختلفوا أن النبي صلى الله عليه و سلم قد صلى بذات الرقاع صلاة الخوف فثبت أن صلاة الخوف قد كانت نزلت قبل الخندق وإنما ترك النبي صلى الله عليه و سلم صلاة الخوف يوم الخندق لأنه شغل بالقتال عن الصلاة ومن أجل ذلك قلنا إنه لا يجوز للمسايف والمقاتل صلاة وأنه يؤخرها حتى ينقضي القتال \r\n ولذلك قال النبي عليه السلام يومئذ ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى \r\n ومما قيل إنه منسوخ من القرآن بالسنة قول الله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا وهذا الحكم منسوخ الآن عند الجميع وليس في القرآن ما يوجب نسخه فعلمنا أن نسخه كان بالسنة \r\n ومما نسخ منه أيضا بغير قرآن ما روى عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة ","part":2,"page":364},{"id":747,"text":" رضي الله عنها في قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد قالت ما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء وروي عنها حتى أحل له نساء أهل الأرض \r\n وليس في القرآن ما يوجب نسخ ذلك فثبت أنه نسخ بالسنة \r\n فإن قيل نسخه قوله تعالى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن \r\n قيل له لا دلالة في هذا على ما ذكرت لأن هذه الإباحة مقصورة على النساء المذكورات في الآية لأنه قال تعالى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك إلى آخر الآية فلم يوجب نسخ قوله لا يحل لك النساء من بعد وعلى أنه قد روي في التفسير أن قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد نزلت بعد قوله إنا أحللنا لك أزواجك \r\n وأما نسخ حكم القرآن وما ثبت من السنة من طريق التواتر بخبر الواحد فإنه غير جائز عندنا لأن خبر الواحد لا يوجب العلم والقرآن وما ثبت بالتواتر يوجبان العلم بصحة ما تضمناه فغير جائز أن ينزل ما كان هذا وصفه بما لا يوجب العلم \r\n فإن قال قائل قد يجوز ترك ما يوجب العلم بما لا يوجبه لأن ما ثبت من إباحة الأشياء في الأصل قبل ورود المنع قد وقع العلم بصحتها ويقبل مع ذلك خبر الواحد ","part":2,"page":365},{"id":748,"text":" في حظرها \r\n قيل له ليس كذلك لأن النقل وإن كان قد دل على إباحة أشياء في الجملة على حسب ما تقدم منا القول فيه فإنا متى قصدنا إلى استباحة شيء منها بعينه فإنما طريق استباحته الاجتهاد وغلبة الظن في ألا يلحقنا به ضرر أكثر مما نرجو به من نفع ألا ترى أن التصرف في التجارات والخروج في الأسفار وشرب الأودية وأكل الأطعمة إنما يصح لنا منها استباحة ما لا يلحقنا به ضرر أكثر من النفع الذي نرجوه بها في غالب ظننا \r\n وقد بينا ذلك فيما سلف وذكرنا أن نظيره ما أمر الله تعالى به في قبول شهادة شاهدين مرضيين في الجملة وذلك ثابت بما أوجب لنا العلم الحقيقي ثم متى عينا شاهدين كان قبول شهادتهما من طريق غالب الظن لا من جهة حقيقة العلم ألا ترى أنه يسع الاجتهاد في رد شهادتهما على حسب ما يغلب في الظن من قبولها أوردها فكذلك ما وصفنا في كون الأشياء مباحة في الأصل هو على هذا السبيل ","part":2,"page":366}],"titles":[{"id":1,"title":"جزء 1","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"اصول الفقه المسمى في الفصول في الاصول","lvl":2,"sub":0},{"id":2,"title":"باب العام وفيه فصول","lvl":2,"sub":0},{"id":2,"title":"فصل الظواهر التي يجب اعتبارها","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"الباب الثاني في صفة النص","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"باب في صفة النص","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"ومنه المنصة وهو الفرش الذي يرفع ليقعد عليه العروس ليكون ظاهرا للحاضرين","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"الباب الثالث في معنى المجمل","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"الفصل الثالث الأسماء المشتركة","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"الفصل الأول أوجه وأقسام المجمل","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"باب في معنى المجمل","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"الباب الرابع في معاني حروف العطف وغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"باب معاني حروف العطف وغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"الباب الخامس في إثبات القول بالعموم وذكر الاختلاف فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"باب في إثبات القول بالعموم وذكر الاختلاف فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"باب القول في اللفظ العام المخرج إذا أريد به الخصوص","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":"الباب السادس في اللفظ العام المخرج إذا أريد به الخصوص","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"الباب السابع في الوجوه التي يقع بها التخصيص","lvl":2,"sub":0},{"id":115,"title":"الباب الثامن في تخصيص العموم بخبر الواحد","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"باب في تخصيص العموم بخبر الواحد","lvl":2,"sub":0},{"id":171,"title":"الباب التاسع في تخصيص العموم بالقياس","lvl":2,"sub":0},{"id":173,"title":"باب القول في تخص العموم بالقياس","lvl":2,"sub":0},{"id":205,"title":"الباب العاشر في اللفظ العام إذا خص منه شيء ما حكم الباقي","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":"باب القول في اللفظ العام إذا خص منه شيء ما حكم الباقي","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"الباب الحادي عشر في حكم التحليل والتحريم إذا علقا بما لا يصلح أن","lvl":2,"sub":0},{"id":219,"title":"باب القول في حكم التحليل والتحريم إذا علقا بما لا يصلح أن يتناولاه في","lvl":2,"sub":0},{"id":225,"title":"الباب الثاني عشر في الاستثناء ولفظ التخصيص إذا اتصلا بالخطاب ما حكمهما","lvl":2,"sub":0},{"id":227,"title":"باب القول في الاستثناء ولفظ التخصيص إذا اتصلا بالخطاب ما حكمهما","lvl":2,"sub":0},{"id":243,"title":"الباب الثالث عشر في الإجماع والسنة إذا حصلا على معنى يواطىء حكما","lvl":2,"sub":0},{"id":245,"title":"باب القول في الإجماع والسنة إذا حصلا على معنى يواطىء حكما مذكورا في","lvl":2,"sub":0},{"id":249,"title":"الباب الرابع عشر في دليل الخطاب وحكم المخصوص بالذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":251,"title":"باب القول في دليل الخطاب وحكم المخصوص بالذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":287,"title":"الباب الخامس عشر في حكم المجمل","lvl":2,"sub":0},{"id":289,"title":"باب القول في حكم المجمل","lvl":2,"sub":0},{"id":297,"title":"الباب السادس عشر في الكلام الخارج عن سبب","lvl":2,"sub":0},{"id":299,"title":"باب حكم الكلام الخارج عن سبب","lvl":2,"sub":0},{"id":311,"title":"الباب السابع عشر في حرف النفي إذا دخل على الكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":313,"title":"باب حرف النفي ما حكمه إذا دخل على الكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":319,"title":"الباب الثامن عشر في الحقيقة والمجاز","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"باب القول في الحقيقة والمجاز","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"الباب التاسع عشر في المحكم والمتشابه","lvl":2,"sub":0},{"id":335,"title":"باب القول في المحكم والمتشابه","lvl":2,"sub":0},{"id":341,"title":"الباب العشرون في العام والخاص والمجمل والمفسر","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"باب القول في العام والخاص والمجمل والمفسر","lvl":2,"sub":0},{"id":383,"title":"الباب الحادي والعشرون في الخبرين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه","lvl":2,"sub":0},{"id":385,"title":"باب القول في الخبرين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه","lvl":2,"sub":0},{"id":387,"title":"أصول الفقه المسمى الفصول في الأصول للإمام أحمد الجصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":388,"title":"جزء 2","lvl":1,"sub":0},{"id":388,"title":"باب صفة البيان","lvl":2,"sub":0},{"id":404,"title":"باب القول في وجوه البيان","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"باب فيما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":411,"title":"باب ما يقع به البيان","lvl":2,"sub":0},{"id":427,"title":"باب القول في تأخير البيان","lvl":2,"sub":0},{"id":453,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":459,"title":"باب القول في الأمر ما هو","lvl":2,"sub":0},{"id":467,"title":"باب القول في لفظ الأمر إذا صدر لمن تحت طاعته على الوجوب هو أم على","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"باب القول في الأمر إذا صدر غير مؤقت هل هو على الفور أو على المهلة","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"باب القول في الأمر المؤقت","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"باب القول في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار","lvl":2,"sub":0},{"id":522,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"باب القول في الأمر إذا تناول أحد أشياء على جهة التخيير","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"فصل في تكرار لفظ الأمر","lvl":2,"sub":0},{"id":531,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":538,"title":"فصل في حكم تكليف الكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":540,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"باب القول في النهي هل يوجب فساد ما تعلق به من العقود والقرب أم لا","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"فصل في الدلالة على صحة ما قدمنا في أصل الباب","lvl":2,"sub":0},{"id":577,"title":"فصل في الكلام في ماهية النسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":577,"title":"باب الكلام في الناسخ والمنسوخ","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"باب القول فيما يجوز نسخه وما لا يجوز","lvl":2,"sub":0},{"id":588,"title":"فصل من هذا الباب","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"باب في الدلالة على جواز النسخ في الوجوه التي بينا","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"باب نسخ الحكم بما هو أثقل منه","lvl":2,"sub":0},{"id":609,"title":"باب القول في نسخ الحكم قبل مجيء وقته","lvl":2,"sub":0},{"id":613,"title":"فصل في الدلالة على امتناع جواز نسخ الأمر قبل مجيء وقته","lvl":2,"sub":0},{"id":633,"title":"باب في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":653,"title":"باب القول في الوجوه التي يعلم بها النسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":688,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":703,"title":"باب القول فيما ينسخ بعضه ببعض وما لا ينسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":704,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"باب القول في نسخ القرآن بالسنة","lvl":2,"sub":0}]}